######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0010781 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: سليمان بن عبد القوي بن الكريم الطوفي الصرصري، أبو الربيع، نجم الدين (المتوفى: 716هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 716 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: شرح مختصر الروضة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: أصول الفقه والقواعد الفقهية #META# 022.BookVOLS :: 3 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0010781 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-10781 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/10781 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد الله بن عبد المحسن التركي #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1407 هـ / 1987 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مؤسسة الرسالة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # بسم الله الرحمن الرحيم # اللهم يا واجب الوجود، ويا موجد كل موجود، ويا مفيض الخير والجود، على كل ~~قاص من خلقه ودان. # قال الشيخ الإمام العالم العلامة ~~نجم الدين سليمان بن عبد القوي الطوفي تغمده الله تعالى برحمته: قوله: " ~~اللهم يا واجب الوجود، ويا موجد كل موجود، ويا مفيض الخير والجود، على كل ~~قاص من خلقه ودان ". # الكلام عليه من وجوه: # أحدها: أن هذه الجملة ونظائرها من خطبة الكتاب مربعة نونية. أعني أنها ~~مشتملة على أربع فقر: ثلاث منها على فاصلة واحدة، والرابعة فاصلتها نون، ~~غير أن الثلاث الأول تختلف حروف فواصل فقرها في الخطبة، كالدال في هذه، ~~والهاء والميم والهمزة وغير ذلك فيما بعدها، كقوله: " الباهرة " و " الندم ~~" و " الآلاء " و" أسلم " و " أصفيائك " إلى آخر الخطبة، والرابعة لازمة ~~للنون لا تختلف، ونظير هذه # PageV01P053 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الخطبة في التربيع قوله سبحانه ~~تعالى: {إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم ~~القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير} [فاطر: 14] . فالفقر الثلاث ~~الأول على الكاف والميم بخطاب الجمع المذكر، والرابعة على الراء، والنظير ~~هاهنا في مطلق التربيع لا في عين حروف الفواصل. # والفقر بكسر الفاء وفتح القاف جمع فقرة - بسكون القاف - وهي أجود بيت في ~~القصيدة، شبه بفقارة الظهر، ثم سميت القطعة من السجع فقرة تشبيها به، ~~والفاصلة في النثر كالقافية في الشعر، وقد حققت القول فيها في كتاب " بغية ~~الواصل إلى معرفة الفواصل ". # الوجه الثاني: لما كان الإنسان لما جبل عليه من الضعف والعجز على ما أخبر ~~الله سبحانه وتعالى عنه بقوله: {وخلق الإنسان ضعيفا} [النساء: 28] و {الله ~~الذي خلقكم من ضعف} [الروم: 54] لا يستقل بشيء من مراداته بدون إعانة من ~~الله سبحانه وتعالى، وتوفيق، وعصمة، وتسديد. وكان دعاء الله سبحانه وتعالى ~~ونداؤه في المهمات وغيرها مشروعا، وافتتاح الأمور التي يرام الشروع فيها ~~بحمد الله والتبرك بذكر اسمه مندوبا، كما قال سبحانه وتعالى: {ادعوا ربكم ~~تضرعا وخفية} [الأعراف: 55] {أمن يجيب المضطر إذا دعاه} [النمل: 62] {وأيوب ~~إذ نادى ربه} [الأنبياء: ms0001 83] في آيات كثيرة مشتملة على الأمر بالدعاء وعلى ~~الإخبار به من أعيان البشر من الأنبياء والأولياء، وكما روى أبو هريرة رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ~~بالحمد لله فهو أقطع. وفي رواية # PageV01P054 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أبي داود: كل كلام لا يبدأ فيه ~~بالحمد، فهو أجذم رواه من وجوه، وفي بعضها: لا يبدأ فيه بحمد الله فهو ~~أبتر، وفي رواية المعافى بن عمران عن الأوزاعي: كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ~~بذكر الله أو حمده فهو أقطع. # ذكر هذه الألفاظ بإسناده الحسن بن محمد المصري في " الإفصاح " والحديث ~~مشهور بين أهل العلم # قدمت نداء الله سبحانه وتعالى ودعاءه بالتوفيق والإعانة على التحقيق، ~~وجعلت ذلك توطئة إلى حمده واستجلاب ما عنده من فواضل رفده. # الوجه الثالث: في الكلام على ألفاظ الجملة المذكورة ومعانيها، فأقول: ~~اللهم: أصله يا الله، فحذفت " يا " من أوله وعوض عنها الميم في آخره، ولذلك ~~لا يجتمعان إلا في ضرورة الشعر كقوله: # إني إذا ما حدث ألما ... أقول يا اللهم يا اللهما # PageV01P055 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لئلا يجمع بين العوض والمعوض، وكان ~~ما فعلوه من الحذف والتعويض لوجهين: # أحدهما: أن يكون الابتداء بلفظ اسم الله تبركا وتعظيما. # والثاني: طلبا للتخفيف بتصيير اللفظين لفظا واحدا، كما قالوا: أيش هذا، ~~وأصله أي شيء هذا في نظائر له كثيرة. # أما واجب الوجود: فالواجب هو المستقر الثابت، وسيأتي إن شاء الله سبحانه ~~وتعالى له مزيد بيان عند ذكر أقسام الأحكام. # والوجود: هو الإثبات الصرف، كما أن نقيضه - وهو العدم - النفي الصرف، ~~ولذلك ذهب المحققون إلى أن الوجود في المعلومات بديهة، فهو غني عن التعريف. # إذا عرفت هذا فقولهم: واجب الوجود عبارة أحدثها الفلاسفة والمتكلمون وهي ~~لا تعرف في كلام الشارع ولا في كلام السلف فيما علمنا، لكن معناه ثابت في ~~كلام الشارع، مجمع عليه، فإن معنى واجب الوجود عند أهل هذه العبارة، هو ~~الموجود الذي لم يسبق وجوده عدم، ووجوده من ذاته لذاته، لا من سبب خارج، ms0002 ~~ولا لعلة خارجة، وهذا معنى قوله تعالى: {هو الأول والآخر} [الحديد: 3] ، ~~وقوله عليه السلام: أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء في ~~حديث صحيح رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه. # PageV01P056 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وتحقيق الكلام في هذا المقام: أن ~~الشيء أو المعلوم إما أن يجب وجوده لذاته أو يمتنع وجوده لذاته، أو يكون ~~لذاته جائز الوجود والعدم ابتداء أو دواما، أعني دوامه على العدم الأصلي، ~~كإنسان لم يوجد بعد، أو عدمه بعد وجوده، كإنسان وجد ثم عدم. # فالأول: هو واجب الوجود، وهو الله سبحانه وتعالى وصفاته الذاتية، أي: ~~القائمة بذاته، كالحياة والعلم والقدرة والإرادة والكلام، ونحوها، لا غير: # والثاني: وهو المحال الممتنع الوجود، كالجمع بين الضدين، كالسواد والبياض ~~في محل واحد، أو بين النقيضين، ككون الشيء معدوما موجودا في زمان واحد، وقد ~~يجب وجود الشيء لغيره، ويمتنع وجوده لغيره، كما سيأتي بيانه إن شاء الله ~~سبحانه وتعالى عند ذكر تكليف المحال. # والثالث: وهو ما كان لذاته جائز الوجود والعدم، يسمى ممكنا، كالعالم ~~وسائر أجزائه، ولا بد فيه من سبب آخر يختص بالواجب والممكن، وهو أن الشيء ~~إن افتقر في وجوده إلى سبب مؤثر فيه خارج عن ذاته، فهو الممكن الجائز، وإن ~~لم يفتقر، فهو الواجب. # وإنما قلنا: إن هذا التقسيم يختص الواجب والممكن، لأن الممتنع لا وجود له ~~حتى يفتقر إلى مؤثر خارج، أو يستغني عنه. # ومعنى قولنا: واجب الوجود لذاته أو لغيره، وهذا موجود لذاته أو لغيره: أن ~~علة وجوده ذاته أو غيره، ولهذا كان الموجود لذاته دائم البقاء ما دامت ذاته ~~موجودة، بخلاف ما علة وجوده أمر خارج عن ذاته، فإنه يزول بزوال علته. # PageV01P057 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فإن قيل: فالموجود لذاته لو قدر ~~زوال علته، وهي ذاته، لزال. # قلنا: نعم، لكن ما علة وجوده ذاته لا يمكن زوال علته حتى يزول، لما تقرر ~~في العلم الكلامي. # وقوله: ويا موجد كل موجود " يعني من الممكنات، وهو العالم بأسره، والله ~~سبحانه وتعالى هو الذي أوجدها، وأفاض عليها وجودها بقدرته. وقوله: " ويا ~~مفيض ms0003 الخير والجود " الخير: ضد الشر، وهو ما يلائم الطبع المعتدل السليم ~~ويختاره العاقل، نعم قد يكون وجه الاختيار في الشيء ظاهرا، كالعافية ~~الدائمة، والرئاسة العالية، والمآكل والمشارب المستطابة، وقد يكون خفيا ~~كامنا في ضده، حتى إذا ظهر، لاح وجه الاختيار فيه، كالأمراض والعاهات والذل ~~والخمول المفضية إلى الصحة، والرفعة في العقبى، وشرب الأدوية الكريهة ~~المفضي إلى زوال العلة، فهي خيرات باعتبار معناها ومآلها، وإن كانت شرورا ~~باعتبار صورتها وحالها، وأفعال الله سبحانه وتعالى في الوجود كلها حكمة ~~وخير، لكن منها ما ظهر فيه وجه الاختيار، كالنافع من الحيوان والزروع ~~والثمار، ومنها ما خفي فيه ذلك كالمضر من السباع وأنواع العقار، حتى قال ~~بعض من أوجب على الله سبحانه وتعالى رعاية مصالح عباده: إن دخول النار ~~والخلود فيها هو الأصلح للكفار، وإن كان قولا لا يثبت عند الاعتبار. # والخير من حيث اللفظ مصدر: خار يخير خيرا: إذا صار خيرا، وخار الله له ~~يخير له خيرا. إذا اختار له ما يوافقه. # ومن حيث المعنى: هو ضد الشر، وهو ما وافق الغرض بوجه ما، وهو من # PageV01P058 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الإضافيات، أي قد يكون الشيء خيرا ~~من وجه دون وجه. # والجود: مصدر جاد الرجل بماله يجود جودا: إذا بذله لا لعوض، وأصله من ~~الجود بفتح الجيم، وهو المطر الغزير، يقال: جاد المطر يجود جودا. # ومفيض: اسم فاعل من: أفاض يفيض إفاضة، فهو مفيض، وحقيقته في الماء ونحوه ~~من المائعات، يقال: فاض القدح والإناء إذا صببت فيه من المائع حتى امتلأ، ~~وجعل يتبدد من حافاته، واستعماله في المعاني، نحو: أفاض الخير والعطاء، ~~وأفاضوا في الحديث، وأفاض الحاج من منى إلى البيت للطواف مجاز، وهذه المادة ~~بالضاد، أما قولهم: فاظت نفسه ففيه معنى الفيض إلا أنه بالظاء، إما ملاحظة ~~لمعنى آخر، أو فرقا بين فاض الماء وفاظت نفسه، وكثيرا ما يفرقون باختلاف ~~الحروف بين المعاني والمدلولات، كقولهم: البيض كله بالضاد إلا بيظ النمل ~~بالظاء. # وقوله: «على كل قاص من خلقه ودان» . القاصي: البعيد، والداني: القريب. ~~والذي خطر ببالي وقت ms0004 إنشاء الخطبة القرب والبعد المكاني، وهو إنما يصح ~~بالنسبة إلى أجزاء العالم من شخص ومكان صحة إضافية، مثلا من في الشام أقرب ~~إلى من بمصر ممن ببغداد وبلاد المشرق، وبالعكس من بالشام أقرب إلى من ~~ببغداد ممن بمصر وبلاد المغرب، وإنما قلنا هذا، لأن الله سبحانه وتعالى هو ~~أقرب إلى كل أحد من حبل الوريد، فلا يقال: إن بعض الأشياء أقرب إليه من ~~بعض، والله سبحانه وتعالى على # PageV01P059 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # خلاف المشاهدات في القرب والبعد ~~والظهور والبطون، فهو ظاهر في اختفائه، باطن في ظهوره، قريب في بعده، بعيد ~~في قربه {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} [الحديد: 3] . # وأيضا كما لا يقال: إن بعض المخلوقات أهون عليه من بعض، لا يقال: بعضها ~~أقرب إليه من بعض خصوصا على قول من ينفي الجهة، أو يقول: إنه بذاته في كل ~~مكان، فلا يتصور الأقرب والأبعد بالنسبة إليه سبحانه وتعالى، أما من يثبت ~~الجهة، فقد يمكن توجيه ذلك على قوله، ويجوز تخريج الكلام على القرب والبعد ~~بالطاعة والمعصية. فيكون معناه: مفيض الخير على كل قريب إليك، أي: إلى ~~رحمتك بالطاعة، وكل بعيد عنك بالمعصية، ومن المعلوم أن الله سبحانه وتعالى ~~أسبغ إنعامه على المطيع والعاصي، والمؤمن والكافر، والبر والفاجر. # PageV01P060 # ويا ذا القدرة القديمة الباهرة، والقوة العظيمة ~~القاهرة، ويا سلطان الدنيا والآخرة، وجامع الإنس والجان. # قوله: «ويا ذا القدرة القديمة ~~الباهرة، والقوة العظيمة القاهرة، ويا سلطان الدنيا والآخرة، وجامع الإنس ~~والجان» . # لما كان المرغوب فيه إلى الله سبحانه وتعالى هاهنا هو التوفيق والتسديد ~~للتحقيق، والعصمة من الزلل، والحراسة من الخلل، ناسب أن يوصف الله سبحانه ~~وتعالى، ويثنى عليه بالقدرة، والقوة والسلطنة العامة، التي يتحقق بها ~~المرغوب المذكور. # والقدرة: صفة قائمة بالذات يتحقق بها اختراع الموجودات، والقديمة: التي ~~لا مبدأ لها في الزمان، بل قارن وجودها وجود الذات، والباهرة: الغالبة، أي: ~~غلبت قدرته سبحانه وتعالى كل مقدور حتى انقاد لها وهو ذليل مقهور، يقال: ~~بهر القمر: إذا أضاء وغلب ضوؤه ضوء الكواكب، وبهر فلان فلانا: ms0005 إذا غلبه، ~~وبهرت فلانة النساء: غلبتهن حسنا، وبهره الحمل: غلبه حتى تتابع نفسه، وهو ~~اللهث. # والقوة: صفة أثبتها الله سبحانه وتعالى لنفسه بقوله: {إن الله هو الرزاق ~~ذو القوة المتين} [الذاريات: 58] {وكان الله قويا عزيزا} [الأحزاب: 25] . # وهي في التحقيق والأمر العام: معنى يتحقق به قهر الأضداد، وفعل ما يستصعب ~~في عرف المخلوقين، يقال: فلان قوي على قمع عدوه، وعلى رفع الحمل الثقيل، ~~وحكى الله سبحانه وتعالى عن أصحاب بلقيس أنهم قالوا: {نحن أولو قوة وأولو ~~بأس} # PageV01P061 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # شديد [النمل: 33] ، والله سبحانه ~~وتعالى لا يغالبه عدو أو مضاد إلا قهره وقمعه، ولا يريد فعل شيء - وإن ~~استصعبه المخلوقون - إلا هان عليه، وكيف لا يهون وهو إذا أراد شيئا قال له: ~~كن فيكون، غير أن قوة الله سبحانه وتعالى وتأثيرها ليست كقوة المخلوقين ~~وتأثيرها، لأن المخلوق إنما تؤثر قوته بواسطة العلاج، والله سبحانه وتعالى ~~منزه عن العلاج والمزاج، كما قال ذو النون المصري: موجود بلا مزاج، فعال ~~بلا علاج. # والسلطان: الوالي، وجمعه: سلاطين، وهو فعلان من السلاطة، وهي القهر، وقد ~~سلطه الله فتسلط. # قوله: «جامع الإنس والجان» مأخوذ من قوله تعالى: {ربنا إنك جامع الناس ~~ليوم لا ريب فيه} [آل عمران: 9] ، وقوله تعالى: {فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ~~ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت} [آل عمران: 25] ، وقوله: كل نفس، أعم من ~~الجن والإنس، ثم قد صرح بجمع الجن والإنس في قوله تعالى: {ويوم يحشرهم ~~جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس} [الأنعام: 128] ، وقوله تعالى: ~~{قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار} [الأعراف: ~~38] ، وقوله تعالى: {سنفرغ لكم أيها الثقلان} [الرحمن: 31] إلى قوله تعالى: ~~{يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض} ~~الآيات [الرحمن: 33] . # PageV01P062 # تنزهت في حكمتك عن لحوق الندم، وتفردت في إلهيتك ~~بخواص القدم، وتعاليت في أزليتك عن سوابق العدم، وتقدست عن لواحق الإمكان. # قوله: «تنزهت في حكمتك عن لحوق ~~الندم، وتفردت في إلهيتك بخواص القدم، وتعاليت في أزليتك عن سوابق العدم، ms0006 ~~وتقدست عن لواحق الإمكان» . # تنزهت، أي: تباعدت عن لحوق الندم، ومادة ن ز ه ترجع إلى معنى البعد على ~~ما أشار إليه في «الصحاح» وفهم من فروع المادة التي ذكرها هناك. والحكمة: ~~معنى قام بالذات، يتحقق به وقوع الأفعال وسطا بين طرفي الإفراط والتفريط، ~~خالية عن التفريط والتبسيط، آمنة من لحوق الاختلال في الحال والمآل، ولما ~~كان الله سبحانه وتعالى كامل الحكمة، لم يلحقه فيما يفعله ندم، لأنه سبحانه ~~وتعالى مع كمال حكمته تام العلم بما كان وسيكون، فلا يتطرق عليه الندم، مع ~~كمال الحكمة والعلم، خلافا لليهود - لعنهم الله - فإنهم يزعمون أن البارئ ~~سبحانه وتعالى غضب على العالم في زمن نوح عليه السلام، فأهلكهم بالطوفان، ~~ثم ندم على إهلاكهم وبكى حتى رمدت عيناه، فعادته الملائكة في الرمد، وفي ~~التوراة: أن الشر لما كثر في زمن نوح عليه السلام أسف الرب وحزن قلبه على ~~خلقه لآدم في الأرض، وعزم على إهلاك من فيها من كل ذي روح إلا نوحا عليه ~~السلام، فإنه وجد رحمة بين يدي الرب، وأن الله تعالى لما أهلك العالم ~~بالطوفان قال في قلبه: لا أعود أبيد أهل الأرض لموضع أن ضمير قلب الإنسان ~~إلى الشر مذ حداثته # PageV01P063 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ولا أعود أهلك كل حي كالذي فعلت ~~وهذا عين الندم، وهو من تحريف اليهود عليهم اللعنة. # وتفردت، أي: توحدت واختصصت، والإلهية هي كونه إلها، كما أن العالمية ~~والقادرية عند مثبتي الأحوال كونه عالما قادرا. # والخواص: جمع خاصة، وهو معنى كلي، يلزم الشيء ولا يوجد في غيره، كالضحك ~~للإنسان ونحوه، وللمنطقيين في تعريف الخاصة وغيرها من الكليات الخمس رسوم ~~مشهورة، وما ذكرناه في تعريف الخاصة أعم مما يذكرونه، لأنه المراد هاهنا. # والقدم: يمكن أن يستعمل فيه التعريف العدمي، وهو عدم الأولية أو عدم ~~السبق بالعدم، ويمكن أن يستعمل فيه التعريف الوجودي، وهو استغراق الأزمنة ~~التحقيقية والتقديرية بالوجود، وإنما قلنا الأزمنة التحقيقية والتقديرية، ~~لأن الزمان عندنا على ضربين: تحقيقي: وهو الصادر عن حركات الأفلاك، ~~وتقديري: وهو ما قبل خلق الأفلاك، يعني ms0007 أن إيجادها قبل أن يخلقها البارئ ~~سبحانه وتعالى كان ممكنا، وكانت حينئذ الأزمنة التحقيقية تصدر عنها، وهذا ~~يحتاج إليه، ولا بد في الجواب عما رواه مسلم وغيره من الأئمة من حديث أبي ~~هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: خلق الله التربة ~~يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم # PageV01P064 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الأحد الحديث، على ما بينته في باب ~~صلاة الجمعة من مختصر الترمذي، وهذا على رأينا، أما على رأي الفلاسفة في ~~قدم الزمان التحقيقي، فلا يحتاج إلى قولنا: والتقديرية، وخواص القدم على ما ~~ذكره المتكلمون وغيرهم: أن القديم لا يكون إلا واحدا، ولا يكون جوهرا ولا ~~عرضا، ولا يكون له بداية ولا نهاية، بل هو أزلي سرمدي. واشترط بعضهم: أن لا ~~يكون وجوده زائدا على ذاته، وكذلك صفاته، وفي بعض ذلك تحقيق ونظر. # والخواص: جمع خاصة، وهي ما يلازم الشيء ولا يفارقه، ولا يوجد في غيره، ~~كانتصاب القامة للإنسان ونحو ذلك. وقد سبق ذكر معنى الخاصة عن قرب. # وتعاليت: تفاعلت من العلو والرفعة، وهو تعالى معنوي لا حقيقي بمعنى ~~الجهة، كما يقال: ترفع زيد عن لحوق العار ونحوه. # والأزلية: لفظة منسوبة إلى الأزل، وهي في عرف المتكلمين والفلاسفة عبارة # PageV01P065 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # عما يدل عليه القدم من نفي الأولية ~~والمسبوقة بالعدم، ويقابلونه بالأبد، وهو عدم التناهي في استمرار الوجود. ~~يقولون مثلا: ذات الله وصفاته الذاتية موجودة أزلا وأبدا، وفي الأزل ~~والأبد، فما لا يزال عبارة عن الأبد أيضا. وهذا يدل على أن الأزل عندهم ~~عبارة عن مفهوم لم يزل، لأنهم يقولون فيما لم يزل ولا يزال. لا لنفي ~~المستقبل، وقد استعملوا النفي بها بمعنى الأبد، و «لم» لنفي الماضي، وهم ~~يستعملون النفي بها بمعنى الأزل، فدل على ما قلناه من أن الأزل هو عبارة ~~عما لم يزل. # وذهب بعض أهل اللغة إلى أن لفظ الأزل ليس من لغة العرب، ولا يعرفونه، ~~وإنما هو من توليد الفلاسفة والمتكلمين، فكأنهم اختصروا ما لم يزل في لفظ ~~الأزل. وقال الجوهري: الأزل بالتحريك: القدم، يقال: ms0008 أزلي، ذكر بعض أهل ~~العلم: أن أصل هذه الكلمة قولهم للقديم: لم يزل، ثم نسبت إلى هذا فلم تستقم ~~إلا باختصار فقالوا: يزلي ثم أبدلت الياء ألفا لأنها أخف، كما قالوا في ~~الرمح المنسوب إلى ذي يزن: أزني. # أما الأبد: فهو في لغة العرب: الدهر، والجمع آباد، والأبد أيضا: الدائم، ~~وكأنه الأصل، والسرمد: الدائم أيضا، وكأنه من السرد، وهو المتابعة، فكأن # PageV01P066 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # السرمد الدائم المتتابع وفي ~~التنزيل: {قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة} ~~[القصص: 72] الآية، أي دائما لا يتخلله ليل. # وسوابق العدم: جمع سابقة، أي لم يتقدم وجودك عدمات سابقة، أو أزمنة ~~سابقة، لأن أزليتك أبت ذلك، وقد كان الإتيان بلفظ الواحد في سابق ولاحق، أو ~~سابقة ولاحقة أبلغ في التبرئة والتنزيه فكان يقال: تنزهت عن سابق العدم، ~~وتقدست عن لاحق الإمكان، أو عن سابقة العدم، ولاحقة الإمكان، لأن نفي الفرد ~~يستلزم نفي الجمع، ونفي الجمع لا يستلزم نفي الفرد على ما عرف، لكن كان لفظ ~~الجمع أولى باعتدال الكلام واتزانه فآثرناه، مع أن الخطب في هذا يسير. # وتقدست: أي تطهرت، وجميع مادة «ق د س» أو غالبها ترجع إلى معنى الطهارة ~~والتطهير. # ولواحق الإمكان: ما يلحق الممكن لكونه ممكنا، كالحدوث، والافتقار إلى ~~المؤثر، والتركيب إن كان جسما، وشغل الحيز إن كان جوهرا، والافتقار إلى ما ~~يقوم به، وعدم التقاء زمانين، أو تعقب عدمه وجوده إن كان عرضا، وبالجملة ~~أضداد خواص القديم السابقة هي من لواحق الممكن، والإمكان استواء نسبة ~~المعلوم إلى العدم والوجود أو قابليته للتأثير عن المؤثر. # PageV01P067 # أحمدك على ما أسلت من وابل الآلاء، وأزلت من وبيل ~~اللأواء، وأسبلت من جميل الغطاء، وأزللت من كفيل الإحسان. # قوله: «أحمدك على ما أسلت من وابل ~~الآلاء، وأزلت من وبيل اللأواء، وأسبلت من جميل الغطاء، وأزللت من كفيل ~~الإحسان» . # أحمدك، بفتح الميم، قال الجوهري: الحمد نقيض الذم، تقول: حمدت الرجل ~~أحمده حمدا ومحمدة، فهو حميد ومحمود، والتحميد أبلغ من الحمد، والحمد أعم ~~من الشكر. # قلت: أما أن ms0009 التحميد أبلغ، فلأن بناءه - وهو التفعيل - يفيد التكثير ~~والتكرار، والكثير أبلغ من القليل في حصول المقصود، وأما أن الحمد أعم من ~~الشكر، فلأن الشكر إنما يكون على الصنيعة المعتدية إلى الغير، والحمد يكون ~~على ذلك وعلى الصفات اللازمة، كالشجاعة والعلم والحلم ونحوه. # قال ابن هشام في «شرح الفصيح» : الشكر لا يكون إلا مجازاة، والحمد يكون ~~ابتداء ومجازاة. قلت: هو معنى الذي قبله، وقيل: الحمد والشكر سيان، وقيل: ~~الحمد بالقول والشكر بالفعل، وقيل غير ذلك. # وأسلت: أجريت إجراء متتابعا بشدة، ومنه السيل للمطر إذا كان كذلك، ~~والوابل: المطر الشديد، يقال: وبلت السماء تبل، وأرض موبولة. والآلاء: ~~النعم، # PageV01P068 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # واحدها ألا بالفتح، وقد تكسر، ~~وتكتب بالياء مثل معى وأمعاء. وأزلت: من الإزالة، وهي النقل والتحويل، ~~والوبيل: فعيل من الوبال بالفتح وهو الثقل والوخامة، ومرتع وبيل، أي: وخيم، ~~ولعل الوبال من هذا. واللأواء: الشدة، والمراد أن اللأواء لذاتها صفة وخيمة ~~فنعوذ بك منها. # وأسبلت: من سبل إزاره: إذا أرخاه، وهو الإسبال، والجميل: الحسن، وأصله: ~~الشحم المذاب، قالوا: وجه جميل أي كأنه لنضارته وبريقه دهن بالجميل، ثم قيل ~~لكل حسن: جميل، والغطاء أصله الارتفاع وغطا الماء وكل شيء إذا ارتفع، [وطال ~~على شيء فقد غطا عليه] ، وغطا الليل يغطو ويغطي: إذا أظلم، لأنه يرتفع على ~~الأشياء ويعلو عليها فيخفيها، والغطاء كذلك يعلو من تحته فيخفيه. # وأزللت: أصله من الزلل، وهو الميل، يقال: زل عن الطريق ونحوه إذا مال ~~عنه، وفي الكتاب العزيز: {فأزلهما الشيطان عنها} [البقرة: 36] أي أمالهما، ~~فالمعنى: أملت إلينا من الإحسان، يقال: أزل فلان إلي نعمه، أي أمالها، وهذا ~~متحقق، فإن النعم في الأصل كلها لله عز وجل، لا يستحق أحد منها شيئا، ~~ونسبتها إلى كل واحد من # PageV01P069 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # آحاد الخلق على السواء، فإذا خص ~~الله سبحانه عبدا بنعمة ما، فقد أمالها إليه عن غيره. # وكفيل الإحسان: شامله وعامه: من الكفل، وهو كساء يدار حول سنام البعير، ~~ثم يركب، ويجوز في معنى الضامن، أي: إحسانك إلينا تكفل لنا بالكفاية ~~والغناء وكل خير، ومضمون هذه ms0010 الجملة هو مطلوب كل عاقل، ومتعلق الحمد عنده، ~~وذلك لأن مطلوب العاقل، إما دفع ضرر وهو اللأواء، أو حصول نفع وهو إسالة ~~الإحسان والآلاء، وإسبال جميل الغطاء. # PageV01P070 # حمد من آمن بك وأسلم، وفوض إليك أمره وسلم، وانقاد ~~لأوامرك واستسلم، وخضع لعزك القاهر ودان. # قوله: «حمد من آمن بك وأسلم، وفوض ~~إليك أمره وسلم، وانقاد لأوامرك واستسلم، وخضع لعزك القاهر ودان» . # قوله: «أحمدك» : أي: أحمدك حمدا مثل حمد من آمن بك، فحذف المصدر وصفته ~~وأقام ما أضيف إليه مقامه اختصارا، لأن العقل يدل على ذلك، إذ ليس حمدي لله ~~مثلا هو نفس حمد من آمن غيري، بل هو مثله، ومثل ذلك قولهم: أعطى عطاء ~~الأجواد، وبخل بخل الأوغاد، أي: مثله، وقال امرؤ القيس: # إذا قامتا تضوع المسك منهما ... نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل # أي تضوع تضوعا مثل تضوع نسيم الصبا، وهو أكثر حذفا مما قلناه. # وقوله: «من آمن بك وأسلم» إشارة إلى الفرق بين الإيمان والإسلام. وقد نص ~~الكتاب والسنة على الفرق بينهما، أما الكتاب، فقوله تعالى: {قالت الأعراب ~~آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} [الحجرات: 14] ، نفى الإيمان وأثبت ~~الإسلام، والمنفي غير المثبت، فالإيمان غير الإسلام، والمتغايران مفترقان، ~~وذلك يوجب # PageV01P071 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الفرق بين الإيمان والإسلام. # وأما السنة: فحديث جبريل الصحيح حيث قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما ~~الإيمان؟ فقال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن ~~بالقدر - أي تصدق بذلك - قال: فما الإسلام؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله، ~~وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم ~~رمضان رواه مسلم، وصححه الترمذي. # ودلالته على الفرق بينهما من وجهين: # أحدهما: أن جبريل سأل عن كل واحد منهما بصيغة مفردة سؤالا مستقلا وذلك ~~قاطع في الفرق، كما إذا قيل: ما الإنسان وما الأسد؟ فإنه يفيد الفرق بينهما ~~قطعا. # الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم أقره على الفرق في السؤال عنهما، وأجابه ~~عنهما بحقيقتين مختلفتين، ففسر الإيمان بالتصديق القلبي، والإسلام بالعمل ~~البدني، وهذا قاطع في أن اختلافهما ms0011 اختلاف كلي، وليس بينهما عموم وخصوص، ~~وأن الإسلام أثر الإيمان ومكمله وصفة له لا ركن فيه وجزء له. # وأما الاحتجاج على اتحاد الإيمان والإسلام بقوله تعالى: {فأخرجنا من كان ~~فيها من المؤمنين} ، {فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين} [الذاريات: 35 - ~~36] ، والمراد بهما واحد، وهو آل لوط، فضعيف، وجوابه: أنه وصفهم بالأمرين ~~تخصيصا لهم، ومدحا وتعظيما، أو أنه غاير بين الفاصلتين في الآيتين دفعا ~~للتكرار، كما بيناه في «بغية الواصل» . # PageV01P072 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «وفوض إليك أمره وسلم» ، ~~التفويض: رد الأمر إلى الغير لينظر فيه، وقوة اللفظ تعطي التوسيع، كأن من ~~فوض أمره إلى غيره قد جعله في سعة من الاعتراض عليه، ويقال: أموالهم بينهم ~~فوضى وفيضوضى: إذا كانوا شركاء فيها، وأمره: أي شأنه وكل ما يعنيه من ~~استجلاب خير، أو استدفاع شر، فهو مفوض فيه إليك لعلمه أنه لا يصدر شيء إلا ~~عنك نعمة وبلاء، ومنعا وعطاء، وأنك المستبد في الخلق حكما وقضاء. والتسليم ~~في معنى التفويض، قال الله تعالى: {ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما} [النساء: 65] . # وقوله: «وانقاد لأوامرك واستسلم» الانقياد: هو المتابعة مع المطاوعة، ~~كالبعير وغيره من الدواب إذا قيد بزمامه، تابع مطاوعا. والاستسلام: تسليم ~~النفس خوفا من العقاب، وليس هذا فيما بين الله سبحانه وتعالى نفاقا، لأن ~~الخوف من الله واجب، بخلاف ذلك فيما بين المخلوقين، فإنه قد يكون نفاقا ~~كالحربي والمرتد إذا أسلم خوفا من القتل، لأن خوف المخلوقين غير واجب، كما ~~قال سبحانه وتعالى: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} [النحل: 106] فهذا ~~استسلام للكفر تقية، وليس المراد هاهنا الانقياد للأوامر، أي نعتقد وجوب ~~امتثال أوامرك ونواهيك فعلا وكفا وهذا شأن جميع المؤمنين، والمعنى نحمدك ~~حمد المؤمنين. # وقوله: «وخضع لعزك القاهر ودان» الخضوع: التطامن والتواضع، ومنه خضع ~~النجم: إذا مال للمغيب، وخضع الإنسان خضعا: أمال رأسه إلى الأرض ودنا منها، ~~والله أعلم. # ولا بد للمؤمن الكامل ما تضمنته هذه الجملة من الصفات، وهي الإيمان # PageV01P073 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # القلبي حتى بالقدر، والعمل البدني ~~مع الانقياد والاستسلام والخضوع، قال ms0012 الله تعالى: {قد أفلح المؤمنون} ~~{الذين هم في صلاتهم خاشعون} [المؤمنون: 1 - 2] ، فذكر الإيمان، وهو أكبر ~~وظائف القلب، والصلاة، وهي أكبر وظائف البدن، والخشوع وهو أكبر الوظائف ~~المشتركة بينهما، لأن الخشوع تواضع يكون في القلب، ثم يظهر على الجوارح، ~~ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في رجل رآه يصلي وهو يعبث، فقال. لو ~~خشع قلب هذا لخشعت جوارحه # PageV01P074 # وأسألك أن تصلي على سيد أصفيائك، وخاتم أنبيائك، ~~وفاتح أوليائك، محمد سيد معد بن عدنان. # قوله: «وأسألك أن تصلي على سيد ~~أصفيائك وخاتم أنبيائك وفاتح أوليائك محمد سيد معد بن عدنان» . # «وأسألك» : معطوف على «أحمدك» ، أي: أحمدك وأسألك، وتقديم الحمد قبل ~~السؤال أجدر بالإجابة كما هو مشاهد بين الناس، ولهذا وقع في الفاتحة: {إياك ~~نعبد وإياك نستعين} ، قدمت العبادة لتكون وسيلة إلى حصول الإعانة، والصلاة ~~من الله سبحانه وتعالى: الرحمة، ويلزمها معنى التعظيم والتشريف والتكريم، ~~خصوصا إذا كانت على الأنبياء صلوات الله عليهم. # والسيد: هو الرئيس الذي يسود من دونه، وهو فعيل بكسر العين من السيادة ~~وهي التقدم والرئاسة. # والأصفياء: جمع صفي، وهو الصفوة المختار إليه تشبيه ماء دون الصافي أو ~~الأصفى من الماء إليه، فالأنبياء صلوات الله عليهم صفوة الله من الخلق، ~~ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم سيد تلك الصفوة. # والأنبياء جمع نبيء، بالهمز وتركه، فإذا همز فهو فعيل من النبأ، وهو ~~الخبر، لأنه يأتي بالخبر عن الله سبحانه وتعالى، وإذا لم يهمز فهو مخفف من ~~المهموز في # PageV01P075 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أحد الأقوال لأهل اللغة، كما خففوا ~~الذرية والبرية وأصلهما الهمز. # والقول الثاني: أنه استعير له اسم النبي، وهو الطريق، لأن النبي يهدي ~~الناس إلى الحق كما تهديهم الطريق إلى مقاصدهم. # والثالث: أنه فعيل من نبا: إذا ارتفع مكانه، لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم رفيع المنزلة عند الله سبحانه وتعالى، ومحمد صلى الله عليه وسلم هو ~~خاتم الأنبياء صلوات الله عليهم بنص الكتاب والسنة والإجماع ودليل العقل ~~لمن يطالب به. # والأولياء: جمع ولي، وهو فعيل من: وليت الشيء أليه: إذا عنيت ms0013 به ونظرت ~~فيه كما ينظر الولي في مال اليتيم ونحوه، لأن الله سبحانه وتعالى ينظر في ~~أمر وليه بالرحمة والعناية، والولي ينظر في أوامر الله سبحانه وتعالى ~~بالطاعة، ويجوز أن يكون فعيلا من: وليت الشيء، ووليني الشيء: إذا لم يكن ~~بيني وبينه واسطة، كما في قوله سبحانه وتعالى: {قاتلوا الذين يلونكم من ~~الكفار} [التوبة: 123] ، وقوله عليه السلام: ليليني منكم ذوو الأحلام ~~والنهى يعني في الصلاة، وقوله # PageV01P076 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # عليه الصلاة والسلام: خير الناس ~~قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، كل هذا المراد به نفي الواسطة، ~~والمعنى الأول آيل إلى هذا أيضا فهو الأصل، فالولي يلي ربه سبحانه وتعالى ~~ويليه ربه، فالمعنى أن الولي يقطع الوسائط بينه وبين الله سبحانه وتعالى ~~حين يصير في مقام المراقبة والمشاهدة، وهو مقام الإحسان الذي فسره النبي ~~صلى الله عليه وسلم ب: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. ~~والرب سبحانه يجعل عبده يليه، بمعنى أنه يفيض عليه من المعارف واللطائف ~~بغير واسطة، كما أعطى الخضر تلك العلوم اللدنية بغير واسطة كتاب منزل، ولا ~~ملك مرسل، وليس هذا موجبا لتفضيل الولي على النبي عليه السلام كما زعم بعض ~~جهلة المتصوفة محتجا بقصة موسى والخضر، وذلك لأن مقام الولي من الله سبحانه ~~وتعالى مقام الرأفة والرحمة، ومقام النبي عليه السلام مقام الشرف والتعظيم ~~والقوة والعصمة، ولهذا كان النبي عليه السلام مأمورا بإظهار المعجز وإشاعته ~~على رءوس الأشهاد، والولي مأمورا بكتمان الكرامة وسترها عن إدراك العباد، ~~ولا شك أن الملك العظيم قد يرى # PageV01P077 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مسكينا أو يتيما، فيرحمه، فيمسح ~~برأسه، أو يعطيه من يده شيئا، ولا يصل إنعامه إلى قائد جيوشه إلا بوسائط، ~~مع أن القائد عنده أعظم قدرا وأعلى محلا، وكم بين من يعطيه الملك سيفا، ~~ويقول له: خذه في يدك مشهورا، واضرب به من عصاك في أمر، وبين من يعطيه ~~سكينا ويقول له: اجعله تحت ثيابك، لئلا يراك الوالي أو غيره، هذا تفاوت ~~كثير. # ومن المعلوم أن الله سبحانه وتعالى كما ختم بمحمد ms0014 صلى الله عليه وسلم ~~الأنبياء كذلك افتتح به الأولياء، والنبي يصدق عليه اسم الولي وإن كان أعم ~~أوصافه، وقد نظم المعنى الشيخ يحيى بن يوسف الصرصري حيث قال: # هو خاتم الأنبياء وفاتح ال ... أولياء وشربهم من شربه # أي: هو مادتهم ومنه يسقون. # ومحمد اسمه - صلى الله عليه وسلم - هو مفعل من الحمد، كما أن أحمد أفعل ~~من ذلك أيضا، ومعد مفعل بفتح الميم والعين وتخفيفهما، أبو العرب، وهل ميمه ~~زائدة أو أصلية؟ فيه قولان: # الأول: اختيار الأكثرين، ولهذا ذكره الجوهري في عدد. # PageV01P078 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والثاني: اختيار سيبويه، لقولهم ~~تمعدد. # وعدنان: فعلان من عدن بالمكان، إذا لزمه وتوطنه إقامة. # ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم: هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن ~~هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن ~~مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد ~~بن عدنان. إلى هاهنا اتفق النسابون، واختلفوا فيما بعد ذلك، فبعضهم يقول: ~~عدنان بن أد بن أدد بن الهميسع بن حمل بن نبت بن قيدار بن إسماعيل بن ~~إبراهيم، وبعضهم يقول: عدنان بن أدد ولا يذكر أدا، وبعضهم يقول غير ذلك، ~~وروى ابن سعد بإسناد فيه ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة، قال: ما وجدنا ~~أحدا يعرف ما وراء عدنان، قال عروة: وسمعت أبا بكر بن سليمان بن [أبي] حثمة ~~يقول: ما وجدنا في علم عالم، ولا شعر شاعر أحدا يعرف ما وراء معد بن عدنان ~~[يثبت] . # PageV01P079 # وأن ترزقني العلم وتوفقني للعمل، وتبلغني منهما نهاية ~~السول وغاية الأمل، وتفسح لي في المدة وتنسأ لي في الأجل، في حسن دين ~~وإصلاح شأن. # قوله: " وأن ترزقني العلم، وتوفقني ~~للعمل، وتبلغني منهما نهاية السول وغاية الأمل، وتفسح لي في المدة، وتنسأ ~~لي في الأجل، في حسن دين وإصلاح شأن ". # هذا عطف على قوله: أن تصلي، فيما سبق، أي: وأسألك أن تصلي على سيد ~~أصفيائك، وأسألك ms0015 أن ترزقني التوفيق، وهو التيسير لما يوافق، وذلك بتحقيق ~~الدواعي، وإزالة العوائق، ولا شك أن حصول العلم والتوفيق للعمل به هو ~~الصراط المستقيم، والمنهج القويم إلى السعادة الأبدية في جنات النعيم. # والعلم يجب أن يكون مقدما لأنه يحرس العمل عن الفساد والاختلال، والعمل ~~نتيجة العلم ومقصوده وثمرته، وهو الاستقامة المفضية إلى الخلود في دار ~~المقامة، قال سبحانه وتعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل ~~عليهم الملائكة} إلى قوله تعالى: {نزلا من غفور رحيم} [فصلت: 30 - 32] ~~فحقيقة الاستقامة: فعل المأمورات، وترك المنهيات، وإنما تتحقق معرفة ذلك ~~بالعلم، فعلم بلا عمل عقيم، وعمل بلا علم سقيم غير مستقيم، وللخطيب ~~البغدادي كتاب سماه: " اقتضاء العلم العمل " ذكر فيه كثيرا من الترغيب ~~والترهيب المتعلق بالعلم والعمل ذكرت جملة صالحة منه في كتاب: " الآداب ~~الشرعية " فإذا شئت انظر هناك. # PageV01P080 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ولما كان العلم والعمل مما لا ~~يستغني العاقل عنهما، لأن العلم زينة النفس وكمالها وحليتها في الدنيا ~~والآخرة، والعمل سبب سلامتها في معادها، وحلولها بالمراتب الفاخرة، سأل ~~الله سبحانه وتعالى أن يبلغه منهما نهاية سؤله، وغاية أمله. ونهاية الشيء ~~وغايته: عبارة عن آخره وموضع انقطاعه. ولما كان الإنسان مخلوقا متناهيا كان ~~أمله كذلك، والسؤل مهموزا: ما يسأله الإنسان، وقرئ: {قد أوتيت سؤلك ياموسى} ~~[طه: 36] بالهمز. ولما صح وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، أن رجلا سأله ~~عن خير الناس فقال: من طال عمره، وحسن عمله ". وعن شر الناس، فقال: من طال ~~عمره وساء عمله رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. # وكان ذلك أيضا متقررا في العقول الصحيحة ضرورة، أو بواسطة النظر، لأن ~~الإنسان إما أن يطول عمره أو يقصر، وعلى هذين التقديرين إما أن يسوء عمله ~~أو يحسن، فهي أربعة أقسام، خيرها من طال عمره وحسن عمله، وشرها من طال عمره ~~وساء عمله، وبينهما واسطتان، خيرهما من قصر عمره وحسن عمله، وشرهما من قصر ~~عمره وساء عمله، سألت الله سبحانه وتعالى أن يجعلني من خير هذه الأقسام ~~بطول العمر مع حسن الدين وصلاح ms0016 الشأن. # PageV01P081 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ومعنى تفسح: توسع، والفسحة بضم ~~الفاء: السعة، ومنه (تفسحوا في المجلس) [المجادلة: 11] ، والمدة: الزمن ~~الممتد، والمراد ههنا زمن الحياة. # وتنسأ - بفتح السين -: تؤخر، ومنه النسيئة: البيع بتأخير الثمن، وقوله ~~تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت} [البقرة: 106] أي: نؤخر نسخها فلا ~~ننسخها، والأجل: نهاية المدة، ومنه أجل الدين، أي آخر مدة تأخيره، وأجل ~~الحي كذلك، قال الله تعالى: {ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ~~ولا يستقدمون} [الأعراف: 34] . والدين يشمل أصول الشريعة وفروعها، علمها ~~وعملها، فهو متعلق الإيمان والإسلام، فنسأل الله سبحانه وتعالى تأخير المدة ~~في حسن اعتقاد وعمل. # والشأن: الأمر والحال، والمراد إصلاح كل ما يعنيه. # PageV01P082 # وأن تحييني حياة طيبة هنيئة، وتقيني في الدين والبدن ~~أعراض السوء الردية، وتعدل بي عن السبل الوبية إلى المرية، وتعصمني من ~~حبائل الشيطان. # قوله: «وأن تحييني حياة طيبة ~~هنيئة، وتقيني في الدين والبدن أعراض السوء الردية، وتعدل بي عن السبل ~~الوبية إلى المرية، وتعصمني من حبائل الشيطان» . # هذا أيضا عطف على ما سبق من الصلاة والرزق، أي: أسألك أن تصلي، وترزقني، ~~وتحييني، ولهذا كانت هذه الأفعال وما عطف عليها فيما بعد منصوبة بتقدير ~~«أن» الظاهرة في الفعل الأول منها، وهو تصلي، ولما كان الفسح في المدة قد ~~يكون مع حياة طيبة، وقد لا يكون، سأل الله سبحانه وتعالى أن يكون ذلك مع ~~حياة طيبة، لأن ذلك من النعم التي وعد الله سبحانه وتعالى بها من أحسن من ~~خلقه، حيث قال: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة} ~~[النحل: 97] . # وروى عبد الرزاق عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنها الرزق الطيب في ~~الدنيا، وروى غيره عنه: أنها القناعة. وقال مجاهد وقتادة: هي الجنة. وقال ~~الضحاك: العمل الصالح. وقيل: حلاوة الطاعة. والتحقيق في الحياة الطيبة: ~~أنها حصول السرور، وعدم الشرور، أو يقال: حصول الملائم، واندفاع المنافي. # والهنيئة: من قولهم: هذا هنيء، أي: لا تعب فيه، وقال تعالى: {فكلوه هنيئا ~~مريئا} [النساء: 4] قيل: سائغا طيبا، وحكي عن ms0017 الأزهري: الهنيء: الذي يسمن، ~~والمريء: غير الوبي، يقال: هنأني الطعام ومرأني بغير ألف، فإن أفردته # PageV01P083 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قلت: أمرأني. وفسره الأزهري: أنه ~~الهطم ذكره الدياربكري في «تفسيره» . # وتقيني: من الوقاية، أي تدفع عني وتكفيني أعراض السوء الرديئة في الدين ~~والبدن، أي: ما يعرض فيهما مما يسوء، كالخطأ في الاعتقاد والعمل، والانحراف ~~في مزاج البدن لاعتراض العلل، لأن الصحة في الدين والبدن من جملة الحياة ~~الطيبة، وهو وما بعده من تفاصيلها، وتعدل بي: أي تميل بي، يقال: عدل عن ~~الطريق، أي: مال عن السبيل، أي: الطرق الوبيئة التي فيها الوباء، وهو مرض ~~عام، وهو يمد ويقصر، واستعماله بالنسبة إلى البدن حقيقة، وبالنسبة إلى ~~الدين مجاز عن الأذى فيه باختلال اعتقاد أو عمل. إلى المرية، أي: الطرق ~~السالمة من الوباء والأذى التي يستمرى سلوكها، أي: يكون سليم العاقبة من ~~الأذى. # «وتعصمني من حبائل الشيطان» : أصل العصمة المنع، مأخوذ من عصام القربة، ~~وهو رباط القربة وسيرها الذي تحمل به، فهو يمنعها من الوقوع إلى الأرض، ~~وأبو عاصم كنية السويق، لأنه يمسك الرمق، ويمنع السقوط، فالمراد: تمنعني من ~~حبائل الشيطان أن أقع فيها، والمراد بحبائل الشيطان: جميع الشهوات والمعاصي ~~التي تغري الإنسان بمواقعتها، فهي له بالنسبة إليهم كالشباك # PageV01P084 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والفخاخ ونحوها للصياد بالنسبة إلى ~~الطير والوحش، بجامع أن عاقبة الجميع الهلاك، هؤلاء في الآجل، وأولئك في ~~العاجل بالذبح وأكل الصياد وغيره لهم، فأما قوله عليه السلام: النساء حبائل ~~الشيطان فليس المراد به حصر الحبائل في النساء، بل إنهن من الحبائل وأعظمها ~~وأجدرها بالوقوع فيها، كقوله: الحج عرفة، أي معظمه، وواحدة الحبائل: حبالة ~~بكسر الحاء. # PageV01P085 # وتقبضني على الكتاب والسنة، وتجعل رحمتك لي من النار ~~جنة، وتدخلني بفضلك وجودك الجنة، ومنك يا منان. # وتلحقني بالنبي الأفضل، والرسول المكمل الأكمل، الذي ختم النبوة وأكمل، ~~ومن تبعه بإحسان. # قوله: «وتقبضني على الكتاب والسنة» ~~: أي على مضمونهما ومقتضاهما، وما أفصحا به، ودلا عليه في أصول الدين ~~وفروعه، في الذات والصفات والعلم والعمل. # قوله: «وتجعل رحمتك بي من النار جنة» أي سترا أستتر ms0018 به من النار، وكل شيء ~~ستر شيئا، فقد أجنه، وهو جنة له، بضم الجيم، كالدرع والجوشن للمحارب، وأصل ~~المادة المذكورة وتراكيبها ترجع إلى معنى الستر، كالجن والجنون والجنة ~~للبستان، والمجن للترس، ومعنى الستر في جميعها ظاهر. نعم، استعمال الجنة في ~~الرحمة مجاز، لأن نفس الرحمة ليست هي الساتر الحائل دون النار، بل إذا باعد ~~الله سبحانه وتعالى برحمته بين العبد والنار، حتى لا يجد ضررها، كانت ~~الرحمة سببا لزوال أذاها، فصارت كأنها ساتر حجب أذى النار عن الوصول، وذلك ~~لأن رحمة الله سبحانه وتعالى إما صفة ذات، أو صفة فعل، وعلى التقديرين لا ~~يصح أن يكون حقيقتها جنة، لأن الصفة الذاتية لا تنتقل، والفعل عرض لا يتحقق ~~به الستر. # قوله: «وتدخلني بفضلك وجودك الجنة» الجود قد سبق معناه، والفضل: الإفضال ~~والإحسان، وأفضل عليه: إذا أحسن إليه. # قوله: «ومنك» أي أدخلني الجنة بفضلك ومنك، وهو ما يصح أن تمن به من ~~الإحسان والتطول، وأصل المن: تذكير النعمة والجميل، كما في قوله تعالى: # PageV01P086 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # {لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} ~~[البقرة: 264] ، ثم استعمل في سببه ومصححه، وهو النعمة. # قوله: «يا منان» نداء لله سبحانه وتعالى، ووصف له بصفته الجميلة، وهي ~~المن والإنعام، لأن المسؤول إذا دعي بجميل صفاته كان أجدر بإجابة السؤال، ~~والمنان: الكثير المن والإفضال المتكرر، لأن ذلك مقتضى صيغة فعال. # قوله: «وتلحقني بالنبي الأفضل» يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، وهو أفضل ~~الخلق على الإطلاق. # قوله: «والرسول المكمل الأكمل» ، ههنا بحثان: # أحدهما: ذكر لفظ النبي والرسول لوجهين: # أحدهما: دفعا لتكرار اللفظ الواحد. # الثاني: أن لفظ الرسول هنا مناسب لذكر التكميل، لأنه من لوازم الرسالة، ~~بخلاف النبي، فإنه لا يكمل أحدا، ولهذا جاء في حديث ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال: لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم، جعل يمر بالنبي والنبيين ~~ومعهم القوم، والنبي والنبيين ومعهم الرهط، والنبي والنبيين وليس معهم أحد ~~الحديث رواه الترمذي # PageV01P087 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وصححه. # والفرق بين النبي والرسول، قيل: بأن النبي يوحى إليه مناما، والرسول على ~~لسان الملك يقظة، وهو ms0019 ضعيف، لأن نبينا صلى الله عليه وسلم أوحي إليه ستة ~~أشهر مناما في أول أمره، ولم يقل أحد: إنه لم يكن حينئذ رسولا، اللهم إلا ~~أن يقال: بأن الرسول نبي خاص، فكان الوحي إليه مناما من جهة كونه نبيا، ~~ويكون الوحي قد تراخى عنه تلك المدة من جهة كونه رسولا، كما انقطع عنه خمسة ~~عشر يوما حين سئل عن أهل الكهف والإسكندر، وعن الروح، فقال: غدا أخبركم ولم ~~يستثن، والقصة مشهورة. # وقيل: بأن الرسول لا بد وأن يدعو الله سبحانه وتعالى، والنبي لا يلزم فيه ~~ذلك بل تكون نبوته وحيا يختص به، ومناجاة بينه وبين ربه. # وقد ذكر بعض السلف أن بني إسرائيل كانوا إذا عبد الواحد منهم أربعين سنة ~~أوحي إليه، فعبد بعضهم الله سبحانه وتعالى أربعين سنة ولم يوح إليه، وكان ~~يرى نفسه فرجع يلومها ويقول: يا نفس ما أتيت إلا من قبلك، فأوحى الله إليه: ~~الآن حيث اعترفت بالتقصير أهلتك للوحي، أو كما قال. # وحاصل هذا الوجه أن الرسالة معنى متعد، والنبوة تكون لازمة ومتعدية، وذكر ~~يعقوب بن سليمان الإسفراييني في «دلائل النبوة» : أن النبي من أتاه الوحي ~~من الله # PageV01P088 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # تعالى، والرسول من أتى بشرع ابتداء ~~وبنسخ بعض أحكام شريعة من قبله، وهذا نحو الذي قبله. # البحث الثاني: أن الموجودات بحسب القسمة العقلية على أربعة أقسام: إما ~~كامل مكمل، أو لا كامل ولا مكمل، أو كامل غير مكمل، أو مكمل غير كامل، وهذا ~~القسم محال لا يتصور، لأن تكميل الغير فرع كمال الذات، فإذا انتفى الأصل، ~~استحال وجود الفرع، ولأن كمال الشيء في نفسه مبدأ تكميله لغيره، والمحدث ~~بدون مبدأ محال، ونظيره أن التعليم بغير علم، وطهورية الماء بدون طهارته ~~محال. # أما الأقسام الثلاثة الأول، فأعلاها الكامل المكمل - بكسر الميم - وله ~~مراتب أعلاها في ذلك رتبة الباري، جل جلاله، فإنه الكامل في ذاته لذاته لا ~~لمكمل غيره، وهو المكمل لمن سواه مطلقا، لكن لبعضهم بغير واسطة، كالملائكة ~~والنبيين والأولياء المحدثين الملهمين، ولبعضهم بواسطة هؤلاء كتكميل الأمم ~~بالأنبياء، ms0020 وبعض أشخاص الأمم ببعض كالتلميذ بالمعلم، والقاضي بالإمام يوليه ~~الحكم، والعدل بالقاضي يعدله، والشاهد بالمزكي، والمولى عليه بالولي. # ثم يلي هذا القسم في الرتبة الكامل غير المكمل، كالرجل الصالح العارف ~~بربه، لكن ليس له قوة تعرفه غيره، والعالم بما يحتاج إليه في عمله ~~وتعبداته، وليس عنده فضل علم يعلمه غيره، أو ليس عنده قوة يوصل بها إلى فهم ~~غيره، فهذا كالماء الطاهر غير الطهور، والذي قبله كالطهور. # PageV01P089 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والقسم الآخر الذي ليس بكامل ولا ~~مكمل، هو كالماء النجس الذي لا هو طاهر في نفسه، ولا مطهر لغيره، وقد سلب ~~صفتي الطهارة والطهورية، فهو كالفاسق الذي ليس هو عدلا، ولا تقبل تزكيته ~~لمن يريد التعديل، وكالكافر الشيطان الذي ليس فيه خير، ولا يأمر غيره بخير. # إذا عرف هذا، فكمال كل شيء بحسبه، وهو متفاوت في مراتبه، فكمال المحدث ~~دون كمال القديم، وكمال العرض دون كمال الجوهر، وكمال الجماد دون كمال ~~النامي، وكمال النامي دون كمال الحساس، وكمال الحساس - وهو الحياة - دون ~~كمال الإنسان، ثم يتفاوت الإنسان في مراتب الكمال بحسب المعاني والصفات ~~الموجبة للتفاوت، فلهذا قال: «والرسول المكمل الأكمل» : أي المكمل لغيره ~~بالهداية والإرشاد والدعاء إلى سبل الرشاد، الأكمل من جميع أشخاص نوعه ~~وغيره، فالكامل منهم مشارك له في مطلق الكمال، وهو مختص برتبة الأكملية. # وقوله: «الذي ختم النبوة وأكمل» هذا وصف للرسول بأنه ختم النبوة وأكملها، ~~بعد أن كانت محتاجة إليه صلى الله عليه وسلم، كما روى جابر رضي عنه قال: ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما مثلي ومثل الأنبياء قبلي كرجل بنى ~~دارا، فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة، فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون منها ~~ويقولون: لولا موضع اللبنة أخرجاه في «الصحيحين» وصححه الترمذي، وفي بعض ~~الألفاظ: فكنت أنا تلك اللبنة، صلى الله عليه وسلم. # قوله: «ومن تبعه بإحسان» . # PageV01P090 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # هذا عطف على النبي الأفضل، وهو في ~~موضع جر بالباء، تقديره: وأن تلحقني بالنبي وبمن تبعه بإحسان، وهم الصحابة ~~والتابعون ومن بعدهم، ممن أحسن عبادة ربه والقيام بأمره. # PageV01P091 # وأسألك التسديد في تأليف ms0021 كتاب في الأصول. حجمه يقصر ~~وعلمه يطول. متضمن ما في الروضة القدامية، الصادرة عن الصناعة المقدسية. ~~غير خال من فوائد زوائد، وشوارد فرائد، في المتن والدليل، والخلاف ~~والتعليل. # قوله: «وأسألك التسديد» هذا عطف ~~على قوله: «أحمدك» ، أي أحمدك وأسألك التسديد، وهو التوفيق للسداد، وهو ~~الصواب، ومنه تسديد السهم إلى الغرض، أي: تصويبه، وأصله من السداد والسدد ~~وهو الاستقامة. والسهم والرمح المسدد: المقوم، ورأي سديد: صائب مستقيم. # قوله: «في تأليف كتاب في الأصول» التأليف: تفعيل من ألف الشيء الشيء، ~~والطائر الوكر، إذا انضم إليه دائما أو غالبا، وتأليف الكتاب: ضم بعضه إلى ~~بعض حروفا وكلمات وأحكاما، ونحو ذلك من الأجزاء، والكتاب: فعال من الكتب، ~~وهو الجمع، يقال: كتبت القربة: إذا خرزتها، والكتبة - بضم الكاف وسكون ~~التاء: الخرزة، وكتبت البغلة: جمعت بين شفريها بحلقة، وكتبت الناقة: ~~صررتها، وتكتبت الخيل: تجمعت، والكتيبة: جماعة الخيل. # والأصول: جمع أصل، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. # قوله: «حجمه» أي حجم الكتاب المؤلف «يقصر» ، أي: يقل ويسهل، وإنما استعمل ~~فيه لفظ القصر مقابلة لقوله: «وعلمه يطول» فإن الطباق يحسن الكلام، وهو من ~~أنواع البديع، وحجم الشيء: نتوه، يقال: لمرفقه حجم، أي: نتو، والمراد به من ~~الكتاب ثخانته، وهو بعد ما بين طرفي سواريه، والمعنى: أن هذا الكتاب # PageV01P092 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # كثير المعنى، قليل اللفظ، وهو ~~الإيجاز المستحسن، إذ خير الكلام ما قل ودل، وهذا هو معنى الاختصار المذكور ~~في قوله عليه السلام: أوتيت جوامع الكلم، واختصر لي الكلام اختصارا أي ~~أوتيت المعاني الكثيرة الجليلة في الألفاظ اليسيرة القليلة، وأصل الاختصار: ~~هو من خصر الإنسان: وهو ما استدق فوق متنه، أو من اختصار الطريق، وهو سلوك ~~أقربه، وخصور الرمل: ما استدق منه واطمأن، فسلوكه أقرب. # قوله: «متضمن» هو مجرور صفة لكتاب، أي في تأليف كتاب متضمن، أي: في ضمنه، ~~أي باطنه، «ما في الروضة القدامية، الصادرة عن الصناعة المقدسية» يعني كتاب ~~«الروضة» ، تأليف الشيخ الإمام العلامة موفق الدين أبي محمد عبد الله بن ~~أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، فالقدامية نسبة ms0022 إلى جده، وبه يعرف نسبا، ~~لأنه أشهر آبائه وأعرفها لفظا، فهو إذا نسب إلى الأب قيل: ابن قدامة، وإذا ~~نسب إلى البلد قيل: المقدسي، فوقعت النسبة هاهنا إليهما. # والصادرة: الناشئة، ومصدر الشيء مبدؤه ومنشؤه. # والصناعة: ملكة نفسانية يصدر عنها آثار علاجية لإفادة كمال في محل، # PageV01P093 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # واستعمال الصناعة في العلوم مجاز ~~عرفي، وهو في الحقيقة باعتبار المبادرة الذهنية والاستعمال العام لما تضمن ~~علاجا بدنيا كالنجارة والخياطة. # قوله: «غير خال من فوائد زوائد» غير منصوب على الحال من كتاب في قوله: ~~تأليف كتاب، وهو وإن كان نكرة إلا أنه وصف بصفات خصصته حتى قارب المعرفة ~~جدا، والعامل في الحال تأليف، لأنه مصدر دل على فعله، وأبين من هذا التقدير ~~وأسلم أن تكون «غير» صفة لكتاب على المعنى، لأن التأليف مصدر مقدر بأن ~~والفعل. # وكتاب حقه النصب على هذا التقدير: فيكون تقديره: أسألك التسديد في أن ~~أؤلف كتابا غير خال، ويجوز أن يكون «غير» مجرورة نعتا لكتاب على اللفظ، ~~والنصب المختار نعتا على المحل. # والفوائد: جمع فائدة، وهي فاعلة مشتقة من الفؤاد، لأنها ترد عليه ~~استفادة، وتصدر عنه إفادة، أعني أن الإنسان يعقل ما يستفيده بفؤاده، ~~والمراد قلبه الذي يشرق عليه نور عقله، أو هو محل عقله على خلاف سيأتي إن ~~شاء الله سبحانه وتعالى، ويصدر ما يفيده غيره عن فؤاده أيضا، قال الله ~~سبحانه وتعالى: {ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا ~~وأفئدة} [الأحقاف: 26] يعني يفهمون بها. وقال تعالى: {وجعل لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون} [النحل: 78] ، أي: لعلكم تعقلون قدر نعمته ~~عليكم، فتشكرونه عليها. # وزوائد: جمع زائدة، أي: فائدة زائدة عما في «الروضة» الذي هو أصل ~~المختصر. # PageV01P094 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «وشوارد فرائد» هو جمع ~~شاردة، أي: فائدة أو نكتة شاردة يعني خارجة عن الروضة ليست فيها، أو عن فهم ~~كثير من مؤلفي الكتب، والناس لم ينتبهوا لها، يقال: شرد البعير والناقة: ~~إذا نفرا، والشريد الطريد، وهو مستلزم للخروج، وهذا مستعار من ذلك. # والفرائد: جمع فريدة، أي: منفردة بالحسن في بابها. ms0023 # قوله: «في المتن والدليل، والخلاف والتعليل» هذا متعلق بقوله: زوائد، أي ~~هذه الزوائد هي تارة في المتن أعني المسائل المستدل عليها، وتارة في الدليل ~~على الأحكام، وتارة في نقل الخلاف في الأحكام، وتارة في تعليلها، أي: تقرير ~~عللها نفيا وإثباتا، والتعليل أخص من الدليل، إذ كل تعليل دليل، وليس كل ~~دليل تعليلا، لجواز أن يكون نصا أو إجماعا، وإنما ذكرت وجه العموم والخصوص ~~بينهما لئلا يتوهم أن ذكر التعليل مع الدليل تكرار. # والمتن في الأصل الجسم، ومتنا الظهر: مكتنفا الصلب عن يمين وشمال من عصب ~~ولحم، ثم استعمله المحدثون في الكلام المروي بالإسناد وقابلوا بينهما، ~~فقالوا: المتن والإسناد، ووجه الشبه بينه وبين متن الحيوان أنه لا ثبوت ~~للحديث بدون متنه، كما لا ثبوت للحيوان بدون متنه، واستعملته أنا هاهنا ~~فيما ذكرت، لأن نسبة حكم المسألة إلى دليلها نسبة لفظ الحديث إلى إسناده، ~~من جهة أن الحكم لا يثبت إلا بدليله، كما أن اللفظ لا يثبت إلا بإسناده. # PageV01P095 # مع تقريب الإفهام على الأفهام، وإزالة اللبس عنه مع ~~الإبهام. حاويا لأكثر من علمه، في دون شطر حجمه، مقرا له غالبا على ما هو ~~عليه من الترتيب، وإن كان ليس إلى قلبي بحبيب ولا قريب. سائلا من الله ~~تعالى وفور النصيب، من جميل الأجر، وجزيل الثواب، ودعاء مستجاب، وثناء ~~مستطاب، اللهم فهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. # قوله: «مع تقريب الإفهام» هو مكسور ~~الهمزة، وهو التفهيم أيضا، يقال: أفهمته إفهاما، وفهمته تفهيما، فهما ~~مصدران لفعلين من المادة، كالإكرام والتكريم، غير أن التفهيم والتكريم يفيد ~~المبالغة والتكرير على الأفهام، وهو بفتح الهمزة جمع فهم، وهو القوة التي ~~يدرك بها معنى الكلام، والمعنى: أني مع اختصار الكتاب لفظا والزيادة فيه ~~معنى، قربته على الأفهام بتسهيل ألفاظه ووضعها مواضعها، بحيث إن من سمع ~~ظواهر ألفاظه مطلقا أو غالبا، فهم باطن معانيه، ورب عبارة ليست كذلك، بل ~~يحتاج في تنزيلها على المراد إلى تكلف وتعسف، وهذا المراد بقوله: «وإزالة ~~الإبهام» بالباء الموحدة، ويصح أن يكون ms0024 بالياء المثناة من أسفل، وفيه من ~~حيث اللفظ لبس، لكنه من حيث القرينة وسياق الكلام زائل. أما وجه اللبس من ~~حيث اللفظ، فإن قوله: «مع الإبهام» يحتمل أني أزلت اللبس والإبهام فاصطحبا ~~في الزوال عن الكلام وهذا هو المراد، وعليه دل سياق # PageV01P096 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الكلام وقرينته، لأنه وصفه ~~بالتقريب والظهور، ولا يتحقق إلا بذلك. # ويحتمل أني ألفت الكتاب مع الإبهام، فيكون الاصطحاب بين التأليف والإبهام ~~في الوقوع، لكنه ليس مرادا، لأنه ينافي سياق الكلام، ويناقض قوله: «مع ~~تقريب الإفهام على الأفهام» وأما زوال اللبس من حيث القرينة فبما ذكرته. # والإبهام: هو اشتباه جهات الحق، فلا تعلم عين جهته يقال: أمر مبهم: لا ~~يدرى ما وجهه. # قوله: «حاويا لأكثر من علمه» أي لأكثر من علم كتاب «الروضة» «في دون شطر ~~حجمه» أي: نصف مقداره، وهذا التقدير معروف بالعيان لمن قابل بين الكتابين. ~~و «حاويا» : منصوب على الوجهين في قوله: «غير خال» ويجوز على الوجه الثالث ~~فيه. # قوله: «مقرا له غالبا على ما هو عليه من الترتيب، وإن كان ليس إلى قلبي ~~بحبيب ولا قريب» مقرا: في إعرابه الوجوه الثلاثة المذكورة في «غير خال» . # ومعنى الكلام: أن غالب ترتيب الشيخ أبي محمد في «الروضة» أقررته على ما ~~هو عليه لم أغيره، وإن كان ترتيبه ليس بحبيب إلي، ولا قريب إلى قلبي، لما ~~سيأتي إن شاء الله تعالى، وذلك لأني مختصر لكتابه، وحقيقة الاختصار: هو ذكر ~~جميع المعنى دون اللفظ، وتغيير الترتيب لا مدخل له في ذلك، غير أني تصرفت ~~في ترتيبه تصرفا ما، بحسب ما ينبغي ويقرب على الفهم. # فمن ذلك تقديم المقدمة المذكورة أوله، لاشتمالها على فصول هي كليات ~~للكتاب، أو كالكليات، وتقديم الأمور الكلية على الجزئية معلوم الحسن ~~بمناسبة العقل، لأن الكليات هي قواعد يرد إليها، وينبني عليها جزئيات العلم ~~المتكلم # PageV01P097 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فيه. # ووجه عدم محبتي لترتيب الشيخ أبي محمد وقربه من قلبي أنه رتب كتابه على ~~ثمانية أبواب، هكذا: حقيقة الحكم وأقسامه، ثم تفصيل الأصول الأربعة، ثم ~~بيان الأصول المختلف فيها، ثم ms0025 تقاسيم الأسماء، ثم الأمر والنهي، والعموم ~~والاستثناء، والشرط، ودليل الخطاب، ونحوه، ثم القياس، ثم حكم المجتهد، ثم ~~الترجيح. # وقد كان القياس تقديم تقاسيم الأسماء، وهو الكلام في اللغات لتوقف معرفة ~~خطاب الشرع على فهمها، لوروده بها، لكن العذر للشيخ أبي محمد عن هذا أنه ~~تابع في كتابه الشيخ أبا حامد الغزالي في «المستصفى» حتى في إثبات المقدمة ~~المنطقية في أوله، وحتى قال أصحابنا وغيرهم ممن رأى الكتابين: إن «الروضة» ~~مختصر «المستصفى» ويظهر ذلك قطعا في إثباته المقدمة المنطقية، مع أنه خلاف ~~عادة الأصوليين من أصحابنا وغيرهم، ومن متابعته على ذكر كثير من نصوص ألفاظ ~~الشيخ أبي حامد. # فأقول: إن الشيخ أبا محمد التقط أبواب «المستصفى» ، فتصرف فيها بحسب ~~رأيه، وأثبتها، وبنى كتابه عليها، ولم ير الحاجة ماسة إلى ما اعتنى به ~~الشيخ أبو حامد من درج الأبواب تحت أقطاب الكتاب، أو أنه أحب ظهور الامتياز ~~بين الكتابين باختلاف الترتيب، لئلا يصير مختصرا لكتابه، وهو إنما يصنع ~~كتابا مستقلا في غير المذهب الذي وضع فيه أبو حامد كتابه، لأن أبا حامد ~~أشعري شافعي، وأبو محمد حنبلي أثري، وهو طريقة الحكماء الأوائل وغيرهم، لا ~~تكاد تجد لهم كتابا في طب أو فلسفة إلا وقد ضبطت مقالاته وأبوابه في أوله، ~~بحيث يقف الناظر الذكي من مقدمة الكتاب على ما في أثنائه من تفاصيله. # PageV01P098 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أبو حامد المنهج، وجعل كتابه دائرا ~~على أربعة أقطاب: # الأول: في الأحكام والبداية بها، لأنها الثمرة المطلوبة. # والثاني: في الأدلة المثمرة للأحكام، إذ ليس بعد معرفة الثمرة أهم من ~~معرفة المثمر. # الثالث: في طريق الاستثمار، وهو بيان وجه دلالة على الأحكام في المنطوق ~~وغيره. # الرابع: في المستثمر، وهو المجتهد المستخرج للحكم من الدليل. # ولما كان المقلد يقابله، وجب بيان حكمه عنده، ثم بين كيفية اندراج تفاصيل ~~أصول الفقه مع كثرتها تحت هذه الأقطاب الأربعة بيانا ثانيا أبسط من هذا، ~~وهو واضح ظاهر، ولم أذكره لطوله، ثم بين تفاصيل ذلك بيانا ثالثا على عادة ~~الأصوليين في استيفاء التفصيل. # وقد يورد على ms0026 أبي حامد في ترتيبه أنه كان يقدم الأدلة، ثم الأحكام، ثم ~~وجه الاستدلال بالأدلة، ثم أحكام المجتهدين، لأن الترتيب الوجودي في اجتناء ~~الأثمار من الأشجار الذي جعله نظيرا لاستخراج الأحكام من الأدلة كذلك، لأن ~~الشجرة قبل الثمرة، ثم إذا وجدت الثمرة توصل المجتني إلى تحصيلها، غير أن ~~أبا حامد قد نبه على جواب هذا بقوله: لأنها الثمرة المطلوبة، إشارة إلى ~~تقديم ما هو مطلوب لغيره، وهو الأدلة ووجه دلالتها. # PageV01P099 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وأما المقدمة المنطقية فقد بين ~~الشيخ أبو حامد أنها لا تختص بعلم الأصول، بل هي آلة لكل علم، وإنما هي في ~~أصول الفقه كالعلاوة ألحقها بعض من غلب عليه الكلام به لشدة الفهم له، ~~والفطام عن المألوف شديد، ولذلك كل من غلب عليه علم وألفه، مزج به سائر ~~علومه، يعرف ذلك باستقراء تصانيف الناس، وبهذا تبين أن الشيخ أبا محمد كان ~~في كتابه متابعا لأبي حامد، لأن الشيخ أبا محمد لم يكن متكلما ولا منطقيا ~~حتى يقال: غلب عليه علمه المألوف، فلما ألحق المقدمة بكتابه، دل على أن ذلك ~~لمحض المتابعة، وقد أخبرنا الثقات أن الشيخ إسحاق العلثي عاتب أبا محمد في ~~إلحاقه هذه المقدمة، وأنكر عليه، فأسقطها من «الروضة» بعد أن انتشرت بين ~~الناس فلهذا توجد في نسخة دون نسخة، فتركي لاختصارها في جملة الكتاب كان ~~لأمور: # أحدها: ما صح عنه من رجوعه. # والثاني: أن النسخة التي اختصرت منها لم تكن المقدمة فيها. # والثالث: وهو المعول عليه أني أنا لا أحقق ذلك العلم، ولا الشيخ أيضا كان ~~يحققه، فلو اختصرتها لظهر بيان التكليف عليها من الجهتين، فلا يتحقق # PageV01P100 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الانتفاع بها للطالب، ويقطع عليه ~~الوقت، فمن أراد ذلك العلم فعليه بأخذه من مظانه من شيوخه وكتبه، وإذا كان ~~الشيخ أبو حامد الذي هو الأصل في ذلك ولم يعلم أحد قبله ألحق المنطق بأصول ~~الفقه، اقتصر في مقدمة كتابه، وأحال من أراد الزيادة في ذلك على كتابيه: ~~«معيار العلم» و «محك النظر» فمن هو تبع له في ذلك أولى بالإحالة على كتب ms0027 ~~الفن، ولم نعلم أحدا تابع أبا حامد من المتأخرين على إلحاق المنطق بالأصول ~~إلا ابن الحاجب، وحسبك من ذلك أن الإمام فخر الدين الذي هو إمام المتأخرين ~~في المنطق والكلام ولم يذكر في كتبه الأصولية شيئا منه. # وقد رتب جماعة من الأصوليين أصول الفقه ترتيبا حسنا، فمنهم الشيخ الإمام ~~أبو حامد الغزالي رحمه الله على ما حكينا عنه، ومنهم الشيخ سيف الدين ~~الآمدي رحمه الله في «المنتهى» وغيره، فإنه رتبه على أربعة أصول: # الأول: في تحقيق مبادئه. # الثاني: في الدليل وأقسامه وأحكامه. # الثالث: في أحوال المجتهدين والمفتين والمستفتين. # الرابع: في ترجيحات طرق المطلوبات. # وهو ترتيب مختصر جامع انتظم جميع ما يحتاج إليه في هذا العلم، على ما ~~فصله في كتابه، ويقع التنبيه عليه عند ذكرنا تقسيم غيره. # ومنهم الشيخ أبو إسحاق في «اللمع» حيث قال: وأما أصول الفقه، فهي الأدلة ~~التي يبنى عليها الفقه، وما يتوصل به إلى الأدلة على سبيل الإجمال. # والأدلة هاهنا: خطاب الله عز وجل، وخطاب رسوله صلى الله عليه وسلم، ~~وأفعاله وإقراره، # PageV01P101 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وإجماع الأمة، والقياس، والبقاء ~~على حكم الأصل عند عدم هذه الأدلة، وفتيا العالم في حق العامة. وما يتوصل ~~به إلى الأدلة، فهذا الكلام على تفصيل هذه الأدلة ووجوبها وترتيب بعضها على ~~بعض. # وأول ما نبدأ به: الكلام في خطاب الله عز وجل وخطاب رسوله صلى الله عليه ~~وسلم، لأنهما أصل لما سواهما من الأدلة، ويدخل في ذلك أقسام الكلام، ~~والحقيقة والمجاز، والأمر والنهي، والعموم والخصوص، والمجمل والمبين، ~~والناسخ والمنسوخ. # ثم الكلام في أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم وإقراره، لأنها تجري ~~مجرى أقواله في البيان. # ثم الكلام في الأخبار لأنها طريق إلى معرفة ما ذكرناه من الأقوال ~~والأفعال. # ثم الكلام في الإجماع، لأنه ثبت كونه دليلا بخطاب الله عز وجل، وخطاب ~~نبيه صلى الله عليه وسلم، وعنهما ينعقد الإجماع. # ثم الكلام في القياس لأنه ثبت كونه دليلا بما ذكرناه من الأدلة وإليها ~~يستند. # ثم ذكر حكم الأشياء في الأصل، لأن المجتهد إنما يفزع ms0028 إليه عند عدم هذه ~~الأدلة. # ثم نذكر فتيا العالم، وصفة المفتي والمستفتي، لأنه إنما يصير طريقا للحكم ~~بعد العلم بما ذكرناه. # ثم نذكر الاجتهاد، وما يتعلق به بعد ذلك إن شاء الله تعالى، هذا كلام ~~الشيخ أبي إسحاق بلفظه. # ومنهم الإمام فخر الدين أبو عبد الله الرازي رحمه الله، قال في «المحصول» ~~: الفصل العاشر في ضبط أبواب أصول الفقه: وقد عرفت أن أصول الفقه عبارة عن # PageV01P102 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مجموع طرق الفقه، وكيفية الاستدلال ~~بها، وكيفية حال المستدل بها. # أما الطرق: فهي إما عقلية، ولا مجال لها عندنا في الأحكام، خلافا ~~للمعتزلة حيث قالوا: حكم العقل في المنافع الإباحة، وفي المضار التحريم. أو ~~سمعية، وهي إما منصوصة أو مستنبطة. # أما المنصوصة: فهي إما قول أو فعل يصدر عمن لا يجوز الخطأ عليه، وهو الله ~~تعالى ورسوله ومجموع الأمة، والصادر عن الرسول وعن الأمة إما قول أو فعل، ~~والفعل لا يدل إلا مع القول، فتكون الدلالة القولية مقدمة على الدلالة ~~الفعلية، والدلالة القولية إما أن يكون النظر في ذاتها، وهي الأوامر ~~والمناهي. وإما في عوارضها، إما بحسب متعلقاتها، وهي العموم والخصوص، أو ~~بحسب كيفية دلالتها، وهي المجمل والمبين، والنظر في الذات مقدم على النظر ~~في العوارض، فلا جرم باب الأمر والنهي مقدم على باب العموم والخصوص. # ثم النظر في العموم والخصوص نظر في متعلق الأمر والنهي، والنظر في المجمل ~~والمبين نظر في كيفية تعلق الأمر والنهي بتلك المتعلقات، ومتعلق الشيء مقدم ~~على النسب العارضة بين الشيء ومتعلقه، فلا جرم قدم باب العموم والخصوص على ~~باب المجمل والمبين، وبعد الفراغ منه لا بد من باب الأفعال. # ثم هذه الدلالة تارة ترد لإثبات الحكم، وتارة لرفعه، فلا بد من باب ~~النسخ، وإنما قدمناه على باب الإجماع، لأن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به، ~~وكذا القياس، ثم ذكرنا بعده باب الإجماع، ثم هذه الأقوال والأفعال قد يحتاج ~~إلى التمسك بها من لم يشاهد من صدرت عنه، ولا أهل للإجماع فلا تصل إليه هذه ~~الدلالة إلا # PageV01P103 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بالنقل، فلا ms0029 بد من البحث عن النقل ~~الذي يفيد العلم، والنقل الذي يفيد الظن، وهو باب الأخبار. # وهذه جملة أبواب أصول الفقه بحسب الدلائل المنصوصة. # ولما كان التمسك بالمنصوصات إنما يمكن بواسطة اللغات وجب تقديم باب ~~اللغات على الكل. # وأما الدليل المستنبط فهو القياس. # فهذه أبواب طرق الفقه. # أما أبواب كيفية الاستدلال بها، فهو باب الترجيح. # وأما كيفية حال المستدل بها، فالذي ينزل حكم الله تعالى به، إن كان عالما ~~فلا بد له من الاجتهاد، وهو باب شرائط الاجتهاد وأحكام المجتهدين، وإن كان ~~عاميا، فلا بد له من الاستفتاء، وهو باب المفتي والمستفتي. # ثم نختم الأبواب بذكر أمور اختلف المجتهدون في كونها طرقا إلى الأحكام ~~الشرعية. # فهذه مجموع أبواب أصول الفقه: أولها اللغات، ثم الأمر والنهي، ثم العموم ~~والخصوص، ثم المجمل والمبين، ثم الأفعال، ثم الناسخ والمنسوخ، ثم الإجماع، ~~ثم الأخبار، ثم القياس، ثم الترجيح، ثم الاجتهاد، ثم الاستفتاء، ثم الأمور ~~المختلف في كونها طرقا للأحكام، فهي ثلاثة عشر بابا. # هذا كلامه بلفظه إلا أحرفا يسيرة لخصتها منه. # ولم يذكر المطلق والمقيد، لأنه أدرجه في كتاب العموم والخصوص، وهذا تقسيم ~~وترتيب لا مزيد عليه. # ومنهم الشيخ الإمام الأوحد شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس المالكي، ~~المعروف بالقرافي، جعل كتابه «التنقيح» مشتملا على مائة فصل وفصلين يجمعها ~~عشرون بابا. # PageV01P104 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الباب الأول في الاصطلاحات، ثم في ~~معاني الحروف، ثم في تعارض مقتضيات الألفاظ، ثم في الأوامر، ثم في النواهي، ~~ثم في العمومات، ثم في أقل الجمع، ثم في الاستثناء، ثم في الشروط، ثم في ~~المطلق والمقيد، ثم في دليل الخطاب، ثم في المجمل والمبين، ثم في فعل النبي ~~صلى الله عليه وسلم، ثم في النسخ، ثم في الإجماع، ثم في الأخبار، ثم في ~~القياس، ثم في التعارض والترجيح، ثم في الاجتهاد، ثم في أدلة المجتهدين. # وهو قريب من الترتيب قبله ومقتضب منه، وهو كثيرا ما يأتم بالإمام أبي عبد ~~الله الرازي فيما يصح عنده، على جهة التأدب والاعتراف بالفضيلة. # ومنهم من مشايخ أصحابنا ms0030 القاضي أبو يعلى رحمه الله، قال في «العدة» : ~~الذي نقول: إن أصول الفقه وأدلة الشرع ثلاثة أضرب: أصل، ومفهوم أصل، ~~واستصحاب حال. والأصل: ثلاثة أضرب: الكتاب والسنة وإجماع الأمة. والكتاب ~~ضربان: مجمل ومفصل. والسنة ضربان: مسموع من النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ومنقول عنه. # والكلام في المنقول، في سنده من حيث التواتر والآحاد، وفي متنه من حيث هو ~~قول أو فعل أو إقرار على واحد منهما، والإجماع يذكر. # ومفهوم الأصل: ثلاثة أضرب: مفهوم الخطاب، ودليله، ومعناه. واستصحاب ~~الحال: ضربان: أحدهما: استصحاب براءة الذمة، والثاني: استصحاب حكم الإجماع ~~بعد الخلاف. هذا حاصل كلامه لخصته أنا، وفي ظاهر لفظه مناقشة، وهو أنه قال ~~في متن الحديث: إنه على ضربين: قول، وفعل، وإقرار على قول أو فعل. وهذه ~~ثلاثة أضرب لا ضربان، فلعله جعل الإقرار نوعا من الفعل، وجعلهما # PageV01P105 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # جميعا قسيم القول، فصار تقديره: ~~المتن، إما قول أو فعل، والفعل ينقسم إلى مباشرة، وإقرار على مباشرة، ولا ~~يستقيم كلامه إلا بهذا. # قال القاضي: وقد قيل: إن أصول الفقه وأدلة الشرع على ضربين: أحدهما: ما ~~طريقه الأقوال، والآخر: الاستخراج. # فأما الأقوال: فهي النص والعموم والظاهر ومفهوم الخطاب وفحواه والإجماع. # وأما الاستخراج: فهو القياس. قال القاضي: والأول أصح، لأنه أعم لوجود ~~دليل الخطاب واستصحاب الحال فيه، وذلك حجة عندنا. # قال: ولم أذكر قول الصحابي إذا لم يخالفه غيره، لأنه مختلف فيه عن أحمد ~~رحمه الله، وسأذكره في باب مفرد، هذا معنى كلام القاضي. # والضبط الذي اختاره وحكاه عن غيره كلاهما ناقص ضبط بالنسبة إلى ما ذكرناه ~~عن الشيخ أبي إسحاق والإمام فخر الدين. # ومنهم الشيخ الإمام الأوحد نجم الدين أبو محمد عبد المنعم بن علي بن نصر ~~بن منصور بن الصيقل الحراني الحنبلي، ضبط مقالات أصول الفقه ضبطا حسنا ~~محققا، فقال: # أصول الفقه: هو العلم بأدلة الأحكام الشرعية، ووجوه دلالتها إجمالا لا ~~تفصيلا. # وقد اشتمل هذا الحد على ذكر العلم والأدلة والأحكام الشرعية ووجوه ~~دلالتها، وهي أجزاء الحد المذكور، فوجب أن يفرد لكل جزء منها ms0031 مقالة، فاشتمل ~~كتابنا لهذا المعنى على أربع مقالات: # المقالة الأولى: في العلم. # المقالة الثانية: في الأحكام الشرعية. # PageV01P106 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المقالة الثالثة: في الأدلة. # المقالة الرابعة: في وجوه دلالتها. # قال: وقدمنا النظر في العلم، لأنه كالتمهيد لسائر المقالات، لا يوقف ~~عليها إلا بعد تحقيق القول في العلم. وقدمنا النظر في الأحكام على الأدلة، ~~لأن الدليل يراد للإيصال إلى معرفة الحكم، والحكم يراد لذاته، فكان تقديم ~~ما يراد لذاته على ما يراد لغيره أولى. وقدمنا النظر في الأدلة على النظر ~~في وجوه دلالتها، لأنها حالة للدليل، فكان النظر فيما له الحال مقدما على ~~النظر في الحالة. # قال: والنظر في هذه المقالات على وجه الاستقصاء متسرب إلى جميع مسائل ~~الأصول. # قلت: ذكر هذا في كتاب «النكت والإشارات في الأصول النظريات» وجدت منه إلى ~~مسألة الواجب المخير. # وهذا الضبط والتقسيم على إجمال فيه، شبيه في التلخيص والاختصار بضبط ~~الشيخ سيف الدين الآمدي رضي الله عنهم أجمعين. # هذا الذي تهيأ لي الوقوف عليه من ضبط الناس لأصول الفقه، وقد تكلم الناس ~~فيه بما لم أقف عليه، والكل موصل إلى المقصود، لكن الكلام في أحسن الطرق ~~إيصالا. وأخصر ما حكيناه من الطرق طريقة الآمدي، وابن الصيقل. وأبينه ~~وأبسطه طريقة الشيخ أبي إسحاق، والإمام فخر الدين. # ولي فيه طريقة متوسطة جامعة، وإن كانت لا تخرج عن حقيقة ما قالوه، لكن # PageV01P107 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الكيفية متغايرة، وهو أن المقصود ~~من وضع الشريعة: امتثال المكلفين لأحكامها قولا وعملا. # فالحكم الشرعي له مصدر، وهو الشرع، ومورد، وهو المكلف الذي يتلقاه ~~ليمتثله. # ثم مورد الحكم - وهو المكلف - قد يكون مجتهدا يستقل بمعرفة الحكم عن ~~دليله، فلا حاجة له إلى واسطة، وقد يكون قاصرا عن ذلك، وحكمه التقليد ~~للمجتهد، فهو واسطة بين المقلد والشرع في إيصال الحكم، فوجب لذلك النظر في ~~الحكم ودليله ومورده. # وهو ضربان: المجتهد، والمقلد، والنظر في الحكم يستلزم النظر في متعلقاته، ~~وهي الحاكم، وهو الشارع، والمحكوم عليه، وهو المكلف من حيث هو مكلف، لا من ~~حيث هو مجتهد ولا مقلد، والمحكوم فيه، وهو ms0032 الأفعال المتصفة بالحكم الشرعي ~~من وجوب وندب وكراهة وحظر وصحة وفساد. # والنظر في الدليل يستدعي النظر في أقسامه، وهي الكتاب والسنة والإجماع ~~والقياس والاستحسان والاستصلاح واستصحاب الحال، وغير ذلك مما زاد فيه ~~المجتهدون ونقصوا. # والنظر في مورد الحكم يستدعي الكلام في الاجتهاد والتقليد والمجتهد ~~والمقلد من حيث هما كذلك. # فهذا ضبط جامع، متوسط بين الإجمال المخل والبيان الممل، وهي طريقة غريبة ~~لا توجد إلا هاهنا. # أما ترتيب كتابنا هذا المختصر، فستراه عن قريب إن شاء الله تعالى. # قوله: «سائلا من الله تعالى وفور النصيب» أي ألفت هذا الكتاب سائلا، ودل ~~على ذلك قوله: في تأليف كتاب. وفور النصيب: كماله، أي أن يكمل # PageV01P108 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # نصيبي «من جميل الأجر وجزيل ~~الثواب» . سأل الله تعالى أن يحسن له الأجر في كيفيته بكونه جميلا، وفي ~~كميته بكونه جزيلا، أي: كثيرا. والأجر والثواب واحد، لكن سهل تكراره اختلاف ~~اللفظ. # قوله: «ودعاء مستجاب، وثناء مستطاب، اللهم فهب لي من لدنك رحمة إنك أنت ~~الوهاب» أي: وفور النصيب من دعاء مستجاب، وثناء مستطاب، أي: يدعو لي من ~~ربما ينتفع بشيء من هذا الكتاب، فيستجيب الله منه في. ولقد طالما نظرت في ~~كتب الفضلاء، فإذا رأيت فائدة مستغربة، أو حل أمر مشكل، أقرأ لمصنف الكتاب ~~شيئا من القرآن، وأجعل له ثوابه على مذهبنا في ذلك، وإن كان المصنف ممن لا ~~يعتقد وصوله، فأنا أرجو من الناس مثل ذلك، فإنه يقال: كما تكونوا يولى ~~عليكم. # أما قولي: «وثناء مستطاب» فلفظ أثبته عند اختصار الكتاب، ونفسي تنفر منه، ~~إذ لم يخطر ببالي حينئذ إلا ثناء الناس، وذلك محض الرياء المذموم، والذي ~~جرأني على ذلك التأسي بصاحب «المفصل» حيث قال في خطبته: أنشأت هذا الكتاب ~~مناصحة لمقتنيه، أرجو أن أجتني منها ثمرتي دعاء يستجاب وثناء يستطاب. # PageV01P109 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وأما الآن - وقت الشرح - فإنه خطر ~~لي تخريجها على وجه صحيح، وهو طلب الثناء من الله سبحانه وتعالى، فإنه ~~سبحانه لكرمه قد يشكر من العبد ما هو دون هذا، ويثني عليه به، إذا علم نيته ~~فيه، ms0033 والأعمال بالنيات. فإن صح لي هذا التأويل مع تراخي الزمان هذا ~~التراخي، وإلا فأنا أستغفر الله من هذه اللفظة، ولا على من كتب هذا المختصر ~~أن يسقطها. # «اللهم فهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب» . ختمت الخطبة بلفظ آية من ~~القرآن تبركا. # PageV01P110 # فنقول وبالله التوفيق: أصول الفقه: أدلته، فلنتكلم ~~عليها أصلا بعد ذكر مقدمة تشتمل على فصول. # فنقول وبالله التوفيق: أصول الفقه: ~~أدلته ". هكذا قال كثير من الأصوليين، وهو موافق لما سيأتي إن شاء الله ~~تعالى في تعريف الأصل من أنه ما منه الشيء، أو استند الشيء في وجوده إليه، ~~لأن الفقه مأخوذ من الأدلة، وهو مستند في وجوده إليها، ولهذا مزيد تحقيق عن ~~قريب إن شاء الله تعالى. # قوله " فلنتكلم عليها ": أي على الأصول " أصلا أصلا، بعد ذكر مقدمة تشتمل ~~على فصول ". # أي: فلنتكلم على أصول الفقه أصلا بعد أصل، على ترتيبها في الشرف لا في ~~القوة. # فهي في الشرف: الكتاب، ثم السنة، ثم الإجماع، لأن الكتاب كلام الله ~~سبحانه وتعالى، وهو أجل وأشرف وأعظم من النبي الذي السنة كلامه، والنبي صلى ~~الله عليه وسلم أشرف من المجتهدين الذين الإجماع هو اتفاقهم. # وأما في القوة، فالإجماع، ثم الكتاب، ثم السنة، لأن الإجماع لا ينسخ، ~~بخلاف الكتاب والسنة، فإنهما ينسخان، فيجوز أن الآية أو الخبر المعارض ~~لإجماع يكون منسوخا. # والكتاب أقوى من السنة لأنه متواتر محفوظ الألفاظ لا يدخله تبديل قارئ، ~~ولا تحريف راو، بخلاف السنة، فإن غالبها آحاد، والمتواتر منها غير مقطوع به ~~أنه عين كلام النبي صلى الله عليه وسلم، لا سيما مع تجويز الجمهور من ~~المحدثين والفقهاء الرواية # PageV01P111 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بالمعنى. # وأما تقديمنا على ذلك مقدمة، فلما سبق من أنها اشتملت على أمور كلية، ~~فكان تقديمها مناسبا، وهي تعريف أصول الفقه، وتحقيق القول فيها، ثم التكليف ~~ومسائله، ثم الأحكام وأقسامها، ثم اللغات التي هي كالباب للكتاب على ما ~~سيأتي تفصيل ذلك كله. # فائدة: تضمنت الجملة المذكورة ألفاظا يليق التنبيه عليها: # أحدها: قوله: فلنتكلم، هذه صيغة أمر من المتكلم ms0034 لنفسه، وهو في التحقيق ~~متعذر من جهة أن الأمر يستدعي آمرا ومأمورا متغايرين، كالإخبار يستدعي ~~مخبرا ومخبرا، والضرب يقتضي ضاربا ومضروبا، ونحو ذلك كثير، لكنه يصح من جهة ~~التقدير، وهو أن المتكلم نزل نفسه منزلة أجنبي يأمره بما يريد، وهذا مشهور ~~شائع في ألسنة العرب ومن تكلم بلغتهم نظما ونثرا. # الثاني: قوله: فلنتكلم عليها، ومعنى على: الاستعلاء، وحقيقته لا يصح ~~هاهنا، إذ لا يصح إلا في الأجسام، والكلام عرض، والأصول المراد بها هاهنا ~~عرض أيضا، وهو السنة والإجماع والقياس ونحوها، فالاستعلاء إنما يصح هنا ~~تقديرا، وهو أن هذه الأدلة لما كانت موضع الكلام في هذا العلم، صار الكلام ~~فيها كالمستعلي عليها استعلاء اللون على الجسم الذي هو موضعه. # الثالث: قوله: أصلا أصلا لنصبه وجهان: # PageV01P112 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أحدهما: أنه حال، أي نتكلم عليها ~~حال كونها مرتبة أصلا بعد أصل. # الثاني: أنها منصوبة على أنها مقدرة بمفرد هو صفة موصوف محذوف، التقدير: ~~نتكلم عليها كلاما مرتبا في أصل بعد أصل، وحقيقة الأصل لغة وعرفا تذكر عن ~~قريب إن شاء الله تعالى. # الرابع: قوله: " مقدمة "، هي مأخوذة من مقدمة الجيش بكسر الدال، وهي ~~أوله، لم يحك الجوهري فيها غير الكسر، لكنه ذكر في قادمتي الرحل مقدمة بفتح ~~الدال، وهي أوله مما يلي وجه الراكب، وهي مقابلة آخر الرحل، وهذه المادة ~~ترجع تراكيبها إلى معنى الأولية، فمقدمة الكتاب أيضا أوله، ويجوز فيها كسر ~~الدال على صيغة الفاعل، وفتحها على صيغة المفعول، وهي في الأصل صفة، ثم ~~استعملوها اسما في كل ما وجد فيه التقديم نحو مقدمة الجيش والكتاب، ومقدمة ~~الدليل والقياس، وهي القضية التي تنتج ذلك مع قضية أخرى، نحو: كل مسكر خمر، ~~وكل خمر حرام، ونحو ذلك: كل وضوء عبادة، وكل عبادة يشترط لها النية، ونحو: ~~العالم مؤلف، وكل مؤلف محدث، وأشباه ذلك. # الخامس: قوله: " فصول ": هو جمع فصل، وهو في الأصل مصدر فصل يفصل فصلا، ~~إذا قطع، ومادة " ف ص ل " ترجع إلى معنى القطع والإبانة، ثم سمي بالمصدر ~~المذكور كل ما بين وميز ms0035 شيئا من شيء وقطعه عنه، فمنها الفصول في الكتب ~~المدونة، لأنها تميز جمل الكلام بعضها من بعض، ومنها فصول الأجناس التي ~~تستعمل في الحدود، كالناطق في حد الإنسان في قولهم: حيوان ناطق، والحساس في ~~حد الحيوان في قولهم: جسم حساس متحرك بالإرادة، ومنها يوم الفصل، وفصل ~~القضاء، لأنه يقطع النزاع بين الخصوم. # PageV01P113 # ### | الفصل الأول في تعريف أصول الفقه: # وهو مركب من مضاف ومضاف إليه. وما كان كذلك فتعريفه من حيث هو مركب ~~إجمالي لقبي، وباعتبار كل من مفرداته تفصيلي. # قوله: «الأول» يعني من فصول ~~المقدمة «في تعريف أصول الفقه» . # التعريف: هو تصيير الشيء معروفا بما يميزه عما يشتبه به بذكر جنسه وفصله، ~~أو لازم من لوازمه التي لا توجد في غيره، أو شرح لفظ الغريب بلفظ مشهور ~~مألوف. # مثال الأول: قولنا: ما الإنسان؟ فيقال: حيوان ناطق، وهو الحد التام. # ومثال الثاني: قولنا فيه: حيوان ضاحك، أو قابل لصنعة الكتابة، وفي الخمر: ~~إنه مائع مزيل، وهو رسمي. # ومثال الثالث: قولنا: ما الغضنفر والدلهمس؟ فيقال: الأسد، وما الرحيق ~~والسلسبيل فيقال: الخمر، وهو لفظي. # وباقي أحكام التعريف مستوفى في موضعه. # وحقيقة التعريف: هو فعل المعرف، ثم أطلق في الاصطلاح على اللفظ المعرف به ~~مجازا، لأنه أثر اللافظ كما أن التعريف أثر المعرف، والتعريف أعم من الحد، ~~لأن التعريف يحصل بذكر لازم، أو خاصة، أو لفظ يحصل معه الاطراد # PageV01P114 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والانعكاس، والحد لا يحصل إلا بذكر ~~الجنس والفصل المتضمن لجميع ذاتيات المحدود، فكل حد تعريف، وليس كل تعريف ~~حدا، لأنه قد لا يتضمن جميع الذاتيات. # قوله: «وهو» يعني أصول الفقه، رد إليه ضمير المذكر، «مركب من مضاف ومضاف ~~إليه» ، فالمضاف هو أصول، والمضاف إليه هو الفقه. # والتركيب في اللغة: هو ضم شيء إلى غيره من جنسه أو غير جنسه، ومنه تركيب ~~الفص في الخاتم، والنصل في السهم، ومنه ركوب الدابة، لأن الراكب ينضم ~~إليها، ويلابسها. # وهو في الاصطلاح، مشتمل على المعنى اللغوي، غير أن التراكيب فيما يظهر ~~أخص من التأليف، لأنه مأخوذ من ألف فلان ms0036 فلانا، وألف الطائر وكره يألفه ~~ألفا، إذا لازمه ولم يؤثر مفارقته، وذلك لا يستلزم الانضمام والملابسة، بل ~~يحصل بمجرد المقاربة، بخلاف التركيب، فإنه تفعيل من الركوب والمماسة، ~~والملابسة فيه لازمة، والله أعلم. # وأما الإضافة، فيه في اللغة: الإمالة، قال الجوهري: أضفت الشيء إلى ~~الشيء، أي: أملته. # قلت: وبعض المحققين من النحاة يقول: الإضافة الإسناد، ومنه أضفت ظهري إلى ~~الحائط، أي: أسندته، ويحتجون بقول امرئ القيس: # PageV01P115 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فلما دخلناه أضفنا ظهورنا ... إلى ~~كل حاري قشيب مشطب # يعني أسندنا، وهذا أيضا فيه معنى الإمالة، غير أن الإسناد أخص، فكل مسند ~~ممال، وليس كل ممال مسندا على ما هو ظاهر مشاهد. # فعلى الأول: اللفظ المضاف يميل به المتكلم إلى المضاف إليه، ليعرفه أو ~~يخصصه، إذ ذلك فائدة الإضافة، أعني التعريف، نحو: غلام زيد، أو التخصيص، ~~نحو: غلام رجل، فغلام تعرف في الأول بزيد، وتخصص في الثاني برجل عن أن يكون ~~غلام امرأة. # وعلى الثاني: اللفظ المضاف يسنده المتكلم إلى المضاف إليه في تعريفه أو ~~تخصيصه، وقد حصل في الإضافة اللفظية الضم الذي هو حقيقة التركيب، لأن ~~المضاف مضموم إلى المضاف إليه لفائدة الإضافة المذكورة. # قوله: «وما كان كذلك فتعريفه من حيث هو مركب إجمالي لقبي، وباعتبار كل من ~~مفرداته تفصيلي» يعني ما كان من المسميات مركبا تركيب إضافة، كقولنا: أصول ~~الفقه، وأصول الدين، فالإشارة بقوله: كذلك إلى قوله: وهو مركب، أي: وما كان ~~مركبا، فتعريفه من حيث هو مركب، أي: فتعريفه باعتبار مجموع لفظه الذي تركب ~~منه إجمالي لقبي، أي: يسمى بذلك في الاصطلاح، وتصح تسميته بذلك لمن سماه. # وقوله: «إجمالي لقبي» لفظان منسوبان إلى الإجمال واللقب. # PageV01P116 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والإجمال، هو جعل الشيء جملة، كما ~~سيأتي بيانه في باب المجمل إن شاء الله تعالى. # واللقب: هو اللفظ المطلق على معين، وهو نوع من العلم. # غير أن الفرق بينهما: أن اللقب علم يكره من وضع عليه أن يخاطب به لقبح ~~فيه، كقولهم: أنف الناقة، وعائد الكلب، ونحوهما من الألقاب، ولهذا سمي ~~التخاطب به تنابزا ونبزا، قال الجوهري: ms0037 اللقب واحد الألقاب، وهي الأنباز، ~~وقال في نبز: النبز: اللقب. # قلت: ولفظ النبز مشعر بكراهة، وروى عبد الرازق عن معمر عن قتادة في قوله ~~سبحانه وتعالى: {ولا تنابزوا بالألقاب} [الحجرات: 11] قال: لا تقل لأخيك ~~المسلم: يا فاسق، يا منافق. وروى عن معمر عن الحسن، قال: كان اليهودي ~~والنصراني يسلم، فيقولون له: يا يهودي يا نصراني، فنهوا عن ذلك. # قلت: فهذا يدل على ما قلته من أن اللقب علم يكرهه المخاطب به، بخلاف ~~العلم، فإنه أعم من ذلك، أي: قد يكون مما يكره التخاطب به وهو اللقب، وقد ~~لا يكون العلم لقبا كزيد وعمرو. # وهذه العبارة وهي قولنا: «من حيث هو مركب» تقع كثيرا في كلام الأصوليين ~~المتأخرين، وقد يغمض معناها على بعض الناس ممن لم يعان تلك العبارات. # ومعنى قولهم: الحكم على هذا الشيء من حيث هو كذا، أي: من جهة كونه كذا، ~~لأن حيث في اللغة ظرف مكان، والمكان مجاور للجهة في الحقيقة # PageV01P117 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والتصور، لأن الجهة مقصد المتحرك، ~~فلا تنفك عن المكان حقيقة وتصورا. فقولنا: «فتعريفه من حيث هو مركب إجمالي» ~~أي: من جهة تركيبه، أو من الجهة التي هو منها مركب، ولا شك أن كل مركب، فله ~~من حيث حقيقته وجهان أحدهما جهة أجزائه التي تركب منها، والثاني جهة حقيقته ~~المجتمعة من تلك الأجزاء، ويختلف النظر فيه والحكم عليه باختلاف جهته. # مثاله: أنا إذا عرفنا الحبر من جهة تركيبه من مفرداته التي هي العفص ~~والزاج والصمغ، قلنا: الحبر مائع أسود يكتب به، وإذا عرفناه باعتبار كل ~~واحد من مفرداته، قلنا: العفص: جوهر نباتي مستدير، خشن الظاهر مضرس، ~~والزاج: جوهر مستحجر أبيض، طبعه التسويد. والصمغ: جوهر تدفعه طبيعة الشجر ~~فيسيل على ظاهره. # وكذلك قولنا: الإنسان حيوان ناطق، فإذا عرفنا مفردات أجزائه، قلنا: اليد ~~عضو آلي معد للبطش، والرجل كذلك لكنه معد للمشي. # فقد رأيت اختلاف الأحكام على الحقائق باختلاف جهاتها. # إذا ثبت هذا فمعنى قولنا: إن تعريف المركب من جهة كونه مركبا إجمالي، أي: ~~فيه إجمال وعموم وغموض بالنسبة ms0038 إلى تعريفه من جهة تفصيله ومفردات تركيبه، ~~كما يتبين فيما بعد، وسننبه عليه إن شاء الله تعالى. # PageV01P118 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ومعنى تسمية هذا التعريف لقبا أنه ~~من جهة كون المعرف لقبا على مفهومه، مثاله: أن لفظ أصول الفقه لقب على ~~مدلوله، وهو العلم بالقواعد التي تستنبط بها الأحكام، والتفصيلي منسوب إلى ~~التفصيل، أي تعريفه من جهة تفصيل مفرداته. # وقوله: «باعتبار كل من مفرداته» أي باعتبار كل واحد، أو كل مفرد من ~~مفرداته، فحذف المضاف إليه لدلالة ما بعده عليه، كقوله تعالى: {وكلا آتينا ~~حكما وعلما} [الأنبياء: 79] ، {وكلا وعد الله الحسنى} [النساء: 95] ، {وكل ~~أتوه داخرين} [النحل: 87] . ومثال أصول الفقه في تعريفه الإجمالي واللقبي: ~~أصول الدين فيهما. # فنقول في تعريفه الإجمالي: هو العلم الكاشف عن أحكام العقائد، أو القواعد ~~التي يتوصل بها إلى معرفة أحكام العقائد. # ونقول في تعريفه التفصيلي: الأصول: الأدلة، كما قلنا في أصول الفقه، ~~والدين في اللغة: الطاعة والعادة والشأن والجزاء والمكافأة. # وفي الاصطلاح: هو الشريعة الواردة على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وبالضرورة هذا أدخل في البيان من الأول. # PageV01P119 # فأصول الفقه بالاعتبار الأول: العلم بالقواعد التي ~~يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية. # قوله: «فأصول الفقه بالاعتبار ~~الأول» أي باعتبار تعريفه من حيث هو مركب: هو «العلم بالقواعد التي يتوصل ~~بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية» . # العلم: سيأتي الكلام عليه آخر الفصل إن شاء الله تعالى. # والقواعد: جمع قاعدة وهي أساس البنيان، وفي اصطلاح العلماء حيث يقولون: ~~قاعدة هذه المسألة، والقاعدة في هذا الباب كذا: هي القضايا الكلية التي ~~تعرف بالنظر فيها قضايا جزئية، كقولنا مثلا: حقوق العقد تتعلق بالموكل دون ~~الوكيل، وقولنا: الحيل في الشرع باطلة، فكل واحدة من هاتين القضيتين تعرف ~~بالنظر فيها قضايا متعددة. # كقولنا: عهدة المشتري على الموكل، ولو حلف لا يفعل شيئا، فوكل فيه حنث، ~~ولو وكل مسلم ذميا في شراء خمر، أو خنزير، لم يصح لأن أحكام العقد تتعلق ~~بالموكل. وقولنا: لا يجوز نكاح المحلل، ولا تخليل الخمر ms0039 علاجا، ولا بيع ~~العينة، ولا الحيلة على إبطال الشفعة، لأن الحيل باطلة، فكانت تلك القضية ~~الكلية لهذه القضايا الجزئية أسا تستند إليها وتستقر عليها. # وهكذا قولنا: الأمر للوجوب وللفور، ودليل الخطاب حجة، وقياس الشبه دليل # PageV01P120 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # صحيح، والحديث المرسل يحتج به، ~~ونحو ذلك من مسائل أصول الفقه هي قواعد للمسائل الفقهية. # والتوصل: هو قصد الوصول إلى المطلوب بواسطة فهو كالتوسل. # واستنباط الأحكام: استخراجها، وكذا استنباط الماء، يقال: نبط الماء ينبط ~~- بضم الباء وكسرها - نبوطا: إذا نبع، والنبيط: الماء الخارج من قعر البئر ~~إذا حفرت. # والأحكام: يأتي الكلام عليها إن شاء الله سبحانه وتعالى. # والشرعية: الصادرة عن الشرع، وهو الطريق الإلهي المعلوم بواسطة النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # والفرعية منسوبة إلى الفرع، وهو ما استند في وجوده إلى غيره استنادا ~~ثابتا، وهذا احتراز من المشروط ونحوه، مما استناد وجوده إلى غيره عرضي، ~~لاقتضاء العقل أو الشرع توقفه على وجوده، وليس هو من ذاته، كالغصن من ~~الشجرة، ونحوه، هذا حقيقة الفرع. # أما قول الفقهاء: هذا من فروع الدين، وهذه المسألة فرع على كذا، فهو ~~مجاز، إذ ليس فيه تبعيض ولا استناد ذاتي. # والمراد بالأحكام الفرعية: القضايا التي لا يتعلق بالخطأ في اعتقاده ~~مقتضاها ولا العمل به قدح في الدين، ولا العدالة في الدنيا، ولا وعيد في ~~الآخرة، كمسألة # PageV01P121 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # النية في الطهارة، وبيع الفضولي، ~~والنكاح بغير ولي، وقتل المسلم بالذمي، والحكم على الغائب، وأن الحكم لا ~~ينفذ باطنا. # بخلاف ما يقدح من ذلك في الدين، كاعتقاد قدم العالم، ونفي الصانع، وإنكار ~~المعجزات، وإبطال النبوات، أو يقدح في العدالة، أو الدين على خلاف فيه، ~~كالمسائل التي بين المعتزلة والأشعرية والأثرية، كمسألة الكلام والرؤية ~~والجهة، وبالجملة فمسائل الشريعة، إما مكفر قطعا كنفي الصانع، أو غير مكفر ~~قطعا كاستباحة النبيذ بالاجتهاد، أو واسطة بين القسمين تحتمل الخلاف، كما ~~حققته في آخر كتاب «إبطال التحسين والتقبيح» . # فإن قيل: يلزم على ما ذكرت أن شرب الحنبلي للنبيذ، وأكل الحنفي لحم الخيل ~~معتقدا تحريمه ليس من الأحكام الفرعية، بل من ms0040 الأصولية، لأن ذلك يحرم ~~عليهما ويأثمان به، ويقدح في عدالتهما. قيل: نعم، هو كذلك، لأن هذا شيء ~~يتعلق بمخالفة المعتقد، فخرج عن حد الفروع المتعلقة بالأفعال. # قوله: «من أدلتها» : أي التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام من أدلتها ~~التفصيلية، أي المذكورة على جهة التفصيل، كما سنبين بعد إن شاء الله تعالى. # PageV01P122 # وبالثاني: # الأصول: الأدلة الآتي ذكرها، وهي جمع أصل، وأصل الشيء ما منه الشيء، ~~وقيل: ما استند الشيء في وجوده إليه، ولا شك أن الفقه مستمد من أدلته، ~~ومستند في تحقق وجوده إليها. # قوله: «وبالثاني» : أي وأصول الفقه ~~بالاعتبار الثاني، وهو تعريفه باعتبار كل واحد من مفرداته [الأصول الأدلة] ~~، لأن المادة التي تركب منها لفظ أصول الفقه، هي الأصول والفقه، فهما مفردا ~~ذلك المركب، فيحتاج في تعريفه التفصيلي إلى تعريف كل واحد منهما على حدته. # فالأصول: «الأدلة الآتي ذكرها» يعني: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ~~وما في خلال ذلك من القواعد الأصولية. # قوله: «وهي» : يعني الأصول، «جمع أصل» ، هذا بيان لها من حيث جمعها ~~وإفرادها، وما كان من الأسماء على فعل - ساكن العين - فبابه في جمع القلة ~~على أفعل، نحو أفلس وأكلب، وفي الكثرة على فعال وفعول، نحو حبل وحبال، وكلب ~~وكلاب، وكعب وكعاب، وفصل وفصول، وأصل وأصول، وفرع وفروع. # وأما من حيث اشتقاقه اللغوي، فلم أر فيه شيئا فيما وقفت عليه، غير أني ~~أحسب أنه من الوصل ضد القطع، وأن همزته منقلبة عن واو، لما في الأصل من ~~معنى الوصل، وهو اتصال فروعه، كاتصال الغصن بالشجرة حسا، والولد بوالده ~~نسبا وحكما، والحكم الشرعي بدليله عقلا. # قوله: «وأصل الشيء ما منه الشيء، وقيل: ما استند الشيء في وجوده إليه» . # PageV01P123 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # هذان تعريفان للأصل، فالأول ذكره ~~في «الحاصل» ، والثاني هو معنى قول الآمدي: أصل كل شيء: ما يستند تحقق ذلك ~~الشيء إليه، وزاد في غير «المنتهى» : من غير تأثير احترازا من استناد ~~الممكن إلى المؤثر، مع أنه ليس أصلا له. # والتعريف الثاني أعم من الأول، لأن ما كان من شيء فهو مستند إليه ms0041 في ~~وجوده، وليس كل مستند في وجوده إلى شيء يكون منه. # قوله: «ولا شك أن الفقه مستمد من أدلته، ومستند في تحقق وجوده إليها» . # هذا بيان وتقرير لكون التعريفين المذكورين متطابقين للمعرف بهما، وهو ~~الأصل، لأن الفقه يستمد من أدلته، بمعنى أنها مادة له باعتبار جنس المعنى، ~~لا باعتبار خصوص تركيب الألفاظ، فقولنا: الماء الباقي على إطلاقه طهور، ~~سواء نزل من السماء، أو نبع من الأرض، هو مستمد من قوله تعالى: {وأنزلنا من ~~السماء ماء طهورا} [الفرقان: 48] ، {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به} ~~[الأنفال: 11] ، لأن معناها واحد، وإن اختلفت تراكيب الصيغ، لكن الألفاظ ~~غير مقصودة لذاتها، بل لإظهار المعاني. # فعلى هذا «من» في قوله: ما منه الشيء: للتبعيض، أي: ما بعضه الشيء، ~~والفرع بعض أصله، كالولد من الوالد، والغصن من الشجرة، وقد بينا: أن الفقه ~~مقتطع من أدلته اقتطاع الولد من الوالد، والغصن من الشجرة، أو نحوه. # ويجوز أن تكون «من» فيه: لابتداء الغاية، على معنى أن أدلة الفقه من ~~الكتاب والسنة والإجماع والقياس ونحوها، هي مبدأ ظهوره، ومنها ابتداء ~~بيانه، وهذا أظهر المعنيين في «من» ، وكذلك بالنظر إلى التعريف الثاني، # PageV01P124 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الفقه مستند في وجوده إلى أدلته، ~~بمعنى أنها لو لم توجد هي لم يوجد هو، إذ لو لم يوجد قوله عليه السلام: من ~~بدل دينه فاقتلوه لم يحكم بقتل المرتد، إلى غير ذلك من الأحكام التي لو لم ~~توجد أدلتها لم يحكم بها. # والاستناد، هو اعتماد الشيء إلى غيره، بحيث لو زال ذلك الغير لم يستقر ~~ذلك الشيء، وكذلك الفقه مع أدلته، لو زالت لم يستقر الفقه، وقد وقع ذلك ~~كثيرا في الأحكام المنسوخة، كانت ثابتة قبل النسخ لبقاء أدلتها محكمة، فلما ~~زالت الأدلة التي هي مستند الأحكام لم تستقر الأحكام، بل زالت بزوالها، ~~ووزان ذلك من المحسوسات من استند إلى جدار، فمال الجدار ووقع، فإن المستند ~~إليه يقع بالضرورة. هذا الكلام على ألفاظ المختصر. # وقال في «المحصول» : الأصل هو المحتاج إليه. # ورد، بأن الشيء قد يحتاج إلى ms0042 ما ليس أصلا له، كالمأكول والمشروب ~~والملبوس، والزوجة والولد وغير ذلك، فالمحتاج إليه أعم من الأصل؛ إذ كل أصل ~~محتاج إليه، وليس كل محتاج إليه أصلا. # وقال أبو إسحاق - وقد تقدم ذكره -: أصول الفقه، هي الأدلة التي يبنى ~~عليها الفقه. # وقال القاضي في «العدة» : أصول الفقه، عبارة عما تبنى عليه مسائل الفقه # PageV01P125 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وتعلم أحكامها به، لأن أصل الشيء ~~ما تعلق به، وعرف منه، إما باستخراج أو تنبيه. # قلت: ما ذكره في أصول الفقه صحيح، أما قوله: أصل الشيء ما تعلق به، فليس ~~بجيد، إذ قد يتعلق الشيء بما ليس أصلا له، كتعلق الحبل بالوتد في ~~المحسوسات، وتعلق السبب بالمسبب، والعلة بالمعلول في المعقولات. # وقال القرافي: أصل الشيء: ما منه الشيء لغة، ورجحانه ودليله اصطلاحا، ~~يعني أن أصل الشيء في اللغة مادته كما ذكرناه أولا، نحو قولنا: أصل السنبلة ~~البرة، أي: هي مادتها. # وأما في الاصطلاح، فيطلق الأصل على رجحان الشيء، نحو: الأصل براءة الذمة، ~~أي: هو راجح، ولهذا احتيج في دعاوى الحقوق إلى البينات، ليصير جانب المدعي ~~راجحا بعد أن كان مرجوحا، وكقولنا في قوله تعالى: {أو لامستم النساء} ~~[النساء: 43] : المراد حقيقة الملامسة باليد، لأن الأصل عدم المجاز. # والمتيمم إذا رأى الماء في الصلاة لا يخرج منها، لأن الأصل بقاء ما كان ~~على ما كان، والعبد الغائب تجب فطرته، لأن الأصل بقاؤه. # والمراد في هذا كله، أن الأصل هو الراجح، أو أن الرجحان الأصل. # ويطلق أيضا في الاصطلاح، على الدليل، نحو: أصول الفقه أدلته. وهذا الذي ~~قاله القرافي توسط جيد، وهو أن الأصل في اللغة هو المادة، وفي الاصطلاح # PageV01P126 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الرجحان والدليل. # «تنبيه» زعم بعض المتعنتين، أن تعريف الشيء ب «ما» ، نحو قولنا: أصل ~~الشيء: ما منه الشيء، وأصول الفقه، ما ينبني عليه الفقه، ونحو ذلك، قبيح أو ~~غير صحيح، قال: لأن المراد من التعريف الإيضاح والإفهام، ولفظ «ما» شديد ~~الإبهام، فالتعريف به ينافي المقصود. # وهذا كلام لا طائل تحته، لأن ما وإن كانت شديدة الإبهام، غير أن التعريف ~~ليس بها ms0043 وحدها، بل بها وبما بعدها، وبمجموعهما يحصل الكشف عن حقيقة ~~المحدود. # فلا فرق إذا بين قولنا: أصل الشيء ما منه الشيء، وبين قولنا: أصل الشيء ~~معلوم أو موجود أو جسم منه الشيء. # ولا فرق بين قولنا: ما يستند تحقق الشيء إليه. وبين قولنا: معلوم أو ~~موجود، أو جسم يستند تحقق الشيء إليه. # نعم، المناقشة على ذلك من وجه آخر، وهو أن شأن الحدود والتعريفات أن يوضع ~~فيها الجنس الأقرب، ثم يميز بما يفصل النوع المقصود عن غيره من أنواع ذلك ~~الجنس، ولفظ ما عام في الجنس القريب والبعيد، فلا يعلم منه أيهما المراد. # فلو قال قائل: الإنسان: ما كان ناطقا، لم يعلم هل المراد ما كان من ~~الحيوان ناطقا، فيكون قد أتى بالجنس القريب، كقوله: حيوان ناطق، أو ما كان ~~من الأجسام أو المعلومات أو الموجودات ناطقا، فيكون قد أتى بالجنس البعيد، ~~نحو قوله: # PageV01P127 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # جسم ناطق أو معلوم أو موجود ناطق، ~~فيكون قد أخل بالمختار في الاصطلاح، وأفسد الحد بتناوله الملك والجني، إذ ~~كل منهما معلوم وموجود ناطق. # والجواب: أن الحذاق لا يطلقون لفظ ما في التعريف إلا مع قرينة تدل على ~~الجنس القريب، والقرائن في المخاطبات كالألفاظ، بل أبلغ في الإفهام، إذ قد ~~تكون القرينة عقلية قاطعة واللفظ مجملا، فتكون القرينة أدل منه. # مثال ذلك قول القائل: العلم مثلا: معرفة الشيء على ما هو، ثم يقول: ~~والفقه ما عرف منه أحكام أفعال المكلفين. # فإن تقديمه لتعريف العلم، دلنا على أن مراده بما التي عرف بها الفقه نوع ~~من أنواع العلم، فكأنه قال: الفقه: علم يعرف به أحكام أفعال المكلفين. # وكذلك من قال: الكلمة: لفظ وضع لمعنى مفرد، وأنواعها: اسم وفعل وحرف، ثم ~~قال: الاسم: ما دل على معنى في نفسه، تقديمه لتعريف الكلمة، وأن الاسم من ~~أنواعها، دل على أن مراده ب «ما دل على معنى» : كلمة دلت على معنى. # فأما من أطلق لفظ ما في هذا الباب من غير قرينة دالة على المراد، أو على ~~وجه يفسد به ms0044 التعريف، فذاك ممن لا كلام معه بإقرار ولا إنكار. # PageV01P128 # والفقه لغة: الفهم، ومنه {ما نفقه كثيرا مما تقول} ، ~~{ولكن لا تفقهون تسبيحهم} ، أي: ما نفهم، ولا تفهمون. # قوله: " والفقه لغة " أي في اللغة: ~~" الفهم ومنه: {ما نفقه كثيرا مما تقول} [هود: 91] ، {ولكن لا تفقهون ~~تسبيحهم} [الإسراء: 44] أي: ما نفهم، ولا تفهمون # هذا تعريف المضاف إليه من لفظ أصول الفقه، وهو الفقه بحسب اللغة. وقبل ~~الشروع فيه هاهنا تنبيه كلي، وهو أن الأصوليين والفقهاء جرت عادتهم أنهم ~~إذا انتصبوا لبيان لفظ، بينوه من جهة اللغة والشرع، فقالوا مثلا: الفقه في ~~اللغة: كذا، وفي الاصطلاح الشرعي: كذا، كما نحن بصدد بيانه إن شاء الله ~~تعالى. # والصلاة في اللغة: الدعاء، وفي الشرع الأقوال والأفعال المفتتحة بالتكبير ~~المختتمة بالتسليم، وأشباه ذلك مما يكثر، وذلك بناء منهم على إثبات الحقائق ~~الشرعية، وهي من كبار المسائل. # وصورة ذلك: أن الشرع، هل وضع لحقائقه الشرعية أسماء بإزائها وضعا ~~استقلاليا خارجا عن وضع أهل اللغة، أو أنه أبقى الموضوعات اللغوية على ~~حالها، وزاد فيها شرعا شروطا وأفعالا أخر؟ # مثاله: أنه سمى الصلاة الشرعية صلاة، لاشتمالها على الصلاة اللغوية، وهي ~~الدعاء، لكن اشترط لها في الشرع شروطها الستة، وأركانها الثلاثة عشر، وكذلك ~~سمى الصوم الشرعي صوما لاشتماله على الصوم اللغوي، وهو الإمساك، وزاده ~~النية، وقدر وقته. # هذا فيه خلاف بين الأصوليين، والمسألة مذكورة بأدلتها في فصل اللغات. # PageV01P129 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # إذا ثبت هذا عدنا إلى لفظ المختصر. # فالفقه في الوضع: " الفهم "، كذا قال الشيخ أبو محمد والأكثرون. يقال: ~~فقهت الكلام، أي: فهمت غرض المتكلم منه. وكذلك قال في " المحصول ": الفقه ~~في اللغة: عبارة عن فهم غرض المتكلم من كلامه. # وقوله: " ومنه ما نفقه كثيرا " هو استدلال على أن الفقه الفهم، أي: ومما ~~أطلق فيه الفقه بمعنى الفهم، قوله تعالى حكاية عن قوم شعيب أنهم قالوا له: ~~{ياشعيب ما نفقه كثيرا مما تقول} [هود: 91] ، أي ما نفهم كثيرا من قولك، ~~وكذا قوله تعالى: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم} ms0045 ~~[الإسراء: 44] أي لا تفهمون، لأنكم محجوبو الأسماع عن سماعه، كما أنكم ~~محجوبو الأبصار عن رؤية الملائكة والجن والهواء ونحوها مما لا يرى، ومن ذلك ~~قوله تعالى: {حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون ~~قولا} [الكهف: 93] ، وقوله تعالى: {فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون ~~حديثا} [النساء: 78] ، وقول موسى عليه السلام: {واحلل عقدة من لساني} ~~{يفقهوا قولي} [طه: 28] ، وكل ذلك بمعنى يفهمون. # وقوله: " أي ما نفهم ولا تفهمون " هو تفسير لمعنى الفقه في الآيتين، لأنه ~~ذكرهما متواليتين، ثم ذكر تفسيرهما متواليا، وهو يسمى اللف والنشر، ~~فتقديره: ما نفقه كثيرا، أي ما نفهم، ولكن لا تفقهون أي: لا تفهمون. ومثله ~~في اللف والنشر قوله سبحانه # PageV01P130 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وتعالى: {ومن رحمته جعل لكم الليل ~~والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله} [القصص: 73] ، أي: جعل لكم الليل ~~لتسكنوا فيه، والنهار لتبتغوا من فضله. # واعلم أن المصنفين اختلفوا في معنى الفقه من حيث اللغة، فقال الغزالي ~~والآمدي وابن الصيقل من أصحابنا: هو العلم والفهم. يقال: فلان يفقه الخير ~~والشر، ويفقه كلام فلان، أي: يفهمه ويعلمه. # وقال القاضي في " العدة ": الفقه في اللغة: العلم، ثم ذكر المثال المذكور ~~قبل. # قال: وذكر ابن قتيبة أن الفقه في اللغة: الفهم. # وقال القرافي: الفقه: هو الفهم والعلم والشعر والطب لغة، وإنما اختصت بعض ~~هذه الألفاظ ببعض العلوم بسبب العرف، وحكاه عن المازري في " شرح البرهان ". # قلت: كل ذلك له أصل في اللغة، فقد قال ابن فارس في " المجمل ": الفقه ~~العلم، وكل علم بشيء فهو فقه. # غير أن الجوهري لم يذكر غير أن الفقه الفهم، وهو الأكثر المشهور، ولا شك ~~أن بين الفهم والعلم ملازمة، إذ الفهم يستلزم علم المعنى المفهوم، والعلم ~~يستلزم فهم الشيء المعلوم، فيشبه أن من سمى الفقه علما تجوز في ذلك لهذه ~~الملازمة، وعلى هذا يحمل ما ذكره الجوهري في (فهم) : فهمت الشيء فهما، ~~علمته، إذ لو كان الفهم العلم حقيقة مع قوله: الفقه الفهم، لكان الفقه هو ~~العلم، فكان تفسيره به بدون واسطة الفهم ms0046 أولى لأنه أشهر. # ومما يدل على تغاير الفقه والفهم، أن الفقه يتعلق بالمعاني دون الأعيان، ~~والعلم # PageV01P131 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يتعلق بهما، فيصح أن يقال: علمت ~~معنى كلامه، وعلمت السماء والأرض، وتقول: فقهت معنى الكلام وفهمته، ولا ~~يقال: فقهت السماء والأرض. # وحكى القرافي عن أبي إسحاق الشيرازي - ولم أجده في " اللمع "، فلعله في ~~غيره أو في غير مظنته -: أن الفقه في اللغة إدراك الأشياء الخفية، فلذلك ~~تقول: فهمت كلامك، ولا تقول: فهمت السماء والأرض. وهذا يقتضي أن الفقه أخص ~~من العلم، فهذا اختلافهما بحسب متعلقهما. # وأما بحسب حدهما، فالعلم قد علم حده بما مر، وسيأتي إن شاء الله تعالى. # والفهم، قال ابن عقيل في " الواضح ": هو إدراك معنى الكلام بسرعة. قلت ~~أنا: ولا حاجة لقيد السرعة، لأن من سمع كلاما ولم يدرك معناه إلا بعد شهر، ~~أو أكثر، قيل: قد فهمه، ولذلك يقال: الفهم إما بطيء أو سريع، فينقسم إليهما ~~ومورد القسمة مشترك بين الأقسام، نعم، السرعة قيد في الفهم الجيد. # فقد تحقق بما ذكرته، أن الفقه هو الفهم، يقال: فقه بكسر القاف: إذا صار ~~فقيها، وفقه غيره، بفتحها: إذا غلبه في الفقه وترجح عليه، وفقه، بضمها -: ~~إذا صار الفقه له سجية وخلقا وملكة. # PageV01P132 # واصطلاحا: قيل: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية، عن ~~أدلتها التفصيلية بالاستدلال. # قوله: «واصطلاحا» أي: والفقه في ~~الاصطلاح يعني في اصطلاح العلماء من الأصوليين والفقهاء. # «قيل: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال» ، ~~إنما قلت: قيل، لأن هذا التعريف ترد عليه الأسئلة المذكورة بعد، فلم أرتضه ~~لذلك، وقد ذكرت الأشبه عندي فيه، كما سيأتي إن شاء الله سبحانه وتعالى. # وهذا التعريف للفقه، والتعريف السابق لأصول الفقه، هما لابن الحاجب. # وقد تضمن هذا من الألفاظ التي ينبغي الاعتناء ببيانها، لفظ «العلم» ، وقد ~~وعدت قبل أن أبينه بعد، ولفظ «الأحكام» ، وسيأتي بيانه عند ذكرهما. إن شاء ~~الله تعالى. # ولفظ «الشرعية» و «الفرعية» وقد سبق بيانهما. بحمد الله تعالى. # «والتفصيلية» هي المذكورة على جهة التفصيل، وهو تمييز أفراد الأحكام ~~بعضها عن بعض فيما تختص ms0047 به، كقولنا: إذا سخن الماء، فإما أن يسخن بطاهر، ~~فلا يكره، أو بنجس، فإما أن يتحقق وصول النجاسة إليه، فيمنع منه، أو لا ~~يتحقق، فإن كان الحائل بين الماء والنجاسة حصينا، لم يكره، وإلا كره، ~~وأشباه ذلك من الأحكام المفصلة. # وقد خطر لي هاهنا فائدة، وإن لم تكن مما نحن فيه، لكن لمناسبة اللفظ، ~~والحديث ذو شجون، والشيء يذكر بالشيء، وهي أن اجتهاد المجتهدين في الأحكام ~~مقطوع به في كتاب الله عز وجل، وذلك في قوله تعالى: {وكل شيء فصلناه ~~تفصيلا} [الإسراء: 12] ، فهذه قضية عامة تتناول الأحكام الشرعية، لأنها ~~أشياء، # PageV01P133 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فتقتضي أنها مفصلة في الشرع، ثم ~~إنا نرى كثيرا من الأحكام غير مفصل، لا في كتاب الله، ولا في سنة رسوله صلى ~~الله عليه وسلم، ولا في كلام الأئمة، إذ قد تقع حوادث غرائب، ليس لهم فيها ~~كلام، فدل على أن الله سبحانه وتعالى، أحال بالتفصيل على مجتهدي كل عصر، ~~فكل مجتهد مطلق أو مقيد تمسك في حكم بما يصلح أن يتمسك به مثله في ذلك ~~الحكم، كان ما أفتى به حكما من الله تعالى، وتفصيلا منه بمقتضى النص ~~المذكور، ولا يرد على هذا الاستدلال أن يقال: إن قوله: {وكل شيء فصلناه} ~~عام مخصوص، أو علمنا تفصيله، وإن لم نذكره في الكتاب، لكن هو تخصيص وتأويل ~~يحتاج إلى دليل. # وأما «الاستدلال» ، فهو استفعال من دل يدل، ومقتضاه بحسب اللغة طلب ~~الدليل، ثم قد يكون طلبه من المجتهد أو غيره، إذا أراد معرفة الحكم ليعمل ~~به، أو يعلمه غيره، وقد يكون من السائل للمستدل، كقول الحنبلي للحنفي: ما ~~الدليل على صحة الوضوء بدون النية؟ والمراد به هاهنا الأول، وهو طلب الحكم ~~بالدليل من نص أو إجماع أو قياس. # وقد يطلق الاستدلال على ما أمكن التوصل به إلى معرفة الحكم، وليس بواحد ~~من الأدلة الثلاثة، كما سيأتي عند ذكر الأدلة إن شاء الله تعالى. # PageV01P134 # احترز بالأحكام عن الذوات، وبالشرعية عن العقلية، ~~وبالفرعية عن الأصولية. # قوله: «احترز بالأحكام عن الذوات» ~~إلى آخره. # الكلام ms0048 عليه في أبحاث: # الأول: في لفظ احترز، وهو افتعل، من قولهم: تحرزت من كذا، واحترزت منه: ~~إذا توقيته، وأصله من الحرز، قال الجوهري: هو الموضع الحصين، يقال: هذا حرز ~~حريز، ويقول المتكلم: احتزرت بكذا من كذا، أي: صرت في حرز من أن يدخل علي ~~ما يفسد كلامي من جهة طرد أو عكس، أو غير ذلك. # الثاني: في معنى الاحتراز في الكلام وكيفيته، وذلك أن الألفاظ جعلت دالة ~~على المعاني والمسميات، وشأن الدليل أن يطابق المدلول، والمعرف أن يطابق ~~المعرف، أي: يكون طبقه ومساويا له في العموم والخصوص. ولما كانت أجناس ~~الأشياء شاملة لأنواعها، وأنواعها شاملة لأشخاصها، وكانت الأجناس والأنواع ~~متعددة، منها العالي والسافل والمتوسط، كما أشرنا إليه في باب العموم، ~~وسنقرره إن شاء الله تعالى، والأشخاص أيضا متشابهة ومتباينة بالصفات، وكانت ~~الأشخاص شائعة في أنواعها، والأنواع شائعة في أجناسها، لا جرم وجب على من ~~أراد الكشف عن حقيقة شخص من نوع، أو نوع من جنس، أن يصفه بصفات مطابقة لا ~~توجد إلا فيه، ولا يتصف بها إلا هو، فكلما قلت أوصافه، كان أدخل في العموم ~~والشيوع والاشتباه، وكلما كثرت أوصافه، قرب من الكشف والتعين، وزوال ~~الاشتباه بغيره، وقل ما يشتبه به من نوعه أو جنسه، فكان كل وصف من تلك ~~الأوصاف المخصصة محصنا له من طائفة مما يشابهه أو يشتبه به، وحرزا له منه، ~~فهذا بيان # PageV01P135 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # كيفية الاحتراز، ويتضح بالمثال. # فنقول: إن المسميات مترتبة في أجناسها وأنواعها وأشخاصها بعضها من جهة ~~الأشخاص تحت بعض، وبعضها من جهة أعلى الأجناس فوق بعض، فأعم المسميات، ~~قولنا: معلوم، لأنه يتناول الموجود والمعدوم، ثم الموجود يتناول القديم ~~والمحدث، ثم القديم يتناول الذات والصفات، والمحدث يتناول الجوهر والعرض، ~~والأعراض أقسامها كثيرة، والجوهر يتناول الجامد والنامي، والنامي يتناول ~~الحيوان وغيره، كالشجر والنبات، والحيوان يتناول الناطق، كالإنسان، وغير ~~الناطق، كالفرس، فالإنسان نوع للحيوان، والحيوان نوع للنامي، والنامي نوع ~~للجوهر، والمراد به الجسم، والجسم نوع للمحدث، والمحدث نوع للمعلوم، فهذا ~~من جهة الإنسان، ويسمى نوع الأنواع، وإن نزلت ms0049 من جهة الجنس الأعلى، وهو ~~المعلوم في مثالنا، وإن لم يكن جنسا في الحقيقة، لأن أحد قسميه المعدوم، ~~والحقيقة الثابتة لا تتقوم في وجود وعدم، ولأنه يشمل القديم والمحدث، ~~والقديم لا يدخل تحت جنس، ولكنا ذكرناه جنسا في المثال لفظا، فقل: المعلوم ~~جنس المحدث، والمحدث جنس الجوهر، والجسم جنس النامي، والنامي جنس الحيوان، ~~فالمتوسطات من هذه، وهي المحدث، والجسم، والنامي، والحيوان، هي أنواع لما ~~فوقها، كالحيوان بالنسبة إلى الجسم النامي، أجناس لما تحتها، كالحيوان ~~بالنسبة إلى الإنسان. # PageV01P136 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # إذا عرفت هذا فأنت إذا قال لك ~~قائل: قد أضمرت في نفسي معلوما فما هو؟ لاحتمل عندك أن يكون ذلك المعلوم ~~الذي أضمره قديما أو محدثا. # فإذا قلت له: زدني بيانا، فقال لك: الذي أضمرته محدث، تخصص به، وأعرضت ~~أنت عن الفكرة في التقديم بالنسبة إلى هذا الضمير، وصرت تطلبه في المحدثات، ~~لكنك لا تدري هو جوهر أو عرض. # فإذا قال لك: هو جوهر، أعرضت عن الأعراض، وأجلت فكرك في الجواهر، ~~لتستخرجه منها، لكن ذلك الجوهر يحتمل أنه نام أو غير نام. # فإذا قال لك: هو نام، أعرضت عن الجمادات، وترددت في النامي، هل هو حيوان ~~أو غير حيوان؟ # فإذا قال لك: هو حيوان، أعرضت عن النبات والأشجار، ثم ترددت، هل ذلك ~~الحيوان ناطق أم لا؟ # فإذا قال لك: ناطق: أعرضت عن نوع الخيل وبهيمة الأنعام وغيرها، وعلمت أنه ~~إنسان، ثم ترددت بين أشخاص الإنسان، وهي كثيرة، لا تدري، هل هو زيد أو ~~عمرو، أو موسى، أو محمد؟ # فإذا قال لك: هو نبي، تخصص مطلوبك بصنف الأنبياء، وأعرضت عن آحاد الأمم، ~~ثم ترددت، هل هو آدم أو محمد أو واحد ممن بينهما من الأنبياء صلوات الله ~~وسلامه عليهم؟ # فإذا قال لك: هو أول نبي أرسل، قلت: هو آدم أو نوح عليهما السلام، على ~~اختلاف فيه، لأنه تخصص بالأولية. # PageV01P137 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ولو قال: هو نبي من بني العيص بن ~~إسحاق عليه السلام لقلت: هو أيوب، لأنه لم يكن من بني العيص نبي غيره. # ولو قال لك: ms0050 هو نبي من العرب، أو من بني إسماعيل، لقلت: هو محمد صلى الله ~~عليه وسلم فقد رأيت أن مطلوبك كلما تخصص بوصف بعد وصف قرب إدراكه، وقل ~~الصنف الذي يشتبه به، لخروج غيره بالوصف عن أن يكون محلا للمطلوب، فهذا كشف ~~القناع عن كيفية الاحتراز. # البحث الثالث: في بيان ما ذكر من الاحترازات في هذا الحد. # قوله: «احترز بالأحكام عن الذوات» لأن الأحكام هي ما عرف من الوجوب ~~والحظر والكراهية والندب. والذوات: الحقائق، وذات الشيء: حقيقته في عرف ~~المتكلمين. # وزعم ابن الخشاب في مأخذه على المقامات أنه لا أصل لذلك في اللغة، وإنما ~~المعروف فيها ذات، بمعنى صاحبة، مؤنث ذو، فلو قيل: الفقه: العلم بالشرعية، ~~لاحتمل أن هناك ذوات يكون العلم بها فقها، فلما قال: العلم بالأحكام ~~الشرعية، انتفى ذلك الاحتمال. # قوله: «وبالشرعية عن العقلية» ، أي: واحترز بالأحكام الشرعية عن الأحكام ~~العقلية، كأحكام الفلسفة، من معرفة أحكام العدد والمقادير وغيرها، وقال في # PageV01P138 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # «المحصول» : كالتماثل والاختلاف، ~~والعلم بقبح الظلم، وحسن الصدق، عند من يقول بكونهما عقليين. # فلو قال: العلم بالأحكام، ولم يذكر الشرعية، لاقتضى الحد أن يكون العلم ~~بالأحكام العقلية فقها، وليس كذلك. # وفيه نظر، لأن ذلك ينتفي بقوله: الفرعية، إذ الأحكام العقلية المذكورة لا ~~تسمى فرعية. # نعم، الاحتراز عن العقلية، حصل بالوصفين جميعا، أعني الشرعية الفرعية، إذ ~~لو لم يذكرهما، بل قال: العلم بالإحكام عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال، ~~لدخلت الأحكام العقلية في حد الفقه. # قوله: «وبالفرعية عن الأصولية» ، أي: احترز بالفرعية عنها، حتى لو لم ~~يذكرها، لاقتضى أن الأصولية، كأصول الدين وأصول الفقه فقه، لأنها أحكام ~~شرعية، إذ الأحكام الشرعية تعم الأصولية والفروعية. إذ الشرع عبارة عما جاء ~~به الرسول صلى الله عليه وسلم من أصل وفرع. # PageV01P139 # «وعن» في قوله: عن أدلتها، متعلقة بمحذوف تقديره: ~~الفرعية الصادرة أو الحاصلة عن أدلتها التفصيلية، احترازا من الحاصلة عن ~~أدلة إجمالية، كأصول الفقه، نحو قولنا: الإجماع والقياس وخبر الواحد حجة، ~~وكالخلاف، نحو: ثبت بالمقتضي، وامتنع بالنافي. # قوله: «وعن في قوله: عن أدلتها» ~~إلخ، ms0051 يعني أن «عن» المذكورة في قولنا: الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها ~~التفصيلية، لا بد لها من فعل أو معنى فعل تتعلق به، لأن حروف الجر إنما ~~وضعت في الكلام لتجر معاني الأفعال إلى الأسماء، نحو: ذهبت إلى زيد، وجئت ~~من عند عمرو، فإلى جرت معنى ذهابك إلى زيد، بمعنى أنها أفادت أن ذهابك كان ~~نحوه، وأنت متوجه شطره، ومن جرت معنى ذهابك إلى عمرو، بمعنى أنها أفادت أن ~~مجيئك كان من جهته منصرفا إلى غيرها، ولأجل ذلك سميت حروف الجر، ومعنى تعلق ~~الحرف بالفعل: هو أن لا يصح معنى الكلام وينتظم إلا باتصاله به، ولو قدر ~~اتصاله بغيره، لم يصح، كقوله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي ~~إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} . {بالبينات والزبر} [النحل: ~~43 - 44] ، فإن قوله: بالبينات، ليس متعلقا بتعلمون، ولا بقوله: فاسألوا، ~~بل بأرسلنا، أي أرسلنا قبلك رجالا بالبينات والزبر، إذ لا ينتظم أن يقال: ~~بالزبر، ولا اسألوا بالزبر، فمتى كان في الكلام فعل موجود يصلح أن يتعلق ~~حرف الجر به، وجب تعلقه به، وإن لم يكن، قدر له فعل أو معناه تعلق به على ~~حسب ما يقتضيه الكلام، وليس فيما نحن فيه فعل يصلح أن تتعلق «عن» به ولا ~~معناه، لأن الأحكام الشرعية والفرعية أسماء محضة، ومعنى الفعل فيها # PageV01P140 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # خامل خفي، فوجب تقدير ما تتعلق به ~~عن، لئلا يبقى سائبا بغير متعلق، وهو غير جائز في اللغة، فصار تقديره كما ~~ذكر، الفقه: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية الصادرة أو الحاصلة عن أدلتها، ~~لأنا نعلم بدلالة العقل أن الأحكام تصدر وتحصل عن الأدلة، عند نظر المستدل ~~فيها، طالبا ليعرف الأحكام منها، فقدرنا لانتظام الكلام ما دل عليه سياقه، ~~وهذه قاعدة كلية في جميع الكلام من الكتاب والسنة والشعر وغيره، وهو أن ~~الكلام إذا تضمن حذفا أو إضمارا، قدر فيه ما دل عليه السياق، وموضع بسطه ~~بأمثلته «كتاب المجاز» لابن عبد السلام. # قوله: «عن أدلتها التفصيلية، احترازا من الأحكام الحاصلة عن أدلة ~~إجمالية» . قد ms0052 علم معنى التفصيل والإجمال مما سبق، وسيأتي في باب المجمل ~~والمبين إن شاء الله تعالى، فلو قال: الفقه: هو العلم بالأحكام الفرعية ~~الصادرة عن أدلتها بالاستدلال، لدخل فيه ما كان من الأحكام الشرعية عن أدلة ~~إجمالية بالنسبة إلى أدلة الفقه كقولنا: الإجماع والقياس وخبر الواحد حجة، ~~لأنها أحكام شرعية، حاصلة عن الأدلة بالاستدلال، ومع ذلك ليست فقها، بل هي ~~أصول فقه. # ولقائل أن يقول: هذا لا يصح، لأن بقوله: الشرعية الفرعية، خرجت هذه ~~الأحكام عن أن يتناولها الحد، لأنها وإن كانت أحكاما شرعية من جهة أن الشرع ~~أوجب تعلمها، ليعلم ما يبنى عليها من مسائل الفقه، لكنها ليست فرعية، بل هي ~~أصولية. # وقد يجاب عنه بأن أحكام أصول الفقه هي أصولية من وجه، فروعية من وجه، # PageV01P141 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وذلك لأن العلم الشرعي المقصود ~~لذاته، إما متعلق بالعقائد القلبية، وهو علم أصول الدين، أو متعلق بالأفعال ~~البدنية، وهو علم الفقه، ووقع علم أصول الفقه واسطة بينهما، فهو يستمد من ~~أصول الدين، ويمد فروع الفقه، ولذلك كان من مواده علم الكلام، وهو أصول ~~الدين، وتصور فروع الأحكام لتمكن الحكم عليها بنفي أو إثبات عند ضرب ~~الأمثلة، وحينئذ لو لم يقل: عن أدلتها التفصيلية، لدخلت الأحكام المذكورة ~~من أصول الفقه، لا من جهة كونها أصولا للفقه، بل من جهة كونها فروعا لأصول ~~الدين، فبالتفصيلية خرجت عن الدخول في حد الفقه من كل وجه، فهذا هو الجواب ~~عن السؤال المذكور، وهو قوي. # وأحسب أني وهمت في قولي: «الحاصلة عن أدلتها التفصيلية» احترازا عما ~~ذكرت، من أن الإجماع ونحوه حجة، لأن مسائل كل علم وأحكامه، حاصلة عن أدلة ~~تفصيلية بالنسبة إلى ذلك العلم، فيكون الإجماع حجة حكما حصل عن دليل تفصيلي ~~بالنسبة إلى أصول الفقه، وسيأتي مثال هذا عن قريب إن شاء الله تعالى. # والمثال الصحيح لما حصل من الأحكام عن أدلة إجمالية، ووقع الاحتراز ~~بالتفصيلية عنه، هو ما يستعمل في فن الخلاف، نحو ثبت الحكم بالمقتضي وانتفى ~~بوجود النافي، فإن هذه قواعد كلية إجمالية تستعمل في ms0053 غالب الأحكام، إذ يقال ~~مثلا: وجوب النية في الطهارة، حكم ثبت بالمقتضي، وهو تمييز العبادة عن ~~العادة، ويقول الحنفي: عدم وجوبه والاقتصار على مسنونيته، حكم ثبت ~~بالمقتضي، وهو أن الوضوء مفتاح الصلاة، وذلك متحقق بدون النية. # PageV01P142 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ويقال: سقوط القصاص عن المسلم ~~القاتل للذمي، حكم ثبت لوجود مقتضيه، وهو شرف المسلم وصيانته، عن أن يجعل ~~الكافر كفئا له، ويقال: قتل المسلم بالذمي، حكم انتفى بوجود نافيه، وهو ~~تحقق التفاوت بينهما، أو بانتفاء شرطه، وهو المكافأة، ويقول الحنفي: هو حكم ~~ثبت بوجود مقتضيه، وهو عصمة الإسلام المستفاد من قوله صلى الله عليه وسلم: ~~إذا أدوا الجزية، فلهم ما لنا وعليهم ما علينا. # وغالب مسائل الفروع يمكن إثباتها بهذين الطريقين ونحوهما، فهي أدلة ~~إجمالية بالنسبة إلى كل مسألة. # واعلم أن المطلوب، إما إثبات الحكم، فهو بالدليل المثبت، أو نفيه فهو ~~بالدليل النافي، أو بانتفاء الدليل المثبت، أو بوجود المانع، أو بانتفاء ~~الشرط، فهذه أربع قواعد ضابطة لمجاري الأحكام على تعدد جزئياتها وكثرة ~~مسائلها. # PageV01P143 # ولو علقت عن العلم، لكان أولى، وتقديره: العلم ~~بالأحكام عن الأدلة. وعلى هذا إن جعلت عن بمعنى من، كان أدل على المقصود، ~~إذ يقال: علمت الشيء من الشيء، ولا يقال: علمته عنه، إلا بالتأويل المذكور. # قوله: «ولو علقت عن بالعلم، لكان ~~أولى، وتقديره، العلم بالأحكام عن الأدلة» . قد ذكرنا أن: عن في قوله في ~~الحد المذكور: «عن أدلتها التفصيلية» لا بد له من متعلق، وفيه احتمالان: # أحدهما: أنه متعلق بمحذوف سبق تقديره. # والاحتمال الثاني: أنه متعلق بالعلم في قولنا: العلم بالأحكام الشرعية، ~~لأن فيه معنى علم يعلم علما، والمصدر يدل على الفعل بالالتزام، لأنه فرعه ~~من جهة التصريف، وبالتضمين، لأنه جزء مدلوله، إذ مدلول الفعل الزمان ~~والمصدر، فدلالته عليه من جهة الالتزام والتضمن، وهما دلالتان قويتان، ~~والتعلق المذكور في التحقيق، هو بما في العلم من معنى العقل، وهو علم أو ~~يعلم. # وإنما قلنا: إن تعليق عن بلفظ العلم، أولى من تعليقه بمحذوف كما سبق ~~تقريره، لأن لفظ العلم موجود في ms0054 الحد، فكأن التعليق به أولى من التعليق ~~بمعدوم مقدر، لأن الأصل في التعليق أن يكون بالألفاظ الموجودة، والتعلق ~~بالألفاظ المقدرة عند عدم اللفظ الموجود ضرورة تصحيح الكلام، فالتقدير إذا: ~~الفقه، هو العلم بالأحكام عن أدلتها التفصيلية. # قوله: «وعلى هذا» أي: على هذا التقدير في متعلق عن، وهو أنه العلم «إن # PageV01P144 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # جعلت عن بمعنى من، كان أدل على ~~المقصود» ، فيكون تقديره: الفقه، هو العلم بالأحكام من أدلتها. # قوله: «إذ يقال: علمت الشيء من الشيء» إلى آخره، هذا تقدير وتوجيه لتأويل ~~«عن» بمعنى «من» ، وهو أن علم إنما يتعدى في وضع اللغة بحرف «من» نحو: ~~«علمت الشيء من الشيء» مثلا: علمت الحكم من الدليل، وعلمت الخبر من فلان، ~~«ولا يقال: علمته عنه» ، أي: لا يقال: علمت الشيء عن الشيء، وعلمت الحكم عن ~~الدليل، والخبر عن فلان، «إلا بالتأويل المذكور» ، وهو تأويل «عن» بمعنى ~~«من» . وتقرير ما ذكرناه، أن «من» معناها في مثل هذا الكلام ابتداء الغاية، ~~و «عن» معناها المجاوزة، فمعنى علمت الحكم من الدليل، أن مبدأ علمي بالحكم ~~هو الدليل، أو ابتداء علمي بالحكم كان من الدليل، فالدليل مبدأ حصول العلم ~~بالحكم، كما أن الدار مبدأ خروجك إذا قلت: خرجت من الدار. ومعنى علمت الحكم ~~عن الدليل جاوز العلم الدليل إلي، لكن «عن» الدالة على المجاوزة تدل على ~~مبدأ العلم ونحوه بالالتزام، إذ كل مجاوزة فلا بد لها من ابتداء، ومن، تدل ~~على ابتداء العلم ومبدئه بالمطابقة الوضعية، فكانت أولى، لأنها أقوى ~~الدلالات الثلاث. # فتحصل مما ذكرنا: أن قولنا: العلم بالأحكام من الأدلة، هو الأصل في # PageV01P145 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # تعدي علمت، وقولنا: العلم بالأحكام ~~عن الأدلة، لا يدل عليه إلا بواسطة تأويل «عن» بمعنى «من» ، فكان التصريح ~~بلفظ «من» الدالة على المقصود من الكلام بغير واسطة أولى من ذكر «عن» التي ~~لا تدل إلا بواسطة. # ولم آت أنا في المختصر بلفظ «من» عوضا عن لفظ «عن» ، لأن التعريف المذكور ~~لابن الحاجب، وهو بلفظ عن، فلم أغير لفظه. # تنبيه يتعلق بتحقيق قولنا: إذ يقال: «علمت ms0055 الشيء من الشيء» . وتقريره، أن ~~«إذ» وضعت في اللغة للدلالة على الزمن الماضي، كقولك: قمت، أي: في الزمن ~~الماضي الذي قمت فيه، ثم إنها في عرف اللغة تستعمل في موضوع التعليل ~~والدليل، فيقال مثلا: الحكم في كذا كذا، إذ يقال: أي: لأنه يقال: كذا لا ~~كذا، أو لأنه لا يقال: إلا كذا، والدليل عليه كذا، وهذا الاستعمال العرفي ~~مطابق للوضع اللغوي باعتبار المعنى، وذلك أن قولك: قمت إذ قمت في معنى ~~قولك: قمت لما قمت، ولما فيها أيضا معنى الزمان، لأنها بمعنى حين، أي: قمت ~~حين قمت. # وحينئذ يصير قول المعلل أو المستدل مثلا: النبيذ حرام إذ هو مسكر، وكل ~~مسكر حرام، وصوم رمضان لا بد فيه من تبييت النية، إذ هي شرط فتجب مقارنته ~~كسائر الشروط، ونحو ذلك من المسائل، في معنى قوله: لما كان النبيذ مسكرا، ~~وكل مسكر حرام، حرم النبيذ. ولما كانت النية شرطا لصحة الصوم، والشرط تجب ~~مقارنته # PageV01P146 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لمشروطه، وجب تبييت النية، فهذا ~~وجه استعمال «إذ» في موضع التعليل والدليل. # وتقريره في عبارة المختصر: لما كان الأصل في اللغة أن يقال: علمت الشيء ~~من الشيء، ولا يقال: علمته عنه إلا بتقدير علمته منه، كان قولنا: الفقه: ~~العلم بالأحكام من أدلتها، أدل على المقصود من قولنا: هو العلم بالأحكام عن ~~أدلتها. # PageV01P147 # وبالاستدلال: قيل: احتراز من علم الله عز وجل ورسوليه ~~جبريل ومحمد عليهما السلام، فإنه ليس استدلاليا. وقيل: بل هو استدلالي، ~~لأنهم يعلمون الشيء على حقيقته، وحقائق الأحكام تابعة لأدلتها وعللها. فعلى ~~هذا يكون احترازا عن المقلد. فإن علمه ببعض الأحكام ليس استدلاليا. وفيه ~~نظر، إذ المقلد يخرج بقوله: عن أدلتها التفصيلية، لأن معرفته بعض الأحكام، ~~ليس عن دليل أصلا. ويمكن أن يقال: يجوز أن يكون علمه بها عن دليل حفظه، كما ~~حفظها، فيحتاج إلى إخراجه بالاستدلال، لأن علمه وإن كان عن دليل، لكنه ليس ~~بالاستدلال، إذ الاستدلال يستدعي أهليته، وهي منتفية في المقلد، وإلا لم ~~يكن مقلدا. # قوله: «وبالاستدلال قيل: احتراز من ~~علم الله تعالى ورسوليه ms0056 جبريل ومحمد عليهما السلام، فإنه ليس استدلاليا، ~~وقيل: بل هو استدلالي، لأنهم يعلمون الشيء على حقيقته، وحقائق الأحكام ~~تابعة لأدلتها وعللها» . # معنى هذا الكلام أننا بعد إلى الآن في بيان الاحترازات التي اشتمل عليها ~~حد الفقه المذكور، وقد تكلمنا على جميعها شيئا فشيئا، إلا قوله: «عن أدلتها ~~التفصيلية بالاستدلال» فنبين قوله: «بالاستدلال» عن أي شيء احترز به. # فقال بعض الأصوليين: الاحتراز به عن علم الله سبحانه وتعالى، وعلم ~~رسوليه: جبريل عليه السلام، لأنه رسول الله إلى الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام، ومحمد صلى الله عليه وسلم، لأنه رسول الله إلى الخلق، وعلم هؤلاء ~~ليس استدلاليا، أي ليس هو حاصل بالاستدلال، لأن علم الله سبحانه وتعالى ~~ذاتي عام التعلق بالأشياء، مخالف لعلومنا الضرورية والنظرية، وعند من يرى ~~أنه سبحانه وتعالى عالم لذاته، # PageV01P148 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أنه ليس هناك إلا ذات مجردة، ~~والذات لا توصف بضرورة ولا استدلال، وعلم جبريل عليه السلام، وحي يتلقاه من ~~البارئ جل جلاله، أو من اللوح المحفوظ، أو غيره، وعلم محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وحي يتلقاه عن جبريل، فلا يحتاجان فيه إلى الاستدلال، لأن القطع لهما ~~بكونه من الله سبحانه وتعالى وبمراده منه حاصل، ومع القطع، تبطل فائدة ~~الاستدلال. # فعلى هذا لو لم يقل: بالاستدلال، لدخلت هذه العلوم في حد الفقه، لأنها ~~علم بأحكام شرعية عن أدلة تفصيلية، لكنها لا تسمى فقها شرعا ولا عرفا، ~~فاحتيج إلى إخراجها بقيد الاستدلال، لأن تلك العلوم ليست بالاستدلال. # ويعني بكونها عن أدلة تفصيلية: أنها مستندة إلى الأدلة في نفس الأمر. # وقال بعض الأصوليين: «بل هو استدلالي» يعني علم الله تعالى ورسوليه، ~~«لأنهم يعلمون الشيء على حقيقته» أي على ما هو به «وحقائق الأحكام تابعة ~~لأدلتها وعللها» فكما يعلمون حقيقة الحكم، يعلمون كونه تابعا لدليله وعلته ~~وأنها كذا، فكما يعلمون مثلا وجوب الكفارة على الواطئ في نهار رمضان، ~~يعلمون أن علة الوجوب عموم إفساد الصوم أو خصوصه بالوطء، وكما يعلم الله ~~سبحانه تحريم الربا في الأشياء الستة، يعلم أن علة التحريم الكيل أو الوزن ms0057 ~~أو الطعم أو الاقتيات مع الجنس، وكما علم النبي صلى الله عليه وسلم وجوب ~~الشفعة للشريك المخالط، علم أن علة الوجوب خصوص الضرر بشريكه حتى يقتصر على ~~المقاسم، أو عمومه حتى يتعدى إلى الملاصق، ونظائر ذلك كثيرة. # قلت: وهذا لا يدل على أن علم الله تعالى ورسوليه استدلالي، لأن المراد ~~بالاستدلالي، ما لا يحصل إلا باستدلال، وهو النظر في مقدمات الدليل، # PageV01P149 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # كقولنا: هذا مفسد للصوم، فناسب ~~عقوبته بالكفارة، ونحو ذلك من الأشكال الاستدلالية، والعلوم المذكورة ليست ~~كذلك. # وأما علمهم بالحكم وعلته ودليله، فلا يلزم منه أن علومهم استدلالية، ~~لجواز أن يحصل العلم بالحكم بدون النظر في دليله وعلته، كالإلهاميات ~~والبديهيات، فإن العلم يحصل بها هجوما على النفس، بدون نظر ولا استدلال، ~~وفيها ما لو أراد العاقل أن يستخرج علته لتعذر عليه. # والتحقيق في هذا المقام، التوسط، وهو أن علم الله سبحانه بالأحكام، ليس ~~استدلاليا لما تقدم، وعلم ملائكته ورسله عليهم السلام وغيرهم استدلالي، غير ~~أن الاستدلالي في علم الملائكة والرسل، أظهر منه في غيرهم، لقلة ما يتوقف ~~عليه من المقدمات. # بيان ذلك، أن أقل ما يحصل منه العلم الاستدلالي، مقدمتان، فإذا قال الله ~~سبحانه وتعالى لجبريل عليه السلام: قد أوجبت الصلاة على بني آدم، فانزل ~~بذلك إليهم، فعلم جبريل عليه السلام بوجوب الصلاة مسبوق بمقدمتين: # إحداهما: أن الآمر له بذلك هو الله جل جلاله. # والثانية: أن كل ما أمر الله سبحانه وتعالى به، فهو واجب، أو أن الموجب ~~للصلاة، هو الله تعالى، وكل ما أوجبه الله سبحانه وتعالى، فهو معلوم ~~الوجوب، فإذا نزل جبريل بذلك إلى الرسول صلوات الله عليهما، وأخبره بوجوب ~~الصلاة # PageV01P150 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # عليه وعلى أمته، كان علم الرسول ~~بوجوبها مسبوقا بثلاث مقدمات: # إحداهن: أن جبريل عليه السلام، رسول الله إليه بذلك. # والثانية: أن رسول الله معصوم من الكذب على الله تعالى وغيره. # الثالثة: أن الله سبحانه وتعالى، معصوم فيما يحكم به من الخطأ، فإذا أخبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم أمته بوجوب الصلاة عليهم، كان علمهم بوجوبها ~~مسبوقا بمقدمات: ms0058 # منها: أن هذا النبي رسول الله تعالى، فيما يخبر به عنه بواسطة الوحي، ~~ومستند صحة هذه المقدمة، ظهور المعجز الخارق على يده، لأنه قائم مقام تصديق ~~الله تعالى له، كما تقرر في النبوات. # ومنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يكذب على الله تعالى. # ومنها: أن ما أوجبه الله تعالى، فهو حق، ثم تتعدد طبقات الأمة وكثرة ~~الوسائط بتعدد مقدمات العلم الاستدلالي. # فنقول فيما أردنا إيجابه بقول الصحابي: هذا الصحابي عدله رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وأجاز الاقتداء به، بقوله: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم ~~اهتديتم، ومن عدله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجاز الاقتداء به وجب ~~العمل بقوله ورسول الله صلى الله عليه وسلم، معصوم من الكذب، والله سبحانه ~~وتعالى معصوم من الخطأ، حتى إن الحديث الذي يبلغنا عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم بواسطة عشرة، أو عشرين من الرواة، هو متوقف على مثل ذلك من # PageV01P151 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المقدمات، لأن النظر في حال كل ~~واحد من الرواة مقدمة، هذا هو التحقيق. # وإن تجوزنا، فقلنا: النظر في حال مجموع رجال الحديث الواحد، مقدمة. # قوله: «فعلى هذا» ، أي: على هذا القول، وهو أن علم الله ورسوليه ~~استدلالي، لا يصح أن يقال: إن قوله: بالاستدلال احتراز عنه، فلا بد أن يكون ~~قوله: بالاستدلال محترزا به عن شيء، لئلا يبقى ذكره لاغيا غير مفيد، فيكون ~~محترزا به عن المقلد، لأنه يعلم بعض الأحكام الشرعية، ومع ذلك لا يسمى علمه ~~بها فقها، لأن علمه بها بالنقل المجرد عن المجتهد، لا عن نظر واستدلال، ~~والشرط في الفقه أن يكون بالاستدلال. # قوله: «وفيه نظر» ، أي: في كون قوله: بالاستدلال احتراز عن المقلد نظر ~~لأن علم المقلد يخرج من حد الفقه، ويحصل الاحتراز عنه بقولنا: العلم ~~بالأحكام عن أدلتها التفصيلية، ومعرفة المقلد لبعض الأحكام، ليست عن دليل ~~أصلا، لا إجمالي ولا تفصيلي، وشرط الفقه أن يكون عن دليل تفصيلي، وعلم ~~المقلد ليس عن دليل تفصيلي، فلا يكون فقها، ولا المقلد فقيها، فيكون خارجا ~~عن حد الفقه، ms0059 بقيد التفصيل، لا بقيد الاستدلال، وحينئذ يبقى لفظ الاستدلال ~~لاغيا لا يفيد شيئا. # تنبيهان: # أحدهما: قول القائل: في هذا الكلام، أو في هذا الرأي نظر، أي: يحتاج إلى ~~أن يعاد النظر فيه، أو يحتاج أن ينظر فيه لإظهار ما يلوح فيه من فساد، ولا ~~يقال # PageV01P152 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ذلك في كلام مقطوع بفساده ولا ~~صحته، بل فيما كان فساده محتملا، فإن قيل ذلك في كلام يقطع بفساده، كان ~~كناية ومحاباة للخصم، وإن قيل في كلام يقطع بصحته، كان عنادا من القائل. # الثاني: قوله: «لأن معرفته بعض» هو منصوب بمعرفته، لأنها مصدر، أو اسم ~~مصدر يعمل عمل فعله، تقديره لأن معرفة المقلد، أي: إن عرف بعض الأحكام. ~~قوله: «ويمكن أن يقال» هذا رد للنظر المذكور في أن ذكر الاستدلال احتراز عن ~~علم المقلد ببعض الأحكام. # وتقريره أن يقال: يجوز أن يكون علم المقلد ببعض الأحكام الشرعية عن دليل ~~تفصيلي حفظه كما حفظ الأحكام، إذ لا يمتنع أن يسمع المقلد مجتهدا يقول: ~~المرتدة تقتل، لأن العلة في قتل المرتد تبديل الدين، لقوله عليه السلام: من ~~بدل دينه فاقتلوه. وذلك المعنى متحقق في المرتدة، ولفظ الحديث عام ~~يتناولها. أو يسمع حنفيا يقول: المرتدة لا تقتل، لنهيه عليه السلام عن قتل ~~النساء، وهو عام، ولأن المرتد إنما قتل بالردة، لأنه جنى على الإسلام ~~بتنقيص عدد أهله، وصيرورته عونا لعدوهم عليهم، وهو من أهل القتال، فارتداده ~~مؤثر في الإسلام وأهله، وهذا # PageV01P153 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المعنى منتف في المرتدة، لأن ~~ارتدادها لا يؤثر، وأشباه هذه الأحكام الموجهة بدلائلها التفصيلية، فيكون ~~المقلد حينئذ عالما ببعض الأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية، فلو اقتصر ~~في حد الفقه على ذلك، لدخل فيه المقلد، وليس هو فقيها، ولا يسمى علمه فقها، ~~فاحتيج إلى إخراجه بقيد الاستدلال، لأن علمه وإن كان عن دليل تفصيلي، لكنه ~~ليس بالاستدلال، لأن الاستدلال يستدعي أهليته، أي: يقتضي أن يكون المستدل ~~من أهل الاستدلال، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى، في باب الاجتهاد. # وأهلية الاستدلال منتفية في المقلد، إذ لو لم تكن ms0060 منتفية فيه، لما كان ~~مقلدا، لأن المستدل مجتهد، والمجتهد ضد المقلد، فلو كان علمه بالاستدلال مع ~~فرضنا له مقلدا، لزم الجمع بين الضدين. # وقال بعض الأصوليين: يحترز بقيد الاستدلال أيضا، عن مثل وجوب الصلاة ~~والصوم، ونحو ذلك من ضروريات الدين، لأن العلم بها لا يسمى فقها في ~~الاصطلاح، لاستغنائه عن الاستدلال، وحصول العلم الضروري به، لمن ليس من أهل ~~النظر، كالعوام والنساء والحمقى ونحوهم. # PageV01P154 # وأورد عليه: أن الأحكام الفرعية مظنونة لا معلومة، ~~وأن قوله: التفصيلية، لا فائدة له، إذ كل دليل في فن، فهو تفصيلي بالنسبة ~~إليه، لوجوب تطابق الدليل والمدلول. وأن الأحكام، إن أريد بها البعض، دخل ~~المقلد لعلمه ببعض الأحكام وليس فقيها، وإن أريد جميع الأحكام، لم يوجد فقه ~~ولا فقيه، إذ جميعها لا يحيط بها بشر، لأن الأئمة سئلوا فقالوا: لا ندري. # وأجيب عن الأول: بأن الحكم معلوم، والظن في طريقه، وبيانه أن الفقيه إذا ~~غلب على ظنه أن الحكم كذا، علم ذلك قطعا بحصول ذلك الظن، وبوجوب العمل عليه ~~بمقتضاه، بناء على ما ثبت من أن الظن موجب للعمل. # واعلم أن هذا يقتضي أن تقدير الكلام، العلم بوجوب العمل بالأحكام ~~الشرعية، أو العلم بحصول ظن الأحكام إلى آخره. وفيه تعسف لا يليق ~~بالتعريفات. وقيل: المراد بالعلم الظن مجازا، وهو أيضا لا يليق. # وعن الثالث: بأن المراد بعض الأحكام بأدلتها أو أماراتها. والمقلد لا ~~يعلمها كذلك. أو بأن المراد جميعها بالقوة القريبة من الفعل، أي تهيؤه ~~للعلم بالجميع، لأهليته للاجتهاد، ولا يلزم منه علمه بجميعها بالفعل، فلا ~~يضر قول الأئمة: لا ندري، مع تمكنهم من علم ذلك بالاجتهاد قريبا. # ولو قيل: ظن جملة من الأحكام الشرعية الفرعية، باستنباطها من أدلة ~~تفصيلية، لحصل المقصود وخف الإشكال. # قوله: «وأورد عليه» إلى آخره. أي: ~~وأورد على حد الفقه بما ذكرناه أسئلة، ومعنى إيراد السؤال على الكلام: ~~معارضته بما يناقضه ويبطله من جهة الطرد، أو العكس أو غير ذلك. # والأسئلة المذكورة في المختصر ثلاثة: # أحدها: «أن الأحكام الفرعية مظنونة لا معلومة» ms0061 . # PageV01P155 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وتقرير هذا السؤال، أنكم قد عرفتم ~~الفقه: بأنه العلم بالأحكام الشرعية الفرعية. والعلم: هو الحكم الجازم ~~المطابق، والأحكام الفرعية، أو غالبها، مظنونة لا معلومة، والفرق بين ~~المعلوم والمظنون، أن المعلوم لا يحتمل النقيض، كالبديهيات والتواتريات، ~~والمظنون يحتمله، كقولنا: جلد الميتة لا يطهر بالدباغ، ولا تزول النجاسة ~~بمائع غير الماء، فإن هذا وإن اعتقدنا ظهوره، فخلافه محتمل، وحينئذ لا يكون ~~الحد المذكور جامعا، فتخرج غالب الأحكام الفرعية عن كونها فقها. # السؤال الثاني: إن قولكم: عن أدلتها التفصيلية، لا فائدة له، لأن كل دليل ~~في فن من فنون العلم، فهو تفصيلي بالنسبة إلى ذلك الفن، لوجوب تطابق الدليل ~~والمدلول: أي: يجب أن يكونا متطابقين، أي: أحدهما طبق الآخر، أي مساو له في ~~العموم والخصوص، ولا يعترض على هذا، بجواز كون الفتيا أعم من السؤال، نحو ~~قوله صلى الله عليه وسلم حين سئل: أنتوضأ بماء البحر؟ فقال: هو الطهور ماؤه ~~الحل ميتته، فأجاب عن السؤال عن حكم بالجواب عن حكمين، ولا بما أجازه بعض ~~النظار، من جواز كون الجواب أخص، كعكس الحكم في هذا الحديث، وهو ما لو سئل ~~عن التوضؤ بماء البحر وأكل ميتته، فقال: هو الطهور ماؤه فحسب، أو هو الحل ~~ميتته فقط، وكما لو قال السائل: هل يجوز التطوع في أوقات النهي؟ فيقول ~~المجيب: يجوز فعل ذوات الأسباب، ونحو ذلك، لأن دليل كل حكم ما يثبت به ~~مساويا له، وما خرج عن محل السؤال بعموم أو خصوص، ليس دليلا ولا بعضا من ~~الدليل المسؤول عنه، فالدليل في الحديث، هو قوله صلى الله عليه وسلم: هو ~~الطهور ماؤه، وهو مطابق لقولهم: أنتوضأ بماء البحر؟ أما قوله: الحل ميتته ~~فهو خارج عن محل السؤال # PageV01P156 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # على جهة ابتداء شرع هذا الحكم. # السؤال الثالث: قولكم: الفقه: العلم بالأحكام، إن أردتم به بعض الأحكام، ~~دخل المقلد في الفقه، لأن كثيرا من المقلدين يعلم بعض الأحكام، مع أنه ليس ~~بفقيه، فيكون الحد المذكور غير مانع، وإن أردتم العلم بجميع الأحكام، لم ~~يكن الحد جامعها، بل لم ms0062 يوجد فقه ولا فقيه، إذ جميع الأحكام لا يحيط بها ~~بشر، لأن الأئمة الأربعة وغيرهم سئلوا عن بعض الأحكام، فقالوا: لا ندري، ~~كما حكي عن مالك أنه أجاب عن ستة عشر حكما من ثمانية وأربعين، وقال في ~~الباقي: لا أدري. وحكي عنه وعن غيره أنه قال: جنة العالم لا أدري، فإذا ~~أخطأها، أصيبت مقاتله. والجنة: بضم الجيم السترة، وقول: لا أدري في كلام ~~أحمد كثير جدا. # قوله: «وأجيب عن الأول» ، هذا شروع في الجواب عن الأسئلة المذكورة على ~~ترتيبها أول فأول. # وهذه طريقة المتأخرين يوردون الأسئلة ثم يوردون أجوبتها مرتبة عليها، ~~وطريقة المتقدمين يذكرون جواب كل سؤال عقيبه، وهذه أيسر على الفهم، وفي كلا ~~الطريقين حكمة، وأنا سلكت في هذا المختصر غالبا الطريقة الأولى، لأنها أعون ~~على التحقيق والاختصار. # إذا عرفت هذا، فقد أجيب عن السؤال الأول، وهو أن الفقه من باب الظنون، ~~فيخرج عن التعريف بالعلم، بأن الحكم معلوم والظن في طريقه. # وبيانه: أن الفقيه إذا غلب على ظنه أن الحكم كذا، علم قطعا بحصول ذلك ~~الظن، لأنه أمر وجداني، كالصحة والسقم واللذة والألم، يقطع الإنسان بوجود ~~ذلك من نفسه، وعلم قطعا بوجوب العمل عليه بمقتضى ذلك الظن، بناء على ما ثبت # PageV01P157 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # من أن الظن موجب للعمل، أي: إذا ~~غلب على ظن المجتهد حكم، وجب عليه العمل والفتيا إذا سئلها بذلك الحكم. # ودليل أن الظن يوجب العمل: الإجماع، وما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~من أحكامه المبنية على الظنون، ولذلك قال: إنكم لتختصمون إلي، ولعل أحدكم ~~ألحن بحجته من صاحبه، وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع الحديث. وقوله: ~~البينة على المدعي واليمين على من أنكر وإنما يفيد ذلك الظن، ونحو ذلك مما ~~يكثر. ومن جهة العقل، أن غالب أدلة الشرع أمارات لا تفيد إلا الظن، فلو لم ~~يجب العمل بالظن، لبطلت أكثر أحكام الشرع، أو لزم المكلف أن لا يعمل إلا ~~بالقطع، مع أن دليل الشرع لا يفيده، وهو تكليف ما لا يطاق، وهو وإن كان ms0063 # PageV01P158 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # جائزا، لكنه غير واقع في الفروع. # وهذا هو جواب الإمام فخر الدين في «المحصول» ، ولفظه: فإن قلت: الفقه من ~~باب الظنون، فكيف جعلته علما؟ قلت: المجتهد إذا غلب على ظنه مشاركة صورة ~~لصورة في مناط الحكم، قطع بوجوب العمل بما أدى إليه ظنه، فالحكم معلوم ~~قطعا، والظن وقع في طريقه. انتهى كلامه. # ومثاله، قولنا: الخمر محرم بعلة الإسكار، وهي مناط الحكم، والنبيذ يشارك ~~الخمر في العلة، فغلب بذلك على ظننا تحريم النبيذ، وعلمنا بالإجماع وجوب ~~تحريم الخمر واجتنابه، بمقتضى هذا الظن، فالحكم المطلوب، هو وجوب اجتنابها، ~~وهو مقطوع به، وإنما وقع الظن في طريق التوصل إلى معرفة هذا الوجوب، وهو ~~قولنا: النبيذ يشارك الخمر في الإسكار، الذي هو علة تحريم الخمر، وهو مناط ~~الحكم، وإذا شاركه في مناط الحكم، وجب القول بتحريمه. # فهذا قياس توصلنا به إلى حصول الظن بتحريم النبيذ، وهو قياس ظني، فلما ~~حصل لنا الظن من القياس المذكور، حكمنا بالإجماع والعقل، على ما قررناه من ~~وجوب القول بالتحريم، ومن المعلوم أن القياس الشرعي ظني، وأن الإجماع قاطع، ~~فالإجماع القاطع أوجب العمل بالظن الحاصل عن القياس الذي هو طريق إلى العلم ~~بالوجوب. # وقال ابن الصيقل في جواب هذا السؤال: الظنون ليست فقها، وإنما الفقه ~~العلم بوجوب العمل عند قيام الظنون. # وقد أكثرت في هذا المكان، لأنه مما يستشكل فهمه، فقصدت بالإكثار فيه # PageV01P159 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # إيضاحه. # قوله: «واعلم أن هذا يقتضي» . إلى آخره، هذه صورة مناقشة على حد الفقه ~~المذكور، وتقريرها: أن ما ذكرناه من الجواب عن السؤال المذكور يقتضي أن ~~تقدير لفظ الحد هكذا: الفقه هو العلم بوجوب العمل بالأحكام الشرعية، أو ~~العلم بحصول الظن بوجوب العمل بالأحكام، أو العلم بحصول ظن الأحكام إلى ~~آخره، أي إلى آخر الحد، يعني العلم بحصول ظن الأحكام الشرعية الفرعية عن ~~أدلتها التفصيلية بالاستدلال، لأنه قد تقرر في جوابنا عن السؤال المذكور، ~~أن المراد بقولنا: الفقه: العلم بالأحكام، أنه إذا غلب على ظننا حكم، علمنا ~~بالإجماع وجوب العمل به، فصار بالضرورة تقدير الكلام في ms0064 الحد: أن الفقه هو ~~العلم بوجوب العمل بالأحكام الشرعية الحاصلة عن الطرق الظنية، وفيه تعسف لا ~~يليق بالتعريفات - والتعسف والعسف والاعتساف: الأخذ على غير الطريق - ووجه ~~التعسف في ذلك كثرة الحذف والإضمار في الحد، والحذف يقتضي إبهام المعنى ~~وخفاءه، والحد يقتضي كشفه وإظهاره، فيتنافيان. # قوله: «وقيل: المراد بالعلم الظن مجازا» . هذا صورة اعتذار عن الحد ~~المذكور، وتمشية له، ودفع للسؤال الأول عنه. # وتقريره: أن المراد بقولنا: هو العلم بالأحكام، الفقه هو ظن الأحكام، # PageV01P160 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فلا يرد قولهم: الفقه من باب ~~الظنون، فكيف يسمونه علما؟ لأن مرادنا بالعلم الظن مجازا، وذلك لأن بين ~~العلم والظن قدرا مشتركا، وهو الرجحان، لأن العلم هو حكم جازم، والظن حكم ~~راجح غير جازم، وهذا الرجحان المشترك صحح إطلاق العلم وإرادة الظن مجازا، ~~وهو العلاقة المجوزة، كما سيأتي في اللغات إن شاء الله تعالى. # قال: «وهو أيضا لا يليق» لأن الحدود يجب أن يجتنب فيها الإبهام ومظنته، ~~كاللفظ المجمل والمجاز والغريب، خصوصا إذا لم يكن المجاز واضحا، وهو فيما ~~نحن فيه كذلك، فإن أحدا لم يعلم أن مرادكم بالعلم هاهنا الظن، حتى فسرتموه ~~أنتم وقلتم: أردنا به الظن، وإنما فسرتموه بذلك فرارا من السؤال المذكور، ~~وفي ذلك أيضا محذور لفظي، وهو أنه إذا فسر العلم بالظن، وصيغة الحد بحالها، ~~صار التقدير: الفقه، هو الظن بالأحكام، وهو عبارة قبيحة، لأن ظننت يتعدى ~~بنفسه، نحو ظننت الأمر، ولا يقال ظننت بالأمر، بخلاف علمت، لأنه يتعدى ~~بنفسه وبحرف الجر، نحو علمت الشيء وعلمت بالشيء، فلذلك جاز أن يقال: العلم ~~بالأحكام، ولم يجز الظن بالأحكام، وإن غيرت صيغة الحد فقيل: الفقه، ظن ~~الأحكام، أفضى إلى التجوز فيها وإسقاط بعض حروفها، وفيه خبط عظيم، ثم يخرج ~~منه الأحكام المعلومة ; لأنها ليست مظنونة. # تنبيه: قول القائل: هذا لا يليق، وهذا ليس بلائق، معناه: لا يماس ولا ~~يلاصق ولا يعلق، قال الجوهري: ما لاقت المرأة عند زوجها، أي: ما ألصقت ~~بقلبه، وهذا الأمر لا يليق بك، أي لا يعلق بك، وفلان ما يليق درهما ms0065 من ~~جوده، أي ما يمسكه، ولاق به فلان: لاذ به. # PageV01P161 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قلت: والمادة راجعة إلى هذا ~~المعنى، وهو قريب من الاستعمال الاصطلاحي، إذ معنى لا يليق: لا يناسب. # وأجاب القرافي عن السؤال المذكور بجواب التزم فيه أن الأحكام الشرعية ~~معلومة - وظاهره الغلط أو المغالطة - وقرره من وجهين: # أحدهما: أن كل حكم شرعي فهو ثابت بالإجماع، وكل ما ثبت بالإجماع فهو ~~معلوم، فكل حكم شرعي معلوم. # وإنما قلنا: إن كل حكم شرعي ثابت بالإجماع، لأن الحكم إما متفق عليه، فهو ~~ثابت بالإجماع، أو مختلف فيه، وقد انعقد الإجماع على أن كل مجتهد غلب على ~~ظنه حكم شرعي فهو حكم الله في حقه وحق من قلده، فقد صارت الأحكام في مواضع ~~الخلاف ثابتة بالإجماع عند الظنون، فكل حكم شرعي ثابت بالإجماع. # وأما أن ما ثبت بالإجماع معلوم، فبناء على عصمة الإجماع. # الوجه الثاني: قال: كل حكم شرعي ثابت بمقدمتين قطعيتين، وكل ما ثبت ~~بمقدمتين قطعيتين، فهو معلوم، فكل حكم شرعي معلوم. # وفرض الكلام في حكم بتقرير يطرد في كل حكم، وهو أن وجوب التدليك في ~~الطهارات مظنون لمالك قطعا عملا بالوجدان، وكل ما ظنه مالك، فهو حكم الله ~~قطعا عملا بالإجماع، فوجب أن التدليك حكم الله قطعا. # وأما أن ما ثبت بمقدمتين قطعيتين معلوم، فهو ظاهر. # PageV01P162 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قلت: ووجه الخلل في هذا التقرير، ~~أما على الوجه الأول، فقوله: كل مجتهد غلب على ظنه حكم، فهو حكم الله في ~~حقه. # قلنا: نعم، لكن نحن في تعريف الفقه من حيث هو فقه، لا من حيث هو فقه ~~مجتهد خاص، إذ ذلك يصير إثباتا للمطلوب العام بالتقرير الخاص، وهو لا يصح. # ثم قوله: فقد صارت الأحكام في مواضع الخلاف ثابتة بالإجماع. # إن أراد بهذا الكلام عمومه، فهو تناقض ظاهر، إذ لو كان كذلك، لما اختلف ~~العلماء في حكم، وإن أراد أنها ثابتة بالإجماع عند مجتهد خاص، وهو من حصل ~~له ظن تلك الأحكام، رجع الأمر إلى ما قلناه من تقرير الدعوى العامة ~~بالطريقة الخاصة. # وأما بيان الخلل ms0066 في الوجه الثاني، فبنحو ذلك أيضا، وهو أن قوله: وجوب ~~التدليك مظنون لمالك، فيكون حكم الله قطعا. # إن أراد به حكم الله قطعا في حق كل مجتهد، فهو باطل، لأن بقية الأئمة ~~صرحوا بخلافه. # وإن أراد به حكم الله في حق مالك، فصحيح، لكن نحن كلامنا في تعريف الفقه ~~المطلق بالنسبة إلى كل مجتهد في الشريعة، فكيف يثبت ذلك بفرض الكلام في فقه ~~مالك أو غيره بخصوصه. # ثم لو قال الشفعوي: عدم وجوب التدليك مظنون للشافعي عملا بالوجدان، فيكون ~~حكم الله قطعا في حقه، عملا بالإجماع، فإن أريد بالقطع فيما قرره القطع ~~العام، تناقصت القطعيات، لأن هذا يقطع بالوجوب، وهذا بعدمه، وذلك # PageV01P163 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # محال. # وإن أراد القطع الخاص في حق كل إمام بحسب مقتضى اجتهاده، رجعنا إلى تقرير ~~الدعوى العامة بالطريقة الخاصة. # فهو كمن يقول: كل حيوان ضحاك، فإذا أبطل عليه بأكثر الحيوانات، قال: أنا ~~أردت كل حيوان ناطق ضحاك، فيرجع حاصل الأمر إلى تخصيص الدعوى، وهو غير ~~مسموع. # نعم لو قال: فقه مالك معلوم، أو الأحكام عند مالك معلومة، ثم سلك في ~~تقريره الطريقة المذكورة، لاستقام له، لأنه تقرير خاص بخاص. # أما ما ذكره تقريرا، لكون أحكام الفقه المطلق معلومة، فتقريره في فرضه ~~الخاص، وجوب التدليك عند مالك معلوم قطعا، فيكون كذلك عند أبي حنيفة ~~والشافعي وغيرهما، وهو كما تراه. # قوله: «وعن الثالث» ، أي: والجواب عن السؤال الثالث، وهو قولكم: إن أريد ~~أن الفقه العلم ببعض الأحكام، دخل فيه المقلد، وإن أريد جميع الأحكام، لم ~~يوجد فقه ولا فقيه. # وجوابه: أن لنا التزام كل واحد من القسمين، فإن التزمنا أن المراد العلم ~~ببعض الأحكام، فالمراد العلم بها بأدلتها وأماراتها ووجه استفادتها منها، ~~والمقلد لا يعلم بعض الأحكام كذلك، فلا يدخل في الحد، فيكون مانعا. وإن ~~التزمنا أن المراد العلم بجميع الأحكام، فالمراد العلم بجميعها بالقوة ~~القريبة من الفعل، # PageV01P164 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والمراد بذلك تهيؤه، يعني تهيؤ ~~المجتهد للعلم بالجميع لأهليته للاجتهاد، لما عنده من الاستعداد بمعرفة ~~أدلة الأحكام، ووجوه دلالتها، وكيفية اقتباس الأحكام ms0067 منها، وذلك هو أصول ~~الفقه. # وحاصل هذا الجواب، أنه ليس المعتبر أن يكون عالما بجميع الأحكام بالفعل، ~~أعني يستحضرها في الحال، بل بعضها بالفعل والاستحضار، وبعضها بالقوة، بمعنى ~~أنه يمكنه معرفتها بعرضها على أدلة الشرع التي قد استعد بمعرفتها لذلك، وهو ~~القوة القريبة من الفعل، وحينئذ لا يلزم من العلم بها العلم بجميعها ~~بالفعل، فلا يضر قول الأئمة: لا ندري في جواب ما سئلوا عنه من الأحكام، مع ~~تمكنهم من علم ذلك بالاجتهاد قريبا، أي: على قرب من الزمان. بخلاف المقلد، ~~فإنه لا يمكنه معرفة حكم لا يستحضره قريبا ولا بعيدا، وهذا شرح قوله: # «وعن الثالث بأن المراد بعض الأحكام إلى آخره» ، ورجع حاصله إلى الأحكام ~~بأدلتها أو أماراتها، أو إلى تخصيص العلم بما كان بالفعل أو القوة القريبة. # قلت: فقد حصل الجواب عن السؤال الأول والثالث. # وأما الثاني: وهو أن قوله: عن أدلتها «التفصيلية لا فائدة له» لما سبق ~~تقريره لم أجب عنه في المختصر، لأنه لم يخطر لي عنه حين الاختصار جواب. # والجواب عنه الآن: أنه إنما ذكر على جهة التبيين لا على جهة التقييد، أي: ~~لم تقيد الأدلة بالتفصيلية، اعتقادا بأن بعض العلوم تكون أدلته بالنسبة ~~إليه غير # PageV01P165 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # تفصيلية، بل أردنا تبيين أن أدلة ~~هذا العلم تفصيلية، ولا يلزم من ذلك نفي التفصيل عن أدلة غيره ولا إثباته. # قوله: «ولو قيل: ظن جملة» أي: لو قيل: الفقه: «ظن جملة من الأحكام ~~الشرعية الفرعية، باستنباطها من أدلة تفصيلية، لحصل المقصود» يعني مقصود ~~الحد الأول، أو مقصود حد الفقه، إذ لا تفاوت بينهما، «وخف الإشكال» ، لأن ~~الإشكال الذي ورد على لفظ العلم في الحد الأول لا يرد هاهنا. # وكذلك السؤال الوارد على لفظ «الأحكام» ، هل المراد بعضها أو جميعها؟ ولا ~~يرد أيضا، لقولنا: «ظن جملة من الأحكام» ، وقلت: خف الإشكال، ولم أقل: زال ~~الإشكال، لأنه يرد عليه مع ذلك أن شأن الحد التحقيق. وقولنا: «ظن جملة من ~~الأحكام» ليس تحقيقا، بل الجملة مجهولة الكمية، ولذلك قيدها الآمدي في ~~«المنتهى» ms0068 بقوله: العلم بجملة غالبة من الأحكام الشرعية الفرعية بالنظر ~~والاستدلال. # وفيه أيضا إجمال، لأن غلبة هذه الجملة لا يعلم حدها، ولذلك قال بعض ~~المتأخرين: ظن جملة غالبا عرفا، وأخبرني من أثق به عن الشرمساحي - وأظن أني ~~رأيته في كتابه - أنه رام التخلص عن هذا الإشكال بقوله: ظن جملة من الأحكام ~~الشرعية، يخرج بها عن عداد العامة في العرف، وهو راجع إلى ما قبله. # PageV01P166 # وأكثر المتقدمين قالوا: الفقه معرفة الأحكام الشرعية ~~الثابتة لأفعال المكلفين. وقيل: الناس، ليدخل ما تعلق بفعل الصبي ونحوه. ~~ولا يرد ما تعلق بفعل البهيمة، لأن تعلقه بفعلها بالنظر إلى مالكها، لا ~~إليها نفسها. # قوله: «وأكثر المتقدمين قالوا: ~~الفقه، معرفة الأحكام الشرعية الثابتة لأفعال المكلفين» وهذه عبارة ~~الغزالي، غير أنه قال: العلم بالإحكام الشرعية الثابتة لأفعال المكلفين. # ولفظ الشيخ أبي محمد في «الروضة» : العلم بأحكام الأفعال الشرعية، كالحل ~~والحرمة، والصحة والفساد، ولم يقصدوا بذلك تحقيق المتأخرين، بل أرادوا ~~الإشارة إلى حقيقة الفقه. # قوله: «وقيل: الناس» أي: وقيل: معرفة الأحكام الشرعية الثابتة لأفعال ~~الناس «ليدخل ما تعلق بفعل الصبي ونحوه» ، كالمجنون ممن ليس بمكلف، كضمان ~~إتلافاتهما وغراماتهما، إذ هما من الناس فيتناولهما هذا التعريف، وليسا من ~~المكلفين فيخرجان من الذي قبله. # لكن هذا يرد عليه ما يبطله، وهو أنه إذا حاولنا إدخال ما يتعلق بأفعالهما ~~في حد الفقه، لزم أن يكون لأفعالهما أحكام شرعية فيكونان مكلفين. # وقد يجاب عنه: بأن تعلق الضمان بأفعالهما، إنما هو بالنظر إلى وليهما، ~~كما يتعلق بفعل الدابة بالنظر إلى مالكها، وليست مكلفة، أو أنه من باب ربط ~~الحكم # PageV01P167 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بالسبب، كما سنقرره إن شاء الله ~~تعالى. # قوله: «ولا يرد ما تعلق بفعل البهيمة» أي: لا يرد على قولنا: «الثابتة ~~لأفعال المكلفين أو الناس» ما تعلق بفعل البهيمة، كضمان ما أتلفته من زرع ~~وغيره، نقضا، من جهة أنه قد تعلق الحكم الشرعي بفعلها، وليست مكلفة، ولا من ~~الناس «لأن تعلقه بفعلها بالنظر إلى مالكها لا إليها نفسها» فكأنها كالآلة ~~له يتعلق الحكم به بواسطة فعلها، ويرجع ms0069 إلى ربط الحكم بالسبب. # وقال في «المحصول» : الفقه عبارة عن العلم بالأحكام الشرعية العملية ~~المستدل على أعيانها بحيث لا نعلم كونها من الدين ضرورة، والسؤال على لفظ ~~العلم قد سبق وجوابه. والعملية: احتراز عن العلم بكون الإجماع وخبر الواحد ~~والقياس حجة، فإنها أحكام شرعية، وليست من الفقه، لأنها ليست عملية، أي: ~~ليس العلم بها علما بكيفية عمل. والمستدل على أعيانها: احتراز من علم ~~المقلد لأنه عن غير استدلال، كما سبق. # خاتمة لهذا الفصل: كنت قد وعدت بذكر العلم، لوقوعه في حد الفقه، وبمقتضى ~~ذلك ينبغي أن يذكر الظن والمعرفة أيضا، لوقوعهما في الحدود، فلنذكر ذلك مع ~~غيره مما يليق ذكره هاهنا. # فنقول: أما العلم فالكلام في حده وأقسامه ومداركه، أما حده، فقد كثر لهج ~~المتقدمين فيه بقولهم: معرفة المعلوم على ما هو به، وذكره القاضي في ~~«العدة» وقال: لو اقتصرنا على معرفة المعلوم لكفى، لأن معرفته لا تكون إلا ~~على ما هو به، وإلا لم تكن معرفة له، وإنما قلنا: معرفة المعلوم، ولم نقل: ~~الشيء، لأن المعلوم # PageV01P168 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أعم، لتناوله الموجود والمعدوم، ~~وهو معلوم أيضا، أي: يتعلق به العلم، والشيء خاص بالموجود، فليس المعدوم ~~شيئا على رأينا. # وأبطل هذا التعريف بأمرين: # أحدهما: أن المعرفة مرادفة للعلم، يقال: علمت الشيء وعرفته، بمعنى واحد ~~ولهذا قيل في قوله تعالى: {لا تعلمونهم الله يعلمهم} [الأنفال: 60] ، أي: ~~لا تعرفونهم، وتعريف الشيء بمرادفه لا يصح، إذ هو تعريف له بنفسه. # الأمر الثاني: أنه تعريف دوري، لأن لفظ المعلوم مشتق من العلم، فلا بد من ~~معرفته، وحينئذ يحتاج في معرفة العلم إلى معرفة العلم، وهو دور. # وقال بعضهم: العلم ما أوجب لمن قام به كونه عالما. # وهو دوري أيضا، لأن العالم من قام به العلم، فيصير التقدير: العلم: ما ~~أوجب لمن قام به أن يقوم به العلم. # وحكي عن المعتزلة أنهم قالوا: العلم: هو اعتقاد الشيء على ما هو به، وزاد ~~بعضهم: مع سكون النفس إلى معتقده. # وهو باطل، بأن علم الله - سبحانه وتعالى - لا يسمى اعتقادا، ms0070 وباعتقاد ~~العامة، فإنهم يعتقدون الشيء ويسكنون إليه، وقد يكون باطلا في نفس الأمر ~~وجهلا، وبأن الشيء يخص الموجود عندنا والمعدوم ولم يتناوله الحد، فيكون غير ~~جامع. # وقال ابن عقيل في «الواضح» : العلم وجدان النفس الناطقة للأمور بحقائقها. # وفيه من الخلل، أن لفظ «وجدان» مشترك أو متردد، غير أن قرينة التعريف دلت ~~على أن المراد به الإدراك، فيقرب الأمر. # وفيه أن علم البارئ - سبحانه وتعالى - يخرج منه، لأنه ليس نفسا ناطقة، ~~فلو قال: وجدان النفس للأمور بحقائقها، لأمكن دخول علم الله - سبحانه ~~وتعالى - فيه، # PageV01P169 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # على ظاهر قوله تعالى: {تعلم ما في ~~نفسي ولا أعلم ما في نفسك} [المائدة: 116] اللهم إلا أن يكون ابن عقيل عرف ~~بما ذكرناه العلم المحدث، وقد بعد عهدي بكلامه. # وقد اختار جماعة من المتأخرين في حد العلم عبارات. # فمنهم ابن الصيقل من أصحابنا قال: العلم هو القضاء بأن الأمر كذا، مع ~~القضاء بأنه لا يمكن أن يكون إلا كذا قضاء لا يمكن زواله، والأمر في نفسه ~~كذلك، وهذه عبارة كثير من المنطقيين. # فقوله: القضاء بأن الأمر كذا، جنس الحد، وقوله: مع القضاء بأنه لا يمكن ~~أن يكون إلا كذا، فصل يخرج به الظن، لأنه قضاء بأن الحكم كذا، لكن مع إمكان ~~ألا يكون، وقوله: لا يمكن زواله، يفصله عن اعتقاد المقلد المصمم على ~~اعتقاده، فإنه يمكن زواله بالتشكيك أو بتغير الاجتهاد، وقوله: والأمر في ~~نفسه كذلك، يفصله عن الجهل، لأنه قضاء، لكنه غير مطابق. # ومنهم سيف الدين الآمدي، قال: العلم، عبارة عن صفة يحصل بها لنفس المتصف ~~بها التمييز بين حقائق الأمور الكلية تمييزا لا يتطرق إليه احتمال مقابله. # ومنهم ابن الحاجب، اختصر ذلك، فقال: العلم صفة توجب تمييزا لا يحتمل ~~النقيض. # فقوله: صفة، جنس للحد، يتناول جميع الصفات، كالحياة والقدرة والإرادة، ~~وقوله: توجب تمييزا، أخرج جميع ذلك إلا الصفة المذكورة، لكن بقي الحد ~~متناولا للظن والشك والوهم، لأن جميعها صفات توجب تمييزا، فبقوله: لا يحتمل ~~النقيض، خرج ذلك، وبقي الحد مستقلا بصفة العلم. # PageV01P170 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والذي فهم من ms0071 كلام فخر الدين في ~~أثناء تقسيم ذكره: أن العلم هو الحكم الجازم المطابق لموجب. # فالحكم، هو إسناد الذهن أمرا إلى آخر بإيجاب أو سلب، كقولنا: العالم محدث ~~أو ليس بقديم، والجازم: القاطع الذي لا تردد فيه، وبه يخرج الظن والشك ~~والوهم، والمطابق: الموافق لما في نفس الأمر، وهو معنى قول غيره: والأمر في ~~نفسه كذلك، وبه يخرج الجهل المركب، وهو الحكم الجازم غير المطابق، كقول ~~القائل: زيد في الدار، وليس فيها، وقوله: لموجب، أي: لمدرك، استند الحكم ~~إليه من عقل أو حس أو ما تركب منهما، وهو احتراز عن اعتقاد المقلد المطابق، ~~فإنه حكم جازم مطابق وليس بعلم، لأنه ليس لموجب. # هذا ما اتفق ذكره في هذا الباب، وفيه للناس غير ذلك كثير. # وأما أقسام العلم، فإنه ينقسم بحسب الزمان إلى قديم، وهو ما لا أول له، ~~وهو علم الله - سبحانه وتعالى -، وهو علم واحد ليس بعرض ولا ضروري، يتعلق ~~بجميع المعلومات إجمالا وتفصيلا، وإلى محدث، وهو ماله أول، وهو علم من سوى ~~الله تعالى. # وهو ينقسم إلى تصور، وهو إدراك الحقائق مجردة عن الأحكام، وقيل: حصول ~~صورة الشيء في العقل. # وإلى تصديق، وهو نسبة حكمية بين الحقائق بالإيجاب أو السلب، وقيل: إسناد ~~أمر إلى آخر إيجابا أو سلبا، كقولنا: العلم حسن، أو ليس بقبيح، والبيع ~~صحيح، أو ليس بصحيح. # وكل واحد من التصور والتصديق، إما بدهي غني عن الكسب، كتصورنا معنى # PageV01P171 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # النار، وأنها حارة، ومعنى الواحد، ~~وأنه نصف الاثنين، وإما كسبي، كتصورنا معنى الملك، وأنه من نور، ومعنى ~~الجني، وأنه من نار. # وأما مدارك العلم، وهي الطرق التي يدرك بها، فهي على تعددها، إما حس أو ~~عقل أو مركب منهما. # والحس: إما باطن، وهو الوجدان، كما يجده الحي في نفسه من الألم واللذة ~~والجوع والعطش والقبض والبسط وغير ذلك من عوارض النفس، وإما ظاهر، وهو ~~الحواس الخمس: السمع، والبصر، والشم، والذوق، واللمس. # والعقل: غريزة طبعية يدرك بها المعاني الكلية، وقيل: علوم ضرورية، وهي ~~العلم بوجوب الواجبات، واستحالة المستحيلات، وجواز ms0072 الجائزات، وقيل: جوهر ~~بسيط يدرك ذلك، وقد أطلت القول فيه لفظا ومعنى في كتاب «إبطال التحسين ~~والتقبيح» وهل محله الرأس أو القلب؟ فيه قولان للناس، وروايتان عن أحمد ~~والشافعي، والمختار أنه في الرأس، وهل يختلف بالقلة والكثرة، والكمال ~~والنقص؟ فيه قولان للعلماء. # قال أصحابنا: نعم، لأن كمال الشيء ونقصه يعرف بكمال آثاره وأفعاله ~~ونقصها، ونحن نشاهد قطعا تفاوت آثار العقول في الآراء والحكم والحيل ~~ونحوها، وذلك يدل على تفاوت العقول نفسها، وأجمع العقلاء على صحة قول ~~القائل: فلان أقل عقلا من فلان، أو أكمل عقلا، وذلك يدل على ما ذكرناه. # وحكوا عن المعتزلة والأشعرية خلاف ذلك، لأن العقل حجة عامة يرجع إليها ~~الناس عند اختلافهم، ولو تفاوتت العقول، لما كان كذلك، وكان يلزم من ذلك ~~السفسطة، إذ كان يتسع لبعض الناس إذا ألزم أن الواحد نصف الاثنين، أو ~~استحالة # PageV01P172 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # اجتماع الضدين، أن يقول: أنتم ~~تدركون ذلك وأنا لا أدركه، ولما رأينا الحجة تقوم مطلقا على عموم الناس، ~~عند الانتهاء إلى هذه القضايا، علمنا استواء الناس في العقول. # واعلم أن الحجة قوية من الطرفين، وهذا يقتضي أن النزاع ليس مورده واحدا، ~~ووجه الجمع بين القولين، أن العقل على ضربين: طبعي، وهو الذي لا يتفاوت في ~~العقلاء، وكسبي تجريبي، وهو الذي يتفاوتون فيه. # وقد جاء عن علي - رضي الله عنه -، أن العقل الطبيعي يتناهى إلى سبع ~~وعشرين سنة، والتجريبي لا يتناهى إلا بالموت. # ثم العقل، تارة يصدق بالحكم من غير واسطة، بل بمجرد تصور طرفي قضيته، ~~كقولنا: الواحد نصف الاثنين، وهي البديهيات والضروريات، وتارة يحتاج في ~~التصديق إلى واسطة النظر، كقولنا: العالم محدث، فيتوقف حتى يأتي بالواسطة، ~~فنقول: العالم مؤلف، وكل مؤلف محدث، وهي النظريات، وينتهي إلى الضروريات. ~~ألا ترى أنه لم يصدق بأن العالم محدث، وصدق بأنه مؤلف، لأنه ضروري له ~~مشاهد، وصدق بأن المؤلف محدث لأنه معلوم أيضا، إذ # PageV01P173 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المحدث ما له أول، والمؤلف من ~~ضرورته التأليف، وقبل تأليفه لم يكن مؤلفا، وذلك يوجب أن المؤلف له أول، ~~فيكون محدثا. ms0073 # والمركب من الحس والعقل، كالمتواترات المركبة من حس السمع والعلم بالعقل ~~أن عدد التواتر يمتنع عليه الكذب عادة، وكالتجريبيات المركبة من التجربة، ~~والعلم بالعقل أن الاتفاق لا يكون مطردا ولا أكثريا، وبقية الكلام على ~~القضايا وأنواعها موضعه كتب المنطق. # وأما الظن، فهو رجحان أحد الاحتمالين في النفس من غير قطع، وإن شئت فقل: ~~هو الحكم الراجح غير الجازم، وسندرجه في تقسيم حاصر له ولغيره إن شاء الله ~~- سبحانه وتعالى -، وذلك كقول القائل: تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون، ~~وتقدم بينة الخارج على بينة الداخل، أو بالعكس، ونحو ذلك من الأحكام ~~الفقهية، بل وبعض الأصولية، كقولنا: الأمر للوجوب والفور ونحوه، فإن قائل ~~ذلك لا يقطع به، بل يترجح عنده. # وأما المعرفة، فقيل: هي العلم، لما سبق في أول تعريف العلم، وقيل: بينهما ~~فرق، وهو أن المعرفة تستدعي سابقة جهل، بخلاف العلم، ولهذا لا يستعمل لفظها ~~بالنسبة إلى البارئ جل جلاله، فلا يقال: عرف الله كذا، فهو عارف، بخلاف علم ~~فهو عالم، وقيل في الفرق بينهما: غير ذلك. # تنبيه: حكم العقل بأمر على أمر، إما جازم أو غير جازم، والجازم إما غير ~~مطابق، وهو الجهل المركب، أو مطابق، وهو إما لغير موجب، وهو التقليد، ~~كاعتقاد العوام، # PageV01P174 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أو لموجب، وهو إما عقل وحده أو حس ~~أو مركب منهما، فالعقلي إن استغنى عن الكسب، فهو البديهي، وإلا فهو النظري. # والحسي وحده: هو المحسوسات الخمس، والوجدانيات منها كما سبق، أو ملحقة ~~بها لاشتباههما، إذ يقال في كل واحد منهما: أحسست بكذا، وأنا أحس بكذا. # والمركب من الحس والعقل: هو القضايا المتواترات والتجريبيات والحدسيات. # وأما الحكم غير الجازم، فإن استوى طرفاه، أي: تردد بين الاحتمالين على ~~السواء فهو شك، وإلا، فالراجح ظن، والمرجوح وهم. # وقد وقع في هذا التقسيم ذكر الجهل المركب، وقد سبق أنه الحكم الجازم غير ~~المطابق، والجهل البسيط هو عدم معرفة الحكم. # فإذا قيل للفقيه أو غيره مثلا: هل تجوز الصلاة بالتيمم عند عدم الماء؟ ~~فقال: لا أعلم، كان ذلك جهلا بسيطا. ولو ms0074 قال: لا يجوز، كان جهلا مركبا، ~~لأنه تركب من عدم الفتيا بالحكم الصحيح، ومن الفتيا بالحكم الباطل، والله ~~أعلم. # PageV01P175 # الفصل الثاني # في التكليف # وهو لغة: إلزام ما فيه كلفة، أي مشقة. # وشرعا: قيل: الخطاب بأمر أو نهي، وهو صحيح. إلا أن نقول: الإباحة تكليف ~~على رأي مرجوح، فترد عليه طردا وعكسا. فهو إذن إلزام مقتضى خطاب الشرع. وله ~~شروط، يتعلق بعضها بالمكلف، وبعضها بالمكلف به. # قوله في المختصر ### | : «الفصل الثاني في التكليف. # وهو لغة» ، أي: في اللغة «إلزام ما فيه كلفة أي: مشقة» . # قلت: إلزام الشيء والإلزام به: هو تصييره لازما لغيره، لا ينفك عنه مطلقا ~~أو وقتا ما. # قال الجوهري: والكلفة ما يتكلفه من نائبة أو حق، وكلفه تكليفا: إذا أمره ~~بما يشق. قلت: هذا تعريف لغوي بناء على ما اشتهر من حقيقة الكلفة، وتعريفها ~~الصناعي قد فهم من قوله: كلفه، أي: أمره بما يشق، فهي إذا كما قلناه: إلزام ~~ما يشق. والشق والمشقة واحد، وهو لحوق ما يستصعب بالنفس، قال الله سبحانه # PageV01P176 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وتعالى: {لم تكونوا بالغيه إلا بشق ~~الأنفس} [النحل: 7] . وأنشد الشيخ أبو محمد مستشهدا على التكليف قول ~~الخنساء في أخيها صخر بن عمرو بن الشريد: # يكلفه القوم ما نابهم ... وإن كان أصغرهم مولدا # أي: يلزمونه ذلك بحكم رئاسته عليهم. # قوله: «وشرعا» أي: والتكليف شرعا، أي: في الشرع، «قيل: الخطاب بأمر أو ~~نهي» . # هذا هو الذي ذكره الشيخ أبو محمد، وإنما قلت فيه: قيل، لما ذكرته بعد من ~~التفصيل، فإنه على أحد التقديرين يكون منقوضا. # قوله: «وهو» أي تعريف التكليف بما ذكر «صحيح، إلا أن نقول: الإباحة تكليف ~~على رأي مرجوح، فترد عليه» يعني: ترد الإباحة على تعريف التكليف المذكور ~~«طردا وعكسا» أي: من جهة الطرد والعكس. # قلت: قد اختلف الأصوليون في الإباحة، هل هي تكليف أم لا؟ على ما يأتي ~~بيانه إن شاء الله تعالى. فإن قلنا: ليست تكليفا، صح تعريف التكليف بما ~~ذكر، فيكون كل تكليف خطابا بأمر أو نهي، وكل خطاب بأمر أو نهي تكليفا. ms0075 # وإن قلنا: الإباحة تكليف، انتقض التعريف المذكور بها من جهة الطرد، وهو ~~وجود الحد بدون المحدود، لأنه ليس كلما وجد الخطاب بأمر أو نهي، وجد ~~التكليف، لأن الإباحة مثل قوله: {وكلوا واشربوا} [الأعراف: 31] {فإذا طعمتم ~~فانتشروا} [الأحزاب: 53] {وإذا حللتم فاصطادوا} [المائدة: 2] ، ونحوه من # PageV01P177 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المباحات، خطاب بأمر، وليس تكليفا. # وكذلك من جهة العكس، وهو انتفاء المحدود عند انتفاء الحد لأنه ليس كلما ~~انتفى الخطاب بأمر أو نهي، انتفى التكليف، لأن الخطاب بأمر أو نهي قد ~~ينتفي، ويكون التكليف موجودا في المباحات، إذ حقيقة الإباحة، التخيير بين ~~الفعل وتركه، نحو إن شئت فافعل، وإن شئت لا تفعل. وحقيقة التخيير، غير ~~حقيقة الأمر والنهي. # فإذا قلنا: الإباحة تكليف، فقد صح وجود التكليف مع انتفاء الأمر والنهي. # تنبيه: اطراد الحد، كونه جامعا لأجزاء المحدود، وانعكاسه، كونه مانعا. ~~فمعنى كونه مطردا منعكسا، هو معنى كونه جامعا مانعا. # فإذا قلنا: الإنسان حيوان ناطق، هو مطرد، لأنه حيث وجد الحيوان الناطق، ~~وجد الإنسان، ومنعكس، لأنه حيث انتفى الحيوان الناطق، انتفى الإنسان، وكذلك ~~نقول: هو جامع، لأنه جمع أجزاء نوع الإنسان، فلم يخرج عنه شيء منه، وهو ~~مانع، لأنه منع شيئا من أجزاء نوع الإنسان أن يخرج عنه. # والاطراد، مشتق من الطرد، قال الجوهري: طردت الإبل طردا وطردا، أي: ~~ضممتها من نواحيها، وقال في موضع آخر: اطرد الأمر، أي: استقام، واطرد ~~الشيء: تبع بعضه بعضا، فهذه المعاني كلها موجودة في اطراد الحد، لأنه يضم ~~أجزاء المحدود ويجمعها، ويتبع المحدود، بحيث يوجد حيث وجد، ويستقيم بذلك ~~ويستمر عليه. # وأما الانعكاس: فهو انفعال من العكس. # قال الجوهري: هو ردك آخر الشيء إلى أوله، والعكس في الاصطلاح، أعم من ~~هذا. ولا شك أن قولنا: إذا وجد وجد. # قلت: وإذا انتفى، فيه معنى العكس، لأن الوجود والعدم، والإثبات # PageV01P178 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والنفي متقابلان تقابل الأول ~~والآخر، أو نحو ذلك. # قوله: «فهو إذا» أي: فالتكليف إذا «إلزام مقتضى خطاب الشرع» ، أي حيث ~~قلنا: الإباحة تكليف، ووردت نقضا على حد التكليف بأمر أو نهي. # فحده الصحيح الذي ms0076 لا ينتقض بالإباحة، هو قولنا: إلزام مقتضى خطاب الشرع، ~~لأنه يتناول الإباحة، وهي قوله: إن شئت افعل وإن شئت لا تفعل، لأنها خطاب ~~الشرع، كما أن الأمر والنهي خطاب الشرع. # فالتكليف: إلزام مقتضى هذا الخطاب، وهو الأحكام الخمسة: الوجوب، والندب ~~الحاصلين عن الأمر، والحظر والكراهة الحاصلين عن النهي، والإباحة الحاصلة ~~عن التخيير، كما سيأتي تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى. # فإن قيل: مقتضى الإباحة لا يلزم، قلنا: يأتي جواب هذا إن شاء الله تعالى. # قوله: «وله شروط» أي: للتكليف شروط «يتعلق بعضها بالمكلف» وهو العاقل ~~المخاطب، «وبعضها بالمكلف به» وهو الفعل المستدعى بالخطاب. # PageV01P179 # أما الأول، ففيه مسائل: # الأولى: من شروط المكلف: العقل، وفهم الخطاب. فلا تكليف على صبي ولا ~~مجنون، لعدم المصحح للامتثال منهما، وهو قصد الطاعة. ووجوب الزكاة ~~والغرامات في ماليهما، غير وارد، إذ هو من قبيل ربط الأحكام بالأسباب، ~~كوجوب الضمان ببعض أفعال البهائم. # قوله: «أما الأول» يعني المتعلق من ~~الشروط بالمكلف «ففيه مسائل» : # «الأولى: من شروط المكلف العقل وفهم الخطاب» ، أي: يكون عاقلا يفهم ~~الخطاب، ولا بد منهما جميعا، إذ لا يلزم من العقل فهم الخطاب، لجواز أن ~~يكون عاقلا لا يفهم الخطاب، كالصبي والناسي والسكران والمغمى عليه، فإنهم ~~في حكم العقلاء مطلقا، أو من بعض الوجوه، وهما لا يفهمان. # قوله: «فلا تكليف على صبي ولا مجنون» هذا تفريع على ما قبله، أي: إذا كان ~~العقل والفهم من شروط المكلف، فلا تكليف على صبي، لأنه لا يفهم، ولا مجنون، ~~لأنه لا يعقل، وهو معنى قوله: «لعدم المصحح للامتثال منهما، وهو قصد ~~الطاعة» . أي: إن مقتضى التكليف: الامتثال، وهو قصد الطاعة بفعل المأمور ~~وترك المنهي تحقيقا لامتحان المكلف، كما قال سبحانه وتعالى: {ليبلوكم أيكم ~~أحسن عملا} [هود: 7] . # وشرط كون الامتثال طاعة، قصدها لله سبحانه وتعالى، رغبة ورهبة فيما عنده ~~من الوعد والوعيد، فهذا القصد، هو المصحح لكون الامتثال طاعة، وهو # PageV01P180 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مفقود في الصبي والمجنون، لأنهما ~~لا يفهمان، ومن لا يفهم الخطاب، لا يتصور منه قصد مقتضاه. # قوله: «ووجوب ms0077 الزكاة والغرامات في مالهما، غير وارد، إذ هو من قبيل ربط ~~الأحكام بالأسباب، كوجوب الضمان ببعض أفعال البهائم» . # هذا جواب سؤال مقدر، تقديره: أن الصبي والمجنون، إذا كانا غير مكلفين فلم ~~أوجبتم الزكاة، وغرامة ما أتلفاه في مالهما؟ والزكاة والغرامات إنما ثبتا ~~بخطاب الشرع، وقد ثبتا في حق الصبي والمجنون، فوجب أن يكونا مخاطبين. # وتقرير الجواب المذكور عن هذا السؤال: أن وجوب الزكاة والغرامات في ~~مالهما ليس من باب التكليف الخطابي لهما، إنما هو من قبيل ربط الأحكام ~~بأسبابها، كما أن البهيمة إذا أتلفت زرعا بالليل أو بالنهار بتفريط صاحبها، ~~أو غير ذلك من صور الضمان بأفعال البهائم، ضمن صاحبها، مع أن البهيمة ليست ~~مخاطبة، ولا مكلفة بالإجماع. # ومعنى ربط الحكم بالسبب: أن الشرع وضع أسبابا تقتضي أحكاما تترتب عليها، ~~تحقيقا للعدل في خلقه، ولمراعاة مصالحهم تفضلا منه، لا يعتبر فيها تكليف ~~ولا علم، حتى كأن الشرع قال: إذا وقع الشيء الفلاني في الوجود، فاعلموا أني ~~حكمت بكذا، كالموت مثلا، إذ هو سبب انتقال مال الميت إلى وارثه، سواء كان ~~عاقلا أو غير عاقل، عالما أو غير عالم، مختارا أو غير مختار، فينتقل الملك ~~إليه قهرا حتى لو كان فيه ذا رحم محرم، له عتق عليه، ولو باع مال مورثه ~~يعتقد حياته، فبان أنه كان عند البيع ميتا، صح البيع في أحد الوجهين، وكذلك ~~حولان الحول على # PageV01P181 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # اللقطة إذا عرفت سبب لملك الملتقط ~~لها قهرا، وتنصف المهر بعد قبض الزوجة له، سبب لملك الزوج لنصفه قهرا، ~~كالإرث، إذ لو كان الصداق باقيا نصفته على خلاف في هاتين الصورتين. # وشراء المضارب زوجة رب المال، أو ذا رحم محرم منه، سبب لفسخ النكاح ~~والعتق، وإن لم يعلم. # وإحبال الأمة سبب لصيرورتها أم ولد، وإن كان الواطئ مجنونا. # وإعسار الزوج بالنفقة، سبب لفسخ النكاح، حيث يقال به، وذلك كثير جدا. # وهو من باب خطاب الوضع، الآتي ذكره قريبا إن شاء الله تعالى. # وكذلك مال الصبي والمجنون، وضعه الشرع سببا لتعلق الزكاة به، والمخاطب ms0078 ~~بالإخراج الولي. وكذلك إتلافاتهما سبب لتعلق الضمان بمالهما، وإتلاف ~~البهيمة لما أتلفته سبب لضمان مالكها، وهو المخاطب. # تنبيه: مأخذ الخلاف بيننا وبين أبي حنيفة في وجوب الزكاة في مال الصبي ~~والمجنون، هو تردد الزكاة بين كونها عبادة، فلا تجب عليهما، لعدم تكليفهما، ~~كالصلاة، أو مؤنة مالية، فتجب في مالهما، كنفقة الأقارب والزوجات. # ولا شك أن فيها الشائبتين، أما شائبة العبادة، فبدليل أن النية تجب فيها، # PageV01P182 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # حتى لو أخرجت بغير نية من المالك ~~أو نائبه، لم تقع الموقع، وإذا أخذها الإمام قهرا من الممتنع منها، أجزأت ~~ظاهرا لا باطنا، بمعنى أنه لا يرجع بها ثانيا، لا بمعنى براءة عهدته مع ~~الله تعالى. # وأما شائبة النفقة المالية، فمن جهة أن الله سبحانه وتعالى جعل مصرفها ~~للفقراء والمساكين وغيرهما من الأصناف، فكأنه أوجب على الأغنياء نفقة ~~الفقراء بقرابة الإسلام، فلله سبحانه وتعالى في الزكاة حكمتان ظاهرتان: # إحداهما: في مصدرها، وهم الأغنياء، بالابتلاء ببذل المال المحبوب في طاعة ~~علام الغيوب. # والثانية: في موردها، وهم الفقراء، بإقامة أودهم من جهة الأغنياء، ولهذا ~~يقال: الفقراء عيال الأغنياء. # وقال بعض الفضلاء: لما خلق الله سبحانه وتعالى خلقه على ضربين: غني ~~وفقير، فرض للفقراء كفايتهم في مال الأغنياء، لكن الأغنياء ضيقوا على ~~الفقراء، إما بمنع ما يجب، أو بأخذ ما لا يستحق. # وإذا ثبت تردد الزكاة بين العبادة والنفقة، فأبو حنيفة غلب معنى العبادة، ~~وغيره غلب معنى النفقة، وهو الأظهر، لأنا نقول: بتقدير أن يكون الغالب في ~~نظر # PageV01P183 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الشارع فيها العبادة، يتضرر الصبي ~~بإيجابها في ماله، إذ يوجب في ماله مال لا يلزمه. # وبتقدير أن يكون الغالب فيها النفقة، يتضرر الفقراء بمنعهم ما يستحقونه، ~~وإذا تعارض الضرر، فمراعاة جانب الفقراء أولى، لأن ما يأخذونه جزء يسير من ~~المال، والباقي أكثر، وقد راعى العلماء جانبهم في مسائل كثيرة من باب ~~الزكاة، كضم أنواع الجنس من المال في تكميل النصاب، وفي الإخراج بالوزن أو ~~بالقيمة، وفي تقويم العروض بما هو أحظ لهم ونحو ذلك. # وأما وجوب الضمان بإتلافهما، وإتلاف كل ms0079 مخطئ، وإتلاف البهيمة للأموال، ~~فأصله أن الشرع ورد بالتكليف والعدل، وبابهما مختلف، كما قررته في «القواعد ~~الصغرى» . # ومن العدل، ألا تذهب حقوق الناس المالية هدرا بوجه من الوجوه، لما علم من ~~وضع أمرهم على الفقر، والحاجة إلى قوام المعاش، فلذلك كانت هذه الأفعال ~~سببا لاستدراك الضرر المالي، وإن صدرت عن غير مكلف، تحقيقا للعدل. # فإن قيل: القاعدة الشرعية، أن العقوبات لا تناسب إلا من قصد انتهاك ~~المحارم، والمخطئ وغير المكلف لم ينتهك حرمة حتى يعاقب عليها بالغرامة، ~~فالجواب من وجهين: # أحدهما: أن هذا ليس من باب العقوبة، لأن العقوبة زاجر، والضمان جابر، ~~ولهذا لم تتداخل، بخلاف بعض الزواجر، كالحدود، فإنها تتداخل، فعلى هذا وجوب ~~القصاص في العمد، زاجر ترتب على خطاب تكليفي، ووجوب الدية في # PageV01P184 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الخطأ، جابر ترتب على خطاب وضعي ~~سببي، وكذلك الحد على الزنى بالمكرهة، زاجر، ووجوب المهر لها وللموطوءة ~~بشبهة جابر، ولذلك نظائر كثيرة. # الثاني: لو سلمنا أن الضمان عقوبة، وأن عدم انتهاك الحرمة يقتضي دفعها، ~~غير أن هذا يعارضه ما يترتب على عدم الضمان من تضرر الإنسان، لفوات عين ~~ماله، فرجح الشارع هذا المعارض، وترك له القاعدة الشرعية في باب العقوبات، ~~وجعله عدلا عاما بين الخلق، فإن الإنسان تارة يكون متلفا، فيضمن، وتارة ~~يكون متلفا له، فيأخذ، وتارة تتلف دابته مال غيره فيضمن له، وتارة تتلف ~~دابة غيره ماله فيضمنه، فكان هذا أولى من تضييع حقوق الناس، لمراعاة قاعدة ~~مناسبة لا يضر انخرامها لتحصيل مصلحة راجحة. # PageV01P185 # وفي ### | تكليف المميز، # قولان: الإثبات، لفهمه الخطاب. والأظهر النفي، إذ أول وقت يفهم فيه ~~الخطاب، غير موقوف على حقيقته، فنصب له علم ظاهر يكلف عنده، وهو البلوغ. # ولعل الخلاف في وجوب الصلاة والصوم عليه، وصحة وصيته وعتقه وتدبيره ~~وطلاقه وظهاره وإيلائه ونحوها، مبني على هذا الأصل. # قوله: «وفي تكليف المميز، قولان» ~~عن أحمد: # «الإثبات» أي: أحد القولين، إثبات تكليفه، لأنه يفهم الخطاب، ولذلك سمي ~~مميزا، لأنه يميز الأقوال والأفعال بعضها من بعض، خيرا وشرا، وجيدا ورديئا. # والتمييز: التخليص والتفصيل، ولهذا ms0080 قال ابن جني في «اللمع» : التمييز: ~~تخليص الأجناس بعضها من بعض، ويقال: ميزت هذا من هذا، أي: أفرزته عنه، ~~وفصلته منه، فإذا فهم المميز الخطاب، كان مكلفا، كالبالغ. # «والأظهر» يعني من القولين، «النفي» يعني: نفي تكليف المميز، «إذ أول وقت ~~يفهم فيه الخطاب، غير موقوف على حقيقته، فنصب له علم ظاهر يكلف عنده، وهو ~~البلوغ» . # قلت: هذا توجيه ظاهر، وأزيده كشفا بأن نقول: العقل قوة غريزية، يدرك بها ~~الكليات وغيرها، وهو يوجد بوجود الإنسان، ثم يتزايد بتزايد البدن تزايدا ~~تدريجيا خفيا عن الحس، كتزايد الأجسام النباتية والحيوانية في النماء، وضوء ~~الصبح، وظل الشمس، ونحوها من المتزايدات الخفية، فلا يمكن الوقوف على أول # PageV01P186 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وقت يفهم فيه الخطاب، فجعل الشرع ~~بلوغه علما ظاهرا على أهليته للتكليف، وضابطا له. # وعلامات البلوغ: الاحتلام، أو الإنبات، أو استكمال خمس عشرة سنة، كما ذكر ~~في الفقه، يعني من أحكامه المختلف فيها. # قوله: «ولعل الخلاف في وجوب الصلاة والصوم عليه، وصحة وصيته وعتقه، ~~وتدبيره وطلاقه، وظهاره وإيلائه، ونحوها» يعني: من أحكامه المختلف فيها ~~«مبني على هذا الأصل» ، أي: على أنه مكلف، أو لا. # وكل هذه الأحكام، مختلف فيها بين أهل العلم في حق الصبي على تفاصيل ذكرت ~~في الفقه، فإن ثبت بالاستقراء أو غيره، أن الخلاف فيها مبني على الأصل ~~المذكور، فقد تبعت الفروع أصلها ولا كلام، وإن ثبت في حقه شيء منها، مع ~~القول بأنه غير مكلف، كان ذلك من باب ربط الحكم بالسبب، كما سبق في الزكاة ~~والغرامة في ماله. # PageV01P187 # الثانية: لا تكليف على النائم والناسي والسكران الذي ~~لا يعقل، لعدم الفهم. وما ثبت من أحكامهم، كغرامة، ونفوذ طلاق، فسببي، كما ~~سبق. فأما {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} فيجب تأويله، إما على معنى: لا ~~تسكروا ثم تقربوا الصلاة، أو على من وجد منه مبادي النشاط والطرب ولم يزل ~~عقله، جمعا بين الأدلة. # تكليف النائم والناسي والسكران: # قوله: «الثانية» ، أي: المسألة الثانية من مسائل شروط المكلف، «لا تكليف ~~على النائم والناسي والسكران الذي لا يعقل، لعدم ms0081 الفهم» يعني: لعدم فهمهم ~~للخطاب، كالصبي والمجنون بجامع عدم الفهم، وإن افترقوا في بعض الأحكام، مثل ~~أن الصبي والمجنون، لا يستدركان ما تركا من العبادات، بخلاف الثلاثة الأول، ~~فإنهم يقضون ما فاتهم منها، لسبق الوجوب عليهم. # تنبيه: عدم الفهم في هؤلاء الجماعة مختلف، فالصبي والمجنون، لا يدركان ~~معنى كلام الشرع، أما الصبي فبالأصالة، لأن عقله الذي يفهم ذلك به لم يكمل ~~بحيث يقوى على الإدراك، وأما المجنون، فبعارض قوي قهري، وهو الجنون، وكذلك ~~السكران، عدم فهمه لعارض، لكنه اختياري، فلذلك اختلف فيه اختلافا كثيرا، هل ~~هو كالصاحي أو كالمجنون؟ والنائم، عدم فهمه لعارض طبيعي، وهو النوم، أما ~~الناسي، فيخالف هؤلاء كلهم في السبب والمسبب، أما السبب، فلأن سبب عدم فهمه ~~عارض ضروري خفيف أخف من جميع الأسباب، لأنه يذكر بكلمة، فيذكر، بخلاف ~~النائم والسكران. وأما في المسبب - وهو عدم الفهم - # PageV01P188 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فلأن المراد به في غيره عدم ~~الإدراك، بحيث لو خوطب أحدهم بخطاب الشرع لم يفهم، والمراد به في الناسي، ~~انقطاع اتصال ذكره للتكليف فقط، بحيث لو سها عن الصلاة، فقيل له: صل، أو ~~أقم الصلاة ونحوه، سمع وفهم وتذكر، وهذا هو القدر المشترك بين المسقطات ~~للتكليف، وهو الكافي منها، وذلك لأن شرط توجيه التكليف، ذكر الإنسان كونه ~~مكلفا. # وشرط الشيء، يجب دوامه واتصاله، كاستصحاب حكم النية في الوضوء ونحوه، ~~فمتى انقطع اتصاله في وقت من الأوقات، زال التكليف لزوال شرطه، كما لو ~~انقطعت نية الوضوء أو الصلاة أو الصوم في أثنائها، أو زال قبض المرتهن ~~للرهن في وقت ما، زال لزومه الذي القبض شرط له. فهذا هو التحقيق في هذا ~~المقام. # أما قول من قال: هؤلاء لا يكلفون، لأنهم لا يفهمون، فهو ملاحظة لأمر ~~تقديري، وهو أن خطاب الشارع في تقدير التجدد عند بلوغ كل مكلف، وعند تكليفه ~~بكل حكم شرعي، لأن أسباب الأحكام المتكررة هي قائمة مقام الخطاب بمسبباتها، ~~على ما أشرنا إليه في خطاب الوضع، وسنقرره هناك إن شاء الله تعالى. # فالمكلف كل يوم، هو مخاطب في التقدير ms0082 بخمس صلوات. عند كل صلاة منها بخطاب ~~مقدر متجدد، والأمور التقديرية كثيرة في الشريعة، فبالنظر إلى هذا التقدير، ~~قالوا: إن هؤلاء لا يفهمون الخطاب، أي: لو أن هذا الخطاب المقدر خوطبوا به ~~الآن تحقيقا، لم يفهموه، إلا الناسي بواسطة التذكر كما بيناه. # قوله: «وما ثبت من أحكامهم» يعني: أحكام النائم والناسي والسكران، ~~«كغرامة، ونفوذ طلاق، فسببي» . # PageV01P189 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # هذا جواب عن سؤال مقدر، تقديره: لو ~~لم يكن هؤلاء مكلفين، لما ثبتت أحكامهم، كالغرامات عن الجنايات، كالنائم ~~ينقلب على مال فيتلفه، أو إنسان فيقتله، ونفوذ الطلاق، ونحوه من الأحكام ~~الثابتة في حقهم. # وجوابه: أن ذلك ليس من باب التكليف، بل من باب ربط الحكم بالسبب، «كما ~~سبق» في الصبي والمجنون، وقد قررنا ذلك. # تنبيه: الغرامة لازمة لهؤلاء الثلاثة فيما جنوه على الأموال، وفيما ~~يوجبها، كقتل الخطأ، تحقيقا للعدل كما سبق. # أما الطلاق، فلا يقع من النائم، لأن شرطه قصد الإيقاع، ولا قصد للنائم، ~~بل كلامه في منامه، ككلام المبرسم في برسامه. # أما الناسي والسكران، ففي طلاقهما اختلاف بين العلماء، وعن أحمد في ~~الناسي قولان، وفي السكران أقوال، ثالثها الوقف، والمشهور بين الأصحاب ~~فيهما، الوقوع، والأشبه عدمه، لأنهما غير مكلفين، ولا عبادة لغير مكلف. # فإن جعلوا الوقوع فيهما سببا، عارضهم في الناسي قوله - عليه السلام -: ~~عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان، وفي السكران - حيث قالوا: يقع طلاقه عقوبة ~~له، لأنه بسبب محرم حصل باختياره - أنهم قد عاقبوه بإيجاب الحد في الدنيا، ~~وجعله من # PageV01P190 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أهل الوعيد في الآخرة، والجناية ~~شرعا لا يترتب عليها من جهة واحدة عقوبتان. # وقولنا: من جهة واحدة، احتراز من قتل المحرم صيدا مملوكا، فإنه تجب عليه ~~الفدية، لحق الله سبحانه وتعالى، والقيمة لحق المالك، فهما جهتان. # قوله: «فأما {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} » [النساء: 43] ، إلى آخره. # هذا جواب عن سؤال مقدر، تقديره: إن قولكم: إن السكران غير مكلف، يرده ~~قوله سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ~~حتى تعلموا ما تقولون} [النساء: 43] وهو خطاب للسكارى، ولا يخاطب الشارع ms0083 ~~إلا مكلفا، فالسكران مكلف، وجوابه، أن هذه الآية، تأويلها واجب، ولها ~~تأويلان: # أحدهما: أن معناه: «لا تسكروا ثم تقربوا الصلاة» ، كقوله تعالى: {ولا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102] ، أي: استمروا على الإسلام حتى ~~يأتيكم الموت، وقولنا: لا تقرب التهجد وأنت شبعان، أي: استمر على خفة ~~البدن، حتى تقوم للتهجد، فكذلك الآية المذكورة: استمروا على الصحو حتى ~~تدخلوا الصلاة، وتفرغوا منها، ولا تدخلوها سكارى، فتضطرب عليكم صلاتكم. ~~وحاصل هذا، أنهم خوطبوا في حال الصحو، بأن لا تقربوا الصلاة سكارى، لا أنهم ~~خوطبوا حال السكر، وهذا أوضح في الآية، لأن قوله: وأنتم سكارى، جملة حالية، ~~أي: في موضع نصب على الحال من قوله: لا تقربوا، فالسكر متعلق بقربان ~~الصلاة، لا بخطاب الله سبحانه وتعالى للمصلين، إذ لو كان كذلك، لكان تقدير ~~الآية: يا أيها # PageV01P191 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الذين آمنوا وأنتم سكارى - أي ~~أدعوكم وأخاطبكم وأنتم سكارى - لا تقربوا الصلاة، ولم يقله أحد من علماء ~~القرآن، ولا يجوز ذلك، لأنه خلاف ذلك ظاهر الكلام، إن لم يكن خلاف صريحه ~~ونصه القاطع. # قلت: وعلى هذا التقدير لا ينبغي أن يسمى هذا الوجه تأويلا، بل هو منع. # وتقريره: لا نسلم أن الآية خطاب للسكارى، بل للصحاة، بأن لا تقربوا ~~الصلاة سكارى، وفي حال السكر ينقطع عنهم الخطاب. # ولئن سلمنا أنه خطاب للسكارى، فالمراد منهم «من وجد منه مبادي النشاط ~~والطرب، ولم يزل عقله» ، وهذا هو التأويل الثاني «جمعا بين الأدلة» . أي: ~~يجب تأويل الآية على ما ذكرناه جمعا، أي: للجمع بين الأدلة، وهي هذه الآية ~~التي أشعرت بخطاب السكران، وعدم الفهم، الذي دل على عدم صحة خطابه، وكان ~~تأويل الآية وحملها على ما يوافقه متعينا لتعذر العكس، إذ القاطع لا يقبل ~~التأويل. # تنبيه: ما ذكرناه من الوجهين في جواب الآية، كان باعتبار أول الإسلام حين ~~كانت الخمر مباحة، أما الآن، فقد حرم قليلها وكثيرها، والسكر منها ومباديه، ~~وإنما ذكرت هذا مع وضوحه، لأنه ربما اشتبه على بعض النشأة، حيث يرى الناس ~~يتأولونها على من وجدت منه مبادي ms0084 النشاط والطرب، فيظن ذلك مباحا أو مختلفا ~~فيه، خصوصا إن كان قد سمع أن داود الظاهري يقول بطهارتها، وأن بعض ~~المتكلمين # PageV01P192 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يرى إباحتها، كما حكاه ابن قتيبة ~~عنهم في كتاب «مختلف الحديث» ، فتقوى الشبهة في نفسه. # والنشاط: خفة في البدن تكون عند سرور النفس وانشراح الصدر. # والطرب: قال الجوهري وغيره: هو خفة تصيب الإنسان، لشدة حزن أو سرور. # قلت: وهو في عرف العامة مختص بما كان عن سرور، وهو مما حرفوه، وكان عاما ~~فخصوه، كالمأتم: هو اسم لجمع النساء، في فرح أو حزن، فخصوه بالحزن. # PageV01P193 # الثالثة: المكره، قيل: إن بلغ به الإكراه إلى حد ~~الإلجاء، فليس بمكلف. # وقال أصحابنا: هو مكلف مطلقا، خلافا للمعتزلة. # لنا: عاقل قادر يفهم، فكلف كغيره. وإذا أكره على الإسلام فأسلم، أو ~~الصلاة فصلى، قيل: أدى ما كلف به. ثم إن قصد التقية كان عاصيا، وإلا كان ~~مطيعا. # قوله: «الثالثة» ، أي: المسألة ~~الثالثة من مسائل شروط المكلف «المكره، قيل: إن بلغ به الإكراه إلى حد ~~الإلجاء، فليس بمكلف، وقال أصحابنا: هو مكلف مطلقا، خلافا للمعتزلة» . # قلت: حصل من هذه الجملة من حيث النقل ثلاثة أقوال: # أحدها: أن يكون المكره مكلفا مطلقا. # الثاني: أنه غير مكلف مطلقا. # الثالث: إن بلغ به الإكراه إلى حد الإلجاء، وهو أن لا يصح منه الترك، كمن ~~ألقي من شاهق على إنسان فقتله، أو مال فأتلفه، أو صائم ألقي مكتوفا في ~~الماء فدخل الماء حلقه ونحوه لم يكلف، وإلا كلف. # وهذا التفصيل حكاه ابن عقيل في «الواضح» عن بعض القدرية، وقد بعد عهدي ~~به، واختاره الآمدي. # والإلجاء إلى الشيء: الاضطرار إليه. # وإنما قلت: «المكره، قيل: إن بلغ به» إلى آخره، لأني أختار عدم تكليفه ~~مطلقا، كما ذكرت آخر المسألة، وإنما حكيت في أولها ما علمته قيل فيها. # PageV01P194 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «لنا» هذا شروع في الاستدلال ~~على لسان أصحابنا، أي: لنا، أن المكره «عاقل قادر يفهم، فكلف، كغيره» أي: ~~كغير المكره، وحاصله، أنه قياس للمكره على المختار، بجامع العقل والقدرة. # قوله: «وإذا أكره» إلى آخره. ms0085 هذا دليل ثان، وتقريره: أنه إذا أكره «على ~~الإسلام فأسلم، أو الصلاة فصلى، قيل» يعني: في عرف الشرع وغيره: قد «أدى ما ~~كلف به» فيسمى ما أداه مكرها تكليفا. # قوله: ثم إن قصد التقية إلى آخره. هذا بمثابة تحقيق الدليل، ودفع الشبهة ~~عنه، ومعناه أنه بوقوع الاصطلاح على قولنا: أدى ما كلف به، حصل لنا المقصود ~~من كونه مكلفا. # أما كونه مطيعا في نفس الأمر أو غير مطيع، فذاك أمر باطن فيما بينه وبين ~~الله سبحانه وتعالى، وليس كلامنا فيه، وإنما كلامنا في الحكم بكونه مكلفا ~~ظاهرا. # أما كونه مطيعا أو عاصيا، فنقول: إن قصد التقية بفعل ما أكره عليه، يعني ~~أنه إنما أسلم أو صلى اتقاء للقتل، لا انقيادا بالباطن لأمر الشرع، كان ~~عاصيا في الباطن، وإن لم يفعل ذلك تقية، بل إيمانا وانقيادا صحيحا خالصا، ~~كان مطيعا ظاهرا وباطنا. # PageV01P195 # قالوا: الإكراه يرجح فعل ما أكره عليه فيجب، ولا يصح ~~منه غيره فهو كالآلة، فالفعل منسوب إلى المكره. وترجيح المكره على القتل ~~بقاء نفسه يخرجه عن حد الإكراه، فلذلك يقتل. # قوله: «قالوا» إلى آخره. هذا دليل ~~من منع تكليف المكره، وتقريره: أن «الإكراه يرجح فعل ما أكره عليه» وإذا ~~رجح منه فعل ما أكره عليه، صار واجبا، «لا يصح منه غيره، فهو كالآلة» ، ~~كالسيف والسكين ونحوهما، مما يقتل به، والفعل منسوب إلى المكره - بكسر ~~الراء - وإذا كان المكره - بفتحها - كالآلة، لم يجز تكليفه، كما لا تكلف ~~الآلات. # قلت: هذا تقرير ظاهر، لكن قولهم: صار الفعل منه واجبا، لا يصح منه غيره: # إن أريد به الملجأ إلى الفعل، كالملقى من شاهق، فهو واضح. # وإن أريد به غيره، كالمكره بضرب ونحوه، لم يتحقق وجوب الفعل عقلا، لجواز ~~أن يحتمل الضرب والحبس ولا يفعل، وإنما يتحقق ذلك شرعا، بمعنى أن الشرع قد ~~رفع الضرار، وأقام الأعذار، حيث قال سبحانه وتعالى: {من كفر بالله من بعد ~~إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} [النحل: 106] ، فأجاز الإقدام ~~على التلفظ بكلمة الكفر مع طمأنينة القلب، ms0086 دفعا للضرر عن النفس، وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لعمار في مثل ذلك: «وإن عادوا فعد» . # PageV01P196 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وحينئذ يجوز للمكره، دفع ضرر الضرب ~~ونحوه عن نفسه بإجابة المكره له إلى ما دعاه إليه، فإذا سلك طريق الرخصة ~~والجواز المذكور، صار ما أكره عليه بالنسبة إليها واجبا، أي: راجح الوقوع ~~شرعا، لأنه لا يمكنه تحصيل الرخصة المذكورة إلا بالإجابة، فصارت مما لا تتم ~~الرخصة إلا به، فكانت - أعني الإجابة - رخصة راجحة الوقوع شرعا، لتوقف حصول ~~الرخصة المقصودة - وهي دفع الضرر - عليها. فهذا تحقيق لا يغفل عنه. # قوله: «وترجيح المكره على القتل بقاء نفسه» إلى آخره. هذا جواب سؤال ~~مقدر، ورد على دليل المانعين لتكليف المكره. # وتقرير السؤال: لو لم يكن المكره مكلفا، لما وجب عليه ترك القتل إذا أكره ~~عليه، ولما أثم بفعله، ولما وجب القود عليه به، على تفصيل وخلاف بين ~~العلماء، لكنه يجب عليه الترك، ويأثم به، فوجب أن يكون مكلفا. # PageV01P197 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والجواب عنه: أن ترجيحه بقاء نفسه، ~~يخرجه عن حد الإكراه، فلا يكون مكرها، وبيانه: أن أعظم ما يكون به الإكراه ~~القتل، بأن يقال لزيد مثلا: إن قتلت عمرا وإلا قتلناك، فيقع التعارض عنده ~~بين أن يقتل فيسلم، أو يمتنع فيقتل، فقد دار الأمر بين تفويت نفسه ونفس ~~غيره، وهما سواء بالنسبة إلى عدل الشرع، فإذا أقدم المكره على القتل، فقد ~~رجح بقاء نفسه على فواتها وبقاء نفس غيره، فصار مختارا، وخرج عن حد ~~الإكراه، كما لو أكره على طلاق زينب، فطلق عمرة، أو على الإقرار بدراهم، ~~فأقر بدنانير، أو بالعكس فيهما، فإن طلاقه وإقراره يصح، لأنه مختار بالنسبة ~~إليه، وإنما كان الإكراه على غيره، بل هو في صورة القتل أولى بأن يخرج عن ~~حد الإكراه، لما عرف من رجحان حرمة الدماء على الأموال. # وإذا تقرر بهذا أن المكره على القتل، يخرج به حد الإكراه، لم يكن فيه ~~دلالة على تكليف المكره، لأنا نقول: المكره على القتل يصير عند القتل ~~مختارا لا مكرها، فلذلك يقتل. # PageV01P198 # والحق أن الخلاف فيه ms0087 مبني على خلق الأفعال، من رآها ~~خلق الله تعالى، قال بتكليف المكره، إذ جميع الأفعال واجبة بفعل الله ~~تعالى، فالتكليف بإيجاد المأمور به منها وترك المنهي عنه، غير مقدور، وهذا ~~أبلغ. ومن لا، فلا. والعدل الشرعي الظاهر، يقتضي عدم تكليفه. # قوله: «والحق أن الخلاف فيه مبني ~~على خلق الأفعال» . هذا مأخذ المسألة استخرجته أنا بالنظر، وهو أن الخلاف ~~في تكليف المكره، يناسب بناؤه على الخلاف في خلق الأفعال، «فمن رآها خلق ~~الله سبحانه وتعالى» اتجه له أن يقول «بتكليف المكره» لأن جميع الأفعال ~~المخلوقة لله سبحانه وتعالى على وفق إرادته، كما حققناه في كتاب «رد ~~التحسين والتقبيح» . # وإذا ثبت أن الأفعال تصير بخلق الله سبحانه وتعالى لها واجبة، صار ~~التكليف بها مقدورا للعبد، سواء كان التكليف بإيجاد مأمور، كالصلاة ~~والصيام، أو بترك منهي، كالزنى والربا، لأن ما استقلت قدرة البارئ جل جلاله ~~بخلقه وإيجاده، كان تأثير قدرة العبد فيه تحصيلا للحاصل، وإيجادا للموجود، ~~وخلقا للمخلوق، وهو محال. # وإذا تقرر أن سائر التكليف الإنساني تكليف بغير مقدور، فأكثر ما يقال في ~~المكره: إنه مكلف بما هو غير مقدور له، وقد صح ذلك في سائر التكاليف، فيما ~~بين الله سبحانه وتعالى وخلقه، فليصح هاهنا أيضا، لأن فعل المكره والمكره ~~جميعا # PageV01P199 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مخلوق لله سبحانه وتعالى. # قوله: «وهذا أبلغ» يعني: أن تكليف العبد بالأحكام الشرعية مع أن أفعاله ~~غير مقدورة له، أبلغ من تكليف المكره، لأنه يمكنه الامتناع مما أكره عليه ~~عقلا باحتمال ألم الإكراه، وقد شوهد من ذلك كثير، بخلاف العبد، فإنه لا ~~يمكنه الامتناع مما خلقه الله تعالى، وقدره عليه. # قوله: «ومن لا، فلا» ، أي: ومن لا يرى أفعال العباد مخلوقة لله سبحانه ~~وتعالى، لم ير تكليف المكره، لأن المعتزلة سموا أنفسهم أهل العدل، لأنهم ~~قالوا: أفعال العباد مخلوقة لهم، لا لله سبحانه وتعالى، تحقيقا لعدله، إذ ~~لو خلقها، ثم عاقب عليها، كان ذلك جورا، وحينئذ لا يتأتى على قولهم تقرير ~~القائلين بخلق الأفعال، وهو أن التكليف كله بغير مقدور، فيلحق به ms0088 تكليف ~~المكره بطريق أولى. # وذكر الكناني للمسألة مأخذا آخر، وهو أنه هل في التخويف والإكراه ما ~~يتضمن ضرورية الفعل لداع، أي: ما يقتضي اضطرار المكره إلى الفعل لداعي ~~الطبع، أم لا؟ # قلت: هذا إشارة إلى ما ذكرناه، من أنه يترجح وقوعه شرعا. # قوله: «والعدل الشرعي الظاهر يقتضي عدم تكليفه» يعني تكليف المكره مطلقا، ~~أما الذي بلغ إلى حد الإلجاء، فظاهر. # وأما المكره بمطلق الإكراه الشرعي، كما عرف في كتب الفروع فلما سبق ~~تقريره، من أن الفعل واجب منه شرعا، ففي القول بتكليفه إضرار به، وتضييق ~~لما وسعه الله سبحانه وتعالى عليه، ولقوله - عليه السلام -: رفع عن أمتي ~~الخطأ # PageV01P200 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ويروى: عفي لأمتي الخطأ والنسيان ~~وما استكرهوا عليه. # وقوله: «والعدل الشرعي الظاهر» إشارة إلى سر القدر ونكتته التي تاهت فيها ~~العقول، وتقريرها من وجهين: # أحدهما: أن لله سبحانه وتعالى في خلقه تصرفين: # أحدهما: تكويني بحكم إيجاده واختراعه لهم، فبذلك التصرف يفعل ما يشاء من ~~تكليف ما لا يطاق وغيره، و {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} [الأنبياء: 23] ، ~~وهو عدل باطن، لما سنقرر في الوجه الثاني، إن شاء الله تعالى. # والتصرف الثاني: تكليفي بحكم استدعائه منهم الطاعات وترك المعاصي. # ففي هذا التصرف، سلك معهم مسلك أهل العدل من المخلوقين بعضهم مع بعض، فلم ~~يكلفهم محالا في الظاهر، بل أزاح جميع عللهم، حتى إن المرأة يتعذر عليها ~~المحرم، فلا يوجب عليها الحج، والرجل يتعذر عليه محمل يسوي عشرة دراهم، ~~يسقط عنه وجوب الحج، وغير ذلك من التخفيفات، ولم يوجد تكليف ما لا يطاق، في ~~مسألة من مسائل الفروع ولا الأصول إلا مسألة خلق الأفعال، وهي من التصرف ~~الأول، لا من هذا التصرف. وهذا هو العدل الظاهر، فمقتضاه: أن لا يكلف ~~المكره، لأنه كالآلة، والحامل له على الفعل غيره، وقد قال الله سبحانه ~~وتعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الإسراء: 15] . # الوجه الثاني: من تقرير نكتة القدر، وهو أن الله سبحانه وتعالى عالم بما ~~كان، # PageV01P201 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وما يكون، وبما لم يكن لو كان كيف ~~يكون، فالله سبحانه ms0089 وتعالى علم أنه لو ترك الخلق مستقلين بأفعالهم خلقا ~~وإيجادا، لكانوا كما هم الآن، طائع وعاص بأعيانهم. فعلم أن فرعون كان يكون ~~كافرا، وأن موسى - عليه السلام - كان يكون مؤمنا، فلما علم أن الحال ~~بالنسبة إلى استقلالهم بأفعالهم، وإجبارهم عليها بسر القدر سواء، رجح جانب ~~ضبط الوجود، وتعميم الموجودات بالإسناد إلى خلقه وقدرته وإرادته، ولعل ~~الإشارة بقوله تعالى: {ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون} [الأنفال: 23] ، إلى ~~هذا، وقد استقصيت هذا الكلام وغيره في كتاب «رد القول القبيح بالتحسين ~~والتقبيح» . # وحاصل هذا: أن سر الله سبحانه وتعالى لخلقه، بسر القدر في الباطن على ما ~~يصدر منهم عدل باطن، وإزاحته لعللهم في أحكام التكليف ظاهرا عدل ظاهر، ~~فالواجب بالنسبة إلى هذا العدل الظاهر أن لا يكون المكره مكلفا. أما قول ~~القائلين بخلق الأفعال، إذا كانت التكاليف بأسرها غير مقدورة، فليكن المكره ~~مكلفا، لأن غاية أمره أن يكون مكلفا بغير مقدور، فهو ضعيف، لأن الله سبحانه ~~وتعالى، إن كلف خلقه بما ليس مقدورا لهم، فهو بالإضافة إلى تصرفه الكوني، ~~وهو تصرف خاص به، لا يشركه فيه غيره حتى يلحق المكره به، والله أعلم. # تنبيه: هاتان المسألتان - أعني مسألة تكليف الناسي والمكره - أصل لأحكام # PageV01P202 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أفعالهما، وما يترتب عليها في ~~أبواب الفقه، فمن قال بتكليفهما، رتب على أفعالهما أحكام التكليف الخطابي، ~~فيبطل الصلاة بالكلام وغيره من منافياتها، ناسيا أو مكرها، ويبطل الصوم ~~والإحرام، وتجب الكفارة بالوطء كذلك، ويلزم الحنث في الأيمان، والطلاق مع ~~النسيان والإكراه، ومن لم يقل بتكليفهما، منهم من طرد أصله، وألغى ~~أفعالهما، فلم يرتب عليها تكليفا، لا أقول عدليا، إذ قد فرقت بينهما. أعني: ~~بين التكليف والعدل فيما سبق. فلو أتلف شيئا ناسيا أو مكرها، ضمنه، ومنهم ~~من رتب على أفعالهما أحكام الوضع والأخبار، وجعلها من باب ربط الأحكام ~~بالأسباب، فكلامهما في الصلاة سبب بطلانها. ووطؤهما في الصوم والإحرام سبب ~~بطلانه ووجوب الكفارة به، والحنث منهما، سبب لوقوع الطلاق ووجوب كفارة ~~اليمين: وإضافة الطلاق إلى محله سبب لوقوعه، كقول المكره: أنت طالق، يقع ms0090 ~~عند أبي حنيفة. # قال أصحابنا: إذا أكرهت المرأة على الزنى، فزنت، لم تحد، وإن أكره الرجل، ~~لم يحد أيضا في أحد القولين، تسوية بينهما بجامع الإكراه. # والقول الثاني: يحد، فرقا بينهما بأن الرجل فاعل، والمرأة محل للفعل، ~~وبأنه لولا الداعي الاختياري لما انتشرت آلته للفعل، وهو ضعيف جدا، لأن ~~الله سبحانه وتعالى قال: {الزانية والزاني} [النور: 2] فأضاف الفعل إليهما، ~~وبدأ # PageV01P203 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بذكرها، فحظها من الزنى أوفر، ~~ولهذا أخرها في قوله: {والسارق والسارقة} [المائدة: 38] ، لما كان حظ الرجل ~~من السرقة أوفر. # وأما انتشار الآلة، فإنما حصل بعد الإكراه، وهو أمر طبيعي لا يمكن رده، ~~وليس حد الزاني المختار على انتشار آلته، بل على إقدامه باختياره على ~~الزنى. فلعل هذا لو لم يكره لم يقدم على الزنى. # والمختار فيهما، أن لا يترتب على أفعالهما حكم تكليفي، لعدم تكليفهما، ~~إلا ما قام عليه دليل يثبت ذلك الحكم بمثله، فيكون ثبوت الحكم حينئذ وضعيا ~~سببيا. # أما المكره على القتل، فقد بينا أنه يخرج به عن حد الإكراه، فليس من هذا ~~الباب. # وقد اختلف الفقهاء في حكمه، فقال الشافعي: يقتلان جميعا، المكره الحامل ~~لتسببه، والقاتل لمباشرته. وقال أبو يوسف: لا قصاص عليهما، لأن القاتل ~~ملجأ، والحامل متسبب غير مباشر. وقال أبو حنيفة ومحمد: يجب القصاص على ~~المكره الحامل، لأن القتل فعله بالإكراه بواسطة القاتل، والقاتل كالآلة. # ومذهب أحمد: يجب على القاتل لمباشرته دون الحامل، فجعلوه من باب اجتماع ~~السبب والمباشرة، وهو أيضا موافق لمسألة الأصل في أنه غير مكلف، والله ~~أعلم. # PageV01P204 # الرابعة: الكفار مخاطبون بفروع الإسلام في أصح ~~القولين، وهو قول الشافعي، والثاني: لا يخاطبون منها بغير النواهي، وهو قول ~~أصحاب الرأي، والمشهور عنهم عدم تكليفهم مطلقا. وحرف المسألة: أن حصول ~~الشرط الشرعي، ليس شرطا في التكليف عندنا، دونهم. # قوله: «الرابعة» أي: المسألة ~~الرابعة من مسائل شروط المكلف، «الكفار مخاطبون بفروع الإسلام في أصح ~~القولين، وهو قول الشافعي. والثاني» أي: القول الثاني عندنا «لا يخاطبون ~~منها بغير النواهي، وهو قول أصحاب الرأي» يعني أكثرهم كما نقل ms0091 الشيخ أبو ~~محمد، «والمشهور عنهم» يعني: أصحاب الرأي «عدم تكليفهم مطلقا» يعني: ~~بالأوامر والنواهي. # قال الآمدي: تكليفهم بفروع الإسلام جائز عند أكثر أصحابنا وأكثر ~~المعتزلة، وواقع شرعا، خلافا لأكثر أصحاب الرأي وأبي حامد الإسفراييني من ~~أصحابنا. # وقال القرافي: أجمعت الأمة على أنهم مخاطبون بالإيمان، واختلفوا في ~~خطابهم بالفروع. # قال الباجي: وظاهر مذهب مالك خطابهم بها، خلافا لجمهور الحنفية وأبي حامد ~~الإسفراييني. # قلت: والحاصل من الأقوال في المسألة، ثلاثة، ثالثها: الفرق بين النواهي ~~والأوامر، وهذه الثلاثة في «المختصر» . # PageV01P205 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وثم قول رابع، حكاه القاضي عبد ~~الوهاب عن بعض العلماء، وهو الفرق بين المرتد وغيره، فيخاطب المرتد دون ~~الأصلي. # قلت: الفرق بينهما واضح، وهو مؤاخذته بسابقة التزامه حكم الإسلام، ولهذا ~~قلنا: يلزمه قضاء ما فاته في الردة من العبادات. # عدنا إلى توجيه أدلة المسألة على ما في «المختصر» . # قوله: «وحرف المسألة أن حصول الشرط الشرعي ليس شرطا في التكلف عندنا ~~دونهم» . # هذا، مأخذ المسألة مختصر نبه عليه ابن الحاجب، وهو أن حصول الشرط الشرعي ~~- وهو الإيمان هاهنا - ليس شرطا في صحة التكليف عندنا، فلا يتوقف التكليف ~~عليه، إذ ليس شرطا، فيكلفون بالفروع، بشرط تقديم الإيمان، وإن لم يكن ~~الإيمان موجودا حال تكليفهم، وإنما الإيمان شرط في صحة أداء الفروع منهم، ~~لا في حصة التكليف، فيكون الإيمان شرطا في صحة التكليف بالفروع، فيتوقف على ~~وجوده توقف المشروط على شرطه، وبيان عدم توقفه، يظهر بما يأتي في أثناء ~~المسألة إن شاء الله تعالى. # PageV01P206 # لنا: القطع بالجواز، بشرط تقديم الإسلام، كأمر المحدث ~~بالصلاة، بشرط تقديم الطهارة. ومنع الأصل، يستلزم أن لو ترك الصلاة عمره لا ~~يعاقب إلا على ترك الوضوء. والإجماع على خلافه والنص، نحو {ولله على الناس ~~حج البيت} {يا أيها الناس اعبدوا} . # قوله: «لنا القطع بالجواز بشرط ~~تقديم الإسلام» إلى آخره. يعني أن النزاع في المسألة، إما في جوازها عقلا، ~~أو في وقوعها شرعا. # أما الجواز عقلا، فمقطوع به، إذ لا يمتنع أن يقال: أنتم مأمورون بالصلاة ~~والزكاة ونحوهما، بشرط أن تقدموا الشهادتين، كما ms0092 أن المحدث مأمور بالصلاة ~~بشرط تقديم الطهارة التي هي من شروط صحة الصلاة. # قوله: «ومنع الأصل» إلى آخره، أي: منع أن المحدث مخاطب بالصلاة بشرط ~~تقديم الطهارة، «يستلزم أن» المحدث «لو ترك الصلاة عمره لا يعاقب إلا على ~~ترك الوضوء» لأنه حينئذ ليس مأمورا بغيره، ثم إذا فعله أمر بالصلاة ~~«والإجماع خلافه» أي: خلاف أنه لا يعاقب إلا على ترك الوضوء، بل يعاقب على ~~جميع الصلوات الفائتة طول عمره، وذلك يدل على أنه مكلف بها. # وفرع الشيخ أبو محمد وغيره على هذا الإلزام، أن المحدث لو توضأ وترك ~~الصلاة، يلزم أن لا يعاقب إلا على تكبيرة الإحرام، لاشتراط تقديمها، وهو ~~إلزام غير جيد، لأن التكبيرة جزء الصلاة، وليست حقيقة مستقلة منفردة عنها، ~~كالوضوء، اللهم إلا أن ينزلوا أجزاءها منزلة الحقائق المستقلة، مؤاخذة بما ~~اقتضاه لفظ الخصم من # PageV01P207 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # اشتراط التقديم، وجزء الشيء ~~يتقدمه، ويتوقف الشيء عليه. وبالجملة: هذا تدقيق، ليس وراءه تحقيق، إنما هو ~~من باب إعنات الخصم. # وقولي: «ومنع الأصل» أي: منع حكم المحدث المذكور، يستلزم ما قررناه، لأنا ~~جعلنا حكم المحدث - وهو تكليفه بالصلاة - بشرط تقديم الوضوء، أصلا لحكم ~~الكافر - وهو تكليفه بالفروع - بشرط تقديم الإيمان. # قال الكناني في «مطالع الأحكام» : مأخذ المسألة، أنه ليس في ترتيب ~~الثواني على الأوائل ما يخرجها عن أن تكون ممكنة. # قلت: معناه، أن ترتيب التكليف على اشتراط تقديم الإيمان، هو ترتيب أمر ~~ثان على وجود أمر أول، وليس ذلك ممتنعا، ولا موجبا للامتناع، كالآحاد ~~المترتبة في مراتب العدد، فإن كل واحد منها مترتب الوجود على ما قبله، ~~الثاني على الأول، والثالث على الثاني، وهلم جرا. # قال أيضا: وإذا ثبت معاقبتهم على ترك الإيمان إجماعا فلتصح معاقبتهم على ~~ترك الصلاة، إذا مضى من الوقت ما يسع الفعل الأول، يعني إذا مضى من وقت ~~التكليف ببلاغ الخطاب ما يسع فعل الإيمان، بأن يقول الكافر: آمنت، أو يأتي ~~بالشهادتين، أو يعتقد ذلك. # قوله: «والنص» إلى آخره. هو عطف على قوله: القطع، في قوله: «لنا، القطع ~~بالجواز» ms0093 أي: لنا القطع بالجواز والنص على الوقوع المستلزم للجواز، نحو ~~قوله سبحانه وتعالى: {ولله على الناس حج البيت} [آل عمران: 97] ، وقوله # PageV01P208 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # سبحانه وتعالى: {يا أيها الناس ~~اعبدوا ربكم} [البقرة: 21] . وسائر الخطاب الوارد بلفظ الناس، وهو عام في ~~المؤمنين والكفار، بل هو في الأصل للكفار، لأن العالم كلهم كانوا كفارا قبل ~~ورود الخطاب، فلما ورد لم يرد إلا على كافر، فهدى الله سبحانه وتعالى ~~لاتباعه بعضا دون بعض. # والحج في الآية الأولى من فروع الإسلام، والعبادة في الثانية تعم جميع ~~الفروع والأصول، لأنها في اللغة التذلل، وفي الشرع التذلل بمتابعة مرسوم ~~الشرع من أمر أو نهي. # PageV01P209 # قالوا: وجوبها مع استحالة فعلها في الكفر، وانتفاء ~~قضائها في الإسلام غير مفيد. # قلنا: الوجوب بشرط تقديم الشرط، كما سبق. والقضاء بأمر جديد، أو بالأمر ~~الأول، ولكن انتفى بدليل شرعي، نحو: «الإسلام يجب ما قبله» . وفائدة ~~الوجوب، عقابهم على تركها في الآخرة، وقد صرح به النص، نحو: {وويل ~~للمشركين} {الذين لا يؤتون الزكاة} {ما سلككم في سقر} {قالوا لم نك من ~~المصلين} . والتكليف بالمناهي، يستدعي نية الترك تقربا. ولا نية لكافر. # قوله: «قالوا: وجوبها مع استحالة ~~فعلها في الكفر، وانتفاء قضائها في الإسلام، غير مفيد» . # هذا دليل المانعين من تكليفهم بالفروع. وتقريره: أن التكليف لا بد وأن ~~يكون مفيدا، إذ هو لغير فائدة عبث محال على الشرع. والفائدة إما أن تكون ~~صحة فعلها حال الكفر، أو وجوب قضائها بعد الإسلام، وكلاهما منتف، لأن ~~الكافر لا تصح منه عبادة فرعية حال كفره، ولا يجب عليه قضاؤها بعد الإسلام، ~~فينتفي التكليف لانتفاء فائدته. # قوله: «قلنا» إلى آخره. هذا جواب السؤال الذي تضمنه دليلهم. # وتقريره: أن وجوبها حال الكفر، إنما هو بشرط تقديم الشرط - وهو الإيمان - ~~كما سبق أول المسألة، فلا يرد قولهم: إن وجوبها حال الكفر مع عدم صحتها ~~منهم، لأن المحال إنما يلزم لو أوجبناها عليهم مطلقا، ونحن إنما نوجبها ~~بشرط تقديم الإيمان، وأما عدم وجوب قضائها عليهم بعد الإسلام، فنقول: # قضاء العبادات اختلف فيه، هل ms0094 هو بأمر جديد، أو بالأمر الأول؟ يعني: # PageV01P210 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الخطاب الذي ثبت به أصل التكليف، ~~كما سيأتي في موضعه، إن شاء الله تعالى. فإن قلنا: هو بأمر جديد، سقط ~~السؤال، لأنا نقول: قضاء العبادات، إنما لم يجب عليهم بعد الإسلام، لانتفاء ~~ورود الأمر الجديد بها، لا أنها لم تكن واجبة عليهم حال الكفر. # وإن قلنا: إن القضاء بالأمر الأول، قلنا: هم مأمورون بها حال الكفر، لكن ~~سقط قضاؤها عنهم بعد الإسلام بدليل شرعي متجدد، نحو قوله - عليه السلام -: ~~الإسلام - يجب ما قبله، والحج يجب ما قبله، والتوبة تجب ما قبلها أي: يقطع ~~ما قبله من أحكام الكفر، حتى كأن الكافر بعد إسلامه لم يصدر منه معصية لله ~~تعالى أصلا، ولحظ الشارع في ذلك مصلحة عامة، وهو تيسير الدخول في الإسلام ~~عليهم، وتكثيره منهم، إذ من أسلم بعد مائة سنة في الكفر، لو علم أنه يلزمه ~~قضاء صلواتها، وسائر عباداتها، لجبن عن الدخول فيه، وإذا علم أنه لا يطالب ~~بشيء من ذلك، سهل عليه بالضرورة. # أما حقوق الآدميين، فلا يسقطها الإسلام، تحقيقا للعدل العام بين العالم. # قوله: «وفائدة الوجوب عقابهم على تركها في الآخرة» هذا من تمام # PageV01P211 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الجواب، أي: لا نسلم أن تكليفهم ~~بالفروع غير مفيد، بل فائدته عقابهم على تركها في الدار الآخرة، فيعاقبون ~~على ترك الإيمان بالتخليد، وعلى ترك فروعه بالتضعيف، وهو زيادة كمية العذاب ~~أضعافا يستحقونها في علم الله تعالى. وقد صرح النص بذلك نحو قوله تعالى: ~~{وويل للمشركين} {الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون} [فصلت: 6 - ~~7] ، وقوله سبحانه وتعالى حكاية عن أصحاب اليمين: {في جنات يتساءلون} {عن ~~المجرمين} {ما سلككم في سقر} {قالوا لم نك من المصلين} {ولم نك نطعم ~~المسكين} {وكنا نخوض مع الخائضين} [المدثر: 40 - 45]- وهذه كلها فروع - ~~{وكنا نكذب بيوم الدين} [المدثر: 46] ، هذا هو الأصل الذي بتركه والجزم ~~بضده يكون الإيمان. وقوله سبحانه وتعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلها ~~آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون} إلى قوله: {يضاعف ms0095 ~~له العذاب يوم القيامة} [الفرقان: 68 - 69] . # ووجه الاستدلال بهذه النصوص، أنه رتب الوعيد فيها على مجموع ترك الأصل ~~والفرع، فكانت الفروع جزءا من سبب الوعيد، وذلك يستلزم أنهم مكلفون بها، ~~فإن قيل: المستقل بالوعيد في هذه النصوص هو الكفر وحده، بدليل استقلاله ~~بالتخليد. # فجوابه من وجهين: # أحدهما: لا نسلم استقلاله بالوعيد، وهو محل النزاع، بل الوعيد على ~~المجموع، لأن الفروع في النصوص المذكورة، معطوفة بالواو وهي للجمع، فصار ~~كأنه قال: ويل لمن وجد منه مجموع الإشراك ومنع الزكاة. ولا يمكنهم أن ~~يثبتوا استقلال الكفر بالتخليد، وإن كنا نوافقهم عليه كما سبق، لأنكم لو ~~فرضتم كافرا أتى في حال كفره بجميع الفروع [لم يقبل] منه مع كفره، وإنما ~~كلف بها بشرط # PageV01P212 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أن يوقعها مسلما. # الوجه الثاني: أن الكفر وإن استقل بالتخليد، لكن يعاقبون على ترك الفروع ~~بالمضاعفة، كما قال سبحانه وتعالى: {ومن يفعل ذلك} يعني الإشراك والقتل ~~والزنى {يلق أثاما} {يضاعف له العذاب} ، يعني على كل واحد من هذه الأشياء ~~يعذب ضعفا من العذاب. # قلت: وهذه الفائدة، أعني عقابهم على ترك الفروع في الآخرة، بعض الأصوليين ~~يعينها، أي: لا فائدة لتكليفهم إلا ذلك، وبعضهم ذكر هنا فوائد: # منها: تيسير الإسلام على الكافر، فإنه إذا علم أنه مخاطب بها ربما سهل ~~عليه فعلها، دون فعل أصلها وهو الإيمان، لأن ### | فروع # الشريعة كلها حسن عقلا، تميل الطباع إليها، وقد كان في الجاهلية من ليس ~~بينه وبين أن يكون وليا لله إلا الشهادتان. مثل حاتم الطائي على ما عرف من ~~جوده، ومحبته للعدل، ومكارم الأخلاق، والتوكل، والإيمان بالمعاد، وبعض من ~~أدرك الدعوة الإسلامية، أجاب إلى جميع ما وردت به، وامتنع من الصلاة، لما ~~فيها من إرغام الأنوف، فإذا علم الكافر أنه مخاطب بها، وفعلها بنية الطاعة، ~~والإجابة لداعي الشرع - وإن لم يكن له نية صحيحة - فربما يسر الله عليه ~~الهدى ببركة ذلك المعروف والبر. ويروى في الحديث، أن المؤمن ليختم له ~~بالكفر بسبب كثرة ذنوبه، فيناسب أن يختم للكافر بالإيمان بسبب كثرة حسناته. # PageV01P213 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ومنها: ms0096 الترغيب في الإسلام، فإن ~~الكافر إذا علم أنه مخاطب بالفروع، وأنه يثبت في حقه الوجوب والحظر، وقد ~~أتى منها بكبائر، كالقتل والظلم والفساد في الأرض. وأن إثم ذلك لاحق له، ثم ~~عرف أن الإسلام يجب ذلك كله، ربما استشعر الخوف من عاقبة ما فعل منها، ~~فدعاه ذلك إلى الإسلام الهادم لها. # ومنها: الحكم بتخفيف العذاب على الكافر بفعل بعض الخيرات، وترك بعض ~~الشرور، إذا عرف أنه مخاطب بها، وفعلها جاز أن يخفف عنه العذاب في الآخرة ~~بالنسبة إلى من لم يفعل ذلك، فإن أهل النار فيها متفاوتون في المنازل ~~والدركات بحسب أعمالهم، كما أن أهل الجنة متفاوتون فيها في المنازل ~~والدرجات بحسب أعمالهم. كما قررته في «القواعد الصغرى» . # ذكر هذه الفوائد الثلاث القرافي في «شرح التنقيح» وأحال بفوائد أخر على ~~شرحه ل «المحصول» . # ومن المآخذ السمعية الإجماع على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا ~~الناس عامة إلى قبول جميع ما جاء به. # قوله: «والتكليف بالمناهي، يستدعي نية الترك تقربا، ولا نية لكافر» . # هذا تقرير لضعف مذهب القائلين بأن الكفار مكلفون بمناهي الشرع الفرعية، ~~كترك المحظورات، دون مأموراته، كفعل الواجبات، ووجه الفرق على قولهم: هو أن ~~مقصود الأوامر الشرعية التقرب إلى الله سبحانه وتعالى بإيجادها، وما # PageV01P214 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يترتب عليها من مصلحة عاجلة، ~~كإغناء الفقراء بالزكاة، ونحوه. والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، لا يصح ~~إلا بعد تصديق المخبر عنه، وذلك هو الإيمان. فمقصود الأوامر لا يتصور من ~~الكافر قبل الإيمان، بخلاف المناهي، فإن مقصودها إعدام مفسدتها المترتبة ~~عليها، كمفسدة القتل والزنى والظلم والبغي، ونحو ذلك. # وترك هذه المفسدة وبراءة تاركها من عهدتها لا يتوقف على تصديق ولا إيمان، ~~والمؤمن والكافر فيه سيان. # وتقرير الجواب أن نقول: قولكم: التقرب بالمأمورات لا يصح إلا بعد التصديق ~~والإيمان. قلنا: نعم، وكذلك نقول، لكن ليس كلامنا في الصحة، إنما هو في ~~التكليف بها حال الكفر، بشرط تقدم الإسلام على فعلها، وقد سبق دليل ذلك ~~وفوائده. # أما قولكم: إن الكافر يخرج من عهدة المنهي عنه بتركه، فيصح ms0097 تكليفه به، ~~بخلاف المأمورات. # قلنا: هذا موضع تحقيق وتفصيل، وبيانه: أن الإنسان بالنسبة إلى الشرع مثاب ~~ومعاقب، بناء على أنه مأمور ومنهي، فثوابه يحصل تارة عن فعل مأمور، ~~كالصلاة، وتارة عن ترك محظور، كالزنى والربا، وعقابه يحصل، تارة عن فعل ~~محظور، كالزنى، وتارة عن ترك مأمور، كالصلاة، ومدار الأمر في ذلك كله على ~~النية والقصد، لأن القاعدة الشرعية أن الأعمال بالنيات، ففاعل المأمور لا ~~يثاب عليه # PageV01P215 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الثواب الشرعي إلا بنية التقرب، ~~وتارك المحظور لا يثاب عليه الثواب الشرعي، وهو ثواب من اتقى الله سبحانه ~~وتعالى وخافه، وآثره على نفسه، وترك شهواته لرضاه، إلا بنية ذلك، والثواب ~~والعقاب من آثار التكليف، وكلامنا فيه. # أما براءة العهدة من مفسدة المنهي بتركه، فذلك من قبيل العدل، يستوي فيه ~~المؤمنون والكفار، والعقلاء وغيرهم، حتى إن المجنون لو أكره امرأة على ~~الزنى، وجب مهرها في ماله، ولو هم بها، ثم كف عنها، خرج عن عهدة الغرامة ~~التي كانت متوقعة بفعله لو فعل، ولم يجب في ماله شيء، وكذلك العاقل المسلم، ~~لو فعل هذا بعينه، للزمه المهر من حيث العدل، والإثم من حيث التكليف، ولو ~~كف عنها بعد أن هم بها ناويا التقرب، لبرئ من عهدة المهر، من حيث العدل، ~~ومن عهدة الحد، من حيث التكليف، ولحصل له أجر الكف، وثواب المتقين، من حيث ~~التكليف أيضا، لقوله تعالى: {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى} ~~{فإن الجنة هي المأوى} [النازعات: 40 - 41] ، ولو كف عنها غير ناو للقربة، ~~برئ من عهدة المهر، من حيث العدل الثابت بين المخلوقين، وبرئ من عهدة الحد، ~~من حيث التكليف بمقتضى العدل الثابت بين الله سبحانه وتعالى وخلقه، ثم ~~نظرنا، فإن كان كفه خوفا من مخلوق، فهو جبن لا تقوى، وإن كان إيثارا لطهارة ~~العرض، والشجاعة على ضبط النفس، ونحو ذلك مما يتعافاه أصحاب الهمم والنفوس ~~الفاضلة الأبية، فهذا محمود على عفافه العرفي، وبالضرورة لا يساوي من كان ~~كفه خوفا من الله تعالى، ورغبة فيما عنده. # PageV01P216 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وإذا تقرر هذا، قلنا: ms0098 قولكم: ~~الكافر يخرج من عهدة المنهي بتركه، فيصح تكليفه. إن عنيتم أنه يبرأ من عهدة ~~العدل، كالغرامات المترتبة على المناهي، فهذا ليس من باب التكليف، بل من ~~باب العدل، وليس الكلام فيه. # وإن عنيتم أنه يبرأ من عهدة أذى يلحقه من المخلوقين، في نفس أو مال أو ~~عرض، فهذا من باب الجبن أو العفاف العرفي. # وإن عنيتم أنه تحصل له فضيلة المتقين، ومن نهى النفس عن الهوى، فهذا ~~يتوقف على نية التقرب، ولا نية لكافر، بحيث يترتب عليها الثواب الشرعي، ~~فهذا تقرير قوله: «والتكليف بالمناهي يستدعي نية الترك تقربا، ولا نية ~~لكافر» . ### | فروع: # أحدها: أن ### | الجهاد خاص بالمؤمنين، # فقيل: لم يكلف به الكفار بالأصالة، لعدم حصول مصلحته منهم، لأن الله ~~سبحانه وتعالى حيث أمر بالجهاد لم يعين الكفار، ولم يذكر صيغة يندرجون ~~فيها، بل قال: {يا أيها النبي جاهد الكفار} [التوبة: 72] ، {يا أيها الذين ~~آمنوا قاتلوا} [التوبة: 123] ، اللهم إلا عمومات بعيدة، نحو: {يا أيها ~~الناس اتقوا ربكم} [الحج: 1] ، ومن التقوى فعل المأمور، ومن المأمور ~~الجهاد، فتتناولهم هذه العمومات على بعدها، وهو أصح طردا لحكم المسألة في ~~جميع الفروع من غير استثناء شيء منها. # وأما عدم حصول مصلحة الجهاد منهم، فهو مصلحة الصلاة لا تحصل # PageV01P217 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بفعلها حال الكفر، ولكنه مكلف ~~بالجهاد والصلاة، وغيرهما من الفروع، بشرط تقديم الإسلام. # الفرع الثاني: وقع النزاع بين بعض الفقهاء في سنتنا هذه - وهي سنة ثمان ~~وسبعمائة للهجرة المحمدية - صلوات الله على منشئها - في أن الجن مكلفون ~~بفروع الدين أم لا؟ # واستفتي فيها شيخنا أبو العباس أحمد بن تيمية بالقاهرة - أيده الله تعالى ~~- فأجاب فيها بما ملخصه أنهم مكلفون بها بالجملة، لكن لا على حد تكليف ~~الإنس بها، لأنهم مخالفون للإنس بالحد فبالضرورة يخالفونهم في بعض ~~التكاليف. # قلت: مثاله، أن الجن قد أعطي بعضهم قوة الطيران في الهواء، فهذا يخاطب ~~بقصد البيت الحرام للحج طائرا. # والإنسان لعدم تلك القوة فيه، لا يخاطب بذلك، فهذا في طرف زيادة تكليفهم ~~على تكليف الإنس. # وأما من جهة نقص تكليفهم ms0099 عن تكليف الإنس، فكل تكليف يتعلق بخصوص طبيعة ~~الإنس، ينتفي في حق الجن، لعدم تلك الخصوصية فيهم. # والدليل على تكليف الجن بالفروع، الإجماع على أن - النبي صلى الله عليه ~~وسلم - أرسل بالقرآن الكريم إلى الجن والإنس، فجميع أوامره ونواهيه متوجهة ~~إلى الجنسين، وهي مشتملة # PageV01P218 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # على الأصول والفروع، نحو: {آمنوا ~~بالله} [الحديد: 7] ، {وأقيموا الصلاة} [البقرة: 43] . # وقد تضمن هذا الدليل، على أن كفار الإنس مخاطبون بها، وكذلك كفار الجن، ~~لتوجه القرآن بجميع ما فيه إلى مؤمني الجنسين وكفارهم. # الفرع الثالث: ذكر الزنجاني في كتاب «تخريج الفروع على الأصول» أن الخلاف ~~في أن الكفار يملكون أموال المسلمين بالقهر مبني على الخلاف في تكليفهم ~~بالفروع. # فإن قلنا: هم مكلفون بها، لم يملكوها، لأن من الفروع تحريم أخذ مال الغير ~~بالقهر، والمأخوذ بسبب حرام لا يملك، وهم قد أخذوا أموال المسلمين بهذا ~~السبب المحرم، وتحريمه ثابت في حقهم، فلا يملكونها به. # وإن قلنا: ليسوا مكلفين بالفروع، ملكوا الأموال بالقهر، لأن التحريم غير ~~ثابت في حقهم، فيكون أخذهم لها مباحا بالنسبة إليهم. # قلت: الصحيح من مذهب أحمد أنهم يملكونها، وهو ينافي أصله في أنهم مكلفون ~~بالفروع، لكن مأخذه في ملكهم لها غير ذلك، وهو أن المسلمين يعوضون عن ~~أموالهم الأجر، فلو بقيت على ملكهم، لاجتمع لهم العوض والمعوض، وهو باطل ~~عقلا، وغير معهود شرعا. # قلت: وهو تقرير لطيف حسن، غير أنه ينتقض بالمغصوب منه، فإنه يؤجر على ~~مصيبته في ماله المغصوب، مع أن الغاصب لا يملكه، ولا فرق بين الصورتين إلا ~~الكفر والإسلام وداراهما، ولا يظهر تأثيره في الحكم، وأيضا، فإن الأجر ليس ~~عوضا # PageV01P219 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ماليا، وامتناع العوض والمعوض إنما ~~هو في الماليات، فتخريج ملك الكفار لأموال المسلمين على تكليفهم جيد. # ولهذا قال أبو الخطاب: لا يملكونها، فكان قوله أحرى على أصول أحمد - رحمة ~~الله عليهما -. # PageV01P220 # وأما الثاني، وهي شروط المكلف به. فأن يكون معلوم ~~الحقيقة للمكلف، وإلا لم يتوجه قصده إليه. معلوما كونه مأمورا به، وإلا لم ~~يتصور منه قصد الطاعة والامتثال. معدوما، إذ إيجاد الموجود ms0100 محال. وفي ~~انقطاع التكليف حال حدوث الفعل خلاف، الأصح ينقطع، خلافا للأشعري. وأن يكون ~~ممكنا، إذ المكلف به مستدعى حصوله، وذلك مستلزم تصور وقوعه، والمحال لا ~~يتصور وقوعه، فلا يستدعى حصوله، فلا يكلف به، هذا من حيث الإجمال. # أما التفصيل: فالمحال ضربان، محال لنفسه، كالجمع بين الضدين، ولغيره، ~~كإيمان من علم الله تعالى أنه لا يؤمن. فالإجماع على صحة التكليف بالثاني، ~~والأكثرون على امتناعه بالأول، لما سبق، وخالف قوم، وهو أظهر. # قوله: «وأما الثاني» أي: وأما ~~البعض الثاني من شروط التكليف، «وهي شروط المكلف به» ، وهو الفعل «فأن» أي: ~~فمنها: أن «يكون معلوم الحقيقة للمكلف وإلا» أي: لو لم يعلم المكلف حقيقة ~~ما كلف به «لم يتوجه قصده إليه» حتى يأتي به، وإذا لم يتوجه قصده إليه لم ~~يصح وجوده منه، لأن توجه القصد إلى الفعل من لوازم إيجاده، فإذا انتفى ~~اللازم الذي هو القصد، انتفى الملزوم وهو الإيجاد. # مثاله: أن المأمور بالصلاة، يجب أولا أن يعلم حقيقتها، وأنها جملة أفعال، ~~من قيام وركوع وسجود وجلوس، يتخللها أذكار مخصوصة، مفتتحة بالتكبير، مختتمة ~~بالتسليم، حتى يصح قصده لهذه الأفعال، ويشرع فيها شيئا بعد شيء. فلو لم ~~يعلم ما حقيقة الصلاة، لم يدر في أي فعل يشرع من أنواع الأفعال، فيكون ~~تكليفه بفعل ما لا يعلم حقيقته تكليفا بما لا يطاق، وهو وإن كان جائزا لكنه ~~غير واقع. # PageV01P221 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «معلوما كونه مأمورا» ، أي: ~~ومن شروط المكلف به، أن يعلم المكلف أنه مأمور «به، وإلا» أي: وإن لم يعلم ~~أنه مأمور به، «لم يتصور منه قصد الطاعة والامتثال» بفعله، إذ الطاعة ~~موافقة الأمر، والامتثال: هو جعل الأمر مثالا يتبع مقتضاه، فإن لم يعلم ~~الأمر لم يتصور موافقته له، ولا نصبه مثالا يعتمده، فيكون أيضا من تكليف ما ~~لا يطاق. # تنبيه: قولنا مثلا: يجب كذا، أو لا يجب كذا، وإلا كان كذا، وإلا لم يكن ~~كذا، تقديره: يجب كذا، وإن لم يجب كذا، كان كذا، فهي جملة شرطية، أصلها ~~(إن) الشرطية، وبعدها (لا) النافية ms0101 مفصولة منها، هكذا: يجب كذا، وإن لا يجب ~~كذا كان كذا أو لم يكن كذا، أي: وإن انتفى وجوب كذا، كان كذا، لكن لكثرة ~~الاستعمال وصلوا (لا) بإن، وأدغموا نون (إن) الشرطية في لام (لا) النافية، ~~فصارت هكذا: وإلا يكن كذا، كان كذا، ثم حذفوا الشرط، لظهوره مما في سياقه، ~~فقالوا: يجب كذا، وإلا كان كذا. وهذه الصيغ في القرآن متعددة، كقوله تعالى: ~~{وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن} [يوسف: 33] ، {إلا تنفروا يعذبكم} ~~[التوبة: 39] {إلا تنصروه فقد نصره الله} [التوبة: 40] ، فقولنا هاهنا: يجب ~~أن يكون الفعل معلوما للمكلف، وإلا لم يتوجه قصده إليه، أي: وإن لم يكن ~~معلوم الحقيقة للمكلف، لم يتوجه قصده إليه، ثم حذف الشرط، وبقي جوابه يلي ~~الشرط، # PageV01P222 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فقيل: وإلا لم يتوجه، وهذا من ~~التركيبات اللغوية التي تلقيت بالعادة، ولا يتنبه لوجه تركيبها كل أحد. # قوله: «معدوما» أي: ومن شروط المكلف به أن يكون معدوما، كصلاة الظهر قبل ~~الزوال «إذ إيجاد الموجود محال» كما يقال لمن بنى حائطا أو كتب كتابا: ~~ابنه، أو اكتبه بعينه، مع بقائه مبنيا مكتوبا مرة أخرى. # وإنما قلنا: «إذ إيجاد الموجود محال» ، لأن الإيجاد هو تأثير القدرة في ~~إخراج المعلوم من العدم إلى الوجود، فلو أوجد مرة ثانية، لزم أن يكون ~~معدوما، لاحتياجه إلى الإخراج من العدم، موجودا بالإيجاد الأول، فيلزم أن ~~يكون موجودا معدوما، وهو جمع بين النقيضين، وهو محال. # قوله: «وفي انقطاع التكليف حال حدوث الفعل خلاف، الأصح ينقطع، خلافا ~~للأشعري» . # ليست هذه من مسائل الروضة، وهي مشهورة، ذكرها الآمدي وابن الحاجب ~~وغيرهما، وهي واسطة بين طرفين، فلذلك خرج فيها الخلاف، وهو شأن ما كان ~~واسطة بين طرفين غالبا. # وبيانه، أن الفعل ينقسم بانقسام الزمان ماض وحال ومستقبل، وله باعتبار ~~الزمان، قبل وبعد وحال، وهو الواسطة. فالتكليف إما أن يتعلق به قبل وجوده، ~~كالحركة قبل التحرك، ولا خلاف في جوازه، إلا عند شذوذ من الأشعرية، وإما أن ~~يتعلق به بعد حدوثه، كالحركة بعد انقضائها بانقضاء التحرك، وهو ممتنع ~~اتفاقا، لما ms0102 سبق من أنه تكليف بإيجاد الموجود، وإما أن يتعلق به حال حدوثه، ~~كالحركة في أول زمان التحرك، فهو جائز خلافا للمعتزلة. # PageV01P223 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لنا: أنه مقدور، وكل مقدور يجوز ~~التكليف به. أما أنه مقدور فبالاتفاق، وأما أن كل مقدور يجوز التكليف به، ~~فلأنه يصح إيجاده، والتكليف إنما هو الأمر بإيجاد الفعل. # قلت: هذا المقام فيه تحقيق، وذلك أنا إذا فسرنا حال حدوث الفعل بأنه أول ~~زمن وجوده، صح التكليف به وكان في الحقيقة تكليفا بإتمامه وإيجاد ما لم ~~يوجد منه، وإن أريد بحال حدوثه زمن وجوده من أوله إلى آخره لم يصح مطلقا، ~~بل يصح في أول زمن وجوده أن يكلف بإتمامه، كما سبق في التفسير الأول، وعند ~~آخر زمن وجوده يكون قد وجد وانقضى، فيصير من باب إيجاد الموجود. # وهذا البحث ينزع إلى مسألة الحركة وأنها تقبل القسمة أولا، وموضع ذلك غير ~~هاهنا. # وكأن الخلاف بين الطائفتين في هذه المسألة لفظي، لأن من أجاز التكليف ~~علقه بأول زمن الحدوث، ومن منعه علقه بآخره. والله أعلم. # قوله: «وأن يكون ممكنا» أي: ومن شروط المكلف به أن يكون ممكنا «إذ المكلف ~~به مستدعى حصوله» إلى آخره، أي: يشترط إمكان الفعل المكلف به، لأن حصوله ~~مستدعى، أي: مطلوب للشرع، وكل ما كان مطلوب الحصول يجب أن يكون متصور ~~الوقوع، فالمكلف به يجب أن يكون متصور الوقوع، وهو معنى كونه ممكنا، لكن ~~المحال لا يتصور وقوعه، وما لا يتصور وقوعه، لا يستدعى حصوله. # PageV01P224 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أما أن المحال لا يتصور وقوعه، ~~فلما سيأتي إن شاء الله تعالى، وأما أن ما لا يتصور وقوعه، لا يستدعى ~~حصوله، فلأن استدعاء الحصول لا يكون إلا لفائدة، وحصول الفائدة مما لا ~~يتصور وقوعه، لا يعقل. وإذا ثبت أن المحال لا يستدعى حصوله، فلا يكلف به ~~لعدم فائدة التكليف به. # قوله: «هذا من حيث الإجمال» أي: هذا تقرير اشتراط إمكان الفعل المكلف به ~~من حيث الجملة، وفيه من حيث التفصيل كلام أبسط من هذا، لأن الكلام في هذا ~~الشرط، هو الكلام في ms0103 المسألة المعروفة بتكليف ما لا يطاق، وبعضهم يسميها ~~تكليف المحال. # وطريق التفصيل فيها أن المحال ضربان: " محال لنفسه، كالجمع بين الضدين " ~~كالسواد والبياض، والقيام والقعود، " ولغيره " أي: الضرب الثاني " محال ~~لغيره " كإيمان من علم الله سبحانه وتعالى أنه لا يؤمن، كفرعون وأبي جهل ~~وغيرهما من الكفار، إيمانهم ممتنع لا لذاته، أي: لا لكونه إيمانا، إذ لو ~~امتنع إيمانهم لكونه إيمانا، لما وجد الإيمان من أحد، وإنما امتنع إيمانهم ~~لغيره، أي: لعلة خارجة عنه، وهو تعلق علم الله سبحانه وتعالى وإرادته بأنهم ~~لا يؤمنون، وخلاف معلوم الله تعالى وإراداته محال لغيره، بخلاف الجمع بين ~~الضدين، فإنه محال لذاته، أي: لكونه جمعا بين الضدين، فعلة امتناعه ذاته، ~~لا أمر خارج عنه، فهذا # PageV01P225 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # تحقيق المحال لذاته ولغيره، وقد ~~سبق نحو هذا في الواجب لذاته ولغيره في شرح الخطبة. # قوله: " فالإجماع على صحة التكليف بالثاني " يعني: المحال لغيره، " ~~والأكثرون على امتناعه بالأول " يعني المحال لذاته " لما سبق "، يعني في ~~التقرير الإجمالي من أنه لا يتصور وقوعه، فلا يستدعى حصوله. # قوله: " وخالف قوم "، أي: في هذا الضرب، وهو المحال لذاته، فقالوا: يجوز ~~التكليف به، " وهو أظهر " يعني في النظر، لما يتقرر " إن شاء الله تعالى. # قلت: فحصل من هذا أن المحال لغيره يجوز التكليف به إجماعا، وفي المحال ~~لذاته، قولان للناس. # وقال الآمدي: مذهب الأشعري في أحد قوليه جواز التكليف بالممتنع لذاته، ~~وهو مذهب أكثر أصحابه، واختلفوا في وقوعه. # والقول الثاني: امتناعه، وهو مذهب البصريين وأكثر البغداديين من ~~المعتزلة، واتفقوا على جوازه بالممتنع لغيره، خلافا لبعض الثنوية. # قال: والمختار امتناع الأول، وجواز الثاني. # قلت: فحصل من هذا الخلاف في كل واحد من قسمي الممتنع، بالنسبة إلى مجموع ~~العلم. والتفصيل الذي اختاره الآمدي داخل في الخلاف، لأنه اختار في كل قسم ~~أحد القولين فيه، فهو كالخلاف الذي لا يرفع الإجماع. # وذكر ابن حزم الظاهري في كتاب " الملل والنحل " أن المحال على أربعة ~~أقسام: محال مطلق: وهو كل ما أوجب على ذات البارئ تغيرا أو نقصا، فهو ms0104 محال # PageV01P226 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لعينه. # ومحال فيما بينا في بينة العقل، ككون المرء قائما قاعدا، ونحوه من اجتماع ~~الأضداد والنقائض. # ومحال في الوجود، كانقلاب الجماد حيوانا، وانقلاب نوع من الحيوان نوعا ~~منه آخر، كانقلاب الفرس جملا أو ثورا أو غير ذلك. # ومحال بالإضافة، كنبات اللحية لابن ثلاث سنين، وإحباله النساء، وكلام ~~الأبله الغبي في دقائق المنطق، وصنعة الشعر البديع، فهذا محال بالإضافة إلى ~~الصبي والأبله، أما إلى الرجل البالغ والذكي الفاضل، فهو ممكن قريب. # وزعم ابن حزم، أن البارئ - جل جلاله - قادر على هذه الأقسام من المحال ~~جميعها، خلا القسم الأول، لاستحالته لعينه، وعدم دخوله تحت المقدور، ~~والسؤال عنه ليس بسؤال أصلا، حتى قال ابن حزم: إن الله سبحانه وتعالى قادر ~~على أن يتخذ ولدا، صرح بذلك، واحتج بقوله سبحانه وتعالى: {لو أراد الله أن ~~يتخذ ولدا} الآية [الزمر: 4] . # وذكر الكناني في " مطالع الشريعة " أن امتناع العقل قد يكون لعينه، ~~كالجمع بين الضدين، وقد يكون بالإضافة إلى بعض القادرين، كخلق الأجسام، وقد ~~يكون في العرف والعادة، كطيران الآدمي وفقد الآلة في تكليف الأعمى نقط ~~المصحف، ولعدم القدرة في تكليف القائم القعود، على مذهب من يمنع تقدم ~~القدرة على # PageV01P227 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الفعل، وقد يكون لعدم فهم الخطاب، ~~كالميت. # وقد اضطرب قول الأشعري، في جواز أن التكليف في هذا النوع الأخير، والأول ~~هو المقصود بعقد الباب، هذا لفظه. وذكر مأخذ الخلاف، على ما سيأتي إن شاء ~~الله تعالى. # PageV01P228 # لنا ### | ، إن صح التكليف بالمحال لغيره، صح بالمحال لذاته، # وقد صح ثم، فليصح هنا. # أما الملازمة، فلأن المحال، ما لا يتصور وقوعه، وهو مشترك بين القسمين. ~~أما الأولى فظاهرة، إذ اشتقاق المحال من الحؤول عن جهة إمكان الوجود. أما ~~الثانية، فلأن خلاف معلوم الله تعالى محال، وبه احتج آدم على موسى، فلا ~~يتصور وقوعه، وإلا انقلب العلم الأزلي جهلا. . وقد جاز التكليف به إجماعا، ~~فليجز بالمحال لذاته، بجامع الاستحالة، ولا أثر للفرق بالإمكان الذاتي، ~~لانتساخه بالاستحالة بالغير العرضية. وأيضا فكل مكلف به، إما أن يتعلق علم ~~الله تعالى بوجوده، ms0105 فيجب. أو لا، فيمتنع، والتكليف بهما محال. # قوله: «لنا، إن صح التكليف بالمحال ~~لغيره، صح بالمحال لذاته، وقد صح ثم، فليصح هنا» . # هذا حين الشروع في تقرير أدلة المسألة، على ما هو المختار في «المختصر» ، ~~وهو أن المحال لذاته يجوز التكليف به. # وتقريره: إن صح التكليف بالمحال لغيره، كإيمان من علم الله تعالى أنه لا ~~يؤمن، صح التكليف بالمحال لذاته، كالجمع بين الضدين وقد صح التكليف بالمحال ~~لغيره بالإجماع على تكليف كل كافر بالإيمان، فيلزم أن يصح التكليف بالمحال ~~لذاته، هذا تقرير نظم الدليل. # قوله: «أما الملازمة» إلى آخره. هذا تقرير مقدمات الدليل، والملازمة، هي ~~كون أحد الشيئين ملازما للآخر، لا ينفك عنه، فيستدل بوجود الملزوم على وجود ~~اللازم، لاستحالة وجود ملزوم لا لازم له. وهو كقولنا: إن كان هذا إنسانا، ~~فهو # PageV01P229 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # حيوان، لكنه إنسان، فهو حيوان، ~~فالإنسان ملزوم للحيوان، والحيوان لازم للإنسان فلا جرم لما وجد الإنسان ~~الذي هو الملزوم، لزم وجود الحيوان الذي هو اللازم، عدنا إلى تقرير عبارة ~~«المختصر» . # فقولنا: إن صح التكليف بالمحال لغيره، صح التكليف بالمحال لذاته، هذا هو ~~الملازمة التي نريد تقريرها. # وتكليف المحال لغيره ملزوم لتكليف المحال لذاته. ومقصودنا، أن الأول ~~ملزوم للثاني، فإذا تقرر ذلك، لزم من صحة التكليف بالمحال لغيره، صحة ~~التكليف بالمحال لذاته، لأن الأول ملزوم للثاني، كما يلزم من وجود الإنسان ~~وجود الحيوان، لأنه ملزوم للحيوان. # ووجه تقرير الملازمة المذكورة، هو: أن «المحال ما لا يتصور وقوعه، وهو ~~مشترك بين القسمين» أي: عدم تصور الوقوع مشترك بين القسمين، وهما المحال ~~لذاته ولغيره: أي: كما لا يتصور وقوع المحال لذاته، كذلك لا يتصور وقوع ~~المحال لغيره. # ونعني بعدم تصور وقوعه، أنا لو فرضنا وقوعه، لزم منه محال مطلقا، سواء ~~كان لذاته أو لغيره. # قوله: «أما الأولى فظاهرة» إلى آخره. هذا إشارة إلى أن الدليل المذكور في ~~تقرير الملازمة مركب من مقدمتين، وقد سبق أن المقدمة قضية جعلت جزء قياس، ~~وهو الدليل، وأقل ما يتركب منه الدليل مقدمتان: # PageV01P230 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فالمقدمة الأولى في ms0106 هذا الدليل ~~قولنا: المحال: ما لا يتصور وقوعه. # والمقدمة الثانية: قولنا: وهو مشترك بين القسمين، فنحتاج أن ندل على صحة ~~كل واحدة من المقدمتين، لتكون الدعوى التي أقمنا الدليل عليها، وهي لازمة ~~عنه، صحيحة، وهي أن المحال لذاته يجوز التكليف به. # وتقرير المقدمة الأولى: وهي قولنا: المحال ما لا يتصور وقوعه، «إذ اشتقاق ~~المحال من الحؤول عن جهة إمكان الوجود» وهذا تقرير اشتقاقي لغوي، يقال: حال ~~الشيء يحول حولا وحؤولا، إذا تغير وانقلب عما كان عليه. وأصل مادة «ح ول» ~~يرجع إلى معنى التغير والانتقال والتحول من حال أو مكان إلى غيره. # قال الجوهري: أرض وقوس مستحيلة، أي: ليست بمستوية، لأنها استحالت عن ~~الاستواء إلى العوج. # وقد تقرر في علم الاشتقاق، أن أركانه مشتق، ومشتق منه، ومادة مشتركة، وهي ~~الحروف الأصول فيهما، ولا بد من تغيير ما، بحرف أو بحركة أو بهما، بزيادة ~~أو نقص، أو بهما، على ما تقرر في مواضعه، فمتى وجد ذلك، صح الاشتقاق، وهذا ~~كله موجود ههنا، فالمشتق هو المحال، والمشتق منه هو الحول والتحول، # PageV01P231 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والحروف الأصول مشتركة بينهما، وهي ~~«ح ول» ، فالمحال مفعل من ذلك، وأصله محول، مثل مكرم، والميم زائدة، وقلبت ~~الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها في الأصل، وهو حول الذي هو أصل حال. ~~أو أن المحال أعل تبعا لأصله، وهو حال والحؤول فعول، مثل جلوس وقعود، من ~~حال يحول، فالواو الثانية زائدة، والتغيير بين المحال والحؤول ظاهر في ~~البناء والحروف الزوائد فيهما، إذ المحال وزنه مفعل، والزائد فيه ميم، ~~والحؤول وزنه فعول، والزائد فيه واو، فثبت أن المحال مشتق من الحول ثم ~~رأينا أهل اللغة والعرف يريدون بالمحال ما لا حقيقة له ولا وجود، لتعذر ذلك ~~فيه، فعلمنا أن جهة اشتقاقه من الحؤول، وهو كونه حال، أي: انتقل وانقلب عن ~~جهة الإمكان، إلى جهة الامتناع، وهو المطلوب. # ولا نعني بقولنا: انتقل عن جهة الإمكان، أنه كان ممكنا ثم صار محالا ~~مطلقا، بل ذلك في المحال لغيره، وهو باعتبار ذاته ممكن، وباعتبار ما ms0107 عرض له ~~من غيره صار محالا. وأما المحال لذاته فلم يزل كذلك. # ومرادنا بانتقاله عن جهة الإمكان، في الذهن، لا في الخارج. يعني أنه قد ~~كان في قدرة الله تعالى أن يجعل كل ما يتلفظ باسمه ممكنا، إذ يجعل لنا قوة ~~ندرك ذلك، فانتقل مسمى المحال بإرادة الله تعالى عن هذه الجهة إلى الجهة ~~التي هو عليها من الاستحالة، وهذا موضع وقف أكثر الناس دونه، فلنقف عنده، ~~ولعل بعض من # PageV01P232 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يقف على ما أشرنا إليه ههنا، يظن ~~أنه سفسطة، وما يعقلها إلا العالمون. # هذا تقرير المقدمة الأولى، وهي قولنا: «المحال ما لا يتصور وقوعه» ~~بقولنا: «إذ اشتقاق المحال من الحؤول عن جهة إمكان الوجود» . # «أما» تقرير «المقدمة الثانية» وهي قولنا: وهو، أي: عدم تصور الوقوع ~~مشترك بين القسمين «فلأن خلاف معلوم الله تعالى محال، وبه احتج آدم على ~~موسى» - صلوات الله عليهما - فيما روى أبو هريرة - رضي الله عنه -، عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: احتج آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم، ~~أنت الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، أغويت الناس، وأخرجتهم من ~~الجنة؟ ! فقال آدم: وأنت يا موسى الذي اصطفاك الله بكلامه، أتلومني على عمل ~~عملته، كتبه الله علي قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ قال: فحج آدم موسى ~~أخرجاه في «الصحيحين» وصححه الترمذي وهذا لفظه، ولا خلاف بين الرواة أن آدم ~~ههنا مرفوع على أنه فاعل حاج وموسى منصوب على أنه مفعول محجوج، وإنما عكس ~~ذلك القدرية تصحيحا لمذهبهم. # PageV01P233 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وبيان أن خلاف معلوم الله تعالى ~~محال، هو أنه غير مقدور، وكل ما كان غير مقدور، محال، فهو محال، أما أنه ~~غير مقدور، أي: لا يقبل تأثير القدرة في إيجاده، وهو مذهب عباد بن سليمان، ~~فلأنه لو كان مقدور الوجود، مع أنه معلوم عدم الوجود، ومراد عدم الوجود، ~~للزم تناقض مقتضى الصفات الإلهية الذاتية، فإن تم مقتضى القدرة بالوجود، ~~تخلف مقتضى العلم، وهو عدم الوجود بالوجود، فانقلب العلم جهلا، وإن تم ~~مقتضى العلم بعدم الوجود، تخلف مقتضى ms0108 القدرة وهو الوجود، فانقلبت القدرة ~~عجزا، وذلك محال، فثبت أن خلاف معلوم الله تعالى غير مقدور، فهو محال، وأما ~~أن ما كان غير مقدور، فهو محال، فلأن الموجودات كلها إنما تصدر بقدرة الله ~~تعالى، فلو فرض وجود ما ليس مقدورا له، للزم إثبات خالق آخر معه، وهو محال. # والرد على المعتزلة في أن العبد خالق لأفعاله، مستقصى مع هذه المسألة ~~وغيرها في كتاب «إبطال التحسين والتقبيح» ، وقد بان بهذا التقرير معنى ~~قولنا: «فلا يتصور وقوعه» أي: لا يتصور وقوع خلاف معلوم الله سبحانه ~~وتعالى، لاستحالته، # PageV01P234 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # «وإلا انقلب العلم الأزلي جهلا» ، ~~وثبت بهذا التقرير قولنا: «إن صح التكليف بالمحال لغيره، صح بالمحال لذاته» ~~. # قوله: «وقد جاز التكليف به إجماعا» أي: بالمحال لغيره «فليجز بالمحال ~~لذاته» . # هذا تقرير لقولنا بعد الملازمة المذكورة: «وقد صح ثم، فليصح هنا» وهو ~~استثناء المقدم، وتقريره: أن التكليف بالمحال لغيره، قد صح بالإجماع، فيلزم ~~أن يصح التكليف بالمحال لذاته «بجامع الاستحالة» أي: أن الجامع بينهما كون ~~كل واحد منهما محال الوقوع. أما المحال لذاته، فبالاتفاق، وأما المحال ~~لغيره، فبما قررناه، وقد صح التكليف بأحدهما، فليصح بالآخر، عملا بالجامع ~~المؤثر، وهو الاستحالة المشتركة بينهما، لأن حكم المثلين واحد. # قوله: «ولا أثر للفرق بالإمكان الذاتي، لانتساخه بالاستحالة بالغير ~~العرضية» . هذا جواب سؤال مقدر، وهو أن يقال: المحال لذاته، والمحال لغيره، ~~وإن جمع بينهما استحالة الوقوع، لكن الفرق بينهما من جهة أن المحال لغيره ~~ممكن لذاته، فله حظ في الإمكان، وتعلق العلم بعدم وقوعه لا يسلبه هذا ~~الإمكان الذاتي، ولا يخرجه عن كونه ممكنا، فوجب أن يصح التكليف به، بخلاف ~~المحال لذاته، فإنه لا حظ له في الإمكان بوجه ما، فالتكليف به يجب أن لا ~~يصح. # وتقرير الجواب: أن هذا الفرق لا أثر له، لأن الإمكان الذاتي في المحال ~~لغيره انتسخ بما عرض له من الاستحالة له بالغير، فاستقر الأمر على أنه ~~استحال وجوده، فصار الحكم للاستحالة العرضية، الناسخة لحكم الإمكان الذاتي، ~~فاستوى حينئذ المحال لذاته ولغيره في استحالة الوقوع، ms0109 وهو الجامع المؤثر، ~~فيجب أن يستويا في جواز التكليف بهما، والفرق بالإمكان الذاتي في أحدهما ~~دون الآخر، بطل حكمه، وعفا أثره، لأن الشيء إذا كان لذاته ممكنا ثم تعلقت ~~الصفات الأزلية الذاتية # PageV01P235 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # باستحالة وجوده، كان مقتضى تعلقها ~~العرضي - وهو الامتناع - ناسخا لمقتضى الإمكان الذاتي، وهو الوجود. # قوله: «وأيضا فكل مكلف به» إلى آخره. هذا دليل آخر في المسألة. # وتقريره: أن كل فعل مكلف به «إما أن يتعلق علم الله تعالى بوجوده فيجب، ~~أو لا» يتعلق بوجوده «فيمتنع» . فإن تعلق بوجوده وجب وجوده في وقته المعين ~~له، وإن لم يتعلق بوجوده، كان وجوده ممتنعا، إذ لا موجد إلا الله تعالى، ~~ولا موجود إلا عن الله تعالى، وإذا ثبت ذلك ف «التكليف بهما» أي: بما وجب ~~وجوده، وبما امتنع وجوده «محال» ، أما التكليف بما وجب وجوده، فلأنه تحصيل ~~الحاصل، وأما التكليف بما امتنع وجوده، فلأنه إيجاد الممتنع، والتكليف ~~بالمحال لذاته له أسوة غيره من ذلك. # PageV01P236 # قالوا: هذا يستلزم أن التكاليف بأسرها تكليف بالمحال، ~~وهو باطل بالإجماع. قلنا: ملتزم. والإجماع إن عنيتم به العقلي فممنوع، أو ~~الشرعي، فالمسألة علمية، والإجماع لا يصلح دليلا فيها لظنيته، بدليل الخلاف ~~في تكفير منكر حكمه، على ما سيأتي. # قوله: «قالوا: هذا» اعتراض على ~~الدليل المذكور. # وتقريره: أن ما ذكرتم «يستلزم أن التكاليف بأسرها، تكليف بالمحال، وهو ~~باطل بالإجماع» . # أما كونه يستلزم ذلك، فلأن التكاليف بأسرها إما معلوم الوجود لله تعالى، ~~أو معلوم العدم، وقد بينتم أن إيجاد كل واحد منهما محال، والتكاليف تراد ~~للإيجاد، فالتكليف بها تكليف بإيجاد المحال، فثبت أن ما ذكرتموه يستلزم أن ~~التكاليف بأسرها تكليف بالمحال. # وأما كون ذلك باطلا بالإجماع، فلأن العلماء أجمعوا على أن المعلومات ~~منقسمة إلى واجب، وممتنع، وممكن، والأفعال المكلف بها من جملة المعلومات، ~~فيكون فيها الممكن، وذلك ينفي ما استلزمه قولكم من أن التكاليف كلها تكليف ~~بالمحال، لأن القضية الكلية تنتقض بالصورة الجزئية. # قوله: «قلنا: ملتزم» أي: ما ألزمتموناه، وهو أن التكاليف كلها تكليف ~~بالمحال ملتزم، نلتزمه ونقول به. ms0110 وأما قولكم: هو باطل بالإجماع، فنقول: ما ~~تعنون # PageV01P237 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بالإجماع الذي استندتم إليه في ~~بطلان قولنا؟ إن عنيتم به الإجماع العقلي، وهو إجماع العقلاء، على أن بعض ~~المعلومات ممكن، والتكاليف من المعلومات، فيكون بعضها ممكنا، فيبطل كون ~~جميعها محالا؟ # قلنا: الممكن الذي أجمع العقلاء على وجوده في عموم المعلومات وخصوص ~~التكاليف، هو الممكن لذاته، أما الممكن لغيره، فيمتنع وجوده في التكاليف ~~بما قررناه، والإجماع العقلي يدل على بطلان ذلك. # وإن عنيتم بالإجماع المذكور الإجماع الشرعي الصادر عن أدلة الشرع، ~~فالمسألة التي نحن فيها علمية، أي: المطلوب فيها العلم الجازم، لأن ~~البراهين تتجه فيها، والإجماع الشرعي لا يصلح دليلا في هذه المسألة ~~ونظائرها من العلميات لظنيته، أي: لكونه ظنيا، أي: مستنده أدلة ظنية، وإنما ~~يفيد الظن لا القطع، والمطالب العلمية لا تحصل بالمدارك الظنية. # والدليل على أن الإجماع الشرعي ظني - كما قلنا - أن علماء الأمة اختلفوا ~~في تكفير منكر حكمه، أي: من أنكر حكما مجمعا عليه، على ما سيأتي في باب ~~الإجماع، إن شاء الله تعالى، وأجمعوا على تسويغ هذا الخلاف، ولو كان علميا، ~~لما اختلفوا في تكفير من أنكر حكمه، كما لم يختلفوا في تكفير من أنكر حكما ~~شرعيا ضروريا، كوجود الصانع وتوحيده، وإرسال الرسل، ووجوب الأركان الخمسة. # وأيضا، فأهل الإجماع الشرعي إنما يتكلمون في أحكام الشريعة الظاهرة ~~العملية، وكلامنا ههنا في سر الإلهية الذي تاهت فيه العقول، وهو القدر، # PageV01P238 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وخلق الأفعال، والتوفيق والخذلان، ~~والتكليف بما لا يطاق، وهي أحكام باطنة علمية، كما أشرنا إليه في آخر مسألة ~~تكليف المكره، فأين موضوع نظر أهل الإجماع من هذا، حتى يستند إليه في بطلان ~~ما ذكرنا؟ # ونحن نرى أهل الإجماع الشرعي يتكلمون فيه بما يقع لهم، ثم إذا تكلموا في ~~هذه المسائل، انقسموا هم بأعيانهم إلى جبرية وقدرية ومتوسطة مع اعتقادهم أن ~~الإجماع الشرعي حجة، لكن في العلميات والظنيات، ولا يرتبطون عليه في ~~العلميات والعقليات. فدل على ما ذكرناه، من أن الإجماع الشرعي لا يصلح ~~مستندا لبطلان ما التزمناه، من أن التكاليف بأسرها ms0111 تكليف بالمحال، بالمعنى ~~الذي قررناه. والله أعلم. # تنبيه: حيث انتهى الكلام على لفظ «المختصر» ، فلنذكر جملة مآخذ المسألة ~~عقلا وسمعا. # أما مأخذها عقلا، فذكره الكناني وغيره من وجهين: # أحدهما: أنه هل يتحقق الطلب في نفسه من العالم باستحالة وقوع المطلوب أم ~~لا؟ خصوصا إن اشترطت الإرادة في الأمر، هل يتناقض علمه بأن لا يقع، مع ~~إرادته لأن يقع أم لا؟ # قلت: فإن تحقق الطلب، ولم تتناقض صفة العلم والقدرة، جاز تكليف ما لا ~~يطاق، وإلا فلا. # الوجه الثاني: أن الثواب والعقاب، هل يستحقان على الأعمال أو الأعمال في ~~حكم الأعلام عليها؟ # PageV01P239 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قلت: فإن قلنا: الثواب يستحق ~~بالعمل، وجب أن يكون العمل ممكنا، متصور الوقوع، ليترتب عليه استحقاق ~~الثواب، وإن قلنا: العمل علم على الثواب، لم يجب أن يكون العمل متصور ~~الوقوع، وكان عدمه لامتناعه علما على ما يراد بالمكلف من الجزاء، كالكافر، ~~كان عدم إيمانه علما على عذابه، وهذا راجع إلى سر القدر الذي سبق تقريره. # وأما مأخذها سمعا فقوله سبحانه وتعالى: {ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} ~~[البقرة: 286] ، أقر قائليه عليه في سياق المدح لهم، ولو لم يكن تكليف ما ~~لا يطاق جائزا لما سألوا دفعه، ولا أقرهم الله سبحانه وتعالى عليه، لأنه ~~نسبة لما لا يجوز عليه إليه، فلما سألوه وأقرهم، دل على جوازه، وهذا ظاهر ~~لا قاطع، وأجيب عنه، بأن الآية لا تدل على جواز تكليف ما لا يطاق، إذ قد ~~يقع السؤال بما لا يجوز على الله غيره، نحو قوله تعالى: {قال رب احكم ~~بالحق} [الأنبياء: 112] ، ولم يدل على أن الله سبحانه وتعالى يجوز أن يحكم ~~بالباطل، ويمدح بقوله تعالى: {وما أنا بظلام للعبيد} [ق: 29] ، مع أنه لا ~~يجوز عليه الظلم، وإن سلمناه، فإنهم إنما سألوا أن لا يكلفهم ما يشق عليهم، ~~وهذا متعارف في اللغة أن يقول الشخص لما يشق عليه: لا أطيقه، لا أنهم علموا ~~جواز تكليف ما لا يطاق، فسألوا نفيه، وإن سلمناه، فهو معارض بقوله في الآية ~~بعينها، وفي آيات غيرها: ms0112 {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] ، ~~والمعتمد عليه في المسألة ما سبق. # أما وقوع ما لا يطاق، فلم يقع في فروع الشريعة، وإنما وقع في أصولها، في # PageV01P240 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # خلق الأفعال على مذهب أهل السنة. ~~وفروع تكليف ما لا يطاق في أصول الدين والفقه كثيرة، جمعت جملة منها في ~~كتاب «رد القول القبيح بالتحسين والتقبيح» فلم يجب علي ذكرها هنا والله ~~أعلم. # PageV01P241 # خاتمة # لا تكليف إلا بفعل، ومتعلقه في النهي كف النفس، وقيل: ضد المنهي عنه. وعن ~~أبي هاشم العدم الأصلي. # قوله: «خاتمة» أي: لهذا الفصل - ~~التكليف - وختمت بها الفصل، لأنها ليست من شروط المكلف به، وإنما هي في ~~تنويعه إلى فعل وكف. # قوله: «لا تكليف إلا بفعل» إلى آخره، أي: متعلق التكليف في الأمر والنهي ~~لا يكون إلا فعلا، ولا يطلب من المكلف إلا فعل. أما في الأمر فظاهر، لأن ~~مقتضاه إيجاد فعل مأمور، كالصلاة والصيام، وأما في النهي، فمتعلق التكليف ~~فيه، كف النفس عن المنهي عنه، كالكف عن الزنى، «وقيل: ضد المنهي عنه» أي: ~~ضد من أضداده كان، إذ بتلبسه بضده يكون تاركا له. «وعن أبي هاشم» هو ابن ~~أبي علي الجبائي، واسمه: أبو علي محمد بن عبد الوهاب، وأبو هاشم: اسمه عبد ~~السلام بن محمد، وهو في الطبقة التاسعة من طبقات المعتزلة، وأبوه من الطبقة ~~الثامنة. # قال أبو هاشم: «العدم الأصلي» أي: متعلق النهي العدم الأصلي، وهو أن لا ~~يفعل، مع قطع النظر عن الضد. # PageV01P242 # لنا: المكلف به مقدور، والعدم غير مقدور فلا يكون ~~مكلفا، فهو إما كف النفس، أو ضد المنهي، وكلاهما فعل. # «لنا» أي: على صحة ما قلناه أن: ~~«المكلف به مقدور، والعدم غير مقدور، فلا يكون مكلفا» به. # أما أن المكلف به مقدور للمكلف، فلأنه سبب للثواب والعقاب، وكل ما كان ~~سبب الثواب والعقاب، فهو مقدور للمكلف، لقوله تعالى: {ادخلوا الجنة بما ~~كنتم تعملون} [النحل: 32] ، {لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا ~~يجحدون} [فصلت: 28] ، {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} [النجم: 39] ، ونحوه ~~كثير. # وأما ms0113 أن العدم غير مقدور للمكلف، فلأنه نفي محض، لا يصح أن يكون أثرا ~~للقدرة، ولا قابلا لأثرها، وكل مقدور، فهو قابل لتأثير القدرة، فالعدم غير ~~مقدور، فلا يكون مكلفا به، وإذا ثبت ذلك «فهو» - يعني متعلق التكليف في ~~النهي - «إما كف النفس» عن المنهي، أي: حبسها عنه بعنان التقوى «أو ضد ~~المنهي عنه» ، وهو ما لا يمكن اجتماعه معه، ولو تركه، «وكلاهما» يعني كف ~~النفس وضد المنهي عنه «فعل» . # أما كون الكف فعلا، فظاهر، لأنه صرف النفس عما توجهت إليه من المعصية، ~~وقهرها على ذلك، وزجرها عما همت به، وهذه أفعال حقيقية. غير أن # PageV01P243 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # متعلق هذه الأفعال، لما لم يكن ~~مشاهدا - وهو النفس - خفي أمرها. # فإن قيل: كيف يكف الإنسان نفسه بنفسه؟ قلنا: هذا سؤال، يتعلق جوابه بعلوم ~~الباطن، واستقصاؤه يخرج بنا عما نحن بصدده، من تقرير أصول الشرع، لكنا نشير ~~إلى الجواب إشارة خفيفة، فنقول: # إن الإنسان عبارة عن هيكل محسوس، اشتمل على جملة من المعاني، منها: النفس ~~الأمارة والهوى، ومنها: العقل والإيمان والحياء، فالمتوجه إلى مقارفة ~~المعاصي، هما المعنيان الأولان، والزاجر عنها المفارق لها هما المعنيان ~~الآخران، وهما كجيشين في دار يقتتلان ويتضادان، فالغالب من صحبه التوفيق، ~~والمغلوب من صحبه الخذلان. # وأما كون ضد المنهي عنه فعلا، فلأن المراد التلبس بضده، كمن نهي عن ~~الزنى، فتشاغل بأكل أو شرب، أو عن صوم يوم العيد، فتلبس بالإفطار، ولو لم ~~يكن ضد الشيء إلا تركه، لكان فعلا، لأن ترك الشيء هو الإعراض عن فعله، ~~والإعراض فعل، نعم، تارة يكون بالبدن، فيظهر للحس، وتارة يكون بالقلب ~~والنفس، فيدرك عقلا لا حسا. وقد قال الشاعر الفصيح: # إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكن ... إلى نحوه من آخر الدهر ترجع # فوصف النفس بالانصراف، والأصل في الإطلاق الحقيقة. # PageV01P244 # احتج بأن تارك الزنى ممدوح، حتى مع الغفلة عن ضدية ~~ترك الزنى، فليس إلا العدم. # قلنا: ممنوع، بل إنما يمدح على كف نفسه عن المعصية. # «احتج» أبو هاشم على أن متعلق ~~النهي العدم المحض، «بأن تارك ms0114 الزنى ممدوح، حتى مع الغفلة عن ضدية ترك ~~الزنى» أي: يمدح شرعا وعقلا، وإن لم يخطر بباله أن ترك الزنى ضد للزنى، بل ~~يكون غافلا عن ذلك، ومتعلق التكليف في النهي يجب أن يكون مقصودا للمكلف، ~~وقصد الشيء يستدعي سابقة تصوره، وتصور ضد الشيء مع الغفلة عنه محال، فإذن ~~«ليس» متعلق مدح تارك الزنى، ولا متعلق التكليف بتركه «إلا العدم» . # والجواب: أن ما ذكره ممنوع، بل إنما يمدح تارك الزنى على كف نفسه عن ~~المعصية، وهو فعل كما سبق. ولئن سلمنا أن كف نفسه عن الزنى، ليس متعلق مدحه ~~على تركه، لكن، لا نسلم تصور غفلته عن ضدية ترك الزنى للزنى، لأنا قد بينا، ~~أن ترك الشيء، هو الإعراض البدني أو القلبي عنه، والإعراض فعل، فمن ترك ~~الزنى، فقد أعرض عنه، وذلك الإعراض فعل، وفعل الإنسان الذي يستحق # PageV01P245 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # عليه المدح لا بد وأن يكون متصورا ~~له عند إيجاده، وإذا كان تارك الزنى متصورا لإعراضه عنه عند تركه له، لزم ~~أن يكون عند ترك الزنى متصورا لضدية تركه له، لأن ضد الشيء ما لا يجتمع ~~معه، وعدم اجتماع الزنى والإعراض عنه من البديهيات، نعم قد يخفى عليه أن حد ~~ضد الشيء ما لا يجتمع معه، لكن هذا لا يضر، لأن هذه جهالة راجعة إلى ~~الألفاظ والاصطلاحات، لا إلى الحقائق والذوات، فهو في الحقيقة الإدراكية ~~متصور جازم بأن ترك الزنى ضد له. والغفلة إنما وقعت في أمر آخر، وهو أن ~~تعريف الضد ما هو؟ أو أن ما تعذر اجتماعه مع غيره ضد له أو لا؟ ثم على أبي ~~هاشم في حجته سؤالان: # أحدهما: أن دعواك في أن متعلق التكليف العدم المحض كلية، وإنما أثبتها ~~بمثال جزئي، وهو مدح تارك الزنى مع غفلته عن أن تركه ضد له، والصور الجزئية ~~لا تثبت الدعاوى الكلية، إذ لو قال قائل: كل إنسان عالم، لأن زيدا عالم، أو ~~كل حيوان عاقل، لأن نوع الإنسان عاقل، لما صح ذلك. وحينئذ يجوز أن يكون ~~متعلق التكليف في بعض ms0115 الصور الفعل، وفي بعضها العدم، فقد كان من الواجب أن ~~تبرهن على عموم دعواك ببرهان عام. # السؤال الثاني: قوله: متعلق التكليف في النهي، يجب أن يكون مقصودا للمكلف ~~ينعكس عليه، لأن متعلقه عنده العدم المحض، وقصده غير ممكن، إنما الممكن قصد ~~إعدام المنهي عنه، والإعدام فعل كما نقول نحن، وفرق بين العدم والإعدام، ~~كما بين الوجود والإيجاد، والله أعلم. # PageV01P246 # الفصل الثالث # في أحكام التكليف # وهي خمسة كما سيأتي قسمتها. والحكم، قيل: خطاب الشرع المتعلق بأفعال ~~المكلفين بالاقتضاء أو التخيير. وقيل: أو الوضع. والأولى أن يقال: مقتضى ~~خطاب الشرع، فلا يرد قول المعتزلة: الخطاب قديم، فكيف يعلل بالعلل الحادثة؟ ~~وأيضا فإن نظم قوله تعالى: {أقيموا الصلاة} {ولا تقربوا الزنا} ليس هو ~~الحكم قطعا، بل مقتضاه، وهو وجوب الصلاة، وتحريم الزنى عند استدعاء الشرع ~~منا تنجيز التكليف. # أحكام التكليف # قوله ### | : «الفصل الثالث في أحكام التكليف، # وهي خمسة، كما سيأتي قسمتها» . # الأحكام: جمع حكم. قال الجوهري: الحكم مصدر قولك: حكم بينهم يحكم حكما، ~~إذا قضى. قلت: ومعناه في اللغة: المنع، وإليه ترجع تراكيب مادة «ح ك م» ، ~~أو أكثرها، فمن ذلك قولك: حكمت الرجل تحكيما، إذا منعته مما أراد، وحكمت ~~السفيه - بالتخفيف - وأحكمته، إذا أخذت على يده. # أنشد الجوهري وغيره لجرير: # أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم ... إني أخاف عليكم أن أغضبا # وسمي القاضي حاكما، لمنعه الخصوم من التظالم. # PageV01P247 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أما بيان حقيقة الحكم في الاصطلاح، ~~فقد ذكرت بعد. وسميت هذه المعاني، نحو: الوجوب والحظر وغيرهما أحكاما، لأن ~~معنى المنع موجود فيها، إذ حقيقة الوجوب مركبة من استدعاء الفعل والمنع من ~~الترك، والحظر مركب من استدعاء الترك والمنع من الفعل. # أما الندب والكراهة، فمعنى المنع فيهما موجود، لكنه أضعف منه في الوجوب ~~والحظر، ولهذا، أو نحوه، اختلف في تناول التكليف لهما لعدم المشقة، ووجه ~~المنع فيهما. # أما الندب، فهو ممنوع من تركه بالإضافة إلى طلب ثوابه المرتب عليه، إذ ~~ليس ثواب من ترك المندوبات كثواب من فعلها، وحافظ عليها، عملا بقوله تعالى: ~~{أم من هو قانت ms0116 آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل ~~يستوي الذين يعلمون والذين} لا يعلمون [الزمر: 9] ، وأمثال ذلك كثير وقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة - رضي الله عنها -: ثوابك على قدر ~~نصبك. والإجماع على هذا، وهو من # PageV01P248 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ضروريات الشريعة إلا ما ندر من ~~إلحاق بعض القاصرين بالمجتهدين بحسب السابقة، والسعادة اللاحقة، ومع ذلك، ~~فلا بد من سبب، أو شبهة سبب. فحينئذ نقول: العقل والشرع يمنعان من ترك ~~المندوبات استصلاحا ونظرا، لا عزما وجزما، وإذا ثبت معنى المنع في فعل ~~المندوب، فافهم مثله في ترك المكروه، لأنهما متقابلان وسيان في الوزن، فكما ~~يمنع المكلف المفطر من ترك السواك منعا غير جازم، كذلك يمنع الصائم من ~~السواك بعد الزوال عند القائلين به منعا غير جازم، لأن ترك السواك للأول ~~مكروه، وللثاني مندوب، فبالنظر إلى وجود مطلق معنى المنع في الندب ~~والكراهة، لحقا بالوجوب والحظر، في تناول التكليف لهما، وبالنظر إلى [أن] ~~المنع فيهما اصطلاح لا عزم وجزم قصرا، فلم يتناولهما التكليف. # وإضافة الأحكام إلى التكليف، في قولنا: «أحكام التكليف» هي من باب إضافة ~~الشيء إلى سببه، لأن التكليف سبب ثبوت الأحكام الخمسة المذكورة في حقنا، ~~لأنا لما ألزمنا من جهة الشرع ترك المعاصي، وفعل الطاعات، ثبت في حقنا ~~تحريم المحظورات، ووجوب الواجبات. # PageV01P249 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «والحكم، قيل: خطاب الشرع ~~المتعلق بأفعال المكلفين، بالاقتضاء أو التخيير» . # أقول: إنما قلت: قيل، لما ذكرت بعد، من أن الأولى أن يقال: الحكم، مقتضى ~~خطاب الشرع، والكلام الآن على التعريف المذكور، وهو الذي ذكره أكثر ~~المتأخرين. والكلام أولا في حقائق ألفاظه لغة، ثم في بيان حقيقته ~~واحترازاته. # أما حقائق ألفاظه، فالحكم قد سبق بيانه لغة. # وأما الخطاب، فهو في اللغة: مصدر خاطبه بالكلام يخاطبه مخاطبة وخطابا، ~~وهو من أبنية المفاعلة، نحو ضاربه مضاربة وضرابا، وليس الخطاب هو الكلام ~~والمكالمة، وهي توجه الكلام من كل واحد منهما إلى صاحبه، لأنا نقول خاطبه ~~بالكلام، فلو كان الخطاب هو الكلام، لكان التقدير: كالمه أو كلمه بالكلام، ~~فيكون تكرارا أو ms0117 تأكيدا، والأصل، خلافه. نعم، استعمل الخطاب في الاصطلاح ~~بمعنى الكلام، فصار حقيقة اصطلاحية. # والأفعال: جمع فعل، وهو في اللغة مشهور، ولذلك لم يذكر الجوهري حقيقته، ~~بل تصاريف مادته. # أما في التحقيق، فهو معنى ذات تشمل ما صدر من الأفعال عن الله سبحانه ~~وتعالى، وعن غيره. # وقولنا: اختيارا واضطرارا، ليتناول فعل المرتعش من حركة أو سكون، فإنها ~~أفعال اضطرارية. # PageV01P250 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والاقتضاء: افتعال، من قضى يقضي: ~~إذا طلب وحكم، فالاقتضاء: هو الطلب، ويستعمل في العقلاء نحو: اقتضى زيد من ~~عمرو الدين، أي: طلبه، واقتضى منه أن يخدمه، ونحو ذلك، وفي غير العقلاء، ~~نحو قولنا: العلة تقتضي المعلول، وهذا الكلام يقتضي كذا، أي يطلب المعنى ~~الفلاني، وإن كان قد صار في الاصطلاح يشعر بغير ذلك. # والتخيير: تفعيل من خار يخير، واختار يختار، وهو رد العاقل إلى اختياره، ~~إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل. هذا الكلام عليه لغة. # أما بيان حقيقته وما فيه من الاحترازات، فقولهم: خطاب الله، أي: كلامه، ~~وقد عدل القرافي في «شرح التنقيح» عن لفظ: خطاب الله إلى لفظ: كلام الله، ~~قال: لأن الخطاب والمخاطبة لغة، إنما يكون بين اثنين، وحكم الله تعالى ~~قديم، فلا يصح فيه الخطاب، وإنما يكون في الحادث، وكان هذا منه بناء على ~~أمرين: أحدهما: أن كلام الله معنى قائم بالنفس عنده، فلا يظهر منه لغيره ~~حتى يكون خطابا. # والثاني: أن الله سبحانه وتعالى قديم، فلا يصح أن يكون معه في الأزل من ~~يخاطبه. # والأول - وهو البناء على الكلام النفسي - هو منازع فيه، كما سيأتي في ~~اللغات إن شاء الله سبحانه وتعالى، وأما الثاني: فالخطب فيه يسير، إذ لا ~~يلزم من مخاطبة # PageV01P251 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الله سبحانه وخطابه لخلقه، أن ~~يكونوا معه أزلا، إذ قد اتفقنا والأشاعرة على جواز تكليف المعدوم، بمعنى ~~توجه الأمر والنهي إليه إذا وجد، فكذا يتوجه الخطاب إليه إذا وجد. # وقد بينا أن الخطاب صار في الاصطلاح بمعنى الكلام. نعم، العدول عن لفظ ~~الخطاب إلى لفظ الكلام يكون من باب أولى. # وعدل الآمدي عن خطاب الله ms0118 إلى «خطاب الشارع» كأنه يريد أن يشمل كلام الله ~~سبحانه، وكلام الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وهو عند التحقيق أولى. وإن ~~أمكن أن يقال: إن خطاب الرسول هو خطاب الله سبحانه وتعالى في المعنى، لأنه ~~مستمد منه، ومبين له. # وزاد القرافي صفة القديم، فقال: «كلام الله قديم» احترازا من ألفاظ ~~القرآن، التي هي أدلة الحكم، لا نفس الحكم، بناء على أصلهم في خلق القرآن، ~~وأن الكلام القديم الذي هو الحكم، معنى قائم بالنفس، فلو لم يقل: القديم، ~~لدخلت ألفاظ القرآن في حد الحكم، وليست هي الحكم، بل أدلة الحكم، فكان يتحد ~~الدليل والمدلول، وهذا أصل منازع فيه. # وقولهم: «المتعلق بأفعال المكلفين» احتراز مما تعلق بذوات المكلفين، نحو ~~قوله سبحانه وتعالى: {والله خلقكم} [النحل: 70] ، {ومن آياته أن خلقكم من ~~تراب} [الروم: 20] ، واحتراز مما تعلق بأفعال غير المكلفين، كالجمادات ~~ونحوها، كقوله سبحانه وتعالى: {وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر ~~السحاب} [النمل: 88] ، {ويوم نسير الجبال} [الكهف: 47] . # فبقولهم: المتعلق بأفعال، خرج المتعلق بذوات المكلفين. # PageV01P252 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وبقولهم: المكلفين، خرج المتعلق ~~بأفعال غير المكلفين. # وقولهم: «بالاقتضاء» احتراز من مثل قوله سبحانه وتعالى: {وإذ قلنا ~~للملائكة اسجدوا لآدم} [الكهف: 50] ، {وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية} ~~[البقرة: 58] ، {وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين} [النحل: 51] ، ونحو ذلك، ~~فإنه خطاب الله متعلق بأفعال المكلفين، وليس بحكم، لأنه ليس على جهة الطلب ~~والاقتضاء، بل هو خبر عن تكليف سابق أو حاضر، إذ قوله سبحانه وتعالى: {وقال ~~الله لا تتخذوا إلهين اثنين} [النحل: 51] ، هو إخبار حالي للمخاطبين بنهيه ~~لهم عن الشرك. وقولهم: «أو التخيير» تكميل للحد، ليدخل فيه المباح، إذ ~~الاقتضاء لم يتناول غير أربعة أقسام، وهي الواجب والمندوب والمحظور ~~والمكروه، فلو اقتصر، لكان ناقصا. فبقولهم: أو التخيير، كمل بدخول المباح ~~فيه. # ويورد المتعنتون على مثل قولنا: أو التخيير، أن «أو» للشك والترديد، ~~والمراد من الحدود الكشف والتحقيق، وهما متنافيان. # وأجيب عنه، بأن «أو» لها معان تذكر إن شاء الله تعالى، في مسألة الواجب ~~المخير، منها التنويع، نحو: الإنسان إما ذكر أو أنثى، ms0119 والعدد: إما زوج أو ~~فرد، أي: هو متنوع إلى هذين النوعين، وهذا المعنى هو المراد هنا، أي: الحكم ~~له نوعان: اقتضاء وتخيير، والتنويع، هو نفس الكشف والتحقيق، لا مناف له. ~~وأجاب بعض الفضلاء عن مثل هذا، أنه حكم بالترديد، لا ترديد في # PageV01P253 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الحكم، والشك، هو الثاني دون ~~الأول، لأنه جزم لا شك. # فإن قيل: إذا كان ل «أو» معان، فهي مشتركة، والمشتركات لا تصلح في الحدود ~~لإجمالها. # قلنا: لا يلزم من الاشتراك الإجمال، لجواز تعيين المراد بقرينة أو غيرها، ~~فيزول الإجمال، فيجوز، وقد سبق هذا ونحوه عند تعريف الأصل: ب: منه الشيء. # قوله: «وقيل: أو الوضع» أي: قال بعض الأصوليين: الحكم خطاب الله، المتعلق ~~بأفعال المكلفين، بالاقتضاء، أو التخيير، أو الوضع. وأراد بذلك دخول ~~الأحكام الثابتة بأسباب وضعية، وهو المسمى خطاب الوضع والإخبار، كما سيأتي ~~بيانه إن شاء الله تعالى. وذلك نحو صحة العقد وفساده، وقضاء العبادة ~~وأدائها، ونصب الأسباب والشروط والموانع علامات على أحكامها، فإن هذه كلها ~~أحكام شرعية، وليست خطابا اقتضاء ولا تخييرا، فإذا قيل: أو الوضع، دخلت تلك ~~الأحكام في الحد المذكور فكمل، والعذر لمن لم يقل: أو الوضع، هو أن الحكم ~~الشرعي ضربان: خطابي، أي: ثابت بالخطاب، ووضعي إخباري، أي: ثابت بالوضع ~~والإخبار، وغرضه بالتعريف هاهنا الحكم الخطابي لا الوضعي، إذ ذلك يعقد له ~~باب مستقل يذكر فيه. # ومأخذ الخلاف بينهما: أن أحدهما يريد تعريف الحكم الشرعي الأصلي، وهو ~~الخطابي. أما الوضعي، فهو على خلاف الأصل، لضرورة قد بيناها عند ذكر خطاب ~~الوضع. ولذلك قلنا فيما سبق: إن الأحكام السببية على خلاف الأصل. # PageV01P254 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «والأولى أن يقال: مقتضى ~~خطاب الشرع» المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرا، فقولنا: خطاب ~~الشرع، ليتناول الكتاب والسنة، كما حكيناه عن الآمدي، وهو أولى. # وأما قولنا: مقتضى الخطاب، فقد بين فائدته بقوله: «فلا يرد قول المعتزلة ~~الخطاب قديم» إلى آخره. # وفائدته من وجهين: # أحدهما: أن المعتزلة أوردوا على تعريف الحكم بالخطاب أسئلة: # منها: أن الخطاب، هو كلام الله تعالى وهو قديم عندكم. ms0120 والحكم يعلل بالعلل ~~الحادثة، نحو قولنا: حلت المرأة بالنكاح، وحرمت بالطلاق، والمعلل بالحوادث ~~حادث، فيلزم أن كلام الله تعالى الذي هو الحكم عندكم حادث. # السؤال الثاني: أن الحكم صفة فعل المكلف، لأنا نقول: هذا فعل حرام، وهذا ~~فعل واجب، وصفة الحادث تكون حادثة، فإذا قلتم: إن الحكم هو كلام الله ~~تعالى، وقد ثبت أنه وصف للفعل الحادث، لزم أن يكون كلام الله تعالى حادثا. # السؤال الثالث: إن الأحكام مسبوقة بالعدم، إذ يقال: حلت المرأة بعد أن لم ~~تكن حلالا، وحرمت بالطلاق بعد أن لم تكن حراما، وحرم العصير بالتخمير، وحل ~~بالانقلاب، بعد أن لم يكن كذلك، والمسبوق بالعدم حادث، فاحتاج الذين عرفوا ~~الحكم بالخطاب إلى الجواب عن هذه الأسئلة. # PageV01P255 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فأجابوا عن الأول - وهو أن الحكم ~~يعلل بالحوادث فيكون حادثا - بأن قالوا: علل الشرع معرفات لا مؤثرات، ~~والمعرف للشيء يجوز تأخيره عنه، كما عرف الله سبحانه وتعالى بصنعته، وإن ~~كانت متأخرة عنه. # وأجابوا عن الثاني - وهو أن الحكم صفة فعل المكلف، وصفة الحادث حادثة - ~~بأن قالوا: إنما تكون صفة الحادث حادثة إذا قامت به، كاللون والطعم ونحوهما ~~بالجسم. أما إذا لم تقم الصفة بالموصوف، فلا يلزم أن تكون حادثة، كقولنا في ~~قيام الساعة: إنه معلوم ومذكور، أي: بعلم وذكر قائم بنا لا به، وتعلق ~~الأحكام بأفعال المكلفين من هذا القبيل، لأن الأفعال قائمة بالمكلفين، ~~والأحكام قائمة بذات الله سبحانه وتعالى معنى أو عبارة، كما إذا قال السيد ~~لعبده: أسرج الدابة، فإن الإسراج واجب عليه بإيجاب قام بالسيد. # وأجابوا عن الثالث - وهو أن الأحكام مسبوقة بالعدم فتكون حادثة - بأن ~~قالوا: ليس المراد بقولنا: حلت المرأة بعد أن لم تكن حلالا، أن الحل وجد ~~بعد أن لم يكن، حتى يلزم حدوث الحكم، بل المراد أن القائم بذات الله تعالى ~~- وهو الحل أو الإحلال - تعلق في الأزل بوجود حالة، وهي حالة اجتماع شرائط ~~النكاح وانتفاء موانعه، فتلك الحالة هي التي وجدت بعد أن لم توجد، لا ~~الحكم. # قلت: فإذا قلنا: الحكم مقتضى خطاب الشرع، ms0121 لم ترد علينا هذه الأسئلة، # PageV01P256 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لأنا لا نقول: إن الحكم المعلل ~~بالحوادث هو نفس كلام الله، بل هو مقتضى كلام الله سبحانه وتعالى، وفرق بين ~~الكلام ومقتضاه، إذ الكلام إما معنى نفسي، أو قول دال. ومقتضى الكلام هو ~~مدلول ذلك القول، والمطلوب به. وفيما ذكره الأولون من الجواب عن أسئلة ~~المعتزلة، نوع تكلف ولعلهم إذا حوققوا عليه ربما تعذر عليهم تمشيته، وإنما ~~ذكرت في المختصر من أسئلة المعتزلة واحدا على جهة ضرب المثال لما يرد على ~~تعريف الحكم بالخطاب، وهاهنا زدت السؤالين الآخرين وجوابهما تكميلا لفائدة ~~الناظر. # الفائدة الثانية: قولنا: مقتضى الخطاب هو أنا نعلم بالضرورة أن نظم قوله ~~تعالى: {وأقيموا الصلاة} [البقرة: 43] ، في الأمر، {ولا تقربوا الزنا} ~~[الإسراء: 32] ، في النهي، ليس هو الحكم قطعا، وإنما الحكم هو مقتضى هذه ~~الصيغ المنظومة ومدلولها، وهو وجوب الصلاة المستفاد من قوله تعالى: ~~{وأقيموا الصلاة} ، وتحريم الزنى المستفاد من قوله تعالى: {ولا تقربوا ~~الزنا} ، وإذا كنا نعلم قطعا أن نفس الكلام اللفظي، ليس هو الحكم، فلا معنى ~~لتعريف الحكم بالخطاب. # وقولنا: «عند استدعاء الشرع منا تنجيز التكليف» أي: الحكم مقتضى الخطاب، ~~وهو الوجوب والتحريم، عند أمر الشارع لنا بإيقاع الواجبات، # PageV01P257 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # واجتناب المحرمات. # وهذا احتراز من قول قائل يقول: الذي فررتم منه في تعريف الحكم بالخطاب، ~~هو لازم لكم في تعريفه بمقتضى الخطاب. وبيانه أن مقتضى الكلام قديم، كما أن ~~نفس الكلام اللفظي قديم، إذ كلام لا مقتضى له يكون لغوا مهملا، وكلام ~~الشارع منزه عن ذلك. وإذا ثبت أن مقتضى الكلام قديم، وقد فسرتم الحكم به، ~~لزمكم ما سبق من تعليله بالحوادث ونحوه. # وتقرير الجواب عن هذا، أن يقال: نحن لا ننكر أن كلام الشارع له مقتضى ~~لازم له أزلا وأبدا وحيث كان، بل نقول: إن الحكم هو مقتضى كلامه عند طلبه ~~منا إيقاع الواجبات، واجتناب المحرمات، لا مطلقا، إذ قبل تكليف المكلف لم ~~يكن في حقه حكم أصلا، فكيف قبل وجوده؟ فكيف في الأزل قبل خلق العالم؟ فأما ~~قول القائل: تعلق خطاب ms0122 الله تعالى في الأزل باقتضاء الأفعال من المكلفين ~~إذا وجدوا، فهو راجع إلى مسألة تكليف المعدوم، وهي إذا حققت لفظية، لأن ~~أحدا لا يقول: إن الشارع استدعى منا التكاليف لنوقعها حال عدمنا، ولا ~~يستحيل أن يتعلق علمه وأمره لنا بإيقاعها بعد الوجود وأهلية التكليف، بناء ~~على تحقيق كلام النفس عند القائلين به. # فإن قال قائل: قولكم: إن نظم قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة} ، ليس هو ~~الحكم، بل مقتضاه، إنما يصح على ربكم في أن كلام الله تعالى هو العبارات ~~المسموعة. أما المثبتون لكلام النفس، فعندهم أن ذلك المعنى القائم بالنفس ~~هو كلام الله بالحقيقة، وهو حكمه المتوجه إلى خلقه بإيقاع التكاليف عند ~~وجودهم، # PageV01P258 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وأيضا، فإن حكمه سبحانه وتعالى ~~إيجاب قائم بذاته، لا وجوب، بل الوجوب أثر الإيجاب، وكذلك الحظر والندب ~~والكراهية، هي أحكام قائمة بذاته، وهي نفس كلامه. # قلنا: أما كلام النفس، فسيأتي الكلام عليه في اللغات إن شاء الله تعالى، ~~وليس لله تعالى عندنا كلام وراء ما نزل به جبريل على الأنبياء - عليهم ~~السلام -، وما كان من جنسه، وأما كون الحكم هو الإيجاب لا الوجوب، فهو ~~قريب، لكنه لا يضرنا، فإنا إذا حققنا معنى الإيجاب، وجدناه أيضا مقتضى ~~الكلام، لأنا نقول: أوجب الله علينا بكلامه كذا وكذا إيجابا، والكلام هو ~~المقتضي للإيجاب، والإيجاب مقتضى الكلام، إذ معنى الإيجاب: الإثبات ~~والإلزام، فمعنى إيجاب الله تعالى علينا الصلاة إثباتها علينا، وإلزامه ~~إيانا بها، وليست حقيقة الإلزام هي حقيقة الكلام، سواء كان معنى أو عبارة، ~~وهذا ضروري، والنزاع فيه سفسطة، لأن الإيجاب والإلزام هو تصيير الشيء واجبا ~~ولازما، والتصيير صفة فعلية، والكلام صفة ذاتية، والفرق بين الصفات الذاتية ~~والفعلية معلوم بالضرورة، وهذا الذي ذكرته في تقرير أن الحكم هو مقتضى ~~الخطاب لا نفس الخطاب لازم للقائلين بكلام النفس بحق الأصل، أي: من جهة ~~خلافنا لهم في كلام النفس، ولازم لمن تابعهم من أصحابنا على تعريف الحكم ~~بالخطاب أو الكلام، لأن الكلام عندهم هو القرآن المنزل المتلو المسموع، وقد ~~بينا أن صيغته ليست هي ms0123 الأحكام، بل مقتضاها، وهو: وجوب الصلاة، وتحريم ~~الزنى، ومندوبية السواك، وكراهة رفع البصر في الصلاة مثلا، وإباحة ~~المباحات. # PageV01P259 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ولا جرم أن ابن الصيقل من أصحابنا ~~كأنه حقق هذا الأمر، فذكر للحكم حدودا، وهي قول من قال: الحكم تعلق خطاب ~~الشرع بأفعال المكلفين، وقال بعضهم: العباد، ليتناول الصبي والمجنون، وقول ~~بعضهم: الحكم ورود خطاب الشرع في أفعال المكلفين باقتضاء أو تخيير، أو نصب ~~سبب أو شرط أو مانع، ثم أبطل ذلك كله، واختار أن الحكم هو قضاء الشارع على ~~المعلوم بوصف شرعي. # قال: والمراد بالوصف الشرعي، هو ما لا يمكن إثباته من جهة العقل، لا معنى ~~له سوى ذلك، نحو كون الفعل حراما أو واجبا أو صحيحا أو فاسدا ونحوه. # قلت: فالقضاء فعل، وهو موافق لقولنا: إن الحكم مقتضى الخطاب، وهو الإيجاب ~~ونحوه الذي بينا أنه فعل موافق لقول أهل اللغة: حكم الحاكم: إذا قضى. وقد ~~أطلت الكلام فيما يتعلق بالحكم، وهو موضع يستحق التطويل لكثرة الخبط فيه. # PageV01P260 # ثم الخطاب، إما أن يرد باقتضاء الفعل مع الجزم، وهو ~~الإيجاب، أو لا مع الجزم، وهو الندب، أو باقتضاء الترك مع الجزم، وهو ~~التحريم. أو لا مع الجزم، وهو الكراهة. أو بالتخيير، وهو الإباحة. فهي حكم ~~شرعي، إذ هي من خطاب الشرع، خلافا للمعتزلة، لأنها انتفاء الحرج، وهو قبل ~~الشرع، وفي كونها تكليفا خلاف. # قوله: «ثم الخطاب، إما أن يرد ~~باقتضاء الفعل» إلى آخره. # هذا موضع قسمة أحكام التكليف التي وعدنا بها أول الفصل. # وتقريرها: أن خطاب الشرع، إما أن يرد باقتضاء الفعل، أو باقتضاء الترك، ~~أو بالتخيير بين الفعل والترك. # فإن ورد باقتضاء الفعل، فهو إما مع الجزم أو لا، فإن كان اقتضاؤه الفعل ~~مع الجزم - وهو القطع المقتضي للوعيد على الترك - فهو الإيجاب نحو: ~~{وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} [البقرة: 43] . # وإن لم يكن اقتضاء الفعل مع الجزم، فهو الندب، نحو: {وأشهدوا إذا ~~تبايعتم} [البقرة: 282] ، {فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم} ~~[النساء: 6] ، وقوله - عليه السلام -: استاكوا. # PageV01P261 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فإن ورد الخطاب باقتضاء الترك، إما ~~مع ms0124 الجزم المقتضي للوعيد على الفعل وهو التحريم، نحو: {لا تأكلوا الربا} ~~[آل عمران: 130] ، {ولا تقربوا الزنا} [الإسراء: 32] . # أو لا مع الجزم، وهو الكراهة، كقوله - عليه السلام -: إذا توضأ أحدكم، ~~فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدا إلى المسجد، فلا يشبك بين أصابعه، فإنه في صلاة ~~رواه ابن ماجه والترمذي. والنواهي التي أريد بها الكراهة كثيرة. # وإن ورد الخطاب بالتخيير، فهو الإباحة، كقوله - صلى الله عليه وسلم - حين ~~سئل عن الوضوء من لحم الغنم: إن شئت، فتوضأ، وإن شئت، فلا تتوضأ وأمثال هذه ~~الأحكام كثيرة مشهورة في الشرع. # قوله: «فهي» أي: الإباحة «حكم شرعي» ، لأنها «من خطاب الشرع» أي: مقتضاه ~~كما سبق تقريره، وإذا كانت من مقتضى خطاب الشرع، كانت حكما شرعيا، كالندب ~~والكراهة. # وبيان أنها من خطاب الشرع، هو ما ذكرناه، من انقسام خطاب الشرع إلى ~~اقتضاء وتخيير، ومورد القسمة مشترك بين أقسامه، «خلافا للمعتزلة» فإنهم ~~قالوا: ليست الإباحة حكما شرعيا «لأنها» عبارة عن «انتفاء الحرج» في الفعل ~~«وهو» معلوم بالعقل «قبل الشرع» لأن شرب الماء، والتنفس في الهواء، وأكل ~~الطيبات، ولبس # PageV01P262 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الناعمات، كان الحرج فيه منتفيا ~~قبل الشرع، وهو بعد الشرع على ما كان، ولو كانت من أحكام الشرع، كان الشرع ~~هو الذي أنشأها، كالوجوب والندب. # والجواب: لا نسلم أن الإباحة انتفاء الحرج، بل هي تخيير شرعي يلزم عنه ~~انتفاء الحرج، وإن سلمنا أنها انتفاء الحرج، لكن إن عنيتم بانتفاء الحرج ~~المستفاد من تخيير الشرع، فهي شرعية كما قلنا. وإن عنيتم أنه المستفاد من ~~حكم العقل، فهو مبني على أن العقل حاكم بالتحسين والتقبيح، وأن الأشياء قبل ~~الشرع على الإباحة، وهما أصلان ممنوعان، وقولهم: لو كانت شرعية، لكان هو ~~الذي أنشأها، قلنا: كذلك نقول: الشرع هو الذي أنشأها، ولم تكن موجودة قبل ~~الشرع، بناء على أن الأفعال قبله على الحظر. والتنفس في الهواء أمر طبعي ~~ضروري لا يدخل تحت التكليف. وإن قلنا: إن الأشياء قبل ورود الشرع على ~~الإباحة، فذلك عندنا بدليل سمعي، فهو مستند إلى أخبار الشرع، فهو من حكمه ms0125 ~~تبين لنا أن ذلك بإخباره، ثم استمر حتى ورد الشرع. وإن سلمنا أن إباحتها ~~قبل الشرع عقلية، لكنا نقول: إباحة العقل انتهت بورود الشرع، والإباحة ~~الثابتة بالشرع أنشأها الشرع، مثل العقلية لا نفسها، وذلك لأننا قد بينا ~~غير هاهنا أن العقل ينعزل بورود الشرع من كل تصرف لم يفوضه الشرع إليه، ~~لأنه مقدمة بين يدي الشرع. # قوله: «وفي كونها» أي: في كون الإباحة «تكليفا خلاف» . # قلت: قد حكينا الخلاف في الندب والكراهة: هل هما تكليف أم لا؟ وإذا خرج ~~الخلاف فيهما مع كونهما من خطاب الاقتضاء، فخروجه في الإباحة مع أنها من ~~خطاب التخيير أولى، مع أن الخلاف في كونها تكليفا لفظي، إذ من قال: ليست # PageV01P263 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # تكليفا، نظر إلى أنه ليس فيها مشقة ~~جازمة، كمشقة الواجب والمحظور، ولا غير جازمة، كما بينا في مشقة المندوب ~~والمكروه، وهي مشقة فوات الفضيلة، إذ لا فضيلة في المباح لذاته، يشق على ~~المكلف فواتها بتركه، ومن قال: هي تكليف - وهو الأستاذ أبو إسحاق ~~الإسفراييني - أراد ; أنه يجب اعتقاد كونه مباحا، وهذا لا يمنعه الأول، ~~والأستاذ لا يمنع أن لا مشقة في المباح، فتبين أن النزاع لفظي، لعدم وروده ~~على محل واحد، إذ الأول يقول: الإباحة لا مشقة فيها، والأستاذ يقول: يجب ~~اعتقاد أن المباح ليس واجبا، ولا محظورا، ولا مندوبا، ولا مكروها. # PageV01P264 # فالواجب، قيل: ما عوقب تاركه. ورد بجواز العفو. وقيل: ~~ما توعد على تركه بالعقاب. ورد بصدق إيعاد الله تعالى. وليس بوارد على ~~أصلنا، لجواز تعليق إيقاع الوعيد بالمشيئة، أو لأن إخلاف الوعيد من الكرم ~~شاهدا، فلا يقبح غائبا. ثم قد حكي عن المعتزلة، جواز أن يضمر في الكلام ما ~~يختل به معنى ظاهره، وهذا منه. والمختار ما ذم شرعا تاركه مطلقا. وهو مرادف ~~للفرض على الأصح. وهو قول الشافعي. وعند الحنفية، الفرض: المقطوع به، ~~والواجب: المظنون، إذ الوجوب لغة: السقوط، والفرض: التأثير وهو أخص، فوجب ~~اختصاصه بقوة حكما، كما اختص لغة. والنزاع لفظي، إذ لا نزاع في انقسام ### | الواجب # إلى ظني وقطعي. ms0126 فليسموا هم القطعي ما شاءوا. ثم لنتكلم على كل واحد من ~~الأحكام. # قوله: " فالواجب، قيل: ما عوقب ~~تاركه ". لما انتهى الكلام في تعريف الحكم، وقسمة أنواعه إلى الأقسام ~~الخمسة، أخذ يبين تعريف كل واحد منها، وما يتعلق به من المسائل. ونحن قبل ~~ذلك نشير إلى حدودها المستفادة من طريق قسمتها. # فالواجب: هو ما اقتضى الشرع فعله اقتضاء جازما. # والمندوب: هو ما اقتضى فعله اقتضاء غير جازم. # والمحظور: ما اقتضى تركه اقتضاء جازما. # والمكروه: ما اقتضى تركه اقتضاء غير جازم. # وهذه الأشياء هي محال الأحكام ومتعلقاتها، أما الأحكام نفسها فهي: # الإيجاب: وهو اقتضاء الفعل الجازم. # PageV01P265 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والندب: وهو اقتضاء الفعل غير ~~الجازم. # والحظر والكراهة جميعا: اقتضاء ترك الفعل الجازم أو غير الجازم. # والواجب، مشتق من: وجب وجوبا، والوجوب في اللغة: اللزوم، والاستحقاق، قال ~~الجوهري: وجب الشيء، أي: لزم، يجب وجوبا، وأوجبه الله، واستوجبه، أي: ~~استحقه. # قلت: فالواجب، هو اللازم المستحق، وقد اشتهر في ألسنة الفقهاء أن الوجوب ~~في اللغة: السقوط، وهو أيضا عربي صحيح. # قال الجوهري: الوجبة، السقطة مع الهدة، ووجب الميت، إذا سقط ومات. # غير أن بعضهم التبس عليه الأمر، فأورد على ذلك إشكالا، وهو أن بعض ~~الفقهاء يقول: من زوج عبده من أمته لم يجب مهر، وقيل: يجب ويسقط. قال: فلو ~~كان الوجوب معناه السقوط، لكان تقدير هذا الكلام، وقيل: يسقط ويسقط. وهذا ~~تكرار غير مفيد. # قلت: وإنما وقع اللبس من جهة اشتراك لفظ السقوط، فإنه في اللغة بمعنى ~~وقوع الشيء من أعلى إلى أسفل، كقولنا: سقط الحجر من الجبل. وقوله تعالى: ~~{إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء} [سبأ: 9] ، وقوله ~~تعالى: {أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا} [الإسراء: 92] ، {وإن يروا ~~كسفا من السماء ساقطا} [الطور: 44] ، ونحو ذلك، وفي الاصطلاح بمعنى براءة ~~الذمة مما كانت مشغولة به، وزوال اللزوم، كقولنا: سقط المهر والدين ونحوه ~~بالهبة أو بالقضاء، أي: برئت الذمة منه، وزال لزومه لها، وحينئذ معنى ~~قولنا: الوجوب في اللغة: السقوط، هو أنا نتخيل الحكم ms0127 أو الشيء الواجب جزما ~~سقط، أي: وقع على المكلف من الله سبحانه وتعالى، الذي هو فوق عباده، سواء ~~قيل: إنها فوقية رتبة، أو # PageV01P266 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فوقية جهة، وحينئذ لا تكون المسألة ~~المذكورة غير مفيدة، لأن أحد السقوطين فيها غير الآخر. # قلت: والتحقيق في الوجوب لغة: أنه بمعنى الثبوت والاستقرار، وإلى هذا ~~المعنى ترجع فروع مادته بالاستقراء. فمعنى وجبت الشمس: ثبت غروبها واستقر، ~~أو أنها استقرت في سفل الفلك، ووجب الميت: ثبت موته واستقر. وقوله تعالى: ~~{فإذا وجبت جنوبها} [الحج: 36] ، أي: ثبتت واستقرت بالأرض، ووجب المهر ~~والدين: ثبت في محله واستقر، إلى غير ذلك من فروع المادة المذكورة. # إذا ثبت هذا، عدنا إلى قوله: " فالواجب، قيل: ما عوقب تاركه ". وإنما ~~قلت: قيل، لأن المختار في حد الواجب يأتي بعد، إن شاء الله تعالى. # قوله: " ورد " يعني: هذا التعريف للواجب مردود " بجواز العفو "، ووجه ~~رده: هو أن قولهم: الواجب ما عوقب تاركه، يقتضي أن كل واجب، فإن تاركه ~~يعاقب، لكن الله سبحانه وتعالى يجوز أن يعفو عن تارك الواجب، أو يسقط ~~العقاب عنه بتوبة، أو استغفار، أو دعاء داع، أو بتكميل فرض بنفل، على ما ~~جاء في الحديث. # وبالجملة: فترك الواجب، وفعل المحظور سبب للعقاب، غير أن الحكم يجوز # PageV01P267 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # تخلفه عن سببه لمانع، أو انتفاء ~~شرط، أو معارض مقاوم أو راجح، وإذا جاز العفو عن تارك الواجب، اقتضى الحد ~~المذكور أن لا يكون هذا الواجب المتروك واجبا، لأن تاركه لم يعاقب. # مثاله: لو ترك الصلاة المكتوبة، ثم تخلف العقاب عنه لأحد الأسباب ~~المذكورة، لزم بمقتضى الحد المذكور أن لا تكون المكتوبة واجبة، وهو باطل. # وهذا النقض من حيث العكس، وهو قولنا: كل ما لم يعاقب على تركه، فليس ~~بواجب، فيبطل بما ذكرنا، ويرد عليه من حيث الطرد، ضرب ابن عشر على ترك ~~الصلاة، إذ الصلاة هاهنا فعل عوقب تاركه، وليس واجبا عليه على المشهور، ~~وكذلك كل ما أدب الصبيان على تركه هو معاقب عليه، وليس بواجب عليهم. # قوله: " وقيل: ما توعد " أي: الواجب ما ms0128 توعد " على تركه بالعقاب ". # هذا تعريف آخر للواجب، وهو أعم من الذي قبله، لأن كل معاقب على تركه ~~متوعد عليه، وليس كل متوعد على تركه بالعقاب معاقبا عليه، لجواز العفو بعد ~~الوعيد، وصاحب هذا التعريف فر مما ورد على الأول. # PageV01P268 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: " ورد " هذا التعريف أيضا رد ~~" بصدق إيعاد الله تعالى ". # ومعناه: أن الوعيد خبر، وخبر الله سبحانه وتعالى صادق، لا بد من وقوع ~~مخبره، وإذا لزم وقوع مقتضى الوعيد، صار هذا التعريف مثل الذي قبله، وهو ~~قولهم: الواجب ما عوقب تاركه، فيرد عليه ما ورد على الأول. # قوله: " وليس بوارد " أي: ليس ما ذكر من صدق إيعاد الله سبحانه وتعالى ~~بوارد على الحد المذكور. " على أصلنا ". والأصل المشار إليه هو ما تنازع ~~فيه أهل السنة والمعتزلة من أن العفو عن فاعل الكبيرة ما لم يتب محال ~~عندهم، على ما تقرر في كتاب: " إبطال التحسين والتقبيح " وبيان عدم وروده ~~من وجهين: # أحدهما: " جواز تعليق إيقاع الوعيد بالمشيئة " مثل أن يقول: صل، فإن تركت ~~الصلاة عذبتك إن شئت، فإذا تركها، بقي في مشيئة الله تعالى، إن شاء عاقبه ~~بمقتضى الوعيد، وإن شاء عفا عنه بمقتضى الرحمة والجود، وقد دل على ذلك قوله ~~تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: ~~48 و 116] ، وحديث عبادة في الصلاة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~خمس صلوات كتبهن الله تعالى على العباد، من أتى بهن، لم يضيع منهن شيئا ~~استخفافا بحقهن، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن، فليس ~~له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، رواه أحمد وأبو داود ~~والنسائي وابن ماجه. # PageV01P269 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وإذا جاز تعليق إيقاع الوعيد ~~بالمشيئة، لم يلزم من صدق الإيعاد وقوع مقتضاه من العقاب لجواز أنه علقه ~~بالمشيئة، ولم يشأ إيقاعه، وحينئذ لا يكون قولنا: الواجب: ما توعد على ~~تركه، فاسدا كقولنا: الواجب ما عوقب تاركه، لعدم استلزام الوعيد الوقوع، ~~فلا يرد على هذا ms0129 ما ورد على الأول. # الوجه الثاني: " أن إخلاف الوعيد من الكرم شاهدا " أي: فيما يشاهد من ~~أحوال العقلاء. " فلا يقبح " يعني: إخلاف الوعيد " غائبا " أي: في حق الله ~~تعالى، لأنه غائب عن الأبصار، وإن كان شاهدا لخلقه كما يشاء في كل مكان. # أما أن إخلاف الوعيد من الكرم في الشاهد، فلإجماع العقلاء على حسن العفو، ~~وإنما يكون بعد انعقاد سبب جواز العقوبة، وذلك مستلزم لإخلاف الوعيد مطلقا ~~أو غالبا، وبالجملة فترك الوعيد إلى العفو حسن، مجمع عليه في عرف الناس، ~~ولا أثر للفرق. بأن خبر الناس يجوز إخلافه، بخلاف خبر الله تعالى، لأن ~~الخلف في الخبر كذب، والكذب قبيح في حق الجميع، خصوصا عند المعتزلة، فإن ~~قبحه ذاتي لا يختلف. ثم قد جاز إخلاف الوعيد من العقلاء في عرفهم، فكذلك ~~إخلافه من الله تعالى، ويعلم بذلك أن إخلاف الوعيد من باب الكرم، لا من باب ~~الكذب، وفي هذا الباب أنشد عمرو بن العلاء عن أبي عبيد قول الشاعر: # PageV01P270 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وإني إن أوعدته أو وعدته ... لمخلف ~~إيعادي ومنجز موعدي # وأما أن إخلاف الوعيد لا يقبح من الله سبحانه وتعالى، فهو لازم للمعتزلة ~~على أصلهم المشهور، وهو أن ما قبح من الخلق، قبح من الله تعالى، وما لا، ~~فلا، وقد بينا أن إخلاف الوعيد لا يقبح من الخلق، فلا يقبح من الله تعالى. ~~وهذا الأصل المذكور لازم لقاعدتهم، وهي أن الأفعال حسنة أو قبيحة لذاتها، ~~أو لوصف قائم بها، وحينئذ ما أدرك العقل قبحه من أفعال الخلق أو حسنه، أدرك ~~حسنه أو قبحه من أفعال الحق. ولهذا قطعوا بأن أفعال العباد مخلوقة لهم، ~~لأنه يقبح من العدل أن يخلق شيئا ويعاقب عليه غيره، فكذلك الله تعالى يقبح ~~ذلك منه. # قوله: " ثم قد حكي عن المعتزلة "، جواز أن يضمر في الكلام ما يختل به ~~معنى ظاهره، وهذا منه ". # هذا تقرير لجواز تعليق العقاب بالمشيئة على من يستبعده، وإلزام للمعتزلة ~~بمثله من مذهبهم. # وتقرير ذلك: أكثر ما في تعليق العقاب بالمشيئة أنه أضمر في الكلام ms0130 ما ~~اختل به معنى ظاهره، إذ قوله: إن تركت الصلاة عاقبتك، ظاهره وقوع العقاب ~~بترك الصلاة مطلقا، وأنه شاء ذلك. # فقوله: إني أردت أن أعاقبك إن شئت، تقييد مخصص رافع لحكم ظاهر # PageV01P271 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الكلام، وذلك مخل بالظاهر، لكن مثل ~~هذا جائز عقلا، إذ لا يلزم من وقوعه محال، وواقع شرعا، إذ هو في الحقيقة ~~تخصيص، وقد وقع في الشرع كثيرا، وقد حكي عن المعتزلة مثله في التعريض، ~~وبيانه: أنهم لما قالوا في مسألة التحسين والتقبيح: إن من الأشياء ما يعلم ~~حسنه أو قبحه بالعقل، كالكذب، فإنه قبيح في العقل لذاته، قلنا لهم: لو كان ~~الكذب قبيحا لذاته، لما اختلف باختلاف الأحوال، لكنه قد اختلف، فإنا لو ~~رأينا كافرا يطلب نبيا ليقتله، فدخل دارا، فجاء الكافر، فقال: أين الرسول، ~~هل هو عندكم؟ لوجب باتفاق العقلاء الكذب هاهنا، لئلا يهدر دم الرسول ظلما. # وأجابوا عن هذا بأن قالوا: لا نسلم وجوب الكذب، لأنه لا يتعين دافعا عن ~~الرسول، إذ في التعريض غنية عنه، مثل أن يقول لنا: هل رأيتم الرسول؟ فنقول: ~~ما رأينا الرسول، ونعني به رسول زيد. أو يقول لنا: هل عندكم الرسول؟ فنقول: ~~لا، ونريد به رسول السلطان، وهذا إضمار يخل بمعنى ظاهر الكلام، وقد قالوا ~~به، فليجز مثل ذلك في تعليق إيقاع العقاب بالمشيئة، لأنه ضرب من التعريض، ~~وقع لفائدة الترهيب. وهذا معنى قوله: " وهذا منه ". # قوله: " والمختار " أي: والمختار في حد الواجب أنه: " ما ذم شرعا تاركه ~~مطلقا ". # وهذا أعم من التعريفين قبله، لأن كل معاقب أو متوعد بالعقاب على الترك # PageV01P272 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مذموم، أي: يستحق الذم، وليس كل ~~مذموم معاقبا، أو متوعدا على الترك، لجواز أن يقال: صل أو صم. فإن تركت، ~~فقد أخطأت وعصيت ولا عقاب عليك، لأن العقاب موضوع شرعي، فللشرع أن يضعه له، ~~وله أن يرفعه، والذم هو العيب، وهو نقيض المدح والحمد، يقال: ذمه يذمه: إذا ~~عابه، والعيب: النقص. فكان الذم نسبة النقص إلى الشخص، فقولنا: " ما ذم "، ~~أي: ما عيب " شرعا "، أي: احتراز مما عيب ms0131 عقلا أو عرفا، وكثير من الأفعال ~~يذم فاعله عرفا لا شرعا، فلا يكون واجبا، لأن الاعتبار بالذم الشرعي. # وقولنا: " مطلقا ": احتراز من الواجب الموسع، والمخير وفرض الكفاية، فإن ~~الترك يلحقها بالجملة، وهو ترك الموسع في بعض أجزاء وقته، وترك بعض أعيان ~~المخير، وترك بعض المكلفين لفرض الكفاية، لكن ذلك ليس تركا مطلقا، إذ ~~الموسع إن ترك في بعض أجزاء وقته فعل في البعض الآخر، ومخير إن ترك بعض ~~أعيانه، فعل البعض الآخر، وفرض الكفاية إن تركه بعض المكلفين، فعله البعض ~~الآخر، وكلهم فيه كالشخص الواحد، فلا يتعلق بهذا الترك ذم، لأنه ليس تركا ~~مطلقا، بمعنى خلو محل التكليف عن إيقاع المكلف به. # والشيخ أبو محمد يذكر قيد الإطلاق في " الروضة "، بل قال: وقيل: ما يذم ~~تاركه شرعا. فترد الواجبات الثلاثة حيث يلحقها الترك. # PageV01P273 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وقال الآمدي: الواجب: ما تركه سبب ~~للذم شرعا في حالة ما. فقوله: في حالة ما، محافظة على ما ذكرناه من ~~الواجبات الثلاثة، لأن تركها إنما يكون سببا للذم. وقال ابن الصيقل: ~~الواجب: هو الفعل المقتضى من الشارع، الذي يلام تاركه شرعا، وهو معنى ما ~~ذكرنا، غير أن اللوم أخف من الذم. # قال الجوهري: اللوم: العذل. وقال أيضا: استلام الرجل إلى الناس: استذم. # فعلى هذا هما سواء. # فإن قيل: ما ذكرتموه في حد الواجب يقتضي أن كل واجب، فإن تاركه مذموم ~~شرعا، وهو باطل بالنائم والناسي، فإنهما يتركان الواجبات حال النوم ~~والنسيان ولا يذمان. # فالجواب: أن الوجوب والذم من لواحق التكليف، والناسي والنائم وغيرهما ممن ~~لا يفهم الخطاب، غير مكلف عندنا في حال العذر، وإنما يتوجه إليه الخطاب بعد ~~زوال العذر، كما قررناه في مسألة تكليف النائم والناسي. وإذا كانا غير ~~مكلفين لم ينتقض الحد بهما، كما لا ينتقض بالصبي والمجنون. # وقيل: حد الواجب: ما يتعرض تاركه للعقاب واللوم. وزعم بعضهم أن هذا أحسن ~~ما قيل في حد الواجب. ### | الفرق بين الفرض والواجب # قوله: «وهو» يعني الواجب «مرادف للفرض على الأصح» أي: أصح الروايتين عن ~~أحمد - رضي الله ms0132 عنه -. «وهو قول الشافعي. وعند الحنفية: الفرض # PageV01P274 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المقطوع به، والواجب المظنون» يعني ~~أنهم فرقوا بين الفرض والواجب، فقالوا: الفرض ما ثبت بدليل قاطع شرعا، كنص ~~الكتاب والإجماع والخبر المتواتر، والواجب: ما ثبت بدليل ظني كالقياس وخبر ~~الواحد. # ومعنى قولنا: «مرادف للفرض» ، أي: مساويه في المعنى، تشبيها له برديف ~~الراكب، وهو الذي على ردف الدابة، من جهة أن هذين اسمان على مسمى واحد، كما ~~أن ذينك راكبان على مركوب واحد. # قوله: «إذ الوجوب لغة: السقوط، والفرض: التأثير، وهو أخص، فوجب اختصاصه ~~بقوة حكما، كما اختص لغة» . # هذا تقرير الفرق بين الفرض والواجب. وبيانه: أن الوجوب في اللغة السقوط، ~~كما سبق تقريره. والفرض: التأثير، وإلى معناه يرجع أكثر فروع مادته. # قال الجوهري: الفرض: الحز في الشيء، وفرض القوس: هو الحز الذي يقع فيه ~~الوتر، والفريض: السهم المفروض فوقه، والتفريض: التحزيز، والمفرض: الحديدة ~~التي يحز بها، والفراض: فوهة النهر. # وإذا ثبت ذلك، فالفرض أخص من السقوط، إذ لا يلزم مثلا من سقوط # PageV01P275 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الحجر ونحوه على الأرض، أن يحز ~~ويؤثر فيها، ويلزم من حزه وتأثيره في الأرض، أن يكون قد سقط، واستقر عليها. ~~وإذا كان كذلك، وجب اختصاص الفرض بقوة في الحكم، كما اختص بقوة في اللغة، ~~حملا للمسميات الشرعية على مقتضياتها اللغوية، إذ الأصل عدم التغيير. # وقولنا: الفرض ما كان طريق ثبوته قطعيا، هو نوع اختصاص له، فوجب القول ~~به. # قوله: «والنزاع لفظي» إلى آخره، أي: أن النزاع في المسألة، إنما هو في ~~اللفظ، مع اتفاقنا على المعنى. إذ لا نزاع بيننا وبينهم في انقسام ما أوجبه ~~الشرع علينا وألزمنا إياه من التكاليف، إلى قطعي وظني. واتفقنا على تسمية ~~الظني واجبا، وبقي النزاع في القطعي، فنحن نسميه واجبا وفرضا بطريق ~~الترادف، وهم يخصونه باسم الفرض، وذلك مما لا يضرنا وإياهم، فليسموه ما ~~شاءوا. # ثم قد ذكر الجوهري أن الفرض هو ما أوجبه الله تعالى، سمي بذلك، لأن له ~~معالم وحدودا، وقال في الباب أيضا: فرض الله علينا كذا، وافترض، أي: أوجب، ~~والاسم الفريضة. ms0133 هذا نقله عن أهل اللغة. # وإذا استوى الفرض والواجب فيما قلنا فهما سواء في الشرع، لأن الأصل عدم # PageV01P276 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # التغيير، واختلاف طريق ثبوت الحكم ~~في القوة والضعف، والقطع والظن، لا يوجب اختلاف حقيقته في نفسه. # تنبيه: الذي نصره أكثر الأصوليين هو ما ذكرناه، من أن الواجب مرادف ~~للفرض، لكن أحكام الفروع قد بنيت على الفرق بينهما، فإن الفقهاء ذكروا أن ~~الصلاة مشتملة على فروض وواجبات ومسنونات، وأرادوا بالفروض الأركان. # وحكمهما مختلف من وجهين: # أحدهما: أن طريق الفرض منها أقوى من طريق الواجب. # والثاني: أن الواجب يجبر إذا ترك نسيانا بسجود السهو، والفرض لا يقبل ~~الجبر، وكذا الكلام في فروض الحج وواجباته، حيث جبرت بالدم دون الأركان. # وأشار الشيخ أبو محمد إلى الوجهين، فقال: الفرض: هو الواجب في إحدى ~~الروايتين، لاستواء حدهما، والثانية: الفرض آكد، فقيل: هو اسم لما يقطع ~~بوجوبه، وقيل: ما لا يسامح في تركه عمدا ولا سهوا، نحو أركان الصلاة. # قلت: واختلفت الرواية عن أحمد - رحمه الله - في صدقة الفطر، فقال في ~~رواية مهنا: هي واجبة، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرضها، وهذا ~~تسوية منه بين الفرض والواجب، وقال في رواية المروذي: سمعت ابن عمر يقول: ~~فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدقة الفطر، وأنا ما أجترئ أن أقول: ~~إنها فرض، وقيس بن سعد يدفع أنها فرض، وهذا فرق منه بينهما. # وكذلك اختلفت الرواية عنه في المضمضة والاستنشاق، وهل هما فرض أو # PageV01P277 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # واجب؟ بناء على الأصل المذكور. ~~وصحح ابن عقيل في «الفصول» أنهما واجب لا فرض. والله أعلم. # قوله: «ثم لنتكلم على كل واحد من الأحكام» يعني في مسائله. والكلام ~~السابق، كأنه في أمر كلي متعلق بالواجب، فجعل متصلا بالكلام في حده، وبعضهم ~~يجعله مسألة من مسائل الواجب. وهو كذلك ولا حرج. # PageV01P278 # الواجب # وفيه مسائل: # الأولى: الواجب ينقسم إلى معين، كإعتاق هذا العبد، والتكفير بهذه الخصلة، ~~وإلى مبهم في أقسام محصورة كإحدى خصال الكفارة. # وقال بعض المعتزلة: الجميع واجب، وهو لفظي. وبعضهم: ما يفعل، وبعضهم: ~~واحد ms0134 معين، ويقوم غيره مقامه. # قوله: «الواجب» ، أي: ذكر الكلام ~~على الواجب في أحكامه الكلية والجزئية. «وفيه مسائل» : # «الأولى: الواجب ينقسم إلى معين، كإعتاق هذا العبد» إلى آخره. # هذه المسألة تعرف بمسألة الواجب المخير، وهو وجوب واحد لا بعينه من ~~أشياء. # وتلخيص القول فيه: # إن الواجب، إما أن يكون معينا، كإعتاق هذا العبد، مثل أن ينذر عتق هذا ~~العبد المعين، أو عتق زيد من عبيده، فيكون مخاطبا بعتقه على التعيين، وكذلك ~~من نذر الصدقة بمال بعينه، كهذه الدنانير، أو الإبل أو الخيل ونحوه، كان ~~مخاطبا بالصدقة به بعينه حسب ما التزمه بالنذر. وكذا لو فرض أن الله تعالى ~~أوجب التكفير على عباده أو بعضهم، في كفارة اليمين أو غيرها، بخصلة معينة ~~من خصال الكفارة المشروعة، كالإعتاق أو الإطعام أو الكسوة، وجبت تلك الخصلة ~~بعينها. # PageV01P279 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وإما أن يكون مبهما في أقسام ~~محصورة، كإحدى خصال الكفارة، ككفارة اليمين المذكورة في قوله تعالى: ~~{فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير ~~رقبة} [المائدة: 89] . # قلت: ولا حاجة بنا إلى قولنا: في أقسام محصورة، لأن السيد لو قال لعبده: ~~اخدمني اليوم نوعا من الخدمة، أي أنواعها شئت، أو تصدق عني بنوع من أنواع ~~مالي، أيها شئت، أو أكرم شخصا من الناس، أو من أصحابي أيهم شئت، صح هذا ~~الكلام عقلا، وخرج به عن العهدة، وإن لم تكن الأقسام محصورة في الخطاب. # ولكن الشيخ أبا محمد تابع أبا حامد في هذه العبارة، وذكر صفة الحصر وهي ~~غير مؤثرة. # «وقال بعض المعتزلة: الجميع واجب» وهذا محكي عن أبي علي الجبائي وابنه ~~أبي هاشم. أطلقا القول بوجوب جميع الخصال على التخيير. # قوله: «وهو لفظي» يعني الخلاف بين الجمهور، وبين أصحاب هذا القول. وقد ~~صرح أبو الحسين في «شرح العهد» بأن الخلاف لفظي، أي: في اللفظ، والمعنى ~~متفق عليه. وذلك لأنه لا خلاف بين المسلمين أنه لو فعل جميع الخصال، لم يثب ~~ثواب أداء الواجب إلا على واحدة، ولو ترك الجميع، لم يعاقب عقاب ترك ms0135 الواجب ~~إلا على واحدة، ولو وجب الجميع، لترتب الثواب والعقاب على جميع الخصال، ~~وتقدر به، ولما خرج عن عهدة التكليف بفعل واحدة، وكل ذلك باطل # PageV01P280 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بالإجماع. ووافق الخصم على هذا فلم ~~يبق النزاع إلا في اللفظ. غير أن نصب الخلاف معهم جرى على عادة الأصوليين، ~~ودفعا لشبهة غالط إن كان. # ثم إن قولهم: يجب الجميع على التخيير، كلام متناقض في نفسه، إذ مقتضى ~~وجوب الجميع: أنه لا يبرأ إلا بفعل الجميع. ومقتضى التخيير: أنه يبرأ بفعل ~~أيها شاء، وهما لا يجتمعان، وإنما مرادهم بوجوب الجميع، أنه لا يجوز ترك ~~الجميع، وهو صحيح، لكن لا يلزم منه وجوب فعل الجميع، أو وجوب الجميع على ~~البدل، لا على الجمع. بمعنى: إن لم تفعل هذا افعل هذا، وهو مذهب الجمهور. # وقال القرافي في معناه: إن الوجوب تعلق بالجميع على وجه تبرأ الذمة بفعل ~~البعض، وهو معنى ما قلناه: وتبين بذلك أن الخلاف لفظي. # وأقول: إن الغلط في المسألة، إما من المعتزلة، حيث ظنوا أن الوجوب مع ~~التخيير لا يجتمعان، أو من الجمهور على المعتزلة، بأن رأوا لهم عبارة موهمة ~~أو بعيدة الغور، فظنوا أنهم أرادوا وجوب الجميع، كما وهموا عليهم في تلخيص ~~مسألة تحسين العقل وتقبيحه، وغيرها من المسائل التي توجد في كتب المعتزلة، ~~على خلاف المنقول عنهم فيها، كما بينته في كتاب «رد القول القبيح بالتحسين # PageV01P281 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والتقبيح» . # قوله: «وبعضهم: ما يفعل، وبعضهم واحد معين» أي: وقال بعض المعتزلة: ~~الواجب من خصال الواجب منها واحد معين، «ويقوم غيره مقامه» # PageV01P282 # لنا: القطع بجواز قول السيد لعبده: خط هذا الثوب، أو ~~ابن هذه الحائط، لا أوجبهما عليك جميعا، ولا واحدا معينا، بل أنت مطيع بفعل ~~أيهما شئت. ولأن النص ورد في خصال الكفارة بلفظ (أو) ، وهي للتخيير ~~والإبهام. # قالوا: فإن استوت الخصال بالإضافة إلى مصلحة المكلف وجبت، وإلا اختص ~~بعضها بذلك، فيجب. # قوله: «لنا: القطع» هذا حين الشروع ~~في أدلة المسألة. # وتقرير هذا الدليل: أن ما ذكرناه من إيجاب واحد غير معين جائز عقلا ~~وشرعا. ms0136 # أما عقلا، فلأن السيد يجوز أن يقول لعبده: «خط هذا الثوب، أو ابن هذا ~~الحائط، لا أوجبهما عليك جميعا، ولا واحدا» منهما «معينا، بل أنت مطيع بفعل ~~أيهما شئت» فهذا واجب مخير، لأنه نفى وجوب الجميع، ووجوب المعين، وقد سبق ~~أن الواجب عليه فعله أحدهما، فلا يصح أن الواجب منهما ما يفعله العبد، إذ ~~يلزم أن قبل فعله لم يجب عليه شيء، وهو مناقض لسبق الوجوب عليه، فتعين أن ~~الواجب عليه واحد غير معين يعينه باختياره وهو المطلوب. # وأما شرعا، فلأن النص ورد في خصال كفارة اليمين بلفظ (أو) ، وهي للتخيير ~~والإبهام، فيقتضي أن الواجب منها واحد مخير، كما قاله الجمهور، وهو ~~المطلوب. واستدلالنا ههنا على الجواز الشرعي، وقد ثبت الوقوع، وهو مستلزم ~~للجواز. # قلت: وفي الاستدلال على الجواز بالوقوع نظر، لأنه إن كان في المسألة خصم ~~منازع، كان دعوى الوقوع محل النزاع، بل هو يقول: الواجب في خصال الكفارة ~~الجميع، لأنها فرد من أفراد محل النزاع. # PageV01P283 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # تنبيه: هذه المسألة، إنما وضعها ~~الأصوليون لأجل خصال الكفارة، وما أشبهها من الأحكام التخييرية، ولهذا لا ~~تكاد تجد أحدا منهم يمثل إلا بها. وبعضهم يذكر قوله سبحانه وتعالى: {ففدية ~~من صيام أو صدقة أو نسك} [البقرة: 196] في فدية الحلق في الإحرام. # وتمسك الجمهور في التخيير إنما هو بلفظ «أو» في الكفارة وشبهها، فينبغي ~~لنا تحقيق القول في معنى «أو» لغة، ثم فيما ينبني عليه من الأحكام شرعا، إذ ~~كان الشيخ أبو محمد لم يعقد لحروف المعاني بابا مفردا على عادة أكثر ~~الأصوليين، يذكر أحكام «أو» وغيرها من الحروف فيه، وتابعته على ذلك. # أما الكلام على «أو» من حيث اللغة، فأنا ألخص أقوال من وقفت على قوله من ~~أهل العلم فيها، وأنبه على ما في كلامهم مما ينبغي التنبيه عليه. وقد سبق ~~الوعد مني بذكر أقسام «أو» عند تعريف الحكم بأنه خطاب الله تعالى ~~بالاقتضاء، أو التخيير. # فقال القرافي: «أو» لها خمسة معان: الإباحة والتخيير، نحو: اصحب العلماء ~~أو الزهاد، فلك الجمع بينهما، وخذ ms0137 الثوب أو الدينار، فليس لك الجمع # PageV01P284 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بينهما، والشك، نحو: جاءني زيد أو ~~عمرو، وأنت لا تدري الآتي منهما، والإبهام نحو: جاءني زيد أو عمرو، وأنت ~~تعلم الآتي منهما، وإنما قصدت الإبهام على السامع خشية مفسدة التعيين. ~~والتنويع: نحو: العدد إما زوج أو فرد، قاله المبرد. # قلت: ومقتضى تقسيمه، أن الإباحة والتخيير قسمان من أقسامها الخمسة، ~~وكلامه نص في ذلك. # والتحقيق، أنهما قسم واحد، كما سيأتي في كلام المبرد إن شاء الله تعالى، ~~لأن حقيقة الإباحة هي التخيير، بأن يقال: إن شئت افعل كذا، وإن شئت لا ~~تفعل. # هذا هو معناها على كل قول، فجعلهما قسمين يوهم أن بينهما تفاوتا، وليس ~~كذلك. وأما ما ذكره من جواز الجمع بين العلماء والزهاد في الصحبة، دون ~~الثوب والدينار في الأخذ، فليس ذلك من وضع اللفظ، وإنما هو من قرينة عرفية، ~~وهو أن الجمع بين صحبة العلماء والزهاد لا خسارة فيه ولا نقص، بل هو زيادة ~~في دين الآمر والمأمور ومروءتهما، بخلاف أخذ الثوب والدينار، فإن اجتماعهما ~~للمأمور نقص في مالية الآمر، إذا كان بائعا أو واهبا ونحوه، وهو في العرف ~~لا يوثر ذلك، وهذا كله مشار إليه في كتاب المبرد، في كتاب «حروف القرآن» ، ~~له عند قوله تعالى: {أو كصيب من السماء} [البقرة: 19] ، حيث قال: وأو، تكون ~~لأحد الشيئين أو الأشياء، وتكون للإباحة، وأصل ذلك واحد. # PageV01P285 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قلت: تبين بهذا ما قلته، من أن ~~الإباحة والتخيير قسم واحد. # ثم قال المبرد في المثال: تقول: جالس زيدا أو عمرا أو خالدا، أي: كل واحد ~~من هؤلاء أهل للمجالسة، فإن جالست الجميع، فأنت مطيع، وإن جالست واحدا لم ~~تعص. فإذا قلت: خذ مني ثوبا أو دينارا، فالمعنى أن كل واحد منهما أهل لأن ~~تأخذه، ولكن المعطي يمنعك، فإنهما واحد في أن كل واحد منهما مرضي، إلا أن ~~لأحدهما مانعا. # قلت: قوله: ولكن المعطي يمنعك، يعني الجمع بين الثوب والدينار، وليس في ~~كلام القائل ما يدل على المنع إلا قرينة العرف التي ذكرناها، وإلا فلفظ ~~«أو» معناها ms0138 في الصورتين واحد. # وقال الجوهري: أو: حرف، إذا دخل على الخبر دل على الشك والإبهام، وإذا ~~دخل على الأمر والنهي، دل على التخيير والإباحة. فالشك كقولك: رأيت زيدا أو ~~عمرا، والإبهام، كقوله تعالى: {وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} ~~[سبأ: 24] ، والتخيير، كقولك: كل السمك أو اشرب اللبن، أي: لا تجمع بينهما، ~~والإباحة كقولك: جالس الحسن أو ابن سيرين. # قلت: فقد فرق بين التخيير والإباحة، حيث أفرد كل واحدة منهما بلفظ # PageV01P286 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ومثال. وكذلك ابن جني في «اللمع» ~~وغيره فرقوا بينهما، فكأنهم يرون جواز الجمع في الإباحة دون التخيير. # قلت: وإنما ذلك للقرينة العرفية كما ذكرت، فإن الجمع بين السمك واللبن في ~~الأكل مضر مذموم من جهة الطب، بخلاف الجمع بين الحسن وابن سيرين في ~~المجالسة، فلذلك فهموا الفرق، لا لمعنى خاص بالتخيير دون الإباحة. # وقال ابن قتيبة في «مشكل القرآن» : «أو» تأتي للشك نحو: رأيت عبد الله أو ~~محمدا، وتكون للتخيير، كما في آية الكفارة، وفدية الحلق، وتلاهما. # قلت: وقد لاح من كلام الجوهري وغيره الفرق بين الإباحة والتخيير، وبقية ~~معاني «أو» ، وأن الإباحة والتخيير، في الطلب، والشك والإبهام والتنويع، في ~~الخبر. وصرح القرافي بهذا الفرق بينهما. # قلت: وقد ذكر أهل اللغة، أن «أو» جاءت على غير بابها في اقتضائها أحد ~~الشيئين في مواضع متعددة، نذكر منها ما تيسر، ونبين أنها جارية على مقتضى ~~«أو» في أصل الباب، وأن خلاف ذلك إما تسامح، أو وهم ممن قاله. # وقد قال ابن جني في «اللمع» - وهو من فحول أهل اللغة وأئمتهم -: وأين ~~وقعت «أو» فهي لأحد الشيئين. وكذلك حكى القاضي أبو يعلى في «العدة» عن أحمد ~~رحمه الله. وهذا هو الأصل المختار، وهو حمل ألفاظ الكتاب والسنة على ~~مقتضياتها الظاهرة المشهورة في عرف أهل اللغة، ما لم يمنع منه مانع قاطع أو ~~راجح، ولا يتسارع إلى تحريفها عن موضوعاتها بأدنى احتمال، فمن المواضع # PageV01P287 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المذكورة ما ذكره ابن قتيبة في ~~قوله سبحانه وتعالى: {فالملقيات ذكرا} {عذرا أو نذرا} [المرسلات: 5 - 6] ، ~~{لعله ms0139 يتذكر أو يخشى} [طه: 44] ، {لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا} [طه: 113] ~~، أن «أو» في هذه المواضع عند المفسرين بمعنى واو النسق. # قلت: وتوجيهها على أصل الباب، أنها في قوله سبحانه وتعالى: {عذرا أو ~~نذرا} للتنويع، ومعناه أن الملائكة تلقي الذكر إلى الأنبياء منوعا، أي: ~~إعذار من الله تعالى إليهم، وإنذار لهم. والكلام هنا في سياق القسم، كأنه ~~سبحانه وتعالى قال: أقسمت بالملائكة الملقيات الذكر، إعذارا أو إنذارا، أي ~~ذلك شئت أيها النبي، أو شئتم أيها الكافرون، فهو قسم عظيم، كقوله: {فلا ~~أقسم بمواقع النجوم} {وإنه لقسم لو تعلمون عظيم} [الواقعة: 75 - 76] ، ~~وكقوله تعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا} [الإسراء: ~~110] ، أي: بأيهما دعوته فهو عظيم، وهو الله سبحانه وتعالى. وأما قوله ~~تعالى: {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى} [طه: 44] ، فمعناه: ألينا ~~له القول، على رجاء منكما أحد الأمرين منه، تذكره أو خشيته، لأن المقصود - ~~وهو إيمانه - يترتب غالبا على كل واحد منهما، لأن من خشي الله تعالى آمن ~~به، ومن تذكر وأجاد النظر، ترتب على تذكره العلم بالوحدانية، ثم ترتب على ~~ذلك العلم الإيمان. # وكذا الكلام في قوله تعالى: {لعلهم يتقون أو يحدث} - يعني القرآن - {لهم ~~ذكرا} [طه: 113] أي: صرفنا لهم الوعيد في القرآن، وعاملناهم # PageV01P288 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # معاملة من يرجو منهم، أو لهم أحد ~~الأمرين: التقوى أو إحداث الذكرى، لأن المقصود يحصل بكل واحد منهما، ~~بالتقوى بغير واسطة، أو بالذكر بواسطة التقوى، لأن من حدث له ذكر ونظر، ~~اتقى الله غالبا، كما سبق. # ومنها ما ذكره ابن قتيبة أيضا في قوله تعالى: {وما أمر الساعة إلا كلمح ~~البصر أو هو أقرب} [النحل: 77] ، {وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون} ~~[الصافات: 147] ، {فكان قاب قوسين أو أدنى} [النجم: 9] فقال: ذهب بعضهم إلى ~~أن «أو» في هذه الآيات، بمعنى بل، على مذهب التدارك لكلام غلط فيه. قال: ~~وليس كما تأولوا، بل هي في هذه المواضع بمعنى الواو. # قلت: وتوجيه هذه الآيات على أصل الباب. # أما قوله سبحانه وتعالى: {كلمح البصر أو ms0140 هو أقرب} فمعناه - والله أعلم -: ~~لو كشف لكم عن أمر الساعة وسرعته، لترددتم: هل هو كلمح البصر أو أقرب منه. # وأما قوله تعالى: {إلى مئة ألف أو يزيدون} ، فقد ذكر الجوهري فيها قولين: # أحدهما: أنها بمعنى بل يزيدون، وأنشد عليه قول ذي الرمة: # بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى ... وصورتها أو أنت في العين أملح # أي: بل أنت. # والقول الثاني: أنها على أصلها في التردد والشك بالنسبة إلى المخاطبين: ~~أي: لو رأيتموهم، لترددتم. هل هم مائة ألف أو يزيدون؟ قال المبرد: هو كقوله ~~عز وجل: # PageV01P289 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # {يرونهم مثليهم رأي العين} [آل ~~عمران: 13] ، قال: هذا كقولك: رأيت زيدا أو عمرا، لأن ههنا المرئي ليس إلا ~~واحدا منهما، لا يجتمع أحدهما مع الآخر، وههنا قد ثبت مائة ألف مع الزيادة ~~عليها على تقدير تحققها. هذا معنى كلامه في هذا. قلت وأما بيت ذي الرمة، ~~فهو متجه على أصل الباب، لأن مقصوده منه أن محبوبته لفرط جمالها يتردد ~~الناظر بينها وبين صورة الشمس أيهما أملح، كما قال الآخر: # فوالله ما أدري أأنت كما أرى ... أم العين مزهو إليها حبيبها # أي: إني متردد في أمرك، فما أدري: هل بجمالك الذي أدركه تحقق في نفس ~~الأمر، أو أن ذلك يخيل إلي لفرط حبي إياك؟ # ومنها قوله سبحانه وتعالى: {أو كصيب من السماء} [البقرة: 19] ، زعم بعضهم ~~أنها بمعنى الواو، وبعضهم بمعنى بل، تقديره: مثلهم كمثل المستوقد والصيب، ~~أو كمثل المستوقد بل الصيب، وليس بشيء، بل هي على أصلها في التخيير، كأن ~~الله سبحانه وتعالى قال للمخاطبين: قد علمتم حال هؤلاء المنافقين، فلكم أن ~~تجعلوا مثلهم كمثل المستوقد، أو الصيب، لأن تمثلهم بكل واحد منهما صحيح ~~مطابق. # ومنها قوله تعالى: {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة} # PageV01P290 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # [البقرة: 74] ، كما ذكر في قوله: ~~ويزيدون زعم بعضهم أنها كالتي قبلها، بمعنى الواو، أو بل، وهو ضعيف أيضا، ~~وتخرجهما على أصل الباب من وجهين ذكرهما المبرد: # أحدهما: أن التقدير: لو كشف لكم عن قلوبكم في قساوتها، ms0141 لترددتم، هل هي ~~كالحجارة أو أشد قسوة؟ كما ذكر في قوله: {أو يزيدون} . # والثاني: أنها للتنويع. والمعنى: أن بعضكم قلوبهم كالحجارة، وبعضكم ~~قلوبهم أقسى، كما يقال: أتيت بني فلان، فما رأيت إلا فقيها أو قارئا. # هذا حاصل كلامه، والوجه الأول، لا يتحصل منه إلا بالقوة. وذكر الجوهري أن ~~«أو» تكون بمعنى «إلى» كقولك: لأضربنه أو يتوب. # قلت: وهذه هي التي ينتصب بعدها الفعل المضارع بإضمار «أن» ، وأمثلتها ~~كثيرة، وهي راجعة إلى أصل الباب، لأن التقدير: لأخيرنه بين التوبة والضرب. ~~وحقيقة المعنى على ذلك، كما قال الأعشى: # خسفان ثكل وغدر أنت بينهما ... فاختر وما فيهما حظ لمختار # وكذلك قول امرئ القيس: # [فقلت له لا تبك عينك] إنما ... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا # أي: غاية سعينا ومحاولتنا أحد شيئين: إما الملك، أو الموت دونه فنعذر. # PageV01P291 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فأما قوله سبحانه وتعالى: {ولا تطع ~~منهم آثما أو كفورا} [الإنسان: 24] ، فلم يحضرني الآن كلام أحد فيه، إلا ~~القاضي أبا يعلى في «العدة» فقال: «أو» إذا كانت في الخبر، فهي للشك، وإذا ~~كانت في الطلب والأمر فهي للتخيير، وإذا كانت في النهي، فقد تكون للجمع، ~~كقوله تعالى: {ولا تطع منهم آثما أو كفورا} . وقيل: تكون للتخيير، لأن ~~النهي أمر بالترك، وأيهما ترك كان مطيعا، وهو الصحيح. # قلت: أما التخيير في هذه الآية، فضعيف، لأنه - عليه السلام - مأمور ~~بمعصية الآثم منهم والكفور جميعا، فلا يخرج عن العهدة بمعصية أحدهما. # وأما في غير الآية، فالتخيير محتمل، نحو: لا تأكل خبزا أو تمرا، أو لا ~~تصحب زيدا أو عمرا. أي: أنت منهي عن أكل أو صحبة أحدهما أيهما شئت. # ومعنى كون النهي بأو للجمع، ما ذكره المبرد في أثناء كلامه على قوله ~~تعالى: {أو كصيب من السماء} [البقرة: 19] ، وهو قوله: والنهي أن تقول: لا ~~تجالس زيدا أو عمرا، ليس فيهما رضى، فإن جالسهما أو أحدهما على الانفراد، ~~أو الاجتماع، فهو عاص. # قلت: وعلى هذا استقر الحكم في الآية المذكورة. وزعم بعضهم أن «أو» فيها # PageV01P292 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بمعنى ولا، أي لا تطع منهم ms0142 آثما ~~ولا كفورا، تحقيقا لإفادة الجمع، وهو غلو في التحريف. # وبعضهم قال: هي بمعنى الواو، وتقديره: لا تطع منهم آثما وكفورا. # وهو ظاهر الفساد، لأنه يقتضي أنه إنما نهى عن طاعتهما جميعا، وليس فيه ~~دلالة على النهي عن طاعة أحدهما. والمعنى على أنه منهي عن طاعتهما على ~~الجمع والإفراد. # والأقرب في تخريجهما على أصل الباب، أنها للتنويع، إذ من القوم من كان ~~يكذبه ولا يأتمنه على ما يقول، فهذا كفور، كأبي جهل وأبي لهب وغيرهما، ~~ومنهم من كان مصدقا له ظاهرا وباطنا، ولكن منعه الحياء والنخوة من متابعته، ~~كأبي طالب وكثير من أهل الكتاب الذين قال الله تعالى فيهم: {وإن الذين ~~أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم} [البقرة: 144] ، {الذين آتيناهم ~~الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} [البقرة: 146] ، فهذا النوع، منهم آثم، ~~وليس كافرا من هذه الجهة، لأنه معتقد للصدق وإنما كفر هذا النوع من جهة ~~أخرى، وهي الاستكبار والاحتشام عن متابعة الحق، ككفر إبليس بالاستكبار مع ~~العيان، فالله تعالى نهاه عن طاعتهم، ونوعهم له إلى مصدق آثم بالاستكبار، ~~وإلى # PageV01P293 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مكذب كافر بالتكذيب، فتقديره: لا ~~تطع منهم أحدا، لا من نوع الأثمة ولا من نوع الكفرة. مع أن النوعين يجمعهم ~~الكفر، لكن جهة كفرهم مختلفة كما بينا، فهذا ما اتفق من تحقيق القول في ~~معنى «أو» لغة. # ولعل بعض من يقف على هذا الكلام يزعم أني أطنبت فيه، وخرجت عما أنا بصدده ~~من مسائل الأصول إلى مباحث اللغة، وإنما قصدت أن أقرر هذه القاعدة، لأنها ~~من الكليات، وقد وقع فيها الخلف والاضطراب، فكان في تحقيق القول فيها كشف ~~اللبس عن الناظر في الكتاب والسنة وغيرهما، فإن من تدبر تخريجنا للصور ~~المذكورة على أصل الباب في «أو» ، أمكنه أن يخرج على ذلك ما وقع له من ~~الصور التي لم نذكرها، وإنما وضعنا هذا للمحققين العارفين للعلم والنظر ~~فيه، ولا عبرة بأهل الضجر وضعف النظر. # وأما ما ينبني على القاعدة المذكورة من الأحكام شرعا، فمنه الكفارات، ~~ومنها كفارة الوطء في رمضان، وهل هي ms0143 على الترتيب أو التخيير بين عتق رقبة ~~وصيام شهرين متتابعين وإطعام ستين مسكينا؟ فيه خلاف بين العلماء، وقولان ~~لأحمد، أظهرهما الترتيب، إلحاقا لها بكفارة الظهار قياسا، ولظاهر حديث ~~الأعرابي حيث بدأ النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه بالعتق، ثم الصيام، ثم ~~الإطعام. # PageV01P294 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ومنها كفارتا الظهار والقتل، وهما ~~على الترتيب في الخصال الثلاث، وما أظن أحدا قال فيهما بالتخيير، لنص ~~الكتاب على الترتيب بقوله تعالى: {فمن لم يجد} ، {فمن لم يستطع} [المجادلة: ~~4] . # ومنها كفارة اليمين، وهي تجمع الترتيب والتخيير بنص قوله تعالى: {فكفارته ~~إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة} ~~[المائدة: 89] ، فالتخيير بين هذه الثلاث، والترتيب بينها وبين صيام ثلاثة ~~أيام بقوله تعالى: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام} [المائدة: 89] . # قال القرافي: وللتخيير والترتيب ألفاظ تدل عليهما في اللغة، والذي رأيته ~~للفقهاء أن صيغة «أو» تقتضي التخيير، نحو: افعلوا كذا أو كذا، وكذلك صيغة: ~~افعلوا إما كذا وإما كذا، وصيغة: من لم يجد، أو: إن لم تجد كذا فكذا، تقتضي ~~الترتيب، وهو ألا يعدل إلى الثاني إلا عند تعذر الأول. # ثم أورد على هذا سؤالا، وهو أن ما ذكر، يقتضي أن لا يجوز أو لا يشرع ~~استشهاد رجل وامرأتين إلا عند تعذر رجلين، عملا بقوله تعالى: {واستشهدوا ~~شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان} [البقرة: 282] ، لكنه ~~خلاف الإجماع، فيلزم إما أن هذه الصيغة لا تفيد الترتيب، وهو خلاف ما عليه ~~الفقهاء، وإما خلاف الإجماع في امتناع استشهاد رجل وامرأتين، مع وجود ~~رجلين. # ثم أجاب عن هذا السؤال، بما حاصله: إن التحقيق أن صيغة الشرط ليست منحصرة ~~في دلالتها على الترتيب، بل كما تفيد الترتيب تارة، فهي تفيد الحصر أخرى، ~~كقولنا: من لم يكن حيا، فهو ميت، وإن لم يكن زيد متحركا، فهو ساكن، # PageV01P295 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أي حاله منحصرة في الحياة والموت، ~~والحركة والسكون، وإذا كانت تصلح للترتيب والحصر لم تتعين لأحدهما إلا ~~بدليل أو قرينة، فإذا انتفى أحد الأمرين أعني الترتيب أو الحصر، فيتعين ~~الآخر. ms0144 # والآية المذكورة، معناها حصر البينة الشرعية الكاملة، من الشهادة في ~~الأموال، في الرجلين، والرجل والمرأتين. أما الشاهد واليمين، أو النكول ~~واليمين، فليس حجة كاملة من الشهادة المحضة، بل منها ومن غيرها، وهو اليمين ~~مع الشاهد. # قلت: هذا حاصل جوابه، وهو جيد، غير أن قوله: صيغة الشرط لا تحسن إلا في ~~الترتيب والحصر، فإذا انتفى أحدهما تعين الآخر، فيه نظر، بل قد جاءت لمعنى ~~آخر، وهو التسوية في أصل المقصود بين الأمرين، وإن تفاوتا في كماله. # كقول امرئ القيس وقد أغير على أمواله فلم يسلم له إلا أعنز: # إذا ما لم يكن غنم فمعزى ... كأن قرون جلتها عصي # فتملأ بيتنا أقطا وسمنا ... وحسبك من غنى شبع وري # أي: المقصود من الغنم حاصل من المعزى، وإن كان من الغنم أكمل، وهذا ~~المعنى بالآية أنسب، أي: مقصود الشاهدين حاصل من الرجل والمرأتين، وإن كان ~~من الرجلين أكمل، لبعدهما عن الغلط، واحتياجهما إلى التذاكر. كما قال تعالى ~~في المرأتين: {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} [البقرة: 282] ، ولهذا ~~قلنا: لا يترجح الرجلان على رجل وامرأتين عند التعارض، لحصول أصل # PageV01P296 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المقصود، وإن كان الترجيح بذلك ~~يتعدى تحصيلا لكمال المقصود. # ومنها: فدية حلق الرأس في الإحرام، ولا أعلم خلافا في أنه إذا كان لعذر ~~أنها على التخيير، لقوله سبحانه وتعالى: {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من ~~رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} [البقرة: 196] ، ولحديث كعب بن عجرة، ~~وكان معذورا، فيه نزلت الآية، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: احلق ~~رأسك، وانسك نسيكة، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين وإن كان لغير ~~عذر، فاختلف فيه، وعن أحمد فيه روايتان: التخيير للفظ الآية، والترتيب ~~تغليظا على الحالق لغير عذر، وتخصيصا للتخيير بسبب الآية، وهو حال العذر. # ومنها، الفدية في جزاء الصيد المقتول في الإحرام. وفيه قولان عن أحمد: ~~أحدهما: أنها مخيرة، لقوله تعالى: {ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل ~~من النعم} إلى قوله: {أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك ms0145 صياما} [المائدة: ~~95] . # والقول الثاني: أنها مرتبة. إن تعذر مثل الصيد أطعم، فمن لم يجد الإطعام، ~~صام. ووجه هذا القول، إلحاقها بالكفارات المرتبة، لكن ظاهر النص خلافه، ~~فيكون قياسا مصادما للنص. # ومنها، المستحاضة المتحيرة تجلس ستا أو سبعا، لقوله عليه السلام لحمنة # PageV01P297 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بنت جحش كانت مستحاضة: تحيضي ستة ~~أيام أو سبعة أيام في علم الله، فهذه صيغة تخيير، لكنه تخيير اجتهاد، لا ~~تخيير تشه، ومعناه: أنها تجتهد في الست والسبع، فأيهما غلب على ظنها جلسته، ~~إذ لو كان تخييرا محضا، للزم منه جواز أن تجلس سبعا مع غلبة ظنها أن حيضها ~~ست، وذلك يفضي إلى تجويز ترك الصلاة في زمن غلب على ظنها وجوبها فيه، وليس ~~بجائز، فيرجع حاصل الأمر في هذا المكان، إلى أن «أو» إما إبهامية، لأن أحد ~~المقدارين من الزمان قد استبهم على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعليها ~~أن تتعين للجلوس فيه، لأن ذلك مما لا يمكن ضبط له، وقد يشتبه عليها. وإما ~~تنويعية: أي: الزمن الذي تجلسين فيه شرعا، يتنوع إلى ستة وسبعة، فاجلسي ~~أحدهما بالاجتهاد. # ومنه في البيوع: بيعتين في بيعة، نحو: بعتك بعشرة نقدا، أو بعشرين نسيئة، ~~فلا يصح عند الأكثرين للجهالة، وأجازه قوم، ويصلح أن يحتج له بقوله تعالى ~~حكاية عن موسى - عليه السلام -: {أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي} [القصص: ~~28] ، بناء على شرع من قبلنا، إذ هو في معنى قوله: تزوجت ابنتك على أن أرعى ~~لك ثماني أو عشر سنين، وعلى هذا الاحتجاج كلام لا يخفى. # PageV01P298 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وكذلك قوله: بعتك هذا الثوب أو ~~هذا، وأنكحتك هذه المرأة أو هذه، فلا يصح، لاقتضاء «أو» أحد الشيئين. وشرط ~~صحة ذلك التعيين، ونظائر هذا كثيرة. # ومنه في الطلاق: إذا قال لثلاث نسوة: هذه أو هذه وهذه طالق، فالمذهب أن ~~الثالثة تطلق مع إحدى الأولتين، وتخرج بالقرعة، وقيل: بل يقرع بين الأولى ~~وبين الأخريين معا، فإن وقعت القرعة على الأولى طلقت وحدها، وإن وقعت على ~~الأخريين طلقتا جميعا دون الأولى. # قلت: ومأخذ الخلاف: أن التردد بأو في ms0146 هذه المسألة، هل هو بين الأوليين، ~~فتكون إحداهما المطلقة مع الثالثة، أو بين الأولى وحدها والأخريين معا، ~~فيكون الحكم ما ذكرنا ويكون التقدير على الأول إحدى هاتين طالق وهذه ~~الثالثة طالق، أو يكون التقدير هذه أو هذه الثالثة طالق، وهذه الثالثة طالق ~~فطلاق الثالثة مقطوع به، والتردد في إحدى الأولتين؟ # وعلى القول الثاني تقديره: هذه الأولى طالق، أو هاتان الأخريان طالقتان ~~فالتردد بين طلاق الأولى وحدها، وطلاق الأخريين معا. وعلى القولين يطلق # PageV01P299 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # منهما اثنتان بالجملة، لكن على ~~الأول تطلق إحدى الأولتين مع الثالثة ولا بد، وعلى الثاني تطلق إما الأولى ~~وحدها، وإما الأخريان، فطلاق الاثنتين على هذا القول هو على أحد تقديرين. ~~والقول الأول أرجح. # ورجحانه مستمد من قاعدة عربية، وهي: أن خبر المبتدأ يجب أن يكون مطابقا ~~له في الجمع والإفراد، فنقول: الزيدون قائمون، ولا يجوز قائم، وزيد قائم، ~~ولا يجوز قائمون، وتقول: زيد أو عمرو قائم، ولا يجوز قائمان، لأن الإخبار ~~عن أحدهما، وزيد وعمرو قائمان، ولا يجوز قائم، لأن الإخبار عنهما جميعا، ~~كما لا تقول: الزيدان قائم إلا بتقدير تكرار الخبر تقديرا، وهو خلاف الأصل. # إذا ثبت هذا، فتقدير المسألة على القول الأول هذه أو هذه طالق وهذه، ~~فالخبران مطابقان. وتقديرها على الثاني: هذه طالق، أو هذه وهذه طالق، ~~فالخبر في الجملة الثانية غير مطابق، بل يجب أن يقال: أو هذه وهذه طالقتان، ~~لأن الإخبار بالطلاق عنهما جميعا لا عن إحداهما، فهذا كشف المسألة. وإن بقي ~~فيها عليك توقف فاستخرجه بالنظر، فإذا هو قد ظهر. # أما لو قال لإحدى زوجتيه أو أمتيه: أنت أو هذه طالق أو حرة، احتمل أن ~~تطلق وتعتق المخاطبة تغليبا لجانب المخاطب لسبقه، واحتمل أن يقرع بينهما، ~~قطعا لإشكال التردد بالقرعة. # PageV01P300 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ومنه الحكم في قطاع الطريق ~~المستفاد من قوله تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في ~~الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا ~~من الأرض} [المائدة: 33] ، فظاهر الآية أن الإمام مخير أي ذلك شاء ms0147 فعل بهم. ~~وحكى ابن البنا في شرح الخرقي هذا التخيير عن سعيد بن المسيب ومجاهد والحسن ~~وعطاء. قلت: هو نظر إلى اقتضاء «أو» التخيير، ومنع الجمهور من حملها على ~~التخيير، لأن القتل إذا جاز تركه لم يجز فعله احتياطا للدماء. وإلى هذا ~~أشار أحمد رحمه الله في رواية ابنه عبد الله بقوله: ومن أخاف السبيل ولم ~~يقتل نفي، ولا يكون السلطان مخيرا في قتله. وهؤلاء حملوا «أو» في هذه بهذا ~~الدليل على التنويع، أي: إن عذاب المحاربين يتنوع بحسب تنوع أفعالهم. # فمذهب أحمد أنه إن أخاف السبيل إخافة مجردة، نفي كما تقدم، وإن أخذ المال ~~أخذا مجردا، قطع فيما يقطع فيه السارق، وإن قتل ولم يأخذ المال، قتل، وفي ~~صلبه قولان. وإن قتل وأخذ المال، قتل وصلب، ومذهب الشافعي كذلك. # ومذهب أبي حنيفة رحمه الله أنهم إذا قصدوا قطع الطريق، وأخذوا قبل أن ~~يأخذوا مالا، أو يقتلوا نفسا، حبسهم الإمام حتى يتوبوا، وإن أخذوا من مال ~~مسلم أو ذمي ما يقطع فيه السارق، قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن قتلوا ~~ولم # PageV01P301 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يأخذوا مالا، قتلوا حدا، لا يسقطه ~~عفو أولياء من قتلوه، وإن قتلوا، وأخذوا المال، فالإمام مخير: إن شاء ~~قتلهم، وإن شاء صلبهم ثلاثة أيام فما دون، يصلب أحدهم حيا، ويبعج بطنه برمح ~~حتى يموت، وإن شاء، قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وقتلهم وصلبهم. # ومنه أن موجب العمد أحد شيئين: القصاص أو الدية، ومستنده قوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: فمن قتل له قتيل بعد اليوم، فأهله بين خيرتين: إما أن يقتلوا، ~~أو يأخذوا العقل، وفي لفظ: من قتل له قتيل، فهو بخير النظرين، إما أن يعفو، ~~وإما أن يقتل ولهذا الأصل فروع تقع في كتاب الجنايات. # ومن فروع التخيير أن العبد إذا جنى خطأ، فسيده مخير بين فدائه وتسليمه في ~~الجناية، فإن اختار فداءه، فالواجب عليه أقل الأمرين من قيمته، أو أرش ~~جنايته، وله فداؤه بأيهما شاء، لأنه إن أدى أقلهما، فهو الواجب، وإن أدى ~~أكثرهما، فقد التزم ضرر الزيادة، ms0148 وهو لا يمنع، وإن استوت القيمة والأرش، ~~صار التخيير ضروريا، إذ لا أقل، فيجب، ولا أكثر، فيلزم ضرورة، وإن سلمه، ~~فأبى ولي الجناية قبوله، وقال: بعه أنت، فهل يلزمه ذلك؟ فيه قولان: ~~أشبههما: لا يلزمه، ويبرأ بالتسليم، لأنه مخير بين الأمرين، فيبرأ بأحدهما، ~~كالتكفير بإحدى الخصال. # PageV01P302 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ولو جنى العبد عمدا، فعفا الولي عن ~~القصاص على رقبة العبد، فهل يملكه بغير رضا السيد؟ على قولين: أصحهما لا ~~يملكه بدون رضاه، لأنه بالعفو عن القصاص صارت جنايته كالموجبة للمال، ~~والسيد مخير بينه وبين تسليم العبد كما سبق، وملك الولي لرقبته بدون رضا ~~السيد ينافي التخيير، وما ذكرناه من هذا فروع مؤنسة بهذا الأصل، ليتبين ~~للناظر كيف تفرع الأحكام عن أصولها، واقتناصها منها. # وثم فروع أخر لم أذكرها خشية الإطالة، وإنما ذكرت هذه المباحث اللغوية ~~والشرعية في أثناء مسألة الواجب المخير قبل كمالها، لأن ذلك مناسب لقولنا: ~~«ولأن النص ورد في خصال الكفارة بلفظ» أو «وهي للتخيير والإبهام» . # قوله: «قالوا: فإن استوت الخصال» إلى آخره. # هذا دليل القائلين بأن الواجب جميع الخصال. وتقريره: أن خصال الواجب ~~المخير، إما أن تستوي في تحصيل مصلحة المكلف أو لا تستوي؟ فإن استوت، بأن ~~كانت مصلحته مثلا في التكفير بالعتق مثل مصلحته في التكفير بالصيام ~~والإطعام، لزم أن يكون جميعها واجبا، لأن اختيار التكفير ببعضها مع تساويها ~~في المصلحة يكون ترجيحا من غير مرجح، وهو محال، وإن لم يستو الجميع في ~~المصلحة، بل اختص بها بعض الخصال، أو ترجح فيها، مثل إن اختص العتق # PageV01P303 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بمصلحة التكفير، أو كان أرجح في ~~حصولها من الصيام والإطعام، وجب أن يتعين ذلك البعض فيكون هو الواجب عينا ~~لا على التخيير. # PageV01P304 # قلنا: مبني على وجوب رعاية الأصلح، وعلى أن الحسن ~~والقبح ذاتيان، أو بصفة، وهما ممنوعان، بل ذلك شرعي، فللشرع فعل ما شاء من ~~تخصيص وإبهام. # قوله: «قلنا: مبني» أي: قلنا هذا ~~الدليل مبني على أصلين ممنوعين: # أحدهما: وجوب رعاية الأصلح للعباد على الله سبحانه وتعالى، وهو أصل ممنوع ~~عندنا، ويكفينا منعه ms0149 في إبطال دليلكم المذكور، وإن تبرعنا بمستند المنع، ~~فيدل على بطلان رعاية الأصلح أنها لو وجبت على الله تعالى للزم أن خلق ~~الكفار، وتسليط الشيطان المضل، والشهوات المستميلة لهم إلى الكفر والفسوق، ~~وافتقار الفقراء منهم، وتخليد الجميع في النار، أصلح لهم، وهو باطل ~~بالضرورة، وقد اضطر بعض المعتزلة في تمشية هذا الأصل إلى أن التزم أن تخليد ~~الكفار في النار أصلح لهم. ومذهب ينتهي إلى هذا الفساد لا يستحق جوابا. ~~وحينئذ نقول: لا نسلم أن القصد من التكليف بخصال الواجب المخير مصلحة ~~المكلف، حتى ينظر: هل تستوي في حصوله مصلحته أو تتفاوت؟ بل القصد من ذلك ~~التعبد المحض. وإن سلمنا أن المقصود منه مصلحة المكلف، وجوبا على قولهم، أو ~~تفضلا على قولنا، لكن لا نلتزم أنها استوت في حصول أصل المصلحة. # وفوض الله سبحانه وتعالى إلى المكلف اختيار بعضها، فكان ذلك التفويض # PageV01P305 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # هو المرجح، فلا يلزم الترجيح من ~~غير مرجح، ودل على التفويض المذكور ورود النص بلفظ «أو» المقتضية للتخيير ~~في اللسان. # الأصل الثاني: أن حسن الفعل وقبح الفعل عندهم ذاتيان بصفة. أي: أن ~~الأفعال عندهم، منها ما هو حسن لمعنى، أو وصف قائم به اقتضى كونه حسنا، ~~ومنها ما هو قبيح لوصف قام به اقتضى أحدهما حسن الصدق والآخر قبح الكذب. ~~ولما كان من مذهبهم هذا، اقتضى عندهم أن خصال الواجب المخير، لا بد وأن ~~تقوم بها أوصاف تقتضي حسنها، فإن تساوت في تلك الصفات تساوت في الحسن، ~~وتحصيل المصلحة، فيلزم إيجاب جميعها، وإن تفاوتت في صفاتها، تعين منها ~~الأرجح الأصلح كما سبق تقريره. # وهذا الأصل ممنوع أيضا عندنا، بل حسن الأفعال وقبحها مستفاد من أمر الشرع ~~ونهيه، لا من ذواتها، ولا من صفات قامت بها. وهذا معنى قوله: «بل ذلك» ~~يعني: الحسن والقبح «شرعي» «فللشرع فعل ما شاء من تخصيص وإبهام» أي: من ~~تعيين الواجب والتخيير فيه، ولهذا مزيد تحقيق في آخر هذا الفصل إن شاء الله ~~تعالى. # تنبيه: قولنا على الحسن والقبح: ذاتيان بصفة، هو منقول ثابت ms0150 عن # PageV01P306 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الأصوليين، وفيه تناقض ننبه عليه ~~إن شاء الله تعالى، وذلك أن المعتزلة والكرامية والبراهمة قالوا: الأفعال ~~حسنة أو قبيحة لذاتها، ثم اختلفوا، فقال بعضهم: هي كذلك من غير صفة، وقال ~~بعضهم: بل هي كذلك بصفة كما شرحنا. وقال آخرون: هي قبيحة بصفة قامت بها، ~~وهي حسنة لذاتها بغير صفة، والقولان الأخيران يلزمهما التناقض، وذلك لأن ~~معنى قولنا: هذا قبيح أو حسن لذاته أن علة قبحه وحسنه ذاته وحقيقته، ومعنى ~~قولنا: هذا حسن أو قبيح بصفة، أن علة حسنه أو قبحه صفة قامت به، فقولنا ~~مثلا: الكذب قبيح لذاته، أي: هو قبيح لكونه كذبا، وإذا قلنا هو قبيح بصفة، ~~معناه: هو قبيح لقيام صفة به أوجبت كونه قبيحا، وهؤلاء يقولون: الأفعال ~~قبيحة لذاتها بصفة، وإسنادهم القبح إليها حكم عقلي، وقد جعلوا له علتين: ~~ذوات الأفعال وصفاتها القائمة بها، والحكم العقلي لا تتعدد علته، ولا يجتمع ~~على أثر واحد مؤثران عقلا لما تقرر في علم الكلام. # وحينئذ يقال: إن كانت الأفعال قبيحة لذاتها ولصفة قامت بها، فهو تناقض، ~~وإثبات الشيء مع ما يقتضي عدمه. وعلى هذا فالصواب في عبارة المختصر أن ~~يقال: «على أن الحسن والقبح ذاتيان أو بصفة» بلفظ «أو» وتكون لتنويع مذهبهم ~~إلى أن الأفعال حسنة أو قبيحة لذاتها، وإلى أنها كذلك لأوصاف قامت بها. ~~اللهم إلا أن يقال: ما ذكرتموه من التناقض إنما يلزم لو قلنا: الأفعال ~~قبيحة لذاتها ولصفة، # PageV01P307 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ونحن إنما قلنا: هي قبيحة لذاتها ~~بصفة بالباء لا باللام المفيدة للتعليل، وحينئذ يجوز أن تكون علة قبحها ~~ذاتها. والصفة القائمة بها شرط، لا علة ثابتة، ولا يجتمع على الأثر مؤثران، ~~فلا يلزم التناقض، وهذا اعتذار جيد عن السؤال المذكور، فتصح عبارة المختصر ~~على ما هي عليه. # قلت: وأجاب الشيخ أبو محمد عن أصل دليلهم المذكور بجواب آخر، وهو أن ~~تساوي الخصال في المصلحة، على تقدير تسليمه، يمنع من تعيين بعضها، للزوم ~~الترجيح من غير مرجح، وحصول المصلحة بواحد منها يمنع من إيجاب ما فوقه، ~~لأنه ضرر محض، ms0151 حصلت المصلحة بدونه. فتعين أن الواجب واحد غير معين. # قلت: وليس للخصم هنا إلا منع حصول المصلحة بواحد، لكنه بعيد لا سبيل ~~إليه، للإجماع عليه في الكفارة. # PageV01P308 # قالوا: علم ما أوجب، وما يفعل المكلف، فكان واجبا ~~معينا. # قلنا: علمه تابع لإيجابه، وهو غير معين المحل، وإلا لعلمه على خلاف ما هو ~~عليه، وفعل المكلف يعين ما لم يكن متعينا. # قوله: «قالوا: علم ما أوجب» إلى ~~آخره. هذا دليل القائلين بأن الواجب في المخير واحد معين. # وتقريره: أن الله سبحانه وتعالى يعلم ما أوجبه على المكلف من خصال الواجب ~~المخير، ويعلم الخصلة التي يؤديها المكلف، فيكون معينا في علم الله تعالى. # قوله: «قلنا: علمه تابع لإيجابه» إلى آخره. هذا جواب ما ذكروه على تعيين ~~الواجب. # وتقريره: أنا لا نمنع أن الله سبحانه وتعالى يعلم ما أوجب، لكنا نقول: ~~علمه تابع لإيجابه، لأن العلم يتبع المعلوم، أي: يتعلق به على ما هو عليه. ~~وإيجابه سبحانه وتعالى غير معين المحل، أي محل الإيجاب، أي: متعلقه من ~~أقسام الواجب غير معين، لأنه لم يقل: من حنث، فكفارة حنثه العتق بعينه ~~مثلا، والإطعام بعينه، بل قال: كفارته إطعام أو كسوة أو عتق، فثبت أن محل ~~الإيجاب غير معين، إذ لو كان معينا لعلمه على خلاف ما هو عليه، لأنه مبهم ~~في أقسام وهو # PageV01P309 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # سبحانه قد علمه معينا، وذلك محال ~~لاستلزامه انقلاب العلم جهلا، فثبت أن الواجب المخير غير معين المحل، وهو ~~المراد بكونه أوجب واحدا غير معين. # وأما فعل المكلف للعتق، أو الإطعام، أو الكسوة، فليس فعلا لما كان معينا ~~في علم الله سبحانه وتعالى، بل هو تعيين لما لم يكن متعينا، وقد علم سبحانه ~~وتعالى أن المكلف سيعينه بفعله. فحاصل الجواب: أن الله سبحانه وتعالى علمه ~~غير معين، وعلم أنه سيتعين، والعلم أنه سيتعين ليس في لفظ «المختصر» دلالة ~~عليه. # ثم قال الغزالي: لو أتى المكلف بالجميع، أو ترك الجميع، كيف يصح أن يكون ~~المعين واحدا في علم الله تعالى؟ # قلت: فإن قلت: هذا ms0152 لا يرد، لأن الخصم يقول: إنما يكون الواجب واحدا معينا ~~في علم الله سبحانه وتعالى، بالنسبة إلى من يعلم أنه سيعين واحدا بفعله، ~~وكذلك من أتى بالجميع، فالمعين للوجوب في حقه واحد، والزائد تطوع. # قلنا: فمن ترك الجميع، يلزم أن لا يجب عليه شيء أصلا. # قلت: والذي رأيته في جواب هذا السؤال هو هذا، وهو غير مرضي، ووجه القدح ~~فيه أن يقال: لا نسلم أن المكلف يعين بفعله ما لم يكن متعينا، بل يؤدي ما ~~كان متعينا في علم الله تعالى لوجهين: # أحدهما: أن المكلف أدى ما أوجب عليه بالإجماع، والذي أداه متعين في # PageV01P310 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # نفسه، وفي علم الله سبحانه وتعالى. ~~فليكن ما أوجبه الله تعالى عليه كذلك، لأنه هو هو. # الثاني: أن الله سبحانه وتعالى حين أوجبه، إما أن لا يكون علم عين ما ~~يفعله المكلف، وهو باطل باتفاق علماء الشريعة على أن علم الله سبحانه ~~وتعالى متعلق بجميع المعلومات، كليها وجزئيها، ماضيا وحالا ومستقبلا، أو ~~علم عين ما يفعله المكلف، وحينئذ إما أن يكون متعلق الإيجاب هو عين متعلق ~~العلم أو غيره، فإن كان متعلق الإيجاب عين متعلق العلم، فقد أوجبه معينا، ~~لأنه علمه معينا، ومتعلقهما واحد، فالواجب معين. وإن كان متعلق الإيجاب غير ~~متعلق العلم، لزم أن ما علمه غير ما أوجبه، فالمكلف إنما أدى المعلوم لا ~~الواجب، وهو خلاف الإجماع على أنه أدى الواجب، هذان الوجهان مقصودهما، ~~وإنما اختلف طريق تقريرهما والعبارة فيهما. # والمختار في الجواب: أن الله سبحانه وتعالى يوجبه معينا بالإضافة إلى ~~علمه به، مبهما بالإضافة إلى علم المكلفين، لكن موضوع النظر في المسألة ~~إنما هو الإيجاب أو الواجب بالإضافة إلى علم المكلفين لا بالإضافة إلى علم ~~الله سبحانه وتعالى. وهذا يشبه ما سبق تقريره في تكليف المكره، من أن لله ~~سبحانه وتعالى في خلقه تصريفين: تكويني يجري عليهم فيه ما لا يطيقونه، ~~وتكليفي لا يجري عليهم فيه إلا ما يطيقونه. # وحاصل الجواب: أن ما اختص الله تعالى به عنا، من علم وإرادة وغير ذلك ms0153 ليس ~~موضوع نظرنا، ولا يمتنع أن يوجب علينا شيئا معينا في علمه، مبهما في علمنا، ~~ويكون من ذوات الجهتين. # PageV01P311 # المسألة الثانية # وقت الواجب إما بقدر فعله، وهو المضيق، أو أقل منه، والتكليف به خارج على ~~تكليف المحال، أو أكثر منه، وهو الموسع، كأوقات الصلوات عندنا، له فعله في ~~أي أجزاء الوقت شاء، ولا يجوز تأخيره إلى آخر الوقت، إلا بشرط العزم على ~~فعله فيه، ولم يشترطه أبو الحسين. # وأنكر أكثر الحنفية الموسع. # الواجب المضيق والموسع # «المسألة الثانية» من مسائل الواجب: «وقت الواجب إما بقدر فعله» كاليوم ~~بالنسبة إلى الصوم «وهو» الواجب «المضيق» أي: ضيق على المكلف فيه، حتى لا ~~يجد سعة يؤخر فيها الفعل أو بعضه، ثم يتداركه، إذ كل من ترك شيئا منه لم ~~يمكن تداركه إلا قضاء، أو يكون وقت الواجب أقل من قدر فعله كإيجاب عشرين ~~ركعة في زمن لا يسع أكثر من ركعتين، والتكليف به خارج على تكليف المحال ~~المعروف بتكليف ما لا يطاق، إن جاز التكليف بفعل لا يتسع وقته المقدر له، ~~وإلا فلا، لأنه فرد من أفراد ما لا يطاق، «أو» يكون وقت الواجب «أكثر» من ~~قدر فعله «وهو الموسع، كأوقات الصلوات عندنا، له فعله» أي: فعل الواجب من ~~الصلوات «في أي أجزاء الوقت شاء» في أوله أو آخره أو وسطه، وما بين ذلك منه ~~«ولا يجوز تأخيره إلى آخر الوقت إلا بشرط العزم على فعله فيه» أي: في آخر ~~الوقت، وهو قول الأشعرية والجبائي وابنه من المعتزلة «ولم يشترطه أبو ~~الحسين» يعني العزم «وأنكر أكثر الحنفية الموسع» وقالوا: وقت الوجوب هو آخر ~~الوقت، ثم اختلفوا في الفعل # PageV01P312 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الواقع قبل ذلك، فقال بعضهم: هو ~~نفل يسقط الفرض به، والكرخي منهم، تارة يقول بتعيين الواجب بالفعل، في أي ~~أجزاء الوقت كان، وتارة يقول: إن بقي الفاعل مكلفا إلى آخر الوقت كان فعله ~~قبل ذلك واجبا، وإلا فهو نفل. # PageV01P313 # لنا: القطع بجواز قول السيد لعبده: افعل اليوم كذا، ~~في أي جزء شئت منه، وأنت مطيع إن ms0154 فعلت، وعاص إن خرج اليوم ولم تفعل، وأيضا، ~~النص قيد الوجوب بجميع الوقت، فتخصيص بعضه بالإيجاب تحكم. # قالوا: جواز الترك في بعض الوقت ينافي الوجوب فيه، فدل على اختصاص الوجوب ~~بالجزء الذي لا يجوز الترك فيه، وهو آخره، وجواز تقديم الفعل عليه رخصة، ~~كتعجيل الزكاة. # قلنا: مع اشتراط العزم على الفعل، لا نسلم منافاة الترك الوجوب. # قالوا: لا دليل في النص على وجوب العزم، فإيجابه زيادة على النص. # قلنا: ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب، وأيضا، لما حرم العزم على ترك ~~الطاعة، حرم ترك العزم عليها، وفعل ما يحرم تركه واجب، ومحذور الزيادة على ~~النص، كونه نسخا عندكم، ونحن نمنعه. # «لنا: القطع بجواز قول السيد ~~لعبده: افعل اليوم كذا» مثل أن قال: ابن لي هذا الحائط، أو خط لي هذا الثوب ~~«في أي جزء شئت منه وأنت مطيع إن فعلت، وعاص إن خرج اليوم ولم تفعل» فإن ~~كان الإنكار لجوازه عقلا، فهذا دليل العقل قاطع في جوازه، وإن كان الإنكار ~~له شرعا، فدليل الشرع قد دل عليه «أيضا» وذلك لأن «النص قيد الوجوب بجميع ~~الوقت» في قوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل} [الإسراء: ~~78] ، وقوله سبحانه وتعالى: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها} ~~[طه: 130] ، وقوله - عليه السلام - للأعرابي حين سأله عن مواقيت الصلاة ~~فبين له بفعله في اليومين، ثم قال له: الوقت ما بين # PageV01P314 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # هذين يعني: ما بين أول الوقت وآخره ~~كما دل عليه الحديث، وإذا قيد النص الوجوب بجميع الوقت «فتخصيص بعضه» بأنه ~~وقت الوجوب «تحكم» على النص بالتخصيص. # «قالوا: جواز الترك» إلى آخره. هذا حجة من أنكر الموسع، وهو أن جواز ترك ~~الفعل في بعض الوقت ينافي وجوبه فيه، لأن الواجب في زمن لا يجوز تركه فيه، ~~وإلا لكان الواجب غير واجب، وهو محال، فدل ذلك على اختصاص وجوب الفعل ~~بالجزء الذي لا يجوز تركه فيه من الوقت، وهو آخره. # وأما جواز تقديم الفعل على آخر الوقت كفعل الصلوات في أول أوقاتها ms0155 فهو ~~رخصة، كتعجيل الزكاة قبل تمام الحول، العام والعامين، وتقديم الصلاة ~~الثانية إلى وقت الأولى بالجمع. # «قلنا: مع اشتراط العزم» إلى آخره، أي: قلنا: جواز الترك في بعض الوقت ~~ينافي الوجوب فيه، مع اشتراط العزم على الفعل في آخره، أو مع عدم اشتراطه. # الأول: ممنوع، فإنا لا نسلم أن مع اشتراط العزم، ينافي ترك الفعل في بعض ~~الوقت وجوبه فيه، لأن الترك إنما ينافي الوجوب إذا خلا الوقت من الواجب أو ~~بدله، ومع اشتراط العزم لم يخل الوقت منهما، لأن تعجيل الفعل في أول الوقت ~~وإن فات، لكن بدله - وهو العزم - لم يفت. # والثاني: وهو جواز الترك مع عدم اشتراط العزم، مسلم أنه ينافي الوجوب، ~~لكنا # PageV01P315 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لا نقول به. # «قالوا: لا دليل في النص» إلى آخره، هذا منع لاشتراط العزم على الفعل. # وتقريره، أنه لا دليل في النص على وجوب العزم على الفعل في آخر الوقت إذا ~~ترك في أوله، لأن النصوص المذكورة في المواقيت إنما دلت على إيقاع العبادة ~~في الوقت، فإيجاب العزم زيادة على النص، فيحتاج إلى دليل. # «قلنا» يعني في الدلالة على اشتراط العزم، وذلك من وجهين: # أحدهما: أن «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب» ، والعزم ههنا لا يتم ~~الواجب إلا به، فيكون واجبا. # أما الأولى: فسيأتي تقريرها في مكانها إن شاء الله تعالى. # وأما الثانية: فتقرر ببيان الوجه الثاني، وهو أنه «لما حرم العزم على ترك ~~الطاعة، حرم ترك العزم عليها» فكما يحرم عليه أن يعزم على ترك الصلاة عند ~~دخول وقتها، يحرم عليه أن يترك الآن العزم على فعلها إذا دخل وقتها، لأن ~~التكليف الشرعي متوجه إلى الأبدان بالأفعال، وإلى القلوب بالنيات والعزائم، ~~ولأن ترك العزم على الطاعة تهاون بأمر الشرع، فيكون حراما وإذا حرم ترك ~~العزم على الطاعة، كان العزم عليها واجبا، لأن «فعل ما يحرم تركه واجب» ~~والحرام يجب تركه، # PageV01P316 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ولا يمكن تركه إلا بفعل ضده، ~~والحرام هنا ترك العزم، فيكون تركه بفعل العزم واجبا، وهو المطلوب. # قوله: «ومحذور الزيادة على ms0156 النص» إلى آخره، هذا جواب عن قولهم: إيجاب ~~العزم زيادة على النص، ومعنى الجواب: أنه إن كان زيادة على النص، فإنه لا ~~يضرنا، لأن المحذور منه كون الزيادة على النص نسخا، وهو غير جائز عندكم، ~~ونحن نمنع ذلك، كما سيأتي في كتاب النسخ إن شاء الله تعالى. # واعلم أن للمانعين من اشتراط العزم في الواجب الموسع أسئلة: # أحدها: أن المكلف إما أن يعزم على ترك العبادة في وقتها، فيكون عاصيا، أو ~~على فعلها، فيكون مطيعا، أو لا على تركها ولا فعلها، وهذه الحال واسطة بين ~~طرفين، فلم قلتم: إنها حرام، مع أن ترك العزم على الصلاة يساوي العزم على ~~تركها؟ # والجواب عن هذا، قد لاح مما سبق ونزيده إيضاحا بطريق آخر، وهو أن العزم ~~على العبادة من أسباب إيقاعها، وإيقاعها واجب، وسبب الواجب واجب، وإنما ~~قلنا: إن العزم عليها من أسباب إيقاعها، لأن سبب الفعل ما توصل به إليه، ~~وأعان عليه. والعزم على العبادة يتوصل به إليها، ويعين عليها، فيكون من ~~أسبابها، فيكون واجبا. # ثم إن لنا منع تصور الواسطة المذكورة، وذلك لأن الشخص إن كان ساهيا # PageV01P317 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أو غافلا، فليس مكلفا، وإن كان ~~ذاكرا متيقظا عالما بأنه مخاطب بالصلاة، فهذا لا يخلو من قصد يتعلق بها، ~~فإما أن يتعلق قصده بأن يفعلها في آخر الوقت، أو بأن لا يفعلها، والواسطة ~~التي وسطتموها مبنية على صلاة من قصد، وهو ممنوع. # السؤال الثاني: أن العزم إما أن يكون بدلا عن أصل الفعل، أو عن تعجيله، ~~فإن كان بدلا عن الفعل، لزم سقوطه بالكلية، وأن لا يجب فعله آخر الوقت، ~~لئلا يجتمع البدل والمبدل، وإن كان بدلا عن تعجيل الفعل، فقد صار مخيرا بين ~~تعجيله وتأخيره مع العزم على فعله آخر الوقت، فاستحالت المسألة، وانتقلت ~~إلى مسألة الواجب المخير، وزال الواجب الموسع بالكلية، وصارت المسألتان ~~واحدة. # والجواب: أن العزم بدل عن تعجيل الفعل، لا عن أصله، وهو مخير بين ~~التعجيل، والتأخير مع العزم، وذلك لا يقتضي زوال الواجب الموسع بالكلية، ~~ولا ينافيه، بل ms0157 الواجب الموسع ثابت، وله نظر إلى المخير من هذا الوجه، ~~وتعلق به. # أو نقول: هو موسع من وجه، مخير من وجه، وإذا ثبت التخيير، انبنى عليه ~~التوسيع. وسنبين إن شاء الله تعالى أن بين الموسع والمخير وفرض الكفاية ~~قدرا مشتركا، تصير جميعها من جهته من باب واحد. # السؤال الثالث: أن وجوب العزم على فعل الطاعات من أحكام الإيمان العامة، ~~لا من خصائص الواجب الموسع. # والجواب: أن هذا لا ينفي اشتراطه وبدليته في الواجب الموسع إما من # PageV01P318 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الجهة العامة، وهي جهة كون الواجب ~~إيمانا، أو من أعمال الإيمان، أو من الجهة الخاصة، وهي كونه شرطا، وبدلا في ~~الموسع، ويكون ثبوته بشيئين: عام وخاص. # PageV01P319 # قالوا: ندب في أول الوقت، لجواز تركه فيه. واجب في ~~آخره لعدم ذلك. # قلنا: الندب يجوز تركه مطلقا، وهذا بشرط العزم على فعله، فليس بندب، بل ~~موسع في أوله مضيق عند بقاء قدر فعله. # قالوا: لو غفل عن العزم ومات، لم يعص. # قلنا: لأن الغافل غير مكلف، حتى لو تنبه له، واستمر على تركه عصى. # «قالوا: ندب في أول الوقت» إلى ~~آخره، هذا دليل آخر لهم. # وتقريره: أن الموسع مندوب في أول الوقت، لأنه يجوز تركه فيه، وكل ما جاز ~~تركه في وقت، فليس بواجب فيه. وإذا ثبت أنه غير واجب في أول الوقت، فهو ~~واجب في آخره، لعدم ذلك، أي: لعدم جواز تركه، وهو المطلوب. # واعلم أن في تقرير الدليل المذكور نظرا لفظيا، وهو أن وجه تقريره على ~~لفظه، أن الموسع ندب في أول الوقت، لأنه يجوز تركه، وما جاز تركه، فهو ندب، ~~لكنه يبطل بالمباح والمكروه والحرام، إذ كلها يجوز تركها، وليست ندبا، ووجه ~~تصحيحه، ما أشرنا إليه في تقريره، وهو أن معنى قولنا: ندب: أنه غير واجب، ~~فتقريره إذا هكذا: # الموسع غير واجب في أول الوقت، لأنه يجوز تركه فيه، وكل ما جاز تركه فهو ~~غير واجب. # «قلنا» : لا نسلم أنه ندب في أوله، ولا أنه غير واجب. قولكم: لأنه يجوز ~~تركه، قلنا: مطلقا أو ms0158 بشرط العزم. الأول ممنوع، والثاني مسلم. ولا يلزم منه ~~أن # PageV01P320 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يكون ندبا، لأن الندب يجوز تركه ~~مطلقا، والموسع إنما يجوز تركه بشرط العزم على فعله، فليس بندب، بل موسع في ~~أوله لجواز تركه، مضيق في آخره عند بقاء قدر فعله. # وذلك لأن الفعل: إما أن يعاقب على تركه مطلقا، وهو المضيق، أو لا يعاقب ~~على تركه مطلقا، وهو الندب، أو يعاقب على تركه في جميع الوقت لا في بعض ~~أجزائه، وهو الواجب الموسع. # سميناه واجبا للحوق العقاب على تركه بالجملة، وسميناه موسعا لحصول ~~التوسعة في وقته عن قدر فعله، وعلى المكلف في جواز تأخيره في بعض أجزاء ~~وقته. # «قالوا: لو غفل عن العزم ومات لم يعص» . أي: ولو كان العزم واجبا لعصى ~~بموته وهو تارك له، لأن تارك الواجب عاص. # قلنا: إنما لم يعص بذلك، لأن الغافل غير مكلف، لما سبق في مسألة النائم ~~والناسي، حتى إن هذا الغافل لو تنبه للعزم واستمر على تركه عصى، لما سبق ~~تقريره في وجوب العزم. وتارك الواجب إنما يكون عاصيا إذا لم يكن معذورا. ~~وهذا معذور بالغفلة، فلا يكون عاصيا. # PageV01P321 # المسألة الثالثة # إذا مات في أثناء الموسع، قبل فعله وضيق وقته، لم يمت عاصيا، لأنه فعل ~~مباحا، وهو التأخير الجائز. لا يقال: إنما جاز بشرط سلامة العاقبة، لأنا ~~نقول: ذلك غيب، فليس إلينا، وإنما الشرط، العزم والتأخير إلى وقت يغلب على ~~ظنه البقاء إليه، فلو أخره مع ظن الموت قبل الفعل، عصى اتفاقا، فلو لم يمت، ~~ثم فعله في وقته، فالجمهور على أنه أداء لوقوعه في وقته. وقال القاضي أبو ~~بكر: هو قضاء؛ لأنه تضيق عليه بمقتضى ظنه الموت قبل فعله، ففعله بعد ذلك ~~خارج عن الوقت المضيق. وقد ألزم وجوب نية القضاء، وهو بعيد، إذ لا قضاء في ~~وقت الأداء، وأنه لو اعتقد قبل الوقت انقضاءه، عصى بالتأخير وله التزامه ~~ومنع وقت الأداء في الأول، وتعصيته في الثاني، لعدوله عما ظنه الحق. والظن ~~مناط التعبد، بدليل عدم جواز تقليد المجتهد مثله. # المسألة ms0159 الثالثة " # " إذا مات " يعني المكلف " في أثناء " وقت الواجب " الموسع قبل فعله، ~~وضيق وقته " مثل أن مات بعد زوال الشمس، وقد بقي من وقت الظهر ما يتسع ~~لفعلها، ولم يصلها " لم يمت عاصيا، لأنه فعل مباحا وهو التأخير الجائز " ~~بحكم توسيع الوقت. # أما لو أخره حتى ضاق الوقت عن فعله، مثل أن مات ولم يبق من الوقت ما يتسع ~~إلا لأقل من أربع ركعات، فإنه يموت عاصيا. # والتحقيق: أن يكون عصيانه مقدرا بقدر ما أخره حتى ضاق الوقت عنه. إن # PageV01P322 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ضاق عن ركعة أو ركعتين أو ثلاث، ~~كان عاصيا بحسب ذلك، ولا يجعل في معصيته كمن فوت الواجب كله. # قوله: " لا يقال " إلى آخره، هذا إيراد اعتراض على ما ذكر، والجواب عنه. # وتقريره: أن يقال: " إنما جاز " التأخير في الموسع " بشرط سلامة العاقبة ~~" وهو أن يبقى إلى آخر الوقت، فيفعل الواجب، أما مع موته قبل ذلك، فمن أين ~~لنا جواز التأخير؟ # وجوابه: " أنا نقول: ذلك " يعني سلامة العاقبة " غيب، فليس " يعني الغيب ~~" إلينا " أي: لم نكلف علمه، ولا بناء الأحكام عليه، إذ لا نعلم هل يبقى ~~إلى آخر الوقت، فيفعل الواجب أو لا؟ ولا يجوز لنا لو سألنا أن نعلق الجواب، ~~فنقول: إن كان في علم الله تعالى أنك تعيش إلى آخر الوقت، جاز لك التأخير، ~~وإلا فلا، لأنه إحالة له على الجهالة، ولا يحصل له البيان، وإنما سأل ليبين ~~له. # قوله: " وإنما الشرط " إلى آخره، أي: ليست سلامة العاقبة بشرط في جواز ~~تأخير الموسع، وإنما الشرط " العزم " فيه كما سبق " والتأخير إلى وقت يغلب ~~على ظنه البقاء إليه " كأواخر أوقات الصلاة بالنسبة إلى فعلها، وإلى شعبان ~~بالنسبة إلى قضاء رمضان في حق شاب، أو شيخ صحيح الجسم، ليس به سبب علة، ~~والسنة # PageV01P323 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والسنتين بالنسبة إلى الحج في حق ~~الشاب، ونحوه. # وبالجملة: يختلف الظن باختلاف الأحوال، وقوى الرجال، فإذا غلب على ظنه ~~البقاء إلى وقت، جاز تأخير الموسع إليه بمقتضى الظن، وهو دليل شرعي، ومستند ~~مرضي. # قوله: " فلو أخره مع ms0160 ظن الموت " إلى آخره، أي: لو أخر الموسع عن أول ~~وقته، مع ظنه أنه يموت قبل أن يفعله، مثل أن ظن أنه يموت بعد الزوال بقدر ~~فعله أربع ركعات، فأخره مع ذلك، ولم يبادر بفعله من أول وقته، عصى بمجرد ~~هذا التأخير باتفاق الأصوليين، لأنه أخر الواجب في وقته مع القدرة على ~~فعله، وظن موته في أول الوقت، وعدم استدراكه بعد ذلك، فصار كمن عنده وديعة، ~~فترك إزالتها من مكان ظن أن النار ستأتي عليها فيه فتحرقها، ومناط الإثم ~~والمعصية ترك إحراز الواجب الموسع، مع ظن فواته. # قوله: " فلو لم يمت " إلى آخره، أي: فلو أخر الواجب الموسع مع ظن فواته ~~بالموت، ثم بان خطأ ظنه فلم يمت، ثم فعل الواجب في الوقت، فالجمهور على أنه ~~أداء لوقوعه في وقته. # PageV01P324 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # " وقال القاضي أبو بكر: هو قضاء، ~~لأنه تضيق عليه بمقتضى ظنه الموت قبل فعله "، أي: لما غلب على ظنه أنه يموت ~~قبل فعله، صار مضيقا في حقه بمقتضى ظنه ذلك، وصار كأن آخر وقته هو أول ~~الوقت الذي ظن أنه يموت فيه، فصار فعله له بعد ذلك خارجا عن الوقت المضيق، ~~أشبه ما لو فعله بعد خروج الوقت الأصلي المقدر له شرعا، وهو عند صيرورة ظل ~~الشيء مثله في الظهر. # ومأخذ الخلاف: أن الملاحظ هاهنا هو تصرف الشرع في تقدير الوقت في الأصل، ~~أو تصرفه في التعبد بالظن، لأنا إن لاحظنا الأول، فالوقت الأصلي باق، ~~وألغينا ظن الموت قبل الفعل لتبين بطلانه، وإن لاحظنا الثاني، فقد عصى ~~بمقتضى ظنه المذكور، واستقر الحكم عليه، وانتقل الحكم من التقدير الشرعي ~~إلى مقتضى التعبد الاجتهادي الظني. # قوله: " وقد ألزم " إلى آخره، أي: وقد ألزم القاضي أبو بكر على ما ذهب ~~إليه " نية القضاء، وهو بعيد " أي: ألزمه الأصوليون، فقالوا له. إذا قلت: ~~إن هذا الفعل قضاء، لزمك أن توجب إيقاعه بنية القضاء، وهو بعيد، لأن وقت ~~الأداء بأصل الشرع باق، ولا قضاء في وقت الأداء، لأن الأداء والقضاء ~~متنافيان، كما سيأتي في # PageV01P325 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بيانهما ms0161 إن شاء الله تعالى. # قوله: " وأنه لو اعتقد قبل الوقت انقضاءه " إلى آخره، أي: وألزم أبو بكر ~~أيضا على ما ذهب إليه، أن المكلف لو اعتقد قبل دخول الوقت انقضاء الوقت، ~~مثل أن ظن قبل زوال الشمس أن وقت الظهر قد انقضى، أن يكون عاصيا بالتأخير ~~الذي غلب على ظنه أنه فعله من أول الوقت إلى آخره، مع أن ذلك لا حقيقة له، ~~إنما هو على شيء غلط فيه وهمه، ووقت العبادة لم يدخل بعد، ولم يخاطب بفعلها ~~في نفس الأمر بعد. حتى لو صلى حينئذ ينوي فريضة الوقت انقلبت نفلا، لعدم ~~مصادفتها وقتها، فالقول بتعصيته مع هذا بعيد جدا. # قوله: " وله التزامه " إلى آخره، أي: لأبي بكر التزام ما ألزمه من ~~الأمرين المذكورين، وهما وجوب نية القضاء فيما يفعله هذا الشخص، وتعصيته ~~فيما إذا اعتقد قبل الوقت انقضاءه. # " ومنع "، أي: وله منع الأداء في الأول، وتعصيته في الثاني ". # أي: له أن يقول في الإلزام الأول: لا أسلم أن وقت الأداء باق، حتى يكون ~~إيجابي نية القضاء فيه عليه بعيدا، بل وقت الأداء خرج بمقتضى ظنه أن هذا # PageV01P326 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الزمن الذي بقي هو آخر حياته، فإذا ~~كذب ظنه، واستمرت حياته، صار كما لو مات، ثم عاش في الوقت، فإنه يفعل ~~الصلاة بتكليف ثان، منقطع عن الأول، فكذلك هاهنا، ينقطع حكم الأداء بظن ~~الموت، ويتضيق الوقت عليه بذلك، وتكون حياته فيما بعد ذلك، كالمستجدة في ~~زمن مستأنف، ونشأة ثانية. # وله أن يقول في الإلزام الثاني: يعصي بالتأخير الذي ظنه إلى آخر الوقت - ~~ولم يكن الوقت قد دخل بعد - لعدوله عما ظنه الحق في الصورتين، وهو أنه ظن ~~في الصورة الأولى أن الواجب لم يبق من وقته إلا قدر فعله، فلما عدل عنه ~~بالتأخير، صار مخالفا، فتجري عليه أحكام من ظن الحق ظنا صحيحا مطابقا، ثم ~~عدل عنه، وكذلك في الصورة الثانية، ظن أنه قد أخر الواجب حتى خرج وقته، ~~فجرى عليه حكم من خالف الظن المطابق، لأن الظن مناط التعبد، أي: متعلق ms0162 ~~التعبد، لأن الشرع علق التعبدات بوجود الظنون، وإن لم تكن مطابقة في نفس ~~الأمر، فقال مثلا: إذا غلب على ظنكم أن هذه جهة القبلة فصلوا إليها، وإن ~~كانت غيرها، ولو وطئ أجنبية يظنها زوجته لم يأثم، ولو وطئ زوجته يظنها ~~أجنبية أثم، وإنما يسقط الحد لمصادفة المحل القابل، كل هذا تعليقا للأحكام ~~بالظن والاعتقاد. # وبالجملة، فقد أريقت الدماء، واستبيحت الفروج، وملكت الأموال شرعا، بناء ~~على ظواهر النصوص، والعمومات والأقيسة وأخبار الآحاد، والبينات المالية. ~~وإنما يفيد ذلك جميعه الظن، وليس الأمران اللازمان لي في هذه المسألة بأشد ~~من ذلك كله، فيثبتان بمقتضى ظن المكلف المذكور، الذي جعل هو وحقيقته مناطا ~~للأحكام شرعا. # PageV01P327 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: " بدليل عدم جواز تقليد ~~المجتهد مثله " هذا تقرير لكون الظن مناط التعبد، أي: يدل على أن الظن مناط ~~التعبد أن المجتهد لا يجوز له تقليد مجتهد مثله، كما ذكر في آخر " المختصر ~~"، ويأتي تقريره إن شاء الله سبحانه وتعالى. وما ذاك إلا لأن ظن المجتهد ~~جعل مناطا لتعبده، فأي شيء غلب على ظنه بدليل شرعي، كان ذلك هو حكم الله في ~~حقه. والذي يغلب على ظن غيره من المجتهدين ليس بحكم الله تعالى في حقه، بل ~~في حق من غلب على ظنه، لجواز تفاوت الاجتهادين بأن يخطئ أحدهما، ويصيب ~~الآخر، فألزم كل منهما مقتضى اجتهاده، لأنه كسبه، فهو أحق به. له غنمه، ~~وعليه غرمه. فكذلك نقول في حق هذا المكلف المذكور: يلزمه مقتضى ظنه، لأنه ~~مناط تكليفه، بدليل شواهد الشريعة، فهو حكم الله تعالى في حقه، دون ما ثبت ~~في حق غيره من المكلفين. # وذكر الآمدي في الرد على القاضي أبي بكر طريقة أخرى، وهي أن جميع الوقت ~~كان وقتا للأداء قبل ظن المكلف تضييقه بالموت، والأصل بقاء ما كان على ما ~~كان، ثم ظن المكلف المذكور إنما أثر في تأثيمه بالتأخير، ولا يلزم من ~~تأثيمه بالتأخير مخالفة الأصل المذكور، وهو بقاء الوقت الأصلي وقتا للأداء ~~في حقه، كما لو أخر الواجب الموسع من غير عزم، فإن وقت ms0163 الأداء الأصلي باق ~~في حقه، وقد وافق القاضي على ذلك. # PageV01P328 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قلت: وهذا قد لاح منه منزع صعب على ~~القاضي. وهو أن الأداء والقضاء ونحوه، من باب خطاب الوضع، والإثم على ~~التأخير من باب خطاب التكليف، وظن المكلف إنما يناسب تأثيره في الأمور ~~التكليفية، فيقلب حقائقها، لأنها أمور تقديرية أو إلزامية، كالإثم والثواب، ~~فجاز أن تتبع الظنون والاعتقادات، أما الأمور الوضعية كأوقات الصلاة ~~والصيام والحج ونحوها، فلا يقوى ظن المكلف على قلب حقائقها. ولا شك أن قول ~~القاضي: إن بمقتضى ظن هذا المكلف صار وقت الأداء الأصلي وقت قضاء في حقه هو ~~قلب لحقيقة أمر وضعي، ولا دليل على ثبوته. أما الصورة التي قاس عليها ~~الآمدي، وهي تأخير الموسع بدون العزم، فللقاضي أن يفرق بينهما، بأن هذا ~~المكلف لما أخر الواجب مع ظن الموت قبل فعله، حصل هنا ظن ناسب أن يترتب ~~عليه حكم شرعي، والظن أمر وجودي. بخلاف ما إذا أخر الواجب تاركا للعزم على ~~فعله، فإنه قد عصى معصية عدمية، وهو مع ذلك يعتقد تحريمها، فلا يقوى على ~~مناسبة تغيير أمر وضعي، بخلاف الظن الوجودي، الذي يعتقد أنه مناط تكليفه، ~~وأمارة أحكام الشرع في حقه، والله أعلم. # تنبيه: نحن إلى الآن في الكلام على الواجب الموسع وفروعه، بحسب تقرير ما ~~في «المختصر» فلنذكر هاهنا فيه أبحاثا من باب التحقيق والتكملة له: البحث ~~الأول: الناس إما منكر للموسع، أو مثبت له، والمنكر إما مخصص للوجوب بأول ~~الوقت، أو بآخره، أو متوسط بين القولين. # PageV01P329 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أما القول الأول، فهو منسوب إلى ~~الشافعية، منقول من كتب الأصول على ما حكاه القرافي. # قلت: وهو موافق لقولهم في المغرب: ينقضي وقتها بمضي قدر وضوء، وستر عورة، ~~وأذان، وإقامة، وخمس ركعات، لكنهم اليوم قائلون بالموسع، منكرون لخلافه، ~~ومدرك قولهم في المغرب سمعي، مع أن القديم للشافعي أن لها وقتين كغيرها، ~~ورجحه النووي في «المنهاج» . # ووجه هذا المذهب على تقدير القول به: أن الوقت سبب الوجوب، وبدخول أول ~~جزء منه يتحقق دخوله بتحقق السبب، والأصل ترتب المسببات ms0164 على أسبابها، ~~فيتعلق الوجوب بما تحققت به سببيته، وهو أول الوقت، وحينئذ يكون الواقع بعد ~~ذلك قضاء، سد مسد الأداء. # وضعف هذا المذهب بأنه يلزم منه الإذن في تفويت الأداء لفعل القضاء، لغير ~~عذر، لأن الأمة أجمعت على جواز تأخير الصلوات عن أول الوقت، وهذا غير معهود ~~في الشريعة، بخلاف تفويت الأداء لفعل القضاء لعذر، كما في حق المسافر ~~والحائض في الصلاة والصيام، فإن ذلك معهود. # والقول الثاني: وهو تخصيص الوجوب بآخر الوقت، وهو قول الحنفية، كما سبق ~~ذكره والكلام عليه، قالوا: لأن الشيء يدور مع خاصته وجودا وعدما، يثبت ~~لثبوتها، وينتفي لانتفائها. وخاصة الوجوب الإثم على الترك، وهي منتفية في ~~أول الوقت # PageV01P330 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ووسطه، ثابتة في آخره، فدل على أنه ~~وقت الوجوب لا غير. # ويرد على هذا، أن إيقاع الفعل قبل آخر الوقت لا يكون واجبا، وإجزاء غير ~~الواجب عن الواجب خلاف الأصل والقواعد، والرخصة لم يقم دليلها في الصلاة، ~~بخلافها في الزكاة. # والمتوسط بين القولين، منه قولان للكرخي المتقدم حكايتهما في الكلام على ~~عبارة «المختصر» : # أحدهما: إن بقي الفاعل إلى آخر الوقت بصفة التكليف، كان ما فعله أول ~~الوقت واجبا، فما أجزأ عن الواجب إلا واجب، وإلا كان نفلا. # ويرد عليه أن الفعل يكون موقوفا من أول الوقت إلى آخره، لا يوصف بأنه نفل ~~ولا فرض، وهو خلاف القواعد. # القول الثاني له: أن زمن الوجوب يتعين بالشروع والإيقاع، بمعنى أن زمن ~~الوجوب هو زمن الإيقاع، أي وقت كان لا يتعداه، حذرا من الإشكالات السابقة. # ويرد عليه أن تحقق الوجوب لابد أن يتقدم الفعل، وعلى هذا القول، يكون ~~الوجوب تابعا للفعل، وهو غير معهود. # ثم قول خامس لمنكري الموسع، ذكره القرافي ولم أحققه أنا، وكأنه مكرر أو ~~متداخل مع ما سبق، فلم أذكره. # PageV01P331 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وأما المثبت للموسع، وهم جمهور ~~الأصوليين، ومالك والشافعي وأحمد، وصفته ما سبق في الكلام على «المختصر» . # وتحقيق ذلك - وهو البحث الثاني هاهنا - أن الخطاب في الموسع والمخير وفرض ~~الكفاية جميعا متعلق بالقدر المشترك، فيجب تحصيله، ويحرم تعطيله. ms0165 # فالمشترك في الموسع وهو مفهوم الزمان ومطلقه من الوقت المقرر المحدود ~~شرعا، بمعنى أن الواجب إيقاعه فيما يصدق عليه اسم زمن من أزمنة الوقت ~~الشرعي. أعني ما بين زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله في الظهر مثلا، ~~فمتى أوقع الصلاة في هذا الزمن المطلق كان آتيا بالمشترك، فيخرج عن عهدة ~~الواجب أداء، وإن أخره حتى خرج الوقت الشرعي، كان معطلا للمشترك عن العبادة ~~الواجبة فيه، فيحرم عليه التأخير، ويلزمه استدراكه قضاء. # والمشترك في المخير هو مفهوم أحد الخصال، فهو متعلق الوجوب وأما متعلق ~~التخيير، فهو خصوصيات الخصال، من إطعام أو كسوة أو عتق، فالواجب عليه أن ~~يأتي بإحدى الخصال ولا بد، وهو المشترك بين جميعها، لأن كل واحدة منها يصدق ~~عليها أنها إحدى الخصال، ولا يجوز له ترك الجميع، لئلا يتعطل المشترك، لأن ~~الجميع أعم من المشترك، وتارك الأعم تارك للأخص ومعطل له، وله # PageV01P332 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الخيار بين خصوصيات الخصال، إن شاء ~~أطعم، أو كسا، أو عتق، فالواجب - وهو المشترك - لا تخيير فيه، إذ لا قائل ~~بأنه إن شاء فعل إحدى الخصال، وإن شاء ترك، والمخير فيه - وهو خصوصيات ~~الخصال - لا وجوب فيه، إذ لا قائل بأن الواجب عليه جميع الخصال على الجمع. # والمشترك في فرض الكفاية هو مفهوم أي طوائف المكلفين، كإحدى الخصال في ~~الواجب المخير، غير أن الخطاب تعلق بالجميع في أول الأمر، لتعذر خطاب بعض ~~مجهول أو معين، مع تساوي الجميع فيه، فيكون ترجيحا من غير مرجح، ولا جرم ~~أنه سقط الوجوب عن الجميع بفعل إحدى الطوائف، لحصول المشترك الوافي ~~بالمقصود، وأثم الجميع بترك جميع الطوائف له، لتعطل المشترك، فهذا هو ~~التحقيق في الأبواب الثلاثة. # البحث الثالث في الفرق بين الأبواب الثلاثة: وهو أن المشترك في فرض ~~الكفاية هو الواجب عليه، وهو المكلف، وفي المخير هو الواجب نفسه، وهو إحدى ~~الخصال، وفي الموسع هو الواجب فيه، وهو الزمان. # وبهذا يندفع عنا سؤال قد يستصعب، وهو أن يقال: لم لم تقولوا: إن الواجب ~~في المخير جميع الخصال، ms0166 ويسقط بفعل بعضها، كما قلتم: إن الوجوب في فرض ~~الكفاية على الجميع، ويسقط بفعل البعض؟ فيقال: لأن إيجاب أحد # PageV01P333 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # هذين، أو هذه الأشياء على زيد ~~معقول، ويجعل الخيار في التعيين إليه، فلا يلزم منه تعطيل الواجب. بخلاف ~~إيجاب شيء ما على أحد هذين، أو هؤلاء الأشخاص، لأنه يفضي إلى أن يتواكلوا، ~~ويحيل بعضهم على بعض، ولا مرجح فيه، فيتعطل الواجب بالكلية، إلا أن يعود ~~الموجب، فيعين للفعل أحدهم، فيكون إيجابا مبتدأ معينا، لكن فيه تطويل لطريق ~~تحصيل مصلحة الواجب، وتماد في إيقاعها، فكان ما سلكناه في فرض الكفاية ~~أقرب، وهو أن يخاطب الجميع بالواجب، فإذا علموا ذلك توفرت دواعيهم، أو ~~داعية طائفة منهم على الخروج عن العهدة، فيخرج الجميع بذلك، ولا يسعهم ~~التواكل. # PageV01P334 # المسألة الرابعة # ما لا يتم الواجب إلا به، إما غير مقدور للمكلف، كالقدرة واليد في ~~الكتابة، وحضور الإمام والعدد في الجمعة، فليس بواجب، إلا على تكليف ~~المحال. أو مقدور، فإن كان شرطا، كالطهارة للصلاة، والسعي إلى الجمعة، فهو ~~واجب إن لم يصرح بعدم إيجابه، وإلا لم يكن شرطا. # «المسألة الرابعة» # من مسائل الواجب: فيما لا يتم الواجب إلا به، وقبل الشروع في الكلام على ~~مسألة «المختصر» ، نذكر تحقيقا، وهو أن ما يتوقف عليه وجوب الواجب، فلا يجب ~~إجماعا، سواء كان سببا، أو شرطا، أو انتفاء مانع. # فالسبب، كالنصاب، يتوقف عليه وجوب الزكاة، فلا يجب تحصيله على المكلف، ~~لتجب عليه الزكاة. # والشرط، كالإقامة، هي شرط لوجوب أداء الصوم، فلا يجب تحصيلها إذا عرض ~~مقتضى السفر، ليجب عليه فعل الصوم. # والمانع، كالدين، لا يجب نفيه لتجب الزكاة. # وأما ما يتوقف عليه إيقاع الواجب، فالنزاع في هذه المسألة فيه. # قوله: «ما لا يتم الواجب إلا به إما غير مقدور للمكلف» إلى آخره، معناه: ~~أن ما لا يتم الواجب إلا به ضربان: # أحدهما: غير مقدور للمكلف، أي: ليس في قدرته ووسعه وطاقته تحصيله، ولا هو ~~إليه، كالقدرة واليد في الكتابة، فإنهما شرط فيها، وهما مخلوقان لله تعالى # PageV01P335 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والمكلف، لا قدرة له ms0167 على إيجادهما. ~~وحضور الإمام والعدد المشترط للجمعة في الجمعة، فإنهما شرط لها، وليس إلى ~~آحاد المكلفين بالجمعة إحضار الخطيب ليصلي الجمعة، ولا إحضار آحاد الناس ~~ليتم بهم العدد، فهذا الضرب غير واجب إلا على القول بتكليف المحال، لأنه ~~فرد من أفراده، لأن من قيل له: أوجبنا عليك أن تعمل لنفسك قدرة ويدا، ثم ~~تكتب، فقد كلف محالا بالنسبة إليه، وهذا الضرب هو من قبيل الشروط التي لا ~~يجب تحصيلها كما سبق، لأن اليد والقدرة شرطان لصحة الكتابة عقلا، وحضور ~~الإمام والعدد شرط لصحة الجمعة شرعا. # الضرب الثاني: ما هو مقدور للمكلف، ثم هو إما أن يكون شرطا لوقوع الفعل، ~~أو غير شرط، فإن كان شرطا كالطهارة وسائر الشروط للصلاة، وكالسعي إلى ~~الجمعة، فإن صرح بعدم إيجابه، كقوله: صل، ولا أوجب عليك الوضوء، لم يجب ~~عملا بموجب التصريح، وإن صرح بإيجابه، وجب لذلك، وإن لم يصرح بإيجاب ولا ~~عدمه، بل أطلق، وجب أيضا عندنا، وهو قول الأشعرية والمعتزلة. # وقال بعض الناس: لا يجب، وإلى التقسيم المذكور أشرت. فهو واجب إن لم يصرح ~~بعدم إيجابه، فدخل في ذلك القسمان الأخيران، وهو ما إذا صرح بالإيجاب أو ~~أطلق. # قوله: «وإلا لم يكن شرطا» هو دليل الوجوب. # وتقريره: أن الشرط الذي يتوقف عليه وقوع الواجب لو لم يجب، لم يكن شرطا ~~للواجب، لكنه شرط له، فيكون واجبا. # أما الملازمة، فلأن الوجوب من لوازم الشرط، لأن كل شرط في شيء فهو واجب ~~له. وأما بيان أن هذا المتنازع فيه شرط، فلأن الفرض أنه شرط، وإذا كان ~~شرطا، كان واجبا، لما بينا من أن الواجب لازم للشرط، ووجود الملزوم - الذي ~~هو الشرط # PageV01P336 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # هنا - يوجب وجود اللازم - الذي هو ~~الواجب -، وإلا لم يكن هذا المتنازع فيه شرطا، والفرض أنه شرط. هذا خلف. # وتلخيص الدليل: لو لم يكن شرط الفعل واجبا، لما كان شرطا، وقد فرضناه ~~شرطا، هذا تناقض. # PageV01P337 # فإن قيل: الخطاب استدعاء المشروط، فأين دليل وجوب ~~الشرط؟ قلنا: الشرط لازم للمشروط، والأمر باللازم من لوازم الأمر بالملزوم، ms0168 ~~وإلا كان تكليفا بالمحال، والأصل عدمه. وإن لم يكن شرطا، لم يجب، خلافا ~~للأكثرين. # قالوا: لابد منه فيه. # قلنا: لا يدل على الوجوب، وإلا لوجبت نيته، ولزم تعقل الموجب له، وعصي ~~بتركه بتقدير إمكان انفكاكه. # قوله: «فإن قيل» إلى آخره، هذا ~~اعتراض على القول بإيجاب الشرط. # وتقريره: أن الخطاب إنما استدعى المشروط - وهو الصلاة مثلا - في قوله: ~~صل، ولم يصرح بإيجاب الشرط، وهو الوضوء، والسترة، والاستقبال، وغيرها، ومع ~~عدم التصريح بإيجابه لا دليل على وجوبه، فأين دليله؟ # قوله: «قلنا: الشرط لازم للمشروط» إلى آخره، هذا جواب الاعتراض المذكور. # وتقريره: أن الشرط لازم للمشروط، أي: لا ينفك عنه، كما لا ينفك الجدار عن ~~السقف، حيث كان لازما له، «والأمر من لوازم الأمر بالملزوم» أي: يلزم من ~~الأمر بالملزوم - وهو الصلاة هاهنا - الأمر باللازم، وهو الوضوء، كما يلزم ~~من الأمر ببناء السقف الأمر ببناء الحائط عقلا «وإلا» أي: وإن لم يكن الأمر ~~باللازم من لوازم الأمر بالملزوم، لكان تكليفا بالمحال، إذ يصير التقدير: ~~صل صلاة شرعية، من # PageV01P338 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # شرط صحتها الوضوء، ولست مأمورا به، ~~أو بغير وضوء. ووجود صلاة شرعية بدون وضوء محال، كما أن وجود سقف لا جدار ~~تحته يلزمه محال. # قوله: «والأصل عدمه» ، أي: عدم التكليف بالمحال، لا أنا نمنع جوازه، إذ ~~قد قررناه فيما سبق، فلا يسعنا هاهنا منعه، بل هو جائز، لكن الأصل عدمه. ~~ولأن التكاليف الشرعية الفرعية لم يقع فيها شيء من المحال، فجعل هذا الحكم ~~منها أولى من إخراجه عنها. وقد سبق أن تكليف المحال لم يقع إلا في خلق ~~الأفعال. # وتلخيص هذا الجواب: أنه بالمنع، لقولهم: مع عدم التصريح بإيجاب الشرط لا ~~دليل على وجوبه. # ومعناه: لا نسلم انحصار طريق الإيجاب في التصريح، بل قد يكون الإيجاب ~~تصريحا ومطابقة، وقد يكون إيماء والتزاما، وهو ما ذكرناه من أن الشرط لازم ~~للمشروط، والأمر بالملزوم أمر باللازم. # قوله: «وإن لم يكن شرطا» إلى آخره، أي: وإن لم يكن ما لا يتم الواجب إلا ~~به شرطا، كمسح جزء من ms0169 الرأس في غسل الوجه في الوضوء، وإمساك جزء من الليل ~~مع النهار في الصوم، فإن الأول ليس شرطا في الوضوء، والثاني ليس شرطا في ~~الصوم، بخلاف النية فيهما، والوضوء في الصلاة، فهذا لا يجب، خلافا ~~للأكثرين، حيث قالوا بوجوبه. # قوله: «قالوا: لابد منه فيه» . هذا دليل الأكثرين على وجوبه. # PageV01P339 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وتقريره: أن ما لا يتم الواجب إلا ~~به لابد منه في الواجب، وما لابد منه في الواجب يكون واجبا. # أما الأولى: فباتفاق. إذ لابد في الوضوء من غسل جزء من الرأس. # وأما الثانية: فلأن الواجب هو اللازم، وما لابد منه لازم، فما لابد منه ~~واجب، فما لا يتم الواجب إلا به واجب. # قوله: «قلنا: لا يدل على الوجوب» أي: كون ما لا يتم الواجب إلا به لابد ~~منه في الواجب لا يدل على الوجوب، فلا يكون واجبا. أما أنه لا يدل على ~~الوجوب، فلأن معنى قولنا: لابد من الشيء أن فعله لازم، لكن اللزوم تارة ~~شرعي، وتارة عقلي، والشرعي منتف، لانتفاء الخطاب المقتضي، إذ الكلام فيما ~~إذا كان الأمر بالواجب مطلقا، لمن يتعرض لما لم يتم إلا به نفيا ولا ~~إثباتا. والعقلي أيضا. منتف، لأن الكلام فيما توقف عليه الواجب وليس بشرط، ~~وفي هذا نظر، ولو سلم أن اللزوم العقلي موجود، لكن ليس الكلام فيه، إذ ~~موضوع النظر في هذه المسألة هو اللزوم الشرعي. أعني ما لا يتم الواجب ~~الشرعي شرعا إلا به، وليس شرطا فيه. # والتقدير: أن الخطاب الشرعي منتف فينتفي الوجوب. # قلت: وبعد هذا كله يلزم نافي الوجوب هنا ما لزم نافيه في القسم الذي ~~قبله، وهو أن ما لابد منه في الواجب هو من لوازمه، والأمر بالملزوم أمر ~~باللازم. وقد سبق تقريره، ومدار حجة المثبتين هاهنا عليه. # PageV01P340 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «وإلا لوجبت نيته إلى آخره» ~~هذه إلزامات ثلاثة، تلزم من قال بالوجوب هنا. وتقريرها: # أما الإلزام الأول، فيقال: لو كان ما لا يتم الواجب إلا به - وهو غير شرط ~~- واجبا، لوجبت نيته، أي: النية لفعله، كالنية لغسل جزء من الرأس، ms0170 وإمساك ~~جزء من الليل، لكن لا تجب نيته باتفاق، فلا يكون واجبا. أما الملازمة، فلأن ~~كل واجب تجب له النية، لأن كل واجب عبادة، وكل عبادة تجب لها النية، فكل ~~واجب تجب له النية. وأما أنه إذا لم تجب نيته لا يكون واجبا، فلأن النية من ~~لوازم الواجب، وإذا انتفى اللازم انتفى ملزومه. # فإن قيل: لا نسلم أن النية من لوازم الواجب، إذ بعض الواجبات لا تجب فيها ~~النية، كما سيأتي إن شاء الله تعالى عند الفراغ من مسائل الواجب، وحينئذ لا ~~يلزم من وجوب ما لا يتم الواجب إلا به وجوب نيته. # قلنا: النية إنما تسقط في بعض الواجبات بالنسبة إلى الخروج عن عهدة حقوق ~~الآدميين، أما بالنسبة إلى كونه عبادة يترتب عليه الثواب والعقاب فعلا ~~وتركا، فلا، ونحن من هذه الجهة نعتبره، ونشترط فيه النية. # وأما الإلزام الثاني، فيقال: لو كان هذا الذي لا يتم الواجب إلا به ~~واجبا، لزم تعقل الموجب له، أي: لزم أن يتعقل المكلف من أوجبه عليه، لكن لا ~~يجب تعقل الموجب له، فلا يكون واجبا. # واعلم أن هذه الملازمة صحيحة، إذ لابد في الواجب من موجب له، يلزم من ~~تعقل الواجب تعقله، كما يلزم من تعقل الفعل تعقل فاعله، ومن تعقل الأثر ~~تعقل # PageV01P341 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مؤثره، لكن انتفاء اللازم - وهو ~~أنه لا يلزم تعقل الموجب لما لا يتم الواجب إلا به - ممنوع، فإن للخصم أن ~~يقول: لما دل الدليل الالتزامي على وجوب غسل جزء من الرأس مع الوجه تحقيقا ~~لغسل الوجه، كان الموجب لغسل جزء من الرأس هو الموجب لغسل الوجه، فالموجب ~~المتعقل في غسل الوجه هو بعينه متعقل في غسل جزء من الرأس. # وأما الإلزام الثالث، فيقال: لو كان ما لا يتم الواجب إلا به واجبا، لكان ~~بتقدير انفكاكه عن الواجب يعصي المكلف بتركه، لكنه لا يعصي بتركه، لأنه لو ~~قدر إمكان استيعاب غسل الوجه بدون غسل شيء من الرأس واستيعاب اليوم بدون ~~إمساك جزء من الليل، لما عصى بترك الجزء منهما، وإذا لم ms0171 يعص بتركه لا يكون ~~واجبا، لأن العصيان بالترك من خواص الواجب، وإذا انتفت خاصة الشيء انتفى ~~ذلك الشيء. # والاعتراض على هذا الإلزام أن يقال: الانفكاك الذي قدرتموه محال في ~~العادة، لأن الفصل بين حد الرأس والوجه، والليل والنهار تحقيقا، بحيث يمكن ~~استيعاب كل واحد منها بحكمه دون جزء من مجاوره مما لا قوة للبشر على ~~تحقيقه، وإذا كان محالا في العادة جاز أن يلزمه محال عادي، وهو عدم التعصية ~~بتركه، فيكون عدم تعصيته بتركه محالا لازما لمحال، والمحال يلزمه المحال. # أو يقال: الواجب شرعا على وزان الواجب عقلا، وكما أن الواجب عقلا تارة ~~يكون وجوبه لذاته، وتارة لغيره. فكذلك الواجب شرعا، تارة يجب قصدا بالنظر ~~إلى # PageV01P342 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # نفسه، وتارة يجب تبعا بالنظر إلى ~~غيره، وما لا يتم الواجب إلا به من هذا القبيل، فإن غسل جزء من الرأس ونحوه ~~ليس واجبا بالقصد، بل تبعا لغسل الوجه، ما لم يتحقق غسله إلا به، فإذا أمكن ~~استيعاب غسل الوجه بدونه انتفت الجهة التي من أجلها وجب، وعاد إلى جهته ~~الأصلية وهي عدم الوجوب، وحينئذ يكون عدم وجوبه بتقدير الانفكاك محل وفاق، ~~خارجا عن محل النزاع، لأنه حينئذ غير واجب، وإنما الكلام فيما لا يتم ~~الواجب إلا به مادام كذلك. # واعلم أن ما لا يتم الواجب إلا به قد يتعارض من جهتين، فيرجح أهمهما، أو ~~يتوقف إن استويا، وذلك كالمحرمة يجب عليها كشف وجهها، وستر رأسها، ولابد في ~~استيعاب كشف الوجه من كشف جزء من الرأس، ولابد في استيعاب تغطية الرأس، من ~~تغطية جزء من الوجه، فيحتمل أن تغطي جزءا من وجهها تبعا لرأسها، محافظة على ~~ستر العورة، إذ أمرها في الإحرام مبني على التخفيف لذلك، ويحتمل أن تكشف ~~جزءا من رأسها تبعا لوجهها، محافظة على وظيفة الإحرام لأنه العبادة الحاضرة ~~النادرة. # تنبيه: قال الشيخ أبو محمد: قولنا: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ~~أولى من قولنا: يجب التوصل إلى الواجب بما ليس بواجب، إذ قولنا: يجب ما ليس # PageV01P343 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بواجب متناقض. # قلت: ms0172 ولا تناقض فيه، وإنما تابع فيه أبا حامد رضي الله عنهما. # وبيان عدم التناقض فيه: هو أن موضوع إثبات الوجوب ونفيه في العبارة ليس ~~متحدا، بل متعددا، وإنما يلزم التناقض لو كان متحدا، كقولنا: يجب ما ليس ~~بواجب، أو يجب التوصل وليس بواجب، وبيان تعدد موضوع الإثبات والنفي قولنا: ~~يجب موضوعه، أي: التوصل، فهو مسند إليه على أنه فاعل له. # وقولنا بما ليس بواجب موضوعه الذي سلب عنه هو «ما» التي بمعنى الذي. # وتقديره بالمثال: يجب التوصل إلى غسل الوجه الواجب بغسل جزء من الرأس، ~~فما صار قوله يجب التوصل بما ليس بواجب، كقوله: يجب ما ليس بواجب حتى يكون ~~متناقضا، ولو سلم أن العبارتين سواء، لكن قولنا: يجب ما ليس بواجب في هذا ~~الباب ليس متناقضا، لأن شرط التناقض اتحاد الجهة، وهي هاهنا غير متحدة، لأن ~~المراد به: يجب من حيث توقف الواجب عليه، وليس بواجب بالنظر إلى نفسه كما ~~شرحناه. # وثبت بهذا، أن قولنا: ما لا يتم الواجب إلا به واجب، وقولنا: التوصل إلى ~~الواجب بما ليس بواجب، سواء، لا فرق بينهما في مقصود هذا الباب. وإنما في ~~هذه العبارة تناقض لفظي، لكونها اشتملت على إثبات لفظ الوجوب ونفيه، مع ~~اختلاف محله، فظناه تناقضا معنويا، أو لعلهما كرها التناقض اللفظي فعدلا ~~عنه إلى غيره، والله تعالى أعلم. # PageV01P344 # فرعان # أحدهما: إذا اشتبهت أخته أو زوجته بأجنبية، أو ميتة بمذكاة، حرمتا، ~~إحداهما بالأصالة، والأخرى بعارض الاشتباه. وقيل: تباح المذكاة والأجنبية، ~~لكن يجب الكف عنهما، وهو تناقض، إذ لا معنى لتحريمهما إلا وجوب الكف. ولعل ~~هذا القائل، يعني أن تحريمهما عرضي، وتحريم الأخريين أصلي، فالخلاف إذن ~~لفظي. # قوله: «فرعان» # يعني لمسألة ما لا يتم الواجب إلا به، وهو في الحقيقة وسيلة إلى الواجب ~~المقصود. # ثم الوسيلة، إما أن يتوقف عليها وجود المقصود، أو وجود معنى في المقصود، ~~أو متعلق بالمقصود. # والتوقف في الأول، إما شرعي، كتوقف وجود الصلاة على الطهارة، أو عرفي، ~~كتوقف وجود صعود السطح على نصب السلم، أو عقلي، ms0173 كتوقف استقبال القبلة أو ~~غيرهما على ترك الاستدبار. # والثاني: كإيجاب خمس صلوات لتعيين صلاة منسية في نفسها، أو للقطع بفعلها، ~~وكالتوقف عند اشتباه النجس بالطاهر، والميتة بالمذكاة، والمنكوحة بالأخت، ~~وكغسل جزء من الرأس مع الوجه، وإمساك جزء من الليل مع النهار في الصوم ~~تحصيلا للاستيعاب. وهذا الكلام كالمقدمة على هذا الفرع، لأنه كلي بالنسبة ~~إليه تكميلا لفائدته. # قوله: «إذا اشتبهت أخته أو زوجته بأجنبية، أو ميتة بمذكاة حرمتا» يعني ~~الأخت فيما إذا اشتبهت بأجنبية، لا يجوز أن يعقد عليهما، والزوجة إذا ~~اشتبهت # PageV01P345 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بأجنبية، لا يجوز أن يطأهما، ~~والمذكاة إذا اشتبهت بالميتة لا يجوز أن يأكلهما، «إحداهما بالأصالة» وهي ~~الأخت والأجنبية والميتة، «والأخرى بعارض الاشتباه» وهي الزوجة والمذكاة، ~~لأن المحرم بالأصالة يجب اجتنابه، ولا يتم اجتنابه إلا باجتناب ما اشتبه ~~به، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب، فاجتناب ما اشتبه بالمحرم ~~بالأصالة واجب. # «وقيل: تباح المذكاة والأجنبية، لكن يجب الكف عنهما. وهو تناقض، إذ لا ~~معنى لتحريمهما إلا وجوب الكف» عنهما، فقوله: يباحان ويجب الكف عنهما، ~~كقوله: يباحان ويحرمان. # قال الشيخ أبو محمد وأبو حامد: وإنما توهم هذا من ظن أن الحل والحرمة وصف ~~ذاتي لهما، قائم بذاتيهما، كالسواد والبياض بالأسود والأبيض، وليس كذلك، بل ~~الحل والحرمة متعلقان بالفعل، وهما: الإذن في الفعل، ووجوب الكف، وحينئذ ~~يتحقق التناقض. # قوله: «ولعل هذا القائل» إلى آخره، هذا محاولة للجمع بين القولين. # وتقريره: أن قول هذا القائل: يباحان، ويجب الكف عنهما، يريد أن تحريمهما ~~- يعني تحريم الأجنبية والمذكاة - عرضي، أي: بعارض الاشتباه كما سبق، وهما ~~في نفس الأمر مباحان، وتحريم الأخريين، وهما الأخت والميتة، أصلي، أي: ~~بالأصالة في نفس الأمر، بدليل الشرع الأصلي الابتدائي، «فالخلاف # PageV01P346 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # إذا» أي: على هذا التقرير «لفظي» ~~أي: في اللفظ، لأن هذا القول صار كالأول، سواء في أن إحداهما حرمت ~~بالأصالة، والأخرى بعارض الاشتباه. # تنبيه: إذا قررنا شيئا، ثم قلنا: فالحكم إذا كذا، معناه، الحكم إذ ذاك، ~~أو إذ الحال على ما وصف كذا، فإذا هاهنا مركبة من ms0174 إذ التي هي ظرف زمن ماض، ~~ومن جملة بعدها تحقيقا أو تقديرا لكن حذفت الجملة تخفيفا، وأبدل منها ~~التنوين، كما في قولهم: حينئذ وساعتئذ وليلتئذ، والمعنى: حين إذ كان ذلك. ~~وقال الشاعر: # نهيتك عن طلابك أم عمرو ... بعافية وأنت إذ صحيح # أي: وأنت إذ نهيتك صحيح، وليست «إذا» هذه هي الناصبة للفعل المضارع، لأن ~~تلك تختص به، ولذلك عملت فيه، ولا يعمل إلا ما يختص، وهذه لا تختص به بل ~~تدخل على الماضي كقوله تعالى: {وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما} [النساء: ~~67] ، {إذا لأمسكتم خشية الإنفاق} [الإسراء: 100] ، {إذا لأذقناك ضعف ~~الحياة} [الإسراء: 75] ، وعلى الاسم كقولك: إذا كنت ظالما فإذا حكمك في ~~ماض. على أني لولا قول النحاة: أنه لا يعمل إلا ما اختص، وإذا عاملة في ~~الفعل المستقبل النصب، فهي مختصة به، لقلت: إن «إذا» في الموضعين واحدة، ~~وإن معناه تقييد ما بعدها بزمن أو حال، لأن معنى قولهم: أنا إذن أكرمك، ~~وأنا إذن أزورك، فيقول السامع: إذن أكرمك، هو معنى قوله: أنا أكرمك زمن، أو ~~حال، أو عند زيارتك لي. # PageV01P347 # الثاني: الزيادة على الواجب، إن تميزت، كصلاة التطوع ~~بالنسبة إلى المكتوبات، فندب اتفاقا، وإن لم تتميز، كالزيادة في الطمأنينة، ~~والركوع، والسجود، ومدة القيام، والقعود على أقل الواجب، فهو واجب عند ~~القاضي، ندب عند أبي الخطاب، وهو الصواب، وإلا لما جاز تركه. والندب لا ~~يلزم بالشروع. # قوله: «الثاني» يعني: الفرع الثاني ~~من الفرعين على ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب. ووجه فرعيته: أن غير ~~الواجب فيه لاحق له من آخره، وفيما لا يتم الواجب إلا به هو لاحق له من ~~أوله، وكلاهما فيه اختلاف كما رأيت، وسترى إن شاء الله تعالى. # «الزيادة على الواجب» ، إما أن تكون متميزة عنه أو لا. «فإن تميزت» عنه ~~«كصلاة التطوع بالنسبة إلى المكتوبات» فهي - يعني الزيادة المتميزة - «ندب ~~اتفاقا» ، إذ لا نص في وجوبها ولا إجماع، ولا جامع بينها وبين الواجب حتى ~~تقاس عليه، ولا اشتدت ملابستها للواجب حتى تلحق به، ولا ms0175 مدرك لثبوت الأحكام ~~شرعا إلا هذه الأدلة: النص والإجماع والقياس، والاستدلال. # «وإن لم تتميز» الزيادة على الواجب، أي: لا تنفصل حقيقتها من حقيقته حسا، ~~«كالزيادة في الطمأنينة والركوع والسجود ومدة القيام والقعود على أقل ~~الواجب» ، وهو ما يطلق عليه اسم هذه الأفعال، فهي - يعني الزيادة التي هذا ~~شأنها - # PageV01P348 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # «واجب عند القاضي» أبي يعلى، «ندب ~~عند أبي الخطاب وهو الصواب» . # قوله: «وإلا لما جاز تركه» ، أي: لو لم تكن هذه الزيادة ندبا «لما جاز ~~تركه» أي: ترك الندب، أو الفعل الذي تحققت به الزيادة، لكن قد جاز تركه، ~~فلا يكون واجبا. # بيان الملازمة أن عدم جواز الترك من لوازم الواجب وخواصه. فلو كانت هذه ~~الزيادة واجبا لثبتت له هذه الخاصة، وهي عدم جواز الترك، لكنها ما ثبتت، ~~بدليل جواز الاقتصار على القدر المجزئ دونها، وتركها بعد التلبس بها، مثل: ~~أن زاد في الركوع على الانحناء بحيث يمكنه مس ركبتيه بيديه، وهو القدر ~~المجزئ فيه، ثم عاد إليه، وإذا جاز تركه لا يكون واجبا، لأن جواز الترك ~~والوجوب متنافيان، فيكون مندوبا. # قوله: «والندب لا يلزم بالشروع» هذا استيفاء للدليل وجواب عن سؤال مقدر، ~~وهو أن هذه الزيادة يجوز تركها، بمعنى الاقتصار على المجزئ دونها، وتركها ~~ابتداء، فلم قلت: إنه إذا أتى بها على القدر المجزئ، وتلبس بها لا تجب، ولا ~~يلزم من جواز الاقتصار دونها عدم وجوبها إذا تلبس بها؟ فكان الجواب ما ~~ذكرته، وهو أنه لو وجبت بالتلبس بها، لكان ذلك من باب لزوم النقل بالشروع ~~فيه، والندب عندنا لا يلزم بالشروع، والقاضي يوافق على ذلك. # حجة القاضي على الوجوب: أن نسبة الواجب والزيادة عليه إلى الأمر واحدة، # PageV01P349 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والأمر في نفسه أمر واحد، وهو أمر ~~إيجاب، وأحدهما غير متميز من الآخر، فانتظمهما انتظاما واحدا، والكل ~~امتثال. # والجواب: أن أكثر هذه المقدمات ممنوعة، إذ لا نسلم أن نسبتها إلى الأمر ~~واحدة، بل الواجب نسبته إليه بالوجوب، والزيادة بالندبية. ولا نسلم أن ~~الأمر في نفسه واحد، وإنما هو واحد في لفظه، أما في ms0176 حقيقته فهو في تقدير ~~أمرين: أحدهما جازم بالنسبة إلى الواجب، والثاني غير جازم بالنسبة إلى ~~الزيادة. ولا نسلم أنه انتظمهما انتظاما واحدا، بل بالوجوب والندبية كما ~~قررنا. # واعلم أن لهذا الأصل مأخذا آخر، وهو أن الأمر المعلق على الاسم: هل يقتضي ~~الاقتصار على أول ذلك الاسم والباقي ساقط، أو يقتضي استيعاب ذلك الاسم؟ # فيه خلاف بين الأصوليين، وأكثر من يلهج به المالكية، والأول اختيار ~~القاضي عبد الوهاب منهم، وإن لم يكن هذا مأخذا لهذا الفرع، وإلا فهو يشبهه. # تنبيه: لو مسح جميع الرأس، فعند من لا يرى وجوب استيعابه، هل يقع مسح ~~جميعه واجبا، أو الزائد على المجزئ منه نفل؟ على الخلاف. أما تطويل التحجيل ~~في اليدين والرجلين، فهو ندب بلا خلاف، لتميزه بتمييز أجزاء محله، وهو ~~العضو المغسول، وقد نقل مثل هذا في مسح الرأس، ولا يتحقق الفرق بينهما، وقد ~~يجاب بأن معتمد الفرق غسل اليد محدود، يعني بخلاف مسح # PageV01P350 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الرأس. # تنبيه: قال القرافي: ليس كل واجب يثاب على فعله، ولا كل محرم يثاب على ~~تركه. # أما الأول: فكنفقات الزوجات والأقارب والدواب، ورد الغصوب والودائع ~~والديون والعواري، فإنها واجبة، وإذا فعلها الإنسان غافلا عن امتثال أمر ~~الله تعالى فيها وقعت واجبة، مجزئة، مبرئة، ولا يثاب عليها. # وأما الثاني: فلأن المحرمات يخرج الإنسان عن عهدتها بمجرد تركها، وإن لم ~~يشعر، فضلا عن القصد إليها، حتى ينوي امتثال أمر الله تعالى فيها، فلا ثواب ~~حينئذ. نعم متى اقترن قصد الامتثال في الجميع حصل الثواب. # قلت: هذا الكلام موهم، بل ظاهر في أن الواجب على ضربين: أحدهما يترتب ~~عليه الثواب، والآخر لا يترتب عليه الثواب. وكذلك الحرام ضربان: ما يترتب ~~على تركه الثواب، وما ليس كذلك. وعندي في هذا نظر. # بل التحقيق أن يقال: الواجب هو المأمور به جزما، وشرط ترتب الثواب عليه ~~نية التقرب بفعله، والحرام هو المنهي عنه جزما، وشرط ترتب الثواب على تركه ~~نية التقرب به، فترتب الثواب وعدمه في فعل الواجب وترك الحرام وعدمهما راجع ~~إلى وجود شرط ms0177 الثواب وعدمه، وهو النية، لا إلى انقسام الواجب والحرام في ~~نفسهما. # PageV01P351 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وأما قوله: المحرمات يخرج الإنسان ~~عن عهدتها بمجرد تركها، وإن لم يشعر، ففيه تحقيق سبق في مسألة تكليف الكفار ~~بفروع الإسلام. # وقد انتهى الكلام في الواجب بحمد الله تعالى. # PageV01P352 # ### | الندب # لغة: الدعاء إلى الفعل، وشرعا: ما أثيب فاعله، ولم يعاقب تاركه مطلقا، ~~وقيل: مأمور به، يجوز تركه، لا إلى بدل. وهو مرادف السنة والمستحب، وهو ~~مأمور به، خلافا للكرخي والرازي. # لنا: ما تقدم من قسمة الأمر إلى إيجاب وندب. ومورد القسمة مشترك، ولأنه ~~طاعة، وكل طاعة مأمور بها. # قوله: «الندب لغة» ، أي: في اللغة ~~«الدعاء إلى الفعل» . قال الجوهري: ندبه للأمر، فانتدب له، أي: دعاه له، ~~فأجاب. وأنشد الشيخ أبو محمد شاهدا على ذلك قول الشاعر الحماسي: # لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا # وقال الآمدي: الندب في اللغة، هو الدعاء إلى أمر مهم، وهو أخص مما ~~ذكرناه، وهو أنسب وأشهر في كلام العرب وأغلب، وعليه يحمل عموم كلام غيره. # والندب في الأصل: مصدر ندبه يندبه ندبا، والمفعول مندوب، وهو المراد ~~هاهنا، لأنه المقابل، ويقال له: ندب، إطلاقا للمصدر على المفعول مجازا. # قوله: «وشرعا» أي: والندب في الشرع: «ما أثيب فاعله ولم يعاقب تاركه» . # فالأول جنس يشمل الواجب والندب - أعني المندوب -، والثاني: وهو قولنا: ~~ولم يعاقب تاركه، فصل له عن الواجب، لأن الواجب يعاقب تاركه. # PageV01P353 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # «وقيل: مأمور به» أي: وقيل في ~~المندوب تعريف آخر، وهو أنه مأمور به «يجوز تركه لا إلى بدل» فقولنا: مأمور ~~به. جنس يتناوله والواجب، لأنه قسيمه على ما مر وسيأتي إن شاء الله سبحانه ~~وتعالى. # وقولنا: يجوز تركه: هو أعم من أن يكون تركه مطلقا، أو إلى بدل، فيتناول ~~الواجب الموسع والمخير وفرض الكفاية، لأن جميعها مأمور به يجوز تركه، لكن ~~إلى بدل، كما سبق تحقيقه. فبقولنا: لا إلى بدل، خرجت هذه الثلاثة ونحوها. # وقال الآمدي: المندوب هو المطلوب فعله شرعا ولا ذم على تركه مطلقا. # وقال القرافي: هو ما ms0178 رجح فعله على تركه شرعا من غير ذم. والأقوال الثلاثة ~~متقاربة. # قوله: «وهو» يعني المندوب «مرادف السنة، والمستحب» ، أي: هو مساويهما في ~~الحد والحقيقة، وإنما اختلفت الألفاظ، والمترادف هو اللفظ المتعدد لمسمى ~~واحد، كالأسد والغضنفر، والمدام والخمر، والحرام والمحظور، والمندوب والسنة ~~والمستحب. فالسواك والمبالغة في المضمضة والاستنشاق وتخليل الأصابع ونحوه، ~~يقال له: مندوب ومستحب. # قوله: «وهو» يعني المندوب «مأمور به خلافا للكرخي» من الحنفية «و» أبي ~~بكر «الرازي. لنا» أي على أن المندوب مأمور به «ما تقدم من قسمة الأمر إلى ~~إيجاب وندب، ومورد القسمة مشترك» ، وهذا إشارة إلى ما ذكرناه في قسمة ~~الأحكام إلى خمسة، وهو أن الخطاب إما أن يرد باقتضاء الفعل أو تركه، ~~واقتضاء الفعل هو طلبه والأمر به، ثم الأمر إما مع الجزم، وهو الإيجاب، أو ~~لا مع الجزم، وهو الندب. # فقد انقسم الأمر إلى إيجاب وندب. وكل شيء قسم أقساما، فاسم ذلك الشيء # PageV01P354 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # صادق على كل واحد من تلك الأقسام، ~~كما إذا قلنا: الحيوان إما ناطق أو غير ناطق كالفرس والشاة والطائر، فاسم ~~الحيوان صادق على الجميع، فكل واحد من هذه يسمى حيوانا، فكذلك الأمر يصدق ~~على الواجب والندب، فهذا معنى قولنا: مورد القسمة مشترك بين أقسام ذلك ~~المعنى، فيكون المندوب مأمورا به، كما أن الواجب كذلك. # قوله: «ولأنه طاعة» إلى آخره، هذا دليل ثان على أن المندوب طاعة، ولأنه ~~مثاب عليه، وكل مثاب عليه طاعة، فالمندوب طاعة. والمقدمتان ظاهرتان، وأما ~~أن كل طاعة مأمور بها، فلقوله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} ~~[النساء: 59] ، وقوله عليه السلام بلسان الحال والمقال في غير موضع: ~~أطيعوني، ولأن الطاعة امتثال الطلب، وامتثال الطلب مأمور به. فالطاعة مأمور ~~بها. # ويعني امتثال الطلب أن الشارع إذا طلب منا شيئا، أمرنا بامتثاله، كقوله: ~~صلوا واستاكو. # وقال الكناني: كون المندوب طاعة لا يدل في الأصح على أنه مأمور به، إذ ~~ليست الطاعة من خصائص الأمر، لتناولها السؤال والشفاعة. # قلت: وهو ضعيف، إذ لا نسلم أن موافقته السؤال والشفاعة طاعة موافقة للأمر ~~فقط. # PageV01P355 # قالا: ms0179 لو كان مأمورا به، لعصى تاركه، إذ المعصية ~~مخالفة الأمر، ولتناقض «لأمرتهم بالسواك» ، مع تصريحه بالأمر مؤكدا. # قلنا: المراد: أمر الإيجاب فيهما. # قوله: «قالا» يعني الكرخي والرازي، ~~هذا دليل على أن المندوب غير مأمور به، وهو من وجهين: # أحدهما: «لو كان» المندوب «مأمورا به لعصى تاركه» لكنه لا يعصي تاركه، ~~فلا يكون المندوب مأمورا به، أما الملازمة فلأن «المعصية مخالفة الأمر» ~~لقوله تعالى: {أفعصيت أمري} [طه: 93] ، والمعنى: عصيتني بمخالفة أمري. فلو ~~كان المندوب مأمورا به، لعصى تاركه، لأنه مخالف للأمر، ومخالف الأمر عاص. ~~وأما أنه لا يعصي بترك المندوب، فبالاتفاق. # الوجه الثاني: لو كان المندوب مأمورا به «لتناقض» قوله صلى الله عليه ~~وسلم: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، «مع تصريحه ~~بالأمر» بالسواك أمرا «مؤكدا» نحو قوله عليه السلام: استاكوا طهروا مسالك ~~القرآن في أحاديث غير ذلك. # ووجه التناقض: أن «لولا» تقتضي في اللسان امتناع الشيء لوجود غيره، ~~فقوله: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك يقتضي امتناع أمره لهم ~~بالسواك، لوجود المشقة عليهم، فدل على أنه ما أمرهم به. وقوله: استاكوا ~~ونحوه، تصريح بالأمر به، # PageV01P356 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فصار آمرا به غير آمر به وهو عين ~~التناقض، وإنما لزم هذا التناقض من قولنا: المندوب مأمور به، فدل على ~~بطلانه، لأن ملزوم الباطل باطل. # أما إذا قلنا: إن المندوب غير مأمور به، لا يلزم هذا التناقض، لأنا نقول ~~مثلا: السواك مندوب، وهو غير مأمور به، فيكون ذلك موافقا لما فهم من قوله: ~~لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك من عدم الأمر به. # قوله: «قلنا: المراد أمر الإيجاب فيهما» . هذا جواب عن الدليلين جميعا. # وتوجيه الجواب عن الأول أن نقول: قولكم: لو كان مأمورا به، لعصى تاركه. # إن عنيتم أن المأمور مطلقا يعصي تاركه فهو ممنوع، كما أن فاعل المنهي ~~مطلقا لا يلزم أن يكون عاصيا، بدليل فاعل المكروه. ثم يلزمهم أن المكروه ~~ليس منهيا عنه، لأنه مقابل المندوب، وإن عنيتم أن المأمور الجازم يعصي ~~تاركه، فهو مسلم، لكن ms0180 المندوب ليس مأمورا به جزما حتى يعصي تاركه. # وتوجيه الجواب عن الثاني: أن قوله عليه السلام: لأمرتهم بالسواك المراد ~~به: لأمرتهم أمر إيجاب، لأنه هو الذي تحصل به المشقة. أما الأمر لا على ~~طريق الإيجاب، فلا مشقة فيه، وحينئذ مقتضى الحديث أنه لم يوجبه عليهم، وذلك ~~لا ينافي تصريحه بالأمر على طريق الندب. # قلت: مأخذ الخلاف في المسألة تردد المندوب بين الواجب والمباح، فمن حيث ~~إنه مقتضى ومستدعى ومطلوب ومثاب عليه أشبه الواجب، فألحق به، ومن حيث إنه ~~لا عقاب في تركه أشبه المباح، فألحق به. وقد سبق بيان قصور المندوب ~~والمكروه عن تناول التكليف لهما، والمادة في الموضعين متقاربة. # PageV01P357 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وقال الكناني: مأخذ الخلاف أن ~~المندوب هل يشارك الواجب في حقيقته؟ # قلت: وهو ضعيف، لأنه إن عنى أن بينهما قدرا مشتركا، فلا نزاع فيه، وهو ~~الثواب على الفعل، وإن عنى أنه يشارك الواجب في كمال حقيقته، فلا نزاع أيضا ~~في عدم ذلك، وإلا لكان المندوب واجبا. وقد افترقا في العقاب أو الوعيد على ~~الترك وعدمه. # قال: وفائدة المسألة تظهر في تعيين مجمل قوله عليه السلام: أمرتكم بكذا، ~~أو قول الراوي عنه: أمر بكذا. # قلت: يعني إن قلنا: المندوب مأمور به، كان الأمر المحكي عنه عليه السلام ~~مترددا بين إرادة الوجوب والندب. وإن قلنا: ليس مأمورا به تعين للوجوب. # PageV01P358 # ### | الحرام، # ضد الواجب. وهو ما ذم فاعله شرعا. ولا حاجة هنا إلى مطلقا، لعدم الحرام ~~الموسع، وعلى الكفاية، بخلاف الواجب. # قوله: «الحرام ضد الواجب» ، لما ~~ذكر الاقتضاء الفعلي، وهو الأمر بقسميه، وهما الواجب والمندوب، أخذ هنا ~~يبين حكم اقتضاء الكف، وهو النهي بقسميه، وهما الحرام والمكروه، ثم قسم ~~التخيير، وهو المباح إن شاء الله تعالى. # فالحرام ضد الواجب، لأن الواجب مأمور به على الجزم، مثاب على فعله، معاقب ~~على تركه، فالحرام إذا منهي عنه على الجزم، مثاب على تركه، معاقب على فعله. # قال الجوهري: الحرام ضد الحلال. # قلت: هو مأخوذ من الحرمة، وهي ما لا يحل انتهاكه. # قوله: «وهو» يعني الحرام «ما ms0181 ذم فاعله شرعا» كما أن الواجب ما ذم تاركه ~~شرعا. # قوله: «ولا حاجة هنا إلى مطلقا» ، أي لا يحتاج أن نقول: الحرام ما ذم ~~شرعا فاعله مطلقا، كما قلنا في الواجب ما ذم شرعا تاركه مطلقا «لعدم الحرام ~~الموسع، وعلى الكفاية بخلاف الواجب» وذلك لأنا إنما قيدنا في الواجب ~~بقولنا: مطلقا، ليتناول الواجب الموسع، والواجب على الكفاية، كما شرح هناك، ~~والحرام ليس # PageV01P359 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فيه موسع ولا مضيق، ولا على العين ~~والكفاية، فلا حاجة بنا فيه إلى التقييد بقولنا مطلقا. # والفرق بين الواجب والحرام في ذلك، هو أن مقصود الواجب تحصيل المصلحة، ~~فجاز أن يكون فيه الموسع وفرض الكفاية، تعليقا لحصول المصلحة بالقدر ~~المشترك من الأوقات والأعيان، كما سبق تقريره، بخلاف الحرام، فإن مقصوده ~~نفي المفسدة. والمفسدة يجب نفيها عقلا وشرعا مطلقا، في جميع الأزمان، من ~~جميع الأشخاص والأعيان كما سبق تقريره. # أما الحرام المخير، فيجوز وروده، كالواجب المخير، لأن المفسدة قد تتعلق ~~بأحد الشيئين والأشياء، كما تتعلق المصلحة به، فكما جاز أن يقول له: إذا ~~حنثت في يمينك فأطعم، أو اكس، أو أعتق، كذلك جاز أن يقول له: لا تنكح هذه ~~المرأة، أو أختها، أو بنت أختها، أو أخيها، فيكون منهيا عنهما على التخيير، ~~أيتهما شاء اجتنب ونكح الأخرى، كما أنه إذا أسلم عليهما، قيل له: طلق ~~إحداهما وأمسك الأخرى أيتهما شئت. # PageV01P360 # ثم الواحد بالجنس أو النوع. . يجوز أن يكون موردا ~~للأمر والنهي باعتبار أنواعه وأشخاصه، كالأمر بالزكاة، وصلاة الضحى مثلا، ~~والنهي عن الصلاة في وقت النهي. # أما الواحد بالشخص، فيمتنع كونه موردا لهما، من جهة. أما من جهتين، ~~كالصلاة في الدار المغصوبة، فلا تصح في أشهر القولين لنا، خلافا للأكثرين. # وقيل: يسقط الفرض عندها لا بها. ومأخذ الخلاف، أن النظر إلى هذه الصلاة ~~المعينة أو إلى جنس الصلاة. # قوله: «ثم الواحد بالجنس أو النوع، ~~يجوز أن يكون موردا للأمر والنهي باعتبار أنواعه وأشخاصه» إلى آخره. # اعلم: أن الأشياء بالنظر إلى كليتها وجزئيتها وعمومها وخصوصها مراتب، ~~أعلاها الجنس، ثم النوع، ثم ms0182 الشخص. كقولنا: الحيوان، الإنسان، زيد، ~~فالحيوان جنس بالإضافة إلى الإنسان، والإنسان نوع له، وزيد شخص من النوع، ~~وكقولنا: العبادة، الزكاة والصلاة، هذه الصلاة، فالعبادة جنس، والزكاة ~~والصلاة نوع، وهذه الصلاة شخص. # ومعنى قولنا: الواحد بالجنس أو النوع أنه لفظ واحد، ومسمى واحد، دل على ~~جنس كالحيوان، أو دل على نوع كالإنسان. # PageV01P361 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # إذا عرفت هذا، فالواحد بالجنس يجوز ~~أن يكون موردا للأمر والنهي، أي: يرد عليه الأمر والنهي ويتوجهان إليه ~~باعتبار أنواعه، أي يتوجه الأمر إلى بعض أنواعه والنهي إلى بعض آخر منها. # وكذلك الواحد بالنوع يجوز توجه الأمر إليه باعتبار أشخاصه أي: الأمر إلى ~~بعض الأشخاص، والنهي إلى بعض آخر، كالأمر بالزكاة التي هي نوع لجنس ~~العبادة، والأمر بصلاة الضحى التي هي باعتبار إطلاق نوع أو صنف للصلاة، ~~وباعتبار تقييدها بيوم بعينه شخص من أشخاص نوع الصلاة، وكالنهي عن الصلاة ~~في وقت النهي، فقد توجه الأمر إلى الزكاة وصلاة الضحى من حيث هما نوعان ~~للعبادة، وتوجه النهي إلى صلاة الضحى والصلاة في وقت النهي من حيث هما ~~شخصان لنوع العبادة وهو الصلاة. # وهذا المثال إن لاح في صحته أو مطابقته شيء، فأنت قد عرفت القاعدة، وهي ~~صحة توجه الأمر والنهي إلى الجنس باعتبار تعدد أنواعه وإلى النوع باعتبار ~~تعدد أشخاصه. # قوله: «أما الواحد بالشخص» إلى آخره أي: اللفظ والمسمى الواحد إذا كان ~~مفهومه شخصا معينا «فيمتنع كونه موردا لهما» أي: للأمر والنهي، أي: يمتنع ~~توجههما إليه وورودهما عليه «من جهة واحدة» لأنه تناقض، كما لو قال: صل هذه ~~الظهر، لا تصل هذه الظهر، أعتق هذا العبد، لا تعتق هذا العبد. # قوله: «أما من جهتين» أي: أما كون الواحد بالشخص موردا للأمر والنهي من ~~جهتين «كالصلاة في الدار المغصوبة» من عمرو، «فلا تصح في أشهر القولين» عن # PageV01P362 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أحمد وجماعة معه، على ما حكاه ~~الآمدي «خلافا للأكثرين» في صحة ذلك. # «وقيل: يسقط الفرض عندها» أي: عند الصلاة في الدار المغصوبة «لا بها» ، ~~وهذا قول القاضي أبي بكر، لأنه لما قام الدليل عنده ms0183 على عدم الصحة بما ~~سنقرر إن شاء الله تعالى. ثم ألزمه الخصم إجماع السلف على أنهم لم يأمروا ~~الظلمة بإعادة الصلوات، مع كثرة وقوعها منهم في أماكن الغصب، فأشكل الأمر ~~عليه، فحاول الخلاص بهذا التوسط، فقال: يسقط الفرض عند هذه الصلاة للإجماع ~~المذكور لا بها، لقيام الدليل على عدم صحتها. # قلت: وكأنه جعلها سببا لسقوط الفرض، أو أمارة عليه على نحو من خطاب الوضع ~~لا علة لسقوطه، لأن ذلك يستدعي صحتها. # قلت: وهذا مسلك ظاهر الضعف، لأن سقوط الفرض بدون أدائه شرعا غير معهود، ~~بل لو منع الإجماع المذكور لكان أيسر عليه، فإنه يبعد على الخصم أن يثبت أن ~~ظالما في زمن السلف صلى في مكان مغصوب وعلم به أهل الإجماع، فضلا عن أن ~~يثبت ذلك في جميع الظلمة أو أكثرهم، ولو سلم ذلك، لكن لا نسلم أنهم أقروا ~~الظلمة على ذلك ولم يأمروهم بالإعادة، ولا يلزم من عدم نقل ذلك عدم وجوده، ~~لجواز أن الأمر بالإعادة وجد ولم ينقل، لاستيلاء الظلمة وسطوتهم، أو كون ~~الحكم ليس من الأمور العظيمة التي تتوفر الدواعي على نقل الإنكار فيه، ~~وأحسب أن هؤلاء الذين ادعوا الإجماع المذكور بنوه على مقدمتين: # إحداهما: أن مع كثرة الظلمة في تلك الأعصار عادة لا يخلو من إيقاع صلاة ~~في مكان غصب من بعضهم. # الثانية: أن السلف يمتنع عادة وشرعا تواطؤهم على ترك الإنكار والأمر # PageV01P363 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بالإعادة، بناء من هؤلاء على ما ~~ظنوه من دليل البطلان، وإلا فلا إجماع في ذلك منقول، تواترا ولا آحادا، ~~والمقدمتان المذكورتان في غاية الضعف والوهاء. # قوله: «ومأخذ الخلاف» إلى آخره، أي: مأخذ الخلاف في بطلان هذه الصلاة ~~وصحتها هو «أن النظر إلى هذه الصلاة المعينة» الواقعة في هذا الموضع ~~المغصوب، «أو إلى جنس الصلاة» مع قطع النظر عن مكان إيقاعها، إن نظرنا إلى ~~عين هذه الصلاة اتجه القول بالبطلان، لأن نفس هذه الصلاة حرام معصية وهو ~~باطل، وإن نظرنا إلى جنس الصلاة اتجه القول بالصحة من جهة كونها مطلوبة ~~للشارع باعتبار الجهتين. # وسيأتي ms0184 الدليل على ذلك إن شاء الله تعالى. # PageV01P364 # النافي: ماهية الصلاة مركبة من الحركات والسكنات ~~المنهي عنها، والمركب من المنهي عنه منهي عنه، فهذه الصلاة منهي عنها، ~~والمنهي عنه لا يكون طاعة، ولا مأمورا به، وإلا اجتمع النقيضان. # قوله: «النافي» أي: احتج النافي ~~لصحة الصلاة أن قال: «ماهية الصلاة» أي حقيقتها «مركبة من الحركات والسكنات ~~المنهي عنها، والمركب من المنهي عنه، منهي عنه، فهذه الصلاة منهي عنها» . ~~أما أن الصلاة مركبة من الحركات والسكنات فلأن الصلاة مركبة من أفعالها ~~الواجبة والمسنونة فيها، وتلك الأفعال إما حركة كالهوي إلى الركوع والسجود، ~~وإما سكون كالقيام والطمأنينة في الركوع والسجود. # وأما أن تلك الحركات والسكنات منهي عنها، فلوقوعها في ملك الغير وشغل ~~حيزه بغير إذنه. # وأما أن المركب من المنهي عنه منهي عنه، فلأن المركب لا يزيد على البسائط ~~التي هي مادته إلا بالهيئة الاجتماعية وهي لا تؤثر في قلب حقيقة البسائط، ~~وبسائط هذه الصلاة منهي عنها، وهي الحركات والسكنات المنهي عنها، وما لا ~~يزيد على المنهي عنه، منهي عنه، فثبت أن هذه الصلاة منهي عنها. # «والمنهي عنه لا يكون طاعة ولا مأمورا به وإلا اجتمع النقيضان» لأن ~~المأمور به نقيض المنهي عنه، والطاعة تستدعي تعلق الطلب بها وتوجهه إليها، ~~فلو كانت # PageV01P365 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # منهيا عنها، لاجتمع النقيضان أيضا، ~~وهذه هي الحجة التي اضطرت أبا بكر مع الإجماع الذي ألزمه ما حكي عنه. # PageV01P366 # المثبت: لا مانع إلا اتحاد المتعلقين إجماعا، ولا ~~اتحاد، إذ الصلاة من حيث هي صلاة مأمور بها، والغصب من حيث هو غصب منهي ~~عنه، وكل منهما معقول بدون الآخر، وجمع المكلف لهما لا يخرجهما عن حكمهما ~~منفردين. # وأيضا، طاعة العبد وعصيانه، بخياطة ثوب أمر بخياطته، في مكان نهي عن ~~دخوله، يدل عليه. ولو مرق سهمه من كافر إلى مسلم فقتله، ضمن قصاصا أو دية، ~~واستحق سلب الكافر. # - قوله: «المثبت» أي: هذه حجة ~~المثبت، لصحة الصلاة في المكان المغصوب. وتقريرها أنه «لا مانع» من الصحة ~~«إلا اتحاد المتعلقين» يعني متعلق الأمر والنهي «إجماعا» أي: ms0185 لا مانع إلا ~~اتحاد المتعلقين بالإجماع، «ولا اتحاد» أي: ليس متعلق الأمر والنهي متحدا، ~~فلا مانع حينئذ من الصحة، وبيان أن متعلقهما غير متحد هو أن «الصلاة من حيث ~~هي صلاة - أي مع قطع النظر عما يلحقها من مكان وغيره - مأمور بها، والغصب ~~من حيث هو غصب - أي مع قطع النظر عما يلابسه من أفعال الصلاة وغيرها - منهي ~~عنه» ، وكل من الصلاة والغصب معقول بدون الآخر، ويمكن وجود أحدهما بدون ~~الآخر، كمن صلى ولم يغصب، أو غصب ولم يصل، «وجمع المكلف لهما» بالصلاة في ~~الموضع المغصوب لا يخرجهما عن حكمهما منفردين - أي: في حال انفرادهما، وهو ~~الأمر بالصلاة، وكونها طاعة، والنهي عن الغصب، وكونه معصية - وحينئذ يجب أن ~~يثبت لهما مجتمعين ما يثبت لهما منفردين، لأن الجمع بينهما لا يقلب ~~حقيقتهما في أنفسهما. # PageV01P367 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وقد ظهر لك من تقرير حجة النافي ~~والمثبت صحة المأخذ الذي ذكرناه للمسألة، وهو أن النافي نظر إلى عين هذه ~~الصلاة، وأنها مركبة من أفعال منهي عنها، فحكم ببطلانها، والمثبت نظر إلى ~~جنس الصلاة وحقيقتها من حيث هي مطلوبة للشرع، لا من جهة وقوعها في موضع ~~مغصوب، فتحقق له الجهتان. # قوله: «وأيضا طاعة العبد وعصيانه بخياطة ثوب أمر بخياطته في مكان نهي عن ~~دخوله، يدل عليه» . # هذه حجة أخرى لمن صحح الصلاة. وقولنا: طاعة العبد مبتدأ، وعصيانه معطوف ~~عليه، و «يدل عليه» خبر المبتدأ، تقديره طاعة العبد وعصيانه في هذه القضية ~~يدل على صحة الصلاة في الموضع المغصوب، أو يدل على أصل المسألة، وهو أن ~~الواحد بالشخص يجوز أن يكون موردا للأمر والنهي من جهتين. # وتقرير الحجة المذكورة أن السيد لو قال لعبده: خط هذا الثوب، ولا تدخل ~~هذه الدار، فخاط العبد الثوب في الدار المذكورة، لعد مطيعا لسيده عاصيا له ~~باعتبار الجهتين، أي: مطيعا له من جهة امتثال أمره بخياطة الثوب، عاصيا له ~~من جهة ارتكاب نهيه بدخول الدار التي نهاه عن دخولها. # وإذا ثبت هذا في هذه الصورة، فالصلاة في المواضع المغصوب مثلها سواء، لأن ms0186 ~~الله سبحانه وتعالى أمر عبده بالصلاة ونهاه عن الغصب، وقد جمع بينهما كما ~~جمع العبد الخياط بين خياطة الثوب ودخول الدار. # وأيضا فإن حركة العبد الخياط في الدار التي نهي عن دخولها، وحركة المصلي # PageV01P368 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # في المكان ليست منهيا عنها لكونها ~~حركات، إذ لو كانت كذلك، لكانت حركاتهما منهيا عنها حيث وجدت، وإنما نهي ~~عنها، لكونها حركات واقعة في مكان نهي عن دخوله، وهذا أخص من مجرد كونها ~~حركات، والنهي عن الأخص لا يستلزم النهي عن الأعم. ويرجع هذا التقرير إلى ~~تحقيق الجهتين كما سبق. # قوله: «ولو مرق سهمه» إلى آخره، هذا دليل آخر على الصحة. # وتقريره: لو رمى كافرا، فمرق السهم منه إلى مسلم فقتله، لوجب عليه ضمان ~~المسلم قصاصا إن كان تعمد قتله بذلك، أو ديته إن كان لم يتعمد، أو عفا عنه ~~إلى الدية، ولاستحق سلب الكافر بشروطه المذكورة في الفقه. وهذا فعل واحد ~~اشتمل على حرام وحلال، وخسارة وربح، وهما متقابلان باعتبار الجهتين، ~~والصلاة المتنازع فيها مثله، هي فعل واحد اشتمل على حرام وهو الغصب، وحلال ~~أو واجب وهو الصلاة من حيث هي صلاة باعتبار الجهتين. # PageV01P369 # وأجيب عن الكل، بأن مع النظر إلى عين هذه الصلاة، لا ~~جهتين، بخلاف ما ذكرتم، ثم يلزم عليه صوم يوم النحر بالجهتين، ولا فرق. # ثم إن الإخلال بشرط العبادة مبطل، ونية التقرب بالصلاة شرط. والتقرب ~~بالمعصية محال. والمختار صحة الصلاة، نظرا إلى جنسها، لا إلى عين محل ~~النزاع. # قوله: «وأجيب عن الكل» أي: عن ~~الحجج الثلاث المذكورة على صحة الصلاة: «بأن مع النظر إلى عين هذه الصلاة ~~لا جهتين» . # هذا إشارة إلى المأخذ السابق للمسألة المذكورة، وهو أنا إذا نظرنا إلى ~~عين هذه الصلاة الواقعة في المكان المغصوب، لم تتحقق الجهتان بما تقدم من ~~جهة النافي للصحة، إذا لم تتحقق الجهتان، امتنع قياسها في الصحة على طاعة ~~العبد الخياط وعصيانه، ومروق السهم من كافر إلى مسلم، واتحد متعلق الأمر ~~والنهي، وهو عين هذه الصلاة، لأن ما ذكرتم من الصور تحققت فيه ms0187 الجهتان. # قوله: «ثم يلزم عليه» إلى آخره. # هذا إلزام على من صحح هذه الصلاة. # وتقريره أن صحة الصلاة في المكان الغصب باعتبار الجهتين كما قررتم، يلزم ~~عليه صحة «صوم يوم النحر» وغيره من الأزمنة المنهي عن صيامها باعتبار ~~الجهتين، لأن الصوم من حيث هو مطلوب، وإنما المنهي عنه إيقاعه في هذا الزمن ~~المنهي عن الصوم فيه، لكنهم قالوا: لا يصح. والفرق عسير، وربما فرق # PageV01P370 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بعضهم بأن الفعل أخص بالزمان، ~~وألزم له من المكان بدليل انقسام الفعل بانقسام الزمان إلى ماض وحال ~~ومستقبل، ولم ينقسم بانقسام الأمكنة، والفعل والزمان عرضان والمكان جسم، ~~وحينئذ جاز أن يؤثر الزمان في الفعل من البطلان لاختصاصه به ولزومه ما لا ~~يؤثره المكان لعدم ذلك، وهذا فرق لكن في تأثيره نظر. وقد تنازع الفقهاء في ~~هذا أعني: صوم يوم العيد، فقال الشافعي: المنهي عنه نفس الصوم في يوم ~~العيد. # وقال أبو حنيفة: المنهي عنه إيقاع الصوم في يوم العيد لا نفس الصوم، فلا ~~تضاد بينهما. # وقال بعض مصححي هذه الصلاة: لو لم تصح الصلاة في المكان المغصوب، لما صح ~~الوقوف بعرفة على جمل مغصوب، لكن قد صح هناك فلتصح الصلاة هنا. # قلت: ويمكن الفرق من وجهين: # أحدهما: أن أحكام الحج قد دخلها من الاحتياط لصحتها ما لم يدخل أحكام ~~الصلاة، حتى قالوا: يلزم نفل الحج بالشروع دون نفل الصلاة، وإن من أحرم عن ~~نذر أو عن نفل أو غيره ولم يكن حج عن نفسه، انقلب الإحرام إلى فرضه، وإن ~~الإحرام ينعقد بالنية، ولا يزول برفضها. ولم يقولوا كذلك في الصلاة، فلا ~~يصح قياسها على الحج. # الوجه الثاني: أن الصلاة للمكان ألزم من الوقوف على البعير إذ يمكن ~~الوقوف على غير بعير ولا دابة أصلا، ولا يمكن الصلاة في غير مكان أصلا. # PageV01P371 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «ثم إن الإخلال بشرط العبادة ~~مبطل» إلى آخره، هذا تأكيد وتقوية للقول ببطلان هذه الصلاة، وتقريره أن نية ~~التقرب بالصلاة شرط في صحتها، وكون هذه الصلاة معينة منهيا عنها بما سبق من ~~الحجة عليه ms0188 مخل بشرط صحتها، إذ التقرب بالمعصية محال، لتناقض المعصية ~~والقربة، والإخلال بشرط العبادة مبطل لها، فهذه الصلاة قد اختل شرط صحتها، ~~وهو نية التقرب بها، فتكون باطلة. # واعلم: أن هذا إنما يصح باعتبار المأخذ الأول، وهو النظر إلى عين الصلاة ~~الواقعة، لا إلى الصلاة من حيث هي. # قوله: «والمختار صحة الصلاة» في الموضع المغصوب «نظرا إلى جنسها» أي: إلى ~~الصلاة من حيث هي «لا إلى عين محل النزاع» يعني الصلاة المعينة في مكان ~~مغصوب، وهو اختيار لأحد المأخذين السابقين. # وإنما اخترت هذا المأخذ لوجوه: # أحدها: أن الصحة والبطلان ونحوهما أحكام من الشرع، وأحكام الشرع من حيث ~~هي كلية، والتخصيص والتعيين فيها عارض، وبيان ذلك أن الشرع مثلا يفرض صورة ~~فعل كلي، ثم يحكم عليه بما يراه، فيقول: السرقة فيها القطع، والزنى فيه ~~الحد، والقتل فيه القود، ونحو ذلك من الأحكام، أما هذه السرقة، أو هذا ~~الزنى، أو هذا القتل المعين، أو سرقة زيد أو عمرو أو زناهما أو قتلهما، ~~فإنما عرض ذلك ضرورة تعين المحل، فكذلك حكم الشرع هاهنا إنما توجه إلى ~~الصلاة الكلية، أعني صورة الصلاة الموجودة في الذهن التي يصح صدورها عن كل ~~واحد من المكلفين في مكان مغصوب، فإذا وقعت في مكان مغصوب # PageV01P372 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لحقها حكم الشرع بحسب اجتهاد ~~المجتهد إذا لم يكن نص خال عن معارض، وحينئذ تتحقق الجهتان كما قلنا. # الوجه الثاني: أن القاعدة وجوب تصحيح تصرفات العقلاء المكلفين ما وجد ~~السبيل إلى ذلك، خصوصا العبادات التي هي خالص حق الله سبحانه وتعالى. # فقولنا في تصحيحها جار على القاعدة، وقول الخصم في إبطالها خارج عنها، ~~ومن المعلوم أن موافقة القواعد أولى من مخالفتها. # الوجه الثالث: أن الصلاة تتضمن مصلحة، والغصب يتضمن مفسدة، والعناية ~~بتحصيل المصلحة إن لم تكن أشد من العناية بدفع المفسدة، فلا أقل من أن ~~تساويها، لأن تحصيل المصلحة مقصود لذاته، ودفع المفسدة لغيره، وهو ما يعرض ~~من الضرر بسبب تلك المفسدة، فنحن في تصحيحنا للصلاة جمعنا بين الأمرين: # تحصيل مصلحة الصلاة بتصحيحها، ودفع ms0189 مفسدة الغصب بتأثيم فاعله، والخصم ~~بإبطال الصلاة ألغى تحصيل مصلحتها، فكان ما اخترناه أولى. # وقد يقال على هذا الوجه: كما أن دفع المفسدة مقصود لما يعرض منها من ~~الضرر كذلك تحصيل المصلحة مقصود لما يعرض منه من النفع، فكلاهما مقصود ~~لغيره، فلا تكون العناية بتحصيل المصلحة أرجح. # والجواب أنا قد قلنا: إن لم تكن العناية بتحصيل المصلحة أشد فلا أقل من ~~التساوي، وإذا تساويا كان تعيين دفع مفسدة الغصب ترجيحا من غير مرجح، # PageV01P373 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وحينئذ يجب تحصيل الأمرين كما ~~قررناه وهو المطلوب. # فإن قيل: تصحيح الصلاة حق الله سبحانه وتعالى، ودفع مفسدة الغصب بإبطالها ~~حق العبد المغصوب منه، فينبغي ترجيحه لما عرف من محافظة الشرع على حقه ~~لفقره، وغنى الله سبحانه وتعالى. # قلنا: لا نسلم رجحان حق العبد. والقاعدة التي يقولها الفقهاء باطلة بدليل ~~قوله عليه السلام: دين الله أحق أن يقضى وتتحاص الزكاة والحج والدين في ~~تركة الميت، ولئن سلمنا ترجيح حق العبد، لكن حق العبد هنا يحصل بتأثيم ~~الغاصب، ولا حاجة إلى إبطال الصلاة، غاية ما فيه أن إبطال الصلاة أبلغ في ~~تحصيل حق العبد بدفع مفسدته وحسم باب الغصب عنه، لكن الأبلغية لا ضرورة ~~إليها ولا حاجة مع معارضة مفسدة إبطال العبادة لها، والله سبحانه وتعالى ~~أعلم. # PageV01P374 # تنبيه: مصححو هذه الصلاة قالوا: النهي، إما راجع إلى ~~ذات المنهي عنه، فيضاد وجوبه، نحو {ولا تقربوا الزنا} ، أو إلى خارج عن ~~ذاته، نحو {أقيموا الصلاة} مع «لا تلبسوا الحرير» ، فلا يضاده، فيصح الجمع ~~بينهما، ولكل حكمه، أو إلى وصف المنهي عنه فقط، نحو {أقيموا الصلاة} مع {لا ~~تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} و «دعي الصلاة أيام أقرائك» ، وكالنهي عن ~~الصلاة في الأماكن والأوقات المنهي عنها، وكإحلال البيع مع المنع مع الربا ~~فهو باطل عندنا، وهو قول الشافعي. # «تنبيه» : من أصل المختصر. قوله: ~~«مصححو هذه الصلاة» يعني: الصلاة في المكان المغصوب. «قالوا: النهي» إلى ~~آخره، يعني: قالوا: النهي إما أن يرجع إلى ذات المنهي عنه، أو إلى خارج عن ~~ذاته لا تعلق ms0190 له به، أو إلى وصف المنهي عنه. # فالراجع إلى ذات المنهي عنه يضاد وجوبه، نحو: لا تقربوا الزنى، ولا ~~تأكلوا الربا، ولا تشربوا الخمر، ونحوه من المنهيات لأعيانها وحقائقها، ~~فإيجاب مثل هذه المنهيات مع قيام النهي عنها متضاد قطعا، كما لو قال: لا ~~تقربوا الزنى وقد أوجبته عليكم، إذ يقتضي ذلك أنه مطلوب الوجود والعدم من ~~جهة واحدة، وهو تناقض. # والنهي الراجع إلى خارج عن ذات المنهي عنه، كقوله تعالى: {أقم الصلاة} ~~[الإسراء: 78] ، {وأقيموا الصلاة} [البقرة: 43] ، مع قوله عليه السلام: لا ~~تلبسوا الحرير والذهب ولم يتعرض في النهي للصلاة لم يكن الأمر مضادا للنهي، ~~فيصح الجمع بينهما بأن يصلي في ثوب حرير أو ذهب. «لكل» ، أي: ولكل واحد من ~~المأمور والمنهي «حكمه» ، بمعنى أنه يكون مطيعا بفعل الصلاة، ويثاب عليها، ~~عاصيا بلبس الحرير، ويعاقب عليه. # PageV01P375 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وقولنا: ولم يتعرض في النهي للصلاة ~~احتراز مما لو تعرض لها فيه بأن قال: لا تصل في ثوب حرير، أو لا تلبس ~~الحرير في الصلاة، إذ يصير النهي راجعا إلى ذات الصلاة في الصورة الأولى، ~~وإلى شرطها في الثانية، وكلاهما مبطل. # وقد وقع النزاع في صحة الصلاة في ثوب الغصب والحرير ونحوه من الملبوسات ~~المحرمة، بناء على ما روى ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: من اشترى ثوبا بعشرة دراهم وفيه درهم حرام، لم يقبل الله عز وجل ~~له صلاة ما دام عليه رواه أحمد. فعلل بالحرمة في ثمن الثوب، فيحرم لبسه ~~لذلك. # واختلف أيضا في صلاة من في يده خاتم من ذهب، لأنه ارتكاب للمنهي عنه في ~~الصلاة، وهو من باب رجوع النهي إلى أمر خارج عن المنهي عنه، والأشبه في هذا ~~كله ما اخترناه في الصلاة في الموضع المغصوب، وبعضه أولى بالصحة من بعض. # والراجع إلى وصف المنهي عنه فقط، نحو قوله سبحانه وتعالى: {وأقيموا ~~الصلاة} [البقرة: 43] ، مع قوله سبحانه وتعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى} [النساء: 43] ، وقوله عليه السلام: دعي الصلاة أيام أقرائك، وكالنهي ~~عن الصلاة ms0191 في الأماكن السبعة وأوقات النهي الخمسة، وكإحلال البيع بقوله ~~سبحانه وتعالى: {وأحل الله البيع} [البقرة: 275] ، مع النهي عن الربا بقوله ~~تعالى: {لا تأكلوا الربا} [آل عمران: 130] ، {وذروا ما بقي من الربا} ~~[البقرة: 278] ، فهذا كله باطل عندنا، وهو قول الشافعي لما سيأتي في الدليل ~~إن شاء الله تعالى. # PageV01P376 # وعند أبي حنيفة: هو فاسد غير باطل، إعمالا لدليلي ~~الجواز والمنع. # لنا: أن المنهي عنه، ليس هذه الصفة، بل الموصوف بها، وإلا للزم صحة بيع ~~المضامين والملاقيح، إذ النهي عنها لوصفها، وهو تضمنها الغرر، لا لكونها ~~بيعا، إذ البيع مشروع إجماعا. # «وعند أبي حنيفة هو» يعني هذا ~~المنهي عن وصفه «فاسد غير باطل» ، وهو يفرق بينهما كما سيأتي إن شاء الله ~~تعالى «إعمالا» أي: فرق في هذا بين الفاسد والباطل «إعمالا لدليلي الجواز ~~والمنع» وذلك أن أبا حنيفة رحمه الله نظر في هذه الأحكام ونحوها، فرآها من ~~حيث ذواتها مشروعة، وإنما تعلق النهي بها من جهة وقوعها على حال ووصف ~~ممنوع، كالصلاة: هي في نفسها مشروعة، لكن إيقاعها في حال السكر والحيض أو ~~في الأماكن والأوقات المنهي عنها واتصافها بذلك هو الممنوع، والبيع باعتبار ~~ذاته مشروع، وإنما الممنوع إيقاعه على صفة الربا أو مقترنا بشرط فاسد، ~~ولذلك قال: إن بيع درهم بدرهمين يصح، وتلغو الزيادة وتلزم باتصال القبض به، ~~ويكون مكروها لتعلق النهي بوصفه واتصافه بالفساد وكذلك الطواف مشروع، ~~وإيقاعه مع الحدث ممنوع، والطلاق مشروع، وإيقاعه في الحيض ممنوع، والسفر ~~مشروع، وقصد الإباق فيه عن السيد ممنوع، فلذلك أجاز الترخص للعاصي بسفره، ~~وصحح طواف المحدث، وأوقع الطلاق في الحيض. # قال: فمطلوبية هذه الأفعال من حيث ذواتها دليل الجواز، وتعلق النهي بها ~~من # PageV01P377 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # جهة أوصافها دليل المنع، وإعمال ~~الدليل واجب ما أمكن، فأعملنا الدليلين، وجعلنا هذا القسم واسطة بين ~~القسمين الأولين، وسميناه: الفاسد، فيصح لدليل الصحة، لكن مع ضعف يتوقف على ~~انضمام مقو إليه، كالقبض في بيع درهم بدرهمين، أو مع كراهة كطواف المحدث ~~لدليل المنع. # قوله: «لنا» أي: على أن هذا باطل، لا ms0192 فرق بينه وبين ما يرجع النهي عنه ~~إلى ذاته «أن المنهي عنه ليس هذه الصفة بل الموصوف بها» ، فليس المنهي عنه ~~وصف الصلاة بكونها واقعة في حال السكر، ولا وصف البيع بأنه اشتمل على زيادة ~~ربوية، ولا وصف الطواف بوقوعه في حال الحدث، ونحوه من الصور، بل المنهي عنه ~~نفس الصلاة الواقعة حال السكر، ونفس البيع المشتمل على الزيادة، ونفس ~~الطواف الواقع حال الحدث، كما أن المنهي عنه نفس الزنى الواقع في غير محل ~~الحرث شرعا. # قوله: «وإلا للزم» إلى آخره، أي: وإن لم يكن المنهي عنه في هذه الصور هو ~~الموصوف بالصفة للزم صحة بيع المضامين والملاقيح، لأن النهي عن بيعها إنما ~~هو لصفة وهو تضمنه الغرر، لا لكونه بيعا، إذ البيع من حيث هو بيع مشروع ~~بالإجماع، ولما بطل بيع المضامين والملاقيح باتفاق مع اشتماله على جهة بيع # PageV01P378 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مشروع ووصف ممنوع، ولم يقل فيه ما ~~قال في بيع درهم بدرهمين، دل على ما ذكرناه من أن النهي إنما توجه إلى ~~الذات المتصفة لا إلى صفة الذات، وقد نبهت بما ذكرناه على أن تلخيص مأخذ ~~المسألة أن النهي فيها عن الموصوف أو عن الصفة. # تنبيهان: اعلم أن مذهب أبي حنيفة في هذا الأصل أدخل في التدقيق وأشبه ~~بالتحقيق، ثم لما تقرر هذا الخلاف بين الأئمة، خرج عن قاعدة كل منهم بعض ~~الصور، فاحتاج ذلك إلى جواب. # أما من قال: يرجع النهي إلى الموصوف لا إلى الصفة، فورد عليه نحو الطلاق ~~في الحيض، فإنه ينفذه ويوقعه، مع أن النهي عنه يقتضي تعلقه بنفس الطلاق، ~~وذلك يقتضي عدم وقوعه لكونه منهيا عنه. # وجوابه: أن الدليل لما قام على وقوع الطلاق في الحيض، صرفنا النهي عنه ~~إلى ما يلزم منه من تطويل العدة، جمعا بين دليل النفوذ واحتياج النهي إلى ~~متعلق. # وأما من قال: يرجع النهي إلى وصف الفعل، فورد عليه مثل صلاة المحدث ~~والحائض، فإن دليله يقتضي صحتها، من حيث إن الصلاة لذاتها مطلوبة، وإنما ~~الممنوع إيقاعها حال الحدث والحيض. # فأجاب ms0193 عن ذلك بأن الدليل دل على أن الطهارة شرط في الصلاة، فانتفت ~~لانتفاء شرطها بالحدث والحيض، بخلاف طواف المحدث، إذ لم يدل الدليل على أن ~~الطهارة شرط للطواف. # PageV01P379 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وكذلك يتأتى الجواب عن لحوق النسب ~~في الزنى، حيث كان طلب الولد بالوطء مشروعا، وإنما الممنوع إيقاعه في ~~الأجنبية، فينبغي أن يلحق. # فيقال: دل الدليل على أن شرط لحوقه أن يكون الوطء في محل مملوك شرعا ~~بنكاح أو ملك يمين، فانتفى اللحوق لانتفاء شرطه. # قلت: وحاصل الأمر يرجع إلى تخصيص القواعد بالدليل، وهو جائز، كتخصيص ~~العموم والقياس. # نعم قد يقع الترجيح بقلة التخصيص، لأنه على خلاف الأصل، فأي المذهبين كان ~~التخصيص عليه أقل كان راجحا، ويعرف ذلك باستقراء فروع القاعدة. # التنبيه الثاني: أن قولي في «المختصر» : «أو إلى وصف المنهي عنه فقط» ، ~~مع قولي بعد ذلك: «إن المنهي عنه ليس هذه الصفة بل الموصوف بها» ظاهر ~~التناقض، لأنه متى كان المنهي عنه الموصوف لم يكن النهي راجعا إلى وصفه ~~فقط. # وإنما تابعت الشيخ أبا محمد وهو تابع الشيخ أبا حامد، وما ذكرته من ذلك ~~هو معنى ما ذكراه جميعا، وإذا تأملته أنت عرفته، ولم أتنبه لهذا إلا الآن. # وكذلك قولي فيه: «وإلا للزم صحة بيع المضامين والملاقيح إذ النهي عنها ~~لوصفها وهو تضمنها الغرر» . الصواب فيه أن يقال: إذ النهي عنه لوصفه وهو ~~تضمنه # PageV01P380 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الغرر ردا للضمير إلى البيع لا إلى ~~المضامين والملاقيح، والأمر في هذا أقرب، والمضامين: ما في أصلاب الفحول من ~~الماء، والملاقيح: ما في بطون النوق من الأجنة، الواحد ملقوحة، ذكر ذلك ~~الجوهري. # PageV01P381 # ### | المكروه: # ضد المندوب. وهو ما مدح تاركه، ولم يذم فاعله. # وقيل: ما ترجح تركه على فعله، من غير وعيد فيه. # وقيل: ما تركه خير من فعله، كذلك. ومعانيها واحدة. # وهو منهي عنه، لانقسام النهي إلى كراهة وحظر، فلا يتناوله الأمر المطلق ~~لتنافيهما. # وقد يطلق على الحرام، كقول الخرقي: ويكره أن يتوضأ في آنية الذهب والفضة. ~~وعلى ترك الأولى. وإطلاق الكراهة ينصرف إلى التنزيه. # «قوله: المكروه ضد ms0194 المندوب» قلت: ~~يظهر تضادهما من حدودهما على ما مضى في المندوب وذكر هنا. # وقد ظهر من تقسيم الخطاب إلى الأحكام أن المندوب: هو المأمور غير الجازم، ~~والمكروه: المنهي غير الجازم، فالمندوب قسيم الواجب في الأمر، والمكروه ~~قسيم الحرام في النهي، فتحققت الضدية بينهما من حيث الحقيقة والمادة، أي: ~~من حيث حقيقتهما ومادتهما، والمنهي والمكروه ما نفر عنه الطبع والشرع. # قال الجوهري: الكريهة: الشدة في الحرب. وقال الفراء: الكره بالضم: ~~المشقة. # قلت: فيجوز اشتقاق المكروه من ذلك، لأن الطبع والشرع لا ينفران إلا عن # PageV01P382 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # شدة ومشقة بحسب حالهما. # قوله: «وهو» يعني المكروه «ما مدح تاركه ولم يذم فاعله» فما مدح تاركه ~~يتناول الحرام. وبقولنا: «ولم يذم فاعله» يخرج الحرام، لأن فاعله مذموم. # «وقيل: ما ترجح تركه على فعله من غير وعيد فيه» وبهذا القيد الأخير أيضا ~~يخرج الحرام. # «وقيل: ما تركه خير من فعله» وهو الذي ذكره الشيخ أبو محمد، وهو بظاهره ~~يتناول الحرام، لأن تركه خير من فعله، لكن إنما قيدته بقولي، «كذلك» أي: من ~~غير وعيد في فعله كما قلنا في الحد الذي قبله. # وقال القرافي وغيره: هو ما ترجح تركه على فعله شرعا من غير ذم، وهو معنى ~~ما ذكر. # قوله: «ومعانيها واحدة» أي: معاني هذه الحدود المذكورة للمكروه واحدة ~~لاشتراك جميعها في أن المفهوم منها المطلوب تركه طلبا غير جازم. # قوله: «وهو» يعني المكروه «منهي عنه لانقسام النهي إلى كراهة وحظر» ، ~~ومورد القسمة مشترك كما سبق بيانه أن المندوب مأمور به، ويتجه في كون ~~المكروه منهيا عنه ما اتجه في كون المندوب مأمورا به، لأنه مقابله وفي ~~وزانه. # قوله: «فلا يتناوله الأمر المطلق لتنافيهما» . هذه الفاء سببية، أي: لما ~~كان المكروه منهيا عنه لم يتناوله الأمر المطلق، فكونه منهيا عنه هو السبب ~~في عدم # PageV01P383 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # تناول الأمر المطلق له لتنافيهما، ~~أي: لتنافي الأمر والنهي، لأن الأمر يقتضي إيجاد الفعل، والنهي الصادق على ~~الكراهة يقتضي الكف عن الفعل بالجملة فيتنافيان. فالأمر المطلق بالصلاة لا ~~يتناول الصلاة المشتملة على السدل ms0195 والتخصر ورفع البصر إلى السماء واشتمال ~~الصماء والالتفات ونحو ذلك من المكروهات فيها، والأمر بالطواف لا يتناول ~~طواف المحدث عند من لا يشترط له الوضوء. # قوله: «وقد يطلق على الحرام» أي: المكروه قد يطلق على الحرام «كقول ~~الخرقي: ويكره أن يتوضأ في آنية الذهب والفضة» أي: يحرم لا خلاف في ذلك. ~~وقد يطلق على ترك الأولى، كقوله: ومن صلى صلاة بلا أذان ولا إقامة كرهنا له ~~ذلك ولا يعيد، أي: الأولى أن يصلي بأذان وإقامة أو بأحدهما، فإن أخل ~~بأحدهما ترك ذلك الأولى. قال الآمدي: قد يطلق المكروه على الحرام وعلى ما ~~فيه شبهة وتردد وعلى ترك ما فعله راجح وإن لم يكن منهيا عنه. # قلت: وهذا هو ترك الأولى كما ذكرنا، وكل هذه الأشياء تنفر منها النفس ~~شرعا. # قوله: «وإطلاق الكراهة ينصرف إلى التنزيه» أي: إذا أطلق لفظ المكروه في ~~اصطلاح الفقهاء، وانصرف إلى كراهة التنزيه، وهذا هو المكروه الذي هو قسيم # PageV01P384 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المحظور، وهو ما ترجح تركه من غير ~~وعيد فيه إلى أن يقوم دليل يصرفه إلى التحريم كما ذكرناه من كلام الخرقي، ~~وكثيرا ما يوجد في كلام الشارع وأئمة العلم كالشافعي وأحمد وغيرهما لفظ ~~الكراهة ومعناها التحريم، لقيام الدليل على إرادتهم إياه، وإنما قلنا: إن ~~إطلاق الكراهة ينصرف إلى التنزيه، لأن الأحكام كما ذكرنا خمسة، وكل واحد ~~منها قد خص باسم غلب عليه، كالواجب والمندوب والحرام والمباح والمكروه، ~~فاقتضى ذلك اختصاص مسمى المكروه باسمه الغالب عليه أسوة ببقية الأحكام، ولا ~~معنى لغلبة اسمه إلا أنه إذا أطلق انصرف إلى مسماه دون غيره مما قد يستعمل ~~فيه. # PageV01P385 # ### | المباح: # ما اقتضى خطاب الشرع التسوية بين فعله وتركه، من غير مدح يترتب عليه، ولا ~~ذم. # قوله: «المباح» إلى آخره، اعلم أنه ~~لما انتهى الكلام على أقسام اقتضاء الخطاب فعلا أو كفا، وهي الواجب ~~والمندوب والمحظور والمكروه، أخذ يبين قسم تخيير الخطاب وهو المباح. # وهي في اللغة مشتق من الإباحة، وهي الإظهار، يقال: باح بسره، إذا: أظهره، ~~وقيل: من باحة الدار وهي ms0196 ساحتها، وفيه معنى السعة وانتفاء العائق، لأن ~~الساحة تتسع للتصرف فيها بالسعي والحركة بحسبها، والعائق من ذلك منتف فيها. # أما في الشرع فهو: «ما اقتضى خطاب الشرع التسوية بين فعله وتركه من غير ~~مدح يترتب عليه ولا ذم» أي: من غير مدح يترتب على فعله ولا ذم على تركه، ~~وهو ظاهر. # وقال الآمدي: هو ما دل الدليل السمعي على خطاب الشارع بالتخيير فيه «من ~~غير بدل» . # قلت: احترز بقوله «من غير بدل» من الواجب الموسع والمخير وفرض الكفاية ~~فإن التخيير لاحق لها، لكن بشرط الإتيان بالبدل كما سبق. # PageV01P386 # وهنا مسألتان: # الأولى: المباح غير مأمور به، خلافا للكعبي. لنا: الأمر يستلزم الترجيح، ~~ولا ترجيح في المباح. قال: المباح ترك الحرام، وهو واجب، فالمباح واجب. ~~قلنا: يستلزمه، ويحصل به، لا أنه هو بعينه. ثم يترك الحرام ببقية الأحكام، ~~فلتكن كلها واجبة. وهو باطل. # قوله: " وهنا " أي: في المباح، " ~~مسألتان: الأولى: المباح غير مأمور به " عند الجمهور " خلافا للكعبي " من ~~المعتزلة وأتباعه. # وقوله: " لنا " إلى آخره، هذا دليل على أن المباح غير مأمور به، وتقريره ~~أن " الأمر يستلزم الترجيح " أي: ترجيح إيجاد الفعل، " ولا ترجيح في المباح ~~" أما أن الأمر يستلزم الترجيح، فلأن الأمر طلب، والطلب يستلزم الترجيح، ~~وإلا كانت دلالته على اقتضاء إيجاد الفعل ترجيحا من غير مرجح، وذلك لأن قول ~~السيد لعبده: افعل كذا، يفهم منه اقتضاء إيجاد ذلك الفعل لغة وعرفا، فلو ~~كانت دلالة قوله: " افعل " على إيجاد الفعل وعدمه سواء، لكان فهم اقتضاء ~~الإيجاد دون عدمه ترجيحا من غير مرجح. # وأما كونه لا ترجيح في المباح، فلما مر في حده من أنه خطاب تخيير وتسوية ~~بين الفعل وتركه، وذلك لا رجحان فيه. # PageV01P387 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وإذا ثبت أن الأمر يستلزم الترجيح ~~- ولا ترجيح في المباح - لزم أن المباح غير مأمور به، فالمباح غير مأمور ~~به. # وينتظم شكل الدليل هكذا: المباح لا ترجيح فيه، وكل ما لا ترجيح فيه فهو ~~غير مأمور به، فالمباح غير مأمور به. أو هكذا: المأمور يستلزم الترجيح، وكل ms0197 ~~ما استلزم الترجيح، فليس بمباح اصطلاحي، فالمأمور ليس بمباح اصطلاحي، ثم ~~تنعكس كلتا المقدمتين المباح ليس مأمورا به. # قوله: " قال " يعني: الكعبي محتجا على أن المباح مأمور به. # وتقرير حجته: أن المباح ترك حرام وهو " أي: ترك الحرام " واجب " فالمباح ~~واجب. أما أن المباح ترك حرام، فلأنه ما من مباح إلا والتلبس به يستلزم ترك ~~محرم، بل محرمات، كشرب الماء، وأكل الطعام، والتنزه في الأماكن بالمشي ~~والحركة، ونحو ذلك يستلزم ترك الزنى وشرب الخمر وقطع الطريق وغير ذلك من ~~المحرمات. وأما أن ترك الحرام واجب، فباتفاق. # قوله: " قلنا يستلزمه " إلى آخره، هذا جواب حجة الكعبي. # وتقريره أن المباح يستلزم ترك الحرام، ويحصل به ترك الحرام، لا أن المباح ~~هو ترك الحرام بعينه، لأن ترك الشيء هو الإعراض عنه، والإعراض عنه يستلزم ~~تصوره، ليصح قصد الإعراض عنه، كما أن فعله يستلزم تصوره، ليصح قصده، ومعلوم ~~أن فاعل المباح قد يكون غافلا عن تصور حقيقة ترك الحرام والإعراض عنه فضلا ~~عن تصور حقيقة الحرام فكيف يصح أن يكون فعل المباح هو عين ترك الحرام؟ # ونحن ذكرنا هذا تقريرا لدعوانا، وإلا فالكعبي قد كفانا مؤنة ذلك بموافقته # PageV01P388 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # عليه حيث قال في تقرير حجته: ما من ~~مباح إلا والتلبس به يستلزم ترك حرام، وحينئذ نقول: ترك الحرام لازم لفعل ~~المباح، ولا يلزم من كون اللازم واجبا لذاته أن يكون الملزوم كذلك. # فإن قال: أنا لا أدعي وجوب المباح لذاته بل لغيره، وهو استلزامه الواجب، ~~وكونه لا ينفك عنه ولا يتم إلا به، فيصير من باب ما لا يتم الواجب إلا به ~~وهو واجب. # قلنا: رجع الخلاف لفظيا لأنا لا ننازعك في وجوبه بهذا التفسير، فأنت ~~تقول: المباح واجب لغيره، ونحن نقول: ليس واجبا لذاته، ولا تنافي بينهما. # قوله: " ثم قد يترك الحرام "، إلى آخره. هذا إلزام للكعبي على مذهبه. # وتقريره: أنه إن لزم أن يكون المباح مأمورا به واجبا، لأنه يترك به ~~الحرام، لزم ذلك في بقية الأحكام، لأن كل واحد منها يترك به ms0198 الحرام، فيكون ~~الواجب كالمكتوبة مثلا إذ يترك بها الزنى واجبا، والمندوب كالسواك، إذ يترك ~~به شرب الخمر واجبا، والحرام كشرب الخمر مثلا، إذ يترك به اللواط وسائر ~~المحرمات واجبا وهو باطل. إذ يلزم أن يكون المندوب والحرام واجبا، ويكون ~~الواجب واجبا مرتين: من جهة وجوبه في نفسه، ومن جهة ترك الحرام به. واعلم ~~أن هذا قد التزمه الكعبي. # وإذا تحقق أن النزاع في المسألة لفظي بما ذكرنا، فليس التزام ذلك محالا ~~ولا # PageV01P389 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بعيدا بناء على أنه من ذوات ~~الجهتين، فيكون الواجب واجبا مرتين من جهتين، والسواك مندوبا واجبا من ~~جهتين، وكذلك الحرام أو المكروه واجبا من جهتين، وكذلك ما ألزموه من أن ~~الإجماع على أن أحكام الشرع خمسة، وعلى قولك: إن المباح واجب تكون أربعة، ~~فإن ذلك لا يلزمه، لأنه حمل الإجماع على ذوات الأحكام من جهة تحققها في ~~أنفسها، أما من جهة أن التلبس بها يستلزم ترك الحرام الذي هو واجب، فهي ~~أربعة. بل هي حكم واحد وهو الواجب. وبالجملة فهو يلاحظ الجهتين، فيصح قوله، ~~ويصير النزاع لفظيا كما قررناه. # PageV01P390 # الثانية: الانتفاع بالأعيان قبل الشرع، على الإباحة ~~عند التميمي وأبي الخطاب والحنفية، وعلى الحظر عند ابن حامد والقاضي وبعض ~~المعتزلة. # وعلى الوقف عند أبي الحسن الخرزي والواقفية. # المسألة «الثانية» : يعني من ~~مسألتي المباح «الانتفاع بالأعيان قبل» ورود «الشرع على الإباحة» أي: على ~~حكم الإباحة محكوم بإباحته «عند» أبي الحسن «التميمي وأبي الخطاب» من ~~أصحابنا «و» عند «الحنفية وهو» يعني الانتفاع بالأعيان «على الحظر» وهو ~~المنع «عند» أبي عبد الله «ابن حامد والقاضي» أبي يعلى «وبعض المعتزلة» ، ~~وهو - أعني الانتفاع - «على الوقف عند أبي الحسن الخرزي» من أصحابنا ~~«والواقفية» وهم الذين يقفون في الأحكام عند تجاذب الأدلة لها. # هذا نقل الشيخ أبي محمد، وممن قال بالإباحة مطلقا أبو الفرج بن القصار من ~~المالكية، وممن قال بالحظر مطلقا الأبهري منهم أيضا. # أما الشيخ أبو حامد، فحكى عن المعتزلة فيما لا يقضي العقل فيه من الأفعال ~~بحسن ولا قبح ضرورة أو نظرا ms0199 ثلاثة أقوال: الإباحة والحظر والوقف باعتبار ~~تعدد فرقهم. # والآمدي حقق هذا النقل وفصله فقال: المعتزلة قسموا الأفعال الاختيارية ~~إلى ما حسنه العقل، فمنه واجب ومنه مندوب ومنه مباح، وإلى ما قبحه العقل، ~~فمنه حرام، ومنه مكروه، وإلى ما لم يقض العقل فيه بحسن ولا قبح، فمنهم من ~~قال: إنه واجب، ومنهم من قال: إنه محرم، ومنهم من توقف. # قلت: هذا بعض ما نقل في هذه المسألة، وهي من فروع تحسين العقل وتقبيحه ~~وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى. # ثم لنتكلم على أدلة «المختصر» . # PageV01P391 # المبيح: خلقها لا لحكمة عبث، ولا حكمة إلا انتفاعنا ~~بها إذ هو خال عن مفسدة كالشاهد. # قوله: «المبيح» ، أي، احتج القائل ~~بإباحة الأفعال في الأعيان قبل ورود الشرع بأن قال: «خلقها لا لحكمة عبث» ~~إلى آخره. # وتقرير حجته أن خلق الأعيان لغير حكمة عبث، والبارئ جل جلاله منزه عن ~~العبث، «ولا حكمة» في خلقها «إلا انتفاعنا بها» فيكون مباحا، لأنه انتفاع ~~خال عن مفسدة كما في الشاهد، أي: الحكم المشاهد بين المخلوقين، وهو أن ~~الانتفاع الخالي عن مفسدة مباح فيما بينهم، كالاستظلال بجدار الغير ~~والاستضاءة بناره. # أما أن خلق الأعيان لغير حكمة عبث، فلأن ذلك لا فائدة له عبث، ولأن حقيقة ~~العبث هو الفعل الخالي عن حكمة أو خلو الفعل عن حكمة، وأما أن البارئ جل ~~جلاله منزه عن العبث فلقوله سبحانه وتعالى: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ~~وأنكم إلينا لا ترجعون} [المؤمنون: 115] ، أنكر عليهم حسبانهم أنه خلقهم ~~عبثا لا لحكمة ولا لفائدة، والعبث في اللغة: اللعب، بل إنما خلقهم لحكمة، ~~وهي الامتحان بالتكليف ثم الجزاء على ما يكون منهم في المعاد، ثم نزه نفسه ~~عن ذلك بقوله سبحانه وتعالى: {فتعالى الله الملك الحق} [المؤمنون: 116] ، ~~أي: عما ظننتموه من العبث، وأما أنه لا حكمة في خلقها إلا انتفاعنا بها، ~~فلأن العقل والعرف جاريان بأن الحكيم إذا بنى دارا، وملأها من المآكل ~~والمشارب، وأنواع ما # PageV01P392 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يستمتع به، ودعا إليها الناس، أنه ~~أذن لهم في الاستمتاع والانتفاع بذلك، فالله ms0200 سبحانه وتعالى أحكم الحكماء، ~~وهذه الدنيا وما فيها داره وملكه، والخلق ضيوفه، فيكون ذلك إذنا لهم في ~~الانتفاع بها هو المطلوب. # وأما أنه انتفاع خال عن مفسدة، فلأن المفسدة إما لحوق الضرر بالمنتفع أو ~~بالمالك، وكلاهما منتف. أما المنتفع، فلأن تضرره إما من جهة انتفاعه، وهو ~~جمع بين الضدين وهو محال، أو من جهة أخرى، ولا دليل عليها والأصل عدمها، ~~وأما المالك، فهو الله سبحانه وتعالى، ولحوق الضرر والنفع له محال. # فثبت بما ذكرناه أن الانتفاع بالأعيان قبل الشرع مباح. # PageV01P393 # ورد، بأن أفعاله تعالى لا تعلل، ويجوز أن تكون الحكمة ~~صبر المكلف عنها فيثاب، وخلوه عن مفسدة ممنوع، إذ هو تصرف في ملك الغير ~~كالشاهد. # قوله: «ورد» إلى آخره. أي: رد هذا ~~الاستدلال وأبطل بأنه مبني على أن أفعال الله سبحانه وتعالى معللة بالأغراض ~~والعلل وذلك ممنوع، فلا يصح قولهم: خلقها لا لحكمة عبث، بل أفعاله سبحانه ~~وتعالى لا تعلل، فجاز أنه خلقها كما شاء، وتعبدنا باجتنابها تعبدا محضا. # سلمنا أن أفعاله سبحانه وتعالى معللة، وأن لابد لها من حكمة ظاهرة، لكن ~~لا نسلم انحصار الحكمة في انتفاعنا بها، بل جاز أن تكون الحكمة في خلقها ~~امتحان المكلف بالصبر عنها ليثاب عليه، كما قال سبحانه وتعالى: {ولنبلونكم ~~حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم} [محمد: 31] ، {وجزاهم ~~بما صبروا جنة وحريرا} [الإنسان: 12] ، أي: بما صبروا عن الشهوات وعلى ~~الطاعات. # وأما خلو الانتفاع بها عن مفسدة فممنوع، بل فيه مفسدتان: # إحداهما: بطلان مقصود الامتحان المذكور. # الثانية: أنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه، محظورا كالشاهد، فإن الواحد ~~منا لا يجوز له أكل طعام غيره أو شرب شرابه، أو ركوب دابته أو لبس ثوبه ~~بغير إذنه، فكذلك محل النزاع. # PageV01P394 # الحاظر: تصرف في ملك الغير بغير إذنه فحرم، كالشاهد، ~~ثم الإقدام عليه خطر، فالإمساك أحوط. # قوله: «الحاظر» أي: احتج القائل ~~بالحظر بأن قال: «تصرف» أي: الانتفاع المذكور، تصرف «في ملك الغير بغير ~~إذنه، فحرم كالشاهد» وقد تقررت هذه الحجة في الاعتراض على حجة المبيح ms0201 آنفا. # قوله: «ثم الإقدام» ، إلى آخره. حجة أخرى على القول بالحظر، وتقريرها أن ~~الإقدام على هذا الانتفاع خطر أي: مخاطرة بالنفس، فالإمساك عنه أحوط لها في ~~العقل. # أما أنه خطر، فلأن بتقدير الحل في نفس الأمر يكون أمنة من العذاب، ~~وبتقدير التحريم يكون معرضة له، فهذا وجه المخاطرة وهو ركوب أمر يلحق فيه ~~الضرر على بعض الاحتمالات. # وأما أن الإمساك عن الانتفاع المذكور يكون أحوط، والحالة هذه، فهو من ~~القضايا الضرورية عقلا وشرعا وعرفا، وهو غني بذاته عن بيان، فثبت بما ~~ذكرناه من الحجتين أن الانتفاع المذكور محظور. # PageV01P395 # ورد، بأن منع التصرف في ملك الغير ثبت بالشرع، ~~والكلام قبله، ثم المنع بالنسبة إلى من يتضرر به، والاحتياط معارض بأن ~~الممتنع على سماط الملك يعد مبخلا له، مفتاتا متكبرا عليه، فالإقدام أحوط، ~~أو مساو، فلا ترجيح. # قوله: «ورد» ، يعني: احتجاج الحاظر ~~بما ذكره. # أما الحجة الأولى: فهي مبنية على قياس الغائب على الشاهد، أي: قياس أحكام ~~الله سبحانه وتعالى على أحكام الخلق فيما بينهم، وهو قياس فاسد، لأن منع ~~التصرف في ملك الغير بغير إذنه فيما بين الخلق حكم شرعي إنما ثبت بالشرع، ~~والكلام فيما قبل الشرع، وشرط صحة القياس اتحاد باب المقيس والمقيس عليه، ~~فإن ادعيتم أن منع التصرف فيما بين الخلق عقلي منعناه، إذ لا مدرك للأحكام ~~عندنا إلا الشرع، والعقل عن ذلك بمعزل، وإن سلمتم أنه شرعي امتنع القياس، ~~لأن ما قبل الشرع عقلي عندكم، وما بعده شرعي، فاختلف البابان، فلا يصح ~~القياس، لأنه إنما يقاس مثلا عقلي على عقلي، أو شرعي على شرعي، أو عادي على ~~عادي، أما قياس بعض هذه الأنواع على بعض فلا يصح. # قوله: «ثم المنع بالنسبة إلى من يتضرر به» هذا جواب آخر عن الحجة ~~المذكورة بالفرق. # وتقريره: أن المنع من التصرف في ملك الغير إنما يناسب ويتحقق مقتضيه إذا ~~كان ذلك الغير يتضرر به، وهذا المعنى إنما يتحقق في الشاهد دون الغائب، فإن # PageV01P396 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الله سبحانه وتعالى لا يتضرر ~~باستهلاك شيء من مخلوقاته، ms0202 وحينئذ ينقطع الإلحاق ويمتنع القياس. # وأما الحجة الثانية للحاظر، فالاحتياط فيها معارض بما يبطل دلالته، وهو ~~أن ملكا من الملوك لو مد سماطا، ودعا إليه الناس، فامتنع بعضهم من الأكل مع ~~قدرته عليه طبعا، عد ذلك الممتنع في العادة مبخلا للملك، أي: معتقدا بخله ~~مفتاتا متكبرا عليه أن يثبت له على نفسه منة ويدا عليا، وذلك أيضا خطر، إذ ~~فاعله يستحق العقاب والإهانة عقلا وعرفا، والله سبحانه وتعالى مع خلقه، ~~كملك دعا الناس إلى سماطه، فيكون الإقدام على الانتفاع أحوط من الإمساك ~~عنه، أو مساويا له، وحينئذ لا ترجيح للحظر، والحاظر في مقام ترجيحه محاولا ~~له، فإذا لم يتم له رجحانه، بطل احتجاجه. # PageV01P397 # الواقف: الحظر والإباحة من الشرع، فلا حكم قبله، ~~والعقل معرف لا حاكم. # قوله: «الواقف» أي: حجة الواقف على ~~توقفه عن الجزم بإباحة أو حظر، هو أن «الحظر والإباحة من الشرع فلا حكم ~~قبله» . # أما أن الحظر والإباحة من الشرع، فلأن معنى الحظر قول الشارع: حرمت عليكم ~~هذا، أو هو محرم عليكم، ومعنى الإباحة قوله: أبحت لكم هذا، أو أنتم مخيرون ~~في فعله أو تركه، كما سبق في تعريف أحكام التكليف، وأما أنه لا حكم قبله، ~~فلأن الكلام فيما قبل الشرع، وبالضرورة إذ لا حاكم، فلا حكم، وإذ لا قائل، ~~فلا قول. # قوله: «والعقل معرف لا حاكم» ، هذا جواب سؤال مقدر، وهو أن يقال: لا نسلم ~~أن الحظر والإباحة لا يكونان إلا من الشرع، بل قد جاز أن يصدرا عن العقل ~~قبل الشرع كما تقوله المعتزلة. # فأجبت: بأن هذا بناء منهم على أن العقل قبل الشرع حاكم، ونحن نمنع # PageV01P398 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ذلك، وإنما هو معرف، أي: هاد ومرشد ~~إلى فهم الخطاب. ووجه الاستدلال ونحوه من التصرف في مقتضيات الأحكام بعد ~~ثبوتها، لا أنه حاكم بها مثبت لها قبل الشرع. # وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى في تحسين العقل وتقبيحه في سياق هذا ~~الكلام، وهو الموضع الذي كنا وعدنا بذكره فيه لتعرضنا به هاهنا. # ثم إن الواقفية تارة يفسرون الوقف بأنه ms0203 لا حكم أصلا، فنقف حتى يرد الحكم ~~من حاكم الشرع، وهذا الذي حكيناه عنهم. وتارة يفسرون الوقف بأن هناك حكما ~~لا نعلم ما هو فنقف حتى يظهر لنا عينه، والأول أصح، ويرد على حجة الواقفية ~~المعارضة بحجة الحاظر والمبيح. # والمختار: القول بالإباحة قبل الشرع - وهو وفق قول الفقهاء من أصحابنا ~~وغيرهم: الأصل في الأطعمة ونحوها الحل - ليس ذلك بناء على تحسين العقل ~~وتقبيحه، بل الحجة في ذلك الكتاب والسنة والاستدلال. # أما الكتاب، فقوله سبحانه وتعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} ~~[البقرة: 29] ، وقوله سبحانه وتعالى: {الله الذي سخر لكم البحر} إلى قوله ~~سبحانه وتعالى: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه} ~~[الجاثية: 12 - 13] ، ونظائرها من الآيات. # وجه الاستدلال أنه سبحانه وتعالى أخبرهم في معرض الامتنان عليهم، ~~وتذكيرهم النعمة، أنه خلق لهم ما في الأرض وسخره لهم، واللام للاختصاص أو # PageV01P399 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الملك إذا صادفت قابلا له، والخلق ~~قابلون للملك، وهو في الحقيقة تخصيص من الله سبحانه وتعالى لهم بانتفاعهم ~~به، إذ لا مالك على الحقيقة إلا الله سبحانه وتعالى، فاقتضى ذلك أنهم متى ~~اجتمعوا وما خلق وسخر لهم في الوجود، ملكوه، وإذا ملكوه، جاز انتفاعهم، إذ ~~فائدة الملك جواز الانتفاع. # وأما السنة: ففي «الصحيحين» من حديث سعد بن أبي وقاص، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم ~~على الناس، فحرم من أجل مسألته. وهذا ظاهر - إن لم يكن قاطعا - في أن الأصل ~~في الأشياء الحل، والتحريم عارض، وعن سلمان الفارسي قال: سئل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن السمن والجبن والفراء، فقال: الحلال ما أحل الله في ~~كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفى عنه رواه ~~ابن ماجه والترمذي. # PageV01P400 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وأما الاستدلال فيما سبق، وهو - ~~وإن عورض بما ذكر - يصلح أن يكون مؤكدا لما ذكرنا هاهنا، فثبت بذلك أن ~~الأفعال قبل الشرع على الإباحة، وأن المدرك لذلك سمعي لا ms0204 عقلي. # PageV01P401 # وفائدة الخلاف، استصحاب كل حال أصله، فيما جهل دليله ~~سمعا. # قوله: «وفائدة الخلاف» ، إلى آخره ~~أي: فائدة الخلاف في أن الأفعال قبل الشرع على الإباحة أو الحظر أو الوقف ~~«استصحاب كل» ، أي: كل واحد من القائلين «حال أصله» قبل الشرع «فيما جهل ~~دليله سمعا» بعد ورود الشرع. # مثاله: أن العلماء اختلفوا في إباحة أكل الخيل والضب والضبع والأرنب ~~والثعلب وسنور البر والزرافة وسباع البهائم وجوارح الطير والحشرات والهوام، ~~فلو قدر أنه لم يوجد في شيء من ذلك دليل بنفي ولا إثبات، أو وجد دليل ~~متعارض متكافئ، رجع كل واحد من العلماء إلى أصله قبل الشرع، فاستصحب حاله ~~إلى ما بعد الشرع، فالمبيح يقول: الأصل في هذه الأشياء الإباحة، والأصل ~~بقاء ما كان على ما كان، بناء على القول باستصحاب الحال، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. ثم هذا الموضع هو موضع الكلام ~~في تحسين العقل وتقبيحه، والكلام في تلخيص محل النزاع، ثم في دليله ~~باختصار، إذ كنا قد بسطنا القول فيه في كتاب مفرد وهو كتاب «رد القول ~~القبيح ب ### | التحسين والتقبيح» # فنقول وبالله التوفيق: # ذهبت المعتزلة في آخرين إلى أن الأفعال لذواتها منقسمة إلى حسنة وقبيحة، ~~ثم منها ما يدرك حسنه وقبحه بضرورة العقل، كحسن الإيمان، وقبح الكفر، ومنها ~~ما يدرك بنظر العقل كحسن الصدق الضار، وقبح الكذب النافع، إذ قد اشتمل كل ~~منهما على جهتين: حسن وقبح، ومصلحة ومفسدة، فاحتيج في معرفة الحسن والقبح # PageV01P402 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # منهما إلى نظر يرجح إحدى الجهتين ~~على الأخرى، ومنها ما لا يدرك إلا بالسمع كحسن العبادات واختصاصها بالأمكنة ~~والأوقات، إذ تقدير نصب الزكوات وقدر الواجب فيها، وأروش الجنايات، ~~والأسباب الموجبة لها، وإيجاب صوم آخر يوم من رمضان وتحريم صوم اليوم الذي ~~بعده، واستحباب صوم تسعة من ذي الحجة وتحريم صوم أربعة بعدها، وصحة الصلاة ~~في جميع الأزمنة إلا خمسة أوقات، وفي جميع الأمكنة إلا سبعة مواضع، مما لا ~~يدركه العقل، فيحتاج فيه إلى موقف من الشرع، فهذه حكاية المحققين لمذهب ~~المعتزلة. # ثم استفاض ذكر مذهبهم ms0205 على ألسنة الفقهاء وغيرهم، حتى استعملوا فيه عبارات ~~مجملة موهمة كقولهم: العقل يحسن ويقبح، أو العقل يوجب ويحرم، أو حاظر ~~ومبيح، حتى صار بعضهم يفهم أن العقل شارع فوق الشرع، وأنه ملزم له بالحكم ~~بمقتضاه إلزام الغريم غريمه، وسبب ذلك تلقي بعضهم تلك العبارات عن بعض من ~~غير نظر وتدبر. # وتحقيق الكلام في هذا المقام ما حققه بعض المتأخرين أن الحسن والقبح قد ~~يراد بهما ما لاءم الطبع ونافره، كإنقاذ الغريق واتهام البريء. # وقد يراد بهما صفة الكمال والنقص، نحو: العلم حسن، والجهل قبيح. # وقد يراد بهما ما يوجب المدح والذم الشرعيين عاجلا، والثواب والعقاب ~~آجلا. ولا نزاع في أنهما بالتفسيرين الأولين عقليان أي: يستقل العقل بإدراك # PageV01P403 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الحسن والقبح فيهما. # أما الثالث، فهو محل النزاع، فالمعتزلة قالوا: هو عقلي أيضا يستقل العقل ~~بإدراكه بدون الشرع وقبله. # وأهل السنة قالوا: هو شرعي، أي: لا يعلم استحقاق المدح والذم ولا الثواب ~~والعقاب شرعا على الفعل إلا من جهة الشرع على ألسنة الرسل. # وعلى هذا وقع النزاع في تعريف الحسن والقبيح، فقيل: الحسن: ما لفاعله أن ~~يفعله، والقبيح: ما ليس لفاعله أن يفعله، يعني عقلا، وهو تعريف اعتزالي. # وقيل: الحسن: ما ورد الشرع بتعظيم فاعله والثناء عليه، والقبيح يقابله، ~~وهذا تعريف سني جمهوري، وإنما غلط المعتزلة في هذا الباب من جهة أن غالب ما ~~استحسن أو استقبح في الشرع هو مستحسن أو مستقبح في العقل بالاعتبارين ~~الأولين في الحسن والقبح، وهما الملاءمة والمنافرة والنقص والذم. # مثاله: أن إنقاذ الغريق ونحوه اشتمل على أمرين، أحدهما: المناسبة ~~العقلية، فالعقل يستقل بدركها، والثاني: ترتب الثواب عليه، فالعقل لا يستقل ~~بدركه جزما، بل جوازا، وهو محل النزاع، وكذا الكلام في جانب القبح، وللنزاع ~~بين الطائفتين مآخذ أشار إليها الأصوليون. # أحدها: أن الشرع هل هو مؤكد وكاشف، أو منشئ ومبتدئ. # فالمعتزلة قالوا: الشرع مؤكد لحكم العقل فيما أدركه من حسن الأفعال ~~وقبحها # PageV01P404 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ضرورة أو نظرا، كاشف عما لا يدركه ~~من الأحكام شرعا كالعبادات ونحوها، وليس قولهم: إن العقل ms0206 لا يدرك الحسن في ~~العبادات ونحوها منافيا لقولهم: إنها حسنة في العقل، لأن مرادهم بحسنها فيه ~~أنه لو كانت له قوة على إدراك حقائقها تامة، لأدركها حسنة، ومدركهم في ذلك ~~أن الله سبحانه وتعالى حكيم، فيستحيل عليه عقلا إهمال المصالح أن لا يأمر ~~بها، ويثيب عليها، وإهمال المفاسد أن لا ينهى عنها ويعاقب عليها، وما ~~استحال على الله تعالى وجب أن يستحيل عليه دائما في كل وقت، فلذلك قالوا: ~~إن ما ثبت بعد الشرع، فهو ثابت قبله، وإلا لكان المستحيل عليه سبحانه ~~وتعالى جائزا عليه في كل وقت من الأوقات، وهو محال. غاية ما في الباب أن ~~العقل أدرك الحسن والقبح في بعض الأوقات دون بعض، فلما ورد الشرع، كان ~~مؤكدا لحكم العقل فيما أدركه، كاشفا له عما لم يدركه. # أما الجمهور، فقالوا: الشرع منشئ الأحكام، ومخترع لها ولم يكن منها قبل ~~الشرع شيء، ولا يستقل العقل بإدراك شيء منها جزما بل جوازا، وهذا هو محز ~~الخلاف وغايته بين الطائفتين وهو أن إدراك العقل لإثابة الله سبحانه وتعالى ~~للطائع وعقابه للعاصي، هل هو إدراك جازم قاطع كما يدرك أنه حكيم عليم؟ أو ~~إدراك محتمل على جهة الجواز كما يدرك أنه سبحانه وتعالى يجوز أن يوقع المطر ~~غدا وأن لا يوقعه؟ وليس محل الخلاف ما يتوهمه كثير من الناس من أن العقل هو ~~الموجب والمحرم، بل الله سبحانه وتعالى هو الموجب والمحرم، والعقل يدرك ~~كونه موجبا # PageV01P405 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # إدراكا قاطعا أو جائزا على الخلاف. # ومدرك أهل السنة فيما قالوه عقلي وسمعي: # أما العقل: فهو ما دل على أن الله سبحانه وتعالى لا يجب عليه رعاية مصالح ~~الخلق، بل له أن يراعيها وأن يهملها، ويفعل فيهم ما يشاء. # وتقرير الدليل أن العالم حادث مسبوق بالعدم في أزمنة تقديرية غير ~~متناهية، فإحداث البارئ جل جلاله للعالم حين أحدثه إما أن يتضمن مصلحة أو ~~لا، فإن تضمن مصلحة، فقد أهمل مصلحة خلقه فيما سبق من الأزمنة غير ~~المتناهية أزلا، وإن لم يتضمن مصلحة، فقد أهمل مصلحتهم ms0207 أزلا وأبدا، فإهمال ~~مصلحتهم لازم على التقديرين، وإذا جاز عليه سبحانه وتعالى إهمال مصالح ~~خلقه، لم يبق للعقل طريق إلى الجزم برعايتها، وحينئذ يجوز أن يحرم عليهم ما ~~يصلحهم ويبيح لهم ما يفسدهم، ويجوز أن يعذب المطيع ويذمه وإن كان ذلك مفسدة ~~في حقه، ويثيب العاصي ويمدحه وإن كان ذلك مصلحة في حقه لا يستحقها، فقد بان ~~بهذا البرهان أن إدراك العقل الذم والمدح والثواب والعقاب على جهة الجواز ~~لا اللزوم، وهو المطلوب. # وأما السمعي فقوله سبحانه وتعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} ~~[الإسراء: 15] ، ونظائرها في القرآن متعددة. # PageV01P406 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ووجه دلالتها أنه نفى العقاب قبل ~~الشرع، ولو استقل العقل بإثباته لما صح نفيه ولتناقض دليل العقل والسمع، ~~وتناقضهما في نفس الأمر محال للإجماع على أن الشرع لم يرد بما ينافي العقل، ~~فإذا رأينا دليل العقل قد ناقض قاطع السمع وصريحه، علمنا أن ذلك شبهة عقلية ~~لا حجة. # المأخذ الثاني: أن الحسن والقبيح مشتقان من الحسن والقبح، فعند المعتزلة ~~أن المشتق منه وهو الحسن والقبح معنيان قائمان بالمشتق، وهما الحسن ~~والقبيح، كما أن الأسود والأبيض لما كانا مشتقين من السواد والبياض كانا - ~~أعني السواد والبياض - معنيين قائمين بالأسود والأبيض. # وإذا ثبت أن الحسن والقبح معنيان قائمان بالحسن والقبيح، كان إدراك ~~قيامهما بهما عقليا قياسا لإدراك بصيرة العقل لأحكام الأفعال على إدراك ~~البصر لأحكام الأجسام، وهذا معنى قولهم: إن قبحها لصفات قامت بها على ما ~~سبق ذكره في مسألة الواجب المخير، وعند الجمهور لا شيء من ذلك، بل الحسن: ~~ما أمر الله سبحانه وتعالى به أو أذن فيه، والقبيح: ما نهى عنه أو منع منه. ~~وما قرره المعتزلة فاسد من وجهين: # PageV01P407 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أحدهما: أنه قياس للأعراض على ~~الأجسام، وقد سبق أن قياس الشيء على غير جنسه لا يصح، وأن شرط القياس اتحاد ~~باب الأصل والفرع. # الوجه الثاني: سلمنا صحة القياس لكن يلزم منه قيام العرض بالعرض وهو ~~محال، أما لزوم قيام العرض بالعرض فلأن الأفعال أعراض، والحسن والقبح ~~والصفات أعراض، فلو قام الحسن ms0208 والقبح بالأفعال، لزم قطعا قيام العرض ~~بالعرض، وأما أن ذلك محال فلأن العرض ما لا يقوم بنفسه، فهو يحتاج إلى محل ~~يقوم به كالجوهر والجسم، فلو صح قيام الحسن والقبح بالأفعال لكانت الأفعال ~~جواهر وأجساما لا أعراضا وهو محال. # فإن قيل: إن السرعة والبطء تقوم بالحركة فيقال: حركة سريعة أو بطيئة، ~~وهما عرضان، فقد قام العرض بالعرض، وكذلك الشدة والضعف عرضان يقومان ~~بالألوان وهي أعراض، فيقال: سواد وبياض شديد أو ضعيف. # قلنا: السرعة والبطء قائمان بالمتحرك بواسطة الحركة لا بنفس الحركة، ~~وكذلك الشدة والضعف في الألوان، إنما قاما بالجسم المتلون لا باللون. # PageV01P408 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قلت: فهذا يظهر من قولهم: الأفعال ~~حسنة أو قبيحة بصفة، وعليه دل بحث المحققين من الأصوليين حيث ألزموهم قيام ~~العرض بالعرض. # وقال القرافي: القبح عند المعتزلة: هو المشتمل على صفة لأجلها يستحق ~~فاعله الذم، والحسن ما ليس كذلك، ومقصودهم بالصفة المفسدة. # قلت: وظاهر القولين الاختلاف، وربما أمكن التلطف إلى الجمع بينهما. ### | هل يجب على الله رعاية المصلحة # المأخذ الثالث: النزاع في مراعاة المصالح، فعندهم يجب على الله سبحانه ~~وتعالى رعاية مصالح خلقه، على معنى أن العقل يدرك وجوب ذلك منه جزما تحقيقا ~~للجود والعدل، ثم قالوا: لولا مراعاة المصالح والمفاسد، لكان تخصيص الفعل ~~المعين من بين سائر الأفعال بحكم معين من بين سائر الأحكام ترجيحا من غير ~~مرجح، فلما خص بعض الأفعال بالوجوب وبعضها بالتحريم وبعضها بالإباحة، دل ~~على أن الإيجاب لتحصيل المصلحة، والتحريم لدفعها، والإباحة لخلو الأفعال عن ~~مصلحة ومفسدة. # وعند الجمهور لا يجب على الله سبحانه وتعالى رعاية المصالح، وإنما يدرك ~~العقل ذلك منه على سبيل الجواز. # فأما ثبوت الأحكام في الأفعال، فيجوز أن يكون تعبدا محضا، ويجوز أن يكون ~~رعاية للمصالح تفضلا، وليس النزاع فيه، إنما النزاع في رعايتها وجوبا، ولله # PageV01P409 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # له سبحانه وتعالى أن يتفضل برعاية ~~المصالح، وأن لإكماله أن يتفضل بأنواع النعم من العافية والغنى والعز ~~والعلم وأن لا، وقد وقع ذلك مشاهدا في العالم، حيث الناس ما بين معافى ~~ومبتلى، وفقير وغني، ms0209 وعزيز وذليل، وعالم وجاهل. # فهذا ما أردنا إثباته من مسألة التحسين والتقبيح، لأن مدار مذهب المعتزلة ~~عليه. # وسيأتي إن شاء الله تعالى بين أيدينا مباحث تتعلق به وتحال عليه. # ومن فروعه، مسألة شكر المنعم، وأحكام الأفعال قبل الشرع، وتكليف ما لا ~~يطاق، وأحكام كثيرة من أحكام المعاش والمعاد. وقد ذكرة جملة من فروع هذا ~~الأصل في كتاب: «رد القول القبيح بالتحسين والتقبيح» ، والله سبحانه وتعالى ~~أعلم. # PageV01P410 # خاتمة: خطاب الوضع: ما استفيد بواسطة نصب الشارع علما ~~معرفا لحكمه، لتعذر معرفة خطابه في كل حال. وإن قيل: خطاب الشرع المتعلق ~~بأفعال المكلفين، لا بالاقتضاء ولا بالتخيير. صح، على ما سبق التنبيه عليه. # قوله: «خاتمة» ، أي: لهذا الفصل، ~~قد بينا عند تعريف الحكم أن خطاب الشرع إما اقتضائي أو وضعي. # قال الآمدي: الحكم خطاب الشارع المفيد فائدة شرعية. # وهو إما أن يكون من قبيل خطاب الطلب أو لا. # فإن كان الأول، فالطلب إما للفعل أو الترك، وكل منهما إما جازم أو غير ~~جازم. # فإن لم يكن طلبا، فهو إما تخيير أو لا، والأول الإباحة، والثاني: هو ~~الحكم الوضعي، كالصحة والبطلان، ونصب الأسباب، والشروط والموانع، وكون ~~الفعل إعادة، أو قضاء، أو أداء، أو رخصة، أو عزيمة. # هذا تقسيمه، وذكرته هاهنا تطرية لذهن الناظر بتصور الحكم وتقسيمه ~~وأقسامه، وتكميلا للقسمة إلى نوعي الخطاب، أعني: اللفظي والوضعي، ويسمى هذا ~~النوع: خطاب الوضع والإخبار. # أما معنى الوضع، فهو أن الشرع وضع، أي: شرع أمورا سميت أسبابا وشروطا ~~وموانع تعرف عند وجودها أحكام الشرع من إثبات أو نفي، فالأحكام توجد بوجود ~~الأسباب والشروط، وتنتفي لوجود الموانع وانتفاء الأسباب والشروط. # PageV01P411 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وأما معنى الإخبار، فهو أن الشرع ~~بوضع هذه الأمور أخبرنا بوجود أحكامه أو انتفائها عند وجود تلك الأمور أو ~~انتفائها، فكأنه قال مثلا: إذا وجد النصاب الذي هو سبب وجوب الزكاة، والحول ~~الذي هو شرطه، فاعلموا أني أوجبت عليكم أداء الزكاة، وإن وجد الدين الذي هو ~~مانع من وجوبها، أو انتفى السوم الذي هو شرط لوجوبها في السائمة، فاعلموا ms0210 ~~أني لم أوجب عليكم الزكاة. # وكذا الكلام في القصاص، والسرقة، والزنى، وكثير من الأحكام، بالنظر إلى ~~وجود أسبابها وشروطها، وانتفاء موانعها، وعكس ذلك. # عدنا إلى الكلام على ألفاظ «المختصر» . # قوله: «خطاب الوضع، ما استفيد بواسطة نصب الشارع علما معرفا لحكمه لتعذر ~~معرفة خطابه في كل حال» . # قلت: قد سبق بيان معنى الخطاب والوضع، ومعنى كون هذا خطاب وضع. # ومعنى هذه الجملة المذكورة أن التكليف بالشريعة لما كان دائما إلى انقضاء ~~الوجود بقيام الساعة، كما أجمع عليه المسلمون، وكان خطاب الشارع مما يتعذر ~~على المكلفين سماعه ومعرفته في كل حال على تعاقب الأعصار وتعدد الأمم ~~والقرون، لأن الشارع إما الله سبحانه وتعالى، وخطابه لا يعرفه المكلفون إلا ~~بواسطة الرسل عليهم السلام الملائكة إلى الأنبياء، أو الرسول صلى الله عليه ~~وسلم إلى الناس، وهو غير مخلد في الدنيا حتى يعرف خطاب الله تعالى وأحكامه ~~في الحوادث بواسطته في # PageV01P412 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # كل وقت، بل هو بشر عاش بين الناس ~~زمانا حتى عرفهم أحكام معاشهم ومعادهم، ثم صار إلى رحمة الله وكرامته، ~~اقتضت حكمة الشرع نصب أشياء تكون أعلاما على حكمه ومعرفات له، فكان ذلك ~~كالقاعدة الكلية في الشريعة، تحصيلا لدوام حكمها وأحكامها مدة بقاء ~~المكلفين في دار التكليف، وتلك الأشياء التي نصبت معرفات لحكم الشرع هي ~~الأسباب والشروط والموانع، كما سيأتي تفصيل القول فيها إن شاء الله سبحانه ~~وتعالى. # ومثال ذلك أن الصحابة رضوان الله عليهم في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يمكنهم لوجوده بينهم أن يسألوه عن حكم أعيان الحوادث بأشخاصها، فيجيبهم ~~عنها، ويبين لهم أحكامها، فلو اتفق في اليوم الواحد، مثلا، مائة زان أو ~~سارق أو شارب خمر، أمكنه أن يحكم في كل واحد منهم بحكم الله تعالى فيه، إما ~~باجتهاده أو بالوحي، وجاز أن تكون أحكامه فيهم متفقة ومختلفة، لأنه معصوم، ~~وأحكامه لا يعترض عليها بالأقيسة. # كما أنه صلى على الجهنية دون ماعز بن مالك مع أن كليهما مرجوم في الحد ~~بإقراره. # وقد وقع في الشرع من الجمع بين المختلفات، ms0211 والفرق بين المتماثلات، كما ~~سيأتي في القياس إن شاء الله تعالى. # PageV01P413 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أما من ليس بحضرة النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فيتعذر عليه معرفة حكم الله سبحانه وتعالى في كل حادثة بعينها، ~~فكان من الحكمة الشرعية وضع أمور كلية تكون معرفات لأحكام الشرع، كقوله: من ~~زنى محصنا، فارجموه، ومن سرق، فاقطعوه، ومن شرب المسكر فاجلدوه، ومن قتل أو ~~ارتد، فاقتلوه. وأشباه ذلك الجارية على أسبابها وعللها، فكان ذلك طريقا لنا ~~إلى معرفة الأحكام وانتظام الشريعة على الدوام. # فهذه الأحكام - أعني: وجوب الرجم والقطع والجلد والقتل ونحوها - هي التي ~~استفيدت بواسطة نصب الشارع أعلامها التي هي أسبابها وهي الزنى والسرقة ~~والشرب والقتل والردة، وهي - أعني الأحكام المذكورة - خطاب الوضع. # قوله: «وإن قيل: خطاب الشرع» ، أي: وإن قيل خطاب الوضع هو خطاب الشرع ~~«المتعلق بأفعال المكلفين لا بالاقتضاء ولا بالتخيير، صح على ما سبق ~~التنبيه عليه» . # قلت: هذا تعريف آخر لخطاب الوضع، وهو صحيح، وقد سبق التنبيه عليه عند ~~تعريف الحكم الطلبي، حيث حكينا عن بعض الأصوليين أنه قال فيه: هو خطاب الله ~~تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء، أو التخيير، أو الوضع، وأن قوله: ~~أو الوضع، ليتناول خطاب الوضع الذي نحن الآن نتكلم فيه. # فإذا قيل هاهنا: خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين لا بالاقتضاء، ~~ولا بالتخيير، لم يبق إلا خطاب الوضع المراد هاهنا، غير أن # PageV01P414 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # التعريف بمثل هذه العبارة المتضمنة ~~«لا» ، و «لا» فيه نافية، لأنه بمثابة من يقول في تعريف الإنسان: هو ما ليس ~~بفرس، ولا شاة، ولا ثور، ولا طائر، ويعد أنواع الحيوان وينفيها، وهو ~~مستكره، فلذلك قدمنا في خطاب الوضع التعريف الأول. # وقد سبق أيضا التنبيه على تعريف خطاب الوضع بتعريفه الثاني من تقسيم ~~الآمدي المذكور آنفا. # ثم هاهنا تنبيهات: # أحدها: أن خطاب الطلب هو الأصل، وخطاب الوضع على خلافه، لما ذكرناه من ~~تعذر خطاب اللفظ في كل حال، وقد لاح لك ذلك مما قررناه آنفا، فالأصل أن ~~يقول الشارع: أوجبت أو حرمت عليكم، أو افعلوا أو لا تفعلوا، ms0212 أو ارجموا هذا ~~الزاني، أو اقطعوا هذا الساق. # أما جعله الزنى والسرقة علما على الرجم والقطع، فهو خلاف الأصل من الوجه ~~الذي ذكرناه. # نعم خطاب الوضع يستلزم خطاب اللفظ، لأنه إنما يعلم به، كقوله سبحانه ~~وتعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] ، {الزانية ~~والزاني فاجلدوا كل واحد منهما} [النور: 2] ، وقوله عليه السلام: من بدل ~~دينه فاقتلوه، ونحو ذلك من الخطابات اللفظية المفيدة للأحكام الوضعية، ~~بخلاف خطاب اللفظ، فإنه لا يستلزم خطاب الوضع، كما لو قال لنا الشارع: ~~توضئوا لا عن حدث، فإن هذا خطاب لفظي بفعل مجرد عن سبب موضوع أو غيره. # PageV01P415 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الثاني: أن بعض الأصوليين يقسم ~~خطاب الشرع إلى خطاب تكليف وخطاب وضع، وهي قسمة من جهة أن المقصود من خطاب ~~الوضع هو التكليف، وكذلك ما فهم من قسمة الآمدي للحكم من أنه طلبي ووضعي، ~~هو متداخل أيضا، لأن مقصود خطاب الوضع الطلب، إذ لا معنى لخطاب الوضع، إلا ~~أن الشرع طلب منا عند قيام الأعلام التي نصبها، أو عند بعضها فعلا أو كفا، ~~كقوله: أوجبت عليكم عند وجود الزنى من هذا: رجمه، وعند وجود السرقة من هذا: ~~قطعه، وعند ملك النصاب ووجود الحول: الزكاة، وعند اجتماع الحلف والحنث: ~~الكفارة، ونحو ذلك كثير. # والصواب في القسمة أن يقال: خطاب الشرع إما لفظي أو وضعي، أي: إما ثابت ~~بالألفاظ نحو: {أقيموا الصلاة} [البقرة: 43] ، أو عند الأسباب ونحوها: ~~كقوله: إذا زالت الشمس، وجبت عليكم الظهر، فاللفظ أثبت وجوب الصلاة، والوضع ~~عين وقت وجوبها. # الثالث: قد عرف الفرق بين خطاب اللفظ والوضع من حيث الحد والحقيقة. # أما الفرق بينهما من حيث الحكم، فهو أن خطاب اللفظ الذي يعبر عنه بخطاب ~~التكليف، يشترط فيه علم المكلف وقدرته على الفعل وكونه من كسبه، كالصلاة، ~~والصيام، والحج، ونحوها على ما سبق في شروط التكليف. أما خطاب الوضع، فلا ~~يشترط فيه شيء من ذلك إلا ما يستثنى بعد إن شاء الله تعالى. # PageV01P416 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أما عدم اشتراط العلم، فكالنائم ~~يتلف شيئا حال نومه، والرامي إلى صيد في ظلمة أو ms0213 وراء حائل يقتل إنسانا، ~~فإنهما يضمنان ما أتلفا، وإن لم يعلما، وكالمرأة تحل بعقد وليها عليها، ~~وتحرم بطلاق زوجها، وإن كانت غائبة لا تعلم. # وأما عدم اشتراط القدرة والكسب، فكالدابة تتلف شيئا، والصبي أو البالغ ~~يقتل خطأ، فيضمن صاحب الدابة والعاقلة، وإن لم يكن الإتلاف والقتل مقدورا ~~ولا مكتسبا لهم، وطلاق المكره عند موقعه وهو غير مقدور له بمطلق الإكراه أو ~~مع الإلجاء، كما سبق في موضعه. # أما المستثنى من عدم اشتراط العلم والقدرة فهو قاعدتان: # إحداهما: أسباب العقوبات، كالقصاص لا يجب على مخطئ في القتل لعدم العلم، ~~وحد الزنى لا يجب على من وطئ أجنبية يظنها زوجته، لعدم العلم أيضا، ولا على ~~من أكره على الزنى لعدم القدرة على الامتناع، إذ العقوبات تستدعي وجود ~~الجنايات التي تنتهك بها حرمة الشرع زجرا عنها وردعا، والانتهاك إنما يتحقق ~~مع العلم والقدرة والاختيار، والقادر المختار هو الذي إن شاء فعل وإن شاء ~~ترك، والجاهل والمكره قد انتفى ذلك فيه، وهو شرط تحقق الانتهاك، فينتفي ~~الانتهاك لانتفاء شرطه، فتنتفي العقوبة لانتفاء سببها. # القاعدة الثانية: الأسباب الناقلة للأملاك، كالبيع، والهبة، والصدقة، ~~والوصية، ونحوها: يشترط فيها العلم والقدرة، فلو تلفظ بلفظ ناقل للملك، وهو ~~لا يعلم مقتضاه لكونه أعجميا بين العرب، أو عربيا بين العجم، أو طارئا على ~~بلد الإسلام، أو أكره على ذلك، لم يلزمه مقتضاه، لقوله عليه السلام: لا يحل ~~مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه، وقوله سبحانه وتعالى: {إلا أن تكون ~~تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] ، ولا يحصل الرضى إلا مع العلم ~~والاختيار. # PageV01P417 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والحكمة في استثناء هاتين ~~القاعدتين التزام الشرع قانون العدل في الخلق والرفق بهم، وإعفائهم من ~~تكليف المشاق، أو التكليف بما لا يطاق. # ومن هذا الباب: لو لفظ أعجمي بلفظ الطلاق، أو عربي بلفظ الطلاق عند ~~العجم، وهو «بهشنم» ولم يعلما معناه، لم يقع عند أحمد والشافعي. وقيل: إن ~~نوى موجبه عند أهله وقع، وإلا فلا. وليس هذا القول واردا على القاعدة، لأنه ~~حينئذ مختار عالم، غاية ما ms0214 هناك أن علمه مبهم غير معين، لكن ذلك لا يقدح في ~~ترتب الحكم على النية. # PageV01P418 # وللعلم المنصوب أصناف # أحدها ### | العلة، # وهي في الأصل العرض الموجب لخروج البدن الحيواني عن الاعتدال الطبيعي. ثم ~~استعيرت عقلا لما أوجب الحكم العقلي لذاته، كالكسر للانكسار، والتسويد ~~للسواد. ثم استعيرت شرعا لمعان: أحدها: ما أوجب الحكم الشرعي لا محالة، وهو ~~المجموع المركب من مقتضى الحكم وشرطه ومحله وأهله، تشبيها بأجزاء العلة ~~العقلية. الثاني: مقتضى الحكم، وإن تخلف لفوات شرط، أو وجود مانع. الثالث: ~~الحكمة، كمشقة السفر للقصر والفطر، والدين لمنع الزكاة، والأبوة لمنع ~~القصاص. # قوله: «وللعلم المنصوب أصناف» ، ~~أي: العلم الذي نصبه الشارع معرفا للحكم له أصناف، وإن شئت قلت: أنواع أو ~~أقسام، كالعلة، و ### | السبب، # والشرط، ونحوه مما ذكر، فالعلم كالجنس، وهذه أنواعه، أو كالنوع، وهذه ~~أصنافه. # والعلم في اللغة: العلامة، ومنه علم الطريق، وهو أنصاب من حجارة أو غيرها ~~شاخصة يستدل بها عليه. # قوله: «أحدها» ، أي: أحد أصناف العلم «العلة» . قوله: «وهي» ، يعني: ~~العلة، «في الأصل» ، أي: في أصل الوضع اللغوي أو الاصطلاحي: هي «العرض ~~الموجب لخروج البدن الحيواني عن الاعتدال الطبيعي» ، وذلك لأن العلة في ~~اللغة هي المرض، والمرض هو هذا العرض المذكور، وهو في اللغة: الظاهر بعد أن ~~لم يكن. قال الجوهري: عرض له أمر كذا يعرض، أي: ظهر، وفي اصطلاح # PageV01P419 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المتكلمين: هو ما لا يقوم بنفسه، ~~كالألوان، والطعوم، والحركات، والأصوات، وهو كذلك عند الأطباء، لأنه عندهم ~~عبارة عن حادث ما، إذا قام بالبدن أخرجه عن الاعتدال. # وقولنا: «الموجب لخروج البدن» هو إيجاب حسي، كإيجاب الكسر للانكسار، ~~والتسويد، للاسوداد، فكذلك الأمراض البدنية موجبة لاضطراب الأبدان إيجابا ~~محسوسا. # وقولنا: «البدن الحيواني» احتراز من النباتي والجمادي، فإن الأعراض ~~المخرجة لها عن حال اعتدال ما من شأنه الاعتدال منها لا يسمى في الاصطلاح ~~عللا. # وقولنا: «عن الاعتدال الطبيعي» هو إشارة إلى حقيقة المزاج، وهو الحال ~~المتوسطة الحاصلة عن تفاعل كيفيات العناصر بعضها في بعض على ما أوضحته في ~~القواعد، فتلك الحال هي الاعتدال الطبيعي، ms0215 فإذا انحرفت عن التوسط بغلبة ~~الحرارة، أو البرودة، أو الرطوبة، أو اليبوسة، كان ذلك هو انحراف المزاج، ~~وهو العلة والمرض والسقم. # قوله: «ثم استعيرت عقلا» ، إلى آخره، أي: ثم استعيرت العلة من الوضع ~~اللغوي، فجعلت في التصرفات العقلية «لما أوجب الحكم العقلي لذاته، كالكسر ~~للانكسار، والتسويد» الموجب، أي: المؤثر «للسواد» لذاته، أي: لكونه كسرا، ~~أو تسويدا، لا لأمر خارج من وضع أو اصطلاح. # وهكذا العلل العقلية هي مؤثرة لذواتها بهذا المعنى، كالتحرك الموجب ~~للحركة، والتسكين الموجب للسكون. # «ثم استعيرت» العلة من التصرف العقلي إلى التصرف الشرعي، فجعلت فيه # PageV01P420 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # «لمعان» ثلاثة: # «أحدها: ما أوجب الحكم الشرعي» ، أي: ما وجد عنده «لا محالة» ، أي: يوجد ~~عنده قطعا ولابد «وهو المجموع المركب من مقتضى الحكم وشرطه ومحله وأهله ~~تشبيها بأجزاء العلة العقلية» . # وذلك أن الفلاسفة والمتكلمين وغيرهم قالوا: كل حادث، فلابد له من علة، ~~لكن العلة إما مادية: كالفضة للخاتم، والخشب للسرير، أو صورية: كاستدارة ~~الخاتم، وتربيع السرير، أو فاعلية: كالصائغ والنجار، أو غائية: كالتحلي ~~بالخاتم، والنوم على السرير. فهذه أجزاء العلة العقلية، ومجموعها المركب من ~~أجزائها هو العلة التامة، فكذلك استعمل الفقهاء لفظ العلة بإزاء الموجب ~~للحكم الشرعي، فالموجب له لا محالة هو مقتضيه وشرطه ومحله وأهله. # مثاله: وجوب الصلاة: حكم شرعي، ومقتضيه: أمر الشارع بالصلاة، وشرطه: ~~أهلية المصلي لتوجه الخطاب إليه بأن يكون عاقلا بالغا، ومحله: الصلاة، ~~وأهله: المصلي. # وكذلك حصول الملك في البيع، والنكاح: حكم شرعي، ومقتضيه: حكمة الحاجة ~~إليهما، والإيجاب والقبول فيهما، وشرطه: ما ذكر من شروط صحة البيع والنكاح ~~في كتب الفقه، ومحله: هو العين المبيعة والمرأة المعقود عليها، وأهله: كون ~~العاقد صحيح العبارة والتصرف. # وافرض مثل ذلك في الزنى والقتل والردة، وقطع الطريق، فإن وجوب العقوبات ~~فيها أحكام لها مقتضيات وشروط ومحال وأهل، وهي ظاهرة. # PageV01P421 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قال الشيخ أبو محمد: فلا فرق بين ~~المقتضي والشرط والمحل والأهل، بل العلة المجموع، والأهل والمحل وصفان من ~~أوصافها. # قلت: الأولى أن يقال: هما ركنان من أركانها، لأنه قد ثبت أنهما جزءان ms0216 من ~~أجزائها، وركن الشيء: هو جزؤه الداخل في حقيقته. # وبالجملة فهذه الأشياء الأربعة مجموعها يسمى علة، ومقتضى الحكم: هو ~~المعنى الطالب له، وشرطه: يأتي بيانه إن شاء الله تعالى، وأهله: هو المخاطب ~~به، ومحله: ما تعلق به. وقد بان المثال. # قوله: «الثاني» أي: الثاني من المعاني الثلاثة التي استعيرت لها العلة ~~الشرعية، وهو «مقتضى الحكم وإن تخلف» ، أي: وإن تخلف عنه الحكم «لفوات شرط ~~أو وجود مانع» ، مثاله: اليمين هي المقتضي لوجوب الكفارة، فتسمى علة له، ~~وإن كان وجوب الكفارة إنما يتحقق بمجموع أمرين: الحلف الذي هو اليمين ~~والحنث فيها، لكن الحنث شرط في الوجوب، والحلف هو السبب المقتضي له فقالوا: ~~هو علة، فإذا حلف الإنسان على فعل شيء أو تركه، قيل: قد وجدت منه علة وجوب ~~الكفارة، وإن كان الوجوب لا يوجد حتى يحنث، وإنما هو بمجرد الحلف، انعقد ~~سببه. وكذا الكلام في مجرد ملك النصاب، يقال: وجدت علة وجوب الزكاة، لأن ~~ملك النصاب مقتض له، وإن لم يتحقق الوجوب إلا بعد # PageV01P422 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # حؤول الحول، ولكن بملك النصاب، ~~انعقد سبب الوجوب. وكذلك الجرح علة لوجوب القصاص أو الدية، وزهوق نفس ~~المجروح شرط. ولهذا لما انعقدت أسباب الوجوب بمجرد هذه المقتضيات، جاز فعل ~~الواجب بعد وجودها وقبل وجود شرطها عندنا، كالتكفير قبل الحنث، وإخراج ~~الزكاة قبل الحول. # وقوله: «لفوات شرط» ، كالقتل العمد العدوان: يسمى علة لوجوب القود، وإن ~~تخلف وجوبه لفوات المكافأة، وهي شرط له، بأن يكون المقتول عبدا أو كافرا، ~~«أو لوجود مانع» ، مثل: إن كان القاتل والدا، فإن الإيلاد مانع من وجوب ~~القصاص، وكذلك النصاب يسمى: علة لوجوب الزكاة، وإن تخلف الوجوب لفوات شرط، ~~كحؤول الحول، أو لوجود مانع، كالدين، فإنه مانع لوجوب الزكاة. # قوله: «الثالث» ، أي: من المعاني الثلاثة التي استعيرت لها العلة في ~~الشرع، وهو حكمة الحكم، «كمشقة السفر للقصر والفطر، والدين لمنع الزكاة، ~~والأبوة لمنع القصاص» ، فيقولون: مشقة السفر هي علة استباحة القصر، والفطر ~~للمسافر، والدين في ذمة مالك النصاب علة لمنع وجوب الزكاة، والأبوة، أي: ms0217 ~~كون القاتل أبا، علة لمنع وجوب القصاص. # والمراد بحكمة الحكم: هو المعنى المناسب الذي نشأ عنه الحكم. # وبيان المناسبة في هذه الصور: أن حصول المشقة على المسافر معنى مناسب # PageV01P423 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لتخفيف الصلاة عنه بقصرها والتخفيف ~~عنه بالفطر، وانقهار مالك النصاب بالدين الذي عليه معنى مناسب لإسقاط وجوب ~~الزكاة عنه، وكون الأب سبب وجود الولد معنى مناسب لسقوط القصاص، لأنه لما ~~كان سبب إيجاده لم تقتض الحكمة أن يكون الولد سبب إعدامه وهلاكه لمحض حقه. # واحترزنا بهذا عن وجوب رجمه إذا زنى بابنته، فهي إذا سبب إعدامه مع كونه ~~سبب إيجادها، لكن ذلك لمحض حق الله سبحانه وتعالى، حتى لو قتلها، لم يجب ~~قتله بها، لأن الحق لها. # PageV01P424 # الثاني ### | : السبب، # وهو لغة ما توصل به إلى الغرض، واشتهر استعماله في الحبل أو بالعكس. ~~واستعير شرعا لمعان: أحدها: ما يقابل المباشرة، كحفر البئر مع التردية، ~~فالأول سبب، والثاني: علة. الثاني: علة العلة، كالرمي، هو سبب للقتل، وهو ~~علة الإصابة التي هي علة الزهوق. الثالث: العلة بدون شرطها، كالنصاب بدون ~~الحول. الرابع: العلة الشرعية كاملة، وسميت سببا، لأن عليتها ليست لذاتها، ~~بل بنصب الشارع لها، فأشبهت السبب، وهو ما يحصل الحكم عنده لا به. # قوله: «الثاني» : أي: من أصناف ~~العلم المنصوب، والذي سبق الكلام فيه هي المعاني الثلاثة التي استعملت فيها ~~العلة، فالثاني من أصناف العلم المعرف لحكم الشرع بطريق الوضع هو «السبب» . # «وهو لغة» ، أي: في اللغة: «ما توصل به إلى الغرض» المقصود. # قال الشيخ أبو محمد وأبو حامد: السبب في اللغة عبارة عما يحصل الحكم عنده ~~لا به، والصحيح ما ذكرته. # قال الجوهري: السبب: الحبل، والسبب أيضا: كل شيء يتوصل به إلى غيره. نعم ~~حكم السبب ما ذكره من أن الحكم يوجد عنده لا به، لأنه ليس بمؤثر في الوجود، ~~بل وصلة ووسيلة إليه، فالحبل مثلا يتوصل به إلى إخراج الماء من البئر، وليس ~~هو المؤثر في الإخراج، إنما المؤثر حركة المستقي للماء. فأما قوله تعالى: ~~{فليمدد بسبب إلى السماء} [الحج: 15] فهو ms0218 الحبل أيضا، والمعنى: من كان يظن ~~أن لن يرزقه الله، فليمدد حبلا إلى سماء بيته، وليجعله في حلقه، ثم يصلب ~~نفسه حتى يختنق، وقيل: من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا صلى الله عليه ~~وسلم فليخنق نفسه، # PageV01P425 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وكان قوم من المسلمين يستبطئون ~~نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية فيهم، وقيل فيه غير ~~ذلك. # قوله: «واشتهر استعماله في الحبل أو بالعكس» ، أي: السبب في وضع اللغة ما ~~ذكر، واشتهر استعماله في عرف اللغة في الحبل، أو أنه في وضع اللغة الحبل، ~~واشتهر في العرف استعماله فيما توصل به إلى الغرض. هذا معنى العكس المراد ~~هنا. # واعلم أن هذا تردد في وقت الاختصار، فإني لم أطالع عليه شيئا من كتب ~~اللغة الموثوق بها. ثم إني رأيت السبب يطلق في العرف واللغة على الحبل، وهو ~~مشهور فيه، ومع ذلك رأيت أن كل ما توصل به إلى مقصود ما، فهو سبب له، ورأيت ~~أن الأصل عدم الاشتراك، فبقيت مترددا بين أن السبب موضوع لما توصل به إلى ~~الغرض متعارف في الحبل، أو موضوع للحبل متعارف فيما توصل به إلى الغرض ~~فأطلقت القول بالتردد حذرا من الخطأ في الجزم بأحد التقديرين، فالآن عند ~~الشرح طالعته في «الصحاح» ، فوجدته مشتركا بين الأمرين، كما حكيته لك آنفا. # قوله: «واستعير شرعا» ، أي: واستعير السبب من الوضع اللغوي إلى التصرف ~~الشرعي «لمعان» أربعة: # «أحدها: ما يقابل المباشرة، كحفر البئر مع التردية» فيها، فإذا حفر شخص ~~بئرا، ودفع آخر إنسانا فتردى فيها فهلك، «فالأول» ، وهو الحافر، «سبب» إلى ~~هلاكه، # PageV01P426 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # «والثاني» ، وهو الدافع، مباشر له، ~~فأطلق الفقهاء السبب على ما يقابل المباشرة، فقالوا: إذا اجتمع المتسبب ~~والمباشر، غلبت المباشرة، ووجب الضمان على المباشر، وانقطع حكم المتسبب. # ومن أمثلته: لو ألقاه من شاهق، فتلقاه آخر بسيف، فقده، فالضمان على ~~المتلقي بالسيف، ولو ألقاه في ماء مغرق، فتلقاه حوت؛ فابتلعه؛ فالضمان على ~~الملقي؛ لعدم قبول الحوت للضمان، لولا ذلك لكان الضمان عليه؛ لأنه المباشر، ~~وكذا لو فتح قفصا ms0219 عن طائر، بحيث لو ترك طار؛ فأخذه إنسان من القفص في يده، ~~ثم أطلقه، كان الضمان على هذا، لأنه المباشر لتفويته، ولو حل وعاء مائع، ~~بحيث لو ترك سال؛ فجاء آخر فدفقه؛ فالضمان عليه؛ لأنه المباشر. وكذلك ما ~~أشبه هذه الصور. # وقولي: «فالأول سبب، والثاني علة» : إشارة إلى الحفر والتردية؛ لأنهما ~~مصدران، والمتسبب والمباشر فاعلان. # «الثاني» من المعاني التي استعير لها لفظ السبب شرعا «علة العلة، كالرمي» ~~، سمي سببا للقتل، وهو - أعني الرمي - علة الإصابة، والإصابة علة لزهوق ~~النفس الذي هو القتل؛ فالرمي هو علة علة القتل، وقد سموه سببا له. # PageV01P427 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # «الثالث» من المعاني التي استعير ~~لها لفظ السبب «العلة بدون شرطها» ، كالنصاب بدون حولان الحول يسمى سببا ~~لوجوب الزكاة كما تقدم في تسميته علة. «الرابع» من المعاني المذكورة: ~~«العلة الشرعية كاملة» وهي المجموع المركب من المقتضي والشرط وانتفاء ~~المانع ووجود الأهل والمحل يسمى سببا. # قوله: «وسميت سببا» إلى آخره، إشارة إلى بحث عقلي، وهو أن العلل العقلية ~~موجبة لوجود معلولها، كما عرف من الكسر للانكسار، وسائر الأفعال مع ~~الانفعالات، فإنه متى وجد الفعل القابل، وانتفى المانع، وجد الانفعال بخلاف ~~الأسباب، فإنه لا يلزم من وجودها وجود مسبباتها. ومثله بعضهم بتسميد الزرع، ~~وهو إطعامه التراب لينمو، فإنه لا يلزم منه النمو، بل قد ينمو، وقد لا. ~~وإذا ثبت هذا، فنحن قد سمينا العلة الشرعية الكاملة التي يلزم من وجودها ~~وجود معلولها سببا، مع أن السبب لا يلزم من وجوده وجود مسببه، وهذا تسمية ~~للعلة بدون اسمها، ووضع لها دون موضعها، فهذا سؤال مقدر، وجوابه ما ذكر، ~~وهو أن العلة العقلية عليتها لذاتها، أي هي مؤثرة في معلولها لذاتها لا ~~بواسطة، والعلة # PageV01P428 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الشرعية وإن كانت كاملة، ويلزم من ~~وجودها وجود معلولها، وهو الحكم الشرعي، لكن عليتها ليست لذاتها، بل بواسطة ~~نصب الشارع لها؛ فضعفت لذلك عن العلة العقلية، فأشبهت السبب الذي حكمه أن ~~يحصل عنده لا به، كما بينا قبل، وحيث أشبهت السبب من هذا الوجه سميت سببا. # والدليل على أن ms0220 العلة الشرعية ليست مؤثرة بذاتها، أنها قد كانت موجودة ~~قبل الشرع، ولم توجد أحكامها، كالإسكار في الخمر، والكيل في البر، ونحوه، ~~ولم يوجد التحريم، والربا، ولو كانت موجبة لحكمها بذاتها لما تخلفت عنها ~~أحكامها في وقت ما مع زوال مانعها من التأثير، كما لا يتخلف الانفعال عن ~~الفعل، فبان بهذا أن تأثيرها وضعي لا ذاتي. والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV01P429 # الثالث ### | : الشرط، # وهو لغة: العلامة، ومنه {جاء أشراطها} ، وشرعا: ما لزم من انتفائه انتفاء ~~أمر على غير جهة السببية. كالإحصان والحول، ينتفي الرجم والزكاة ~~لانتفائهما. وهو عقلي، كالحياة للعلم، ولغوي، كدخول الدار لوقوع الطلاق ~~المعلق عليه. وشرعي، كالطهارة للصلاة. وعكسه المانع، وهو ما يلزم من وجوده ~~عدم الحكم. ونصب هذه الأشياء، مفيدة مقتضياتها، حكم شرعي. إذ لله تعالى في ~~الزاني حكمان: وجوب الحد وسببه الزنى له. # قوله: «الثالث: الشرط» أي: الثالث ~~من أصناف العلم الشرعي المعرف للحكم الوضعي، هو الشرط. # «وهو لغة» : أي: في اللغة: «العلامة» لأنه علامة على المشروط، ومنه قوله ~~تعالى: {فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها} [محمد: 18] ~~، أي: علاماتها، كذا ذكر الشيخ أبو محمد. # وقال الجوهري: الشرط معروف - يعني: بالسكون - والشرط بالتحريك: العلامة، ~~وأشراط الساعة: علاماتها. # قلت: ومع اتفاق المادة لا أثر لاختلاف الحركات، والكل ثابت عن أهل اللغة. ~~قوله: «وشرعا» أي: والشرط في الشرع «ما لزم من انتفائه انتفاء أمر على غير ~~جهة السببية» . # فقولنا: ما لزم من انتفائه انتفاء أمر، يتناول الشرط، والسبب، وجزء ~~السبب، فإن الشرط يلزم من انتفائه انتفاء المشروط، كالإحصان الذي هو شرط ~~وجوب رجم الزاني، ينتفي وجوب الرجم لانتفائه، فلا يرجم إلا محصن. وكالحول ~~الذي هو شرط وجوب الزكاة، ينتفي وجوبها لانتفائه، فلا تجب إلا بعد تمام ~~الحول، وهذا # PageV01P430 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # معنى قوله: «كالإحصان والحول ينتفي ~~الرجم والزكاة لانتفائهما» . # والسبب الذي هو العلة الكاملة أو العلة بدون شرطها، ينتفي الحكم الذي هو ~~معلولها بانتفائها، أو بانتفاء جزء منها، كانتفاء البيع لانتفاء العقد ~~والمتعاقدين وشروط الصحة وانتفاء جزء من ذلك، وكانتفاء ms0221 الحد والزكاة ~~لانتفاء الزنى والنصاب. # ولما كان قولنا: ما لزم من انتفائه انتفاء أمر يتناول السبب أيضا؛ فيكون ~~الحد غير مانع قال: «على غير جهة السببية» ليخرج السبب وجزؤه. وثم تحقيق ~~يتعلق بالسبب والشرط، وجزئهما يذكر فيما بعد إن شاء الله تعالى. # قوله: «وهو عقلي» إلى آخره، أي: والشرط على أضرب: عقلي ولغوي وشرعي. # فالعقلي: «كالحياة للعلم» ، فإنها شرط له، إذ لا يعقل عالم إلا وهو حي، ~~فالحياة يلزم من انتفائها انتفاء العلم، إذ الجسم بدونها جماد، وقيام العلم ~~بالجماد محال. نعم لا يلزم من انتفاء العلم انتفاء الحياة، كما في الحيوان ~~البهيم، وسبب ذلك أن الشرط لازم للمشروط، والقاعدة العقلية أن الملزوم ~~ينتفي بانتفاء لازمه، ولا يلزم انتفاء اللازم لانتفاء ملزومه، لكن هذا في ~~الحقيقة استدلال على الشيء بنفسه، إذ للسائل أن يقول: ولم قلتم: إن الشرط ~~لازم للمشروط؟ فإن هذا هو قولكم: الشرط يلزم من انتفائه انتفاء مشروطه، كما ~~يقال: اللازم ما يلزم من انتفائه انتفاء الملزوم، وإنما سمي هذا شرطا ~~عقليا، لأن العقل أدرك لزومه لمشروطه، وعدم تصور انفكاكه عنه، كما أدرك ~~لزوم الحياة للعلم. # PageV01P431 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والشرط اللغوي: «كدخول الدار لوقوع ~~الطلاق» أو العتاق «المعلق عليه» فيما إذا قال لزوجته: إن دخلت الدار، فأنت ~~طالق، أو لأمته: إن دخلت الدار، فأنت حرة. فدخول الدار شرط لوقوع الطلاق ~~والحرية ولازم له حتى إنه مادام الدخول منتفيا، فالطلاق والحرية منتفيان، ~~وإذا وجد الدخول وجد الطلاق والحرية. # والشرط الشرعي: «كالطهارة للصلاة» فإنه يلزم من انتفاء الطهارة انتفاء ~~صحة الصلاة، ولا يلزم من وجودها وجود صحة الصلاة، لجواز انتفائها لانتفاء ~~شرط آخر. # تنبيه: وللشرط قسم رابع، وهو العادي، كالغذاء للحيوان، والغالب فيه أنه ~~يلزم من انتفاء الغذاء [انتفاء] الحياة، ومن وجوده وجودها، إذ لا يتغذى إلا ~~حي، فعلى هذا الشرط العادي كاللغوي، في أنه مطرد منعكس، ويكونان من قبيل ~~الأسباب، لا من قبيل الشروط، ولهذا قال بعض الفضلاء: الشروط اللغوية أسباب، ~~لأنه يلزم من وجودها الوجود ومن عدمها العدم بخلاف الشروط العقلية. ms0222 # وقد اختلف في الحيات في الشتاء تحت الأرض، فقيل: تتغذى بالتراب، وقيل: لا ~~تتغذى مدة مكثها تحت الأرض، فعلى هذا لم يلزم من انتفاء الغذاء في حقها ~~انتفاء الحياة، فينعكس الحال، وتصير الحياة هي شرط الغذاء، إذ يلزم من ~~انتفاء الحياة انتفاؤه. واعلم أن مكث الحية مدة الشتاء بغير غذاء بعيد جدا، ~~وقد جاء عن وهب وغيره أن الله تعالى لما مسخها، وأخرجها من الجنة، قال لها: ~~«إني # PageV01P432 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # جعلت مسكنك الظلمات، وطعامك ~~التراب» . وإن سلم أنها تمكث بغير غذاء ظاهر، لكنها تستعد من الصيف للشتاء ~~بأن تأكل فيه ما يكفيها بحسب الإلهام الإلهي. # قوله: «وعكسه» ، أي: وعكس الشرط «المانع، وهو ما يلزم من وجوده عدم ~~الحكم» كالدين مع وجوب الزكاة، والأبوة مع القصاص. # ووجه العكس فيه أن الشرط ينتفي الحكم لانتفائه، والمانع ينتفي الحكم ~~لوجوده. فوجود المانع وانتفاء الشرط سواء في استلزامهما انتفاء الحكم، ~~وانتفاء المانع ووجود الشرط سواء في أنهما لا يلزم منهما وجود الحكم ولا ~~عدمه. # تنبيه، يتضمن ### | فوائد، # كالتكملة لما في «المختصر» : # إحداهن: في الكلام على السبب والشرط والمانع. # قال الآمدي: السبب عبارة عن وصف ظاهر منضبط دل الدليل الشرعي على كونه ~~معرفا لثبوت حكم شرعي، طرديا كان، كجعل زوال الشمس سببا للصلاة، أو غير ~~طردي، كالشدة المطربة، سواء اطرد الحكم معه أو لم يطرد. # قلت: قوله: وصف، احتراز من الذوات، فإنها لا تكون أسبابا. # وقوله: ظاهر: احتراز من الوصف الخفي، فإنه لا يصلح أن يكون معرفا، فلا ~~يكون سببا. # وقوله: منضبط احتراز مما لا ينضبط، فإنه لا يتحقق وجوده حتى يترتب # PageV01P433 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الحكم عليه، وقد يمثل الخفي وغير ~~المنضبط جميعا بخروج الحدث حال النوم، وبحقيقة المشقة في السفر، وكذلك ربط ~~الحكم بوجود النوم والسفر لانضباطهما. # وقوله: سواء كان طرديا، أي: غير مناسب عقلا، أو غير طردي، أي: مناسبا ~~عقلا، كالشدة المطربة، فإنها تناسب تحريم الخمر، بخلاف الزوال ونحوه، فإنه ~~لا يناسب عقلا وجوب الصلاة عنده، وإنما ثبت ذلك شرعا، ولولاه ما ثبت. # وقوله: اطرد الحكم أو لم ms0223 يطرد: إشارة إلى أن السبب الشرعي يجوز تخصيصه، ~~وهو المسمى تخصيص العلة، إذ لا معنى لتخصيص العلة إلا وجود حكمها في بعض ~~صور وجودها دون بعض، وهو عدم الاطراد. # وقال القرافي: السبب ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم لذاته. # فالأول: احتراز من الشرط، لأنه لا يلزم من وجوده الوجود. # والثاني: احتراز من المانع، لأنه لا يلزم من عدمه وجود ولا عدم. # والثالث: احتراز مما لو قارن السبب فقدان الشرط أو وجود المانع، كالنصاب ~~قبل تمام الحول، أو مع وجود الدين، فإنه لا يلزم من وجوده الوجود، لكن لا ~~لذاته، بل لأمر خارج عنه، وهو انتفاء الشرط ووجود المانع، وكذلك لو خلف ~~السبب سبب آخر لم يلزم من عدمه العدم، كالزنى إذا عدم، لا يلزم من عدمه عدم ~~الجلد، لجواز ثبوته بالقذف، وكالردة إذا انتفت، لا يلزم انتفاء القتل لجواز ~~ثبوته بترك الصلاة أو قصاصا، لكن كونه لم يلزم من عدمه العدم لا لذاته بل ~~لأمر خارج، وهو كون السبب الآخر خلفه. # قلت: وفي هذا نظر، لأن المراد به يلزم من عدمه عدم حكمه الخاص به المترتب ~~عليه لا مطلقا، وحكم السبب الخالف غير حكم السبب الزائل، إذ الجلد # PageV01P434 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بالقذف غير الجلد بالزنى. # وأما الشرط، فقال القرافي: هو ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده ~~الوجود ولا العدم لذاته. # فالأول احتراز من المانع. # قلت: لأنه لا يلزم من عدمه وجود ولا عدم، كالدين: يجوز وجوب الزكاة مع ~~انتفائه لوجود الغنى، وعدم وجوبها لوجود الفقر مع انتفاء الدين. # والثاني: احتراز من السبب والمانع أيضا. أما من السبب، فلأنه يلزم من ~~وجوده الوجود لذاته كما سبق، وأما من المانع فلأنه يلزم من وجوده العدم. # والثالث: احتراز من مقارنة الشرط وجود السبب، فيلزم الوجود، أو قيام ~~المانع، فيلزم العدم، لكن لا لذاته، وهو كونه شرطا، بل لأمر خارج، وهو ~~مقارنة السبب، أو قيام المانع، وقيل: الشرط عبارة عن وصف ظاهر منضبط دل ~~الدليل الشرعي على انتفاء الحكم عند انتفائه، ثم ms0224 إن كان عدمه مخلا بحكمه ~~السبب فهو شرط السبب كالحول في الزكاة، فإن عدمه مخل بحكمة النصاب، إذ ~~حكمته الغنى، وكمال الغنى بالحول لتحقق تنمية المال لمن أرادها، فتحتمل ~~المواساة، فعدم تمام الحول مخل بحكمة السبب، فهو شرط السبب، وإن كان عدمه ~~مشتملا على حكمة مناقضة لحكمة السبب مع بقائها، فهو شرط الحكم، وذلك ~~كانتفاء الأبوة هو شرط في وجوب القصاص، فعدم هذا الشرط وهو ثبوت الأبوة، ~~غير مخل بحكمة السبب، وهي القتل قصاصا، إذ لو قتل الأب بولده، لحصلت ~~الحكمة، وهي الزجر، لكنه مشتمل # PageV01P435 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # على حكمة مناقضة لحكمة السبب، وهي ~~قتل الأب قصاصا من جهة أن ذلك يقتضي إعدام الأب، وكونه سبب وجود الابن ~~يقتضي استبقاءه كما سبق، فتناقضت الحكمتان: حكمة السبب، وحكمة انتفاء ~~الشرط. # وأما المانع: فهو ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود، ولا ~~عدم لذاته. # فالأول: احتراز من السبب، لأنه يلزم من وجوده الوجود. # والثاني: احتراز من الشرط، لأنه يلزم من عدمه العدم. # والثالث: احتراز من مقارنة عدمه لوجود السبب، فإنه يلزم الوجود لا لعدم ~~المانع بل لوجود السبب. # ثم قال الآمدي: هو منقسم إلى مانع الحكم، وهو كل وصف وجودي ظاهر منضبط، ~~مقتضاه نفي السبب مع بقاء حكمة السبب، كالأبوة في القصاص. # وإلى مانع السبب، وهو كل وصف وجودي يخل وجوده بحكمة السبب يقينا، كالدين ~~في الزكاة. # قلت: ومثاله قد ظهر مما ذكرناه في الشرط. # ثم المعتبر من السبب والشرط وجودهما، ومن المانع انتفاؤه. # قلت: ومدار هذا الفصل على كلام الآمدي والقرافي. # الفائدة ### | الثانية: في فروق نافعة تتعلق بالعلة والشرط: # فمنها: أن الشرط وجزأه وجزء العلة كل منهما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم ~~من وجوده وجود ولا عدم، فهي تلتبس. والفرق أن مناسبة الشرط، وجزأه في غيره، ~~ومناسبة جزء العلة في نفسه. # PageV01P436 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مثاله: الحول: مناسبته في السبب ~~الذي هو النصاب لتكميله الغنى الحاصل به بالتنمية. وجزء العلة الذي هو ~~النصاب مناسبته في نفسه من حيث إنه مشتمل على بعض الغنى. فالعلة ms0225 وجزؤها ~~مؤثران، والشرط مكمل لتأثير العلة، ومن ثم عرف بعضهم الشرط بما توقف عليه ~~تأثير المؤثر. # ومنها: أن الحكم كما يتوقف على وجود سببه يتوقف على وجود شرطه، فما الفرق ~~بينهما؟ # والجواب بما سبق من كون السبب مؤثرا مناسبا في نفسه، والشرط مكمل مناسب ~~في غيره. # ومنها: أن أجزاء العلة يترتب عليها الحكم، والعلل المتعددة إذا وجدت ترتب ~~الحكم، فما الفرق؟ # والجواب أن جزء العلة إذا انفرد لا يترتب الحكم، بل لا بد من وجود بقية ~~أجزائها، كأوصاف القتل العمد العدوان إذا اجتمعت وجب القود، ولو انفرد ~~بعضها كالقتل خطأ أو عمدا في حد أو قصاص، أو قتل العادل الباغي لم يجب ~~القود، بخلاف العلل المتعددة، فإن بعضها إذا انفرد استقل بالحكم، كمن لمس ~~ونام وبال، # PageV01P437 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وجب الوضوء بجميعها وبكل واحد، نعم ~~إذا اجتمعت كان حكما ثابتا بعلل كما ذكر في موضعه. # الفائدة ### | الثالثة: الموانع الشرعية: # منها: ما يمنع ابتداء الحكم واستمراره، كالرضاع يمنع ابتداء النكاح ~~واستمراره إذا طرأ عليه. # ومنها: ما يمنع ابتداءه فقط، كالعدة تمنع ابتداء النكاح ولا تبطل ~~استمراره. # ومنها: ما اختلف فيه، كالإحرام، يمنع ابتداء الصيد، فإن طرأ على الصيد، ~~فهل تجب إزالة اليد عنه؟ # وكالطول يمنع ابتداء نكاح الأمة، فإن طرأ عليه فهل يبطله؟ # وكوجود الماء يمنع ابتداء التيمم، فلو طرأ وجود الماء عليه في الصلاة هل ~~يبطله أم لا؟ # في ذلك كله خلاف لتردد هذا القسم بين القسمين قبله، والله سبحانه وتعالى ~~أعلم. # قوله: «ونصب هذه الأشياء مفيدة مقتضياتها حكم شرعي، إذ لله تعالى في ~~الزاني حكمان: وجوب الحد وسببه الزنى له» . # هذه الأشياء إشارة إلى ما سبق من أصناف العلم المنصوب لتعريف الحكم ~~الشرعي الوضعي، وهي العلة والسبب والشرط والمانع. # وقوله: مفيدة، نصب على الحال، أي: نصبها حال إفادتها أو معدة لإفادتها. # PageV01P438 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ومعنى الكلام: أن نصب هذه الأشياء ~~لتفيد ما اقتضته من الأحكام هو حكم شرعي، أي: قضاء من الشارع بذلك، ~~ومقتضياتها أيضا حكم شرعي، فجعل الزنى سببا لوجوب الحد حكم، ووجوب الحد ms0226 ~~حكم. وهذا معنى قوله: إذ لله تعالى في الزاني حكمان: وجوب الحد، وهو حكم ~~لفظي، وسببه الزنى، أي: كون الزنى سببا لوجوب الحد حكم آخر. # وكذلك وجوب حد القذف مع جعل القذف سببا له. # ووجوب القطع مع نصب السرقة سببا له. # ووجوب القتل بالردة والقصاص مع نصب الردة والقتل سببا لهما. ونظائر ذلك ~~كثيرة. # فائدة: قد تضمنت الجملة المذكورة أن خطاب الوضع والطلب قد يجتمعان، وقد ~~ينفرد كل واحد منهما عن صاحبه، أما اجتماعهما فكالزنى هو من جهة كونه سببا ~~للحد خطاب وضعي، ومن جهة كونه حراما خطاب طلبي، وكذا نظائره. # وأما انفراد خطاب الوضع، فكزوال الشمس، وسائر أوقات الصلوات أسباب ~~لوجوبها، وطلوع الهلال سبب وجوب رمضان وصلاة العيدين والشك، والحيض مانع من ~~الصلاة والصوم، والبلوغ شرط لوجوبها، وحئول الحول شرط لوجوب الزكاة، فكل ~~هذه متجردة عن خطاب الطلب، ليس هو فيها أنفسها، بل في # PageV01P439 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # غيرها، كالوجوب مثلا متعلق بالصلاة ~~لا بالزوال، وبصوم رمضان لا بطلوع الهلال. وأما انفراد خطاب الطلب، فقال ~~القرافي في «الفروق» : هو كأداء الواجبات واجتناب المحرمات، وإن كان صاحب ~~الشرع قد جعلها سببا لبراءة الذمة، وترتيب الثواب، ودرء العقاب، غير أن هذه ~~ليست أفعالا للمكلف، ولا نعني بكون الشيء سببا إلا كونه وضع سببا لفعل من ~~قبل المكلف. # وقال في «شرح التنقيح» : لا يتصور انفراد خطاب التكليف، إذ لا تكليف إلا ~~وله سبب أو شرط أو مانع. # قلت وهذا أشبه بالصواب. # PageV01P440 # ثم هنا أمور: أحدها: الصحة في العبادات وقوع الفعل ~~كافيا في سقوط القضاء. # وقيل: موافقة الأمر. ولا يرد الحج الفاسد لعدم موافقته. فصلاة المحدث يظن ~~الطهارة، صحيحة على الثاني دون الأول، والقضاء واجب على القولين، والبطلان ~~يقابلها على الرأيين. وفي المعاملات، ترتب أحكامها المقصودة بها عليها. ~~والبطلان والفساد مترادفين يقابلانها، وعند الحنفية لا ترادف. وفرقوا ~~بينهما بما سبق. # قوله: «ثم هنا أمور، أحدها: الصحة» ~~إلى آخره، يعني أننا ذكرنا من خطاب الوضع ما هو كالكليات له، ثم هاهنا أمور ~~وهي - وإن كانت منه - لكنها كاللواحق ms0227 الجزئية له فنذكرها: # أحدها: الصحة في العبادات وقوع الفعل كافيا في سقوط القضاء. # وقيل: موافقة الأمر. # معنى هذا: أن العلماء اختلفوا في معنى صحة العبادات، فالفقهاء قالوا: ~~الصحة وقوع الفعل كافيا في سقوط القضاء، كالصلاة الواقعة بشروطها وأركانها ~~مع انتفاء موانعها، فكونها كافية في سقوط القضاء، أي أنها لا يجب قضاؤها، ~~هو صحتها. # والمتكلمون قالوا: الصحة موافقة الأمر، فكل من أمر بعبادة، فوافق الأمر ~~بفعلها، كان قد أتى بها صحيحة، وإن اختل شرط من شروطها، أو وجد مانع. # وهذا أعم من قول الفقهاء، لأن كل صحة، فهي موافقة الأمر، وليس كل موافقة ~~الأمر صحة عندهم، والنزاع بينهم لفظي أو كاللفظي. # PageV01P441 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «ولا يرد الحج الفاسد لعدم ~~موافقته» . # هذا جواب سؤال مقدر أورده الفقهاء على المتكلمين. # وتقريره: لو كانت الصحة موافقة الأمر، لكان الحج الفاسد صحيحا، لأنه ~~مأمور بإتمامه، والمضي فيه، فالمتم له موافق الأمر بإتمامه، فيجب أن يكون ~~صحيحا، لكنه فاسد باتفاق، فوجب أن لا تكون الصحة موافقة الأمر، بل ما ذكرنا ~~من كونه كافيا في إسقاط القضاء. # وتقرير الجواب عن هذا السؤال: أنا لا نسلم أن الحج الفاسد وقع على موافقة ~~الأمر، بل على مخالفته، حيث فعل فيه ما أفسده، وحينئذ انتفاء صحته لانتفاء ~~موافقة الأمر فيه. فأما كون المفسد له مأمورا بإتمامه، فلا يلزم منه أن ~~يكون امتثاله الأمر بإتمامه يوجب صحته لوجهين: # أحدهما: أن الأمر بإتمامه أمر طرأ على الأمر الأول: إما حفظا لحرمة الوقت ~~من الهتك بعد انعقاد سبب احترامه بالإحرام، أو عقوبة للمفسد له على إفساده ~~يمنعه من التخفيف عليه ومعارضة له بنقيض قصده، كالواطئ في نهار رمضان. ونحن ~~إنما نريد بالأمر الذي الصحة موافقته الأمر الابتدائي، أي: الذي أمر به ~~المكلف ابتداء. # الوجه الثاني: أننا إنما نقول: إن الصحة موافقة الأمر فيما نعلم أن ~~الشارع طلب منا تصحيحه، والحج الفاسد نعلم أن الشارع لم يرد منا تصحيحه، ~~لأن # PageV01P442 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # تصحيحه بعد استقرار فساده محال، ~~والشرع ما كلفنا بالمحال، فبان بما ذكرناه أن الحج الفاسد غير ms0228 وارد. # وحاصل الجواب بالوجهين يرجع إلى تخصيص الدعوى، فكأنهم قالوا: أردنا أن ~~الصحة موافقة الأمر الخاص، وهو الابتدائي، أو ما علمنا إرادة الشرع تصحيح ~~مأمور منا. # قوله: «فصلاة المحدث يظن الطهارة صحيحة على الثاني دون الأول» . # هذا تفريع على القولين في الصحة، وهو أن صلاة المحدث الذي يظن أنه متطهر ~~صحيحة على القول الثاني، وهو قول المتكلمين: إن الصحة موافقة الأمر، لأن ~~هذا موافق لأمر الشرع، لأنه أمر أن يصلي صلاة يغلب على ظنه الطهارة فيها، ~~وقد فعل، فهو موافق. # وهي غير صحيحة على القول الأول، وهو قول الفقهاء، لأنها لم تقع كافية في ~~سقوط القضاء. # قوله: «والقضاء واجب على القولين» ، أي: في صلاة المحدث يظن الطهارة ~~ونحوها مما لم يقع كافيا في سقوط القضاء. # ومن هنا تبين أن النزاع لفظي، وهو في أن هذه: هل تسمى صحيحة أم لا؟ لأنهم ~~اتفقوا على سائر أحكامها، فاتفقوا على أن هذا المصلي موافق لأمر الله ~~سبحانه وتعالى، مثاب على صلاته، وأنه يجب عليه القضاء إذا اطلع على # PageV01P443 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الحدث دون ما إذا لم يطلع، فلم يبق ~~النزاع إلا في التسمية، ومذهب الفقهاء أوفق للغة، لأن العرب إنما تسمي ~~صحيحا ما سلم من جميع جهاته، كالآنية التي لا كسر فيها، فهذه الصلاة ليست ~~سالمة من كل جهة وعلى كل تقدير، بل هي بتقدير الذكر يتبين فسادها، ويجب ~~قضاؤها باتفاق. # قوله: «والبطلان يقابلها على الرأيين» ، أي: البطلان يقابل الصحة على رأي ~~الفقهاء والمتكلمين. # فمن قال: الصحة: وقوع الفعل كافيا في سقوط القضاء، قال: البطلان: هو وقوع ~~الفعل غير كاف في سقوط القضاء. ومن قال: الصحة: موافقة الأمر، قال: ~~البطلان: مخالفة الأمر، فعلى هذا لو صلى المتطهر يظن أنه محدث، وجب القضاء ~~على القولين، لكن عند المتكلمين، لكونها باطلة بالمخالفة، وعند الفقهاء ~~لفوات الشرط، وهو العلم بوجود الطهارة. # وشبيه بهذا ما لو اشتبهت عليه القبلة، فصلى إلى جهة بغير اجتهاد، فوافق ~~جهة القبلة، فهو مخالف بترك الاجتهاد، فتكون باطلة على رأي المتكلمين، وعند ~~بعض الفقهاء تصح ms0229 لوقعها بشرطها كافية في سقوط القضاء. # قوله: «وفي المعاملات» ، أي: والصحة في المعاملات، كعقد البيع، والرهن، ~~والنكاح، ونحوها، «ترتب أحكامها المقصودة بها عليها» وذلك لأن العقد لم ~~يوضع إلا لإفادة مقصود، كملك المبيع في البيع، وملك البضع في النكاح، فإذا ~~أفاد # PageV01P444 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مقصوده، فهو صحيح. وحصول مقصوده هو ~~ترتب حكمه عليه، لأن العقد مؤثر لحكمه وموجب له. # قال الآمدي: ولا بأس بتفسير الصحة في العبادات بهذا. # قلت: لأن مقصود العبادة إقامة رسم التعبد وبراءة ذمة العبد منها، فإذا ~~أفادت ذلك كان هو معنى قولنا: إنها كافية في سقوط القضاء، فتكون صحيحة. # قوله: «والبطلان والفساد مترادفين» ، أي: حال ترادفهما، «يقابلانها» ، ~~أي: يقابلان الصحة. # أي: البطلان يقابل الصحة، والفساد يقابل الصحة أيضا، فيقال: صحيح وفاسد، ~~كما يقال: صحيح وباطل، فالفاسد والباطل مترادفان. # وعند الحنفية لا ترادف بينهما، وفرقوا بينهما بما سبق، يعني: في آخر ~~مسألة توارد الأمر والنهي على الفعل عند ذكر الصلاة في المكان المغصوب، ~~فالفاسد والباطل عندهم من باب الأعم والأخص، كالحيوان والإنسان، إذ كل باطل ~~فاسد، وليس كل فاسد باطلا، وعندنا هما مترادفان من باب الليث والأسد، إذ كل ~~فاسد باطل، وكل باطل فاسد، وقولي: مترادفين: حال، لكنها بالنسبة إلى خصوص ~~مذهبنا حال مؤكدة، كقوله سبحانه وتعالى: {وهو الحق مصدقا} [البقرة: 91] ، ~~إذ لا يمكن أن يكون الفاسد والباطل غير مترادفين، والحالة هذه، إما بالنظر ~~من حيث هي، أو بالنسبة إلى مجموع المذهبين، فهي مقيدة على القاعدة في باب ~~الحال، لأن التقييد حينئذ والبطلان والفساد إذا كانا مترادفين على رأينا ~~يقابلان # PageV01P445 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الصحة، وإذا لم يكونا مترادفين على ~~رأي الخصم لا يقابلانها جميعا، إنما يقابلها مقابلة صحيحة البطلان وحده، ~~أما الفساد، فإنه واسطة بينهما لا يقابل واحدا منهما، وإن قوبلت به الصحة ~~في تخاطب الفقهاء بينهم، فهو اصطلاح واتساع، والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV01P446 # الثاني: الأداء: فعل المأمور به في وقته المقدر له ~~شرعا. والإعادة: فعله فيه ثانيا، لخلل في الأول. والقضاء: فعله خارج الوقت، ~~لفواته فيه، لعذر أو غيره. # قوله: «الثاني» ، أي: ms0230 الأمر الثاني ~~من الأمور التي هي من لواحق خطاب الوضع، أو كاللواحق له، وهو القول في ### | الأداء والإعادة والقضاء، # فالأداء «فعل المأمور به في وقته المقدر له شرعا» كفعل المغرب ما بين ~~غروب الشمس وغروب الشفق، والفجر ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، ويدخل في ~~ذلك ما كان مضيقا، كالصوم، وموسعا محدودا بوقت كالصلوات، أو غير محدود، ~~كالحج، فإن وقته العمر، وتحديده بالموت ضروري ليس كتحديد أوقات الصلوات. # وقولنا: «في وقته المقدر له» احتراز مما ربط الأمر بفعله بوجود سببه ~~كإنكار المنكر إذا ظهر، وإنقاذ غريق إذا وجد، وكالجهاد إذا تحرك العدو، أو ~~حصر البلد، فإن هذا كله فعل مأمور به، ولا يوصف بالأداء في الاصطلاح لعدم ~~تقدير وقته، وإن كان قد يقال في فاعله: إنه أدى الواجب، بمعنى أنه امتثل ~~أمر الله تعالى. # وقولنا: «شرعا» : احتراز من العرف والعقل، فإنهما لا تصرف لهما في تقدير ~~أوقات العبادات الشرعية ولا غيرها من أحكام الشرع. # قوله: «والإعادة فعله فيه» ، أي: فعل المأمور به في وقته المقدر له شرعا ~~«لخلل في الأول» أي: في الفعل الأول، سواء كان الخلل في الأجزاء، كمن صلى ~~بدون # PageV01P447 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # شرط أو ركن، أو في الكمال كمن صلى ~~منفردا، فيعيدها في جماعة في الوقت. هكذا يذكره الأصوليون، والشيخ أبو محمد ~~قال: الإعادة فعل الشيء مرة أخرى. # قلت: وهذا أوفق للغة والمذهب، أما اللغة: فإن العرب على ذلك تطلق ~~الإعادة، يقولون: أعدت الكرة إذا كر مرة بعد أخرى، وأعدنا الحرب خدعة، ورجع ~~عوده على بدئه، أي: عاد راجعا كما ذهب. وإعادة الله سبحانه وتعالى للعالم ~~هو إنشاؤه مرة ثانية، قال الله سبحانه وتعالى: {كما بدأكم تعودون} ~~[الأعراف: 29] ، {كما بدأنا أول خلق نعيده} [الأنبياء: 104] ، {وهو الذي ~~يبدأ الخلق ثم يعيده} [الروم: 27] ، وليس في ذلك كله تعرض لوقوع الخلل في ~~الفعل الأول. # وأما المذهب، فإن أصحابنا وغيرهم قالوا: من صلى ثم حضر جماعة، سن له أن ~~يعيدها معهم، إلا المغرب على خلاف فيها. # قلت: سواء كانت صلاته الأولى منفردا أو مع ms0231 جماعة، فقد أثبتوا الإعادة مع ~~عدم الخلل في الأولى، وفي مذهب مالك: لا تختص الإعادة بالوقت، بل هي في ~~الوقت لاستدراك المندوبات، وبعد الوقت لاستدراك الواجبات. # قوله: «والقضاء فعله» ، أي: فعل المأمور به «خارج الوقت» ، أي: بعد خروجه ~~«لفواته فيه» أي: لفوات فعله في الوقت «لعذر أو غيره» يعني: إذا فات فعل ~~المأمور به في وقته الشرعي ففعله خارج الوقت قضاء، سواء كان فواته في الوقت ~~لعذر، # PageV01P448 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # كالحائض يفوتها الصوم في رمضان، ~~فتصوم بعده، أو لغير عذر بأن أخر المأمور به عمدا حتى خرج وقته، ثم فعله، ~~لأن ذلك يسمى قضاء في اللغة. # قال الجوهري: قد يكون القضاء بمعنى الفراغ، تقول: قضيت حاجتي، وقد يكون ~~بمعنى الأداء والإنهاء، تقول: قضيت ديني. ومنه قوله تعالى: {وقضينا إلى بني ~~إسرائيل في الكتاب} [الإسراء: 4] ، {وقضينا إليه ذلك الأمر} [الحجر: 66] ، ~~أي: أنهيناه وأبلغناه. # ولا شك أن فعل العبادة خارج وقتها لفواتها فيه لعذر أو غيره، هو فراغ ~~منها وأداء لما وجب في ذمته منها لغة، وانتهاء إليه، وإنهاء له. # PageV01P449 # وقيل: لا يسمى قضاء ما فات لعذر، كالحائض والمريض ~~والمسافر يستدركون الصوم، لعدم وجوبه عليهم حال العذر، بدليل عدم عصيانهم ~~لو ماتوا فيه. # قوله: «وقيل: لا يسمى قضاء ما فات ~~لعذر» ، إلى آخره. # هذا قول آخر في القضاء يتضمن تفصيلا، أي إن كان فوات المأمور به في وقته ~~لا لعذر، ففعله بعد الوقت يكون قضاء، وإن كان لعذر لم يكن فعله بعد الوقت ~~قضاء، كالحائض والمريض والمسافر: يفوتهم صوم رمضان لعذر الحيض والسفر، ~~فيستدركونه بعده. # قوله: «لعدم وجوبه عليهم حال العذر» ، إلى آخره. # هذا توجيه أن هذا لا يكون قضاء. # وتقريره: أن الصوم غير واجب على هؤلاء حال الحيض والسفر، وإذا لم يكن ~~واجبا عليهم لم يكن فعلهم له قضاء، إنما قلنا: إنه غير واجب عليهم حال ~~العذر، لأنهم لو ماتوا حينئذ لم يكونوا عصاة، وهذا معنى قوله: «بدليل عدم ~~عصيانهم لو ماتوا فيه» ، أي: في حال العذر، الحائض لو ماتت في زمن الحيض لم ms0232 ~~تعص بترك الصوم، ولو كان واجبا عليها، لعصت به، وإنما قلنا: إنه إذا لم يكن ~~واجبا حال العذر لم يكن فعله بعده قضاء، لأن القضاء يستدعي سابقة الوجوب، ~~ولهذا الخلاف أصل يأتي إن شاء الله تعالى ذكره. # PageV01P450 # ورد، بوجوب نية القضاء عليهم إجماعا، وبقول عائشة رضي ~~الله عنها: (كنا نحيض فنؤمر بقضاء الصوم) ، وبأن ثبوت العبادة في الذمة، ~~كدين الآدمي غير ممتنع، فكلاهما يقضى. وفعل الزكاة والصلاة الفائتة بعد ~~تأخيرهما عن وقت وجوبهما لا يسمى قضاء، لعدم تعين وقت الزكاة، وامتناع قضاء ~~القضاء. # قوله: " ورد بوجوب نية القضاء ~~عليهم إجماعا "، إلى آخره، أي: ورد هذا القول الذي فصل فيه: بين أن يكون ~~الترك لا لعذر، فيكون قضاء، وبين أن يكون لعذر، فلا يكون قضاء، بوجوه: # أحدها: أن الحائض والمريض والمسافر إذا صاموا بعد زوال عذرهم، تجب عليهم ~~نية القضاء بالإجماع، وكل ما وجبت فيه نية القضاء، فهو قضاء، إذ لو كان ~~أداء، لما جاز أن ينووا القضاء فيه، لأنهم حينئذ ينوون غير الواجب عليهم، ~~فلا يكون لهم، عملا بقوله عليه السلام: وإنما لكل امرئ ما نوى. الوجه ~~الثاني: قول عائشة رضي الله عنها: " كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة رواه ابن ماجه ~~والترمذي وحسنه ومعناه في " الصحيح ". فسمته قضاء، وأخبرت أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يسميه قضاء ويأمر به. # لا يقال: إنما سماه قضاء لغة، والقضاء والأداء في اللغة قد يكونان بمعنى # PageV01P451 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # واحد، نحو: قضيت الدين وأديته، ~~لأنا نقول: هو وإن كان في اللغة كذلك إلا أن ألفاظ الشارع المبينة لأحكام ~~الشرع إنما تحمل على موضوعاتها الشرعية الاصطلاحية، والقضاء والأداء في ~~الاصطلاح الشرعي متغايران كما تقرر. # الوجه الثالث: أن ثبوت العبادة في الذمة غير ممتنع، كما أن ثبوت دين ~~الآدمي في الذمة غير ممتنع، وإذا كان ثبوتها في الذمة جائزا، كان فعلها ~~خارج وقتها بعد ثبوتها في الذمة قضاء كدين الآدمي، والدليل على عدم امتناع ~~ثبوت العبادة ms0233 في الذمة، هو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فدين الله أحق ~~بالقضاء يعني من دين الآدمي، فشبه دين الله تعالى بدين الآدمي في القضاء ~~الذي الثبوت في الذمة من لوازمه، فدل على أن دين الله سبحانه وتعالى يثبت ~~في الذمة، والعبادات من دينه، فيثبت في الذمة. ولأن معنى الثبوت في الذمة ~~هو أن المكلف يجب عليه الفعل متراخيا، وهذا ممكن في العبادات وغيرها، فيجب ~~في الذمة، ويستدرك فعلها بالقضاء. # فأما قولهم: العبادة غير واجبة حال العذر، قلنا: أداؤها هو الذي ليس ~~بواجب، أما التزامها في الذمة، فهو واجب، وإنما لم يعصوا بموتهم حال العذر، ~~لأنهم غير مكلفين بفعلها حينئذ، كالنائم والناسي، هما مخاطبان بالوجوب، ~~ويسقط عنهما الإثم بترك الفعل حال النوم والنسيان لأجل العذر. # وسبب الخلاف في هذا أن شرط القضاء، هل هو تقدم وجوب الفعل أو تقدم # PageV01P452 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # سببه فقط؟ فعلى الأول: لا يكون فعل ~~الحائض للصوم بعد رمضان قضاء، لأنه لم يكن واجبا عليها، فانتفى شرط القضاء، ~~فانتفى لانتفاء شرطه. # وعلى الثاني: يكون قضاء، لأن حقيقة الوجوب، وإن انتفت، لكن سبب الوجوب ~~موجود، وهو أهليتها للتكليف، ثم تقدم السبب قد يكون مع الإثم بالترك، ~~كالتارك المتعمد المتمكن من الفعل، وقد لا يكون مع الإثم، كالنائم والحائض. ~~ثم المزيل للإثم قد يكون من جهة العبد، كالسفر، وقد لا يكون، كالحيض، ثم قد ~~يصح معه الأداء، كالمرض، وقد لا يصح، إما شرعا كالحيض، أو عقلا كالنوم. # قلت: التحقيق أن التزام العبادة واجب حال العذر عملا بالخطاب السابق، ~~وإيقاعها حينئذ غير واجب لأجل العذر. # تنبيه: الفعل المقدر وقته إن لم ينعقد سبب وجوبه، لم يكن فعله بعد الوقت ~~قضاء إجماعا، وإن انعقد سبب وجوبه ووجب، كان فعله خارج الوقت قضاء حقيقة، ~~وإن انعقد سبب وجوبه ولم يجب لمعارض، سمي قضاء أيضا، لكن اختلف فيه. هل هو ~~قضاء حقيقة أو مجازا؟ ومأخذ الخلاف أن القضاء في محل الوفاق، هل كان ~~لاستدراك مصلحة ما انعقد سبب وجوبه، فيكون هاهنا حقيقة لانعقاد سبب ms0234 الوجوب، ~~أو لاستدراك مصلحة ما وجب، فيكون هاهنا مجاز لعدم الوجوب. # هذا حاصل ما ذكره الآمدي، وهو تلخيص حسن ومأخذ جيد. # قوله: " وفعل الزكاة والصلاة الفائتة بعد تأخيرهما عن وقت وجوبهما لا ~~يسمى قضاء لعدم تعين وقت الزكاة وامتناع قضاء القضاء ". # هاتان صورتان قد يقع التردد فيهما، هل هما قضاء أو لا؟ فبين حكمهما # PageV01P453 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وأنهما ليسا قضاء. # أما الزكاة، فإنها تجب عند تمام الحول على الفور، فهو وقت وجوبها، فلو ~~أخرت عنه لغير عذر مسوغ للتأخير، ثم أديت، لم تسم قضاء لوجهين: # أحدهما: أن وقتها غير محدود الطرفين، مقدر كتقدير أوقات الصلاة، ونحن ~~قلنا: إن القضاء هو فعل الواجب خارج وقته المقدر له شرعا. # قلت: وهذا الوجه ضعيف، لأن تحديد الوقت بطرفيه لا تأثير له هاهنا، بل ~~المؤثر أن يكون مقدار وقته معلوما في الجملة، ووقت وجوب الزكاة معلوم ~~المقدار، وهو بعد تمام الحول بقدر ما يتسع لأدائها. # الوجه الثاني: أن كل وقت من الأوقات التي يؤخر أداؤها فيها هو مخاطب ~~بإخراجها فيه، وذلك واجب عليه، فلو قلنا: إن أداءها في الوقت الثاني بعد ~~تأخيرها عن وقت وجوبها الأول قضاء، لزم مثل ذلك في الثالث والرابع وما بعده ~~إلى غير نهاية، فيلزم بتقدير تأخيرها أزمنة كثيرة، ثم يؤديها، أن يقال: هذا ~~الإخراج لها هو قضاء قضاء قضاء القضاء، بألفاظ كثيرة، وكذلك الصلاة: إذا ~~أخرت عن وقت وجوبها الأول، وجب فعلها في الوقت الثاني، وهو حال الذكر أو ~~الانتباه لقوله عليه السلام: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، ~~فذلك وقتها # PageV01P454 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # رواه غير واحد من الأئمة. # فلو أخرها وقت الانتباه قدر ما يتسع لفعلها فصاعدا، ثم فعلها، لم يسم هذا ~~الفعل قضاء، لأنه لو سمي قضاء للزم أن يسمى قضاء القضاء، لأنه كذلك في ~~التحقيق، لكنه غير معهود، ويفضي إلى كثرة ألفاظ القضاء كما ذكرناه في ~~الزكاة. # قلت: العبادة لا تخلو من أن تكون أداء أو قضاء، فإذا نفينا أن تكون هاتان ~~الصورتان قضاء، لزم أن يكونا أداء لاستحالة ms0235 خلو المحل عن الضدين، لكنها ~~ليست أداء لفوات الوقت الأول، فتعين أن تكون قضاء في الحقيقة، لكنهم إنما ~~رفضوا تسميتها قضاء واستعمال لفظ القضاء فيها تخفيفا، استثقالا لتكرار لفظ ~~القضاء، وإلا فحقيقة القضاء استدراك مصلحة فائتة، وهذا كذلك. # تنبيه: هذا الذي ذكرناه: هو شرح عبارة " المختصر " على ما أشار إليه ~~الشيخ أبو محمد في " الروضة "، وفيه تكلف وعدم تحقيق لحد القضاء. # والأحسن في حده ما ذكره القرافي، حيث قال: القضاء إيقاع العبادة خارج ~~وقتها الذي عينه الشرع لمصلحة فيه، أي: في الوقت، احتراز من الوقت الذي ~~عينه الشرع لمصلحة المأمور به، كالفوريات التي عين الشرع لها الزمن الذي ~~يلي # PageV01P455 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ورود الأمر، فإن المصلحة في ~~المأمورات كانت لا في الوقت الفوري، بخلاف الأوقات المعينة للعبادات، فإن ~~المصلحة في أوقاتها، وإن كانت لا تظهر، فإزالة المنكر، وإنقاذ الغريق ونحوه ~~واجب على الفور لمصلحة في الإزالة والإنقاذ في أي وقت كان، وأما تعيين وقت ~~الزوال للظهر، وسائر أوقات الصلوات لها دون غيرها من الأوقات، فهو لمصلحة ~~في الوقت استأثر الله تعالى بعلمها. # وعلى هذا التقدير تخرج صورة الزكاة والصلاة الفائتة إذا فعلا بعد ~~تأخيرهما عن وقت وجوبهما عن كونهما قضاء بمقتضى هذا الحد، لأنهما فوريتان ~~مصلحتهما في فعلهما لا في وقتهما، ويطرد هذا في الحج حيث قلنا بوجوبه على ~~الفور، إذ المصلحة في فعله لا في وقته، من حيث هو مأمور به، لا من حيث كونه ~~عبادة أو حجا. فإذن له جهتان: # إحداهما: جهة كونه مأمورا به على الفور، فمصلحته فيه. # والثانية: كونه عبادة، فالمصلحة فيه وفي وقته الخاص، وهي أشهر الحج، وهذا ~~المكان يحتمل أكثر من هذا. # فائدة: العبادات قد توصف بالأداء والقضاء، كالصلوات الخمس، وقد لا توصف ~~بهما، كالنوافل، لعدم تقدير وقتها. وقد توصف بالأداء وحده، كالجمعة، ~~والعيدين. # وعدم القضاء فيهما للتوقيف أو الإجماع، لا لامتناعه عقلا ولا شرعا. # PageV01P456 # الثالث: العزيمة لغة: القصد المؤكد، وشرعا: الحكم ~~الثابت لدليل شرعي خال عن معارض. والرخصة لغة: السهولة، وشرعا: ما ثبت على ~~خلاف دليل ms0236 شرعي، لمعارض راجح. وقيل: استباحة المحظور مع قيام السبب الحاظر. # قوله: " الثالث " أي: الأمر الثالث ~~من الأمور التي هي كاللواحق لكليات خطاب الوضع، وهو ### | العزيمة والرخصة. # " فالعزيمة لغة " أي: في اللغة، هي " القصد المؤكد "، ومنه قوله تعالى: ~~{فإذا عزمت فتوكل على الله} [آل عمران: 159] . # قال الجوهري: عزمت على كذا عزما وعزما بالضم، وعزيمة وعزيما، إذا أردت ~~فعله وقطعت عليه، قال الله تعالى: {ولم نجد له عزما} [طه: 115] . " وشرعا " ~~أي: والعزيمة في الشرع: هي " الحكم الثابت لدليل شرعي خال عن معارض " وهو ~~معنى قول أبي محمد: هي الحكم الثابت من غير مخالفة دليل شرعي. # فقولنا: الحكم الثابت لدليل شرعي: يتناول الواجب، والمندوب، وتحريم ~~الحرام، وكراهة المكروه. فالعزيمة واقعة في جميع هذه الأحكام. ولهذا قال ~~أصحابنا: إن سجدة (ص) ، هل هي من عزائم السجود أو لا؟ مع أن سجدات # PageV01P457 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # القرآن كلها عندهم ندب. # وقولنا: لدليل شرعي: احتراز من الثابت لدليل عقلي، فإن ذلك لا تستعمل فيه ~~الرخصة والعزيمة. # وقولنا: خال عن معارض: احتراز مما ثبت لدليل شرعي، لكن لذلك الدليل معارض ~~مساو أو راجح، لأنه إن كان المعارض مساويا، لزم الوقف، وانتفت العزيمة، ~~ووجب طلب المرجح الخارجي، وإن كان راجحا، لزم العمل بمقتضاه، وانتفت ~~العزيمة، وثبتت الرخصة، كتحريم الميتة عند عدم المخمصة هو عزيمة، لأنه حكم ~~ثابت لدليل خال عن معارض، فإذا وجدت المخمصة، حصل المعارض لدليل التحريم، ~~وهو راجح عليه حفظا للنفس، فجاز الأكل، وحصلت الرخصة. # وقال الآمدي: العزيمة عبارة عما لزم العباد بإلزام الله تعالى. وذكر ~~معناه الشيخ أبو محمد أيضا. # قلت: وهي على هذا تختص بالواجبات، وهو أشبه باللغة، وبلفظ مقابلها، وهو ~~الرخصة. # أما اللغة: فقال الجوهري: الرخصة في الأمر خلاف التشديد فيه، والتشديد لا ~~يحصل إلا من الواجب فعلا أو كفا. # وأما لفظ الرخصة، فإنه يقتضي التسهيل، فالعزيمة ينبغي أن تقتضي التشديد. ~~وتقريره ما ذكرناه. وقال القرافي: العزيمة: طلب الفعل الذي لم يشتهر فيه ~~منع شرعي. قال: وإنما قلت: طلب الفعل، ليخرج أكل الطيبات ونحوها الداخل # PageV01P458 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # في حد ms0237 الإمام فخر الدين، حيث عرف ~~العزيمة بجواز الإقدام مع عدم المانع، فإنه يقتضي أن يكون أكل الطيبات ولبس ~~الثياب ونحوها عزيمة، لأن الإقدام عليه جائز، والمانع منه منتف. وعدم ~~اشتهار المانع: احتراز مما إذا اشتهر المانع، فإن العزيمة تنقلب رخصة. # قوله: " والرخصة لغة: السهولة ". ومنه: رخص السعر، إذا سهل ولم يبق في ~~السعر تشديد. والرخص: الناعم، وهو راجع إلى معنى اليسر والسهولة. وقد سبق ~~كلام الجوهري في أن الرخصة خلاف التشديد. # قوله: " وشرعا "، أي: والرخصة في الشرع " ما ثبت على خلاف دليل شرعي ~~لمعارض راجح ". # فقولنا: " ما ثبت على خلاف دليل ": احتراز مما ثبت على وفق الدليل، فإنه ~~لا يكون رخصة، بل عزيمة، كالصوم في الحضر. # وقولنا: " لمعارض راجح ": احتراز مما كان لمعارض غير راجح، بل إما مساو، ~~فيلزم الوقف على حصول المرجح، أو قاصر عن مساواة الدليل الشرعي، فلا يؤثر، ~~وتبقى العزيمة بحالها. # " وقيل: الرخصة: " استباحة المحظور مع قيام السبب الحاظر " وهو قريب من ~~الأول. غير أن الاستباحة قد يكون مستندها الشرع، فيلزم أن تكون لمعارضة ~~دليل # PageV01P459 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # راجح، كأكل الميتة في المخمصة، ~~فإنه استباحة للميتة المحرمة شرعا مع قيام السبب المحرم، وهو قوله سبحانه ~~وتعالى: {حرمت عليكم الميتة} [المائدة: 3] ، لدليل شرعي راجح على هذا ~~السبب، وهو قوله سبحانه وتعالى: {فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن ~~الله غفور رحيم} [المائدة: 3] ، فإن هذا خاص، وسبب التحريم عام، والخاص ~~مقدم. هذا مع النصوص والإجماع الخاص على حفظ النفوس واستبقائها. وقد لا ~~تكون الاستباحة مستندة إلى الشرع، فيكون ذلك معصية محضة لا رخصة. فلو قيل: ~~استباحة المحظور شرعا مع قيام السبب الحاظر، لصح وساوى الأول. # وقال الآمدي: الرخصة: ما شرع من الأحكام لعذر مع قيام السبب المحرم. # وقال القرافي: هي جواز الإقدام على الفعل مع اشتهار المانع منه شرعا. # والمعاني متقاربة. # PageV01P460 # فما لم يخالف دليلا، كاستباحة المباحات، وسقوط صوم ~~شوال، لا يسمى رخصة، وما خفف عنا من التغليظ على الأمم قبلنا، بالنسبة ~~إلينا رخصة مجازا، وما خص به العام إن اختص ms0238 بمعنى لا يوجد في بقية صوره، ~~كالأب المخصوص بالرجوع في الهبة فليس برخصة، وإلا كان رخصة، كالعرايا ~~المخصوصة من بيع المزابنة. وإباحة التيمم رخصة، إن كان مع القدرة على ~~استعمال الماء لمرض، أو زيادة ثمن، وإلا فلا، لعدم قيام السبب. # قوله: «فما لم يخالف دليلا» ، إلى ~~آخره. هذا كالامتحان لحد العزيمة والرخصة بالتفريع عليه، فاستباحة المباحات ~~من مأكول ومشروب وتنزه ونحوه، وعدم صوم شوال، لا يسمى رخصة، لكونه لا يخالف ~~دليلا، وشرط الرخصة مخالفة الدليل. # وقولنا هاهنا: وعدم وجوب صوم شوال: أجود من قولنا في «المختصر» : وسقوط ~~صوم شوال، لأن السقوط يستدعي سابقة وجوب، وصوم شوال لم يجب أصلا حتى يكون ~~عدم صومه لسقوطه. # فأما ما خفف عنا - أيها الأمة الإسلامية - من التغليظ الذي كان على الأمم ~~قبلنا، كقطع محل النجاسة من الثوب والبدن، وهتك العصاة بوجود معاصيهم ~~مكتوبة على أبوابهم، فيعاقبون عليها، وهي الآصار والأغلال الموضوعة عنا ~~ببركة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فهو بالنسبة إلينا رخصة على جهة ~~المجاز، بمعنى أنه سهل علينا ما شدد # PageV01P461 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # عليهم رفقا من الله سبحانه وتعالى ~~بنا مع جواز إيجابه علينا كما أوجبه عليهم، لا على معنى أننا استبحنا شيئا ~~من المحرمات عليهم مع قيام المحرم في حقنا، لأن المحرم لذلك إنما كان ~~عليهم، لأنهم المكلفون به لا نحن، فهذا وجه التجوز. # أما كون ذلك عزيمة في حقهم، فهو حقيقة، لأنه طلب منهم طلبا مؤكدا بدليل ~~خال عن معارض. وهذا حقيقة العزيمة. # قوله: «وما خص به العام» ، إلى آخره. أي: ما خص به العام من الأحكام، فلا ~~يخلو، إما أن يختص ذلك المخصص للعام بمعنى لا يوجد في بقية صور العام، أو ~~لا يختص. # فإن اختص بمعنى لا يوجد في بقية الصور، فليس برخصة، وذلك كالأب المخصوص ~~بجواز الرجوع في الهبة لابنه من عموم قوله عليه السلام: ليس لنا مثل السوء ~~العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه رواه البخاري، وصححه الترمذي. # فإن اختصاص الأب بجواز الرجوع في الهبة لمعنى خاص فيه، ms0239 وهو الأبوة، دون ~~سائر الواهبين، فهو من باب تخصيص العموم لا من باب الرخص. # وإن لم يختص ذلك المخصص بمعنى لا يوجد في بقية صوره، كان رخصة، كالعرايا ~~المخصوصة من بيع المزابنة، فإن المزابنة: بيع التمر بالرطب، وقد نهي عنه ~~نهيا عاما، ثم خصت منه العرايا في خمسة أوسق فما دونهما للحاجة بشروط ذكرت ~~في الفقه. وصرحت الرواة بلفظ الرخصة فيها، حيث روى زيد بن ثابت رضي الله ~~عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: نهى عن المزابنة، إلا أنه قد رخص في بيع ~~العرايا بخرصها # PageV01P462 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # . رواه الترمذي، وهو في «الصحيحين» ~~وغيرهما. # والفرق بين المخصصين فيما يظهر لي أن المعنى المخصص للأب من عموم منع ~~الرجوع في الهبة دائم القيام به، وهو الأبوة، والمخصص لمحل الرخصة من عموم ~~دليل العزيمة عارض غير لازم، كالمخمصة في أكل الميتة، والحاجة في العرايا. # واعلم أن هذا الفرق لا يؤثر، ولا يناسب اختلاف الحكم في الصورتين ~~المذكورتين، بل الأشبه أنهما يسميان رخصة: أعني رجوع الأب في الهبة، وجواز ~~العرايا، ونحوها، لوجهين: # أحدهما: أن معنى الرخصة لغة وشرعا مشترك بينهما، أما لغة. فلأن الرخصة من ~~السهولة كما سبق، وفي تجويز الرجوع للأب في الهبة تسهيل عليه. وأما شرعا: ~~فلأن رجوعه على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح، وهذا حد الرخصة، فوجب أن يكون ~~رخصة. # الثاني: أن الرخصة تقابل العزيمة، ولا شك أن تحريم الرجوع في الهبة على ~~الأجانب عزيمة، فوجب أن يكون جوازه للأب رخصة. # قوله: «وإباحة التيمم رخصة» إلى آخره. أي: لا يخلو التيمم من أن يكون # PageV01P463 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مع القدرة على استعمال الماء، أو ~~مع عدم القدرة عليه. فإن كان مع القدرة على استعماله لوجوده، لكن جاز ~~العدول عنه لمرض أو زيادة ثمن لا يوجب الشرع بذلها، فإباحته رخصة لتحقق حد ~~الرخصة، وهو استباحة المحظور، وهو الصلاة مع الحدث مع قيام السبب الحاظر، ~~وهو القدرة على الماء. # وإن كان عدم القدرة على استعمال الماء لعدمه أو حائل دونه، فليست إباحته ~~رخصة، لعدم قيام السبب المحرم، وهو ms0240 القدرة على الماء. وعلى هذا كلام يأتي ~~بعد إن شاء الله تعالى. # PageV01P464 # والرخصة قد تجب، كأكل الميتة عند الضرورة. وقد لا تجب ~~ككلمة الكفر. # ويجوز أن يقال: التيمم، وأكل الميتة، كل منهما رخصة عزيمة باعتبار ~~الجهتين. # قوله: " والرخصة قد تجب "، إلى ~~آخره. أي: أن الرخصة قد تنتهي إلى أن تصير واجبة " كأكل الميتة عند الضرورة ~~" بناء على أن النفوس حق الله، وهي أمانة عند المكلفين، فيجب حفظها ليستوفي ~~الله تعالى حقه منها بالعبادات والتكاليف، وقد لا تنتهي إلى الوجوب، ككلمة ~~الكفر إذا أكره عليها، فله أن يأتي بها حفظا لنفسه مع طمأنينة قلبه ~~بالإيمان، وله أن لا يأتي بها إرغاما لمن أكره وإعزازا للدين. # نعم، النزاع في أيهما أفضل متجه، فيحتمل أن يقال: الإجابة أفضل: حفظا ~~للنفس واستيفاء لحق الله تعالى فيها، ويحتمل أن يقال: الامتناع أفضل. وقد ~~نص أحمد في رواية جعفر بن محمد في الأسير يخير بين القتل وشرب الخمر، فقال: ~~إن صبر، فله الشرف، وإن لم يصبر فله الرخصة. وقال القاضي أبو يعلى في " ~~أحكام القرآن ": الأفضل أن لا يعطي التقية، ولا يظهر الكفر حتى يقتل. واحتج ~~بقصة عمار وخبيب بن عدي، حيث لم يعط أهل مكة التقية حتى قتل، فكان عند ~~المسلمين أفضل من عمار. # قلت: العجب من أصحابنا يرجحون الأخذ بالرخصة في الفطر، وقصر الصلاة # PageV01P465 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # في السفر، مع يسارة الخطب فيهما، ~~ويرجحون العزيمة فيما يأتي على النفس، كالإكراه على الكفر، وشرب الخمر، ~~فإما أن يرجحوا الرخصة مطلقا أو العزيمة مطلقا. أما الفرق، فلا يظهر له ~~كبير فائدة. فإن قيل: بل له فائدة عظيمة، وهو أن المقصود من الأخذ بالرخصة، ~~أو العزيمة هو العبادة، ففي أيهما كانت العبادة أعظم، رجحنا الأخذ به، ~~والعبادة في الصبر على القتل دون كلمة الكفر أعظم، لأنه جهاد في سبيل الله، ~~وجود بالنفس في محبته، فالجواب من وجهين: # أحدهما: أنه يبطل بالصوم في السفر، فإنه أعظم عبادة، وقد رجحتم الفطر ~~عليه. # الثاني: أن العبادة في استيفاء حق الله تعالى في النفس ms0241 أعظم، لأنها إذا ~~بقيت وجد منها في العبادات المتكررة المتعددة الأنواع أضعاف ما يحصل من ترك ~~التلفظ بكلمة الكفر من العبادة. والله تعالى أعلم. # تنبيه: قد يكون سبب الرخصة اختياريا، كالسفر، واضطراريا، كالاغتصاص ~~باللقمة المبيح لشرب الخمر، وهذا أولى من قول القرافي: قد يباح سببها، ~~كالسفر، وقد لا يباح، كالغصة لشرب الخمر، لأن الغصة أمر ضروري لا يوصف ~~بإباحة ولا حظر. # قوله: " ويجوز أن يقال: التيمم وأكل الميتة، كل منهما رخصة عزيمة، ~~باعتبار الجهتين. # قلت: هذا متعين، ولكني تسامحت بقولي: يجوز، لأن كل واحد من التيمم # PageV01P466 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وأكل الميتة مشتمل على الجهتين ~~يقينا. # أما من جهة الرخصة: فمن حيث يسر الله سبحانه وتعالى على المكلف، وسهل ~~عليه، وسامحه في أداء العبادة مع الحدث المانع، ولم يشق عليه بطلب الماء ~~حيث يتعذر أو يشق، ولم يأمره بإعادة الصلاة إذا صلاها بالتيمم، وحيث سامحه ~~في استبقاء نفسه بأكل الميتة، ولم يشق عليه بإيجاب الصبر عنها حتى يموت، ~~ولهذا قال تعالى: {فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم} ~~[المائدة: 3] ، إشارة إلى أن إباحة المحرم في المخمصة رحمة منه لهم. # وأما جهة العزيمة: فمن جهة أنه - أعني التيمم - شرط لأداء الصلاة ~~الواجبة، وشرط الواجب واجب، والواجب عزيمة، فالتيمم عزيمة، وأكل الميتة ~~وسيلة إلى استيفاء حق الله تعالى الواجب في النفس، ووسيلة الواجب واجبة، ~~فأكل الميتة في المخمصة إذا خيف على النفس بدونه واجب. # وبالجملة، فالنفس يتعلق بها حقان: حق الله سبحانه وتعالى، وحق المكلف. ~~فكل تخفيف تعلق بالحقين، فهو بالإضافة إلى حق الله سبحانه وتعالى عزيمة، ~~وبالإضافة إلى حق المكلف رخصة، والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV01P467 # ### | الفصل الرابع # في اللغات # وهي جمع لغة، وهي: الألفاظ الدالة على المعاني النفسية، واختلافها ~~لاختلاف أمزجة الألسنة، لاختلاف الأهوية وطبائع الأمكنة. # «الفصل الرابع» # يعني من فصول المقدمة «في اللغات، وهي - يعني اللغات - جمع لغة» . قال ~~الجوهري: اللغة أصلها: لغي أو لغو. # قلت: أما احتمال كونها من ذوات الياء أو الواو، فهو متجه ظاهر، وأما ~~كونها على ms0242 مثال فعل - بضم الفاء وسكون العين بدون تاء التأنيث - ففيه نظر، ~~والأشبه أن أصلها لغية، كدمية، أو لغوة، كعروة، وجمعها لغى، مثل برة ويرى ~~ولغات مثل: ثبة وثبات، وكرة وكرات. # واعلم أن الكلام في اللغات هو كالمدخل إلى أصول الفقه من جهة أنه أحد ~~مفردات مادته، وهي الكلام والعربية وتصور الأحكام الشرعية. # فأصول الفقه متوقفة على معرفة اللغة لورود الكتاب والسنة بهما، اللذين ~~هما أصول الفقه وأدلته، فمن لا يعرف اللغة لا يمكنه استخراج الأحكام من ~~الكتاب # PageV01P468 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والسنة. # وقد كان ينبغي بموجب هذا أن يقدم الكلام في اللغات على غيره من الفصول ~~المتقدمة تقديم مادة الشيء عليه، لكن قد بينت أني أقررت ترتيب أصل هذا ~~«المختصر» على حاله غالبا. # قوله: «وهي» - يعني اللغة - هي «الألفاظ الدالة على المعاني النفسية» . # يعني المتكلم يقوم بنفسه معاني، بمعنى أنه يتصورها كتصوره لمعنى قيام ~~زيد، وضرب عمرو، وحسن العلم، وقبح الجهل. فيعبر عن تلك المعاني بألفاظ تدل ~~عليها، كقوله: قام زيد، وضرب عمرو، والعلم حسن، والجهل قبيح. فتلك الألفاظ ~~الدالة على تلك المعاني هي اللغة. # قوله: «واختلافها لاختلاف أمزجة الألسنة، لاختلاف الأهوية وطبائع ~~الأمكنة» . # أي: واختلاف اللغات إلى عربي وأعجمي وغير ذلك من أصناف اللغات علته وسببه ~~اختلاف أمزجة الألسنة، واختلاف أمزجة الألسنة علته وسببه اختلاف الأهوية ~~وطبائع الأمكنة، فإذا غلب البرد مثلا على مكان، برد هواؤه، وطبع البرد ~~التكثيف والتثقيل، لأن العنصرين الباردين، وهما: الماء والأرض، ثقيلان ~~كثيفان. والماء أشدهما بردا، والأرض أشدهما كثافة، فيغلب الثقل على ألسنة ~~أهل ذلك البلد، فيثقل النطق على ألسنتهم، ثم يضعون الألفاظ المخصوصة ~~للمعاني المخصوصة، فيجيء النطق بها ثقيلا، كالعجمي، والتركي، وغيرهما. وإذا ~~غلب الحر على مكان، سخن هواؤه، وطبع الحرارة التخفيف والتحليل والتلطيف، ~~فتغلب الخفة على ألسنة # PageV01P469 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أهل ذلك المكان، فيخف النطق على ~~ألسنتهم، ثم يضعون الألفاظ المخصوصة للمعاني المخصوصة، فيجيء النطق بها ~~خفيفا سمحا سهلا، كاللغة العربية. ولهذا كانت أفصح اللغات وأحسنها وأشرفها، ~~وحصل الإعجاز والتحدي بكلام الله تعالى النازل بها دون كلامه النازل ~~بغيرها، ms0243 مع أنه قد كان في قدرة الله سبحانه وتعالى أن يعجز أهل كل لسان بما ~~ينزله من كلامه بذلك اللسان. وهذا التقرير أشار إليه الأطباء، منهم: صاحب ~~«الإقناع» . # PageV01P470 # ثم هنا أبحاث: # الأول: قيل: هي توقيفية، وقيل: اصطلاحية، وقيل: مركبة من القسمين. والكل ~~ممكن، ولا سبيل إلى القطع بأحدها، إذ لا قاطع نقلي، ولا مجال للعقل فيها، ~~والخطب فيها يسير، إذ لا يرتبط بها تعبد عملي، ولا اعتقادي، والظاهر الأول. # لنا: {وعلم آدم الأسماء كلها} ، قيل: ألهمه، أو علمه لغة من قبله، أو ~~الأسماء الموجودة حينئذ، لا ما حدث. قلنا: تخصيص وتأويل، يفتقر إلى دليل. # قوله: «ثم هنا أبحاث» ، أي: ثم بعد ~~ما قررناه من أحكام اللغات ههنا أبحاث نذكرها إن شاء الله تعالى، وهي جمع ~~بحث، وأصل البحث مصدر: بحث يبحث بحثا: إذا أثار التراب ونحوه عن مكان لدفن ~~شيء، أو الكشف عنه، ثم استعمل في تعرف الأحكام الشبيه بالحجج التي يطلب بها ~~كشف تلك الأحكام تشبيها لطالب معرفة الحكم بباحث التراب. # «والأول» : أي: البحث الأول، «قيل: هي توقيفية» ، إلى آخره. # أي: اختلف في ### | مبدأ اللغات، # فقيل: هي توقيفية، أي: عرفت بالتوقيف من # PageV01P471 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الله سبحانه وتعالى، وهو مذهب ~~الأشعري وابن فورك وجماعة غيرهما. # «وقيل» : هي «اصطلاحية» أي: عرفت باصطلاح الناس، وهو مذهب أبي هاشم ~~وأتباعه. # «وقيل: مركبة من القسمين» : التوقيف والاصطلاح، أي: بعضها حصل بالتوقيف، ~~وبعضها بالاصطلاح. # ثم فيه قولان: # أحدهما: أن ابتداء اللغات الذي يحتاج إليه ضرورة التفاهم أولا وقع ~~بالاصطلاح، والباقي يحتمل التوقيف والاصطلاح. # والقول الثاني: إن القدر الضروري الذي يقع به الاصطلاح توقيفي، والباقي ~~اصطلاحي، وهذا قول الأستاذ أبي إسحاق. # قوله: «والكل ممكن، ولا سبيل إلى القطع بأحدها» . # أي: هذه الأقوال كلها ممكنة، ولا دليل على القطع بواحد منها، إذ ليس فيها ~~قاطع نقلي أنها توقيف أو اصطلاح، أو مركبة منهما، والعقل لا مجال له في ~~اللغات ليستدل عليها به. # قلت: وهذا فيه نظر، لأن تصرف العقل ونظره إنما يقصر عن وضع اللغات وتخصيص ~~أسمائها بمسمياتها. أما ms0244 الاستدلال على واضعها، وكيفية ابتدائها، فهو أمر ~~نظري لا يقصر العقل عنه، ولهذا استدل كل قوم على مذهبهم بالنظر العقلي، أو ~~المركب منه ومن النقل، نعم إدراكه للحكم في ذلك ليس ضروريا، فلذلك لم يحصل ~~القطع منه. # أما دليل إمكان كل واحد من الأقوال المذكورة، وهو قول القاضي وجمهور ~~المحققين: # PageV01P472 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أما التوقيف: فبأن يخلق الله ~~سبحانه وتعالى في المكلفين علما ضروريا بالألفاظ ومدلولاتها ونسبة بعضها ~~إلى بعض، فيحصل العلم لهم بها توقيفا. # وأما الاصطلاح: فبأن يجمع الله سبحانه وتعالى دواعي العقلاء بالاصطلاح ~~على ما يتخاطبون به، ويعينهم بالتوفيق والسداد، فيحصل التخاطب بينهم ~~بالاصطلاح، والقولان الآخران يظهر إمكانهما مما ذكرناه. # قوله: «والخطب فيها يسير» ، أي: والخطب في هذه المسألة يسير، أي: أمرها ~~سهل، حتى لو لم تذكر لم يؤثر في هذا العلم ولا في غيره نقصا، إذ لا يرتبط ~~بها تعبد عملي ولا اعتقادي، أي: لا يتوقف عليها معرفة عمل من أعمال ~~الشريعة، ولا معرفة اعتقاد من اعتقاداتها. # فإن قلت: فإذا كان أمرها هكذا، فلم أطنب الأصوليون فيها هذا الإطناب، مع ~~العلم بأن الكلام فيما لا ينفع، عبث؟ # قلنا: لا شك أن كل علم من العلوم، ففي مسائله ما يجري مجرى الضرورات التي ~~لا بد منها، وفيها ما يجري مجرى الرياضات التي يرتاض العلماء بالنظر فيها، ~~فتكون فائدتها الرياضة النظرية لا دفع الحاجة الضرورية ونحن إنما نفينا ~~فائدة هذه المسألة في العمل والاعتقاد لا في العلم على جهة الارتياض، ~~وهؤلاء الفقهاء يصورون من المسائل في الوصايا والجبر والمقابلة وغيرها صورا ~~يمتنع في العادة - أو يندر - وقوعها، ويبحثون فيها البحث العريض # PageV01P473 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الطويل، وما قصدهم بذلك إلا ~~الارتياض بها، ليسهل عليهم معرفة المسائل الضرورية، فهذه المسألة في أصول ~~الفقه من رياضاته. ومسألة الأمر للوجوب أو الفور والنهي يقتضي الفساد ~~ونحوها من ضرورياته. # قوله: «والظاهر الأول» ، أي: إن حاولنا القطع بأحد الأقوال، فلا سبيل لنا ~~إليه لما مر، وإن حاولنا الظن، فالظاهر القول الأول، وهو التوقيف، ولنا على ~~ذلك قوله تعالى: {وعلم آدم الأسماء ms0245 كلها} [البقرة: 31] ، ووجه دلالته أنه ~~سبحانه وتعالى أخبر أنه علم آدم الأسماء باللام المستغرقة، وأكدها بلفظ كل، ~~وذلك يقتضي أنه وقفه عليها، ثم توارثت ذلك ذريته من بعده بالتلقي عنه، فلم ~~يحتاجوا إلى اصطلاح كلي ولا جزئي. # قوله: «قيل: ألهمه» ، إلى آخره. # هذا اعتراض على دليل التوقيف من جهة الخصم. # وتقريره: أن الآية ليست نصا في التوقيف، فيحتمل أنه سبحانه وتعالى ألهم ~~آدم وضع تلك الأسماء لمسمياتها، ثم نسب التعليم إلى نفسه سبحانه وتعالى، ~~لأنه الهادي والمرشد له إليه. ويحتمل أنه علمه لغة كانت قبله اصطلحوا ~~عليها، فإنه يقال: إنه كان في الأرض قبل خلق آدم أمم، ولا بد لهؤلاء من لغة ~~يتخاطبون بها، # PageV01P474 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فلا يكون تعليمه للغتهم توقيفا ~~ابتداء، بل إيصالا للغة غيره إليه، وإخبارا له بها. ويحتمل أنه إنما وقفه ~~على الأسماء الموجودة حينئذ، كالسماء، والأرض، والملائكة، وما في الجنة ~~والنار، لا ما حدث من أسماء المسميات بعد ذلك، فلا يكون التوقيف كليا. ~~وبتقدير هذه الاحتمالات لا يحصل مقصودكم من الآية. # قوله: «قلنا: تخصيص» ، أي: هذا الذي عارضتم به الآية المذكورة تخصيص ~~لظاهر عمومها، وتأويل له على ما ذكرتم، وهو خلاف ظاهرها، وتخصيص العام ~~وتأويل الظاهر يحتاج إلى دليل يصلح له، ويكافئه كما سيأتي إن شاء الله ~~تعالى. # ونحن قد بينا أنه لا قاطع ولا نص في المسألة، وإنما ادعينا الظن والظهور، ~~ودليلنا على ما ادعيناه ظاهر عند الإنصاف. والله سبحانه وتعالى أعلم. # فائدة: إذا ثبت أن اللغة توقيفية، فإنها لم تقع جملة واحدة، بل وقف آدم ~~على ما احتاج إليه منها، ثم كذلك من حدث من بنيه الأنبياء وغيرهم بعده، حتى ~~انتهى الأمر إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فأوتي منها ما لم يؤته أحد ~~قبله، ثم قر الأمر قراره، وختمت به اللغة، كما ختمت به النبوة. ذكر معنى ~~هذا ابن فارس في كتاب فقه اللغة وسنن العرب المسمى ب «الصاحبي» . # PageV01P475 # الثاني: تثبت الأسماء قياسا، وهو قول بعض الشافعية، ~~خلافا لبعضهم، وهو قول أبي الخطاب وبعض ms0246 الحنفية. # لنا، معتمده فهم الجامع، كالتخمير في النبيذ، كالشرعي، فيصح حيث فهم. # قوله: «الثاني» ، أي: البحث الثاني ~~من أبحاث اللغة: «تثبت الأسماء قياسا» وهو قول القاضي يعقوب من أصحابنا، ~~وبعض الشافعية، خلافا لبعضهم، وبعض الحنفية، وأبي الخطاب من أصحابنا. # قلت: وليس الخلاف في أسماء الأعلام، كزيد وعمرو، ولا في أسماء الصفات، ~~كعالم وقادر، إذ هذا متفق على امتناع القياس فيه، لأن الأعلام ثابتة بوضع ~~الواضع لها باختياره، فليس لها ضابط، وأسماء الصفات لأجل المعاني الصادرة ~~منها، والقائمة بها، فليس لأحد أن يقول: زيد إنسان، فأنا أحكم على كل إنسان ~~بأن اسمه زيد، ولا أن يقول: عمرو عالم، وهو رجل، فأنا أحكم بأن كل رجل ~~عالم، وإنما النزاع في الأسماء الكلية، أعني أسماء الأجناس والأنواع التي ~~وضعت لمعان في مسمياتها تدور معها وجودا وعدما، كالخمر الذي دار اسمه مع ~~التخمير هل يجوز إطلاقه على النبيذ قياسا بعلة التخمير والإسكار؟ # قال الآمدي: أثبت ذلك القاضي أبو بكر وابن سريج وجماعة من الفقهاء وأهل ~~العربية، ونفاه أكثر أصحاب الشافعي والحنفية وجماعة من أهل الأدب، وهذا ~~النقل كالتفصيل لنقل الشيخ أبي محمد. # PageV01P476 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «لنا، معتمده فهم الجامع» ، ~~كالتخمير الجامع بين الخمر والنبيذ، وإذا وجد المعنى الجامع بين الأصل ~~والفرع في الأسماء اللغوية، وجب أن يجوز القياس، كالقياس الشرعي، لما كان ~~معتمده فهم العلة الجامعة بين الأصل والفرع جاز، كقياس الأرز والذرة على ~~البر والشعير في الربا بجامع الكيل، وإنما قلنا: إن معتمد القياس فهم ~~المعنى الجامع، لما سيأتي في القياس إن شاء الله تعالى. # قوله: «فيصح حيث فهم» ، أي: فيصح القياس لغة حيث فهم الجامع، كما في ~~القياس الشرعي، ولا أثر لكون هذا قياسا لغويا وهذا قياسا شرعيا، لأن ذلك ~~فرق غير مناسب للتأثير. # PageV01P477 # قالوا: إن نصوا على أن الجامع التخمير، فالنبيذ خمر ~~بالوضع، وإلا فإلحاق ما ليس من لغتهم بها. # قلنا: ليس النص من شروط الجامع، بل يثبت بالاستقراء. # قالوا: سموا الفرس أدهم لسواده، وكميتا لحمرته، ولم يلحق بهما غيرهما. # قلنا: موضوع للجنس ms0247 والصفة، فالعلة ذات وصفين، فلا يثبت الحكم بأحدهما، ثم ~~هو معارض بمثله في القياس الشرعي. # قالوا: الشرعي يثبت بالإجماع، ولا إجماع هنا. # قوله: «قالوا: إن نصوا على أن ~~الجامع التخمير» ، إلى آخره. # هذا دليل نفاة القياس في الأسماء. # وتقريره: أن العرب في تسميتهم للخمر لا يخلو: إما أن يكونوا نصوا على أن ~~التخمير هو علة تسميتهم لها خمرا أو لم ينصوا، فإن نصوا على ذلك، فالنبيذ ~~خمر بالوضع لا بالقياس، لأن التقدير حينئذ في لغتهم أن كل مائع قام به ~~التخمير، فهو خمر، فإذا رأينا النبيذ مائعا قام به التخمير، وجب أن يكون ~~خمرا بنص أهل اللغة على جنسه ووضعهم له، كما إذا قالوا: كل ذكر من بني آدم، ~~فهو رجل، وكل أنثى منهم، فهي امرأة، فيقال: هذا الشخص ذكر من بني آدم أو ~~أنثى، فهو رجل أو امرأة بالوضع لا بالقياس. وإن لم ينصوا على أن علة تسمية ~~الخمر التخمير، كان تسميتنا للنبيذ خمرا خارجا عن لغتهم، وإلحاقا لما ليس ~~منها بها فقد دار الأمر بين أن الأسماء التي ادعيتم إثباتها بالقياس إما ~~وضعية أو خارجة عن اللغة العربية، وحينئذ لا يثبت القياس في الأسماء، إما ~~للخروج عن اللغة، أو لعدم مصادفة القياس # PageV01P478 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قابلا. # قوله: «قلنا: ليس النص من شرط الجامع» ، إلى آخره. # هذا جواب عن دليلهم بمنع الحصر. # وتقريره: لا نسلم أن شرط الجامع بين الأصل والفرع أن يكون منصوصا عليه من ~~جهة الواضع، بل شرطه أن يكون مدلولا عليه بالنص أو التنبيه، ونستخرجه ~~بالاستقراء أو الاستدلال، كما أن العلة في القياس الشرعي تثبت بالنص ~~والإيماء، وتستخرج بالاستدلال وتخريج المناط ونحوه. # وإذا ثبت ذلك، فنحن استقرأنا كثيرا من لغة العرب، فوجدناهم يضعون الاسم ~~الكلي لمعنى قائم بمسماه، وذلك يقتضي أن كل فرد من أفراد ذلك المعنى إذا ~~قام بذات، سمينا تلك الذات بذاك الاسم، كما أن الشرع لما نص على تحريم ~~الربا في النقدين، وفهمنا من تحريمه علة الوزن، حكمنا بأن كل موزون ربوي ~~يحرم فيه التفاضل إذا ms0248 بيع بجنسه. # قوله: «قالوا: سموا الفرس أدهم لسواده» ، إلى آخره. # هذا نقص من الخصم على هذا الجواب وعلى أصل الدليل. # وتقريره: لو استقل فهم الجامع بصحة القياس في الأسماء، لجاز أن يسمى كل ~~أسود أدهم، وكل أحمر كميتا، لأن العرب سمت الفرس أدهم لسواده، وكميتا # PageV01P479 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لحمرته، ثم لم يلحق بهما غيرهما في ~~تسميته أدهم وكميتا. وذلك يمنع من استقلال فهم الجامع بالقياس، فلا يصح ~~القياس في الأسماء. # قوله: «قلنا: موضوع للجنس والصفة» ، إلى آخره. # أي: الأدهم والكميت موضوع للجنس والصفة، أي: لجنس الفرس وصفة السواد ~~والكمتة «فالعلة ذات وصفين، فلا يثبت الحكم بأحدهما» وتحقيق هذا أنه شبيه ~~بباب الاشتقاق حيث يوجد في المشتق خصوص المحل مع المعنى المشتق منه، كما ~~سمي الأسد ضيغما مشتقا من الضغم، وهو العض الشديد، ولم يسم الجمل ضيغما، ~~وإن كان العض الشديد موجودا فيه، لأن خصوصية الأسدية مرادة في الضغم، ~~والبعير ليس بأسد، فكذلك هاهنا خصوصية الفرسية موجودة في الأدهم مع السواد. # فإذا قيل لنا: لم لم تسموا زيدا الأسود أو الثور الأسود أدهم؟ قلنا: لأنه ~~ليس بفرس، فانتفى فيه أحد الوصفين في المسمى، وأحد جزئي الاسم، وكل علة ~~كانت ذات وصفين، أو حكم علق على شرطين، لم يوجد الحكم بأحدهما، لأن العلة ~~والشرط لا يؤثران إلا كاملين. # قوله: «ثم هو معارض بمثله في القياس الشرعي» ، أي: ما ذكرتموه من أنهم # PageV01P480 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # سموا الفرس أدهم لسواده، ولم يسموا ~~كل أسود أدهم، غايته أن القياس في الأسماء لم يطرد، فيرجع إلى تخصيص العلة، ~~وهو معارض بتخصيص العلة في القياس الشرعي، فكما يتخلف الحكم عن العلة في ~~القياس شرعا، ولم يقتض ذلك بطلان أصل القياس، كذلك يتخلف الحكم عن العلة في ~~القياس لغة، ولا يقتضي بطلان أصل القياس، فحصل الجواب عن سؤالهم المذكور ~~بوجهين: # أحدهما: منع أن العلة في تسميتهم الفرس أدهم مجرد السواد، بل مع خصوصية ~~الفرسية. # الثاني: بتقدير تسليم ذلك هو تخصيص للعلة اللغوية، فهو كتخصيص العلة ~~الشرعية. # قوله: «قالوا: الشرعي يثبت بالإجماع، ولا إجماع هنا» ms0249 . # هذا منع منهم للأصل في قياسنا القياس اللغوي على القياس الشرعي. # وتقريره: أن القياس الشرعي يثبت بالإجماع، ولولاه لما استقل وجود الجامع ~~بين الأصل والفرع بجوازه. # وإذا ثبت أن القياس الشرعي إنما يثبت بالإجماع لم يصح قياس اللغوي عليه، ~~لأنه لم يثبت بالإجماع. # PageV01P481 # قلنا: بل بالعقل، كما سيأتي. ثم مستند الإجماع ~~استقراء الكتاب والسنة، فاستقراء اللغة مثله. ثم قد نص جماعة من أئمة اللغة ~~على جوازه، وقولهم حجة، وهو إثبات، فيقدم. # قوله: «قلنا: بل بالعقل» ، إلى ~~آخره. # هذا جواب عما ذكروه من وجوه: # أحدها: لا نسلم أن القياس الشرعي إنما يثبت بالإجماع فقط، بل وبالعقل كما ~~سيأتي في القياس إن شاء الله تعالى، فإن الأصوليين يذكرون في إثباته مدارك ~~عقلية وشرعية، وإذا كان للعقل تصرف في إثبات القياس الشرعي، فكذلك في ~~القياس اللغوي. # الوجه الثاني: سلمنا أن القياس الشرعي إنما يثبت بالإجماع، لكن مستند صحة ~~الإجماع استقراء الكتاب والسنة، واستخراج أدلته منهما كما سيأتي في أدلة ~~الإجماع إن شاء الله تعالى. فاستقراء اللغة مثله، أي: هو بالنسبة إلى ~~القياس اللغوي، كاستقراء الكتاب والسنة بالنسبة إلى القياس الشرعي. # وحاصل ذلك أن مستند القياس الشرعي هو استقراء النصوص الشرعية، فكذلك ~~القياس اللغوي مستنده استقراء الأسماء اللغوية. # الوجه الثالث: أن جماعة من أهل اللغة كابن جني في كتابه «المنصف» وغيره ~~نصوا على جواز القياس في اللغة، وقولهم حجة، لأنهم أهل هذا الشأن، # PageV01P482 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فيجب المصير إليهم. # قوله: «وهو» ، يعني قول هؤلاء الجماعة من أئمة اللغة، «إثبات، فيقدم» . # هذا جواب سؤال مقدر، وهو أن يقال: إن كان قد نص جماعة من أهل اللغة على ~~جواز القياس فيها، فقد نص جماعة من أهل اللغة غير هؤلاء على عدم جوازه، فلم ~~كان قول إحدى الطائفتين أولى من قول الأخرى؟ # والجواب بما أشرنا إليه، وهو أن الذين نصوا على الجواز مثبتون، والذين ~~نصوا على عدم الجواز نافون، وإذا اجتمع الإثبات والنفي، كان الإثبات مقدما. # الوجه الرابع في الجواب، ولم يذكر في «المختصر» ، بل خطر لي الآن، ~~فذكرته: وهو ms0250 أنا لا نسلم أن القياس اللغوي إذا لم يكن مجمعا عليه لا يصح ~~قياسه على الشرعي المجمع عليه، بل هذا شأن القياس، وهو إلحاق المختلف فيه ~~بالمتفق عليه، ولو صح ما ذكرتموه، لبطل القياس الشرعي من أصله، لأن محال ~~الوفاق لا حاجة فيها إلى القياس، ومحال الخلاف على ما ذكرتموه لا يصح ~~قياسها على محل الوفاق، فيبطل القياس بالكلية، والله سبحانه وتعالى أعلم. # تنبيه: من فروع هذا الأصل أن اللائط يحد قياسا على الزاني بجامع الإيلاج ~~المحرم، وشارب النبيذ يحد قياسا على شارب الخمر بجامع السكر والتخمير، ~~ونباش القبور يحد قياسا على سارق أموال الأحياء بجامع أخذ المال في خفية ~~عندنا، ولا حد عند الحنفية بناء على عدم القياس في اللغة. # PageV01P483 # (الثالث) ### | الأسماء: وضعية، وعرفية، وشرعية، ومجاز # مطلق. # فالوضعي: الحقيقة، وهو اللفظ المستعمل في موضوع أول. # والعرفي: ما خص عرفا ببعض مسمياته الوضعية، كالدابة لذات الأربع، وإن ~~كانت بالوضع لكل ما دب، أو يشيع استعماله في غير موضوعه، كالغائط، والعذرة، ~~والراوية، وحقيقتها: المطمئن من الأرض، وفناء الدار، والجمل الذي يستقى ~~عليه الماء. وهو مجاز بالنسبة إلى الموضوع الأول، وحقيقة فيما خص به عرفا ~~لاشتهاره. # قوله: «الثالث» أي: البحث الثالث ~~من أبحاث اللغة: «الأسماء وضعية» ، إلى آخره. # أي الأسماء على أربعة أضرب: # «وضعية» : أي: ثابتة بالوضع وهو تخصيص الواضع لفظا باسم، بحيث إذا أطلق ~~ذلك اللفظ، فهم منه ذلك المسمى، كما إذا أطلق لفظ الأسد، فهمنا منه حد ~~الحيوان الخاص المفترس. # «وعرفية» : وهي ما ثبتت بالعرف، وهو اصطلاح المتخاطبين. # «وشرعية» : وهو ما ثبت بوضع الشرع للمعاني الشرعية أو استعماله فيها. # «ومجاز مطلق» : ويأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى. # قوله: «فالوضعي» ، أي: الاسم الوضعي هو «الحقيقة» . واعلم أن الحقيقة ~~والمجاز لا يختصان بالأسماء، بل هما يجريان في الكلم الثلاث: الاسم والفعل ~~والحرف، فينبغي أن يقال: اللفظ هو الحقيقة، ليعم، ولكن لما كان غالب تنازع ~~الأصوليين في هذا المكان متعلقا بالأسماء، فرض الشيخ أبو محمد الكلام في # PageV01P484 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الأسماء، وتابعته أنا في «المختصر» ms0251 ~~. # تنبيه: الحقيقة: فعيلة من الحق، وهو الثابت، لأن نقيضه الباطل، وهو غير ~~ثابت، وسمي اللفظ المستعمل فيما وضع له وضعا ما: حقيقة لثبوته على ما وضع ~~له لم ينقل عنه. # والمجاز: مفعل، من الجواز. وهو - أعني المجاز - مصدر واسم مكان، وهو ~~أشبه، لأنه محل الجواز، وسمي اللفظ المستعمل في غير ما وضع له مجازا، لأن ~~المستعمل له جاز محل الحقيقة إليه. # قوله: «وهو اللفظ المستعمل في موضوع أول» ، أي: الوضعي الذي هو الحقيقة، ~~أو نفس الحقيقة هو اللفظ، وذكر ضميرها نظرا إلى أنها لفظ. # وقوله: «اللفظ المستعمل» : جنس يشمل الحقيقة والمجاز، إذ كلاهما لفظ ~~مستعمل. # وقوله: «في موضع أول» هو معنى قول الشيخ أبي محمد وغيره: في موضوعه ~~الأصلي، وهذا فصل للحقيقة عن المجاز، لأن المجاز يستعمل في غير موضوعه ~~الأول. # فلفظ الأسد المستعمل في الرجل الشجاع مجاز، لأنه مستعمل في غير موضوعه ~~الأول. # وقولنا: اللفظ المستعمل في حد الحقيقة والمجاز أولى من قول من يقول: ~~استعمال اللفظ، لأن مدلول الحقيقة والمجاز هي الألفاظ، لا استعمال الألفاظ، ~~وإنما استعمال اللفظ في موضوعه أو غيره ينبغي أن يقال له: تحقيق وتجوز، لا # PageV01P485 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # حقيقة ومجاز، تعريفا للمصادر ~~بالمصادر، وللأسماء بالأسماء. # قوله: «والعرفي: ما خص عرفا ببعض مسمياته» إلى آخره، أي: واللفظ العرفي ~~ما خص في العرف ببعض مسمياته التي وضع لها في الأصل، أي: في أصل اللغة عند ~~ابتداء وضعها، كلفظ الدابة الذي هو في أصل الوضع لكل ما دب لاشتقاقه من ~~الدبيب، وهو المشي، وربما كان ضعيفا، ثم خص في عرف الاستعمال بذوات الأربع، ~~وإن كان باعتبار الأصل يتناول الطائر، لوجود الدبيب منه. # قوله: «أو يشيع استعماله» ، إلى آخره، أي العرفي: ما خص عرفا ببعض ~~مسمياته، أو شاع، أي اشتهر استعماله في غير ما وضع له في الأصل، كالغائط: ~~هو في أصل الوضع اسم للمطمئن، أي: المنخفض من الأرض، ثم اشتهر استعماله ~~عرفا في الخارج المستقذر من الإنسان، وكالعذرة: التي هي في الأصل فناء ~~الدار، وهو ما امتد من جوانبها، ثم ms0252 اشتهر استعمالها في الخارج المرادف ~~للغائط، وكالراوية: التي هي في الأصل اسم للبعير أو البغل أو الحمار الذي ~~يستقى عليه، ثم اشتهر استعمالها في المزادة التي هي وعاء الماء. # وهذا هو معنى قولنا: أو يشيع استعماله في غير موضوعه، كالغائط، # PageV01P486 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والعذرة، والراوية، وحقيقتها: ~~المطمئن من الأرض، وفناء الدار، والجمل الذي يستقى عليه. وهو من باب اللف ~~والنشر. # وقولنا: «والجمل الذي يستقى عليه الماء» ، ليس المراد به مختصا بتسميته ~~راوية، بل هو ضرب مثال بفرد من أفراد مسمى الراوية، وإلا فاللغة على ما ~~ذكرناه بأن الجمل والبغل والحمار إذا استقي عليه سمي راوية. # قوله: «وهو مجاز بالنسبة إلى الموضوع الأول» ، إلى آخره، أي: وهذا اللفظ ~~العرفي هو مجاز بالنسبة إلى الوضعي الذي هو الموضوع الأول، وحقيقة فيما خص ~~به في العرف لاشتهاره فيه. # أما أن هذا العرفي مجاز بالنسبة إلى الوضعي، فلوجود حد المجاز فيه ~~بالنسبة إليه، فإنا قد عرفنا المجاز فيما بعد بأنه اللفظ المستعمل في غير ~~موضوعه الأول، ولا شك أن الألفاظ العرفية بالنسبة إلى الوضعية كذلك، فإن ~~الغائط في الوضع هو المطمئن من الأرض، فاستعماله في عذرة الإنسان استعمال ~~له في غير موضوعه الأول، وكذلك الراوية هي في الوضع: اسم للدابة التي يستقى ~~عليها الماء، فاستعمالها في وعاء الماء استعمال لها في غير موضوعها الأول، ~~وكذا الكلام في العذرة بالنسبة إلى فناء الدار، كما يذكره الأصوليون في ~~كتبهم. # أعني: من أن العذرة في وضع اللغة فناء الدار، ثم استعمل عرفا في الغائط ~~المستقذر، والذي ذكره أهل اللغة عكس ذلك. # PageV01P487 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قال الجوهري: والعذرة: فناء الدار، ~~سميت بذلك، لأن العذرة كانت تلقى في الأفنية، وهذا قاطع في أن أصل وضع ~~العذرة للخارج المستقذر، ثم سمي به فناء الدار للمجاورة. # وأما أن هذا العرفي حقيقة فيما خص به عرفا، فلأن حد الحقيقة موجود فيه ~~بالنسبة إليه. إذ حد الحقيقة هو اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا وضعا ما. # ولا شك أن استعمال لفظ الغائط في العذرة المشهورة، ولفظ الراوية في ~~المزادة، ms0253 ولفظ العذرة في الغائط المشهور هو استعمال له فيما وضع له أولا في ~~عرف اللغة، فاشتهر فيه، فصار حقيقة فيه لاشتهاره. # تنبيه: التحقيق في هذا المكان ما ذكره بعض الأصوليين، وهو أن الحقيقة ~~لغوية وشرعية، واللغوية وضعية وعرفية. # فاللغوية الوضعية: هي اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا في اللغة، ~~كالإنسان للحيوان الناطق. # واللغوية العرفية: هي اللفظ المستعمل فيما وضع له بعرف الاستعمال اللغوي، ~~كالدابة لذوات الأربع، والغائط والعذرة في الخارج المستقذر. # والحقيقة الشرعية: هي اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا في الشرع، كاسم ~~الصلاة والزكاة للأفعال المخصوصة. # وقولنا: اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا في الاصطلاح الذي به التخاطب ~~يعم الحقيقة بهذه الاعتبارات. # وبعضهم قسم الحقيقة إلى لغوية، وشرعية، وعرفية عامة، كاستعمال لفظ الدابة ~~في ذوات الأربع، وعرفية خاصة، كاستعمال لفظ الجوهر في المتحيز الذي لا يقبل ~~القسمة عند المتكلمين وغيرهم. # PageV01P488 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قلت: والتقسيم المختار للحقيقة ~~أنها: إما لغوية، أو اصطلاحية، واللغوية وضعية وعرفية كما سبق، والاصطلاحية ~~شرعية وغير شرعية. # فالشرعية: كاسم الصلاة والحج ونحوه. # وغير الشرعية: هي كل لفظ في علم أو صناعة اشتهر عند أهله استعماله في ~~مدلوله عندهم. فيتناول ذلك اصطلاح الفلاسفة، والمتكلمين، والفقهاء، ~~والجدليين، والنحاة، والأطباء، وغيرهم من العلماء، واصطلاح النجارين، ~~والحدادين، والصاغة والملاحين، وغيرهم من الصناع على حقائقهم المتداولة ~~بينهم. # وبالجملة: فالحقائق تتعدد بتعدد الواضع، لغة أو شرعا أو اصطلاحا. # وبهذا التقرير يتحقق أن العرفية اللغوية حقيقة بالنسبة إلى ما اشتهرت فيه ~~عرفا، مجاز بالنسبة إلى ما خصت منه وضعا، كالدابة: هي حقيقة عرفية في ذوات ~~الأربع، مجاز وضعي فيه، لأنه مستعمل في بعض ما وضع له، لا في كله. # أما الأسماء الشرعية، فينبني القول فيها على الخلاف الآتي ذكره، إن شاء ~~الله تعالى. # فإن قلنا: هي وضع الشارع ابتداء، فهي حقيقة مطلقة، وإن قلنا: لم يضعها ~~ابتداء، بل نقل الحقائق اللغوية إلى المعاني الشرعية، وزاد فيها شروطا، فهي ~~حقيقة بالإضافة إلى الشرع، مجاز بالإضافة إلى الوضع، والله تعالى أعلم. # PageV01P489 # والشرعي: ما نقله الشرع فوضعه إزاء ms0254 معنى شرعي، ~~كالصلاة، والصيام. # وقيل: لا شرعية، بل اللغوية باقية، وزيدت شروطا. # لنا: حكمة الشرع تقتضي تخصيص بعض مسمياته بأسام مستقلة، وذلك بالنقل أسهل ~~منه بالتبقية مع الزيادة. # قوله: «والشرعي: ما نقله الشرع، ~~فوضعه إزاء معنى شرعي، كالصلاة والصيام، وقيل: لا شرعية، بل اللغوية باقية ~~وزيدت شروطا» . # أقول: اعلم أن هذه المسألة تعرف بمسألة الحقيقة، أو الحقائق الشرعية. # وتلخيص محل النزاع فيها يحتاج إلى كشف، فإن أكثر الفقهاء يتسلمه تقليدا، ~~ولو سئل عن تحقيقه لم يفصح به. # فنقول: أما إمكان وضع الشارع ألفاظا من ألفاظ أهل اللغة أو غيرها على ~~المعاني الشرعية تعرف بها، فلا خلاف فيه - أعني الإمكان - إذ لا يلزم من ~~تقدير وقوعه محال لذاته، وإنما النزاع في أن هذه الألفاظ التي استفيدت منها ~~المعاني الشرعية: هل خرج بها الشارع عن وضع أهل اللغة باستعمالها في غير ~~موضوعهم؟ # مثاله: أن الصلاة في اللغة: الدعاء، والزكاة: الطهارة أو النماء، والحج: ~~القصد. وفي الشرع: الصلاة والحج: أفعال مخصوصة ذات شروط وأركان، والزكاة: ~~إخراج جزء مقدر من مقدار خاص ونوع خاص من المال، إلى قوم مخصوصين على وجه ~~القربة. فهل خرج الشارع باستعمال هذه الألفاظ في هذه المعاني عن وضع اللغة، ~~بمعنى أنه أعرض فيها عن الموضوع اللغوي، فلم يلاحظه أصلا، بل خطف مثلا لفظ ~~الصلاة فوضعه على الأفعال المعروفة شرعا، وأعرض عن الموضوع اللغوي الذي هو ~~الدعاء، وهذا معنى قولنا: ما نقله الشرع، # PageV01P490 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أي: معرضا عن موضوعه في اللغة. أم ~~لم يخرج بذلك عن موضوعهم، بل لاحظ في كل لفظ موضوعه اللغوي، لكنه زاد فيه ~~شروطا شرعية؟ # مثلا: إن موضوع الصلاة لغة - وهو الدعاء - مراد للشرع، وملاحظ في نظره، ~~لكن ضم إليه اشتراط الوضوء، والوقت، والسترة، والاستقبال، والنية، ~~والتحريمة، والركوع، والسجود، والطمأنينة، والتشهد، والتسليم. وهذا معنى ~~قولنا: وقيل: لا شرعية، أي: مستقلة مع الإعراض عن اللغوية، بل اللغوية ~~باقية، وزيدت شروطا، فهذا تلخيص محل النزاع في المسألة. # وعلى القول الأول: تكون الألفاظ الواردة، كالصلاة، والزكاة، والحج، ~~ونحوها، بالنسبة إلى الشرع ms0255 واللغة: من باب المشترك، كالعين والقرء، لأن ~~المدلول مختلف مطلقا بأصل الوضع. # وعلى القول الثاني: يكون من باب المتواطئ كالحيوان، إذ بين الصلاة لغة ~~وشرعا قدر مشترك، وهو الدعاء، كما أن بين أنواع جنس الحيوان، كالفرس، ~~والبعير، والشاة، ونحوها قدرا مشتركا، وهو الحيوانية. # وإذا عرفت ذلك، فالقول الأول - وهو إثبات الحقيقة الشرعية - هو مذهب ~~الفقهاء، والخوارج، والمعتزلة، ثم قالت المعتزلة: هذه الأسماء الواردة في ~~الشرع: إما جارية على الأفعال، كالصلاة، والزكاة، والصوم، ونحوها، فهي ~~شرعية، أو جارية على الفاعلين، كالمؤمن، والفاسق، والكافر، فهي دينية، ~~تفرقة بين القسمين، وإن استويا في أن الجميع عرف شرعي. كذا حكي عنهم في ~~«المحصول» . # PageV01P491 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ويلزم عليه أن يسموا المصلي ~~والصائم والمزكي أسماء دينية، لجريانها على الفاعل، والإيمان والفسق والكفر ~~أسماء شرعية، لجريانها على الفعل. # والصواب في ذلك أن يقال: إنها عملي، وهي الشرعية، أو اعتقادي، وهي ~~الدينية. وهذه القسمة، وإن لم تخل عما يقال فيها، أولى وأطرد من الأولى. # والقول الثاني: وهو نفي الحقيقة الشرعية، هو قول القاضي أبي بكر بن ~~الطيب. # قوله: «لنا: حكمة الشرع تقتضي» ، إلى آخره، هذا حين الشروع في الاستدلال، ~~والاعتراض على المسألة المذكورة. # وتقرير هذا الدليل على إثبات الحقيقة الشرعية، أن حكمة الشرع تقتضي تخصيص ~~مسمياته بأسام مستقلة، «وذلك» ، أي: وتخصيص مسمياته بأسام مستقلة يحصل ~~بالنقل، أي: بنقل الألفاظ اللغوية مع الإعراض عن موضوعاتها لغة إلى الشرع ~~أسهل من حصوله بتبقية الموضوعات اللغوية، مع زيادة الشروط الشرعية. # أما أن حكمة الشرع تقتضي تخصيص مسمياته بأسام مستقلة فذلك لوجهين: # أحدهما: أن ذلك أشرف له، وأنبل لقدره، من جهة أنه بذلك يكون مستقلا بنفسه ~~في ألفاظه ومعانيه، وبتقدير عدم ذلك يكون تبعا للغة في ألفاظه، ولا شك أن ~~الاستقلال أشرف من التبعية، ولهذا قال الشاعر الحكيم: # PageV01P492 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ليت هندا أنجزتنا ما تعد ... وشفت ~~أنفسنا مما نجد # واستبدت مرة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبد # والاستبداد: الاستقلال. # الوجه الثاني: أن تخصيص مسمياته بأسام مستقلة هو أبين للمكلفين، وأجدر ~~بزوال الاشتباه عنهم، لأن بتقدير ذلك ms0256 يكون لفظ الصلاة مثلا مشتركا بين ~~الدعاء لغة، والصلاة شرعا، وصدور اللفظ عن الشارع قرينة في إرادة المسمى ~~الشرعي، والمشترك إذا انضمت إليه القرينة صار في غاية البيان، وهو أبين من ~~المتواطئ، بتقدير عدم تخصيص الشرع مسمياته بأسام مستقلة. # وإنما قلنا: إن المشترك مع القرينة أبين من المتواطئ، لأن القرينة تعين ~~أحد محملي اللفظ المشترك فيتبادر الفهم إليه قاطعا بأنه المراد، والمتواطئ ~~يبقي الذهن - لأجل القدر المشترك بين أفراده - مترددا، لا يدري على ما يحمل ~~لفظه منها، وإن كان حمله على جميعها، أو على القدر المشترك بينها ممكنا، ~~غير أن حمل اللفظ المشترك على غير أحد محمليه أدخل في الاختصاص، والبيان ~~أولى، فكان أولى. # مثال ذلك: لو قال السيد لعبده: خذ عينا، واذهب فاشتر لنا خبزا، أو أحضر ~~لنا عينا نشرب منها ماء، علمنا أنه أراد في الصورة الأولى عين الذهب، ~~بقرينة الشراء، # PageV01P493 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لأنه أصل في الأثمان، وفي الصورة ~~الثانية: أنه أراد عين الماء بقرينة الشرب، فكان ذلك بيانا قاطعا. # ولو قال له: اذهب، فاشتر لنا حيوانا، بقي في بادئ الرأي مترددا، بين أن ~~يشتري عبدا، أو فرسا، أو شاة، أو ثورا. ومجرد هذا التردد يكفينا في ترجيح ~~الاشتراك مع القرينة، لمبادرته إلى فهم المراد. # فلو قدرنا أن العبد استشار أو نظر، فقال: إني أمرت بشراء حيوان، وبشراء ~~القدر المشترك - وهو ما يسمى حيوانا - أخرج عن العهدة، لكان هذا طريقا إلى ~~السلامة من الملامة، لكنه بعد بطء، وهو مع ذلك على غير يقين من البراءة، ~~بخلاف ما إذا قيل له: احفر لنا عينا نشرب منها، فإنه يبادر إلى أخذ ~~المسحاة، قاطعا بأن المراد عين الماء، والمقابلة في هذا الوجه بين المتواطئ ~~والمشترك مع القرينة المعينة للمراد، فلا يرد قول الخصم: الحمل على التواطؤ ~~أولى من الحمل على الاشتراك، لأن ذلك إنما يكون في المشترك المجرد عن ~~قرينة، لا في المقترن بها. # وأما أن تخصيص الشرع مسمياته بأسام مستقلة، يكون بالنقل أسهل منه ~~بالتبقية مع الزيادة، فلوجهين أيضا: # أحدهما: أن النقل ms0257 فعل واحد، والتبقية مع الزيادة فعلان، وفعل واحد أسهل # PageV01P494 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # من فعلين بالضرورة. # الوجه الثاني: ما سبق تقريره من لزوم الإبهام بالتواطؤ، وذلك لأنه إذا ~~أبقى لفظ الصلاة مثلا على مسمى الدعاء لغة، ثم ضم إليه شروط الصلاة ~~وأركانها، وقع التردد عند إطلاق اللفظ بين المراد اللغوي أو الشرعي، فحصل ~~الإبهام، بخلاف إطلاق اللفظ من الشرع، على تقدير النقل مع الإعراض عن ~~المعنى اللغوي، فإنه يكون قاطعا في المراد الشرعي كما سبق. # PageV01P495 # قالوا: العرب لم تضعها فليست عربية، فلا يكون القرآن ~~عربيا. # قلنا: عربية بوضع الشارع لها مجازا، وإن سلم، فلا يخرج القرآن عن كونه ~~عربيا بألفاظ يسيرة من غيره. # قالوا: لو فعل، لعرف الأمة بطريق علمي. # قوله: «قالوا: العرب لم تضعها» ، ~~إلى آخره. # هذا دليل الخصم على نفي الحقائق الشرعية. # وتقريره: لو ثبتت الحقائق الشرعية على ما ذكرتم لم تكن عربية، لأن العرب ~~لم تضعها، وكل ما لم تضعه العرب، فليس بعربي، فالحقائق الشرعية لو ثبتت لم ~~تكن عربية، ولو لم تكن عربية لم يكن القرآن عربيا، لكن القرآن عربي، فهذه ~~الحقائق الشرعية عربية. # أما الملازمة، فلأن أسماء هذه الحقائق، كالصلاة ونحوها مذكورة في القرآن، ~~فهي بعضه، فلو لم تكن عربية، لكان بعض القرآن غير عربي، وإذا كان بعض ~~القرآن غير عربي، لم يكن جميعه عربيا. # وأما انتفاء اللازم، وهو أن القرآن عربي، فبالنص والإجماع، وإذا انتفى ~~اللازم انتفى ملزومه، وهو أن هذه الحقائق غير عربية، فتكون عربية والعربي ~~ما وضعته العرب، فتكون هذه الحقائق من موضوعات العرب، وذلك ينفي كونها من ~~موضوعات الشرع وضعا استقلاليا، فثبت أنه أبقاها على موضوعاتها في الأصل، ~~وزادها شروطا شرعية، وهو المطلوب. # قوله: «قلنا عربية» ، إلى آخره. # وتقرير هذا الجواب من وجهين: # PageV01P496 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أحدهما: لا نسلم أن العرب لو لم ~~تضع هذه الحقائق لم تكن عربية، قولهم: لأن كل ما لم تضعه العرب، فليس ~~بعربي، ممنوع، بل جاز أن تكون هذه الحقائق عربية، بوضع الشارع لها مجازا عن ~~الوضع اللغوي، ونحن قد بينا أن الحقيقة ms0258 الشرعية مجاز لغوي، ولو صح أن كل ما ~~لم تضعه العرب لا يكون عربيا، لخرجت مجازات اللغة عن أن تكون عربية، لأنها ~~لم تضعها العرب على مسمياتها، فكما سميت مجازات أهل اللغة عربية - مع أنها ~~ليست موضوعة وضعا أوليا - فكذا حقائق الشرع التي هي مجازات بالإضافة إلى ~~اللغة. # وموضع المؤاخذة في المقدمة المذكورة أن يقال: ما المراد بقولكم: إن العرب ~~لم تضعها؟ إن أردتم لم تضعها وضعا أوليا في اللغة فمسلم، لكن لا يلزم من ~~ذلك أن لا تكون عربية، بدليل المجاز اللغوي، فإنه عربي وليس موضوعا وضعا ~~أوليا، وإن أردتم أنهم لم يستعملوها أصلا فممنوع، إذ هي مشهورة في لغتهم، ~~وباستعمالهم لها صح استعارة الشارع لها، وتجوزه بها إلى المعاني الشرعية، ~~وذلك يصحح كونها عربية مجازا، لأن حد المجاز موجود فيها. # الوجه الثاني في الجواب: أنا وإن سلمنا الحقائق الشرعية ليست عربية، لكنا ~~لا نسلم أن القرآن يخرج بذلك عن كونه عربيا في عرب اللغة، لأن تلك الألفاظ ~~يسيرة بالنسبة إلى مجموع القرآن، واليسير لا يغلب الكثير، وقد وقع في شعر ~~الفصحاء، كالأعشى وغيره ألفاظ أعجمية، ولم يخرج شعرهم بذلك عن كونه عربيا. ~~وسيأتي الكلام - إن شاء الله سبحانه وتعالى - في أن في القرآن المعرب، وهو ~~ما أصله غير عربي، وهو كما نحن فيه أو قريب منه. وغاية ما يلزم من ذلك عند ~~التحقيق تخصيص قوله سبحانه وتعالى: {إنا جعلناه قرآنا عربيا} [الزخرف: 3] ~~بألفاظ # PageV01P497 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يسيرة منه، وذلك أمر سهل، إذ ~~التخصيص كثير، فهو أسهل مما يلزمكم على تقدير نفي الحقائق الشرعية من ~~الإبهام، وجعل الشارع تابعا للواضع. # قوله: «قالوا: لو فعل» ، إلى آخره. # هذا دليل آخر لمنكري الحقائق الشرعية. وتقريره: أن الشارع لو وضع للمعاني ~~الشرعية أسماء كما ذكرتم، لوجب أن تعرف الأمة ذلك بطريق علمي، لكنه لم ~~يعرفهم ذلك، فلا يكون قد وضع للمعاني الشرعية أسماء وضعا استقلاليا. # أما الملازمة، فلأنه لو وضع لها، ولم يعرف الأمة بذلك، لكان تكليفا بما ~~لا يطاق، وهو ممتنع. # وأما أنه لم ms0259 يعرف الأمة بوضع الأسماء الشرعية، فلأن طريق التعريف: العلم، ~~أما العقل، فلا تصرف له في اللغات ونحوها، أو النقل، وتواتره مفقود، وإلا ~~لحصل العلم بذلك كحصول العلم بوجوب الصلاة ونحوها، والآحاد لا تفيد العلم. # وأما أنه يلزم من عدم تعريف الأمة بالوضع المذكور عدم ذلك الوضع، فلأنا ~~قد دللنا على أن التعريف لازم للوضع، وإذا انتفى ملزومه. # PageV01P498 # قلنا: فهم مقصوده بالقرائن والتكرير، فلا ضرورة إلى ~~التوقيف. ثم هي اجتهادية، فلعله قصد إيصال ثواب الاجتهاد لأهله. ثم يبطل ~~بكثير من الأحكام. # قوله: «قلنا: فهم مقصوده بالقرائن ~~والتكرير، فلا ضرورة إلى التوقيف» . # تقرير هذا الجواب: أنا لا نسلم انحصار طريق تعريف الأمة بوضع هذه الحقائق ~~فيما ذكرتم من العقل والنقل، حتى ينتفي التعريف بانتفائها، بل ثم طريق آخر، ~~وهو فهم الأمة مقصوده، بتكرير استعماله لتلك الألفاظ في تلك المعاني ~~الشرعية مرة بعد أخرى، وتضافر القرائن المختصة باستعماله لتلك الألفاظ في ~~تلك المعاني على أنه وضعها لها. وهذا كما يفهم الأطفال لغة آبائهم بالتكرار ~~والقرائن، لا بالعقل ولا بالنقل، وحينئذ يكون قد عرفهم بالوضع المذكور، فلا ~~نسلم انتفاء اللازم في الملازمة المذكورة، ثم إن أصل حجة الخصم مبني على ~~امتناع تكليف ما لا يطاق، وهو ممنوع، وقد سبق الكلام فيه. # قوله: «ثم هي اجتهادية» ، إلى آخره. # هذا منع على الملازمة التي قرروها. # وتقريره: لا نسلم أن الشارع لو وضع الأسماء الشرعية، لوجب أن يعرف الأمة ~~بذلك، لأن هذه المسألة اجتهادية، فلعله - يعني الشارع - يحتمل أنه قصد بعدم ~~تعريفهم ذلك توفر دواعي المجتهدين على البحث فيها، ليحصل لهم ثواب ~~الاجتهاد. والفرق بين المسائل الاجتهادية والقطعية: أن الاجتهادية يكتفى ~~فيها بالاعتقاد الظني، والقطعيات يجب فيها الاعتقاد القطعي، والظن والقطع ~~فيهما تابع # PageV01P499 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # للدليل، وقد استقصيت بيان هذا في ~~آخر كتاب «التحسين والتقبيح» ، وهو من المهمات. # قوله: «ثم يبطل بكثير من الأحكام» ، أي: دليلهم الذي قرروه بالملازمة ~~المذكورة يبطل بكثير من الأحكام التي حكم بها الشارع، ولم يوصلها إلى الأمة ~~بطريق علمي، وليس وضع الأسماء للمسميات أهم ms0260 ولا أشد حكما من إنشاء الأحكام ~~المتعلقة بالأفعال والذوات، فإن كان عدم تعريف الأمة بوضع الأسماء للمعاني ~~الشرعية بطريق علمي يلزم منه تكليف ما لا يطاق، فكذلك سائر الأحكام التي ~~أنشأها ولم يعرفهم إياها بطريق علمي يلزم منه ذلك. # فإن قيل: الفرق أن مسألة قطعية، ثم رتبنا عليه هذا الإلزام. والدليل على ~~أنها ليست قطعية: أنها لو كانت قطعية لنصب عليها دليل قاطع، يثبت القطع ~~فيها بمثله، كأدلة التوحيد والنبوات ونحوه، والإلزام: تكليف ما لا يطاق، ~~لكن الدليل القاطع فيها منتف قطعا، وإلا لما وقع هذا النزاع، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. # PageV01P500 # وهذه الألفاظ عند إطلاقها تصرف إلى معناها الشرعي، ~~لأن الشارع يبين الشرع، لا اللغة، وكذا في كلام الفقهاء وحكي عن القاضي ~~أنها تكون مجملة، وهو قول بعض الشافعية لترددها بين معنييها، والأول أولى، ~~واللفظ لحقيقته حتى يقوم دليل على المجاز، وإلا لاختل مقصود الوضع، وهو ~~التفاهم. # قوله: «وهذه الألفاظ عند إطلاقها ~~تصرف إلى معناها الشرعي» ، إلى آخره اعلم أنه لما أثبت الحقائق الشرعية ~~بالدليل، أخذ يبين كيفية التصرف فيها، ولا شك أن هذه الألفاظ الشرعية، ~~كالصلاة ونحوها، إذا صدرت عن الشارع، أو عن الفقهاء في تخاطبهم وتصانيفهم، ~~فإما أن يعلم بنص أو قرينة أن المراد بها الموضوع اللغوي، أو أن المراد بها ~~الموضوع الشرعي، ولا إشكال في هذين القسمين، لأن القرائن كالنصوص، أو لا ~~يعلم شيء من ذلك، فهو حال الإطلاق، وهو محل النزاع هنا. # فالأكثرون على أنها لا تكون مجملة، ويجب صرفها إلى معناها الشرعي دون ~~اللغوي، لأن شأن الشارع أن يبين أحكام الشرع، لا أحكام اللغة، فلو صرفنا ~~هذه الألفاظ الصادرة منه إلى موضوعها اللغوي، لكنا قد اعتقدنا فيه أنه ترك ~~ما يعنيه، وعدل إلى بيان ما لا يعنيه، مع أن ما تركه لا يخلفه فيه غيره، ~~وما عدل إليه قد يكفيه غيره، وهم أهل اللغة، وذلك تسفيه لا يليق أن يعتقد ~~بعامة الناس، فضلا عن واضع الشرع الحكيم. # «وحكى عن القاضي» أبي يعلى - وهو قول بعض ms0261 الشافعية -: «أنها تكون مجملة، ~~لترددها بين معنييها» يعني: اللغوي والشرعي «والأول أولى» يعني: حملها على ~~معناها الشرعي، لما قررناه. # PageV01P501 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وترددها بين معنييها إن أرادوا به ~~مطلق التردد، مع رجحان إرادة المعنى الشرعي، فقد يسلم لهم، لكن لا يلزم منه ~~الإجمال مع الظهور في أحد المعنيين، وإن أرادوا به التردد بينهما على ~~السواء من غير رجحان، فهو ممنوع لما بيناه. # ومثال المسألة: قوله عليه السلام: إذا دعي أحدكم إلى الطعام، فليجب، فإن ~~كان مفطرا فليطعم، وإن كان صائما فليصل حمل بعضهم الصلاة هاهنا على الصلاة ~~الشرعية، أي: ليتشاغل بالصلاة، تنبيها لهم على أنه صائم، لئلا يحتاج إلى ~~تعريفهم ذلك خطابا، وفيه ما فيه من جهة رياء أو عجب، وليس الحاصل من ذلك ~~بالتنبيه بالصلاة كالحاصل منه بالتصريح بالقول، والشارع دأبه تقليل ~~المفاسد، والتزام أيسرها بدفع أعظمها إذا لم يجد إلى دفع الجميع سبيلا. # وحمله آخرون على مسماه اللغوي، أي: ليدع لهم ولا يأكل. # وكذلك قوله عليه السلام: توضئوا مما مست النار وتوضئوا من لحوم الجزور ~~حمله بعضهم على الوضوء الشرعي: وهو غسل الأعضاء الأربعة مع النية، وبعضهم ~~على الوضوء اللغوي: وهو غسل اليدين. # PageV01P502 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والأولى في ذلك ما قدمناه من حمله ~~على المعنى الشرعي، ما لم يوجد دليل يصرفه إلى المعنى اللغوي، كما يروى في ~~بعض الألفاظ في الحديث الأول: «وإن كان صائما فليدع لهم» وفي الحديث ~~الثاني: حديث عكراش بن ذؤيب أنه أكل مع النبي صلى الله عليه وسلم ثريدا، ثم ~~بعده رطبا، قال: ثم أتينا بماء، فغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه، ~~ومسح ببلل يديه وجهه وذراعيه ورأسه، وقال: يا عكراش! هذا الوضوء مما غيرت ~~النار رواه ابن ماجه، والترمذي، قال: هو غريب. # أما الوضوء من لحم الجزور، فلم يرد ما يصرفه عن معناه الشرعي، فلا جرم ~~جزم المحققون من الفقهاء أنه ينقض الوضوء، ثم يوجبه، والله سبحانه وتعالى ~~أعلم. # قوله: «واللفظ لحقيقته حتى يقوم دليل المجاز» ، إلى آخره. هذه المسألة ~~التي يترجمها بعض الأصوليين بأن الأصل في ms0262 الإطلاق الحقيقة. # ومعناه: أن اللفظ متى ورد وجب حمله على الحقيقة في بابه، لغة أو شرعا أو ~~عرفا، ولا يحمل على المجاز إلا بدليل يمنع حمله على الحقيقة، من معارض ~~قاطع، أو عرف مشهور، كمن قال: رأيت راوية، فإن إرادة المزادة منه ظاهر ~~بالعرف المشهور، وإنما قلنا: إن اللفظ لحقيقته، لأنا لو لم نقل ذلك لكنا ~~إما أن نعين حمله # PageV01P503 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # على مجازه، أو نجعله مجملا، لتردده ~~بين احتمال الحقيقة والمجاز، والأول: باطل باتفاق، لم يقل به أحد، والثاني: ~~يوجب اختلال مقصود الوضع - وهو التفاهم - وذلك لأن الحكمة في وضع الألفاظ ~~إنما هو معانيها، ودلالتها عليها، فلو جعلت مترددة بين حقائقها ومجازاتها ~~لكانت مجملة، والمجمل شأنه أن يبقى معطلا، موقوفا على ما يبينه، ولو عطلت ~~جميع الألفاظ، ووقفت على ما يبينها ويعين المراد منها، لاختل مقصود الإفهام ~~منها، وهو عكس مقصود حكمة الوضع. وأيضا: لو لم يكن الأصل في الإطلاق ~~الحقيقة، لما فهم أحد المراد بلفظ عند إطلاقه، حتى ينظر في الدليل الخارج ~~المبين، لكن ذلك باطل قطعا، فإن أهل اللغة والشرع تتبادر أفهامهم عند إطلاق ~~غالب الألفاظ إلى معانيها، وليست تلك المعاني مجازا باتفاق، فتعين أنها ~~حقيقة، وهو المطلوب. # PageV01P504 # والمجاز، اللفظ المستعمل في غير موضوع أول على وجه ~~يصح، وشرطه العلاقة، وهي ما ينتقل الذهن بواسطته عن محل المجاز إلى ~~الحقيقة، ويعتبر ظهورها، كالأسد على الشجاع، بجامع الشجاعة، لا على الأبخر، ~~لخفائها. # ويتجوز بالسبب عن المسبب، والعلة عن المعلول، واللازم عن الملزوم، والأثر ~~عن المؤثر، والمحل عن الحال، وبالعكس فيهن، وباعتبار وصف زائل، كالعبد على ~~العتيق، أو آيل، كالخمر على العصير، وبما بالقوة على ما بالفعل، وعكسه، ~~وبالزيادة، نحو: {ليس كمثله شيء} ، وبالنقص، نحو: {واسأل القرية} {وأشربوا ~~في قلوبهم العجل} أي: حبه # المجاز # قوله: «والمجاز» : هو «اللفظ المستعمل في غير موضوع أول على وجه يصح» ، ~~قد بينا اشتقاق المجاز عند ذكر الحقيقة. # وقولنا: اللفظ المستعمل: هو جنس الحد، يتناول الحقيقة والمجاز، إذ كلاهما ~~لفظ مستعمل. # وقولنا: في غير موضوع أول: ms0263 فصل للمجاز من الحقيقة، كما سبق التنبيه عليه، ~~وذلك كاستعمال لفظ الأسد في الرجل الشجاع، فإنه غير موضوع للأسد الأول، إذ ~~موضوعه الأول هو السبع. # وقولنا: على وجه يصح نريد به وجود شروط المجاز المذكورة بعد احتراز من ~~استعماله على وجه لا يصح، وهو ما إذا انتفت شروطه أو بعضها، بأن كان لا ~~لعلاقة، أو لعلاقة خفية، ونحو ذلك. # قوله: «وشرطه» ، أي: وشرط المجاز، أو صحة التجوز، «العلاقة» ، وقد أشرنا # PageV01P505 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فيما سبق إلى الفرق بين المجاز ~~والتجوز. # قوله: «وهي» يعني العلاقة، هي ما ينتقل الذهن بواسطته عن محل المجاز إلى ~~الحقيقة، وذلك كالشجاعة التي ينتقل الذهن بواسطتها عن الرجل الشجاع إذا ~~أطلقنا عليه لفظ أسد إلى السبع المفترس، إذ لولا هذه العلاقة، وهي صفة ~~الشجاعة، لما صح التجوز، ولما انتقل الذهن إلى السبع المفترس عند إطلاق لفظ ~~الأسد على الرجل الشجاع، ولكان إطلاق لفظ الأسد عليه علمية ارتجالا، وكذلك ~~وصف البلادة في قولنا للبليد: حمار، والكثرة في قولنا للعالم والجواد: بحر، ~~والطول في قولنا للطويل: نخلة. # والعلاقة هاهنا بكسر العين، وهي في الأصل ما تعلق الشيء بغيره، نحو علاقة ~~السوط والقوس وغيرهما، وكذلك علاقة المجاز تعلقه بمحل الحقيقة؟ وتعليقها به ~~هو ما ذكرناه من انتقال الذهن بواسطتها عن محل المجاز إلى الحقيقة. # أما العلاقة بفتح العين، فهي علاقة الخصومة والحب، وهي تعلق الخصم بخصمه، ~~والمحب بمحبوبه. # قوله: «ويعتبر ظهورها» ، إلى آخره. # أي: ويعتبر ظهور علاقة المجاز، أي: أن تكون ظاهرة، يسرع الفهم إليها عند ~~إطلاق لفظ المجاز، حرصا على سرعة التفاهم، وحذرا من إبطائه، لأن ذلك عكس # PageV01P506 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مقصود الواضع، والمتجوز، ~~والمتخاطبين فيما بينهم، كإطلاق لفظ الأسد على الشجاع بجامع الشجاعة، وهي ~~صفة ظاهرة، لا كإطلاق لفظ الأسد على الإنسان الأبخر لخفائها، أي: لخفاء صفة ~~البخر في الأسد، فإنه لا يكاد يعلمها فيه إلا القليل من الناس، بخلاف ~~الشجاعة، فإنه لا يجهلها إلا القليل النادر. # قوله: «ويتجوز بالسبب عن المسبب» ، إلى آخره. # هذا ذكر ### | أقسام التجوز، # والمذكور منه هاهنا ستة عشر ms0264 قسما، نحن ذاكروها على ترتيبها في المختصر إن ~~شاء الله تعالى: # أحدها: التجوز بالسبب عن المسبب، نحو قوله تعالى: {ونبلو أخباركم} [محمد: ~~13] ، أي: نعرفها، تجوز بالابتلاء عن العرفان، لأن الابتلاء سببه، إذ من ~~ابتلى شيئا عرفه. # وأصناف السبب أربعة: قابلي، وصوري، وفاعلي، وغائي، وكل واحد منها يتجوز ~~به عن مسببه. # مثال الأول: - وهو تسمية الشيء باسم قابله - قولهم: سال الوادي، والأصل: ~~سال الماء في الوادي، لكن الوادي لما كان سببا قابلا لسيلان الماء فيه، صار ~~الماء من حيث القابلية كالمسبب له، فوضع لفظ الوادي موضعه. # ومثال الثاني: - وهو تسمية الشيء باسم صورته - قولهم: هذه صورة الأمر ~~والحال، أي: حقيقته، ومثله في «المحصول» بتسميتهم اليد بالقدرة، كأنه جعل # PageV01P507 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # القدرة صورة اليد. # ومثال الثالث: - وهو تسمية الشيء باسم فاعله، حقيقة أو ظنا - قولهم في ~~الكتاب الجامع لتنوع علمه: هو شيخ جالس على الكرسي، أو على الرف، لأن الشيخ ~~- أعني المصنف - هو فاعل الكتاب، وقولهم للمطر: سماء، لأن السماء فاعل ~~مجازي للمطر، بدليل إسناد الفعل إليها في قولهم: أمطرت السماء. # ومثال الرابع: - وهو تسمية الشيء باسم غايته - تسمية العنب خمرا، والعقد ~~نكاحا، لأنه غايته ويئول إليه. # القسم الثاني: التجوز بالعلة عن المعلول، كالتجوز بلفظ الإرادة عن ~~المراد، لأنها علته كقوله تعالى: {ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله} ~~[النساء: 150] ، أي: ويفرقون. بدليل أنه قوبل بقوله عز وجل: {والذين آمنوا ~~بالله ورسله ولم يفرقوا} [النساء: 152] ، ولم يقل: ولم يريدوا أن يفرقوا، ~~وكذلك قول القائل: رأيت الله في كل شيء، لأن الله سبحانه وتعالى هو موجد كل ~~شيء وعلته، فأطلق لفظه عليه. ومعناه: رأيت كل شيء، فاستدللت به على الله ~~سبحانه وتعالى، لظهور آثار القدرة الإلهية فيه، فدل عليه سبحانه وتعالى ~~دلالة العلة على معلولها، والمفعول على فاعله. # القسم الثالث: التجوز باللازم عن الملزوم، كتسمية السقف جدارا، لأن ~~الجدار لازم له، وتسمية الإنسان حيوانا، لأن الحيوان لازم له. # PageV01P508 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # القسم الرابع: التجوز بلفظ الأثر ~~عن المؤثر، كتسميتهم ملك الموت عليه السلام موتا، لأن الموت أثر له، وقول ms0265 ~~الشاعر يصف ظبية: # فإنما هي إقبال وإدبار # لأن الإقبال والإدبار من أفعالها، وهي آثار لها، وكذلك كل من سمي باسم ~~فعل من أفعاله، نحو: زيد صوم، وعدل، وكرم، وفضل، وخير، وبر، والطريق جور، ~~أي: مائل، فهو وصف للطريق، فينزل منزلة الأثر. # القسم الخامس: التجوز بلفظ المحل عن الحال فيه، كتسمية المال كيسا # PageV01P509 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # في قولهم: هات الكيس، والمراد: ~~المال الذي فيه، لأنه حال في الكيس، وكذلك تسمية الخمر كأسا، أو زجاجة، ~~والطعام مائدة أو خوانا، والميت جنازة، والمكتوب ورقة وكتابا وبطاقة، لأن ~~هذه الأشياء حالة في المحال المذكورة، وهذه خمسة أقسام. # قوله: «وبالعكس فيهم» ، أي: عكس هذه الأقسام فهي خمسة أخرى: # أولها: - وهو القسم السادس -: التجوز بلفظ المسبب عن السبب، كقوله تعالى: ~~{ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [البقرة: 188] ، أي: لا تأخذوها، فتجوز ~~بالأكل عن الأخذ، لأنه مسبب عن الأخذ، إذ إنسان يأخذ فيأكل. # القسم السابع: التجوز بلفظ المعلول عن العلة، كالتجوز بلفظ المراد عن ~~الإرادة، نحو قوله تعالى: {إذا قضى أمرا} [مريم: 35] ، أي: إذا أراد أن ~~يقضي، فالقضاء معلول الإرادة، فتجوز به عنها، وكذا قوله عز وجل: {وإن حكمت ~~فاحكم} [المائدة: 42] ، أي: إذا أردت أن تحكم. # القسم الثامن: التجوز بالملزوم عن اللازم، كتسمية العلم حياة، لأنه ملزوم ~~الحياة، إذ الحياة شرط للعلم، والمشروط ملزوم للشرط، وكذلك التجوز بكل ~~مشروط عن شرطه، هو تجوز بالملزوم عن لازمه، وكتسمية الجدار سقفا، والحيوان ~~إنسانا لو سمي به. # القسم التاسع: التجوز بلفظ المؤثر عن الأثر، كقول القائل: رأيت الله، وما ~~أرى في الوجود إلا الله، يريد آثاره الدالة عليه في العالم، وكقولهم في ~~الأمر المهم وغيره: # PageV01P510 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # - 511 - هذه إرادة الله، أي: ~~مراده، فأطلق لفظ الإرادة على المراد إطلاقا لاسم المؤثر على الأثر، لأن ~~الإرادة مؤثرة. # القسم العاشر: التجوز بلفظ الحال عن المحل، كتسمية الكيس مالا، والكأس ~~خمرا، والمائدة طعاما، والجنازة ميتا، والورقة مكتوبا، عكس ما تقدم. # القسم الحادي عشر: تسمية الشيء «باعتبار وصف زائل» أي: كان به وزال عنه، ~~كإطلاق العبد على العتيق، باعتبار وصف ms0266 العبودية الذي كان قائما به، فزال ~~عنه، وكذا تسمية الخمر عصيرا، والعصير عنبا، باعتبار ما كان. # القسم الثاني عشر: تسمية الشيء باعتبار وصف آيل، أي: يئول ويصير إليه، ~~كإطلاق الخمر على العصير في قوله سبحانه وتعالى: {إني أراني أعصر خمرا} ~~[يوسف: 36] ، وإنما كان يعصر عنبا، فيحصل منه عصير، لكن لما كان العصير ~~يئول إلى وصف الخمرية، أطلق عليه لفظ الخمر. # القسم الثالث عشر: إطلاق ما بالقوة على ما بالفعل، كتسمية الخمر في الدن ~~مسكرا، لأن فيه قوة الإسكار، وتسمية النطفة إنسانا، لأن الإنسان فيه ~~بالقوة، أي: قابل لصيرورته إنسانا. # PageV01P511 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # القسم الرابع عشر: عكس الذي قبله، ~~وهو إطلاق ما بالفعل على ما بالقوة، كتسمية الإنسان الحقيقي نطفة، أو ماء ~~مهينا، وهو أيضا من باب التسمية باعتبار وصف زائل. # القسم الخامس عشر: التجوز بالزيادة، كقوله سبحانه وتعالى: {ليس كمثله ~~شيء} [الشورى: 11] ، أي: ليس مثله، والكاف زائدة. # القسم السادس عشر: التجوز بالنقص، نحو قوله عز وجل: {واسأل القرية} ~~[يوسف: 82] ، أي: أهل القرية، {وأشربوا في قلوبهم العجل} [البقرة: 93] ، ~~أي: حب العجل، {فذلكن الذي لمتنني فيه} [يوسف: 32] ، أي: في حبه أو في ~~مراودته. # هذه الأقسام المذكورة في «المختصر» ، وثم وجوه أخر: # منها: تسمية الشيء باسم ما يشابهه، كتسمية الشجاع أسدا، والبليد حمارا، ~~لاشتباههما في وصف الشجاعة والبلادة، وهو المسمى استعارة باتفاق، وهو إذا ~~لم يذكر المستعار له، نحو: رأيت أسدا أو حمارا، تريد رجلا شجاعا أو بليدا. ~~وهل تسمى بقية أنواع المجاز استعارة؟ فيه قولان: # أحدهما: لا، ولا دليل عليه، وإنما هو فرق اصطلاحي من قائله. # والثاني: نعم، نظرا إلى أن المعنى المصحح للتجوز، مستعار لمحل المجاز من ~~محل الحقيقة، كشجاعة الأسد للرجل. # ومنها: تسمية الشيء باسم ضده، نحو: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى: 40] ~~، {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه} [البقرة: 194] ، حيث سمى الجزاء سيئة # PageV01P512 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وعدوانا، وجوز أن يجعل من باب ~~المجاز للمشابهة، لأن جزاء السيئة يشبهها في صورة الفعل وفي كونها تسوء من ~~وصلت إليه، وكذلك جزاء العدوان، وجعل ابن عبد السلام هذا من باب ms0267 التجوز ~~بلفظ السبب عن المسبب: سمى عقوبة السيئة والاعتداء سيئة واعتداء، لأن ~~العقوبة مسببة عن السيئة والاعتداء. # ومنها: تسمية الجزء باسم الكل، كإطلاق لفظ العام، والمراد الخاص، نحو ~~قوله عز وجل: {الذين قال لهم الناس} [آل عمران: 173] ، والمراد واحد معين، ~~وقولنا: قام الرجال، والمراد بعضهم، ورأيت زيدا، وإنما رأيت بعضه. # ومنها: عكس ذلك: تسمية الكل باسم الجزء، كقولهم للزنجي: أسود، وإن كان ~~الأسود إنما هو جزؤه، وهو أكثره، فأطلق الأسود على جميعه، وإن كان أسنانه ~~وأخمصه أبيضين. # قلت: هذا المثال ذكره في المحصول، وهو من باب تغليب الأكثر، والمثال ~~الواضح قوله عليه السلام: المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ~~فسمى المسلمين باسم جزء يسير منهم - وهو اليد - إشارة إلى أنه ينبغي لهم أن ~~يكونوا في الائتلاف والاجتماع كيد واحدة. # ومنها إطلاق اللفظ المشتق بعد زوال المشتق منه، كقولنا للإنسان بعد فراغه ~~من الضرب: ضارب، وهذا محل خلاف. # ومنها: المجاز بالمجاورة كتسمية مزادة الماء رواية. # ومنها: المجاز العرفي كاستعمال الدابة في الحمار ونحوه، وقد ذكر هذان ~~قبل. # ومنها: تسمية المتعلق - بفتح اللام - باسم المتعلق - بكسرها - كتسمية ~~المعلوم # PageV01P513 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # علما، والمقدور قدرة في قوله ~~تعالى: {ولا يحيطون بشيء من علمه} [البقرة: 255] ، أي: معلومه، وقولهم: ~~رأينا قدرة الله، أي: مقدوره. وقد يتجوز بلفظ المعلوم عن العلم، والمقدور ~~عن القدرة، عكس الأول، كما لو حلف حالف بمعلوم الله ومقدوره، وأراد العلم ~~والقدرة، جاز وانعقدت يمينه. # ووجوه المجاز أكثر من هذا، وهي ناشئة عن تعدد أصناف العلاقة الرابطة بين ~~محل المجاز والحقيقة، فكل مسميين بينهما علاقة رابطة جاز التجوز باسم ~~أحدهما عن الآخر، سواء نقل ذلك التجوز الخاص عن العرب، أو لم ينقل على خلاف ~~سيأتي إن شاء الله سبحانه وتعالى. # نعم، يتفاوت المجاز قوة وضعفا بحسب تفاوت ربط العلاقة بين محل الحقيقة ~~والمجاز وفي ذلك. فائدتان: # إحداهما: أن المجاز بالمجاورة قد يكون بدرجة واحدة، كما ذكر في الراوية ~~بالنسبة إلى الجمل، والغائط بالنسبة إلى المطمئن من الأرض. وقد يكون بأكثر ~~من درجة، كتسميتهم ms0268 الغيث سماء في قول الشاعر: # إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا # PageV01P514 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أي: إذا نزل الغيث، وفيه مجازان: # أحدهما: إفرادي بأكثر من درجة من جهة أنه سمى الغيث سماء، لحصوله عن ~~الماء النازل من السحاب المجاور للسماء. # والثاني: إسنادي، وهو وصفه العشب بالنزول، لحصوله عن الماء المتصف ~~بالنزول من الغمام. # الفائدة الثانية: المجاز السببي يكون أيضا بمراتب، كقوله سبحانه وتعالى: ~~{يابني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم} [الأعراف: 26] ونفس اللباس ~~لم ينزل من السماء، وإنما نزل الماء الذي يكون عنه اللباس بوسائط، مثاله: ~~ثياب الكتان حاصلة عن الكتان، الحاصل عن بذرة النابت في الأرض، بالماء ~~النازل من السماء، وثياب الحرير حاصلة عن الحرير الحاصل عن القز، الحاصل عن ~~بزره المربى، بسبب الماء النازل، وكذلك دود القز إنما يتغذى بورق التوت، ~~الناشئ عن شجر التوت النابت في الأرض بالماء النازل من السماء، ومن هذا ~~الباب قول الراجز: # الحمد لله الملك الديان ... صار الثريد في رءوس العيدان # يريد بالثريد السنبل الذي في رءوس الحمل، وهو مادة التبن، لأن السنبل ~~يحصد، # PageV01P515 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ثم يدرس، ثم يذرى ويصفى، ثم يطحن، ~~ثم يخبز، ثم يطبخ فيصير ثريدا، فهذا مجاز بست مراتب. # فهذا وأمثاله من محاسن لغة العرب. # وينبغي لمن حاول علم الشريعة النظر والارتياض فيه، ليعلم مواقع ألفاظ ~~الكتاب والسنة، وكلام أهل العلم، وإن أردت معرفة طرف صالح فعليك «بكتاب ~~المجاز» للشيخ عز الدين بن عبد السلام، فإنه أجود ما رأيت في هذا الفن، ~~ولقد أحسن فيه غاية الإحسان، وضمنه من ذلك النكت البديعة والفوائد الحسان، ~~جزاه الله وسائر العلماء، عما أفادوا به جزيل الإحسان. # PageV01P516 # وتعرف الحقيقة بمبادرتها إلى الفهم بلا قرينة، وبصحة ~~الاشتقاق منه، وتصريفه، نحو أمر يأمر أمرا في الأمر اللفظي، بخلافه بمعنى ~~الشأن، نحو: {وما أمر فرعون برشيد} إذ لا يتصرف، وباستعمال لفظه وحده من ~~غير مقابل، كالمكر في غير الله تعالى، بخلافه فيه نحو: {ومكروا ومكر الله} ~~، وباستحالة نفيه، نحو: البليد ليس بإنسان، بخلاف، ليس بحمار. # قوله: «وتعرف الحقيقة ms0269 بمبادرتها ~~إلى الفهم بلا قرينة» ، إلى آخره. # لما فرغ من ذكر أقسام التجوز، أخذ يبين ما تعرف به الحقيقة من المجاز من ~~العلامات، وذلك من المهمات، وهو من وجوه: # أحدها: مبادرتها، أي: مبادرة الحقيقة إلى الفهم بلا قرينة، وذلك أن اللفظ ~~المحتمل لمعنيين فأكثر، إما أن يتبادر فهم أهل اللغة عند إطلاقه بلا قرينة ~~إلى جميع محتملاته، أو إلى بعضها، والأول هو المشترك، كلفظ العين والقرء. # وأما الثاني: فالمتبادر إلى الفهم هو الحقيقة، لأن السامع لو لم يضطر إلى ~~أن الواضع وضع ذلك اللفظ لذلك المعنى المتبادر، لما سبق إلى فهمه. # فإن قيل: يحتمل أن مبادرة ذلك المعنى إلى فهم السامع كان لإلفه له، وكثرة ~~دوره على الألسنة في عرف التخاطب، لا لأنه هو الحقيقة الوضعية. # قلنا: الكلام فيما إذا كان السامع من أهل اللغة الذين يفرقون بين ~~الوضعيات والعرفيات، ثم بتقدير أن تكون مبادرة اللفظ إلى فهم السامع لإلفه ~~له، يكون أيضا حقيقة عرفية أو اصطلاحية، فلا تخرج المبادرة عن كونها تدل ~~على الحقيقة. # وقولنا: بلا قرينة، احتراز من مبادرة اللفظ بقرينة، فإنه لا يدل على ~~الحقيقة، بل قد يكون اللفظ مجازا، إذ شرط المجاز القرينة، لما عرف من أن ~~اللفظ إذا تجرد عن قرينة فهو للحقيقة، لأنها الأصل عند الإطلاق، والمجاز ~~خلاف الأصل. # مثاله: إذا قال القائل: رأيت أسدا، أو بحرا، أو حمارا، ولا قرينة هناك، ~~حمل # PageV01P517 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # على أنه رأى سبعا، وماء كثيرا، ~~والحمار الذي هو أحد أبوي البغل، ولو قال: رأيت أسدا بيده سيف، أو بحرا على ~~فرس، أو حمارا على منبر، علمنا بهذه القرائن أنه أراد الشجاع والكريم ~~والبليد. # الوجه الثاني: أن يكون أحد اللفظين يصح فيه الاشتقاق، والتصريف إلى ~~الماضي والمستقبل، واسم الفاعل والمفعول، واللفظ الآخر لا يصح فيه ذلك، ~~فيكون الأول الحقيقة، والثاني مجازا، لأن تصرف اللفظ يدل على قوته وأصالته، ~~وعدم تصرفه يدل على ضعفه وفرعيته. وقد بينا أن الأصل هو الحقيقة، والمجاز ~~فرع عليه، فكان التصرف دليلا على الحقيقة دون المجاز، وذلك ms0270 كلفظ الأمر: ~~يطلق على الصيغة الطلبية، نحو: اضرب، واجلس، ويطلق على الشأن والفعل، نحو: ~~{وما أمر فرعون برشيد} [هود: 97] ، أي: شأنه وفعله، فلما وجدناهم يصرفون ~~الأمر اللفظي فيقولون: أمر يأمر أمرا، فهو آمر ومأمور، ولا يقولون ذلك في ~~الأمر بمعنى الفعل، دل ذلك على أن الأول حقيقة، والثاني مجاز. وقد ضعفت هذه ~~العلامة بأنها دعوى عامة، فلا تثبت بمثال واحد، ونقضت من حيث الطرد ~~بالرائحة، هي حقيقة في معناها، ولم يشتق منها اسم، ومن حيث العكس بأن ~~البليد يقال له: حمار، ويجمع على حمر، فقد اشتق منه اسم مع أنه مجاز. # قلت: وفي النقض بالرائحة نظر، فإن فعلها متصرف، يقال: راح الشيء يراحه ~~ويريحه: إذا وجد ريحه، وتروح الماء إذا أخذ ريح غيره لقربه، فهو متروح. ~~وهذا غاية ما يكون من التصرف. # PageV01P518 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الوجه الثالث: أن يكون أحد اللفظين ~~يستعمل وحده من غير مقابل، والآخر لا يستعمل إلا في المقابلة، كالمكر في حق ~~غير الله تعالى، فإنه يصح أن يقال: مكر زيد بعمرو، ولا يصح ذلك في حق الله ~~تعالى إلا مقابلة لمكر المخلوق، نحو: {ومكروا ومكر الله} [آل عمران: 54] ، ~~{ومكروا مكرا ومكرنا مكرا} [النمل: 50] ، فدل ذلك على أن إسناد المكر إلى ~~الآدمي حقيقة، وإسناده إلى الله تعالى مجاز، لأن انفراد اللفظ في الاستعمال ~~دليل تأصله، وتمكنه واحتياجه فيه إلى ما يقابله دليل على فرعيته وتزلزله، ~~فلذلك توقف استعماله على مقابل، لأن العرب استجازوا مع المقابلة ما لم ~~يستجيزوه بدونها. # قلت: الأجود هنا التمثيل بالنسيان، فإنه يطلق على المخلوق بدون مقابل، ~~نحو قوله سبحانه وتعالى: {فنسي ولم نجد له عزما} [طه: 115] ، وفي حق فتى ~~موسى: {وما أنسانيه إلا الشيطان} [الكهف: 63] ، ولا يطلق على الله سبحانه ~~وتعالى إلا مع المقابل، كقوله سبحانه وتعالى: {نسوا الله فنسيهم} [التوبة: ~~67] ، {وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا} [الجاثية: 34] ، وفي ~~الحديث: فاليوم أنساك كما نسيتني، يقوله سبحانه تعالى للكافر يوم القيامة. # أما التمثيل بالمكر فينتقض بقوله سبحانه وتعالى: {أفأمنوا مكر الله فلا ~~يأمن} # PageV01P519 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مكر الله ms0271 إلا القوم الخاسرون ~~[الأعراف: 99] ، فأسند الله سبحانه وتعالى المكر إلى نفسه بدون مقابل، ~~وإنما زعم أن المكر لا ينسب إلى الله تعالى بدون المقابلة من يعتقد أن ~~المكر: هو التوصل إلى الغرض خفية للعجز عنه مجاهرة، وليس كذلك، بل هو ~~التوصل إلى المراد خفية، سواء كان مع العجز عن المجاهرة، كما في المخلوق، ~~أو مع القدرة على المجاهرة، كما في حق الله سبحانه وتعالى، كقوله سبحانه ~~وتعالى: {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} [الأعراف: 182] ، وهذا هو حقيقة ~~المكر بهم، مع قدرته سبحانه وتعالى على اضطرارهم إلى ما يريده منهم جهرا، ~~بالنار المحرقة أو الملائكة المستحثة، وما كان ذلك قادحا في عدله سبحانه ~~وتعالى. # ومن الأمثلة الصحيحة أن الجزاء لا يطلق على لفظ السيئة إلا مع المقابلة ~~نحو: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى: 40] ، والله سبحانه وتعالى أعلم. # الوجه الرابع: استحالة نفي اللفظ يدل على الحقيقة، وجواز نفيه يدل على ~~المجاز. # مثاله: أنه يستحيل أن يقول للإنسان البليد: ليس بإنسان، ويجوز أن يقول ~~فيه: ليس بحمار، فالإنسان حقيقة فيه لاستحالة نفيه عنه، والحمار مجاز فيه ~~لصحة نفيه عنه، وعكس هذا يصح أن يقول للحمار الحقيقي: ليس بإنسان، ولا يصح ~~أن يقول: ليس بحمار، فلفظ الحمار حقيقة فيه، لاستحالة نفيه عنه. # وتوجيه هذا مع ظهوره، أنا قد بينا أن الحقيقة من الحق، والحق هو الثابت ~~ثبوتا مؤبدا، والثابت ثبوتا مؤبدا يستحيل زواله وانتفاؤه. # وللفرق بين الحقيقة والمجاز علامات غير هذه. هذا الذي اتفق ذكره منها # PageV01P520 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # هاهنا. # فإن قلت: قد ذكرتم حد الحقيقة والمجاز، والحد لا بد وأن يكون جامعا ~~مانعا، والحد يراد للتعريف، ومع جمعه ومنعه يفيد تعريف جزئيات المحدود، فإن ~~كان الحد الذي ذكرتموه للحقيقة والمجاز يفي بتعريف جزئياتها، فما الحاجة ~~إلى هذه العلامات الفارقة بينهما؟ وإن لم يف بذلك، فليس بحد صحيح؟ # والجواب أن تعريف الحدود إجمالي وكلي، وتعريف العلامات والخواص تفصيلي ~~جزئي، ففائدة ذكر علامات الشيء بعد ذكر حده كفائدة ذكر تفصيله بعد إجماله، ~~وجزئياته بعد كلياته. # ومثال ذلك: أن قولنا ms0272 في حد الإنسان: حيوان ناطق، يفيدنا معرفة حقيقته على ~~جهة قانونية كلية، فإذا قلنا بعد ذلك: من علامة الإنسان وخواصه أنه منتصب ~~القامة، ضحاك، قابل لتعليم العلوم ونحوه، أفادنا ذلك من البيان والإيضاح ما ~~لم يفده قولنا: إنه حيوان ناطق. # PageV01P521 # واللفظ قبل استعماله ليس حقيقة ولا مجازا، لعدم ركن ~~تعريفهما، وهو الاستعمال، والحقيقة لا تستلزم المجاز، وفي العكس خلاف، ~~الأظهر الإثبات. # قوله: «واللفظ قبل استعماله ليس ~~حقيقة ولا مجازا، لعدم ركن تعريفهما، وهو الاستعمال» . # معنى هذا الكلام: أنا لما قلنا فيما سبق في حد الحقيقة والمجاز: إنه ~~اللفظ المستعمل في موضوع أول، أو في غير موضوع أول، ثبت أن استعمال اللفظ ~~ركن في تعريف الحقيقة والمجاز، لأن الاستعمال جزء منه وركن الشيء جزؤه ~~الداخل في حقيقته، فإذا نظرنا إلى اللفظ قبل استعماله في لغة الواضع، لم ~~يكن حقيقة، لأنه ليس مستعملا فيما وضع له، ولا مجازا، لأنه ليس مستعملا في ~~غير ما وضع له، وهذا الكلام فيما بعد وضع اللفظ وقبل استعماله، وهذا مبني ~~على أن الوضع يمكن انفكاكه عن الاستعمال، وهو ممكن لا شك فيه، غير أنه في ~~غاية البعد. # أما إمكانه، فلأنا قد بينا أن الوضع اللفظي عبارة عن إنشاء لفظ، وتخصيصه ~~بمعنى، بحيث إذا أطلق ذلك اللفظ، فهم منه ذلك المعنى. # والاستعمال اللفظي: هو إطلاق اللفظ بإزاء مدلوله حقيقة أو مجازا، وهما - ~~أعني الوضع والاستعمال - متغايران بالحد والحقيقة، غير أن الاستعمال يستلزم ~~الوضع، والوضع لا يستلزم الاستعمال، لما سنبين إن شاء الله تعالى. # وحينئذ نقول: من الجائز أن بعض واضعي اللغة يقول: قد أنشأت لفظة «الأسد» ~~، وخصصتها بهذا السبع الخاص، لتدل عليه إذا أطلقت، فإذا تخاطبتم أيها # PageV01P522 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الناس، فليطلق المتكلم منكم هذه ~~اللفظة بإزاء هذا السبع، وليفهم السامع ذلك من إطلاقها، فيكون هذا من ~~الواضع وضعا مجردا عن الاستعمال، لكنه عرفهم كيفية الاستعمال. وأما بعد ~~وقوع هذا، فهو غني عن التوجيه، فإنه لم ينقل ولم يشاهد، إذ أحد من بني آدم ~~لم يعقل أبويه أو أحدهما، إلا ms0273 وهما يتكلمان بلغتهما، ولم تعرف العرب هذه ~~اللغة العربية الموضوعة على غاية الحكمة إلا على ما هي عليه تفصيلا أو ~~إجمالا، وإذا انتفى النقل والعيان، لم يبق إلا تصور الإمكان، وإنما هو ~~عبارة عن أنه لا يلزم من فرض ذلك محال، ولا يلزم من ذلك الوقوع، إذ ليس كل ~~ممكن واقعا. # وينبغي التنبيه لهذا البحث، فإنه يقع في كتب الأصوليين مجملا غير مفصل ~~هذا التفصيل، ولكني لما استشكلته في كتبهم، كشفت أمره هاهنا، إزالة للإشكال ~~عن الناظر، والله سبحانه وتعالى أعلم. # قوله: «والحقيقة لا تستلزم المجاز، وفي العكس خلاف. الأظهر: الإثبات» . ~~معناه أن الحقيقة لا يجب عقلا أن يكون لها مجاز، وأما المجاز فهل يجب عقلا ~~أن يكون له حقيقة أم لا؟ فيه خلاف، وهذا هو العكس المشار إليه. # والدليل على هذه الجملة: أن المجاز فرع الحقيقة، ولذلك أوجبنا العلاقة ~~فيه لتكون رابطة بينه وبين أصله الذي هو الحقيقة. # وإذا ثبت أن الحقيقة أصل للمجاز، وهو فرع لها، فبالضرورة نعلم أن # PageV01P523 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الأصل يستغني عن الفرع، إذ الفرع ~~زيادة على الأصل، والشيء الكامل الماهية يستغني عن الزيادة الخارجة عن ~~ماهيته، والفرع لا يستغني عن الأصل، لأن الأصل مادة للفرع، ومنشأ، ومبدأ، ~~ووجود شيء محدث بدون منشأ ومبدأ ومادة محال. # واعتبر هذا بالولد والوالد، فإن الوالد بالقوة ليس من ضرورته الولد، ~~والولد من ضرورته الوالد، فثبت أن الحقيقة لا تستلزم المجاز، والمجاز ~~يستلزم الحقيقة، وهذا أظهر القولين فيه، وإليه الإشارة بقوله: «الأظهر ~~الإثبات» . أي: إثبات أن المجاز يستلزم الحقيقة. # أما الخلاف في هذا، فهو مبني على ما سبق من إمكان انفكاك الوضع عن ~~الاستعمال، وأن اللفظ بين وضعه واستعماله لا حقيقة ولا مجازا. # وبيانه أنا إذا فرضنا ذلك، أمكن وجود مجاز لا حقيقة له، بأن يقول الواضع ~~مثلا: قد وضعت لفظ الأسد للسبع الخاص المفترس، ولكم قبل أن تستعملوه فيه أن ~~تطلقوه على الرجل الشجاع استعارة، فإذا فعلوا ذلك، كان استعمال لفظ الأسد ~~في الرجل الشجاع مجازا لا حقيقة، لأن شرط الحقيقة ms0274 والمجاز الاستعمال كما ~~سبق، والاستعمال هاهنا إنما وجد في المجاز دون الحقيقة، فهذا توجيه هذا ~~القول على غاية ما أمكن من البيان، وهو ضعيف. # وبيانه أنه قد بينا واتفقنا على أن شرط المجاز العلاقة، وهي الصفة ~~الظاهرة المشتركة بين محل المجاز وما تجوز به عنه، لتكون رابطة بينهما، ~~مصححة للتجوز. # وحينئذ نقول في الصور المفروضة: استعمال لفظ الأسد في موضوعه الحقيقي، ~~وهو السبع الخاص، إن انتفى في التحقيق، فهو ثابت في التقدير، ولا بد، ليصح ~~كون # PageV01P524 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المصحح للتجوز - وهو العلاقة، التي ~~هي الشجاعة المشتركة بين السبع والرجل الشجاع - رابطة بينهما، وحينئذ ~~المجاز قد استلزم الحقيقة تقديرا، فيصير تقدير قول القائل: إن المجاز قد لا ~~يستلزم الحقيقة تحقيقا بل تقديرا، فتنتقل المسألة، ويصير النزاع في كيفية ~~استلزام المجاز الحقيقة، لا في نفس استلزام المجاز الحقيقة، ويكون قد سلم ~~محل النزاع من حيث لا يعلم، فتنبه لهذا البحث، فإنه لا بأس به، والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. # PageV01P525 # ولا تتوقف صحة استعمال المجاز على نقل استعماله في ~~محله عن العرب على الأظهر، اكتفاء بالعلاقة المجوزة، كالاشتقاق والقياس ~~الشرعي واللغوي. # قوله: «ولا تتوقف صحة استعمال ~~المجاز على نقل استعماله في محله عن العرب على الأظهر اكتفاء بالعلاقة ~~المجوزة» . معنى هذا الكلام: أن الأصوليين اختلفوا في استعمال المجاز، هل ~~يشترط لصحته أن يكون استعماله في محله منقولا عن العرب أم لا؟ فقال بعضهم: ~~يشترط ذلك، ولا يجوز مثلا استعمال لفظ الأسد في الرجل الشجاع، ولا لفظ ~~الحمار في البليد، ولا لفظ البحر في الرجل الغزير العلم، أو الكثير العطاء، ~~أو الفرس الشديد الجري، ونحوه من الألفاظ المجازية إلا أن ينقل استعماله عن ~~العرب كذلك. # وقال آخرون: يجوز ذلك وإن لم ينقل استعماله عن العرب، وهو الأظهر من ~~القولين «اكتفاء» ، أي: «اكتفاء بالعلاقة المجوزة» وهي الصفة الرابطة بين ~~محل الحقيقة والمجاز، لأنها لو لم تكن كافية في جواز التجوز باللفظ عن محل ~~الحقيقة إلى محل المجاز بمجردها، لم يكن لها فائدة، وإلا كانت شرطا في ~~المجاز، لكن ms0275 من المحال أن يشترطها الحكماء العقلاء لغير فائدة، ولا فائدة ~~لها يعتد بها إلا صحة التجوز عند وجودها وعدم صحته عند عدمها مطلقا، سواء ~~نقل التجوز عن العرب، أو لم ينقل. # وفيما يحتج به لهذا القول وجهان: # أحدهما: أن التجوز والاستعارة مما يحتاج في تحقيقه إلى تدقيق، والنقليات ~~لا يحتاج فيها إلى ذلك اكتفاء بالنقل، والتجوز ليس نقليا. # PageV01P526 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الوجه الثاني: أن استعارة لفظ ~~الحقيقة للمجاز إنما هو تبع لاستعارة معناها لمعناه، وذلك لأن فائدة قولنا ~~للرجل الشجاع: أسد، إنما هو تعظيمه، وتعظيمه إنما يحصل إذا استعرنا له صفة ~~الشجاعة من الأسد الحقيقي، ووصفناه بها، فثبت أن التجوز باللفظ تبع للتجوز ~~بالمعنى، ثم التجوز بالمعنى حاصل بمجرد قصد المتكلم للتعظيم والمبالغة، من ~~غير احتياج إلى السمع، فكذلك التجوز باللفظ، يجب أن لا يحتاج التجوز به إلى ~~السمع. # وهذان وجهان قويان، وأجاب عنهما في «المحصول» بما ليس له محصول. واحتج ~~المخالف بوجهين: # أحدهما: أن العلائق بين محل الحقيقة والمجاز متعددة، كالشجاعة والبخر بين ~~الأسد والرجل الشجاع مثلا، فلو لم يتوقف التجوز على السماع، لجاز بكل علاقة ~~وصفية مشتركة بين المحلين، وذلك يقتضي جواز إطلاق لفظ الأسد على الرجل ~~الأبخر، بجامع صفة البخر، لكن ذلك لا يجوز، فدل على أن التجوز يتوقف على ~~السماع، واستعمال أهل اللسان. # الوجه الثاني: أنهم قالوا للإنسان الطويل: نخلة، بجامع الطول، ولم يقولوا ~~لكل طويل غير الإنسان: نخلة، ولولا اشتراط السماع في التجوز لجاز ذلك. # والجواب عن الأول: أن الواضع إنما فوض إلينا التجوز بشرط ظهور العلاقة، ~~لئلا يقع في لغته ما يخالفها في البيان، والبخر علاقة خفية كما سبق، فلذلك ~~لم # PageV01P527 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يجز إطلاق لفظ الأسد على الرجل ~~الأبخر، لا لما ذكرتم. # وعن الثاني: أن العلاقة بين النخلة والإنسان الطويل ليس مجرد الطول، بل ~~الطول مع الانتصاب والنمو، فلذلك لم يجز إطلاق لفظ النخلة على غير الإنسان، ~~لأنه لم توجد هذه العلاقة إلا بينهما. فلا يجوز تسمية الفرس أو الجمل ~~الطويل الجسم نخلة، لأنه ليس منتصب الشخص، ولا ms0276 تسمية عمود الرخام ونحوه ~~نخلة، لأنه ليس ناميا، حتى لو سلمنا أن الطول بمجرده هو العلاقة، لالتزمنا ~~جواز إطلاق لفظ النخلة على كل طويل. # وقوله: «بالعلاقة المجوزة» ، أي للتجوز، لأنها هي المصححة المجوزة له كما ~~سبق. # قوله: «كالاشتقاق والقياس الشرعي واللغوي» : هذه نظائر كالأصول، يقاس ~~عليها جواز التجوز بدون السماع من العرب. وذلك أن الاشتقاق: هو اقتطاع لفظ ~~من لفظ موافق له في حروفه الأصول مع تغيير ما، وقد تقرر أنا متى وجدنا ~~لفظين مشتركين في المادة - وهي الحروف الأصول - حكمنا بأن أحدهما مشتق من ~~الآخر، وجاز لنا أن نشتق من تلك المادة ما شئنا، مع مراعاة شرط الاشتقاق، ~~من غير توقف على سماع، كقولنا: ضرب يضرب فهو ضارب ومضروب، كل هذه الألفاظ ~~مشتقة من الضرب، لمشاركتها له في الحروف الأصول التي هي (ض ر ب) . # PageV01P528 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والضيغم مشتق من الضغم، لاشتراكهما ~~في مادة (ض غ م) ، والجبل: بفتح الجيم والباء مشتق من الجبل، بسكون الباء، ~~لأنه طين مجبول استحجر على طول الزمان على ما قيل، لاشتراكهما في مادة (ج ب ~~ل) ، فكما جاز لنا الاشتقاق بمجرد وجود شرطه المذكور من غير سماع، فكذا ~~ينبغي أن يجوز لنا التجوز بمجرد وجود العلاقة التي هي شرط التجوز من غير ~~سماع. # وكذا القول في القياس الشرعي: لما كانت أركانه التي يوجد بوجودها أصلا ~~وفرعا وعلة وحكما، جاز لنا القياس متى وجدت، وإن لم يسمع ذلك القياس في تلك ~~الصورة المخصوصة من الشارع، فكذلك ينبغي في التجوز بوجود العلاقة، وإن لم ~~يسمع من أهل اللغة. وكذلك القياس اللغوي في الأسماء التي تدور مع معانيها ~~القائمة بها وجودا وعدما، كما سبق في موضعه، فكذلك في المجاز. # تنبيه: سمعت بعض فضلاء أصحابنا يفرق بين مجاز الاستدلال ومجاز الاستعمال، ~~فاشترط النقل للأول دون الثاني. # وتقرير الفرق: أنا إذا سمعنا كلاما قد تجوز فيه قائله، ككلام الشارع ~~ونحوه، وأردنا أن نستدل به على حكم، لم يجز لنا أن نحكم عليه برأينا أنه ~~أراد الوجه الفلاني من المجاز بالعلاقة ms0277 الفلانية دون غيره، بل يجب أن نعلم ~~بالسماع ما أراد من المجاز، ثم نستدل به، بخلاف ما إذا أردنا نحن أن ننشئ ~~كلاما لنا، نستعمل فيه المجاز، فإن لنا أن نتجوز كيف شئنا. # قلت: ولا شك أني ظننت صحة هذا الفرق، وقوة مأخذه في بادئ الرأي، # PageV01P529 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ثم إني نظرت فيه فإذا هو لا ظهور ~~له مع اشتراطنا للمجاز ظهور العلاقة، سواء كنا مستدلين به من كلام غيرنا، ~~أو مستعملين له من كلامنا، وذلك لأنا إذا اشترطنا أن تكون العلاقة في ~~المجاز ظاهرة، لزم أن تكون العلاقة ظاهرة في كل مجاز، وإذا كانت ظاهرة، ~~بادر الذهن إليها في مجاز الاستدلال والاستعمال، فلم يلزم منه خطأ ولا ~~محال، حتى لو رأينا متجوزا بعلاقة خفية، مثل إن أطلق لفظ الأسد على ~~الإنسان، وقال: أردت أنه أبخر، أو لفظ الحمار، وقال: أردت أنه طويل الآذان، ~~أو مرقوم الذراع، أو منكر الصوت، يشبه صوته نهاق الحمار، لم يعد ذلك كلاما، ~~لا حقيقة ولا مجازا، ولو خفي عنا مراد هذا المتكلم، حتى حملنا نحن كلامه ~~على المجاز المشهور، فأخطأنا ما أراده، كانت عهدة الخطأ عليه لا علينا، حيث ~~غرنا بإطلاق لفظ، أراد خلاف الظاهر المتعارف منه. # بقي هاهنا أن يقال: إن العلاقة - التي هي الصفة المشتركة بين محل الحقيقة ~~والمجاز - قد تكون متعددة ومتساوية، كما يقال للفارس الملبس العظيم الجثة ~~في الحرب: جبل، وللشاب المليح القوام: رمح، فإنه يحتمل أن يكون الفارس شبه ~~بالجبل لعدم تأثير السلاح فيه، كما لا يؤثر في الجبل، أو لعظم جرمه، أو # PageV01P530 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لثبوته واستقراره فهو لا يفر، ~~كالجبل في ثباته، والشاب يحتمل أن قوامه شبه بالرمح لطوله واعتداله، أو ~~لحسن تثنيه واهتزازه. وهذه الاحتمالات متساوية، يظهر الفرق بتقديرها بين ~~مجاز الاستدلال والاستعمال، فإن من قال: زيد في الحرب جبل، احتمل أن علاقة ~~المجاز كل واحدة من المعاني الثلاثة المذكورة، فإذا حملنا كلامه على تقدير ~~إرادة أحدها، كنا قد حكمنا عليه بما لا علم لنا به، وهو غير جائز، لأنه كذب ~~على ms0278 ذلك القائل. # والجواب: أنا إن فرضنا تعدد العلاقة وتساويها كما ذكرتم، بقي ذلك المجاز ~~بالنسبة إليها من باب المجمل، يتوقف على البيان الخارجي، وحيث لا تتعدد ~~العلاقة وتتساوى، يتعين الظاهر منها والأظهر، فلا يلزم ما ذكرتم، ويزول ~~الإشكال. # PageV01P531 # وأنكر قوم المجاز مطلقا، والحق ثبوته في المفرد، ~~كالأسد في الشجاع، وفي المركب، نحو: أشابني الزمان، {وأخرجت الأرض أثقالها} ~~، وأحياني اكتحالي بطلعتك، على الأظهر فيه. # قوله: «وأنكر قوم المجاز مطلقا، ~~والحق ثبوته» . # اختلف الناس في المجاز، فأثبته الجمهور مطلقا، مفردا ومركبا، في عموم ~~اللغة، وخصوص القرآن. # وأنكره الأستاذ أبو إسحاق ومن تابعه مطلقا، واحتجوا بوجهين: # أحدهما: أن اللفظ إما غير مفيد، فليس من اللغة، لأنه مهمل، أو مفيد ~~للمراد به فإفادته إما بنفسه بغير قرينة، أو مع القرينة، فهو حقيقة على ~~التقديرين، لإفادته عين المراد به دون غيره، فإن قولنا: رأيت أسدا بيده سيف ~~يضرب به، يفيد الرجل الشجاع قطعا، كما أن قولنا: رأيت أسدا، يفيد السبع ~~الخاص عند الإطلاق وضعا. # والجواب: أن النزاع بموجب ما ذكرتم لفظي، لأنكم أنتم تسمون اللفظ المفيد ~~مطلقا حقيقة، سواء أفاد بنفسه أو قرينة. # ونحن نقول: إن أفاد بنفسه، فهو حقيقة، وإن توقفت إفادته على قرينة فهو ~~مجاز، والخطب في النزاع اللفظي يسير، وتسميتنا أولى، إعطاء لكل واحد من ~~لفظي الحقيقة والمجاز مسمى ومدلولا. # الوجه الثاني لهم: أن استعمال المجاز مع افتقاره إلى القرينة، وإمكان ~~الاستغناء عنه باللفظ الحقيقي، مخالف حكم أهل الوضع، لأنه تكلف خال عن ~~فائدة، كاستعمال لفظ الحمار في البليد، مع إمكان أن يقول: هو بليد. # PageV01P532 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والجواب: لا نسلم أنه تكلف، ولا ~~أنه خال عن فائدة، بل المجاز أخف على اللسان، وأعون على تحقيق الأوزان نظما ~~ونثرا، وعلى تحقيق الجناس والطباق، والتعظيم والتحقير، وهو أخف على القلوب، ~~وأسهل دخولا في الأسماع، وهو من بديع لغة العرب ومحاسنها. # والدليل لنا على ثبوته: أنه ممكن واقع. أما إمكانه فلأن فرض وقوعه على ما ~~نبين في حده لا يلزم منه محال لذاته ولا لغيره، وكل ما ms0279 كان كذلك، فهو ممكن، ~~وأما وقوعه، فما اشتهر من استعمال أهل اللغة من إطلاق لفظ الأسد على ~~الشجاع، والحمار على البليد، والبحر على العالم، والجواد، والفرس الشديد ~~الجري، في قوله عليه السلام في فرس أبي طلحة لما ركبه: وجدناه بحرا وغير ~~ذلك كثير. # وقولهم: إن إفادة هذه الألفاظ مع القرينة حقيقة: نزاع لفظي كما بينا، فلا ~~يعرج عليه. # قوله: «والحق ثبوته» ، يعني أصل المجاز مطلقا، وقد بيناه. # والحق ثبوته أيضا في المفرد والمركب على الأظهر فيه، لأن النزاع إما في ~~أصل المجاز أو في أقسامه، فبعض من وافق على أصل المجاز إمكانا ووقوعا نازع ~~في أقسامه فقال: لا مجاز إلا في مفردات الألفاظ دون مركباتها. # فالمجاز الإفرادي، أي: الواقع في مفردات الألفاظ، كاستعمال لفظ الأسد في # PageV01P533 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الشجاع، فإن الأسد لفظ مفرد، دل ~~على مسمى مفرد، والشجاع كذلك، فهذا يسمى مجازا إفراديا، ومجازا في ~~المفردات. # والمجاز التركيبي، أي: الواقع في الألفاظ المركبة، نحو قول الشاعر: # أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الغداة ومر العشي # وإلى هذا أشرت بقولي: «نحو أشابني الزمان» وكقول هذا الشاعر بعينه: # تموت مع المرء حاجاته ... وتبقى له حاجة ما بقي # فلفظ الإشابة حقيقة في مدلوله، وهو تبييض الشعر لنقص الحار الغريزي، لضعف ~~الكبر، ولفظ الزمان - الذي هو مرور الليل والنهار - حقيقة في مدلوله أيضا، ~~لكن إسناد الإشابة إلى الزمان مجاز، إذ المشيب للناس في الحقيقة هو الله ~~سبحانه وتعالى، فهذا مجاز في التركيب، أي: في إسناد الألفاظ بعضها إلى بعض، ~~لا في نفس مدلولات الألفاظ، وهكذا كل لفظ كان موضوعا في اللغة ليسند إلى ~~لفظ آخر فأسند إلى غير ذلك اللفظ، فإسناده مجاز تركيبي، كلفظ السؤال، فإنه ~~وضع في اللغة ليسند إلى أولي العقل والعلم، نحو: سألت زيدا عن كذا، {فاسأل ~~به خبيرا} [الفرقان: 59] ، {فاسألوا أهل الذكر} [النحل: 43] ، إذا سألت ~~فاسأل الله، {واسألوا الله من فضله} [النساء: 32] ، فإذا أسند السؤال إلى ~~غير ذوي العلم كان مجازا إسناديا، كقوله سبحانه وتعالى: {واسأل القرية} ~~[يوسف: 82] ، # PageV01P534 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لأن السؤال لم يوضع ليسند ms0280 إلى ~~القرية، التي هي الأبنية والجدران الجامدة، بل إلى العقلاء، فلذلك قدر فيه ~~الأهل، فقيل معناه: واسأل أهل القرية. وهكذا قول الشاعر: # تموت مع المرء حاجاته # فلفظ الموت والحاجة حقيقة في مدلولها، وإنما المجاز في إسناد الموت إلى ~~الحاجة، وإنما وضع الموت ليسند إلى الأجسام الحية. # ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى: {وأخرجت الأرض أثقالها} [الزلزلة: 2] ، فلفظ ~~الإخراج والأرض حقيقة في مدلولهما، والمجاز في إسناد الإخراج إلى الأرض، إذ ~~المخرج لأثقال الأرض - وهم الموتى في الحقيقة - إنما هو الله سبحانه ~~وتعالى. # وكذلك قولهم: أحياني اكتحالي بطلعتك، حقيقته: سرتني رؤيتك، لكنه أطلق لفظ ~~الإحياء على السرور مجازا إفراديا، لأن الحياة شرط صحة السرور، وهو من ~~آثارها. # وكذلك لفظ الاكتحال على الرؤية مجاز إفرادي، لأن الاكتحال جعل العين ~~مشتملة على الكحل، كما أن الرؤية جعل العين مشتملة على صورة المرئي ~~بانطباعها في الجليدة. فلفظ الإحياء والاكتحال حقيقة في مدلولهما، وهو سلك ~~الروح في الجسد ووضع الكحل في العين، واستعماله - أعني لفظ الإحياء ~~والاكتحال - في السرور والرؤية مجاز إفرادي، وإسناد الإحياء إلى الاكتحال ~~مجاز تركيبي، لأن لفظ الإحياء لم يوضع ليسند إلى الاكتحال، بل إلى الله ~~سبحانه وتعالى، لأن الأحياء والإماتة الحقيقيين من خواص قدرته سبحانه ~~وتعالى. # PageV01P535 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فقد بان بهذا أن المجاز إما في ~~الإفراد، كاستعمال الأسد في الشجاع، أو في التركيب نحو: أشابني الزمان، ~~{وأخرجت الأرض أثقالها} [الزلزلة: 2] ، {واسأل القرية} [يوسف: 82] ، أو في ~~الإفراد والتركيب معا، نحو: أحياني اكتحالي بطلعتك، فإن التجوز في لفظ ~~الإحياء في إسناد الإحياء إلى الاكتحال. # وأما قوله: «على الأظهر فيه» ، فإشارة إلى وقوع الخلاف في المجاز ~~التركيبي، وهكذا أطلق بعض الأصوليين الخلاف فيه. # والتحقيق أن الخلاف ليس في جوازه، ولا في وقوعه، بدليل الأمثلة المذكورة، ~~وإنما الخلاف في كونه عقليا أو لغويا، أي: في أن المنقول في هذا المجاز، هل ~~هو حكم عقلي أو لفظ لغوي وضعي؟ # احتج الأولون بأن الإخراج والإنبات في قوله تعالى: {وأخرجت الأرض} ~~[الزلزلة: 2] ، و {مما تنبت الأرض} [البقرة: 61] ، غير مسندين في الحقيقة ~~إلى ms0281 الأرض، بل إلى الله سبحانه وتعالى، وقد بين ذلك بقوله تعالى: {أنفقوا ~~من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض} [البقرة: 267] ، وقوله تعالى: ~~{فأنبتنا فيها حبا} [عبس: 27] ، وإسناد الإخراج والإنبات إلى الله سبحانه ~~وتعالى أمر عقلي، أي: يدرك بالعقل، وإسناده إلى الأرض نقل لحكم عقلي عن # PageV01P536 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # متعلقه الحقيقي إلى غيره، ولا معنى ~~لقولنا: إن المجاز التركيبي عقلي إلا هذا. # واحتج الآخرون بأن صيغة أخرج وأنبت وضعت في اللغة بإزاء صدور الإخراج ~~والإنبات عن عالم قادر، فإذا استعملت تلك الصيغة في صدورها عن الأرض، فقد ~~استعملت في غير موضوعها، كما استعمل لفظ الأسد إذا أريد به الرجل الشجاع في ~~غير موضوعه، فيكون هذا المجاز لغويا. # وأجيب عن هذا: بأن صيغ الأفعال لا تدل على خصوصية الفاعل دلالة لفظية، لا ~~مطابقة ولا تضمنا، وإنما تدل عليه دلالة عقلية التزامية، وحينئذ نقول: صيغة ~~أخرج وأنبت لا تدل على صدورهما عن عالم قادر من حيث اللفظ، وإنما تدل عليه ~~من حيث العقل، لاستحالة صدور الأفعال حقيقة عن الجمادات، وأبلغ من هذا أن ~~الفعل إنما يدل على فاعله مطلقا دلالة الأثر على المؤثر، لاستحالة فعل لا ~~فاعل له، وهي دلالة عقلية، وحينئذ يثبت أن دلالة الإخراج والإنبات على ~~صدورهما عن الله تعالى عقلية، فيكون إسناده إلى الأرض نقلا لحكم عقلي، ~~فيكون هذا المجاز عقليا لا لغويا، وإن قولنا: هو ثابت على الأظهر فيه، ~~متابعة لمن أطلق خلاف الصواب، وإنه كان قبل وقوفي على هذا التقدير، والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. # PageV01P537 # الرابع الصوت: عرض مسموع. واللفظ: صوت معتمد على مخرج ~~من مخارج الحروف. والكلمة: لفظ وضع لمعنى مفرد، والأجود لفظ استعمل. وجمعها ~~كلم مفيدا أو غير مفيد. وهي جنس أنواعه: اسم وفعل وحرف، ولقسمتها طرق ~~كثيرة. # قوله: «الرابع» ، أي: البحث الرابع ~~من أبحاث اللغة. ### | الصوت # واللفظ والكلمة # قوله: «الصوت عرض مسموع» ، هذا ذكر لجملة من أحكام اللغة وأجزائها من أول ~~مبادئها، وهكذا رسم الصوت بأنه عرض مسموع، يحصل عن اصطكاك الأجرام، وسببه ~~انضغاط الهواء بين الجرمين، ms0282 فيتموج تموجا شديدا، فيخرج فيقرع صماخ الأذن، ~~فتدركه قوة السمع، ولهذا تختلف الأصوات في الظهور والخفاء، لاختلاف الأجسام ~~المتصاككة في الصلابة والرخاوة، فالصوت الحاصل عن وقوع البرد على الحجر ~~أقوى وأظهر من الحاصل من وقوع المطر على الأرض اللينة أو التراب الثائر، ~~والصوت الحاصل عن وقوع المطرقة على السندان أظهر من الحاصل عن وقوع جزة صوف ~~منقوش على مثلها. # فأما صوت المتكلم، فهو أيضا عرض حاصل عن اصطكاك أجرام الفم - وهي مخارج ~~الحروف - ودفع النفس الهواء حتى يصل إلى أذن السامع، متكيفا بصورة كلام ~~المتكلم. # وقولنا: الصوت عرض، هو جنس له، يتناول جميع الأعراض الحيوانية وغيرها، # PageV01P538 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # كالحركات والألوان والطعوم. # وقولنا: مسموع، خرجت جميعها، إلا العرض الذي يدرك بالسمع - وهو الصوت - ~~وإنما بدأنا بالصوت لأنه الجنس الأعلى للكلام الذي نحن بصدد الكلام فيه في ~~البحث. # قوله: «واللفظ معتمد على مخرج من مخارج الحروف» . # اعلم أن اللفظ في أصل الوضع مصدر لفظت الشيء ألفظه لفظا: إذا ألقيته ~~نابذا له، ثم سمي به الصوت المعتمد على مخارج الحروف، لأن الصوت لخروجه من ~~الفم صار كالجوهر الملفوظ الملقى، فهو ملفوظ حقيقة أو مجازا، فإطلاق اللفظ ~~عليه تسمية للمفعول باسم المصدر، كتسمية الثوب المنسوج نسجا، والدرهم ~~المضروب ضربا في قولهم: هذا الثوب نسج اليمن، وهذا الدرهم ضرب الأمير. # إذا عرفت هذا، فاللفظ الاصطلاحي نوع للصوت، لأنه صوت مخصوص، ولهذا أخذ ~~الصوت في حد اللفظ، وإنما يؤخذ في الشيء جنس ذلك الشيء. # ومخارج الحروف ستة عشر مذكورة في كتب العربية وغيرها. ومعنى اعتماد الصوت ~~على المخرج هو أن الصوت هواء يصحب النفس من الجوف، ولهذا إذا أمسك حلق ~~الإنسان، انقطع صوته، لانقطاع مادة الهواء الصاعد من الجوف # PageV01P539 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # إلى الفم، فإذا وصل ذلك الهواء إلى ~~الأماكن المخصوصة من الفم والحلق، المسماة بمخارج الحروف، يقطع عندها ~~تقطيعا مخصوصا، لأنها تمنعه عن خروجه على استقامته، فتظهر الحروف عند ذلك ~~التقطيع، ولذلك قالوا: الألف حرف هوائي لا مخرج له، لأن النفس يخرج بها ~~مستقيما لا عائق له، بخلاف الحاء والهاء ms0283 والهمزة ونحوها من حروف الحلق، فإن ~~العائق يعرض للنفس في الحلق، فتظهر هذه الحروف، والباء والواو والميم ~~والفاء يعرض العائق للنفس فيها في الشفتين فتظهر، فلذلك سميت هذه الحروف: ~~الشفوية، والأولى: الحروف الحلقية. # وقولنا: «اللفظ صوت معتمد على مخرج من مخارج الحروف» ، ظاهره يقتضي أن كل ~~صوت اعتمد على مخرج واحد من المخارج يكون لفظا، وهو إنما يتناول حروف ~~الهجاء المفردة، نحو: ب ت ث، ونحوه، ويخرج منه ما تركب منها من اسم أو فعل ~~أو حرف، نحو: زيد قام في الدار، لأن الاعتماد فيها على أكثر من مخرج واحد، ~~وإنما المراد بالمخرج القدر المشترك بين المخرج الواحد وجميع المخارج، وهو ~~بعض المخارج، فإن صرح به هكذا: اللفظ صوت معتمد على بعض مخارج الحروف، فهو ~~أجود وأبين. # قوله: «والكلمة لفظ وضع لمعنى مفرد» . # هذا حد الكلمة الذي ذكره ابن الحاجب، وخطر لي أن قوله: لفظ وضع لمعنى، ~~يقتضي بظاهره اختصاصه بالكلمات التي هي حقائق وضعية، كالأسد في السبع، لأنه ~~وضع له دون الكلم المجازية، كالأسد للشجاع، لأنه لم يوضع له، فمقتضى قوله: ~~أن لا يكون كلمة، وهو كلمة بلا خلاف، فلذلك قلت: «والأجود # PageV01P540 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لفظ استعمل» أي: الأجود أن يقال: ~~الكلمة لفظ استعمل في معنى مفرد، ليتناول ما وضع لمعنى بطريق الحقيقة، وما ~~نقل إلى غير موضوعه بطريق المجاز، لأن الاستعمال أعم من الوضع، فإن كان ابن ~~الحاجب أراد بقوله: وضع، الوضع الأول الحقيقي، ورد عليه كل لفظ مجازي، وإن ~~كان أراد به الاستعمال كما ذكرنا، فالتصريح به كما قلنا أولى، لما عرف من ~~وجوب صيانة الحدود عن الأجمال والإبهام. غير أن ما ذكرناه يرد عليه الألفاظ ~~فيما بين وضعها واستعمالها، وأنها لا تكون حينئذ كلمات، لكن الخطب فيها ~~يسير، ويمكننا التزام ذلك، وأن الاستعمال شرط في كونها كلمة، كما كان شرطا ~~في كونها حقيقة أو مجازا. # إذا عرفت هذا، فالكلمة نوع للفظ، لأنه مأخوذ في حدها، كما أخذ الصوت في ~~حد اللفظ. # واختلف في قوله: مفرد، هل هو مجرور على ms0284 النعت لمعنى، أو مرفوع على النعت ~~للفظ. وتقديره: الكلمة لفظ وضع لمعنى. وفي هذا كلام طويل، لا يتعلق به ~~الغرض هاهنا. # قوله: «وجمعها» ، أي: جمع الكلمة، «كلم» ، ونظيره: لبنة ولبن، ونبقة ~~ونبق، وثفنة وثفن بالثاء المثلثة والفاء، وهي ما يقع على الأرض من أعضاء ~~البعير إذا برك، وتجمع أيضا هي ونظائرها بالألف والتاء، نحو: كلمات، ~~ولبنات، ونبقات، وهذا جمع تصحيح، والأول أولى. # قوله: «مفيدا» كان «أو غير مفيد» ، أي: الكلم الذي هو جمع الكلمة: يطلق ~~على المفيد، نحو: زيد قائم في الدار، وعلى غير المفيد، نحو: «زيد» «هل» ~~«قد» # PageV01P541 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # «من» «إلى» «قام» «قعد» . # قوله: «وهي» يعني الكلمة «جنس أنواعه: اسم وفعل وحرف. ولقسمتها» ، أي ~~لهذه الأقسام الثلاثة «طرق كثيرة» ، أما كون الكلمة جنسا للاسم والفعل ~~والحرف، فلأنها توجد في حد كل واحد من الثلاثة، فيقال: # الاسم: كلمة دلت على معنى في نفسها غير مقترنة بزمان ذلك المعنى. # والفعل: كلمة دلت على معنى في نفسها وعلى زمان ذلك المعنى، نحو: قام ~~يقوم. # والحرف: كلمة لا تدل على معنى إلا في غيرها. # وكل ما أخذ في حد شيء، فهو جنس له كما سبق، ولأن القاعدة أن الجنس أعم من ~~نوعه، والنوع أخص من جنسه، ولا شك أن الكلمة أعم من كل واحد من الاسم ~~والفعل والحرف، وكل واحد منها أخص من الكلمة، إذ كل اسم أو فعل أو حرف، فهو ~~كلمة، وليس كل اسما، لجواز أن تكون فعلا أو حرفا، ولا فعلا، لجواز أن تكون ~~اسما أو حرفا، ولا حرفا، لجواز أن تكون اسما أو فعلا. وهذا يدل على أن ~~الكلمة جنس للأقسام الثلاثة، وأيضا فإن كل جنس قسم إلى أنواعه، أو نوع قسم ~~إلى أشخاصه، فاسم المقسوم صادق على المقسوم إليه، كالحيوان المقسم إلى ناطق ~~وغيره، وكلاهما حيوان، والإنسان المقسوم إلى زيد وعمرو # PageV01P542 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وبكر وغيرهم من الأشخاص، وكلهم ~~إنسان، والكلمة صادقة على كل واحد من الاسم والفعل والحرف، فهي جنس لها ~~ولكل واحد منها. وهذا استدلال باللازم المساوي، لأن الجنس يستلزم ms0285 صحة ~~انقسامه إلى الأنواع، والانقسام إلى الأنواع يستلزم صدق إطلاق اسم المقسوم ~~إلى المقسوم إليه. # وأما أن لقسمة الكلمة إلى الاسم والفعل والحرف طرقا كثيرة، فلأن من تلك ~~الطرق: # الطريقة الأولى، المنسوبة إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه، الذي أنشأ العربية، وهي أن اللفظ والكلمة، إما أن يدل على ذات، أو على ~~حركة ذات، أو على رابطة بينهما. # فالأول: الاسم، كزيد وعمرو. # والثاني: الفعل، كقام وقعد، لأن الأفعال الحقيقة كالقيام والقعود حركات ~~الأجسام، والأفعال المجازية، نحو: رخص السعر، وسهل الأمر، ونحو ذلك ملحق. # والثالث: الحرف، نحو «من» و «إلى» و «قد» و «هل» لأنه إنما أتي به ليربط ~~بين الأسماء والأفعال، ونحو ذلك من المعاني. # PageV01P543 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ومنها: طريقة ابن الحاجب، وهي أن ~~الكلمة إما أن تدل على معنى في نفسها أو لا، فإن دلت، فإما أن لا تدل على ~~زمن ذلك المعنى أو تدل، فالأول: الاسم، والثاني: الفعل، والثالث: الحرف، ~~وهذا على مراعاة مراتب الأقسام الثلاثة. # أما مع مراعاة ذلك فيقال: الكلمة إما أن لا تدل على معنى في نفسها وهو ~~الحرف، أو تدل، فإما مع الدلالة على زمان المعنى، وهو الفعل، أو عدم ~~الدلالة عليه، وهو الاسم. # ومنها: طريقة الآمدي: وهي أن اللفظ إما أن يصح تركب القضية الخبرية من ~~جنسه أو لا، فإن صح، فهو الاسم، كقولنا: زيد قائم. قد تركبت القضية من ~~اسمين، وجنسهما واحد، وإن لم يصح تركب القضية من جنسه، فإما أن يصح أن يكون ~~ركنا فيها أو لا، فإن صح، فهو الفعل، لأنه لا يصح تركب الجملة المفيدة منه، ~~كقولنا: قام قام، أو قام قعد، ويصح أن يكون ركنا فيها، نحو: قام زيد، وقعد ~~عمرو، إذ الفعل أحد ركني الجملة الفعلية، وإن لم يصح أن يكون ركنا فيها، ~~فهو الحرف. # ومنها: طريقة ابن الأنباري وغيره في الدلالة على انحصار أنواع الكلمة، بل ~~أجزاء الكلام في الأقسام الثلاثة، وهو أنه لو لم تكن منحصرة في الأقسام ~~الثلاثة، لاختل مقصود التفاهم بالزيادة أو ms0286 النقص، لكن مقصود التفاهم لم ~~يختل بشيء من ذلك، فدل على انحصار أجزاء الكلام في الكلم الثلاث. وذلك أن ~~مقصود التفاهم حصول ألفاظ مطابقة لما في النفوس، يعبر بها عنه، فلو لم ~~تنحصر أجزاء # PageV01P544 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الكلام في الأقسام الثلاثة، لكانت ~~إما أربعة فصاعدا، فيبقى في اللغة جزء لا حاجة إليه، فتكون زيادته عبثا، ~~لأنه خارج عن محل الضرورة، وما خرج عن محل الضرورة يكون عبثا. وإما اثنين ~~فأقل، فيبقى بعض أغراض النفوس لا يعبر عنه، فيكون تقصيرا عن الوفاء ~~بالضرورة، وهو خلل في الحكمة، فلما رأينا هذه الأقسام وافية بالتعبير عما ~~في النفوس، من غير إفراط بزيادة، ولا تفريط بنقص، دل على انحصارها فيها. # ومنها: طريقة ذكرها الشيخ عبد الواحد الكوفي في كلامه على الجمل، ~~واستضعفها. ووجه استضعافها أنها غير حاصرة، لأن القسمة العقلية تقتضي قسما ~~رابعا، وهو المخبر عنه لا به. # قلت: هو كذلك، لكن هذا إنما ترك لعدم تصوره، لا لكونه أهمل ذكره مع ~~إمكانه. ووجه عدم تصوره أن كل مخبر عنه يصح أن يخبر به ولا عكس، فالمخبر ~~عنه أخص من المخبر به، فلو وجد المخبر عنه بدون المخبر به، لوجد الأخص بدون ~~الأعم، وهو محال، ويتضح هذا بأن يجعل مكان الإخبار الإسناد، فنقول: اللفظ ~~إما أن يصح أن يكون مسندا، ومسندا إليه، وهو الاسم، أو لا مسندا ولا مسندا ~~إليه، وهو الحرف، أو مسندا إليه، وهو الفعل، أو مسندا إليه لا مسندا، وهو ~~محال، لأن كل مسند إليه يصح أن يكون مسندا إلى مثله، أو أقوى منه، وليس كل ~~مسند يصح # PageV01P545 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أن يكون مسندا إليه، لجواز أن ~~يحتاج لضعفه إلى أن يسند، ويضعف لذلك عن أن يسند إليه. واعتبر ذلك ~~بالمحسوسات، فالمسند إليه أخص من المسند، فلو وجد المسند إليه بدون صحة ~~كونه مسندا، لزم وجود الأخص بدون الأعم، وهو محال. # PageV01P546 # و ### | الكلام ما تضمن كلمتين بالإسناد، # وهو نسبة أحد الجزئين إلى الآخر لإفادة المخاطب. وقيل: اللفظ المركب ~~المفيد بالوضع، وشرطه الإفادة. ولا يأتلف إلا من اسمين، ms0287 نحو زيد قائم. أو ~~فعل واسم، نحو قام زيد. فالأولى جملة اسمية. والثانية فعلية، ويا زيد، ~~والشرطية، نحو إن تقم أقم، فعليتان. # قوله: " والكلام ما تضمن كلمتين ~~بالإسناد "، إنما قال: ما تضمن، ولم يقل: ما تألف أو تركب من كلمتين ليدخل ~~فيه مثل: اضرب، ونحوه مما أحد جزئيه غير ملفوظ به، لكنه في ضمن الملفوظ به، ~~والتضمن أخص من التركيب والتأليف، لأن التركيب والتأليف لا بد فيها من ~~شيئين يركب أحدهما الآخر أو يألفه، بخلاف التضمن، فإنه حصول شيء في ضمن شيء ~~آخر: في طيه، فقد لا يكون ملفوظا به، كالفاعل في فعل الأمر، وفي الماضي ~~والمضارع إذا سبقه ظاهر يرجع إليه، نحو: اضرب، وزيد ضرب ويضرب. # فقوله: " ما تضمن كلمتين " يشمل ما كان بالإسناد وبدونه، كالمضاف والمضاف ~~إليه، نحو: غلام زيد، والصفة والموصوف، نحو: رجل صالح، لكن هذا ليس بكلام ~~ما لم يكن التضمن المذكور إسناديا، فلما قال: " بالإسناد " خرج ذلك، وصار ~~الحد مقصورا على التضمن الإسنادي، نحو: زيد قائم، وقام زيد. # قوله: " وهو " يعني الإسناد، " نسبة أحد الجزئين إلى الآخر إفادة المخاطب ~~" فائدة مستقلة، يحسن السكوت عليها، ففي قولنا: زيد قائم، قد نسبنا أحد ~~الجزئين، وهو قائم، إلى الجزء الآخر، وهو: زيد، وكذلك في قام زيد: نسبنا # PageV01P547 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قام، وهو الفعل، إلى الفاعل، وهو ~~زيد، هذا في الإثبات. وأما في قولنا: زيد ليس بقائم، وما قام زيد، فالنسبة ~~كذلك لكنها بالنفي. # قوله: " وقيل: اللفظ "، أي: وقيل: الكلام هو اللفظ " المركب المفيد ~~بالوضع ". # هذا الحد ذكره ابن معطي في " الفصول " وغيره، والأول ذكره ابن الحاجب. # فقوله: " اللفظ ": احتراز من العقد، والإشارة، والكتابة، ونحوها مما ليس ~~بلفظ. # وقوله: " المركب ": احتراز من اللفظ المفرد، فإنه ليس بكلام، إذ شرط ~~الكلام التركيب، لأنه خبر وحديث، فلا بد فيه من أقل ما يكون من مخبر به، ~~ومخبر عنه، أو محدث به، ومحدث عنه، يركب أحدهما مع الآخر. # وقوله: " المفيد ": احتراز من المركب غير المفيد، كالمضاف والمضاف إليه، ~~والموصوف والصفة. # وقوله: " بالوضع ": احتراز من المفيد ms0288 لا بالوضع، بل بالعقل، كدلالة الصوت ~~على مصوت وراء حجاب، أو بالطبع، كدلالة أح على أذى الصدر، وأخ على الهم ~~والغم. # ثم هاهنا بحثان: # أحدهما: أن بين الكلام والكلم عموما وخصوصا، فبعض الكلم كلام، وهو ما إذا ~~اشتمل على الإسناد المفيد، نحو: زيد في الدار، وبعض الكلام كلم، وهو ما إذا ~~تضمن ثلاث كلمات فصاعدا، لأن الكلم جمع، وأقله ثلاث، فقولنا: زيد # PageV01P548 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # في الدار: كلم وكلام، وزيد قائم: ~~كلام لا كلم، وزيد من عن هل: كلم لا كلام، ومن عن: لا كلام ولا كلم، لا ~~مفيد، ولا ثلاث كلمات، بل هو كلمتان. # البحث الثاني: زعموا أن الكلام مشتق من الكلم، وهو الجرح، فلذلك وجب أن ~~يكون مفيدا، أي: يؤثر في نفس السامع فائدة، كما يؤثر الجرح في نفس المجروح ~~ألما. وهذا يرد عليه الكلم، فإنه من مادة الكلام، فيقتضي أنه مشتق مما اشتق ~~منه الكلام، مع أن الكلم لا يستلزم الفائدة. # ويجاب عنه: بأنا قد بينا أن بعض الكلم، وجميع الكلام مفيد، فاعتبر في ~~الاشتقاق الأكبر، وهو مفيد، أعني الكلام وبعض الكلم، وهو أكثر الألفاظ، ~~فكان غالبها مفيدا، فصح الاشتقاق باعتبار الغالب. # قوله: " وشرطه الإفادة "، أي: شرط الكلام الإفادة، لما ذكرنا من مقتضى ~~الاشتقاق، ومن كونه إخبارا، فيحتاج إلى مخبر به ومخبر عنه. # قوله: " ولا يأتلف إلا من اسمين، نحو: زيد قائم، أو فعل واسم، نحو: قام ~~زيد "، وذلك لأن الحاصل من تركيب الكلم الثلاث بعضها مع بعض ستة تراكيب بلا ~~تكرار، وتسعة مع تكرار ثلاثة منها، لأنها ثلاثة، وكل واحد منها يكون مركبا ~~مع # PageV01P549 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مثله، ومع قسيميه، فهي ثلاثة في ~~ثلاثة تسعة: الاسم مع اسم، أو فعل، أو حرف. والفعل مع فعل، أو اسم، أو حرف. ~~والحرف مع حرف، أو اسم، أو فعل. وإذا سقط المكرر، عادت إلى اسم مع اسم، أو ~~فعل، أو حرف، وفعل مع فعل، أو حرف، وحرف مع حرف. # والكلام لا بد فيه من مسند إليه، فالاسم مع الاسم كلام، لوجود المسند ~~والمسند إليه جميعا ms0289 من نوع واحد، والفعل مع الاسم كلام، لوجودهما من نوعين، ~~والاسم مع الحرف ليس بكلام، لعدم أحدهما المسند أو المسند إليه، والفعل مع ~~الفعل كذلك، لعدم المسند إليه، والفعل مع الحرف كذلك وأولى، والحرف مع ~~الحرف كذلك وأولى. # قوله: " فالأولى جملة اسمية "، يعني: زيد قائم، " والثانية " جملة فعلية ~~" يعني: قام زيد. # والفرق بين الجملة الاسمية والفعلية: أن التي أول جزئيها اسم: اسمية، وإن ~~كان آخر جزئيها فعلا، نحو: زيد قام، والتي أول جزئيها فعل: فعلية، ولا يكون ~~آخر جزئيها إلا اسما، نحو قام زيد. # وقوله: " ويا زيد، والشرطية نحو: إن تقم أقم فعليتان ". هذا على سبيل ~~الضم لمنتشر الجمل، ورد الجميع إلى انحصار في الاسمية والفعلية، ودفعا لنقض ~~قولنا: إن الكلام لا يأتلف إلا من اسمين، أو فعل واسم. بقولهم: يا زيد، ~~فإنه كلام مفيد، وهو من حرف واسم. # PageV01P550 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والجواب أن يا زيد وإن كان حرفا ~~واسما في اللفظ، فإنه فعل واسم في المعنى، فإن " يا " نائبة مناب أدعو، أو ~~أنادي، فقولك: يا زيد، تقديره: أدعو زيدا، أو أنادي زيدا، ولهذا كان ~~المنادى المبني على الضم، نحو: يا زيد، ويا رجل، واقعا موقع المنصوب، نظرا ~~إلى الفعل الذي نابت عنه " يا "، فلو قيل: لا يأتلف الكلام إلا من اسمين، ~~أو فعل واسم، لفظا أو تقديرا، لاندفع هذا النقض ب " يا زيد "، لأنه فعل ~~واسم تقديرا. # وأما ذكرنا للجملة الشرطية، فلأن النحاة يقولون: الجملة إما اسمية، نحو: ~~زيد قائم، أو فعلية، نحو: قام زيد، أو ظرفية، نحو: زيد عندك، وعمرو في ~~الدار، أو شرطية نحو: إن تقم أقم. وعند التحقيق يظهر أن الظرفية اسمية، ~~والشرطية فعلية. # أما الأول: فلأن الظرف في الظرفية متعلق بالخبر، وهو اسم أو فعل، ~~فالتقدير: زيد مستقر عندك، أو استقر عندك، وعمرو مستقر في الدار، أو استقر ~~في الدار. وعلى التقديرين يرجع إلى الاسمية. # وأما الثاني: فلأن حرف الشرط ربط بين جملتين فعليتين، إذ التقدير: إن تقم ~~أنت أقم أنا، وكل واحدة من الجملتين مركبة من فعل ms0290 وفاعل، فهي إذا راجعة إلى ~~الفعلية. # PageV01P551 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # نعم هاهنا تنبيه، وهو أن الكلام ~~يخرج عن الإفادة، تارة بالزيادة، وتارة بالنقص. أما الأول: فإن قولنا: قام ~~زيد، كلام مفيد، فإذا أدخلنا عليه حرف الشرط، كقولنا: إن قام زيد، أو لو ~~قام زيد، خرج عن الإفادة، وبقي متوقفا على تتمة تحصل فيه الفائدة، وهو جواب ~~الشرط. # وأما الثاني: فإن قولنا: زيد قائم، أو قام زيد، كلام تام، فإذا أسقطنا ~~أحد جزأيه خرج عن الإفادة. # وعكس هذا أن الكلم يخرج إلى الفائدة بزيادة أو نقص. # أما الأول: فقولنا: زيد: ليس بمفيد فإذا قلنا: قائم، أو قام. بعده، أو ~~قبله، صار مفيدا جملة اسمية أو فعلية. # وأما الثاني: فقولنا: إن قام زيد، فهو غير مفيد، فإذا أسقطنا حرف الشرط، ~~بقي جملة فعلية مفيدة. # PageV01P552 # و ### | الكلام: نص، وظاهر، ومجمل. # فالنص لغة: الكشف والظهور، ومنه نصت الظبية رأسها، أي: رفعته وأظهرته، ~~ومنه منصة العروس. واصطلاحا: الصريح في معناه، وقيل: ما أفاد بنفسه من غير ~~احتمال. # وحكمه، أن لا يترك إلا بنسخ، وقد يطلق على ما تطرق إليه احتمال يعضده ~~دليل، وعلى ### | الظاهر، # ولا مانع منه، إذ الاشتقاق المذكور يجمعهما. # قوله: «والكلام نص وظاهر ومجمل» . # قلت: انتهى ما كان اتفق ذكره من كليات مباحث العربية ومقدماتها، والكلام ~~من الآن في مباحث أصولية، أعني: شأنها في العادة أن تذكر في الأصول، وإن ~~كان موضوعها الألفاظ، فهي كأنها ذات وجهين: من جهة العادة أصولية، ومن جهة ~~التحقيق لغوية. # ووجه انحصار الكلام في النص والظاهر والمجمل: هو أن اللفظ إما أن يحتمل ~~معنى واحدا فقط، أو يحتمل أكثر من معنى واحد، والأول النص، والثاني: إما أن ~~يترجح في أحد معنييه أو معانيه، وهو الظاهر، أو لا يترجح، وهو المجمل. # قوله: «فالنص لغة: الكشف والظهور» إلى آخره. # أي: النص في اللغة هو ما ذكر «ومنه: نصت الظبية رأسها، أي: رفعته ~~وأظهرته، ومنه: منصة العروس» : وهو الكرسي الذي تجلس عليه لظهورها عليه. # قلت: النص في اللغة: هو الرفع إلى غاية ما ينبغي. قال ms0291 الجوهري: قولهم ~~نصصت ناقتي، قال الأصمعي: النص: السير الشديد حتى يستخرج أقصى ما # PageV01P553 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # عندها، قال: ولهذا قيل: نصصت ~~الشيء: رفعته، ومنه منصة العروس، ونصصت الحديث إلى فلان، أي: رفعته، ومنه ~~قول امرئ القيس: # وجيد كجيد الريم ليس بفاحش ... إذا هي نصته ولا بمعطل # قوله: «واصطلاحا» ، أي: والنص في اصطلاح الفقهاء والأصوليين هو الصريح في ~~معناه. والصريح: الخالص من كل شيء، ومعنى كون النص هو «الصريح في معناه» : ~~كونه خالص الدلالة عليه، لا يشوبه احتمال دلالة على غيره. # وقيل: هو «ما أفاد بنفسه من غير احتمال» ، فقوله: ما أفاد بنفسه: احتراز ~~مما لا يفيد بنفسه، بل بانضمام غيره إليه، كالقرينة في المجاز والمشترك، ~~والبيان في المجمل. # وقوله: «من غير احتمال» : احتراز مما أفاد بنفسه مع احتمال غير ما أفاده، ~~كالظاهر على ما قد ذكر فيه، وهذان التعريفان للنص معناهما واحد. # واعلم أن للعلماء في النص ثلاثة اصطلاحات: # أحدها: ما دل على معنى قطعا، ولا يحتمل غيره قطعا، كأسماء الأعداد نحو: ~~أحد، اثنين، ثلاثة. # والثاني: ما دل على معنى قطعا، وإن احتمل غيره، كصيغ الجموع في العموم، ~~تدل على أقل الجمع قطعا، مع احتمالها الاستغراق. # PageV01P554 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والثالث: ما دل على معنى كيف كان. # ومأخذ هذه الاصطلاحات: أن من لاحظ معنى النص لغة حمل عليه الاصطلاح ~~الأول، لأنه بلغ منتهى البيان وغايته، ولهذا قال القاضي أبو يعلى في ~~«العدة» : النص، قيل: ما رفع في بيانه إلى أقصى غايته، ومنه منصة العروس، ~~لأنها ترفع على سائر النساء. # ومن لاحظ أصل الظهور والارتفاع، حمل عليه الاصطلاح الثالث. # ومن توسط بينهما، حمل عليه الاصطلاح الثاني. # قلت: الأول أشبه باللغة، وهو مراد أصحابنا بقولهم: نص عليه أحمد، أو هو ~~منصوص أحمد، والثالث هو الغالب في استعمال الفقهاء في الاستدلال، حيث ~~يقولون: لنا النص والمعنى، ودل النص على هذا الحكم. # قوله: «وحكمه» ، أي: وحكم النص، أي: قضاء الشرع فيه «أن لا يترك إلا ~~بنسخ» ، وذلك لأن النسخ رافع لحكم المنسوخ، نصا كان أو غيره، أما مع عدم ~~النسخ ونصوصية ms0292 اللفظ، فتركه يكون عنادا ومراغمة للشرع، فيدخل تاركه على هذا ~~الوجه في قوله تعالى: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا} [طه: 134] ، ~~إلى قوله تعالى: {كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} [طه: 136] ، ~~وأشباهها من الآيات، وإن لم يكونا سواء من كل وجه إلا أن بينهما قدرا ~~مشتركا، وهو الترك مراغمة واجتراء على الشرع. # قوله: «وقد يطلق» ، يعني النص، «على ما تطرق إليه احتمال يعضده دليل» ~~وذلك لأن الاحتمال المذكور مع الدليل العاضد له صار كالظاهر، والظاهر يطلق ~~عليه لفظ النص، كما يأتي بعد إن شاء الله تعالى. # PageV01P555 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ومثاله قوله سبحانه وتعالى: ~~{وامسحوا برءوسكم وأرجلكم} [المائدة: 6] ، بكسر اللام، هو ظاهر في أن فرض ~~الرجلين المسح مع احتماله الغسل، فاحتماله الغسل مع الدليل الدال عليه يسمى ~~نصا، لأنه صار مساويا للظاهر في المسح، وراجحا عليه، كما تقرر في كتب ~~الفقه، حتى إنه يجوز لنا أن نقول: ثبت غسل الرجلين بالنص. # وقوله: «ما تطرق إليه احتمال يعضده دليل» : احتراز مما تطرق إليه احتمال ~~مجرد، لا دليل عليه، فإن ذلك لا يطلق عليه نص ولا ظاهر، وذلك كاحتمال أن ~~المراد بمسح الرءوس غسلها، في قوله سبحانه وتعالى: {وامسحوا برءوسكم} ، إذ ~~لا دليل على هذا الاحتمال. # فأما اختلاف الفقهاء في أن غسل الرأس هل يجزئ عن مسحه أم لا؟ فليس بناء ~~على الاحتمال المذكور، بل على أن الرأس اختص بالمسح تعبدا، أو تخفيفا لمشقة ~~غسله غالبا، لملازمة الحال له عادة. # قوله: «وعلى الظاهر» ، أي: ويطلق النص على الظاهر أيضا، «ولا مانع منه» ، ~~أي: من إطلاق لفظ النص عليه، «إذ الاشتقاق المذكور يجمعهما» ، يعني اشتقاق ~~النص من معنى الارتفاع والظهور يجمع النص والظاهر، أي: يلتقيان فيه على حد ~~مشترك بينهما منه، فالنص مرتفع ظاهر في الدلالة، والظاهر كذلك، غير أن النص # PageV01P556 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أشد ظهورا وارتفاعا، فباعتبار ~~القدر المشترك بينهما من الارتفاع والظهور، جاز إطلاق أحدهما على الآخر، ~~كما جاز إطلاق العلم على الظن، لما اشتركا فيه من الرجحان كما سبق، وهذا قد ~~سبق نحوه عند ms0293 ذكر الاصطلاحات في النص. # PageV01P557 # والظاهر: حقيقة، هو الاحتمال المتبادر، واستعمالا، ~~اللفظ المحتمل معنيين فأكثر، هو في أحدها أظهر، أو ما بادر منه عند إطلاقه ~~معنى مع تجويز غيره، ولا يعدل عنه إلا بتأويل، وهو صرف اللفظ عن ظاهره ~~لدليل يصير به المرجوح راجحا. # قوله: «والظاهر حقيقة» أي: في نفس ~~الأمر، هو الشاخص المرتفع، ومنه قيل لأشراف الأرض: ظواهر. والظاهر خلاف ~~الباطن، ولذلك قابل الله تعالى في صفاته الكريمة بينهما، فقال: {هو الأول ~~والآخر والظاهر والباطن} [الحديد: 3] ، وكما أن المرتفع من الأشخاص هو ### | الظاهر # الذي تبادر إليه الأبصار، فكذلك المعنى المتبادر من اللفظ، هو الظاهر ~~الذي تبادر إليه البصائر والأفهام. # أما إطلاق الظاهر على اللفظ المحتمل أمورا، هو في أحدها أرجح، فهذا ~~اصطلاح لا حقيقة. # قوله: «واستعمالا» ، أي: والظاهر في استعمال الفقهاء: هو «اللفظ المحتمل ~~معنيين فأكثر هو في أحدها أظهر» وينبغي أن يقال: هو في أحدها أرجح دلالة، ~~لئلا يصير تعريفا للظاهر بنفسه، كما سبق في تعريف العلم، بأنه معرفة ~~المعلوم. # فقولنا: هو اللفظ المحتمل معنيين: احتراز من اللفظ الذي لا يحتمل إلا ~~معنى واحدا، فإن ذلك هو النص كما سبق. # وقولنا: فأكثر. لأن اللفظ قد يحتمل معنيين ومعاني، ولهذا قلنا: هو في ~~أحدها # PageV01P558 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أرجح، لأن المعنيين فأكثر جمع لا ~~تثنية، فكان ذلك أجود من قول الشيخ أبي محمد: ما احتمل معنيين هو في أحدهما ~~أظهر. # قوله: «أو ما بادر منه عند إطلاقه معنى، مع تجويز غيره» . # هذا تخيير بين التعريفين، أي: الظاهر هو اللفظ المحتمل، إلى آخره، أو ~~اللفظ المتبادر منه معنى، مع تجويز غيره، بأيهما شئت عرفه، لأنهما سواء. # فقولنا: «ما بادر منه عند إطلاقه» احتراز مما لا يتبادر منه عند إطلاقه ~~معنى، لأن ذلك هو المجمل، كالقرء عند إطلاقه، لا يتبادر منه حيض ولا طهر. # وقولنا: عند إطلاقه: احتراز مما كانت مبادرة المعنى منه لا عند إطلاقه ~~فقط، بل مع قرينة أو دليل آخر، فإن ذلك، وإن سمي ظاهرا باعتبار ظهور المراد ~~منه، إلا أنه مجاز، إذ ms0294 ليس ظاهرا بذاته، بل بالدليل الخارج، ونحن كلامنا في ~~الظاهر بذاته. فلو قيل: ما بادر منه لذاته معنى مع تجويز غيره، فإن ذلك هو ~~النص كما سبق. # قوله: «ولا يعدل عنه» ، أي: عن الظاهر «إلا بتأويل» ، أي: حكم الظاهر ~~ذلك، كما أن حكم النص ذلك أيضا، فإن ترك الاحتمال الظاهر الراجح إلى ~~الاحتمال الخفي المرجوح كترك النص إلى غيره، وإن كان الثاني أقبح وأفحش، ~~إلا أنهما مشتركان في قدر من القبح والفحش والتحريم، وهذا كمن يقول: إن ~~قوله سبحانه وتعالى في الخمر والميسر والأنصاب والأزلام: {رجس من عمل ~~الشيطان} # PageV01P559 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فاجتنبوه، هذا الأمر على الندب، ~~وقوله سبحانه وتعالى بعد ذلك: {فهل أنتم منتهون} [المائدة: 91] ، هو صيغة ~~استفهام لا يفيد الأمر، فيكون الخمر على هذا مكروها لا حراما، فإن هذا ~~مراغمة لخطاب الشرع، إذ الأمر باجتناب ذلك ظاهر في الإيجاب، كما سيأتي في ~~الأوامر إن شاء الله تعالى. وصيغة: هل أنتم منتهون: هي في عرف استعمال ~~العرب بمعنى: انتهوا، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم هل أنتم تاركوا ~~لي صاحبي، يعني الصديق رضي الله عنه، أي: اتركوه ولا تؤذوه. ولا فرق عندنا ~~في هذا بين الفروع العملية، والأصول العلمية الاعتقادية. # فالظواهر الواردة في الكتاب والسنة في صفات البارئ جل جلاله، لنا أن نسكت ~~عنها، ولنا أن نتكلم فيها، فإن سكتنا عنها قلنا: تمر كما جاءت، كما نقل عن ~~الإمام أحمد رضي الله عنه وسائر أعيان أئمة السلف، وإن تكلمنا فيها، قلنا: ~~هي على ظواهرها من غير تحريف، ما لم يقم دليل يترجح عليها بالتأويل، لكن ~~الكلام يبقى في ظواهرها ما هي؟ فالجهمية لقصور نظرهم ومعرفتهم بالأحكام ~~الإلهية، لم يفهموا منها إلا الظاهر المشاهد من المخلوقين، من يد، وقدم ~~ووجه وغير ذلك، فلذلك حرفوها عن ظواهرها إلى مجازات بعيدة. # ونحن نقول: المراد بظواهر النصوص معان، هي حقائق فيها، ثابتة لله # PageV01P560 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # سبحانه وتعالى، مخالفة للمعاني ~~المفهومة من المخلوقين، وذلك على جهة الاشتراك. # فإن قيل: الأصل عدم الاشتراك، قلنا: والأصل عدم المجاز. # فإن ms0295 قيل: إذا تعارض المجاز والاشتراك، فالمجاز أولى، قلنا: هذا ترجيح ~~ظني، أي: إنما يستعمل في الظنيات، فإن كانت المسألة ظنية، فلم يغلون في ~~الدين، ويكفرون بها، أو يفسقون، ثم لا نسلم أن المجاز أولى، بل الاشتراك. ~~سلمناه، لكن المجاز أولى من الاشتراك المطلق، أو من الاشتراك المقترن ~~بقرينة؟ الأول مسلم، والثاني ممنوع، ونحن قد دلتنا قرينة إجماع السلف على ~~عدم التأويل، وكثرة الظواهر ونصوصية بعضها في المقصود على أنها مقولة على ~~الله سبحانه وتعالى وخلقه بالاشتراك، وربما تعرضنا للكلام في هذا فيما بعد ~~إن شاء الله تعالى. # قوله: «وهو» ، يعني التأويل الذي لا يترك الظاهر إلا به، هو «صرف اللفظ ~~عن ظاهره لدليل يصير به المرجوح راجحا» ، وذلك لأن المطلوب في الشرع معرفة ~~الحق، والحق قد يكون دليله قاطعا لا نزاع فيه، فيوصل إلى الحق قطعا، كإثبات ~~الصانع وتوحيده، وإرسال الرسل ونحوه. وقد يكون دليله غير قاطع، فلا يمكن ~~الوصول إلى الحق قطعا، فيكون المطلوب هو الأرجح فالأرجح، وذلك هو الغالب في ~~أحكام الفروع، ولا شك أن الضعيف قد يقوى بغيره، حتى يصير أقوى مما كان # PageV01P561 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أقوى منه، كما قيل في المثل: # لا تخاصم بواحد أهل بيت ... فضعيفان يغلبان قويا # وهذا أمر مدرك بالحس، فكذلك في دلالة الألفاظ، قد يكون أحد مدلولي اللفظ ~~أرجح من الآخر، لكن ذلك المدلول المرجوح قد يوافقه دليل من خارج، فإذا انضم ~~إليه صارا جميعا مساويين لذلك المعنى الراجح، فيجب التوقف على المرجح أو ~~الراجحين عليه، فيجب تركه والعدول إليهما. # ومثاله قوله صلى الله عليه وسلم: الجار أحق بصقبه رواه البخاري والترمذي ~~وصححه، فهو ظاهر في ثبوت الشفعة للجار الملاصق والمقابل أيضا، مع احتمال أن ~~المراد بالجار الشريك المخالط، إما حقيقة، أو مجازا، لكن هذا الاحتمال ضعيف ~~بالنسبة إلى الظاهر، فلما نظرنا إلى قوله عليه السلام: إذا وقعت الحدود ~~وصرفت الطرق، فلا شفعة رواه البخاري وأبو داود والترمذي وصححه، صار هذا ~~الحديث مقويا لذلك الاحتمال الضعيف في الحديث المتقدم، حتى ترجحا على ~~ظاهره، فقدمناهما، وقلنا: ms0296 لا شفعة إلا للشريك المقاسم. وحملنا عليه الجار ~~في الحديث الأول، وهو سائغ في اللغة. # PageV01P562 # ثم قد يبعد الاحتمال، فيحتاج في حمل اللفظ عليه إلى ~~دليل قوي، وقد يقرب، فكيفية أدنى دليل، وقد يتوسط، فكيفية مثله. والدليل ~~قرينة، أو ظاهر آخر، أو قياس. # قوله: «ثم قد يبعد الاحتمال، ~~فيحتاج في حمل اللفظ عليه إلى دليل قوي، وقد يقرب، فيكفيه أدنى دليل، وقد ~~يتوسط فيكفيه مثله» . # معنى هذا الكلام أن الاحتمال المرجوح المقابل للراجح الظاهر، قد يكون ~~بعيدا عن الإرادة، وقد يكون قريبا منها، وقد يكون متوسطا بين البعيد عنها ~~والقريب منها، فالاحتمال البعيد يحتاج في حمل اللفظ عليه إلى دليل قوي، ~~لتجبر قوة الدليل ضعف الاحتمال، فيقويان على الاستيلاء على الظاهر، ~~والاحتمال القريب يكفيه في ذلك أدنى دليل، وهذا إطلاق ليس بجيد، بل يكفيه ~~دون ما يكفي الاحتمال البعيد، لكن بشرط أن يكون هذا الدليل الذي إذا انضم ~~إلى ذلك الاحتمال القريب ترجحا جميعا على الظاهر، وإلا، فأدنى دليل قد لا ~~يكون إذا انضم إلى الاحتمال القريب مؤثرا في استيلائهما على الظاهر، فيكون ~~وجوده وعدمه سواء، والاحتمال المتوسط بين الاحتمالين قربا وبعدا يكفيه دليل ~~متوسط بين الدليلين قوة وضعفا. # وبالجملة: فالغرض من دليل التأويل أن يكون بحيث إذا انضم إلى احتمال ~~اللفظ المؤول اعتضد أحدهما بالآخر، واستوليا على الظاهر، وقدما عليه، فما # PageV01P563 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # كان في احتمال اللفظ من ضعف جبر ~~باعتبار قوة في الدليل، وما كان فيه من قوة سومح بقدره في الدليل، والمعتمد ~~قبالة المعتدل فهما يحصلان الغرض، والكلام في هذا المكان كالميزان، فلو ~~فرضنا ميزانا في إحدى كفتيه عشرة أرطال، وفي الكفة الأخرى ثلاثة أرطال، ~~احتجنا لتعديلهما إلى سبعة أرطال، وهو نظير الاحتمال المرجوح مع الدليل ~~القوي، وإن كان في الكفة المرجوحة سبعة أرطال، احتجنا في تعديلهما إلى ~~ثلاثة أرطال، وهو نظير الاحتمال الراجح مع الدليل اللين، وإن كان في الكفة ~~المرجوحة خمسة أرطال أو ستة أرطال احتجنا في التعديل إلى خمسة أو أربعة ~~أرطال، فالتفاوت هاهنا متوسط، وهو ms0297 نظير الاحتمال المتوسط مع الدليل ~~المتوسط، وسيأتي لهذا أو بعضه أمثلة فيما بعد إن شاء الله تعالى. # قوله: «والدليل قرينة، أو ظاهر آخر، أو قياس» أي: دليل التأويل الذي يقوى ~~به الاحتمال المرجوح على الظاهر، قد تكون قرينته متصلة بالظاهر، أو منفصلة، ~~وقد يكون ظاهرا آخر، أو نصا يوافق الاحتمال المرجوح، وقد يكون قياسا، لأن ~~هذه كلها أدلة تصلح للترجيح، إذ مقصوده حاصل بها. # فالقرينة المتصلة، كالمناظرة التي حصلت بين أحمد والشافعي رضي الله ~~عنهما. # قال أحمد في رواية صالح وحنبل: كلمت الشافعي في هذه المسألة، يعني أن ~~الواهب ليس له الرجوع فيما وهب، لقوله عليه السلام: العائد في هبته كالكلب ~~يعود # PageV01P564 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # في قيئه، فقال الشافعي - وكان يرى ~~أن له الرجوع -: ليس بمجرم على الكلب أن يعود في قيئه قال أحمد: فقلت له: ~~فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ليس لنا مثل السوء، فسكت، يعني الشافعي. # قلت: فالشافعي تمسك بالظاهر، وهو أن الكلب لما لم يحرم عليه الرجوع في ~~قيئه، فالظاهر أن الواهب إذا رجع مثله في عدم التحريم، لأن الظاهر من ~~التشبيه استواء المشبه والمشبه به من كل وجه، مع احتمال أن يفترقا من بعض ~~الوجوه احتمالا قويا جدا، فضعف حينئذ جانب أحمد في الاستدلال جدا، لأنه لم ~~يبق معه إلا احتمال ضعيف جدا، فقواه بالقرينة المذكورة وهي قوله عليه ~~السلام في صدر الحديث المذكور: ليس لنا مثل السوء، العائد في هبته كالكلب ~~يعود في قيئه وهي دليل قوي، وجعل ذلك مقدما على المثل المذكور، وهو دليل ~~الاهتمام به، فأفاد ذلك لغة وعرفا، أن الرجوع في الهبة مثل سوء، وقد نفاه ~~صاحب الشرع، وما نفاه صاحب الشرع يحرم إثباته، فلزم من ذلك أن جواز الرجوع ~~في الهبة يحرم إثباته، فيجب نفيه، وهو المطلوب. # ومثال القرينة المنفصلة: ما ذكره الفقهاء فيمن جاء من أهل الجهاد بمشرك، ~~فادعى أنه أمنه، فأنكره المسلم، وادعى أسره، ففيه أقوال: ثالثها: القول قول ~~من ظاهر الحال صدقه، فلو كان الكافر أظهر قوة وبطشا وشهامة ms0298 من المسلم، جعل # PageV01P565 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ذلك قرينة في تقديم قوله، مع أن ~~قول المسلم لإسلامه وعدالته راجح، وقول الكافر مرجوح، لكن القرينة المنفصلة ~~عضدته، حتى صار أقوى من قول المسلم الراجح، والله تعالى أعلم. # ومثال الظاهر: أن قوله سبحانه وتعالى: {حرمت عليكم الميتة} [المائدة: 3] ~~، ظاهر في تحريم جلدها، دبغ أو لم يدبغ، مع احتمال أن الجلد غير مراد ~~بالعموم احتمالا مترددا، له من جهة أن إضافة التحريم إلى الميتة يقتضي ~~تحريم الأكل، والجلد غير مأكول، فيقتضي عدم تناول الجلد، ومن جهة أن عموم ~~اللفظ قوي، متناول لجميع أجزائها، يقتضي تناول الجلد، في نظرنا في قوله ~~عليه السلام: أيما إهاب دبغ فقد طهر فهو عموم وظاهره، يتناول إهاب الميتة، ~~فكان هذا الظاهر مقويا لاحتمال عدم إرادة جلد الميتة من الآية المذكورة في ~~التحريم. # ومثال النص: قوله عليه السلام في شاة مولاة ميمونة: ألا أخذتم إهابها ~~فدبغتموه فانتفعتم به، فقالوا: إنها ميتة، قال: إنما حرم من الميتة أكلها، ~~فهذا نص في طهارة جلد الميتة. # ومثال القياس: أن تركه سبحانه وتعالى ذكر الإطعام في كفارة القتل، ظاهر ~~في عدم وجوبه، إذ لو وجب، لذكره كما ذكر التحرير والصيام. هذا مع احتمال أن ~~يكون واجبا مسكوتا عنه، يستخرجه المجتهدون، ثم رأينا إثبات الإطعام في ~~كفارة القتل، # PageV01P566 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بالقياس على إثباته في كفارة ~~الظهار والصيام واليمين متجها، لأن الكفارات حقوق لله تعالى، وحكم الأمثال ~~واحد، فثبوت الإطعام في تلك الكفارات تنبيه على ثبوته في كفارة القتل، وقد ~~ذكر هذا في باب المطلق والمقيد، ولا تنافي بينه وبين القياس، لجواز أن يكون ~~حمل المطلق على المقيد بالقياس، وهو كذلك ولا شك. # PageV01P567 # وكل متأول يحتاج إلى بيان الاحتمال المرجوح وعاضده. ~~وقد يدفع الاحتمال مجموع قرائن الظاهر، دون آحادها، كتأويل الحنفية ~~المفارقة في قوله عليه السلام لغيلان بن سلمة حيث أسلم على عشر نسوة: «أمسك ~~منهن أربعا وفارق سائرهن» ، على ترك نكاحهن ابتداء، وعضدوه بالقياس، وهو ~~عدم أولوية بعضهن بالإمساك دون بعض، أو نحوه. # قوله: «وكل متأول يحتاج إلى بيان ~~الاحتمال ms0299 المرجوح وعاضده» أي: وكل من أراد تأويل ظاهر من الظواهر، فعليه ~~أمران: # أحدهما: بيان الاحتمال المرجوح مع الظاهر. # الثاني: بيان عاضده، أي: عاضد الاحتمال المرجوح، أي: لدليل الذي يعضده ~~ويقويه، حتى يقدم على الظاهر، وذلك لأنه إن لم يبين الاحتمال المرجوح، لم ~~يكن بيان الدليل العاضد للاحتمال المرجوح ولم نتحقق التأويل، إذ شرطه ~~الدليل، فيبقى الاحتمال المرجوح مجردا، وهو لا يقاوم الظاهر. # قوله: «وقد يدفع الاحتمال مجموع قرائن الظاهر دون آحادها» ، يعني أن ~~الظاهر والاحتمال المرجوح إذا تقابلا، فقد يحتف بالظاهر قرائن تدفع ذلك ~~الاحتمال وتبطله، ثم قد يكون كل واحد من القرائن دافعة للاحتمال وحدها، وقد ~~لا يندفع إلا بمجموع تلك القرائن، وذلك بحسب قوة القرائن وظهورها، ~~ومقاومتها # PageV01P568 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لذلك الاحتمال، وقصورها عنه، فقد ~~تقاومه قرينة واحدة، أو قرينتان، فتدفعه، وقد لا تقاومه إلا جميعها، فلا ~~يندفع بدونها. # قوله: «كتأويل الحنفية المفارقة» ، إلى آخره. # هذا مثال لدفع الاحتمال المرجوح بالقرائن المحتفة بالظاهر، وذلك أن غيلان ~~بن سلمة الثقفي رضي الله عنه أسلم وله عشر نسوة في الجاهلية، فأسلمن معه، ~~فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخير أربعا منهن. رواه ابن ماجه ~~والترمذي، وفي لفظ يتداوله الفقهاء قال له: أمسك منهن أربعا، وفارق سائرهن، ~~وعليه اتجه النزاع: # فالحنفية قالوا: إن من أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة، فإن كان تزوجهن في ~~عقد واحد بطل نكاحهن، ولم يجز أن يختار منهن شيئا، وإن تزوجهن متعاقبات، ~~اختار من الأول أربعا، وترك الباقي. # والأئمة الثلاثة: على أنه يختار منهن أربعا مطلقا. # ولما كان مذهب الحنفية مخالفا لظاهر الحديث، إذ ظاهر الإمساك فيه استدامة ~~نكاح أربعة، وظاهر المفارقة تسريح الباقيات، احتاجوا إلى تأويله، فحملوا ~~الإمساك على ابتداء النكاح، كأنه قال: أمسك أربعا بأن تبتدئ نكاحهن، وفارق ~~سائرهن بأن لا تبتدئ العقد عليهن، ولو ثبت لهم هذا التأويل، لوافق الحديث ~~مذهبهم، إذ # PageV01P569 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يصير التقدير أن بإسلام غيلان يبطل ~~نكاح زوجاته، فإمساكه أربعا منهن يكون بابتداء العقد عليهن، وفراقه للبواقي ~~يكون بترك نكاحهن، وعضدوا هذا التأويل ms0300 بالقياس، وهو أن بعض النسوة ليس ~~بأولى بالإمساك من بعض، إذ هو ترجيح من غير مرجح، أو بنحو هذا القياس. # PageV01P570 # ورد بأن السابق إلى فهمنا وفهم الصحابة رضي الله عنهم ~~من المفارقة التسريح، لا ترك النكاح، وبأنه فوض إليه ذلك مستقلا به، ~~وابتداء النكاح لا يستقل به، بل لا بد من رضى المرأة، وبأن ابتداء النكاح ~~لا يختص بهن، فكان ينبغي أن يقول: انكح أربعا ممن شئت، فهذه قرائن تدفع ~~تأويلهم. # قوله: «ورد» ، أي: تأويل الحنفية ~~المذكور بوجوه دل عليها الحديث: # أحدها: أن السابق إلى فهمنا وفهم الصحابة رضي الله عنهم من الإمساك ~~الاستدامة، لا ابتداء النكاح، ومن المفارقة التسريح، لا ترك النكاح، فيكون ~~هذا مدلول اللفظ ومقتضاه، والدليل على أن [هذا] السابق إلى فهمنا من ~~الحديث، ذلك الوجدان منا، والتأويل من الحنفية، إذ لو لم يكن ظاهرا فيما ~~قلناه، لما احتاجوا إلى تأويله، وإذا ثبت أن السابق إلى فهمنا من الحديث ~~ذلك الوجدان، ثبت أنه السابق إلى فهم الصحابة، لأن الأصل بقاء ما كان على ~~ما كان، وعدم التغيير في الألفاظ والموضوعات. # الوجه الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم فوض ذلك - يعني الإمساك ~~والفراق - إلى غيلان مستقلا به، حيث قال: أمسك وفارق، ولو كان المراد به ~~ابتداء لنكاح، لما استقل به بالاتفاق، إذ لا بد من رضى الزوجة، ومن الولي ~~عندنا، فكان يجب أن يقول: أمسك أربعا منهن إن رضين، ويبين له شرائط النكاح، ~~لأن ذلك بيان في وقت الحاجة إليه، فلا يجوز تأخيره، كما قرر في موضعه، ~~خصوصا لمن هو حديث عهد # PageV01P571 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بجاهلية، دخل في الإسلام، فهو أحوج ~~إلى البيان. # الوجه الثالث: أن تقدير الكلام على قولهم: انكح أربعا منهن، واترك نكاح ~~سائرهن، أي: ولا تنكح سائرهن، والأمر دائر بين الوجوب والندب، والنهي دائر ~~بين الكراهة والحظر، وابتداء النكاح لا يختص بالنسوة اللاتي أسلم عليهن ~~وجوبا ولا ندبا، بل هن كغيرهن فيه، فكان ينبغي أن يقول: انكح أربعا ممن ~~شئت، لئلا يتوهم أنه مأمور بالنكاح منهن وجوبا ms0301 أو ندبا، وليس الحكم في نفس ~~الأمر كذلك، فكان يكون إبهاما في الدين، وتلبيسا على المسلمين، والنبي صلى ~~الله عليه وسلم إنما بعث للإيضاح والتبيين، وكذلك البواقي بعد نكاح الأربع، ~~لا اختصاص لهن بالنهي عن نكاحهن، وهو موهم ذله، خصوصا عند من يرى مفهوم ~~اللقب، فيكون اختصاصهن بالنهي عن نكاحهن مخالفا للإجماع، لانعقاده على ~~تحريم من سوى الأربع اللاتي أمسكن بالنكاح. # فهذه قرائن احتفت بالحديث تدفع تأويل الحنفية المذكور، وتبين أن المراد ~~من الحديث ما فهمه الجمهور من أن الإمساك: الاستدامة، والمفارقة: التسريح. # وما يقولونه: من أنه ليس بعض النسوة أولى بالإمساك من بعض مردود، بأن ~~الأولى به منهن من اختاره الزوج، واختياره هو المرجح، وما فصلوه من أنه إن ~~كان عقد عليهن معا بطل نكاحهن، وإن كان عقد متعاقبا، أمسك الأولى فالأولى ~~منهن، # PageV01P572 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مردود بقوله عليه السلام لفيروز ~~الديلمي وقد أسلم على أختين: أمسك أيتهما شئت وفارق الأخرى، وقد بينا أن ~~الإمساك ظاهر في الاستدامة، مع المعية في العقد، وإن كان عقد عليهما ~~متعاقبتان، فقد خيره في إمساك أيتهما شاء، ولم يعين له الأولى. فالنصوص ~~مخالفة لقولهم بكل حال. # واعلم أن مثار النزاع في المسألة هو أن الإمساك هو الحفظ للشيء، لكونه لا ~~بد له من آلة يحصل بها الإمساك، فالنبي صلى الله عليه وسلم أمره بالإمساك ~~وأمسك عن آلته التي يحصل بها، إذ الإمساك - الذي هو هاهنا حفظ نكاح الأربع ~~- يصح حصوله بالاستدامة، والاستبقاء، والاستصحاب كما قلناه، ويصح حصوله ~~بابتداء النكاح كما قالوه، لكن ما ذكرناه أولى، لما سبق، ولأنه لا يحتاج ~~إلى تقدير بطلان النكاح، ثم تصحيحه بابتداء عقده عليهن، وعلى ما قالوه ~~يحتاج إلى ذلك، وهو من ضرورته، فكان ما قلناه كاللفظ المستقل بنفسه، بدون ~~إضمار، وما ذكروه كاللفظ الذي لا يتم إلا بإضمار، ولا نزاع في أن الأول ~~أولى، فكان ما أشبهه في مسألتنا أولى، وهو تأويلنا. # قال الغزالي: والإنصاف أن ذلك، يعني تأويل الظواهر، يختلف باختلاف أحوال ~~المجتهدين، وإلا فلسنا نقطع ببطلان تأويل أبي ms0302 حنيفة رحمه الله مع هذه ~~القرائن، وإنما المقصود تذليل الطريق للمجتهدين، والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV01P573 # وكتأويلهم: «أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها ~~فنكاحها باطل» على الأمة، ثم صدهم: «فلها المهر بما استحل من فرجها» ، إذ ~~مهر الأمة لسيدها، لا لها فتأولوه على المكاتبة، وهو تعسف، إذ هذا عام في ~~غاية القوة، فلا يؤثر فيه تأويل ضعيف. # قوله: «وكتأويلهم: أيما امرأة ~~أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل على الأمة» ، إلى آخره، أي: ~~وكتأويل الحنفية قوله عليه السلام: أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها ~~فنكاحها باطل أي: أيضا من أمثلة دفع الاحتمال المرجوح بقرائن الظاهر، وذلك ~~أن الحنفية لما اعتقدوا أن المرأة لها أن تزوج نفسها بغير إذن وليها، لأنه ~~عقد على بعض منافعها، فاستقلت به، كإجارة نفسها، وإن كان الحديث المذكور ~~صريحا في اشتراط إذن وليها، وأنه لا يصح بدونه، احتاجوا إلى دفعة عنهم ~~بالتأويل، فحملوه على الأمة، لأنها مملوكة لسيدها، فلا يجوز أن تتصرف في ~~نفسها بغير إذنه، وليست الحرة مرادة من الحديث «ثم صدهم» عن إطلاق هذا ~~التأويل قوله عليه السلام في تمام الحديث: فإن دخل بها، فلها المهر بما ~~استحل من فرجها، فإنه أضاف المهر إليها بلام التمليك، فيقتضي أنه ملكها، ~~والأمة لا تملك مهرها، بل هو ملك لسيدها، فخصصوا التأويل، وحملوه على ~~المكاتبة، لأن فيها شوبا من الرق، فلا تستقل بتزويج نفسها، كالأمة # PageV01P574 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # القن، وشوبا من الحرة، فيكون مهرها ~~لها كالحرة. # قوله: «وهو» ، أي: هذا التأويل، «تعسف» ، وهو سلوك غير الطريق المعروف، ~~لأن النص «عام في غاية القوة، فلا يؤثر فيه هذا التأويل الضعيف» وبيان قوة ~~عموم النص المذكور من وجوه: # أحدها: أنه صدره بلفظة: أي، وهي من ألفاظ الشرط. # الثاني: أنه أكدها بما في قوله: «أيما امرأة» وهي من مؤكدات العموم ~~وغيره. # الثالث: أنه رتب بطلان النكاح على هذا الشرط المفيد للعموم في معرض ~~الخبر، وقرائح ذوي الفصاحة لا تسمح في العموم بأبلغ من هذه العبارة، ولا ~~أجزل من هذا الكلام. # وأما ضعف ms0303 تأويلهم، فإنه تخصيص بعد تخصيص، لأنهم خصوا العموم بالأمة، ~~فقصروه عليها، ثم قصروا الأمة على المكاتبة، وهي صورة نادرة بالنسبة إلى ~~هذا العموم المؤكد، وإطلاق مثل هذا العموم، وإرادة مثل هذه الصورة النادرة ~~يعد عند الفصحاء إلغازا في الكلام، وهذرا من القول، بل لو قال المتكلم بمثل ~~هذا العموم: لم أرد المكاتبة، ولم تخطر ببالي، لم يستنكر ذلك منه لقلتها ~~وندورها بالنسبة إلى مدلول صيغة العموم، وهو جميع النساء، فما يبلغ من ~~القلة والندرة # PageV01P575 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # إلى حيث لا يخطر عند التلفظ بالكلم ~~ببال المتكلم، كيف يجوز قصر العموم عليه، وإلغاء أضعاف أضعافه من مدلوله؟ # PageV01P576 # وقد قيل في حمل: «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من ~~الليل» على صوم القضاء والنذر: إنه من هذا القبيل، لوجوبهما بسبب عارض، فهو ~~كالمكاتبة في حديث النكاح. والصحيح أنهما ليسا مثلها في الندرة والقلة. ~~فقصر مضمون الحديث عن صوم رمضان، يحتاج إلى دليل قوي، فحصل من هذا، أن ~~إخراج النادر قريب، والقصر عليه ممتنع، وبينهما درجات متفاوتة، بعدا وقربا. # والمجمل يأتي ذكره إن شاء الله تعالى. # قوله: «وقد قيل في حمل: لا صيام ~~لمن لم يبيت الصيام من الليل على صوم القضاء» ، إلى آخره. # معنى هذا: أن الحنفية حملوا قوله عليه السلام: لا صيام لمن لم يبيت ~~الصيام من الليل على صوم القضاء والنذر، فقالوا: يجب تبييت النية لهما، دون ~~شهر رمضان، والفرق أن زمن رمضان متعين لصيامه فرضا، بخلاف القضاء والنذر، ~~فقال بعض الناس: إن هذا التأويل في البعد والندرة، كتأويل حديث النكاح بغير ~~ولي على المكاتبة، وذلك لأن قوله: «لا صيام» صيغة عموم، فيتناول الواجب ~~والتطوع، فإذا خص منها التطوع بدليل جاز، وكان قريبا، لقلة التطوع بالإضافة ~~إلى أصناف الصيام. أما إذا قصر هذا العموم على القضاء والنذر، كان بعيدا ~~نادرا، وذلك لأن النفل يخرج من العموم باتفاق، وصوم رمضان الذي هو أعلى ~~الصيام رتبة عند الخصم متعين، فلم يبق إلا القضاء، والنذر، وصوم الكفارات، ~~وهي واجبة بأسباب عارضة، فهو لذلك نادر، كالمكاتبة في ms0304 حديث النكاح، ~~والمعروف من عادات # PageV01P577 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الناس - العرب وغيرهم - أنهم ~~يهتمون بما هو الأصل والأهم، فيضمنونه كلامهم، ويريدونه منه، كرمضان من ~~عموم الصيام، والحرة من عموم: «أيما امرأة أنكحت» . أما إرادة الأمور ~~العارضة، وقصر الكلام على إرادتها دون الأمور الأصلية، فهو مما تأباه ~~الأفهام، ولم تجر به عادة أهل اللغة في الكلام. # هذا تقرير القول المذكور في قولنا: وقد قيل. # قوله: «والصحيح أنهما ليسا مثلها في الندرة والقلة» . # أي الصحيح أن القضاء والنذر، اللذين قصر عليهما حديث: لا صيام لمن لم ~~يبيت ليسا في الندرة والقلة، كالمكاتبة التي قصر عليها حديث: أيما امرأة ~~أنكحت نفسها لأن العموم هناك أقوى من العموم هنا، والمكاتبة هناك أقل ~~بالنسبة إلى العموم من القضاء والنذر هنا. # أما أن العموم هناك أقوى، فلما ذكرنا من الوجوه الثلاثة في قوته وتأكده، ~~وهو متفق عليه عند أكثر الناس. # وأما صيغة «لا صيام» ونحوها، فالخلاف فيها مشهور متجه، لأنها تحتمل نفي ~~كمال الصوم لا صحته، وبتقدير نفي صحته، فأصناف الصوم خمسة، قد قصر على ~~ثلاثة منها: وهي صوم القضاء، والنذر، والكفارات. ولم يبق إلا التطوع # PageV01P578 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وصوم رمضان، وليس نسبة ثلاثة إلى ~~خمسة، كنسبة نوع المكاتبة إلى جنس النساء. # قوله: «فقصر مضمون الحديث عن صوم رمضان يحتاج إلى دليل قوي» . # مضمون الحديث المذكور وجوب تبييت النية لكل صيام، وقولهم: لا يجب تبييت ~~النية لصوم رمضان، قصر لمضمون الحديث عن صوم رمضان، أي: حبس له عنه حتى لا ~~يتناوله، فيحتاج ذلك إلى دليل قوي، لكون صوم رمضان أسبق إلى الفهم من إطلاق ~~لفظ الصيام فيه، لأنه آكد الصوم وأعلى رتبة، ولا يبطل بالكلية، كبطلان قصر ~~حديث النكاح على المكاتبة. # قوله: «فحصل من هذا» ، إلى آخره. # أي: فحصل من هذا الكلام في أمثلة التأويل والتخصيص المذكورة أن إخراج ~~النادر من العام قريب، كإخراج المكاتبة من عموم حديث النكاح كما سبق بيانه، ~~وقصر العموم على النادر ممتنع، كقصر حديث النكاح على المكاتبة، وبينهما، ~~أي: بين هذين القسمين درجات متفاوتة في البعد والقرب، كقصر ms0305 حديث الصيام على ~~النذر والقضاء، فإنه دون إخراج النادر من العام في القرب، ودون قصر حديث ~~النكاح على المكاتبة في البعد. # وبالجملة: فالصور تتفاوت في القلة والكثرة فتتفاوت بالنسبة إلى إخراجها ~~من العموم، وقصره عليها في البعد والقرب. # PageV01P579 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «والمجمل يأتي ذكره إن شاء ~~الله تعالى» . # يعني أنا ذكرنا في أول هذا البحث، أن الكلام نص وظاهر ومجمل، ولم نتكلم ~~إلا على النص والظاهر، لقرب مباحثهما من مباحث مبادئ اللغة المذكورة في هذا ~~البحث. وأخرت الكلام في المجمل إلى موضعه في عادة الأصوليين، وهو بعد ~~المطلق والمقيد، لأنه أشبه به. والشيخ أبو محمد استوعب الكلام عليه مع ~~إخوته في باب تقاسيم الأسماء، وهو باب اللغات، وفي كل خير، والله تعالى ~~أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. # PageV01P580 # الأصول الأصول ### | : الكتاب، # والسنة، والإجماع، واستصحاب النفي الأصلي. ومصدرها الله عز وجل، إذ ~~الكتاب قوله، والسنة بيانه، والإجماع دال على النص. ومدركها الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - إذ لا سماع لنا من الله تعالى، ولا جبريل. واختلف في أصول ~~يأتي ذكرها. # وكتاب الله عز وجل كلامه المنزل للإعجاز بسورة منه، وهو القرآن، وتعريفه ~~بما نقل بين دفتي المصحف نقلا متواترا، دوري. # وقال قوم: الكتاب غير القرآن. ورد: بحكاية قول الجن: {إنا سمعنا قرآنا} ، ~~{إنا سمعنا كتابا} والمسموع واحد، وبالإجماع على اتحاد مسمى اللفظين. # والكلام عند الأشعرية مشترك بين الحروف المسموعة والمعنى النفسي، وهو ~~نسبة بين مفردين قائمة بالمتكلم، وعندنا لا اشتراك، والكلام الأول وهو ~~قديم، والبحث فيه كلامي. # قوله «الأصول» : قد كنا ذكرنا في ~~صدر «المختصر» أنا نتكلم على أصول الفقه أصلا أصلا، بعد ذكر مقدمة تشتمل ~~على فصول، وقد انتهى الكلام على المقدمة بفصولها الأربعة ; فوجب الكلام على ~~الأصول كما وعدنا. # قوله «الكتاب» : أي الأصول هي: الكتاب «والسنة والإجماع واستصحاب النفي ~~الأصلي» . وتحقيق مفهومات هذه الألفاظ يأتي إن شاء الله سبحانه وتعالى. # واللام في الأصول للعهد ; لأنه قد سبق ذكرها منكرة في قولنا في أول ~~«المختصر» : فلنتكلم عليها أصلا أصلا. أو يكون التقدير: الأصول ms0306 التي وعدنا ~~بالكلام عليها هي هذه. وقد سبق أن الأصول هي الأدلة، وأصول الفقه أدلته # PageV02P005 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الشرعية، والدليل الشرعي: هو الذي ~~طريق معرفته الشرع. # وذكر الآمدي له تقسيما أنا أذكر معناه: وهو أن الدليل الشرعي ; إما أن ~~يرد من جهة الرسول، أو لا من جهته، فإن ورد من جهة الرسول ; فهو إما من ~~قبيل ما يتلى: وهو الكتاب، أو لا: وهو السنة، وإن ورد لا من جهة الرسول ; ~~فإما أن نشترط فيه عصمة من صدر عنه أو لا، والأول: الإجماع، والثاني: إن ~~كان حمل معلوم على معلوم بجامع مشترك ; فهو القياس، وإلا فهو الاستدلال. # فالثلاثة الأول - وهي الكتاب، والسنة، والإجماع - نقلية، والآخران ~~معنويان، والنقلي أصل للمعنوي، والكتاب أصل للكل. # فالأدلة إذا خمسة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، والاستدلال، وعرفه ~~الآمدي بأنه دليل ليس بنص ولا إجماع ولا قياس. # قلت: وقد ذكرت ضعف هذه الطريقة في التعريف عند تعريف خطاب الوضع بمثلها، ~~وذكرت أن الاستدلال منها على أنواع: # منها: وجد السبب ; فيثبت الحكم. # ومنها: وجد المانع ; فينتفي الحكم. # ومنها: انتفى الشرط فينتفي الحكم. # ومنها: القياس المنطقي، وهو قول مؤلف من مقدمات، يلزم من تسليمها لذاتها ~~قول آخر، وهو إما اقتراني أو استثنائي، والاستثنائي متصل أو منفصل، # PageV02P006 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وموضع استقصائه كتب المنطق. # ومنها: استصحاب الحال. # قلت: والأنواع الثلاثة الأول داخلة في الاقتراني، الذي هو أحد قسمي ~~القياس المنطقي، إذ قولنا: وجد السبب أو المانع، أو انتفى الشرط، كله في ~~تقدير تركيب اقتراني، نحو وجد السبب، وكلما وجد السبب، وجد الحكم، فيلزم ~~عنه: إذا وجد السبب، وجد الحكم، وكذلك وجد المانع، وكلما وجد المانع، انتفى ~~الحكم. # وإنما ذكرت تقسيم الدليل هاهنا، لمناسبة شروعنا في الكلام على أدلة ~~الفقه، وأيضا كنت قد وعدت عند تعريف الفقه، وتعرضي هناك بلفظ الاستدلال، ~~أني أذكر فيه ما ذكرته هنا، والله سبحانه وتعالى أعلم. # قوله: «ومصدرها الله تعالى» أي: ومصدر هذه الأصول كلها هو الله سبحانه ~~وتعالى، أي: هو الذي صدرت عنه «إذ الكتاب» أي: لأن الكتاب، «قوله، والسنة ~~بيانه» ، أي: ms0307 بيان الكتاب لقوله سبحانه وتعالى: {لتبين للناس ما نزل إليهم} ~~[النحل: 44] ، وربما سبق إلى الفهم أن الضمير في بيانه راجع إلى الله ~~سبحانه وتعالى، وليس كذلك، وهكذا اتفق. وقد يتجه ذلك أيضا بناء على قوله عز ~~وجل: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} [النجم: 3 - 4] لكنه ضعيف، ~~والمراد الأول «والإجماع دال على النص» لما ذكرنا في باب الإجماع من أنه لا ~~يكون إلا عن مستند ; إما نص أو قياس نص. # قوله: «ومدركها الرسول» أي: مدرك هذه الأصول، أي: الطريق إلى إدراكها. # PageV02P007 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ومدرك بفتح الميم ; لأنه اسم مكان ~~الإدراك ; لأنه لا سماع لنا من الله تعالى، ولا من جبريل لقوله سبحانه ~~وتعالى: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل ~~رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء} [الشورى: 51] ، فلم يبق لنا مدرك لهذه الأصول ~~إلا الرسول عليه السلام. فالكتاب نسمع منه تبليغا، والسنة تصدر عنه تبيينا ~~والإجماع والقياس مستندان في إثباتهما إلى ### | الكتاب # والسنة، كما سيأتي في بابهما إن شاء الله تعالى. # والاستدلال المذكور آنفا داخل في حد الدليل، وقد انعقد الإجماع على ~~مشروعية استعماله في استخراج الأحكام، وقد بينا آنفا أن مرجع هذه الأصول ~~كلها إلى الكتاب ; لأنها توابع له، أو متفرعة عنه. # قوله: «واختلف في أصول يأتي ذكرها» إن شاء الله تعالى، يعني أن الأصول ~~ضربان: متفق عليه بين الجمهور، وهي الخمسة المذكورة: الكتاب، والسنة، ~~والإجماع، والقياس، والاستدلال. ومختلف فيه، وهو أربعة: شرع من قبلنا، وقول ~~الصحابي الذي لا مخالف له، والاستحسان، والاستصلاح، وهي على هذا الترتيب في ~~«المختصر» ، وبعدها القياس، وقد كان ينبغي أن يقدم عليها، ليكون كل واحد من ~~الأصول المتفق عليها والمختلف فيها متواليا، لا يتخلله غيره، لكن قد أبنت ~~عذري في ذلك أول الشرح، وهو أني اختصرت ولم أستقص أحوال الترتيب. # قوله: «وكتاب الله كلامه المنزل للإعجاز بسورة منه» . لما بين كمية ~~الأصول، أخذ في الكلام عليها أول أول، وأولها الكتاب ; فبدأ بذكر حده ~~الكاشف عن حقيقته. # PageV02P008 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فقوله: ms0308 «كلامه» : هو جنس يتناول كل ~~كلام تكلم الله به سبحانه وتعالى عربيا كالقرآن، أو أعجميا كالتوراة ~~والإنجيل والزبور وغيرها من صحف الأنبياء، وما نزل للإعجاب أو لغيره ; كما ~~دل عليه قوله عليه السلام: أوتيت القرآن ومثله معه، وإن جبريل يأتيني ~~بالسنة كما يأتيني بالقرآن. # وقوله: «المنزل» : يحترز به ممن يثبت كلام النفس ; لأنه لا يصح فيه ~~التنزيل عنده، ونحن لا نثبت ذلك ; كما ستراه إن شاء الله تعالى. # وقوله: «للإعجاز» : احتراز مما نزل لغير الإعجاز، كما ذكر قبل من الكتب ~~القديمة وغيرها ; فإنها لم تنزل للأعجاز، بل لبيان الأحكام، وإنما كانت ~~معجزات أولئك الأنبياء عليهم السلام فعلا لا صفات. # وقوله: «بسورة منه» : ليدخل في حد الكتاب كل سورة من سوره. # وقوله: «وهو القرآن» : أي: كتاب الله: هو القرآن، وقد ذكر الخلاف فيه ~~بعد. # PageV02P009 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «وتعريفه» أي: تعريف الكتاب ~~والقرآن «بما نقل إلينا بين دفتي المصحف نقلا متواترا، دوري» أي: هذا ~~التعريف يلزم منه الدور. # قلت: هؤلاء القوم لم يسمهم الشيخ أبو محمد، ولم أعلم من هم، فإن كان هذا ~~النقل صحيحا ; فهؤلاء القوم: إما مخطئون، أو النزاع معهم لفظي. # أما وجه خطئهم: فهو أن يكونوا نظروا إلى تغاير لفظ القرآن والكتاب ; ~~فحكموا بالتغاير، ولم ينظروا في الدليل المذكور بعد، وأما وجه كون نزاعهم ~~لفظيا ; فهو أن يكونوا خصوا كلام الله تعالى بكلامه النفسي، على ما هو رأي ~~الجهمية والأشعرية، وخصوا القرآن بهذه العبارات المتلوة الدالة على المعنى ~~النفسي عندهم، وحينئذ يرجع النزاع إلى إثبات الكلام النفسي، وتخرج هذه ~~المسألة عن التنازع فيها. # قوله «ورد» ، أي ورد قول هؤلاء: إن كتاب الله تعالى غير القرآن بوجهين: ~~أحدهما: # حكاية قول الجن في سورة الجن: {إنا سمعنا قرآنا عجبا} [الجن: 1] ، وحكاية ~~قولهم في سورة الأحقاف حيث قالوا: {إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى} ~~[الأحقاف: 30] ، والذي سمعوه واحد، وهو القرآن، وقد سموه كتابا ; فدل على ~~أن كتاب الله تعالى هو القرآن. # ويرد عليه احتمال أنهم سموه كتابا لغة ; لجمعه الأحكام وغيرها، ولا يلزم ms0309 ~~من ذلك أن يكون القرآن كتاب الله سبحانه وتعالى، إلا أن هذا بعيد جدا، ~~مخالف لمبادرة الأفهام الصحيحة عند سماعها الكلام أن مراده كتاب الله ~~سبحانه وتعالى. # PageV02P010 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الوجه الثاني: إجماع الأمة على ~~اتحاد مسمى اللفظين: الكتاب، والقرآن، أي: أن مسماهما واحد ; فالكتاب هو ~~القرآن، والقرآن هو الكتاب، والكتاب هو كتاب الله تعالى. # قوله: «والكلام عند الأشعرية مشترك بين الحروف المسموعة والمعنى النفسي» ~~أي: يطلق لفظ الكلام عليهما بالاشتراك ; فيقال للعبارات المسموعة: كلام، ~~وللمعنى النفسي: كلام، وذلك لأنه قد استعمل لغة وعرفا فيهما، والأصل في ~~الإطلاق الحقيقة ; فيكون مشتركا، أما استعماله في العبارات فكثير ظاهر، ~~كقوله سبحانه وتعالى: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون ~~كلام الله ثم يحرفونه} [البقرة: 75] ، {فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه ~~مأمنه} [التوبة: 6] ويقال: سمعت كلام فلان وفصاحته، يعني ألفاظه الفصيحة، ~~وأما استعماله في المعنى النفسي، وهو مدلول العبارات ; فكقوله تعالى: ~~{ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول} [المجادلة: 8] ، {وأسروا ~~قولكم أو اجهروا به} [الملك: 13] ، وقول عمر رضي الله عنه في السقيفة: ~~«زورت في نفسي كلاما» ، وقول الشاعر: # إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا # PageV02P011 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ولذلك نظائر. وأما أن الأصل في ~~الإطلاق الحقيقة ; فلما سبق. # قلت: ذكر الغزالي أن قوما جعلوا الكلام حقيقة في المعنى، مجازا في ~~العبارة، وأن قوما عكسوا ذلك ; فصارت ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه حقيقة في اللفظ، مجاز في المدلول. # والثاني: أنه حقيقة في المدلول، مجاز في لفظه. # والثالث: أنه مشترك بينهما. # والأقوال الثلاثة منقولة عن الأشعري فيما حكاه ابن برهان عنه. # قوله: «وهو» - يعني الكلام النفسي عندهم - نسبة بين مفردين، قائمة بذات ~~المتكلم. ويعنون بالنسبة بين المفردين أي: بين المعنيين المفردين، من تعلق ~~أحدهما بالآخر، وإضافته إليه على جهة الإسناد الإفادي، أي: بحيث إذا عبر عن ~~تلك النسبة بلفظ يطابقها، ويؤدي معناها، كان ذلك اللفظ إسناديا إفاديا، كما ~~تقدم في الكلام اللفظي أنه ما تضمن كلمتين بالإسناد. # ومعنى قيام هذه النسبة بالمتكلم على ما كشف ms0310 عنه الإمام فخر الدين في كتاب ~~«الأربعين» ، هو أن الشخص إذا قال لغيره: اسقني ماء ; فقبل أن يتلفظ بهذه ~~الصيغة، قام بنفسه تصور حقيقة السقي، وحقيقة الماء، والنسبة الطلبية بينهما ~~; فهذا هو الكلام النفسي، والمعنى القائم بالنفس. وصيغة قوله: اسقني ماء. ~~عبارة عنه، ودليل عليه. # PageV02P012 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وشرح القرافي في كتاب «الأجوبة ~~الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة» معنى الكلام النفسي، فقال: إن كل عاقل يجد في ~~نفسه الأمر والنهي، والخبر عن كون الواحد نصف الاثنين، وعن حدوث العالم، ~~ونحو ذلك، وهو غير مختلف فيه، ثم يعبر عنه بعبارات ولغات مختلفة ; ~~فالمختلف: هو الكلام اللساني، وغير المختلف: هو الكلام النفسي القائم بذات ~~الله عز وجل، ويسمى ذلك العلم الخاص سمعا ; لأن إدراك الحواس إنما هي علوم ~~خاصة، أخص من مطلق العلم ; فكل إحساس علم، وليس كل علم إحساسا، فإذا وجد ~~هذا العلم الخاص في نفس موسى المتعلق بالكلام النفسي القائم بذات البارئ عز ~~وجل، سمي باسمه الموضوع له في اللغة، وهو السماع. هذا معنى تقريره. # قلت: وبسط فيه أكثر من هذا. # وقال الغزالي في بعض عقائده: من أحال سماع موسى كلاما ليس بصوت ولا حرف ; ~~فليحل يوم القيامة رؤية ذات ليست بجسم ولا عرض. # قلت: كل هذا تكلف وخروج عن الظاهر، بل القاطع، من غير ضرورة إلا خيالات ~~لاغية، وأوهام متلاشية، وما ذكروه معارض بأن المعاني لا تقوم شاهدا إلا ~~بالأجسام، فإذا أجازوا معنى قام بالذات القديمة وليست جسما ; فليجيزوا خروج ~~صوت من الذات القديمة وليست جسما، إذ كلا الأمرين خلاف الشاهد، ومن أحال ~~كلاما لفظيا من غير جسم ; فليحل ذاتا مرئية غير جسم، ولا فرق. # PageV02P013 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «وعندنا لا اشتراك، والكلام ~~الأول» ، أي: عندنا ليس الكلام مشتركا بين العبارة ومدلولها، بل الكلام ~~الأول، أي: الحروف المسموعة ; فهو حقيقة فيها، مجاز في مدلولها لوجهين: # أحدهما: أن المتبادر إلى فهم أهل اللغة من إطلاق لفظ الكلام إنما هو ~~العبارات، والمبادرة دليل الحقيقة. # الثاني: أن الكلام مشتق من الكلم، لتأثيره في نفس السامع كما سبق، ~~والمؤثر في ms0311 نفس السامع إنما هو العبارات لا المعاني النفسية بالفعل. نعم هي ~~مؤثرة للفائدة بالقوة، والعبارة مؤثرة بالفعل ; فكانت أولى بأن تكون حقيقة، ~~وما يؤثر بالقوة مجازا. # قولهم: استعمل لغة وعرفا فيهما. قلنا: نعم، لكن بالاشتراك، أو بالحقيقة ~~فيما ذكرناه والمجاز فيما ذكرتموه؟ والأول ممنوع. # قولهم: الأصل في الإطلاق الحقيقة. # قلنا: نعم، والأصل عدم الاشتراك، ثم قد تعارض المجاز والاشتراك المجرد، ~~والمجاز أولى. ثم إن لفظ الكلام أكثر ما استعمل في العبارات، وكثرة موارد ~~الاستعمال تدل على الحقيقة ; فأما قوله تعالى: {ويقولون في أنفسهم} ~~[المجادلة: 8] ; فهو مجاز ; لأنه إنما دل على المعنى النفسي بالقرينة، ولو ~~أطلق لما فهم منه إلا العبارة، وكل ما جاء من هذا الباب إنما يفيد مع ~~القرينة، ومنه قول عمر: «زورت في # PageV02P014 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # نفسي كلاما» إنما أفاد ذلك بقرينة ~~قوله: في نفسي، وسياق القصة. # وأما قوله سبحانه وتعالى: {وأسروا قولكم أو اجهروا به} [الملك: 13] ; فلا ~~حجة فيها ; لأن الإسرار نقيض الجهر، وكلاهما عبارة ; إحداهما أرفع صوتا من ~~الأخرى. # وأما الشعر فهو للأخطل، ويقال: إن المشهور فيه: « # إن البيان لفي الفؤاد # » ، وبتقدير أن يكون كما ذكرتم ; فهو مجاز عن مادة الكلام، وهي التصورات ~~المصححة، إذ من لا يتصور معنى ما يقول، لا يوجد منه كلام، ثم هو مبالغة من ~~هذا الشاعر في ترجيح الفؤاد على اللسان، إشارة إلى نحو قول القائل: # لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فما المرء إلا صورة اللحم والدم # وإلى قوله عليه السلام: ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، ~~وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب. # ثم العجب من هؤلاء القوم ; مع أنهم عقلاء فضلاء، يجيزون أن الله سبحانه ~~وتعالى يخلق لمن يشاء من عباده علما ضروريا وسمعا لكلامه النفسي، من غير ~~توسط صوت ولا حرف، وإن ذلك من خاصية موسى عليه السلام، مع أن ذلك قلب ~~لحقيقة السمع في الشاهد، إذ حقيقة السمع في الشاهد اتصال الأصوات # PageV02P015 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بحاسته، ثم ينكرون علينا القول بأن ~~الله سبحانه وتعالى يتكلم بصوت وحرف من ms0312 فوق السماوات، لكون ذلك مخالفا ~~للشاهد، فإن جاز قلب حقيقة السمع شاهدا بالنسبة إلى كلامه، فلم لا يجوز ~~خلاف الشاهد بالنسبة إلى استوائه وكلامه على ما قلناه؟ . # فإن قالوا: لأنه يستحيل وجود حرف وصوت لا من جسم، ووجود في جهة ليس بجسم. ~~قلنا: إن عنيتم استحالته مطلقا ; فلا نسلم، إذ البارئ جل جلاله على خلاف ~~الشاهد والمعقول في ذاته وصفاته. وقد وردت النصوص بما قلناه ; فوجب القول ~~به. # قوله: «وهو قديم» ، يعني كلام الله سبحانه وتعالى على رأينا، والدليل على ~~قدمه من وجوه: # أحدها: أن الأشعرية وافقوا على صحة الاستدلال على أن صفات البارئ جل ~~جلاله ; كالحياة، والعلم، والقدرة، معان زائدة على مفهوم ذاته بالقياس على ~~الشاهد، وأن الحي من قامت به الحياة، والعالم من قام به العلم، وأن الله ~~سبحانه وتعالى لو لم يكن حيا عالما ; لكان جمادا غير عالم، إذ لا واسطة ~~بينهما وذلك نقص ; فيجب أن ينفى عنه. # فنقول نحن في إثبات الكلام على رأينا: لو لم يكن متكلما لكان ساكتا لكن ~~السكوت عليه محال ; لأنه نقص ; فيجب أن ينفى عنه، إنما قلنا: إنه لو لم يكن ~~متكلما لكان ساكتا ; لأنه لا واسطة بين السكوت والكلام المتنازع فيه وإنما ~~قلنا: # PageV02P016 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # إن السكوت نقص في حقه سبحانه ~~وتعالى ; لأن السكوت في الشاهد، لا يكون إلا عن عجز أو صمت، والعجز عليه ~~سبحانه وتعالى محال، والصمت إنما يحسن عن الكلام القبيح، والله سبحانه ~~وتعالى لا يقبح منه قول ولا فعل، بل نزل أحسن الحديث. # الوجه الثاني: إجماع السلف على أنه قديم، وذلك يستدعي قيام قاطع من نص أو ~~غيره، يكون مستندا للإجماع، أو نقول: إنه لم ينقل عن أحد من السلف القول ~~بخلق القرآن. فإما أن يكون ذلك مع اعتقادهم وعلمهم أنه مخلوق أو قديم، أو ~~لترددهم في ذلك، فإن كان لعلمهم أنه مخلوق، لزم أن يكونوا قد أجمعوا على ~~كتمان علم فيه تبرئة الله تعالى على زعمهم، وذلك إجماع منهم على الباطل، ~~والأمة لا تجتمع في عصر من ms0313 الأعصار على الباطل، وإن كان ذلك مع ترددهم فيه، ~~بحيث لم يتجه لهم الجزم فيه بقول ; فمن المحال عادة أن يخفى ذلك عليهم، مع ~~كثرتهم وتوفر دواعيهم على معرفة أحكام الدين، وينكشف لكم. وإن كان سكوتهم ~~عن القول بخلقه لاعتقادهم قدمه ; فهو المطلوب، وليس للخصم أن يعارض هذا ~~الاستدلال بمثله ; لأن السلف مازالوا شديدين على من قال بخلق القرآن، ~~تكفيرا، وتبديعا، ولعنا، وسبا، حتى ظهرت البدعة بالقول بخلقه. # الوجه الثالث: ما اشتهر عن علي رضي الله عنه، أنه لما أنكر عليه تحكيم ~~الرجال في دين الله قال: «ما حكمت مخلوقا وإنما حكمت القرآن» وما روى # PageV02P017 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # البخاري، وأبو داود، والترمذي، ~~والنسائي، وابن ماجه من حديث ابن عباس قال: كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يعوذ الحسن والحسين يقول: أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان ~~وهامة، ويقول: هكذا كان إبراهيم يعوذ إسحاق وإسماعيل عليهم السلام، قال ~~الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. # والاحتجاج به من وجهين: # أحدهما: أنه وصف الكلمات بالتامة ; فيقتضي غاية التمام، وليس ذلك إلا ~~للقديم، إذ المخلوق ناقص. # الثاني: أنه عوذ بهما المخلوق، والمخلوق لا يعوذ بمخلوق، وإلا لم يكن ~~أحدهما أولى بالتعويذ من الآخر، ومن المعلوم أنه إنما كان يعوذهما بالوحي ~~المنزل ; فدل على أنه ليس بمخلوق ; فيكون قديما وهو المطلوب. # واعلم أن إضافة الصوت في الكلام إلى الله تعالى منقول عن الإمام أحمد ~~وغيره من أئمة السلف، ولفظ الصوت ثابت في البخاري وغيره، وقد خرج ابن شكر # PageV02P018 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المصري - وهو من فضلاء أهل الحديث ~~ونقادهم - فيه أربعة عشر حديثا، ذكر أنها ثابتة عن المحدثين. # وأيضا: فإن القرآن مملوء منه. قال الله تعالى: {حتى يسمع كلام الله} ~~[التوبة: 6] ، {وإذ نادى ربك موسى} [الشعراء: 10] ، {وناديناه من جانب ~~الطور} [مريم: 52] ، وهو كثير جدا. ومن المستبعد جدا أن يكون هذا الخطاب ~~كله مجازا، لا حقيقة فيه، ولو موضع واحد، وبموضع واحد منه يحصل المطلوب. # PageV02P019 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فإن قيل: هو حقيقة، ولكن كما ~~قررناه من الكلام النفسي بالاشتراك، كما قلتم: إن الصفات الواردة في ms0314 الشرع ~~لله سبحانه وتعالى حقيقة ; لكن مخالفة للصفات المشاهدة، وهي مقولة ~~بالاشتراك. # قلنا: نحن اضطرنا إلى القول بالاشتراك في الصفات ورود نصوص الشرع الثابتة ~~بها ; فأنتم ما الذي اضطركم إلى إثبات الكلام النفسي؟ # فإن قيل: دليل العقل الدال على أنه لا صوت إلا من جسم. # قلنا: فما أفادكم إثباته شيئا ; لأن الكلام النفسي الذي أثبتموه لا يخرج ~~في الحقيقة عن أن يكون علما أو تصورا، على ما سبق تقريره عن أئمتكم، فإن ~~كان علما ; فقد رجعتم معتزلة، ونفيتم الكلام بالكلية، وموهتم على الناس ~~بتسميتكم العلم كلاما، وإن كان تصورا ; فالتصور في الشاهد: حصول صورة الشيء ~~في العقل، وإنما يعقل في الأجسام، وإن عنيتم تصورا مخالفا للتصور في ~~الشاهد، لائقا بجلال الله سبحانه وتعالى ; فأثبتوا كلاما، هو عبارة على ~~خلاف الشاهد، لائقة بجلال الله سبحانه وتعالى. # قوله: «والبحث فيه كلامي» ، أي: البحث في قدم القرآن متعلق بعلم الكلام ; ~~فهو موضع ذكره، مع أنا قد ذكرنا منه بلغة وللمسألة مأخذان مختصران: # أحدهما: أن الكلام حقيقة في العبارة، أو مشترك بينها وبين مدلولها كما ~~سبق، وقد بينا عدم الاشتراك. # الثاني: أن الكلام صفة ذات، أو صفة فعل، إذ صفات الذات قديمة، وصفات ~~الفعل محدثة، والله أعلم. # PageV02P020 # ثم هنا مسائل: # الأولى: القراءات السبع متواترة خلافا لقوم. لنا: القول بأن جميعها آحاد، ~~خلاف الإجماع، وبأن بعضها كذلك، ترجيح من غير مرجح ; فتعين المدعى. قالوا: ~~الآحاد واحد غير معين. قلنا: محال، إذ التواتر معلوم، والآحاد مظنون ; ~~فالتمييز بينهما لازم، وإذ لا مظنون ; فلا آحاد. # قوله: «ثم هنا مسائل» ، يعني أن ~~الكلام فيما سبق، مما يتعلق بالكتاب، هو كالمقدمة الكلية له، فلما فرغ ~~منها، أخذ يذكر جزئيات أحكامه: # فالمسألة «الأولى: القراءات السبع متواترة خلافا لقوم» . اعلم أن القرآن ~~والقراءات حقيقتان متغايرتان: # فالقرآن هو الوحي النازل على محمد - صلى الله عليه وسلم - للبيان ~~والإعجاز. # والقراءات: هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور، في كمية الحروف، أو كيفيتها ~~من تخفيف أو تثقيل، وتحقيق أو تسهيل، ونحو ذلك، بحسب اختلاف لغات العرب، ms0315 ~~ولا نزاع بين المسلمين في تواتر القرآن، أما القراءات ; فوقع النزاع فيها، ~~والمشهور أنها متواترة، وقال بعض الناس: ليست متواترة. # «لنا: القول بأن جميعها آحاد خلاف الإجماع» إلى آخره. هذا دليل القائلين ~~بتواترها، وتقريره: أنه لا يخلو إما أن تكون القراءات جميعها متواترة، أو ~~جميعها آحادا، أو بعضها تواتر وبعضها آحاد، والقول بأن جميعها آحاد خلاف # PageV02P021 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الإجماع لأنه لا خلاف أن في ~~القراءات تواترا، وإنما النزاع في أن جميعها تواتر، وفي أن هل فيها آحاد أم ~~لا؟ والقول بأن بعضها تواتر وبعضها آحاد، ترجيح بلا مرجح، إذ لا طريق لنا ~~إلى تمييز تواترها من آحادها. فقول القائل: إن هذا البعض المعين منها آحاد، ~~دون هذا البعض، تحكم محض، وترجيح من غير مرجح، وهو باطل. وإذا انتفى ~~القسمان الأخيران تعين الأول، وهو أن جميعها متواتر، وهو المطلوب. # وهذا معنى قوله: «فتعين المدعى» . # قوله: «قالوا الآحاد واحد غير معين» ، يعني: الخصم النافي للتواتر عن ~~القراءات جميعها، قال: ليست القسمة في دليلكم حاصرة، بل هنا قسم آخر، وهو ~~أن الآحاد من القراءات بعض غير معين، لا جميعها، ولا بعض معين منها. # قوله: «قلنا: محال» ، أي: القول بأن الآحاد من القراءات بعض غير معين ~~محال ; لأن القراءات حينئذ تكون مشتملة على متواتر وآحاد، والتمييز بين ~~الآحاد والتواتر معلوم بالضرورة ; لأن التواتر معلوم، والآحاد مظنون، ~~والتمييز بين المعلوم والمظنون حاصل بضرورة الوجدان، كالتمييز بين الجوع ~~والشبع، والري والعطش، ونحوها من الوجدانيات، لكن ليس في القراءات مظنون ; ~~فيلزم أن لا يكون فيها آحاد، وإلا لوجدت الآحاد مفيدة للعلم بمجردها، وهو ~~محال عادة. # تنبيه: اعلم أني سلكت في هذه المسألة طريقة الأكثرين في نصرة أن القراءات # PageV02P022 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # متواترة، وعندي في ذلك نظر، ~~والتحقيق أن القراءات متواترة عن الأئمة السبعة، أما تواترها عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - إلى الأئمة السبعة ; فهو محل نظر، فإن أسانيد الأئمة ~~السبعة، بهذه القراءات السبعة، إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - موجودة في ~~كتب القراءات، وهي نقل الواحد عن الواحد، لم تستكمل شروط ms0316 التواتر، ولولا ~~الإطالة والخروج عما نحن فيه، لذكرت طرفا من طرقهم ولكن هي موجودة في كتب ~~العراقيين، والحجازيين، والشاميين، وغيرهم، فإن عاودتها من مظانها وجدتها ~~كما وصف لك. # وأبلغ من هذا أنها في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم تتواتر بين ~~الصحابة، بدليل حديث عمر لما خاصم هشام بن حكيم بن حزام رضي الله عنهم، حيث ~~خالفه في قراءة سورة الفرقان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولو ~~كانت متواترة بينهم لحصل العلم لكل منهم بها عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- ثم لم يكن عمر رضي الله عنه ليخاصم في ما تواتر عنده. # PageV02P023 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # واعلم أن بعض من لا تحقيق عنده ~~ينفر من القول بعدم تواتر القراءات، ظنا منه أن ذلك يستلزم عدم تواتر ~~القرآن، وليس ذلك بلازم، لما ذكرناه أول المسألة، من الفرق بين ماهية ~~القرآن والقراءات، والإجماع على تواتر القرآن. # PageV02P024 # الثانية: المنقول آحادا، نحو: " فصيام ثلاثة أيام ~~متتابعات "، حجة عندنا وعند أبي حنيفة، خلافا للباقين. لنا: هو قرآن أو ~~خبر، وكلاهما يوجب العمل. قالوا: يحتمل أنه مذهب، ثم نقله قرآنا خطأ، إذ ~~يجب على الرسول تبليغ الوحي إلى من يحصل بخبره العلم. قلنا: نسبة الصحابي ~~رأيه إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - كذب وافتراء لا يليق به ; فالظاهر ~~صدق النسبة، والخطأ المذكور إن سلم، لا يضر، إذ المطرح كونه قرآنا لا خبرا، ~~لما ذكرنا وهو كاف. # المسألة " الثانية ": أي من مسائل ~~الكتاب " المنقول آحادا، نحو " فصيام ثلاثة أيام متتابعات "، وهي قراءة ابن ~~مسعود رضي الله عنه، " حجة عندنا وعند أبي حنيفة، خلافا للباقين "، منهم ~~مالك والشافعي. # قوله: " لنا: هو قرآن أو خبر "، إلى آخره، أي: لنا على أن المنقول من ~~القرآن آحادا حجة، أنه دائر بين أن يكون قرآنا أو خبرا، وكلاهما - أعني ~~القرآن والخبر - يوجب العمل. # أما الأول: فلأن الناقل جازم بالسماع من النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فصدوره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إما على جهة تبليغ الوحي ; فيكون ~~قرآنا، أو على جهة ms0317 تفسيره ; فيكون خبرا. # وأما الثاني: وهو أن كليهما يوجب العمل ; فبالاتفاق ; فلزم من ذلك أن ~~يكون المنقول من القرآن آحادا حجة. # PageV02P025 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: " قالوا: يحتمل أنه مذهب " ~~إلى آخره. هذا دليل الخصم على أنه ليس بحجة، وهو من وجهين: # أحدهما: أن دورانه بين القرآن والخبر ليس حاصرا، بل جاز أن يكون مذهبا ~~للناقل، ومذهبه ليس بحجة ; فقد دار ما نقله بين ما هو حجة، وبين ما ليس ~~بحجة، ومع التردد في جواز الاحتجاج به لا يكون حجة، استصحابا للحال فيه، ~~وهو عدم الاحتجاج به. # الوجه الثاني: أن بتقدير الناقل له على أنه قرآن، يكون خطأ منه على ~~الرسول، أو خطأ منه مطلقا في نفس الأمر ; لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~- يجب عليه تبليغ الوحي إلى جماعة يحصل العلم بخبرهم، ولا يخرج عن عهدة ~~التبليغ بتبليغ الواحد، وحينئذ نعلم قطعا أن هذا الناقل أخطأ على الرسول في ~~نقله الآحاد على أنها قرآن ; لأنه نسب الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى ~~ترك الواجب عليه. # قوله: " قلنا: نسبة الصحابي رأيه "، إلى آخره، هذا جواب عن الوجهين ~~اللذين ذكرهما الخصم. # وتقريره أن كون الصحابي ينسب رأي نفسه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كذب من الصحابي، وافتراء على النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث ينقل عنه، ~~ويقول ما لم يقل، وذلك لا يليق نسبته إلى الصحابة، مع تحريهم في الصدق ~~عليه، هذا جواب الوجه الأول للخصم. # وقوله: " والخطأ المذكور إن سلم لا يضر "، إلى آخره، هذا الجواب # PageV02P026 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الثاني، وتقريره: أنا لو سلمنا أن ~~نقل الصحابي له قرآنا خطأ، لكنه لا يضرنا ; لأنه إنما يلزم منه أنه ليس ~~بقرآن، لا أنه ليس بخبر، لما ذكرناه من عدالة الصحابة وتحريهم فيما ~~ينقلونه، وتنزههم عن الكذب، خصوصا على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإذا ~~ثبت أنه خبر مرفوع، كان كافيا في العمل، وهذا معنى قولنا: " إذ المطرح كونه ~~قرآنا لا خبرا، لما ذكرنا، وهو كاف ". # PageV02P027 # الثالثة: في القرآن المجاز، خلافا لقوم. لنا: الوقوع ~~نحو {جناح الذل} ، و ms0318 {نارا للحرب} ، و {يريد أن ينقض} ، وهو كثير، قالوا: ~~يلزم أن يكون الله متجوزا. وأجيب: بالتزامه، وبالفرق بأن مثله توقيفي. # المسألة «الثالثة» من المسائل ~~المتعلقة بكتاب الله سبحانه وتعالى، وهو أن «في القرآن المجاز» ، أي: هو ~~يشتمل على الحقيقة والمجاز، «خلافا لقوم» ، وهم الظاهرية والرافضة ; فإنهم ~~منعوا جواز وقوعه في القرآن. «لنا: الوقوع» ، إلى آخره، أي: لنا أنه قد وقع ~~المجاز في القرآن، والوقوع يستلزم الجواز ; فمن نازع في الجواز ; فالوقوع ~~يدل عليه بالالتزام، ومن نازع في الوقوع ; فهو يدل بنفسه. # وبيان وقوعه قوله تعالى: {واخفض لهما جناح الذل} [الإسراء: 24] ، والجناح ~~حقيقة للطائر من الأجسام، والمعاني والجمادات لا توصف به. وقوله سبحانه ~~وتعالى: {كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله} [المائدة: 64] ، وإنما هو ~~كناية عن إثارة أسباب الحرب، أو عن نفس الحرب، تشبيها لها بالنار، بجامع ~~الكرب فيهما، وشدة وقعهما على النفوس، كقول الشاعر: # PageV02P028 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ليس الشجاع الذي يحمي كتيبته ... ~~يوم النزال ونار الحرب تشتعل # وقوله تعالى: {فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض} [الكهف: 77] ، والجدار لا ~~إرادة له ; إذ الإرادة حقيقة من خصائص الحيوان أو الإنسان، وإنما هو كناية ~~عن مقاربته الانقضاض ; لأن من أراد شيئا قاربه ; فكانت المقاربة من لوازم ~~الإرادة ; فتجوز بها عنها. «وهو كثير» يعني: الكلام المجازي كثير في ~~القرآن، نحو: {واسأل القرية} [يوسف: 82] ، {وجزاء سيئة سيئة مثلها} ~~[الشورى: 40] ، {حتى يثخن في الأرض} [الأنفال: 67] ، {ولقد أخذنا آل فرعون ~~بالسنين} [الأعراف: 130] ، وحقيقة الإثخان في المائعات، والأخذ في التناول ~~باليد، ونحو ذلك كثير يعسر استقصاؤه. # قوله: «قالوا: يلزم أن يكون الله تعالى متجوزا» مستعيرا ; لأن مستعمل ~~المجاز يسمى في اللغة متجوزا، والتجوز: استعارة اللفظ لغير موضوعه ; فيلزم ~~أن يسمى الله تعالى كذلك، لكنه لا يسمى ; فلا يكون المجاز واقعا في القرآن. # قوله: «وأجيب بالتزامه وبالفرق» ، أي: أجاب بعض الأصوليين عن هذا الإلزام ~~بجوابين: # أحدهما: التزامه: وهو صحة تسميته سبحانه وتعالى متجوزا، بمعنى أنه مستعمل ~~للمجاز، وليس فيه نقص ولا محذور، كما يسمى متكلما باستعماله للكلام. # الجواب الثاني: منع الملازمة، وهو: أنا ms0319 لا نسلم أنه لو تكلم بالمجاز، لزم ~~أن يسمى متجوزا، والفرق بين الله سبحانه وتعالى وغيره، أن تسمية الله ~~سبحانه # PageV02P029 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وتعالى بالأسماء، ووصفه بالصفات ~~توقيفية، أي: إنما تتلقى من جهة التوقيف، لا من جهة التصرف. الاشتقاقي ~~والقياسي، بخلاف غيره في ذلك، وهذا معنى قولنا: «وبالفرق بأن مثله» ، أي: ~~بأن مثل هذا - وهو تسمية البارئ جل جلاله - «توقيفي» . # قلت: اختلفوا في أنه: هل يجوز أن يشتق لله تعالى من أفعاله وصفاته أسماء ~~بدون التوقيف، مثل قولنا: فارش، من قوله تعالى: {والأرض فرشناها} ~~[الذاريات: 48] ، ومنبت، من قوله تعالى: {فأنبتنا فيها حبا} [عبس: 27] ، ~~ونحو ذلك على قولين، اختار الغزالي في كتابه «المقصد الأسنى» الجواز، ~~والأكثرون على المنع، والله تعالى أعلم. # ومن أدلة النافين أن المجاز لا ينبئ بنفسه عن معناه ; فوقوعه في القرآن ~~ملبس، ومقصود القرآن البيان. وجوابه: أن البيان يحصل بالقرينة ; فلا إلباس. # ومنها أن العدول إلى المجاز يقتضي العجز عن الحقيقة، أو يدل عليه، والعجز ~~على الله تعالى محال. # وجوابه بمنع ذلك، بل المجاز له فوائد سبق ذكر بعضها. # ومنها أن كلام الله تعالى حق، بمعنى أنه صدق، ليس بكذب ولا باطل، لا ~~بمعنى أن جميع ألفاظه مستعملة في موضوعها الأصلي، وكونه له حقيقة معناه أنه # PageV02P030 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # موجود له في نفسه بناء وتأويل، ~~وأنه ليس بخيال لا وجود له في الخارج، كالمنام، والله تعالى أعلم. # وأيضا: فإنه كلام عربي ; فهو مشتمل على المجاز، وقابل لوقوع المجاز ; ~~فالقرآن كذلك، وإلا لم يكن عربيا. # PageV02P031 # الرابعة: في القرآن المعرب، وهو ما أصله أعجمي، ثم ~~عرب، خلافا للقاضي والأكثرين. لنا: قول ابن عباس وعكرمة: {ناشئة الليل} ~~حبشية، ومشكاة هندية، و {إستبرق} وسجيل فارسية. # قالوا: تحدي العرب بغير لسانهم ممتنع، ثم ذلك ينفي كون القرآن عربيا ~~محضا، والنص أثبته، وقوله عز وجل: {أأعجمي وعربي} ظاهر في إنكاره بتقديره، ~~ولا حجة في منع صرف إسحاق ونحوه ; لأنه علم، والكلام في غيره، والألفاظ ~~المذكورة مما اتفق فيه اللغتان، كالصابون، والتنور. # وأجيب بأن الألفاظ اليسيرة الدخيلة لا تنفي تمحض اللغة ms0320 عرفا، كأشعار كثير ~~من العرب، مع تضمنها ألفاظا أعجمية، وتحديهم كان بلغتهم فقط. أو: لما عربت ~~صار لها حكم العربية، و {أأعجمي وعربي} متأول على خلاف ما ذكرتم، واتفاق ~~اللغتين بعيد، والأصل عدمه. # المسألة " الرابعة: في القرآن ~~المعرب "، أي: القرآن مشتمل على الكلام المعرب - بتشديد الراء وفتحها - " ~~وهو ما أصله أعجمي، ثم عرب " أي: استعملته العرب نحو استعمالها لكلامها ; ~~فقيل له: معرب، توسطا بين العجمي والعربي، خلافا للقاضي أبي يعلى، والقاضي ~~أبي بكر، والأكثرين. # " لنا "، أي: على وقوع المعرب في القرآن - " قول ابن عباس وعكرمة: {ناشئة ~~الليل} "، في قوله تعالى: {إن ناشئة الليل هي أشد وطئا} [المزمل: 6] حبشية ~~" # PageV02P032 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ومشكاة: لغة هندية، وإستبرق وسجيل: ~~لغة فارسية، وهما من أهل التفسير والعلم بالقرآن، خصوصا ابن عباس ترجمان ~~القرآن، الذي دعا له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " اللهم علمه ~~الحكمة " رواه الترمذي، وهو متفق عليه ; فيجب المصير إلى قولهما. # وذكر ابن فارس في كتاب " فقه اللغة "، قال: روي عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما، ومجاهد، وابن جبير، وعكرمة، وعطاء، وغيرهم من أهل العلم أنهم قالوا ~~في أحرف كثيرة: إنها بلغات العجم، منها: طه، واليم، والطور، والربانيون، # PageV02P033 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يقال: إنها سريانية، والصراط، ~~والقسطاس، والفردوس، يقال: هي رومية. ومشكاة، و {كفلين من رحمته} [الحديد: ~~28] ، يقال: هي حبشية، وهيت لك، يقال: هي بالحورانية. # PageV02P034 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قال: وزعم أهل العربية أن القرآن ~~ليس فيه من كلام العجم شيء، وأنه كله بلسان عربي مبين. # قلت: الحق أن فيه ألفاظا معربة كما ذكرنا، لكن الألفاظ المذكورة عن هؤلاء ~~أكثرها عربي محض، وقد صنف ابن الجواليقي كتابا سماه " المعرب "، وذكر فيه ~~ألفاظا وقعت في القرآن معربة. # قوله: " قالوا: تحدي العرب بغير لسانهم "، إلى آخره، هذه أدلة المانعين ~~لوقوع المعرب في القرآن، وهي من وجوه: # أحدها: أن القرآن نزل معجزا تحدى به العرب، أي: تحداهم وبعثهم على ~~معارضته، تعجيزا لهم ; فلو كان مشتملا على غير العربي المحض، لكان قد ~~تحداهم بمعارضة ما ليس من لسانهم، وهو ممتنع ; لأنه تكليف ما لا يطاق، ms0321 كما ~~إذا قيل للعجمي المحض: أنشئ لنا مثل السبع الطوال، أو الأشعار الستة، ~~ونحوها. # PageV02P035 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الوجه الثاني: أن النص أثبت أن ~~القرآن عربي محض، ولو كان فيه معرب لم يكن عربيا محضا. # أما الأول: فلقوله سبحانه وتعالى: {إنا أنزلناه قرآنا عربيا} [يوسف: 2] ، ~~{وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا} [الأحقاف: 12] ، {قرءانا عربيا غير ذي عوج} ~~[الزمر: 28] ، ونحوه كثير، وذلك يقتضي تمحض عربيته. # وأما الثاني: فلأن ما اشتمل على عدة ألفاظ أعجمية الأصل، لا يكون كله ~~عربيا محضا بالضرورة، كما أن الجيش من العرب، إذا كان فيه آحاد فرسان من ~~العجم، لا يكون جيشا عربيا محضا، فلو لم يكن القرآن عربيا، لزم خلاف النص ~~على كونه عربيا محضا. # الوجه الثالث: قوله سبحانه وتعالى: {ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا ~~فصلت آياته أأعجمي وعربي} الآية [فصلت: 44] ، هذا ظاهر في إنكار المعرب ~~بتقدير وقوعه ; لأن تقدير الآية: أنا إنما جعلنا القرآن عربيا ; لأنا لو ~~جعلناه أعجميا لأنكرتموه أيها الكفار، وقلتم كيف يكون قرآن أعجمي ونبي ~~عربي، وظاهر الآية أنه لو وقع ذلك وأنكروه لكان لهم فيه الحجة، وذلك يقتضي ~~أنه عربي محض، لتقوم به الحجة، ولا يتجه لهم إنكاره. # قوله: " ولا حجة في منع صرف " إسحاق " ونحوه "، إلى آخره، هذا جواب من ~~منكري المعرب عن سؤال مقدر لمثبتيه، وذلك أنهم قالوا: ومن الدليل على أن في ~~القرآن ألفاظا أعجمية الأصل، أن إبراهيم، وإسحاق، وإسماعيل، ويعقوب ونحوها، ~~غير منصرفة لاجتماع العلمية والعجمة فيها، وما اتصف بالعجمة ; فهو # PageV02P036 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أعجمي، ثم استعملت العرب هذه ~~الألفاظ على نهج لغتها ; فصارت أعجمية معربة، وهو المطلوب. # فأجاب النافون عن ذلك بأن منع صرف إسحاق ونحوه، لا حجة فيه على أن في ~~القرآن معربا ; لأن هذه أعلام، وليس النزاع في الأعلام، إنما النزاع في ~~غيرها وهي أسماء الأجناس، نحو: ديباج، وفرند، ونيروز، وآجر، وإبريسم، ~~وإهليلج، وإطريفل ولجام ونحوه. # قوله: والألفاظ المذكورة، إلى آخره، هذا جواب من منكري المعرب عما استدل ~~به مثبتوه من لفظ ناشئة، ومشكاة، وإستبرق، وسجيل، ونحوه. # وتقريره: أن هذه الألفاظ ms0322 ليست أعجمية، بل هي عربية وافقت ألفاظ العجم ~~فاتفقت فيها اللغتان المعروفتان عندنا في اللغتين جميعا، وسنذكر جملة من ~~ذلك آخر المسألة إن شاء الله تعالى، وحينئذ لا يكون في الألفاظ المذكورة ~~حجة على وقوع المعرب في القرآن ; لأنها على ما ذكرناه ليست معربة، بل عربية ~~وافقت ألفاظ العجم. # قوله: " وأجيب " أي: عن الوجوه المذكورة التي احتج بها المانعون. # أما عن الأول، وهو قولهم: تحدي العرب بغير لغتهم ممتنع، ولا نسلم أن وقوع ~~المعرب في القرآن يستلزم تحديهم بغير لغتهم ; لأن الواقع من المعرب في ~~القرآن ألفاظ يسيرة، دخيلة من غير لغته، وهي لا تنفي تمحض العربية فيه ~~عرفا، كأشعار كثير من العرب الفصحاء، هي عربية عرفا باتفاق، مع تضمنها ~~ألفاظا أعجمية، وإذا # PageV02P037 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لم يكن المعرب الواقع في القرآن ~~نافيا لتمحضه عربيا ; فما تحداهم إلا بلغتهم ; لأن تلك الألفاظ الدخيلة ~~لقلتها لا تأثير لها، وليس هذا كما ذكروه من تكليف العجمي المحض إنشاء مثل ~~السبع الطوال ونحوها، لكثرته وقلة المعرب في القرآن بالضرورة. # أو نقول: إن تحديهم كان بلغتهم فقط لا بالمعرب، وفي القرآن من الألفاظ ~~المحضة ما هي كافية بتعجيزهم عن الإتيان بمثله، وهذا معنى قولنا: " وتحديهم ~~بلغتهم فقط ". # قوله: " أو لما عربت صار لها حكم العربية، هذا جواب آخر عن هذا السؤال، ~~أن هذه الكلمات وإن كان أصلها أعجميا، إلا أن العرب لما استعملتها في ~~لغتها، صار لها حكم العربية في الإعجاز والتحدي ومخاطبة العرب بها ; فما ~~تحداهم إلا بلغتهم ". فحاصل الأمر منع أنه تحداهم بغير لغتهم ; إما لأن ~~المخالف للغة القرآن فيه قليل، لا حكم له في نفي تمحضه عربيا، أو لأنه ~~بالتعريب صار حكمه حكم العربي، ثم إن أصل الدليل مبني على امتناع تكليف ما ~~لا يطاق، وهو ممنوع كما سبق، وقد حصل الجواب عن الوجه الثاني، وهو أن وقوع ~~المعرب في القرآن ينفي كونه عربيا محضا. # ثم نريد الطعن في مقدمة دليله، وهو أنا لا نسلم أن النص أثبت أن القرآن ~~عربي محض، وقولهم: إن ms0323 قوله سبحانه وتعالى: {إنا أنزلناه قرآنا عربيا} ~~[يوسف: 2] # PageV02P038 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ونحوه يقتضي تمحض عربيته ممنوع، بل ~~يقتضي أنه عربي في غالب ألفاظه، وأنه عربي حكما لا حقيقة، بمعنى أنه لم ينف ~~أنه لا معرب فيه، أو أنه عربي عرفا، والقرآن مع المعرب الذي فيه يسمى عربيا ~~عرفا كما بينا، والقول فيما استشهدوا به من الجيش العربي فيه آحاد من العجم ~~كذلك، اعتبارا بالأكثر، وإن سلمنا ; فالفرق بينهما: أن آحاد الفرسان لم ~~يحدث فيها ما يصير حكمها حكم العرب، بخلاف الألفاظ المعربة ; فإنه حدث فيها ~~من تعريب العرب لها ما صير حكمها حكم ألفاظ العرب. # وأما الجواب عن الثالث، وهو قوله تعالى: {ولو جعلناه قرآنا أعجميا} ~~[فصلت: 44] ; فقد أجبت عنه في " المختصر " بقولي: " و {أأعجمي وعربي} متأول ~~على خلاف ما ذكرتم ". # وتقرير الجواب بنحو ما سبق، وهو أن حجة الكفار ; إنما كانت تقوم لو كان ~~جميع القرآن أعجميا، أما وغالبه عربي بلغتهم، وإنما فيه ألفاظ يسيرة من ~~غيره ; فلا، وحينئذ يصير تأويل الآية: ولو جعلنا هذا القرآن، أي جميعه، ~~قرآنا أعجميا ; لأنكروه، ولقامت حجتهم، لكن ما جعلنا جميعه أعجميا ; فليس ~~لهم إنكاره، ولا تقوم لهم بإنكاره حجة، وهو صحيح ; لأنهم لو قالوا له أنت ~~أتيتنا بألفاظ ليست من لغتنا كالمشكاة، وسجيل، ونحوه، ونحن لا نعرف إلا ~~لغتنا، لقال لهم: أنا لا أتحداكم بهذه الألفاظ، بل بالألفاظ العربية ~~المحضة، التي هي من لغتكم ; فأتوا بمثلها إن كنتم صادقين. # PageV02P039 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والجواب عن قولهم: إن مشكاة ونحوها ~~مما اتفق فيه اللغتان بوجهين: # أحدهما: أن اتفاق اللغتين بعيد في العادة، وإن كان ممكنا لذاته. # الثاني: سلمنا أنه ليس ببعيد، لكن الأصل عدمه ; فحملكم الألفاظ عليه، مع ~~نقل العلماء المعتبرين أنها معربة، حمل على خلاف الأصل، وهو غير جائز. # واعلم أن هذه المسألة من رياضيات هذا العلم ; فهي كما ذكرناه في مبدأ ~~اللغات، لا يترتب عليها كبير أمر في فقه اللغات. # تنبيه: ذكر ابن إسحاق في المغازي، وابن فارس في فقه اللغة، المسمى ب ~~الصاحبي، كلاهما عن أبي عبيد، ms0324 ما يدل على أن النزاع في المسألة لفظي. ~~وحاصله: أن في اللغة ألفاظا أصلها أعجمي، كما قال الفقهاء، لكن استعملتها ~~العرب ; فعربتها بألسنتها، وحولتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها ; فصارت ~~عربية، ثم نزل القرآن وقد اختلطت بكلام العرب ; فمن قال: إنها عربية ; فهو ~~صادق، يعني باعتبار التعريب الطارئ. ومن قال: إنها أعجمية ; فهو صادق، يعني ~~باعتبار أصلها. # قال أبو عبيد: وإنما سلكنا هذا الطريق لئلا يظن بالفقهاء الجهل بكتاب ~~الله عز وجل، وهم كانوا أعلم بالتأويل، وأشد تعظيما للقرآن. # PageV02P040 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فائدة تتعلق بالمسألة: # قال الثعالبي في فقه اللغة وأسرار العربية: فصل في ذكر أسماء قائمة في ~~لغتي العرب والفرس على لفظ واحد: التنور، الخمير، الرمان، الدين، الكنز، ~~الدينار، والدرهم. # ثم قال: فصل في أسماء تفردت بها الفرس دون العرب ; فاضطرت العرب إلى ~~تعريبها، أو تركها كما هي ; فمنها في الأواني: الكوز، الجرة، الإبريق، ~~الطست، الخوان، الطبق، القصعة، السكرجة. # ومن الملابس: السمور، السنجاب، الخز، الديباج، السندس، التاختج، الراختج. # ومن الجواهر: الياقوت، الفيروزج، والبلور. # ومن المأكولات: السميذ، الجرذق، والدرمك، والكعك والسكباج، والمزيرباج، ~~والطباهج، والجوذاب، الزماورد، الفالوذج، اللوزينج، الجوزينج، السكنجبين، ~~الجكنجبين. # PageV02P041 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ومن الأفاويه والرياحين: القرفة، ~~الدارصيني، الفلفل، الكراويا، الزنجبيل، الخولنجان، النرجس، البنفسج، ~~النسرين، السوسن، المرزنجوش، الياسمين، الجلنار، العنبر، الكافور، الصندل، ~~القرنفل. # وذكر فصلا فيما نسبة فارسيته من العربية، وفصلا في أسماء عربية تتعرب ~~فارسية أكثرها، وأشياء غير ذلك. ولم أستوف ما ذكره خشية الإطالة، وكل هذا ~~يدل على أن في اللغة والقرآن معربا، وطريق الجمع والتوفيق ما قاله أبو ~~عبيد، ولعل ناظرا ينظر في هذا الكتاب ; فيظن حكايتنا لهذه الألفاظ خروجا عن ~~المقصود، وليس كذلك، بل هو محقق للمقصود ومكمل له، وإنما يعتقد أن ذلك خروج ~~بطال يقنع بحكاية ما يجده في كتب الفقهاء والأصوليين، وإنما الحزم أخذ كل ~~شيء من مظنته، ومع ذلك ليت الشخص يصل إلى تحقيق المراد، لكنه كلما كان ~~اجتهاده أبلغ، كان بالتحقيق أجدر، والله تعالى أعلم. # PageV02P042 # الخامسة: فيه المحكم والمتشابه، وللعلماء فيهما أقوال ~~كثيرة، وأجود ما قيل فيه: إن ms0325 المحكم المتضح المعنى، والمتشابه مقابله، ~~لاشتراك، أو إجمال، أو ظهور تشبيه. والأظهر الوقف على إلا الله، لا ~~{والراسخون في العلم} ، خلافا لقوم. # قالوا: الخطاب بما لا يفهم بعيد. قلنا: لا بعد في تعبد المكلف بالعمل ~~ببعض الكتاب، والإيمان ببعض، والكلام في هذا مستقصى في كتاب «بغية السائل» ~~. # المسألة «الخامسة فيه» : أي: في ~~القرآن، «المحكم والمتشابه. وللعلماء فيهما» ، أي: في المحكم والمتشابه ~~«أقوال كثيرة» . # قلت: سأذكر إن شاء الله تعالى ما تيسر منها آخر المسألة، وينبغي الكلام ~~في لفظ المحكم والمتشابه ومعناه. # أما لفظه: فالمحكم: مفعل من أحكمت الشيء أحكمه إحكاما ; فهو محكم: إذا ~~أتقنته ; فكان على غاية ما ينبغي من الحكمة. ومنه بناء محكم، أي: ثابت ~~متقن، يبعد انهدامه. # والمتشابه: متفاعل من الشبه، والشبه، والشبيه، وهو ما بينه وبين غيره أمر ~~مشترك ; فيشتبه ويلتبس به. # وأما معناه: فأجود ما قيل فيه: إن المحكم المتضح المعنى، كالنصوص ~~والظواهر ; لأنه من البيان في غاية الإحكام والإتقان. # و «المتشابه مقابله» : أي: مقابل المحكم، وهو غير المتضح المعنى ; فتشتبه ~~بعض # PageV02P043 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # محتملاته ببعض للاشتراك، أي: ~~تشابهه. # وعدم اتضاح معناه: إما لاشتراك، كلفظ العين والقرء، ونحوهما من ~~المشتركات، أو لإجمال ; وهو إطلاق اللفظ بدون بيان المراد منه، كقوله ~~تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] ، ولم يبين مقدار الحق، ونحو ~~ذلك مما سيأتي في باب المجمل والمبين إن شاء الله تعالى. أو لظهور تشبيه في ~~صفات الله تعالى، كآيات الصفات وأخبارها نحو: {ويبقى وجه ربك} [الرحمن: 27] ~~، {لما خلقت بيدي} [ص: 75] ، {بل يداه مبسوطتان} [المائدة: 64] ، يد الله ~~ملأى لا تغيضها النفقة، فيضع الجبار قدمه، فيظهر لهم في الصورة التي ~~يعرفونها، خلق الله آدم على صورة الرحمن، ونحو ذلك، مما هو كثير في الكتاب ~~والسنة ; لأن هذا اشتبه المراد منه على الناس ; فلذلك قال قوم بظاهره ; ~~فجسموا وشبهوا، وفر قوم من التشبيه ; فتأولوا وحرفوا ; فعطلوا، وتوسط قوم ; ~~فسلموا # PageV02P044 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وأمروه كما جاء، مع اعتقاد التنزيه ~~; فسلموا، وهم أهل السنة. # قوله: «والأظهر الوقف على إلا الله، لا {والراسخون في العلم} [آل ms0326 عمران: ~~7] ، خلافا لقوم» ، هذا ترجيح لمذهب أهل السنة في التسليم وترك التأويل. # ومعنى الكلام: أنه لما ثبت أن من المتشابه في القرآن آيات الصفات، التي ~~ظاهرها المشاهد التشبيه ; فالحكم فيه عندنا التسليم، مع اعتقاد التنزيه، ~~وعدم التأويل المفضي إلى التعطيل، ولما كان مأخذ الخلاف بين أهل التسليم ~~والتأويل هو قوله تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم ~~الكتاب وأخر متشابهات} فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ~~ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ~~يقولون آمنا به كل من عند ربنا الآية [آل عمران: 7] ، احتيج إلى الكلام ~~عليها ليظهر الحق. # وذلك أن أهل السنة قالوا: الوقف التام في الآية على قوله تعالى: {وما ~~يعلم تأويله} أي: تأويل المتشابه إلا الله، وقوله تعالى: {والراسخون في ~~العلم} مبتدأ مستأنف، يقولون خبره. وإذا كان المتشابه لا يعلم تأويله إلا ~~الله، وجب أن لا يعلمه الخلق ; فيجب علينا الإيمان به، والتسليم له، مع ~~اعتقاد تنزيه الله تعالى عن كل ما لا يليق بجلاله، جمعا بين المتشابه وبين ~~قوله تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} # PageV02P045 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # [الشورى: 11] ; فأثبت ونزه في آية ~~واحدة. # وقالت المؤولة، وهم المعتزلة والأشعرية ومن وافقهم: الوقف التام في الآية ~~على قوله تعالى: {والراسخون في العلم} ، أي: يعلمون تأويله مع الله تعالى ; ~~فأثبت له تأويلا، وأخبر أن أهل العلم يعلمونه. وإذا كان له تأويل معلوم ~~لأهل العلم، وجب أن لا يحمل على ظاهره الموهم للتشبيه، المستحيل على الله ~~تعالى ببراهين العقل والنقل ; لأن ذلك حمل له على مراد الله سبحانه وتعالى ~~منه. # قوله: «قالوا: الخطاب بما لا يفهم بعيد هذا دليل المؤولة.» # وتقريره: أنه لو اختص الله تعالى بعلم تأويل المتشابه دون أهل العلم، ~~لكان خطابه للناس به خطابا لهم بما لا يفهمونه، والخطاب بما لا يفهم بعيد، ~~بل ربما كان محالا ; لأن فائدة الخطاب الإفهام، فإذا وقع الخطاب على وجه لا ~~يحصل منه الإفهام، خلا عن فائدته التي وضع لها ms0327 ; فيكون عبثا، والعبث على ~~الله تعالى محال. # قوله: «قلنا:» لا بعد في تعبد المكلف بالعمل ببعض الكتاب والإيمان ببعض ~~«» ، هذا جواب عن دليلهم المذكور. # وتقريره: أنا لا نسلم بعد ما ذكرتموه، إذ لا بعد في أن يتعبد الله تعالى ~~عباده بإنزال كتابه عملا وإيمانا، بأن ينزله محكما يتعبدهم بالعمل به، ~~ومتشابها يتعبدهم بالإيمان به، تسوية بين الأبدان والنفوس في التعب ~~والتكليف ; لأن التكليف إلزام ما فيه مشقة كما سبق ; فالمشقة على الأبدان ~~بما تعانيه من حركات التكليف ونحوها، كالصلاة، والحج، والجهاد. ومشقة ~~النفوس والعقول بما تعانيه من # PageV02P046 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # التصديق بما لا يدركه، وهو أعظم ~~المشقتين، كما بينته في «القواعد الصغرى» ، ولهذا قدم الله تعالى المؤمنين ~~بالغيب في قوله تعالى: {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة} [البقرة: 3] ، ~~وأيضا: فإن التكليف عملي واعتقادي، ثم العملي منه معقول، ومنه غير معقول، ~~كالوضوء، والغسل، وأشباههما، وأفعال الحج من رمل واضطباع، وتجرد ونحوه. فما ~~المانع أن يكون التكليف الاعتقادي أيضا مشتملا على ما يفهم وما لا يفهم؟ مع ~~أن ذلك أجدر بحصول فائدة التكليف، وهي تبين المطيع من العاصي. # فائدة: اختلف الناس في المحكم والمتشابه ; فقال الطنزي - بالنون والزاي ~~المعجمة - في تفسير المحكمات: قيل: هي الآيات الثلاث في آخر الأنعام: {قل ~~تعالوا} إلى آخرهن [الأنعام: 151 - 153] ، وقيل: ما لم ينسخ، وقيل: النص، ~~وقيل: غير المجمل، {هن أم الكتاب} ، أي: أصله. {وأخر متشابهات} ، هي ضد ~~المحكم على الوجوه المذكورة. هذا معنى كلامه. # وحكى القرطبي فيه أقوالا: # أحدها - وهو قول جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وهو مقتضى قول الشعبي ~~والثوري وغيرهما -: المحكمات من آي القرآن ما عرف تأويله، وفهم معناه ~~وتفسيره، والمتشابه: ما استأثر الله بعلمه دون خلقه، ولم يكن لأحد منهم ~~سبيل إلى علمه. # قال بعضهم: وذلك كالحروف المقطعة في أوائل السور، ووقت خروج الدجال، ~~ويأجوج ومأجوج، ووقت قيام الساعة. # PageV02P047 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قال القرطبي: هذا أحسن ما قيل فيه. # قلت: وهو معنى ما ذكرناه في «المختصر» . # الثاني: يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما: المحكمات: ناسخه، وحرامه، ~~وفرائضه، ms0328 وما نؤمن به ونعمل به. والمتشابهات: المنسوخات، ومقدمه، ومؤخره، ~~وأمثاله، وأقسامه، وما نؤمن به ولا نعمل به. # الثالث: وهو قول ابن مسعود، وقتادة، والربيع، والضحاك: المحكمات: ~~الناسخات، والمتشابهات: المنسوخات. # الرابع: وهو قول محمد بن جعفر بن الزبير، ومجاهد، وابن إسحاق -: المحكمات ~~هي التي فيها حجة الرب، وعصمة العباد، ودفع الخصوم والباطل، وليس لهن تحريف ~~ولا تصريف عما وضعن عليه، والمتشابهات: لهن تصريف، وتحريف، وتأويل، ابتلى ~~الله فيهن العباد. قال ابن عطية: وهو أحسن الأقوال في الآية. # الخامس: قال النحاس: أحسن ما قيل فيه: إن المحكم ما كان قائما بنفسه، لا ~~يحتاج إلى رده إلى غيره، نحو {ولم يكن له كفوا أحد} [الإخلاص: 4] ، {وإني ~~لغفار لمن تاب} [طه: 82] ، والمتشابهات نحو {إن الله يغفر الذنوب جميعا} ، ~~يرجع فيه إلى قوله جل وعلا: {وإني لغفار لمن تاب} وإلى قوله عز وجل: {إن ~~الله لا يغفر أن يشرك به} [النساء: 48] . # وقال أبو عثمان: المحكم: فاتحة الكتاب التي لا تجزئ الصلاة إلا بها. # وقال محمد بن الفضل: هو سورة الإخلاص ; لأنه ليس فيها إلا التوحيد فقط. # PageV02P048 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وقال ابن خويزمنداد: للمتشابه ~~وجوه، والذي يتعلق به الحكم ما اختلف فيه العلماء، أي الآيتين نسخت الأخرى، ~~كما ذهب عمر، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وغيرهم، رضي الله عنهم ; إلى أن ~~عدة الحامل المتوفى عنها تنقضي بوضع الحمل، بناء على أن قوله سبحانه ~~وتعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] ; نسخت قوله ~~تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر ~~وعشرا} [البقرة: 234] ، وقال علي وابن عباس، رضي الله عنهم: لم تنسخها، ~~وتعتد بأطول الأجلين، وكاختلافهم في الوصية للوارث ; نسخت أم لا، وكتعارض ~~قوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين} [النساء: 23] بملك اليمين، والأخريان ~~يقتضيان جوازه. # وذكر الشيخ أبو محمد في المحكم والمتشابه بعد القول الذي ذكرناه في ~~«المختصر» ، وهو قول القاضي، ثلاثة أقوال أخر: # أحدها: قول ابن عقيل: المتشابه: هو ما غمض علمه على غير العلماء ~~المحققين، كالآيات التي ظاهرها التعارض، نحو: {هذا يوم لا ينطقون} ~~[المرسلات: ms0329 35] ، مع الآية الأخرى: {قالوا ياويلنا من بعثنا من مرقدنا} ~~[يس: 52] . # PageV02P049 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الثاني: قول بعض أهل العلم: ~~المتشابه: الحروف المقطعة في أوائل السور، والمحكم: ما عداه. # الثالث: قول بعضهم: المحكم: الوعد، والوعيد، والحرام، والحلال، ~~والمتشابه: القصص، والأمثال. # قلت: وقال بعض الناس: إن القرآن كله محكم، لقوله تعالى: {كتاب أحكمت ~~آياته} [هود: 1] : وقال آخرون: كله متشابه، لقوله تعالى: {كتابا متشابها} ~~[الزمر: 23] ذكرهما القرطبي، وليسا مما نحن فيه ; لأن المراد ب {أحكمت ~~آياته} : يعني: في نظمها، ووضعها، وجزالة لفظها، حتى بلغ حد الإعجاز. ~~ومتشابه الكتاب: تصديق بعضه بعضا، لتشابه معانيه ومضموناته ; فهو غير ~~متناقض بحيث يكذب بعضه بعضا. فأما التشابه فيما نحن فيه ; فهو التشابه ~~الاحتمالي الإجمالي من قوله تعالى: {إن البقر تشابه علينا} [البقرة: 70] ، ~~أي: إن لفظ البقر يحتمل أشخاصا كثيرة من البقر، لا نعلم أيها المراد. ولهذا ~~قيل: إن المتشابه ما يحتمل وجوها، ثم إذا ردت الوجوه إلى وجه واحد، وأبطل ~~الباقي، صار المتشابه محكما. والمحكم: ما لا التباس فيه، ولا يحتمل إلا ~~وجها واحدا. # قلت: هذه جملة صالحة مما ذكر في المحكم والمتشابه. # وذكر الإمام فخر الدين تقسيما أدرج فيه النص، والظاهر، والمجمل، والمؤول، ~~والمحكم، والمتشابه. # ومعنى تقسيمه وحاصله: أن اللفظ المفيد لمعنى ; إما أن لا يحتمل غير ذلك # PageV02P050 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المعنى، وهو النص، أو يحتمل غيره ; ~~فإما على السواء، وهو المجمل، أو مع رجحان أحد معانيه ; فالراجح ظاهر، ~~والمرجوح مؤول. فالنص والظاهر يشتركان في رجحان الإفادة، غير أن النص مانع ~~من احتمال غيره، والقدر المشترك بينهما هو المحكم، والمؤول والمجمل يشتركان ~~في عدم الرجحان، غير أن المؤول مرجوح ; والمجمل غير مرجوح، والقدر المشترك ~~بينهما هو المتشابه. # قلت: هذا ما لم أعلمه لغيره، وأحسبه من اصطلاحاته مع نفسه، مع أن ما قاله ~~يمكن توجيهه، ويكون من بعض الأقوال المذكورة في المسألة. # والمختار من الأقوال كلها ما ذكرناه في «المختصر» ، وأن متشابه القرآن، ~~أعني آيات الصفات ونحوها، لا يعلم تأويله إلا الله سبحانه وتعالى، لوجوه: # أحدها: أن أما في لغة العرب لتفصيل الجمل، ولا ms0330 بد أن يذكر في سياقها ~~قسمان: لفظا: وهو أكثر ما يوجد من مواردها، أو تقديرا، نحو: {فأما من تاب ~~وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين} [القصص: 67] . ولم يذكر القسم ~~الآخر لدلالة القسم الأول عليه، إذ قد فهم منه ; فكأنه قال: وأما من لم ~~يؤمن، ويعمل صالحا ; فلا يفلح، وله نظائر، وقد قال سبحانه وتعالى هاهنا: ~~{فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء ~~تأويله وما يعلم تأويله إلا الله} [آل عمران: 7] ، هذا تمام القسم الأول ~~المذكور في سياق «أما» فاقتضى وضع اللغة وعرفها واستعمالها ذكر قسم آخر ; ~~فكان تقديره: وأما الراسخون في العلم ; فيقولون: آمنا به، لكن دلت أما ~~الأولى على الثانية ; فحذفت لوجود ما يدل عليها، ثم # PageV02P051 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # حذفت الفاء من جوابها ; لأنها فرع ~~عليها. # فإن قيل: هذا إضمار يحتاج إلى دليل؟ # قلنا: قد دل عليه الدليل اللغوي وضعا، واستعمالا، وعرفا، وهو ما ذكرناه ~~من اقتضاء «أما» قسمين فصاعدا بعدها. # الوجه الثاني: أن الواو في قوله تعالى: {والراسخون} ، وإن احتملت أن تكون ~~غير عاطفة، غير أن هاهنا ما يرجح كونها استئنافية من وجوه: # أحدها: أنه لو أراد العطف، لقال: ويقولون آمنا به. عطفا ل «يقولون» على ~~«يعلمون» المضمر، إذ التقدير: وما يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في ~~العلم يعلمونه، ويقولون: آمنا به، أو ويعلمه الراسخون ويقولون. # فأما قولهم: إن «يقولون» جملة في اللغة ; لأنه نصب للحال، مع إضمار فعلها ~~العامل فيها، ولو جاز ذلك لجاز: عبد الله راكبا، بمعنى: أقبل ; فكذلك لا ~~يجوز: والراسخون قائلين، بتقدير: يعلمونه قائلين. # الوجه الثاني: ما روى عبد الرزاق في «تفسيره» عن [معمر عن] ابن طاووس، عن ~~أبيه، قال: كان ابن عباس يقرؤها: «وما يعلم تأويله إلا الله ويقول الراسخون ~~[في العلم] : آمنا به» . فهذه القراءة بينت إجمال الواو في الآية، # PageV02P052 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وأنها استئنافية لا عاطفة، ثم إن ~~كان ابن عباس سمعها من النبي - صلى الله عليه وسلم - فهي تفسير منه للآية، ~~وقامت الحجة بتفسير من فوض إليه بيان القرآن، ms0331 وإن لم يكن سمعها منه ; فهو ~~مرجح لقولنا من وجهين: # أحدهما: أن ما ذكرناه قد وجد له مبين مرجح، وهو قراءة ابن عباس رضي الله ~~عنهما، المذكورة، وما ذكرتموه مجرد احتمال. # فإن قيل: فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الراسخون معطوف على اسم ~~الله عز وجل، وأنهم داخلون في علم المتشابه، وقاله الربيع، ومحمد بن جعفر ~~بن الزبير، والقاسم بن محمد، وغيرهم. # قلنا: هذا لا يثبت عن ابن عباس كثبوت ما ذكرناه عنه بالسند الصحيح. # قال الخطابي: إنما روي عن مجاهد أنه نسق «الراسخون» على ما قبله، وزعم ~~أنهم يعلمونه. # قلت: ثم لو ثبت هذا عن ابن عباس، ومن ذكروه غيره، لكان ما ذكروه عن ابن ~~عباس من العطف معارضا بما رويناه من الاستئناف، وأما المذكورون معه ممن روي ~~عنه العطف ; فقولهم معارض بقول ابن عمر، وعائشة، وعروة بن الزبير، وعمر بن ~~عبد العزيز، وغيرهم رضي الله عنهم، قالوا بالاستئناف، وهو مذهب الكسائي، ~~والفراء، والأخفش، وأبي عبيد، ورواه يونس عن الأشهب عن مالك ; فيما حكاه ~~الطبري، وقال أبو نهيك الأسدي: إنكم تصلون هذه الآية، وإنها مقطوعة، # PageV02P053 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وما انتهى علم الراسخين إلا إلى ~~قولهم: آمنا به كل من عند ربنا. وقال مثل هذا عمر بن عبد العزيز. وهؤلاء ~~أئمة العربية والقراءة والأحكام، وهم أكثر وأشهر ممن ذكرتم ; فيترجح بذلك ~~ما ذكرناه. # الوجه الثاني: أن القراءة المذكورة في الاستئناف مروية بالسند المذكور عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما، وموضعه من علم القرآن غير خفي، خصوصا وقد دعا له ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحكمة ومعرفة التأويل ; فهذه القراءة تأويل ~~منه على تقدير أن لا يكون سمعها من النبي - صلى الله عليه وسلم - فتقدم. # الوجه الثالث في ترجيح كونها استئنافية: أن بتقدير ذلك تكون الجملة حالا، ~~والحال: فضلة خارجة عن ركن الجملة، وكون الجملة ركنا أقوى من كونها فضلة، ~~وإذا دار أمر اللفظة بين أقوى الحالين وأضعفهما، كان حمله على الأقوى أولى. # الوجه الرابع من أصل الاستدلال على المسألة: أن ms0332 سياق الآية دل على ذم ~~مبتغي المتشابه، إذ وصفوا بزيغ القلوب، وابتغاء الفتنة، وقد صرحت السنة ~~بذمهم ; فروى القاسم وابن أبي مليكة، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: سئل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذه الآية: {هو الذي أنزل عليك الكتاب ~~منه آيات محكمات} الآية [آل عمران: 7] ; فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه ; فأولئك الذين سمى الله ; ~~فاحذروهم. متفق عليه، ورواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، # PageV02P054 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والترمذي وصححه. # وإذا ثبت بالكتاب والسنة أن متبع المتشابه مذموم ; فلو كان تأويل ~~المتشابه معلوما لأهل العلم، لم يكن متبعه مذموما ; لأن الاتباع للمتشابه ; ~~إما أن يكون هو الاقتداء به كقوله تعالى: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} ~~[الأعراف: 3] ، أو يتبعه بمعنى السؤال عن معانيه ومشكلاته. # فإن كان الأول ; فالمتبع له: إما من الراسخين في العلم، أو من غيرهم، فإن ~~كان من الراسخين في العلم ; فقد عمل بما علم ; فهو يستحق المدح لا الذم، ~~وإن كان من غير الراسخين ; فقد قلد الراسخين في أمر دينه، وهذا شأن المقلد، ~~لقوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل: 43] . # وإن كان المراد بالاتباع التتبع والسؤال ; فهذا السائل يتعرف تأويل ~~القرآن من أهله - الراسخين في العلم - وتعلم التأويل من أهله أقل أحواله أن ~~يكون مندوبا ; فلا يكون مذموما، فلما رأيناه قد أطلق ذم مبتغي تأويل ~~المتشابه، علمنا أن ذلك لكونه يزاحم البارئ جل جلاله فيما استأثر بعلمه، ~~وقد قيل في المثل: إذا استأثر الله تعالى بشيء فاله عنه. # نعم، قد قيل: اتباع المتشابه قد يكون للتشكيك في القرآن، وإضلال العوام، ~~وهو زندقة حكم فاعله القتل، وقد يكون لاعتقاد ظاهره من التجسيم # PageV02P055 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والتشبيه، والأصح فيه كفر فاعله، ~~إذ هو كعابد الصنم، وقد يكون على جهة الإكثار منه لا للتشكيك ولا للتشبيه، ~~كما فعل صبيغ بن عسل حين أكثر منه، وحكمه التأديب، كما أدب عمر رضي الله ~~عنه صبيغا، وقد يكون على جهة البحث عن تأويله وإيضاح معناه، ms0333 وفي جوازه ~~قولان بين السلف والخلف، وإجماع السلف على المنع منه، وتفويض أمره إلى الله ~~سبحانه وتعالى، فإن حمل اتباعه في الآية والحديث على أحد الوجوه الثلاثة ~~المذمومة، لم يكن في ذم متبع المتشابه حجة على أن الراسخين لا يعلمون ~~تأويله، لكن الذم ورد من غير تفصيل ; فيقتضي عموم الاتباع. # الوجه الرابع: إن قول الراسخين في العلم: آمنا به، يدل على تفويض منهم، ~~وتسليم لما لم يقفوا على حقيقة المراد به، وهو من قبيل الإيمان بالغيب الذي ~~مدح عليه أهله، وكذلك قوله تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به ~~يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله ~~مسلمين} [القصص: 52 - 53] ، وهذا ظاهر في التسليم لمراد الله سبحانه وتعالى ~~منه، وإن كان لا ينافي فهمهم المراد به، نعم قولهم في هذه الآية: {كل من ~~عند ربنا} ، بعد قولهم: آمنا به، يدل دلالة قوية على التفويض لمراد الله ~~تعالى منه، وصار معنى قولهم: إن المحكم الذي يفهم المراد منه، والمتشابه ~~الذي لا يفهم المراد به، كل واحد من القسمين هو من عند ربنا ; فنحن نؤمن ~~بهما عن فهم وتعقل في المحكم، وتفويض وتسليم في المتشابه. # واحتج من قال في الواو بالعطف بوجوه: # أحدها: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما، ومجاهد، أنهما قالا: نحن ممن ~~يعلم تأويله، يعني المتشابه. # PageV02P056 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الثاني: أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال لابن عباس رضي الله عنهما: ((اللهم علمه التأويل)) ودعاء النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - مستجاب ; فدل على أن ابن عباس رضي الله عنهما علم ~~التأويل، وهو عام في تأويل المتشابه وغيره، وإذا علمه ابن عباس، جاز أن ~~يعلمه غيره من الراسخين، إذ لا قائل بالفرق. # الوجه الثالث: أن تسميتهم راسخين في العلم يقتضي علمهم بتأويل المتشابه، ~~وإلا لم يكن لهم فضيلة على غيرهم، نعم من المتشابه ما يعلمه الراسخون، ومنه ~~ما استأثر الله تعالى بعلمه دونهم، كالروح، ووقت الساعة، وأماراتها التي ~~تتقدمها، كالدجال، ونحوه. فمن قال: ms0334 إن المتشابه لا يعلمه الراسخون، أراد به ~~هذا، أما ما أمكن علمه بحكمة على وجه سائغ في اللغة ; فلا. # والجواب عن الأول: أنه لا يثبت عن ابن عباس ومجاهد رضي الله عنهما. وإن ~~ثبت فهو معارض بما سبق عن ابن عباس رضي الله عنهما في عكسه، ومن اتفاق ~~الجمهور على خلاف مجاهد. # وعن الثاني: أنه ليس من لوازم دعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - إجابته ~~بنفس ما يدعو به، بل ربما صرف إلى غيره، بأن يعوض عنه بأمر دنيوي أو أخروي. ~~وقد دعا بدعوات فلم يجب فيها ; فعوض عنها دعوات مستجابات في الآخرة، ادخرهن ~~شفاعة لأمته، وقال: سألت ربي أن لا يهلك أمتي بسنة عامة ; فأعطانيها، ~~وسألته أن لا يلبسهم شيعا فمنعنيها. سلمنا أن من لوازم دعائه الإجابة ; لكن ~~التأويل محمول على # PageV02P057 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # تأويل المحكم الذي ليس بمتشابه ; ~~إما تخصيصا له بذلك بأدلتنا، أو أنه كان معهودا بينهم ; لعلمهم أن المتشابه ~~مما استأثر الله تعالى به ; فتكون اللام في التأويل للعهد. # وعن الثالث: بأن المراد بالراسخين في العلم ; الراسخون في العلم بالله ~~ومعرفته، وأنه لا سبيل إلى الوقوف على كنه ذاته وصفاته وأفعاله لغيره، كما ~~حكي عن الصديق رضي الله عنه أنه قال: العجز عن درك الإدراك إدراك. وقال: # حقيقة المرء ليس المرء يدركها ... فكيف كيفية الجبار في القدم # أما العالمون بحمل المتشابه على مجاز كلام العرب ; فليسوا براسخين، بل ~~ليتهم لا يكونون خاسرين، إذ الإقدام على وصف البارئ جل جلاله بما لم يأذن ~~فيه، ولا دليل قاطع عليه - مع إمكان سلوك طريق السلامة، بالسكوت والتسليم ~~والتفويض - بعيد عن العلم فضلا عن الرسوخ فيه. وقد أطلت الكلام في هذه ~~المسألة ; لأنها من الأصول الكبار، ومع ذلك ; هي تحتمل أكثر من هذا. # قوله: «والكلام فيها مستقصى في» بغية السائل «» ، هذا كتاب كنت صنفته # PageV02P058 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ببغداد، ذكرت فيه جملة من أصول ~~الدين، وكان أصل الباعث لي على تأليفه هذه المسألة ; فاستقصيت فيها ما أظنه ~~أبسط من هذا. وهاهنا أشياء ليست في ذلك، وسميته «بغية ms0335 السائل عن أمهات ~~المسائل» ; لأني تحريت فيه ذكر المسائل الكبار من مسائل العقائد، والله ~~سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وهذا آخر الكلام على مسائل الأصل الأول، وهو ~~الكتاب. # PageV02P059 # السنة # والسنة لغة: الطريقة، وشرعا، اصطلاحا: ما نقل عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قولا، أو إقرارا، وهو حجة قاطعة على من سمعه منه شفاها، أو ~~بلغه عنه تواترا، وموجب للعمل إن بلغه آحادا، ما لم يكن مجتهدا، يصرفه عنه ~~دليل، لدلالة المعجز على صدقه، والأمر بتصديقه، والتحذير من خلافه. # والخبر: ما تطرق إليه التصديق والتكذيب. وقول من قال: يمتنع دخولهما في ~~مثل: محمد ومسيلمة صادقان. مردود، بأنهما خبران: صادق، وكاذب وهو قسمان: ~~تواتر، وآحاد. # قوله ### | : «السنة # لغة: الطريقة» . هذا حين الشروع في الأصل الثاني، وهو السنة، وهي لغة - ~~أي: في اللغة - الطريقة، والسيرة من قولك: سننت الماء على وجهي، أي: صببته، ~~وسن عليه الدرع، أي: صبها، كأن سالك الطريق ينصب عليها انصباب الماء. # وقال خالد الهذلي، وهو خالد ابن أخت أبي ذؤيب، وهو ابن زهير الهذلي بن ~~محروق: # فلا تجزعن من سنة أنت سرتها ... فأول راض سنة من يسيرها # قلت: السيرة: الهيئة التي يكون عليها السير، وهو ملازمة الطريق، ~~والطريقة. والطريق: فعيل، من طرق يطرق ; لأن الطريق يطرقه الناس رجالا # PageV02P060 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وركبانا، والسيرة: من السير، ~~والسنة: من السن، وهو الصب، وقد تقدم ذلك. # قوله: «وشرعا واصطلاحا» ، أي: والسنة في اصطلاح الشرع، «ما نقل عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قولا، أو فعلا، أو إقرارا» على فعل. # فالقول: كقوله عليه السلام: صلوا كما رأيتموني أصلي، وخذوا عني مناسككم، ~~ومن نام فليتوضأ، ومن ترك واجبا فعليه دم. # والفعل: كما شوهد منه من الأفعال في الصلاة والحج، كرفع يديه عند افتتاح ~~الصلاة، وعند الركوع والرفع منه، وكسعيه في الوادي بين الصفا والمروة، وهو ~~يقول: لا يقطع الوادي إلا شدا. # والإقرار: كسائر ما رأى الصحابة يقولونه أو يفعلونه ; فلا ينهاهم، وذلك ~~كقول أنس رضي الله عنه: كانوا إذا أذن المؤذن يعني المغرب ابتدروا السواري ~~يصلون ms0336 # PageV02P061 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ركعتين، حتى إن الرجل الغريب ليدخل ~~المسجد ; فيحسب أن الصلاة قد صليت لكثرة من يصليها، قيل له: أكان رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يصليهما؟ قال: كان يرانا نصليهما فلم يأمرنا ولم ~~ينهنا، وكاحتجاج ابن عباس على إباحة الضب بأنه أكل على مائدة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ولو كان حراما لنهى عنه، وكاحتجاجه على إباحة أجرة ~~الحجام، بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم وأعطى الحجام أجره، ولو ~~كان حراما لم يعطه. # وبالجملة: فالسنة النبوية منحصرة في هذه الأقسام: القول، والفعل، ~~والإقرار، أي: تقرير من يسمعه يقول شيئا، أو يراه يفعله، على قوله أو فعله، ~~بأن لا ينكره، أو يضم إلى عدم الإنكار تحسينا له، أو مدحا عليه، أو ضحكا ~~منه على جهة السرور به، كتبسمه من قيافة مجزز المدلجي حين رأى زيدا وأسامة ~~نائمين قد بدت أقدامهما من قطيفة ; فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض. ~~وكضحكه من الحبر # PageV02P062 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الذي جاءه ; فقال: إن الله يوم ~~القيامة يضع الأرض على أصبع والسماء على أصبع. الحديث فضحك النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - تصديقا لما قال الحبر. # نعم شرط كون إقراره حجة، بل شرط كون تركه الإنكار إقرارا: علمه بالفعل ~~وقدرته على الإنكار ; لأنه بدون العلم لا يوصف بأنه مقر أو منكر، ومع العجز ~~لا يدل على أنه مقر، كحاله مع الكفار في مكة قبل ظهور كلمته. # وقوله: «شرعا اصطلاحا» : احتراز من السنة في العرف الشرعي العام ; فإنها ~~تطلق على ما هو أعم مما ذكرناه، وهو المنقول عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- وأصحابه رضي الله عنهم، والتابعين رحمهم الله. # فحاصله أن للسنة عرفا خاصا في اصطلاح العلماء، وهو المنقول عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قولا أو فعلا أو تقريرا، وعرفا عاما، وهو ما نقل عنه، ~~أو عن السلف من # PageV02P063 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الصحابة، والتابعين، وغيرهم من ~~الأئمة المقتدى بهم. # قوله: «وهو» ، أي: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «حجة قاطعة على من ~~سمعه منه شفاها، أو بلغه تواترا، وموجب للعمل، إن ms0337 بلغه آحادا» . # قلت: معنى هذا الكلام مع ظهوره أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - إما ~~أن يكون مسموعا منه لغيره بلا واسطة، أو منقولا إليه بواسطة الرواة. # فإن كان مسموعا منه ; فهو حجة قاطعة على من سمعه، كالصحابة الذين سمعوا ~~منه الأحكام، لا يسوغ خلافها بوجه من الوجوه، إلا بنسخ أو جمع بين متعارض ~~بالتأويل، وذلك في التحقيق لا يعد خلافا. # وإن كان منقولا إلى الغير ; فهو إما تواتر أو آحاد، فإن كان تواترا ; فهو ~~أيضا حجة قاطعة، كالمسموع منه عليه السلام ; لأن التواتر يفيد العلم، كما ~~سيأتي إن شاء الله تعالى ; فصار كالمسموع منه شفاها في إفادة العلم، غير أن ~~مدرك العلم في المسموع الحس، وفي التواتر المركب من السمع والعقل، كما سبق ~~عند ذكر مدارك العلم. # وإن كان آحادا ; فهو موجب للعمل، أي: يجب العمل بمقتضاه، لما سيأتي في ~~تقرير وجوب العمل بخبر الواحد إن شاء الله تعالى. # تنبيه: قولنا: على من سمعه منه شفاها، أي: مشافهة، مشتقا من الشفة، أي: ~~يسمعه من فمه وشفتيه، يقال: شافهته مشافهة وشفاها، وكلمته فوه إلى في، ~~معناه: وكلمته شفاها، على جهة التأكيد، ورفع احتمال المجاز، لاحتمال # PageV02P064 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أنه كلمه بواسطة رسول أو كتاب. ~~وأصل شفة: شفهة ; فلذلك ظهرت الهاء في شفيهة وشفاه ومشافهة ونحو ذلك من ~~تصاريفها. # قوله: «ما لم يكن مجتهدا يصرفه عنه دليل» ، أي: السنة التي تبلغ المكلف ~~سماعا من النبي - صلى الله عليه وسلم - أو نقلا عنه، تواترا أو آحادا، هي ~~حجة عليه، قطعا أو ظنا، كما فصل، ما لم يكن الذي بلغته السنة مجتهدا، يصرفه ~~عن مقتضى ما سمع أو نقل إليه دليل ; فيجب عليه متابعة الدليل ; لأن العمل ~~بغير دليل، أو بخلاف الدليل، حرام. # وتفصيل هذه الجملة: أن المكلف الذي بلغته السنة سماعا أو نقلا ; إما مقلد ~~; فالواجب عليه تقليد أهل العلم، أو مجتهد، فإن لم يصرفه عن مقتضى ما بلغه ~~دليل، لزمه المصير إليه، وحرم العدول عنه عليه، وإن صرفه عنه دليل، وجب ~~عليه المصير ms0338 إلى مقتضى ذلك الدليل، وذلك كترك العام إلى الخاص، والمطلق إلى ~~المقيد، والمرجوح إلى الراجح، وكمصير مالك إلى عمل أهل المدينة، وترك كثير ~~من الأخبار، وإلى القياس، وترك النص المخالف للأصول، وتخصيص النصوص ~~بالعادات، وتقديم أبي حنيفة القياس على خبر الواحد، إذا ورد فيما تعم به ~~البلوى، وأشباه ذلك. # قوله: «لدلالة المعجز على صدقه، والأمر بتصديقه، والتحذير من خلافه» . ~~هذا دليل على ما سبق من أن سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - حجة على ما ~~فصلناه. # PageV02P065 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وتقريره: أن سنته عليه السلام حجة ~~على من سمعها، أو نقلت إليه، لوجوه: أحدها: أن المعجز دل على صدقه عليه ~~السلام، وكل من دل المعجز على صدقه ; فهو صادق ; فهو عليه السلام صادق، وكل ~~صادق فقوله حجة على ما فصلناه ; فقوله عليه السلام حجة على ما فصلناه، ~~والمقدمات ظاهرة. # أما ظهور المعجز على صدقه ; فبالإجماع، وقد تواتر ودونت فيه الكتب. # وأما دلالته على الصدق ; فلما تقرر في النبوات، من أن ظهور المعجز على ~~وفق دعوى النبي - صلى الله عليه وسلم - منزل منزلة قول الله تعالى له: صدقت ~~فيما أخبرت به عني. # وأما أن قول الصادق حجة ; فلأن قوله حق، وكل حق فهو حجة يجب المصير إليه، ~~إذ ليس بعد الحق إلا الباطل، والمصير إلى الباطل حرام ; فيتعين المصير إلى ~~الحق، إذ لا واسطة بينهما. قال الله تعالى: {فماذا بعد الحق إلا الضلال} ~~[يونس: 32] . # الوجه الثاني: أن الله تعالى أمر بتصديقه، وكل من أمر الله بتصديقه، كان ~~قوله حجة. # أما أن الله تعالى أمر بتصديقه عليه السلام ; فلقوله تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله} [النساء: 136] ، أي: صدقوا ; لأن الإيمان ~~هو التصديق، ولا معنى للتصديق بالرسول إلا اعتقاد صدقه، وقبول ما جاء به. ~~وقوله سبحانه وتعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني} [آل عمران: 31] ، ~~والمتابعة فرع على التصديق، وملزوم له، والأمر بالفرع والملزوم أمر بالأصل ~~واللازم، والنصوص في ذلك كثيرة. # PageV02P066 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أما أن كل من أمر الله تعالى ~~بتصديقه يكون قوله حجة ; فلأن تصديقه إياه ms0339 يقتضي أن قوله حق وصدق، والحق ~~والصدق حجة. # الوجه الثالث: أن الله سبحانه وتعالى حذر من مخالفة النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بقوله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو ~~يصيبهم عذاب أليم} [النور: 63] ، وكل من حذر الله سبحانه وتعالى من ~~مخالفته، وجبت موافقته ومتابعته ; لأن المخالفة سبب العذاب، وسبب العذاب ~~حرام ; فالمخالفة حرام، وترك الحرام واجب ; فترك المخالفة واجب، وترك ~~المخالفة يستلزم المتابعة والموافقة ; فتكون واجبة، وهو المطلوب. # فإن قيل: لا نسلم أن ترك المخالفة يستلزم الموافقة لجواز الواسطة، وهو أن ~~لا يكون المكلف مخالفا للرسول ولا موافقا له. # قلنا: المخالفة التي دلت عليها الآية هي ترك امتثال أمر الرسول، والإعراض ~~عنه، وترك هذه المخالفة يستلزم امتثال أمره، والإقبال عليه، إذ لا واسطة ~~بين امتثال أمره، وترك امتثاله، وذلك هو المطلوب. # قوله: «والخبر ما تطرق إليه التصديق والتكذيب» ، أي: ما صح أن يقال في ~~جوابه: صدق أو كذب ; فيخرج منه الأمر، والنهي، والاستفهام، والتمني، ~~والدعاء، نحو: قم، ولا تقم، وهل تقوم، وليتك تقوم، واللهم أقم فلانا من ~~صرعته، إذ لا يصح أن يقال في جواب شيء من ذلك: صدق أو كذب، بخلاف قولك: زيد ~~قائم، قام زيد. وإنما دل تطرق التصديق والتكذيب إلى الكلام على كونه خبرا ; ~~لأنهما ملزومان للخبر، وأخص منه، إذ الصدق هو الخبر المطابق، والكذب هو ~~الخبر غير المطابق ; فدلا عليه دلالة الملزوم على اللازم، والأخص على ~~الأعم. # PageV02P067 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # واعلم أن الخبر ; فيما أحسب، مشتق ~~من الخبار، وهو الأرض الرخوة ; لأن الخبر يثير الفائدة، كما أن الأرض ~~الخبار تثير الغبار إذا قرعها الحافر. # ثم الخبر قد يطلق على الإشارات الحالية مجازا، نحو: عيناك تخبرني بكذا، ~~والغراب يخبر بالفراق، كقول الشاعر: # تخبرني العينان ما الصدر كاتم # وقول النابغة: # زعم البوارح أن رحلتنا غدا ... وبذاك خبرنا الغراب الأسود # وحقيقة الخبر: هو القول اللساني المشتمل على الإسناد الإفادي، ومن يثبت ~~كلام النفس يطلق الخبر عليه، لكنه عند المحققين منهم في القول اللساني أظهر ~~; لغلبة استعماله فيه، وتبادره ms0340 عند الإطلاق إلى الفهم. ثم اختلف في تصور ~~ماهية الخبر، أي: العلم به. فقال الإمام فخر الدين: هو بديهي ; لأن كل أحد ~~يعلم بالضرورة صدق قولنا: الواحد نصف الاثنين، وهو خبر خاص، وتصور الخبر ~~الخاص موقوف على تصور أصل الخبر، وما توقف عليه البديهي يكون بديهيا. # قلت: وهذا وهم ; لأن قولنا: الواحد نصف الاثنين، ليست خصوصيته من جهة ~~كونه خبرا، حتى يستلزم كونه بديهيا كون الخبر الذي هو أعم منه بديهيا، بل ~~إنما خصوصيته من جهة مدركه، وهو بديهة العقل، ومدارك العلوم تختلف في # PageV02P068 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # القوة والضعف، والخصوص والعموم، ~~كما تختلف العلوم في ذلك، وإنما علمنا صدق قولنا: الواحد نصف الاثنين ~~بضرورة العقل، لا لكون العلم بماهية الخبر بديهيا، حتى لو قلنا: زيد قائم، ~~لم نعلم صدق هذا الخبر بالضرورة، حتى نعلم مطابقته بمشاهدة أو نقل، وإذا ~~بطل كون تصور ماهية الخبر بديهيا ; وجب أن يكون كسبيا، وطريق اكتسابه الحد، ~~وقد قيل في حده ما ذكرناه أولا، وهو ما تطرق إليه التصديق والتكذيب، وقيل: ~~ما يحتمل التصديق والتكذيب، وأورد عليه أن التصديق هو الإخبار عن كون الخبر ~~صدقا أو كذبا ; فيكون تعريفا للخبر بنفسه، وهو دور. # قلت: هذا سؤال قوي ; لأن قول القائل: قام زيد، جملة خبرية، فإذا قال له ~~السامع: كذبت أو صدقت ; فقد أجابه بجملة خبرية أيضا، وكلا الجملتين خبر ; ~~فلو عرفنا الأولى بتطرق الثانية إليها، عرفنا الخبر بتطرق الخبر عليه. # فالأجود إذن في تعريف الخبر ما ذكره الآمدي، وهو أن الخبر: هو اللفظ ~~الدال بالوضع على نسبة معلوم إلى معلوم، أو سلبها عنه، مع قصد المتكلم به ~~الدلالة على ذلك، على وجه يحسن السكوت عليه. # وقال القرافي: الخبر: هو الموضوع للفظين فأكثر، أسند مسمى أحدهما إلى ~~مسمى الآخر إسنادا يقبل التصديق والتكذيب لذاته، نحو: زيد قام. وذكر أنه ~~إنما قال: للفظين فأكثر ; لأن أقل ما يتركب منه الخبر لفظان، نحو: زيد ~~قائم، وقام # PageV02P069 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # زيد، وقد يتركب من أكثر منهما، ~~نحو: ضرب زيد عمرا يوم الجمعة بالسيف وخالدا ; فكل ms0341 هذه متعلقات الجملة ; ~~فهي خبر واحد. # وقوله: أسند مسمى أحدهما إلى مسمى الآخر: احتراز من مثل قولنا: زيد عمرو ~~في الكلام غير المنتظم. # وقوله: يقبل التصديق والتكذيب: احتراز من الإسناد الإضافي والوصفي، نحو: ~~غلام زيد، ورجل صالح ; فإنه لفظان، أسند مسمى أحدهما إلى مسمى الآخر، وليس ~~خبرا ; لأنه لا يقبل التصديق والتكذيب. # قلت: وبهذا يرد على حده الدور كما تقدم، وتعريف الآمدي سالم منه. # وقوله: لذاته: احتراز من خبر الله سبحانه وتعالى، ورسله، والأخبار ~~البديهية، نحو: الواحد نصف الاثنين ; فإنها لا تقبل إلا التصديق. وقولنا: ~~الواحد نصف العشرة ; فإنها لا تقبل إلا التكذيب، لكن قبول هذه الأخبار لأحد ~~الأمرين دون الآخر، إنما جاءها من جهة المخبر ; لكونه معصوما، أو مادته: ~~المخبر عنه، إذ لا يحتمل إلا ذاك، لا لكونها أخبارا، إذ بالنظر إلى كونها ~~أخبارا تقبل التصديق والتكذيب. # فحاصل الأمر: أن الخبر لذاته يحتمل الأمرين، فإن وقع خبر لا يحتمل إلا ~~أحدهما ; فذلك لأمر عارض خارج عن ذات الخبر ; إما من جهة المخبر، أو المخبر ~~عنه، أو غيرهما إن أمكن. # قوله: «وقول من قال: يمتنع دخولهما في مثل محمد، ومسيلمة - لعنه # PageV02P070 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الله - صادقان، مردود بأنهما ~~خبران: صادق وكاذب» . وهذا سؤال أورد على تعريف الخبر بما تطرق إليه ~~التصديق والتكذيب وجوابه. # أما تقرير السؤال: فهو أن قولكم: الخبر يحتمل التصديق والتكذيب يبطل بقول ~~القائل: محمد ومسيلمة صادقان ; فإنه خبر، والتصديق والتكذيب يمتنع دخولهما ~~فيه ; لأن تصديق مسيلمة في دعواه النبوة، وهو كاذب، وتكذيبه يوجب تكذيب ~~محمد، - صلى الله عليه وسلم - وهو صادق. # وتقرير الجواب أن هذا السؤال مردود ; لأن ما ذكرتموه خبران، صادق، وكاذب، ~~جمعتم بينهما، ونحن إنما عرفنا بما يحتمل التصديق والتكذيب الخبر الواحد، ~~ولو فككتم الجملة التي ذكرتموها إلى الخبرين اللذين ركبت منهما، لدخلا في ~~تعريفنا. # قلت: وهذا الجواب غير جيد، على ما نبه عليه تعريف القرافي للخبر، وذلك ~~لأنا لو حللنا الجملة المذكورة إلى الخبرين، لما احتمل كل واحد منهما إلا ~~أحد الأمرين، إذ قولنا: محمد - صلى الله ms0342 عليه وسلم - صادق، لا يحتمل إلا ~~التصديق، وقولنا: مسيلمة - لعنه الله - كاذب ; لا يحتمل إلا التكذيب، نعم ~~امتناع التكذيب في الأول، والتصديق في الثاني، لم يكن لذات الخبر، بل لأمر ~~من جهة المخبر عنه. وهو دلالة معجز محمد - صلى الله عليه وسلم - على صدقه ~~وكذب مسيلمة لعنه الله. # قوله: «وهو» يعني الخبر، «قسمان: تواتر وآحاد» ، ولقسمته إليهما طريقان: ~~أحدهما: باعتبار مستنده، وهو أن الخبر، إن نقله في جميع طبقاته قوم يستحيل ~~تواطؤهم على الكذب عادة، وكان الإخبار به عن محسوس ; فهو تواتر، # PageV02P071 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وإلا فهو آحاد. # الثاني: باعتبار نقلته، وهو أن الخبر إن أفاد العلم مستندا إلى نقل ~~الناقلين ; فهو تواتر، وإلا فهو آحاد. # وإنما قلت: مستندا إلى نقل الناقلين ; لأنه بدون ذلك يتناول الأخبار ~~البديهية ; فإنها تفيد العلم، لكنها مستندة إلى إدراك العقل، لا إلى نقل ~~الناقلين. # PageV02P072 # والأول ### | : التواتر # لغة: التتابع، واصطلاحا: إخبار قوم يمتنع تواطؤهم على الكذب لكثرتهم، ~~بشروط تذكر. # وفيه مسائل: # الأولى: التواتر يفيد العلم، وخالف السمنية، إذ حصروا مدارك العلم في ~~الحواس الخمس. لنا: القطع بوجود البلدان النائية، والأمم الخالية، لا حسا، ~~ولا عقلا، بل تواترا. وأيضا المدركات العقلية كثيرة، منها حصركم المذكور، ~~فإن كان معلوما لكم، وليس حسيا، بطل قولكم، وإلا فهو جهل ; فلا يسمع. ~~قالوا: لو أفاد العلم لما خالفناكم. قلنا: عناد واضطراب في العقل والطبع، ~~ثم يلزمكم ترك المحسوسات لمخالفة السوفسطائية. # قوله: «والأول» ، أي: القسم الأول، ~~«التواتر لغة» : أي: في اللغة «التتابع» . # قال الجوهري: المواترة: المتابعة، ولا تكون المواترة بين الأشياء إلا إذا ~~وقعت بينها فترة، وإلا فهي مداركة ومواصلة، ومواترة الصوم: أن يصوم يوما، ~~ويفطر يوما أو يومين، ولا يراد به المواصلة ; لأن أصله من الوتر، وكذلك: ~~واترت الكتب ; فتواترت، أي: جاءت بعضها في أثر بعض، وترا وترا، من غير أن ~~تنقطع. # قلت: هذا يظهر منه أن التواتر: التتابع المتدارك بغير فصل ; فأما فهم ~~الفصل بين الرسل من قوله سبحانه وتعالى: {ثم أرسلنا رسلنا تترى} [المؤمنون: ~~44] ، أي: واحدا بعد واحد ; فليس من اللفظ، ms0343 بل مما ثبت من الفترات بينهم، ~~والذي أجده يبادر إلى الذهن من التواتر، أنه التتابع المتدارك، والله ~~سبحانه أعلم. # PageV02P073 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «واصطلاحا» ، أي: والتواتر ~~في الاصطلاح، أي: اصطلاح الأصوليين وعرفهم: هو «إخبار قوم يمتنع تواطؤهم ~~على الكذب لكثرتهم، بشروط تذكر» . # فقولنا: إخبار قوم - بكسر الهمزة -: مصدر، نحو: أخبر إخبارا، ويجوز ~~فتحها: جمع خبر، وهو يتناول التواتر، والآحاد المستفيض، وغيره ; لأن الجميع ~~أخبار قوم. # وقولنا: «يمتنع تواطؤهم على الكذب» : احتراز من إخبار قوم لا يمتنع ~~تواطؤهم على الكذب، وهو الآحاد. # وقولنا: لكثرتهم: احتراز من خبر الواحد المعصوم، كآحاد الملائكة والرسل ; ~~فإنه خبر قوم يمتنع تواطؤهم على الكذب، بل يمتنع الكذب عليهم أصلا، وليس ~~بتواتر، لعدم الكثرة. # وقولنا: «تواطؤهم» : بضم الطاء والهمزة: هو الأصل ; لأنه تفاعل من الوطء، ~~وتواطيهم بكسر الطاء وبالياء من غير همز: هو منقوص من ذلك، بأن حذف الهمز ~~وقلبت ضمة الطاء كسرة تخفيفا وأصل الكلمة الهمز في جميع تصاريفها، ~~والمواطأة: الموافقة. # وقولنا: «بشروط تذكر» ، أي: للتواتر شروط قد ذكرت في مسائله. وفيه مسائل: ~~الأولى: التواتر يفيد العلم، أي: يحصل العلم بالخبر المتواتر، وخالف ~~السمنية، والبراهمة أيضا، أي: قالوا: لا يفيد العلم بل الظن، «إذ حصروا» ، ~~أي: إنما خالفوا في إفادة المتواتر العلم ; لأنهم حصروا «مدارك العلم في ~~الحواس # PageV02P074 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الخمس» ، أي: قالوا: لا سبيل إلى ~~إدراك علم من العلوم إلا بإحدى الحواس الخمس: السمع، والبصر، والشم، ~~والذوق، واللمس. # تنبيه: قال الجوهري: السمنية - بضم السين وفتح الميم -: فرقة من عبدة ~~الأصنام، تقول بالتناسخ، وتنكر وقوع العلم بالأخبار. قال: والبراهمة: قوم ~~لا يجوزون على الله بعثة الرسل. # قلت: إنما ذكرت هذا ; لأني سمعت كثيرا من عامة الفقهاء الأصوليين، بل ~~وخاصتهم، يقولون: السمنية - بفتح السين وسكون الميم - ويعتقدونها نسبة إلى ~~السمن المأكول. وبعضهم يقول: السمنية - بضم السين وفتح الميم وتشديدها - ~~وليس فيها تشديد. # قوله: «لنا» ، إلى آخره، هذا دليل على إفادة التواتر العلم. # وتقريره: أن القطع حاصل لنا بوجود البلدان والأقاليم النائية، كمكة، ~~ومصر، وبغداد، والهند، والصين، وبوجود الأمم الخالية، كأمة نوح، وإبراهيم، ms0344 ~~وهود، وصالح، وغير ذلك مما يكثر، وحصول العلم بذلك، لا من جهة الحس ولا ~~العقل، إنما هو بالتواتر ; فدل على أنه يفيد العلم. # قوله: «وأيضا المدركات العقلية كثيرة» ، إلى آخره، هذا دليل على إبطال ~~حصرهم مدارك العلم في الحواس الخمس. # وتقريره: أن الأشياء التي تدرك بالعقل كثيرة، ومن المدركات العقلية حصركم ~~المذكور، أي: حصركم لمدارك العلم في الحواس الخمس ; لأنكم إنما قررتموه ~~وأدركتموه عقلا. فنقول: هذا الحصر إما أن يكون معلوما لكم، أو غير معلوم، ~~فإن كان معلوما لكم، بطل قولكم: إن مدارك العلم محصورة في الحواس ; لأن هذا ~~علم # PageV02P075 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قد حصلتموه من غير جهة الحواس، وإن ~~لم يكن معلوما، لكان هذا الحصر على ظن، لكن الظن لا يفيد في هذا الباب ; ~~لأنه من العمليات. # قوله: «قالوا لو أفاد العلم» ، لاشتركنا نحن وأنتم فيه بالضرورة ; خصوصا ~~على رأي من يقول: إنه يفيد العلم الضروري، ولو اشتركنا جميعا في حصول العلم ~~الضروري من جهة التواتر لما خالفناكم فيه ; لاضطرار حصول العلم لنا إلى ~~الموافقة، كما أنا لما شاركناكم في العلوم الحسية لم نخالفكم فيها، فلما لم ~~نشارككم في العلم التواتري، دل على أنه لا يفيد العلم. # قوله: قلنا: عناد واضطراب في العقل، هذا جواب دليلهم. # وتقريره: أن مخالفتكم لنا في إفادة التواتر العلم ; إما عناد منكم، أو ~~اضطراب في عقولكم أو طباعكم، كما يخالف في الحسيات لاضطراب عقله ومزاجه أو ~~حواسه، نحو: من يجد طعم العسل مرا، لغلبة الصفراء عليه. # قوله: «ثم يلزمكم» ، إلى آخره. هذا إلزام على مقتضى دليلهم. # وتقريره: إن لزمنا إنكار إفادة التواتر العلم بمخالفتكم لنا، لزمكم إنكار ~~إفادة المحسوسات العلم: بمخالفة السوفسطائية لكم. # والجواب عن هذا الإلزام مشترك بيننا وبينكم ; فما أجبتم به السوفسطائية ~~عن إفادة الحواس العلم ; فهو جوابنا لكم عن إفادة التواتر العلم. # تنبيه: وقد وقع ذكر السوفسطائية ها هنا ; فلنذكر هذه النسبة، وفرق أهلها ~~ومذاهبهم، تكميلا لفائدة الناظر. # أما نسبتهم فهي لتجاهلهم ; لأن سفسط، أي: تجاهل، سموا بذلك لتجاهلهم، ~~وقيل: لهذياناتهم، يقال: سفسط في ms0345 الكلام، إذا هذى في كلامه. # PageV02P076 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وأما فرقهم فثلاث: # إحداهن: اللاأدرية: نسبة إلى اللاأدري، وهؤلاء يقولون: لا نعرف ثبوت شيء ~~من الموجودات، ولا انتفاءه، بل نحن متوقفون في ذلك. ومن شبههم أنهم قالوا: ~~رأينا المذاهب ; فوجدنا أهل كل مذهب يدعون العلم الضروري بصحة مذهبهم، ~~وخصمهم يكذبهم في ذلك، وربما ادعى العلم الضروري ببطلان مذهبهم ; فأوجب ذلك ~~التوقف. # الفرقة الثانية: تسمى العنادية: نسبة إلى العناد ; لأنهم عاندوا ; ~~فقالوا: نحن نجزم بأنه لا موجود أصلا، وعمدتهم ضرب المذاهب ببعض، والقدح في ~~كل مذهب بالإشكالات المتجهة عليه من غير أهله، كقولهم: لو كان في الوجود ~~موجود لكان إما ممكنا أو واجبا، والقسمان باطلان للإشكالات القادحة في ~~الإمكان والوجوب، ولو كان الجسم موجودا، لكان قبوله للانقسام ; إما أن يكون ~~متناهيا، أو لا. والأول: باطل لأدلة نفاة الجوهر الفرد، والثاني: باطل ~~لأدلة مثبتيه. # الفرقة الثالثة: تسمى العندية، نسبة إلى لفظ عند لأنهم يقولون: أحكام ~~الأشياء تابعة لاعتقادات الناس فيها ; فكل من اعتقد شيئا ; فهو في الحقيقة ~~كما هو عنده وفي اعتقاده ; فالعالم مثلا قديم عند من اعتقد قدمه، محدث عند ~~من اعتقد حدوثه، كالصفراوي: يجد السكر في فمه مرا، وغيره يجده حلوا ; فدل ~~على أن الحقائق تابعة للإدراكات. # هذه فرق السوفسطائية ومقالاتهم. وقد اختلف الناس في مناظرتهم ; فقال # PageV02P077 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بعضهم: لا تجوز ; لأنهم إنما ~~يناظرون بالدليل، وهم ينكرون حقيقة الدليل ومقدماته وسائر الأشياء، لكن ~~الطريق إلى قطعهم أن يضربوا، ويحرقوا بالنار، حتى يجدوا حقيقة الألم ; ~~فتبطل دعواهم، وقال قوم: يناظرون ويلزمون أمورا لا بد لهم من تسليمها. مثل ~~أن يقال لهم: هل لمذهبكم هذا حقيقة أم لا؟ فإن قالوا: لا ; لم يستحق أن ~~يعتمد عليه في إنكار الموجودات، وإن قالوا: نعم، أبطلوا قولهم بإنكار ~~الحقائق، ومثل أن يقال لهم: هل تميزون بين الدخول في النار، والدخول في ~~الماء؟ أو بين ضربكم وعدمه؟ أو بين مذهبكم وما يناقضه؟ فإن قالوا: نعم، ~~اعترفوا بالحقائق، وإلا عرفوا الحقائق بالضرب والإيلام ونحوه، والله أعلم ~~بالصواب. # PageV02P078 # الثانية: العلم التواتري ضروري عند القاضي، ms0346 نظري عند ~~أبي الخطاب، ووافق كلا آخرون. # الأول: لو كان نظريا، لما حصل لمن ليس من أهل النظر، كالنساء والصبيان، ~~ولأن الضروري ما اضطر العقل إلى التصديق به، وهذا كذلك. # الثاني: لو كان ضروريا، لما افتقر إلى النظر في المقدمتين، وهي اتفاقهم ~~على الإخبار، وعدم تواطئهم على الكذب. # والخلاف لفظي، إذ مراد الأول بالضروري: ما اضطر العقل إلى تصديقه، ~~والثاني: البديهي: الكافي في حصول الجزم به تصور طرفيه، والضروري منقسم ~~إليهما ; فدعوى كل، غير دعوى الآخر، والجزم به حاصل على القولين. # المسألة «الثانية: العلم التواتري» ~~أي: الحاصل عن خبر التواتر، «ضروري عند القاضي» أبي يعلى «نظري» ، أي: يحصل ~~بالنظر، ويتوقف عليه عند أبي الخطاب ووافق كلا آخرون، أي: كل واحد من ~~القاضي وأبي الخطاب، وافقه على قوله آخرون، أي: جماعة من أهل العلم. # أما القاضي ; فوافقه الجمهور، وأما أبو الخطاب فوافقه الكعبي، وأبو ~~الحسين البصري من المعتزلة، وإمام الحرمين، والغزالي، والدقاق من أصحاب ~~الشافعي، واختار الآمدي الوقف لقيام الشبهة الضعيفة عنده من الطرفين. # قوله: «الأول» أي: احتج الأول - وهو القائل بأنه ضروري - بوجهين: # أحدهما: أن العلم التواتري «لو كان نظريا، لما حصل لمن ليس من أهل النظر، ~~كالنساء والصبيان» ، والحمقى، ونحوهم. لكنه حاصل لهؤلاء ; فلا يكون # PageV02P079 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # نظريا ; فيكون ضروريا، وهذا الوجه ~~بين بنفسه. # الوجه الثاني: أن العلم «الضروري ما اضطر العقل إلى التصديق به، وهذا» ، ~~أي العلم التواتري، كذلك فيكون ضروريا ; لأنه مشتق من اضطرار العقل إلى ~~التصديق به، أو منسوب إليه، ولا يشك أحد ممن بلغه وجود مكة بالتواتر، في أن ~~عقله يضطره إلى التصديق به. # قوله: «الثاني» ، أي احتج الثاني، وهو القائل بأن العلم التواتري نظري، ~~بأنه «لو كان ضروريا، لما افتقر إلى النظر» ، لكنه افتقر إلى النظر ; فلا ~~يكون ضروريا. أما الملازمة ; فظاهرة، وأما انتفاء اللازم، أعني: افتقار هذا ~~العلم إلى النظر ; فلأنه يتوقف حصوله على مقدمتين: # إحداهما: أن هؤلاء اتفقوا على الإخبار بوجود مكة مثلا. # والثانية: أن تواطؤهم على الكذب يمتنع عادة ; فلزم من المقدمتين حصول ms0347 ~~العلم الضروري بطريق الإنتاج القياسي. # وتقريره على الوجه الصناعي أن وجود مكة مثلا، أخبر به جمع يمتنع تواطؤهم ~~على الكذب عادة، وكل ما أخبر به جمع يمتنع تواطؤهم على الكذب عادة ; فهو ~~معلوم ; فوجود مكة معلوم، ولا نعني بالعلم النظري إلا هذا. # قلت: وأجاب الأولون عن هذا بأن المقدمات التي يتوقف حصول هذا العلم على ~~النظر فيها حاصلة في أوائل الفطرة ; فهو لا يحتاج إلى كبير تأمل، ومثله لا ~~يسمى # PageV02P080 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # نظريا ; إنما النظري ما توقف على ~~أهلية النظر، وليس هذا كذلك. هذا ما أجابوا به، وهو جيد، لا بأس به. # قوله: «والخلاف لفظي» إلى آخره. هذا مبني على جهة الوساطة بين الفريقين، ~~جمعا بين القولين، وذلك لأن القائل بأنه ضروري ; لا ينازع في توقفه على ~~النظر في المقدمات المذكورة، والقائل بأنه نظري ; لا ينازع في أن العقل ~~يضطر إلى التصديق به، وإذا وافق كل واحد من الفريقين صاحبه على ما يقوله في ~~حكم هذا العلم وصفته ; لم يبق النزاع بينهما إلا في اللفظ، وهو أن الأول ~~سمى ما يضطر العقل إلى التصديق به - وإن توقف على مقدمات نظرية - ضروريا، ~~والثاني سمى ما يتوقف على النظر في المقدمات - وإن كانت فطرية بينة - ~~نظريا، وخص الضروري بالبديهي، وهو الكافي في حصول الجزم به تصور طرفيه، ~~كقولنا: الواحد نصف الاثنين، فإن من تصور حقيقة الواحد ; وتصور حقيقة ~~الاثنين ; حصل له العلم بأن الواحد نصف الاثنين. # وهذا معنى قولي: «إذ مراد الأول بالضروري ما اضطر العقل إلى تصديقه» ، ~~أي: سواء توقف على مقدمات بينة أو لا، «والثاني» : أي: ومراد الثاني ~~بالضروري، «البديهي الكافي في حصول الجزم به» أي: التصديق الجازم به تصور ~~طرفيه، أعني الموضوع والمحمول، وإن شئت المحكوم والمحكوم عليه، نحو: العالم ~~موجود، والمعدوم لا يكون موجودا حال عدمه، والقديم لا يكون # PageV02P081 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # حادثا، وبالعكس فيهما. بخلاف ~~قولنا: العالم حادث، أو ليس بقديم ; فإنه لا بد في التصديق به من واسطة ; ~~فنقول: العالم مؤلف، وكل مؤلف محدث، أو ليس بقديم. # قوله: «والضروري منقسم إليهما» ms0348 ، أي: العلم الضروري منقسم إلى البديهي، ~~الذي يدرك بالبديهة، من غير احتياج إلى واسطة نظر، وإلى ما اضطر العقل إلى ~~التصديق به بواسطة النظر. # قوله: «فدعوى كل» ، أي كل واحد من الفريقين، «غير دعوى الآخر» ، هذا بيان ~~لعدم توارد حجة الفريقين على مورد واحد ; لأن الأول يقول: هو ضروري متوقف ~~على الوساطة البينة، والآخر يقول: ليس بديهيا غنيا عن الواسطة مطلقا. # وقد بينا أن كل واحد منهما موافق للآخر على قوله، «والجزم به حاصل على ~~القولين» ، أي: كل واحد من الخصمين يقول: إن التواتر مفيد العلم الجازم، ~~لكن تنازعا في تسميته ضروريا أو نظريا. # قلت: قد سبق عند ذكرنا للعمل أنه الحكم الجازم المطابق لموجب، وأن ذلك ~~الموجب إما عقل، أو سمع، أو مركب منهما، وهو التواتر ; لتركبه من نقل ~~النقلة، ونظر السامع في المقدمتين المذكورتين ; فصار التواتر كالواسطة بين ~~القسمين ; فلذلك وقع فيه النزاع، وعلى هذا يترتب تقسيم العلم إلى قطعي ~~وظني. والقطعي: إما بديهي محض، أو نظري محض، أو متوسط بينهما، وهو ~~التواتري، كما قد رأيت، والله أعلم. # PageV02P082 # الثالثة: قيل: ما حصل العلم في واقعة، أو لشخص، أفاده ~~في غيرها، ولغيره ممن شاركه في السماع، من غير اختلاف. وهو صحيح إن تجرد ~~الخبر عن القرائن، أما مع اقترانها به ; فيجوز الاختلاف، إذ لا يبعد أن ~~يسمع اثنان خبرا، يحصل لأحدهما العلم به، لقرائن احتفت بالخبر، اختص بها ~~دون الآخر، وإنكاره مكابرة. # ويجوز حصول العلم بخبر الواحد مع القرائن، لقيامها مقام المخبرين في ~~إفادة الظن وتزايده حتى يجزم به، كمن أخبره واحد بموت مريض مشف، ثم مر ~~ببابه ; فرأى تابوتا بباب داره، وصراخا، وعويلا، وانتهاك حريم، ولولا إخبار ~~المخبر، لجوز موت آخر. # المسألة «الثالثة: قيل: ما حصل ~~العلم في واقعة، أو لشخص، أفاده في غيرها، ولغيره ممن شاركه في السماع» . ~~هذا قول القاضي أبي بكر، وأبي الحسين البصري ; فيما ذكره الآمدي. أما الشيخ ~~أبو محمد فقال: ذهب قوم إلى هذا ; فيجوز أن يكون أراد أحد هذين، أو هما، أو ms0349 ~~غيرهما. # ومعنى الكلام: أن ما أفاد العلم من الأخبار في واقعة معينة، وجب أن يفيده ~~في كل واقعة غيرها، وما أفاد العلم شخصا من الناس، وجب أن يفيده لكل شخص ~~غيره إذا شاركه في سماع ذلك الخبر، «من غير اختلاف» ، أي: لا يجوز أن يختلف ~~الخبر ; فيفيد العلم في واقعة دون أخرى، ولا لشخص دون آخر. # قوله: «وهو صحيح إن تجرد الخبر عن القرائن» ، أي: هذا القول ; إما أن ~~يكون مع تجرد الخبر عن القرائن، أو لا مع تجرده، فإن كان مع تجرده عن ~~القرائن ; فهو صحيح ; لأن حكم المثلين واحد. فإذا أخبر مائة نفس زيدا بموت ~~عمرو، وحصل # PageV02P083 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # له العلم بخبرهم ; وجب أن يفيد ~~بشرا خبر مائة نفس بموت بكر، أو تزوجه، أو حصول ولد له، ونحو ذلك، لاستواء ~~القضايا والأشخاص في ذلك. # وإن كان ما ذكروه مع اقتران قرائن بالخبر ; فلا يلزم، بل يجوز الاختلاف، ~~أي: اختلاف إفادة الخبر العلم باختلاف الأشخاص والوقائع، إذ لا يبعد، ولا ~~يمتنع، أن يسمع اثنان خبرا واحدا، وقد احتفت بذلك الخبر قرينة أو قرائن، ~~اختص بعلمها أحدهما ; فيحصل له العلم بالخبر مع القرينة، دون الآخر، لعدم ~~ظهوره على تلك القرينة، وذلك لأن القرائن قائمة مقام بعض المخبرين ; فيصير ~~كما لو أخبر أحدهما تواترا والآخر آحادا. ومثال ذلك: ما لو قال رجل لزيد ~~وعمرو: قد تزوج بكر، ويكون زيد قد رأى بكرا بالأمس يشتري جهاز العرس، دون ~~عمرو. أو يخبرهما المخبر بموت بكر، ويكون زيد قد علم أنه مريض ميئوس منه، ~~دون عمرو ; فإنا نعلم بالضرورة أن زيدا يحصل له زيادة العلم بهذه القرينة ~~ما لا يحصل لعمرو من ذلك الخبر، علما أو غلبة ظن، «وإنكاره مكابرة» . # قوله: «ويجوز حصول العلم بخبر الواحد مع القرائن، لقيامها مقام المخبرين ~~في إفادة الظن وتزايده حتى يجزم به» . معنى هذا الكلام أن العلم بخبر ~~التواتر يحصل على جهة التزايد التدريجي، وذلك لأن أول مخبر للإنسان بخبر ~~يحرك عنده ظن ذلك الخبر على حسب ذلك المخبر في ms0350 صدقه وعدالته، وتيقظه ~~وذكائه، ثم كلما أخبره بذلك الخبر مخبر بعد مخبر، تزايد ذلك الظن بإخبارهم، ~~حتى يبلغ القطع واليقين في نفسه. # PageV02P084 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وإذا ثبت هذا ; فالقرائن المحتفة ~~بالخبر تقوم مقام آحاد المخبرين في إفادة الظن وتزايده ; لأنا نجد تأثيرها ~~في أنفسنا بالضرورة، وإذا كانت بمثابة المخبرين ; جاز بالضرورة أن يحصل ~~العلم بخبر الواحد معها ; لأن مخبرا واحدا مع عشرين قرينة يتنزل منزلة أحد ~~وعشرين مخبرا، بل ربما أفادت القرينة الواحدة ما لا يفيده خبر جماعة من ~~المخبرين، بحسب ارتباط دلالتها بالمدلول عليه عقلا. # قوله: «كمن أخبره واحد بموت مريض» ، إلى آخره. هذا مثال المسألة، وهو أن ~~الواحد منا لو أخبره واحد من الناس بموت مريض كنا نعلم أنه مشف على الموت، ~~«ثم مررنا بباب ذلك المريض ; فرأينا عليه تابوتا» ، أي: نعشا، وصراخا ~~وعويلا داخل الدار، وانتهاك حريم ; فإنا نجزم بموت الشخص الذي أخبرنا ~~بموته. # وقوله: «ولولا إخبار المخبر لجوز موت آخر» ، هذا جواب سؤال مقدر، تقديره ~~أن يقال: لا نسلم أن الموجب لعلمنا بموت المريض المذكور هو خبر ذلك الواحد، ~~بل الموجب له تلك القرائن التي رأيناها. # وجوابه: أن الدليل على أن الموجب للعلم بموته خبر الواحد مع تلك القرائن، ~~لا القرائن بمجردها، أنه لولا خبر ذلك الواحد، لما اختص العلم بموت ذلك ~~المريض المعين، بل كنا نجوز موت شخص آخر غيره ; لأن القرائن المذكورة، إنما ~~أفادتنا أن في هذه الدار ميتا لا بعينه، وأما خصوصية كونه فلانا المريض ~~بعينه ; فإنما استفدناه من خبر الواحد ; فالقرائن مفيدة لأصل الموت، والخبر ~~مفيد لتعيين الميت، وقد بينا أن القرائن كالمخبرين، ولو أخبرنا جماعة أن في ~~هذه الدار ميتا، ثم أخبرنا آخر أن الميت المذكور هو فلان، لحصل لنا العلم ~~بموت فلان، مستندا # PageV02P085 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # إلى مجموع الخبرين ; فلذلك إذا ~~أفادتنا القرائن موتا مطلقا، وأفادنا الخبر ميتا معينا، فإن خبر المخبر جزء ~~من مستند العلم بالموت في الصورتين. # PageV02P086 # الرابعة: شرط التواتر: إسناده إلى عيان محسوس، ~~لاشتراك المعقولات. واستواء الطرفين والواسطة في كمال العدد. # وأقل ما ms0351 يحصل به العلم، قيل: اثنان، وقيل: أربعة، وقيل: خمسة، وقيل: ~~عشرون، وقيل سبعون، وقيل غير ذلك. والحق أن الضابط حصول العلم بالخبر ; ~~فيعلم إذن حصول العدد، ولا دور، إذ حصول العلم معلول الإخبار ودليله، ~~كالشبع والري، معلول المشبع والمروي ودليلهما، وإن لم يعلم ابتداء القدر ~~الكافي منهما. # وما ذكر من التقديرات تحكم، لا دليل عليه. نعم، لو أمكن الوقوف على حقيقة ~~اللحظة التي يحصل لنا العلم بالمخبر عنه فيها، أمكن معرفة أقل عدد يحصل ~~العلم بخبره، لكن ذلك متعذر، إذ الظن يتزايد بزيادة المخبرين تزايدا خفيا ~~تدريجيا، كتزايد النبات، وعقل الصبي، ونمو بدنه، وضوء الصبح، وحركة الفيء ; ~~فلا يدرك. # المسألة «الرابعة: شرط التواتر ~~إسناده إلى عيان محسوس» ، هذا هو الكلام في شروط التواتر التي سبق الوعد ~~بذكرها، وهي ثلاثة: # أحدها: أن يكون مستندا إلى مشاهدة حسية، بأن يقال: رأينا مكة وبغداد، ~~ورأينا موسى وقد ألقى عصاه ; فصارت حية تسعى، ورأينا المسيح وقد أحيا ~~الموتى، ورأينا محمدا - صلى الله عليه وسلم - وقد انشق له القمر، وسمعناه ~~يتلو القرآن، ويتحدى العرب به فعجزوا عن معارضته. # ولا يصح التواتر عن معقول، لاشتراك المعقولات في إدراك العقلاء لها ; ~~فليس اعتمادنا فيها على إخبار المخبرين مفيدا لنا ما ليس عندنا ; لأن ~~مستندهم في الإخبار عن ذلك النظر في أن العالم مثلا محدث، ونحن يمكننا أن ~~ننظر فيه ; فنعلم # PageV02P087 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أنه محدث ; بخلاف المحسوسات، فإن ~~بعض الناس يختص بها دون بعض ; فكان الإخبار عنها مفيدا للسامع ما ليس عنده، ~~وما قد لا يكون له إلى مشاهدته سبيل لبعد المكان، كمن بالصين بالنسبة إلى ~~مكة ومصر، أو لانقضاء الزمان، كأهل عصرنا مثلا بالنسبة إلى عصر موسى عليه ~~السلام، وما قبله من الأعصار والأمم. # الشرط الثاني: استواء الطرفين والواسطة في كمال العدد، أي: يكون عدد ~~التواتر المعتبر المذكور بعد موجودا في طرفي الخبر وواسطته. # فالطرفان: أحدهما: الطبقة المشاهدة للمخبر عنه، كالصحابة المشاهدين ~~لنبينا عليه السلام. # والثاني: الطبقة المخبرة لنا بوجوده، والواسطة ما كان بينهما من طبقات ~~المخبرين. فتكون كل ms0352 واحدة من هذه الطبقات مستكملة لعدد التواتر ; فلو نقص ~~بعضها عن عدد التواتر، خرج الخبر عن كونه متواترا ; لأنه قد صار آحادا في ~~وقت من الأوقات ; فلا ينقلب متواترا بعد. وبمثل هذا وقع الطعن في توراة ~~اليهود، وإنجيل النصارى، وما نقلوه عن أسلافهم، وذلك لأنهم قلوا - بقتل ~~بختنصر لأكثرهم - عن عدد التواتر، فلم يفد ما نقلوه العلم، وكذلك النصارى، ~~كانوا على عهد المسيح عليه السلام، وبعده بمدة طويلة، قليلا، لا يحصل بهم ~~التواتر على ما ذكره ابن حزم عنهم. # الشرط الثالث: العدد من شروط التواتر، وما يقوم مقام العدد من القرائن ~~كما # PageV02P088 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # سبق تقريره، وقد اختلف فيه: هل هو ~~معلوم المقدار أو لا؟ فمن زعم أنه معلوم المقدار. اختلفوا فيه أيضا. # فقيل: أقل ما يحصل به العلم اثنان ; لأنهما بينة مالية. # وقيل: أربعة ; لأنهم بينة في الزنى، وجزم القاضي أبو بكر بأن خبرهم لا ~~يفيد العلم ; لأنه لو أفاد العلم، لما احتاجوا إلى التزكية في الشهادة ~~بالزنى ; لكنهم يحتاجون إليها إجماعا ; فلا يفيد خبرهم العلم. # وقيل: خمسة ; عدد أولي العزم من الرسل، وهم على الأشهر: نوح، وإبراهيم، ~~وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم السلام. وتوقف القاضي أبو بكر في حصول العلم ~~بخبرهم لاحتماله، وإنما منعه من ذلك في الأربعة الإجماع على احتياجهم إلى ~~التزكية، والتواتر لا يحتاج إلى العدالة. # وقيل: عشرون، لقوله سبحانه وتعالى: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا ~~مائتين} [الأنفال: 65] ، ويلزم قائل هذا أن يجعلهم مائة، بل ألفا، تعيينا ~~وتخييرا، لما في سياق الآية من ذكر المائة والألف من المؤمنين. # وقيل: سبعون، عدد الذين اختارهم موسى عليه السلام لميقات ربه سبحانه ~~وتعالى. # وقيل غير ذلك، كقول من قال: أربعون، لقوله تعالى: {يا أيها النبي حسبك ~~الله ومن اتبعك من المؤمنين} [الأنفال: 64] ، وكانوا حينئذ أربعين. # وقيل: ثلاثمائة، عدد أصحاب طالوت، وأهل بدر. # قال القرافي حكاية عن غيره: أو عشرة، عدد أهل بيعة الرضوان. # قلت: وهو وهم ; لأن أهل بيعة الرضوان، وهي بيعة الحديبية تحت الشجرة، # PageV02P089 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # كانوا ألفا وخمسمائة. والمذكور في ~~«الروضة» ms0353 هو الأقوال الخمسة الأول. # قوله: «والحق أن الضابط حصول العلم بالخبر» ، أي: الضابط في حصول عدد ~~التواتر حصول العلم بالخبر ; فمتى حصل العلم بالخبر المجرد عن القرائن، ~~علمنا حصول عدد التواتر، وإنما قيدنا الخبر بكونه مجردا عن القرائن ; لأنا ~~قد بينا أن خبر الواحد يفيد العلم مع القرائن، ولا عدد فيه ; فلا يلزم من ~~مطلق حصول العلم حصول العدد، وإن كانت القرائن قد تفيد منضمة إلى عدد ما. # قوله: «ولا دور» ، جواب سؤال مقدر. # وتقريره: أن حصول العلم فرع على حصول العدد ; فلو عرف حصول العدد بحصول ~~العلم، لكان دورا. # وجوابه: لا نسلم أن ذلك دور ; لأن حصول العلم معلول الإخبار ودليله ; ~~فالإخبار علة حصول العلم، ومدلول له، والاستدلال على وجود العلة بوجود ~~المعلول لا دور فيه، وإلا لما صح الاستدلال على وجود الصانع بوجود العالم ; ~~لأنه علته والموجد له، ولأن العلة لازم المعلول، والاستدلال على وجود ~~اللازم بوجود الملزوم لا خلاف في صحته، وهو من أقوى طرق الاستدلال، وهذا ~~كما نقول في الشبع: هو معلول الطعام المشبع ودليله، أي دليل المشبع، إذ لا ~~شبع إلا بمشبع، والري: معلول الشراب المروي ودليله، إذ لا ري إلا بمرو، وإن ~~لم يعلم القدر الكافي من # PageV02P090 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المشبع والمروي ابتداء، فإن ~~الإنسان يأكل ويشرب، ولا يعلم القدر الكافي له في الشبع والري قبل أن يشبع، ~~لكن إذا شبع وروي، علم أنه قد تناول من الطعام قدرا مشبعا، ومن الشراب قدرا ~~مرويا ; فكذلك ما نحن فيه، لا نعلم مقدار العدد المحصل للعلم ما هو، فإذا ~~حصل العلم بالخبر، علمنا حصول العدد المحصل للعلم ; لأنه لازم لحصول العلم ~~وشرط له، والمشروط والملزوم يدلان على وجود اللازم والشرط، وهذا معنى ~~قولنا: «ولا دور» ، إذ حصول العلم معلول الإخبار ودليله، كالشبع والري ~~معلول المشبع والمروي ودليلهما، وإن لم يعلم ابتداء - أي عند ابتداء الأكل ~~- القدر الكافي منهما. # قوله: «وما ذكر من التقديرات» ، يعني ما سبق من الاثنين والثلاثة ~~والأربعة وما بعدها، «تحكم لا دليل عليه» ; لأن الجمهور على ms0354 أن الله سبحانه ~~وتعالى يخلق العلم عند حصول العدد المخبر، وليس العلم متولدا عن خبر ~~التواتر، كما قال شذوذ من الناس ; لأن كل شيء سوى الله تعالى وصفاته ممكن، ~~وكل ممكن فهو مقدور له، وكل مقدور له ; فإنما يوجد بإيجاده، وحصول العلم ~~ممكن مقدور فيكون موجودا بإيجاد الله سبحانه وتعالى. # وإذا ثبت أن العلم التواتري مخلوق لله تعالى ; جاز أن يخلقه عند إخبار ~~القليل والكثير ; فما من عدد يفرض إلا وخلق العلم ممكن عند أقل منه وأكثر، ~~وإذا كان المؤثر في حصول العلم الخلق ; فعدد التواتر سبب معتاد لا تأثير له ~~في # PageV02P091 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # إيجاد العلم، وحينئذ لا يكون ~~مرتبطا به ; حتى يقدر ما يحصل به من العدد بمقدار معين. # قوله: «نعم لو أمكن الوقوف» ، إلى آخره معنى هذا الكلام: أن العدد المحصل ~~للعلم التواتري غير مقدر كما ذكرنا، لكن إذا خلق الله سبحانه وتعالى العلم ~~عند عدد ما ; فالوقوف على مقدار ذلك العدد ممكن في نفسه ليس محالا ; لكنا ~~لا نقدر على الوقوف عليه لعسره ومشقته ; لا لامتناعه واستحالته، «فلو أمكن ~~الوقوف على حقيقة اللحظة التي يحصل لنا العلم بالمخبر عنه فيها» ، لأمكننا ~~أن نعرف «أقل قدر يحصل العلم بخبره، لكن ذلك متعذر» ، لما ذكرنا قبل ~~وهاهنا، من أن الظن يتزايد بزيادة المخبرين تزايدا خفيا تدريجيا، أي: على ~~التدريج شيئا يسيرا بعد شيء يسير، «كتزايد النبات، وعقل الصبي، ونمو بدنه» ~~، وأبدان سائر الحيوان، «وضوء الصبح، وحركة الفيء» لخفاء حركة الشمس في ~~فلكها لبعدها ; فكذلك الظن، يتحرك بأول مخبر، ثم يزيد بالثاني، والثالث، ~~وهلم جرا، حتى يحصل العلم ; فلو حصل العلم مثلا بإخبار الخامس، وأمكننا أن ~~ندرك ذلك، علمنا أن هذه الخمسة قد أفادت العلم، أو بإخبار السادس، أو ~~السابع فصاعدا ; فكذلك. # واعلم أن في قولنا هذا في «المختصر» نظرا، وذلك لأنا إذا قلنا: إن العلم ~~يخلقه الله تعالى عند إخبار المخبرين ; لم يلزم من وقوفنا على حقيقة اللحظة ~~التي يحصل # PageV02P092 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لنا العلم بالمخبر عنه فيها أن ~~نعلم أقل قدر يحصل العلم ms0355 بخبره مطلقا ; لجواز أن يخلقه الله سبحانه وتعالى ~~في هذه الواقعة عند إخبار عشرة، وفي الأخرى عند إخبار أقل من ذلك أو أكثر ; ~~فاعلم ذلك، والله تعالى أعلم. # PageV02P093 # ولا تشترط عدالة المخبرين، ولا إسلامهم ; لأن مناط ~~حصول العلم الكثرة، ولا عدم انحصارهم في بلد، أو عدد، لحصول العلم بإخبار ~~الحجيج، وأهل الجامع، عن صاد عن الحج، أو مانع من الصلاة، ولا عدم اتحاد ~~الدين والنسب لذلك، ولا عدم اعتقاد نقيض المخبر به، خلافا للمرتضى. # وكتمان أهل التواتر ما يحتاج إلى نقله ممتنع، خلافا للإمامية، لاعتقادهم ~~كتمان النص على إمامة علي. لنا: أنه كتواطئهم على الكذب، وهو محال. # قالوا: ترك النصارى نقل كلام عيسى في المهد. قلنا: لأنه كان قبل نبوته ~~واتباعهم له، وقد نقل أن حاضري كلامه لم يكونوا كثيرين. # وفي جواز الكذب على عدد التواتر خلاف، الأظهر المنع عادة، وهو مأخذ ~~المسألة المذكورة. # قوله: «ولا تشترط عدالة المخبرين ~~ولا إسلامهم» ، يعني في التواتر ; لأن مناط حصول العلم كثرتهم، بحيث لا ~~يجوز عادة تواطؤهم على الكذب، لا العدالة والإسلام وسائر أوصاف الرواية ; ~~لأن ذلك إنما يشترط في الشهادات ; وأخبار الآحاد ; لأنها إنما تفيد الظن، ~~أما التواتر فهو مفيد للعلم الضروري أو النظري كما سبق ; فهو مستغن عن ~~اعتبار أوصاف المخبرين المرادة ; لتقوية الظن وغلبته. # فإن قيل: فلم لم تقبلوا أخبار اليهود والنصارى على كثرتهم ; بأن شرعهم ~~باق أبدا لا ينسخ، ونحوه من الأخبار القادحة في دين الإسلام؟ # قلنا: لوجهين: # أحدهما: ما سبق من اختلال عدد التواتر في أخبارهم لقلتهم. # الثاني: أنا قد بينا أن حصول العلم هو الدليل على حصول العدد، ونحن لم ~~يحصل لنا العلم بصحة ما قالوا ; فعلمنا جزما أن العدد لم يحصل، إذ ما لا ~~دليل عليه # PageV02P094 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لا استناد إليه، وأكثر ما ينقلونه ~~من موضوعاتهم، وموضوعات الزنادقة لهم، كابن الراوندي ونحوه ; فإنه يقال: هو ~~الذي نبههم أن يحكوا عن موسى عليه السلام أنه قال: تمسكوا بالسبت، أو ~~شريعتي باقية ما دامت السماوات والأرض. # قوله: «ولا عدم انحصارهم» ms0356 ، أي: ولا يشترط أيضا في التواتر عدم انحصار ~~المخبرين في بلد، أو عدد أي: لا يشترط أن يكونوا بحيث لا يحصرهم عدد ولا ~~بلد، لانتشارهم وتفرقهم في البلدان، «لحصول العلم بإخبار الحجيج، وأهل ~~الجامع، عن صاد عن الحج، أو مانع من الصلاة» يعني أن الناس المجتمعين في ~~الحجيج، لو أخبروا أنه عرض لهم مانع من الحج في عامهم ذلك، كعدو صدهم عن ~~البيت، أو فتنة وقعت، أو غور عيون الماء في الطريق، ونحو ذلك ; لحصل لنا ~~العلم بخبرهم، مع أنهم محصورون تحت عدد يمكن معرفته لمن أراده، وكذلك أهل ~~الجامع يوم الجمعة، لو أخبروا بوجود مانع من الصلاة، كفقد الإمام من بينهم، ~~أو وقوع الخطيب عن المنبر، أو هجوم عدو ونحوه، حصل العلم بخبرهم، مع ~~انحصارهم تحت العدد، وفي مسجد ; فضلا عن بلد. # قوله: «ولا عدم اتحاد الدين والنسب» ، أي: ولا يشترط في عدد التواتر ~~اختلاف دينهم ونسبهم لذلك أي: لما ذكر في عدم اشتراط انحصارهم في عدد أو ~~بلد. # قلت: هذا وهم في «المختصر» ; لأن ما ذكرناه على عدم اشتراط انحصارهم في ~~عدد أو بلد، لا يدل على اشتراط اختلاف دينهم ونسبهم، بل الدليل على ذلك: # PageV02P095 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أنه لو أخبرنا جماعة من اليهود، أو ~~النصارى، أو غيرهم من الكفار، وحصلت شروط التواتر فيهم ; لجاز أن يحصل لنا ~~العلم بخبرهم، وذلك ينفي اشتراط اتحاد الدين، ولأنا قد بينا أن العلم ~~التواتري يخلقه الله تعالى عند إخبار المخبرين، وكما جاز أن يخلقه مع ~~اختلاف الدين والنسب والبلد، جاز أن يخلقه مع اتحادها. # وإنما اشترط هذا الشرط اليهود - لعنهم الله - ليقدحوا في أخبار النصارى ~~بمعجزات المسيح، وفي أخبار المسلمين بمعجزات محمد، عليهما السلام ; لأن كل ~~واحدة من الطائفتين منحصرة في دين واحد. أما اليهود عليهم اللعنة ; فقد ~~أمنوا ذلك ; لأن الطائفتين الأخريين يوافقونهم في المخبرين على معجزات موسى ~~عليه السلام ونبوته، ولذلك اشترطوا في المخبرين أن يكونوا من أهل الذلة، ~~يعني: ليمكن الرد عليهم لو كذبوا، بخلاف من له عز ومنعة وظهور ; فإنه ms0357 يخشى ~~من الرد عليه ; فجعلوا هذا الشرط قادحا في أخبار النصارى والمسلمين عن ~~معجزات عيسى ومحمد عليهما السلام ; لأن اليهود منذ آذوا المسيح، استولت ~~عليهم النصارى ; فأذلتهم وقمعتهم، وضربت عليهم الذلة والمسكنة، كما أخبر ~~الله تعالى عنهم، فلم يزالوا معهم أذلة حتى ظهر محمد، - صلى الله عليه وسلم ~~- ; فآذوه وكذبوه ; فأكمل الله تعالى ذلتهم به وقررها ; فهي كذلك حتى ~~الساعة، فلما رأوا ذلك، جعلوا عزة المسلمين وقوتهم مظنة تهمة قادحة في ~~أخبارهم، من الوجه الذي ذكرناه. # قوله: «ولا عدم اعتقاد نقيض المخبر به، خلافا للمرتضى» ، أي: ولا يشترط ~~في إفادة التواتر العلم خلو السامع من نقيض المخبر به، بل سواء كان السامع ~~يعتقد نقيض المخبر به، أو لا يعتقده، فإن العلم بالتواتر حاصل بحكم إجراء ~~الله تعالى # PageV02P096 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # العادة بذلك ; فإنا نعلم بالضرورة ~~أنه لا فرق في حصول العلم بمكة وبغداد، وموسى وفرعون وكسرى وقيصر، وفتح مكة ~~وعكة، وغيرها من القضايا التواترية، بين من كان يعتقد نقيض ذلك لو تصور، ~~ومن لا يعتقده، لكن هذا محل النزاع ; فللخصم أن يمنعه. # وقال المرتضى من الشيعة: إن عدم اعتقاد السامع نقيض المخبر به شرط في ~~إفادة التواتر العلم. ولقوله توجيه وفائدة. # أما توجيهه: فهو أن القلب محل العلم، فإذا استقر فيه نقيض المخبر به، جاء ~~المخبر به بعد ذلك دخيلا عليه، ضعيفا بالنسبة إليه ; فلا يقوى على دفعه، ~~ولا يمكنه الاجتماع مع نقيضه ; فيرجع مكسورا، ويبقى نقيضه مستوليا على محل ~~العلم، بخلاف ما إذا كان القلب خاليا من نقيض المخبر به ; فإنه حينئذ يصادف ~~محلا فارغا، لا منازع فيه، ولا ممانع عنه ; فيستقر فيه، وفي مثل هذا يقول ~~الشاعر: # دهاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا فارغا فتمكنا # وأما فائدة قوله فهو: أن الشيعة يدعون النص المتواتر على إمامة علي رضي ~~الله عنه، وإنما منع الجمهور من حصول العلم به اعتقادهم لنقيضه، وهو إمامة ~~أبي بكر # PageV02P097 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # رضي الله عنه. # قلت: الجواب عن التوجيه المذكور: أنه - فيما أحسب - مبني على أن العلم ~~التواتري ms0358 حاصل عن خبر التواتر على جهة التولد ; فيستحيل أن يتولد العلم في ~~محل نقيضه أو ضده، ونحن قد بينا أنه إنما يحصل بخلق الله تعالى عند ~~الإخبار، وحينئذ نقول: كما جاز أن يخلقه مع عدم وجود نقيضه، جاز أن يخلقه ~~مع وجود نقيضه في القلب، ويجعل له من القوة ما يدفع النقيض، ويستقر هو ~~مكانه، كما يدفع اليقين الشك والظن، خصوصا والاعتقاد أضعف من العلم ~~التواتري على ما لا يخفى ; فيقوى العلم على رفعه، وكما هو مشاهد في ~~المحسوسات، فإن الملك الغريب القوي يأتي ملك بعض الأقاليم في مملكته وجنوده ~~وحصونه ; فيخرجه منها، ويخلفه فيها، قال الله سبحانه وتعالى: {فأخرجناهم من ~~جنات وعيون} {وكنوز ومقام كريم} {كذلك وأورثناها بني إسرائيل} [الشعراء: 57 ~~- 59] ، وقال تعالى: {إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها ~~أذلة وكذلك يفعلون} [النمل: 34] ، ولأن الكفر والإيمان متناقضان، وإنما ~~يصدران عن اعتقاد صحتهما، ثم قد جاز بالضرورة اندفاع الكفر بالإيمان، ~~واندفاع الإيمان بالكفر، مع استوائهما في كونهما صادرين عن اعتقاد ; ~~فاندفاع نقيض المخبر به بالعلم التواتري أولى. # والجواب عن الفائدة المذكورة: هو أن الحق أن النص الجلي لم يوجد، لا على ~~أبي بكر، ولا على علي، إذ لو وقع ذلك، استحال في العادة خفاؤه، إذ كان من ~~الوقائع العظيمة التي تتوفر الدواعي على نقلها، وإنما وقع في ذلك آحاد، ~~منها ظاهر # PageV02P098 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الدلالة، ومنها خفي الدلالة، كقوله ~~عليه السلام: اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر. رضي الله عنهما، وقوله ~~في علي رضي الله عنه: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي. ~~وما قال فيه يوم «غدير خم» وفيه لكل واحدة من الطائفتين متمسك من ذلك، ثم ~~ما ذكره معارض بمثله من جهة الجمهور، وهو أن يقال: إن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - نص على إمامة أبي بكر رضي الله عنه نصا جليا متواترا، # PageV02P099 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وإنما منع الشيعة من حصول العلم ~~اعتقادهم لنقيضه، وهو إمامة علي رضي الله عنه، وليس أحد القولين أولى من ms0359 ~~الآخر ; فلا يبقى حينئذ لقول المرتضى توجيه ولا فائدة، ولذلك اشترطت ~~الشيعة، وابن الراوندي أن يكون في المخبرين الإمام المعصوم، ليكون خبرهم ~~معصوما من الخطأ، وهو باطل. # أما أولا: فلأنهم منازعون في وجود العصمة في غير الملائكة والرسل. # وأما ثانيا: فلأن عصمة خبرهم من الكذب مستندة إلى كثرتهم، لا إلى ~~أوصافهم، وإلا لاشترطت العدالة والإسلام، ولأن العلم مخلوق لله تعالى، ~~مقارنا للإخبار ; فكما جاز خلقه مع إخبار المعصوم، جاز خلقه مع إخبار ~~الموصوم. # ثم يلزمهم أن لا يوجد في بلاد الكفر تواتر، إذ لا معصوم فيهم، اللهم إلا ~~أن لا يشترطوا للعصمة الإسلام، فإن عقولهم أسخف من هذا. # قوله: «وكتمان أهل التواتر ما يحتاج إلى نقله ممتنع خلافا للإمامية» ، ~~أي: إن أهل التواتر - وهو العدد الذي يحصل العلم التواتري بخبرهم - هل يجوز ~~أن يكتموا ما تدعو الحاجة إلى نقله؟ # فالجمهور قالوا: لا يجوز. # وقالت الإمامية - وهم أشهر طوائف الشيعة -: يجوز ذلك، لاعتقادهم كتمان ~~النص على إمامة علي رضي الله عنه، أي: لأنهم يعتقدون أن الصحابة رضي الله ~~عنهم - مع كثرتهم - كتموا النص على إمامة علي، والوقوع يدل على الجواز ~~قطعا. # «لنا» : أن كتمانهم لما يحتاج إلى نقله «كتواطئهم على الكذب» وتواطؤهم ~~على الكذب بكتمانهم لما يحتاج إلى نقله محال. # أما الأولى: فلأن كتمان الواقع - خصوصا مع الحاجة إلى نقله - بمثابة ~~قولهم: # PageV02P100 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ما وقع، وقولهم لما وقع: إنه ما ~~وقع ; كذب قطعا ; لأن الكذب هو الإخبار بخلاف الواقع، وهذا كذلك ; فكذلك ~~الكتمان الذي هو بمثابة قولهم: ما وقع. # أما أن تواطؤهم على الكذب محال ; فلما سيأتي عن قريب إن شاء الله تعالى. ~~وهذا معنى قوله: «لنا: أنه كتواطئهم على الكذب، وهو محال» . # قوله: «قالوا: ترك النصارى نقل كلام عيسى في المهد» . هذه شبهة الإمامية ~~على جواز كتمان أهل التواتر ما يحتاج إلى نقله. # وتقريرها: أن النصارى تركوا نقل كلام عيسى في المهد، حتى لم يتواتر ~~عندهم، مع أنه مما يحتاج إلى نقله، وتتوفر الدواعي عليه ; فهذه صورة من صور ~~الدعوى قد ms0360 وقعت، وهي تدل على جواز الدعوى. # قوله: «قلنا: لأنه كان قبل نبوته واتباعهم له» ، هذا جواب عن شبههم، وهو ~~من وجوه: # أحدها: أن كلامه في المهد كان قبل نبوته، والدواعي إنما تتوفر على نقل ~~أعلام النبوة. # قلت: وهذا ضعيف ; لأن كلامه في المهد كان من خوارق العادات قبل نبوته، ~~والدواعي تتوفر على نقل مثله عادة، وإن لم يكن الناقلون أتباعا للمنقول ~~عنه. # الوجه الثاني: أنه قد نقل أن حاضري كلام المسيح في المهد لم يكونوا ~~كثيرين، بحيث يحصل العلم بخبرهم، بل إنما كانوا زكريا وأهل مريم، ومن يختص ~~بهم ; فلذلك لم ينقل متواترا، ولا يلزم من عدم تواتره عدم نقله مطلقا، ~~لجواز أنهم نقلوه ولم يتواتر. # الوجه الثالث، ولم يذكر في «المختصر» : أنا لا نسلم أنهم لم ينقلوه، بل ~~نقلوه، وهو متواتر عندهم في إنجيل الصبوة، يعني الذي ذكر فيه أحوال عيسى في ~~صبوته، # PageV02P101 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # منذ ولد إلى أن رفع، وإنما لم ~~يتواتر نقلهم لذلك عندنا لعدم مشاركتنا لهم في سببه، أو لاستغنائنا عنه ~~بتواتر القرآن. # قوله: «وفي جواز الكذب على عدد التواتر خلاف» ، أي: هل يجوز على عدد ~~التواتر الكذب في خبره جوازا عقليا؟ اختلفوا فيه، والأظهر: المنع من جواز ~~الكذب عليهم في العادة، لا لذاته، إذ لا يلزم من فرض وقوعه منهم محال ~~لذاته، وإنما يمتنع ذلك عليهم عادة ; فهو من الممتنعات العادية، كانقلاب ~~الحجر ذهبا، والبحر لبنا وعسلا، لا من الممتنعات لذاتها. # قوله: «وهو مأخذ المسألة المذكورة» ، أعني جواز كتمان أهل التواتر ما ~~يحتاج إلى نقله. فإن قلنا بجواز الكذب عليهم، جاز عليهم الكتمان المذكور ; ~~لأنه كذب أو في معناه كما سبق تقريره، وإن قلنا: لا يجوز عليهم الكذب، لم ~~يجز الكتمان المذكور، والله تعالى أعلم بالصواب. # PageV02P102 # الثاني ### | : الآحاد، # وهو ما عدم شروط التواتر أو بعضها. وعن أحمد - رحمه الله - في حصول العلم ~~به، قولان: # الأظهر: لا. وهو قول الأكثرين. # والثاني: نعم. وهو قول جماعة من المحدثين. وقيل: محمول على ما نقله آحاد ~~الأئمة المتفق على عدالتهم وثقتهم ms0361 وإتقانهم من طرق متساوية، وتلقته الأمة ~~بالقبول، كأخبار الشيخين: الصديق، والفاروق، رضي الله عنهما، ونحوهما. # قوله: «الثاني» ، أي: القسم الثاني ~~من قسمي الخبر: «الآحاد» . # قوله: «وهو: ما عدم شروط التواتر أو بعضها» ، هذا تعريف لخبر الواحد، أي: ~~هو ما فقدت فيه شروط التواتر، بأن كان إخبارا عن غير محسوس، أو رواية ممن ~~يجوز الكذب عليه عادة ; لكونه واحدا في الحقيقة، أو جماعة لا يمتنع تواطؤهم ~~على الكذب عادة، أو كانوا ممن يستحيل منهم الكذب عادة، لكن في بعض طبقاته ~~دون البعض. # والآحاد في الحقيقة جمع واحد، وإنما قيل للخبر: آحاد ; لأنه رواية الآحاد ~~; فهو إما من باب حذف المضاف، أو من باب تسمية الأثر باسم المؤثر مجازا ; ~~لأن الرواية أثر الراوي. # قوله: «وعن أحمد في حصول العلم به» ، أي: بخبر الآحاد «قولان: الأظهر» ، ~~أي: من القولين، «لا يحصل به العلم» ، «وهو قول الأكثرين» ، قال الشيخ أبو ~~محمد: والمتأخرين من أصحابنا. و «الثاني» يعني: من القولين: «يحصل به ~~العلم» ، «وهو قول جماعة من المحدثين» ، قال الآمدي: وبعض أهل الظاهر. # PageV02P103 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «وقيل: محمول» ، أي: وقيل: ~~القول بأن خبر الواحد يفيد العلم «محمول على ما نقله آحاد الأئمة المتفق ~~على عدالتهم وثقتهم وإتقانهم، من طرق متساوية، وتلقته الأمة بالقبول، ~~كأخبار الشيخين» يعني أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، ونحوهما ممن في عصرهما، ~~وبعدهما. # قلت: هذا تأويل من بعض العلماء لقول أحمد: إن خبر الواحد يفيد العلم، ~~والذي روي عن أحمد في هذا، أنه قال في أخبار الرؤية: يقطع على العلم بها ; ~~فحمله بعضهم على عموم خبر الواحد، بشرط أن يكون كما ذكرنا، وحمله بعضهم على ~~أخبار مخصوصة، كثرت رواتها، وتلقتها الأمة بالقبول، ودلت القرائن على صدق ~~ناقلها ; فيكون إذا من التواتر. # فحاصل ما في المسألة أن من الناس من نفى حصول العلم بخبر الواحد، ومنهم ~~من أثبته، ثم المثبتون: منهم من طرد ذلك في جميع أخبار الآحاد، ولم يخصه ~~بواحد معين، كبعض أهل الظاهر. ومنهم من خصه بأخبار بعض الآحاد، كالشيخين ~~ونحوهما، أو ms0362 ببعض أخبار الآحاد، كأخبار الرؤية، والقدر، والجهة، والشفاعة، ~~ونحوها. واختار الآمدي أنه إنما يفيد العلم مع القرائن، لا بدونها، كما ~~سبق. # PageV02P104 # الأولون: لو أفاد العلم لصدقنا كل خبر نسمعه، ولما ~~تعارض خبران، ولجاز نسخ القرآن وتواتر السنة به، ولجاز الحكم بشاهد واحد، ~~ولاستوى العدل والفاسق، كالتواتر. واللوازم باطلة، والاحتجاج بنحو: {وأن ~~تقولوا على الله ما لا تعلمون} غير مجد، لجواز ارتكاب المحرم. # قوله: «الأولون» ، أي: احتج ~~الأولون، وهم القائلون بأنه لا يفيد العلم بوجوه: # أحدها: لو أفاد خبر الواحد العلم، لصدقنا كل خبر نسمعه، لكنا لا نصدق كل ~~خبر نسمعه ; فهو لا يفيد العلم. والملازمة وانتفاء اللازم - وهو تصديقنا كل ~~خبر نسمعه - ظاهران، غنيان عن البيان. # الوجه الثاني: لو أفاد خبر الواحد العلم، لما تعارض خبران ; لأن العلمين ~~لا يتعارضان، كما لا تتعارض أخبار التواتر، لكنا رأينا التعارض كثيرا في ~~أخبار الآحاد، وذلك يدل على أنها لا تفيد العلم. # الوجه الثالث: لو أفاد خبر الواحد العلم، لجاز نسخ القرآن وتواتر السنة ~~به ; لأنه علمي مثلهما، لكن نسخ القرآن وتواتر السنة به لا يجوز، لضعفه ~~عنهما ; فدل على أنه لا يفيد العلم. # فأما اختيارنا لنسخ القرآن، وتواتر السنة به في كتاب النسخ ; فذلك ~~باعتبار القدر المشترك بينهما من الظن، الذي هو مناط العمل. أما من حيث إنه ~~مساويهما في القوة أو كون ذلك جائزا في المناسبة الحكمية ; فلا. # الوجه الرابع: لو أفاد خبر الواحد العلم، لجاز الحكم بشاهد واحد، ولم ~~يحتج # PageV02P105 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # معه إلى شاهد ثان، ولا يمين عند ~~عدمه، ولا إلى زيادة على الواحد في الشهادة بالزنى واللواط ; لأن العلم ~~بشهادة الواحد حاصل، وليس بعد حصول العلم مطلوب، لكن الحكم بشهادة واحد ~~بمجرده لا يجوز، وذلك يدل على أنه لا يفيد العلم. # الوجه الخامس: لو أفاد خبر الواحد العلم لاستوى العدل والفاسق في ~~الإخبار، لاستوائهما في حصول العلم بخبرهما، كما استوى خبر التواتر في كون ~~عدد المخبرين به عدولا أو فساقا، مسلمين أو كفارا، إذ لا مطلوب بعد حصول ~~العلم، وإذا ms0363 حصل بخبر الفاسق، لم يكن بينه وبين العدل فرق من جهة الإخبار، ~~لكن الفاسق والعدل لا يستويان بالإجماع والضرورة، وما ذاك إلا لأن المستفاد ~~من خبر الواحد إنما هو الظن، وهو حاصل من خبر الواحد العدل دون الفاسق. # وهذه الوجوه اشتملت عليها الملازمة المذكورة في قولنا: «لو أفاد العلم ~~لصدقنا كل خبر نسمعه، ولما تعارض خبران، ولجاز نسخ القرآن وتواتر السنة به، ~~ولجاز الحكم بشاهد واحد، ولاستوى العدل والفاسق» . # وقولنا: «واللوازم باطلة» ، معناه: أن الجملة المذكورة في «المختصر» ~~تضمنت خمس ملازمات، قد ظهرت في الوجوه الخمسة هاهنا، وقد سبق بيان الملازمة ~~وشرحها في مسألة تكليف المحال. # واللوازم: جمع لازم، وهو الواقع في جواب «لو» في قولنا: لو كان كذا لكان ~~كذا، وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم ; فاللوازم هاهنا هي تصديقنا كل # PageV02P106 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # خبر نسمعه، وعدم تعارض الخبرين، ~~وجواز نسخ القرآن بخبر الواحد، وجواز الحكم بشاهد واحد، واستواء العدل ~~والفاسق. # وانتفاء كل واحد من هذه اللوازم الخمسة يدل على انتفاء ملزومه، وهو إفادة ~~خبر الواحد العلم ; فهو ملزوم واحد له خمسة لوازم، وكلها باطلة. # قوله: «والاحتجاج بنحو: {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [الأعراف: ~~33] ، غير مجد» ، أي: غير نافع «لجواز ارتكاب المحرم» ، هذا إشارة إلى حجة ~~القائلين بأن خبر الواحد يفيد العلم، وبيان ضعفها. # أما تقرير حجتهم: فهو أن الله تعالى قال: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ~~ظهر منها وما بطن} إلى قوله: {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [الأعراف: ~~33] ، أي: هو محرم عليكم، فلو لم يفد خبر الواحد العلم، لكان ذلك كذبا ~~لكونه غير مطابق للواقع، وهو الكذب وذلك لقول الرواة قد كذبوا على الله عز ~~وجل، وقالوا عليه بغير علم، وهو حرام. # والجواب عن هذه الحجة أن اللازم منها ارتكاب الرواة المحرم، وهو الكذب ~~على الله عز وجل، وليس بممتنع عليهم، ولا هم معصومون منه، إذ يجوز أن ~~يرتكبوا الكذب المحرم في الرواية، أقصى ما في الباب: أنهم لإسلامهم، وظهور ~~عدالتهم، لا نظن بهم ذلك، لكن ms0364 هذا لا يوجب القطع بصدقهم، بل الظن، وهو ~~المطلوب. # وهاهنا جواب آخر لم يذكر في «المختصر» : وهو أنا لا نسلم أن عدم إفادة # PageV02P107 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # خبرهم العلم يستلزم كذبهم، بل جاز ~~أن يكون ذلك وهما وخطأ في الرواية من غير تعمد، وذلك مما لا يتعلق به تحريم ~~ولا تحليل. # تنبيه: الخبر إما تواتر ; فهو مفيد للعلم كما سبق، أو آحاد مجرد ; فلا ~~يفيد العلم قطعا كما تقرر هاهنا، أو آحاد احتفت به قرائن أفاد معها العلم ; ~~فهو عند بعضهم واسطة بين المتواتر والآحاد ; فليس تواترا ; لأن المخبر به ~~واحد، ولا آحادا لإفادته العلم. # قلت: ويجوز أن يسمى خبر الواحد خاصا، لاختصاصه بالقرائن. # وأيضا الخبر إما تواتر: وقد عرف، أو آحاد: وهو إما مستفيض، [أو غير ~~مستفيض] وهو بقية الآحاد. # قلت: المستفيض مأخوذ من: فاض الماء والإناء ونحوه: إذا امتلأ، حتى تبدد ~~الماء من حافاته، كما سبق في شرح الخطبة. والتحقيق في الخبر المستفيض بموجب ~~هذا الاشتقاق، وبموجب عرف الناس: أنه الخبر الشائع الذائع، المنتشر في ~~الناس انتشارا يبعد معه الكذب عادة، وهو الذي يثبت به الموت، والنسب، ~~والملك المطلق، والنكاح، والوقف ومصرفه، والعتق، والولاء، والولاية، ~~والعزل، والخلع، والطلاق على الصحيح فيه من حيث النظر. # فأما من اعتبر فيه عددا يقع العلم بخبره على ظاهر كلام أحمد والخرقي ; ~~فهو اعتبار التواتر فيه، وليس بمعتبر في الاستفاضة. # وأما اكتفاء القاضي فيه باثنين فصاعدا، وقول من قال: ثلاثة فصاعدا ; فليس ~~لأن المستفيض ذلك، بل لأن الغالب فيما أخبر به اثنان أو ثلاثة فصاعدا أنه ~~مستفيض # PageV02P108 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # عند هذا القائل، وهو ممنوع. ~~والتحقيق في المستفيض ما ذكرناه. # تنبيه: اعلم أن أخبار الآحاد الصحيحة، المروية عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قسمها المحدثون إلى سبعة أقسام: # أحدها: أحاديث البخاري ومسلم: وهو المعبر عنه في عرفهم بالمتفق عليه. # وثانيها: ما انفرد به البخاري عن مسلم. # وثالثها: ما انفرد به مسلم عن البخاري. # ورابعها: ما خرجه الأئمة بعدهما على شرطهما. # وخامسها: ما خرج على شرط البخاري وحده. # وسادسها: ما خرج ms0365 على شرط مسلم وحده. # وذلك كما في المستدرك على الصحيحين لأبي عبد الله الحاكم وغيره. # ومعنى التخريج على شرطهما، أو شرط أحدهما: أنهما - أعني البخاري ومسلما - ~~اختلفا في رواة الحديث، لاختلاف صفاتهم المعتبرة عندهما ; فاتفقا على ~~الإخراج عن طائفة من الرواة، وانفرد البخاري بالرواية عن طائفة من الرواة، ~~وانفرد مسلم بالرواية عن طائفة. فزعم المستدركون عليهما: أنهم قد وجدوا ~~أحاديث قد رواها من خرجا عنه، اتفاقا وانفرادا، ومن يساوي من خرجا عنه ; ~~فخرجوها، وقالوا: هذا استدراك عليهما على شرطهما، أو شرط واحد # PageV02P109 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # منهما. # وسابعها: ما أخرجه بقية الأئمة، كأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ~~ماجه، وغيرهم من أئمة الحديث. # وأعلى هذه الأقسام: الأول وهو المتفق عليه، وقد اختلف في إفادته العلم ; ~~فزعم ابن الصلاح أنه كان يقول بإفادته الظن، ثم تبين له خطأ ذلك القول، ~~وظهر له أنه يفيد العلم. # قال: لأن الأمة أجمعت على تلقي ما في «الصحيحين» بالقبول، وأنه كلام رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وإجماع الأمة معصوم من الخطأ. # قلت: وهذا لا يتحصل منه المقصود ; فإنا نقطع بالفرق بين حديث: الأعمال ~~بالنيات، وهو من أشهر المتفق عليه، وبين غزاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بدرا وأحدا وحنينا. # PageV02P110 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والعلميات لا تتفاوت، حتى يظهر ~~الفرق بين بعض أخبارها وبعض، وإذا كانت خطبة حجة الوداع لم يحصل العلم ~~بوقوعها، بل هي في عداد الآحاد، مع وقوعها بين العالم المجتمعين في الحج ; ~~فما الظن ببقية الأخبار التي لم يسمعها إلا الواحد والاثنان. # والتحقيق في أحاديث «الصحيحين» أنها مفيدة للظن القوي الغالب، لما حصل ~~فيها من اجتهاد الشيخين - رحمهما الله تعالى - في نقد رجالها، وتحقيق ~~أحوالها، أما حصول العلم بها ; فلا مطمع فيه، وذلك في غيرها من الأقسام ~~الأخر أولى، والله تعالى أعلم. # PageV02P111 # ثم فيه مسائل: # الأولى: يجوز التعبد بخبر الواحد عقلا، خلافا لقوم. # لنا: أن في العمل به دفع ضرر مظنون ; فوجب أخذا بالاحتياط، وقواطع الشرع ~~نادرة ; فاعتبارها يعطل أكثر الأحكام. والرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~مبعوث إلى الكافة، ومشافهتهم وإبلاغهم ms0366 بالتواتر متعذر ; فتعينت الآحاد. # الخصم: خبر الواحد يحتمل الكذب ; فالعمل به عمل بالجهل، وامتثال أمر ~~الشرع والدخول فيه، يجب أن يكون بطريق علمي، وأجاب عن الأول: بالمعارضة، ~~بأن الاحتياط في الترك، احترازا من تصرف المكلف في نفسه، التي هي غير ~~مملوكة له، بالظن، وفيه خطر، كما قيل في شكر المنعم عقلا. وعن الثاني: بمنع ~~التعطيل تمسكا بالنفي الأصلي، وعن الثالث: بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~- إنما كلف إبلاغ من أمكنه إبلاغه دون غيره. # والمعتمد: أن نصب الشارع علما ظنيا على وجوب فعل تكليفي، جائز بالضرورة. # ثم المنكر، إن أقر بالشرع ; فتعبده بالحكم بالفتيا، والشهادة، والاجتهاد ~~في الوقت، والقبلة، ونحوها من الظنيات، ينقض قوله، وإلا ; فما ذكرناه قبل ~~يبطله، ثم إذا أقر بالشرع، وعرف قواعده ومبانيه وافق. # قوله: «ثم فيه مسائل» ، أي في خبر ~~الآحاد، ولا شك أن النزاع في كونه مفيدا للعلم، أو غير مفيد، هو كالحكم ~~الكلي به ; فلذلك قدمته على مسائله، ولم أدرجه فيها، وكل جائز، وقد سبق ~~مثله. # المسألة «الأولى: يجوز التعبد بخبر الواحد عقلا، خلافا لقوم» ، أي: يجوز ~~أن يتعبد الله تعالى خلقه بخبر الواحد، بأن يقول لهم: اعبدوني بمقتضى ما ~~يبلغكم # PageV02P112 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # عني وعن رسولي على ألسنة الآحاد. ~~وهذا قول الجمهور، الأئمة الأربعة وغيرهم من الفقهاء والأصوليين، خلافا ~~للجبائي وجماعة من المتكلمين. # قوله: «لنا: أن في العمل به دفع ضرر مظنون» ، إلى آخره: هذه حجة القائلين ~~بجواز التعبد بخبر الواحد عقلا، وهي من ثلاثة أوجه: # أحدها: أن في العمل بخبر الواحد دفع ضرر مظنون؛ لأن خبر الواحد يفيد الظن ~~بمقتضاه، فإذا ورد بإيجاب شيء أو حظره، حصل لنا الظن بأنا معاقبون على ترك ~~الواجب، وفعل المحظور؛ فالعقاب عليها ضرر مظنون؛ ففي عملنا بذلك الخبر دفع ~~هذا الضرر المظنون. # وأما أن دفع الضرر المظنون واجب عقلا؛ فمما لا ينازع فيه عاقل؛ لأن فيه ~~أخذا بالاحتياط للنفس، والاحتياط للنفس واجب عقلا بالضرورة، ولأنا إذا ~~عرضنا على العقل أن بتقرير الوضوء من مس الذكر تسلم النفس من عذاب ms0367 مظنون، ~~وبتقدير عدم الوضوء منه يلحقها عذاب مظنون، دل عليه قوله عليه السلام: من ~~مس ذكره فليتوضأ، وقوله عليه السلام: ويل للذين يمسون فروجهم ثم يصلون ولا ~~يحدثون لذلك وضوءا. أو قلنا له: أي الأمرين عندك أرجح؟ الوضوء أو عدمه؟ ~~والحالة هذه؛ فإنه إنما يرجح الوضوء جزما؛ فثبت بما ذكرناه أن العمل بخبر ~~الواحد جائز عقلا، بل # PageV02P113 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # واجب. # الوجه الثاني: لو لم يجب العمل بخبر الواحد؛ لتعطل أكثر الوقائع عن ~~الأحكام الشرعية؛ لكن تعطل أكثر الأحكام لا يجوز؛ فوجب أن يكون العمل بخبر ~~الواحد جائزا. # أما الملازمة: فلأنه لو امتنع العمل بخبر الواحد لتوقف العمل في الوقائع ~~على القواطع، لخلت أكثر الوقائع عن الأحكام؛ لأن قواطع الشرع نادرة؛ فلا ~~تفي بجميع الوقائع. # وأما أن تعطل أكثر الأحكام لا يجوز؛ فلأن ذلك خلاف مقتضى الشرع ومقصوده، ~~إذ مقتضى الشرع ومقصود الشارع تعميم الوقائع بالأحكام؛ ليكون ناموسه قائما ~~ظاهرا في كليها وجزئيها، وإنما يتحقق ذلك بالتعبد بأخبار الآحاد؛ لأنها ~~وردت في كثير من الجزئيات، وباقيها عممناها بالأحكام، بالقياس على موارد ~~النصوص بهذا الدليل بعينه، كما بيناه في القياس، على ما سيأتي إن شاء الله ~~تعالى. # الوجه الثالث: أن الرسول صلى الله عليه وسلم، «مبعوث إلى الكفة» ، أي: ~~إلى كافة الناس بالإجماع، لقوله تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ~~ونذيرا} [سبأ: 28] ، {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء: 107] ، ~~وقوله عليه السلام: بعثت إلى الناس كافة، بعثت إلى الأسود والأحمر. وإذا ~~ثبت أنه مبعوث إلى جميع المكلفين؛ فإبلاغه إليهم الأحكام العلمية إما ~~تواتر، أو آحاد، لكن التواتر متعذر، # PageV02P114 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فتعينت الآحاد، وإذا تعينت ~~للتبليغ، فلو لم يجب العمل بها، لم يكن لتبليغها فائدة؛ فثبت بهذه الوجوه ~~أن العمل بخبر الواحد جائز، بل واجب عقلا. # قوله: «الخصم: خبر الواحد يحتمل الكذب» ، إلى آخره، هذه حجة الخصم على ~~عدم جواز العمل بخبر الواحد عقلا. # وتقريرها: أن خبر الواحد يحتمل الكذب؛ فالعمل به عمل بالجهل، وهو قبيح ~~عقلا، والعقل لا يجيز القبيح، وأيضا: فإن امتثال أمر الشرع والدخول ms0368 فيه، ~~يجب أن يكون بطريق علمي، ليكون المكلف منه على يقين وأمان من الخطأ فيه. # قوله: «وأجاب عن الأول» ، أي: هذا الخصم المانع لجواز التعبد بخبر ~~الواحد، أجاب عن الوجوه التي احتج بها المجوزون له؛ فأجاب عن الوجه الأول ~~بأن قال: قولكم: يجب العمل بخبر الواحد - أخذا بالاحتياط - معارض بأن ~~الاحتياط في ترك العمل به؛ لأن العمل به تصرف من المكلف في نفسه التي هي ~~مملوكة لغيره، - وهو خالقه عز وجل - بالظن، وفي ذلك خطر، لجواز أن يقال له: ~~لم تصرفت في ملكنا من غير مستند قاطع؟ وكيف أضعت حقنا من نفسك بظن لم تكن ~~منه على يقين؟ وهذا كما قلنا في وجوب شكر المنعم عقلا، حيث كان الخطر في ~~تركه معارضا بالخطر في فعله، حيث كان الشكر إتعابا لنفس الشاكر بغير إذن ~~مالكها. # «وعن الثاني» : أي: وأجاب هذا الخصم عن الوجه الثاني للقائلين بوجوب ~~العمل بخبر الواحد، وهو قولهم: لو اعتبرنا قواطع الشرع، لتعطلت الأحكام ~~بمنع التعطيل تمسكا بالنفي الأصلي، أي: لا نسلم لزوم التعطيل، بل ما وجدنا ~~فيه قاطعا أثبتناه، وما لم نجد فيه قاطعا رددناه إلى استصحاب الحال، وهو ~~النفي الأصلي، أي: الأصل عدم الحكم في هذه الواقعة؛ فيستصحب فيها ذلك. # «وعن الثالث» : أي: وأجاب الخصم عن الوجه الثالث للمثبتين - وهو أن إبلاغ # PageV02P115 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الرسول الأحكام إلى الكافة ~~بالتواتر متعذر؛ فتتعين الآحاد - بأن قال: «الرسول إنما كلف إبلاغ من أمكنه ~~إبلاغه، دون غيره» ، ممن لا يمكنه إبلاغه، كأهل الجزائر ونحوها. # قوله: «والمعتمد أن نصب الشارع علما ظنيا على وجوب فعل تكليفي جائز ~~بالضرورة» ، أي: الدليل المعتمد - أي الذي يعتمد عليه في إثبات هذا المطلوب ~~- هو: أنا نعلم جواز أن الشارع ينصب علما - أي: معرفا ظنيا، أي يفيد الظن - ~~على وجوب فعل تكليفي، أي: من أفعال التكليف، وإنما قلنا: إن هذا جائز؛ لأنه ~~بالضرورة لا يلزم من فرض وقوعه محال لذاته. وأيضا: فإنه قد وقع في الشرع ~~كثيرا، ولا يقع في الشرع إلا ما يجوز في العقل، إذ ما ms0369 يمتنع في العقل ~~يستحيل وقوعه مطلقا. # قوله: «ثم المنكر إن أقر بالشرع» إلى آخره أي: ثم بعد إقامة الدليل على ~~جواز التعبد بخبر الواحد عقلا، نقول: لهذا المنكر لجواز التعبد بخبر ~~الواحد: إما أن يقر بالشرع وصحة أحكامه الواردة فيه، أو لا، فإن أقر ~~بالشرع؛ فما ورد فيه من التعبدات الظنية ينقض قوله، كالحكم بالفتيا، ~~والشهادة، والاجتهاد في القبلة إذا اشتبهت جهتها في وقت الصلاة، ونحوها من ~~الأمارات الشرعية، فإن جميعها إنما يفيد الظن، وقد وقع التعبد به؛ فما ~~المانع من التعبد بخبر الواحد، وإن كان لا يفيد إلا الظن؟ وإن كان هذا ~~المنكر لا يقر بالشرع؛ فما ذكرناه من الأوجه الثلاثة # PageV02P116 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أولا؛ وهذا الدليل المعتمد في ~~الجواز، يبطل قوله، ويثبت ما قلناه. # ثم إذا أقر بالشرع، وعرف قواعده ومبانيه، وافق على جواز التعبد بخبر ~~الواحد، وذلك لأن الشرع مبني على التعبد بالعلميات بالظنون، توسيعا لدائرة ~~التكليف، وتكثيرا للعبادات، وتخفيفا عن المكلفين بتكثير المذاهب المسلوكة، ~~إذ لو حصروا التعبد بالقواطع؛ لما كان لهم إلا مذهب واحد، وقول واحد يلزم ~~الحرج بمخالفته قطعا. وسيأتي لهذا مزيد بيان عند ذكرنا أن في الحوادث حكما ~~معينا أم لا، إن شاء الله تعالى. # PageV02P117 # الثانية: الجمهور على جواز التعبد به سمعا، خلافا ~~لبعض القدرية والظاهرية، لنا: وجوه: # الأول: لو لم يكن، لكان تبليغ النبي صلى الله عليه وسلم، الأحكام إلى ~~البلاد على ألسنة الآحاد عبثا، واللازم باطل، وتبليغه كذلك تواتري. فإن ~~قيل: اقترن بها ما أفاد العلم، قلنا: لم ينقل، والأصل عدمه، ومجرد الجواز ~~لا يكفي. # الثاني: إجماع الصحابة عليه، وتواتره عنهم تواترا معنويا، كقبول الصديق ~~خبر المغيرة ومحمد بن مسلمة في الجدة، وعمر خبر حمل بن مالك في غرة الجنين، ~~وخبر الضحاك في توريث المرأة من دية زوجها، وخبر عبد الرحمن بن عوف في ~~المجوس، وعثمان خبر فريعة بنت مالك في السكنى، وعلي خبر الصديق في غفران ~~الذنب بصلاة الركعتين، والاستغفار عقيبه. ورجوع الكل إلى خبر عائشة في ~~الغسل بالتقاء الختانين، واستدارة أهل قباء ms0370 إلى الكعبة بخبر الواحد. في ~~قضايا كثيرة. # ودعوى اقتران ما أفاد العلم بها مردودة بما سبق، وبقول عمر في خبر الغرة: ~~لو لم نسمع هذا لقضينا بغيره، وظاهره الرجوع إلى مجرد الخبر. # قالوا: رد عليه السلام خبر ذي اليدين، والصديق خبر المغيرة، وعمر خبر أبي ~~موسى، وعلي خبر معقل في بروع، وعائشة خبر ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء ~~أهله عليه. # قلنا: استظهارا لهذه الأحكام لجهات ضعف اختصت بهذه الأخبار، ثم إنها قبلت ~~بعد التوقف فيها بإخبار اثنين بها، ولم تخرج بذلك عن كونها آحادا. # الثالث: وجب قبول قول المفتي فيما يخبر به عن ظنه بالإجماع؛ فليجب قبول ~~قول الراوي فيما يخبر به عن السماع، والجامع حصول الظن. قالوا: قياس ظني؛ ~~فلا يثبت به أصل. قلنا: محل النزاع. # المسألة «الثانية: الجمهور على ~~جواز التعبد به» ، أي: بخبر الواحد، # PageV02P118 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # «سمعا» ، أي: من جهة السمع، أي: دل ~~السمع، وهو دليل الشرع، على جوازه، «خلافا لبعض القدرية» ، وهم أكثرهم، ~~وبعض «الظاهرية» على ما نقل الشيخ أبو محمد. # وفي المسألة تفصيل، وهو أن القائلين بجواز التعبد به عقلا، منهم من نفى ~~كونه حجة شرعا، كالشيعة، والقاشاني، وابن داود، ومنهم من أثبت ذلك. ثم ~~هؤلاء اتفقوا على دلالة دليل السمع عليه، واختلفوا في دلالة العقل عليه؛ ~~فأثبته أحمد والقفال وابن سريج، ونفاه الباقون. # وقال أبو عبد الله البصري: هو حجة فيما لا يسقط بالشبهة، واختار الآمدي ~~أنه حجة مطلقا، وهو المذكور في «المختصر» ، وعليه النظر. # «لنا» على جواز التعبد به سمعا «وجوه» : # الأولى: أن النبي صلى الله عليه وسلم، ثبت عنه بالتواتر أنه كان يبلغ ~~الأحكام إلى البلاد على ألسنة الآحاد، فلو لم يجز التعبد بخبر الواحد سمعا، ~~«لكان تبليغ الأحكام على ألسنة الآحاد عبثا» ؛ لأنه غير مفيد «واللازم» وهو ~~العبث من الشارع «باطل» لأن حكم النبي صلى الله عليه وسلم، هو حكم الله ~~تعالى، والله سبحانه وتعالى نزه نفسه عن العبث بقوله تعالى: {أفحسبتم أنما ~~خلقناكم عبثا} إلى قوله عز وجل: {فتعالى الله الملك ms0371 الحق} [المؤمنون: 115 - ~~116] ، أي: عن العبث. # PageV02P119 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «وتبليغه كذلك تواتري» ، أي: ~~تبليغ النبي صلى الله عليه وسلم، الأحكام بطريق الآحاد ثابت بالتواتر، وقد ~~صدرنا الدليل بهذا. # قوله: «فإن قيل» ، إلى آخره، هذا اعتراض على الدليل المذكور من الخصم. # وتقريره: لا نسلم أن تلك الأخبار التي كان النبي صلى الله عليه وسلم، ~~يبلغها الناس كانت آحادا، بل اقترن بها ما أفاد العلم من القرائن الحالية، ~~وقد قدمنا أن خبر الواحد إذا أفاد العلم بالقرائن كان واسطة بين التواتر ~~والآحاد، لا تواترا ولا آحادا، وحينئذ فلا يبقى في تبليغها دليل على جواز ~~التعبد بخبر الواحد المجرد. # قوله: «قلنا» ، إلى آخره، هذا جواب الاعتراض المذكور. # وتقريره: أن ما ذكرتموه من اقتران قرائن بتلك الأخبار، أفادت معها العلم ~~«لم ينقل، والأصل عدمه» ؛ فيستصحب فيه حال العدم. # غاية ما في الباب أن ذلك محتمل احتمالا مجردا، لكن مجرد احتمال الشيء ~~وجوازه لا يكفي في ثبوته، وإلا لكان كل ممكن في علم الله تعالى واقعا ~~موجودا؛ لأنه جائز الوجود. # الوجه «الثاني: إجماع الصحابة رضي الله عنهم عليه، وتواتره عنهم تواترا ~~معنويا» ، أي: أن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على العمل بخبر الواحد، ~~وتواتر ذلك عنهم تواترا معنويا، كسخاء حاتم، وشجاعة علي رضي الله عنه، وذلك ~~في وقائع كثيرة جرت لهم، نذكر منها جملة تنبه على غيرها، وهي الوقائع التي ~~وقعت في «المختصر» . # PageV02P120 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فمن ذلك: «قبول الصديق خبر المغيرة ~~بن شعبة، ومحمد بن مسلمة في الجدة» ؛ فروى مالك عن الزهري، عن عثمان بن ~~إسحاق بن خرشة، عن قبيصة بن ذؤيب، قال: جاءت الجدة إلى أبي بكر رضي الله ~~عنه تسأله ميراثها، قال: فقال: ما لك في كتاب الله شيء، وما لك في سنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، شيء؛ فارجعي حتى أسأل الناس؛ فسأل الناس؛ فقال ~~المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعطاها السدس؛ فقال ~~أبو بكر رضي الله عنه: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة؛ فقال مثل ما قال ~~المغيرة ms0372 بن شعبة؛ فأنفذه لها أبو بكر الحديث. رواه أبو داود، والنسائي، ~~وابن ماجه، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. # ومن ذلك قبول عمر رضي الله عنه خبر حمل بن مالك بن النابغة في غرة ~~الجنين: ذكر الشيخ أبو محمد أن عمر رضي الله عنه قال: أذكر الله امرأ سمع ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الجنين؛ فقام حمل بن مالك بن النابغة؛ ~~فقال: كنت بين جاريتين لي؛ فضربت إحداهما الأخرى بمسطح؛ فقتلتها وجنينها؛ ~~فقضى النبي صلى الله عليه وسلم، في الجنين بغرة؛ فقال عمر رضي الله عنه: ~~«لو لم نسمع هذا لقضينا بغيره» . # PageV02P121 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قلت: معنى هذه القصة مشهور صحيح، ~~من رواية أبي هريرة والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهما، غير أن مناشدة عمر ~~رضي الله عنه لم أقف عليها. # من ذلك: قبول عمر رضي الله عنه أيضا خبر الضحاك في توريث المرأة من دية ~~زوجها؛ فروى سعيد بن المسيب، قال: قال عمر رضي الله عنه: الدية على ~~العاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئا؛ فأخبره الضحاك بن سفيان ~~الكلابي رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، كتب إليه أن يورث ~~امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها. رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، ~~والترمذي وصححه. # ومن ذلك: قبول عمر رضي الله عنه أيضا خبر عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ~~«في» أخذ الجزية من المجوس؛ فروى سفيان بن عيينة، عن عمرو عن بجالة؛ أن عمر ~~كان لا يأخذ الجزية من المجوس، حتى أخبر عبد الرحمن بن عوف أن # PageV02P122 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # النبي صلى الله عليه وسلم، أخذ ~~الجزية من مجوس هجر. رواه البخاري، وأبو داود، والنسائي، والترمذي وصححه. ~~وله من طريق آخر، عن عمرو بن دينار، عن بجالة بن عبدة، قال: كنت كاتبا لجزء ~~بن معاوية على «مناذر» ؛ فجاءنا كتاب عمر: «انظر مجوس من قبلك؛ فخذ منهم ~~الجزية، فإن عبد الرحمن بن عوف أخبرني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~أخذ الجزية من مجوس هجر» . قال الترمذي: هذا ms0373 حديث حسن. # ومن ذلك: قبول عثمان رضي الله عنه خبر فريعة بنت مالك في السكنى؛ فروت ~~زينب بنت كعب بن عجرة، أن الفريعة بنت مالك بن سنان، وهي أخت أبي سعيد ~~الخدري، أخبرتها أنها جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم، تسأله أن ترجع ~~إلى أهلها في بني خدرة فإن زوجها خرج في طلب أعبد له؛ فقتلوه، ولم يكن ترك ~~لها مسكنا تملكه ولا نفقة، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: امكثي ~~في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله، قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا، قالت: ~~فلما كان عثمان رضي الله عنه، أرسل إلي؛ فسألني عن ذلك؛ فأخبرته فاتبعه، ~~وقضى به، رواه النسائي، وابن ماجه، والترمذي. # ومن ذلك: قبول علي خبر الصديق رضي الله عنهما في غفران الذنب بصلاة ~~الركعتين، والاستغفار عقيبه؛ فروى أسماء بن الحكم الفزاري، قال: سمعت # PageV02P123 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # عليا رضي الله عنه يقول: إني كنت ~~رجلا إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديثا نفعني الله منه بما ~~شاء أن ينفعني، وإذا حدثني رجل من أصحابه، استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، ~~وإنه حدثني أبو بكر رضي الله عنه، وصدق أبو بكر، قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، يقول: ما من رجل يذنب ذنبا، ثم يقوم فيتطهر، ثم يصلي ~~ركعتين، ثم يستغفر الله، إلا غفر الله له، ثم قرأ هذه الآية: {والذين إذا ~~فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم} [آل عمران: ~~135] . رواه الأربعة أيضا. # ومن ذلك: «رجوع لكل - أي: جميع الصحابة رضي الله عنهم إلى خبر عائشة رضي ~~الله عنها في» وجوب «الغسل بالتقاء الختانين» وذلك أن بعض الصحابة كان يفتي ~~بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، بأن الماء من الماء، لا غير؛ فنازعه ~~بعضهم في ذلك، واشتهر الخلاف حتى صار الصحابة فيه قسمين: المهاجرين ~~والأنصار؛ فأرسلوا إلى عائشة أبا موسى يسألها عن ذلك؛ فروت لهم عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم: إذا التقى الختانان - وفي رواية: إذا مس الختان الختان ms0374 ~~- وجب الغسل؛ فرجعوا إلى قولها. # وقد روي عن أبي بن كعب رضي الله عنه، قال: إنما كان الماء من الماء # PageV02P124 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # رخصة في أول الإسلام، ثم نهي عنها. ~~رواه الترمذي، وقال: حديث صحيح. # ومن ذلك: استدارة أهل قباء إلى الكعبة بخبر الواحد؛ فروى إسرائيل، عن أبي ~~إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~المدينة صلى نحو بيت المقدس ستة أو سبعة عشر شهرا، وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، يحب أن يوجه إلى الكعبة؛ فأنزل الله تعالى: {قد نرى تقلب وجهك ~~في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام} [البقرة: 144] ~~؛ فوجه نحو الكعبة، وكان # PageV02P125 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يحب ذلك؛ فصلى رجل معه العصر، ثم ~~مر على قوم من الأنصار، وهم ركوع في صلاة العصر، نحو بيت المقدس؛ فقال: هو ~~يشهد أنه صلى مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأنه قد وجه نحو الكعبة، ~~قال: فانحرفوا وهم ركوع. ورواه سفيان عن أبي إسحاق، ورواه أيضا عن عبد الله ~~بن دينار، عن ابن عمر، قال: كانوا في الفجر. أخرجاه في «الصحيحين» ، ورواه ~~النسائي والترمذي وصححه. # قوله: «في قضايا كثيرة» ، أي: هذه الوقائع عمل فيها بخبر الواحد في ~~قضايا، أي: مع قضايا كثيرة، عمل فيها به؛ فدل على أن العمل به مجمع عليه ~~بين الصحابة رضي الله عنهم؛ فيكون حجة. # قوله: «ودعوى اقتران ما أفاد العلم بها مردودة بما سبق، وبقول عمر» ، إلى ~~آخره، أي: فإن ادعى الخصم أن الأخبار في هذه الوقائع اقترن بها قرائن أفادت ~~معها العلم، قلنا: دعواك هذه مردودة من وجهين: # أحدهما: ما سبق في الوجه الذي قبل هذا، وهو أنه لم ينقل، والأصل عدمه، ~~ومجرد الجواز لا يكفي. # والثاني: أنها مردودة «بقول عمر في خبر الغرة» ، السابق ذكره: «لو لم ~~نسمع هذا لقضينا بغيره، وظاهره الرجوع إلى مجرد الخبر» ؛ لأنه أخبر أنه ~~امتنع قضاؤه برأيه لوجود # PageV02P126 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # سماعه هذا الخبر؛ فيكون الخبر ~~بمجرده مستقلا بالمنع، وليس فيه ذكر قرينة. # قوله: «قالوا: رد ms0375 عليه السلام خبر ذي اليدين» ، إلى آخره. هذا اعتراض من ~~الخصم على هذا الوجه، وهو الاحتجاج بإجماع الصحابة رضي الله عنهم على العمل ~~بخبر الواحد. # وتقريره: أن ما ذكرتموه من إجماعهم، إن دل على العمل بخبر الواحد؛ فقد ~~ورد عنهم ما يدل على إجماعهم على رده، وعدم العمل به، وذلك في قضايا: # منها: ما روى محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~انصرف من اثنتين؛ فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة، أم نسيت يا رسول الله؟ ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصدق ذو اليدين؟ وفي رواية: أحق ما ~~يقول ذو اليدين؟ فقال الناس: نعم؛ فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فصلى ~~اثنتين أخريين. الحديث متفق عليه، وهو في بقية السنن الأربعة. # ومنها: أن الصديق رضي الله عنه رد خبر المغيرة بن شعبة في الجدة بمجرده ~~حتى وافقه محمد بن مسلمة، وقد سبق. # ومنها: أن عمر رضي الله عنه رد خبر أبي موسى في الاستئذان؛ فروى أبو سعيد ~~رضي الله عنه، قال: استأذن أبو موسى على عمر رضي الله عنه: فقال: السلام ~~عليكم، أأدخل؟ فقال عمر رضي الله عنه واحدة، ثم سكت ساعة، ثم قال: السلام ~~عليكم، أأدخل؟ فقال عمر رضي الله عنه: ثنتان، ثم سكت ساعة، ثم قال: السلام ~~عليكم، أأدخل؟ فقال عمر: ثلاث، ثم رجع؛ فقال عمر رضي الله عنه للبواب: ما ~~صنع؟ قال: رجع، قال: علي به؛ فلما جاءه، قال: ما هذا الذي # PageV02P127 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # صنعت؟ قال: السنة، قال: والله ~~لتأتيني على هذا ببرهان، أو لأفعلن بك. قال: فأتانا ونحن رفقة من الأنصار؛ ~~فقال: يا معشر الأنصار، ألستم أعلم الناس بحديث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؟ ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك، ~~وإلا فارجع؟ قال: فجعل القوم يمازحونه، قال أبو سعيد: ثم رفعت رأسي؛ فقلت: ~~فما أصابك في هذا اليوم من العقوبة من شيء؛ فأنا شريكك، قال: فأتى عمر؛ ~~فأخبره بذلك؛ فقال عمر: ما ms0376 كنت علمت بهذا. أخرجاه في «الصحيحين» من حديث ~~أبي بن كعب، وأبي سعيد، وأبي موسى، ورواه من حديثه أبو داود وابن ماجه ~~والترمذي، وقال: حديث حسن. # ومنها: أن عليا رضي الله عنه رد خبر معقل بن سنان، في بروع بنت واشق، كذا ~~ذكر الشيخ أبو محمد، والمشهور فيه ما روى علقمة، عن ابن مسعود، أنه سئل عن ~~رجل تزوج امرأة، ولم يفرض لها، ولم يدخل بها حتى مات؛ فقال ابن مسعود رضي ~~الله عنه: لها مثل صداق نسائها، لا وكس ولا شطط، وعليها العدة، ولها ~~الميراث. فقام معقل بن سنان الأشجعي؛ فقال: قضى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، في بروع بنت # PageV02P128 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # واشق، امرأة منا، مثل ما قضيت؛ ~~ففرح بها ابن مسعود. رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي، وقال: ~~حديث حسن صحيح، والله أعلم بالصواب. # ومنها: أن عائشة ردت خبر ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه؛ فروى ~~يحيى بن عبد الرحمن، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: الميت ~~يعذب ببكاء أهله عليه؛ فقالت عائشة رضي الله عنها: يرحمه الله، لم يكذب، ~~ولكنه وهم، إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لرجل مات يهوديا: إن ~~الميت ليعذب، وإن أهله ليبكون عليه، رواه الترمذي وصححه. # قالوا: فهذا رد من النبي صلى الله عليه وسلم، وجماعة من الصحابة، لخبر ~~الواحد، وحينئذ رده ثابت بالنص والإجماع. # قوله: «قلنا استظهارا» ، إلى آخره، أي: إنما ردوا هذه الأخبار، في هذه ~~الوقائع، استظهارا لتلك الأحكام «لجهات ضعف اختصت بهذه الأخبار» ، في نظر ~~أولئك الذين بلغتهم، وذلك لا يدل على أن خبر الواحد مردود مطلقا، «ثم إنها ~~- يعني تلك الأخبار - قبلت بعد التوقف فيها بإخبار اثنين بها» ، كما في ~~حديث المغيرة لما وافقه محمد بن مسلمة، وحديث أبي موسى لما وافقه أبو سعيد، ~~وحديث ذي اليدين لما وافقه الشيخان، وغيرهما «ولم تخرج بذلك - أي: بإخبار ~~اثنين بها - عن # PageV02P129 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # كونها آحادا» ؛ فقد صار ما احتج به ~~الخصم حجة عليه. # وبيان وجوه ms0377 الموجب للتوقف في الأخبار المذكورة. # أما خبر ذي اليدين، فإن الناس كانوا كثيرين خلف النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، وفيهم من هو أضبط لأفعال الصلاة من ذي اليدين، وأحرص على كمالها ودفع ~~النقص عنها؛ فكان تنبيهه لوقوع النقص فيها دونهم بعيدا في العادة؛ فلذلك ~~توقف فيه النبي صلى الله عليه وسلم، حتى وافقه الناس. # وأما خبر المغيرة في الجدة؛ فللتوقف فيه وجهان: # أحدهما: أن المغيرة كان في الجاهلية غير متماسك تماسك غيره من العرب، ~~وشهد عليه بالزنى في زمن عمر رضي الله عنه، حتى لم يبق إلا رجمه؛ فلعل ~~الصديق رضي الله عنه تفرس فيه نوع ضعف أو تهمة؛ فتوقف في خبره لأجله، حتى ~~وافقه آخر. # الوجه الثاني: أن الصديق لعله غلب في خبره معنى الشهادة على المال، من ~~حيث كان الثابت به مالا، خصوصا وهو يثبت حكما مؤبدا، لا ذكر له في الكتاب ~~والسنة، وهو ميراث الجدة؛ فكان ذلك مناسبا، بل موجبا للتوقف. # وأما خبر أبي موسى: فإن عمر رضي الله عنه كان شديد الحراسة للسنة، ~~والصيانة لها عن دخول ما ليس منها فيها، وكان مع ذلك شديد الخبرة بأحاديث ~~النبي، صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان لا يفارقه؛ إما بنفسه، أو بنائبه على ~~ما دل عليه حديث ابن عباس رضي الله عنهما عنه، ثم إنه سمع ما لم يكن يعلمه؛ ~~فأحب الاحتياط لذلك، ولهذا قال: ما كنت علمت بهذا. # PageV02P130 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وأما حديث معقل فتضمن أحكاما، ~~منها: الصداق، وهو حق مالي؛ فلعله غلب فيه الشهادة. # وأما حديث ابن عمر: فإنما ردته عائشة رضي الله عنها من حيث الوهم، لا من ~~حيث الكذب والضعف، ولهذا قالت: يرحمه الله، لم يكذب ولكنه وهم. # وكذلك روت عمرة أنها سمعت عائشة، وذكر لها أن ابن عمر يقول: إن الميت ~~ليعذب ببكاء الحي؛ فقالت عائشة رضي الله عنها: غفر الله لأبي عبد الرحمن، ~~أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ، إنما مر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، على يهودية يبكى عليها؛ فقال: إنهم ms0378 ليبكون عليها، وإنها لتعذب في ~~قبرها. متفق عليه، وأخرجه النسائي والترمذي وصححه. فتبين بهذا أن رد هذه ~~الأخبار، لهذه المعاني التي اختصت بها، لا يقدح في العمل بخبر الواحد. # الوجه «الثالث» : من أصل الدليل في المسألة. # وتقريره: أن قول المفتي يجب قبوله فيما يخبر به عن ظنه أن ما أفتى به حكم ~~الله، بحسب اجتهاده بالإجماع، أي: يجب قبوله بالإجماع؛ فليجب قبول قول ~~الراوي فيما يخبر به عن السماع ممن فوقه، والجامع بين فتيا المفتي، وخبر ~~الواحد حصول الظن فيهما. # أما في الفتيا؛ فلأنه يغلب على ظن المفتي والمستفتي أن ما أفتى به حكم ~~الله تعالى. # PageV02P131 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وأما في الراوي؛ فلأنه يغلب على ظن ~~السامع، أن ما رواه ثابت عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم؛ فيجب أن يقبل، ~~بالقياس على الفتيا. # قوله: «قالوا» ، إلى آخره، هذا اعتراض على هذا الوجه. # وتقريره: أن هذا قياس ظني؛ فلا يثبت به العمل بخبر الواحد؛ لأنه أصل قوي؛ ~~فلا يثبت بمثل هذا القياس. # قوله: «قلنا: محل النزاع» ، هذا جواب اعتراضهم. # وتقريره: أن كون القياس المذكور ظنيا محل النزاع؛ فإنا لا نسلم أنه ظني، ~~بل هو جلي قاطع من حيث هو في معنى أصله، وذلك أنه لا فرق بين الراوي ~~والمفتي إلا أن هذا يخبر عن غيره، وهذا يخبر عن ظنه، أو أن هذا يروي قول ~~غيره، وهذا يروي مذهب غيره. # وتحرير الجواب عن الاعتراض المذكور: إما بما ذكرناه من منع كون القياس ~~المذكور ظنيا، أو بمنع كون محل النزاع - وهو جواز التعبد بخبر الواحد - ~~قطعيا، بل هو اجتهادي؛ فيثبت بدلالته الظنية كالقياس المذكور وغيره. # PageV02P132 # تنبيه: اشترط الجبائي لقبول خبر الواحد، أن يرويه ~~اثنان في جميع طبقاته، كالشهادة، أو يعضده دليل آخر، وهو باطل بما سبق، ~~والفرق بين الشهادة والرواية ظاهر. # «تنبيه: اشترط الجبائي لقبول خبر ~~الواحد، أن يرويه اثنان في جميع طبقاته، كالشهادة، أو يعضده دليل آخر» ، ~~أي: قال: لا يقبل خبر الواحد إلا بأحد شرطين: # إما أن يرويه عن النبي صلى الله عليه ms0379 وسلم، اثنان، ثم عنهما اثنان، وهلم ~~جرا حتى يصل إلينا. # أو لا يروى كذلك، لكن يعضده دليل آخر من نص، أو عمل بعض الصحابة، أو ~~قياس. كما أن الشهادة لا بد فيها من اثنين، اعتبارا للرواية بالشهادة، وهذا ~~معنى قولنا في «المختصر» : «أن يرويه اثنان في جميع طبقاته» . # والشيخ أبو محمد - رحمه الله - قال: ذهب الجبائي إلى أن خبر الواحد إنما ~~يقبل؛ إذا رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم، اثنان، ثم يرويه عن كل واحد ~~منهما اثنان، وقاسه على الشهادة. # قلت: لكن هذا خارج عن مذاهب الفقهاء في شهادة الفرع على الأصل؛ فإنهم، أو ~~أكثرهم، لم يشترطوا أن يشهد على كل أصل فرعان، بل يكفي أن يشهد على شاهدي ~~الأصل شاهدا فرع. هذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. وفي قول للشافعي: ~~يشترط لكل أصل فرعان، وهو قول ابن بطة من أصحابنا. # فمقتضى اعتبار الرواية بالشهادة ما ذكرناه في «المختصر» ، أن يرويه اثنان ~~ثم، # PageV02P133 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # عن كل اثنين اثنان. وأن ما ذكره ~~الشيخ أبو محمد شيء، يذكر نحوه عن الحاكم أبي عبد الله، أن البخاري إنما ~~أخرج الحديث الذي يرويه الصحابي المشهور بالرواية عن النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، ولذلك الصحابي راويان ثقتان عنه لذلك الحديث، ثم يرويه عنه من أتباع ~~التابعين الحافظ المتقن المشهور، وله رواة ثقات، ثم يكون شيخ البخاري حافظا ~~متقنا. # قال الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي: وهذا الذي ذكره الحاكم، من أن البخاري ~~اشترط رواية عدلين عن عدلين، ليس بصحيح، ولكنه ظن ذلك، فلم يصب. # قوله: «وهو باطل» ، أي: ما اشترطه الجبائي باطل، بما سبق من الأدلة على ~~قبول خبر الواحد، وهي أعم مما ذكر، «والفرق بين الرواية والشهادة ظاهر» ، ~~وذلك من وجهين: # PageV02P134 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أحدهما: أن الشهادة دخلها التعبد، ~~حتى لا يقبل فيها النساء ليس معهن رجل، وإن كثرن في باقة بقل، إلا في موضع ~~مخصوص للضرورة، وهو ما لا يطلع عليه الرجال. # الوجه الثاني: أن الشهادة على معين؛ فاحتيط له، بخلاف الرواية؛ فإنها في ~~جملة أحكام الناس، ms0380 وينبني عليها القواعد الكلية؛ فالمسلم العاقل لا يتجرأ ~~في مثلها على الكذب، لعظم الخطر فيها، ولذلك اعتبر في الشهادة بالزنى ~~أربعة، دون الرواية فيه. # ثم ما ذكره الجبائي - على ما فسره الشيخ أبو محمد في مذهبه - يوجب أن ~~يتعذر علينا إثبات حديث أصلا، وعلى ما فسرناه نحن يقتضي أن يتعطل كثير من ~~الأحاديث، إذ وجود ذلك الشرط نادر أو قليل، وإذا كان الظن مناط التعبد، لم ~~يحتج إلى هذا التبدع. # PageV02P135 # الثالثة: يعتبر للراوي المقبول الرواية شروط. # فالأول: الإسلام، لاتهام الكافر في الدين. وكلام أحمد في الكافر أو ~~الفاسق المتأول إذا لم يكن داعية، يحتمل الخلاف، إذ أجاز نقل الحديث عن ~~المرجئة، والقدرية، واستعظم الرواية عن سعيد العوفي لجهميته. واختار أبو ~~الخطاب قبولها من الفاسق المتأول؛ لحصول الوازع له عن الكذب، وهو قول ~~الشافعي. # ب: العدالة، لعدم الوازع للفاسق المعاند، ولقوله تعالى: {إن جاءكم فاسق ~~بنبإ} . # ج: التكليف، إذ لا وازع للصبي والمجنون، ولا عبادة لهما، فإن سمع صغيرا، ~~وروى بالغا، قبل: كالشهادة، وصبيان الصحابة، والإجماع على إحضاره مجالس ~~السماع، ولا فائدة له إلا ذلك. # د: الضبط حالة السماع، إذ لا وثوق بقول من لا ضبط له. # المسألة «الثالثة: يعتبر للراوي ~~المقبول الرواية شروط» ، لما بين جواز التعبد بخبر الواحد عقلا وسمعا؛ وجب ~~النظر في شروط الواحد الذي يقبل خبره: # فالأول: الإسلام، أي: يكون الراوي مسلما لأن الكافر متهم في الدين؛ فلا ~~يؤتمن عليه في خبر ديني، كالرواية، والإخبار عن جهة القبلة، حتى إنه لا ~~يستدل بمحاريب الكفار، ولا يقبل خبره في وقت الصلاة، وطهارة موضعها، وطهارة ~~الماء، ووقت السحور والإفطار، والأصل في ذلك قوله سبحانه وتعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم} [الممتحنة: 13] ، و {لا تتخذوا ~~عدوي وعدوكم أولياء} [الممتحنة: 1] ، أي: لا تتولوهم في الدين، وهذه الفروع ~~من الدين. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تستضيئوا بنار المشركين، أي: ~~لا تأخذوا # PageV02P136 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بآرائهم. # قوله: «وكلام أحمد في الكافر، أو الفاسق المتأول، إذا لم يكن داعية يحتمل ms0381 ~~الخلاف» . # يعني: أن الكافر والفاسق، إذا كانا متأولين؛ فأما أن يكون فسقه، كشارب ~~النبيذ متأولا، ونحوه، لم تقبل روايته؛ لأنه لا يؤمن أن يضع الحديث على ~~موافقة مذهبه وهواه، كما يحكى عن الخطابية من الرافضة. وإن لم يكن داعية؛ ~~فكلام أحمد فيه يحتمل الخلاف، أي: لأنه أجاز نقل الحديث عن المرجئة ~~والقدرية، مع أنهم كفار أو فساق؛ فهذا يدل على الجواز. # واستعظم - يعني أحمد - الرواية عن سعيد العوفي لجهميته، أي: لكونه # PageV02P137 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # جهميا. وهذا يدل على المنع. # قال أحمد رحمه الله: احملوا الحديث عن المرجئة. وقال: يكتب عن القدري إذا ~~لم يكن داعية. واستعظم الرواية عن سعيد العوفي، وقال: هو جهمي، امتحن ~~فأجاب. # قلت: المحدث إذا كان ناقدا بصيرا في فنه، جاز أن يروي عن جماعة من ~~المبتدعة، الذين يفسقون ببدعتهم، كعباد بن يعقوب الرواجني - بالجيم والنون ~~- وكان غاليا في التشيع، وحريز بن عثمان، وكان يبغض عليا رضي الله عنه، وقد ~~قال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق. # PageV02P138 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «واختار أبو الخطاب قبولها» ~~، أي: قبول الرواية «من الفاسق المتأول لحصول الوازع» ، أي: الكاف له من ~~الكذب. يقال: وزعه يزعه وزعا: إذا كفه؛ فاتزع هو: أي: كف، وذلك لأن فسق ~~هذا، إنما هو في اعتقاد خصمه، وإلا؛ فهو يعتقد في نفسه العدالة والإسلام، ~~ويخطئ خصمه في خلافه؛ فهو في الجملة معتصم بحبل التدين؛ فلا يقدم على ~~الكذب. # ولا يرد مثل هذا في اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار؛ لأن هؤلاء يقطعون ~~بخطأ المسلمين، والمسلمون يقطعون بخطئهم؛ فيرون الكذب ليكيدوا به الإسلام ~~قربة، بخلاف فسقة الملة، فإن غالب المسائل التي يفسقون بها ليست قواطع، كما ~~قررته في كتاب «إبطال التحسين والتقبيح» . # وهذا - أعني قبول رواية الفاسق المتأول - قول الشافعي على ما ذكر في ~~«المختصر» ، والاحتراز بالمتأول عن المعاند؛ فإنه لا تقبل روايته لعناده، ~~وعدم الوازع له. # تنبيه: اتفق الأئمة الثلاثة على أن شارب النبيذ متأولا يحد، واختلفوا في ~~قبول شهادته؛ فقبلها أحمد والشافعي، وردها مالك رضي ms0382 الله عنهم. ومأخذ ~~الخلاف: أن فسقه مظنون؛ فتقبل شهادته، أو مقطوع؛ فترد. # PageV02P139 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أما وجه كونه مظنونا؛ فمن جهة أنه ~~قلد في شربه إماما مجتهدا، يستند في إباحته إلى شبهة، إن لم يكن حجة؛ ~~فيمتنع مع ذلك القطع بفسقه، وقد كان هذا يقتضي أن لا يحد أيضا، وإنما ~~حددناه؛ لأن الحدود وضعت لدرء المفاسد، وإن لم يقترن بها العصيان؛ فحددناه ~~دفعا لمفسدة فساد العقل، وقبلنا شهادته لعدم عصيانه. # ووجه كونه مقطوعا به، هو أن مدرك تحريم النبيذ: قوي، حتى صار خلافه في ~~الشرعيات كالسفسطة في العقليات؛ فشارب النبيذ خالف النص المرضي، والقياس ~~الجلي، والقانون الكلي. # أما النص: فقوله عليه السلام: كل مسكر خمر، وكل خمر حرام. وما أسكر ~~كثيره؛ فملء الكف منه حرام. وهي نصوص صحيحة. # وأما القياس الجلي: فقياس النبيذ على الخمر. # وأما القانون الكلي: فإن قاعدة الشرع سد الذرائع، حتى حرم القطرة من ~~الخمر، وإن لم تسكر، لكونها ذريعة إلى ما يسكر، والنبيذ ذريعة إلى الخمر؛ ~~فيجب القول بتحريمه. # وأما تقليده في شربه لإمام مجتهد؛ فلا ينفعه؛ لأن حكم الحاكم ينقض ~~بمخالفة النص والقياس الجلي، ولا يقر الحكم مع تأكده؛ فأن لا يقر قول ~~المجتهد # PageV02P140 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المجرد أولى، وإذا لم يقر، لم يجز ~~التقليد فيه، وصار الناطق بجوازه كالساكت، والمقلد فيه كالمجترئ المعاند ~~حكما. # قلت: الأشبه بعدل الشرع أن شارب النبيذ متأولا لا يحد، وأن شهادته لا ~~ترد؛ لأن وجوب الحد عليه؛ إما مقطوع به، أو مظنون، والقطع لا سبيل إليه، إذ ~~لا قاطع، وإلا لما اختلفوا في قبول شهادته، والظن شبهة يدرأ بها الحد عنه. # ثم إنهم إذا اعتلوا على الحنفي مثلا، بأنه استباح ما حرم الله، اعتل هو ~~عليهم بأنهم حرموا ما أحل الله، ثم يورد شبهته، ومع تكافؤ الأدلة، أو ~~تقاربها، كيف يجب الحد. # ثم يلزمهم أن يقبلوه، أو يفسقوه؛ فيما إذا ترك الطمأنينة في الصلاة، أو ~~صلى بتيمم واحد صلوات، بناء على رأيه أن التيمم يرفع الحدث؛ لأنه حينئذ ~~تارك للصلاة، بتركه ركنها أو شرطها، والمدرك ms0383 في ذلك أقوى من المدرك في ~~تحريم # PageV02P141 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # النبيذ، أو مثله؛ فما الفرق؟ # قوله: " (ب) " يعني الشرط الثاني من الشروط المعتبرة للراوي: " العدالة، ~~لعدم الوازع للفاسق المعاند عن الكذب "، أي: ليس له ما يمنعه من الكذب، ~~وقيدنا بالمعاند؛ لأن المتأول قد سبق أن روايته تقبل، " ولقوله تعالى: {إن ~~جاءكم فاسق} أي: تعتبر عدالة الراوي، ولا تقبل رواية الفاسق، لقوله تعالى: ~~{إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا} [الحجرات: 6] ؛ فأمر بالتبين في روايته، ولو ~~قبلت، لم تقف على التبين، كرواية العدل. # تنبيه: العدالة: قد ذكر الفقهاء أنها الصلاح في الدين، والمروءة، وفصلوا ~~ذلك. واعتبر بعض الفقهاء وجوده في البينة ظاهرا وباطنا. وقال بعضهم: العدل ~~من لم تظهر منه ريبة، وهما قولان في المذهب، واشتمل عليهما كلام الخرقي، ~~وكأن مأخذ القولين أن المعتبر ظهور أمارة الصدق، أو عدم ظهور أمارة الكذب. # PageV02P142 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والقول الوجيز الجامع في العدالة، ~~أنها اعتدال المكلف في سيرته شرعا بحيث لا يظهر منه ما يشعر بالجراءة على ~~الكذب، ويحصل ذلك بأداء الواجبات واجتناب المحظورات ولواحقها. # وتعرف عدالة الشخص بأمور: # أحدها: المعاملة والمخالطة المطلقة في العادة على خبايا النفوس ودسائسها. # الثاني: التزكية، وهو ثناء من ثبتت عدالته عليه، وشهادته له بالعدالة. # الثالث: السمعة الجميلة المتواترة أو المستفيضة، وبمثلها عرفت عدالة كثير ~~من أئمة السلف. # قوله: « (ج) » أي: الشرط الثالث من شروط الراوي: «التكليف» ، بأن يكون ~~بالغا عاقلا، «إذ لا وازع» ، أي: لا مانع «للصبي والمجنون» عن الكذب، لعدم ~~تعقلهما الثواب والعقاب، «ولا عبادة لهما شرعا» ، أي: لا يترتب على ~~عبادتهما حكم شرعي، كعقد بيع، أو نكاح، أو فسخ عقد، أو طلاق، «فإن سمع» ~~الراوي «صغيرا» ، أي: حال صغره، «وروى بالغا» : أي: بعد بلوغه، «قبل» قوله، ~~وروايته «كالشهادة، وصبيان الصحابة» . # أما الشهادة؛ فلأن من شهد صغيرا، وأدى كبيرا، قبلت شهادته، ووجه ذلك أن ~~عند البلوغ يحصل له الوازع عن الكذب؛ فلا يروي ويؤدي إلا ما سمع وشاهد. # وأما صبيان الصحابة؛ فلأنهم سمعوا صبيانا، ورووا بعد البلوغ، وقبلت # PageV02P143 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # روايتهم بالإجماع، وذلك، كابن ~~عباس، وعبد الله ms0384 بن جعفر، وابن الزبير، والحسن والحسين، والنعمان بن بشير، ~~وأنس بن مالك، فإن أمه سلمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، صبيا ليخدمه؛ ~~فخدمه عشر سنين، ولذلك كثرت روايته عنه، وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ~~دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم، وهي بنت تسع سنين، وروت عنه، رضي الله ~~عنهم أجمعين. # قوله: «والإجماع على إحضاره» إلى آخره، هذا دليل آخر على قبول ما سمعه ~~صغيرا ورواه بعد بلوغه. # وتقريره: أن الإجماع منعقد على استحباب إحضار الصبي مجالس السماع، أي: ~~سماع الحديث، ولا فائدة لإحضاره صغيرا إلا قبول روايته كبيرا، فلو لم يقبل، ~~لانتفت فائدة إحضاره، ولغي الإجماع، وهو حال لعصمة الإجماع سمعا عن الخطأ ~~واللغو. # قوله: « (د) » : أي: الشرط الرابع من شروط الراوي: «الضبط» ، أي: يكون ~~ضابطا لما يسمعه «حالة السماع، إذ لا وثوق بقول من لا ضبط له» ، فإن أئمة ~~الحديث أبطلوا روايات كثير ممن ضعف ضبطه، ممن سمع بالغا عاقلا، بل شيخا أو ~~كهلا محتنكا؛ فإبطال رواية من لا ضبط له، ممن سمع صغيرا، أولى. # تنبيه: أصل الضبط إمساك الشيء باليد، أو اليدين، إمساكا يؤمن معه الفوات، # PageV02P144 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ومنه قيل للذي يعمل بكلتا يديه: ~~أضبط، والأنثى: ضبطاء. والضبنطي: القوي، والألف والنون زائدتان، ثم استعمل ~~مجازا في حفظ الوالي ونحوه البلاد بالحزم وحسن السياسة، وفي حفظ المعاني ~~بألفاظها، أو بدونها، بالقوة الحافظة. # ويستعمل في اصطلاح المحدثين في التحري والتشدد في النقل، والمبالغة في ~~إيضاح الخط بالإعراب، والشكل، والنقط. # PageV02P145 # الرابعة: لا تقبل رواية مجهول العدالة، في أحد ~~القولين، وهو قول الشافعي، وتقبل في الآخر، وهو قول أبي حنيفة. # وحرف المسألة: أن شرط القبول: العلم بالعدالة؛ فلا تقبل للجهل بها. # أو: عدم العلم بالفسق؛ فتقبل لعدمه ها هنا. وهذا أشبه بظاهر الآية. # احتج الأول: بأن مستند قبول خبر العدل: الإجماع، ولا إجماع هنا. وليس في ~~معنى العدل ليلحق به. وبأن الفسق مانع، كالصبا، والكفر؛ فالشك فيه كالشك ~~فيهما. وبالقياس على شهادته في العقوبات، وبأن شك المقلد في بلوغ المفتي ~~درجة ms0385 الاجتهاد أو عدالته مانع من تقليده. وهذا مثله وأولى، لإثبات شرع عام ~~بقوله. # احتج الثاني: بقبول النبي صلى الله عليه وسلم، شهادة الأعرابي برؤية ~~الهلال، والصحابة رواية الأعراب والنساء، ولم يعرفوا منهم سوى الإسلام. ~~وبأنه لو أسلم ثم روى أو شهد قبل، ولا مستند إلا الإسلام، وتراخي الزمن ~~بعده لا يصلح مستندا للرد، وإلا فبعيد، إذ لا يظهر للإسلام أثر. وبقبول ~~قوله في طهارة الماء، ونجاسته، وملكه لهذه الجارية، وخلوها عن زوج؛ فيحل ~~شراؤها ووطؤها، وبأنه متطهر؛ فيصح الائتمام به. # وأجيب: بأن العلم بعدالة العربي غير ممتنع بوحي، أو تزكية خبير به. ~~والصحابة إنما قبلوا خبر من علموا عدالته، وحيث جهلت ردوها، ثم الصحابة ~~عدول بالنص؛ فلا وجه للبحث عنهم. وقبول قول من أسلم، ثم روى، ممنوع، لجواز ~~استصحابه حال الكذب، وتأثير الإسلام يظهر في أحكام كثيرة، وإن سلمناه؛ ~~فالفرق أنه عند الدخول في الإسلام يعظمه ويهابه؛ فيصدق غالبا وظاهرا، بخلاف ~~من طال زمنه فيه، وطمع في جنته. وقبول قوله في ملك الأمة وخلوها رخصة، حتى ~~مع العلم بفسقه، لمسيس الحاجة إلى المعاملات، وفي الباقي ممنوع، وإن سلم؛ ~~فأحكام جزئية، ليست إثبات شرع عام. # . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . . . . . . . . . . . # PageV02P146 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المسألة «الرابعة: لا تقبل رواية ~~مجهول العدالة في أحد القولين» عن أحمد، «وهو قول الشافعي، وتقبل في» القول ~~«الآخر، وهو قول أبي حنيفة» ، واتفقوا على أنه لا تقبل رواية مجهول الحال، ~~في الشروط الثلاثة الأخر، وهي: الإسلام، والتكليف، والضبط. # قوله: «وحرف المسألة» ، إلى آخره، هذا مأخذ كلي مختصر للمسألة، وهو أن ~~شرط قبول الرواية، هل هو العلم بالعدالة، أو عدم العلم بالفسق؟ # فإن قلنا: شرط القبول العلم بعدالة الراوي، لم تقبل رواية المجهول؛ لأن ~~عدالته غير معلومة، وهو معنى قوله: فلا تقبل للجهل بها. # وإن قلنا: شرط القبول عدم العلم بالفسق، قبلت رواية المجهول، لعدم العلم ~~بفسقه، وإليه يرجع الضمير في قوله: «فتقبل لعدمه ههنا» . # قلت: هذا الكلام يشير به إلى إثبات واسطة بين العدالة والفسق، وهذا موضع ~~يحتاج إلى تحقيق؛ وذلك أن العدالة والفسق؛ إما ms0386 أن نعتبرهما بحسب نفس الأمر ~~وباطنه؛ فيما بين المكلف وربه سبحانه وتعالى، أو بحسب ما يظهر من أفعاله ~~وحركاته، الدالة عادة على باطن أمره، كما قال الشاعر: # ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم # PageV02P147 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أو بحسب علمنا بحاله، عدالة أو ~~فسقا. # أما بحسب الاعتبار الأول؛ فلا واسطة بين العدالة والفسق؛ لأن هذا الشخص؛ ~~إما أن يكون مضمرا للمعاصي إذا ظفر بها، أو لا، والأول هو الفاسق، والثاني ~~هو العدل. هذا باعتبار نيته وقصده. # أما باعتبار سابق علم الله تعالى فيه؛ فكذلك؛ لأنه إما أن يعلم أنه مطيع، ~~أو سيطيع؛ فيكون عدلا، أو أنه عاص، أو سيعصي؛ فيكون فاسقا. # وأما بحسب الاعتبارين الآخرين؛ فتمكن الواسطة؛ لأنه إما أن يظهر من ~~أفعاله أمارات العدالة أو الفسق، أو لا يظهر واحد منهما، وكذلك؛ إما أن ~~نعلمه مشهور العدالة أو الفسق، أو لا نعلم منه واحدا منهما، وهو المستور، ~~ولهذا فرق المحدثون بين الصحيح، والحسن، والضعيف. # فالصحيح: رواية مشهور العدالة، السالم من علة قادحة، غير الفسق. # والحسن رواية المستورين. # والضعيف: رواية المجروحين بفسق أو ضعف حفظ. # قوله: «وهذا أشبه» ، أي أن القول بأن شرط قبول الرواية عدم العلم بالفسق، ~~هو أشبه بظاهر الآية، وهي قوله سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن ~~جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا} [الحجرات: 6] # PageV02P148 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فأمر بالتبين والتثبت عند ظهور فسق ~~المخبر، وذلك يدل على أن فسقه إذا لم يكن ظاهرا، لا يجب التبين والتثبت، ~~وهو المراد بقولنا: شرط القبول عدم العلم بالفسق. # قوله: «احتج الأول» ، وهو القائل: لا تقبل رواية المجهول، وهو قول ~~الجمهور، بوجوه: # أحدها: أن مستند قبول خبر العدل، أي: المعلوم العدالة، الإجماع، والمجهول ~~لا إجماع في قبول خبره، ولا هو في معنى العدل ليلحق به قياسا فقد انتفى فيه ~~النص والإجماع والقياس، وهذه هي الأدلة التي تثبت بها الأحكام، فإذا انتفت، ~~لم يبق شيء يثبت به هذا الحكم، وهو قبول خبر المجهول؛ فوجب أن يكون منفيا. # الوجه الثاني: أن الفسق مانع من قبول ms0387 الخبر، كما أن الصبا والكفر مانعان ~~من قبول الخبر، ثم إن الشك في الصبا والكفر مانع من القبول، فإنا إذا ~~شككنا: هل هذا الراوي صبي أو بالغ؟ أو هل هو مسلم أو كافر؟ لم يقبل خبره ~~للشك في شرط قبوله، وهو الإسلام والبلوغ. فكذلك الشك في الفسق، يجب أن يكون ~~مانعا من القبول، وهذا المجهول مشكوك في عدالته وفسقه؛ فيجب أن يرد خبره، ~~للتردد في شرط قبوله، وهو العدالة. # الوجه الثالث: أن شهادة المجهول لا تقبل في العقوبات؛ فلا تقبل روايته # PageV02P149 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بالقياس على هذه الشهادة؛ لأن طريق ~~الثقة في الرواية والشهادة واحد، وإنما جعلنا القياس على شهادته في ~~العقوبات؛ لأنها متفق على ردها منه، بخلاف الشهادة في المال، فإن الخصم قد ~~يلتزم صحتها منه. # الوجه الرابع: أن المقلد إذا شك في المفتي هل بلغ رتبة الاجتهاد أم لا؟ ~~أو شك، هل هو عدل أم لا؟ كان ذلك الشك مانعا من تقليده وقبول فتياه. فكذلك ~~السامع، إذا شك في عدالة هذا الراوي المجهول، يجب أن يكون شكه مانعا من ~~قبول خبره، بل المنع ههنا أولى؛ لأن هذا الراوي يثبت بروايته شرعا عاما ~~مؤبدا؛ فكان الاحتياط برد خبره حتى تعلم عدالته أولى من المفتي؛ لأنه إنما ~~يفتي بحكم لمعين؛ فليس في تقليده في هذه الفتيا المعينة مفسدة عامة. هذه ~~حجج المانعين. # قوله: «احتج الثاني» ، إلى آخره، أي: احتج القائل بقبول خبر المجهول ~~بوجوه: # أحدها: قبول النبي صلى الله عليه وسلم، شهادة الأعرابي برؤية الهلال، ذلك ~~ما روى # PageV02P150 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم؛ فقال: رأيت الهلال - يعني رمضان - فقال: تشهد أن ~~لا إله إلا الله؟ قال: نعم، قال: تشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، قال: ~~يا بلال، أذن في الناس فليصوموا غدا. رواه الخمسة إلا أحمد. وكذلك الصحابة ~~رضي الله عنهم، كانوا يقبلون رواية الأعراب والنساء، ولم يعرفوا منهم سوى ~~الإسلام، أي: النبي صلى الله عليه وسلم، في قبوله خبر الأعرابي برؤية ~~الهلال، لم يعرف ms0388 منه إلا الإسلام، ولهذا قال له: تشهد أن لا إله إلا الله؟ ~~قال: نعم. فرتب العمل بقوله على العلم بإسلامه، وذلك يقتضي استقلال الإسلام ~~بقبول الخبر، وكذلك الصحابة في قبولهم رواية الأعراب والنساء والعبيد، لم ~~يعرفوا منهم سوى الإسلام؛ فدل ذلك على قبول خبر المجهول، وأن العلم ~~بالعدالة ليس شرطا في الرواية. # الوجه الثاني: أن الكافر لو أسلم، ثم روى خبرا، أو شهد شهادة، قبل منه ~~باتفاق، ولا مستند لقبول خبره ههنا إلا الإسلام؛ فليكن مجرد الإسلام كافيا ~~في قبول خبر المجهول، بالقياس على الكافر إذا أسلم، وأولى، لما قد استقر في ~~قلب هذا المجهول من هيبة الإسلام، ومعرفة حقوقه، بخلاف الكافر إذا أسلم، ثم ~~روى على الفور؛ لأنه بعد في غباوة الكفر وجهالته. # قوله: «وتراخي الزمن بعده لا يصلح مستندا» ، إلى آخره، هذا تكميل لهذا ~~الدليل، وتقرير له. # PageV02P151 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وبيانه: أن الخصم قد وافق على أن ~~الكافر عقيب إسلامه يقبل خبره، ومقتضى قوله في أن المجهول لا يقبل خبره؛ أن ~~الكافر المذكور إذا تراخى الزمن به بعد الإسلام، ولم تظهر عدالته، لم يقبل ~~خبره، ولا شك أن تراخي زمنه بعد الإسلام لا يصلح مستندا لرد الخبر، مع ~~قبوله عقيب الكفر. # قوله: «وإلا؛ فبعيد، إذ لا يظهر للإسلام أثر» ، هذا من تمام الدليل، وهو ~~يشير إلى تقسيم. # وتقريره: أن الكافر إذا أسلم، ثم روى؛ فإما أن تقبلوا روايته أو لا، فإن ~~قبلتموها عقيب الإسلام، وجب أن تقبلوها بعد تراخي الزمان، وإن لم تظهر ~~العدالة؛ لأن الحالين واحدة في عدم ظهورها، حال روايته عقيب الإسلام، وحال ~~روايته بعد تراخي الزمان بعد الإسلام، وإن لم تقبلوها من الكافر عقيب ~~إسلامه؛ فهو بعيد؛ لأنه يلزم أن لا يظهر للإسلام أثر، فإن خبره إذا كان ~~مردودا حال الكفر وحال الإسلام، استوى الحالان، ولم يظهر أثر الإسلام ولا ~~فائدته، ومقتضى الإسلام وشأنه التأثير وظهور المزايا لمن اتصف به. # الوجه الثالث: أن خبر المجهول مقبول في أحكام شرعية باتفاق: # منها: إخباره بأن هذا الماء طاهر أو نجس؛ ms0389 فيقبل قوله، ويسوغ التوضوء بما ~~أخبر بطهارته، واجتناب ما أخبر بنجاسته. # ومنها: أنه إذا أخبر بأن هذه الجارية ملكه، وأنها خالية من زوج، قبل قوله ~~في ذلك، وجاز شراؤها أو نكاحها، ووطؤها بذلك، أعني: بالشراء أو النكاح. # PageV02P152 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ومنها: إذا أخبر أنه متطهر، قبل ~~قوله، وجاز الائتمام به؛ فهذه أحكام شرعية، قد قبل قوله فيها وفي نظائرها؛ ~~فليقبل قوله فيما يرويه بالقياس عليها؛ لأن الجميع أحكام شرعية؛ فهذه حجج ~~المجوزين لقبول رواية المجهول. # قوله: «وأجيب» ، أي: وأجاب القائلون بعدم قبول خبر المجهول عن أدلة ~~المثبتين له أول أول. فقالوا: # أما قبول النبي صلى الله عليه وسلم، خبر الأعرابي في رؤية الهلال؛ فيجوز ~~أنه علم عدالته، والعلم بعدالته بوحي إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، أو ~~تزكية خبير بالأعرابي له غير ممتنع، والقضية قضية في عين، وقضايا الأعيان ~~تتنزل على قواعد الشرع، وقاعدة الشرع في الأخبار أن لا تقبل إلا ممن عرف ~~حاله. ولو بلغنا عن بعض قضاة المسلمين أنه قبل شهادة فلان. نزلنا ذلك على ~~أن عدالته ثبتت عنده، لما استقر من قاعدة الشهادة في ذلك؛ فالنبي صلى الله ~~عليه وسلم، أولى بنسبة الاحتياط إليه في الدين. # وأما الصحابة؛ فإنما قبلوا خبر من علموا عدالته من الأعراب والنساء ~~والعبيد، كأصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأزواجه ومواليه، وحيث ~~جهلت، ردوها، لما ذكرناه من تنزيل قضايا الأعيان على قواعد الشرع، وذلك ~~الظن بالصحابة رضي الله عنهم أن يحتاطوا في الدين. # PageV02P153 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «ثم الصحابة عدول بالنص؛ فلا ~~وجه للبحث عنهم» ، يعني أنا وإن سلمنا أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا ~~يقبلون روايات المجاهيل من الأعراب والنساء والعبيد، لكن هؤلاء الأعراب ~~والنساء الذين قبل الصحابة خبرهم، هم صحابة أيضا، والصحابة قد ثبتت عدالتهم ~~بالنص؛ فلا حاجة إلى البحث عن عدالتهم. وستأتي هذه المسألة - أعني مسألة ~~عدالة الصحابة - في موضعها إن شاء الله تعالى. # وأما قبول خبر من أسلم، ثم روى عقيب إسلامه؛ فهو ممنوع، أي: لا نسلم قبول ~~خبره وشهادته، لجواز استصحابه حال ms0390 الكذب في الكفر إلى ما بعد الإسلام. # قولهم: لو لم يقبل خبره بعد الإسلام، لم يظهر للإسلام أثر. # قلنا: أثر الإسلام ليس منحصرا في قبول الرواية، بل يظهر أثر الإسلام في ~~أحكام كثيرة، كصحة الإمامة، وأهلية الولاية، وعصمة الدم والمال، ووجوب قتله ~~بالردة لو ارتد، وسقوط الجزية إن كان ذميا، وغير ذلك من الأحكام. # قوله: «وإن سلمناه؛ فالفرق» ، إلى آخره، أي: وإن سلمنا قبول رواية من ~~أسلم، ثم روى عقيب الإسلام؛ فالفرق بينه وبين ما إذا تراخى زمنه بعد ~~الإسلام، وبين المسلم المجهول العدالة، هو أن الكافر إذا أسلم؛ فهو عند ~~دخوله في الإسلام يعظمه ويهابه؛ لأنه دين جديد معظم عنده؛ فيصدق غالبا ~~وظاهرا، أي: الظاهر والغالب من حاله أنه يصدق في خبره، بخلاف من طال زمنه ~~في الإسلام؛ فإنه يطمع في جنبته، ويستسهل المعاصي من كذب وغيره؛ إما لرخص ~~الدين عنده، جراءة على الله تعالى، واعتمادا على ما فيه من الرخص والتوسعة، ~~رجاء لعفو الله تعالى؛ فقد # PageV02P154 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لاح الفرق بينهما. # ونظير هذا أو شبيهه: ما ذهب إليه بعض أهل العلم من كراهة المجاورة بمكة؛ ~~لأن ذلك يقلل مهابة البيت في النفوس، لكثرة رؤيتها وملابستها له، بخلاف من ~~يراه في العام أو الأعوام مرة، فإن محل البيت في نفسه أعظم، ومهابته أكبر. # ولمثل هذا نهى السلف عن الكلام في ذات الله تعالى؛ لأن كثرة النظر في ذلك ~~تسقط مهابة الرب من القلب، وقد صرح بذلك بعض العلماء العارفين. وقد ورد في ~~هذا المعنى من الشعر قول القائل: # وأخ كثرت عليه حتى ملني ... والشيء مملول إذا ما يكثر # وفي رواية: رخصت عليه، ويرخص. ونظائره كثيرة. # وأما قبول قول المجهول في ملك الأمة، وخلوها عن النكاح؛ فهو رخصة لمسيس ~~الحاجة إلى المعاملات، ولزوم الحرج والمشقة، من وجوب البحث عن عدالة كل ~~بائع ومعامل، حتى مع العلم بفسقه، أي: حتى ولو علمنا فسق الإنسان، قبلنا ~~قوله فيما يدعي ملكه من أمة وغيرها؛ فنشتريه منه، ونرتب عليه أحكام الملك ~~من إباحة وطء، واستخدام، ونحوه. ms0391 # وأما قبول قوله في بقية الأحكام التي ذكروها، كنجاسة الماء وطهارته، ~~ونحوه فممنوع، أي: لا نسلم قبول قوله فيه، وإن سلمناه، لكن الفرق بينه وبين ~~الرواية، أن هذه أحكام جزئية، لا تعظم المفسدة في قبولها منه، بخلاف قبول ~~روايته، فإن # PageV02P155 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فيه إثبات شرع عام، تعظم المفسدة ~~بتقدير الكذب فيه. فإن من قال: أنا متطهر؛ فصلوا خلفي؛ فبتقدير كذبه، إنما ~~يفسد علينا تلك الصلاة فقط في نفس الأمر، لا في ظاهر الحكم، وأما من روى ~~لنا أن مس الذكر، وأكل لحم الجزور، لا ينقض الوضوء؛ فبتقدير الكذب في مثل ~~هذا يبطل صلاة عالم كثير، ولا يلزم من جواز قبول القول فيما يخف ضرره جواز ~~قبوله فيما يعظم ضرره، والله تعالى أعلم. # PageV02P156 # الخامسة: لا يشترط ذكورية الراوي، ولا رؤيته، لقبول ~~الصحابة خبر عائشة من وراء حجاب. ولا فقهه، لقوله عليه السلام: «رب حامل ~~فقه غير فقيه» . ولا معرفة نسبه، كما لو لم يكن له نسب أصلا، وأولى. ولا ~~عدم العداوة والقرابة، لعموم حكم الرواية، وعدم اختصاصها بشخص، بخلاف ~~الشهادة، ومن اشتبه اسمه باسم مجروح رد خبره، حتى يعلم حاله. # المسألة الخامسة: لا يشترط ذكورية ~~الراوي، ولا رؤيته، أي: لا يشترط أن يكون الراوي ذكرا، ولا أن يكون مرئيا، ~~مشاهدا حال السماع منه. # قوله: «لقبول الصحابة خبر عائشة من وراء حجاب» . # هذا دليل على عدم اعتبار الشرطين؛ فإنهم كانوا يقبلون روايتها وهي أنثى، ~~وكذلك أجمعوا على قبول رواية النساء غيرها، وكانوا يسمعون منها وهي وراء ~~حجاب؛ لأنها ما كان يراها إلا محارمها، كالقاسم بن محمد وهو ابن أخيها، ~~وعروة بن الزبير، وهو ابن أختها أسماء، وعمرة بنت عبد الرحمن وهي بنت ~~أخيها، وهي امرأة مثلها، ولهذا رجحت رواية هؤلاء على رواية غيرهم من ~~الأجانب إذا عارضتها، لكون هؤلاء يسمعون منها بغير حجاب، بخلاف غيرهم، وهو ~~معنى يناسب الترجيح، ويصلح له. # قوله: «ولا فقهه» ، أي: ولا يشترط أن يكون فقيها، وهو قول إمام الحرمين، ~~وجماعة غيره، خلافا لمالك وأبي حنيفة في اشتراطه، ولذلك قدح ms0392 أهل العراق # PageV02P157 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # في رواية أبي هريرة؛ لأنه لم يكن ~~مشهورا بالفقه عندهم، وإن احتجوا بأن غير الفقيه مظنة سوء الفهم، ووضع ~~النصوص على غير المراد منها؛ فالاحتياط للأحكام أن لا يروى عنه. # ولنا ما روى زيد بن ثابت رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، يقول: نضر الله امرأ سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره؛ فرب ~~حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه. رواه أبو داود ~~والنسائي والترمذي. وقال: حديث حسن وهذا نص في قبول رواية من ليس بفقيه. ~~وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه: فرب مبلغ أوعى من سامع. رواه ابن ماجه ~~والترمذي، وصححه. # ومبلغ: بفتح اللام، وهو الذي يبلغه الحديث عمن هو دونه في الفهم. وصح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون ~~عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، ولم يشترط الفقه، ولا فرق بين الفقيه ~~وغيره. # PageV02P158 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وأما ما ذكروه من أن غير الفقيه ~~مظنة سوء الفهم؛ فلا يلزم؛ لأنا إنما نقبل روايته، إذا روى باللفظ، أو ~~المعنى المطابق، وكان يعرف مقتضيات الألفاظ، والعدالة تمنعه من تحريف لا ~~يجوز؛ فيكون ما يرويه لنا لفظ صاحب الشرع أو معناه، وحينئذ نأمن وقوع ~~الخلل، ويجب علينا العمل. # قوله: «ولا معرفة نسبه» ، أي: ولا يشترط معرفة نسب الراوي، كما لو لم يكن ~~له نسب أصلا كالعبد، وولد الزنى، والمنفي باللعان، إذا كانوا عدولا، قبلت ~~روايتهم، ولا نسب لهم أصلا، وأولى، أي: فتقبل رواية من لا يعرف نسبه، قياسا ~~على من لا نسب له أصلا، وهي أولى بالقبول؛ لأن هذا له نسب، لكنه مجهول، ~~وأولئك لا نسب لهم أصلا، والموجود المجهول أحسن حالا من المعدوم بالكلية. # قوله: «ولا عدم العداوة والقرابة» ، أي: ولا يشترط في الراوي أن لا يكون ~~عدوا، ولا قريبا، لمن روى في حقه خبرا، مثل أن تثبت السرقة على شخص؛ فروى ~~عدو له: من سرق فاقطعوه. مثلا، وإن كان هذا ms0393 الحكم معلوما بالنص والإجماع. ~~أو # PageV02P159 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يثبت لشخص حق بشاهد واحد؛ فروى ~~أبوه أو ابنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قضى بشاهد ويمين؛ فلا تقدح ~~عداوة الأول، وقرابة الثاني في هذه الرواية، لعموم حكم الرواية، وعدم ~~اختصاصها بشخص، بخلاف الشهادة. # وتقرير هذا الكلام - وإن كان بينا، وقد أشرنا إليه فيما سبق -: هو أن حكم ~~الرواية عام؛ لأنه يثبت بها حكم عام على هذا المروي في حقه وحق غيره؛ ~~فالمسلم العاقل لا تحمله تهمة العداوة والقرابة على أن يتحمل الإثم العام، ~~لبلوغ غرضه في عدو أو قريب، بخلاف الشهادة، حيث منع من قبولها العداوة ~~والقرابة؛ فإنها على شخص مخصوص؛ فحكمها وضررها غير عام؛ فقد ينقدح للشخص أن ~~يقول: أنا أضر عدوي هذا بالشهادة عليه زورا، وأنفع قريبي هذا بالشهادة له ~~كذلك، ثم أستدرك إثم هذه الشهادة بفعل قربة من القرب، أو قربات من صلاة، ~~وصدقة، وصيام، وحج، وأمر بمعروف، أو نهي عن منكر، حتى أفعل من الحسنات ما ~~يذهب بتلك السيئة. بخلاف الضرر العام على الناس بكذبه في الرواية؛ فإنه لا ~~يطمع في استدراكه؛ فيجبن عن الكذب فيها. # قوله: «ومن اشتبه اسمه باسم مجروح، رد خبره حتى يعلم حاله» ، وذلك ~~لاحتمال أن يكون الراوي ذلك المجروح فلا تقبل روايته؛ فيتوقف حتى يعلم: هل ~~هو المجروح أو الثقة؟ وكثيرا ما يفعل المدلسون مثل هذا، يذكرون الراوي # PageV02P160 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الضعيف باسم يشاركه فيه راو ثقة، ~~ليظن أنه ذلك الثقة، ترويجا لروايتهم. ومثال المسألة: الأعرج عن أبي هريرة، ~~هما اثنان عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وهو ثقة من رجال الصحيح، وحميد بن ~~عبد الله الأعرج، وهو ضعيف، وكذلك شريك بن عبد الله بن أبي نمر ليس بالقوي ~~فيما ذكره النسائي وحكي عن يحيى بن معين، وشريك بن عبد الله القاضي، ثقة ~~قوي، وأمثال هذا كثير ينبغي التحفظ منه، والله أعلم. # PageV02P161 # السادسة: الجرح: نسبة ما يرد لأجله القول إلى الشخص، ~~والتعديل: خلافه. اعتبر قوم بيان السبب فيهما، ونفاه آخرون، اعتمادا على ~~الجارح والمعدل؛ لأنه إن كان خبيرا ms0394 ضابطا ذا بصيرة قبل منه، وإلا فلا. أو ~~يطالب بالسبب. # وعندنا: إنما يعتبر بيانه في الجرح في قول، لاختلاف الناس فيه، واعتقاد ~~بعضهم ما ليس سببا سببا. وفي قول: لا. اكتفاء بظهور أسباب الجرح. والجرح ~~مقدم لتضمنه زيادة خفيت عن المعدل، وإن زاد عدده على عدد الجارح في الأظهر ~~فيه. # واعتبر العدد فيهما قوم، ونفاه آخرون. وعندنا: يعتبر في الشهادة دون ~~الرواية، وإلا لزاد الفرع على الأصل، إذ التعديل للرواية تبع وفرع لها. # والمحدود في القذف، إن كان بلفظ الشهادة قبلت روايته، إذ عدم كمال نصابها ~~ليس من فعله، وقد روى الناس عن أبي بكرة. وإلا ردت حتى يتوب. # وتعديل الراوي: إما بصريح القول، وتمامه: هو عدل رضى، مع بيان السبب، أو ~~بالحكم بروايته، وهو أقوى من التعديل القولي، وليس ترك الحكم بها جرحا، أو ~~بالعمل بخبره إن علم أن لا مستند للعمل غيره، وإلا فلا، وإلا لفسق العامل، ~~وفي كون الرواية عنه تعديلا له قولان، والحق أنه إن عرف من مذهبه، أو ~~عادته، أو صريح قوله، أنه لا يرى الرواية، ولا يروي إلا عن عدل، كانت ~~تعديلا، وإلا فلا، إذ قد يروي الشخص عمن لو سئل عنه لسكت. وقوله: سمعت ~~فلانا، صدق. ولعله جهل حاله؛ فروى عنه، ووكل البحث إلى من أراد القبول. # المسألة «السادسة: الجرح: نسبة ما ~~يرد لأجله القول إلى الشخص» . # هذا الكلام في الجرح والتعديل، ولا خفاء في مسيس الحاجة إليه في هذا ~~الباب، ليعلم من ينبغي الأخذ عنه من غيره. # وحقيقة الجرح - بفتح الجيم - هو القطع في الجسم الحيواني بحديد، أو ما ~~قام # PageV02P162 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مقامه، والجرح - بالضم - هو أثر ~~الجرح - بالفتح - وهو الموضع المقطوع من الجسم، ثم استعمله المحدثون ~~والفقهاء فيما يقابل التعديل، مجازا؛ لأنه تأثير في الدين والعرض، كما أن ~~الجرح الحقيقي تأثير في الجسم. # والجرح كما ذكر: هو أن ينسب إلى الشخص ما يرد قوله لأجله، من فعل معصية ~~كبيرة أو صغيرة، أو ارتكاب دنيئة. # وبالجملة ينسب إليه ما يخل بالعدالة التي هي شرط ms0395 قبول الرواية. وقولنا: ~~إلى الشخص، هو متعلق بنسبة، لا بالقول، وإنما الإضافة منعت الجار والمجرور ~~من أن يلي ما تعلق به، وهو ظاهر. # قوله: «والتعديل خلافه» ، أي: خلاف الجرح؛ فيكون إذن نسبة ما يقبل لأجله ~~قول الشخص، أي أن ينسب إليه من الخير، والعفة، والصيانة، والمروءة، ~~والتدين، بفعل الواجبات، وترك المحرمات، ما يسوغ قبول قوله شرعا، لدلالة ~~هذه الأحوال على تحري الصدق، ومجانبة الكذب. # وقولنا: الشخص، ليعم الذكر والأنثى. # والتعديل: تفعيل، من العدالة، وهي الاعتدال في السيرة شرعا، بحيث لا ~~إفراط ولا تفريط. # قوله: «واعتبر قوم بيان السبب فيهما» ، أي اشترط قوم أن يبين الجارح سبب ~~الجرح، والمعدل سبب التعديل؛ فيقول مثلا: هو فاسق؛ لأنه يشرب الخمر، أو هو ~~عدل لأنه مواظب على فعل الواجبات، وترك المحرمات؛ فيما أعلم. # قوله: «ونفاه آخرون» ، أي: بيان سبب الجرح والتعديل، نفى اشتراطه # PageV02P163 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # آخرون؛ فقالوا: لا يشترط، بل يكفي ~~أن يقول: هو فاسق، أو عدل، وهو اختيار القاضي أبي بكر، اعتمادا على الجارح ~~والمعدل؛ لأنه، إن كان خبيرا بما يسقط العدالة ويثبتها، عالما باختلاف ~~الناس في ذلك واتفاقهم، ضابطا له، ذا بصيرة فيه، قبل منه، وإن لم يكن كذلك، ~~لم يقبل قوله في الجرح والتعديل؛ فيرد، أو يطالبه الحاكم ببيان السبب، ~~لينظر: هل هو مؤثر أم لا؟ وإذا كان إنما يقبل في الجرح والتعديل من حاله في ~~الضبط والعلم ما وصفنا، لم يحتج معه إلى بيان السبب، فإن البخاري أو مسلما ~~ونحوهما من أئمة الحديث، إذا جرحوا شخصا، أو عدلوه، يبعد بيان اشتراطهم ~~للسبب، مع اشتهار علمهم، وضبطهم، وإتقانهم، واحتياطهم، بخلاف من ليست حاله ~~في ذلك كحالهم. # قوله: «وعندنا: إنما يعتبر بيانه في الجرح، في قول، لاختلاف الناس فيه، ~~واعتقاد بعضهم ما ليس سببا سببا، وفي قول: لا، اكتفاء بظهور أسباب الجرح» . # معنى هذه الجملة أن مذهب أحمد - رحمه الله تعالى - أن التعديل لا يشترط ~~بيان سببه، استصحابا لحال العدالة، وهو قول الشافعي، بخلاف سبب الجرح؛ فإنه ~~يشترط بيانه في أحد القولين عن أحمد، ms0396 وهو قول الشافعي، وذلك لاختلاف الناس ~~في سبب الجرح، واعتقاد بعضهم ما لا يصلح أن يكون سببا للجرح جارحا، كشرب ~~النبيذ متأولا؛ فإنه يقدح في العدالة عند مالك، دون غيره، وكمن يرى إنسانا ~~يبول قائما؛ فيبادر لجرحه لذلك، ولم ينظر في أنه متأول، مخطئ أو معذور، كما ~~حكي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه بال قائما؛ لعذر كان به؛ فينبغي ~~بيان سبب الجرح، ليكون # PageV02P164 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # على ثقة واحتراز من الخطأ، والغلو ~~فيه. # ولقد رأيت بعض العامة، وهو يضرب يدا على يد، ويشير إلى رجل، ويقول: ما ~~هذا إلا زنديق، ليتني قدرت عليه؛ فأفعل به، وأفعل؛ فقلت: ما رأيت منه؟ ~~فقال: رأيته وهو يجهر بالبسملة في الصلاة. # والقول الثاني عن أحمد: لا يشترط بيان سبب الجرح أيضا «اكتفاء» أي: ~~للاكتفاء بظهور أسبابه؛ فإنها ظاهرة، مشهورة بين الناس، والظاهر من الجارح ~~أنه إنما يجرح بما يعلمه صالحا للجرح، والقول الأول أولى. ومذهب أبي بكر في ~~عدم اشتراط بيان السبب فيهما حسن جيد؛ فينبغي للحاكم أو المحدث، أن لا يقبل ~~إلا قول الجازم، المتوسط بين المفرط والمفرط؛ فمن غلا في الجزم، حتى جرح ~~بما يصلح وما لا يصلح، لا يقبل قوله؛ لأن الأول إفراط، والثاني تفريط، ~~وكلاهما مذموم، والصواب التوسط. # ومما ينبغي أن يعتبر في الجارح والمعدل أن يكون عالما باختلاف مذاهب ~~الناس في ذلك، كما سبق؛ فيجرح عند كل حاكم بما يراه ذلك الحاكم جرحا؛ فيجرح ~~عند المالكي بشرب النبيذ متأولا؛ لأنه يراه قادحا دون غيره، إذ لو لم يعتبر ~~ذلك، لكان الجارح أو المعدل غارا لبعض الحكام، حتى يحكم بقول من لا يرى ~~قبول قوله، وهو ضرب من الغش في الدين، وهو حرام. # قوله: «والجرح مقدم؛ لتضمنه زيادة خفيت عن المعدل» ، أي: إذا تعارض # PageV02P165 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الجرح والتعديل، بأن عدل الشاهد أو ~~الراوي طائفة، وجرحه طائفة، قدم الجرح، وعمل بمقتضاه؛ لأنه تضمن زيادة خفيت ~~على المعدل، وذلك لأن مستند المعدل في تعديله استصحاب حال العدالة الأصلية، ~~وعدم الاطلاع على ما ينافيها، ومستند الجارح ms0397 الاطلاع على ما يقدح في ~~العدالة؛ فقدم قوله كراوي الزيادة في الحديث؛ لأنه سمع ما لم يسمعه غيره، ~~وهذا إنما هو فيما إذا أمكن اطلاع الجارح على زيادة، أما إذا استحال ذلك، ~~مثل أن قال الجارح: رأيت هذا قد قتل زيدا في وقت كذا، وقال المعدل: رأيت ~~زيدا حيا بعد ذلك الوقت؛ فههنا يتعارضان؛ فيتساقطان، ويبقى أصل العدالة ~~ثابتا. # قلت: ويحتمل ههنا أن يقدم قول المعدل؛ لأن السبب الذي استند إليه الجارح ~~قد تبين بطلانه؛ فتبين به أن الجرح كأنه لم يكن؛ فيبقى التعديل مستقلا، ~~والحكم واحد، غير أن على هذا الاحتمال؛ تكون ثبوت عدالة هذا الراوي ثابتة ~~بالأصالة وتعديل المعدل، وعلى القول بتساقط الجرح والتعديل، تكون ثابتة ~~بالأصالة فقط. # قلت: وهذه الصورة تشبه تعارض البينتين والأمارتين، وما ذكره الفقهاء؛ ~~فيمن أخبره مخبر، أن كلبا ولغ في هذا الإناء في وقت عينه، وأخبره آخر أن ~~الكلب المعين، ولغ في إناء آخر في ذلك الوقت المعين، ولم يكن الوقت متسعا ~~لولوغه فيهما؛ فيتعارض خبرهما، ويكون الماء طاهرا، لاستحالة الجمع بين ~~الخبرين. # PageV02P166 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «وإن زاد عدده على عدد ~~الجارح في الأظهر فيه» ، أي: الجرح مقدم على التعديل، وإن زاد عدد المعدل ~~على عدد الجارح، على أظهر القولين للناس فيه، أي: فيما إذا زاد عدد المعدل؛ ~~لأن تقديم قول الجارح، إنما كان لتضمنه زيادة خفيت عن المعدل، وذلك موجود ~~مع زيادة عدد المعدل، ونقصه، ومساواته؛ فلو جرحه واحد، وعدله مائة، قدم قول ~~الواحد لذلك. # والقول الآخر: إن عدد المعدل إن زاد على عدد الجارح، قدم قول المعدل؛ لأن ~~الكثرة تقوي الظن، والعمل بأقوى الظنين واجب، كما في تعارض الحديثين ~~والأمارتين، وغيرهما من المتعارضات، وربما فهم هذا القول من قول الخرقي، ~~وإذا جرحه اثنان، وعدله اثنان؛ فالجرح أولى، لكونه خص تقديم الجرح بما إذا ~~استوى العددان، والأشبه أن الخرقي لم يقصد هذا، وإنما أراد تقديم الجرح على ~~التعديل في الجملة. # قوله: «واعتبر العدد فيهما قوم، ونفاه آخرون، وعندنا يعتبر في الشهادة ~~دون الرواية» ، أي: ms0398 اختلف الناس في اعتبار العدد في الجرح والتعديل، أي: هل ~~يعتبر فيه اثنان؛ فصاعدا، أو يكفي فيه واحد، والمراد بالعدد اثنان فصاعدا. # فقال قوم: لا بد منهما في الجرح والتعديل في الرواية، قياسا على الشهادة، ~~وهو # PageV02P167 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قول بعض المحدثين. # وقال قوم: لا يعتبر العدد فيهما، لا في الرواية، ولا في الشهادة. # ومأخذ الخلاف أن الجرح والتعديل شهادة [فيلزم فيه العدد] ، أو رواية؛ ~~فيكفي فيه الواحد، وعندنا - وهو قول القاضي أبي بكر والأكثرين - إنما يعتبر ~~العدد في الجرح والتعديل، في الشهادة دون الرواية. # قوله: «وإلا لزاد الفرع على الأصل» ، إلى آخره، هذا دليل هذا القول. # وتقريره: أنه لو اعتبر العدد في الجرح والتعديل في الرواية، لكان الفرع ~~زائدا على أصله، فإن التعديل في الرواية تبع للرواية، وفرع لها؛ لأنه إنما ~~يراد لأجلها، والرواية لا يعتبر فيها العدد، بل يكفي فيها راو واحد؛ فكذا ~~ما هو تبع وفرع لها. فلو قلنا: تقبل رواية الواحد، ولا يكفي في تعديله إلا ~~اثنان، لزاد الفرع على أصله، وزيادة الفروع على أصولها غير معهودة عقلا ولا ~~شرعا، ولا جرم لما اعتبرنا الفرع بأصله، اطرد لنا في الشهادة؛ فكما اعتبر ~~العدد فيها، اعتبر فيما هو فرع عليها لها، وهو الجرح والتعديل لأجلها. # فأما من جعل الجرح والتعديل شهادة يعتبر لها العدد؛ فهو معارض بقول من ~~جعلهما رواية لا يعتبر لها العدد، ثم هو أولى، حذرا من تضييع أوامر الشرع؛ ~~فإنا لو لم نقبل خبر الراوي إلا إذا عدله اثنان، قل من يقبل خبره، ولغي ~~كثير من الأخبار المروية، وخرجت عن أن يعمل بها. # PageV02P168 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فإن قيل: هذا معارض، بأن في اعتبار ~~العدد احترازا من العمل في دين الله تعالى بما لا يستحق أن يعمل به، وصيانة ~~له أن يدخل فيه ما ليس منه. # قلنا: هذا مردود، بأن خبر من عدله مزك واحد يفيد الظن، وهو مناط وجوب ~~العمل كما سبق. فأما من عدله اثنان فصاعدا؛ فإنما يفيد خبره من الظن أقوى ~~من غيره، لكن زيادة قوة الظن غير ms0399 معتبرة ههنا، وإلا لوجب اعتبار تعديل ~~ثلاثة، أو أربعة، أو أكثر من ذلك، حتى يفيد التواتر بعدالة الراوي، وهو ~~ملغى باتفاق، وإنما المعتبر حصول مطلق ظن العدالة، وهو حاصل من تعديل ~~الواحد. # قوله: «والمحدود في القذف» ، إلى آخره، أي: المحدود بسبب القذف، أي: ~~لكونه قذف غيره. إما أن يكون قذفه بلفظ الشهادة، مثل أن يشهد على إنسان ~~بالزنى، أو بغير لفظ الشهادة، مثل أن قال لغيره: يا زاني، فإن كان قذفه ~~بلفظ الشهادة، لم يرد خبره، وقبلت روايته؛ لأنه إنما يحد، والحالة هذه لعدم ~~كمال نصاب الشهادة بالزنى، وهو أربعة، إذ لو كملوا، لحد المشهود عليه دون ~~الشاهد، وعدم كمال نصاب الشهادة ليس من فعل هذا الشاهد المحدود، حتى يعاقب ~~برد شهادته. # وقد روى الناس عن أبي بكرة رضي الله عنه مولى رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، واسمه نفيع بن الحارث، وكان محدودا في قذفه للمغيرة بن شعبة بالزنى ~~بلفظ الشهادة. # وإن كان قذفه بغير لفظ الشهادة كقوله: يا زاني، يا عاهر، ونحوه، ردت ~~شهادته حتى يتوب، لقوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة ~~شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون} ~~{إلا الذين تابوا} [النور: 4 - 5] # PageV02P169 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ، أي: فاقبلوا شهادتهم بعد التوبة، ~~ولأن حد هذا القاذف؛ كان بسبب من فعله، وهو قذفه؛ فعوقب عليه بالحد، وسلب ~~منصب الشهادة، فإذا تاب، قبلت شهادته والتوبة تجب ما قبلها. # فائدة: كان من قصة أبي بكرة مع المغيرة بن شعبة، ما ذكره أبو الفرج ~~الأصبهاني في كتاب الأغاني، وغيره عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: إن ~~المغيرة بن شعبة، كان يخرج من دار الإمارة وسط النهار؛ فكان أبو بكرة ~~يلقاه؛ فيقول: إلى أين ذهب الأمير؟ فيقول: إلى حاجة؛ فيقول: حاجة ماذا؟ إن ~~الأمير يزار ولا يزور، وكانت المرأة التي يأتيها جارة لأبي بكرة. قال: ~~فبينا أبو بكرة في غرفة له مع أخويه، نافع وزياد، ورجل آخر يقال له: شبل بن ~~معبد، وكانت غرفة جارته تلك ms0400 حذاء غرفة أبي بكرة؛ فضربت الريح باب المرأة؛ ~~ففتحته؛ فنظر القوم فإذا بالمغيرة ينكحها؛ فقال أبو بكرة: هذه بلية ابتليتم ~~بها، انظروا؛ فنظروا حتى أثبتوا؛ فنزل أبو بكرة؛ فجلس حتى خرج المغيرة عليه ~~من بيت المرأة؛ فقال: إنه قد كان من أمرك ما قد علمت؛ فاعتزلنا. قال: وذهب ~~ليصلي بالناس؛ فمنعه أبو بكرة، وقال: لا والله لا تصلي بنا وقد فعلت ما ~~فعلت. فقال الناس: دعوه، # PageV02P170 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فليصل؛ فإنه الأمير، واكتبوا ما ~~بدا لكم إلى عمر؛ فكتبوا إليه؛ فورد كتابه بأن يقدموا عليه جميعا، المغيرة ~~والشهود؛ فلما قدم على عمر رضي الله عنه، قال له: إنه قد شهد عليك بأمر، إن ~~كان حقا؛ فلأن تكون مت قبل ذلك خير لك، ثم دعا بالشهود؛ فقدم أبو بكرة؛ ~~فقال له: أرأيته بين فخذيها؟ قال: نعم، والله لكأني أنظر إلى تشريم الجدري ~~بفخذيها، قال له المغيرة: لقد ألطفت النظر. فقال: لم آل أن أثبت ما يخزيك ~~الله به. فقال عمر: لا والله حتى تشهد لقد رأيته يلج فيها كما يلج المرود ~~في المكحلة. فقال: نعم أشهد على ذلك؛ فقال له: اذهب عنك، يا مغيرة، ذهب ~~ربعك. ثم دعا الثاني؛ فقال: بم تشهد؟ قال: على مثل شهادة أبي بكرة، قال: ~~لا، حتى تشهد لقد رأيته يلج فيها كما يلج المرود في المكحلة. فقال: نعم، ~~حتى بلغ قذذه. فقال: اذهب عنك، يا مغيرة، ذهب نصفك. ثم دعا الثالث؛ فقال: ~~علام تشهد؟ قال على مثل شهادة صاحبي؛ فقال عمر: ذهب عنك ثلاثة أرباعك. قال: ~~ودعا زيادا فلما رآه عمر مقبلا، قال: إني أرى رجلا، لن يخزي الله على لسانه ~~رجلا من المهاجرين. # قال أبو عثمان النهدي: لما شهد عند عمر الشاهد الأول، تغير لذلك لون عمر، ~~ثم جاء الآخر؛ فشهد؛ فانكسر انكسارا شديدا، ثم جاء الثالث، يخطر بين يديه؛ ~~فرفع عمر رأسه إليه؛ فقال: ما عندك يا سلح العقاب فضيحة عظيمة. قال: فلما ~~تقدم الرابع، وهو زياد، التفت إليه المغيرة؛ فقال: لا مخبأ لعطر بعد عروس، ~~ثم ms0401 قال له: يا زياد، اذكر الله، واذكر موقف يوم القيامة، فإن الله، وكتابه، # PageV02P171 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ورسوله، وأمير المؤمنين، قد حظروا ~~دمي إلا أن تتجاوز إلى ما لم تعلم؛ فلا يحملنك سوء منظر رأيته علي، أن ~~تتجاوزه إلى ما لم تره؛ فوالله لو كنت بين بطني وبطنها، ما رأيت أين سلك ~~ذكري منها، قال: فدمعت عيناه، واحمر وجهه، وقال: يا أمير المؤمنين، أما أن ~~أحق ما أحق القوم؛ فليس ذلك عندي، ولكن رأيت مجلسا قبيحا، وسمعت نفسا ~~حثيثا، ورأيته مستبطنها. فقال له: أرأيته يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة؟ ~~فقال: لا. فقال عمر: الله أكبر، يا علي، قم إليهم؛ فاضربهم الحد؛ فقام إلى ~~أبي بكرة فضربه ثمانين سوطا وضرب الباقين، وأعجبه قول زياد، ودرأ الحد عن ~~المغيرة؛ فقال أبو بكرة بعد أن ضرب: فإني أشهد على المغيرة أنه فعل كذا ~~وكذا. فهم عمر بضربه؛ فقال له علي: إن ضربته، رجمت صاحبك، ونهاه عن ذلك، ~~يعني إن ضربه، جعل شهادته بشهادتين؛ فوجب بذلك الرجم على المغيرة، قال: ~~فاستتاب عمر رضي الله عنه أبا بكرة؛ فقال: إنما تستتيبني لتقبل شهادتي. ~~فقال: أجل؛ فقال: لا أشهد ما بقيت بين اثنين أبدا في الدنيا. وقال المغيرة ~~لما ضربوا: الله أكبر، الحمد لله الذي أخزاكم؛ فقال عمر: اسكت، أخزى الله ~~مكانا رأوك فيه. قال: فأقام أبو بكرة على قوله، # PageV02P172 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وتاب الاثنان؛ فكان أبو بكرة بعد ~~ذلك، إذا دعي إلى شهادة، قال: اطلب غيري، فإن زيادا قد أفسد علي شهادتي. # قلت: هذا ما انتهى إلينا من القصة من هذه الجهة، وفي قول علي رضي الله ~~عنه: إن ضربته، رجمت صاحبك، إشكال؛ لأن أبا بكرة، وإن كان صحابيا مكرما، ~~ولا نظن به الكذب، خصوصا في هذا الأمر العظيم، غير أنه بحكم الآية الكريمة ~~قد صار فاسقا، حيث رمى المحصنات، ولم يأت بأربعة شهداء، والفاسق يؤثر قذفه ~~في أنه يحد به، ولا يؤثر في المقذوف. # والفرض أن ذلك قبل التوبة؛ لأن أبا بكرة لم يتب من ذلك، بل أصر على ~~الشهادة. والذي ms0402 يتخرج عليه كلام علي رضي الله عنه، أنه أقام شبهة لدرء الحد ~~الثاني عن أبي بكرة، وتغاضى عمر عن مناقشته، أو أنه ظن صحة الشبهة ~~المذكورة. # قال الشعبي: وافقت أم جميل بنت عمرو، التي رمي بها المغيرة بن شعبة ~~بالموسم، عمر والمغيرة؛ فقال له عمر: أتعرف هذه؟ قال: نعم، هذه أم كلثوم # PageV02P173 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بنت علي. فقال له: أتتجاهل علي؟ ~~والله ما أظن أبا بكرة كذب عليك، وما رأيتك إلا خفت أن أرمى بحجارة من ~~السماء. # قلت: لأن عمر عرض للشاهد الرابع بأن لا يشهد، بقوله: إني أرى رجلا لن ~~يخزي الله على لسانه رجلا من المهاجرين، وكان قصده بذلك خيرا، ومع ذلك، خشي ~~أن يكون قد أعان على إبطال حد من حدود الله عز وجل. # قال المدائني: لما شخص المغيرة إلى عمر - يعني في هذه القصة - رأى في ~~طريقه جارية أعجبته؛ فخطبها إلى أبيها؛ فقال له: وأنت على هذه الحال، قال: ~~وما عليك، إن أعف؛ فهو الذي أريد، وإن أقتل - يعني في الحد - ترثني؛ فزوجه. ~~فلما قدم على عمر رضي الله عنه، قال: إنك لفارغ القلب، طويل الشبق، قال: ~~وكان يقال: ما اختلج في صدر المغيرة أمران إلا اختار أحزمهما. # قلت: أحسبه بالزاي المعجمة من الحزم، وهو ضد التفريط، والذي رأيته مضبوطا ~~بالراء المهملة، فإن صح ذلك؛ فهو نقيض عمار بن ياسر، حيث كان لا يخير بين ~~أمرين، إلا اختار أشدهما وأغلظهما. والله أعلم بالصواب. # قوله: «وتعديل الراوي: إما بصريح القول» ، إلى آخره. # لما تقرر القول في حقيقة الجرح والتعديل، والحكم في بيان سببهما، واعتبار # PageV02P174 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # العدد فيهما، وجب القول فيما يحصل ~~به التعديل، وهو ثلاثة أشياء: # أحدها: صريح القول وتمامه، أي: تمام القول الذي يحصل به التعديل، أن يقول ~~المعدل: هو عدل رضى، مع بيان السبب، أي: يبين سبب العدالة، مع قوله: هو عدل ~~رضى، بأن يثني عليه بمحاسن ما يعلم منه، مما ينبغي شرعا، من أداء الواجبات، ~~واجتناب المحرمات، واستعمال وظائف المروءة. # الثاني: مما يحصل به التعديل الحكم بروايته، وهو ms0403 أقوى من التعديل القولي، ~~أي: من التعديل بالقول بقوله: هو عدل رضى؛ لأن ذلك قول مجرد، والحكم ~~بروايته فعل تضمن القول، أو استلزمه، إذ تعديله القولي تقديرا، من لوازم ~~الحكم بروايته، وإلا كان هذا الحاكم حاكما بالباطل. وفي كلام الشيخ أبي ~~محمد ههنا تناقض؛ لأنه ذكر طرق التعديل، وقال: أعلاها صريح القول. ثم قال: ~~والحكم بشهادته أقوى من تزكيته بالقول، وعبارة «المختصر» بريئة من هذا ~~التناقض. # قوله: «وليس ترك الحكم بها جرحا» ، أي: الحكم برواية الراوي تعديل له، ~~لما ذكرنا، وترك الحكم بها ليس جرحا له؛ لأنه قد يتوقف في الحكم بها، لسبب ~~غير الجرح، مثل أن يتردد، هل هو عدو متهم لعداوته، أو قريب متهم لقرابته، ~~أو يكون الحاكم ممن لا يرى قبول خبر الواحد في ذلك الحكم، مثل أن يكون ~~حنفيا، والخبر فيما تعم به البلوى، أو كان مالكيا والخبر على خلاف قياس ~~الأصول، ونحو # PageV02P175 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ذلك، وأيضا كما أن مخالفة الراوي ~~لما رواه لا تقدح في صحة الخبر؛ فكذلك ترك الحكم بالرواية لا يقدح في ~~الراوي. # الثالث: مما يحصل به التعديل العمل بخبر الراوي، بشرط أن يعلم أن لا ~~مستند للعمل غير روايته، وإلا فلا. # أي: وإن لم يعلم أنه لا مستند للعمل إلا روايته، لم يكن تعديلا؛ لاحتمال ~~أنه عمل بدليل آخر، وافق رواية الراوي، وكانت هي زائدة، لا حاجة إليها، ولا ~~معول عليها. # وقد اصطلح قضاة العصر وغيرهم، على أنه إذا شهد عند أحدهم من لا يثق ~~بشهادته، ولا يمكنه التصريح بردها، يطلب زيادة شهود، حتى تكمل البينة بغير ~~ذلك الشاهد، ويحكم بها، موهما لذلك الشاهد أنه حكم بشهادته، جمعا بين ~~المصلحتين: مصلحة الاستيثاق للحكم، وعدم تنفير هذا الشاهد برد شهادته. # قوله: «وإلا لفسق العامل» ، أي: العمل بخبر الراوي تعديل له؛ لأنه يدل ~~على ثبوت عدالته عند العامل، إذ لو لم يدل على ثبوت عدالته عنده لجاز أن ~~يكون قد عمل بخبره بدون ثبوت عدالته عنده، ولو عمل بخبره بدون ثبوت عدالته ~~عنده لفسق العامل بهذا ms0404 الخبر؛ لأنه يكون عاملا بخبر غير العدل، والعمل بخبر ~~غير العدل فسق؛ لأنه تلبيس وغرر في الدين، وغش للمسلمين، إذ يوهمهم بعمله ~~بخبر # PageV02P176 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # هذا الراوي عدالته، وليس بعدل؛ ~~فيغترون به، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: من غشنا فليس منا، وقال: ~~المكر والخديعة في النار. واعلم أن عبارة «المختصر» في هذه الجملة؛ فيها ~~نوع إشكال، لاشتمالها على صيغة الاستثناء مرتين؛ فلا بأس أن نوضحها بعبارة ~~أخرى؛ فنقول: # العمل بخبر الراوي: إما أن يكون مع العلم بانحصار مستند العمل فيه، أو ~~لا. # فإن كان؛ فهو تعديل له، وإلا لفسق العامل، لكونه تلبيسا. # وإن لم يكن مع العلم بانحصار مستند العمل فيه، لم يكن تعديلا، لجواز ~~استناد العمل إلى دليل آخر. # قوله: وفي كون الرواية عنه تعديلا له قولان: # أحدهما: نعم، قياسا على العمل به، والحكم بروايته. # والثاني: لا؛ لأن الأئمة قد رووا عن العدل وغيره، وعن الضعيف وغيره. # والحق - يعني التحقيق في هذا - أنه إن عرف من مذهب الراوي، أو عادته، أو ~~صريح قوله، أنه لا يرى الرواية، ولا يروي إلا عن عدل، كانت روايته تعديلا ~~لمن روى عنه، كما سئل مالك رضي الله عنه عن رجل: هل هو حجة أم لا؟ فقال # PageV02P177 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # للسائل: أرأيته في كتبي؟ قال: لا. ~~قال: فلو كان حجة، لرأيته. أو كلاما هذا معناه. فاستفيد من قول مالك هذا ~~أنه لا يروي إلا عن حجة ثبت، ولهذا قيل: إذا ذكر الحديث؛ فمالك النجم. # وإن لم يعلم ذلك من مذهب الراوي، أو عادته، أو صريح قوله، أو دلالته ~~الظاهرة، كما حكيناه عن مالك، لم تكن روايته تعديلا لمن روى عنه، إذ قد ~~يروي الشخص عمن لو سئل عنه، لسكت؛ إما لعدم علمه بحاله، أو تفويضا إلى ~~السائل أمر البحث عنه. # قوله: «وقوله: سمعت فلانا صدق» ، إلى آخره. هذا جواب سؤال مقدر. # وتقريره: لو لم تكن روايته تعديلا للراوي، لكان غاشا في الدين، إذ قد ~~يروي عمن ليس بعدل، ويوهم الناس عدالته بروايته عنه، حيث يقول: سمعت فلانا ms0405 ~~يقول كذا. # وجوابه: أن قوله: سمعت فلانا صدق، ولا يلزم من ذلك عدالة فلان، إذ قد ~~يحصل السماع من العدل وغيره. وأما تركه بيان حاله؛ فلعله جهل حاله؛ فروى ~~عنه، ووكل البحث عن حاله إلى من أراد قبول روايته، أي: جعله موكولا، أي: ~~مفوضا إليه. # يقال: وكلت أمري إلى الله، أي: فوضته إليه، واعتمدت فيه عليه، ومما يوضح ~~هذا أن مقصود الرواية في دين الإسلام أمران: # أحدهما: حفظ السنة بطرقها، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # الثاني: تبيين صحيحها من سقيمها. # وهذان الأمران هي وظيفة المحدثين، لكن بعضهم التزمهما جميعا، # PageV02P178 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # كالشيخين وغيرهما ممن صنف الصحيح، ~~ومنهم من التزم الأول فقط، وهو حفظ السنة بطرقها، ثم قال بلسان حاله أو ~~مقاله لأهل العلم: أنا قد حفظت عليكم هذه السنة؛ فانظروا أنتم فيها؛ ~~فاعملوا بصحيحها، ودعوا سقيمها، وهذه طريقة مسند أحمد رضي الله عنه، وما ~~أشبهه من جوامع الحديث. فإن أحمد روى في مسنده القوي واللين، وقال: كل ما ~~اختلف فيه من سنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم؛ فارجعوا فيه إلى هذا ~~المسند، فإن لم تجدوا له أصلا فيه؛ فليس بحجة؛ فإني قد انتقيته من سبعمائة ~~ألف حديث، وخمسين ألف حديث؛ فبين أحمد رضي الله عنه، أن مقصوده في مسنده ~~تدوين السنة المروية، لا بيان صحيحها من سقيمها، ثم لما احتاج عند العمل ~~إلى معرفة الصحيح من غيره، بين ذلك بأسبابه وعلله، في مسائله المنقولة عنه، ~~ك «جامع الخلال» ، و «زاد المسافر» و «مسائل حرب» ، وكتاب «العلل» ، وغير ~~ذلك مما نقل عنه، وهو كثير جدا، والله أعلم بالصواب. # PageV02P179 # السابعة: الجمهور: أن الصحابة عدول، لا حاجة إلى ~~البحث عن عدالتهم. وقيل: إلى أوان الخلاف لشياع المخطئ منهم فيهم. وقيل: هم ~~كغيرهم. # لنا: ثناء الله ورسوله عليهم، نحو: {لقد رضي الله عن المؤمنين} ، {والذين ~~معه أشداء على الكفار} ، «خير الناس قرني» ، إن الله اختارني واختار لي ~~أصحابا، لا تؤذوني في أصحابي، وسلبهم العدالة أذى له فيهم. ثم فيما تواتر ~~من صلاحهم، وطاعتهم ms0406 لله ورسوله غاية التعديل. # والصحابي: من صحب الرسول صلى الله عليه وسلم، ولو ساعة، أو رآه، مع ~~الإيمان به، إذ حقيقة الصحبة: الاجتماع بالمصحوب. وقيل: من طالت صحبته له ~~عرفا. وقيل: سنتين، وغزا معه غزاة أو غزاتين. والأول أولى. # ويعلم ذلك بإخبار غيره عنه، أو هو عن نفسه، وفيه نظر، إذ هو متهم بتحصيل ~~منصب الصحابة، ولا يمكن تفريع قبول قوله على عدالتهم، إذ عدالتهم فرع ~~الصحبة؛ فلو أثبتت الصحبة بها، لزم الدور، والله سبحانه أعلم. # المسألة «السابعة: الجمهور» ، أي: ~~مذهب جمهور العلماء، الأئمة الأربعة وغيرهم، أن الصحابة رضي الله عنهم عدول ~~مطلقا، لا حاجة إلى البحث عن عدالتهم. وقيل: إلى أوان الخلاف، أي: لم ~~يزالوا عدولا، حتى وقع الخلف بينهم، واقتتلوا؛ لأنهم حينئذ صاروا فئتين، ~~والحق بالضرورة لا يكون في الطرفين. فإحداهما على باطل قطعا؛ فهي فاسقة، ~~لكن الفاسق منهم غير معين، لاشتباه الأمر؛ فمن هؤلاء من رد قول الجميع، ~~لعدم تعين الفاسق منهم من العدل، ومنهم من قبل قول كل واحد منهم على ~~انفراده، دون حالة معارضة غيره له، لعدم تمييز # PageV02P180 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # العدل، وهذا يعزى إلى بعض ~~المعتزلة، أحسبه واصل بن عطاء وأصحابه. وهذا معنى قولنا: «لشياع المخطئ ~~منهم» ، أي: من الصحابة رضي الله عنهم، «فيهم» أي: لصيرورته شائعا لا يعرف، ~~والضمير في «منهم» ، و «فيهم» عائد إلى الصحابة. # وقيل: هم كغيرهم أي من رواة الأمة، يبحث عن عدالتهم؛ فيقبل قول العدل دون ~~غيره منهم. # قوله: «لنا: ثناء الله ورسوله عليهم» ، إلى آخره، هذا دليل القول الأول، ~~وهو الحكم بعدالتهم مطلقا. وتقريره: أن الله سبحانه وتعالى، ورسوله، صلى ~~الله عليه وسلم، أثنيا عليهم، وكل من أثنى الله ورسوله عليه؛ فهو عدل؛ ~~فالصحابة عدول. # أما ثناء الله سبحانه وتعالى، ورسوله عليهم؛ فدليله من الكتاب: قوله ~~سبحانه وتعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما ~~في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم} فتحا قريبا [الفتح: 18] ، يعني ~~بيعة الرضوان بالحديبية، لهذا سميت بيعة الرضوان؛ لأن الله عز وجل رضي ms0407 عنهم ~~لأجلها، والله عز وجل لا يرضى عن القوم الفاسقين؛ فدل رضاه عنهم على ~~عدالتهم، قال تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار} ، إلى ~~قوله: {ليغيظ بهم الكفار} [الفتح: 29] ، والكفار لا يغاظون إلا بالمؤمنين ~~العدول، إذ الفساق غير مرضي عنهم، حتى يكونوا من جند الإيمان، ويغاظ بهم ~~الكفار، وقال سبحانه وتعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110] ، ~~{وكذلك جعلناكم أمة وسطا} [البقرة: 143] ، والخطاب مع الصحابة، والوسط وخير ~~الناس هو العدل. # ودليله من السنة: ما روى عمران بن حصين، قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، يقول: # PageV02P181 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ~~ثم الذين يلونهم، الحديث. أخرجاه في «الصحيحين» ، ورواه أبو داود، ~~والنسائي، والترمذي وصححه. # وقال صلى الله عليه وسلم: إن الله اختارني، واختار لي أصحابا، وأنصارا، ~~وأصهارا. # وقال: لا تؤذوني في أصحابي، وسلبهم العدالة، أي: الحكم بأنهم غير عدول، ~~أذى له فيهم؛ فيكون منهيا عنه؛ فيكون القول المؤدي إليه، وهو سلبهم ~~العدالة؛ فاسدا. # وروى عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله الله ~~في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا بعدي؛ فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم ~~فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم؛ فقد آذاني، ومن آذاني؛ فقد آذى الله، ومن آذى ~~الله؛ فيوشك أن يأخذه. رواه الترمذي. # PageV02P182 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ولمسلم من حديث أبي موسى أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، قال: أصحابي أمنة أمتي، فإذا ذهب أصحابي، أتى ~~أمتي ما يوعدون. ومن ليس بعدل لا توصى فيه هذه الوصية، ولا يكون أمنة، أي: ~~أمانا للأمة. # قوله: «ثم فيما تواتر» ، إلى آخره، أي: ولو لم ترد هذه النصوص بتعديلهم، ~~لكان فيما تواتر من صلاحهم، وطاعتهم لله ورسوله، ببذلهم أنفسهم وأموالهم في ~~الجهاد وطاعة رب العباد غاية التعديل. # فأما ما شجر بينهم من الخلاف، فلم يكن منهم أحد معاندا للحق فيه، بل ~~كانوا متأولين؛ فالمصيب منهم لا نزاع في عدالته، والمخطئ منهم لا يقدح خطؤه ~~في اجتهاده في عدالته، كالحاكم. # PageV02P183 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فأما قوله عليه السلام: لا ترجعوا ms0408 ~~بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض. فهو نهي وتحذير، لا إخبار بأن ذلك يقع ~~منهم، ولا جرم؛ فإنهم انتهوا بنهي النبي، صلى الله عليه وسلم، فلم يقتتلوا ~~قتال كفر وتكفير، بل قتال اجتهاد وتأويل. # وأما قوله عليه السلام: ليختلجن ناس من أصحابي عن الحوض. الحديث؛ فالمراد ~~به أهل الردة، بدليل قوله في الحديث: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم ~~منذ فارقتهم. والله أعلم. # قوله: «والصحابي» ، إلى آخره. لما أثبت عدالة الصحابة، وجب القول # PageV02P184 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # في الصحابي، المستحق لمنصب العدالة ~~بتعديل الشرع من هو؟ # فالصحابي: من صحب الرسول عليه السلام مطلق الصحبة، ولو ساعة، أو لحظة، ~~ورآه مع الإيمان به، إذ حقيقة الصحبة الاجتماع بالمصحوب، وإنما شرطنا مع ~~ذلك الإيمان؛ لأن الكفار الذين صحبوه ورأوه عليه السلام، لا يسمون صحابة ~~بالاتفاق؛ فدل على أن الإيمان شرط في إطلاق اسم الصحابي. # «وقيل: من طالت صحبته له» ، أي: وقيل: الصحابي: من طالت صحبته للنبي صلى ~~الله عليه وسلم، عرفا؛ لأنه لا يقال في العرف: فلان صاحب فلان، إلا لمن ~~طالت صحبته له في العرف، ولو كان مجرد الرؤية مع الاجتماع صحبة، لكان أكثر ~~الناس بعضهم أصحاب بعض، إذ أكثرهم يحصل بينهم ذلك. # «وقيل: سنتين» ، أي: وقيل: الصحابي من صحب النبي صلى الله عليه وسلم، ~~سنتين، «وغزا معه غزاة أو غزاتين» . وهذا فيما أظن قول سعيد بن المسيب، وقد ~~رد بمثل جرير بن عبد الله البجلي، وهو صحابي باتفاق العلماء، ولم يصحب ~~النبي صلى الله عليه وسلم، هذه المدة؛ لأن إسلامه كان بعد نزول المائدة، ~~كما صرح به إبراهيم التيمي، وجرير رضي الله عنه أيضا في حديث المسح على ~~الخفين. والحديث في «الصحيحين» ، والمائدة # PageV02P185 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # من أواخر ما نزل، وفيها: {اليوم ~~أكملت لكم دينكم} [المائدة: 3] ، هذا من حيث الاستدلال، ومن حيث التاريخ؛ ~~فذكر الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في كتابه «التلقيح» أن إسلامه، يعني: جرير ~~بن عبد الله البجلي، كان في السنة العاشرة، وهي آخر سني الهجرة. # قوله: «والأول أولى» ، أي: أن القول بأن الصحابي من ms0409 صحبه مطلق الصحبة مع ~~الإيمان، أولى من القولين الأخيرين. أما قول ابن المسيب؛ فقد بينا ضعفه. ~~وأما القول الآخر؛ فلأن الصحابي مشتق من الصحبة، وبمطلقها يتحقق الاشتقاق، ~~ولأنه يصح تقسيمها إلى القليل والكثير، نحو صحبته لحظة، وسنة، ودهرا، ومورد ~~القسمة مشترك، ولأنه لو حلف: ليصحبن فلانا، أو لا صحبت فلانا، حصل الحنث أو ~~البر بمطلق الصحبة، ولا نسلم أن الصاحب لا يطلق إلا على من طالت صحبته، بل ~~هو يطلق عليه، ولا يلزم من إطلاقه عليه عدم إطلاقه على غيره، بل الأولى أن ~~يكون الإطلاق في جميع # PageV02P186 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ذلك باعتبار القدر المشترك من ~~الصحبة، وهو مطلقها، نفيا للمجاز والاشتراك عن اللفظ. # قوله: «ويعلم ذلك بإخبار غيره عنه، أو هو عن نفسه» ، أي: ويعلم كونه ~~صحابيا بإخبار غيره عنه أنه صحابي؛ لأن ذلك بمثابة التعديل، وخبر الواحد ~~فيه مقبول، خصوصا إذا كان صحابيا، عدلا بتعديل الشرع، أو بإخباره عن نفسه، ~~بأن يقول: أنا صحابي. # قلت: «وفيه نظر» أي: في ثبوت صحبته بقوله؛ لأنه متهم بتحصيل منصب الصحابة ~~لنفسه، ولا يمكن تفريع قبول قوله على عدالة الصحابة، بأن يقال: هذا صحابي ~~عدل؛ فيقبل خبره بأنه صحابي؛ لأن عدالة الصحابة فرع الصحبة؛ فلو أثبتت ~~الصحبة بعدالة الصحابة، لزم الدور. # أما أن عدالة الصحابة فرع الصحبة؛ فلأنا لا نحكم بهذه العدالة إلا لمن ~~ثبتت صحبته دون غيره؛ فنقول: هذا صحابي؛ فيكون عدلا بالأدلة السابقة. # وأما أنه لو أثبتت الصحبة بعدالة الصحابة، لزم الدور؛ فلأنه يلزم إثبات ~~الأصل - وهو الصحبة - بالفرع - وهو العدالة - وإثبات الأصل بالفرع دور ~~محال، والشيخ أبو محمد زعم أن إثبات صحبة الراوي بقوله: أنا صحابي، لا يلحق ~~غيره مضرة، ولا يوجب تهمة، وهما ممنوعان. بل يوجب تهمة، وهو تحصيل منصب ~~الصحبة لنفسه، ويضر بالمسلمين، حيث يلزمهم قبول ما يرويه مع هذه التهمة، ~~والله سبحانه أعلم. # PageV02P187 # الثامنة: الراوي؛ إما صحابي، أو غيره. # فالصحابي لألفاظ روايته مراتب، أقواها أن يقول: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، يقول، أو حدثني، أو أخبرني، أو أنبأني، ms0410 أو شافهني، وهو الأصل في ~~الرواية، لعدم احتماله. # ثم: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم؛ فحكمه حكم الأول، لإشعاره ~~بالسماع ظاهرا، وعدم تدليس الصحابة، لكنه دونه في القوة، لاحتمال الواسطة، ~~كسماع أبي هريرة: «من أصبح جنبا؛ فلا صوم له» من الفضل بن عباس، وابن عباس: ~~«إنما الربا في النسيئة» من أسامة. # المسألة «الثامنة: الراوي: إما ~~صحابي أو غيره» ، إلى آخره، هذا بيان مراتب الرواية، وألفاظ الرواة؛ لأن ~~بيان ذلك ضروري، لاختلال الأحكام باختلافه، وقسمة الراوي إلى صحابي وغيره ~~قسمة صحيحة؛ لأن الراوي؛ إما أن يكون قد سمع من النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~أو رآه، أو لا، والأول الصحابي، والثاني غيره. # «فالصحابي لألفاظ روايته مراتب: # أقواها: أن يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول، أو حدثني ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أو أخبرني، أو أنبأني، أو شافهني فهذا كله ~~سواء، وهو الأصل في الرواية، لعدم احتماله» ، يعني: الواسطة، لقوله عليه ~~السلام: نضر الله امرأ سمع مقالتي فأداها كما سمعها. الحديث. نعم، بين ~~سمعت، وحدثني، وأخواتها فرق، وهو أن حدثني ونحوه: يكون الراوي مقصودا ~~بالحديث ولا بد، على ظاهر اللفظ، بخلاف سمعته يقول، إذ لا يلزم أن يكون ~~الراوي مقصودا بالحديث، بل جاز أن # PageV02P188 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الحديث لغيره، وسمعه هو، كما في ~~شهادة المستخفي. # قوله: ثم: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أي: قول الصحابي رضي الله ~~عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، كذا، هو في القوة بعد قوله: سمعت، ~~لكن حكمه حكم قوله: سمعت، وحدثني، في أنه محمول على السماع لإشعاره به ~~ظاهرا، وعدم تدليس الصحابة، أي: حكم قوله: قال رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، حكم قوله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، لوجهين: # أحدهما: أن اللفظ، أي: لفظ قال، مشعر بأنه سمع منه في ظاهر الحال. # الثاني: لعدم تدليس الصحابة، إذ لو كان سماعه بواسطة، مع قوله: قال رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، المشعر ظاهرا بالسماع، لكان ذلك تدليسا وتلبيسا ~~على ms0411 الناس، والصحابة لا يفعلون ذلك. # قوله: «لكنه دونه» ، أي: لكن قوله: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~دون قوله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، «في القوة، لاحتمال الواسطة» ~~، في قوله: قال؛ لأن قوله: قال، هو إسناد القول إلى القائل، وهو أعم من أن ~~يكون بواسطة أو عدمها، وذلك كسماع أبي هريرة رضي الله عنه من الفضل بن ~~عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم: من أصبح جنبا فلا صوم له، ثم رواه أبو ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، بلفظ: قال، أو بلفظ يوهمه. وكسماع ابن ~~عباس، من أسامة بن زيد رضي الله عنهم، عن النبي صلى الله عليه وسلم: إنما ~~الربا في النسيئة، ثم رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم، كذلك، ثم لما سئل ~~أبو هريرة وابن عباس عن حديثيهما، بينا ممن سمعا، ولهذا ذهب القاضي أبو بكر ~~إلى أن قول الصحابي العدل: قال # PageV02P189 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لا ~~يدل على سماعه منه، بل هو محتمل متردد، والأكثرون على خلافه لما مر. # قلت: مما يقوي قول القاضي، أن أبا بكر المروزي روى في كتاب العلم، عن ابن ~~جريج، قال: كان عطاء يقول: قال ابن عباس؛ فنقول: سمعته؟ فيقول: خرج به ~~أصحابه إلينا. # قلت: والتدليس الموهم حرام على الصحابة وغيرهم، وإذا جاز وقوع ذلك من ~~التابعين، جاز من الصحابة. # PageV02P190 # ثم: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، بكذا، أو نهى ~~عن كذا؛ فحكمه حكم الذي قبله، لكنه دونه، لاحتمال الواسطة، واعتقاد ما ليس ~~بأمر أو نهي أمرا أو نهيا. لكن الظاهر أنه لم يصرح بنقل الأمر إلا بعد جزمه ~~لوجود حقيقته، ومعرفة الأمر مستفادة من اللغة، وهم أهلها؛ فلا يخفى عليهم، ~~ثم إنهم لم يكن بينهم في صيغة الأمر ونحوها خلاف، وخلافنا فيه لا يستلزمه. # ثم أن يقول: أمرنا، أو نهينا؛ فيحتمل مع ما سبق من الاحتمالات أن الآمر ~~غير الرسول عليه السلام؛ فرده قوم لذلك، والأظهر قبوله، إذ مراد الصحابي ~~الاحتجاج به؛ ms0412 فيحمل على صدوره ممن يحتج بقوله، وهو الرسول، صلى الله عليه ~~وسلم، لكنه يحتمل أنه أراد أمر الله تعالى، بناء على تأويل أخطأ فيه في نفس ~~الأمر؛ فيخرج قبوله إذن على أن مذهب الصحابي حجة أم لا. # ولا يتوجه هذا الاحتمال في قوله: من السنة كذا، أو جرت، أو مضت السنة ~~بكذا؛ فحكمه حكم أمرنا ونهينا. # قوله: «ثم أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، بكذا، أو نهى عن كذا» . # هذه الرتبة الثالثة، «فحكمه حكم الذي قبله» ، وهو قوله: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، في حمله على السماع، لكنه دون قوله: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، من وجهين: # أحدهما: احتمال الواسطة في قوله: أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أو ~~نهى، بخلاف قوله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. # واعلم أنا قد بينا أن قوله: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يحتمل ~~الواسطة أيضا؛ فلا يصح الفرق بينه وبين قوله: أمر رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، لعدم احتمال الواسطة في قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ~~واحتمالها في أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نعم احتمال الواسطة في ~~أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أقوى منه في قوله: قال رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم؛ لأن سماعه من يروي أمر الرسول ونهيه؛ فيحكيه عنه، ويضيفه ~~إلى الرسول بواسطة من سمع منه، أقرب وأكثر من قوله: قال، مع إرادة الواسطة. # PageV02P191 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الوجه الثاني: في الفرق بين قال ~~رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن لفظ ~~قال لفظ خبري لا احتمال فيه، ولا اشتباه، بخلاف قوله: أمر رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، فإن الأمر والنهي مشتبه في صيغه ومعانيه؛ فيحتمل أن هذا ~~الراوي اعتقد ما ليس أمرا أمرا، وما ليس نهيا نهيا، لاختلاف الناس في الأمر ~~والنهي، حتى قال بعض أهل الظاهر: لا حجة فيه ما لم ينقل اللفظ، لكن مع هذا ~~الاحتمال؛ فالظاهر ms0413 أنه لم يصرح بنقل الأمر بقوله: أمر رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، إلا بعد جزمه بوجود حقيقة الأمر؛ فيكون هذا الظاهر راجحا على ~~ذلك الاحتمال. # وإنما قلنا: إن الظاهر أنه ما نقل الأمر عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، إلا بعد معرفة حقيقته؛ لأن معرفة الأمر مستفادة من اللغة، وهم - يعني ~~الصحابة - أهل اللغة؛ فلا يخفى عليهم لفظ الأمر من غيره. # ثم إن الصحابة لم يكن بينهم في صيغة الأمر والنهي ونحوها خلاف، حتى يقال: ~~إن الراوي يحتمل أن يشتبه عليه المراد من الأمر، بل كان عندهم معلوما ~~بالضرورة من لغتهم، من غير اشتباه ولا احتمال، وإنما وقع الخلاف في الأمر ~~فيما بين الأصوليين بعد عصر الصحابة رضي الله عنهم بكثير، وذلك لا يستلزم ~~اختلاف الصحابة فيه، واشتباهه عليهم. # قوله: «ثم أن يقول: أمرنا أو نهينا» . هذه الرتبة الرابعة؛ فيحتمل مع ما ~~سبق من الاحتمالات أن الآمر غير الرسول، أما الاحتمالات السابقة؛ فهي ~~احتمال الواسطة، واحتمال اعتقاد ما ليس بأمر أمرا، واحتمال اعتقاد ما ليس ~~بنهي نهيا؛ فهذه # PageV02P192 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ثلاثة احتمالات، وهي في الحقيقة ~~احتمالان، وهما قائمان في قوله: أمرنا أو نهينا، ويزيد على ما سبقه من ~~المراتب باحتمال أن الآمر غير الرسول؛ لأن الفاعل في قوله: أمرنا غير مسمى، ~~«فرده قوم» وهو الكرخي وجماعة، أي: منعوا إضافة ذلك إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم، «لذلك» أي: لعدم تسمية الفاعل؛ لأنه يحتمل غيره قطعا؛ فلا يضاف ~~إلى الرسول بالاحتمال «والأظهر قبوله» ، وإضافته إلى النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، وهو قول الشافعي والأكثرين؛ لأن مراد الصحابي إنما هو الاحتجاج به، ~~أي: بقوله: أمرنا؛ فيجب حمله، أي: حمل الأمر، على صدوره ممن يحتج بقوله، ~~وهو الرسول عليه السلام، إذ غيره لا حجة في أمره، ولأن العرف، أن المرءوس ~~إذا قال: أمرنا أو نهينا، أنه يريد رئيسه بذلك. # قوله: «لكنه» ، أي: لكن قوله: أمرنا، «يحتمل أنه أراد أمر الله» ، أي: أن ~~الله أمرنا بكذا، «بناء على تأويل» آية أو حديث «أخطأ الصحابي ms0414 فيه» ، أي: ~~في التأويل «في نفس الأمر» . # ومثال هذا قول ابن عباس رضي الله عنهما، حين صام بالمدينة رمضان، برؤية ~~الهلال ليلة السبت، وصام معاوية بالشام، برؤية الهلال ليلة الجمعة؛ فقيل ~~لابن عباس: أما ترضى برؤية معاوية؟ فقال: لا إنما رأيناه ليلة السبت؛ فلا ~~نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وإنما كان ذلك؛ بناء # PageV02P193 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # منه على تأويل قوله عليه السلام: ~~صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، على ما ذكر. # وإنما مراد الحديث ما إذا لم يثبت في بعض البلاد، لا مطلقا. أما إذا رئي ~~في بعضها؛ فهو كما لو رئي في جميعها عند الأكثرين؛ فكان قول ابن عباس: هكذا ~~أمرنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بناء منه على إجرائه الحديث على ~~إطلاقه، في الصوم والإفطار للرؤية، وفيه ما قد نبهنا عليه. # وكذلك، لو قال قائل: أمرنا أن نرد المطلقة ثلاثا إلى زوجها الأول، بمجرد ~~عقد الزوج الثاني عليها، بناءا على تأويله قوله تعالى: {فإن طلقها فلا تحل ~~له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] ، على أن النكاح فيه العقد، ~~«فيخرج قبول قوله» : أمرنا «على أن مذهب الصحابي حجة أم لا» ؛ لأن التأويل ~~المذكور هو مذهبه. وفي الاحتجاج بمذهبه خلاف، يذكر فيما بعد إن شاء الله ~~تعالى. # قوله: «ولا يتوجه هذا الاحتمال في قوله: من السنة كذا، أو جرت السنة، أو ~~مضت السنة بكذا» . # أي: الخطأ في تأويل الأمر، لا يتجه في قوله: من السنة كذا؛ لأن قوله من ~~السنة كذا، ونحوه، نقل مجرد، لا اجتهاد فيه، والخطأ في قوله: أمرنا، على # PageV02P194 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الاحتمال المذكور، إنما جاء من ~~الاجتهاد في لفظ النص، حيث ظن أن الله سبحانه وتعالى أمر بما ليس آمرا به ~~في نفس الأمر. # قوله: «فحكمه حكم أمرنا ونهينا» ، أي: قوله: من السنة كذا، أو جرت السنة، ~~أو مضت السنة بكذا، كقوله: مضت السنة أن يفرق بين المتلاعنين؛ فلا يجتمعان ~~أبدا، ونحوه، حكمه: حكم أمرنا ونهينا، في أن الأظهر إضافته إلى سنة النبي، ms0415 ~~صلى الله عليه وسلم، لا غيره، مع احتماله ما سبق من الاحتمالات، وهو وقوع ~~الواسطة بين هذا الراوي، وبين سنة الرسول، بأن يكون إما عرف أن ما ذكره من ~~السنة بواسطة، واحتمال اعتقاد ما ليس بأمر أو نهي أمرا أو نهيا. # فأما احتمال أن الآمر غير الرسول؛ فلا يتجه في قوله: من السنة، إذ ليس ~~فيها لفظ أمر يستدعي آمرا، ويحتمل أن يقوم مقام هذا الاحتمال في قوله: ~~أمرنا، احتمال تردد قوله: من السنة، بين سنة النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~وسنة الخلفاء الراشدين، وإنما قلنا: إن الأظهر إضافته إلى سنة النبي عليه ~~السلام، لتبادرها إلى الفهم عند الإطلاق، ولأنه ذكر في معرض الاحتجاج، ~~وإنما الحجة في سنة الرسول، وسنة الخلفاء الراشدين - وإن كانت حجة أيضا، ~~واللفظ يتناولها - لكنها مختلف فيها، وسنة الرسول متفق عليها؛ فحمل أمر ~~الصحابي في قوله: من السنة، على الاحتجاج بما لا خلاف فيه أولى. # PageV02P195 # وقول التابعي والصحابي، في حياة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم، وبعد موته، سواء، إلا أن الحجة في قول الصحابي أظهر. # ثم قوله: كنا نفعل، أو: كانوا يفعلون، نحو قول ابن عمر: كنا نفاضل، وكنا ~~نخابر أربعين سنة. وقول عائشة: كانوا لا يقطعون في الشيء التافه. فإن أضيف ~~إلى عهد النبوة، دل على جوازه، أو وجوبه، على حسب مفهوم لفظ الراوي، إذ ~~ذكره في معرض الاحتجاج يقتضي أنه بلغ النبي، صلى الله عليه وسلم؛ فأقره ~~عليه، وإلا لم يفد. # ثم قوله: كانوا يفعلون. لا يفيد الإجماع عند بعض الشافعية، ما لم يصرح به ~~عن أهله، وهو نقل له عند أبي الخطاب، قال: ويقبل قول الصحابي: هذا الخبر ~~منسوخ، ويرجع في تفسيره إليه. # قوله «وقول التابعي والصحابي، في ~~حياة الرسول، صلى الله عليه وسلم، وبعد موته» ، سواء، أي: قول الراوي: من ~~السنة، سواء كان تابعيا أو صحابيا، في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، ~~وبعد موته، سواء في أنه حجة؛ لأن كلا منهما أضاف السنة إلى من تقوم الحجة ~~بإضافتها إليه، وهو الرسول، ms0416 صلى الله عليه وسلم، لكن الحجة في قول الصحابي ~~أظهر منها في قول التابعي، لعدم الواسطة، وكونه شاهد ما لم يشاهد، وكونه ~~عدلا بالنص، بخلاف التابعي في ذلك كله. # وقولنا: «في حياة الرسول وبعد موته» هو تقسيم بالنسبة إلى الصحابي فقط؛ ~~لأنه الذي يصح أن يقول: من السنة، والرسول حي أو ميت. أما التابعي؛ فلا يصح ~~أن يقول ذلك غالبا إلا والرسول ميت؛ لأنه لو قاله والرسول حي، لكان صحابيا، ~~اللهم إلا من شذ من كبار التابعين، ممن عاصر الرسول ولم يلقه، ككعب ~~الأحبار، # PageV02P196 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وعبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي، ~~ونحوهما؛ فهؤلاء يمكن أن يسمعوا السنة من الصحابة، في حياة الرسول، صلى ~~الله عليه وسلم، ثم يقولون في حياته: من السنة كذا، إلا أنه بعيد جدا، ولم ~~نعلم وقع منه شيء. # قوله: «ثم قوله: كنا نفعل» ، هذه الرتبة الخامسة، وهي قول الصحابي: كنا ~~نفعل، أو كانوا يفعلون كذا. # نحو قول ابن عمر رضي الله عنهما: «كنا نفاضل على عهد رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم؛ فنقول: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان؛ فيبلغ ذلك رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم؛ فلا ينكره» . # PageV02P197 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وقوله: «كنا نخابر أربعين سنة» ، ~~يعني: نزارع مخابرة، كما عامل النبي صلى الله عليه وسلم، أهل خيبر في ~~مزارعة أرضهم. # «وقول عائشة: كانوا لا يقطعون في الشيء التافه» ، أي: لا يقطعون السارق ~~في الشيء اليسير، حتى يبلغ نصابا شرعيا. # قوله: «فإن أضيف» ، يعني قوله: كنا نفعل أو كانوا يفعلون، «إلى عهد ~~النبوة» ، بأن قال: كنا نفعل أو كانوا يفعلون على عهد رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، «دل على جوازه أو وجوبه» ، أي: جواز ما كانوا يفعلونه، أو وجوبه ~~«على حسب مفهوم لفظ الراوي» ، أي: على حسب ما فهم منه، ودل عليه من جواز، ~~أو وجوب، أو ندب. # PageV02P198 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وإنما قلنا: إنه يدل على جوازه أو ~~وجوبه؛ لأن ذكره في معرض الاحتجاج؛ يقتضي أنه بلغ النبي، صلى الله عليه ~~وسلم؛ فأقر عليه، وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم، حجة كما ms0417 سبق. # قوله: «وإلا لم يفد» ، أي: وإن لم يضف قوله: كنا نفعل وكانوا يفعلون، إلى ~~عهد النبوة، لم يفد أنه حجة، إذ الحجة في إقرار النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~وهو منتف في غير عهده؛ فيحتمل أنه رأي رآه جماعة منهم؛ فحكاه هذا الراوي ~~عنهم، ولفظه - وإن كان يقتضي اتفاق جميعهم عليه - غير أنه غير قاطع فيه، بل ~~هو مظنون؛ فلذلك ساغ خلافه. # قوله: «ثم قوله: كانوا يفعلون» ، إلى آخره. ليست هذه رتبة سادسة للفظ ~~الراوي؛ لأنها قد ذكرت في الرتبة الخامسة التي تكلمنا فيها آنفا، بل هو ~~كلام على هذه الصيغة، من حيث إنها هل تفيد الإجماع أم لا؟ # والكلام عليها أولا من حيث إنها حجة أم لا؟ والحجة أعم من الإجماع. # فالتقدير أن قول الراوي: كانوا يفعلون، إن أضيف إلى عهد النبوة؛ فهو حجة ~~إقرارية، وإن لم يضف إلى عهد النبوة؛ فليس حجة إقرارية. # وهل يكون حجة إجماعية؟ فيه خلاف. فهذا معنى قوله: كانوا يفعلون «لا يفيد ~~الإجماع عند بعض الشافعية» ، أي: لا يفيد إضافة الفعل المحكي إلى جميع أهل ~~الإجماع من ذلك العصر، ما لم يصرح بنقل الإجماع عن أهله، وهم أهل الحل ~~والعقد، «وهو نقل له» ، أي: هذا اللفظ، وهو قوله: كانوا يفعلون نقل للإجماع # PageV02P199 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # «عند أبي الخطاب» . # قلت: يشبه أن النزاع لفظي، وأنه إجماع ظني لا قطعي؛ لأن هذا اللفظ يفيد ~~إضافة الفعل إلى الجماعة ظنا لا قطعا. صرح به الآمدي في صيغة: كنا نفعل، ~~والصيغتان واحدة. ولقول أبي الخطاب قوة وظهور، من جهة أن الراوي؛ إنما يذكر ~~هذه الصيغة في معرض الاحتجاج، وهو إنما يحصل بفعل أهل الإجماع. # قوله: «قال» - يعني أبا الخطاب -: «ويقبل قول الصحابي: هذا الخبر منسوخ، ~~ويرجع في تفسيره إليه» ، هاتان مسألتان: # إحداهما: قبول قوله: هذا الخبر منسوخ؛ لأنه نص على الإخبار بالنسخ نصا ~~جازما؛ فيحمل على علمه به، دفعا للكذب عنه، والغش والتلبيس منه على الناس. # وقال الإمام فخر الدين: لا يقبل، لاحتمال كون ذلك اجتهادا منه. # وقال الكرخي: إن ms0418 قال: هذا الخبر نسخ ذاك الخبر، لم يقبل. وإن قال: هو ~~منسوخ، قبل؛ لأنه لم يجد للاجتهاد مجالا؛ فهو قاطع به. وضعف هذا إمام ~~الحرمين. # قلت: الاحتمال في قوله: هذا منسوخ، قائم؛ فهو يفيد النسخ ظنا لا قطعا. # المسألة الثانية: أنه يرجع في تفسير الخبر إلى الصحابي؛ لأنه أعلم بما ~~سمع، وسواء كان التفسير بقوله أو فعله كما فسر ابن عمر رضي الله عنهما ~~حديث: المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا. بتفرق الأبدان، حيث كان إذا باع أو ~~اشترى شيئا، # PageV02P200 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يمشي خطوات، ليلزم البيع، وحديث: ~~فإن غم عليكم فاقدروا له. بصومه يوم الغيم، وربما جاءت هذه فيما بعد إن شاء ~~الله تعالى. # تنبيه: قد بان من هذه الجملة؛ أن لألفاظ الصحابي خمس مراتب: # الأولى: أن يقول: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أو حدثني، ونحوه، ~~وهو يقتضي عدم الواسطة باتفاق. # الثانية: قوله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. # الثالثة: أن يقول أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، بكذا، أو نهى عن ~~كذا. وهاتان محمولتان على عدم الواسطة أيضا عند مالك والشافعي وأحمد. # الرابعة: قوله: أمرنا أو نهينا؛ فهو عند الثلاثة محمول على أمره عليه ~~السلام، خلافا للكرخي. # الخامسة: قوله: كنا نفعل، وكانوا يفعلون. إن أضيف إلى عهد النبوة؛ فهو ~~حجة إقرارية، وإلا فلا. # فأما قول الصحابي: عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم؛ فقيل: يحمل على ~~سماعه منه، وقيل: لا. # PageV02P201 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ومأخذ الخلاف أن (عن) معناها ~~المجاوزة؛ فمعنى قوله: عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، جاوز القول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلي، وهو أعم من أن يكون بواسطة أو غيرها؛ فمن رجح ~~تحسين الظن بالصحابي، حمله على السماع، ومن نظر إلى احتمال قيام الواسطة، ~~ورجح جانب الاحتياط، لم يحمله عليه. وهذان الوجهان في غير الصحابي؛ إذا ~~قال: عن فلان، ولم يعرف بتدليس، فإن عرف بتدليس؛ فالوجهان أيضا، لكن يصير ~~تدليسه قرينة مرجحة لعدم السماع، وكان قتادة مدلسا؛ فكان شعبة يراعي لفظه، ~~فإن قال: سمعت أنسا مثلا ms0419 كتب عنه، وإن قال: عن أنس، لم يكتب. # انتهى الكلام على مراتب لفظ الصحابي. # PageV02P202 # أما غير الصحابي؛ فلكيفية روايته مراتب: # إحداها: سماعه قراءة الشيخ، في معرض إخباره، ليروي عنه؛ فله أن يقول: ~~سمعت، وقال، وحدثني، وأخبرني فلان. # الثانية: أن يقرأ هو على الشيخ؛ فيقول: نعم، أو يسكت؛ فله الرواية، لظهور ~~الصحة والإجابة، خلافا لبعض الظاهرية، إلا مع مخيلة غفلة أو إكراه؛ فلا ~~يكفي السكوت، ثم له أن يقول: أخبرنا، وحدثنا فلان قراءة عليه، وبدون: قراءة ~~عليه، فيه روايتان: المنع، لإيهام ### | السماع # في لفظه، وهو كذب. والجواز؛ لأنه في معناه، وهذا كقول الشاهد على مقر ~~«بنعم» : أشهدني على نفسه بكذا وكذا. # وهل يجوز للراوي إبدال قول الشيخ: أخبرنا. «بحدثنا» ، أو عكسه، فيه ~~روايتان: الجواز، لاتحاد المعنى لغة. والمنع، لاختلافه اصطلاحا. # قوله: «أما غير الصحابي» ، يعني ~~كالتابعي ومن بعده، «فلكيفية روايته مراتب: إحداها: سماعه قراءة الشيخ، في ~~معرض إخباره، ليروي عنه» ، أي: سماع الراوي قراءة الشيخ للحديث، على جهة ~~إخباره للراوي أنه من روايته، ليروي الراوي عنه؛ فله، أي: فللراوي أن يقول: ~~سمعت فلانا، يعني شيخه المذكور، يقول: كذا، وله أن يقول: قال فلان، وحدثني، ~~وأخبرني فلان؛ لأن هذه الصيغ جميعها صادقة على السماع لغة، والسماع صادق ~~عليها. # المرتبة الثانية: أن يقرأ هو، يعني الراوي، على الشيخ؛ فيقول الشيخ: نعم، ~~أو يسكت؛ فله الرواية، عنه بذلك، لظهور الصحة والإجابة، أي: لأن قول # PageV02P203 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الشيخ: نعم، في سياق قراءة الراوي ~~عليه، ظاهر في أن رواية الشيخ للحديث صحيحة، وفي أنه أجاب الراوي إلى ~~الرواية عنه «خلافا لبعض الظاهرية» . # وظاهر كلام الشيخ أبي محمد، أن خلافهم فيما إذا سكت الشيخ، فلم يعترف، ~~ولم ينكر، بإشارة ولا عبارة؛ لأنه قال في دليله: ولنا: أنه لو لم يكن ~~صحيحا، لم يسكت؛ فحصر الدليل عليهم بحالة السكوت. وإنكار الرواية مع السكوت ~~محكي عن بعض المتكلمين أيضا، وكأنهم ذهبوا إلى أن الساكت لا ينسب إليه قول، ~~وإلى أن السكوت عدم الكلام؛ فلا يفيد ثبوت الرواية. # والجواب: أن الساكت مع ms0420 القرينة كالناطق، ولهذا كان إقرار النبي صلى الله ~~عليه وسلم، على الأقوال والأفعال والأحوال التي تنتهي إليه حجة، وإنما هو ~~عبارة عن السكوت مع قرينة الرضى. وسكوت الشيخ في معرض قراءة الراوي عليه، ~~يفيد الإخبار والإذن في الرواية عنه، وإلا كان تلبيسا في الدين، وهو فسق، ~~والأصل عدمه. # فأما إذا قرأ على الشيخ؛ فقال: نعم، أو قال: أخبرك فلان بكذا؛ فقال: نعم؛ ~~فلا يتجه فيه خلاف، ويكون كما لو سمع الراوي قراءة الشيخ يحدثه. # قوله: «إلا مع مخيلة غفلة، أو إكراه؛ فلا يكفي السكوت» ، يعني سكوت الشيخ ~~فيما إذا قرأ الراوي عليه، إن كان مع تنبهه فهو كاف في الرواية، وإن كان ثم ~~قرينة غفلة من الشيخ، أو إكراه له على الرواية، أو أمر يحيل ذلك، لم يكن ~~سكوته كافيا في الرواية، كما سبق في إقرار النبي عليه السلام، إن كان مع ~~علمه وقدرته # PageV02P204 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # على الإنكار، كان حجة، وإلا فلا. # قوله: «ثم له» ، أي: للراوي «أن يقول: أخبرنا فلان» ، و «حدثنا فلان ~~قراءة عليه» ؛ لأنه حكى حاله عند القراءة، وهو صادق؛ لأن خبره مطابق. ~~وبدون: «قراءة عليه» ، أي: إذا قال الراوي فيما قرأه على الشيخ وهو ساكت: ~~أخبرنا فلان بكذا، ولم يقل: «قراءة عليه» ؛ ففيه روايتان: # إحداهما: المنع، أي: ليس له ذلك؛ لأنه يوهم السماع من لفظ الشيخ، وهو كذب ~~في الرواية؛ فلا يجوز. # والثاني: جواز ذلك؛ لأنه في معناه، أي: سكوت الشيخ مع عدم المانع عند ~~قراءة الراوي عليه، هو في معنى سماع الراوي من لفظ الشيخ؛ فاقتصاره على ~~أخبرنا لا يكون كذبا في الحقيقة. # قوله: «وهذا كقول الشاهد على مقر ب نعم: أشهدني على نفسه بكذا وكذا» . ~~هذا تقوية للرواية الثانية، ومعناه: أن من قيل له: ألفلان عليك عشرة دراهم ~~مثلا؟ فقال: نعم، كان للشاهد عليه أن يقول: أشهدني على نفسه بعشرة دراهم، ~~مع أنه لا مستند لهذه الشهادة إلا قول المشهود عليه: نعم؛ فكذا في الرواية، ~~بل أولى؛ لأن حكمها أيسر من حكم الشهادة، والأصل في هذا ms0421 أن نعم حرف تقرير ~~لما قبله؛ فهو مقدر بعده؛ فقول الشيخ: نعم، تقديره: نعم أخبرني بكذا. وقول ~~المقر: نعم، تقديره: نعم له علي عشرة دراهم؛ فالجملة مرادة في الحكم ~~والتقدير، لكنها حذفت، لظهورها بقرينة الحال على مذهب العرب في الاختصار. # قوله: «وهل يجوز للراوي إبدال قول الشيخ: أخبرنا، بحدثنا أو عكسه» ، ~~يعني: # PageV02P205 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # إبدال قوله حدثنا بأخبرنا، يعني ~~إذا قال الشيخ المسمع مثلا: أخبرنا فلان بحديث كذا؛ فهل للراوي أن يقول: ~~حدثني شيخنا فلان، قال: حدثنا فلان بحديث كذا؟ فيه روايتان: إحداهما: ~~الجواز، لاتحاد المعنى في اللغة، إذ لا فرق فيها بين أخبرنا، وحدثنا، ~~وأنبأنا؛ لأنه مشتق من الخبر، والحديث، والنبأ، وهي واحدة. ذكره ابن فارس ~~في كتاب مفرد له في علم الحديث. # والرواية الثانية: المنع، لاختلاف مقتضى اللفظين اصطلاحا، أي: في اصطلاح ~~المحدثين؛ فإنهم يخصون لفظ حدثنا بما سمع من لفظ الشيخ، و # PageV02P206 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أخبرنا يصلح عندهم لذلك، ولما قرئ ~~على الشيخ؛ فأقر به؛ فالإخبار أعم من التحديث، وأنبأنا يطلقها المتأخرون ~~على الإجازة، والمتقدمون يطلقونها بمعنى أخبرنا أو حدثنا، والاصطلاح في كل ~~لفظ يقضي على وضعه اللغوي، ويقدم عليه، ولهذا كانت الحقيقة الشرعية مقدمة ~~على اللغوية، تقديما لاصطلاح الشرع على وضع اللغة. # PageV02P207 # الثالثة ### | : الإجازة، # نحو: أجزت لك أن تروي عني الكتاب الفلاني، أو ما صح عندك من مسموعاتي. ~~والمناولة، نحو: خذ هذا الكتاب فاروه عني، ويكفي مجرد اللفظ دون المناولة. ~~فيقول فيهما: حدثني، أو أخبرني إجازة، فإن لم يقلها؛ فقد أجازه قوم، وهو ~~فاسد، لإشعاره بالسماع منه، وهو كذب. ومنع أبو حنيفة وأبو يوسف الرواية ~~بهما، وفيه نظر، إذ الغرض معرفة صحة الخبر، لا عين الطريق. # ولو قال: خذ هذا الكتاب، أو: هو سماعي، ولم يقل: اروه عني. لم تجز روايته ~~عنه، كما لو قال: عندي شهادة بكذا؛ فلا يشهد بها؛ لجواز معرفته بخلل مانع، ~~وقد يتساهل الإنسان في الكلام، وعند الجزم به يتوقف. # ولا يروي عنه ما وجده بخطه، لكن يقول: وجدت بخط فلان كذا، وتسمى الوجادة. ~~أما إن قال: ms0422 هذه نسخة صحيحة بكتاب البخاري ونحوه، لم تجز روايتها عنه ~~مطلقا، ولا العمل بها، إن كان مقلدا، إذ فرضه تقليد المجتهد، وإن كان ~~مجتهدا؛ فقولان. # المرتبة «الثالثة: الإجازة، نحو» ~~قول الشيخ للراوي: «أجزت لك أن تروي عني الكتاب الفلاني، أو ما صح عندك من ~~مسموعاتي» . # «والمناولة: نحو» قوله: «خذ هذا الكتاب؛ فاروه عني» ؛ فهذا من طرق ~~الرواية، ومما يجوز به. # قوله: «ويكفي» - يعني في المناولة - «مجرد اللفظ، دون المناولة» ، أي: ~~دون أن يناوله الكتاب بيده؛ لأن الإذن إنما يستفاد من اللفظ، لا من إعطاء ~~الكتاب، # PageV02P208 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لأنه لو اقتصر على إعطائه الكتاب، ~~ولم يقل له: اروه عني، لم تجز الرواية، وإنما جازت بلفظ الإذن؛ فدل على أنه ~~المستقل بها، وإنما سمي هذا مناولة؛ لأن المحدثين اصطلحوا على أن أحدهم ~~يناول الآخر كتابا؛ فيقول: اروه عني، عادة واتفاقا، لا اشتراطا لإعطاء ~~الكتاب في المناولة، وحينئذ تصير المناولة نوع إجازة. # قوله: «فيقول فيهما» ، أي: في الإجازة والمناولة، يقول الراوي: حدثني ~~فلان إجازة، أو أخبرني فلان إجازة «فإن لم يقلها» ، أي: إن لم يقل إجازة، ~~بل اقتصر على قوله: حدثني، أو أخبرني، «فقد أجازه قوم» ؛ لأن الإجازة ~~والمناولة في معنى إسماع الشيخ، وقراءة الراوي عليه، «وهو» ، أي: هذا ~~القول، «فاسد» ؛ لأنه قوله: أخبرني فلان، يشعر بسماعه منه، وهو كذب؛ لأنه ~~لم يسمع منه شيئا. # قوله: «ومنع أبو حنيفة وأبو يوسف الرواية بهما» ، أي: بالإجازة ~~والمناولة، «وفيه» ، أي: فيما قالاه، «نظر» ؛ لأن الغرض من الرواية معرفة ~~صحة الخبر، لا عين طريقه التي هو ثابت بها، وذلك لأن طريق الحديث، وهو قول ~~الراوي: حدثنا فلان، عن فلان، إلى آخر السند، إنما هو وسيلة إلى معرفة صحة ~~الحديث، ومعرفة صحته مقصد، والقاعدة أن المقاصد إذا حصلت بدون الوسائل، ~~سقطت؛ لأنها ليست مقصودة لنفسها، ومعرفة صحة الخبر حاصلة بالإجازة ~~والمناولة؛ لأن المخبر عدل جازم بالإذن في الرواية، والظاهر أنه ما أذن إلا ~~فيما هو عالم بصحته وروايته له. # وقد صنف الخطيب البغدادي جزءا في الإجازة للمعدوم وذكر حججه ms0423 وأقوال # PageV02P209 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الناس فيه؛ فالإجازة للموجود أولى. # فائدة: جرت عادة المستجيزين في إجازاتهم أن يقولوا: المسئول من إنعام ~~المشايخ، أن يجيزوا لفلان وفلان وفلان ما صح عندهم من مسموعاتهم، إلى آخر ~~الإجازة. فالضمير في عندهم متردد بين أنه للمشايخ، أو للجماعة المستجيزين، ~~وهو لهم دون المشايخ؛ لأن المشايخ قد صح عندهم ما أجازوه، وإنما المراد: ما ~~صح عند المستجيزين أنه رواية المشايخ، جاز لهم أن يرووه. وقد نبهت على هذا ~~بقولي: «أو ما صح عندك من مسموعاتي» . # قوله: «ولو قال: خذ هذا الكتاب، أو: هو سماعي، ولم يقل: اروه عني، لم تجز ~~روايته» ، لما سبق من أن جواز الرواية، إنما يستفاد من الإذن فيها، وهو ~~مفقود ههنا؛ لأنه إنما أباح له أخذ الكتاب، أو أخبره أنه سماعه، وبالقياس ~~على ما لو قال الشاهد: عندي شهادة بكذا، ولم يقل له: اشهد بها؛ فإنه لا ~~يشهد بها ما لم يأذن له. # قوله: «لجواز معرفته بخلل مانع» . هذا تعليل لعدم جواز الرواية بمجرد ~~قوله: خذ هذا الكتاب، أي: لا يروي عنه بمجرد ذلك، لجواز معرفة الشيخ في ~~رواية الكتاب بخلل مانع منها. # قوله: «وقد يتساهل الإنسان في الكلام» . هو جواب سؤال مقدر، وهو أن يقال: ~~لو علم أن في روايته خللا، لما قال له: خذ هذا الكتاب، أو هو سماعي؛ لأنه ~~تغرير # PageV02P210 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # للسامع بالرواية عنه؛ فيكون غشا في ~~الدين. # والجواب: أن الإنسان قد يتساهل في الكلام، وعند العمل والجزم والتحقيق ~~يتوقف، وحينئذ لا يمتنع أن يقول له: خذ هذا الكتاب ليستفيد به نظرا، أو هو ~~سماعي، ترغيبا له في الرواية عنه لغيره، أو لذلك الكتاب بعينه، بشرط أن ~~يتحقق حال روايته له فيما بعد. # قوله: «ولا يروي عنه» ، أي: عن شيخه، أو عن غيره، «ما وجده بخطه» ، أي: ~~بخط الشيخ، بأن يقول: أخبرنا أو حدثنا؛ لأنه كذب، لكنه يقول: وجدت بخط فلان ~~كذا وكذا، «وتسمى الوجادة» ، وهي فعالة، من وجد الشيء يجده وجدانا: إذا ~~صادفه، ولقيه. # قوله: «أما إن قال: هذه نسخة صحيحة بكتاب ms0424 البخاري» ، إلى آخره. # أي: إن قال العدل: هذه نسخة صحيحة بكتاب البخاري، أو مسلم، أو الترمذي، ~~أو غيرها من دواوين السنة، ولم يقل: اروها عني، لم يجز للسامع روايتها عنه ~~مطلقا، أي: سواء كان مجتهدا، أو مقلدا، لعدم الإذن له في الرواية. # فأما العمل، فإن كان مقلدا، لم يجز له العمل بما فيها؛ لأن فرضه تقليد ~~المجتهد، لقصوره عن معرفة الحكم مع تعارض الأدلة، وإن كان مجتهدا؛ ففيه # PageV02P211 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قولان: # أحدهما: لا يجوز له العمل به، لعدم سماعه له. # والثاني: له العمل به، ويلزمه فيما يجب العمل به؛ لأن المحذور في العمل ~~بالحديث؛ إما من جهة ضعفه، أو من جهة الخطأ في دلالته، وكلاهما منتف ههنا. # أما الضعف فقد انتفى بقول العدل العارف: هذه نسخة صحيحة. # وأما الخطأ في الدلالة فمنتف لأن المجتهد عارف بتنزيل الأدلة منازلها، ~~وكيفية التصرف فيها، ولأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يحملون كتب الأحكام، ~~كصحف الصدقات وغيرها إلى البلاد؛ فكان الناس يعملون بما فيها، اعتمادا على ~~فهمهم لمضمونها، وشهادة حاملها بصحتها عن أمر الشرع. # PageV02P212 # ولا يروي عن شيخه ما شك في سماعه منه، إذ هو شهادة ~~عليه؛ فلو شاع المشكوك فيه في مسموعاته، ولم تتميز، لم يرو شيئا منها، ~~لجواز كون المشكوك فيه كلا منها، فإن ظن أنه واحد منها بعينه، أو أن هذا ~~الحديث مسموع له؛ ففي جواز الرواية اعتمادا على الظن خلاف. # قوله: «ولا يروي عن شيخه ما شك في ~~سماعه منه» ، يعني: الراوي إذا شك، هل سمع هذا الكتاب أو الحديث من شيخه، ~~لم يجز له أن يرويه عنه؛ لأن روايته عنه شهادة عليه، وشهادته عليه لا تجوز ~~مع الشك والتردد، بل لا بد فيها من الجزم والعلم؛ فلو شاع الحديث المشكوك ~~في سماعه في مسموعات الراوي، ولم تتميز، فلم يعلم: هل هو هذا الحديث أو ~~هذا؟ أو هل هو هذا الكتاب أو هذا؟ لم يرو شيئا من مسموعاته، لجواز أن يكون ~~المشكوك في سماعه كل واحد من الأحاديث أو الكتب التي هي ms0425 سماعه، لما سبق من ~~أن الرواية شهادة، وهي تعتمد العلم لا الشك. # ونظير هذه من مسائل الفقه. ما إذا اشتبهت أخته بأجنبيات، أو الميتة ~~بالمذكاة، لزمه اجتناب الجميع كما سبق. # قوله: «فإن ظن أنه واحد منها بعينه، أو أن هذا الحديث مسموع له؛ ففي جواز ~~الرواية اعتمادا على الظن خلاف» ، هذه مسألتان: # PageV02P213 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # إحداهما متعلقة بما قبلها، وهي ما ~~إذا شاع الحديث أو الكتاب المشكوك في سماعه في بقية مسموعاته، ولم يعلم ~~عينه، لكنه غلب على ظنه أنه واحد منها بعينه، هذا أو هذا أو هذا؛ ففي جواز ~~روايته قولان للناس: # أحدهما: يجوز اعتمادا على الظن، وهو مناط العمل. # والثاني: لا يجوز لانتفاء العلم قياسا على الشهادة. # المسألة الثانية: ظن أن هذا الحديث مسموع له، ولم يتحققه؛ ففيه القولان. # PageV02P214 # و ### | إنكار الشيخ الحديث غير قادح في رواية الفرع له، # وهو قول مالك والشافعي، وأكثر المتكلمين، وخالف الحنفية. لنا: عدل جازم؛ ~~فتقبل روايته، ويحمل إنكار الشيخ على نسيانه، جمعا بينهما، وقد روى ربيعة ~~بن أبي عبد الرحمن، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، «قضى باليمين مع الشاهد» . ثم نسيه سهيل؛ فكان بعد يقول: حدثني ~~ربيعة، عني، أني حدثته ولم ينكره أحد من التابعين. قالوا: هو فرع لشيخه في ~~الإثبات؛ فكذا في النفي. وكالشهادة. قلنا: ممنوع بما ذكرنا، وباب الشهادة ~~أضيق؛ فيمتنع القياس. # قوله: «وإنكار الشيخ الحديث غير ~~قادح في رواية الفرع له» ، إلى آخره. # اعلم أن إنكار الأصل لرواية الفرع: إما أن يكون مع الجزم بالإنكار، أو مع ~~التردد فيه. # فإن كان مع الجزم؛ فإما أن يكون إنكار تكذيب للفرع، أو لا، فإن كان إنكار ~~تكذيب للفرع؛ فحكى الآمدي الإجماع على أنه لا يقبل؛ لأن كل واحد منهما يكذب ~~الآخر؛ فأحدهما كاذب، لا بعينه. # وإن لم يكن إنكار تكذيب، أو كان إنكار الأصل غير جازم، بل كان شاكا في ~~رواية الفرع؛ فهو غير قادح فيها، ويجب قبوله والعمل به عندنا، و «هو قول ~~مالك، والشافعي، ms0426 وأكثر المتكلمين، وخالف الحنفية» ؛ فقالوا: لا يقبل. هكذا ~~يحكي بعض الأصوليين الخلاف مع الحنفية، ومذهبهم على ذلك، لردهم حديث ربيعة # PageV02P215 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بن أبي عبد الرحمن في الحكم بشاهد ~~ويمين. # والمذكور في «الروضة» و «المنتهى» ، و «التنقيح» أن الخلاف مع الكرخي ~~منهم. قال القرافي: مذهب أكثر أصحابنا والشافعية والحنفية: إذا شك الأصل في ~~الحديث، لا يضر ذلك، خلافا للكرخي. # قوله: «لنا: عدل جازم» ، إلى آخره. هذا دليل على قول الأكثرين. # وتقريره: أن الفرع عدل جازم بالرواية عن الأصل؛ فتقبل روايته عنه. وأما ~~إنكار الشيخ للرواية؛ فيحمل على نسيانه، أي: على أنه نسي أنه حدثه جمعا ~~بينهما أي: بين جزم الفرع بالرواية، وإنكار الشيخ لها. # وقد روى ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قضى باليمين مع الشاهد، ~~ثم نسيه سهيل، # PageV02P216 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فكان بعد ذلك يقول: حدثني ربيعة ~~عني، أني حدثته عن أبي، عن أبي هريرة رضي الله عنه، ولم ينكره أحد من ~~التابعين فيكون ذلك إجماعا. # فإن قيل: لعل سهيلا تذكر الحديث برواية ربيعة عنه، ومراجعته له في ذلك؛ ~~فتخرج قصته عن الاحتجاج بها في محل النزاع. # قلنا: لو كان كذلك، لما رواه بعد ذلك عن ربيعة، عنه، بل كان يرويه كما لو ~~لم ينس، عن أبيه، عن أبي هريرة، والنسيان متسلط على الإنسان؛ فيحمل الحال ~~عليه، وقد صنف الخطيب البغدادي جزءا فيمن حدث ونسي، لكثرة وقوع ذلك منهم. # قوله: «قالوا» هذا دليل الخصم، أي: قالوا: الفرع تبع لشيخه في إثبات ~~الحديث، بحيث إذا أثبت الشيخ الحديث، ثبت برواية الفرع؛ فكذلك يجب أن يكون ~~فرعا عليه، وتبعا له في النفي، بحيث إذا نفاه الشيخ، تنتفي رواية الفرع له، ~~وكالشهادة، فإن شاهد الأصل إذا أنكر الشهادة، أو تردد فيها، بطلت شهادة ~~الفرع. # قوله: «قلنا: ممنوع بما ذكرنا، وباب الشهادة أضيق؛ فيمتنع القياس» . هذا ~~جواب دليلهم. # وتقريره: أن ما ذكرتموه من أنه فرع على الشيخ في النفي، بالقياس ms0427 على ~~الإثبات، ممنوع بما ذكرنا، من أنه عدل جازم بالرواية، والجمع بين روايته، ~~وإنكار الشيخ، ممكن بما سبق، ولا يلزم من كونه فرعا في الإثبات، أن يكون ~~فرعا في النفي. # وأما القياس على الشهادة؛ فغير صحيح؛ لأن باب الشهادة أضيق من باب ~~الرواية، بدليل أن شهادة الفرع لا تسمع مع القدرة على شهادة الأصل، ~~والرواية # PageV02P217 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بخلاف ذلك، وبين البابين فروق ~~كثيرة، وحينئذ يمتنع القياس؛ لأن شرطه استواء الأصل والفرع، من الجهة التي ~~لأجلها القياس. # PageV02P218 # وإذا وجد سماعه بخط يثق به، وغلب على ظنه أنه سمعه، ~~جاز أن يرويه، وإن لم يذكر السماع، وهو قول الشافعي، خلافا لأبي حنيفة، ~~كالشهادة. # ولنا: أن مبنى الرواية على غلبة الظن، وقد وجد، ولهذا اعتمد الصحابة ~~وغيرهم على كتب النبي صلى الله عليه وسلم، في الصدقات وغيرها في أقطار ~~البلاد. والقياس على الشهادة ممتنع، ثم ممنوع. # قوله: «وإذا وجد سماعه بخط يثق به، ~~وغلب على ظنه أنه سمعه، جاز أن يرويه، وإن لم يذكر السماع» ، أي: وإن لم ~~يذكر حالة السماع؛ فيروي اعتمادا على وثوقه بالخط وظنه السماع، «وهو قول ~~الشافعي، خلافا لأبي حنيفة» ؛ فإنه قال: لا يجوز، قياسا على الشهادة. # «ولنا» على الجواز: «أن مبنى الرواية على غلبة الظن» ، إذ القطع ليس ~~معتبرا في الفروع، «وقد وجد» الظن؛ فيجوز الاعتماد عليه في الرواية والعمل ~~«ولهذا اعتمد الصحابة وغيرهم على كتب النبي صلى الله عليه وسلم، في الصدقات ~~وغيرها في أقطار البلاد» مع أنها لا تحصل إلا الظن، وقياس الرواية على ~~الشهادة ممتنع، لما بينهما من الفروق والسعة والضيق. وإن سلمنا صحة قياس ~~الرواية على الشهادة، لكن الحكم في الشهادة ممنوع، فإن لنا في الشاهد يجد ~~شهادته بخطه، أو الحاكم يجد حكمه بخطه، متيقنا أنه خطه، ولم يذكر حال ~~الشهادة والحكم أقوال النفي، والإثبات، والثالث: إن فارق خطه حرزه، لم ~~يشهد، ولم يحكم، وإلا شهد، وحكم؛ فنحن نمنع الحكم في الشهادة منعا مطلقا أو ~~مفصلا، والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV02P219 # التاسعة: الزيادة من الثقة المنفرد بها ms0428 مقبولة، لفظية ~~كانت أو معنوية، كالحديث التام وأولى. ولإمكان انفراده، بأن يكون عرض لراوي ~~الناقص شاغل، أو دخل في أثناء الحديث، أو ذكرت الزيادة في أحد المجلسين، ~~فإن علم اتحاد المجلس، قدم قول الأكثر عند أبي الخطاب، ثم الأحفظ، والأضبط، ~~ثم المثبت، وقال القاضي: فيه مع التساوي روايتان. # ### | المسألة «التاسعة: الزيادة من الثقة المنفرد بها مقبولة، # لفظية كانت» ، كقوله ربنا لك الحمد، ربنا ولك الحمد، فإن الواو زيادة في ~~اللفظ لا في المعنى، أو معنوية، أي: تفيد معنى زائدا، كقوله عليه السلام: ~~إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة، تحالفا وترادا، فإن الأكثرين لم ~~يذكروا: والسلعة قائمة. # PageV02P220 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «كالحديث التام وأولى» . هذا ~~دليل المسألة، وهو من وجهين: # أحدهما: القياس على قبول الحديث التام إذا انفرد به الثقة؛ فالزيادة أولى ~~بالقبول؛ لأنها غير مستقلة، بل تابعة لغيرها، وإذا قبل الحديث المستقل ممن ~~انفرد به؛ فغير المستقل أولى أن يقبل. # الوجه الثاني: أن انفراد الثقة بالزيادة ممكن، وقد أخبر به، وكل ممكن ~~أخبر به الثقة، وجب قبوله. # ولتوجيه إمكان انفراده بالزيادة طرق: # منها: أن يعرض لراوي الناقص شاغل عن سماع الزيادة، مثل أن بلغه خبر مزعج، ~~أو عرض له ألم، أو حاجة الإنسان، أو كانت له دابة على باب المجلس؛ فشردت؛ ~~فراح يتبعها؛ فانفرد غيره بالزيادة، كما روى عمران بن حصين رضي الله عنه، ~~قال: دخلت على النبي، صلى الله عليه وسلم، وعقلت ناقتي بالباب؛ فأتى ناس من ~~أهل اليمن؛ فقالوا: يا رسول الله، جئنا لنتفقه في الدين، ولنسألك عن أول ~~هذا الأمر ما كان، قال: كان الله ولم يكن معه شيء وكان عرشه على الماء، ثم ~~خلق السماوات # PageV02P221 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والأرض، وكتب في الذكر كل شيء، قال ~~عمران: ثم أتاني رجل؛ فقال: يا عمران أدرك ناقتك؛ فقد ذهبت؛ فانطلقت ~~أطلبها، فإذا السراب يتقطع دونها، وايم الله، لوددت أنها ذهبت، ولم أقم. # ومنها: أن راوي الناقص دخل في أثناء الحديث وقد فاته بعضه؛ فرواه من سمعه ~~دونه، كما روى عقبة بن عامر رضي الله عنه، قال: ms0429 كانت علينا رعاية الإبل؛ ~~فجاءت نوبتي أرعاها؛ فروحتها بعشي؛ فأدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~قائما يحدث الناس؛ فأدركت من قوله: ما من مسلم يتوضأ؛ فيحسن وضوءه، ثم ~~يقوم؛ فيصلي ركعتين، يقبل عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة؛ فقلت: ما ~~أجود هذا، فإذا عمر بن الخطاب بين يدي يقول: التي قبلها أجود، قال: ما منكم ~~من أحد يتوضأ؛ فيسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله. . . ~~الحديث، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء. # ومنها أن الحديث وقع في مجلسين، وفي أحدهما زيادة، ولم يحضره أحد ~~الراويين، وهذا كحديث أبي سعيد رضي الله عنه، حيث روى حديث الذي يمنيه الله ~~تعالى في الجنة؛ فيتمنى حتى تنقطع به الأماني؛ فيقول الله عز وجل: فإن لك ~~ما تمنيت ومثله معه؛ فقال أبو هريرة رضي الله عنه، وكان يسمع هذا الحديث من ~~أبي سعيد: فإن لك ما تمنيت وعشرة أمثاله؛ فقال أبو سعيد: لم أسمع إلا ومثله # PageV02P222 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # معه؛ فقال أبو هريرة: قد سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، يقول: وعشرة أمثاله؛ فهذا يحتمل أنهما كانا في ~~مجلس واحد، وأتى النبي صلى الله عليه وسلم، باللفظين أحدهما بعد الآخر، ~~بوحي، أو إلهام؛ فسمع أبو سعيد: ومثله معه وشغل بعارض عن سماع: وعشرة ~~أمثاله؛ فسمعها أبو هريرة، ويحتمل أنه كان في مجلسين، غاب أبو سعيد عن ~~أحدهما. هكذا في رواية لأحمد، وفيها: ثم قال أحدهما لصاحبه: حدث بما سمعت، ~~وأحدث بما سمعت. وله في رواية أخرى عن أبي سعيد: لك هذا وعشرة أمثاله، ~~كرواية أبي هريرة، ولعله لما ذكره، تذكر؛ فوافق. # ومن هذا الباب ما روى عروة بن الزبير، قال: قال زيد بن ثابت: يغفر الله ~~لرافع # PageV02P223 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ابن خديج، أنا والله أعلم بالحديث ~~منه - يعني حديث المزارعة - إنما أتاه رجلان من الأنصار، وقد اقتتلا؛ فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كان هذا شأنكم؛ فلا تكروا المزارع؛ فسمع ~~- يعني رافعا - قوله: لا تكروا المزارع. يعني: ولم ms0430 يسمع الشرط. # فإن علم اتحاد المجلس، أي: أن مجلس الحديث واحد، ووقعت الزيادة فيه من ~~بعض الرواة، قدم قول الأكثرين، سواء كانوا رواة الزيادة أو غيرهم، تغليبا ~~لجانب الكثرة؛ لأن الخطأ عنها أبعد، فإن استووا في الكثرة - أعني رواة ~~الزائد والناقص - قدم الأحفظ والأضبط؛ لأن الحفظ والضبط مما يصلح الترجيح ~~بهما، فإن استووا في الكثرة والحفظ والضبط، مثل أن كانوا عشرة؛ فروى ~~الزيادة منهم خمسة، ولم يتعرض لها الباقون، أو نفوها، قدم قول المثبت، لما ~~ذكرنا في تقديم الجرح على التعديل. # وقال القاضي أبو يعلى: فيه مع التساوي روايتان، أي: إذا تساووا في الكثرة ~~والحفظ والضبط، واختلفوا في الزيادة؛ ففيه قولان: # أحدهما: يقدم قول المثبت، لإخباره بزيادة علم. # والثاني: قول النافي؛ لأن الأصل عدم الزيادة. # قلت: الزيادة إما أن تنافي المزيد عليه، أو لا تنافيه، فإن نافته، احتيج ~~إلى الترجيح، لتعذر الجمع، كما في «الصحيحين» من حديث ابن عمر رضي الله ~~عنهما # PageV02P224 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # عن النبي صلى الله عليه وسلم: من ~~أعتق شركا له في عبد، وكان له من المال، ما يبلغ ثمنه بقيمة العدل ; فهو ~~عتيق، وإلا فقد عتق منه ما عتق. مع ما في الصحيح أيضا من حديث أبي هريرة: ~~من أعتق شقصا في مملوك، فخلاصه عليه في ماله إن كان له مال، فإن لم يكن له ~~مال، قوم قيمة عدل، ثم يستسعى في نصيب الذي لم يعتق، غير مشقوق عليه. فإن ~~زيادة الاستسعاء تنافي قوله في حديث ابن عمر رضي الله عنهما: وإلا فقد عتق ~~منه ما عتق. وهكذا مذهب الفقهاء، بعضهم ينفي الاستسعاء، وبعضهم يثبته. # PageV02P225 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وإن لم تناف الزيادة المزيد عليه، ~~لم يحتج إلى الترجيح بل يعمل بالزيادة إذا ثبتت، كما في المطلق والمقيد. ~~وكقول أنس رضي الله عنه: رضخ يهودي رأس جارية ; فرضخ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، رأسه بين حجرين. رواه بعضهم هكذا مطلقا، وبعضهم يقول: فأخذ ~~اليهودي ; فاعترف ; فرضخ رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأسه. وهي رواية ~~«الصحيحين» ، والترمذي، وغيرهم. # فائدة: قد تكون ms0431 الزيادة في الحديث رافعة للإشكال، مزيلة للإجمال ~~والاحتمال، وقد تكون دالة على إرادة القدر المشترك، لا على خصوصية الزيادة ~~أو ضدها. # مثال الأول: قوله عليه السلام: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث. ~~فاحتمل هذا اللفظ أنه لم يحمل الخبث، أي: يدفعه عن نفسه لقوته، كما يقال: ~~فلان لا يحمل الضيم، وهو تأويل الجمهور في أن القلتين لا تنجس ما لم تتغير، ~~وهو ظاهر اللفظ، واحتمل أنه لا يحمل الخبث، أي: يضعف عن حمله لضعفه، كما ~~يقال: المريض لا يحمل الحركة والضرب ; فجاء في لفظ أحمد وابن ماجه: إذا # PageV02P226 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء ; ~~فكان هذا رافعا لذلك الإجمال. # ومثال الثاني: ما ورد في حديث الولوغ: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم ; ~~فاغسلوه سبعا إحداهن بالتراب. وفي لفظ: أولاهن. وفي لفظ آخر: آخراهن ~~بالتراب. فالتقييد بالأولى والأخرى تضاد يمتنع الجمع فيه ; فكان ذلك دليلا ~~على إرادة القدر المشترك، وهو غسل واحد بتراب أيتهن كانت. # وقد تكون الزيادة دالة على أمور أخر، تعرف بالنظر في الحديث، واعتباره ~~بقوانين أصول الفقه، والله تعالى أعلم. # PageV02P227 # العاشرة: الجمهور على قبول مرسل الصحابي، وخالف قوم، ~~إلا أن يعلم بنصه أو عادته أنه لا يروي إلا عن صحابي، لجواز أن يروي عن غير ~~صحابي. # لنا: إجماعهم على قبول أحاديثهم، مع علمهم أن بعضهم يروي بواسطة بعض، ~~كحديثي أبي هريرة وابن عباس، وقال البراء بن عازب: ما كل ما حدثناكم به ~~سمعناه من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، غير أنا لا نكذب. والصحابي لا ~~يروي إلا عن صحابي، أو معلوم العدالة غيره ; فلا محذور. # أما ### | مرسل غير الصحابي، # كقول من لم يعاصر النبي صلى الله عليه وسلم: قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم. ومن لم يعاصر أبا هريرة: قال أبو هريرة ; ففيه قولان: القبول: وهو ~~مذهب مالك، وأبي حنيفة، واختاره القاضي وجماعة من المتكلمين. والمنع: وهو ~~قول الشافعي، وبعض المحدثين. # والخلاف هنا مبني على الخلاف في رواية المجهول، إذ الساقط من السند ~~مجهول، وقد تقدم ms0432 الكلام فيه. # ### | المسألة «العاشرة: الجمهور على قبول مرسل الصحابي» ، # وهو ما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم، بواسطة راو آخر لم يسمه، ~~«وخالف قوم» ; فقالوا: لا يقبل «إلا أن يعلم بنصه أو عادته، أنه لا يروي ~~إلا عن صحابي» ، أما إن لم يعلم ذلك منه، لم يقبل ما أرسله، لجواز أنه رواه ~~عن غير صحابي. # «لنا» على قبوله مطلقا: «إجماعهم على قبول أحاديثهم» ، أي: إجماع الصحابة ~~رضي الله عنهم، على قبول بعضهم حديث بعض، مع علمهم أن بعضهم يروي بواسطة ~~بعض، كحديثي أبي هريرة، وابن عباس السابقين في مراتب ألفاظ الصحابي، وهو ~~حديث: من أصبح جنبا فلا صوم له. حيث رواه أبو هريرة عن الفضل بن عباس، ~~وحديث ابن عباس: إنما الربا في النسيئة. حيث رواه عن أسامة بن زيد. # PageV02P228 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وقال البراء: ما كل ما حدثناكم به ~~سمعناه من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، غير أنا لا نكذب. يعني بل بعضنا ~~يروي بواسطة بعض ; لأن الصحابي لا يروي إلا عن صحابي، وهو معلوم العدالة ~~كما سبق، أو عن معلوم العدالة غير صحابي ; لأن الصحابة رضي الله عنهم أحوط ~~للدين من أن يرووا أحكامه عمن لا يعول عليه، وحينئذ لا محذور في مراسيلهم ; ~~لأن الواسطة عدل بكل حال. هذه أدلة «المختصر» في المسألة: # وهنا دليلان آخران: # أحدهما: في «الروضة» ، وهو أن الأمة أجمعت على قبول رواية ابن عباس، ~~ونظرائه من أصاغر الصحابة، مع إكثارهم، وإنما أكثر روايتهم عن أكابر ~~الصحابة. # كان ابن عباس يتردد إلى أبواب أكابر الصحابة، يأخذ العلم عنهم، ثم هو ~~تارة يسميهم، وتارة يرسل الرواية عن النبي، صلى الله عليه وسلم ; فقد صار ~~مرسل الصحابة مقبولا بالإجماع. ولا جرم، كان المخالف فيه شاذا. # الثاني: ما صح عن عمر رضي الله عنه أنه كان وجار له يتناوبان مجلس النبي، # PageV02P229 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # صلى الله عليه وسلم، هذا يوما، ~~وهذا يوما، ثم يخبر الحاضر منهما الغائب بما يكون في يومه. وهذا يدل على أن ~~بعضهم كان يروي عن بعض، وبواسطته، وقد ms0433 سبق هذا في عموم الدليل الأول. # «أما ### | مرسل غير الصحابي، # كقول من لم يعاصر النبي صلى الله عليه وسلم: قال النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، ومن لم يعاصر أبا هريرة: قال أبو هريرة» ; ففيه قولان: # أحدهما: «القبول، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، واختاره القاضي» أبو يعلى، ~~«وجماعة من المتكلمين» ، وجمهور المعتزلة. # والثاني: «المنع، وهو قول الشافعي، وبعض المحدثين» ، وأهل الظاهر، وهذا ~~نقل مطلق عن الشافعي، والنقل المفصل عنه أن الحديث إن كان من مراسيل ~~الصحابة، أو كان قد أسنده غير من أرسله، أو أرسله راو آخر من غير طريق ~~الأول - بمعنى اختلفت طرق إرساله - فيتعاضد بعضها ببعض، أو يكون المرسل قد ~~عرف من حاله أنه لا يروي عن غير عدل، أو عضده قول صحابي، أو قول أكثر أهل ~~العلم ; فهو حجة، وافقه على ذلك أكثر أصحابه، والقاضي أبو بكر. # PageV02P230 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وقال عيسى بن أبان: تقبل مراسيل ~~الصحابة، والتابعين، وتابعيهم، ومن هو من أئمة النقل، دون غيرهم. # قال الآمدي: والمختار قبول مراسيل العدل مطلقا. # قلت: التفصيل أحوط، والقبول مطلقا أسهل، وأكثر للأحكام. # قوله: «والخلاف هنا» ، أي: في مرسل غير الصحابي «مبني على الخلاف في ~~رواية المجهول» ; لأن المرسل هو الحديث الذي سقط من سنده راو ; فذلك الساقط ~~من السند مجهول، وجهالته هي التي أوجبت رده عند الخصم. وقد تقدم الكلام في ~~رواية المجهول، وبينا في صدر المسألة، أن الأشبه بظاهر الآية قبولها، بناء ~~على أن شرط القبول عدم العلم بالفسق، وإن كنا عند تقرير الأدلة التفصيلية ~~رجحنا المنع. # ومما يقوى به قبول المرسل مطلقا، هو أن العدل إذا قال: قال رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم ; فالظاهر منه أنه لم يقل ذلك إلا بعد علمه، أو ظنه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله، وذلك يستلزم عدالة الواسطة. ولو لم ~~يكن الظاهر منه ذلك، لكان غاشا للمسلمين، ملبسا في الدين، وذلك ينافي ~~العدالة. لكنا فرضناه عدلا، هذا خلف، بل المرسل ربما كان أقوى من المسند، ~~استدلالا بقول إبراهيم النخعي: إذا رويت ms0434 لكم عن عبد الله، وأسندت ; فقد ~~حدثني واحد عنه، وإذا أرسلت ; فقد حدثني جماعة # PageV02P231 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # عنه. # وعورض هذا بما سبق من أن الراوي قد يروي عن من لو سئل عن حاله، لضعفه، أو ~~سكت عنه، فإذا احتمل أن الواسطة في المرسل كذلك، سقط الاحتجاج به حتى يعلم. # ورد هذا بأن ما ذكرتموه فيما إذا كان المروي عنه معينا، ولم يجزم الراوي ~~بأن الرسول صلى الله عليه وسلم، قال كذا، بل قال: قال فلان: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: كذا ; فالعهدة هاهنا على المروي عنه، وعلى من بلغه ~~الحديث البحث عنه. # أما إذا لم يذكر المروي عنه، وجزم الراوي بإضافة الحديث إلى النبي، صلى ~~الله عليه وسلم ; فلا يتأتى ما ذكرتموه، بل يجب أن يكون عالما أو ظانا ثبوت ~~الحديث كما قررناه. # PageV02P232 # الحادية عشرة: الجمهور يقبل خبر الواحد: ### | فيما تعم به البلوى، # كرفع اليدين في الصلاة، ونقض الوضوء بمس الذكر، ونحوها - خلافا لأكثر ~~الحنفية ; لأن ما تعم به البلوى، تتوفر الداوعي على نقله ; فيشتهر عادة ; ~~فوروده غير مشتهر، دليل بطلانه. ولنا: قبول السلف من الصحابة وغيرهم خبر ~~الواحد مطلقا. وما ذكروه يبطل بالوتر، والقهقهة، وتثنية الإقامة، وخروج ~~النجاسة من غير السبيلين، إذ أثبتوه بالآحاد، ودعواهم تواتره واشتهاره غير ~~مسموعة، إذ العبرة بقول أئمة الحديث. ثم ما تعم به البلوى يثبت بالقياس ; ~~فبالخبر الذي هو أصله أولى. # و ### | فيما يسقط بالشبهات، # كالحدود - خلافا للكرخي ; لأنه مظنون ; فينهض شبهة تدرأ الحد، وهو باطل ~~بالقياس والشهادة، إذ هما مظنونان، ويقبلان في الحد. # وفيما يخالف القياس، خلافا لمالك. # وفيما يخالف الأصول أو معناها، خلافا لأبي حنيفة. # لنا: تصويب النبي صلى الله عليه وسلم، معاذا في تقديمه السنة على ~~الاجتهاد، واتفاق الصحابة على ذلك، ولأن الخبر قول المعصوم، بخلاف القياس. # قالوا: القائس على يقين من اجتهاده، وليس على يقين من صحة الخبر. # قلنا: ولا على يقين من إصابته. ثم احتمال الخطأ في حقيقة الاجتهاد، لا في ~~حقيقة الخبر، بل في طريقه ; فكان أولى بالتقديم. وأيضا ms0435 مقدمات القياس أكثر ~~; فالخطأ فيها أغلب. # ثم الوضوء بالنبيذ سفرا لا حضرا، وبطلان الوضوء بالقهقهة داخل الصلاة دون ~~خارجها، مخالف للأصول، وهو آحاد عند أئمة النقل، وقد قالوا به. # المسألة «الحادية عشرة: الجمهور: ~~يقبل خبر الواحد فيما تعم به البلوى» ، أي: فيما يكثر التكليف به «كرفع ~~اليدين في الصلاة، ونقض الوضوء بمس الذكر، # PageV02P233 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ونحوها» من أخبار الآحاد التي يكثر ~~التكليف بمقتضاها «خلافا لأكثر الحنفية» ، قالوا: «لأن ما تعم به البلوى ; ~~تتوفر الدواعي على نقله عادة ; فيشتهر عادة» فإذا ورد غير مشتهر، بل على ~~ألسنة الآحاد، دل على بطلانه، وإنما قلنا: إن الدواعي تتوفر على نقله ; ~~لأنه يجب على النبي صلى الله عليه وسلم، إشاعته، وإلا كان إخفاء للشرع، ~~وكتمانا للعلم، وإذا شاع، توفرت الدواعي على نقله ; فوجب اشتهاره عادة. # «ولنا» ، أي: على قبول خبر الواحد فيما تعم به البلوى، أن السلف من ~~الصحابة وغيرهم، قبلوا خبر الواحد مطلقا ; فيما تعم به البلوى وغيره، ~~كقبولهم خبر عائشة رضي الله عنها في الغسل من الجماع بدون الإنزال، وخبر ~~رافع بن خديج في المخابرة، وهما مما تعم به البلوى. # قوله: «وما ذكروه» ، إلى آخره. هذا نقض لدليل الخصم. # وتقريره: أن ما ذكرتموه من وجوب اشتهار ما تعم به البلوى عادة يبطل ~~بالوتر ; فإنكم أوجبتم الوتر، والوضوء بالقهقهة داخل الصلاة، واختاروا ~~تثنية # PageV02P234 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الإقامة في الصلاة، وأوجبوا الوضوء ~~بخروج النجاسة من غير السبيلين، وكل ذلك مما تعم به البلوى، بأخبار الآحاد، ~~وكذلك الغسل من غسل الميت تعم به البلوى، وإنما ثبت بخبر الواحد. # وقوله: «ودعواهم تواتره واشتهاره غير مسموعة، إذ العبرة بقول أئمة ~~الحديث» . # هذا جواب عن دعوى يدعيها الحنفية في الأخبار التي أثبتوا بها الأحكام، ~~وهي أنهم يزعمون أن الأخبار المذكورة تواترت عندهم، واشتهرت ; فما أثبتنا ~~ما تعم به البلوى إلا بخبر مشهور. # والجواب: أن هذه دعوى غير مسموعة ; لأن العبرة في اشتهار الخبر وعدمه، ~~وصحته وعدمها، بقول أئمة الحديث، لا بقولكم، والأحاديث المذكورة عند أئمة ~~الحديث آحاد، ثم ما تعم به البلوى يثبت ms0436 بالقياس، والقياس فرع للخبر، ~~ومستنبط منه ; فلأن يثبت بالخبر الذي هو أصل القياس أولى، ولهم أن يقولوا: ~~نحن إنما نثبته بالقياس الجلي، المستنبط من خبر مشهور ; فيكون القياس في ~~معنى أصله، فإن راعوا هذه القاعدة، لم يرد عليهم ما ذكرناه من ثبوت ما تعم ~~به البلوى بالقياس ; لأنهم لا يثبتونه بمطلق القياس، بل بقياس خاص. # فأما قولهم: يجب على النبي صلى الله عليه وسلم، إشاعة ما تعم به البلوى ; ~~فتتوفر الدواعي على نقله ; فيشتهر عادة. # فجوابه: أنا لا نسلم ذلك، وإنما كان يجب عليه الإشاعة، لو لم يكن الظن ~~كافيا في التعبد مطلقا، لكنه كاف في التعبد ; فلا تجب الإشاعة ولو سلمنا ~~وجوب # PageV02P235 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # إشاعته على النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، لكنا لا نسلم أن ذلك يقتضي توفر الدواعي على نقله واشتهاره، لجواز أن ~~يعلم الناس أن مناط تعبدهم الظن ; فيكتفوا من النقل بما يحصله، وهو الآحاد. # قوله: «وفيما يسقط بالشبهات» ، أي: ويقبل خبر الواحد ### | فيما يسقط بالشبهات، # كالحدود، «خلافا للكرخي» ، وأبي عبد الله البصري، قالا: «لأنه» ، أي: خبر ~~الواحد، «مظنون» ، أي: إنما يفيد الظن، «فينهض شبهة تدرأ الحد» ، لقوله ~~عليه السلام: ادرءوا الحدود بالشبهات. وهو، أي: ما ذكروه، «باطل بالقياس ~~والشهادة» ; فإنهما إنما يفيدان الظن، ومع ذلك يقبلان في الحد، وليس كل ~~شبهة # PageV02P236 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يدرأ بها الحد، والحديث مخصوص بصور ~~كثيرة، لم يؤثر فيها مطلق الشبهة، ثم ما ذكروه من درء الحد بالشبهة معارض ~~بالحكم بالظاهر، فإن خبر الواحد ظاهر، مغلب على الظن ثبوت الحد. وقد قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: نحن نحكم بالظاهر. ولو اعتبرت القواطع في ~~الحدود، لتعطلت، أو كثر وقوعها، وطمع مواقعوها. # قوله: «وفيما يخالف القياس» ، أي: ويقبل خبر الواحد فيما يخالف القياس، ~~«خلافا لمالك، وفيما يخالف الأصول» ، أو معنى الأصول، «خلافا لأبي حنيفة» . # واعلم أن الفرق بين المسألتين مما يستشكل ; فيقال: ما الفرق بين ما خالف ~~القياس وبين ما خالف الأصول؟ والحنفية يمثلونه بخبر المصراة، وهو أيضا ~~مخالف # PageV02P237 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # للقياس، إذ القياس ضمان المثلي ~~بمثله، والتمر ليس ms0437 مثلا للبن. # والجواب: أن القياس أخص من الأصول، إذ كل قياس أصل، وليس كل أصل قياسا ; ~~فما خالف القياس قد خالف أصلا خاصا، وما خالف الأصول، يجوز أن يكون مخالفا ~~لقياس، أو لنص، أو إجماع، أو استدلال، أو استصحاب، أو استحسان، أو غير ذلك. # فقد يكون الخبر مخالفا للقياس، موافقا لبعض الأصول. وقد يكون بالعكس، ~~كانتقاض الوضوء بالنوم، موافق للقياس من حيث إنه تعليق للحكم بمظنته، كسائر ~~الأحكام المعلقة بمظانها، وهو مخالف لبعض الأصول، وهو الاستصحاب، إذ الأصل ~~عدم خروج الحدث، وقد ذهب إلى ذلك بعض أهل العلم. # وقد يكون مخالفا لهما جميعا، كخبر المصراة، فإن القياس كما دل على ضمان ~~الشيء بمثله، كذلك النص والإجماع دل على ذلك، وقد يكون موافقا لهما، ~~كالآثار في تحريم النبيذ، موافقة لقياسه على الخمر، والنص على الإجماع على ~~تحريمها، والنص على تحريم كل مسكر. # والقسمة رباعية ; لأن الخبر إما أن يوافق القياس والأصول، أو يخالفهما، ~~أو يوافق أحدهما دون الآخر، وأصحابنا لم يتركوا حديث القهقهة لمخالفته ~~القياس، # PageV02P238 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بل لعدم صحته عندهم. # قوله: «لنا» ، أي: على تقديم الخبر على القياس، وإن خالف الأصول ومعناها ~~وجوه: # أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم، صوب معاذا في تقديمه السنة على ~~الاجتهاد، حيث قال له: بم تحكم؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: ~~بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي. ~~فصوبه في ذلك، وهو يقتضي تقديم الخبر على الاجتهاد والقياس مطلقا، وإن ~~خالفه، مع أنه لا يظهر فائدة تقديمه عليه إلا إذا خالفه. # الوجه الثاني: اتفاق الصحابة على ذلك، أي: على تقديم الخبر على الاجتهاد ~~; فإنهم إنما كانوا يصيرون إليه عند عدم النصوص، إذا وجدوها، تركوه إليها، ~~كما رجع عمر في غرة الجنين إلى حديث حمل بن مالك، وكان يفاضل بين دية ~~الأصابع، ويقسمها على قدر منافعها ; فلما بلغه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: في كل إصبع عشر من الإبل، رجع إليه، وكان بمحضر من الصحابة ; فلو ms0438 وجب ~~تقديم # PageV02P239 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # القياس لما أقروه على تركه. # الوجه الثالث: أن الخبر قول للمعصوم، بخلاف القياس ; فإنه اجتهاد ~~المجتهد، وليس بمعصوم، فإذا تعارض قول المعصوم، وقول من ليس بمعصوم، كان ~~قول المعصوم أولى بالتقديم ; لأن الخطأ فيه مأمون. # قوله: «قالوا: القائس على يقين من اجتهاده» ، إلى آخره. هذه معارضة لهذا ~~الوجه الثالث، وهي أيضا دليل مستقل للخصم. # وتقريره: أن القائس على يقين من اجتهاده ; لأنه يباشر النظر في أصل ~~القياس، وفرعه، وعلته، وحكمه، وليس على يقين من صحة الخبر، لتعدد الوسائط ~~بينه وبين الشارع، واتباع ما هو على يقين منه أولى من اتباع ما ليس على ~~يقين منه. # قوله: «قلنا» . هذا جواب الدليل المذكور. # وتقريره: أن القائس كما أنه ليس على يقين من صحة الخبر، كذلك هو ليس على ~~يقين من إصابته في القياس، وكونه على يقين من اجتهاده لا ينفع ; لأن ~~المقصود الإصابة، وليس على يقين منها. وأما الاجتهاد ; فهو أعم من أن يخطئ ~~أو يصيب، وإذا استوى الخبر والإصابة في أنه ليس على يقين من واحد منهما، ~~بقي ما ذكرناه من رجحان الخبر، بكونه قول المعصوم، سالما عن المعارض، وهو ~~أقوى في إفادة الظن من القياس. # PageV02P240 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «ثم احتمال الخطأ» ، إلى ~~آخره، هذا ترجيح آخر للخبر. # وتقريره: أن الخطأ ; وإن كان متطرقا إلى الاجتهاد والخبر جميعا، غير أن ~~احتمال الخطأ في حقيقة الاجتهاد، وهو: تحقيق الجامع في القياس، وإلحاق ~~الفرع بالأصل بواسطته، وليس احتمال الخطأ في حقيقة الخبر ; لأنه قول ~~المعصوم، وإنما احتمال الخطأ في طريق الخبر، بأن يكون فيه راو ضعيف أو علة ~~ما، وما كان الخطأ متطرقا إلى أمر خارج عنه، يكون أولى بالتقديم مما كان ~~الخطأ متطرقا إلى حقيقته. # قوله: «وأيضا مقدمات القياس أكثر ; فالخطأ فيها أغلب» . هذا ترجيح آخر ~~للخبر. # وتقريره: أن القياس يتوقف على مقدمات كثيرة، أكثر من المقدمات التي يتوقف ~~عليها الخبر، وذلك أن القياس يتوقف على معرفة الأصل والفرع، وتحقيق العلة ~~فيهما، ثم إلحاق الفرع بالأصل، وكل واحدة من هذه المقدمات يتطرق ms0439 الخطأ إلى ~~القياس منها. # وأما الخبر ; فإنما يتوقف على مقدمة واحدة، وهي النظر في السند، والخطأ ~~فيما كثرت مقدماته أغلب منه فيما قلت مقدماته ; فيكون أولى بالتقديم، خصوصا ~~إن كان سند الخبر قصيرا، كثلاثيات البخاري، ونحوها، فإن احتمال الخطأ هاهنا ~~يكون نادرا. # قوله: «ثم الوضوء بالنبيذ» ، إلى آخره. هذا نقض على الحنفية. # PageV02P241 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وتقريره: أنكم قد أوجبتم الوضوء ~~بالنبيذ في السفر دون الحضر، بشرطه عندكم، وأبطلتم الوضوء بالقهقهة داخل ~~الصلاة، دون خارج الصلاة، مع أن ذلك مخالف للأصول. # قوله: «وهو آحاد عند أئمة النقل» . هذا جواب عن سؤال مقدر لهم، وهو أنهم ~~يقولون: محل النزاع إنما هو قبول خبر الواحد فيما يخالف الأصول، وخبر ~~الوضوء بالنبيذ، وبطلان الوضوء بالقهقهة، ليس من أخبار الآحاد عندنا، بل هو ~~متواتر أو مستفيض، يصلح أن تترك الأصول لمثله، بخلاف خبر الواحد. # وجوابه ما ذكرناه، وهو: أنا لا نسلم أن ذلك متواتر ولا مستفيض، كما ~~ذكرتم، بل هو آحاد عند أئمة النقل، وبعضهم يضعفها، والاعتبار في النقل ~~بأئمته لا بكم. # وقد ذكر الترمذي أن حديث النبيذ لم يروه إلا أبو زيد، وهو كوفي مجهول. ~~وأما حديث القهقهة ; فهو من مراسيل أبي العالية، وفي إسناده ومتنه ما يمنع ~~الاحتجاج به، ثم هو معارض بأن أكثر الروايات الصحيحة فيه ; أن الأمر إنما ~~كان بإعادة الصلاة دون الوضوء. # تنبيه: هكذا وقع الكلام في هذه المسألة في «المختصر» تبعا لأصله، وذكر # PageV02P242 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الآمدي تفصيلا، وهو: أن خبر الواحد ~~إذا خالف القياس، فإن كان أحدهما أخص من الآخر، كان القياس مخصصا للخبر، ~~كما يأتي في العموم والخصوص إن شاء الله تعالى. ويكون الخبر مخصصا للقياس، ~~إن قلنا بجواز تخصيص العلة. # وإن لم يكن أحدهما أخص من الآخر، وتعارضا من كل وجه، وتعذر الجمع بينهما ~~; فالخبر مقدم عند الشافعي وأحمد، وكثير من الفقهاء، والقياس مقدم عند ~~مالك، والوقف مذهب القاضي أبي بكر، قال: والمختار أن علة القياس إن كانت ~~منصوصة ; فخبر الواحد أولى، إن قلنا إن التنصيص على العلة لا يخرج القياس ~~عن ms0440 كونه قياسا ; لأن دلالة خبر الواحد إما راجحة على دلالة نص العلة، أو ~~مساوية لها، أو مرجوحة بالنسبة إليها، وبتقدير رجحانها ومساواتها يكون ~~الخبر أولى، لدلالته على الحكم من غير واسطة، بخلاف نص العلة، إذ دلالته ~~بواسطة القياس، وإنما يترجح دلالة نص العلة إذا كانت راجحة على تقدير واحد، ~~وإن كانت العلة مستنبطة ; فالخبر أولى مطلقا، واستدل بخبر معاذ وغيره. # قلت: هذا تفصيل قد ذكرناه مجردا عن مثال، تكملة لما في «المختصر» ، ~~وأمثلته تطول، وربما تعددت، وذو الدربة يفهم مقصودها مجردة عن مثال، والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. # PageV02P243 # الثانية عشرة: تجوز رواية الحديث بالمعنى المطابق ~~للفظ، للعارف بمقتضيات الألفاظ، الفارق بينها. ومنع منه ابن سيرين، لقوله ~~عليه السلام: فأداها كما سمعها، «ولقوله عليه السلام» للبراء حين قال: ~~ورسولك الذي أرسلت: قل: ونبيك الذي أرسلت # ولنا: جواز شرح الحديث، والشهادة على الشهادة العربية بالعجمية، وعكسه ; ~~فهذا أولى. ولأن التعبد بالمعنى لا باللفظ، بخلاف القرآن. ولأنه جائز في ~~غير السنة ; فكذا فيها، إذ الكذب حرام فيهما. والراوي بالمعنى المطابق مؤد ~~كما سمع. ثم المراد منه: من لا يفرق، وليس الكلام فيه. وفائدة قوله عليه ~~السلام للبراء ما ذكر: عدم الالتباس بجبريل، أو الجمع بين لفظتي النبوة ~~والرسالة. # قال أبو الخطاب: ولا يبدل لفظا بأظهر منه ; لأن الشارع ربما قصد إيصال ~~الحكم باللفظ الجلي تارة، وبالخفي أخرى. # قلت: وكذا بالعكس، وأولى، وقد فهم هذا من قولنا: المعنى المطابق، والله ~~أعلم. # المسألة «الثانية عشرة: تجوز رواية ~~الحديث بالمعنى المطابق للفظ للعارف بمقتضيات الألفاظ، الفارق بينها» . # وتفصيل هذه الجملة: أن الراوي إما غير عالم بمقتضيات الألفاظ، والفرق ~~بينها، من جهة الإطلاق والتقييد، والعموم والخصوص ; فلا يجوز له الرواية ~~بالمعنى وإن كان عالما بذلك، فإن كان المعنى غير مطابق للفظ، لم يجز، وإن ~~كان مطابقا له، جاز. # PageV02P244 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قال القرافي: يجوز بثلاثة شروط: أن ~~لا يزيد الترجمة، ولا ينقص، ولا يكون أخفى من لفظ الشارع. # قلت: هذا هو معنى المطابقة. ومنع من ذلك، أي: من الرواية بالمعنى ابن ms0441 ~~سيرين، وجماعة من السلف، وهو اختيار أبي بكر الرازي، وأوجبوا نقل لفظ النبي ~~صلى الله عليه وسلم، على صورته، لقوله صلى الله عليه وسلم: نضر الله امرأ ~~سمع مقالتي فأداها كما سمعها. الحديث. وقد سبق في مسألة عدم اشتراط فقه ~~الراوي، وهو يقتضي نقل اللفظ بصورته. # وروى البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ~~إذا أخذت مضجعك ; فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: ~~اللهم # PageV02P245 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # إني أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري ~~إليك، وألجأت ظهري إليك، رهبة ورغبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، ~~آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت. فإن مت من ليلتك، مت على ~~الفطرة. قال: فرددتهن لأستذكرهن ; فقلت: آمنت برسولك الذي أرسلت ; فقال: ~~قل: آمنت بنبيك الذي أرسلت. متفق عليه، ورواه أبو داود، والنسائي والترمذي، ~~وقال: حديث حسن صحيح. فأنكر عليه إبدال لفظ النبي بالرسول، وهما متساويان، ~~وذلك يدل على اعتبار نقل اللفظ بصورته. # قوله: «ولنا» ، أي: على جواز الرواية بالمعنى كما قررناه وجوه: # أحدها: الإجماع على جواز شرح الحديث العربي بالعجمي، والعجمي بالعربي، ~~والشهادة على الشهادة العربية بالعجمية، والشهادة بالعجمية على الشهادة ~~العربية. # أي: إذا كان شاهد الأصل أعجميا، جاز أن يتحمل عنه الشهادة عربي، ويؤديها ~~بلسانه، وبالعكس: يؤدي العجمي عن العربي، وكذلك شرح الأحكام الشرعية ~~بلسانهم، وإذا جاز إبدال العربي بالعجمي ; فإبداله بعربي مثله يؤدي معناه ~~أولى # PageV02P246 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بالجواز. # الوجه الثاني: أن التعبد في الحديث بالمعنى ; لأنه المقصود، لا باللفظ، ~~بخلاف القرآن، فإن التعبد بمعناه للإبلاغ، وبلفظه للتلاوة والإعجاز. بدليل ~~الحروف المقطعة في أوائل السور ; فإنه ليس لها معنى يفهم ; فيمتثل، ونحن ~~متعبدون بلفظها، والأجر مترتب عليها، على كل حرف عشر حسنات، كسائر حروف ~~القرآن. # الوجه الثالث: أن تبديل اللفظ بما يؤدي معناه جائز في غير السنة، ~~كالتخاطب الجاري بين الناس ; فكذلك ينبغي أن يجوز في السنة ; لأن المحذور ~~من ذلك إنما هو الكذب، وهو حرام فيهما، أي: في السنة وغيرها من محاورات ~~الناس ms0442 بينهم. وقد جاز في أحدهما ; فليجز في الآخر. # قوله: «والراوي بالمعنى المطابق للفظ مؤد كما سمع» . هذا جواب عن دليل ~~الخصم، وهو القول بموجب الحديث، فإن اقتضى أن الراوي يؤدي الحديث كما سمعه، ~~والراوي بالمعنى المطابق يؤدي كما سمع. # وقولهم: الحديث يقتضي نقل اللفظ بصورته، قلنا: لا نسلم، بل نقل # PageV02P247 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المعنى ; لأنه المقصود، وإن ~~سلمناه، لكن يقتضيه وجوبا أو ندبا، والأول ممنوع، والثاني مسلم، ونحن نقول ~~به. «ثم المراد منه» ، أي: من الحديث المذكور، إن سلمنا أنه يقتضي نقل ~~اللفظ بصورته «من لا يفرق» بين مدلولات الألفاظ وليس الكلام فيه إنما ~~الكلام في العارف الفارق، الراوي باللفظ المطابق. # قوله: «وفائدة قوله عليه السلام للبراء ما ذكر» . هذا جواب عن حديث ~~البراء. # وتقريره: أن فائدة قوله عليه السلام له: قل: ونبيك الذي أرسلت إما عدم ~~الالتباس بجبريل ; فإنه رسول الله إلى الأنبياء ; فلو قال: وبرسولك، لالتبس ~~به، وإنما مقصوده ههنا الإيمان به عليه السلام ; لأنه يستلزم الإيمان ~~بجبريل وغيره، مما يجب الإيمان به، بخلاف العكس، أعني أن الإيمان بجبريل لا ~~يستلزم الإيمان بالنبي عليه السلام. # أو يكون فائدة ذلك الجمع في الحديث بين لفظي النبوة والرسالة، في قوله: ~~ونبيك الذي أرسلت، وإحداهما أعم من الأخرى، على ما سبق في شرح خطبة الكتاب، ~~والجمع بينهما أبلغ في الإيمان، وأفخم للرسول عليه السلام. # «قال أبو الخطاب: ولا يبدل - يعني الراوي بالمعنى - لفظا بأظهر منه ; لأن ~~الشارع ربما قصد إيصال الحكم» إلى المكلفين «باللفظ الجلي تارة» تسهيلا ~~للفهم عليهم، وباللفظ الخفي أخرى، تكثيرا لأجرهم، بإجادة النظر فيه. # «قلت: وكذا بالعكس وأولى» أي: كذلك لا يبدل لفظا بلفظ أخفى منه، وهو # PageV02P248 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أولى بعدم الجواز مما ذكره أبو ~~الخطاب ; لأن فيه تصعيبا لما سهل الشارع فهمه. # وقد فهم هذا من قولنا في أول المسألة: تجوز الرواية بالمعنى المطابق ; ~~لأن المطابق هو المساوي في العموم والخصوص ; فلا يكون أعم ولا أخص، وفي ~~الجلاء والخفاء ; فلا يكون أجلى ولا أخفى. والله تعالى أعلم. # PageV02P249 # ثم لما كان النسخ لاحقا ms0443 للكتاب والسنة جميعا، ~~عقبناهما به، وما ذكره الغزالي عذرا في تقديمه على السنة غير مرضي، والله ~~أعلم. # قوله: «ثم لما كان النسخ لاحقا ~~للكتاب والسنة جميعا، عقبناهما به» ، أي: ذكرنا النسخ عقيبهما، أي: بعد ~~انقضاء الكلام فيهما، وهذا توجيه لمناسبة ذكر النسخ بعدهما. # قوله: «وما ذكره الغزالي عذرا في تقديمه على السنة غير مرضي» ، وذلك لأن ~~الغزالي رحمه الله تعالى ذكر النسخ بعد الكلام على الكتاب، وقبل الكلام على ~~السنة، واعتذر عن ذلك بوجهين: # أحدهما: أن النسخ أخص بالقرآن لإشكاله وغموضه بالنسبة إليه، مع اشتباهه ~~بالبداء، واستحالة البداء على الله تعالى. # الوجه الثاني: أن الكلام على السنة طويل، لتعلقه ببيان أحكام التواتر ~~والآحاد، ومراتب ألفاظ الرواة، وغير ذلك ; فكأنه قصد بضم النسخ إلى القرآن ~~التعديل بينهما في المقدار، أي: أن يكون الكلام في القرآن والنسخ معادلا ~~للكلام في السنة مع طولها، تحقيقا أو تقريبا. # وإنما قلنا: إن ذلك غير مرضي ; لأن مقصده المذكور مع مناسبة وضع الأشياء ~~مواضعها، طردي محض ; فالمناسب متعين التقديم، والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV02P250 # القول في النسخ # وهو لغة: الرفع والإزالة، يقال: نسخت الشمس الظل، والريح الأثر، وقد يراد ~~به ما يشبه النقل، نحو نسخت الكتاب، واختلف في أيهما هو حقيقة، والأظهر أنه ~~في الرفع. # وشرعا: قالت المعتزلة: هو الخطاب الدال على أن مثل الحكم الثابت بالنص ~~المتقدم، زائل على وجه، لولاه لكان ثابتا، وهو حد للناسخ لا للنسخ، لكنه ~~يفهم منه. # وقيل: هو رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم، بخطاب متراخ عنه. # فالرفع: إزالة الحكم على وجه، لولاه لبقي ثابتا، كرفع الإجارة بالفسخ ; ~~فإنه يغاير زوالها بانقضاء مدتها. وبالخطاب المتقدم: احتراز من زوال حكم ~~النفي الأصلي، إذ ليس بنسخ. وبخطاب: احتراز من زوال الحكم بالموت والجنون ; ~~فليس بنسخ. واشتراط التراخي احتراز من زوال الحكم بمتصل، كالشرط، ~~والاستثناء، ونحوه ; فإنه بيان لا نسخ. # والأجود أن يقال: رفع الحكم الثابت بطريق شرعي، بمثله، متراخ عنه. ليدخل ~~ما ثبت بالخطاب، أو ما قام مقامه من إشارة، أو إقرار ; فيهما. # ### | «القول ms0444 في النسخ: # وهو لغة» - أي: في اللغة - الرفع والإزالة، يقال: نسخت الشمس الظل، ونسخت ~~الريح الأثر، أي: رفعته وأزالته ; لأن الشمس إذا قابلت موضع الظل، ارتفع ~~وزال، والريح إذا مرت على آثار المشي، ارتفعت وزالت. # قوله: «وقد يراد به» ، أي: بالنسخ، ما يشبه النقل نحو: نسخت الكتاب، فإن ~~نسخ الكتاب ليس نقلا لما في المنسوخ منه حقيقة، لبقائه بعد النسخ، # PageV02P251 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وإنما هو مشبه للنقل، من جهة أن ما ~~في الأصل صار مثله في الفرع، لفظا ومعنى. # ومن هذا الباب تناسخ المواريث، وهو انتقال حالها بانتقالها من قوم إلى ~~قوم، مع بقاء المواريث في نفسها. # قوله: «واختلف في أيهما هو حقيقة» ، أي: اختلف في النسخ، في أي المعنيين ~~هو حقيقة، هل هو حقيقة في الرفع والإزالة، أو في النقل وما يشبهه؟ وفيه ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه حقيقة فيهما بالاشتراك، وهو قول القاضي أبي بكر والغزالي ~~وغيرهما. # والثاني: أنه حقيقة في الرفع والإزالة، مجاز في النقل، وهو قول أبي ~~الحسين البصري وغيره. # والثالث: عكس هذا، وهو أنه حقيقة في النقل، مجاز في الإزالة، وهو اختيار ~~القفال. ذكر هذه الأقوال وأصحابها الآمدي. # قوله: «والأظهر أنه في الرفع» ، أي: الأظهر من هذه الأقوال أن النسخ ~~حقيقة في الرفع، مجاز في النقل، وإنما قلنا ذلك ; لأن التعارض في الأقوال ~~الثلاثة، قد وقع بين الاشتراك على القول الأول، وبين المجاز على القولين ~~الآخرين. والأظهر أن المجاز أولى من الاشتراك ; فيبقى الأمر دائرا بين ~~القولين الأخيرين، وهو أن النسخ حقيقة في الرفع، مجاز في النقل، أو في ~~العكس، والأول أظهر على ما في «المختصر» ، ووجهه أن الرفع أخص من النقل ; ~~فيكون أولى بحقيقة النسخ. # PageV02P252 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أما أن الرفع أخص من النقل ; فلأن ~~الرفع يستلزم النقل، والنقل لا يستلزم الرفع ; فيكون الرفع أخص، واعتبر ذلك ~~بالجواهر المحسوسة ; فإنك إذا رفعت حجرا من مكان، استلزم ذلك نقله عن ذلك ~~المكان، وقد يمكن أن يزول عن مكانه من غير رفع، بأن يعدمه الله سبحانه ~~وتعالى، ويقول له: كن عدما ; فيكون، مع ms0445 أنه لا رفع هناك، ولقائل أن يقول: ~~لا نسلم أنه لا رفع هناك، بل هناك رفع إلهي غير محسوس. # وأما أنه إذا كان الرفع أخص، كان أولى بحقيقة اللفظ ; فلأن الأخص أبين ~~وأدل وأوضح ; فيكون بالحقيقة أولى ; لأن الحقيقة تدل بدون قرينة، وذلك ~~لوضوحها، بكونها موضوعة لمعناها ; فحصل بذلك التناسب في الوضوح بين الأخص ~~والحقيقة ; فكان بها أولى. # وقد يعارض هذا بأن الأعم أكثر فائدة ; فيكون أولى ; بأن يكون حقيقة في ~~اللفظ. # أما أن الأعم أكثر فائدة ; فلأنه يشمل من الأفراد أكثر مما يشمله الأخص، ~~كالحيوان الذي يشمل من الأفراد أكثر مما يشمله الإنسان ; فيكون أكثر فائدة ~~بالضرورة. # وأما أنه إذا كان أكثر فائدة، كان أولى بحقيقة اللفظ ; فلأن الألفاظ وضعت ~~لإفادة المعاني ; فكلما كانت إفادتها للمعاني أكثر، كانت بالحقيقة أولى. # فإذا عرفت ما على المختار في «المختصر» من التوجيه والاعتراض ; فالتحقيق ~~هاهنا أن يقال: # الإزالة والنقل ; إما أن يكونا متساويين في العموم والخصوص ; فلا إشكال ; ~~لأنهما حينئذ مترادفان ; فيصح أن يقال: النسخ: الإزالة، والنسخ: النقل. أو ~~يكونا متفاوتين في العموم والخصوص ; فتكون الإزالة أولى بحقيقة النسخ من ~~النقل ; لأنه # PageV02P253 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أوفق لكلام أهل اللغة ; إذ كان ~~ترجيحا بالحقيقة من حيث عموم اللفظ وخصوصه، وقد وقع فيه التعارض كما بيناه ~~آنفا ; فيرجع إلى الترجيح اللغوي، وهو موافق لما ذكرناه، من أن النسخ حقيقة ~~في الإزالة. # قال الجوهري: نسخت الشمس الظل، وانتسخته: أزالته، ونسخت الريح آثار ~~الديار: غيرتها، ونسخت الكتاب وانتسخته واستنسخته: كله بمعنى، ونسخ الآية ~~بالآية: إزالة مثل حكمها ; فالثانية ناسخة، والأولى منسوخة، والتناسخ في ~~الميراث: أن يموت ورثة بعد ورثة، وأصل الميراث قائم لم يقسم. هذا الذي ذكره ~~في هذه المادة، وقد صرح فيه بلفظ الإزالة. # قلت: وإن جعل النسخ حقيقة في القدر المشترك بين الرفع والإزالة والنقل ~~وما يشبهه، وهو التغيير، كان أولى. وقد صرح الجوهري بلفظ التغيير فيما ~~ذكرناه. # وقد أطلت الكلام في هذا، وهو من رياضيات هذا العلم، لا من ضرورياته، كما ~~سبق في مبدأ اللغات. # قوله: ms0446 «وشرعا» ، أي: والنسخ في الشرع، قال المعتزلة: هو الخطاب الدال على ~~أن مثل الحكم الثابت بالنص المتقدم زائل على وجه، لولاه لكان ثابتا. # قوله: «وهو حد للناسخ، لا للنسخ» ، أي: تعريف النسخ بالخطاب الدال، إلى ~~آخره، غير مطابق ; لأن الخطاب ناسخ، لا نسخ، ولأن النسخ مصدر: نسخ # PageV02P254 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ينسخ نسخا، والخطاب ليس المراد به ~~مصدر خاطب خطابا، حتى يكون تعريف مصدر بمصدر، وهو مطابق في اللفظ، إنما ~~المراد بالخطاب القول الدال، كما سبق تحقيقه عند تعريف الحكم. # قوله: «لكنه يفهم منه» ، أي: تعريف النسخ يفهم من قولهم: الخطاب الدال ; ~~لأن الناسخ يستلزم النسخ، أو يدل عليه دلالة الفاعل على الفعل، أو المؤثر ~~على الأثر. # وتحقيق هذا المكان: أن النسخ من الألفاظ الإضافية، التي يدل اللفظ منها ~~على متعلقات له ; فلا بد فيه من ناسخ، ومنسوخ، ومنسوخ له، ومنسوخ به، ونسخ ~~; فيجب الكشف عن حقائق هذه الأمور، ليتميز بعضها من بعض. # فالناسخ في الحقيقة: هو الله سبحانه وتعالى ; لأنه الرافع للأحكام، ~~والمزيل لها، ويطلق الناسخ مجازا على اللفظ الذي يزيل اعتبار لفظ غيره، ~~وعلى الحكم الذي يرتفع به غيره، كما يقال: هذه الآية نسخت تلك، وهذا الحكم ~~نسخ ذلك الحكم، كما يقال: وجوب التوجه إلى الكعبة نسخ وجوب التوجه إلى بيت ~~المقدس. # والمنسوخ هو الحكم المرتفع بغيره كالتوجه إلى بيت المقدس. # والمنسوخ له علة النسخ، وهو المصلحة أو الحكمة المقتضية له، أو إرادة ~~الله سبحانه وتعالى لتلك الحكمة، فإن إرادة الله سبحانه وتعالى علة بعيدة، ~~والحكمة المقتضية للنسخ علة قريبة. # والمنسوخ به هو اللفظ، والحكم الرافع لغيره، كقوله تعالى: {فول وجهك} # PageV02P255 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # شطر المسجد الحرام [البقرة: 144] ، ~~الدال على التوجه إلى الكعبة، وهذا المنسوخ به، هو الذي سبق أنه يسمى ناسخا ~~مجازا. # والنسخ نسبة بين هذه المسميات، وهو استعمال الناسخ المنسوخ به، في إزالة ~~حكم المنسوخ. # فإذا عرفت هذا، عرفت أن تعريف النسخ بالخطاب الدال تعريف للنسخ بالناسخ، ~~ولكنه يفهم منه، لدلالته عليه كما ذكرنا. # قوله: «وقيل» ، أي، في تعريف النسخ: «هو رفع الحكم ms0447 الثابت بخطاب متقدم، ~~بخطاب متراخ عنه» . هذا تعريف آخر للنسخ، مطابق في اللفظ والمعنى ; لأن ~~الرافع مصدر، كما أن النسخ مصدر وليس هذا تعريفا للنسخ بالناسخ. # وقوله: «بخطاب متقدم» ، هو متعلق بالثابت. # وقوله: «بخطاب متراخ عنه» ، متعلق برفع الحكم. # وتقريره النسخ: هو أن يرفع بخطاب متراخ، حكم ثبت بخطاب متقدم. # ثم فسر الرفع بأنه إزالة الحكم على وجه، لولاه لبقي ثابتا، كرفع الإجارة ~~بالفسخ ; فإنه يغاير زوالها بانقضاء مدتها ; لأن فسخها قطع لدوامها، لسبب ~~خفي عن المتعاقدين عند ابتداء العقد، وانقضاء مدتها هو ارتفاع حكمها لسبب ~~علماه عند ابتداء العقد، وهو انقضاء الأجل ; فمن استأجر أرضا سنة، علم عند ~~ابتداء العقد أن عند انتهاء السنة، يرتفع حكم الإجارة، ولو انقطع ماء ~~الأرض، أو بانت مستحقة في أثناء السنة ; فللمستأجر الفسخ، مع عدم علمه عند ~~ابتداء العقد # PageV02P256 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بانقطاع ماء الأرض، واستحقاقها ; ~~فكذلك نسخ الحكم، هو قطع لدوامه، لا بيان انتهاء مدته في علم الله تعالى، ~~إذ ذلك لا يسمى نسخا، كما أن انقضاء مدة الإجارة لا يسمى فسخا. # وأورد على هذا أن النسخ لو كان قطعا لدوام الحكم، للزم منه تغير العلم ~~الأزلي، وهو محال. # وبيانه أن النسخ لا يكون قطعا لدوام الحكم ; إلا إذا كان الحكم مستمرا في ~~علم الله سبحانه وتعالى، كما لا يكون فسخ الإجارة قطعا لدوامها، إلا إذا ~~كانت مستمرة بحكم العقد إلى آخر المدة، ولو كان الحكم مستمرا في علم الله ~~تعالى، ثم انقطع قبل غايته بالنسخ، لزم تغير العلم الأزلي ; لأنه سبحانه ~~وتعالى يكون قد علمه مستمرا، وما استمر، بل انقطع بالنسخ ; فيلزم منه وقوع ~~خلاف العلم الأزلي، وهو محال. # ولهذا فر الأستاذ أبو إسحاق، وإمام الحرمين، وجماعة، إلى أن قالوا: النسخ ~~بيان انتهاء مدة الحكم. # واختاره الإمام فخر الدين في «المعالم» ، وحكاه عن أكثر العلماء، واختاره ~~القرافي. وهؤلاء يجعلون النسخ تخصيصا زمانيا، أي: أن الخطاب الثاني بين أن ~~الأزمنة بعده لم يكن ثبوت الحكم فيها مرادا من الخطاب الأول، كما أن ~~التخصيص في الأعيان ms0448 كذلك، وربما وقع التعرض لما يتعلق بهذا في أثناء الكلام ~~إن شاء الله تعالى. # قوله: «وبالخطاب المتقدم احتراز» ، إلى آخره هذا بيان احترازات وقعت في ~~الحد المذكور: # PageV02P257 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أحدها: قولنا: رفع الحكم الثابت ~~بخطاب متقدم: احتراز من زوال حكم النفي الأصلي ; فإنه ليس بنسخ، كما نقول: ~~الأصل براءة الذمة ; فهذا حكم ثبت بالنفي الأصلي، فإذا أثبتنا في الذمة حقا ~~بشاهدين، أو غير ذلك من البينات الشرعية ; فقد رفعنا حكم براءة الذمة، ~~وشغلناها بالحق، مع أن هذا ليس بنسخ ; لأن الحكم المرفوع هاهنا ليس ثابتا ~~بخطاب متقدم، بل بالنفي الأصلي. ومعنى النفي الأصلي: هو البقاء على حكم ~~العدم في المحدثات قبل وجودها. # الاحتراز الثاني: قولنا: رفع الحكم بخطاب: احتراز من زوال الحكم بالموت ~~والجنون، فإن من مات، أو جن، انقطعت عنه أحكام التكليف، وليس ذلك بنسخ ; ~~لأن انقطاع الأحكام عنهما لم يكن بخطاب، وكذلك ارتفاع حكم الصوم بمجيء ~~الليل، وحكم الفطر بمجيء النهار ليس نسخا ; لأنه لم يكن بالخطاب، بل ~~بانتهاء غاية الحكم، وانقضاء وقته، ويلزم من عرف النسخ بانتهاء مدة الحكم، ~~أن يجعل دخول الليل نسخا للصوم ; لأن بدخوله بان انتهاء مدة الصوم، لكن لم ~~يسم الأصوليون ذلك نسخا. # الاحتراز الثالث: اشتراط التراخي في الخطاب الرافع، حيث قلنا: رفع الحكم ~~بخطاب متراخ: احتراز من زوال الحكم بخطاب متصل، كالشرط والاستثناء، نحو: ~~أنت طالق إن دخلت الدار، فإن قوله «إن دخلت الدار» قد رفع حكم عموم وقوع ~~الطلاق، الذي دل عليه: أنت طالق. وقوله: أنت طالق ثلاثا إلا واحدة، هذا ~~الاستثناء رفع عموم الطلاق الثلاث، حتى رده إلى اثنتين. وقوله # PageV02P258 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # تعالى: {فلا تحل له من بعد حتى ~~تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] ; فالغاية المذكورة رفعت عموم التحريم ; ~~فهذا كله وأمثاله ليس بنسخ ; لأنه وإن كان رفعا لحكم بخطاب، لكن ذلك الخطاب ~~غير متراخ ; فهو تخصيص لا نسخ، وهو معنى قولنا: فإنه بيان لا نسخ ; لأن ~~التخصيص بيان، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. # قوله: «والأجود» ، أي: في تعريف النسخ، «أن يقال: رفع الحكم ms0449 الثابت بطريق ~~شرعي، بمثله متراخ عنه» ، وإنما كان هذا أجود، لما ذكرنا من أنه يتناول ما ~~ثبت بالخطاب، أو ما قام مقامه من إشارة أو إقرار فيهما، أي: في المنسوخ ~~والناسخ، فإن كل واحد منهما ثبت تارة بالخطاب، وتارة بما قام مقام الخطاب، ~~ورفع ذلك، والرفع به يسمى نسخا، ولو اقتصرنا على قولنا: رفع الحكم بالخطاب، ~~كما سبق في التعريف الأول، لخرج منه ما ثبت بغير الخطاب، كالإشارة، والفعل، ~~والإقرار، أعني: التقرير الذي هو أحد أقسام السنة، كما سبق فيها ; فلا يكون ~~الحد جامعا. # قوله: «بطريق شرعي بمثله» ، أي: بطريق شرعي مثله، والقول في تعلق الجار ~~والمجرور ههنا، كالقول فيه في التعريف السابق، وهو أن «بطريق شرعي» يتعلق ~~بالثابت، وبمثله يتعلق «برفع» . # فالتقدير: أن النسخ: هو أن يرفع بطريق شرعي، حكم ثبت بطريق شرعي. # واختار لفظ الطريق الإمام فخر الدين في «المحصول» ; لأنه أعم من الخطاب ~~كما بينا. # وأما اشتراط التراخي في النسخ ; ففائدته الاحتراز من تهافت الكلام ~~وتناقضه في قوله القائل: افعل، لا تفعل. وصل، لا تصل. وقال الآمدي: المختار ~~في النسخ # PageV02P259 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أنه خطاب الشارع، المانع من ~~استمرار ما ثبت من حكم خطاب شرعي سابق. # قلت: ويرد عليه ما سبق، من عدم الجمع باستعمال خصوص لفظ الخطاب، دون عموم ~~لفظ الطريق. # PageV02P260 # وأورد على تعريفه بالرفع: أن الحكم ; إما ثابت ; فلا ~~يرتفع، أو غير ثابت ; فلا يحتاج إلى الرفع، ولأن خطاب الله تعالى قديم ; ~~فلا يرتفع. ولأنه إن كان حسنا ; فرفعه قبيح، ويوجب انقلاب الحسن قبيحا، ~~وإلا فابتداء شرعه أقبح. ولأنه يفضي إلى أن يكون المنسوخ مرادا غير مراد ; ~~فيتناقض. ولأنه يوهم البداء، وهو على الله تعالى محال. # وأجيب عن الأول: بأنه ثابت، وارتفاعه بالناسخ مع إرادة الشارع، أو ~~بانتهاء مدته، غير ممتنع قطعا. وعن الثاني: بأنه ساقط عنا، على ما ذكرناه ~~في تعريف الحكم. وعلى القول بتعريفه بالخطاب القديم: إن المرتفع التعلق. ~~أو: إن ما كان الإتيان به لازما للمكلف، زال. وعن الثالث: أنه من فروع ~~التحسين والتقبيح العقليين، ms0450 وهو ممنوع، بل حسنه شرعي ; فيجوز وجوده في وقت ~~دون وقت ; فإذن انقلابه قبيحا ملتزم. والتناقض مندفع بأن الإرادة تعلقت ~~بوجوده قبل النسخ، وبعدمه بعده. والبداء غير لازم، للقطع بكمال علم الله ~~تعالى، بل علم المصلحة فيه تارة ; فأثبته، والمفسدة تارة ; فنفاه، رعاية ~~للأصلح، تفضلا منه لا وجوبا، أو امتحانا للمكلفين بامتثال الأوامر ~~والنواهي. # قوله: «وأورد على تعريفه بالرفع» ، ~~إلى آخره. معناه أن تعريف النسخ بأنه رفع الحكم، يرد عليه إشكالات: # أحدها: أن الحكم قبل النسخ إما ثابت، أو غير ثابت، فإن كان ثابتا، لم ~~يمكن رفعه بالناسخ ; لأنه ليس ارتفاع الحكم الثابت بالحكم الطارئ، بأولى من ~~اندفاع الطارئ بالثابت، بل هذا أولى، لاستقرار الثابت وتمكنه ; فيكون ~~الناسخ الطارئ دخيلا عليه، بمثابة الغريب إذا دخل غير وطنه ; فهو أضعف من ~~صاحب الوطن، وإن كان غير ثابت، لم يحتج إلى الرفع، بل هو مرتفع بنفسه. # الثاني: أن خطاب الله سبحانه وتعالى قديم، والقديم لا يصح رفعه ; لأن ~~الرفع # PageV02P261 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # نقل، وإزالة، وتغيير كما سبق، وكل ~~ذلك محال على القديم. # الثالث: أن الحكم المنسوخ ; إما أن يكون حسنا أو قبيحا، فإن كان حسنا، ~~امتنع رفعه، لوجهين: # أحدهما: أن رفع الحسن قبيح. # الثاني: أن رفعه يوجب انقلاب الحسن قبيحا، إذ لولا قبحه لما رفع. # والتقدير: أنه قبل رفعه حسن ; فلزم من ذلك انقلاب الحسن قبل النسخ قبيحا ~~بعده، لكن هذا قلب للحقائق، وهو محال، وإن كان قبيحا ; فابتداء شرعه أقبح ~~من رفع الحسن ; لأن رفع الحسن هو تفويت خير، وشرع القبيح إيقاع شر، وهو ~~أقبح ; لأن إيقاع الشر مضر، وتفويت الخير قد لا يضر. # الرابع: أن رفع الحكم يفضي إلى أن يكون الحكم مرادا لله عز وجل، غير مراد ~~له، وذلك تناقض. # وبيان ذلك: أنه من حيث أثبته، قد أمر به وأراده، ومن حيث رفعه، قد نهى ~~عنه ولم يرده ; فلزم أن يكون مرادا، غير مراد. # الخامس: أن النسخ يدل على البداء، وهو أن الشارع بدا له ما كان خفي عنه، ~~حتى نهى عما ms0451 أمر به، أو أمر بما نهى عنه، لكن البداء على الشارع محال. # قوله: «وأجيب عن الأول» ، إلى آخره، هذه أجوبة الإشكالات المذكورة. # فالجواب عن الأول - وهو قولهم: الحكم إما ثابت ; فلا يرتفع، أو غير ثابت، # PageV02P262 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فلا يحتاج إلى الرفع - هو أن يقال: ~~الحكم ثابت، لكن ارتفاعه غير ممتنع قطعا ; إما بانتهاء مدته، كما اختاره ~~الإمام وأصحابه، أو بالناسخ مع إرادة الشارع، وإنما قلنا: إنه غير ممتنع ~~قطعا ; لأنه لا يلزم من فرض وقوعه محال لذاته، ولا لغيره. # قولهم: ليس ارتفاع الثابت بالطارئ أولى من اندفاع الطارئ بالثابت. # قلنا: بل هذا أولى لقوة الوارد، ولهذا يتأثر الماء بورود النجاسة عليه، ~~دون وروده عليها. # والجواب «عن الثاني» - وهو قولهم: خطاب الله تعالى قديم فلا يرتفع -: هو ~~أنه ساقط عنا، على ما ذكرناه في تعريف الحكم، بأنه مقتضى الخطاب، لا نفس ~~الخطاب ; فالمرتفع بالنسخ مقتضى الخطاب القديم، لا نفس الخطاب القديم. # قوله: «وعلى القول بتعريفه بالخطاب القديم» . إلى آخره، أي: وإن عرفنا ~~الحكم بالخطاب القديم ; فالجواب عما ذكرتموه من وجهين: # أحدهما: أن المرتفع بالنسخ تعلق الخطاب بالمكلف، لا نفس الخطاب، كما يزول ~~تعلق الخطاب به، لطريان العجز والجنون، ثم يعود التعلق بعود القدرة والعقل، ~~والخطاب في نفسه لا يتغير. # الوجه الثاني: أن نقول: معنى ارتفاع الحكم: هو أن ما كان الإتيان به ~~لازما للمكلف زال، وذلك ليس بمحال، ولا مستلزم لارتفاع الخطاب القديم، وهذا ~~الوجه والذي قبله متقاربان، أو سيان. # والجواب «عن الثالث» - وهو قولهم: إن كان الحكم حسنا ; فرفعه قبيح، وإلا ~~; فابتداء شرعه أقبح -: هو «أنه من فروع التحسين والتقبيح العقليين، وهو ~~ممنوع» # PageV02P263 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # كما سبق تقريره، «بل حسنه» ، أي: ~~حسن الحكم، «شرعي» ، أي: ثابت بالشرع كما سبق تقريره أيضا، «فيجوز وجوده في ~~وقت دون وقت» باعتبار ورود أمر الشرع به، ونهيه عنه، «فإذن انقلابه قبيحا ~~ملتزم» ، أي: فإن كان حسن الحكم شرعيا كما ذكرنا ; فنحن نلتزم جواز انقلابه ~~قبيحا، إذ معناه - على قولنا - أن الشرع أمر بهذا الحكم، ثم نهى عنه، ولا ms0452 ~~معنى لحسنه وقبحه عندنا إلا هذا، ولا مجال فيه ; فمعنى انقلاب الحسن قبيحا: ~~هو صيرورة المأمور به منهيا عنه لمصلحة. # والجواب عن الرابع - وهو قولهم: يفضي إلى أن يكون المنسوخ مرادا، غير ~~مراد ; فيتناقض، بأن التناقض مندفع، وذلك لأن الإرادة تعلقت بوجوده قبل ~~النسخ، وبعدمه بعده، والتناقض إنما يكون مع اتحاد وقت التعلق. أما إرادة ~~وجود الشيء وعدمه في وقتين ; فلا تناقض فيه. # والجواب عن الخامس - وهو لزوم البداء - فإنه غير لازم للقطع، أي: لأنا ~~نقطع بكمال علم الله تعالى، والبداء ينافي كمال العلم ; لأنه يستلزم الجهل ~~المحض ; لأنه ظهور الشيء بعد أن كان خفيا. # وهو مصدر بدا يبدو بداء. قال الجوهري: بدا له في هذا الأمر بداء ممدود، ~~أي: نشأ له فيه رأي، وإذا ثبت استحالة البداء على الله سبحانه وتعالى ; ~~فتوجيه النسخ: هو أن الله سبحانه وتعالى علم المصلحة في الحكم تارة ; ~~فأثبته بالشرع، وعلم المفسدة فيه تارة ; فنفاه بالنسخ، ولذلك فائدتان: # PageV02P264 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # إحداهما: رعاية الأصلح للمكلفين، ~~تفضلا من الله عز وجل لا وجوبا. # الفائدة الثانية: امتحان المكلفين بامتثالهم الأوامر والنواهي، خصوصا في ~~أمرهم بما كانوا منهيين عنه، ونهيهم عما كانوا مأمورين به، فإن الانقياد له ~~أدل على الإيمان والطاعة، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. # PageV02P265 # ثم هنا مسائل: # الأولى: وقع النزاع في جواز النسخ عقلا وشرعا، وفي وقوعه، والكل ثابت. # أما الجواز العقلي، خلافا لبعض اليهود ; فدليله ما سبق من جواز دوران ~~الحكم مع المصالح، وجودا وعدما، كغذاء المريض، وأيضا الوقوع لازم للجواز، ~~وقد حرم نكاح الأخوات بعد جوازه في شرع آدم، والجمع بين الأختين بعد جوازه ~~في شرع يعقوب، وقوله تعالى: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت ~~لهم} ، وهو حقيقة النسخ. # وأما الشرعي ; فقوله تعالى: {ما ننسخ من آية} ، {وإذا بدلنا آية مكان ~~آية} ، ونسخ الاعتداد بالحول بأربعة أشهر وعشر، والوصية للوالدين بآية ~~الميراث، وخالف أبو مسلم، لقوله: {لا يأتيه الباطل} ، والنسخ إبطال، وليس ~~بشيء، إذ المراد لا يلحقه الكذب، ثم الباطل غير الإبطال. # «ثم هنا ms0453 مسائل» ، أي: لما فرغ ~~الكلام على حد النسخ، نذكر ههنا مسائله إن شاء الله تعالى. # المسألة «الأولى: وقع النزاع» بين الناس في «جواز النسخ عقلا وشرعا، وفي ~~وقوعه» ، أي: اختلف الناس في النسخ، والخلاف ; إما في جوازه، أو في وقوعه. # والخلاف في جوازه ; إما عقلا، أو شرعا، وقد اتفق أهل الشرائع على جوازه ~~عقلا، ووقوعه سمعا، إلا الشمعونية من اليهود ; فإنهم أنكروا الأمرين، وأما ~~العنانية منهم، وأبو مسلم الأصفهاني من المسلمين ; فإنهم أنكروا جواز النسخ # PageV02P266 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # شرعا، لا عقلا. # قوله: «والكل ثابت» ، أي: جواز النسخ عقلا وشرعا ووقوعه. # «أما الجواز العقلي - خلافا لبعض اليهود» ، وهم الشمعونية الذين ذكرناهم ~~- «فدليله» ، أي: فدليل الجواز العقلي، من وجهين: # أحدهما: «ما سبق من جواز دوران الحكم مع المصالح وجودا وعدما» ، أي: يجوز ~~وجود الحكم لوجود المصلحة فيه، وينتفي لانتفائها كغذاء المريض فإنه يختلف ~~في كيفيته، وكميته، وزمانه، لاختلاف المصالح في ذلك، حتى إن الطبيب ينهاه ~~اليوم عما يأمره به غدا، ويأمره بتقليل الغذاء وتلطيفه اليوم، ويأمره ~~بتكثيره وتغليظه غدا، لما ذكرناه ; فكذلك الحكم الشرعي، يجوز أن يكون فيه ~~مصلحة في وقت ; فيؤمر به تحصيلا لها، ويكون فيه مفسدة في وقت ; فينهى عنه ~~نفيا لها. # الوجه الثاني: أن «الوقوع لازم للجواز» ، كذا وقع في «المختصر» ، والصواب ~~أن الجواز لازم للوقوع ; لأن لازم الشيء هو ما يلزم من انتفائه انتفاء ذلك ~~الشيء، # PageV02P267 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والجواز هو الذي يلزم من انتفائه ~~انتفاء الوقوع ; لأن الوقوع يلزم من انتفائه انتفاء الجواز، إذ كل واقع ~~جائز، وليس كل جائز واقعا. # وتصحيح عبارة «المختصر» أن يقال: الوقوع ملزوم أو مستلزم للجواز، وهذا هو ~~كمال المراد بها، وإذا ثبت أن الجواز لازم للوقوع، وقد وقع النسخ ; فيدل ~~على جوازه عقلا، دلالة الملزوم على اللازم. وبيان وقوعه بصور: # إحداهن: أن نكاح الأخوات، أي: نكاح الرجل أخته، حرم في شرع موسى عليه ~~السلام أو قبله، بعد أن كان جائزا في شرع آدم. # الثانية: أن الجمع بين الأختين حرم بعد أن كان جائزا في شرع يعقوب، ولذلك ms0454 ~~جمع بين بنتي خاله راحيل وليا. # الثالثة: قوله تعالى: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} ~~[النساء: 160] ، وتحريم الشيء بعد تحليله: هو حقيقة النسخ، وحيث وقعت هذه ~~الصور وغيرها من النسخ، دل على جوازه عقلا بالضرورة، هذا بيان الجواز ~~العقلي. # قوله: «وأما الشرعي» ، أي: وأما الجواز الشرعي ; فيدل عليه وجوه: # أحدها: قوله سبحانه وتعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو ~~مثلها} [البقرة: 107] # PageV02P268 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ، وهو نص في وقوع النسخ. وقد سبق ~~معنى الآية في تعريف النسخ لغة من كلام الجوهري. # الثاني: قوله تعالى: {وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل} ~~[النحل: 101] ، وتبديل حكم الآية، أو لفظها بغيره، هو النسخ. # الثالث: نسخ الاعتداد بالحول به، أي: بالاعتداد بأربعة أشهر وعشر، وذلك ~~أن المتوفى عنها في صدر الإسلام كانت تعتد حولا، عملا بقوله سبحانه وتعالى: ~~{والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير ~~إخراج} [البقرة: 240] ، أي: متعوهن من تركة أزواجهن متاعا، أي: أنفقوا ~~عليهن إلى الحول ما لم يخرجن من بيوت أزواجهن، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ~~{والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} ~~[البقرة: 235] ، وهذا ناسخ مؤخر في التنزيل، مقدم في التلاوة. # الرابع: نسخ الوصية للوالدين بآية الميراث، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى ~~قال: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين} ~~[البقرة: 180] الآية، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم ~~للذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: 11] # PageV02P269 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الآيات في سورة النساء ; فإنه فصل ~~فيها حكم الميراث، ونسخ به وجوب الوصية للأقارب، أو إنها نسخت بقوله عليه ~~السلام: إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه ; فلا وصية لوارث. وعلى كل تقدير ; ~~فالمقصود حاصل، وهو جواز النسخ شرعا. # قوله: «وخالف أبو مسلم» يعني: الأصفهاني، في جواز النسخ شرعا كما حكيناه، ~~أي: أن الذي دل على امتناع النسخ هو الشرع، لا العقل، «لقوله تعالى: {وإنه ~~لكتاب عزيز} {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} [فصلت: ms0455 42] ، ~~والنسخ إبطال» . # PageV02P270 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «وليس بشيء» ، يعني: ما احتج ~~به أبو مسلم لا حجة فيه ; لأن المراد من قوله تعالى: لا يأتيه الباطل، أي: ~~لا يأتيه الكذب، (من بين يديه) يعني الكتب السالفة لا تكذبه، بل هي موافقة ~~له، (ولا من خلفه) ، أي: من بعد نزوله وانقضاء عصر النبوة، بأن يقع بعض ما ~~وعد به من المخبرات، على خلاف ما تضمنه من الإخبارات. # وقال قتادة: معناه: أن الشيطان لا يستطيع أن يبطل منه حقا، ولا يحق منه ~~باطلا. وكذلك قال قتادة أيضا، وثابت البناني في قوله تعالى: {إنا نحن نزلنا ~~الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر: 9] ، قال: حفظه الله من أن يزيد الشيطان ~~فيه باطلا، أو يبطل منه حقا، وهذا ليس من إبطال النسخ في شيء، ولا يدل ~~عليه. # قوله: «ثم الباطل غير الإبطال» ، هذا رد آخر على أبي مسلم، وهو أن الآية ~~إنما دلت على نفي الباطل عن القرآن، لا على نفي الإبطال، والنسخ إبطال ~~للحكم، لا باطل لاحق بالقرآن، ولله سبحانه وتعالى أن يبطل من أحكام شرعه ما ~~شاء، ويثبت ما شاء ; فما نفته الآية غير ما أثبتناه. # ومعنى إبطال الحكم بالنسخ: أن ما كان مشروعا صار غير مشروع. ثم إن أبا ~~مسلم يدعي امتناع النسخ شرعا دعوى عامة، والآية التي احتج بها، إنما تدل - ~~لو دلت - على امتناع النسخ في القرآن خاصة، والدعوى العامة لا تثبت بالدليل ~~الخاص. # ثم هو محجوج بإجماع الأمة على نسخ شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، لما ~~قبلها من الشرائع، مع أنها شرائع حق صحيحة، لا يأتيها الباطل. فجوابه عنها ~~هو جوابنا عن لحوق النسخ للقرآن، غير أن أبا مسلم يجعل كل ما سماه غيره ~~نسخا، من باب انتهاء # PageV02P271 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الحكم بانتهاء مدته ووجود غايته، ~~لا من باب ارتفاعه بورود مضاده ; فهو معنى قول بعض الأصوليين: إن النسخ ~~بيان انتهاء مدة الحكم. ويعود النزاع هنا إلى النزاع في تعريف النسخ ~~بالرفع، أو بيان انتهاء المدة، والله تعالى أعلم بالصواب. # PageV02P272 # الثانية: يجوز نسخ التلاوة، والحكم، وإحكامهما، ms0456 ونسخ ~~اللفظ فقط وبالعكس، إذ اللفظ والحكم عبادتان متفاصلتان ; فجاز نسخ إحداهما ~~دون الأخرى، ومنع قوم الثالث، إذ اللفظ أنزل ليتلى ويثاب عليه ; فكيف يرفع، ~~وآخرون الرابع، إذ الحكم مدلول اللفظ ; فكيف يرفع مع بقاء دليله. # وأجيب عن الأول: بأن التلاوة حكم، وكل حكم فهو قابل للنسخ. وعن الثاني: ~~بأن اللفظ دليل قبل النسخ لا بعده. ثم قد نسخ لفظ آية الرجم دون حكمها، ~~وحكم {وعلى الذين يطيقونه} دون لفظها، والله أعلم. # المسألة «الثانية: يجوز نسخ ~~التلاوة والحكم» ، أي: اللفظ والحكم جميعا، وإحكامهما، بكسر الهمزة، أي: ~~إبقاؤهما محكمين غير منسوخين، «ونسخ اللفظ فقط» دون المعنى، «وبالعكس» ، ~~أي: نسخ المعنى دون اللفظ، وهذه قسمة رباعية. # قوله: «إذ اللفظ والحكم» ، إلى آخره. هذا دليل على جواز نسخ كل واحد من ~~اللفظ والحكم دون الآخر. # وتقريره: أن اللفظ والحكم عبادتان متفاصلتان، أي: تنفصل إحداهما في ~~التعبد بها عن الأخرى فعلا ; فجاز نسخ إحداهما دون الأخرى، كسائر العبادات ~~المتفاصلة. # وبيان تفاصل اللفظ والمعنى، هو أن اللفظ متعبد بتلاوته، والحكم متعبد ~~بامتثاله، وهذا هو مرادنا بتفاصلهما، لا أن أحدهما يمكن انفصاله عن الآخر ~~حسا. # PageV02P273 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «ومنع قوم الثالث» ، وهو نسخ ~~اللفظ دون المعنى، واحتجوا بأن اللفظ أنزل ليتلى، ويثاب عليه ; فكيف يرفع، ~~أي: فلو رفع، لانتفت حكمة إنزاله. # قوله: «وآخرون» ، أي: ومنع آخرون «الرابع» ، وهو نسخ المعنى دون اللفظ، ~~واحتجوا بأن الحكم مدلول اللفظ ; فكيف يرفع المدلول مع بقاء دليله، أي: لو ~~رفع الحكم مع بقاء دليله، وهو اللفظ، لبقي الدليل بلا مدلول، وهو محال، أو ~~عبث، إذ فائدة الدليل الدلالة ; فلو رفع مدلوله، لبقي عريا عما يدل عليه، ~~وانتفت فائدته، ولا معنى للعبث إلا وجود شيء بغير فائدة. # قوله: «وأجيب عن الأول» ، أي: عما احتج به من منع نسخ اللفظ دون الحكم، ~~بأن التلاوة حكم، وكل حكم فهو قابل للنسخ. # أما أن التلاوة حكم، والمراد بها متعلق الحكم ; فلأنه يجب تلاوتها في ~~الصلاة، وتصح وتنعقد بها، وتستحب كتابتها، والوجوب، والصحة، والاستحباب ~~أحكام متعلقة بالتلاوة ms0457 ; فهي حكم أو في معنى الحكم. # وأما أن كل حكم ; فهو قابل للنسخ ; فلما سبق في إثبات النسخ، من جواز ~~تحريم الواجب، وإيجاب المحرم، وكراهة المندوب، وندب المكروه، بناء على ورود ~~أمر الشارع ونهيه بذلك، تحصيلا للمصالح، ودفعا للمفاسد، وتحقيقا للامتحان، ~~وهذا في الحقيقة دليل مبتدأ على جواز ما منعوه، لا جواب عن دليلهم. # وأما قولهم: «أنزل اللفظ ليتلى ; فكيف يرفع؟» فلا استحالة فيه، ولا ~~استبعاد، لجواز أن تكون المصلحة في تلاوته وقتا دون وقت، كغيره من الأحكام ~~المنسوخة. # PageV02P274 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «وعن الثاني» ، أي: وأجيب عن ~~الثاني - وهو دليل المانعين لنسخ الحكم دون اللفظ، وهو قولهم: الحكم مدلول ~~اللفظ ; فكيف يرفع المدلول مع بقاء دليله - بأن اللفظ دليل الحكم قبل ~~النسخ، أما بعد النسخ ; فلا يبقى دليلا عليه حتى يلزم ما ذكرتم من بقاء ~~الدليل بدون مدلوله، بل يبقى عبادة مستقلة، يتلى، ويصلى به، ويثاب عليه، ~~وغير ذلك من الأحكام المتعلقة به. # وتحقيق هذا أن لفظ القرآن له جهتان، هو من إحداهما دليل على معناه، ومن ~~الجهة الأخرى هو عبادة مستقلة، فإذا انتفت جهة كونه دليلا على معناه بنسخه، ~~بقيت جهة كونه عبادة مستقلة. # قوله: «ثم قد نسخ لفظ آية الرجم دون حكمها» ، وذلك أنه صح في السنة أنه ~~كان من جملة القرآن المتلو: «لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم» ، «الشيخ ~~والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من الله والله عزيز حكيم» . فنسخ ~~لفظها، وبقي حكمها # PageV02P275 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # في رجم المحصنين إذا زنيا، وصح عن ~~عمر أنه قال: «لولا أن يقال: زاد عمر في القرآن، لأثبتها في المصحف،» وذلك ~~لأن بنسخ لفظها خرجت عن أن تستحق أن # PageV02P276 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # تثبت في المصحف، لا أنها ليست من ~~القرآن بالأصالة ; فهذا دليل نسخ اللفظ دون الحكم. # فإن قيل: لا نسلم أن الرجم ثابت بهذه الآية، بل إنما ثبت بقوله عليه ~~السلام في حديث عبادة رضي الله عنه: خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن ~~سبيلا، البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام، والثيب بالثيب الرجم. # قلنا: ms0458 بل هذا مقرر لحكم تلك الآية، ومعرف أنه لم ينسخ. وقد يضعف هذا ~~بوجهين: # أحدهما: أن حمل الحديث على التأسيس، وإثبات الرجم ابتداء، أولى من حمله ~~على تأكيد حكم الآية المنسوخة. # الوجه الثاني: أن الحديث ورد مبينا للسبيل المذكور في قوله تعالى: {حتى ~~يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا} [النساء: 15] ; فدل على أنه غير ~~متعلق بآية الرجم، بل هو إما مستقل بإثبات الرجم، أو مبين للسبيل في الآية ~~الأخرى. # وكذلك نسخ حكم قوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه} [البقرة: 185] ، دون ~~لفظها، وهو دليل على جواز نسخ الحكم، دون اللفظ، وذلك أنهم كانوا في صدر ~~الإسلام مخيرين بين أن يصوموا، وبين أن يفطروا، مع قدرتهم على الصوم، ~~ويطعموا مسكينا عن كل يوم، عملا بمقتضى قوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه ~~فدية طعام مسكين} # PageV02P277 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فنسخ ذلك التخيير، بتعيين الصوم ~~للقادر عليه، بقوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185] ، ~~وبقيت الرخصة في حق العاجز عن الصوم، لكبر، أو مرض، أو حمل، أو رضاع، كذلك ~~رواه ابن جرير الطبري عن ابن عباس وغيره. # وحيث وقع نسخ اللفظ دون المعنى، ونسخ المعنى دون اللفظ، دل ذلك على ~~الجواز قطعا، دلالة الملزوم على اللازم. # وقال الآمدي في هذه المسألة: اتفق الأكثرون على جواز نسخ التلاوة والحكم، ~~ونسخ أيهما كان دون الآخر، خلافا لبعض المعتزلة، يعني أنهم خالفوا في # PageV02P278 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المسائل الثلاث. واحتج على جواز ~~نسخ أيهما كان، بنحو ما ذكرناه، وعلى جواز نسخهما جميعا، بنسخ تحريم الرضاع ~~بعشر رضعات ; فإنه كان منزلا كما روت عائشة رضي الله عنها، ثم نسخ مع آيته. # تنبيه: اختلف فيما نسخت تلاوته، نحو «الشيخ والشيخة» هل للجنب تلاوته، ~~وللمحدث مسه أم لا؟ قال الآمدي: الأشبه المنع. # قلت: بل الأشبه الجواز ; لأن الدليل إنما قام على منع ذلك في القرآن، ~~والقرآن ما ثبت بالتواتر من الوحي المنزل للإعجاز، وما نسخت تلاوته ليس ~~كذلك ; فبقي على أصل الإباحة، أو داخل تحت دليلها، والله تعالى أعلم ~~بالصواب. # PageV02P279 # الثالثة: نسخ الأمر قبل امتثاله جائز، نحو قوله ms0459 في ~~يوم عرفة: لا تحجوا بعد الأمر به، وخالف المعتزلة. # لنا: مجرد الأمر مفيد أن المأمور يعزم على الامتثال ; فيطيع، أو المخالفة ~~; فيعصي، ومع حصول الفائدة، لا يمتنع النسخ، ثم قد نسخ عن إبراهيم الأمر ~~بذبح ولده قبل فعله. # قالوا: الأمر يقتضي حسن الفعل، ونسخه قبحه، واجتماعهما محال، وقصة ~~إبراهيم كانت مناما لا أصل له، ثم لم يؤمر بالذبح، بل بالعزم عليه، أو ~~بمقدماته، كالإضجاع، بدليل: {قد صدقت} ، فافعل ما تؤمر، ولفظه مستقبل، ثم ~~لم ينسخ، بل قلب الله تعالى عنقه نحاسا ; فسقط لتعذره، أو أنه امتثل، لكن ~~الجرح التأم حالا فحالا، واندمل. # والجواب: # إجمالي عام، وهو: لو صح ما ذكرتم، لما احتاج إلى فداء، ولما كان بلاء ~~مبينا. # أو تفصيلي، أما عن الأول: فاجتماع الحسن والقبح في حال واحدة ممنوع، بل ~~قبل النسخ حسن، وبعده قبيح شرعا، لا عقلا كما تزعمون، وعن الثاني: أن منام ~~الأنبياء وحي ; فإلغاء اعتباره تهجم، لا سيما مع تكرره، والعزم على الذبح ~~ليس بلاء، والأمر بالمقدمات فقط، إن علم به إبراهيم ; فكذلك، وإلا فهو ~~إيهام وتلبيس قبيح، إذ يشترط معرفة المكلف ما كلف به. وقد صدقت، معناه: ~~عزمت على فعل ما أمرت به صادقا ; فكان جزاؤك أن خففنا عنك بنسخه. و {ما ~~تؤمر} ، أي: ما أمرت، أو ما تؤمر به في الحال، استصحابا لحال الأمر الماضي ~~قبله ; فلا استقبال، وإلا لما احتاج إلى الفداء. وقلب عنقه نحاسا لم ~~يتواتر، وإلا لما اختصصتم بعلمه، وآحاده لا تفيد، ثم هو أيضا نسخ، وكذا ~~التئام الجرح واندماله، وإلا لاستغنى عن الفداء. # . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . . . . . . . . . . . # PageV02P280 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ### | المسألة «الثالثة: نسخ الأمر قبل امتثاله جائز، # نحو قوله» ، يعني الشارع، «في يوم عرفة: لا تحجوا بعد الأمر به» ، أي: ~~يجوز أن يقول في رمضان مثلا: حجوا في هذه السنة، ثم يقول في يوم عرفة أو ~~قبله: لا تحجوا. # «وخالف المعتزلة» ; فقالوا: لا يجوز، وهذه المسألة يترجمها بعضهم بجواز ~~نسخ الأمر قبل التمكن من الامتثال، وهي عبارة «الروضة» ، وبعضهم بجواز نسخ ~~الشيء قبل وقوعه، وهي عبارة ms0460 «التنقيح» ، وقال: خلافا لأكثر الشافعية ~~والحنفية والمعتزلة. # وقال الآمدي: اتفق القائلون بالنسخ على جواز نسخ حكم الفعل بعد خروج ~~وقته، واختلفوا في جوازه قبل دخول الوقت ; فمنع من ذلك جماهير المعتزلة، ~~والصيرفي من الشافعية، وبعض الحنابلة، وجوزه الأشاعرة، وأكثر الشافعية، ~~والفقهاء، قال: وهو المختار. # قلت: وأنا ترجمت المسألة بما ذكرت ; لأنه أعم ; فإنه لو نسخ حكم الأمر ~~بعد دخول وقته، والتمكن من فعله قبل فعله، لاقتضى دليل الخصم أنه لا يصح ~~أيضا، لعدم الفائدة على ما سنقرره إن شاء الله تعالى. # قوله: «لنا: مجرد الأمر مفيد» ، إلى آخره، أي: لنا على صحة نسخ الأمر قبل ~~امتثاله وجهان: # أحدهما: أن مجرد الأمر مفيد فائدة تكليفية، وإن لم ينضم إليه الامتثال، ~~ومع حصول الفائدة التكليفية لا يمتنع النسخ. # أما أن مجرد الأمر مفيد ; فلأن المأمور، إذا علم توجه الأمر إليه ; إما ~~أن يعزم على الامتثال ; فيكون مطيعا مثابا، أو على المخالفة ; فيكون عاصيا ~~معاقبا بالنية والعزم. # وأما أن مع حصول الفائدة لا يمتنع النسخ ; فبالقياس على سائر صور النسخ، ~~ولأن الخصم إنما منع النسخ قبل الامتثال، لكونه عبثا عنده، ومع حصول ~~الفائدة # PageV02P281 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ينتفي كونه عبثا ; فيجب أن لا ~~يمتنع. # الوجه الثاني: أن النسخ قبل الامتثال قد وقع، والوقوع دليل الجواز. # وإنما قلنا: إنه قد وقع ; لأن إبراهيم عليه السلام، نسخ عنه ذبح ولده قبل ~~فعله، على ما دل عليه القرآن. # وإنما قلنا: إن الوقوع دليل الجواز ; لأنه ملزوم للجواز ; فدل عليه دلالة ~~الملزوم على اللازم. # قوله: «قالوا: الأمر يقتضي حسن الفعل» ، إلى آخره. هذا دليل الخصم على ~~امتناع النسخ قبل الامتثال. # وتقريره: أن الأمر بالفعل يقتضي حسنه، ونسخه يقتضي قبحه، واجتماع الحسن ~~والقبح في الفعل الواحد محال. # قوله: «وقصة إبراهيم» ، إلى آخره. هذا جواب عن الاحتجاج بقصة إبراهيم، ~~ومنع لدلالتها على النسخ قبل الامتثال. # وتقريره: أن قصة إبراهيم في ذبح ولده كانت مناما، والمنام خيال لا أصل له ~~حتى يبنى عليه أصول الدين وفروعه. سلمنا أن المنام له حقيقة يعتمد عليها في ms0461 ~~إثبات أحكام الشرع، لكن لا نسلم أن إبراهيم أمر بذبح ولده، بل بالعزم عليه، ~~أو بفعل مقدمات الذبح كإضجاع ولده، وأخذ السكين ونحوه، وذلك لوجهين: # PageV02P282 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أحدهما: قوله سبحانه وتعالى: {يا ~~إبراهيم قد صدقت الرؤيا} [الصافات: 104، 105] ، أي: فعلت ما أمرت به، ولو ~~كان مأمورا بالذبح لم يصح ذلك ; لأنه ما فعله به. # الوجه الثاني: قوله سبحانه وتعالى حكاية عن الذبيح: {يا أبت افعل ما ~~تؤمر} [الصافات: 102] ، ولفظه لفظ المستقبل ; فدل على أنه ما أمر بالذبح، ~~وإنما أخبر أنه سيؤمر به في المستقبل، إذ لو كان قد أمر به، لقال: افعل ما ~~أمرت. # سلمنا أنه أمر بالذبح، لكنه لم ينسخ عنه قبل امتثاله، بل قلب الله عنق ~~ولده نحاسا، فلم تؤثر الشفرة فيه ; فسقط لتعذره. # سلمنا أنه لم يتعذر، لكنه امتثل ; فذبحه، لكن كان كلما قطع جزءا من عنقه، ~~التأم، أي: التحم، وهذا معنى قوله: حالا فحالا، أي: التأم حالا بعد حال، ~~وشيئا بعد شيء ; فاندمل الجرح بمجرد التحامه، أي: برأ وذلك بدليل الآية وهي ~~قوله عز وجل: {قد صدقت الرؤيا} ، على تقدير أنه مأمور بالذبح ; فيلزم أنه ~~ذبحه، وإلا لم يكن قد صدق الرؤيا. # وتحقيق هذا: أن كلامنا على تقدير أنه أمر بالذبح، لكن رأينا الله عز وجل ~~قد أخبر عنه بتصديق الرؤيا ; فقلنا: إنه ذبحه، وثبت أن المأمور بذبحه عاش ~~بعد ذلك دهرا طويلا ; فقلنا: إن العادة انخرقت فيه بما ذكرناه ; من التئام ~~الجرح شيئا فشيئا. # قوله: «والجواب» ، أي: عما ذكرتموه، من وجهين: # أحدهما: إجمالي عام، أي: من جهة الإجمال، وهو يعم جميع الأسئلة التي ~~ذكرتموها، وتقريره من وجهين: # أحدهما: لو صح ما ذكرتموه من أنه ذبحه، لما احتاج إلى فدائه ; لأنه على ~~هذا التقدير يكون قد امتثل ; فلو فداه مع ذلك، لاجتمع البدل والمبدل # PageV02P283 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الوجه الثاني: لو صح ما ذكرتم، من ~~أنه إنما أمر بمقدمات الذبح، لا نفس الذبح، لم يكن ذلك بلاء مبينا، والله ~~عز وجل قد سماه بلاء مبينا، حيث قال سبحانه: {إن هذا لهو البلاء المبين} ms0462 ~~{وفديناه بذبح عظيم} [الصافات: 106، 107] . # قلت: حسن الترتيب يقتضي أن يكون هذا الوجه هو الأول ; فيقال هكذا: لو صح ~~ما ذكرتم، لما كان بلاء مبينا، ولما احتاج إلى فداء لأن ترتيب أسئلة الخصم ~~هكذا، ولكن وقع في «المختصر» على ترتيب ما في الأصل، وقد ذكرنا أن هذا ~~الجواب إجمالي عام، وفيه بعض التفصيل والاختصاص. # والوجه الثاني - وهو التفصيلي - فنقول: أما الجواب عن الأول، وهو قولهم: ~~اجتماع الحسن والقبح في الفعل الواحد محال ; فهو أن يقال: اجتماعهما محال ~~في حال واحدة أو في حالين؟ الأول مسلم، والثاني ممنوع، وهو كذلك هاهنا، فإن ~~الأمر بالفعل حسن قبل النسخ، وأما بعده ; فهو قبيح، واتصاف الفعل الواحد ~~بالحسن والقبح في وقتين ليس بمحال، ثم إن حسنه وقبحه عندنا شرعي، أي: ~~مستفاد من الشرع، لا عقلي كما تزعمون، وكما سبق تقريره، وإنما قلنا هذا، ~~لئلا نطلق لفظ الحسن والقبح ; فيظن أنا نقول بهما عقلا، كما تقول المعتزلة، ~~ونحن إنما نقول بهما شرعا، كما قررناه قبل. # والجواب «عن الباقي» ، أي: عن باقي ما ذكروه، وهو أسئلتهم على قصة ~~إبراهيم بأن نقول: قولكم: قصة إبراهيم كانت مناما لا أصل له - باطل ; لأن ~~«منام الأنبياء وحي ; فإلغاء اعتباره» ، أي: كونكم لا تعتبرونه، وتوجبون ~~العمل بما دل عليه «تهجم» على الوحي بالإبطال، «لا سيما» ، أي: خصوصا «مع ~~تكرره» في قصة # PageV02P284 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # إبراهيم ; فإنه رأى ثلاث ليال ~~متوالية، أن اذبح ولدك لي قربانا ; ففي اليوم الأول ظن أنها خيال، أو من ~~الشيطان، فلم يعبأ بها، وفي اليوم الثاني تروى في نفسه، أي: تفكر، هل لذلك ~~أصل أم لا؟ فسمي لذلك يوم التروية، وفي اليوم الثالث أصبح وقد عرف أنها ~~رؤيا حق ; فسمي يوم عرفة، كذلك قال بعض أهل العلم، في سبب تسمية يوم ~~التروية وعرفة، واشتقاقهما. # وإنما قلنا: إن منام الأنبياء وحي لوجوه: # أحدها: ما سبق في الفرق بين الرسول والنبي في خطبة الكتاب، على ما ذكر ~~فيه هناك. # الثاني: أن رؤيا آحاد الأمم جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، على ms0463 ما ~~شهدت به السنن الصحيحة ; فرؤيا الأنبياء أولى أن تكون نبوة. # الثالث: ما ثبت في البخاري وغيره، من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: أول ~~ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم، من النبوة الرؤيا الصادقة، كان ~~لا يرى رؤيا إلا جاءت # PageV02P285 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # كفلق الصبح، وإذا ثبت أن رؤيا ~~الأنبياء نبوة ووحي، كان قولكم: إن رؤيا إبراهيم عليه السلام منام لا أصل ~~له، تهجما عظيما يصلح سببا للعذاب الأليم. # قولهم: إنما أمر بالعزم على الذبح، أو مقدماته. # قلنا: العزم على الذبح ليس بلاء مبينا، بحيث يمتحن به الأنبياء ; لأن ~~عامة الناس وسوقتهم، لو قيل لأحدهم: أنت مأمور بالعزم على ذبح ولدك، لا ~~بنفس ذبحه، لسهل ذلك عليه، ولم يجد له كلفة. «وأما الأمر بالمقدمات فقط، ~~فإن علم به إبراهيم فكذلك» ، أي: لا بلاء فيه، إذ لا مشقة عليه في إضجاع ~~ولده، وأخذ السكين مع علمه بسلامة العاقبة كما لو مازح الإنسان ولده، أو من ~~يعز عليه بذلك. وإن لم يعلم أنه مأمور بالاقتصار على المقدمات فقط، كان ذلك ~~تلبيسا عليه، وإيهاما في الخطاب، وإيهاما له أنه مأمور بذبح ولده، مع أنه ~~في نفس الأمر ليس كذلك، وهو قبيح، يعني الإيهام والتلبيس ; لأنه يشترط لصحة ~~التكليف أن يعرف المكلف ما كلف به، كما سبق في شروط التكليف، وحينئذ يكون ~~أمره # PageV02P286 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بالاقتصار على مقدمات الذبح، من ~~حيث لا يعلم، تكليفا غير صحيح. # قولهم: قوله: {قد صدقت الرؤيا} [الصافات: 105] ، معناه: قد فعلت ما أمرت ~~به. # قلنا: لا نسلم أن هذا معناه، بل معناه: «قد عزمت على فعل ما أمرت به ~~صادقا ; فكان جزاؤك أن خففنا عنك كلفته بنسخه» عنك. هذا هو كلام المفسرين ~~وهو المفهوم المتبادر من سياق القصة. # قولهم: قول الذبيح: افعل ما تؤمر، لفظ مستقبل يدل على أنه ما أمر بذبحه، ~~بل سيؤمر به في المستقبل. # قلنا: الجواب من وجهين: # أحدهما: لا نسلم أن المراد به المستقبل، بل معنى قوله: {ما تؤمر} : افعل ~~ما أمرت به، وضعا للمضارع موضع الماضي ms0464 وهو كثير في اللغة. # فإن قيل: هذا خلاف ظاهر اللفظ. # قلنا: يلزمكم مثله في قوله: {إني أرى في المنام أني أذبحك} ، فإن ظاهره ~~أنه رأى أنه أمر بذبحه، وعلى قولكم، يكون تقديره: إني أرى في المنام أني ~~سأومر بذبحك، وهو خلاف الظاهر، ويحتاج إلى إضمار، وما ذكرناه نحن ; من وضع ~~المضارع موضع الماضي أسهل. # الوجه الثاني: أن معنى قوله: {افعل ما تؤمر} ، أي: «ما تؤمر به في الحال، ~~استصحابا لحال الأمر الماضي» . # وبيان ذلك: أن كل مأمور بفعل ; فالأمر به متوجه إليه ما لم يفعله، ~~استصحابا لحال الأمر في آخر الوقت ; فإبراهيم عليه السلام ; لما أمر في ~~الليل بذبح ولده، ثم أصبح ; فأخبر ولده بذلك ; فهو حال إخباره ولده مأمور ~~بما أمر به في الليل # PageV02P287 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بذبح ولده ; لأن الأمر لم يسقط عنه ~~بعد ; فأمره بالذبح في الماضي مستصحب إلى حال إخباره ولده. وقوله: {افعل ما ~~تؤمر} ، أي: ما أنت مأمور به في الحال، بناء على استصحاب الأمر الماضي، ~~والفعل المضارع يصلح للحال والاستقبال، وهو في الحال أظهر. # وإذا حملنا قوله: {افعل ما تؤمر} ، على الحال، عملا بظاهر لفظه، وبما ~~ذكرناه من دليلنا ; فلا استقبال فيه، وحينئذ يبطل قولكم: إنه أخبر أنه ~~سيؤمر بذبحه في المستقبل. # قوله: «وإلا لما احتاج إلى الفداء» ، أي: لو صح ما ذكرتموه، من أن المراد ~~به: سيؤمر بذبحه في المستقبل، لا أنه أمر به في الماضي، لما احتاج إلى ~~الفداء ; لأن الفداء يكون عن ترك مأمور. وعلى قولكم: هو إلى الآن لم يؤمر ~~بشيء ; فضلا عن أن يكون قد أمر وترك. وأيضا لو صح ذلك، لأمر به في ~~المستقبل، لئلا يقع الخلف في خبر المعصوم، فلما لم يقع، دل على بطلان ما ~~تأولوه. # قولهم: لم ينسخ عنه الذبح، بل قلب عنقه نحاسا. جوابه من وجهين: # أحدهما: أن ذلك إما أن يكون منقولا بالتواتر، أو بالآحاد. # والتواتر باطل ; لأنه لو تواتر، لما اختصصتم بعلمه دوننا، مع أن الشرع ~~واحد. والأسباب مشتركة بيننا وبينكم، ولو صح دعوى ذلك، ms0465 لكان كل من منع ~~شيئا، أو نوزع فيه، قال لخصمه: هذا تواتر عندي دونك، ويلزم من ذلك خبط ~~عظيم، وخطب جسيم، وما يشبه السفسطة. # والآحاد في مثل هذا لا يفيد ; لأن مسألة النزاع إن كانت علمية ; فالآحاد ~~إنما # PageV02P288 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يفيد الظن لا العلم، وإن كانت ظنية ~~; فالواقعة المذكورة عظيمة، خارقة للعادة ; فهي مما تتوفر الدواعي على نقله ~~; فيقع العلم بها عادة لتواترها ; فحيث لم تتواتر، بل لم تستفض، بل لم ينقل ~~أصلا عمن يعتبر، أن عنق الذبيح قلب نحاسا، دل على أن هذه دعوى باطلة، دافع ~~بها الخصم عن مذهبه. # الوجه الثاني: سلمنا أن عنقه قلب نحاسا، لكنه نسخ أيضا، وذلك لأن النسخ: ~~إما رفع الحكم، أو بيان انتهاء مدة الحكم، وكلاهما موجود في سقوط الذبح، ~~لتعذره بقلب العنق نحاسا. # أما الأول: فلأنه كان مأمورا بالذبح قبل قلب العنق نحاسا، وبعده لم يكن ~~مأمورا به، وهذا حقيقة رفع الحكم الثابت. # فإن قيل: النسخ هو رفع الحكم بخطاب، وارتفاع وجوب الذبح هنا إنما هو ~~بالتعذر، لا بالخطاب. # قلنا: لكن هو مستند إلى الخطاب، وهو أدلة الشرع العامة على عدم وقوع ~~التكليف بالمحال، والذبح بعد قلب العنق نحاسا صار من المحال. # وأما الثاني: فلأن بانقلاب العنق نحاسا ; انتهت مدة الأمر بالذبح لتعذره ~~; فقد بان أن قلب العنق نحاسا نسخ، لوجوب الذبح على كلا التعريفين للنسخ. # وأما التئام الجرح، واندماله شيئا فشيئا ; فجوابه من وجهين: # أحدهما: ما ذكر في قلب العنق نحاسا، من كونه لم يتواتر، والآحاد لا يفيد ~~في مثله. # PageV02P289 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والثاني: أنه لو صح، لاستغنى عن ~~الفداء ; لأنه قد أتى بالمأمور ; فالفداء بعده جمع بين البدل والمبدل، ~~والله تعالى أعلم. # PageV02P290 # الرابعة: الزيادة على النص، إن لم تتعلق بحكمه أصلا ; ~~فليست نسخا إجماعا، كزيادة إيجاب الصوم بعد الصلاة، وإن تعلقت ; فهي إما ~~جزء له، كزيادة ركعة في الصبح، أو عشرين سوطا في حد القذف. أو شرط، كالنية ~~للطهارة، أو لا واحد منهما، كزيادة التغريب على الجلد. وليس شيء من ذلك ~~نسخا عندنا، خلافا للحنفية. ms0466 # لنا: النسخ رفع الحكم الثابت بالخطاب، وهو باق، زيد عليه شيء آخر. # قالوا: الزيادة إما في الحكم، أو سببه، وأيا كان، يلزم النسخ ; لأنهما ~~كانا قبل الزيادة مستقلين بالحكمية والسببية، واستقلالهما حكم قد زال ~~بالزيادة، كالجلد مثلا، كان مستقلا بعقوبة الزاني، أي: هو الحد التام، وبعد ~~زيادة التغريب، صار جزء الحد. # قلنا: المقصود من الزيادة تعبد المكلف بالإتيان بها، لا رفع استقلال ما ~~كان قبلها، لكنه حصل ضرورة وتبعا، بالاقتضاء، وحينئذ نقول: المنسوخ مقصود ~~بالرفع، والاستقلال غير مقصود به ; فلا يكون منسوخا ; فلا يكون رفعه نسخا. ~~لا يقال: رفع الاستقلال من لوازم الزيادة ; فيلزم من قصدها قصده ; لأنا ~~نقول: لا نسلم، إذ قد يتصور الملزوم ممن هو غافل عن اللازم، والله أعلم. # المسألة «الرابعة: الزيادة على ~~النص» ; إما أن لا تتعلق بحكم النص أصلا، أو تتعلق به، فإن لم تتعلق به ; ~~فليست نسخا له إجماعا، وذلك كزيادة إيجاب الصوم، بعد الصلاة ; فإنه ليس ~~نسخا لإيجاب الصلاة بالإجماع، وإن تعلقت الزيادة بحكم النص المزيد عليه ; ~~فتلك الزيادة إما جزء له، أو شرط، أو لا جزء ولا شرط. # PageV02P291 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مثال كونها جزءا له: زيادة ركعة في ~~الصبح، أو عشرين سوطا في حد القذف ; فتصير الصبح ثلاث ركعات، والركعة ~~الثالثة جزء منها، وحد القذف مئة سوط، والعشرون الزائدة جزء منها. # ومثال كونها شرطا: نية الطهارة، هي شرط لها، وقد زيدت بالحديث، ~~والاستدلال على باقي آية الوضوء من أفعاله، بناء على أن النية ليست مستفادة ~~من الآية، على خلاف فيه. # ومثال كون الزيادة لا جزءا ولا شرطا: التغريب على الجلد في زنى البكر، إذ ~~الجلد لا يتوقف على التغريب توقف الكل على جزئه، ولا توقف المشروط على ~~شرطه، وليس شيء من ذلك نسخا عندنا، خلافا للحنفية. # حكى الآمدي عن القاضي عبد الجبار، والغزالي، في المثالين الأولين، أنهما ~~وافقا الحنفية في أنه نسخ. # قوله: «لنا: النسخ: رفع الحكم» ، إلى آخره. هذا دليل عدم كون الزيادة على ~~النص نسخا. # وتقريره: أن النسخ رفع الحكم الثابت بالخطاب، والحكم ms0467 هاهنا باق، لم ~~يرتفع، وإنما زيد عليه شيء آخر، والزيادة عليه لا تقتضي رفعه ; فثبت أن ~~الزيادة ليست نسخا. # قوله: «قالوا» ، هذا دليل الخصم على أن الزيادة نسخ. # وتقريره: أن الزيادة: إما أن تكون في الحكم أو سببه، وكل واحد منهما يلزم ~~منه النسخ. # أما أن الزيادة إما في الحكم، أو في سببه ; فمعناه: ما سبق من أن الزيادة ~~; إما جزء للحكم، كركعة في الصلاة ; فهو زيادة في الحكم، أو غير جزء له ; ~~فهو زيادة في سبب الحكم ; لأن سبب الحكم ما يتوصل به إليه، شرطا كالنية في ~~الطهارة، # PageV02P292 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أو غير شرط. # وأما أن كل واحد من الزيادة في الحكم، أو سببه، يلزم منه النسخ ; فلأن ~~الحكم أو سببه قبل الزيادة فيهما كانا مستقلين بالحكمية والسببية، أي: بكون ~~الحكم حكما تاما، والسبب سببا تاما، واستقلالهما بكونهما تمام الحكم ~~والسبب، حكم قد ارتفع بالزيادة، وذلك كالجلد مثلا، كان مستقلا بعقوبة ~~الزاني، بمعنى أنه هو حده التام، وبعد زيادة التغريب لم يبق مستقلا بتمام ~~الحد، بل صار جزء الحد، والتغريب جزؤه الآخر، وكذلك الركعتان في الصبح، ~~كانتا مستقلتين بأداء الواجب، وبعد تقرير زيادة الثالثة زال ذلك الاستقلال، ~~وصارت الركعتان جزء الواجب، لا كله، وإذا كان حكم الاستقلال يرتفع بالزيادة ~~; فقد حصلت حقيقة النسخ، وهي رفع الحكم بالزيادة ; فيكون نسخا. # قوله: «قلنا: المقصود من الزيادة» ، إلى آخره. هذا جواب دليلهم المذكور. # وتقريره: أن المقصود من الزيادة على النص، إنما هو تعبد المكلف بالإتيان ~~بها، لا رفع استقلال ما كان قبلها بالحكم، لكن رفع الاستقلال حصل ضرورة، ~~وتبعا لورود الزيادة، بالاقتضاء الضروري العقلي، لا أنه كان مقصودا بها ; ~~فالمقصود بزيادة ركعة في الصبح: هو التعبد بفعلها، لا رفع استقلال الركعتين ~~بأداء الواجب، والمقصود بزيادة التغريب وعشرين سوطا في الحد: الإتيان بهما، ~~لا رفع استقلال المئة في الزنى، والثمانين في القذف، بكمال العقوبة، وإنما ~~حصل ذلك ضرورة أن ما توقف على ثلاث، لا يحصل باثنتين، وما توقف على مئة، لا ~~يحصل بثمانين، كما أن ما ms0468 علق على شرطين، لا يوجد بأحدهما ; فرفع الاستقلال ~~المذكور، هو بالاقتضاء العقلي الضروري، لا بالقصد الشرعي، والمنسوخ يجب أن ~~يكون رفعه # PageV02P293 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مقصودا: لأن النسخ فعل من الشارع، ~~والفاعل يجب أن يكون عالما بما فعل، قاصدا له. # وحينئذ نقول: المنسوخ مقصود بالرفع، والاستقلال غير مقصود بالرفع، ولا ~~يكون منسوخا ; فلا يكون رفعه نسخا. # قوله: «لا يقال» ، إلى آخره، هذا تقدير يقع من الخصم لهذا الجواب. # وتقريره: أن رفع استقلال المزيد عليه بالحكمية، من لوازم الزيادة عليه ; ~~فيلزم من قصدها قصده، أي: يلزم من قصد الزيادة على النص قصد رفع استقلال ~~حكمه، بكونه حكما تاما. # أما أن رفع الاستقلال من لوازم الزيادة ; فلأن لازم الشيء ما لا ينفك عن ~~ذلك الشيء. وقد بينا أن ارتفاع استقلال المزيد عليه بالحكم، لا ينفك عن ~~الزيادة عليه ; فيكون لازما لها. # ومثاله: أن ارتفاع استقلال الركعتين بأداء الواجب، لا ينفك عن زيادة ~~الركعة الثالثة. # وأما أنه يلزم من قصد الزيادة قصد رفع الاستقلال ; فلأنا قد بينا أنه من ~~لوازمها، وقصد الملزوم يستلزم قصد اللازم ; لأن الذهن ينتقل عن الملزوم إلى ~~اللازم، انتقالا عقليا ضروريا ; فيلزم من قصد الملزوم المنتقل عنه قصد ~~اللازم المنتقل إليه. # قوله: «لأنا نقول» ، أي: الجواب عن هذا المنع: أنا لا نسلم أنه يلزم من ~~قصد الزيادة قصد رفع الاستقلال، وإن كان من لوازمها ; لأنه قد يتصور ~~الملزوم من هو # PageV02P294 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # غافل عن اللازم، وإذا جازت الغفلة ~~عن اللازم، استحال قصده، إذ قصد الشيء مع الغفلة عن تصوره محال. # قلت: فحاصل الكلام في المسألة: أن المنسوخ هل يشترط أن يكون مقصودا ~~بالرفع أم لا، فإن اشترط أن يكون مقصودا بالرفع، لم يكن رفع استقلال المزيد ~~عليه بالحكم نسخا ; لأنه ليس مقصودا بالرفع، ولا يلزمه ذلك، بل هو حاصل ~~بالاقتضاء الضروري. # وإن لم يشترط ذلك، بل يكفي في المنسوخ أن يكون مرتفعا بالقصد، أو ~~الاقتضاء الضروري، كان رفع الاستقلال نسخا، والله تعالى أعلم بالصواب. # PageV02P295 # الخامسة: # يجوز نسخ العبادة إلى غير بدل، خلافا لقوم. لنا: الرفع ms0469 لا يستلزم البدل، ~~ولا يمتنع رد المكلف إلى ما قبل الشرع، ثم تقديم الصدقة أمام النجوى وغيره ~~نسخ لا إلى بدل. قالوا: {نأت بخير منها} يقتضيه. قلنا: لفظا لا حكما، أو ~~نأت منها بخير، على التقديم والتأخير. # ونسخ الحكم بأخف منه إجماعا. # وبمثله، لا يقال: هو عبث. لأنا نقول: فائدته امتحان المكلف بانتقاله من ~~حكم إلى حكم. # وبأثقل منه، خلافا لبعض الظاهرية. لنا: لا يمتنع لذاته، ولا لتضمنه ~~مفسدة، وقد نسخ التخيير بين الفدية والصيام إلى تعيينه، وجواز تأخير صلاة ~~الخوف إلى وجوبها فيه، وترك القتال إلى وجوبه، وإباحة الخمر، والحمر ~~الأهلية والمتعة إلى تحريمها. قالوا: تشديد ; فلا يليق برأفة الله تعالى، ~~{الآن خفف الله عنكم} ، {يريد الله بكم اليسر} ، {أن يخفف عنكم} . قلنا: ~~منقوض بتسليطه المرض والفقر وأنواع الآلام والمؤذيات. فإن قيل: لمصالح ~~علمها. قلنا: فقد أجبتم عنا، والآيات وردت في صور خاصة. # المسألة «الخامسة: يجوز نسخ ~~العبادة إلى غير بدل» عند الأكثرين، «خلافا لقوم» ، وهم الأقلون. # «لنا: الرفع لا يستلزم البدل» ، إلى آخره. هذا دليل الجواز، وهو من ~~وجهين: # أحدهما: أن النسخ رفع الحكم، والرفع لا يستلزم البدل، بل يمكن وجوده بدون ~~بدل، واعتبر ذلك بالمحسوسات ; فإنه ليس من ضرورة رفع الحجر من مكانه أنه ~~يضع # PageV02P296 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مكانه غيره، بل ذلك على الجواز، ~~وكذلك وقع النسخ في الشريعة، تارة إلى البدل، وتارة لا إلى بدل. # وأيضا: لا يمتنع أن يعلم الله تعالى مصلحة المكلف في نسخ الحكم عنه لا ~~إلى بدل، ورده إلى ما قبل الشرع من إباحة أو حظر أو وقف، على ما سبق من ~~الخلاف. # الوجه الثاني: لو لم يكن النسخ لا إلى بدل جائزا، لما وقع، لكنه قد وقع ; ~~فيكون جائزا، وإنما قلنا: إنه وقع في الشرع ; لأن تقديم الصدقة أمام ~~النجوى، أي: بين يدي النجوى، وغيره من الأحكام، نسخ لا إلى بدل. # وشرح ذلك: أن الصحابة رضي الله عنهم أكثروا من سؤال النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # قال ابن عطية: روي عن ابن عباس وقتادة ms0470 في سببها: أن قوما من شباب ~~المؤمنين، كثرت مناجاتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، في غير حاجة، إلا لتظهر ~~منزلتهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمحا لا يرد أحدا ; فنزلت هذه ~~الآية مشددة عليهم أمر المناجاة. # وقال مقاتل: نزلت في الأغنياء ; لأنهم غلبوا الفقراء على مناجاة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ومجلسه، ثم نسخ ذلك. # قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة والكلبي في قوله: {إذا ناجيتم ~~الرسول} [المجادلة: 12] ، قالا: إنها منسوخة، ما كانت إلا ساعة من نهار. ~~قال الكلبي: جاء علي رضي الله عنه بدينار ; فتصدق به، وكلم النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، وأمسك الناس عن كلام النبي، صلى الله عليه وسلم، ثم نزل التخفيف ~~; فقال: {أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات} حتى بلغ: {خبير بما ~~تعملون} [المجادلة: 13] . # PageV02P297 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فإن قيل: لا نسلم أن الصدقة بين ~~يدي النجوى نسخت لا إلى بدل ; لأنه سبحانه وتعالى يقول في الآية الناسخة: ~~{فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ~~ورسوله} [المجادلة: 13] ; فكانت هذه الأشياء بدل الصدقة. # قلنا: ليست هذه أبدالا ; لأنها كانت واجبة قبل ذلك، بموجب أصل التكليف، ~~وإنما معنى الآية: إذ لم تفعلوا ; فارجعوا إلى ما كنتم عليه أولا، من إقام ~~الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الرسول. # ومما يذكر من أمثلة النسخ لا إلى بدل: نسخ وجوب الإمساك بعد النوم في ~~الليل، وذلك أنهم كانوا في صدر الإسلام، متى نام أحدهم قبل أن يفطر، حرم ~~عليه الأكل حتى الليلة الثانية ; فخفف ذلك عنهم، بنسخه بإباحة الأكل إلى ~~طلوع الفجر، من غير بدل. # ومن ذلك نسخ اعتداد المتوفى عنها حولا، باعتدادها أربعة أشهر وعشرا ; ~~فتمام الحول نسخ لا إلى بدل. # ومن ذلك نسخ النهي عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث بقوله عليه السلام: # PageV02P298 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # إنما نهيتكم من أجل الدافة ; فكلوا ~~وادخروا ما شئتم. وهو إلى غير بدل. # وبعضهم يمنع كون هذا نسخا، والصحيح أنه نسخ لدخوله في حد النسخ، وكونه ~~ثبت لحكمة، ثم زال بزوالها، لا ms0471 يمنع كونه نسخا، إذ سائر صور النسخ كذلك. # قوله: «قالوا: {نأت بخير منها} يقتضيه» . هذا دليل الخصم. # وتقريره: أن قوله سبحانه وتعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها ~~أو مثلها} [البقرة: 106] ، يقتضي أن النسخ لا بد أن يكون إلى بدل كما يقال: ~~ما تبع من جارية أو غلام، تشتر خيرا منه، أو مثله. # قوله: «قلنا: لفظا لا حكما» . هذا جواب عن الدليل المذكور من وجهين: # أحدهما: أن لزوم البدل في نسخ الآية لفظا لا حكما، يعني أنه ينسخ آية ~~بآية ; فلفظ الآية الناسخة بدل عن لفظ المنسوخة، كقوله عز وجل: {وإذا بدلنا ~~آية مكان آية} [النحل: 101] ، لا أنه أراد أن أي حكم نسخناه، أبدلنا مكانه ~~حكما، ولا يلزم من البدل اللفظي البدل الحكمي. # الوجه الثاني: أنه قد قيل: إن في الكلام تقديما وتأخيرا. والتقدير: ما ~~ننسخ من آية: نأت منها بخير، أي: نأت من نسخها بخير للمكلفين، وهو تخفيف ~~حكمها بالنسخ، أو غير ذلك من المصالح، هذا الذي ذكر في «المختصر» . # PageV02P299 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وههنا جوابان آخران: أحدهما: لا ~~نسلم أن الآية تقتضي بدلا في النسخ أصلا ; لأن الإتيان ببدل الآية مثلها، ~~أو خيرا منها، وقع جوابا للشرط، الذي هو النسخ ; فهو مشروط له، والمشروط ~~ملزوم للشرط، ولا يلزم من انتفاء الملزوم انتفاء اللازم، ولا ثبوته ; ~~فانتفاء البدل في النسخ، لا يدل على انتفاء اللازم ولا ثبوته، وإذا لم يكن ~~لانتفاء البدل دلالة على النسخ، نفيا ولا إثباتا، جاز أن يوجد النسخ بدون ~~البدل، وهو المطلوب. # الوجه الثاني: سلمنا أنه لا بد في النسخ من بدل، قد يكون في [غير] ~~المصلحة ; فيكون عدم بدل الحكم أصلح للمكلف ; فهذه المصلحة بدل عن مصلحة ~~المنسوخ، وإن لم يخلفه حكم ; لأنها مصلحة عدمية، أي: ناشئة عن عدم الحكم. # وأجاب القرافي عن الآية: بأنها صيغة شرط، ولا يلزم في الشرط أن يكون ~~ممكنا، بل قد يكون محالا، كقولنا: إن كان الواحد نصف العشرة ; فالعشرة ~~اثنان ; فهذا شرط محال، والكلام عربي صحيح، وإذا لم يستلزم ms0472 الشرط الإمكان، ~~لم يدل على الوقوع مطلقا ; فضلا عن الوقوع ببدل. # قوله: «ونسخ الحكم بأخف منه» ، أي: يجوز نسخ الحكم بأخف منه بالإجماع ; ~~لأنه تخفيف عن المكلف، وهو فضل من الله سبحانه وتعالى غير ممتنع، بل هو عام ~~الجود على خلقه. # قوله: «وبمثله» ، أي: ويجوز نسخ الحكم بمثله في الخفة والثقل. # قوله: «لا يقال: هو عبث» هذا تقرير سؤال على هذه الدعوى، وهو أن يقال: ~~نسخ الحكم بمثله عبث ; لأن كل واحد من المثلين يسد مسد الآخر ; فالنقل عنه # PageV02P300 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # إلى مثله من غير فائدة زائدة عبث، ~~وترجيح من غير مرجح. # قوله: «لأنا نقول» هذا جواب السؤال المذكور. # وتقريره: لا نسلم أن نقل المكلف عن حكم إلى مثله لا فائدة له، بل فائدته ~~امتحان المكلف، بانتقاله من حكم إلى حكم، وفي ذلك دليل على انقياده، ~~وطاعته، وعدم مخالفته. فإنا لو قدرنا أن الشرع قال لنا الآن: لا تصلوا ~~الظهر بعد زوال الشمس، بل صلوها قبل الزوال، أو صلوا الفجر بعد طلوع الشمس. ~~فبادر قوم إلى ذلك، وتوقف قوم ; فقالوا: حقيقة الزمان واحدة ; فما الفرق ~~بين بعد الزوال وقبله، وبين طلوع الشمس وبعده، حتى ينقلها إليه؟ لكان ~~المبادرون إلى الامتثال أفضل وأطوع، لتركهم الاعتراض، بل لو قال قائل: لم ~~وجبت الظهر بعد الزوال ولم تجب قبله؟ وما الفرق بين الزمانين مع تماثلهما؟ ~~لعد معترضا متكلفا ; فكان من لا يعترض بذلك أفضل منه، لسكوته عن التعرض، ~~وانقياده للتعبد. # وفي الحديث: المؤمن كالجمل الأنف حيث قيد انقاد. # ومثل هذا، لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم، أصحابه بالإحلال من الحج ~~بالحديبية، توقفوا عن امتثال أمره ; فغضب لعدم مبادرتهم، لكونه أمرهم بخلاف ~~ما اعتادوه، ثم لما # PageV02P301 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # امتثلوا حلق قوم، وقصر آخرون، ~~فقال: اللهم اغفر للمحلقين ; فقيل له: والمقصرين؟ فقال في الثالثة: ~~وللمقصرين. فقيل له: استغفرت للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة؟ فقال: لأن ~~المحلقين لم يشكوا. قوله: «وبأثقل منه» ، أي: ويجوز نسخ الحكم بأثقل منه، ~~«خلافا لبعض الظاهرية» . # PageV02P302 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قال الآمدي: ومنع منه أيضا بعض ~~الشافعية. # قوله: «لنا: ms0473 لا يمتنع» ، إلى آخره، أي: لنا على جواز النسخ إلى الأثقل ~~وجهان: # أحدهما: أنه لو امتنع، لامتنع لذاته، أو لتضمنه مفسدة، لكنه لا يمتنع ~~لواحد منهما ; فلا يمتنع أصلا. # وإنما قلنا: إنه لا يمتنع لذاته ; لأنه لو قدر وقوعه، لم يلزم منه محال ~~لذاته، بل قد وقع، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، ولم يلزم منه محال ; فدل ~~على أنه لا يمتنع لذاته، أي: لكونه نسخا للأخف إلى الأثقل. # وإنما قلنا: إنه لا يمتنع لتضمنه مفسدة ; لأن الأصل عدم المفسدة فيه، وما ~~يدعيه الخصم مفسدة فيه، سنجيب عنه إن شاء الله عز وجل، بل قد يتضمن مصلحة ~~عظيمة، وهو تدريج المكلف من الأخف إلى الأثقل ; فيسهل عليه، ولا يتبرم به ; ~~فبان بما ذكرناه أن ذلك لا يمتنع لذاته ولا لغيره ; فلا يكون ممتنعا أصلا ; ~~فيكون جائزا. # الوجه الثاني: أن ذلك قد وقع، والوقوع دليل الجواز. وبيان وقوعه بصور: # إحداهن: نسخ التخيير بين الفدية والصيام إلى تعيينه ; فإنهم كانوا في صدر ~~الإسلام، يخير أحدهم بين أن يصوم، وبين أن يفطر ويطعم ; فنسخ ذلك إلى وجوب ~~الصيام عينا، وذلك أثقل من التخيير بين الأمرين. # الصورة الثانية: تأخير صلاة الخوف حال القتال إلى وجوبها على حسب الإمكان ~~بقوله تعالى: {فإن خفتم فرجالا أو ركبانا} [البقرة: 239] ، وكان لهم قبل ~~ذلك تأخيرها حتى ينقضي القتال، ووجوبها في وقته أثقل. # الصورة الثالثة: نسخ ترك القتال إلى وجوبه، فإن القتال كان متروكا في أول # PageV02P303 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الإسلام، بقول الله تعالى: {فأعرض ~~عنهم} [النساء: 81] ، {فاعف عنهم واصفح} [المائدة: 13] ، {فاعفوا واصفحوا} ~~[البقرة: 109] ، ثم نسخ بوجوبه بقوله سبحانه وتعالى: {أذن للذين يقاتلون ~~بأنهم ظلموا} [الحج: 39] ، {قاتلوهم} [التوبة: 14] ، {واقتلوهم} [البقرة: ~~191] ، {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين} [التحريم: 9] ، وأشباه ذلك، ~~ووجوب القتال أثقل من تركه. # الصورة الرابعة: أن الخمر، والحمر الأهلية، ومتعة النكاح، كانت كلها ~~مباحة ; فنسخت إباحتها إلى التحريم، وهو أثقل. # وذكر الآمدي صورتين أخريين: # PageV02P304 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # إحداهما: نسخ حبس الزانية في البيت ~~حتى تموت، وتعنيف الزاني، بإيجاب الحد رجما، أو جلدا وتغريبا، وهو أثقل، ms0474 ~~وذلك أن حكم الزاني كان في صدر الإسلام، إن كان امرأة، حبست حتى تموت، وإن ~~كان رجلا، عنف، وأوذي بالقول، عملا بقوله تعالى: {واللاتي يأتين الفاحشة من ~~نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى ~~يتوفاهن الموت} إلى قوله: {واللذان يأتيانها منكم فآذوهما} [النساء: 15 - ~~16] ، أي بالتعنيف والذم ; فنسخ ذلك بآية الرجم، وآية النور، في جلد البكر ~~وغيره. # الصورة الثانية: نسخ صوم يوم عاشوراء بصوم رمضان. # قلت: وهذا بناء على أن صوم عاشوراء كان واجبا، ثم نسخ، وهو ظاهر من حديث ~~هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان عاشوراء يوما تصومه قريش في ~~الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يصومه، فلما قدم المدينة، ~~صامه، وأمر الناس بصيامه، فلما افترض رمضان، كان رمضان هو الفريضة، وترك ~~عاشوراء ; فمن شاء صامه، ومن شاء تركه. متفق عليه. وأخرجه أبو داود ~~والنسائي والترمذي، وصححه، واللفظ له، وهو متفق عليه من حديث ابن عمر رضي ~~الله عنهما. # قوله: «قالوا: تشديد» ، إلى آخره. هذا دليل المانعين، وهو من وجهين: # أحدهما: أن النسخ إلى الأثقل تشديد على المكلف، وذلك لا يليق برأفة الله ~~عز وجل ورحمته ; لأن شأنه التسهيل على خلقه، لا التشديد عليهم. # PageV02P305 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الوجه الثاني: النصوص الدالة على ~~التخفيف والتيسير، نحو قوله سبحانه وتعالى: {الآن خفف الله عنكم} [الأنفال: ~~66] ، يعني خفف عنكم ثبات الواحد لعشرة في الجهاد، بالاقتصار على ثباته ~~لاثنين. # وقوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185] ، ~~وقوله سبحانه وتعالى: {يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا} ~~[النساء: 28] . # وقوله: {يريد الله بكم اليسر} ، {أن يخفف عنكم} ، استعمال اللفظ (يريد ~~الله) في الآيتين على جهة الاستخدام. # قالوا: والنسخ إلى الأثقل عسر، والله عز وجل قد أخبر أنه لا يريده، وما ~~لا يريده يستحيل وقوعه ; فالنسخ إلى الأثقل يستحيل وقوعه، وهو المطلوب. # قوله: «قلنا: منقوض» ، إلى آخره، هذا جواب عن الوجهين. # أما عن الأول - وهو قولهم - تشديد لا يليق بالرأفة الإلهية -: فبأنه ~~«منقوض بتسليطه المرض ms0475 والفقر وأنواع الآلام، والمؤذيات على الخلق» ، مع أنه ~~تشديد عليهم ; فكان ينبغي أن لا يقع، وحيث وقع ; فالنسخ إلى الأثقل مثله ; ~~فليكن وقوعه جائزا. # قوله: «فإن قيل: لمصالح علمها» ، هذا جواب من الخصم عن النقض المذكور. # وتقريره: أن النقض بالمرض، والفقر، والآلام، لا يلزمنا ; لأن ابتلاءه ~~الخلق # PageV02P306 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بذلك، لمصالح علمها لهم فيه. # قوله: «قلنا: فقد أجبتم عنا» ، أي: هذا الجواب مشترك بيننا وبينكم ; فهو ~~جوابنا عن كون النسخ إلى الأثقل تشديدا، وهو أن نقول: النسخ إلى الأثقل ~~لمصلحة علمها فيه، كما أن ابتلاءه لهم بالمرض، وسائر المكاره، لمصالح علمها ~~لهم فيه، ثم ما ذكروه من التشديد منتقض عليهم أيضا بأصل التكليف ; فإنه ~~تشديد، وتركه أسهل عليهم ; فمقتضى قولهم: عدم التكليف بالكلية، لكنه قد ثبت ~~باتفاق، كالصلاة، والزكاة، والحج، وسائر العبادات الدينية، والاعتقادية، ~~والعملية. # قوله: «والآيات وردت في صور خاصة» ، يعني الآيات الواردة في التخفيف، ~~وردت في أحكام خاصة، وليست عامة، حتى يحتج بعمومها على منع النسخ إلى ~~الأثقل. # أما قوله: {الآن خفف الله عنكم} [الأنفال: 66] ; فهي في الجهاد كما ذكر، ~~بدليل ما قبلها وبعدها، وهو قوله عز وجل: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا ~~مائتين} إلى قوله عز وجل: {وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين} [الأنفال: 66] ، ~~وأما قوله عز وجل: {يريد الله أن يخفف عنكم} ; فهي في سياق نكاح الأمة، لمن ~~لم يجد طول حرة، ثم هي مطلقة، لا عموم للفظها. # وأما قوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر} [البقرة: 185] ; فهو في سياق ~~تخفيف الصوم عن المريض والمسافر، واللام في اليسر والعسر وإن احتمل أنها ~~للاستغراق، لكنها محمولة على المعهود، وهو اليسر الحاصل بالإفطار، للمريض ~~والمسافر، والعسر الحاصل لهما بالصوم في حالة المرض والسفر. على أن ابن ~~الخشاب حكى في «المرتجل» عن بعض أهل العلم، أن الكلام متى كان فيه # PageV02P307 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # معهود، تعين رجوع اللام إليه، ~~وإنما يحمل على الاستغراق إذا انتفى المعهود، والله تعالى أعلم بالصواب. # PageV02P308 # و ### | لا يلزم المكلف حكم الناسخ قبل علمه به، # اختاره القاضي، وخرج أبو الخطاب لزومه ms0476 على انعزال الوكيل قبل علمه ~~بالعزل، وهو تخريج دوري. لنا: لو لزمه لاستأنف أهل قباء الصلاة حين علموا ~~بنسخ القبلة. قال: النسخ بورود الناسخ، لا بالعلم به. ووجوب القضاء على ~~المعذور غير ممتنع، كالحائض والنائم. والقبلة تسقط بالعذر، وهم كانوا ~~معذورين. قلنا: العلم شرط اللزوم ; فلا يثبت دونه، والحائض والنائم علما ~~التكليف، بخلاف هذا. # قوله: «ولا يلزم المكلف حكم الناسخ ~~قبل علمه به، اختاره القاضي» ، أي: لا يثبت النسخ في حق من لم يبلغه ~~الناسخ. # مثاله: لو نسخت إباحة بعض المطعومات المباحة، كالعنب، بأن قيل: هو حرام ~~عليكم ; فمن بلغه هذا النسخ، ثبت التحريم في حقه، ومن لم يبلغه، لم يثبت في ~~حقه عند القاضي أبي يعلى، حتى لو أكل بعد النسخ، وقبل العلم، لم يكن عاصيا، ~~وكذا لو زيد في الصلوات صلاة، أو في الفجر ركعة، ولم يبلغه النسخ، لم يكن ~~مخاطبا بها حتى يبلغه. # «وخرج أبو الخطاب لزومه» ، أي: لزوم حكم الناسخ للمكلف قبل بلوغه «على ~~انعزال الوكيل قبل علمه بالعزل» ، يعني أن في لزوم حكم الناسخ من لم يبلغه ~~قولين، كالقولين فيما إذا عزل الموكل الوكيل، ولم يبلغه العزل، هل ينعزل أم ~~لا؟ # إن قلنا: ينعزل الوكيل بالعزل قبل علمه به، لزم المكلف حكم الناسخ قبل ~~علمه به، وإلا فلا. # ووجه هذا التخريج: أن المكلف في التزام الأحكام بالنسبة إلى أوامر الله # PageV02P309 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # تعالى، كالوكيل في التصرفات ~~بالنسبة إلى إذن الموكل، والجامع بينهما أن كل واحد منهما، أعني المكلف ~~والوكيل، لا يجوز له التصرف إلا بمقتضى الإذن، وينعزل بالعزل، فإذا قال ~~الموكل لوكيله: عزلتك، انعزل. ولو قال الله عز وجل للمكلف: أسقطت عنك ~~التكليف، لسقط عنه ولم يجز له بعد ذلك أن يتصرف في العبادات فيما كان يتصرف ~~فيه قبل، بناء على ما ذكر في عدم وجوب شكر المنعم عقلا. # قوله: «وهو تخريج دوري» ، أي: تخريج أبي الخطاب لهذه المسألة، على مسألة ~~انعزال الوكيل، يلزم منه الدور ; لأن هذه المسألة أصولية، ومسألة عزل ~~الوكيل فرعية ; فهي فرع على ms0477 مسألة النسخ ; لأن العادة تخريج الفروع على ~~الأصول ; فلو خرجنا هذا الأصل المذكور في النسخ على الفرع المذكور في ~~الوكالة، لزم الدور، لتوقف الأصل على الفرع المتوقف عليه ; فيصير من باب ~~توقف الشيء على نفسه بواسطة. # قلت: وهذا الحكم، أعني عدم لزوم حكم الناسخ من لم يبلغه، لا يختص الناسخ، ~~بل سائر النصوص، ناسخة كانت، أو مبتدئة ; فيها الخلاف المذكور. والأشبه ما ~~صححناه من عدم اللزوم. # قال الآمدي: والخلاف إنما هو فيما إذا ورد الناسخ إلى النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، قبل بلوغه الأمة ; فأثبت حكمه في حق المكلفين بعض الشافعية، ~~ونفاه بعضهم، وبه قال # PageV02P310 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أحمد والحنفية، قال: وهو المختار. # أما إذا كان مع جبريل قبل بلوغه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ; فلا يثبت ~~حكمه في حق المكلفين اتفاقا. # قلت: لعل وجه الفرق: هو أنه إذا بلغ النص النبي، صلى الله عليه وسلم ; ~~فقد بلغ محل التكليف البشري ; فثبت حكمه في حق المكلفين، تنزيلا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم، منزلة جميعهم، بخلاف ما إذا لم يبلغه. # قلت: ولا يظهر لهذا التفصيل أثر، ولا مناسبة، بل الأولى أن النص مطلقا لا ~~يثبت حكمه إلا في حق من بلغه، نفيا لتكليف ما لا يطاق، أو للتكليف بدون ~~العلم بالمكلف به. ولعل أحمد - رحمه الله تعالى على هذا - خرج قولا له ~~ثالثا في أكل لحم الجزور، إن علم بالنص في نقض الوضوء به انتقض به وضوءه، ~~وإلا فلا. # وكذلك فيمن خاف فوت الركعة ; فركع فذا دون الصف، ثم دخل في الصف، إن علم ~~بالنهي عن ذلك، لم تصح صلاته، وإلا صحت، هو قول عن أحمد، وهو اختيار ~~الخرقي. # PageV02P311 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «لنا لو لزمه، لاستأنف أهل ~~قباء الصلاة حين علموا بنسخ القبلة» . # هذا دليل القاضي، ومن وافقه، على أن حكم الناسخ لا يلزم قبل بلوغه. # وتقريره: أن أهل قباء بلغهم نسخ القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة، وهم في ~~صلاة العصر أو الفجر فاستداروا إلى الكعبة، وبنوا على ما مضى من صلاتهم، ~~ولم يستأنفوها. ms0478 ولو ثبت حكم الناسخ في حقهم قبل بلوغه إياهم، لزمهم استئناف ~~الصلاة ; لأنهم على هذا التقدير، قد ثبت أن القبلة شرط لصحة الصلاة في حقهم ~~قبل الدخول فيها ; فحيث افتتحوها إلى غير القبلة ; فقد أخلوا بشرطها ; ~~فيلزمهم أن يستأنفوها ; لأن افتتاحهم لها وقع فاسدا، للإخلال بشرطه، لكنهم ~~لم يستأنفوها، ولم ينقل أنهم أمروا باستئنافها، مع أن مثل تلك القضية، لا ~~يخفى عن النبي صلى الله عليه وسلم، عادة ; فوجب القول بأن حكم الناسخ لا ~~يلزم من لم يبلغه. # قوله: «قال» ، يعني أبا الخطاب ومن وافقه، احتج لقوله بأن «النسخ بورود # PageV02P312 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الناسخ لا بالعلم به» فيثبت حكمه ~~في حق المكلف وإن لم يبلغه، وإنما قلنا: النسخ يحصل بورود الناسخ ; لأن ~~النسخ رفع الحكم، وبورود الناسخ يحصل الرفع، سواء بلغ المكلف الناسخ أو لا، ~~وذلك يقتضي أن يثبت في حقه مطلقا، بلغه أو لم يبلغه. # نعم إذا لم يبلغه الناسخ ; فأخل بامتثال حكمه، كان معذورا بعدم العلم ; ~~فيلزمه الاستدراك بالقضاء، ووجوب القضاء على المعذور غير ممتنع، كالحائض ~~والنائم، يقضيان ما فاتهما من العبادات وقت الحيض والنوم، مع أنهما ~~معذوران. # كذلك من لم يبلغه الناسخ، يقضي ما فاته من حكمه في حال عدم بلوغه إياه، ~~ويظهر أثر عدم العلم في سقوط الإثم ; فإنه لو علم بالناسخ، وترك مقتضاه، ~~أثم، ولزمه القضاء، فإذا لم يعلم، لزمه القضاء، ولا إثم عليه للعذر. # قوله: «والقبلة تسقط بالعذر» . هذا جواب من أبي الخطاب عن قصة أهل قباء. # وتقريره: أن قصة أهل قباء لا حجة فيها على عدم لزوم حكم الناسخ من لم ~~يبلغه ; لأنهم كانوا معذورين بعدم العلم، وإنما أخلوا باستقبال القبلة في ~~ابتداء صلاتهم، واستقبال القبلة يسقط بالعذر في جميع الصلاة، بدليل ما إذا ~~اشتبهت عليه جهتها ; فاجتهد ; فأخطأها، فإن صلاته تصح، وإن وقعت جميعها إلى ~~غير القبلة ; فلأن تصح الصلاة، مع ترك الاستقبال في جزء منها للعذر، أولى. # قوله: «وقلنا: العلم شرط اللزوم ; فلا يثبت دونه» ، إلى آخره. هذا جواب # PageV02P313 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # عن دليل أبي الخطاب. # وتقريره: ms0479 أنا إن سلمنا أن النسخ يحصل بورود الناسخ كما قررته، لكن العلم ~~به، أي: علم المكلف به، وبلوغه إياه، شرط للزوم حكمه له ; فلا يثبت في حقه ~~بدونه، أي: بدون العلم به، لاستحالة ثبوت المشروط بدون شرطه، وإنما قلنا: ~~إن العلم بالحكم شرط في لزومه للمكلف، لما سبق في شروط التكليف، وذكر آنفا ~~أيضا، من لزوم تكليف ما لا يطاق، أو تكليف ما لا يعلمه المكلف. # قوله: «ووجوب القضاء على المعذور غير ممتنع، كالحائض والنائم» . # قلنا: الفرق بينهما: أن الحائض والنائم علما التكليف، أي: علما أنهما ~~مكلفان بالصوم مثلا ; فوجد شرط لزوم الحكم لهما، بخلاف هذا، أي: الذي لم ~~يبلغه الناسخ ; فإنه لا يعلم أنه مكلف بالفعل، ولم يوجد شرط لزوم الحكم له ~~; فلا يلزمه ; فظهر الفرق. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. # PageV02P314 # السادسة: يجوز نسخ كل من الكتاب ومتواتر السنة ~~وآحادها بمثله، ونسخ السنة بالكتاب، خلافا للشافعي. # لنا: لا يمتنع لذاته، ولا لغيره، وقد وقع، إذ التوجه إلى بيت المقدس، ~~وتحريم المباشرة ليالي رمضان، وجواز تأخير صلاة الخوف، ثبتت بالسنة، ونسخت ~~بالقرآن. # احتج بأن السنة مبينة للكتاب ; فكيف يبطل مبينه، ولأن الناسخ يضاد ~~المنسوخ، والقرآن لا يضاد السنة، ومنع الوقوع المذكور. # وأجيب بأن بعض السنة مبين له، وبعضها منسوخ به. # المسألة «السادسة: يجوز نسخ كل من ~~الكتاب، ومتواتر السنة، وآحادها بمثله» ، أي: يجوز نسخ الكتاب بالكتاب، ~~ومتواتر السنة بمتواترها، وآحادها بآحادها. وهذا اتفاق لا اختلاف فيه ; لأن ~~ذلك متماثل ; فجاز أن يرفع بعضه بعضا. # فإن قيل: المثلان يستويان من كل وجه، ويسد أحدهما مسد الآخر، وحينئذ يكون ~~ارتفاع أحدهما بالآخر ترجيحا من غير مرجح، إذ ليس أحدهما أولى بأن يرتفع ~~بالآخر من العكس. # فالجواب: أن هذا السؤال قد سبق على حد النسخ، بأنه رفع الحكم، وسبق ~~الجواب عنه، بأن الناسخ أولى بأن يكون رافعا بقوته، بكونه واردا. # قوله: «ونسخ السنة» ، أي: ويجوز نسخ السنة «بالكتاب خلافا للشافعي» . # قال الآمدي: وهو جائز عقلا، وواقع سمعا عند الأكثر، من الأشاعرة ~~والمعتزلة والفقهاء، ms0480 وممتنع في أحد قولي الشافعي. # PageV02P315 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «لنا: لا يمتنع لذاته» ، إلى ~~آخره، أي: لنا على جوازه وجهان: # أحدهما: أنه لا يمتنع لذاته، أي: لكونه نسخ السنة بالقرآن، ولا لغيره ; ~~لأنه لا يلزم من فرض وقوعه محال لذاته، ولا لغيره. وقد سبق تقرير هذه ~~الملازمة قريبا، وإذا لم يمتنع لذاته، ولا لغيره، كان جائزا. # الوجه الثاني: أنه قد وقع، والوقوع يدل على الجواز، وبيان وقوعه بصور: # إحداهن: التوجه إلى بيت المقدس، ثبت بالسنة، ونسخ بقوله تعالى: {فول وجهك ~~شطر المسجد الحرام} [البقرة: 144] . # الصورة الثانية: تحريم الأكل والمباشرة بعد النوم في ليالي رمضان، ثبت ~~بالسنة ونسخ بقوله عز وجل: {فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا ~~واشربوا} إلى قوله: {الفجر} [البقرة: 187] . # الصورة الثالثة: تأخير صلاة الخوف إلى حال الأمن، ثبت بالسنة، ونسخ بقوله ~~عز وجل: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة} [النساء: 102] ، وقوله عز وجل: ~~{فإن خفتم فرجالا أو ركبانا} [البقرة: 239] . # وذكر الآمدي صورة أخرى، وهي صلح النبي صلى الله عليه وسلم، لأهل مكة يوم ~~الحديبية، على أن يرد إليهم من جاءه من عندهم، ثم نسخ ذلك في النساء بقوله ~~تعالى: {فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} [الممتحنة: ~~10] ; فهذه أحكام ثبتت بالسنة، ونسخت بالكتاب، وذلك دليل الجواز. # قوله: «احتج» ، يعني الشافعي، «على ما ذهب إليه بوجهين» : # أحدهما: لو جاز نسخ السنة بالكتاب، لكان الكتاب مبطلا لمبينه، لكن ذلك ~~باطل ; فالقول بنسخ السنة بالكتاب باطل. # أما الملازمة ; فلأن السنة مبينة للكتاب، لقوله عز وجل: {وأنزلنا إليك ~~الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44] ، والناسخ يبطل المنسوخ ; ~~فالكتاب لو نسخ السنة، لأبطلها، وهي مبينة له ; فيكون مبطلا لمبينه. # PageV02P316 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وأما أن إبطال القرآن لمبينه باطل ~~; فلأنه إذا بطل مبينه، بقي بغير مبين ; فيرجع إلى الإجمال الموجب للتوقف ~~فيه، وتعطيل ألفاظه عن الاستعمال. وأيضا السنة مبينة للقرآن ; فلو بينها ~~القرآن بنسخه لها، لزم الدور، إذ يصير كل منهما مبينا للآخر. # الوجه الثاني: أن الناسخ يضاد المنسوخ، والقرآن لا يضاد ms0481 السنة، وإلا لما ~~كانت بيانا له ; فالقرآن لا يكون ناسخا للسنة. # قوله: «ومنع الوقوع المذكور» ، أي: الشافعي منع وقوع نسخ السنة بالكتاب ~~في الصور المذكورة، وبيان المنع من وجهين: # أحدهما أن الأحكام المذكورة، يجوز أنها ثبتت بقرآن نسخ رسمه، وبقي حكمه، ~~كما سبق في آية الرجم، ثم نسخت تلك الأحكام بالقرآن ; فما نسخ القرآن إلا ~~قرآن مثله. # الثاني: بتقدير أن تلك الأحكام ثبتت بالسنة، يجوز أنها نسخت بسنة وافقت ~~القرآن في حكمه ; فما نسخت السنة إلا بسنة مثلها. # قوله: «وأجيب بأن بعض السنة مبين له، وبعضها منسوخ به» . هذا جواب عن ~~الوجهين للشافعي. # أما توجيهه عن الأول، وهو قوله: كيف يبطل القرآن مبينه؟ فمن جهة أنه ليس ~~كل القرآن محتاجا إلى بيان، بل فيه كثير مما هو بين بنفسه ; فحينئذ، مبين ~~السنة يبين مجمل القرآن، ومبين القرآن ينسخ بعض السنة ; فلا يكون القرآن ~~مبطلا لمبينه. # وأما توجيهه عن الثاني ; فنقول: القرآن لا يضاد السنة في الكل، أو في ~~البعض، الأول ممنوع، والثاني مسلم، وحينئذ ذلك البعض المضاد للقرآن من ~~السنة منسوخ به، وحينئذ لا دور ولا محذور. # PageV02P317 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وأما الجواب عن المنع ; فقوله: ~~الأحكام المذكورة ثبتت بقرآن نسخ رسمه، وبقي حكمه، ثم نسخت بالقرآن. # قلنا: الأصل عدم قرآن نسخ رسمه، ثبتت به تلك الأحكام، واحتماله لا يكفي، ~~وما وجد من أفعال النبي، صلى الله عليه وسلم، وأقواله، وتقريراته في ذلك، ~~كصلاته إلى بيت المقدس، صالح لإثبات تلك الأحكام ; فوجب أن تضاف إليه. # وقوله: يجوز أن الأحكام المذكورة نسخت بسنة وافقت القرآن. # قلنا: ليس النزاع في الجواز، بل في الوقوع، ولم يقم دليل وجود سنة ناسخة ~~كما ذكرتم، والقرآن في ذلك موجود صالح للنسخ ; فوجب إضافة الحكم إليه. # نعم ذكر القرافي في منع كون التوجه إلى بيت المقدس ثبت بالسنة كلاما ~~جيدا. # وتقريره: أن القاعدة: أن كل ما كان ثابتا بمجمل فهو مراد من ذلك المجمل، ~~وتوجه النبي صلى الله عليه وسلم، إلى بيت المقدس، هو بيان لقوله عز وجل: ~~{أقيموا الصلاة} ms0482 [البقرة: 110] ، كما كان قوله عليه السلام: فيما سقت ~~السماء العشر بيانا لمجمل قوله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: ~~141] ، {وآتوا الزكاة} [البقرة: 110] ، وهو مراد من الآية: وإذا ثبت أن ~~التوجه إلى بيت المقدس مراد من القرآن ; فهو ثابت بالقرآن بواسطة البيان. # قلت: وهذا يتجه أن يقال في تأخير صلاة الخوف عن وقت القتال ; لأنه من # PageV02P318 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لوازم بيان قوله عز وجل: {أقيموا ~~الصلاة} ; لأن المراد بإقامتها إكمالها وإتمامها، وهو متعذر حال القتال ; ~~فكان تأخيرها إلى وقت الأمن من لوازم إقامتها، وكذلك صلحه عليه السلام ~~للكفار، على رد من جاءه منهم مسلما، هو بيان لقوله عز وجل: {يا أيها النبي ~~جاهد الكفار والمنافقين} [التحريم: 9] ، وجهادهم مفوض إلى اجتهاد النبي، ~~صلى الله عليه وسلم، على حسب ما يرى من المصلحة. وقد رأى من المصلحة صلحهم ~~على ذلك. # قلت: ثم يتفرع لنا على هذا تحقيق، وهو أن الحكم، هل يضاف ثبوته إلى ~~البيان، أو إلى المبين؟ # فإن أضيف إلى البيان، اتجه ما قلناه من وقوع نسخ السنة بالكتاب ; لأن تلك ~~الأحكام المذكورة ثبتت بالسنة التي هي بيان للقرآن، ثم نسخت بالكتاب ; فقد ~~نسخت السنة بالكتاب. # وإن أضيف إلى المبين ; فقد اتجه ما قاله الشافعي من منع الوقوع ; لأن ~~الأحكام المذكورة إنما ثبتت بالقرآن المجمل الذي بينته السنة، ثم نسخت ~~بالقرآن ; فما نسخ القرآن إلا قرآن مثله. # والتحقيق أن ثبوت الحكم يضاف إلى البيان والمبين جميعا، ولعل هذا هو مأخذ ~~النزاع في هذه الأحكام. # وبعد هذا كله ; فجانب القائلين بجواز نسخ السنة بالكتاب مترجح بما ذكرناه ~~من الدليل عليه. # وأما الوقوع ; فبنسخ تحريم المباشرة ليالي رمضان بعد النوم، إذ لا يتجه ~~فيه أن يقال: كان ثابتا بقرآن مجمل بينته السنة، والله سبحانه وتعالى أعلم ~~بالصواب. # PageV02P319 # أما ### | نسخ القرآن بمتواتر السنة # ; فظاهر كلام أحمد - رحمه الله - والقاضي منعه، وأجازه أبو الخطاب وبعض ~~الشافعية، وهو المختار. # لنا: لا استحالة ذاتية، ولا خارجية، ولأن تواتر السنة قاطع، وهو من عند ~~الله تعالى في الحقيقة ; فهو كالقرآن. # قالوا: {نأت ms0483 بخير منها أو مثلها} ، والسنة لا تساوي القرآن، وقد قال عليه ~~السلام: «القرآن ينسخ حديثي، وحديثي لا ينسخ القرآن» ، ولأن السنة لا تنسخ ~~لفظ القرآن ; فكذا حكمه. # وأجيب: بأن نأت بخير منها في الحكم ومصلحته، والسنة تساوي القرآن في ذلك، ~~وتزيد عليه، إذ المصلحة الثابتة بالسنة قد تكون أعظم من الثابتة بالقرآن. ~~أو على التقديم والتأخير ; فلا دلالة في الآية أصلا. والحديث لا يخفى مثله، ~~لكونه أصلا ; فلو ثبت لاشتهر، ولما خولف. ولفظ القرآن معجز ; فلا تقوم ~~السنة مقامه، بخلاف حكمه. # قوله: " أما نسخ القرآن بمتواتر ~~السنة ; فظاهر كلام أحمد والقاضي منعه، وأجازه أبو الخطاب، وبعض الشافعية، ~~وهو المختار ". # وقال الشيخ أبو محمد في " الروضة ": قال أحمد: لا ينسخ القرآن إلا قرآن ~~مثله يجيء بعده. قال القاضي: ظاهره أنه منع منه عقلا وشرعا. # قلت: احتجاج القاضي بعموم نفي أحمد، وهو إنما يدل على المنع منه شرعا، لا ~~عقلا. # قلت: حكى الآمدي المنع في المسألة عن الشافعي وأكثر أصحابه، وأكثر ~~الظاهرية، وعن أحمد في أحد قوليه. وحكي الجواز عن مالك، والحنفية، وابن ~~سريج، وأكثر الأشاعرة والمعتزلة. # PageV02P320 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قال القرافي: هو جائز عند أكثر ~~أصحابنا. # قوله: " لنا: لا استحالة "، إلى آخره. هذا دليل الجواز، وهو من وجهين: # أحدهما: أنه لو استحال، لاستحال لذاته، أو لأمر خارج عن ذاته، لكنه لا ~~يستحيل لذاته، ولا لأمر خارج ; فلا يكون مستحيلا مطلقا ; فيكون جائزا ~~مطلقا. وتقرير هذا الدليل: كتقرير قولنا في المسألة قبلها: " لنا: لا يمتنع ~~لذاته ولا لغيره "، وقد سبق. # الوجه الثاني: أن متواتر السنة قاطع، أي: يحصل القطع بثبوته، لما مر من ~~أن المتواتر يفيد العلم الضروري، وهو - يعني متواتر السنة - من عند الله ~~تعالى في الحقيقة، لقوله عز وجل: {وما ينطق عن الهوى} {إن هو إلا وحي يوحى} ~~[النجم: 3 - 4] . وقال عليه السلام: أوتيت القرآن ومثله معه، وقال: إن ~~جبريل عليه السلام يأتيني بالسنة كما يأتيني بالقرآن، وإذا كان متواتر ~~السنة قاطعا، وهو من عند الله تعالى، صار كالقرآن في نسخ القرآن به. ms0484 # قوله: " قالوا: {نأت بخير منها} " إلى آخره هذه حجة المانعين وهي من ~~وجوه: # أحدها: قوله تعالى: " {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} # PageV02P321 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # [البقرة: 106] ; فحصر الله تعالى ~~الناسخ في كونه خيرا من المنسوخ، أو مثله، والسنة لا تساوي القرآن ; فضلا ~~عن أن تكون خيرا منه ; فلا تكون ناسخة له. # الوجه الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: القرآن ينسخ حديثي، وحديثي لا ~~ينسخ القرآن. قال الشيخ أبو محمد: رواه الدارقطني من حديث جابر، وهو نص في ~~المسألة. # الوجه الثالث: أن السنة لا تنسخ لفظ القرآن ; فكذلك لا تنسخ حكمه، ~~لاشتراك لفظ القرآن وحكمه في القوة والتعظيم، وصيانته عن أن يرفع بما هو ~~دونه. والجواب عن الأول: أن المراد بالآية: {نأت بخير منها} في الحكم ~~ومصلحته، والسنة تساوي القرآن في ذلك، إذ المصلحة الثابتة بالسنة قد تكون ~~أضعاف المصلحة الثابتة بالقرآن ; إما في عظم الأجر، بناء على نسخ الأخف ~~بالأثقل، أو في تخفيف التكليف، بناء على نسخ الأثقل بالأخف. # قوله: " أو على التقديم والتأخير ". هذا جواب آخر عن الآية، وهو أن فيها ~~تقديما وتأخيرا، تقديره: ما ننسخ من آية نأت منها بخير ; فلا يكون فيها ~~دلالة على محل النزاع أصلا، إذ لا دلالة فيها على إثبات الناسخ أصلا، كما ~~سبق في النسخ إلى غير بدل. # وأما الحديث ; فلا تقوم الحجة بمثله ههنا ; لأنه أصل كبير، ومثله لا يخفى ~~في العادة، لتوفر الدواعي على نقل ما كان كذلك عادة. فلو ثبت، لاشتهر، ثم ~~لم يخالفه أحد من العلماء لشهرته ودلالته. # PageV02P322 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # سلمنا صحته، لكنه ليس نصا في محل ~~النزاع، بل هو ظاهر ; لأن لفظه عام، ودلالة العام ظاهرة، لا قاطعة ; فيحمل ~~على أن خبر الواحد لا ينسخ القرآن، يبقى المتواتر لا دليل على المنع فيه من ~~ذلك. # وأما قولهم: السنة لا تنسخ لفظ القرآن ; فكذا حكمه. # فجوابه بالفرق، وهو أن لفظ القرآن معجز، والسنة لا تقوم مقامه في ~~الإعجاز، بخلاف حكمه، فإن المراد منه تكليف الخلق به، والسنة تقوم مقامه ms0485 في ~~ذلك، والله تعالى أعلم. # قلت: تلخيص مأخذ النزاع في المسألة أن بين القرآن ومتواتر السنة جامعا ~~وفارقا. # فالجامع بينهما: ما ذكرناه من إفادة العلم، وكونهما من عند الله تعالى. # والفارق: إعجاز لفظ القرآن، والتعبد بتلاوته، بخلاف السنة ; فمن لاحظ ~~الجامع، أجاز النسخ، ومن لاحظ الفارق، منعه. # فرع: كما اختلفوا في جواز نسخ القرآن بمتواتر السنة، كذلك اختلفوا في ~~وقوعه شرعا، على نحو اختلافهم في جوازه ; فممن أثبته بعض المالكية، ومنعه ~~الشافعي. # احتج المثبتون: بأن الوصية للوالدين والأقربين ثبتت بالقرآن، ونسخت بقوله ~~عليه السلام: لا وصية لوارث. وإمساك الزواني في البيوت، ثبت بالقرآن، ونسخ ~~بقوله عليه السلام: قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مئة وتغريب ~~عام، والثيب بالثيب الرجم. # PageV02P323 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # واحتج المانعون: بأن القول بالوقوع ~~يستدعي دليلا، والأصل عدمه، وما ذكرتموه من الصورتين المذكورتين لا حجة ~~فيهما على الوقوع، بل النص النبوي فيهما بيان لا نسخ. فآية الوصية نسخت ~~بآية الميراث، وأكد النبي صلى الله عليه وسلم، نسخها ببيانه، والإيضاح عنه، ~~ولهذا يقول: إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث. فكان هذا بيانا ~~وإخبارا عن زوال وجوب الوصية للوارث، لا نسخا. # وأما الآية الأخرى ; فالسبيل مذكور فيها، والأمر فيها مغيي إلى حين جعل ~~السبيل، فلما جاء وقته، بينه النبي صلى الله عليه وسلم. ولهذا قال: خذوا ~~عني، قد جعل الله لهن سبيلا. فأضاف جعل السبيل إلى الله تعالى، لا إلى ~~نفسه، ولو سلمنا أن إمساكهن في البيوت منسوخ، لكان إضافة نسخه إلى قوله ~~تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [النور: 2] ، ~~وإلى آية الرجم التي نسخ لفظها دون حكمها أولى، ثم لا نسلم أن الخبرين ~~المذكورين تواترا ; فمثال الخصم غير صحيح، والله تعالى أعلم. # PageV02P324 # أما ### | نسخ الكتاب ومتواتر السنة بآحادها # ; فجائز عقلا، لجواز قول الشارع: تعبدتكم بالنسخ بخبر الواحد، لا شرعا، ~~لإجماع الصحابة. وأجازه قوم في زمن النبوة، لا بعده ; لأنه عليه السلام كان ~~يبعث الآحاد بالناسخ إلى أطراف البلاد. وأجازه بعض الظاهرية ms0486 مطلقا، ولعله ~~أولى، إذ الظن قدر مشترك بين الكل، وهو كاف في العمل والاستدلال الشرعي. ~~وقول عمر: لا ندع كتاب ربنا، وسنة نبينا، لقول امرأة، لا ندري أحفظت أم ~~نسيت. يفيد أنه إنما رده لشبهة، ولو أفاد خبرها الظن لعمل به. # قوله: «أما نسخ الكتاب ومتواتر ~~السنة بآحادها ; فجائز عقلا» ، إلى آخره، أي: أما نسخ الكتاب بخبر الواحد، ~~ونسخ السنة المتواترة بخبر الواحد ; فهو جائز عقلا لا شرعا. # أما أنه جائز عقلا ; فلجواز قول الشارع: تعبدتكم بنسخ القاطع بخبر ~~الواحد، أي: لا يمتنع ذلك، إذ لا يلزم من فرض وقوعه محال. # وأما امتناعه شرعا، أي: من جهة دليل الشرع ; قال الشيخ أبو محمد: لإجماع ~~الصحابة على أن القرآن، ومتواتر السنة، لا يرفع بخبر الواحد ; فلا ذاهب إلى ~~تجويزه، حتى قال عمر رضي الله عنه: «لا ندع كتاب ربنا، وسنة نبينا، لقول ~~امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت» . # «وأجازه قوم» يعني: نسخ الكتاب وتواتر السنة بآحادها، «في زمن النبوة، لا ~~بعده ; لأنه صلى الله عليه وسلم، كان يبعث الآحاد بالناسخ إلى أطراف ~~البلاد» ; فيقبل خبرهم فيه. # «وأجازه بعض الظاهرية مطلقا» ، يعني في زمن النبوة وبعده. # قلت: «ولعله أولى» ، أي: يشبه أنه أولى، لاتجاهه بما سيأتي إن شاء الله ~~تعالى، ولم أجزم بذلك، ولهذا أتيت بلفظ الترجي. # PageV02P325 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «إذ الظن قدر مشترك بين ~~الكل، وهو كاف في العمل، والاستدلال الشرعي» . معناه أن تواتر السنة ~~وآحادها يشتركان في إفادة الظن، وإن زاد التواتر بإفادة القطع ; فالظن ~~بينهما قدر مشترك، وهو كاف في العمل الشرعي، والاستدلال الشرعي، أي: يكفي ~~الظن في أن يكون مستندا للعمل والاستدلال شرعا، بناء على أن مناط ذلك غلبة ~~الظن ; فمتى حصل، وجب العمل، وصح الاستدلال. # وأما زيادة القطع ; فهي غير معتبرة، لما سبق في مسألة وجوب العمل بخبر ~~الواحد. # وإذا كان الظن مشتركا بين التواتر والآحاد، وهو كاف في العمل، جاز أن ~~ينسخ الآحاد المتواتر ويكون النسخ بالآحاد متوجها إلى مقدار الظن من ~~التواتر، لا إلى جميع ما أفاده ms0487 من العلم، ونظير هذا ما إذا كان لزيد على ~~عمرو خمسة دراهم، ولعمرو على زيد عشرة دراهم، تقاصا بالقدر المشترك بين ~~الحقين، وهو خمسة ; فتقوى الخمسة على رفع خمسة من الذمة، لا على ما زاد ~~عليها. # وبهذا يندفع عنا قول الخصم: إن الكتاب متواتر قطعا ; فلا يرتفع بالآحاد ~~المظنونة ; لأنا نقول: ما رفعنا القطع بالظن، وإنما رفعنا بالظن ظنا مثله، ~~كما قررناه. # وأما قول عمر المذكور ; فليس لفظه: أصدقت أم كذبت؟ ، بل كما في «المختصر» ~~: أحفظت أم نسيت؟ وهو ما روى مغيرة، عن الشعبي، قال: قالت فاطمة بنت قيس: ~~طلقني زوجي ثلاثا على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم ; فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: لا # PageV02P326 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # سكنى لك ولا نفقة، قال مغيرة: ~~فذكرته لإبراهيم، قال: قال عمر رضي الله عنه: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا ~~لقول امرأة، لا ندري أحفظت أم نسيت؟ وكان عمر يجعل لها السكنى والنفقة. ~~رواه مسلم وأبو داود والترمذي، وصححه. # وهذا لا يفيد أن خبر الواحد لا ينسخ الكتاب والمتواتر، بل يفيد جوازه، ~~وذلك لأن عمر، إنما رد خبر فاطمة، لشبهة احتمال أنها نسيت، وهو يدل على أن ~~خبرها لو أفاده الظن، ولم تقع له الشبهة المذكورة، لعمل به. # وأما قول من فرق بين زمن النبوة وبعده، أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان ~~يبعث الآحاد بالناسخ إلى أطراف البلاد ; فلا حجة فيه لوجهين: # أحدهما: أن هذا مبني على قاعدة أخرى، وهي أن تلك الآحاد كانت تنسخ الكتاب ~~والمتواتر، بناء على أنه يبعد أن يكون جميع المنسوخات بتلك الآحاد آحادا. ~~ولقائل أن يدعي ذلك، ويقول: إنما كان المنسوخ بها آحادا مثلها، إذ الأصل ~~عدم التواتر، وورود أحكام الكتاب. # فإن قيل: والأصل عدم الآحاد أيضا. # قلنا: نعم، إلا أنها أكثر، وأعم وجودا ; فالحمل عليها أولى. # الوجه الثاني: أن حياة النبي، صلى الله عليه وسلم، قرينة تفيد العلم بخبر ~~الآحاد في زمانه، لعلمهم بصلابته في دين الله، وأنه لا يسامح أحدا يكذب ~~عليه، حتى ينفذ ms0488 فيه # PageV02P327 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أمر الله، وحينئذ ما نسخ الكتاب ~~والتواتر إلا بمعلوم مثلهما. # غاية ما هناك: أن مستند العلم في المنسوخ التواتر، وفي الناسخ المجموع ~~المركب من خبر الواحد والقرينة، وهذا لا يضر. # وأما ما ادعاه المانعون مطلقا، من إجماع الصحابة على عدم رفع المتواتر ~~بخبر الواحد ; فممنوع، وعلى مدعي الإجماع على ذلك إثباته، كيف وبعض ~~الظاهرية، والباجي من أصحاب مالك يدعون وقوعه في صور: # منها قوله عز وجل: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه} ~~[الأنعام: 145] الآية، نسخت بنهيه عليه السلام عن أكل كل ذي ناب، وهو خبر ~~واحد. # ومنها: قوله سبحانه وتعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] ، نسخ ~~بقوله عليه السلام: لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها. الحديث. وهذا وإن ~~كان عنه جواب، غير أن صاحبه، لو ثبت الإجماع على خلافه، لعلمه، ثم لم يدع ~~وقوعه ; فدل على أن دعوى الإجماع على امتناع نسخ القاطع بالآحاد واهية. # PageV02P328 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # تنبيه: الأدلة النقلية التي يتطرق ~~النسخ إليها وبها، هي: الكتاب، ومتواتر السنة، وآحادها، وكل واحد منها ; ~~إما أن ينسخ بمثله من جنسه، أو بالآخرين معه ; فيحصل من ذلك تسع صور: # الأولى: نسخ الكتاب بالكتاب. # الثانية: نسخ الكتاب بمتواتر السنة. # الثالثة: نسخ الكتاب بآحاد السنة. # الرابعة: نسخ متواتر السنة بمتواتر السنة. # الخامسة: نسخ متواتر السنة بالكتاب. # السادسة: نسخ متواتر السنة بالآحاد. # السابعة: نسخ الآحاد بالآحاد. # الثامنة: نسخ الآحاد بالكتاب. # التاسعة: نسخ الآحاد بالمتواتر. # والضابط في ذلك، على المشهور بينهم: أن النص ينسخ بأقوى منه وبمثله، ولا ~~ينسخ بأضعف منه ; فيسقط بمقتضى هذا الضابط من الصور التسع صورتان، نسخ ~~الكتاب بالآحاد، ونسخ التواتر بالآحاد، ويبقى سبع صور، النسخ فيها جائز. # وعلى قول الباجي وبعض الظاهرية، وهو الذي وجهناه، يصح النسخ في الصور ~~التسع، نظرا إلى القدر المشترك بينها، وهو الظن ; فاعلم ذلك، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. # PageV02P329 # السابعة: الإجماع لا ينسخ، ولا ينسخ به، إذ النسخ لا ~~يكون إلا في عهد النبوة، ولا إجماع إذن. ولأن الناسخ والمنسوخ متضادان، ~~والإجماع ms0489 لا يضاد النص، ولا ينعقد على خلافه. # والحكم القياسي المنصوص العلة، يكون ناسخا ومنسوخا، كالنص، بخلاف غيره. # وقيل: ما خص نسخ. وهو باطل، بدليل: العقل، والإجماع، وخبر الواحد، يخص ~~ولا ينسخ. # والنسخ والتخصيص متناقضان، إذ النسخ إبطال، والتخصيص بيان ; فكيف ~~يستويان. # ويجوز النسخ بتنبيه اللفظ كمنطوقه ; لأنه دليل، خلافا لبعض الشافعية. # ونسخ حكم المنطوق يبطل حكم المفهوم، وما ثبت بعلته، أو دليل خطابه ; ~~لأنها توابع ; فسقطت بسقوط متبوعها، خلافا لبعض الحنفية. # ### | المسألة «السابعة: الإجماع لا ينسخ، ولا ينسخ به» ، # أي: لا يكون منسوخا ولا ناسخا. # قوله: «إذ النسخ لا يكون إلا في عهد النبوة، ولا إجماع إذن» . # هذا دليل على أن حكم الإجماع، أي: الحكم الثابت بالإجماع، لا ينسخ، أي: ~~لا يكون منسوخا. # وتقريره: أن النسخ لا يكون إلا في عهد النبوة، والإجماع لا يكون إلا بعد ~~عهد النبوة، ويلزم من ذلك أن حكم الإجماع لا ينسخ. # أما أن النسخ لا يكون إلا في عهد النبوة ; فلأن النسخ رفع للحكم، وإبطال ~~له، وتغيير، وذلك إنما يكون في عهد النبوة ; لأنه زمن الوحي الرافع ~~للأحكام، وبعد # PageV02P330 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # انقراض عهد النبوة يستقر الشرع ; ~~فلا يجوز تغيير شيء منه، ولا يبقى إلا اتباع ما انقرض عليه عصر النبوة. # وأما أن الإجماع لا يكون إلا بعد عهد النبوة ; فلأن الاعتماد في زمن ~~النبوة، على قول النبي، صلى الله عليه وسلم، لعصمته، ولا اعتبار بغيره ; ~~لأنه إذا حكم بحكم ; فالأمة إما أن توافق ; فلا أثر لموافقتها ; لأن قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم، هو المستقل بإثبات الحكم، أو تخالف ; فلا اعتبار ~~بمخالفتها، بل تكون عاصية بمخالفته ; فبان بهذا أن الإجماع لا يكون معتبرا ~~مؤثرا إلا بعد موته. # قال الآمدي إن نسخ الحكم الثابت بالإجماع نفاه الأكثرون، وأثبته الأقلون. ~~واختار جوازه عقلا، وامتناعه شرعا. # قلت: أما جوازه عقلا فلما سبق من أنه لا يلزم من فرض وقوعه محال. # وأما امتناعه شرعا ; فلأن نسخه إما بنص، أو إجماع، أو قياس. # والأول باطل ; لأنه يلزم انعقاد الإجماع على خلاف ms0490 النص. # والثاني باطل ; لأن الإجماع الناسخ ; إما لا عن دليل ; فيكون خطأ، أو عن ~~دليل. # فذلك الدليل ; إما نص أو قياس، فإن كان نصا، لزم انعقاد الإجماع الأول ~~على خلافه ; فيكون باطلا، وإن كان قياسا ; فلابد وأن يستند القياس إلى نص ; ~~فيكون الإجماع الأول على خلافه أيضا، وهو باطل، وبذلك يبطل كون ناسخ ~~الإجماع قياسا، والله تعالى أعلم. # قوله: «ولأن الناسخ والمنسوخ متضادان، والإجماع لا يضاد النص، ولا ينعقد # PageV02P331 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # على خلافه» . هذا دليل على أن ~~الإجماع لا يكون ناسخا. # وتقريره: أن المنسوخ إنما يكون نصا، لما قد بينا قبل من أن الإجماع لا ~~يكون منسوخا، وإذا انحصر المنسوخ في كونه نصا ; فلو نسخ بالإجماع، للزم ~~مضادة النص للإجماع ; لأن الناسخ والمنسوخ، لا بد أن يتضادا، لكن الإجماع ~~لا يضاد النص، ولا ينعقد على خلافه ; لأن ذلك يقتضي بطلانه، لانعقاده على ~~مخالفة الدليل. # وذكر الآمدي أن كون الإجماع ناسخا، أثبته بعض المعتزلة، وعيسى بن أبان، ~~ونفاه الباقون، واختاره، واستدل عليه بأن الإجماع لو كان ناسخا، لكان دليل ~~الحكم المنسوخ ; إما نصا، أو إجماعا، أو قياسا، فإن كان نصا ; فالإجماع ~~الناسخ لا بد له من مستند، وإلا كان خطأ، وذلك المستند هو الناسخ، لا نفس ~~الإجماع، لكن دل عليه الإجماع ; فالإجماع دليل الناسخ، لا نفس الناسخ. وإن ~~كان دليل الحكم المنسوخ إجماعا ; فلو نسخ بالإجماع، لزم تعارض الإجماعين ; ~~فأحدهما باطل ; فلا نسخ. # وإن كان دليل الحكم المنسوخ قياسا ; فهو إما غير صحيح ; فلا عبرة به ; ~~فلا نسخ، وإن كان صحيحا ; فالإجماع الناسخ، إن استند إلى نص ; فالنص هو ~~الناسخ، والإجماع دل عليه كما سبق، وإن كان قياسا، فإن كان مساويا للقياس ~~الأول، أعني الذي هو دليل الحكم المنسوخ، أو راجحا عليه ; فالقياس الأول ~~ليس قياسا صحيحا، لإجماع الأمة على خلافه، ولرجحان غيره عليه، وإن كان ~~مرجوحا ; فالإجماع على حكمه خطأ ; فلا نسخ، والله تعالى أعلم بالصواب. # قوله: «والحكم القياسي المنصوص العلة يكون ناسخا ومنسوخا، كالنص، بخلاف ~~غيره» . معنى هذا الكلام أن الحكم ms0491 القياسي، أي: الثابت بالقياس ; إما أن # PageV02P332 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يكون منصوص العلة، أو لا، فإن كان ~~منصوص العلة، أي: قد نص الشارع على علته، كان ذلك القياس كالنص ينسخ، وينسخ ~~به، أي: يكون ناسخا ومنسوخا، كما أن النص كذلك ; لأن القياس لا بد وأن ~~يستند إلى نص، فإذا كانت علة القياس منصوصا عليها في ذلك النص، صار حكم ~~القياس منصوصا عليه بواسطة القياس ; فيكون نصا يصح أن يكون ناسخا ومنسوخا. # مثال ذلك: لو قال: حرمت الخمر المتخذ من العنب، لكونه مسكرا، فإذا قسنا ~~عليه نبيذ التمر المسكر، في التحريم، كان تحريم هذا النبيذ حكما منصوصا على ~~علته، حتى كأنه قال: حرمت نبيذ التمر المسكر ; فلو فرض أن الشرع قال: أبحت ~~نبيذ الذرة المسكر، جاز أن يكون تحريم نبيذ التمر المسكر ; المستفاد من ~~القياس ناسخا لذلك، إذا ثبت تأخره عن إباحة نبيذ الذرة، ومنسوخا بإباحة ~~نبيذ الذرة إذا ثبت تقدم تحريم نبيذ التمر، وذلك لأن تحريم نبيذ التمر، ~~وإباحة نبيذ الذرة حكمان متضادان مع اتحاد علتهما، وهي الإسكار ; فكان ~~المتأخر منهما ناسخا للمتقدم، كما لو قال: أبحت الخمر، ثم قال: حرمتها، أو ~~بالعكس. # وأما إن لم يكن الحكم الثابت بالقياس منصوصا على علته، لم يجز أن يكون ~~ناسخا ولا منسوخا ; لأن العلة إذا لم تكن منصوصة ; فهي مستنبطة، واستنباطها ~~هو باجتهاد المجتهد، واجتهاد المجتهد عرضة الخطأ ; فلا يقوى على رفع الحكم ~~الشرعي، بخلاف النص على العلة ; فإنه حكم الشارع المعصوم من الخطأ ; فهو # PageV02P333 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يقوى على ذلك، فإذا قسنا الذرة على ~~البر والشعير، في تحريم التفاضل، بجامع الكيل، بناء على أنه العلة فيهما، ~~ثم قال الشارع: أبحت التفاضل في السمسم، لم يجز لنا أن نجعل الإباحة في ~~السمسم ناسخة للتحريم في الذرة، ولا التحريم في الذرة ناسخا للإباحة في ~~السمسم ; لأن النسخ لا بد فيه من تضاد الناسخ والمنسوخ، ونحن لا نعلم أن ~~إباحة التفاضل في السمسم، وتحريمها في الذرة متضادان، لجواز عدم اختلاف ~~العلة فيهما، أو كون الحكم في أحدهما أو في البر والشعير ms0492 غير معلل ; فينتفي ~~التضاد ; فينتفي النسخ. # تنبيه: ذكر الآمدي نسخ حكم القياس، أي: كونه منسوخا. وقال: منع منه ~~الحنابلة مطلقا، والقاضي عبد الجبار في قول، وأجازه أبو الحسين البصري في ~~القياس الموجود في زمن النبي، صلى الله عليه وسلم، دون ما وجد بعده. ثم ~~اختار الآمدي نحو ما ذكر في «المختصر» ، وحكايته منع الحنابلة من نسخ حكم ~~القياس مطلقا، يرده ما ذكرناه من مذهبنا ; فلعله رأى قولا لبعض أصحابنا ~~شاذا، أو أنه لم يحقق النقل. # وحكى في النسخ بالقياس أقوالا، ثالثها: جوازه بالجلي دون الخفي، وهو ~~اختيار أبي القاسم الأنماطي من الشافعية، واختار هو فيه تفصيلا طويلا. ~~والله تعالى أعلم بالصواب. # قوله: «وقيل: ما خص نسخ» ، أي: ما جاز التخصيص به، جاز النسخ به، ولا ~~يقتصر في الناسخ على النص والقياس، وهو قول طائفة شاذة. # PageV02P334 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «وهو باطل» ، أي: هذا القول ~~منقوض بأشياء: # أحدها: دليل العقل، يجوز التخصيص به، دون النسخ. # الثاني: الإجماع، يجوز التخصيص به، دون النسخ. # الثالث: خبر الواحد، يجوز التخصيص به، دون النسخ. # قلت: وهذا ليس على إطلاقه، إذ قد سبق الكلام في أن خبر الواحد ينسخ مثله، ~~وهل ينسخ أقوى منه، كالكتاب والسنة المتواترة؟ فيه خلاف، وإنما المراد أن ~~خبر الواحد لا ينسخ القاطع، على ما سبق أنه المشهور، ووجهنا خلافه. # وقوله: «يخص ولا ينسخ» ، يعني: هذه الأشياء الثلاثة تكون مخصصة، لا ~~ناسخة. # وقوله: «والنسخ والتخصيص متناقضان» ، إلى آخره. هذا تقرير الفرق بين ~~النسخ والتخصيص، ببيان تناقضهما ; فكيف يستويان، حتى يصح أن ما جاز ~~بأحدهما، جاز بالآخر. # وتقريره: أن النسخ إبطال للحكم ; لأنه رفع له، والتخصيص تقرير وبيان له ; ~~لأنه عبارة عن بيان المراد من اللفظ، فإذا بان المراد منه، استقر الحكم ~~عليه، ورفع الحكم وتقريره متناقضان ; فيمتنع استواؤهما، حتى يقال: إن ما ~~جاز التخصيص به، جاز النسخ به ; لأن ذلك يصير كقولنا: ما جاز أن يبين الحكم ~~ويقرره، جاز أن يرفعه، ويبطله، وهو باطل ; لأنه ترتيب لحكمين متناقضين على ~~علة واحدة، والله تعالى أعلم بالصواب. ms0493 # PageV02P335 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «ويجوز النسخ بتنبيه اللفظ ~~كمنطوقه ; لأنه دليل، خلافا لبعض الشافعية» . # معنى هذا الكلام: أن تنبيه اللفظ - وهو المفهوم عند إطلاقه، من غير ~~منطوقه - يجوز أن يكون ناسخا، كما أن المنطوق - وهو اللفظ نفسه - يجوز أن ~~يكون ناسخا، والجامع بينهما: أن كلا منهما دليل، لما سيأتي إن شاء الله عز ~~وجل عند ذكر فحوى الخطاب. # والشيخ أبو محمد حكى الخلاف عن بعض الشافعية تبعا، والآمدي حكى جواز ~~النسخ بفحوى الخطاب، ونسخ حكمه اتفاقا. # والمراد بالفحوى: ما ذكرناه من تنبيه اللفظ ; لأن المراد بهما مفهوم ~~الموافقة، فإن صح الخلاف عن بعض الشافعية فيه ; فهو مبني على أنه قياس جلي ~~أو لا، أو على أن دلالته لفظية أو عقلية التزامية. # فإن قلنا: هي لفظية، جاز نسخها، والنسخ بها كالمنطوق، وهو لفظها الذي نبه ~~عليها. # وإن قلنا: هي عقلية، كانت قياسا جليا، والقياس لا ينسخ ولا ينسخ به ; ~~لأنه إن عارض نصا، أو إجماعا، لم يعتبر معهما، وإن عارض قياسا، فإن كان ~~أحدهما راجحا، تعين العمل به، وإن استويا، وجب الترجيح، ولا نسخ على كل ~~حال. # والجواب: لا نسلم أن القياس لا ينسخ ولا ينسخ به ; لأنه دليل يثبت حكما ~~طارئا مناقضا لحكم قبله ; فجاز النسخ به، ونسخه كسائر ما يجوز فيه النسخ. # قلت: وهذا يظهر فيما إذا كانت علة القياسين، أو علة المتأخر عنهما # PageV02P336 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # منصوصة، أما إن كانتا مستنبطتين، ~~أو علة المتأخر مستنبطة ; فحكمها الترجيح كما سبق، ويضعف النسخ، وسيأتي ~~بيان أن مفهوم الموافقة قياس أم لا، إن شاء الله تعالى. # ومثال المسألة: أن قوله عز وجل: {فلا تقل لهما أف} [الإسراء: 23] ، نبه ~~على تحريم ضرب الوالدين بطريق الأولى ; فلو فرض أن ضربهما كان مباحا قبل ~~هذا التنبيه، كان هو ناسخا لإباحة الضرب، ولو فرض أن إباحة ضربهما شرعت بعد ~~التنبيه المذكور، كانت ناسخة له ; فهو - أعني التنبيه - ناسخ في الصورة ~~الأولى، منسوخ في الصورة الثانية، والله تعالى أعلم بالصواب. # قوله: «ونسخ حكم المنطوق يبطل حكم المفهوم، وما ثبت بعلته، أو دليل ms0494 خطابه ~~; لأنها توابع ; فسقطت بسقوط متبوعها، خلافا لبعض الحنفية» . # معنى هذا الكلام: أن المنطوق - وهو مدلول اللفظ بالمطابقة أو التضمن - ~~إذا نسخ ; بطل حكم ما تفرع عليه من مفهومه، ومعلوله، ودليل خطابه ; لأنها ~~توابع له، وإذا بطل المتبوع، بطل التابع، وإذا انتفى الأصل، انتفى فرعه. # وخالف بعض الحنفية ; فقالوا: لا يبطل شيء من ذلك، بل يختص النسخ بالمنطوق ~~وحده، وما خرج عن محل النطق ; فهو حكم مستقل ; فلا يلزم من نسخه نسخه، كما ~~لو ثبت بدليل غيره. والصحيح الأول لما ذكرناه، والفرق بينه وبين ما ذكروه: ~~أن ما ثبت بدليل غير المنطوق المنسوخ، ليس فرعا عليه وتبعا له ; فلذلك # PageV02P337 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # استقل، بخلاف فروع المنطوق ; فإنها ~~تزول بزواله، لاستحالة بقاء فرع بلا أصل. # ومثال المسألة: لو نسخ تحريم التأفيف - الذي هو المنطوق - لبطل تحريم ~~الضرب - الذي هو المفهوم من هذا اللفظ - تبعا لأصله. # ولو نسخ النهي عن قضاء القاضي وهو غضبان ; لبطل تحريم الحكم عليه جائعا ~~أو عطشان، أو غير ذلك من الأحوال المزعجة، وجاز له أن يحكم فيها. # ولو نسخ قوله: «ما أسكر فهو حرام» ; لبطل مفهوم علته، وهو أن ما لم يسكر ~~; فليس بحرام. # ولو نسخ قوله: «في سائمة الغنم الزكاة» ; لبطل مفهوم دليل خطابه ; وهو أن ~~غير السائمة لا زكاة فيها. كل ذلك لما ذكرناه من أنها فروع تبعت أصلها في ~~السقوط، فإن أريد إثباتها، احتاجت إلى دليل آخر مثبت، وعلى قول الحنفية هي ~~ثابتة بعد زوال أصلها ; فلا تحتاج إلى دليل مثبت. ولذلك قالوا: إن الحكم ~~القياسي يبقى بعد نسخ حكم الأصل، والأكثرون على خلافهم. # ومثاله: لو نسخ تحريم التفاضل في البر والشعير مثلا، لبقي الحكم ثابتا في ~~الأرز والذرة عندهم، وانتفى تبعا لأصله عند غيرهم. # ومأخذ الخلاف أن الحكم هل يفتقر في دوامه إلى دوام علته أم لا؟ إن قيل: ~~يفتقر إلى دوام علته، تبع حكم الفرع حكم أصله في النسخ، وإلا ; فلا. وهذا ~~ينبني على أصل آخر، وهو أن الباقي هل يفتقر في بقائه إلى المؤثر ms0495 أم لا؟ # فرع: اتفقوا على جواز نسخ اللفظ ومفهومه معا، ومنع الأكثرون نسخ حكم # PageV02P338 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المنطوق دون فحواه، كنسخ تحريم ~~التأفيف دون الضرب، نحو: قل له: أف ولا تضربه. والأشبه جوازه كما ذكر في ~~«المختصر» . # وتردد القاضي عبد الجبار في عكس ذلك، وهو نسخ الفحوى دون منطوقه، نحو: ~~اضربه، ولا تقل له: أف ; فمنعه مرة لتناقضه، إذ الغرض من منع التأفيف ~~الإكرام، وإباحة الضرب تنافيه، وأجازه مرة، وجعله من باب التخصيص ; لأنه ~~نهى عن الأمرين، ثم خص أحدهما بالجواز. # قلت: يحتمل أن يتوسط بين القولين ; فيقال: إن كان علة المنطوق مما لا ~~تحتمل التغير ; كإكرام الوالد بالنهي عن تأفيفه، امتنع نسخ الفحوى دونه، ~~لتناقض المقصود كما قلنا، وإن احتملت التغير ; جاز ; لاحتمال الانتقال من ~~علة إلى أخرى، وذلك كما لو قال لغلامه: لا تعط زيدا درهما، يقصد بذلك ~~حرمانه، لغضبه عليه ; ففحواه أن لا يعطيه أكثر من درهم بطريق الأولى، فإذا ~~نسخ ذلك بأن قال له: أعطه أكثر من درهم، ولا تعطه درهما، جاز، لاحتمال أنه ~~انتقل عن علة حرمان زيد، إلى علة إعطائه، ومواساته، والتوقير له، لزوال ~~غضبه عليه، وبراءة ساحته عنده مما رمي به. وبهذا يتجه الجمع بين قولي عبد ~~الجبار - أعني: مجملهما على حالين. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. # PageV02P339 # خاتمة # لا يعرف النسخ بدليل عقلي ولا قياسي، بل بالنقل المجرد، أو المشوب ~~باستدلال عقلي، كالإجماع على أن هذا الحكم منسوخ، أو بنقل الراوي، نحو: ~~«رخص لنا في المتعة، ثم نهينا عنها» . أو بدلالة اللفظ، نحو: «كنت نهيتكم ~~عن زيارة القبور ; فزوروها» . وبالتاريخ، نحو: قال سنة خمس كذا، وعام الفتح ~~كذا. أو يكون راوي أحد الخبرين مات قبل إسلام الثاني، والله أعلم. # ثم لما كان الكتاب والسنة تلحقهما أحكام لفظية ومعنوية، كالأمر، والنهي، ~~والعموم، والخصوص ونحوها، عقبناهما بذكرها. # خاتمة، يعني لباب النسخ، وهي في ### | ما يعرف به النسخ: # «لا يعرف النسخ بدليل عقلي، ولا قياسي» ، وذلك لأن النسخ إما رفع الحكم ~~الشرعي، أو بيان مدة انتهائه، وكلاهما لا طريق ms0496 للعقل إلى معرفته. ولو كان ~~للعقل طريق إلى معرفة النسخ بدون النقل ; لكان له طريق إلى معرفة ثبوت ~~الأحكام بدون النقل، وليس كذلك. # قوله: «بل بالنقل المجرد» ، أي: لا يعرف النسخ بالعقل، بل بالنقل المجرد، ~~أو المشوب باستدلال عقلي، كالإجماع على أن هذا الحكم منسوخ، كإباحة الخمر، ~~فإن نسخها عرف بالإجماع، أو بنقل الراوي، نحو قوله: رخص لنا في المتعة - ~~يعني متعة النساء - ثم نهينا عنها. كما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، نهى عن متعة النساء، وعن لحوم الحمر ~~الأهلية زمن خيبر. متفق عليه. # PageV02P340 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وروى محمد بن كعب عن ابن عباس قال: ~~إنما كانت المتعة في أول الإسلام، كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة ~~; فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه يقيم ; فتحفظ له متاعه، وتصلح شيأه حتى ~~نزلت: {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} [المؤمنون: 6] . قال ابن عباس: ~~فكل فرج سوى هذين حرام. رواه الترمذي. # وقوله: أو بدلالة اللفظ، أي: يعرف النسخ بالإجماع، أو بنقل الراوي، أو ~~بدلالة اللفظ، أي: لفظ الحديث على النسخ، كما روى بريدة رضي الله عنه، قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كنت نهيتكم عن زيارة القبور ; فقد أذن ~~لمحمد في زيارة # PageV02P341 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قبر أمه ; فزوروها ; فإنها تذكر ~~الآخرة. رواه الترمذي وصححه ; فهذا نص في الدلالة على نسخ المنع، وتصريح ~~به. # وكذلك حديث عبد الله بن عكيم: كنت رخصت لكم في جلود الميتة، فإذا جاءكم ~~كتابي هذا ; فلا تنتفعوا منها بإهاب ولا عصب. # PageV02P342 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «وبالتاريخ» ، أي: ويعرف ~~النسخ بالتاريخ، مثل أن يقول الراوي: قال النبي صلى الله عليه وسلم، سنة ~~خمس كذا، أو عام الفتح - وهي سنة ثمان - كذا، أو يكون في الحديث ما يدل على ~~تأخر أحد الخبرين، كحديث قيس بن طلق، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، في مس الذكر: هل هو إلا بضعة منك، فإن في بعض ألفاظه: جئت وهم يؤسسون ~~المسجد، وكان ذلك أول الإسلام، وحديث ms0497 أبي هريرة وبسرة وأم حبيبة في نقض ~~الوضوء بمس الذكر بعد ذلك ; لأن أبا هريرة متأخر الإسلام، أسلم سنة سبع، # PageV02P343 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وبناء المسجد كان في أول السنة ~~الأولى من الهجرة. # وكذلك زعم بعض أصحابنا أن حديث ابن عمر رضي الله عنهما في قطع الخفين ~~للمحرم إذا لم يجد النعلين ; كان ورسول الله صلى الله عليه وسلم، في ~~المدينة. # وحديث ابن عباس كان ورسول الله صلى الله عليه وسلم، بمكة في وقت الحج، ~~كما دلت عليه الروايات، ولم يذكر قطع الخفين ; فكان تركه لبيان وجود قطع ~~الخفين في وقت الحاجة دليلا على نسخه. # قوله: «أو يكون راوي أحد الخبرين مات قبل إسلام الثاني» . هذا مما يعرف ~~به النسخ، كما لو روى مثلا حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، أو مصعب بن # PageV02P344 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # عمير، أو سعد بن معاذ، ونحوهم ممن ~~تقدمت وفاتهم رضي الله عنهم، المنع من المسح على الخفين، ثم رأينا جرير بن ~~عبد الله رضي الله عنه يروي جوازهن علمنا أن حديثه ناسخ لما قبله، وهذا ~~مثال، وإن لم يقع منه إلا رواية جرير للمسح، وهذا بخلاف ما إذا علمنا أن ~~راوي أحد الخبرين لم يمت قبل إسلام راوي الثاني، بل بعده ; فإنه يحتمل أن ~~كل واحد من الخبرين قيل قبل الآخر ; فلا يتحقق أيهما الناسخ، ولمعرفة ~~الناسخ طرق أخر، لم تذكر في «المختصر» تبعا لأصله، والله تعالى أعلم. # قوله: «ثم لما كان الكتاب والسنة تلحقهما أحكام لفظية ومعنوية، كالأمر ~~والنهي، والعموم والخصوص، ونحوها» يعني كالمطلق والمقيد، وغيرهما من عوارض ~~الألفاظ «عقبناهما» ، أي: عقبنا الكتاب والسنة بذكرها، أي: بذكر ما يلحقهما ~~من العوارض المذكورة، أي: ذكرناها عقيبها. وهذا على جهة البيان لمناسبة ~~تعقيب الكتاب والسنة بهذه العوارض، كما بينا مناسبة تعقيب الكتاب والسنة ~~بالنسخ في أوله، وكان تقديم النسخ أولى من تقديم عوارض الألفاظ المذكورة ; ~~لأن اللفظ إنما ينظر في أحكام عوارضه إذا كان معمولا به، والمنسوخ غير ~~معمول به، فإذا تبين بمعرفة الناسخ والمنسوخ، ما اللفظ الذي يعمل به ويعتمد ms0498 ~~عليه، نظر حينئذ في أحكام عوارضه، لئلا يضيع النظر في لفظ قد بطل بالنسخ. # PageV02P345 # الأوامر والنواهي ### | الأوامر والنواهي: ### | الأمر: # قيل: هو القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به، وهو دور، وقيل: ~~استدعاء الفعل بالقول على جهة الاستعلاء. # وقد يستدعى الفعل بغير قول فلو أسقط، أو قيل: بالقول، أو ما قام مقامه، ~~لاستقام، ولم تشترط المعتزلة الاستعلاء، لقول فرعون لمن دونه: ماذا تأمرون، ~~وهو محمول على الاستشارة للاتفاق على تحميق العبد الآمر سيده. # وللأمر صيغة تدل بمجردها عليه. # وقيل: لا صيغة للأمر بناء على الكلام النفسي وقد سبق منعه. # وهي حقيقة في الطلب الجازم، مجاز في غيره مما وردت به كالندب، والإباحة، ~~والتعجيز، والتسخير، والتسوية، والإهانة، والإكرام، والتهديد، والدعاء، ~~والخبر، نحو: كاتبوهم، اصطادوا، {كونوا حجارة} ، {كونوا قردة} ، {فاصبروا ~~أو لا تصبروا} ، {ذق إنك} ، {ادخلوها بسلام} ، {اعملوا ما شئتم} ، اللهم ~~اغفر لي، «إذا لم تستح فاصنع ما شئت» ، والتمني: # ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي. # . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . . . . . . . . . . . # PageV02P347 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «الأوامر والنواهي» . # أي: هذا بيان القول فيها: و «الأوامر» : جمع أمر. وقد سبق في بيان علامات ~~الحقيقة ; أنه حقيقة في القول. وإنما قدم القول في الأوامر ; لأنها طلب ~~إيجاد الفعل، والنواهي طلب الاستمرار على عدم الفعل ; فقدمت الأوامر تقديم ~~الموجود على المعدوم، وهو التقديم بحسب الشرف، ولو لحظ التقديم الزماني، ~~لقدمت النواهي تقديم العدم على الموجود ; لأن العدم أقدم. # قوله ### | : «الأمر: # قيل: القول المقتضي طاعة المأمور، بفعل المأمور به» ; فقوله: «القول» : ~~جنس يتناول الأمر، والنهي، وغيرهما، من أقسام الكلام. # وقوله: «المقتضي طاعة المأمور» : فصل، خرج به ما ليس كذلك، كالخبر، ~~والتمني، والترجي، وغيرهما، لكن بقي النهي داخلا في حد الأمر ; لأنه قول ~~يقتضي طاعة المأمور ; فأخرج النهي بقوله: بفعل المأمور به ; لأن النهي، وإن ~~كان قولا يقتضي طاعة المأمور، لكن لا بفعل المأمور به، بل بالكف عن المنهي ~~عنه ; فمتعلق الطاعة في الأمر الفعل، وفي النهي الكف. # قوله: «وهو دور» ، أي: هذا التعريف، دوري يلزم منه الدور ; لأنه تعريف # PageV02P348 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # للأمر بالمأمور، والمأمور به ; ~~المتوقف معرفتهما على ms0499 الأمر ; فصار تعريفا للأمر بنفسه، بواسطة المأمور ~~والمأمور به. وهذا كما سبق في تعريف العلم بمعرفة المعلوم. # قوله: «وقيل: استدعاء الفعل بالقول على جهة الاستعلاء» ، أي: وقيل: الأمر ~~هو استدعاء الفعل، إلى آخره. هذا تعريف آخر للأمر ; فاستدعاء الفعل: طلبه، ~~وهو جنس ; لأنه يتناول الأمر، والشفاعة، والالتماس ; لأن طلب الفعل إما أن ~~يكون من الأدنى، وهو سؤال، أو من المساوي، وهو شفاعة والتماس، أو من ~~الأعلى، وهو الأمر. ويدخل فيه، أي: في الاستدعاء النهي أيضا ; لأنه استدعاء ~~الترك ; فبقوله: «استدعاء الفعل» خرج النهي. # وقوله: «على جهة الاستعلاء» ، أي: يكون الأمر متكيفا بكيفية الاستعلاء ~~والترفع على المأمور، كالسيد مع عبده، والسلطان مع رعيته، وسيأتي الكلام ~~فيه قريبا إن شاء الله تعالى. # قوله: «وقد يستدعى الفعل بغير قول» ، إلى آخره. هذا بيان لعدم الفائدة في ~~قولهم في هذا التعريف: «استدعاء الفعل بالقول» لأن الفعل قد يستدعى بغير ~~قول، كالإشارة والرمز ; فيخرج الأمر بذلك عن حد الأمر المذكور ; فلا يكون ~~جامعا ; فلو أسقط لفظ القول منه، بأن قيل: الأمر استدعاء الفعل على جهة ~~الاستعلاء، لاستقام الحد ; لأن استدعاء الفعل # PageV02P349 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أعم من أن يكون بقول أو غيره. ~~وكذلك لو قيل: الأمر: استدعاء الفعل بالقول، أو ما قام مقامه على جهة ~~الاستعلاء، لاستقام أيضا لأن ما قام مقام القول، يتناول الإشارة والرمز، ~~ونحوهما مما يكون به الأمر. # قلت: وقد يعتذر عن هذا ; بأن التعريف هاهنا للأمر الحقيقي، وهو إنما يكون ~~بالقول، بناء على ما سبق من أنه حقيقة في القول. فأما الاستدعاء الحاصل ~~بغير القول الصريح ; فهو أمر مجازي لا حقيقي ; لأن الطلب من لوازم الأمر ~~الحقيقي، والصيغة من لوازم الطلب، بناء على أن الكلام حقيقة في العبادات ~~اللسانية، لا في المعاني النفسانية. # قوله: «ولم تشترط المعتزلة الاستعلاء» إلى آخره، أي أن الاستعلاء شرط في ~~كون استدعاء الفعل أمرا، كما سبق، وعند المعتزلة ليس بشرط، واحتجوا بقوله ~~تعالى حكاية عن فرعون: {قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم} {يريد أن يخرجكم ~~من أرضكم بسحره فماذا ms0500 تأمرون} [الشعراء: 34، 35] ; فجعل القول الصادر منهم ~~إليه أمرا، مع كونه هو أعلى منهم ; فضلا عن أن يكونوا هم أعلى منه، ولم ~~يكونوا ليخاطبوه على جهة الاستعلاء ; لأنهم كانوا يعتقدونه إلها وربا، ولو ~~كان الاستعلاء شرطا في الأمر، لما صح قوله لهم: فماذا تأمرون. # PageV02P350 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «وهو محمول على الاستشارة» ، ~~إلى آخره، أي: الأمر في قوله: (ماذا تأمرون) محمول على معنى: ماذا تشيرون ~~به علي أن أفعل. ودليل هذا التأويل من وجهين: # أحدهما: المذكور في «المختصر» ، وهو الاتفاق على تحميق العبد الآمر سيده، ~~أي: أن العقلاء اتفقوا على أن العبد إذا أمر سيده بأن قال: أمرتك أن تفعل، ~~أو أخرج لفظة لسيده مخرج الاستعلاء، عد أحمق، ناقص العقل، سيئ الأدب، ~~مذموما. ولولا اشتراط الاستعلاء في الأمر، لاستوى فيه السيد لعبده، والعبد ~~لسيده، ولم يتجه عليه التحميق فيما إذا أمره ; لأنه حينئذ يكون طالبا للفعل ~~منه طلبا مجردا، كالسائل الملتمس. # فإن قيل: ليس تحميق العبد الآمر سيده من جهة استعلائه عليه، بل من جهة أن ~~الأمر يقتضي الجزم، أو يشعر به ; فيكون بذلك كالمتحكم على سيده. # قلنا: لا نسلم أن الأمر يقتضي الجزم، وإن سلمناه ; فليس كذلك عند جميع ~~الناس، بل هو عند بعضهم يقتضي الإباحة، وعند بعضهم الندب ; فقد اختلفوا في ~~اقتضاء الأمر الجزم، واتفقوا على تحميق العبد المذكور ; فدل ذلك على أن ~~تحميقه ليس لتحكمه بالجزم، بل لادعائه منصب الاستعلاء على سيده. # PageV02P351 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الوجه الثاني: أن عادة الملوك إذا ~~ورد عليهم أمر مهم، إنما يستشيرون من حضرهم من وزرائهم وندمائهم، لا أنهم ~~يصيرون لهم رعية يأتمرون بأوامرهم ; فهذا يدل على أن قول فرعون لمن حوله: ~~ماذا تأمرون؟ ، استشارة لا ائتمار، على أن الاستدلال هاهنا إنما هو بقول ~~فرعون، ولم يدل النص على صحة تصرفه، وهو ليس حجة في نفسه ; فجاز أنه أخطأ ~~في هذا الاستعمال، أو ورد عليه وارد عظيم من أمر موسى، صلى الله على نبينا ~~وعليه وسلم، حتى أخل بشرط الأمر، وقلب حقيقته، خصوصا وفي القصة: أن موسى ~~عليه السلام ms0501 لما دخل عليه، عاتبه فرعون بما قص الله تعالى في القرآن، في ~~سورة الشعراء، ثم قال لأعوانه: خذوه ; فبادرهم موسى بإلقاء عصاه ; فصارت ~~ثعبانا عظيما ; فانهزموا منه مزدحمين، حتى هلك منهم بالزحام خمسة وعشرون ~~ألفا، وكان فرعون لا يدخل الخلاء في كل أربعين يوما إلا مرة ; فتردد إلى ~~الخلاء في ذلك اليوم أربعين مرة ; فلعله لما رأى هذا الهول، اختلط عقله ; ~~فقلب حقيقة الأمر، وأخل بشرطه وهو الاستعلاء. # ويكون هذا، كما حكي عن بعض الجبناء، أن العدو أرهقه ; فقام ليلجم فرسه في ~~رأسه ; فألجمه في ذنبه، ثم لما ركب، وراح منهزما، أدركه العطش ; فمر بقوم ; ~~فقال: أطعموني ماء ; فقال فيه الشاعر يهجوه: # PageV02P352 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وألجم الطرف بعد الرأس في ذنب ... ~~واستطعم الماء لما جد في الهرب # ومن الدليل على اشتراط الاستعلاء في الأمر ; أن النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، لما قال لبريرة: صالحي مغيثا - يعني زوجها لما أرادت فراقه - قالت: ~~أتأمرني يا رسول الله؟ قال: لا، لكني أشفع، فلو لم يكن الاستعلاء شرطا في ~~الأمر، لما افترق الأمر والشفاعة. # قوله: «وللأمر صيغة تدل بمجردها عليه» ، إلى آخره، أي: الأمر له صيغة، ~~أي: لفظ يدل بمجرده عليه، أي: بدون القرينة. # والمراد: أن للأمر صيغة موضوعة له، تدل عليه حقيقة، كدلالة سائر # PageV02P353 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الألفاظ الحقيقية على موضوعاتها، ~~وهذا قول الجمهور. # «وقيل: لا صيغة للأمر، بناء على الكلام النفسي» ، أي: القائل: إن الأمر ~~لا صيغة له، بنى ذلك على إثبات كلام النفس ; فإنه معنى لا صيغة، «وقد سبق ~~منعه» ، أي: منع الكلام النفسي عند ذكر اللغات. # قال الآمدي: هل للأمر النفساني صيغة تدل عليه؟ نقل عن الأشعري نفيها، وعن ~~الغير إثباتها، قال: والحق الإثبات. # قلت: قول الأشعري: ليس للأمر النفسي صيغة تدل عليه، مع قوله: إن القرآن ~~صيغ وعبارات مخلوقة، تدل على كلام الله عز وجل، القائم بنفسه، تناقض. # والأشهر عنه: أن للكلام والأمر صيغا تدل على معناه ; فلعل ما حكاه الآمدي ~~عنه، قول مرجوع عنه، أو أن المراد به غير ما ظهر لي والله سبحانه ms0502 وتعالى ~~أعلم. # قوله: «وهي» ، أي: صيغة الأمر الدالة عليه «حقيقة في الطلب الجازم» إلى ~~آخره. # معنى هذا الكلام: أن صيغة الأمر - وهي لفظ افعل - نحو: اعلم، # PageV02P354 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # واضرب، أطلقت في الاستعمال اللغوي ~~لمعان: # أحدها: الطلب الجازم، وهو الإيجاب، نحو: {أقيموا الصلاة} [البقرة: 110] . # وثانيها: الندب، نحو قوله عز وجل: {والذين يبتغون الكتاب مما ملكت ~~أيمانكم فكاتبوهم} [النور: 33] ، والكتابة مندوبة عند الأكثرين. # وثالثها: الإباحة، نحو قوله عز وجل: {وإذا حللتم فاصطادوا} [المائدة: 2] ~~، {فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه} [الملك: 15] . # ورابعها: التعجيز، نحو قوله عز وجل: {كونوا حجارة أو حديدا} [الإسراء: ~~50] ، أي: فلن تعجزني إعادتكم. # وخامسها: التسخير، نحو قوله تعالى: {فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين} ~~[البقرة: 65] ، أي: تسخرت مواد أجسامهم، لانقلابها عن الإنسانية إلى ~~القردية بالأمر الإلهي. # وسادسها: التسوية، نحو قوله تعالى: {فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم} ~~[الطور: 16] ، أي: الصبر وعدمه. # وسابعها: الإهانة، نحو قوله عز وجل: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} [الدخان: ~~49] على جهة الإهانة له، وكذلك قوله سبحانه وتعالى: {ذوقوا مس سقر} [القمر: ~~48] ، {وذوقوا عذاب الحريق} [الأنفال: 50] ، و {ذوقوا ما كنتم تكسبون} ~~[الزمر: 24] . # وثامنها: الإكرام، نحو قوله عز وجل: {ادخلوها بسلام آمنين} [الحجر: 46] . # PageV02P355 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وتاسعها: التهديد، نحو قوله تعالى: ~~{اعملوا ما شئتم} [فصلت: 40] ، {ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا} [العنكبوت: ~~66] ; فهذا أمر بلام الأمر، بدليل قوله عز وجل في موضع آخر: {ليكفروا بما ~~آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون} [النحل: 55] . # وعاشرها: الدعاء، نحو: اللهم اغفر لي، {ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا ~~مسلمين} [الأعراف: 126] . # وحادي عشرها: الخبر، كقوله: إذا لم تستح فاصنع ما شئت، قيل: معناه: إذا ~~لم تستح، صنعت ما شئت ; فقوله: صنعت، والكلام المشتمل عليها، كل واحد منهما ~~جملة خبرية، يصح في جوابها: صدق أو كذب. # وثاني عشرها: التمني، كقول الشاعر وهو امرؤ القيس: # ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح فيك بأمثل # PageV02P356 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والمراد بقوله: انجلي: تمنى ~~انجلاءه عنه لطوله عليه، بدليل قوله قبله: # وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي # فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل # ألا ms0503 أيها الليل الطويل ألا انجلي # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أي: لطوله ~~علي، قلت له: أنا أتمنى انجلاءك عني. # وقد وردت هذه الصيغة لمعان أخر: # نحو الإرشاد إلى مصلحة دنيوية أو غيرها، نحو: {وأشهدوا إذا تبايعتم} ~~[البقرة: 282] ، {قوا أنفسكم وأهليكم نارا} [التحريم: 6] ، يعني بالتأديب ~~والتعليم. # والامتنان، نحو: {كلوا من طيبات ما رزقناكم} [البقرة: 57] ، {كلوا من رزق ~~ربكم} [سبأ: 15] . # والإنذار، نحو قوله: {خذوا حذركم} [النساء: 71] . # وإذا ثبت استعمال هذه الصيغة في هذه المعاني ; فهي حقيقة في الطلب # PageV02P357 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الجازم منها، مجاز في غيره من ~~المعاني المذكورة. هذا المذكور في «المختصر» . # وذكر الآمدي أنهم اتفقوا على أن صيغة: افعل مجاز فيما سوى الطلب، ~~والتهديد، والإباحة، واختلفوا في أنها مشتركة بين الثلاثة، أو حقيقة في ~~الإباحة، مجاز فيما سواها، أو في الطلب، مجاز فيما سواه. # قال: وهو المختار ; لأن من قال لغيره: افعل كذا مجردا عن جميع القرائن، ~~تبادر إلى الفهم منه الطلب، وذلك دليل الحقيقة. # قلت: وإذا ثبت بهذا أنها حقيقة في الطلب، ثبت أنها للجزم، بما سيأتي إن ~~شاء الله تعالى. # قلت: وقولي: «كالندب، والإباحة، والتعجيز، والتسخير، والتسوية، والإهانة، ~~والإكرام، والتهديد، والدعاء، والخبر» ، هذا سرد للمعاني التي استعملت فيها ~~هذه الصيغة. # وقولي: «نحو كاتبوهم، اصطادوا، {كونوا حجارة} ، {كونوا قردة} ، {فاصبروا ~~أو لا تصبروا} ، {ذق إنك} ، {ادخلوها بسلام} ، اعملوا ما شئتم، اللهم اغفر ~~لي إذا لم تستح فاصنع ما شئت» هذا سرد لأمثلة تلك المعاني، على طريق اللف ~~والنشر. # والتمني ذكر مثاله يليه، وإنما أفردته ; لأن مثاله ليس من الكتاب ولا ~~السنة، بخلاف بقية أمثلة المعاني. # PageV02P358 # ولا يشترط في كون الأمر أمرا إرادته، خلافا للمعتزلة. # لنا: إجماع أهل اللغة على عدم اشتراط الإرادة. # قالوا: الصيغة مستعملة فيما سبق من المعاني ; فلا تتعين للأمر إلا ~~بالإرادة، إذ ليست أمرا لذاتها، ولا لتجردها عن القرائن، إذ تبطل بالساهي ~~والنائم. # قلنا: استعمالها في غير الأمر مجاز ; فهي بإطلاقها له، ولا يرد لفظ ~~النائم والناسي، إذ لا استعلاء فيه، ثم الأمر والإرادة يتفاكان كمن يأمر ~~ولا يريد، أو يريد ولا يأمر ; فلا ms0504 يتلازمان، وإلا اجتمع النقيضان. # قوله: «ولا يشترط في كون الأمر ~~أمرا إرادته، خلافا للمعتزلة» . # اعلم أن بعض المعتزلة قال: الأمر: هو صيغة افعل بشرط إرادة إحداث الصيغة، ~~وإرادة الدلالة بها على الأمر، وإرادة الآمر الامتثال من المأمور، بفعل ~~المأمور به، وعندنا هو صيغة: افعل على جهة الاستعلاء، ولا يشترط في كونه ~~أمرا شيء من الإرادات المذكورة. # قوله: «لنا» : أي: على أن الأمر هو الصيغة، من غير اشتراط الإرادة، هو ~~«أن إجماع أهل اللغة على عدم اشتراط الإرادة للآمر» ، وذلك لأنهم رتبوا ذم ~~المأمور أو مدحه، وإثباته وعقوبته، على مخالفة مجرد الصيغة أو موافقتها ولم ~~يسألوا، ولم يستفصلوا هل أراد الآمر الأمر أو امتثال المأمور أو # PageV02P359 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لا؟ ، ولو كان ذلك شرطا عندهم، لما ~~أهملوا السؤال عنه، ولا رتبوا أحكام الأمر عليه، بدون تحققه، فلما أهملوا ~~السؤال عنه، دل على أنه ليس شرطا عندهم، وإذا لم يكن شرطا عندهم، لم يكن ~~شرطا مطلقا ; لأنهم هم أهل اللسان، وعنهم يؤخذ أقسام الكلام. # فإن قيل: لعل الإرادة ظهرت لهم بقرائن الأحوال ; فاستغنوا بها عن السؤال. # قلنا: الأصل عدم القرائن، وإن سلم وجودها، لكنه ليس بلازم في كل صورة من ~~صور الأمر ; فمع كثرة وقوعه ; يستحيل عادة أن لا يتجرد عن القرائن في بعض ~~الصور ; فيحتاجون إلى السؤال عن شرطه المذكور ; فينقل عنهم، ويعلم اعتباره ~~عندهم، فلما لم يوجد شيء من ذلك، دل على أن لا أصل لهذا الشرط. # قوله: «قالوا: الصيغة مستعملة فيما سبق من المعاني» ، إلى آخره. هذا دليل ~~من اشترط للأمر الإرادة. # وتقريره: أن صيغة «افعل» لو استغنت - في كونها أمرا - عن الإرادة ; لكانت ~~; إما أن تكون أمرا لذاتها، أو لتجردها عن القرائن، وكلاهما باطل ; فالقول ~~باستغنائها عن الإرادة باطل. # «وإنما قلنا: إنها ليست أمرا لذاتها» ، أي: لكونها صيغة افعل ; لأنها لو ~~كانت أمرا لذاتها، لما صح ورودها للتهديد ونحوه، مما ليس المراد بلفظها # PageV02P360 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فيه الأمر، ولكن قد صح ورودها ~~للتهديد، نحو: {اعملوا ما شئتم} [فصلت: 40] ; فلا تكون أمرا لذاتها. # وإنما قلنا: ms0505 إنها ليست أمرا، لتجردها عن القرائن ; لأن ذلك يبطل بالساهي ~~والنائم، فإن صيغة افعل تصدر منهما مجردة عن القرائن، وليست أمرا. # وإذا ثبت أنها ليست أمرا لذاتها، ولا لتجردها عن القرائن، وقد وردت ~~مستعملة في المعاني السابق ذكرها، على كثرتها ; فحملها على الأمر دون بقية ~~تلك المعاني، ترجيح من غير مرجح ; فوجب أن تشترط الإرادة في كونها أمرا، ~~لتتعين له بها. # قوله: «قلنا: استعمالها في غير الأمر مجاز ; فهي بإطلاقها له» ، هذا جواب ~~دليلهم، وهو يمنع الحصر في قولهم: إما أن تكون أمرا لذاتها، أو لتجردها عن ~~القرائن. # وبيانه أن ثم قسما آخر، وهو أنها حقيقة في الأمر بوضع الواضع، أو عرف ~~الاستعمال، بدليل ما سبق من مبادرة فهم الطلب الجازم منها، وإذا كانت حقيقة ~~فيه ; فهي بإطلاقها له. فلا يحتاج إلى التعيين بالإرادة، وهي مجاز في غير ~~الأمر، لئلا يلزم الاشتراك، وهو خلاف الأصل، وإنما كان يحتاج إلى تعيينها ~~للأمر بالإرادة، لو كانت مشتركة في المعاني التي وردت فيها، وليس كذلك. # وأما لفظ النائم والناسي بصيغة افعل، مع أنه ليس أمرا ; فلا يرد # PageV02P361 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # علينا ; لأن انتفاء كونه أمرا ; لم ~~يكن لعدم الإرادة، بل لعدم الاستعلاء فيه، إذ الاستعلاء لا يتصور من الساهي ~~والنائم ; لأن الاستعلاء كيفية تصدر عن تصور الآمر، واستشعاره أنه أعلى من ~~المأمور، وذلك يستلزم صحة التصور والقصد، وهما ممتنعان في النائم والساهي، ~~ولذلك قلنا: لا يتوجه الخطاب إليهما حال النوم والسهو. # وقد يرد على هذا: أن من لا يشترط الاستعلاء أيضا، يصحح الأمر منهما ; فدل ~~على أن عدم الاستعلاء منهما ليس هو المانع، لكن يجاب عن هذا: بأنا لا نسلم ~~أن عدم الاستعلاء ليس هو المانع، لكن عدم الإرادة لا يتعين مانعا، إذ جاز ~~أن يكون المانع غيره. # قوله: «ثم الأمر والإرادة يتفاكان» ، إلى آخره. هذا دليل آخر على بطلان ~~اشتراط الإرادة للآمر. # وتقريره: أن الإرادة لو كانت شرطا للأمر، لما انفكت عنه، لاستحالة انفكاك ~~المشروط عن شرطه، لكنهما يتفاكان جميعا، أي: ينفك كل واحد منهما ms0506 عن الآخر ; ~~فلا تكون الإرادة شرطا للأمر. # وبيان انفكاك كل واحد منهما عن الآخر هو أنه يصح أن يأمر المتكلم # PageV02P362 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بما لا يريد، وأن يريد ما لا يأمر ~~به. # أما الأمر بما لا يراد ; فكأمر الله عز وجل الكفار بالإيمان، مع عدم ~~إرادته منهم، إذ لو أراده منهم، لكان، وذلك لأن معنى كون إيمانهم مرادا له ~~عز وجل: هو تعلق إرادته به، ومعنى تعلق إرادته به هو تخصيصها بحدوثه منهم ~~بحال دون حال، ووقت دون وقت، إذ شأن الإرادة التخصيص، وشأن القدرة التأثير، ~~فلما لم يوجد الإيمان منهم، دل على أنه لم يكن مرادا له عز وجل، مع أنه أمر ~~به بالإجماع ; فثبت أن الأمر يصح وجوده بدون الإرادة، وكذلك: لو عوتب شخص ~~على معاقبة عبده ; فادعى مخالفته له، وأراد إقامة عذره عند معاتبه ; فقال ~~لعبده: اذهب ; فافعل كذا ; فهذا أمر له بالفعل، مع أن السيد لا يريد منه ~~الامتثال قطعا، لئلا يفضي إلى تكذيبه عند معاتبه، ويتعذر عليه إقامة عذره ~~عنده. # وكذلك نوح عليه السلام، لما قيل له: {أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن} ~~[هود: 36] ، وسائر الأنبياء، لما أخبروا أن كفار قومهم لا يؤمنون، كانوا ~~بعد ذلك يدعونهم إلى الإيمان، إقامة لرسم الدعوة، ولا يريدونه منهم لوجهين: # أحدهما: إفضاء إيمانهم إلى تكذيب خبر الله عز وجل. # PageV02P363 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الثاني: استحالة إيمانهم، لتعلق ~~علم الله تعالى بعدمه، والمحال غير مراد. # وأما إرادة ما لا يؤمر به ; فهو كثير الوقوع، إذ الإنسان كثيرا ما يريد ~~شيئا، ولا يأمر به، خوفا، أو حياء، أو تدينا، كما لو حرم السلطان عصر العنب ~~خمرا، فإن كثيرا من الناس يريد عصره، ولا يأمر به عبده، ولا ولده، ونحوهما ~~ممن له عليه ولاية، خوفا أن يظهر عليه ; فيعاقب، والصائم قد يريد الأكل ~~والشرب، ولا يأمر عبده بإحضاره، ليتناول منه حياء من الله عز وجل ومحافظة ~~على الدين. # وإذا ثبت أن الأمر والإرادة يتفاكان، «فلا يتلازمان» . # أي: لا يلزم أحدهما الآخر من الطرفين، ولا من أحدهما، ms0507 «وإلا اجتمع ~~النقيضان» . # أي: لو تلازما مع صحة تفاكهما، لزم اجتماع النقيضين، وهو تفاكهما، وعدم ~~تفاكهما، أو تلازمهما وعدم تلازمهما، وهو محال. # PageV02P364 # ثم هنا مسائل: الأولى: الأمر المجرد عن قرينة يقتضي ~~الوجوب عند أكثر الفقهاء، وبعض المتكلمين ; وعند بعض المعتزلة الندب حملا ~~له على مطلق الرجحان، ونفيا للعقاب بالاستصحاب، وقيل: الإباحة لتيقنها. # وقيل: الوقف لاحتماله كل ما استعمل فيه ولا مرجح. # لنا: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} [النور: 63] ، {وإذا قيل لهم اركعوا ~~لا يركعون} [المرسلات: 48] ، ذمهم وذم إبليس على مخالفة الأمر المجرد، ~~ودعوى قرينة الوجوب، واقتضاء تلك اللغة له دون هذه غير مسموعة ; وإن السيد ~~لا يلام على عقاب عبده على مخالفة مجرد أمره باتفاق العقلاء. # «ثم هنا» ، أي: فيما يتعلق بالأمر ~~«مسائل» : # الأولى: الأمر المجرد عن قرينة يقتضي الوجوب «، إلى آخره. # اعلم أن الأمر إما أن يكون مقترنا أو مجردا، فإن كان مقترنا بقرينة، تدل ~~على أن المراد به الوجوب، أو الندب، أو الإباحة، حمل على ما دلت عليه ~~القرينة، وإن كان مجردا عن قرينة ; فهو يقتضي الوجوب عند أئمة الفقهاء ~~الأربعة، وبعض المتكلمين، كأبي الحسين البصري والجبائي، وعند بعض المعتزلة ~~يقتضي الندب، وهو قول أبي هاشم، وجماعة من المتكلمين» حملا له «، أي: ~~للأمر» على مطلق الرجحان، ونفيا للعقاب بالاستصحاب «، هذا توجيه قول هؤلاء. # PageV02P365 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وتقريره: أن الأمر ورد تارة للوجوب ~~كما في المكتوبة، وتارة للندب كما في صلاة الضحى، والمجاز والاشتراك خلاف ~~الأصل ; فوجب جعله حقيقة في القدر المشترك بين الوجوب والندب، وهو مطلق ~~رجحان الفعل. # وأما العقاب على الترك ; فينتفي بالاستصحاب، أي: استصحاب حال عدمه، وهو ~~كون الأصل براءة الذمة منه. # هكذا وقع في» المختصر «، والأولى أن من جعل الأمر للندب، يجعل نفي العقاب ~~على الترك، مستفادا من لفظ الندب ; لأن حقيقته مركبة من رجحان الفعل، وجواز ~~الترك. وإذا جعل القدر المشترك بين الوجوب والندب، كان نفي العقاب مستفادا ~~من استصحاب الحال، كما ذكرنا. وهذان مذهبان، وتوجيههما ما ذكر، إلا من جهة ~~هذا الفرق. # قوله:» وقيل: الإباحة «، أي: ms0508 وقيل: مقتضى الأمر المجرد الإباحة» لتيقنها ~~«، أي: أن الأمر قد استعمل في الوجوب، والندب، والإباحة، وهي المتيقنة ; ~~فليكن الأمر حقيقة فيها، ويقف حمله على خصوصية الندب، أو الوجوب على الدليل ~~; لأنهما مشكوك فيهما ; فلا يحمل عليهما بالشك، ولأن جواز الإقدام هو القدر ~~المشترك بين الثلاثة ; فليكن الأمر حقيقة فيه، وهو الإباحة، دفعا للمجاز ~~والاشتراك. # - قوله:» وقيل: الوقف «، أي: وقيل: الأمر يقتضي الوقف، أو حكمه الوقف،» ~~لاحتماله كل ما استعمل فيه من إباحة، وندب، ووجوب، ولا مرجح «لبعضها على ~~بعض ; فيجب الوقف على المرجح، وهو مذهب الأشعري، # PageV02P366 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # واختيار الآمدي هاهنا، وفي كثير من ~~المسائل، وعمدته في ذلك بيان شبه المخالفين، واتجاه القدح فيها ; فيجب ~~التوقف على حجة القادح فيها. # قلت: وهذه طريقة جيدة في المطالبة القطعية، أما الظنية ; فيكفي فيها ظهور ~~أحد الطرفين، وإن توجه إليه قادح ما. # هذه أربعة مذاهب في مقتضى الأمر: الوجوب، والندب، والإباحة، والوقف. وقد ~~ذكر توجيه الثلاثة الأخيرة، والكلام الآن في توجيه الأول وهو الوجوب. # قوله:» لنا: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} إلى آخره. # أي: لنا على اقتضاء الأمر الوجوب وجوه: # أحدها: قوله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو ~~يصيبهم عذاب أليم} [النور: 63] ; فتوعد على مخالفة أمر الرسول بالعذاب، ~~والوعيد لا يكون إلا على ترك الواجب ; فدل على أن امتثال أمره واجب، ولا ~~يعني بأن الأمر يقتضي الوجوب إلا هذا. # الوجه الثاني: قوله عز وجل عن الكفار: وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ويل ~~يومئذ للمكذبين [المرسلات: 48، 49] ، ولما أمر إبليس بالسجود ; فأبى، قال ~~له: {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} إلى قوله: # PageV02P367 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # {اخرج منها مذءوما مدحورا} ~~[الأعراف: 12 - 18] ; فذم الكفار على ترك السجود عبادة، وذم إبليس على ترك ~~السجود لآدم تحية، وذلك ذم على مخالفة الأمر المجرد ; فدل على أنه يقتضي ~~الوجوب، إذ قد سبق أن الواجب ما ذم تاركه شرعا. # قوله: «ودعوى قرينة الوجوب، واقتضاء تلك اللغة له، دون هذه، غير مسموعة» ~~. هذا جواب عن سؤال، يورده الخصم على الاستدلال، بهذه ms0509 الآيات ونحوها، ~~وتقريره من وجهين: # أحدهما: أن الذم في الآيات المذكورة ليس على مخالفة الأمر المجرد، بل ~~اقترن بالأمر فيها قرينة أفادت الوجوب، ولولا تلك القرينة، لم يقتض الوجوب، ~~ولا الوعيد والذم على الترك. # فتقدير الآية الأولى: فليحذر الذين يخالفون عن أمره، المفيد للوجوب، ~~بقرينة أو غيرها. # وتقدير الثانية: {وإذا قيل لهم اركعوا} ، واستفادوا الوجوب بقرينة، أو ~~تصريح به. # وذلك أمر إبليس بالسجود، اقترن به قرينة أفادت الوجوب ; فكان ذمه على ترك ~~الواجب، لا على مطلق مخالفة الأمر. # الوجه الثاني: مختص بقصة إبليس، وهو أن الأمر في اللغة التي خاطب الله عز ~~وجل بها الملائكة بالسجود كان يقتضي الوجوب ; فلذلك ذم # PageV02P368 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # على مخالفة الأمر، بخلاف لغتنا ~~هذه، فإن الأمر لا يقتضي الوجوب. # والجواب: أن هذه دعوى غير مسموعة ; لأنها مجردة عن حجة: # أما الأول: وهو اقتران الأمر بما يفيد الوجوب ; فلأن الظاهر خلافه، إذ ~~الأصل عدم القرينة، ومجرد احتمالها لا يكفي، ولا يترك له ظاهر الخطاب. # وأما اقتضاء الأمر في تلك اللغة الوجوب، دون هذه ; فخلاف الظاهر أيضا ; ~~لأن الله سبحانه وتعالى، حكى لنا الحكاية بلغة، والأصل مطابقة الحكاية ~~للمحكي، وموافقته، وهو يقتضي أنه عز وجل أمر الملائكة بالسجود، باللغة ~~العربية التي ورد بها القرآن، وأكثر ما يقال: إنه أمرهم بغير العربية، ثم ~~حكى القصة بالعربية، لكن الله عز وجل صادق في إخباره، والصدق يقتضي مطابقة ~~المخبر به للمخبر عنه، وأقل ذلك أن تكون مطابقة معنوية، وهو إيراد المعنى ~~من غير زيادة ولا نقص، والله عز وجل ليس يعزب عليه ذلك ; فوجب حمل الأمر ~~على ذلك، وبالجملة: فهذه الدعوى إذا قوبلت بظاهر الحال، كانت هباء منثورا. # الوجه الثالث: أن العبد إذا خالف مجرد أمر سيده ; فعاقبه، لم يلم على ~~عقابه، باتفاق العقلاء، ولولا إفادة الأمر المجرد الوجوب، لاتجه لوم السيد ~~في هذه الصورة، لكنه لا يتجه ; فدل على إفادة أن الأمر لمجرد الوجوب، وهو ~~المطلوب. # وإذ قد تبين بالاستعمال، ومبادرة الذهن، أن الأمر المجرد يقتضي الوجوب، ~~ثبت أنه حقيقة فيه ms0510 ; فيضعف قول من جعله للندب، أو الإباحة ; حملا له على ~~القدر المشترك، دفعا للاشتراك والمجاز، وقول من توقف لظهور أحد الطرفين. # PageV02P369 # الثانية: صيغة الأمر الواردة بعد الحظر للإباحة، وهو ~~ظاهر قول الشافعي، ولما هي له قبل الحظر عند الأكثرين. # وقيل: إن ورد بصيغة افعل فكالأول للعرف، وإلا فكالثاني، نحو: أنتم ~~مأمورون بكذا، لعدمه فيه، والحق اقتضاؤها الإباحة عرفا لا لغة. # لنا: فهم الإباحة من قول السيد لعبده: كل هذا الطعام بعد منعه منه، وهو ~~في الشرع غالبا كذلك، نحو: (وإذا حللتم فاصطادوا) [المائدة: 2] ، (فإذا ~~قضيت الصلاة فانتشروا) [الجمعة: 10] ، (فإذا تطهرن فأتوهن) [البقرة: 222] ، ~~ونحوها، واستفادة وجوب قتال المشركين، من: فقاتلوا أئمة الكفر [التوبة: 12] ~~ونحوها، لا من فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين [التوبة: 5] . # وفي اقتضاء ### | النهي بعد الأمر # التحريم أو الكراهة خلاف، ويحتمل التفصيل المذكور أيضا، والأشبه التحريم ~~إذ هذا رفع للإذن بكليته، وما قبله رفع للمنع ; فيبقى الإذن، والله سبحانه ~~أعلم. # المسألة " الثانية: صيغة الأمر ~~الواردة بعد الحظر للإباحة، وهو ظاهر قول الشافعي، ولما هي له قبل الحظر "، ~~يعني من إيجاب أو إباحة " عند الأكثرين من الفقهاء والمتكلمين "، أي: إن ~~كانت قبل الحظر للوجوب ; فهي له بعد الحظر وإن كانت للإباحة فكذلك بعده. # " وقيل: إن ورد "، يعني الأمر بعد الحظر، " بصيغة افعل فكالأول "، أي: ~~يكون للإباحة " للعرف "، أي: لأن العرف يقتضي ذلك، لما سيأتي إن شاء الله ~~عز وجل. " وإلا "، أي: وإن لم يرد بعد الحظر بصيغة افعل " فكالثاني "، # PageV02P370 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أي: فهو كالثاني، أي: يكون لما كان ~~له قبل الحظر، من وجوب، أو إباحة " نحو: أنتم مأمورون بكذا "، إذ هذا لفظه ~~لفظ الخبر، لا الأمر، " لعدمه " أي: لعدم العرف فيه بخلاف الوارد بصيغة ~~الأمر. هذا نقل " المختصر " وأصله. # وقال القرافي: إذا ورد الأمر بعد الحظر، اقتضى الوجوب عند الباجي، ~~ومتقدمي أصحاب مالك، وأصحاب الشافعي، والإمام فخر الدين، وهو للإباحة عند ~~جماعة من أصحابنا، وأصحاب الشافعي. # وحكى الآمدي الوجوب، والإباحة، والوقف، واختاره. # قوله: " والحق اقتضاؤها الإباحة عرفا، لا لغة ". هذا تفصيل اخترته، ms0511 وهو ~~أن الأمر بعد الحظر يقتضي الإباحة، من حيث العرف، لا اللغة، إذ هو من حيث ~~اللغة يقتضي الوجوب، كما سبق. وهذا جمع بين القولين. # قوله: " لنا: فهم الإباحة من قول السيد ". هذا دليل الإباحة. # وتقريره: أن السيد إذا منع عبده من طعام، ثم قال له: كله ; فإنه يفهم منه ~~الإباحة ; فدل على أن ذلك مقتضاه لغة، أو عرفا، أي ذلك كان، حصل المقصود. # قوله: " وهو في الشرع غالبا كذلك ": هذا استدلال بالوقوع، أي: والأمر ~~الوارد في الشرع بعد الحظر غالبا، أي: في غالب موارده كذلك، أي: للإباحة ; ~~فقد تطابق الدليل والوقوع، وذلك نحو قوله عز وجل: {وإذا حللتم فاصطادوا} ~~بعد # PageV02P371 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: {غير محلي الصيد وأنتم حرم} ~~[المائدة: 1] ; ففهم منه إباحة الصيد، وقوله سبحانه وتعالى: {فإذا قضيت ~~الصلاة فانتشروا في الأرض} [الجمعة: 10] ، اقتضى إباحة الانتشار بعد المنع ~~منه، وقوله عز وجل: {فإذا تطهرن فأتوهن} [البقرة: 222] ، اقتضى إباحة الوطء ~~بعد قوله: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} ، ونحو ذلك من موارد هذه الصيغة بعد ~~الحظر، هو للإباحة ; فلتكن هي مقتضاه. # - قوله: " واستفادة وجوب قتال المشركين من: {فقاتلوا أئمة الكفر} ، ~~ونحوها، لا من: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين} # هذا جواب سؤال مقدر، وهو أن يقال: استفدنا من قوله عز وجل: {فإذا انسلخ ~~الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] ، وجوب قتلهم بعد أن كان ~~ممنوعا منه، بحكم العهد ; فليكن ذلك مقتضاه، ويترجح هذا بأنه موافق للأصل ~~في الأمر، وهو الوجوب كما سبق. # والجواب ما ذكر، وهو أن وجوب قتل المشركين بعد منعه، لم نستفده من قوله ~~عز وجل: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين} ، بل من قوله عز وجل: ~~{فقاتلوا أئمة الكفر} [التوبة: 12] ، ونحوها من الآيات، المتضمنة للأمر ~~بالقتال والقتل، نحو: {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} [البقرة: 191] ، {يا أيها ~~النبي جاهد الكفار والمنافقين} [التحريم: 9] ، {يا أيها الذين آمنوا قاتلوا ~~الذين يلونكم من الكفار} [التوبة: 123] ، وهو كثير، ولو تركنا وظاهر قوله ~~عز وجل: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين} من حيث العرف، لما ~~فهمنا إلا إباحة قتالهم، وإنما ms0512 جاء الوجوب من دليل خارج. # وحاصل الأمر: أن هذه الصيغة من حيث اللغة تقتضي الوجوب، أما من حيث العرف ~~; فتقتضي الإباحة، فإن دلت على وجوب، كوجوب قتال # PageV02P372 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المشركين من الآية المذكورة، أو ~~على ندب، كقوله سبحانه وتعالى: {فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله} [النساء: ~~103] ، فإن ذكر الله سبحانه مندوب على جميع الأحوال ; فذلك دليل آخر. # - قوله: " وفي اقتضاء ### | النهي بعد الأمر، # التحريم أو الكراهة، خلاف ". هذه عكس التي قبلها ; لأن تلك في ورود صيغة ~~الأمر بعد الحظر، وهذه في ورود النهي بعد الأمر، كما إذا قال: صل، ثم قال: ~~لا تصل، هل يقتضي التحريم عملا بمقتضى النهي، أو الكراهة، كما اقتضى الأمر ~~بعد الحظر الإباحة؟ فيه خلاف. # قوله: " ويحتمل التفصيل المذكور أيضا "، أي: يحتمل أن يفصل هنا، كما فصل ~~في الأمر الوارد بعد الحظر ; فيقال هاهنا: إن النهي بعد الأمر يقتضي ~~الكراهة عرفا، والتحريم لغة، كما قلنا هناك: إن الأمر بعد الحظر يقتضي ~~الإباحة عرفا والوجوب لغة ; وذلك لأن الحظر هناك لما كان قرينة في حمل ~~الأمر الوارد بعده على الإباحة، كذلك الأمر هنا قرينة في حمل النهي الوارد ~~بعده على الكراهة. # - قوله: " والأشبه التحريم " إلى آخره، أي: الأشبه في النظر، أن النهي ~~بعد الأمر يقتضي التحريم، بخلاف الأمر بعد الحظر، حيث لم يقتض الوجوب عرفا. # وتقرير الفرق: أنه مثلا إذا قال له: صم، ثم قال له: لا تصم ; فقد رفع ~~بهذا النهي الإذن له أولا في الصوم بكليته. وإذا قال له: لا تصد، ثم قال ~~له: صد ; فهاهنا لم يرفع الإذن في الصيد بكليته، بل رفع المنع منه ; فبقي ~~الإذن فيه، وهو الإباحة، والله سبحانه أعلم. # PageV02P373 # الثالثة: الأمر المطلق لا يقتضي التكرار عند ~~الأكثرين، منهم أبو الخطاب خلافا للقاضي، وبعض الشافعية، وحكي عن أبي ~~حنيفة: إن تكرر لفظ الأمر نحو: صل غدا، صل غدا اقتضاه تحصيلا لفائدة الأمر ~~الثاني، وإلا فلا. # وقيل: إن علق الأمر على شرط، اقتضى التكرار كالمعلق على العلة، وهذا ~~القول ليس من المسألة، إذ هي مفروضة ms0513 في الأمر المطلق، والمقترن بالشرط ليس ~~مطلقا، وما ذكره أبو حنيفة يقتضي التأكيد لغة، لا التكرار. # لنا: لا دلالة لصيغة الأمر إلا على مجرد إدخال ماهية الفعل في الوجود، لا ~~على كمية الفعل، ولأنه لو قال: صل مرة، أو مرارا، لم يكن الأول نقضا، ولا ~~الثاني تكرارا. # قالوا: النهي يقتضي تكرار الترك، والأمر يقتضيه ; فيقتضي تكرار الفعل، ~~ولأن الأمر بالشيء نهي عن ضده ; فيقتضي تكرار ترك الضد. # وأجيب عن الأول: بأن الأمر يقتضي فعل الماهية، وهو حاصل بفعل فرد من ~~أفرادها في زمن ما، والنهي يقتضي تركها، ولا يحصل إلا بترك جميع أفرادها في ~~كل زمن ; فافترقا. # وعن الثاني: بمنع أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، وإن سلم فلا يلزم من ترك ~~الضد المنهي عنه فعل الضد المأمور به، لجواز أن يكون للمنهي عنه أضداد ~~فيتلبس بغير المأمور به منها ; وهذا على القول بأن الأمر بالشيء نهي عن ~~جميع أضداده لا يتمشى. # ### | المسألة " الثالثة: الأمر المطلق لا يقتضي التكرار، # عند الأكثرين "، من الفقهاء والمتكلمين " منهم أبو الخطاب، خلافا للقاضي ~~" أبي يعلى، " وبعض # PageV02P374 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الشافعية "، وأبي إسحاق ~~الإسفراييني، قالوا: هو يقتضي التكرار، وهو قول مالك. قاله ابن القصار من ~~استقراء كلامه، وخالفه أصحابه، ومن الأصوليين من نفى احتمال التكرار، قال: ~~لا يحتمله الأمر المطلق، ومنهم من توقف فيه، واختار الآمدي أنه للمرة ~~الواحدة ; لأنها مقطوع بإرادتها، مع احتمال التكرار. # " وحكي عن أبي حنيفة: إن تكرر لفظ الأمر، نحو: صل غدا، صل غدا ". # اقتضى التكرار " تحصيلا لفائدة الأمر الثاني "، إذ لولا ذلك، لكان ذكر ~~الأمر مكررا كذكره غير مكرر ; فيرجع الأمر إلى أنه كرر تأكيدا، وهو خلاف ~~الظاهر، إذ فائدة التأسيس أولى من التأكيد " وإلا فلا "، أي: وإن لم يتكرر ~~لفظ الأمر، نحو: صل غدا، لم يقتض التكرار. # " وقيل: إن علق الأمر على شرط "، نحو: إن طلعت الشمس، أو زالت، أو غربت ~~فصل ; " اقتضى التكرار " بتكرر الشرط، " كالمعلق على العلة " يقتضي التكرار ~~بتكررها، وإلا فلا. # قوله: " وهذا القول ليس من المسألة "، أي: ليس ms0514 من الأقوال التي يصلح ~~دخولها تحت فرض المسألة ; لأن المسألة مفروضة في أن الأمر المطلق، هل يقتضي ~~التكرار أم لا؟ " والمقترن بالشرط ليس مطلقا " فالتكرار فيه لقرينة الشرط، ~~لا لكونه أمرا. وكذلك لو اقترن بالأمر قرينة تكرار غير الشرط، أو قرينة مرة ~~واحدة ; وجب العمل بمقتضى القرينة. # PageV02P375 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وما ذكره أبو حنيفة من الفرق بين ~~ما إذا تكرر لفظ الأمر ; فيقتضي التكرار، أو لا ; فلا ; فغير مؤثر ; لأن ~~تكرار لفظ الأمر، إنما يفيد التأكيد لغة لا التكرار. # قلت: وقد سبق أن فائدة التأسيس أولى من التأكيد ; فيترجح قول أبي حنيفة. # قوله: " لنا ": إلى آخره. هذه حجة عدم التكرار وهي من وجهين: # أحدهما: أن صيغة الأمر لا دلالة لها " إلا على مجرد إدخال ماهية الفعل في ~~الوجود " ولا دلالة لها على كميته، أي: على مقداره من حيث العدد. فإذا قال ~~له: صل ; فإنما اقتضى ذلك إيقاع حقيقة الصلاة، لا على عدد معين، ولا مطلق، ~~حتى يجب لأجله التكرار. وحقيقة الصلاة تحصل بالمرة الواحدة فيخرج بها عن ~~العهدة ; فلا يجب ما زاد عليها، وذلك المراد بأنه لا يقتضي التكرار. # الوجه الثاني: أن الأمر لو اقتضى التكرار، لكان قول القائل: صل مرة، ~~تناقضا ; لأن صل بوضعه يقتضي التكرار، وبقوله: مرة، قد نقض مقتضاه في ~~التكرار. وكذا لو قال له: صل مرارا، لكان تكرارا ; لأن صل بوضعه يقتضي ~~التكرار ; فقوله: " مرارا " ; لم يفد فائدة زائدة ; فكان تكرارا، لكن قوله: ~~صل مرة أو مرارا ; ليس نقضا ولا تكرارا ; فلا يكون الأمر للتكرار. # قوله: " قالوا "، إلى آخره. هذا حجة من قال بالتكرار، وهي من وجهين: # أحدهما: أن النهي نقيض الأمر، ثم إن " النهي يقتضي تكرار الترك " # PageV02P376 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # باتفاق ; فالأمر الذي هو نقيضه يجب ~~أن يقتضي تكرار الأمر. # الثاني: أن " الأمر بالشيء نهي عن ضده "، كما سيأتي إن شاء الله ; فوجب ~~أن يقتضي الأمر تكرار ترك ذلك الضد، وذلك بتكرار فعل المأمور. مثاله: إذا ~~قال له: صم ; فقد نهاه عن الفطر الذي هو ضد الصوم، والنهي عن الفطر يقتضي ms0515 ~~تكرار تركه، وذلك إنما يكون بتكرار الصوم المأمور به. # قوله: " وأجيب عن الأول "، أي: عن الوجه الأول من دليلهم - وهو قياس ~~الأمر على النهي، في اقتضائه التكرار - بالفرق بين الأمر والنهي، وبيانه أن ~~الأمر يقتضي فعل ماهية المأمور به، وذلك يحصل " بفعل فرد من أفرادها، في ~~زمن ما من الأزمان "، أي زمن كان، كما إذا أمره بالصلاة، حصل مصليا بفعل ~~صلاة واحدة. والنهي عن الفعل يقتضي ترك ماهيته مطلقا، وذلك " لا يحصل إلا ~~بتركها في كل زمان "، كما إذا نهاه عن الزنى ; فالمقصود ترك ماهيته، ~~بالاستمرار على عدمها ما عاش، حتى لو عمر ألف سنة أو أكثر وزنى في آخر ساعة ~~من عمره لعد مخالفا عاصيا. وإذا كان مقتضى النهي إعدام الماهية مطلقا ; ~~ومقتضى الأمر إيجادها مطلقا، وهو يحصل بفعلها مرة، لم يلزم من اقتضاء النهي ~~التكرار، اقتضاء الأمر له ; فافترقا. # وأجيب عن الوجه الثاني: وهو أن الأمر بالشيء نهي عن ضده فيقتضي تكرار ترك ~~الضد بأنا نمنع أن الأمر بالشيء نهي عن ضده ; فلا يلزم منه وجوب تكرار ترك ~~الضد، وإن سلم أن الأمر بالشيء نهي عن ضده لكوننا قد قلنا به فيما بعد، لكن ~~" لا يلزم من ترك الضد المنهي عنه " ; فعل الضد المأمور به ; لجواز أن يكون ~~للمنهي عنه أضداد فيتلبس بغير ما أمر به منها "، مثاله: أن القيام # PageV02P377 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والركوع والسجود والقعود والاضطجاع ~~; أضداد لاستحالة اجتماعها، فإذا أمر بالقيام ; فالقعود ضد له، وقد نهي عنه ~~ضرورة، صح إتيانه بالقيام. فإذا ترك القعود لا يلزم منه أن يتلبس بالقيام ~~المأمور به لجواز أن يسجد أو يركع أو يضطجع، وحينئذ يصح قولنا: " فلا يلزم ~~من ترك الضد المنهي عنه "، وهو القعود هاهنا، " فعل الضد المأمور به " وهو ~~القيام، وحينئذ لا ينفعهم قولهم: " الأمر بالشيء نهي عن ضده ; فيقتضي تكرار ~~ترك الضد " ; لأن ذلك إنما ينفعهم لو كان تكرار ترك الضد، وهو القعود مثلا، ~~يستلزم فعل المأمور به، وهو القيام، ليكون فعله متكررا. لكن ذلك لا يلزم ~~لجواز التلبس بالواسطة ms0516 كما ذكرنا. # قوله: " وهذا على القول بأن الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده لا يتمشى "، ~~هذا تضعيف لهذا الجواب الثاني على تقرير تسليم أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، ~~وهو هذا الذي قد أطلنا فيه آنفا. وبيان ضعفه أن قولنا: " لا يلزم من ترك ~~الضد المنهي عنه فعل الضد المأمور به " ; لجواز أن يكون بينهما واسطة، إنما ~~يصح لو كان الأمر بالشيء نهيا عن ضد واحد من أضداده بحيث إذا كان له أضداد ~~يكون المنهي عنه واحدا منها، وتبقى بقية أضداده يجوز التلبس بها فتكون ~~واسطة بين الضدين ; المأمور به والمنهي عنه كما قررنا. لكن هذا ليس بصحيح، ~~بل الصحيح: الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده كالأمر بالقيام نهي عن الركوع ~~والسجود والقعود والاضطجاع جميعا. # وحينئذ يلزم من ترك هذه الأضداد المنهي عنها، التلبس بالضد المأمور به ; ~~فيلزم من ذلك تكرار فعله بواسطة وجوب تكرار ترك أضداده، وحينئذ يسلم لهم ~~دليلهم، وهو قولهم: " الأمر بالشيء نهي عن ضده فيقتضي تكرار ترك الضد "، ~~ويلزم من ذلك تكرار المأمور به. # قلت: فيشبه أن يجعل من ذوات الجهتين كما سبق الكلام فيه مع الكعبي # PageV02P378 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # في أن المباح مأمور به، وذلك أن ~~يقال: الأمر لذاته بوضعه لا يقتضي تكرارا، وباستلزام تكرار ترك أضداده ~~تكراره يقتضي التكرار ; فهو يقتضي التكرار وعدمه، باعتبار الجهتين. فإن صح ~~لنا هذا رجع النزاع في المسألة لفظيا، إذ يرجع حاصله إلى أن قوما قالوا: ~~الأمر بوضعه لا يقتضي التكرار. وآخرين قالوا: الأمر يقتضي التكرار ~~بالالتزام كما تقرر. # PageV02P379 # الرابعة: الأمر بالشيء نهي عن أضداده، والنهي عن أمر ~~بأحد أضداده من حيث المعنى لا الصيغة، خلافا للمعتزلة. # لنا: الآمر بالسكون ناه عن الحركة، وبالعكس ضرورة. # قالوا: قد يأمر بأحد الضدين أو ينهى عنه من يغفل عن ضده، والأمر مع ~~الغفلة عن المأمور به لا يتصور. وما ذكرتموه ضروري، لا اقتضائي طلبي، حتى ~~لو تصور ترك الحركة بدون السكون، لم يكن مأمورا به. # قلنا: فهذا هو المطلوب. # ### | المسألة " الرابعة: الأمر بالشيء نهي عن ms0517 أضداده، # والنهي عنه أمر بأحد أضداده من حيث المعنى لا الصيغة "، أي من جهة ~~الالتزام عقلا " خلافا للمعتزلة "، هذا نقل " المختصر " - وذكر الآمدي أن ~~القاضي أبا بكر قال: إن الأمر بالشيء نهي عن أضداده، لكن اختلف قوله هل ذلك ~~باللفظ أو بطريق الاستلزام، وهو آخر قوليه. # قال: ومن أصحابنا من منع ذلك مطلقا أما المعتزلة فقالوا: ليس الأمر بعينه ~~نهيا عن أضداده، وهل يكون نهيا عنها من جهة المعنى؟ منعه قدماؤهم، وأثبته ~~بعض متأخريهم، كأبي الحسين البصري وغيره. ومنهم من أثبت ذلك في أمر ~~الإيجاب، دون الندب. # واختار الآمدي: أنا لو جوزنا تكليف ما لا يطاق ; لم يكن الأمر نهيا عن ~~أضداده، وإلا كان نهيا عنها مطلقا، في أمر الإيجاب والندب، بطريق ~~الاستلزام. # قلت: وهو تحقيق جيد. ومعنى قولهم: هو نهي عن أضداده من حيث # PageV02P380 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المعنى، لا الصيغة، أو نهي عنها ~~بطريق الاستلزام لا بعينه، أو أن ذلك التزامي، لا لفظي، كله بمعنى واحد، ~~وهو أن قوله: قم، غير قوله: لا تقعد، وقوله: تحرك، غير قوله: لا تسكن، لفظا ~~ومعنى، ولكن يلزم من قيامه أن لا يقعد، ومن حركته أن لا يسكن، لاستحالة ~~اجتماع الضدين. # ومن يقول: هو نهي عن أحد أضداده بعينه، أو من حيث الصيغة، يريد أن قوله: ~~قم، يستفاد منه استفادة لفظية عدم القعود، لا استفادة التزامية، أي أن طلب ~~عدم القيام بعينه هو طلب القعود، وعند التحقيق يرجع هؤلاء إلى الأول. # وقال قوم: فعل الضد هو عين ترك ضده الآخر ; فالسكون عين ترك الحركة، ~~والبعد من المغرب هو القرب من المشرق، وليس بشيء ; لأن القرب والبعد معنيان ~~إضافيان، والفعل والترك معنيان حقيقيان ; فلا يصح التنظير والقياس. # عدنا إلى توجيه كلام " المختصر ". # قوله: " لنا ": أي: على صحة ما قلناه: أن " الآمر بالسكون ناه عن الحركة. ~~وبالعكس، أي: والآمر بالحركة ناه عن السكون " ضرورة " أن الحركة والسكون ~~ونحوهما من الأضداد لا يجتمعان ; فالأمر بفعل أحدهما يستلزم النهي عن ~~الآخر، كما أن فعل أحدهما يستلزم ترك الآخر، كما تستلزم ms0518 الحركة ترك السكون، ~~والسكون ترك الحركة. ولهذا قلنا: إن الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده، إذا ~~كان له أضداد، ضرورة توقف فعله على ترك # PageV02P381 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # جميعها، كما قلنا في القيام مع ~~الركوع، والسجود، والقعود، والاضطجاع. وكذلك الحكم في الأمر بكل واحد ~~منهما، مع أضداده الباقية، وإذا كان له ضد واحد، كالحركة مع السكون ; ~~فالأمر به يستلزم النهي عن عين ذلك الضد. أما النهي عن الشيء ; فإنما ~~يستلزم الأمر بضد واحد من أضداده، إذا كان له أضداد، لاستحالة ترك المنهي ~~عنه، بدون التلبس بما ينافيه، ليشتغل به عن فعل المنهي عنه، وذلك التلبس ~~ضروري، يندفع بفعل ضد واحد، وليس المقصود إيجاد بقية الأضداد، كما في الأمر ~~; فحصل من هذا أن المأمور به، إن كان له ضد أو أضداد، تعين النهي عن ~~الجميع، والمنهي عنه إن كان له ضد واحد، تعين الأمر به، وإن كان له أضداد ; ~~فالمأمور به منها واحد لا بعينه، ضرورة توقف ترك المنهي على فعل الضد، ~~المعين أو المبهم. # قوله: " قالوا "، يعني المانعين في المسألة: " قد يأمر بأحد الضدين " من ~~يغفل عن الآخر، وينهى عن أحدهما من يغفل عن الآخر ; فلو كان الأمر بأحدهما ~~نهيا عن الآخر، أو النهي عن أحدهما أمرا بالآخر، لما صحت الغفلة عن أحدهما، ~~إذ الأمر به، أو النهي عنه مع الغفلة عنه لا يتصور، من جهة أن الأمر والنهي ~~يستدعيان تصور المأمور به، والمنهي عنه، ليصح توجه القصد إليهما، لتعلق ~~الأمر والنهي بهما. قالوا: وما ذكرتموه من توقف فعل # PageV02P382 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أحد الضدين، على ترك الآخر، " هو ~~ضروري، لا اقتضائي طلبي "، أي: هو من حيث ضرورة التوقف المذكور، لا من حيث ~~إنه مستفاد من اقتضاء اللفظ، وطلب المتكلم له، يعني أن المتكلم لا يطلب ~~بقوله: تحرك، ترك السكون، بل ترك السكون وجب ضرورة أن الحركة لا تحصل ~~بدونه، حتى لو تصور ترك الحركة مثلا، بدون السكون، أو التحرك، بدون ترك ~~السكون، لم يكن مأمورا به. # قوله: " قلنا: فهذا هو المطلوب "، أي: هذا هو معنى قولنا: الأمر ms0519 بالشيء ~~نهي عن أضداده، من حيث المعنى لا الصيغة، أي: أن ترك أضداده ليس منهيا عنه ~~بمقتضى لفظ الأمر، بل لضرورة توقف امتثال أمره عليه، واستحالة فعل الشيء ~~بدون ترك أضداده. ### | أقسام المعلومات: # فرعان: # أحدهما: المعلومات كلها أربعة أقسام: نقيضان: وهما اللذان لا يجتمعان، ~~ولا يرتفعان، كوجود زيد وعدمه، وضدان: وهما اللذان لا يجتمعان، ويمكن ~~ارتفاعهما، مع الاختلاف في الحقيقة، كالسواد والبياض، وخلافان: وهما اللذان ~~يجتمعان ويرتفعان كالحركة والبياض. ومثلان: وهما اللذان لا يجتمعان، ويمكن ~~ارتفاعهما مع تساوي الحقيقة، كالبيض والبياض. # قلت: فالجامع بين النقيضين، والضدين، والمثلين: عدم إمكان # PageV02P383 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الاجتماع، والفارق بين النقيضين ~~والضدين: جواز الارتفاع فيهما، دون النقيضين، والفارق بين الضدين والمثلين: ~~اختلاف الحقيقة في الضدين، وتساويهما في المثلين، والفرق بين الخلافين ~~والثلاثة الأخر جواز الاجتماع فيهما دونها. # ودليل حصر المعلومات في هذه الأربعة: أن المعلومين إما أن يمكن اجتماعهما ~~أو لا، فإن أمكن ; فهما الخلافان، وإن لم يمكن اجتماعهما ; فإما أن لا يمكن ~~ارتفاعهما، وهما النقيضان، أو يمكن ارتفاعهما، فإن كان مع اختلاف الحقيقة ; ~~فهما الضدان، وإلا ; فهما المثلان. # فإن قيل: قولكم في الضدين: إنهما يمكن ارتفاعهما مشكل بالحركة والسكون، ~~لا يرتفعان عن الجسم، والحياة والموت، والعلم والجهل، لا يرتفعان عن الحي، ~~وهي من باب الأضداد. # قلنا: إمكان الارتفاع أعم منه، مع بقاء المحل أو عدمه، ونحن نريد إمكان ~~ارتفاعهما من حيث الجملة، وهو صحيح، إذ قبل وجود العالم، لم يكن جسم متحرك ~~ولا ساكن، ولا حيوان حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل ; فقد صح ارتفاعهما ~~لارتفاع محالها، بخلاف العدم والوجود فإنهما لم يرتفعا قبل العالم، بل كان ~~العدم ثابتا. # الفرع الثاني: زعم بعض الفقهاء أن النزاع في وجوب النكاح وعدمه، مبني على ~~هذه المسألة، وهي أن النهي عن الشيء أمر بضده، قال: لأنا إذا # PageV02P384 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قلنا بذلك ; فالمكلف منهي عن الزنى ~~; فيكون مأمورا بضده، وهو النكاح، والأمر يقتضي الوجوب ; فيكون النكاح ~~واجبا. # قلت: وهذا تخريج ضعيف ; لأنا قد بينا أن التحقيق: أن الشيء إذا كان له ~~أضداد ms0520 ; فالنهي عن أمر بأحد أضداده، والزنى لم ينحصر ضده في النكاح، بل ليس ~~ضدا له أصلا، إنما ضد الزنى تركه، لكن تركه قد يكون بالنكاح، وقد يكون ~~بالتسري، وقد يكون بالاستعفاف مع التعزب ; فلا يتعين النكاح للتلبس به، بل ~~يلزم قائل ذلك أن يكون المكلف، المنهي عن الزنى، مأمورا بالنكاح، أو التسري ~~على التخيير ; لأن ترك الزنى يحصل بكل منهما ; فيصير من باب الواجب المخير. ~~فإن قال بذلك، صح له التخريج المذكور، لكن التسري لم نعلم أحدا قال بوجوبه، ~~تعيينا ولا تخييرا، والله تعالى أعلم بالصواب. # PageV02P385 # الخامسة: مقتضى الأمر المطلق الفور في ظاهر المذهب، ~~وهو قول الحنفية، وهو على التراخي عند أكثر الشافعية. # وتوقف قوم في الفور والتكرار وضدهما، للتعارض. لنا: {وسارعوا} [آل عمران: ~~133] ، {سابقوا إلى مغفرة} [الحديد: 21] ، والأمر للوجوب. ولو أخر العبد ~~أمر سيده المجرد استحق الذم، وأولى الأزمنة بالامتثال عقيب الأمر احتياطا ~~وتحصيلا له إجماعا، ولأن التأخير إما لا إلى غاية ; فيفوت المقصود بالكلية ~~; لأنه إما لا إلى بدل ; فيلحق بالمندوبات. أو إلى بدل ; فهو إما الوصية، ~~وهي لا تصح في بعض الأفعال، لعدم دخول النيابة فيها، أو العزم، وليس ببدل ~~لوجوبه قبل وقت المبدل، وعدم جواز البدل حينئذ. # أو إلى غاية مجهولة ; فهو جهالة، أو معلومة ; فتحكم وترجيح من غير مرجح. # أو إلى وقت يغلب على ظنه إدراكه ; فباطل، لإتيان الموت بغتة. # قالوا: الأمر يقتضي فعل الماهية المجردة، ولا يدل على غيرها، ولأن نسبة ~~الفعل إلى جميع الأزمنة سواء ; فالتخصيص بالفور تحكم، وتعلق الزمان بالفعل ~~ضروري، والضرورة تدفع بأي زمن كان ; ولأنه من لوازم الفعل ; فلا يقتضي ~~تعيينه كالمكان والآلة والمحل، والأدلة متقاربة، وقول الواقفية ضعيف. # المسألة " الخامسة: الأمر إن ~~اقترنت به قرينة فور أو تراخ ; عمل بمقتضاها في ذلك، وإن كان مطلقا، أي: ~~مجردا عن قرينة ; فهو # PageV02P386 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # للفور. وهذا معنى قوله: " مقتضى ~~الأمر المطلق الفور في ظاهر المذهب وهو قول الحنفية " ومالك، " وهو على ~~التراخي عند أكثر الشافعية " وعند مغاربة المالكية. " وتوقف قوم في الفور ~~والتكرار، ms0521 وضدهما "، مع التراخي والمرة الواحدة، وهؤلاء الذين يسمون ~~الواقفية، توقفوا في اقتضاء الأمر الفور والتراخي، فلم يجزموا بواحد منهما، ~~لتعارض الأدلة، وكذلك توقفوا في اقتضائه التكرار والمرة الواحدة. وقد سبقت ~~مسألة التكرار وعدمه. # وقال الآمدي: كل من حمل الأمر المطلق على التكرار، حمله على الفور، وذهب ~~الشافعية، وجماعة من الأشاعرة، والمعتزلة إلى جواز التأخير عن أول وقت ~~الإمكان، ومنهم من توقف، ثم اختلفوا ; فقال بعضهم: المبادر ممتثل قطعا ; ~~لكن هل يأثم بالتأخير؟ اختلفوا فيه، والتوقف إنما هو في المؤخر ; هل هو ~~ممتثل أم لا؟ وقال بعضهم: المبادر أيضا متوقف فيه ; هل هو ممتثل أو لا؟ ~~وخالف بذلك إجماع السلف. واختار الآمدي أنه بفعله ممتثل ; قدم أو أخر، ولا ~~إثم عليه. # قلت: ومعنى الفور: هو الشروع في الامتثال عقيب الأمر، من غير فصل، مأخوذ ~~من قولهم: فارت القدر، إذا غلت، وذهبت مكان كذا، ثم أتيت فلانا من فوري، ~~أي: قبل أن أسكن. والتراخي تأخير الامتثال عن انقضاء الأمر، زمنا يمكن ~~إيقاع الفعل فيه ; فصاعدا. # - قوله: الأمر يقتضي الفور في ظاهر المذهب ; إشارة إلى أن فيه خلافا عن ~~أحمد ; فإنه قد نقل عنه أن الحج على التراخي، مع أنه مأمور به، وهو # PageV02P387 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يدل على الخلاف في هذا الأصل. # قلت: فإن كان الخلاف في هذا الأصل ; استفيد من هذا القول في الحج ; فلا ~~حجة فيه ; لأن القواعد والأصول يجوز تخصيصها بدليل أقوى منها عند المجتهد، ~~وإن كان قد وجد عنه نص، بأن الأمر على التراخي ; فذاك. # قوله: " لنا: سارعوا، سابقوا "، إلى آخره. هذا دليل القول بالفور، وهو من ~~وجوه: # أحدها: قوله سبحانه وتعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها ~~السماوات والأرض أعدت للمتقين} [آل عمران: 133] ، وقوله عز وجل: {سابقوا ~~إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ~~ورسله} [الحديد: 21] . # وجه الاستدلال بهما: أنه سبحانه وتعالى أمر بالمسارعة، والمسابقة إلى ~~المغفرة، وامتثال الأمر على الفور مسارعة إلى المغفرة، أي: إلى سببها، وهي ~~مأمور بها، " والأمر للوجوب "، كما سبق ms0522 ; فيكون الفور واجبا، وهو المطلوب. # الوجه الثاني: أن العبد إذا أخر أمر سيده المطلق، زمنا يمكنه الفعل # PageV02P388 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فيه، فلم يفعل ; استحق الذم، ولولا ~~أن الأمر على الفور، لما كان كذلك. # الوجه الثالث: أن الأمر وإن أمكن امتثاله، في أي زمن كان بعد الأمر، لكن ~~أولى الأزمنة بأن يمتثل الأمر فيه، الزمن الذي هو عقيب الأمر، لوجهين: # أحدهما: أنه أحوط، لاحتمال العقاب على التأخير. # الثاني: أن الفعل عقيب الأمر، يعد به ممتثلا بالإجماع، وإذا أخر، كان ~~مختلفا في امتثاله، لكن هذان الوجهان، إنما يدلان على أن المبادرة أولى، لا ~~أنه واجب، لكن قد يوجه الوجوب، بأن في المبادرة دفع ضرر مظنون ; فيكون ~~واجبا، لما تقرر في خبر الواحد، والقياس. # الوجه الرابع: أن التأخير لو جاز، لكان إما لا إلى غاية، أو إلى غاية. # والأول: وهو التأخير لا إلى غاية، مفوت للمقصود بالكلية ; لأنه إما أن ~~يؤخره لا إلى بدل ; فيلحق بالمندوبات، أي: يصير مندوبا، إذ المندوب هو الذي ~~يجوز تأخيره، وتركه لا إلى بدل، بخلاف الواجب، لا يؤخر إلا إلى بدل، كما في ~~الموسع، أو يؤخره إلى بدل ; فذلك البدل إما الوصية بفعله، أو العزم عليه، ~~والأول باطل ; لأن الوصية لا تصح في بعض الأفعال، كالصلاة والصوم، لعدم ~~دخول النيابة فيهما، والثاني أيضا باطل ; لأن العزم ليس ببدل عن الفعل ; ~~لأنه يجب قبل دخول وقت المبدل، كالعزم على الظهر # PageV02P389 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قبل الزوال هو واجب، والظهر التي ~~يقدر أنها مبدل ; لا يصح فعلها قبل الزوال ; فثبت أن العزم ليس ببدل عن ~~الفعل، وإلا لم يتقدم عليه، إذ شأن البدل أن يكون بعد المبدل، والعزم في ~~الواجب الموسع، إنما هو بدل عن التعجيل، لا عن نفس الواجب كما سبق، وإذا ~~بطل تأخير الامتثال إلى بدل، أو لا إلى بدل، بطل تأخيره لا إلى غاية. # وأما الثاني: وهو التأخير إلى غاية ; فباطل أيضا ; لأن تلك الغاية ; إما ~~مجهولة، أو معلومة، أو مغلبة على الظن، والكل باطل ; فالقول بتأخير ~~الامتثال إلى غاية باطل: أما التأخير إلى ms0523 غاية مجهولة ; فهو جهالة لا تناط ~~بها الأحكام ; لأنه يفضي إلى تضييعها، وغرض الشرع حفظها. # وأما التأخير إلى غاية معلومة ; فباطل أيضا ; لأن تخصيص بعض الغايات ~~الزمانية، بالتأخير إليه، دون بعض، تحكم، وترجيح من غير مرجح، إذ الأزمنة ~~كلها بالنسبة إلى إيقاع الفعل متساوية، عدا الزمن الأول، الذي هو عقيب ~~الأمر، ولذلك ترجح بقربه من زمن الأمر ; فلو قيل للمكلف: صم أو صل، أو قال ~~السيد لعبده: سافر إلى بلادي ; فانظر في مصالحها ; فقال: لا أفعل الآن على ~~الفور، لكني أفعل يوم الجمعة؟ لقيل له: ولم كان يوم الجمعة أولى بالامتثال ~~من يوم الخميس أو السبت؟ فإن طلب المرجح تعذر عليه، وإن قال: المرجح ~~اختياري لذلك، قيل له: أنت عبد مأمور، لا اختيار لك. # وأما التأخير إلى غاية مغلبة على الظن، أي: تأخير الفعل إلى وقت يغلب # PageV02P390 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # على ظنه إدراكه ; فهو باطل أيضا ; ~~لأن الموت يأتي بغتة ; فلا يمكنه الجزم بظن من الظنون، إذ الموت ربما أسرع ~~إلى الشاب الجذع، وتأخر عن الشيخ الهرم، وليس لوقت مجيئه ضابط. # ولقائل أن يقول: قد جوزتم تأخير الواجب الموسع، مع العزم إلى وقت يغلب ~~على ظن المكلف البقاء إليه، فلم لا يجوز هاهنا كذلك؟ . # ويمكن الجواب: بأن الموسع وقعت فيه المسامحة الزمانية، من جهة الشرع، ~~بالتوسع، بخلاف هاهنا، فإن الكلام في الأمر المطلق، ولسنا على يقين، والظن ~~من المتسامح فيه ; فظهر الفرق. # - قوله: " قالوا: " إلى آخره. هذا دليل القائلين بالتراخي، وهو من وجوه: # أحدها: أن " الأمر يقتضي فعل الماهية المجردة، ولا يدل على غيرها " من ~~زمان ولا غيره، وذلك لأن قوله: صل، إنما يقتضي إيقاع حقيقة الصلاة، وليس في ~~لفظه ما يدل على فور ولا تراخ ; فوجب أن يجوزا # PageV02P391 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # جميعا، وإلا كنا قد أوجبنا ما لا ~~دلالة في اللفظ عليه، وذلك زيادة على المأمور، والزيادة عليه كالنقص منه في ~~المخالفة، وهي حرام ; فالزيادة عليه أيضا حرام ; فإيجاب الفور إذن حرام. # الوجه الثاني: أن " نسبة الفعل إلى جميع الأزمنة سواء "، لعدم دلالة ~~اللفظ على ms0524 بعضها دون بعض، ولصحة وقوعه في كل زمن منها، وإذا استوت نسبة ~~الفعل إلى جميعها، كان تخصيصه بالفور تحكما، وترجيحا من غير مرجح. # الوجه الثالث: أن " تعلق الزمان بالفعل "، أي: احتياج الفعل إلى الزمان، ~~" ضروري "، أي: لضرورة أن الفعل يمتنع وقوعه لا في زمان، وإذا كان تعلق ~~الزمن به لهذه الضرورة ; فهي تندفع بإيقاعه في أي زمن كان، تقدم أو تأخر، ~~وذلك يدل على أن الفور لا يتعين، وأن التأخير جائز. # الوجه الرابع: أن " الزمان من لوازم الفعل "، أي: لا ينفك عنه، كما أن ~~المكان، والآلة، والمحل من لوازمه أيضا، ثم إن الأمر المطلق لا يقتضي تعيين ~~مكان، أو آلة، أو محل، دون غيره ; فلذلك لا يقتضي تعيين زمان دون غيره. # ومثال ذلك لو قال: توضأ، لجاز له أن يتوضأ في أي مكان شاء، بأي # PageV02P392 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ماء طهور شاء، ولم يتعين للوضوء ~~مكان دون غيره، ولا ماء من المياه الطهور دون غيره. # ولو قال لعبده: اصنع لي سريرا أو بابا ; لم يتعين لعمل الباب مكان دون ~~غيره، ولا قدوم دون غيره، ولا خشب دون خشب، وهو محل الفعل ; فكذلك لا يتعين ~~له زمان دون غيره. # - قوله: " والأدلة متقاربة "، يعني أدلة الفور والتراخي من الطرفين، ~~متقاربة في القوة ولكل منها اتجاه، فإن جاز لنا نصرة المذهب الظاهر - وهو ~~الفور - أجبنا عن أدلة أصحاب التراخي. # أما عن الأول، وهو أن الأمر يقتضي فعل الماهية لا غير ; فبأن هذا مطالبة ~~بدليل الفور، وقد بيناه بأدلتنا. # وأما عن الثاني: وهو أن نسبة الفعل إلى الأزمنة سواء ; فالتخصيص بالفور ~~تحكم ; فبأن نقول: نسبة الفعل إلى الأزمنة سواء عقلا أو شرعا؟ الأول مسلم ~~كما ذكرتم، والثاني ممنوع، إذ قد يتعلق قصد الشرع بوقت دون وقت، لمصلحة ~~علمها، وحينئذ لا يكون التخصيص تحكما، كيف وقد بينا مثل ذلك في الشاهد، وهو ~~جواز عقوبة السيد عبده على تأخير الامتثال. # وأما عن الثالث: وهو أن تعلق الزمان بالفعل ضروري ; فبنحو ما سبق، وهو أن ~~تعلقه به ضروري عقلا من جهة ms0525 استحالة وقوعه، لا في زمان. أما شرعا ; فقد ~~يتعلق به مصلحة، يختار الشرع إيقاعه في بعض الأزمنة دون # PageV02P393 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بعض لأجلها ; فلا يكون تعلقه ~~بالفعل حينئذ ضروريا، بل اختياريا. # وأما عن الرابع ; فبالفرق، وهو أن عدم تعيين الزمان للفعل يفضي إلى ~~تفويته وإضاعته بالكلية، كما ذكرناه، بخلاف عدم تعيين المكان، والآلة، ~~والمحل ; فإنه لا يفضي إلى تفويته، وإذا لم يكن بد من تعيين زمان الفعل ; ~~فالزمن الأول وهو زمن الفور أولى بالتعيين، لما ذكرناه، ولأن العبد لو أخر ~~امتثال أمر سيده عن زمن فوره، جاز له عقوبته، ولو فعل ما أمر به في غير ~~مكان الأمر ; لم يجز له عقوبته ; فبان الفرق بينهما. # - قوله: " وقول الواقفية ضعيف "، وذلك لأن حجتهم أن أدلة الفور والتراخي ~~تعارضت من الطرفين ; فوجب الوقف على المرجح. # وبيان ضعفها: أنه ليس مطلق التعارض يبيح الوقف، بل التعارض بعد البحث ~~والنظر الصحيح، لا التعارض في بادي الرأي. وقد بينا أن طرف الفور راجح ; ~~فتعين المصير إليه. فلا يتسع لهم أن يقفوا عن متابعة ما ظهر رجحانه، لكنهم ~~يقولون: لم يظهر لنا الرجحان ; فتوقفنا. # PageV02P394 # السادسة: الواجب الموقت لا يسقط بفوات الوقت، ولا ~~يفتقر قضاؤه إلى أمر جديد، خلافا لأبي الخطاب والأكثرين. # لنا: استصحاب حال شغل الذمة إلا بامتثال أو إبراء. # قالوا: الموقت غير المطلق ; فالأمر بأحدهما ليس أمرا بالآخر. # قلنا: بل مقتضى الموقت الإتيان بالفعل في الوقت المعين، فإذا فات الوقت، ~~بقي وجوب الإتيان بالفعل. # المسألة: «السادسة: الواجب الموقت ~~لا يسقط بفوات الوقت، ولا يفتقر قضاؤه إلى أمر جديد» ، وهو قول أبي بكر ~~الرازي، وجماعة من الفقهاء، «خلافا لأبي الخطاب، والأكثرين» ، منهم مالك، ~~والأشعرية، والمعتزلة، ويجب القضاء بقياس الشرع، عند أبي زيد الدبوسي. # وصورة المسألة: ما إذا أمر بصلاة الفجر في وقتها المعين لها، فلم يصلها ~~حتى طلعت الشمس ; فهل تسقط بذلك صلاة الفجر، ويتوقف وجوب قضائها على أمر ~~جديد؟ # أو لا تسقط، ويجب قضاؤها بالأمر الأول، الذي وجبت به صلاة الفجر في ~~وقتها؟ # أو يجب بقياس الشرع، كما ms0526 قال أبو زيد؟ # يريد به والله تعالى أعلم أن الشرع لما عهد منه إيثار استدراك عموم ~~المصالح الفائتة، علمنا من عادته بذلك، أنه يؤثر استدراك الواجب الفائت في ~~الزمن الأول، بقضائه في الزمن الثاني ; فكان هذا ضربا من القياس. # قوله: «لنا: استصحاب حال شغل الذمة، إلا بامتثال، أو إبراء» . هذا # PageV02P395 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # دليل القول بأن الواجب لا يسقط ~~بتركه في وقته، وأن قضاءه بعده بالأمر الأول. # وتقريره: أن الذمة إذا اشتغلت بواجب للشرع، أو لآدمي، لم تبرأ منه إلا ~~بالامتثال، وهو الأداء، أو إبراء من المستحق للواجب، بأن يقول الشرع: نسخت ~~عنك هذه العبادة، أو الآدمي: أبرأتك من هذا الدين، وإذا كانت الذمة مشغولة ~~بالواجب، ما لم يوجد أداء له، أو إبراء من مستحقه ; فقد أجمعنا على أن ~~الذمة مشغولة بالواجب المؤقت في وقته، والأصل بقاء ما كان فيه على ما كان. # والتقدير: أن المكلف لم يوجد منه أداء، ولا من الشرع إبراء ; فوجب القول ~~ببقاء الواجب في الذمة ; فتكون براءتها منه موقوفة على الأداء، أو الإبراء، ~~لكن الإبراء صار بعد انقضاء زمن الوحي ممتنعا ; فتعين الأداء لبراءة الذمة، ~~لكن وقت الأداء اصطلاحا قد فات بالتأخير ; فتعين القضاء فيما بعده، لإبراء ~~الذمة، وذلك يقتضي أن يكون بالأمر الأول ; لأنه بدل عنه. # قوله: «قالوا: المؤقت غير المطلق ; فالأمر بأحدهما ليس أمرا بالآخر» . # هذا حجة الخصم. # وتقريرها: أن قوله مثلا: صل في هذا الوقت، أمر مقيد بزمان. وقوله: اقض ~~هذا الفائت، أمر مطلق، لا تقييد فيه، والمقيد غير المطلق ; فالأمر بأحدهما، ~~أي: بالمقيد، لا يكون أمرا بالآخر، وأيضا فإن تخصيص العبادة بالوقت، كتخصيص ~~الفعل بمكان، أو شخص، أو جهة ; فتخصيص العبادة بوقت الزوال، وشهر رمضان، ~~كتخصيص الحج بمكة، والزكاة بالمساكين، # PageV02P396 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والقتل بالكفار، والصلاة بالقبلة. ~~ثم إن ما علق بمكان، أو شخص، أو جهة، لا يجوز تعلقه بغيره ; فلا يجوز الحج ~~في غير مكة، ولا صرف الزكاة إلى غير أصنافها المذكورة، ولا قتل غير من خص ~~القتل به، من الكفار، والعصاة، ولا الصلاة إلى غير ms0527 جهة القبلة حال الاختيار ~~; فكذلك ما علق بزمن معين، لا يعلق بغيره، إلا بأمر جديد. # قوله: «قلنا:» إلى آخره. # هذا جواب دليل الخصم المذكور. # وتقريره: لا نسلم أن المؤقت غير المطلق، بل المطلق جزء المؤقت، على ما ~~قررتموه، وذلك لأن الأمر بالواجب المؤقت، اقتضى الإتيان بشيئين: # أحدهما: الواجب، وهو صلاة الفجر مثلا. # والثاني: إيقاع ذلك الواجب في ذلك الوقت المعين، وهو ما بين طلوع الفجر ~~وطلوع الشمس في صلاة الفجر، فإذا فات الوقت المعين، بالتأخير وهو أحد ~~الأمرين اللذين اقتضاهما الأمر بقي وجوب الإتيان بالفعل، وهو الأمر الآخر ; ~~فيأتي به في زمن القضاء، لاستحالة إيقاعه في غير زمان، حتى لو تصور إيقاعه ~~لا في زمان، لما أوجبنا إلا حقيقة الفعل مجردة ; لأنها الباقي في الذمة من ~~مقتضى الأمر، وصار هذا تخصيصا ضروريا ; فهو كالتخصيص الشرعي، فإن العام إذا ~~خص منه صورة بدليل، وجب امتثاله فيما عدا محل التخصيص، كما سيأتي في موضعه ~~إن شاء الله تعالى. # PageV02P397 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وكما لو أمر أن يتصدق بدرهمين ; ~~فتلف أحدهما، أو يعتق عبدين ; فمات أحدهما ; لزمه أن يتصدق، ويعتق الباقي، ~~بموجب الأمر الأول. # وأما قياسهم تعلق الفعل بالزمان، على تعلقه بالمكان، والشخص، والجهة ; ~~فغير مستقيم، وذلك لأن الزمان حقيقة سيالة، غير قارة ; فالمتأخر منه تابع ~~للمتقدم ; فما ثبت فيه، ثبت فيما بعده بطريق التبع له ; بخلاف الأمكنة، ~~والأشخاص، والجهات ; فإنها حقائق قارة، ليس بعضها تابعا لبعض، حتى يتعلق ~~ببعضها ما تعلق بغيره. # قلت: فتلخيص مأخذ المسألة أننا نحن نقول: الواجب الواقع في زمن القضاء، ~~هو جزء الواجب في زمن الأداء، والخصم يقول: هو غيره. وقد بان تقرير ~~القولين، والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV02P398 # السابعة: مقتضى الأمر حصول الإجزاء بفعل المأمور به ~~إذا أتى بجميع مصححاته خلافا لبعض المتكلمين. # لنا: لو لم يجزئه، لكان الأمر به عبثا، ولأن الذمة اشتغلت بعد براءتها ~~منه ; فالخروج عن عهدته بفعله كدين الآدمي. # قالوا: يجب إتمام الحج الفاسد، ولا يجزئ. وظان الطهارة مأمور بالصلاة ولا ~~تجزئه، ولأن القضاء بأمر جديد ; فالأمر بالشيء ms0528 لا يمنع إيجاب مثله. # وأجيب: بأن عدم الإجزاء في الصورتين لفوات بعض المصححات، ولسنا فيه، ~~والقضاء بأمر جديد ممنوع. # ### | المسألة «السابعة: مقتضى الأمر: حصول الإجزاء بفعل المأمور # به ; إذا أتى بجميع مصححاته» من ركن وشرط، «خلافا لبعض المتكلمين» منهم ~~القاضي عبد الجبار وأتباعه. # وصورة المسألة: أن فعل صلاة الظهر، ونحوها من الصلوات، بجميع مصححاتها، ~~هل يقتضي حصول الإجزاء، بحيث لا يجب قضاؤها فيما بعد؟ # قوله: «لنا: لو لم يجزئه، لكان الأمر به عبثا» ، إلى آخره. هذا دليل ~~القائلين بالإجزاء. # وتقريره من وجوه: # أحدها: أن المأمور به لو لم يقع مجزئا ; لكان الأمر به عبثا، والعبث على ~~الشرع محال، وإنما قلنا ذلك ; لأنه لو لم يكن وقوعه مجزئا ; لكان وجوده ~~كعدمه، وما كان وجوده كعدمه لا فائدة فيه، فلو لم يقع مجزئا، لكان لا # PageV02P399 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فائدة فيه، والأمر بما لا فائدة ~~فيه عبث ; فالمأمور به على هذا التقدير يكون عبثا، لكنه محال من الشرع، لما ~~سبق وعرف ; فثبت أن الأمر يقتضي وقوع المأمور به بشروطه، مجزئا، وهو ~~المطلوب. # الوجه الثاني: أن الذمة كانت بريئة من المأمور به قبل التكليف، بحق ~~الأصل، فلما اشتغلت به بعد براءتها منه، وجب أن يكون طريق الخروج عن عهدته، ~~وعودها بريئة كما كانت ; هو فعله، بناء على أن ما ثبت لعلة، زال بزوالها، ~~كما أن الطريق إلى الخروج عن دين الآدمي هو أداؤه، وذلك هو المراد ~~بالإجزاء. # الوجه الثالث: ولم يذكر في «المختصر» ، ما روى أبو هريرة رضي الله عنه: ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إذا أديت زكاة مالك ; فقد قضيت ما عليك. ~~رواه ابن ماجه والترمذي، وقال: حسن غريب. # ويعضده قوله عليه السلام للخثعمية حين سألته: هل يجزئ أباها أن تحج عنه؟ ~~فقال: نعم، أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته، أكان يجزئ عنه؟ قالت: نعم، ~~قال: فدين الله أحق بالقضاء. فدل على أن الإجزاء # PageV02P400 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بفعل المأمور به كان مقررا عندهم ~~في الشرع، حتى جعله نظيرا لما سألت عنه، تقريبا إلى فهمها، ثم أخبر ms0529 أن دين ~~الله يجب قضاؤه، كما يجب قضاء دين الآدمي ; فيلزم فيه من الإجزاء ما لزم في ~~دين الآدمي. # قوله: «قالوا: يجب إتمام الحج الفاسد» ، إلى آخره. هذا دليل الخصم على ~~عدم الإجزاء، وهو من وجهين: # أحدهما: أن الحج الفاسد مأمور بإتمامه، ولا يقع مجزئا، والمحدث يظن # PageV02P401 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الطهارة، وإذا صلى لا يجزئه ; فدل ~~على أن فعل المأمور لا يقتضي الإجزاء لزوما، بل جوازا. # الوجه الثاني: أن الإجزاء مفسر بسقوط القضاء ; لكن القضاء بأمر جديد، ~~وإذا كان بأمر جديد ; فالأمر بالشيء لا يمنع إيجاب مثله بعد وقته. # مثلا الأمر بركعتين بعد طلوع الفجر، لا يمنع الأمر بركعتين بعد طلوع ~~الشمس. # - قوله: «وأجيب» ، يعني عما ذكروه، بأن «عدم الإجزاء في الصورتين» وهما ~~إتمام الحج الفاسد، وصلاة المحدث يظن الطهارة، إنما كان لفوات بعض المصححات ~~وهو الإمساك عن الوطء في الحج، والطهارة في الصلاة، وليس الكلام في ذلك، ~~إنما الكلام فيما إذا أتى بالمأمور به بجميع مصححاته. وقد سبق الكلام على ~~الصورتين، عند ذكر القضاء والإجزاء في خطاب الوضع، بأبسط من هذا. # وأما كون القضاء بأمر جديد ; فهو ممنوع كما سبق في المسألة قبلها، وإن ~~سلمناه ; فهو مشروط بوقوع الخلل في المقضي، وليس ذلك فرض المسألة، والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. # PageV02P402 # الثامنة: الأمر لجماعة يقتضي وجوبه على كل واحد منهم ~~إلا لدليل، أو يكون الخطاب بلفظ لا يعم، نحو: {ولتكن منكم أمة} [آل عمران: ~~104] ; فيكون فرض كفاية، وهو ما مقصود الشرع فعله، لتضمنه مصلحة، لا تعبد ~~أعيان المكلفين به، كصلاة الجنازة، والجهاد، لا الجمعة والحج، وهو واجب على ~~الجميع، ويسقط بفعل البعض، واستبعاده لا يمنع وقوعه، وتكليف واحد غير معين ~~لا يعقل بخلاف التكليف به. # فإن قيل: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} إيجاب على بعض غير معين. # قلنا: بل محمول على المنتدب المسقط له جمعا بين الأدلة. # ### | المسألة الثامنة: الأمر لجماعة يقتضي وجوبه على كل واحد منهم، # إلى آخره. # اعلم أن الأمر المتوجه إلى جماعة ; إما أن يكون بلفظ يقتضي تعميمهم به، ms0530 ~~أو لا يكون، فإن كان بلفظ يقتضي تعميمهم، نحو قوله عز وجل: {وأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة} [البقرة: 110] ; فإما أن لا يعترض عليه دليل يدل على اختصاص ~~الخطاب ببعضهم، أو يعترض دليل على ذلك، فإن لم يعترض على العموم دليل، ~~اقتضى وجوبه على كل واحد منهم ; لأن الواو في افعلوا كالواو في الزيدون ~~وكلاهما للجمع، ثم الواو في الزيدون تدل على أشخاص متعددة، نحو: زيد وزيد ~~وزيد ; فكذلك الواو في افعلوا تدل على عدة مخاطبين ; فهي في قوة قوله: افعل ~~أنت وأنت وأنت، كذلك، حتى يستغرق المخاطبين. # PageV02P403 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وإن اعترض على العموم دليل يقتضي ~~اختصاصه ببعضهم ; فالبعض إما معين، أو غير معين. # فإن كان معينا ; فذلك هو العام المخصوص، سواء كان التعيين باسم، كقوله عز ~~وجل: {إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين} {إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين} [الحجر: ~~58، 59] ، وقول القائل: قام القوم إلا زيدا، أو بصفة، كقوله تعالى: ~~{الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} [الزخرف: 67] ، وقوله عز وجل: ~~{إلا عجوزا في الغابرين} [الصافات: 135] . # وإن كان ذلك البعض غير معين، أو كان الخطاب بلفظ لا يعم الجميع، وهو ~~القسم الثاني من أصل التقسيم، نحو قوله عز وجل: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى ~~الخير ويأمرون بالمعروف} [آل عمران: 104] ; فهذا هو فرض الكفاية. # قوله: «وهو» ، أي ### | : فرض الكفاية، # «ما مقصود الشرع فعله، لتضمنه مصلحة، لا تعبد أعيان المكلفين به، كصلاة ~~الجنازة، والجهاد، لا الجمعة، والحج» ، فإن صلاة الجنازة والجهاد مقصود ~~الشرع فعلهما، لما تضمناه من مصلحة الشفاعة للميت، وحماية بلاد الإسلام من ~~استباحة العدو لها، ولم يرد بها تعبد أعيان المكلفين، بخلاف الجمعة والحج، ~~فإن المقصود بهما تعبد أعيان المكلفين، ممن وجدت فيه شروط وجوبهما. # واعلم أن التعبد والمصلحة مشتركان بين فرض الكفاية والعين، أعني أن كل ~~واحد منهما عبادة يتضمن مصلحة ; فالجهاد عبادة، بمعنى أن الله عز وجل أمر ~~به، وطاعته فيه واجبة، والانقياد إلى امتثال أمره فيه لازم، ومصلحته ظاهرة، ~~والمصلحة في الحج ونحوه من العبادات، هو طاعة الله بفعلها، تعظيما لأمره، ms0531 ~~ولما يترتب عليها للمكلفين من الفوائد الأخروية، والتعبد فيه ظاهر، وإذا ~~كان التعبد والمصلحة موجودين في فرض الكفاية والعين ; فالفرق # PageV02P404 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بينهما: أن المقصود في فرض الكفاية ~~تحصيل المصلحة التي تضمنها، وفي فرض العين تعبد الأعيان بفعله. # ويمكن تقرير الفرق بينهما بوجه آخر، وهو أن الحقوق ; إما خالص لله عز ~~وجل، كالتوحيد، والصلاة، والصيام، والحج. أو خالص للآدمي، كالتملكات ~~بالعقود، والتشفي بالقصاص، ونحو ذلك. أو مشترك بينهما، بمعنى: أن لله عز ~~وجل فيه طاعة خالصة، وللعبد فيه مصلحة عامة. # فالأول - وهو حق الله سبحانه وتعالى - هو فرض العين، والثالث - وهو ~~المشترك - هو فرض الكفاية، كتجهيز الموتى، والصلاة عليهم، ودفنهم، أمر الله ~~تعالى به، ولهم فيه مصلحة عامة. وكذلك الجهاد، وولاية القضاء، والإعانة ~~عليه، وغير ذلك من المصالح العامة، المأمور بها شرعا. # ويشكل على هذا التقرير صلاة العيد، ونحوها، عند من يراها فرض كفاية، فإن ~~التعبد بها أظهر من مصلحة المكلفين العامة. وأشار القرافي إلى الفرق ~~بينهما، بأن فرض العين ما تكررت مصلحته بتكرره، كالصلاة الخمس، وفرض ~~الكفاية: ما لا يتكرر مصلحته بتكرره، كإنقاذ الغريق، ونحوه. # والفرق العام بين فرض الكفاية والعين: هو أن فرض الكفاية ما وجب على ~~الجميع، وسقط بفعل البعض، وفرض العين ما وجب على الجميع، ولم يسقط إلا بفعل ~~كل واحد ممن وجب عليه، وهو فرق حكمي. # - قوله: «وهو» يعني فرض الكفاية «واجب على الجميع» ، أي: على جميع ~~المخاطبين به، «ويسقط بفعل البعض» ، أي: بفعل بعضهم. # هذا بيان حكم فرض الكفاية، وذلك كالجهاد مثلا ; وجب على جميع # PageV02P405 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المكلفين بقوله عز وجل: {وجاهدوا ~~في الله حق جهاده} [الحج: 78] ، {يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم ~~من الكفار} [التوبة: 123] ، ونحو ذلك، ثم أجمع المسلمون على سقوطه عن ~~جميعهم، بفعل من يقوم بطرد العدو وكف شره عن المسلمين. # وقد صرح الخرقي بهذا المعنى، حيث قال: والجهاد فرض على الكفاية إذا قام ~~به قوم، سقط عن الباقين، وإنما سمي هذا فرض كفاية، لاكتفاء الجميع بالبعض ~~في سقوط الفرض. # - قوله: «واستبعاده لا يمنع ms0532 وقوعه» . هذا جواب سؤال مقدر من جهة المانعين ~~لفرض الكفاية. # وتقريره: أن الوجوب على الجميع، يقتضي وجوب الأداء على الجميع لتوجه ~~الخطاب إليهم كما سبق. وحينئذ سقوطه بفعل البعض بعيد، ولأن الواجب ضد ~~الحرام، كما سبق في تعريفه، ثم الحرام لا يخرج الجميع عن عهدة تركه ; بترك ~~البعض له، كذلك الواجب لا يخرج الجميع عن عهدة فعله ; بفعل البعض له. # والجواب بما ذكر، وهو أن سقوط الواجب عن الجميع، بفعل البعض ليس محالا ~~لذاته ولا لغيره، وإذا لم يكن محالا ; فغايته أن يكون مستبعدا كما ذكرتموه، ~~لكن استبعاده لا يمنع وقوعه إذا قام دليله، إذ قد وقع في الوجود كثير من ~~المستبعدات، والنوادر، والخوارق للعادات. # وقد أوجب الشرع دية الخطأ على العاقلة، مع أن العقل والشرع يستبعدان جدا ~~أن تزر وازرة وزر أخرى، أو يعاقب أحد بجريمة غيره من غير مشاركة منه فيها. # PageV02P406 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وأما عدم الاكتفاء في خروج الجميع ~~عن عهدة ترك الحرام بفعل البعض ; فلأن الحرام لا فرض كفاية فيه، لما ذكرناه ~~عند حد الحرام من الفرق بينهما. # - قوله: «وتكليف واحد غير معين لا يعقل، بخلاف التكليف به» . هذا جواب ~~إلزام من جهة الخصم. وتقريره أن يقال: لم لم تقولوا: إن المكلف بفرض ~~الكفاية بعض غير معين من المكلفين، كما قلتم: إن المكلف به في الواجب ~~المخير بعض غير معين، كإحدى خصال الكفارة، فإن المكلف والمكلف به من ~~متعلقات التكليف ; فكما جاز أن يكون أحدهما بعضا غير معين ; ينبغي أن يجوز ~~في الآخر، ولا يرتكب ما ذكرناه من الاستبعاد في فرض الكفاية على قولكم. # والجواب بما ذكرناه من الفرق، وهو أن تكليف واحد، أو بعض غير معين كقوله: ~~أوجبت على أحد هذين، غير معقول، بخلاف التكليف ببعض غير معين، نحو: أوجبت ~~أحد هذه الخصال. # ووجه تأثير هذا الفرق: أن الأول يفضي إلى تعطيل المأمور به بالكلية ~~للتواكل، والثاني لا يفضي إليه. وقد سبق تقرير هذا عند ذكر الواجب الموسع. # - قوله: «فإن قيل» : إلى آخره. هذا دليل لمانعي فرض الكفاية، ms0533 ومنع ~~لامتناع تكليف بعض غير معين. فتقريره أن الله عز وجل قال: {وما كان ~~المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ~~ولينذروا قومهم} [التوبة: 122] ، الآية ; # PageV02P407 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فأوجب النفير للتفقه في الدين على ~~طائفة من المؤمنين غير معينة، وهو تكليف لبعض غير معين، وهو ينفي قولكم: إن ~~ذلك لا يعقل، ويدل على أن فرض الكفاية هو الإيجاب على بعض غير معين لا على ~~الجميع، ويسقط بفعل البعض. # قوله: «قلنا» إلى آخره، أي: لا نسلم أن قوله عز وجل: {فلولا نفر من كل ~~فرقة منهم طائفة} إيجاب على بعض غير معين، بل هو إيجاب على الجميع بدليل ما ~~قبل الآية وبعدها، من الخطاب العام. وقوله عز وجل: {فلولا نفر من كل فرقة ~~منهم طائفة} محمول على البعض المنتدب، لإسقاط الفرض عن الجميع، كأنه قال: ~~قد أوجبنا النفير للتفقه والإنذار على جميع المؤمنين، لكن جميعهم لا يمكنهم ~~النفير لذلك، ولا هم مضطرون إليه، لقيام البعض بمصلحته المطلوبة منه ; ~~فلينتدب طائفة منهم لإسقاط الواجب عن الكل فليتفقهوا في الدين، ويعلموا ~~حدوده ومعالمه، ثم ليرجعوا إلى قومهم ; فلينذروهم عذاب الله على المعصية، ~~ويعلموهم ما ينبغي لهم تعلمه من أمور الدين. # - قوله: «جمعا بين الأدلة» ، أي: حملنا هذه الأدلة على ما ذكرناه، للجمع ~~بين الأدلة، وذلك أنا قد قررنا أن تكليف بعض غير معين لا يعقل، ويلزم منه ~~تفويت المأمور به أصلا ورأسا، والآية المذكورة ظاهرة في صحة # PageV02P408 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # تكليف بعض غير معين ; فاحتجنا إلى ~~الجمع بين الدليلين، وذلك بحمل الآية على ما ذكرنا ; فهو أولى من تنافر ~~الأدلة، وتفرقها، وتنافيها، وتناقضها، بل الجمع بينها واجب ما أمكن، والله ~~عز وجل أعلم بالصواب. ### | فوائد تتعلق بفرض الكفاية: # إحداهن: لا يشترط في الخروج عن عهدة فرض الكفاية تحقق وقوعه من بعض ~~الطوائف، بل أي طائفة غلب على ظنها أن غيرها قام به، سقط عنها، وإن غلب على ~~ظن كل من الطائفتين أو الطوائف، أن الأخرى قامت به، سقط عن الجميع، عملا ~~بموجب الظن ms0534 ; لأنه كما صلح مثبتا للتكاليف، صلح مسقطا لها. # الثانية: القائم بفرض الكفاية أفضل من غير القائم به، ضرورة أنه حصل ~~مصلحته دون غيره، نعم هما سيان في الخروج عن العهدة، لكن هذا خرج عنها ~~بفعله، وذلك خرج عنها لانتفاء القابل لفعله ; لأن القائم بفرض الكفاية، لما ~~حصل مصلحته بفعله، لم تبق مصلحة يفعلها الآخر ; فسقط عنه التكليف لذلك. # مثاله: إذا قام جماعة بطرد العدو ; فبقية الناس لا يجدون عدوا يطردونه، ~~وإذا قام جماعة بتجهيز الميت ; فغيرهم لا يجد ميتا يجهزه ; فالفاعل خرج عن ~~العهدة بحصول المصلحة بفعله، والتارك خرج عنها لانتفاء القابل لفعله. # الثالثة: اختلفوا أيهما أفضل: فاعل فرض العين، أو فاعل فرض # PageV02P409 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الكفاية؟ فقيل: فاعل فرض العين ; ~~لأن فرضه أهم، ولذلك وجب على الأعيان، وقيل: فاعل فرض الكفاية أفضل ; لأن ~~نفعه أعم، إذ هو يسقط الفرض عن نفسه وغيره، وهذا منسوب إلى إمام الحرمين. # قلت: ويمكن الجمع بين القولين، بأن كلا منهما أفضل من وجه، والله أعلم ~~بالصواب. # الرابعة: هل يتعين فرض الكفاية، ويجب إتمامه على من تلبس به أم لا؟ ~~والأشبه أنه يتعين، كالمجاهد يحضر الصف، وطالب العلم يشرع في الاشتغال به، ~~ونحو ذلك من صوره. # ووجهه: أنه بالشروع تعلق به حق الغير، وهو انعقاد سبب براءة ذمته، من ~~التكليف بفرض الكفاية، وخروجه عن عهدته ; فلا يجوز له إبطال ما تعلق به حق ~~غيره، كما لو أقر بحق، لم يجز له الرجوع عنه. # ووجه القول الآخر: أن ما لا يجب الشروع فيه، لا يجب إتمامه في غير الحج، ~~كصوم التطوع وصلاته، ولأنه لو تعين بالشروع، لما جاز للقاضي أن يعزل نفسه، ~~لكنه جائز باتفاق. # قلت: وقد يجاب عن هذا: بأن فرض الكفاية له حظ في الوجوب بالجملة، بل هو ~~واجب على التحقيق كما تقرر، بخلاف صوم النفل ; فإنه لا حظ له في الوجوب ~~أصلا، مع أن بعض العلماء أوجب إتمامه ; فيلتزم على قوله ; فلا يصح القياس ~~عليه. # وأما القاضي، فإن لم يوجد من يقوم مقامه، لم يجز له ms0535 عزل نفسه ; لأنه يضر ~~بالناس، وإن وجد غيره، جاز له عزل نفسه، لا من جهة كونه متلبسا بفرض ~~الكفاية، ولكن من جهة كونه وكيل الإمام ونائبه، والوكيل له عزل نفسه، والله ~~تعالى أعلم بالصواب. # PageV02P410 # التاسعة: ما ثبت في حقه عليه السلام من الأحكام، أو ~~خوطب به، نحو: {يا أيها المزمل} [المزمل: 1] ، تناول أمته، وما توجه إلى ~~صحابي تناول غيره حتى النبي صلى الله عليه وسلم، ما لم يقم دليل مخصص عند ~~القاضي، وبعض المالكية والشافعية، وقال أبو الخطاب والتميمي وبعض الشافعية: ~~يختص الحكم بمن توجه إليه إلا أن يعم. # لنا: قوله تعالى: {زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج} [الأحزاب: 37] ~~، وأيضا {خالصة لك من دون المؤمنين} [الأحزاب: 50] ، دل على تناول الحكم ~~لهم لولا التخصيص، وإلا كان عبثا، وقوله عليه السلام: خطابي للواحد، خطابي ~~للجماعة، وأجمع الصحابة على الرجوع في القضايا العامة إلى قضاياه الخاصة، ~~ولولا صحة ما قلناه، لكان خطأ منهم لجواز اختصاص قضاياه بمجالها، وقال صلى ~~الله عليه وسلم: «إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتقي» . في ~~جواب قولهم له: لست مثلنا ; فدل على التساوي. # قالوا: أمر السيد بعض عبيده يختص به دون باقيهم، وأمر الله عز وجل بعبادة ~~لا يتناول غيرها، والعموم لا يفيد الخصوص بمطلقه، فكذا العكس، وكأن الخلاف ~~لفظي، إذ هؤلاء يتمسكون بالمقتضى اللغوي، والأولون بالواقع الشرعي. # المسألة «التاسعة: ما ثبت في حقه» ~~يعني النبي صلى الله عليه وسلم، من الأحكام أو «خوطب به» من الكلام «نحو: ~~{يا أيها المزمل} [المزمل: 1] ، {يا أيها المدثر} [المدثر: 1] ، تناول ~~أمته» ، أي: ثبت في حقهم منه ما ثبت في حقه، وكذلك «ما توجه إلى صحابي من ~~الخطاب» ، تناول غيره «من المكلفين» ، الصحابة وغيرهم، «حتى النبي، صلى ~~الله عليه وسلم» ، أي: حتى إنه يتناول النبي، صلى الله عليه وسلم، «ما لم ~~يقم دليل مخصص» ، يعني للنبي، صلى الله عليه وسلم، بما ثبت في حقه # PageV02P411 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # كوجوب السواك والضحى والوتر، أو ~~بما خوطب به، نحو: {يا أيها النبي إنا أحللنا لك ms0536 أزواجك} إلى قوله: {خالصة ~~لك من دون المؤمنين} [الأحزاب: 50] ، أو للصحابي بما توجه إليه دون غيره، ~~كقوله عليه السلام لأبي بردة: تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك. # وحاصل الكلام: إنه إن قام دليل مخصص، اختص الحكم بمن دل عليه الدليل ; ~~وإلا كان الحكم بما ثبت في حقه عليه السلام، أو خوطب به هو، أو بعض ~~الصحابة، عاما لجميع المكلفين «عند القاضي، وبعض المالكية، والشافعية. # PageV02P412 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وقال أبو الخطاب» ، وأبو الحسن ~~التميمي من أصحابنا، وبعض الشافعية: يختص الحكم بمن توجه إليه، من النبي ~~صلى الله عليه وسلم، أو غيره، إلا بمعمم، أي: إلا أن يقوم دليل كونه عاما ~~للجميع ; فهؤلاء عكس الأولين; لأن هؤلاء يقولون: يخص الحكم من توجه إليه ~~إلا لدليل معمم، وأولئك يقولون: يعم الحكم من توجه إليه وغيره، إلا لدليل ~~مخصص. # - قوله: «لنا: قوله تعالى: {زوجناكها} » إلى آخره. هذا حجة القائلين ~~بالتعميم، وهو من وجوه: # أحدها: قوله عز وجل: {فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على ~~المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا} [الأحزاب: 37] ; فأخبر ~~سبحانه وتعالى، أنه إنما أباح لنبيه زوجة ابنه بالتبني، ليتأسى به ~~المؤمنون، رفعا للحرج عنهم ; فلولا أن ما ثبت في حقه يتناول غيره، لكان هذا ~~التعليل عبثا. # ولقائل أن يقول: التعليل المذكور في الآية، هو دليل التعميم، والنزاع ~~إنما هو عند عدم دليل التعميم. # الوجه الثاني: قوله تعالى: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد ~~النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين} [الأحزاب: 50] ، ووجه دلالته ~~أنه لولا تناول ما ثبت في حقه أمته ; لكان هذا التخصيص عبثا غير مفيد ; لأن ~~اختصاصه بالحكم على هذا التقدير، يكون ثابتا بالوضع أو # PageV02P413 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # العرف ; فيبقى قوله عز وجل: {خالصة ~~لك من دون المؤمنين} غير مفيد فائدة زائدة ; فيكون وجوده كعدمه، وهو عبث، ~~محال على الله عز وجل. # فإن قيل: هو تأكيد لما اقتضاه الخطاب له من الاختصاص. # قلنا: حملنا له على التأسيس وهو إفادة التخصيص أولى، لاستقلاله بالفائدة. # الوجه الثالث: قوله عليه ms0537 السلام: خطابي للواحد خطابي للجماعة، ويروى: ~~حكمي على الواحد حكمي على الجماعة، وهو نص في أن ما توجه إلى صحابي تناول ~~غيره، ومما يناسب هذا ويقويه، ما روي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه ~~كان لا يمس جسده جسد امرأة، إلا زوجة أو ملك يمين، وكان النساء عند ~~المبايعة ربما أردن مصافحته للبيعة فيمتنع، ويقول: قد بايعتكن. ويقول: إنما ~~قولي لامرأة واحدة كقولي لألف امرأة. أو نحو من هذا، والله # PageV02P414 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # تعالى أعلم بالصواب. # الوجه الرابع: أن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على الرجوع في قضاياهم ~~العامة إلى قضايا النبي صلى الله عليه وسلم، الخاصة، كرجوعهم في حد الزاني ~~إلى قصة ماعز، وفي دية الجنين إلى حديث حمل بن مالك، وفي المفوضة إلى قصة ~~بروع بنت واشق، وفي السكنى والنفقة إلى حديث فاطمة بنت قيس، وفريعة بنت ~~مالك. # قال الشيخ أبو محمد: وإلى حديث صفية الأنصارية، في سقوط طواف الوداع عن ~~الحائض. # PageV02P415 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قلت: وإنما هي صفية بنت حيي، أم ~~المؤمنين، كذا رواه الترمذي وغيره من حديث عائشة رضي الله عنها. وإذا ثبت ~~هذا ; فلولا أن ما توجه إلى بعض الأمة يتناول غيره، لكان ذلك خطأ من ~~الصحابة، حيث رجعوا في أحكامهم العامة إلى أحكامه الخاصة، لجواز اختصاص ~~قضاياه بمحالها، التي وردت فيها، بل لوجوب ذلك عند الخصم ; فيكون الخطأ أشد ~~وأشنع، لكن الصحابة أجمعوا على ذلك، وقد شهد النبي صلى الله عليه وسلم، لهم ~~بالهداية، والإجماع مطلقا بالعصمة من الخطأ، وذلك يقتضي عموم ما ذكرناه من ~~عموم الحكم، وإن توجه إلى واحد. # PageV02P416 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الوجه الخامس: أن رجلا سأل النبي ~~صلى الله عليه وسلم ; فقال: تدركني الصلاة وأنا جنب، أفأصوم؟ فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم ; فقال: لست ~~مثلنا يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ; فقال: ~~والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتقي. # وروي عنه في القبلة للصائم، مثل ذلك، وهو يدل على تساويه وأمته ms0538 في ~~الأحكام، وإذا استووا في الأحكام، تناوله ما توجه إليهم، بمقتضى التساوي. # قوله: «قالوا: أمر السيد بعض عبيده» ، إلى آخره. هذا دليل القائلين بعدم ~~التعميم إلا لدليل، وهو من وجوه: # أحدها: أن السيد إذا أمر بعض عبيده، اختص موجب الأمر به، دون غيره منهم، ~~في حكم اللغة ; فكذلك الله سبحانه وتعالى مع عبيده، لا يتجاوز أمره لبعضهم ~~إلى غيره كذلك. # الوجه الثاني: أن الله عز وجل إذا أمر بعبادة، كالصلاة والصيام، لا ~~يتناول الأمر بمطلقه عبادة أخرى غيرها ; فكذلك إذا أمر عبدا، لا يتناول ~~الأمر بمطلقه عبدا آخر غيره. # الوجه الثالث: أن لفظ العموم لا يفيد الخصوص بمطلقه، ولا يحمل # PageV02P417 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # عليه ; فكذا العكس، وهو أن لفظ ~~الخصوص لا يفيد العموم بمطلقه، ولا يحمل عليه. # - قوله: «وكأن الخلاف لفظي» ، أي: يشبه أن النزاع بينهم لفظي، إذ هؤلاء، ~~يعني القائلين بأن الحكم يخص من توجه إليه، يتمسكون بمقتضى اللغة لذلك، ~~والأولون وهم القائلون بأنه يعم من توجه إليه، وغيره يتمسكون بالواقع ~~الشرعي ; لأن أدلتهم كلها وقائع شرعية خاصة، عدي حكمها إلى غيرها، كما سبق. # وحينئذ يصير التقدير: أن اللغة تقتضي أن الخطاب لواحد معين يختص به، ولا ~~خلاف فيه بينهم، والواقعة الشرعية الخاصة، إذا قام دليل عمومها، عمت، ولا ~~خلاف أيضا فيه بينهم ; فعاد النزاع كما قلنا لفظيا، والله تعالى أعلم ~~بالصواب. # PageV02P418 # العاشرة: تعلق الأمر بالمعدوم بمعنى طلب إيقاع الفعل ~~منه حال عدمه محال باطل بالإجماع، أما بمعنى تناول الخطاب له بتقدير وجوده ~~فجائز عندنا، خلافا للمعتزلة وبعض الحنفية. # لنا: تكليف أواخر الأمم الخالية بما كلف به أوائلهم من مقتضى كتبهم ~~المنزلة على أنبيائهم، وتكليفنا بمقتضى الكتاب والسنة وإنما خوطب بهما ~~غيرنا. # قالوا: يستحيل خطابه ; فكذا تكليفه. # قلنا: لا نسلم استحالة خطابه، سلمناه، لكن من غير الله تعالى لتحققه وجود ~~المكلف، وكمال قدرته على إيجاده، لا سيما على قول المعتزلة: إن المعدوم ~~شيء، وإن تأثير القدرة ليست في إيجاد المعدوم، بل في إظهار الأشياء من رتبة ~~الخفاء إلى رتبة الجلاء، ولأن الإنسان ms0539 يخاطب ولدا يتوقعه في كتاب: يا بني، ~~تعلم العلم، وافعل كذا وكذا، ولا يعد سفيها. # ### | المسألة «العاشرة: تعلق الأمر بالمعدوم» ، # إلى آخره، أي: توجه الأمر إلى المعدوم ; إن كان بمعنى طلب إيقاع الفعل ~~منه حال عدمه ; فهو محال، باطل بالإجماع ; لأن المعدوم لا يفهم الخطاب ; ~~فضلا عن أن يعمل بمقتضاه، ولأن شروط التكليف كلها منتفية فيه، وإن كان ~~بمعنى الخطاب له بتقدير وجوده، ووجود شروط التكليف فيه ; فهو # PageV02P419 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # جائز عندنا، وعند الأشعرية، خلافا ~~للمعتزلة، وبعض الحنفية. # قلت: والأشعرية يفرعون هذا على تحقيق كلام النفس، بمعنى أن طلب إيقاع ~~الفعل من المعدوم ; إذا وجد، وتأهل للتكليف، قام بذات الله عز وجل أزلا. # قلت: وقد أبطلنا كلام النفس فيما سبق، وبالجملة: فالمسألة ممكنة. سواء ~~قلنا: كلام الله عز وجل معنى مجرد، أو لفظ ومعنى، على رأي أهل الأثر. # «لنا» في المسألة: أن تكليف المعدوم كما ذكرناه قد وقع، والجواز لازم ~~للوقوع، وإنما قلنا: إنه وقع لوجهين: # أحدهما: أن أواخر الأمم الخالية كلفوا بما كلف به أوائلهم، من مقتضى ~~كتبهم المنزلة على أنبيائهم، كالتوراة، والإنجيل، وصحف شيت، وإبراهيم ~~عليهما السلام، مع أن الآخر لم يكن موجودا عند تكليف الأول، وهذا يدل على ~~ما قلناه. # ثم إذا صح خطاب المعدوم قبل وجوده بالزمن اليسير، وهو ما بين أول الأمة ~~وآخرها ; صح قبل وجوده بما لا يتناهى، وهو تكليفه في الأزل، بالتفسير الذي ~~قلناه، إذ لا قائل بالفرق، ولأن دليل الخصم في المنع يعم الحالين، فإذا بطل ~~في أحدهما ; بطل في الآخر. # الوجه الثاني: أننا نحن كلفنا بمقتضى الكتاب والسنة، والمخاطب بهما ~~غيرنا، قبل وجودنا بسبعمائة سنة، ويتزايد ذلك بالنسبة إلى من بعدنا. # والتقرير: ما سبق في الوجه قبله ; فدل ذلك على ما قلناه. # - قوله: «قالوا» ، هذا دليل الخصم على المنع. # PageV02P420 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وتقريره: أن المعدوم يستحيل خطابه ~~; فكذا يستحيل تكليفه: # أما استحالة خطابه ; فلأن خطابه يستدعي مخاطبا ومخاطبا، والمخاطب بفتح ~~الطاء هاهنا منتف ; فاستحال الخطاب لانتفاء ركنه. # وأما استحالة تكليفه ; فلأن الخطاب من لوازمه، واستحالة اللازم ms0540 يقتضي ~~استحالة الملزوم. # - قوله: «قلنا: لا نسلم» ، إلى آخره: أي: لا نسلم استحالة خطاب المعدوم ~~بالمعنى الذي فسرناه، إنما يستحيل بمعنى مشافهته في حال عدمه، لكنا لا نقول ~~به، إنما نقول بخطابه، بمعنى أن الشرع استدعى منه الفعل إذا وجد وكلف ; ~~فخطابه في التحقيق، إنما هو بعد وجوده، «سلمناه» ، أي: سلمنا استحالة خطاب ~~المعدوم، لكن لا مطلقا، بل هو مستحيل «من غير الله سبحانه وتعالى» ، أما من ~~الله عز وجل ; فلا يستحيل خطابه «لتحققه» ، أي: لتحقق الله عز وجل «وجود ~~المكلف، وكمال قدرته على إيجاده» ; فهو كالموجود في علمه في الحال، بخلاف ~~غيره «لا سيما على قول المعتزلة» ، أو جماعة منهم: «إن المعدوم شيء» ، حتى ~~قال بعضهم: هو عرض قائم بجوهر، «وإن تأثير القدرة الإلهية ليست في إيجاد ~~معدوم، بل في إظهار الأشياء من رتبة الخفاء إلى رتبة الجلاء» ، أي: إن ~~الأشياء خفية في العدم ; فيظهرها الله عز وجل ويجليها، كما قال الله عز وجل ~~في الساعة التي نسميها الآن معدومة: {إن زلزلة الساعة شيء عظيم} [الحج: 1] ~~; فسماها شيئا، ثم قال # PageV02P421 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # في موضع آخر: {لا يجليها لوقتها ~~إلا هو} [الأعراف: 187] ، وفي موضع آخر: {إن الساعة آتية أكاد أخفيها} [طه: ~~15] ، بفتح الهمزة عند بعض القراء، أي: أظهرها، وإذا كان معنى إيجاد ~~المعدوم عندهم هو إظهار أشياء بعد خفائها ; فما المانع من توجه الخطاب ~~الأزلي إلى تلك الأشياء، بشرط ظهورها وتأهلها للامتثال، هذا مما لا مانع ~~منه، وهو لازم لمن قال به من المعتزلة، على ما حكيته عنهم في كتاب إبطال ~~التحسين والتقبيح. # قوله: «ولأن الإنسان» ، إلى آخره. هذا دليل آخر عرفي على الجواز، وهو أن ~~الإنسان يجوز أن يخاطب ولدا يتوقع وجوده، مثل أن يدركه الموت، أو غيبة ~~طويلة وله حمل ; فيكتب له كتابا يخاطبه به، بتقدير ولادته، يقول فيه: يا ~~بني تعلم العلم ; فإنه يزينك، واحذر الجهل ; فإنه يشينك، وحافظ على التقوى ~~; فإنها تنجيك مما تحذر، ولا تعذر نفسك في مواقعة الدناءة ; فإنك لا تعذر، ~~وأشباه ذلك مما يعظ به ms0541 الوالد ولده «ولا يعد سفيها» بأن يقال له: خاطبت ~~معدوما ; فكذلك المكلف مع الشرع، والله تعالى أعلم بالصواب. # PageV02P422 # خاتمة: الأمر بما علم الآمر انتفاء شرط وقوعه صحيح ~~عندنا، خلافا للمعتزلة والإمام، وفيه التفات إلى النسخ قبل التمكن، وأن فيه ~~فائدة كما سبق. # لنا: تكليف مفيد ; فيصح، كما لو وجد شرط وقوعه. وبيان فائدته عزم المكلف ~~على الامتثال فيطيع، أو الامتناع فيعصي، ولأن الإنسان في كل سنة مكلف بصوم ~~رمضان مع جواز موته قبله. # قالوا: استدعاء الفعل في وقت يستدعي صحة وقوعه فيه، وهو بدون شرطه محال. # قلنا: ممنوع، بل إنما يستدعي العزم على الامتثال. سلمناه، لكن لا مطلقا، ~~بل بشرط وجود شرطه. # قوله: «خاتمة» أي: لباب الأوامر. # قوله: «الأمر بما علم الآمر انتفاء شرط وقوعه صحيح عندنا، خلافا ~~للمعتزلة، والإمام» ، وهو إمام الحرمين. # وهذا إنما هو فيما إذا كان الآمر عالما بانتفاء شرط الوقوع، كالبارئ عز ~~وجل مع عبده ; فيما إذا أمر بصوم رمضان مثلا، وهو يعلم أنه يموت في شعبان، ~~أما إذا كان الآمر والمأمور جاهلين بذلك، كالسيد مع عبده ; فلا بد من علم ~~المكلف بتحقق الشرط. # وقسمة المسألة رباعية، وهو أن الآمر والمأمور ; إما أن يكونا عالمين ~~بانتفاء شرط التكليف ; فلا يصح، لانتفاء فائدته في حق المكلف، أو جاهلين ~~بانتفائه ; فيصح لحصول فائدته في حق المكلف، وصحة الطلب من الآمر، إذ ما ~~يعلم انتفاء شرطه، لا يصح طلبه ممن يجوز جهله به، أو الآمر عالم بانتفاء ~~الشرط ; فيصح، إذا كان هو البارئ جل جلاله، أو المأمور عالم به دون # PageV02P423 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الآمر ; فلا يصح لانتفاء فائدته من ~~جهة المكلف، وعدم صحة طلبه من جهة الآمر. # - قوله: «وفيه» : أي: في هذا الحكم «التفات إلى النسخ قبل التمكن، وأن ~~فيه فائدة كما سبق» ، هناك، أي: هذا يشبه ذاك، بل ذلك، أعني النسخ قبل ~~التمكن من الامتثال، من فروع هذا الأصل ; لأن حقيقته أنه أمر بما علم الله ~~عز وجل انتفاء شرط وقوعه، فإن الله تعالى أمر الخليل بذبح ولده، مع علمه ~~أنه ms0542 لا يمكنه من ذبحه، والتمكن من ذبحه شرط له، وقد علم الله عز وجل ~~انتفاءه. # قوله: «لنا: تكليف مفيد» ، إلى آخره. هذا دليل الجواز. وتقريره من وجهين: # أحدهما: أن التكليف بما علم الآمر انتفاء شرط وقوعه تكليف مفيد، وكل ~~تكليف مفيد ; فهو صحيح ; فهذا تكليف صحيح، كما لو وجد شرط وقوعه. # أما أنه مفيد ; فلأن المكلف إما أن يعزم على الامتثال ; فيكون مطيعا، أو ~~على الامتناع ; فيكون عاصيا بالعزم. وفائدة التكليف: إظهار المطيع من ~~العاصي، كما قال الله عز وجل: {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} [الملك: 2] ، ~~{ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين} # PageV02P424 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # [محمد: 31] ، ونحو ذلك كثير. # وبالجملة ففائدة التكليف الامتحان. # وأما أن كل تكليف مفيد ; فهو صحيح ; فلوجود فائدته التي جعل لأجلها، وقد ~~سبق أن صحة الشيء ترتب آثاره عليه، وحصول مقاصده منه، وحينئذ لا فرق بينهما ~~إذا وجد شرط التكليف ; فامتثل هذا المكلف، أو امتنع وبين ما نحن فيه، لوجود ~~فائدة التكليف في الصورتين. # الوجه الثاني: أن ذلك واقع كثيرا، والجواز من لوازم الوقوع. وبيان وقوعه ~~أن كل واحد من المكلفين، في كل سنة، مكلف بصوم رمضان، وغيره من العبادات ~~اليومية، وغيرها، مع جواز موته قبله، وكثير من الناس يموت قبل وقت الفعل ; ~~فهذا أمر قد علم الآمر انتفاء شرط وقوعه، وقد أجمع المسلمون على صحته. # - قوله: «قالوا» ، إلى آخره. هذا دليل الخصم على امتناع هذا التكليف. # وتقريره أن استدعاء الفعل في وقت من الأوقات، يستدعي صحة وقوعه في ذلك ~~الوقت، لكن وقوعه فيه بدون شرط محال ; فلو صح هذا التكليف، لكان تكليفا ~~بالفعل في وقت بدون شرطه ; فيكون تكليفا بالمحال، والتكليف بالمحال غير ~~جائز، وإن سلمنا جوازه، لا نسلم وقوعه. # قوله: «قلنا: ممنوع» ، أي: لا نسلم أن التكليف بفعل في وقت يستدعي وقوعه، ~~حتى يلزم ما ذكرتم، «وإنما يستدعي العزم على الامتثال» # PageV02P425 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # تحصيلا لفائدة التكليف، وحينئذ: لا ~~تنافي بين العزم على الامتثال، وبين انتفاء شرط الفعل قبل وقته «سلمناه» ~~أي: سلمنا أن استدعاء الفعل في وقت يستدعي وقوعه فيه، ms0543 لكن «لا مطلقا، بل ~~بشرط وجود شرطه» في ذلك الوقت، أما أنه يستدعي وقوعه في ذلك الوقت بدون ~~شرطه، فممنوع، وإلا، لزم أن التكليف بفعل في وقت يستدعي المحال، وهو باطل ~~باتفاق، والله تعالى أعلم بالصواب. # ومن فروع هذا الأصل: أن من أفسد صوم يوم من رمضان بما يوجب الكفارة، ثم ~~مات، أو جن، لم تسقط عنه الكفارة ; لأنه قد بان عصيانه، بإقدامه على ~~الإفساد ; فحصلت فائدة التكليف ; فلا يقدح فيه انتفاء شرط صحة صوم اليوم، ~~بموته قبل إكماله، وكذلك من مرض أو سافر في يوم قد وطئ فيه، لم تسقط عنه ~~الكفارة ; لأن عصيانه استقر قبل وجود المبيح للإفطار. # ومنها: أن المرأة يجب عليها الشروع في صوم يوم، علم الله سبحانه وتعالى ~~أن تحيض فيه ; لأن حقيقة الصوم بكماله، وإن فاتت بطرآن الحيض، لكن طاعتها ~~بالعزم على امتثال الأمر بالصوم، بتقدير عدم الحيض، أو معصيتها بعدم العزم، ~~لم تفت. # ومنها: قال الآمدي: لو علق وقوع الطلاق على شروعه في صوم رمضان، ومات بعد ~~الشروع فيه في أثناء اليوم، وقع الطلاق. # قلت: وفي كون هذا من فروع الأصل المذكور نظر ; لأن هذا من باب وجود ~~المشروط، لوجود شرطه اللغوي، فإذا علق الطلاق على الشروع، ثم # PageV02P426 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # شرع، فقد وجد الشرط ; فوقع الطلاق ~~لوجود شرطه، وإنما تكون هذه الصورة من فروع الأصل المذكور، بتقدير أن يقول: ~~إن صمت يوما كاملا من رمضان ; فأنت طالق ; فمات في أثناء اليوم الأول ; ~~فيقع الطلاق، لكنه في هذه الصورة لا يقع لتخلف الشرط ; فإنه لم يصم يوما ~~كاملا، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. # PageV02P427 # النهي ### | النهي: # اقتضاء كف على جهة الاستعلاء، وقد اتضح في الأوامر أكثر أحكامه، إذ لكل ~~حكم منه وازن من الأمر على العكس، وهو عن السبب المفيد حكما يقتضي فساده ~~مطلقا إلا لدليل، وقيل: النهي عنه لعينه، لا لغيره، لجواز الجهتين، وقيل: ~~في العبادات دون المعاملات ونحوها، لجواز: لا تفعل، فإن فعلت، ترتب الحكم، ~~نحو: لا تطأ جارية ولدك، فإن فعلت صارت أم ولد ms0544 لك، ولا تطلق في الحيض فإن ~~فعلت وقع، ولا تغسل الثوب بماء مغصوب ويطهر إن فعلت، والفرق من وجهين. # أحدهما: أن العبادة قربة، وارتكاب النهي معصية ; فيتناقضان بخلاف ~~المعاملات. # الثاني: أن فساد المعاملات بالنهي يضر بالناس لقطع معايشهم أو تقليلها ; ~~فصحت رعاية لمصلحتهم، وعليهم إثم ارتكاب النهي، بخلاف العبادات ; فإنها حق ~~الله تعالى ; فتعطيلها لا يضر به، بل من أوقعها بسبب صحيح، أطاع، ومن لا، ~~عصى، وأمر الجميع إليه في الآخرة. # وحكي عن أبي حنيفة في آخرين: أن النهي يقتضي الصحة، لدلالته على تصور ~~المنهي عنه، فإن أراد الصحة العقلية، أي: الإمكان الذي هو شرط الوجود ; ~~فنعم، وإن أراد الشرعية ; فتناقض: إذ معناه النهي الشرعي، يقتضي صحة المنهي ~~عنه شرعا وهو محال. # وقيل: لا يقتضي فسادا، ولا صحة، إذ النهي خطاب تكليفي، والصحة والفساد ~~إخباري وضعي، وليس بينهما رابط عقلي، وإنما تأثير فعل المنهي عنه في الإثم ~~به. # ولنا: على فساده مطلقا قوله صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملا ليس عليه ~~أمرنا فهو رد» # . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . . . . . . . . . . . # PageV02P428 # ، أي: مردود الذات، وإجماع الصحابة على استفادة فساد ~~الأحكام من النهي عن أسبابها، ولأن النهي دليل تعلق المفسدة به في نظر ~~الشارع، إذ هو حكيم لا ينهى عن مصلحة وإعدام المفسدة مناسب، ولأن النهي ~~يقتضي اجتنابه، وتصحيح حكمه يقتضي قربانه ; فيتناقضان، والشارع بريء من ~~التناقض. # والمختار أن النهي عن الشيء لذاته، أو وصف لازم له مبطل، ولخارج عنه غير ~~مبطل، وفيه لوصف غير لازم تردد، والأولى الصحة. # قوله: «النهي: اقتضاء كف على جهة ~~الاستعلاء» ، لما فرغ الكلام على الأمر ; شرع في الكلام على أحكام النهي. # فقوله: «النهي: اقتضاء» ، أي: طلب، وهو جنس له ; لأنه يعم طلب الفعل، ~~وطلب الكف عن الفعل. # فبقوله: «اقتضاء كف» ، خرج عنه الأمر ; لأنه اقتضاء فعل. # PageV02P429 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وقوله: «على جهة الاستعلاء» ; ~~فائدته ما سبق في الأمر، وهو الاحتراز من السؤال، نحو: لا تعذبنا، {ولا ~~تحملنا ما لا طاقة لنا به} [البقرة: 286] ، ومن الالتماس، نحو قول المساوي ~~لمساويه: لا تضرب فلانا، لا تؤذه، ms0545 على جهة الشفاعة ; فطلب الفعل أو الكف ~~عنه، بصيغة افعل أو لا تفعل إن كانا من أدنى ; فهو دعاء، أو من مساو ; فهو ~~شفاعة والتماس، أو من أعلى على جهة الاستعلاء ; فهو أمر أو نهي، وقد سبق ~~هذا. # قوله: «وقد اتضح في الأوامر أكثر أحكامه» ، أي: أكثر أحكام النهي «إذ لكل ~~حكم منه» ، أي: من النهي، «وزان من الأمر» ، أي: حكم موازنة «على العكس» . # مثاله: في حدهما: أن الأمر اقتضاء فعل، والنهي اقتضاء كف عن فعل، والأمر ~~ظاهر في الوجوب، مع احتمال الندب. والنهي ظاهر في التحريم، مع احتمال ~~الكراهة، وصيغة الأمر: افعل، وصيغة النهي: لا تفعل، والنهي يلزمه التكرار، ~~والفور والأمر يلزمانه، على خلاف فيه، والأمر يقتضي صحة المأمور به، والنهي ~~يقتضي فساد المنهي عنه، وكما يخرج المكلف عن عهدة المأمور به بفعله، كذلك ~~يخرج عن عهدة المنهي عنه بتركه ; فهذا معنى الموازنة بين الأمر والنهي. # قوله: «وهو» ، يعني النهي «عن السبب المفيد حكما يقتضي فساده مطلقا» ، ~~أي: إذا ورد النهي عن السبب الذي يفيد حكما، اقتضى فساده مطلقا، يعني سواء ~~كان النهي عنه لعينه، أو لغيره، في العبادات، أو في # PageV02P430 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المعاملات، وذلك كالنهي عن بيع ~~الغرر، وعن البيع وقت النداء، وفي المسجد، وكبيع المزابنة، وكالنهي عن نكاح ~~المتعة، والشغار، ونكاح الإماء لمن لا يبحن له ; فإنه يقتضي الفساد في ذلك ~~كله، على خلاف في بعضه، «إلا لدليل» يدل على أنه لا يقتضي الفساد، بل الإثم ~~بفعل لسبب أو كراهته، وذلك كبيع الحاضر للبادي، وتلقي الركبان، أو النجش، ~~ونحوها، فإن النهي ورد عنها، لكن دل الدليل على أن النهي المذكور لا # PageV02P431 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يقتضي فسادها على الأظهر. نعم يحرم ~~تعاطيها، أو يكره لأجل النهي. # - قوله: «وقيل: النهي عنه لعينه، لا لغيره، لجواز الجهتين» ، أي: وقيل: ~~النهي عن الشيء لعينه يقتضي فساده، والنهي عنه لغيره لا يقتضي فساده، لجواز ~~أن يكون للشيء الواحد جهتان، هو مقصود من إحداهما، مكروه من الأخرى، كما ~~قيل في الصلاة في الدار المغصوبة ; فلو نهى عن الصلاة ms0546 لعينها، أي: لكونها ~~صلاة، اقتضى فسادها مطلقا، وإذا نهى عنها لما لابسها من معصية الغصب، لم ~~يقتض فسادها، وكذلك الكفر، لما كان منهيا عنه لكونه كفرا، اقتضى النهي ~~فساده، بمعنى أنه باطل في نفسه، لا يترتب عليه أثر من آثاره، بل آثاره ~~وأحكامه الواقعة فيه مما ينافي حكم الإسلام، باطلة في نفسها، وإنما يقر ~~أهلها على بعضها، حيث يقرون عليها بدليل شرعي، كأنكحة الكفار وعقودهم، لا ~~لكونها صحيحة، بخلاف النهي عن بيع النجش والتلقي، فإن النهي عنه لا لكونه ~~بيعا، بل لأمر خارج عنه، وهو ما تعلق به من المفسدة، والفرق بينهما: أن ~~النهي يصلح أن يكون مؤثرا في فساد المنهي عنه بالجملة، لكن إذا تعلق بالشيء ~~لعينه، كان أمس به وأخص ; فقوي على التأثير، بخلاف ما إذا نهي عنه لغيره، ~~فإن تعلقه به ضعيف، والأصل يقتضي صحة أفعال العقلاء ; فلا يقوى هذا السبب ~~الضعيف على رفع هذا الأصل القوي، وأيضا النهي عنه لعينه، يدل على أن ذاته ~~منشأ # PageV02P432 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المفسدة المطلوب إعدامها ; فتكون ~~مفسدته ذاتية ; فيقوى مقتضى إعدامها، والمنهي عنه لغيره يدل على أن مفسدته ~~عرضية، منشؤها أمر خارج عنه ; فيضعف المقتضي لإعدامها. # - قوله: «وقيل: في العبادات، دون المعاملات، ونحوها» من العقود. هذا قول ~~آخر، بالفرق بين العبادات والمعاملات ; لأنه يجوز أن يقول الشارع: لا تفعل، ~~فإن فعلت، ترتب الحكم نحو: لا تطأ جارية ولدك، فإن فعلت، صارت أم ولد لك، ~~ولا تطلق في الحيض، فإن فعلت، وقع، ولا تغسل الثوب بماء مغصوب، فإن فعلت، ~~طهر، بخلاف العبادات. # والفرق بينهما من وجهين: # «أحدهما: أن العبادة قربة، وارتكاب النهي معصية ; فيتناقضان» ، إذ ~~المعاصي لا يتقرب بها كما سبق «بخلاف المعاملات» ; فإنها ليست قربا ; فلا ~~يناقضها ارتكاب النهي، كقوله: لا تبع وقت النداء، ولا تنجش، ولا تتلق ~~الركبان، فإن فعلت، أثمت وأفدت الملك، ولأن العبادة مأمور بها، والمنهي عنه ~~غير مأمور به ; فالمنهي عنه ليس بعبادة، وهو إنما أمر بالعبادة، فلم يأت ~~بالمأمور به ; فيبقى في عهدة الأمر، ولا يعني بالفساد إلا ms0547 هذا، وهو أن فعله ~~للعبادة لم يخرجه عن عهدة الأمر. # الوجه الثاني: أن فساد المعاملات بالنهي، يضر بالناس، وفساد العبادات لا ~~يضر بهم. # بيان الأول: أن فساد المعاملات، يفضي إلى «قطع معايش الناس أو # PageV02P433 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # تقليلها» فراعى الشرع مصلحتهم ~~بتصحيحها، وعليهم إثم ارتكاب النهي، والصحة مع الإثم لا يتنافيان. # وبيان الثاني: هو أن العبادات حق الله عز وجل ; فتعطيلها بإفسادها بالنهي ~~عنها لا يضر به، بل من أوقعها بسبب صحيح، أطاع، ومن لم يوقعها بسبب صحيح، ~~عصى، وأمر الجميع إليه في الآخرة، أعني المطيع والعاصي، أي: له أن يعاقب من ~~شاء منهما، ويثيب من شاء منهما، بحسب سوابقهم عنده، إذ ذلك وقت ظهور سر ~~الله فيهم، ونحن كلامنا في ظاهر التكليف، وهو ما قلناه، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. # قوله: «وحكي عن أبي حنيفة في آخرين» ، منهم محمد بن الحسن: «أن النهي ~~يقتضي الصحة، لدلالته على تصور المنهي عنه» ، يعني أنهم قالوا: لما استحال ~~أن يقال للأعمى: لا تبصر، وللزمن: لا تطر، والأخرس: لا تنطق، علمنا أن ~~استحالة النهي عنه لعدم تصوره، وذلك دليل على أن صحة النهي تعتمد تصور ~~المنهي عنه ; فحيث ورد النهي، دل على وجود ما يعتمده، وهو تصور المنهي عنه ~~; فيكون صحيحا ; فلذلك صححوا التصرف بالوطء وغيره ; فيما اشتراه شراء ~~فاسدا، وصححوا بيع درهم بدرهمين، ويثبت الملك في أحدهما، ويجب رد الآخر ; ~~لأن النهي دل على الصحة، والصحة ترتب الآثار والتمكن من التصرفات. # PageV02P434 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «فإن أراد» ، إلى آخره. هذا ~~استفسار لأبي حنيفة ومن تابعه. # وتقريره: أن النهي يقتضي «الصحة العقلية» وهي «الإمكان، الذي هو شرط ~~الوجود» ، أي: كون المنهي عنه ممكن الوجود لا ممتنعه ; فنعم يصح ما قلتموه، ~~وإن أردتم الصحة الشرعية، أي: المستفاد من الشرع، وهي ترتب آثار الشيء شرعا ~~عليه ; فذلك تناقض، إذ يصير معناه على هذا التقدير: النهي شرعا يقتضي صحة ~~المنهي عنه شرعا، وهو محال، إذ يلزم منه صحة كل ما نهى الشرع عنه، وقد ~~أبطلوا هم منه أشياء، كبيع الحمل في البطن ونحوه، ms0548 ولأن النهي يقتضي - في ~~وضع اللغة، وعرف الشرع - إعدام المنهي عنه ; لأن كل عاقل، بل وغير عاقل، ~~إذا أراد عدم فعل ما، قال لمن خشي صدوره منه: لا تفعله، ولا يقول ذلك إذا ~~أراد إيجاد ذلك الفعل ; فدل على أن مقتضى النهي إعدام المنهي عنه، وحينئذ ~~ترتب آثاره مع إعدامه تناقض محال. # وتحقيق هذا المقام: أن الصحة إما عقلية، وهي إمكان الشيء، وقبوله للعدم ~~والوجود، كما سبق، أو عادية، كالمشي أماما، ويمينا، وشمالا، دون الصعود في ~~الهواء، أو شرعية، وهي الإذن في الشيء ; فيتناول الأحكام الشرعية إلا ~~التحريم، إذ لا إذن فيه، وحينئذ دليل الحنفية إنما يدل على اقتضاء النهي ~~الصحة العقلية أو العادية، وذلك متفق عليه. # أما الشرعية ; فلا نزاع بين الناس، أنه ليس فيها منهي عنه، وحينئذ دليلهم # PageV02P435 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لا يمس محل النزاع، ويرجع الخلاف ~~لفظيا عند التحقيق، وإن كانوا هم تجاوزوا اللفظ إلى المعنى بغير حجة، إذ ~~يصير تقدير قولهم: النهي يقتضي إمكان وجود المنهي عنه، وهو صحيح، وتقدير ~~قولنا: النهي لا يقتضي إذن الشرع في المنهي عنه، أو يقتضي عدم الإذن فيه، ~~وهو صحيح بما برهنا عليه، والله عز وجل أعلم بالصواب. # قوله: «وقيل: لا يقتضي» ، يعني النهي ; «فسادا ولا صحة» ، وهو قول بعض ~~الفقهاء وعامة المتكلمين ; «لأن النهي خطاب تكليفي» ، أي: من قبيل خطاب ~~التكليف اللفظي، «والصحة والفساد» من قبيل خطاب الوضع والإخبار كما سبق، ~~وليس بين القبيلين، أعني الخطاب التكليفي والوضعي، رابط عقلي حتى يقتضي ~~أحدهما الآخر، «وإنما تأثير فعل المنهي عنه في الإثم به» لا في صحته، كما ~~يقول أبو حنيفة، ولا في فساده كما يقول غيره، فإن اقترن بالإثم بفعل المنهي ~~عنه صحة أو فساد ; فذلك لدليل خارج. # قوله: «ولنا على فساده» ، أي: على فساد المنهي عنه مطلقا، سواء كان لعينه ~~أو لغيره، في العبادات وغيرها وجوه: # أحدها: ما روت عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه ~~قال: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد، أي: مردود الذات، ms0549 هذا مقتضاه، وما ~~كان # PageV02P436 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مردود الذات، كان وجوده وعدمه ~~سواء، لكن رد ذاته بعد وجودها في الوجود بالفعل محال ; فيبقى مردودا فيما ~~عداها من آثاره ومتعلقاته، ليصح كون عدمه ووجوده سواء، وذلك معنى كونه ~~فاسدا. # - الوجه الثاني: أن الصحابة أجمعوا «على استفادة فساد الأحكام من النهي ~~عن أسبابها» ، كاستفادتهم فساد الربا من قوله عليه السلام: لا تبيعوا الذهب ~~بالذهب إلا مثلا بمثل. واستدل ابن عمر على فساد نكاح المشركات بقوله عز ~~وجل: {ولا تنكحوا المشركات} [البقرة: 221] ، وعلى فساد نكاح المحرم بقوله ~~عليه السلام: المحرم لا ينكح ولا ينكح. وغير ذلك من القضايا المنهي عنها، ~~وإجماعهم حجة. # والدليل على أن ذلك إجماع هو أن الاستدلال المذكور إما أن يكون صدر عن كل ~~واحد منهم، أو عن بعضهم، فإن كان الأول ; فهو إجماع نطقي فعلي، وإن كان ~~الثاني ; فالنكير على المستدل لم ينقل، والعادة تقتضي نقل مثله ; فكان ذلك ~~إجماعا سكوتيا، وهذه المسألة ظنية تثبت بمثله وبدونه. # PageV02P437 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # - الوجه الثالث: أن النهي يدل على ~~تعلق المفسدة بالمنهي عنه في نظر الشارع، وإعدام المفسدة مناسب عقلا وشرعا، ~~أما الأول ; فلأن الشارع حكيم لا ينهى عن مصلحة، وإذا انتفى نهيه عن ~~المصلحة، لم يبق إلا أن نهيه عن مفسدة، إذ لا واسطة بين المصلحة والمفسدة، ~~وأما الثاني ; فلأن المفسدة ضرر على الناس في المعاملات، وشين يجب أن تنزه ~~عنه العبادات، وإعدام الضرر مناسب عقلا وشرعا عملا بقوله عليه السلام: لا ~~ضرر ولا ضرار. # - الوجه الرابع: أن النهي يقتضي اجتناب المنهي عنه بوضع اللغة، وعرف ~~الاستعمال كما سبق تقريره، وتصحيح حكمه يقتضي ملابسته وقربانه، واجتنابه ~~وقربانه متناقضان، والشرع بريء من التناقض ومما يفضي إليه، ويلزم ذلك أن ~~النهي يقتضي فساد المنهي عنه. # PageV02P438 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «والمختار أن النهي عن الشيء ~~لذاته» ، إلى آخره. هذا تفصيل في المسألة أقرب إلى التحقيق من الإطلاقات ~~الواقعة فيها، وهو أن النهي عن الفعل إما أن يكون لذاته، أو لوصف لازم له، ~~لا ينفك عنه، أو لأمر خارج عنه لا يتعلق به أصلا، ms0550 أو لوصف يتعلق به، لكنه ~~عارض فيه، غير لازم له. # - فإن كان المنهي عنه لذاته كالكفر والكذب والظلم والجور، ونحوها من ~~المستقبح لذاته عقلا، عند من يرى ذلك، أو فرضنا أن الشرع قال: نهيت عن عقد ~~الربا، أو نكاح الشغار والمتعة لذاته ; كان هذا النهي مبطلا، أي: دالا على ~~بطلان المنهي عنه. # وكذلك إن كان النهي عن الفعل لوصف لازم له، كالنهي عن نكاح الكافر ~~المسلمة، وعن بيع العبد المسلم من كافر، فإن ذلك يلزم منه إثبات القيام ~~والاستيلاء والسبيل للكافر على المسلم ; فيبطل لهذا الوصف اللازم له. # وإن كان النهي عن الفعل لأمر خارج عنه لا تعلق له به عقلا، كما لو نهي عن ~~الصلاة في دار ; لأن فيها صنما مدفونا أو كافرا مسجونا، أو شرعا كما لو نهي ~~عن بيع الجوز والبيض خشية أن يقامر به، أو عن بيع السلاح من المسلمين خشية ~~أن يقطعوا به الطريق، أو عن بيع الرقيق مطلقا خشية الفجور به، أو عن غرس ~~العنب أو بيعه خشية أن يعصر خمرا ونحوه، لم يكن ذلك النهي مبطلا ولا مانعا ~~; لأن هذه المفاسد وإن تعلقت بهذه الأفعال تعلقا عقليا، بمعنى أن تلك ~~الأفعال تصلح أن تكون سببا لتلك المفاسد، لكنها غير متعلقة بها شرعا لأن ~~الشرع لم يعهد منه الالتفات في المنع إلى هذا التعلق العقلي البعيد. # PageV02P439 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # - وإن كان النهي عن الفعل لوصف له، ~~لكنه غير لازم ; ففيه تردد، إذ بالنظر إلى كونه وصفا للفعل يقتضي البطلان، ~~كما لو نهي عنه لذاته، أو لوصف لازم، وبالنظر إلى كونه غير لازم لا يقتضي ~~البطلان، كما لو نهي عنه لأمر خارج، وهو أولى تغليبا لجانب العرضية على ~~جانب الوصفية، إذ بكونه عارضا يضعف كونه وصفا ; فلا يلحق بالوصف اللازم ; ~~لأن لزومه يؤكد وصفيته ويقويها، كما قال النحاة في التأنيث اللازم حيث ~~أقاموه مقام شيئين في منع الصرف نظرا إلى التأنيث ولزوم التأنيث. # ومما يصلح مثالا لهذا القسم النهي عن البيع وما في معناه من العقود وقت ~~النداء، ms0551 وإنما نهي عنه، لكونه بالجملة متصفا بكونه مفوتا للجمعة، أو مفضيا ~~إلى التفويت بالتشاغل بالبيع، لكن هذا الوصف غير لازم للبيع لجواز أن يعقد ~~مائة عقد ما بين النداء إلى الصلاة، ثم يدركها ; فلا تفوت ; فالأولى في هذا ~~العقد الصحة لوجوه: # أحدها: ضعف المانع لصحته، وهو هذا الوصف الضعيف العرضي. # الثاني: معارضته بأن الأصل صحة تصرفات المكلفين، خصوصا في معاملاتهم التي ~~راعى الشرع مصالحهم فيها ; فلا يترك هذا الأصل إلا لدليل قوي سالم عن ~~معارض، وكلاهما منتف في وصف التفويت المذكور، إذ هو # PageV02P440 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ضعيف لعرضيته، وعدم لزومه معارض ~~بما ذكرناه. # الثالث: أن ضعف المانع، وقوة المعارض المذكورين، تعاضدا على تخصيص النص ~~المقتضي للمنع، وهو قوله عز وجل: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا ~~إلى ذكر الله وذروا البيع} [الجمعة: 9] ، إذ ذلك يدل على أن المنهي عنه بيع ~~خاص، وهو المفوت للصلاة، مثل أن يشرع في مساومة بيع تتطاول مدته عند تكبير ~~الإمام للجمعة، أو قريبا منه، وصحة البيع عند النداء تكره ولا تفسد عند أبي ~~حنيفة وغيره، وهو وجه مخرج عندنا، وهو قوي لما ذكرنا. # والصحيح من مذهب أحمد أنه لا يصح لظاهر النهي، وما ذكرناه في تضعيف ~~اقتضائه البطلان وارد عليه، والله تعالى أعلم بالصواب. # تكملة لمسألة النهي: # قال الآمدي: مذهب أكثر الفقهاء من الشافعية والحنفية، والمالكية، ~~والحنابلة وأهل الظاهر وجماعة من المتكلمين أن النهي عن عين التصرف المفيد ~~لحكمه يدل على فساده، لكن من جهة اللغة أو الشرع؟ اختلفوا فيه. ومذهب ~~القفال، والغزالي، وأبي عبد الله، وأبي الحسين البصريين، وأبي الحسن ~~الكرخي، والقاضي عبد الجبار: أنه لا يدل على فساده. قال: والمختار أنه لا ~~يدل على فساده من جهة اللغة بل من جهة المعنى. # - أما الأول: فلأنه لو قال: نهيتك عن ذبح شاة الغير بغير إذنه. لعينه أو ~~لعين الذبح، لكن إن فعلت، حلت الذبيحة، لم يكن متناقضا لغة. # PageV02P441 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وأما الثاني: فلأن النهي لا بد وأن ~~يكون لمقصود، سواء ظهرت الحكمة فيه، أو خفيت، للإجماع على امتناع ms0552 خلو أحكام ~~الشرع عن حكمة. ثم مقصود النهي إما راجح على مقصود الصحة، أو مساو له، أو ~~مرجوح، لا جائز أن يكون مرجوحا ; لأن النهي طلب، والطلب يعتمد الرجحان ; ~~فلا يجوز أن يكون مقصوده مرجوحا، ولا جائز أن يكون مساويا لذلك بعينه ; ~~لأنه ترجيح من غير مرجح ; فتعين الأول، وهو أن مقصود النهي راجح ; فيكون ~~مقصود الصحة مرجوحا، والمرجوح مع الراجح غير معتبر ; فمقصود الصحة مع مقصود ~~النهي غير معتبر ; فيكون مقصود النهي هو المعتبر، وهو المراد باقتضائه ~~الفساد. هذا ما ذكره الآمدي ذكرت بعضه بلفظه، وبعضه بمعناه، تحصيلا ~~للإيضاح، والله تعالى أعلم بالصواب. # فائدة: ذكر في «المختصر» في مقتضى النهي أقوال: # أحدها: الفساد مطلقا إلا لدليل. # الثاني: الفرق بين ما إذا نهي عنه لعينه أو لغيره. # الثالث: الفرق بين العبادات والمعاملات. # الرابع: أنه يقتضي الصحة عند أبي حنيفة. # الخامس: لا يقتضي صحة ولا فسادا. # السادس: التفصيل الذي ذكرناه. # السابع: التفصيل الذي ذكره الآمدي. # وقد سبق توجيه هذه الأقوال. ### | فوائد مشتركة بين الأمر والنهي: # - إحداهن: قد سبق في مقتضى الأمر المجرد أقوال: # أحدها: الوجوب. # وثانيها: الندب. # PageV02P442 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وثالثها: الإباحة. # ورابعها: الوقف. # وفيه ثلاثة أقوال أخر: # أحدها: أنه للقدر المشترك بين الوجوب والندب. # وقد سبق الفرق بين هذا القول وبين كون الأمر للندب. # الثاني: أن لفظ الأمر مشترك بين الوجوب والندب ; لأنه استعمل فيهما، ~~والأصل في الإطلاق الحقيقة وعدم المجاز لما سبق. # الثالث: أنه لأحدهما لا بعينه، أي: لا يعلم هل هو للوجوب أو للندب ; لأنه ~~استعمل فيهما، والأصل عدم الاشتراك والمجاز، ولا دليل على أنه أخص بأحدهما ~~فيتوقف فيه، ويجعل من باب المجمل. # فصارت الأقوال في مقتضى الأمر سبعة. # - وقد ذكر الأصوليون في مقتضى النهي نظائر هذه الأقوال في الأمر: # أحدها: أن النهي للتحريم. # وثانيها: أنه للكراهة. # وثالثها: أنه للإباحة. # ورابعها: أنه للوقف. # وخامسها: أنه للقدر المشترك بين التحريم والكراهة، وهو مطلق الترك. # والفرق بين هذا وبين القول بأنه للكراهة أن جواز الفعل هاهنا مستفاد من ~~الأصل، وفيما إذا جعل للكراهة، ms0553 يكون جواز الفعل مستفادا من اللفظ، كما سبق ~~في نظيره في الأمر. # وسادسها: أن لفظ النهي مشترك بين التحريم والكراهة. # PageV02P443 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وسابعها: أنه لأحدهما لا بعينه ; ~~فيكون مجملا فيهما. # وحكى القرافي عن القاضي عبد الوهاب أن من العلماء من فرق بين الأمر ~~والنهي ; فحمل الأمر على الندب، والنهي على التحريم ; لأن معتمد الأمر ~~تحصيل المصلحة، ومعتمد النهي نفي المفسدة، وعناية الحكماء بنفي المفاسد أشد ~~من عنايتهم بتحصيل المصالح. # - قلت: الأصل في هذا أن كل واحد بطبعه وعقله يؤثر دفع الضرر عن نفسه على ~~تحصيل النفع لها إذا لم يجد بدا من أحدهما ; لأن دفع الضرر كرأس المال، ~~وتحصيل النفع كالربح، والأول أهم من الثاني، والله سبحانه وتعالى أعلم. # الفائدة الثانية: اختلفوا في الأمر والنهي جميعا، هل يقتضيان التكرار أم ~~لا، وقد سبق توجيه الخلاف في الأمر ; فمن يراه للتكرار، جعل الأوامر ~~المصرحة أو القاطعة بالتكرار في الصلاة والزكاة والصيام والجهاد والأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر في الكتاب والسنة، نحو قوله عز وجل: {حافظوا على ~~الصلوات} [البقرة: 238] ، {والذين هم على صلاتهم يحافظون} [المعارج: 34] ، ~~وقوله عليه السلام: خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة. ~~الحديث، ونحوه من النصوص القاطعة بتكرار # PageV02P444 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الزكاة والصوم وغيرهما تأكيدا ~~لقوله عز وجل: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} [البقرة: 110] ، {كتب عليكم ~~الصيام} [البقرة: 183] ; لأن هذا وحده استقل بإفادة التكرار، فلم تبق لغيره ~~إلا فائدة التأكيد. # ومن لا يرى الأمر للتكرار، يقول: مقتضى الأمر في جميع هذه المأمورات ~~وغيرها الخروج من عهدتها بفعلها مرة واحدة، وإنما ثبت تكرار ما وجب تكراره ~~منها بأدلة تفصيلية منفصلة أفادت التكرار زيادة على مقتضى الأمر. # وعلى هذا يترجح القول بعدم التكرار ; لأن النصوص المذكورة بتقديره تكون ~~مؤسسة، وعلى القول الأول تكون مؤكدة، والتأسيس أولى من التأكيد. # ويتجه الجواب عن هذا بأن يقال: النصوص المذكورة ليست للتأسيس ولا ~~للتأكيد، بل هي للتبيين فإن الكتاب يبين بعضه بعضا، والسنة مبينة للكتاب ; ~~فالنصوص المفيدة للتكرار مبينة للنصوص المطلقة. وقد سبق أن القاعدة أن ~~مدلول البيان بالفعل ms0554 موجود في المبين بالقوة ; فقول الشارع: صلوا في كل ~~يوم، وزكوا، وصوموا في كل سنة، مبين لقوله: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} ~~، {كتب عليكم الصيام} ; فتكون هذه النصوص مشتملة على اقتضاء التكرار، لكن ~~اشتمالا خفيا ظهر بالبيان. وعلى هذا يتجه القول باقتضاء الأمر التكرار. # وأما النهي ; فالمشهور من مذاهب العلماء أنه يقتضي التكرار، لاقتضائه # PageV02P445 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الكف أبدا على تكرر الأزمنة، وقد ~~سبق تقريره في الفرق بينه وبين الأمر في ذلك، وزعم بعضهم أنه لا يقتضي ~~التكرار، ويلزم هذا القائل على مذهبه أن لا يوجد عاص أصلا ; لأن المنهي عن ~~فعل يخرج عن عهدة النهي بتركه مرة في زمن ما، كما يخرج عن عهدة الأمر بفعل ~~المأمور مرة في زمن ما عند من لا يوجب التكرار فيه، وترك المنهي عنه مرة في ~~زمن ما لا ينفك عنه أحد في العادة ; إما اضطرارا في حال النوم والمرض ~~والتشاغل بالمباحات والواجبات، أو اختيارا، إذ يستحيل في العادة أن أحدا ~~يلازم فعل المنهي عنه بحيث لا يفتر منه زمنا من الأزمان حتى يموت، وحينئذ ~~يلزم أن من ترك الزنى مرة واحدة بنوم، أو صلاة، أو أكل، أو ملل، أو عجز، أو ~~استحياء، أو اختيارا محضا، وفعله في بقية أزمانه أن يكون مطيعا خارجا عن ~~عهدة النهي، وهذا باطل بإجماع. # قلت: وقد يجاب عن هذا بوجهين: # أحدهما: أن يقال: هذا هو مقتضى النهي ولازمه على هذا المذهب، لكن انتفى ~~ذلك وثبت تكرار ترك المنهي عنه بالأدلة المنفصلة كالإجماع وغيره، ونحن ~~كلامنا فيما يقتضيه النهي لغة، لا فيما استقرت عليه الأحكام شرعا. # قلت: وهذا جواب سديد صحيح. # الوجه الثاني: وهو يتخرج على قاعدة ; وهو أن الاقتضاء إما أن يكون عاما ~~في عام نحو: أكرم الناس في جميع الأيام، أو مطلقا في مطلق، نحو: أكرم رجلا ~~في يوم ما، أو عاما في مطلق، نحو: أكرم الناس كلهم في يوم ما، أو مطلقا في ~~عام، نحو: أكرم رجلا في جميع الأيام. # PageV02P446 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # إذا تقرر هذا ; فالقائل: إن النهي ~~يقتضي التكرار يقول: ms0555 هو من باب اقتضاء العام في العام، وهو اقتضاء جميع ~~التروك في جميع الأزمان، والقائل بأنه لا يقتضي التكرار يقول: هو من باب ~~اقتضاء المطلق في العام، والمطلوب ترك واحد في جميع الأزمان ; فمتى لابس ~~المنهي عنه في زمن من الأزمان، تحقق العصيان، وهذا معنى جواب ابن عبد ~~السلام. # قلت: فمأخذ الخلاف إذن أن الكف عن المنهي عنه في الأزمان، هل هو ترك واحد ~~نظرا إلى جنس الكف واتحاده، أو تروك كثيرة نظرا إلى أشخاص الأزمان وتعددها، ~~وعلى هذا ; فالنافي لاقتضاء النهي التكرار قد قال به في المعنى، إذ لا معنى ~~للتكرار إلا الترك في جميع الأزمان سواء جعله تركا واحدا باعتبار ماهيته ~~البسيطة، أو تروكا باعتبار أزمنته المتعددة، والله تعالى أعلم بالصواب. # الفائدة الثالثة: ما علق عليه الأمر من شرط، كقوله: إذا زالت الشمس ~~فصلوا، أو صفة، كقوله عز وجل: {الزانية والزاني فاجلدوا} [النور: 2] ، إن ~~ثبت أنه علة للفعل ; فلا خلاف في تكرره بتكرره، وإن لم يكن علة، فإن قيل: ~~الأمر المطلق للتكرار ; فهاهنا أولى، وإن قيل: ليس للتكرار، اختلفوا هاهنا. ~~واختار الآمدي عدمه. # وأما النهي المعلق بما يتكرر ; فمن قال: مطلق النهي يقتضي التكرار، أثبت ~~التكرار هاهنا بطريق الأولى، ومن قال: لا يقتضي التكرار، اختلفوا: هل ~~يقتضيه أم لا؟ والأظهر أنه يقتضيه، بخلاف الأمر، والفرق بينهما ما عرف قبل. # PageV02P447 # العموم والخصوص ### | العموم والخصوص: # العموم: قيل: هو من عوارض الألفاظ حقيقة، لدلالتها على مسمياتها باعتبار ~~وجوديها: اللساني، والذهني، بخلاف المعاني، لتمايزها ; فلا يدل بعضها على ~~بعض. # والتحقيق أنه حقيقة في الأجسام، إذ العموم لغة: الشمول، ولا بد فيه من ~~شامل ومشمول، كالكلة والعباءة لما تحتهما. # والعام: قيل: هو اللفظ الواحد الدال على شيئين فصاعدا مطلقا، واحترز ~~بالواحد عن مثل: ضرب زيد عمرا، إذ هما لفظان، وبمطلقا عن مثل عشرة رجال، ~~فإن دل على تمام العشرة لا مطلقا، وفيه نظر. # وأجود منه: اللفظ الدال على مسميات دلالة لا تنحصر في عدد. # وقيل: اللفظ المستغرق لما يصلح له بحسب وضع واحد. ms0556 # وقيل: اللفظ إن دل على الماهية من حيث هي هي فقط ; فهو المطلق أو على ~~وحدة معينة، كزيد وعمرو ; فهو العلم، أو غير معينة، كرجل ; فهو النكرة، أو ~~على وحدات متعددة ; فهي إما بعض وحدات الماهية ; فهو اسم العدد كعشرين ~~رجلا، أو جميعها ; فهو ### | العام # ; فإذن هو اللفظ الدال على جميع أجزاء ماهية مدلوله، وهو أجودها، وقيل ~~فيه غير ذلك. # وينقسم اللفظ إلى لا أعم منه، كالمعلوم، أو الشيء، ويسمى العام المطلق، ~~وقيل: ليس بموجود، وإلى ما لا أخص منه كزيد وعمرو، ويسمى الخاص المطلق، ~~وإلى ما بينهما كالموجود والجوهر والجسم النامي والحيوان والإنسان ; فيسمى ~~عاما وخاصا إضافيا، أي: هو خاص بالإضافة إلى ما فوقه، عام بالإضافة إلى ما ~~تحته. # قوله: «العموم والخصوص» . # PageV02P448 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # - أي: هذا بيان القول في أحكام ~~العموم والخصوص. # قوله: «العموم، قيل: هو من عوارض الألفاظ حقيقة لدلاتها على مسمياتها ~~باعتبار وجوديها: اللساني والذهني، بخلاف المعاني لتمايزها ; فلا يدل بعضها ~~على بعض.» # إنما قلت: قيل ; لأني قد رجحت خلاف هذا بعد، وهذا البحث يوجد في أكثر كتب ~~الأصوليين غير محقق. ووجه الكشف عنه أنا إذا قلنا: هذا الشيء من عوارض هذا ~~الشيء، أي: مما يعرض له ويلحقه، واشتقاقه من العرض، وهو المعنى الذي يذهب ~~ويجيء، ولهذا سمي المال والمرض عرضا ; لأن كل واحد منهما يذهب ويجيء، قال ~~الله عز وجل: {تريدون عرض الدنيا} [الأنفال: 67] ، وفي الحديث: هذا ابن آدم ~~وهذه الأعراض إلى جنبه، إن سلم من هذه نهشته هذه. يريد به الآفات التي هو ~~معرض لها وهي تعرض له. # PageV02P449 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والعرض في اصطلاح المتكلمين، هو ما ~~لا يدخل في حقيقة الجسم ومفهومه، سواء كان لازما لا يفارق، كسواد الغراب ~~والقار، أو مفارقا يذهب ويجيء كالحركة والسكون، وصفرة الوجل، وحمرة الخجل. # وبهذا المعنى قولنا: العموم من عوارض الألفاظ، أي: أنه يلحقها، وليس هو ~~داخلا في حقيقتها، وهو عرض لازم لما لحقه من الألفاظ لا ينفك عنه، وهو خاص ~~ببعض الألفاظ، وهي التي وضعها الواضع لتدل على استغراق جميع ما وضعت ms0557 له. # ومعنى قولنا: العموم من عوارض الألفاظ حقيقة، أي: أنه في الحقيقة لا يعرض ~~إلا لصيغة لفظية، كالمسلمين والمشركين، ونحو ذلك من صيغه، كما أن الصحة ~~والسقم لا يعرضان بالحقيقة إلا للحيوان، والاتصال والانفصال لا يعرضان ~~بالحقيقة إلا للجسم، فإذا قلنا: هذا اللفظ عام أو خاص والحكم ثابت لعموم ~~اللفظ ; فإضافة العموم إلى اللفظ ووصفه به حقيقة، كما أنا إذا قلنا: هذا ~~حيوان صحيح أو سقيم، وهذا جسم متصل أو منفصل، كان ذلك حقيقة. # وإذا أضفنا العموم إلى المعاني، كقولنا: هذا حكم عام، وخصب أو جدب عام، ~~أو بلاء أو رخاء عام، وهذه مصلحة عامة، كان ذلك مجازا، أي: لا يستحق المعنى ~~بحسب الأصل أن يوصف بالعموم، إنما هو بحسب الاستعارة ; إما من اللفظ أو ~~نظرا إلى شمول مجموع أفراد المعنى المذكور لمجموع محاله، كما إذا قلنا: هذا ~~معنى صحيح أو سقيم، أو كلام متصل أو منفصل، كان ذلك مجازا ; لأن حقيقته في ~~الجسم، وسيتضح هذا بما بعده إن شاء الله تعالى. # PageV02P450 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # - وقوله: «لدلالتها على مسمياتها ~~باعتبار وجوديها اللساني والذهني» ، أي: إنما كان العموم من عوارض الألفاظ ~~بالحقيقة دون المعاني لدلالة الألفاظ على مسمياتها باعتبار وجودها في ~~اللسان ووجودها في الذهن. # وتقرير هذا أن كل معلوم ; فله ثلاث وجودات: # وجود في الأعيان، كعين الحيوان الناطق المفهوم من لفظ الرجل، أو الإنسان. # ووجود في اللسان، وهو لفظ اسمه الدال عليه كلفظ الرجل أو الإنسان الدال ~~على مسماه ; فهذا اللفظ وجوده في اللسان. # ووجوده في الذهن: وهو صورة مدلول اللفظ الحاصلة في الذهن، كصورة الرجل ~~والإنسان. # والفرق بين هذه الموجودات، هو أن الوجود الذهني لا يختلف باختلاف الأشخاص ~~ولا اللغات، فإن صورة الرجل والإنسان من حيث هو رجل وإنسان واحدة لا يقع في ~~الذهن تفاوت بينهما بالخواص العارضة، بل هو بأخذ الماهية المشتركة بين ~~أشخاص الرجل والإنسان ; فالوليد والرضيع والعظيم والمراهق والفتى والكهل ~~والشيخ الهم، كل منهم رجل وإنسان في الذهن على السواء، وهو سواء في ذهن ~~العربي والعجمي بخلاف الوجودين: العيني، ms0558 واللساني ; فإنهما يختلفان، لكن ~~العيني يختلف باختلاف الأشخاص والخواص، فإن زيدا الطويل غير زيد القصير، ~~وعمرو العالم غير عمرو الجاهل، والفطيم أكبر من الوليد، والبالغ أقوى من ~~الصبي، وهذا الشخص المعين غير ذلك المعين ; فالاختلاف واقع في الوجود ~~العيني من هذه الجهة. # PageV02P451 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # واللفظي يختلف بالنظر إلى الألفاظ ~~واللغات المتعددة ; فقولنا للبعير مثلا: جمل، دوا، أشتر. هذه ثلاثة ألفاظ ~~مختلفة باختلاف اللغات العربي والتركي والعجمي، والمدلول واحد. # والفرق أيضا بين الوجود اللساني والوجودين الآخرين هو أن الوجود اللساني ~~دليل، والآخران مدلول، ألا ترى أن لفظة زيد تدل على هذا الإنسان الخاص ~~الموجود في الخارج المطابق لصورته الموجودة في الذهن ; فهما مدلولان للفظ ~~وهو دليل لهما. # إذا ثبت هذا ; فمعنى دلالة الألفاظ على مسمياتها باعتبار وجوديها: ~~اللساني، والذهني، هو أنك إذا قلت: الرجال، دل هذا اللفظ على مسماه ~~باعتبارين: # أحدهما: أن هذا اللفظ يفيد بالوضع أو بالاستعمال جماعة أشخاص من ذكور بني ~~آدم، وهو الوجود اللساني. # والثاني: أنه يدل على الصورة المطابقة لتلك الأشخاص في الذهن وهو الوجود ~~الذهني. وهذا بخلاف المعاني ; فإنها يتميز بعضها عن بعض بتمايز محالها ; ~~فلا يدل بعضها على بعض ; فلا يكون العموم من عوارضها حقيقة. # وتحقيق الفرق بين الألفاظ والمعاني من هذا الوجه هو أن اللفظ العام يدل ~~على ما تحته من المسميات دلالة واحدة من جهة واحدة من غير أن يختص بعض ~~مسمياته ببعضه، كلفظ الكفار، الدال على آحاد كثيرة كفار، من غير أن يختص ~~واحد منهم ببعض لفظ الكفار، بخلاف المعاني، فإن محالها # PageV02P452 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يختص ببعضها، كقولنا رخص عام وبلاء ~~عام، فإن الخصب والبلاء في كل موضع غيره في الموضع الآخر ; فرخص مصر غير ~~رخص دمشق، ورخاء بغداد غير رخاء الصين، وأبين من ذلك المطر، إذا قلنا: هذا ~~مطر عام، أي: شامل للأمكنة من حيث الجملة، غير أن هذا المكان يختص من المطر ~~بغير ما اختص المكان الآخر ; فمطر المسجد غير مطر السوق، والواقع منه في ~~هذه الدار غير الواقع في الدار الأخرى، بخلاف لفظ الكفار ms0559 ; فإنه بكليته يدل ~~على كل واحد من الكفار، ولا يختص أحدهم بلفظ الكفار ولا ببعضه، كما اختص ~~السوق والمسجد ببعض المطر، وإذا كان العموم في اللغة الشمول، وهو على ~~التحقيق إنما يكون في الألفاظ دون المعاني، كان أولى بأن يكون العموم من ~~عوارضها بالحقيقة من المعاني. # واعلم أن العبارة المذكورة في «المختصر» مختطفة من كلام الشيخ أبي محمد، ~~وليست وافية به ; فلذلك وقع فيها غموض، وفي تفسيرها إشكال، وعبارة الشيخ ~~أبي محمد ملخصة من كلام الشيخ أبي حامد. # وحاصل ما ذكراه في معنى قولنا: باعتبار وجوديها: اللساني، والذهني، هو أن ~~الرجل مثلا له وجود في الأعيان، وفي اللسان، وفي الأذهان، أما وجوده في ~~الأعيان ; فلا عموم له، إذ ليس في الوجود الخارجي رجل مطلق، يعني كليا، بل ~~إما زيد أو عمرو، أو غيرهما ; فهو مقيد بقيد التشخص والعلمية. وأما وجوده ~~في اللسان ; فلفظ الرجل وضع للدلالة على زيد وعمرو وبكر # PageV02P453 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وغيرهم، ونسبته إليهم واحدة، وهذا ~~معنى العموم. وأما وجوده في الذهن، فإن للرجل في الذهن صورة كلية مطابقة له ~~تتناول زيدا وعمرا وبكرا وغيرهم، وتدل عليهم دلالة واحدة، كدلالة لفظ الرجل ~~عليهم، غير أن اللفظ يدل بالوضع، والذهن يدرك بالتصور. # فقد ثبت أن معنى العموم والشمول موجود في اللساني والذهني دون العيني ~~الخارجي، وهذا هو مرادي بقولي: «لدلالتها على مسمياتها باعتبار وجوديها: ~~اللساني، والذهني» ، غير أن في مطابقتها له نظرا. # قوله: «والتحقيق أنه» يعني العموم «حقيقة في الأجسام، إذ العموم لغة ~~الشمول، ولا بد فيه من شامل ومشمول كالكلة والعباءة لما تحتهما» . أي: ~~والتحقيق من حيث النظر أن العموم حقيقة في الأجسام، لا في الألفاظ، ولا في ~~المعاني ; لأن العموم في اللغة الشمول. يقال: هذا الكساء يعم من تحته، أي: ~~يشملهم، وإذا كان العموم هو الشمول ; فالشمول معنى إضافي لا بد فيه من شامل ~~ومشمول ; فالشامل كالكلة والعباءة، والمشمول من تحتهما ; لأنهما شملتاه ; ~~فإذن العموم حقيقة ليس إلا في الأجسام الشاملة، وهو في الألفاظ والمعاني ~~مجاز لوجهين: # أحدهما: أن الأصل ms0560 عدم مشاركتهما الأجسام في معنى الشمول. # والثاني: أن الشمول في الألفاظ ليس محسوسا، بل معقولا، وليس هو أيضا في ~~قوة شمول الأجسام لما تحتها، والشمول في المعاني، نحو: عمهم العطاء ~~والإنعام والخصب أضعف من شمول الألفاظ لما نبهنا عليه قبل من اختصاص بعض ~~محال المعنى ببعضه، وتمايز أجزائه بتمايز محاله. # PageV02P454 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والكلة: بكسر الكاف وتشديد اللام: ~~ستر رقيق يخاط كالبيت يتوقى فيه من البق. ذكره الجوهري. والعباءة: بفتح ~~العين والباء ومد الألف لغة في العباية، وهي ضرب من الأكسية. # - وقال الآمدي: العموم من عوارض الألفاظ حقيقة اتفاقا، واختلفوا في ~~المعاني، هل هو من عوارضها حقيقة؟ فنفاه الأكثرون، وأثبته الأقلون. # - وقال ابن الحاجب: العموم من عوارض الألفاظ حقيقة، وفي المعاني أقوال: ~~أصحها أنه حقيقة فيها أيضا، والثاني ليس من عوارضها. # - وقال النيلي في «شرح جدل الشريف» ما معناه: إنه يمكن الفرق بين اللفظ ~~والمعنى في ذلك بأن العموم من لواحق اللفظ، واللفظ لما كان ثابتا بالوضع أو ~~الاصطلاح، أمكن التصرف فيه بالعموم والخصوص بحكم الوضع ; فدلالته عليه ~~وضعية لا ذاتية، بخلاف المعاني، فإن ثبوتها لما لم يكن وضعيا، بل هو حقيقي، ~~لذلك لا يمكن التصرف فيها بتعميم، ولا تخصيص بوضع ولا اصطلاح. # واعلم أن البحث عن أن العموم من عوارض الألفاظ أو المعاني هو من رياضيات ~~هذا العلم، لا من ضرورياته حتى لو ترك، لم يخل بفائدة. ولهذا كثير من ~~الأصوليين لا يذكره، وإنما تابعت في ذكره أصل «المختصر» والله تعالى أعلم ~~بالصواب. # قوله: «و ### | العام، # قيل: هو اللفظ» ، إلى آخره. # لما فرغ من المسألة الرياضية المذكورة، وهي أن العموم من عوارض # PageV02P455 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الألفاظ أو المعاني، أخذ في الكشف ~~عن حد العام، وقد ذكرت فيه حدود كثيرة في الكتب اتفق منها في «المختصر» ~~أربعة: # أحدها: أن العام: «هو اللفظ الواحد الدال على شيئين فصاعدا مطلقا» . # فقوله: «اللفظ» جنس يتناول العام والخاص والمشترك والمطلق وغير ذلك من ~~أصناف اللفظ لأنها ألفاظ. # وقوله: «الواحد» احترز به عن مثل: ضرب زيد عمرا ; فإنه دل على شيئين، ms0561 لكن ~~لا بلفظ واحد، بل أكثر منه. وهذا أجود من قولنا في «المختصر» : «إذ هما ~~لفظان» ; لأن قولنا: ضرب زيد عمرا ليس هو لفظين فقط، بل ثلاثة ألفاظ ; فعل ~~وفاعل ومفعول، ولعل الإشارة في «المختصر» وقعت إلى الفاعل والمفعول، وهما ~~زيد وعمرو، لكونهما اسمين. وضرب فعل، لكن لا وجه للاقتصار على ذكر الفاعل ~~والمفعول ; لأن الكلام في اللفظ الدال، والفعل لفظ دال. فالصواب إذن أن ~~يقال: احتراز من: ضرب زيد عمرا، إذ هو أكثر من لفظ واحد، أو لأنه ثلاثة ~~ألفاظ. # قوله: «وبمطلقا» ، أي: واحترز بقوله: مطلقا عن مثل عشرة رجال ; فإنه دل ~~على شيئين فصاعدا، لكن لا مطلقا، بل إلى تمام العشرة، ثم تنقطع دلالته. # قوله: «وفيه نظر» ، أي: في الاحتراز بمطلقا عن مثل عشرة رجال، وذلك لأن ~~الاحتراز عن مثل عشرة رجال حصل بقوله: «فصاعدا» ، إذ هذه اللفظة، أعني ~~صاعدا ليس لها نهاية تقف عندها، ولك ما كان من الأعداد فوق الواحد انتظمه ~~قوله: فصاعدا، وحينئذ لا يحتاج إلى «مطلقا» . # PageV02P456 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «وأجود منه» ، أي: أجود من ~~هذا التعريف للعام، أن يقال: هو اللفظ الدال على مسميات دلالة لا تنحصر في ~~عدد، وهذا هو الحد الثاني من الحدود المذكورة في «المختصر» . # فقولنا: «اللفظ الدال» جنس له يتناول ما دل على مسمى واحد، كزيد، أو ~~مسميات، كالرجال ; فاحترز بقوله: على مسميات، عما دل على مسمى واحد. # وبقوله: «دلالة لا تنحصر في عدد» من أسماء مقادير الأعداد، نحو: عشرة، ~~وعشرين، وثلاثين ; لأن كل واحد منها ومن نظائرها لفظ واحد دال على مسميات، ~~لكن دلالة محصورة معلومة المقدار والنهاية، بخلاف: المسلمين والمشركين، فإن ~~دلالته غير معلومة الانحصار في عدد معلوم. # قوله: «وقيل: اللفظ المستغرق» ، إلى آخره. هذا هو الحد الثالث للعام، وهو ~~«اللفظ المستغرق لما يصلح له بحسب وضع واحد» فاللفظ جنس، والمستغرق لما ~~يصلح له فصل له عما ليس بمستغرق لما يصلح له، كالرجل إذا أريد به معين ; ~~فإنه ليس بعام ; لأنه لم يستغرق ما يصلح له، وهو سائر الرجال، إذ ms0562 لفظ الرجل ~~يصلح للدلالة على جميع الرجال، إذا جعل جنسا. وعلى هذا اعتراض ظاهر، ~~وبالجملة ; فاللفظ لا بد وأن يصلح للدلالة على شيء، فإن دل على جميع ذلك ~~الشيء الذي يصلح للدلالة عليه ; فهو العام، وإلا ; فليس بعام. # واعلم أن على هذا إشكالا، وهو أن يقال: قوله: العام: هو اللفظ المستغرق ~~لما يصلح له ; إما أن يراد ما يصلح له من جهة الدلالة، أي: يصلح # PageV02P457 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لأن يدل عليه، أو يراد ما يصلح من ~~جهة إرادة المتكلم، فإن أريد الأول ; فالعام لا بد وأن يكون مستغرقا لما ~~يصلح له بهذا الاعتبار، إذ كل لفظ صلح لمسمى دل عليه، وحينئذ لا فائدة ~~لتقييد اللفظ بكونه مستغرقا، وإن أريد الثاني وهو صلاحيته بحسب إرادة ~~المتكلم ; فنقول: إن أراد المتكلم بلفظ جميع ما يصلح للدلالة عليه ; فهو ~~العام كما مر، وإن أراد به بعض ما يصلح للدلالة عليه ; فهو لفظ عام أريد به ~~الخاص ; فالعموم في اللفظ لازم على كل تقدير، وإنما الخصوص في مدلول اللفظ ~~على تقدير إرادة المتكلم بعضه. # وقوله: بحسب وضع واحد، احتراز من المشترك، كلفظ العين والقرء ; فإنه لفظ ~~مستغرق لما يصلح له من مسمياته، لكنه ليس بوضع واحد، بل بأكثر منه ; فالقرء ~~الدال على الحيض إنما وضع له، وكذلك القرء الدال على الطهر إنما وضع له ~~بوضع غير الأول، بخلاف قولنا: الرجال، فإن دلالته على جميع ما يصلح له بوضع ~~واحد. # قوله: «وقيل: اللفظ إن دل على الماهية» ، إلى آخره. هذا هو الحد الرابع ~~للعام، وبيانه بطريق التقسيم. وتقريره أن اللفظ إما أن يدل على ماهية ~~مدلوله من حيث هي هي، أو لا، فإن دل على الماهية من حيث هي، أي: مع قطع ~~النظر عن جميع ما يعرض لها من وحدة وكثرة وحدوث وقدم وطول وقصر وسواد وبياض ~~; فهذا هو المطلق، وذلك لأن الإنسان مثلا من # PageV02P458 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # حيث هو إنسان، إنما يدل على حيوان ~~ناطق، لا على واحد، ولا حادث، ولا طويل، ولا أسود، ولا على ضد شيء من ذلك، ms0563 ~~وإن كنا نعلم أنه لا ينفك عن بعض تلك. # وإن لم يدل على الماهية من حيث هي ; فإما أن يدل على وحدة أو وحدات ~~متعددة. فإن دل على وحدة ; فهي إما معينة، كزيد وعمرو، وهو العلم، أو غير ~~معينة، كرجل وفرس، وهو النكرة. وإن دل على وحدات متعددة، وهي الكثرة ; فتلك ~~الكثرة إما بعض وحدات الماهية أو جميعها، فإن كانت بعضها ; فهو اسم العدد، ~~كعشرين وثلاثين ونحوها، وإن كانت جميع وحدات الماهية ; فهو العام. # فالعام إذن: هو اللفظ الدال على جميع أجزاء ماهية مدلوله، وهو أجودها، ~~أي: أجود الحدود المذكورة. # وإنما قلنا: إن هذا الحد مستفاد من التقسيم المذكور لأن التقسيم الصحيح ~~يرد على جنس الأقسام، ثم يميز بعضها عن بعض بذكر خواصها التي يتميز بها ; ~~فيتركب كل واحد من أقسامه من جنسه المشترك ومميزه الخاص وهو الفصل، ولا ~~معنى للحد إلا اللفظ المركب من الجنس والفعل، وعلى هذا ; فقد استفدنا من ~~هذا التقسيم معرفة حدود ما تضمنه من الحقائق، وهو المطلق والعلم والنكرة ~~واسم العدد. # فالمطلق: هو اللفظ الدال على الماهية المجردة عن وصف زائد. # PageV02P459 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والعلم: هو اللفظ الدال على وحدة ~~معينة. # والنكرة: هو اللفظ الدال على وحدة غير معينة. # واسم العدد: هو اللفظ الدال على بعض وحدات ماهية مدلوله، والعام ما ~~ذكرناه. # فإن قلت: قولكم: العام هو اللفظ الدال على جميع وحدات الماهية، يقتضي أن ~~الخاص هو اللفظ الدال على بعض وحدات الماهية ; لأن الخاص مقابل العام، ~~وحينئذ يتحد حد الخاص واسم العدد. # قلت: هو كذلك، غير أن بعض وحدات الماهية في الخاص هو وحدة واحدة معينة أو ~~مخصوصة، وفي اسم العدد هو وحدات متعددة غير مستغرقة ; فيزاد بين الحقيقتين، ~~أعني حقيقة الخاص واسم العدد، هذا الفصل. # وإنما قلنا: إن حد العام المذكور هو أجود حدوده المذكورة ; لأنه أضبط ~~وأحق، إذ هو ناشئ عن تقسيم دائر بين النفي والإثبات وارد على جنس الأقسام، ~~ملحق بفصولها كما سبق. # قوله: «وقيل فيه غير ذلك» ، أي: قيل في حد العام غير ms0564 ما ذكرناه. # فمنها ما ذكره الآمدي، وهو أن العام هو اللفظ الواحد الدال على مسميين ~~فصاعدا مطلقا معا، واحترازاته قد سبق القول فيها، إلا قوله: معا، وأحسب أنه ~~احترز به من اللفظ المشترك، كالعين ونحوه ; فإنه يدل على مسميين فصاعدا إذا ~~تكثرت موضوعاته لكن لا معا، أي: لا يراد جميعها عند إطلاقه، بل بعضها على ~~البدل. # ومنها: أنه القول المتعلق بمعلومين، أو القول المشتمل على مسميين # PageV02P460 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فصاعدا، ذكره الكتاني في «المطالع» ~~وهو معنى ما سبق. # ومنها: أن العام هو الموضوع لمعنى كلي يفيد تتبعه في محاله. ذكره القرافي ~~في «التنقيح» وذكره في شرحه أنه إنما أداه إلى هذه العبارة الغريبة سؤال ~~أورده هو على حد العام المتداول، ولم ير أحدا أجاب عنه، وبما ذكره في هذا ~~الحد يندفع ذلك السؤال، ثم ذكر السؤال واندفاعه بالحد المذكور. وذكره يطول ~~هنا ; فلينظر في شرحه. # قوله: «وينقسم اللفظ إلى ما لا أعم منه كالمعلوم، أو الشيء، ويسمى العام ~~المطلق، وقيل: ليس بموجود، وإلى ما لا أخص منه، كزيد وعمرو، ويسمى الخاص ~~المطلق، وإلى ما بينهما كالموجود والجوهر والجسم النامي والحيوان والإنسان ~~; فيسمى عاما وخاصا إضافيا، أي: هو خاص بالإضافة إلى ما فوقه، عام بالإضافة ~~إلى ما تحته» . # قلت: هذا تقسيم للعام والخاص بحسب مراتبه علوا ونزولا وتوسطا ; فاللفظ ~~إما عام مطلق، وهو ما ليس فوقه أعم منه، أو خاص مطلق، وهو ما ليس تحته أخص ~~منه، أو عام وخاص إضافي. # مثال العام المطلق، المعلوم أو الشيء ; لأن المعلوم يتناول جميع الأشياء ~~قديمها ومحدثها ومعدومها وموجودها لتعلق العلم بذلك كله، والشيء يتناول ~~القديم والمحدث والجوهر والعرض وسائر الموجودات، والشيء أخص من المعلوم ; ~~لأن كل شيء معلوم، وليس كل معلوم شيئا عندنا، خلافا للمعتزلة حيث قالوا: ~~المعدوم شيء. ولهذا حكى الشيخ أبو محمد الشيء قولا في مثال العام المطلق ; ~~فقال: العام ينقسم إلى عام لا أعم منه يسمى عاما مطلقا، كالمعلوم يتناول ~~الموجود والمعدوم. وقيل: الشيء، أي: العام # PageV02P461 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المطلق، كالشيء لا كالمعلوم لأن من ~~جملة ms0565 المعلوم المعدوم والعدم، وهو لا يتصف بالعموم والخصوص ; لأنهما معنيان ~~محتاجان إلى ما يقومان به، وذلك يجب أن يكون شيئا ; لأن الشيء هو الموجود ; ~~لأن المشيئة مع القدرة أثرت فيه، أما المعدوم ; فلا يصح قيام المعاني به، ~~والعموم والخصوص معنيان لا يقومان به. # وإنما ذكرتهما بلفظ أو ; فقلت: ينقسم اللفظ إلى ما لا أعم منه كالمعلوم ~~أو الشيء، تنبيها على الخلاف المذكور بلفظ أو التي هي لأحد الشيئين وإن كان ~~تنبيها خفيا، ولأن الخطب في هذا يسير، إذ لا يضرنا في ضرب المثال، أيهما ~~كان هو الأعم مطلقا بعد تقرير القاعدة في تقسيمه. # فأما قوله: «وقيل: ليس بموجود» فإشارة إلى العام المطلق. قيل: هو موجود ~~كما سبق، وقيل: ليس بموجود، وليس لنا عام مطلق. وهذا ذكره الغزالي باعتبار، ~~وتابعه الشيخ أبو محمد ; فجعله قولا ثانيا، ولنحك كلام الغزالي ليبين ما ~~ذكرناه. # قال: واعلم أن اللفظ إما خاص في ذاته مطلقا، نحو: زيد، وهذا الرجل. وإما ~~عام مطلق كالمذكور والمعلوم، إذ لا يخرج منه موجود ولا معدوم. وإما عام ~~بالإضافة كلفظ المؤمنين ; فإنه عام بالإضافة إلى آحاد المؤمنين، خاص ~~بالإضافة إلى جملتهم، إذ يتناولهم دون المشركين ; فكأنه يسمى عاما من حيث ~~شموله للآحاد، خاصا من حيث اقتصاره على ما شمله، # PageV02P462 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وقصوره عما لم يشمله. ومن هذا ~~الوجه يمكن أن يقال: ليس في الألفاظ عام مطلق لأن لفظ المعلوم لا يتناول ~~المجهول، والمذكور لا يتناول المسكوت عنه. # قلت: فحاصل قوله: أن كل لفظ فهو بالنظر إلى شموله أفراد ما تحته عام، ~~وبالنظر إلى اقتصاره على مدلوله خاص، وبهذا التفسير لا يبقى لنا عام مطلق، ~~لكن هذا غير تفسيرنا العام المطلق بما لا أعم منه ; لأن من الألفاظ ما يكون ~~عاما لا أعم منه، مع أنه مقصور الدلالة على ما تحته ; فيكون حينئذ عاما ~~مطلقا لا عاما مطلقا باعتبارين، كما ذكر من التفسيرين، لكن مثل هذا لا ~~ينبغي أن يحكى قولا مطلقا كما فعل الشيخ أبو محمد، لئلا يوهم أن في وجود ~~العام ms0566 المطلق بتفسير واحد قولين، وليس كذلك، بل نذكر ذلك بتفسيرين كما فعل ~~الغزالي - رحمهما الله تعالى. # ومثال الخاص المطلق، وهو ما لا أخص منه أسماء الأشخاص نحو زيد وعمرو، إذ ~~لا يوجد أخص من ذلك يعرف به، ولهذا كانت الأعلام أعرف المعارف عند بعض ~~النحويين. # ومثال العام والخاص الإضافي هو ما وقع بين العام المطلق والخاص المطلق، ~~كالموجود ; فإنه خاص بالنسبة إلى المعلوم، عام بالنسبة إلى الجوهر. # أما الأول ; فلأنك تقول: كل موجود معلوم، وليس كل معلوم موجودا، إذ ~~المعدوم معلوم وليس موجودا. # PageV02P463 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وأما الثاني ; فلأنك تقول: كل جوهر ~~موجود، وليس كل موجود جوهرا ; لأن العرض موجود، وليس جوهرا ; فالموجود أعم ~~من الجوهر، والجوهر عام بالنسبة إلى الجسم من جهة أن الجسم يستلزم الجوهر ~~ضرورة تركبه من الجواهر، والجوهر لا يستلزم الجسم لجواز أن يكون جوهرا ~~فردا، وهو الجزء الذي لا يتجزأ ; فالجسم إذن خاص بالنسبة إلى الجوهر، عام ~~بالنسبة إلى النامي، إذ كل نام جسم، وليس كل جسم ناميا، والنامي عام ~~بالنسبة إلى الحيوان، إذ كل حيوان نام، وليس كل نام حيوانا، بدليل النبات، ~~هو نام وليس بحيوان، والحيوان عام بالنسبة إلى الإنسان، إذ كل إنسان حيوان، ~~وليس كل حيوان إنسانا، بدليل الفرس، ونحوه. # والضابط في العام والخاص أن كل شيئين انقسم أحدهما إلى الآخر وغيره ; ~~فالمنقسم أعم من المنقسم إليه ; فالموجود ينقسم إلى جوهر وغيره، كالعرض، ~~والجوهر ينقسم إلى نام وغيره، كالجماد، والنامي ينقسم إلى حيوان وغيره، ~~كالنبات، والحيوان ينقسم إلى إنسان وغيره، كالفرس. # وقولنا: هذا الشيء عام بالإضافة إلى ما تحته، أو عام بالقياس إلى ما ~~تحته، أو بالنسبة، أو بالنظر إلى ما تحته واحد، وإنما تختلف الألفاظ، وقد ~~سبق في أول الكتاب عند تعريف العلم بحث طويل فيما يتعلق بالعموم والخصوص ~~ويناسب هذا البحث. # PageV02P464 # وألفاظ العموم أقسام: # أحدها: ما عرف باللام غير العهدية، وهو إما لفظ واحد، نحو: السارق ~~والسارقة، أو جمع له واحد من لفظه، كالمسلمين والمشركين، والذين، أو لا ~~واحد له منه كالناس، والحيوان، ms0567 والماء، والتراب. # الثاني: ما أضيف من ذلك إلى معرفة، كعبيد زيد، ومال عمرو. # الثالث: أدوات الشرط، كمن: في من يعقل، وما: فيما لا يعقل وأي فيهما. ~~وأين في المكان، ومتى وأيان في الزمان. # الرابع: كل وجميع. # الخامس: النكرة في سياق النفي. أو الأمر، نحو: أعتق رقبة، على قول فيه، ~~وإلا لما خرج عن عهدة الأمر بعتق أي رقبة كان. # ثم قيل: العام الكامل: هو الجمع لقيام العموم بصيغته، ومعناه وبمعنى غيره ~~فقط. فهذه الأقسام تقتضي العموم وضعا، ما لم يقم دليل التخصيص أو قرينته ~~عندنا، وقالت الواقفية: لا صيغة للعموم، وهذه الأقسام بالوضع لأقل الجمع، ~~وما زاد مشترك بينه وبين الاستغراق كالنفر بين الثلاثة إلى العشرة، وقيل: ~~لا عموم فيما فيه اللام، وقيل: لا عموم إلا فيه، وقيل: لا عموم في النكرة ~~إلا مع «من» ظاهرة أو مقدرة، نحو: ما من إله إلا الله، ولا إله إلا الله. # قوله: «وألفاظ العموم أقسام» ، إلى ~~آخره. # لما فرغ من تعريف العام، وانقسامه إلى مطلق وإضافي، أخذ في بيان ### | ألفاظ العموم # أي التي يستفاد منها العموم وهي خمسة أقسام: # PageV02P465 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أحدها: «ما عرف باللام غير ~~العهدية» ، أي: التي ليست للعهد، وهو يعني هذا القسم - من ألفاظ العموم إما ~~لفظ واحد، نحو: السارق والسارقة، أو جمع، ثم الجمع إما أن يكون له واحد من ~~لفظه، كالمسلمين والمشركين، والذين جمع الذي، نحو: {الذين أنعمت عليهم} ، ~~أو لا يكون له واحد من لفظه، كالناس والحيوان والماء والتراب، إذ لا يقال ~~فيه: ناسة، ولا حيوانة، ولا ماءة، ولا ترابة ; لأن هذه ألفاظ وضعت لتدل على ~~جنس مدلولها لا على آحاده منفردة. # وقولنا: «ما عرف باللام غير العهدية» احتراز مما عرف بلام العهد ; فإنه ~~لا يكون عاما لدلالته على ذات معينة، نحو: لقيت رجلا ; فقلت للرجل، وربما ~~جاء ذكرها في موضع آخر إن شاء الله تعالى. # وحاصل هذا القسم من ألفاظ العموم أنه إما واحد أو جمع، والجمع إما له ~~واحد من لفظه، أو لا واحد له من لفظه، ms0568 ومن أمثلته: النساء، والخيل، والنعم، ~~واحدها: امرأة، أو ناقة، أو جمل، أو فرس. # ومن أمثلة هذا القسم من ألفاظ العموم قوله عز وجل: {إن الإنسان لفي خسر} ~~[العصر: 2] ، إذ اللام فيه جنسية لا عهدية، بدليل صحة الاستثناء منه بقوله ~~سبحانه وتعالى: {إلا الذين آمنوا} الآية [العصر: 3] . # القسم «الثاني: ما أضيف من ذلك» ، أي: من ألفاظ العموم المذكورة، إلى ~~معرفة، كعبيد زيد، ومال عمرو ; فالأول لفظ جمع، والثاني اسم جنس، أضيفا إلى ~~معرفة ; فتقتضي عموم العبيد والمال، حتى لو قال: رأيت عبيد زيد، وشاهدت مال ~~عمرو، اقتضى ذلك أن الرؤية والمشاهدة كانت لجميع # PageV02P466 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ذلك، وإنما وقع المثال هاهنا وفي ~~الأصل بلفظ الجمع والجنس المضاف إلى معرفة، وبقي اللفظ المفرد، نحو: ~~السارق، والزانية، وهو إذا أضيف إلى معرفة لا يقتضي العموم ; لأنه لا جمع ~~في لفظه، بخلاف عبيد ومال ; لأن فيهما جمعا حقيقيا في نحو: عبيد زيد، أو ~~معنويا في نحو: مال زيد، والمال جنس يشمل أنواعا، أما السارق والزاني ~~ونحوهما، فلم يوضع لفظه ليدل على جمع لفظي ولا معنوي، بل ليدل على ذات ~~متصفة بفعل صدر عنها، أو قام بها، وليس من لوازم ذلك جمع ولا إفراد إلا ~~بطريق الفرض. # القسم «الثالث» : من ألفاظ العموم ### | «أدوات الشرط» ، # نحو: «من فيمن يعقل، وما فيما لا يعقل، وأي فيهما» ، أي: في العقلاء ~~وغيرهم، نحو: أي الرجال لقيت، وأي الدواب ركبت، «وأين في المكان، ومتى ~~وأيان في الزمان» . # وأمثلة ذلك: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} [الطلاق: 2] ، من أحيا أرضا ~~ميتة فهي له ; فهو إشارة إلى العقلاء. {ما عندكم ينفد وما عند الله باق} ~~[النحل: 96] # PageV02P467 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ، {وما عند الله خير للأبرار} [آل ~~عمران: 198] ، على اليد ما أخذت حتى تؤدي. فهو إشارة إلى ما لا يعقل من ~~المال والرزق. # PageV02P468 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ويقال: لما نزلت: {إنكم وما تعبدون ~~من دون الله حصب جهنم} [الأنبياء: 98] ، قال ابن الزبعرى: خصمت محمدا ; ~~لأنه قد عبدت الملائكة والمسيح، أفهم حصب جهنم؟ فقال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم: ما أجهلك بلغة قومك، إن ms0569 الله عز وجل قال: {إنكم وما تعبدون من ~~دون الله} ، ولم يقل: ومن تعبدون. إشارة إلى الفرق بين العقلاء وغيرهم، ثم ~~نزل تخصيص # PageV02P469 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الملائكة والمسيح بقوله تعالى: {إن ~~الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} [الأنبياء: 101] ; إما ~~تأكيدا لما فهم من لفظ ما، أو تنزلا مع الخصم وكشفا للبس عنه. # وكذلك يقال: إن فرعون سأل موسى عن رب العالمين جل وعلا بلفظ ما لا يعلم ~~حيث قال: {وما رب العالمين} ، قال له موسى: {رب السماوات والأرض} [الشعراء: ~~23، 24] ، الآية، قال فرعون: {إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} [الشعراء: ~~27] ; فقدح في فهم موسى عليه السلام لكونه أجابه بمن يعلم عن سؤاله بلفظ ما ~~لا يعلم. # ومثال أي: {لنعلم أي الحزبين أحصى} [الكهف: 12] ، {ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا} [الملك: 2] ، {أيا ما تدعوا} [الإسراء: 110] ، {أيما الأجلين قضيت} ~~[القصص: 28] ، والأجل ليس ممن يعقل. # ومثال أين: {أينما تكونوا يدرككم الموت} [النساء: 78] ، {فأينما تولوا ~~فثم وجه الله} [البقرة: 115] ، {وهو معكم أين ما} [الحديد: 4] ، # PageV02P470 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # {فأين تذهبون} [التكوير: 26] ، {ما ~~كنتم تدعون} [الأعراف: 37] . # ومثال متى: قول الشاعر: # متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد # ومثال أيان: قوله عز وجل: {يسألونك عن الساعة أيان مرساها} [الأعراف: ~~187، والنازعات: 42] ، في موضعين من القرآن، أي: أي وقت وقوعها، وجعل الشيخ ~~أبو محمد أين وأيان جميعا للمكان، وهو سهو، بل أين وحدها للمكان، وأيان ~~للزمان ; لأن أصلها: أي أوان يكون كذا، ثم ركبت الكلمتان بعد الحذف تخفيفا، ~~وجعلا كلمة واحدة، كما قالوا: أيش ; في: أي شيء، ونظائر ذلك كثير. ولهذا ~~قال الله عز وجل في جواب قولهم: {أيان مرساها} ، {لا يجليها لوقتها إلا هو} ~~[الأعراف: 187] ، وفي الآية الأخرى: {كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية ~~أو ضحاها} [النازعات: 46] ; فأجاب بالزمان. وكذلك قوله عز وجل: {وما يشعرون ~~أيان يبعثون} [النحل: 21] ، أي: لا يعلمون أي زمن يبعثون فيه، وكذلك اعتبر ~~الأدوات بجوابها ; فما كان ; فأضفها إليها. # PageV02P471 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فإذا قيل لك: من عندك؟ قلت: زيد أو ~~عمرو، ولا تقول: فرس أو جمل ممن لم ms0570 يعقل. # وإذا قيل لك: ما عندك؟ قلت: فرس أو بغل، ولا تقل: زيد أو عمرو ; فما لما ~~لا يعقل. وقد سبق مثال أي في إضافتها إلى العقلاء وغيرهم. # وإذا قيل لك: أين كنت؟ قلت: في المسجد، ولا تقل يوم الجمعة، ولا غيره من ~~الأزمنة ; فأين للمكان. # وإذا قيل لك متى أو أيان قمت؟ قلت: يوم الجمعة أو السبت، ولا تقل: في ~~المسجد أو السوق ; فمتى وأيان من أدوات الزمان. # وواحدة الأدوات أداة، وهي الآلة. # القسم الرابع ": من ألفاظ العموم ### | : كل وجميع، # وما تصرف منها، نحو قوله عز وجل: {كل نفس ذائقة الموت} [آل عمران: 185] ، ~~{كل شيء هالك} [القصص: 88] ، {الله خالق كل شيء} [الزمر: 62] ، {ولكل أمة ~~أجل} [الأعراف: 34] ، {أم يقولون نحن جميع منتصر} [القمر: 44] ، {فسجد ~~الملائكة كلهم أجمعون} [ص: 73] . # قال بعض العلماء: أفاد بقوله: أجمعون في الآية، اتحاد زمان سجودهم، ولم ~~يستفد ذلك من كل، إنما أفادت أن السجود يوجد من كل واحد منهم، أما كون ذلك ~~في زمن واحد ; فإنما استفيد من أجمعون، وكذلك فرق ثعلب في " أماليه " بين ~~جميعا ومعا ; فالأول يفيد # PageV02P472 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الاجتماع المطلق، والثاني يفيد ~~المعية والاقتران، نحو: قام زيد وعمرو جميعا، أي: اجتمعا في وجود القيام من ~~كل منهما، وقام زيد وعمرو معا، أي: اجتمعا في القيام مصطحبين فيه في زمن ~~واحد اقترن قيام كل منهما بقيام الآخر. # القسم «الخامس» : من ألفاظ العموم ### | «النكرة في سياق النفي أو الأمر» ، # مثال النفي: قوله عز وجل: {ولم تكن له صاحبة} [الأنعام: 101] ، {ولم يكن ~~له شريك في الملك} [الإسراء: 111] ، {ولم يكن له كفوا أحد} [الإخلاص: 4] ، ~~{ولا يحيطون بشيء من علمه} [البقرة: 255] . # ومثال الأمر: قوله: «أعتق رقبة على قول فيه» ، أي: في هذا قولان: # أحدهما: لا يعم ; لأنه مطلق كما ذكر في بابه، والمطلق ليس بعام لما سبق ~~في حد العام. # والثاني: أنه يعم ; لأن قوله: أعتق رقبة لو لم يكن عاما، لما خرج المأمور ~~عن عهدة الأمر بعتق أي رقبة كانت، لكنه يخرج بذلك، وهو يدل على أنه يقتضي ~~العموم. ms0571 # وفي هذا نظر ; لأنه إنما خرج عن عهدة الأمر بذلك ; لأنه مأمور برقبة ~~مطلقة، والمطلق يكفي في امتثاله إيجاد فرد من أفراده ; لأن الواجب فيه ~~تحصيل الماهية، وهي حاصلة بفرد ما من أفراده، كما لو قال: صل صلاة، أو: صم ~~يوما. والله تعالى أعلم. # PageV02P473 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «ثم قيل ### | : العام الكامل» ، # إلى آخره. هذا قول البستي فيما حكى الشيخ أبو محمد. وحاصل كلامه أن لفظ ~~الجمع ; كالمسلمين والمشركين، أكمل في باب العموم من غيره من ألفاظ العموم ~~كالمفرد المعرف باللام، نحو: الزاني، والسارق، والفرق بينهما أن العموم قام ~~بصيغة الجمع ومعناه. # وتحقيق ذلك أن لفظه يفيد التعدد كما أن معناه متعدد، بخلاف اللفظ المفرد، ~~فإن التعدد إنما هو في مدلوله لا في لفظه ; فإنا إذا قلنا: الرجال، دل هذا ~~اللفظ بوضعه على جماعة متعددة من ذكور بني آدم، بخلاف الرجل والسارق ; فإنه ~~إنما يدل بوضعه على واحد وهو ذات اتصفت بالسرقة، وعموم مدلوله إنما ~~استفدناه من دليل منفصل، وهو كون هذا اللفظ أريد به الجنس أو غير ذلك. # فعلى هذا: الجمع الذي له واحد من لفظه، كالمؤمنين، والذي لا واحد له من ~~لفظه، كالناس، والجمع المضاف، كعبيد زيد، وكل وجميع أكمل عموما من أدوات ~~الشرط، ومن النكرة في سياق النفي نحو: لا رجل في الدار ; لأن ألفاظها ليست ~~جمعا بالوضع على حد الرجال والمسلمين، وأدوات الشرط والنكرة المذكورة أكمل ~~من المفرد المعرف ; لأن ألفاظها وإن لم تكن صرائح في الجمع كما ذكرنا ; فهي ~~موضوعة له وتفيده بالجملة. # PageV02P474 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فهذا شرح قوله: «العام الكامل هو ~~الجمع لقيام العموم بصيغته ومعناه جميعا وبمعنى غيره فقط» . # قوله: «فهذه الأقسام» ، إلى آخره، أي: هذه أقسام ألفاظ العموم المذكورة ~~تقتضي العموم عندنا بالوضع، أي: بقصد واضع اللغة، إفادتها للعموم ما لم يقم ~~دليل أو قرينة تدل على تخصيصه كما يأتي إن شاء الله سبحانه وتعالى، أو على ~~أن المراد بها الخصوص ; فيكون من باب إطلاق العام وإرادة الخاص. # «وقالت الواقفية: لا صيغة للعموم، تدل عليه بالوضع» . وأما الأقسام ms0572 ~~الخمسة المذكورة ; فهي بالوضع تدل على أقل الجمع على ما ذكر فيه بعد، وما ~~زاد على أقل الجمع مشترك بينه، أي: بين أقل الجمع، وبين الاستغراق. # واعلم أن هذه العبارة هي معنى عبارة «الروضة» ، وكلتاهما لا تحصل ~~المقصود، ولا يتحصل منها تحقيق المراد، والعبارة الصحيحة عبارة الشيخ أبي ~~حامد حيث قال: وقالت الواقفية: لم توضع، يعني الألفاظ المذكورة، لعموم ولا ~~لخصوص، بل أقل الجمع داخل فيه بحكم الوضع، وهو بالإضافة إلى استغراق ~~الجميع. أو الاقتصار على أقل الجمع، أو تناول صنف # PageV02P475 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وعدد بين الأقل والاستغراق مشترك ~~يصلح لكل واحد منهما. # قلت: وصورة هذا الكلام أن قولنا: المسلمين أو الرجال مثلا يتناول أقل ~~الجمع بحكم الوضع، ثم هذا اللفظ بعينه مشترك بين جميع الرجال وثلاثة منهم ~~وما بين ذلك كالعشرة والعشرين ; فيقال لجنس الذكور من بني آدم: رجال، ~~وللثلاثة منهم رجال، ولما فوق ذلك رجال بالاشتراك. وحاصل ذلك كله أن اللفظ ~~مشترك بين المقادير الثلاثة، وهي أقل الجمع والاستغراق وما بينهما من ~~المقادير، ومع ذلك كله لا يجوز أن يقصر لفظ العموم على ما دون أقل الجمع ; ~~لأنه متناول له بحكم الوضع، واشتراك لفظ العموم بين المقادير الثلاثة ~~المذكورة كاشتراك النفر بين الثلاثة إلى العشرة، إذ الثلاثة تسمى نفرا، ~~وكذلك الأربعة والخمسة والستة، إلى العشرة، كل واحد منها يسمى نفرا ; فلفظ ~~النفر يطلق على سائر هذه المقادير بالاشتراك، أي: هو موضوع لكل واحد منها ; ~~فكذلك لفظ الرجال موضوع لصنفهم المستغرق لهم وللثلاثة منهم، ولما بين ذلك ~~من مقادير أعدادهم. # «وقيل: لا عموم فيما فيه اللام» ، كالرجل والسارق. # وقيل: لا عموم إلا فيما فيه اللام. # «وقيل: لا عموم في النكرة إلا مع من ظاهرة أو مقدرة، نحو: ما من إله إلا ~~الله» ، وما بالربع من أحد «ولا إله إلا الله» ، ونحوه ; لأن من فيه مقدرة، ~~هذه الأقوال المذكورة في «المختصر» . # PageV02P476 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وأصله في مذاهب الناس في ألفاظ ~~العموم وهي خمسة. # وقال الآمدي: ذهبت المرجئة إلى أن العموم لا صيغة له في اللغة تخصه، ms0573 وذهب ~~الشافعي وأكثر الفقهاء إلى أن الصيغ المذكورة حقيقة في العموم مجاز فيما ~~عداه. # ومنهم من عكس الحال، يعني أنها مجاز في العموم حقيقة في غيره. # ومنهم من خالف في عموم اسم الجمع واسم الجنس المعرف دون غيره كأبي هاشم. # واختلف قول الأشعري في الاشتراك والوقف، ووافقه القاضي أبو بكر في الوقف. # ومنهم من وقف في الأخبار والوعد والوعيد دون الأمر والنهي. # قال الآمدي: والمختار أن الصيغ المذكورة حجة في الخصوص لتيقنه والوقف ~~فيما وراء ذلك. عدنا إلى الكلام على ما في «المختصر» . # PageV02P477 # لنا وجوه: # الأول: إجماع علماء الأمة من الصحابة وغيرهم على التمسك بعمومات الكتاب ~~والسنة وكلام العرب ما لم يوجد دليل مخصص. وكانوا يطلبون دليل الخصوص، لا ~~العموم، وهم أهل اللغة. # الثاني: أن صيغ العموم تعم حاجة كل لغة إليها ; فيمتنع عادة إخلال الواضع ~~الحكيم بها مع ذلك. # الثالث: أن من قال: اقطع السارق، واجلد الزاني، واقتل المشركين، وارحم ~~الناس، والحيوان، وعبيدي أحرار، وما لي صدقة، ومن جاءك فأكرمه، وأي رجل ~~لقيت فأعطه درهما، وأين وأيان ومتى وجدت زيدا فاقتله، وكل أو جميع من دعاك ~~فأجبه، ولا رجل في الدار، يفهم العموم من ذلك كله في عرف أهل اللسان. # الواقفية ما زاد على أقل الجمع يحتمل إرادته وعدمها ; فلا يثبت بالشك، ~~ولأن الدليل على وضع هذه الصيغ للعموم ليس عقليا، إذ لا أثر للعقل في ~~اللغات، ولا نقليا، إذ تواتره مفقود، وآحاده لا يفيد العلم، ولأن العرب ~~استعملتها في الخصوص والعموم ; فأفاد الاشتراك، وإلا كان جعلها موضوعة ~~لأحدهما تحكما. # وأجيب: بأن دعوى الشك وعدم الدليل مع ما ذكرناه من الإجماع لا يسمع، ~~واستعمالهم لها في الخصوص مجاز بقرائن. # الآخر: اللام تستعمل للاستغراق، ولبعض الجنس، وللمعهود فبم تختص بالعموم. # قلنا: بالقرينة، إذ وجود المعهود قرينة تصرفها إليه، وإلا فإلى الجنس. ثم ~~هي تستغرق المعهود إذا صرفت إليه. فكذا الجنس إذا صرفت إليه، # . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . . . . . . . . . . . # PageV02P478 # وحينئذ استعمالها في بعض الجنس مجاز كاستعمالها في ~~بعض المعهود مجاز لقرينة، وجواب الآخر حصل بما سبق. ms0574 # الآخر: يحسن ما عندي رجل بل رجلان، بخلاف: ما عندي من رجل. # قلنا: النفي إذا وقع على النكرة، اقتضى نفي ماهيتها وهي لا تنتفي إلا ~~بانتفاء جميع أفرادها، وهذا قاطع ; فوجب تأويل ما ذكرت على أن قوله: بل ~~رجلان قرينة أنه لم يرد نفي الماهية، بل إثبات ما أثبت منها. # قوله: «لنا» ، أي: على أن الألفاظ ~~المذكورة موضوعة لإفادة العموم وجوه: # أحدها: أن علماء الأمة من الصحابة وغيرهم أجمعوا على التمسك بعمومات ~~الكتاب والسنة وكلام العرب من الألفاظ المذكورة، إلا أن يوجد مخصص ; فيخصون ~~به العموم، وكانوا في اجتهادهم واستدلالهم إنما يطلبون دليل الخصوص ليخصوا ~~به العموم، لا دليل العموم مع وجود الصيغ المذكورة ; فكانوا يجعلون ألفاظ ~~العموم المذكورة أسا يعتمدون عليه، فإذا ظهر لهم مخصص، أعملوه بحسبه، وهم ~~أهل اللغة ; فدل على أنهم فهموا منها العموم لغة بالوضع، إذ الأصل عدم ~~القرائن المنضمة إليه لتفيده. # فمن ذلك أنهم استدلوا على إرث فاطمة رضي الله عنها من أبيها صلى الله ~~عليه وسلم، بعموم قوله عز وجل: {يوصيكم الله في أولادكم} [النساء: 11] ، ~~حتى روى أبو بكر رضي الله عنه حديث: نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا ~~صدقة، فخصوا به العموم. # PageV02P479 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ولما نزلت: {لا يستوي القاعدون من ~~المؤمنين غير} ، قال ابن أم مكتوم: إني ضرير البصر ; فنزل قوله عز وجل: ~~{غير أولي الضرر} [النساء: 95] ; فخصه وغيره من أولي الضرر من العموم. # وقد سبقت حكاية ابن الزبعرى في قوله تعالى {إنكم وما تعبدون من دون الله ~~حصب جهنم} [الأنبياء: 98] ، الآية، في قضايا كثيرة غير ذلك. # فهذا إجماع من العلماء من أهل اللغة وغيرهم أن الصيغ المذكورة للعموم. # الوجه «الثاني: أن صيغ العموم تعم حاجة كل لغة إليها» ، وإذا كان كذلك، ~~امتنع في العادة إخلال الواضع الحكيم بها مع عموم الحاجة إليها. # أما أن الحاجة تعم إليها في كل لغة ; فلأن اللغة إنما جعلت للإبانة عما ~~في نفوس العقلاء، وكما يحتاج العاقل إلى البيان عن المسمى الخاص، كالرجل ~~ونحوه، كذلك يحتاج إلى البيان ms0575 عن المسمى العام، كالرجال ونحوهم ; لأن الكل ~~يخطر في النفوس ويتعلق ببيانه الغرض. وأما أنه يمتنع في العادة إخلال # PageV02P480 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الواضع بوضع صيغ العموم ; فلأنا ~~فرضناه حكيما ; فلو أخل بهذه المصلحة العامة، لم يكن حكيما هذا خلف. # فإن قيل: عندكم لا يجب على الله تعالى رعاية المصالح ; فلعله أخل بهذه ~~المصلحة، لعدم وجوبها عليه. # قلت: إن منعنا أن واضع اللغة هو الله عز وجل، لم يلزمنا هذا السؤال، وإن ~~سلمناه ; فهو معارض بأن اللغة من مقدمات التكليف الذي لا يمكن إلا به ; فلو ~~كلفهم بدونه، لزم تكليف ما لا يطاق. # فإن قيل: لا نسلم أنه لا يمكن التكليف بدون اللغة لجواز أن يخلق في قلوب ~~المكلفين علوما يدرك كل واحد منهم بها ما في قلب صاحبه. # قلنا: فذلك أيضا غير واجب ; فجاز أن يتركه لعدم وجوبه كما قلتم في اللغة، ~~وحينئذ يدور الأمر بين وضع لغة يتفاهمون بها، وبين خلق علوم يدركون بها ما ~~في نفوسهم ; فترجح وضع اللغة بإرادة الله عز وجل. # الوجه الثالث: أن إطلاق الألفاظ المذكورة يفهم منها العموم في عرف أهل ~~اللسان ; فتكون للعموم. أما أنها يفهم منها العموم ; فلأن «من قال: اقطع ~~السارق، واجلد الزاني، واقتل المشركين، وارحم الناس والحيوان، وعبيدي ~~أحرار، ومالي صدقة، ومن جاءك فأكرمه، وأي رجل لقيت # PageV02P481 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فأعطه درهما، وأين وأيان ومتى وجدت ~~زيدا ; فاقتله، وكل أو جميع من دعاك فأجبه، ولا رجل في الدار» فإن أهل ~~اللسان يفهمون العموم من ذلك كله على ما دلت عليه أقاويلهم ووقائعهم في ~~محاوراتهم، وثبت ذلك عنهم بالنقل المفيد للعلم لمن استقرأ ذلك. # وأما أنهم إذا فهموا العموم من هذه الألفاظ تكون للعموم ; فلما سبق من ~~أنهم أهل اللغة، وقد فهموا ذلك منها، والأصل عدم القرائن ; فتعين أن تكون ~~دالة عليه بالوضع. # فثبت بهذه الوجوه الثلاثة أن الصيغ المذكورة موضوعة للعموم، ومما يدل على ~~أن للعموم صيغة موضوعة ما صح في الحديث أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا ~~يقولون في تشهدهم: السلام على الله قبل عباده ms0576 الصالحين، السلام على جبريل، ~~السلام على ميكائيل، السلام على فلان، وفلان ; فقال لهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم: لا تقولوا هكذا، ولكن قولوا: السلام علينا وعلى عباد الله ~~الصالحين ; فإنكم إذا قلتم ذلك ; فقد سلمتم على كل عبد لله صالح. ووجه ~~دلالته أنه عليه السلام أخبر أن مقتضى لفظ # PageV02P482 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الصالحين في اللغة العموم ~~والاستغراق، وحسبك به من أهل اللغة والصدق. # قوله: «الواقفية» ، أي: احتج الواقفية على أن الصيغ المذكورة ليست ~~للعموم، بل لما ذكروه قبل بوجوه: # أحدها: أن أقل الجمع متحقق الإرادة من الصيغ المذكورة، نحو الرجال، وما ~~زاد عليه يحتمل أن يكون مرادا وأن لا يكون، وإذا احتمل واحتمل ; فلا تثبت ~~إرادته بالشك والاحتمال مع أن الأصل عدم إرادته ; فيستصحب حاله. # الوجه الثاني: أن الدليل على وضع هذه الصيغ للعموم إما أن يكون عقليا أو ~~نقليا، والأول باطل، إذ لا أثر ولا مدخل للعقل في اللغات ; لأن طريقها ~~التوقيف، أو الاصطلاح. والثاني باطل أيضا ; لأن النقل إما تواتر أو آحاد، ~~والتواتر مفقود، إذ لو نقل أن هذه الصيغ للعموم بالتواتر، لاشتركنا فيه ~~جميعا، ولم يختص به أحد الفريقين كسائر القضايا المتواترة، وأما نقله بطريق ~~الآحاد ; فهو غير مفيد للعلم، بل للظن ; فلا يثبت به هذا الأصل العام ~~العظيم الخطر. # الوجه الثالث: أن العرب استعملت هذه الصيغ في الخصوص تارة، وفي العموم ~~أخرى على ما عرف من كلامهم المنقول عنهم، وذلك يدل على أنها مشتركة بين كل ~~ما استعملوها فيه من الاستغراق وأقل الجمع وما بينهما، فلو لم تجعل ~~للاشتراك، لكان جعلها موضوعة لأحد الأمور المذكورة تحكما وترجيحا من غير ~~مرجح، وهو باطل ; فثبت بهذه الوجوه أن العموم لا صيغة له بالوضع. # PageV02P483 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # - قوله: «وأجيب» ، أي: عن هذه ~~الوجوه التي ذكرها الواقفية. # أما عن الوجه الأول والثاني فقولهم: ما زاد عن أقل الجمع مشكوك فيه ; فلا ~~يثبت بالشك. وقولهم: إن الدليل على أنها للعموم إما العقل، أو النقل، ~~وكلاهما منتف. # قلنا: هذا لا يسمع مع ما ذكرناه من إجماع العلماء على ms0577 التمسك في العموم ~~بالصيغ المذكورة ; لأنه استدلال مصادم للإجماع. ثم نقول: هب أن ما زاد على ~~أقل الجمع يحتمل أنه مراد من الصيغة، ويحتمل أنه غير مراد، لكن ليس ~~الاحتمالان على السواء، بل احتمال إرادته أظهر وهكذا نقول: إن دلالة صيغ ~~العموم عليه ظاهرة لا قاطعة. # وأما قولهم: الدليل على ذلك إما عقلي أو نقلي. # قلنا: نقلي. # قولهم: تواتره مفقود. # قلنا: لا نسلم، بل هو موجود لمن استقرأ كلام أهل اللغة، ونظر في وقائعهم، ~~وإنما لم يحصل لكم العلم بأنها للعموم ; لأنكم لم تستقرئوا مواقعها في ~~اللغة ومخاطبات أهلها، والتواتر إنما يفيد العلم من شارك في سببه، وإلا ~~لاشترك أهل الشرق والغرب في كل قضية تواترية عندهم، وهو باطل بالضرورة. # سلمناه، لكن قولكم آحاده لا يفيد العلم. # قلنا: نعم، لكن المسألة ظنية لا تتوقف على إفادة العلم. وهذا معنى قوله: ~~«وأجيب» عن الوجهين الأولين «بأن دعوى الشك، وعدم الدليل مع ما ذكرناه من ~~الإجماع لا يسمع» . # PageV02P484 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وأما عن الوجه الثالث، وهو أن ~~العرب استعملت الصيغ المذكورة في العموم والخصوص ; فبأن استعمالهم لها في ~~الخصوص على جهة المجاز بقرائن أفادت التجوز، وذلك لا ينفي كونها للعموم ~~بالوضع. # قوله: «الآخر» ، أي: احتج الآخر وهو الذي قال: لا عموم فيما فيه اللام، ~~فإن اللام تستعمل للاستغراق تارة. نحو: {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] ، ~~{إن المتقين في جنات ونهر} [القمر: 54] ، ولبعض الجنس تارة، نحو: شربت ~~الماء، وأكلت الخبز، والمراد بعضه بالضرورة. وللمعهود تارة نحو: لقيت ~~الدابة ; فركبت الدابة، وقوله عز وجل: {كما أرسلنا إلى فرعون رسولا} {فعصى ~~فرعون الرسول} [المزمل: 16] ، أي: الرسول المعهود في الخطاب، وإذا كانت ~~تستعمل في هذه المعاني فبأي شيء تختص بإفادة العموم، وهل ذلك إلا ترجيح بلا ~~مرجح. # قوله: «قلنا بالقرينة» ، أي: قلنا: إنما استعملت في بعض الجنس وفي ~~المعهود بالقرينة. أما في بعض الجنس ; فلأن من قال: شربت الماء، علمنا ~~بقرينة العقل أنه إنما يريد بعض الماء، وهو قدر ما يذهب عطشه لاستحالة أن ~~يشرب كل ماء في الأرض بل في ms0578 الوجود. وأما في المعهود ; فلأن وجود المعهود ~~قرينة تصرف اللام إليه، فإن لم يوجد معهود، وجب صرفها إلى الجنس، وهو ~~المراد بالعموم ; فاستعمالها في المعهود وبعض الجنس بالقرينة لا بالوضع حتى ~~يكون صرفها إلى العموم تحكما. # قوله: «ثم هي تستغرق المعهود» ، إلى آخره. هذا إلزام قياسي للخصم، ~~وتقريره أن المعهود بعض موارد اللام كما ذكرت، ثم هي إذا استعملت للمعهود، ~~استغرقته، وتناولت جميعه ; فكذا ينبغي في الجنس إذا # PageV02P485 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # استعملت فيه أن تستغرقه وهو المراد ~~بالعموم. وهذا مع ما قبله من أن استعمالها في المعهود وبعض الجنس بالقرينة ~~يفيد أنها للعموم بحق الأصل. # قوله: «وحينئذ استعمالها في بعض الجنس مجاز كاستعمالها في بعض المعهود» . ~~هذا تقرير لكون استعمال اللام في بعض الجنس مجازا. وتقريره أنه حيث ثبت بما ~~سبق أن اللام تستغرق المعهود والجنس إذا استعملت فيهما، دل على أن ~~استعمالها في بعض الجنس مجاز، كما أنها إذا دلت على بعض المعهود لقرينة، ~~كان ذلك مجازا، كما إذا قال: لقيت جمعا من الرجال والصبيان ; فأمرت الجمع ~~بالصلاة، فإن اللام إنما تنصرف إلى بعض الجمع وهم المكلفون دون الصبيان ~~بقرينة وضع القلم عنهم. # قوله: «وجواب الآخر» ، يعني الذي قال: لا عموم إلا فيما فيه اللام، «حصل ~~بما سبق» من الوجوه الثلاثة الدالة على أن غير اللام من الصيغ المذكورة ~~تقتضي العموم أيضا، وهي إجماع العلماء على التمسك في العموم بها، واقتضاء ~~حكمة الواضع وضعها للعموم، وفهم العموم من إطلاقها في عرف اللسان، وقد تقرر ~~ذلك كله. # قوله: «الآخر» ، أي: احتج الآخر، وهو الذي يقول: لا عموم في النكرة إلا ~~مع من ظاهرة أو مقدرة، وتقرير حجته أنه يحسن أن يقال: ما عندي رجل، بل ~~رجلان، ولا يحسن أن يقال: ما عندي من رجل بل رجلان، وذلك يدل على أن: ما ~~عندي من رجل يعم لامتناع إثبات # PageV02P486 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الزيادة عليه لإفضائه إلى التناقض ~~في عرف اللسان، وأن ما عندي رجل، لا يعم لجواز الزيادة عليه وعدم إفضائه ~~إلى التناقض في عرف اللسان، ولا فرق ms0579 بين الصورتين إلا إثبات من وعدمها ; ~~فدل على أنها هي المؤثرة في العموم في هذا الباب، ويلحق بثبوتها تحقيقا ~~ثبوتها تقديرا، لاشتراكهما في المعنى، وسر هذا التقدير أن من موضوعة ~~للدلالة على الجنس، فإذا دخل النفي عليها تحقيقا أو تقديرا، كما سبق مثاله، ~~أفاد نفي الجنس وهو معنى الاستغراق والعموم، وإذا لم يدخل عليها، لم يفد ~~نفي الجنس، بل نفي الشخص المذكور مبهما. # مثاله: ما في الدار من رجل، يقتضي نفي جنس الرجال من الدار، وما في الدار ~~رجل، يقتضي نفي رجل واحد مبهم من جنس الرجال، ولذلك جاز أن يخبر بإثبات ~~زيادة عليه، نحو بل عندي رجلان أو أكثر، ومن ثم وجب بناء لا مع النكرة ~~بعدها، نحو لا رجل في الدار، قالوا: لأن هذا جواب سائل سأل ; فقال: هل من ~~رجل في الدار؟ والجواب يجب أن يكون طبق السؤال ; فتقدير الجواب لا من رجل ~~في الدار لكن حذفت «من» من الجواب لدلالتها عليه في السؤال. ثم ضمن الكلام ~~معناها، # PageV02P487 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فبني، كما أن خمسة عشر لما تضمنت ~~معنى واو العطف في خمسة وعشرة، بنيت لأن الاسم إذا تضمن معنى الحرف أشبه ~~الحرف من جهة إفادته معناه ; فبني كما يبنى الحرف. # قولنا: «قلنا: النفي» إلى آخره. هذا جواب دليل هذا القائل. # وتقريره أن النفي إذا وقع على النكرة، اقتضى نفي ماهيتها، وماهيتها لا ~~تنتفي إلا بانتفاء جميع أفرادها، كما إذا قال: لا صلاة بغير طهور ; فإنه ~~نفي لماهية الصلاة، وهو لا يحصل إلا بانتفاء جميع أفراد الصلاة بغير طهور ~~في جميع الأوقات والأماكن. وهذا الدليل قاطع في العموم، وحينئذ يجب تأويل ~~ما ذكرت أيها الخصم من الدليل على عدم العموم ; لأنه غير قاطع، وما ذكرناه ~~قاطع، وإذا اجتمع القاطع وغيره، كان تقديم القاطع ما لم يعارضه معارض أولى. # ووجه تأويل ما ذكرته من الدليل هو أن قوله: ما عندي رجل، لو اقتصر عليه، ~~لاقتضى العموم بما ذكرناه من الدليل، لكن قوله: بل رجلان، قرينة دلت على ~~أنه لم يرد نفي ms0580 ماهية الرجل، بل نفي واحد من الجنس، وإثبات ما أثبت منه، ~~وهو اثنان ; فكان ذلك قرينة متصلة صارفة عن إرادة العموم، كما لو قال: كل ~~الرجال رأيت إلا جعفرا، والله تعالى أعلم. # PageV02P488 # ثم هنا مسائل: # الأولى: أقل الجمع ثلاثة، وحكي عن المالكية، وابن داود، وبعض الشافعية، ~~والنحاة أنه اثنان. # لنا: إجماع أهل اللغة على الفرق بين الجمع والتثنية في التكلم والتصنيف، ~~وعدم نعت أحدهما وتأكيده بالآخر ; نحو: رجال اثنان، أو رجلان ثلاثة، أو ~~الرجال كلاهما، أو الرجلان كلهم، وصحة: ليس الرجلان رجالا، وبالعكس. # قالوا: {هذان خصمان اختصموا} [الحج: 19] ، {وإن طائفتان من المؤمنين ~~اقتتلوا} [الحجرات: 9] ، {نبأ الخصم إذ تسوروا} [ص: 21] ، وكان اثنين {إن ~~تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} [التحريم: 4] وحجب الأم إلى السدس بأخوين، ~~وهما في الآية بلفظ الجمع، الاثنان فما فوقهما جماعة، ومعنى الجمع حاصل في ~~التثنية، وهو الضم. # وأجيب: بأن الخصم والطائفة يقعان على القليل والكثير أو جمع ضمير ~~الطائفتين باعتبار أفرادهما، و (قلوبكما) تثنية معنوية فرارا من اجتماع ~~تثنيتين في كلمة واحدة، ولولا الإجماع لاعتبر في حجب الأم ثلاثة، كمذهب ابن ~~عباس ; ولما قال لعثمان: ليس الأخوان إخوة في لسان قومك، احتج بالإجماع، ~~وما منع والاثنان جماعة في حصول الفضيلة حكما لا لفظا، إذ الشارع يبين ~~الأحكام لا اللغات، والآخر قياس في اللغة أو طرد للاشتقاق، وهما ممنوعان. # . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . . . . . . . . . . . # PageV02P489 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «ثم هنا مسائل» ، أي: بعد أن ~~انتهى الكلام في حد العام، ومراتبه، وإثباته بالحجة، ودفع شبه النفاة له ~~على ما مر، وذلك كالقاعدة الكلية للباب ; فهاهنا مسائل كالجزئيات له: # «الأولى ### | : أقل الجمع # ثلاثة» ، عند الأكثرين منهم الأئمة الأربعة إلا مالكا، «وحكي عن المالكية ~~وابن داود الظاهري وبعض الشافعية والنحاة أنه اثنان» ، وحكاه أيضا في ~~«المحصول» عن القاضي أبي بكر والأستاذ أبي إسحاق وجمع من الصحابة ~~والتابعين. وحكى الآمدي القول الأول عن ابن عباس وأبي حنيفة والشافعي وبعض ~~أصحابه ومشايخ المعتزلة، والثاني عن عمر، وزيد بن ثابت ومالك وداود والقاضي ~~أبي بكر، والأستاذ أبي إسحاق والغزالي وبعض الشافعية. # «لنا» ms0581 على الأول وجوه: # أحدها: أن أهل اللغة أجمعوا «على الفرق بين التثنية والجمع في التكلم ~~والتصنيف» . # أما في التكلم ; فلأنهم يقولون: رجلان ورجال، وأما في التصنيف ; فلأنه ما ~~من كتاب في العربية إلا ويوجد فيه باب التثنية وباب الجمع، وأن رفع التثنية ~~بالألف والنون، نحو: الزيدان، ورفع الجمع بالواو والنون، نحو: الزيدون، ~~وحيث أجمعوا على الفرق بين التثنية والجمع، وعلى الفرق بين # PageV02P490 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ضمير الاثنين والجمع، نحو: ضربا ~~وضربوا، ويضربان ويضربون، وضاربان، وضاربون، دل على أن الاثنين ليسا جمعا، ~~وهو المطلوب. # فإن قيل: يجوز أنهم فرقوا بينهما فرقا نوعيا بمعنى أن التثنية نوع جمع، ~~لكنه اختص بما أوجب إفراده بالذكر في التكلم والتصنيف، كما أن الإنسان نوع ~~من الحيوان، ويفرد عنه بحده وخواصه، وهذا سؤال قوي على هذا الدليل. # والجواب عنه بالطريق العام، هو أن الجواز لا يكفي في الثبوت، بل لا بد من ~~دليل زائد عليه، ونحن لا ننازع في جواز أن أقل الجمع اثنان، لكن في ثبوته ~~ووقوعه ; فأين دليله؟ وما ذكرتموه من الأدلة على ذلك معارض بجوابه وبأدلتنا ~~; فيسقط، ويبقى الأصل، وهو عدم دعواكم. # الوجه الثاني: لو كان الاثنان أقل الجمع، لجاز لفت أحدهما بالآخر، لكن ~~ذلك لا يجوز ; فلا يكون الاثنان أقل الجمع. # أما الملازمة ; فلأن أقل الشيء يصدق عليه اسم ذلك الشيء وحقيقته، كما أن ~~أقل الماء ماء، وأن أقل العدد عدد، وإنما قلنا ذلك ; لأن معنى أقل الشيء ~~أنه شيء في نهاية القلة، وذلك يقتضي أن الاثنين جمع في نهاية القلة ; فيكون ~~مشاركا لأكثر الجمع في ماهية الجمع، وذلك يقتضي جواز نعت أحدهما بالآخر ~~باعتبار الماهية المشتركة، أو يخبر عنه به، وأما انتفاء اللازم ; فلأنه لا ~~يجوز أن يقال: هؤلاء رجال اثنان، ولا هذان رجلان ثلاثة، ولا يقال: الرجال ~~رجلان، ولا الرجلان رجال، وانتفاء اللازم يوجب انتفاء الملزوم، # PageV02P491 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وذلك يقتضي أن الاثنين ليسا أقل ~~الجمع ; فلا يكون ذلك جمعا. # الوجه الثالث: لو كان الاثنان أقل الجمع، لجاز تأكيد أحدهما بالآخر، لكن ~~ذلك لا يجوز ; فلا ms0582 يكون الاثنان أقل الجمع. وتقرير الملازمة ما سبق في ~~الوجه قبله. وأما انتفاء اللازم ; فلأنه لا يصح أن يقال: قام الرجال ~~كلاهما، ولا قام الرجلان كلهم ; فدل ذلك على ما ذكرناه. # الوجه الرابع: أنا قدمنا في اللغات أن صحة النفي تدل على انتفاء الحقيقة، ~~ولا شك في صحة قولنا: ليس الرجلان رجالا، وبالعكس، ليس الرجال رجلين، وذلك ~~يدل على أن الاثنين ليسا جمعا حقيقة، كما أن الرجال ليس تثنية حقيقية ; ~~فثبت بهذه الوجوه أن الاثنين ليسا جمعا بالحقيقة، وإنما يطلق عليهما جمعا ~~بطريق المجاز عند من يطلقه. # قوله: «قالوا: {هذان خصمان} » ، أي: قال المخالفون: الدليل على أن أقل ~~الجمع اثنان وجوه: # أحدها: قوله تعالى: {هذان خصمان اختصموا في ربهم} [الحج: 19] ، وخصمان ~~مثنى، والضمير في اختصموا ضمير جمع، وقد رده إلى خصمان، والضمير يجب أن ~~يطابق ما يرجع إليه ; فدل على أن خصمان مطابق لضمير الجمع، وذلك يقتضي كونه ~~جمعا ; فإذن خصمان جمع، وهو مثنى ; فالمثنى أقل الجمع ; لأن ما قبله إلا ~~الواحد، وليس بجمع بالإجماع. # الوجه الثاني: قوله عز وجل: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} # PageV02P492 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # [الحجرات: 9] ; فرد إلى المثنى ~~ضمير الجمع، والتقرير ما سبق. # الوجه الثالث: قوله عز وجل: {وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب} [ص: ~~21] ، وكان الخصم المذكور اثنين، بدليل قوله سبحانه وتعالى بعد: {خصمان بغى ~~بعضنا على بعض} إلى قوله: {إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة} ~~[ص: 22، 23] وقد رد ضمير الجمع إلى الاثنين كما سبق. # الوجه الرابع: قوله عز وجل: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} ~~[التحريم: 4] ; فجمع القلب، والخطاب لاثنين ; فدل على أنهما جمع. # الوجه الخامس: قوله عز وجل: {فإن كان له إخوة فلأمه السدس} [النساء: 11] ~~; فأثبت لأمه السدس مع الأخوة وهم جمع، والجمهور على أنها تحجب من الثلث ~~إلى السدس بأخوين ; فدل على أنهما جمع. # الوجه السادس: قوله عليه السلام: الاثنان فما فوقهما جماعة. # PageV02P493 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وتقريره: الاثنان جماعة فما فوقهما ~~فأخبر عن الاثنين بأنهما جماعة، وهو نص في المقصود، وهو صلى ms0583 الله عليه ~~وسلم، من أهل اللغة. # الوجه السابع: أن معنى الجمع الضم، وهو حاصل في التثنية، إذ التثنية ضم ~~اسم إلى مثله، والجمع ضم اسم إلى أكثر منه، وذلك يفيد أن التثنية نوع جمع ~~باعتبار القدر المشترك بينهما، وهو الضم، كما أن الإنسان نوع حيوان باعتبار ~~المشترك بينهما، وهو الحيوانية ; فثبت بهذه الوجوه أن التثنية أقل الجمع. # قوله: «وأجيب» أي: عن هذه الوجوه. # أما عن الثلاثة الأول ; فبأن «الخصم والطائفة يقعان على القليل والكثير» ~~. # PageV02P494 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يقال: هذا رجل خصم، ورجلان خصم، ~~ورجال خصم ; لأنه من باب الوصف بالمصدر، نحو: رجل ضيف، ورجال ضيف، وقال ~~الله عز وجل: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين} ~~[التوبة: 122] ، ويكفي في ذلك واحد ; لأن خبره مقبول في التعليم والتحذير. ~~وقال الله عز وجل: {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} [النور: 2] ، ~~والمراد جماعة منهم، وإذا كان الخصم والطائفة يقعان على القليل والكثير، لم ~~يبق في الآيات حجة على أن الاثنين أقل الجمع، لجواز أنهم في جميع الآيات ~~أكثر من اثنين، أو يقال في الطائفتين: إنه جمع ضميرهما باعتبار أفرادهما ; ~~لأن الطائفة غالبا تطلق على أفراد متعددة ; فجمع الضمير باعتبار أفراد ~~الطائفتين، وثناهما باعتبار مجموع كل واحدة منهما، وكذا الكلام في: {هذان ~~خصمان اختصموا} [الحج: 19] ; لأنها نزلت في علي بن أبي طالب وعمه حمزة ~~وعبيدة بن الحارث حين بارزوا عتبة بن ربيعة وأخاه وابنه الوليد يوم بدر ; ~~فكل خصم من الخصمين في الآية ثلاثة ; فهما جميعا ستة ; فجمع الضمير باعتبار ~~الأفراد، وهي ستة، وتثنية الخصم باعتبار الكفر والإيمان اللذين اختصموا ~~فيهما. # وأما عن الرابع، وهو قوله عز وجل: {فقد صغت قلوبكما} [التحريم: 4] فمن ~~وجهين: # PageV02P495 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أحدهما - وهو الذي في «المختصر» -: ~~أن هذه تثنية معنوية، أي: هي تثنية في المعنى، وإن كانت جمعا في اللفظ، ~~وذلك لأن التثنية على ضربين: لفظية: وهي إلحاق الاسم المفرد ألفا ونونا ~~ليدلا على أن معه مثله، نحو: زيدان وهندان ومسلمان ومسلمتان، ومعنوية: وهو ~~ما أضيف من ذلك إلى اثنين ; فيجتمع فيه ms0584 تثنيتان ; فيستثقل ; فيرد إلى الجمع ~~تخفيفا مثل: قلوبهما، ورؤوسهما وظهورهما، وبطونهما، إذ تثنيته اللفظية: ~~قلباهما ورأساهما، وظهراهما وبطناهما، وقد يخرج على أصله كقول الشاعر: # ظهراهما مثل ظهور الترسين. # فجمع بين اللفظية والمعنوية. # والوجه الثاني: ذكره في المعالم وغيره، وهو أن القلب قد يطلق على # PageV02P496 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الميل الحاصل في القلب ; فيقال ~~للمنافق: إنه ذو قلبين، والمؤمن له قلب واحد، ولسان واحد، وإذا كان هذا ~~سائغا، وجب حمل القلوب على الإرادات الحاصلة في القلب بطريق المجاورة، كما ~~سمي العقل قلبا ; لأنه محله في قوله عز وجل: {إن في ذلك لذكرى لمن كان له ~~قلب} [ق: 37] . # قلت: ويقوي هذا التأويل ما رواه عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة في ~~قوله تعالى: {فقد صغت قلوبكما} [التحريم: 4] ، قال: مالت قلوبكما. # قلت: والصغو: الميل، وهو الإرادة، وقد يتعدد لتقلب القلب مرة كذا، ومرة ~~كذا ومنه في الحديث: يا مقلب القلوب. وقول الشاعر: # وما سمي الإنسان إلا لأنسه ... ولا القلب إلا أنه يتقلب # وأما عن الخامس: وهو أن الإخوة جمع وقد حجبت الأم إلى السدس # PageV02P497 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # باثنين ; فبأن نقول: لولا الإجماع، ~~لاعتبر في حجب الأم ثلاثة، كمذهب ابن عباس رضي الله عنهما، ولهذا لما قال ~~ابن عباس لعثمان رضي الله عنهم: لم حجبت الأم بالاثنين من الإخوة، وإنما ~~قال الله تعالى: {فإن كان له إخوة فلأمه السدس} [النساء: 11] ، وليس ~~الأخوان إخوة في لسانك ولا لسان قومك؟ فقال له عثمان: لا أنقض أمرا كان ~~قبلي، وتوارثه الناس، ومضى في الأمصار. فاحتج عثمان بالإجماع، وما منع أن ~~الأخوين ليسا إخوة، ولو كانا إخوة في اللغة ولو لغة قوم من العرب وإن شذوا، ~~لرد على ابن عباس، وقال له: بلى، الأخوان إخوة في لساني أو لسان بني فلان ~~حملا للقرآن على ظاهره ; لأنه الواجب ما أمكن، فلما عدل عن ذلك إلى ~~الإجماع، دل على صحة ما قاله ابن عباس من أن الأخوين ليسا إخوة في لغة ~~العرب، وهو يدل على أن التثنية ليست جمعا وهو المطلوب. # وأما عن السادس ; فبأن المراد ms0585 بالاثنين جماعة في حصول فضيلة الصلاة جماعة ~~من حيث الحكم الشرعي، لا من حيث اللفظ اللغوي ; لأن الشارع إنما يبين ~~الأحكام التي بعث لبيانها لا اللغات التي عرفت من غيره. # PageV02P498 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وأما عن السابع - وهو قولهم: معنى ~~الجمع الضم، وهو حاصل في التثنية - فبأن هذا «قياس في اللغة أو طرد ~~للاشتقاق وهما ممنوعان» ، أما كونه قياسا في اللغة ; فلأنكم حكمتم على ~~التثنية بأنها جمع بجامع الضم المشترك بينهما. وأما كونه طردا للاشتقاق ; ~~فلأنكم لما بينتم أن الجمع هو الضم، طردتم معناه ; فأطلقتم الجمع حيث وجد ~~الضم. وأما كونهما ممنوعين: أما القياس فقد سبق الخلاف فيه، لكنا رجحنا ~~جوازه في اللغة ; فلا يصح منا هاهنا منعه. ولكن الجواب الصحيح أن يقال: هذا ~~القياس هاهنا فاسد ; لأنه مبني على أن اللغة في تسمية الجمع المتفق عليه هي ~~الضم المطلق، وهو ممنوع، بل هي ضم خاص، وهو ضم شيء إلى أكثر منه. وحينئذ ~~يمتنع قياس التثنية عليه، أو يبقى قياسا شبهيا ضعيفا لا يعبأ به. وأما طرد ~~الاشتقاق، فإن الاشتقاق يلاحظ فيه خصوصية المحل، كما سبق تقريره في القياس ~~اللغوي. وحينئذ يمتنع طرده، وإلا لصح أن يسمى الجمل ضيغما، وكل مدبر ~~دبرانا، وكل مستقر لشيء قارورة، لوجود الضيغم، والإدبار والاستقرار وهو ~~باطل. # إذا ثبت هذا ; ففائدة هذه المسألة أن كل حكم علق على جمع ; فإنه لا يحصل ~~إلا بثلاثة منه على المشهور، مثل أن يقول: لله علي أن أتصدق بدراهم، أو ~~أصوم أياما، أو أصلي ركعات، أو أعتق عبيدا أو إماء، أو أتوضأ مرات، أو ~~أتمضمض بغرفات، أو حلف بالطلاق ليتزوجن زوجات، أو قالت له زوجته: طلقني على ~~دراهم، أو اخلعني على ما في يدي من الدراهم، فلم يكن في يدها شيء، أو قال ~~لها: أنت طالق طلقات، أو أقر لغيره بدراهم أو # PageV02P499 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # دنانير مطلقة، وتعذر البيان من جهة ~~المقر إلى غير ذلك من الأحكام، يلزمه الإتيان بثلاثة مما ذكر على المشهور ~~ما لم يدل دليل خارج على مقدار من العدد معين، وقياس قول ms0586 الخصم يكفيه ~~اثنان. والله تعالى أعلم بالصواب. # PageV02P500 # الثانية: الاعتبار فيما ورد على سبب خاص بعمومه خلافا ~~للمالكية وبعض الشافعية. # لنا: الحجة في لفظ الشارع لا في سببه، وأكثر أحكام الشرع العامة وردت ~~لأسباب خاصة، كالظهار في أوس بن الصامت، واللعان في شأن هلال بن أمية. # قالوا: لولا اختصاص الحكم بالسبب، لجاز إخراجه بالتخصيص، ولما نقله ~~الراوي لعدم فائدته. ولما أخر بيان الحكم إلى وقوعه، ولأنه جواب سؤال ; ~~فتجب مطابقته له. # قلنا: السبب أخص بالحكم من غيره ; فلا يلزم جواز تخصيصه، وفائدة نقل ~~السبب بيان أخصيته بالحكم، ومعرفة تاريخه بمعرفة تاريخه، وتوسعة علم ~~الشريعة. والتأسي بوقائع السلف، وتأثير نقله شبهة في وقوع مثل هذا الخلاف. ~~وهو رحمة واسعة، وتخفيف. إلى غير ذلك. وتأخير بيان الحكم إلى وقوع السبب من ~~متعلقات العلم الأزلي ; فلا يعلل، كتخصيص وقت إيجاد العالم به، وإلا انتقض ~~بالأحكام الابتدائية الخالية عن أسباب لما اختصت بوقت دون ما قبله وبعده. # والواجب تناول الجواب محل السؤال، والسبب، لا المطابقة المدعاة إذ لا ~~يبعد أن يقصد الشارع بالزيادة عن محل السبب تمهيد الحكم في المستقبل أو ~~تقريره. كما إذا قيل: زنى أو سرق فلان ; فقال: من زنى فارجموه، ومن سرق ~~فاقطعوه. # المسألة «الثانية: الاعتبار فيما ~~ورد على سبب خاص بعمومه لا بخصوص السبب خلافا لمالك وبعض الشافعية» . # وذكر القرافي في «التنقيح» أن العموم إذا كان مستقلا دون سببه ; فهو على # PageV02P501 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # عمومه عند أكثر المالكية، خلافا ~~للشافعي والمزني، وعن مالك: فيه روايتان. # وقال في الشرح: فيه ثلاثة مذاهب: # يختص بسببه. # لا يختص بسببه. # الثالث: الفرق بين المستقل وغيره ; فالمستقل لا يختص بسببه كقصة عويمر ~~حيث قذف امرأته ; فنزلت: {والذين يرمون أزواجهم} [النور: 6] الآية، وغير ~~المستقل يختص، كقوله عليه السلام: أينقص الرطب إذا جف؟ ، قالوا: نعم: قال: ~~فلا إذن. فقوله: لا إذن. كلام غير مستقل ; فيجب ضمه إلى السؤال، ويصير ~~تقديره: لا يباع الرطب بالتمر ; لأنه ينقص إذا جف. هكذا فهمت من سياق ~~كلامه، وإن كان الكلام في النسخة التي نقلت منها ms0587 مضطربا. وذكر الآمدي ~~تفصيلا كثيرا. # ولنرجع إلى ذكر الأدلة. # قوله: «لنا» ، أي: على أن اللفظ العام الوارد على سبب خاص لا يختص به ~~مطلقا وجهان: # PageV02P502 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أحدهما: أن الحجة في لفظ الشارع لا ~~في سببه، وإذا كان الأمر كذلك، وجب مراعاة اللفظ عموما وخصوصا كما لو ورد ~~ابتداء على غير سبب ; فلو سألت امرأة زوجها الطلاق ; فقال: كل نسائي طوالق، ~~عمهن الطلاق مع خصوص السبب. ولو سأله جميع نسائه الطلاق ; فقال: فلانة ~~طالق، اختص الطلاق بها وإن عم السبب، وكذا لو قيل: سرق زيد ; فقال: من سرق ~~فاقطعوه، عم القطع مع خصوص سببه، ولو قيل: سرق هؤلاء الجماعة ; فقال: ~~اقطعوا سارق نصاب من حرز، لاختص القطع به مع أن سببه أعم ; فدوران الحكم مع ~~اللفظ عموما وخصوصا يدل على ما ذكرناه. # الوجه الثاني: أن «أكثر أحكام الشرع العامة وردت لأسباب خاصة كورود حكم ~~الظهار في أوس بن الصامت، وحكم اللعان في شأن # PageV02P503 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # هلال بن أمية» ; فلو كان السبب ~~الخاص يقتضي اختصاص العام به، لما عمت هذه الأحكام، لكنه باطل بالإجماع. # فإن قيل: لعل هذه الأحكام عمت بدليل منفصل لا يقتضي العموم. # قلنا: الأصل عدم ذلك الدليل، واللفظ العام صالح للتعميم ; فتجب إضافته ~~إليه. # قوله: «قالوا» ، إلى آخره. هذه حجة الخصم على اختصاص العام بسببه وهي من ~~وجوه: # أحدها: لولا اختصاص الحكم بسببه الخاص، لجاز إخراجه، أي: إخراج السبب ~~بالتخصيص، لكن لا يجوز إخراجه بالتخصيص، وذلك يدل على اختصاص الحكم به. # الوجه الثاني: لولا اختصاص الحكم بسببه، لما نقل الراوي السبب ; لأن نقله ~~على هذا التقدير يكون عديم الفائدة، إذ لا فرق بين نقله وعدم نقله # PageV02P504 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # في عموم الحكم، لكن لما نقل الرواة ~~أسباب الأحكام، وحافظوا على نقلها، دل ذلك على اختصاص الحكم بالسبب. # الوجه الثالث: لولا اختصاص الحكم بسببه، لما أخر بيان الحكم إلى وقوع ~~السبب، بل كان يكون تقديم بيان الحكم قبل وقوع سببه أولى، ليصادف السبب عند ~~وقوعه حكما مبينا مستقرا، لكن التقدير أن بيان الحكم تأخر إلى حين ms0588 وقوع ~~سببه ; فدل على اختصاصه به. # الوجه الرابع: أن الحكم الوارد على سبب جواب له، وجواب السؤال يجب أن ~~يكون مطابقا له، وإنما يكون ذلك باختصاص الحكم بمحل السبب. # قوله: «قلنا» ، إلى آخره. هذا جواب الأسئلة المذكورة. # أما عن الأول، وهو قولهم: لولا اختصاص الحكم بسببه، لجاز إخراجه بالتخصيص ~~; فبوجهين: # أحدهما: في «المختصر» ، وهو أن «السبب أخص بالحكم من غيره» ، لاقتضائه له ~~«فلا يلزم جواز تخصيصه» ، مثال ذلك أن هلال بن أمية لما قذف امرأته، كان ~~قذفه لها سببا لنزول آية اللعان، وله بها اختصاص السبب بالمسبب ; فلو قيل: ~~لا تلاعن أنت وليلاعن غيرك من الناس ; لتعطلت قضيته مع أنها سبب ورود ~~الحكم، وفي هذا الجواب نظر. # والمختار في الجواب: الوجه الثاني: وهو التزام جواز تخصيص محل # PageV02P505 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # السبب إذا قام دليله، إذ التخصيص ~~إنما يكون بدليل، ولو قام الدليل الشرعي على أن اللعان غير مشروع في حق ~~هلال بن أمية، وحكم الظهار غير مشروع في حق أوس بن الصامت، لجاز، ولم يلزم ~~منه محال عقلا ولا شرعا، وتعطل قضيتهما غير لازم، لجواز أن يحكم الشرع ~~فيهما بحكم غير اللعان والظهار، بحسب ما يرد به أمر الشرع. ولو سلمنا تعطل ~~قضيتهما من حكم، لم يمتنع لجواز ردهما في ذلك إلى ما قبل الشرع من عدم ~~الحكم حتى يرد الشرع بحكم، لكن يلزم على هذا تأخير البيان عن وقت الحاجة ~~وهو غير جائز. # وأما عن الثاني - وهو قولهم: لولا اختصاص الحكم بسببه، لما نقله الراوي، ~~لعدم فائدته - ; فبأن نقول: لا نسلم أن نقل السبب لا فائدة له، بل له ~~فوائد: # منها: بيان أخصية السبب بالحكم، أي: أن السبب أخص بالحكم من غيره من صوره ~~; فيمتنع تخصيصه على ما سبق فيه. # ومنها: معرفة تاريخ الحكم بمعرفة سببه، مثل أن يقال: قذف هلال بن أمية ~~امرأته في سنة كذا ; فنزلت آية اللعان ; فيعرف تاريخها بذلك، وفي معرفة ~~التاريخ فائدة معرفة الناسخ من المنسوخ كما سبق. # ومنها: توسعة علم الشريعة بمعرفة الأحكام بأسبابها ; فيكثر ثواب ms0589 ~~المصنفين، كالذين صنفوا أسباب نزول القرآن، والمجتهدين بسعة محل اجتهادهم. # PageV02P506 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ومنها: التأسي بوقائع السلف وما ~~جرى لهم ; فيخف حكم المكاره على الناس، كمن زنت زوجته فلاعنها ; فهو يتأسى ~~بما جرى لهلال بن أمية. وعويمر العجلاني في ذلك، ويقول: هؤلاء خير مني، وقد ~~جرى لهم هذا ; فلي أسوة بهم. # ومنها: أن نقل السبب يؤثر شبهة في وقوع مثل هذا الخلاف في هذه المسألة ; ~~فإنه لو لم ينقل السبب، لما اتسع للخصم أن يدعي اختصاص الحكم، وهو، يعني ~~الخلاف في المسائل العملية، رحمة واسعة وتخفيف، لما قررناه في القواعد ~~الصغرى. إلى غير ذلك من الفوائد التي يمكن استخراجها من نقل السبب، وإذا ~~كان لنقله هذه الفوائد، لم يصح قولكم: إن نقله عديم الفائدة، لولا اختصاصه ~~بسببه حتى يلزم من نقله اختصاص الحكم به. # وأما عن الثالث، وهو قولهم: لولا اختصاص الحكم بسببه، لما تأخر بيان ~~الحكم إلى وقوعه ; فبأن نقول: تأخير بيان الحكم إلى وقوع السبب من متعلقات ~~العلم الأزلي، أي: مما تعلق به العلم الأزلي، وتعلق الأزلي بالشيء لا يعلل، ~~كتخصيص وقت إيجاد العالم به ; فلا يقال: لم تأخر بيان اللعان إلى وقت قذف ~~هذا الرجل امرأته، ولم يرد قبل ذلك أو بعده، # PageV02P507 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # كما لا يقال: لم أوجد الله عز وجل ~~هذا العالم في هذا الوقت الذي أوجده فيه دون ما قبله أو بعده؟ # وكذلك ما تعلق بتخصيص الإرادة الأزلية، نحو: لم خلق الله هذا طويلا وهذا ~~قصيرا، وكان هذا الجبل هاهنا ولم يكن هاهنا؟ . وأشباه ذلك لا يجوز ; لأنه ~~تحكم على الله عز وجل وصفاته، واعتراض غير جائز. # قوله: «وإلا انتقض بالأحكام الابتدائية الخالية عن أسباب» ، أي: لو جاز ~~أن يقال: لم اختص ورود هذا الحكم بوقت وقوع هذا السبب دون ما قبله وبعده؟ ~~لجاز أن يقال في الحكم الوارد ابتداء لا على سبب: لم ورد الآن دون ما قبله؟ ~~فكأن يقال: لم فرضت الصلاة سنة دون ما قبلها وبعدها، وكذلك في الصوم والحج ~~وغير ذلك من الأحكام، لكن هذا ms0590 لا يجوز ; فكذلك السؤال عن الحكم السببي لم ~~اختص بوقت سببه لا يجوز. # وأما عن الرابع، وهو أن الحكم جواب سؤال فتجب مطابقته له ; فبأن نقول: إن ~~عنيتم بمطابقة الحكم سببه أن لا يكون أعم منه ولا أخص ; فلا نسلم ذلك، وإن ~~عنيتم بالمطابقة أن يكون الجواب متناولا محل السؤال والسبب ; فهو صحيح، ~~لكنه لا ينافي كون الجواب أعم من سببه، إذ لا يبعد أن يقصد الشارع بالزيادة ~~عن محل السبب تمهيد الحكم وتقريره في المستقبل، كما إذا قيل: «زنى فلان أو ~~سرق فلان ; فقال: من زنى ; فارجموه، ومن سرق فاقطعوه» ، فإن فلانا قد دخل ~~في عموم من، وتناوله الجواب، ولم يناف ذلك تقرير حكم القطع في حق غيره، ~~والله تعالى أعلم بالصواب. # PageV02P508 # الثالثة: نحو: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن ~~المزابنة وقضى بالشفعة، يعم، خلافا لقوم. # لنا: إجماع الصحابة وغيرهم من السلف على التمسك في الوقائع بعموم مثله ~~أمرا ونهيا وترخيصا. وهم أهل اللغة. # قالوا: قضايا أعيان فلا تعم، ثم يحتمل أنه خاص فوهم الراوي، والحجة في ~~المحكي، لا في لفظ الحاكي. # قلنا: قضايا الأعيان تعم بما ذكرناه، وبحكمي على الواحد، والأصل عدم ~~الوهم. والحجة في عموم اللفظ كما سبق. ولا احتمال للإجماع المذكور، ولأصالة ~~عدمه. # المسألة «الثالثة: نحو: نهى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، عن المزابنة وقضى بالشفعة يعم خلافا لقوم» ، أي: ~~قول الراوي: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن كذا، وقضى بكذا، يقتضي ~~العموم، أي: يصح التمسك به في العموم في أمثال تلك القضية المحكية، نحو: ~~نهى عن بيع الغرر، وقضى بالشفعة، وحكم بالشاهد واليمين، خلافا لقوم منهم ~~إمام الحرمين، والإمام فخر # PageV02P509 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الدين، وأكثر الأصوليين ; فيما ~~حكاه الآمدي، واختار هو صحة الاحتجاج به على العموم. # قوله: «لنا» ، أي: على صحة التمسك بها في العموم أن الصحابة رضي الله ~~عنهم وغيرهم من السلف أجمعوا على التمسك في الوقائع بعموم مثل هذا اللفظ في ~~الأمر والنهي والترخيص، نحو: أمر رسول الله صلى الله عليه ms0591 وسلم، بوضع ~~الجوائح، ورجع ابن عمر إلى حديث رافع بن خديج رضي الله عنهما: نهى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، عن المخابرة، وأخذوا بحديث نهى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، عن المزابنة والمحاقلة، وعن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه. ~~وبحديث زيد: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم، في العرايا. وأشباه ذلك ~~كثير، وإجماعهم # PageV02P510 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # على ذلك دليل على صحة التمسك به في ~~العموم. # قوله: «قالوا: قضايا أعيان» ، إلى آخره. هذا دليل من منع العموم في هذه ~~الصيغ، وتقريره: أن هذه قضايا أعيان، أي: قضايا وأحكام وقعت من النبي صلى ~~الله عليه وسلم، في محال معينة ; فحكاها الرواة عنه ; فلا عموم في لفظها، ~~ولا في معناها ; فلا تقتضي العموم، ثم إن الخطاب، أو الحكم في تلك الوقائع ~~يحتمل أنه كان خاصا بشخص ; فوهم الراوي ; فظن أنه عام، كما قد ثبت أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، جعل شهادة خزيمة بن ثابت بشهادتين، ولم يجز التمسك به ~~في العموم، وإذا احتمل ما ذكرناه، لم يصح التمسك به في العموم مع تعارض ~~الاحتمال، ولأن الحجة ليست في لفظ الحاكي وهو الراوي، إنما الحجة في ~~المحكي، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم، أو فعله، نحو: أمر وقضى وحكم، ~~وذلك لا عموم فيه ; لأن الإخبار عن ذلك يصدق بوقوعه مرة واحدة، أي: يصح ~~فيمن أمر مرة واحدة أن يقال: أمر، وفيمن حكم مرة واحدة، أو قضى مرة واحدة ~~أن يقال: حكم، وقضى، وحينئذ لا يبقى على العموم دليل. # قوله: «قلنا» ، إلى آخره. هذا جواب دليلهم. وتقريره أن يقال: # PageV02P511 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قولكم: قضايا أعيان ; فلا تعم، ~~«قلنا: قضايا الأعيان تعم بما ذكرناه» ، من إجماع السلف على التمسك بها في ~~العموم، وبقوله عليه السلام: حكمي على الواحد حكمي على الجماعة. # وقولكم: يحتمل أن الخطاب خاص ; فوهم الراوي ; فظنه عاما. # قلنا: الأصل عدم الوهم، والظاهر من الصحابي العدل العارف بدلالات الألفاظ ~~أنه لا ينقل ما يشعر بالعموم إلا وهو عالم بوجوده، وإلا كان مدلسا ملبسا في ~~الدين، ms0592 وهو بعيد عنه جدا وبهذا يسقط قولهم: الحجة في المحكي لا في لفظ ~~الحاكي، بل الحجة في عموم لفظ الحاكي كما سبق في المسألة قبلها من أن ~~العبرة بعموم اللفظ. # قلت: لكن للخصم أن يقول: عموم اللفظ معتبر إذا كان لفظ الشارع، وهاهنا ~~ليس كذلك، بل هو لفظ الحاكي عن الشارع، وهو فرق صحيح ; فالأولى ما ذكرناه ~~آنفا من أن عموم لفظ الحاكي معتبر ; لأن الظاهر أنه فهم العموم، وإلا كان ~~ملبسا. # قوله: «ولا احتمال» أي: ليس هاهنا احتمال لا في فهم الراوي العموم من ~~الخطاب الخاص ولا في لفظه لوجهين: # أحدهما: الإجماع المذكور من السلف على التمسك به في العموم، وذلك ينفي ~~الاحتمال، أو ينفي كونه معتبرا، وإلا وقع الخطأ في الإجماع. # الوجه الثاني: أن الأصل عدم الاحتمال. وهذا معنى قوله: «ولا احتمال # PageV02P512 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # للإجماع المذكور، ولأصالة عدمه» ، ~~أي: عدم الاحتمال. # قلت: قد وقع في أثناء البحث في المسألة ما يشعر بأن النزاع فيها لفظي من ~~جهة أن المانع للعموم ينفي عموم لفظ الصيغ المذكورة، نحو: أمر وقضى وحكم، ~~وهو صحيح كما تقرر، والمثبت للعموم يثبته فيها من دليل خارج، وهو إجماع ~~السلف على التمسك بها، وقوله عليه السلام: حكمي على الواحد حكمي على ~~الجماعة. فظهر أن دليل الخصمين ليس متواردا على محل واحد. والأقرب أن يقال: ~~إن التعميم في المسألة حاصل بطريق القياس الشرعي، كما قال أبو زيد الدبوسي ~~في. . . # وبيان ذلك أنا إذا رأينا النبي صلى الله عليه وسلم، قد حكم بحكم، أو قضى ~~بقضاء في واقعة معينة، ثم حدثت لنا واقعة مثلها سواء، قلنا: الحكم فيها كذا ~~; لأن النبي صلى الله عليه وسلم، حكم به في واقعة كذا، وهذه الواقعة مثلها ~~; فليكن الحكم فيها كذلك ; لأن حكم المثلين واحد. أما أن يكون قضاؤه عليه ~~السلام بحكم في واقعة معينة منزلا منزلة قوله: هذا الحكم هو حكم الله في ~~هذه الواقعة ونظائرها، أو كلما وقعت هذه الواقعة ; فاحكموا فيها بهذا الحكم ~~; فهذا بعيد جدا والله تعالى أعلم بالصواب. ms0593 # PageV02P513 # الرابعة: خطاب الناس، والمؤمنين، والأمة، والمكلفين ~~يتناول العبد لأنه منهم. وخروجه عن بعض الأحكام لعارض، كالمريض، والمسافر، ~~والحائض. ويدخل النساء في خطاب الناس، وما لا مخصص لأحد القبيلين فيه، ~~كأدوات الشرط دون ما يخص غيرهن، كالرجال والذكور. أما نحو: المسلمين، وكلوا ~~واشربوا [البقرة: 187] ; فلا يدخلن فيه عند أبي الخطاب والأكثرين، خلافا ~~للقاضي، وابن داود، وبعض الحنفية، فإن أرادوا بدليل خارج أو قرينة فاتفاق. ~~وإلا فالحق الأول. # لنا: القطع باختصاص الذكور بهذه الصيغ لغة، وقول أم سلمة: «يا رسول الله، ~~ما بال الرجال، ذكروا ولم تذكر النساء ; فنزل:» {إن المسلمين والمسلمات} ~~[الأحزاب: 35] ; ففهمت عدم دخولهن في لفظ المؤمنين وهي من أهل اللغة، وإلا ~~لما سألت، ولكان (والمسلمات) ونحوه تكرارا. # قالوا: متى اجتمعا، غلب المذكر. ولو أوصى لرجال ونساء، ثم قال: أوصيت ~~لهم، دخلن، وأكثر خطاب الله تعالى للقبيلين بالصيغ المذكورة. # قلنا: بقرائن، لشرف الذكورية، والإيصاء الأول. # المسألة " الرابعة: خطاب الناس "، ~~أي: الخطاب الوارد مضافا إلى الناس " والمؤمنين، والأمة والمكلفين " نحو: ~~يا أيها الناس [البقرة: 21] ، {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون} ~~[النور: 31] ، {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110] ، ونحو ذلك ~~يتناول العبد، أي: يدخل فيه العبد لأنه منهم، أي: من الناس والمؤمنين ~~والأمة والمكلفين. # " وخروجه عن بعض الأحكام "، كوجوب الحج والجهاد والجمعة إنما هو لأمر ~~عارض، وهو فقره واشتغاله بخدمة سيده ونحو ذلك، " كالمريض والمسافر والحائض ~~"، يتناولهم الخطاب المذكور، ويخرجون عن بعض الأحكام، # PageV02P514 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # كوجوب الصوم والصلاة على الحائض، ~~ووجوب الصوم، وإتمام الصلاة على المسافر، ووجوب الصوم على المريض لأمر عارض ~~وهو المرض والسفر والحيض. # " ويدخل النساء في خطاب الناس، وما لا مخصص لأحد القبيلين ": يعني الرجال ~~والنساء ; " فيه كأدوات الشرط "، نحو: من رأيت ; فأكرمه ; فإنه يتناول ~~النساء " دون ما يخص غيرهن كالرجال والذكور " فإنه لا يتناولهن ; لأنهن لسن ~~رجالا ولا ذكورا. # " أما نحو المسلمين "، والمؤمنين، " وكلوا واشربوا ; فلا يدخلن فيه عند ~~أبي الخطاب والأكثرين "، منهم الشافعية والأشاعرة وجماعة من الحنفية ~~والمعتزلة، وهو اختيار الآمدي، " خلافا للقاضي " أبي يعلى، " وابن داود ~~وبعض ms0594 الحنفية " حيث قالوا: يدخلن فيه. # قلت: تلخيص محل النزاع ظاهر مما ذكر، وأزيده ظهورا بأن أقول: ما اختص ~~بأحد القبيلين من الألفاظ لا يتناول الآخر، كالرجال والذكور والفتيان ~~والكهول والشيوخ لا يتناول النساء، والنساء والإناث والفتيات والعجائز لا ~~يتناول الرجال، وما وضع لعموم القبيلين، دخلا فيه، نحو: الناس والبشر ~~والإنسان إذا أريد به النوع أو الشخص وولد آدم وذريته، وأدوات الشرط، نحو: ~~{من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها} [فصلت: 46] ، ومن صلى البردين دخل ~~الجنة. # أما قوله عز وجل: {يابني آدم} [الأعراف: 26] ; فهو في الوضع للذكور، لكن ~~يتناول الإناث بطريق التغليب عادة، وكذا لو وصى لبني # PageV02P515 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # تميم ونحوها من القبائل الكبار ~~يتناول النساء لذلك، بخلاف بني زيد أو عمرو ممن ليس أبا لقبيلة. # وأما قوله عليه السلام: يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج. ~~فهو في الأصل للذكور ; لأن الشاب يجمع على شبان وشباب، وفي المؤنث يقال: ~~شابة وشابات ; فهو كمسلم ومسلمات. نعم يتناول النساء بعموم العلة، وهو أن ~~شهوة النكاح غريزة في القبيلين، وكل منهم محتاج إلى قضائها. # وأما جمع المذكر السالم وضمير الجمع المتصل بالفعل، نحو: المسلمين، وكلوا ~~واشربوا، وقاموا وقعدوا، ويأكلون ويشربون ; ففيه النزاع المذكور. # قوله: " فإن أرادوا بدليل خارج أو قرينة ; فاتفاق، وإلا فالحق الأول "، ~~أي: إن أراد القاضي ومن وافقه بأن الإناث يدخلن في لفظ المسلمين وكلوا ~~واشربوا بدليل منفصل، أو قرينة تدل على دخولهن ; فهو متفق عليه بين الكل ; ~~لأن خلاف وضع اللفظ لا يمتنع أن يدل عليه دليل، وإن أرادوا أنهن يدخلن فيه ~~بمقتضى اللفظ وضعا ; فليس بصحيح، والحق الأول، وهو قول أبي الخطاب ومن ~~وافقه أنهن لا يدخلن في ذلك. # PageV02P516 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: " لنا " أي: على صحة القول ~~الأول وجوه: # أحدها: " القطع باختصاص الذكور بهذه الصيغ لغة "، واختصاص الإناث بغيرها، ~~وإجماع أهل اللغة على ذلك ; فيقال: مسلمون ومسلمات، وكلوا واشربوا في ~~المذكر، وكلن واشربن في المؤنث، وقالوا: جمع المذكر السالم نحو: مؤمنون، ~~وجمع المؤنث السالم نحو: مؤمنات، وإذا عبر عن كل قبيل بصيغة، ms0595 لم يتناول ~~صيغة الآخر ; فجرى ذلك مجرى اتفاقهم على الفرق بين التثنية والجمع في ~~التكلم والتصنيف حيث دل على أن الاثنين ليسا جمعا كما سبق. # الوجه الثاني: " قول أم سلمة: يا رسول الله، ما بال الرجال ذكروا ولم ~~تذكر النساء؟ فنزل: {إن المسلمين والمسلمات} [الأحزاب: 35] ، إلى آخره. ~~هكذا وقع في كتب الأصول ; فلعله رواه بالمعنى أو بعض ألفاظ # PageV02P517 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الحديث والذي روى الترمذي، من حديث ~~مجاهد، عن أم سلمة قالت: يغزو الرجال ولا تغزو النساء، وإنما لها نصف ~~الميراث ; فأنزل الله عز وجل: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} ~~[النساء: 32] ، قال مجاهد: فأنزل الله فيها: {إن المسلمين والمسلمات} ~~الآية، قال الترمذي: هو حديث مرسل. وعن أم عمارة الأنصارية أنها أتت النبي ~~صلى الله عليه وسلم ; فقالت: ما أرى كل شيء إلا للرجال، وما أرى النساء ~~يذكرن بشيء ; فنزلت هذه الآية: {إن المسلمين والمسلمات} الآية. # PageV02P518 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قال الترمذي هذا حديث حسن غريب. # ووجه الدلالة من الحديث أن المرأة من أهل اللغة، وقد فهمت عدم دخولهن في ~~لفظ المؤمنين ; فدل على أنه لا يتناول النساء، إذ لو تناولهن، لما سألت، إذ ~~كان يكون سؤالها خطأ ; فلا تستحق عليه جوابا، لكنها قد أجيبت بنزول الآية. # فإن قيل: لا نسلم أنها فهمت عدم دخول النساء في لفظ المؤمنين، وإنما فهمت ~~عدم دخولهن في لفظ الرجال حيث قالت أم سلمة رضي الله عنها: يغزو الرجال ولا ~~تغزو النساء. وقالت أم عمارة رضي الله عنها: ما أرى كل شيء إلا للرجال. ~~وعدم دخول النساء في لفظ الرجال صحيح باتفاق، لكنه ليس محل النزاع، إنما ~~الكلام في دخولهن في لفظ المؤمنين ونحوه. # فالجواب أن الجهاد ثبت وجوبه بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قاتلوا ~~الذين يلونكم من الكفار} [التوبة: 123] ، وهو كقوله: يا أيها المؤمنون، ~~وبقوله عز وجل: {وجاهدوا في الله حق جهاده} [الحج: 78] ، {قاتلوا الذين لا ~~يؤمنون} [التوبة: 29] ، اقتلوا المشركين [التوبة: 5] ، ونحوها من الآيات ~~الواردة بالألفاظ المتنازع في تناولها النساء، ثم إن سؤالها المذكور دل على ms0596 ~~أنها فهمت عدم دخولهن فيها وهو المطلوب. # PageV02P519 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وأما لفظ الرجال ; فهو من كلام أم ~~سلمة وأم عمارة، والكلام في تناول لفظ الشارع للنساء لا لفظ غيره، بل ~~قولها: " يغزو الرجال ولا تغزو النساء "، قاطع في أنها فهمت اختصاص الرجال ~~بنحو: جاهدوا وقاتلوا، وهو المطلوب. # الوجه الثالث: أن لفظ المؤمنين والمسلمين لو تناول النساء، لكان قوله عز ~~وجل: {إن المسلمين والمسلمات} [الأحزاب: 35] الآية ونحوه مثل: {والمؤمنون ~~والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} [التوبة: 71] ، تكرارا، كما لو قال: {إن ~~المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات} [الأحزاب: 35] ، والتكرار عبث. # فإن قيل: العبث هو التكرار لغير فائدة، أما التكرار لفائدة ; فليس عبثا، ~~وفائدته هاهنا تخصيص النساء بالذكر بلفظ يخصهن، وقد حصل ذلك بقوله تعالى: ~~{والمسلمات} ; فلا يكون عبثا. # فالجواب من وجهين: # أحدهما: أن الآية نزلت على السبب المذكور، وسؤال المرأة إنما كان عن عدم ~~ذكر النساء، لا عن عدم تخصيصهن بلفظ ; فلا يصح ما ذكرتم. # الثاني: أن بتقدير صحة ما قلتم يكون: والمسلمات تأكيدا، وعلى ما ذكرناه ~~يكون تأسيسا، وفائدة التأسيس أولى لأنها أكمل. # الوجه الرابع: وليس في " المختصر "، أن الجمع تضعيف الواحد ; فالمؤمنون ~~تضعيف مؤمن، وكلوا تضعيف ضمير كل، وكما أن المؤمن وكل لا يتناول الأنثى، ~~ولا يدل عليها، كذلك مؤمنون وكلوا # PageV02P520 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لا يتناول الإناث، ولا يدل عليهن. # فثبت بهذه الوجوه أن الإناث لا يدخلن في اللفظ المذكور. # قوله: " قالوا: متى اجتمعا "، إلى آخره. هذا حجة القاضي وموافقيه على أن ~~اللفظ المذكور يتناول الإناث، وهي من وجوه: # أحدها: أنه متى اجتمع المذكر والمؤنث، غلب المذكر في لغة العرب ~~واستعمالهم، كقوله عز وجل: {وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو} [طه: 123] ، ~~والخطاب لآدم وإبليس وحواء والحية ; فيتناولهما ضمير التذكير، ولو قال ~~السيد لمن بحضرته من عبيده: قوموا، واقعدوا، تناول جميعهم، ولو قال: قوموا، ~~وقمن، واقعدوا، واقعدن، لعد تطويلا وعي‍ا ولكنة، وهذا يدل على ما ذكرناه. # الوجه الثاني: لو أوصى لرجال ونساء، ثم قال: أوصيت لهم، دخل النساء في ~~الوصية الثانية مع أن " لهم " ضمير مذكر، والأصل في الإطلاق الحقيقة ; ~~فيطرد ms0597 في كل موضع. # الوجه الثالث: أن أكثر خطاب الله تعالى للقبيلين: الرجال، والنساء بالصيغ ~~المذكورة، نحو: {هدى للمتقين} [البقرة: 2] ، {وبشرى للمؤمنين} [البقرة: 97] ~~، للمحسنين [الأحقاف: 12] ، {وبشر المؤمنين} [التوبة: 112] ، {وبشر ~~الصابرين} [البقرة: 155] ، {يا أيها الذين آمنوا} [المائدة: 1] ، {أيها ~~المؤمنون} [النور: 31] ، {ياعبادي الذين آمنوا} [العنكبوت: # PageV02P521 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # 56] ، وهو كثير، وهو يتناول النساء ~~باتفاق، وإفرادهن بلفظ خاص بهن إيضاحا وتبيينا، نحو: المسلمات والمؤمنات ~~والأنثى، لا يمتنع اللفظ الصالح للعموم لهن، بل يكون ذلك من باب عطف الخاص، ~~نحو: {وملائكته ورسله وجبريل وميكال} [البقرة: 98] ، وهما داخلان في ~~الملائكة، و {فاكهة ونخل ورمان} [الرحمن: 68] ، وهما داخلان في الفاكهة، ~~{وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم} [الأحزاب: 27] ، وهما داخلان في الأموال. # قوله: " قلنا: بقرائن لشرف الذكورية، والإيصاء الأول ". # أي: قلنا: لا نسلم أن تناول الصيغ المذكورة للنساء في الوجوه التي ~~ذكرتموها بأصل الوضع، بل بقرائن لشرف الذكورية في الوجه الأول والثالث ~~ويسمى التغليب، وهو أنه إذا اجتمع المذكر والمؤنث، غلب المذكر في الخطاب ~~لشرف الذكورية، كما غلب القمر على الشمس في قولهم: القمران لشرف الذكورية ~~وخفتها ; فالتغليب يقع في اللغة لمعاني: منها: شرف الذكورية، ومنها: خفة ~~اللفظ، كتغليب عمر على أبي بكر رضي الله عنهما في قولهم: العمران، لخفة ~~الإفراد، وكذلك لو قال: يا عبادي وإمائي الذين آمنوا، ويا أيها الذين آمنوا ~~واللاتي آمن، وقوموا وقمن، كان عيا في عرف اللغة ; فلقرينة لزوم العي من ~~إفرادهن بالذكر حكمنا بدخولهن في الخطاب المذكور لا بوضع اللغة. # PageV02P522 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وكذلك في قوله: أوصيت لهم، إنما ~~تناول النساء بقرينة الإيصاء الأول ; فإنه لما صرح بالوصية لهن فيه، ثم ~~قال: أوصيت لهم، دل على أنه أراد جميع من أوصى له أولا. # قولهم: الأصل في الإطلاق الحقيقة فيطرد. # قلنا: مع القرينة لا يثبت الإطلاق ; فلا يثبت الاطراد، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. # PageV02P523 # الخامسة ### | : العام بعد التخصيص حجة # خلافا لأبي ثور، وعيسى بن أبان. # لنا: إجماع الصحابة على التمسك بالعمومات، وأكثرها مخصوص، واستصحاب حال ~~كونه حجة. # قالوا: صار مستعملا في غير ما وضع له ; فهو مجاز، ثم هو متردد بين ~~الباقي، ms0598 وأقل الجمع وما بينهما. ولا مخصص فالتخصيص تحكم. # قلنا: لا مجاز، إذ العام في تقدير ألفاظ مطابقة لأفراد مدلوله ; فسقط ~~منها بالتخصيص طبق ما خصص من المعنى ; فالباقي منها ومن المدلول متطابقان ~~تقديرا ; فلا استعمال في غير الموضوع ; فلا مجاز. # قالوا: البحث لفظي لغوي. # قلنا: بل حكمي عقلي، وإلا فعمن نقل من العرب، أو في أي دواوين اللغة هو؟ ~~ثم دعواكم المجاز مجاز، وإلا فحقيقة المجاز في المفردات الشخصية، وفي ~~المركبات الإسنادية خلاف سبق لا في العامة والجموع، وهو حقيقة عند القاضي ~~وأصحاب الشافعي، مجاز بكل حال عند قوم، وقيل: إن خص بمنفصل لا متصل. # لنا ما سبق. # المسألة «الخامسة: العام بعد ~~التخصيص حجة، خلافا لأبي ثور وعيسى بن أبان» ، أي: اللفظ العام إذا خص ~~بصورة فأكثر، هل يبقى حجة فيما بقي منه غير مخصوص؟ اختلفوا فيه. ومن ~~أمثلته: ما لو قال: اقتلوا المشركين، ثم قال: لا تقتلوا أهل الذمة إذا أدوا ~~الجزية، هل يبقى قوله: اقتلوا المشركين حجة في قتل كل مشرك عدا أهل الذمة؟ # ومنها: لو قال: فيما سقت السماء العشر، ثم قال: ليس في # PageV02P524 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الخضروات صدقة. هل يبقى الحديث حجة ~~في وجوب العشر فيما عدا الخضراوات. # ومنها: إذا قال: {حرمت عليكم الميتة والدم} [المائدة: 3] ، ثم قال: أحلت ~~لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال. هل تبقى الآية حجة في ~~تحريم ما عدا ذلك من الميتات والدماء؟ أو لو قال: {حرمت عليكم الميتة} ~~اقتضى تحريم جلدها، ثم قال: أيما إهاب دبغ فقد طهر ; فهل # PageV02P525 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # تبقى الآية حجة في نجاسة ما عدا ~~الجلد من الميتة أم لا؟ ونظائره كثيرة، وفي المسألة مذاهب: # أحدها: أن العام بعد التخصيص حجة مطلقا، وهو مذهب غالب الفقهاء. # والثاني: ليس بحجة مطلقا، وهو مذهب أبي ثور، وعيسى بن أبان. # والثالث: أنه إن خص بدليل متصل كالاستثناء والشرط ; فهو حجة، وإن خص ~~بدليل منفصل، لم يبق حجة، وهو مذهب البلخي. # والرابع: إن كان العام قبل التخصيص ممكن الامتثال دون بيان ; فهو حجة بعد ~~التخصيص، وإلا ms0599 فلا، وهو قول القاضي عبد الجبار. # والخامس: أنه يكون حجة في أقل الجمع، لا فيما زاد عليه، وهو مذهب قوم من ~~الأصوليين، وفيه غير ذلك. # قال الآمدي: واتفقوا على امتناع الاحتجاج به إذا خص تخصيصا مجملا. # قلت: لأنه إذا خص تخصيصا مجملا، بقي الباقي بعد التخصيص مجملا أيضا، ~~والعمل بالمجمل يتوقف على البيان. # عدنا إلى الكلام على ما في «المختصر» . # - قوله: «لنا» ، أي: على المذهب الأول، وهو كونه حجة بعد التخصيص مطلقا، ~~وجهان: # أحدهما: أن الصحابة أجمعوا على التمسك بالعمومات، وأكثرها مخصوص، كاحتجاج ~~علي رضي الله عنه على جواز الجمع بين الأختين # PageV02P526 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بملك اليمين بقوله عز وجل: {أو ما ~~ملكت أيمانكم} [النساء: 3] ، مع أنه # PageV02P527 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مخصوص بذوات المحارم إذا كن ملك ~~يمين لا يجوز وطؤهن، وكاحتجاج فاطمة على أبي بكر في ميراثها بعموم قوله ~~تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم} [النساء: 11] ، مع كونه مخصوصا بالكافر ~~والقاتل، # PageV02P528 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وكاحتجاج العلماء على جلد الزانيين ~~بقوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [النور: ~~2] مع أنه مخصوص بالمكرهة والمجنون والجاهل بتحريم الزنى إلى غير ذلك من ~~صور احتجاجاتهم به. فثبت أن العام بعد التخصيص حجة بالإجماع المذكور ; فمن ~~خالف بعده ; فهو محجوج به. # الوجه الثاني: استصحاب حال كون العام حجة قبل التخصيص، وتقريره أن يقال: ~~أجمعنا على أن العام قبل التخصيص حجة، والأصل بقاء ما كان على ما كان حتى ~~يقوم الدليل الناقل عن ذلك الحال. # قلت: غير أن هذا احتجاج بالإجماع في محل الخلاف وفيه ما سيأتي إن شاء ~~الله تعالى. # قوله: «قالوا» إلى آخره. هذه حجة الخصم على أن العام الباقي بعد التخصيص ~~لا يكون حجة. # PageV02P529 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وتقريره أن العام بعد التخصيص، ~~يصير مستعملا في غير ما وضع له ; فيكون مجازا: # أما الأول: فلأنه كان موضوعا للاستغراق، كالمشركين، فإذا خص منه اليهود ~~والنصارى، صار مستعملا في بعض ما وضع له، وهو غير ما وضع له ; لأنه وضع ~~لجميع ما يصلح له، وبعضه ليس كذلك. # وأما الثاني: فلما سبق في حد المجاز. # وإذا ثبت ms0600 أن العام بعد التخصيص يبقى مجازا ; فهو متردد بين الباقي بعد ~~التخصيص، وأقل الجمع وما بينهما ; فيكون مجملا، ولا مخصص لأحد الاحتمالات ~~الثلاثة بأن يحمل اللفظ عليه ; فالتخصيص بأحدهما تحكم غير جائز. # ومثال هذا بطريق التصوير: لو قال: أكرم الرجال، وفرضنا أنهم عشرون ; فهذا ~~هو مدلول العام، فإذا قال بعد ذلك: لا تكرم زيدا، بقي اللفظ الذي كان ~~موضوعا لعشرين مستعملا في تسعة عشر، وهي غير العشرين ; فيكون مجازا، ثم هو ~~بعد ذلك متردد بين أن يحمل على التسعة عشر الباقية بعد زيد المخصوص، أو على ~~أقل الجمع منهم وهو ثلاثة، أو على ما بين الثلاثة والتسعة عشر، كالأربعة ~~والخمسة إلى الثمانية عشر ; فيكون حمله على أحد المقادير الثلاثة تحكما. # قوله: «قلنا: لا مجاز، إذ العام في تقدير ألفاظ مطابقة لأفراد مدلوله ~~فسقط منها بالتخصيص طبق ما خصص من المعنى ; فالباقي منها ومن المدلول ~~متطابقان تقديرا ; فلا استعمال في غير الموضوع له ; فلا مجاز» . # PageV02P530 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # هذا الجواب: أنا أجيب به عن السؤال ~~المذكور، ولم أره لأحد، وعبارة «المختصر» وافية به، لكن ربما توقف تصوره ~~على بعض الناظرين ; فيحتاج وضوحها إلى بسط وكشف. # وتقرير ذلك أنا لا نسلم أن العام بعد التخصيص مجاز، بل هو حقيقة مستعمل ~~في موضوعه أولا، وذلك لأن اللفظ العام وإن كان واحدا، لكنه في تقدير ألفاظ ~~متعددة مطابقة لأفراد مدلوله في العدد. # مثاله: إذا قال: أكرم الرجال، وفرضنا أن جنس الرجال عشرون ; فلفظ الرجال ~~في تقدير عشرين لفظا يدل كل لفظ منها على رجل من العشرين ; فكأنه قال: أكرم ~~زيدا وعمرا وبكرا وخالدا وجعفرا وبشرا. . . كذلك حتى سمى العشرين، فإذا قال ~~بعد ذلك: لا تكرم زيدا، صار زيد مخصوصا من العشرين، وسقط لفظ اسمه المطابق ~~لمسماه تقديرا، وهو معنى قولنا: فسقط منها بالتخصيص، أي: من الألفاظ ~~التقديرية طبق ما خص من المعنى، وهو لفظ زيد المطابق لمعناه في هذه الصورة ~~; فيبقى معناه تسعة عشر شخصا من الرجال، وتسعة عشر لفظا تقديرية، هي ~~أسماؤهم، وتسعة عشر اسما تطابق ms0601 في العدد تسعة عشر شخصا مسمى. وهذا معنى ~~قولنا: فالباقي منها، أي: من الألفاظ التقديرية، ومن المدلول وهي الأشخاص، ~~متطابقان تقديرا. # وإذا ثبت أن لفظ العام بعد التخصيص مطابق لمدلوله في التقدير ; فهو # PageV02P531 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مستعمل فيما وضع له تقديرا ; فلا ~~يكون مستعملا في غير موضوعه، وإذا لم يكن مستعملا في غير موضوعه، كان ~~مستعملا في موضوعه، إذ لا واسطة بين الموضوع وغير الموضوع. وحينئذ يكون ~~حقيقة لا مجازا، وينتفي الإجمال المذكور ; فلا يكون حمله على الباقي بعد ~~صورة التخصيص تحكما بل واجبا بحكم الوضع الأصلي الثابت تقديرا، وصار قوله ~~في المثال المذكور: أكرم الرجال بمثابة قوله: أكرم الرجال التسعة عشر فلانا ~~وفلانا. . . حتى يأتي على أسمائهم. فهذا غاية الإفصاح عن جواب السؤال ~~المذكور بموجب عبارة «المختصر» . # قوله: «قالوا: البحث لفظي لغوي» ، هذا سؤال من الخصم على تقريرنا المذكور ~~لجواب دعواهم المجاز في العام المخصوص. # وتقريره أن البحث في العام بعد التخصيص لفظي لغوي أي هو من جهة اللفظ، ~~واستفادته من جهة اللغة، وما قررتموه من أن العام في تقدير ألفاظ مطابقة ~~لأفراد مدلوله هو تقدير عقلي ; فما أجبتم عن دعوانا المجاز من حيث ينبغي ~~الجواب. وحينئذ يكون جوابكم وتقريركم المذكور متناقضا، ويبقى دليلنا على أن ~~العام بعد التخصيص مجاز سالما عما يبطله ; فثبت ما ذكرناه من إجماله وأنه ~~ليس بحجة. # PageV02P532 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «قلنا» ، أي: الجواب عن هذا ~~السؤال أنا لا نسلم أن البحث في العام المذكور لفظي لغوي، بل هو حكمي عقلي، ~~أي: النظر فيه من جهة الحكم، فإن النزاع في كونه حجة بعد التخصيص وهو حكم ~~من أحكام العام لا لفظ من ألفاظه، ويتوصل إليه بالعقل بواسطة مقدمات لغوية، ~~أو بغير واسطة، «وإلا» أي: وإن لم يكن البحث هاهنا حكما عقليا، بل لفظيا ~~لغويا كما زعمتم ; «فعمن نقل من العرب» أن العام بعد التخصيص مجاز كما ~~زعمتم، أو في أي دواوين اللغة هو؟ فإن من يدعي في اللغة شيئا لا بد أن ~~ينقله عن أهل اللغة أو يعزوه إلى دواوينهم، وما ms0602 لا يتلقى عن أهل اللغة ~~ودواوينها لا يكون منها في شيء. نعم، الكلام يشتمل على لفظ ومعنى ; فحظ ~~اللغوي النظر في ألفاظه ببيان ما وضعت له، كقوله: العموم: الشمول، والعام: ~~الشامل، والتخصيص: تمييز شيء عما شاركه بحكم، وحظ النحوي بيان ما يستحقه من ~~الحركات اللاحقة لآخره إعرابا أو بناء، وحظ التصريفي بيان وزنه، وصحيحه من ~~معتله، وأصله من زائده أو بدله، وغير ذلك من أحكامه. # أما كون العام بعد التخصيص حجة أو ليس بحجة، أو حقيقة، أو مجازا ; فهذا ~~ليس حظ واحد من هؤلاء، بل حظ الأصولي، والأصولي موضوع عمله المعنى، وإنما ~~ينظر في الألفاظ بطريق العرض في مبادئ الأصول، كما سبق في اللغات ; فثبت ~~بهذا أن البحث في مسألة النزاع حكمي عقلي، وأن ما قررناه في جواب دعواكم أن ~~العام بعد التخصيص مجاز صحيح. # PageV02P533 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «ثم دعواكم المجاز مجاز» إلى ~~آخره، أي: تسميتكم العام بعد التخصيص مجازا هو مجاز أيضا، لكونكم رأيتموه ~~مستعملا في غير ما وضع له، وذلك لأن حقيقة المجاز، أي: إنما يطلق المجاز ~~على التحقيق في المفردات الشخصية، كالأسد على الرجل الشجاع، والبحر على ~~الرجل الجواد، وفي المركبات الإسنادية خلاف سبق، نحو: {وأخرجت الأرض ~~أثقالها} [الزلزلة: 2] ، وأحياني اكتحالي بطلعتك، وقد يعارضون هذا بما ~~قرروا به أن العام بعد التخصيص مجاز. # قوله: «وهو» يعني العام بعد التخصيص «حقيقة عند القاضي وأصحاب الشافعي، ~~مجاز بكل حال عند قوم. وقيل: إن خص» بدليل «منفصل» ، كان مجازا، وإن خص ~~بدليل متصل، كان حقيقة ; لأن الدليل المتصل مع العام المخصوص كالشيء الواحد ~~; فهو كالاستثناء، إذا قال: رأيت الرجال إلا زيدا هو حقيقة لا مجاز. # هذا هو المذكور من الأقوال في هذه المسألة في «المختصر» وأصله. # وذكر الآمدي أقوالا: # أحدها: أن العام بعد التخصيص حقيقة في الباقي، وهو مذهب الحنابلة، وجماعة ~~من أصحاب الشافعي. # وثانيها: أنه مجاز، وهو مذهب الغزالي، وجماعة من أصحاب الشافعي، وأصحاب ~~أبي حنيفة. # PageV02P534 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وثالثها: إن كان الباقي بعد ~~التخصيص جمعا ; فهو حقيقة، وإن لم يكن جمعا ; فهو مجاز، ms0603 وهو قول أبي بكر ~~الرازي، وجماعة من الحنفية بناء على أنه لا يجوز أن ينقص العام المخصوص عن ~~أقل الجمع. # ورابعها: إن خص بدليل متصل من شرط أو استثناء ; فهو حقيقة، وإن خص بدليل ~~منفصل ; فهو مجاز، وهو قول القاضي أبي بكر وجماعة معه. # وخامسها: إن كان المخصص شرطا أو تقييدا بصفة ; فهو حقيقة، وإلا فهو مجاز ~~حتى في الاستثناء، وهو قول القاضي عبد الجبار. # وسادسها: إن كانت القرينة المخصصة مستقلة بنفسها ; فهو مجاز، وإلا فهو ~~حقيقة. وهذا معنى قول القاضي أبي بكر. # وسابعها: إن خص بدليل لفظي ; فهو حقيقة في الباقي، وإن خص بدليل عقلي ; ~~فهو مجاز، وهو مذهب قوم من الأصوليين. # وثامنها: أنه يكون حقيقة في تناول الباقي، مجازا في الاقتصار عليه، وهو ~~مذهب آخرين منهم، وهو أفقه المذاهب في المسألة. ومعناه أنا إذا قلنا: أكرم ~~الرجال إلا زيدا ; فلفظ الرجال يتناول من عدا زيدا منهم بالوضع، كما كان ~~يتناول ذلك قبل التخصيص ; فيكون حقيقة في التناول المذكور. وأما اقتصار لفظ ~~الرجال على الدلالة على من سوى زيد ; فهو مجاز ; لأن حقه بالوضع أن يدل على ~~زيد أيضا، فلما خرج زيد بالتخصيص، صار اقتصارا بدلالة اللفظ على من عداه ~~على خلاف ما يستحقه بالوضع ; فسبب التجوز إنما دخل على اللفظ من حيث ~~اقتصاره على ما عدا صورة التخصيص، لا من حيث تناوله له فهو إذن حقيقة من ~~وجه، مجاز من وجه. # PageV02P535 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # - قوله: «لنا ما سبق» ، أي: لنا ~~على أن العام بعد التخصيص حقيقة ; ما سبق في تقرير كونه حجة من أن اللفظ ~~العام في تقدير ألفاظ متعددة مطابقة لأفراد مدلوله ; فيسقط منها بالتخصيص ~~طبق ما خص من المدلول ; فيبقى الباقي منها ومن المدلول متطابقا مستعملا في ~~موضوعه تقديرا، وقد سبق تقريره وتصويره والله تعالى أعلم. # PageV02P536 # السادسة: الخطاب العام يتناول من صدر منه. # وقال أبو الخطاب: إلا في الأمر، إذ الإنسان لا يستدعي من نفسه ولا يستعلي ~~عليها. ومنعه قوم مطلقا. بدليل: {الله خالق كل شيء} [الزمر: 62] . # لنا: المتبع ms0604 عموم اللفظ، وهو يتناوله، ولو قال لغلامه: من رأيت أو دخل ~~داري فأعطه درهما ; فرآه فأعطاه، عد ممتثلا، وإلا عد عاصيا. أما مع القرينة ~~نحو: فأهنه، أو فاضربه ; فلا ; لأنها مخصص. ويجب اعتقاد عموم العام والعمل ~~به في الحال في أحد القولين، اختاره أبو بكر، والقاضي. # والثاني حتى يبحث ; فلا يجد مخصصا اختاره أبو الخطاب وللشافعية ~~كالمذهبين. # وعن الحنفية قولان: أحدهما كالأول، والثاني أنه إن سمع من النبي صلى الله ~~عليه وسلم، على طريق تعليم الحكم فكذلك، ومن غيره فلا. ثم هل يشترط حصول ~~اعتقاد جازم بأن لا مخصص. أو تكفي غلبة الظن بعدمه، فيه خلاف. # لنا: وجب اعتقاد عمومه في الزمان حتى يظهر الناسخ ; فكذا في الأعيان حتى ~~يظهر المخصص. ولأنه لو اعتبر في العام عدم المخصص، لاعتبر في الحقيقة عدم ~~المجاز، بجامع الاحتمال فيهما، ولأن الأصل عدم المخصص ; فيستصحب. # قالوا: شرط العمل بالعام عدم المخصص، وشرط العلم بالعدم الطلب، ولأن ~~وجوده محتمل ; فالعمل بالعموم إذن خطأ. # قلنا: عدمه معلوم بالاستصحاب، ومثله في التيمم ملتزم، وظن صحة العمل ~~بالعام مع احتمال المخصص كاف، وهو حاصل، وتخصيص العموم إلى أن يبقى واحد ~~جائز، وقيل: حتى يبقى أقل الجمع. # . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . . . . . . . . . . . # PageV02P537 # لنا: التخصيص تابع للمخصص. والعام متناول للواحد. # قالوا: ليس بعام. # قلنا: لا يشترط. # المسألة «السادسة ### | : الخطاب العام يتناول من صدر منه، # وقال أبو الخطاب: إلا في الأمر» ، أي: المتكلم بكلام عام يدخل تحت عموم ~~كلامه مطلقا في الأمر وغيره، نحو قوله عليه السلام: من قال: لا إله إلا ~~الله خالصا من قلبه دخل الجنة. وقال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى ~~الدم. قالوا: ومنك؟ قال: نعم إلا أن الله أعانني عليه فأسلم. وقال: لن # PageV02P538 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يدخل الجنة أحدا عمله، قالوا: ولا ~~أنت؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل. وقوله عليه السلام: ~~صلوا خمسكم وصوموا شهركم تدخلوا جنة ربكم. # وفصل أبو الخطاب ; فقال: إن كان كلامه أمرا، لم يدخل تحته، وإن لم يكن ~~أمرا، دخل، والفرق بينهما أن الأمر ms0605 استدعاء الفعل على جهة الاستعلاء ; فلو ~~دخل المتكلم تحت ما يأمر به غيره، لكان مستدعيا من نفسه، # PageV02P539 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ومستعليا عليها، وهو محال، «ومنعه ~~قوم مطلقا» ، أي: منعوا دخول المتكلم تحت عموم كلامه مطلقا في الأمر وغيره ~~; فصارت المذاهب ثلاثة: يدخل مطلقا، وهو قول الأكثرين، لا يدخل مطلقا، وهو ~~قول الأقلين، الثالث تفصيل أبي الخطاب، يدخل تحت عموم الخبر ونحوه دون ~~الأمر والنهي. # احتج المانعون مطلقا بقوله تعالى: {الله خالق كل شيء} [الزمر: 62] ، ولو ~~تناول المتكلم عموم كلامه، للزم أن يكون الله عز وجل وصفاته مخلوقا لنفسه ~~لتناول عموم لفظ الشيء له، لكن ذلك محال. # ولنا على المذهب الأول وجهان: # أحدهما: أن المتبع عموم لفظ المتكلم وهو يتناوله كغيره. وأما الله عز وجل ~~وصفاته ; فعموم قوله سبحانه وتعالى: {الله خالق كل شيء} يتناوله وضعا، ~~ويقتضي دخوله تحته لغة، لكنه خص من العموم عقلا لامتناع ذلك في حقه عز وجل ~~واستحالته عليه. # الوجه الثاني: لو قال السيد لغلامه: من رأيت ; فأعطه درهما، أو من دخل ~~داري ; فأعطه درهما ; فرأى الغلام سيده، أو دخل السيد دار نفسه ; فأعطاه ~~الغلام درهما، عد ممتثلا «وإلا» أي: وإن لم يعطه عد عاصيا، وذلك يدل على أن ~~المتكلم يدخل تحت عموم كلامه. # قوله: «أما مع القرينة، نحو: فأهنه، أو فاضربه ; فلا ; لأنها مخصص» ، إلى ~~آخره. هو جواب سؤال مقدر. # وتقريره: أنه وإن دخل تحت عموم كلامه في الصورة التي ذكرتم، # PageV02P540 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لكنه لا يدخل في بعض الصور، وذلك ~~فيما إذا قال لغلامه: من رأيت ; فأهنه أو فاضربه ; فإنه لا يدخل تحت عموم ~~كلامه حتى لو رأى الغلام سيده ; فأهانه أو ضربه، لكان عاصيا، ولم يكن له ~~ذلك، وإذا كان المتكلم يدخل تحت خطابه في صورة دون صورة ; لم يصح قولكم: ~~إنه يتناوله مطلقا. # وتقرير الجواب: أنه في هذه الصورة ونحوها إنما خرج عن عموم كلامه ~~للقرينة، وهو أن العاقل لا يأمر بإهانة نفسه، والقرينة تخصص، وبمثل هذا ~~يجاب أبو الخطاب عن فرقه بين الأمر وغيره إن سلم له الفرق، ms0606 وهو أن يقال: ~~إنما لم يدخل المتكلم تحت عموم أمره ونهيه لاستحالة تحقق الأمر منه لنفسه، ~~لما ذكرت من تعذر استدعائه منها، واستعلائه عليها، لا لأن كلامه مطلقا لا ~~يصلح أن يتناوله، وصار استحالة تحقق الأمر منه لنفسه قرينة مخصصة للأمر عن ~~تناوله من صدر منه ; فافهم هذا، والله تعالى أعلم. # تنبيه: الخطاب الوارد على لسان الرسول، صلى الله عليه وسلم، نحو: «يا ~~أيها الناس» و «يا أيها الذين آمنوا» يتناوله كسائر المكلفين عند الأكثرين، ~~خلافا لطائفة من الفقهاء والمتكلمين. # وقال الصيرفي والحليمي: إن كان في أول الخطاب أمر بالتبليغ، نحو: قل: يا ~~أيها الناس، لم يتناوله، وإلا تناوله. # والصحيح أنه يتناوله مطلقا لعموم الصيغة، ولأن الصحابة رضي الله عنهم ~~فهموا تناول الخطاب العام له، وأقرهم على ذلك حيث أمرهم بفسخ الحج # PageV02P541 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # إلى العمرة ; فتوقفوا، وقالوا: ~~أمرتنا بالفسخ، ولم تفسخ. # وخطاب الشرع الوارد في زمن النبوة عام للموجودين في ذلك الوقت ومن بعدهم ~~خلافا لأكثر الشافعية والحنفية والمعتزلة ; احتجوا بأن المعدوم ليس أهلا ~~للخطاب ; فلا يكون الخطاب متناولا له. # ولنا الإجماع على تناول الخطاب الشرعي جميع الأمة على اختلاف طبقاتها إلى ~~يوم القيامة. وأما المعدوم ; فيصح توجه الخطاب إليه بشرط وجوده ; فهو مكلف ~~بهذا الاعتبار، والله تعالى أعلم بالصواب. # قوله: «ويجب اعتقاد عموم العام والعمل به» ، أي: إذا ورد اللفظ، وجب ~~اعتقاد كونه عاما «في الحال» ، وأن يعمل به «في أحد القولين. اختاره أبو ~~بكر والقاضي» ، والقول «الثاني» : لا يجب ذلك «حتى يبحث ; فلا يجد مخصصا، ~~اختاره أبو الخطاب، وللشافعية كالمذهبين، وعن الحنفية قولان: أحدهما: ~~كالأول» أي: يجب اعتقاد عمومه في الحال. # والقول «الثاني» : فيه تفصيل، وهو أن «العام إن سمع من النبي صلى الله ~~عليه وسلم، على طريق تعليم الحكم فكذلك» ، أي: يجب اعتقاد عمومه في الحال، ~~وإن سمع من غير النبي، صلى الله عليه وسلم، لم يجب اعتقاد عمومه حتى يبحث ~~عن المخصص، ثم إن القائلين بتوقف اعتقاد العموم على البحث عن المخصص اشترط ~~بعضهم حصول اعتقاد جازم ms0607 بعدم المخصص، وهو القاضي أبو بكر. واكتفى بعضهم ~~بحصول الظن الغالب بعدم المخصص، وهم الأكثرون، منهم: ابن سريج، وإمام ~~الحرمين، والغزالي. # قلت: هذا نقل «المختصر» ، وهو الذي في «الروضة» ، غير أن الشيخ أبا محمد ~~إنما حكى الخلاف في وجوب اعتقاد العموم فقط، ولم يتعرض # PageV02P542 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لوجوب العمل بنفي ولا إثبات، وأنا ~~ذكرت مع ذلك وجوب العمل. # وقال الآمدي: اتفق الكل على امتناع العمل بموجب العموم قبل البحث عن ~~المخصص، لكن اختلفوا في اعتقاد عمومه قبل ظهور المخصص ; فقال الصيرفي: يجب ~~اعتقاد عمومه جزما، وبظهور المخصص يزول ذلك الجزم. # وقال القاضي أبو بكر: يمتنع اعتقاد عمومه إلا بعد القطع بانتفاء المخصص، ~~ثم ضعف القولين. أما قول الصيرفي ; فلأنه إن أراد باعتقاد عمومه جزما عموم ~~اللفظ لغة ; فهو صحيح، لكن ذلك لا يزول بظهور المخصص، وإن أراد به اعتقاد ~~إرادة العموم باللفظ ; فهو خطأ ; لأن احتمال إرادة الخصوص به قائم. # وأما قول أبي بكر ; فلأنه يفضي إلى تعطيل العمومات، إذ لا طريق إلى القطع ~~بانتفاء المخصص ; لأن مدركه البحث النظري، وهو إنما يفيد غلبة الظن. # قلت: أنا واتفاقهم على امتناع العمل بالعام قبل البحث عن المخصص مع إيجاب ~~بعضهم اعتقاد وجوبه مشكل جدا، إذ لا يظهر لوجوب اعتقاد عمومه فائدة إلا ~~العمل به فعلا أو كفا ; فلو قيل لنا: قاتلوا الكفار، أو اقتلوهم، واعتقدنا ~~عمومه، وجب علينا العمل بموجبه في قتال الكفار حتى اليهود والنصارى، إلى أن ~~يأتي المخصص لهم. ولو قال الشارع: {حرمت عليكم الميتة} ، واعتقدنا عمومه، ~~وجب علينا أن نكف عن كل ميتة حتى السمك والجراد حتى يوجد المخصص لهما، وإن ~~لم يكن الأمر هكذا، لم يكن لوجوب اعتقاد عمومه فائدة. # PageV02P543 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # عدنا إلى الكلام على ما في ~~«المختصر» . # قوله: «لنا» ، إلى آخره، أي: لنا على وجوب اعتقاد العموم قبل ظهور ~~المخصص، وجوه: # أحدها: أن النسخ تخصيص في الأزمان كما أن تخصيص العام تخصيص في الأعيان، ~~ثم إن اعتقاد عموم اللفظ في الأزمان واجب حتى يظهر الناسخ ; فكذلك اعتقاد ~~عمومه في الأعيان ms0608 يجب أن يكون واجبا حتى يظهر المخصص، فإذا قيل لنا: {حرمت ~~عليكم الميتة} ; فهذا اللفظ يقتضي دوام التحريم في جميع زمن التكليف وهو ~~العموم الزماني مع احتمال أنه يرفع في بعض الأزمنة بالنسخ، ويقتضي أيضا ~~تعلق التحريم بكل فرد من أفراد الميتة، وهو العموم العيني مع احتمال أنه ~~يسقط عن بعض الأعيان كالسمك والجراد، ثم إنا في الأول لم نقل: إنا لا نعتقد ~~دوام هذا التحريم في كل زمان لاحتمال ارتفاعه في بعض الأزمان بالنسخ ; ~~فكذلك يجب أن لا نقول: إنا لا نعتقد تعلق التحريم بكل ميتة لاحتمال ارتفاعه ~~عن بعض أفرادها بالتخصيص، ولا نعني باعتقاد العموم إلا هذا. # الوجه الثاني: لو اعتبر في وجوب اعتقاد كون اللفظ عاما عدم المخصص ; ~~لاعتبر في وجوب اعتقاد كونه حقيقة عدم المجاز بجامع # PageV02P544 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الاحتمال فيهما، إذ اللفظ يحتمل ~~كونه مجازا، وإن كان الأصل فيه الحقيقة، كما أن العام يحتمل أنه للخصوص، ~~وإن كان الأصل، والظاهر فيه العموم، لكن اللفظ لا يشترط في اعتقاد حقيقته ~~عدم المجاز، كذلك العام لا يشترط في اعتقاد عمومه عدم المخصص. # الوجه الثالث: أن الظاهر العموم، والأصل عدم المخصص ; فيستصحب حاله في ~~العدم ; لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، فإن ظهر مخصص، كان بطلان ذلك ~~الاعتقاد خطأ في الاجتهاد، وهو موضوع عن العباد كسائر خطأ الحكام ~~والمجتهدين والأئمة. # قوله: «قالوا» ، إلى آخره. هذه حجة الخصم على عدم جواز اعتقاد التعميم ~~والعمل به، وتقريرها من وجهين: # أحدهما: أن «شرط العمل بالعام عدم المخصص» ; لأنه ينافيه ; فلا يجوز ~~العمل بالعموم معه، و «شرط العلم بالعدم الطلب» ، كما قلنا في طلب الماء ~~لجواز التيمم، ويلزم من ذلك أن لا يجوز العمل بالعام إلا بعد أن يطلب ~~المخصص ; فلا يوجد، وإذا لم يجز العمل بالعام، لم يجز اعتقاد عمومه، لما ~~تقرر من أن اعتقاد العموم يوجب العمل بموجبه ; لأنه فائدته. # الوجه الثاني: أن وجود المخصص محتمل قطعا ; فالعمل بالعموم مع الاحتمال ~~المذكور يكون خطأ. # PageV02P545 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «قلنا: عدمه» ، أي: عدم ~~المخصص «معلوم ms0609 بالاستصحاب» المذكور ; فيحصل شرط العمل بالعام «ومثله في ~~التيمم ملتزم» ، أي: نلتزم في عدم الماء لإباحة التيمم ما التزمناه هاهنا، ~~وهو أنا لا نوجب طلب الماء، ولا نشترطه لجواز التيمم، بل نكتفي في عدمه ~~باستصحاب حال فقده، وهو أحد القولين عن الأمام أحمد رحمه الله ومذهب جماعة ~~من الفقهاء، ودليله قوله عز وجل: {فلم تجدوا ماء فتيمموا} [المائدة: 6] ، ~~وعدم الوجدان متحقق بمجرد الفقد بدون الطلب، كقوله عز وجل: {ورأى المجرمون ~~النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا} [الكهف: 53] ، وقوله عز ~~وجل: {بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا} [الكهف: 58] ، أي: فقدوا هنالك ~~المصرف والموئل، وليس في الآية دليل على أنهم طلبوا ذلك، فلم يجدوه، ولا أن ~~الطلب شرط في عدم وجدانهم له، وقد أطلق عليه اسم الوجدان، والأصل في ~~الإطلاق الحقيقة، وذلك يدل على أن الطلب ليس شرطا لعدم الوجدان في التيمم ~~ولا غيره، وحينئذ نقول: نكتفي في عدم الماء لجواز التيمم بالتراب باستصحاب ~~حال فقده، وفي عدم المخصص لوجوب اعتقاد عموم العام والعمل به باستصحاب حال ~~فقده. # قولهم: وجود المخصص محتمل قطعا. # قلنا: نعم. # قولهم: فالعمل بالعموم مع احتمال المخصص يكون خطأ. # قلنا: لا نسلم، وإنما يكون خطأ لو كان شرط العمل بالعام القطع بانتفاء # PageV02P546 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المخصص، وقد أبطلناه، بل «ظن صحة ~~العمل بالعام مع احتمال المخصص كاف، وهو حاصل» . # قلت: المختار في المسألة ما ذكرته في أولها وهو أن اعتقاد عموم العام ~~والعمل به واجب بمجرد وروده، والدليل عليه ظاهر، وقد ذكرناه، والله تعالى ~~أعلم بالصواب. # قوله: «وتخصيص العموم إلى أن يبقى واحد جائز، وقيل: حتى يبقى أقل الجمع» ~~. # اختلفوا فيما يجوز أن ينتهي إليه تخصيص العموم ; فقيل: يجوز إلى الواحد، ~~وقيل: لا يجوز النقصان من أقل الجمع. وحكاه الشيخ أبو محمد عن أبي بكر ~~الرازي، والقفال، والغزالي، وحكى الآمدي عن القفال تفصيلا، وهو أن في «من» ~~خاصة يجوز التخصيص إلى الواحد، وفي غيرها من أدوات العموم يشترط بقاء ~~ثلاثة. وحكي عن أبي الحسين البصري أنه لا ms0610 بد وأن يبقى بعد التخصيص في جميع ~~أدوات العموم عدد يقرب من الأول وإن لم يكن محدودا، وإليه ميل إمام ~~الحرمين. # وقال القرافي: يجوز التخصيص عندنا إلى الواحد، وهو إطلاق القاضي عبد ~~الوهاب، وحكى الإمام إجماع أهل السنة على ذلك في من وما ونحوهما. # قال، يعني الإمام: وقال القفال: يجب أن يبقى أقل الجمع في الجموع ~~المعرفة. وقال أبو الحسين: لا بد من الكثرة في الكل إلا إذا استعمله الواحد ~~المعظم في نفسه، يعني فلا يعتبر بقاء الكثرة ; لأن المراد به في الأصل ~~واحد، # PageV02P547 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # كقوله عز وجل: {أتينا بها وكفى بنا ~~حاسبين} [الأنبياء: 47] . # قلت: صورة المسألة أنه إذا قال: اقتلوا المشركين، هل يجوز أن يخص حتى لا ~~يبقى مأمور بقتله إلا مشرك واحد، أو يشترط أن يبقى ثلاثة أو ما يقارب ~~المشركين المأمور بقتلهم في الكثرة، وكذلك في قوله عليه السلام: ومن بدل ~~دينه ; فاقتلوه. على التفصيل والخلاف المذكور. # قوله: «لنا» ، إلى آخره. هذا دليل المذهب الأول، وهو جواز التخصيص إلى ~~الواحد، وتقريره أن «التخصيص تابع للمخصص، والعام متناول للواحد» ، ويلزم ~~من ذلك جواز التخصيص إليه. # أما أن التخصيص تابع للمخصص ; فلأنه حيث وجد المخصص اقتضى رفع ما يطابقه ~~من العام، بمعنى أنه تبين أن مدلوله غير مراد من العموم ; فيخرج عن الإرادة ~~به. # وأما أن العام متناول للواحد ; فظاهر على ما سبق في بيانه لغة وحده ~~اصطلاحا، وهو الشمول والاستغراق. # وأما أنه يلزم من ذلك جواز التخصيص إلى الواحد ; فلأنه كلما ورد التخصيص ~~بفرد من أفراد العام، اقتضى أن ذلك الفرد غير مراد حتى ينتهي إلى الواحد، ~~وهو أقل ما يبقى من العام، أو نقول: التخصيص بيان أن بعض # PageV02P548 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # العام غير مراد بالحكم، والبعض ~~المخصوص أعم من أن يكون أقل العموم أو أكثره أو نصفه ; فما عدا الواحد يصدق ~~عليه اسم البعض ; فيجوز بيان أنه غير مراد، وهو المطلوب. # قوله: قالوا: ليس بعام، أي: قال المانعون للتخصيص إلى الواحد: إن الواحد ~~ليس بعام ; فلا يجوز التخصيص إليه. # «قلنا: لا ms0611 يشترط» أي: لا يشترط أن يكون الباقي بعد التخصيص عاما، بل هو ~~محال ; لأن العام هو المستغرق لجميع ما يصلح له، فإذا خص بفرد واحد من ~~أفراده، يخرج عن كونه مستغرقا ; فلا يصح أن يبقى بعد ذلك عاما، وكأنهم ~~يريدون أن الواحد ليس بجمع أو ليس بكثير بناء على ما فهم من مذاهبهم، أنه ~~يشترط أن تبقى الكثرة على رأي أبي الحسين، أو أقل الجمع على رأي الغزالي ~~ومن تابعه، وكل ذلك لا يشترط عملا بالدليل المذكور والله أعلم بالصواب. # PageV02P549 # الخاص ### | الخاص: # اللفظ الدال على شيء بعينه. # والتخصيص: بيان المراد باللفظ. أو بيان أن بعض مدلول اللفظ غير مراد ~~بالحكم، وهو جائز بدليل: {خالق كل شيء} [الزمر: 62] ، {تدمر كل شيء} ~~[الأحقاف: 25] . # والمخصص هو المتكلم بالخاص، وموجده. # واستعماله في الدليل المخصص مجاز. # و ### | المخصصات # تسعة: # الأول: الحس كخروج السماء والأرض من: {تدمر كل شيء} حسا. # الثاني: العقل، وبه خص من لا يفهم من عموم النص نحو: {ولله على الناس حج ~~البيت} [آل عمران: 97] . # ووجوب تأخر المخصص، وصحة تناول العام محل التخصيص ممنوع. # الثالث: الإجماع لقطعيته، واحتمال العام وهو دليل نص مخصص. # قوله: «الخاص» . # أي: هذا بيان أحكام الخاص والتخصيص والكلام عليهما، والخاص: هو «اللفظ ~~الدال على شيء بعينه» لأنه مقابل العام، والعام يدل على أشياء من غير تعيين ~~; فوجب أن يكون الخاص ما ذكرناه ; فالعام، كالرجال. والخاص، كزيد، وعمرو، ~~وهذا الرجل. # قوله: «والتخصيص: بيان المراد باللفظ، أو بيان أن بعض مدلول اللفظ غير ~~مراد بالحكم» ، هذان تعريفان للتخصيص متساويان. # مثال ذلك أن قوله سبحانه وتعالى: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم} # PageV02P550 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # [المائدة: 5] ، مخصص لقوله عز وجل: ~~{ولا تنكحوا المشركات} [البقرة: 221] ; فهو مبين أن المراد بالمشركات ما ~~عدا الكتابيات، أو أن بعض مدلول المشركات غير مراد بالتحريم، وهن ~~الكتابيات. # قوله: «وهو» ، يعني التخصيص، جائز. قال الشيخ أبو محمد: لا نعلم اختلافا ~~في جواز تخصيص العموم. # قلت: لأنه بيان كما ذكر في حده، والبيان لا خلاف فيه على ما ذكر في ~~بيانه، ms0612 بخلاف النسخ ; فإنه رفع وإبطال ; فاتجهت الشبهة في وقوعه. # قوله: «بدليل» ، أي: التخصيص جائز بدليل قوله عز وجل: {وخلق كل شيء} ~~[الأنعام: 101] ، {خالق كل شيء} [الأنعام: 102] ، وهو مخصوص بذاته سبحانه ~~وتعالى وصفاته، إذ ليست مخلوقة. وقوله سبحانه وتعالى في صفة الريح التي ~~أهلكت عادا: {تدمر كل شيء بأمر ربها} [الأحقاف: 25] ، وهو مخصوص بأشياء ~~كثيرة لم تدمرها، كالسماوات والأرض. # قلت: هذه الآية يحتج بها الأصوليون على إطلاق العام وإرادة الخاص، ولا ~~حجة فيها ; لأنها جاءت في موضع آخر مقيدة بما يمنع الاستدلال بها على ذلك، ~~وهو قوله عز وجل: {وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم} {ما تذر من شيء ~~أتت عليه إلا جعلته كالرميم} [الذاريات: 41، 42] ، والقصة واحدة ; فدل على ~~أن قوله: {تدمر كل شيء} مقيد بما أتت عليه، كأنه سبحانه قال: تدمر كل شيء ~~أتت عليه، وحينئذ يكون التدمير مختصا # PageV02P551 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بذلك ; فتكون الآية خاصة أريد بها ~~الخاص ; فلا يصح الاحتجاج بها على ما يذكرون. # قوله «والمخصص: هو المتكلم بالخاص وموجده، واستعماله في الدليل المخصص ~~مجاز» . يعني أن المخصص يستعمل حقيقة ومجازا ; فالمخصص حقيقة هو المتكلم ~~بالخاص، وهو الله تعالى ورسوله إذا صدر ذلك عنهما، ووجد منهما، والمخصص ~~مجازا هو ذلك الكلام الخاص المبين للمراد بالعام ; فالله هو المخصص ~~بالحقيقة، لنكاح الكتابيات من عموم نكاح المشركات، وقوله عز وجل: ~~{والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [المائدة: 5] ، يسمى مخصصا ~~بعرف الاستعمال مجازا، وذلك لأن التخصيص فعل، والمخصص اسم فاعل، والفعل ~~إنما يصدر حقيقة عن فاعل حقيقي، أما إسناده إلى الكلام ونحوه مما ليس بفاعل ~~حقيقي ; فهو مجاز، وجرى ذلك مجرى ما سبق من أن الناسخ بالحقيقة هو الله، ~~وإطلاق الناسخ على بعض النصوص مجاز. # قوله: «والمخصصات» ، أي: والأدلة ### | المخصصات، # يعني أدلة التخصيص «تسعة» : # - «الحس» ، أي: أحدها الحس، «كخروج السماء والأرض من» قوله عز # PageV02P552 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وجل في صفة الريح العقيم: {تدمر كل ~~شيء بأمر ربها} [الأحقاف: 25] ; فإننا علمنا بالحس أنها لم تدمر السماء ~~والأرض مع أشياء كثيرة ; فكان الحس مخصصا لذلك. # قلت: وفي ms0613 الاستدلال بالآية الكريمة نظر كما سبق في صدر الباب. # «الثاني» : من المخصصات: العقل، وبه خص من لا يفهم من عموم النص، نحو: ~~{ولله على الناس حج البيت} [آل عمران: 97] ، ونحو قوله عز وجل: {يا أيها ~~الناس اعبدوا ربكم} [البقرة: 21] ، فإن هذا الخطاب يتناول بعمومه من لا ~~يفهم من الناس، كالصبي والمجنون، لكنه خرج بدليل العقل ; فكان مخصصا للعموم ~~به، ودليل العقل المخصص له ما سبق في شروط التكليف. # قوله: «ووجوب تأخر المخصص وصحة تناول العام محل التخصيص ممنوع» هذا جواب ~~عن سؤالين مقدرين، أوردا على كون العقل مخصصا للعموم: # أحدهما: أن التخصيص بيان كما ذكر في حده ; فالمخصص مبين والمبين يجب أن ~~يكون متأخرا عن المبين، والعقل سابق في الوجود على أدلة السمع ; فلا يكون ~~مبينا لها ; فلا يكون العقل مخصصا للعموم، كالاستثناء المقدم، وكما لا يجوز ~~النسخ بدليل العقل. # PageV02P553 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # السؤال الثاني: أن محل التخصيص لا ~~بد وأن يصح تناول العام له، بدليل أنه لو لم يرد المخصص، وجب حمل اللفظ على ~~عمومه، لكن ما لا يصح وقوعه عقلا، لا يصح تناول اللفظ له لغة ولا إرادة ~~المتكلم له. وحينئذ لا عموم في اللفظ ; فلا تخصيص. # ومثاله أن ذات الباري وصفاته لا يصح خلقها عقلا ; فلا يكون قوله عز وجل: ~~{وخلق كل شيء} [الأنعام: 101] متناولا لها لغة ; فلا يكون هذا الكلام عاما ~~; فلا يكون العقل مخصصا له. هذا تقرير السؤالين، والجواب عنهما بالمنع: # أما عن الأول ; فبأن حق المخصص أن يكون متأخرا من جهة كونه مبينا لا من ~~جهة كونه موجودا، والعقل إنما سبق أدلة السمع من جهة كونه موجودا. أما من ~~جهة كونه مبينا لها ; فلا نسلم. # وتحقيق هذا، أن دليل العقل موجود دائم الوجود ; فالموجود منه بعد ورود ~~أدلة السمع هو اللاحق لها بالتخصيص والبيان، أما السابق عليها ; فلا، ويرجع ~~حاصل الأمر إلى أنه مخصص من جهة ما تأخر من وجوده عن أدلة السمع، لا من جهة ~~ما تقدم منه عليها، وعلى هذا لا يرد علينا الاستثناء المقدم. ms0614 لأنه متقدم ~~بوجوده وبيانه، والعقل إنما تقدم أدلة السمع بوجوده، وتأخر ببيانه. # ثم الفرق بين الاستثناء المقدم والعقل: أن الاستثناء المقدم لا يعد كلاما ~~ولا الناطق به متكلما، كمن قال: إلا زيدا، ثم قال بعد ذلك: قام # PageV02P554 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # القوم، بخلاف دليل العقل ; فإنه ~~يدل على أن ذات البارئ غير مخلوقة قبل دليل السمع وبعده، والمستعمل له يعد ~~مستدلا في الحالين. وأما امتناع النسخ بدليل العقل ; فلأن النسخ إما رفع ~~الحكم، أو بيان انتهاء مدة الحكم، ولا قوة للعقل على واحد منهما، إنما ذلك ~~إلى الشرع، بخلاف التخصيص ; فإنه بيان، والعقل يصح أن يكون مبينا لمراد ~~المتكلم بلفظه. # وأما عن الثاني. فبأنا لا نسلم أن محل التخصيص يجب أن يصح تناول العام ~~له. # قوله: لو لم يرد المخصص. وجب حمل اللفظ على عمومه. # قلنا: هذا محل النزاع، بل إنما يجب حمل اللفظ على ما يصح تناوله له. أما ~~ما لا يصح أن يتناوله عقلا ; فلا يحمل عليه بدليل العقل النافي للصحة، ~~وعدنا إلى رأس المسألة. # ثم قوله: ما لا يصح وقوعه عقلا لا يصح تناول اللفظ له لغة. # قلنا: لا نسلم، وإنما الممتنع إرادة المتكلم المعصوم له. وحينئذ لا يمتنع ~~أن ما لا يصح وقوعه عقلا يتناوله اللفظ لغة، ويبين العقل أنه غير مراد ~~للمتكلم المعصوم وهو المطلوب. # وإنما قيدنا هذا بالمتكلم المعصوم ; لأن غير المعصوم يصح منه أن يريد ~~بلفظ العام ما لا يصح وقوعه، لكنه يكون كاذبا فيه ; لأنه ليس معصوما من ~~الكذب، وباب الكذب مفتوح لمن أراده، والله سبحانه وتعالى أعلم. # الثالث: من مخصصات «العموم الإجماع، لقطعيته، واحتمال العام» ، أي: لأن ~~الإجماع قاطع شرعي، والعام ظاهر ; لأنه إنما يدل على ثبوت # PageV02P555 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الحكم لكل فرد من أفراده بطريق ~~الظهور لا بطريق القطع. وإذا اجتمع القاطع والظاهر كان القاطع متقدما. # قوله: «وهو» ، يعني الإجماع، «دليل نص مخصص» ، أي: أن الإجماع المخصص يدل ~~على وجود نص مخصص، كما أنه يدل على الناسخ، والأصل فيه ما يذكر إن شاء الله ~~تعالى في الإجماع، ms0615 أنه لا يكون إلا عن مستند ; فهو يدل على مستنده، ~~والتخصيص والنسخ مضاف إلى ذلك المستند، فإذا رأينا الإجماع منعقدا على ~~العمل في بعض صور العام بخلاف مقتضى العموم، علمنا أن هناك نصا على ذلك ~~العمل. # مثاله: أن الدليل العام دل على أن المعاوضات لا بد فيها من العوض ~~المعلوم، ثم رأينا الناس مجمعين على دخول الحمامات وركوب السفن بغير تعيين ~~عوض ; فاستدللنا بذلك على وجود دليل مخصص لهذه الصورة وما كان من أمثالها، ~~وهو ما ذكر في الاستحسان. # PageV02P556 # الرابع: النص: كتخصيص «لا قطع إلا في ربع دينار،» ~~لعموم {والسارق والسارقة} [المائدة: 38] ، «ولا زكاة فيما دون خمسة أوسق» . ~~لعموم: «فيما سقت السماء العشر،» وسواء كان العام كتابا، أو سنة، متقدما، ~~أو متأخرا، لقوة الخاص وهو قول الشافعية. وعن أحمد يقدم المتأخر، خاصا كان ~~أو عاما، وهو قول الحنفية، لقول ابن عباس كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث، ولأن ~~العام كآحاد صور خاصة ; فجائز أن يرفع الخاص. ولنا: أن في تقديم الخاص عملا ~~بكليهما بخلاف العكس ; فكان أولى، فإن جهل التاريخ فكذلك عندنا. ومتعارضان ~~عند الحنفية لاحتمال تأخر العام ونسخه الخاص، وقال بعض الشافعية: لا يخص ~~عموم السنة بالكتاب، وخرجه ابن حامد قولا لنا ; لأنها مبينة له ; فلو خصها ~~لبينها ; فيتناقض. ولنا: أن ما بينته منه لا يبينها وبالعكس، أو يبين كل ~~منها الآخر باعتبار جهتين ; فلا تناقض، وقال بعض المتكلمين: لا يخص عموم ~~الكتاب بخبر الواحد لضعفه عنه، وقال عيسى بن أبان: يخصص المخصص دون غيره. ~~بناء على قوله: إن المخصص مجاز ; فيضعف. وحكي عن أبي حنيفة. وتوقف بعضهم، ~~إذ الكتاب قطعي السند، والخبر قطعي الدلالة فيتعادلان. لنا: إرادة الخاص ~~أغلب من إرادة عموم العام ; فقدم لذلك، وأيضا تخصيص الصحابة: {وأحل لكم ما ~~وراء ذلكم} [النساء: 24] ، ب لا تنكح المرأة على عمتها أو خالتها، وآية ~~الميراث ب لا يرث المسلم الكافر. والكافر المسلم. ولا إرث لقاتل، ونحن ~~معاشر الأنبياء لا نورث، وعموم الوصية ب لا وصية لوارث. و {حتى تنكح زوجا ~~غيره} ms0616 [البقرة: 230] ، ب «حتى يذوق عسيلتك» . متسارعين إلى ذلك من غير طلب ~~تاريخ. ودعوى الواقفية التعادل ممنوع بما ذكرنا. وإلا لتوقف الصحابة. # . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . . . . . . . . . . . # PageV02P557 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # " الرابع ": من مخصصات العموم: " ~~النص " الخاص، " كتخصيص " قوله عليه السلام: لا قطع إلا في ربع دينار، ~~لعموم قوله عز وجل: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] ، ~~فإن هذا يقتضي عموم القطع في القليل والكثير ; فخص بالحديث ما دون ربع ~~دينار ; فلا قطع فيه، وكتخصيص قوله عليه السلام: لا زكاة فيما دون خمسة ~~أوسق. لعموم قوله عليه السلام: فيما سقت السماء العشر. فإن هذا يقتضي وجوب ~~العشر في قليل ما سقي بالسماء وكثيره ; فخص بالحديث الأول منه ما دون خمسة ~~أوسق ; فلا زكاة فيها. # وسواء كان العام كتابا أو سنة، وسواء كان متقدما أو متأخرا، فإن الخاص ~~يخصه، لا يقدم عليه " لقوة الخاص "، أي: لقوة دلالته على مدلوله ; فإنها ~~قاطعة، ودلالة العام على أفراده ظاهرة، والقاطع مقدم على الظاهر. # مثاله: لو قال: كلما سرق السارق ; فاقطعوه، وهو معنى الآية ; فدلالته على ~~قطع من سرق دون ربع دينار ظاهرة، ودلالة قوله عليه السلام: لا قطع إلا في ~~ربع دينار. على عدم القطع فيما دونه قاطعة ; فيقدم، " وهو " # PageV02P558 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يعني التسوية بين عموم الكتاب ~~والسنة متقدمة ومتأخرة في تقديم الخاص عليه هو " قول الشافعية. وعن أحمد ~~رحمه الله تعالى يقدم المتأخر "، من النصين " خاصا كان أو عاما، وهو قول ~~الحنفية "، لوجهين: # أحدهما: قول ابن عباس: كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث من أمر رسول صلى الله ~~عليه وسلم، أي: بالآخر فالآخر، وهو عام في تقديم المتأخر خاصا كان أو عاما ~~; لأنه الذي استقر عليه حكم الشرع. # الثاني: أن المتأخر إن كان هو الخاص ; فهو المقدم باتفاق، وإن كان هو ~~العام ; فهو كآحاد صور خاصة ; فجاز أن يرفع الخاص. وتحقيق هذا بنحو ما سبق ~~في أن الباقي بعد التخصيص حقيقة. # وتقريره أن اللفظ العام كألفاظ متعددة يدل على مسميات متعددة، كما لو نص ~~على كل واحد منها بلفظ ; فالحكم في كل واحد من المسميات المذكورة يصح أن ms0617 ~~يرفع الحكم المنافي له في مسمى خاص ثبت قبله. # مثاله: لو قال: أعط زيدا درهما، ثم قال: لا تعط أحدا شيئا ; فكأنه # PageV02P559 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قال: لا تعط فلانا شيئا ولا فلانا ~~ولا زيدا ; فكان هذا النهي عن إعطاء زيد رافعا للأمر المتقدم بإعطائه. # قوله: " ولنا أن في تقديم الخاص عملا بكليهما، بخلاف العكس "، أي: لنا ~~على تقديم الخاص على العام تقدم أو تأخر، أن في تقديم الخاص عملا بكلا ~~الدليلين: الخاص والعام فيما عدا صورة التخصيص، وفي تقديم العام إلغاء ~~للعمل بالخاص، والنصوص الشرعية يجب العمل بها ما أمكن ; فيكون العمل بكلا ~~النصين بتقديم الخاص أولى من إلغاء الخاص بتقديم العام. # وبيانه أنه إذا قال: أعط زيدا درهما، ثم قال: لا تعط أحدا شيئا، فإذا عمل ~~بهذا العموم وحده، ومنع زيدا، كان ملغيا للنص الخاص في إعطاء زيد، وإذا ~~أعطى زيدا، ومنع من سواه، كان عاملا بالنص الخاص في إعطاء زيد، وبالعام في ~~منع غيره ; فيكون أولى من تعطيل أحد النصين. # والجواب عما احتج به الخصم، أما قول ابن عباس: كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث ~~; فهو محمول على النسخ بدليل ما ذكرناه، وشرط النسخ التعارض وعدم إمكان ~~الجمع من كل وجه، وهو منتف هاهنا. # وأما قولهم: العام كآحاد صور خاصة ; فجاز أن يرفع الخاص. # قلنا: الجواز مسلم، لكن ما ذكرناه أولى، والأولى في الشرعيات متعين ; ~~لأنه أغلب على الظن، وبيان أن ما ذكرناه أولى ; ما سبق في دليلنا. # PageV02P560 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وأيضا فإن ما ذكرتموه نسخ، وما ~~ذكرناه تخصيص. وإذا تعارض النسخ والتخصيص، كان التخصيص أولى ; لأنه بيان ~~وتقرير، والنسخ إبطال وتعطيل، ولأن النسخ على خلاف الأصل، إذ الأصل دوام ~~الحكم واستمراره، والبيان على وفق الأصل في كلام الحكيم إذ الأصل أن يكون ~~المراد به بينا، لكن البيان قد يقارن الخطاب، وقد يتأخر عنه. # قلت: ولعل مثار الخلاف أن العام هل يدل على أفراده بالنصوصية أو بالظهور؟ ~~. # فإن قيل: بالنصوصية ; فلا فرق بين الخاص وطبقه من العام في أن كلا منهما ~~مقطوع بإرادة حكمه فيه ; فيرفع ms0618 الثاني الأول. # وإن قلنا: بالظهور، وهو الأظهر ; فالخاص قاطع في الدلالة ; فيقدم كما ~~سبق. # قوله: " فإن جهل التاريخ ; فكذلك عندنا "، أي: يقدم الخاص على العام ; ~~لأن أكثر ما في جهالة التاريخ أن يقدر تأخر العام، ونحن لو تحققنا تأخره، ~~قدمنا الخاص عليه ; فلا فرق على قولنا بين تقدمه وتأخره، وجهالة التاريخ، ~~وعند الحنفية يتعارضان، وهو قياس الرواية المذكورة عن أحمد. # والتعارض بين الخاص وما قابله من العام ; لأنه يحتمل أن يكون العام ~~متأخرا ; فيكون ناسخا للخاص، ويحتمل أن يكون العام متقدما ; فيكون مخصوصا ~~بالخاص ولا مرجح ; فيجب الوقف لئلا يكون ترجيح أحدهما تحكما. # PageV02P561 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قلت: والجواب عن هذا بمنع عدم ~~المرجح، بل المرجح موجود، وهو ما سبق من ترجيح التخصيص على النسخ إذا ~~تعارضا. # قوله: وقال بعض الشافعية: لا يخص عموم السنة بالكتاب "، هذا متصل بقوله ~~قبل: " وسواء كان العام كتابا أو سنة "، أي: فإنه يخص بالخاص، كتابا كان ~~الخاص أو سنة، وذلك يقتضي تخصيص عموم السنة بالكتاب وقال بعض الشافعية: لا ~~يجوز ذلك. " وخرجه ابن حامد قولا "، أي: رواية " لنا " واحتجوا بأن السنة ~~مبينة للكتاب، لقوله عز وجل: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل ~~إليهم} [النحل: 44] ; فلو خصصها الكتاب، لبينها ; لأن التخصيص بيان. وحينئذ ~~يلزم التناقض، إذ يصير كل واحد منهما مبينا للآخر وتابعا له ; لأن المبين ~~تابع للمبين، بفتح الياء، وكون كل واحد من الشيئين تابعا للآخر باطل. # قوله: " ولنا أن ما بينته منه لا يبينها وبالعكس "، إلى آخره، أي: لنا ~~على صحة تخصيص السنة بالكتاب والجواب عما ذكره الخصم وجهان: # أحدهما: أن الدور والتناقض إنما يلزم من ذلك لو بين كل واحد منهما من ~~الآخر ما بينه الآخر منه بعينه، وليس كذلك، بل الذي تبينه السنة من الكتاب ~~لا يبينه الكتاب من السنة، وما يبينه الكتاب من السنة لا تبينه السنة من ~~الكتاب ; فلا دور ولا تناقض. وقد سبق مثل هذا الجواب في النسخ. # الوجه الثاني: أن تبيين كل واحد منهما للآخر من وجه ; فيكون ذلك # PageV02P562 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # باعتبار ms0619 جهتين ; فلا تناقض. وهذا ~~يرجع إلى الأول أو يشبهه. # قوله: " وقال بعض المتكلمين: لا يخص عموم الكتاب بخبر الواحد لضعفه "، ~~أي: لضعف الخبر عن الكتاب. # وقال عيسى بن أبان: " يخصص المخصص دون غيره "، أي: خبر الواحد يخص العام ~~من الكتاب إذا كان مخصوصا بغيره، ولا يخص العام غير المخصوص. # قلت: هذا بناء على قول عيسى: إن العام المخصوص يبقى مجازا ; فيضعف ; ~~فيقوى خبر الواحد على تخصيصه. # قلت: فإن كان قول عيسى هذا بناء على ما ذكرت ; ففيه ضرب من التهافت ; لأن ~~العام المخصوص لا يبقى حجة عنده على ما سبق، وإذا لم يكن حجة، لم يكن للقول ~~بتخصيصه فائدة، إذ فائدة التخصيص بيان أن الصورة المخصوصة لا يتناولها حكم ~~العموم. والتقدير: أن العموم لم يبق له حكم أو له حكم مجمل غير معلوم ; ~~فيحتاج إلى البيان ; فهذا وجه التهافت في قوله: العام المخصوص لا يبقى حجة ~~مع قوله: يجوز تخصيصه بخبر الواحد. # وحكي عن أبي حنيفة، يعني قول عيسى بن أبان، قال الشيخ أبو محمد: حكاه ~~القاضي عن أبي حنيفة. " وتوقف بعضهم "، وهم طائفة من الواقفية، في تخصيص ~~عموم الكتاب بخبر الواحد ; لأن " الكتاب قطعي السند " لتواتره، ظني الدلالة ~~لما عرف من أن دلالة العام ظاهرة ظنية، وخبر الواحد " قطعي # PageV02P563 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الدلالة " لخصوصه ونصوصيته في ~~مدلوله، ظني الثبوت من حيث السند ; لأن أخبار الآحاد لا تفيد العلم كما سبق ~~; فيتعادلان لأن كل واحد منهما صار راجحا من وجه، مرجوحا من وجه. # مثال ذلك قوله سبحانه وتعالى: {كلوا مما في الأرض} [البقرة: 168] ، مع ~~نهيه عليه السلام عن كل ذي ناب من السباع ; فيقدم الخبر عندنا على ما ~~يقابله من الآية ويتعادلان عند الواقفية. # " لنا " على تقديم الخاص وجهان: # أحدهما: أن " إرادة الخاص أغلب من إرادة عموم العام "، أي: إذا ورد عام ~~وخاص ; فالظاهر الغالب أن حكم الخاص مراد به، وأن المراد بالعام ما عدا ~~الحكم الخاص. # مثاله: إن إرادة أن الأنبياء لا يورثون من قوله عليه السلام: " نحن معاشر ~~الأنبياء لا نورث ms0620 ". أظهر من إرادة أن النبي صلى الله عليه وسلم، يورث من ~~قوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: 11] ~~، وإذا كانت إرادة الخاص أظهر وأغلب، قدم لذلك، أي: لظهوره وغلبته. وقد سبق ~~بيان تقديم الخاص على العام بطريق آخر. # PageV02P564 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الوجه الثاني: أن الصحابة ذهبوا ~~إلى ذلك وبادروا إليه بفقههم في صور كثيرة: # منها: تخصيص قوله عز وجل: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] ، بقوله ~~عليه السلام: " لا تنكح المرأة على عمتها أو خالتها "، والآية بلفظها ~~متناولة لجواز ذلك. # ومنها تخصيص آية الميراث، وهي قوله عز وجل: {يوصيكم الله في أولادكم ~~للذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: 11] ، بقوله عليه السلام: " لا يرث المسلم ~~الكافر، ولا الكافر المسلم ". والآية بلفظها متناولة لتوارثهما والدا ~~ومولودا، وكذلك خصت في القاتل بقوله عليه السلام: " لا إرث لقاتل ". وفي ~~ولد النبي عليه السلام وأقاربه بقوله عليه السلام: " نحن معاشر الأنبياء لا ~~نورث ". # ومنها: تخصيص عموم الوصية في قوله عز وجل: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم ~~الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين} [البقرة: 180] ، بقوله عليه ~~السلام: " لا وصية لوارث ". والآية بلفظها متناولة للوصية له. # ومنها تخصيص قوله سبحانه وتعالى: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح ~~زوجا غيره} # PageV02P565 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # [البقرة: 230] ، بقوله عليه السلام ~~لامرأة رفاعة: " لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك ". # وإذا ثبت تخصيص الصحابة عموم الكتاب بخصوص السنة متسارعين إليه من غير ~~طلب تاريخ، ولا سؤال عن العام: هل خص أم لا، ولا توقف، دل ذلك على جوازه، ~~بل وجوبه ; لأنه ذريعة إلى تعريف الحكم الشرعي الواجب، وذريعة الواجب واجب. # وأما الواقفية ; فدعواهم التعادل بين عام الكتاب وخاص السنة ممنوعة بما ~~ذكرناه من اتفاق الصحابة على التخصيص ومبادرتهم إليه، " وإلا " أي: ولو لم ~~يكن ذلك جائزا، " لتوقف الصحابة " كما توقفتم. # تنبيه: قولنا: من غير تاريخ يعرض بما سبق من أن التاريخ إذا جهل، يقدم ~~الخاص عندنا، ويتعارضان عند الحنفية، أي: فلو صح هذا، لاستفصل الصحابة في ~~تخصيصهم هذه العمومات بين أن يكون ms0621 العام متقدما أو متأخرا، واحتاجوا لذلك ~~إلى طلب التاريخ، لكن ذلك لم ينقل عنهم مع كثرة مجاري اجتهاداتهم بتخصيص ~~العام وغيره ; فدل على ما ذكرناه من عدم الفرق بين تقدم العام وتأخره. # وأما قوله عز وجل: {حتى تنكح زوجا غيره} مع قوله عليه السلام: " حتى يذوق ~~عسيلتك ". فلا يصح أن يجعل من باب تخصيص العام ; لأن أحدا لم يقل فيما علمت ~~أن النكاح عام في العقد والوطء حتى يكون ذوق # PageV02P566 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # العسيلة تخصيصا لأحدهما بالإرادة، ~~بل الصواب أنه من باب بيان المجمل ; لأن قوله سبحانه وتعالى: {حتى تنكح ~~زوجا غيره} [البقرة: 230] ، تردد بين أن يكون المراد به العقد أو الوطء ; ~~فبين النبي صلى الله عليه وسلم، أن المراد به الوطء، والأقوال المشهورة في ~~النكاح: هل هو حقيقة في الوطء أو في العقد، أو مشترك بينهما، والله تعالى ~~أعلم بالصواب. # PageV02P567 # ### | الخامس: المفهوم # لأنه دليل كالنص: " كتخصيص: " «في أربعين شاة شاة» "، بمفهوم: " «في ~~سائمة الغنم الزكاة» . . " # السادس: فعله صلى الله عليه وسلم، كتخصيص: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} ~~[البقرة: 222] ، بمباشرته الحائض دون الفرج متزرة، ويمكن منعه حملا للقربان ~~على نفس الوطء كناية. وخصص قوم عموم: {الزانية والزاني فاجلدوا} بتركه جلد ~~ماعز. # السابع: تقريره صلى الله عليه وسلم، على خلاف العموم مع قدرته على المنع ~~لأنه كصريح إذنه، إذ لا يجوز له الإقرار على الخطأ لعصمته. # الثامن: قول الصحابي إن جعل حجة كالقياس، وأولى. # التاسع: قياس النص الخاص يقدم على عموم نص آخر عند أبي بكر، والقاضي، وهو ~~قول الشافعي وجماعة من الفقهاء والمتكلمين خلافا لأبي إسحاق بن شاقلا وبعض ~~الفقهاء. # احتج الأول: حكم القياس حكم أصله ; فخص العام. # الثاني: النص أصل فلا يقدم القياس الذي هو فرع عليه، ولأن العام يفيد من ~~الظن أكثر من القياس، ولأن معاذا قدم السنة على القياس، وقيل: يخص بجلي ~~القياس دون خفيه لقوته، وهو أولى، ثم الجلي قياس العلة، وقيل: ما يظهر فيه ~~المعنى نحو: " «لا يقضي القاضي وهو غضبان» . . " # والخفي: قياس الشبه، وقال عيسى: يخص بالقياس المخصوص ms0622 دون غيره. وحكي عن ~~أبي حنيفة كما سبق. # " الخامس ": من مخصصات العموم: " ~~المفهوم ; لأنه دليل شرعي كالنص "، وكما أن النص يخصص العموم كذلك المفهوم، ~~وذلك " كتخصيص " قوله عليه # PageV02P568 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # السلام: " في أربعين شاة شاة "، ~~بمفهوم قوله عليه السلام: " في سائمة الغنم الزكاة ". فإن الأول اقتضى ~~بعمومه وجوب الزكاة في الأربعين، سائمة كانت أو غير سائمة، والثاني خص ~~بمفهومه غير السائمة ; فلا زكاة فيها. # «السادس» : من مخصصات العموم فعل النبي صلى الله عليه وسلم، «كتخصيص» ~~قوله عز وجل في الحيض: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} [البقرة: 222] ، بكونه عليه ~~السلام كان يباشر الحائض دون الفرج متزرة، كما روت عائشة رضي الله عنها ~~قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يأمرني فأتزر، ثم يباشرني وأنا ~~حائض. فإن الآية اقتضت عموم عدم القربان في الفرج وغيره، وفعله صلى الله ~~عليه وسلم، خص النهي بالفرج، وأباح القربان لما سواه. # قوله: «ويمكن منعه حملا للقربان على نفس الوطء كناية» ، أي: يمكن منع كون ~~هذا الفعل مخصصا لهذه الآية بأن يحمل قوله عز وجل: {ولا تقربوهن} ، على ~~معنى: لا تطئوهن في الفرج، وكنى عن ذلك بالقربان، وهي كناية ظاهرة فيه، ~~وحينئذ لا عموم في الآية ; فلا تخصيص بالفعل، بل يكون بيانا مرسلا للكناية ~~المذكورة، ودفعا لما يتوهم من إرادة غير الوطء. # PageV02P569 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «وخصص قوم عموم: {الزانية ~~والزاني فاجلدوا} [النور: 2] » ، إلى آخره. # هذا مثال آخر عند بعض الناس لتخصيص العموم بالفعل أو ما يشبه الفعل. # وبيانه أن قوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة ~~جلدة} [النور: 2] ، عام في الثيب والبكر، فلما رجم النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ماعزا، وترك جلده، دل على أن الجلد مختص بالبكر دون الثيب ; فكان هذا ~~تخصيصا للنص العام بفعله عليه الصلاة والسلام أو بمعنى فعله وهو ترك الجلد. ~~وهذه من مسائل الخلاف، أعني أن الزاني الثيب: هل يجلد مع الرجم أم لا؟ ~~والصحيح من مذهبنا أنه يجلد خلافا للشافعي. # «السابع» : من مخصصات العموم: تقرير النبي صلى الله عليه وسلم، على ~~خلافه، أعني: ms0623 على خلاف العموم «مع قدرته على المنع» ، من خلافه ; لأن ~~إقراره كصريح إذنه، إذ لا يجوز له الإقرار على الخطأ لعصمته، كما سبق في ~~أول الكلام في السنة من أنها قول وفعل وإقرار على فعل أو ترك، ثم إذا أقر ~~واحدا من الأمة على خلاف العموم، ثبت ذلك في حق غيره، لما سبق من أن ما ثبت ~~في حق واحد، ثبت في حق الجميع ما لم يخص به ذلك الواحد. # PageV02P570 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مثال ذلك تقديرا: لو ورد النهي ~~عاما عن شرب الخمر، ثم رأيناه أقر بعض الناس على نوع منها، أو مقدار يسير، ~~أو على شرب النبيذ، استدللنا بذلك على إباحة ما أقر عليه، وهذا ذكرناه ~~مثالا تقديريا، وإن لم يقع منه شيء. # - «الثامن» : من مخصصات العموم «قول الصحابي» إذا جعل حجة يقدم على ~~القياس ; فإنه يخص به العموم ; لأن القياس يخص به العموم ; فقول الصحابي ~~المقدم عليه أولى أن يخص به. وهذا معنى قوله: «قول الصحابي إن جعل حجة ~~كالقياس وأولى» . # فإن قيل: الصحابي يترك مذهبه للعموم، كترك ابن عمر رضي الله عنهما مذهبه ~~لحديث رافع بن خديج في المخابرة ; فغير الصحابي أولى بترك قوله للعموم، ~~وإذا وجب ترك قول الصحابي للعموم، لم يجز أن يخص به العموم ; لأن التخصيص ~~به ينافي تركه. # وأجاب الشيخ أبو محمد بأن ابن عمر رضي الله عنهما لم يترك مذهبه للعموم، ~~بل لنص عارضه. # قلت: فيكون العموم مؤكدا لذلك النص ; فأما من لا يرى قول الصحابي حجة ; ~~فلا يجيز تخصيص العام به ; لأن التخصيص تقديم الخاص، وما ليس بحجة لا يجوز ~~تقديمه. # - «التاسع» : من مخصصات العموم «قياس النص الخاص يقدم على عموم نص آخر» ; ~~فيخص به «عند أبي بكر والقاضي» من أصحابنا، «وهو قول # PageV02P571 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الشافعي وجماعة من الفقهاء ~~والمتكلمين، خلافا لأبي إسحاق بن شاقلا وبعض الفقهاء» ، حيث قالوا: لا يخص ~~العموم بقياس النص الخاص. # مثال ذلك أن الله سبحانه وتعالى قال: {وأحل الله البيع} [البقرة: 275] ، ~~وهو عام في جواز كل بيع، ثم ورد النص بتحريم ms0624 الربا في البر بعلة الكيل، ~~وقياسه تحريم الربا في الأرز ; فهو قياس نص خاص يخص به عموم إحلال البيع. ~~وكذا تحريم النبيذ بعلة الإسكار قياسا على الخمر، هو قياس نص خاص ; فيخص به ~~عموم قوله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن ~~يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير} [الأنعام: 145] الآية. # قوله: «الأول» ، أي: احتج الأول وهو القائل بتخصيص العموم بقياس النص ~~الخاص، بأن «حكم القياس حكم أصله» ، الذي هو النص الخاص، وكما أن النص ~~الخاص يخص العموم ; فكذا قياسه الذي حكمه حكمه ; فكما أن النص على تحريم ~~الربا في البر خص عموم البيع ; فكذا قياس البر في الأرز، وكما أن النص على ~~تحريم الخمر خص عموم: {أجد في ما أوحي إلي محرما} # PageV02P572 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # [الأنعام: 145] ; فكذا قياس الخمر ~~على النبيذ يكون مخصصا له لأنه مساو له كأصله الذي هو النص. # قوله: «الثاني» ، أي: احتج الثاني وهو القائل بأن العام لا يخص بقياس ~~النص الخاص بوجوه: # أحدها: أن النص الذي هو العام أصل، والقياس فرع ; فلو خص العام به، لقدم ~~الفرع على الأصل، وهو غير جائز. # الوجه الثاني: أن العام يفيد من الظن أكثر مما يفيده القياس منه، لما مر ~~في تقديم خبر الواحد على القياس، وحينئذ لا يجوز تقديم الأقل فائدة على ~~الأكثر فائدة. # الوجه الثالث: أن معاذا في حديثه المشهور قدم السنة على القياس، وهو عام ~~فيما إذا كان القياس أخص أو أعم، وذلك يقتضي تقديم العام على قياس النص ~~الخاص ; فلا يخص به النص العام. # قلت: ويجاب عن هذه الوجوه: # أما عن الأول ; فبأن الممتنع إنما هو تقديم الفرع على أصله، والقياس ~~هاهنا ليس فرعا للعام، بل للنص الخاص الذي هو أقوى من العام، ولا يمتنع أن ~~يكون فرع الأصل القوي أقوى من الأصل الضعيف. # وأما عن الثاني ; فلا نسلم أن العام يفيد من الظن أكثر مما يفيده القياس، ~~وإنما ذلك في النص الخاص مع القياس، كحديث نقض الوضوء # PageV02P573 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بمس الذكر، ms0625 وأكل لحم الجزور، ~~والكلام في تقديم خبر الواحد على القياس في ذلك لا فيما نحن فيه الآن. # وأما عن الثالث ; فبأن حديث معاذ إن ثبت ; فاستدلالكم بعمومه ; فهو إثبات ~~لتقديم العام بالعام، وهو مدرك ضعيف، ثم هو محمول على ما إذا كان القياس ~~مساويا للسنة في العموم والخصوص بما ذكرناه من الدليل. أما إذا كان القياس ~~أخص، كان الظن الحاصل منه أغلب فيقدم ; لأن تقديم الأقوى متعين كالعمومين ~~أو القياسين إذا تقابلا. # قوله: «وقيل: يخص» أي: قال بعض الأصوليين: «يخص العام بجلي القياس دون ~~خفيه» ، أي: بالقياس الجلي، لقوته دون القياس الخفي لضعفه، «وهو أولى» لما ~~سبق من تقديم أقوى الظنين. # قوله: «ثم الجلي قياس العلة» ، إلى آخره، أي: القائلون بتخصيص العام ~~بالقياس الجلي دون الخفي اختلفوا في الجلي ما هو؟ # فقال بعضهم: هو قياس العلة، وهو إثبات الحكم في الفرع بعلة الأصل، كقياس ~~الأمة على العبد في سراية العتق، والنبيذ على الخمر في التحريم، ونحوه. # وقيل: «ما يظهر فيه المعنى، نحو» قوله عليه السلام: «لا يقضي القاضي وهو ~~غضبان» ; لأن المعنى المقتضي للمنع ظاهر فيه، وهو اضطراب الخاطر، # PageV02P574 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وضعف إدراك الحكم لقوة الغضب ; ~~فيلحق به ما وجد فيه ذلك المعنى من خوف أو ألم ونحوه. # وقيل: ما ينقض القضاء بخلافه. # قلت: هذا دور ; لأن القضاء ينقض لمخالفة القياس الجلي، فإذا عرفنا الجلي ~~بما ينقض القضاء بخلافه، لزم الدور، «والخفي قياس الشبه» وسيأتي بيان ذلك ~~في القياس إن شاء الله تعالى. # «وقال عيسى، - هو ابن أبان -: يخص بالقياس المخصوص دون غيره» ، أي: إنما ~~يخص بالقياس العام المخصوص دون العام الذي ليس بمخصوص، «وحكي - هذا - عن ~~أبي حنيفة، كما سبق» من قوله في تخصيص الكتاب بخبر الواحد، ووجهه: أن العام ~~المخصوص يضعف، ولهذا وقع الخلاف في كونه حجة أو حقيقة. وحينئذ يقوى القياس ~~على تخصيصه بخلاف الباقي على عمومه. # PageV02P575 # خاتمة: إذا تعارض عمومان من كل وجه متنا، قدم أصحهما ~~سندا، فإن استويا فيه، قدم ما عضده دليل خارج، فإن فقد ; فالمتأخر ms0626 ناسخ، ~~فإن جهل التاريخ؛ توقف على مرجح. ويجب الجمع بينهما إن أمكن بتقديم أخصهما ~~أو حمله على تأويل صحيح، فإن كان كل منهما عاما من وجه، خاصا من وجه نحو: ~~«من نام عن صلاة أو نسيها ; فليصلها إذا ذكرها» . مع: «لا صلاة بعد العصر» ~~; فالأول: خاص في الفائتة، عام في الوقت، والثاني: عكسه، ونحو: «من بدل ~~دينه فاقتلوه» ، مع: «نهيت عن قتل النساء» ، تعادلا وطلب المرجح، ويجوز ~~تعارض عمومين من غير مرجح خلافا لقوم. # «خاتمة» ، أي: لبيان العام والخاص ~~وهي في ### | تعارض العمومين. # قوله: «إذا تعارض عمومان من كل وجه» ، إلى آخره، أي: إذا تعارض نصان ~~عامان ; فإما أن يتعارضا من كل وجه بحيث لا يمكن الجمع بينهما بوجه، أو ~~يتعارضا من بعض الوجوه بحيث يمكن الجمع بينهما بوجه ما. # فإن تعارضا من كل وجه في المتن «قدم أصحهما سندا» ; لأن ذلك مرجح له ; ~~«فإن استويا فيه» ، أي: في السند، فإن كانا صحيحين صحة متساوية، # PageV02P576 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # «قدم ما عضده دليل خارج» ، من نص ~~أو إجماع أو قياس ; «فإن فقد» الدليل الخارج، فإن علم التاريخ ; «فالمتأخر ~~ناسخ، وإن جهل التاريخ، توقف» ، الترجيح بينهما «على مرجح» . # وإن لم يتعارضا من كل وجه، وجب الجمع بينهما بما أمكن من الطرق، مثل أن ~~يكون أحدهما أخص من الآخر ; فيقدم أخصهما لما سبق من وجوب تقديم الأخص، أو ~~بأن يحمل أحدهما على تأويل صحيح يجمع به بين الحديثين، «فإن كان كل منهما ~~عاما من وجه، خاصا من وجه، تعادلا وطلب المرجح» الخارجي. # ومن أمثلة ذلك قوله عليه السلام: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ~~ذكرها» ، مع قوله عليه السلام: «لا صلاة بعد العصر» . «فالأول خاص في ~~الفائتة» المكتوبة، «عام في الوقت، والثاني عكسه» عام في الصلاة، خاص في ~~الوقت. # ومنها قوله عليه السلام: «من بدل دينه فاقتلوه» ، مع قوله: «نهيت عن قتل ~~النساء» ; فالأول عام في الرجل والمرأة، خاص في سبب القتل، وهو # PageV02P577 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # التبديل، والثاني خاص في النساء، ~~عام في النهي عن القتل ; فيتعادلان ms0627 ويطلب المرجح. # قوله: «ويجوز تعارض عمومين من غير مرجح خلافا لقوم» . أما تعارض عمومين ~~مع وجود المرجح ; فقد سبق بيان جوازه وحكمه، وأما مع عدم # PageV02P578 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المرجح ; فالأكثرون على جوازه ~~عقلا، إذ لا يلزم من فرض وقوعه محال لذاته، وليس في الشرع ما يمنع منه، ~~ولأن فيه حكمة، وهو امتحان المجتهد بطلب دليل الترجيح ; فيثاب بمجرد الطلب. ~~ومنع جوازه قوم ; لأنه يؤدي إلى وقوع الشبه، وهو منفر للناس عن الطاعة. ورد ~~هذا بأن النسخ قد نفر منه طائفة من الكفار، ولم يدل ذلك على بطلانه، والله ~~تعالى أعلم بالصواب. # PageV02P579 # الاستثناء ### | الاستثناء: # إخراج بعض الجملة ب «إلا» أو ما قام مقامها، وهو «غير» ، و «سوى» ، و ~~«عدا» ، و «ليس» ، و «لا يكون» و «حاشا» ، و «خلا» ، وقيل: قول متصل يدل ~~على أن المذكور معه غير مراد بالقول الأول، وهذا قول من يزعم أن التعريف ~~بالإخراج تناقض، وليس بشيء. # والاستثناء يجب اتصاله، ويتطرق إلى النص بخلاف التخصيص بغيره فيهما. ~~ويفارق النسخ في الاتصال، وفي رفع حكم بعض النص، وفي منع دخول المستثنى على ### | تعريفه # الثاني. # قوله: «الاستثناء» ، أي: هذا بيان ~~حكم الاستثناء وهو من مخصصات العموم ; لأنها إما منفصل، وهو المخصصات ~~التسعة السابقة، أو متصل وهو الاستثناء والشرط والغاية والصفة. فإذا قال: ~~له علي عشرة إلا درهما، أو: قام القوم إلا زيدا ; فقد تخصص العشرة بالدرهم، ~~والقوم بزيد. وإذا قال: أنت طالق إن قمت ; فقد خص عموم الأحوال بحالة ~~القيام، وإذا قال: أوصيت للقراء الفقهاء، أو للشرفاء العلماء ; فقد خصت صفة ~~الفقه والعلم بعض القراء والشرفاء. وإذا قال: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} ~~[البقرة: 222] ، تخصص زمن المنع بما عدا زمن الطهر. # - قوله: «الاستثناء إخراج بعض الجملة ب» إلا «أو ما قام مقامها» . # اعلم أن الاستثناء من حيث اللفظ: استفعال إما من التثنية ; لأن # PageV02P580 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المستثنى في كلامه يثني الجملة، ~~أي: يأتي بجملة ثانية في كلامه، نحو: قام القوم إلا زيدا ; فهم منه قيام ~~القوم، وعدم قيام زيد ; فهي جملتان، أو من: ثنى الفارس عنان فرسه، ms0628 إذا عطفه ~~; لأن المستثني يعطف على الجملة ; فيخرج بعضها عن الحكم بالاستثناء. # وأما من حيث المعنى ; فقيل: هو إخراج بعض الجملة ب إلا أو ما قام مقامها ~~; فإخراجه ب إلا، نحو: قام القوم إلا زيدا، وإخراجه بما قام مقامها، وهو ~~غير وسوى، إلى آخره نحو: قام القوم غير زيد وسوى عمرو، وليس زيدا، ولا يكون ~~عمرا، وحاشى بشرا، وخلا بكرا. # وقيل: الاستثناء قول متصل يدل على أن المذكور معه غير مراد بالقول الأول. # وقال الآمدي: هو لفظ متصل بجملة، لا يستقل بنفسه، دال على أن مدلوله غير ~~مراد بما اتصل به بحرف إلا أو بأحد أخواتها، وهو في معنى الذي قبله وإن زاد ~~عليه تحقيقا. # - قوله: «وهذا» ، أي: التعريف بقوله: «قول متصل» ، إلى آخره هو «قول من ~~يزعم أن التعريف» يعني تعريف الاستثناء «بالإخراج» ، أي: بقولنا: هو إخراج ~~بعض الجملة، «تناقض» لأن هؤلاء قالوا: تعريف الاستثناء بإخراج بعض الجملة ~~يقتضي أن ذلك البعض دخل في الجملة المستثنى منها، ثم # PageV02P581 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أخرج بالاستثناء ; فيكون تناقضا ; ~~لأنه إذا قال: قام القوم، اقتضى قيام زيد فيهم، فإذا قال: إلا زيدا، اقتضى ~~أنه لم يقم فيهم ; فصار التقدير: قام زيد، لم يقم زيد، وذلك تناقض، وعلى ~~هذا بنى أبو بكر من أصحابنا أن الاستثناء في الطلاق لا يصح ; لأنه إذا قال: ~~أنت طالق ثلاثا، وقعت الثلاث، فإذا قال: إلا واحدة، لم ينفعه ; لأن الطلاق ~~إذا وقع، لا يرتفع، ولأنه يلزم التناقض المذكور في الطلقة الثالثة. # - قوله: «وليس بشيء» ، أي: هذا السؤال ليس بشيء، ولا تناقض في تعريف ~~الاستثناء بالإخراج لوجهين: # أحدهما: أن متقدمي أهل العربية عرفوه بالإخراج، قال ابن جني، وحسبك به ~~مقدما في هذا الشأن: الاستثناء: أن تخرج شيئا أدخلت فيه غيره، أو تدخله ~~فيما أخرجت منه غيره، وحينئذ يجب المصير إلى ما قالوه، واعتقاد أن لا تناقض ~~في ذلك ; لأنهم أهل اللغة، وهي وأهلها بريئون من التناقض فيها. # الوجه الثاني: أنا إذا قلنا: قام القوم ; فقد أسندنا القيام إلى جميعهم ~~لعموم اللفظ فيهم، ms0629 وذلك يتناول زيدا وغيره، ولا معنى لدخوله في المستثنى ~~منه، إلا أن القيام منسوب إليه كغيره، فإذا قلنا بعد ذلك: إلا زيدا ; فقد ~~أخرجناه منهم بعد دخوله فيهم، نعم، دخوله فيهم دخول لفظي لا معنوي ; لأن ~~القائل يقول: قام القوم، مع اعتقاده أن زيدا لم يقم معهم، ولذلك عطف # PageV02P582 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # عليه ; فاستثناه منهم، وإذا كان ~~دخول المستثنى وإخراجه لفظيا: لم يلزم منه تناقض. # ولما تخيله القائلون بأن تعريف الاستثناء بالإخراج تناقض، ذهب ذاهبون إلى ~~أن المستثنى يدخل في المستثنى منه دخولا مراعى موقوفا على عدم الاستثناء، ~~فإن ورد المستثنى، لم يستقر دخوله، وإلا استقر. # مثاله: لو قال: أنت طالق ثلاثا، أو: له علي عشرة دراهم ; فالطلقة ~~الثالثة، والدرهم العاشر داخلان في النسبة بشرط أن لا يستثنيهما المتكلم ; ~~فيستقر دخولهما، فإن استثناهما، لم يستقر دخولهما. ولهذا لو قال: له علي ~~كذا، ثم سكت سكوتا يمكنه الكلام فيه، ثم استثنى شيئا لم يقبل منه. # وهذا التقرير لا ينافي ما ذكرناه من أن دخول المستثنى وخروجه لفظيان، وما ~~ذكره أبو بكر من الاستثناء في عدد الطلاق لا يصح، يشكل عليه بصحة الاستثناء ~~في الإقرار بالمال، وقد قال به، مع أن الإنسان مؤاخذ بموجب إقراره، كما أنه ~~مؤاخذ بموجب إيقاعه الطلاق، فلما اتفقنا على صحة الاستثناء في الإقرار ~~بالمال، دل على أن دخول المستثنى لفظي كما قلنا، لا معنوي، وأن ذلك ليس من ~~باب رفع الواقع، بل من باب منع الوقوع في المعنى، أو من باب التخصيص المحض، ~~وبيان أن المستثنى غير مراد. وحينئذ تتقارب الأقوال في الاستثناء، بل تتفق، ~~ويعود النزاع لفظيا، والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV02P583 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «والاستثناء يجب اتصاله، ~~ويتطرق إلى النص، بخلاف التخصيص، بغيره فيهما» . # هذا بيان ### | الفرق بين الاستثناء والتخصيص # بغير الاستثناء، وذلك من وجهين: # أحدهما: أن الاستثناء يجب اتصاله بالمستثنى منه، وستأتي المسألة عن قريب ~~إن شاء الله تعالى، بخلاف التخصيص بغير الاستثناء ; فإنه يجوز أن يتراخى، ~~مثل أن يقول: اقتلوا المشركين، ثم يقول بعد مدة: اقبلوا الجزية من أهل ms0630 ~~الكتاب، ولا تقتلوهم، بخلاف قوله: اقتلوا المشركين، ثم يقول بعد مدة: إلا ~~أهل الكتاب. # والفرق بينهما عدم استقلال صيغة الاستثناء بنفسها لأنها تابعة للمستثنى ~~منه، بخلاف قوله: لا تقتلوا أهل الكتاب ; فإنه مستقل بنفسه. وهذا يقتضي أن ~~التخصيص بالغاية والصفة والشرط يجب اتصاله لعدم استقلال هذه المخصصات ~~بأنفسها. وإن قولنا: «بخلاف التخصيص بغيره» ، ليس على إطلاقه، بل يجب أن ~~يقال: بخلاف التخصيص بالمنفصل. # الوجه الثاني: في الفرق بين الاستثناء والتخصيص: أن الاستثناء يتطرق إلى ~~النص، كقوله: أنت طالق ثلاثا إلا واحدة، وله علي عشرة إلا # PageV02P584 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ثلاثة، «ولله تسعة وتسعون اسما، ~~مائة إلا واحدا» ، بخلاف التخصيص بغير الاستثناء ; فإنه لا يصح في النص، ~~وإنما يصح في العام، ودلالته ظنية كما سبق، فإذا قال: أكرم الرجال، ثم قال: ~~لا تكرم زيدا، كان ذلك تخصيصا ; لأن دخول زيد في الرجال بالنظر إلى إرادة ~~المتكلم مظنون لا مقطوع، ولو نص على أسماء الرجال ; فقال: أكرم عمرا وبكرا ~~وبشرا وخالدا وجعفرا وزيدا، حتى أتى على أسمائهم، ثم قال: لا تكرم زيدا، لم ~~يكن ذلك تخصيصا بل نسخا، وذلك لأن التخصيص يبين أن مدلول اللفظ الخاص ليس ~~مرادا من اللفظ العام الذي هو محتمل لإرادته وعدمها وذلك صحيح مفيد. أما ~~إذا نص على إرادة مدلول لفظ كزيد أو غيره من الرجال، لم يصح بعد ذلك أن ~~يبين أنه غير مراد له لإفضائه إلى التناقض، بل يكون نسخا ; لأن التناقض من ~~لوازمه. # قوله: «ويفارق النسخ في الاتصال، وفي رفع حكم بعض النص، وفي منع دخول ~~المستثنى على تعريفه الثاني» . # هذا بيان ### | الفرق بين الاستثناء والنسخ، # وذلك من وجوه: # أحدها: أن الاستثناء يشترط فيه الاتصال كما سيأتي قريبا إن شاء الله ~~تعالى، والنسخ لا يشترط اتصاله، بل يشترط تراخيه كما مر. وسبب الفرق أن ~~الاستثناء لا يستقل بنفسه، بخلاف الناسخ مع المنسوخ ; فإنه يستقل بنفسه، ~~وينافي المنسوخ ; فاتصاله به يكون تهافتا. # PageV02P585 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الوجه الثاني: أن الاستثناء إنما ~~يرفع حكم بعض النص، ولا يصح أن يكون مستغرقا، والنسخ يجوز أن ms0631 يرد على جميع ~~حكم النص فيرفعه ; فيصح أن يوجب أربع ركعات، ثم ينسخها بأن يقول: لا ~~تصلوها، ولا يصح أن يقول: صلوا أربعا إلا أربعا أو إلا ثلاثا كما سيأتي إن ~~شاء الله تعالى. # وهاهنا تحقيقان: # أحدهما: قولنا: الاستثناء يرفع حكم بعض النص تجوز باعتبار دخول المستثنى ~~في المستثنى منه لفظا، وإلا فالاستثناء في التحقيق بيان لأنه أحد المخصصات. # الثاني: قولي: والنسخ يجوز أن يرفع حكم جميع النص، أجود من قول الشيخ أبي ~~محمد: إن النسخ يرفع جميع حكم النص ; لأن النسخ قد يرفع جميع حكم النص، وقد ~~يرفع بعضه، كما نسخ خمس رضعات من عشر، وكما إذا نسخ الوجوب يبقى الجواز، ~~وهو بعض حكم النص. # ويتعلق بهذا إشكال خطر لي على الفرق بين النسخ والتخصيص ولم يتحقق لي ~~الجواب عنه، وهو أن يقال: إذا جاز ورود النسخ والتخصيص على بعض حكم النص ~~اشتبها ; فبماذا يفرق بينهما؟ فإن قيل: بأن النسخ رفع، والتخصيص بيان. # قلنا: صورتهما هاهنا مشتبهة ; فلا يعرف أيهما الرفع من البيان. # فإن قيل: يفرق بينهما بأن النسخ يكون بعد العمل بالنص، والتخصيص # PageV02P586 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قبله. فإذا قيل لنا: اقتلوا ~~المشركين، ثم قيل لنا: لا تقتلوا أهل الكتاب، فإن كان ذلك قبل قتالنا ~~للمشركين، كان تخصيصا، وإن كان بعده، كان نسخا لبعض الحكم. # قلنا: فالنسخ قد بينا جوازه قبل الامتثال، وبتقدير ذلك يعود الإشكال ; ~~فإنه إذا قال لنا: صوموا شهر المحرم، ثم قال لنا قبل دخول المحرم: لا ~~تصوموا منه غير عشرين يوما، لم نعلم هذا تخصيصا، أو نسخا للبعض. # الوجه الثالث: أن الاستثناء مانع، والنسخ رافع. وبيانه أن الاستثناء يمنع ~~دخول المستثنى تحت لفظ المستثنى منه على تعريفه الثاني، وهو أن الاستثناء ~~لفظ متصل يدل على أن مدلوله غير مراد بالقول الأول، والنسخ يرفع ما دخل تحت ~~لفظ المنسوخ. وقد بينا أن النزاع في تعريف الاستثناء بالإخراج وغيره لفظي ~~أو قريب منه، وحينئذ يكون الفرق المذكور بين الاستثناء والنسخ مطلقا على ~~كلا التعريفين للاستثناء ; فلا يظهر لقوله على تعريفه ms0632 الثاني كبير فائدة. # تنبيه: يشتمل على ما هو كالتكملة لما ذكرنا، وذلك أن بين التخصيص والنسخ ~~جامعا وفارقا: # أما الجامع ; فهو أن كل واحد منهما قد يوجب تخصيص الحكم ببعض مدلول اللفظ ~~كما سبق. # والفارق من وجوه: # أحدها: أن التخصيص بين أن مدلول اللفظ الخاص لم يكن مرادا من # PageV02P587 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لفظ العام الدال عليه، بخلاف ~~المنسوخ، فإن مدلوله كان مرادا بالحكم، ثم رفع بالنسخ. # وثانيها: أن التخصيص لا يرد على الأمر بمأمور واحد، نحو: أكرم زيدا، إذ ~~ليس بعام، والنسخ يرد على ذلك. # وثالثها: أن التخصيص لا يجوز حتى لا يبقى من العام شيء، بل لا بد أن يبقى ~~واحد أو جمع كما سبق، والنسخ يجوز أن يرفع جميع مدلول النص. # ورابعها: أن التخصيص قد يكون بغير خطاب الشرع، كالإجماع ودليل العقل ~~والحس كما سبق، والنسخ لا يكون إلا بخطاب الشرع، أو ما قام مقامه. # وخامسها: أن دليل التخصيص قد يكون متقدم الوجود على ما يخصصه، بخلاف دليل ~~النسخ ; فإنه يشترط تأخيره. # وسادسها: أنه لا يجوز تخصيص شريعة بشريعة أخرى، ويجوز نسخها بها، كما ثبت ~~من تناسخ الشرائع. # وسابعها: أن التخصيص أعم من النسخ ; لأن التخصيص بيان، والنسخ رفع، ورفع ~~الحكم يستلزم البيان، والبيان لا يستلزم رفع الحكم. # وثامنها: أن التخصيص لا يكون إلا قبل العمل لأنه بيان، وتأخير البيان عن ~~وقت العمل لا يجوز، والنسخ يجوز قبل العمل وبعده. # PageV02P588 # ويشترط للاستثناء الاتصال المعتاد كسائر التوابع، ~~خلافا لابن عباس، وأجازه عطاء والحسن ما دام في المجلس ;، وأومأ إليه أحمد ~~في الاستثناء في اليمين. وأن لا يكون من غير جنس المستثنى منه خلافا لبعض ~~الشافعية، ومالك، وأبي حنيفة، وبعض المتكلمين. # لنا: الاستثناء إما إخراج ما تناوله، أو ما يصح أن يتناوله المستثنى منه، ~~وأحد الجنسين لا يصح أن يتناول الآخر. # قالوا: وقع في القرآن واللغة كثيرا. # قلنا: يتعين حمله على المجاز والاتساع ; لأن ما ذكرناه قاطع، وجواز ~~استثناء أحد النقدين من الآخر عند بعضهم استحسان وأن لا يكون مستغرقا ~~إجماعا. وفي الأكثر ms0633 والنصف خلاف. واقتصر قوم على الأقل، وهو الصحيح من ~~مذهبنا. # قوله: «ويشترط للاستثناء الاتصال ~~المعتاد» ، إلى آخره، أي: يشترط لصحة الاستثناء شروط: # أحدها: أن يكون متصلا. # وثانيها: أن لا يكون من غير الجنس. # وثالثها: أن لا يكون مستغرقا. # وقد ذكرت الشروط الثلاثة، أما الاتصال ; فيشترط أن يتصل بالمستثنى منه ~~اتصالا عاديا، بحيث لا يفصل بينهما بكلام أجنبي، ولا بسكوت يمكن # PageV02P589 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # التكلم فيه، «كسائر التوابع» ~~اللفظية من خبر المبتدأ أو جواب الشرط، والحال، والتمييز ; فكما لا يجوز ~~الفصل بين المبتدأ والخبر بالزمان، نحو: زيد قائم، ولا بين الشرط وجوابه، ~~مثل أن يقول: إن تقم، ثم بعد زمان يقول: أقم، ولا بين الحال وصاحبها، مثل ~~أن يقول: جاء زيد، ثم بعد مدة يقول: راكبا، ولا بين المميز والمميز، مثل أن ~~يقول: عندي عشرون، ثم يقول بعد مدة: درهما أو ثوبا. # كذلك لا يجوز الفصل بين المستثنى والمستثنى منه، مثل أن يقول: أنت طالق ~~ثلاثا، ثم يقول بعد مدة: إلا واحدة، أو يقول: له علي عشرة دراهم، ثم يقول ~~بعد ساعة: إلا درهما. «خلافا لابن عباس» ، إذ حكي عنه جواز كون الاستثناء ~~منفصلا، وأجازه «عطاء» بن أبي رباح، «والحسن» البصري، ما دام في مجلس ~~الكلام، «وأومأ إليه» ، أي: إلى انفصال الاستثناء، «أحمد في الاستثناء في ~~اليمين» ، وهو ظاهر كلام الخرقي حيث قال: وإذا حلف بيمين ; فقال: إن شاء ~~الله، فإن شاء فعل، وإن شاء ترك ولا كفارة عليه، إذا لم يكن بين اليمين ~~والاستثناء كلام ; فإنه إنما جعل المبطل للاستثناء الكلام المتخلل بينهما ; ~~فدل على أن تخلل السكوت لا يؤثر، والصحيح الأول، وهو اشتراط الاتصال. # وقد نص الخرقي في باب الإقرار على أن تخلل السكوت مبطل حيث قال: وإذا ~~قال: له علي عشرة دراهم، ثم سكت سكوتا كان يمكنه الكلام # PageV02P590 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فيه، ثم قال: زيوفا أو صغارا ; أو ~~إلى شهر، كانت عشرة جيادا وافية حالة. # والدليل على ذلك ما ذكرناه من أن الاستثناء تابع ; فاشترط اتصاله كسائر ~~التوابع، ولأنه لو جاز انفصاله، لما انعقد ms0634 لإمام بيعة، ولا استقر لأحد ~~طلاق، ولا عتق ولا غير ذلك من العقود، لجواز أن يبايع الشخص، أو يطلق، أو ~~يعتق، ثم بعد حين يستثني بذكر شرط ; فيزول عنه لزوم العقد، كما حكي أن ~~وزيرا للمنصور كان يبغض أبا حنيفة ; فأراد أن يغري به المنصور ; فقال: يا ~~أمير المؤمنين، إن أبا حنيفة يخالف جدك ابن عباس في أن الاستثناء المنفصل ~~لا يصح ; فقال أبو حنيفة: يا أمير المؤمنين، إن هذا الرجل يريد أن يفسد ~~عليك دولتك، قال: وكيف ذلك؟ ، قال: لأن الاستثناء المنفصل لو صح، لجاز لكل ~~من بايعك عام أول أن يستثني الآن أو بعد مدة استثناء تنحل به البيعة من ~~عنقه، ثم يخرج عليك ; فضحك المنصور، وقال له: الزم مقالتك. # ومن الحكايات المضحكة في هذا الباب ما حكي أن رجلا دخل الكوفة ; فرأى ~~فيها نخلا كثيرا ; فقال: الطلاق لازم لي إن كان في الدنيا نخل أكثر من ~~الكوفة، فلما وصل إلى البصرة رأى نخلا أكثر من الكوفة ; فقال: إلا البصرة. ~~ولو كان هذا الاستثناء صحيحا، لما اتخذ الناس هذه الحكاية وأشباهها من ~~المضحكات، وذلك يدل على إجماع الناس عرفا والفهم طبعا على عدم صحة ~~الاستثناء المنفصل، والله سبحانه وتعالى أعلم. # - قوله: «وأن لا يكون» ، أي: ويشترط للاستثناء أن لا يكون «من غير جنس ~~المستثنى منه، خلافا لبعض الشافعية ومالك وأبي حنيفة وبعض المتكلمين» # PageV02P591 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # حيث صححوا الاستثناء من غير الجنس. ~~وحكاه الآمدي عن القاضي أبي بكر وبعض النحاة، واختار هو الوقف على عادته في ~~كثير من مسائل الخلاف. # قلت: القائل بصحة الاستثناء من غير الجنس، إن أراد صحته مجازا ; فلا نزاع ~~فيه، وإن أراد صحته حقيقة فممنوع، والحق خلافه. # «لنا» على عدم الصحة أن «الاستثناء إما إخراج ما تناوله المستثنى منه، أو ~~إخراج ما يصح أن يتناوله المستثنى، وأحد الجنسين لا يصح أن يتناول الآخر» ~~فلا يصح استثناؤه منه. # وكذلك إن عرفنا الاستثناء بأنه قول متصل يدل على أن مدلوله غير مراد ~~بالأول لا يصح استثناء غير الجنس أيضا ms0635 ; لأن أحد الجنسين لا يصح أن يكون ~~مرادا من لفظ الآخر حتى يكون الاستثناء دليلا على عدم إرادته منه. # مثال ذلك أن لفظ القوم لا يتناول الحمار، ولا يصح تناوله إياه، ولا ~~إرادته منه حتى يصح أن يقال على جهة الحقيقة: قام القوم إلا حمارا، أما ~~جوازه مجازا ; فلا نزاع فيه. # قوله: «قالوا» أي: المجوزون الاستثناء من غير الجنس احتجوا على جوازه ~~بأنه قد «وقع في القرآن واللغة كثيرا» ، والوقوع دليل الجواز، وبيان الوقوع ~~قوله سبحانه وتعالى: {لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما} [مريم: 62] ، والسلام ~~ليس من جنس اللغو، وقوله تعالى: {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن ~~تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] ، والتجارة ليست من جنس المال ; لأن ~~المال هو الأعيان، والتجارة التصرف في تلك الأعيان، وقوله تعالى: {وما لأحد ~~عنده من نعمة تجزى} {إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى} .) # PageV02P592 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # [الليل: 19، 20] ، وابتغاء وجه ربه ~~ليس من جنس النعمة. # وقال الشاعر: # وقفت فيها أصيلانا أسائلها ... عيت جوابا وما بالربع من أحد # إلا أواري [لأيا ما أبينها ... والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد] # والأواري هي التي تسمى الطوائل، وليس من جنس أحد. # PageV02P593 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وقال الآخر: # يا ليتني وأنت يا لميس ... في بلدة ليس بها أنيس # إلا اليعافير وإلا العيس # PageV02P594 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # واليعافير والعيس ليس من جنس ~~الأنيس ; فبان بذلك كله صحة الاستثناء من غير الجنس، لوقوعه في الكتاب ~~العزيز، واللغة الفصيحة. # قوله: «قلنا» ، إلى آخره، أي: قلنا في جواب هذا أنه «يتعين حمله على ~~المجاز والاتساع» ، وليس محل النزاع «لأن ما ذكرناه» من دليل الامتناع ~~قاطع، وما ذكرتموه محتمل لتردده بين احتمال الحقيقة والمجاز، والقاطع مقدم ~~على المحتمل، على أن جميع ما ذكرتموه أو أكثره يمكن تخريجه على أنه استثناء ~~من الجنس. # أما الآية الأولى ; فلأن اللغو والسلام يجمعهما جنس الكلام ; فكان ~~الاستثناء فيها من الجنس بهذا الاعتبار. # وأما الثانية ; فتقديرها: إلا أن تكون أموالا ذات تجارة. وأما كونه في ~~تجارة ; فهو استثناء مال من مال، وهو استثناء من الجنس. # وأما الثالثة ; فابتغاء وجه ربه مستثنى ms0636 من جنس الغرض الذي دل عليه سياق ~~الآية ; فتقديرها: الذي يؤتي ماله يتزكى ولا غرض له في إنفاق ماله إلا ~~ابتغاء وجه ربه غرض من الأغراض والمقاصد الصالحة ; فهو استثناء من الجنس. # وأما اليعافير والعيس ; فيحصل بها الأنس الجامع بينهما وبين الأنيس إن # PageV02P595 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أريد به الإنسان، وإن أريد بالأنيس ~~ما حصل به أنس ; فهو جنس عام دخل فيه اليعافير والعيس وغيرهما، ولا إشكال. # وأما الأواري فقال الأصمعي: هي الأواخي من وتد أو حبل يدق في الأرض وتشد ~~إليه الدابة. # قلت: فإذن هي من متعلقات ما يستأنس به، وهي الدواب ; فأجرى عليه حكم ~~الأنيس مجازا. # وأهل العربية يسمون الاستثناء من غير الجنس منقطعا، ويقدرون إلا فيه ~~بمعنى لكن، لاشتراكهما في معنى الاستدراك ; لأن لكن موضوعة له يستدرك بها ~~المتكلم خللا وقع في كلامه أو غيره، وكذلك إلا يستدرك بها نحو ذلك على ما ~~سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. # قوله: «وجواز استثناء أحد النقدين من الآخر عند بعضهم استحسان» . # هذا جواب عن سؤال مقدر، وتقديره: كيف تمنعون الاستثناء من غير الجنس، ~~وتجيزون استثناء الذهب من الورق، والورق من الذهب، وهما جنسان؟ وقد نص على ~~ذلك الخرقي في «المختصر» . # وتقرير الجواب أن في صحة استثناء أحد النقدين من الآخر خلافا بين ~~العلماء، وهو قولان لأحمد رضي الله عنه، فإن منعناه على أحد القولين، لم ~~يرد علينا، وإن صححناه ; فهو استحسان مستثنى عن الدليل. # ووجه الاستحسان أن الذهب والفضة هما أثمان المبيعات، وقيم # PageV02P596 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المتلفات، وأروش الجنايات، ~~ومقاصدهما واحدة ; فينزلا لذلك منزلة الجنس الواحد. وأما نص الخرقي على ذلك ~~في «المختصر» ; فهذا وجهه، وقد صدر ذلك بقوله: ومن أقر بشيء واستثنى من غير ~~جنسه، كان استثناؤه باطلا إلا أن يستثني عينا من ورق أو ورقا من عين ; فنص ~~على امتناع الاستثناء من غير الجنس، واستثنى منه الصورة المذكورة استحسانا، ~~وهو أحد القولين في المذهب. # ويفيد الخلاف في هذا الشرط أنه لو قال: له عندي مائة درهم إلا ثوبا، أو: ~~إلا شاة أو غيرها من ms0637 المتقومات، بطل الإقرار عندنا، وصح عند المخالف، ~~ويلزمه مائة إلا قيمة ثوب، لاشتراك المستثنى والمستثنى منه في جنس المالية، ~~وما يقع في المستثنى من جهالة تزال بالوساطة أو الصلح. # قلت: وهذا راجع إلى الاستثناء من الجنس القريب يصح إجماعا كاستثناء درهم ~~من دراهم أو دينار من دنانير، والاستثناء من الجنس البعيد كالثوب ونحوه من ~~الدراهم باعتبار جنس المال محل الخلاف، ومنه استثناء أحد النقدين من الآخر ~~لاختلاف الجنس حقيقة، غير أن صحته أقرب من غيره لتقارب مقاصد النقدين كما ~~سبق، والله تعالى أعلم. # - قوله: «وأن لا يكون مستغرقا إجماعا» ، إلى آخره، أي: ويشترط لصحة ~~الاستثناء أن لا يكون مستغرقا فإن كان مستغرقا نحو: له # PageV02P597 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # علي عشرة إلا عشرة، بطل «إجماعا ~~وفي الأكثر والنصف» نحو: له علي عشرة إلا ستة، أو: خمسة - «خلاف. واقتصر ~~قوم على الأقل» أي: على صحة الاستثناء الأقل، نحو: له علي عشرة إلا أربعة، ~~«وهو الصحيح من مذهبنا» . # قال صاحب «المحرر» من أصحابنا: يصح استثناء الأقل دون الأكثر في عدد ~~الطلاق والمطلقات والأقارير نص عليه. وفي النصف وجهان، وقيل: يصح في الأكثر ~~أيضا. # قلت: المصحح لاستثناء الأكثر هم أكثر الفقهاء والمتكلمين، والمانع منه ~~أصحابنا وبعض الفقهاء والقاضي أبو بكر في آخر أقواله. قال الآمدي: وقد ~~استقبح بعض أهل اللغة استثناء عقد صحيح، واختار هو الوقف. # قلت: مثال استثناء العقد الصحيح: له سبعون إلا عشرة. # - ولنذكر توجيه الأقوال المذكورة: # - أما عدم صحة الاستثناء المستغرق ; فلإفضائه إلى العبث وكونه نقضا كليا # PageV02P598 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # للكلام، ورجوعا عن الإيجاد إلى ~~الإعدام ; فعلى هذا يلغو الاستثناء، ويلزم المستثنى، فإذا قال: له علي عشرة ~~إلا عشرة، أو: أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا ; لزمه عشرة، وطلقت ثلاثا. # وأما وجه الخلاف في استثناء الأكثر ; فمن صححه، احتج بوجوه: # أحدها: قوله سبحانه وتعالى حكاية عن إبليس: {فبعزتك لأغوينهم أجمعين} ~~{إلا عبادك منهم المخلصين} [ص: 82 و 83] ، وقال سبحانه وتعالى في آية أخرى: ~~{إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين} [الحجر: 42] ; ~~فاستثنى في الأولى العباد ms0638 المخلصين من بني آدم، وفي الثانية الغاوين من ~~العباد، وأيهما كان الأكثر حصل المقصود. # ولتقرير الدليل من ذلك وجه آخر، وهو أنه سبحانه وتعالى استثنى الغاوين من ~~العباد، والغاوون أكثر ; بدليل قوله عز وجل: {ولا تجد أكثرهم شاكرين} ~~[الأعراف: 17] ، {بل أكثرهم لا يعقلون} [العنكبوت: 63] ، {لا يؤمنون} ~~[البقرة: 100] . # الوجه الثاني: قول الشاعر: # أدوا التي نقصت تسعين من مائة # ثم ابعثوا حكما بالحق قواما # PageV02P599 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وهو معنى قوله: مائة إلا تسعين، ~~وهو استثناء الأكثر. # الوجه الثالث: أن الاستثناء يرفع بعض ما دل عليه اللفظ ; فجاز في الأكثر، ~~كالتخصيص. # - ومن منع استثناء الأكثر، احتج بما سيأتي إن شاء الله تعالى في توجيه ~~الاقتصار على الأقل، وإذا اتجه الخلاف في استثناء الأكثر ; كان في استثناء ~~النصف أوجه، ولأن الأكثر والنصف واسطتان بين استثناء الأقل والمستغرق، وقد ~~بينا في هذا الكتاب وغيره أن الوسائط يتجه فيها الخلاف لنزوعها بالشبه إلى ~~الأطراف. # ومن اقتصر على صحة استثناء الأقل ; احتج بأن الاستثناء على خلاف الأصل ~~كسائر التخصيصات خولف في الأقل لعموم الحاجة إليه، إذ المتكلم قد يغلط أو ~~ينسى ; فيحتاج إلى الاستدراك بالاستثناء، وإنما يقع السهو والغلط في الأقل ~~غالبا، إذ العاقل إنما يغلط في المائة بعشرة إلى أربعين، أما غلطه بخمسين ~~إلى تسعين، فنادر جدا، ومن يغلط بذلك، لا يكاد يعد عاقلا، بل هو إما مجنون ~~أو مغفل، وإذا لم تدع الحاجة إلى ما سوى الأقل ; وجب الاقتصار عليه، مع أن ~~أئمة اللغة نصوا على امتناع غيره. # PageV02P600 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قال الزجاج: لم يأت الاستثناء إلا ~~في القليل من الكثير. وقال ابن جني: لو قال قائل: مائة إلا تسعة وتسعين ; ~~لم يكن متكلما بالعربية، وكان كلامه عيا ولكنة. وقال القتيبي: صمت الشهر ~~كله إلا يوما واحدا، ولا يقال صمته إلا تسعة وعشرين يوما، ويقال: لقيت ~~القوم جميعا إلا واحدا أو اثنين، ولا يقال: لقيتهم إلا أكثرهم، وإذا لم يكن ~~هذا من كلام العرب، ولا دعت إليه الحاجة، ولا سوغه قياس، كان مردودا. # أما الوجوه التي ذكرت على صحة استثناء الأكثر ms0639 ; فالجواب عن الأول منها، ~~وهو الآيتان الكريمتان، على الطريقة الأولى في تقرير الدليل منها ; فمن ~~وجهين: # أحدهما: أن الاستثناء في قوله: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من ~~اتبعك من الغاوين} [الحجر: 42] منقطع بمعنى لكن، أي: لكن من اتبعك من ~~الغاوين هم معك في جهنم، أو هم من حزبك، وليس المراد أن لك عليهم سلطانا، ~~بدليل قول إبليس في الآخرة: {وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي} [إبراهيم: 22] . # الوجه الثاني: أنه سبحانه وتعالى استثنى في إحدى الآيتين المخلصين من بني ~~آدم، وهم الأقل، وفي الثانية استثنى الغاوين من جميع العباد، وهم الأقل ~~أيضا ; لأن الملائكة من عباد الله، بدليل قوله تعالى: {بل عباد مكرمون} ~~[الأنبياء: 26] ; فهم غير غاوين، ونسبة جميع بني آدم إلى الملائكة يسيرة ~~فضلا عن الغاوين منهم. # PageV02P601 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قلت: والجوابان ضعيفان، أما الأول ~~; فلأن الأصل في الاستثناء الاتصال، وقوله: {وما كان لي عليكم من سلطان} ~~[إبراهيم: 22] ، أي: بالجبر والقهر القدري، بل ذلك لله سبحانه وتعالى، وذلك ~~لا ينفي سلطانه بالإغواء والوسوسة، وهو المراد بالسلطان المثبت له بقوله عز ~~وجل: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين} أي: فلك عليهم ~~سلطان الإغواء والوسوسة ; بدليل قوله عز وجل: {وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ~~وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم} [الإسراء: 64] . # وأما الثاني ; فلأن المحاورة إنما وقعت في ذرية آدم التي أخرج إبليس ~~بسببه، بدليل قوله: {أنظرني إلى يوم يبعثون} [الأعراف: 14] ، يعني بني آدم، ~~{قال إنك من المنظرين} [الأعراف: 15] ، {قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين} [ص: ~~82] . وإذا كان الكلام في ذرية آدم، لم يصح ضم الملائكة إليهم حتى يكون ~~الغاوون بالنسبة إليهم وإلى بقية بني آدم قليلا. # والجواب الصحيح عن الآية: هو أنا نمنع من استثناء الأكثر إذا صرح بعدد ~~المستثنى منه، أما إذا لم يصرح به ; فهو جائز باتفاق، كما إذا قال: خذ ما ~~في هذا الكيس من الدراهم إلا الزيوف، وكانت أكثر، والآية من هذا الباب لم ~~يصرح فيها بعدد المستثنى منه، بل قال سبحانه ms0640 وتعالى: (إن عبادي) ، وهو ~~مقدار غير معين، بخلاف: له عندي مائة إلا تسعين ; فهذا هو الممنوع. # PageV02P602 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وهذا هو الجواب عن البيت المذكور ~~بتقدير ثبوته، إذ ليس فيه صيغة استثناء. ومحل النزاع مشروط بالتصريح بصيغة ~~الاستثناء والعدد على أن ابن فضال النحوي قال: هذا بيت مصنوع لم يثبت عن ~~العرب. # والجواب عن الثالث: أنه قياس في اللغة، وهو ممنوع عند بعض الناس، ولو سلم ~~صحته ; فالفرق بين الاستثناء والتخصيص بغيره أن التخصيص مستقل بنفسه بخلاف ~~الاستثناء ; فلا يلزم من تخصيص الأكثر بلفظ مستقل قوي جواز استثناء الأكثر ~~بلفظ ضعيف غير مستقل، ثم إن الاستثناء رافع، بناء على أنه إخراج بخلاف ~~التخصيص ; فإنه مبين لا رافع ; فلا يتحقق القياس والله تعالى أعلم بالصواب. ### | - فروع تتعلق بشروط الاستثناء # المذكورة: # - أحدها: أنا قد ذكرنا أنه يشترط للاستثناء الاتصال المعتاد فلا يضر ~~الفصل بينه وبين المستثنى منه بسكتة بنفس، أو عارض سؤال أو شرق أو نحوه ; ~~لأن تلك الأمور ضرورية، ويشترط له أيضا أن ينوي الاستثناء قبل تكميل ~~المستثنى منه، وهو الأصح من مذهب الشافعي. # وصورته أنه إذا قال: أنت طالق ثلاثا إلا واحدة ; ينوي استثناء الواحدة ~~قبل # PageV02P603 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فراغه من قوله: أنت طالق ثلاثا، ~~أو: له علي عشرة إلا درهما ; ينوي استثناء الدرهم قبل قوله: عشرة، لأنه إن ~~لم يشترط ذلك، كان جازما بوقوع المستثنى وقوعا مستقرا ; فيكون الاستثناء ~~بعد ذلك رجوعا محضا عما أوقعه، بخلاف ما إذا نواه قبل تكميل المستثنى منه ; ~~فإنه يكون منعا لدخوله، ورفعا له قبل استقراره، كما سبق التنبيه عليه. # الفرع الثاني: قد بينا ما يصح من الاستثناء، وما يبطل وثبت في اللغة ~~والشرع صحة الاستثناء من الاستثناء كقوله تعالى: {إنا أرسلنا إلى قوم ~~مجرمين} ، {إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين} {إلا امرأته قدرنا إنها لمن ~~الغابرين} [الحجر: 58: 60] ، وكقول القائل: له علي عشرة إلا خمسة إلا ثلاثة ~~إلا درهمين إلا درهما. # فإذا تخلل الاستثناءات استثناء باطل ; فهل يلغى ذلك الاستثناء الباطل وما ~~بعده ; أو يلغى وحده ويرجع ما بعده إلى ms0641 ما قبله ; أو ينظر إلى ما تئول إليه ~~جملة الاستثناءات؟ فيه ثلاثة أوجه: # ولنضرب أمثلة بأنواع الاستثناء الباطل، وهي المستغرق باتفاق، والأكثر ~~والنصف على الخلاف. # مثال المستغرق: قال: له علي عشرة إلا عشرة إلا أربعة إلا واحدا. # فعلى الوجه الأول: يلزمه عشرة، ويلغو قوله: إلا عشرة ; لأنه استثناء ~~مستغرق باطل، ويلغو قوله: إلا أربعة إلا واحدا ; لأنه فرع على استثناء ~~باطل. # وعلى الوجه الثاني: يلغو المستغرق وحده تخصيصا للبطلان به # PageV02P604 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لاختصاصه بسببه ; وهو الاستغراق، ~~ويصير نظم الكلام: له علي عشرة إلا أربعة إلا واحدا ; فيلزمه سبعة، سيأتي ~~بيان الطريق في استخراج ذلك إن شاء الله تعالى. # وعلى الوجه الثالث: ينظر ما يئول إليه جملة الاستثناءات الباطل منها ~~والصحيح ; فيلزمه في الصورة المذكورة ثلاثة والله سبحانه وتعالى أعلم. # مثال استثناء الأكثر: قال له علي عشرة إلا أربعا إلا واحدا، فإن أبطلنا ~~استثناء الأكثر: # فعلى الأول: يلزمه عشرة، ويلغو استثناء التسعة وما بعده. # وعلى الثاني: يلغو استثناء التسعة وحده ; فيلزمه سبعة. # وعلى الثالث: يلزمه أربعة. # وإن صححنا استثناء الأكثر، لزمه أربعة كالوجه الثالث على القول ببطلانه. # مثال استثناء النصف: قال: له علي عشرة إلا خمسة إلا اثنين إلا واحدا، فإن ~~أبطلنا استثناء النصف لزمه على الأول عشرة وعلى الثاني تسعة، وعلى الثالث ~~ستة، وإن صححناه، لزمه ستة أيضا، كالوجه الثالث على القول ببطلانه. # وقد تتركب الاستثناءات بأن تشتمل على المستغرق والأكثر والنصف، كقوله: له ~~علي عشرة إلا عشرة إلا ثمانية إلا أربعة، فإن ألغينا الثلاثة، لزمه # PageV02P605 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # هاهنا عشرة، وكذلك إن ألغينا ~~المستغرق وما تفرع عليه على الوجه الأول، وإن ألغينا المستغرق وحده، لزمه ~~ستة، وإن نظرنا إلى ما يئول إليه جملة الاستثناءات، لزمه أربعة، وإن ألغينا ~~المستغرق والأكثر فقط، وصححنا النصف ; فعلى الوجه الأول يلزمه عشرة، وعلى ~~الثاني ستة، وعلى الثالث أربعة، وإن ألغينا المستغرق والنصف، وصححنا ~~الأكثر، وهو بعيد في القياس، لكنا فرضناه تصويرا ; فعلى الأول يلزمه عشرة، ~~وعلى الثاني اثنان، وعلى الثالث أربعة كما سبق. والطريق العام في استخراج ~~الباقي ms0642 عند تكرر الاستثناءات مبني على أن الاستثناء من الإثبات نفي، ومن ~~النفي إثبات. # فنقول: في الصورة الأولى من صور هذا الفرع، وهي: له علي عشرة إلا عشرة ~~إلا أربعة إلا واحدا، أثبت عشرة ثم نفاها، ثم أثبت من العشرة المنفية ~~أربعة، ثم نفى من هذه الأربعة المثبتة واحدا ; فبقي ثلاثة، لكن عند كثرة ~~الاستثناءات يصعب سلوك هذا الطريق، ويشق ضبطه ; فلك فيه طريقان سهلان جدا: # أحدهما: أن تأخذ شفع الأعداد ووترها، وتعرف مقدار كل واحد منهما، وتلقي ~~أقلها من أكثرها ; فما بقي ; فهو الجواب. # وضبط هذا بالشفع والوتر إنما يصح إذا لم يكن في الاستثناءات استثناء ~~مستغرق، فإن كان فيها استثناء مستغرق كالصورة المذكورة ; فضبطه أن تأخذ # PageV02P606 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الأعداد المثبتة ; فتعرف جملتها، ~~ثم المنفية كذلك، ثم تلقي أقلها من أكثرها ; فالباقي هو الجواب. # ويعرف العدد المثبت من المنفي بأن تبتدئ بالأول، ثم تأخذ العدد الثاني ~~منه، لا الذي بعده يليه، ثم الثاني من ذلك العدد، كذلك، حتى تأتي على جميع ~~الاستثناءات. # مثاله: في قولنا: له علي عشرة إلا عشرة إلا أربعة إلا واحدا، أن تأخذ ~~العشرة والأربعة ; فهما شفعان مثبتان، وذلك أربعة عشر، وتأخذ العشرة ~~الثانية والواحد، وهما منفيان، وذلك أحد عشر ; فتلقيها من الأربعة عشر، ~~يبقى ثلاثة كما سبق. # ولو اعتبرته هاهنا بالشفع والوتر، لم يصح إذ ليس معك وتر إلا الواحد، ~~والشفع أربعة وعشرون، تلقي منها الواحد، يبقى ثلاثة وعشرون، وليس ذلك ~~بالحق، وإنما جاء ذلك من الاستثناء المستغرق لأنه شفع بعد شفع، وكذا لو كان ~~وترا بعد وتر، نحو: تسعة إلا تسعة إلا أربعة إلا واحدا ; فبطريق النفي ~~والإثبات، تأخذ التسعة الأولى والأربعة، وذلك ثلاثة عشر، والتسعة الثانية ~~والواحد، وذلك عشرة، تلقيها من ثلاثة عشر يبقى ثلاثة، وبطريق الزوج والفرد ~~تحتاج أن تلقي الأربعة من تسعة عشر، يبقى خمسة عشر، وليس بالصواب. # فبالجملة طريق النفي والإثبات أعم، وهي الأصل، وطريق الزوج والفرد تصح ~~لخصوص المادة غالبا، بشرط أن لا يكون هناك استثناء مستغرق ; لأنه يكون ~~استثناء مساويا لما ms0643 قبله في الزوجية والفردية ; فيختل العمل. # PageV02P607 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والطريق الثاني: أن تلقي آخر ~~الاستثناءات مما قبله، ثم الباقي منه مما قبله كذلك إلى أن تصل إلى ~~المستثنى منه أولا ; فما بقي ; فهو الجواب. # ولنضرب لذلك أمثلة، ونستخرجها بالطريقين تحصيلا لضرب من الدربة: فمنها: ~~لو قال: له علي عشرة إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة إلا خمسة إلا ~~أربعة إلا ثلاثة إلا اثنين إلا واحدا ; فبطريق النفي والإثبات، أو الزوج ~~والفرد، تأخذ العشرة والثمانية والستة والأربعة والاثنين، وهي الأعداد ~~الشفع المثبتة، وجملتها ثلاثون، وتأخذ التسعة والسبعة والخمسة والثلاثة ~~والواحد، وهي الأعداد الوتر المنفية، وجملتها خمسة وعشرون، تلقيها من ~~الثلاثين، يبقى خمسة وهو الجواب. # وبطريق الترقي من آخر الاستثناءات إلى أولها ; تلقي الواحد من الاثنين، ~~يبقى واحد، تلقيه من الثلاثة قبله يبقى اثنان، تلقيهما من الأربعة قبلهما، ~~يبقى اثنان، تلقيهما من الخمسة، يبقى ثلاثة، تلقيها من الستة، تبقى ثلاثة، ~~تلقيها من السبعة، يبقى أربعة، تلقيها من الثمانية، يبقى أربعة، تلقيها من ~~التسعة، يبقى خمسة، تلقيها من العشرة، يبقى خمسة، كالجواب بالطريق الأول. # PageV02P608 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ومنها: لو قال: له علي عشرة إلا ~~سبعة إلا أربعة إلا واحدا ; فبطريق الإثبات والنفي، خذ العشرة والأربعة تكن ~~أربعة عشر، وخذ السبعة والواحد تكن ثمانية، أسقطها من أربعة عشر، يبق ستة. # وبالطريق الآخر: أسقط الواحد من الأربعة قبله، يبق ثلاثة، أسقطها من ~~السبعة قبلها، يبق أربعة، أسقطها من العشرة، يبق ستة، كالجواب الأول. # ومنها: لو قال: له علي عشرة إلا ثمانية إلا خمسة إلا ثلاثة إلا واحدا ; ~~فبطريق الإثبات والنفي خذ العشرة والخمسة والواحد تكن ستة عشر، وخذ ~~الثمانية والثلاثة تكن أحد عشر، أسقطها من ستة عشر، يبق خمسة. # وبالطريق الآخر: أسقط الواحد من الثلاثة قبله، يبق اثنان، أسقطهما من ~~الخمسة، يبق ثلاثة أسقطها من الثمانية، يبق خمسة، أسقطها من العشرة، يبق ~~خمسة، كالجواب الأول. # ومنها: لو قال: له علي عشرة إلا سبعة إلا ستة إلا خمسة إلا أربعة إلا ~~اثنين إلا واحدا ; فبطريق الإثبات والنفي، اجمع العشرة والستة ms0644 والأربعة ~~والواحد يكن إحدى وعشرين، واجمع السبعة والخمسة والاثنين يكن أربعة عشر، ~~أسقطها من أحد وعشرين، يبق سبعة. # وبالطريق الآخر: ألق واحدا من اثنين، يبق واحدا، ألقه من الأربعة قبله، ~~يبق ثلاثة، ألقها من الخمسة قبلها، يبق اثنان، ألقهما من الستة، يبق # PageV02P609 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أربعة، ألقها من السبعة، يبق ~~ثلاثة، ألقها من العشرة، يبق سبعة كالجواب الأول، وعلى هذا قياس الباب. # الفرع الثالث: إذا قال: أنت طالق واحدة إلا واحدة، أو اثنتين إلا اثنتين، ~~أو ثلاثا إلا ثلاثا ; فهو استثناء مستغرق باطل. وإن قال: طلقتين إلا طلقة، ~~خرج على استثناء النصف، وإن قال: ثلاثا إلا اثنتين، خرج على استثناء ~~الأكثر، وإن قال: طلقة إلا نصف طلقة، أو ثلاثا إلا طلقة ونصفا، احتمل أن ~~يخرج على استثناء النصف، واحتمل أن يقع في الأولى واحدة، وفي الثانية ~~اثنتان ; لأن الطلاق لا يتبعض في إيقاعه ولا في رفعه. # وإن قال: أنت طالق خمسا إلا ثلاثة ; فهل تطلق ثلاثا أو اثنتين؟ على ~~وجهين، أصلهما أنه إذا أوقع من الطلاق أكثر مما يملك واستثنى منه ; فهل ~~يرجع الاستثناء إلى ما يملكه ; فيكون هاهنا مستغرقا باطلا ; فتقع الثلاث، ~~أو إلى ما أوقعه وهو هاهنا خمس استثنى منها ثلاثا يبقى اثنتان؟ وعلى هذا، ~~لو قال: أربع إلا واحدة، هل يقع ثلاث أو اثنتان، ولو قال: أربع إلا ثلاثا، ~~هل يقع واحدة أو ثلاث؟ والأشبه رجوع الاستثناء إلى ما يملكه فقط ; لأن ما ~~زاد عليه لا يملك إيقاعه، وصحة الاستثناء متفرع على صحة الإيقاع، والنزاع ~~هاهنا مبني على ملاحظة الحكم تارة واللفظ أخرى، والله أعلم بالصواب. # PageV02P610 # وإذا تعقب الاستثناء جملا نحو: {والذين يرمون ~~المحصنات} [النور: 4] ، إلى قوله تعالى: {إلا الذين تابوا} [النور: 5] ، ~~وكقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن الرجل في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته ~~إلا بإذنه» . عاد إلى الكل عندنا وعند الشافعية. # وإلى الأخيرة عند الحنفية. وتوقف المرتضى توقفا اشتراكيا، والقاضي أبو ~~بكر والغزالي توقفا عارضيا. # لنا: العطف يوجب اتحاد الجمل معنى ; فعاد إلى الكل، كما لو اتحد ms0645 لفظا، ~~ولأن تكرير الاستثناء عقيب كل جملة عي قبيح باتفاق أهل اللغة ; فمقتضى ~~الفصاحة العود إلى الكل، ولأن الشرط يعود إلى الكل نحو: نسائي طوالق، ~~وعبيدي أحرار إن كلمت زيدا ; فكذلك الاستثناء بجامع افتقارهما إلى متعلق، ~~ولهذا يسمى التعليق بمشيئة الله تعالى استثناء، لا يقال: رتبة الشرط ~~التقديم بخلاف الاستثناء ; لأنا نقول عقلا لا لغة. ثم الكلام فيما إذا تأخر ~~ولا فرق ; ثم يلزمكم أن يتعلق بالأولى فقط مطلقا، أو إذا تقدم وهو باطل. # قالوا: تفاصلت الجمل بالعاطف، أشبه الفصل بكلام أجنبي، وتعلق الاستثناء ~~ضروري ; فاندفع بما ذكرناه. والمرجح القرب كإعمال أقرب العاملين، وعوده إلى ~~الكل مشكوك ; فلا يرفع العموم المتيقن. # وأجيب: بأنا قد بينا أن العطف بواو الجمع يوجب اتحادا معنويا، وهو ~~المعتبر دون التفاصل اللفظي. وتعلق الاستثناء بما قبله لصلاحيته له لا ~~ضرورة. وإعمال أقرب العاملين بصري معارض بعكسه عند الكوفيين. وتيقن العموم ~~قبل تمام الكلام ممنوع، وإنما يتم بالاستثناء. # المرتضى: استعمل في اللغة عائدا إلى الكل، وإلى البعض، والأصل في ~~الاستعمال الحقيقة، وقياسا على الحال والظرفين. # . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . . . . . . . . . . . # PageV02P611 # القاضي: تعارضت الأدلة فيطلب المرجح الخارجي. # قوله: وإذا تعقب الاستثناء جملا «، ~~أي: وقع الاستثناء عقيب جمل، كقوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم ~~يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك ~~هم الفاسقون} {إلا الذين تابوا} [النور: 4، 5] ،» وكقوله صلى الله عليه ~~وسلم: «لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه» . ~~عاد الاستثناء «إلى الكل» ، أي: إلى جميع الجمل التي قبله؛ ما لم يمنع مانع ~~من عوده إلى بعضها «عندنا وعند الشافعية» ، «وإلى» الجملة «الأخيرة» خاصة ~~«عند الحنفية. وتوقف المرتضى» من الشيعة «توقفا اشتراكيا» ، أي: يصلح رجوع ~~الاستثناء إلى جميع الجمل وإلى الجملة الأخيرة على جهة الاشتراك والتساوي، ~~ولا رجحان لأحدهما على الآخر، كما يصلح لفظ القرء للحيض والطهر، ولفظ العين ~~لمسمياته. وتوقف «القاضي أبو بكر والغزالي توقفا عارضيا» ، أي: لتعارض ~~الدليل في كونه يختص بالأخيرة، أو يرجع إلى الجميع، لا لكونه صالحا للرجوع ms0646 ~~إليهما بالاشتراك. # وقال الآمدي: (إن ظهر) أن «الواو» للابتداء، كقوله: أكرم بني تميم ~~والنحاة البصريون إلا البغاددة، اختص بالأخيرة، وإن ترددت بين العطف # PageV02P612 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والابتداء ; فالوقف. # قلت: التحقيق أنه إن كان في الكلام قرينة معنوية أو لفظية تدل على ما ~~يرجع إليه الاستثناء ; تعين العمل بمقتضاها، وإلا فالمختار الأول. # مثال القرينة المعنوية قوله: نسائي طوالق وعبيدي أحرار وخيلي وقف إلا ~~الحيض ; فهذا راجع إلى الجملة الأولى بقرينة الحيض المختص بالنساء، ولو ~~قال: إلا الزنجيين أو الهنديين، أو الحبشان، اختص بالثانية ; لأن هذه ~~الصفات في العرف مختصة بالعبيد، ولو قال: إلا الدهم أو العراب، اختص ~~بالأخيرة ; لأن هذه صفات الخيل عرفا. # ومثال اللفظية ما ذكره الآمدي من ظهور الابتداء في الواو ونحو ذلك، وفي ~~المسألة تفصيل كثير. # قوله: «لنا: العطف يوجب اتحاد الجمل» إلى آخره. # هذا حجة القائلين برجوع الاستثناء إلى جميع الجمل، وهو من وجوه: # أحدها: أن العطف بالواو يوجب اتحاد الجمل في المعنى ; لأن الواو للجمع ; ~~فيكون الاستثناء المتعقب لها عائدا إلى جميعها، كما لو اتحدت لفظا إذ لا ~~فرق في المعنى بين قوله: اضرب من قتل وسرق إلا من تاب، وبين قوله: اضرب ~~الجماعة الذين هم قتلة وسراق إلا من تاب ; فكما يرجع # PageV02P613 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الاستثناء هاهنا إلى الجميع ; ~~فكذلك يرجع إلى الذي قبله. # الوجه الثاني: أن «تكرير الاستثناء عقيب كل جملة عي قبيح باتفاق أهل ~~اللغة» ، إذ لا يجوز في لسان الفصحاء أن يقال: فاجلدوهم إلا الذين تابوا، ~~ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا إلا الذين تابوا، وأولئك هم الفاسقون إلا الذين ~~تابوا. # وحيث الأمر كذلك ; فمقتضى الفصاحة أن يعود الاستثناء إلى الكل لصلاحيته ~~له، وإلا لم يقبح التكرار المذكور، بل كان يتعين فيما إذا أريد رجوع ~~الاستثناء إلى جميع الجمل. # الوجه الثالث: أن الشرط يعود إلى جميع الجمل قبله، «نحو: نسائي طوالق، ~~وعبيدي أحرار إن كلمت زيدا» ; فيكون تكليمه زيدا شرطا في وقوع الطلاق ~~والعتق جميعا ; فكذلك الاستثناء مثله، والجامع بينهما افتقار كل منهما إلى ~~ما يتعلق به ; فالشرط يتعلق ms0647 بمشروطه، ولا يستقل بدونه، والاستثناء يتعلق ~~بالمستثنى منه ولا يستقل بدونه، «ولهذا» أي: لاشتراكهما في التعلق، وعدم ~~الاستقلال «يسمى التعليق بمشيئة الله تعالى استثناء» كالاستثناء في اليمين، ~~والإيمان، والطلاق، نحو: والله لأفعلن كذا إن شاء الله تعالى، وأنا مؤمن إن ~~شاء الله، وأنت طالق إن شاء الله، ونحو ذلك. وإذا ثبت أن بين الشرط ~~والاستثناء هذا الاشتراك الخاص، وجب أن يستويا في رجوع كل منهما إلى جميع ~~الجمل قبله. # PageV02P614 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # - قوله: «لا يقال: رتبة الشرط ~~التقديم بخلاف الاستثناء» . # هذا قدح من الخصم في قياس الاستثناء على الشرط في رجوعه إلى جميع الجمل، ~~وذلك ببيان الفرق بينهما. # وتقريره أن يقال: الشرط رتبته التقديم حكما ; لأن وجوده يجب أن يكون قبل ~~وجود المشروط، ومقتضى ذلك أن يكون لفظه مقدما، نحو: إن دخلت الدار ; فأنت ~~طالق، ليطابق اللفظ الحكم والوضع الطبع، فإذا تأخر لفظه عن الجمل، تعلق ~~بجميعها ; لأن له حقا في التقدم ; فهو وإن تأخر لفظا ; فهو متقدم حكما ; ~~فتعلق بما يليه من جهة لفظه، وبما قبله من جهة حكمه. # وشبيه بذلك ما يذكره النحويون في تقديم الفاعل والمفعول، نحو: ضرب غلامه ~~زيد، وضرب غلامه زيدا، حيث صحت الأولى دون الثانية، ولا كذلك الاستثناء ; ~~فإنه تابع متأخر لفظا وحكما، لا حق له في التقديم حتى يقوى بذلك على رجوعه ~~إلى أول الجمل ; فبان بذلك الفرق بين الشرط والاستثناء. # - قوله: «لأنا نقول عقلا لا لغة» ، هذا جواب عن الفرق المذكور من وجوه: # أحدها: قولهم: رتبة الشرط التقديم. # قلنا: في العقل لا في اللغة، وكلامنا في بحث لغوي لا عقلي، ولا يلزم # PageV02P615 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # من توقف المشروط على الشرط ولزوم ~~تقدمه عقلا أن لا يساويه الاستثناء فيما ذكرناه. # الوجه الثاني: أن كلامنا فيما إذا تأخر الشرط، وحينئذ لا فرق بينه وبين ~~الاستثناء ; لأن كلا منهما متأخر عن الجمل، وما ذكر من استحقاقه التقدم أمر ~~عقلي لا اعتبار به هاهنا ; فلا فرق إذن بين قوله: نسائي طوالق وعبيدي أحرار ~~إن كلمت زيدا، وبين قوله: نسائي طوالق وعبيدي أحرار ms0648 إلا أن أكلم زيدا. # الوجه الثالث: أن على ما ذكرتموه من الفرق، يلزمكم أن يتعلق الشرط ~~بالجملة الأولى فقط ; إما مطلقا سواء تقدم لفظه، أو تأخر نظرا إلى استحقاقه ~~التقديم حكما، أو إذا تقدم لفظه، نحو: إن كلمت زيدا ; فنسائي طوالق، وعبيدي ~~أحرار ; فيعتق عبيده في الحال، ويتوقف طلاق نسائه على تكليمه زيدا، لكن ذلك ~~باطل باتفاق ; فدل على أن استحقاق الشرط للتقديم حكما لا تأثير له في الفرق ~~المذكور، وحينئذ يستوي الشرط والاستثناء في تعلقهما بجميع الجمل المذكورة ~~قبلهما وهو المطلوب. # - قوله: «قالوا: تفاصلت الجمل بالعاطف» ، إلى آخره. # PageV02P616 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # هذه حجة الحنفية على اختصاص ~~الاستثناء بالجملة الأخيرة، وتقريرها من وجوه: # أحدها: أن الجمل تفاصلت بالعاطف، أي: وقع الفصل بين كل جملتين منها بحرف ~~العطف ; فأشبه الفصل بكلام أجنبي، ولو فصل بينهما بكلام أجنبي، لم يعد ~~الاستثناء إلى الجميع ; فكذا ما أشبهه. # الوجه الثاني: أن تعلق الاستثناء بما قبله ضروري، أي: لضرورة عدم ~~استقلاله بنفسه، وهذه الضرورة تندفع بما ذكرناه من تعلقه بجملة واحدة ; فلا ~~حاجة إلى تعلقه بغيرها لخروجه عن محل الضرورة، والمرجح للأخيرة على سائر ~~الجمل قربها من الاستثناء، وللقرب تأثير في الترجيح كإعمال أقرب العاملين ~~عند البصريين، نحو: ضربت وضربني زيد، وسببت وسبني بنو عبد شمس و: # جرى فوقها واستشعرت لون مذهب # الوجه الثالث: أن العموم في كل واحدة من الجمل متيقن، وعود الاستثناء إلى ~~كل واحدة منهن مشكوك فيه ; فلا يرفع العموم المتيقن بالشك، وإنما # PageV02P617 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # رفعنا عموم الجملة الأخيرة ضرورة ~~تعلق الاستثناء بغيره، وعدم استقلاله بدونه فثبت بهذه الوجوه أن الاستثناء ~~يختص بالأخيرة دون غيرها. # - قوله: «وأجيب» ، إلى آخره. هذا جواب عن الأوجه الثلاثة: # أما عن الأول ; فقولهم «تفاصلت الجمل بالعاطف أشبه الفصل بكلام أجنبي» . # قلنا: «قد بينا أن العطف بواو الجمع يوجب اتحادا معنويا» ، ولهذا قدرت ~~التثنية والجمع، نحو: الزيدان والزيدون بالعطف، نحو: قام زيد وزيد وزيد، ~~وشبه ذلك بقولهم: قاموا، فواو العطف، والجمع، والضمير المتصل بالفعل أشباه، ~~والمعتبر هاهنا هو الاتحاد المعنوي، «دون التفاصل اللفظي» ms0649 وحينئذ تصير ~~الجمل كالجملة الواحدة، لربط الواو المقتضية للجمع بينها ; فيكون الاستثناء ~~راجعا إلى الجميع. # وأما الجواب عن الثاني ; فقولهم: «تعلق الاستثناء ضروري ; فاندفع بما ~~ذكرناه» . # قلنا: لا نسلم أن تعلق الاستثناء بما قبله للضرورة، بل لصلاحية ما قبله ~~لتعلقه به، وسائر الجمل صالح لتعلق الاستثناء به، ما لم يمنع من تعلقه ~~ببعضها مانع خاص، كقوله سبحانه وتعالى: {فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى ~~أهله إلا أن يصدقوا} [النساء: 92] ; فهذا الاستثناء راجع إلى # PageV02P618 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الدية، لا إلى التحرير ; لأنه ليس ~~بحق الورثة حتى يصدقوا به، وكذلك الاستثناء من الاستثناء، اختص بالجملة ~~الأخيرة ; لأن الاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي ; فلو عاد إلى ~~جميع ما قبله، لزم استثناء النفي من النفي، أو الإثبات من الإثبات، ثم ما ~~ذكروه يبطل بالشرط كما سبق، وبالصفة، نحو: أكرم بني تميم، وبني أسد الطوال ~~; فإنه يتعلق بجميع الجمل، مع أن ضرورة التعلق تندفع بتعلقه بالجملة ~~الواحدة. # وأما ترجيحهم الجملة الأخيرة بالقرب، قياسا على إعمال أقرب العاملين ; ~~فإعمال أقرب العاملين بصري، أي: هو رأي البصريين، وهو معارض بعكسه عند ~~الكوفيين ; فإنهم يعملون أبعد العاملين، لأوليته وسبقه، نحو: ضربت وضربني ~~زيدا، وضربني وضربت زيد، ويحتجون بنحو قوله: # تنخل فاستاكت به عود إسحل # وقوله: # كفاني ولم أطلب قليل من المال # PageV02P619 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ورضت فذلت صعبة أي إذلال # وهي حجج صحيحة في الباب. # وعلى هذا فلقائل أن يقول: يتعلق الاستثناء بالجملة الأولى، لأوليتها ~~وسبقها ; فيتعارض القولان، ولا مرجح. # وأما الجواب عن الثالث ; فقولهم: «عود الاستثناء إلى الكل مشكوك ; فلا ~~يرفع العموم المتيقن» . # قلنا: «تيقن المعلوم» في الجمل ; إن أردتم أنه حاصل قبل تمام الكلام فهو ~~«ممنوع» وإن أردتم أنه بعد تمام الكلام ; فالكلام «إنما يتم بالاستثناء» ~~وبعد الاستثناء، لا يبقى العموم متيقنا حتى يكون رفعه بالشك ممتنعا، إلا ~~على قولكم: إنه يتعلق بالجملة الأخيرة، ويبقى العموم فيما قبلها، لكن هذا ~~يصير استدلالا بمحل النزاع ; فلا يسمع. # PageV02P620 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «المرتضى» ، أي: احتج ~~المرتضى على ما ادعاه في المسألة من الاشتراك ; بأن الاستثناء المتعقب ms0650 ~~للجمل، استعمل في اللغة عائدا إلى الجميع تارة، وإلى البعض أخرى، والأصل في ~~الاستعمال الحقيقة ; فيكون مشتركا، وبالقياس على الحال والظرفين: ظرف ~~الزمان والمكان ; فإنه لو قال: ضربت زيدا وعمرا وبكرا قائما ; احتمل أن ~~يكون هذا الحال لجميعهم، وأن يكون للأخيرة منهم. ولو قال: علمت المسير، ~~والقتال، والصوم يوم الجمعة، احتمل تعلق الظرف بالمصادر الثلاثة، واحتمل ~~تعلقه بالأخير منها. ولو قال: رأيت زيدا وعمرا وبكرا في الدار، احتمل تعلق ~~الظرف المكاني بهم، أو بآخرهم ; فكذلك الاستثناء في تعلقه بجميع الجمل أو ~~بآخرها، والجامع بينه وبين الحال والظرفين ; كونها منصوبات غير مستقلة ~~بنفسها، مفتقرة إلى ما يتعلق به. # - قوله: «القاضي» ، أي: احتج القاضي على الوقف بأن قال: «تعارضت الأدلة» ~~في المسألة كما قد تقرر، ومع تعارضها يمتنع الجزم بأحدها ; فيجب الوقف، ~~«ويطلب المرجح الخارجي» عن الأدلة المذكورة. # قلت: واعترض على ما قاله المرتضى: بأن يقال: استعمال الاستثناء راجعا إلى ~~الجملة الأخيرة لمانع، أو مجازا، والحقيقة ما ذكرناه، وإذا تعارض الاشتراك ~~والمجاز، كان المجاز أولى، وقياس الاستثناء على الحال والظرفين قياس في ~~اللغة، وهو ممنوع، وإن سلمناه ; فإنما يلزم الاشتراك أن لو كان احتمال رجوع ~~الحال والظرف إلى الجميع والبعض على السواء، وهو # PageV02P621 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ممنوع، بل رجوعه إلى الجميع أظهر، ~~وكذا نقول في الاستثناء. # والاعتراض على ما قاله القاضي: بأن الوقف ليس بمذهب، بل هو تعطيل ~~للمذاهب، وتردد بينها، وتحير فيها، وما هذا شأنه ; فإنما يسوغ عند تكافؤ ~~الأدلة وتساويها، وهو ممنوع هاهنا، بل أحد المذاهب ظاهر الرجحان، وهو ما ~~ذكرناه إن شاء الله تعالى. # فرع: قوله سبحانه وتعالى: {والذين يرمون المحصنات} الآية، إلى قوله ~~تعالى: {إلا الذين تابوا} [النور: 4، 5] ، تضمنت الآية أن القذف متعلق به ~~ثلاثة أحكام: وجوب الحد، ورد الشهادة، وثبوت الفسق. فمن رد الاستثناء إلى ~~جميع الجمل، قال: القاذف إذا تاب، تعود عدالته، وتقبل شهادته، وكان مقتضى ~~هذا الأصل أن يسقط الجلد عنه، لكن منع من ذلك كونه حق آدمي. ومن رد ~~الاستثناء إلى الجملة الأخيرة فقط، وهو أبو حنيفة ms0651 رحمه الله، قال: إذا تاب ~~القاذف، زال فسقه، ولم تقبل شهادته ; لأن الاستثناء في قوله تعالى: {إلا ~~الذين تابوا} لم يتعلق بقوله تعالى: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا} [النور: ~~4] ; فيبقى على عمومه في الزمان، وجعل سلب أهلية الشهادة من عقوبات القذف ~~كالجلد، وكما أن الحد لا يرتفع بالتوبة، كذلك رد الشهادة ; فمذهب أبي حنيفة ~~أن المجلود في القذف لا تقبل شهادته. # وتلخص من هذا: أن الأحكام الثلاثة المتعلقة بالقذف: # PageV02P622 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # منها: ما لا تؤثر التوبة في رفعه ~~بالإجماع، وهو الجلد. # ومنها: ما تؤثر في رفعه بالإجماع، وهو الفسق. # ومنها: ما وقع النزاع فيه، هل يرتفع بها أم لا؟ وهو رد الشهادة هذا ما دل ~~عليه ظاهر اللفظ، وفهمه منه أكثر العلماء. # والذي ينقدح من قوة الكلام: أن الآية إنما تضمنت حكمين: وجوب الحد، وثبوت ~~الفسق. # أما رد الشهادة ; فهو من آثار الفسق، ومرتب عليه، فإذا زال الفسق، الذي ~~هو المؤثر بالتوبة، زال أثره، الذي هو رد الشهادة. # وعلى هذا التقدير يتجه النزاع في قبول الشهادة أيضا، بناء على أن العلة ~~إذا زالت، هل يجب زوال معلولها أم لا؟ فإن قلنا: يجب، زال رد الشهادة بزوال ~~الفسق ; فوجب قبولها، وإن قلنا: لا يجب، استصحب الحال في رد الشهادة، ~~واحتاج قبولها إلى دليل طارئ. # ويحتمل أن يقال: إن الآية إنما تضمنت حكمين: وجوب الحد، ورد الشهادة، وهو ~~من لوازم الفسق، وكان قوله سبحانه وتعالى: {وأولئك هم الفاسقون} [النور: 4] ~~، تأكيد لرد الشهادة بذكر ملزومه، وهو الفسق ; فتكون الجملتان، أعني رد ~~الشهادة والفسق كالجملة الواحدة ; فيرجع الاستثناء # PageV02P623 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # إليها إجماعا ; فيزول رد الشهادة ; ~~فيجب قبولها، وينتفي ملزومه وهو الفسق، بانتفاء لازمه وهو رد الشهادة. # ومن أمثلة هذا الأصل، قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يؤمن الرجل في ~~سلطانه، ولا يجلس على تكرمته، إلا بإذنه» . فمن رد الاستثناء إلى الجملتين، ~~قال: الإذن شرط في الحكمين، وهما: أن يتقدم على الرجل في سلطانه غيره في ~~إمامة الصلاة، وأن يجلس على تكرمته غيره بإذنه، ومن علقه بالأخيرة فقط، ~~قال: الإذن ms0652 يشترط في جلوسه على تكرمته فقط، أما تقدمه عليه في الصلاة ; فلا ~~دلالة في الحديث على جوازه، بإذنه أو غير إذنه، بل يقف الأمر على دليل ~~خارج، والله تعالى أعلم. # PageV02P624 # الشرط ### | الشرط: # ما توقف عليه تأثير المؤثر على غير جهة السببية ; فيساوي ما سبق عند ~~الكلام عليه، وهو من المخصصات كالاستثناء، وتأثيره إذا دخل على السبب في ~~تأخير حكمه حتى يوجد، لا في منع السببية خلافا للحنفية، ونحوه ### | الغاية، # نحو: {حتى يطهرن} [البقرة: 222] ، {حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] . # قوله: «الشرط: ما توقف عليه تأثير ~~المؤثر، على غير جهة السببية» . # هذا الثاني من مخصصات العموم المتصلة، وهو الشرط، ولا شك أن الأحكام ~~الشرعية لها علل، وهي أسبابها المؤثرة في وجودها شرعا، أي: المعرفة لها ~~شرعا، وشروط يتوقف تأثير العلل في الأحكام عليها، كالزنى هو علة الرجم، ~~ويتوقف تأثيره في إيجاب الرجم على الإحصان، وكالنصاب هو المؤثر في وجوب ~~الزكاة، ويتوقف تأثيره في إيجابها على تمام الحول، وكالقتل هو علة القصاص، ~~ويتوقف تأثيره في إيجابه على وجود المكافأة، وانتفاء الأبوة ونحو ذلك. # فصح حينئذ قولنا: «الشرط ما توقف عليه تأثير المؤثر» ، يعني العلة، أي: ~~الشرط: ما لا تؤثر العلة في وجود الحكم، إلا بعد حصوله. # أما قوله: «على غير جهة السببية» فالظاهر أنه لا حاجة إليه هاهنا، وإنما ~~ذكرته في «المختصر» ظنا أن سبب الحكم غير علته وشرطه ; فوقع الاحتراز # PageV02P625 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بقوله: «على غير جهة السببية» عن ~~السبب، وليس كذلك، بل قد سبق أن العلة هي السبب ; فصار قولنا: «ما توقف ~~عليه تأثير المؤثر» ، كافيا في تعريف الشرط، اللهم إلا على ما سبق من أن ~~السبب ما حصل الحكم عنده لا به، فإن تصور لنا حكم يتوقف على العلة المؤثرة، ~~والشرط الذي يتوقف تأثيرها عليه، والسبب الذي يوجد الحكم عنده لا به ; كان ~~قولنا: «على غير جهة السببية» ، احترازا عن السبب ; لأن الشرط، وإن توقف ~~عليه تأثير العلة، لكن لا على جهة توقفه على السبب المذكور، مع أن هذا لا ~~يكاد يتحقق. # - قوله: ms0653 «فيساوي ما سبق» ، أي: فيساوي هذا التعريف للشرط ما سبق من ~~تعريفه «عند الكلام عليه» في خطاب الوضع، وهو قولنا: الشرط ما لزم من ~~انتفائه انتفاء أمر على غير جهة السببية ; لأن ما لزم من انتفائه انتفاء ~~أمر، توقف وجود ذلك الأمر على وجوده، كالإحصان ; لما لزم من انتفائه انتفاء ~~الرجم، توقف وجود الرجم على وجوده، وهاهنا وجب قولنا: على غير جهة السببية ~~; لأنا لم نتعرض فيه لذكر العلة التي هي السبب ; فاحتجنا أن نحترز عنها ; ~~لأنه يلزم من انتفائها انتفاء الحكم، لكن لا على الجهة التي يلزم ذلك في ~~الشرط ; لأن العلة مؤثرة في وجود الحكم ; فانتفاؤه لانتفاء تأثيرها في ~~وجوده، والشرط ليس مؤثرا في وجود الحكم، بل هو مصحح لتأثير المؤثر ; فوجب ~~الاحتراز في حد الشرط عن السبب بما ذكرنا، بخلاف قولنا هاهنا: ما توقف عليه ~~تأثير المؤثر، فإن المؤثر هو العلة، وليست داخلة في هذا الحد، حتى يحترز ~~عنها بقولنا: على غير جهة السببية ; لأنها لا يتوقف عليها تأثير المؤثر، بل ~~هي المؤثر نفسه. وحينئذ قولنا هاهنا: ما توقف عليه تأثير # PageV02P626 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المؤثر، هو المساوي لما سبق من ~~قولنا قبل: ما لزم من انتفائه انتفاء أمر، على غير جهة السببية، وقولنا ذلك ~~هاهنا لاغ ; فاعلم ذلك. # - قوله: «وهو» يعني الشرط، من «المخصصات» للعموم، «كالاستثناء» . قد سبق ~~دليل هذا ومثاله. # ومن أمثلته: قوله سبحانه وتعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح ~~أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} [النساء: 101] ; فأجاز ~~قصر الصلاة بشرطين: # أحدهما: الضرب في الأرض. # والآخر: خوف فتنة الكفار. # فنسخ اعتبار الشرط الثاني بالرخصة، حتى جاز القصر مع الأمن، بحديث عمر بن ~~الخطاب في ذلك، وبقي الشرط الأول وهو الضرب في الأرض ; فلا يجوز القصر ~~بدونه. # ومنها: قوله سبحانه وتعالى: {والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم ~~فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} [النور: 33] ، فمشروعية كتابة العبد، ~~استحبابا، أو وجوبا، على الخلاف فيه مشروطة بأن يعلم منه صلاح. وأمثلة ذلك ~~كثيرة. # - قوله: «وتأثيره إذا دخل ms0654 على السبب: في تأخير حكمه حتى يوجد، لا # PageV02P627 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # في منع السببية، خلافا للحنفية» . # معنى هذا الكلام: أن الشرط إذا دخل على السبب، لم يمنع من انعقاد السبب، ~~بل تأثيره في تأخير حكم السبب، حتى يوجد، يعني الشرط. # مثاله: إذا قال: بعتك بشرط الخيار إلى ثلاث ; فالبيع سبب الملك، ودخول ~~شرط الخيار عليه لا يقدح في سببيته عندنا ; فينتقل الملك في مدة الخيار، ~~لكن يتأخر حكم البيع، وهو لزوم الملك واستقراره، حتى يوجد الشرط، بانقضاء ~~مدة الخيار. # وعند الحنفية: خيار الشرط مانع من انعقاد البيع سببا ناقلا للملك ~~بالجملة، على تفصيل لهم فيه، وإنما ينعقد سببا عند وجود الشرط. وهذا معنى ~~ما حكاه الزنجاني من هذا الأصل. # ومثاله على ما أحسب: - وقد بعد عهدي به - وقد ذكر ذلك أو نحوه أبو بكر ~~السمرقندي من الحنفية، في كتاب «الميزان» فقال: وقران الشرط بالأمر، أثره ~~مع انعقاد العلة، إلى أن يوجد الشرط عندنا، وعند الخصم، أثره تأخير الحكم ~~عن السبب، مع انعقاده شرعا. # قوله: «ونحوه ### | الغاية» ، # والغاية في تخصيصها للعموم نحو الشرط، مثل قوله: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} ~~[البقرة: 222] ، فقوله: {حتى يطهرن} رفع المنع الدائم، المفهوم من قوله عز ~~وجل: (لا تقربوهن) ، وبقي المنع # PageV02P628 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # خاصا بحال الحيض، فإذا طهرت، جاز ~~وطؤها. # وكذلك قوله عز وجل: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد} [البقرة: 230] ، اقتضى ~~هذا تحريمها عليه بعد الثلاث أبدا ; فبقوله: {حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: ~~230] ، ارتفع عموم التحريم، وبقي مختصا بما قبل نكاحها زوجا غيره، فإذا ~~نكحت زوجا غيره، حلت له. # ومن صيغ الغاية «إلى» نحو: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] ، ~~{وأيديكم إلى المرافق} [المائدة: 6] ، {وأرجلكم إلى الكعبين} [المائدة: 6] ~~، ونحوه. # وحكم الغاية: أن يكون ما بعدها مخالفا لما قبلها، وإلا لم تكن مخصصة، ولا ~~غاية، بل وسطا. # وقد سبق مثال التخصيص بالصفة في أول الاستثناء، وحكم الشرط والغاية ~~والصفة، في رجوعها إلى الجمل المتعددة قبلها، أو إلى الأخيرة منها، حكم ~~الاستثناء، غير أن الخلاف في الشرط في ذلك مع بعض النحاة، ms0655 أما الأئمة ~~الثلاثة: أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، فاتفقوا على رجوعه إلى الجميع كما ~~سبق في الاستثناء، والله تعالى أعلم. # PageV02P629 # المطلق والمقيد # المطلق: ما تناول واحدا غير معين باعتبار حقيقة شاملة لجنسه نحو: {فتحرير ~~رقبة} [النساء: 92] ، «ولا نكاح إلا بولي» . # والمقيد: ما تناول معينا أو موصوفا بزائد على حقيقة جنسه نحو: {شهرين ~~متتابعين} [النساء: 92] ، وقد سبق أن الدال على الماهية من حيث هي هي فقط ~~مطلق ; فالمقيد يقابله، والمعاني متقاربة، وتتفاوت مراتبه باعتبار قلة ~~القيود وكثرتها، وقد يجتمعان في لفظ واحد بالجهتين كرقبة مؤمنة قيدت من حيث ~~الدين، وأطلقت من حيث ما سواه ويقال: فعل مقيد، أو مطلق باعتبار اختصاصه ~~ببعض مفاعيله من ظرف، ونحوه وعدمه. # قوله: «المطلق» ، هذا موضع الكلام ~~في ### | المطلق والمقيد # ; فالمطلق: «ما تناول واحدا غير معين، باعتبار حقيقة شاملة لجنسه، نحو» ، ~~قوله عز وجل: {فتحرير رقبة} [المجادلة: 3] ، وقوله عليه الصلاة والسلام: ~~«لا نكاح إلا بولي» . فكل واحد من لفظ الرقبة والولي، قد تناول واحدا غير # PageV02P630 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # معين، من جنس الرقاب والأولياء. ~~«والمقيد ما تناول معينا» ، نحو: أعتق زيدا من العبيد ; أو موصوفا بوصف ~~زائد على حقيقة جنسه، نحو: {فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] ، و {فصيام ~~شهرين متتابعين} [النساء: 92] ، وصف الرقبة بالإيمان، والشهرين بالتتابع، ~~وذلك وصف زائد على حقيقة جنس الرقبة والشهرين ; لأن الرقبة قد تكون مؤمنة ~~وكافرة، والشهرين قد يكونان متتابعين وغير متتابعين. # - قوله: «وقد سبق» ، يعني في تعريف حد العام «أن اللفظ الدال على ~~الماهية، من حيث هي هي فقط» ، أي: بالنظر إلى تجردها عن كل عارض يلحقها، من ~~وحدة وتعدد، وطول وقصر، وصغر وكبر، هو المطلق، «فالمقيد يقابله» ، أي: ~~يقابل المطلق بهذا التفسير ; لأنهما في الأصل متقابلان، فإذا ظهر أن ~~المطلق: هو اللفظ الدال على الماهية المجردة عن العوارض، التي من شأنها أن ~~يلحقها، أو بعضها ; فالمقيد: هو اللفظ الدال على الماهية، مع تلك العوارض، ~~أو بعضها. # وقال الآمدي: المطلق: هو النكرة في سياق الإثبات، كقولنا: رجل، # PageV02P631 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والمقيد: ما كان من الألفاظ دالا ~~على وصف مدلوله المطلق، ms0656 بصفة زائدة عليه، كقولنا: رجل عالم، وهذا معنى ما ~~ذكرناه في المقيد. # - قوله: «والمعاني متقاربة» ، أي: معاني ما ذكرناه في المطلق والمقيد ~~متقاربة، لا يكاد يظهر بينها تفاوت ; لأن قولنا: رقبة، هو لفظ تناول واحدا ~~من جنسه، غير معين وهو لفظ دل على ماهية الرقبة، من حيث هي هي، أي: مجردة ~~عن العوارض، وهو نكرة في سياق إثبات. # وقولنا: رقبة مؤمنة. هو لفظ، تناول موصوفا بأمر زائد على ماهيته، وهو ~~لفظ، دل على الماهية، مع بعض عوارضها، وهو لفظ دل على وصف مدلوله المطلق، ~~بصفة زائدة عليه، وربما ظهر التفاوت بين هذه التعريفات، عند تدقيق النظر، ~~بصورة نادرة، أو خفية، لكنا لم نسبر ذلك. # تنبيه: الإطلاق والتقييد، يكونان تارة في الأمر، نحو: أعتق رقبة وأعتق ~~رقبة مؤمنة، وتارة في الخبر، نحو: «لا نكاح إلا بولي وشاهدين» «لا نكاح إلا ~~بولي مرشد وشاهدي عدل.» # فائدة: الإطلاق والتقييد في الألفاظ: مستعاران منهما في الأشخاص، # PageV02P632 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يقال: رجل أو حيوان مطلق: إذا خلا ~~من قيد، أو عقال، أو شكال، ومقيد: إذا كان في رجله قيد، أو عقال، أو شكال، ~~أو نحو ذلك من موانع الحيوان من الحركة الطبيعية الاختيارية، التي ينتشر ~~بها بين جنسه. # فإذا قلنا: أعتق رقبة ; فهذه الرقبة شائعة في جنسها، شيوع الحيوان المطلق ~~بحركته الاختيارية بين جنسه. # وإذا قلنا: أعتق رقبة مؤمنة كانت هذه الصفة لها، كالقيد المميز للحيوان ~~المقيد، من بين أفراد جنسه، ومانعة لها من الشيوع، كالقيد المانع للحيوان ~~من الشيوع بالحركة في جنسه. # قوله: «وتتفاوت مراتبه» ، أي ### | : مراتب المقيد # في تقييده «باعتبار قلة القيود وكثرتها» فما كانت قيوده أكثر ; كانت ~~رتبته في التقييد أعلى، وهو فيه أدخل ; فقوله: أعتق رقبة مؤمنة، مصلية، ~~سنية، حنبلية، أعلى رتبة في التقييد من قوله: أعتق رقبة مؤمنة. # وقوله سبحانه وتعالى: {أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات ~~تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا} [التحريم: 5] ، أعلى رتبة في التقييد ~~من قوله: {مؤمنات قانتات} لا غير. # - وقوله عز وجل: {التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون ms0657 الساجدون ~~الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون} لحدود الله) [التوبة: 112] ~~، أعلى وأدخل في التقييد، من اقتصاره على بعض الصفات المذكورة ; فكلما كثرت ~~الأوصاف المخصصة، المميزة للذات من # PageV02P633 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # غيرها ; كانت رتبة التخصيص ~~والتقييد فيها أعلى. # - قوله: «وقد يجتمعان» ، يعني الإطلاق والتقييد قد يجتمعان في «لفظ واحد» ~~باعتبار الجهتين، كقوله تعالى: {فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] ، «قيدت ~~من حيث الدين» ، بالإيمان، «وأطلقت من حيث سواه» ، كالصحة والسقم، والطول ~~والقصر، والنسب والبلد ; فهي مقيدة من جهة، مطلقة من جهة. # وكذلك «يقال: فعل مقيد، أو مطلق، باعتبار اختصاصه ببعض مفاعيله، من ظرف» ~~زمان أو مكان، ونحوه من المفاعيل، كالمصدر، والعلة، والآلة، ومحل الفعل، ~~وعدم اختصاصه بذلك. # ومثال هذا: ما سبق لنا في أن الأمر للفور والتكرار أم لا؟ حيث قلنا: إن ~~الأمر كقوله: صل، مثلا، مطلق بالنسبة إلى الزمان والمكان والآلة، لا دلالة ~~له على شيء منها بعينه ; فكذلك لا يدل على فور ولا تراخ، ولا مرة ولا مرار. # وقد يقيد الفعل ببعض مفاعيله دون بعض ; فيكون مطلقا مقيدا، بالإضافة إلى ~~بعضها دون بعض، كقوله: صم يوم الاثنين ; فالصوم مقيد من جهة ظرف الزمان ; ~~مطلق من جهة ظرف المكان، ولو قال: صم في مكة يومين لكان على العكس من ذلك. # PageV02P634 # ويحمل المطلق على المقيد إذا اتحدا سببا وحكما، نحو: ~~«لا نكاح إلا بولي وشهود» ، مع «إلا بولي مرشد وشاهدي عدل» ، خلافا لأبي ~~حنيفة. # لنا: إعمالهما أو إلغاؤهما، أو أحدهما ممتنع، وترجيح بلا مرجح ; فتعين ~~الجمع بينهما بما ذكرنا. # قال: الزيادة على النص نسخ، وكلام الحكيم يحمل على إطلاقه، ولأنه من باب ~~مفهوم الصفة، وليس بحجة عندنا. # قلنا: الأول، ونصيته على إرادة المطلق ممنوعان. # والثاني: معارض بأن الحكيم لا يأمر بالجمع بين الضدين، ولا الترجيح بلا ~~مرجح، ويأتي الجواب الثالث. # قوله: «ويحمل المطلق على المقيد ~~إذا اتحدا سببا وحكما» ، إلى آخره. # اعلم: أنه إذا اجتمع معنا لفظ مطلق ومقيد ; فإما أن يتحد حكمهما، أو ~~يختلف، فإن اتحد حكمهما ; فإما أن يتحد سببهما أو يختلف ; فهذه ثلاثة ms0658 ~~أقسام: # أحدها: أن يتحدا في السبب والحكم، وهو المراد باتحادهما سببا وحكما، أي: ~~يكون سببهما واحدا، وحكمهما واحدا، نحو قوله عليه الصلاة والسلام: «لا نكاح ~~إلا بولي وشهود» ، مع قوله عليه الصلاة والسلام: «لا نكاح إلا بولي مرشد ~~وشاهدي عدل» ; فالأول مطلق في الولي، بالنسبة إلى الرشد # PageV02P635 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والغي، وفي الشهود، بالنسبة إلى ~~العدالة والفسق، والثاني مقيد بالرشد في الولي، والعدالة في الشهود، وهما ~~متحدان سببا وحكما ; لأن سببهما النكاح، وحكمهما نفيه إلا بولي وشهود ; ~~فيحمل المطلق على المقيد هاهنا، ويعتبر رشد الولي وعدالة الشهود، خلافا ~~لأبي حنيفة في ذلك. # «لنا» على وجوب حمل المطلق على المقيد هاهنا: أن «إعمالهما» ، أي: إعمال ~~المطلق والمقيد، يعني العمل بهما «أو إلغاؤهما، أو أحدهما» ، أي: إلغاء ~~أحدهما «ممتنع، وترجيح بلا مرجح» ، يعني إعمالهما، أو إلغاءهما ممتنع، ~~وإلغاء أحدهما ترجيح بلا مرجح. # وتقرير الدليل: أن المطلق والمقيد إذا اجتمعا ; فلا يخلو إما أن نعمل ~~بهما، أو نلغيهما ; فلا نعمل بواحد منهما، أو نعمل بأحدهما، ونلغي الآخر، ~~أو نجمع بينهما بحمل أحدهما على الآخر. # والأول: وهو العمل بهما ممتنع، لإفضائه إلى التناقض، إذ يلزم أن يعتبر ~~الرشد في الولي مثلا، ولا يعتبره، ويشترط العدالة في الشهود، ولا يعتبرها، ~~وهو محال. # والثاني: وهو إلغاؤهما ممتنع أيضا، لإفضائه إلى خلو الواقعة عن حكم، مع ~~ورود النص فيها، وإلى تعطيل النص، مع إمكان استعماله. # والثالث: وهو إعمال أحدهما دون الآخر ترجيح من غير مرجح، وهو غير جائز ; ~~فيتعين الرابع، وهو الجمع بينهما، والعمل بهما، بما ذكرنا من حمل المطلق ~~على المقيد، وكان أولى من العكس ; لأنه أكثر فائدة، وهو المطلوب. # PageV02P636 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «قال» : يعني أبا حنيفة احتج ~~لمذهبه بوجوه: # أحدها: أن تقييد المقيد زيادة على النص المطلق، «والزيادة على النص نسخ» ~~فلو حمل المطلق على المقيد، لكان ذلك نسخا للمطلق، والنسخ على خلاف الأصل ; ~~فيجب تركه ما أمكن. # الوجه الثاني: أن المطلق كلام الشارع الحكيم، «وكلام الحكيم يحمل على ~~إطلاقه» ، لوجوب استقلاله بالفائدة، وإلا لم يكن قائله حكيما، وقد فرضناه ms0659 ~~حكيما، هذا خلف. # الوجه الثالث: أن دلالة المقيد على عدم إفادة المطلق لحكمه، إنما هو «من ~~باب مفهوم الصفة» . # وبيانه أو قوله عليه السلام: «لا نكاح إلا بولي مرشد» ، إنما دل بمفهومه ~~- على أن غير المرشد لا تصح ولايته - لا بمنطوقه، وإذا ثبت أنه من باب ~~مفهوم الصفة ; لم يكن حجة علينا ; «لأنه ليس بحجة عندنا» . # - قوله: «قلنا: الأول، ونصيته على إرادة المطلق ممنوعان» . # «الأول» : إشارة إلى قوله: «الزيادة على النص» أي: لا نسلم أن ذلك نسخ. ~~وقد سبق وجه المنع في باب النسخ، وكذلك لا نسلم أن المطلق منصوص على إرادته ~~مجردا، بل بقيد المقيد، وذلك لأنه في دليله ادعى أمرين: # أحدهما: أن المطلق منصوص على إرادته. # الثاني: أن التقييد زيادة عليه، والزيادة على النص نسخ ; فمنعنا الأمرين. # «والثاني» : وهو قوله: «كلام الحكيم يحمل على إطلاقه، وإلا لما استقل ~~بالفائدة ; فيقدح في حكمته» «معارض، بأن الحكيم لا يأمر بالجمع بين # PageV02P637 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ضدين» ولا بالترجيح من غير مرجح، ~~وقد بينا لزوم ذلك، من ترك الجمع بينهما، بما ذكرنا. # قوله: «ويأتي جواب الثالث» ، يعني قوله: إن دلالة المقيد من باب مفهوم ~~الصفة. وجوابه يأتي إن شاء الله في باب المفهوم. # قلت: لا نزاع في بطلان الأقسام الثلاثة، من دليل التقسيم الذي ذكرناه، ~~وهو إعمال المطلق والمقيد، وإلغاؤهما، وإعمال أحدهما دون الآخر، لكن النزاع ~~في كيفية الجمع بينهما ; فنحن نقول: يحمل المطلق على المقيد، وأبو حنيفة ~~يقول بالعمل بالمطلق جوازا، وبالمقيد استحبابا، ولا جرم أنه قال: يصح ~~النكاح بغير ولي، وهو بولي أولى، وكذا عدالة الشهود أولى، وعدمها لا يبطل ~~النكاح، ويحمل قوله: «لا نكاح إلا بولي» ، على نفي الكمال والأولوية، لا ~~على نفي الصحة. ولعمري، إن لمذهبه على هذا التقدير اتجاها. # PageV02P638 # وإن اتحدا حكما لا سببا، كرقبة مؤمنة في كفارة القتل، ~~ورقبة مطلقة في الظهار، فكذلك عند القاضي، والمالكية. وبعض الشافعية، وخالف ~~بعضهم وأكثر الحنفية، وأبو إسحاق بن شاقلا. # وقال أبو الخطاب: إن عضده قياس، حمل عليه كتخصيص العام بالقياس، وإلا ~~فلا، ms0660 ولعله أولى. # النافي: لعل إطلاق الشارع وتقييده لتفاوت الحكمين في الرتبة عنده ; ~~فتسويتنا بينهما عكس مقصوده. # المثبت: عادة العرب الإطلاق في موضع والتقييد في آخر. # وقد علم من الشرع بناء قواعده بعضها على بعض من تخصيص العام وتبيين ~~المجمل ; فكذا هاهنا. # ولأنه قد قيد: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] ، ب {وأشهدوا ~~ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] ، فإن اختلف الحكم ; فلا حمل، كتقييد الصوم ~~بالتتابع، وإطلاق الإطعام، إذ شرط الإلحاق اتحاده. ومتى اجتمع مطلق، ~~ومقيدان متضادان، حمل على أشبههما به. # قوله: «وإن اتحدا حكما لا سببا» ، ~~هذا هو القسم الثاني من أقسام المطلق والمقيد، وهو أن يختلف سببهما ويتحد ~~حكمهما، كعتق رقبة مؤمنة في كفارة القتل، وعتق رقبة مطلقة في كفارة الظهار، ~~كما ورد في الآيتين: {فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله} [النساء: 92] ~~، {فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} [المجادلة: 3] ، فسببهما مختلف وهو ~~الظهار والقتل، وحكمهما متحد، وهو عتق الرقبة ; فحكمه كذلك، أي: # PageV02P639 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يحمل المطلق على المقيد «عند ~~القاضي، والمالكية، وبعض الشافعية. وخالف بعضهم» ، أي: بعض الشافعية، ~~«وأكثر الحنفية، وأبو إسحاق بن شاقلا» من أصحابنا ; فقالوا: لا يحمل المطلق ~~على المقيد هاهنا، وقد روي عن أحمد رحمه الله ما يدل على هذا أيضا. # «وقال أبو الخطاب: إن عضده قياس، حمل عليه، كتخصيص العام بالقياس» . # معنى هذا الكلام أن يحمل المطلق على المقيد، إن وافقه قياس دل عليه، ~~قياسا على تخصيص العام بالقياس الخاص، كما سبق، وإن لم يوافقه قياس، لم ~~يحمل المطلق على المقيد. # قلت: هذا الذي فهمت من كلام الشيخ أبي محمد، وكلامه في ذلك مضطرب ; لأنه ~~قال: وقال أبو الخطاب: يبنى عليه، أي: يبنى المطلق على المقيد من جهة ~~القياس ; لأن تقييد المطلق كتخصيص العموم، وذلك جائز بالقياس الخاص. # قلت: فتعليله في آخر هذا الكلام، يدل على ما قلت، وفهمت من كلامه، وهو أن ~~حمل المطلق على المقيد هاهنا يحتاج إلى قياس عاضد، موافق له، كما أن تخصيص ~~العام يحتاج إلى قياس مخصص، لكن صدر كلامه وهو قوله: يبنى ms0661 المطلق على ~~المقيد من جهة القياس، يحتمل ما فهمته من كلامه، ويحتمل أن المطلق يحمل على ~~المقيد بطريق القياس، وهو قياس صورة الإطلاق، على صورة التقييد، بجامع ~~القدر المشترك بينهما، من اتحاد # PageV02P640 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الحكم، لا من جهة أن المتكلم أراد ~~بالإطلاق ما دل عليه التقييد. # قلت: وعلى هذين الاحتمالين يترتب في الحكم خلاف ; لأن بتقدير الاحتمال ~~الأول، إن وجد قياس يدل على حمل المطلق على المقيد حمل، وإلا فلا ; فحمله ~~عليه في حال من حالين، وعلى تقدير من تقديرين. # وعلى الاحتمال الثاني يحمل عليه ولا بد، لكن مستند الحمل عليه هل هو ~~القياس أو قيام الدليل على إرادة المتكلم بمطلق كلامه مقيدة ; فافهم هذا. # - قوله: «ولعله أولى» ، أي: قول أبي الخطاب، إن عضده قياس، حمل عليه، ~~وإلا فلا، يقرب أن يكون أولى من الخلاف المرسل، بالنفي والإثبات المطلق، ~~وذلك لأن من أثبت حمل المطلق على المقيد، نظر إلى اتحاد الحكم، ومن نفاه، ~~نظر إلى اختلاف السبب، وكلا النظرين ليس كافيا في مستند الحمل وعدمه، فإذا ~~وجد قياس موافق لحمل المطلق على المقيد، قوي مستنده ; فصلح أن يثبت به، وإن ~~لم يوجد قياس موافق له، لم يحمل عليه، استصحابا للحال في ذلك، إذ الأصل عدم ~~جوازه. # PageV02P641 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # - قوله: «النافي» لحمل المطلق على ~~المقيد، إذا اختلف سببهما، أي: احتج النافي بأن قال: «لعل إطلاق الشارع» ~~الحكم في موضع، «وتقييده» في آخر، «لتفاوت الحكمين في الرتبة عنده» مثل أن ~~يعلم أن المعصية في الظهار أخف منها في القتل ; فلذلك لم يقيد فيه الرقبة ~~بالإيمان، تغليظا على المكلف في الأغلظ، وتخفيفا عنه في الأخف، مناسبة منه ~~وعدلا ; «فتسويتنا بينهما» ، بحمل المطلق على المقيد، عكس مقصود الشارع ~~إظهار تفاوت الحكمين، وإن احتمل وجود المانع من الحمل وعدمه. والأصل عدم ~~جوازه، وجب أن يستصحب فيه حال عدم الجواز، ولا يقدم على ما يحتمل الإفضاء ~~إلى عكس مقصود الشارع. # - قوله: «المثبت» ، أي: احتج المثبت لحمل المطلق على المقيد، بوجوه: # - أحدها: أن عادة العرب في لغتها إطلاق الكلام في موضع، ms0662 وتقييده في آخر، ~~والقرآن والسنة واردان بلغة العرب ; فيحمل أمرهما على عادة العرب في لغتها، ~~ويحمل المطلق منهما على المقيد. # الوجه الثاني: أنه «قد علم من الشرع بناء قواعده بعضها على بعض» ، كتخصيص ~~العام بالخاص، وتبيين المجمل بالمبين «فكذا هاهنا» ، يحمل المطلق على ~~المقيد ; لأنه منه، أي: لأن المطلق من قبيل المجمل، لاحتماله أمرين فأكثر، ~~كالرقبة التي تحتمل الإيمان والكفر ; فتحمل على المقيد ; لأنه كالمبين بل ~~هو مبين على التحقيق، بما اختص به من التقييد، أو يكون معنى قوله: لأنه ~~منه، أن المطلق والمقيد من جملة قواعد الشرع، التي ينبغي بناء # PageV02P642 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بعضها على بعض. وقد شذ عني الآن ما ~~أردت به عند الاختصار، لكن المراد به لا يخرج عن المعنيين المذكورين. # الوجه الثالث: أن حمل المطلق على المقيد قد وقع في الشرع، واتفقنا على ~~وجوبه، حيث قيدنا مطلق قوله تعالى في المداينة: {واستشهدوا شهيدين من ~~رجالكم} [البقرة: 282] ، بقوله تعالى في المراجعة: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} ~~[الطلاق: 2] ، وحيث وجب في هذه الصورة ; فليجب في نظائرها، إذ حكم الأمثال ~~واحد. # قلت: مأخذ الخلاف هاهنا: أن إطلاق المتكلم في موضع، وتقييده في آخر، هل ~~هو ظاهر في إرادته تقييد المطلق، بناء على ما ذكر من قاعدة أهل اللغة، ~~وأنهم يطلقون في موضع اتكالا على ما قيدوه في غيره، أو هو ظاهر في عدم ~~إرادته التقييد، بناء على أنه لو أراد التقييد، لقيد، وهو استدلال يقرب من ~~دلالة مفهوم المخالفة ; لأن القائل يقول: لما قيد الرقبة في القتل، دون ~~الظهار، دل على أنه لم يشترط فيها الإيمان، وإلا لقيد فيها، كما قيد في ~~القتل. وهو في الحقيقة استدلال بالسكوت عن تقييد المطلق، وفيه ما فيه، ~~والبحث متقابل من الطرفين. # قوله: «فإن اختلف الحكم ; فلا حمل» ، إلى آخره. # هذا هو القسم الثالث من أقسام حمل المطلق على المقيد، وهو أن # PageV02P643 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يختلف حكمهما ; فلا يحمل أحدهما ~~على الآخر، سواء اتفق سببهما، أو اختلف، كتقييد الصوم بالتتابع في كفارة ~~اليمين، وإطلاق الإطعام فيها، فإن سببهما واحد وهو ms0663 كفارة اليمين، وحكمهما ~~مختلف، وهو الصوم والإطعام. # ومثال اختلاف السبب والحكم تقييد الصوم بالتتابع في كفارة اليمين، وإطلاق ~~الإطعام في كفارة الظهار، أو فدية الصوم ; فلا يحمل أحدهما على الآخر ; لأن ~~شرط إلحاق أحدهما بالآخر اتحاده، أي: اتحاد الحكم، وهو هاهنا مختلف ; ~~فينتفي الإلحاق لانتفاء شرطه. # وإنما قلنا: إن شرط الإلحاق اتحاد الحكم ; لأن المطلق والمقيد لما كان ~~حكمهما بالنظر إلى كل منهما بانفراده مختلفا، كان فائدة حمل أحدهما على ~~الآخر اتحاد الحكم، والتخلص من تعدده وتعارضه، اللذين هما على خلاف الأصل، ~~وإذا كان حكمهما مختلفا بالنص، انتفت الفائدة المذكورة ; فامتنع الإلحاق. # وقد بان بقولنا: إن الحكم إذا اختلف، امتنع الإلحاق، سواء اتفق السبب أو ~~اختلف، أن أقسام حمل المطلق على المقيد أربعة ; لأن السبب والحكم ; إما أن ~~يتفقا أو يختلفا، أو يتفق الحكم ويختلف السبب، أو يختلف الحكم ويتفق السبب، ~~وقد بانت أمثلتها، وهذه أصح وأضبط من القسمة المذكورة قبل، وإن كان الموجب ~~لها أن ظاهر الأقسام في «المختصر» ثلاثة، وإن كان الثالث، وهو ما إذا اختلف ~~الحكم، يتضمن الرابع بتقدير اتفاق السبب واختلافه ; فاعلم ذلك. # PageV02P644 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «ومتى اجتمع مطلق ومقيدان ~~متضادان، حمل» ، يعني المطلق «على أشبههما به» ، يعني يحمل على ما هو أشبه ~~به من المقيدين المتضادين، وهذا تفريع على القول بحمل المطلق على المقيد، ~~في صورة يتجه فيها ذلك، كما إذا اتفق الحكم والسبب، أو الحكم وحده، وذلك ~~لأنا: إما أن نحمله عليهما جميعا ; فيلزم التضاد، كالصوم، هو في كفارة ~~الظهار مقيد بالتتابع، وفي متعة الحج مقيد بالتفريق ; فلو حملنا الصوم في ~~كفارة اليمين عليهما، وهو مطلق، لزم أن يجب فيه التتابع والتفريق معا، وهو ~~محال، أو لا نحمله على واحد منهما ; فتبطل قاعدة إلحاق المطلق بالمقيد، ~~والتقدير أن هذا تفريع عليه، أو نحمله على أحدهما اعتباطا، بحسب الاختيار، ~~من غير اجتهاد ; فيكون ترجيحا بلا مرجح. # وإذا انتفت هذه الأقسام، تعين ما قلناه، وهو حمله على الأشبه به منهما، ~~بطريق النظر لا اجتهاد. # ومثاله الأصح: أن غسل ms0664 الأيدي في الوضوء، ورد مقيدا بالمرافق، وقطعها في ~~السرقة مقيد بالكوع بالإجماع، ومسحها في التيمم ورد مطلقا ; فهل يلحق ~~بالقطع في تقييده بالكوع، أو بالغسل في تقييده بالمرافق؟ ولهذا خرج الخلاف ~~فيه. # أما تردد صوم كفارة اليمين بين صوم الظهار والحج ; فمثال ذكره الشيخ أبو ~~محمد، وفيه نظر ; لأن الصوم في كفارة اليمين ما ورد عن الشرع إلا مقيدا ~~بالتتابع، بناء على أن العمل بقراءة ابن مسعود رضي الله عنه: «فصيام ثلاثة ~~أيام متتابعات» # PageV02P645 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وأنها إما قرآن، أو خبر، كما سبق. ~~نعم يصح تمثيل الشيخ أبي محمد به، بناء على قول من لا يرى التتابع فيه، ~~وضرب الأمثلة في أصول الفقه لا يختص بمذهب، والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV02P646 # المجمل ### | المجمل: # لغة: ما جعل جملة واحدة، لا ينفرد بعض آحادها عن بعض، واصطلاحا: اللفظ ~~المتردد بين محتملين فصاعدا على السواء. وقيل: ما لا يفهم منه عند الإطلاق ~~معنى. # قلت: معين وإلا بطل بالمشترك ; فإنه يفهم منه معنى غير معين. وهو إما في ~~المفرد، كالعين، والقرء، والجون، والشفق في الأسماء، وعسعس، وبان في ~~الأفعال، وتردد «الواو» بين العطف والابتداء في نحو: (والراسخون) [آل ~~عمران: 7] ، و «من» بين ابتداء الغاية والتبعيض في آية التيمم في الحروف، ~~أو في المركب كتردد الذي بيده عقدة النكاح بين الولي والزوج، وقد يقع من ~~جهة التصريف كالمختار والمغتال للفاعل والمفعول، وحكمه التوقف على البيان ~~الخارجي. # قوله: «المجمل» . # لما انتهى الكلام في المطلق والمقيد، أخذ في بيان أحكام المجمل والمبين. # المجمل لغة، أي: في اللغة، «ما جعل جملة واحدة، لا ينفرد # PageV02P647 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بعض آحادها عن بعض» ، كالمجمل من ~~المعدودات. # قال الجوهري: وقد أجملت الحساب: إذا رددته إلى الجملة. # قلت: وفي حديث عبد الله بن عمرو في القدر: هذا كتاب من رب العالمين، فيه ~~أسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، لا يزاد ~~فيهم، ولا ينقص منهم. وذكر في أهل النار كذلك، الحديث، ومادة الكلمة ترجع ~~إلى معنى التكثير والاجتماع وانضمام الآحاد بعضها إلى بعض. # قال الآمدي: ms0665 وقيل: المجمل المحصل، ومنه يقال: أجملت الحساب: إذا حصلته. # قلت: الأول أشبه. # - قوله: «واصطلاحا» ، أي: والمجمل في اصطلاح الأصوليين: «هو اللفظ ~~المتردد بين محتملين فصاعدا على السواء» ، أي: لا رجحان له في أحدهما دون ~~الآخر. # فقولنا: اللفظ المتردد، احتراز من النص ; فإنه لا تردد فيه، إذ لا يحتمل ~~إلا معنى واحدا. # PageV02P648 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وقولنا: «على السواء» احتراز من ~~الظاهر ; فإنه متردد بين محتملين، لكن لا على السواء، بل هو في أحدهما ~~أظهر، وكالحقيقة التي لها مجاز ; فإنه في الحقيقة أظهر، والمجمل في الألفاظ ~~كالشك في الإدراك ; لأن الشك: هو احتمال أمرين على السواء. # وقال الآمدي: المجمل: ما له دلالة على أحد أمرين، لا مزية لأحدهما على ~~الآخر بالنسبة إليه، وهو معنى ما ذكرناه. # قوله: «وقيل: ما لا يفهم منه عند الإطلاق معنى» . # هذا تعريف آخر للمجمل، وهو الذي قدم في أصل «المختصر» ، وهو ناقص ; لأن ~~ما لا يفيد معنى ليس كلاما، وهو موضوع نظر أحد، لا لغوي، ولا أصولي، ولا ~~غيره، بل هو لفظ مهمل، والمجمل يفيد معنى، لكنه غير معين، إذ لو لم يكن ~~كذلك، لما تعين مراده بالبيان ; لأن البيان كاشف عن المراد بالمجمل، لا ~~منشئ للمراد ; فلذلك كملت هذا التعريف بقولي: قلت: معين، أي: المجمل ما لا ~~يفهم منه عند الإطلاق معنى معين. # قوله: «وإلا بطل بالمشترك» ، أي: لو اقتصرنا في تعريف المجمل على ما لا ~~يفهم منه عند الإطلاق معنى، لبطل بالمشترك نحو القرء للحيض والطهر، والجون ~~للأسود والأبيض، والعين للذهب والعضو الباصر، وغير ذلك، فإن هذا كله مجمل، ~~وهو يفهم منه معنى، لكنه غير معين ; فإنا إذا أطلقنا لفظ القرء ; فهمنا منه ~~أحد الأمرين لا بعينه، وهو معنى مجمل. # قوله: «وهو إما في المفرد» ، إلى آخره. يعني المجمل إما أن يقع في # PageV02P649 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # اللفظ المفرد، أو المركب، والواقع ~~في المفرد، إما أن يقع في الأسماء، أو الأفعال، أو الحروف. # أما في الأسماء ; فكالألفاظ المشتركة ; فإنها من قبيل المجمل، وهي أخص ~~منه، إذ كل مشترك مجمل، وليس كل مجمل ms0666 مشتركا، وذلك كالعين المتردد بين ~~محتملاته، وهي كثيرة، والقرء المتردد بين الحيض والطهر، والجون المتردد بين ~~الأسود والأبيض، والشفق المتردد بين الحمرة والبياض. # ولهذا وقع النزاع في دخول وقت عشاء الآخرة، هل هو بغيبوبة حمرة الشمس، ~~وهو مذهب أحمد والشافعي، أو بغيبوبة البياض الذي هو بعدها، وهو مذهب أبي ~~حنيفة، بناء على أن المراد من الشفق المذكور في الأثر، هو البياض أو ~~الحمرة. # ولا شك أنه لفظ مشترك بينهما لغة، لكن أكثر السلف، كابن عمر، وعبادة، ~~وشداد بن أوس، وغيرهم فسروه بالحمرة هاهنا. # وأما في الأفعال ; فنحو: عسعس، بمعنى أقبل وأدبر. # قال الجوهري: يقال: عسعس الليل: إذا أقبل ظلامه. قال: وقال الفراء: أجمع ~~المفسرون على أن معنى عسعس: أدبر. # قلت: قوله تعالى: {والليل إذا عسعس} [التكوير: 17] ، يحتمل الأمرين، وهو ~~أن الله عز وجل أقسم بقدرته على إقبال الليل بقوله عز وجل: {والليل إذا ~~عسعس} ، أي: أقبل، وعلى إقبال النهار بقوله تعالى: # PageV02P650 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # {والصبح إذا تنفس} [التكوير: 18] ، ~~أو أنه سبحانه وتعالى أقسم بقدرته على إذهاب الليل بقوله عز وجل: {والليل ~~إذا عسعس} ، أي: أدبر، وعلى الإتيان بالنهار بقوله تعالى: {والصبح إذا ~~تنفس} ، وذلك لأن الليل والنهار واختلافهما، من أعجب المخلوقات، وأدلها على ~~قدرة البارئ وحكمته جل جلاله، ولذلك كثر ذكرهما في القرآن الكريم، نحو: {إن ~~في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار} [البقرة: 164] ، {يولج ~~الليل في النهار ويولج النهار في الليل} [الحديد: 6] ، {ومن رحمته جعل لكم ~~الليل والنهار} [القصص: 73] ، في آيات كثيرة. # وكذلك «بان» بمعنى ظهر، ومنه: {قد تبين الرشد} [البقرة: 256] ، {ويبين ~~الله لكم الآيات} [النور: 18] ، وبان بمعنى غاب واختفى، ومنه: بانت سعاد، ~~بان الخليط، ومنه البين، وهو الفراق والبعد، ومنه: {لقد تقطع بينكم} ~~[الأنعام: 94] ، وغراب البين، وأشباه ذلك. # وأما في الحروف ; فنحو «تردد الواو بين العطف والابتداء في نحو» قوله ~~تعالى: {والراسخون في العلم} [آل عمران: 7] ، وقد سبق الكلام عليها في ~~المحكم والمتشابه، مستوفى بحمد الله عز وجل ومنه. وكترددها بين العطف ~~والحال في نحو قوله عز وجل: {الآن خفف الله ms0667 عنكم وعلم أن فيكم ضعفا} ~~[الأنفال: 66] . # لأنها إن جعلت عاطفة، لزم أن علم الله بضعفهم حدث الآن، وبه احتج بعض ~~المعتزلة على حدوث علم البارئ جل جلاله بالمعلومات. # وإن جعلت حالية، كان تقديره: الآن خفف الله عنكم، عالما أن فيكم ضعفا ; ~~فلا يلزم منه ما ذكر، غير أن هذا يضعف، من جهة أنه يوجب إضمار # PageV02P651 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # «قد» ، أي: الآن خفف الله عنكم وقد ~~علم ; لأن الماضي لا يقع حالا إلا مع قد ظاهرة أو مقدرة، نحو: {أو جاءوكم ~~حصرت} [النساء: 90] ، أي: وقد حصرت صدورهم، والله تعالى أعلم. # ونحو تردد من بين ابتداء الغاية والتبعيض في آية التيمم، حيث قال تعالى: ~~{فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} [المائدة: 6] ; فقال أبو ~~حنيفة رحمه الله: معناها ابتداء الغاية، أي: اجعلوا ابتداء المسح من ~~الصعيد، أو ابتدئوا المسح من الصعيد. وقال الإمام أحمد والشافعي رضي الله ~~عنهما: هي للتبعيض، أي: امسحوا وجوهكم ببعض الصعيد ; فلذلك اشترط عندهما أن ~~يكون لما يتيمم به غبار، يعلق باليد، ليتحقق المسح ببعضه، ولم يشترط ذلك ~~عند أبي حنيفة ; لأن ابتداء المسح من الصعيد: وهو كل ما كان من جنس الأرض ; ~~فقد حصل ; فيخرج به من عهدة النص، وهو أعم من أن يكون له غبار أو لا. # وكذلك الباء في قوله عز وجل: {وامسحوا برءوسكم} [المائدة: 6] تردد بين ~~الإلصاق والتبعيض، على ما ادعاه الشافعية، ونقلوه عن الشافعي ; فانبنى عليه ~~الخلاف في وجوب استيعاب الرأس بالمسح، وأكثر أهل اللغة أنكروا ورود الباء ~~للتبعيض. # والمأخذ الجيد في تبعيض مسح الرأس غير هذا، وهو من وجهين: # أحدهما: أن الباء استعملت في اللغة تارة بمعنى الإلصاق، نحو: أمسكت الحبل ~~بيدي، أي: ألصقتها به، وتارة للتبعيض، وإن لم تكن # PageV02P652 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # موضوعة له، نحو: مسحت برأس اليتيم، ~~ومسحت يدي بالمنديل، وأخذت بثوب الرجل، وبركابه. # ولما استعملت في المعنيين، بقيت في الآية مترددة بينهما ; فكانت مجملة ; ~~فاقتصر في مسح الرأس على مطلق الاسم ; لأنه المتيقن، وما زاد مشكوك فيه ; ~~فلا يجب بالشك. # ويرد على هذا المأخذ، أن ms0668 الباء حيث استعملت للتبعيض، كان ذلك مجازا، ~~لقرائن ظاهرة في الأمثلة التي ذكروها، والأصل حمل اللفظ على حقيقته، حتى ~~يقوم دليل المجاز، كما سبق. # المأخذ الثاني: ما سبق من أن الحكم إذا علق باسم، هل يكتفي بأول ذلك ~~الاسم، أو يتناول جميعه؟ فلما علق المسح بالرأس هنا، اتجه فيه هذا الخلاف، ~~والله تعالى أعلم. # وأما المجمل الواقع في اللفظ المركب ; فكقوله عز وجل: {أو يعفو الذي بيده ~~عقدة النكاح} [البقرة: 237] ; فإنه متردد بين الولي والزوج. # قال ابن عطية: قال ابن عباس رضي الله عنهما، وعلقمة، وطاوس، ومجاهد، ~~وشريح، والحسن، وإبراهيم، والشعبي، وأبو صالح، وعكرمة، والزهري، ومالك، ~~وغيرهم: هو الولي، الذي المرأة في حجره ; فهو الأب في ابنته التي لم تملك ~~أمرها، والسيد في أمته. # وقالت فرقة من العلماء: هو الزوج. قاله علي بن أبي طالب رضي الله # PageV02P653 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # عنه، وسعيد بن جبير وكثير من فقهاء ~~الأمصار، وقاله ابن عباس أيضا، وشريح رجع إليه. # قلت: الصحيح من مذهب أحمد والشافعي أنه الزوج، وهو مذهب أبي حنيفة، وقال ~~مالك: هو الولي الأب وسيد الأمة. والمختار الراجح في النظر: أنه الولي، وقد ~~استقصيت أدلته اعتراضا وجوابا في التفسير بحمد الله تعالى ومنه. # - قوله: «وقد يقع من جهة التصريف، كالمختار والمغتال، للفعل والمفعول» ، ~~يعني أن الإجمال أو المجمل، قد يقع في الكلام من جهة الوضع الأصلي كما سبق، ~~وقد يقع عارضا من جهة التصريف ; وهو العلم الذي يعرف به أحوال أبنية ~~الكلام، وذلك كالمختار ; فإنه متردد بين من وقع منه الاختيار، وبين من وقع ~~عليه الاختيار ; فالله سبحانه وتعالى مختار لنبيه عليه الصلاة والسلام، أي: ~~وقع منه اختياره رسولا، والنبي صلى الله عليه وسلم، مختار، أي: وقع عليه ~~اختيار الله عز وجل. # وكذلك المغتال ; يصلح لمن اغتال غيره، أي: قتله غيلة، أي: خفية، ولمن ~~اغتيل، أي: قتل كذلك. # وأصل ذلك أن مختار أصله مختير بكسر الياء في الفاعل وفتحها للمفعول، نحو: ~~مصطفي ومصطفى، فلما تحركت الياء كسرا وفتحا، وانفتح ما قبلها، قلبت ألفا ~~والألف لا ms0669 تحمل الحركة حتى يتبين الفاعل من المفعول ; فلا جرم وقع اللبس، ~~وجاء الإجمال. وكذلك الكلام في المغتال. # PageV02P654 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # - قوله: «وحكمه التوقف على البيان ~~الخارجي» ، أي: و ### | حكم المجمل # أن يتوقف فيه على الدليل المبين للمراد به، خارجا عن لفظه، كما أن حكم ~~النص والظاهر المبادرة إلى العمل بما ظهر منهما، ولأن الله تعالى لم يكلفنا ~~العمل بما لا دليل عليه، والمجمل لا دليل على المراد به ; فلا نكلف بالعمل ~~به. فهذا دليل على أنه لا يلزمنا العمل بالمجمل. # والدليل على أنه لا يجوز لنا ذلك أيضا: هو أن في العمل به تعرضا بالخطأ ~~في حكم الشرع، والتعرض بالخطأ في حكم الشرع لا يجوز، وإنما قلنا: إن فيه ~~تعرضا بالخطأ ; لأن اللفظ إذا تردد بين معنيين ; فإما أن يرادا جميعا، أو ~~لا يراد واحد منهما، أو يراد أحدهما دون الآخر ; فهذه أربعة أقسام، يسقط ~~منها الثاني، وهو أن لا يراد واحد منهما ; لأن ذلك ليس من شأن الحكماء، أن ~~يتكلموا كلاما لا يقصدون به معنى، يبقى ثلاثة أقسام، لا دليل على إرادة ~~واحدة منها. # فإذا أقدمنا على العمل قبل البيان، احتمل أن نوافق مراد الشرع ; فنصيب ~~حكمه، واحتمل أن نخالفه ; فنخطئ حكمه ; فتحقق بذلك أن العمل بالمجمل قبل ~~البيان تعرض بالخطأ في حكم الشرع. # وأما أن ذلك لا يجوز ; فلأن حكم الشرع يجب تعظيمه، والتعرض بالخطأ فيه ~~ينافي تعظيمه ; فيكون ذلك ضربا من الإهمال له، وقلة المبالاة والاحتفال به، ~~وذلك لا يجوز. # PageV02P655 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ومثال ذلك، لو قال: إذا غاب الشفق ~~; فصلوا العشاء الآخرة، احتمل أن يريد بالشفق الحمرة والبياض جميعا، وأن ~~يريد الحمرة فقط، وأن يريد البياض فقط. # فبتقدير أن يريدهما جميعا ; فلو صلينا قبل مغيب البياض، أخطأنا، فلما جاء ~~البيان بقوله عليه الصلاة والسلام: «الشفق الحمرة، فإذا غاب الشفق ; فقد ~~وجب عشاء الآخرة» . علمنا المراد. # وأبو حنيفة لما لم يبلغه هذا الحديث، أو بلغه ولم يثبت عنده، قال: الأصل ~~بقاء وقت المغرب ; فمن ادعى خروجه بمجرد غيبوبة الحمرة ; فعليه الدليل، ~~والأصل بقاء ms0670 ما كان على ما كان، ولأن المصلي بعد غيبوبة البياض ممتثل ~~إجماعا، وقبله مختلف في امتثاله، والأصل عدم براءة الذمة من امتثال الأمر ; ~~فيستصحب فيه الحال. # PageV02P656 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وكذلك قوله عز وجل: {يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 238] ، احتمل أن المراد الحيض والأطهار، وأن ~~العدة تنقضي بأيهما كان، واحتمل أن المراد الحيض فقط، أو الأطهار فقط ; فلو ~~أمرناها قبل البيان ببعض هذه الاحتمالات، ولم يوافق مراد الشرع فيه، كنا ~~مخطئين، فلما جاء البيان بقوله عز وجل: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم ~~إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر} [الطلاق: 4] ، دل على أن المراد بالقرء الحيض ~~; لأنه في هذه الآية الكريمة جعل الشهور في الآيسة بدلا عن الحيض بقوله عز ~~وجل: {واللائي يئسن من المحيض} ، ولم يقل: يئسن من الأطهار. وأكد ذلك «قوله ~~عليه الصلاة والسلام للحائض: اتركي الصلاة أيام أقرائك» # PageV02P657 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والصلاة إنما تترك في أيام الحيض ~~لا الطهر، والاستدلال بالآية أقوى من الحديث. # PageV02P658 # وقد ادعي الإجمال في أمور، وليست كذلك. منها نحو: ~~{حرمت عليكم الميتة} [المائدة: 3] ، أي: أكلها، وأمهاتكم [النساء: 23] ، ~~أي: وطؤهن عند أبي الخطاب وبعض الشافعية خلافا للقاضي والكرخي. # لنا: الحكم، المضاف إلى العين ينصرف لغة وعرفا إلى ما أعدت له وهو ما ~~ذكرناه. # قالوا: المحرم فعل يتعلق بالعين، لا نفسها، والأفعال متساوية. # قلنا: ممنوع، بل الترجيح عرفي كما ذكر، وكذا {وأحل الله البيع وحرم ~~الربا} [البقرة: 275] ، مجمل عند القاضي لتردد الربا بين مسمييه، اللغوي ~~والشرعي. # قوله: «وقد ادعي الإجمال في أمور ~~وليست كذلك» . # أي: ادعى بعض العلماء في بعض الأمور أنها مجملة، وليست مجملة. # «منها» ، أي: من تلك الأمور التي ادعي الإجمال فيها وليست مجملة، إضافة ~~الأحكام إلى الأعيان، نحو قوله عز وجل: {حرمت عليكم الميتة} [المائدة: 3] ، ~~{حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: 23] ، و {أحل لكم الطيبات} [المائدة: 4] ، ~~لا إجمال فيه عند أبي الخطاب وبعض الشافعية ; لأن المراد: حرم عليكم أكل ~~الميتة، ووطء الأمهات. وأحل لكم أكل الطيبات. وهو قول القاضي عبد الجبار، ~~والجبائي وابنه، وأبي الحسين البصري، خلافا للقاضي أبي يعلى، والكرخي، وأبي ms0671 ~~عبد الله البصري، # PageV02P659 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # حيث زعموا أن ذلك مجمل. # «لنا» على عدم الإجمال: أن «الحكم المضاف إلى العين، ينصرف لغة وعرفا إلى ~~ما أعدت له» من الأفعال، وهو ما ذكرناه من أكل الميتة، ووطء الأمهات، إذ ~~ليست الميتة والأمهات معدة في مشهور العرف إلا لذلك، ولهذا لما قال الله ~~سبحانه وتعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} [المائدة: 1] ، {أحل لكم صيد ~~البحر} [المائدة: 96] ، ونحو ذلك ; فهم منه الأكل، ولما قال الله سبحانه ~~وتعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] ; فهم منه النكاح، وإن كان ~~في الاستدلال بهذا نظر، وأيضا فإن الإجمال يخل بالتفاهم المقصود من الكلام، ~~وهو على خلاف الأصل. # - قوله: «قالوا:» إلى آخره. هذا دليل الخصم على الإجمال. # وتقريره: أن الأعيان أنفسها لا تتصف بالتحريم، وإنما المحرم فعل يتعلق ~~بها، والأفعال متعددة متساوية، إذ لا يدري هل المحرم من الميتة أكلها، أم ~~بيعها، أم النظر إليها، أم لمسها؟ ومن الأم وطؤها، أم النظر إليها، أم ~~لمسها؟ وإضمار جميع الأفعال المحتملة تكثير لما هو على خلاف الأصل، وهو ~~الإضمار ; فلا يجوز إضمار فعل معين لا دليل في اللفظ عليه ; فتعين الإجمال، ~~وهو المطلوب. # - قوله: «قلنا: ممنوع، بل الترجيح عرفي كما ذكر» ، أي: تساوي الأفعال في ~~فهم تعلقها بالأعيان ممنوع، بل رجحان تعلق بعضها حاصل بالعرف، كما ذكر من ~~أن أهل اللسان والعرف تبادر أفهامهم من قول القائل: # PageV02P660 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # حرمت عليك هذا الطعام ; إلى تحريم ~~أكله، وحرمت عليك هذه المرأة، إلى تحريم وطئها، دون ما سوى ذلك. ولو سلمنا ~~عدم هذا الرجحان عرفا أو لغة، لكنا نضمر جميع الأفعال التي يحتمل تعلقها ~~بالعين ; لأن الإضمار وإن كان على خلاف الأصل، لكنه أقل مفسدة من الإجمال، ~~وإذا أضمرنا جميع الأفعال ; فلا إجمال، والله أعلم. # - قوله: «وكذا» : {وأحل الله البيع وحرم الربا} [البقرة: 275] ، مجمل عند ~~القاضي ; لتردد الربا بين مسمييه اللغوي والشرعي لأن الربا في اللغة: ~~الزيادة كيف كانت، وحيث كانت، وفي الشرع: هو زيادة مخصوصة، وهو التفاضل في ~~الأموال الربوية، كبيع درهم بدرهمين، وصاع بصاعين ; فنتوقف ms0672 فيه، حتى نعلم ~~أي الزيادتين أراد. هكذا قرره بعض الأصوليين على ما ذكرت. # والشيخ أبو محمد إنما ذكر هذا في قوله عز وجل: {وأحل الله البيع} فقط، ~~وهو أصح وأولى. # وبيان ذلك: أن البياعات في الشرع، منها حلال كالعقود المستجمعة لشروط ~~الصحة، ومنها حرام كبيوع الغرر، وبيع التلقي، والحاضر للبادي، والبيع وقت ~~النداء، ونحوه. # فمن الناس من زعم أن البيع في قوله عز وجل: {وأحل الله البيع} مجمل، ~~لتردده بين البياعات الجائزة والمحرمة، ثم ورد البيان من الشرع، بالمحرم ~~منها من الجائز. # PageV02P661 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ومنهم من قال: إنه عام في البيوع ~~الجائزة وغيرها، ثم خص المحرم منها بأدلة التحريم، وبقي ما عداه ثابتا ~~بالعموم الأول، والقولان متقاربان ; لأن تخصيص العموم نوع من البيان. # نعم، تظهر فائدة الخلاف في قوله عز وجل: {وأحل الله البيع} [البقرة: 275] ~~، إن قلنا: هو مجمل بين كان حجة بلا خلاف، وإن قلنا: هو عام خص كان في ~~بقائه حجة الخلاف السابق، في أن العام بعد التخصيص حجة أم لا، وعلى كل حال، ~~فكونه من باب العام المخصوص أولى، وأكثر، وأشهر. # PageV02P662 # ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة إلا بطهور» ~~«لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل» . وهو مجمل عند الحنفية، قيل: ~~لتردده بين اللغوي والشرعي، وقيل: لأن حمله على نفي الصورة باطل ; فتعين ~~حمله على نفي الحكم، والأحكام متساوية. # ولنا: أن الموضوعات الشرعية غلبت في كلام الشارع ; فاللغوية بالنسبة ~~إليها مجاز، وأيضا اشتهر عرفا نفي الشيء لانتفاء فائدته، نحو: لا علم إلا ~~ما نفع، ولا بلد إلا بسلطان. فيحمل هنا على نفي الصحة لانتفاء الفائدة، ~~وكذا الكلام في «لا عمل إلا بنية» . # قوله: «ومنها» ، أي: ومن الأمور ~~التي ادعي الإجمال فيها، وليست كذلك: قوله عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة ~~إلا بطهور،» «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل» . ونحوه «وهو مجمل عند ~~الحنفية» ، وأبي عبد الله # PageV02P663 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # البصري، والقاضي أبي بكر. # قوله: «قيل: لتردده بين اللغوي والشرعي» ، أي: ثم، تارة يوجه إجمال ذلك، ~~بأنه متردد بين ms0673 معناه اللغوي والشرعي، كالصلاة بين الدعاء، والأفعال ~~الشرعية المعروفة، والصيام بين الإمساك المطلق لغة، والإمساك الخاص شرعا ; ~~فلا يعلم أيهما المراد. # وتارة يوجه إجماله، بأن قوله عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة إلا بطهور» ; ~~إما أن يحمل على أن المراد نفي صورة الصلاة، أو نفي حكمها، والأول باطل ; ~~لأن صورة الصلاة شرعا يمكن إيجادها بغير طهور، كصلاة المحدث ; فتعين أن ~~المراد نفي حكم الصلاة بغير طهور، ولكن الأحكام متعددة متساوية، كالصحة ~~والكمال، والإجزاء ; فيبقى الكلام مترددا بين: لا تصح الصلاة، أو لا تكمل، ~~أو لا تجزئ، أو لا تقبل بغير طهور، ولا يعلم أيها المراد ; فيجيء الإجمال. # قوله: «ولنا» ، يعني على نفي الإجمال في هذا وجهان: # أحدهما: الموضوعات، يعني المصطلحات، الشرعية غلبت في كلام الشارع، لما ~~سبق في إثبات الحقائق الشرعية، من أن الشارع شأنه بيان الأحكام، لا بيان ~~اللغات، وحينئذ صارت الموضوعات اللغوية بالنسبة إلى الشرعية في كلام الشارع ~~مجازا كما سبق، فإذا دار اللفظ بين الحقيقة # PageV02P664 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والمجاز ; فالحقيقة أولى به ; فإذن ~~حمل قوله عليه الصلاة والسلام: لا صلاة، ولا صيام ونحوه يجب حمله على ~~حقيقته الشرعية، وليس مترددا بين معناه اللغوي والشرعي ; فلا إجمال فيه، ~~وهذا جواب عن توجه الإجمال أولا. # الوجه الثاني: أنه اشتهر في العرف نفي الشيء لانتفاء فائدته، نحو قولهم: ~~لا علم إلا ما نفع، ولا بلد إلا بسلطان، وإن كان العلم غير النافع علما ~~بالحقيقة، والبلد الذي لا سلطان فيه بلدا بالحقيقة ; فيحمل الكلام هنا على ~~نفي الصحة، لانتفاء الفائدة ; لأن الصلاة بغير طهور، والصيام بغير تبييت ~~نية لا يفيدان ; فانتفت صحتهما، لانتفاء فائدتهما، إذ قد سبق أن الصحة ~~عبارة عن ترتيب الفوائد، والآثار المقصودة من الفعل، وهذا جواب عن توجيه ~~الإجمال ثانيا. # قولهم: «حمله على نفي الصورة باطل» . # قلنا: نعم. # قولهم: «تعين حمله على نفي الحكم، والأحكام متساوية» . # قلنا: لا نسلم تساويها، بل حمله على نفي الصحة أولى، عرفا ولغة، لدخول ~~حرف النفي على ذات الفعل، فإنه إذا تعذر نفي صورته، كان حمله على ms0674 نفي صحته ~~أقرب إلى حمله على نفي صورته ; فكان أولى. # وقد قرر الدليل في هذا الأصل على وجه آخر، وهو: أن الشارع، إن كان له في ~~هذه الأسماء عرف، وجب تنزيل لفظه على نفي الحقيقة في # PageV02P665 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # عرفه ; لأن الأصل والغالب مخاطبته ~~لنا بعرفه ; فلا إجمال، وإن لم يكن له فيها عرف ; فلا إجمال أيضا حملا للفظ ~~على المتبادر منه عرفا، وهو نفي الفائدة والجدوى. ويلزم من ذلك نفي الصحة، ~~إذ صحيح، لا فائدة ولا جدوى له غير معقول، وإن لم يكن بد من الإضمار، ~~أضمرنا نفي الصحة والكمال جميعا، إذ ما يمكن إضماره غير خارج عنهما ~~بالإجماع، وغاية ما في ذلك أنه تكثير للإضمار، وهو خلاف الأصل، غير أنا ~~نقول: تكثير الإضمار مع حصول البيان أولى من الإجمال. # قوله: «وكذا الكلام في» قوله عليه الصلاة والسلام: «لا عمل إلا بنية» ، ~~أي: ليس بمجمل، إذ المراد نفي فائدته وجدواه بدون النية ; فتنتفي صحته لما ~~مر، ومن ادعى إجماله، قال: صورة العمل بدون النية لا تنتفي ; فوجب أن يكون ~~المراد نفي حكمه، وأحكامه متعددة متساوية، كالصحة والكمال ; فجاء الإجمال. # والجواب: لا نسلم تساوي أحكامه، بل نفي الصحة أظهر عرفا ولغة كما سبق. ~~سلمنا تساويها لكن المراد نفي جميعها، وتكثير الإضمار أولى من الإجمال. # PageV02P666 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # تنبيه: النزاع في قوله عليه ~~السلام: «إنما الأعمال بالنيات» . من هذا الباب ; لأن الأعمال مبتدأ، وخبره ~~محذوف ; فاختلفوا: هل هو الصحة؟ فيكون التقدير: إنما الأعمال صحيحة، أو ~~الكمال؟ فيكون تقديره: إنما الأعمال كاملة، والأظهر إضمار الصحة لما سبق، ~~والله تعالى أعلم. # PageV02P667 # ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «رفع عن أمتي الخطأ ~~والنسيان وما استكرهوا عليه» ، أي: رفع حكمه، إذ حمله على رفع حقيقته ~~يستلزم كذب الخبر لوقوعها من الناس كثيرا. # ثم قيل: رفع الإثم خاصة دون الضمان والقضاء، إذ ليس صيغة عموم فيعم كل ~~حكم، وأفسده أبو الخطاب بأنه يبطل فائدة تخصيص الأمة به، إذ الناسي ونحوه ~~غير مكلف أصلا في جميع الشرائع. # قلت: فعلى هذا حيث لزم القضاء ms0675 أو الضمان بعض من ذكر، كناسي الصلاة ~~يقضيها، والمكره على القتل يقتل، أو يضمن، يكون لدليل خارج. # قوله: «ومنها» ، أي: ومن الأمور ~~التي ادعي فيها الإجمال، وليست مجملة: قوله عليه الصلاة والسلام: «رفع عن ~~أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» ، أي: رفع حكمه، يعني أن معنى ~~الحديث: رفع حكم # PageV02P668 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الخطأ، والنسيان، والإكراه ; لأن ~~حمله على رفع حقيقة الخطأ والنسيان، يستلزم كذب الخبر ; لأن الخطأ والنسيان ~~يقعان من الناس كثيرا، والكذب في خبر المعصوم محال ; فتعين حمله على رفع ~~حكمه. # ثم قيل: الحكم المرفوع هو الإثم خاصة، دون الضمان والقضاء ; لأن الحديث ~~ليس صيغة عموم فيعم كل حكم. # قلت: فيه نظر ; لأن تقدير الحديث: رفع عن أمتي حكم الخطأ، واللام في ~~الخطأ للاستغراق، وحكم مضاف إليه، والمضاف إلى العام عام. وهذا يقتضي رفع ~~جميع أحكام الخطأ، حتى إن من أتلف شيئا خطأ، لا يأثم بإتلافه، ولا يضمنه، ~~ومن ترك عبادة خطأ، أو نسيانا، أو إكراها، لا يأثم بتركها ; فلا يلزم ~~قضاؤها. وعلى الأول، وهو اختصاص الرفع بالإثم، يسقط الإثم في صورة الإتلاف ~~والترك، ويجب ضمان المتلف، وقضاء المتروك. # قوله: «وأفسده أبو الخطاب» ، يعني اختصاص الرفع بالإثم دون غيره، أفسده ~~أبو الخطاب، «بأنه يبطل فائدة تخصيص الأمة به» ; لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال: «رفع عن أمتي الخطأ» . وذلك يقتضي اختصاصها بهذه الرخصة ~~والرحمة، والتسهيل عليها، واللطف بها ; فلو قلنا: إن الرفع في حقها # PageV02P669 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مختص بالإثم، لم يكن لها على غيرها ~~من الأمم تميز ; لأن الناسي ونحوه من أهل الأعذار، كالمخطئ، والمكره غير ~~مكلفين أصلا في جميع الشرائع، بدليل ما سبق في شروط التكليف. # قلت: والاعتراض على هذا بوجهين: # أحدهما: لا نسلم أن تخصيص الأمة بالذكر، يقتضي اختصاصها بحكم زائد على ~~بقية الأمم، إذ ذلك من قبيل دلالة المفهوم وهي ضعيفة. # الوجه الثاني: سلمنا أن هذا المفهوم حجة، لكن لا نسلم أن رفع الإثم كان ~~ثابتا في حق سائر الأمم. # قلت: والاعتراضان ضعيفان، والظاهر ما قاله أبو الخطاب ; «فعلى هذا: حيث ms0676 ~~لزم القضاء أو الضمان بعض من ذكر» يعني المخطئ، أو الناسي، أو المكره، ~~«كناسي الصلاة يقضيها، والمكره على القتل يقتل أو يضمن» ، كان لدليل خارج، ~~كقوله عليه السلام: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» . وقوله ~~سبحانه وتعالى: {النفس بالنفس} [المائدة: 45] ، وقوله عليه السلام: «من قتل ~~قتيلا ; فأهله بخير النظرين، إن شاءوا، قتلوا، وإن شاءوا أخذوا الدية» . لا ~~بحق الأصل ; لأن حكم الأصل أن لا يجب بالخطأ والنسيان والإكراه شيء. عرفنا ~~ذلك بالدليل المذكور على ما قرر من دلالته، والله سبحانه وتعالى أعلم، وقد ~~انتهى الكلام في المجمل بحمد الله تعالى ومنه، وهذا حين الكلام في المبين. # PageV02P670 # المبين ### | المبين: # يقابل المجمل. # أما البيان ; فقيل: الدليل، وهو ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى ~~مطلوب خبري. # وقيل: ما دل على المراد مما لا يستقل بنفسه في الدلالة، وهما تعريف ~~للمبين المجازي لا للبيان. فقيل: إيضاح المشكل، فورد البيان الابتدائي، فإن ~~زيد بالفعل أو القوة زال، ويحصل البيان بالقول، والفعل، كالكتابة، ~~والإشارة، نحو: الشهر هكذا وهكذا وهكذا، ونحو: صلوا، وخذوا، وبالإقرار على ~~الفعل، وكل مقيد من الشارع بيان، والبيان الفعلي أقوى من القولي، وتبيين ~~الشيء بأضعف منه كالقرآن بالآحاد جائز، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع ~~إلا على تكليف المحال، وعن وقت الخطاب إلى وقتها جائز عند القاضي، وابن ~~حامد، وأكثر الشافعية، وبعض الحنفية، ومنعه أبو بكر عبد العزيز، والتميمي، ~~والظاهرية، والمعتزلة. # قوله: «المبين: يقابل المجمل» ، ~~وقد سبق للمجمل تعريفان ; فخذ ضدهما في المبين. # فإن قلت: المجمل: هو اللفظ المتردد بين محتملين فصاعدا على السواء، قل في ~~المبين: هو اللفظ الناص على معنى، غير متردد، متساو. # وإن قلت: المجمل: ما لا يفهم منه عند الإطلاق معنى معين، قل: المبين ما ~~فهم منه عند الإطلاق معنى معين، من نص أو ظهور، بالوضع أو بعد البيان. # PageV02P671 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قال القرافي: المبين: هو اللفظ ~~الدال بالوضع على معنى ; إما بالأصالة، وإما بعد البيان. # وقال الآمدي: المبين قد يراد به الخطاب المستغني بنفسه عن البيان، وقد ms0677 ~~يراد به ما يحتاج إلى البيان عند وروده عليه، كالمجمل وغيره. # قلت: المعاني متقاربة. # قوله: «أما البيان ; فقيل: الدليل» ، يعني أن الكلام السابق كان في ~~المبين، وهذا في البيان، والفرق بينهما ظاهر، يقال: مجمل وإجمال، ومبين ~~وبيان. # فالمجمل: اللفظ المتردد. # والإجمال: إرادة التردد من المتكلم، أو النطق باللفظ على وجه يقع فيه ~~التردد. # والمبين: اللفظ الدال من غير تردد. # والبيان: نحن الآن في الكلام فيه. # «فقيل» : هو «الدليل» ، وهو قول القاضي أبي بكر، والجبائي وابنه، وأبي ~~الحسين البصري، والغزالي، وأكثر الأشعرية، واختيار الآمدي. # وقال أبو عبد الله البصري: وهو العلم الحاصل عن دليل. # وقال الصيرفي: هو التعريف. # والأقوال متقاربة، والمسألة لفظية، أو كاللفظية ; لأن التعريف من آثار # PageV02P672 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الدليل ; فاستوت، أو تقاربت ~~الأقوال جدا، ويجمع الكل معنى الظهور، إذ يقال في اللغة: بان الشيء يبين ~~بيانا، إذا ظهر واتضح، والدليل يوضح ما دل عليه، ويظهره، ويعرفه. # قوله: «وهو» ، يعني الدليل، «ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب ~~خبري» . # فقولنا: «ما يمكن التوصل به» ، يعني ما كانت له صلاحية الاتصال إلى ~~المطلوب، ليعم الدليل بالقوة والفعل، أي: ما استعمل في التوصل إلى المطلوب، ~~وما صلح للتوصل إلى المطلوب، وإن لم يستعمل في التوصل إليه، كقولنا: يصلح ~~أن يستدل بقوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى ~~الحكام} [البقرة: 188] ، على أن حكم الحاكم لا يحيل الشيء عن صفته في ~~الباطن ; لأنه سبحانه وتعالى سمى الأموال مأكولة بالباطل، مع الإدلاء بها ~~إلى الحكام. # وقولنا: «بصحيح النظر» : احتراز مما يوصل بفاسد النظر فيه إلى مطلوب، فإن ~~ذلك المطلوب، إن قدرناه صحيحا، كان التوصل إليه بفاسد النظر ممتنعا، وإن ~~قدرناه باطلا، لم يكن ما توصلنا به إليه دليلا. # وقولنا: «إلى مطلوب خبري» : يعم ما أوصل إلى علم، كقولنا: الإنسان حيوان، ~~وكل حيوان جسم ; فالإنسان جسم. أو إلى ظن، كغالب مسائل الفروع. # ثم اختلفوا ; فمنهم من سماه دليلا، سواء أوصل إلى علم أو ظن، ومنهم من خص ~~الدليل بما أوصل إلى علم، وسمى ما ms0678 أوصل إلى ظن أمارة، - بفتح # PageV02P673 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الهمزة وهي العلامة - ولعله أقرب ~~إلى التحقيق، والخلاف اصطلاحي. # - قوله: «وقيل: ما دل» ، أي: وقيل: البيان ما دل «على المراد، مما لا ~~يستقل بنفسه في الدلالة» ، يعني إذا ورد لفظ لا يستقل بنفسه في الدلالة ~~كالقرء ونحوه ; فما دل على المراد من ذلك اللفظ، هو البيان كما سبق مثاله ~~في المجمل. فهذان تعريفان للبيان: # أحدهما: بأنه الدليل. # والثاني: بما ذكر ههنا. # قوله: «وهما تعريف للمبين المجازي، لا للبيان» ، يعني أن تعريف البيان ~~بالدليل، وبما دل على المراد، مما لا يستقل بنفسه، ليس تعريفا للبيان، بل ~~للمبين المجازي. # وكشف هذا: بأنه لابد لنا من مبين، بكسر الياء، ومبين بفتحها، ومبين به، ~~وبيان. # فالمبين في الحقيقة هو الشارع، إذ عنه تظهر الأحكام، ويطلق مجازا على ~~المبين به، وهو الدليل، وهو خطاب الشارع الدال على المراد مما لا يستقل ~~بنفسه. # والمبين: هو المتضح بنفسه، أو المجمل المحتاج إلى البيان. فقد اتضح بهذا ~~أن التعريفين المذكورين للبيان ليسا تعريفا له، بل للمبين المجازي، أي: ~~الذي يسمى مبينا بطريق المجاز. # قوله: «فقيل إيضاح المشكل، فورد البيان الابتدائي» أي: لما لم # PageV02P674 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يتحصل لنا تعريف البيان بالحقيقة ~~مما سبق، احتجنا إلى أن نذكر تعريفه. # وقد قيل: هو إيضاح المشكل، وهذا مختصر ما حكاه الشيخ أبو محمد فيه، أنه ~~إخراج الشيء من الإشكال إلى الوضوح، فلما عرف بهذا، ورد عليه البيان ~~الابتدائي، أي: الخطاب الدال على المراد به ابتداء، من غير احتياج إلى بيان ~~خارج، كالنصوص والظواهر، وما عرف المراد منه بالتعليل بفحوى الخطاب، أو ~~باللزوم، كالدلالة على الشروط والأسباب، كدلالة الصلاة على وجوب الوضوء، ~~ودلالة الملك على تقدم سببه، من بيع، أو هبة، أو اكتساب، فإن هذا كله مبين ~~ببيان، ولم يوجد فيه إيضاح مشكل ; فتعريف البيان بإيضاح مشكل غير جامع. # - قوله: «فإن زيد بالفعل أو القوة، زال» ، أي: فإن زيد هذا على التعريف ~~المذكور، زال ورود البيان الابتدائي، واستقام التعريف ; فيقال: البيان: هو ~~إيضاح المشكل بالقوة أو الفعل، وذلك لأن الكلام ms0679 قد يكون مشكلا بالفعل، أي: ~~إشكاله ظاهر موجود، وقد يكون مشكلا بالقوة، أي: هو قابل لأن يرد مشكلا، ~~وذلك لأن مادة الكلام لذاتها قابلة للإشكال، بحسب اختلاف نظمه وصيغه، ~~ومقاصد المتكلمين به. # ومثال هذا: ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: لا يدخل الجنة ~~إلا المؤمنون، وهذا كلام بين بنفسه، صحيح على قواعد الشريعة. ونقل # PageV02P675 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بعض الحنفية عن أبي حنيفة رضي الله ~~عنه أنه قال: لا يدخل النار إلا مؤمن، وظاهر هذا مع قوله عليه السلام: لا ~~يدخل الجنة إلا المؤمنون - مشكل ; لأنه يقتضي أن أهل الجنة والنار جميعا ~~مؤمنون، وليس كذلك، للاتفاق على أن أكثر أهل النار كفار، وأنه لا يخلد فيها ~~إلا كافر، لكن أبو حنيفة رحمه الله ألحق بكلامه بيانا بينه، وأظهر معناه ~~المراد له، بأن قال: لا يدخل النار إلا مؤمن ; لأن الكفار حينئذ يعاينون ما ~~كانوا يوعدون ; فيؤمنون به، أي: يصدقون، لكن إيمانا لا ينفعهم ; لأنه ~~اضطراري لا اختياري، ولقوله عز وجل: {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا ~~بأسنا} [غافر: 85] ، وقوله عز وجل لفرعون حين قال لما أدركه الغرق: آمنت -: ~~{آلآن وقد عصيت قبل} [يونس: 91] . # فقد حصل من هذا أن كلام أبي حنيفة مشكل بالفعل ; فاحتاج إلى البيان، ~~وكلام النبي صلى الله عليه وسلم، بين بالفعل، وهو مشكل بالقوة، إذ قد كان ~~يمكنه صلى الله عليه وسلم، أن يورده على نظم يستشكل، نحو كلام أبي حنيفة. # وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: لا عدوى ولا طيرة. كلام متضح # PageV02P676 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بين، إذ معناه: لا فاعل للنفع ~~والضر إلا الله. # ثم عرض لهذا الحديث بعينه الإشكال، بقوله عليه الصلاة والسلام: لا يورد ~~ممرض على مصح، أي: من له إبل مراض على من له إبل صحاح. وقوله: فر من ~~المجذوم فرارك من الأسد. لأن المتبادر من هذا إثبات العدوى، وهو يناقض ~~نفيها في الحديث الأول ; فاحتيج إلى بيان المزيل للإشكال، بالجمع بينهما ~~على وجه صحيح، وهو أن الحديث الأول ناف للعدوى، أي: لا يعدي مريض صحيحا، ~~وأما ms0680 الثاني، فلم ينه فيه عن إيراد الممرض على المصح لكونه يعدي الإبل، بل ~~خشية أن يحدث الله تعالى في إبل مصح مرضا ; فيعتقد أنه من العدوى ; فيكون ~~بذلك مشركا مع الله فاعلا غيره ; فزال الإشكال. # وقد جمع بينهما بغير هذا الوجه ; فقد رأيت كيف كان الحديث الأول بينا ~~بنفسه، ثم عرض له الإشكال ; فكذلك قد يرد الكلام بينا بالفعل، وهو # PageV02P677 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مع ذلك مشكل بالقوة، أي: قابل ~~لعروض الإشكال له من ذاته، بتقدير تغير صفته أو من أمر خارج. # قوله: «ويحصل البيان بالقول والفعل» ، إلى آخره. لما فرغ من الكلام على ~~تعريف البيان، وتحقيق ماهيته، أخذ في ذكر المبين به، وهو ### | ما يحصل به البيان. # والذي يحصل به البيان أمور: # أحدها: «القول» : بأن يقول المتكلم، أو من علم مراد المتكلم: المراد بهذا ~~الكلام كذا، كقوله تعالى: {القارعة} {ما القارعة} {وما أدراك ما القارعة} ~~[القارعة: 1، 2، 3] ; فهذا إجمال، ثم بينه بقوله: {يوم يكون الناس كالفراش ~~المبثوث} [القارعة: 4] ; فبين أن القارعة تكون ذلك اليوم، بهذه الصفة ~~العظيمة. # وكذا قوله عز وجل: {وما أدراك ما يوم الدين} {ثم ما أدراك ما يوم الدين} ~~[الانفطار: 17، 18] ، ثم بينه سبحانه وتعالى بما بعده. # وقوله عز وجل: {عليها تسعة عشر} [المدثر: 30] ; فهذا مجمل لاحتمال أن ~~هؤلاء ملائكة، أو آدميون، أو شياطين، أو غيرهم من المخلوقات، ثم بينهم ~~بقوله عز وجل: {وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة} [المدثر: 31] . # ونظائر هذا في القرآن الكريم، والسنة الشريفة كثير. # ولما قال سبحانه وتعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل} # PageV02P678 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # [الأنفال: 60] ، كانت القوة مجملة ~~; فبينها النبي صلى الله عليه وسلم، بقوله: ألا إن القوة الرمي، ألا إن ~~القوة الرمي. لأن القول لما كان بينا في نفسه، جاز أن يبين غيره، كما قلنا ~~في الماء الطهور: لما كان يدفع النجاسة عن نفسه، جاز أن يدفعها عن غيره، ~~إذا كان كثيرا. # الثاني: من الأمور التي يحصل بها البيان: الفعل ; فمنه الكتابة، ككتابة ~~النبي، صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدين بعده، وغيرهم من أهل ms0681 ~~الولايات إلى عمالهم في الصدقات، وغيرها من السياسات، ولأن الكتابة تقوم ~~مقام اللسان في تأدية ما في النفس ; فكانت بيانا. # وقد دل على ذلك قوله تعالى: {الرحمن} {علم القرآن} {خلق الإنسان} {علمه ~~البيان} [الرحمن: 1 - 4] ، ثم بين هذا البيان بقوله عز وجل: {الذي علم ~~بالقلم} {علم الإنسان ما لم يعلم} [العلق: 4، 5] ; فالبيان بالقلم من جملة ~~البيان الذي علمه الإنسان، وهو بيان نطق، وبيان كتابة، والله تعالى أعلم. # ومنه، أي: من البيان الفعلي، الإشارة كما روي عن النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، أنه آلى من نسائه شهرا ; فأقام في مشربة له تسعا وعشرين، ثم دخل ~~عليهن ; فقيل له: إنك آليت شهرا ; فقال: الشهر هكذا وهكذا وأشار بأصابعه ~~العشر، وقبض إبهامه في الثالثة، يعني تسعة وعشرين. # وجاء في حديث صحيح أنه قال: الشهر تسع وعشرون، هكذا بلفظه # PageV02P679 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وهو بيان قولي ; فقد تضمن هذا ~~الحديث نوعي البيان، القولي والفعلي. # ومن البيان الفعلي قوله عليه أفضل الصلاة والسلام: صلوا كما رأيتموني ~~أصلي. وخذوا عني مناسككم، أي: انظروا إلى فعلي في الصلاة والحج ; فافعلوا ~~مثله ; فكان فعله عليه الصلاة والسلام فيهما مبينا لقوله عز وجل: {أقيموا ~~الصلاة} [الأنعام: 72] ، {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة: 196] . # فإن قيل: بيان الصلاة والحج إنما حصل بقوله: صلوا، و: خذوا. # قلنا: ليس كذلك، إذ هذا اللفظ لا يعلم منه تفاصيل أفعال الصلاة والحج، بل ~~هو عليه السلام بين بقوله: صلوا، وخذوا أن فعله مبين لتفاصيل الصلاة ~~والمناسك، ولهذا قضى مناسكه في حجته راكبا، ليتعلم منه الناس. # نعم، يرد على الاستدلال بقوله: صلوا، وخذوا عني، سؤال أصح من السؤال ~~المذكور، وهو أن يقال: إنما أمرهم بذلك أن يسألوه عن أحكام الصلاة والحج ; ~~فيجيبهم عنها ; فيكون البيان قوليا لا فعليا، كما نقل عن علي رضي الله عنه ~~أنه قال: سلوني قبل أن تفقدوني. وكما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه ~~قام مقاما ; فقال فيه: لا تسألوني في مقامي هذا عن شيء إلا أجبتكم، # PageV02P680 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والقصة مشهورة ; فقوله: خذوا عني، ~~يعني بالسؤال، لا ms0682 بالاقتداء بالأفعال. # والجواب عنه: أن هذا وإن كان محتملا، لكنه خلاف الظاهر ; لأن المنقول عنه ~~عليه السلام، أنه قال لهم: خذوا عني مناسككم، وهو متلبس بفعل المناسك، ~~كالطواف والسعي وغيره، وأمره لهم بذلك في هذه الحالة، دليل على أن مراده ~~اقتداؤهم بأفعاله، عملا بقرينة الحال، والله تعالى أعلم. # الثالث من الأمور التي يحصل بها البيان: «الإقرار على الفعل» فيكون ذلك ~~تبيانا لجوازه. # وبالجملة فقد سبق في الكلام على السنة، أن القول، والفعل، والإقرار على ~~الفعل أو الترك - سنة، وهي دليل وحجة، وما كان دليلا في نفسه، صلح أن يكون ~~بيانا لغيره. # قوله: " و ### | كل مقيد من الشارع بيان "، # هذه قاعدة كلية فيما يحصل به البيان، يتناول ما سبق، وما يأتي بعد، إن ~~شاء الله تعالى، وذلك من وجوه: # أحدها: أن يستدل الشارع استدلالا عقليا ; فيبين به العلة، أو مأخذ الحكم، ~~أو فائدة ما، كما قال تعالى في صفة ماء السحاب: {فأحيينا به الأرض بعد ~~موتها كذلك النشور} [فاطر: 9] ، وفي موضع آخر: {كذلك الخروج} [ق: 11] ، ~~{ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون} [الروم: 19] ، ونظائره كثيرة. # فبين سبحانه وتعالى لنا بذلك طريق الاستدلال على إمكان البعث # PageV02P681 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والمعاد، ولولا هذا الطريق الذي ~~فتحه الله للمؤمنين، لما اجترأ متكلموهم أن يستدلوا عليه، ولا يتكلمون مع ~~الفلاسفة المنكرين له فيه. # وقال سبحانه وتعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22] ~~، {وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض} ~~[المؤمنون: 91] ; فبين سبحانه بذلك طريق الاستدلال على توحيده عز وجل، ونفي ~~الشريك له سبحانه وتعالى. # وبين بقوله عز وجل: {ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم ~~من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم} [الروم: 28] ، الآية، قبح ~~الإشراك، ومنعه وتحريمه، وجميع استدلالات القرآن عقلية، وهي مفيدة للبيان. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم، لعمر رضي الله عنه حين قال له: قبلت وأنا ~~صائم: أرأيت لو تمضمضت. فقاس القبلة على المضمضة، وبين بذلك أن الفطر إنما ms0683 ~~يكون بما يجاوز الحلق إلى الجوف، أو بما يحصل منه مقصوده الموضوع له من ~~المفطرات، والقبلة لم يحصل منها مقصود جنسها وهو الإنزال، كما أن المضمضة ~~لم يحصل منها مقصود الشرب، وهو الري. # وقال للخثعمية: أرأيت لو كان على أبيك دين. فبين أن دين الله كدين # PageV02P682 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الآدمي، في وجوب القضاء، وقبول ~~النيابة، وأولى، وهذا كثير في الشرع. # الوجه الثاني: الترك: مثل أن يترك فعلا قد أمر به، أو قد سبق منه فعله ; ~~فيكون تركه له مبينا لعدم وجوبه. # وذلك كما أنه قيل له: {وأشهدوا إذا تبايعتم} [البقرة: 282] ، ثم إنه كان ~~يبايع ولا يشهد، بدليل الفرس الذي اشتراه من الأعرابي، ثم أنكره البيع ; ~~فشهد له خزيمة بن ثابت لا عن حضور، بل عن تصديقه عليه الصلاة والسلام ; ~~فعلم أن الإشهاد في البيع غير واجب. وصلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~التراويح في رمضان، ثم تركها خشية أن تفرض عليهم ; فدل على عدم وجوبها، إذ ~~يمتنع منه ترك الواجب. # الوجه الثالث: السكوت بعد السؤال عن حكم الواقعة. فيعلم أن لا حكم للشرع ~~فيها، كما روي، أن زوجة سعد بن الربيع رضي الله عنه، جاءت بابنتيها إلى ~~النبي، صلى الله عليه وسلم ; فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد، قتل ~~أبوهما # PageV02P683 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # معك يوم أحد، وقد أخذ عمهما ~~مالهما، ولا ينكحان إلا بمال ; فقال: " اذهبي حتى يقضي الله فيك ; فذهبت، ~~ثم نزلت آية الميراث: {يوصيكم الله في أولادكم} [النساء: 11] ; فبعث خلف ~~المرأة وابنتيها وعمهما ; فقضى فيهم بحكم الآية. فدل ذلك على أن قبل نزول ~~الآية لم يكن في المسألة حكم، وإلا لما جاز تأخيره عن وقت الحاجة إليه، كما ~~سيذكر بعد إن شاء الله تعالى، والقاعدة المذكورة تحتمل وجوها غير ما ذكرنا ~~إن وجدت، والله أعلم. # قوله: «و ### | البيان الفعلي أقوى من القولي» ، # أي: البيان بالفعل أقوى من البيان بالقول، ولا خلاف في جواز البيان بهما، ~~إلا عند شذوذ من الناس في البيان الفعلي. # والدليل على أنه أقوى من القولي: أن الفعلي فيه مشاهدة ms0684 وعيان لصورة ~~الفعل، وذلك زيادة على ما يفيده مجرد القول ; فالبيان الفعلي مدرك بالتصور ~~الذهني، والإدراك الحسي، بخلاف القولي، إذ ليس فيه إلا التصور الذهني فقط ; ~~فكان الفعلي أقوى. # ولهذا كان غالب الناس عالما بأفعال الصلاة، لتكرر أفعالها عليهم في اليوم ~~والليلة خمس مرات، بخلاف أفعال الحج، فإن صبيان مكة - شرفها الله تعالى - ~~أعلم بها من كثير من فقهاء الآفاق المبرزين في العلم، لدربة أولئك الصبيان ~~بها دونهم. # وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم، لما أراد أن يعرف أصحابه مثل ابن آدم، ~~وأجله، وأمله، خط لهم خطا مربعا، صور لهم ذلك فيه، كما صح في السنة. # PageV02P684 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وخط لهم مرة خطا مستقيما وإلى ~~جانبه خطوط، ثم قال: هذا سبيل الله، وهذه سبل، على كل سبيل منها شيطان، ثم ~~قرأ: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} ~~[الأنعام: 153] . # وكذلك المهندسون وأصحاب علم الهيئة وضعوا في كتبهم صور الأكر، والزوايا، ~~وغيرها من الأشكال، لتكون أسرع إلى فهم المتعلم. # قوله: «وتبيين الشيء بأضعف منه، كالقرآن بالآحاد جائز» . # اعلم أن البيان ; إما أن يكون أقوى من المبين، أو مساويا له، أو أضعف منه ~~في الدلالة، ولا خلاف في جواز البيان بالأقوى. # واختلفوا في البيان بالأضعف ; فأجازه أبو الحسين بالأضعف والمساوي، ~~واشترط أن يكون البيان راجحا. واحتج بأنه لو لم يكن راجحا، لكان إما ~~مساويا، أو مرجوحا. # والأول يلزم منه الوقف، إذ ليس أحد المتساويين بأولى بأن يكون بيانا ~~للآخر من العكس. # والثاني: يلزم منه ترك الراجح بالمرجوح، وهو ممتنع. وهذا حجة الكرخي على ~~منع البيان بالأضعف. # ومع ذلك لا يتجه قول أبي الحسين ; لأن تبيين اللفظ بما هو أضعف # PageV02P685 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # دلالة منه غير معقول ; لأن التبيين ~~تخليص، وتمييز لبعض الاحتمالات من بعض، والضعيف لا يخلص القوي، وما ذاك إلا ~~بمثابة تعديل الفاسق للعدل، وتصيير الماء الطاهر طهورا بإضافة الماء النجس ~~إليه، والتعريف بالأخفى، كقولنا: الأسد هو الغضنفر، أو الدلهمس، والعنكبوت: ~~هو الخدرنق، والأرنب: الخرنق، وأشباه ذلك، وهو ممتنع، اللهم إلا أن ms0685 يقال: ~~إن البيان بالأضعف يجوز بالإضافة إلى من ذلك الأضعف عنده أقوى، لكن ~~بالإضافة إلى هذا الشخص ليس بيانا بالأضعف بل بالأقوى، كما يقال للعراقي: ~~الفول الباقلا ; لأن الباقلا أشهر عنه، وبعكس ذلك في المصري ونحوه ; لأن ~~الفول عندهم أشهر. # واعلم أن هذه ليست مسألة «المختصر» ; لأن الكلام ههنا في تبيين الأقوى ~~بالأضعف من جهة الدلالة، ومسألة «المختصر» و «الروضة» ممثلة بتبيين القرآن ~~بخبر الواحد، وذلك أضعف في الرتبة لا في الدلالة، ولا يلزم من ضعف الرتبة ~~ضعف الدلالة، لجواز أن يكون الأضعف رتبة أقوى دلالة، كتخصيص عموم الكتاب ~~بخبر الواحد ; لأنه أخص ; فيكون أدل. # فحاصل هذا أن الضعف إن كان في الدلالة، لم يجز تبيين القوي بالضعيف، لما ~~سبق، وإن كان في الرتبة، جاز إذا كان أقوى دلالة، ومن أجاز # PageV02P686 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # البيان بالأضعف، أجازه بالمساوي، ~~ولا عكس، ومن اشترط الرجحان في البيان، لم يجزه بواحد منهما، كما سبق والله ~~أعلم. # فائدة: قد يكون البيان متصلا كما سبق، وقد يكون منفصلا كتبيينه سبحانه ~~المراد من الخيط الأبيض والأسود، بقوله عز وجل: من الفجر [البقرة: 187] ، ~~وكقول كعب بن زهير: # فلا يغرنك ما منت # فإنه متردد بين أنه من المن، وهو الإنعام بالوصل، أو الوعد الصادق به، أو ~~من التمني، ثم بين متصلا بقوله: # إن الأماني والأحلام تضليل # PageV02P687 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فبين أن ذلك من التمني، الذي هو ~~كأحلام النائم، لا من المن. # قوله: «وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع، إلا على تكليف المحال» ، يعني ~~تكليف ما لا يطاق ; فمن أجازه، أجاز ### | تأخير البيان عن وقت الحاجة، # ومن منعه، منعه، وصورته أن يقول: صلوا غدا، ثم لا يبين لهم في غد كيف ~~يصلون، أو: آتوا الزكاة عند رأس الحول، ثم لا يبين لهم عند رأس الحول كم ~~يؤدون، أو إلى من يؤدون ونحو ذلك ; لأنه تكليف ما لا يطاق، والتفريع على ~~امتناعه. # قوله: «وعن وقت الخطاب إلى وقتها جائز» ، أي: و ### | تأخير البيان عن وقت الخطاب # إلى وقت الحاجة جائز عند القاضي، وابن حامد، وأكثر الشافعية، ms0686 وبعض ~~الحنفية، ومنع أبو بكر عبد العزيز، وأبو الحسن التميمي، والظاهرية، ~~والمعتزلة، والصيرفي، وأبو إسحاق المروزي، وذهب بعض الأصوليين إلى جواز ~~تأخير بيان الأمر دون الخبر، وذهب الجبائي وابنه، والقاضي عبد الجبار، إلى ~~جواز تأخير بيان النسخ دون غيره. # وقال أبو الحسين البصري: ما ليس له ظاهر، كالمجمل يجوز تأخير بيانه، وما ~~له ظاهر، والمراد به غيره، يجوز تأخير بيانه التفصيلي، لا الإجمالي، بأن ~~يقول وقت الخطاب مثلا: هذا العموم مخصوص، ولا يجب تفصيل أحكام تخصيصه ببيان ~~غير المخصص ومقدار ما يخص منه. # وقال الكرخي وجماعة من الفقهاء: يجوز تأخير بيان المجمل، دون # PageV02P688 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # غيره كالظاهر والعموم والنسخ، ونحو ~~ذلك من صور البيان. والصحيح جوازه مطلقا. # وصورته: أن يقول وقت الفجر مثلا: صلوا الظهر، ثم يؤخر بيان أحكام الظهر ~~إلى وقت الزوال، أو يقول: حجوا في عشر ذي الحجة، ثم يؤخر بيان أحكام الحج ~~إلى دخول العشر. # PageV02P689 # لنا: {أحكمت آياته ثم فصلت} [هود: 1] ، {ثم إن علينا ~~بيانه} [القيامة: 19] ، وثم للتراخي، وأخر بيان بقرة بني إسرائيل، وأن ابن ~~نوح ليس من أهله، وأخر النبي صلى الله عليه وسلم، بيان: {ذوي القربى} ، ~~وآتوا الزكاة. و {ولله على الناس} ، وبين جبريل: {أقيموا الصلاة} بفعله في ~~اليومين، كل ذلك متأخر، ولأن النسخ بيان زمني وهو متأخر ; فكذا هذا. # قالوا: الخطاب بما لا يفهم عبث، وتجهيل في الحال كمخاطبة العربي ~~بالعجمية، وعكسه، وإيجاب الصلاة بأبجد هوز، وكإرادة البقر من قوله: «في خمس ~~من الإبل شاة» . # قلنا: باطل بالمتشابه لا تفهم حقيقته، وليس تجهيلا، ولا عبثا، فإن منع ~~فقد بيناه. # فإن قيل: فائدته الانقياد الإيماني. # قلنا: وهذا الانقياد التكليفي وإيجاب الصلاة والزكاة، وقطع السارق ونحوها ~~يفيد ماهيات الأحكام، وتفصل عند العمل بخلاف ما ذكرتم ; فإنه لا يفيد شيئا. # «لنا» على جوازه من الكتاب والسنة، ~~والاستدلال وجوه: # أحدها: قوله سبحانه وتعالى: {الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت} [هود: 1] . # الثاني: قوله عز وجل: {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} {ثم إن علينا بيانه} ~~[القيامة: 18، 19] . # فرتب تفصيل الآيات على أحكامها، وبيان القرآن ms0687 على القراءة ب «ثم» وهي ~~للتراخي، وذلك يقتضي جواز تأخير البيان. وقد أجمعنا على عدم جوازه عن وقت ~~الحاجة، فلم يبق إلا جوازه إليها وهو المطلوب. # PageV02P690 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الثالث: أن الله سبحانه أمر بني ~~إسرائيل على لسان موسى عليه السلام بذبح بقرة، ثم أخر بيان صفتها حتى ~~راجعوه فيها مرارا، وذلك في قوله سبحانه وتعالى: {وإذ قال موسى لقومه إن ~~الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} الآيات إلى قوله عز وجل: {فذبحوها وما كادوا ~~يفعلون} [البقرة: 67، 71] ، وذلك يدل على ما ذكرناه. # الرابع: أن الله سبحانه، أخر بيان أن ابن نوح ليس من أهله إلى وقت ~~الحاجة، وذلك أنه سبحانه قال لنوح عليه السلام: {اصنع الفلك} [هود: 37] ، و ~~{احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك} [هود: 40] ، وهو عام في ابنه وغيره، ~~فلما أدرك ابن نوح الغرق، خاطب نوح ربه عز وجل فيه بقوله: {إن ابني من أهلي ~~وإن وعدك الحق} [هود: 45] ، أي: وعدتني أن تنجي أهلي، وإن ابني من أهلي ; ~~فأنجه ; فقال الله سبحانه وتعالى: {إنه ليس من أهلك} [هود: 46] ; فسكت نوح ~~بعد أن سمع ما سمع خائفا مستغفرا ; فهذا تأخير البيان إلى وقت الحاجة. # الخامس: أن النبي صلى الله عليه وسلم، أخر بيان كثير من الأحكام إلى وقت ~~الحاجة: # منها: بيان قوله سبحانه وتعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ~~وللرسول ولذي القربى} [الأنفال: 41] ، اقتضت الآية أن جميع الغنيمة لهذه ~~الأصناف، ثم بين بعد ذلك أن السلب للقاتل، وأن المراد بذي القربى بنو هاشم ~~وبنو المطلب، دون بني نوفل وبني عبد شمس، لمنعه لهم منها، وقوله: إنا وبني ~~المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام. # PageV02P691 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ومنها: قوله سبحانه وتعالى: {وآتوا ~~الزكاة} [الحج: 78] ، بين النبي صلى الله عليه وسلم، أحكامها مؤخرا، بقوله ~~صلى الله عليه وسلم: في أربعين شاة شاة، في سائمة الغنم الزكاة، ليس فيما ~~دون خمسة أوسق صدقة، ونحو ذلك من تفاصيل أحكام الزكاة. # ومنها: قوله عز وجل: {ولله على الناس حج البيت} [آل عمران: 97] ، أخر ~~بيانه بفعله، وقوله: خذوا ms0688 عني مناسككم. كما سبق. # ومنها: قوله سبحانه وتعالى: {أقيموا الصلاة} [الأنعام: 72] ، بينه جبريل ~~عليه السلام بفعله في اليومين، كل ذلك متأخرا، والإشارة باليومين، إلى ما ~~روى نافع بن جبير بن مطعم، قال: أخبرني ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، قال: أمني جبريل عند البيت مرتين ; فصلى بي الظهر، ~~الحديث، إلى أن قال: ثم التفت إلي جبريل ; فقال: يا محمد هذا وقت الأنبياء ~~من قبلك، والوقت فيما بين هذين الوقتين. رواه أبو داود # PageV02P692 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والترمذي وحسنه. # السادس: أن النسخ بيان في الزمان، وهذا بيان في الأعيان، ثم قد وجب ~~التأخير في النسخ ; فليجز التأخير ههنا، وهذا حجة على من فرق بين النسخ ~~وغيره في تأخير البيان ; لأن تأخير النسخ يوهم ثبوت الحكم في زمن، ليس ~~ثابتا فيه في نفس الأمر، وتأخير تخصيص العام يوهم ثبوت الحكم في صورة ~~التخصيص، وليس ثابتا فيها في نفس الأمر، وكلاهما محذور. وقد التزم الخصم ~~أحدهما ; فيلزمه التزام الآخر. # قوله: «قالوا: الخطاب» ، إلى آخره. هذا حجة المانعين من تأخير البيان عن ~~وقت الخطاب. # وتقريره: أن الخطاب بالمجمل بدون بيانه ; خطاب بما لا يفهم، والخطاب بما ~~لا يفهم عبث، وتجهيل للسامع في الحال، إذ لا يعلم ما المراد بالخطاب، ~~وفائدة الخطاب إنما هو إفادة المراد به، فإذا لم يفد فائدته، وجب أن يكون ~~عبثا ممتنعا، وصار ذلك كمخاطبة العربي بالعجمية، ومخاطبة العجمي بالعربية، ~~وكما لو قال: أبجد هوز، وقال: أردت به إيجاب الصلاة عليكم. أو قال: في خمس ~~من الإبل شاة. وقال أردت بالإبل البقر ; فهذا كله وأشباهه غير جائز، لعدم ~~فائدته ; فكذلك الخطاب بالمجمل. # قوله: «قلنا: باطل» ، أي: ما ذكرتموه من أن الخطاب بما لا يفهم عبث ; فلا ~~يجوز، باطل بمتشابه القرآن، كالحروف المقطعة وغيرها على ما سبق بيانه ; ~~فإنه لا تفهم حقيقته، وليس الخطاب به تجهيلا للسامع، ولا عبثا من # PageV02P693 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المتكلم، فكما جاز الخطاب ~~بالمتشابه، بدون فهم حقيقته، ولم يكن عبثا، كذلك يجوز الخطاب بالمجمل، وإن ~~أخر بيان حقيقته، ولا يكون ms0689 عبثا. # قوله: «فإن منع، فقد بيناه» ، أي: إن منع أن المتشابه لا تفهم حقيقته ; ~~فقد سبق بيانه في موضعه، وأن تأويله لا يعلمه إلا الله لا غير. # وإن قال الخصم: إن المتشابه «فائدته الانقياد الإيماني» ، أي: الانقياد ~~للإيمان به، كما قال الراسخون في العلم: آمنا به. # قلنا: وفائدة الخطاب بالمجمل «الانقياد التكليفي» ، أي: الانقياد للعزم ~~على امتثال التكليف به، فإذا قيل للمرأة: اعتدي بالأقراء ; عزمت على ~~الاعتداد بأنها أمرت به، وبين لها، وإذا قيل: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم} ~~[التوبة: 103] ، أفاد عزم كل ذي مال على إخراج الزكاة، من جميع أنواع ماله ~~ومقاديره، حتى يرد التخصيص النوعي بسائمة الأنواع، والنقدين، والخارج من ~~الأرض، والتخصيص المقداري بشاة من أربعين، وخمسة دراهم من مائتين، ونحو ~~ذلك، فإن لم يعزم على ذلك، عصى، وهذا شبيه بما مر بالنسخ قبل امتثال الفعل، ~~وهذه فائدة عظيمة قد أفادها الخطاب بالمجمل ; فهي في بابها كفائدة الإيمان ~~بالمتشابه في بابها. # قوله: «وإيجاب الصلاة» ، إلى آخره. هذا جواب ثان بالفرق، والذي سبق جواب ~~بالنقض. # وتقرير هذا الجواب: أن الفرق بين الخطاب بالمجمل، والخطاب بما ذكرتموه، ~~من أبجد هوز ونحوه، هو أن الخطاب بالمجمل يفيد ماهيات # PageV02P694 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الأحكام ; فلا يضر تأخير بيان ~~تفصيلها إلى وقت الحاجة إلى العمل بها، وذلك كقوله سبحانه وتعالى: {وأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة} [النور: 56] ، {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} ~~[المائدة: 38] ، {لا تأكلوا الربا} [آل عمران: 130] ، ونحوه، أفادنا وجوب ~~الصلاة والزكاة، وقطع يد السارق، وتحريم الربا، وإذا استفيدت ماهية الوجوب ~~والحظر، وجب اعتقادها ; فمن اعتقد وجوب الصلاة، وتحريم الربا عليه وأنه ~~ممتثل للأمر بهما، عند بيان أحكامهما ; أثيب، ومن لم يعتقد ذلك، عصى، وإذا ~~جاء وقت العمل، بين لنا أن الصلاة خمس، وأن ركعاتها سبع عشرة، وأن الفجر ~~ركعتان، والمغرب ثلاث، وبقية الصلاة رباعية، وأن التفاضل يحرم في كل مكيل ~~أو موزون بجنسه، وأنه إذا اختلف الجنسان، جاز التفاضل يدا بيد، وأشباه ذلك، ~~وهذا مما لا مانع منه، شرعي ولا عقلي، بخلاف ما ذكرتموه من خطاب العجمي ~~بالعربية، ms0690 وإيجاب الصلاة بأبجد هوز ; فإنه لا يفيد فائدة أصلا، وإرادة ~~البقر من لفظ الإبل تغيير للوضع، وقلب لحقائق اللغة، والله تعالى أعلم. # ومن فرق بين الأمر والخبر، احتج بأن الخبر والإجمال يوهم الكذب ; فيجب ~~تداركه بالبيان، بخلاف الأمر. # ويجاب عنه بأن في الأمر أيضا توهم تعلق الحكم بغير محله، من الأعيان أو ~~الزمان، وهو قبيح كالكذب. # ومن فرق بين المجمل وغيره، احتج بأن المجمل يوجب التوقف، ولا # PageV02P695 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يوهم ثبوت الحكم في غير محله، ~~بخلاف غيره، كالعام مثلا ; فإنه ظاهر في إرادة جميع مدلوله بالحكم. # والتقدير أن بعض مدلوله غير مراد به ; فيكون إيهاما للباطل ; فيجب تداركه ~~بالبيان، نفيا لهذا الإيهام. # ويجاب عنه بنحو الجواب عن الأول، وهو أن تأخير بيان المجمل يوهم إرادة كل ~~واحد من محتمليه، أو محتملاته، مع أن جميعها غير مراد، وهو إيهام للباطل ; ~~فهو كإيهام العموم التعميم ; وإن ظهر بينهما تفاوت في قوة الإيهام وضعفه، ~~غير أن أصل الإيهام موجود في الصورتين، وهو كاف في الجمع بينهما في الحكم. # فائدتان: # إحداهما: وقع ذكر ابن نوح في أدلة هذه المسألة. وقد اختلف العلماء فيه، ~~هل كان ابنه لصلبه، أو لم يكن ابنه، بل كان للزنى ; فذهب إلى الأول الحسن، ~~وابن سيرين، وعبيد بن عمير ; قالوا: وإنما قضى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، بالولد للفراش، من أجل ابن نوح، وحلف الحسن: إنه ليس بابنه، وحلف ~~عكرمة والضحاك: إنه ابنه، وللنزاع مأخذان: # أحدهما: أن الخيانة في قوله تعالى: {ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح ~~وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما} [التحريم: 10] ، ~~هل هي بما عدا الزنا، أو بالزنا وغيره ; فقال ابن عباس: خانتاهما بالكفر ; ~~فكانت امرأة نوح عليه السلام تقول للناس: إنه # PageV02P696 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مجنون، وكانت امرأة لوط عليه ~~السلام إذا ورد عليه ضيف، تخبر به قومها، وتغريهم به. # قال ابن عباس: وما بغت امرأة نبي قط، ولا ابتلي الأنبياء في نسائهم بهذا، ~~يعني الزنا. # وقال الحسن: خانتاهما بالزنا وغيره. فمن قال بالأول قال: هو ابنه، ms0691 # PageV02P697 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . # PageV02P698 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ومن قال بالثاني، قال: ليس بابنه ; ~~لأنه كان من خيانتها بالزنا. # قلت: وهذا ضعيف، أما الأول ; فلأن الخيانة المنسوبة إليها في الآية ~~مطلقة، وقد أجمعنا على تحقيقها بالكفر ونحوه من الأذى، وذلك واف بمطلق ~~الآية، يبقى خصوص الزنا، لا دليل عليه. # وأما ثانيا: فلأن تقدير أنها خائنة بالزنا ; لكن ذلك أيضا مطلق، يكفي في ~~تحقيقه زنا مرة ; فمن أين لنا أن ذلك الولد من تلك المرة، ولو فرضنا أنها ~~زنت مرارا، لم يكف ذلك في تحقق أنه من تلك المرار، ولا في ظهور ذلك فضعف ~~هذا المأخذ. # المأخذ الثاني: أن قوله سبحانه وتعالى: {ونادى نوح ابنه وكان في} # PageV02P699 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # معزل يا بني اركب معنا [هود: 42] ، ~~وقال: إن ابني من أهلي، يدل على أنه ابنه، لإضافته إليه: ابني، وقوله عز ~~وجل، وعلى هذا عول عكرمة والضحاك، ومن تابعهما، وعول الحسن ومن تابعه، على ~~قوله عز وجل: {إنه ليس من أهلك} [هود: 46] ، وحقيقته تقتضي نفي النسب. # قلت: وهو أيضا ضعيف ; لأن الأهلية تستعمل في اللسان تارة في النسب، وتارة ~~في الدين وغيره، كما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: هو ابنه، غير أنه ~~قد خالفه في العمل والنية ; فهي مجمل، والتصريح بالبنوة، وإضافتها لنوح ~~عليه السلام مبين ; فيكون مقدما، ويحتمل أن المراد: {ليس من أهلك} الذي ~~وعدتك أن أنجيهم، كما روى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال: كنت عند ~~الحسن فقال: {ونادى نوح ابنه} وتقول: ليس بابنه؟ قال: أرأيت قوله: {ليس من ~~أهلك} ؟ قال: قلت ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك، ولا يختلف أهل ~~الكتاب أنه ابنه، قال: إن أهل الكتاب يكذبون. # واحتج الطنزي، بالنون والزاي المعجمة، على ضعف قول الحسن بوجوه: # أحدها: قوله تعالى: {ونادى نوح ابنه} فكيف يخبر الله عز وجل عما لم يكن؟ # الثاني: أن نوحا عاش عمر ابنه، وهو يقول: ابني. # PageV02P700 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الثالث: أنه لم يبتل نبي بهذه ~~البلوى، وقد نزه الله سبحانه وتعالى رسله عما هو دون هذه الرذيلة، وبهذا ~~احتجت عائشة على رسول ms0692 الله صلى الله عليه وسلم، في حديث الإفك حيث قالت: ~~هبك شككت في، أشككت في نفسك. # قلت: هذا معنى كلامه، وقد أشرنا إليه قبل، وليست هذه الوجوه قواطع في ~~بطلان قول الحسن، إذ له أن يجيب: # عن الأول ; بأن الله سبحانه وتعالى أضافه إلى نوح عليه السلام إضافة ~~فراش، لا إضافة ولادة. # وعن الثاني بذلك أو بأن نوحا لم يعلم أنه ليس منه، ولم يطلعه الله عز وجل ~~على ذلك لحكمة ما. # وعن الثالث بأنه لا يلزم من صيانة منصب غالب الأنبياء عن هذه البلوى ; ~~صيانة منصب نوح عنها، لجواز أن يخصه الله بذلك، ابتلاء وامتحانا، أو لشقاء ~~تلك المرأة، كما خص امرأة لوط بالقيادة والسعاية في اللواط، ولم يكن ذلك في ~~امرأة نبي غيره. # قلت: وثم مأخذ آخر للخلاف، وهو قوله عز وجل لنوح عليه السلام: {فلا تسألن ~~ما ليس لك به علم} [هود: 46] ، فإن فيه إيماء إلى ما قاله الحسن، إذ لو ~~كانت علة إهلاكه الكفر، لم يصح ذلك، إذ نوح قد كان يعلم كفر ابنه، وإنما ~~الذي لم يعلمه هو كونه لغير صلبه. # ويجاب عن هذا: بأن المراد أنه سبحانه وتعالى سبق في علمه أنه من # PageV02P701 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أهل النار، ونوح لم يعلم ذلك. # قلت: التحقيق: أنه لا قاطع في المسألة بنفي ولا إثبات، ولا نزاع في ~~احتمال ما قاله الحسن، وانه ليس بمحال عقلا. # أما من حيث الظهور ; فالظاهر مع من قال: إنه ابنه لصلبه، وقد يجمع بين ~~القولين بأنه ابنه للفراش دون الصلب، وانبنى على النزاع المذكور الخلاف في ~~القراءة في قوله عز وجل: {إنه عمل غير صالح} [هود: 46] فقرأ الحسن ومن ~~تابعه: {إنه عمل غير صالح} بالرفع، يعني: ابن نوح عمل غير صالح؛ لأنه من ~~الزنا وهو عمل غير صالح، وهي قراءة السبعة إلا الكسائي ; فإنه قرأ: عمل غير ~~صالح على الفعل الماضي، يعني عمل الكفر، لا أنه من زنا، والله تعالى أعلم. # الثانية: أن المجمل والمبين يتفاوتان في مراتب الإجمال والبيان ; فيكون ~~بعض الألفاظ أشد ms0693 إجمالا من بعض، وبعضها أشد بيانا من بعض. # ومثال ذلك قوله تعالى في سورة ق: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل ~~الغروب} {ومن الليل فسبحه وأدبار السجود} [ق: 39 - 40] وفي سورة الطور: ~~{وسبح بحمد ربك حين تقوم} {ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم} [الطور: 48 - ~~49] ، وفي سورة هود: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل} [هود: 114] ~~. فهذه الآيات إشارة إلى مواقيت الصلاة الخمس، وأشد بيانا منها في ذلك قوله ~~تعالى في سورة سبحان: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} ، يعني الظهر {إلى غسق ~~الليل} يتناول العصر # PageV02P702 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والعشاءين، {وقرآن الفجر} الصبح، ~~{ومن الليل فتهجد به نافلة لك} [الإسراء: 78 - 79] التطوع، فجمع في الآية ~~فرض الصلاة ونفلها. وفي سورة طه: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس} [طه: 130] ~~، يعني الفجر {وقبل غروبها} يعني العصر، {ومن آناء الليل فسبح} يعني ~~العشاءين والتطوع، {وأطراف النهار} يعني الظهر ; لأنها في وسط النهار بين ~~طرفيه، أو يريد بما قبل غروبها العصر والظهر ; لأن وقتهما واحد، ولأنه يصح ~~أن يقال: الظهر قبل غروب الشمس، ولهذا قلنا: إذا أدرك المعذور قدر تكبيرة ~~قبل الغروب، لزمه قضاء الظهر والعصر، {ومن آناء الليل} العشاءين والتطوع، ~~{وأطراف النهار} التطوع أيضا. وفي سورة الروم [الآية: 17] : {فسبحان الله ~~حين تمسون} العصر {وحين تصبحون} الفجر، مطابقة لقوله عز وجل: {قبل طلوع ~~الشمس وقبل غروبها} [طه: 130] ، وعشيا العشاءان، {وحين تظهرون} [الروم: 18] ~~الظهر. # فهذه الآيات الثلاث: أدخل في البيان عن مواقيت الصلاة، من الآيات الثلاث ~~الأول، وأبين من ذلك كله ما وردت به السنة من أحاديث المواقيت،، وأبين من ~~أحاديث السنة ما فصله الفقهاء من ذلك في كتب الفقه، وإلى هنا انتهى البيان. # وهكذا في كثير من الأحكام ; السنة أبين من الكتاب ; لأنها موضوعة لبيانه، ~~وكلام الفقهاء أبين من السنة ; لأنه موضوع لتفصيل أحكام الكتاب والسنة، ~~والله تعالى أعلم. # PageV02P703 # ### | خاتمة # فحوى اللفظ: # ما أفاده لا من صيغته، ويسمى إشارة، وإيماء، ولحنا، وتتفاوت مراتبه، وهو ~~على أضرب: # الأول: المقتضى، وهو المضمر الضروري لصدق المتكلم، نحو: لا عمل إلا بنية ~~أي: ms0694 صحيح. أو لوجود الحكم شرعا، نحو: {أو على سفر فعدة} أي: فأفطر، و: أعتق ~~عبدك عني، في اقتضائه ملك القائل له. أو عقلا، نحو: {حرمت عليكم أمهاتكم} ~~في إضمار الوطء {واسأل القرية} في إضمار الأهل. # الثاني: تعليل الحكم بما اقترن به الوصف المناسب، نحو: {والسارق والسارقة ~~فاقطعوا} ، و: {الزانية والزاني فاجلدوا} أي: للسرقة، والزنا، {إن الأبرار ~~لفي نعيم} {وإن الفجار لفي جحيم} ، أي: للبر والفجور، لميل العقلاء إلى: ~~أكرم العلماء وأهن الجهال، ونفورهم من عكسه. # خاتمة: فحوى اللفظ: ما أفاده لا من ~~صيغته ". # اعلم أن الدليل الشرعي ; إما منقول، وإما معقول، أو ثابت بالمنقول ~~والمعقول. # فالمعقول: الكتاب والسنة ; ودلالتهما: إما من منطوق اللفظ، أو من غير ~~منطوق اللفظ. # PageV02P704 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فالأول يسمى منطوقا، كفهم وجوب ~~الزكاة في السائمة، في قوله عليه الصلاة والسلام: في سائمة الغنم الزكاة، ~~وكفهم تحريم التأفيف، في قوله سبحانه وتعالى: {فلا تقل لهما أف} [الإسراء: ~~23] . # والثاني يسمى فحوى ومفهوما، كفهم عدم وجوب الزكاة في المعلوفة من الحديث، ~~وتحريم الضرب من الآية، وهذه الخاتمة مذكورة لبيان ذلك. # والمعقول: القياس ; لأنه يستفاد بواسطة النظر العقلي. # والثابت بالمنقول والمعقول وليس واحدا منهما، هو الإجماع، كما سنذكر إن ~~شاء الله تعالى في إثباته. # وقولنا: هذا الإجماع منقول تواترا أو آحادا مجاز ; لأن حقيقة الإجماع ~~الاتفاق، وهو لا ينقل، إنما المنقول هو الإخبار بوجوده، بخلاف النصوص، فإن ~~نفسها هي المنقول، والقياس نفسه هو المعقول. إذا عرفت هذا، عدنا إلى حل لفظ ~~الكتاب. # فقوله: " فحوى اللفظ " هو: " ما أفاده ". جنس، يتناول ما أفاده نطقا ~~وغيره. # وبقوله: " لا من صيغته " يخرج المنطوق ; لأنه مستفاد من الصيغة، كما # PageV02P705 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ذكر في حديث السائمة، وآية التأفيف ~~; فبقي ما يستفاد لا من الصيغة، وهو المسمى فحوى - بالحاء المهملة - وبعض ~~من لا يعلم يقولها بالجيم، وهو تصحيف قبيح، والفحوى في اللغة: معنى القول. ~~قال الجوهري: فحوى القول معناه ولحنه، يقال: عرفت ذلك في فحوى كلامه وفحواء ~~كلامه مقصورا وممدودا، وإنه ليفحي بكلامه إلى كذا وكذا - قلت أنا: معناه: ~~يشير - قال: ms0695 والفحا - مقصور -: أبزار القدر بكسر الفاء، والفتح أكثر، ~~والجمع أفحاء، وفي الحديث: من أكل فحا أرض، لم يضره ماؤها يعني البصل، ~~يقال: فح قدرك تفحية. # قلت: هذا الذي ذكره الجوهري في هذه المادة، وذكر غيره أن الفحوى مأخوذ من ~~الفحا ; لأن فحوى الكلام تجاوز لفظه أو موضوعه إلى الذهن، مجاوزة رائحة ~~الفحا إلى الشم. # PageV02P706 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: " ويسمى إشارة، وإيماء، ~~ولحنا "، يعني فحوى الكلام المستفاد لا من صيغته: يسمى بكل واحد من هذه ~~الأسماء، ولك الخيرة في تسميته بأيها شئت. # قلت: وهذا صحيح ; لأن هذه المعاني كلها يجمعها إفهام المراد من غير ~~تصريح، والفحوى قد سبق الكلام فيه، والإشارة: إيماء. قال الجوهري: أشار ~~إليه باليد: أومأ إليه. وقال في موضع آخر: أومأ إليه: أشار. # قلت: غير أنه يشبه أن الإيماء أعم من الإشارة، بأن تكون الإشارة مختصة ~~باليد، والإيماء إشارة باليد وغيرها ; فكل إشارة إيماء، وليس كل إيماء ~~إشارة. # قال الجوهري: واللحن - بالتحريك - الفطنة، وفي الحديث: ولعل أحدكم ألحن ~~بحجته، أي: أفطن لها. # وقال أبو زيد: لحنت له - بالفتح - ألحن لحنا، إذا قلت له قولا يفهمه عنك، ~~ويخفى على غيره، ولحنه هو عني - بالكسر - يلحنه لحنا، أي: فهمه، وألحنته ~~إياه. ولاحنت الناس: فاطنتهم. # PageV02P707 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قال مالك بن أسماء الفزاري: # وحديث ألذه هو مما ... ينعت الناعتون يوزن وزنا # منطق رائع وتلحن أحيا ... نا، وخير الحديث ما كان لحنا # يريد: أنها تتكلم بشيء، وهي تريد غيره، وتعرض في حديثها ; فتزيله عن ~~جهته، من فطنتها وذكائها. كما قال تعالى: {ولتعرفنهم في لحن القول} [محمد: ~~30] ، أي: في فحواه ومعناه. آخر كلام الجوهري. # قلت: فقد تبين اتفاق معاني هذه الألفاظ. # وذكر الآمدي تقسيما يقتضي الفرق بين بعضها ; فقال: وأما دلالة غير ~~المنظوم، وهو ما دلالته غير صريحة ; فلا يخلو ; إما أن يكون مدلوله # PageV02P708 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مقصودا للمتكلم، أو لا. # فإن كان مقصودا، فإن توقف صدق المتكلم، أو صحة الملفوظ به عليه ; فهي ~~دلالة الاقتضاء، وإن لم يتوقف، فإن كان مفهوما في محل النطق ; فهي دلالة ~~التنبيه والإيماء، وإلا ; فدلالة المفهوم. ms0696 # وإن لم يكن مدلوله مقصودا للمتكلم ; فهي دلالة الإشارة. # قلت: فقد فرق بين الإيماء والإشارة، والأمر قريب ; لأن غالب هذه المسميات ~~يجمعها ما ذكرناه أولا، من أنها مفهومة من غير التصريح ; فهي من باب دلالة ~~الالتزام. # قوله: " وتتفاوت مراتبه "، أي: مراتب اللحن، وفحوى الخطاب ; لأنا قد بينا ~~أنه إفهام الشيء من غير تصريح، وإفهام الشيء من غير تصريح، قد يكون بعضه ~~أدل من بعض، وألزم لمدلول الصريح من بعض. # قوله: «وهو» ، يعني لحن الخطاب وفحواه، «على أضرب: الأول: المقتضى» - ~~بفتح الضاد - أي: الذي يقتضيه صحة الكلام ويطلبه، «وهو المضمر الضروري» ، ~~أي: الذي تدعو الضرورة إلى إضماره، وتقديره في اللفظ، والضرورة تدعو إلى ~~إضماره لوجوه: # أحدها: «صدق المتكلم، نحو: لا عمل إلا بنية أي» : لا عمل «صحيح» إلا ~~بنية، إذ لولا ذلك، لم يكن ذلك صدقا ; لأن صورة الأعمال كلها، كالصلاة، ~~والصوم، وسائر العبادات يمكن وجودها بلا نية، # PageV02P709 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فكان إضمار الصحة من ضرورة صدق ~~المتكلم. # الوجه الثاني: مما تدعو الضرورة إلى الإضمار لأجله ; «وجود الحكم شرعا ~~نحو» قوله سبحانه وتعالى: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام ~~أخر} [البقرة: 184] تقديره: أو على سفر ; فأفطر ; فعليه صوم عدة من أيام ~~أخر ; لأن قضاء الصوم على المسافر، إنما يجب إذا أفطر في سفره، أما إذا صام ~~في سفره ; فلا موجب للقضاء. ودليل ذلك ظاهر لغة وشرعا، خلافا لما يحكى عن ~~أهل الظاهر من أن فرض المسافر صوم عدة أيام أخر ; سواء صام في سفره أو ~~أفطر، وهو من جمودهم المعروف. كذلك قوله تعالى: {فقلنا اضرب بعصاك الحجر ~~فانفجرت} [البقرة: 60] ، أي: فضربه ; فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ; لأن ~~الضرب سبب الانفجار ; فلا بد من تقديره. وقوله سبحانه وتعالى: {فقلنا اذهبا ~~إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا} [الفرقان: 36] ، أي: ~~فقلنا: اذهبا ; فذهبا إلى القوم ; فكذبوهما ; فاستحقوا التدمير ; فدمرناهم. ~~لا بد من تقدير هذا كله. # ومن ذلك قول القائل لغيره: «أعتق عبدك عني» وعلي ثمنه، «في اقتضائه ملك ~~القائل له» أي: للعبد ms0697 ; لأنا قلنا: إن العبد إذا أعتقه المقول له، يعتق عن ~~القائل، والقاعدة: أنه لا يعتق عن الإنسان إلا ما كان ملكا له ; فوجب ضرورة ~~تصحيح هذا العتق على القاعدة المذكورة أن يقدر دخول العبد في ملك القائل، ~~قبل عتقه بزمن ما، ليكون العتق متفرعا على ملكه، ومبنيا عليه. # الوجه الثالث مما تدعو الضرورة إلى الإضمار لأجله: وجود الحكم «عقلا، ~~نحو» قوله سبحانه وتعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: 23] ، # PageV02P710 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فإن العقل يأبى إضافة التحريم إلى ~~الأعيان ; فوجب لذلك إضمار فعل يتعلق به التحريم، وهو الوطء، كما سبق في ~~المجمل والمبين، وكذلك نظائره هناك، وكقوله تعالى: {واسأل القرية} [يوسف: ~~82] ، فإن السؤال إنما يصح عقلا مما يصح منه الجواب، والقرية التي هي ~~الجدران والأبنية لا يصح منها ذلك ; فوجب ضرورة تصحيح الخبر عقلا، إضمار ما ~~يصح سؤاله وجوابه، وهو أهل القرية. ومن ذلك قول السيد لعبده: اصعد السطح، ~~يقتضي بالضرورة إضمار نصب السلم. # قلت: وذكر الآمدي أقسام دلالة غير المنظوم أربعة كما سبق: # أولها: دلالة الاقتضاء: وهو ما كان المدلول فيه مضمرا ; إما لضرورة صدق ~~المتكلم، كقوله عليه السلام: رفع عن أمتي الخطأ، أي: حكمه. أو لصحة الملفوظ ~~به ; إما عقلا نحو: {واسأل القرية} [يوسف: 82] ، أو شرعا، نحو: أعتق عبدك ~~عني على ألف، إذ يستدعي إضمار انتقال الملك إليه، لتوقف العتق عنه شرعا ~~عليه. # وثانيها: دلالة التنبيه والإيماء، وهي خمسة الأصناف المذكورة في القياس. # وثالثها: دلالة الإشارة: كدلالة قوله عليه السلام في حق المرأة: تمكث شطر ~~دهرها لا تصلي. تفسيرا لنقصان دينها، على أن أقل الطهر، وأكثر # PageV02P711 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الحيض - خمسة عشر يوما. # ورابعها: دلالة المفهوم: وذكر فيه نحو ما سيأتي إن شاء الله تعالى. # قوله: «الثاني» ، أي: الضرب الثاني من فحوى الخطاب - «تعليل الحكم بما ~~اقترن به من الوصف المناسب، نحو» قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا ~~أيديهما} [المائدة: 39] ، {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما} [النور: ~~2] ، أي: لأجل السرقة والزنا. وكذا قوله عز وجل: {إن الأبرار لفي نعيم وإن ~~الفجار لفي جحيم} [الانفطار: 13، 14] ، أي: لأجل البر ms0698 والفجور، فإن المعقول ~~من هذا الكلام أن السرقة علة القطع، والزنا علة الجلد، والبر والفجور سبب ~~النعيم والجحيم، «لميل العقلاء» ، أي: لأن العقلاء تقبل عقولهم، ويميلون ~~«إلى» قول القائل: «أكرم العلماء، وأهن الجهال، ونفورهم من» عكس ذلك، نحو: ~~أهن العلماء، وأكرم الجهال، وما ذاك إلا لأنهم في الأول فهموا أن العلم سبب ~~الإكرام، والجهل سبب الإهانة، وهو ترتيب حكم على سبب مناسب له عقلا ; فلذلك ~~قبلوه، ومالوا إليه. # وفي الثاني فهموا تعليل الإهانة بالعلم، والإكرام بالجهل، وهو ترتيب حكم ~~على سبب غير مناسب ; فلذلك أنكرته عقولهم، ونفروا منه، كما ينفرون من قول ~~القائل: من أحسن إليك ; فأهنه، ومن أساء إليك ; فأكرمه. # PageV02P712 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وإذا ثبت بما ذكرناه أن هذه ~~الأحكام معللة بتلك الأسباب، كالسرقة، والزنا، والبر، والفجور ; فذلك ليس ~~مفهوما لنا من صريح النطق ونصه، بل من فحوى الكلام ومعناه ; فبان بذلك أن ~~فهم تعليل الحكم بالوصف المناسب المقترن به من قبيل الفحوى ولحن الخطاب. # PageV02P713 # الثالث: فهم الحكم في غير محل النطق بطريق الأولى، ~~وهو مفهوم الموافقة كفهم تحريم الضرب من تحريم التأفيف بقوله تعالى: {فلا ~~تقل لهما أف} وشرطه فهم المعنى في محل النطق كالتعظيم في الآية، وإلا فيجوز ~~أن يقول السلطان عن منازع له: اقتلوا هذا، ولا تصفعوه، وهو قياس عند أبي ~~الحسن الخرزي وبعض الشافعية خلافا لبعضهم، والقاضي، والحنفية. # لنا: إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به في الحكم لاشتراكهما في المقتضى، وهو ~~القياس، كقياس الجوع ونحوه في المنع من الحكم على الغضب لمنعهما كمال ~~الفكرة. والزيت على السمن في التنجيس بجامع السراية. # قالوا: قاطع يسبق إلى الفهم بلا تأمل. # قلنا: قياس جلي، ونحوه ردت شهادة الفاسق ; فالكافر أولى، إذ الكفر فسق ~~وزيادة، وقتل الخطأ موجب للكفارة ; فالعمد أولى، لكنه ليس بقاطع، لجواز ~~تحري الكافر العدالة في دينه، بخلاف الفاسق، واختصاص العمد بمسقط مناسب ~~كالغموس. # وقول الشافعي: إذا جاز السلم مؤجلا ; فحالا أجوز، لبعده من الغرر. # رد بأن الغرر مانع احتمل في المؤجل، والحكم لا يثبت لانتفاء مانعه، بل ~~لوجود مقتضيه، ms0699 وهو الارتفاق بالأجل، وقد انتفى في الحال. # قوله: «الثالث» ، أي: الضرب الثالث ~~من فحوى الخطاب: «فهم # PageV02P714 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الحكم في غير محل النطق بطريق ~~الأولى، وهو مفهوم الموافقة، كفهم تحريم الضرب من تحريم التأفيف بقوله ~~تعالى: {فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما} [الإسراء: 23] » ، فإن منطوق هذا ~~تحريم التأفيف والانتهار، ومفهومه بطريق التنبيه والفحوى تحريم الضرب وغيره ~~من الإيلامات الزائدة على التأفيف والانتهار بطريق أولى، وسمي هذا مفهوم ~~الموافقة ; لأنه يوافق المنطوق في الحكم، وإن زاد عليه في التأكيد، بخلاف ~~مفهوم المخالفة ; فإنه يخالف حكم المنطوق كفهم عدم الزكاة في المعلوفة من ~~قوله عليه الصلاة والسلام: في سائمة الغنم الزكاة. # ومن أمثلة مفهوم الموافقة قوله تعالى: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه ~~بقنطار يؤده إليك} [آل عمران: 75] ; فتأديته للدينار بطريق أولى، وهو مفهوم ~~منه، {ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك} [آل عمران: 75] ، يفهم منه ~~عدم تأديته للقنطار بطريق أولى. # وكذا قوله عز وجل: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} [الزلزلة: 7] ، يفهم ~~منه بطريق أولى أنه يرى مثقال الجبل من الخير. # ومما يقرب من ذلك: قاعدة نفي الأعم، وإثبات الأخص ; فمتى ورد النفي على ~~الأعم، اقتضى نفي الأخص بطريق أولى، وإن ورد الإثبات على الأخص، اقتضى ~~إثبات الأعم بطريق أولى، وهو من باب إثبات الملزوم، # PageV02P715 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ونفي اللازم. # قوله: «وشرطه» ، أي ### | : شرط مفهوم الموافقة # «فهم المعنى في محل النطق، كالتعظيم في الآية» ، يعني قوله تعالى: {فلا ~~تقل لهما أف} [الإسراء: 23] ; فإنا فهمنا أن المعنى المقتضي لهذا النهي هو ~~تعظيم الوالدين ; فلذلك فهمنا تحريم الضرب بطريق أولى، حتى لو لم نفهم من ~~ذلك تعظيما، لما فهمنا تحريم الضرب أصلا، لكنه لما نفى التأفيف للأعم، دل ~~على نفي الضرب للأخص بطريق أولى. # قوله: «وإلا فيجوز» ، إلى آخره، أي: وإن لم يفهم المعنى في محل النطق، لم ~~يحصل مفهوم الموافقة، إذ يجوز أن يحضر بين يدي السلطان شار عليه، أو منازع ~~له في ملكه ; فيقول: اقتلوا هذا، ولا تصفعوه، ولا يكون ذلك متنافيا، ولا ~~يفهم من ms0700 نفي الصفع نفي القتل ; لأنه يأمر بقتله، ليكتفي شره، وينهى عن صفعه ~~مراعاة للجامع الجنسي بينهما، وهو حرمة الملك، ومنصب الرياسة، كما في سيرة ~~الإسكندر لما رجع من المغرب، وقد استولى عليه، واستخلف فيه، صار ملك الشرق ~~له شوكة قوية: فأرسل إليه: إنا إن اقتتلنا بالعساكر ; فني هذا العالم، وليس ~~من الحكمة، ولكن ابرز لي، وأبرز لك ; فأينا قتل صاحبه، استقل في الأرض ; ~~فبارزه ; فقتله الإسكندر، ثم أمر بجهازه، ونزل ; فمشى بين يدي الجنازة، # PageV02P716 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فسئل عن ذلك ; فقال: قتلته لخرقه، ~~واحترمته ميتا للجامع بيني وبينه. # قوله: «وهو» ، يعني مفهوم الموافقة «قياس عند أبي الحسن الخرزي» ، من ~~أصحابنا، «وبعض الشافعية، خلافا لبعضهم» ، يعني بعض الشافعية «والقاضي ~~والحنفية» ، في أنه ليس بقياس، بل مستند فهمه الدلالة اللفظية، لا ~~القياسية. # قوله: «لنا» ، أي: على أنه قياس أنه «إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به في ~~الحكم لاشتراكهما في المقتضى، وهو» حقيقة «القياس» كإلحاق النبيذ بالخمر في ~~التحريم، لاشتراكهما في الإسكار، وإلحاق الذرة في تحريم التفاضل بالحنطة، ~~لاشتراكهما في الكيل، و «كقياس الجوع ونحوه» من موانع كمال الفكر، في منع ~~الحاكم من الحكم على الغضب، لمنعهما من كمال الفكر المستفاد من قوله عليه ~~السلام: لا يقضي القاضي وهو غضبان. وكقياس «الزيت على السمن في التنجيس» ، ~~بوقوع النجاسة فيه، «بجامع السراية» ، على ما فهم من قوله عليه الصلاة ~~والسلام في سمن ماتت فيه فأرة: إن كان مائعا ; فلا تقربوه، وإن كان جامدا ; ~~فألقوها وما حولها، وكلوه. # PageV02P717 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فكذلك ههنا أركان القياس الأربعة ~~موجودة فيه: # الأصل: وهو تحريم التأفيف. # والفرع: وهو تحريم الضرب. # والعلة: وهو تعظيم الوالدين. # والحكم: وهو التحريم. # فليكن قياسا، لاجتماع أركان القياس فيه. # قوله: «قالوا» ، إلى آخره، يعني المانعين، لكونه قياسا، احتجوا على ذلك ~~بأن قالوا: مفهوم الموافقة، «قاطع يسبق إلى الفهم بلا تأمل» ; فلا يكون ~~قياسا، إذ لابد في القياس من التأمل والنظر، في تحقيق أركانه، ولا كذلك # PageV02P718 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # هذا، فإن السامع بمجرد سماعه: {فلا ~~تقل لهما أف} [الإسراء: 23] ، يسبق إلى فهمه النهي عن الضرب بلا ms0701 تأمل. # قوله: «قلنا: قياس جلي» ، أي: لا يلزم من كونه قاطعا، يسبق إلى الفهم بلا ~~تأمل، أن لا يكون قياسا، بل هو قياس جلي، والقياس الجلي شأنه ذلك، وما ~~استدللتم به مبني على إحدى مقدمتين ممنوعتين، وهو أن تقولوا: قاطع يسبق إلى ~~الفهم بلا تأمل، وكل قاطع يسبق بلا تأمل لا يكون قياسا، وهذه ممنوعة. أو ~~تقولوا: والقياس لابد فيه من تأمل ; فهو ممنوع أيضا. # وسيأتي إن شاء الله تعالى أن حكم الفرع ; إما أضعف من حكم الأصل، أو أقوى ~~منه، أو مساو له. # ورجح الآمدي أن هذا المفهوم ليس بقياس، بل مستنده إلى فحوى الدلالة ~~اللفظية، لوجهين: # أحدهما: أن العرب وضعت هذه الألفاظ للمبالغة في تأكيد الحكم في محل ~~السكوت ; لأنه أدل من التصريح بالحكم فيه، فإن قولهم: فلان يأسف بشم رائحة ~~مطبخه، أبلغ عندهم من قوله: فلان لا يقري الضيف. وقولهم: فرسك لا يلحق غبار ~~فرسي، أبلغ من قولهم: فرسك لا يسبق، أو لا # PageV02P719 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يلحق فرسي. # الوجه الثاني: أن شرط هذا المفهوم فهم المعنى في محل النطق، وكونه أشد ~~مناسبة للحكم في محل السكوت، ولو كان قياسا، لما اشترط هذا الشرط الأخير ~~فيه. # قلت: دليل المسألة متجاذب، وكأن ما قاله الآمدي أرجح. # قوله: «ونحوه» ، أي: ونحو مفهوم الموافقة المذكور قولهم: «ردت شهادة ~~الفاسق ; فالكافر أولى» ، برد الشهادة ; لأن «الكفر فسق وزيادة، وقتل الخطأ ~~موجب للكفارة فالعمد أولى» ، بوجوبها، لاختصاصه بالإثم، ووجوب القود، فإن ~~هذا كقولنا: إذا حرم التأفيف ; فالضرب أولى. # قوله: «لكنه ليس بقاطع» ، إلى آخره، أي: إن مفهوم الموافقة ينقسم إلى ~~قاطع، كآية التأفيف وما ذكر معها من نظائرها، وإلى ظني غير قاطع، كرد شهادة ~~الكافر، ووجوب الكفارة في العمد ; لأنه واقع في محل الاجتهاد، إذ يجوز أن ~~يكون الكافر عدلا في دينه ; فيتحرى الصدق والأمانة، ولهذا قلنا: إن الكافر ~~العدل في دينه يلي مال ولده في أحد الوجهين بخلاف المسلم الفاسق، فإن مستند ~~قبول شهادته العدالة، وهي مفقودة ; فهو في مظنة الكذب، إذ لا وازع له ms0702 عنه ~~كالرواية وأولى، وكذلك قتل العمد يجوز أن يختص بمسقط للكفارة مناسب ~~لإسقاطها، كما قلنا في يمين الغموس: # PageV02P720 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لا كفارة فيها ; لأنها أعظم من أن ~~تكفر إلا بالنار، ولذلك سميت غموسا ; لأنها تغمس صاحبها في النار، بخلاف ~~بقية الأيمان، فإن الحالف لم يتعمد الكذب فيها، كذلك يقال في قتل العمد: هو ~~أعظم من أن يكفر، لقوله سبحانه وتعالى: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا} إلى قوله: ~~{عظيما} [النساء: 93] ، ولهذا حكم ابن عباس رضي الله عنهما بخلود قاتل ~~العمد في النار، وأنها محكمة لم تنسخ ; لأن الوعيد تكاثف فيها، بخلاف قتل ~~الخطأ، فإن حكمه مرفوع كما سبق، وليس على فاعله لائمة، إلا من جهة أنه لم ~~يتحرز عن السبب المفضي إلى القتل ; فوجبت الكفارة رفعا لتلك اللائمة ; ~~لأنها لطيفة يسيرة، تقوى الكفارة على رفعها. # قوله: «وقول الشافعي» ، إلى آخره. هذا مبتدأ، خبره «رد» ، أي: إن # PageV02P721 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # هذا المفهوم إما قاطع كآية ~~التأفيف، أو ظني، ثم الظني: إما صحيح واقع في محل الاجتهاد، كرد الشهادة، ~~ووجوب الكفارة كما ذكر، أو فاسد كقولهم: «إذا جاز السلم مؤجلا» ; فهو «حالا ~~أجوز ; لبعده من الغرر» ، إذ المؤجل على غرر، هل يحصل أو لا يحصل؟ والحال ~~متحقق الحصول في الحال ; فهو أولى بالصحة، لكن هذا مردود بأن الغرر في ~~العقود مانع من الصحة، لا مقتض لها، والحكم إنما يثبت لوجود مقتضيه ومصححه، ~~لا لانتفاء مانعه، إذ قد سبق أن المانع يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من ~~عدمه وجود ولا عدم، والمقتضي لصحة السلم هو الارتفاق بالأجل، على ما قرر في ~~كتب الفروع، كالأجل في الكتابة، وهو منتف في الحال، والغرر مانع له، لكنه ~~احتمل في المؤجل، رخصة وتحقيقا للمقتضى، وهو الارتفاق، والله سبحانه وتعالى ~~أعلم. # PageV02P722 # الرابع: دلالة تخصيص شيء بحكم يدل على نفيه عما عداه، ~~وهو مفهوم المخالفة نحو: {ومن قتله منكم متعمدا} ، {من فتياتكم المؤمنات} ، ~~{ومن لم يستطع منكم طولا} ، «في سائمة الغنم الزكاة» ، وهو حجة إلا عند أبي ~~حنيفة، وبعض المتكلمين. # لنا: تخصيص أحدهما مع استوائهما ms0703 عي، إذ هو عدول عن الأخصر وترجيح من غير ~~مرجح، وإبطال لفائدة التخصيص. # قالوا: فائدته توسعة مجاري الاجتهاد لنيل فضيلته وتأكيد حكم المخصوص ~~بالذكر، لشدة مناسبته، أو سببيته، أو وقوع السؤال عنه، أو احتياطا له لئلا ~~يخرجه بعض المجتهدين عن الحكم ونحوه، ولا تختص بما ذكرتم. # قلنا: جعل ما ذكرناه من جملة فوائده تكثيرا لها - أولى، وأيضا إجماع ~~الفصحاء والعقلاء على فهم ما ذكرناه، كقول أبي ذر: ما بال الكلب الأسود من ~~الأحمر والأصفر؟ وقول يعلى بن أمية: ما لنا نقصر، وقد أمنا؟ ووافقه عمر، ~~وقوله صلى الله عليه وسلم، في جواب السؤال عما يلبس المحرم من الثياب: «لا ~~يلبس القميص ولا السراويل ولا البرانس» ، يدل عليه، وإلا لما كان جوابا. # ولو قال قائل: اليهودي أو النصراني إذا نام غمض عينيه، وإذا أكل حرك فكيه ~~- لسخر كل عاقل منه وضحك عليه. # وكذا لو قال قائل: الشافعية أو الحنابلة فضلاء، أو علماء، أو زهاد - ~~لاغتاظ من سمع ذلك من الحنفية، وكذا بالعكس، وما ذاك إلا لدلالة التخصيص ~~اللفظي على التخصيص المعنوي. # . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . . . . . . . . . . . # PageV02P723 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «الرابع» ، أي: الضرب الرابع ~~من فحوى الخطاب «دلالة تخصيص شيء بحكم يدل على نفيه عما عداه، وهو ### | مفهوم المخالفة» ، # أي: المفهوم منه يخالف المنطوق به، كما سبق في مفهوم الموافقة. وقد ذكرت ~~له أمثلة: # أحدها: قوله تعالى: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا ~~فجزاء مثل ما قتل من النعم} [المائدة: 95] ، فإن تخصيص العمد بوجوب الجزاء ~~به، يدل على نفي وجوب الجزاء في قتل الصيد خطأ، وهو أحد القولين لأهل ~~العلم. # وثانيها: قوله تعالى: {ومن لم يستطع منكم طولا} إلى قوله: {المؤمنات} ~~[النساء: 25] ، أي: من الإماء المؤمنات ; فتخصيصه المؤمنات بجواز النكاح ~~عند عدم الطول يدل على أن عادم الطول لا يباح له نكاح الإماء الكوافر، وهو ~~أحد القولين أيضا. # وثالثها: قوله عز وجل: {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات ~~المؤمنات} الآية ; فتخصيص جواز نكاح الإماء بعدم الطول يدل على أن واجد ~~الطول لا يجوز له ms0704 نكاح الإماء ; ففي الآية مفهومان: # أحدهما: هذا. # والثاني: أنه لا ينكح إلا أمة مؤمنة. # ورابعها: قوله عليه السلام: في سائمة الغنم الزكاة، # PageV02P724 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # تخصيص وجوب الزكاة بالسائمة يدل ~~على أنها لا تجب في المعلوفة، وأمثلته كثيرة. # قوله: «وهو» ، أي: مفهوم المخالفة، «حجة إلا عند أبي حنيفة، وبعض ~~المتكلمين» . # قال الآمدي: أثبته الشافعي، ومالك، وأحمد، والأشعري، وجماعة من الفقهاء ~~والمتكلمين، وأبو عبيدة، وجماعة من أهل العربية، ونفاه أبو حنيفة وأصحابه، ~~والقاضي أبو بكر، وابن سريج، والقفال، والشاشي، وجمهور المعتزلة. # وقال أبو عبد الله البصري: إن كان ذلك قد ورد للبيان أو التعليم، دل على ~~نفي الحكم في محل السكوت، وإلا فلا. واختار الآمدي النفي مطلقا. # قوله: «لنا:» ، أي: على أن المفهوم حجة، وأن تخصيص الشيء بالذكر يفيد ~~نفيه عما عداه، أنه لو كان المخصوص مساويا للمسكوت عنه في الحكم، لكان ~~«تخصيص أحدهما مع استوائهما» عيا من المتكلم، إذ يلزم منه أمور ثلاثة ~~باطلة: # أحدها: أنه «عدول عن الأخصر» لا لفائدة، إذ قوله: في الغنم الزكاة، أخصر ~~من قوله: في سائمة الغنم الزكاة، والتقدير أن لا اختصاص للسائمة بالحكم ; ~~فيكون ذلك عيا، ويكون الأول أولى، بل متعينا في اللغة. # PageV02P725 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الثاني: أن تخصيص أحدهما بالذكر مع ~~استوائهما في الحكم «ترجيح من غير مرجح» ، إذ ليس قوله: في سائمة الغنم ~~الزكاة، بأولى من قوله: في معلوفة الغنم الزكاة. ولا قوله عز وجل: {ومن ~~قتله منكم متعمدا} [المائدة: 95] ، أولى من قوله: مخطئا ; فكان ذلك ترجيحا ~~من غير مرجح. # الثالث: أن استواءهما في الحكم يبطل فائدة تخصيص أحدهما بالذكر، إذ لا ~~أولوية له بالتخصيص، وهذا يرجع إلى الذي قبله، وهو الترجيح من غير مرجح ; ~~فهذه أمور باطلة، تلزم تخصيص أحد الشيئين بالذكر مع استوائهما في الحكم، ~~وملزوم الباطل باطل ; فدل على أن ذلك باطل، وذلك يوجب صحة ما ذكرناه من أن ~~تخصيص الشيء بالذكر يقتضي نفي الحكم عما عداه. # قوله: «قالوا: فائدته» ، إلى آخره. هذا منع على قولنا: إن ذلك يبطل فائدة ~~التخصيص. # وتقريره: لا نسلم أنه ms0705 يبطل فائدة التخصيص، بل للتخصيص مع استوائهما في ~~الحكم فوائد: # إحداهن: «توسعة مجاري الاجتهاد» ، لينال المجتهد فضيلة المجتهدين، وذلك ~~لأن تخصيص الشيء بالذكر مع احتمال الاختصاص بالحكم وعدمه يحتاج إلى نظر ~~واجتهاد، يحصل به للناظر فضيلة النظر ; لأن فيه إتعابا للقريحة، والثواب ~~على قدر النصب، وهذا كما قلنا في ورود الحكم على السبب، وكما قلنا: إن ~~الشارع لم ينص على جميع الأحكام لاحتمال أنه أراد توسيع مجاري الاجتهاد ~~بإلحاق الفروع بالأصول المنصوص على أحكامها، # PageV02P726 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # كالربويات الستة، مع أن غيرها ~~مثلها. # الثانية: «تأكيد حكم المخصوص بالذكر، لشدة مناسبته» ، كتأكيد وجوب الزكاة ~~في السائمة، لمناسبة السوم له، أو لكون المخصوص بالذكر سببا لورود النص، أو ~~مسئولا عنه، كما لو قيل: ما تقول في السائمة؟ فيقول: في السائمة الزكاة، أو ~~يقال: ما حكم الربيبة في الحجر؟ فيقال: حرمت عليكم الربائب. # الثالثة: أن يخص الشيء بالذكر «احتياطا له، لئلا يخرجه بعض المجتهدين» ، ~~عن أن يكون مرادا بالحكم بضرب من الاجتهاد، كما سبق في مسألة اختصاص العام ~~بسببه، ونحو ذلك من الفوائد، مثل أن يقصد المتكلم إفراد كل صورة من المنطوق ~~به، والمسكوت عنه بنص، ليكون أبعد عن احتمال التخصيص، أو يكون بيان حكم ~~المسكوت عنه قد سبق، وأن يكون مقصود صاحب الشرع تكثير ألفاظ النصوص ليكثر ~~ثواب القارئ والحافظ لها، ولا تختص فائدته «بما ذكرتم» من دلالته على نفي ~~الحكم عما عداه. # قوله: «قلنا: جعل ما ذكرناه» ، إلى آخره، أي: الذي ذكرتموه لا ينافي ما ~~نقوله، فإن ما بينتم احتماله من الفوائد لا ينافي أن ما ذكرناه من فوائده، ~~بل جعل ما ذكرناه من جملة فوائد تخصيص الشيء بالذكر أولى، تكثيرا # PageV02P727 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لفوائده، فإن تكثير فوائد الكلام ~~أولى من تقليلها. # قوله: «وأيضا» ، إلى آخره. ذكر حجة أخرى على صحة ما ذكرناه. # وتقريرها: أن إجماع الفصحاء والعقلاء على فهم اختصاص الشيء بالحكم، ~~لاختصاصه بالذكر. # أما الفصحاء ; فكما نقل عن أبي ذر أنه لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم، ~~يقول: يقطع الصلاة الكلب الأسود ; فقال: يا ms0706 رسول الله، ما بال الكلب الأسود ~~من الأحمر من الأصفر؟ وكذلك الراوي عن أبي ذر سأل أبا ذر عن ذلك ; فدل على ~~أنهما فهما من تخصيص الأسود بالذكر اختصاصه بقطع الصلاة. وكذلك يعلى بن ~~أمية قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما بالنا نقصر وقد أمنا؟ وإنما قال ~~الله عز وجل: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم ~~الذين كفروا} [النساء: 101] ; ففهم اختصاص جواز القصر بحال الخوف، ووافقه ~~عمر رضي الله عنه على ذلك حيث قال له: عجبت مما عجبت منه ; فسألت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، عن ذلك ; فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم ; فاقبلوا ~~صدقته. وقد حصلت بذلك الموافقة على ما فهمه يعلى بن أمية وعمر من النبي صلى ~~الله عليه وسلم، أيضا، حيث لم ينكر عليهما ما فهماه، بل عدل # PageV02P728 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # إلى ذكر الرخصة، ولو لم يكن ما ~~فهماه صحيحا، لرده عليهما من حيث اللغة، وقال: إن الآية لا تقتضي اختصاص ~~القصر بحالة الخوف، كما سبق من رده على ابن الزبعرى ما فهمه من قوله تعالى: ~~{إنكم وما تعبدون من دون الله} [الأنبياء: 98] ، في باب العموم، وكذلك لما ~~سئل النبي صلى الله عليه وسلم: عما يلبس المحرم من الثياب ; فقال: لا يلبس ~~القميص ولا السراويل ولا البرانس. دل على أن تخصيص الشيء بالذكر ينفي الحكم ~~عما عداه، إذ لو لم يكن كذلك، لما كان ما ذكره جوابا للسائل ; لأن سؤال ~~السائل عما يلبس المحرم عام، فلو لم تكن القمص، والسراويلات مختصة ~~بالتحريم، لما كان الجواب مطابقا. # وأما العقلاء ; فلأن قائلا لو قال: «اليهودي أو النصراني إذا نام، غمض ~~عينيه، وإذا أكل حرك فكيه - لسخر كل عاقل منه، وضحك عليه» ، لعلمهم بأن ذلك ~~لا يختص باليهودي والنصراني، «وكذا لو قال قائل: الشافعية، أو الحنابلة ~~فضلاء، أو علماء، أو زهاد، لاغتاظ من سمع ذلك من الحنفية، وكذا بالعكس» ، ~~لو قال قائل: الحنفية فضلاء، لاغتاظ من سمع ذلك من # PageV02P729 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الشافعية أو الحنابلة، «وما ذاك ~~إلا ms0707 لدلالة التخصيص اللفظي على التخصيص المعنوي» ; فقد ثبت ما ذكرنا باتفاق ~~الفصحاء والعقلاء. # PageV02P730 # قالوا: لو دل، لدل: زيد عالم، ومحمد رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، على نفي العلم والرسالة عن غيرهما. # قلنا: مفهوم اللقب، وفي كونه حجة خلاف. فإن سلم فلدلالة العقل والحس على ~~عدم اختصاصه. # قالوا: لو دل لما حسن الاستفهام، نحو: من ضربك عامدا فاضربه ; فيقول: فإن ~~ضربني مخطئا؟ . # قلنا: لعدم نصوصيته وقطعيته. كالعام، نحو: أكرم الرجال ; فيقول: وزيدا ~~أيضا؟ لا لعدم إفادته التخصيص. # قالوا: مسكوت عنه، ولا دليل في السكوت. # قلنا: بالسكوت فيه والنطق في قسيمه تعاضدا على إفادة ما ذكرناه، وقد يفيد ~~المركب ما لا تفيد مفرداته. # قوله: «قالوا» ، إلى آخره. . . . ~~هذه حجة أخرى للخصم. # وتقريرها: أنه لو دل تخصيص الشيء بالذكر، على اختصاصه بالحكم، لدل قولنا: ~~«زيد عالم، ومحمد رسول الله، على نفي العلم» ، عن غير زيد، ونفي الرسالة عن ~~غير محمد، صلى الله عليه وسلم، لكن ذلك باطل، إذ العلماء غير زيد، والرسل ~~غير محمد صلى الله عليه وسلم - كثير. # قوله: «قلنا: مفهوم اللقب» ، إلى آخره، أي: الجواب عن ذلك أن # PageV02P731 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قولنا: زيد عالم، إنما يدل من حيث ~~«مفهوم اللقب، وفي كونه حجة خلاف» ، يأتي إن شاء الله تعالى، فإن منعنا ~~كونه حجة، لم يلزمنا، وإن سلمنا كونه حجة بالجملة ; فليس ذلك بمجرد اختصاصه ~~بالذكر، بل لدلالة «العقل والحس على عدم اختصاص» ، زيد بالعلم، ومحمد صلى ~~الله عليه وسلم، بالرسالة، إذ قد علمنا بالتواتر الذي بعض مقدماته عقلية، ~~أن هناك رسلا كثيرين، ونعلم بالحس وجود علماء غير زيد، وليس النزاع في ~~مثله، بل فيما لا قرينة فيه بعدم الاختصاص، وذلك لا نسلم أنه غير مفيد ~~للاختصاص، إذ هو محل النزاع. # قوله: «قالوا: لو دل، لما حسن الاستفهام» ، إلى آخره، هذه حجة أخرى لهم. # وتقريرها: أنه لو دل تخصيص الشيء بالذكر على اختصاصه بالحكم لما حسن ~~الاستفهام، لكن الاستفهام يحسن ; فلا يدل على اختصاصه بالحكم. # وبيان ذلك أن الاستفهام يحسن أن قائلا لو قال: ms0708 «من ضربك عامدا ; فاضربه» ~~، لحسن من السامع أن يقول: «فإن ضربني مخطئا» ، أفأضربه أم لا؟ ولو اختص ~~العامد بالحكم، لما حسن هذا الاستفهام. # قوله: «قلنا» ، أي: الجواب عن هذا، إنما حسن الاستفهام من السامع، # PageV02P732 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لعدم نصوصية التخصيص اللفظي على ~~التخصيص الحكمي، وعدم قطعيته في ذلك، أي: ليس نصا في ذلك ولا قاطعا، بل هو ~~ظاهر فيه كالعام ; فإنه لو قال قائل: «أكرم الرجال» ، لحسن من السامع أن ~~يقول: «وزيدا أيضا أكرم» ؟ وليس ذلك لعدم تناول الرجال زيدا، بل لعدم ~~نصوصيته فيه ; فالاستفهام إنما هو لتحصيل النصوصية والقطع فيما استفهم عنه ~~; «لا لعدم إفادته التخصيص» . # قوله: «قالوا: مسكوت عنه» ، إلى آخره، هذه حجة أخرى لهم. # وتقريرها: أن غير المخصوص بالذكر مسكوت عنه، «ولا دليل في السكوت» . # مثاله: المعلوفة مسكوت عنها، في قوله عليه السلام: في سائمة الغنم ~~الزكاة. والسكوت عدم الكلام، ولا دليل في العدم. # «قلنا: بالسكوت فيه» ، إلى آخره، أي: الجواب عن ذلك: أنا لا نسلم أن ~~الدلالة في السكوت المجرد، بل الدلالة في السكوت عن المسكوت عنه، «والنطق ~~في قسيمه» وهو المخصوص بالذكر منهما جميعا «تعاضدا على إفادة ما ذكرناه» من ~~الاختصاص المعنوي للاختصاص اللفظي ; فالدلالة ههنا مستفادة من تركيب النطق ~~والسكوت في المخصوص بالذكر، وقسيمه، «وقد يفيد المركب ما لا تفيد مفرداته» ~~والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV02P733 # ثم ههنا صور أنكروها بناء على أنها من قبيل المفهوم: ~~إحداهن: نحو: لا عالم إلا زيدا، قالوا: هو سكوت عن المستثنى، لا إثبات ~~العلم له، وهذه مسألة ### | : الاستثناء من النفي إثبات، # والعادة ذكرها في الاستثناء، وعمدتهم أن المستثنى غير محكوم عليه بنفي ~~ولا إثبات. # ولنا: الإجماع على إفادة: لا إله إلا الله، إثبات الإلهية لله. # وفيه نظر، والمعتمد أن الاستثناء والمستثنى منه إما في تقدير جملتين أو ~~جملة واحدة. # والأول يستلزم الإثبات في المستثنى، إذ الجملة الثانية إما نافية ; فهو ~~تطويل بغير فائدة، أو مثبتة، وهو المطلوب. # والثاني يمنع الواسطة، إذ بعض الجملة لا يكون خاليا عن حكم، ثم تصور ~~الواسطة في ms0709 الكلام مع استلزامه التركيب الإسنادي الإفادي - محال ; فأما: ~~«لا صلاة إلا بطهور» ونحوه فهو من باب انتفاء الشيء لانتفاء شرطه. # قوله: " ثم ههنا صور أنكروها "، ~~يعني منكري المفهوم " بناء على أنها من قبيل المفهوم: # إحداهن: نحو: لا عالم إلا زيدا. قالوا: هو سكوت عن المستثنى "، وهو زيد، ~~" لا إثبات العلم له، وهذه مسألة الاستثناء من النفي # PageV02P734 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # إثبات، والعادة ذكرها في ~~الاستثناء، ولكني تابعت الأصل في ذكرها ههنا، " وعمدتهم "، يعني الخصوم، " ~~أن المستثنى غير محكوم عليه بنفي ولا إثبات "، وإنما هو نطق بالمستثنى منه، ~~أما المستثنى ; فمسكوت عنه. # " ولنا " يعني على أن الاستثناء من النفي إثبات: " الإجماع على أن قولنا: ~~لا إله إلا الله " يفيد " إثبات الإلهية لله " سبحانه وتعالى، وهو استثناء ~~إثبات من نفي، إذ تقديره: لا إله موجود إلا الله. # قوله: " وفيه "، أي: في هذا الاستدلال " نظر "، أي: هو لا يتحقق، ولا ~~يلزم منه المطلوب، إذ للخصم أن يقول: لا نسلم أن قولنا: لا إله إلا الله ~~أفاد إثبات الآلهية بمجرده، بل الله سبحانه وتعالى في هذا الكلام مسكوت عن ~~ثبوت إلهيته ونفيها، وإنما ثبتت بدليل العقل، وهو خارج عن هذا اللفظ. # قوله: " والمعتمد "، أي: الذي يعتمد عليه في دليل المسألة " أن ~~الاستثناء، والمستثنى منه إما في تقدير جملتين، أو " في تقدير " جملة ~~واحدة. والأول " وهو كونه في تقدير جملتين " يستلزم الإثبات "، في الجملة ~~الثانية ; فيكون الاستثناء من النفي إثباتا. # وإنما قلنا ذلك ; لأن " الجملة الثانية إما نافية "، أو مثبتة، فإن كانت ~~نافية، لزم منه " التطويل بغير فائدة "، وهو باطل، مناف لحكمة واضع اللغة. # وإنما قلنا: إن ذلك يلزم منه التطويل بلا فائدة ; لأن الجملة الأولى # PageV02P735 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # نافية ; فلو كانت الثانية كذلك، ~~لزم ما ذكرناه، إذ الاقتصار على الأول يفيد نفي الثانية. # مثاله: إذا قلنا: لا إله ; فهذه جملة نافية ; فقولنا: إلا الله، لو كانت ~~نافية أيضا، لكان في قولنا: لا إله، غنية عنها، إذ قد فهمنا عموم نفي الإله ~~منها، فلم يحتج إلى ما بعدها. وكذلك لو قلنا: ما ms0710 قام أحد، هي جملة نافية ; ~~فقولنا: إلا زيد، لو أفاد نفي قيام زيد، لكان قولنا: ما قام أحد، كافيا عنه ~~; فبان بهذا التقدير أن الجملة الثانية في الاستثناء ليست نافية ; فتعين أن ~~تكون مثبتة، إذ لا واسطة بين النفي والإثبات، وهو المعني بقولنا: الاستثناء ~~من النفي إثبات، " وهو المطلوب ". هذا كله على تقدير أن يكون الاستثناء ~~والمستثنى منه في تقدير جملتين. # قوله: " والثاني "، يعني كون الاستثناء والمستثنى منه في تقدير جملة ~~واحدة " يمنع الواسطة "، أي: يمنع أن يكون المستثنى واسطة بين النفي ~~والإثبات، غير محكوم عليه بأحدهما ; لأن التقدير أنهما جملة واحدة، ~~والمستثنى بعضها، وبعض الجملة لا يخلو عن حكم ; إما نفي أو إثبات. وقد ~~اتفقنا على أن صدر الجملة منفي، وهو المستثنى منه ; فوجب أن يكون آخرها ~~كذلك لاستحالة كون بعض الجملة نفيا، وبعضها إثباتا. # قوله: " ثم تصور الواسطة في الكلام، مع استلزامه التركيب الإسنادي ~~الإفادي - محال ". هذا دليل آخر على امتناع تصور الواسطة في الكلام، وهو ~~الذي يدعيه الخصم ; فيقول: المستثنى من النفي لا مثبت ولا منفي، بل # PageV02P736 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # واسطة بينهما. # وبيان امتناع الواسطة في ذلك: هو أن الكلام ههنا في المستثنى من النفي، ~~وهو جزء من الجملة الاستثنائية، والجملة الاستثنائية مستلزمة للتركيب ~~الإسنادي الإفادي، أي: هي مشتملة على جزءين فصاعدا، أسند أحدهما إلى الآخر ~~للإفادة، كقولنا: القوم قيام إلا زيدا، وقام القوم إلا زيدا، وما قام أحد ~~إلا زيد، وكل ما اشتمل على التركيب الإسنادي الإفادي ; فهو كلام ; فالجملة ~~الاستثنائية كلام، وكل كلام فلا يخلو من أن يكون مثبتا أو منفيا ; لأنه ~~لابد فيه من محكوم به، ومحكوم عليه، والحكم إما بنفي، أو إثبات، نحو: زيد ~~قائم، وقام زيد، وما زيد قائم، وما قام زيد. وإذا كانت الجملة الاستثنائية ~~تستلزم التركيب الإفادي، الذي هو الكلام، والكلام يستلزم الحكم، والحكم ~~منحصر في النفي والإثبات، كانت الواسطة مع ذلك في التركيب الإفادي محالا، ~~وإذا انتفت الواسطة، بقي المستثنى من النفي مترددا بين أن يكون منفيا أو ~~مثبتا، وقد اتفقنا على ms0711 أنه غير منفي ; فتعين أن يكون مثبتا، وهو المطلوب. # قوله: " فأما: لا صلاة إلا بطهور. . . " إلى آخره. هذا جواب عن سؤال ~~مقدر، تذكره الحنفية، مستدلين به على أن الاستثناء من النفي ليس بإثبات. # وتقريره: أنه لو كان إثباتا، لكان قوله عليه السلام: لا صلاة إلا بطهور، # PageV02P737 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ولا نكاح إلا بولي يقتضي صحة ~~الصلاة عند وجود الطهور، والنكاح عند وجود الولي ; لأنه مستثنى من نفي ~~الصلاة والنكاح، والاستثناء عندكم من النفي إثبات ; فيلزم منه الصحة، لكن ~~ذلك باطل باتفاق لجواز تخلف صحة الصلاة عند وجود الطهور، لانتفاء شرط آخر، ~~وكذلك صحة النكاح مع وجود الولي. # والجواب أن هذا الذي ذكرتموه ليس من باب الاستثناء ; لأن الاستثناء يصدق ~~على المستثنى فيه بعد " إلا " اسم المستثنى منه، وهو ما قبلها، أو يكون ما ~~بعد " إلا " جزءا مما قبلها، نحو: ما قام أحد إلا زيد ; فزيد أحد، وما قام ~~القوم إلا زيد ; فزيد جزء من القوم. # وإذا عرفت هذا ; فالطهور والولي لا يصدق عليهما اسم ما قبلهما، ولا هما ~~جزء منه، إذ الطهور ليس بصلاة ولا جزئها، والولي ليس بنكاح ولا جزئه ; فدل ~~على أن قوله عليه السلام: لا صلاة إلا بطهور. ليس من باب الاستثناء، بل من ~~باب انتفاء الحكم " لانتفاء شرطه "، فالطهور شرط الصلاة، والولي شرط النكاح ~~; فينتفيان لانتفاء شرطهما، ولا يلزم من وجوده وجودهما، والله تعالى أعلم. # PageV02P738 # الثانية: «إنما الولاء لمن أعتق» يفيد الحصر، أي ### | : حصر المبتدأ في الخبر # في الجملة الاسمية، والفعل في الفاعل في الفعلية عند قوم خلافا لمنكري ~~المفهوم، وهو أولى. # الأولون: «إن» للإثبات و «ما» للنفي ; فأفادا مجتمعين ما أفادا منفردين، ~~وهو إثبات المذكور، ونفي ما عداه. ولفهم ابن عباس ذلك من: «إنما الربا في ~~النسيئة» . وهو عربي فصيح. # والجواب: أن «ما» لها أقسام كثيرة ; فتخصيص هذه بالنافية منها تحكم، ثم ~~إن «ما» هذه هي الداخلة على إن وأخواتها كافة ; فلو كانت نافية لأفاد قول ~~امرئ القيس: # ولكنما أسعى لمجد مؤثل # نفي طلب المجد وهو مناقض لما ms0712 قبله وبعده. ولاتحدت كيفية المستدرك ~~والمستدرك منه بلكنما، نحو: ما قام زيد لكنما عمرو قائم، وهو باطل اتفاقا، ~~ولأن النحاة قالوا: دخلت «ما» على «إن» كما دخلت «إن» على «ما» في نحو: {ما ~~إن مفاتحه} مقاصة. فالظاهر اتحادهما في الحرفية. # سلمنا، لكن قولكم: «أفادا مجتمعين ما أفادا منفردين» ، منقوض بلولا، وفهم ~~ابن عباس ذلك لعله لدليل خارج من قياس، ونحوه، على أن حديثه مرسل ; فلعل ~~وهما دخله، ومع تعارض الأدلة فلتكن للقدر المشترك، وهو تأكيد الحكم المذكور ~~لا لنفيه عما عداه. # الصورة «الثانية» من الصور التي ~~أنكرها منكرو المفهوم بناء على أنها # PageV02P739 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # منه: الحصر بإنما، نحو: إنما ~~الولاء لمن أعتق، وإنما الماء من الماء ; فهو «يفيد الحصر» ، أي: حصر ~~المبتدأ في الخبر في الجملة الاسمية، والفعل في الفاعل في الجملة الفعلية. # قلت: تحقيق هذا الكلام: أن إنما لا يقع بعدها إلا جملة خبرية، والجملة ~~الخبرية ; إما اسمية، نحو: الولاء لمن أعتق، والأعمال بالنيات. أو فعلية، ~~نحو قوله تعالى: {إنما نملي لهم ليزدادوا إثما} [آل عمران: 178] ، وقول ~~القائل: إنما قام زيد، فإن وقع بعد إنما جملة إسمية اقتضت حصر المبتدأ في ~~الخبر، كالولاء فيمن أعتق، والأعمال فيما وقع بالنيات، وزيد في القيام في ~~قولنا: إنما زيد قائم. وإن وقع بعدها جملة فعلية، اقتضت حصر الفعل في ~~الفاعل، كالقيام في زيد في قولنا: إنما قام زيد. # ومعنى الحصر: أن المبتدأ لا يكون متصفا إلا بالخبر، وإن كان الخبر صفة ~~لغيره، نحو: إنما زيد قائم ; فزيد لا يتصف إلا بالقيام، وإن اتصف بالقيام ~~عمرو وبكر، وكذلك الفعل لا يتصف به إلا الفاعل، وإن اتصف الفاعل بغيره من ~~الأفعال، نحو: إنما قام زيد ; فالقيام لا يوجد إلا في زيد، وإن وجد من زيد ~~ضرب، وقتل، وأكل، وغير ذلك من الأفعال، فإذا # PageV02P740 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # عرف معنى الحصر ; فإنما يقتضيه عند ~~قوم، خلافا لمنكري المفهوم، وهو أولى، يعني عدم اقتضائها الحصر. هكذا ظهر ~~لي في «المختصر» ، وعليه ترتب البحث. # قال الآمدي: ذهب القاضي أبو بكر، والغزالي، والهراسي، وجماعة ms0713 من الفقهاء ~~إلى أن تقييد الحكم بإنما، ظاهر في الحصر، محتمل في التأكيد، وذهب الحنفية ~~إلى أنه لتأكيد الإثبات، ولا دلالة له على الحصر، قال: وهو المختار. # قوله: «الأولون» ، أي: احتج الأولون على دعوى الحصر بوجهين: # أحدهما: أن «إنما» مركبة من «إن» و «ما» ; ف «إن» للإثبات، نحو: إن زيدا ~~قائم، و «ما» للنفي، نحو: ما زيد قائم ; فأفادا مجتمعين، يعني بعد التركيب، ~~ما أفادا منفردين، أي: حال إفرادهما قبل التركيب، أي: كل واحد منهما يفيد ~~حال تركيبها ما أفادته حال إفرادهما ; لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان ; ~~فيجب بمقتضى ذلك أن تفيد إنما إثباتا باعتبار إن، ونفيا باعتبار ما. ثم لا ~~يخلو ; إما أن تفيد نفي المذكور بعدها، وإثبات ما عداه، أو إثبات ما بعدها، ~~ونفي ما عداه، والأول باطل بالاتفاق، وإلا لفهم من قوله عليه السلام: إنما ~~الولاء لمن أعتق، ثبوت الولاء لمن عدا المعتق، ومن قولنا: إنما زيد قائم، ~~أن القائم من عدا زيد، وهو باطل فتعين الثاني، وهو إثبات المذكور، بعد إنما ~~ونفي ما عداه، وهو المراد بالحصر، وهو المطلوب. # PageV02P741 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الوجه الثاني: أن ابن عباس رضي ~~الله عنهما فهم من قوله عليه السلام: إنما الربا في النسيئة. حصر الربا في ~~النسيئة، حتى إنه كان لا يحرم إلا بيع الربويات نسيئة، وكان يجيز التفاضل ~~فيها، حتى سمع النصوص في خلاف ذلك ; فرجع «وهو - يعني ابن عباس - عربي ~~فصيح» ; فيكون فهمه للحصر من إنما حجة ; فتكون للحصر. # قوله: «والجواب» ، يعني عن الوجهين: # أما عن الأول: فقولهم: إن للإثبات، قلنا: نعم. قولهم: وما للنفي، قلنا: ~~لا نسلم، ومستند المنع من وجوه. # أحدها: «أن» ما «لها أقسام كثيرة» ، ككونها صلة، وموصولة، ونافية، ~~وتعجبية، وشرطية، وغير ذلك من أقسامها ; «فتخصيص هذه» يعني ما في إنما، ~~«بالنافية» من هذه الأقسام «تحكم» وترجيح من غير مرجح. # الوجه الثاني: «أن ما هذه هي الداخلة على إن وأخواتها كافة» ، أي: لتكفها ~~عن العمل فيما بعدها، وتهيئها للدخول على الجملة الفعلية، نحو: إنما، ~~وكأنما، ms0714 وليتما، ولعلما، ولكنما، كانت هذه الحروف قبل دخول ما عليها مختصة ~~بالدخول على الأسماء، عاملة فيها، نحو: إن زيدا قائم، ولعل عمرا قادم ; ~~فكفتها ما عن العمل، وهيأتها للدخول على الفعل، نحو: إنما قام زيد، ولعلما ~~قدم عمرو. وإذا ثبت أن ما ههنا هي الكافة # PageV02P742 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ل «إن» وأخواتها ; «فلو كانت ~~نافية» ، للزم منه التناقض من وجوه: # أحدها: أن أمرأ القيس يقول: # ولو أنما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال # ولكنما أسعى لمجد مؤثل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي # فلو كانت ما في «لكنما» نافية، لأفاد قوله: ولكنما أسعى لمجد، أنه لا ~~يسعى للمجد، ويصير تقديره: ولكنني ما أسعى لمجد ; لأن التقدير أن ما للنفي، ~~لكن ذلك «مناقض لما قبله وبعده» ، أما ما قبله ; فهو قوله: ولو أنما أسعى ~~لأدنى معيشة كفاني، و «لو» تقتضي امتناع الشيء لامتناع غيره ; فاقتضت ههنا ~~امتناع كفاية القليل من المال له، لامتناع سعيه لأدنى معيشة ; فدل على أنه ~~لا يطلب أدنى معيشة. وأما ما بعده ; فهو قوله: وقد يدرك المجد المؤثل ~~أمثالي ; فهو يسهل إدراك المجد على نفسه، ليقدم على طلبه، وقصته وسياق ~~قصيدته يقتضي ذلك ; فقد لزم التناقض المذكور من جعل ما في «لكنما» للنفي ; ~~فدل على أنها ليست للنفي ; لأن ملزوم # PageV02P743 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الباطل باطل. وإذا ثبت ذلك في ~~«لكنما» ; ثبت في بقية أخواتها، ومنها «إنما» ; لأن حكم الأمثال واحد. # الوجه الثاني: لو كانت ما في «لكنما» للنفي، «لاتحدت كيفية المستدرك ~~والمستدرك منه» ، «نحو: ما قام زيد، لكنما عمرو قائم» ; فكان يلزم نفي ~~القيام في زيد وعمرو، «وهو باطل اتفاقا» ; لأن المستدرك والمستدرك منه يجب ~~اختلافهما في الحكم، أيهما كان مثبتا، كان الآخر منفيا، نحو: ما قام زيد ; ~~لكنما عمرو قائم ; فقيام عمرو مثبت. وقولهم: قام زيد، لكن عمرو لم يقم، قد ~~ظهر فيه الإثبات والنفي. ولو قلت: قام زيد، لكن عمرو لم يقم، قد ظهر فيه ~~الإثبات والنفي. ولو قلت: قام زيد، لكن عمرو، لم يجز ; لأن الاستدراك ~~كالاستثناء، وهو إخراج ms0715 بعض الجملة عما تضمنته من الحكم ; فيجب الاختلاف بين ~~المخرج والمخرج منه. ولهذا قلنا: الاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات ~~نفي. # الوجه الثالث: لو كانت «ما» في «إن» وأخواتها للنفي، لكان قولنا: ليتما ~~زيد قائم، ولعلما بكر قادم جمعا بين التمني أو الترجي والنفي، وهو محال ; ~~لأن النفي خبر لاحتماله التصديق أو التكذيب، والتمني والترجي لا يحتملان ~~ذلك، والجمع بينهما باطل. # الوجه الرابع من مستند المنع: «أن النحاة قالوا» في إنما: «دخلت ما على ~~إن كما دخلت إن على ما، في نحو: {ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة} [القصص: 76] ~~مقاصة» ، أي: كما دخلت إن على ما ; اقتص ل «ما» منها، # PageV02P744 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فدخلت ما عليها ; فقالوا: «إنما» ~~كما قالوا: ما إن، وظاهر هذا «اتحادهما» يعني اتحاد إن وما في الحرفية، أي: ~~في كونهما حرفين، إذ التساوي والمكافأة من شرط القصاص. # قلت: وهذا الوجه لا يفيد شيئا ; لأنه لا ينافي دعوى الخصم أنها نافية، إذ ~~النافية حرفية أيضا، ولكني سهوت في إيراده. # قوله: «سلمنا» ، إلى آخره، أي: سلمنا أن «ما» في إنما للنفي، لكن قولكم: ~~إن «إن» و «ما» «أفادا مجتمعين ما أفادا منفردين» ، ممنوع، وهو «منقوض ~~بلولا» ; فإنها مركبة من «لو» و «لا» و «لو» تقتضي امتناع الشيء لامتناع ~~غيره، ولا تقتضي النفي، ثم بعد التركيب اقتضت معنى ثالثا، وهو امتناع الشيء ~~لوجود غيره. # وقولهم: الأصل بقاء ما كان على ما كان - فرع على ثبوت التركيب، ونحن ~~نمنعه، والأصل عدمه، بل إنما حرف وضع لإفادة الإثبات المؤكد. # قوله: «وفهم ابن عباس» ، إلى آخره، هذا هو الجواب عن دليلهم الثاني. # وتقريره: أن فهم ابن عباس رضي الله عنهما حصر الربا في النسيئة من قوله ~~عليه السلام: إنما الربا في النسيئة «- لعله كان لدليل خارج» عن الحديث، ~~«من قياس» أو غيره، وإذا احتمل أنه فهم الحصر من لفظ إنما وأنه # PageV02P745 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فهمه من غيره، لم يبق فيه دليل على ~~الحصر ; لأن احتجاجكم بفهم ابن عباس، وفهمه متردد بين ما ذكرناه من ~~الاحتمالين، على أن حديث ابن ms0716 عباس هذا مرسل، كما سبق في الكلام على السنة، ~~وإذا كان مرسلا ; «فلعل وهما دخله» في لفظه حتى حرف وتغير. ومع هذه ~~الاحتمالات تضعف دلالته جدا. # قوله: «ومع تعارض الأدلة» يعني أدلة الفريقين على أنها للحصر، أو ليست ~~للحصر ; «فلتكن للقدر المشترك» بين الأمرين، «وهو تأكيد الحكم المذكور» ~~بعدها «لا لنفيه عما عداه» لأن هذه زيادة لم يقم عليها دليل، هذا توجيه ما ~~في «المختصر» في هذه المسألة. # واحتج الآمدي على أنها لتأكيد الإثبات أيضا: بأنها لو كانت ظاهرة في ~~الحصر، لكان ورودها بدون: على خلاف الدليل، لقوله عليه السلام: إنما الربا ~~في النسيئة، ولم يخالف ربا الفضل إلا ابن عباس رضي الله عنهما، ثم رجع عنه ~~; فكان مجمعا عليه، وحمل اللفظ على خلاف الدليل لا يجوز. # قال: والحصر المتفق عليه: قوله عز وجل: {قل إنما أنا بشر مثلكم} [الكهف: ~~110] ، وهو مفهوم من دليل خارج، لا من إنما. # قلت: حاصل كلامه أنها للتوكيد، وحيث أفادت الحصر ; فمن دليل خارج. # قلت: المختار الآن: أن إنما للحصر ; لأن ذلك هو المفهوم منها في غالب ~~مواقعها، والمتبادر إلى أفهام أهل اللغة منها، ووردت مفسرة بصريح # PageV02P746 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الحصر في غير موضع، كقوله تعالى: ~~{إنما أنت نذير} [هود: 12] ، ثم فسره بقوله عز وجل: {إن أنت إلا نذير} ~~[فاطر: 23] ، وكقوله عليه السلام: إنما الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما ~~نوى، ثم فسره بقوله عليه الصلاة والسلام: لا عمل إلا بنية. # قال الفرزدق: # أنا الرجل الحامي الذمار وإنما ... يدافع عن أحسابه أنا أو مثلي # فحصر المدافعة عن الأحساب فيه، أو في مثله، ولأنها استعملت للحصر في ~~مواضع كثيرة باتفاق، والأصل في الإطلاق الحقيقة. # فإن قلت: هذا معارض بأنها وردت لغير الحصر في مواضع، والأصل في الإطلاق ~~الحقيقة. # قلنا: لا نسلم أنها وردت لغير الحصر أصلا، ولا في موضع من المواضع، لكن ~~الحصر تابع لإرادة المتكلم، والمتكلم تارة يريد الحصر من جميع الجهات، ~~وتارة من بعض الجهات، وببعض الاعتبارات، ولذلك أمثلة: # منها: قوله تعالى: {إنما أنت منذر} [الرعد: 7] ، أي: باعتبار ms0717 من لا يؤمن، ~~إذ حظه منه الإنذار لا غير ; فهو عليه الصلاة والسلام محصور في كونه منذرا، ~~لا وصف له غير الإنذار، باعتبار هذه الطائفة، وإلا فهو عليه السلام موصوف ~~بالبشارة، والعلم، والشجاعة، وكثير من الصفات. # ومنها: قوله عز وجل: {فإن تولوا فإنما عليك البلاغ} [النحل: 82] ، # PageV02P747 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وقد بين ذلك سبحانه وتعالى بقوله ~~عز وجل: {ما على الرسول إلا البلاغ} [المائدة: 99] ، {إن عليك إلا البلاغ} ~~[الشورى: 48] ، {إن أنت إلا نذير} [فاطر: 23] ، لكن الحصر باعتبار الكفار، ~~وكونه منذرا لهم، وإلا فالنظر إلى كونه عبدا مكلفا، عليه سائر الواجبات ~~الدينية، وهي كثيرة جدا. # ومنها: قوله عز وجل: {قل إنما أنا بشر مثلكم} [الكهف: 110] ، حصر نفسه في ~~البشرية، بالنظر إلى ما سأله الكفار على جهة العنت من إظهار الآيات، ~~وإيرادهم عليه عدم إحاطته بالمغيبات ; فحصر نفسه الكريمة في صفة البشرية، ~~باعتبار هذا المقام، أي: ليس فيه إلا البشرية الصرفة، كقوله لما سألوه ~~الآيات تعنتا: {إنما الآيات عند الله} [العنكبوت: 50] ، {سبحان ربي هل كنت ~~إلا بشرا رسولا} [الإسراء: 93] ، وقوله: {ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من ~~الخير} [الأعراف: 188] ، {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم} [الأحقاف: 9] ، ~~ونحوه، كل ذلك باعتبار ما ذكرناه، وإلا فهو متصف بكثير من صفات الكمال، ~~كالنبوة، والرسالة، والحكم، والعلم، والجود، وغير ذلك. # ومنها: قوله تعالى: {إنما الله إله واحد} [النساء: 171] ، يقتضي أنه لا ~~يتصف بغير الوحدة، مع أنه تعالى متصف بصفات العلى الكثيرة، التي منها ~~التسعة والتسعون صفة، المشهورة في الأسماء الحسنى، وإنما حصر سبحانه وتعالى ~~نفسه الشريفة في صفة الوحدة، من جهة الرد على النصارى المثلثة، حيث قال ~~الله عز وجل: {فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما ~~الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد} [النساء: 171] ; فمن هذه الجهة ~~الخاصة، وبهذا الاعتبار الخاص، حصر سبحانه وتعالى نفسه المقدسة في # PageV02P748 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # صفة التوحيد لا مطلقا. # ومنها قوله تعالى: {إنما الحياة الدنيا لعب ولهو} [محمد: 36] ، حصرها ~~الله عز وجل في اللعب واللهو لا مطلقا، بل باعتبار من آثرها، وجرد لها ms0718 همه، ~~وصرف إليها همته ; فإنها في حقه لهو محض، ولعب صرف، أما باعتبار من أعرض ~~عنها، وزهد فيها، واتخذها قنطرة يعبر بها إلى الآخرة ; فبادر فيها إلى ~~اكتساب الفضائل واجتناب الرذائل، وفعل الواجبات، وترك المحظورات، وتجرع ~~فيها الغصص لانتهاز الفرص ; فهي في حقه جد صرف، وحق محض. # وإذا ثبت هذا ; فلا نسلم أن إنما وردت لغير الحصر، حتى تجعل حقيقة فيه. # وأما ما احتج به الآمدي ; فمعارض بمثله، وهو أنها لو لم تكن للحصر، لكان ~~ورودها للحصر على خلاف الدليل، وهو خلاف الأصل، والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV02P749 # الثالثة: نحو قوله صلى الله عليه وسلم: «الشفعة فيما ~~لم يقسم» ، و «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم» ، وأصله أن المفرد المحلى ~~باللام هل يقتضي الاستغراق أم لا؟ وتحليلها وتحريمها مضاف إلى ضمير عائد ~~إلى الصلاة وفيها اللام ; فالكلام هنا كذلك. # وقيل: لأن المحكوم به يجب أن يكون مساويا للمحكوم عليه أو أعم منه لا أخص ~~; فلو كان التسليم أخص من تحليل الصلاة لخرج عن موضوع اللغة. # الصورة " الثالثة ": مما أنكره ~~منكرو المفهوم بناء على أنها منه " نحو قوله عليه السلام: الشفعة فيما لم ~~يقسم، وقوله عليه السلام في الصلاة: تحريمها التكبير وتحليلها التسليم، ~~وقوله عليه السلام: الأعمال بالنيات، ونحوه، هل يدل على الحصر أم لا؟ أثبته ~~الغزالي والهراسي وجماعة من الفقهاء، مع أنه في القوة دون الذي قبله، ونفاه ~~الحنفية، والقاضي أبو بكر، وجماعة من المتكلمين. # قوله: " وأصله "، أي: أصل النزاع في ذلك أو أصل الحكم فيه، يعني # PageV02P750 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # في دليله " أن " الاسم " المفرد ~~المحلى باللام " يعني لام التعريف " هل يقتضي الاستغراق أم لا؟ " ; فمن ~~قال: ليس للاستغراق، لم يفد ذلك عنده الحصر، وصار التقدير عنده: بعض الشفعة ~~فيما لم يقسم، وبعض الأعمال بالنيات. # ومن قال: هو للاستغراق، قال: إن ذلك يفيد الحصر والعموم، ووجهه أن قوله: ~~تحليلها وتحريمها، مضاف إلى ضمير عائد إلى ما فيه اللام، وهو الصلاة في ~~قوله عليه الصلاة والسلام: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، والمضاف ~~إلى ضمير ما فيه اللام، ms0719 مضاف إلى ما فيه اللام بواسطة ذلك الضمير. # قوله: " فالكلام هنا كذلك "، أي: الكلام الذي نحن فيه، وهو: تحريمها ~~التكبير وتحليلها التسليم كذلك، أي: كالمضاف إلى ما فيه اللام، أو كالذي ~~فيه اللام ; فيكون ذلك من قبيل العام، أي: عموم الشفعة ثابتة في المقسوم، ~~وعموم الأعمال منحصرة في الصحة، أو الكمال في الوقوع بالنية. # قوله: " وقيل: لأن المحكوم به " إلى آخره، أي: " وقيل: " إنما أفاد هذا ~~الحصر ; " لأن المحكوم به " - وهو الخبر - يجب أن يكون مساويا للمحكوم عليه ~~- وهو المبتدأ - أو أعم منه، لا أخص. # مثال المساوي: قولنا: الإنسان بشر، والحيوان الناطق إنسان، أو الإنسان ~~حيوان ناطق. # PageV02P751 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ومثال الأعم: قولنا: الإنسان حيوان ~~; فالحيوان هو الخبر، وهو أعم من الإنسان الذي هو المبتدأ، وهذان صحيحان. # ومثال الأخص: قولنا: الحيوان إنسان ; فهذا لا يصح ; لأن الخبر محكوم به ~~على المبتدأ، وشأن المحكوم به أن يكون صادقا على كل فرد من أفراد المحكوم ~~عليه، والحيوان صادق على كل فرد من أفراد الإنسان، بخلاف العكس ; لأن ~~الإنسان ليس صادقا على كل فرد من أفراد الحيوان، إذ لا يصدق أن الفرس، أو ~~الجمل، أو الطائر، إنسان. # وإذا ثبت أن خبر المبتدأ يجب أن يكون مساويا له أو أعم ; فتحليل الصلاة ~~مبتدأ، والتسليم خبره ; " فلو كان التسليم، الذي هو الخبر، أخص من تحليل ~~الصلاة "، لخرجت هذه الأخبار " عن موضوع اللغة "، ودليل العقل ; فتعين أن ~~يكون التسليم مساويا للتحليل، أو أعم منه، وعلى كلا التقديرين، ينحصر ~~التحليل في التسليم، انحصار الإنسان في الحيوان الناطق في قولنا: الإنسان ~~حيوان ناطق، أو انحصاره في الحيوان في قولنا: الإنسان حيوان، وكذا الكلام ~~في التحريم مع التكبير، والشفعة مع ما لم يقسم، والأعمال في المنوي، ~~لانحصارها فيه انحصار المساوي في مساويه، أو انحصار الأخص في الأعم. # قلت: اعلم أني وجهت الحصر في " المختصر " في هذه المسألة بتوجيهين كما ~~قررته، والصواب أنهما توجيه واحد من مقدمتين: # PageV02P752 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # إحداهما: أن الاسم المفرد المعرف ~~باللام، يفيد الاستغراق. # الثانية: أن الخبر يجب أن يكون مساويا للمبتدأ، ms0720 أو أعم منه. # وتقريره على هذا: أن تحريمها وتحليلها في حكم المضاف إلى المفرد المعرف ~~باللام، والمفرد المعرف باللام يفيد الاستغراق ; فكذا ما أضيف إليه ; ~~فتحريمها وتحليلها مبتدأ عام مستغرق، والمبتدأ يجب أن يكون مساويا للخبر، ~~أو أخص منه، وكل مساو لشيء، أو أخص من شيء، يجب أن ينحصر في ذلك الشيء ; ~~فإذن التحليل يجب انحصاره في التسليم، والتحريم يجب انحصاره في التكبير ; ~~فلا يحصلان إلا بهما، والشفعة يجب انحصارها فيما لم يقسم ; فلا تجب إلا ~~فيه، والأعمال يجب انحصارها في المنوي ; فلا تصح أو لا تكمل إلا بالنية، ~~ولكني وهمت في توجيه المسألة ; فجعلت كل مقدمة من مقدمتي دليلها دليلا، ~~والله تعالى أعلم بالصواب. # فوائد: الحصر ومفهوم المخالفة: كلاهما إثبات نقيض المنطوق به للمسكوت ~~عنه، لا ضده ; لأن الحاصل من المفهوم سلب حكم المنطوق، كسلب وجوب الزكاة ~~الثابت في السائمة عن المعلوفة، والنقيض أعم من الضد، كما مر في موضعه، ~~وبهذا يضعف استدلال من استدل على وجوب الصلاة على موتى المسلمين، بمفهوم ~~تحريم الصلاة على المنافقين، في قوله عز وجل: {ولا تصل على أحد منهم مات ~~أبدا} [التوبة: 84] ; لأن المفهوم من ذلك وجوب الصلاة على المسلمين، بل ~~المفهوم منه سلب تحريمها على المسلمين، وذلك أعم من أن تكون مباحة أو ~~واجبة. # PageV02P753 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الفائدة الثانية: صيغ الحصر: " ~~إنما "، نحو: إنما الماء من الماء. # وتقدم النفي قبل " إلا "، نحو: لا يقبل الله صلاة إلا بطهور. # وتقديم المعمولات، نحو: {إياك نعبد} [الفاتحة: 5] ، أي: لا نعبد إلا ~~إياك، {وهم بأمره يعملون} [الأنبياء: 27] ، أي: لا يعملون إلا بأمره. # والمبتدأ مع الخبر، نحو: تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم. # وينقسم إلى حصر الموصوفات في الصفات، نحو: إنما زيد العالم، وإلى حصر ~~الصفات في الموصوفات، نحو إنما العالم زيد، وعلى التقديرين ; فقد تعم جهات ~~الحصر، وقد تخص كما سبق. # الفائدة الثالثة من باب الحصر: قولهم: زيد صديقي، وصديقي زيد ; فالأول ~~يقتضي انحصار زيد في صداقتك ; فلا يصادق غيرك، وأنت يجوز أن تصادق غيره، ~~والثاني يقتضي انحصار أصدقائك في زيد، ms0721 وهو غير منحصر في صداقتك، بل يجوز أن ~~يصادق غيرك. # قلت: ويترتب على هذا فائدة دقيقة، وهي أنا قد قررنا أن خبر المبتدأ يجب ~~أن يكون أعم، أو مساويا للمبتدأ وصديقي أعم من زيد، ثم هو تارة مقدم، وتارة ~~مؤخر ; فلو كان مقدما على حالة مؤخرا، لزم أن يكون الخبر أخص من المبتدأ في ~~قولنا: صديقي زيد ; فتختل القاعدة التي قررت ; فلزم # PageV02P754 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # من هذا أن العموم والخصوص وصف ~~عرضي، يختلف بالتقديم والتأخير، وأن اللفظ الواحد يكون أعم مؤخرا، وأخص ~~مقدما، ووجهه ظاهر، وهو أنه إذا قدم تخصص بالعناية والاهتمام به، ليوضع ~~محكوما عليه، والله تعالى أعلم. # PageV02P755 # أما ### | درجات دليل الخطاب # فست: # أولها: مد الحكم إلى غاية بحتى أو إلى نحو: {حتى تنكح زوجا غيره} {ثم ~~أتموا الصيام إلى الليل} فيفيد أن حكم ما بعد الغاية يخالف ما قبلها، بدليل ~~عدم حسن الاستفهام، نحو: فإن نكحت؟ أو جاء الليل؟ وقالوا: حكم ما بعدها حكم ~~ما قبل ابتدائها لأنه مسكوت عنه. # الثانية: تعليق الحكم على شرط، نحو {وإن كن أولات حمل فأنفقوا} يفيد ~~انتفاء الإنفاق عند انتفاء الحمل، وأنكره قوم، إذ تعليقه بشرط لا يمنع ~~تعليقه بشرطين، ورد بأن الأصل عدم الثاني، فإذا ثبت اعتبرناه. # الثالثة: تعقيب ذكر الاسم العام بصفة خاصة في معرض الاستدلال، نحو: «في ~~الغنم السائمة الزكاة» ، و «من باع نخلا مؤبرا فثمرته للبائع» ، ونحوه: ~~«الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن» - حجة طلبا لفائدة التخصيص ~~والتقسيم. # قوله: «أما درجات دليل الخطاب فست» ~~، يعني أن لدليل الخطاب، وهو المفهوم في القوة والضعف - مراتب ودرجات، لكن ~~الشيخ أبو محمد خالف الشيخ أبا حامد في ترتيبها ; فقال: فأما ما هو من دليل ~~الخطاب ; فعلى درجات ست، وذكر ترتيبها، كما في «المختصر» . # والشيخ أبو حامد قال: القول في درجات دليل الخطاب: اعلم أن توهم النفي من ~~الإثبات على مراتب ودرجات، وهي ثمانية، وذكر مفهوم # PageV02P756 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # اللقب، ثم الاسم المشتق الدال على ~~جنس، نحو: لا تبيعوا الطعام، ثم تخصيص الأوصاف التي تطرأ وتزول، نحو: ms0722 الثيب ~~أحق بنفسها، ثم تعقيب الاسم العام بالصفة الخاصة، نحو: في الغنم السائمة ~~الزكاة، ثم ### | مفهوم الشرط، # ثم مفهوم الحصر ب «إنما» ونحوها، نحو: إنما الماء من الماء، والأعمال ~~بالنية، ثم ### | مفهوم الغاية # بحتى، وإلى، ثم مفهوم الحصر بالنفي، نحو: لا عالم في البلد إلا زيد. # قلت: فالخلاف بينهما في الترتيب بين. # أما اختلافهما في العدد ; فلأن الشيخ أبا محمد قد قدم مفهوم الحصر بإنما ~~وبالنفي ; فبقيت المراتب بعد ذلك ستا كما ذكر، والأشبه ترتيب أبي حامد، ~~لكنا نجري في الكلام على ترتيب «المختصر» ، وهو وفق ترتيب الشيخ أبي محمد. # قوله: «أولها» ، أي: أول درجات دليل الخطاب: «مد الحكم إلى غاية بحتى أو ~~إلى» ، ويسمى مفهوم الغاية، نحو قوله سبحانه وتعالى: {فإن طلقها فلا تحل له ~~من بعد حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] ، وقوله عز # PageV02P757 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وجل: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} ~~[البقرة: 222] ، وقوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله} إلى قوله عز ~~وجل: {من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: ~~29] ، وقوله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] ، وقوله ~~تعالى: {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى ~~الكعبين} [المائدة: 6] ، وهو مذهب القاضي أبي بكر، والقاضي عبد الجبار، ~~وأبي الحسين البصري، وأكثر الفقهاء، «فيفيد أن حكم ما بعد الغاية يخالف ما ~~قبلها» ، كالحل بعد نكاح زوج غيره، وجواز القربان بعد التطهر، ومنع القتال ~~بعد أداء الجزية، وأن لا صيام بعد دخول الليل، ولا غسل واجب بعد المرافق ~~والكعبين. # قوله: «بدليل عدم حسن الاستفهام» ، أي: الغاية تفيد أن حكم ما بعدها ~~يخالف حكم ما قبلها بدليل عدم حسن الاستفهام، مثل أن يقال: {فإن طلقها فلا ~~تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] ; فلا يحسن الاستفهام بأن ~~يقال: فإن نكحت زوجا غيره ; فما الحكم؟ لأن الحكم قد فهم، والسؤال عما فهم ~~تحصيل الحاصل، والدليل على أن الحكم مفهوم هو أن: {حتى تنكح} ليس مستقلا ~~بنفسه ; فهو إذن متعلق بما قبله، وهو قوله عز وجل: {فلا ms0723 تحل له} ، وهو يدل ~~على إضمار ثبوت الحل بعدها، # PageV02P758 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وأن التقدير: فلا تحل له من بعد ~~حتى تنكح زوجا غيره ; فتحل له، إذ لو أضمر بعدها نفي الحل، لكان تطويلا ~~بغير فائدة. # وكذلك إذا قال: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] ، لم يحسن أن ~~يقال: فإذا جاء الليل ; فما الحكم؟ فدل على أن الحكم بعد مجيء الليل معلوم، ~~وهو عدم وجوب الصوم، ولأن حتى وإلى موضوعتان للغاية في اللغة، وغاية الشيء ~~منتهاه ومنقطعه، فإذا انتهى وانقطع، لم يكن بعده إلا ضده، وإلا لم يكن ~~منقطعا، وضد التحريم الحل، ووجوب الصوم عدم وجوبه. # وقول القائل: اضربه حتى يتوب، يقتضي ترك الضرب بعد التوبة، وقولهم: ~~لألزمنك حتى أو إلى أن تقضيني حقي ونحوه - يفيد ذلك في اللسان، وهو ~~المطلوب. # قوله: «قالوا:» يعني منكري المفهوم، وأصحاب أبي حنيفة: لا مفهوم للغاية، ~~«بل حكم ما بعد» الغاية «حكم ما قبل ابتدائها لأنه» يعني ما بعدها «مسكوت ~~عنه» ، كما قالوا في المستثنى من النفي، وقرروه بأن ما له ابتداء ; فغايته ~~منقطع ابتدائه، كالسطح، مبدؤه طرفه، وغايته منقطع ذلك المبدأ ; فيرجع الحكم ~~بعد الغاية إلى ما كان قبل البداية، وقبل البداية لم # PageV02P759 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يكن هناك دليل بنفي ولا إثبات ; ~~فكذلك بعد الغاية. # قلت: وهذا وإن كان لهم فيه نوع تمسك من الوجه الذي ذكروه، لكنه حجة عليهم ~~من الوجه الذي أشرنا إلى تقريره، وذلك لأن الشيء، لا يثبت قبل مبدئه، ولا ~~بعد منتهاه، كالجسم، والسطح، والخط، وذلك ظاهر محسوس. وإذا لم يثبت قبل ~~مبدئه، ولا بعد منتهاه ; فالثابت حينئذ: إما ضده، أو مثله، أو لا واحد ~~منهما، وهذا الثالث باطل ; لأنه يوجب خلو المكان، وعدم خلوه عن شاغل في ~~مبادئ الأجسام ونهاياتها، وهو محال ; لأن ذلك اجتماع الضدين، والقائل ~~قائلان: إما بالخلاء أو بالملاء، أما اجتماعهما ; فلا قائل به. # واعلم أن في تحقيق هذا نظرا بينا، وأما في مبادئ الأحكام ونهاياتها ; ~~فيوجب تعطيل ما قبلها وما بعدها عن الأحكام، وهو خلاف الأصل، إذ الأصل ثبوت ~~الأحكام ; إما ms0724 قبل الشرع بالإباحة، أو الحصر كما سبق، أو بعده بأحد الأحكام ~~السابق ذكرها. # والثاني وهو ثبوت مثل الشيء قبل مبدئه وبعد منتهاه باطل ; لأنهم لا ~~يقولون به في الأحكام ; فتعين الأول، وهو أن الثابت بعد انقطاع الشيء ضده، ~~وضد التحريم قبل نكاح الزوج الثاني، الحل بعده، وضد تحريم قربان الحائض قبل ~~التطهر، جوازه بعده، وكذلك باقيها. # PageV02P760 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قلت: وللخصم أن يلتزم أن بعد نهاية ~~الشيء لا يثبت مثله ولا ضده، بل هو مجرد عن شاغل وحكم، ولا نسلم تعطل ما ~~بعد الغاية عن حكم، بل حكمها حكم ما قبل الشرع، وإن سلمنا تعطلها، لكن ~~تعطلها عن حكم لا محال فيه. # واعلم أن هذه المسألة محل نظر وتردد ; فلا سبيل فيها إلى القطع بشيء، أما ~~من حيث الظن ; فالظاهر مع مثبتي مفهوم الغاية لغة وعرفا. # «الثانية» : أي: من درجات دليل الخطاب «تعليق الحكم على شرط نحو: {وإن كن ~~أولات حمل فأنفقوا عليهن} [الطلاق: 6] ، يفيد انتفاء» ، وجوب «الإنفاق عند ~~انتفاء الحمل» ، وهو ### | مفهوم الشرط، # ونحو: إذا جاءكم كريم قوم فأكرموه، وإذا كان كذا ; فافعل كذا، وهو قول ~~ابن سريج، والهراسي من الشافعية، والكرخي، وأبي الحسين البصري، إذ حكم ~~الشرط انتفاء الحكم عند انتفائه، وبعضهم يترجم هذه المسألة، بأن المعلق # PageV02P761 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # على شيء بحرف (إن) الشرطية، عدم ~~عند عدم ذلك الشيء، «وأنكره قوم» وهو قول القاضي أبي بكر، والقاضي عبد ~~الجبار، وأبي عبد الله البصري، والغزالي، واختيار الآمدي. # قوله: «إذ تعليقه بشرط لا يمنع تعليقه بشرطين» . هذه من حجج المنكرين ~~لمفهوم الشرط. # وتقريره: أن تعليق الحكم بشرط لا يمنع تعليقه بشرطين فأكثر، وإذا جاز ~~تعليقه بشرطين، لم يلزم من انتفاء أحدهما انتفاء الحكم، لوجود الشرط الآخر. # مثاله: قوله: أحكم بالمال إن شهد به شاهدان، أو شاهد واحد مع يمين ~~المدعي، أو أقر به المدعى عليه ; فلا يلزم من انتفاء شاهدين، أو شاهد ~~ويمين، انتفاء الحكم بالمال، لجواز ثبوته بالإقرار، وبالعكس. # قوله: «ورد» ، أي: ورد هذا الاستدلال، بأن الأصل عدم الشرط الثاني، ~~والأصل التعليق على شرط ms0725 واحد ; لأنه مستقل بتصحيح تأثير المؤثر ; فالزائد ~~خلاف الأصل ; فلا يعتبر تقريره. وحينئذ يصح ما ذكرناه، من انتفاء الحكم ~~لانتفاء شرطه المعلق به، فإن «ثبت» تعليقه على شرط ثان فصاعدا، لدعوى ~~الحاجة إليه ; «اعتبرناه» ، ولم نحكم بانتفاء الحكم إلا بانتفاء جميع ~~شروطه، كانتفاء الحكم عند انتفاء البينة والإقرار. # PageV02P762 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قلت: الشرط الذي تعلق عليه الحكم ~~إما مفرد، نحو: إن دخلت الدار ; فأنت طالق ; فلزم انتفاء الطلاق عند انتفاء ~~الدخول. أو متعدد، ثم تعليق الحكم عليه: إما على الجميع، أو على البدل، فإن ~~كان على الجميع، نحو: إن قمت، وأكلت، وشربت، ودخلت الدار، وكلمت زيدا ; ~~فأنت طالق ; فلا يقع الطلاق إلا عند جميع هذه الأفعال، وينتفي بانتفاء ~~بعضها ; لأن جميعها شرط واحد، مركب من أجزاء ; فلا يؤثر إلا وجود جميعها، ~~وإن كان على البدل، نحو: إن قمت، أو أكلت، أو شربت، أو دخلت الدار، أو كلمت ~~زيدا ; فأنت طالق - طلقت بوجود أيها كان، وانتفى وقوع الطلاق بانتفاء ~~جميعها. وعند هذا يظهر أن احتجاجهم بجواز تعليقه بشرطين، يخلف أحدهما الآخر ~~لا معنى له، كما بينا، لكن لهم في المسألة حجج أخرى، لا يتسع لنا ذكرها، إذ ~~نحن شارحون لهذا «المختصر» لا مستوعبون لأقوال الناس وحججهم. # فائدة: قال القرافي: ليس النزاع في المسألة، في أن المشروط لا يجب ~~انتفاؤه عند انتفاء الشرط ; فإنه متفق عليه، بل في أن ذلك الانتفاء هل دل ~~عليه اللفظ، أو الاستصحاب في نحو قوله: أنت طالق إن دخلت الدار؟ وذلك أن في ~~الشرط نحو هذه الصيغة أمورا أربعة: # PageV02P763 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أحدها: ارتباط الطلاق بالدخول. # وثانيها: ارتباط عدم الطلاق بعدم الدخول. # وثالثها: دلالة لفظ التعليق على ارتباط الطلاق بالدخول. # ورابعها: دلالة لفظ التعليق على ارتباط عدم الطلاق بعدم الدخول. # والثلاثة الأول متفق عليها، والنزاع في الرابع، وهو أنها إذا لم تدخل ~~الدار، لم تطلق استصحابا للعصمة السابقة، والاستصحاب المذكور مع دلالة ~~التعليق، وهو معنى قولنا: المفهوم هنا حجة. # قلت: وهذا تحقيق حسن جدا. # «الثالثة» : يعني من درجات دليل الخطاب «تعقيب ذكر الاسم ms0726 العام بصفة ~~خاصة، في معرض الاستدلال» ، هكذا وقع فيما رأيته من النسخ، والصواب في معرض ~~الاستدراك والبيان، كذا في «المستصفى» أي: بذكر الصفة الخاصة عقيب ذكر ~~الاسم العام ; فيكون مستدركا لعمومه بخصوص الصفة، مبينا أن المراد بعمومه ~~الخصوص، نحو قوله عليه السلام: في الغنم السائمة الزكاة ; فالغنم اسم عام ~~يتناول السائمة والمعلوفة ; فاستدرك عمومه بخصوص السائمة، وبين أنها المراد ~~من عموم الغنم. # وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: من باع نخلا مؤبرا ; فثمرته للبائع. ~~فالنخل عام في المؤبر وغيره ; فاستدرك عمومه بخصوص المؤبر، # PageV02P764 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وبين أنه المراد من عموم النخل. # قوله: «ونحوه: الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن. حجة» أي: ومما ~~يلحق بتعقيب ذكر الاسم العام بصفة خاصة، وهو في معناه - تقسيم الاسم أو ~~الصنف إلى قسمين، وتخصيص كل قسم منهما بحكم ; فإنه يدل على انتفاء ذلك ~~الحكم عن القسم الآخر، كقوله عليه السلام: الأيم، أي التي فارقت زوجها، أحق ~~بنفسها من وليها، والبكر تستأذن. فخص البكر بالاستئذان ; فدل على نفيه في ~~الأيم. # قوله: «طلبا لفائدة التخصيص والتقسيم» ، أي: إنما قلنا: إن مفهوم الصفة ~~والتقسيم حجة، طلبا لفائدة التخصيص، في نحو قوله عليه السلام: في الغنم ~~السائمة الزكاة، ولفائدة التقسيم، أي: تقسيم المرأة إلى أيم وبكر، وتخصيص ~~كل واحدة بحكم، إذ لو سوينا بين السائمة وغيرها في وجوب الزكاة، وبين الأيم ~~والبكر في الاستئذان أو عدمه، لبطلت فائدة التخصيص والتقسيم المذكورين. # PageV02P765 # الرابعة ### | : تخصيص وصف غير قار بالحكم، # نحو: «الثيب أحق بنفسها» - حجة، وهو قول أكثر الشافعية لذلك خلافا ~~للتميمي، وأكثر الفقهاء والمتكلمين لاحتمال الغفلة عن غير وصف المذكور ~~بخلاف ما قبله. # الخامسة: تخصيص نوع بحكم، نحو: «لا تحرم المصة ولا المصتان» ، وليس ~~الوضوء من القطرة والقطرتين. يدل على مخالفة ما فوقه له، وبه قال مالك، ~~وداود، وبعض الشافعية خلافا لأكثرهم ولأبي حنيفة. # السادسة: تخصيص اسم بحكم، والخلاف فيه كالذي قبله، وأنكره الأكثرون مشتقا ~~كان أو غير مشتق، وإلا لمنع التنصيص على الأعيان الستة جريان الربا في ~~غيرها والله أعلم. # «الرابعة» : يعني ms0727 من درجات دليل ~~الخطاب «تخصيص وصف غير قار بالحكم» ، أي: إن تعلق الحكم على وصف لا يستقر، ~~بل يطرأ ويزول، كالسوم والثيوبة في قولنا: في السائمة الزكاة، والبكر ~~تستأذن والثيب أحق بنفسها - فمفهومه «حجة» عندنا، وعند «أكثر الشافعية ~~لذلك» ، أي: طلبا لفائدة التخصيص كما مر، «خلافا للتميمي» من أصحابنا ~~«وأكثر الفقهاء والمتكلمين» في أنه ليس حجة. # قالوا: «لاحتمال الغفلة عن غير وصف المذكور، بخلاف ما قبله» . وهذا منهم ~~فرق بين هذا المفهوم والذي قبله، وهو تعقيب الاسم العام بصفة خاصة. # PageV02P766 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وتقرير الفرق في هذا المكان: يحتمل ~~أن يغفل المتكلم عن ضد الوصف الذي علق عليه الحكم، كالبكارة في قوله: البكر ~~تستأذن. يحتمل أنه غفل حينئذ عن الثيوبة، فلم تخطر بباله، حتى يقصد نفي ~~الاستئذان عنها، وكذا قوله: الثيب أحق بنفسها. يحتمل أن البكر لم تخطر له، ~~حتى يقصد نفي أحقيتها بنفسها عنها. وإذا قال: السائمة تجب فيها الزكاة، ~~يحتمل أن المعلوفة لم تخطر له حتى ينفي وجوب الزكاة عنها. وحينئذ لا يكون ~~قصد المتكلم نفي الحكم عن المسكوت عنه ظاهرا، وإن كان ظاهرا، لكن ظهورا ~~ضعيفا، لمعارضة الاحتمال المذكور له، بخلاف ما قبل هذا المفهوم، وهو ذكر ~~الاسم العام، وتعقيبه بذكر الصفة الخاصة، نحو: في الغنم السائمة الزكاة. ~~فإن الاحتمال المذكور منتف ههنا قطعا ; لأنه لما نطق بلفظ الغنم العام في ~~السائمة وفي غيرها، لزم استحضار الصنفين في ذهنه، وإلا كان متكلما بما لا ~~يتصور ; فيكون هذرا من القول، ككلام المجنون ونحوه، وإذا لزم استحضار ~~المعلوفة في ذهنه، لزم أن تقييده بالسائمة بعد ذلك احتراز عن المعلوفة، ~~وأنه قصد نفي الحكم عنها. فهذا تقرير الفرق بين منكري هذا المفهوم. # والجواب: أن ما ذكرتموه ; وإن كان متجها، لكنه لا يمنع أن تعليق # PageV02P767 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الحكم على الوصف غير القار، ~~كالبكارة والثيوبة، والسوم المجرد، ظاهر في قصد المتكلم نفي الحكم عن ضده ~~المسكوت عنه ; لأن الشيء يذكر بضده غالبا، وإن كان قصد نفي الحكم عن ~~المسكوت عنه ظاهرا كفى في التمسك به ; لأن مناط ms0728 أحكام الفروع الظهور وغلبة ~~الظن، ولذلك علقت على الأمارات، وثبتت بقياس الشبه عند قوم، وهذا المفهوم ~~أقوى منه. # بقي الحاصل من فرقكم المذكور، أن مفهوم تعقيب الاسم العام بصفة خاصة، ~~نحو: في الغنم السائمة الزكاة، أظهر من مفهوم الوصف المجرد غير القار، لكن ~~لا يقدح ذلك في صحة التمسك به، لجواز التمسك بالظاهر، والأظهر، والقاطع، ~~كخبر الواحد، والخبر المستفيض، والمتواتر، وكقياس الشبه، وقياس الدلالة، ~~وقياس العلة، وكالإجماعات، مع أن بعضها ظاهر، كالسكوتي وبعضها قاطع كالنطقي ~~التواتري، والله أعلم. # «الخامسة» ### | : - مفهوم العدد - # يعني من درجات دليل الخطاب تخصيص نوع من العدد «بحكم، نحو» قوله عليه ~~السلام: لا تحرم المصة ولا المصتان. يعني في الرضاع، ليس الوضوء من القطرة ~~والقطرتين يدل على مخالفة ما فوقه له، يعني تحريم ثلاث رضعات ووجوب الوضوء ~~من ثلاث قطرات. # PageV02P768 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وهذا على جهة المثال، وإلا ففي ~~الحديث: إنما الوضوء من كل دم سائل. وقد لا يسيل الدم بثلاث قطرات ; فهذا ~~يسمى مفهوم العدد، وهو قول «مالك، وداود، وبعض الشافعية، خلافا لأكثرهم» ، ~~يعني أكثر الشافعية «ولأبي حنيفة» . # قال الشيخ أبو محمد: والكلام عليه تقدم. # قلت: ولم أستحضر أنه قدم الكلام في «الروضة» في خصوص مفهوم العدد ; ~~فأحسبه أحال به على ما سبق من الكلام في سائر المفهومات، وكذلك فعل الآمدي ~~في «المنتهى» ; لأن الباب واحد، فإن تخصيص مقدار من العدد بحكم، كتخصيص صفة ~~من الصفات بحكم ; فالأول من باب الكم والثاني من باب الكيف، وهما داخلان في ~~المقولات العشر، أو تحت جنس ما من الأجناس، ولو جنس الأعراض. # PageV02P769 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وقد يحتج على مفهوم العدد، بأن ~~الله تعالى لما قال: {إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} [التوبة: ~~80] ; فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لأزيدن على السبعين ; فنزلت: {سواء ~~عليهم أأستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم} [المنافقون: 6] ; ~~فوجه دلالته: أن النبي صلى الله عليه وسلم ; فهم أن حكم ما فوق السبعين ~~مخالف لما قبلها، وهو أعلى أهل اللغة رتبة فيها ; فدل على صحة ما ms0729 ذكرناه، ~~وللخصم عليه اعتراضات. # ومما يدل على صحة مفهوم العدد بالخصوص وغيره من المفاهيم على العموم، ما ~~حكي، ورأيته في غير موضع من كتب أهل العلم، وتصانيف أهل الأدب، أن معاوية - ~~رحمه الله - استعمل عاملا أحمق، فذكر المجوس يوما ; فقال قائل: لعن الله ~~المجوس، ينكحون أمهاتهم، والله لو أعطيت مائة ألف درهم ما نكحت أمي. فبلغ ~~ذلك معاوية ; فقال: قاتله الله، أتراه لو زيد # PageV02P770 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # على مائة ألف، كان يفعل. مع أن ~~معاوية من اللغة والفصاحة بمكان. # فائدة: تحقيق الكلام في مفهوم العدد: أن الحكم إذا قيد بعدد مخصوص ; فمنه ~~ما يدل على ثبوت الحكم فيما زاد على ذلك العدد بطريق الأولى، ولا يدل على ~~ثبوته فيما نقص عنه، ومنه ما هو بضد ذلك. # فالأول: كقوله عليه السلام: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث. دل بطريق ~~الأولى على أن ما زاد على القلتين لا يحمل الخبث، ولم يدل على ذلك فيما دون ~~القلتين. # والمثال الثاني: إذا قيل: اجلدوا الزاني مائة جلدة، دل بطريق الأولى على ~~وجوب جلده تسعين وما قبلها من مقادير العدد لدخوله في المائة بالتضمن، ولم ~~يدل على الزيادة على المائة ; فما لم يدل عليه التقييد بطريق الأولى، ~~كالناقص عن القلتين، والزائد عن مائة سوط - هو محل النزاع في مفهوم العدد ; ~~لأن ما يفهم بطريق الأولى يكون من باب مفهوم الموافقة ; فلا يتجه فيه ~~الخلاف، والله تعالى أعلم. # «السادسة» ### | : مفهوم اللقب، # يعني من درجات مفهوم الخطاب «تخصيص اسم بحكم، والخلاف فيه كما في الذي ~~قبله» ، يعني هو كالذي قبله في وقوع الخلاف فيه، «وأنكره الأكثرون» ، ويسمى ~~مفهوم اللقب. # قال الآمدي: ليس بحجة، خلافا للحنابلة، والدقاق من الشافعية. # PageV02P771 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وصورتها: إذا علق الحكم باسم جنس، ~~كتخصيص الربويات الستة بتحريم التفاضل، أو اسم علم كقولك: زيد عالم. # قلت: فجعل اسم الجنس والعلم من باب مفهوم اللقب. # وقال القرافي: قال التبريزي: واللقب كالأعلام، وجعلها الأصل، وألحق بها ~~أسماء الأجناس. قال: وغيره - يعني غير التبريزي، - أطلق في الجميع. # قلت: كأنه أشار إلى الآمدي ms0730 وغيره، ممن أطلق مفهوم اللقب على مفهوم الجنس ~~والعلم. # قوله: «مشتقا كان أو غير مشتق» ، يعني الاسم الذي علق عليه الحكم، سواء ~~كان مشتقا، نحو: لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا مثلا بمثل. فإن الطعام مشتق ~~من الطعم، «أو غير مشتق» ، كالحنطة، والشعير، والتمر، والملح، والذهب ~~والفضة في حديث عبادة وغيره، وهو المشار إليه بالأعيان الستة الربوية ; فإن ~~مفهومه حجة، وهو قول الدقاق. # قوله: «وإلا لمنع التنصيص على الأعيان الستة، جريان الربا في غيرها» . ~~هذا حجة لمنكري مفهوم اللقب، وهم الأكثرون ; لأنه يلي ذكرهم، أي: وأنكره ~~الأكثرون، وإلا لمنع، إلى آخره. # تقريره: لو كان مفهوم اللقب حجة، لمنع التنصيص على تحريم الربا في # PageV02P772 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الأعيان الستة، من أن يجري الربا ~~في غيرها ; لأن معتمد القائلين به ما سبق من طلب فائدة تخصيصه بالذكر، ~~والأعيان الستة قد خصت بالذكر في تحريم الربا فيها ; فكان يلزم أن لا يثبت ~~الربا في غيرها، لكنه باطل، إذ قد ثبت في كل ما وجدت فيه علتها، على ~~الاختلاف فيها، كالذرة، والسمسم، وأشباهها من المكيلات، والحديد، والرصاص، ~~والنحاس، وغيرها من الموزونات، والفواكه، وغيرها من المطعومات، وذلك يدل ~~على أن مفهوم اللقب ليس بحجة. وقد سبق أن الغزالي جعل مفهوم اللقب أول ~~مراتب دليل الخطاب، قال: وهو أبعدها، وقد أقر ببطلانه كل محصل، كتخصيص ~~الأشياء الستة في الربا، ثم قال: الرتبة الثانية: الاسم المشتق الدال على ~~جنس، نحو: «لا تبيعوا الطعام» . قال: فيظهر إلحاقه باللقب ; لأن الطعام لقب ~~لجنسه، أي: بالنظر إلى جنسه، كالحنطة والشعير، وإن كان مشتقا مما يتطعم، ~~كالغنم والماشية ; فلا يدرك تفرقة بين قوله: في الغنم الزكاة. وبين قوله: ~~«في الماشية الزكاة» . وإن كانت مشتقة من المشي مثلا. # ومما احتج به منكرو مفهوم اللقب وجوه: # أحدها: أنه لو كان حجة، لبطل القياس مطلقا، أو غالبا، أو كثيرا، إذ هو ~~تعدية حكم المنصوص عليه إلى غيره، بالجامع المشترك ; فلو صح مفهوم اللقب ; ~~لكان النص على الأصل مفيدا انتفاء الحكم عن غيره ; فلا يصح الإلحاق ~~القياسي. # PageV02P773 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وأجيب عنه: ms0731 بأن المتبع في الأحكام، ~~الأرجح فالأرجح، ولا يمنع أن يفيد القياس من الظن أرجح مما يفيده المفهوم ; ~~فيقدم، كما يقدم خبر الواحد على القياس، وكما في تخصيص العموم والعلة. # الوجه الثاني: لو كان مفهوم اللقب حجة، لكان القائل: عيسى رسول الله، ~~كافرا، لدلالته على نفي الرسالة عن بقية الرسل صلوات الله وسلامه عليهم ~~أجمعين. # وأجيب عنه: بأنه إن تنبه لمفهوم لفظه هذا، وأراده، حكم بكفره، لكن ~~المتكلم قد لا يتنبه لفحوى خطابه، خصوصا هذا المفهوم ; فإنه وإن احتج به، ~~لكنه من أضعف المفهومات، وبتقدير أن يتنبه له ; فقد لا يريده. # الوجه الثالث: لو كان مفهوم اللقب حجة، لكان قول القائل: زيد يأكل. نافيا ~~للأكل عن غير زيد. # وأجيب بالتزامه، وإنما لا يفهم ذلك منه من لا يعتقد صحة مفهوم اللقب، أو ~~لدليل خارج. # أما معتمد القائلين بمفهوم اللقب ; فهو ما سبق من أن المنطوق به لو شارك ~~المسكوت عنه في الحكم، لبطلت فائدة تخصيصه بالذكر، فإن بين الخصم لتخصيصه ~~بالذكر فائدة غير اختصاصه بالحكم. قلنا: لا منافاة في ذلك، ويكون اختصاصه ~~بالحكم من جملة فائدته تكثيرا لها، كما سبق في مفهوم الصفة. # نعم، هذا المفهوم ضعيف جدا ; فلذلك ألغاه الخصم عن درجة الاعتبار، وسبب ~~ضعفه أن الصفة والشرط، ونحوه من الكلام، مشعر بالتعليل في # PageV02P774 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المنطوق به، وانتفاء العلة في ~~المسكوت عنه يقتضي انتفاء الحكم فيه، بخلاف اللقب ; فإنه لجموده، ضعف ظهور ~~التعليل فيه، لكن ضعفه لا يدل على الغاية بالكلية ; لأن ضعفه بالإضافة إلى ~~ما هو أقوى منه، أما هو في نفسه ; فقوي يصلح للعمل. # قلت: الأشبه الذي تسكن النفس إليه أنه ليس بحجة، وأنه في المفهومات ~~كالحديث الضعيف في المنطوقات، والقياس الشبهي في الأقيسة. # فائدة: اتفق القائلون بالمفهوم على أن ما ظهر سبب تخصيصه للمنطوق بالذكر ~~لا مفهوم له، كوقوعه جوابا لمن سأل عنه، أو خروجه مخرج الأعم الأغلب. # أما الأول ; فكما قيل: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: توضئوا من لحوم الإبل ~~; فلا يدل على أن غير لحوم الإبل ms0732 لا يتوضأ منه، إذ النواقض كثيرة، وسبب ~~ذلك: أن السائل هو الذي ذكر المتكلم بالمنطوق به، لسؤاله عنه ; فلا يظهر ~~كونه تصور المسكوت عنه، وقصده بنفي الحكم. # وأما الثاني: وهو الخارج مخرج الغالب، ومعناه أن تكون الصفة المقيد بها ~~غالبة على الموصوف، نحو قوله تعالى: {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا} ~~[النساء: 35] ، إذ خوف الشقاق غالب حال الخلع، وقوله عز وجل: {وربائبكم ~~اللاتي في حجوركم} [النساء: 23] ، إذ الغالب كون الربيبة في حجر الرجل تبعا ~~لأمها، وقوله تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} [الإسراء: 31] ، أي: ~~فقر وإقتار، إذ الغالب أن قتل الولد إنما يكون لضرورة، # PageV02P775 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # كضرورة الفقر وقلة المعاش، وكذلك ~~كانت العرب تفعل في الموءودة، وغيرها من الأولاد، يقتلونهم خوف العار ~~والحاجة، والتضييق عليهم، ولذلك قال منكرو مفهوم اللقب: لا مفهوم لقوله ~~عليه السلام: صبوا على بول الأعرابي ذنوبا من ماء، وقوله في حديث أسماء: ثم ~~اقرصيه بالماء بحيث يتعين الماء لإزالة النجاسة، ولا مفهوم لقوله عليه ~~السلام: فليذهب معه بثلاثة أحجار بحيث يتعين جنس الحجر ; لأن الماء والحجر ~~غالبان في إزالة النجاسة، والاستنجاء، والاستجمار. أما فهم عدم جواز ~~الاقتصار على ما دون الثلاثة ; فهو من باب مفهوم العدد، ولذلك أورد على من ~~اشترط السوم في زكاة الماشية، أن قوله عليه السلام: في سائمة الغنم الزكاة ~~خرج مخرج الغالب، إذ الغالب على أغنام الحجاز وغيرها السوم ; فلا مفهوم له. # ووجه كون التقييد بالصفة الغالبة لا مفهوم له: بأن الصفة إذا غلبت # PageV02P776 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # على الموصوف، لزمتها في الذهن ; ~~فكان استحضار المتكلم لها لغلبتها، لا لقصد تقييد الحكم بها، وإذا لم تغلب ~~الصفة على موصوفها، ظهر أن استحضار المتكلم الحكم بها، لا لغلبتها ولزومها ~~للحقيقة الموصوفة بها. وعارض الشيخ عز الدين بن عبد السلام هذا التوجيه ~~بعكسه، وهو أن الصفة إذا غلبت، كان ثبوتها للحقيقة معلوما بالغلبة، وعرف ~~الاستعمال ; فلا حاجة إلى تعريف ذلك باللفظ، وحينئذ يظهر أن ذكر المتكلم ~~لها تقييد للحكم بها، بخلاف الصفة غير الغالبة، فإن العلة لما لم يفد ~~ثبوتها للحقيقة، ms0733 أمكن أن يقال: إن ذكر المتكلم لها تعريفا للسامع بثبوت هذه ~~الصفة لهذه الحقيقة، لا لتقييد الحكم بها، وهي معارضة جيدة، وجوابها ما ~~سبق، وهو أقوى منها. # خاتمة: ذكر الآمدي أن مفهوم المخالفة المسمى دليل الخطاب عشرة أصناف: # أحدها: اقتران الاسم العام بالصفة الخاصة، نحو: في الغنم السائمة زكاة. # الثاني: مفهوم الشرط والجزاء، نحو: إذا أتاكم كريم قوم ; فأكرموه. # الثالث: مفهوم الغاية، نحو: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} [البقرة: 222] . # PageV02P777 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الرابع: مفهوم إنما، نحو: إنما ~~الولاء لمن أعتق. # الخامس: مفهوم التخصيص بالأوصاف التي تطرأ وتزول، نحو: في السائمة زكاة. # السادس: مفهوم اللقب، كتخصيص الأشياء الستة بتحريم الربا. # السابع: مفهوم اسم الجنس المشتق، كقوله: لا تبيعوا الطعام بالطعام، وهو ~~قريب من مفهوم اللقب لكون الطعام لقبا لجنس. # الثامن: مفهوم الاستثناء كقوله تعالى: {لا إله إلا الله} [الصافات: 35، ~~محمد: 19] ، وقول القائل: لا عالم في البلد إلا زيد. # التاسع: مفهوم تعليق الحكم بعدد خاص، كتخصيص حد القذف بثمانين. # العاشر: مفهوم حصر المبتدأ في الخبر، نحو: العالم زيد. # قال: ومستند القائلين بالمفهوم: إنما هو النظر إلى فائدة تخصيص محل النطق ~~بالذكر. # وذكرها القرافي أيضا عشرة: # أحدها: مفهوم العلة، نحو: ما أسكر فهو حرام. # ومفهوم الصفة، نحو: في سائمة الغنم الزكاة. والفرق بينهما أن العلة # PageV02P778 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # في الأول عين المذكور، وهو ~~الإسكار، وفي الثاني السوم ليس علة، بل مكمل للعلة وهي الغنى. # ومفهوم الشرط، نحو: من تطهر صحت صلاته. # ومفهوم الاستثناء، والغاية، والحصر، وأمثلتها ظاهرة، وقد سبقت. # ومفهوم الزمان والمكان، نحو: سافرت يوم الجمعة، وجلست أمام زيد. # ومفهوم العدد. ومفهوم اللقب، وهو تعليق الحكم على مجرد أسماء الذوات، ~~نحو: «في الغنم الزكاة» . وهو أضعفها، وبين القولين تفاوت لا يخفى، وإنما ~~ذكرتهما تدريبا للناظر بتغاير العبارات، واختلاف القرائح، وضرب الأمثلة، ~~ولذلك تأثير في الفهم. # قلت: الضابط في باب المفهوم: أنه متى أفاد ظنا عرف من تصرف الشرع ~~الالتفات إلى مثله، خاليا عن معارض، كان حجة يجب العمل به، والظنون ~~المستفادة من دليل الخطاب متفاوتة بتفاوت مراتبه، ومن تدرب بالنظر ms0734 في ~~اللغة، وعرف مواقع الألفاظ، ومقاصد المتكلمين، سهل عنده إدراك ذلك التفاوت، ~~والفرق بين تلك المراتب، والله أعلم. # PageV02P779 # الإجماع # لغة: العزم والاتفاق. # واصطلاحا اتفاق مجتهدي العصر من هذه الأمة على أمر ديني، وأنكر قوم جوازه ~~عقلا، وهو ضروري فإنكاره عناد، ثم الوقوع يستلزمه كالإجماع على الصلوات ~~الخمس، وأركان الإسلام، ثم مع وجود العقل، ونصب الأدلة، ووعيد الشرع الباعث ~~على البحث والاجتهاد، وقلة المجتهدين بالنسبة إلى الأمة كيف يمتنع! واختلاف ~~القرائح عقلي بخلاف اختلاف الدواعي الشهوانية، إذ هو طبعي، والفرق بينهما ~~جلي. # وقيل: إنما يحكم بتصور وجوده على عهد الصحابة عند قلة المجتهدين. # القول في ### | «الإجماع» # وهو «لغة» أي: في اللغة «العزم والاتفاق» أي: يطلق على كل واحد منهما. # قال الجوهري: قال الكسائي: أجمعت الأمر، وعلى الأمر، إذا عزمت عليه، ~~والأمر مجمع. قلت: ومجمع عليه، لتعديه بحرف الجر فيما حكاه. # قلت: وكما تعدى بالهمزة، تعدى بالتضعيف، فيقال: أجمع وجمع، وفي الحديث: ~~لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل أي: يعزم عليه. # PageV03P005 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يجوز بالتخفيف من: أجمع، يجمع، ~~وبالتشديد من: جمع يجمع. ويقال: # أجمع القوم على كذا، أي: اتفقوا عليه. # قوله: «واصطلاحا» أي: والإجماع في الاصطلاح، أي: اصطلاح علماء الشرع: ~~«اتفاق مجتهدي العصر من هذه الأمة على أمر ديني» . # فقولنا: «مجتهدي» : احتراز من اتفاق غير المجتهدين، فإنه لا يعتبر ولا ~~يعد إجماعا. # وقولنا: «مجتهدي العصر» : عام في المجتهدين كلهم، ففيه احتراز من اتفاق ~~بعضهم فقط، فلا يكون إجماعا، وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر شيء من ذلك. # وقولنا: «من هذه الأمة» : احتراز من المجتهدين من غيرها، كاتفاق علماء ~~اليهود والنصارى، ونحوهم من الكفار على أحكام دينهم، فإنه ليس إجماعا شرعيا ~~بالإضافة إلينا. # وقولنا: «على أمر ديني» أي: يتعلق بالدين لذاته أصلا أو فرعا، احتراز من ~~اتفاق مجتهدي الأمة على أمر دنيوي، كالمصلحة في إقامة متجر، أو حرفة، أو ~~على أمر ديني، لكنه لا يتعلق بالدين لذاته، بل بواسطة، كاتفاقهم على بعض ~~مسائل العربية، أو اللغة، أو الحساب ونحوه، فإن ذلك ليس إجماعا ms0735 شرعيا، أو ~~اصطلاحيا، وإن كان إجماعا شرعيا في الحقيقة، لتعلقه بالشرع، وإن كان ~~بواسطة. # قال الشيخ أبو محمد: الإجماع في الشرع: اتفاق علماء العصر من أمة محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - على أمر من أمور الدين. والذي ذكرناه تلخيص هذا. # PageV03P006 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وقال الآمدي: هو اتفاق جملة أهل ~~الحل والعقد من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - في عصر ما على حكم واقعة ~~من الوقائع. # وقال القرافي: هو اتفاق أهل الحل والعقد من هذه الأمة في أمر من الأمور. # قال: ونعني بالاتفاق الاشتراك، إما في القول، أو الفعل، أو الاعتقاد. ~~وبأهل الحل والعقد: المجتهدين في الأحكام الشرعية، وبأمر من الأمور: ~~الشرعيات، والعقليات، والعرفيات. # قوله: «وأنكر قوم جوازه» أي ### | : جواز الإجماع # من مجتهدي الأمة على حكم «عقلا» أي: لا يجوز ذلك في العقل أن يتفقوا على ~~حكم واقعة، وهو قول الأقلين. # قوله: «وهو» أي: جواز اتفاقهم على حكم ما «ضروري» أي: معلوم بالضرورة، ~~وهو قول الأكثرين من الأصوليين، لأنه لا يلزم من فرض وقوعه محال لذاته، ولا ~~لغيره، وهذا هو المعني بالجواز العقلي. # قوله: «فإنكاره» أي: حيث ثبت أن جواز وجود الإجماع ضروري، فإنكار جوازه ~~«عناد» لأن النزاع في الضروريات عناد. # نعم. هؤلاء استبعدوا وقوعه مع كثرة العباد وتباعد البلاد واختلاف ~~القرائح، فظنوا الاستبعاد استحالة. # قوله: «ثم الوقوع يستلزمه» هذا دليل آخر على جواز وقوعه. # وتقريره: أن الإجماع قد وقع، والوقوع يستلزم الجواز، أي: يدل عليه # PageV03P007 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بالالتزام، لأن الجواز للوقوع، ~~ووجود الملزوم يدل على وجود اللازم، أما وقوع الإجماع «فكالإجماع على ~~الصلوات الخمس، وأركان الإسلام» الخمس، وهي الشهادتان، والصلاة، والزكاة، ~~والصيام، والحج، فإنه لا خلاف بين المسلمين في وجوب ذلك، وواجبات كثيرة، ~~وأحكام أجمع عليها المسلمون، وفيها لا يختلفون. # فإن قيل: إنما تثبت هذه الأشياء بالتواتر، لا بالإجماع. # قلنا: الإجماع عليها ثابت، لا نزاع فيه، وأما التواتر فيها، فهو مستند ~~الإجماع، أو أنها ثبتت بالتواتر والإجماع معا، أو مرتبا، لما تواترت أجمع ~~عليها، أو لما أجمع عليها، تواترت، وكيفما كان، فالإجماع فيها ثابت، ms0736 وبه ~~يحصل المقصود. # وأما أن الوقوع يستلزم الجواز، فلما بيناه من أنه لا يقع إلا ما هو جائز ~~الوقوع. # قوله: «ثم مع وجود العقل، ونصب الأدلة، ووعيد الشرع الباعث على البحث ~~والاجتهاد، وقلة المجتهدين بالنسبة إلى الأمة كيف يمتنع! هذا دليل آخر على ~~جوازه، على سبيل التقريب والتسهيل له. # وتقريره: أن هاهنا أمورا لا يمتنع معها وقوع الإجماع: # أحدها: وجود العقل في المجتهدين. # PageV03P008 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والثاني: نصب أدلة الشرع على ~~الأحكام. # والثالث: وعيد الشرع الباعث على البحث والاجتهاد، والنظر في استخراج ~~الأحكام، كقوله - عز وجل -: انظروا {أولم ينظروا} [الأعراف: 7 و185] ، ~~ونحوه من الأوامر بالنظر، وهو عام في النظر في الأصول والفروع، والعقل يضطر ~~صاحبه مع الوعيد على ترك الاجتهاد إلى النظر، ويستعين على درك الحق بنصب ~~الأدلة عليه، فيسهل عليه إدراكه، خصوصا مع قلة المجتهدين بالنسبة إلى مجموع ~~الأمة، وهو الأمر الرابع من الأمور المذكورة، فإن مجتهدي كل عصر بالنسبة ~~إلى مجموع أهل ذلك العصر قليل جدا، بحيث إن الإقليم العظيم، الطويل العريض، ~~لا يوجد فيه من المجتهدين إلا الواحد بعد الواحد، فبان بما ذكرناه أن مع ~~تحقق هذه الأمور، لا يمتنع وقوع الإجماع. # قوله:» واختلاف القرائح عقلي بخلاف اختلاف الدواعي الشهوانية، إذ هو ~~طبعي، والفرق بينهما جلي «. # هذا جواب سؤال مقدر ومشهور لمنكري جواز الإجماع. # وتقريره: أن اتفاق المجتهدين لو جاز وقوعه لكان إما أن يكون عن دليل ظني، ~~أو قطعي، والأول باطل، إذ يستحيل في العادة مع اختلاف الأذهان والقرائح ~~اجتماع الخلق الكثير على موجب دليل ظني، كما يستحيل عادة اتفاقهم مع اختلاف ~~الشهوات والدواعي على أكل طعام معين في يوم واحد. # والثاني: وهو اتفاقهم عن دليل قاطع يبطل فائدة الإجماع لأن القاطع # PageV03P009 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # تتوفر دواعي نقله، فيستحيل خفاؤه ~~عادة، فيجب ظهوره، ومع ظهوره لا حاجة إلى الإجماع، لأن الإجماع إنما كان ~~حجة لدلالته على القاطع، وإذا أمكن معرفة القاطع بغير واسطة كان أولى من ~~الاستدلال عليه بواسطة. # وتقرير الجواب: أنه يجوز انعقاد الإجماع عن دليل ظني، وعن دليل قطعي، ms0737 ولا ~~يلزم شيء مما ذكرتم. # أما انعقاده عن الظني فجائز لا يلزم من فرض وقوعه محال كما سبق. # قولكم: يستحيل اجتماعهم على موجبه عادة، كما يستحيل اتفاقهم على أكل طعام ~~معين في يوم واحد. # قلنا: لا نسلم. والفرق بينهما: أن اختلاف الأذهان والقرائح في النظر في ~~الأحكام عقلي، أي: مستنده العقل والعقل مع نصب الأدلة، وباعث الوعيد على ~~النظر يرشد إلى الحق والصواب، وهو واحد في نفسه، لا يختلف، فيصح وقوع ~~الاتفاق عليه، بخلاف اختلاف الدواعي الشهوانية» يعني شهوات الأكل والشرب، ~~فإنه «طبعي» أي: مستنده الطبع، والطباع تختلف بحقائقها وأعراضها اختلافا ~~متباينا في أصول العالم، وما ركب منه. # أما أصول العالم أعني عالم الكون والفساد، وهي العناصر الأربع فاختلاف ~~طباعها وكيفياتها محسوس، إذ الأرض طبعها الهبوط التام، والنار طبعها الصعود ~~التام، والماء طبعه الهبوط القاصر، والهواء طبعه الصعود القاصر، والنار ~~حارة يابسة، والهواء حار رطب، والماء بارد رطب، والأرض باردة يابسة. # وأما ما تركب من هذه العناصر من الحيوان الناطق وغيره، واختلاف # PageV03P010 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # طباعه وأمزجته ظاهر، وبحسب اختلاف ~~ذلك تختلف شهواتهم، فمنهم المحرور الذي يؤثر تناول المبردات، والمقرور الذي ~~يؤثر تناول المسخنات وذو المزاج اليابس الذي يؤثر المرطبات، وذو المزاج ~~الرطب الذي يؤثر تناول المجففات، لأن الضد من ذلك يقمع بضده، وتقتضي ~~الطبيعة تعديل المزاج بتناوله، فلذلك جاز وقوع الإجماع على قتل القاتل ~~والمرتد، وحد الزاني، وتحريم الخمر، ونحوها، لأنا لما علمنا بالضرورة من ~~حكمة الشرع، التشوف إلى حفظ النفوس، والأديان، والأنساب، والعقول، ووردت ~~نصوص الشرع بعقوبات أهل هذه الجنايات، وكان ذلك مناسبا في النظر العقلي، لا ~~جرم وقع الإجماع على ما ذكرناه من عقوبات هؤلاء، وتحريم الخمر، ولم يجز ~~الاتفاق على الاغتذاء بالبطيخ أو الباذنجان أو السمك في يوم واحد، من جميع ~~الأمة، لأنا نعلم قطعا أن هناك أمزجة لا توافق هذه المآكل، فلا يتناولها ~~أصحابها. # وسر الفرق: أن العقل أمر مختار، يدور مع الحق حيث ما دار، بخلاف الطبع، ~~فإنه مجبور بقدرة الجبار، على ما سخر له بطريق الاضطرار، ms0738 فبان الفرق بينهما ~~لذوي الأبصار، وهذا معنى قوله: «والفرق بينهما جلي» . # وأما انعقاد الإجماع على القاطع، فلا نسلم أنه يبطل فائدة الإجماع، # PageV03P011 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لأنه كاف في معرفة حكم الدليل ~~القاطع، والأمر في ذلك واسع. # قوله: «وقيل: إنما يحكم بتصور وجوده» يعني وجود الإجماع «على عهد الصحابة ~~- رضي الله عنهم - عند قلة المجتهدين» يعني الإمكان الموقوف على آرائهم من ~~غير استبعاد، كاتفاقهم على قتال مانعي الزكاة ونحوه، وصاحب هذا القول توسط ~~بين إحالة وقوع الإجماع، وتجويزه على استبعاد؛ لأنه قد قام دليل الجواز ~~العقلي كما مر، فانتفت الاستحالة، وقام دليل بعد وقوع الإجماع مطلقا في كل ~~عصر، إذ من المستبعد جدا انتشار الحادثة الواحدة في البلاد الواسعة، ~~وبلوغها إلى الأطراف الشاسعة، ليقف عليها كل مجتهد، ثم يذكر كل منهم ما ~~عليه في حكمها يعتمد، وإليه يستند ثم يطبقون فيها على قول واحد، فإن العادة ~~على هذا لا تساعد، فلذلك ذهب صاحب هذا القول إلى ما ذهب، ولعمري إنه لنعم ~~المذهب، فإن كثيرا من الحوادث تقع في أقاصي المغرب والمشرق، ولا يعلم ~~بوقوعها من بينهما من أهل مصر والشام والعراق، وما والاهما، فكيف تصح دعوى ~~الإجماع الكلي في مثل هذه وإنما ثبتت هذه بإجماع جزئي، وهو إجماع مجتهدي ~~الإقليم الذي وقعت فيه. # PageV03P012 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أما إجماع الأمة قاطبة، فمتعذر في ~~مثلها، إذ الإجماع عليها فرع العلم بها، والتصديق مسبوق بالتصور، فمن لا ~~يعلم محل الحكم، كيف يتصور منه الحكم بنفي أو إثبات؟ والله تعالى أعلم. # PageV03P013 # وهو حجة قاطعة خلافا للنظام في آخرين. # لنا: وجهان. # الأول: {ويتبع غير سبيل المؤمنين} يوجب اتباع سبيلهم، وهو دوري {جعلناكم ~~أمة وسطا} أي: عدولا {كنتم خير أمة} والعدل لا سيما بتعديل المعصوم لا يصدر ~~عنه إلا حق، فالإجماع حق. # الثاني: ما تواتر التواتر المعنوي من نحو: «أمتي لا تجتمع على ضلالة» ، ~~«ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن» حتى صار كشجاعة علي وجود حاتم. # ويرد على الأول أنها ظواهر، وعلى الثاني منع التواتر بدعوى الفرق بينه ~~وبين ما شبه ms0739 به، ثم الاستدلال بعمومه وهو ظني إذ يحتمل: لا تجتمع على ضلالة ~~الكفر، والأجود أنه مقدم على القاطع إجماعا، فلو لم يكن قاطعا لتعارض ~~الإجماعان، أعني الإجماع على تقديمه، والإجماع على أن لا يقدم على القاطع ~~غيره، وللنظام منع الأولى. # قوله: «وهو حجة قاطعة، خلافا ~~للنظام في آخرين» يعني: الإجماع حجة قاطعة، يجب العمل به عند الجمهور، ~~خلافا للنظام بتشديد الظاء والشيعة والخوارج، قالوا: ليس بحجة. # قال النظام: الإجماع كل قول قامت حجته، ونسب في ذلك إلى أنه يدفع به ~~شناعة قوله: إن الإجماع ليس بحجة. # PageV03P014 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «لنا» أي: على أن الإجماع ~~حجة «وجهان» أي: طريقان أو مسلكان: «الأول» : من وجوه: # أحدها: قوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير ~~سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} [النساء: 115] ، وجه ~~الاستدلال بها أنه سبحانه توعد بالنار من اتبع غير سبيل المؤمنين، وذلك ~~«يوجب اتباع سبيلهم» وإذا أجمعوا على أمر، كان سبيلا لهم، فيكون اتباعه ~~واجبا على كل واحد، منهم ومن غيرهم، وهو المراد بكون الإجماع حجة. # قوله: «وهو دوري» أي: الاستدلال بهذه الآية وغيرها من ظواهر الشرع، على ~~أن الإجماع حجة دوري، أي: يلزم منه الدور، لأن هذه النصوص ليست قاطعة في ~~الدلالة على ذلك، وإنما دلالتها ظاهرة، لكن الظواهر إنما ثبت كونها حجة ~~بالإجماع، فلو أثبتنا كون الإجماع حجة بالظواهر، لزم الدور. # قلت: يمكن منع لزوم الدور هاهنا بأن يقال: لا نسلم أن الظواهر إنما كانت ~~حجة بالإجماع، بل بالوضع والعرف اللغوي، فإن العرب كانت تستعمل الظواهر في ~~كلامها، وتتفاهم بها مقاصدها، ولم يكن هناك إجماع، ثم وردت أدلة الشرع من ~~الكتاب والسنة على لسان العرب، فسلكنا في الاحتجاج بظواهرها نهجهم في ذلك ~~وحينئذ لا يلزم الدور المذكور. # الوجه الثاني: قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} [البقرة: 143] # PageV03P015 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # «أي: عدولا» خيارا، كذلك قال أئمة ~~أهل اللغة والتفسير: # قال الجوهري: الوسط من كل شيء: أعدله، وقال تعالى: {جعلناكم أمة وسطا} ~~أي: عدلا، ويقال أيضا: شيء ms0740 وسط، أي: بين الجيد والرديء وروى عبد الرزاق، عن ~~معمر، عن قتادة في قوله: {أمة وسطا} قال: عدولا. # قال أهل المعاني: قيل للعدل: وسط، لتوسطه بين طرفي الإفراط والتفريط في ~~أخلاقه. # وقيل: شبه بوسط الشيء، لأنه محفوظ مما يلحق الأطراف من الآفات، والدليل ~~على أن المراد بالوسط العدول، قوله تعالى: {لتكونوا شهداء على الناس} ~~[البقرة: 143] أي: لتشهدوا يوم القيامة على الأمم أن أنبياءهم بلغوهم أمر ~~الله تعالى بالتوحيد وأحكامه، فدل على أن المراد بالوسط من تقبل شهادته، ~~خصوصا في ذلك اليوم، على ذلك الخلق العظيم: وهو العدل وإذا ثبت أن الوسط في ~~الآية الكريمة هو العدل، فالاستدلال بها من وجهين: # أحدهما: أن وصفهم بالعدالة في سياق المدح، وإنما يحسن المدح إذا كانوا ~~على الصواب في أقوالهم وأفعالهم، وذلك يوجب أن ما اتفقوا عليه يكون صوابا. # الوجه الثاني: أن الوصف بالعدالة، إما لكل واحد منهم أو # PageV03P016 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لمجموعهم، والأول باطل قطعا، لوجود ~~آحاد الفساق فيهم كثيرا، فتعين الثاني، وهو أن الوصف بالعدالة لمجموعهم، ~~وذلك يقتضي أن ما يقولونه مجتمعين عليه حق وصواب، لأن قائل غير الحق ~~والصواب يكون كاذبا، والكاذب لا يكون عدلا. # ويرد على الوجهين: أن الصواب والحق؛ تارة يكون عن إخبار، فهو الذي يلزم ~~وجوده في الأمة الموصوفة بالعدالة، ويدل عليه سياق الآية الشريفة، وهو ~~كونهم جعلوا وسطا ليشهدوا على الناس، والشهادة إخبار، وتارة يكون الصواب ~~والحق عن نظر واجتهاد، وليس بلازم من الوصف بالعدالة، والكلام هاهنا في ~~الصواب النظري، لا في الصواب الإخباري. # الوجه الثالث: قوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف ~~وتنهون عن المنكر} [آل عمران: 110] ، والاستدلال بها من وجهين: # أحدهما: ما سبق من أن هذا مدح لهم، وإنما يحسن المدح إذا كانوا على ~~الصواب، والصواب يجب اتباعه. ويرد عليه ما سبق، من أن الصواب النظري لا ~~يلزم من ذلك. # الوجه الثاني: أنه تعالى أخبر أنهم يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ~~واللام فيهما للاستغراق والعموم، أي: يأمرون بكل معروف، وينهون عن كل منكر، ~~وذلك يقتضي أن ms0741 لا يفوتهم حق ولا صواب، لا يأمرون به، ولا يفوتهم باطل ولا ~~خطأ، لا ينهون عنه، وهو يدل على أن كل ما اتفقوا # PageV03P017 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # عليه، وتآمروا به حق وصواب، وكل ما ~~اتفقوا على نفيه، وتناهوا عنه باطل وخطأ، وذلك يفيد أن الحق والصواب من ~~لوازم إجماعهم، وهو المطلوب ويرد على هذا أن قوله تعالى: (تأمرون) و ~~(تنهون) مطلق لا عموم له، فيصدق بالأمر والنهي مرة واحدة، وأن اللام في ~~المعروف والمنكر لتعريف الماهية، أو لبعض الجنس، لاستحالة نهيهم عن كل منكر ~~في الوجود بالضرورة، وأنها ليست للاستغراق، فلا يلزم ما ذكر. # قوله: «والعدل» إلى آخره هذا بيان كيفية الاستدلال بقوله تعالى: # {جعلناكم أمة وسطا} [البقرة: 143] وتقريره: أنه - سبحانه وتعالى - أخبر ~~أن الأمة عدول، و «العدل» لا يصدر عنه إلا حق فالإجماع حق «لأنه صادر عنهم» ~~لا سيما «إذا كان العدل عدلا» بتعديل المعصوم «فيكون الحق لازما له، لا ~~ينفك عن تصرفه. وقد بينا ما يرد عليه من أن الحق النظري لا يلزم ضرورة عن ~~العدل، بل الحق الإخباري هو المترتب على العدالة. # الثاني: من المسلكين في أن الإجماع حجة:» ما تواتر التواتر المعنوي من ~~نحو: أمتي لا تجتمع على ضلالة إلى آخره. # وتقريره: أن الإجماع صادر عن مجموع الأمة، والأمة معصومة والمعصوم لا ~~يصدر عنه إلا الصواب. # PageV03P018 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أما أن الإجماع صادر عن مجموع ~~الأمة، فلما سبق في حده، ولأن الفرض ذلك، ونعني بمجموع الأمة مجموع ~~مجتهديها، لأنهم قائمون مقام جميع الأمة، إذ إليهم إبرام أمورهم ونقضها، ~~وحلها وعقدها، وسيأتي الدليل إن شاء الله تعالى على أن غير المجتهد لا ~~يعتبر في الإجماع، وإن شاح الخصم في ذلك؛ التزمنا قول القاضي أبي بكر في ~~اعتبار مجموع الأمة المجتهدين وغيرهم، ولا يضرنا ذلك، ويلزم الخصم كون ~~الإجماع حجة. # وأما أن الأمة معصومة، فلأن الأخبار النبوية في عصمتها بلغت حد التواتر ~~المعنوي، لاختلاف ألفاظها، واشتراكها في الدلالة على أمر واحد، وهو نفي ~~الخطأ عنها، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: أمتي لا تجتمع على الضلالة ms0742 لم ~~يكن الله بالذي يجمع أمتي على الضلالة وفي لفظ: «على الخطأ» وسألت الله أن ~~لا يجمع أمتي على الضلالة، فأعطانيها، أي: أعطاني تلك الخصلة المطلوبة. ما ~~رآه المسلمون حسنا، فهو عند الله حسن. يد الله على الجماعة، ولا # PageV03P019 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يبالي بشذوذ من شذ، من سره بحبوحة ~~الجنة، فليلزم الجماعة، # PageV03P020 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على ~~الحق حتى يظهر أمر الله، من خرج عن الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام ~~من عنقه، من فارق الجماعة ومات، فميتته جاهلية عليكم بالسواد الأعظم، فإنه ~~من شذ، شذ في النار في أحاديث كثيرة من هذا الباب، تناقلها الأئمة، ~~وتداولوها، متلقين لها بالقبول، غير منكرين لشيء منها، حتى صارت لتواترها ~~المعنوي كشجاعة علي، وسخاء حاتم، وذلك يقتضي عصمة الأمة من الخطأ. # وأما أن المعصوم لا يصدر عنه إلا الصواب، فلأن ذلك شأن المعصوم ومفهومه ~~في عرف الشرع، فثبت بذلك أن الإجماع الصادر عن الأمة المعصومة صواب، ~~والصواب يجب اتباعه، وهو المراد بكونه حجة. # قوله: «ويرد على الأول» إلى آخره، هذا اعتراض على المسلكين المستدل بهما ~~على أن الإجماع حجة. # أما الأول: وهو الاستدلال بالآيات الثلاث، فيرد عليه «أنها ظواهر» لا ~~قواطع في الدلالة، فلا يثبت بها الإجماع القاطع، لأن الضعيف لا يصلح # PageV03P021 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مستندا للقوي، وهذا عين السؤال ~~الدوري الذي سبق إيراده وجوابه. # وأما الثاني: وهو الاستدلال بالأخبار الدالة على عصمة الأمة، فيرد عليه ~~منع تواترها التواتر المعنوي بدعوى الفرق بينها وبين ما شبهت به، من شجاعة ~~علي، وسخاء حاتم، وذلك لأنا إذا عرضنا على عقولنا الأخبار المدعى أنها تدل ~~على عصمة الأمة، والأخبار الدالة على شجاعة علي - رضي الله عنه - وسخاء ~~حاتم، وجدناها يعني العقول لا تصدق بالأول كتصديقها بالثاني، بل تصديقها ~~بالثاني أقوى بكثير جدا، ولو كانت متواترة، لساوت أخبار علي وحاتم في قوة ~~التصديق بها، لأن التواتر يفيد العلم كما سبق، والإدراك العلمي لا يتفاوت ~~بالقوة والضعف، ألا ترى أن العقل جازم بوجود مكة شرفها الله تعالى، ومصر، ~~وبغداد، والبصرة، وغيرها ms0743 من الأماكن المتواترة جزما متساويا، لتواترها، ~~بخلاف البصرة وضيعة من ضياع العراق، يقال لها: صرصرا، وغيرها من الضياع، ~~فإن الجزم بهما غير متساو، لعدم تساويهما في التواتر، فإن صرصرا، لم يقع ~~الجزم بها إلا عند من عاينها، أو قرب منها، فتواترت عنده، بخلاف البصرة; ~~فإنه يصدق بها من قرب ومن بعد، فإن وجدت في نفسك تفاوتا بين التصديق بمكة ~~وغيرها من البلاد; وأنه بمكة أشد تصديقا; فليس ذلك راجعا إلى حقيقة الجزم ~~بها وبغيرها، وإنما هو راجع إلى طرق الإخبار بمكة، في كل عام، على لسان # PageV03P022 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # من يقصدها من وفود الحاج; أما ~~الجزم، فحقيقته لا تتغير، ولا تتفاوت. # وإذا ثبت هذا، ووجدنا الفرق بين أخبار علي وحاتم، والأخبار المذكورة في ~~عصمة الأمة ; دل على أنها ليست متواترة، لأن أخبار علي وحاتم متواترة وهذه ~~الأخبار دونها في جزم العقل بموجبها، وما دون المتواتر لا يكون متواترا. # سلمنا أن الأخبار المذكورة متواترة، لكن الاستدلال بعمومها وهو يعني ~~العموم ظني لا قاطع، فيحتمل أن المراد منها: لا تجتمع أمتي على ضلالة ~~الكفر، ولا يلزم من ذلك عصمتها من الخطأ في الاجتهاد، لأن الكفر أخص من ~~الخطأ، ولا يلزم من انتفاء الأخص انتفاء الأعم، مع أنه إذا اتجه حمل ~~الضلالة على الكفر، حمل عليه لفظ الخطأ في قوله: لا تجتمع أمتي على الخطأ ~~وجعل الكفر مبينا له. وقوله: ما رآه المسلمون حسنا، فهو عند الله حسن حديث ~~ليس في دواوين السنة المعتمد عليها، وإنما يروى. وبقية الأحاديث إنما تدل ~~على لزوم الجماعة، لا لأن الصواب الاجتهادي لازم لها، بل لأن ذلك أوقع ~~للهيبة في نفس عدو الإسلام، وأجدر باجتماع الكلمة، والاحتراز من كيد ~~الشيطان، ولهذا جاء في حديث آخر: عليكم بالجماعة، فإن الذئب يأكل القاصية ~~شبه الشيطان بالذئب، والمنفرد عن الجماعة بالشاة المتخلفة عن # PageV03P023 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # جماعة الغنم، فيحكم الشيطان على ~~المنفرد حكم الذئب على القاصية. # ولهذا حكي عن بعض السلف أنه قال: لولا مخافتي من الوسواس، لسكنت بلادا لا ~~أنيس بها، وهل يهلك الناس إلا ms0744 الناس. وبتقدير صحة هذه الأحاديث ودلالتها ~~على عصمة الأمة، فهي معارضة بما يناقضها، مما حاله في الصحة والشهرة مثل ~~حالها، وهو ما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: تفرقت اليهود على إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين فرقة، ~~والنصارى مثل ذلك، وتتفرق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة رواه أبو داود وابن ~~ماجه والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وله من حديث عبد الله بن عمرو: أن بني ~~إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، ~~كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه ~~وأصحابي قال الترمذي: حديث غريب. فقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ~~أمته تفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلهم في النار إلا واحدة، فالأحاديث ~~الأول لو دلت على عصمة الأمة، لكانت إما أن تدل على عصمة جميعها، أو على ~~عصمة بعضها. # والأول باطل، لأن هذا الحديث قد دل على خطأ أكثرها، وهو ثنتان وسبعون من ~~ثلاث وسبعين فرقة في النار، ومن يستحق النار لا يكون معصوما، بل لا يكون ~~صالحا، فضلا عن معصوم. # PageV03P024 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والثاني أيضا باطل، لأن مجتهدي ذلك ~~البعض ليسوا جميع مجتهدي الأمة ; بل هم مجتهدو جزء قليل من الأمة، إذ كل ~~فرقة من الثنتين وسبعين فرقة فيها مجتهدون، فدل الحديث على أن جميع الفرق ~~من الأمة. وحينئذ يصير تقدير أحاديثكم: لا يجتمع مجتهدو فرقة من ثلاث ~~وسبعين فرقة من أمتي على الخطأ، وهو خبط عظيم، وصرف للفظ عن أكثر مضمونه. ~~فتبين بهذا أن المسلكين المذكورين لا ينهضان بالدلالة على أن الإجماع حجة. # قوله: «والأجود أنه مقدم على القاطع» إلى آخره. أي: والأجود في الاستدلال ~~على أن الإجماع حجة هذا المسلك. # وتقريره: أن الإجماع مقدم في الاستدلال على النص القاطع، من الكتاب ~~والسنة بالإجماع. ولا يقدم على القاطع غيره بالإجماع، فلو لم يكن الإجماع ~~حجة قاطعة «لتعارض الإجماعان أعني الإجماع على» تقديم الإجماع على النص ~~القاطع «والإجماع ms0745 على أن لا يقدم على القاطع غيره» وتعارض الإجماعين محال. # قوله: «وللنظام منع الأولى» أي: منع المقدمة الأولى، وهي قوله: الإجماع ~~مقدم على النص إجماعا، لأنه هو يخالف في ذلك، فلا يثبت الإجماع بدونه، إذ ~~النزاع معه. وقد سبق تقرير تفسيره الإجماع بكل قول # PageV03P025 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قامت حجته، فإذا قامت حجة النص، ~~كان مقدما عنده على الإجماع الاتفاقي، إذ ليس حجة عنده. # وحينئذ إذا لم يثبت أن الإجماع مقدم على القاطع، لم يلزم من عدم كون ~~الإجماع حجة تعارض الإجماعين، ثم استحالة تعارض الإجماعين مبني على أن ~~الإجماع حجة قاطعة، وهو محل النزاع، فيكون دورا ومصادرة على المطلوب. # PageV03P026 # وقيل: لم يظهر خلاف في صحة التمسك بالإجماع حتى خالف ~~النظام، والإجماع قبله حجة عليه، إلا أنه تمسك بإجماع سكوتي ضعيف على قطعية ~~الإجماع. # ومعنى كون الإجماع حجة وجوب العمل به مقدما على باقي الأدلة، لا بمعنى ~~الجازم الذي لا يحتمل النقيض في نفس الأمر، وإلا لما اختلف في تكفير منكر ~~حكمه. # قوله: «وقيل: لم يظهر خلاف في صحة ~~التمسك بالإجماع، حتى خالف النظام، والإجماع قبله حجة عليه» . # هذا دليل استدل به بعض الأصوليين، على أن الإجماع حجة على بطلان قول ~~النظام في نفي ذلك. # وتقريره: أن علماء الأمة، من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، لم يزالوا ~~يتمسكون على صحة ثبوت الأحكام بالإجماع، ولم يظهر أحد منهم خلافا في التمسك ~~به، حتى ظهر النظام فخالف فيه، ويستحيل في مطرد العادة اتفاق الأمة في ~~الأعصار المتكررة، مع اختلاف فطرهم، وتفاوت مذاهبهم في الرد والقبول، على ~~التمسك بما لا دليل على صحة التمسك به، # PageV03P027 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فذلك قاطع في حكم العادة، بأنهم ~~ظفروا بقاطع، دل على صحة التمسك بالإجماع، ويكون إجماعهم على ذلك قبل ~~النظام حجة عليه، فلا يكون خلافه معتبرا، لأنه على خلاف القاطع. # قوله: «إلا أنه» إلى آخره. هذا تمشية لمذهب النظام بتوهين ما احتج به ~~عليه، من الإجماع قبله. # وتقريره: أن ما ذكره من الاحتجاج عليه متجه بالجملة بالإجماع قبله «إلا ~~أنه تمسك بإجماع سكوتي ضعيف ms0746 على قطعية الإجماع» أي: على كونه حجة قاطعة، ~~وذلك لأن قولهم: ما زالوا يتمسكون بالإجماع، ولم يظهر أحد منهم خلافا ; هو ~~معنى الإجماع السكوتي، على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. # والإجماع السكوتي حجة ضعيفة، فكيف يحتج بها على كون الإجماع حجة قاطعة، ~~وهو من أعظم المطالب الدينية، وهل ذلك إلا إثبات القوي بالضعيف، كما سبق في ~~إثبات الإجماع القاطع بالظواهر. # واحتج الآمدي من جهة المعقول: بأن الخلق الكثير من أهل كل عصر إذا اتفقوا ~~على حكم، وجزموا به، وبلغ عددهم حد التواتر، استحال في العادة أن لا يتنبه ~~أحد منهم على الخطأ فيما حكموا به في ذلك، وذلك يدل بحكم العادة على ~~إصابتهم، وهو المطلوب. # PageV03P028 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ثم قال: لكن هذه الطريقة تختص بما ~~إذا بلغ المجمعون حد التواتر، بخلاف ما إذا نقصوا عنه. # قلت: هذه الطريقة هي الطريقة السابقة في قولنا: وقيل: لم يظهر خلاف حتى ~~خالف النظام، ولا معنى لاشتراط بلوغ عدد التواتر، بل الخلق الكثير عادة إذا ~~اتفقوا على أمر، قضت العادة بصوابهم فيه. أما اشتراط التواتر، فغير متجه، ~~لأن عدده غير محصور كما سبق، ولا يمكن أن يقال: المراد بعدد التواتر العدد ~~الذي إذا أخبر، حصل خبره العلم، لما سبق من أن العلم حاصل بخلق الله تعالى ~~له، عند إخبار المخبرين، لا بطريق التولد عن الإخبار. # وحينئذ لا يعلم العدد الذي لو أخبر، لأفاد خبره العلم ما هو. # قوله: «ومعنى كون الإجماع حجة» إلى آخره. # لما سبق في صدر المسألة أن الإجماع حجة قاطعة، وكان القاطع يطلق تارة على ~~ما لا يحتمل النقيض، كقولنا: الواحد نصف الاثنين، ويمتنع اجتماع الضدين، ~~وتارة يطلق على ما يجب امتثال موجبه قطعا، ولا يمتنع مخالفته شرعا ; أحببت ~~أن أبين ما المراد من كون الإجماع حجة قاطعة، لأنه موضع إجمال واحتمال. # ومعنى كونه حجة قاطعة: أن العمل يجب «به مقدما على باقي الأدلة» : الكتاب ~~والسنة والقياس، فيقدم الإجماع على جميعها بحيث إذا # PageV03P029 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أجمعت الأمة على نفي أو إثبات في ~~مسألة، ودل ms0747 نص الكتاب، أو السنة أو القياس، أو جميع هذه الثلاثة على خلاف ~~ذلك كله، كان العمل بما أجمع عليه دون ما دل عليه باقي الأدلة، لدلالة ~~الإجماع على نص قاطع ناسخ لتلك الأدلة المخالفة له، أو معارض لها راجح ~~عليها، وليس المراد بكون الإجماع حجة قاطعة القطع العقلي، وهو الجزم «الذي ~~لا يحتمل النقيض في نفس الأمر» لأنه لو كان قطعيا بهذا التفسير، لما اختلف ~~العلماء في تكفير من أنكر حكما شرعيا، لأن القواطع العقلية لا يختلف فيها، ~~ولا في تكفير من أنكر أحكامها المعتبرة شرعا، كما لم يختلفوا في تكفير من ~~قال بقدم العالم، أو بنفي الصانع، أو توحيده، أو قدرته، أو علمه، أو بنفي ~~النبوات، ودلالة المعجزات عليها، ونحو ذلك، لكن سيأتي الخلاف في تكفير منكر ~~الحكم الجماعي فدل ذلك على أن المراد بكونه قاطعا، هو القطع الشرعي لا ~~العقلي، على ما بيناه، والله أعلم. # PageV03P030 # ثم فيه مسائل: الأولى ### | : المعتبر في الإجماع # قول أهل الاجتهاد، لا الصبيان والمجانين قطعا، وكذا العامي المكلف على ~~الأكثر، خلافا للقاضي أبي بكر لتناول الأمة والمؤمنين له، وجواز أن العصمة ~~للكل المجموعي. # لنا: غير مستند إلى دليل، فقوله جهل لا يعتبر، ولأنه إذا خالف فاعتبار ~~القولين وإلغاؤهما وتقديم قوله باطل، فتعين الرابع، وخص من الأمة بدليل ~~كالصبي، ويعتبر في إجماع كل فن قول أهله، إذ غيرهم بالإضافة إليه عامة. # قوله: «ثم فيه» أي: في الإجماع ~~«مسائل» يعني أن ما مضى من الكلام في حده وجوازه، وكونه حجة، هو كالكليات ~~لباب الإجماع، وهذه المسائل كالجزئيات له: # المسألة «الأولى: المعتبر في الإجماع قول أهل الاجتهاد، لا الصبيان ~~والمجانين قطعا، وكذا العامي المكلف على الأكثر، خلافا للقاضي أبي بكر» . # اعلم أن كل واحد من الأمة، إما أن يكون من أهل الاجتهاد، أو لا، فإن كان، ~~فموافقته في الإجماع معتبرة قطعا بغير خلاف، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد، ~~فهو إما غير مكلف، كالصبي والمجنون، فلا تعتبر موافقته قطعا، أو يكون مكلفا ~~كالعامة، ويلحق بهم طلبة الفقهاء ms0748 الذين لم يبلغوا رتبة النظر والاستدلال ~~الاجتهادي، فهؤلاء لا يعتبر قولهم عند الأكثرين من الأصوليين، والفقهاء ~~الأئمة الأربعة، وغيرهم، خلافا للقاضي أبي بكر حيث قال: أعتبر # PageV03P031 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # موافقة العامي، وهو اختيار الآمدي. # قوله: «لتناول الأمة» إلى آخره. هذه حجة القاضي على اعتبار العامي، وهي ~~من وجهين: # أحدهما: أن الإجماع إنما كان حجة للدليل السمعي على عصمة الأمة، وإيجابه ~~اتباع سبيل المؤمنين كما سبق، ولفظ الأمة والمؤمنين يتناول العامي، فيجب أن ~~يكون قوله معتبرا. # الوجه الثاني: «أن العصمة» جاز أن تكون ثابتة للمجتهدين خاصة، كما يقول ~~الخصم، وجاز أن تكون ثابتة «للكل المجموعي» والهيئة الاجتماعية من ~~المجتهدين وغيرهم، لكن الأخذ بهذا أحوط للأحكام الشرعية، فكان واجبا. ~~وتخصيص هذا الدليل بالصبيان والمجانين إجماعا لا يوجب تخصيصه بالعامة، ~~لقيام الفرق بينهم من وجهين: # أحدهما: التكليف في العامي المكلف دون الصبي والمجنون. # والثاني: العامي إذا فهم الحكم ودليله قد يفهمه، وقد يخطر له رأي أو ~~مشورة. # وبالجملة هو أكمل ممن ليس بمكلف. # فإن قيل: التكليف المجرد عن أهلية النظر لا تأثير له في الاجتهاد، فلا ~~يكون فارقا بين العامي وبين الصبي والمجنون. # قلنا: بل يتجه كونه فارقا بينهما، لجواز أن تكون عصمة الأمة فائضة # PageV03P032 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # منصبة عليها من العصمة النبوية، ~~فيصيب العامي المكلف منها بقسطه، لتأهله للعبادات في الحال، إذ العبادة ~~وأهليتها بركة وتأثير، بخلاف غير المكلف الذي هو في الحال كالبهيمة. # قوله: «لنا: غير مستند إلى دليل» إلى آخره. هذه حجة الجمهور على عدم ~~اعتبار قول العامي، وهي من وجهين: # أحدهما: أن قول العامي غير مستند إلى دليل، وإلا لم يكن عاميا، وما ليس ~~مستندا إلى دليل، يكون جهلا وخطأ، لأن الشرع حرم القول بغير علم، والجهل ~~والخطأ غير معتبر. # الوجه الثاني: أن العامي إذا خالف أهل الاجتهاد، فقال بالنفي، وقالوا ~~بالإثبات أو بالعكس، فإما أن يعتبر قولاهما، فيجتمع النقيضان، أو يلغى ~~قولاهما فيرتفع النقيضان، وتخلو الواقعة عن حكم، أو يقدم قول العامي، فيفضي ~~إلى تقديم ما لا مستند له على ما له مستند، والكل ms0749 «باطل فتعين الرابع» وهو ~~تقديم قول المجتهد عليه، وهو المطلوب، فإن قدر أن العامي وافق المجتهد في ~~الرأي، كان التأثير لرأي المجتهد دون رأي العامي، لقيام الدليل المذكور على ~~أنه إذا خالف، لم يعتبر به. # قوله: «وخص من الأمة بدليل كالصبي» . هذا جواب عن احتجاج # PageV03P033 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # القاضي بتناول لفظ الأمة والمؤمنين ~~له، وهو عموم دليل الإجماع السمعي. # وجوابه: أن العامي خص من عموم الأمة بدليل خاص، كما خص الصبي والمجنون ~~بدليل، والجامع بينهما عدم أهلية النظر، والفرق بينهما بالتكليف، والفهم ~~بالتفهيم لا أثر له. # أما التكليف، فلو اعتبر في العامي، لاعتبر في الصبي والمجنون، لأنه موجود ~~فيهما بالقوة، إذ هما أهل له بتقدير زوال المانع، ولا أثر لكونه موجودا في ~~العامي بالفعل، إذ معنى التكليف إلزام فعل الواجبات، وترك المحرمات، وذلك ~~لا أثر له في النظر والاجتهاد. وانصباب العصمة النبوية على الأمة يقتضي ~~مشاركة الصبي والمجنون للعامي وغيره في الاعتبار. # وأما فهم العامي بالتفهيم، فلا فائدة له، إذ المعتبر من يفهم بقوته ليفيد ~~وينبه الناس على ما ليس عندهم، لا من يكون كلا على العلماء يقول: # افهموا وفهموني. وأيضا ما أقبح وأسمج أن يقال في محفل الإجماع والاجتهاد: ~~انتظروا الإمام الفاضل المجتهد فلانا، والفلاح أو المكاري فلانا، أو ~~المقامر فلانا، وبمثل هذا يندفع قول من يقول: فلان العامي وإن لم يكن من ~~أهل الاستدلال، لكن لا يمتنع أن يعتبر الاستدلال من أهله، ويكون من ليس ~~أهلا له كالعامي شرطا في العصمة التي هي مستند # PageV03P034 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الاحتجاج بالإجماع، إذ يبعد من ~~حكمة الشرع أن يجعل نفوذ قول المجتهدين موقوفا على قول العامة، مع قوله - ~~سبحانه وتعالى - لهم: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل: 43] ، ~~إذ كيف يأمرهم بسؤال العلماء، ثم يجعلهم كالأمراء عليهم، لا ينفذ قولهم إلا ~~بموافقتهم ; هذا بعيد جدا، مناف للحكمة، منافر لها، على أن قولهم: يجوز أن ~~تكون العصمة للكل المجموعي. ضعيف جدا، إذ لا يفهم من عصمة جاهل لا يدري ما ~~يقول، وأيضا اعتبار قول العامة في الإجماع ms0750 يعود ببطلان الإجماع، لكثرة ~~العامة، وتعذر الوقوف على قول كل واحد منهم، بخلاف المجتهدين، فإنهم لقلتهم ~~لا يتعذر ذلك فيهم، والله أعلم. # قال القرافي: قال القاضي عبد الوهاب: وقيل: يعتبر العوام في الإجماع ~~العام، كتحريم الطلاق، والربا، والزنى، وشرب الخمر، دون الإجماع الخاص ~~الحاصل في دقائق الفقه. # قلت أنا: هذا أقرب من إطلاق القاضي أبي بكر اعتبار قولهم مع أن هذا ضعيف، ~~لأن الإجماع العام يحتاج إلى أهلية النظر، والعامي ليس أهلا له فإن أحيل ~~اعتبار قوله في الإجماع العام على العصمة للأمة الإسلامية ; كما قال القاضي ~~أبو بكر ; وجب طرد ذلك، حتى في دقائق الفقه وغيرها، إذ ذلك يكون اعتمادا ~~على تأييد إلهي، على نحو التأييد لبعض الأنبياء بروح القدس، والله أعلم. # PageV03P035 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: و «يعتبر في إجماع كل فن قول ~~أهله» كالفقيه في الفقه، والأصولي في الأصول، والنحوي في النحو، والطبيب في ~~الطب «إذ غيرهم» أي: غير أهل ذلك الفن «بالإضافة» إلى ذلك الفن «عامة» . # وذلك أن العامي لفظ منسوب إلى العامة، والعامة مشتق من العموم، وهو ~~الكثرة، ولا شك أن العلماء بكل فن من فنون العلم قليل بالنسبة إلى من لا ~~يعلمه، ومن لا يعلمه أكثر ممن يعلمه بكثير، فهم عامة بالنسبة إلى العلماء ~~بهذا الاعتبار، فالفقيه الذي لا يعرف العربية، أو الأصول بالنسبة إلى ~~النحاة والأصوليين، كالفلاح والمكاري بالنسبة إلى الفقهاء، فإن اتفق من ~~يعرف فنونا، كالفقه، والأصول، والعربية ونحوها، اعتبر قوله في الإجماع في ~~كل فن منها، من حيث إنه عالم بذلك الفن، لا من جهة غيره، والله أعلم. # وعلى قول القاضي أبي بكر ينبغي أن يعتبر في الإجماع في فن إجماع أهل سائر ~~الفنون، لأن أسوأ أحوالهم أن يكونوا كالعامة وهو يعتبر قولهم، والله أعلم. # PageV03P036 # أما الأصولي غير الفروعي وعكسه، والنحوي في مسألة ~~مبناها على النحو فقط، ففي اعتبار قولهم الخلاف في تجزيء الاجتهاد، والأشبه ~~اعتبار قول الأصولي والنحوي فقط لتمكنهما من درك الحكم بالدليل، والمسألة ~~اجتهادية، ولا عبرة بقول كافر متأول أو غيره، وقيل: ms0751 المتأول كالكافر عند ~~المكفر دون غيره، وفي الفاسق باعتقاد أو فعل النفي عند القاضي، إذ ليس عدلا ~~وسطا، والإثبات عند أبي الخطاب، إذ هو من الأمة. # وقيل: يعتبر في حق نفسه فقط دون غيره، أي: يكون الإجماع المنعقد به حجة ~~عليه دون غيره، ولا يعتبر للمجمعين عدد التواتر في الأكثر، إذ العصمة ~~للأمة، فلو انحصرت في واحد، فقيل: حجة لدليل السمع. وقيل: لا لانتفاء معنى ~~الإجماع. # قوله: «أما الأصولي غير الفروعي» ~~أي: العالم بأصول الفقه دون فروعه، ككثير من الأعاجم تتوفر دواعيهم على ~~المنطق والفلسفة والكلام، فيتسلطون به على أصول الفقه، إما عن قصد، أو ~~استتباع لتلك العلوم العقلية، ولهذا جاء كلامهم فيه عريا عن الشواهد ~~الفقهية المقربة للفهم على المشتغلين، ممزوجا بالفلسفة، حتى إن بعضهم تكلف ~~إلحاق المنطق بأوائل كتب أصول الفقه، لغلبته عليه. واحتج بأنه من مواده، ~~كما ذكر # PageV03P037 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # في صدر هذا الشرح، فتركوا ما ~~ينبغي، وذكروا ما لا ينبغي. # «وعكسه» يعني: الفروعي غير الأصولي «والنحوي في مسألة مبناها [على] ~~النحو» أي: تنبني عليه، كمسألة استيعاب الرأس بالمسح، المبنية على أن الباء ~~للإلصاق، أو التبعيض، ومسائل الشروط في الطلاق، ومسائل الإقرار، نحو: له ~~علي كذا وكذا درهما، أو درهم بالرفع، أو الجر غير درهم، على الوصف أو ~~الاستثناء وأشباه ذلك. «ففي اعتبار» قول هؤلاء «الخلاف في تجزيء الاجتهاد» ~~. # ومعنى ذلك: أن الاجتهاد هل يجوز تجزيئه؟ بمعنى أن يكون الشخص مجتهدا في ~~مسألة من المسائل دون غيرها، فإن أجزنا ذلك، اعتبر قول هؤلاء، لأن كلا منهم ~~وإن لم يكن أهلا للاجتهاد في جميع المسائل، لكنه أهل للاجتهاد في بعضها، ~~مثل أن يبني الأصولي وجوب الزكاة على الفور على أن الأمر على الفور، ونحو ~~ذلك، والنحوي مسائل الشروط في الطلاق على باب الشرط والجزاء في العربية، ~~وإن لم يجز تجزيء الاجتهاد، لم يجز ذلك، والأشبه القول بتجزيء الاجتهاد، إذ ~~لا يمتنع وجود أهلية الاجتهاد كاملة بالنسبة إلى بعض المسائل دون بعض. # واعلم أن الواحد من الأمة إما أن لا يعرف ms0752 الأصول ولا الفروع، فلا عبرة ~~بقوله إلا على رأي القاضي في اعتبار العامة، أو يعرفهما جميعا، فيعتبر قوله # PageV03P038 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # اتفاقا، أو يعرف أحدهما دون الآخر، ~~بأن يكون أصوليا فقط، أو فروعيا فقط، ففيها الخلاف، ومتى اشترط للاجتهاد ~~معرفة الأصول والفروع جميعا، كان اعتبار قول هذين مشكلا، لعدم كمال الأهلية ~~فيهما، لكن وقوع الخلاف فيهما يدل على الخلاف في اشتراط ذلك. # قوله: «والأشبه» يعني بالصواب وما دل عليه الدليل «اعتبار قول الأصولي ~~والنحوي فقط» دون الفقيه الصرف «لتمكنهما» يعني الأصولي والنحوي «من درك ~~الحكم» أي: من إدراكه، واستخراجه «بالدليل» هذا بقواعد الأصول، وهذا بقواعد ~~العربية، لأن علمهما من مواد الفقه وأصوله، فيتسلطان به عليه، ولأن مباحث ~~الأصول والعربية عقلية، وفيهما من القواطع كثير، فيتنقح بها الذهن، ويقوى ~~بها استعداد النفس لإدراك التصورات والتصديقات، حتى يصير لها ذلك ملكة، ~~فإذا توجهت إلى الأحكام الفقهية، أدركتها، إذ هي في الغالب لا تخالف قواعد ~~الأصول العقلية إلا بعارض بعيد، أو تخصيص علة، ومع ذلك فهو لا يخفى على من ~~مارس المباحث الأصولية. # ولهذا حكي عن أبي عمر الجرمي أنه قال: لي كذا وكذا سنة أفتي في # PageV03P039 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الفقه من كتاب سيبويه، يعني في ~~النحو، وما ذاك إلا لأن مأخذ سيبويه في كتابه في غاية اللطافة، ونظره في ~~غاية الدقة، والجري على قواعد الحكمة، والأحكام الشرعية - لمن اعتبرها - من ~~الحكمة بمكان على ما أشرت إلى جملة منه في القواعد. وهذا رجل قد كان ذكيا، ~~وله نظر يسير في الفقه، فعاد يتنبه بلطافة حكمة سيبويه، ومأخذه في العربية ~~على حكم الشرع، ومأخذه في الأحكام الشرعية. # ويقال: إن الكسائي قيل له يوما: ما تقول في المصلي يسهو في صلاته، ويسهو ~~أنه سها هل يسجد لسهو السهو؟ فقال: لا، فقيل له: ما الحجة في ذلك، ومن أين ~~أخذت؟ فقال: إن التصغير عندنا لا يصغر. # قلت: فقد اعتبر القدر المشترك بين الصورتين، وهو أن الحكم الواحد لا ~~يتكرر في محل واحد مرتين، وإنما ذكرت هذا المثال، لئلا يستبعد بعض أجلاف ~~الفقهاء ms0753 ما حكي عن الجرمي ويقول: أين النحو من الفقه حتى تستفاد أحكامه ~~منه؟ ! فبينت له أن ذلك مع جودة الذهن، ولطف المأخذ، ودقة النظر، وسرعة ~~التنبيه، داخل في الممكن، قريب الخروج من القوة إلى الفعل. وهذا بخلاف ~~الفقيه الصرف الذي لم يتنقح ذهنه بالمباحث العقلية، والمآخذ النظرية، فإن ~~نسبته إلى الذي قبله ممن تهذبت قوته النظرية نسبة الأرض إلى السماء، ~~والظلمة إلى الضياء، خصوصا إن كان جاهلا مركبا، يجهل، ويجهل أنه يجهل، ~~فيكون كما قيل: إن أشد الناس شقاء من بلي بلسان # PageV03P040 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # منطلق، وقلب منطبق، فهو لا يحسن أن ~~يتكلم، ولا يستطيع أن يسكت. # قوله: «والمسألة اجتهادية» . هذا الكلام لا أعلم الآن ما أردت به وقت ~~الاختصار، لكن يحتمل أمرين: # أحدهما: أن المسألة ليست من القواطع، بل هي من مواقع الاجتهاد، فيحتمل ~~اعتبار قول هؤلاء المذكورين، وهم الأصولي والفروعي والنحوي الصرف، ويحتمل ~~عدم اعتباره، ولا قطع بأحد القولين، وهذا الخلاف إنما هو على قول الجمهور ~~في أن العامي لا يعتبر، أما على قول القاضي أبي بكر في اعتباره، فاعتباره ~~هؤلاء أولى، ولا يتجه فيه خلاف. # الثاني: أنها اجتهادية، فمتى اعتبرنا قول بعض هؤلاء مخالفا، لم يبق ~~الإجماع مع خلافه حجة قاطعة، وهذا مذكور في «الروضة» والأشبه أني أشرت ~~إليه، والوجهان صحيحان، واللفظ يحتملهما فيحمل عليهما، والخطب فيه يسير. # قوله: «ولا عبرة بقول كافر متأول أو غيره، وقيل: المتأول كالكافر عند ~~المكفر دون غيره» . # واعلم أن الكافر إما أن يكون معاندا، أو متأولا، فإن كان معاندا غير # PageV03P041 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # متأول، كاليهود والنصارى، ومن ارتد ~~عن الإسلام رغبة عنه، أو بإنكار ما علم أنه من دين الإسلام ضرورة من غير ~~شبهة، ونحو ذلك، لم يعتبر قوله في الإجماع لأن الدليل السمعي إنما دل على ~~عصمة المؤمنين والأمة، وهذا خارج عنهما، وأيضا فإنه إذا خرج عن الملة، اتهم ~~عليها، ولم يؤتمن، وإن كان متأولا، أي: مستندا إلى شبهة، كمبتدعة المسلمين ~~من الخوارج، والمعتزلة، والرافضة، والجهمية ونحوهم، ففيه قولان: # أحدهما: لا يعتبر قوله مطلقا، كغير المتأول ms0754 بجامع الكفر والتكفير. # والقول الثاني: أنه كالكافر عند من كفره، فلا يعتبر قوله بالإضافة إليه. # أما من لا يكفره، فقوله معتبر بالإضافة إليه. # مثاله: أن الخوارج اختلف في تكفيرهم، فأهل الحديث يكفرونهم، فلا يعتبر ~~قول مجتهدي الخوارج فيما أجمع عليه المحدثون، والفقهاء لا يكفرون الخوارج، ~~فيعتبر قولهم فيما أجمع عليه الفقهاء. وهذا القول أقرب إلى العدل. # وقال الآمدي: إذا كان المجتهد مبتدعا، فإن كفر ببدعته، فلا خلاف في عدم ~~اعتبار موافقته ومخالفته، لعدم دخوله في مسمى الأمة الإسلامية، وسواء علم ~~هو بكفر نفسه، أو لم يعلم، وسواء أصر على بدعته، أو تاب عنها بعد ذلك، إلا ~~على اشتراط انقراض العصر للإجماع، وإن لم يكفر ببدعته، فحكى أقوالا، ~~ثالثها: لا ينعقد الإجماع عليه، بل على غيره. # قلت: يشير بهذا إلى ما سيأتي نظيره في الفاسق إن شاء الله تعالى. # PageV03P042 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «وفي الفاسق باعتقاد» يعني ~~كمن تقدم ذكره من الفرق، إذا لم نكفرهم بقول «أو فعل» كشارب الخمر، والزاني ~~والسارق ونحوهم أقوال: # أحدها: «النفي» أي: نفي اعتبار قوله «عند القاضي» أبي يعلى وجماعة غيره، ~~لأنه «ليس عدلا وسطا» وإنما اعتبر الشرع قول العدل الوسط بدليل قوله تعالى: ~~{وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس} [البقرة: 143] ، والفسق ~~ينافي العدالة. # القول الثاني: «الإثبات» أي: إثبات اعتبار قوله، وهو قول «أبي الخطاب» ~~لأنه «من الأمة» فيتناوله الدليل السمعي على عصمتها. # ويجاب عما قاله القاضي: بأن العدالة تعتبر للرواية والشهادة، لا للنظر ~~والاجتهاد، وهو المراد في باب الإجماع، وللقاضي أن يقول: هو مخبر عن نفسه ~~بما أدى إليه نظره واجتهاده، وخبره غير مقبول لفسقه. # القول الثالث: «يعتبر» قوله «في حق نفسه فقط دون غيره، أي: يكون الإجماع ~~المنعقد به حجة عليه دون غيره» . # مثاله: لو أجمع مع بقية المجتهدين على تحريم بيع أم الولد، أو تحريم ~~الجمع بين الأختين في الوطء بملك اليمين، أو على أن المطلقة ثلاثا لا يحلها ~~للأول مجرد عقد الثاني عليها، أو على تحريم أكل الثعلب ونحوه، كان ذلك ~~الإجماع حجة ms0755 عليه، حتى لو ظهر له دليل الإباحة، # PageV03P043 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لم يجز له المصير إليه مؤاخذة له ~~بإقراره بالتحريم، ولو ظهر لغيره من المجمعين دليل الإباحة، جاز له المصير ~~إليه، لأن الإجماع لم يكمل بالنسبة إليه، فلا يؤاخذ بإقرار غيره بالتحريم، ~~فهذه الأقوال الثلاثة في الكافر المتأول، والفاسق باعتقاد أو فعل، وقد ~~يتحدان بحسب اختلاف النظر، لأن القائل ببدعة إن حكمنا بكفره، فهو كافر ~~متأول، وإن لم نكفره فهو فاسق. # فائدة: المختار أن من كان من أهل الشهادتين، فإنه لا يكفر ببدعة على ~~الإطلاق، ما استند فيها إلى تأويل يلتبس به الأمر على مثله، فيقبل قول جميع ~~مبتدعة المسلمين الذين هم كذلك، إذا عرف منهم الصدق والعدالة في بدعتهم، ~~كما قلنا: إن الكافر العدل في دينه ; يلي مال ولده الصغير والمجنون، لأنه ~~إذا اجتمعت العدالة مع الكفر، فمع البدعة أولى. # وقد ثبت أن أئمة الحديث قبلوا أخبار كثير من أهل البدع الغليظة، لصدقهم ~~وعدالتهم في بدعتهم. # قوله: «ولا يعتبر للمجمعين عدد التواتر» أي: لا يشترط أن يبلغ المجمعون ~~عدد التواتر «في الأكثر» أي: عند الأكثرين من العلماء «إذ العصمة للأمة» ~~أي: لأن الدليل السمعي دل على عصمة الأمة، فسواء بلغت عدد التواتر، أو لم ~~تبلغ، كان اتفاقها معصوما «فلو» قدر أن الأمة «انحصرت في واحد» بأن لم يوجد ~~منها إلا هو، كما قد وعد بمثله في آخر الزمان، أو كان مجتهد واحد بين طائفة ~~من المسلمين في أرض الكفر، واحتاج إلى الحكم # PageV03P044 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الشرعي في حادثة ما، وقلنا بأن ~~اتفاق مجتهدي كل إقليم إجماع، على ما اخترناه قبل «فقيل» : يكون قول ذلك ~~الواحد «حجة لدليل السمع» وهو عصمة الأمة، وقد انحصرت في هذا الواحد «وقيل» ~~: ليس بحجة، لأن الإجماع مشتق من الاجتماع، ويشعر بمعناه، والاجتماع منتف ~~في الواحد، إذ هو لا يتصور إلا من اثنين فصاعدا. # قلت: القولان مبنيان على أن مدرك الإجماع في كونه حجة ; هو السمع أو ~~العقل. # فإن قيل بالأول، فقول الواحد حجة، لدلالة السمع على عصمة الأمة، وقد ~~انحصرت فيه. ms0756 # وإن قيل بالثاني، لم يكن حجة، لأن الإجماع إنما كان حجة لدلالة القاطع، ~~فهو حجة لذلك القاطع، لا لقول الأمة وعصمتها، وقول الواحد لا يدل على ~~القاطع، ولا تحيل العادة الخطأ عليه، وهذا التقرير في كون الإجماع حجة ; هو ~~محكي عن إمام الحرمين في «البرهان» . حكاه عنه القرافي. # والجمهور على أن دليل الإجماع سمعي، والعقل مؤكد له، وهو إحالة العادة ~~خطأ الجم الغفير في حكم لا يتنبه أحد لموقع الخطأ فيه، وأن النصوص شهدت ~~بعصمة الأمة، فلا يقولون إلا حقا، سواء استندوا في قولهم # PageV03P045 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # إلى قاطع، أو مظنون، كما أن الرسول ~~- عليه السلام - لما كان معصوما، كان ما يقوله حجة، سواء كان مستنده علما ~~أو ظنا. # حجة من اشترط عدد التواتر للمجمعين: هو أنا مكلفون بالعلم والشريعة، ~~والقطع بصحة قواعدها في جميع الأعصار، كبعثة محمد - صلى الله عليه وسلم -، ~~وظهور المعجز القاطع على يده، وورود الكتاب والسنة اللذين هما أصل الشريعة ~~على لسانه، ومتى قصر عدد المجمعين على شيء من ذلك عن عدد التواتر، اختل ~~علمنا بتلك القواعد، وهو باطل. # وأجيب: بأن العلم بالقواعد المذكورة قد يحصل بأخبار المجمعين وغيرهم من ~~غير الأمة، إذ التواتر لا يشترط فيه الإسلام، أو بقرائن تنضم إلى إجماع ~~العدد القليل، فلا يلزم ما ذكرتم. # واعلم أن الخلاف في اشتراط عدد التواتر للمجمعين، إنما هو على رأي من جعل ~~طريق إثبات الإجماع السمع، أما من جعل طريق إثباته العقل، فلا بد من عدد ~~الصور فيه بغير خلاف. # PageV03P046 # الثانية: لا يختص الإجماع بالصحابة، بل إجماع كل عصر ~~حجة، خلافا لداود، وعن أحمد مثله. # لنا: المؤمنون والمسلمون والجماعة صادق على أهل كل عصر فيحرم خلافهم، ~~ولأن معقول السمعي إثبات الحجة الإجماعية مدة التكليف، وليس مختصا بعصر ~~الصحابة. # المسألة «الثانية: لا يختص الإجماع ~~بالصحابة، بل إجماع كل عصر حجة، خلافا لداود، وعن أحمد مثله» . # قال الشيخ أبو محمد: وقد أومأ أحمد إلى نحو من قوله، يعني قول داود. # قال الآمدي: ذهب أهل الظاهر، وأحمد بن حنبل في إحدى ms0757 الروايتين عنه إلى أن ~~الإجماع المحتج به مختص بالصحابة - رضي الله عنهم -، وذهب الباقون إلى أن ~~إجماع أهل كل عصر حجة، وهو المختار. # قلت: المشهور من مذهب أحمد ما حكيناه أولا كقول الأكثرين. # قوله: «لنا: المؤمنون» إلى آخره، أي: لنا على أن إجماع كل عصر حجة وجهان: # أحدهما: أن دليل السمع متناول لأهل كل عصر، وصادق عليهم، فيكون إجماعهم ~~حجة. # أما الأول فلأن قوله - عز وجل -: {ويتبع غير سبيل المؤمنين} [النساء: # PageV03P047 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # 115] ، وقوله - عليه الصلاة ~~والسلام -: ما رآه المسلمون حسنا. . ويد الله على الجماعة «صادق على أهل كل ~~عصر» إذ تصح تسميتهم مؤمنين ومسلمين، وجماعة تعريفا وتنكيرا. # وأما الثاني: وهو كون إجماعهم حجة ; فلأنه إذا تناولهم لفظ المؤمنين، ~~وصدق عليهم، حرم خلافهم لقوله تعالى: {ويتبع غير سبيل المؤمنين} الآية، كما ~~سبق. فثبت بهذا أن إجماع كل عصر حجة. # الوجه الثاني: أن المعقول من الدليل السمعي، وهو قوله تعالى: {ومن يشاقق ~~الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين} [النساء: 115] ~~الآية، وأخواتها مما سبق ; هو «إثبات الحجة الإجماعية مدة التكليف» . إذ ~~تقدير الكلام: إن سبيل المؤمنين حق، فاتبعوه ما دمتم مكلفين. والخطاب ~~للموجودين، ولمن سيوجد، وإذا كان الأمر كذلك، فالتكليف «ليس مختصا بعصر ~~الصحابة» بل هو دائم مستمر عصرا بعد عصر حتى تقوم الساعة، فيجب العمل ~~بمعقول الدليل السمعي في إثبات الإجماع في كل عصر من أعصار مدة التكليف، ~~وذلك إنما يكون باتفاق أهل ذلك العصر، إذ ما قبله وبعده معدوم. # PageV03P048 # قالوا: السمعي خطاب لحاضريه فيختص بهم، ولأن الموت لا ~~يخرجهم عن المؤمنين والأمة، فلا ينعقد بدونهم كالغائب. # قلنا: الأول باطل بسائر خطاب التكليف، فإنه عم وما خص، والثاني باطل ~~باللاحق، لا يقال: الفرق ثبوت قول الماضي دونه، لأنا نقول: الجامع العدم، ~~ولا قول لميت، وعموم الأمة مخصوص بعدم اعتبار اللاحق، فالماضي بالقياس ~~عليه، والغائب يمكن مراجعته واستعلام رأيه بخلاف الميت، فإلحاقه باللاحق ~~والصبي والمجنون أولى. # قوله: " قالوا: السمعي خطاب ~~لحاضريه ". هذا حجة الظاهرية، وهي من وجهين: # أحدهما: أن ms0758 دليل السمع الذي ثبت به الإجماع " خطاب لحاضريه " أي: لحاضري ~~ذلك الخطاب كقوله - عز وجل -: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110] ~~، وقوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} [البقرة: 143] ، الآيتين. وهذا ~~خطاب للحاضرين " فيختص " بمقتضاه، وهو كون الإجماع حجة " بهم " دون غيرهم، ~~لعدم تناول الخطاب له. # الوجه الثاني: أن موت الصحابة - رضي الله عنهم - لا يخرجهم عن تناول ~~المؤمنين والأمة لهم، فلا ينعقد إجماع من بعدهم بدونهم كالغائب. # قوله: " قلنا: " إلى آخره. هذا جواب ما ذكروه، أي: قلنا: الجواب عن الوجه ~~" الأول " وهو قولهم: " السمعي خطاب لحاضريه فيختص بهم " أنه # PageV03P049 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # " باطل بسائر خطاب التكليف " نحو: ~~{وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} [البقرة: 43] ونحوه كثير، فإنه خطاب ~~للحاضرين، وعم غيرهم ممن بعدهم، ولم يختص بهم. # وعنه جواب آخر وهو: أن من نصوص الدليل السمعي ما ليس خطابا للحاضرين، نحو ~~قوله - عز وجل -: {ومن يشاقق الرسول} الآية، وهي عامة في المخاطبين وغيرهم، ~~والأحاديث أيضا في ذلك عامة، فبذلك يحصل العموم لغير الصحابة. # والجواب عن " الثاني " وهو قولهم: " الموت لا يخرجهم عن المؤمنين، ~~[والأمة] فلا ينعقد بدونهم كالغائب " ; هو أنه " باطل باللاحق " وهو من ~~سيوجد، فإنه لا يخرجه تخلفه عن الموجود في الحال عن تناول المؤمنين له، وقد ~~انعقد الإجماع بدونه. # قوله: " لا يقال: " إلى آخره، هذا إيراد فرق بين السابق الميت وبين ~~اللاحق الذي لم يوجد. # وتقريره: أنهم قالوا: الفرق بين اللاحق والميت السابق: هو أن الميت ~~السابق ثبت قوله، واستقر، وترتبت عليه الأحكام، بخلاف اللاحق، فإنه لم يوجد ~~بعد، فضلا عن أن يكون له اجتهاد وقول، فلذلك اعتبر قول الميت السابق في ~~الإجماع، ولم يعتبر قول اللاحق. # والجواب عن هذا الفرق: أن " الجامع " بين السابق واللاحق هو " العدم " ; # PageV03P050 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # هذا عدم بالموت، وهذا بكونه لم ~~يوجد بعد، فبهذا الجامع ألزمناكم اللاحق على اعتباركم السابق. # وأما الفارق الذي ذكرتموه بينهما، وهو ثبوت قول السابق دون اللاحق، فلا ~~يصح، لأنه " لا قول لميت " بل يبطل قوله بموته، لجواز أنه لو كان حيا، لرجع ~~عنه بتغير اجتهاده، ms0759 وإن سلمنا أن للميت قولا، لكن ذلك لا يقتضي امتناع ~~انعقاد الإجماع بدونه، وحينئذ يستوي السابق واللاحق، فيقاس عليه. # قوله: " وعموم الأمة مخصوص بعدم اعتبار اللاحق، فالماضي بالقياس عليه " ~~هو جواب عن سؤال مقدر، وهو أن يقال: لو انعقد الإجماع بدون الصحابة مع ~~تناول الأمة والمؤمنين لهم، وإمكان النظر في أقوالهم التي ماتوا عنها، لكان ~~ذلك تخصيصا لعموم الدليل السمعي بغير دليل. # فأجبت عنه بأن عموم الدليل السمعي وهو الأمة ونحوه مخصوص بعدم اعتبار ~~اللاحق، فإنا لم نعتبره إجماعا فليخص السابق منه بالقياس على اللاحق، بجامع ~~العدم. # وقد أجبنا عن ثبوت أقوال الصحابة - رضي الله عنهم -، وإمكان النظر فيها، ~~بأنه لا قول لميت، أو بأن قول الميت لا يقتضي امتناع الإجماع بدونه. # قوله: " والغائب " إلى آخره. هو جواب عن قياسهم السابق على الغائب في ~~اعتبارهما في الإجماع، بجامع تناول الأمة لهما، وذلك بالفرق بينهما. # وتقريره: أن الغائب يمكن مراجعته، واستعلام رأيه " في الواقعة # PageV03P051 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بالمراسلة، ويمكن انتظار أوبته، ~~فيؤخر الإجماع إلى حين إيابه، فلذلك اعتبر قوله " بخلاف الميت " فإنه لا ~~يمكن مراجعته، ولا ترجى أوبته، فلا يعتبر قوله، ويكون إلحاقه باللاحق الذي ~~لم يولد بعد، وبالصبي والمجنون إذ لا يعتبر قولهما أولى من إلحاقه بالغائب، ~~والله أعلم. # PageV03P052 # الثالثة: الجمهور: أنه لا ينعقد بقول الأكثر خلافا ~~لابن جرير، وعن أحمد مثله لارتكاب الأقل الشذوذ المنهي عنه. # لنا: العصمة للأمة ولا تصدق بدونه، وقد خالف ابن مسعود وابن عباس في ~~مسائل فجوز لهم. # قالوا: أنكر عليه المتعة ; وحصر الربا في النسيئة، والعينة على زيد بن ~~أرقم. # قلنا: لخلاف مشهور السنة، ثم قد أنكر على المنكر، فلا إجماع، فهو مختلف ~~فيه، حكمه إلى الله بدليل: {وما اختلفتم} ، {فإن تنازعتم} . # المسألة «الثالثة: الجمهور: أنه لا ~~ينعقد» يعني الإجماع «بقول الأكثر» دون الأقل، حتى يتفق الجميع، «خلافا ~~لابن جرير» الطبري، وأبي بكر الرازي، وأبي الحسين الخياط من المعتزلة، ~~فإنهم ذهبوا إلى انعقاده مع مخالفة الأقل «وعن أحمد مثله» أي: مثل قولهم. ~~قال في «الروضة» : أومأ إليه ms0760 أحمد. # قلت: وحكاه الآمدي رواية عنه في جملة هؤلاء المذكورين، وحكي مع ذلك في ~~المسألة أقوال أخر: # أحدها: إن بلغ الأقل عدد التواتر، لم ينعقد الإجماع بدونه ; وإلا انعقد. ~~وهذا قول بعض المالكية، وبعض المعتزلة، وأبي الحسين الخياط، فيما حكاه ~~القرافي. # PageV03P053 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قلت: هذا يتخرج على رأي من زعم أن ~~مستند الإجماع العقل لا السمع، وأن الإجماع يشترط له عدد التواتر، إذ ~~التواتر يفيد العلم، فيجوز أن الحق مع الأقل المخالف، فلا ينعقد الإجماع ~~دونه، لأنه ليس بقاطع إذن. # قلت: وهو بادئ الرأي تفصيل حسن مقبول، لكنه مع النظر ضعيف من جهة أن عدد ~~التواتر غير محدود، فكيف يعلق هذا الحكم به، ولو كان محدودا، لكن إذا كان ~~الأقل بالغا عدد التواتر، فالأكثر أولى، فيلزم من ذلك تعارض الخبرين ~~المتواترين، وهو أبعد في الاستحالة من تعارض الإجماعين، وما نشأ هذا الضعف ~~إلا من اعتبار التواتر في الإجماع، ولا معنى لاعتباره، لأن تأثير التواتر ~~إنما هو في الخبريات، لا في النظريات الاجتهاديات ; فإن اليهود والنصارى لو ~~أخبرونا بأمر شاهدوه، كمدينة من المدن، أو وقوع زلزلة في مكان ما، أو نحو ~~ذلك، صدقناهم، وأفاد خبرهم العلم، إذا بلغوا عدد التواتر، لأن ذلك أمر ~~خبري، ولو أخبرونا عن أن محمدا غير نبي، أو عن بطلان شيء من قواعد الإسلام، ~~أو عن قدم العالم ونحوه، لم نصدقهم، لأن ذلك أمر نظري، صدر عن نظر فاسد. # القول الثاني: إن سوغت الجماعة الاجتهاد في مذهب المخالف، كان خلافه ~~معتدا به، وإلا فلا، وهو قول أبي عبد الله الجرجاني. # قلت: وهو قول بانعقاد الإجماع بالأكثر، لأنه اعتبر تسويغهم قول المخالف ~~وعدمه، فلو لم يكن اتفاقهم حجة، لما كان تسويغهم المذكور حجة. # القول الثالث: إن إتباع الأكثر أولى، وخلافه جائز. # PageV03P054 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # القول الرابع: إن قول الأكثر حجة ~~لا إجماع. # وقال القرافي: يعتبر عند مالك مخالفة الواحد في إبطال الإجماع. # وقال القاضي عبد الوهاب: إذا خالف الواحد والاثنان، من قصر عن عدد ~~التواتر، فلا إجماع حينئذ. # وقال قوم: لا يضر الواحد ms0761 والاثنان. # وقال ابن الإخشاذ: لا يضر الواحد والاثنان في أصول الدين، والتأثيم ~~والتضليل، بخلاف مسائل الفروع. # وهذا ما اتفق من نقل الخلاف في المسألة، فلنرجع الآن إن شاء الله تعالى ~~إلى ذكر دليلها على ما في «المختصر» . # قوله: «لارتكاب [الأقل] الشذوذ المنهي عنه» . هذه حجة ابن جرير وأتباعه ~~على انعقاد الإجماع بدون الأقل المخالف، وذلك لأن مخالفة الأقل شذوذ عن ~~الجماعة، والشذوذ عن الجماعة منهي عنه بقوله - عليه السلام -: # من فارق الجماعة، فمات، فميتته جاهلية، ونحوه من الأحاديث السابقة في كون ~~الإجماع حجة. وحينئذ يكون هذا المخالف الشاذ عاصيا فاسقا، فلا يعتبر خلافه، ~~وينعقد الإجماع بدونه. # قوله: «لنا: العصمة للأمة» إلى آخره، أي: لنا على أن الإجماع لا # PageV03P055 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ينعقد بدون المخالف، وإن كان شاذا، ~~وجهان: # أحدهما: أن العصمة الإجماعية إنما ثبتت للأمة، والأمة لا تصدق على ~~الأكثرين بدون هذا المخالف، فلا يكون اتفاقهم بدونه إجماعا. # الوجه الثاني: أن ابن مسعود، وابن عباس - رضي الله عنهم - خالفا جمهور ~~الصحابة في مسائل، فانفرد كل واحد منهم عنهم بخمس مسائل في الفرائض، ~~وانفردا وغيرهما في بقية الأحكام بمسائل أخر. وجوز الصحابة لهم هذا ~~الانفراد، ولو انعقد إجماع الصحابة بدونهما، لاستحال في العادة ترك النكير ~~عليهما، وإقرارهما على مخالفة الإجماع، فدل ذلك على أن الإجماع بدونهما لم ~~ينعقد، وهو المطلوب. # قوله: «قالوا: أنكر عليه» إلى آخره. هذا معارضة لهذا الدليل من وجه، دليل ~~ابتدائي للخصم من وجه. # وتقريره: أنهم إن كانوا لم ينكروا على ابن عباس وابن مسعود ما خالفا فيه ~~في الفرائض، فقد أنكروا على ابن عباس إباحة «المتعة» حتى رجع عنها «وحصر ~~الربا في النسيئة» حتى تركه، وأنكرت عائشة - رضي الله عنها - على زيد بن ~~أرقم بيع العينة ; وهي شراء ما بيع نسيئة بأقل مما بيع به وأغلظت عليه في ~~ذلك حتى قالت لأم ولده: أخبري زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول # PageV03P056 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الله - صلى الله عليه وسلم - إلا ~~أن يتوب، ولولا أن اتفاق الأكثر حجة، لما كان لهم الإنكار عليهم. # قوله ms0762 «قلنا: لخلاف مشهور السنة» . هذا جواب على دليلهم المذكور، وهو من ~~وجهين: # أحدهما: أن إنكار الصحابة - رضي الله عنهم - على هؤلاء انفرادهم بهذه ~~المسائل، إنما كان لمخالفتهم فيها السنة المشهورة، والدليل الظاهر، لا لكون ~~اتفاقهم مع مخالفة هؤلاء إجماعا. # الوجه الثاني: أنه قد «أنكر على المنكر» أي: كما أنكر الصحابة على هؤلاء ~~المذكورين ما انفردوا به ; كذلك هؤلاء المذكورون أنكروا على الصحابة ~~إنكارهم عليهم، وناظروهم في ذلك، حتى قال ابن عباس - رضي الله عنهما - في ~~العول: من شاء باهلته، إن الذي أحصى رمل عالج عددا، لم يجعل في مال نصفين ~~وثلثا، هذان نصفان ذهبا بالمال، فأين موضع الثلث؟ وإذا حصل الإنكار من ~~الطرفين «فلا إجماع» بل هو «مختلف فيه، حكمه إلى الله - عز وجل - بدليل» ~~قوله - عز وجل -: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} [الشورى: 10] ، ~~وقوله - عز وجل -: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله} [النساء: 59] . # PageV03P057 # قالوا: يطلق الكل على الأكثر. # قلنا: معارض بما دل على قلة أهل الحق من نحو: {كم من فئة قليلة} ، {وقليل ~~ما هم} ، {وقليل من عبادي الشكور} وعكسه، ثم هو مجاز والأصل الحقيقة، ~~والشذوذ المذموم الشاق عصا الإسلام المثير للفتن كالخوارج، لكن الأظهر أنه ~~حجة إذ إصابة الأكثر أظهر. # قوله: «قالوا:» يعني القائلين: إن ~~اتفاق الأكثر إجماع: يصح إطلاق الكل على الأكثر لغة، فيصح إطلاق لفظ الأمة ~~على أكثرها، فلا يضر شذوذ الأقل كما يقال: بنو تميم يكرمون الضيف، والمراد ~~به الأكثر منهم، وإذا صح إطلاق الأمة على أكثرها، تناوله الدليل السمعي، ~~نحو: أمتي لا تجتمع على ضلالة وقوله - عز وجل -: {كنتم خير أمة} [آل عمران: ~~110] ، ونحوه فيكون اتفاق الأكثر إجماعا، ولا يقدح فيه شذوذ القليل. # قوله: «قلنا: معارض» إلى آخره، أي: الجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أنه ~~معارض بما ورد من النصوص الدالة «على قلة أهل الحق» «وعكسه» يعني كثرة أهل ~~الباطل. # أما الأول: فنحو قوله - عز وجل -: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن ~~الله} [البقرة: 249] ، وقوله - سبحانه وتعالى ms0763 -: {إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وقليل ما هم} [ص: 24] ، وقوله - عز وجل -: {اعملوا آل داود شكرا ~~وقليل من عبادي الشكور} [سبأ: 13] . # PageV03P058 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وأما الثاني: فنحو قوله - سبحانه ~~وتعالى -: {بل أكثرهم لا يعقلون} [العنكبوت: 63] ، {ولكن أكثرهم لا يعلمون} ~~[الأعراف: 131] ، {لا يشكرون} [يونس: 60] ، {لا يؤمنون} [البقرة: 100] ، ~~{ولا تجد أكثرهم شاكرين} [الأعراف: 17] ، وإذا ثبت هذا، فمن الجائز أن يصيب ~~الأقل، ويخطئ الأكثر، فلا يحصل اليقين بوجود الإجماع، والأصل عدمه، فيستصحب ~~حاله. # الوجه الثاني: أن إطلاق الكل على الأكثر «مجاز» لا ضرورة إليه «والأصل ~~الحقيقة» فيجب اعتبارها ما لم يصرف عنه قاطع. # قوله: «والشذوذ المذموم» . هذا جواب عن حجة ابن جرير حيث قال: لا يعتبر ~~خلاف الأقل لارتكابه الشذوذ المنهي عنه. # وتقرير الجواب: أن الشذوذ المذموم المنهي عنه شرعا هو الشذوذ «الشاق عصا ~~الإسلام، المثير للفتن» كشذوذ الخوارج، والمعتزلة، والرافضة ونحوهم، لا ~~الشذوذ في أحكام الاجتهاد. # قال أبو إسحاق الإسفراييني: ثم إن ابن جرير قد شذ عن الجماعة في هذه ~~المسألة، فينبغي أن لا يعتبر خلافه، ويكون مخالفا للإجماع بعين ما ذكر. # قوله: «لكن الأظهر أنه حجة» يعني: اتفاق الأكثر مع مخالفة الأقل، اختلف ~~فيه، فالأكثرون على أنه حجة وإن لم يكن إجماعا، لأن «إصابة الأكثر أظهر» من ~~خطئهم، فيكون حجة يجب العمل به على أهله، ولا يكون # PageV03P059 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قاطعا كالقياس وخبر الواحد، فكل ~~إجماع حجة، ولا ينعكس، فالإجماع أخص من الحجة، وقيل: لا يكون حجة كما لم ~~يكن إجماعا، وهو ضعيف إذ قد بينا أن الإجماع أخص، فلا يلزم من انتفائه ~~انتفاء الأعم، والله تعالى أعلم. # PageV03P060 # الرابعة: التابعي المجتهد المعاصر معتبر مع الصحابة ~~في أظهر القولين، اختاره أبو الخطاب، فإن نشأ بعد إجماعهم فعلى انقراض ~~العصر، خلافا للقاضي وبعض الشافعية. # لنا: مجتهد من الأمة فلا ينهض السمعي بدونه، ولأنهم سوغوا اجتهادهم ~~وفتواهم، وقال عمر لشريح: اجتهد رأيك، وقال له علي في مسألة اجتهد فيها: ~~قالون، أي: جيد، بالرومية. # وسئل أنس عن مسألة فقال: سلوا مولانا الحسن، فإنه غاب وحضرنا وحفظ ~~ونسينا، ولولا صحته لما سوغوه ms0764 فليعتبر في الإجماع. # قالوا: شاهدوا التنزيل فهم أعلم بالتأويل، فالتابعون معهم كالعامة مع ~~العلماء، ولذلك قدم تفسيرهم، وأنكرت عائشة على أبي سلمة مخالفة ابن عباس. # قلنا: الأعلمية لا تنفي اعتبار اجتهاد المجتهد، وكونهم معهم كالعامة مع ~~العلماء تهجم ممنوع، والصحبة لا توجب الاختصاص، وإنكار عائشة إما لأنها لم ~~تره مجتهدا أو لتركه التأدب مع ابن عباس. # المسألة «الرابعة: التابعي المجتهد ~~المعاصر» للصحابة «معتبر» معهم في الإجماع، لا إجماع لهم بدونه «في أظهر ~~القولين، اختاره أبو الخطاب» وهو قول الجمهور. «فإن نشأ» التابعي «بعد ~~إجماعهم» على حكم «فعلى انقراض العصر» أي: خرج اعتباره معهم على انقراض ~~العصر. # إن قلنا: لا يشترط لصحة الإجماع انقراض العصر، لم يعتبر، وإلا اعتبر، لأن ~~شرط استقراره لم يوجد «خلافا للقاضي، وبعض الشافعية» # PageV03P061 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وبعض المتكلمين، حيث قالوا: لا ~~اعتبار بمجتهدي التابعين مع الصحابة. # وقال القاضي عبد الوهاب المالكي: الحق التفصيل وهو أن الواقعة إن حدثت ~~للصحابة بعد أن صار التابعي من أهل الاجتهاد، كان كأحدهم لا إجماع لهم ~~بدونه، وإن حدثت قبل أن يصير من أهل الاجتهاد، فأجمعوا على حكمها، أو ~~اختلفوا، أو توقفوا، لم يعتد بقوله. # قلت: ونحوه اختار الآمدي، والأشبه أنه متى أدرك الخلاف فيها، أو التوقف، ~~اعتبر قوله فيها اختلافا أو اتفاقا. # قوله: «لنا: مجتهد من الأمة» إلى آخره، أي: لنا على اعتبار قوله مع ~~الصحابة مطلقا وجهان: # أحدهما: أنه «مجتهد من الأمة، فلا ينهض» دليل السمع على عصمة الإجماع ~~«بدونه» إذ العصمة للأمة والصحابة بدون هذا التابعي بعضها لا كلها، فلا ~~يكون اتفاقهم إجماعا. # الوجه الثاني: أن الصحابة سوغوا اجتهاد التابعين وفتواهم في عصرهم، فولى ~~عمر شريحا القضاء، وكتب إليه: ما لم تجده في السنة، فاجتهد فيه رأيك. «وقال ~~له علي» يعني لشريح «في مسألة اجتهد فيها» فأصاب: «قالون، أي: جيد ~~بالرومية» . # PageV03P062 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والمسألة: أنه جاءته امرأة ادعت ~~انقضاء عدتها في شهر، فقال له علي: اقض فيها يا شريح، فقال: إن جاءت ببطانة ~~من أهلها، يشهدون أنها تركت الصلاة، فقد انقضت عدتها، وإلا ms0765 فهي كاذبة، فقال ~~له علي: قالون، أي: أصبت. وروى الإمام أحمد في «الزهد» أن أنسا سئل «عن ~~مسألة، فقال: سلوا مولانا الحسن، فإنه غاب وحضرنا، وحفظ ونسينا» . # وقد علم أن كثيرا من أصحاب عبد الله بن مسعود كعلقمة، والأسود وغيرهما، ~~وسعيد بن المسيب، وفقهاء المدينة كانوا يفتون في عصر الصحابة، ولولا صحة ~~اجتهادهم معهم «لما سوغوه» وإذا كان اجتهادهم صحيحا، وجب اعتباره كاجتهاد ~~الصحابي، لاحتمال أن يظهر للتابعي ما لا يظهر لهم، فإن كثيرا من التابعين ~~كانوا أفقه من كثير من الصحابة. # قوله: «قالوا: شاهدوا التنزيل» إلى آخره. هذه حجة القاضي، ومن وافقه، على ~~عدم اعتبار قول التابعي مع الصحابة، وهي من وجهين: # أحدهما: أن الصحابة «شاهدوا التنزيل، فهم أعلم بالتأويل» وأعرف بالمقاصد، ~~وقولهم حجة على من بعدهم «فالتابعون معهم كالعامة مع العلماء، ولذلك قدم ~~تفسيرهم» للكتاب والسنة على تفسير غيرهم. # الوجه الثاني: أن عائشة أنكرت على أبي سلمة بن عبد الرحمن «مخالفة # PageV03P063 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ابن عباس» في عدة المتوفى عنها، ~~فقالت له: إنما مثلك كمثل الفروج ; سمع الديكة تصايح، فصاح لصياحها، ولو ~~كان قوله مع ابن عباس معتبرا، لما أنكرت عليه خلافه. # قوله: «قلنا: الأعلمية» إلى آخره، هذا جواب حجة قولهم: «شاهدوا التنزيل، ~~فهم أعلم بالتأويل» . «قلنا: الأعلمية» أي: كونهم أعلم ; «لا تنفي اعتبار ~~اجتهاد المجتهد» معهم، كبعض الصحابة مع بعض، فإن بعضهم أعلم من بعض، ~~فالتابعون معهم كالعامة. # قلنا: هذا تهجم على التابعين يوهم تنقصهم، حيث شبهتموهم بالعامة، وأطلقتم ~~عليهم هذا اللفظ، وإن لم يكن تشبيها مطلقا، ثم كونهم مع الصحابة كالعامة ~~ممنوع، بل هم كالعلماء بعضهم مع بعض، فاضلا ومفضولا. وقد ثبت أن كثيرا من ~~التابعين أعلم من كثير من الصحابة المعتبر قولهم، كسعيد بن المسيب، مع مثل ~~أبي هريرة. ولهذا رد أهل العراق روايته، لاشتراطهم في الراوي أن يكون ~~فقيها، ولم يكن أبو هريرة عندهم كذلك، وصحبة الصحابة لا توجب اختصاصهم ~~بالاجتهاد، ولا بكونهم أعلم، بل العلم نصيب يوسع الله - عز وجل - منه على ~~من يشاء، ويقتر على ms0766 من يشاء صحابيا كان أو تابعيا، ولهذا لما حضرت معاذ بن ~~جبل الوفاة، قيل له: يا أبا عبد الرحمن، أوصنا. قال: أجلسوني، فأجلسوه، ~~فقال: إن العلم والإيمان # PageV03P064 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مكانهما، من ابتغاهما، وجدهما، ~~يقول ذلك ثلاث مرات. رواه النسائي والترمذي وصححه. # ومعناه أن الاجتهاد لا ينقطع ما دام الكتاب والسنة بين أظهر الناس، فهما ~~عمدة الناس، وهما كالبحر لا ينفذ ما فيه، فمن غاص على المعاني منهما، ~~استخرج علما كثيرا مسبوقا إليه وغيره، وإذا كان الأمر كذلك ; فلا تأثير ~~للصحبة في الاختصاص بالاجتهاد والإجماع. # وأما إنكار عائشة على أبي سلمة، فليس لما ذكرتم «بل إما لأنها لم تره» ~~بلغ رتبة الاجتهاد، ولهذا شبهته بالفروج الذي لم يبلغ مبلغ الديكة «أو ~~لتركه التأدب مع ابن عباس» في أمر خاص أدركته، كرفع صوت، أو مبادرة في ~~الكلام ونحوه، أو لغير ذلك من الأسباب، والله تعالى أعلم. # PageV03P065 # الخامسة: الجمهور لا يشترط لصحة الإجماع انقراض العصر ~~خلافا لبعض الشافعية، وهو ظاهر كلام أحمد ; وأومأ إلى الأول. # وقيل: يشترط للسكوتي ; وقيل: للقياسي. # لنا: الإجماع: الاتفاق، وقد وجد، والسمعي عام ; فالتخصيص تحكم، ولأنه لو ~~اشترط لما صح احتجاج التابعين على متأخري الصحابة به، ولامتنع وجوده أصلا ~~للتلاحق، واللازمان باطلان، وفي الأخير نظر. # المسألة «الخامسة: الجمهور» أي: ~~مذهب الجمهور أنه «لا يشترط لصحة الإجماع انقراض» عصر المجمعين، وهو قول ~~أبي حنيفة والأشاعرة والمعتزلة وأكثر الشافعية ; «خلافا لبعض الشافعية» ~~وبعض المتكلمين ; منهم ابن فورك، «وهو ظاهر كلام أحمد» وقوله الموافق ~~للجمهور أومأ إليه إيماء، وهو معنى قولي: «وهو ظاهر كلام أحمد» وأعني ~~اشتراط انقراض العصر «وأومأ إلى الأول» يعني عدم اشتراط ذلك. # «وقيل» أي: قال بعض الأصوليين: «يشترط» انقراض العصر للإجماع السكوتي دون ~~غيره، وهو اختيار الآمدي، لاحتمال أن يكون سكوت بعضهم نظرا وتأملا، لا جزما ~~ووفاقا، ثم يظهر له دليل الخلاف، فيجب قبوله منهم، وإظهار الخلاف بعد ~~السكوت دليل ظهور هذا الاحتمال، بخلاف الإجماع بالأقوال والأفعال، لانتفاء ~~هذا الاحتمال. # «وقيل» أي: وقال بعضهم: يشترط انقراضه للإجماع القياسي، أي: المنعقد ms0767 عن ~~قياس، كنحو ما سبق، فإن القياس يحتاج إلى نظر وتأمل، # PageV03P066 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ويقع فيه الخطأ كثيرا، فيحتمل أن ~~سكوت الساكت فيه، أو وفاق الموافق كان عن تأمل أو عن خطأ، ثم يظهر له بعد ~~ذلك دليل الصواب. # قوله: «لنا:» أي: على عدم اشتراط انقراض العصر وجوه: # أحدها: أن «الإجماع: الاتفاق، وقد وجد» قبل انقراض العصر «والسمعي» أي: ~~دليل السمع الدال على صحة الإجماع وعصمته «عام» في كونه حجة قبل انقراض ~~العصر وبعده «فالتخصيص» بأنه إنما يكون حجة بعد انقراض العصر «تحكم» من غير ~~دليل. # وبيان عموم الدليل السمعي ; أن قوله تعالى: {ويتبع غير سبيل المؤمنين} ~~[النساء: 115] يقتضي وجوب اتباع سبيل المؤمنين، وليس فيه تعرض لزمان دون ~~زمان، فيكون عاما في جميع الأزمنة بعد انعقاده. # فإن قيل: وجوب اتباع سبيل المؤمنين مأمور به، لأنه واجب، وكل واجب مأمور ~~به، وإذا ثبت أنه مأمور به، كان عمومه في الزمان مبنيا على أن الأمر يقتضي ~~التكرار، وهو ممنوع. # وأيضا فإن وجوب اتباع سبيل المؤمنين من باب المطلق، لا من باب العام، ~~والمطلق يحصل امتثاله بالمرة الواحدة، فاتباع سبيل المؤمنين يحصل بالاتباع ~~في بعض الأزمان، وهو بعد انقراض العصر كما قلناه. # فالجواب: أن مثل هذا السؤال إنما يرخص في إيراد مثله عند التشغيب، ~~والمغاليط الجدلية لقهر الخصم، أما عند التحقيق، فلا، ونحن نعلم قطعا ~~بالضرورة وإجماع المسلمين، أن الله - سبحانه وتعالى - أراد الدوام على ~~اتباع # PageV03P067 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # سبيل المؤمنين في عموم الأزمنة، ~~فيبقى ما ذكرتموه من هذا السؤال خيالا يصادم خيالا، مع أن بطلان ما ذكرتموه ~~من جهة التفصيل ظاهر. # الوجه الثاني: «لو اشترط» انقراض العصر لصحة الإجماع «لما صح احتجاج ~~التابعين على متأخري الصحابة به» أي: بالإجماع، إذ قد كان للصحابة أن ~~يقولوا للتابعين: كيف تحتجون علينا بالإجماع وهو لم يصح، ولم يستقر بعد، ~~لأن شرط صحته انقراض عصر المجمعين عليه، وهو باق لأننا نحن من المجمعين، ~~وها نحن باقون، لكن التابعون كانوا يحتجون بالإجماع على متأخري الصحابة، ~~كأنس وغيره، ويقرونهم عليه، فدل على أن انقراض ms0768 العصر لا يشترط لصحة ~~الإجماع. # وأيضا: فإن الصحابة كانوا يحتجون بالإجماع بعضهم على بعض، وعلى بعض ~~التابعين، كقول عثمان في حجب الأم بأخوين: لا أخالف أمرا كان قبلي، ولو ~~اشترط انقراض العصر، لما قامت به الحجة قبل ذلك. # الوجه الثالث: لو اشترط انقراض العصر لصحة الإجماع «لامتنع» وتعذر «وجوده ~~أصلا، للتلاحق» أي: لتلاحق المجتهدين بعضهم ببعض، متصلا في سائر الأعصار، ~~فإن الولادة والتناسل في العالم متصل، فكلما ولد مولود، واشتغل بالعلم حتى ~~بلغ رتبة الاجتهاد، وقد بقي من المجتهدين المجمعين قبله ولو واحد، لم يتم ~~الإجماع بدون هذا المجتهد اللاحق، فيتلاحق مجتهدو التابعين بمجتهدي ~~الصحابة، فيمتنع استقرار إجماعهم، ومجتهدو # PageV03P068 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # تابعي التابعين بمجتهدي التابعين ~~كذلك، وهلم جرا حتى تقوم الساعة ولا يستقر الإجماع، لكن الإجماع ثابت ~~مستقر، محتج به في كل عصر، باتفاق أهله، فدل على أن انقراض العصر لا يشترط ~~له. # قوله: «واللازمان باطلان» يعني اللازمين في هذين الوجهين الثاني والثالث، ~~لأنهما دخلا في ضمن ملازمة واحدة وهي قوله: «لأنه لو اشترط» يعني انقراض ~~العصر «لما صح احتجاج التابعين» بالإجماع «ولامتنع وجوده أصلا للتلاحق» ~~فامتناع وجود الإجماع، وعدم صحة احتجاج التابعين به على الصحابة لازمان، ~~لاشتراط انقراض العصر له، وهذان اللازمان باطلان، لأن الإجماع قد وجد، وما ~~امتنع، واحتجاج التابعين به على الصحابة قد صح، وما عدم، ولا انتفى، وإذا ~~بطل اللازمان، بطل ملزومهما، وهو اشتراط انقراض العصر للإجماع وهو المطلوب. # قوله: «وفي الأخير نظر» أي: في الوجه الأخير، وهو امتناع الإجماع ~~للتلاحق، وصحة الاستدلال به نظر، لأن الخصم إنما يشترط انقراض عصر ~~المجمعين، لا من يأتي بعدهم ويلحق بهم، وعلى هذا التقدير، لا يلزم من تلاحق ~~المجتهدين امتناع وجود الإجماع أصلا، فلما انقرض عصر الصحابة، ولم يبق على ~~وجه الأرض منهم أحد، استقر إجماعهم، وصح، وصار حجة على من بعدهم من ~~التابعين ; ولو كان فيهم مائة ألف مجتهد قد أدرك الصحابة، لم يقدح ذلك في ~~استقرار إجماعهم بانقراضهم، وكذلك حكم # PageV03P069 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # إجماع التابعين مع من بعدهم، وهلم ~~جرا، فهذا هو ms0769 المراد بانقراض العصر، لأن المجمعين ينقرضون، وليس على وجه ~~الأرض مجتهد من غيرهم. # وأبلغ من هذا: أن أهل العصر الأول إذا أجمعوا على حكم، ثم نشأ منهم ~~مجتهد، لم يحضر إجماعهم على ذلك الحكم، كأصاغر مجتهدي الصحابة مع أكابرهم، ~~لم يشترط في انقراض عصرهم انقراض ذلك المجتهد اللاحق لهم، الذي لم يحضر ~~معهم الإجماع في ذلك الحكم، بل يكفي في استقرار إجماعهم ذلك أن ينقرضوا هم ~~دونه. # وهذا الوجه يحتج به كثير من الفضلاء على عدم اشتراط انقراض العصر، وهو ~~مستدرك بما ذكرت. نعم هذا الاستدراك قد يستدرك بأن المشترط لانقراض العصر، ~~إنما اشترطه لجواز وقوع الإجماع عن اجتهاد، وأن بعض المجمعين يتغير ~~اجتهاده، ويظهر له دليل الخلاف نصا أو اجتهادا صحيحا، فيجب المصير إليه. # وهذا بعينه موجود في اللاحق. وحينئذ يلزم امتناع وجود الإجماع أصلا، ~~للتلاحق كما سبق. # قال الآمدي: والمعتمد يعني في عدم اشتراط انقراض العصر أن المجمعين هم كل ~~الأمة فيما أجمعوا عليه، فكان إجماعهم حجة لما سبق من النصوص. # قلت: حتى على اللاحق، فلا يضر لحوقه. # PageV03P070 # قالوا: لو لم يشترط لما جاز للمجتهد الرجوع، كعلي في ~~بيع أم الولد ; ولما كان اتفاقهم على أحد القولين بعد اختلافهم إجماعا ~~لتعارض الإجماعين على أحدهما، وعلى تسويغ الأخذ بكل منهما، واللازمان ~~باطلان. # وأجيب عن الأول: بمنع رجوع المجتهد بعد انعقاد الإجماع، لأنه حجة عليه، ~~ورجوع علي أنكره عبيدة السلماني عليه، ولا حجة في رجوعه لجواز ظنه ما ~~ظننتم. # وعن الثاني: بمنع أن اختلافهم تسويغ للأخذ بكل منهما إذ كل طائفة تخطئ ~~الأخرى، وتحصر الحق في جهتها، والله أعلم. # قوله: «قالوا:» يعني المشترطين ~~لانقراض العصر احتجوا بوجهين: # أحدهما: «لو لم يشترط» انقراض العصر «لما جاز للمجتهد الرجوع» عما وافق ~~عليه المجمعين، لاستقرار الإجماع قبل رجوعه، فيكون محجوجا به، لكن ذلك قد ~~جاز، ووقع، وذلك يدل على اشتراط انقراض العصر، وبيان وقوعه بصور: # إحداهن: أن الصحابة أجمعوا في زمن عمر على أن أم الولد تعتق بموت سيدها ~~ولا تباع، ثم خالف ms0770 علي بعد موت عمر، وأجاز بيعها كالأمة، كما # PageV03P071 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # كان حكمها قبل إجماعهم. # الثانية: أن أبا بكر - رضي الله عنه - في خلافته سوى بين الناس في قسمة ~~الفيء، لاستوائهم في الإسلام، ووقع الاتفاق على ذلك، فلما ولي عمر، فضل ~~بينهم في ذلك بحسب فضائلهم من: سابقة هجرة، أو غناء في الإسلام، أو شرف ~~فيه. # الثالثة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر جلدا شارب الخمر ~~أربعين، وجلده عمر ثمانين، فبان بهذه الصور أن للمجتهد الرجوع عما وقع عليه ~~إجماع أهل عصره، ويلزم ذلك اشتراط انقراض العصر. # الوجه الثاني: لو لم يشترط انقراض العصر، لما كان اتفاق المجمعين «على ~~أحد القولين» في المسألة «بعد اختلافهم» فيها «إجماعا» إذ يلزم منه تعارض ~~الإجماعين، وهو باطل، وملزوم الباطل باطل. # وإنما قلنا: يلزم منه تعارض الإجماعين ; لأنهم إذا اختلفوا في مسألة على ~~قولين ; فاختلافهم فيها إجماع منهم على تسويغ ذلك الخلاف، وجواز الأخذ بكل ~~واحد من القولين، فإذا رجعوا إلى أحد القولين، واتفقوا عليه، صار ذلك القول ~~مجمعا عليه وحده، وصار ذلك إجماعا منهم على عدم تسويغ الخلاف، وعدم جواز ~~الأخذ بكل من القولين، بل حصروا الحكم في أحد القولين، وهو ما صاروا إليه ~~آخرا، فهذا الإجماع الثاني معارض للأول. # PageV03P072 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وإنما قلنا: إن تعارض الإجماعين ~~باطل، لأن الإجماع معصوم قاطع، والقواطع المعصومة لا تتعارض، لأن تعارضها ~~يوجب بطلان بعضها، والباطل على القواطع المعصومة محال، وهذا معنى قوله ~~«لتعارض الإجماعين على أحدهما، وعلى تسويغ الأخذ بكل منهما» لكن اتفاقهم ~~على أحد القولين بعد اختلافهم في المسألة إجماع صحيح لا يلزم منه محال، ~~كاتفاق الصحابة على قتال مانعي الزكاة، وعلى أن الأئمة من قريش، وعلى تحريم ~~المتعة، وحصر الربا في النسيئة، بعد الخلاف فيها، ونظائره كثيرة، وذلك إنما ~~يصح بتقدير اشتراط انقراض العصر، لأن الإجماع الأول إذن لم يستقر حتى يعارض ~~الإجماع الثاني. # قوله: «واللازمان باطلان» يعني: عدم جواز الرجوع للمجتهد بعد الوفاق، ~~لازم للقول بعدم اشتراط انقراض العصر. وقد بينا بطلانه، فيبطل ملزومه، وهو ms0771 ~~عدم اشتراط الانقراض، وكذلك عدم كون اتفاقهم بعد الخلاف إجماعا، لازم لعدم ~~اشتراط الانقراض، وقد بان بطلانه، فيبطل ملزومه، وهو عدم اشتراط الانقراض. # قوله: «وأجيب عن الأول» أي: عن الوجه الأول من دليل الخصم وهو قولهم: «لو ~~لم يشترط، لما جاز للمجتهد الرجوع» وقد جاز «بمنع» جواز «رجوع المجتهد» أي: ~~لا نسلم جواز رجوعه «بعد انعقاد الإجماع» بموافقته، لأن الإجماع «حجة عليه» ~~فصار كالمؤاخذ بإقراره. # وأما رجوع علي عن تحريم بيع أم الولد ; فعنه جوابان: # PageV03P073 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أحدهما: أن عبيدة السلماني أنكره ~~عليه، وذلك لأن عليا - رضي الله عنه - قال على المنبر: قد كان اتفق رأيي ~~ورأي عمر على أن أم الولد لا تباع، وقد رأيت الآن بيعها، فقال له عبيدة ~~السلماني: رأيك مع الجماعة خير لنا من رأيك وحدك، فيقال: إن عليا قال له: ~~لله درك، ما أفقهك. وهذا يدل على أنه لم يستقر رجوعه، وأنه عاود موافقة ~~الجماعة. # الجواب الثاني: بتقدير أن رجوعه استقر، فلا حجة في رجوعه على اشتراط ~~انقراض العصر، لجواز أنه ظن ما ظننتموه من اشتراطه، وليس كذلك، بما ذكرناه ~~من الأدلة. # وأما رجوع عمر عن التسوية في قسمة الفيء، فلا نسلم أنه كان وافق عليها ~~ظاهرا حتى تكون مخالفته رجوعا. # سلمنا موافقته ظاهرا ; لكن لا نسلم موافقته باطنا، فلعله ما أظهر الخلاف ~~إكراما لأبي بكر عن رد رأيه، أو مهابة له، كما قال ابن عباس في مسألة العول ~~حين قيل له: أين كان رأيك هذا في زمن عمر رضي الله عنه؟ # PageV03P074 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فقال: هبته، وكان امرأ مهيبا، ثم ~~لما ولي عثمان أظهر رأيه لعدم من يهابه. # وأما ضربه لشارب الخمر ثمانين ; فلا نسلم أن ذلك رجوع عن الإجماع، بل كان ~~حد الشارب بأصل السنة أحد المقدارين: أربعين أو ثمانين، بدليل حديث مسلم: ~~أن عثمان لما أمر عليا بجلد الوليد بن عقبة في الخمر ; أمر علي عبد الله بن ~~جعفر فجلده، وعلي يعد عليه حتى بلغ أربعين، فقال: أمسك، ثم قال: جلد النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أربعين، ms0772 وأبو بكر أربعين وعمر ثمانين، وكل سنة، ~~وهذا أحب إلي. فقوله: وكل سنة ; يقتضي سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~وقد جاء في رواية البخاري أن عليا جلد الوليد ثمانين. # PageV03P075 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قلت: ولا إشكال لأن هذا تضمن ~~زيادة، فيقبل، ويحمل الأمر على أن عليا رأى جلده أربعين، فأمسك عندها، ثم ~~رفع إلى عثمان، فأمر بتكملة الثمانين موافقة لما أخذ به عمر، لكن الذي يشكل ~~على قولنا: إن حد الشارب كان بأصل السنة أحد المقدارين ; ما روى أنس عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أتي برجل قد شرب الخمر، فضربه بجريدتين ~~نحو الأربعين، وفعله أبو بكر، فلما كان عمر، استشار الناس، فقال عبد الرحمن ~~بن عوف: كأخف الحدود ثمانين، فأمر به عمر. رواه الترمذي وصححه، وهو في ~~الصحيحين، ولو كانت الثمانون بأصل السنة، لما احتاج عمر إلى مشاورة الناس ~~فيه، إذ خفاء ذلك عن الصحابة بعيد، والله تعالى أعلم. # سلمنا أن حد الشارب لم يكن بأصل السنة أحد المقدارين، لكن لا نسلم أن ~~الإجماع في زمن أبي بكر انعقد على نفي الثمانين، بل على ثبوت الأربعين، ~~لحصول الزجر بها، وكان نفي الثمانين من ثبوت الأربعين مفهوما عدديا ضعيفا، ~~فلما دعت المصلحة إلى إثبات الثمانين، لتتابع الناس في الخمر، فعله عمر، ~~ولم يكن بذلك مخالفا للإجماع، ولا راجعا عنه. # PageV03P076 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «وعن الثاني» أي: وأجيب عن ~~الوجه الثاني من دليل الخصم وهو جواز اتفاق المجمعين بعد اختلافهم بأنا لا ~~نسلم أن اختلافهم على قولين «تسويغ للأخذ بكل منهما» لأن «كل طائفة تخطئ ~~الأخرى» في قولها الذي ذهبت إليه «وتحصر الحق في جهتها» . وحينئذ لا يوجد ~~الإجماع على تسويغ الخلاف، حتى يعارض الإجماع على عدمه باتفاقهم على أحد ~~القولين، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # PageV03P077 # السادسة: إذا اشتهر في الصحابة قول بعضهم التكليفي ~~ولم ينكر فإجماع خلافا للشافعي. # وقيل: حجة لا إجماع، وقيل: في الفتيا لا الحكم، وقيل: هما بشرط انقراض ~~العصر، وقيل: بشرط إفادة القرائن العلم بالرضا. # لنا: يمتنع عادة السكوت عن إظهار الخلاف، لا ms0773 سيما من الصحابة المجاهدين ~~في الحق الذين لا يخافون فيه لومة لائم. # قالوا: يحتمل سكوته النظر، والتقية، والتصويب، والتأخير لمصلحة، أو ظن ~~إنكار غيره، أو خوف عدم الالتفات إليه، فحمله على الرضا تحكم. # قلنا: كل ذلك إذا قوبل بظاهر حالهم لم ينهض، ولأنه يفضي إلى خلو العصر عن ~~قائم بحجة، ولأن غالب الإجماعات كذا، إذ العلم بتصريح الكل بحكم واحد في ~~واقعة واحدة متعذر. # المسألة " السادسة: إذا اشتهر في ~~الصحابة قول بعضهم التكليفي " أي: المتعلق بأحكام التكليف " ولم ينكر " أي: ~~لم يظهر له منهم منكر، فهو " إجماع " إلى آخره. # اعلم أنه في " الروضة " فرض هذه المسألة في الصحابة، وليس مختصا بهم، بل ~~هذه مسألة ### | الإجماع السكوتي، # منهم ومن غيرهم من مجتهدي الأعصار، ولكنها مقيدة بما إذا قال بعض الأمة ~~قولا، وسكت الباقون مع اشتهار # PageV03P078 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ذلك القول فيهم، وكان القول ~~تكليفيا، هل يكون ذلك إجماعا أم لا؟ فلو لم يشتهر القول فيهم، لم يدل ~~سكوتهم على الموافقة، ولو لم يكن تكليفيا، لم يكن إجماعا ولا حجة، لأن ~~الإجماع أمر ديني، وما ليس تكليفيا، ليس دينيا بل دنيويا. # فإذا اشتهر قول بعض الأمة التكليفي، ولم يوجد له نكير، فهو إجماع عند ~~أحمد، وبعض الحنفية، والشافعية، والجبائي، لكنه اشترط فيه انقراض العصر ~~لضعفه كما سبق " خلافا للشافعي " وإمام الحرمين حيث قالا: ليس بحجة ولا ~~إجماع، وهو أيضا قول داود وبعض الحنفية. # " وقيل ": هو " حجة لا إجماع " أي: حجة ظنية، وليس بإجماع يمتنع مخالفته، ~~وهو قول أبي هاشم، واختيار الآمدي. # " وقيل: في الفتيا " أي: هو إجماع في الفتيا " لا " في " الحكم " أي: إن ~~كان ذلك القول فتيا من مفت ; كان مع سكوت الباقين عن إنكاره إجماعا، وإن ~~كان حكما من حاكم، لم يكن إجماعا، وهو قول أبي علي بن أبي هريرة من ~~الشافعية. # والفرق بينهما: أن الحاكم قد يتخلف الإنكار عنه، إما مهابة له، أو لأن ~~أحكامه تتبع اطلاعه على أحوال رعيته، فربما حكم بحكم لأمر اختص بالاطلاع ~~عليه، فلا يقدم غيره على الإنكار ms0774 عليه، لقيام هذا الاحتمال، وحينئذ سكوته ~~لا يدل على الموافقة، لجواز أن الحاكم أخطأ ظاهرا، وأصاب # PageV03P079 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # باطنا، فمنعه ذلك من الإنكار، ~~بخلاف المفتي، فإنه لا يهاب الرد عليه، بل عادة الفقهاء رد بعضهم على بعض، ~~وحكم الفقيه مستند إلى أدلة الشرع، وهي ظاهرة لمن ينظر فيها، لا إلى أمور ~~باطنة يختص بها دون غيره. # قوله: " وقيل: هما بشرط انقراض العصر " أي: وقيل: هو حجة وإجماع بشرط ~~انقراض العصر من غير مخالف، وهذا يرجع إلى قوله: " وقيل: بشرط " أي: هو ~~إجماع بشرط " إفادة القرائن العلم بالرضا " أي: يوجد من قرائن الأحوال ما ~~يدل على رضا الساكتين بذلك القول. # وهذا أحق الأقوال، لأن إفادة القرائن العلم بالرضا، كإفادة النطق له، ~~فيصير كالإجماع النطقي من الجميع وهذا ينافي قول أبي هشام في أنه حجة لا ~~إجماع، لأن قوله مع عدم القرائن، وهذا مع القرائن، فيستويان، والقول ~~المذكور مع القرائن المفيدة للعلم ليس من هذه المسألة في شيء، لأن القرائن ~~إذا أفادت العلم برضا الساكتين، لم يبق الخلاف في كونه إجماعا متجها، وإنما ~~الكلام في قول البعض، وسكوت البعض، مجردا عن القرائن، وفيه الأقوال الخمسة ~~الأول. # " لنا: " أي: على أنه إجماع مطلقا أنه " يمتنع " في العادة " السكوت عن ~~إظهار الخلاف " إذا لاح دليله " لا سيما من الصحابة، المجاهدين في # PageV03P080 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الحق، الذين لا يخافون فيه لومة ~~لائم " وإذا كان السكوت عن الخلاف ممتنعا في العادة ; وجب أن يكون السكوت ~~دليل الرضا عادة، فيكون القول المذكور معه إجماعا. # قوله: " قالوا: " أي: المانعون لكونه إجماعا، احتجوا بأن سكوت الساكت عن ~~إظهار خلاف قول القائل " يحتمل " أمورا: # أحدها: " النظر " في الدليل، والتروي في الحكم، إذ ليس كل أحد يستحضر ~~الدليل بديهة، ولا كل دليل يستحضر كذلك، لتفاوت الأذهان في الإدراك، ~~والأحكام في الوضوح والخفاء. # الثاني: " التقية " للقائل، أي: يتقي سطوته مهابة له، كما قال ابن عباس: # هبته، وكان امرأ مهيبا، يعني عمر. # الثالث: " التصويب " وهو أن يسكت لاعتقاده أن كل مجتهد مصيب، وهذا القائل ~~مجتهد، فيكون مصيبا، ولا ms0775 يلزم من ذلك موافقة الساكت. # الرابع: " التأخير لمصلحة " والمصالح التي يقدر عروضها، ومناسبة تأخير ~~الإنكار لها كثيرة، كخوف إثارة فتنة ونحوه. # الخامس: أنه سكت ظنا منه أن غيره قد أنكر فسقط الإنكار عنه، لأن إنكار ما ~~لا يجوز فرض كفاية، فيسقط عن الجميع بفعل البعض كما سبق. # السادس: أنه سكت مخافة أن لا يلتفت إلى إنكاره، بأن ظهرت له # PageV03P081 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أمارات ذلك فيضع منه، خصوصا إن كان ~~ذا منصب من غير نفع يحصل بالإنكار. # وقد قال العلماء: إن بمثل ذلك يسقط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وفي ~~شبه ذلك قال الحارث بن هشام، حين عوتب على فراره يوم بدر: # الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى علوا فرسي بأشقر مزبد # وعلمت أني إن أقاتل واحدا ... أقتل ولا يضرر عدوي مشهدي # ووجه سابع: وهو أن، ينكر الساكت، لكن لم ينقل إنكاره. وإذا كان السكوت ~~يحتمل هذه الأمور " فحمله على الرضا تحكم " نادر، لأنه احتمال من ثمانية ~~احتمالات. # قوله: " قلنا: " يعني في الجواب " كل ذلك " أي: كل هذه الاحتمالات إذا ~~قوبلت " بظاهر حالهم " في ترك السكوت، وجريان العادة، واقتضاء الطباع إظهار ~~ما يعتقده حقا، لا ينهض في الدلالة على ما ذكرتم، بل ما ذكرناه من # PageV03P082 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ظاهر حالهم أغلب وأظهر، واحتمال ~~واحد قوي، يظهر على كثير من الاحتمالات الخفية، كما قيل: وواحد كالألف إن ~~أمر عنا. # " ولأنه " أي: ولأن ما ذكرتموه من عدم دلالة السكوت على الرضا " يفضي إلى ~~خلو العصر عن قائم بحجة " الشرع، وهو خلاف ظاهر قوله - عليه السلام -: لا ~~تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك مع أن ~~الاحتمالات المذكورة، إذا حقق أمرها على التفصيل بان ضعفها، أو ضعف بعضها. # قوله: " ولأن غالب الإجماعات كذا ". هذا دليل آخر على أن السكوت دليل ~~الرضا. # وتقريره: لو لم يدل سكوت الساكت على الرضا لتعذر وجود الإجماع بالأصالة، ~~أو تعذر وجوده غالبا، لأن الإجماع النطقي عزيز جدا " إذ العلم بتصريح " كل ~~واحد من المجتهدين " بحكم واحد، في واقعة ms0776 واحدة متعذر " لكن الإجماع موجود ~~في كثير من مسائل الشرع الفرعية وغيرها، وإنما كان ذلك بهذا الطريق، وهو ~~قول البعض وإقرار البعض. # وفي المسألة دليلان آخران: # وهو أن إقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما سمعه أو يراه دليل على ~~رضاه وتصويبه، فكذلك سكوت المجتهدين وإقرارهم، لأنهم شهداء الله في الأرض ~~بنص السنة الصحيحة. # PageV03P083 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الثاني: أن التابعين كانوا إذا ~~أشكل عليهم مسألة، فوجدوا فيها قول صحابي منتشرا لم ينكر ; لم يعدلوا عنه، ~~وذلك إجماع من التابعين على كونه حجة. # واعلم أن ما ذكرناه من الدليل على أن ذلك إجماع، تظهر قوته فيما إذا ~~استدللنا به على أنه حجة ظنية، لكن الشيخ أبا محمد ضعف القول بأنه حجة لا ~~إجماع. # قال ": لأنا إن قدرنا رضا الساكت، فهو إجماع، وإلا فهو قول بعض أهل ~~العصر، وليس بحجة. # وأما الفرق بين قول المفتي والحاكم، بالمهابة وعدمها، وما ذكر قبل، فإنما ~~يتجه بعد استقرار المذاهب، أما قبل ذلك، فالحاكم كالمفتين في ذلك. # تنبيه: القاعدة بمقتضى العقل واللغة أن لا ينسب إلى ساكت قول، إلا بدليل ~~يدل على أن سكوته كالقول، حكما أو حقيقة، لأن السكوت عدم محض، والأحكام لا ~~تترتب على العدم، ولا يستفاد منه الأقوال. # فلهذا لو أتلف إنسان مال غيره، وهو ساكت لم يمنعه، ولم ينكر عليه ضمن ~~المتلف، ولا يجعل سكوت المالك إذنا فيه. # ولو ادعي على شخص دعوى، فلم يجب بنفي ولا إثبات، لم يجعل # PageV03P084 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مقرا بالحق بسكوته، بل يقول له ~~الحاكم: إن أجبت، وإلا جعلتك ناكلا، وقضيت عليك، فإذا لم يجب، قضى لوجود ~~شرط القضاء، وهو عدم إجابته، تنزيلا له منزلة الإقرار، لظهوره فيه، لا أنه ~~إقرار حقيقة. وهذا من المواضع المستثناة التي ينسب فيها إلى الساكت قول ~~بدليل، ولو قيل له: أطلقت امرأتك؟ أو أعتقت رقيقك؟ أو زوجت ابنتك فلانا؟ أو ~~بعته؟ أو رهنته؟ أو وهبته هذه العين؟ أو لفلان عندك كذا؟ فسكت، لم يكن ~~إقرارا. # أما إن قام دليل شرعي أو عقلي على نسبة القول أو ms0777 مقتضاه إلى الساكت، عمل ~~به، كقوله - عليه السلام - في البكر: إذنها صماتها، وكذلك ضحكها وبكاؤها ~~يعني في تزويجها، وكقولنا: إن إقرار النبي - عليه السلام - على قول أو فعل، ~~مع علمه به، وقدرته على إنكاره حجة، وإن الإجماع السكوتي حجة، وكقولنا: إن ~~من أقر بأحد ولدين ولدتهما امرأته في بطن واحد، وسكت عن توأمه، لحقه نسبه، ~~ولم يكن له نفيه، لاستلزام إقراره بتوأمه الإقرار به عقلا، إذ لا يتصور كون ~~أحدهما منه والآخر من غيره، وكذلك لو هنئ بولده، فسكت، أو أمن على الدعاء ~~له، أو أخر نفيه مع إمكانه، والعلم بأن له نفيه ; لحقه نسبه، لقيام الدليل ~~على أن السكوت هاهنا كالقول، ولو حلق # PageV03P085 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # حلال رأس محرم، وقدر على الامتناع، ~~فلم يمتنع، ولم يكن منه إذن، فهل الفدية عليه أو على الحالق؟ فيه وجهان، ~~لأن سكوته هاهنا قوي، لاقترانه بالقدرة على المنع، فصار مترددا بين الإذن ~~المحض، والسكوت المحض، وسكوت أحد المتناظرين عن الجواب لا يعد انقطاعا في ~~التحقيق، إلا بإقرار منه، أو قرينة حال ظاهرة، مثل أن يعرف بحب المناظرة، ~~وقهر الخصوم، وتوفر الدواعي على ذلك، فهذا سكوته في مجرى العادة لا يكون ~~إلا عن انقطاع. # أما لو انتفت القرينة، لم يدل سكوته على الانقطاع، لتردده بين استحضار ~~الدليل، وترفعه عن الخصم لظهور بلادته، أو تعظيمه، وإجلاله عن انقطاعه معه، ~~أو إفضاء المناظرة إلى الرياء، وسوء القصد، فيحب السلامة بالسكوت، ونحو ذلك ~~من الاحتمالات، ولذلك اشتهر بين العامة، إذا قرروا شخصا بأمر، فسكت، قالوا: ~~سكوته إقراره، وليس ذلك مطلقا، بل إن ظهرت قرائن الإقرار، دل سكوته عليه، ~~وإلا فلا. # ومن هذا الباب وقع النزاع بين العلماء في بيع المعاطاة، نحو: خذ، وأعطني، ~~أو يتعاطيان بلا قول أصلا من إيجاب وقبول، فالمشهور عن الشافعي: لا يصح، ~~لأن مال الغير حرام إلا بالتراضي وهو خفي في النفس، # PageV03P086 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يحتاج إلى قول يدل عليه، لأن ~~الساكت لا ينسب إليه قول، والصحيح الأكثر عن العلماء صحته، لدلالة السكوت ~~مع قرائن الأحوال على الرضا قطعا، ms0778 ولاصطلاح الناس عليه في كل عصر من غير ~~نكير، فكان إجماعيا مما نحن فيه، ويتخرج على هذه القاعدة كل ما أشبه هذه ~~المسائل. # والسر فيه، أن العبارات ليست مقصودة لذاتها، بل لدلالتها على ما في ~~النفوس من الإرادات والمعاني، فإذا حصلت الدلالة على ذلك بدون الألفاظ، ~~صارت فضلة لا حاجة إليها، كما لا يحتاج الطائر في صعوده السطح إلى نصب سلم، ~~لاستغنائه عنه بالجناح، ولهذا وقع الحذف كثيرا في كلام العرب، لحصول مقصود ~~اللفظ المحذوف بالقرائن، والله تعالى أعلم. # PageV03P087 # السابعة: إذا اختلفوا على قولين، امتنع إحداث ثالث ~~خلافا لبعض الحنفية والظاهرية. # لنا: هو مخالفة سبيل المؤمنين ونسبة للأمة إلى تضييع الحق. # قالوا: لم يصرحوا بتحريم الثالث، فجاز كما لو علل أو استدل بغير علتهم ~~ودليلهم، وكما لو نفى بعض في مسألتين وأثبت بعض، فنفى الثالث في إحداهما ~~وأثبت في الأخرى. # قلنا: وسكتوا عن الثاني، ولم يجز إحداثه، والعلة والدليل يجوز تعددهما ~~ولم يتعبدوا به، والواحد منهما يكفي، والنافي في إحدى المسألتين دون الأخرى ~~لم يخرج عن سبيل المؤمنين، ومن ثم جاز انقسام الأمة إلى فرقتين تصيب كل ~~واحدة في إحدى المسألتين وتخطئ في الأخرى على الأصح فيه، إذ الممتنع خطأ ~~الجميع في كلتيهما لا في بعض بالتركيب. # وقيل: إن رفع الثالث الإجماع امتنع، وإلا فلا، وهو أولى. # المسألة " السابعة: إذا اختلفوا " ~~يعني أهل العصر " على قولين، امتنع على من بعدهم " إحداث " قول " ثالث " ~~عند الجمهور " خلافا لبعض الحنفية، والظاهرية " والشيعة. # قوله: " لنا: " أي: على امتناع إحداث القول الثالث وجهان: # أحدهما: أن ذلك " مخالفة سبيل المؤمنين " فيمتنع، أما أنه خلاف سبيل ~~المؤمنين، فلأن اختلافهم على قولين حصر للحق فيهما فلا # PageV03P088 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يتجاوزهما، فالقول الثالث خارج عن ~~سبيل المؤمنين، وعن الحق المحصور فيه، وأما أن خلاف سبيل المؤمنين، ممتنع ~~بالأدلة للإجماع السابقة. # الوجه الثاني: أن ذلك يوجب نسبة الأمة إلى تضييع الحق، وهو غير جائز، وما ~~أفضى إلى غير الجائز لا يجوز. # أما أنه يوجب نسبة الأمة إلى ما ذكرنا، فلما تقدم من ms0779 أن اختلافهم على ~~قولين اقتضى حصر الحق فيهما، فلو كان القول الثالث حقا، لكانت الأمة قد ~~ضيعته. وأما أن نسبتها إلى تضييع الحق لا يجوز، فلأن ذلك ينافي العصمة، وقد ~~دل الدليل على عصمتها، وما نافى مقتضى الدليل لا يجوز، وأما أن ما أفضى إلى ~~غير الجائز لا يجوز، فلأن وسيلة الممنوع ممنوعة، ومن كليات القواعد: أن ~~الوسائل تتبع المقاصد. # قلت: ويرد على الوجهين منع أن اختلافهم على قولين حصر للحق فيهما، بل ~~إنما أجمعوا على جواز القولين، لا على نفي الثالث، وأن الإجماع على القولين ~~مشروط بعدم حدوث الثالث، فلما حدث الثالث، تبين أن اتفاقهم على القولين، لم ~~يكن إجماعا. # قوله: " قالوا: " يعني المجوزين لإحداث قول ثالث، احتجوا بأن المختلفين ~~على قولين " لم يصرحوا بتحريم " القول " الثالث، فجاز " إحداثه، كما لو ~~عللوا أو استدلوا بعلة أو دليل، فعلل من بعدهم، أو استدل بغير تلك العلة ~~وذلك الدليل، فإن ذلك جائز، فكذا إحداث القول الثالث، وكذا لو # PageV03P089 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # نفى بعض أهل العصر الحكم في ~~مسألتين، وأثبته بعضهم فيهما " فنفى الثالث في إحداهما، وأثبت في الأخرى " ~~جاز. # كما لو قال قائل: إذا أودع الصبي المميز والعبد مالا، فأتلفاه، ضمناه، ~~وقال قائل: لا يضمنان، فقال الثالث: يضمن العبد دون الصبي. # وكما لو قال قائل: لا يطهر جلد الكلب، ولا الخنزير بالدباغ. وقال آخر: ~~يطهران، فقال ثالث: يطهر جلد الكلب دون الخنزير، وأشباه ذلك، فكذا إحداث ~~القول الثالث. # قوله: " قلنا: وسكتوا عن الثاني، ولم يجز إحداثه ". هذا نقض لقولهم: إن ~~المختلفين على قولين لم يصرحوا بنفي الثالث، فيجوز إحداثه، وإلزام لهم على ~~اعتلالهم فيه ما لا يقولون به. # وتوجيه النقض المذكور: أنهم كما لم يصرحوا بنفي الثالث ; كذلك إذا اتفقوا ~~على قول واحد، لم يصرحوا بنفي قول ثان، بل سكتوا عنه، ولم يجز إحداثه ~~باتفاق، فإن كان عدم تصريحهم بالثالث لا يمنع من إحداثه، فليكن عدم تصريحهم ~~بالثاني غير مانع من إحداثه، ولم يقولوا به. # قوله: " والعلة والدليل " إلى آخره. هذا فرق بين إحداث ms0780 القول الثالث، ~~وبين التعليل أو الاستدلال بغير ما استدل به أهل العصر. # وتقرير الفرق: أن " العلة والدليل يجوز تعددهما " أي: ثبوت الحكم بعلتين، ~~أو دليلين، يخفى أحدهما عن أهل العصر الأول، ويظهر لأهل العصر الثاني، ~~وليسوا متعبدين بالاطلاع على جميع العلل والأدلة، إذ # PageV03P090 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المقصود معرفة الحكم، وذلك بالعلة ~~الواحدة والدليل الواحد، فالعلل والأدلة وسائل لا مقاصد، بخلاف الحكم، فإنه ~~لا يجوز تعدده في المحل الواحد، فيكون منفيا مثبتا، أو واجبا محرما من جهة ~~واحدة، وهو متعبد به، مقصود لذاته، فإحداثه بعد الاتفاق على غيره خلاف ~~لسبيل المؤمنين المقصود، ونسبة لهم إلى تضييع الحق وإهماله، بخلاف العلة، ~~والدليل. # قوله: " والنافي " إلى آخره. هذا جواب عن قياسهم على ما لو نفى البعض في ~~مسألتين، وأثبت البعض الآخر فيهما، فنفى الثالث في إحداهما. # وتقريره: أن " النافي في إحدى المسألتين دون الأخرى لم يخرج عن سبيل ~~المؤمنين " ألا تراه في المثال المذكور وافق بعضهم في تضمين العبد، والبعض ~~الآخر في عدم تضمين الصبي، بخلاف من أحدث قولا ثالثا، فإنه خرج عن سبيل ~~المؤمنين خروجا كليا. # قوله: " ومن ثم " أي: ومن جهة أن الممتنع إنما هو الخروج الكلي عن سبيل ~~المؤمنين، لا الخروج الجزئي ; " جاز " أن تنقسم " الأمة إلى فرقتين، تصيب ~~كل واحدة " منهما " في إحدى المسألتين، وتخطئ في الأخرى على الأصح " في ~~ذلك. # مثاله: خطأ الحنابلة في تقديم بينة الخارج، وإصابة الشافعية في # PageV03P091 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # تقديم بينة الداخل، وخطأ الشافعية ~~في إباحة البنت المخلوقة من الزنى، وكراهة الماء المشمس، وإصابة الحنابلة ~~في تحريمها وعدم كراهته. # وأمثال هذا كثير، لأن الممتنع خطأ جميع الأمة في كلتا المسألتين " لا في ~~بعض بالتركيب " أي: ليس الممتنع خطأ الأمة في بعض المسائل خطأ مركبا، بأن ~~تخطئ هذه الطائفة في هذه المسألة، وهذه الطائفة في تلك المسألة الأخرى، لأن ~~الخطأ المركب جزئي، ولا دليل على عصمتها منه، إنما دل الدليل السمعي على ~~نفي الخطأ الكلي ; وهو أن يخطئ مجموع الطائفتين في كل واحدة من المسألتين ; ~~بخلاف الخطأ المركب، لأنها إن كانت ms0781 فيه مخطئة من وجه، فهي مصيبة من وجه. # واعلم أن خطأ كل فرقة في مسألة هو واسطة بين طرفين، فلهذا خرج الخلاف ~~فيه، وذلك لأن القسمة تقضي أنه إما أن تخطئ كل واحدة من الفرقتين، في كل ~~واحدة من المسألتين، أو تصيب كل واحدة من الفرقتين، في كل واحدة من ~~المسألتين، أو تصيب كل واحدة في مسألة، وتخطئ في الأخرى، فالأول ممتنع، ~~لأنه خطأ كلي، والثاني جائز حسن، لأنه إصابة كلية، والثالث واسطة، لأنه خطأ ~~من وجه دون وجه، فبالنظر إلى ما فيه من الخطأ ألحق بالطرف الأول، وهو الخطأ ~~الكلي في الامتناع، وبالنظر إلى ما فيه من الصواب ألحق بالطرف الثاني، وهو ~~الصواب الكلي في الجواز. # قوله: " وقيل: إن رفع الثالث الإجماع امتنع، وإلا فلا، وهو أولى " هذا # PageV03P092 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قول ثالث في المسألة، وهو أن إحداث ~~القول الثالث إن رفع الإجماع الأول على القولين الأولين، لم يجز، وإن لم ~~يرفعه، جاز. وهذا التفصيل اختيار الإمام فخر الدين في " المحصول " والآمدي ~~في " منتهى السول ". # مثال الرافع لما اتفق عليه القولان الأولان: أن الوالد لا يقتل بولده عند ~~الأكثرين مطلقا، وقال مالك: يقتل إذا تعمد قتله، مثل أن يذبحه ذبحا ونحوه، ~~لا أن حذفه بسيف ونحوه ; لاحتمال أنه أراد تأديبه، فأتى على نفسه خطأ. فلو ~~قال قائل آخر: يقتل بولده مطلقا، كان رافعا للإجماع الأول. # وكذا لو قال بعض الأمة باعتبار النية في كل طهارة، وقال البعض الآخر: ~~باعتبارها في بعض الطهارات دون بعض، كقول أبي حنيفة: يعتبر للتيمم دون ~~الوضوء، فالنافي لاعتبارها في جميع العبادات مطلقا ; يكون رافعا للإجماع ~~الأول. # وكذا لو قال بعض الأمة: الجد يسقط الإخوة، ويأخذ المال دونهم، وهو قول ~~أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وقال بعضهم: يقاسمهم كأخ وهو قول زيد بن ~~ثابت على تفصيل فيه، فلو قال قائل: إن الإخوة يحوزون المال كله ; كان رافعا ~~للإجماع. على أن القرافي حكى عن ابن حزم في " المحلى " أن بعض الناس قال: ~~المال كله للإخوة، تغليبا للبنوة على ms0782 الأبوة، # PageV03P093 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فعلى هذا لا يصح هذا المثال، لكون ~~القول الثالث ليس رافعا للإجماع، وإنما الرافع للإجماع أن يقدر قول قائل ~~بأن الجد يقاسم الإخوة نصفين ; قلوا أو كثروا، أو يفصل بين أن يكونوا ~~لأبوين، فيحوزونه أو يقاسمون، أو لأب، فينفرد به عنهم، ونحو ذلك من ~~التقديرات التي لم يقل بها قائل. # ومثال ما ليس رافعا للإجماع: ما سبق من النفي في إحدى المسألتين دون ~~الأخرى، وكما لو اختلفوا في اعتبار النية في الطهارات نفيا وإثباتا، فالقول ~~بإثباتها في البعض دون البعض لا يمتنع، لأنه لم يرفع الإجماع الأول، بل ~~وافق كل فريق في بعض ما ذهب إليه، وذلك لا يتحقق به مخالفة سبيل المؤمنين، ~~فلا يكون باطلا، لأن الدليل السمعي إنما دل على تحريم مخالفة سبيل ~~المؤمنين، فسبيل بعضهم لا يتناوله دليل السمع، وإلا لانعقد الإجماع بقول ~~بعضهم، وهو باطل، والله تعالى أعلم. # PageV03P094 # الثامنة ### | : اتفاق التابعين على أحد قولي الصحابة # إجماع عند أبي الخطاب والحنفية خلافا للقاضي وبعض الشافعية. # لنا: سبيل مؤمني عصر فينهض السمعي، كاتفاق الصحابة على أحد قوليهم. # قالوا: فتيا بعض الأمة، ولا يبطل مذهب الميت بموته. # قلنا: يلزم اختصاص الإجماع بالصحابة كقول داود، وهو باطل باتفاق. # المسألة «الثامنة: اتفاق التابعين ~~على أحد قولي الصحابة إجماع» أي: إذا اختلف الصحابة على قولين، فاتفق ~~التابعون على أحدهما، كان ذلك إجماعا «عند أبي الخطاب والحنفية، خلافا ~~للقاضي وبعض الشافعية» حيث قالوا: ليس ذلك بإجماع. # قال القرافي: لنا وللشافعية فيه قولان مبنيان على أن إجماعهم على الخلاف ~~يقتضي أنه الحق، فيمتنع الاتفاق بعده، أو هو مشروط بعدم الاتفاق، وهو ~~الصحيح. # قلت: واختار الآمدي امتناع الاتفاق بعد الخلاف، وليس ذلك مخصوصا ~~بالتابعين مع الصحابة، بل أي عصر من الأعصار اختلف أهله، فهل يصح اتفاق أهل ~~العصر بعده على أحد القولين؟ ولا نزاع في إمكان تصور ذلك عقلا، بل في صحته ~~شرعا. # «لنا:» أي: على صحة ذلك أن اتفاق أهل العصر الثاني «سبيل مؤمني عصر، ~~فينهض» الدليل «السمعي» على كونه معصوما، بناء على ms0783 ما سبق # PageV03P095 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # من أن إجماع كل عصر حجة، وصار ذلك ~~«كاتفاق الصحابة على أحد قوليهم» فإنه يكون إجماعا، كذلك هذا. # قوله: «قالوا:» يعني المانعين لكون الاتفاق على أحد قولي أهل العصر الأول ~~حجة ; قالوا: هذا الاتفاق هو «فتيا بعض الأمة» فلا يكون إجماعا، لأن العصمة ~~إنما تثبت لمجموع الأمة، لا لبعضها، والدليل على أنه فتيا بعض الأمة هو أن ~~حكم القول الآخر من قولي أهل العصر الأول باق، لأن القائلين به وإن ماتوا ; ~~لكن قولهم لم يمت، لأن مذهب الميت لا يبطل بموته، بدليل أن أقوال أئمة ~~السلف معمول بها، معتمد عليها بعد موتهم إلى يومنا هذا فما بعده، وإذا ثبت ~~أن أحد قولي أهل العصر الأول لم يبطل بموت قائله ; كان اتفاق أهل العصر ~~الثاني على القول الآخر اتفاقا على فتيا بعض الأمة، وذلك ليس بإجماع. # قوله: «قلنا: يلزم اختصاص الإجماع بالصحابة، كقول داود، وهو باطل باتفاق» ~~. # توجيه هذا الجواب أن يقال: القول بأن اتفاق أهل العصر الثاني على أحد ~~قولي أهل العصر الأول لا يكون إجماعا، لما ذكرتموه من أنه فتيا بعض الأمة ~~لا كلها، يلزم منه اختصاص الإجماع بالصحابة، بأن لا يصح انعقاد الإجماع إلا ~~منهم، ولا يصح ممن بعدهم، لأنهم وإن ماتوا، فأقوالهم لم تبطل بموتهم، فكل ~~من اتفق بعدهم على حكم، فقوله فتيا بعض الأمة لا فتيا # PageV03P096 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # كلها ; فلا يتصور انعقاد الإجماع ~~بعدهم، كما ذهب إليه داود الظاهري، لكن اختصاص الإجماع بالصحابة باطل، ~~باتفاق منا ومن الخصم في هذه المسألة، فيبطل ملزومه، وهو أن اتفاق أهل ~~العصر الثاني على أحد قولي أهل العصر الأول، ليس بإجماع فيصح ما قلناه من ~~أنه إجماع. # تنبيه: أما ### | اتفاق أهل العصر الواحد بعد اختلافهم، # فجائز، خلافا للصيرفي، ودليل الجواز الوقوع، فإن الصحابة اختلفوا في ~~أحكام كثيرة، ثم اتفقوا، وقد سبقت أمثلته في مسألة انقراض العصر، ولعل ~~الصيرفي يحتج بأن اختلافهم على قولين فأكثر ; إجماع منهم على تسويغ الخلاف ~~في المسألة والأخذ بكل واحد من الأقوال فيها بالاجتهاد، فاتفاقهم بعد ms0784 ذلك ~~على أحد الأقوال رفع لذلك الإجماع، ومعارضة للإجماع الأول بالثاني، وهو ~~باطل. # والجواب: أن اتفاقهم على أحد قوليهم سبيل المؤمنين فيجب اتباعه، وأما كون ~~اختلافهم إجماعا على تسويغ الأخذ بكل من القولين، فممنوع، وإن سلم، لكن ذلك ~~الإجماع مشروط بعدم الإجماع الثاني على أحد القولين. # فإن قيل: لو جاز أن يكون الإجماع على تسويغ الخلاف المذكور مشروطا بعدم ~~الإجماع الثاني، لجاز أن يكون إجماعهم على قول واحد مشروطا بعدم إجماع ثان، ~~لكن ذلك يوجب أن لا يستقر إجماع أصلا، وأن يجوز نقض الإجماع بالإجماع أبدا، ~~وهو باطل، فالمفضي إليه باطل. # فالجواب: أن ذلك غير لازم، لأن الإجماع على قول واحد تعينت فيه المصلحة ~~ووجه الحق، فاستقرت له العصمة، بخلاف الاختلاف على # PageV03P097 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قولين، فإن جهة المصلحة لم تتعين ~~في أحدهما، فلم تستقر العصمة في الإجماع على تسويغ الأخذ بكل منهما، فكان ~~استقراره مشروطا بعدم ما هو أقوى منه، فإذا وجد، زال الإجماع الأول لزوال ~~شرطه، والله تعالى أعلم. # PageV03P098 # التاسعة: اتفاق الخلفاء الأربعة ليس إجماعا ; وكذا ~~أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - وأولى. والخلاف عن أحمد فيهما يفيد أنه ~~حجة. و ### | إجماع أهل المدينة # من الصحابة والتابعين ليس بحجة خلافا لمالك. # لنا: العصمة للأمة لا للبعض ولا للمكان ; قال: يمتنع اتفاق الجم الغفير ~~من أهل الاجتهاد على الخطأ عادة. # قلنا: باقي الأمة أكثر، فالتمسك بهذا في حقهم أولى. # المسألة «التاسعة: اتفاق الخلفاء ~~الأربعة» بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، مع مخالفة غيرهم لهم «ليس ~~إجماعا، وكذا» اتفاق الشيخين «أبي بكر وعمر، وأولى» أي: إذا لم يكن اتفاق ~~الأربعة إجماعا، فقول اثنين منهم أولى أن لا يكون إجماعا ودليل ذلك ما سبق ~~من أن العصمة تثبت لمجموع الأمة، وهؤلاء بعضها. # قوله: «والخلاف عن أحمد فيهما يفيد أنه حجة» يعني أن أحمد - رحمه الله - ~~نقل عنه الخلاف في المسألتين، فنقل عنه انعقاد الإجماع باتفاق الأربعة، ~~وباتفاق الشيخين فقط، وهو قول القاضي أبي حازم في اتفاق الأربعة، ويلزمه ~~القول بذلك في الشيخين أيضا. ms0785 # وحجة هذا القول قوله - صلى الله عليه وسلم -: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء ~~الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر # PageV03P099 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وعمر، ولو لم تقم الحجة بقولهم، ~~لما أمرنا باتباعهم. # والجواب: أن سنة الخلفاء الراشدين إن كانت هي سنة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، فلا اختصاص لهم بها، وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ودينه دل على اعتبار قول جميع الأمة لا بعضها، وإن كانت غير سنة رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -، لم تعتبر، فكان الإجماع الذي دل عليه الدليل ~~السمعي أولى بالاتباع، وإن سلمنا اعتبار سنتهم، فإما أن لا تعتبر سنة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - مع سنتهم، أو تعتبر معها، فإن لم تعتبر، لزم ~~استقلال سنتهم بالصواب، مع مخالفتها سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وهو باطل بإجماع. وإن اعتبرت معها سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، لم ~~تستقل سنتهم بإصابة الحق، لأن ما اعتبر له سببان، أو علق على سببين، لم ~~يحصل بأحدهما. # أما قوله - صلى الله عليه وسلم -: وسنة الخلفاء الراشدين ; فهو تعريف ~~بصفة الخلافة مع الرشاد، فلا يختص بالأربعة ولا بالشيخين، بل يتناول كل ~~خليفة راشد، فيجب أن يضم في الاعتبار إلى قولهم قول كل من اتصف بذلك كعمر ~~بن عبد العزيز ونحوه. # سلمنا أن المراد بالخلفاء الراشدين الأربعة المذكورون، لكن الأمر باتباع ~~سنتهم لا ينفي اعتبار بقية الأمة معهم، إذ بقية الأمة مسكوت عنهم في ~~الحديث. وقد دل دليل الإجماع على اعتبار قولهم، فصار تقدير الحديث: # PageV03P100 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # عليكم بسنة الخلفاء الراشدين ~~الموافقة لقول باقي أمتي، وخص الخلفاء الراشدين بالذكر لأنهم رؤساء الأمة ~~وخيرها وأفضلها. # سلمنا أن المراد اتباع سنتهم فقط، لكن ليس ذلك نصا في أن اتفاقهم إجماع، ~~فيحمل على اتباعهم في الفتيا، أو السياسة، أو الرواية، أو تفسير القرآن، ~~يقدم قولهم في ذلك، لقدم عهدهم في الإسلام، ورسوخهم فيه، أو على أن قولهم ~~حجة. وقد بينا أن ليس كل حجة إجماعا، ms0786 وعليه حمل ما دل عليه قول أحمد، من ~~أنه لا يخرج عنهم إلى قول غيرهم. # سلمنا أن المراد أن اتفاقهم إجماع، لكن هاهنا ما يعارضه، وهو أن اتفاقهم ~~بمجرده، لو كان إجماعا، للزم أن يكون قول كل واحد أو اثنين منهم إجماعا، ~~ولا قائل به، وإنما قلنا ذلك لأنه - صلى الله عليه وسلم - قال: إن الله ضرب ~~بالحق على لسان عمر وقلبه. وقال عمر: وافقت ربي في ثلاث، ونقل عن الصحابة ~~أنهم قالوا: كنا نرى أن مع عمر ملكا يسدده، وقال - صلى الله عليه وسلم - في ~~حديث يرويه مشرح ابن هاعان: «لو كان نبي بعدي ينتظر، لكان عمر» وقال في ~~علي: اللهم # PageV03P101 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أدر الحق معه حيثما دار. ولما بعثه ~~إلى اليمن قاضيا، قال: يا رسول الله، إنه لا علم لي بالقضاء، فقال: اذهب، ~~فإن الله سيهدي قلبك، ويسدد لسانك، قال: فما شككت في قضية بعد، فأخبر - صلى ~~الله عليه وسلم - أن عمر مضروب بالحق على قلبه ولسانه، وهو شهادة له ~~بالعصمة من الخطأ، ودعا لعلي بدوران الحق معه، وأخبر أن الله سيهدي قلبه، ~~ويسدد لسانه حتى قال: أقضاكم علي وهو شهادة له أيضا بذلك، فوجب لذلك أن ~~يكون قولهما معا، أو قول كل منهما حجة قاطعة. وإذا ثبت ذلك فيهما، لزم ~~ثبوته في أبي بكر، لأنه أفضل من عمر، وفي عثمان لأنه أفضل من علي عند ~~الجمهور، لكن القول بأن قول كل منهم حجة قاطعة، لم يقل به أحد إلا الشيعة ~~في علي، لاعتقادهم عصمته. # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ~~فالكلام عليه نحو من الكلام على الذي قبله، ثم هما معارضان بقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: أصحابي # PageV03P102 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم، ~~وأيضا فلو قدر أن سائر الصحابة خالفوا الشيخين في حكم ; فالأخذ بالقولين ~~وإلغاؤهما باطل، وتقديم قولهما مع خلاف الأكثر لهما بعيد، وهو مخالف لقوله ~~- صلى الله عليه وسلم -: اتبعوا السواد الأعظم ويد الله على الجماعة ونحوه، ~~فبان بما ذكرناه ضعف القول ms0787 بأن اتفاق الأربعة أو الشيخين إجماع، وأن حمل ما ~~نقل عن أحمد مما يدل على ذلك ; على أن قولهم حجة ظنية لا قاطعة متعين، ~~والله تعالى أعلم. # قوله: «و ### | إجماع أهل المدينة # من الصحابة والتابعين ليس بحجة، خلافا لمالك» وحده، فإن إجماعهم عنده حجة ~~فيما طريقه التوقيف، ومن أصحابه من قال: هو حجة مطلقا في نقل نقلوه، أو في ~~عمل عملوه. # «لنا:» أي: على أنه ليس بحجة على من خالفهم أن العصمة لمجموع الأمة، وهم ~~بعضها لا جميعها، فلا تثبت العصمة لقولهم، فلا يكون إجماعا، بل يكون حجة ~~ظنية يعمل به إذا خلا عن معارض راجح. # قوله: «ولا للمكان» إشارة إلى أن المدينة ورد في فضلها نصوص كثيرة، فربما ~~ظن ظان أن ذلك يدل على أن اتفاق أهلها إجماع، وليس كذلك، فأجاب بأن العصمة ~~ليست للمكان، وإلا لكانت مكة أولى بذلك من المدينة أو مساوية لها فيه، ~~لأنها أفضل من المدينة عند الأكثرين، وإنما العصمة للأمة جميعها. # قوله: «قال:» يعني مالكا: احتج بأن أهل المدينة جم غفير، شاهدوا # PageV03P103 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # التنزيل، وعلموا التأويل، وتناقل ~~ذلك الأبناء عن الآباء، والخلف عن السلف، و «اتفاق الجم الغفير من أهل ~~الاجتهاد على الخطأ» ممتنع في العادة، فوجب أن يكون قولهم صوابا في العادة، ~~فيجب اتباعه. # قوله: «قلنا: باقي الأمة أكثر، فالتمسك بهذا في حقهم أولى» . أي: إن دلت ~~كثرة مجتهدي المدينة على صواب ما اتفقوا عليه، فبقية الأمة أكثر منهم، ~~فلتكن أكثريتهم أدل على صواب قولهم من كثرة أهل المدينة على صواب قولهم. # ويتقرر هذا الجواب بطريق آخر، منبه عليه بما ذكرته، وهو أن يقال: لو قدر ~~أن باقي الأمة خالفوا أهل المدينة في حكم، فإما أن يؤخذ بقول الفريقين، أو ~~يترك قولهما، وهما باطلان، لما سبق في اعتبار قول العامي، أو يقدم قول أهل ~~المدينة مع أن باقي الأمة أكثر منهم، وهو بعيد، مخالف للأمر باتباع السواد ~~الأكثر. # وقوله: «يمتنع اتفاق الجم الغفير من المجتهدين على الخطأ عادة» . # قلنا: بقية مجتهدي الأمة جم غفير، ms0788 فيمتنع عليهم الخطأ عادة، ثم هو معارض ~~بأهل الكوفة، فإن عليا - رضي الله عنه -، وابن مسعود، وجماعة من أعيان ~~الصحابة والتابعين، كانوا بها، كما روى أبو بكر أحمد بن علي بن سعيد القاضي ~~المروزي في كتاب «العلم» بإسناده عن ابن سيرين قال: # PageV03P104 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قدمت الكوفة، فوجدت فيها أربعمائة ~~فقيه. # قلت: يعني من الصحابة والتابعين، واتفاق مثل هؤلاء على الخطأ يمتنع عادة، ~~وبه احتج بعض الناس أظنهم أصحاب الرأي على أن إجماع أهل الكوفة حجة، ومالك ~~لا يقول به. # ومما احتج به المالكية وجهان آخران: # أحدهما: أن روايتهم مقدمة على رواية غيرهم، وكذا اتفاقهم، وليس ذلك ~~بلازم، لأن الاتفاق مستنده العصمة السمعية، وليست مختصة بهم، بخلاف ~~الرواية. # الوجه الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إن المدينة تنفي ~~خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد والخطأ خبث، فوجب نفيه عن أهلها. # والجواب من وجهين: أحدهما: أن هذا الحديث ورد على سبب، وهو أن أعرابيا ~~دخل المدينة، وبايع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأصابته فيها حمى، فسأله ~~إقالة البيعة ليخرج إلى البادية، فلم يجبه النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~إلى ذلك، فخرج بغير إذنه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن المدينة ~~كالكير تنفي خبثها، ويتضيع طيبها. # PageV03P105 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وعند مالك: أن الاعتبار بخصوص ~~السبب لا بعموم اللفظ، كما سبق في باب العموم. # الوجه الثاني: أن الخبث في عرف اللغة لا يفيد الخطأ، مطابقة، ولا تضمنا، ~~ولا التزاما، فكيف يستدل بالحديث على نفي الخطأ، ولئن جاز للمالكية ~~الاحتجاج بنفي الخبث عن المدينة ; على أن اتفاق أهلها حجة، جاز للشيعة ~~الاحتجاج بنفي الرجس عن أهل البيت ; على أن اتفاقهم حجة، لأن دلالة الرجس ~~على الخطأ لا تتقاصر عن دلالة الخبث عليه، بل هو أدل على الخطأ من الخبث، ~~وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى. # قلت: وبعد هذا كله ; في النفس إلى قول مالك في هذه المسألة طمأنينة، ~~وسكون قوي جدا، فالتوقف فيها غير ملزم. # PageV03P106 # ولا ينعقد الإجماع بأهل البيت وحدهم، خلافا للشيعة. # لنا: ما سبق. # قالوا: ms0789 الخطأ رجس، والرجس منفي عنهم. # قلنا: الآية وردت في نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - ; ثم الرجس: ~~الكفر، أو العذاب، أو النجاسة، والخطأ الاجتهادي ليس واحدا منها ; ثم الرجس ~~مفردا حلي باللام وهو غير مستغرق. # قالوا: «كتاب الله وعترتي» . # قلنا: المعلق على شيئين لا يوجد بأحدهما، والكتاب يمنع ما ذكرتم ; ثم ~~العترة لا تختص بأهل البيت. # قوله: " ولا ينعقد الإجماع بأهل ~~البيت وحدهم، خلافا للشيعة. لنا: ما سبق " يعني من أنهم ليسوا كل الأمة، ~~والعصمة إنما تثبت لجميعها، فيكون قولهم حجة مع عدم المعارض الراجح، لا ~~إجماعا، كما قلنا في اتفاق أهل المدينة. # قوله: " قالوا: " يعني الشيعة: " الخطأ رجس، والرجس منفي " عن أهل البيت ~~لقوله - عز وجل -: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم ~~تطهيرا} [الأحزاب: 33] . # قوله: " قلنا: الآية وردت ". هذا جواب عن استدلال الشيعة، وهو من وجوه: # أحدها: لا نسلم أن الآية في أهل البيت الذين تعنونهم، بل إنما " وردت # PageV03P107 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # في نساء النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - " بدلالة السياق، وهو قوله - عز وجل -: {يانساء النبي من يأت منكن ~~بفاحشة مبينة} إلى قوله: {يانساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن} إلى ~~قوله: {وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~ويطهركم تطهيرا} {واذكرن ما يتلى في بيوتكن} الآية [الأحزاب: 32 - 34] . # فخطاب أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - يكشف ما استدللتم به قبله ~~وبعده، فكن مرادات منه ولا بد، فأما على الخصوص، فلا حجة لكم في الآية ~~أصلا، أو مع أهل البيت الذين هم العترة، فيلزم أن يعتبر معهم في الإجماع ~~أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -، لمشاركتهن لهم في إذهاب الرجس عنهم، ~~وهو باطل عندكم. # الوجه الثاني: أن الرجس يطلق على الكفر، والعذاب، والنجاسة، فالمراد منه ~~في الآية أحدها " والخطأ الاجتهادي ليس واحدا منها " فلا يلزم إذن من نفي ~~الرجس عنهم نفي الخطأ. # الوجه الثالث: أن الرجس اسم مفرد حلي باللام، وهو لا يقتضي الاستغراق، ~~فبتقدير أن الرجس هو الخطأ فليس في الآية ما ms0790 يدل على نفي جميعه عنهم، فلا ~~يبقى في الآية دلالة. # واعلم أن هذه الوجوه قوية في جواب دليل الشيعة، غير أن جوابهم عنها قوي ~~متيسر أيضا. # فيقال: الجواب عن الأول أن أهل البيت خاص بمن سنذكره إن شاء الله - عز ~~وجل -، وليس نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - مرادات منه عموما ولا ~~خصوصا، وذلك لوجهين: # أحدهما: أنه - سبحانه وتعالى - خاطب نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بضمير المؤنث، # PageV03P108 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # نحو: قرن ولا تبرجن واذكرن حتى جاء ~~إلى ذكر أهل البيت، خاطبهم بضمير المذكر الكاف والميم حيث قال - سبحانه ~~وتعالى -: {إنما يريد الله ليذهب عنكم} ، ولم يقل: عنكن، فدل على أن المراد ~~غير الزوجات، وهم من نذكره إن شاء الله تعالى. # قلت: وقد أجيب عن هذا: بأن أهل البيت يتناول الذكور، إذ هو موضوع للمذكر، ~~أعني: لفظ (أهل) ، فغلب جانب التذكير، فجيء بضميره. # الوجه الثاني: ما روى عمر بن أبي سلمة ربيب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: لما نزلت هذه الآية على النبي - صلى الله عليه وسلم -، نزلت في بيت ~~أم سلمة، فدعا فاطمة وعليا وحسنا وحسينا، فجللهم بكساء، ثم قال: اللهم ~~هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا قالت أم سلمة: وأنا معهم يا ~~رسول الله؟ ، قال: أنت على مكانك وأنت على خير. رواه الترمذي وقال: هو غريب ~~من حديث عطاء بن أبي رباح عن عمر، ورواه من حديث أم سلمة، وقال: حديث حسن. # وعن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يمر بباب فاطمة ستة ~~أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر، ثم يقول: الصلاة يا أهل البيت {إنما يريد ~~الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} [الأحزاب: 33] الآية. رواه الترمذي، ~~وقال: حسن غريب. # PageV03P109 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وفي الصحيحين أنه - صلى الله عليه ~~وسلم - لما أراد مباهلة نصارى نجران، شمل هؤلاء المذكورين بكساء، وجاء بهم ~~ليباهل بهم، وقال: هؤلاء أهل بيتي وذلك حين نزل قوله - عز وجل -: {فقل ~~تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم} [آل عمران: 61] الآية، فدل ذلك كله على أن ~~أهل ms0791 البيت هم هؤلاء لا غير، وليس النساء مرادات منه، وإلا لقال لأم سلمة: ~~أنت منهم ولم يقل لها ذلك، بل ظاهر كلامه نفي كونها منهم. # أما دلالة السياق على أنهن مرادات من الآية، فإنها وإن كان فيها بعض ~~التمسك ; لكن ذلك مع النصوص التي ذكرناها، على أن أهل البيت خاص بهؤلاء، ~~فلا يفيد، والقرآن وغيره من كلام العرب يقع فيه الفصل بين أجزاء الكلام ~~بالأجنبي كقوله - عز وجل -: {إن الملوك إذا دخلوا قرية} إلى قوله - عز وجل ~~- " أذلة [النمل: 34] هذا حكاية قول بلقيس، {وكذلك يفعلون} [النمل: 34] ~~كلام مبتدأ من الله - عز وجل - عند المفسرين. وقوله - عز وجل -: {قالت ~~امرأة العزيز الآن حصحص الحق} إلى قوله: الصادقين [يوسف: 51] هذا حكاية ~~كلام المرأة، {ذلك ليعلم أني لم أخنه} إلى قوله: غفور رحيم [يوسف: 52 - 53] ~~كلام يوسف عليه السلام. وقوله - سبحانه وتعالى -: # {وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد} [آل عمران: 121] إلى قريب آخر ~~السورة يوم أحد في معنى غزاتها، وتذكير يوم بدر ونحوه، ووقع الاعتراض بين ~~ذلك بقوله - عز وجل -: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا} إلى قوله - ~~عز وجل -: {ولا تهنوا ولا تحزنوا} [آل عمران: 130 - 139] . # PageV03P110 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وبالجملة فاعتراضات العربية، ~~والتخلصات من كلام إلى كلام كثيرة في القرآن على أبدع ما يكون، حتى إن ~~الإنسان يظن أن الجملتين المتواليتين منه في معنى واحد، وكل واحد في معنى، ~~ومن استقرأ ذلك، ونظر فيه، عرفه، وحينئذ قوله - عز وجل -: {إنما يريد الله ~~ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} وقع اعتراضا وفصلا بين أجزاء خطاب النسوة لما ~~ذكرناه من السنة المبينة لذلك. # والجواب عن الثاني أن الرجس يتناول الخطأ لغة واستدلالا، وذلك لأن ~~الجوهري قال: الرجس: القذر، قلنا: والقذر أعم مما يستقبحه الطبع كالنجاسات ~~المتجسدة، أو العقل كالنقائص العقلية، وهي تتناول الخطأ. قال الجوهري: وقال ~~الفراء في قوله تعالى: {ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون} [يونس: 100] : ~~إنه العقاب والغضب. # قلنا: فإن كان الرجس بهذا المعنى مرادا من الآية، فقد نفى الله - عز وجل ~~- عن أهل ms0792 البيت العقاب والغضب، والخطأ من أسبابهما، فيلزم نفيه عنهم، وإلا ~~انتفى المسبب مع وجود سببه، وهو باطل، لأن السبب يقتضي وجود المسبب، فلو ~~فرضنا انتفاء المسبب مع ثبوت ما يقتضي وجوده، لزم وجوده وعدمه في حال واحد، ~~وهو محال. # قلت: هذا الاستدلال لا ينهض، لأن انتفاء المسبب مع وجود السبب غير ممتنع، ~~ووجود السبب وتخلف المسبب لمانع غير ممتنع أيضا، واستدلالهم # PageV03P111 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # إنما هو بنفي الملزوم، ولا يدل على ~~انتفاء اللازم ولا عدمه، وحينئذ جاز أن يخطئوا في اجتهادهم، ويتخلف العقاب ~~عنهم، لقوله - عز وجل -، أو للرخصة بكونه خطأ اجتهاديا فيه أجر واحد، ومع ~~الإصابة أجران. # قالوا: وذكر ابن عطية في " تفسيره ": أن الرجس اسم يقع على الإثم، وعلى ~~العذاب، وعلى النجاسات والنقائص، فأذهب الله جميع ذلك عن أهل البيت، وذكر ~~أيضا أن الجمهور ذهبوا إلى أن أهل البيت علي وفاطمة والحسن والحسين. # وإذا ثبت أن الرجس يقع على النقائص، فالخطأ من أقبحها، لا سيما في ~~الاجتهاد الشرعي، فيكون منفيا عن أهل البيت، ويلزم من ذلك إصابتهم في ~~الاجتهاد، فيكون قولهم حجة قاطعة بهذه الأدلة السمعية، وهي أدل في حقهم من ~~أدلة الإجماع العام في حق جميع الأمة، كما سبق، وهو المطلوب. # والجواب عن الثالث من وجوه: # أحدها: لا نسلم أن المفرد المحلى باللام لا يستغرق، بل قد ذهب إلى ذلك ~~أكثر الفقهاء، كما حكاه الإمام فخر الدين في " المعالم ". # الوجه الثاني: أن لفظ الرجس إن أفاد العموم، استدللنا به، وإن لم يفده، ~~استدللنا بقوله - عز وجل -: {ويطهركم تطهيرا} [الأحزاب: 33] ودلالته من ~~وجهين: # PageV03P112 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أحدهما: أن اقتران لفظ التطهير ~~بذكر الرجس يقتضي أن التطهير من ذلك الرجس، وهو يقتضي عموم التطهير، بدليل ~~تأكيده بالمصدر. # الثاني: أنه لو لم يقترن بذكر الرجس، لأفاد عموم التطهير بما ذكرناه، ~~والفرق بين الوجهين: أن الوجه الأول استدلال بمجموع لفظ الرجس والتطهير، ~~والثاني استدلال بلفظ التطهير المؤكد وحده. # الوجه الثالث: هب أن لفظ الرجس لا يقتضي العموم، لكن وقوع النفي عليه ~~يقتضي انتفاء ماهيته، وهي لا تنتفي ms0793 إلا بانتفاء جميع أفرادها، فيلزم عموم ~~النفي بهذا الطريق. # قالت الشيعة: فإن قيل: أنتم لا تقبلون رواية الصحابة، فكيف قبلتموها في ~~تخصيص أهل البيت بمن ذكرتم. # قلنا: نحن إنما أوردنا ذلك من طريق الصحابة إلزاما لكم برواية من لا ~~تقدرون على اطراح روايته، لا اعتمادا منا عليها، وإنما اعتمدنا على تواتر ~~ذلك عندنا من طريق أهل البيت، ومن تقبل روايته، لكنا لو استدللنا عليكم ~~بذلك، ربما منعتموناه، فاحتججنا عليكم بما تقبلون، وجعلنا ذلك مؤكدا لما ~~عندنا، لا مستقلا بالاعتماد عليه. # قوله: " قالوا: كتاب الله وعترتي ". هذا دليل آخر للشيعة. # وتقريره: أن جعفر بن محمد روى عن أبيه عن جابر قال: رأيت رسول # PageV03P113 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~حجته يوم عرفة، وهو على ناقته القصواء يخطب، فسمعته يقول: يا أيها الناس ~~إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي رواه ~~الترمذي، وقال: حسن غريب من هذا الوجه. # وعن زيد بن أرقم وأبي سعيد قالا: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب ~~الله، حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي، أهل بيتي، ولن يتفرقا حتى ~~يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما رواه مسلم والترمذي وقال: حسن ~~غريب. # وجه الاستدلال بهذا النص: أنه أمر بالتمسك بالعترة، وأخبر بعدم ضلال من ~~تمسك بها، ولو لم يكن قولهم حجة قاطعة لما أمر بذلك، وهو المطلوب. # PageV03P114 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: " قلنا: " إلى آخره، أي: ~~الجواب عما ذكرتموه أنه - عليه السلام - علق نفي الضلال على شيئين: الكتاب ~~والعترة، و" المعلق على شيئين لا يوجد بأحدهما " فنفي الضلال لا يوجد ~~بالتمسك بالعترة وحدها، دون الكتاب " والكتاب يمنع ما ذكرتم " من أن ~~إجماعهم حجة لقوله - عز وجل -: {ويتبع غير سبيل المؤمنين} [النساء: 115] ~~ونحوه من النصوص الدالة على أن العصمة للأمة لا لبعضها. # " ثم " إن " العترة لا تختص بأهل البيت " بل هي في اللغة: نسل الرجل ~~ورهطه الأدنون. كذا ms0794 ذكره الجوهري، ويروى أن أبا بكر الصديق قال: نحن عترة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # قلت: ولهم أن يجيبوا عن الأول بأنه - عليه السلام - أخبر أن كتاب الله ~~وعترته لن يتفرقا، وذلك يدل على أنهما لا يتنافيان. وقد دللنا على أن إجماع ~~أهل البيت حجة بنفي الرجس عنهم، فيلزم من ذلك موافقة الكتاب لإجماعهم، وعدم ~~منافاته له، وأن ما ذكرتموه من دليل الإجماع العام لا يثبت، وقد سبق ما ~~فيه. # وعن الثاني: بأنه مردود بقوله: وعترتي أهل بيتي. وقد قام الدليل على أهل ~~بيته من هم، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # قلت: وأورد القرافي على احتجاجهم بقوله: {إنما يريد الله ليذهب عنكم ~~الرجس} [الأحزاب: 33] الآية، أن الحصر متعذر في ذلك، لأن إرادة الله - ~~سبحانه وتعالى - شاملة لجميع أجزاء العالم، فيتعين إبطال الحقيقة، ووجوه ~~المجاز غير منحصرة، فيبقى مجملا، فيسقط الاستدلال به. # PageV03P115 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قلت: يشير إلى أن إنما للحصر، وهي ~~هاهنا تقتضي حصر إرادة الله - عز وجل - في إذهاب الرجس عنهم، وليست منحصرة ~~في ذلك، بل هي متعلقة بكل ممكن، وتمام الكلام ظاهر. # قلت: ولهم أن يجيبوا بوجهين: # أحدهما: منع أن إنما للحصر، بل للتأكيد كما سبق. # الثاني: بتقدير أنها للحصر لكن قد سبق أن الحصر تارة يعم، وتارة يخص، ~~نحو: {إنما الله إله واحد} [النساء: 171] ، {إنما أنت منذر} [الرعد: 7] ، ~~أي: بالنظر إلى المشركين والمنذرين، وكذلك هو في الآية خاص باعتبار أهل ~~البيت، أو جهة ما من الجهات. # قلت: أقرب ما يسلك في الرد على الإمامية في هذه المسألة: ما سلكناه في ~~الرد على أبي بكر في اعتبار العامي ; وعلى مالك في إجماع أهل المدينة، وهو ~~أن يقال: إذا خالف أهل البيت باقي الأمة في حكم، فإما أن يعتبر القولان، أو ~~يلغيا جميعا، وهو باطل باتفاق، أو يقدم قول أهل البيت، وهو ضعيف لوجهين: # أحدهما: أنه مخالف لقوله - عليه السلام -: اتبعوا السواد الأعظم، فإنه من ~~شذ، شذ في النار. # الثاني: أن إصابة آحاد يسيرة، وخطأ الجم الغفير بعيد جدا. # قلت: ولهم على ms0795 هذا الطريق اعتراضات، لا أطيل بذكرها. # PageV03P116 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قلت: وذكر ابن منده وابن أبي ~~الدنيا في كتاب " الروح والنفس " ; قال: قال محمد بن نصر: ذهبت الشيعة في ~~أهل البيت ما ذهب إليه النصارى في المسيح، وذلك أنهم زعموا أن الله تعالى ~~نفخ في آدم من روح ذاته، ثم انتقل ذلك الروح في الأنبياء من ولده، حتى ~~انتهى إلى محمد - صلى الله عليه وسلم -، ثم من بعده إلى علي، ثم إلى ولده، ~~فلذلك قالوا: إنهم بذلك الروح معصومون، يعلمون المغيبات، ويستغنون عن معلم ~~في جميع الأحكام، حتى أفضى الأمر ببعض الشيعة إلى أنهم اعتقدوا إلهية علي، ~~والأئمة من ولده. # هذا معنى كلامه، وقد بعد عهدي به، والله تعالى أعلم. # PageV03P117 # العاشرة: لا ينعقد الإجماع إلا عن مستند قياس أو ~~غيره، وقيل: لا يتصور عن قياس، وقيل: يتصور، وليس بحجة. # لنا: لا يمتنع مع مدارك الظن كإلحاق النبيذ بالخمر في التحريم. # قالوا: القياس مختلف فيه ولا إجماع مع الخلاف. # قلنا: نفرضه قبل الخلاف فيه، أو يستند المخالف فيه إلى مدرك لا يعتقده ~~قياسا، أو يظن القياس غير قياس كالعكس. # قالوا: ظني، فلا يثبت أصلا أقوى منه. # قلنا: باطل بالعموم وخبر الواحد، وإذا تصور كان حجة بأدلة الإجماع. # المسألة " العاشرة: لا ينعقد ~~الإجماع إلا عن مستند قياس أو غيره " إلى آخره، أي: لا بد للإجماع من دليل ~~يستند إليه، وأجازه قوم بمجرد الاتفاق والتبحيث، أي: لا يستندون فيه إلى ~~حجة، بل متى اتفقت الأمة على قول، لزم أن يوافق ذلك الصواب، لما ثبت لها من ~~العصمة. # حجة الجمهور: أن القول بغير حجة اتباع للهوى، واتباع الهوى باطل، فالقول ~~بغير حجة وإن كان من جميع الأمة باطل. # أما أن القول بغير حجة اتباع للهوى ; فلأن بدون الحجة يستوي الإثبات ~~والنفي، فالقول بأحدهما بلا دليل ترجيح من غير مرجح، وما ذلك إلا بالهوى ~~والتشهي. # PageV03P118 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وأما أن اتباع الهوى باطل ; فظاهر ~~متفق عليه، فثبت بذلك أن القول بغير حجة باطل. # حجة المجوزين: أن الأمة معصومة من الخطأ في الدين، ms0796 والمعصوم لا يصدر عنه ~~إلا الصواب، لأجل أنه معصوم لا لاستناد إلى حجة وشبهة، والمقدمتان ظاهرتان، ~~وقد سبق تقريرهما. # وأجابوا عن قول الأولين: إن القول بغير حجة اتباع للهوى، بأن قالوا: ~~اتباع الهوى من آحاد الأمة أو من جميعها؟ الأول مسلم، والثاني ممنوع. # قولهم " لأنه بدون الحجة يستوي النفي والإثبات. # قلنا: نعم. # قولهم: فالقول بأحدهما بلا دليل ترجيح من غير مرجح. # قلنا: لا نسلم، بل المرجح هاهنا العصمة الإلهية، الثابتة لهذه الأمة ~~بقوله - عليه السلام -: لا تجتمع أمتي على ضلالة، وسائر أدلة الإجماع. ~~وحينئذ متى اتفقوا على شيء، كان حقا وصوابا، لأن الله - سبحانه وتعالى - لا ~~يلهمهم سواه، ولا يجري على ألسنتهم إلا إياه. # قلت: هذا المذهب سهل متجه، أما سهولته، فظاهرة من جهة استراحة المجتهدين ~~من النظر، والنزاع فيه قبل الاتفاق، وأما اتجاهه، فبما ذكر، ويذكر إن شاء ~~الله تعالى. # ومما يقرب منه، ويجعل نظيرا له، صلاة الاستخارة، فإن في # PageV03P119 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الحديث: ما خاب من استخار، ولا ندم ~~من استشار وفيه: من سعادة ابن آدم استخارة الله - عز وجل -، ومن شقاوة ابن ~~آدم تركه استخارة الله - عز وجل - روى معناه الترمذي، ثم قد رأينا بعض ~~الناس عوده الله منه عادة جميلة ; وهو أنه متى استخاره في أمر، وفوض إليه ~~فيه، لا يختار له إلا الأصلح فيه، ولا يوفقه وييسره إلا له. بمقتضى دعاء ~~الاستخارة المشهور، وتظهر المصلحة لذلك الشخص فيما يختار له عاجلا أو آجلا، ~~وإنما ذلك وفاء بقوله - عز وجل -: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله ~~بالغ أمره} [الطلاق: 3] ، فكذا الأمة لا يوفقها، ويجري على أذهانها ~~وألسنتها فيما تتفق عليه إلا الصواب وفاء بعصمته لها. # واعلم أن الطائفتين في المسألة اعتبروا الدليل في الإجماع، لكن الأولون ~~اعتبروا الدليل الخاص بكل فرد من أفراد الإجماع في آحاد المسائل، والآخرون ~~اكتفوا بالدليل العام على كون الإجماع حجة. # ويشبه أن يتفرع اختلافهم على أصل، فإن لم يتفرع عليه، فهو مشبه له، وهو ~~أن الأصوليين اختلفوا في التفويض إلى النبي - صلى ms0797 الله عليه وسلم -، بأن ~~يقال له: احكم برأيك، فإنك لا تحكم إلا بحق ; هل يصح أم لا؟ فصححه بعضهم # PageV03P120 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بناء على عصمته، فكذا هاهنا تحكم ~~الأمة برأيها بدليل وغير دليل، ولا تحكم إلا بحق بناء على عصمتها، وإن لم ~~يجز ذلك في النبي - صلى الله عليه وسلم -، لم يجز في الأمة، لأنهم فرع ~~عليه، وعصمتهم فرع على عصمته والله تعالى أعلم. # ثم اختلف الجمهور وهم القائلون: لا إجماع إلا عن مستند في مستند الإجماع. # فقال بعضهم: يجوز أن يكون مستنده قياسا وغيره من دليل، أو أمارة، أو حجة، ~~أو شبهة. # وقال بعضهم: " لا يتصور " الإجماع " عن قياس ". # وقال آخرون: " يتصور " عن القياس، لكن لا يكون حجة. # وقال آخرون: يصح عن القياس الجلي دون الخفي. # قوله: " لنا: " أي: على انعقاده عن قياس وغيره: هو أنه لا يمتنع اتفاقهم ~~على حصول ظن الحكم بالقياس، فإن القياس محصل للظن، وإذا حصل الظن، جاز ~~الاتفاق على موجبه حسا وشرعا. # أما حسا، فكما أن أهل الأرض إذا شاهدوا الغيم الرطب، اشتركوا في ظن وقوع ~~المطر. # وأما شرعا، فكما إذا علم الناس أن النبيذ مسكر كالخمر، غلب على ظنهم أنه ~~حرام كالخمر، بجامع الإسكار، والاتفاق على موجب هذا الظن غير ممتنع. # قوله: " قالوا: " يعني المانعين بانعقاده عن القياس احتجوا بأن " القياس # PageV03P121 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مختلف فيه، ولا إجماع مع الخلاف " ~~أي: الإجماع فرع مستنده، وإذا كان المستند مختلفا فيه، فكيف يكون المستند ~~إليه متفقا عليه؟ وكيف يختلف في الأصل، ويتفق على الفرع، والفروع تابعة ~~لأصولها؟ # قوله: " قلنا: " أي: الجواب عن ذلك أنا إذا فرضنا الكلام قبل وقوع الخلاف ~~في القياس، وذلك في زمن الصحابة، فإنهم كانوا متفقين عليه، لم يرد ما ~~ذكرتم، بل يكون الإجماع مستندا إلى دليل لا خلاف فيه، وهو القياس. # وإن فرضناه بعد حدوث الخلاف في القياس، قلنا: يستند أهل القياس إليه، و" ~~يستند المخالف فيه إلى مدرك " من مدارك الاجتهاد " لا يعتقده قياسا " وهو ~~في الحقيقة قياس، وذلك متصور واقع، فإن كثيرا من منكري القياس ms0798 استندوا إليه ~~في مواضع، وسموه بغير اسمه، كالتنبيه، وتنقيح المناط، فبعضهم يقول: لا يقضي ~~القاضي وهو جائع، وهو في الحقيقة قياس على الغضب بالجامع المعروف، ويقولون: ~~نبه بحالة الغضب على حالة الجوع وغيرها من الأحوال، والحنفية مع قولهم: لا ~~قياس في الكفارات، أوجبوا الكفارة على الصائم بالأكل والشرب، وهو في ~~الحقيقة قياس على الوطء، بجامع الإفساد، وقالوا: هذا تنقيح المناط اعتبارا ~~من حديث الأعرابي، لعموم الإفساد، لا لخصوص الجماع، فهكذا يجوز أن يستند ~~المخالف في القياس عند الإجماع على ما لا يعتقده قياسا، وهو قياس، فيتحد ~~المستند، ويتفرع عليه الإجماع، أو نفرض أن المخالف " يظن القياس غير قياس # PageV03P122 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # كالعكس " أي: كما يجوز أن يظن غير ~~القياس قياسا كالتنقيح، والتنبيه، ومفهوم الموافقة، كذلك يجوز أن يظن ~~القياس غير قياس، فيستند إليه في الإجماع. # واعلم أنه هكذا وقع في " المختصر ": " أو يظن القياس غير قياس " بأو، وهو ~~يفيد أن ظن القياس غير قياس مغاير للاستناد إلى مدرك لا يعتقده قياسا، وهو ~~قياس في الحقيقة، وليسا متغايرين، بل هما واحد، فإن أريد تصحيحه على ما في ~~" الروضة " قيل: بالواو، هكذا: " إلى مدرك لا يعتقده قياسا، ويظن القياس ~~غير قياس كالعكس " لكن الظاهر أني وقت الاختصار قصدت الزيادة على ما في " ~~الروضة " بأن المخالف في القياس يجوز أن يستند إلى القياس، ولا يظنه قياسا، ~~أو يستند إلى مدرك لا يعتقده قياسا، ولا هو في الحقيقة قياس، ولا يضر ~~اختلاف مدرك الإجماع في نوعه، والشيخ أبو محمد كأنه حافظ على اتحاد نوع ~~المستند، فلم يفرض إلا أن المخالف استند إلى قياس، واعتقده غير قياس ~~كالعكس، والله سبحانه أعلم. # قوله: " قالوا: ظني " أي: احتج المانعون لانعقاد الإجماع عن القياس بوجه ~~آخر، وهو أن القياس " ظني " والإجماع قاطع، فلا يثبت بالقياس، لأن الضعيف ~~لا يثبت أقوى منه. # قوله: " قلنا: " أي: في الجواب: إن هذا " باطل بالعموم وخبر الواحد " ~~وهما ظنيان، ويثبت بهما الإجماع، ثم يقال: ما المراد بقولكم: القياس ظني؟ ~~إن عنيتم أنه لا يفيد إلا الظن، ms0799 فالإجماع كذلك، لما سبق من أن المراد # PageV03P123 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بالقطع فيه ليس المانع من النقيض ~~عقلا، وإن عنيتم أن مستند القياس ظني، وهو النظر في أركانه: الأصل، والفرع، ~~والعلة، والحكم، فمستند الإجماع كذلك، وهو ظواهر الكتاب، وأخبار الآحاد كما ~~سبق، وإن عنيتم أن الإجماع لا يجوز بخلاف القياس، فالجواب من وجهين: # أحدهما: أن الفرق ممنوع في القياس الجلي، فإنه يفيد القطع، فلا يجوز ~~خلافه. # الثاني: أن عدم جواز الخلاف إنما حصل في الإجماع من قبل ثبوت العصمة ~~للأمة، لا من جهة كونه دليلا، وذلك أمر خارج عما نحن فيه. # قوله: " وإذا تصور، كان حجة بأدلة الإجماع ". هذا جواب القائلين: إن ~~الإجماع يتصور عن القياس ولا يكون حجة. # وتقريره: أنه إذا تصور الاتفاق عن القياس، كان حجة بأدلة الإجماع ~~السابقة، لأنه سبيل المؤمنين، فيحرم خلافه، وبقوله - عليه السلام -: أمتي ~~لا تجتمع على ضلالة ونحوه، ووجه الفرق بين القياس الجلي والخفي في انعقاد ~~الإجماع ظاهر، وهو جيد مناسب، والله أعلم. # تنبيه: القائلون بجواز انعقاد الإجماع عن الرأي والاجتهاد اختلفوا في ~~وقوعه، فالمثبتون لوقوعه زعموا أن إمامة أبي بكر، وقتال مانعي الزكاة، ~~وتحريم شحم الخنزير، وحد شارب الخمر ثمانين، وجزاء الصيد، وأروش الجنايات، ~~ونفقة الأقارب ثبتت بالرأي والاجتهاد. # PageV03P124 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والمانعون للوقوع احتجوا بما سبق، ~~من أن الإجماع دليل قاطع، فلا يجوز استناده إلى الاجتهاد الظني، وانتفاء ~~الجواز يدل على انتفاء الوقوع دلالة انتفاء اللازم على انتفاء الملزوم، ~~وأما الصور المذكورة، فهي مستفادة من النصوص، فإمامة أبي بكر بقوله - عليه ~~السلام -: اقتدوا باللذين من بعدي، وقوله للمرأة: إن لم تجديني، فائتي أبا ~~بكر. قال ابن حزم: وشحم الخنزير حرم بقوله - عز وجل -: {فإنه رجس} ~~[الأنعام: 145] ، والضمير راجع إلى الخنزير في قوله تعالى: {أو لحم خنزير} ~~[المائدة: 3] ، وهو أقرب إلى الضمير. # قلت: وهو استدلال ضعيف، وأما حد شارب الخمر ثمانين، فبما سبق من قول علي: ~~وكل سنة، وعلته ما ذكر هناك. وكذلك تكلفوا لبقية الصور، والأشبه الأول، وهو ~~الوقوع. # ثم القائلون بوقوعه عن اجتهاد، اختلفوا في جواز مخالفته، ms0800 والأشبه عدم ~~جوازها، لأنه سبيل الأمة، فأشبه المنعقد عن قاطع، والله أعلم. # PageV03P125 # خاتمة: # الإجماع إما نطقي من الكل، أو سكوتي، وكلاهما تواتر، أو آحاد، والكل حجة، ~~ومراتبها متفاوتة. # فأقواها: النطقي تواترا، ثم آحادا، ثم السكوتي كذلك فيهما. # وقيل: لا يثبت الإجماع بخبر الواحد، لأنه ظني، فلا يثبت قاطعا. # لنا: نقل الخبر الظني موجب للعمل، فنقل الإجماع القطعي أولى، ولأن الظن ~~متبع في الشرع، وهو حاصل بما ذكرنا، ثم مستند الإجماع بالجملة ظني، إذ هو ~~ظواهر النص. # «خاتمة» يعني لكتاب الإجماع. # قوله: «الإجماع إما نطقي» إلى آخره. هذا ذكر ل ### | أقسام الإجماع. # وتقريره: أن «الإجماع إما نطقي، أو سكوتي» وكل واحد منهما: إما «تواتر أو ~~آحاد» . # فالنطقي: ما كان اتفاق مجتهدي الأمة جميعهم عليه نطقا، بمعنى أن كل واحد ~~منهم نطق بصريح الحكم في الواقعة، نفيا أو إثباتا. وهذا معنى قوله: «إما ~~نطقي من الكل» . # والسكوتي: ما نطق به البعض، وسكت البعض. وقد سبق مع تفصيل فيه، وكل واحد ~~من هذين إما أن ينقل تواترا أو آحادا، أي: ينقل بالتواتر أو # PageV03P126 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الآحاد أن جميع المجتهدين نطقوا ~~بصريح الحكم، أو ينقل بالتواتر أو الآحاد أن بعض المجتهدين أفتى، وبعضهم ~~سكت. هذه القسمة التي وقع عليها الاختيار. # أما الشيخ أبو محمد، فقال: الإجماع إما مقطوع أو مظنون، فالمقطوع ما وجد ~~فيه جميع الشروط التي لا يختلف فيه مع وجودها، ونقل تواترا، والمظنون ما ~~اختل فيه أحد القيدين، بأن يوجد على وجه مختلف فيه متواترا، ومتفقا عليه ~~آحادا. # مثال المختلف فيه: أن يتفق أهل العصر الثاني على أحد قولي أهل العصر ~~الأول، أو يؤخذ بقول البعض وسكوت البعض، أو يوجد الاتفاق في بعض العصر، ولم ~~ينقرض حتى خولف، أو يجمع الصحابة بدون التابعي المعاصر، وبالجملة فكل إجماع ~~غير إجماع الصحابة مختلف فيه، والخلاف فيه مع الظاهرية كما سبق. # ومثال المتفق عليه آحادا: أن ينقل إجماع الصحابة بشروطه المتفق عليها ~~بطريق الآحاد. # قوله: «والكل حجة» أي: أقسام الإجماع الأربعة التي ذكرناها حجة، لتناول ~~دليل الإجماع ms0801 العام، وأدلته الخاصة لها. # قوله: «ومراتبها» أي: مراتب أقسام الإجماع «متفاوتة» في القوة والضعف، ~~وأقواها النطقي المتواتر، ثم النطقي المنقول آحادا، لضعف الآحاد عن ~~التواتر، ثم السكوتي المتواتر، ثم السكوتي المنقول آحادا. # PageV03P127 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وهذا معنى قوله: «ثم السكوتي كذلك ~~فيهما» أي: في تقديم تواتره على آحاده، وإنما أخر السكوتي عن النطقي لقوته، ~~وضعف السكوتي عنه ضعف الآحاد عن التواتر. فهذه أربع مراتب، طرفان وواسطتان، ~~لأنها إما نطقي متواتر، أو سكوتي آحاد، هذان طرفان، في كل واحد منهما جهتا ~~قوة أو ضعف، أو نطقي آحاد، أو سكوتي متواتر، هذان واسطتان، في كل واحدة ~~منهما جهة قوة وجهة ضعف، وذلك ظاهر، فإن أردنا الترجيح بين الواسطتين، ~~فالنطقي الآحاد أولى بالرجحان، لأن الاحتمالات القادحة في السكوتي أكثر ~~وأقوى منها في الآحاد. # قوله: «وقيل: لا يثبت الإجماع بخبر الواحد» . # اعلم أن العلماء اختلفوا في ثبوت الإجماع بخبر الواحد. # قال الآمدي: فأجازه الحنابلة، وبعض الشافعية، وبعض الحنفية، وأنكره ~~الباقون. # وقال القرافي: الإجماع المروي بأخبار الآحاد حجة، يعني عند مالك، خلافا ~~لأكثر الناس. # قلت: احتج المانعون بأنه - يعني خبر الواحد - «ظني» أي: إنما يفيد الظن: ~~«فلا يثبت قاطعا» وهو الإجماع، وحاصله أن الإجماع قاطع، وخبر الواحد ظني، ~~فلا يثبت القاطع بالظني، لأن الضعيف لا يكون مستندا للقوي. # قوله: «لنا:» أي: على أن الإجماع المروي آحادا حجة وجهان: # أحدهما: أن «نقل الخبر الظني» آحادا يوجب العمل «فنقل الإجماع القطعي» ~~آحادا «أولى» أن يوجب العمل، لأن الظن واقع في ذات خبر الواحد # PageV03P128 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وطريقه، والإجماع إنما وقع الظن في ~~طريقه لا في ذاته، وإذا وجب العمل بالأول، كان بالثاني أوجب. # الوجه الثاني: أن «الظن متبع في الشرع» وهو مناط العمل، كما تقرر في غير ~~موضع «وهو - يعني الظن - حاصل بما ذكرنا» يعني الإجماع المنقول آحادا. # قوله: «ثم مستند الإجماع بالجملة ظني» إلى آخره. هذا جواب عن قولهم: ~~«لأنه ظني، فلا يثبت قاطعا» . # وتقريره: أن مستند الإجماع العام بالجملة ظني، لأن مستنده ظواهر النصوص، ~~وأخبار الآحاد ضعيفة الدلالة، أو السند، أو ms0802 هما، فلئن ضعف خبر الواحد عن أن ~~يكون مستندا للقاطع، فلتضعف هذه الظواهر أن تكون مستندا للقاطع، ويلزم من ~~ذلك تعطيل الإجماع من أصله. # وأيضا فإن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - دليل قاطع في حق من شافهه ~~به، كما أن الإجماع في نفسه قاطع، ثم إن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~إذا نقل آحادا، كان حجة ; كذلك الإجماع إذا نقل آحادا، كان حجة، ولا فرق. # ومما احتج به المانعون: أن إجماع الأمة من الوقائع العظيمة التي تتوفر ~~الدواعي على نقلها ; بخلاف وقائع أخبار الآحاد، فحيث لم ينقل # PageV03P129 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # إجماعهم إلا آحادا، دل على وهاء ~~ذلك النقل ; وأنه لا أصل له. # وأجيب عنه: بأن خبر الواحد فيما تعم به البلوى مما تتوفر الدواعي على ~~نقله، والصحيح قبوله برواية الآحاد، وهو ينقض الاستدلال المذكور. # وللخصم أن يفرق بينهما ; بأن توفر الدواعي على نقل الإجماع أشد منه على ~~نقل ما تعم به البلوى من الأخبار قطعا، فاحتمل فيه من القول آحادا ما لا ~~يحتمل في الإجماع. # قال الآمدي: المسألة دائرة على وجوب اشتراط القاطع في الأصول، وعدم ~~اشتراطه. # قلت: يعني: أنه إن اشترط القاطع في مسائل الأصول، لم يقبل الإجماع ~~المنقول آحادا، وإلا قبل، وهو صحيح. وقد ظهر ذلك من إيراد الدليل من ~~الجانبين. # PageV03P130 # ويصح التمسك بالإجماع فيما لا تتوقف صحة الإجماع ~~عليه. # وفي الدنيوية كالآراء في الحروب خلاف، وفي أقل ما قيل كدية الكتابي الثلث ~~به وبالاستصحاب لا به فقط، إذ الأقل مجمع عليه دون نفي الزيادة. # قوله: «ويصح التمسك بالإجماع فيما ~~لا تتوقف صحة الإجماع عليه» أي: كل أمر تتوقف عليه صحة الإجماع، لم يجز ~~إثبات ذلك الأمر بالإجماع، لأن الإجماع فرع ذلك الأمر، لتوقفه عليه، فلو ~~أثبتنا ذلك الأمر بالإجماع، لكان ذلك إثباتا للأصل بالفرع وهو دور. # مثاله: أن الإجماع متوقف على ثبوت الرسالة، لتوقفه على ما صدر عنها من ~~كتاب وسنة، فلا يصح إثبات النبوة بالإجماع، لئلا يلزم الدور بالطريق ~~المذكور. # وأما ما لا تتوقف صحة الإجماع عليه، ms0803 فيصح إثباته بالإجماع، لأن الإجماع ~~ليس فرعا، فلا يلزم من إثباته بالإجماع دور محذور، ولا غيره. # مثاله: الوحدانية، وحدوث العالم، لا يتوقف عليهما صحة الإجماع، فيجوز ~~التمسك في إثباتهما بالإجماع. # قلت: هذه القاعدة قد عهدت وعرفت، وهي أن ما توقف عليه صحة الإجماع، لم ~~يثبت بالإجماع، وما لا يتوقف عليه صحة الإجماع ; يثبت بالإجماع، لكن الكلام ~~في أمثلة ذلك، فالتمثيل فيما تتوقف عليه # PageV03P131 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # صحة الإجماع بالرسالة صحيح. # وذكر القرافي مما تتوقف عليه صحة الإجماع وجود الصانع، وقدرته، وعلمه، ~~لأن هذه الأشياء شروط في صحة الإجماع، لأن صحة الإجماع فرع النبوة، والنبوة ~~فرع الربوبية؛ والوجود، والقدرة، والعلم، والإرادة، والحياة من شروط ~~الربوبية، فهي إذن شروط لأصل أصل الإجماع، وشرط الأصل شرط للفرع، وحينئذ ~~يمتنع إثبات هذه الأشياء بالإجماع، لأنها شروط، وإثبات الشرط بمشروطه دور، ~~لتوقف المشروط على الشرط. # وذكر مما لا تتوقف عليه صحة الإجماع الوحدانية، وحدوث العالم ; قال: فإن ~~صحة الإجماع لا تتوقف عليه إلا بالنظر البعيد. وذكر في تقرير ذلك كلاما ~~صحيحا، وإن نفر منه بعض من لا يفهمه أو من يفهمه في بادئ الرأي. # قوله: «وفي الدنيوية كالآراء في الحروب خلاف» أي: إن كان ما لا تتوقف صحة ~~الإجماع عليه أمرا دينيا، جاز التمسك فيه بالإجماع إجماعا، وإن كان من ~~الأمور الدنيوية «كالآراء في الحروب» ومكايدة العدو، وسياسات العساكر ونحو ~~ذلك، ففيه «خلاف» . # مأخذه: أن الدليل السمعي الدال على عصمة الأمة ; هل دل على عصمتها مطلقا ~~على العموم، أو في خصوص الأمور الدينية، وما يخبرون به عن الله سبحانه ~~وتعالى؟ والأظهر التعميم، وأنه لا تجوز مخالفة ما اتفقوا عليه # PageV03P132 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # من الآراء في الحروب ونحوها. # قال القاضي عبد الوهاب: وهو الأشبه بمذهب مالك، غير أني لا أحفظ فيه عن ~~أصحابنا شيئا. # قلت: الخلاف في هذه المسألة لا أحسبه يتصور، وإن تصور، فهو منزل على ~~اختلاف حالين. # أما أنه لا يتصور: فلأن المراد بالأمور الدينية ما كانت ثمرتها ومقصودها ~~متعلقا بالدين، وراجعا إليه، خاصا به، سواء كان وقوعه في الدنيا، ms0804 كالإجماع ~~على وجوب الصلاة وشروطها، أو في الآخرة، كالإجماع على فتنة القبر، ونصب ~~الموازين ونحو ذلك. # وعند ذلك نقول: الحروب والآراء فيها: إن كانت جهادا في سبيل الله، فهي من ~~الأمور الدينية، ولا خلاف في صحة التمسك فيها بالإجماع، وإن كانت عصبية، أو ~~بغيا، أو طلبا للدنيا، أو إظهارا للفخر، والخيلاء، والغلبة على الخصم ; ~~فأصل تلك الحروب محرمة، فالآراء، والتدبير، والمكيدة فيها أمور محرمة، ~~والمحرمات لا يتصور التمسك فيها بالإجماع، إذ التمسك بالإجماع إنما يجوز ~~فيما له أصل في الجواز، فما لا أصل له في الجواز، لا يتصور التمسك فيه ~~بالإجماع، فيكون التمسك فيه بالإجماع كالتمسك على جواز شرب الخمر، أو أكل ~~الميتة، أو الخنزير، أو بيعها بالإجماع، وهو محال شرعا. # وإن وجد حرب، وقتال مشوب بقصد الجهاد والعصبية والتكثر من # PageV03P133 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الدنيا ; كان ذلك من ذوات الجهتين، ~~فيصح التمسك بالإجماع فيه من حيث هو جهاد ديني، لا من حيث هو معصية دنيوية. # وأما أن الخلاف في المسألة إن تصور نزل على اختلاف حالين، فقد بان بما ~~تقدم ; وهو أن يقال: إن كان الحرب جهادا في سبيل الله، جاز التمسك فيه ~~بالإجماع، وإن كان قتال معصية، أو لم يكن طاعة، لم يجز، والله - سبحانه ~~وتعالى - أعلم. # تنبيه: اختلف في ### | إجماع الأمم السالفة # ; هل كان حجة؟ فقيل: لا، وهو من خصائص هذه الأمة. # قال أبو إسحاق الشيرازي: وهو قول الأكثرين، وقيل: إجماع كل أمة حجة، ولم ~~يزل ذلك في الملل، وهو قول أبي إسحاق الإسفراييني. # وقال إمام الحرمين: إن قطع أهل الإجماع من كل أمة بقولهم، فهو حجة، ~~لاستناده إلى قاطع في العادة، والعادة لا تختلف باختلاف الأمم، وإلا كان ~~مستنده مظنونا، والوجه الوقف. # وقال القاضي أبو بكر: لست أدري كيف كان الحال، يعني هل كان إجماعهم حجة ~~أم لا؟ # قلت: فقد تلخص في المسألة أقوال: ثالثها: الوقف، وهو قول القاضي أبي بكر. ~~وقول إمام الحرمين أقرب فيها إلى الصواب. # والمختار في المسألة: أن مستند الإجماع في هذه الأمة، إن كان عقليا ms0805 ; ~~فإجماع كل أمة حجة على حسب إجماع هذه الأمة في مراتبه، إذ المدارك العقلية ~~لا تختلف، وإن كان مستند إجماع هذه الأمة سمعيا، فالوقف في # PageV03P134 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # إجماع غيرها من الأمم، إذ لم ~~يبلغنا الدليل السمعي على أن إجماعهم حجة، فنثبته، ولا يلزم من عدم بلوغ ~~ذلك لنا عدم وجوده فننفيه، وهذه المسألة من رياضات الفن، لا يترتب عليها ~~كبير فائدة، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # قوله: «وفي أقل ما قيل، كدية الكتابي الثلث، به وبالاستصحاب لا به فقط» ~~أي: والتمسك «في أقل ما قيل» أو الأخذ بأقل الأقوال، ليس تمسكا بالإجماع ~~فقط، بل «به وبالاستصحاب» وذلك «كدية الكتابي» ; اختلف في مقادرها، فقيل ~~مثل دية المسلم، وقيل: نصفها، وقيل: ثلثها، والقائل إنها الثلث وهو الشافعي ~~ومن تابعه ليس تمسكا بالإجماع فقط، لأن المجمع عليه من ذلك إنما هو إثبات ~~الثلث، أما نفي الزائد عنه، فليس مجمعا عليه، وإلا كان مثبته خارقا ~~للإجماع، فثبت بهذا أن الآخذ بالأقل ; إنما تمسك بالإجماع في إثباته، ~~وباستصحاب الحال في نفي الزيادة عليه. وهذا معنى قوله: «إذ الأقل مجمع عليه ~~دون نفي الزيادة» . # وقد اختلف في أن الآخذ بالأقل، هل هو آخذ بالإجماع؟ وهو منزل على ما ~~ذكرناه، وهو التحقيق. وقد أشرت إلى هذا الخلاف بقولي: «لا به فقط» والله ~~أعلم. # PageV03P135 # و ### | منكر حكم الإجماع # الظني لا يكفر، وفي القطعي النفي والإثبات، والثالث يكفر بإنكار مثل ~~الصلوات الخمس دون غيرها، و ### | ارتداد الأمة جائز عقلا لا سمعا # في الأصح لعصمتها من الخطأ، والردة أعظمه. # قوله: «ومنكر حكم الإجماع الظني لا ~~يكفر، وفي القطعي النفي والإثبات، والثالث: يكفر بإنكار مثل الصلوات الخمس ~~دون غيرها» . # اعلم أن الإجماع إما ظني، أو قطعي: # فالظني كالسكوتي تواترا أو آحادا، وكالنطقي آحادا، فهذا لا يكفر منكر ~~حكمه، أي: إذا ثبت بمثل هذا الإجماع حكم، فأنكره منكر لا يكفر، لأنه مظنون، ~~فلم يكفر منكر حكمه، كالعموم، وخبر الواحد، والقياس، وسنزيد ذلك تقريرا إن ~~شاء الله تعالى. # والقطعي: هو النطقي المتواتر المستكمل الشروط، كما سبق، ms0806 ففيه أقوال: # أحدها: لا يكفر منكر حكمه، لما سيقرر بعد إن شاء الله تعالى. # وثانيها: أنه يكفر، لأنه خالف القاطع، فأشبه ما لو خالف العقلي القاطع ~~بإثبات الصانع، وتوحيده، وإرسال الرسل. # PageV03P136 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وثالثها: أن ما ثبت بالإجماع كونه ~~من الدين ضرورة، كالصلوات الخمس، والأركان الخمسة ونحوها، كفر منكره، وما ~~ليس كذلك لا يكفر بإنكاره. # والفرق: أن الأول يتحقق تكذيبه لصاحب الشريعة، دون الثاني، لجواز كون ما ~~أنكره يخفى عليه، بخلاف مثل الصلوات الخمس، فإن وجوبها لا يخفى على مسلم، ~~بل الكفار يعلمون وجوبها على أهلها. # وقال الآمدي: إن كان حكم الإجماع داخلا في مسمى الإسلام كالرسالة، كفر ~~منكر حكمه، وإلا فلا. # قلت: هذا أخص من الذي قبله، والذي قبله أولى منه، لأنه تكذيب صاحب ~~الشريعة، وما لزمه مستقل بالتكفير، فلا حاجة لنا إلى تخصيصه بما كان داخلا ~~في مسمى الإسلام، إذ لو سوغ ذلك، لأفضى إلى تكذيب صاحب الشرع في أمور كثيرة ~~بدون تكفير ذلك المكذب، وهو إهمال لحرمة الشرع، وتضييع لناموسه. # قلت: المختار أن منكر حكم الإجماع إن كان عاميا، كفر مطلقا، ظنيا كان ~~الإجماع أو قطعيا، إذا كان قد اشتهر الإجماع عليه، وعلمه المنكر، واعتقد ~~تحريم إنكاره، وإن كان عالما، يفرق بين أنواع الإجماع، ويتصرف في الأدلة، ~~لم يكفر إلا بإنكار مثل الأركان الخمسة، والصلوات الخمس، لجواز أن يقوم ~~الدليل عنده على عدم وجوب ما أنكره. # وقال القرافي: إذا قلنا بتكفير مخالف الإجماع، فهو مشروط بأن يكون # PageV03P137 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المجمع عليه ضروريا من الدين. # قلت: هذا يدل على أنه لا يكفر بمخالفة ما ليس ضروريا قولا واحدا، ولعله ~~مذهبه أو اختياره، وإلا فالخلاف الذي حكيناه مطلقا ثابت. # قلت: مأخذ الخلاف في تكفير منكر حكم الإجماع: هو أن الإجماع ظني أو قطعي؟ ~~فمن قال: إنه ظني، قال: لا يكفر كالقياس وخبر الواحد، وحجته أن مستند أصل ~~الإجماع هو ما سبق من ظواهر الآيات والأخبار التي لا تفيد إلا الظن، وما ~~استند إلى الظن أولى أن يكون ظنيا. # ومن قال: إنه قطعي، قال: ms0807 إن مستند الإجماع قاطع، وما استند إلى القاطع، ~~فهو قاطع. # وإنما قلنا: إنه مستند إلى قاطع، لأن جزئيات أدلته لو استقرئت استقراء ~~تاما، لاجتمع منها الدليل القاطع على أن الإجماع حجة، لكن استقراءها ~~الاستقراء التام بحيث لا يشذ منها شيء متعذر، كما أن استقراء الحكايات ~~الجزئية الدالة على سخاء حاتم استقراء تاما متعذر، فلذلك نبه العلماء في ~~كتبهم بأدلة جزئية على تلك الأدلة الحاصلة من الاستقراء التام لو أمكن. # قال: والغفلة عن هذا التقرير هي الموجب لأسئلة وردت على # PageV03P138 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الإجماع، لكونه ظنيا، وكون مخالفه ~~لا يكفر، وهي مندفعة بهذا التقرير. # قلت: هذا التقرير ضعيف من جهة أن الإجماع أقوى أصول الإسلام، ولذلك قدم ~~على النص والقياس، فهو لعلو رتبته في أدلة الشريعة يقتضي توفر دواعي الأمة ~~على ضبط أدلته، وحفظ مستنده، إذ من الممتنع عادة تضييع مثل ذلك، وذلك يدل ~~على أنه ليس للإجماع دليل إلا ما ذكره العلماء في كتبهم. وقد سبق ذكره ~~وبيان ضعف الدلالة منه. # وأما ما ذكر من حكايات حاتم، فلا نسلم أنه يتعذر استقراؤها أو استقراء ما ~~يحصل به تواتر سخائه منها، إذ كلها أو أكثرها منقولة مدونة في ديوان حاتم ~~وغيره من كتب التواريخ وغيرها، لكن علماء الشرع لعدم اهتمامهم بها لم ~~يعتنوا بها حتى تتواتر بينهم وتشتهر، وقد اشتهرت عند الإخباريين العلماء ~~بأيام العرب. # أما أحاديث الإجماع وأدلته، فهم بالضرورة معتنون بها، مهتمون غاية ~~الاهتمام، فالمانع لهم من نقلها عادة ليس إلا عدمها، وأنا ذاكر لك إن شاء ~~الله - سبحانه وتعالى - فصلا ذكرته في «القواعد الصغرى» في هذا الباب يحقق ~~كون الإجماع ظنيا، وهو أني قلت هناك: ومن العدل الترجيح، وهو العمل بأقوى ~~الدليلين، وإلغاء الضعيف. وهذا كثير في ترجيحات الأصول والفروع، كترجيح ~~القاطع على الظني، والخبر الأصح على الصحيح، والصحيح على الضعيف، ومن ذلك ~~أن مخالف الإجماع ومنكر حكمه لا يكفر، ما لم # PageV03P139 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ينكر ضروريا من الدين كما سبق وقرر ~~ذلك: بأن جريان حكم الإسلام عليه محقق مقطوع به، فلا يرفع بالإجماع ms0808 ~~المحتمل، وبيان احتماله: أن الإجماع مبني على مقدمات محتملة، والمبني على ~~المحتمل محتمل. # أما المقدمات، فهي ظواهر الكتاب، نحو: {ومن يشاقق الرسول} [النساء: 115] ~~الآية، وأحاديث السنة. # أما ظواهر الكتاب، فإنها إنما صح التمسك بها بالإجماع، فلو ثبت الإجماع ~~بها، لزم الدور. # وأما السنة، فليست متواترة تواترا حقيقيا بالاتفاق، وكونه تواترا معنويا، ~~كشجاعة علي، وسخاء حاتم، وبين قوله - عليه السلام -: ما رآه المسلمون حسنا ~~فهو عند الله حسن، أمتي لا تجتمع على ضلالة ونحوهما، وإن الأول أقوى من ~~الثاني، وحيث الأول تواتر ; فالثاني ليس بتواتر، فهو آحاد. وقد اختلف الناس ~~في العمل بخبر الواحد على مذاهب مختلفة، وغايته أن يكون مستفيضا، والمستفيض ~~لا يفيد العلم الذي يقوى على رفع عصمة الدماء. # وقولهم: تلقته الأمة بالقبول، وهي معصومة، إثبات الإجماع بالإجماع، لأن ~~معنى كون الإجماع حجة، هو كونه صادرا عن الأمة المعصومة، وحينئذ يصير تقدير ~~الكلام: أن الإجماع صدر عن الأمة المعصومة، لأن # PageV03P140 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # هذه الأمة المعصومة تلقت أدلته ~~بالقبول، وهو إثبات الشيء بنفسه، وهو محال. # سلمنا أن الخبر متواتر، لكن النزاع في دلالته. # فقوله: ما رآه المسلمون، اللام إما للعهد، وهم قوم معهودون بينه - عليه ~~السلام - وبين من خاطبه، فلا يدل على الإجماع، أو للاستغراق ; فهو عام، ~~ودلالة العام ظنية، ثم قد خص بمن قبل عصر الإجماع وبعده، وبالصبيان، ~~والمجانين، والعامة عند الأكثرين، فصار عاما مخصوصا، وفي كونه حجة، أو غير ~~حجة، وحقيقة في الباقي، أو مجازا، خلاف مشهور سبق، ثم قوله: «حسنا» يحتمل ~~الواجب والمندوب، وهو فيه أظهر، ولا دلالة له على الإجماع أصلا، فإنما يدل ~~على الاستحسان، به احتج أبو حنيفة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وهو بلفظه ~~أشبه، إذ هو من مادته لفظا. # وأما قوله: لا تجتمع أمتي على ضلالة يحتمل أنه أراد بالضلالة: الكفر، ~~ويكون شهادة لها بالأمن من الارتداد بالكلية، وليس في ذلك دلالة على أن ~~الإجماع قاطع، ثم صرنا إلى نفس الإجماع، فنقول: نازع قوم في تصوره وإمكانه، ~~ثم في كونه حجة، ثم في أنه ms0809 مختص بالصحابة، أو صحيح من غيرها أيضا، ثم في أن ~~العصمة لهيئة الأمة الاجتماعية، فتعتبر # PageV03P141 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # العامة أو لا، وفي غير ذلك من ~~أحكامه مما سبق في السكوتي، وقد سبق معناه، فقيل: حجة وإجماع، وقيل: لا حجة ~~ولا إجماع، وقيل: حجة فقط، وقيل: إجماع بشرط انقراض العصر، وقيل: إن كان ~~فتيا لا حكما. # ثم قولكم: هو حجة قاطعة، ما المراد به؟ إن أردتم القطع العقلي، وهو ما لا ~~يحتمل النقيض، فهو مع هذا الخلاف العظيم في مقدماته ممتنع، وإن أردتم أنه ~~موجب للعمل، فذلك إنما يوجب تعصية مخالفه ومنكر حكمه. # أما الحكم بكفره مع القطع بجريان حكم الإسلام عليه بدليل في مقدمات هذا ~~النزاع، فهو دفع للأقوى بالأضعف، وهو مناف للعدل. # واعلم أن القول بتكفيره مطلقا أحوط للشريعة، وبعدمه مطلقا، أو بالتفصيل ~~السابق أحوط للدماء. # وأن النزاع إنما هو في التكفير، أما قتله حدا باجتهاد إمام، أو مجتهد، أو ~~بفعل أو بترك ما يوجبه كالزاني المحصن، أو تارك الصلاة تهاونا لا جحودا، ~~فلا نزاع في جوازه. # واعلم أني إنما ذكرت لك هذا الفصل، وإن كانت أكثر أحكامه قد سبقت ~~لفائدتين: # إحداهما: ترجيح ما اخترته من كون الإجماع ظنيا. # والثانية: أني جعلته لك دستورا للإجماع، تطرية لذهن الناظر به، # PageV03P142 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وتذكيرا، ليتذكر به آخرا ما سبق ~~منه أولا، وإنما لم أفعل ذلك في آخر كل باب، لعدم المقتضي لذكره، بخلاف ~~هاهنا، فإنه عرض ما اقتضى ذكر ذلك. # وعلى القول بتكفير منكر حكم الإجماع بالجملة سؤال، وهو: كيف تكفرون منكر ~~حكم الإجماع، ولم تكفروا منكر أصل الإجماع، كالنظام والشيعة والخوارج؟ # وأجيب عنه: بأن منكر أصل الإجماع لم يستقر عنده كونه حجة، فلا يتحقق منه ~~تكذيب صاحب الشريعة، بخلاف منكر حكمه بعد اعترافه بكونه حجة، فإنه يتحقق ~~منه ذلك، فأخذ بإقراره، والله أعلم. # قوله: «و ### | ارتداد الأمة جائز عقلا لا سمعا # في الأصح» أي: ارتداد الأمة الإسلامية كفرة، في عصر من الأعصار «جائز ~~عقلا» أي: ممكن في العقل غير ممتنع، لأنه لو فرض تصوره لم ms0810 يلزم منه محال ~~لذاته. # أما جوازه من حيث السمع، أي: من حيث دلالة الدليل السمعي عليه، فاختلف ~~فيه، فالأصح كما ذكر في «المختصر» أنه لا يجوز، وهو اختيار الآمدي، لأنها ~~معصومة من الخطأ بأدلة الإجماع السابقة، والردة أعظم الخطأ، فتكون معصومة ~~منها، فلا يجوز عليها، وثم أحاديث أخر تؤكد ذلك. # منها: ما روى معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: إذا فسد أهل الشام، فلا خير فيكم، لا تزال طائفة من أمتي منصورين ~~لا يضرهم من # PageV03P143 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # خذلهم حتى تقوم الساعة رواه ابن ~~ماجه والترمذي وصححه. # وفي الصحيحين معناه من حديث المغيرة. # ولمسلم من حديث ثوبان: لا تزال طائفة من أمتي الحديث. # وله من حديث سعد: لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة. # ولأبي داود من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها ~~دينها. # وهذه الأحاديث الصحيحة وغيرها من جنسها تدل على استمرار الدين إلى قيام ~~الساعة، ويلزم من ذلك عدم ارتداد الأمة جميعها في وقت ما، وهو المطلوب. # واحتج الآخرون بما روي عن أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله. رواه الترمذي ~~وقال: # PageV03P144 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # حديث حسن، ومسلم ولفظه: لا تقوم ~~الساعة على أحد يقول: الله الله. # ولمسلم من حديث عائشة - رضي الله عنها - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى لكن هذا لا يدل على ~~ارتداد جميع الأمة، بل يصدق مضمونه بردة بعضها، وعبادته اللات والعزى، ~~وإنما الحجة في حديث أنس - رضي الله عنه -، لأن ارتداد الأمة يلزمه قطعا، ~~وإلا لو قامت الساعة على من يقول: الله الله، ولو واحدا، فلا يصدق الحديث ~~إذن. # قلت: أحسن ما جمع به بين هذه الأحاديث: أن تحمل الأحاديث الأول على ~~استمرار الدين إلى قبيل ms0811 الساعة بمدة يسيرة، ثم ترتد الأمة، أو تنقرض، ~~ويخلفها من لا يذكر الله، ولا يعرفه، فتقوم الساعة عليه. # على أن انقراض الأمة لا يتجه، لأنها آخر الأمم، وعليها تقوم الساعة، ~~لكنها ترتد لكثرة الفتن، وطول العهد، كما كفرت بنو إسرائيل بعد طول عهدها ~~بأنبيائها وكتبها، وارتدادها قبل قيام الساعة بمدة يسيرة ; لا يقدح في صحة ~~قوله - عليه الصلاة والسلام -: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى ~~تقوم الساعة لأن الزمان اليسير يغتفر في الأحكام والأخبار، والله # PageV03P145 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # سبحانه وتعالى أعلم. # تنبيه: اختلف الأصوليون في أن الأمة هل يتصور اشتراكها في الجهل بدليل لا ~~معارض له، والأصح أنه إن قدر عملها على وفق ذلك الدليل، جاز اشتراكها في ~~عدم العلم به، لأنه حينئذ يصير كالوسيلة مع المقصد، وإن قدر عملها على ~~خلافه، لم يجز، لعصمتها من الإجماع على الخطأ، والله تعالى أعلم بالصواب. # PageV03P146 # استصحاب الحال # وحقيقته: التمسك بدليل عقلي أو شرعي لم يظهر عنه ناقل. # أما الأول: فلأن الحكم الشرعي إما إثبات، والعقل قاصر عنه، أو نفي، ~~فالعقل دل عليه قبل الشرع فيستصحب، كعدم وجوب صوم شوال، وصلاة سادسة. فإن ~~قيل: هذا تمسك بعدم العلم بالناقل، وهو تمسك بالجهل، ولعله موجود مجهول، ~~لأنا نقول: الناس إما: # عامي لا يمكنه البحث والاجتهاد، فتمسكه بما ذكرتم كالأعمى يطوف في البيت ~~على متاع. # أو مجتهد فتمسكه بعد جده وبحثه بالعلم بعدم الدليل كبصير اجتهد في طلب ~~المتاع من بيت لا علة فيه مخفية له فيجزم بعدمه لا سيما وقواعد الشرع قد ~~مهدت وأدلته قد اشتهرت وظهرت، فعند استفراغ الوسع من الأهل يعلم أن لا ~~دليل. # " استصحاب الحال ": # هذا هو الأصل الرابع من الأصول المتفق عليها، وهو استصحاب النفي الأصلي، ~~المقدم ذكره عند ذكر الأصول أول الكتاب. # قوله: " وحقيقته " أي: وحقيقة ### | استصحاب الحال " # التمسك بدليل عقلي # PageV03P147 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أو شرعي لم يظهر عنه ناقل " أي: لم ~~يظهر دليل ينقل عن حكمه، وإنما قلنا ذلك، لأن الاستصحاب تارة يكون بحكم ~~دليل العقل. كاستصحاب حال البراءة الأصلية، فإن ms0812 العقل دل على براءتها، وعدم ~~توجه الحكم إلى المكلف، كقولنا: الأصل براءة المدعى عليه من الحق، أي: دل ~~العقل على انتفاء الدين من ذمته، لأن العقل لا يثبت ما لا دليل عليه، وتارة ~~يكون الاستصحاب بحكم الدليل الشرعي كاستصحاب حكم العموم والإجماع. # أما إذا ظهر الدليل الناقل عن حكم الدليل المستصحب، وجب المصير إليه، ~~كالبينة الدالة على شغل ذمة المدعى عليه بالدين، وتخصيص العموم، وترك حكم ~~الإجماع في محل الخلاف، ونحو ذلك. # تنبيه: تحقيق معنى استصحاب الحال: هو أن اعتقاد كون الشيء في الماضي أو ~~الحاضر يوجب ظن ثبوته في الحال أو الاستقبال. # ويمكن تلخيص هذا بأن يقال: هو ظن دوام الشيء بناء على ثبوت وجوده قبل ~~ذلك، وهو - أعني هذا الظن - حجة عند الأكثرين، منهم: مالك، وأحمد، والمزني، ~~والصيرفي، وإمام الحرمين، والغزالي، وجماعة من أصحاب الشافعي، خلافا لجمهور ~~الحنفية، وأبي الحسين البصري، وجماعة من المتكلمين. # PageV03P148 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # واعلم أن استصحاب الحال مبني على ~~أصول نذكرها إن شاء الله تعالى مرتبة بعضها على بعض: # فنقول: اختلف المتكلمون في الأعراض، وهي ما لا يقوم بنفسه، بل يفتقر في ~~وجوده إلى محل يقوم به، كالحركة والسكون، والسواد والبياض. # فقال بعضهم: هي توجد شيئا فشيئا كالحركة. # وقال بعضهم: هي قسمان: قار الذات، كالسواد وسائر الألوان، فهذا يوجد دفعة ~~واحدة ويستمر، وسيال ليس بقار الذات، كالحركات الزمانية، وهي حركات الفلك ~~والنجوم وغيرها، فهذه توجد شيئا فشيئا، وهو الحق. # ثم اختلفوا في بقاء الموجود ; هل هو عرض قار، أو سيال يوجد شيئا فشيئا، ~~والأولى أنه قار كالسواد والبياض، لأنا لا نعني ببقاء الشيء إلا استمرار ~~وجوده، وهي صفة ثابتة قارة، بخلاف الحركة، فإنها سيالة يدرك سيلانها عدما ~~أو وجودا، فلو كان البقاء مثلها، لأدرك كما أدركت، ثم بنوا على هذا الخلاف ~~أن الباقي ; هل يفتقر في بقائه إلى المؤثر أم لا؟ فمن قال: البقاء عرض قار، ~~قال: لا يفتقر كما لا يفتقر الأسود في اسوداده إلى مسود. # ومن قال: هو عرض سيال، قال: يفتقر إليه، لأن عدم ms0813 كل جزء منه يتعقب وجوده، ~~وبقاؤه لا يكون إلا بتواصل أجزائه، وتتابع أجزاء ما هذا # PageV03P149 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # شأنه بدون مؤثر محال، ثم بنوا على ~~هذا استصحاب الحال، وهو التمسك بالمعهود السابق من نفي أو إثبات، وهو ~~المراد من قول الفقهاء: الأصل بقاء ما كان على ما كان، لأن الباقي إن لم ~~يحتج إلى مؤثر، كان الاستصحاب حجة ; وإن احتاج، لم يكن حجة لجواز التغير ~~لعدم المؤثر. # والدليل على أن استصحاب الحال حجة من وجهين: # أحدهما: أن العقلاء من الخاصة والعامة اتفقوا على أنهم إذا تحققوا وجود ~~الشيء أو عدمه، وله أحكام خاصة به، سوغوا ترتيب تلك الأحكام عليه في ~~المستقبل من زمان ذلك الأمر، حتى إن الغائب يراسل أهله، ويراسلونه، بناء ~~على العلم بوجودهم، ووجوده في الماضي، وينفذ إليهم الأموال وغير ذلك، بناء ~~على ما ذكر، ولولا أن الأصل بقاء ما كان على ما كان، لما ساغ لهم ذلك. # الوجه الثاني: أن استصحاب الحال من لوازم بعثة الرسل، وبعثة الرسل حق، ~~فلازمها يجب أن يكون حقا. # أما أن استصحاب الحال من لوازم البعثة، فلأن الرسالة لا تثبت إلا بعد ~~ظهور المعجز، وهو الأمر الخارق للعادة، والعادة هي اطراد وقوع الشيء دائما، ~~أو في وقت دون وقت، فالأول كدوران الشمس والنجوم في أفلاكها، كما قال - ~~سبحانه وتعالى -: {وسخر لكم الشمس والقمر دائبين} [إبراهيم: 33] ، والثاني ~~كطلوعها من المشرق، وغروبها في المغرب، وكوقوع المطر في الشتاء، وزيادة نيل ~~مصر في أيامه، وأشباه ذلك حتى لو قال قائل: دليل نبوتي # PageV03P150 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أن الشمس لا تطلع اليوم من المشرق، ~~أو أنها لا تغرب في المغرب، بل تجول في أطراف الفلك ونحو ذلك ; فوقع الأمر ~~كما قال ; لدل ذلك على صدقه، وما ذاك إلا لانخراق العادة المطردة على يديه. # وإذا ثبت ذلك، فلو لم يكن الاستصحاب حجة، لما كان انخراق العوائد على ~~أيدي الأنبياء حجة، لجواز أن تتغير أحكام العوائد وأحوالها، فلا يكون ~~الخارق للعادة أمس خارقا لها اليوم، فلا يكون الأصل بقاء ما كان من كونه ~~خارقا على ms0814 ما كان، لكن لما رأينا انخراق العوائد حجة للأنبياء، دل على أن ~~استصحاب الحال حجة، لأنا نقول: قد عهدنا في اطراد العادة أن الشمس تطلع كل ~~يوم من المشرق، والأصل بقاء ذلك على ما كان، فهي في هذا اليوم تطلع من ~~المشرق ونجزم بهذا جزما عاديا، فإذا امتنع طلوعها من المشرق في هذا اليوم، ~~عقيب دعوى المدعي للنبوة، حكمنا بكونه معجزا، خارقا للعادة، فلو لم يكن ~~الأصل بقاء ما كان على ما كان لما كان ذلك معجزا، لجواز تغير العادة كما ~~سبق، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # قوله: " أما الأول " ; يعني التمسك بدليل عقلي لم يظهر عنه ناقل، لأنا قد ~~قدمنا أن استصحاب الحال هو " التمسك بدليل عقلي أو شرعي لم يظهر # PageV03P151 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # عنه ناقل " ثم أخذنا في تفصيل ذلك. ~~وبيانه. # أي: أما أن التمسك بدليل عقلي لم يظهر عنه ناقل حجة " فلأن الحكم الشرعي: ~~إما إثبات " أو نفي ". # أما الإثبات " فالعقل قاصر عنه " أي: العقل لا يدل على ثبوت الحكم ~~الشرعي، بناء على أن العقل هاد ومرشد، لا مشرع وموجب. # وأما النفي، أي: نفي الحكم الشرعي " فالعقل دل عليه " " فيستصحب ". # أما أن العقل دل على نفي الحكم، فلأن المحكوم عليه، والمحكوم به، ~~والمحكوم فيه من لوازم الحكم، ونحن نعلم قطعا انتفاء هذه الأشياء، لأنها من ~~جملة العالم، ونعلم قطعا انتفاء العالم قبل وجوده بدهور لا نهاية لها، ~~وانتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم قطعا. وإذا ثبت لنا انتفاء الحكم ~~الشرعي في وقت ما، استصحبنا حكم ذلك الانتفاء، لما ذكرناه من دليل ~~الاستصحاب. # ومعنى الاستصحاب: أن يكون الحكم بوجود الشيء أو عدمه مصاحبا لاعتقادنا، ~~أو لقلوبنا وأذهاننا. # مثال استصحاب نفي الحكم الشرعي: " عدم وجوب صوم شوال " وغيره من الشهور ~~سوى رمضان، وعدم " صلاة سادسة " مكتوبة، فإنا لو فرضنا أن الشرع لم ينص على ~~ذلك، لكان العقل دليلا عليه بطريق الاستصحاب المذكور، وأمثلة ذلك كثيرة، ~~وهي كل حكم نص الشرع على نفيه، أو لم # PageV03P152 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ينص على إثباته ولا نفيه. # قوله: " فإن قيل: هذا ms0815 تمسك بعدم العلم بالناقل " إلى آخره. هذا سؤال على ~~صحة التمسك بالاستصحاب. # وتقريره: أن التمسك بالاستصحاب إنما يصح مع عدم الدليل الناقل عنه، إذ لو ~~وجد الدليل الناقل عنه، لما كان حجة، وحينئذ يبقى التمسك بالاستصحاب تمسكا ~~بعدم الدليل الناقل عنه، إذ معنى قولنا: الأصل بقاء هذا الحكم على النفي، ~~أنا لا نعلم وجود دليل ناقل له عن النفي إلى الإثبات، وإذا تلخص أن التمسك ~~بالاستصحاب تمسك بعدم الدليل الناقل، فالتمسك بالعدم " تمسك بالجهل " ~~بالدليل، والجهل لا يصلح أن يكون متمسكا على شيء، ولعل الدليل الناقل عن ~~الاستصحاب موجود لم تعلموه، فيكون التمسك بعدم الدليل كالشهادة على النفي. # قوله: " لأنا نقول " هذا جواب عن السؤال المذكور. # وتقريره: أن " الناس: إما عامي لا يمكنه البحث والاجتهاد " في طلب الدليل ~~" أو مجتهد " يمكنه ذلك، فإن كان عاميا، فتمسكه بالاستصحاب مع عدم الدليل ~~الناقل ; هو مما ذكرتم من التمسك بالجهل، فهو لعدم أهليته " كالأعمى يطوف ~~في البيت على متاع " وآلة البصر لا تساعده على إدراكه. # أما المجتهد الذي يمكنه الوقوف على الدليل " فتمسكه بعد " الجد # PageV03P153 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والاجتهاد في طلبه إنما هو " ~~بالعلم بعدم الدليل " لا بعدم العلم بالدليل، فهو " كبصير اجتهد في طلب ~~المتاع من بيت لا علة فيه مخفية له " أي: للمتاع، أي: ليس في ذلك البيت أمر ~~يستر المتاع، فيخفيه عن طالبه " فيجزم بعدمه " عند ذلك، فكذلك المجتهد إذا ~~بالغ في طلب الدليل، فلم يجده، جزم بعدمه، فإن لم يجزم به، غلب على ظنه، ~~وهو كاف في العمل " لا سيما وقواعد الشرع قد مهدت، وأدلته قد اشتهرت وظهرت ~~" وفي الدواوين قد دونت " فعند استفراغ الوسع " في طلب الدليل ممن هو أهل ~~للنظر والاجتهاد " يعلم " أنه " لا دليل " هناك. وحينئذ يكون الاستصحاب منه ~~تمسكا بالعلم بعدم الدليل الناقل، لا بعدم العلم به. # PageV03P154 # وأما الثاني: فكاستصحاب العموم والنص حتى يرد مخصص أو ~~ناسخ واستصحاب حكم ثابت كالملك وشغل الذمة بالإتلاف ونحوه. # أما استصحاب حال الإجماع في محل الخلاف كالتمسك في عدم بطلان صلاة ~~المتيمم ms0816 عند وجود الماء بالإجماع على صحة دخوله فيها فيستصحب، فالأكثر ليس ~~بحجة خلافا للشافعي وابن شاقلا. # لنا: الإجماع إنما حصل حال عدم الماء لا وجوده، فهو إذن مختلف فيه، ~~والخلاف يضاد الإجماع، فلا يبقى معه، كالنفي الأصلي مع السمعي الناقل، ~~بخلاف العموم والنص، ودليل العقل لا ينافيها الاختلاف فيصح التمسك بها معه ~~والله أعلم. # ونافي الحكم يلزمه الدليل خلافا لقوم، وقيل: في الشرعيات فقط. # قوله: «وأما الثاني» وهو التمسك ~~بدليل شرعي لم يظهر عنه ناقل ; فهو كاف «كاستصحاب العموم والنص حتى يرد ~~مخصص أو ناسخ» أي: كاستصحاب حكم العموم حتى يرد مخصص له، واستصحاب حكم النص ~~حتى يرد له ناسخ، وإنما استعملت في عبارتي اللف والنشر، وكذلك «استصحاب» كل ~~«حكم ثابت، كالملك» حتى يوجد ما يزيله، كالبيع والهبة «وشغل الذمة» حتى ~~يوجد ما يفرغها بأداء الدين إن كانت مشغولة بدين، أو بأداء قيمة المتلف إن ~~كانت مشغولة بإتلاف شيء، وغير ذلك من الشواغل. # تنبيه: كل ما كان أصلا في الدلالة وجب حمل اللفظ عليه، حتى # PageV03P155 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يقوم الدليل الناقل عنه، فاللفظ ~~يحمل على حقيقته حتى يقوم دليل المجاز، وعلى العموم حتى يقوم دليل التخصيص، ~~وعلى الإفراد حتى يقوم دليل الاشتراك، وعلى الاستقلال بالدلالة حتى يقوم ~~دليل الإضمار، وعلى الإطلاق حتى يقوم دليل التقييد، وعلى التأصيل حتى يقوم ~~دليل الزيادة، وعلى الترتيب الواقع حتى يقوم دليل التقديم والتأخير، وعلى ~~التأسيس حتى يقوم دليل التأكيد، وعلى الإحكام حتى يقوم دليل النسخ، وعلى ~~المعنى الشرعي حتى يقوم دليل اللغوي إذا كان اللفظ واردا من الشرع، أو ~~بالعكس إن كان واردا من أهل اللغة، وعلى المعنى العرفي حتى يقوم دليل ~~اللغوي، كل ذلك عملا باستصحاب الحال الراجح، والعمل بالراجح متعين، ~~فالاستصحاب إذن على ضربين: حكمي، ولفظي. # قوله: «أما استصحاب حال الإجماع في محل الخلاف، كالتمسك في عدم بطلان ~~صلاة المتيمم عند وجود الماء بالإجماع» أي: بأن يقال: أجمعنا «على صحة ~~دخوله فيها» أي: في الصلاة بالتيمم «فيستصحب» حال تلك الصحة «فالأكثر ليس ~~بحجة، خلافا للشافعي ms0817 وابن شاقلا» . # وقال الآمدي: منع الغزالي وجماعة من الأصوليين من استصحاب حكم الإجماع في ~~محل الخلاف، وجوزه آخرون. قال: وهو المختار، كما نقول: أجمعنا على حصول ~~الطهارة من الحدث قبل خروج الخارج # PageV03P156 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # النجس من غير السبيلين، فيستصحبها ~~بعد خروجه. # قلت: وكذا قولنا: أجمعنا على أن هذا مالك للصيد قبل الإحرام، فيستصحب حكم ~~الملك بعد الإحرام، وأجمعنا على أن هذا مالك لما في يده قبل الردة، فيستصحب ~~الملك بعد الردة، ونحو ذلك. # قال ابن المعمار البغدادي: قال أبو ثور وداود والصيرفي: وهو دليل يعني ~~استصحاب حال الإجماع في محل الخلاف. # قوله: «لنا:» أي: على أن هذا الاستصحاب ليس بحجة أن «الإجماع» في صورة ~~التيمم مثلا «إنما حصل حال عدم الماء» . أما حال وجوده «فهو» «مختلف فيه، ~~والخلاف يضاد الإجماع» فلا يجتمعان، ولا يبقى الإجماع مع الخلاف حال عدم ~~الماء مثلا، كما أن النفي الأصلي الدال على عدم الحكم لا يبقى مع الدليل ~~السمعي الناقل عن حكم النافي، لكونه يضاده. وهذا «بخلاف العموم والنص، ~~ودليل العقل» كالقياس ونحوه، فإن الاختلاف في الحكم «لا ينافيها» «فيصح ~~التمسك بها» مع الاختلاف، ولا كذلك الإجماع، فإن الخلاف ينافيه، فلا يصح ~~التمسك به معه. # احتج الخصم بأن الحكم ثابت قبل الخلاف بالإجماع، والأصل في كل متحقق ~~دوامه لما سبق، فيكون هذا الحكم دائم الثبوت، وهو المطلوب. # PageV03P157 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والجواب: أن الأصل في كل متحقق ~~دوامه ما لم يوجد ما ينافيه، وقد بينا أن الخلاف الحادث ينافي الإجماع ~~الأول، فلا يبقى الحكم مجمعا عليه، وهو المطلوب. # وأيضا ثبوت الحكم في محل الخلاف يستدعي دليلا، والأدلة منحصرة في النص، ~~والإجماع، والقياس، والاستدلال، ولا شيء منها في محل النزاع في صورة التيمم ~~والطهارة قبل خروج الخارج مثلا. # فإن قيل: الاستصحاب ضرب من الاستدلال، وقد دل على ثبوت الحكم في محل ~~النزاع. # قلنا: إن سلمنا أنه استدلال، فهو معارض بما ينافيه، فلا يبقى معه، والله ~~- سبحانه وتعالى - أعلم. # فائدة: القاعدة العقلية والشرعية: أن الأقوى لا يرفع بالأضعف، فقد يقال ~~على هذا: إن ms0818 البراءة الأصلية قاطعة، وقد رفعها الشرع بالقياس في التكليفات، ~~وبالبينة الشرعية كرجلين، ورجل وامرأتين في المعاملات، وهذه أمور ظنية قد ~~رفعت البراءة القاطعة، فإنا نعلم قطعا براءة الواحد منا من وجوب غسل ~~النجاسة من ولوغ أو غيره، ومن تحريم شرب النبيذ، ثم شغلنا ذمته بوجوب غسل ~~النجاسة بقوله - عليه السلام -: حتيه ثم اقرصيه، ثم اغسليه بالماء، ثم صلي ~~فيه، وبقوله - عليه السلام -: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم. . . الحديث، ~~وقول ابن عمر - رضي الله عنهما -: أمرنا أن نغسل الأنجاس سبعا. وشغلناها ~~بتحريم النبيذ بقياسه على الخمر فكيف هذا؟ # PageV03P158 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والجواب: أما التكاليف الشرعية، ~~فلا نسلم أن الأصل براءة الذمم منها، بل الأصل اشتغالها بها، نظرا إلى أن ~~الله - سبحانه وتعالى - لما استخرج الذرية من صلب آدم - عليه السلام - ~~أمرهم بالسجود، فسجدوا، ثم أخذ عليهم الميثاق أنه إذا أرسل إليهم الرسل ~~بالتوحيد، والتكاليف بالعبادات أن يطيعوا، وذلك معنى قوله - عز وجل -: {وإذ ~~أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} إلى قوله: {ألست بربكم قالوا بلى ~~شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين} [الأعراف: 172] . فمن ~~ذلك اليوم ; الذمم مشغولة بالتوحيد وأحكامه وفروعه، وهو ثابت بحق الأصل ~~فيها. # وإنما انقطع التكليف في حق كل واحد منا فيما بين يوم أخذ الميثاق عليه، ~~ويوم بلوغه حد التكليف، لعدم الأهلية فيما بين ذلك، لكونه معدوما في تلك ~~المدة، وإن كان موجودا في علم الله - عز وجل - كما ينقطع في أثناء مدة ~~التكليف الشرعي، بالجنون والحيض، وبأسباب الرخص. وحينئذ خبر الواحد والقياس ~~ليس رافعا للبراءة القاطعة من التكليف، بل مؤكد ومجدد لاشتغالها الأصلي به، ~~والضعيف قد يؤكد القوي ولا يرفعه، وقول الفقهاء: الأصل عدم التكليف ; إنما ~~هو بالنظر إلى زمن وجود المكلف في هذه # PageV03P159 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الحياة، وهذه النشأة، أما بالنظر ~~إلى أول أزمنة التكليف، فهو يوم أخذ الميثاق الأول، وهو النظر الصحيح إن ~~شاء الله تعالى، وبه يندفع الإشكال المذكور. # وأما رفع البراءة الأصلية بالبينة الشرعية في المعاملات، فنقول: المقطوع ~~به في البراءة الأصلية ms0819 إنما هو مجرد عدم اشتغالها بالحق المدعى به. # أما دوام ذلك العدم إلى حين الدعوى، فلا قاطع به، لاحتمال أن هذا الغريم ~~المدعى عليه بعد براءة ذمته الأصلية من حق خصمه، شغلها بأن غصبه، أو اقترض ~~منه، أو اشترى منه، ونحو ذلك، فالمدعي يدعي تجديد شغل ذمة المدعى عليه بعد ~~فراغها، والمدعى عليه ينكر ذلك، ويدعي استمرار فراغ ذمته ودوامه، فصار ~~اختلافهما في دوام فراغ الذمة وعدمه بعد الاتفاق على فراغها الأصلي، ~~كالاختلاف بعد الإجماع في مسألة الاستدلال بالإجماع في محل الخلاف. وحينئذ ~~لا تكون البينة الشرعية الظنية رافعة لأمر قطعي، لأن القطعي هو ثبوت مجرد ~~عدم شغل الذمة، والبينة لا ترفع ذلك، وإنما ترفع دوام ذلك العدم، وهو ظني ~~مختلف فيه، وصارت البينة كالمرجح لقول أحد الخصمين المتنازعين، وهو المدعي. # فإن قيل: هذا تقرير متجه، لكن يشكل عليه ما قرره الفقهاء من أن البينة ~~إنما جعلت في جانب المدعي، واليمين في جانب المدعى عليه، لأن جانب المدعي ~~ضعيف، لدعواه خلاف الأصل، وهو اشتغال ذمة المدعى عليه، والأصل فراغها، ~~وجانب المدعى عليه قوي لدعواه وفق الأصل، وهو فراغ ذمته # PageV03P160 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # من الحق، والبينة أقوى من اليمين، ~~فجعلت الحجة التي هي أقوى في جانب الأضعف، والتي هي أضعف في جانب الأقوى ~~تعديلا. # قلنا: هذا لا يشكل على ما قررناه؛ لأن هذا إنما يقتضي كون جانب المدعى ~~عليه وهو المنكر راجحا، لكن الرجحان أعم من أن يكون قاطعا أو غير قاطع، ~~ورجحان جانب المنكر غير قاطع؛ لما قررناه من اختلافهما في دوام براءة ذمته ~~القاطعة. # وحينئذ نقول: جانب المنكر راجح لحصول القطع ببراءة ذمته بالجملة في وقت ~~من الأوقات. فلهذا الرجحان ضممنا إليه الحجة الضعيفة، وهي اليمين، وليس ذلك ~~الرجحان قاطعا، حتى يكون رفعه بالبينة الشرعية رفعا للقاطع بالظني، والله - ~~سبحانه وتعالى - أعلم. # قوله: «ونافي الحكم يلزمه الدليل، خلافا لقوم. وقيل: في الشرعيات فقط» . # اعلم أن الناس اختلفوا في المستدل على نفي الحكم كقوله: ما الأمر كذا، أو ~~ليس الأمر كذا، فالمشهور وهو ms0820 قول الأكثرين أنه يلزمه إقامة الدليل على نفي ~~الحكم الذي ادعى نفيه، ولا يكفيه مجرد دعوى النفي. # وقال قوم: لا يلزمه الدليل على النفي، كأنهم اكتفوا بكون دعواه موافقة ~~للأصل، وهو عدم الأشياء وانتفاؤها، فمن ادعى وجودها وثبوتها، فعليه الدليل، ~~ولهذا بنى بعضهم هذه المسألة على أن الاستصحاب حجة أم لا؟ # إن قلنا: هو حجة، فلا دليل على النافي # وإن قلنا: ليس بحجة، فعليه الدليل. # PageV03P161 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قلت: وهذا التفريع ضعيف؛ لأنا قد ~~بينا رجحان وجوب الدليل عليه مع قولنا: إن الاستصحاب حجة، فدل على أن كل ~~واحدة من المسألتين أصل بنفسها. # وقال آخرون: يلزمه الدليل «في الشرعيات» نحو: لا تشترط النية للصلاة، ولا ~~يلزمه في العقليات نحو: ليس العالم بقديم. # PageV03P162 # لنا: قوله تعالى: {قل هاتوا برهانكم} والدعوى نفيه، ~~ولأن كلا من الخصمين يمكنه التعبير عن دعواه بعبارة نافية، كقول مدعي حدوث ~~العالم: ليس بقديم، وقدمه ليس بمحدث، فيسقط الدليل عنهما فتعم الجهالة ويقع ~~الخبط ويضيع الحق، وطريق الدلالة على النفي بيان لزوم المحال من الإثبات ~~ونحوه. # قالوا: النفي أصلي الوجود، فاستغني عن الدليل، ولأن المدعى عليه الدين لا ~~يلزمه دليل. # قلنا: الاستغناء عن الدليل لا يسقطه، وتعذره ممنوع، وانتفاء الدليل عن ~~المدين ممنوع، إذ اليمين دليل، وإن سلم فلتعذره، إذ الشهادة على النفي ~~باطلة لتعذرها، ولأن ثبوت يده على ملكه أغناه عن الدليل، والدليل على نفي ~~الحكم الشرعي إجماعي كنفي صلاة الضحى، أو نصي كنفي زكاة الحلي، أو قياسي ~~كإلحاق الخضراوات بالرمان في نفي وجوب الزكاة، وعلى نفي العقلي ما سبق. # قوله: «لنا:» ، أي: على أن نافي ~~الحكم يلزمه الدليل وجهان: # أحدهما: أن الله - سبحانه وتعالى - ألزم النافي الدليل في مقام المناظرة، ~~فلو لم يلزمه، لما ألزمه إياه؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - عدل في مناظرته، ~~وسائر أفعاله. # وبيان ذلك في قوله - سبحانه وتعالى - حكاية عن اليهود والنصارى: # PageV03P163 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان ~~هودا أو نصارى} [البقرة: 111] ، فهذه دعوى نافية، فأجاب الله - سبحانه ~~وتعالى - بقوله - عز وجل - {تلك أمانيهم} [البقرة: ms0821 111] ، ثم أمر نبيه - ~~عليه السلام - بمطالبتهم بدليل دعواهم النافية، فقال - سبحانه وتعالى: {قل ~~هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} [البقرة: 111] ، أي: أقيموا الدليل على أنه ~~لا يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، وهو إلزام بالدليل على دعوى ~~النفي، وهو المطلوب. # الوجه الثاني: أن نافي الحكم لو لم يلزمه الدليل، لضاع الحق بين الخصمين، ~~وتعطل، لكن تعطل الحق باطل، فالمفضي إليه باطل، إنما قلنا: إنه لو لم يلزمه ~~لتعطل الحق، «لأن كلا من الخصمين يمكنه» أن يعبر «عن دعواه بعبارة نافية» ~~فيقول المدعي لحدوث العالم: «ليس بقديم» ويقول المدعي لقدمه: «ليس بمحدث» . ~~وحينئذ «يسقط الدليل عنهما» لأن كل واحد منهما ناف للحكم، وإذا سقط الدليل ~~عنهما ضاع الحق، فلم يعلم في أي طرف هو، إذ لا يظهر الحق إلا بدليل. وحينئذ ~~«تعم الجهالة، ويقع الخبط» في الأحكام. # وإنما قلنا: إن تعطل الحق باطل؛ لأن الحق لو تعطل لقام الباطل، إذ هما ~~ضدان، أو نقيضان، لا بد من أحدهما، وقيام الباطل وظهوره باطل، فثبت أن سقوط ~~الدليل عن النافي باطل. # PageV03P164 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «وطريق الدلالة على النفي ~~بيان لزوم المحال من الإثبات ونحوه» أي: إذا ثبت أن النافي يلزمه الدليل، ~~فطريق الدلالة على نفي الحكم ما ذكرناه، وهو بيان لزوم المحال من إثباته؛ ~~لأن ما لزم منه المحال يكون محالا، فإذا لزم المحال من النفي كان النفي ~~محالا، فيكون الإثبات حقا، إذ لا واسطة بينهما. # مثل أن يقول: العالم ليس بقديم؛ لأنه لو كان قديما للزم تأثير إرادة ~~الصانع وقدرته فيه، لكن تأثير القدرة والإرادة في القديم محال؛ لأنه يصير ~~بذلك أثرا، وكل أثر محدث، فيلزم أن ينقلب القديم محدثا، وهو محال، فهذا ~~المحال قد لزم من إثبات قدم العالم، فيكون محالا، وإذا استحال القدم، تعين ~~الحدوث، إذ لا واسطة بينهما، وقد يستدل على نفي الحكم بغير هذه الطريق، على ~~حسب ما يتفق للمستدل، ويسنح لخاطره من ذلك. # قوله: «قالوا:» إلى آخره، أي: احتج النافون لوجوب الدليل على النافي ~~بوجهين: # أحدهما: أن «النفي ms0822 أصلي الوجود» يعني أنه ثابت بالأصل، إذ العالم عبارة ~~عما سوى الله - سبحانه وتعالى، فكل شيء يستدل على نفيه، فهو داخل في جملة ~~العالم، والأصل في العالم العدم والانتفاء، وإذا كان العدم والانتفاء ثابتا ~~بحق الأصل، استغني عن إقامة الدليل. # الوجه الثاني: أن «المدعى عليه الدين» أي: من ادعي عليه دين «لا # PageV03P165 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يلزمه دليل» براءة ذمته؛ لثبوتها ~~بحق الأصل، وإنما تلزم البينة المدعي؛ لدعواه خلاف الأصل، وهو ثبوت الحق ~~بعد انتفائه، وهذان الوجهان مرجعهما أصل واحد، وهو استغناء ما ثبت بحق ~~الأصل عن الدليل. # قوله: «قلنا:» إلى آخره، أي: الجواب عما ذكرتموه: أن «الاستغناء عن ~~الدليل لا يسقطه» إذا قام دليل وجوبه، وقد بيناه بما سبق، «وتعذره ممنوع» . ~~أي: إن ادعى مدع أن الدليل متعذر على النفي مطلقا، أو في بعض الصور، منعنا ~~تعذره مطلقا بما قدمناه من إمكانه ببيان لزوم المحال من الإثبات، وأما ~~«انتفاء الدليل عن» المديون، فممنوع أيضا، إذ لا نسلم أن منكر الدين لا ~~دليل عليه، بل عليه دليل، وهو اليمين، وهي وإن قصرت في القوة عن البينة، لا ~~تخرج عن كونها دليلا، إذ الأدلة منها القوي والضعيف، وإن سلمنا أن اليمين ~~ليست دليلا، فالجواب من وجهين: # أحدهما: أن الدليل إنما سقط عن المدعى عليه هاهنا؛ لأنا لو كلفناه دليلا، ~~لكان دليله البينة، كما في جانب المدعي، لكن البينة إنما تصح شهادتها ~~بالإثبات، فلو أوجبناها في جانب المدعى عليه، لكانت شهادتها له بالنفي وهو ~~أنه لا حق للمدعي قبله، لكن «الشهادة على النفي باطلة» ؛ لجواز ثبوت الحق ~~في حال نومها، أو غفلتها، أو غيبتها وضبطها للزمان، بحيث تحقق أن الحق لم ~~يثبت على المدعى عليه في جزء من أجزائه متعذر، فسقط الدليل عن المدعى عليه ~~هاهنا لتعذره، ولا يلزم من سقوط الدليل في # PageV03P166 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # موضع خاص لمانع خاص سقوطه في كل ~~موضع. # الوجه الثاني: وهو مختص بما إذا كان للمدعى عليه يد، كما لو ادعى زيد ~~عينا في يد عمرو، فأنكره عمرو، فعمرو لا دليل عليه؛ لأن ms0823 ثبوت يده على ملكه ~~قام مقام الدليل، فأغناه عنه. # قوله: «والدليل على نفي الحكم الشرعي إجماعي» إلى آخره. هذا بيان ### | أنواع مدارك نفي الحكم، # أي: حيث قد أثبتنا أن نافي الحكم يلزمه الدليل مطلقا، فالحكم إما شرعي أو ~~عقلي. # أما الحكم الشرعي، فقد يكون مدرك نفيه الإجماع، «كنفي» وجوب «صلاة الضحى» ~~، فإنها بالإجماع لا تجب، لكنها مستحبة، وقد يكون مدركه النص، «كنفي زكاة ~~الحلي» والخيل والحمير بقوله - عليه السلام -: ليس في الحلي زكاة وليس على ~~الرجل في عبده ولا فرسه صدقة وليس في الكسعة ولا في الجبهة صدقة والكسعة: ~~الحمير، والجبهة: # PageV03P167 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الخيل، وقد يكون مدركه القياس، ~~كقولنا: لا زكاة في الخضراوات، بالقياس على الرمان وغيره مما لا زكاة فيه. # وأما الحكم العقلي، فالدليل على نفيه «ما سبق» يعني من لزوم المحال من ~~إثباته، ودليل التلازم نحو: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} ~~[الأنبياء: 22] ، لكنهما ما فسدتا، فلزم أن لا إله فيهما إلا الله؛ لأن ~~انتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم، وفساد السماوات والأرض لازم لوجود ~~إلهين فأكثر، فانتفاء الفساد فيهما يدل على انتفاء آلهة غير الله فيهما، ~~والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # PageV03P168 # ### | الأصول المختلف فيها # أربعة: # أحدها: شرع من قبلنا ما لم يرد نسخه - شرع لنا في أحد القولين، اختاره ~~التميمي والحنفية، والثاني: لا، وللشافعية كالقولين. # المثبت: {إنا أنزلنا التوراة} الآية، ودلالتها من وجهين: {فبهداهم اقتده} ~~، {اتبع ملة إبراهيم} ، {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا} ، وقال - صلى ~~الله عليه وسلم: «كتاب الله القصاص» ، وليس في القرآن: السن بالسن إلا ما ~~حكي فيه عن التوراة، وراجع - صلى الله عليه وسلم - التوراة في رجم ~~الزانيين، واستدل ب {وأقم الصلاة لذكري} على قضاء المنسية عند ذكرها. # وأجيب: بأن المراد من الآيات: التوحيد والأصول الكلية، وهي مشتركة بين ~~الشرائع، و «كتاب الله القصاص» إشارة إلى عموم: {فمن اعتدى} ، أو {والجروح ~~قصاص} على قراءة الرفع، ومراجعته التوراة تحقيقا لكذبهم وإنما حكم بالقرآن، ~~{وأقم الصلاة لذكري} قياس أو تأكيد لدليله به، أو علم عمومه ms0824 له، لا حكم ~~بشرع موسى. # " الأصول المختلف فيها أربعة ": # لما فرغ من الكلام على الأصول المتفق عليها، وهي: الكتاب، والسنة، ~~والإجماع، واستصحاب الحال، أخذ في الكلام على الأصول المختلف فيها، وهي ~~أربعة أيضا: شرع من قبلنا، وقول الصحابي، والاستحسان، والاستصلاح. # قوله: " أحدها "، أي: أحد الأصول المذكورة: " شرع من قبلنا ما لم يرد ~~نسخه - شرع لنا ". أي: شرع من قبلنا إن ورد ناسخه في شرعنا، فليس شرعا # PageV03P169 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لنا، وإن لم يرد له ناسخ في شرعنا، ~~فهو شرع لنا " في أحد القولين " عن أحمد، و " اختاره التميمي " من أصحابنا ~~" والحنفية ". # قال الآمدي: هو المنقول عن بعض الشافعية وبعض الحنفية، والقول " الثاني " ~~ليس شرعا لنا، " وللشافعية كالقولين ". # قال الآمدي: وهو مذهب الأشاعرة والمعتزلة، واختاره. # قوله: " المثبت " أي: احتج المثبت لكونه شرعا لنا بوجوه: # أحدها: قوله - عز وجل: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها ~~النبيون الذين أسلموا للذين هادوا} [المائدة: 44] " ودلالتها من وجهين ": # أحدهما: أنه جعلها مستندا للمسلمين في الحكم، وهو نص في المسألة. # الوجه الثاني: قوله - عز وجل - في آخرها: {ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44] ، وهو عام في المسلمين وغيرهم. # الوجه الثاني من أدلة المسألة: قوله - سبحانه وتعالى - مخاطبا لنبينا - ~~عليه السلام: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] يعني ~~أنبياء بني إسرائيل، وأمره له بالاقتداء بهم يقتضي أن شرعهم شرع له قطعا. # الوجه الثالث: قوله تعالى: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا} ~~[النحل: 123] ; أمره باتباع ملة إبراهيم، وهي من شرع من قبله، ثم أمره - ~~سبحانه وتعالى - بالإخبار بذلك بقوله: # PageV03P170 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # {قل إنني هداني ربي إلى صراط ~~مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} [الأنعام: 161] ، ~~وذلك يدل على أنه متعبد بشرع من قبله. # الوجه الرابع: قوله - سبحانه وتعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ~~والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى} [الشورى: 13] الآية، ~~وهي تدل على أن الشرعين سواء، وهو المراد بترجمة المسألة. # الوجه الخامس: أن النبي - صلى ms0825 الله عليه وسلم - قضى في قصة الربيع ~~بالقصاص في السن، " وقال: كتاب الله القصاص وليس في القرآن: السن بالسن إلا ~~ما حكي فيه عن التوراة " بقوله - عز وجل: " {وكتبنا عليهم فيها أن النفس} ~~إلى قوله - عز وجل: {والسن بالسن} [المائدة: 45] ، فدل على أنه - عليه ~~السلام - قضى بحكم التوراة، ولم يكن شرعا له، لما قضى به. # الوجه السادس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - " راجع التوراة في رجم ~~الزانيين " من اليهود، فلما وجد فيها أنهما يرجمان، رجمهما، وذلك يدل على ~~ما قلناه. # الوجه السابع: أنه - عليه السلام - " استدل " على وجوب " قضاء المنسية ~~عند ذكرها " بقوله - سبحانه وتعالى: {إنني أنا الله لا إلا أنا فاعبدني ~~وأقم الصلاة لذكري} [طه: 14] ، وإنما الخطاب فيها لموسى - عليه السلام - ~~على ما دل عليه سياق القرآن، وذلك لما نزل النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~منزلا، فنام فيه وأصحابه، حتى فات وقت صلاة الصبح، أمرهم، فخرجوا عن ~~الوادي، ثم صلى بهم # PageV03P171 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الصبح، واستدل بالآية. # فهذه سبعة أوجه احتج بها من أثبت أن شرع من قبلنا شرع لنا. # قوله: " وأجيب "، أي: أجاب النافون لذلك عن هذه الأوجه السبعة بأن قالوا: ~~" إن المراد من الآيات " المذكورة في الأوجه الأربعة الأول إنما هو " ~~التوحيد والأصول الكلية " المعروفة بأصول الدين، وما يجوز على البارئ جل ~~جلاله وما لا يجوز، " وهي " أي: الأصول الكلية " مشتركة بين الشرائع " ~~كلها، وذلك مثل قولنا: الله واحد أحد أزلي باق سرمدي، ليس كمثله شيء، خالق ~~للعالم، مرسل للرسل، فعال لما يريد، ليس بجائر ولا ظالم، ونحو ذلك، لا أن ~~شرع من قبلنا شرع لنا في فروع الدين، بدليل ما سيأتي - إن شاء الله تعالى - ~~من أدلتنا على ذلك. # وأما قوله - عليه الصلاة والسلام: كتاب الله القصاص فليس إشارة إلى حكم ~~التوراة، بل إما إلى عموم قوله - سبحانه وتعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا ~~عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة: 194] ، وهو يتناول العدوان في السن ~~وغيرها، أو إلى عموم قوله - سبحانه وتعالى: {والجروح قصاص} [المائدة: 45] ~~على قراءة من قرأ: ms0826 (والجروح) بالرفع على الاستئناف، وهو ابن كثير وأبو عمرو ~~وابن عامر، وعلى ذلك يكون من كتابنا وشرعنا، لا من التوراة وشرع من قبلنا. # PageV03P172 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وأما " مراجعته التوراة " في رجم ~~الزانيين فليس على جهة استفادة الحكم منها بل تحقيقا لكذب اليهود، فإنه ~~رآهم سودوا وجوههما، وطافوا بهما بين الناس، فأنكر أن يكون ذلك من حكم الله ~~تعالى في الزاني، فاستدعى بالتوراة، فاستخرج منها الحكم بالرجم " تحقيقا ~~لكذبهم " على الله تعالى، وتحريفهم الكتب المنزلة عليهم كما في موضع: {قل ~~فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} [آل عمران: 93] ، " وإنما حكم ~~بالقرآن " بقوله تعالى: " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة ". وقد ~~سبق أن هذا مما نسخ خطه، وبقي حكمه. # قلت: لكن هذا يتوقف على ثبوت أن قصة اليهوديين كانت بعد نزول آية الرجم ~~المذكورة، والظاهر أنه كذلك. # وأما استدلاله - عليه الصلاة والسلام - بقوله - سبحانه وتعالى: {وأقم ~~الصلاة لذكري} [طه: 14] ، فهو إما " قياس " لنفسه على موسى في إقامة الصلاة ~~لذكر الله - عز وجل، أي: عند ذكره، " أو تأكيد " من النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - " لدليله " على قضاء الصلاة بالآية المذكورة خطابا لموسى - عليه ~~السلام، أو أنه - عليه السلام - علم عموم الآية له، " لا " أنه " حكم بشرع ~~موسى " عليه السلام. # PageV03P173 # النافي: لو كان شرعا لنا لما صح: {لكل جعلنا منكم ~~شرعة} و «بعثت إلى الأحمر والأسود» ، إذ يفيدان اختصاص (كل) بشريعة، وللزمه ~~وأمته تعلم كتبهم، والبحث عنها، والرجوع إليها عند تعذر النص في شرعه، ولما ~~توقف على الوحي في الظهار واللعان والمواريث ونحوها، ولما غضب حين رأى بيد ~~عمر قطعة من التوراة، ولكان تبعا لغيره، وهو غض من منصبه ومناقضة لقوله: ~~«لو كان» موسى حيا لاتبعني، ولما صوب معاذا في انتقاله من الكتاب والسنة ~~إلى الاجتهاد، لا يقال: الكتاب تناول التوراة؛ لأنا نقول: لم يعهد من معاذ ~~اشتغال بها وإطلاق الكتاب في عرف الإسلام ينصرف إلى القرآن. # وأجيب عن الأولين: بأن اشتراك الشريعتين في بعض الأحكام لا ينفي اختصاص ~~كل نبي بشريعة اعتبارا بالأكثر، وعن الباقي بأنها ms0827 حرفت فلم تنقل إليه ~~موثوقا بها، والكلام فيما صح عنده منها كما في القرآن من أحكامها، وإذا ~~تعبده الله بها فلا غض ولا تبعية. # قوله: " النافي "، أي: النافي لشرع ~~من قبلنا أنه ليس بشرع لنا بوجوه: # أحدها: " لو كان " شرع من قبلنا " شرعا لنا، لما صح " قوله - سبحانه ~~وتعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} [المائدة: 48] ، ولما صح قوله - ~~عليه الصلاة والسلام: بعثت إلى الأحمر والأسود، " إذ يفيدان " # PageV03P174 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يعني: الآية والحديث " اختصاص كل " ~~من الرسل " بشريعة "، لكن قد صح مضمون الآية والحديث، فلا يكون شرع من ~~قبلنا شرعا لنا. # الثاني: لو كان شرعا لنا، للزم النبي - صلى الله عليه وسلم - " وأمته ~~تعلم كتبهم "، أي: كتب من قبلنا من أهل الكتاب، " والبحث عنها، والرجوع ~~إليها عند تعذر النص في شرعه " على حادثة ما، لكن ذلك لا يلزم بالإجماع، ~~فلا يكون شرعهم شرعا لنا. # الثالث: لو كان شرعهم شرعا لنا " لما توقف " النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- " في الظهار، واللعان، والمواريث ونحوها " من الأحكام " على الوحي "، لكن ~~ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه توقف في الأحكام على الوحي، فدل على أن ~~شرعهم ليس شرعا لنا، وإلا لبادر باستخراج الحكم من كتبهم والسؤال عنه فيها ~~لأنها من شرعه كالقرآن. # الرابع: أنه - صلى الله عليه وسلم - رأى يوما بيد عمر - رضي الله عنه - ~~قطعة من التوراة، فغضب، وقال: ما هذا؟ أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود ~~والنصارى! لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولو كان موسى حيا لما وسعه إلا ~~اتباعي، ولو كان شرعهم شرعا لنا، " لما غضب " من ذلك كما لا يغضب من النظر ~~في القرآن. # الخامس: لو كان شرعهم شرعا لنا، " لكان " النبي - صلى الله عليه وسلم - " ~~تبعا لغيره " في الشرع، وفي ذلك " غض من منصبه ومناقضة لقوله: لو كان موسى ~~حيا # PageV03P175 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لاتبعني إذ يكون تابعا لموسى ~~متبوعا له بتقدير وجوده في عصره وذلك باطل. # السادس: أنه - عليه السلام - لما بعث معاذا إلى اليمن، قال له: بم تحكم؟ ~~قال: بكتاب الله، قال: فإن لم ms0828 تجد؟ قال: بسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ ~~قال: أجتهد رأيي، فصوب معاذا في ذلك، ولو كان شرع من قبلنا شرعا لنا، لما ~~صوبه، بل كان يقول له: إن لم تجد في كتاب الله - عز وجل - وسنتي شيئا، ~~فاطلب الحكم في شرع من قبلنا، ثم اجتهد رأيك، وهذا معنى قولنا: " ولما صوب ~~معاذا في انتقاله من الكتاب والسنة إلى الاجتهاد ". # قوله: " لا يقال "، إلى آخره. هذا اعتراض على هذا الدليل، أي: فإن قيل: ~~قول معاذ - رضي الله عنه -: أحكم بكتاب الله. عام في القرآن والتوراة ~~وغيرها من كتب من قبلنا، ولذلك صح تنزله في مراتب الأدلة، واتجه تصويبه. # فالجواب أنا نقول: " لم يعهد من معاذ - رضي الله عنه - اشتغال " بالتوراة ~~ونحوها حتى يحمل الكتاب في قوله: أحكم بكتاب الله، على ما يتناولها مع ~~القرآن، وأيضا فإن " إطلاق الكتاب " وكتاب الله " في عرف الإسلام # PageV03P176 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ينصرف إلى القرآن "، فيحمل الكتاب ~~في حديث معاذ - رضي الله عنه - عليه. وحينئذ يتوجه الإنكار عليه بتقدير أن ~~شرع من قبلنا شرع لنا، فلما لم ينكره النبي - صلى الله عليه وسلم، دل على ~~أن شرع من قبلنا ليس هو بشرع لنا. فهذه ستة أوجه تدل على ما ذكرناه. # قوله: " وأجيب "، أي: أجاب المثبتون عن الوجوه الستة بما ذكر. # فأجيب " عن الأولين " ; وهما: لو كان شرعهم شرعا لنا، لما صح: {لكل جعلنا ~~منكم شرعة} ، ولا قوله: بعثت إلى الأحمر والأسود " بأن اشتراك الشريعتين في ~~بعض الأحكام لا ينفي اختصاص كل نبي بشريعة اعتبارا بالأكثر "، وهو ما ~~اختلفوا فيه، أي: إن الشريعتين إذا اشتركتا في بعض الأحكام، واختلفتا في ~~بعضها، صح أن يكون شرع إحدى الشريعتين شرعا لمن بعدها باعتبار البعض المتفق ~~عليه، وصح أن يكون لكل من النبيين شرعة ومنهاج باعتبار البعض المختلف فيه ~~من غير تناف. وحينئذ قوله - سبحانه وتعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة} لا ينفي ~~كون شرع من قبلنا شرعا لنا في بعض الأحكام، وهو المطلوب. # وأما قوله - عليه الصلاة والسلام: بعثت إلى الأحمر والأسود ms0829 فلا نسلم أنه ~~يفيد اختصاصه بشريعة لا يشوبها شيء من شرع من قبله لجواز أنه بعث إلى ~~الأحمر والأسود بشرع من قبله أو ببعضه. # وأجيب " عن الباقي "، أي: باقي الوجوه بأن كتب من قبله " حرفت، فلم تنقل ~~إليه موثوقا بها "، فلذلك لم يطلب أحكام الوقائع العارضة له فيها، ولذلك ~~غضب من نظر عمر - رضي الله عنه - في قطعة من التوراة، وصوب معاذا # PageV03P177 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # رضي الله عنه في انتقاله عن الكتاب ~~والسنة إلى الاجتهاد، ولم ينكر عليه ترك ذكر كتب من قبله، وليس الكلام فيما ~~حرف منها، ولم يصح نقله، إنما " الكلام فيما صح عنده منها كما في القرآن من ~~أحكامها "، فذلك الذي هو شرع له لا غيره. # قوله: " وإذا تعبده الله بها "، إلى آخره. # هذا جواب عن الوجه الخامس، وهو قوله: " لو كان شرعا لنا، لكان " النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - " تبعا لغيره "؛ لأن الجواب بتحريف الكتب السابقة لم ~~ينتظمه. # وتقرير الجواب: أن الله تعالى إذا تعبد نبيه - صلى الله عليه وسلم - بشرع ~~من قبله وبمقتضى كتبهم، لم يكن في ذلك غض من منصبه، ولا جعله تبعا لغيره؛ ~~لأنه في ذلك مطيع لله - عز وجل -، لا لمن قبله من الرسل، فهو كالملائكة لما ~~أمروا بالسجود لآدم - عليه السلام، لم يكن في ذلك غض عليهم، ولا نقص؛ لأن ~~سجودهم في الحقيقة إنما كان طاعة لله - عز وجل، لا لآدم عليه السلام. ~~وبالجملة إذا كانت طاعة العبد لربه - سبحانه وتعالى - لم يضره ما كان هناك ~~من الوسائط والأسباب. # PageV03P178 # والمأخذ الصحيح لهذه المسألة التحسين العقلي، فإن ~~المثبت يقول: الأحكام الشرعية حسنها ذاتي لا يختلف باختلاف الشرائع فهي ~~حسنة بالنسبة إلينا فتركنا لها قبيح، والنافي يقول: حسنها شرعي إضافي فيجوز ~~أن يكون الحكم حسنا في حقهم قبيحا في حقنا، وعلى هذا أيضا انبنى الخلاف في ~~جواز النسخ وكونه رفعا كما سبق. # أما قبل البعثة فقيل: كان - صلى الله عليه وسلم - متعبدا بشرع من قبله ~~لشمول دعوته له، وقيل: لا؛ لعدم وصوله إليه بطريق علمي، وهو ms0830 المراد بزمن ~~الفترة، وقيل: التوقف للتعارض. # قوله: " والمأخذ الصحيح لهذه ~~المسألة "، إلى آخره. اعلم أنا لما ذكرنا مأخذ كل واحد من الفريقين في ~~المسألة والاعتراض عليه كما قد رأيت، لم يتحقق واحد من المأخذين، فاحتجنا ~~إلى أن نذكر لها مأخذا وجيزا صحيحا ; وهو التحسين العقلي كما سبق شرحه في ~~المسألة. نقول: " الأحكام الشرعية حسنها ذاتي "، أي: لذواتها، أو لأوصاف ~~قامت بها، والحسن الذاتي ونحوه " لا يختلف في شرعنا بالنسبة إلينا، كتحريم ~~القتل، والزنى، والقذف ونحو ذلك، وإذا كانت الأحكام حسنة حسنا لا # PageV03P179 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يتغير، كان تركنا لها قبيحا؛ لأن ~~ترك الحسن قبيح، كما أن ترك القبيح حسن. # " والنافي " في المسألة " يقول ": حسن الأحكام ليس ذاتيا، بل هو " شرعي ~~إضافي "، أي: هو مستفاد من أمر الشرع ونهيه بالإضافة إلى المأمور والمنهي. # وحينئذ " يجوز أن يكون الحكم حسنا في حقهم، قبيحا في حقنا "، بناء على ~~أنهم أمروا به، ونهينا عنه، كقتل الإنسان نفسه في التوبة من الذنب، كان ~~حسنا في حق قوم موسى بقوله: {ياقوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل ~~فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم} [البقرة: 54] الآية. وهو قبيح في حقنا ~~لأنا منهيون عنه، وإنما التوبة عندنا بالقلب واللسان. # قوله: " وعلى هذا أيضا انبنى الخلاف في جواز النسخ وكونه رفعا، كما سبق " ~~في باب النسخ أن الخلاف في جوازه وكيفيته مبني على التحسين والتقبيح ~~العقليين. # أما جواز النسخ، فلأن المانع له يقول: إن كان الحكم المنسوخ حسنا، كان ~~نسخه قبيحا، وإن كان قبيحا، فابتداء شرعه أقبح، فيمتنع النسخ. # والمجيز له يقول: الحسن والقبح تابعان لأمر الشرع ونهيه، فيجوز أن يأمر ~~الآن بشيء، فيكون حسنا، وأن ينهى عنه فيما بعد، فيكون قبيحا. # وأما الخلاف في كيفية النسخ، فلأن من قال بالتحسين والتقبيح، قال: النسخ ~~بيان انتهاء مدة الحكم؛ لأن رفع الحسن قبيح، وابتداء شرع القبيح أقبح، ومن ~~لم يقل بذلك، قال: النسخ رفع الحكم، ولا قبح فيما أمر # PageV03P180 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الشرع به، ولا حسن فيما نهى عنه. # قوله: " أما قبل البعثة "، إلى آخره. # اعلم أن الخلاف ms0831 في أن شرع من قبلنا شرع لنا هو فيما بعد مبعث النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ولا بد، أما قبل بعثته - عليه السلام - فاختلف الأصوليون: # فقال بعضهم: " كان متعبدا بشرع من قبله " من الأنبياء عليهم السلام " ~~لشمول دعوته له "، أي: لأن كل واحد من الأنبياء قبله دعا إلى شرعه كل ~~المكلفين، والنبي - صلى الله عليه وسلم - واحد منهم، فيتناوله عموم الدعوة، ~~ثم اختلف هؤلاء هل كان بشرع نوح وإبراهيم أو موسى وعيسى عليهم السلام. # قلت: ومقتضى دليلهم أن يتعين شرع عيسى - عليه السلام - لذلك؛ لأن دعوته ~~عمت، ونسخت ما قبلها من الشرائع، فبعمومها تناولت النبي - عليه السلام -، ~~وبنسخها لما قبلها منعت من اتباعه إياه؛ لأن المنسوخ في حكم المعدوم. # أما عموم دعوته فلوجوه: # أحدها: قوله - سبحانه وتعالى: {وجعلنا ابن مريم وأمه آية} [المؤمنون: 50] ~~، {وجعلناها وابنها آية للعالمين} [الأنبياء: 91] ، {ولنجعله آية للناس} ~~[مريم: 21] ، والآية: العلامة، أي: آية على سعادة السعداء باتباعه، وعلى ~~شقاوة الأشقياء بمخالفته، وذلك يقتضي عموم الدعوة. # الوجه الثاني: قوله: {وجعلني مباركا أين ما كنت} [مريم: 31] ، أي: # PageV03P181 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # من اتبعني كنت مباركا عليه، وذلك ~~يفيد عموم الدعوة. # الوجه الثالث: أن الله - سبحانه وتعالى - سماه ناصرا له، وكل من كان ~~ناصرا لله - عز وجل، كان عام الدعوة، إلا أن يقوم على اختصاصها دليل. # أما أنه كان ناصرا لله - عز وجل، فلقوله - سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين} [الصف: 14] ~~والتقدير: كونوا أنصار الله كما كان عيسى والحواريون أنصار الله. # وأما أن من كان ناصرا لله - عز وجل -، كان عام الدعوة إلا أن يقوم دليل ~~مخصص، فلأن نصرة الله تعالى هي الدعاء إلى توحيده ودينه الحق، والمصير إلى ~~ذلك واجب على كل أحد، فإن قام دليل مخصص للدعوة ببعض البلاد كاختصاص دعوة ~~لوط - عليه السلام - بقرى سدوم، أو ببعض القبائل، كاختصاص دعوة شعيب بمدين ~~وأصحاب الأيكة ونحو ذلك، اختصت الدعوة بموجب الدليل. # الوجه الرابع: قوله - سبحانه وتعالى -: {ياعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس ~~اتخذوني ms0832 وأمي إلهين من دون الله} [المائدة: 116] الآية، ولفظ الناس عام، ~~وهو يدل على أنه أرسل إلى الناس عموما، فغلا بعضهم، فاتخذوه إلها. # الوجه الخامس: قوله تعالى: {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل} ~~[الأحقاف: 35] ، وعيسى منهم، وكانت دعوة أولي العزم عامة، فكذلك عيسى. # أما قوله - سبحانه وتعالى: {ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل} ~~{ورسولا إلى بني إسرائيل} # PageV03P182 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # [آل عمران: 48 - 49] ، فلا يقدح ~~فيما ذكرناه من أدلة عموم دعوته؛ لأن المرسل إلى الناس مرسل إلى كل جزء ~~وطائفة منهم، وبنو إسرائيل طائفة من الناس الذين أرسل إليهم. # وأما أن شريعته نسخت ما قبلها من الشرائع، فلأن شريعة موسى نسخت ما ~~قبلها، وشريعة عيسى نسخت شريعة موسى بدليل قوله تعالى حكاية عن المسيح أنه ~~قال لبني إسرائيل: {ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم} [آل عمران: 50] ، يعني ~~في شرع التوراة، وذلك هو حقيقة النسخ، ولا يشترط في نسخ الشريعة نسخ ~~جميعها، بل يكفي في تسميتها منسوخة نسخ بعض أحكامها، بدليل أن شريعة محمد - ~~عليه الصلاة والسلام - نسخت كل شريعة قبلها، مع أنها قررت بعض الأحكام، فلم ~~تنسخ، فثبت بما ذكرته أن من قال بأن محمدا - صلى الله عليه وسلم - كان قبل ~~بعثته متعبدا بشرع من قبله يلزمه أن يعين لذلك شريعة عيسى، ولهذا قال - صلى ~~الله عليه وسلم: أنا أولى الناس بابن مريم، إنه لم يكن بيني وبينه نبي. # وقال بعض الأصوليين ; منهم أبو الحسين البصري، وجماعة من المتكلمين: لم ~~يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - متعبدا بشرع من قبله؛ لأنه لم يصل " إليه ~~بطريق علمي " لطول المدة، واختلاف أحوال النقلة، " وهو المراد بزمن الفترة ~~" وأيضا لئلا يلحقه الغض بتبعية من قبله. # وتوقف قوم في ذلك لتعارض الدليل فيه، وهم القاضي عبد الجبار، والغزالي، ~~وجماعة من الأصوليين. # قلت: من المتجه أنه كان متعبدا بالإلهام، أي: يلهمه الله تعالى عبادات # PageV03P183 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يتعبد بها، ويخلق فيه علما ضروريا ~~بمشروعيتها له، وبمعرفة تفاصيلها. وهذا أحسن ما يقال في تعبده - عليه ~~الصلاة والسلام - قبل البعثة، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. ms0833 # PageV03P184 # الثاني: قول صحابي لم يظهر له مخالف: حجة، يقدم على ~~القياس، ويخص به العام، وهو قول مالك وبعض الحنفية خلافا لأبي الخطاب وجديد ~~الشافعي وعامة المتكلمين، وقيل: الحجة قول الخلفاء الراشدين، وقيل: أبي بكر ~~وعمر - رضي الله عنهما - للحديثين المشهورين. # لنا على العموم: أصحابي كالنجوم وخص في الصحابي بدليل. # قالوا: غير معصوم فالعام والقياس أولى. # قلنا: كذا المجتهد ويترجح الصحابي بحضور التنزيل ومعرفة التأويل، وقوله ~~أخص من العموم فيقدم. # وإذا اختلف الصحابة لم يجز للمجتهد الأخذ بقول بعضهم من غير دليل، وأجازه ~~بعض الحنفية والمتكلمين بشرط أن لا ينكر على القائل قوله. # لنا: القياس على تعارض دليلي الكتاب والسنة، ولأن أحدهما خطأ قطعا. # قالوا: اختلافهم تسويغ للأخذ بكل منهما، ورجع عمر إلى قول معاذ - رضي ~~الله عنهما - في ترك رجم المرأة. # قلنا: إنما سوغوا الأخذ بالأرجح، ورجوع عمر لظهور رجحان قول معاذ عنده. # قوله: " الثاني "، أي: الأصل ~~الثاني من الأصول المختلف فيها " قول صحابي لم يظهر له مخالف " هو " حجة ~~يقدم على القياس، ويخص به العام " عند " مالك وبعض الحنفية، خلافا لأبي ~~الخطاب وجديد " قولي " الشافعي وعامة المتكلمين " حيث قالوا: ليس بحجة، وعن ~~أحمد ما يدل عليه، وهو مذهب الأشاعرة والمعتزلة والكرخي. وقال قوم: إن خالف ~~القياس - يعني قول # PageV03P185 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الصحابي - فهو حجة، وإلا فلا؛ لأنه ~~إذا خالف القياس، دل على أنه توقيف من صاحب الشرع، فيكون حجة لا لذاته، بل ~~لدلالته على الحجة عند هذا القائل، وإذا لم يخالفه، احتمل أنه عن اجتهاد، ~~فيكون كاجتهاد غير الصحابي. # وقال بعضهم: " الحجة قول الخلفاء الراشدين "؛ لقوله - عليه السلام: عليكم ~~بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين بعدي [" وقيل: أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما ~~-؛ لقوله - عليه السلام: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر] ومفهومه أن ~~غيرهما ليس كذلك، وهذان هما الحديثان المشهوران المشار إليهما في " المختصر ~~". # قوله: " لنا على العموم "، أي: على عموم كون قول الصحابي المذكور حجة من ~~غير اختصاص بالشيخين ولا غيرهما قوله - عليه السلام: أصحابي كالنجوم بأيهم ~~اقتديتم اهتديتم وهو عام ms0834 في جميعهم، ودلالة الحديثين قبلهما على الاختصاص ~~دلالة مفهوم ضعيف، ثم مفهوم كل واحد منهما معارض بمفهوم الآخر. # قوله: " وخص في الصحابي بدليل ". هذا جواب سؤال مقدر. # وتقريره أن يقال: إن قوله - عليه السلام: بأيهم اقتديتم اهتديتم هو خطاب ~~لعوام عصره، وإذن لهم في تقليد الصحابة في الفتيا، لا أن قول الصحابي حجة ~~على # PageV03P186 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المجتهدين، بدليل أن الصحابي غير ~~داخل في مقتضى الحديث، إذ لو كان كذلك لكان مقتضاه أن قول الصحابي حجة على ~~صحابي مثله، وهو باطل بالاتفاق، على أن مذهب الصحابي في مسائل الاجتهاد ليس ~~حجة على غيره من مجتهدي الصحابة، إماما كان الصحابي، أو حاكما، أو مفتيا، ~~وإذا لم يكن الصحابي مرادا من الحديث دل على أن المراد به العوام وهو محل ~~وفاق. # وجوابه: أن الحديث يقتضي عموم الاقتداء بكل صحابي، ولكل صحابي، لكن ~~الصحابي خص من هذا العموم بدليل، فبقي الحديث متناولا لغيره من مجتهدي ~~التابعين فمن بعدهم، والدليل الذي خص به الصحابي من عموم الحديث المذكور، ~~إما الإجماع، أو قرينة كونه مأمورا بالاقتداء به، فلا يكون هو مقتديا ~~بغيره؛ لئلا يكون المتبوع تابعا، ولأن الصحابيين إن كانا مقلدين، فحكمهما ~~التقليد، أو أحدهما مقلدا، فحكمه كذلك، وإن كانا مجتهدين، لم يكن أحدهما ~~بأولى بأن يقلد الآخر من العكس، فيستقل كل منهما باجتهاده، ولا يكون قول ~~صاحبه حجة عليه، وهو المطلوب. # قوله: " قالوا: غير معصوم "، أي: احتج الخصم بأن الصحابي غير معصوم من ~~الخطأ، فيكون " العام والقياس أولى " من قوله، وحينئذ لا يخص به العام، ولا ~~يترك به القياس، وهو المعني بكونه ليس بحجة. # قوله: " قلنا: كذا المجتهد "، أي: الجواب عما ذكرتموه أن المجتهد غير # PageV03P187 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # معصوم، وقد وجب على العامي تقليده ~~باتفاق، ومجتهدو الأمة بالنسبة إلى مجتهدي الصحابة كالعامة مع العلماء؛ ~~لاختصاصهم " بحضور التنزيل، ومعرفة التأويل "، فيترجحون بذلك على سائر ~~المجتهدين. " وقوله " أي: وقول الصحابي " أخص من العموم " وأقوى من القياس، ~~" فيقدم " عليهما؛ لأن القاعدة تقديم الخاص على العام، والقوي على الضعيف، ~~ودليل قوة قوله أنه أعلم ms0835 بمواقع الأدلة لما ذكرنا، فما خالف العام والقياس ~~إلا عن حجة وبينة. # قوله: " وإذا اختلف الصحابة، لم يجز للمجتهد الأخذ بقول بعضهم من غير ~~دليل "، إلى آخره. أي: إذا اختلف الصحابة - رضي الله عنهم - على قولين ~~فأكثر، لم يجز للمجتهد من غيرهم الأخذ بأحد الأقوال من غير دليل، وأجاز ذلك ~~" بعض الحنفية و " بعض " المتكلمين، بشرط أن لا ينكر " ذلك القول المأخوذ ~~به على قائله. # " لنا " على المنع من ذلك وجهان: # أحدهما: " القياس على تعارض دليلي الكتاب والسنة " وأولى، أي: إن قول ~~الصحابي لا يزيد في القوة على الكتاب والسنة، ولو تعارض دليلان منهما، لم ~~يجز الأخذ بأحدهما إلا بترجيح ونظر، فكذلك أقوال الصحابة أولى. # الوجه الثاني: أن أحد القولين " خطأ قطعا "؛ لاستحالة كون الصواب في نفس ~~الأمر في جهات متعددة، وإذا كان أحد قولي الصحابة خطأ، فالطريق إلى تمييز ~~الخطأ من الصواب ليس إلا الدليل. # قوله: " قالوا "، إلى آخره. أي: احتج الخصم على جواز الأخذ بأحد # PageV03P188 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # القولين من غير دليل بوجهين: # أحدهما: أن اختلاف الصحابة على القولين " تسويغ للأخذ بكل " واحد " منهما ~~"، فيكون الأخذ بكل منهما جائزا باتفاق منهم، وهو المطلوب. # الثاني: أن عمر - رضي الله عنه - رجع إلى قول معاذ - رضي الله عنه - في ~~ترك رجم المرأة، يعني أن عمر - رضي الله عنه - أراد أن يرجم امرأة حاملا ~~لأجل الزنى، فقال له معاذ بن جبل: إن كان لك سبيل عليها ; فليس لك سبيل على ~~ما في بطنها، فرجع عمر إلى قوله، وأخرها حتى وضعت. فرجوعه إلى قول معاذ في ~~هذه القضية بدون أن يستعلم رأي غيره فيها دليل على ما قلناه. # قوله: " قلنا "، أي: الجواب عما ذكرتموه. # أما عن الوجه الأول: فإن الصحابة باختلافهم على قولين " إنما سوغوا الأخذ ~~بالأرجح " منهما، وذلك يستدعي ترجيحا واجتهادا، لا أنهم سوغوا الأخذ ~~بأحدهما تشهيا من غير حجة. # وأما عن الوجه الثاني، فبأن " رجوع عمر " إلى قول معاذ - رضي الله عنهما ~~- إنما كان " لظهور " رجحانه عنده، لا أنه أخذ بقوله تقليدا وتشهيا، ms0836 والله ~~- سبحانه وتعالى - أعلم. # PageV03P189 # ### | الثالث: الاستحسان. # وهو: اعتقاد الشيء حسنا، ثم قد قيل في تعريفه: إنه دليل ينقدح في نفس ~~المجتهد لا يقدر على التعبير عنه، وهو هوس، إذ ما هذا شأنه لا يمكن النظر ~~فيه لتستبان صحته من سقمه. # وقيل: ما استحسنه المجتهد بعقله، فإن أريد مع دليل شرعي فوفاق، وإلا منع، ~~إذ لا فرق بين العالم والعامي إلا النظر في أدلة الشرع، فحيث لا نظر فلا ~~فرق، ويكون حكما بمجرد الهوى واتباعا للشهوة فيه، وأيضا ما ذكروه ليس عقليا ~~ضروريا ولا نظريا، وإلا لكان مشتركا، ولا سمعيا، إذ تواتره مفقود وآحاده ~~كذلك، أو لا يفيد. # قالوا: فيتبعون أحسنه اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم، ما رآه المسلمون حسنا ~~واستحسنت الأمة دخول الحمام من غير تقدير أجرة ونحوه. # قلنا: أحسن القول والمنزل ما قام دليل رجحانه شرعا، والخبر دليل الإجماع ~~لا الاستحسان، وإن سلم فالجواب عنه ما ذكر، وسومح في مسألة الحمام ونحوها ~~لعموم مشقة التقدير فيعطى الحمامي عوضا إن رضيه وإلا زيد، وهو منقاس، وأجود ~~ما قيل فيه: أنه العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل شرعي خاص، وهو مذهب ~~أحمد. # وقد قرر محققو الحنفية الاستحسان على وجه بديع في غاية الحسن واللطافة، ~~ذكرنا المقصود منه غير هاهنا، والله أعلم. # قوله: «الثالث» ، يعني من الأصول ~~المختلف فيها «الاستحسان» ، وهو استفعال من الحسن، «وهو اعتقاد الشيء حسنا» ~~، وإنما قلنا: «اعتقاد الشيء # PageV03P190 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # حسنا» ، ولم نقل: العلم بكون الشيء ~~حسنا؛ لأن الاعتقاد لا يلزم منه العلم الجازم المطابق لما في نفس الأمر، إذ ~~قد يكون الاعتقاد صحيحا إذا طابق الواقع، وقد يكون فاسدا إذا لم يطابق. ~~وحينئذ قد يستحسن الشخص شيئا بناء على اعتقاده، ولا يكون حسنا في نفس ~~الأمر، وقد يخالفه غيره في استحسانه. # وقد استحسن بعض الناس عبادة الأصنام، وبعضهم عبادة الكواكب، وبعضهم غير ~~ذلك، وهي أمور مستقبحة في نفس الأمر، وفي مثل هذا قال الشاعر: # وللناس فيما يعشقون مذاهب # أي: قد يستحسن بعضهم ما لا يستحسن غيره، فلو قلنا: العلم ms0837 بكون الشيء ~~حسنا، لخرج منه ما ليس حسنه حقا في نفس الأمر، وإذا قلنا: «اعتقاد الشيء ~~حسنا» ، تناول ذلك. # قوله: «ثم قد قيل في تعريفه» ، إلى آخره، أي: إن ما سبق في تعريف ~~الاستحسان بأنه «اعتقاد الشيء حسنا» هو بحسب اللغة والعرف. # أما في اصطلاح الأصوليين فقد «قيل في تعريفه: إنه دليل ينقدح في نفس ~~المجتهد، لا يقدر على التعبير عنه» ، أي: لا يقدر أن يفصح عنه بعبارة. # قوله: «وهو» ، أي: تعريف الاستحسان بهذا: «هوس» ، أو أن حقيقة هذا الدليل ~~المنقدح هوس، «لأن ما هذا شأنه» ، أي: لأن ما لا يمكن التعبير # PageV03P191 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # عنه «لا يمكن النظر فيه لتستبان» ، ~~أي: لتختبر «صحته من سقمه» . # قال الجوهري: الهوس بالتحريك طرف من الجنون. # قلت: وهو في عرف الناس: الكلام الخالي عن فائدة. # وقد ذكر الآمدي هذا التعريف للاستحسان وقال: لا نزاع في جواز التمسك بمثل ~~هذا إذا تحقق المجتهد كونه دليلا شرعيا، وإن عجز عن التعبير عنه، وإن نوزع ~~في إطلاق اسم الاستحسان عليه، عاد النزاع إلى اللفظ. # قلت: رجع الأمر في هذا إلى أنه عمل بدليل شرعي، ولا نزاع في العمل به، ~~كما قال، لكن من المعلوم بالوجدان أن النفوس يصير لها فيما تعانيه من ~~العلوم والحرف ملكات قارة فيها تدرك بها الأحكام العارضة في تلك العلوم ~~والحرف، ولو كلفت الإفصاح عن حقيقة تلك المعارف بالقول، لتعذر عليها، وقد ~~أقر بذلك جماعة من العلماء، منهم ابن الخشاب في جواب المسائل ~~الإسكندرانيات، ويسمي ذلك أهل الصناعات وغيرهم: دربة، وأهل التصوف: ذوقا، ~~وأهل الفلسفة ونحوهم: ملكة. # ومثال ذلك الدلالون في الأسواق قد صار لهم دربة بمعرفة قيم الأشياء لكثرة ~~دورانها على أيديهم ومعاناتهم حتى صاروا أهل خبرة يرجع إليهم شرعا # PageV03P192 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # في قيم الأشياء، فيركب أحدهم ~~الفرس، فيسوقه، أو يراه رؤية مجردة أو يأخذ الثوب أو غيره من الأعيان على ~~حسب ما هو دلال فيه، فيقول: هذا يساوي كذا، أو قيمته كذا، فلا يخطئ بحبة ~~زيادة ولا نقصا، مع أنا لو قلنا له: لم قلت: ms0838 إن قيمته كذا؟ لما أفصح بحجة، ~~بل يقول: هكذا أعرف. # فعلى هذا لا يبعد أن يحصل لبعض المجتهدين دربة وملكة في استخراج الأحكام ~~لكثرة نظره فيها، حتى تلوح له الأحكام سابقة على أدلتها وبدونها، أو تلوح ~~له أحكام الأدلة في مرآة الذوق والملكة على وجه تقصر عنها العبارة، كما ~~يلوح الوجه في المرآة، ولو سئل أكثر الناس عن كيفية ظهوره، لما أدركه، بل ~~قد عجز عن ذلك كثير من الخواص، فإذا اتفق ذلك للمجتهد، وحصل له به علم أو ~~ظن، جاز العمل به، وإنما امتنع من هذا كثير من الناس من جهة أن هذا يصير ~~حكما في الشرع بما يشبه الإلهام، وأحكام الشرع إنما بنيت على ظواهر الأدلة، ~~فتدور معها وجودا وعدما، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # قوله: «وقيل: ما استحسنه» . هذا قول آخر في تعريف الاستحسان أي: وقيل: ~~الاستحسان: «ما استحسنه المجتهد بعقله، فإن أريد مع دليل شرعي فوفاق» ، أي: ~~فهو متفق عليه؛ إذ الدليل الشرعي متبع، وانضمام العقل إليه لا يضر، بل هو ~~مؤكد، وإن لم يرد ذلك، بل أريد ما استحسنه المجتهد بعقله المجرد بدون دليل ~~شرعي، فهو ممنوع لوجهين: # PageV03P193 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أحدهما: أنه «لا فرق بين العالم ~~والعامي إلا النظر في أدلة الشرع، فحيث لا نظر» ، أي: فإذا لم ينضم إلى ~~استحسانه العقلي نظر في أدلة الشرع، «فلا فرق» إذن بين العالم والعامي، ~~«ويكون» ذلك من المجتهد «حكما بمجرد الهوى، واتباعا للشهوة فيه» ، أي: في ~~الحكم، وذلك باطل شرعا؛ لقوله - عز وجل: {ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل ~~الله} [ص: 26] ، وقوله - عز وجل: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا ~~الشهوات} [مريم: 59] . # الوجه الثاني: أن ما ذكروه من تعريف الاستحسان إما أن يكون عقليا، أو ~~سمعيا، أي: معلوما من جهة العقل، أو من جهة السمع، وكلاهما باطل، فما ذكروه ~~من تعريف الاستحسان باطل، أما بطلان كونه عقليا أو سمعيا، فلأنه لو كان ~~عقليا لكان إما ضروريا أو نظريا، لكنه ليس ضروريا، لأن الضروريات مشتركة ~~بين العقلاء، ولا اشتراك فيما ms0839 ذكروه، وليس نظريا؛ لأن النظر فيه ليس قاطعا، ~~وإلا لكان مشتركا، ولا مظنونا؛ إذ لا دليل عليه في النظر، ولو كان سمعيا، ~~لكان إما تواترا، وهو مفقود، أو آحادا وهو كذلك، أي: مفقود أيضا كالتواتر، ~~وليس فيه تواتر ولا آحاد، وإن سلمنا أن فيه دليلا سمعيا آحادا، لكن الآحاد ~~لا تفيد في هذا الباب؛ لأنها إنما تفيد ظنا ما، والاستحسان أصل قوي، فلا ~~يثبت بمثل ذلك. وهذا معنى قوله: «وآحاده # PageV03P194 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # كذلك أو لا يفيد» ، وإنما قلنا: إن ~~ما ذكروه باطل؛ لأنا قد بينا أنه ليس عليه دليل عقلي ولا سمعي، والدليل ~~منحصر في هذين القسمين، فما لا يدل عليه أحدهما، لا يكون عليه دليل أصلا، ~~وما لا دليل عليه أصلا يكون باطلا. # قوله: «قالوا» يعني الحنفية هم المخالفون في هذا. واحتجوا بوجوه: أحدها: ~~قوله تعالى: {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله ~~وأولئك هم أولو الألباب} [الزمر: 18] . # الثاني: قوله تعالى: {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} [الزمر: 55] . # الثالث: قوله - عليه السلام: ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن. # الرابع: أن الأمة استحسنت دخول الحمام من غير تقدير للماء المصبوب، ولا ~~لمدة المقام فيه، ولا للأجرة عن ذلك، واستحسنوا شرب الماء من أيدي السقائين ~~من غير تقدير عوض، فهذا استحسان واقع، فيدل على الجواز قطعا. # قوله: «قلنا: أحسن القول» ، إلى آخره. أي: الجواب عما ذكرتموه أن أحسن ~~القول في قوله تعالى: {فيتبعون أحسنه} [الزمر: 18] وأحسن المنزل في قوله ~~تعالى: {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم} [الزمر: 55] هو «ما قام دليل رجحانه ~~شرعا» لا ما ذكرتموه من استحسان العقل المجرد، يدل على ذلك ما في سياق ~~الآيتين. # PageV03P195 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أما الأولى فقوله تعالى: {والذين ~~اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عبادي} ~~{الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} [الزمر: 17 - 18] الآية، هي في سياق ~~التوحيد، واجتناب الشرك، وذلك مما لا بد له من دليل، إذ لو كان التوحيد ~~ضروريا لما أشرك أحد. # وأما الثانية ; فلقوله تعالى: {ولا تتبعوا من ms0840 دونه أولياء} [الأعراف: 3] ~~، والاستدلال واحد. # وأما الخبر وهو قوله - عليه السلام: ما رآه المسلمون حسنا فهو دليل ~~الإجماع كما سبق، لا دليل الاستحسان، وإن سلم أن له دلالة على الاستحسان، ~~فالجواب عنه ما ذكر من أن المراد «ما قام دليل رجحانه شرعا» ، أي: ما رآه ~~المسلمون حسنا مع النظر والاستدلال وقيام دليل الرجحان شرعا. # وأما «مسألة الحمام ونحوها» ، أي: استحسانهم دخول الحمام بغير تقدير أجرة ~~ونحو ذلك، فسومح فيه «لعموم مشقة التقدير» ، إذ يشق جدا أن يجعل في الحمام ~~صاع يقدر به الماء، وبنكام يقدر به الزمان أو نحو ذلك، فلما تعذر تقدير ~~الزمان والماء، تعذر تقدير الأجرة والثمن، فوقع الاصطلاح على رفض ذلك ~~لتعذره، ثم «يعطى الحمامي عوضا» عن ذلك، فإن رضيه، فذلك، وإن لم يرضه، زيد ~~حتى يرضى، «وهو» ، أي: هذا الحكم «منقاس» ، # PageV03P196 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أي: متجه في القياس، والقياس حجة، ~~وليس ذلك من باب الاستحسان، أو لعله من باب الإجماع الدال على النص، أو لعل ~~ذلك وقع في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأقر عليه، وإقراره حجة. ~~وإذا كان هذا الحكم ونحوه تصلح إضافته إلى الإجماع أو النص أو القياس، كان ~~إضافته إلى الاستحسان تحكما. # قوله: «وأجود ما قيل فيه» ، أي: في الاستحسان: «أنه العدول بحكم المسألة ~~عن نظائرها لدليل شرعي خاص» . # قلت: مثاله قول أبي الخطاب في مسألة العينة: وإذا اشترى ما باع بأقل مما ~~باع قبل نقد الثمن الأول ; لم يجز استحسانا، وجاز قياسا، فالحكم في نظائر ~~هذه المسألة من الربويات الجواز، وهو القياس، لكن عدل بها عن نظائرها بطريق ~~الاستحسان، فمنعت. وحاصل هذا يرجع إلى تخصيص الدليل بدليل أقوى منه في نظر ~~المجتهد. # قال ابن المعمار البغدادي: ومثال الاستحسان ما قاله أحمد - رضي الله عنه ~~- أنه يتيمم لكل صلاة استحسانا، والقياس أنه بمنزلة الماء حتى يحدث. # وقال: يجوز شراء أرض السواد، ولا يجوز بيعها، قيل له: فكيف يشترى ممن لا ~~يملك البيع، فقال: القياس هكذا، وإنما هو استحسان، وكذلك يمنع من بيع ~~المصحف، ويؤمر بشرائه ms0841 استحسانا. # قوله: «وهو مذهب أحمد» ، أي: القول بالاستحسان مذهب أحمد، كذلك حكي في ~~«الروضة» عن القاضي يعقوب. قال: وهو أن يترك حكما إلى # PageV03P197 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # حكم هو أولى منه. # قال الشيخ أبو محمد: وهذا مما لا ينكر، أي: هو متفق عليه. # قلت: قال الباجي - من المالكية: الاستحسان هو القول بأقوى الدليلين. # قال القرافي: وعلى هذا يكون حجة إجماعا وليس كذلك. وقال الكرخي: هو ~~العدول عما حكم به في نظائر مسألة إلى خلافه لوجه أقوى منه. # قلت: هذا الذي جودناه في حده آنفا، وهو يقتضي أن يكون العدول عن المنسوخ ~~إلى الناسخ، وعن العام إلى الخاص استحسانا؛ لأن الحد المذكور صادق على ذلك، ~~فلهذا قال أبو الحسين البصري: الاستحسان هو ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير ~~شامل شمول الألفاظ لوجه أقوى منه، وهو في حكم الطارئ على الأول، فاحترز ~~بقوله: غير شامل شمول الألفاظ، عن ترك العام إلى الخاص؛ لأن شموله لفظي. ~~واحترز بقوله: وهو في حكم الطارئ على الأول، عن ترك القياس المرجوح إلى ~~القياس الراجح؛ لأن أحد القياسين ليس طارئا على الآخر بحق الأصل. # ومثله القرافي بتضمين مالك الصناع المؤثرين في الأعيان بصنعتهم، وتضمين ~~الحمالين للطعام والإدام دون غيرهم من الحمالين. فهذا ترك وجه من وجوه ~~الاجتهاد، وهو ترك عدم التضمين الذي هو شأن الإجارة، وهو غير شامل شمول ~~الألفاظ؛ لأن عدم التضمين قاعدة معنوية، لا لفظية، وترك الوجه المذكور لوجه ~~أقوى منه، وهو أن اعتبار الفرق في صورة التضمين أولى من # PageV03P198 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # اعتبار الجامع بينها وبين صورة عدم ~~التضمين. وهذا الفرق في حكم الطارئ على قاعدة الإجارات؛ لأن محله وهو صورة ~~التضمين كالمستثنى عن ذلك لمعنى، والمستثنى طارئ على الأصل، بخلاف أحد ~~القياسين، فإنه ليس أصلا للآخر حتى يكون في حكم الطارئ عليه. # قوله: «وقد قرر محققو الحنفية الاستحسان على وجه بديع في غاية الحسن ~~واللطافة، ذكرنا المقصود منه غير هاهنا» أشرت بهذا إلى ما رأيته في «شرح ~~الأخسيكثية» لصاحب «الوافي» من الحنفية، وهو من متأخري فضلائهم المشارقة ~~أهل ما وراء ms0842 النهر، وذكرت المقصود من ذلك في تلخيص «الحاصل» ، وليس الآن ~~عندي من ذلك بعينه شيء، لكن أذكر جملة من ذلك من كلام البزدوي، وهو أصل ما ~~أشرت إليه. # قال: الاستحسان عندنا أحد القياسين، لكن سمي استحسانا إشارة إلى أنه ~~الوجه الأولى في العمل، وأن العمل بالآخر جائز. # قال: وللاستحسان أقسام: منها ما ثبت بالأمر مثل السلم، والإجارة، وبقاء ~~الصوم مع فعل الناسي، ومنها ما ثبت بالإجماع وهو الاستصناع. # قلت: يعني الاستئجار على تحصيل الصنائع. ومنها ما ثبت بالضرورة كتطهير ~~الحياض والآبار والأواني. # PageV03P199 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قلت: يعني الحكم بتطهيرها إذا ~~تنجست أو نفس معالجتها لتطهر؛ لأن الضرورة داعية إلى ذلك. # قال: وكل واحد من القياس والاستحسان على وجهين: # فأحد نوعي القياس ما ضعف أثره، والثاني ما ظهر فساده، واستترت صحته ~~وأثره. # وأحد نوعي الاستحسان ما قوي أثره وإن كان خفيا، والثاني ما ظهر أثره، ~~وخفي فساده. # قال: ولما كانت العلة عندنا علة بأثرها لا بظهورها، سمينا ما ضعف أثره ~~قياسا، وما قوي أثره استحسانا، أي: قياسا مستحسنا، وقدمنا الثاني وإن كان ~~خفيا - على الأول - وإن كان جليا لأن العبرة بقوة الأثر دون الجلاء ~~والظهور، ولذلك أمثلة: # أحدها: الدنيا ظاهرة، والعقبى باطنة، لكن أثرها وهو الدوام والخلود، وصفو ~~العيش أقوى من أثر الدنيا، وهو ضد ذلك. # الثاني: النفس في البدن أظهر في القلب، لكن القلب أقوى أثرا لدوران صلاح ~~الجسد وفساده مع صلاح القلب وفساده وجودا وعدما، كما ورد به النص الصحيح. # الثالث: البصر أظهر من العقل، لكن أثر العقل أقوى؛ لأن فائدته أعم، ~~وإدراكه أوثق؛ لأن وقوع الغلط في المحسوسات أكثر منه في المعقولات. # فلذلك سقط القياس إذا عارضه الاستحسان؛ لقوة التأثير وعدم القياس في ~~التقدير. # مثال ذلك: أن القياس يقتضي أن سؤر سباع الطير نجس، كسؤر سباع # PageV03P200 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # البهائم بجامع تحريم الأكل فيهما، ~~والاستحسان يقتضي أنه طاهر فرقا بينهما بأن سباع البهائم إنما نجس سؤرها ~~لمجاورته رطوبة فمها ولعابها، بخلاف سباع الطير، فإنها تشرب بمنقارها، وهو ~~عظم يابس طاهر خال عن مجاورة نجس. ms0843 وإذا كان عظم الميتة طاهرا ; فعظم الحي ~~أولى. فهذا أثر قوي باطن، فسقط له حكم القياس الظاهر. # وأما عكس ذلك، وهو القياس الذي استترت صحته، وعارضه استحسان استتر فساده ~~وهو قولهم في من تلا آية السجدة في الصلاة: يجوز أن يركع بدلا من السجود ~~قياسا؛ لأن النص ورد به في قوله تعالى: {وخر راكعا وأناب} [ص: 24] ، فدل ~~على قيام الركوع مقام السجود، ولا يجوز ذلك استحسانا؛ لأن الشرع أمرنا ~~بالسجود، والركوع خلافه، فلا يقوم مقامه، كما في سجود الصلاة، فهذا أثر ~~ظاهر لهذا الاستحسان، لكن القياس له أثر باطن أقوى من ذلك وأولى. # وتقريره: أن السجود عند التلاوة ليس قربة مقصودة، وإنما المقصود منه ~~التواضع عند التلاوة، وذلك حاصل من الركوع، بخلاف ركوع الصلاة وسجودها ; ~~فإنهما عبادتان مقصودتان، فلا يقوم أحدهما مقام الآخر، فصار الأثر الخفي مع ~~الفساد الظاهر أولى من الأثر الظاهر مع الفساد الخفي. # هذه جملة صالحة من كلامه بمعناه، وهو - كما تراه - جيد حسن لا غبار عليه، ~~فظهر منه أن الأصوليين لم يفهموا مقصودهم حيث ردوا عليهم في القول ~~بالاستحسان، إذ قد اعترفوا بأنهم يعنون به أقوى القياسين وأظهرهما أثرا. # قلت: وهكذا حكى ابن المعمار البغدادي من أصحابنا، قال: # PageV03P201 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الاستحسان حجة عند أبي حنيفة. وفي ~~كونه حجة عند أحمد قولان، وحقيقته أنه ترك قياس إلى قياس هو أقوى منه. ثم ~~قال بعد: ومقتضى كلام أحمد أن الاستحسان هو العدول عن موجب القياس إلى دليل ~~هو أقوى منه. # قلت: يرجع حاصل الأمر إلى أن الاستحسان أخص من القياس من وجه، وأعم منه ~~من وجه. أما أنه أخص منه، فمن جهة رجحان مصلحته، وكونها أشد مناسبة في ~~النظر من مصلحة القياس. وأما أنه أعم ; فمن جهة أن القياس تابع للعلة على ~~الخصوص، والاستحسان تابع للدليل على العموم: نصا، كحديث القهقهة، ونبيذ ~~التمر عند الحنفية، أو إجماعا، كبيع المعاطاة وعدم تقدير أجرة الحمام؛ ~~لإطباق الناس عليه في كل عصر، واستدلالا، كقولهم: القياس في من قال: إن ~~فعلت كذا، فأنا يهودي. ms0844 أن لا كفارة، لكن يترجح لزومها له بضرب من ~~الاستدلال، وهو أن وجوب الكفارة بالحنث في اليمين إنما كان للتعرض بهتك ~~الحرمة، والتبرؤ من الدين أعظم من # PageV03P202 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ذلك، فتجب به الكفارة. # وقد بان بهذا أن الاستحسان: ترك مقتضى القياس إلى دليل أقوى، أعم من ~~قولهم: ترك أحد القياسين إلى الآخر. وقد سبق جملة من صور الاستحسان عن أحمد ~~- رضي الله عنه، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # PageV03P203 # ### | الرابع: الاستصلاح: # وهو اتباع المصلحة المرسلة. # والمصلحة: جلب نفع أو دفع ضر، ثم إن شهد الشرع باعتبارها كاقتباس الحكم ~~من معقول دليل شرعي، فقياس، أو ببطلانها كتعين الصوم في كفارة رمضان على ~~الموسر كالملك ونحوه، فلغو، إذ هو تغيير للشرع بالرأي، وإن لم يشهد لها ~~ببطلان ولا اعتبار معين فهي: # إما تحسيني، كصيانة المرأة عن مباشرة عقد نكاحها المشعر بما لا يليق ~~بالمروءة بتولي الولي ذلك. # أو حاجي، أي: في رتبة الحاجة، كتسليط الولي على تزويج الصغيرة لحاجة ~~تقييد الكفء خيفة فواته، ولا يصح التمسك بمجرد هذين من غير أصل. وإلا لكان ~~وضعا للشرع بالرأي. ولاستوى العالم والعامي لمعرفة كل مصلحته. # «الرابع» : أي: من الأصول المختلف ~~فيها: «الاستصلاح» ، وهو استفعال من صلح يصلح، «وهو اتباع المصلحة المرسلة» ~~، فإن الشرع أو المجتهد يطلب صلاح المكلفين باتباع المصلحة المذكورة ~~ومراعاتها. # قوله: «والمصلحة جلب نفع، أو دفع ضر» . # لما ذكر أن الاستصلاح اتباع المصلحة المرسلة، احتيج إلى بيان حقيقة ~~المصلحة، وهي كما ذكر جلب نفع، أو دفع ضرر؛ لأن قوام الإنسان في دينه ~~ودنياه، وفي معاشه ومعاده بحصول الخير واندفاع الشر، وإن شئت، قلت: بحصول ~~الملائم واندفاع المنافي. # PageV03P204 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مثاله أن الإنسان لما كان يؤذيه ~~غلبة الحر والبرد، احتاج في الصيف إلى رقيق اللباس، والتعرض للهواء البارد ~~بالجلوس في أماكنه، وتبريدها بالماء ونحو ذلك. ليحصل له الروح الموافق، ~~ويندفع عنه الكرب المنافي، وفي الشتاء على العكس من ذلك، والأمثلة كثيرة. # قوله: «ثم إن شهد الشرع باعتبارها» ، إلى آخره. هذا بيان لأنواع المصلحة ~~وأقسامها، وهي ثلاثة: # القسم الأول: هذا، وهو ms0845 ما شهد الشرع باعتباره، «كاقتباس الحكم» ، أي: ~~استفادته وتحصيله «من معقول دليل شرعي» ، كالنص والإجماع، فهو «قياس» ، ~~كاستفادتنا تحريم شحم الخنزير من تحريم لحمه المنصوص عليه بالكتاب، ~~واستفادتنا تحريم النبيذ المسكر من تحريم الخمر المنصوص عليه بالكتاب ~~والسنة، مع أن النبيذ منصوص على تحريمه مع غيره بقوله - عليه الصلاة ~~والسلام: كل مسكر خمر، وكقولنا: يجب الحد بوطء ذات المحرم بعقد النكاح ~~قياسا على وطئها بالزنى، وهو محل إجماع، وأشباه ذلك. # القسم الثاني: ما شهد الشرع ببطلانه من المصالح، أي: لم يعتبره كقول من ~~يقول: إن الموسر كالملك ونحوه يتعين عليه الصوم في كفارة الوطء في رمضان، ~~ولا يخير بينه وبين العتق والإطعام؛ لأن فائدة الكفارة الزجر عن الجناية ~~على العبادة، ومثل هذا لا يزجره العتق والإطعام لكثرة ماله، فيسهل عليه أن ~~يعتق رقابا في قضاء شهوته، وقد لا يسهل عليه صوم ساعة، فيكون # PageV03P205 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الصوم أزجر له، فيتعين. # فهذا وأمثاله ملغى غير معتبر؛ لأنه تغيير للشرع بالرأي وهو غير جائز، ولو ~~أراد الشرع ذلك، لبينه أو نبه عليه في حديث الأعرابي أو غيره، إذ تأخير ~~البيان عن وقت الحاجة، وإيهام التسوية بين الأشخاص في الأحكام مع افتراقهم ~~فيها لا يجوز. # القسم الثالث من المصالح: ما لم يشهد له الشرع «ببطلان ولا اعتبار معين» ~~، فهو، أي: هذا القسم، على ثلاثة أضرب: # أحدها: «التحسيني» الواقع موقع التحسين والتزيين، ورعاية حسن المناهج في ~~العبادات والمعاملات، وحسن الأدب في السيرة بين الناس، «كصيانة المرأة عن ~~مباشرة عقد نكاحها» بإقامة الولي مباشرا لذلك؛ لأن المرأة لو باشرت عقد ~~نكاحها، لكان ذلك منها مشعرا «بما لا يليق بالمروءة» من غلبة القحة، وقلة ~~الحياء، وتوقان نفسها إلى الرجال، فمنعت من ذلك حملا للخلق على أحسن ~~المناهج وأجمل السير، وقد ضرب المثل في هذا الباب بأم خارجة، وهي امرأة ~~كانت في الجاهلية نكحت نحو سبعين من الرجال وتطلقهم، فكان الرجل يأتيها، ~~فيقول: خطب، فتقول هي: نكح، أي: يقول لها: أنا خاطب لك، فتقول هي: قد ~~أنكحتك نفسي، فجاءها بعض ms0846 الأيام رجل خاطب وهي على بعير فخطبها، فأنكحته ~~نفسها، ثم أعجلت البعير أن يبرك، فوثبت عنه وهو قائم لتجتمع بزوجها، فاندقت ~~عنقها، فقيل: أسرع من نكاح أم خارجة، يضرب مثلا لكل من يبالغ في العجلة. # الضرب الثاني من هذا القسم من المصالح هو «الحاجي، أي» : الواقع # PageV03P206 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # «في رتبة الحاجة» ، أي: تدعو إليه ~~الحاجة، «كتسليط الولي على تزويج الصغيرة؛ لحاجة تقييد الكفء» خشية أن ~~يفوت، فإن ذلك مما يحتاج إليه ويحصل بحصوله نفع، ويلحق بفواته ضرر ; وإن لم ~~يكن ضروريا قاطعا، ونسبة الضرب الأول إلى هذا نسبة كتاب «الزينة» من الطب ~~إلى باقي كتبه على ما عرف فيه. # قوله: «ولا يصح التمسك بمجرد هذين» ، يعني الضربين المذكورين من المصلحة ~~وهما التحسيني والحاجي «من غير أصل» يشهد لهما بالاعتبار، أي: لا يجوز ~~للمجتهد أنه كلما لاح له مصلحة تحسينية أو حاجية اعتبرها، ورتب عليها ~~الأحكام حتى يجد لاعتبارها شاهدا من جنسها، ولو لم يعتبر للتمسك بهذه ~~المصلحة وجود أصل يشهد لها، للزم منه محذورات: # أحدها: أن ذلك يكون «وضعا للشرع بالرأي» ؛ لأن حكم الشرع هو ما استفيد من ~~دليل شرعي: إجماع، أو نص، أو معقول نص، وهذه المصلحة لا تستند إلى شيء من ~~ذلك، فيكون رأيا مجردا. # الثاني: لو جاز ذلك، «لاستوى العالم والعامي» ؛ لأن كل أحد يعرف مصلحة ~~نفسه الواقعة موقع التحسين أو الحاجة، وإنما الفرق بين العالم والعامي ~~معرفة أدلة الشرع واستخراج الأحكام منها. # الثالث: لو جاز ذلك، لاستغني عن بعثة الرسل وصار الناس براهمة # PageV03P207 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لنحو ذلك؛ لأنهم قالوا: لا حاجة ~~لنا إلى الرسل؛ لأن العقل كاف لنا في التأديب ومعرفة الأحكام، إذ ما حسنه ~~العقل، أتيناه، وما قبحه، اجتنبناه، وما لم يقض فيه بحسن ولا قبح، فعلنا ~~منه الضروري، وتركنا الباقي احتياطا، فالتمسك بهذين الضربين من المصالح من ~~غير شاهد لهما بالاعتبار يؤدي إلى مثل ذلك ونحوه، فيكون باطلا. # PageV03P208 # أو ضروري: وهو ما عرف التفات الشرع إليه كحفظ الدين ~~بقتل المرتد والداعية، والعقل بحد السكر، والنفس بالقصاص، والنسب والعرض ms0847 ~~بحد الزنى والقذف، والمال بقطع السارق. # قال مالك وبعض الشافعية: هي حجة لعلمنا أنها من مقاصد الشرع بأدلة كثيرة. ~~وسموها: مصلحة مرسلة، لا قياسا؛ لرجوع القياس إلى أصل معين دونها. # وقال بعض أصحابنا: ليست حجة، إذ لم تعلم محافظة الشرع عليها ; ولذلك لم ~~يشرع في زواجرها أبلغ مما شرع، كالقتل في السرقة، فإثباتها حجة وضع للشرع ~~بالرأي كقول مالك: يجوز قتل ثلث الخلق لاستصلاح الثلثين، ومحافظة الشرع على ~~مصلحتهم بهذا الطريق غير معلوم. # الضرب الثالث: " الضروري "، أي: ~~الواقع في رتبة الضروريات، أي: هو من ضرورات سياسة العالم وبقائه وانتظام ~~أحواله، " وهو ما عرف التفات الشرع إليه " والعناية به كالضروريات الخمس، ~~وهي " حفظ الدين بقتل المرتد والداعية " إلى الردة، وعقوبة المبتدع الداعي ~~إلى البدعة، وحفظ " العقل بحد السكر "، وحفظ النفس بالقصاص "، وحفظ النسب ~~بحد الزنى المفضي إلى تضييع الأنساب باختلاط المياه، وحفظ العرض بحد القذف، ~~وحفظ " المال بقطع السارق ". وقد بينت وجه ضرورية هذه الأشياء في " القواعد ~~الصغرى " مستقصى، فهذه المصلحة الضرورية. # PageV03P209 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # " قال مالك وبعض الشافعية: هي حجة ~~" لأنا علمنا " أنها من مقاصد الشرع بأدلة كثيرة " لا حصر لها من الكتاب ~~والسنة وقرائن الأحوال والأمارات، " وسموها: مصلحة مرسلة "، ولم يسموها ~~قياسا؛ لأن القياس يرجع " إلى أصل معين " دون هذه المصلحة، فإنها لا ترجع ~~إلى أصل معين، بل رأينا الشارع اعتبرها في مواضع من الشريعة، فاعتبرناها ~~حيث وجدت؛ لعلمنا أن جنسها مقصود له. # " وقال بعض أصحابنا: ليست حجة ". هذا إشارة إلى الشيخ أبي محمد. قال في " ~~الروضة ": والصحيح أن ذلك ليس بحجة، وإنما قلت: " قال بعض أصحابنا "، ولم ~~أقل: قال أصحابنا؛ لأني رأيت من وقفت على كلامه منهم حتى الشيخ أبا محمد في ~~كتبه إذا استغرقوا في توجيه الأحكام، يتمسكون بمناسبات مصلحية، يكاد الشخص ~~يجزم بأنها ليست مرادة للشارع، والتمسك بها يشبه التمسك بحبال القمر، فلم ~~أقدم على الجزم على جميعهم بعدم القول بهذه المصلحة خشية أن يكون بعضهم قد ~~قال بها، فيكون ذلك تقولا عليهم، والذي قال منهم: إنها ليست حجة ms0848 احتج بأنا ~~لم نعلم محافظة الشرع عليها، " ولذلك لم يشرع في زواجرها أبلغ مما شرع "، ~~كالمثلة في القصاص، فإنها أبلغ في الزجر عن القتل، وكذا القتل في السرقة ~~وشرب الخمر، فإنه أبلغ في الزجر عنهما، ولم يشرع شيء من ذلك، فلو كانت هذه ~~المصلحة حجة، لحافظ الشرع على تحصيلها بأبلغ الطرق، لكنه لم يعلم # PageV03P210 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بفعل ذلك، فلا تكون حجة، " ~~فإثباتها حجة وضع للشرع بالرأي "، كما حكي أن مالكا أجاز " قتل ثلث الخلق ~~لاستصلاح الثلثين، ومحافظة الشرع على مصلحتهم بهذا الطريق غير معلوم ". # قلت: لم أجد هذا منقولا فيما وقفت عليه من كتب المالكية، وسألت عنه جماعة ~~من فضلائهم، فقالوا: لا نعرفه. # قلت: مع أنه إذا دعت إليه ضرورة متجه جدا، وقد حكاه عن مالك جماعة من ~~الفضلاء منهم الحواري والبزدوي في جدليهما. # قلت: الراجح المختار اعتبار المصلحة المرسلة. # قال القرافي: المصالح بالإضافة إلى شهادة الشرع لها بالاعتبار على ثلاثة ~~أقسام: ما شهد الشرع باعتباره، وهو القياس، وما شهد الشرع بعدم اعتباره، ~~نحو المنع من زراعة العنب لئلا يعصر الخمر، والشركة في سكنى الدور خشية ~~الزنى. # وما لم يشهد باعتباره ولا إلغائه وهي المصلحة المرسلة، وهي عند مالك حجة. # وقال الغزالي: إن وقعت في موضع الحاجة أو التتمة، لم تعتبر، وإن وقعت في ~~موضع الضرورة جاز أن يؤدي إليها اجتهاد مجتهد بشرط أن تكون قطعية كلية، ~~وحكى مثال ذلك وتفصيله، ثم استدل على كونها حجة ; بأن الله تعالى إنما بعث ~~الرسل عليهم الصلاة والسلام لتحصيل مصالح العباد، علمنا # PageV03P211 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ذلك بالاستقراء، فمهما وجدنا مصلحة ~~غلب على الظن أنها مطلوبة للشرع، فنعتبرها؛ لأن الظن مناط العمل. # قلت: هذا دليل قوي لا يتجه القدح فيه بوجه، ولا يرد عليه ما ذكر من المنع ~~من زراعة العنب ونحوه، إذ هو مصلحة ; لأنا نقول: هذه مصلحة نص الشرع على ~~عدم اعتبارها، والعمل بالمصلحة المرسلة إنما هو اجتهادي، فلو اعتبرنا ~~المصلحة المنصوص على عدم اعتبارها، لكان دفعا للنص بالاجتهاد، وهو فاسد ~~الاعتبار. # قال القرافي: ينقل عن مذهبنا ms0849 أن من خواصه اعتبار العوائد، والمصلحة ~~المرسلة، وسد الذرائع، وليس كذلك. أما العرف فمشترك بين المذاهب، ومن ~~استقرأها وجدهم يصرحون بذلك فيها. # قلت أنا: هذا كما يقول أصحابنا وغيرهم يرجع في القبض والإحراز وكل ما لم ~~يرد من الشرع تحديد فيه إلى ما يتعارفه الناس بينهم. # قال: وأما المصلحة المرسلة، فغيرنا يصرح بإنكارها، ولكنهم عند التفريع ~~تجدهم يعللون بمطلق المصلحة، ولا يطالبون أنفسهم عند الفروق والجوامع ~~بإبداء الشاهد لها بالاعتبار، بل يعتمدون على مجرد المناسبة. # قال: وأما الذرائع، فقد أجمعت الأمة على أنها ثلاثة أقسام: # أحدها: معتبر إجماعا، كحفر الآبار في طرق المسلمين، وإلقاء السم في ~~أطعمتهم، وسب الأصنام عند من يعلم من حاله أنه يسب الله - عز وجل - # PageV03P212 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # عند ذلك حينئذ. # وثانيها: ملغى إجماعا، كزراعة العنب خشية عصره خمرا، والشركة في سكنى ~~الدور خشية الزنى، فلا يمنع من ذلك. # وثالثها: مختلف فيه كبيوع الآجال، اعتبرنا نحن الذريعة فيها، وخالفنا ~~غيرنا، فحاصل القضية أنا قلنا بسد الذرائع أكثر من غيرنا، لا أنها خاصة ~~بنا. # وقال أيضا: المصلحة المرسلة عند التحقيق في جميع المذاهب؛ لأنهم يقيسون، ~~ويفرقون بالمناسبات، ولا يطلبون شاهدا بالاعتبار، ولا يعنى بالمصلحة ~~المرسلة عند التحقيق في جميع المذاهب إلا ذلك. # ومما يؤكد العمل بالمصالح المرسلة أن الصحابة - رضي الله عنهم - عملوا ~~أمورا لمطلق المصلحة، لا لتقدم شاهد بالاعتبار، نحو كتابة المصحف، ولم ~~يتقدم فيها أمر ولا نظير، وولاية العهد من أبي بكر لعمر - رضي الله عنهما - ~~ولم يتقدم فيها أمر ولا نظير، وكذلك ترك الخلافة شورى، وتدوين الدواوين، ~~وعمل السكة للمسلمين، واتخاذ السجن، فعل ذلك عمر - رضي الله عنه - وهدم ~~الأوقاف التي بإزاء مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم، والتوسعة فيه عند ~~ضيقه، وتجديد الأذان الأول في الجمعة ; فعل ذلك عثمان - رضي الله عنه - كل ~~ذلك لمطلق المصلحة. # PageV03P213 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قلت: ومن مذهبنا أيضا سد الذرائع، ~~وهو قول أصحابنا بإبطال الحيل، ولذلك أنكر المتأخرون منهم على أبي الخطاب ~~ومن تابعه عقد باب في كتاب الطلاق يتضمن الحيلة على تخليص ms0850 الحالف من يمينه ~~في بعض الصور، وجعلوه من باب الحيل الباطلة، وهي التوصل إلى المحرم بسبب ~~مباح، وقد صنف شيخنا تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية - رحمة الله عليه ~~- كتابا بناه على بطلان نكاح المحلل، وأدرج جميع قواعد الحيل، وبين بطلانها ~~بأدلته على وجه لا مزيد عليه. # قلت: اعلم أن هؤلاء الذين قسموا المصلحة إلى معتبرة، وملغاة ومرسلة ~~ضرورية، وغير ضرورية تعسفوا وتكلفوا، والطريق إلى معرفة حكم المصالح أعم من ~~هذا وأقرب، وذلك بأن نقول: قد ثبت مراعاة الشرع للمصلحة والمفسدة بالجملة ~~إجماعا، وحينئذ نقول: # الفعل إن تضمن مصلحة مجردة، حصلناها، وإن تضمن مفسدة مجردة، نفيناها، وإن ~~تضمن مصلحة من وجه ومفسدة من وجه، فإن استوى في نظرنا تحصيل المصلحة، ودفع ~~المفسدة، توقفنا على المرجح، أو خيرنا بينهما كما قيل في من لم يجد من ~~السترة إلا ما يكفي أحد فرجيه فقط. هل يستر الدبر؛ لأنه مكشوفا أفحش، أو ~~القبل؛ لاستقباله به القبلة؟ أو يتخير لتعارض المصلحتين والمفسدتين؟ ، وإن ~~لم يستو ذلك، بل ترجح أحد الأمرين تحصيل المصلحة أو دفع المفسدة، فعلناه؛ ~~لأن العمل بالراجح متعين شرعا، وعلى هذه القاعدة يتخرج كل ما ذكروه في ~~تفصيلهم المصلحة. # PageV03P214 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أما المعتبرة شرعا كالقياس، ~~فمصلحته ظاهرة مجردة، أو راجحة، وأما الملغاة كمنع زراعة العنب، والشركة في ~~سكنى الدور، فلأن المصلحة والمفسدة تعارضتا فيهما، لكن مصلحتهما ضعيفة ~~ومفسدتهما عظيمة، فكان نفيها أرجح لما يلزم من منع النفع المتحقق من زراعة ~~العنب، والارتفاق المتحقق بالشركة في السكنى لأجل مفسدة موهومة، وهي اعتصار ~~الخمر، وحصول الزنى، ولو سلم أن هذه المفسدة مظنونة، لكنها غير قاطعة. ~~والمصلحة التي تقابلها قاطعة، فكان تحصيلها بالتزام المفسدة المظنونة أولى ~~من العكس، وأيضا فإن المفسدة المذكورة خاصة، والمصلحة التي تقابلها عامة، ~~والتزام مفسدة خاصة، أي: قليلة؛ لتحصيل مصلحة عامة كثيرة أولى من العكس. # وبيانه: أن منافع العنب كثيرة، فإنه يؤكل حصرما على حاله، وطبيخا، وعنبا، ~~وعصيرا، وزبيبا، فهذه خمس منافع، ولعل فيه غيرها، والممنوع من منافعه ~~واحدة، وهي الخمر. ولهذا ms0851 قال بعض أهل المعاني على لسان الشرع: ابن آدم، لك ~~ثمرة الكرم حصرما، وعنبا، وعصيرا، وزبيبا، فهن أربع لك، فاترك لي الخامسة: ~~النصير {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] ، فتحصيل ~~هذه المنافع المباحة بزراعة العنب أولى من تركها لمفسدة خصلة واحدة محرمة. # PageV03P215 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أما تعيين الصوم في كفارة رمضان ~~على الموسر، فليس يبعد إذا أدى إليه اجتهاد مجتهد، وليس ذلك من باب وضع ~~الشرع بالرأي، بل هو من باب الاجتهاد بحسب المصلحة، أو من باب تخصيص العام ~~المستفاد من ترك الاستفصال في حديث الأعرابي، وهو عام ضعيف فيخص بهذا ~~الاجتهاد المصلحي المناسب، وتخصيص العموم طريق مهيع. وقد فرق الشرع بين ~~الغني والفقير في غير موضع، فليكن هذا من تلك المواضع. # وأما المصلحة الواقعة موقع التحسين أو الحاجة، كمباشرة الولي عقد النكاح، ~~وتسليطه على تزويج الصغيرة ونحو ذلك، فهي مصلحة محضة لا يعارضها مفسدة، ~~فكان تحصيلها متعينا. # وأما المصلحة الضرورية كحفظ الدين، والعقل، والنسب، والعرض، والمال، فهي ~~وإن عارضتها مفسدة، وهي إتلاف المرتد والقاتل بالقتل، ويد السارق بالقطع، ~~وإيلام الشارب والزاني والقاذف بالضرب، لكن نفي هذه المفسدة مرجوح بالنسبة ~~إلى تحصيل تلك المصلحة، فكان تحصيلها متعينا، وكذلك بيع المسجد والفرس ~~الحبيس إذا تعطلت منفعته المقصودة منه، تضمن مصلحة، وهي استخلاف منفعة ~~الوقف المقصودة ببيعه، ومفسدة، وهي إسقاط حق الله - سبحانه وتعالى - من ~~عينه بعد ثبوته فيها، فنحن رجحنا تحصيل المصلحة، وغيرنا رجح نفي المفسدة. # PageV03P216 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وعلى هذا تتخرج الأحكام عند تعارض ~~المصالح والمفاسد فيها، أو عند تجردها، ولا حاجة بنا إلى التصرف فيها ~~بتقسيم وتنويع لا يتحقق، ويوجب الخلاف والتفرق، فإن هذه الطريقة التي ~~ذكرناها إذا تحققها العاقل، لم يستطع إنكارها لاضطرار عقله له إلى قبولها، ~~ويصير الخلاف وفاقا إن شاء الله تعالى. # وقد نجز عند هذا الكلام القول في الكتاب والسنة والإجماع ولواحقها، ~~والأصول المختلف فيها سوى القياس، وهذا حين الشروع فيه إن شاء الله تعالى. # PageV03P217 # القياس # لغة: التقدير، نحو: قست الثوب بالذراع ; والجراحة بالمسبار ; أقيس وأقوس ~~قيسا وقوسا ms0852 وقياسا فيهما. # وشرعا: حمل فرع على أصل في حكم بجامع بينهما، وقيل: إثبات مثل الحكم في ~~غير محله لمقتض مشترك. # وقيل: تعدية حكم المنصوص عليه إلى غيره بجامع مشترك، ومعانيها متقاربة، ~~وقيل غير ما ذكر. # وقيل: هو الاجتهاد، وهو خطأ لفظا وحكما. # قوله ### | : «القياس» ، # أي: القول في القياس، وهو «لغة» ، أي: في اللغة «التقدير، نحو: قست الثوب ~~بالذراع» ، أي: قدرته به، «والجراحة بالمسبار» ، وهو ما يسبر به الجرح، أي: ~~يراز به ليعلم عمقه، وهو مع الجراحية شبه الميل. # قال الجوهري: قست الشيء بالشيء، أي: قدرته على مثاله، يقال: قست «أقيس ~~وأقوس» ، فهو من ذوات الياء والواو، ونظائره في اللغة كثيرة، والمصدر قيسا ~~وقوسا بالياء والواو من بناء أقيس قياسا، وهو على القياس في مصدر ذوات ~~الياء، وأقوس «قوسا» . # قوله: «وقياسا فيهما» ، أي: في اللغتين تقول: قياسا، فتقول: أقيس قياسا، ~~وهو على القياس في مصدر ذوات الياء، وأقوس قياسا، وقياسه: قواسا، لكن لما ~~انكسر ما قبل الواو، انقلبت ياء، كما قالوا: قام قياما، وصام # PageV03P218 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # صياما، وصال صيالا، وأصل جميع ذلك ~~الواو. # واعلم أنا قد بينا أن القياس في اللغة يدل على معنى التسوية على العموم، ~~وهو في الشرع تسوية خاصة بين الأصل والفرع، فهو كتخصيص لفظ الدابة ببعض ~~مسمياتها، فهو حقيقة عرفية، مجاز لغوي. # قوله: «وشرعا» ، أي: والقياس شرعا، أي: في الشرع واصطلاح علمائه ; قيل: ~~«حمل فرع على أصل في حكم ; بجامع بينهما» ، كحمل النبيذ على الخمر في ~~التحريم بجامع الإسكار، ونعني بالحمل: الإلحاق والتسوية بينهما في الحكم، ~~وربما أورد على هذا أن الأصل والفرع لا يعرفان إلا بعد معرفة حقيقة القياس، ~~فأخذهما في تعريفها دور. # «وقيل» : القياس: «إثبات مثل الحكم في غير محله لمقتض مشترك» ، كإثبات ~~مثل تحريم الخمر في النبيذ، وهو غير محل النص على التحريم، إذ محله الخمر ~~لعلة الإسكار وهو المقتضي للتحريم المشترك بين الخمر والنبيذ. # «وقيل» : القياس «تعدية حكم المنصوص عليه إلى غيره بجامع» كتعدية تحريم ~~الخمر المنصوص عليه إلى النبيذ الذي لم ينص على تحريمه ms0853 للجامع المذكور ~~المشترك، وكتعدية تحريم التفاضل في البر المنصوص عليه إلى الأرز الذي ليس ~~منصوصا عليه لعلة حصول التفاضل والتغابن فيهما، وهو الجامع المشترك بينهما. # قوله: «ومعانيها» ، أي: معاني هذه التعريفات للقياس «متقاربة» ، أي: # PageV03P219 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بعضها قريب من بعض إن لم تكن ~~متساوية حقيقة. # قوله: «وقيل» أي: في تعريف القياس «غير ما ذكر» ، أي: ما ذكر من ~~التعريفات. # فمنها ما يعزى إلى القاضي أبي بكر. واختاره كثير ممن بلغه، وهو أنه حمل ~~معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما، أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما من ~~إثبات حكم أو صفة أو نفيهما عنهما. # وقد زيف هذا على هذه الصيغة بأن قوله: في إثبات حكم لهما، غير صحيح؛ لأن ~~القياس لا يطلب به معرفة حكم الأصل، إذ حكمه معلوم، وإنما يطلب به حكم ~~الفرع. # وقيل فيه: حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم أو نفيه بناء على جامع من ~~صفة أو حكم وجودا وانتفاء. # مثال الوجود قولهم في القتل بالمثقل: قتل عمد عدوان، فأوجب القود كالقتل ~~بالمحدد. # ومثال الانتفاء قولهم فيه. قتل لا يخلو من شبهة، أو قتل تمكنت منه ~~الشبهة، فلا يوجب القصاص قياسا على العصا الصغيرة. # وقال القرافي: هو إثبات مثل حكم معلوم لمعلوم آخر لأجل اشتباههما في علة ~~الحكم عند المثبت. # فقوله: إثبات، يراد به المشترك بين العلم والظن والاعتقاد؛ لأنا إذا ~~أثبتنا # PageV03P220 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # حكما بالقياس، فقد يعلم ثبوت ذلك ~~الحكم في الفرع قطعا، وقد يظنه ظنا، وقد يعتقده اعتقادا، والعلم والظن ~~والاعتقاد مشتركة في كونها إثباتا. # وقولنا: مثل حكم معلوم؛ لأن حكم الفرع ليس هو نفس حكم الأصل، إذ الحكم ~~وصف لمحله، ووصف أحد المحلين ليس وصفا للآخر، فتحريم الخمر ليس هو نفس ~~تحريم النبيذ، بل هو مثله. # وقولنا: حكم معلوم لمعلوم ليتناول الموجود والمعدوم، ولم نقل: حكم شيء ~~لشيء؛ لئلا يختص بالموجود على أصلنا في أن المعدوم ليس بشيء، والقياس ~~الشرعي جار في الموجود والمعدوم والمثبت والمنفي. # وقولنا: لاشتباههما في علة الحكم ظاهر، ولعل فيه تنبيها على تناوله ms0854 قياس ~~الشبه وغيره. # وقولنا: عند المثبت؛ ليشمل القياس الصحيح والفاسد؛ وذلك لأن العلة قد ~~تكون منصوصة، وقد تكون مستنبطة، كعلة الربا المستخرجة من تحريم الربا في ~~الأعيان الستة بطريق تخريج المناط، وهل هي الكيل، أو الطعم، أو الوزن، أو ~~الاقتيات؟ ، وقد ذهب إلى كل واحدة منهن بعض المجتهدين، ومراد الشرع إنما هو ~~واحدة منها، فلو اقتصرنا على قولنا: لاشتباههما في علة الحكم، لكان بتقدير ~~أن تكون العلة المرادة من الحديث هي الكيل، يكون التعليل بغيرها قياسا ~~فاسدا خارجا عن الحد المذكور؛ لأنه بغير العلة المرادة للشارع، فإذا قلنا: ~~لاشتباههما في علة الحكم عند المثبت، وهو القائس، كان إثبات كل مجتهد للحكم ~~بالوصف الذي رآه علة قياسا شرعيا داخلا في # PageV03P221 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الحد المذكور؛ لأنا إن قلنا: كل ~~مجتهد مصيب، فظاهر أنه قياس شرعي. وإن قلنا: المصيب واحد لا غير، فهو غير ~~معين، فيكون الجميع أقيسة شرعية، إذ ليس بعضها أولى بالصحة أو البطلان من ~~بعض. # وقال الآمدي في «المنتهى» : القياس في اصطلاح الأصوليين منقسم إلى قياس ~~العكس، وهو تحصيل نقيض حكم معلوم في غيره؛ لافتراقهما في علة الحكم، وإلى ~~قياس الطرد، وهو عبارة عن الاستواء بين الفرع والأصل في العلة المستنبطة من ~~حكم الأصل. # قلت: ويرد على ظاهره القياس على العلة المنصوصة، فإنه خارج عنه لا ~~يتناوله؛ لأنها ليست مستنبطة. # قلت: ومن أمثلة قياس العكس قوله - عليه السلام - حين عدد لأصحابه وجوه ~~الصدقة: وفي بضع أحدكم صدقة أو قال: والرجل يأتي أهله صدقة قالوا: يا رسول ~~الله، أيأتي أحدنا شهوته ويؤجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام يعني: أكان ~~يعاقب؟ قالوا: نعم، قال: فمه، يعني كما أنه إذا وضعها في حرام يأثم، كذلك ~~إذا وضعها في حلال يؤجر، فقد حصل النبي - صلى الله عليه وسلم - نقيض حكم ~~الوطء المباح، وهو الإثم في غيره وهو الوطء الحرام؛ لافتراقهما في علة ~~الحكم، وهي كون هذا مباحا وهذا حراما، وهذا الحديث يشبه ما سبق من مذهب ~~الكعبي أن المباح مأمور به، ويتعلق بالحديث المذكور بحث ms0855 طويل ليس هذا ~~موضعه. # وقال الآمدي أيضا في «جدله» : الذي نراه أن يقال: هو حمل معلوم على معلوم # PageV03P222 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بناء على جامع معلوم. # وقيل: القياس رد فرع إلى أصل بعلة جامعة بينهما. وقد سبق نحوه. # والعبارات في تعريف القياس كثيرة، وحاصلها يرجع إلى أنه اعتبار الفرع ~~بالأصل في حكمه، والله تعالى أعلم. # تنبيه: اعلم أن للقياس أقساما باعتبارات: # أحدها: إما جلي: وهو ما كانت العلة الجامعة فيه بين الأصل والفرع منصوصة، ~~أو مجمعا عليها، أو ما قطع فيه بنفي الفارق، كإلحاق الأمة بالعبد في تقويم ~~النصيب. # وإما خفي: وهو ما كانت العلة فيه مستنبطة، وقد سبق الكلام في الجلي ~~والخفي في تخصيص العموم. # الثاني: إما مؤثر: وهو ما كانت العلة الجامعة فيه ثابتة بنص أو إجماع، أو ~~كان الوصف الجامع فيه قد أثر عينه في عين الحكم أو في جنسه، أو جنسه في جنس ~~الحكم. # وإما ملائم: وهو ما أثر جنس العلة فيه في جنس الحكم. # الثالث: أن القياس إما أن يصرح فيه بالعلة أو بما يلازمها، أو لم يصرح ~~بها فيه، فالأول قياس العلة، والثاني قياس الدلالة، والثالث القياس في معنى # PageV03P223 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الأصل، وهو ما جمع فيه بين الأصل ~~والفرع بنفي الفارق. # الرابع: أن طريق إثبات العلة المستنبطة، إما المناسبة، أو الشبه، أو ~~السبر والتقسيم، أو الطرد أو العكس، فالأول يسمى: قياس الإخالة، ومعناه أن ~~المجتهد يتخيل له مناسبة الوصف للحكم، فيعلقه به، والثاني قياس الشبه، ~~والثالث قياس السبر، والرابع قياس الطرد. # قلت: ذكر القسمة بهذه الاعتبارات الآمدي، وسيأتي بيان ما لم يسبق بيانه ~~منها مشروحا إن شاء الله تعالى. # قوله: «وقيل: هو» ، يعني القياس هو: «الاجتهاد، وهو» يعني هذا التعريف ~~«خطأ لفظا وحكما» ، أي: من جهة اللفظ والحكم. # أما من جهة اللفظ، فلأن لفظ القياس ينبئ عن معنى التقدير والاعتبار، ~~والاجتهاد لا ينبئ عن ذلك، وإن أنبأ عنه، فليس هو بلازم له، بخلاف القياس. # وأما من جهة الحكم، فلأنه منتقض بالنظر في العمومات، ومواقع الإجماع ~~وغيرها من طرق الأدلة طلبا ms0856 للحكم، فإنه اجتهاد، وليس بقياس؛ ولأن الاجتهاد ~~ينبئ عن بذل الجهد في النظر، والقياس قد يكون جليا، فلا يحتاج إلى ذلك. # قلت: فرجع حاصل الكلام إلى أن تعريف القياس بالاجتهاد تعريف بالأعم، فإن ~~الاجتهاد أعم من القياس، إذ كل قياس اجتهاد، وليس كل اجتهاد قياسا، فكان ~~الحد غير جامع لخروج القياس الجلي منه، ولا مانع لدخول # PageV03P224 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ما ليس بقياس فيه كما بيناه. # ومن التعريفات الفاسدة للقياس قول من قال: هو إصابة الحق، وهو منتقض بنحو ~~ما سبق؛ لأن من أصاب الحق بالنص أو الإجماع، لا يكون قياسا. # وقد يطلق القياس على المقدمتين الموضوعتين وضعا خاصا بحيث يحصل منهما ~~نتيجة. # ويرسمه المنطقيون بأنه عبارة عن أقوال إذا سلمت، لزم عنها لذاتها قول ~~آخر، نحو: كل حيوان جسم، وكل جسم مؤلف، يلزم عنه أن كل حيوان مؤلف، فهذه ~~نتيجة لازمة عن مقدمتين، ولو أضفنا إليهما مقدمة أخرى، وهي قولنا: كل مؤلف ~~محدث ; لزم عن ذلك أن كل حيوان محدث، فهي نتيجة لازمة عن مقدمات بطريق ~~التركيب. # قال الشيخ أبو محمد: وإطلاق القياس على هذا ليس بصحيح؛ لأن القياس اسم ~~إضافي يستدعي أمرين يضاف أحدهما إلى الآخر ويقدر به، كما ذكر في اللغة أنه ~~تقدير شيء بشيء، وليس هذا كذلك. # قلت: تسمية المنطقيين لهذا قياسا هو اصطلاح بينهم، والأمر في الاصطلاحيات ~~قريب، على أنه ليس عريا عن معنى التقدير والاعتبار، إذ هو اعتبار للنتيجة ~~بالمقدمتين في نظر العقل، وتقدير لها بنظائرها من النتائج في طريق لزومها ~~عن المقدمتين، وغاية ما ثم أن معنى التقدير في هذا أخفى منه في غيره، لكن ~~ذلك لا يخرجه عن كونه قياسا لغة أو في معناه. # PageV03P225 # وأركانه: أصل، وفرع، وعلة، وحكم. # فالأصل: قيل: النص، كحديث الربا، وقيل: محله كالأعيان الستة. # والفرع ما عدي إليه الحكم بالجامع. # والعلة والحكم مضى ذكرهما، وهي فرع في الأصل لاستنباطها من الحكم، أصل في ### | الفرع # لثبوت الحكم فيه بها. # والاجتهاد فيها إما بيان وجود مقتضى القاعدة الكلية المتفق أو المنصوص ~~عليها في الفرع، ms0857 أو بيان وجود العلة فيه، نحو: في حمار الوحش والضبع ~~مثلهما، والبقرة والكبش مثلهما، فوجوب المثل اتفاقي نصي، وكون هذا مثلا ~~تحقيقي اجتهادي، ومثله: استقبال القبلة واجب، وهذه جهتها، وقدر الكفاية في ~~النفقة واجب ; وهذا قدرها، ونحو: الطواف علة لطهارة الهرة، وهو موجود في ~~الفأرة ونحوها، وهذا قياس دون الذي قبله للاتفاق عليه دون القياس، ويسميان: ~~تحقيق المناط. # قوله: «وأركانه» ، أي ### | : أركان القياس # أربعة: «أصل، وفرع، وعلة، وحكم» . # اعلم أن هاهنا بحثين: # أحدهما: أن ركن الشيء هو جزؤه الداخل في حقيقته، كركن البيت ونحوه. وقد ~~وقع الاصطلاح والعرف بين عامة الناس أن ركن البيت هو الجزء الذي فيه ~~الزاوية خاصة، وهو عرف غالب، وإلا فهو في الحقيقة الضلع الذي بين ~~الزاويتين، فهذا ركن كبير، ثم كل جزء من أجزائه ركن للبيت على # PageV03P226 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # حسبه في الصغر والكبر. # واعلم أن كل واحد من الركن والشرط يتوقف وجود الماهية عليه، لكن الفرق ~~بينهما من وجهين: # أحدهما: أن الركن داخل في الماهية كالركوع للصلاة وسائر أركانها، والشرط ~~خارج عنها، كالوضوء لها وسائر شروطها. # الوجه الثاني: أن الركن يتوقف عليه الوجود الذهني والخارجي جميعا، والشرط ~~إنما يتوقف عليه الوجود الخارجي فقط مع تحقق الوجود في الذهن، فيمكننا أن ~~نتصور صورة الصلاة بلا وضوء، ولا يمكننا أن نتصورها في أذهاننا بلا ركوع. ~~وأبين من هذا أننا نتصور حقيقة العلم بدون تصور حقيقة الحياة، لكن قيام ~~العلم بمحله في الخارج لا بد فيه من الحياة؛ لأنها شرطه. # البحث الثاني: في أنه لم كانت أركان القياس أربعة؟ وله توجيهات إقناعية ~~وحقيقية. # منها: أن القياس معنى معقول، والمعاني المعقولة محمولة على الأعيان ~~المحسوسة. وقد تقرر أن أركان المحسوسات هي العناصر، وهي أربعة، فكذلك ~~المعقولات تقتضي بحكم هذا أن تكون أركانها أربعة، فإن زاد شيء منها أو نقص ~~عن ذلك، فهو خارج عن مقتضى الأصل لمقتضى خاص. # ومنها: أنه قد سبق أن مدار المحدثات على عللها الأربع: المادية، ~~والصورية، والفاعلية، والغائية، وهي أركان لها، وذلك بين في المحسوسات ~~والمعقولات ملحقة ms0858 بها كما سبق آنفا. # ومنها: أن القياس الشرعي راجع في الحقيقة إلى القياس العقلي المنطقي # PageV03P227 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المؤلف من المقدمتين؛ لأن قولنا: ~~النبيذ مسكر، فكان حراما كالخمر ; مختصر من قولنا: النبيذ مسكر، وكل مسكر ~~حرام. وقولنا: الأرز مكيل، فيحرم فيه التفاضل كالبر، مختصر من قولنا: الأرز ~~مكيل، وكل مكيل يحرم فيه التفاضل. وليس في الأول زيادة على الثاني إلا ذكر ~~الأصل المقيس عليه على جهة التنظير به والتآنس. ولهذا لو قلنا: النبيذ مسكر ~~فهو حرام، والأرز مكيل فهو ربوي، لحصل المقصود. # وإذا ثبت أن القياس الشرعي راجع إلى العقلي ; لزم فيه ما لزم في العقلي ~~من كونه على أربعة أركان. # وبيانه: أن المقدمتين والنتيجة تشتمل على ستة أجزاء ما بين موضوع ومحمول، ~~يسقط منها بالتكرار جزءان، وهو الحد الأوسط، يبقى أربعة أجزاء هي أركان ~~المقصود، وهي التي يقتصر عليها الفقهاء في أقيستهم. # مثاله: أنا نقول: النبيذ مسكر، هذان جزءان: موضوع: وهو النبيذ، ومحمول: ~~وهو مسكر، وهما في عرف النحاة مبتدأ وخبر. ثم نقول: وكل مسكر حرام، فهذان ~~جزءان، ويلزم عن ذلك، النبيذ حرام، وهما جزءان آخران ; صارت ستة أجزاء ~~هكذا: النبيذ مسكر، وكل مسكر حرام، فالنبيذ حرام ; يسقط منها لفظ مسكر ~~مرتين لأنه محمول في المقدمة الأولى موضوع في الثانية ; يبقى هكذا: النبيذ ~~مسكر فهو حرام، وهما صورة قياس الفقهاء. # فقد بان بهذا أن القياس الشرعي محمول على العقلي في بنائه على أربعة ~~أركان بالجملة. # ومنها: أن القياس معنى إضافي يفتقر في تحقيقه إلى مقيس - وهو # PageV03P228 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المسمى: فرعا - وإلى مقيس عليه - ~~وهو المسمى: أصلا - وإلى مقيس له - وهو المسمى: علة - وإلى مقيس فيه - وهو ~~المسمى: حكما - فلما تعلق بهذه المعاني الأربعة، وافتقر في تحققه إليها، لا ~~جرم كانت أركانا له. # قوله: «فالأصل: قيل» : هو «النص، كحديث الربا، وقيل: محله كالأعيان ~~الستة» . # لما بين أن أركان القياس أربعة، شرع في الكلام على حقائقها ركنا ركنا. # أما الأصل الذي هو أحد أركان القياس، اختلفوا فيه، هل هو النص الذي ثبت ~~به الحكم في المقيس ms0859 عليه «كحديث الربا» ، أو محل النص «كالأعيان الستة» ~~المذكورة في حديث الربا، وهي البر والشعير ونحوهما، أو الحكم الذي هو تحريم ~~التفاضل، فمعنا ثلاثة أشياء: النص ومحل النص وهو العين، أو الفعل الذي تعلق ~~به حكم النص، والحكم الذي ثبت بالنص في المحل، فاختلف في الأصل، أي الثلاثة ~~هو؟ والثالث وهو الحكم لم يذكر في «المختصر» ، لكن ذكره الآمدي، وكذلك في ~~قياس النبيذ على الخمر في التحريم حيث قلنا: النبيذ مسكر، فكان حراما ~~كالخمر، هل الأصل فيه النص الدال على تحريم الخمر، وهو قول الشارع: حرمت ~~الخمر، أو محل هذا النص وهو الخمر، أو حكم النص المتعلق بالخمر، وهو ~~التحريم؟ فيه الخلاف المذكور، والنزاع في هذا لفظي؛ لأنا قد بينا أول ~~الكتاب أن أصل كل شيء ما يتوقف عليه تحقق ذلك الشيء، والقياس يتوقف على كل ~~من هذه الثلاثة: # PageV03P229 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # النص، وحكمه، ومحله، وكذلك العلة ~~الجامعة فلا يمتنع إطلاق اسم الأصل على كل واحد منهما، فالنص أصل؛ لأن ~~الحكم يثبت به، والمحل أصل كالخمر والأعيان الستة؛ لأن الحكم ثبت فيه، ~~والحكم أصل؛ لأن حكم ### | الفرع # مستفاد منه وملحق به، والعلة أصل؛ لأنها مصححة للإلحاق، فأركان القياس ~~الأربعة أصول له، لكن المشهور بين الفقهاء في مناظراتهم أن الأصل هو محل ~~حكم النص كالخمر والبر، وسمي هذا محلا للحكم؛ لأن الحكم تعلق به عقلا تعلق ~~الحال بمحله حسا. # وحديث الربا والأعيان الستة المشار إليها في عبارة «المختصر» هو ما روى ~~عبادة بن الصامت، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: الذهب بالذهب مثلا ~~بمثل، والفضة بالفضة مثلا بمثل، والتمر بالتمر مثلا بمثل، والبر بالبر مثلا ~~بمثل، والملح بالملح مثلا بمثل، والشعير بالشعير مثلا بمثل، فمن زاد أو ~~ازداد فقد أربى، الحديث. # قوله: «والفرع ما عدي إليه الحكم بالجامع» . # قلت: وذلك كالنبيذ والأرز في قولنا: النبيذ مسكر، فيحرم كالخمر، والأرز ~~مكيل، فيحرم فيه التفاضل كالبر، وكالأمة في قولنا: رقيق، فيسري فيه العتق ~~كالعبد، وكالقتل بالمثقل في قولنا: قتل عمد عدوان، فيجب به القصاص كالقتل ms0860 ~~بالمحدد، وهذا أحد القولين في الفرع أنه المحل الذي تعدى إليه الحكم بالوصف ~~الجامع بينه وبين محل النص. # وقيل: الفرع هو الحكم المنازع فيه، وهو تحريم النبيذ، وتحريم # PageV03P230 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # التفاضل في الأرز، وسراية العتق في ~~الأمة مثلا، ووجوب القصاص بالقتل بالمثقل، فالفرع إذن هو النبيذ مثلا أو ~~تحريمه، والأول أصح. # قوله: «والعلة والحكم مضى ذكرهما» . # قلت: قد بينا أن أركان القياس أصل، وفرع، وعلة، وحكم، وقد بينا حقيقة ~~الأصل والفرع ما هي، وبقي علينا بيان حقيقة العلة والحكم، لكن قد سبق ~~الكلام عليهما مفصلا في أول الكتاب، فلا فائدة في تكراره، فلنقنع بالإحالة ~~على ما سبق فيهما، غير أنا نشير إليهما هاهنا إشارة خفيفة؛ لئلا يخلو هذا ~~الموضع عن بيانهما. # فنقول: العلة: هي الوصف أو المعنى الجامع المشترك بين الأصل والفرع الذي ~~باعتباره صحت تعدية الحكم، كالإسكار في الخمر، وتبديل الدين في قتل المرتد، ~~حيث قلنا في المرتدة: بدلت دينها، فتقتل كالمرتد، وسمي هذا علة؛ لوجود ~~الحكم به حيث وجد، كوجود السقم بالعلة الطبيعية حيث وجدت. # وأما الحكم: فهو قضاء الشرع المستفاد من خطابه أو إخباره الوضعي بوجوب، ~~أو ندب، أو كراهة، أو حظر، أو إباحة، أو صحة، أو فساد أو غير ذلك من أنواع ~~قضائه. وقد سبق أن الحكم هو مقتضى خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين ~~بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، وهناك له مزيد بيان، # PageV03P231 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فارجع إليه. # قوله: «وهي» ، يعني العلة «فرع في الأصل» ، «أصل في الفرع» . أما أنها ~~«فرع في الأصل» ، فلأنها مستنبطة من حكمه، فإن الشارع لما حرم الخمر، ~~استنبطنا منه أن علة تحريمها الإسكار المفسد للعقول؛ إذ لا مناسب للتحريم ~~فيها سواه، وكذلك لما نص على تحريم التفاضل في الأعيان الستة، استخرجنا من ~~تحريمه أن علته الكيل أو الوزن مع الجنس، وكذلك قوله - عليه الصلاة والسلام ~~- من بدل دينه فاقتلوه ولا يقضي القاضي وهو غضبان جزم بالحكم وهو قتل ~~المرتد وتحريم الحكم مع الغضب، وأشار إلى أن العلة تبديل الدين واضطراب رأي ~~القاضي بالغضب، فكانت العلة فرعا ms0861 فيه؛ لأنه جزم بالحكم جزما، وأشار إليها ~~إشارة، والاهتمام بالأصول أولى من الاهتمام بالفروع، فكان المجزوم به أصلا، ~~والمشار إليه فرعا. # وأما أن العلة «أصل في الفرع» ; فلأنها إذا تحققت فيه، ترتب عليها إثبات ~~حكم الأصل، كالإسكار لما تحقق في النبيذ، ترتب عليه إثبات التحريم، فالعلة ~~مستخرجة من حكم الأصل، والمستخرج فرع على المستخرج منه، والحكم في الفرع ~~مبني يترتب عليها، والمبني فرع على المبني عليه، والمترتب فرع على المترتب ~~عليه. # قوله: «والاجتهاد فيها» ، أي: في العلة، «إما ببيان مقتضى القاعدة # PageV03P232 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الكلية المتفق» عليها «أو المنصوص ~~عليها في الفرع» ، إلى آخره. # هذا إشارة إلى أنواع الاجتهاد في العلة الشرعية المتعلقة بالأقيسة، وهو ~~إما بتحقيق المناط، أو تنقيحه، أو تخريجه، والمناط: ما نيط به الحكم، أي: ~~علق به، وهو العلة التي رتب عليها الحكم في الأصل، يقال: نطت الحبل بالوتد، ~~أنوطه نوطا: إذا علقته، ومنه ذات أنواط: شجرة كانوا في الجاهلية يعلقون ~~فيها سلاحهم، وقد ذكرت في الحديث. # أما ### | تحقيق المناط، # فنوعان وإليهما الإشارة بقوله فيما بعد: «وهذا قياس دون الذي قبله» -: # أحدهما: أن يكون هناك قاعدة شرعية متفق عليها، أو منصوص عليها، وهي ~~الأصل، فيتبين المجتهد وجودها في الفرع، وإليه الإشارة بقوله: «إما ببيان ~~وجود مقتضى القاعدة الكلية المتفق، أو المنصوص عليها في الفرع» . # والنوع الثاني: أن يعرف علة حكم ما في محله بنص، أو إجماع، فيتبين ~~المجتهد وجودها في الفرع، وإليه الإشارة بقوله: «أو بيان وجود العلة فيه» . # مثال النوع الأول أن يقال: «في حمار الوحش والضبع مثلهما» ، أي: في حمار ~~الوحش إذا قتله المحرم مثله، وفي الضبع أيضا يقتلها المحرم مثلها؛ لقوله ~~تعالى: {ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم} [المائدة: # PageV03P233 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # 95] ، «والبقرة والكبش» كذلك، أي: ~~البقرة مثل حمار الوحش، والكبش مثل الضبع، فيجب أن يكون هو الجزاء، «فوجوب ~~المثل اتفاقي نصي» ، أي: متفق عليه ثابت بالنص المذكور، «وكون هذا مثلا» ~~يعني كون البقرة مثل الحمار، والكبش مثل الضبع «تحقيقي اجتهادي» أي: ثابت ~~بالاجتهاد في تحقيق ms0862 المناط؛ إذ لا نص فيه، ولا إجماع؛ لأن الله - سبحانه ~~وتعالى - لم ينص على أن الكبش مثلا مثل الضبع، إنما نص على أن الواجب فيها ~~مثلها، وفوض تعيين المثل إلى نظر المجتهد، فتحقق مثليتها في الكبش. # قوله: «ومثله» ، أي: ومن هذا النوع أن يقال: «استقبال القبلة واجب، وهذه ~~جهتها» ، فوجوب استقبال القبلة ثابت بالنص والإجماع، أما كون هذه جهتها في ~~حق من اشتبهت عليه، فليس منصوصا عليه، فيثبت بالاجتهاد. # وكذلك قولنا: «قدر الكفاية في» نفقة الزوجات والأقارب ونحوهم «واجب» ، ~~وكذلك قدرها كالرطل والرطلين ونحو ذلك، فوجوب قدر الكفاية متفق عليه، أما ~~كون قدر الكفاية رطلا أو رطلين، فيعلم بالاجتهاد. # ومن هذا الباب: من أتلف شيئا فعليه ضمانه بمثله أو قيمته، فهذا متفق ~~عليه، لكن كون هذا مثلا له، أو هذا المقدار قيمته، فهو اجتهادي. # وقولنا: هذا الفعل يجب فيه التعزير الرادع، لكن كون عشرة أسواط وما فوقها ~~أو دونها رادعا، فهو راجع إلى اجتهاد الإمام على رأي من لم يتقيد في ~~التعزيز بخبر أبي بردة. # PageV03P234 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وكذلك قولنا: نصب الإمام والوالي ~~والقاضي واجب، لكن تعيين فلان أو فلان لذلك هو إلى اجتهاد أهل الحل والعقد ~~في ذلك، فهذا تمام القول في النوع الأول وهو تحقيق المناط. # ومثال النوع الثاني أن يقال: «الطواف علة لطهارة الهرة» بناء على قوله - ~~عليه السلام: إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات، والطواف ~~«موجود في الفأرة ونحوها» من صغار الحشرات، وفي الكلب أيضا حيث يتحقق فيه ~~الطواف على رأي من يقول بطهارته استدلالا بهذا الحديث، وكذلك يقال: الحياء ~~علة الاكتفاء من البكر في تزويجها بالصمات، وهو موجود فيمن زالت بكارتها ~~بغير نكاح. # قوله: «وهذا قياس دون الذي قبله» ، أي: هذا النوع الثاني من تحقيق المناط ~~الذي هو بيان وجود العلة المنصوص عليها في الفرع، هو قياس دون النوع الأول ~~الذي هو بيان القاعدة الكلية المتفق عليها أو المنصوص عليها في الفرع؛ لأن ~~هذا النوع الأول متفق عليه بين الأمة، وهو من ضروريات الشريعة لعدم وجود ms0863 ~~النص على جزئيات القواعد الكلية فيها، كعدالة الأشخاص وتقدير كفاية كل شخص ~~ونحو ذلك، والقياس مختلف فيه والمتفق عليه غير المختلف فيه، فالنوع الأول ~~والثاني متغايران، والثاني قياس، # PageV03P235 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والأول ليس بقياس. # قوله: «ويسميان: تحقيق المناط» ، يعني: النوع الأول والثاني، وكل واحد ~~منهما يسمى تحقيق المناط؛ لأن معنى تحقيق المناط هو إثبات علة حكم الأصل في ~~الفرع، أو إثبات معنى معلوم في محل خفي فيه ثبوت ذلك المعنى، وهو موجود في ~~النوعين، وإن اختلفا في أن أحدهما قياس دون الآخر، فتحقيق المناط أعم من ~~القياس. # PageV03P236 # أو بإضافة العلية إلى بعض الأوصاف المقارنة للحكم عند ~~صدوره من الشارع وإلغاء ما عداها عن درجة الاعتبار، كجعل علة وجوب كفارة ~~رمضان وقاع مكلف أعرابي لاطم في صدره في زوجة في ذلك الشهر بعينه، فيلحق به ~~من ليس أعرابيا ولا لاطما، والزاني، ومن وطئ في رمضان آخر. # وقد يختلف في بعض الأوصاف نحو: هل العلة خصوص الجماع أو عموم الإفساد ~~فتلزم الآكل والشارب؟ ويسمى ### | : تنقيح المناط، # وقال به أكثر منكري القياس. # وأما تنقيح المناط وهو النوع ~~الثاني من أنواع الاجتهاد في العلة الشرعية فالمناط قد عرف ما هو لغة ~~واصطلاحا. # أما التنقيح، فهو في اللغة: التخليص، والتهذيب، يقال: نقحت العظم، إذا ~~استخرجت مخه. وأما تنقيح المناط في الاصطلاح، فهو إلغاء بعض الأوصاف التي ~~أضاف الشارع الحكم إليها لعدم صلاحيتها للاعتبار في العلة، وإليه الإشارة ~~بقوله في «المختصر» : «أو بإضافة العلية إلى بعض الأوصاف المقارنة للحكم ~~عند صدوره من الشارع، وإلغاء ما عداها عن درجة الاعتبار، كجعل علة وجوب ~~كفارة رمضان وقاع مكلف» ، أي: وقاع إنسان مكلف «أعرابي لاطم في صدره في ~~زوجة في ذلك الشهر بعينه، فيلحق به من ليس أعرابيا، ولا لاطما، والزاني، ~~ومن وطئ في رمضان آخر» . # ومعنى هذا ما روى أبو هريرة قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فقال: هلكت # PageV03P237 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يا رسول الله، قال: وما أهلكك؟ ~~قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: هل تجد ما تعتق رقبة؟ قال: ms0864 لا، قال: ~~فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا؟ قال: لا. الحديث، وهو صحيح، وعوام الفقهاء ~~يذكرون أن هذا الرجل كان أعرابيا، وأنه جاء يلطم وجهه وصدره، وينعي نفسه، ~~فإن لم يكن قد جاء بهذه الأوصاف أثر، فلعلهم أخذوها من قوله: هلكت، وفي بعض ~~الروايات: وأهلكت، لكن قال الخطابي: هذه اللفظة يعني أهلكت ليست موجودة في ~~شيء من روايات هذا الحديث، وأصحاب سفيان لم يرووها عنه، إنما ذكروا قوله: ~~هلكت، فحسب. # قلت: وقد أخرج الشافعي من مراسيل سعيد بن المسيب قال: أتى أعرابي النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ينتف شعره، ويضرب نحره، ويقول: هلك الأبعد، الحديث. # ويقال: إن الرجل: هو سلمة بن صخر البياضي صاحب قصة الظهار، وخليق أن يكون ~~هو لأنه يذكر أنه كان مولعا بالجماع، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أمره ~~بالكفارة في جواب قوله: واقعت أهلي في رمضان مع مجيئه على الصفات المذكورة، ~~فربما خيل للسامع أن مجموع الصفات المذكورة مع الوقاع في رمضان هي مناط ~~وجوب الكفارة وعلته، لكن من جملتها ما ليس بمناسب لكونه علة ولا جزء علة، ~~فاحتيج إلى إلغائه، وتنقيح العلة وتخليصها بالسبر والتقسيم، فيقال # PageV03P238 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # حينئذ: كون هذا الرجل أعرابيا لا ~~أثر له، فيلحق به من ليس أعرابيا، كالتركي والعجمي وغيرهما من أصناف الناس، ~~وكونه لاطما وجهه وصدره لا أثر له، فيلحق به من جاء بسكينة ووقار وثبات، ~~وكون الوطء في زوجة لا أثر له، فيلحق به الوطء في ذكر، أو أنثى، أو أمة، أو ~~أجنبية، أو بهيمة، في قبل أو دبر، اعتبارا لصورة الوقاع، وكونه ذلك الشهر ~~المعين لا أثر له، فيلحق به من وطئ في رمضان آخر. # وإنما قلنا: إن هذه الأوصاف لا أثر لها لعدم مناسبتها؛ إذ الوصف الذي ~~تظهر مناسبته كونه وقاع مكلف هتكت به حرمة عبادة الصوم المفروض أداء، وما ~~سوى ذلك من التعيينات والأوصاف لاغ. # واعلم أن في تقليل أوصاف العلة تكثيرا لأحكامها لكثرة وقوعها وسهولته ~~لقلة أوصافها. # مثاله: أنا لو جعلنا عين ذلك الأعرابي جزءا لعلة وجوب ms0865 الكفارة، لما وجبت ~~على غيره، وكانت تكون علة قاصرة على محلها، كالنقدية في النقدين، وكذا إذا ~~اعتبرنا عين ذلك الشهر، أو عين تلك المرأة، ولو اعتبرنا وصف الأعرابية، أو ~~كون الموطوءة زوجة، لما وجبت الكفارة على عجمي، ولا على أعرابي وطئ أمة أو ~~أجنبية، فقد بان بهذا أن في تقليل الأوصاف تكثير الأحكام. # قوله: «وقد يختلف في بعض الأوصاف، نحو: هل العلة خصوص الجماع، أو عموم ~~الإفساد، فتلزم» يعني الكفارة «الآكل والشارب» ؟ . # PageV03P239 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # اعلم أن أوصاف العلة على ثلاثة ~~أقسام: # أحدها: ما اتفق على مناسبته للحكم كوقاع المكلف هاهنا. # الثاني: ما اتفق على طرديته وعدم مناسبته ككون الواطئ أعرابيا لزوجة في ~~ذلك الشهر. # الثالث: ما اختلف في مناسبته لتردده بين الطردي والمناسب، أو لكونه ~~مناسبا من وجه دون وجه، ككون الفعل إفسادا للصوم، وهو وصف عام، أو جماعا ~~وهو خاص. # ولهذا وقع النزاع بين الأئمة في وجوب الكفارة بالأكل والشرب في نهار ~~رمضان، فقال به أبو حنيفة ومالك، وخالف به الشافعي وأحمد، فقالوا، لا كفارة ~~إلا بخصوص الجماع. # حجة الأولين أن إفساد الصوم جناية على العبادة، فناسب وجوب الكفارة زجرا ~~وردعا، والجماع آلة للإفساد وسبب له فيلحق به الأكل والشرب، كما أن مناط ~~القصاص ; لما كان هو إزهاق النفس المحترمة، والسيف آلة له، لم يختص الحكم ~~به، بل تعدى إلى السكين والخنجر والرمح وسائر المحددات، وإلى المثقل كالحجر ~~ونحوه عند بعض الناس، كذلك هاهنا. # وقرر بعض المالكية ذلك بأن الكفارة إذا وجبت بالجماع، كان وجوبها بالأكل ~~والشرب أولى؛ لأنهما مادة الجماع وسببه المقوي عليه، ووسيلته المتوصل بها ~~إليه؛ إذ الجائع لا يستطيعه، والشبعان ينشط له، فكان إيجاب الكفارة بالأكل ~~والشرب من باب سد الذرائع وحسم مواد الفساد. # PageV03P240 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # حجة الآخرين أن الجماع اختص بما ~~يناسب اختصاصه بالكفارة من جهة أن النفس لا تنزجر عنه عند هيجان شهوته ~~بمجرد الوازع الديني، فاحتيج فيه إلى زيادة في الوازع، وهي الكفارة، بخلاف ~~الأكل والشرب في ذلك. فقد ثبت بذلك مناسبة خصوص الجماع لاختصاصه بوجوب ~~الكفارة، ms0866 فإلغاء هذه المناسبة لا يجوز. # قلت: ومما يقوي هذا أن أوصاف العلل في القياس المعقول كالأخبار في النص ~~المنقول. ثم إنه إذا اجتمع خبران عام وخاص ; قدم الخاص، فكذلك إذا اجتمع ~~معنا وصفان عام وخاص ; وجب أن يقدم الوصف الخاص، وهو الجماع هاهنا. وأيضا ~~فإن اعتبار خصوص الجماع موافق للأصل؛ إذ الأصل أن ما رتب عليه الحكم يكون ~~بمجموعه علة، فإلغاء بعض الأوصاف على خلاف الأصل. # وقد يعارض هذا بأن اعتبار خصوص الجماع تكثير لأوصاف العلة، وهو خلاف ~~الأصل. وبالجملة فالمسألة في محل الاجتهاد، وهي متجاذبة. # قوله: «ويسمى: تنقيح المناط» يعني هذا النوع وقد بينا ذلك. # قوله: «وقال به أكثر منكري القياس» ، أي: أكثر منكري القياس استعملوا هذا ~~النوع من الاجتهاد في العلة الشرعية، وهو تنقيح المناط، حتى إن أبا حنيفة - ~~رحمه الله تعالى - ينكر القياس في الكفارات، وقد استعمل تنقيح المناط فيها، ~~وسماه استدلالا، وإنما الممتنع عنده فيها تحقيق المناط وتخريجه كما سيأتي ~~بيانه إن شاء الله تعالى. # PageV03P241 # أو بتعليق حكم نص الشارع عليه، ولم يتعرض لعلته على ~~وصف بالاجتهاد، نحو: حرمت الخمر لإسكارها فالنبيذ حرام، والربا في البر؛ ~~لأنه مكيل جنس فالأرز مثله، ويسمى ### | : تخريج المناط، # وهو الاجتهاد القياسي، وأجاز أصحابنا التعبد به عقلا وشرعا، وبه قال عامة ~~الفقهاء والمتكلمين خلافا للظاهرية والنظام، وقد أومأ إليه أحمد، وحمل على ~~قياس خالف نصا، وقيل: هو في مظنة الجواز، ولا حكم للعقل فيه بإحالة ولا ~~إيجاب، وهو واجب شرعا، وهو قول بعض الشافعية وبعض المتكلمين. # وأما تخريج المناط، وهو النوع ~~الثالث من أنواع الاجتهاد في العلة الشرعية، فالتخريج: هو الاستخراج ~~والاستنباط، وهو إضافة حكم لم يتعرض الشرع لعلته إلى وصف مناسب في نظر ~~المجتهد بالسبر والتقسيم، وإليه الإشارة في «المختصر» بقوله: «أو بتعليق ~~حكم» ، أي: والاجتهاد في العلة إما ببيان القاعدة الكلية، أو بإضافة العلة ~~إلى بعض الأوصاف، «أو بتعليق حكم نص الشارع عليه، ولم يتعرض لعلته على وصف ~~بالاجتهاد، نحو: حرمت الخمر لإسكارها» ؛ لأنه الوصف المناسب لتحريمها، ~~«فالنبيذ حرام» ms0867 لوجود الإسكار فيه، وحرم «الربا في البر؛ لأنه مكيل جنس» أو ~~مطعوم جنس، «فالأرز مثله» لأنه كذلك، «ويسمى: تخريج المناط» ؛ لما ذكرنا من ~~أنه استخراج علة الحكم بالاجتهاد. # ومن أمثلته أيضا أن يقال: وجب العشر في البر لكونه قوتا، فتلحق به # PageV03P242 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الأقوات، أو لكونه نبات الأرض ~~وفائدتها فتلحق به الخضراوات وأنواع النبات. # وتحرير الكلام هاهنا أنا إذا رأينا الشارع قد نص على حكم ولم يتعرض ~~لعلته، قلنا: هذا حكم حادث لا بد له بحق الأصل من سبب حادث، فيجتهد المجتهد ~~في استخراج ذلك السبب من محل الحكم، فإذا ظفر بوصف مناسب له، واجتهد ولم ~~يجد غيره، غلب على ظنه أن ذلك الوصف هو سبب ذلك الحكم. # قال البزدوي في «المقترح» : مثاله: تعليل حرمان القاتل من الميراث ~~بمعارضته بنقيض مقصوده من تعجيل الإرث حتى يقيس عليه حيازة المبتوتة ~~لميراثها معارضة للمطلق بنقيض مقصوده. # فائدة: هذه الأنواع الثلاثة: تحقيق المناط، وتنقيحه، وتخريجه يشتبه بعضها ~~ببعض خصوصا على المبتدئ في النظر، فتحقيق الفرق بينهم مهم، وإن كان قد فهم ~~مما قررناه. # فتحقيق المناط: بيان وجود علة الأصل في الفرع، أو بيان وجود علة متفق ~~عليها في محل النزاع، كبيان وجود الطواف المتفق عليه في الهرة في الفأرة ~~ونحوها. # وتنقيح المناط: تعيين وصف للتعليل من أوصاف مذكورة، كتعيين وقاع المكلف ~~لإيجاب الكفارة من الأوصاف المذكورة في حديث الأعرابي. # وتخريج المناط: هو استخراج العلة من أوصاف غير مذكورة، كاستخراج الكيل من ~~حديث الربا دون الطعم والاقتيات وهي أوصاف الأصل. كذلك حكي عن الحسكفي في ~~«جدله» . # PageV03P243 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قلت: وفيه نظر، إذ لا يلزم في ~~تخريج المناط تعداد الأوصاف، بل قد لا يكون في محل الحكم إلا وصف واحد هو ~~العلة، فتستخرج بالاجتهاد، فالأولى أن يقال: هو استخراج العلة غير المذكورة ~~بالاجتهاد. # وقال الآمدي: تحقيق المناط: هو النظر في وجود العلة في آحاد الصور بعد ~~معرفتها في نفسها. # وتنقيح المناط: هو النظر في تعيين ما دل عليه النص على كونه علة من غير ~~تعيين، بحذف ما لا مدخل ms0868 له في الاعتبار من الأوصاف المقترنة به، كما ذكر في ~~قصة الأعرابي. # وتخريج المناط: هو النظر في إثبات علة حكم الأصل بالرأي والاجتهاد، ~~كالنظر في إثبات كون الشدة المطربة علة تحريم الخمر. # قال الشيخ رشيد الدين الحواري في «لباب القياس» : العلة في هذه المواضع ~~كل ما جعله الشرع أمارة معرفة لثبوت الحكم، ثم كونه معرفا في تحقيق المناط ~~يعرف بنص أو إجماع، وفي تنقيح المناط بالسبر والتقسيم، وفي تخريج المناط ~~بالاجتهاد. # وحكى القرافي: أن تنقيح المناط عند الغزالي هو إلغاء الفارق، نحو: لا ~~فارق بين الأمة والعبد في سراية العتق، ولا فرق بين الذكر والأنثى في مفهوم ~~الرق وتشطير الحد، فوجب استواؤهما فيه، وقد ورد النص بذلك في الإماء ونحو ~~ذلك. # قلت: لا بأس بتسمية إلغاء الفارق تنقيحا، إذ التنقيح هو التخليص ~~والتصفية، وبإلغاء الفارق يصفو الوصف، ويخلص للعلية، فلا يكون هذا قولا # PageV03P244 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ثانيا في تنقيح المناط، كما قال ~~القرافي، بل يكون إلغاء الفارق ضربا من تنقيح المناط. # قلت: فقد ذكرت لك جملة من كلام الفضلاء في هذا الباب بلفظه تارة، وبمعناه ~~أخرى، ومعنى ذلك كله متحد أو متقارب؛ لتقابل بين كلامهم ونتائج قرائحهم في ~~ذلك، فيتلخص لك المقصود إن شاء الله تعالى. # قوله: «وهو» يعني تخريج المناط هو «الاجتهاد القياسي» ، أي: القياس الذي ~~وقع الخلاف فيه، «وأجاز أصحابنا التعبد به عقلا وشرعا» ، أي: دل دليل العقل ~~على جواز التعبد به، «وبه قال عامة الفقهاء والمتكلمين، خلافا للظاهرية ~~والنظام، وقد أومأ إليه أحمد» ، أي: إلى مذهب النظام في إنكار القياس، ~~فقال: يجتنب المتكلم في الفقه هذين الأصلين المجمل والقياس، «وحمل» يعني ~~إنكار أحمد له «على قياس خالف نصا» ، أي: على ما إذا كان القياس مع وجود ~~النص مخالفا له؛ لأنه حينئذ يكون فاسد الاعتبار. كذلك تأوله القاضي، وهو ~~تأويل صحيح؛ لما سنذكره إن شاء الله تعالى في آخر المسألة. # وممن أنكر جواز التعبد بالقياس عقلا الشيعة مع النظام، ويحيى الإسكافي، ~~وجعفر بن مبشر، وجعفر بن حرب من المعتزلة. ذكره الآمدي، ms0869 قال الغزالي: وبعض ~~المعتزلة. # قلت: لعلهم هؤلاء. # «وقيل: هو» يعني القياس «في مظنة الجواز، ولا حكم للعقل فيه بإحالة ولا ~~إيجاب» ، أي: لا يوجب العقل التعبد به، ولا يحيله بل يجيز الأمرين. # PageV03P245 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «وهو» يعني التعبد بالقياس ~~«واجب شرعا» عندنا، وهو قول الشافعية وطائفة من المتكلمين. # قلت: قال الغزالي بعد حكاية ما حكاه من المذاهب في القياس: ففرق المبطلة ~~ثلاثة: المحيل له عقلا، والموجب له عقلا، والحاظر له شرعا. # قلت: النزاع في التعبد بالقياس إما عقلا، أو شرعا، وعلى كل واحد من ~~التقديرين، فإما أن يكون النزاع في جوازه، أو وجوبه، أو امتناعه، أو وقوعه، ~~فهي ثمانية أقوال قد ذهب إلى أكثرها ذاهبون، فممن أوجب ورود التعبد به ~~عقلا: القفال، وأبو الحسين البصري، وممن أحاله من سبق ذكره، وأجازه ~~الأكثرون عقلا وشرعا، ثم اختلفوا في وقوعه، فأثبته الأكثرون، ومنعه داود بن ~~علي الأصبهاني والقاشاني والنهرواني. # واختلف المثبتون لوقوعه، هل هو بدليل العقل أو السمع؟ وهل دليل السمع ~~قطعي؟ وهو مذهب الأكثرين، أو ظني؟ وهو قول أبي الحسين البصري والآمدي. # PageV03P246 # لنا: وجوه: # الأول: القياس يتضمن دفع ضرر مظنون، وهو واجب عقلا، فالقياس واجب عقلا، ~~والوجوب يستلزم الجواز. # أما الأولى: فلأنا إذا ظننا أن الحكم في محل النص معلل بكذا وظننا وجود ~~العلة في محل آخر، ظننا أن الحكم فيه كذا، فظننا بأننا إن اتبعناه سلمنا من ~~العقاب، وإن خالفناه عوقبنا، ففي اتباعه دفع ضرر مظنون. # وأما الثانية: فلقوله تعالى: {واتقوا النار} ونحوه. # الثاني: قوله تعالى: {قل يحييها الذي أنشأها} ، {ضرب لكم مثلا من أنفسكم} ~~ونحوه قياس في العقليات ففي الظنيات أجوز. # قوله: «لنا:» ، يعني على جواز ~~التعبد بالقياس عقلا ووقوعه شرعا، «وجوه» : # قوله: الوجه «الأول» : أن «القياس يتضمن دفع ضرر مظنون» ، ودفع الضرر ~~المظنون «واجب عقلا، فالقياس واجب عقلا، والوجوب يستلزم الجواز» ؛ لأن ~~الوجوب أخص من الجواز، فيلزم من وجوده وجود الأعم، والغرض من هذا أن الدليل ~~المذكور يدل على جواز القياس ووجوبه عقلا. # «أما الأولى» : يعني أما المقدمة الأولى من ms0870 مقدمتي هذا الدليل، وهي أن ~~«القياس يتضمن دفع ضرر مظنون» ، أي: يظن وقوعه ; «فلأنا إذا ظننا أن الحكم ~~في محل النص معلل بكذا» ، أي: بوصف ما ; «وظننا وجود العلة في # PageV03P247 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # محل آخر ; ظننا» ، أي: حصل لنا ~~الظن «بأن الحكم» في هذا المحل كالحكم في محل النص. # مثاله: إذا ظننا أن تحريم الخمر معلل بالإسكار، وظننا وجود الإسكار في ~~النبيذ، غلب على ظننا أن حكمه حكم الخمر في التحريم. وحينئذ يحصل لنا الظن ~~بأنا إن اتبعنا الظن الحاصل لنا من القياس باجتناب النبيذ مثلا، «سلمنا من ~~العقاب، وإن خالفناه» ، فشربنا النبيذ، «عوقبنا» ، فتحقق بهذا التقرير أن ~~في اتباع القياس «دفع ضرر مظنون» . # «وأما الثانية» : يعني المقدمة الثانية من مقدمتي الدليل، وهو أن دفع ~~الضرر المظنون واجب عقلا وشرعا. # أما عقلا، فلأن العاقل إذا غلب على ظنه بقرينة، أو بخبر ثقة أنه إن سلك ~~هذا الطريق، أكله السبع، أو أخذ اللصوص ماله ; وإن لم يسلكه أو سلك غيره، ~~سلم من ذلك، فالعقل يضطره إلى اجتناب ذلك الطريق المخوف. # وأما شرعا ; «فلقوله تعالى: {واتقوا النار التي أعدت للكافرين} [آل ~~عمران: 131] ، ونحوه» من الوعيد الشرعي، واتقاء النار إنما يحصل باجتناب ~~المعاصي مقطوعها ومظنونها. # الوجه «الثاني: قوله» - سبحانه وتعالى -: {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة ~~وهو بكل خلق عليم} [يس: 79] ، وقوله تعالى: {ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم ~~من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء} [الروم: 28] ~~الآية، ونحو ذلك مما سنذكره في أثناء هذا الدليل إن شاء الله # PageV03P248 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # تعالى، هو «قياس في العقليات» ~~القطعية، وهو إثبات التوحيد والمعاد، فثبوت القياس في السمعيات الظنية ~~«أجوز» ، أي: أولى بالجواز، والمقدمتان ظاهرتان. # واعلم أن الكفار عليهم لعنة الله أنكروا الشريعة، ومما أنكروه منها أصول ~~مهمة كبار، وهي وجود الصانع وتوحيده والمعاد، وحجهم الله تعالى في جميع ذلك ~~بالقياس العقلي. # أما الذين أنكروا وجود الصانع، وهم معطلة العرب وغيرهم، فاحتج الله - ~~سبحانه وتعالى - عليهم بحجج تضمنها قوله - عز وجل: {أم خلقوا من غير ms0871 شيء أم ~~هم الخالقون أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون} [الطور: 35 - 36] ، ~~وغير ذلك من آي القرآن، وفي هذه الآية حجتان: # إحداهما: أن هؤلاء الكفار المنكرين للصانع موجودون فلا يخلو إما أن ~~يكونوا قدماء لا أول لهم، أو محدثين، والأول باطل يعترفون ببطلانه، فإنهم ~~وجدوا بعد أن لم يكونوا، فتعين الثاني، وهو أنهم محدثون. وحينئذ فإما أن ~~يكونوا خلقوا من غير شيء، أي: من غير خالق أوجدهم، أو أنهم خلقوا أنفسهم، ~~أو أن خالقا غيرهم خلقهم، والأول باطل، إذ لا يعقل في الشاهد فعل لا فاعل ~~له، ولا محدث لا محدث له، والثاني باطل، إذ لا يصح ولا يعقل في الشاهد ولا ~~في غيره أن شيئا يوجد نفسه لاستلزام ذلك كونه موجودا معدوما في زمن واحد، ~~وهو محال، فتعين الثالث وهو أن خالقا غيرهم خلقهم، وهو الصانع القديم - ~~سبحانه وتعالى -، إذ لو لم يكن قديما، للزم الدور أو التسلسل بدليله ~~الكلامي. # PageV03P249 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الحجة الثانية: أن هؤلاء المنكرين ~~للصانع لم يخلقوا السماوات والأرض قطعا، وهم يعترفون بذلك أيضا، وحينئذ ~~فإما أن تكونا قديمتين، أو محدثتين، والأول باطل لقيام سمات الحدوث بهما من ~~الحركات، والسكنات، والألوان، والأكوان، وإلى ذلك أشار إبراهيم صلوات الله ~~وسلامه عليه بقوله: {لا أحب الآفلين} [الأنعام: 76] . وإذا ثبت أن السماوات ~~والأرض محدثتان ; فإما أن يكونا خلقتا من غير خالق، أو خلقتا أنفسهما، أو ~~خلقهما غيرهما، والأول والثاني باطل بما سبق، فتعين الثالث كما مر، وليس ~~هؤلاء هم الذين قيل في حقهم: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن ~~الله} [لقمان: 25] ؛ لأن هؤلاء مثبتة للصانع، لكنهم يشركون، والذين نحن في ~~تقرير الحجة عليهم معطلة، وكلا الطائفتين كانتا في العرب على ما حكاه ~~الشهرستاني في «الملل والنحل» وعلى هؤلاء وغيرهم حجج كثيرة في القرآن يطول ~~استيفاؤها. # وأما الذين أنكروا التوحيد ; فمنهم من ادعى الشريك، ومنهم من ادعى الولد. # فأما الذين اعتقدوا الشريك، فاحتج الله تعالى عليهم بوجوه: # أحدها: دليل التمانع، وقد ذكره الله تعالى في آيتين: إحداهما: قوله ~~تعالى: {لو ms0872 كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22] . الثانية: ~~قوله تعالى: {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما ~~خلق ولعلا بعضهم على بعض} [المؤمنون: 91] . # PageV03P250 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وتقرير الدليل من وجهين: # أحدهما: أنه لو كان مع الله تعالى إله غيره، لقضت العادة في الشاهد أن ~~يقتتلا أو يختلفا على عادات الملوك إذا تنازعوا الملك، فكان يفسد العالم ~~باختلافهما. # الثاني: لو كان ثم إله آخر، لكان خالقا لبعض العالم، فكان كل واحد من ~~الإلهين ينحاز بمخلوقه، ثم يطلب أحدهما العلو على الآخر، وكان ذلك يظهر ~~للأبصار أو البصائر، لكن لم يكن شيء من ذلك، فدل على بطلان الدعوى. # وثم وجه ثالث، لكنه ليس من باب قياس الشاهد، بل من باب اجتماع الضدين، ~~وهو أنه لو كان ثم إله آخر، لكان كل واحد منهما كامل القدرة والإرادة، وإلا ~~لم يكن إلها. وحينئذ فلو قدر أن أحدهما أراد تسكين جسم، والآخر تحريكه، أو ~~أراد أحدهما إعدامه، والآخر إيجاده، فإن لم يتم مرادهما جميعا، فهما ~~عاجزان، وليس أحدهما بإله، وإن تم مرادهما جميعا، لزم اجتماع النقيضين، وإن ~~تم مراد أحدهما، فهو الإله، والعاجز عن تمام مراده ليس بإله. # الوجه الثاني: من الاحتجاج على منكري التوحيد قوله - سبحانه وتعالى: # {قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا} ~~[الإسراء: 42] ; ردا لزعم الكفار في قولهم: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى ~~الله زلفى} [الزمر: 3] ، وعلى هذا التقدير يكون هذا الوجه مغايرا لما قبله ~~من كل وجه. # PageV03P251 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الوجه الثالث: من الاحتجاج على ~~معتقدي الشريك قوله - سبحانه وتعالى -: {ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ~~ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم} كخيفتكم ~~أنفسكم [الروم: 28] . وتقرير الدليل من الآية، كما أنه ليس لكم من عبيدكم ~~شركاء في أموالكم وأملاككم ; كذلك يجب أن لا يكون لله - سبحانه وتعالى - ~~شركاء من خلقه، وكيف ترضون لله - سبحانه وتعالى - بما تأنفون منه لأنفسكم. ~~فهذه أدلة نفي الشريك التي اخترنا ms0873 ذكرها، وفي القرآن غيرها. # وأما الذين ادعوا الولد، فاحتج عليهم - سبحانه وتعالى - بآيات: منها قوله ~~- عز وجل: {ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون وإذا بشر أحدهم ~~بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به} [النحل: ~~57 - 59] ، ومنها قوله تعالى: {أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين وإذا ~~بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا} إلى قوله تعالى: {أومن ينشأ في الحلية وهو ~~في الخصام غير مبين} [الزخرف: 16 - 18] ، ومنها قوله - عز وجل -: {أصطفى ~~البنات على البنين} {ما لكم كيف تحكمون} [الصافات: 153 - 154] ، {أم له ~~البنات ولكم البنون} [الطور: 39] ، {ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ~~ضيزى} [النجم: 21 - 22] . # وتقرير الدليل من هذه الآيات ونحوها: أنكم أيها الكفار تستحيون من حصول ~~البنات لكم، حتى أن أحدكم إذا بشر بأنه قد ولد له بنت اربد وجهه، ونكس ~~رأسه، وحزن، وخجل، وذهب فوأدها، أي: دفنها حية لئلا يلحقه العار ببقائها، ~~فكيف ترضون لله - عز وجل - ما تكرهونه لأنفسكم هذه الكراهة؟ وهل هذا إلا من ~~المستقبحات الضرورية في الشاهد، إذ هو من باب قول الشاعر: # PageV03P252 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار ~~عليك إذا فعلت عظيم # وأيضا فإن أحدكم يستقبح أن يخاصم عدوه بجبان ألكن عري عن البيان، فكيف ~~ترضون إثبات من له هذه الصفات لله تعالى! وإليه الإشارة بقوله - عز وجل: ~~{أومن ينشأ في الحلية} الآية. وأيضا فإن اختياركم لأنفسكم ذكور الولد، ولله ~~- سبحانه وتعالى - إناثهم قسمة ضيزى، أي: جائرة، والقسمة الجائرة قبيحة ~~عقلا وشاهدا، فكيف ترضونها لأنفسكم! . # وأما الذين أنكروا المعاد، فاحتج الله - سبحانه وتعالى - عليهم بطرق من ~~القياس العقلي: # أحدهما: قياس إعادة الخلق على ابتدائه بجامع إمكان ذلك، وقدرته تعالى على ~~جميع الممكنات، وذكر الله تعالى ذلك في آيات: # منها: قوله - عز وجل: {أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة} إلى قوله - ~~عز وجل: {قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة} [يس: ~~77 - 79] . ومنها: قوله تعالى: {وهو الذي يبدأ الخلق ms0874 ثم يعيده وهو أهون ~~عليه} [الروم: 27] ، أي: بالنسبة إلى المخلوقين الذين تتفاوت الممكنات ~~عندهم سهولة وصعوبة. ومنها: قوله تعالى: {أمن يبدأ الخلق ثم يعيده} [النمل: ~~64] . ومنها قوله تعالى: {كما بدأنا أول خلق نعيده} [الأنبياء: 104] ، {كما ~~بدأكم تعودون} [الأعراف: 29] ومنها: قوله تعالى: # PageV03P253 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # {أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه} ~~{بلى قادرين على أن نسوي بنانه} [القيامة: 3 - 4] ، ثم برهن على هذه الدعوى ~~في آخر السورة بقوله - عز وجل: {أيحسب الإنسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من ~~مني يمنى} إلى قوله - عز وجل: {أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى} ~~[القيامة: 40] . # ووجه كون الإعادة أهون من الإبداء: هو أن الإعادة مبنية على الإبداء؛ لأن ~~المعاد له أصل في الوجود والحياة، والإبداء ليس مبنيا إلا على مجرد القدرة ~~الباهرة لا على سبب سابق. # ومن هذا الباب زعم بعضهم أن معجز موسى أعظم من معجز عيسى عليهما السلام؛ ~~لأن الموتى لهم أصل في الحياة سابق، والعصا ليست كذلك. # الطريق الثاني: من طرق القياس العقلي في إثبات المعاد قوله - سبحانه ~~وتعالى: {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى} ~~[يس: 81] ، يعني مثل الكفار، أي: يعيدهم إلى مثل حالهم الأولى في الابتداء ~~بدليل قوله - سبحانه وتعالى - في الآية الأخرى: {أولم يروا أن الله الذي ~~خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على ~~كل شيء قدير} [الأحقاف: 33] . فهذا قياس لإحياء الموتى على خلق السماوات ~~والأرض بجامع عظمة الفعلين في العقول أو إمكانهما في المعقول، وهذا الطريق ~~والذي قبله من باب قياس التنبيه، وهو أن يكون الحكم في الفرع أجلى وأظهر ~~منه في الأصل، كقوله - عز وجل: {فلا تقل لهما أف} [الإسراء: 23] ، إذ كان ~~تحريم الضرب أظهر من تحريم التأفيف، فكذلك الإعادة أيسر من الإبداء، وإحياء ~~الموتى أيسر من خلق # PageV03P254 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # السماوات والأرض بدليل قوله - ~~سبحانه وتعالى: {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس} [غافر: 57] ~~ابتداء كان على خلقهم إعادة أقدر، فانظر إلى هذا التقدير ما أبينه وأظهره. # الطريق الثالث من ms0875 طرق القياس العقلي في إثبات المعاد: قياس إخراج الموتى ~~من الأرض أحياء على إخراج الحب الميت من الأرض حيا، أو نقول: قياس إعادة ~~الموتى بعد تلاشيهم واستهلاكهم على إعادة الحب بعد تلاشيه واستهلاكه، وذكر ~~الله - سبحانه وتعالى - ذلك في مواضع كثيرة من القرآن: منها في الأعراف: ~~{وهو الذي يرسل الرياح} إلى قوله - عز وجل: {كذلك نخرج الموتى لعلكم ~~تذكرون} [الأعراف: 57] ، وفي سورة ق: {أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد} ~~إلى قوله - سبحانه وتعالى: {أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها} إلى ~~قوله - عز وجل: {ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد} ~~إلى قوله - عز وجل: {وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج} [ق: 3 - 11] ، وفي ~~سورة الحج: {يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب} ~~إلى قوله - عز وجل: {وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ~~وأنبتت من كل زوج بهيج ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل ~~شيء قدير} [الحج: 5 - 6] ، فتضمنت هذه الآية قياس الإعادة على ابتداء ~~الخلق، وعلى إحياء الأرض بالنبات. وفي سورة حم السجدة: {ومن آياته أنك ترى ~~الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي ~~الموتى} [فصلت: 39] ، وفي الم السجدة: {أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض ~~الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون} [السجدة: 27] ، ~~فقرر الأصل، ثم نبه # PageV03P255 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # على إلحاق الفرع به بقوله تعالى: ~~{ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين} [السجدة: 28] ، يعني فتح المؤمنين ~~ونصرهم على الكفار في القيامة، وذلك مستلزم للمعاد، وفي أول سورة الروم: ~~{فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون} إلى قوله تعالى: {ويحيي الأرض بعد ~~موتها وكذلك تخرجون} [الروم: 17 - 19] ، وفي آخرها: {الله الذي يرسل الرياح ~~فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء} إلى قوله تعالى: {فانظر إلى آثار ~~رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى} [الروم: 48 - 50] ~~، وفي سورة فاطر: {والله الذي أرسل الرياح ms0876 فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت ~~فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور} [فاطر: 9] . # وقد تضمن هذا الطريق نوعين من القياس: # أحدهما: قياس شبهي، وهو قياس إحياء الأبدان بالأرواح على إحياء الأرض ~~بخضرتها وزهرتها بعد يبسها ومحولها، والجامع بينهما أن الخضرة والنضارة ~~للأرض تشبه الروح للجسد، وهذا جامع شبهي لا شك فيه، وهو مجازي أيضا؛ لأن ~~الموت حقيقة في الأجسام الحيوانية أو في الذوات الحية، واستعماله في الأرض ~~والبلد نحو قولنا: أرض ميتة وبلد ميت، مجاز لما ذكرنا. # النوع الثاني: القياس في معنى الأصل، وهو قياس جمع الأجسام بعد استهلاكها ~~في الأرض، وإحيائها بإعادة الأرواح فيها على جمع أجزاء الحب بعد استهلاكه ~~في الأرض، وإحيائه بإعادة النبات فيه. # واعلم أن الحب إذا صار في الأرض لا يتلاشى بحيث يصير عدما محضا، # PageV03P256 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بل ذاته باقية، لكنها اختلطت ~~بأجزاء الأرض حتى عاد بحيث يتعذر في العادة جمعه على القوة البشرية، ثم ~~يعرض له بعد ذلك عفن وفساد مزاج، فإذا أصابه الماء وحرارة الأرض العارضة، ~~تهيأ للنبات والصلاح بقدرة فالق الإصباح. # أما الأجسام الحيوانية، فاختلف فيها بناء على الخلاف في الجوهر الفرد، ~~وهو الجزء الذي لا يتجزأ، فمن نفاه زعم أن الأجسام تتلاشى، وتصير عدما محضا ~~ونفيا صرفا، ومن أثبته وهو قول الأكثرين قال: إن الأجسام تنحل إلى الجواهر ~~المفردة، ثم عند البعث تلتئم الأجزاء بعضها إلى بعض، ثم تعود أجساما كما ~~كانت، وهذا هو الصحيح المختار، حتى سمعت بعض مشايخنا يحكي عن بعض مشايخه ~~أنه كان يقول: إن ثبت القول بالجوهر الفرد، أمكن القول بالمعاد وبعث ~~الأجساد، وإلا فلا. # قلت: فبهذا يتحقق أن هذا القياس في معنى الأصل؛ لأن الجسد يفسد مزاجه، ~~وتتفرق أجزاؤه في الأرض، ثم يعود حيا حياته التي تليق به، وهو مستعد لها، ~~كما أن الحبة في الأرض يفسد مزاجها، وتتفرق أجزاؤها، ثم تعود حية حياتها ~~التي تليق بها، وهي مستعدة لها. # وبالجملة فغالب ما احتج الله - سبحانه وتعالى - به على خلقه، والأنبياء ~~عليهم السلام على أممهم بالبراهين الجلية ms0877 والأقيسة العقلية، وذلك في أصول ~~الديانات التي الخطأ فيها كفر، فكيف يمتنع القياس في الفروع # PageV03P257 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # التي المخطئ فيها مأجور! . # ومن نظر فيما نبهت عليه من الأقيسة العقلية في هذه المسائل المذكورة، ثم ~~أنكر القياس ; فهو إما جاهل أو معاند. # PageV03P258 # الثالث: القياس اعتبار، والاعتبار مأمور به، فالقياس ~~مأمور به. # أما الأولى، فلغوية كما سبق. # وأما الثانية، فلقوله تعالى: اعتبروا مع قطع النظر عما في سياقه. # الرابع: «قوله - صلى الله عليه وسلم -» لعمر - رضي الله عنه - لما قال ~~له: إن قبلت وأنا صائم: أرأيت لو تمضمضت، أرأيت لو كان على أبيك دين، لو ~~كان على أحدكم دين فقضاه بالدرهم والدرهمين أكان يجزئ عنه؟ قالوا: نعم، ~~قال: فالله أكرم، وأجمع الصحابة على العمل به في الوقائع كتقديمهم أبا بكر ~~في الإمامة العظمى قياسا على تقديمه في الصغرى، وقياسه الزكاة على الصلاة ~~في قتال الممتنع منها، وتقديمهم عمر قياسا لعهد أبي بكر إليه على عقدهم ~~إمامة أبي بكر في قضايا كثيرة، وإجماعهم حجة، لا يقال: هذه الأخبار آحاد لا ~~يثبت بها أصل؛ لأنا نقول: هي تواتر معنوي كسخاء حاتم، وشجاعة علي. # الوجه «الثالث» من أدلة القياس ~~المذكورة في «المختصر» : أن «القياس اعتبار، والاعتبار مأمور به، فالقياس ~~مأمور به» . # «أما» المقدمة «الأولى» ، وهي أن القياس اعتبار فهي «لغوية» ، أي: طريق ~~معرفتها اللغة «كما سبق» في أول الكلام على القياس، وأنه التقدير ~~والاعتبار، وأيضا فإن الاعتبار مشتق من العبور، وهو المجاوزة، ومنه المعبر؛ ~~لأنه يجاوز بالناس من أحد جانبي البحر إلى الآخر، وعابر المنام؛ لأنه يعبر ~~حال المنام إلى ما يشبهه في اليقظة، وكذلك القياس يجاوز بحكم المنصوص إلى ~~غيره، ويعبر منه إليه، فكان القياس اعتبارا بحكم الاشتقاق. # PageV03P259 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # «وأما» المقدمة «الثانية» وهي أن ~~الاعتبار مأمور به فلقوله تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} [الحشر: 2] ، ~~أمر بالاعتبار، والأمر للوجوب، فيكون الاعتبار الذي منه القياس واجبا. # قوله: «مع قطع النظر عما في سياقه» . هذا دفع لسؤال مقدر، وهو أن يقال: ~~إن قوله تعالى: {فاعتبروا} هو في سياق قوله - عز ms0878 وجل - في وصف الكفار، وهم ~~قريظة والنضير: {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول ~~الحشر} إلى قوله تعالى: {فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم ~~الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار} ~~[الحشر: 2] ، ولا معنى لقول القائل: يخربون بيوتهم، فقيسوا الأرز على البر ~~في تحريم التفاضل. # ووجه دفع السؤال أن يقال: احتجاجنا بالأمر بالاعتبار مع قطع النظر عما في ~~سياقه من تخريب الديار، وهذا جواب دافع للسؤال المذكور. # لكن هناك سؤال آخر يفسد الاستدلال بالآية، وتقريره: أن الأمر بالاعتبار ~~في الآية فعل في سياق الإثبات، والفعل في سياق الإثبات مطلق لا عموم فيه، ~~فالتقدير: اعتبروا اعتبارا ما، وذلك يحصل بفرد من أفراد الاعتبار، ولا ~~يتعين القياس، وإنما يصح الاستدلال بها لو كانت عامة ليندرج فيها محل ~~النزاع، وليس الأمر كذلك، وغالب الأصوليين خصوصا المتأخرين يحتجون بالآية ~~على إثبات القياس، وعليها من الإشكال ما قد رأيت. # الوجه «الرابع: قوله» - عليه السلام -: أرأيت لو تمضمضت؟ ، أرأيت # PageV03P260 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لو كان على أبيك دين. . إلى آخره. # تقرير هذا الوجه أن سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وإجماع الصحابة - ~~رضي الله عنهم - بعده دل على العمل بالقياس، فروي أن عمر بن الخطاب - رضي ~~الله عنه - قال: يا رسول الله، هلكت، قال: وما ذاك؟ قال: قبلت وأنا صائم، ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا جناح أو لا بأس عليك، أرأيت لو ~~تمضمضت أكنت تفطر؟ قال: لا، قال: فمه. وهذا قياس لعدم الإفطار بالقبلة على ~~عدم الإفطار بالمضمضة بجامع عدم حصول المؤثر في الصوم من الفعلين، وذلك لأن ~~مقصود القبلة المؤثر في الصوم هو خروج الخارج، وهو المني، كما أن المؤثر في ~~المضمضة هو ولوج الوالج، وهو الماء، وكلاهما لم يحصل. # وكذلك لما قالت المرأة: يا رسول الله، إن أبي أدركته فريضة الحج شيخا ~~كبيرا لا يستمسك على الراحلة، أفيجزئه أن أحج عنه؟ قال: نعم، أرأيت لو كان ~~على أبيك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم، قال: فدين الله ms0879 أحق بالقضاء. # وروى سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: ~~جاءت امرأة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن أختي ماتت وعليها ~~صوم شهرين متتابعين، قال: أرأيت لو كان على أختك دين أكنت تقضينه؟ قالت: ~~نعم، قال: فالله أحق متفق عليه، وصححه الترمذي، وهذا قياس لدين الله تعالى ~~على دين الآدمي في وجوب القضاء. # وكذلك يروى أن الصحابة - رضي الله عنهم - قالوا: يا رسول الله، يكون # PageV03P261 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # على أحدنا الأيام من رمضان، ~~أفيجزئه أن يصومها متفرقة؟ قال: أرأيتم لو كان على أحدكم دين، فقضاه ~~بالدرهم والدرهمين، أكان يجزئ عنه؟ قالوا: نعم، قال: فالله أكرم يعني ~~بالمسامحة والتخفيف، وهذا قياس لحق الله تعالى على حق الآدمي في إجزائه ~~متفرقا. # «وأجمع الصحابة على العمل به» ، أي: بالقياس «في الوقائع كتقديمهم أبا ~~بكر في الإمامة العظمى قياسا على تقديمه في الصغرى» ، حيث قدمه النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في المحراب، فصلى بهم في مرضه، فقالوا: رضيك رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - لديننا، أفلا نرضاك لدنيانا؟ ! # فإن قيل: لا نسلم أن تقديمه في الخلافة كان بالقياس على تقديمه في ~~الصلاة، بل بالنص، وهو قوله - عليه السلام: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر # PageV03P262 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وعمر، وقوله للمرأة التي قالت له: ~~إن جئت فلم أجدك يا رسول الله؟ قال: فائتي أبا بكر، فهذا نص على إمامته، ~~ولا حاجة بنا إلى القياس. # قلنا: الجواب من وجهين: # أحدهما: أنه صح عن عمر - رضي الله عنه - أنه لما طعن، قيل له: استخلف، ~~فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يستخلف. فلو كان لهذه ~~الأحاديث أصل أو ثبوت، لما خفيت عن عمر - رضي الله عنه - في العادة مع كثرة ~~ملازمته رسول الله - صلى الله عليه وسلم، وحرصه على العلم. ولما استجاز أن ~~يقول: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يستخلف، مع وجود النص على ~~زعمكم، ولو سلمنا خفاء ذلك عن عمر - رضي الله عنه، لكن خفاؤه عن الصحابة ~~ممتنع عادة، وقد ms0880 كانت دواعيهم متوفرة على استخلاف عمر عليهم، فلو ثبت النص، ~~لعرفوه، ثم لصاروا إليه. # الوجه الثاني: سلمنا صحة الحديثين، لكن لا دليل فيهما على الإمامة. # أما الأول، فلأن قوله - عليه السلام: اقتدوا باللذين من بعدي أمر في سياق ~~الإثبات، فهو مطلق لا عموم له، فلا يتعين للإمامة، وقد حصل الوفاء بمطلق ~~الحديث باقتدائهم بهما في الفتاوى والآراء في الحروب وغيرها، ولعل هذا هو ~~كان المراد بالقدوة، ولو أراد الاقتداء في الإمامة، لصرح به، وإلا كان ~~إيهاما وتلبيسا وتعريضا للأمة بعد للخلاف والاضطراب وفساد الاعتقاد فيمن ~~يكون الخليفة. # PageV03P263 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وأما الحديث الثاني ; فقوله: ائتي ~~أبا بكر فليس نصا في الخلافة، ولو سلمنا أنه نص، لكنه خبر لا إنشاء تولية، ~~ولا أمر بها، وقد يخبر الإنسان بما لا يرضاه ولا يأمر به، ومن الجائز أنه - ~~عليه السلام - كشف له بوحي أو إلهام أن الخليفة بعده أبو بكر وعمر - رضي ~~الله عنهما - بحكم المقدور السابق، ولم يوص بالتغيير عليهما بذلك، ولا يلزم ~~من ذلك رضاه، كما أنه كشف له في حياته عن قتل الحسين وموت الحسن مسموما ~~ونحو ذلك، ولم يدل على رضاه، وأيضا فلو صح هذا الحديث ونحوه ودل على إمامة ~~أبي بكر - رضي الله عنه، لما عدل عنه يوم السقيفة إلى الأدلة العامة، نحو ~~قوله: «الأئمة من قريش» وشبه ذلك مما احتج به، بل كان صدعهم بالنص الجلي، ~~وإذا ثبت أنه لا نص على إمامته، فما ثبت إلا بالقياس. # ومن ذلك قياس أبي بكر - رضي الله عنه «الزكاة على الصلاة في قتال الممتنع ~~منها» بجامع كونهما عبادتين من أركان الإسلام حيث قال: لأقتلن من فرق بين ~~الصلاة والزكاة، وكذلك «تقديمهم عمر» - رضي الله عنه - للإمامة بعهد أبي ~~بكر «قياسا لعهد أبي بكر - رضي الله عنه - إليه على عقدهم إمامة أبي بكر - ~~رضي الله عنه - في قضايا كثيرة» مشهورة استعملوا فيها # PageV03P264 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # القياس، «لا يقال: هذه الأخبار ~~آحاد لا يثبت بها» مثل هذا الأصل الكبير، «لأنا نقول: هي» وإن كانت آحادا ~~بالنظر إلى أفرادها، ms0881 فهي بالنظر إلى مجموعها «تواتر معنوي، كسخاء حاتم، ~~وشجاعة علي» ، كما تقرر في باب الإجماع في مثل هذا. # PageV03P265 # الخامس: لولا القياس لخلت حوادث كثيرة عن حكم لكثرتها ~~وقلة النصوص، لا يقال: يمكن النص على المقدمات الكلية، وتستخرج الجزئية ~~بتحقيق المناط. نحو: كل مطعوم ربوي، ثم ينظر: هل هذا مطعوم أو لا؟ لأنا ~~نقول: مجرد الجواز لا يكفي والوقوع منتف، إذ أكثر الحوادث لم ينص على ~~مقدماتها، فاقتضى العقل طريقا لتعميم الحوادث بالأحكام، وهي ما ذكرنا. # السادس: قول معاذ: أجتهد رأيي، فصوب لا يقال: رواته مجهولون، ثم المراد ~~تنقيح المناط؛ لأنا نقول: روي من طريق جيد وتلقي بالقبول، والاجتهاد أعم ~~مما ذكرتم. # الوجه «الخامس: لولا القياس، لخلت ~~حوادث كثيرة عن» أحكام؛ لكثرة الحوادث، «وقلة النصوص» ، فلا يوجد في كل ~~حادثة نص يخصها، ويبين حكمها، فاحتيج إلى إلحاق غير المنصوص عليه بالمنصوص ~~عليه بطريق ظني أو قطعي صيانة لبعض الوقائع عن التعطيل عن حكم شرعي، «لا ~~يقال: يمكن النص على المقدمات الكلية، وتستخرج» منها الأحكام «الجزئية ~~بتحقيق المناط» كما سبق في النوع الأول منه، «نحو» قولنا: «كل مطعوم ربوي، ~~ثم ينظر هل هذا» الأرز والذرة «مطعوم» فيثبت الحكم فيه، أو لا فلا، ونحو: ~~قدر الكفاية واجب، ثم ينظر هل هذا الرطل قدر الكفاية أم لا؟ # PageV03P266 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # «لأنا نقول» في جواب هذا السؤال: ~~«مجرد» جواز ذلك، أعني النص على القواعد الكلية «لا يكفي» في إثباته، ~~ووقوعه منتف، «إذ أكثر الحوادث» والوقائع «لم ينص على مقدماتها» ، والجواز ~~لا يستلزم الوقوع، وحينئذ اقتضى العقل وحكمة الشرع وضع طريق «لتعميم ~~الحوادث بالأحكام. وهي ما ذكرنا» من القياس. # الوجه «السادس: قول معاذ - رضي الله عنه: أجتهد رأيي، فصوب» . # هذا إشارة إلى الاستدلال بحديث معاذ وهو ما روى شعبة عن أبي عون الثقفي، ~~عن الحارث بن عمرو وهو ابن أخي المغيرة بن شعبة عن رجال من أصحاب معاذ - ~~رضي الله عنه -، وفي رواية عن أناس من أهل حمص عن معاذ أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بعث معاذا ms0882 إلى اليمن، فقال: كيف تقضي؟ قال: أقضي بما في ~~كتاب الله قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن ~~لم يكن في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي، قال: الحمد لله الذي وفق رسول ~~رسول الله. رواه أبو داود والترمذي، وقال: لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس ~~هو عندي بمتصل. # ووجه الاستدلال به أن معاذا - رضي الله عنه - ذكر أنه يحكم بالقياس، ~~فصوبه النبي - صلى الله عليه وسلم -، أي: أخبر بتصويبه وتوفيقه في ذلك، ~~والنبي - عليه السلام - لا يصوب إلا صوابا، ولا يقر إلا على حق. # قوله: «لا يقال» ، هذا اعتراض على الحديث بوجهين: # أحدهما: أن «رواته مجهولون» ، وهم رجال من أصحاب معاذ، أو أناس من أهل ~~حمص، ورواية المجهول اختلف في العمل بها في جزئيات الفروع، # PageV03P267 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فكيف يعمل بها في إثبات هذا الأصل ~~العظيم والقاعدة الكلية من قواعد الدين؟ # الوجه الثاني: أنه لو ثبت، لم يكن فيه دلالة على استعمال القياس؛ لأنه لم ~~يصرح بلفظه، وإنما أتى بلفظ الاجتهاد، فقال: أجتهد رأيي، و «المراد» به ~~«تنقيح المناط» كما سبق بيانه. # قوله: «لأنا نقول» ، أي: الجواب عما ذكرتم: # أما عن الوجه الأول، فلأنا نقول: قد «روي من طريق جيد» ، وهو من طريق ~~عبادة بن نسي، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ، فزالت الجهالة عنه، ولو ~~سلمنا أنه لم يرو من غير طريقه المجهول، لكن غايته أن يكون مرسلا، لكن ~~تلقته الأمة بالقبول، فلا يضره الإرسال. # وأما عن الوجه الثاني: فنقول: لا يصح حمل اجتهاده رأيه على تنقيح المناط ~~من وجهين: # أحدهما: أن الاجتهاد أعم من تنقيح المناط، فحمله عليه تخصيص يحتاج إلى ~~دليل. # الثاني: أن تنقيح المناط يستدعي أن يكون هناك نص يتنقح المناط فيه كما ~~ذكر في حديث الأعرابي، ومعاذ - رضي الله عنه - أخبر أنه يجتهد فيما ليس فيه ~~نص كتاب ولا سنة. # واعلم أن هذا جواب قوي متين، فإن ساعده ثبوت الحديث وصحته، نهض بالدلالة ~~وإلا فلا. # PageV03P268 # قالوا: {ما فرطنا في ms0883 الكتاب من شيء} ، {تبيانا لكل ~~شيء} فالحاجة إلى القياس رد له، {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} ، {فردوه ~~إلى الله والرسول} ولم يقل: الرأي. # قلنا: المراد تمهيد طرق الاعتبار، والقياس منها؛ للإجماع على أنه لم يصرح ~~بأحكام جميع الجزئيات، وقولكم: ما ليس فيه يبقى على النفي الأصلي يناقض ~~استدلالكم بالعموم، ثم المراد بالكتاب: اللوح المحفوظ، فلا حجة فيها أصلا. ~~والحكم بالقياس رد إلى الله والرسول، إذ عنهما تلقينا دليله. # قالوا: براءة الذمة معلومة فكيف ترفع بالدليل المظنون؟ قلنا: لازم في ~~العموم، وخبر الواحد، والشهادة. # قالوا: شأن شرعنا الفرق بين المتماثلات وعكسه، نحو غسل بول الجارية دون ~~بول الغلام، والغسل من المني والحيض، دون المذي والبول، وإيجاب أربعة في ~~الزنى دون القتل، ونحوه كثير ; ومعتمد القياس الانتظام. # قلنا: لا نقيس إلا حيث يفهم المعنى، والخلاف في فهم المعنى مسألة أخرى. # قوله: «قالوا: {ما فرطنا في الكتاب ~~من شيء} » هذه ### | حجج منكري القياس # نذكرها، وأجوبتها: # أحدها: أنهم قالوا: إثبات الحكم بالقياس مراغمة للقرآن ورد له، لأن الله ~~- سبحانه وتعالى - يقول: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} [الأنعام: 38] ، ~~{ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} [النحل: 89] ، وذلك يقتضي أن في # PageV03P269 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الكتاب كفاية وغناء عن القياس، ~~وإثبات «الحاجة إلى القياس رد» لذلك. وقال تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل ~~الله} [المائدة: 49] ، {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} ~~[النساء: 59] ، «ولم يقل» : احكم بينهم بالرأي، ولا ردوه إلى «الرأي» . # قوله: «قلنا» : هذا جواب الدليل المذكور، وتقريره أن «المراد» بقوله - عز ~~وجل: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} [الأنعام: 38] ، و {تبيانا لكل شيء} ~~[النحل: 89] من حيث الإجمال «تمهيد طرق الاعتبار» الكلية، «والقياس» من تلك ~~الطرق؛ لأن الكتاب دل على الإجماع والسنة بما سبق في الإجماع، وبقوله - ~~سبحانه وتعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه} [الحشر: 7] ، وإجماع الصحابة فمن ~~بعدهم، وسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - دلا على القياس، وإنما قلنا ذلك ~~«للإجماع» منا ومن الخصم على أن الكتاب لم يصرح فيه «بأحكام جميع الجزئيات» ~~على جهة التفصيل والتعيين، ms0884 فوجب حمل البيان الكلي فيه على ما ذكرناه من ~~تمهيد طرق الاعتبار الكلية، وإلا فأين في الكتاب مسألة الجد مع الإخوة، ~~ومسألة العول، ومسألة الأكدرية وغيرها من مسائل الفرائض، وأين فيه مسألة ~~المبتوتة والمفوضة، ونحوها، وفي جميع ذلك # PageV03P270 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لله تعالى حكم شرعي، ثم إنكم أنتم ~~قد حرمتم القياس، ولا نص في الكتاب بتحريمه، وإنما استخرجتموه من أدلة كلية ~~عامة على زعمكم. # قوله: «وقولكم: ما ليس فيه يبقى على النفي الأصلي يناقض استدلالكم ~~بالعموم» هذا إبطال لعذر لهم يعتذرون به عن دليلنا الخامس الذي سبق تقريره، ~~ولم نذكر هذا العذر في «المختصر» نصا، لكني نبهت عليه هاهنا بذكر جوابه. # وتقرير ذلك أن منكري القياس لما قيل لهم: لولا القياس، لتعطلت حوادث ~~كثيرة عن أحكام؛ لعدم وفاء النصوص القليلة بالحوادث الكثيرة ; أجابوا بما ~~سبق عند تقرير هذا الدليل، وبعذر آخر، وهو المشار إليه هاهنا، وهو أن ~~قالوا: لا نسلم تعطل شيء من الحوادث عن الأحكام، بل ما ليس منصوصا على حكمه ~~في الكتاب والسنة يبقى على النفي الأصلي أي: لا حكم له؛ لأن الأصل عدم ~~الأحكام. # وجوابه ما ذكرناه، وهو أن هذا الاعتذار يناقض استدلالكم بعموم قوله - ~~سبحانه وتعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} ، {تبيانا لكل شيء} ؛ لأن ذلك ~~بمقتضى استدلالكم يوجب أن لا حادثة إلا ولها في الكتاب حكم، فقولكم بعد ~~هذا: «ما ليس فيه يبقى على النفي الأصلي» إثبات؛ لأن من الحوادث ما لا حكم ~~له في الكتاب، وذلك عين التناقض. # قوله: «ثم المراد بالكتاب» ، يعني في قوله تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من ~~شيء} : «اللوح المحفوظ، فلا حجة فيها» على محل النزاع «أصلا» ، # PageV03P271 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لأن النزاع ليس في استيعاب اللوح ~~المحفوظ لجزئيات الموجودات وكلياتها، إنما النزاع في استيعاب القرآن لذلك، ~~بحيث يستغنى معه عن القياس، وذكر ابن عطية في المراد بالكتاب في قوله ~~تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} قولين: # أحدهما: أنه اللوح المحفوظ كما ذكرنا فلا إشكال. # والثاني: أنه القرآن. قال: وهو الذي يقتضيه نظام المعنى في ms0885 هذه الآيات. ~~قال: وعلى هذا القول، هو خاص في الأشياء التي فيها منافع المخاطبين وطريق ~~هدايتهم. وذكر في قوله تعالى: {تبيانا لكل شيء} ، أي: مما يحتاج إليه في ~~الشرع، ولا بد منه في الملة، كالحلال، والحرام، والدعاء إلى الله تعالى، ~~والتخويف من عذابه. قال: هذا حصر ما اقتضته عبارة المفسرين. # قلت: وفيه إشارة إلى ما قلناه، وذلك لأن في جزئيات مسائل الفروع التي ~~تثبت بالأقيسة ما لا ضرورة بتحقق الملة إليه، بل يحصل اتباع الملة بدونها ~~بل جميع مسائل الفروع تتحقق الملة بدونها، إذ من أتى بالشهادتين مخلصا مع ~~التزامه أحكام الملة اعتقادا، ثم لم يأت بفرع من فروع الدين، كان له حكم ~~المسلمين في عدم الخلود في النار، وغير ذلك مما يلحق المسلمين، فدل ذلك على ~~ما ذكرنا من أن المراد بالآية الخصوص. # قولهم: الحكم بالقياس ليس حكما بما أنزل الله ولا ردا إلى الله # PageV03P272 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والرسول. # قلنا: لا نسلم، بل «الحكم بالقياس» حكم بما أنزل الله تعالى و «رد إلى ~~الله والرسول، إذ عنهما تلقينا دليله» ، أي: دليل القياس، كما سبق تقريره ~~من دلائل الكتاب والسنة. # الحجة الثانية لهم: «قالوا: براءة الذمة» من التكاليف «معلومة» عملا ~~بموجب النفي الأصلي، والقياس مظنون لأنه إنما يفيد الظن، «فكيف ترفع» ~~البراءة المعلومة «بالدليل المظنون» ؟ # والجواب: إن هذا «لازم» لكم «في العموم، وخبر الواحد، والشهادة» ، فإن ~~هذه كلها إنما تفيد الظن، وقد رفعنا بها البراءة الأصلية باتفاق. وهذا ~~الجواب على جهة المناقضة الجدلية والإلزام. أما التحقيق في الجواب، فهو أن ~~العلم ليس مشروطا في التكاليف العملية، بل حصول الظن فيه كاف ثبوتا وزوالا ~~على ما تقرر في نسخ التواتر بالآحاد. # وحينئذ نقول: الكافي في البراءة الأصلية هو الظن، وله رفع القياس المظنون ~~وغيره من الأدلة المظنونة، والزيادة على الظن غير معتبرة بوجه من الوجوه، ~~فوجودها كالعدم. وهذا كما قيل: إن المعتبر في العلل الشرعية هو الطرد دون ~~العكس، فوجوده كالعدم، لكنه ترجح به عند التعارض. # الحجة الثالثة: «قالوا: شأن شرعنا الفرق بين المتماثلات ms0886 وعكسه» يعني ~~الجمع بين المختلفات «نحو: غسل بول الجارية دون بول الغلام، والغسل من ~~المني والحيض دون المذي والبول» مع استواء ذلك كله في كونه # PageV03P273 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # خارجا من الفرج نجسا، وإن قلنا ~~بطهارة المني، قوي الإشكال، إذ يجب الغسل بخروجه مع طهارته دون المذي ~~والبول مع نجاستهما، والقياس العكس، «وإيجاب أربعة» شهود «في الزنى دون ~~القتل» مع إفضائهما إلى القتل فيما إذا كان الزاني محصنا، وإن كان بكرا قوي ~~الإشكال، إذ لا زهوق فيه. ومع ذلك يشترط فيه أربعة شهود، والقتل الذي فيه ~~الزهوق يكتفى فيه بشاهدين، وكان القياس العكس احتياطا للدماء، ونحو ذلك ~~كثير، ككونه فرق في حق الحائض بين قضاء الصوم والصلاة، وكلاهما عبادة، ~~وأباح النظر إلى الأمة دون الحرة، وكلتاهما امرأة محل للشهوة. # وجمع بين المختلفات، فأوجب جزاء الصيد على من قتله عمدا أو خطأ، وفرق في ~~التطيب وحلق الشعر بين العمد والخطأ، وكلها من محظورات الإحرام، وأوجب ~~الكفارة بالظهار والقتل والإفطار واليمين، وهي أفعال مختلفة، ثم غاير بين ~~مقادير كفارتها، وأوجب القتل على الزاني والقاتل وتارك الصلاة، والكافر، ~~وجناياتهم مختلفة، وقال لأبي بردة في التضحية بالعناق: تجزئك ولا تجزئ أحدا ~~بعدك. وقيل للنبي - صلى الله عليه وسلم: {خالصة لك من دون المؤمنين} ~~[الأحزاب: 50] ، مع أن الجميع أناسي مكلفون. # «ومعتمد القياس: الانتظام» ، يعني: اتفاق المعنى في الأصل والفرع، وإذا ~~كان هذا التفاوت واقعا في الشرع لم نكن على ثقة من انتظام معاني الأصول ~~والفروع حتى يلحق المسكوت عنه بالمنطوق. # PageV03P274 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «قلنا: لا نقيس إلا حيث يفهم ~~المعنى، والخلاف في فهم المعنى مسألة أخرى» . تقرير هذا أنا لا ننكر وقوع ~~ما ذكرتم في الشرع، لكنا ما ادعينا عموم وقوع القياس في كل صورة من صوره، ~~بل حيث فهمنا أن الحكم ثبت لمعنى من المعاني، ألحقنا به ما وجد فيه ذلك ~~المعنى من الفروع، كالنبيذ مع الخمر، والأرز مع البر. ولهذا قلنا: الأحكام ~~إما غير معلل كالتعبدات، أو معلل كالحجر على الصبي لضعف عقله حفظا لماله، ~~أو ما يتردد في ms0887 كونه معللا أولا، كقولنا: استعمال التراب في غسل ولوغ الكلب ~~هل هو تعبد أم معلل؟ وخرج على ذلك الخلاف في قيام الأشنان والصابون والغسلة ~~الثامنة مقامه ; إن قلنا: هو تعبد، لم يقم غيره مقامه، وإن قلنا: معلل ~~بإعانة الماء على إزالة أثر الولوغ ; قام ذلك مقامه لوجود معنى الإزالة، ~~وكذلك إن قلنا: هو تعبد، كفى بالتراب مسماه وإن لم يعم أجزاء محل الولوغ، ~~وإن قلنا: هو معلل، اشترط تعميمه به عملا بمقتضى التعليل، وكذلك غسل اليد ~~عند الوضوء وعند القيام من النوم إن قيل: هو عبادة، وجبت له النية، وإن ~~قيل: نظافة، لم يجب، ونظائر هذا كثير. # وبالجملة لا نقيس إلا حيث فهمنا المعنى ووجدت شروط القياس، فأما كون هذه ~~المسألة الخاصة معللة أو غير معللة ; فتلك مسألة أخرى خارجة عما نحن فيه ~~يثبت فيها من الحكم بالتعبد أو التعلل ما قام عليه الدليل. # واعلم أن الجواب المذكور عن الحجة المذكورة إجمالي، والجواب التفصيلي أن ~~الصور المذكورة فيها كلها أو جلها يمكن التخلص عنه إما بمنع # PageV03P275 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الحكم من فرق أو جمع بناء على ~~اختلاف المذاهب في ذلك، أو بإبداء المناسب. # أما غسل بول الجارية دون بول الغلام، فقد سوى الحسن بينهما في النضح، ~~وغيره في الغسل، فلا نرد على ظاهر الخبر، فقد تكلم العلماء في الفرق بينهما ~~بوجوه: # أحدها: أن آلة بول الغلام بارزة عن سمت بدنه، والناس أميل إلى حمله، ~~فيكثر بوله على الناس، فيشق غسله عليهم، بخلاف الجارية فإن بولها لا ~~يجاوزها إلى غيرها. # الوجه الثاني: أن يقال: إنه اعتبر بولهما، فوجد بول الجارية أثقل من بول ~~الغلام، وذلك مناسب للفرق، ويؤكد هذا أن مزاج الذكر حار، ومزاج الأنثى ~~بارد، فيضعف الهضم، فتبقى الفضلة كثيفة، ذات قوام كثيف، فإذا تعلقت ~~بالأجسام، كان أثرها محتاجا إلى الغسل بخلاف ذلك في الغلام. # الوجه الثالث: أنه لما افترق مني الذكر والأنثى ناسب افتراق بولهما، غير ~~أن الأمر في البول عكسه في المني، إذ مني الذكر غليظ أبيض، ومني الأنثى ~~رقيق أصفر، ms0888 وبول الأنثى أغلظ من بول الذكر، وهذا تقرير شبهي، وبالجملة ~~فالحكم فرعي، وهذه الأوصاف تصلح لتقريره وتقوى عليه. # وأما إيجاب أربعة شهود في الزنى دون القتل، فقد قررته مبسوطا في «القواعد ~~الصغرى» على وجه لا ينكره عاقل. # وأما الفرق في حق الحائض بين قضاء الصوم دون الصلاة فلكثرة الصلاة # PageV03P276 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وتكررها، فيشق قضاؤها دون الصوم، ~~إذ هو شهر في السنة، وهذا معنى مناسب للفرق وكونهما عبادة لا يقتضي ~~استواؤهما في ذلك. # وأما إباحة النظر إلى الأمة دون الحرة، فهو على إطلاقه ممنوع؛ إذ النظر ~~إليهما بشهوة حرام إذا لم يكن زوجا أو سيدا. وأما لغير شهوة، فيجوز من ~~الأمة إلى ما يظهر منها غالبا في حال المهنة والخدمة؛ لأن ذلك من شأنها، ~~فالتحرز من النظر إليه يشق، كما قيل في وجه الحرة وكفيها لذلك، والنظر إلى ~~وجهها لحاجة الشهادة عليها، وإلى غير وجهها أيضا لحاجة العلاج؛ لأن اجتناب ~~ذلك يورث مشقة منتفية شرعا، وهو الفرق من باب الاستحسان الشرعي، وإلا ~~فالقياس عدم الفرق بين الحرة وغيرها، لكن ما ذكرناه مناسب لثبوت هذا ~~الاستحسان. # وأما قتل الصيد عمدا أو خطأ ; فمن العلماء من فرق بينهما، وهو ظاهر النص ~~والقياس، فلا يرد، ومنهم من سوى بينهما في وجوب الضمان تغليبا لمعنى إتلاف ~~حق الآدمي فيه، وذلك لا فرق فيه بين العمد والخطأ إقامة لرسم العدل كما سبق ~~في أول الكتاب، وذلك لأن قتل الصيد متردد بين حق الله تعالى، وحق الآدمي، ~~فمن حيث إن قتله ارتكاب لما نهى الله - عز وجل - عنه هو حق له - سبحانه ~~وتعالى، ومن حيث إن جزاءه مصروف إلى الآدمي هو حق له، وهذا هو المأخذ في ~~الفرق والجمع في قتل الصيد، ثم إن من قال بالفرق فيه، لم يرد عليه الفرق في ~~التطيب وحلق الشعر؛ لأن الكل عنده سواء في الفرق بين العمد والخطأ، ومن فرق ~~بين التطيب والحلق دون قتل الصيد غلب فيه إتلاف حق الآدمي وفيهما حق الله - ~~عز وجل -، على أن # PageV03P277 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # جميع ذلك مختلف فيه ms0889 بين القياسين، ~~والخلاف في القياس مع جميعهم، فللمجتهد منهم أن يلتزم الفرق في الجميع، أو ~~التسوية في الجميع، فيسقط عنه السؤال. # وأما إيجاب الكفارة بأسبابها المذكورة، فأبو حنيفة - رحمه الله - منع ~~جريان القياس فيها لاختلاف أسبابها ومقاديرها، وأجازه في غيرها. ومن أجرى ~~القياس في الكفارات، فإنما أجراه حيث غلب على ظنه مناط الحكم، ووجدت شروط ~~القياس. وهذا هو الجواب الإجمالي الذي سبق، مع أن الكفارة إما جبران أو ~~عقوبة، والظاهر أن الشارع علم أن كفارة كل واحد من هذه الأسباب يكافئه جبرا ~~أو زجرا، فشرعها فيه؛ لأنه عدل، وهذا من العدل، وكذلك الكلام في وجوب قتل ~~الزاني والقاتل ونحوه مع اختلاف جناياتهم، فيحمل الأمر على أن مفسدة أدنى ~~هذه الجنايات توجب القتل، وسقط الزائد من المفسدة فيما فوقه من الجنايات ~~تفضلا أو تعذرا؛ إذ لا عقوبة وراء القتل، مع أنا لا نسلم اتحاد كيفية القتل ~~فيهم، بل القاتل يفعل به كما فعل بموجب العدل الذي دلت عليه النصوص، ~~والزاني إن كان بكرا، فلا قتل عليه، بل عليه الجلد والتغريب، فإن مات في ~~الجلد، فزهوقه غير مقصود للشرع، وإن كان ثيبا، فيجلد، ويرجم حتى يموت، وفي ~~ذلك من الألم والتعذيب أضعاف ما في القتل بالسيف؛ لأن جنايته أعظم من جناية ~~القتل، وجناية الكافر، وإن كانت أعظم ; غير أن القتل بالكفر حق لله تعالى ~~فيفضل بترك # PageV03P278 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # زيادة التعذيب والمثلة بالرجم ~~ونحوه. # والقتل بالزنى، إما حق الآدمي؛ لأن الجناية عليه بهتك العرض، وتضييع ~~النسب، أو أنه حق مشترك غلب فيه حق الآدمي لذلك فجعل كفئا لسببه. # وأما حديث أبي بردة - رضي الله عنه: تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك فقد بينت ~~وجهه عند ذكر الحديث في «مختصر» الترمذي، ولم أنشط هاهنا لتقريره. # وأما قوله - سبحانه وتعالى: {خالصة لك من دون المؤمنين} [الأحزاب: 50] ، ~~فإن فضيلة الأنبياء عليهم السلام على غيرهم معلومة بالاضطرار، وذلك مناسب ~~لتخصيصهم بما شاء الله - عز وجل - أن يكرمهم به، وكونهم جميعا أناسي مكلفين ~~لا يوجب التسوية بينهم في كل حكم، ولا ms0890 يمنع تفضيل بعضهم على بعض، ولو ساغ ~~ذلك، للزم القدح في النبوات بأن يقال: كل الناس أناسي فكيف يختص بالمعجز ~~النبي؟ . وهذه شبهة الكفار حيث قالوا: {ما أنتم إلا بشر مثلنا} [يس: 15] ، ~~{أبشرا منا واحدا نتبعه} [القمر: 24] ، {ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا ~~لخاسرون} [المؤمنون: 34] . # فإن قيل: المعجز والنبوة موهبة من الله تعالى لأنبيائه عليهم السلام، ~~خصوا بها بحكم الإرادة الإلهية، فإن قلتم في أحكام الشرع المختصة بمحالها ~~دون نظائرها كذلك، صح ما قلناه من بطلان القياس. # قلنا: النبوة موهبة لغير معنى أو لمعنى مناسب، الأول ممنوع، والثاني # PageV03P279 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مسلم، وبه يتم مقصودنا، وذلك أن ~~الله تعالى إنما وهب النبوة لأهلها لما اختصوا به على باقي العالم من زيادة ~~الخير، والصلاح، والطاعة، والعبادة، وتزكية النفوس، واكتساب الفضائل، ~~واجتناب الرذائل، وإن كان ذلك بتوفيق الله - عز وجل -، بدليل قوله تعالى: ~~{الله أعلم حيث يجعل رسالته} ، [الأنعام: 124] وسائر ما مدح به الأنبياء ~~عليهم السلام في القرآن الكريم. # وإذا ثبت أن اختصاصهم بالنبوة لمعنى مناسب له، فكذلك الأحكام المذكورة، ~~خصت بأحكامها لمعنى مناسب. # فإن قيل: لكن أنتم تقولون: إذا فهمنا المعنى المناسب أو المؤثر غير ~~المناسب، ألحقنا به ما في معنى محله، كإلحاق النبيذ بالخمر، فهل نقول: إن ~~المعنى المناسب للاختصاص بالنبوة في الأنبياء إذا وجدتموه في آحاد الناس ~~تلحقونه في إثبات النبوة؟ إن قلتم: نعم، فلا قائل به، وإن قلتم: لا، فما ~~الفرق؟ # قلنا: إن القياس مدرك ظني تثبت به الأحكام، وإثبات النبوة حكم قطعي، وهو ~~أصل لقواطع الشرائع وظنياتها، فلا يثبت بالقياس حتى لو كان أمر النبوة ~~ظنيا، أو كان القياس مدركا للنبوة قطعيا، لأثبتناها به، ولهذا لما كان ~~المعجز بشروطه دليلا على ثبوت النبوة في شخص ما، عدينا حكم الاستدلال به ~~إلى غيره، فمن ظهر المعجز على يده فقلنا مثلا: إنما ثبت كون موسى - عليه ~~السلام - نبيا لظهور المعجز على يده، وقد ظهر المعجز على يد عيسى # PageV03P280 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ومحمد عليهما السلام، فدل على صحة ~~نبوتهما، لما كان هذا الاستدلال قاطعا ثبت بمثله ms0891 النبوة القاطعة. # ومما يورد من نظائر هذه الصور على القياس أن العجوز الشوهاء القبيحة ~~المنظر تحصن من شاء الله تعالى من الأحرار على البدل، ومن شاء الله من ~~الإماء الحسان لا تحصن آدميا واحدا. # والجواب أن هذا ممنوع عند بعض العلماء، منهم مالك - رحمه الله - وهو من ~~القياسين، فيسقط السؤال، ومن التزمه أبدى فرقا مناسبا عنده، وهو نقص الرق ~~وكان شبهة في درء الحد وهو تكلف، إذ ليس مؤثرا، والصواب رأي مالك، ولو لم ~~يقل به مالك، لجاز للمجتهد التزامه، إذ لا نص في نفيه ولا إجماع. # ومن ذلك قولهم: لم قطع سارق القليل دون غاصب الكثير، وهو أحوج إلى الردع؟ # والجواب: أن الغصب فعل ظاهر، ولا يخلو كل إقليم عن سلطان يكف ظلم الظالم، ~~وينصف المظلوم، إما تقربا إلى الله - عز وجل - بالعدل، أو حياطة للملك ~~وسياسة له، وذلك دافع لمفسدة الغصب منعا أو قطعا، بخلاف السرقة فإنها فعل ~~خفي لا يطلع عليه السلطان، فوضع له الشرع زاجر القطع، إذ بدون ذلك لا تزول ~~المفسدة، والله تعالى أعلم. # وأما وجوب الغسل في خروج المني دون البول، فذكر بعض الأطباء له معنى ~~مناسبا إن تحقق، ولا أستطيع الآن تحقيقه. # PageV03P281 # قالوا: لو أراد الشارع تعميم المحال بالأحكام لعمها ~~نصا، نحو: الربا في كل مكيل ويترك التطويل. # قلنا: هذا تحكم عليه كقول من حرم الملاذ: وفعلها لا يضره، ثم لعله أبقى ~~للمجتهدين ما يثابون بالاجتهاد فيه. # قالوا: كيف يثبت حكم الفرع بغير طريق ثبوته في الأصل. # قلنا: من يثبت الحكم في محل النص بالعلة لا يرد هذا عليه، ومن يثبته ~~بالنص يقول: القصد الحكم، لا تعيين طريقه، فإذا ظن وجوده اتبع بأي طريق ~~كان. # قالوا: غاية العلة أن تكون منصوصة، وهو لا يوجب الإلحاق، نحو: أعتقت ~~غانما لسواده، لا يقتضي عتق كل أسود من عبيده. # قلنا: وكذا لو صرح، فقال: قيسوا عليه كل أسود، فليس بوارد، بخلاف قول ~~الشارع: حرمت الخمر لشدتها فقيسوا عليه كل مسكر، ثم بين الشارع وغيره فرق ~~يدرك ms0892 بالنظر. # الحجة الرابعة: «قالوا: لو أراد ~~الشارع تعميم المحال بالأحكام، لعمها نصا، نحو» قوله: «الربا في كل مكيل» ~~أو في كل مطعوم أو مقتات. «ويترك التطويل» بأن ينص على تحريمه في ستة أشياء ~~بدون بيان علته فيها، ثم يوقع الناس بعده في الاختلاف الطويل العريض في ~~استخراج علة الربا بتخريج المناط، فلما لم ينص على تحريم تعميم المحال ~~بأحكامها، دل على أنه لم يرد تعميمها، وإنما أراد منها ما نص عليه، وأحال ~~الباقي على تحقيق # PageV03P282 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المناط، أو على تنقيحه، أو البقاء ~~على النفي الأصلي. # والجواب: أن «هذا تحكم» على الشارع، وتحجر عليه، وهو شبيه بقول المباحية ~~الذين قالوا: لا فائدة في تحريم الملاذ كالزنى والشرب ونحوه، إذ «فعلها لا ~~يضره» ، وهو ينفع الناس. وقد ثبت باتفاقنا أن في ذلك حكمة الامتحان ~~والابتلاء، فكذلك عدم تعميمه المحال بالأحكام تنصيصا له فيه حكمة، فلعله ~~أبقى للمجتهدين مجالا في الأحكام يثابون بالاجتهاد فيه، ولو عم محال ~~الأحكام بها، لم يبق لهم مجال في ذلك، إذ لو قال: كل مكيل ربوي، لثبت الحكم ~~في الأرز بالنص، ولم يحتج فيه إلى اجتهاد المجتهد. # الحجة الخامسة: «قالوا: كيف يثبت حكم الفرع بغير طريق ثبوته في الأصل؟» ~~وذلك لأن حكم الأصل ثابت بالنص، كتحريم الخمر بالنص على تحريمها، وحكم ~~الفرع ثابت بالإلحاق كتحريم النبيذ، فالحكم واحد، والطريق مختلف ; فكيف يصح ~~هذا! . # والجواب: أن الناس اختلفوا في ثبوت الحكم في الأصل، هل هو بالعلة التي هي ~~المعنى المشار إليه من النص، أو بنفس النص؟ فمن أثبت «الحكم في محل النص ~~بالعلة» لم يرد هذا السؤال عليه؛ لأنه إنما أثبت الحكم في الفرع والأصل ~~بطريق واحد، وهو معنى الإسكار مثلا في الخمر والنبيذ. ومن أثبته في الأصل ~~بالنص، قال: المقصود ثبوت الحكم لا تعيين طريقه بكونه نصا أو قياسا، أو نصا ~~في الأصل قياسا في الفرع؛ لأن الطريق وسيلة، والحكم مقصد، ومع حصول المقصد ~~لو قدر عدم الوسائل، لم يضر # PageV03P283 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فضلا عن اختلافها. وهذا كمن قصد ~~مكة - شرفها الله ms0893 تعالى - أو غيرها من البلاد لا حرج عليه من أي جهة دخلها. # الحجة السادسة: «قالوا: غاية العلة أن تكون منصوصة، وهو» يعني النص عليها ~~«لا يوجب الإلحاق» ، يعني إلحاق الفرع بالأصل، «نحو» قول القائل: «أعتقت ~~غانما لسواده، لا يقتضي عتق كل أسود من عبيده» ، وإذا لم يقتض النص على ~~العلة الإلحاق فالإيماء والإشارة التي تستخرج العلة منها بالاستنباط وعليها ~~مدار أكثر الأقيسة أولى أن لا يقتضيه. # والجواب: أن هذا لا ينفع الخصم؛ لأنه لو صرح بالقياس في العتق، لم يتعد ~~الوصف، فلو قال: أعتقت غانما لسواده، و «قيسوا عليه كل أسود» ; لما جاز عتق ~~السودان بالقياس؛ لما سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى. ولو قال: «حرمت ~~الخمر لشدتها، فقيسوا عليه كل مسكر» ; لصح الإلحاق والتعدية، واتجهت ~~التسوية عند أكثر منكري القياس، وهم القاشانية والنهروانية، وإذ بين ~~البابين هذا الفرق، فكيف يصح إلزام أحدهما على الآخر، على أن من العلماء من ~~ذهب إلى أنه إذا قال: أعتقت هذا العبد لسواده، يصح الإلحاق، فيعتق عليه كل ~~أسود. # نعم اختلفوا في اشتراط نية العتق مع ذلك، وعلى هذا التقدير فالسؤال غير ~~وارد، والحكم ملتزم في البابين، وهذا هو مقتضى اللغة، فإنه لو قال: لا تأكل ~~هذه الحشيشة لأنها سم، أو: لا تأكل الإهليلج؛ لأنه مسهل، أو: لا تجالس ~~فلانا؛ لأنه مبتدع ; فهم من ذلك التعدية، واجتناب كل سم ومسهل ومبتدع، ~~وإنما منع من طرد ذلك في حقوق الآدميين عند الأكثرين التعبد، ثم إن الخصم ~~مناقض لنفسه، إذ احتجابه هاهنا بالقياس؛ لأنه قاس بطلان # PageV03P284 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # القياس في أحكام الشرع على بطلانه ~~في حقوق الآدميين، فإن صح احتجاجه بالقياس هاهنا، فلم لا يصح الاحتجاج به ~~مطلقا؟ وإن لم يصح احتجاجه به، لم يقدح في احتجاجنا بالقياس، وأيضا إذا ~~اعتقد الخصم صحة الاحتجاج في أصل كبير وهو بطلان القياس، فلم لا يصح ~~احتجاجنا في الفروع اليسيرة الخطب؟ . # قوله: «ثم بين الشارع وغيره فرق يدرك بالنظر» : بيان هذا الفرق أن أحكام ~~الشرع مناط ثبوتها الظن توسيعا لمجاري التكليف، ms0894 وحقوق الآدميين لا تنقل ~~عنهم إلا بطريق قاطع ; إما احتياطا لحقوقهم لما اختصوا به من الحاجة والفقر ~~الموجب لتضييق الأمر في حقوقهم، أو لأن حقوقهم في الأصل ملك لله - عز وجل، ~~فتعبد في زوالها بالطريق القاطع، وأثبت التكاليف الشرعية بالطرق المظنونة، ~~ولله - سبحانه وتعالى - أن يفعل في ملكه ما يشاء. # ومن الفرق بين البابين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا فعل بحضرته ~~شيء، فأقر عليه، استفيد من ذلك رضاه به بشرطه لحصول الظن بذلك، ولو أن شخصا ~~باع مال إنسان بحضرته بأضعاف قيمته، فسكت، ولم ينكر، بل أظهر الاستبشار ~~والفرح ; لم يصح البيع حتى يصرح بالإيجاب، أو يعلم رضاه أو يوكل فيه، فعلم ~~بذلك أن الشرع في حقوق المخلوقين ضيق غاية التضييق بخلاف أحكام الشرع. # فإن قيل: هذا يلزمكم في بيع المعاطاة، فإن التراضي في البيع شرط بالنص، ~~وهو أمر باطن خفي، ولم تعتبروا له صيغة الإيجاب والقبول، كما قاله الشافعي ~~- رحمه الله تعالى - فهذا حق آدمي قد أزلتموه عنه بغير طريق # PageV03P285 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قاطع. # فالجواب: لا نسلم أنه غير قاطع، بل المعاطاة تقترن بها قرائن تدل على ~~الرضا قطعا، وهي ثابتة بين الأمة على توالي الأعصار في سائر الأقطار. # PageV03P286 # قالوا: لا قياس في الأصول، فكذا في الفروع. # قلنا: ممنوع بل في كل منهما قياس بحسب مطلوبه قطعا في الأول وظنا في ~~الثاني، ثم هو قياس، فإن صح صح مطلقه، وثبت القياس، وإلا بطل ما ذكرتم. # واعلم: أنه قد صح في ذم القياس والرأي والحث عليهما أحاديث كثيرة صحيحة ~~صريحة، وطريق الجمع بينهما حمل الذامة على حال وجود النص والحاثة على حال ~~عدمه. # الحجة السابعة: «قالوا: لا قياس» ، ~~أي: القياس ممتنع «في الأصول» ، فليكن ممتنعا «في الفروع» . # والجواب: أن هذا «ممنوع، بل في كل منهما» ، أي: في كل واحد من أصول الدين ~~وفروعه «قياس بحسب مطلوبه قطعا في الأول» يعني في الأصول «وظنا في الثاني» ~~يعني في الفروع؛ لأن المطلوب في الأصول القطع وفي الفروع الظن، فيعتبر أن ~~يكون القياس في ms0895 الأصول قطعيا، ويكفي أن يكون في الفروع ظنيا، ثم إن هذا ~~قياس منهم لامتناع القياس في الفروع على امتناعه في الأصول على زعمهم، فإن ~~صح استدلالهم بالقياس هاهنا وجب أن يصح مطلق القياس في سائر الأحكام، وإن ~~لم يصح قياسهم هاهنا، بطل ما ذكروه من الاستدلال على إبطال القياس. «واعلم أنه قد صح في ذم القياس والرأي والحث ~~عليهما» ، أي: استعمال # PageV03P287 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # القياس والرأي، «أحاديث كثيرة ~~صحيحة صريحة، وطريق الجمع بينهما» أي: بين قسمي أحاديث ذم القياس والحث ~~عليه «حمل الذامة» ، أي: هو أن تحمل الأحاديث الدالة على ذم القياس على ما ~~إذا كان هناك نص، وتحمل الأحاديث الدالة على الحث عليه على ما إذا لم يكن ~~هناك نص، احترازا من تناقض الدليل الشرعي، ويشبه هذا ما ورد في السنة من ~~مدح الشاهد قبل أن يستشهد وذمه، فحمل الذم على ما إذا كان صاحب الحق يعلم ~~به، ويعلم أن له به بينة، إذ في المبادرة بالشهادة - والحالة هذه - نوع ~~تكلف وفضول، وربما اتهم الشاهد على المشهود عليه، كما حكي أن رجلا حضر ~~ليشهد عند الحاكم بحق، فقال له الحاكم: أتشهد بهذا الحق؟ قال: نعم، وأحلف، ~~وأخاصم، قال: فمن هاهنا ما تقبل شهادتك. # وهذه الأحاديث التي أشرت إليها هي في كتاب «أدب الفقيه والمتفقه» للخطيب ~~البغدادي - رحمه الله تعالى - ذكرها بأسانيدها من الطرفين، وهي وافية ~~بالمقصود من إثبات القياس وفوق المقصود، ولم يكن الكتاب عندي الآن حتى ~~أثبتها هاهنا، وأيضا آثرت الاختصار. # والفرق بين الرأي والقياس أن الرأي أعم من القياس، والرأي على ضربين: رأي ~~محض لا يستند إلى دليل، فذلك المذموم الذي لا يعول عليه، ورأي يستند إلى ~~النظر في أدلة الشرع من النص، والإجماع، والاستدلال، والاستحسان وغيره مما ~~ذكرناه من الأدلة المتفق عليها أو المختلف فيها. ولهذا يقال: هذا رأي أبي ~~حنيفة، والشافعي، وأحمد عن كل # PageV03P288 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # حكم صار إليه أحدهم، سواء كان ~~مستنده فيه القياس أو دليل غيره، والقياس هو ما ذكرنا حده، وهو اعتبار غير ~~المنصوص عليه بالمنصوص ms0896 عليه، وهو أخص من الرأي كما أن الاستحسان أخص من ~~القياس. # واعلم أن أصحاب الرأي بحسب الإضافة هم كل من تصرف في الأحكام بالرأي، ~~فيتناول جميع علماء الإسلام؛ لأن كل واحد من المجتهدين لا يستغني في ~~اجتهاده عن نظر ورأي، ولو بتحقيق المناط وتنقيحه الذي لا نزاع في صحته. # وأما بحسب العلمية، فهو في عرف السلف علم على أهل العراق، وهم أهل ~~الكوفة، أبو حنيفة ومن تابعه منهم، وإنما سمي هؤلاء أهل الرأي، لأنهم تركوا ~~كثيرا من الأحاديث إلى الرأي والقياس ; إما لعدم بلوغهم إياه، أو لكونه على ~~خلاف الكتاب، أو لكونه رواية غير فقيه، أو قد أنكره راوي الأصل، أو لكونه ~~خبر واحد فيما تعم به البلوى، أو لكونه واردا في الحدود والكفارات على ~~أصلهم في ذلك، وبمقتضى هذه القواعد لزمهم ترك العمل بأحاديث كثيرة حتى خرج ~~أحمد - رحمه الله تعالى - فيما ذكره الخلال في «جامعه» نحو مائة أو خمسمائة ~~حديث صحاح خالفها أبو حنيفة، وبالغ بعضهم في التشنيع عليه حتى صنف كتابا في ~~الخلاف بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي حنيفة، وكثر عليه الطعن من ~~أئمة السلف حتى بلغوا فيه مبلغا ولا تطيب النفس بذكره، وأبى الله إلا عصمته ~~مما قالوه، وتنزيهه عما إليه نسبوه. # PageV03P289 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وجملة القول فيه: أنه قطعا لم ~~يخالف السنة عنادا، وإنما خالف فيما خالف منها اجتهادا لحجج واضحة، ودلائل ~~صالحة لائحة، وحججه بين الناس موجودة، وقل أن ينتصف منها مخالفوه، وله ~~بتقدير الخطأ أجر، وبتقدير الإصابة أجران، والطاعنون عليه إما حساد، أو ~~جاهلون بمواقع الاجتهاد، وآخر ما صح عن الإمام أحمد - رضي الله عنه - إحسان ~~القول فيه، والثناء عليه. ذكره أبو الورد من أصحابنا في كتاب «أصول الدين» ~~والله - سبحانه وتعالى - أعلم بالصواب. # PageV03P290 # أركان القياس ما سبق. # فشرط الأصل ثبوته بنص، وإن اختلفا فيه ; أو اتفاق منهما ولو ثبت بقياس، ~~إذ ما ليس منصوصا ولا متفقا عليه لا يصح التمسك به لعدم أولويته، ولا يصح ~~إثباته بالقياس على أصل آخر؛ لأنه إن كان ms0897 بينه وبين محل النزاع جامع، ~~فقياسه عليه أولى، إذ توسيط الأصل الأول تطويل بلا فائدة، وإلا لم يصح ~~القياس لانتفاء الجامع بين محل النزاع وأصل أصله. # وقيل: يشترط الاتفاق عليه بين الأمة، وإلا لعلل الخصم بعلة تتعدى إلى ~~الفرع، فإن ساعده المستدل فلا قياس، وإلا منع في الأصل فلا قياس، ويسمى: ~~القياس المركب، نحو: العبد منقوص بالرق فلا يقتل به الحر كالمكاتب، فيقول ~~الخصم: العبد يعلم مستحق دمه بخلاف المكاتب، إذ لا يعلم مستحق دمه: الوارث ~~أو السيد، ورد: بأن كلا منهما مقلد لإمامه، فليس له منع ما ثبت مذهبا له، ~~إذ لا يتعين مأخذ حكمه، ولو عرف فلا يلزم من عجزه عن تقريره فساده، إذ ~~إمامه أكمل منه، وقد اعتقد صحته، ولأنه يفضي إلى تعطيل الأحكام لندرة ~~المجمع عليه. # قوله: «أركان القياس ما سبق» . # لما ثبت بالدليل صحة القياس وكونه دليلا شرعيا ; وجب القول في أركانه، ~~وشروطه، وما يتعلق به، فأركانه ما سبق في أوله، وهي الأصل، والفرع، والعلة، ~~والحكم. وقد مر الكلام على بيان حقائقها وماهياتها، والكلام هاهنا في بيان ~~شرائطها ومصححاتها. # «فشرط الأصل» - يعني الحكم في محل النص - أمور: # PageV03P291 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أحدها: أن يكون الأصل ثابتا «بنص، ~~وإن اختلفا» - يعني الخصمين - في الأصل، «أو اتفاق منهما» على ثبوته إذا دل ~~عليه النص، فإن وافق عليه الخصم، ثبت الأصل بالنص والاتفاق، وإن لم يوافق ~~عليه، فالنص واف بإثباته، وهو حجة على الخصم. وإنما اشترط ثبوت الأصل؛ لأنه ~~ينبني عليه الفرع، ويلحق به، وما لا ثبوت له لا يتصور بناء غيره عليه، ~~وإنما اشترط إذا لم يكن منصوصا عليه أن يكون متفقا عليه بينهما ليكون غاية ~~ينقطع عندها النزاع؛ لأن الأصل إذا كان مختلفا فيه فالمعترض كما ينازع في ~~الفرع ينازع في الأصل. # مثال ما ثبت بالنص قولنا: إذا اختلف المتبايعان والسلعة تالفة، تحالفا؛ ~~لأنهما متبايعان اختلفا، فوجب أن يتحالفا، كما إذا كانت السلعة قائمة، ~~والحنفية يمنعون الحكم في الأصل، وهو التحالف عند قيام السلعة على رأي لهم، ~~فيدل عليه قوله ms0898 - عليه السلام: إذا اختلف المتبايعان تحالفا أو ترادا، ~~والتراد ظاهر في بقاء العين، على أن في بعض الروايات: إذا اختلف البيعان ~~والسلعة قائمة. وكذلك نقول في غسل ولوغ الخنزير: حيوان نجس، فيغسل الإناء ~~من ولوغه سبعا قياسا على الكلب، فإن منعوا الحكم في ولوغ الكلب، دللنا عليه ~~بالحديث الصحيح المشهور فيه. # ومثال ما ثبت بالاتفاق قياس النبيذ على الخمر، والأرز على البر، والقتل ~~بالمثقل على القتل بالمحدد، وهو كثير. # قوله: «ولو ثبت بقياس» ، أي: إذا كان الأصل متفقا عليه، حصل # PageV03P292 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المقصود، ولو كان ثبوته بالقياس، ~~وهو قول بعض أصحابنا؛ لأنه لما ثبت صار أصلا بنفسه، فجاز القياس عليه ~~كالمنصوص والمجمع. # مثاله: أن يقول: قد اتفقنا على تحريم الربا في الأرز قياسا على البر ~~بجامع الكيل، فيحرم في الذرة قياسا على الأرز، لكن هذا يفضي إلى العبث ~~المذكور، وينافي قولنا بعد: إن الأصل لا يصح إثباته بالقياس، وسيأتي الكلام ~~هناك في تحقيق هذا إن شاء الله تعالى. # قوله: «إذ ما ليس منصوصا ولا متفقا عليه لا يصح التمسك به لعدم أولويته» ~~. هذا توجيه لاشتراط كون حكم الأصل ثابتا بنص أو اتفاق؛ لأنه إذا لم يكن ~~كذلك، لم يكن بكونه أصلا مقيسا عليه بأولى من أن يكون فرعا مقيسا على غيره؛ ~~لأنه إنما اختص بكونه أصلا لثبوته في نفسه والاتفاق عليه، فإذا لم يحصل له ~~هذه الخاصة ; لم يكن بالأصالة أولى من الفرع. # قوله: «ولا يصح إثباته بالقياس على أصل آخر» إلى آخره، أي: لا يصح إثبات ~~الأصل المقيس عليه بقياسه على أصل آخر، وإن شئت، قلت: لا يصح أن يكون فرعا ~~لأصل آخر. # مثاله: أن يقيس الذرة على الأرز المقيس على البر، فلا يصح؛ لأنه إن كان ~~بين ذلك الأصل الآخر الذي قاس عليه وهو البر هاهنا وبين محل النزاع - وهو ~~الذرة - جامع، فقياس محل النزاع على ذلك الأصل الآخر البعيد وهو البر أولى؛ ~~لأن توسيط الأول الذي قاس عليه محل النزاع، وهو الأرز # PageV03P293 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # «تطويل بلا فائدة» ، إذ عوض ما ~~نقول: ms0899 يحرم التفاضل في الذرة قياسا على الأرز، وفي الأرز قياسا على البر، ~~فلنقل: يحرم التفاضل في الذرة قياسا على البر، إذ توسيط الأرز في البين ~~عبث، «وإلا» ، أي: وإن لم يكن بين الأصل الآخر الثاني، وبين محل النزاع ~~جامع، «لم يصح القياس» ، كما لو قاس الذرة على الأرز، والأرز على الحديد، ~~«لانتفاء الجامع بين محل النزاع» وهو الذرة، «وأصل أصله» وهو الحديد، الذي ~~جعله أصلا للأرز، الذي هو أصل الذرة. # وكذلك لو قال المستدل في اشتراط النية للوضوء: عبادة، فيفتقر إلى النية ~~كالتيمم، فلو منع الحكم في التيمم، فأثبت الحكم فيه قياسا على الصلاة، فإن ~~جمع بين التيمم والصلاة بكونهما عبادة، قلنا: فقس الوضوء على الصلاة بجامع ~~العبادة، ولا حاجة إلى توسيط التيمم، وإن جمع بينهما بكون التيمم طهارة، لم ~~يصح القياس؛ لأن الصلاة ليست طهارة، والجامع بينهما منتف. # واعلم أنا قد ذكرنا قبل هذا بيسير أن الأصل يجوز أن يثبت بالقياس، وهاهنا ~~ذكرنا أنه لا يجوز، وهما قولان لأصحابنا، والقول بعدم الجواز هو المشهور ~~لإفضاء القول بالجواز إلى العبث المذكور، ولا يمكن أن يخرج للقول بالجواز ~~فائدة إلا أن يكون الأصل ثابتا بقياس شبهي، ومحل النزاع يلحق به بقياس جلي ~~بحيث يكون محل النزاع بأصله أشبه منه بالأصل # PageV03P294 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # البعيد، كما لو جعلنا علة الفضة ~~الوزن والثمنية جميعا، وقسنا عليه الحديد قياسا شبهيا لاشتراكهما في الوزن، ~~ثم قسنا الصفر أو الرصاص ونحوه على الحديد، لكن هذا أيضا لا جدوى له، إذ ~~القياس الجلي بين محل النزاع وأصله وهما الصفر والحديد مستند إلى قياس ضعيف ~~شبهي، وهو قياس الحديد على الفضة، فلنسترح من هذا التكليف، ولنجزم ببطلان ~~كون الأصل ثابتا بالقياس. # قوله: «وقيل: يشترط الاتفاق عليه» ، أي: على الأصل «بين الأمة» ، ولا ~~يكفي الاتفاق بين الخصمين عليه، «وإلا لعلل الخصم» ، أي: وإن لم يكن الأصل ~~مجمعا عليه بين الأمة، جاز أن يعلل الخصم المعترض الأصل «بعلة لا تتعدى إلى ~~الفرع، فإن ساعده المستدل» على ذلك، انقطع القياس، «فلا قياس» لعدم المعنى ms0900 ~~الجامع بين الأصل والفرع، وإن لم يساعده المستدل على التعليل بذلك، بل علل ~~بعلة متعدية إلى الفرع، منعه المعترض علة الأصل، وقال: لا نسلم أن العلة في ~~الأصل هذه العلة المتعدية إلى محل النزاع، بل هذه التي لا تتعدى إليه، ~~فينقطع القياس أيضا، «ويسمى القياس المركب» لما سيأتي إن شاء الله تعالى في ~~آخر الأسئلة الواردة على القياس. # مثاله: أن يقاس العبد على المكاتب في عدم قتل الحر به قصاصا، # PageV03P295 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فيقال: العبد منقوص بالرق، فلا ~~يقتل به الحر كالمكاتب، «فيقول الخصم» المعترض: «العبد يعلم مستحق دمه» وهو ~~السيد «بخلاف المكاتب» ، أي: لا نسلم أن علة امتناع القصاص في المكاتب كونه ~~منقوصا بالرق، بل كونه لا يعلم من هو المستحق لدمه هل وارثه أو سيده الذي ~~كاتبه؟ لأنه بالكتابة صار فيه شيئا بين الحرية والرق، وذلك ظاهر في أحكامه، ~~فبتقدير أن يؤدي يعتق، ويكون مستحق دمه وارثه كسائر الأحرار، وبتقدير أن لا ~~يؤدي يعود رقيقا، ويكون مستحق دمه سيده كسائر العبيد، فإن سلم المستدل أن ~~العلة في المكاتب هي عدم العلم بمستحق دمه كما قال المعترض، امتنع قياس ~~العبد عليه؛ لأن مستحق دمه معلوم، وإن لم يسلم أن العلة ذلك بل هي نقص ~~الرق، منع المعترض أن ذلك هو العلة في المكاتب، بل هي ما ذكره، أو منع ~~الحكم فيه، فيقول: سلمت أن العلة في المكاتب نقص الرق، لكن لا أسلم امتناع ~~القصاص بينه وبين الحر، فالأمر دائر بين منع العلة في المكاتب أو منع ~~الحكم. # ومن هذا الباب لو قيل في قتل المرتدة: إنسان بدل دينه، فيقتل كالمرتد، ~~فيقول الخصم: لا أسلم أن العلة في قتل المرتد تبديل الدين، وإنما هي جناية ~~على المسلمين بتنقيص عددهم، وإعانة عدوهم عليهم، وهذا ليس موجودا في ~~المرأة، إذ ليست من أهل الإعانة والنكاية، فلا # PageV03P296 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يصح إلحاقها بالمرتد، فإن سلمت هذه ~~العلة، انقطع الإلحاق، وإن لم تسلمها، فما تقبل العلة في الأصل أو الحكم، ~~وهذا بخلاف ما إذا كانت العلة مجمعا عليها بين الأمة، ms0901 إذ لا يسوغ للخصم ~~الخروج عنها والتعليل بغيرها. # قلت: وحاصل المنع المذكور يرجع إلى الفرق بين الأصل والفرع، كما فرق بين ~~الحر والعبد بمعرفة المستحق وعدمه، وبين المرتد والمرتدة بوجود النكاية ~~وعدمها. # قوله: «ورد» ، إلى آخره، أي: ورد اشتراط كون الحكم مجمعا عليه بأن ~~المحذور اللازم من عدمه لا يلزم، وإذا لم يلزم من عدم الإجماع على الأصل ~~محذور ; لم يكن إلى اشتراطه ضرورة، وإنما قلنا: إن المحذور المذكور وهو ~~تعليل الخصم بعلة لا تتعدى إلى الفرع إلى آخر ما قررتموه لا يلزم بوجهين: # أحدهما: أن كلا من المستدل والمعترض «مقلد لإمامه، فليس له منع ما ثبت ~~مذهبا له» أي: لإمامه؛ لأنه إن لم يتعين مأخذ إمامه في الحكم، فليس له أن ~~يمنع مذهبه على الجهالة، «ولو عرف» مأخذ إمامه، لكن «لا يلزم من عجزه عن ~~تقرير» مذهب إمامه «فساده» ؛ لاحتمال أن ذلك لقصوره عن تقريره، و «إمامه ~~أكمل منه، وقد اعتقد صحته» ، فلعله لم يثبت الحكم في الفرع لانتفاء شرط، أو ~~وجود مانع، لا لعدم العلة التي ذكرها المستدل في الأصل. # PageV03P297 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ومثاله: أن أبا حنيفة لم يمنع من ~~قتل المرتدة؛ لكون العلة في المرتدة ليست بتبديل الدين، بل لأن المرأة وجد ~~فيها نص خاص عنده منع من قتلها، وهو قوله - عليه السلام: نهيت عن قتل ~~النساء، فهو من باب تخصيص العموم، والعلة في قوله: من بدل دينه فاقتلوه ~~فليس للحنفي أن يقول للحنبلي أو الشافعي: إن سلمت أن علة قتل المرتد إعانة ~~العدو وإلا منعت قتله، مع أن قتله مذهب لإمامه. # وحاصل الأمر أن المعترض إن زعم أن منعه على مذهب إمامه، فالأمر بخلافه، ~~والفرض أنه كذلك، أي: أنه منع ما ثبت مذهبا لإمامه، أما لو منع على مذهب ~~إمامه منعا صحيحا، مثل أن قيل له: جلد الميتة نجس، فلا يطهر بالدباغ كجلد ~~الكلب، فمنع حكم الأصل جاز؛ لأنه مذهب إمامه، وإن منع على غير مذهب إمامه ~~لم يجز؛ لأنه إنما تصدى لتقريره، فكيف يعدل عنه، بل يكون بذلك ms0902 منقطعا؛ لأنه ~~منتقل، ثم لو ساغ ذلك، لما تمكن أحد الخصمين من إفحام خصمه غالبا؛ لأنه متى ~~ألزمه حكما، منعه على مذهبه أو مذهب غيره ممن خالف فيه، فكان ينعكس مقصود ~~المناظرة؛ إذ هي طريق وضعت لإظهار الحق باختصار، وفتح هذا الباب يوجب ~~التطويل والشغب وتضييع الحق. # الوجه الثاني: أن اشتراط الإجماع على حكم الأصل «يفضي إلى تعطيل الأحكام» ~~، ويمنع التوصل إلى إظهارها «لندرة المجمع عليه» من ذلك. # PageV03P298 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قلت: وهاهنا وجه آخر في نفي ~~المحذور المذكور، وهو: أن المعترض إذا نازع في العلة، أمكن المستدل أن ~~يقررها بطريقها، ويثبت علته المتعدية في الأصل، ثم يحققها في محل النزاع، ~~إذ لا فرق بين إثبات العلة في الأصل، وبين حكم الأصل بالنص إذا خالف فيه ~~الخصم، وقد سبق أنه يجوز. # PageV03P299 # وقيل: لا يقاس على أصل مختلف فيه بحال؛ لإفضائه إلى ~~التسلسل بالانتقال، ورد: بأنه ركن فجاز إثباته بالدليل كبقية الأركان. # وأن لا يتناول دليل الأصل الفرع وإلا لاستغني عن القياس. # وأن يكون معقول المعنى، إذ لا تعدية بدون المعقولية. # قوله: «وقيل: لا يقاس على أصل ~~مختلف فيه بحال، لإفضائه إلى التسلسل بالانتقال» ، يعني أنه إذا قاس على ~~أصل مختلف فيه، منعه الخصم، فإن أثبته المستدل بقياس آخر، جاز أن يكون ~~مختلفا فيه أيضا، فيمنعه الخصم، ويفضي إلى الانتقال من مسألة إلى أخرى، ~~وينتشر الكلام، ويتسلسل، وإن أثبت الأصل بدليل غير القياس، فربما كان ذلك ~~الدليل مختلفا فيه كالمرسل والمفهوم ونحوه فيفضي إلى مثل ذلك. # قوله: «ورد» ، أي: ورد هذا القول بأن الأصل «ركن» من أركان القياس، «فجاز ~~إثباته» عند النزاع فيه «بالدليل كبقية» أركانه من علة وحكم وغيرهما، ~~والانتقال من مسألة إلى مسألة إذا عاد بثبوت محل النزاع، لم يمنع؛ لأن ~~المقصود إثباته، وهما ساعيان فيه بتقرير مقدماته، فهما بمثابة من يضرب ~~اللبن، ويعمل الطين ليبني جدارا، وإنما ينكر هذا القاصرون الذين قلت ~~موادهم، فيرتبطون في محل النزاع لا يخرجون عنه، ويسمونه انتشارا في الكلام ~~وتفريقا له، وليس كذلك. انتهى الكلام على ms0903 الشرط الأول من شروط الأصل. # PageV03P300 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الشرط الثاني: أن لا يكون دليل ~~الأصل متناولا للفرع، إذ لو تناول دليل الأصل الفرع، لكان ثابتا بالنص، ~~واستغنى عن القياس. # مثاله: لو قاس السفرجل على البر في تحريم الربا بجامع الطعم، ثم استدل ~~على أن العلة في البر الطعم بقوله - عليه السلام: لا تبيعوا الطعام بالطعام ~~إلا مثلا بمثل فإن هذا النص يتناول السفرجل، فقياسه على البر تطويل، وكذلك ~~لو قاس الذمي على المعاهد في عدم العلة في الأصل بقوله - عليه السلام: لا ~~يقتل مؤمن بكافر، فإن هذا النص يتناول الصورتين، فهو قياس منصوص على منصوص، ~~فلا يصح كقياس البر على الشعير، والدراهم على الدنانير. # الشرط الثالث: «أن يكون» الأصل «معقول المعنى، إذ لا تعدية بدون ~~المعقولية» ، أي: ما لا يعقل معناه، لا يمكن القياس فيه؛ لأن القياس تعدية ~~حكم المنصوص عليه إلى غيره، وما لا يعقل، لا يمكن تعديته، كأوقات الصلوات، ~~وعدد الركعات، فلو قال قائل: الصبح إحدى الصلوات المكتوبة، فوجب أن تكون ~~أربعا كالعصر، أو ثلاثا كالمغرب، لم يصح ذلك؛ لأن كون الظهر أو المغرب صلاة ~~ليس هو المقتضي لكونها أربعا أو ثلاثا، بل هذا تقدير شرعي لا نعقله. هذا ~~الذي ذكر في «المختصر» من شروط الأصل. # وقد ذكر الآمدي في «المنتهى» أن شروط حكم الأصل تسعة: # PageV03P301 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أحدها: أن يكون شرعيا، إذ لو لم ~~يكن شرعيا، لكان الحكم المتعدي إلى الفرع غير شرعي، فلا يكون الغرض من ~~القياس الشرعي حاصلا. قال النيلي في «شرح جدل الشريف» : فلو لم يكن حكم ~~الأصل شرعيا بأن كان عقليا أو لغويا، لما أفاد حكما شرعيا، ولا عقليا، ولا ~~لغويا؛ لأن اللغة لا تثبت قياسا على المذهب الصحيح، وكذلك الحقائق العقلية. # مثاله: لو قال: شراب مشتد، فأوجب الحد كما أوجب الإسكار، أو كما وجب ~~تسميته خمرا، فإن إيجابه الإسكار أمر معقول، وتسميته خمرا أمر لغوي، وإيجاب ~~الحد أمر شرعي، فلا يصح قياسه عليه. قال: وتظهر فائدته فيما إذا قاس النفي ~~على النفي، فإذا لم يكن المقتضي موجودا ms0904 في الأصل، كان الحكم نفيا أصليا، ~~والنفي الأصلي ليس من الشرع، فلا يقاس عليه النفي الطارئ الذي هو حكم شرعي. # قلت: معنى كون النفي الأصلي ليس من الشرع أنه لم يحدث بعد وجود الشرع، بل ~~هو قبله، فلا يكون منه، كما قالت المعتزلة في الإباحة: ليست حكما شرعيا ~~لثبوتها قبل الشرع، وليس المراد أن النفي ليس دليلا شرعيا حيث يحتاج إليه. # الشرط الثاني: أن يكون دليل ثبوت حكم الأصل شرعيا، إذ غير الشرعي لا يفيد ~~الحكم الشرعي؛ لأن الحكم نتيجة الدليل، والنتيجة من جنس المنتج، فلو قال: ~~العالم مؤلف، وكل مؤلف محدث، فالخمر حرام، لم يصح؛ لأن المقدمتين عقليتان، ~~والنتيجة حكم شرعي. # PageV03P302 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الشرط الثالث: أن يكون ثابتا غير ~~منسوخ، لأن حكم الفرع متوقف على حكم الأصل، فلو نسخ، لبطل، فيمتنع بناء حكم ~~الفرع عليه. # الشرط الرابع: أن يكون حكم الأصل مما يقول به المستدل لتكون العلة معتبرة ~~على أصله. # الشرط الخامس: أن لا يكون حكم الأصل معدولا به سنن القياس بأن يكون غير ~~معقول المعنى، ولا نظير له في الشرع لتعذر التعدية. وذكر الغزالي أن هذا ~~الكلام مجمل يحتاج إلى تفصيل، وذكر تفصيله وأطال فيه. # قلت: وذلك التطويل مستغنى عنه بأن يقال: ما عدل به عن سنن القياس إن لم ~~يعقل معناه يصلح أن يكون مقصودا للشارع لكونه مناسبا لتحصيل مصلحة، أو دفع ~~مفسدة، ووجد ذلك المعنى في محل آخر، وغلب على ظن المجتهد جواز القياس، فلا ~~مانع منه. # الشرط السادس: أن يقوم الدليل على تعليل حكم الأصل، وعلى جواز القياس ~~عليه. وحكى الغزالي الأول عن عثمان البتي، والثاني عن قوم. # قال الآمدي: وهو مختلف فيه، والحق أنه إنما يشترط الدليل العام على ذلك، ~~لا في كل أصل بخصوصه. # الشرط السابع: أن لا يكون الأصل فرعا لأصل آخر. قال: وهو مذهب أصحابنا ~~والكرخي، خلافا للحنابلة وأبي عبد الله البصري. # قلت: هذا الشرط ذكر في «المختصر» ، وبينا أن القول بجواز إثبات # PageV03P303 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الأصل بالقياس قول بعض أصحابنا، ~~وأن الصحيح خلافه. # وبقي مما ms0905 ذكروه شرطان آخران: # الاتفاق على حكم الأصل، وأن لا يتناول دليله الفرع. وقد ذكرا في ~~«المختصر» . وقال - أعني الآمدي في «جدله» : شروط الأصل منها ما يرجع إلى ~~حكمه، ومنها ما يرجع إلى علته. # وللقسم الأول شروط ستة: # الأول: أن يكون شرعيا. # الثاني: أن لا يكون متعبدا فيه بالعلم، لأن القياس لا يفيد إلا الظن، ~~وحينئذ يتعذر القياس. # قلت: وهذا فيه نظر، إذ لا يمتنع أن يكون حكم الأصل مقطوعا به، ثم تعدى ~~إلى غيره بجامع شبهي، فيكون حصوله في الفرع مظنونا، وليس من ضرورة القياس ~~أن يكون حكم الفرع مساويا لحكم الأصل، إذ قد نصوا على التفاوت بينهما، وإن ~~حكم الفرع تارة يكون مساويا وتارة يكون أقوى، وتارة أضعف. هذا إن كان ~~القياس شبهيا، وإن كان قياس العلة، فنحن لا نقيس إلا إذا وجدت علة الأصل في ~~الفرع، وإذا وجدت فيه، أثرت مثل حكم الأصل، فيكون مقطوعا أيضا، وكذلك قياس ~~الدلالة؛ لأن الدليل يفيد وجود المدلول، فدلالة علة الأصل إذا وجدت في ~~الفرع، دلت على وجود العلة إذا كان تعليل الأصل قطعيا فيه، فصار كقياس ~~العلة. # والصحيح في هذا ما قاله الإمام فخر الدين: إذا كان تعليل الأصل قطعيا # PageV03P304 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ووجود العلة في الفرع قطعيا، كان ~~القياس قطعيا متفقا عليه. # قلت: وإذا جاز ذلك، جاز ورود التعبد بالقياس بالقطع. وحينئذ لا يكون ما ~~ذكره الآمدي شرطا. # الشرط الثالث: أن لا يكون معدولا به عن القياس، إذ القياس عليه غير ممكن، ~~وذلك على ضربين: # أحدهما: ما ورد غير معقول المعنى، سواء كان مستثنى عن قاعدة عامة كتخصيص ~~خزيمة بكماله ببينة عن قاعدة الشهادة، أو كان مبتدأ به من غير استثناء ~~كالمقدرات من الحدود، والكفارات، ونصب الزكوات، وأعداد الركعات. # الضرب الثاني: ما ورد الشرع به ولا نظير له معقولا أو غير معقول، كاللعان ~~والقسامة وضرب الدية على العاقلة وجواز المسح على الخفين، فهذان الضربان ~~منه لا يمكن القياس عليهما لعدم العلة، أو لعدم النظير. # الشرط الرابع: أن يكون متفقا عليه بين الخصمين أو ms0906 بين جميع علماء الأمة ~~كما سبق، واختار في «المنتهى» أن المعترض إن كان مقلدا، لم يشترط الإجماع، ~~إذ ليس له منع ما ثبت مذهبا لإمامه كما سبق، وإن كان مجتهدا، اشترط ~~الإجماع؛ لأن المجتهد ليس مرتبطا بإمام، فإذا لم يكن الحكم مجمعا عليه أو ~~منصوصا عليه، جاز له أن يمنعه في الأصل، فيبطل القياس، أو بتعين علة لا ~~تتعدى إلى الفرع كما سبق في سؤال التركيب. وهذا اختيار حسن جدا، لكن وقوعه ~~بعيد. # PageV03P305 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الشرط الخامس: أن يكون طريق إثباته ~~شرعيا. # الشرط السادس: أن لا يكون منسوخا، وإلا فالعلة المستنبطة منه تكون لاغية. # قال: وقد اشترط له قوم شرطين آخرين: # أحدهما: قيام الدليل على وجوب تعليله. الثاني: قيام الدليل على جواز ~~القياس عليه. قال: وهما فاسدان. وقرر فيه نحو ما سبق في «المنتهى» وأنهم إن ~~أرادوا قيام الدليل الظني الإجمالي العام على ذلك، فهو حق، وإلا فلا. # أما القسم الثاني: وهو الشروط الراجعة إلى علة الأصل فستة أيضا: # أحدها: أن يكون طريق إثباتها شرعيا كالحكم. # الشرط الثاني: أن تكون ظاهرة جلية، وإلا لم يمكن إثبات الحكم بها في ~~الفرع على تقدير أن تكون أخفى منه أو مساوية له في الخفاء. # قلت: الذي يظهر من كلامه أن العلة يجب أن تكون في الأصل أظهر منها في ~~الفرع. # وقول الأصوليين: القياس في معنى الأصل يقتضي استواء حالتها في المحلين. # الشرط الثالث: أن تكون مطردة بحيث يساويها الحكم أين وجدت، وذكر كلاما ~~طويلا موضعه عند تخصيص العلة، وسيأتي إن شاء الله تعالى. # الشرط الرابع: أن تكون متحدة في الأصل، أي: لا يكون معها فيه علة # PageV03P306 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أخرى، وذكر كلاما طويلا موضعه عند ~~ذكر تعليل الحكم بعلتين. وسيأتي إن شاء الله تعالى. # الشرط الخامس: أن تكون مضبوطة بحيث لا تتخلف عنها حكمتها التي هي غاية ~~إثبات الحكم ومقصوده، وإلا فهي باطلة، كمن ضبط حكمة القصاص وهي الصيانة عن ~~التفويت بالجرح فقط، إذ يلزم منه وجوب القصاص على من جرح ميتا مع تيقن عدم ~~الحكمة المطلوبة. # الشرط ms0907 السادس: أن العلة إن كانت مستنبطة فشرطها أن لا تعود بإبطال ما ~~استنبطت، كما إذا استنبط من وجوب الشاة في الزكاة دفع حاجات الفقراء، وسد ~~خلاتهم، فإن ذلك يوجب ترك النص المستنبط منه بتجويز أداء القيمة في الزكاة، ~~وإنما اشترط ذلك لئلا يفضي إلى ترك الراجح إلى المرجوح، إذ الظن المستفاد ~~من النص أقوى من المستفاد من الاستنباط. # وقد ذكرت لك في حكم الأصل عبارات مختلفة يتكرر بعضها قصدا لإيضاح المذكور ~~باختلاف العبارات، فإنه محصل لذلك، وذكرت شروط العلة مع شروط الأصل وإن كان ~~موضعها في «المختصر» فيما بعد؛ لأني ذكرت معنى كلامه على نحو ترتيبه، ~~وسأحيل على ما ذكرته هاهنا عند شروط العلة إن شاء الله تعالى. # PageV03P307 # وشرط حكم الفرع مساواته لحكم الأصل، كقياس البيع على ~~النكاح في الصحة ; والزنى على الشرب في التحريم، وإلا لزم تعدد ### | العلة، # وهو خلاف الفرض، أو اتحادها مع تفاوت المعلول، وهو محال عقلا، وخلاف ~~الأصل شرعا، ولأنه إن كان دون حكم الأصل فالعلة تقتضي كماله، وإن كان أعلى ~~فاقتصار الشارع على حكم الأصل يقتضي اختصاصه بمزيد فائدة، أو ثبوت مانع، ~~وأن يكون شرعيا لا عقليا، أو أصوليا علميا، إذ القاطع لا يثبت بالقياس ~~الظني ; وفي اللغوي خلاف سبق. # قوله: " وشرط حكم الفرع مساواته ~~لحكم الأصل " إلى آخره. هذا ذكر ما يشترط للركن الثاني من أركان القياس، ~~وهو الفرع، وذلك شرطان في " المختصر ": # أحدهما: أن يكون حكمه مساويا لحكم الأصل، " كقياس البيع على النكاح في ~~الصحة؟ ، كقولنا في بيع الغائب: عقد على غائب، فصح قياسا على النكاح، ~~وكقياس " الزنى على الشرب في التحريم "، وكقياس الصوم على الصلاة في ~~الوجوب. # قوله: " وإلا لزم تعدد العلة، وهو خلاف الفرض "، أي: وإن لم يكن حكم ~~الفرع مساويا لحكم الأصل، لزم أحد أمرين: إما تعدد العلة في الفرع والأصل، ~~وأن تكون العلة في أحدهما غير العلة في الآخر، إذ لو # PageV03P308 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # اتحدت فيهما، لما اختلف أثرها، وهو ~~الحكم، لكن تعدد العلة خلاف الفرض، أي: خلاف التقدير؛ إذ التقدير تعدية ms0908 حكم ~~الأصل إلى الفرع بعلته. وإما اتحاد العلة " مع تفاوت المعلول، وهو محال ~~عقلا، وخلاف الأصل شرعا " ; أما أنه " محال عقلا " ; فلأن العلة العقلية ~~إذا اتحد محلها، أو تعدد واستوى في قبوله لأثرها، لا يؤثر أثرا مختلفا، بل ~~متساويا، كالكسر مع الانكسار، والتسويد مع الاسوداد، فإنا إذا فرضنا جسمين ~~مستويين في قبول التسويد، وسودناهما تسويدا متساويا، كان اسودادهما ~~متساويا، كالثوبين يصبغان بصبغ واحد. # وأما كون ذلك " خلاف الأصل شرعا "، فلما تقرر من أن الأصل ورود الشرع على ~~وفق العقل. وقد بينا أن اتحاد العلة مع تفاوت المعلول ممتنع عقلا، فلو ~~قدرنا وقوعه شرعا، لكان ذلك خلاف الأصل في الشرع من جهة أن الأصل موافقته ~~للعقل، ومخالفته له في التعبدات ونحوها خلاف الأصل، وإنما قلنا: إن ذلك ~~خلاف الأصل شرعا، ولم نقل: إنه محال شرعا؛ لأن علل الشرع وضعية على جهة ~~التعريف للحكم، فلا يمتنع أن يكون الوصف الواحد معرفا لحكمين متفاوتين ~~بخلاف العلة العقلية، فإنها حقيقة مؤثرة يستحيل فيها ذلك. # قوله: " ولأنه إن كان دون حكم الأصل "، إلى آخره. هذا دليل آخر على ~~امتناع تفاوت الحكم في الأصل والفرع. # PageV03P309 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وتقريره: أنهما لو تفاوتا، لكان ~~حكم الفرع إما دون حكم الأصل في تحصيل الحكمة المطلوبة، أو أعلى منه، فإن ~~كان دونه كما إذا قسنا الندب على الوجوب، فعلة الأصل تقتضي كمال حكم الفرع، ~~ولم يحصل؛ لأن حكمة الوجوب ومصلحته أكمل من حكمة الندب، فقد تخلف عن علة ~~الأصل مقتضاها، فيبطل القياس، " وإن كان أعلى " منه، كما إذا قسنا الوجوب ~~على الندب، " فاقتصار الشارع على حكم الأصل يقتضي " أنه اختص بمزيد فائدة ~~أوجبت تعيينه والاقتصار عليه، أو بثبوت مانع منع من مجاوزته اختص بمزيد ~~فائدة؛ لأن الحكيم إذا عن له أمران، أحدهما أرجح من الآخر، لا يعدل عن ~~الراجح إلى المرجوح إلا لمانع من الراجح، أو زيادة فائدة في المرجوح. وأيا ~~ما كان يلزم من زيادة حكم الفرع على الأصل مخالفة ما ثبت في نظر الشارع لأن ~~اقتصاره على الندب في الأصل ms0909 إن كان لمزيد فائدة، فزيادة الوجوب في الفرع ~~مفوت لتلك الفائدة، وهو تثقيل في التكاليف، وإن كان لمانع منع من إثبات ~~زيادة الوجوب في الأصل، فوجب أن يمنعنا من إثباتها في الفرع ما منع الشارع ~~من إثباتها في الأصل؛ لأن حكم الفرع متلقى عن حكم الأصل، واجتهاد القائس في ~~الفرع تابع لحكم الشرع في الأصل. # وقد يكون الخلاف بين حكم الأصل والفرع بالنفي والإثبات، كما يقال في ~~تقرير السلم المؤجل: لما بلغ برأس المال أقصى مراتب الأعيان # PageV03P310 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وهو الحلول ; وجب أن يبلغ بالمسلم ~~فيه أقصى مراتب الديون، وهو التأجيل، فإن هذا قياس لإثبات الأجل في المسلم ~~فيه على نفيه في الثمن. ومن هذا الباب قولهم في طهارة الأحداث: طهارة، ~~فيستوي مائعها وجامدها في النية قياسا على الاستنجاء، فإنه قياس لإثبات ~~النية في طهارة الحدث على نفيها في طهارة الاستنجاء. وفي هذا خلاف، والأشبه ~~صحته، وليس هو من باب قياس الإثبات على الإثبات؛ لأنهم إنما قاسوا التسوية ~~في إحدى الطهارتين على التسوية في الأخرى، والتسوية ليست نفيا في إحدى ~~الطهارتين، ولا إثباتا، بل متعلقة بالنفي والإثبات، وذلك لأن طهارة ~~الاستنجاء لا تشترط فيها النية، سواء كانت بالماء أو بالحجر، فقد سوى ~~بينهما في عدم النية، ثم اتفقنا في طهارة الحدث بالجامد، وهو التيمم على ~~اشتراط النية، فوجب أن تشترط النية فيها بالماء، وهو الوضوء، تسوية بين ~~مائعها وجامدها. # قال الغزالي: يشترط أن لا يفارق حكم الفرع حكم الأصل، لا في جنسه، ولا في ~~زيادة؛ لأن القياس عبارة عن تعدية الحكم من محل إلى محل، فكيف يختلف؟ # قال الشيخ أبو محمد: فإذا ثبت في الفرع غير حكم الأصل ; لم يكن ذلك ~~تعدية، بل ابتداء حكم. # الشرط الثاني لحكم الفرع بأن يكون حكما " شرعيا " فرعيا، " لا عقليا "، ~~ولا " أصوليا علميا "، أي: يطلب فيه العلم؛ لأن ذلك قطعي، والقياس إنما ~~يفيد الظن، والقاطع لا يثبت بالظني. # قلت: قد سبق ما في هذا وأن القياس قد يكون قطعيا. # PageV03P311 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: " وفي اللغوي خلاف سبق " أي: ~~فإن ms0910 كان حكم الفرع لغويا كقياس النبيذ على الخمر في تسميته خمرا، واللائط ~~على الزاني في كونه زانيا، والنباش على السارق في كونه سارقا، فهذا قياس ~~لغوي، وفيه " خلاف سبق " في أول الكتاب في أن اللغة تثبت قياسا، وقد ذكر ~~لحكم الفرع شروط أخر: # منها: أن لا يمكن الاستدلال عليه بالنص، إذ يكون إثباته بالقياس حينئذ من ~~باب فساد الوضع، كما يقال في عدم إجزاء عتق الرقبة الكافرة في كفارة ~~الظهار: تحرير في تكفير، فلا تجزئ فيه الكافرة قياسا على كفارة القتل. فقال ~~أصحاب أبي حنيفة: هذا على خلاف النص؛ لأن النص ورد بإجزاء مطلق الرقبة، وفي ~~النص كفاية، وقد سبق أن النزاع في هذا مبني على تقييد المطلق مع اختلاف ~~السبب. # ومنها: أن يرد النص بحكم الفرع من حيث الجملة. ذكره أبو هاشم، وقال: لولا ~~أن الشرع ورد بميراث الجد جملة، لما نظر الصحابة في توريثه مع الإخوة من ~~حيث التفصيل، قال غيره: وكذلك لما ورد الشرع بمشروعية الشهادة في النكاح، ~~وقع النظر في أن الفاسق أو الرجل والمرأتين هل تقبل شهادتهم فيه أم لا؟ ~~وأفسد الغزالي وغيره هذا الشرط بأن العلماء قاسوا قوله: أنت علي حرام. على ~~الظهار والطلاق واليمين، ولم يرد فيه حكم جملة ولا تفصيلا، وإنما حكم الأصل ~~يتعدى العلة كيف ما كان. # PageV03P312 # وشرط الفرع وجود علة الأصل فيه ظنا إذ هو كالقاطع في ~~الشرعيات ; وشرط قوم تقدم ثبوت الأصل على الفرع؛ إذ الحكم يحدث بحدوث ~~العلة، فلو تأخرت عنه لصار المتقدم متأخرا. # والحق اشتراطه لقياس العلة دون قياس الدلالة لجواز تأخر الدليل عن ~~المدلول كالأثر عن المؤثر ; بخلاف العلة عن المعلول ; أما العلة الشرعية ~~فهي علامة ومعرف، ومن شرطها أن تكون متعدية فلا عبرة بالقاصرة وهي ما لا ~~توجد في غير محل النص كالثمنية في النقدين، وهو قول الحنفية، خلافا للشافعي ~~وأبي الخطاب وأكثر المتكلمين. # قوله: «وشرط الفرع وجود علة الأصل ~~فيه ظنا» إلى آخره. # اعلم أن الكلام السابق إلى هاهنا هو في الأصل وحكمه، والكلام ms0911 هاهنا هو في ~~الفرع نفسه على ترتيب أصل «المختصر» ، وشرطه «وجود علة الأصل فيه» ، وإلا ~~لم يكن فرعا له؛ لأن تعدي الحكم إليه فرع تعدي العلة لما سبق من أن العلة ~~أصل في الفرع، ولا يشترط أن يكون وجودها في الفرع مقطوعا به، بل تكفي فيه ~~غلبة الظن؛ لأنه كالقطع في الشرعيات فيما يتعلق بترتب الأحكام الشرعية، ~~بناء على أن المقصود فيها هو القدر المشترك بين الظن والقطع، فإن اتفق لنا ~~حكم شرعي مقطوع به، فما زاد عن القدر المشترك فيه تفضل من الله سبحانه ~~علينا، إذ حصل لنا اليقين في ذلك الحكم، فصار الظن في الشرعيات كالقطع في ~~العقليات من حيث إن كل واحد منهما يحصل # PageV03P313 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مقصوده في بابه. # قوله: «وشرط قوم تقدم ثبوت الأصل على الفرع» ، إلى آخره. # هذا شرط آخر للفرع اشترطه قوم، وفيه تحقيق يأتي قريبا إن شاء الله تعالى، ~~ومعناه أن شرط الفرع أن يكون حكم الأصل ثابتا قبله؛ لأن حكم الفرع يحدث ~~بحدوث علة الأصل المتعدية إليه، فلو تأخر حكم الأصل عن الفرع، لتأخرت العلة ~~عنه أيضا؛ لأنها ملازمة للأصل، ولو تأخر ثبوت العلة عن الفرع، لصار المتقدم ~~في الثبوت متأخرا وهو محال. # قال الآمدي: ولأن العلة في الأصل لا تكون إلا بمعنى الباعث، فلو تأخر ~~الباعث عن حكم الفرع، لكان ثبوته قبله إما بغير باعث، أو بباعث آخر، ويلزم ~~تعليل الحكم بعلتين، وهو ممتنع، ولو صح تعليل الحكم بعلتين، لكن إنما يصح ~~ذلك إذا لم يتقدم بعض العلل لما فيه من تحصيل الحاصل. # قوله: «والحق اشتراطه لقياس العلة» إلى آخره، أي: والتحقيق أنه إنما ~~يشترط تقدم ثبوت الأصل على الفرع في قياس العلة «دون قياس الدلالة» ، ~~وسيأتي تحقيقهما إن شاء الله تعالى. # والفرق بينهما في ذلك أن العلة لا يجوز تأخرها عن المعلول، لئلا يلزم ~~وجوده بغير علة أو بعلة غير العلة المتأخرة، والدليل يجوز تأخره عن ~~المدلول، كالعالم دليل على الصانع القديم، وهو متأخر عنه، وكل أثر كالدخان ~~ونحوه متأخر عن مؤثره ms0912 كالنار، وهو دليل عليه. وما ذكره الآمدي من # PageV03P314 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أن ### | العلة # لا تكون إلا بمعنى الباعث ممنوع، بل هي معرف كما سيأتي إن شاء الله ~~تعالى، والمعرف أعم من أن يكون باعثا أو غيره، اللهم إلا أن يقال: بأن ~~العلة باعث بالإضافة إلى الشارع، معرف بالإضافة إلى المكلفين، كما قيل: إن ~~العلة البدنية عرض بالإضافة إلى المريض، دليل بالإضافة إلى الطبيب، فحينئذ ~~يستقيم ما قال ; وامتناع تعليل الحكم بعلتين ممنوع، لكن ما ذكره من تحصيل ~~الحاصل لا جواب عنه، ومن أمثلة ذلك قياس الوضوء في اشتراط النية على التيمم ~~مع تأخر مشروعية التيمم عن الوضوء. # قوله: «أما العلة الشرعية، فهي علامة ومعرف» . # هذا الكلام في العلة، وهي أحد أركان القياس، وهي علامة لثبوت الحكم ومعرف ~~له. # قال البزدوي في «المقترح» : وللعلة أسام في الاصطلاح، وهي السبب، ~~والأمارة، والداعي، والمستدعي، والباعث، والحامل، والمناط، والدليل، ~~والمقتضي، والموجب، والمؤثر. # قلت: أما تسميتها سببا، فلأنها طريق إلى معرفة الحكم، وهو يثبت عند ~~وجودها؛ لأنها إنما المثبت لها الشارع. # وأما تسميتها أمارة فظاهر؛ لأن الأمارة - بفتح الهمزة - العلامة، والعلة ~~الشرعية علامة على ثبوت الحكم. قال الشاعر: # إذا طلعت شمس النهار فإنها ... أمارة تسليمي عليك فسلمي # PageV03P315 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أي: علامة تسليمي. # وأما تسميتها داعيا ومستدعيا، فلأنها تدعو الشارع إلى وضع الحكم عند ~~وجودها، وتستدعي ذلك لمصلحة المكلف في معاشه ومعاده، وكذلك هي الباعث له ~~والحامل على ذلك. # ومعنى كونها مناطا كما سبق بيانه، وهو أن الحكم يناط بها أي: يعلق. ومعنى ~~كونها دليلا ظاهر، وهو أنها إذا وجدت في محل، دلت على ثبوت الحكم المعلق ~~عليها فيه، كالإسكار في النبيذ، والكيل في الأرز. # ومعنى كونها موجبا ومؤثرا هو أنها توجب معرفة ثبوت الحكم، وتؤثر في ~~معرفته؛ للقطع بأن الموجب له، والمؤثر إنما هو الشارع. # وفرق بعضهم بين الأصل والفرع، فقال: يجوز أن تكون العلة أمارة في الفرع، ~~ولا بد أن تكون فيه بمعنى الباعث لوجهين: # أحدهما: أنه لا فائدة للأمارة سوى تعريفها للحكم، وهو في الأصل معرف ~~بالنص، فإن ms0913 لم يكن في العلة معنى الباعث، خلت عن فائدة. # الثاني: أنها مستنبطة من حكم الأصل، فهي فرع عليه كما سبق، فلو توقفت ~~معرفته عليها، لزم الدور. # والفرق بين الباعث والأمارة المحضة: هو أن الباعث يكون مناسبا لحكمه، ~~ومقتضيا له على وجه يحصل من اقتضائه إياه مصلحة ; بحيث يصح في عرف العقلاء ~~أن يقال: إنما فعل كذا لكذا، كقولنا: إنما قتل المرتد لتبديله الدين، أو ~~تقليل عدد المسلمين، أو إعانة الكافرين، وإنما وجب الحد بشرب الخمر لإفساده ~~العقل، بخلاف الأمارة المحضة كزوال الشمس # PageV03P316 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وطلوع الهلال؛ إذ لا يناسب أن ~~يقال: وجبت الصلاة لأن الشمس زالت، والصوم لأن الهلال ظهر، وإن صح ذلك في ~~التخاطب العرفي، لكنه من جهة الاستدلال، لا من حيث التعليل، أي: زوال الشمس ~~وطلوع الهلال دليل على وجوب الصلاة والصوم، لا علة لهما، وكذلك الأسباب ~~الموجبة للتعبدات كأسباب الحدث للوضوء، هي أمارات، لا بواعث لعدم المناسبة، ~~وربما جاء في هذا كلام فيما بعد إن شاء الله تعالى. # قوله: «ومن شرطها» ، أي: ومن شرط العلة «أن تكون متعدية» يعني لمحل النص ~~إلى غيره، كالإسكار والكيل والوزن والطعم، «فلا عبرة بالقاصرة، وهي ما لا ~~توجد في غير محل النص، كالثمنية في النقدين» ، أي: كونهما أثمان الأشياء في ~~الأصل، فإن هذا مختص بهما، قاصر عليهما «وهو» أي: عدم اعتبار العلة القاصرة ~~«قول الحنفية خلافا للشافعي، وأبي الخطاب، وأكثر المتكلمين» . # قال الآمدي: ذهب الشافعي، وأحمد، والقاضي أبو بكر، والقاضي عبد الجبار، ~~وأبو الحسين البصري، وأكثر الفقهاء والمتكلمين إلى صحة العلة القاصرة. وذهب ~~أبو حنيفة، والكرخي، وأبو عبد الله البصري إلى إبطالها. # قلت: والخلاف إنما هو في القاصرة المستنبطة. أما المنصوصة أو المجمع ~~عليها، فاتفقوا على صحتها؛ لأنها حكم المعصوم واجتهاده. # PageV03P317 # الأول: العلة أمارة، والقاصرة ليست أمارة على شيء؛ ~~ولأن الأصل يمنع العمل بالظن، ترك في المتعدية لفائدتها، ففي القاصرة على ~~الأصل لعدمها. # الثاني: التعدية فرع صحة العلية، فلو عللنا العلية بالتعدية لزم الدور؛ ~~ولأن التعدية ليست شرطا للعقلية والمنصوصة ففي المستنبطة أولى، ms0914 وكونها ليست ~~أمارة على شيء ممنوع ; بل هي أمارة على ثبوت الحكم بها في محل النص، أو ~~كونه معللا لا تعبدا، وعدم العمل بالظن ممنوع؛ إذ مبنى الشرع عليه، وأكثر ~~أدلته ظنية، وعدم فائدتها ممنوعة؛ إذ فائدتها معرفة تعليل الحكم، والنفس ~~إلى قبوله أميل. # قوله: «الأول» أي: احتج الأول في ~~«المختصر» وهو القائل بإبطالها بوجوه: # أحدها: أن «العلة» الشرعية «أمارة» أي: علامة على الحكم، والعلة «القاصرة ~~ليست أمارة على شيء» ؛ لأن الحكم في الأصل ثبت بالنص، فيبقى التعليل بها ~~عريا عن فائدة؛ إذ فائدتها إما إثبات الحكم في الأصل، وهو باطل بما قلنا، ~~أو في غيره، وهو غير حاصل لقصورها؛ إذ الثمنية ليست موجودة في غير النقدين ~~لتتعدى إليه. # الوجه الثاني: أن «الأصل» ينفي «العمل بالظن، ترك» ذلك «في المتعدية ~~لفائدتها» بالتعدي إلى غير محلها «ففي القاصرة» تبقى «على الأصل» في عدم ~~العمل بها. وهذان الوجهان في «المختصر» . # الثالث: أن القاصرة لا فائدة فيها لعدم تعديها، وما لا فائدة فيه لا يرد # PageV03P318 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الشرع به، فالقاصرة لا يرد الشرع ~~بها، فلا تكون معتبرة. # قوله: «الثاني» أي: احتج الثاني وهو القائل باعتبارها بوجهين: # أحدهما: أن تعدية العلة فرع عليتها، أي: فرع كونها علة؛ لأنه إذا ثبت ~~كونها علة في الأصل عديت إلى الفرع، فلو عللت عليتها بتعديتها «لزم الدور» ~~؛ لتوقف كونها علة على كونها متعدية، وكونها متعدية على كونها علة، لكن ~~الدور باطل، فالمفضي إليه باطل، وحينئذ لا يجوز تعليل عليتها بتعديتها، ~~وحينئذ يجوز اعتبارها مع كونها قاصرة، وهو المطلوب. # الوجه الثاني: أن «التعدية ليست شرطا للعقلية» أي: للعلة العقلية ~~«والمنصوصة» مع قوتها «ففي المستنبطة أولى» أن لا يشترط لضعفها. # قلت: ويمكن الاعتراض على الوجه الأول بأنا لا نعلل العلية بالتعدية، بل ~~نجعل التعدية فائدة العلية لا علة لها، فلا يلزم الدور، فلا نقول: إنما كان ~~الوصف علة لتعديه، بل نقول: فائدة كونه علة تعديه إلى غير محله، فإذا انتفت ~~فائدته، ألغيناه لعدم فائدته، لا لعدم علته، وفرق بين انتفاء الشيء لعدم ms0915 ~~علته، وانتفائه لعدم فائدته؛ لأن العلة هي المؤثرة في الوجود، والفائدة ~~غاية الوجود، وجهتها مختلفة، فلا دور. # والاعتراض على الوجه الثاني من وجهين: # أحدهما: أنه لا يلزم من عدم اشتراط التعدية للعقلية والمنصوصة أن لا ~~يشترط للمستنبطة؛ لقيام الفرق من جهة أن العقلية موجبة مؤثرة، وإنما يظهر # PageV03P319 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # تأثيرها في محلها لا يتجاوزه، ~~بخلاف الشرعية، فإنها أمارة معرفة، والتعريف لا يختص بمحل المعرف، وأيضا ~~فالقياس بالتعدية إنما يفيد الظن، ولا مدخل له في العقليات. ويرد على هذا ~~أن قياس العلة في العقليات يفيد القطع، فإن العلة إذا كان ثبوتها في الأصل ~~ووجودها في الفرع قاطعا كان القياس قاطعا، عقلية كانت أو شرعية كما سبق، بل ~~إذا كان قاطعا في الشرعية، ففي العقلية أولى. # وأما المنصوصة، فهي ثابتة بالنص، فثبتت قوتها به، واستغنت عن قوة التعدي، ~~بخلاف المستنبطة. # الوجه الثاني في الاعتراض: أن قولهم: إذا لم يشترط التعدية في العقلية ~~والمنصوصة، ففي غيرهما أولى، كلام فاسد الوضع، والذي ينبغي العكس؛ لما ~~ذكرنا من استغناء العقلية والمنصوصة عن التعدي لقوتهما وافتقار المستنبطة ~~إليه لضعفها. # قوله: «وكونها ليست أمارة على شيء ممنوع» ، هذا جواب المصححين للقاصرة عن ~~دليل المبطلين لها. وبيانه أنا نقول: قولكم: «القاصرة ليست أمارة على شيء» ~~، فلا تكون مفيدة «ممنوع، بل هي أمارة على ثبوت الحكم بها في محل النص» على ~~قول من يقول: إنه في محل النص ثابت بها، أو على كون الحكم «معللا لا تعبدا» ~~عند من يرى أن الحكم في الأصل ثابت بالنص لا بها، فعلى التقديرين لا تخلو ~~عن فائدة. # PageV03P320 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وأما قولهم: الأصل عدم العمل ~~بالظن، فممنوع أيضا في الشرعيات، لأن مبنى الشرع على غلبة الظن، ولهذا كانت ~~«أكثر أدلته ظنية» كالعموم، والظواهر، وخبر الواحد، والقياس، فلو كان الأصل ~~عدم العمل بالظن فيه; لكان أكثره واقعا على خلاف الأصل، وذلك خلاف الأصل، ~~إذ الأصل في الفنون جريان جميعها أو أكثرها على وفق الأصل، وإنما يمتنع ~~العمل بالظن في المطالب القطعية والأحكام العقلية، لكن الكلام ليس في ذلك. ms0916 # قولهم: القاصرة عديمة الفائدة. # قلنا: لا نسلم، بل «فائدتها معرفة تعليل الحكم» أي: إنه معلل لا تعبد، ~~والنفس إلى قبول الأحكام المعللة أميل، وإليها أسكن، وهي بتصديقها أجدر ~~لحصول الطمأنينة، إذ كل عاقل يجد من نفسه فرقا بين قبولها نقض الوضوء بأكل ~~لحم الجزور، وبين نقضه بمس الفرج، لأن فيه مخيلا مناسبا للحكم، وهو كونه ~~محل خروج الخارج الناقض بالنص. ولهذا اشترط بعضهم في مسه أن يكون بشهوة ~~ليصير مظنة لوجود الخارج المناسب. # قال الغزالي: نحن أولا نقيم الدليل على صحة العلة بطريقة من إيماء أو ~~مناسبة أو تضمن مصلحة مبهمة، ثم ننظر في المصلحة; إن كانت أعم من النص، ~~عدينا حكمها، وإلا قصرناها على محلها، فالتعدية فرع الصحة وتابعة لها، فكيف ~~يكون تابع الشيء وفرعه مصححا له؟ . # قلت: اختلف الأصوليون في ثبوت الحكم في الأصل، هل هو بالعلة أو بالنص، ~~والعلة فيه دليل على ثبوت الحكم بمثله في الفرع، والأول مذهب الشافعي ~~ومشايخ سمرقند، والثاني مذهب العراقيين من الحنفية. # PageV03P321 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والخلاف في اعتبار العلة القاصرة ~~يصح ترتيبه على هذا الأصل، فإن الشافعي يثبت الحكم في محل النص عن أثرها ~~بالعلة، فلا تعرى القاصرة عن فائدة، فتعتبر، وعلى رأي الحنفية يثبت الحكم ~~في محل النص به، فتعرى القاصرة عن فائدة، لأن أثرها لا يظهر في محل النص ~~ولا في غيره، فلا تعتبر. # قال الآمدي: النزاع في أن الحكم يثبت في الأصل بالنص أو بالعلة لفظي؛ لأن ~~مراد الشافعية بكون الحكم ثابتا بالعلة أنها الباعثة للشارع على إثبات ~~الحكم، لا أنها معرفة له، ومراد الحنفية بكون الحكم ثابتا بالنص أنه المعرف ~~للحكم لا العلة، فكل من الفريقين غير منكر لقول الآخر، بل هم متفقون في ~~المعنى، فثبت أن النزاع بينهم لفظي. وقد سبق ذكر بقية شروط العلة عند ذكر ~~حكم الأصل. # PageV03P322 # واختلف في اطراد العلة، وهو استمرار حكمها في جميع ~~محالها، واشترطه القاضي وبعض الشافعية، خلافا لبعضهم، ولمالك، والحنفية، ~~وأبي الخطاب، فتبقى بعد التخصيص حجة كالعموم. # وقيل: مع المانع، إحالة لتخلف الحكم ms0917 عليه. # وقيل: المنصوصة دون المستنبطة لضعفها، وقيل غير ذلك. # الأول: تخلف حكمها عنها يدل على عدم عليتها. # الثاني: علل الشرع أمارات لا مؤثرات، فلا يشترط فيها ذلك. # قوله: «واختلف في اطراد العلة، وهو ~~استمرار حكمها في جميع محالها» أي: وجود حكمها في كل محل وجدت فيه، كوجود ~~التحريم حيث وجد الإسكار، «فاشترطه القاضي» أبو يعلى «وبعض الشافعية خلافا ~~لبعضهم» أي: لبعض الشافعية «ولمالك والحنفية وأبي الخطاب، فتبقى» أي: فعلى ~~قول هؤلاء في عدم اشتراط اطرادها تبقى بعد تخصيصها «حجة كالعموم» . # «وقيل: مع المانع» أي: قال بعض الأصوليين: إنما تكون حجة بعد التخصيص مع ~~المانع في الفرع، أي: إن وجد في الفرع مانع يمنع تعدي الأصل إليه، كانت حجة ~~بعد التخصيص «إحالة لتخلف الحكم» على المانع، لا عدم صلاحية الوصف للعلية ~~استصحابا لحال دليل العلية، كالقتل العمد العدوان حيث لم يوجب القود على ~~الأب لمانع الأبوة، لا لعدم صلاحية القتل المذكور للمقتضي. # PageV03P323 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # «وقيل: المنصوصة» أي: وقيل: إنما ~~يجوز تخصيص «المنصوصة دون المستنبطة» والفرق بينهما ضعف المستنبطة، وقوة ~~المنصوصة بالنص، فلا يخرجها التخصيص عن العلية لقوتها. # «وقيل غير ذلك» : إشارة إلى تفصيل ذكره الأصوليون غير هذا، منهم الآمدي ~~وغيره، وهو طويل لم أذكره لطوله، والمشهور ما ذكر في «المختصر» وهو أربعة ~~مذاهب. # ثالثها: إن وجد المانع في صورة النقض، قدح في العلية، وإلا فلا. # ورابعها: إن كانت منصوصة، لم يقدح التخصيص في عليتها، وإلا فلا. # قوله: «الأول» أي: احتج الأول، وهو الذي اشترط اطرادها بأن قال: «تخلف ~~حكمها عنها يدل على عدم عليتها» أي: على عدم كونها علة لوجهين: # أحدهما: أن انتفاء الحكم لانتفاء علته موافق للأصل، وانتفاءه مع وجود ~~علته على خلاف الأصل، وحمل الأشياء على وفق الأصل أولى من حملها على خلافه. # الثاني: أن الوصف من حيث هو هو إما أن يكون مستلزما للعلية أو لا، فإن ~~كان مستلزما للعلية لزم وجود الحكم معه في جميع صوره، وإن لم يكن مستلزما ~~لها لم يكن علة حتى ينضاف إلى غيره، والتقدير ms0918 أنه علة. هذا خلف. # «الثاني» : أي: احتج القائل الثاني، وهو الذي أجاز تخصيصها، وتخلف حكمها ~~عنها في بعض صورها بأن قال: «علل الشرع أمارات لا مؤثرات» # PageV03P324 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وإذا كانت أمارات لم «يشترط فيها ~~ذلك» لأن الأمارة لا يجب وجود حكمها معها أبدا، بل يكفي وجوده معها في ~~الأغلب الأكثر، كالغيث الرطب أمارة على المطر; وإن تخلف عنه في بعض ~~الأوقات، وكون مركوب القاضي على باب الأمير أمارة على أنه عنده، وإن اختلف ~~ذلك في بعض الصور. # قلت: قد تعارض هنا أصلان، فخرج الخلاف لملاحظتهما، وذلك لأن فرض المسألة ~~فيما إذا قام دليل على الوصف بطريق من طرقه الاستنباطية من مناسبة أو ~~غيرها، وإذا كان الفرض ذلك، فالأصل فيما كان مناسبا وقام دليل عليته في ~~صورة ما أن يكون علة، وتخلف الحكم عنه في صورة يحتمل أنه لفوات شرط، أو ~~وجود مانع، فلا يلغى لأجله وصف قام دليل عليته. وهذا الأصل معارض بما سبق ~~من أن الأصل انتفاء الحكم لانتفاء سببه. أما وجود المانع ونحوه في صورة ~~النقض; فالأصل عدمه، فلا تعارض، فلما تعارض هذان الأصلان، اتجه المذهبان. # وحجة المذهب الثالث - وإن كنا قد أشرنا إليها وإلى حجة الرابع أيضا فيما ~~سبق -: هو أن قيام المانع في صورة النقض صالح لإحالة تخلف الحكم عليه، فلا ~~وجه للحكم لانتفاء العلية مع قيام دليلها، بخلاف ما إذا لم يقم مانع، فإن ~~إحالة تخلفه على عدم العلية متجه على وفق الأصل. # PageV03P325 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مثاله: أن شرب الخمر علة وجوب الحد ~~قد تخلف في صورة الإكراه، أحلنا تخلفه عليه، لأنه مانع، أما لو تخلف وجوب ~~الحد في الشرب في حالة الاختيار، ولم يكن ثم مانع غير الإكراه ولا انتفاء ~~شرط، دل على عدم صلاحية الشرب لإيجاب الجلد، إذ ليس هناك ما يصلح أن يحال ~~تخلف الحكم عليه غيره. # وحجة المذهب الرابع أن العلة إذا كانت منصوصة أو مجمعا عليها، تعين ~~الانقياد لنص الشارع والإجماع المعصومين، ولم يؤثر في ذلك تخلف الحكم عنها ~~في صورة ما، لأن النص والإجماع ms0919 يفيدان من ظن الصحة أكثر مما يفيد التخصيص ~~من ظن البطلان، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # PageV03P326 # تنبيه: لتخلف الحكم عن العلة أقسام: # أحدها: ما يعلم استثناؤه عن قاعدة القياس كإيجاب الدية على العاقلة مع ~~العلم باختصاص كل امرئ بضمان جناية نفسه، وإيجاب صاع تمر في المصراة، مع أن ~~تماثل الأجزاء علة إيجاب المثل في ضمان المثليات، فلا ينتقض به القياس، ولا ~~يلزم المستدل الاحتراز عنه، وإن كانت العلة مظنونة كورود العرايا على علة ~~الربا على كل قول فلا ينقض ولا يخصص العلة، بل على المناظر بيان ورودها على ~~مذهب خصمه أيضا. # الثاني: النقض التقديري: كقوله: رق الأم علة رق الولد فينتقض بولد ~~المغرور بأمه، هو حر، وأمه أمة، فيقال: هو رقيق تقديرا بدليل وجوب قيمته، ~~ففي وروده نقضا خلاف، الأشبه لا، اعتبارا بالتحقيق لا بالتقدير. # تنبيه: لتخلف الحكم عن العلة أقسام ~~«إلى آخره، لما انقضى الكلام في تخصيص العلة بتخلف حكمها عنها في بعض ~~الصور، وكان للتخلف أقسام، بعضها مؤثر في العلة، وبعضها غير مؤثر; ذكر ~~أقسام التخلف ليتميز بعضها من بعض. # فأحد أقسام التخلف» ما يعلم استثناؤه عن قاعدة القياس كإيجاب الدية «في ~~قتل الخطأ» على العاقلة مع العلم باختصاص كل امرئ بضمان جناية نفسه «; ~~لقوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الإسراء: 15] وقوله - عليه السلام ~~-: لا يجني جان إلا على نفسه، وقوله لأبي رمثة عن ابنه: أما إنه # PageV03P327 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لا يجني عليك ولا تجني عليه وكذلك» ~~إيجاب صاع تمر في المصراة «عوضا عن اللبن المحتلب منها» مع أن تماثل ~~الأجزاء علة إيجاب المثل في ضمان المثليات «فكان يقتضي ذلك أن يضمن لبن ~~المصراة بمثله. ولهذا ترك الحنفية العمل بهذا الحديث، وجعلوه مما يخالف ~~الأصول، فهذا» لا ينتقض به القياس «يعني: لا تبطل به علته، لثبوته قطعا بنص ~~الشارع، ومناسبة العقل،» ولا يلزم المستدل الاحتراز عنه «في تعلله بأن ~~يقول: كل امرئ مختص بجناية نفسه في غير دية الخطأ، وتماثل الأجزاء علة ~~إيجاب المثل في ضمان المثليات إلا في المصراة، لأنه ms0920 إنما يجب الاحتراز عما ~~لو لم يحترز عنه لورد نقضا. وهذا ليس كذلك لما بينا. # » وإن كانت العلة مظنونة كورود العرايا على علة الربا على كل قول «وكل ~~مذهب ; فإن علة تحريم الربا حصول التغابن بالتفاضل في الأموال بين ~~المتعاملين، والتفاضل واقع في العرايا، لأنها بيع رطب بتمر، والتساوي ~~بينهما مجهول، وهو كالعلم بالتفاضل، ثم إن العرايا قد جاءت بالاتفاق على كل ~~علة وقول، سواء علل بعلة الكيل أو الطعم أو القوت أو غير ذلك لاستثناء ~~الشارع لها رخصة، فهذا» لا ينقض «العلة، ولا يخصصها» بل # PageV03P328 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # على المناظر وهو المستدل «بيان» ~~أنها واردة «على مذهب خصمه أيضا» إذ لا يلزم الخصم قبول قول المستدل: إن ~~العرايا مستثناة عن علة الربا على كل قول، بدون إقامة الدليل على ذلك، لأنه ~~دعوى، والدعوى لا تقبل إلا بحجة، فتروى له الأحاديث التي في العرايا وبيان ~~كونها رخصة. # ومن هذا الباب قولهم في اشتراط النية للعبادة: عبادة مفروضة، فتفتقر إلى ~~تعيين النية، فلا ينتقض ذلك بالحج حيث جاز الإحرام بما أحرم به زيد من غير ~~تعيين نية، لأنه ورد على خلاف قياس العبادات; إما لمحافظة الشرع على تحصيله ~~بكل وجه حصل مقصوده، أو تخفيفا عن المكلف لئلا يلغو حجه، فيحتاج إلى ~~إعادته، وربما لا يمكنه في ذلك العام، فيحتاج إلى إنشاء سفر آخر لفعله مع ~~ما فيه من المشقة والتغرب. # واعلم أن قول الفقهاء: هذا الحكم مستثنى عن قاعدة القياس، أو خارج عن ~~القياس، أو ثبت على خلاف القياس; ليس المراد به أنه تجرد عن مراعاة المصلحة ~~حتى خالف القياس، وإنما المراد به أنه عدل به عن نظائره لمصلحة أكمل وأخص ~~من مصالح نظائره على جهة الاستحسان الشرعي. # فمن ذلك أن القياس عدم بيع المعدوم، وجاز ذلك في السلم والإجارة توسعة ~~وتيسيرا على المكلفين. # ومنه: أن القياس أن كل واحد يضمن جناية نفسه، وخولف في دية الخطأ رفقا ~~بالجاني، وتخفيفا عنه؛ لكثرة وقوع الخطأ من الجناة # وكذلك الكلام في المصراة; لما كان اللبن المحتلب ms0921 منها مجهولا، فلو وجب ~~ضمانه بمثله، لأفضى إلى النزاع لجهالة القدر المضمون، فقطع # PageV03P329 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الشارع النزاع بينهم بإيجاب صاع ~~تمر باجتهاده، لأنه مضبوط معلوم، وكان ذلك من باب العدل العام، لأن الشخص ~~تارة يكون آخذا للصاع بتقدير كونه بائعا للمصراة، وتارة مأخوذا منه بتقدير ~~كونه مشتريا لها، فما يقع من التفاوت بين قيمة التمر وقيمة اللبن مغتفر في ~~تحصيل هذا العدل العام. وقد حققت هذا في «القواعد الكبرى» والغرض أن كل ~~خارج عن القياس في الشرع في غير التعبدات، فهو لمصلحة أكمل وأخص، وهو ~~استحسان شرعي، وقد سبق في باب الاستحسان أنه أخص من القياس، والله - سبحانه ~~وتعالى - أعلم. # القسم الثاني: من أقسام تخلف الحكم عن العلة، وإنما سميته «النقض ~~التقديري» لمناسبته، وذلك بما ذكر في إثباته، وهو تخلف الحكم عن العلة لا ~~للخلل فيها، بل لمعارضة علة أخرى أخص، كقول القائل: «رق الأم علة رق الولد، ~~فينتقض» عليه «بولد المغرور بأمه» وهو من تزوج امرأة على أنها حرة، فبانت ~~أمة، فهذا الولد حر، مع أن أمه أمة، فقد تخلف حكم العلة عنها، فيقول ~~المستدل: هذا الولد وإن كان حرا حكما، فهو «رقيق تقديرا» أي: في التقدير، ~~«بدليل وجوب قيمته» على أبيه لسيد أمه، ولولا أن الرق فيه حاصل تقديرا، لما ~~وجبت قيمته، إذ الحر لا يضمن بالقيمة. # قلت: ومعنى قولنا: تخلف الحكم لمعارضة علة أخرى، هو أن هذا الولد تنازعه ~~علتان: إحداهما علة الرق تبعا لأمه، والثانية علة الحرية تبعا لاعتقاد # PageV03P330 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أبيه حريته، فثبت مقتضى هذه العلة، ~~وهو الحرية تحقيقا; تحصيلا للحرية تغليبا لجانبها، لأنها الأصل، وثبت مقتضى ~~علة الرق تقديرا، جبرا لما فات على السيد من إتلاف مالية الولد عليه، إذ ~~سبب إتلافه اعتقاد الأب حريته، فضمن ما أتلف، «ففي وروده نقضا» أي: في ورود ~~هذا النقض التقديري على العلة بحيث يبطلها «خلاف، الأشبه لا» يرد «اعتبارا ~~بالتحقيق لا بالتقدير» . # هكذا وقع في «المختصر» وهو سهو، والصواب العكس، وهو أن الأشبه لا يرد ~~اعتبارا بالتقدير لا بالتحقيق، لأن انتقاض ms0922 العلة بولد المغرور إنما يندفع ~~بتقدير كونه رقيقا، والرق فيه إنما ثبت تقديرا لا تحقيقا، إذ هو في التحقيق ~~حر، فتنتقض العلة. وهذا الخلاف ليس في «الروضة» ولا «المستصفى» إنما فيهم ~~عدم الانتقاض فقط، ولكن أنا نقلت الخلاف من غيرهما أحسبه الحاصل. # وإنما قلنا: إن الأشبه عدم الانتقاض، لأن تخلف حكم العلة عنها لا لعدم ~~عليتها بدليل اطرادها في بقية الصور، بل لمعارضة العلة الأخرى لها، فأحيل ~~التخلف عليها، وصار كما سبق من تخلف الحكم عن العلة لمانع، وإنما خرج ~~الخلاف هاهنا واتجه; لأن معنا حالتي تحقيق وتقدير، فبالنظر إلى حالة ~~التحقيق، وهي الحكم بحرية الولد تكون العلة منتقضة، وبالنظر إلى حالة ~~التقدير، وهو كونه في معنى الرقيق تقديرا بدليل ضمانه بقيمته، تسلم ولا ~~تنتقض، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # PageV03P331 # الثالث: تخلف الحكم لفوات محل أو شرط لا لخلل في ركن ~~العلة، نحو: البيع علة الملك، فينتقض بيع الموقوف والمرهون، والسرقة علة ~~القطع، فتنتقض بسرقة الصبي أو دون النصاب، أو من غير حرز فلا تفسد العلة، ~~وفي تكليف المعلل الاحتراز منه بذكر ما يحصله خلاف بين الجدليين يسير ~~الخطب، وما سوى ذلك ناقض، وفي العلة الخلاف السالف، أما المعدول عن القياس ~~فإن فهمت علته ألحق به ما في معناه كقياس عرية العنب على الرطب، وأكل بقية ~~المحرمات على الميتة للضرورة وإلا فلا، كتخصيص أبي بردة بإجزاء جذعة المعز، ~~وخزيمة بن ثابت بكماله بينة، والفرق بين بول الغلام والجارية، إذ شرط ~~القياس فهم المعنى، وحيث لا فهم، فلا قياس والله أعلم. # القسم «الثالث» من أقسام تخلف ~~الحكم عن العلة تخلفه لا لاستثناء عام عن قاعدة القياس، ولا لمعارضة علة ~~أخرى، و «لا لخلل في ركن العلة» بل «لفوات محل أو شرط» كقولنا: «البيع علة ~~الملك» وقد وقع، فليثبت الملك في زمن الخيار، «فينتقض ببيع الموقوف ~~والمرهون» وأم الولد، فقد حصل البيع فيه، ولم يفد الملك. فيقال: لم يتخلف ~~إفادة البيع الملك، لكونه ليس علة لإفادته، بل لكونه لم يصادف محلا، ~~وكقولنا: «السرقة ms0923 علة القطع» وقد وجدت في النباش فيقطع، «فتنتقض بسرقة # PageV03P332 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الصبي، أو سرقة» دون النصاب، أو ~~«السرقة» من غير حرز «فإنها لم توجب القطع. # فيقال: ليس ذلك لكون السرقة ليست علة، بل لفوات أهلية القطع في الصبي، ~~وفوات شرطه في دون النصاب ومن غير الحرز، فهذا وأمثاله لا يفسد العلة، لأن ~~تأثير العلة يتوقف على وجود شروطها وانتفاء موانعها، وهذا منه، وهل يكلف ~~المعلل أو المستدل على ثبوت الحكم بوجود علية الاحتراز من هذا» بذكر ما ~~يحصله «كقوله: بيع صدر من أهله، وصادف محله، أو استجمع شروطه، فأفاد الملك، ~~أو المكلف سرق نصابا كاملا من حرز مثله لا شبهة فيه، فوجب قطعه. # هذا فيه» خلاف بين الجدليين «يعني أهل صناعة الجدل» يسير الخطب «أي: ~~الخطب في هذا الخلاف، أو في اشتراط هذا الاحتراز يسير، لأن الجدل طريقة ~~موضوعة لإظهار الصواب، وسلوكها تابع لاصطلاح أهلها، فإن كان اصطلاحهم ذلك ~~كلفه المعلل، وإلا فلا، نعم الاحتراز منه أولى لأنه أجمع للكلام، وأولى ~~لنشره وتبدده، فربما أفضى إلى تشعيب مناف للغرض. # قوله:» وما سوى ذلك «يعني تخلف حكم العلة في الأقسام الثلاثة فهو» ناقض ~~«للعلة، لأن الأصل يقتضي انتقاضها بمطلق تخلف حكمها، ترك # PageV03P333 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ذلك في الأقسام الثلاثة لقيام ~~الدليل عليه، ففي غيرها يكون ناقضا عملا بالأصل. # وقوله:» وفي العلة الخلاف السالف «أي: وإذا انتقضت بما سوى الأقسام ~~الثلاثة، ففيها الخلاف المتقدم، وهي المذاهب الأربعة، هل تبقى حجة مطلقا أو ~~لا؟ أو يفرق بين ما إذا كان التخلف لمانع، أو كانت العلة منصوصة وما إذا لم ~~يكن كذلك. وقد سبق هذا وتوجيهه في تخصيص العلة. # قوله:» أما المعدول عن القياس، فإن فهمت علته «إلى آخره. أي: المعدول عن ~~القياس إما أن يعقل معناه، أي: يعقل المعنى الذي عدل عن القياس لأجله، أو ~~لا، فإن فهمنا علته، جاز أن يلحق به ما في معناه، كقياس عرية العنب على» ~~عرية «الرطب» فنجيز بيع العنب بالزبيب فيما دون خمسة أوسق رخصة للناس، ~~وتوسعة عليهم إذا احتاجوا إليه، لأن ms0924 عرية الرطب لهذا المعنى ثبتت، وهو ~~مشترك بينهما، وكقياس «أكل بقية المحرمات على» أكل «الميتة للضرورة» بجامع ~~استبقاء النفس بذلك، ويقاس عليه المكره على أكلها، لأنه في معنى المضطر إلى ~~التغذي بها بالجامع. # وإن لم تفهم علته، أي: علة المعدول عن القياس، لم نلحق به غيره، لأن ~~معتمد الإلحاق فهم المعنى، «وحيث لا فهم، فلا قياس» وذلك «كتخصيص أبي بردة ~~- رضي الله عنه - بإجزاء جذعة المعز» في الأضحية دون غيره، وتخصيص «خزيمة ~~بن ثابت - رضي الله عنه - بكماله بينة» أي: # PageV03P334 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بإقامة شهادته مقام شهادتين. # أما حديث أبي بردة، فرواه الشعبي عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - ~~قال: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في يوم نحر، فقال: لا يذبحن ~~أحدكم حتى يصلي. قال: فقام خالي، فقال: يا رسول الله، هذا يوم اللحم فيه ~~مكروه، وإني عجلت نسكي لأطعم أهلي وأهل داري وجيراني، قال: فأعد ذبحا آخر، ~~قال: يا رسول الله، عندي عناق لبن، وهي خير من شاتي لحم أفأذبحها؟ قال: ~~نعم، وهي خير نسيكتيك، ولا تجزئ جذعة لأحد بعدك. # متفق عليه، ورواه أبو داود، والنسائي، والترمذي وصححه. # وأما حديث خزيمة - رضي الله عنه -، فهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~اشترى من أعرابي فرسا ولم يكن بينهما أحد، فلما ذهب النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ليأتيه بالثمن، ساوم الأعرابي رجال من الأنصار في الفرس، وأعطوه ~~أكثر مما باعه به من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهم لا يعلمون ذلك، ~~فلما جاء النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال له الأعرابي: إن كنت تشتري ~~الفرس، وإلا بعته من غيرك، فقال له: أوليس قد اشتريته منك؟ فقال: لا، وطفق ~~الأعرابي يقول: هلم شهيدا، فقال خزيمة بن ثابت - رضي الله عنه -: أنا أشهد ~~أنك بعته من النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال له النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: كيف تشهد ولم تحضرنا؟ فقال: شهدت بتصديقك يا رسول الله، نصدقك في ~~خبر السماء ولا نصدقك بأخبار الأرض! ، أو كلام هذا معناه، فجعل النبي ms0925 - صلى ~~الله عليه وسلم - شهادته بشهادتين. # وهذه التخصيصات مما لا يفهم معناها، فلا يلحق بها غير من خص بها، وكذا ~~التفريق «بين بول الغلام والجارية» ; لما لم يعقل الفرق بينهما، لم # PageV03P335 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يلحق بهما ذكور صغار البهائم ~~وإناثها. # قلت: المقصود هاهنا أنا حيث فهمنا المعنى، ألحقنا، وحيث لا فلا. # أما بول الغلام والجارية، فقد سبق به القول. # وأما تكميل خزيمة بينة، فقد زعم بعض أهل العلم أحسبه الخطابي في «معالم ~~السنن» أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكمله بينة وحده، وإنما حكم في ~~المسألة بعلمه. # قلت: فيحتمل أن الراوي لما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أمضى ~~الحكم مقارنا لشهادته على وفقها، ظن أنه أقامه مقام شاهدين، والله - سبحانه ~~وتعالى - أعلم. # PageV03P336 # ويجوز أن تكون العلة أمرا عدميا، نحو: ليس بمكيل ولا ~~موزون لا يجوز بيعه، فلا يجوز رهنه خلافا لبعض الشافعية. # لنا: الشرعية أمارة فجاز أن تكون عدميا، إذ لا يمتنع جعل نفي شيء أمارة ~~على وجود آخر. # قالوا: لو جاز للزم المجتهد سبر الأعدام. # قلنا: يلزمه سبر السلوب، وإن سلم فلعدم تناهيها، لا لعدم صلاحيتها علة. # و ### | تعليل الحكم بعلتين # خلافا لقوم. # لنا: لا يمتنع جعل شيئين أمارة على حكم، كاللمس والبول على نقض الوضوء، ~~وتحريم الرضيعة لكونه عمها وخالها بإرضاع أخته وزوجة أخيه لها. # قالوا: لا يجتمع على أثر مؤثران. # قلنا: عقلا لا شرعا لما ذكرنا، والله أعلم. # قوله: «ويجوز أن تكون العلة أمرا ~~عدميا» إلى آخره، أي: لا يشترط أن تكون العلة أمرا ثبوتيا، بل يجوز أن تكون ~~أمرا عدميا، أي: هي صفة، أو اسم، أو حكم، كقولنا: «ليس بمكيل ولا موزون» ~~فلا يحرم فيه التفاضل، «لا يجوز بيعه، فلا يجوز رهنه» ونحو ذلك، «خلافا ~~لبعض الشافعية» حيث قالوا: لا يجوز. # «لنا» على الجواز: أن العلة «الشرعية أمارة» أي: علامة على ثبوت الحكم، ~~«فجاز أن تكون» أمرا «عدميا، إذ لا يمتنع» أن يكون الشارع جعل # PageV03P337 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # نفي أمر علامة وجود أمر آخر، كما ~~جعل ترك الصلاة علامة ms0926 على استحقاق القتل والضرب، أو الحبس. قال الله تعالى: ~~{ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} [الأنعام: 121] ، فجعل انتفاء ذكر ~~اسم الله - عز وجل - علامة على تحريم الأكل، وكذلك لو قال: ما لا مضرة فيه ~~من الحيوان، فهو مباح لكم، فهو تعليق للإباحة على عدم المضرة، فهذه أمارات ~~عدمية على أحكام ثبوتية. # قلت: في المثال الأول نظر، لأن ترك الصلاة فعل ثبوتي، وهو امتناع المكلف ~~منها. # «قالوا» يعني احتج الخصم بأن قال: «لو جاز» أن تكون العلة أمرا عدميا; ~~«للزم المجتهد» إثباتها بالسبر; «سبر الأعدام» جميعها، وذلك ممتنع، وإذا ~~امتنع ذلك، دل على أنها لا يجوز أن تكون أمرا عدميا. # قوله: «قلنا» أي: الجواب عن هذا السؤال أنا نلتزم أن المجتهد «يلزمه سبر ~~السلوب» أي: سبر الأمور السلبية التي هي في مظان العلة، نحو: ليس بكذا ولا ~~كذا، كما سبق في المثال أول المسألة. # أما جميع الأعدام يعني كل أمر معدوم فلا يلزم منه سبره، لأنا نعلم أن ~~كثيرا منها لا تعلق عليه أحكام الشرع، نحو مما هو مستعمل في الفلسفة ~~والكلام. # قوله: «وإن سلم» أي: وإن سلمنا أن المجتهد لا يلزمه سبر الأمور العدمية ~~لكن ذلك لكثرتها وعدم تناهيها، لا لكونها لا تصلح أن تكون علة. # PageV03P338 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ومما احتج به الخصم وجهان آخران: # أحدهما: أن العلة لا بد وأن تشتمل على الحكمة التي هي المعنى الجالب ~~للمصلحة، أو النافي للمفسدة، والأمر العدمي لا يصح اشتماله على ذلك. # الثاني: أن العلة فرع التمييز، أي: لا يكون علة إلا ما كان مميزا في ~~نفسه، والعدم نفي محض لا تمييز فيه، فلا يكون علة. # والجواب عن الأول: أن معنى اشتمال العلة على الحكمة هو نفي الاقتران ~~الوجودي، أي: إذا وجدت العلة، وجدت الحكمة، وهذا ممكن في التعليل بالعدم، ~~أو أن الحكمة تقارنه. أما إن تخيل السائل أن اشتمال العلة على الحكمة ~~كاشتمال الظرف على المظروف حتى يمتنع ذلك; فهذا ليس بمراد. # وعن الثاني: أن العدم الذي يقع التعليل به لابد وأن يكون ms0927 عدم شيء بعينه، ~~فيكون متميزا بتميز ما يضاف إليه، كما تقول: عدم علة التحريم علة الإباحة، ~~وعدم التنجيس علة التطهير، وعدم الرخصة علة التزام العزيمة ونحو ذلك. # قوله: «و ### | تعليل الحكم بعلتين» # أي: ويجوز تعليل الحكم الشرعي بعلتين معا «خلافا لقوم» . # قال الآمدي: اتفقوا على جواز تعليل الحكم بعلل في كل صورة بعلة، واختلفوا ~~في الحكم الواحد بالشخص في صورة واحدة; هل يعلل بعلتين معا؟ فمنع من ذلك ~~القاضي أبو بكر، وإمام الحرمين، وجوزه آخرون. # PageV03P339 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وفصل الغزالي بجواز ذلك في العلل ~~المنصوصة دون المستنبطة. # قال الآمدي: والمختار منعه. # قلت: وهذا التفصيل هو الذي ذكره القرافي، وهو مراد الشيخ أبي محمد من ~~إطلاقه بدليل سياق كلامه في أثناء المسألة. # «لنا» أي: على جواز تعليل الحكم بعلتين فأكثر، أن علل الشرع أمارات ~~ومعرفات، وحينئذ «لا يمتنع» أن يجعل الشارع «شيئين أمارة على حكم، كاللمس ~~والبول» علامة «على نقض الوضوء، وتحريم الرضيعة» على الشخص الواحد، «لكونه ~~عمها وخالها» بأن ترضعها أخته، فيكون خالها، لأنها بنت أخته من الرضاع، ~~وترضعها زوجة أخيه بلبن أخيه، فيكون عمها، لأنها بنت أخيه من الرضاع، وكذلك ~~تعليل تحريم وطء المرأة بالصوم والإحرام والاعتداد من غيره، أو تحريمه ~~بالعدة والردة، وتعليل وجوب القتل بالردة والمحاربة، وتحريم الاستجمار ~~بالروث النجس لنجاسته، وكونه طعام إخواننا من الجن، وأشباه ذلك كله جائز لا ~~مانع منه عقلا ولا شرعا. وقد وقع شرعا، فلا وجه لمنعه. # قوله: «قالوا» يعني المانعين لذلك: لو علل الحكم الواحد بعلتين، لاجتمع ~~على الأثر الواحد مؤثران، لكنه «لا يجتمع على الأثر» الواحد مؤثران، فلا ~~يجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين، وإنما قلنا: لا يجتمع على الأثر مؤثران; ~~لأن كل واحد من المؤثرين استقل بإيجاد الأثر، فإن أثرا فيه معا، لزم ~~الاستغناء بكل واحد منهما، والفرض أنه ثبت بهما. هذا خلف، وإن أثرا فيه ~~متعاقبين، فهو إنما ثبت بالأول، والثاني ليس بمؤثر لعدم القابل لتأثيره، ~~وإن لم يستقل كل واحد منهما بإيجاد الأثر، فكل واحد منهما جزء # PageV03P340 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المؤثر، لا المؤثر الكامل، ms0928 بل هما ~~جميعا المؤثر في نقضه. أما أحدهما فقط، فلا علتين، أو كل واحد منهما، فإما ~~على التعاقب فكذلك، أو معا فيلزم أن لا ينتقض بأحدهما مع فرض انتقاضه بهما، ~~وهو تناقض محال. # قوله: «قلنا: عقلا لا شرعا» . هذا جواب ما ذكروه. # وتقريره: إنما يمتنع اجتماع مؤثرين على أثر واحد في الأحكام العقلية لا ~~الشرعية، «لما ذكرنا» قبل من أن علل الشرع أمارات ومعرفات، فلا يمتنع أن ~~يكون على الشيء الواحد علامتان وعلامات، ومعرفان ومعرفات، كما يعرف الحكم ~~الواحد بأدلة كثيرة، وكما يعرف الله - سبحانه وتعالى - بكل جزء من أجزاء ~~العالم معرفة المؤثر بالأثر، كما قال القائل: # وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد # وهذا بخلاف العلل العقلية، فإنها مؤثرات في معلولاتها، فلا يجتمع على ~~المعلول منها علتان، كالتحرك لا يكون في الجوهر الواحد بحركتين، وكسر ~~الإناء لا يكون بكسرين، واسوداد الجسم لا يكون بتسويدين للتقرير المذكور. # ووجه الفرق بين المؤثرتين أعني الثابتتين بنص أو إجماع والمستنبطتين، هو ~~أن المستنبطة إنما تثبت بالسبر، فإذا أضيف الحكم # PageV03P341 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الشرعي إلى أوصاف، وجب جعل جميعها ~~علة واحدة، وكل واحد منها جزء علة، إذ الأصل عدم استقلال كل منها بالعلية ~~حتى ينص صاحب الشرع على استقلاله، فيثبت. # وذكر الآمدي في «جدله» في منع التعليل بعلتين كلاما طويلا، وأنا أذكره ~~بمعناه ملخصا منه ما أمكن مع البيان: # وتقرير ذلك: أن العلة الشرعية إما بمعنى الباعث، أو بمعنى الأمارة ~~والعلامة. # فإن كانت بمعنى الباعث، امتنع أن يكون للحكم الواحد في محل واحد من جهة ~~واحدة باعثان، لوجهين: # أحدهما: أن عند اجتماعهما إن أضيف الحكم إليهما، فهما باعث واحد، وإن ~~أضيف إلى أحدهما، فالآخر ليس بباعث. # الوجه الثاني: لو كان للحكم الواحد باعثان، فإما أن يتفقا من كل وجه، أو ~~يختلفا من كل وجه، أو يتفقا من وجه ويختلفا من وجه. # فإن اتفقا من كل وجه، فلا تغاير، إذ التغاير بدون مميز محال، فهما باعث ~~واحد. # وإن اختلفا من كل وجه، استحال اتفاقهما في اقتضاء ms0929 حكم واحد، إذ اختلاف ~~المؤثر يقتضي اختلاف الأثر. # وإن اتفقا من وجه دون وجه، فالتعليل إن وقع بالقدر المشترك بينهما وهو ما ~~به الاتفاق فالعلة واحدة، وإن وقع بما به الاختلاف; أو بما به الاتفاق ~~والاختلاف جميعا، امتنع اقتضاؤهما لحكم واحد، لاختلافهما في # PageV03P342 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أنفسهما كما سبق بيانه. # وإن كانت العلة بمعنى العلامة: فعند اجتماع الأمارتين، إن عرف الحكم ~~بهما، فهما أمارة واحدة، وإن عرف بإحداهما; فلا حاجة إلى الأخرى. # أما إن اختلف محال الحكم أو جهاته; فلا مانع من تعليله بأكثر من علة ~~واحدة لتعدد محاله وجهاته. # قال: وقد يستشكل علي بأن قواعد الشرع تشهد بخلافه كالحائض المعتدة يحرم ~~وطؤها، وكذا الوالدة المرضعة يحرم نكاحها بالولادة والرضاع، والقاتل المرتد ~~يجب قتله، والصغر والجنون يثبتان الولاية، واللمس والبول والتغويط معا ينقض ~~الوضوء، فالحكم من كل واحدة من هذه الصور متحد، والعلل متعددة، إذ لا سبيل ~~إلى القول بأن المجموع علة واحدة، لاستقلال البعض بالحكم إذا انفرد، ولا ~~إلى القول بأن العلة البعض دون البعض، إذ هو ترجيح بلا مرجح، فتعين أن كل ~~واحدة علة مستقلة. # قال: وهو مندفع من وجهين: # أحدهما: من حيث الإجمال، وهو أنا قد بينا امتناع التعليل بعلتين بدليل ~~عقلي لا سبيل إلى إنكاره، وحيث يتخيل جوازه كما في الصور المستروح إليها، ~~احتمل تعدد الحكم، واتحاد العلة، أو خروج إحدى العلتين عن الاعتبار، ونظن ~~خلاف ذلك لدقة النظر، ولطف المأخذ، ومع هذه الاحتمالات لا سبيل إلى مخالفة ~~الدليل المتيقن. # الوجه الثاني: من حيث التفضيل، وهو تخصيص كل صورة من الصور المذكورة ~~بجواب. # PageV03P343 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أما الصورة الأولى; فتحريم الوطء ~~فيها مجاز، وإنما المحرم قربان الآدمي في وطء الحائض، وإفساد العبادة في ~~وطء المحرمة، واختلاط النسب في وطء المعتدة، فالحكم متعدد بتعدد العلة. # وأما الصورة الثانية; فتحريم النكاح استقلت الولادة دون الرضاع لسبقها ~~عليه. وحينئذ لا يصادف محلا يحرمه، إذ تحريم المحرم تحصيل الحاصل. # وأما الصورة الثالثة; فقتل القاتل غير قتل المرتد، فالحكم متعدد، ولذلك ~~يختلفان في الأحكام، فيسقط القتل قصاصا ms0930 بالعفو، دون القتل بالردة، ويسقط ~~القتل بالردة بالتوبة دون القتل قصاصا، فهما مختلفان بالشخصية لعليتها. # وأما الصورة الرابعة; فثبوت الولاية مضاف إلى الصغر لسبقه على الجنون كما ~~ذكر في الولادة مع الرضاع، إذ لا يعقل الجنون إلا عند التمييز، وكذا لو باع ~~خمرا أو خنزيرا بشرط فاسد، أو ثمن مجهول، أضيف الفساد إلى عدم المحل لسبقه ~~على الشرط. # وأما الصورة الخامسة; فعلى قول بعض العلماء منهم أبو بكر من أصحابنا: ~~الأحداث متعددة، حتى لو نوى رفع واحد منهما، لم يرتفع ما عداه، ولو اغتسلت ~~حائض جنب للحيض، حل وطؤها دون غيره لبقاء الجنابة، فالحكم إذا متعدد بتعدد ~~العلل، وإن قلنا: إن الحدث واحد، فلا مانع من أن يقال: العلة هي المجموع، ~~وإن كان البعض يستقل بالحكم # PageV03P344 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # عند الانفراد، كما في سرقة مائة ~~دينار مثلا مع القطع، فإن مجموعها علة له، وإن كان كل ربع دينار منها ~~مستقلا به عند انفراده. # قلت: وهذا يصلح أن يكون شاهدا عاما لهذا الجواب في جميع الصور. # قلت: فقد رأيت تجاذب الأدلة لهذه المسألة من الطرفين، وهي في محل ~~الاجتهاد، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # والكلام إلى هاهنا في شروط العلة، وبه تم الكلام في شروط أركان القياس ~~الأربعة، وربما وجد فيه بعض التطويل والتكرار، وإنما كان ذلك حرصا على ~~البيان. # PageV03P345 # ثم قال النظام: العلة المنصوصة توجب الإلحاق لا قياسا ~~بل لفظا وعموما، إذ لا فرق بين: حرمت الخمر لشدتها، وبين: حرمت كل مشتد، ~~لغة. # ورد بأنه لا يفيد إلا تحريمها خاصة، فلولا القياس لاقتصرنا عليه، كأعتقت ~~غانما لسواده، وفائدته زوال التحريم عند زوال الشدة، والله أعلم. # وفساد القياس بأن لا يكون الحكم معللا، وبإخطاء علته عند الله تعالى، ~~وبزيادة أوصاف العلة ونقصها، وبتوهم وجودها في الفرع وليست فيه. # قوله: «ثم قال النظام» إلى آخره. ~~يعني أن النظام زعم أن «العلة المنصوصة» أي: الثابتة بالنص «توجب» إلحاق ~~الفرع بالأصل، لا من جهة القياس، بل من جهة اللفظ والعموم المعنوي، أي: ~~الإلحاق مستفاد من عموم اللفظ، لا ms0931 من القياس، «إذ لا فرق» في اللغة «بين» ~~قول القائل: «حرمت الخمر لشدتها، وبين» قوله: «حرمت كل مشتد» فهذا معنى ~~العموم المعنوي. # قوله: «ورد» أي: ورد على النظام قوله بأنا لا نسلم استواء الصيغتين ~~المذكورتين بل قوله: حرمت كل مشتد يفيد العموم لعليته، وقوله: حرمت الخمر ~~لشدتها، لا يفيد إلا تحريم الخمر خاصة، فلولا الإلحاق القياسي، لوجب ~~الاقتصار على تحريمها كما في قوله: «أعتقت غانما لسواده» يختص # PageV03P346 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # العتق بغانم، والنص على علة ~~الإعتاق لا يوجب عموما لفظيا كذلك في مسألتنا. # قوله: «وفائدته زوال التحريم عند زوال الشدة» . جواب سؤال مقدر، تقديره: ~~أن النص على العلة في قوله: حرمت الخمر لشدتها، ونحوه لو لم يفد العموم ~~اللفظي، لم يكن له فائدة. # والجواب: لا نسلم، بل له فائدتان: # إحداهما: زوال الحكم عند زوال العلة، كزوال التحريم عند زوال الشدة، إذ ~~لله تعالى أن ينصب شدة الخمر خاصة علة للتحريم، دون سائر المسكرات تعبدا، ~~ولخاصة يعلمها فيها، ويكون فائدة النص على العلة ما ذكرنا. # الثانية: نحو ما سبق في فائدة العلة القاصرة من سرعة انقياد المكلفين إلى ~~الامتثال لظهور المعنى المناسب، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # قوله: «وفساد القياس» إلى آخره لما بين شروط أركان القياس ومصححاته، شرع ~~في بيان ما يفسده، وذلك من وجوه: # أحدها: «أن لا يكون الحكم معللا» في نفس الأمر، فيكون القائس قد علل ما ~~ليس بمعلل، كمن زعم أن علة انتقاض الوضوء بلحم الجزور هو أنه لشدة حرارته ~~ودسمه مرخ للجوف والأمعاء ومخرج الحدث، فصار ذلك مظنة لخروجه، فأقيم مقام ~~حقيقته كالنوم، ثم ألحق به كل طعام مرخ للجوف، والصحيح المشهور أن ذلك ~~تعبد. # وحكي عن أبي بكر من أصحابنا أنه قال: إذا نقض لحم الجزور الوضوء # PageV03P347 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مع إباحته، فاللحوم المحرمة كلحم ~~الخنزير والكلب أولى أن تكون ناقضة، فجعل استفادة الحكم في اللحوم المحرمة ~~من باب مفهوم الموافقة وهو فاسد أيضا، لأن شرط مفهوم الموافقة فهم العلة في ~~الأصل، كإكرام الوالدين بالنهي عن التأفيف، ولذلك جعله بعض الأصوليين ~~قياسا، ms0932 والحكم في لحم الجزور لا يظهر له علة، وإنما هو تعبد. # الثاني: أن يخطئ القائس علة الحكم «عند الله تعالى» في الأصل، مثل أن ~~يعتقد أن علة الربا في البر الطعم، فيلحق به الخضراوات وسائر المطعومات، ~~وتكون علته في نفس الأمر الكيل أو الاقتيات أو بالعكس، أو يظن أن علة ولاية ~~الإجبار في البكر الصغيرة البكارة، فيلحق بها البكر البالغة، أو الصغر، ~~فيلحق بها الصغيرة الثيب، ويكون الأمر في الحقيقة بخلاف ذلك، أو يظن أن علة ~~قتل المرتد تبديل الدين، فيلحق به المرأة، أو إعانة الكفار فلا يلحقها به، ~~والعلة خلاف ذلك في الأصل. # الثالث: أن يزيد في أوصاف العلة أو ينقص منها، مثل أن يعلل الحنبلي بأنه ~~قتل عمد عدوان، فأوجب القود، فيقول الحنفي: نقصت من أوصاف العلة وصفا، وهو ~~الآلة الصالحة السارية في البدن، يعني المحدد، فلا يصح إلحاق المثقل به، أو ~~يعلل الحنفي بذلك، فيقول الخصم: زدت في أوصاف العلة وصفا ليس منها، وهو ~~صلاحية الآلة، وإنما العلة هي القتل العمد العدوان فقط، فيلحق به المثقل. # وكذا لو قال الحنفي في كفارة رمضان: إفساد للصوم، فأوجب الكفارة، # PageV03P348 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فقال الحنبلي: نقصت وصفا خاصا من ~~العلة، وإنما هي إفساد للصوم الواجب بالجماع، فيخرج الأكل والشرب عن كونه ~~موجبا لها. # الرابع: أن يتوهم وجود العلة «في الفرع وليست فيه» مثل أن يظن أن الخيار ~~ونحوه مكيل، فيلحقه بالبر في تحريم الربا، أو بالعكس، مثل أن يظن أن الأرز ~~موزون، فيلحقه بالخضراوات في عدم تحريم الربا بجامع أنه ليس بمكيل. # وذكر الغزالي وجها آخر، وهو أن يستدل على تصحيح العلة بما ليس بدليل، فلا ~~يصح، فلا يحل له القياس وإن أصاب، كما لو أصاب بمجرد الوهم والحدس، أو أصاب ~~القبلة عند اشتباهها بدون اجتهاد. # قلت: هذا مما يمنع جواز القياس، وقد يفضي إلى إفساده بتقدير الخطأ في ~~دليل تصحيح العلة، ولا يلزم منه فساد القياس، لجواز أن يصيب، فيصح القياس، ~~وربما اتجه جواز القياس حينئذ بناء على الخلاف فيمن أصاب القبلة ms0933 بغير ~~اجتهاد. # قال: وزاد آخرون احتمالا آخر، وهو الخطأ في أصل القياس في الشرع [لأن صحة ~~القياس] ليست مظنونة حتى يتطرق إليها هذا الاحتمال، بل هي مقطوع بها ~~كالتوحيد والنبوة. # قال: وهذه المثارات للخطأ في القياس إنما تستقيم على رأي من يرى أن ~~المصيب واحد، أما من قال: كل مجتهد مصيب، فلا غلط في القياس على رأيه، لأن ~~العلة عند كل مجتهد ما غلب على ظنه، فلا يتصور فيها الخطأ، والله - سبحانه ~~وتعالى - أعلم. # PageV03P349 # تنبيه: إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق مقطوع به ومظنون: # فالأول ضربان: # أحدهما أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم، وشرطه ما سبق، نحو: إذا قبل ~~شهادة اثنين فثلاثة أولى، وإذا لم يصح بالعوراء فبالعمياء أولى، بخلاف إذا ~~ردت شهادة الفاسق، ووجبت الكفارة في الخطأ، فالكافر والعمد أولى، فإنه ~~مظنون لإمكان الفرق بما سبق. # الثاني: أن يستويا كسراية العتق في العبد، والأمة مثله، وموت الحيوان في ~~السمن، والزيت مثله، وهو راجع إلى أن لا أثر للفارق، وطريق الإلحاق لا فارق ~~إلا كذا، ولا أثر له، أو يبين الجامع وجوده في الفرع، وهو المتفق على ~~تسميته قياسا، وفيما قبله خلاف، نحو: السكر علة التحريم، وهو موجود في ~~النبيذ، وإثبات الأولى بالشرع فقط، إذ هي وضعية، والثانية بالعقل والعرف ~~والشرع. # والمظنون ما عدا ذلك. # تنبيه: إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق ~~" إلى آخره، يعني القياس على ضربين: " مقطوع به ومظنون " أي: مساواة الفرع ~~للأصل، تارة تكون قطعية، وتارة تكون ظنية، " فالأول " وهو المقطوع به على ~~ضربين أيضا: # " أحدهما: أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم " وهو فحوى الخطاب، ومفهوم ~~الموافقة، " وشرطه ما سبق " في موضعه، نحو " قولنا: " إذا قبل شهادة # PageV03P350 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # اثنين " فشهادة " ثلاثة أولى " لأن ~~الاثنين فيهم وزيادة، " وإذا لم يصح بالعوراء، فبالعمياء أولى " لأن في ~~العمياء العوراء أو معناها وزيادة. وكذلك إذا لم يصح بالعرجاء، فمقطوعة ~~الرجلين أولى، وكقوله - عليه السلام -: أدوا الخيط والمخيط فوجوب رد ما هو ~~أكثر من ذلك من الغنيمة أولى، وهو كقوله - عز وجل -: {ومنهم من إن تأمنه ~~بدينار ms0934 لا يؤده إليك} [آل عمران: 75] ، فعدم رد القنطار أولى، وقوله - عليه ~~السلام -: العينان وكاء السه، فإذا نامت العينان، استطلق الوكاء فأثبت نقض ~~الوضوء بالنوم; فبسائر مزيلات العقل كالجنون والإغماء والسكر أولى. وقد سبق ~~الخلاف في تسمية هذا قياسا، وهو " بخلاف " قولنا ": " إذا ردت شهادة الفاسق ~~" فشهادة الكافر أولى بالرد، لأن الكفر فسق وزيادة، وإذا " وجبت الكفارة في ~~" قتل " الخطأ " ففي العمد أولى، لأن فيه ما في الخطأ وزيادة العدوان، وإذا ~~أخذت الجزية من الكتابي، فمن الوثني أولى، لأن فيه ما في الكتابي من الكفر ~~مع زيادة كفر وجهل، فإن هذا القبيل " مظنون لإمكان الفرق " في نظر المجتهد ~~بين الفاسق والكافر في الشهادة، وبين الخطأ والعمد في الكفارة " بما سبق " ~~في فحوى الخطاب، وبين الكتابي والوثني بأن قبول الجزية نوع احترام وتخفيف، ~~وذلك مما لا يستحقه الوثني بخلاف الكتابي في ذلك احتراما لكتابه، وهذا - ~~أعني # PageV03P351 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الإلحاق المظنون - مشبه لما قبله، ~~ومتعلق بأذياله، غير أن الأول قاطع، وهذا ظني كما قد رأيت، وبالجملة بينهما ~~جامع، وهو مبادرة الذهن إلى أولوية الفرع بالحكم، وفارق; وهو إمكان الفرق ~~بين الأصل والفرع في هذا الضرب الثاني دون الضرب الأول. # الضرب " الثاني ": من الإلحاق المقطوع به " أن يستويا " يعني الأصل ~~والفرع في استحقاقهما، ومناسبتهما له، كقولنا: سرى " العتق في العبد، ~~والأمة مثله " إذ لا تأثير للذكورة والأنوثة في هذا الحكم ونحوه في عرف ~~الشرع وتصرفه، إذ هما وصفان طرديان، كالسواد والبياض، والطول والقصر، ~~والحسن والقبح، وإن كان للذكورية والأنوثية تأثير في الفرق في بعض الأحكام ~~كولاية النكاح والقضاء والشهادة. # وكذلك " موت الحيوان في السمن " المائع ينجسه، " والزيت مثله " إذ المؤثر ~~هو الجامع، وهو الميعان المصحح لسراية النجاسة، ولا أثر للفارق بكون هذا ~~سمنا وهذا زيتا، لأنه فرق لفظي غير مناسب. # وكذلك قوله - عليه السلام -: أيما رجل وجد متاعه عند رجل قد أفلس، فصاحب ~~المتاع أحق بمتاعه، فنقول: المرأة في معنى الرجل في ذلك، وقوله تعالى: {فإن ~~أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} [النساء: ms0935 25] ، فنقول: ~~العبيد في معنى الإماء في تنصيف الحد، وقوله - عليه السلام -: من باع عبدا ~~وله مال فماله للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع. فنقول: الأمة إذا بيعت ولها ~~مال في معنى العبد. # PageV03P352 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وهذا يسمى القياس في معنى الأصل، ~~أي: إن الفرع فيه في معنى الأصل، " وهو راجع إلى أن لا أثر للفارق " ويسمى ~~إلغاء الفارق. # " وطريق الإلحاق " فيه من وجهين: # أحدهما: أن يقال: " لا فارق " بين محل الإجماع " إلا كذا " وهو " لا أثر ~~له " فيجب استواؤهما في الحكم. # مثاله: لا فارق بين العبد والأمة في سراية العتق وتنصيف الحد إلا ~~الذكورية، ولا أثر لها لما ذكرنا، فيجب استواؤهما في ذلك. # الوجه الثاني: أن " يبين الجامع " الذي هو مناط الحكم في الأصل ما هو، ~~ويبين " وجوده في الفرع " فيثبت الحكم، مثل أن يقول: العلة في الأصل كذا، ~~وهي متحققة في الفرع، فيجب استواؤهما في الحكم. # مثاله: العلة في تحريم الخمر الإسكار، وهي موجودة في النبيذ، فيجب ~~اشتراكهما في التحريم. " وهو " يعني هذا الطريق الثاني، وهو بيان الجامع في ~~الأصل، ووجوده في الفرع هو " المتفق على تسميته قياسا، وفيما قبله " وهو ~~الوجه الأول، وهو إلغاء الفارق فيه " خلاف " هل يسمى قياسا أم لا؟ وذلك لأن ~~القياس هو اعتبار شيء بغيره، أو الجمع بين شيئين بالقصد الأول، وهو يتحقق ~~في بيان علة الأصل ووجودها في الفرع. أما إلغاء الفارق، فليس ذلك موجودا ~~فيه بالقصد الأول، إنما الموجود فيه إلغاء الفارق، وأما الجمع بين الأصل ~~والفرع، فإنما يحصل فيه بالقصد الثاني. # قوله: " نحو: السكر علة التحريم " إلى آخره. هذا مثال بيان علة الأصل ~~ووجودها في الفرع، وهو الوجه الثاني في الإلحاق المسمى قياسا بالاتفاق، ~~كقولنا: " السكر علة التحريم " في الخمر، وهي موجودة في النبيذ، # PageV03P353 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فيثبت التحريم فيه، " وإثبات " ~~المقدمة " الأولى " وهي قولنا هاهنا: السكر علة التحريم " بالشرع فقط " أي: ~~إثبات العلة لا يثبت إلا بطريق شرعي، لأنها " وضعية " أي: مما وضعه الشرع، ~~وما اختص الشرع بوضعه علة وعلما على الحكم لا يعلم إلا بدليل من ms0936 جهته، ~~وإثبات المقدمة " الثانية " وهي تحقيق العلة في الفرع " بالعقل والعرف ~~والشرع " لأن طريق إثباتها في الفرع ليس من خواص أوضاع الشرع، إنما هو ~~اجتهاد من المجتهد، فجاز أن يكون طريق إثباتها فيه عقليا أو عرفيا أو ~~شرعيا، أي: معلوم بالعقل أو العرف أو الشرع، ويتعلق بأذيال هذا الضرب، وهو ~~القياس في معنى الأصل ما هو دونه في القوة وهو مظنون، كقولنا: إذا أضاف ~~العتق إلى عضو معين، سرى، فإذا أضافه إلى جزء شائع كالنصف والثلث، يسري ~~أيضا، والجامع أن هذا بعض، وهذا بعض، فهذا في محل النظر والاجتهاد، إذ شيوع ~~البعض وتعيينه مثار لفرق منقدح في نظر بعض المجتهدين. # فيحصل مما ذكرنا أن الإلحاق المقطوع به ضربان: # أحدهما: ما الفرع أولى فيه بالحكم في بادئ الرأي، ثم ينقسم إلى قسمين: ما ~~الأمر فيه كذلك في الحقيقة، كالضرب مع التأفيف، وهو فحوى الخطاب، وما ليس ~~كذلك، كشهادة الكافر مع شهادة الفاسق، والأول أقوى من الثاني. # PageV03P354 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الضرب الثاني: ما الفرع فيه مساو ~~للأصل في استحقاق الحكم، وهو أيضا على قسمين: ما لا ينقدح الفرق بينهما في ~~نفس الأمر، كقياس الأمة على العبد في السراية. الثاني: ما ينقدح في الفرق، ~~كالجزء المشاع مع الجزء المعين. # قوله: " والمظنون ما عدا ذلك " أي: ما عدا ما ذكرناه من الإلحاق بطريق ~~الأولى، والقياس في معنى الأصل فهو مظنون كالأقيسة الشبهية، ونحو ذلك. # فحصل من هذه الجملة بيان أصناف الإلحاق القياسي قطعا أو ظنا، والله ~~سبحانه أعلم بالصواب. # PageV03P355 # وترجع أدلة الشرع إلى نص، أو إجماع، أو استنباط، ~~وتثبت العلة بكل منها: # القسم الأول: إثباتها بدليل نقلي، وهو ضربان: # صريح في التعليل نحو: {كي لا يكون دولة} ، {لكي لا تأسوا} ، ليعلم، {ذلك ~~بأنهم شاقوا الله} ، {من أجل ذلك كتبنا} ، إلا لنعلم، {ليذوق وبال أمره} ، ~~«إنما نهيتكم من أجل الدافة» ، {لأمسكتم خشية الإنفاق} ، {حذر الموت} . # فإن أضيف إلى ما لا يصلح علة، نحو: لم فعلت؟ فيقول: لأني أردت، فهو مجاز، ~~أما نحو: " إنها رجس " " إنها ليست بنجس " فصريح ms0937 أيضا عند أبي الخطاب، وإن ~~لحقته الفاء نحو: فإنه يبعث ملبيا فهو آكد، وإيماء عند غيره ". # الثاني: الإيماء وهو أنواع: # أحدها: ذكر الحكم عقيب الوصف بالفاء، نحو: {قل هو أذى فاعتزلوا} ، ~~{والسارق والسارقة فاقطعوا} ، «من بدل دينه فاقتلوه» ، «من أحيا أرضا ميتة ~~فهي له» إذ الفاء للتعقيب، فتفيد تعقب الحكم الوصف، وأنه سببه، إذ السبب: ~~ما يثبت الحكم عقيبه، ولهذا تفهم السببية مع عدم المناسبة، نحو: «من مس ~~ذكره فليتوضأ» ، وكذلك لفظ الراوي نحو: سها فسجد، وزنى ماعز فرجم. اعتمادا ~~على فهمه وأمانته، وكونه من أهل اللغة، واشترط بعضهم المناسبة، وإلا لفهم ~~من: صلى فأكل، سببية الصلاة للأكل. # قوله: " وترجع أدلة الشرع " إلى ~~آخره. لما فرغ من بيان أصناف القياس من حيث القطع والظن، وكان ذلك فيما ~~يتوقف على معرفة العلة في قوتها وضعفها، والقوة والضعف فيها مستفاد من دليل ~~ثبوتها الشرعي، # PageV03P356 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # احتجنا إلى بيان أدلة الشرع التي ~~تثبت بها العلة الشرعية. # وأدلة الشرع ترجع، أي: تنحصر في النص والإجماع والاستنباط، لأن النص يعم ~~الكتاب والسنة، والاستنباط هو أعم من الاستدلال، فانحصرت أدلة الشرع ~~المعتبرة في ذلك، والعلة القياسية يصح إثباتها بكل واحد من هذه الأدلة، ~~وليس المراد أن كل فرد من أفراد العلة يجوز إثباته بكل فرد من أفراد هذه ~~الأدلة، بل المراد إثبات كل فرد من أفراد العلة بأدلة الشرع المذكورة على ~~البدل، أي: إذا لم يوجد في النص ما يثبتها، ففي الإجماع، فإن لم يوجد ففي ~~الاستنباط، فمجموع الأدلة في الإثبات مقابل لمجموع العلل، وقد بان المراد ~~من ذلك. # " القسم الأول ": يعني من أقسام طرق إثبات العلة: # الدليل النقلي، وهو يعم الكتاب والسنة، " وهو " يعني إثبات العلة أو ~~الدليل النقلي في إثباتها " ضربان ": # أحدهما: " صريح في التعليل " أي: في بيان كون المذكور علة، وهو أن يكون ~~اللفظ موضوعا لذلك أو مشهورا فيه في عرف اللغة، " نحو " قوله - سبحانه ~~وتعالى -: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا ms0938 يكون دولة بين الأغنياء منكم} ~~[الحشر: 7] ، أي: إنما جعل مصرفه هذه الجهات لئلا يتداوله الأغنياء قوما ~~بعد قوم، فيفوت نفعه تلك الجهات المحتاجة إليه، ولا يقع من الأغنياء موقع ~~ضرورة، وكقوله - سبحانه وتعالى -: {فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما ~~فاتكم} [آل عمران: 153] ، أي: شغل قلوبكم بالغم الأعظم، لئلا تحزنوا على ما ~~فاتكم من الغنيمة. وكقوله - سبحانه وتعالى -: # PageV03P357 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها ~~إلا لنعلم من يتبع الرسول} [البقرة: 143] ، أي: ليمتحنهم بالانقياد ~~للانتقال من قبلة إلى قبلة. وكذا قوله - عز وجل -: {وما كان له عليهم من ~~سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك} [سبأ: 21] ، أي: ما ~~سلطنا إبليس على الخلق بالإغواء إلا امتحانا لهم بالإيمان، وإلا فهو لا ~~يستقل بإضلالهم، كما جاء في الأثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: بعثت ~~داعيا وليس إلي من الهداية شيء، وخلق إبليس مزينا وليس إليه من الضلال شيء ~~أو كما قال، وكقوله - عز وجل -: فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ~~ذلك بأنهم شاقوا الله [الأنفال: 12 - 13] ، وكذا قوله تعالى: {ولهم في ~~الآخرة عذاب النار} {ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله} [الحشر: 3 - 4] ، أي: ~~إنما عذبناهم في الدنيا بالقتل، وفي الآخرة بالنار لسبب شقاقهم، أو لعلة ~~شقاقهم، وكذا قوله - سبحانه وتعالى -: {فأصبح من النادمين} {من أجل ذلك ~~كتبنا على بني إسرائيل} [المائدة: 31 - 32] ، المشهور أن: {من أجل ذلك} ~~متعلق ب " كتبنا " أي: كتبنا على بني إسرائيل القصاص من أجل قتل ابن آدم ~~أخاه، يعني ذلك هو السبب في شرع القصاص حراسة للدماء، وقيل: هو متعلق ~~بندامة ابن آدم القاتل، أي: أصبح من النادمين من أجل قتله، أو من أجل تركه ~~لم يواره حتى نبهه الغراب على مواراته، والتعليل صحيح # PageV03P358 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # على التقديرين. وقوله - سبحانه ~~وتعالى -: (إلا لنعلم) قد سبق بيانه، وقوله - عز وجل -: {ومن قتله منكم ~~متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم} إلى قوله: {ليذوق وبال أمره} [المائدة: ~~95] ، أي: أوجبنا عليه الفدية عقوبة على فعله ليذوق وبال أمره، أي: ms0939 لعلة ~~إذاقته وبال أمره، ومقابلته على فعله. وقوله - عليه السلام -: إنما نهيتكم ~~يعني عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث من أجل الدافة وهم قوم وردوا عربا، ~~فأمرهم أن لا يدخروا لحوم الأضاحي توسعة عليهم. وكذا قوله - عليه الصلاة ~~والسلام -: إنما جعل الاستئذان من أجل النظر. وقوله - عز وجل -: {إذا ~~لأمسكتم خشية الإنفاق} [الإسراء: 100] ، وقوله - عز وجل -: {يجعلون أصابعهم ~~في آذانهم من الصواعق حذر الموت} [البقرة: 19] ، أي: خشية الإنفاق، وحذر ~~الموت، لأن هذا من باب المفعول له، وهو علة الفعل. # قوله: " فإن أضيف إلى ما لا يصلح علة " إلى آخره. معنى هذا الكلام أن ~~الفعل بحكم الأصل في وضع اللغة أو استعمالها إنما يضاف إلى علته وسببه، فإن ~~أضيف إلى ما لا يصلح علة، فهو مجاز، ويعرف ذلك بقيام الدليل على عدم ~~صلاحيته علة، مثل أن يقال للفاعل: " لم فعلت؟ فيقول: لأني أردت " فإن هذا ~~لا يصلح أن يكون علة، فهو استعمال اللفظ في غير محله، وإنما قلنا: إن ~~الإرادة ليست علة للفعل وإن كانت هي الموجبة # PageV03P359 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لوجوده، أو المصححة له، لأن المراد ~~بالعلة في الاصطلاح هو المقتضي الخارجي للفعل، أي: المقتضي له من خارج، ~~والإرادة ليست معنى خارجا عن الفاعل. # قوله: " أما نحو: إنها رجس " إلى آخره. هذا ذكر أمثلة اختلف فيها، هل هي ~~صريح في التعليل أو تنبيه؟ # منها قوله - عليه السلام - في الروثة لما جيء بها ليستجمر بها: إنها رجس ~~وقوله في الهرة: إنها ليست بنجس وقوله: لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على ~~خالتها، إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم. وقوله في المحرم الذي مات: لا ~~تقربوه طيبا فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا. وفي الشهداء: زملوهم بكلومهم ~~ودمائهم فإنهم يبعثون يوم القيامة وأوداجهم # PageV03P360 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # تشخب دما، فهذا كله " صريح " في ~~التعليل " عند أبي الخطاب " خصوصا فيما لحقته الفاء، نحو: فإنه يبعث ملبيا، ~~فإنه يزداد بها تأكدا لدلالتها على أن ما بعدها سبب للحكم قبلها، وهو " ~~إيماء عند غير " أبي الخطاب. # قلت: النزاع في هذا لفظي، لأن أبا الخطاب ms0940 يعني بكونه صريحا في التعليل ~~كونه تبادر منه إلى الذهن بلا توقف في عرف اللغة، وغيره يعني بكونه ليس ~~بصريح أن حرف إن ليست موضوعة للتعليل في اللغة. وهذا أقرب إلى التحقيق، ~~وإنما فهم التعليل منه فهما ظاهرا متبادرا بقرينة سياق الكلام وصيانة له عن ~~الإلغاء، لأن قوله: إنها من الطوافين عليكم والطوافات إنها ليست بنجس ونحو ~~ذلك; لو قدر استقلاله وعدم تعلقه بما قبله، لم يكن له فائدة، فتعين لذلك ~~ارتباطه بما قبله، ولا معنى له إلا ارتباط العلة بمعلولها، والسبب بمسببه. ~~فبهذا الطريق يثبت كونه للتعليل لا بوضع اللغة. # " الثاني ": أي: الضرب الثاني من إثبات العلة بدليل نقلي " الإيماء ": ~~وهو ضرب من الإشارة، والفرق بينه وبين النص أن النص يدل على العلة بوصفه ~~لها، والإيماء يدل عليها بطريق الالتزام، كدلالة نقص الرطب على التفاضل، أو ~~بطريق من طرق الاستدلال عقلا، " وهو أنواع ": # PageV03P361 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # " أحدها: ذكر الحكم عقيب الوصف ~~بالفاء، نحو " قوله - سبحانه وتعالى -: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى ~~فاعتزلوا النساء في المحيض} [البقرة: 222] ، وقوله - عز وجل -: {والسارق ~~والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] ، وقوله - عليه السلام -: من بدل ~~دينه فاقتلوه، من أحيا أرضا ميتة فهي له. فهذه كلها أحكام ذكرت عقيب أوصاف ~~كاعتزال النساء عقيب المحيض، وقطع السارق عقيب السرقة، وقتل المرتد عقيب ~~التبديل، وملك الأرض بعد الإحياء، وذلك يفيد في عرف اللغة أن الوصف الذي ~~قبل الحكم علة وسبب لثبوته، لأن " الفاء " في اللغة " للتعقيب " على ما ~~تقرر في كتب العربية، " فتفيد تعقب الحكم الوصف " أي: ثبوت الحكم عقيب ~~الوصف، وأنه - يعني الوصف - سبب الحكم، لأن " السبب ما يثبت الحكم عقيبه " ~~كما سبق بيانه في خطاب الوضع. # " ولهذا " أي: ولكون السبب ما يثبت الحكم عقيبه، أو لكون ما بعد الفاء ~~مسببا لما قبلها في عرف اللغة، في مثل هذه الصيغ المذكورة، " تفهم السببية ~~مع عدم المناسبة " أي: يفهم كون الوصف سببا لما بعده مع عدم مناسبته له، ~~وذلك نحو قوله - عليه السلام -: من مس ذكره فليتوضأ، من أكل لحم ms0941 الجزور ~~فليتوضأ، ونحو ذلك، إذ لا مناسبة فيه بين الحكم والوصف، والسببية مفهومة. # PageV03P362 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: " وكذلك لفظ الراوي " أي: في ~~كون ترتيب الحكم على الوصف بالفاء يفيد السببية، لأنه والشارع جميعا من أهل ~~اللغة، واقتضاء اللغة واحد، فلا يفترقان فيه، وذلك كقول الراوي: سها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فسجد، وزنى ماعز فرجم، فرتب السجود على السهو، ~~والرجم على الزنى، وكذا قول أنس - رضي الله عنه -: رضخ يهودي رأس جارية، ~~فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرضخ رأسه بين حجرين. وقول ~~الآخر: عتقت بريرة تحت عبد، فخيرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وأشباه ذلك. # قوله: " اعتمادا على فهمه " إلى آخره. أي: حكمنا بالسببية في لفظ الراوي ~~اعتمادا على فهمه لها من فعل الشارع، " وكونه من أهل اللغة " فلا يخفى عليه ~~ما تقتضيه ألفاظها، فلا يروي لنا صورة إلا وهي تفيد الواقع، وعلى كونه ~~أمينا على الشريعة، فلا يروي لنا ما يوقع التدليس فيها، ولا شك أن اللبس ~~إنما يقع مع رواية جاهل أو خائن، والراوي إن كان صحابيا، فالجهل والخيانة ~~منفيان عنه، وإن كان غير صحابي، فنحن لا نقبل إلا رواية من انتفت عنه ~~الصفتان، فحصل الأمان من اللبس. # PageV03P363 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: " واشترط بعضهم المناسبة " ~~إلى آخره. اعلم أن الأصوليين اختلفوا: هل يشترط في استفادة السببية من ~~ترتيب الحكم على الفاء أن يكون السبب مناسبا للحكم، كمناسبة الزنا للرجم ~~ونحوه أم لا؟ والكلام فيما قدمناه في ذلك عام فيما إذا كان مناسبا أو غير ~~مناسب وهو الصحيح، واشترط بعض الأصوليين أن يكون مناسبا، إذ لو لم تشترط ~~مناسبته، " لفهم من " قولنا: " صلى " زيد " فأكل " أن الصلاة سبب للأكل، ~~لكنه باطل في اللغة والعرف، فوجب أن تكون المناسبة شرطا. # والجواب: لا نسلم بطلان ذلك في اللغة ولا العرف بدليل أن من قال: أكرم ~~الجهال وأهن العلماء ; نفر من كلامه كل عاقل، وما ذاك إلا أنهم يفهمون ~~سببية العلم للإهانة والجهل للإكرام، وهو مما تأباه العقول. # وقولكم: صلى زيد فأكل، وأكل ms0942 ماعز فرجم، وباع الأعرابي، فوجب عليه ~~الكفارة، وقام النبي فسجد، وأشباه ذلك; حجة عليكم، لأنكم إنما أنكرتموه ~~بناء على فهم سببية ما ليس بمناسب، إذ لو لم تفهموا السببية لما أنكرتم هذا ~~الكلام، وإنما لم يفهم من قول القائل: صلى فأكل، سببية الصلاة للأكل، لأنه ~~غير مناسب عقلا، وليس الكلام في المناسبة العقلية; إنما الكلام في إفادة ~~الكلام السببية لغة، ونحن نقول به، إذ لو روي لنا من وجه # PageV03P364 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # صحيح أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - صلى فأكل، أو أكل فسجد، وما شئتم من هذا الباب، لحكمنا بالسببية فيه ~~بناء على أنه فعل ذلك، ومتابعته علينا واجبة في الواجبات، ومندوبة في ~~المندوبات، ونجعل ذلك من قبيل الأسباب التعبدية، نحو: من مس ذكره فليتوضأ، ~~و: من أنزل الماء فليغتسل. وأشباه ذلك. # PageV03P365 # الثاني: ترتيب الحكم على الوصف بصيغة الجزاء، نحو: ~~{ومن يتق الله يجعل له مخرجا} ، {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} أي: لتقواه ~~وتوكله لتعقب الجزاء الشرط. # الثالث: ذكر الحكم جوابا لسؤال يفيد أن السؤال أو مضمونه علته، كقوله: ~~«أعتق رقبة» في جواب سؤال الأعرابي، إذ هو في معنى: حيث واقعت، فأعتق، وإلا ~~لتأخر البيان عن وقت الحاجة. # الرابع: أن يذكر مع الحكم ما لو لم يعلل به، للغى، فيعلل به صيانة لكلام ~~الشارع عن اللغو، نحو قوله - صلى الله عليه وسلم - «حين سئل عن بيع الرطب ~~بالتمر: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم، قال: فلا إذن» فهو استفهام ~~تقريري لا استعلامي لظهوره، وكعدوله في الجواب إلى نظير محل السؤال نحو: # أرأيت لو تمضمضت، «أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته» . # و «الثاني» : أي: النوع الثاني من ~~أنواع الإيماء «ترتيب الحكم على الوصف بصيغة الجزاء» أي: بصيغة الشرط ~~والجواب، «نحو» قوله - عز وجل -: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} [الطلاق: 2] ~~، أي: لأجل تقواه، {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} [الطلاق: 3] ، أي: لأجل ~~«توكله، لتعقب الجزاء الشرط» أي: لأن الجزاء يكون عقيب الشرط في اللغة. وقد ~~ثبت بما سبق أن السبب ما ms0943 ثبت الحكم عقيبه، فإذن الشرط في مثل هذه الصيغ سبب ~~الجزاء، فيكون الشرط اللغوي سببا وعلة. وقد سبق أن الشروط اللغوية أسباب. # ومن أمثلة هذا النوع قوله - عز وجل -: {من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف ~~لها العذاب ضعفين} [الأحزاب: 30] ، {ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا ~~نؤتها أجرها مرتين} [الأحزاب: 31] ، وقوله عليه # PageV03P366 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الصلاة والسلام: من تبع جنازة، فله ~~من الأجر قيراط، ومن اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية أو زرع، نقص من أجره ~~كل يوم قيراطان، ومن قتل قتيلا، فله سلبه، ومن أحيا أرضا ميتة، فهي له وقد ~~سبق وأمثلته كثيرة. # فائدة: اعلم أن في باب الشرط والجزاء لا يكون ما بعد الفاء إلا حكما وما ~~قبلها سبب، لأن جواب الشرط متأخر عن الشرط في وضع اللغة تحقيقا، نحو: إن ~~كنت مؤمنا، فاتق الله، أو تقديرا، نحو: اتق الله إن كنت مؤمنا، # PageV03P367 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والسبب في ذلك أن الشرط لازم، ~~والمشروط ملزوم، والملزوم إنما يكون بعد اللازم، وثبوته فرع على ثبوته، ~~واعتبر ذلك بالمحسوس، كالجدار والسقف، فإن السقف إنما يوجد بعد وجود ~~الجدار، والإنسان إنما يعقل بعد تعقل الحيوان اللازم له. # أما ما سبق، فإن ما بعد الفاء قد يكون حكما نحو: {قل هو أذى فاعتزلوا} ~~[البقرة: 222] ، وقد يكون علة، نحو: لا تقربوه طيبا، فإنه يبعث ملبيا، فإن ~~بعثه ملبيا هو علة تجنيبه الطيب. وهذا عند التحقيق يرجع إلى باب الشرط ~~والجزاء، لأن الأمر والنهي قد يتضمنان الشرط، فيجزم جوابهما، نحو قوله - عز ~~وجل -: {فهب لي من لدنك وليا} {يرثني} [مريم: 5 - 6] ، أي: هب لي، فإنك إن ~~تهب لي وليا يرثني. وقولك: لا تقرب الشر، تنج، أي: لا تقربه، فإنك إن لا ~~تقربه، تنج. وتدخل الفاء في جوابهما، كقوله: لا تقربوه طيبا فإنه يبعث أي: ~~من مات محرما، فإنه يبعث ملبيا، فلا تقربوه طيبا. وقوله: زملوهم بكلومهم ~~فإنهم يحشرون أي: من مات شهيدا، فإنهم يحشرون تشخب أوداجهم، فزملوهم، ~~فالظاهر استواء الصيغ جميعها في تأخر الحكم وترتبه على الوصف، لأن الحكم ~~إما ms0944 مسبب أو مشروط، وهو مسبب أيضا، وكلاهما متأخر. نعم بعض ذلك متأخر ~~تحقيقا، وبعضه تقديرا كما ذكرنا. # «الثالث» : أي: النوع الثالث من أنواع الإيماء: «ذكر الحكم جوابا لسؤال # PageV03P368 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يفيد أن السؤال» المذكور «أو ~~مضمونه» هو علة الجواب المذكور، كقوله - عليه السلام - في جواب قول ~~الأعرابي: واقعت أهلي في نهار رمضان: «أعتق رقبة» لأن ذلك «في معنى» قوله: ~~«حيث واقعت» أهلك، «فأعتق رقبة» ؛ لأن السؤال في تقدير الإعادة في الجواب ~~كما لو قيل: جاء العدو فقال: اركبوا، أو: فلان واقف يسأل، فقال: أعطوه، إذ ~~التقدير: حيث جاء العدو، فاركبوا، وحيث جاء فلان يسأل، فأعطوه. # قوله: «وإلا لتأخر البيان عن وقت الحاجة» أي: لو لم يعلل الجواب بالسؤال، ~~لكان الجواب غير مرتبط بالسؤال، ولو كان غير مرتبط به، لخلا السؤال عن ~~جواب. وحينئذ يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، لأن السائل إنما يسأل ~~ليتبين له الحكم، والتقدير أنه لم يجب عن سؤاله، وأيضا يلزم أن أمره بعتق ~~رقبة ثبت تعبدا، وهو خلاف الأصل، أو أنه حكم ثبت بغير سبب، وهو محال، ولا ~~سبب يحال عليه الحكم إلا سؤال السائل، فوجب أن يضاف إليه، ويعلل به. # «الرابع» : أي: النوع الرابع من أنواع الإيماء إلى العلة «أن يذكر» ~~الشارع «مع الحكم» شيئا «لو لم يعلل» الحكم «به» لكان ذكره لاغيا، فيجب ~~تعليل الحكم بذلك الشيء المذكور معه «صيانة لكلام الشارع عن اللغو» إذ ~~الدليل القاطع دل على عصمته من ذلك، وهو ضربان: # أحدهما: أن يسأل في الواقعة عن أمر ظاهر لا يخفى عن عاقل، ثم يذكر # PageV03P369 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الحكم عقيبه، فيدل على أن ذلك ~~الأمر المسئول عنه علة الحكم المذكور. # مثاله: لما سئل عن بيع الرطب بالتمر، قال: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: ~~نعم. قال: فلا إذن فهذا «استفهام تقريري» أي: على جهة التقرير، لكونه ينقص ~~إذا يبس، كقوله - سبحانه وتعالى -: {وما تلك بيمينك ياموسى} [طه: 17] ، ~~ليقرر عنده أنها عصا لئلا يتردد عند انقلابها حية، أو على جهة التأنيس، ~~وليس هذا من باب الاستعلام، إذ من ms0945 المعلوم لكل عاقل أن الرطب ينقص إذا يبس ~~لزوال الرطوبة الموجبة لزيادته وثقله. # قال الغزالي: في هذا الحديث تنبيه على العلة من ثلاثة أوجه: # أحدها: ما سبق من أنه لا معنى لذكر هذا الوصف إلا التعليل به. # الثاني: قوله: «إذن» فإنه للتعليل. # قلت: وبيانه أن تقدير الكلام: إذ الأمر كذلك فلا تبيعوه، أو فلا تفعلوا ~~إذن. # الثالث: الفاء في قوله: فلا، إذ هي للتعقيب والسبب كما سبق، كأنه جعل ~~النقص الموجب للتفاضل سبب المنع. # قوله: «وكعدوله في الجواب إلى نظير محل السؤال» كقوله لعمر - رضي الله ~~عنه - لما قال له: إني قبلت وأنا صائم، فقال له: أرأيت لو تمضمضت.، وكقوله ~~للخثعمية لما سألته عن الحج عن أبيها: أرأيت لو # PageV03P370 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # كان على أبيك دين فقضيتيه.، فإن ~~ذلك يدل على التعليل بالمعنى المشترك بين الصورتين المسئول عنها والمعدول ~~إليها بطريق القياس، إذ لو لم يكن كذلك لخلا السؤال عن جواب، ولزم ما سبق، ~~فكأنه قال لعمر: إن القبلة لا تضر ولا تفسد صومك، لأنها مقدمة شهوة الفرج، ~~كما أن المضمضة مقدمة شهوة البطن، وكما أن هذه لا تبطل الصوم كذلك تلك. ~~وكأنه قال للمرأة: الحج دين الله - عز وجل -، فيجزئ قضاؤه عن الوالد، كدين ~~الآدمي، والجامع كونهما دينا. # وذكر النيلي في «شرح جدل الشريف» لهذا النوع ضربا ثالثا، ومثله بقوله - ~~عليه السلام - لابن مسعود - رضي الله عنه -، هل معك ماء أتوضأ به؟ قال: ~~إنما معي ماء نبذت فيه تمرات لتجذب ملوحته، فقال - عليه السلام -: ثمرة ~~طيبة وماء طهور، فقوله: طهور، لا فائدة لذكره إلا أنه أراد جواز الوضوء به، ~~وإلا فطهارته معلومة بدون ذلك، وأورد عليه أسئلة وأجوبة. # قلت: وهو داخل في الضرب الأول مما ذكرنا، أو هو من قبيله وما يشبهه. # PageV03P371 # الخامس: تعقيب الكلام أو تضمينه ما لو لم يعلل به، لم ~~ينتظم نحو: {فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} ، «لا يقضي القاضي وهو ~~غضبان» إذ البيع والقضاء لا يمنعان مطلقا، فلا بد إذن من مانع; وليس إلا ما ~~فهم من ms0946 سياق النص ومضمونه. # السادس: اقتران الحكم بوصف مناسب، نحو: أكرم العلماء، وأهن الجهال كما ~~سبق; ثم الوصف في هذه المواضع معتبر في الحكم، والأصل كونه علة بنفسه إلا ~~لدليل يدل على أن العلة مضمونة كالدهشة التي تضمنها الغضب. # " الخامس ": أي: النوع الخامس من ~~أنواع الإيماء " تعقيب الكلام أو تضمينه " أي: أن يذكر عقيب الكلام، أو في ~~سياقه، أو في ضمنه شيئا " لو لم يعلل به " الحكم المذكور، " لم ينتظم " أي: ~~لم يكن الكلام منتظما، " نحو " قوله تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ~~فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} [الجمعة: 9] ، وقوله - عليه السلام -: لا ~~يقضي القاضي وهو غضبان، فلو لم يعلل النهي عن البيع حينئذ بكونه مانعا أو ~~شاغلا عن السعي، لكان ذكره لاغيا، وكذا لو لم يعلل النهي عن القضاء عند ~~الغضب بكونه يتضمن اضطراب المزاج الموجب لاضطراب الفكرة الموجب غالبا للخطأ ~~في الحكم، لكان ذكره لاغيا، وذلك لأن البيع والقضاء لا منع منهما # PageV03P372 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مطلقا، " فلا بد إذن من مانع، وليس ~~إلا ما فهم من سياق النص ومضمونه: من شغل البيع عن السعي إلى الجمعة فتفوت، ~~واضطراب الفكرة لأجل الغضب، فيقع الخطأ، فوجب إضافة النهي إليه؛ لأنه ~~مناسب، فهو من باب اقتران الحكم بالوصف المناسب. # " السادس ": أي: النوع السادس من أنواع الإيماء " اقتران الحكم بوصف ~~مناسب، نحو " قوله: " أكرم العلماء، وأهن الجهال، كما سبق " كقوله - عز وجل ~~-: {الزانية والزاني فاجلدوا} [النور: 2] ، {والسارق والسارقة فاقطعوا ~~أيديهما} [المائدة: 38] ، أي: للزنى والسرقة، وقوله - عليه السلام -: لا ~~يقتل مسلم بكافر ; يفهم منه تعليل عدم القصاص بينهما بشرف الإسلام ونقص ~~الكفر، لأن المعلوم من تصرفات العقلاء ترتيب الأحكام على الأمور المناسبة، ~~والشرع لا يخرج عن تصرفات العقلاء. " ثم " إن " الوصف في هذه المواضع " أي: ~~في كل موضع رتب الحكم عليه " معتبر في الحكم " أي: في تعريفه له أو في ~~تأثيره ووجوده، غير أنه يحتمل أنه - أعني الوصف - علة بنفسه، كالإحياء ~~المقتضي لملك الموات، ويحتمل أن العلة ما تضمنه واشتمل عليه " كالدهشة " ~~المانعة من الفكر ms0947 " التي تضمنها " وصف " الغضب " لكن الأصل كون الوصف " علة ~~بنفسه " حتى يقوم الدليل على أن العلة ما تضمنه، كالدهشة، أو لزم عنه، ~~كالتفاضل اللازم عن نقص الرطب، أو اشتمل عليه، كالشغل عن الجمعة الذي اشتمل ~~عليه البيع. # قال بعض الأصوليين: نذكر من أنواع الإيماء الفرق بين شيئين في # PageV03P373 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الحكم بذكر صفة، فإنه يفيد أن تلك ~~الصفة علة الفرق، كقوله - عليه السلام -: القاتل لا يرث مع إثباته الإرث ~~لغيره من الأولاد، فيدل على أن القتل علة منع الإرث، وكقوله - عليه السلام ~~-: للراجل سهم وللفارس ثلاثة أسهم، وقوله: البكر إذنها صماتها والثيب تعرب ~~عن نفسها. وهذا كله من باب دليل الخطاب وهو أيضا نوع إيماء، فالبابان ~~مشتركان. # فائدة: أنواع الإيماء المذكورة تنقسم باعتبار الوفاق والخلاف فيها ثلاثة ~~أقسام، لأنه إما أن يصرح فيه بالحكم والوصف جميعا أو لا، فإن صرح فيه بهما، ~~فهو إيماء متفق عليه لا خلاف فيه، وإن لم يصرح بهما; فإن صرح بالحكم، ~~والوصف مستنبط; فليس بإيماء باتفاق، وإن صرح بالوصف، والحكم مستنبط، فهذا ~~هل يكون إيماء؟ فيه خلاف. # مثال المتفق على كونه إيماء قوله - عليه الصلاة والسلام -: من أحيا أرضا ~~ميتة فهي له، من ملك ذا رحم محرم عتق عليه، فقد صرح في # PageV03P374 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الأول بالإحياء وهو الوصف، وبالحكم ~~وهو الملك، وفي الثاني صرح بالملك وهو الوصف، وبالعتق وهو الحكم. # ومثال المتفق على أنه ليس بإيماء ما ذكر في تخريج المناط، وهو ما إذا حرم ~~الربا في البر، فاستخرجنا منه علة الكيل أو الطعم أو الوزن. ولو نص على ~~تحريم الخمر، فاستخرجنا منه وصف الإسكار، فالحكم مصرح به، والوصف مستنبط. # ومثال المختلف فيه قوله - عز وجل -: {وأحل الله البيع} [البقرة: 275] ، ~~فمن زعم أنه ليس إيماء إلى الصحة، قال: لأنها غير مصرح بها فيه، فهو كما لو ~~صرح بالحكم، واستخرجنا العلة قياسا لأحدهما على عكسه، ومن زعم أنه إيماء، ~~قال: إنه - سبحانه وتعالى - دل بإحلال البيع على الصحة، إذ لولا الصحة، لم ~~يكن للإحلال فائدة، كما أنه لولا إفساد الربا، ms0948 لم يكن لتحريمه فائدة، والله ~~تعالى أعلم. # PageV03P375 # القسم الثاني: إثباتها بالإجماع، كالصغر للولاية، ~~واشتغال قلب القاضي عن استيفاء النظر لمنع الحكم، وتلف المال تحت اليد ~~العادية للضمان في الغصب، فيلحق به السارق، لاشتراكهما في الجامع، وكذلك ~~الأخوة من الأبوين أثرت في التقديم في الإرث إجماعا فكذا في النكاح، والصغر ~~أثر في ثبوت الولاية على البكر، فكذا في الثيب، والمطالبة بتأثير الوصف في ~~الأصل ساقطة، للاتفاق عليه، وفي الفرع، لاطرادها في كل قياس، فينتشر ~~الكلام، فيبان عدم تأثيره على المعترض. # «القسم الثاني» يعني من أقسام ~~إثبات العلة «إثباتها بالإجماع» إذ قد سبق الكلام على إثباتها بالنقل صريحه ~~وإيمائه، وهذا الكلام في إثباتها بالإجماع «كالصغر للولاية» أي: ككون الصغر ~~علة للولاية، أي: لولاية الإجبار على البكر الصغيرة، وعلى الصغير في المال ~~أو في النكاح، فيقول الحنفي في الثيب الصغيرة: صغيرة، فتجبر على النكاح ~~قياسا على البكر الصغيرة والابن الصغير، ويدعي أن العلة في الأصل الصغر ~~بالإجماع، وقد تحققت في الفرع، وككون «اشتغال قلب القاضي عن استيفاء النظر» # PageV03P376 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لأجل الغضب علة «لمنع الحكم» فيلحق ~~به اشتغاله بجوع، أو عطش، أو خوف، أو ألم بالقياس، فيقال: الجوع شاغل للقلب ~~عن استيفاء النظر، فمنع من الحكم كالغضب، وهو محل إجماع، وككون «تلف المال ~~تحت اليد العادية» علة «للضمان» على الغاصب إجماعا، «فيلحق به» تلف العين ~~في يد «السارق» وإن قطع بها، لأن يده عادية، فضمن ما تلف فيها كالغاصب ~~«لاشتراكهما» أعني الغاصب والسارق «في» الوصف «الجامع» وهو التلف تحت اليد ~~العادية، «وكذلك الأخوة من الأبوين أثرت في التقديم في الإرث إجماعا، فكذا ~~في النكاح» أي: لما كان الأخ من الأبوين مقدما في الإرث على الأخ من الأب ~~لزيادة الأخوة من جهة الأم، فكذا ينبغي أن يكون مقدما في ولاية النكاح، ~~فإذا ماتت امرأة عن أخيها لأبيها; وأخيها لأبويها; كان إرثها لأخيها ~~لأبويها دون أخيها لأبيها. فكذا إذا أرادت أن تتزوج يكون أخوها المقدم في ~~حيازة إرثها هو المقدم في ولاية تزويجها، لأن المؤثر في تقديمه ms0949 في الإرث هو ~~امتزاج الأخوة من الأبوين، أي: من جهة الأب والأم، وهي موجودة في ولاية ~~النكاح، فإذا سلم أن المؤثر ما ذكر، لزم صحة القياس، لكن من يرى استواء ~~الأخوين في ولاية النكاح، يفرق بين البابين، فيقول: إن الإرث مستحق ~~بالقرابة، وولاية النكاح مستحقة بالعصوبة، وهما سيان فيها، ولا تأثير فيها ~~للأمومة، بخلاف القرابة، فإن لها فيها تأثيرا يصلح للترجيح به، وكذلك ~~«الصغر» ; لما «أثر في ثبوت الولاية على البكر» إجماعا، وجب أن يؤثر في ~~ثبوتها على الثيب، وقد سبق. # PageV03P377 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ومن أمثلة إثبات العلة بالإجماع ~~قول الحنفي في المريض إذا أقر لغرماء المرض بدين، وكان ماله مستغرقا ~~بالديون في حال الصحة: إن إقراره لا يصح، لأنه بالإقرار فوت حق غرماء ~~الصحة، فينبغي أن لا يصح، كما لو وهب ماله في حال المرض، ويدعي أن المؤثر ~~في بطلان الهبة هاهنا هو تفويت حق الغرماء. وكذا لو اتفق الخصمان على أن مس ~~الإنسان فرج نفسه ينقض الوضوء، فقال أحدهما: المؤثر في النقض هو كونه مس ~~فرج آدمي، وهو موجود فيما إذا مس فرج الغير، والأمثلة كثيرة. # قوله: «والمطالبة بتأثير الوصف في الأصل ساقطة» إلى آخره. أي: إذا قاس ~~المستدل على علة إجماعية، فليس للمعترض المطالبة بتأثير تلك العلة في الأصل ~~ولا في الفرع، لأن تأثيرها في الأصل ثابت بالإجماع، كتأثير الصغر في ولاية ~~المال أو نكاح البكر. وأما المطالبة بتأثيرها في الفرع، فلاطرادها، أي: ~~لاطراد المطالبة «في كل قياس» إذ القياس هو تعدية حكم الأصل إلى الفرع ~~بالجامع المشترك، وما من قياس إلا ويتجه عليه سؤال المطالبة بتأثير الوصف ~~في الفرع، فيقال: ما الدليل على أن الصغر - مثلا - مؤثر في إجبار الصغيرة؟ ~~، فلا ينبغي أن يفتح هذا الباب على المستدل، لئلا يفضي إلى انتشار «الكلام، ~~فيبان عدم تأثيره» أي: تأثير الوصف في # PageV03P378 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الأصل والفرع «على المعترض» فيقال ~~له مثلا: أنا قد بينت أن العلة مؤثرة في الأصل بالاتفاق، وبينت وجودها في ~~الفرع، فتم لي القياس، فأنت إن كان عندك ما تبين ms0950 به عدم تأثيرها لتمنع ~~قياسي، فعليك بيانه، فإن أمكن المعترض ذلك بأن يثبته على مثار حبال الفرق ~~بين الأصل والفرع بأن يقول مثلا في صورة تأثير الأخوة في ولاية النكاح ~~قياسا على تأثيرها في الإرث: إن أخوة الأم إنما أثرت في الترجيح في باب ~~الإرث، لأنها تؤثر فيه مستقلة، إذ الأخ من الأم من ذوي الفروض فيها بخلافه ~~في باب النكاح، فإنه لا أثر له فيها مستقلا بالكلية، فلم قلت: إن الترجيح ~~إذا حصل بما يستقل بالتأثير يحصل بما لا يستقل بالتأثير، فإن أبدى مثل هذا ~~السؤال، لزم المستدل جوابه، وإلا انقطع. أما فتح باب المطالبة بالتأثير ~~ابتداء، فلا يمكن منه لما ذكرنا. # فإن قيل: إذا ثبت أن العلة في الأصل مجمع عليها وهي موجودة في الفرع، لم ~~يتصور النزاع بعد، فإن المعترض إذا سلم أن العلة في تزويج الابن الصغير ~~بغير اختياره هي الصغر، وأن الصغر موجود في البنت، لم يمكنه النزاع بعد. # قيل: بل يتصور النزاع من وجهين: # أحدهما: أن يدعي المعترض وصفا آخر مضموما إلى ما ادعاه المستدل علة في ~~الأصل، والإجماع على كون ما ادعاه المستدل علة لا ينفي اعتبار وصف آخر معه ~~قطعا، بل ظاهرا، وحينئذ يتصور النزاع، بأن يقول الشفعوي # PageV03P379 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مثلا في الصورة المذكورة: كون ~~الابن زوجا، له في جواز إجباره مصلحة، إذ في تزويجه إثبات ملك له على ~~الغير، وهو ملك بضع الزوجة، بخلاف البنت فإن تزويجها إثبات ملك عليها، فهي ~~عكس الابن فافترقا. # الوجه الثاني: أن يبين فارقا مانعا في الفرع بأن يقول: بالثيوبة حصل لها ~~معرفة وتجربة تناسب ثبوت الاختيار، ونفي الإجبار. ونحو ذلك يقال في مسألة ~~إقرار المريض، فيقال: لا نسلم أن العلة في منعه من هبة ماله في المرض كونه ~~تفويتا لحق الغرماء، بل إنما بطلت رعاية لجانب المالك، توفيرا لماله على ~~تبرئة ذمته، أو لكون تشوف الشرع إلى تصحيح الهبة دون تشوفه إلى تصحيح ~~الإقرار، فهي أضعف منه، ولا يلزم من بطلان الضعيف بطلان القوي. # ووجه الفرق بين ms0951 الهبة والإقرار هو أن الهبة بتقدير بطلانها لا يلحق ~~الموهوب له ضرر كالضرر اللاحق للمقر له ببطلان الإقرار، إذ المقر له يبطل ~~له حق ثابت خرج عنه، فلم يعد إليه، بخلاف الموهوب له في ذلك، إذ ضرره ~~ببطلان الهبة إنما هو بتفويت فائدة حاصلة له من خارج، والله تعالى أعلم. # PageV03P380 # القسم الثالث: إثباتها بالاستنباط وهو أنواع: # أحدها: إثباتها بالمناسبة، وهي أن يقترن بالحكم وصف مناسب، وهو ما تتوقع ~~المصلحة عقيبه لرابط ما عقلي ولا يعتبر كونه منشأ للحكمة، كالسفر مع ~~المشقة، فيفيد التعليل به لإلفنا من الشارع رعاية المصالح، وبالجملة متى ~~أفضى الحكم إلى مصلحة علل بالوصف المشتمل عليها; ثم إن ظهر تأثير عينه في ~~عين الحكم، أو جنسه بنص أو إجماع، فهو المؤثر كقياس الأمة على الحرة في ~~سقوط الصلاة بالحيض لمشقة التكرار، ولا يضر ظهور مؤثر آخر معه في الأصل، ~~فيعلل بالكل كالحيض والردة والعدة، يعلل منع وطء المرأة بها، وكقياس تقديم ~~الأخ للأبوين في ولاية النكاح على تقديمه في الإرث، فالأخوة متحدة نوعا، ~~وإن ظهر تأثير جنسه في عين الحكم كتأثير المشقة في إسقاط الصلاة عن الحائض، ~~كالمسافر، فهو الملائم، إذ جنس المشقة أثر في عين السقوط; وإن ظهر تأثير ~~جنسه في جنس الحكم كتأثير جنس المصالح في جنس الأحكام، فهو الغريب. # وقيل: هذا هو الملائم; وما سواه مؤثر. # «القسم الثالث» : # من أقسام إثبات العلة: «إثباتها بالاستنباط» ، إذ قد سبق الكلام في ~~إثباتها بالنص والإجماع، «وهو» - يعني إثباتها بالاستنباط - «أنواع: # PageV03P381 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أحدها: إثباتها بالمناسبة، وهي - ~~يعني المناسبة - أن يقترن بالحكم وصف مناسب» وقد سبق مثاله في غير موضع. # قوله: «وهو» يعني الوصف المناسب، «ما تتوقع المصلحة عقيبه لرابط ما عقلي» ~~. # قلت: قد اختلف في تعريف المناسب، واستقصاء القول فيه من المهمات، لأن ~~عليه مدار الشريعة، بل مدار الوجود، إذ لا موجود إلا وهو على وفق المناسبة ~~العقلية، لكن أنواع المناسبة تتفاوت في العموم والخصوص، والخفاء والظهور، ~~فما خفيت عنا مناسبته، سمي تعبدا، وما ظهرت مناسبته سمي معللا، فقولنا: ms0952 ~~المناسب ما تتوقع المصلحة عقيبه، أي: ما إذا وجد أو سمع، أدرك العقل السليم ~~كون ذلك الوصف سببا مفضيا إلى مصلحة من المصالح لرابط من الروابط العقلية ~~بين تلك المصلحة وذلك الوصف، وهو معنى قولي: «لرابط ما عقلي» . # ومثاله: أنه إذا قيل: المسكر حرام، أدرك العقل أن تحريم المسكر مفض إلى ~~مصلحة، وهي حفظ العقول من الاضطراب، وإذا قيل: القصاص مشروع، أدرك العقل أن ~~شرعية القصاص سبب مفض إلى مصلحة، وهي حفظ النفوس، وأمثلته كثيرة ظاهرة، ~~وإنما قلت: ما تتوقع المصلحة عقيبه لرابط عقلي أخذا من النسب الذي هو ~~القرابة، فإن المناسب هاهنا مستعار ومشتق من ذلك، ولا شك أن المتناسبين في ~~باب النسب كالأخوين وابني العم ونحو ذلك، إنما كانا متناسبين لمعنى رابط ~~بينهما وهو القرابة، فكذلك الوصف المناسب هاهنا لابد وأن يكون بينه وبين ما ~~يناسبه من المصلحة # PageV03P382 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # رابط عقلي، وهو كون الوصف صالحا ~~للإفضاء إلى تلك المصلحة عقلا. # قال الآمدي: وقد فسر أبو زيد المناسب بما لو عرض على العقول تلقته ~~بالقبول، وبنى على ذلك امتناع الاحتجاج على العلة به في مقام المناظرة دون ~~النظر لاحتمال أن يقول الخصم: هذا لا يتلقاه عقلي بالقبول، وتلقي غيري له ~~بالقبول ليس حجة علي. # قلت: وهذا لا يلزم لأنا إذا نظرنا في أدنى مراتب المناسب، وجدنا العقول ~~تبادر إلى تلقيه بالقبول، فإذا قال الخصم: هذا لا يتلقاه عقلي بالقبول، ~~فأحد الأمرين لازم; إما أن الوصف المذكور غير مناسب في نفسه، فالخصم معذور ~~في إنكاره، وإما عناد من الخصم المنكر; وحينئذ على المستدل بيان مناسبته ~~ببيان مناسبة أمثاله عند العقلاء، خصوصا إن كان الخصم يسلم مناسبة مثل ذلك ~~الوصف في رتبته، فتثبت مناسبته، إذ حكم المثلين واحد، أو مناسبة ما هو ~~دونه، فتثبت مناسبته هو بطريق الأولى. # مثاله: لو استدل على إرث المبتوتة في مرض الموت بأن توريثها مناقضة للميت ~~في قصده حرمانها، وذلك مناسب لتلقي العقل له بالقبول، فإذا قال الخصم: ليس ~~هذا مناسبا، وعقلي لا يتلقاه بالقبول، فيقول المستدل: ms0953 قد سلمت مناسبة مثل ~~هذا الوصف في حرمان القاتل إرثه من موروثه معارضة له بنقيض قصده، فإن سلمت ~~المناسبة هنا، لزمك تسليمها هناك لاستوائهما، وإن منعت المناسبة في ~~الموضعين; فقد سلم العقلاء مناسبة أوصاف هي مثل هذا الوصف ودونه في قبول ~~العقل له، ومن الممتنع عادة إصابتك وخطؤهم، فأنت إذن معاند مسفسط تحرم ~~المناظرة معك، فهذا أيضا طريق جيد مناسب # PageV03P383 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # في إثبات المناسب على من أنكره. # والأصل في هذا أن القضايا العقلية أصناف; منها البديهيات والنظريات ~~والمقبولات، والمناسب من قبيل المقبولات، وهي ما تلقاه العقل بجوهره ~~بالقبول من غير قطع به، فالعقول معيار له لا تختلف فيه، كما لا تختلف في ~~إدراك البديهيات مع القطع، والنظريات بعد تحقيق مقدمات النظر. # وقال الآمدي: أما نحن; فنقول: المناسب عبارة عن وصف ظاهر منضبط يلزم من ~~ترتيب الحكم عليه حصول ما يصلح أن يكون مقصودا للشارع من تحصيل مصلحة أو ~~تكميلها، أو دفع مفسدة أو تقليلها دنيا وأخرى على وجه يمكن إثباته بما لو ~~أصر الخصم على منعه بعده، يكون معاندا. # قلت: هذا غاية ما يقال في ضبط رسم المناسب، وتحصيل أصل المصلحة، كشرع ~~القصاص، وتحريم الخمر، وتكميلها كاشتراط المكافأة والمساواة في القصاص، ~~وتحريم يسير الخمر لإفضائه إلى كثيره، ودفع المفسدة كإيجاب القود لدفع ~~مفسدة إتلاف النفوس، وتقليلها كإيجابه في القتل بالمثقل، لأن فيه تقليلا ~~للقتل، لئلا يتخذ ذريعة إلى إزهاق النفوس، وكإيجابه على الجماعة المشتركين ~~في قتل أو قطع، أو نحو ذلك. # وقال القرافي: المناسب ما تضمن تحصيل مصلحة أو درء مفسدة، فالأول يعني ~~تحصيل المصلحة كالغنى هو علة وجوب الزكاة لتضمنه مصلحة الفقراء ورب المال، ~~والثاني: - يعني درء المفسدة - كتحريم الخمر. # PageV03P384 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وقال النيلي: المناسب ما كان إثبات ~~الحكم عقيبه مفضيا إلى ما يوافق نظر العقلاء في المعاش، أو في المعاد. أما ~~المعاش; فكبقاء الأنفس، والزيادة في المال، وأما في المعاد; فكتحصيل ~~الثواب، أو رفع العقاب. ثم الحكم تارة يكون تحصيلا للمصلحة، وتارة تكميلا ~~لها، وتارة مديما لها، وذكر أمثلة من ذلك، ms0954 وهي ظاهرة لمن له نظر في ~~الأحكام. # ثم المناسب ينقسم إلى ما هو في محل الضرورات، وإلى ما هو في محل الحاجات، ~~وإلى ما هو في محل التتمات والتكميلات، وهي في مراتبها على هذا الترتيب في ~~التقديم عند التعارض يقدم الأول ثم الثاني ثم الثالث. وقد سبق بيان أقسامه ~~عند ذكر المصالح المرسلة، والبابان واحد، لأن المصلحة مضمون المناسب، ~~والمناسب متضمن للمصلحة. # ومثال اجتماع أقسامه الثلاثة في وصف واحد أن نفقة النفس ضرورية، ونفقة ~~الزوجات حاجية، ونفقة الأقارب تتمة وتكملة، ولهذا قدم بعضها على بعض على ~~الترتيب المذكور، وتأكدت نفقة الزوجة على نفقة القريب حتى سقطت نفقته بمضي ~~الزمن دون نفقتها. وقد سبق التنبيه على أن مراتب المناسب متفاوتة في الجلاء ~~والخفاء، والقوة والضعف، وسرعة القبول وعدمه، وذلك ظاهر لمن نظر في مناسبات ~~الأحكام لعللها، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # PageV03P385 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «ولا يعتبر كونه منشأ ~~للحكمة، كالسفر مع المشقة» . # اعلم أن هذا المكان من دقائق هذا الباب خصوصا على نشأة الطلاب، فيجب ~~الاعتناء بكشفه، وقد تضمنت الجملة المذكورة ألفاظا ينبغي الكشف عنها، ثم ~~ذكر معنى الجملة بعدها كما ينبغي إن شاء الله تعالى. # أما الألفاظ المذكورة، فهي ### | المناسب، والمنشأ، والحكمة. # أما المناسب، فقد سبق الكشف عن حقيقته. # وأما الإنشاء فهو محل النشء وهو الظهور، يقال: نشأ ينشأ نشأ ونشوءا: إذا ~~بدا، وظهر، ونشأ الشيء: مظهره ومبدؤه، وهو الموضع الذي يظهر ويبدو منه. # والحكمة غاية الحكم المطلوبة بشرعه، كحفظ الأنفس والأموال بشرع القود ~~والقطع. # إذا عرف هذا، فيكون هذا الوصف المناسب منشأ للحكمة المطلوبة من الحكم غير ~~مشترط خلافا لقوم، بل المعتبر ثبوت المصلحة عقيبه، وهو أعلم من أن يكون ~~منشأ لها أو لا، فإن قولنا: هذا الوصف مناسب يصدق باعتبارات ثلاث: # أحدها: أن يكون منشأ للحكمة، كقولنا: السفر منشأ المشقة المبيحة للترخص، ~~والقتل منشأ المفسدة; وهي تفويت النفس، والزنى منشأ # PageV03P386 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المفسدة; وهي تضييع الأنساب وإلحاق ~~العار، فهذه الأوصاف ينشأ عنها الحكمة التي ثبتت هذه الأوصاف لأجلها، وأصلح ~~من هذا أن يقال: ms0955 إيجاب القصاص منشأ حكمة الردع عن القتل، وإيجاب الحد منشأ ~~حكمة الردع عن الزنى والقذف والشرب ونحوها، لأن ذلك يتضمن تحصيل مصلحة ودرء ~~مفسدة، وهي الحكمة المطلوبة من إثبات الحكم. # الاعتبار الثاني: أن يكون الوصف معرفا للحكمة ودليلا عليها، كقولنا: ~~النكاح أو البيع الصادر من الأهل في المحل يناسب الصحة، أي: يدل على الحاجة ~~التي اقتضت جعل البيع سببا للصحة. # قلت: التحقيق في هذا أن الحكمة هي الانتفاع بالمبيع مثلا، والحاجة اقتضت ~~جعل البيع سببا لتحصيل الانتفاع بواسطة الصحة، فالحاجة مناسبة لتحصيل ~~الانتفاع بواسطة البيع. # الاعتبار الثالث: أن يظهر عند الوصف، ولم ينشأ عنه، ولم يدل عليه، كشكر ~~النعمة المناسب للزيادة منها، فالشكر هو الوصف المناسب، وزيادة النعمة هي ~~الحكمة، ووجوب الشكر هو الحكم، لكن في كون الشكر لا يدل على زيادة النعمة ~~نظر. # وبالجملة فهذه أمثلة تقريبية إن لم تكن تحقيقية. ومن ذلك قولنا: الغنى ~~مناسب لإيجاب الزكاة مواساة للفقراء، ودفعا لضرر الفقر عنهم، فالغنى هو ~~الوصف، وإيجاب الزكاة هو الحكم، ومواساة الفقراء هي الحكمة، وكل حكم شرعي ~~تعليلي، فلا بد له من سبب مناسب يقتضيه، ومن حكمة هي الغاية المطلوبة منه ~~تترتب عليه. واعتبر هذا بالاستقراء والاستئناس بما ذكرناه من الأمثلة تجده ~~صحيحا وإنما قيدنا الحكم بأنه تعليلي، لأن الحكم التعبدي # PageV03P387 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وإن اقتضاه سبب، وترتبت عليه حكمة، ~~لكن سببه تارة يناسب، وتارة لا يناسب كأكل لحم الجزور لنقض الوضوء. # قوله: «فيفيد التعليل به» أي: متى كان الوصف مما يتوقع عقيبه مصلحة لرابط ~~عقلي، فهو مناسب، فيفيدنا تعليل الحكم، أي: إن الحكم معلل به، «لإلفنا من ~~الشارع رعاية» مصالح العباد تفضلا لا وجوبا، فمتى رأينا حكما ثبت عقيب وصف ~~مناسب، وذلك الحكم متضمن مصلحة; غلب على ظننا أن ذلك الحكم ثبت لتحصيل تلك ~~المصلحة التي أفضى إليها ذلك الوصف. # «وبالجملة متى أفضى الحكم إلى مصلحة علل بالوصف المشتمل عليها» كقتل ~~المرتد المفضي إلى صيانة الدين، يعلل بما اشتمل عليه تبديل الدين من ~~المفسدة التي درؤها من أكبر المصالح. # قال ms0956 الآمدي: الحكمة إما أن تكون ناشئة عن ضابطها، أو لا، فالأول كمشقة ~~السفر المعتبرة في جواز الترخص. والثاني وهو الذي لا تكون الحكمة فيه ناشئة ~~عن ضابطها; إما أن يكون الضابط دالا على الحاجة إليها، أو لا. فالأول: ~~كالانتفاع المعتبر في صحة البيع بالنسبة إلى التصرف من الأهل. والثاني: ~~كزيادة النعمة المعتبرة في إيجاب الزكاة بالنظر إلى ملك النصاب. # قلت: هذا معنى كلامه بأبسط منه، وربما كان فيه غموض على بعض الناظرين، ~~وقد سبق معناه ممثلا، وضابط الحكمة هو الوصف الذي رتب # PageV03P388 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الشارع عليه الحكم، وربطه به ~~لتحصيلها. # ثم الحكمة قد يمكن اعتبار حقيقتها لانضباطها في نفسها، فيعتبر حصولها ~~حقيقة، كصيانة النفوس الحاصل من إيجاب القصاص، وقد لا يمكن فيعتبر بمظنتها، ~~كربط جواز الترخص بالسفر لكونه مظنة المشقة المبيحة للترخص. # وهذا المثال إن كان مطابقا للمراد، فذاك، وإن لم يكن مطابقا، فالقاعدة ~~المذكورة محصلة له عند الفطن. # قوله: «ثم إن ظهر تأثير عينه في عين الحكم أو جنسه بنص أو إجماع، فهو ~~المؤثر» إلى آخره. # هذا بيان لأقسام تأثير المناسب في الحكم ومعنى تأثيره، وهو اقتضاؤه بحكم ~~المناسبة لترتب الحكم عليه، وأقسامه على ما في «المختصر» أربعة: لأنه إما ~~أن يؤثر عينه في عين الحكم، أو عينه في جنس الحكم، أو يؤثر جنسه في جنس ~~الحكم، أو جنسه في عين الحكم، وإن شئت، قلت: إما أن يؤثر عينه في عين ~~الحكم، أو جنسه في جنس الحكم، أو عينه في جنس الحكم، أو جنسه في عين الحكم. # ومعنى ذلك أنا إذا رأينا حكما قد ترتب على وصف مناسب ثبتت مناسبته بنص أو ~~إجماع; ألحقنا به إثبات عين ذلك الحكم أو جنسه بذلك الوصف المناسب في صورة ~~أخرى. هذا معنى قوله: «ثم إن ظهر تأثير عينه في # PageV03P389 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # عين الحكم أو جنسه بنص أو إجماع» ~~فهذا المؤثر أي: ثبت تأثير الوصف في حكم الأصل المقيس عليه بنص أو إجماع ~~كما سبق. ثم إنا نورد الأمثلة على ترتيب «المختصر» ونبين مقاصد ما يحتاج ~~إلى ms0957 البيان من ألفاظه إن شاء الله تعالى. # وهذا المكان من مشكلات القياس تحقيقا وتصورا، خصوصا على المبتدئ ومن ضعفت ~~أنسته به. # مثال الأول، وهو ما ظهر تأثير عينه في عين الحكم بنص أو إجماع قولنا: ~~سقطت الصلاة عن الحرة الحائض بالنص والإجماع لمشقة التكرار، لأن الصلاة ~~تتكرر، فلو وجب قضاؤها، لشق عليها ذلك، فقد ظهر تأثير المشقة المذكورة في ~~إسقاط الصلاة بالإجماع، فألحقنا الأمة بالحرة في ذلك، فعين الوصف وهو ~~المشقة أثر في عين الحكم وهو سقوط الصلاة. # قلت: وفي هذا المثال نظر، لأن دليل الشرع لم يرد بذلك في خصوص الحرة حتى ~~يكون إثبات الحكم في الأمة قياسا عليها، بل ورد في الحائض، وهي أعم من ~~الحرة والأمة، فالحكم ثابت في الأمة بما ثبت في الحرة، والدليل الشرعي هو ~~ما روي أن عمرة قالت لعائشة - رضي الله عنها -: ما بال الحائض تقضي الصوم، ~~ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: كنا نحيض على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فنقضي الصوم، ولا نقضي الصلاة. وهذا إخبار عن عموم النساء في ذلك الحرة ~~والأمة، ثم انعقد عليه الإجماع. # PageV03P390 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # نعم، هذا المثال يصح على جهة ~~التقدير، أي: لو قدرنا أن النص ورد بذلك في خصوص الحرة، لكان إلحاق الأمة ~~بها فيه من باب ما أثر عينه في عين الحكم. # ومن هذا الباب إلحاق الأمة بالعبد في سراية العتق، وإلحاق ولاية النكاح ~~بولاية المال بجامع الصغر، فالصغر وصف أثر عينه في عين الحكم وهو الولاية ~~على الصغير، ولم يختلف إلا محل الولاية وهو المال والنكاح. # وكذلك قولنا: الطواف موجود في الفأرة ونحوها، فتكون طاهرة كالهر، فالطواف ~~وصف أثر عينه في الحكم وهو الطهارة. # قوله: «ولا يضر ظهور مؤثر آخر معه في الأصل فيعلل بالكل» إلى آخره. أي: ~~إن هذا الوصف المؤثر عينه في عين الحكم لا يضر وجود وصف آخر معه في الأصل ~~المقيس عليه الثابت تأثير الوصف فيه بالنص أو الإجماع، بل إن وجد معه مؤثر ~~آخر، علل بهما الأصل، وألحق الفرع به ms0958 بجامع الوصف المشترك بينهما، وذلك ~~كالحائض المعتدة المرتدة; يعلل امتناع وطئها بالأسباب الثلاثة: الحيض ~~والعدة والردة، فلو أردنا أن نقيس الأمة على الحرة في ذلك بأحد الأوصاف ~~المذكورة، صح، وكان من باب المناسب المؤثر بتقدير أن لا يكون النص شاملا ~~لها. # قوله: «وكقياس تقديم الأخ للأبوين في ولاية النكاح على تقديمه في الإرث» ~~. # هذا مثال الثاني، وهو ما أثر عينه في جنس الحكم، كقولنا: الأخ للأبوين # PageV03P391 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مقدم في ولاية النكاح قياسا على ~~تقديمه في الإرث، فالوصف الذي هو الأخوة في الأصل والفرع متحد بالنوع، ~~والحكم الذي هو الولاية والإرث متحدان بالجنس لا بالنوع، فهذا وصف أثر عينه ~~في جنس الحكم، وهو جنس التقديم، فعين الأخوة أثرت في جنس التقديم بخلاف ما ~~قبل هذا; وهو تأثير المشقة في سقوط الصلاة، فإن المشقة والسقوط متحدان ~~بالنوع، أي: المشقة في الأمة والحرة متحدان بالنوع، وسقوط الصلاة في حقهما ~~كذلك، إذ هي مشقة ومشقة، وسقوط وسقوط، بخلاف الأخوة مع الولاية والإرث، إذ ~~نقول: هي أخوة وأخوة، فيتحدان بالنوع، ولا نقول: ولاية وولاية، ولا إرث ~~وإرث; حتى يتحدا في نوع واحد، بل نقول: ولاية نكاح وإرث، فيختلفان بالنوع، ~~أي: لا يجمعهما نوع واحد، بل إنما يجمعهما جنس واحد، وهو جنس التقديم. # قوله: «وإن ظهر تأثير جنسه في عين الحكم» إلى آخره. # هذا مثال القسم الثالث من أقسام المناسب، وهو ما أثر جنسه في عين الحكم، ~~كقولنا: سقطت الصلاة عن الحائض لأجل المشقة قياسا على المسافر، فقد أثر جنس ~~المشقة في عين السقوط، إذ مشقة تكرار الصلاة في حق الحائض مخالفة لمشقة ~~إتمامها في حق المسافر، إن لم يكن بالحقيقة والماهية فبالكمية والكيفية، ~~أما ماهية السقوط في حقهما فواحدة. ولقائل أن # PageV03P392 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يقول: هذا المثال هو من القسم ~~الأول; وهو ما أثر عينه في عين الحكم، لأن نوع المشقة في التأثير واحد، ~~وكذا نوع الحكم، وإنما اختلفا من جهة سببهما، إذ هذه مشقة تكرار، وهذه مشقة ~~إتمام، وهذا سقوط أصل الصلاة، وذاك سقوط ركعتين منها. # والأجود أن ms0959 يقال في المثال المذكور: كإسقاط الصلاة عن الحائض للمشقة، فإن ~~جنس المشقة أثر في عين هذا السقوط من غير تعرض لمسافر ولا غيره. وهذا يسمى ~~«الملائم» أي: الموافق أي: هو موافق لتصرف الشرع في تأثير جنس الأسباب في ~~أعيان الأحكام، وهذا تخصيص اصطلاحي، وإلا فسائر أقسام المناسب ملائمة بهذا ~~الاعتبار، إذ هي موافقة لجنس مراعاة الشرع للمصالح المناسبة، وكذلك تحريم ~~يسير الخمر والنبيذ، والخلوة بالأجنبية لإفضاء ذلك بالاسترسال فيه إلى ~~السكر والوطء المحرمين من باب حسم المواد، فجنس حسم المواد أثر في تحريم ~~عين شرب اليسير وعين الخلوة. # قوله: «وإن ظهر تأثير جنسه في جنس الحكم» إلى آخره. # هذا مثال القسم الرابع من أقسام المناسب، وهو ما أثر جنسه في جنس الحكم، ~~«كتأثير جنس المصالح في جنس الأحكام» أي: إلحاق بعض الأحكام ببعض بجامع ~~المناسبة المصلحية المطلقة. # ومثله القرافي بإلحاق شارب الخمر بالقاذف في جلده ثمانين، كما قال علي - ~~رضي الله عنه -: أراه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فأرى عليه حد المفتري. ~~فأخذ مطلق المناسبة، ومطلق المظنة. # PageV03P393 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قلت: فمظنة جنس الافتراء وهو الوصف ~~أثرت في جنس الجلد أو الحد، وهو الحكم. وهذا يسمى المناسب «الغريب» لقلة ~~التفات الشرع إليه في تصرفاته، فبقي لقلة وقوعه، كالغريب بين أهل البلد. # «وقيل: هذا هو الملائم» يعني قال بعض الأصوليين: الملائم ما ظهر تأثير ~~جنسه في جنس الحكم، «وما سواه» من الأقسام المتقدمة «مؤثر» وهي تأثير العين ~~في العين، وتأثير العين في الجنس، وتأثير الجنس في العين. # ووجه هذا القول هو أنا باستقراء موارد الشرع ومصادره نجده من حيث الجملة ~~يراعي جنس المصالح في جنس الأحكام. وحينئذ يكون تأثير الجنس في الجنس ~~ملائما لتصرف الشرع. وأما ما سوى ذلك من أنواع تأثير الوصف، فهو أقوى من ~~هذا النوع المذكور كما سيأتي عن قريب إن شاء الله تعالى. # وإذا كان الأضعف ملائما، فجدير أن يكون الأقوى مؤثرا، وإن تفاوت في قوة ~~التأثير وضعفه، ويتعلق بهذا كلام يأتي إن شاء الله تعالى. # PageV03P394 # وللجنسية مراتب: فأعمها ms0960 في الوصف: كونه وصفا، ثم ~~مناطا، ثم مصلحة خاصة، وفي الحكم: كونه حكما، ثم واجبا ونحوه، ثم عبادة، ثم ~~صلاة. # وتأثير الأخص في الأخص أقوى، وتأثير الأعم في الأعم يقابله، والأخص في ~~الأعم، وعكسه واسطتان. # وقيل: الملائم: ما ذكر في الغريب، والغريب: ما لم يظهر تأثيره، ولا ~~ملاءمته لجنس تصرفات الشرع، نحو: حرمت الخمر لكونها مسكرا، وترث المبتوتة ~~في مرض الموت معارضة للزوج بنقيض قصده كالقاتل، إذ لم نر الشرع التفت إلى ~~ذلك في موضع آخر، بل هو مجرد مناسب، اقترن الحكم به. # وقصر قوم القياس على المؤثر، لاحتمال ثبوت الحكم في غيره تعبدا، أو لوصف ~~ثم لم نعلمه، أو لهذا الوصف المعين، فالتعيين به تحكم. # ورد بأن المتبع الظن وهو حاصل باقتران المناسب، ولم تشترط الصحابة - رضي ~~الله عنهم - في أقيستهم كون العلة منصوصة ولا إجماعية. # قوله: " وللجنسية مراتب " إلى ~~آخره. # اعلم أنه لما تقرر أن الوصف مؤثر في الحكم، والحكم ثابت بالوصف، ومسمى ~~الوصف والحكم جنس تختلف أنواع مدلوله بالعموم والخصوص، كاختلاف أنواع مدلول ~~الجسم والحيوان وغيرهما من الأجناس كما تقرر أول الكتاب، ولهذا اختلف تأثير ~~الوصف في الحكم تارة بالجنس، # PageV03P395 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وتارة بالنوع; احتجنا إلى بيان ~~مراتب جنس الوصف والحكم ومعرفة الأخص منها من الأعم، ليتحقق لنا معرفة ~~أنواع تأثير الأوصاف في الأحكام. # فأعم مراتب " الوصف كونه وصفا " لأنه أعم من أن يكون مناطا للحكم، أو لا ~~يكون، إذ بتقدير أن يكون طرديا غير مناسب لا يصلح أن يناط به حكم، فكل مناط ~~وصف، وليس كل وصف مناطا، " ثم " كونه " مناطا " لأنه أعم من أن يكون مصلحة ~~أو لا، فكل مصلحة مناط للحكم، وليس كل مناط مصلحة; لجواز أن يناط الحكم ~~بوصف تعبدي، لا يظهر وجه المصلحة فيه، وكلامنا في المصلحة في ظاهر الأمر، ~~أما في نفس الأمر، فلا يخلو تصرف الشرع عن مصلحة. " ثم " كون الوصف " مصلحة ~~" لأنها قد تكون مصلحة عامة، بمعنى أنها متضمنة لمطلق النفع، وقد تكون " ~~خاصة " بمعنى كونها من باب الضرورات والحاجات أو ms0961 التكملات والتتمات، كما ~~سبق تقريره في الاستصلاح. # وأما الحكم، فأعم مراتبه " كونه حكما " لأنه أعم من أن يكون وجوبا أو ~~تحريما أو صحة أو فسادا. " ثم " كونه " واجبا ونحوه " أي: من الأحكام ~~الخمسة، وهي الواجب والحرام والمكروه والمندوب والمباح، وما يلحق بذلك من ~~الأحكام الوضعية كما سبق، إذ الواجب أعم من أن يكون عبادة اصطلاحية أو ~~غيرها. " ثم " كونه " عبادة " لأنها أعم من الصلاة والزكاة وغيرهما من ~~العبادات، " ثم " كونه " صلاة " إذ كل صلاة عبادة، وليس كل عبادة صلاة. # PageV03P396 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قال القرافي: أعم أجناس الحكم كونه ~~حكما، وأخص منه كونه طلبا أو تخييرا، وأخص منه كونه تحريما أو إيجابا، وأخص ~~منه كونه تحريم الخمر أو إيجاب الصلاة، وأعم أحوال الوصف كونه وصفا، وأخص ~~منه كونه مناسبا، وأخص من المناسب كونه معتبرا، وأخص منه كونه مشقة أو ~~مصلحة أو مفسدة خاصة، ثم أخص من ذلك كون تلك المفسدة في محل الضرورات أو ~~الحاجات أو التتمات. قال: فبهذا الطريق تظهر الأجناس العالية والمتوسطة، ~~والأنواع السافلة للأحكام والأوصاف من المناسب وغيره، فالإسكار نوع من ~~المفسدة، والمفسدة جنس له، والأخوة نوع من الأوصاف، والتقديم في الميراث ~~نوع من الأحكام، فهي تأثير نوع في نوع. # قلت: هذا الذي ذكره في تقسيم مراتب الحكم والوصف أحسن مما في " المختصر " ~~وإن كان المقصود واحدا، والمعنى متقاربا. # قوله: " وتأثير الأخص في الأخص " إلى آخره، أي: لما عرف بما ذكرناه الأخص ~~والأعم من الأوصاف والأحكام; فليعلم أن تأثير بعضها في بعض يتفاوت في القوة ~~والضعف، فتأثير " الأخص في الأخص أقوى " أنواع التأثير، كمشقة التكرار في ~~سقوط الصلاة، والصغر في ولاية النكاح، " وتأثير الأعم في الأعم " يقابل ~~ذلك، فهو أضعف أنواع التأثير، وتأثير " الأخص في الأعم وعكسه " وهو تأثير ~~الأعم في الأخص " واسطتان " بين ذينك الطرفين، إذ في كل واحد منهما قوة من ~~جهة الأخصية، وضعف من جهة الأعمية، # PageV03P397 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بخلاف الطرفين، إذ الأول تمحضت فيه ~~الأخصية، فتمحضت له القوة، والثاني تمحضت فيه الأعمية، فتمحض له الضعف. ~~وأشرت بعبارة " المختصر " إلى قول ms0962 الشيخ أبي محمد في هذا المكان. فما ظهر ~~تأثيره في الصلاة الواجبة أخص مما ظهر تأثيره في العبادة، وما ظهر في ~~العبادة أخص مما ظهر في الواجب، وما ظهر في الواجب أخص مما ظهر في الحكم. # قلت: لأن التأثير في الأخص أقوى من تحصيل ظن حصول الحكم المطلوب. # قوله: " وقيل: الملائم ما ذكر في الغريب " إلى آخره. # هذا قول آخر في الملائم، وهو أنه " ما ذكر في الغريب " وهو ما ظهر تأثير ~~جنسه في جنس الحكم، لأن الالتفات إليه معروف من الشارع، فيكون ملائما ~~لتصرفه. # أما " الغريب " ; فهو: " ما لم يظهر تأثيره ولا ملاءمته لجنس تصرفات ~~الشرع، نحو " قولنا: " حرمت الخمر، لكونها مسكرا " فيلحق به كل مسكر، ~~بتقدير أن لا يرد في ذلك نص، ولا إجماع، وترث المبتوتة في مرض الموت معارضة ~~للزوج بنقيض قصده، كالقاتل " موروثه، لأنا " لم نر الشرع التفت إلى " مثل " ~~ذلك في موضع آخر " يشهد له بالاعتبار، " بل هو مجرد مناسب " أي: مناسب مجرد ~~عن الشهادة له بالاعتبار. " اقترن الحكم به " ومجرد الاقتران لا يكفي في ~~ثبوت العلية. # قلت: الذي تضمنه «المختصر» وأصله: أن الوصف المناسب ثلاثة أنواع: مؤثر ~~وملائم وغريب. وفي جميعها خلاف. # PageV03P398 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أما المؤثر، ففيه قولان: # أحدهما: أنه ما ظهر تأثير عينه في عين الحكم أو في جنسه بنص أو إجماع. # الثاني: أن المؤثر هذان القسمان، والقسم الثالث وهو ما ظهر تأثير جنسه في ~~عين الحكم. وهذا معنى قوله: «وما سواه مؤثر» . # وأما الملائم، ففيه أيضا قولان: # أحدهما: أنه ما ظهر تأثير جنسه في عين الحكم. # الثاني: أنه ما ظهر تأثير جنسه في جنس الحكم، وهو معنى قوله: «وقيل: ~~الملائم ما ذكر في الغريب» . # وأما الغريب، ففيه قولان أيضا: # أحدهما: أنه ما ظهر تأثير جنسه في جنس الحكم. # والثاني: أنه ما لم يظهر تأثيره، ولا ملاءمته لجنس تصرفات الشرع. وذكر ~~البروي في «المقترح» أن المؤثر ما دل النص أو الإجماع على اعتبار عينه في ~~عين الحكم، والملائم هو الأقسام الثلاثة الأخر. # وقال الشيخ رشيد ms0963 الدين الحواري: العلل خمس، وذكر ستا: المؤثر، والملائم، ~~والغريب، والشبه، والمخيل، والمصلحة المرسلة، فلعله ذكرها سادسة بالنسبة ~~إلى من يقول بها، كمالك - رحمه الله تعالى -. ثم ذكر أن المؤثر # PageV03P399 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ما عرف كونه علة بنص أو إجماع. ~~قال: وعند الفقهاء ببخارى ومرو وهو ما كان مناسبا. قال: وفي اصطلاحنا ما ~~عرف تأثير عين العلة في عين الحكم، والملائم ما عرف تأثير نوعه في نوع ~~الحكم، كتأثير نوع الجناية في نوع العقوبة، والغريب ما أثر جنسه في جنس ~~الحكم. # قلت: وهذا كله اختلاف اصطلاحي بدليل ما حكى الحواري من اختلاف الأصوليين ~~والفقهاء المروزيين وبينه من الخلاف في المؤثر، وكذلك أمثلة أنواع التأثير، ~~وربما كان بعضها مطابقا، وربما كان غير مطابق. # والتحقيق في هذا الباب أنك إذا عرفت مراتب الأوصاف والأحكام في العموم ~~والخصوص، وأن الخصوص جهة قوة والعموم ضعف كما تقدم تحقيقه. فانظر في مراتب ~~التأثير الواقعة لك، فإن أقواها من أضعفها بعد ذلك لا يخفى عليك، وسم ~~أنواعها ما شئت، ولا ترتبط بتسمية غيرك ولا تمثيله، وإنما ذكرنا تسميتهم ~~تعريفا لاصطلاحهم وبعض أمثلتهم التي ضربوها لأنواع التأثير ثابتا للناظر، ~~والأمر أضبط من ذلك. # فائدة: قد سبق أن المناسب المصلحي إما أن يعلم من الشارع اعتباره، أو ~~إلغاؤه، أو لا يعلم منه واحد منهما، والمنقسم إلى المؤثر والملائم والغريب، ~~هو الأول، وهو المناسب الذي علم اعتباره دون الآخرين إلا المناسب المرسل ~~عند مالك. # وإذا عرف هذا فبعض الأصوليين يطلق القول بأن المؤثر ما ظهر تأثير عينه في ~~عين الحكم، وبعضهم يشترط مع تأثير العين في العين تأثير الجنس في الجنس، ~~وما سوى ذلك وهو ما أثر عينه في عين الحكم فقط، أو جنسه في جنسه فقط; فهو ~~مناسب غريب. # PageV03P400 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مثال الأول: قولنا في القتل ~~بالمثقل: قتل عمد عدوان، فأوجب القصاص كالقتل بالمحدد، فقد ظهر تأثير عين ~~القتل في عين القصاص، وتأثير جنس الجناية في جنس العقوبة، فالجناية جنس ~~للقتل، والعقوبة جنس للقصاص، وكذلك قولنا في أن البيع بشرط الخيار ينقل ~~الملك: بيع ms0964 صدر من أهله، وصادف محله، فنقل الملك قياسا على ما إذا لم يشرط، ~~فقد ظهر تأثير البيع الصادر من الأهل في المحل في نقل الملك، وهو تأثير عين ~~الوصف في عين الحكم، وكذلك تأثير جنس البيع، وهو التصرف، ظهر في جنس نقل ~~الملك، وهو تحصيل الغرض، فالتصرف جنس للبيع، وحصول الغرض جنس للملك. # ومثال ما أثر عينه في عين الحكم ولم يشهد له أصل باعتبار جنسه في جنس ~~الحكم تعليل تحريم الخمر بالإسكار بتقدير أن لم يرد قوله - عليه السلام -: ~~كل مسكر حرام، فهاهنا إنما أثر عين وصف الإسكار في عين تحريم الخمر، ولا ~~شاهد له باعتبار جنس الإسكار في جنس التحريم. # قلت: وهذا يمكن منعه لأن جنس السكر أو الإسكار المفسدة أو سببها، وجنس ~~التحريم الحكم، وقد ظهر تأثير جنس المفسدة في جنس الحكم كثيرا جدا كما سبق، ~~وحينئذ يكون ما اعتبره هؤلاء لازما مما قلناه أولا، أعني بأن تأثير العين ~~في العين يستلزم تأثير الجنس في الجنس، بحيث لا يتصور بدونه، لأن تأثير ~~العين في العين أخص من تأثير الجنس في الجنس، والأخص يستلزم الأعم، اللهم ~~إلا أن يكون الوصف الذي أثر عينه في عين الحكم هو جنس الوصف الأعلى أثر في ~~جنس الحكم الأعلى، فهاهنا تأثيره لا يستلزم تأثير غيره للتعذر، إذ ليس فوق ~~الجنس الأعلى ما يستلزمه. # PageV03P401 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وجعل الآمدي الوصف المؤثر ما كان ~~معتبرا بنص أو إجماع، والملائم ما أثر عينه في عين الحكم، وجنسه في جنس ~~الحكم، والغريب القسمين الآخرين. # قلت: وبالجملة متى رأينا الوصف المناسب قد أثر نوعا من التأثير، وغلب على ~~الظن ثبوت الحكم لأجله، وجب القول بإضافته إليه وربطه به، بل نفس ظهور ~~تأثير المناسب نوعا يفيد الظن المذكور، كمن رأيناه قابل الإحسان بالإحسان، ~~والإساءة بالإساءة في وقت ما، ولم يعهد من حاله قبل ذلك شيء مما يرجع إلى ~~المكافأة وعدمها، غلب على الظن أنه قصد المكافأة حملا لتصرفه على ظاهر ~~الحكمة. وهذا التقدير يقتضي القول بالمناسب المرسل، وقد سبق الكلام فيه. ms0965 # قوله: «وقصر قوم القياس على المؤثر» إلى آخره. # يعني أنه قد ذهب قوم من الأصوليين إلى أن القياس لا يصح إلا بجامع وصف ~~مؤثر في الأصل وقد علم ما المؤثر وشبهتهم في ذلك أنا لو أجزنا القياس بجامع ~~غير مؤثر كالملائم والغريب، للزم التحكم والترجيح من غير مرجح وهو باطل. # وبيان ذلك أنا مثلا لو قسنا النبيذ على الخمر بعلة الإسكار على تقدير عدم ~~ورود النص بالنبيذ لاحتمل أن يكون تحريم الخمر تعبدا غير معلل، كتحريم ~~الخنزير والميتة والدم والحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع، واحتمل أن ~~يكون تحريمها لوصف آخر مناسب لم يظهر لنا، واحتمل أن يكون لهذا الوصف ~~المعين وهو الإسكار، وإذا احتمل المقتضي لتحريمه هذه الأمور، كان تعيين ~~بعضها لإضافة التعيين إليه تحكما. وأما بطلان التحكم، فظاهر. وحينئذ يجب ~~قصر القياس على الجامع المؤثر، لأن تأثيره ثبت بالنص # PageV03P402 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أو ما دل عليه، وهو الإجماع، فلا ~~يتردد بين الاحتمالات، فالتحكم فيه مأمون. # قوله: «ورد» إلى آخره. أي: ورد قول هؤلاء المذكورين بوجهين: # أحدهما: أن اقتران الحكم بالوصف الملائم والغريب يفيد الظن بأنه سببه ~~ومقتضيه، والظن واجب الاتباع في العمليات، والمقدمتان ظاهرتان، فوجب القول ~~باعتبارهما. # الوجه الثاني: أنا علمنا قطعا من تصرف الصحابة - رضي الله عنهم - في ~~الأقيسة أنهم ربطوا الأحكام بالأوصاف المناسبة، ولم يشترطوا «كون العلة ~~منصوصة ولا إجماعية» ولو كان ذلك مشترطا، لما تركوا اعتباره، وإلا للزم ~~القدح في العصمة النبوية، إذ كانوا هم كل الأمة حينئذ. فلو تركوا ما هو ~~مشترط في الاجتهاد، لأجمعوا على الخطأ، ولزم وقوع الخبر النبوي مخالفا ~~لمخبره، وهو قدح في العصمة، والله تعالى أعلم. # PageV03P403 # النوع الثاني السبر: وهو إبطال كل علة علل بها الحكم ~~المعلل إجماعا، إلا واحدة فتعين; نحو: علة الربا الكيل أو الطعم أو القوت، ~~والكل باطل إلا الأولى، فإن لم يجمع على تعليله، جاز ثبوته تعبدا، فلا ~~يفيد. وكذا إن لم يكن سبره حاصرا بموافقة خصمه، أو عجزه عن إظهار وصف زائد ~~فيجب إذا على خصمه تسليم ms0966 الحصر، أو إبراز ما عنده لينظر فيه، فيفسده ببيان ~~بقاء الحكم مع حذفه، أو ببيان طرديته، أي: عدم التفات الشرع إليه في معهود ~~تصرفه، ولا يفسد الوصف بالنقض لجواز كونه جزء علة أو شرطها، فلا يستقل ~~بالحكم، ولا يلزم من عدم استقلاله صحة علة المستدل بدونه، ولا بقوله: لم ~~أعثر بعد البحث على مناسبة الوصف، فيلغى، إذ يعارضه الخصم بمثله في وصفه، ~~وإذا اتفق خصمان على فساد علة من عداهما، فإفساد أحدهما علة الآخر دليل على ~~صحة علته عند بعض المتكلمين، والصحيح خلافه، إذ اتفاقهما لا يقتضي فساد علة ~~غيرهما، وكل منهما يعتقد فساد علة غيره من حاضر وغائب، فيستويان، فطريق ~~التصحيح ما سبق. # «النوع الثاني» : من أنواع إثبات ~~العلة بالاستنباط إثباتها بالسبر، وقد سبق في موضع من هذا الكتاب بيانه ~~لغة، وحاصله يرجع إلى الاختبار، ولذلك سمي ما يختبر به طول الجرح وعرضه: ~~مسبارا. # قوله: «وهو» يعني السبر في الاصطلاح: «إبطال كل علة علل بها الحكم المعلل ~~إجماعا» أي: بالإجماع، «إلا واحدة فتتعين» . ومعنى ذلك أن # PageV03P404 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المستدل بالقياس إذا أراد أن يبين ~~أن علة الأصل المقيس عليه كذا ليلحق به الفرع المقيس، وأراد تبيين العلة ~~بالسبر والتقسيم، ذكر كل علة علل بها حكم الأصل، ثم يبطل الجميع إلا العلة ~~التي يختارها، فيتعين التعليل بها، فيثبت الحكم في الفرع بواسطتها، مثل أن ~~يقول: «علة الربا» في البر ونحوه إما «الكيل أو الطعم أو القوت، والكل» أي: ~~العلل كلها باطلة «إلا الأولى» مثلا، وهي الكيل إن كان حنبليا أو حنفيا، أو ~~إلا الطعم إن كان شافعيا، أو إلا القوت إن كان مالكيا، فيتعين للتعليل، ~~ويلحق الأرز والذرة ونحو ذلك بالبر بجامع الكيل، ويقيم الدليل على بطلان ما ~~أبطله، إما بانتقاضه انتقاضا مؤثرا، أو بعدم مناسبته، أو غير ذلك بحسب ~~الإمكان والاتفاق. # وقد تضمنت الجملة المذكورة من عبارة «المختصر» أنه يشترط لصحة السبر ~~أمور: # أحدها: أن يكون الحكم في الأصل معللا، إذ لو كان تعبدا، لامتنع القياس ~~عليه. # الثاني: أن يكون مجمعا ms0967 على تعليله - قاله أبو الخطاب - إذ بتقدير أن يكون ~~مختلفا في تعليله، فللخصم التزامه التعبد فيه، فيبطل القياس. # قلت: وهذا موضع تفصيل وهو أن يقال: إن كان المستدل مناظرا، أو خصمه ~~منتميا إلى مذهب ذي مذهب ; كفاه موافقة الخصم على التعليل، ولم يعتبر ~~الإجماع عليه من الأمة، وإن كان الخصم مجتهدا، اعتبر الإجماع على تعليله، ~~إذ المجتهد لا حجر عليه إلا بإجماع الأمة، إذ بدونه له أن يلزم التعبد # PageV03P405 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # في الأصل، ويفسد كل علة علل بها. ~~أما إذا أجمع على كونه معللا، لم يمكنه ذلك لمخالفة الإجماع، وإن كان ~~المستدل ناظرا لا مناظرا، اعتبر الإجماع على التعليل أيضا، لأن غرضه ليس ~~إفحام خصم، بل استخراج حكم، وذلك إنما يحصل بحصول غلبة الظن بأن العلة هذا ~~الوصف، ولا يحصل ذلك مع وقوع الخلاف في تعليل الحكم، وفي هذا شيء لا يخفى. # الثالث: أن يكون سبره حاصرا لجميع العلل، إذ لو لم يكن حاصرا; لجاز أن ~~يبقى وصف هو العلة في نفس الأمر لم يذكره، فيقع الخطأ في القياس، ولا يصح ~~السبر. وقد أشير إلى الأمرين الآخرين بقوله: «فإن لم يجمع على تعليله; جاز ~~ثبوته تعبدا» «وكذا إن لم يكن سبره حاصرا» . # واعلم أن دلالة السبر قاطعة إن كان حصر الأقسام وإبطال ما عدا الواحد ~~منها قاطعا، وإن كانا ظنيين، أو أحدهما، كانت دلالته ظنية. # قوله: «بموافقة خصمه» إلى آخره. هذا بيان لطريق ثبوت حصر السبر، وهو من ~~وجهين: # أحدهما: موافقة الخصم على انحصار العلة فيما ذكره المستدل، كانحصار علة ~~الربا في الكيل أو الطعم أو القوت، لأن الخصم إذا سلم انحصار العلة فيما ~~ذكره المستدل واستتم له إبطالها إلا واحدة، حصل مقصوده. # الوجه الثاني: أن يعجز الخصم «عن إظهار وصف زائد» على ما ذكره المستدل، ~~لأنه إذا عجز عن ذلك; فقد سلم الحصر ضرورة، فحاصل الأمر أن موافقة الخصم ~~على الحصر إما اختيارية بالتسليم، أو اضطرارية بعجزه عن الزيادة. # قوله: «فيجب إذن على خصمه تسليم الحصر، أو إبراز ما عنده لينظر ms0968 # PageV03P406 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فيه» أي: إذا ثبت أن سبر المستدل ~~للأوصاف حاصر بموافقة الخصم، أو عجزه عن الزيادة، وجب حينئذ على الخصم ~~المعترض إما «تسليم الحصر» فيحصل مقصود المستدل منه، «أو إبراز ما عنده» ~~يعني إظهار ما عند المعترض من الأوصاف الزائدة على ما ذكره المستدل «لينظر ~~فيه، فيفسده» ولا يسمع قول المعترض: عندي وصف زائد، لكني لا أذكره، لأنه ~~حينئذ إما صادق، فيكون كاتما لعلم دعت الحاجة إليه، فيفسق بذلك، أو كاذب، ~~فلا يعول على قوله، ويلزمه الحصر. # قوله: «ببيان بقاء الحكم مع حذفه، أو ببيان طرديته» إلى آخره. # يعني إذا أبرز الخصم المعترض وصفا زائدا على ما ذكره المستدل من الأوصاف، ~~لزم المستدل أن ينظر في ذلك الوصف، فيفسده، ويبين عدم اعتباره، وله إلى ذلك ~~طريقان: # أحدهما: أن يبين بقاء الحكم مع حذفه، أي: عدمه في بعض الصور، مثل أن يقول ~~الحنبلي أو الشافعي: يصح أمان العبد، لأنه أمان وجد من عاقل مسلم غير متهم، ~~فيصح قياسا على الحر، فيقول الحنفي: لا نسلم أن ما ذكرت هو أوصاف العلة في ~~الأصل فقط، بل هناك وصف آخر، وهو الحرية، وهو مفقود في العبد. وحينئذ لا ~~يصح القياس، فيقول المستدل: وصف الحرية ملغى بالعبد المأذون له فإن أمانه ~~يصح باتفاق مع عدم الحرية، فصار وصفا لاغيا لا تأثير له في العلة. # PageV03P407 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الطريق الثاني في إبطال الوصف ~~الزائد: أن يبين كونه وصفا طرديا، أي: لم يلتفت «الشرع إليه في معهود ~~تصرفه» أي: فيما عهد من تصرفه، كالطول والقصر والذكورية والأنوثية. # مثاله: لو قال المستدل: يسري العتق في الأمة قياسا على العبد بجامع الرق، ~~إذ لا علة غيره عملا بالسبر، فقال المعترض: الذكورية وصف زائد معتبر في ~~الأصل، لأن العبد إذا كمل عتقه بالسراية، حصل منه ما لا يحصل من الأمة من ~~تأهله للحكم والإمامة وأنواع الولايات، ولا يلزم من ثبوت السراية في الأكمل ~~ثبوته في غيره. # فيقول المستدل: ما ذكرت من الفرق مناسب، غير أنا لم نر الشرع اعتبر ~~الذكورية والأنوثية في باب العتق، ms0969 فيكون اعتبار ذلك على خلاف معهود تصرفه، ~~فيكون وصفا طرديا في ظاهر الأمر. # قوله: «ولا يفسد الوصف بالنقض» إلى آخره. يعني أن المستدل لا يكفيه في ~~إفساد الوصف الذي أبرزه المعترض أن يبين كونه منتقضا، بل يوجد بدون الحكم، ~~لأن الوصف المذكور يجوز أن يكون جزء العلة، أو شرطا لها. وحينئذ لا يكون ~~مستقلا بوجود الحكم لوجوده، «ولا يلزم من عدم استقلاله» بالحكم «صحة علة ~~المستدل بدونه» لأنه جزء لها وشرط، والعلة لا تصح بدون جزئها أو شرطها. # مثال ذلك: لو قال المستدل: علة الربا في البر الكيل، فعارضه المعترض ~~بالطعم، فنقضه المستدل بالماء أو غيره مما يطعم ولا ربا فيه، لم يكفه ذلك ~~في بطلان كون الطعم علة، لجواز أن يكون جزء علة الربا، بأن تكون العلة ~~مجموع الكيل والطعم، أو شرطا فيها فتكون علة الربا الكيل بشرط أن يكون ~~المكيل مطعوما. وحينئذ لا يلزم من بطلان كون الطعم علة مستقلة أن يكون # PageV03P408 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الكيل علة صحيحة، لجواز أن يكون ~~الطعم جزءها أو شرطها، والفرق بين النقض وبين بقاء الحكم مع حذف الوصف حيث ~~كان مبطلا له دون النقض: هو أن بقاء الحكم مع عدم الوصف يدل على أنه غير ~~مؤثر ولا معتبر في الحكم علة ولا جزء علة، ولا شرطا، إذ لو اعتبر فيه بأحد ~~هذه الوجوه، لما وجد بدونه أصلا، بخلاف وجود الوصف بدون الحكم، فإنه لا يدل ~~على عدم اعتباره في الحكم بوجه من الوجوه لما ذكرنا، وإنما ذكرت الفرق ~~بينهما، لأنه قد يستشكل، فيظن تناقضا. # قوله: «ولا بقوله» إلى آخره، أي: ولا يفسد الوصف الذي أبداه المعترض بقول ~~المستدل: إني «لم أعثر بعد البحث على مناسبة» علتك أيها المستدل، فيتعارض ~~الكلامان، ويقف المستدل. # قوله: «وإذا اتفق خصمان على فساد علة من عداهما، فإفساد أحدهما علة الآخر ~~دليل على صحة علته عند بعض المتكلمين» إلى آخره. # معنى هذا الكلام على ظهوره أن الخصمين إذا اتفقا على فساد علة غيرهما في ~~الحكم المتنازع فيه، ثم أفسد أحدهما علة ms0970 الآخر، مثل أن اتفق الحنبلي ~~والشفعوي على أن ما عدا الكيل والطعم علة فاسدة، ثم نقض الشفعوي علة الكيل ~~بالماء، إذ هو مكيل ولا ربا فيه، أو نقض الحنبلي علة الطعم بالماء أيضا، إذ ~~هو مطعوم ولا ربا فيه على خلاف، فهل يكون ذلك مصححا لعلة الناقض؟ فيه ~~قولان: # أحدهما: وهو قول بعض المتكلمين: نعم، لأن ما عدا علتيهما ثبت فساده ~~باتفاقهما، وعلة الخصم ثبت فسادها بإفسادها، فتعينت العلة الباقية. # والثاني: لا يكون ذلك دليلا على صحة العلة الباقية، لأن اتفاقهما على # PageV03P409 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فساد علة غيرهما لا يقتضي فسادها ~~في نفس الأمر، بل في اعتقادهما، وهو لا يؤثر بالنسبة إلى غيرهما، إذ غيرهما ~~يعتقد فساد علتهما كالمالكي يعتقد فساد التعليل بالكيل والطعم، ويدعي علة ~~القوت، فيتعارض اعتقادهما واعتقاده، وكذلك «كل منهما يعتقد فساد علة غيره ~~من حاضر وغائب» أي: يعتقد فساد ما سوى علته، فيتعارض اعتقادهما، فليس ~~أحدهما بأولى من الآخر. # قلت: القولان يمكن تنزيلهما على حالين، ويعود النزاع لفظيا، وذلك بأن ~~يقال: إن اتفاقهما على فساد علة غيرهما، وإفساد أحدهما علة الآخر ; يدل على ~~صحة علة مناظره جدلا، لا نظرا واجتهادا، أي: يدل على صحة علته بالإضافة إلى ~~إفحام خصمه وقطعه في مقام النظر. # أما بالإضافة إلى إثبات الحكم شرعا في نفس الأمر، فلا، لما بينا، وقد ~~يثبت في ظاهر الحال ما لا يثبت في نفس الأمر وبالعكس، كحكم الحاكم ينفذ ~~ظاهرا، ولا يحيل الشيء عن صفته باطنا، وطلاق المتأول تأويلا يبعد عن الظاهر ~~يدين فيه، ولا يقبل في الحكم، والله تعالى أعلم. # فائدة: اصطلح الأصوليون على قولهم: السبر والتقسيم، يبدءون بالسبر، ~~والسبر: الاختبار، والتقسيم: جعل الشيء أقساما. # قال القرافي: والأصل أن يقال: التقسيم والسبر، لأنا نقسم أولا، فنقول: ~~العلة إما كذا، أو كذا، ثم نسبر، أي: نختبر تلك الأوصاف أيها يصلح علة، لكن ~~لما كان التقسيم وسيلة السبر الذي هو الاختبار أخر عنه تأخير الوسائل، # PageV03P410 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وقدم السبر تقديم المقاصد على عادة ~~العرب في تقديم الأهم فالأهم. # قلت: ولو حملنا ms0971 قولهم: السبر والتقسيم على معنى سبر العلة بتقسيم ~~الأوصاف، لعاد إلى ما قاله، إذ ذلك يفيد أن التقسيم سبب للسبر. # واعلم أنا إنما قلنا: إن السبر مفيد لمعرفة العلة بناء على مقدمات: # إحداهن: أن الأصل في الأحكام التعليل، فمهما أمكن جعل الحكم معللا، لا ~~يجعل تعبدا. # الثانية: أن الأصل في وصف الحكم أن يكون مناسبا، فمتى أمكن إضافته إلى ~~المناسب، لا يضاف إلى غيره. # الثالثة: أنه لا يناسب إلا الوصف الباقي بعد السبر، فوجب كونه علة بهذه ~~المقدمات، والأولى والثانية ظاهرتان، وأما الثالثة، وهي أنه لا يناسب إلا ~~هذا الوصف، فدليلها ما سبقت الإشارة إليه في النفي الأصلي من أن الظاهر ممن ~~كان أهلا للنظر له دربة بممارسة الأحكام، واستخراج أدلتها وعللها، إذا ~~استفرغ وسعه في طلب الوصف المناسب من غيره، أنه يحصل له غلبة الظن بمعرفته، ~~وهي كافية، إذ الأوصاف التي تناط بها الأحكام إما عقلية: كالعلم والقدرة ~~والرضى والعمدية، أو محسوسة: كالقتل والقطع والغصب والبيع والنكاح، أو ~~شرعية: كالطهارة والنجاسة والحل والحرمة، وإدراك ذلك كله بمداركه - وهي ~~العقل والحس والشرع - سبر على ما ذكرناه. # فثبت بهذا أن السبر والتقسيم طريق موصل إلى معرفة العلة، والله تعالى ~~أعلم. # PageV03P411 # النوع الثالث الدوران: وهو وجود الحكم بوجود الوصف، ~~وعدمه بعدمه وخالف قوم. # لنا: يوجب ظن العلية فيتبع # قالوا: الوجود للوجود طرد محض غير مؤثر، والعكس لا يعتبر هنا، ثم المدار ~~قد يكون لازما للعلة، أو جزءا فتعيينه للعلية تحكم. # قلنا: عدم تأثيرهما منفردين لا يمنع تأثيرهما مجتمعين، ثم العكس وإن لم ~~يعتبر، ولكن ما أفاده من الظن متبع، واحتمال ما ذكرتم لا ينفي إفادة الظن، ~~وهو مناط التمسك، وصحح القاضي، وبعض الشافعية التمسك بشهادة الأصول المفيدة ~~للطرد والعكس، نحو: من صح طلاقه، صح ظهاره، ومنع ذلك آخرون، والله تعالى ~~أعلم. # «النوع الثالث» : يعني من أنواع ~~إثبات العلة بالاستنباط; إثباتها بالدوران. # وهو في اللغة: مصدر دار يدور دورا ودورانا، إذا تحرك حركة دورية، وهي ~~التي تنتهي إلى مبدئها، كحركة الفلك والدولاب والرحا ms0972 ونحوها. # قوله: «وهو» يعني الدوران في اصطلاح الأصوليين: «وجود الحكم بوجود الوصف» ~~المدعى علة «وعدمه بعدمه» . # قال القرافي: هو عبارة عن اقتران ثبوت الحكم مع ثبوت الوصف وعدمه مع ~~عدمه، قال: وفيه خلاف، والأكثرون من أصحابنا وغيرهم يقولون بكونه حجة. # قلت: وبعضهم يعبر عن الدوران بالطرد والعكس، منهم الآمدي قال: # PageV03P412 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وقد اختلف فيه، فمنهم من قال: يدل ~~على العلية، لكن منهم من قال: يدل عليها قطعا، كبعض المعتزلة، ومنهم من ~~قال: ظنا، كالقاضي أبي بكر، وكثير من أبناء زماننا، ومنهم من قال: لا يدل ~~على العلية لا قطعا ولا ظنا، قال: وهو المختار. # قلت: فهذا معنى قولنا: «وخالف قوم» أي: في كون الدوران مفيدا للعلية ~~خلاف. # مثال ذلك الخمر; حين كونه مسكرا حرام، فهذا اقتران وجود الحكم بوجود ~~الوصف، ولما كانت عصيرا، وبعد أن صارت خلا بالاستحالة، ليست مسكرة، فليست ~~حراما، فهذا اقتران العدم بالعدم. # وقد يكون الدوران في صورة واحدة كما ذكر في الخمر، وقد يكون في صورتين، ~~كقولهم في وجوب الزكاة في حلي الاستعمال المباح: العلة الموجبة للزكاة في ~~كل من النقدين كونه أحد الحجرين، لأن وجوب الزكاة دار مع كونه أحد الحجرين ~~ولا زكاة فيه، لكن الدوران في صورة أقوى منه في صورتين على ما هو مدرك ~~ضرورة أو نظرا ظاهرا. # قوله: «لنا» أي: على أن الدوران يفيد العلية هو أنه «يوجب ظن العلية» ~~فيجب اتباعه، أما أنه يفيد ظن كون الوصف علة، فلدليل العرف والشرع; أما ~~دليل العرف، فإن من ناديناه باسم، فغضب، ثم سكتنا عنه، فزال غضبه، ثم ~~ناديناه فغضب، وتكرر ذلك منه; حصل لنا العلم فضلا عن الظن بأن علة غضبه ذلك ~~الاسم، وأيضا فإن هذا شأن العلل العقلية، والأصل حمل الشرعيات عليها ما لم ~~يقم فارق بين البابين، فإن الكسر مثلا يوجد # PageV03P413 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الانكسار بوجوده، ويعدم بعدمه، ~~وبمثل ذلك علم الأطباء ما علموه من قوى الأدوية وأفعالها، كالأدوية المسهلة ~~والقابضة وغيرها، حيث دارت آثارها معها وجودا وعدما. وكذلك القائلون بأن ~~نور القمر مستفاد من ms0973 نور الشمس لما رأوه يكمل بمقابلتها، وينقص بمقاربتها ~~لغلبتها عليه، وإن كان هذا من باب الحدس المحتمل; إلا أن مستنده الدوران، ~~ومستند كثير من أمور الدنيا والآخرة. # وأما دليل الشرع، فلأن النبي - عليه السلام - بعث ابن اللتبية عاملا، ~~فلما عاد من عمله، جاء بمال، فجعل يقول: هذا لكم، وهذا لي أهدي لي، فخطب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما بال الرجل نبعثه في عمل المسلمين ~~فيجيء، فيقول: هذا لكم، وهذا لي، ألا جلس في بيت أمه، فينظر هل يهدى له. # وهذا عين الاستدلال بالدوران، أي: إنا إذا استعملناك، أهدي لك، وإذا لم ~~نستعملك لم يهد لك، فعلة الهدية لك استعمالنا إياك، فثبت بهذا أنه يوجب ظن ~~العلية. وأما أنه إذا وجب ظن العلية، وجب اتباعه، فلأن الظن متبع في ~~العمليات بما عرف في الدليل على إثبات القياس من أنه يتضمن دفع ضرر مظنون. # قوله: «قالوا» يعني المانعين للاحتجاج بالدوران; احتجوا بوجهين: # أحدهما: أن الاحتجاج إما أن يكون بوجود الحكم عند وجود الوصف، أو ~~بانتفائه عند انتفائه، وهو العكس، فإن كان بالأول، فهو «طرد محض غير مؤثر» ~~كما تقرر، وإن كان بالثاني كانتفاء التحريم عند انتفاء الإسكار، فالعكس # PageV03P414 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لا يعتبر في العلل الشرعية. وحينئذ ~~لا ينبغي الاعتماد على الدوران. # الوجه الثاني: أن «المدار» هو ما يدور معه الحكم وجودا وعدما قد يكون علة ~~الإسكار، و «قد يكون لازما للعلة» كالحمرة والميعان والقذف بالزبد، وقد ~~يكون «جزءا» للعلة كالعمدية أو العدوانية في علة القصاص، وإذا كان مدار ~~الحكم محتملا لهذه الأمور، فتعيينه لكونه علة تحكم، وترجيح من غير مرجح. # وبالجملة فالشيء قد يدور مع ما ليس علة، كحركة الأفلاك مع الكواكب، وليست ~~علة لها، والجوهر والعرض كل منهما دائر مع الآخر، وليست علة له، وحينئذ لا ~~تحصل الثقة بالدوران، فلا يعتمد عليه. # قوله: «قلنا» أي: الجواب عما ذكرتم; أما عن الوجه الأول، فمن وجهين: # أحدهما: أن «عدم» تأثير الطرد والعكس «منفردين» أي: كل منهما حال انفراده ~~«لا يمنع تأثيرهما مجتمعين» لأن ms0974 التركيب يفيد ما لا يفيده الإفراد. وحاصل ~~هذا أنه جواب بمنع الحصر، لأن قولهم: إما بالوجود عند الوجود أو بالعدم عند ~~العدم تقسيم غير حاصر، فقولنا: لا نسلم الحصر فيما ذكرتم بالاحتجاج بمجموع ~~الأمرين، ولا نسلم عدم تأثيره. # الوجه الثاني: أن العكس عن العلة قد روي عن أحمد ما يدل على اعتباره حيث ~~قال: لا تكون العلة علة حتى يقبل الحكم بإقبالها، ويدبر بإدبارها، فعلى هذا ~~يمنع أن العكس لا يعتبر. وحينئذ لا يلزم إلغاء الدوران. # وبتقديم التسليم - وهو المشهور - نقول: «العكس» في العلة وإن كان غير ~~معتبر بمعنى أنه لا تتوقف صحة العلة عليه، غير أنه يفيد بانضمامه إلى # PageV03P415 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الطرد ظنا بأن الوصف علة، فيجب ~~اتباع ما أفاده من الظن عملا بالدليل العام في ذلك. وقد يحصل الترجيح ~~والتكميل بما ليس مستقلا بالاعتبار. # وأما الجواب عن الوجه الثاني، وهو احتمال دوران الحكم مع جزء علته أو ~~شرطها، فبأن نقول: «احتمال» ذلك «لا ينفي إفادة الظن» بأن مدار الحكم علة ~~على ما سبق بدليل العقل والعرف والشرع، وإفادة الظن بذلك هي «مناط التمسك» ~~في هذا الباب، وإذا كان احتمال ما ذكرتموه لا ينفي حصولها، لم يضرنا، والله ~~- سبحانه وتعالى - أعلم. # وهاهنا طريقة في إثبات المطلوب، لكنها معارضة بمثلها، وصورتها أن يقال: ~~بعض الدورانات حجة قطعا كدوران قطع الرأس مع الموت في جاري العادة، فلتكن ~~جميع الدورانات حجة قطعا تسوية وعدلا بين القسمين، وإحسانا إلى المكلفين ~~بعدم الاختلاف بينهم وبتوفير خواطرهم على النظر في مدار فروق الأحكام عملا ~~بقوله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} [النحل: 90] ، وعورض ذلك بأن ~~بعض الدورانات ليس بحجة قطعا كما سبق، فليكن جميعها كذلك تسوية بين ~~القسمين، ولأن بعضها لو كان حجة، لورد نقضا على ما ليس بحجة منها، والنقض ~~على خلاف الأصل، وهذه الطريقة شبهية خيالية من الطرفين، فلا معول عليها، ~~وإنما ذكرناها على جهة تدريب الناظر بتركيب الحجج، إذ هذه الطريقة من ~~أحسنها صورة ووصفا. # قوله: «وصحح القاضي وبعض الشافعية التمسك بشهادة الأصول المفيدة ms0975 # PageV03P416 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # للطرد والعكس» إلى آخره. أي: اختلف ~~في التمسك بشهادة الأصول المفيدة للطرد والعكس، كقولنا في تصحيح ظهار ~~الذمي: «من صح طلاقه، صح ظهاره» كالمسلم، وفي عدم وجوب الزكاة في الخيل: ما ~~لا تجب الزكاة في ذكورته منفردة لا تجب في ذكوره وإناثه، ويستدل على صحة ~~ذلك بالاطراد والانعكاس، فالإبل والبقر والغنم وجبت في ذكورها منفردة، ~~فوجبت في ذكورها وإناثها، والحمر والبغال لم تجب في ذكورها فلم تجب في ~~ذكورها وإناثها، فكذا ينبغي أن يقال في الخيل. # فحاصل هذا أن صحة طلاق الذمي شاهد لصحة ظهاره، وعدم وجوب الزكاة في ذكور ~~الخيل شاهد لعدمها في ذكورها وإناثها، فذهب القاضي أبو يعلى وبعض الشافعية ~~إلى صحة التمسك بهذا الطريق لشبهه بالدوران وتحصيله غلبة الظن بجامع الطرد ~~والعكس. # وذهب آخرون إلى عدم صحة التمسك به، لأن شهادة الأصل ليس نصا في العلية ~~ولا إجماعا ولا مؤثرا ولا ملائما، ولا مناسبا غريبا ولا مرسلا، إنما هو ~~مخيل تخييلا شبهيا أن الفرع المشهود له مشتمل على علة الأصل الشاهد، والظن ~~الحاصل من التخيل إن حصل ضعيف جدا، فلا يناط به حكم، ولا يكون معولا عليه. # قلت: التحقيق في هذا أنه يختلف باختلاف النظار والمجتهدين قوة وضعفا، ~~وباختلاف الأصول الشاهدة كثرة وقلة، فمتى كان هذا الطريق مفيدا من الظن ما ~~يساوي ما يفيده دليل آخر متفق عليه بين الفريقين المختلفين فيه، كخبر ~~الواحد أو العموم أو القياس الجلي ونحوه; صح التمسك به، إذ قد يتفق ناظر ~~فاضل مرتاض، فتظهر له أصول كثيرة شاهدة للفرع المتنازع فيه # PageV03P417 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # حتى يكاد يجزم أن حكم هذا الفرع ~~حكم تلك الأصول، فهذا يجب عليه المصير إلى ما ظنه من ذلك إن كان مجتهدا ~~لنفسه، وإن كان مناظرا، أمكنه إبراز تلك الشواهد لخصمه، وقرب ما ادعاه إلى ~~ذهنه بالمقدمات الظاهرة المقبولة حتى يحصل له الظن بذلك، فيسلم، والله ~~تعالى أعلم. # PageV03P418 # خاتمة # اطراد العلة لا يفيد صحتها، إذ سلامتها عن النقض لا ينفي بطلانها بمفسد ~~آخر; ولأن صحتها بدليل الصحة لا بانتفاء المفسد، ms0976 كثبوت الحكم بوجود ~~المقتضي، لا بانتفاء المانع، والعدالة بحصول المعدل، لا بانتفاء الجارح، ~~وقول القائل: لا دليل على فسادها فتصح، معارض بأنه لا دليل على صحتها ~~فتفسد. # وإذا لزم من مصلحة الوصف مفسدة مساوية، أو راجحة، ألغاها قوم إذ المناسب ~~ما تلقته العقول السليمة بالقبول، وهذا ليس كذلك، إذ ليس من شأن العقلاء ~~المحافظة على تحصيل دينار مع خسارة مثله، أو مثليه، وأثبته قوم، إذ المصلحة ~~من متضمنات الوصف، والمفسدة من لوازمه، فيعتبران، لاختلاف الجهة كالصلاة في ~~الدار المغصوبة، إذ ينتظم من العاقل أن يقول: لي مصلحة في كذا، لكن يصدني ~~عنه ما فيه من ضرر كذا، وقد قال الله تعالى: {وإثمهما أكبر من نفعهما} ~~فأثبت النفع مع تضمنه للإثم. # قوله: " خاتمة: اطراد العلة لا ~~يفيد صحتها " إلى آخره. # لما بين الطرق الدالة على صحة العلة; أخذ يبين الطرق الفاسدة التي لا تدل ~~على صحتها. # فمنها: اطرادها لا يدل على صحتها، إذ معنى اطرادها سلامتها عن النقض، وهو ~~بعض مفسداتها، " وسلامتها عن " مفسد واحد " لا ينفي بطلانها # PageV03P419 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بمفسد آخر " ككونها قاصرة أو ~~عدمية، أو طردية غير مناسبة عند من لا يرى التعليل بذلك، وما مثال من يقول: ~~هذه العلة صحيحة، لأنها ليست منتقضة، إلا مثال من يقول: هذا العبد صحيح ~~سليم، لأنه ليس بأعمى، إذ جاز أن تنتفي سلامته ببرص أو عرج أو غيره، وأيضا ~~فإن صحة العلة حكم، والأحكام إنما تثبت " صحتها بدليل الصحة لا بانتفاء ~~المفسد " و " بوجود المقتضي، لا بانتفاء المانع " وعدالة الشاهد والراوي ~~إنما تثبت " بحصول المعدل لا بانتفاء الجارح " فكذلك العلة إنما تصح بوجود ~~مصححها، لا بانتفاء مفسدها. # " وقول القائل ": هذه العلة صحيحة، إذ " لا دليل على فسادها " " معارض " ~~بقول الخصم: هي فاسدة، إذ " لا دليل على صحتها ". # ومن الطرق الفاسدة في إثباتها الاستدلال على صحتها باقتران الحكم بها، ~~وذلك لا يدل، إذ الحكم يقترن بما يلازم العلة وليس بعلة، كاقتران تحريم ~~الخمر بلونها وطعمها وريحها، وإنما العلة الإسكار. # وذكر الغزالي من الطرق الفاسدة في ms0977 هذا الباب ثلاث طرق: # أحدها: سلامة العلة عن علة تفسدها وتقتضي نقيض حكمها. # الثاني: اطرادها وجريانها في حكمها. # الثالث: اطرادها وانعكاسها بناء على أن الدوران لا يفيد العلية، ~~والطريقان الأولان مستفادان من " المختصر ". # وأما الثالث: فممنوع بما سبق من إفادة الدوران العلية، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. # قوله: " وإذا لزم من مصلحة الوصف مفسدة مساوية أو راجحة " إلى # PageV03P420 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # آخره. # أي: إذا كان الوصف المصلحي المناسب يستلزم، أو يتضمن مفسدة مساوية ~~لمصلحته، أو راجحة عليها، اختلفوا فيه، هل تلغى مصلحته، وتختل مناسبته أم ~~لا؟ " فألغاها قوم " منهم الآمدي في " المنتهى " وأبقاها آخرون. # حجة من ألغاها: أن " المناسب ما تلقته العقول السليمة بالقبول " وما عارض ~~مصلحته مفسدة مساوية أو راجحة " ليس كذلك " فلا يكون مناسبا، " إذ ليس من ~~شأن العقلاء المحافظة على تحصيل دينار " على وجه يلزم منه " خسارة " دينار ~~أو دينارين، لأن الأول ترجيح من غير مرجح لتكافؤ المصلحة والمفسدة، والثاني ~~التزام للمفسدة الراجحة. # وحجة من أبقاها: أن " المصلحة من متضمنات الوصف، والمفسدة من لوازمه " ~~أي: قد تضمن مصلحة ولزمته مفسدة، فوجب اعتبارهما لاختلاف جهتهما، " كالصلاة ~~في الدار المغصوبة " تعتبر طاعة من وجه; معصية من وجه على ما سبق، " إذ ~~ينتظم من العاقل أن يقول: لي مصلحة في كذا، لكن يصدني عنه ما فيه من ضرر ~~كذا " كما يقول التاجر: لي مصلحة في ركوب البر، أو البحر للتجارة، وتحصيل ~~الربح، لكن يصدني عنه ما فيه من المخاطرة بالمال، وقد يقول الشخص: لي في ~~التزوج مصلحة الإعفاف، لكن فيه مفسدة إلزام المؤنة، ويقول المسافر: لي في ~~الفطر مصلحة الترخص والتخفيف، لكن فيه مفسدة فوات الأجر. # وبالجملة، فمعارضة ضد الشيء له لا يبطل حقيقته، فكذلك المفسدة إذا # PageV03P421 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # عارضت المصلحة، لا تبطل حقيقتها. # نعم قد يخفى أثرها، ويمنع اعتبارها، بالعرض إذا ساوتها، أو ترجحت عليها، ~~كما قررنا في باب الاستصلاح والمصلحة المرسلة، وأكثر من يعتبر المصلحة مع ~~المفسدة الأطباء في الأدوية والأغذية، لأنهم يقولون: الغذاء الفلاني نافع ~~من جهة كذا; مضر من جهة كذا، ويصلحه ms0978 كذا، " وقد قال الله تعالى " في شأن ~~الخمر والميسر: {قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} ~~[البقرة: 219] ، " فأثبت النفع " وهو مصلحة، " مع تضمنه للإثم، وهو مفسدة، ~~ونفع الخمر ظاهر لا يخفى، كما قال الحريري: # فإن المدام تقوي العظام ... وتشفي السقام وتنفي الترح # والأطباء كثيرا ما يضعونها في أنواع المداواة والمعالجات، ورخص بعض ~~العلماء في التداوي بها. # وأما الميسر، وهو القمار; فنفعه تكثير المال، إذ هو تجارة محرمة كالربا، ~~وكانوا في الجاهلية يوسعون بما يستفيدون منه على المساكين، ويذمون من لا ~~يحضره، ويقدم عليه، ويسمونه البرم، أي: البخيل. # وأما مفسدتهما التي ترتب عليها الإثم، فإفساد العقل في الخمر، والتغابن ~~بأكل المال بالباطل في الميسر، والنزاع المذكور إنما هو في اختلال # PageV03P422 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المناسب المصلحي لمعارضته مثله أو ~~أرجح منه من المفسدة. أما العمل به، فممنوع عند من أثبت اختلال المناسبة، ~~أما من لم يثبته، تصرف في العمل به على ما سبق تقريره في مراعاة المصالح ~~والمفاسد بالترجيح بينها، والواجب هاهنا امتناع العمل لما سبق من لزوم ~~الترجيح بلا مرجح، أو التزام المفسدة الراجحة، فيستوي الفريقان في ترك ~~العمل، لكن الأول يتركه لاختلال مناسبة الوصف، والآخر يتركه لمعارضة ~~المقاوم أو الراجح، فترك العمل متفق عليه، لكن طريقه مختلف، والله - سبحانه ~~وتعالى - أعلم. # PageV03P423 # و ### | قياس الشبه: # قيل: إلحاق الفرع المتردد بين أصلين بما هو أشبه منهما، كالعبد المتردد ~~بين الحر والبهيمة، والمذي المتردد بين البول والمني. # وقيل: الجمع بين الأصل والفرع بوصف يوهم اشتماله على حكمة ما من جلب ~~مصلحة أو دفع مفسدة، إذ الوصف إما مناسب معتبر كشدة الخمر، أو لا، كلونها ~~وطعمها، أو ما ظن مظنة للمصلحة واعتبره الشارع في بعض الأحكام، كإلحاق مسح ~~الرأس بمسح الخف في نفي التكرار، لكونه ممسوحا تارة، وبباقي أعضاء الوضوء ~~في إثباته لكونه أصلا في الطهارة أخرى. # فالأول: قياس العلة، وكذلك اتباع كل وصف ظهر كونه مناطا للحكم. # والثاني: طردي باطل. # والثالث: الشبه، وفي صحة التمسك به قولان لأحمد والشافعي - رضي الله ~~عنهما -، والأظهر: ms0979 نعم لإثارته الظن، خلافا للقاضي. # والاعتبار بالشبه حكما لا حقيقة خلافا لابن علية. # وقيل: بما يظن أنه مناط للحكم. # قوله: «وقياس الشبه» إلى آخره. # اعلم أن ظاهر كلام أهل اللغة والأصول الفرق بين المثل والشبه والمماثلة ~~والمشابهة، وإن مثل الشيء ما ساواه من كل وجه في ذاته وصفاته، وشبه الشيء ~~وشبيهه ما كان بينه وبينه قدر مشترك من الأوصاف. # وحينئذ تتفاوت المشابهة بينهما قوة وضعفا بحسب تفاوت الأوصاف المشتركة ~~بينهما كثرة وقلة، فإذا اشتركا في عشرة أوصاف، كانت المشابهة بينهما كثرة ~~أقوى مما إذا اشتركا في تسعة فما دون، وعلى هذا القياس، وهذا # PageV03P424 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # هو الأمر المتعارف، فإن أطلق لفظ ~~الشبيه على المثل، أو لفظ المثل على الشبيه، فهو مجاز باعتبار ما بينهما من ~~القدر المشترك من الأوصاف. # قوله: «قيل: إلحاق الفرع» أي: اختلف في تعريف قياس الشبه، فقيل: هو ~~«إلحاق الفرع المتردد بين أصلين بما هو أشبه به منهما» أي: من ذينك ~~الأصلين. وهذا قول القاضي يعقوب من أصحابنا وغيره. # ومن أمثلته تردد العبد بين الحر والبهيمة، في التمليك، فمن قال: يملك ~~بالتمليك; قال: هو إنسان يثاب ويعاقب وينكح ويطلق، ويكلف بأنواع من ~~العبادات، ويفهم ويعقل، وهو ذو نفس ناطقة، فأشبه الحر. ومن قال: لا يملك ; ~~قال: هو حيوان يجوز بيعه ورهنه وهبته وإجارته وإرثه أشبه الدابة. # وعلى هذا خرج الخلاف في ضمانه إذا تلف بقيمته، وإن جاوزت دية الحر إلحاقا ~~له بالبهيمة والمتاع في ذلك، وبما دون دية الحر بعشرة دراهم تشبيها له به، ~~وتقاعدا به عن درجة الحر. # وكذا المذي تردد بين البول والمني، فمن حكم بنجاسته، قال: هو خارج من ~~الفرج لا يخلق منه الولد، ولا يجب به الغسل، أشبه البول، ومن حكم بطهارته، ~~قال: هو خارج تحلله الشهوة، ويخرج أمامها، فأشبه المني، وزعم بعضهم أن ~~الخلاف في طهارة المذي مبني على أنه جزء من المني، أو رطوبة ترخيها ~~المثانة. # واعلم أنك إذا تفقدت مواقع الخلاف من الأحكام الشرعية، وجدتها نازعة إلى ~~الشبه بهذا التفسير، فإن غالب ms0980 مسائل الخلاف تجدها واسطة بين طرفين تنزع إلى ~~كل واحد منهما بضرب من الشبه فيجذبها أقوى الشبهين إليه، فإن # PageV03P425 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وقع في ذلك نزاع، فليس في هذه ~~القاعدة، بل في أي الطرفين أشبه بها حتى يلحق به. وقد ذكرت جملة من أمثلة ~~ذلك في «القواعد الكبرى» و «تلخيص الحاصل» . # ومن الأصوليين من فسر قياس الشبه بما اجتمع فيه مناطان لحكمين مختلفين، ~~لا على سبيل الكمال، إلا أن أحدهما أكمل من الآخر، وهذا نحو من الذي قبله. # ومنهم من فسره بما عرف المناط فيه قطعا; غير أنه يفتقد في آحاد الصور إلى ~~تحقيقه. ذكر هذين الآمدي; قال: وفسره القاضي أبو بكر بقياس الدلالة، وسيأتي ~~تحقيقه إن شاء الله تعالى. # قال القرافي: قال القاضي أبو بكر: هو - يعني الشبه - الوصف الذي لا يناسب ~~لذاته، ويستلزم المناسب لذاته، كقولنا، الخل مائع لا تنبني القنطرة على ~~جنسه، فلا تزال به النجاسة كالدهن، فقولنا: لا تنبني القنطرة على جنسه ليس ~~مناسبا في ذاته، لكنه مستلزم للمناسب، إذ العادة أن القنطرة لا تبنى على ~~الأشياء القليلة، بل على الكثيرة، كالأنهار ونحوها، والقلة مناسبة لعدم ~~مشروعية الطهارة بما اتصف بها من المائعات، لأن الشرع العام يقتضي أن تكون ~~أسبابه عامة الوجود، إذ تكليف الكل ما لا يجده إلا البعض بعيد عن القواعد ~~والحكمة. # قال بعضهم: ولهذا إذا قل الماء، واحتيج إليه، سقط حكمه في اعتبار ~~الطهارة، وعدل عنه إلى التيمم. # قال القاضي: فالوصف إما مناسب بذاته، أو لا، فالأول هو المناسب # PageV03P426 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المعتبر، والثاني، إما أن يكون ~~مستلزما للمناسب، أو لا، فالأول الشبه، والثاني الطرد. # قلت: هذا التقسيم يشبه ومتجه أن يكون صحيحا، لكن تمثيله لما يستلزم ~~المناسب بقوله: مائع لا يبنى على جنسه القناطر فيه وما وجد به مناسبته بمحل ~~بعيد، والأكثرون على أن ذلك طرد محض لا مناسب، ولا مستلزم للمناسب، وكذلك ~~قولهم: مائع لا تجري فيه السفن أو لا يصاد منه السمك ونحو ذلك. # وفسره بعضهم بالوصف الذي يوهم المناسبة من غير ظهور لوجودها ولا عدمها. ms0981 # قال الآمدي: والخلاف في هذه الإطلاقات وإن كان راجعا إلى اللفظ; غير أن ~~الأشبه منها إنما هو هذا الأخير. # قلت: وسيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى، وهو معنى القول الآخر في ~~«المختصر» فهذه تعريفات ذكرت للشبه، ذكرناها تكملة للفائدة، ثم عدنا إلى ما ~~في «المختصر» . # قوله: «وقيل: الجمع» هذا تعريف آخر لقياس الشبه، وهو: «الجمع بين الأصل ~~والفرع بوصف يوهم اشتماله على حكمة ما» . وقال في «الروضة» : على حكمة ~~الحكم «من جلب مصلحة، أو دفع مفسدة» وهذا نحو مما اختاره الآمدي، وذلك لأن ~~الأوصاف، يعني التي اقترن بها الحكم في الأصل ثلاثة أقسام، لأنها «إما ~~مناسب معتبر» أي: تعلم مناسبته للحكم، واعتبار الشرع له، لأجل مناسبته ~~قطعا، كمناسبة شدة الخمر للتحريم، والقتل للقصاص، والقطع للسرقة، والزنا ~~للحد، وغير ذلك من الأوصاف المناسبة لأحكامها، # PageV03P427 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وهي كثيرة جدا، أو ليس مناسبا ولا ~~معتبرا، كلون الخمر وطعمها، إذ لا يناسبان تحريمها، وكقول القائل: إنما قتل ~~القاتل، وحد السارق والزاني والقاذف; ووجبت الكفارة على الأعرابي، لكونه ~~أسود، أو أبيض، أو طويلا، أو قصيرا ونحو ذلك، فهذا طرد محض نعلم قطعا أن ~~الشرع لم يعلق الحكم عليه لما سبق من أن تصرفه لا يخرج عن تصرف العقلاء، ~~وهذا خارج عنه، فلا يكون تصرفا له، وأيضا لإلفنا منه في موارد تصرفه ~~ومصادرها عدم الالتفات إلى مثل هذا الوصف، فهذان الطرفان معلوما الحكم. # أما القسم الثالث; وهو «ما ظن» أنه «مظنة للمصلحة» أي: يوهم اشتماله على ~~مصلحة الحكم، وظننا أنه مظنتها من غير قطع بذلك، ورأينا الشارع قد اعتبره ~~في بعض الأحكام، فهذا هو الشبهي، وسمي بذلك لتردده بالشبه بين القسمين ~~الأولين، وهما المناسب والطردي ; لأنه من حيث إنا لم نقطع بانتفاء مناسبته، ~~واشتماله على المصلحة، بل ظننا ذلك فيه أشبه المناسب المقطوع باشتماله على ~~المصلحة، ومن حيث إنا لم نقطع بمناسبته واشتماله على المصلحة أشبه الطردي ~~المقطوع بخلوه عن المناسبة المصلحية. # وذلك كما ألحقنا نحن والحنفية «مسح الرأس بمسح الخف في نفي» تكرار المسح ~~«لكونه ممسوحا» ms0982 فقلنا: ممسوح في الطهارة، فلا يسن تكراره، كمسح الخف، ~~وألحقه الشافعي «بباقي أعضاء الوضوء في» إثبات التكرار «لكونه أصلا في ~~الطهارة» فقال: مسح الرأس أصل في طهارة الوضوء، فسن تكراره على الوجه ~~واليدين والرجلين. # وفي كل واحد من القياسين جامع وفارق، إذ الأول قياس ممسوح على # PageV03P428 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ممسوح، فالمسح جامع، ولكنه قياس ~~أصل على بدل، فهذا هو الفارق، إذ مسح الرأس أصل في الوضوء، ومسح الخف بدل ~~فيه عن غسل الرجلين، والثاني قياس أصل على أصل، فهذا هو الجامع، لكنه قياس ~~ممسوح على مغسول، فهذا هو الفارق. # ومن أمثلته: قولنا في الوضوء: طهارة، أو طهارة حكمية، أو طهارة موجبها في ~~غير محل موجبها، فاشترطت لها النية كالتيمم، وإلى هذا أشار الشافعي - رضي ~~الله عنه - بقوله: طهارتان، فكيف يفترقان؟ ، وهو كقول الصديق - رضي الله ~~عنه - لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. # قلت هذا أجود ما قرر في قياس الشبه وعليه الأكثرون، ولما قرره الغزالي ~~بمعناه قال: وإن لم يرد الأصوليون بقياس الشبه هذا، فلست أدري ما الذي ~~أرادوه، وبم فصلوه عن الطرد المحض، وعن المناسب؟ ! # قلت: حاصل الأمر أن الوصف الشبهي شأنه أن يكون مرتفعا عن الطردي، وإلا لم ~~يعتبر باتفاق، ومنحطا عن المناسب، وإلا لم يختلف فيه عند من اعتبر ~~المناسبة، ومن استقرأ أقيسة الفقهاء القائلين بالشبه، رأى أقيستهم تارة ~~يتخيل فيها الاشتمال على المناسبة المصلحية، وتارة لا يتخيل فيها شيء من ~~ذلك. # قوله: «فالأول قياس العلة» إلى آخره، أي: فالأول من أقسام الوصف الثلاثة ~~المذكورة وهي المناسب، والطردي، والشبهي. # فالجمع بين الأصل والفرع بالوصف المناسب هو قياس العلة، لأن الحكم ثبت في ~~الفرع بعلة الأصل، كثبوت التحريم في النبيذ بعلة الإسكار التي ثبت بها ~~تحريم الخمر، وإثبات القصاص في المثقل بعلة القتل العمد # PageV03P429 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والعدوان التي ثبت بها في المحدد، ~~«وكذلك اتباع كل وصف ظهر كونه مناطا للحكم» بنص أو إجماع أو غير ذلك، فهو ~~من قبيل قياس العلة، لأنا لا نعني بقياس العلة إلا اتباع مناط الحكم في ~~الجمع بين ms0983 الأصل والفرع به. # «والثاني: طردي» وهو الجمع بين الأصل والفرع بوصف يعلم خلوه عن المصلحة، ~~وعدم التفات الشرع إليه كما سبق من قولهم: مائع لا يبنى على جنسه القناطر، ~~أو لا يصاد منه السمك، أو لا تجري عليه السفن، أو لا ينبت فيه القصب، أو لا ~~يعوم فيه الجواميس، أو لا يزرع عليه الزروع، ونحو ذلك، أو يقال: أعرابي أو ~~إنسان، فوجبت عليه الكفارة قياسا على الأعرابي المذكور في الحديث. # «والثالث: الشبه» أي: قياس الشبه وهو الجمع بين الأصل والفرع بوصف شبهي، ~~وهو ما نزل عن المناسب وارتفع عن الطردي، أو ما توهم اشتماله على المصلحة، ~~ولم يقطع بها فيه على ما سبق بيانه والخلاف فيه. # فإن قيل: كل قياس فهو مشتمل على شبه واطراد، إذ الوصف في قياس العلة في ~~الفرع يشبه الوصف في الأصل لأنه مثله، والمثلية أخص من المشابهة، والأعم ~~لازم للأخص، كوصف الإسكار في النبيذ هو مساو لوصف الإسكار في الخمر في ~~ماهية الإسكار، وهو مطرد أيضا، وكذلك قياس الشبه الوصف فيه مطرد، إذ بدون ~~الاطراد لا يكون شبها معتبرا، وإذا كان كل قياس مشتملا على الشبه والاطراد، ~~فلم خص كل واحد من الأقيسة باسمه العلم عليه، كقياس العلة والطرد والشبه؟ . # فالجواب: أن كل واحد منها أضيف إلى أخص صفاته وأقواها، لأن العلية أخص ~~صفات المناسب المؤثر، والطرد أخص صفات الطردي، والشبه أخص # PageV03P430 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # صفات الشبهي، وهذا كما يقسم الجسم ~~إلى نباتي وحيواني وإنساني إضافة لكل قسم منها إلى أخص أوصافه، وهي ~~النباتية في النبات، والحيوانية في الحيوان، والإنسانية في الإنسان. # قال الغزالي: أنواع القياس أربعة: المؤثر، ثم المناسب، ثم الشبه، ثم ~~الطرد، فأدناها الطردي الذي ينبغي أن ينكره كل قائل بالقياس، وأعلاها ~~المؤثر وهو الذي في معنى الأصل، وهو الذي ينبغي أن يقر به كل منكر للقياس. ~~قال: ويعرف كون المؤثر مؤثرا بنص، أو إجماع، أو سبر حاصر. # قوله: «وفي صحة التمسك به» أي: بقياس الشبه «قولان لأحمد والشافعي - رضي ~~الله عنهما -، والأظهر» - يعني من القولين ms0984 - «نعم» أي: يصح التمسك به ~~«لإثارته الظن خلافا للقاضي» أبي يعلى وغيره في أنه لا يصح التمسك به. # حجة من صحح التمسك به من وجهين: # أحدهما: أنه يثير ظنا غالبا بثبوت حكم الأصل في الفرع، وكل ما أثار ظنا ~~غالبا، فهو متبع في العمليات، فالقياس الشبهي متبع في العمليات، ولا نعني ~~بصحة التمسك به إلا هذا. # بيان الأولى; وهي إثارته الظن هو أنا إذا رأينا حكما ثبت في محل مشتمل ~~على أوصاف غلب على ظننا أن تلك الأوصاف مشتملة على علة الحكم، ثم إذا رأينا ~~محلا آخر قد وجدت فيه تلك الأوصاف أو أكثر، غلب على ظننا أن هذا المحل كذلك ~~المحل في اشتماله على المصلحة، وحينئذ # PageV03P431 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يغلب على ظننا استواؤهما في الحكم. # بيان الثانية; وهي أن ما أثار الظن متبع، بالقياس على العموم وخبر الواحد ~~ونحوهما. # الوجه الثاني: أن التعبد في حكم الأصل خلاف الأصل، فهو معلل بالمصلحة، ~~لكن المصلحة لا منصوص عليها، ولا ظاهرة المناسبة، فتعين اشتمال أوصاف المحل ~~عليها، فإذا شارك محل الأصل محل آخر في تلك الأوصاف، وجب إلحاقه به في ~~الحكم، لغلبة الظن تساويهما فيه، وهذا الوجه في معنى الأول. # قال الشيخ رشيد الدين الحواري في تقرير هذا: إن لله - عز وجل - في كل حكم ~~يثبته سرا وحكمة، فهذا الحكم الثابت في الأصل لا يخلو عن مصلحة، ولا يعرف ~~غير تلك المصلحة، وفي محل الإجماع أوصاف يعرف أن بعضها لا يخلو عن المصلحة ~~قطعا، ويوهم اشتمال البعض على المصلحة، فإذا جمع بين الأصل والفرع بما يوهم ~~اشتماله على المصلحة; كان هذا قياسا شبهيا. # مثاله: أن يقول: حرم الشارع الربا في البر والشعير، فلا يخلو من أن يكون ~~حرمه لكونه مكيلا، أو لكونه مطعوما، ونعلم أنه حرمه لمصلحة لا نعلم عينها، ~~لكن الأشبه أن المصلحة في ضمن الطعم، لكونه مظنة المصالح الكثيرة، لكونها ~~قوام العالم المعينة على العبادة بخلاف الكيل، إذ لا مصلحة فيه. # قلت: هذا المثال صحيح، لكن تعليل التحريم بالطعم المتضمن لمصلحة قوام ~~العالم ms0985 فاسد الوضع، لأن ما كان قواما للعالم هو من أكبر النعم # PageV03P432 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فلا يناسب التحريم لأجله، اللهم ~~إلا أن يقال بأنه حرم التفاضل تحصيلا للتناصف في هذه النعمة، ودفعا للتغابن ~~فيها، فيكون ذلك صحيحا مناسبا، والتعليل بالكيل أنسب، لأن المعقول من تحريم ~~الربا نفي التغابن في الأموال، وأكلها بالباطل، فإضافته إلى ما يتحقق به ~~التفاضل وهو الكيل والوزن أولى. # قال: والفرق بين الشبه والمناسبة أن المناسبة يتعين فيها المصلحة بخلاف ~~الشبه، فإن المصلحة فيه مطلقة; يعني مبهمة. # قلت: وحاصل هذا الفرق أن المناسب يؤثر في عين المصلحة، والشبه يؤثر في ~~جنسها، فبينهما من الفرق نحو ما بين الوصف المؤثر والملائم والغريب. # حجة القاضي في منع التمسك بالشبه وهو القاضي المالكي - أحسبه عبد الوهاب ~~- ; وهو أن الدليل ينفي العمل بالظن مطلقا لقوله تعالى: {إن الظن لا يغني ~~من الحق شيئا} [النجم: 28] ; خالفناه في قياس المناسبة للدليل الراجح ~~والاتفاق، ففي قياس الشبه يبقى على موجب الدليل، ولأن الصحابة - رضي الله ~~عنهم - إنما اجتمعت على المناسبة لا على الشبه، فوجب أن لا يكون حجة. # وأجيب بوجوه: # أحدها: المعارضة بقوله تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} [الحشر: 2] ، ~~وقياس الشبه نوع من الاعتبار. # PageV03P433 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والثاني: قوله عليه السلام: نحن ~~نحكم بالظاهر وقياس الشبه يفيد الظاهر، فيجب الحكم به عملا بالنص. # الثالث: أنه مندرج في عموم قول معاذ - رضي الله عنه - أجتهد رأيي وقد ~~صوبه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيجب أن يكون صوابا. # الرابع: ما أشرنا إليه من دلالة قياس إخراج الموتى من الأرض على إخراج ~~الحب منها على قياس الشبه عند ذكر أدلة أصل القياس. # الخامس: أن القاضي خالف مذهبه حيث احتج بقياس الشبه كثيرا في «المجرد» و ~~«التعليقة الكبرى» وغيرهما. # قوله: «والاعتبار بالشبه حكما لا حقيقة خلافا لابن علية، وقيل: بما يظن ~~أنه مناط للحكم» . # هذه المسألة ليست من مسائل «الروضة» ومعناها أنه إذا صح التمسك بقياس ~~الشبه، فهل المعتبر بالشبه الحكمي، أو بالشبه الحقيقي، أو بما غلب على الظن ~~أنه مناط الحكم منهما؟ فيه ثلاثة ms0986 أقوال: # مثال الشبه الحكمي: شبه العبد بالبهيمة في كونهما مملوكين، والملك أمر ~~حكمي. # ومثال الشبه الحقيقي: شبهه بالحر في كونهما آدميين وهو وصف حقيقي. # قال القرافي: أوجب ابن علية الجلسة الأولى قياسا على الثانية في الوجوب، ~~وهذا شبه صوري لا حكم شرعي. # مثال الثالث: أنا ننظر في البنت المخلوقة من الزنى، فهي من حيث الحقيقة ~~ابنته، لأنها خلقت من مائه، ومن حيث الحكم أجنبية منه، لكونها لا # PageV03P434 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ترثه ولا يرثها، ولا يتولاها في ~~نكاح ولا مال، ويحد بقذفها، ويقتل بها، ويقطع بسرقة مالها، فنحن ألحقناها ~~ببنته من النكاح في تحريم نكاحها عليه نظرا إلى المعنى الحقيقي، وهو كونها ~~من مائه، والشافعي ألحقها بالأجنبية في إباحتها له نظرا إلى المعنى الحكمي، ~~وهو انتفاء آثار الولد بينهما شرعا فقد صار كل من الفريقين إلى اعتبار ~~الوصف الذي غلب على ظنه أنه مناط الحكم في الأصل، وهذا هو الأشبه بالصواب، ~~لأن الظن واجب الاتباع، وهو غير لازم أبدا للشبه حكما، ولا للشبه حقيقة، بل ~~يختلف باختلاف نظر المجتهد، فيلزم كل واحد منهما تارة، والله تعالى أعلم ~~بالصواب. # واعلم أن قياس الشبه ينتفع به الناظر في استخراج الحكم دون المناظر ~~لخصمه، لأن الخصم لو منع حصول الظن من الوصف الشبهي، لاحتاج المستدل إلى ~~بيان اشتماله على المصلحة، ولا طريق له إلى ذلك إلا السبر والتقسيم. وحينئذ ~~يبقى قياس الشبه واسطة لاغية لا أثر لها. # PageV03P435 # و ### | قياس الدلالة: # الجمع بين الأصل والفرع بدليل العلة، إذ اشتراكهما فيه يفيد اشتراكهما في ~~العلة، فيشتركان في الحكم نحو: جاز تزويجها ساكتة، فجاز ساخطة كالصغيرة، إذ ~~جواز تزويجها ساكتة دليل عدم اعتبار رضاها، وإلا لاعتبر نطقها الدال عليه، ~~فيجوز وإن سخطت لعدم اعتبار رضاها. ونحو: لا يجبر العبد على إبقاء النكاح، ~~فلا يجبر على ابتدائه كالحر، فعدم إجباره على إبقائه دليل خلوص حقه في ~~النكاح، فلا يجبر على خالص حقه في الموضعين. # قوله: «وقياس الدلالة» هو «الجمع ~~بين الأصل والفرع بدليل العلة» إلى آخره. # اعلم أن القياس من حيث ms0987 التأثير والمناسبة وعدمها ينقسم إلى المناسب، ~~والشبهي، والطردي، كما سبق، ومن حيث التصريح بالعلة وعدمه ينقسم إلى قياس ~~العلة، وقياس الدلالة، والقياس في معنى الأصل، كما سبق تقسيمه. # فقياس العلة هو الجمع بين الأصل، والفرع بعلته، كالجمع بين النبيذ والخمر ~~بعلة الإسكار. # وقياس الدلالة هو ما ذكر. # والقياس في معنى الأصل: هو ما لا فارق فيه بين الأصل والفرع، أو كان ~~بينهما فارق لا أثر له. # فقياس الدلالة هو «الجمع بين الأصل والفرع بدليل العلة» لأن «اشتراكهما ~~فيه» - يعني اشتراك الأصل والفرع في دليل العلة - «يفيد # PageV03P436 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # اشتراكهما في العلة» لأن المدلول ~~لازم الدليل، والدليل ملزوم له، والاشتراك في الملزوم يقتضي الاشتراك في ~~اللازم، كالاشتراك في الإنسانية يقتضي الاشتراك في الحيوانية، وإذا اشتركا ~~في العلة، اشتركا في الحكم عملا بالقياس. # ومن أمثلة ذلك قولنا في جواز إجبار البكر: «جاز تزويجها ساكتة، فجاز» ~~تزويجها «ساخطة كالصغيرة» لأن «جواز تزويجها ساكتة» يدل «على عدم اعتبار ~~رضاها» إذ لو اعتبر رضاها، «لاعتبر نطقها الدال عليه» لكن نطقها لم يعتبر، ~~فدل على أن رضاها لا يعتبر، وإذا لم يعتبر رضاها، جاز تزويجها «وإن سخطت» ~~إذ من لا يعتبر رضاه في أمر; لا فرق بين وقوع ذلك الأمر على وفق اختياره أو ~~خلافه، كالمرأة لما لم يعتبر رضاها في الطلاق، جاز عدمه في حقها باستمرارها ~~على النكاح، ووجوده يقطع نكاحها به، فقد جمع في هذا القياس بين الصغيرة ~~والبكر الكبيرة بدليل عدم اعتبار رضاهما، وهو تزويجهما ساكتتين، فهو قياس ~~دلالة لذلك. # ومن أمثلته قولنا: «لا يجبر العبد على» النكاح، لأنه لا يجبر على إبقائه، ~~يعني استدامته، «فلا يجبر على ابتدائه كالحر، فعدم إجباره على» استدامته ~~دليل على خلوص حقه فيه. وإذا كان الحق في النكاح خالصا للعبد، لم «يجبر على ~~خالص حقه في الموضعين» أي: في استدامته وابتدائه، كما أن الحر لما كان ~~النكاح حقا خالصا له، لم يجبر عليه استدامة ولا ابتداء. # واعلم أن قياس الدلالة على ضربين: أحدهما: الاستدلال بالحكم على العلة ~~كما ذكرنا ms0988 من الاستدلال بالتزويج مع السكوت على عدم اعتبار الرضى في حق ~~البكر، وبعدم الإجبار # PageV03P437 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # على الإبقاء على عدم الإجبار على ~~الابتداء في حق العبد، وكقولنا في الوتر: يؤدى على الراحلة، فيكون نفلا، أو ~~فلا يجب، كصلاة الضحى، فجواز الأداء على الراحلة حكم النفل، فهو يدل على ~~وجود علته في الوتر، وذلك لأن الحكم أثر العلة وملزومها، فدل عليها دلالة ~~الأثر على المؤثر، والملزوم على اللازم. # الضرب الثاني: الاستدلال بأحد أثري المؤثر على الآخر، ويقال: بإحدى ~~نتيجتي علة واحدة على الأخرى، وهو معنى الأول. # ومن أمثلته: قولنا: القطع والغرم يجتمعان على السارق، أي: إذا سرق عينا ~~ففاتت في يده، قطع بها، وغرم قيمتها، لأنها عين يجب ردها مع بقائها، فوجب ~~ضمانها مع فواتها، كالمغصوب، لأن وجوب ردها مع بقائها دل على وجود علة وجوب ~~الرد، إذ الواجب لا بد له من علة، والضمان عند التلف رد لها من حيث المعنى، ~~وتلك العلة تناسبه، وقد ظهر اعتبارها في الأصل وهو المغصوب، والعلة في ذلك ~~كله إقامة العدل برد الحق، أو بدله إلى مستحقه. # ومن ذلك قولنا في المكره: يأثم إذا صدر منه القتل، فوجب عليه القصاص ~~كالمكره - بكسر الراء - عند من يوجب القصاص عليهما وهو الشافعي، فالإثم ~~ووجوب القصاص أثران للقتل، ثم إن وجود الإثم يدل على علة التأثيم، وعلة ~~التأثيم تدل على وجوب القصاص، لأنه لما أثم بالقتل، دل على أن الشارع قصد ~~حفظ المحل من القتل بالتأثيم، وإيجاب القصاص يحصل هذا المقصود وقد ظهر ~~اعتباره في الأصل وغيره من صور القتل. # PageV03P438 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قلت: فحصل من هذا أن قياس الدلالة ~~تارة يكون استدلالا بأثر العلة المفرد عليها بلا واسطة، وتارة بأحد أثريها ~~عليها بواسطة الأثر الآخر. # وأما القياس في معنى الأصل، فهو ما ساوى الأصل فيه الفرع من غير فارق، أو ~~مع فارق غير مؤثر. # مثال الأول: قياس الماء الذي صب فيه البول من إناء على الماء الذي بال ~~فيه شخص. # ومثال الثاني: قياس الأمة على العبد في سراية العتق، وإلغاء فارق ms0989 ~~الذكورية. # فإن قيل: المثال الأول راجع إلى إلغاء الفارق أيضا لا إلى انتفائه ~~بالكلية، إذ صب البول في الماء في الفرع كيفية يفارق بها الأصل، لكنها ~~ملغاة، فكيف جعلتموها قسمين؟ # فالجواب أن الفارق في صورة العتق بالذكورية يمكن أن تقرر مناسبته على ما ~~سبق، بخلاف الفارق في صورة البول من الماء، فإنه لا يمكن أن تقرر له ~~مناسبة. # ثم إن هذا القياس ينقسم إلى قطعي - كما ذكرنا -، وإلى ظني، كقياس إضافة ~~الطلاق إلى جزء معين على إضافته إلى جزء شائع، كقياس قوله: يدك طالق، على ~~قوله: نصفك أو ثلثك أو ربعك طالق، لأن هذا جزء وهذا جزء، إذ الفرق في هذا ~~يحتمل التأثير بأن الجزء الشائع جعل محلا للحكم الشرعي كالبيع والرهن، فلا ~~يبعد أن يكون محلا للطلاق، بخلاف المعين، بخلاف الفرق في القسم الأول، فإن ~~تأثيره لا يظهر. # PageV03P439 # تنبيه: # حيث العلة الشرعية أمارة يجوز أن تكون وصفا عارضا، كالشدة في الخمر، ~~ولازما ; كالنقدية والصغر، وفعلا; كالقتل والسرقة، وحكما شرعيا نحو: تحرم ~~الخمر، فلا يصح بيعها; كالميتة، ومفردا ومركبا ومناسبا وغير مناسب ووجوديا ~~وعدميا، ويجوز أن تكون في غير محل حكمها، كتحريم نكاح الأمة لعلة رق الولد. # ولا تنحصر أجزاؤها في سبعة أوصاف، خلافا لقوم، والله أعلم. # قوله: «تنبيه: حيث العلة الشرعية ~~أمارة» إلى آخره. # هذا ذكر ### | أحكام العلة الشرعية # وما يجوز فيها وما لا يجوز، وقوله: «حيث العلة الشرعية» : لما كانت العلة ~~الشرعية «أمارة» جاز فيها ما ذكر من الأمور، لأنها معرفة للحكم، لا موجبة ~~له، والأمور المذكورة فيها لا تنافي كونها معرفة، إذ لا يمتنع أن يجعل ~~الشارع كل واحد من الأمور المذكورة علما على الحكم. # فمن الأمور المذكورة: «أن تكون» العلة «وصفا عارضا، كالشدة في الخمر» هي ~~علة التحريم، وهي وصف عارض، لأنه عرض للعصير بعد أن لم يكن. # PageV03P440 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ومنها أن تكون وصفا «لازما ~~كالنقدية» في الذهب والفضة، أي: كونهما نقدا، أي: عوضا ينقد في البيع وغيره ~~من المعاوضات بالأصالة، ولا جرم من صحح التعليل بالعلة القاصرة ms0990 علل تحريم ~~الربا في النقدين بالنقدية. # وأما الصغر، فقد علل به ثبوت الولاية في المال، والإجبار في النكاح، ~~وجعله في «الروضة» من قبيل الوصف اللازم كالنقدية، وهو محل تردد، إذ الصغر ~~كالواسطة بين العارض واللازم، لأنه من حيث إنه أصل في الصغير لم يعرض بعد ~~أن لم يكن أشبه النقدية في اللزوم، ومن حيث إنه يزول بالكبر أشبه الشدة ~~المسكرة في العروض، وكذلك يجوز التعليل بالأوصاف العرفية كالشرف المناسب ~~للتعظيم والإكرام، وتحريم الإهانة والخسة المناسبة لأضداد ذلك. # ومنها: أن تكون العلة «فعلا، كالقتل والسرقة» علل بهما القصاص والقطع. # ومنها: أن تكون «حكما شرعيا، نحو» قولنا: «تحرم الخمر، فلا يصح بيعها ~~كالميتة» فالعلة الجامعة بينهما التحريم، وهو حكم شرعي علل به حكم شرعي، ~~وهو فساد البيع، وخالف بعض الأصوليين. # لنا: لا يمتنع أن يجعل الشارع بعض أحكامه معرفات لبعض، وقد قررنا أن علل ~~الشرع أمارات معرفات. # احتجوا بوجهين: # أحدهما: أن شأن الحكم أن يكون معلولا، فلو جعل علة، لأفضى إلى # PageV03P441 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قلب الحقائق بجعل العلة معلولا ~~والمعلول علة. # الثاني: أن الحكمين متساويان في الحكمية، فجعل أحدهما علة دون الآخر ~~ترجيح من غير مرجح. # والجواب عن الأول: أنه غير مناف لما نقول، إذ الحكم معلول لعلته، وعلة ~~لمعلوله، فيكون علة ومعلولا بالإضافة، إذ لا يمتنع أن يكون الحكم مناسبا ~~لتعريف حكم آخر، وذلك الآخر مناسب لتعريف حكم آخر، كقولنا في الخمر: نجس، ~~فلا يجوز بيعه، كالميتة، ثم نقول: لا يجوز بيعه، فلا يجوز رهنه، كالحر، ~~فالنجاسة أثرت في عدم جواز البيع، وعدم جواز البيع عرف عدم جواز الرهن. # وعن الوجه الثاني: بمنع كونه ترجيحا من غير مرجح بل المرجح المناسبة، ~~والنجاسة مناسبة للتحريم في قولنا: نجس فيحرم، ولو عكسنا فقلنا: حرام ~~فينجس; لم يصح ولم يناسب، إذ الحرير والذهب يحرم لبسهما، وليسا نجسين. # ومنها: أن تكون العلة وصفا «مفردا» كقولنا في اللواط: زنا، فأوجب الحد ~~كوطء المرأة ونحو ذلك، وأن تكون وصفا «مركبا» كقولنا: قتل عمد عدوان، فأوجب ~~القصاص كالمثقل، فالعلة مركبة من ms0991 ثلاثة أوصاف، وخالف قوم في جوازه. # لنا: أن المصلحة قد تتوقف على التركيب، فيتعين اعتباره، كما تتوقف مناسبة ~~القود في القتل على كونه عمدا عدوانا، ومناسبة الحد في الزنا على # PageV03P442 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # كونه عالما مختارا، واحتج الخصم ~~بما لا حاصل له وهو شبيه السفسطة، فلم نر الإطالة بذكره. # ومنها أن تكون العلة وصفا «مناسبا» كالقتل والسرقة والقذف، والردة والسكر ~~لأحكامها، «وغير مناسب» كالردة وأكل لحم الجزور ومس الفرج مع عدم الشهوة ~~لنقض الوضوء. # ومنها: أن تكون وصفا «وجوديا» كما ذكر، وكقولنا: جاز بيعه، فجاز رهنه، ~~«وعدميا» كقولنا: لا يجوز بيعه، فلا يجوز رهنه، وفي المسافر والمرأة والعبد ~~لا تجب عليهم الجمعة، فلا تنعقد بهم، وفي العبد لا يلي أمر ولده فلا يلي ~~أمر غيره، وأشباه ذلك. # ومنها: أن العلة «يجوز أن تكون في غير محل حكمها، كتحريم نكاح الأمة، ~~لعلة رق الولد» فإن رق الولد وصف قائم به، أو معنى إضافي بينه وبين سيده، ~~وتحريم نكاح الأمة وصف قائم بالنكاح، أو معنى مضاف إليه، فبالجملة رق الولد ~~ليس في محل تحريم النكاح. # وتوجيه ذلك كله ما ذكرناه من أن علل الشرع أمارات على أحكامه، فجاز أن ~~تكون هذه الأوصاف بهذه الكيفيات أمارات على الأحكام، إذ لا يلزم من فرض ~~وقوع ذلك محال، ولا منع منه سمع، وقد ساعد ذلك في الأمثلة المذكورة. # ومما لم يذكر في «المختصر» ولا أصله تعليل الحكم بمحله، كتعليل # PageV03P443 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # تحريم الخمر بكونه خمرا، وتحريم ~~الربا في البر بكونه برا يجوز لما ذكرنا. وخرجه الإمام على التعليل بالعلة ~~القاصرة، لأن المحلية قاصرة على المحل، كالنقدية القاصرة على النقد، وهو ~~تخريج حسن، والعلة القاصرة أعم من المحل، لأن المحل ما وضع له اللفظ، ~~كالخمر والبر، والعلة القاصرة قد تكون وصفا اشتمل عليه محل النص لم يوضع له ~~اللفظ كالنقدية، فكل محل علة قاصرة، وليس كل علة قاصرة محلا. # واتفقوا على أنه لا يجوز التعليل بالاسم. ذكره القرافي، ولم يفصح بالفرق ~~بينه وبين التعليل بالمحل، غير أنه قال: لأن الاسم بمجرده ms0992 طردي محض ~~والشرائع شأنها رعاية المصالح. # قلت: فتحقيق الفرق يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون المراد التعليل بالاسم الجامد الذي لا ينبئ عن صفة ~~مناسبة تصلح إضافة الحكم إليها بخلاف الخمر الدال على التخمير المناسب ~~للتحريم، وهذا يشكل بالبر، فإنه قد جاز التعليل به وهو جامد. # الوجه الثاني: أن يكون المراد التعليل بالتسمية، نحو: حرمت الخمر ~~لتسميتها خمرا، والتفاضل في البر لتسميته برا ونحو ذلك، إذ التسمية لا ~~تأثير لها، بخلاف المعنى المستفاد من المحل بإشارته إليه، أو تنبيهه عليه، ~~وربما التفت الكلام هنا إلى الاسم والمسمى، فمن قال: هما واحد، أو ~~متغايران، والمراد المسمى الذي هو مدلول الاسم، فحكمه حكم سائر العلل، # PageV03P444 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # إن كان مؤثرا، أو مناسبا، علل به، ~~وإلا فلا. ومن أراد الاسم الذي هو اللفظ، لم يعلل به قطعا. # وإذا كان الوصف منضبطا، فالتعليل به، وإن لم يكن منضبطا، فهل يجوز ~~التعليل بحكمته وهي التي لأجلها صار الوصف علة، وإن شئت قلت: هي الغاية ~~المطلوبة من التعليل ; وهي جلب المصلحة، أو دفع المفسدة، كحفظ المال والعقل ~~والنسب، الذي جعل وصف السكر والسرقة والزنا علة لوجوب الحد لتحصيله؟ فيه ~~خلاف. # حجة من أجازه هو أن الوصف وسيلة والحكمة مقصد، وإذا جاز التعليل ~~بالوسيلة، فبالمقصد نفسه أولى. # حجة من منعه من وجهين: # أحدهما: لو جاز ### | التعليل بالحكمة، # لامتنع بالوصف، إذ الأصل لا يعدل عنه إلا عند تعذره، والحكمة ليست ~~متعذرة، لكن قد جاز التعليل بالوصف مع وجود الحكمة وإمكان اعتبارها اتفاقا، ~~فيلزم أن لا يجوز التعليل بالحكمة. # الوجه الثاني: لو جاز التعليل بالحكمة، لزم تخلف الحكم عن علته، وهو نقض ~~لها، وخلاف الأصل، وهو باطل. # وبيان ذلك بمثالين: # أحدهما: أن وصف الرضاع سبب تحريم النكاح، وحكمته صيرورة جزء المرضعة - ~~وهو لبنها - جزءا للرضيع أشبه منه الذي صار جزءا لولدها الحقيقي، فحرم ~~عليها الرضيع بالقياس عليه، وهذا سر قوله - عليه السلام -: # PageV03P445 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الرضاع لحمة كلحمة النسب ثم إن ~~صبيا أجنبيا لو أكل قطعة من لحم امرأة حتى صارت جزءا له، لم يحرم ms0993 عليها، مع ~~أن الحكمة في الرضاع موجودة. # المثال الثاني: أن حكمة تحريم الزنا حفظ الأنساب من الاختلاط والضياع، ~~فلو عللنا التحريم ووجوب الحد بها، لزم أن من فر بصبيان صغار عن آبائهم، ~~وغيبهم عنهم حتى صاروا رجالا، ولم يعرف بعضهم بعضا واشتبهت أنسابهم، لزمه ~~الحد لوجود مقتضيه، وليس الأمر كذلك. # قلت: المسألة محل نظر، والأشبه جواز التعليل بالحكمة. والجواب عن حجة ~~المانعين يستدعي طولا وهو ظاهر للفطن. # قوله: «ولا تنحصر» أي: حيث تقرر أن العلة يجوز أن تكون مركبة من أوصاف، ~~فلا تنحصر «أجزاؤها في» خمسة أو «سبعة أوصاف، خلافا لقوم» من الأصوليين في ~~قولهم: تنحصر في ذلك، ولعل حجتهم القياس على صفات الله - سبحانه وتعالى - ~~الذاتية، فإن بعضهم يحصرها في سبع: العلم والقدرة والإرادة والحياة والسمع ~~والبصر والكلام على خلاف بينهم في ذلك. # PageV03P446 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ولنا: أن المصلحة الشرعية كما تحصل ~~بالوصف الواحد، وتقف عليه، فقد تقف على سبعة أوصاف وأقل وأكثر، وقياسها على ~~صفات الله تعالى غير صحيح لوجوه: # أحدها: أن انحصار صفاته - عز وجل - في عدد معلوم غير متفق عليه. # قلنا: التزام عدم التناهي فيها كذاته سبحانه وتعالى. # الوجه الثاني: أن صفات البارئ جل جلاله واجبة، وأوصاف العلة الشرعية ~~ممكنة، فلا يصح القياس لكثرة الفروق المؤثرة بين الواجب والممكن. # الوجه الثالث: أن أوصاف علة الشرع توجب حكما حادثا في محالها، بخلاف صفات ~~الله - عز وجل - لتنزه ذاته عن لحوق الحوادث لها على ما زعم بعض المتكلمين، ~~والله سبحانه أعلم. # PageV03P447 # ويجري القياس في الأسباب والكفارات والحدود، وهو قول ~~الشافعية خلافا للحنفية. # لنا: إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - على القياس من غير تفصيل، ولأنهم ~~قالوا في السكران: إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فيحد حد المفتري; وهو قياس ~~سببي، ولأن منع القياس إن كان مع فهم المعنى، فتحكم وتشه، وإلا فوفاق، ~~ولأنه مفيد للظن، وهو متبع شرعا. # قالوا: الكفارات والحدود شرعا للزجر وتكفير المأثم، والقدر الحاصل به ذلك ~~غير معلوم، والحد يدرأ بالشبهة، والقياس شبهة لظنيته. # وأجيب عن الأول: بأنا لا ms0994 نقيس إلا حيث يحصل الظن فيتبع. # وعن الثاني: بالنقض بخبر الواحد والشهادة والظواهر والعمومات، والله ~~أعلم. # قوله: «ويجري القياس» أي: يجوز ~~استعماله «في الأسباب والكفارات والحدود، وهو قول الشافعية، خلافا للحنفية» ~~. # قلت: هذه ترسم في كتب الأصول مسألتين: # إحداهما: إجراء القياس في الأسباب وهو مذهبنا ومذهب أكثر الشافعية، ومنع ~~منه أبو زيد الدبوسي والحنفية. قال الآمدي: وصورته: إثبات كون اللواط سببا ~~للحد قياسا على الزنا. # قلت: وكذا الكلام في النباش والنبيذ. # قوله: «لنا: إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - على القياس» إلى آخره. # PageV03P448 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # هذه حجة من أجاز القياس في ~~الأسباب، وهي من وجوه: # أحدها: أن الصحابة - رضي الله عنهم - أجمعوا على مشروعية القياس في أحكام ~~الشرع من غير فرق بين بعضها وبعض، ولا تفصيل بين الأسباب وغيرها، وذلك ~~يقتضي عموم جوازه فيها. # الوجه الثاني: «أنهم قالوا في السكران» : إنه «إذا سكر هذى، وإذا هذى ~~افترى» فيجب عليه «حد المفتري، وهو قياس سببي» أي: قياس في الأسباب، لأن ~~القذف سبب حد القاذف ثمانين، وقد قاسوا عليه السكر في كونه سببا لذلك، ~~والذي أنشأ هذا القياس علي - رضي الله عنه - بحضرة عمر وغيره، لكنهم لما ~~وافقوا عليه وصاروا إليه، نسب إليهم. # الوجه الثالث: أن «منع القياس» في الأسباب وغيرها، إما أن يكون مع فهم ~~المعنى الجامع بين الأصل والفرع، أو لا، فإن كان الأول، فهو تحكم من الخصم، ~~حيث أجاز القياس لأجل فهم الجامع في غير الأسباب، ومنعه فيها، إذ ليس أولى ~~من العكس، وإن كان الثاني، فهو وفاق منا ومنهم، لأننا حيث لا نفهم المعنى ~~الجامع المصحح للقياس لا نقيس. # الواجه الرابع: أن القياس في الأسباب ونحوها بشرطه المذكور «مفيد للظن» ~~والظن «متبع شرعا» فهذا القياس متبع شرعا، فيكون حجة، ونظم هذا الدليل ~~ومقدماته ظاهرة. # قوله: «قالوا» إلى آخره. هذه حجة المانعين، وهي من وجهين: # PageV03P449 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أحدهما: أن الكفارة والحد «شرعا ~~للزجر وتكفير المأثم» الحاصل بالمعصية التي هي سبب الحد، كالقتل والظهار ~~والإفطار ونحوها، «والقدر» الذي يحصل به الزجر والتكفير «غير معلوم» حتى ms0995 ~~يلحق به غيره بالقياس، وحينئذ يكون قياسا على أمر مجهول، وحاصله أن الكفارة ~~والحدود شرعت لحكم، لكن الحكم غير منضبط، لأنها مقادير من الحاجات، وإنما ~~المنضبط الأوصاف، ولهذا ترتب الحكم على سببه، وإن لم توجد حكمته، كقطع ~~السارق، وإن لم يتلف المال بأن أخذ من السارق، وحد الزاني وإن لم يختلط ~~النسب بأن كانت عقيما، أو حاضت، فلم يظهر حمل، وإذا كانت الحكمة غير ~~منضبطة، لم يجز الجمع بها، لأن الجمع بغير المنضبط جهالة، وهو لا يجوز. # الوجه الثاني: أن «الحد يدرأ بالشبهة» عملا بالنص، «والقياس شبهة لظنيته» ~~أي: لكونه لا يفيد إلا الظن، فلا يجب الحد معه. # قوله: «وأجيب عن الأول» إلى آخره. أي: الجواب عما ذكرتموه. # أما عن الأول، «فبأنا لا نقيس إلا حيث يحصل» لنا «الظن» بالقياس، وإذا ~~حصل الظن به، كان متبعا لما سبق غير مرة، فسواء انضبطت الحكمة أو لم تنضبط، ~~وغاية ما يقدر أن القياس مع عدم انضباط الحكمة خطأ، لكنا مع حصول ظن الصواب ~~لنا نخرج عن عهدة الاجتهاد عملا بقوله - عليه السلام -: # PageV03P450 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # إذا اجتهد الحاكم فأصاب، فله ~~أجران، وإن أخطأ، فله أجر واحد. # وأما الجواب عن الثاني، فبأنه منقوض «بخبر الواحد والشهادة، والظواهر ~~والعمومات» فإن ذلك كله يفيد الظن، وقد ثبت به الحد. وقياس قولكم، إنه لا ~~يثبت به شيء من ذلك لأنه ظني، فيكون شبهة في درء الحد. # هذا آخر ما ذكر في «المختصر» من أدلة هذه المسألة وهي منتظمة للاحتجاج ~~على إثبات القياس في الأسباب والكفارات والحدود على ما وقع في «المختصر» ~~واقتضاه ترتيبه ولفظه. # المسألة الثانية: على ما فصلناه في الشرح ### | : جريان القياس في المقدرات، # والحدود، والكفارات، كنصب الزكوات، وعدد الصلوات والركعات، وأروش ~~الجنايات ونحوها، وحد الزاني والقذف والشرب وسائر الكفارات، هو مذهب أحمد، ~~والشافعي، وابن القصار والباجي من المالكية وأكثر الناس، خلافا لأبي حنيفة ~~وأصحابه. # لنا: ما سبق من أن إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - على القياس من غير ~~فرق، ومن أنا إذا فهمنا مناط الحكم، وأفادنا القياس ms0996 الظن، قسنا، وإلا فلا. # احتج الخصم بنحو ما سبق بأن الأمور المذكورة لا يعقل معنى اختصاصها بما ~~اختصت به دون ما هو أعلى منه أو أدنى، كوجوب الزكاة في عشرين # PageV03P451 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مثقالا دون تسعة عشر أو أحد ~~وعشرين، وإيجاب مائة في الحد دون تسعة وتسعين سوطا أو مائة وسوط، وصيام ~~ثلاثة أيام في كفارة اليمين دون يومين أو أربعة، وصيام ستين يوما في الظهار ~~ونحوه دون أحد وستين، أو تسعة وخمسين، وإذا كانت هذه التخصيصات لا يعقل ~~تعذر القياس فيها، إذ القياس فرع تعقل المعنى، وإذا انتفى الأصل، انتفى ~~الفرع. # والجواب بما سبق من أنا حيث لا نفهم المعنى، لا نقيس. # قلت: فكأن النزاع صار في مسألة أخرى، وهو جواز فهم المعنى في الحدود ~~ونحوها، فنحن نقول: يجوز فهمه في بعض صورها، فيصح القياس عليها إذا تحقق ~~مناط حكم الأصل في الفرع، وهم يقولون: لا يجوز أن يفهم، فلا يصح القياس ~~لتعذر تحقق مناط حكم الأصل في الفرع. # وحينئذ الأشبه ما قلناه، إذ جواز فهم المعنى في ذلك لا يلزم منه محال، ~~ولا ينكره عاقل، فإن كان هذا هو محل الخلاف، وإلا عاد النزاع لفظيا لاتفاق ~~الفريقين على امتناع القياس في التعبد، وجوازه حيث عقل المعنى، والله تعالى ~~أعلم. # قلت: قد حصل في «المختصر» في هذه المسائل تداخل بموجب الاختصار، وقد ~~فصلته في الشرح كما رأيت، والله تعالى أعلم. # PageV03P452 # والنفي ضربان: أصلي: فيجري فيه قياس الدلالة، وهو ~~الاستدلال بانتفاء حكم شيء على انتفائه عن مثله، فيؤكد به الاستصحاب، لا ~~قياس العلة، إذ لا علة قبل ورود السمع. # وطارئ: كبراءة الذمة من الدين، فيجري فيه القياسان، لأنه حكم شرعي ~~كالإثبات، والله سبحانه أعلم. # قوله: «والنفي ضربان: أصلي» إلى ~~آخره. أي: النفي إما أصلي أو طارئ، فالأصلي ما لم يتقدمه ثبوت، كنفي صلاة ~~سادسة، ونفي صوم شهر غير رمضان ونحو ذلك، فهذا «يجري فيه قياس الدلالة» دون ~~قياس العلة، والفرق بينهما أن الاستدلال ممكن موجود قبل ورود الشرع، ولهذا ~~أمكن النظر والاستدلال قبل ms0997 الشرع، لأنها من آثاره وأحكامه فلا يتصور وجودها ~~قبله، والمراد بقياس الدلالة هاهنا «هو الاستدلال بانتفاء» الحكم في «شيء ~~على انتفائه عن مثله» أو بعدم انتفاء خواص الشيء على عدمه. مثال الأول أن ~~يقال: إنما لم يجب الفعل الفلاني لأن فيه مفسدة خالصة أو راجحة، وهذا الفعل ~~الآخر مشتمل على مثل ذلك، فينبغي أن لا يجب. # مثاله: إنما لم تجب صلاة سادسة وحج ثان في العمر، لما فيه من المفسدة في ~~نظر الشارع، ووجوب صوم شهر ثان، أو وجوب ستة أيام من # PageV03P453 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # شوال فيه مثل تلك المفسدة، فينبغي ~~أن لا يجب، فهذا قياس لأحد الحكمين على الآخر في الانتفاء بالاستدلال بجامع ~~ما اشتملا عليه من المفسدة. # مثال الثاني، وهو الاستدلال بانتفاء الخواص أن يقال: ترتيب الوعيد من ~~خواص الوجوب، وهو منتف في صلاة الوتر والضحى، وصوم أيام البيض، فلا تكون ~~واجبة. # وقولنا: «فيؤكد به الاستصحاب» أي: إن هذا الانتفاء مستغن باستصحاب دليل ~~العقل النافي عن دليل، وهذا الاستدلال المذكور عليه إنما وقع مؤكدا ~~لاستصحاب حال النفي الأصلي حتى لو لم يوجد هذا الاستدلال على نفي وجوب ~~الصلاة السادسة، لكان النفي الأصلي مستقلا بنفي وجوبها. # أما قياس العلة، فلا يتصور في هذا، لما سبق، ولأن العلة إنما تكون لما ~~يتجدد بعد عدمه، وهذا النفي ثابت بالأصالة، فلا علة له إلا إرادة البارئ جل ~~جلاله عدم متعلقه، وهو النفي; بمعنى أنه لم يرد إيجاده لكن ذلك لا يصلح أن ~~تعلل به الأحكام الشرعية. # وأما النفي الطارئ، أي: الحادث المتجدد بعد عدمه، «كبراءة الذمة من ~~الدين» بعد ثبوته فيها، «فيجري فيه القياسان» : قياس الدلالة، وقياس العلة، ~~«لأنه حكم شرعي» فهو «كالإثبات» الشرعي، وذلك لأن النفي الطارئ بالشرع له ~~خواص يستدل بانتفائها على انتفائه، وآثار يستدل بوجودها على وجوده، وكذلك ~~له علل وأسباب يعلل بها، ويلحق به ما شاركه فيها. # PageV03P454 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مثال الأول - وهو قياس الدلالة في ~~النفي الطارئ - أن يقول: من خواص براءة الذمة من الدين أن لا يطالب به بعد ~~أدائه، ولا يرتفع ms0998 إلى الحاكم، ولا يحبس به، ولا يحال به عليه ونحو ذلك، وكل ~~هذه الخواص موجودة، فدل على وجود براءة الذمة، كما نقول: من خواص الملك ~~المطلق جواز بيعه وهبته والتصدق والوصية به. وقد انتفت بالعين المغصوبة ~~بالنسبة إلى الغاصب، فدل على عدم ملكه لها، وثبت بالنسبة إلى المغصوب منه ~~في الجملة، فدل على ثبوت ملكه لها. # ومثال الثاني - وهو قياس العلة في النفي الطارئ - أن يقال: علة براءة ~~الذمة من دين الآدمي هو أداؤه، والعبادات هي دين لله - عز وجل -، فليكن ~~أداؤها علة البراءة منها. # وقد دل على صحة هذا القياس قوله - عليه الصلاة والسلام -: فدين الله أحق ~~بالقضاء. # ولو قال قائل: إن الحوالة بالدين على مليء علة لبراءة ذمة المحيل منه، ~~فلتكن الإحالة بدين الله - عز وجل - علة لبراءة ذمة المكلف منها حتى تجوز ~~استنابة المكلف غيره في أداء الفرائض الواجبة عنه، كالصلاة المكتوبة وصوم ~~رمضان، وحج الفرض ونحوه; لكان هذا قياسا صحيحا في الجملة. وقد ظهرت صحته في ~~جواز الاستنابة في دفع الزكاة، وفروض الكفايات، وصوم النذر عن الأموات، وحج ~~التطوع، ونحوه من القرب. وإن أدى # PageV03P455 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # اجتهاد مجتهد إلى طرد القياس في ~~بقية الواجبات، وأمكن أن يأتي بدليل أو شبهة يعذر بها المجتهد، كان له ~~طرده، لكن المشهور بين الأمة أن فروض الأعيان لا تقبل الاستنابة فيها، ولا ~~الحوالة بها على غير من خوطب بفعلها، وليس ذلك لفساد القياس المذكور في ~~نفسه، بل لفوات شرطه، وهو أن الحوالة إنما تنقل الحق، وتبرأ بها ذمة المحيل ~~بشرط رضى صاحب الحق عند بعض أهل العلم، وذلك غير معلوم من الله تعالى أنه ~~رضي بنقل حقه، بل ربما كان المعلوم عدم رضاه لتوجه النصوص القاطعة إلى كل ~~مكلف بعينه بأداء ما خوطب به. # وأما من لا يشترط رضى صاحب الحق في الحوالة، فيمنع صحة القياس المذكور ~~لقيام الفارق، وهو أن حق الآدمي المقصود منه أداؤه، لا تعبد عين المؤدي له ~~به، فيقوم غيره مقامه في ذلك، بخلاف حق الله - عز وجل ms0999 - فإن المعتبر فيه ~~أمران: أداؤه وتعبد المكلف به عينا، وهو أعم الأمرين. فلهذا لم يصح أداؤه ~~بنائب، ولهذا لما لم يكن المقصود من فرض الكفاية تعبد الأعيان به، قام ~~البعض فيه مقام البعض، فهذا مقصود الكلام على لفظ «المختصر» . # وأشار القرافي في «مختصره» إلى أن في دخول القياس في النفي الأصلي أقوالا ~~ثالثها المذكور في «المختصر» وهو دخول قياس الاستدلال فيه دون قياس العلة، ~~وهو المذكور في «المستصفى» و «الروضة» وقد ذكرت توجيهه. # PageV03P456 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أما حجة الجواز مطلقا، فقد سبقت في ~~أثناء ذلك، وهو أن يستدل بانتفاء خواص ذلك الفعل على انتفائه في قياس ~~الاستدلال، أو يقال: إنما لم يجب الفعل الفلاني لتضمنه مفسدة كذا. وهذا ~~الفعل يتضمن مثل تلك المفسدة، فلا يجب فيه قياس العلة. # وحجة المنع مطلقا قد أشير إليها أيضا، وهو أن النفي الأصلي ثابت مستمر ~~بذاته، فيستحيل إثباته بغيره من استدلال أو علة، لأنه إثبات الثابت وهو ~~تحصيل الحاصل. # والجواب: أما الاستدلال، فقد بينا أنه مؤكد للنفي الأصلي، لا مثبت له. # وأما العلة، فقد بينا أنه يمكن فهمنا بالقياس إلى حكمة الشرع، فنعديها ~~إلى ما ساوى النفي الذي استفيدت منه، كقولنا: إنما لم يبح السم، لأنه مضر ~~بالأبدان، مفوت لحقوق الله - عز وجل - منها، ثم تعدى ذلك إلى كل مضر ~~بالبدن، مفوت للعبادة منه، كقتل النفس ونحوه، وهذا قياس صحيح مفيد لو لم ~~يرد النص بمقتضاه، لصح إثبات الحكم به، وقد استرسلت في هذه المسألة وأطلت ~~فيها طلبا للكشف عنها، إذ تصورها وتركيب أمثلتها من المشكلات عند كثير من ~~الناس خصوصا المبتدئ في هذا العلم، والله تعالى أعلم بالصواب. # PageV03P457 # الأسئلة الواردة على القياس # قيل: اثنا عشر: # الأول ### | : الاستفسار، # ويتوجه على الإجمال، وعلى المعترض إثباته ببيان احتمال اللفظ معنيين ~~فصاعدا، لا بيان التساوي لغيره. # وجوابه بمنع التعدد أو رجحان أحدهما بأمر ما. # قوله ### | : «الأسئلة الواردة على القياس، # قيل: اثنا عشر» . # الكلام على هذه الجملة في أمور: # أحدها: أن الأسئلة جمع سؤال، وهو قياس فيما كان على فعال - بضم ms1000 الفاء - ~~يجمع على: أفعلة، نحو: غلام وغراب وحوار - لولد الناقة - إلا ما عساه يشذ ~~عن ذلك، والسؤال أصله: الطلب. # فمنه سؤال الفقير الغني، والعبد للرب، وهو أن يطلب منه ما يصلحه من مال ~~أو عفو. # ومنه سؤال الاستفهام، نحو: زيد يسأل عن حال عمرو، أي: يطلب منه معرفة ~~كيفية حاله، وهو بالجملة طلب معرفة حال المستفهم عنه. # ومنه سؤال الاستفادة، كسؤال المتعلم للمعلم كيف يكون، وسؤال العناد ~~والتعجيز، كسؤال المعترض للمستدل: لم قلت كذا وكذا؟ وهو طلب الفائدة أو ~~الدليل، والمراد بالسؤال هاهنا أحد هذين، لأن الأسئلة الواردة # PageV03P458 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # على القياس قد تكون من مستفيد يقصد ~~معرفة الحكم خالصا مما يرد عليه. وقد تكون من معاند يقصد قطع خصمه ورده ~~إليه. وقد بينا في أول الكتاب معنى ورود السؤال والنقض ونحوه على محله. # الأمر الثاني: إنما قلت: «قيل: اثنا عشر» لوجهين: # أحدهما: متابعة للأصل، فإن الشيخ أبا محمد هكذا قال: قال بعض أهل العلم: ~~يتوجه على القياس اثنا عشر سؤالا. # الوجه الثاني: أني قد ذكرت عند انقضاء الكلام في الأسئلة المذكورة أن ~~بعضهم زعم أنها خمسة وعشرون كما سيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى. # الأمر الثالث: أن هذه الأسئلة ليست في «المستصفى» بل الغزالي أعرض عن ~~ذكرها، وزعم أنها كالعلاوة على أصول الفقه، وأن موضع ذكرها علم الجدل. # قلت: ولا شك أن الأصوليين فيها على ضربين، منهم من لم يذكرها في أصول ~~الفقه إحالة لها على فنها الخاص بها، كالغزالي وغيره، ومنهم من ذكرها، ~~لأنها من مكملات القياس الذي هو من أصول الفقه ومكمل الشيء من ذلك الشيء، ~~ولهذه الشبهة، أكثر قوم من ذكر المنطق والعربية والأحكام الكلامية، لأنها ~~من مواده ومكملاته. # قوله: «الأول» يعني من الأسئلة المذكورة ### | «الاستفسار» # وهو طلب تفسير اللفظ، وبيان المراد به، «ويتوجه» - يعني الاستفسار - «على ~~الإجمال» أي: يرد عليه، ويسوغ للمعترض أن يطالب بتفسير لفظ المستدل إذا كان ~~مجملا. # PageV03P459 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وقد سبق تعريف المجمل، وذلك لأن ~~المجمل لا يفيد معنى معينا، وعند ذلك إما أن يعترض ms1001 المعترض على كل واحد من ~~معانيه، أو على أحدهما، أو لا على واحد منهما. # والأول باطل، لأنه يفضي إلى التطويل، وانتشار الكلام، وهو خلاف موضوع علم ~~النظر، مثل أن يقول المستدل: يجب على المطلقة أن تعتد بالأقراء، فيقول ~~المعترض: إن عنيت أنها تعتد بالأقراء التي هي الحيض، فمسلم، وإن عنيت ~~بالأقراء التي هي الأطهار، فممنوع، لأن هذا تطويل لا ضرورة إليه، بل الأقرب ~~أن يقول: ما عنيت بالأقراء؟ فإذا قال: الحيض، أو الأطهار، أجاب بحسب ذلك من ~~تسليم أو منع. # والثاني أيضا باطل، لأنه ترجيح من غير مرجح، مثل أن يقول في الصورة ~~المذكورة: لا نسلم أنها تعتد بالأقراء، ويريد به الحيض أو الأطهار، فلا ~~يجوز ذلك لاستوائهما في دلالة اللفظ عليهما، ولأن المستدل قد يقصد تغليط ~~المعترض، ليجيب عن أحد المعنيين، من غير استفسار، فيقول هو: أخطأت ليس ~~الأمر كذلك، ويريد المعنى الآخر. # كما حكي عن اليهود، أنهم سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الروح، ~~وهو لفظ # PageV03P460 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مشترك بين القرآن، وجبريل، وعيسى، ~~وملك يقال له: الروح، وروح الإنسان الذي في بدنه، ليغلطوه بذلك، يعني: إن ~~قال لهم: الروح ملك، قالوا: بل هو روح الإنسان، أو قال: روح الإنسان، ~~قالوا: بل هو ملك أو غيره من مسميات الروح، فعلم الله تعالى مكرهم، فأجابهم ~~مجملا كسؤالهم بقوله تعالى: {قل الروح من أمر ربي} [الإسراء: 85] ، وهو ~~يتناول المسميات الخمسة وغيرها، كذا ذكر صاحب «الإفصاح» في خلق الإنسان، ~~قال: وهذا هو سبب الإجمال في مسمى الروح، لا كون حقيقتها غير معلومة للبشر، ~~إذ قد دلت قواطع الشرع على جسميتها، واستقصى ذلك في كتابه المذكور. # وقد يجمل المستدل لفظه احتياطا لنفسه، واستبقاء لها في ميدان النظر ~~مجالا، بحيث إن توجه سؤال المعترض على أحد معنيي اللفظ، تخلص منه بتفسير ~~كلامه بالمعنى الآخر. # ومثاله: ما ذكرناه من سؤال اليهود عن الروح، غير أنهم كانوا مغالطين، لا ~~محتاطين. # ومن أمثلة ذلك: لو قال المستدل: العدة بالأقراء، فقال المعترض: لو كان ~~بالأقراء، للزم خلاف الظاهر، إذ ms1002 ظاهر القرآن أنها تعتد بثلاثة قروء كوامل، ~~يعني بالقروء الأطهار، وكمالها قد يتخلف فيها إذا طلقها في أثناء طهر، ~~فإنها تعتد به قرءا، فلا يحصل اعتدادها بثلاثة قروء كاملة، فيقول المستدل: # PageV03P461 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أنا أردت بالأقراء الحيض، والكمال ~~لازم فيها، إذ بعض الحيضة لا يعتد به قرءا، فيكون قد أعد الإجمال في أول ~~كلامه; للحاجة إلى التفصيل في آخره، فلأجل هذه الأمور العارضة للإجمال، ~~توجه سؤال الاستفسار، ليكون المعترض متكلما على بصيرة، آمنا من المغالطة ~~والمخاتلة. # قوله: «وعلى المعترض إثباته» . إلى آخره. أي: وعلى المعترض إثبات الإجمال ~~في لفظ المستدل، إذ لا يكفي في ثبوته مجرد دعواه، لأن ذلك فتح لباب العناد، ~~إذ كل معترض لا يعجز أن يقول للمستدل: لفظك مجمل، فبينه، فيلزم المستدل ~~بذلك ما لا يلزمه، إذ الأصل عدمه، وإذا ثبت أن على المعترض إثبات الإجمال ~~في لفظ المستدل، فطريقه إلى ذلك أن يبين أن لفظه يحتمل «معنيين فصاعدا» ~~احتمالا مطلقا، ولا يلزمه بيان تساوي الاحتمالات، لأن ذلك يعسر عليه، فتسقط ~~فائدة الاعتراض، ولذلك أمثلة: # منها: أن يقول في جماعة اشتروا عينا، فظهرت معيبة: ليس لأحدهما الانفراد ~~بالرد، لأنه بان بالمبيع ما بان به جواز الانفراد بالرد، فيقول المعترض: ما ~~تعني بقولك: بان؟ فإنها مجملة تستعمل بمعنى: ظهر، وبمعنى: خفي، يقال: بان ~~لي الشيء، أي: ظهر، وبان فلان عن فلان، أي: غاب، وزال، وخفي، ومنه: البين، ~~والفراق، وغراب البين. # ومنها: أن يقول في المكره على القتل: لا يجب عليه القصاص، لأنه غير ~~مختار، أو يجب عليه، لأنه مختار أشبه غير المكره، فيقول المعترض: ما # PageV03P462 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # تعني بالمختار؟ فإن لفظه مجمل، ~~لأنه يطلق على ضد المكره، وهو من فعل شيئا بحسب ميله إليه، وشهوته له، من ~~غير أن يحمله عليه غيره، ويطلق على من فعله بقدرته، من غير مانع له منه في ~~بدنه، وإن كان محمولا عليه من خارج، وهو المكره، فالمكره على القتل يقال ~~له: مختار بهذا الاعتبار الأول. # وحاصل الأمر أن ضد الاختيار: الاضطرار، لكن الاضطرار تارة يكون خارجيا، ms1003 ~~كالإكراه على القتل ونحوه، وتارة غير خارجي، كحركة المرتعش وهو مضطر إليها ~~بعارض بدني، لا خارجي، والاختيار أيضا ينقسم إلى مثل ذلك، فأي الأمرين تريد ~~بالمختار؟ # ومنها: أن يقول: يجوز بيع لبن الآدميات، لأنه بيع صادف محله، فوجب أن ~~يصح، فيقول له المعترض: ما تعني بالبيع، اللغوي، أو الشرعي؟ وكذلك كل لفظ ~~له مسمى لغوي وشرعي، نحو: الصوم، والصلاة، والوضوء، نحو: توضئوا من لحوم ~~الإبل، فيقال: ما تعني بالوضوء; الوضوء اللغوي أو الشرعي؟ # قوله: «وجوابه بمنع التعدد، أو رجحان أحدهما بأمر ما» . أي: وجواب سؤال ~~الاستفسار، أو جواب المستدل، أو المعترض عن سؤال الاستفسار بوجهين: # أحدهما: منع تعدد احتمالات اللفظ إن أمكن; بأن يقول: لا نسلم أن لهذا ~~اللفظ إلا محمل واحد، ويبين ذلك عن أئمة اللغة، أو بأنا اتفقنا على أن ~~اللفظ يطلق على هذا المعنى الواحد، والأصل عدم جواز إطلاقه على غيره، نفيا ~~للمجاز والاشتراك، فمن ادعى إطلاقه عليه، فعليه الدليل. # PageV03P463 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الوجه الثاني: أن يبين رجحان اللفظ ~~في أحد المجملين، بأمر ما من الأمور المرجحة، إما بالنقل عن أهل اللغة، أو ~~باشتهاره في عرفهم، مثل أن يقول: لفظ المختار ظاهر فيمن لا حامل له على ~~الفعل من خارج. وحينئذ لا يكون مجملا، وإن أمكنه أن يبين أن صدق اللفظ على ~~المجملين بالتواطؤ، والمراد القدر المشترك بينهما، نفيا للمجاز والاشتراك، ~~كفاه أيضا، ومتى أجاب المستدل عن سؤال الاستفسار بأحد الأجوبة المذكورة، ~~انقطع المعترض بالإضافة إلى هذا السؤال، وله إيراد غيره، وإن عجز عن ~~الجواب، لزمه تفسير مراده بلفظه، بأن يقول في المثال الأول: أردت بقولي: ~~بان بالمبيع ما بان به جواز الرد; ظهر به ما انتفى به جواز الرد، فبان ~~الأولى بمعنى: ظهر، وبان الثانية بمعنى: انتفى. # وفي المثال الثاني: أردت بالمختار: من وقع الفعل بكسبه وقدرته، ولا مانع ~~له في بدنه، وإن كان محمولا عليه من الخارج. # وفي المثال الثالث: أردت البيع أو الصوم أو الوضوء الشرعي، لأنه الحقيقة ~~الشرعية كما سبق. # تنبيه: اعلم أن الإجمال في لفظ ms1004 المستدل; إما أن يكون من حيث الاصطلاح، أو ~~من حيث الوضع، فالأول أن يذكر في الفن الذي يتكلم فيه ألفاظا ليست من ~~اصطلاح أهله، مثل أن يأتي في القياس الفقهي بلفظ الدور والتسلسل والبسيط ~~والهيولى والمادة والمبدأ والغاية ونحوه من # PageV03P464 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # اصطلاحات المتكلمين والفلاسفة، ~~فيقول مثلا في شهود القتل إذا رجعوا: لا يجب القصاص عليهم، لأن وجوب القصاص ~~تجرد مبدؤه عن غاية مقصودة، فوجب أن لا يثبت، فإن لفظ المبدأ والغاية ~~باصطلاح المتكلمين; أشبه منهما باصطلاح الفقهاء، اللهم إلا أن يعلم من خصمه ~~معرفة ذلك، فلا بأس، إذ لا غرابة بالنسبة إليه. # وأما الثاني - وهو الإشكال من حيث الوضع -، فهو إما من حيث التردد ~~كالمجملات، وقد مر مثالها، أو من حيث الغرابة، بذكر وحشي الألفاظ، كقوله: ~~لا يحل أكل الرئبال أو السيد، أو السبنتى - يعني الأسد - والذئب والنمر، ~~لأنه ذو ناب، أو يجوز أكل الدغفل - وهو ولد الفيل - أو الهجرس - وهو ولد ~~الثعلب - فيقال له: ما تعني بذلك؟ لأن ذلك من اللغة الغامضة، إلا عن ~~المعنيين بغريب اللغة، فصار كالمجمل الترددي، بجامع عدم فهم المراد. وكذا ~~قوله في الكلب المعلم: إذا أكل من صيده، لا يحل أكله، لأنه صيد جارحة لم ~~ترض، فأشبه غير المعلم: فإن قوله: ترض، مشتق من الرياضة، وقد يستغربه بعض ~~الناس، فله الاستفسار عنه. # وشرط توجه سؤال الاستفسار: أن يكون اللفظ في مظنة الغموض كما ذكرنا. # أما إن كان ظاهرا مشهورا، مستطرقا بين الفقهاء، بحيث لا يغمض مثله على ~~المعترض، كقوله: فقد الشرط، ووجد المانع أو السبب، أو هو واجد للماء ~~الطهور، فلا يجوز له التيمم معه، فيقال: ما تعني بهذا اللفظ؟ فإني لا أفهم ~~معناه، كان معاندا خارجا عن الإنصاف، أو جاهلا فدما، لا يستحق أن # PageV03P465 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يؤهل للكلام معه. # قال الشيخ رشيد الدين الحواري: حق المستفسر أن يقول: أي شيء تعني بهذا ~~الكلام، لأنه طلب المراد من الكلام، ولا يقول مثلا: ما القتل، لأن هذا صيغة ~~استفهام، والمستدل إنما تصدى للإفحام، لا للتعليم والإفهام، والله أعلم ms1005 ~~بالصواب. # PageV03P466 # الثاني ### | : فساد الاعتبار، # وهو مخالفة القياس نصا، كحديث معاذ - رضي الله عنه -، ولأن الصحابة - رضي ~~الله عنهم -، لم يقيسوا إلا مع عدم النص. # وجوابه بمنع النص، واستحقاق تقديم القياس عليه، لضعفه، أو عمومه، أو ~~اقتضاء مذهب له. # السؤال «الثاني: فساد الاعتبار، ~~وهو مخالفة القياس نصا» أي: يكون القياس مخالفا للنص أو الإجماع، وسمي هذا ~~فساد الاعتبار، لأن اعتبار القياس مع النص أو الإجماع; اعتبار له مع دليل ~~أقوى منه، وهو اعتبار فاسد وظلم؛ لأنه وضع له في غير موضعه. # مثال ما خالف نص الكتاب: قولنا: يشترط تبييت النية لرمضان، لأنه صوم ~~مفروض، فلا يصح تبييته من النهار كالقضاء، فيقال: هذا فاسد الاعتبار، ~~لمخالفته نص الكتاب، وهو قوله تعالى: {والصائمين والصائمات} . . . . . . ~~{أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما} [الأحزاب: 35] ، فإنه يدل على أن كل من ~~صام يحصل له الأجر العظيم، وذلك مستلزم للصحة، وهذا قد صام، فيكون صومه ~~صحيحا. # ومثال ما خالف السنة قولنا: لا يصح السلم في الحيوان، لأنه عقد يشتمل على ~~الغرر، فلا يصح، كالسلم في المختلطات، فيقال: هذا فاسد # PageV03P467 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الاعتبار، لمخالفة ما روي عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه رخص في السلم. # ومثال ما خالف الإجماع أن يقول الحنفي: لا يجوز أن يغسل الرجل زوجته، ~~لأنه يحرم النظر إليها، فحرم غسلها كالأجنبية فيقال له: هذا فاسد الاعتبار، ~~لمخالفته الإجماع السكوتي، وهو أن عليا غسل فاطمة، ولم ينكر عليه، والقضية ~~في مظنة الشهرة، فكان ذلك إجماعا كما سبق في بابه. # قوله: «كحديث معاذ - رضي الله عنه -» إلى آخره. هذا دليل على أن ~~الاستدلال بقياس يخالف النص فاسد الاعتبار، وهو من وجهين: # أحدهما: أن معاذا - رضي الله عنه - في حديثه المشهور الذي سبق ذكره، أخر ~~القياس عن النص، وصوبه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فدل على أن رتبة ~~القياس بعد النص، فتقديمه عليه يجب أن يكون باطلا، وهو المراد بفساد ~~الاعتبار. # الوجه الثاني: أن الصحابة - رضي الله عنهم - على كثرة اجتهاداتهم ~~وفتاويهم، لم ينقل عنهم أنه قاسوا، «إلا مع ms1006 عدم النص» وكانوا يتساءلون عن ~~النصوص، فإذا وجدوها، لم يعدلوا عنها، وذلك يدل على ما ذكرناه. # PageV03P468 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وثم وجه ثالث لم يذكر في «المختصر» ~~هاهنا، لكنه ذكر قبل، وهو أن الظن المستفاد من كلام صاحب الشرع أقوى من ~~الظن المستفاد من القياس والرأي. # قوله: «وجوابه بمنع النص» إلى آخره، أي: وجواب فساد الاعتبار، أو جواب ~~المعترض المورد له من وجهين: # أحدهما: منع النص الذي ادعى أن القياس على خلافه; إما منع دلالة، أو منع ~~صحة. # مثال الأول: أن يقول في مسألة الصوم: لا نسلم أن الآية تدل على صحة الصوم ~~بدون تبييت النية، لأنها مطلقة، وقيدناها بحديث: لا صيام لمن لم يبيت ~~الصيام من الليل، أو يقول: إنها دلت على أن الصائم يثاب، وأنا أقول به، ~~لكنها لا تدل على أنه لا يلزمه القضاء. والنزاع فيه، أو يقول: إنها دلت على ~~ثواب الصائم، وأنا لا أسلم أن الممسك بدون تبييت النية صائم. # ومثال الثاني: أن يقول في مسألة السلم: لا نسلم صحة الترخيص في السلم، ~~وإن سلمنا، فلا نسلم أن اللام فيه للاستغراق، فلا يتناول الحيوان، وإن صح ~~السلم في غيره. # وأما مسألة غسل الزوجة، فبأن نمنع صحة ذلك عن علي، وإن سلم، فلا نسلم أن ~~ذلك اشتهر، وإن سلم، فلا نسلم أن الإجماع السكوتي حجة، # PageV03P469 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وإن سلم، فالفرق بين علي وغيره; أن ~~فاطمة كانت زوجته في الدنيا والآخرة، فالموت لم يقطع النكاح بينهما، بإخبار ~~الصادق - صلى الله عليه وسلم -، بخلاف غيرهما، فإن الموت يقطع نكاحهما. # الوجه الثاني في جواب فساد الاعتبار: أن يبين المستدل أن ما ذكره من ~~القياس يستحق التقديم على النص الذي أبداه المعترض، إما «لضعفه» أي: لكون ~~النص ضعيفا، فيكون القياس أولى منه، أو لكون النص عاما، فيكون القياس مخصصا ~~له، جمعا بين الدليلين كما سبق في موضعه، أو لكون مذهب المستدل يقتضي تقديم ~~القياس على ذلك النص، ككونه حنفيا يرى تقديم القياس على الخبر إذا خالف ~~الأصول، أو فيما تعم به البلوى، أو مالكيا يرى تقديم ms1007 القياس على الخبر إذا ~~خالفه خبر الواحد كما سبق في موضعه. # وبالجملة: للمستدل الاعتراض على النص الذي يبديه المعترض بجميع ما يعترض ~~به على النصوص، سندا ومتنا. # تنبيه: فساد الاعتبار إنما يرد على القياس، وكذلك فساد الوضع المذكور ~~بعد، بخلاف سؤال الاستفسار; فإنه لا يختص بالقياس، بل يرد على النصوص بطريق ~~الأولى، لأن الإجمال والغرابة تقع فيها، كما تقع في ألفاظ القياس. # قال الآمدي: فساد الاعتبار يشبه أن يكون حاصله راجعا إلى النزاع في ~~الاحتجاج بجنس الدليل المذكور، كما لو استدل الشافعي بالقياس على # PageV03P470 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الظاهري، فيقول الخصم: ما ذكرته ~~فاسد الاعتبار، أي: إنك اعتبرت ما لا يصلح أن يكون دليلا. # قلت: هذا ليس على إطلاقه، بل إنما يصح في الصورة التي ذكرناها، لأن ~~الظاهري هو الذي ينكر أن جنس القياس دليل، أما الحنفي إذا استدل عليه ~~بالقياس في الحدود ونحوها، مما لا يثبت عنده بالقياس، فأورد فساد الاعتبار، ~~فإنه لا ينازع في كون جنس القياس دليلا، إنما ينازع في كونه دليلا في هذا ~~الحكم الخاص، وقد ظهر بهذا أن سؤال فساد الاعتبار، إما أن يكون كليا، ~~كإنكار الظاهري ونحوه الاستدلال بالقياس، أو جزئيا. ثم هو إما عام، أي: يرد ~~في عموم الأحكام، كما إذا استدل بالقياس في مقابلة نص الكتاب، أو السنة، أو ~~الإجماع، كما سبقت أمثلته، أو خاصا، أي: لا يرد إلا في أحكام خاصة، كما إذا ~~استدل على الحنفي بالقياس في الحدود والكفارات والأسباب والمقدرات ونحو ~~ذلك، فهذا أضبط أقسام فساد الاعتبار. # وإذا توجه سؤال فساد الاعتبار على المستدل; انقطع مطلقا، لتجرد دعواه عن ~~دليل، بخلاف سؤال الاستفسار، فإنه لا ينقطع مطلقا، بل بالنسبة إلى مقامه ~~الخاص. # والفرق: أن النزاع هنا لفظي لا يقدح في الحكم، بخلاف فساد الاعتبار، فإنه ~~قادح في عمدة الحكم، وهو الدليل. # PageV03P471 # الثالث ### | : فساد الوضع، # وهو اقتضاء العلة نقيض ما علق بها، نحو: لفظ الهبة ينعقد به غير النكاح، ~~فلا ينعقد به النكاح كالإجارة، فيقال: انعقاد غير النكاح به يقتضي انعقاده ~~به لتأثيره في ms1008 غيره. # وجوابه بمنع الاقتضاء المذكور، أو بأن اقتضاءها لما ذكره المستدل أرجح. ~~فإن ذكر الخصم شاهدا لاعتبار ما ذكره، فهو معارضة. # السؤال: «الثالث: فساد الوضع، وهو ~~اقتضاء العلة نقيض ما علق بها» وإنما سمي هذا فساد الوضع، لأن وضع الشيء: ~~جعله في محل على هيئة أو كيفية ما، فإذا كان ذلك المحل أو تلك الهيئة لا ~~تناسبه كان وضعه على خلاف الحكمة، وما كان على خلاف الحكمة يكون فاسدا، ~~فنقول هاهنا: إن العلة إذا اقتضت نقيض الحكم المدعى أو خلافه، كان ذلك ~~مخالفا للحكمة، إذ من شأن العلة أن تناسب معلولها، لا أنها تخالفه، فكان ~~ذلك فاسد الوضع بهذا الاعتبار. # وقد ذكر الآمدي، والبزدوي في «جدليهما» لفساد الوضع أنواعا: # منها: وقوع القياس في مقابلة النص، كقول المستدل في إباحة متروك التسمية: ~~لأنه ذبح صدر من أهله في محله، فأبيح، كما لو تركها ناسيا، فيقال له: هذا ~~فاسد الوضع، لوقوعه في مقابلة النص، والظن المستفاد منه أعظم. # الثاني: وقوعه فيما لا يمكن تعليله، كاستدلال الشافعي على الحنفي # PageV03P472 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # في الحدود والكفارات بالقياس، وحكم ~~الأصل غير معقول. # الثالث: دعوى المعترض إشعار الوصف بنقيض الحكم، كما تذكر أمثلته إن شاء ~~الله تعالى. # قلت: وقد سبق أن النوعين الأولين من باب فساد الاعتبار. وذكر النيلي أن ~~وقوع القياس في مصادمة النص قد يسمى فساد الوضع أيضا. وذكر أيضا أن العرف ~~خص اعتبار العلة في ضد مقتضاها بفساد الوضع، واعتبارها في خلاف مقتضاها ~~بفساد الاعتبار، وسيأتي أمثلة الضد والخلاف فيما بعد إن شاء الله تعالى. # قلت: المشهور في فساد الوضع والاعتبار ما ذكر في «المختصر» والخلاف في ~~ذلك اصطلاحي لا يضر، وإطلاق كل واحد منهما على الآخر لا ينافي اللغة، بل ~~يمكن توجيهه فيها. # مثال ما علق فيه على العلة ضد ما تقتضيه: قولنا في النكاح بلفظ الهبة: ~~لفظ «ينعقد به غير النكاح، فلا ينعقد به النكاح» كلفظ «الإجارة» . فيقول ~~الحنفي: هذا فاسد الوضع، لأن «انعقاد غير النكاح» بلفظ الهبة «يقتضي» ~~ويناسب انعقاد النكاح به، لكن ms1009 تأثيره في انعقاد غير النكاح به - وهو الهبة ~~- دليل على أن له حظا من التأثير في انعقاد العقود، والنكاح عقد فلينعقد ~~به، كالهبة، ويلتزم عليه الإجارة، أو يفرق بينهما وبين الهبة والنكاح إن ~~أمكن. # ومن ذلك: قول الحنفي: قتل العمد كبيرة، فلا يوجب الكفارة، قياسا على ~~الزنا وسائر الكبائر، فيقال: هذا فاسد الوضع، لأن كونه كبيرة يقتضي # PageV03P473 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # التغليظ عليه، لا التخفيف عنه، وفي ~~إيجاب الكفارة عليه تغليظ، وفي إسقاطها تخفيف. # ومن ذلك: قول الشفعوي في تكرار مسح الرأس: مسح، فيسن فيه التكرار، كالمسح ~~في الاستجمار، فيقال: هذا فاسد الوضع، لأن كونه مسحا مشعر بالتخفيف، ومناسب ~~له، والتكرار مناف له. # ومثال ما علق فيه على العلة خلاف ما تقتضيه وليس بضد، قولنا: فيما دون ~~النفس من الجراحات جناية على آدمي، فيضرب بدلها على العاقلة كالنفس، فيقال: ~~هذا خلاف مقتضى العلة، إذ جناية الشخص تقتضي اختصاص ضمانها به دون غيره، ~~عملا بموجب النص والعرف، وكذلك قول الحنفي في أن العبد تتقدر قيمته، لأنه ~~آدمي، فتقدرت قيمته كالحر، فيقال: هذا على خلاف العلة المذكورة، لأنها لا ~~تشير إلى تقدير. # قلت: هكذا ذكر النيلي في أمثلة اقتضاء العلة ضد حكمها وخلافه، ولعل فيه ~~نظرا، فإن تقدير القيمة وعدمه، واختصاص الجناية بالجاني وعدمه، نحو من ~~اقتضاء الكبيرة الكفارة وعدمها، وانعقاد النكاح بلفظ الهبة وعدمه، وقد سبق ~~بيان الفرق بين الضدين، والخلافين، والمثلين، والنقيضين، وبعرض هذا على ذلك ~~يتبين أمره. # قوله: «وجوابه بمنع الاقتضاء المذكور، أو بأن اقتضاءها لما ذكره المستدل # PageV03P474 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أرجح» . أي: وجواب فساد الوضع بأحد ~~أمرين: # إما بأن يمنع المستدل كون علته تقتضي نقيض ما علق بها، أو بأن يسلم ذلك، ~~لكن يبين أن اقتضاءها للمعنى الذي ذكره، هو أرجح من المعنى الآخر، فيقدم ~~لرجحانه. # مثاله: أن يقول في مسألة الكتاب: لا نسلم أن انعقاد الهبة بلفظها، أو كون ~~لفظ الهبة ينعقد به غير النكاح يقتضي انعقاد النكاح به. # قولكم: انعقاد غير النكاح به يدل على قوته وتأثيره في العقود. # قلنا: إنما يدل على ms1010 تأثيره فيما وضع له، وهو الهبة، أما غيره، فلا لوجوه: # أحدها: أن تأثير اللفظ إنما يناسب أن يكون في موضوعه، لإشعاره بخواصه، ~~ودلالته عليها بحكم الوضع والنكاح والبيع، والإجارة لها خواص لا يشعر بها ~~لفظ الهبة، فيضعف عن إفادتها، والتأثير في انعقادها به. # الوجه الثاني: أن استعمال اللفظ في غير موضوعه تجوز، وهو ضعيف بالنسبة ~~إلى الحقيقة، والأصل عدم التجوز. # الوجه الثالث: أن قوة اللفظ وسلطانه، وظهور دلالته، لما كانت في موضوعه، ~~كان استعماله في غيره تفريقا لقوته، وكالتغريب له عن موطنه، فيضعف بذلك عن ~~التأثير. # سلمنا أن انعقاد غير النكاح بلفظ الهبة يقتضي انعقاد النكاح به، لكن ~~اقتضاؤه لعدم انعقاده أقوى من اقتضائه لانعقاده، لأن انعقاد النكاح بلفظ ~~الهبة; يقتضي أن اللفظ مشترك بينهما، أو مجاز في النكاح عن الهبة، # PageV03P475 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والاشتراك والمجاز خلاف الأصل، وما ~~ذكرناه يقتضي نفيهما، وتخصيص كل عقد بلفظ هو وفق الأصل، وما وافق الأصل ~~يكون أولى مما خالفه. # وعلى هذا النمط يكون الجواب في غير هذا المثال، فنقول في مسألة كفارة ~~العمد: لا نسلم أن الكبيرة تقتضي التغليظ، ويدل عليه إن أمكنه بأن للشرع أن ~~يقابل الكبيرة بيسير العقوبة، والصغيرة بعظيم العقوبة، كما له أن يرحم ~~العاصي، ويعذب الطائع، ويغني الطالح، ويفقر الصالح. وإنما انقسمت الأفعال ~~إلى صغائر وكبائر باعتبار اشتمالها على مفاسد صغائر وكبائر. أما أنها تقتضي ~~عقوبات بحسبها صغرا وكبرا فلا. وهذا وإن كان متجها كما تراه، غير أن ~~المألوف من الشرع يرده، حيث جعل العقوبات تابعة لصغر الأفعال وكبرها. # سلمنا أن كونها كبيرة يقتضي التغليظ، لكن لا نسلم أن إسقاط الكفارة ~~تخفيف، بل هو تغليظ من جهة أنه استحق بالكبيرة قدرا من عذاب الآخرة، وتعجيل ~~الكفارة يخفف عنه بعض ذلك العذاب، وكان تأخيره بكماله عليه إلى الدار ~~الآخرة أغلظ في حقه، لأن عذاب الآخرة أشد. وهذا كما قلنا: إن المؤمن تكفر ~~عنه ذنوبه بمصائب الدنيا، ليلقى الله - عز وجل - نقيا من الذنوب، تخفيفا ~~عنه، بخلاف الكفار، فإنهم يأكلون ويتمتعون، ويعجل لهم معروفهم ms1011 في الدنيا، ~~ليلاقوا عذاب الآخرة كاملا، لم يخفف منه شيء تغليظا عليهم. # وفي هذا الموضع بحث قد استقصيته في كتاب «إبطال التحسين والتقبيح» لم ~~يتسع هذا المكان لذكره، ولا نحن بصدده إنما نحن بصدد بيان كيفية # PageV03P476 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # السؤال والجواب في الصناعة. # وأما الجواب في المثالين الآخرين، وهو عن قول المعترض: إن جناية الآدمي ~~تقتضي اختصاص ضمانها به، وإن وصف الآدمي لا يشير إلى تقدير قيمته; فبنحو ~~ذلك، وهو أن نقول: لا نسلم أن الجناية تقتضي اختصاص الضمان بفاعلها، إذ ~~للشرع أن يجعل فعل زيد أمارة على تعلق الحكم بعمرو، كما جاز أن يجعل عمل ~~زيد في نيابة الحج وغيره من العبادات القابلة للنيابة، وإهداء ثواب القرب، ~~وقضاء الديون المالية، علما وأمارة على نفع عمرو، وبراءة ذمته. # قلت: لكن هذا خلاف منصوص الشرع ومألوفه، سلمنا ما ذكرتم من الاختصاص، لكن ~~عندنا مناسب راجح، وهو حمل العاقلة عن صاحبهم، تخفيفا عنه، ورفقا به، ~~لانقهاره بكثرة الغرامات، لكثرة الجنايات خطأ، وصار ذلك عدلا عاما من ~~الشرع، لأن الشخص تارة يكون حاملا، وتارة يكون محمولا عنه، وهذه مصلحة أعم ~~من المصلحة الذي ذكرتم، فيجب تقديمها، وكذلك نقول: لا نسلم أن وصف الآدمي ~~لا يشير إلى تقدير قيمته، بل هو يقتضي ذلك، لأن الآدمية وصف شريف، وشرفه ~~يقتضي صيانته عن الإهدار، والصيانة تقتضي تقدير بدل نفسه، لئلا يدخله الغرر ~~والجهالة، وإذا كانت الأغراض من الجماد والحيوان تضبط أبدالها بأمثالها ~~وقيمتها، ليرجع إليها عند حاجة التضمين، احتياطا لها من دخول الغرر فيها، ~~فالإنسان الذي # PageV03P477 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # هو أشرف منها أولى بالاحتياط له. # سلمنا عدم إشعار الوصف بتقدير القيمة، لكن لا نسلم أنه إذا لم يشعر بذلك ~~لا يجوز لنا أن نحكم بالتقدير، بل لنا ذلك، إلحاقا له بالأصول الشاهدة له ~~بذلك كالحر، وقد قدر الشرع بدله، فيلحق العبد به، وكذلك المرأة تفوض بضعها، ~~فيعقد عليها بلا مهر، ثم لا بد منه مقدرا بمهر مثلها، خصوصا عند الحنفية ~~حيث جعلوا المهر حقا لله - عز وجل - ثابتا لشرف المحل، لئلا يستباح ms1012 بلا ~~عوض، ومصرفه المرأة، كالزكاة حق لله تعالى، ومصرفه الفقراء، وإذا شهدت ~~الأصول للحكم بالاعتبار; لم يضر فقد المناسبة، بناء على ما سبق من أن علل ~~الشرع وضعية لا تلزمها المناسبة، بخلاف العقليات والعرفيات. # قوله: «فإن ذكر الخصم شاهدا لاعتبار ما ذكره، فهو معارضة» . يعني أن ~~المستدل إذا علل بوصف، فادعى المعترض أن ذلك الوصف يقتضي نقيض الحكم ~~المدعى، وذكر له شاهدا بالاعتبار في اقتضاء النقيض; كان ذلك معارضة منه ~~لدليل المستدل، وانتقالا من سؤال فساد الوضع إلى إيراد المعارضة، وهو ~~انقطاع، فإن لم يكن انقطاعا، فهو مستقبح، لكونه نشرا للكلام، وانتقالا من ~~مقام إلى مقام. # مثاله: أن يقول المستدل: لفظ الهبة ينعقد به غير النكاح فلا ينعقد به ~~النكاح، فيقول المعترض: هذا الوصف يقتضي نقيض الحكم، إذ انعقاد غير # PageV03P478 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # النكاح به يقتضي انعقاده به، ويشهد ~~لذلك أصل بالاعتبار، وهو لفظ البيع حيث ينعقد به غير البيع، وهو السلم ~~والإجارة، فإن هذا صار خروجا عن خصوصية فساد الوضع إلى طريق المناقضة ~~والمعارضة، حتى صار كأنه قال للمستدل: ما ذكرته من الدليل، وإن دل على ما ~~ذكرت، لكن عندي ما يعارضه، ويدل على خلافه، وهو لفظ البيع، قد انعقد به ~~البيع وغيره، فكذا ينبغي أن ينعقد بلفظ الهبة الهبة وغيرها. # وكذلك في مسألة المسح، إذا قال المستدل: مسح، فيسن تكراره كمسح ~~الاستطابة، فقال المعترض: وصفك يقتضي نقيض حكمك، إذ المسح مشعر بالتخفيف، ~~وهو مناف للتكرار، لما فيه من التثقيل، ويشهد لذلك أصل بالاعتبار، وهو مسح ~~الخف، يكره تكراره، لما كان مسح الخف مشعرا بالتخفيف، فيقال للمعترض في هذا ~~وأمثاله: أنت منقطع بانتقالك عن فساد الاعتبار إلى المعارضة، فإن سامحه ~~المستدل، ولم يؤاخذه بذلك، فعليه أن يجيبه بما يجيب به عن المعارضة. # فيقول في المثال الأول: لا نسلم أن السلم والإجارة ينعقدان بلفظ البيع، ~~حتى يجوز مثله في لفظ الهبة مع النكاح، سلمناه لكن لا نسلم أن السلم ~~والإجارة مغايران للبيع، بل هما نوعان له، إذ البيع ينقسم إلى بيع منفعة ~~وهي ms1013 الإجارة، وإلى بيع عين موجودة، أو موصوفة، وهو غالب أنواعه، أو معدومة ~~في الذمة، وهو السلم، بخلاف النكاح، فإنه مغاير للهبة، مختص # PageV03P479 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # عنها بخواص لا يشعر بها لفظها كما ~~سبق. # وفي المثال الثاني: لا نسلم أن مسح الخف يكره تكراره كما في مبدله، وهو ~~غسل الرجل. سلمناه، لكن الفرق أن مسح الخف إنما يكره تكراره، لكونه مسحا ~~على الخف، لا لكونه مسحا مطلقا، لأن تكراره يضر بالخف، ويتلف ماليته، وفي ~~ذلك إضاعة مال منهي عنها، وأيضا ليس هو أصلا في الطهارة حتى يلحق بنظائره، ~~مما هو أصل فيها بخلاف مسح الرأس، فإنه لا مالية فيه تتلف، وهو أصل في ~~الطهارة، فقرب إلحاقه بنظائره في التكرار، كالوجه واليدين والرجلين. # فحاصل المذكور هاهنا في الجواب: إما منع حكم المعارضة، أو الفرق بينهما ~~وبين حكم قياس المستدل، على أن في قياس تكرار مسح الرأس على تكرار مسح ~~الاستطابة نظرا من جهة أنه قياس أمر تعبدي على أمر معقول، وشرط القياس وجود ~~علة الأصل في الفرع، وليس معنى التطهير موجودا في مسح الرأس، كوجوده في مسح ~~الاستطابة، بدليل أن الرأس يجب مسحه مع القطع بطهارته، فلم يبق بين الأصل ~~والفرع إلا مسمى الطهارة، وهو شبه لفظي أو معنوي ضعيف، وإنما نحن ذكرنا ~~مثالا يترتب عليه السؤال والجواب، وما ذكرناه من ضعف القياس لا يقدح في ~~ذلك، والله تعالى أعلم. # PageV03P480 # الرابع ### | : المنع، # وهو منع حكم الأصل، ولا ينقطع به المستدل على الأصح، وله إثباته بطرقه؛ ~~ومنع وجود المدعى علة في الأصل فيثبته حسا أو عقلا أو شرعا بدليله، أو وجود ~~أثر، أو لازم له، ومنع عليته، ومنع وجودها في الفرع، فيثبتهما بطرقهما كما ~~سبق. # السؤال «الرابع: المنع» . # قوله: «وهو منع حكم الأصل» ليس المراد حصر جنس المنع في منع حكم الأصل، ~~بل هو على أربعة أضرب. وشرع في ذكرها واحدا بعد واحد: # أولها: «منع حكم الأصل» . # الثاني: «منع وجود المدعى علة» أي: منع وجود الوصف الذي ادعى المستدل أنه ~~العلة في الأصل. # الثالث: منع كونه ms1014 علة في الأصل. # الرابع: منع وجوده في الفرع، فكأنه قال: المنع، وهو ينقسم إلى منع حكم ~~الأصل، ومنع وجود العلة فيه، ومنع علية الوصف، ومنع وجوده في الفرع. # ومثال ذلك فيما إذا قلنا: النبيذ مسكر، فكان حراما قياسا على الخمر، فقال ~~المعترض: لا نسلم تحريم الخمر، إما جهلا بالحكم، أو عنادا، فهذا منع حكم ~~الأصل. ولو قال: لا أسلم وجود الإسكار في الخمر؛ لكان هذا منع # PageV03P481 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وجود المدعى علة في الأصل. ولو ~~قال: لا أسلم أن الإسكار علة التحريم، لكان هذا منع علية الوصف في الأصل، ~~ولو قال: لا أسلم وجود الإسكار في النبيذ؛ لكان هذا منع وجود العلة في ~~الفرع، ففي الأصل ثلاثة منوع، وفي الفرع منع واحد. # قوله: «ولا ينقطع به المستدل على الأصح» أي: لا ينقطع المستدل بمنع حكم ~~الأصل على أصح الأقوال فيه، وهي أربعة: # أحدها: ينقطع، لأنا لو مكناه من الكلام على الأصل وإثباته بالدليل، ~~لانتشر الكلام، وانتقل إلى مسألة أخرى. # مثاله: لو قال حنبلي في جلد الميتة: إنه نجس، فلا يطهر بالدباغ، كجلد ~~الكلب، فقال الحنفي: لا أسلم حكم الأصل؛ وهو أن جلد الكلب لا يطهر بالدباغ ~~بل يطهر عندي، فشرع المستدل يقول: الدليل على أن جلد الكلب لا يطهر: أنه ~~حيوان نجس العين، فلا يطهر جلده بالدباغ، كجلد الخنزير، فقد خرج عن محل ~~النزاع، وهو جلد الميتة إلى غيره، وقد يتسلسل المنع، مثل أن يمنع المعترض ~~الحكم في جلد الخنزير، أو الوصف في جلد الكلب، فيخرج قانون النظر عن وضعه. # القول الثاني: لا ينقطع المستدل بذلك. # القول الثالث: إن كان المنع جليا في مذهب المعترض، مشهورا، يعلمه غالب ~~الفقهاء، انقطع المستدل، وإن كان خفيا لا يعلمه إلا الآحاد والخواص، # PageV03P482 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لم ينقطع. # والفرق: أن خفاء المنع يكون عذرا له، فيمكن من الاستدلال عليه، ولا يحكم ~~بانقطاعه، بخلاف المنع الجلي، فإنه يعد كالمفرط إذا قاس على أصل ممنوع، حيث ~~عرض الكلام للتسلسل والانتشار. # وقد مثل المنع الجلي بقوله: لا يقتل الحر بالعبد للتفاوت بينهما، قياسا ms1015 ~~على المسلم بالذمي، فإن ذلك ممنوع عند الخصم، وهو جلي من مذهبهم أنهم ~~يقتلون المسلم بالذمي. # وكقولنا: يقضى على الغائب، وإن كان في ذلك نوع نقص بالنسبة إلى القضاء ~~على الحاضر، كما يقضى بالشاهد واليمين، وإن كان فيه نوع نقص بالنسبة إلى ~~القضاء بشاهدين، فإن القضاء بشاهد ويمين ممنوع عندهم منعا جليا مشهورا. # ومثل المنع الخفي بقولنا في تعيين النية لرمضان: صوم واجب، فيجب تعيين ~~النية له كالقضاء، وقولنا في الوضوء: عبادة، فيفتقر إلى النية، كالتيمم، ~~فإن المنع في ذلك خفي، إذ منع احتياج القضاء إلى النية إنما هو على مذهب ~~زفر، وأما افتقار التيمم إلى النية، فلا أعلم عندهم فيه خلافا. # والتحقيق: أن خفاء المنع وظهوره يختلف باختلاف المستدل في علمه، واطلاعه ~~على أقوال الناس، وظهور ذلك عليه بأماراته، فيقال له: هذا لا يخفى على ~~مثلك، فهو جلي في حقك، لكن على هذا إشكال، وهو أن المستدل إذا ادعى خفاء ~~ذلك عنه، فقد ادعى ممكنا، والأصل على وفقه، وهو عدم علمه، فلو حكم بانقطاعه ~~بذلك لأفضى إلى تكذيبه، فالأشبه على هذا أن يرجع إلى قوله في ذلك. إن قال: ~~علمت المنع، انقطع، وإلا فلا. ويلزمه # PageV03P483 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الصدق في ذلك على هذا القول. # أما ضبط خفاء المنع وظهوره بما يعلمه غالب الفقهاء فهو وإن كان قريبا ~~لكنه متفاوت جدا، إذ غالب الفقهاء يتفاوتون في معرفة مذهب خصمهم، كما ~~يتفاوتون في معرفة مذاهبهم، وقد يبلغ الفقيه رتبة الاجتهاد، ويخفى عنه غالب ~~مذهب غيره. # وبالجملة: في هذا القول التفصيلي نظر. # القول الرابع: الرجوع في ذلك إلى عرف أهل بلد المناظرة، إن كانوا يعدون ~~منع حكم الأصل انقطاعا، انقطع؛ وإلا فلا، إذ للجدل مراسم وحدود مصطلح ~~عليها، فينبغي الوقوف معها. # وقال الآمدي إن لم يكن للمستدل مدرك، يعني طريقا إلى إثبات الحكم غير ~~القياس على الأصل الممنوع جاز، ولا يكون منقطعا بالمنع، وإن كان له مدرك ~~غيره، فإن كان المنع خفيا لم ينقطع، وإلا انقطع. وهذا تفصيل جيد ذكره في ~~«الجدل» . # واختار في «المنتهى» ms1016 : أنه لا يكون منقطعا على الإطلاق، وهو مذهب الأكثر، ~~والذي صحح في «المختصر» . # ووجهه: أن حكم الأصل أحد أركان القياس، فإذا امتنع كان له إثباته ~~بالدليل، كغيره من أركانه، مثل أن يقول الحنبلي في ضمان العارية: أثبت يده ~~على مال الغير لغرض نفسه، من غير سابقة استحقاق، فضمن، قياسا على الغاصب، ~~فيقول الحنفي: لا أسلم أن الغاصب يجب عليه الضمان عند فوات المغصوب، بل ~~يخير المالك، إن شاء صبر حتى يعود العبد، أو توجد الضالة، # PageV03P484 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وإن شاء أخذ القيمة، ويملك الغاصب ~~العين، بحيث إذا عادت كانت له، فيقول المستدل: الدليل على أن الغاصب يجب ~~عليه الضمان: أن الغصب أكل مال بالباطل، وهو منهي عنه، فيكون حراما، فيجب ~~تركه برد المغصوب على مالكه، وما وجب رده مع بقائه، وجب رد قيمته عند ~~فواته، لأنها بدله. وأيضا قوله - عليه السلام -: وعلى اليد ما أخذت حتى ~~تؤدي لكن هذا يتناول الفرع المتنازع فيه، فلا يصح القياس معه، وإن شاء أجاب ~~عن تملك الغاصب العين بالقيمة، بقوله - عليه السلام -: لا يحل مال امرئ ~~مسلم إلا عن طيب نفس منه وهو نص، فلا يسمع الاجتهاد معه. # وكذا لو قال المستدل: يجب غسل ولوغ الخنزير سبعا، قياسا على نجاسة الكلب، ~~فقال الحنفي: لا أسلم الحكم في الكلب، وإنما يغسل عندي ثلاثا، أو يكاثر، ~~فيقول المستدل: الدليل على غسل نجاسة الكلب سبعا: قوله - عليه السلام -: ~~إذا ولغ الكلب. . . الحديث. # PageV03P485 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «وله إثباته بطرقه» ، أي: ~~إذا منع المعترض حكم الأصل لا ينقطع المستدل، وله إثباته بطرقه من نص كتاب، ~~أو سنة، أو إجماع، أو قياس على أصل آخر نحو ما تقدم. # قوله: «ومنع وجود المدعى علة في الأصل» . هذا هو المنع الثاني، وقد سبق ~~مثاله. # قوله: «فيثبته» أي: إذا منع المعترض وجود الوصف في الأصل، فيثبته المستدل ~~«حسا، أو عقلا، أو شرعا» أي: يثبته بالحس، كالقتل والغصب والسرقة، فإنها ~~أمور محسوسة، أو بالعقل؛ كالعدوانية، أي: كون القتل عدوانا. والشدة مطربة، ~~فيقول المعترض: لا أسلم أن هذا القتل عدوان، ms1017 وأن هذا الشراب مسكر، فإن كون ~~القتل عدوانا والشراب مسكرا يعرف بالعقل بدوران زوال العقل مع شربه وجودا ~~وعدما، أو بالشرع، كالطهارة والنجاسة، والحل والحرمة، في قولنا: طاهر، فجاز ~~بيعه، أو نجس، فلا يجوز بيعه، ونحو ذلك من الأحكام الشرعية. # وقوله: «بدليله، أو وجود أثر، أو لازم له» ، أي: يثبت الوصف إذا منعه ~~بدليله من حس، أو عقل، أو شرع، كما ذكرنا، أو بالاستدلال على وجوده بوجود ~~لازم له، أو أثر من آثاره. # والصواب أن يقال: بوجود أثر أو أمر ملازم له، أو بوجود ملزومه، لأن # PageV03P486 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وجود اللازم لا يدل على وجود ~~الملزوم، بخلاف الأثر، فإنه ملزوم للمؤثر، فيدل عليه دلالة الملزوم على ~~لازمه، والأمر الملازم للشيء لا ينفك عنه، يدل عليه كملازمة وجود النهار ~~لطلوع الشمس، وطلوع الشمس لوجود النهار. # وهكذا عبارة الشيخ أبي محمد: وقد يقدر على ذلك بإثبات أثر، أو أمر ~~يلازمه، وهو أجود من عبارة «المختصر» لما ذكرناه، وذلك كدلالة تحريم القتل ~~على كونه عمدا، لأن العمد من لوازم التحريم، ودلالة الدية على القتل، لأنها ~~من آثاره، ودلالة وجوب الحد على انتفاء الشبهة، لأن انتفاء الشبهة لازم ~~لوجوب الحد، وكلحوق النسب على عدم وجوب الحد، لأن لحوق النسب من آثار الوطء ~~الذي ليس بحرام، وكدلالة فساد العقل على إسكار الشراب، وجواز البيع على ~~الطهارة، وعدم جواز الاستصحاب في الصلاة على النجاسة، وأشباه ذلك. # قوله: «ومنع عليته، ومنع وجودها في الفرع» . هذان المنعان الآخران، أي: ~~ومن المنوع منع علة الوصف، أي: منع كونه علة في الأصل، ومنع وجوده في الفرع ~~كما سبق مثاله، فيثبتهما المستدل بطريقهما «كما سبق» إشارة إلى ما تقدم من ~~أدلة إثبات كون الوصف علة، وهي النص، والإجماع، والاستنباط بالمناسبة، ~~والسبر، والدوران، ونحو ذلك وإلى ما تقدم أيضا من دليل وجود العلة في الفرع ~~من إلغاء الفارق، وهو تنقيح المناط ونحوه. # PageV03P487 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فلو قال المستدل: النبيذ مسكر، ~~فحرم كالخمر، فقال المعترض: لا نسلم أن الإسكار علة، ولا أنه موجود في ~~النبيذ. لكان للمستدل أن يقول: ms1018 الدليل على أن الإسكار علة التحريم أنه ~~مناسب له، لإفضائه إلى مصلحة صيانة العقول عن الفساد، ولأن تحريم الخمر إما ~~للونه، أو ميعانه، أو إزباده، أو كونه من العنب، أو لإسكاره، والأوصاف كلها ~~طردية إلا الإسكار، فكان هو العلة، وهو موجود في النبيذ، بدليل الوجدان ~~والعقل، فإن الشارب له يجد النشاط، وغروب العقل، ودبيب الأعضاء، وكذلك يرى ~~زوال العقل يدور معه وجودا وعدما، وذلك دليل كونه مسكرا، والله تعالى أعلم ~~بالصواب. # PageV03P488 # الخامس ### | : التقسيم: # ومحله قبل المطالبة لأنه منع، وهو تسليم، وهو مقبول بعد المنع، بخلاف ~~العكس، وهو حصر المعترض مدارك ما ادعاه المستدل علة وإلغاء جميعها، وشرطه ~~صحة انقسام ما ذكره المستدل إلى ممنوع ومسلم، وإلا كان مكابرة، وحصره لجميع ~~الأقسام، وإلا جاز أن ينهض الخارج عنها بغرض المستدل ومطابقته لما ذكره، ~~فلو زاد عليه؛ لكان مناظرا لنفسه لا للمستدل. # وطريق صيانة التقسيم أن يقول المعترض للمستدل: إن عنيت بما ذكرت كذا ~~وكذا، فهو محتمل مسلم، والمطالبة متوجهة، وإن عنيت غيره، فهو ممتنع ممنوع، ~~والله أعلم. # السؤال «الخامس: التقسيم» ، وقد ~~ذكر معناه بعد. # قوله: «ومحله» ، أي: ومحل سؤال التقسيم، وموضعه من الأسئلة «قبل» سؤال ~~«المطالبة» ، وهو طلب الدليل على كون الوصف علة كما سبق. # وإنما قلنا: محله قبل سؤال المطالبة؛ «لأنه» - يعني سؤال التقسيم - «منع» ~~لوجود العلة كما ذكر بعد «وهو» - يعني المطالبة - «تسليم» ؛ لأن قول ~~المعترض: ما الدليل على أن الوصف الذي ذكرته، هو علة الحكم الذي ادعيته؟ ~~يتضمن تسليم وجود الوصف المذكور. وإذا كان التقسيم منعا للعلة، والمطالبة ~~تتضمن تسليمها، فالتسليم «مقبول بعد المنع، بخلاف # PageV03P489 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # العكس» وهو المنع بعد التسليم، ~~لأنه إنكار لما اعترف به، وهو غير مقبول. # مثاله: لو قال المستدل: الأرز مكيل، فحرم فيه التفاضل كالبر، فقال ~~المعترض: لا أسلم أن الكيل علة في الأصل، لأن علة الربا فيه: إما الكيل، أو ~~الطعم، أو القوت، ولا شيء من ذلك يصلح علة، وقرر ذلك بدليله عنده، ثم قال: ~~سلمت أن البر مشتمل على علة الربا، لكن لم ms1019 قلت: إن الكيل هو العلة؟ لصح ~~ذلك، لأنه تسليم بعد منع، ورجوع عن النزاع في وجود الوصف. # ولو قال أولا: لم قلت: إن الكيل علة؟ ثم قال بعد ذلك: العلة إما الكيل، ~~أو الطعم، أو القوت، ولا شيء من ذلك علة؛ لم يصح، لأن سؤاله عن دليل علية ~~الكيل تسليم لوجوده، ولصلاحيته للعلة، وإنكاره بعد ذلك صلاحيته للتعليل ~~إنكار لما سلمه. # قلت: وفي تحقق هذا نظر، إذ لا تنافي بين التقسيم والمطالبة، حتى يكون ~~إيراد التقسيم بعدها إنكارا بعد اعتراف، إذ حاصل التقسيم هو إنكار وجود علة ~~المستدل في الأصل، وذلك لا ينافي قول المعترض: ما الدليل على أن ما ذكرته ~~علة؟ # مثاله: لو قال المستدل: الأرز مكيل، فحرم فيه الربا كالبر، فقال المعترض: ~~ما الدليل على أن الكيل هو العلة في البر؛ كان هذا إنكارا # PageV03P490 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لعلية الكيل. ثم لو قال بعد ذلك: ~~العلة في البر إما الكيل، أو القوت، أو الطعم، ولا شيء من ذلك صالح للعلة، ~~لكان ذلك كلاما صحيحا موافقا لما قبله، إذ كلاهما يدل على إنكار علية ~~الكيل. وإنما كان يتجه التنافي بين التقسيم والمطالبة، لو كان ### | معنى التقسيم # إنكار نفس الوصف، والمطالبة طلب الدليل على عليته، كما لو قال: ما الدليل ~~على أن الكيل علة الربا؟ ثم قال: لا أسلم أن البر مكيل، لأن إنكاره وجود ~~الكيل بعد طلب الدليل على عليته إنكار له بعد الاعتراف بوجوده. أما إنكار ~~علية الوصف بعد طلب الدليل عليها فليس كذلك، إذ طلب الدليل عليها إنكار ~~لها، فهو موافق للإنكار الحاصل من التقسيم. # نعم قد قيل: إن ذكر المطالبة بعد التقسيم تكرار لأن حاصلها منع العلية، ~~وهو حاصل من التقسيم كما عرف. فتأمل ذلك، فإن في كون التقسيم بعد المطالبة ~~إنكارا بعد اعتراف - كما ذكر في «المختصر» وأصله - نظرا قد أوضحته، والله ~~تعالى أعلم بالصواب. # قوله: «وهو» - يعني التقسيم - «حصر المعترض مدارك ما ادعاه المستدل علة، ~~وإلغاء جميعها» . # المدارك: جمع مدرك - بفتح الميم - وهو الطريق الذي يتوصل به إلى ms1020 إدراك ~~الشيء. # ومعنى الكلام المذكور على هذا: أن التقسيم هو أن يحصر المعترض # PageV03P491 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الطرق التي يمكن التوصل بها إلى ~~معرفة كون الوصف الذي ادعاه المستدل علة، ثم يلغي جميع الطرق المذكورة، فإن ~~استقر له ذلك، بطل التعليل بما ذكره المستدل، وإلا فله تصحيح ما ادعاه؛ ~~بالقدح فيما ذكره المعترض، وكأن في هذه العبارة انحرافا عن المقصود عن ~~عبارة الأصل، وإنما المقصود من ذلك أن يحصر المعترض جميع الأوصاف المناسبة ~~للحكم في الأصل، ثم يبين إلغاءها وعدم صلاحيتها للتعليل، كقوله: علة الربا ~~في البر إما الكيل، أو الطعم، أو القوت، ولا واحد منها يصلح للتعليل، فثبت ~~أن الحكم لا علة له، فينقطع الإلحاق كما سبق، أو أن العلة وصف غير ذلك، ~~فعليك أيها المستدل إبداؤه، فإن كان صالحا سلمناه، وإلا ألغيناه كغيره. # وقال الآمدي: التقسيم ترديد اللفظ بين احتمالين مستويين، واختصاص كل ~~احتمال باعتراض مخالف للاعتراض على الآخر، وإلا فلو كان اللفظ في أحد ~~الاحتمالين أظهر منه في الآخر، وجب تنزيل اللفظ عليه، ولو اشترك الاحتمالان ~~في اعتراض واحد، لم يكن للتقسيم معنى. # قلت: وهذا أولى بتفسير التقسيم المراد ههنا، والظاهر أنه الذي أراده في ~~«الروضة» لكنه لم يفصح به غاية الإفصاح، فوهمت فيه عند الاختصار، وذهبت فيه ~~إلى التقسيم المستعمل في تخريج المناط، وذلك أن التقسيم في القياس على ~~ضربين: # أحدهما: من الناظر في استخراج العلة بتخريج المناط، كما ذكرنا مثاله غير ~~مرة. # والثاني: تقسيم من المعترض المناظر على ما يقوله المستدل، وهذا هو # PageV03P492 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المراد ههنا، وسيأتي له أمثلة إن ~~شاء الله تعالى. # قوله: «وشرطه: صحة انقسام ما ذكره المستدل إلى ممنوع ومسلم، وإلا كان ~~مكابرة، وحصره لجميع الأقسام، وإلا جاز أن ينهض الخارج عنها بغرض المستدل، ~~ومطابقته لما ذكره» . # أي: وشرط التقسيم، أي: يشترط لصحته أمور ثلاثة: # أحدها: أن يكون ما ذكره المستدل مما يصح انقسامه إلى ما يجوز منعه ~~وتسليمه. # قال بعضهم: احتمالا متساويا، لكن يكفي المعترض بيان مجرد الاحتمال، ولا ~~يلزمه بيان التساوي لتعذره، أو لصعوبته، كما ms1021 ذكره في سؤال الاستفسار، ولذلك ~~أمثلة: # أحدها: أن يقول المستدل في نذر صوم يوم النحر: إنه نذر معصية، فلا ينعقد، ~~قياسا على سائر المعاصي، فيقول المعترض: هو معصية لعينه أو لغيره؟ الأول ~~ممنوع، لأن الصوم لعينه قربة وعبادة، فكيف يكون معصية، والثاني مسلم، لكن ~~لا يقتضي البطلان، بخلاف سائر المعاصي. # المثال الثاني: أن يقول في الصبي إذا صلى في الوقت ثم بلغ: إنها وظيفة ~~صحت من الصبي، فلم يلزمه إعادتها، كالبالغ، فيقول المعترض: صحت منه فرضا أو ~~نفلا؟ الأول ممنوع، لأنه غير مخاطب بها، فكيف تكون فرضا مع عدم الخطاب بها، ~~والثاني مسلم، لكن لا يقتضي عدم وجوب الإعادة، لأن النفل لا يجزئ عن الفرض، ~~بخلاف صلاة البالغ، فإنها صحت # PageV03P493 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فرضا، فلذلك لم تلزمه الإعادة. # المثال الثالث: أن يقول الحنفي: لا تجب الزكاة في مال الصبي، لأنها ~~عبادة، فلم تجب عليه كسائر العبادات، فيقول المعترض: عبادة محضة، أو غير ~~محضة؟ الأول ممنوع، والثاني مسلم، لكن لا يلزم سقوطها عن ماله، لأنها عبادة ~~من جهة؛ ومؤنة مالية من جهة، فنحن في هذه الجهة نوجبها في ماله، كنفقة ~~الزوجة والأقارب، والمخاطب بإخراجها الولي. # قوله: «وإلا كان مكابرة» . أي: إن لم يكن ما ذكره المستدل يصح انقسامه ~~إلى ممنوع ومسلم؛ كان التقسيم مكابرة وشغبا ولعبا، كما لو قال: شراب مسكر، ~~فكان حراما كالخمر، فقال المعترض مثلا: مسكر شرعي، أو لغوي، أو عقلي؟ أو ~~يقول: مسكر ذوقي، أو حقيقي؟ وكما لو قال: مكيل، فحرم فيه التفاضل كالبر، ~~فقال المعترض: مكيل لغوي، أو شرعي؟ فإن هذا وأمثاله تقسيم لا معنى له، ولا ~~يترتب عليه حكم، فيكون عنادا، أو لعبا، أو جهلا، فلا يسمع. # الأمر الثاني من شروط صحة التقسيم: أن يكون حاصرا لجميع الأقسام التي ~~يحتملها لفظ المستدل، كما ذكر من انحصار المعصية في كونها لعينها أو ~~لغيرها، وانحصار الصلاة في كونها فرضا أو نفلا، فإن لم يكن حاصرا، لم يصح ~~التقسيم، لجواز أن ينهض القسم الباقي الخارج عن الأقسام التي ذكرها المعترض ~~بفرض المستدل. ms1022 وحينئذ ينقطع المعترض، ولذلك أمثلة: # أحدها: أن يقول: هذا العدد إما أن يكون مساويا لهذا العدد، أو أقل منه، ~~فيقول المستدل: لا هذا ولا هذا، بل يكون أكثر، وهو مرادي. # PageV03P494 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الثاني: أن يقول: فعل مأمور به، ~~فكان مجزئا، فيقول المعترض: مأمور به على وجه الفرض، أو على وجه الإباحة؟ ~~فيقول: لا هذا ولا هذا، بل على وجه الندب أو الوجوب، إن كان ممن يفرق بين ~~الواجب والفرض. # الثالث: أن يقول الحنبلي: لوتر ليس بفرض، لأنه إما فرض أو نفل، والأول ~~باطل، فتعين الثاني، فيقول الحنفي: لا فرض ولا نفل، بل واجب. # الرابع: أن يقول في الحرة البالغة: تلي عقد النكاح، لأنها عاقلة، فصح ~~منها التصرف للمصلحة كالرجل، فيقال له: ما تعني بالعقل؛ التجربة، أو كمال ~~الرأي وحسن السيرة؟ الأول ممنوع، والثاني مسلم، فيقول: لا هذا، ولا هذا، بل ~~المراد به قوة غريزية، يتأتى بها درك المصالح والمفاسد. # الأمر الثالث من شروط صحة التقسيم: «مطابقته لما ذكره» المستدل، أي: إن ~~المعترض لا يورد في التقسيم زيادة على ما ذكره المستدل في دليله، فإن زاد ~~في التقسيم على ما ذكره المستدل، لم يصح، لأنه حينئذ يكون مناظرا لنفسه لا ~~للمستدل، حيث ذكر ما لم يذكره المستدل، وجعل يتكلم عليه، وإنما وظيفة ~~المعترض هدم ما يبنيه، لا بناء زيادة عليه. # مثال ذلك: أن يقول الحنفي في قتل الحر بالعبد: قتل عمد عدوان، فأوجب ~~القصاص، قياسا على الحر بالحر، فيقال له: قتل عمد عدوان في رقيق أو غير ~~رقيق؟ وكذا إذا قال في مسألة إجبار البكر البالغة: إنها عاقلة بالغة، فلا ~~تجبر على نكاح الرجل، فيقال: عاقلة بالغة، وهي بكر أو # PageV03P495 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ليست ببكر؟ فهذا تقسيم مردود، لأن ~~دليل المستدل لم يتعرض للرقيق في المثال الأول، ولا للبكر في المثال ~~الثاني، وجودا ولا عدما، فذكر المعترض له تقويلا للمستدل ما لم يقل، أو ~~إعراضا عن مناظرته إلى مناظرة المعترض نفسه كما ذكرنا، أو جهلا منه بطريق ~~المناظرة. وأيا ما كان يبطل التقسيم. # وإذا توجه سؤال ms1023 التقسيم، فللمستدل في دفعه وجوه: # أحدها: أن يبين فساده، بانتفاء شروطه أو بعضها، فيقول مثلا: لا أسلم أن ~~لفظي يحتمل ما ذكرت من التقسيم، أو لا أسلم أن تقسيمك حاصر، بل هناك قسم ~~آخر مرادي، أو أنك زدت في تقسيمك على ما ذكرت، فأنت تناظر نفسك، ولا يلزمني ~~جوابك. # الثاني: أن يبين ظهوره في بعض الاحتمالات: التقسيم بالوضع، أو عرف ~~الاستعمال لغة أو عرفا أو شرعا، أو بقرينة، وإذا بان ظهوره في بعض ~~الاحتمالات، وجب تنزيل اللفظ عليه، وسقط التقسيم. # مثال الظاهر بالوضع: لفظ المعصية في مسألة صوم يوم النحر، ظاهر في كونه ~~معصية لعينه، وكونه لغيره خلاف الظاهر، فلا يصح التقسيم إليه. # ومثال الظاهر بالعرف شرعا: ما يذكر من الحقائق الشرعية، كالوضوء، ~~والصلاة، والصوم ونحوه، وهو ظاهر في المعنى الشرعي دون اللغوي، فلا يصح ~~التقسيم إليه على ما سبق في موضعه. # الثالث: أن يبين أن ما قسم المعترض إليه اللفظ متحد، ولكنه وهم في اعتقاد ~~التعدد، أو أن الأقسام كلها مرادة له، بناء على أن لفظه دل عليها بالتواطؤ. # PageV03P496 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وأمثلة هذا تظهر في محل النظر بما ~~يستشعره المستدل، ويحتمل من شاهد الحال. # قوله: «وطريق صيانة التقسيم: أن يقول المعترض للمستدل: إن عنيت بما ذكرت ~~كذا وكذا، فهو محتمل مسلم، والمطالبة متوجهة، وإن عنيت غيره، فهو ممتنع ~~ممنوع» . # أي أن التقسيم بالشروط المذكورة فيه يعرض له الفساد، لجواز فوات بعض ~~الأقسام، فيبطل، فالطريق إلى صيانته وحفظه عن ذلك، أن يجعل المعترض تقسيمه ~~دائرا بين قسمين: # أحدهما: يعم ما سوى القسم الآخر، فلا يخرج عنه شيء من الأقسام، فيقول: إن ~~أردت بقولك كذا، فهو مسلم، وإن أردت غيره، فممنوع، لأن لفظ: غيره، يتناول ~~ما عدا القسم المصرح به. # مثاله: أن يقول: هذا العدد إما مساو أو غير مساو فيتناول غير المساوي ~~والأقل والأكثر، فتنحصر الأقسام، ويقول: ما تعني بقولك: مأمور به، أنه واجب ~~أو غيره؟ ، وصحة صلاة الصبي فرضا أو غيره؟ وتريد بالعقل: التجربة، أو ~~غيرها؟ ومعنى قوله: «فهو محتمل مسلم» ms1024 ، أي: إن أردت كذا، فمحتمل تنزيل لفظك ~~عليه، ومسلم صلاحيته للعلية، «والمطالبة متوجهة» ، أي: أنا أطالبك بالدليل ~~على كونه علة، إذ لا يلزم من صلاحيته للعلية كونه علة، وإن أردت غير ذلك، ~~«فهو ممتنع ممنوع» ، أي: يمتنع، ولا يصح حمل لفظك عليه، وممنوع صلاحيته ~~للعلية، والله تعالى أعلم. # PageV03P497 # السادس ### | : المطالبة: # وهي طلب دليل علية الوصف من المستدل، ويتضمن تسليم الحكم، ووجود الوصف في ~~الأصل والفرع، وهو ثالث المنوع المتقدمة. # السابع ### | : النقض: # وهو إبداء العلة بدون الحكم، وفي بطلان العلة به خلاف، ويجب احتراز ~~المستدل في دليله عن صورة النقض على الأصح، ودفعه إما بمنع وجود العلة أو ~~الحكم في صورته، ويكفي المستدل قوله: لا أعرف الرواية فيها، إذ دليله صحيح، ~~فلا يبطل بمشكوك فيه، وليس للمعترض أن يدل على ثبوت ذلك في صورة النقض، ~~لأنه انتقال وغصب، أو ببيان مانع، أو انتفاء شرط تخلف لأجله الحكم في صورة ~~النقض، ويسمع من المعترض نقض أصل خصمه، فيلزمه العذر عنه، لا أصل نفسه، ~~نحو: هذا الوصف لا يطرد على أصلي، فكيف يلزمني؟ إذ دليل المستدل المقتضي ~~للحكم حجة عليه في صورة النقض كمحل النزاع، أو ببيان ورود النقض المذكور ~~على المذهبين كالعرايا على المذاهب، وقول المعترض: دليل علية وصفك موجود في ~~صورة النقض، غير مسموع، إذ هو نقض لدليل العلة، لا لنفس العلة، فهو انتقال، ~~ويكفي المستدل في رده أدنى دليل يليق بأصله. # السؤال «السادس» : سؤال «المطالبة» ~~وهي طلب دليل علية الوصف من المستدل، أي أن يطلب المعترض من المستدل الدليل ~~على أن الوصف الذي جعله جامعا بين الأصل والفرع علة، كقوله فيما إذا قال: ~~مسكر، فكان حراما كالخمر، أو مكيل، فحرم فيه التفاضل كالبر: لم قلت: إن ~~الإسكار علة # PageV03P498 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # التحريم، وإن الكيل علة الربا؟ ولم ~~قلت: إن تبديل الدين علة القتل فيما إذا قال: إنسان بدل دينه فقتل كالرجل؟ # قوله: «ويتضمن تسليم الحكم، ووجود الوصف في الأصل والفرع» . أي: سؤال ~~المطالبة يتضمن تسليم هذه الأمور للمستدل. # أما تضمنه تسليم الحكم، كتسليم ms1025 تحريم الخمر والربا، ووجوب القتل في ~~الصورة المذكورة؛ فلأنا قد بينا فيما سبق أن العلة فرع الحكم في الأصل، ~~لاستنباطها منه، والحكم أصل لها، فمنازعة المعترض في الفرع - الذي هو العلة ~~- يشعر بتسليم الأصل - الذي هو الحكم - إذ لو لم يكن تسليما له، لكان منعه ~~أولى وأجدى على المعترض. # وأما تضمنه تسليم الوصف في الفرع والأصل، فلأنه يسأل عن عليته، وهو كونه ~~علة، وذلك فرع على تحقق الوصف في نفسه في الأصل والفرع، إذ لو لم يكن ذلك، ~~لكان منعه وجود الوصف أولى به، وأجدى عليه، ولأنه قد سبق في سؤال المنع أن ~~أقسامه أربعة، وترتيبها في الاصطلاح هكذا: منع حكم الأصل، ثم منع وجود ~~الوصف فيه، ثم منع كونه علة، ثم منع وجوده في الفرع. # وصورة إيرادها في قولنا: النبيذ مسكر، فكان حراما كالخمر؛ أن يقال: لا # PageV03P499 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # نسلم تحريم الخمر، ثم لا نسلم وجود ~~الإسكار فيه، ثم لا نسلم كونه علة، ثم لا نسلم وجود الإسكار في النبيذ، ~~فقوله: لا نسلم كونه علة هو سؤال المطالبة، «وهو ثالث المنوع» ، والعادة أن ~~المعترض يبتدئ بالمنوع أول أول، فلا ينتقل إلى منع إلا وقد سلم الذي قبله، ~~انقطاعا أو تنزلا. وقد علم أن قبل سؤال المطالبة منعين، فيتضمن إيراده ~~تسليمهما، وبعده منع سؤال المطالبة فرع عليه، فيتضمن تسليمه أيضا كما تقرر. # قوله: «وهو» يعني سؤال المطالبة «ثالث المنوع المتقدمة» يعني أقسام المنع ~~التي ذكرناها آنفا، وفي موضعها في السؤال الرابع، والإشارة بكونه ثالث ~~المنوع المتقدمة، لأن الجواب عنه ههنا بالجواب هناك، وهو الدليل على عليته ~~بما سبق، من نص، أو إجماع، أو استنباط. وقد منع قوم من قبول سؤال المطالبة، ~~واحتجوا عليه بما لا حاصل له. # والدليل على قبوله: أن المستدل إما لا يعتقد علية الوصف الذي يذكره فيحرم ~~عليه ذكره، ولا يصح الإلحاق به، وإما أن يعتقد عليته، فإما تحكما بغير ~~دليل، فلا يقبل، أو بدليل، فيجب إبداؤه لتحصل به الفائدة، ويلزم الانقياد، ~~وكالنبي، لا يسمع مجرد دعواه النبوة، حتى ms1026 يبرهن عليها بالمعجزة. # السؤال " السابع: النقض ". # اعلم أن استعمال ### | النقض # في المعاني كالعلة والوضوء والرأي ونحوها # PageV03P500 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مجاز، وإنما حقيقته في البناء، ~~واستعمل في المعاني بعلاقة الإبطال، وتغيير الوضع، فإن ذلك مشترك بين ~~البناء والمعنى المنقوضين. # قوله: " وهو إبداء العلة بدون الحكم "، وقيل: تخلف الحكم عما علل به من ~~الوصف، وقيل: إبداء العلة المذكورة من جهة المستدل، مع تخلف الحكم وفاقا، ~~ومعانيها متقاربة. # ومثاله: أن يقال في مسألة النباش: سرق نصابا كاملا من حرز مثله، فيجب ~~عليه القطع، كسارق مال الحي، فيقال: هذا ينتقض بالوالد يسرق مال ولده، ~~وصاحب الدين يسرق مال مديونه، فإن الوصف موجود فيهما، ولا يقطعان، وكذا ~~قوله: قتل عمد عدوان، فأوجب القصاص، فقيل: ينتقض بقتل الأب ولده، والسيد ~~عبده، والمسلم الذمي، فإن الوصف موجود، والقصاص منتف. # قوله: " وفي بطلان العلة به " أي: بالنقض، " خلاف " سبق في مسألة تخصيص ~~العلة، ورجحنا هناك عدم البطلان على ما مر. # قوله: " ويجب احتراز المستدل في دليله عن صورة النقض على الأصح ". # مثاله في المثالين المذكورين؛ أن يقول: سرق نصابا كاملا من حرز مثله، ~~وليس أبا ولا مديونا للمسروق منه، فلزمه القطع، ويقول: قتل عمد عدوان، خال ~~عن مانع الإيلاد، والملك، والتفاوت في الدين، فأوجب القصاص، ولا نزاع في ~~استحباب هذا الاحتراز، وإنما النزاع في وجوبه، فمن لم يوجبه يقول: إن النقض ~~سؤال خارج عن القياس، فلا يجب إدخاله في # PageV03P501 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # صلب القياس، بل إذا أورده المعترض، ~~لزم جوابه بما يدفعه كسائر الأسئلة، ولأن فيه تنبيها للمعترض على موضع ~~النقض، وفي ذلك نشر الكلام وتبدده، وهو خلاف المطلوب من المناظرة، ومن ~~أوجبه، قال: لأن فيه حسم مادة الشغب، وانتشار الكلام، وسدا لبابه، فكان ~~واجبا، لما فيه من صيانة الكلام عن التبديل، وللقولين اتجاه، وهذا الأخير ~~أصح لما ذكرناه. # والجواب عن الأول: سؤال النقض، وإن كان خارجا عن القياس، إلا أن المقتضي ~~والمصحح له خلل في طلب القياس، فوجب الاعتناء بسده، كسجود السهو مع الصلاة. # وقولهم: فيه تنبيه للمعترض على موضع النقض. # قلنا: فإن ms1027 كان كذلك، فلا يقدح في وجوب الاحتراز، لأن المناظرة المشروعة ~~مقام عدل وإنصاف، يجب على الإنسان أن يتكلم فيه له وعليه، متوخيا للحق، ~~وإنما يصلح أن يكون ما ذكرتم مانعا من الاحتراز أن لو كان المقصود من ~~المناظرة غلبة الخصم بالمخادعة، وتخييل ما لا حقيقة له، كما في قوله - عليه ~~السلام -: الحرب خدعة وليس الأمر كذلك، لأن الله تعالى قال: {وجادلهم بالتي ~~هي أحسن} [النحل: 125] ، # PageV03P502 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي ~~هي أحسن} [العنكبوت: 46] ، وما ذكرناه من الاحتراز عن صورة النقض أحسن، لما ~~فيه من جمع الكلام، وصيانته عن النقض والنشر، فكان واجبا، عملا بمقتضى ~~الأمر به. # قوله: " ودفعه: إما بمنع وجود العلة، أو الحكم في صورته ". # أي: ودفع سؤال النقض بالجواب عنه من وجوه: # أحدها: منع وجود العلة في صورة النقض، لأن النقض إنما تحقق بوجود العلة، ~~وتخلف الحكم عنها، فإذا منع وجود العلة، لم يتحقق النقض، ثم تقول: إنما ~~تخلف الحكم في الصورة المذكورة لعدم علته، فهو يدل على صحة علتي عكسا، وهو ~~انتفاء الحكم لانتفائها. # مثاله: أن يقول الحنفي في قتل المسلم بالذمي: قتل عمد عدوان فيجب القصاص، ~~كما في المسلم بالمسلم، فيقال له: ينتقض بقتل المعاهد، فإنه قتل عمد عدوان، ~~ولا يقتل به المسلم، فيقول: لا أسلم أنه عدوان، فيندفع النقض بذلك إن ثبت ~~له. # وهل للمعترض أن يدل على وجود العلة في صورة النقض؟ فيه أقوال: # أحدها: لا، لأن المعترض يصير مستدلا، والمستدل معترضا، فتنقلب قاعدة ~~النظر، كما لو قال المعترض في الصورة المذكورة على أن قتل المعاهد عدوان: ~~إنه قتل مخفر لذمة الإسلام، وكل ما كان مخفرا لذمة الإسلام فهو عدوان كقتل ~~المسلم، فيقول المستدل: لا أسلم أنه مخفر لذمة الإسلام فيفضي إلى ما ذكرنا. # الثاني: له ذلك، لأن به يتحقق سؤاله، ويتم مقصوده، أشبه المستدل إذا # PageV03P503 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # منع حكم الأصل، له أن يدل عليه، ~~كما سبق. # الثالث - وهو اختيار الآمدي - إن تعذر على المعترض الاعتراض بغير النقض، ~~جاز له إثبات العلة في صورته، تحصيلا ms1028 لفائدة النظر، وإن أمكن الاعتراض ~~بغيره، لم يجز له، لما فيه من قلب القاعدة مع إمكان حصول المقصود بدونها. # الوجه الثاني في جواب النقض منع الحكم في صورته. # مثاله في الصورة المذكورة أن يقول: لا أسلم الحكم في المعاهد، فإن عندي ~~يجب القصاص بقتله، وليس للمعترض أن يدل على ثبوت الحكم في المعاهد، وهو عدم ~~القصاص، لأنه انتقال إلى مسألة أخرى. # قوله: " ويكفي المستدل قوله: لا أعرف الرواية فيها، إذ دليله صحيح، فلا ~~يبطل بمشكوك فيه "، أي: إذا نقض المعترض على المستدل علته بصورة، فللمستدل ~~أن يجيب عن النقض بالتصريح بمنع الحكم، كقوله: لا أسلم أن المسلم لا يقتل ~~بالمعاهد، وإن قال: لا أعرف الرواية في صورة النقض، كفاه ذلك في دفعه، لأن ~~دليله على العلة صحيح، وهو قوله: قتل عمد عدوان، فلا يبطل بأمر مشكوك فيه، ~~وذلك لأن المستدل إذا لم يعرف الرواية في صورة النقض، احتمل أن يكون الحكم ~~فيها على وفق العلة، فلا يرد النقض، واحتمل أن يكون على خلافها، فيرد، وإذا ~~احتمل وروده وعدم وروده، وعلة القياس صحيحة بإحدى الطرق المصححة للعلة، فلا ~~يبطل بأمر متردد فيه. # قوله: " وليس للمعترض أن يدل على ثبوت ذلك "، أي: على ثبوت العلة # PageV03P504 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أو الحكم، إذا منعهما المستدل " في ~~صورة النقض، لأنه انتقال " عن محل النظر، " وغصب " لمنصب المستدل، حيث ~~ينقلب المعترض مستدلا وقد سبق هذا، وبينا الخلاف في دلالته على العلة دون ~~الحكم. # قوله: " أو ببيان مانع، أو انتفاء شرط تخلف لأجله الحكم في صورة النقض ". # هذا الوجه الثالث في الجواب عن النقض، وهو أن يبين في صورة النقض وجود ~~مانع، أو انتفاء شرط يحيل تخلف الحكم فيها عليه، كما سبق في تخصيص العلة، ~~كما إذا أورد المعترض قتل الوالد ولده، على علة القتل العمد العدوان، فقال ~~المستدل: تخلف الحكم لمانع الأبوة، وإذا قال المستدل: سرق نصابا كاملا ولا ~~شبهة له فيه فقطع، فأورد المعترض السرقة من غير حرز، فقال المستدل: تخلف ~~الحكم فيها لانتفاء شرط، وهو الحرز، وكما ms1029 إذا قال: نصاب كامل حال عليه ~~الحول، فوجبت فيه الزكاة كالمضروب، فأورد المعترض مال الصبي والمجنون ~~والمديون، فيقول المستدل: مال الصبي والمجنون فات فيه شرط التكليف، تغليبا ~~لمعنى العبادة فيه عند الحنفي، ومال المديون وجد فيه مانع الدين، فلذلك ~~تخلف الحكم في هذه الصور. # قوله: ويسمع من المعترض نقض أصل خصمه، فيلزمه العذر عنه، لا أصل نفسه، ~~نحو: هذا الوصف لا يطرد على أصلي، فكيف يلزمني؟ ، إذ دليل المستدل المقتضي ~~للحكم حجة عليه في صورة النقض، كمحل النزاع ". # يعني أن النقض من المعترض، إما أن يتوجه إلى أصل خصمه المستدل، أو إلى ~~أصل نفسه - يعني المعترض - فإن كان النقض متوجها إلى أصل # PageV03P505 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المستدل، لزمه الجواب والاعتذار ~~عنه، كما سبقت أمثلته، لاختصاص النقض بمذهبه، فبدون الجواب عنه تبين فساده، ~~كما إذا قال الحنفي في قتل المسلم بالذمي: إنه قتل عمد عدوان، فيوجب ~~القصاص، قياسا على المسلم بالمسلم، فيقول الحنبلي: هذا ينتقض على أصلك بما ~~إذا قتله بالمثقل، فإن الأوصاف موجودة، والقصاص منتف عندك، فله أن يعتذر ~~عنه بأدنى عذر يليق بمذهبه، ولا يعترض عليه فيه، لأنه أعرف بمأخذه، مثل أن ~~يقول: ليس ذلك قتلا، وليس عمدا، أو ما شاء من كلامهم، وإن كان النقض متوجها ~~من المعترض إلى أصل نفسه، لم يقدح في علة المستدل، ولم يلزمه العذر عنه، ~~وذلك كما إذا قال الحنبلي: لا يقتل المسلم بالذمي لأنه كافر، فلا يقتل به ~~المسلم قياسا على الحربي، فقال الحنفي: هذا الوصف لا يطرد على أصلي، إذ هو ~~باطل بالمعاهد، فإنه كافر، ويقتل به المسلم عندي. وكذا لو قال حنبلي: يقطع ~~النباش، لأنه سارق، فقال الحنفي: هذا باطل على أصلي بسارق الأشياء الرطبة، ~~فإنه سارق، ولا يجب قطعه عندي، وإذا كان وصفك أيها المستدل غير مطرد عندي، ~~فكيف يلزمني؟ فهذا لا يسمع منه على الصحيح، لأنه دليل المستدل - وهو الوصف ~~المقتضي للحكم، وهو الكفر في مسألة المسلم بالذمي، والسرقة في مسألة النباش ~~- حجة على المعترض في صورة النقض، كما أنها حجة عليه ms1030 في محل النزاع. # وتقريره: أن للمستدل أن يقول: العلة في قطع السارق عندي كونه سارقا، فأنا ~~أقول بوجوب القطع في الصورتين: صورة النزاع، وهو قطع النباش، وصورة النقض، ~~وهو القطع بسرقة الأشياء الرطبة، فالوصف الذي # PageV03P506 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ذكرته حجة عليك في الموضعين، فإن ~~كان عندك قادح في نفس العلة، فأبده. # أما كونها لا تطرد على أصلك، فلا يلزمني، إذ هذا حمل لي على مذهبك ~~بالقوة. # قوله: " أو ببيان ورود النقض المذكور على المذهبين، كالعرايا على المذاهب ~~". # هذا الوجه الرابع في الجواب عن النقض، وهو أن يبين المستدل، أن صورة ~~النقض واردة على مذهبه ومذهب خصمه، كما إذا قال المستدل: مكيل، فحرم فيه ~~التفاضل، فأورد المعترض العرايا، إذ هي مكيل، وقد جاز فيه التفاضل بينه ~~وبين التمر المبيع به على وجه الأرض، فيقول المستدل: هذا وارد علي وعليك ~~جميعا، فليس بطلان مذهبي به أولى من بطلان مذهبك. # الوجه الخامس وليس في " المختصر "، بل ذكره النيلي، وهو أن يقول المستدل: ~~هذه العلة منصوصة، فهي مؤثرة بالنص، فلا يرد عليها نقض، كقوله تعالى: ~~{والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] إذا علل بالسرقة في ~~مسألة النباش وغيره، فأورد عليه بعض النقوض المذكورة، وكذلك علة العرايا ~~منصوصة، فلا يؤثر فيها النقض بالعرايا. # قوله: " وقول المعترض: دليل علية وصفك موجود في صورة النقض، غير مسموع، ~~إذ هو نقض لدليل العلة، لا لنفس العلة، فهو انتقال " يعني إذا نقض المعترض ~~علة المستدل بصورة، فأجاب المستدل عن ذلك بأحد الأجوبة المتقدمة، إما بمنع ~~العلة، أو الحكم في صورة النقض، أو يورد النقض # PageV03P507 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # على المذهبين، أو غير ذلك، فقال ~~المعترض: الدليل الذي دل على أن وصفك الذي عللت به في محل النزاع علة؛ ~~موجود في صورة النقض، فيلزمك الإقرار بثبوت الحكم فيها، عملا بوجود الوصف ~~المقتضي له، لكنك لم تقل به، فيلزمك النقض. # مثاله: أن يقول الحنفي في قتل المسلم بالذمي: قتل عمد عدوان، فأوجب ~~القصاص، كقتل المسلم، فيقول الحنبلي: لا أسلم أن قتل الذمي عدوان، فيقول ~~الحنفي: الدليل على أن قتل ms1031 الذمي عدوان أنه معصوم بعهد الإسلام، وكل من كان ~~معصوما بعصمة الإسلام، فقتله عدوان، فيقول المعترض: دليل العدوانية في قتل ~~الذمي موجود في قتل المعاهد، فليكن عدوانا يجب به القصاص على المسلم، فهذا ~~نقض لدليل العلة، لا لنفس العلة، فلا يسمع، لأنه انتقال. # وبيانه: أن الكلام أولا كان في نقض وجوب قتل المسلم بالذمي بعدم وجوب ~~قتله بالمعاهد مع اشتراكهما في العلة، وهو نقض للحكم، والكلام الآن في نقض ~~كون إخفار ذمة الإسلام بقتل الذمي عدوانا عليه بكون الإخفار المذكور بقتل ~~المعاهد ليس عدوانا عليه، وهو نقض لدليل العلة كما ذكر، فقد انتقل من النقض ~~لعلة الحكم إلى النقض لدليل علة الحكم، فهو شبيه بما إذا انتقل عن محل ~~النزاع إلى إثبات الحكم في صورة النقض، فكأنه قال: يلزمك أن تعترف ~~بالعدوانية في صورة النقض لوجود دليلها الذي اعتمدت عليه في محل النزاع. # PageV03P508 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: " ويكفي المستدل في رده أدنى ~~دليل يليق بأصله ". # أي: ويكفي المستدل في رد هذا النقض على دليل يليق بأصله، أي: يوافقه ~~ويطابقه، مثل أن يقول: إنما لم أحكم بالعدوانية في صورة قتل المسلم بالحربي ~~لمعارض لي في مذهبي، وهو أن الحربي المعاهد مؤقت العهد، فالمقتضي لانتفاء ~~القصاص فيه قوي موافق للأصل، والمقتضي لإثباته ضعيف، بخلاف الذمي، فإن ~~المقتضي لقتل المسلم به قوي لتأبد عهده وذمته، فصار كالمسلم، أو غير ذلك من ~~الأعذار. # PageV03P509 # والكسر: وهو إبداء الحكمة بدون الحكم، غير لازم، إذ ~~الحكم لا تنضبط بالرأي، فرد ضبطها إلى تقدير الشارع، وفي اندفاع النقض ~~بالاحتراز عنه بذكر وصف في العلة لا يؤثر في الحكم، ولا يعدم في الأصل ~~لعدمه، نحو قولهم في الاستجمار: حكم يتعلق بالأحجار، يستوي فيه الثيب ~~والأبكار، فاشترط فيه العدد كرمي الجمار، خلاف، الظاهر، لا لأن الطردي لا ~~يؤثر مفردا، فكذا مع غيره، كالفاسق في الشهادة، ويندفع بالاحتراز عنه بذكر ~~شرط في الحكم عند أبي الخطاب، نحو: حران مكلفان محقونا الدم، فجرى بينهما ~~القصاص في العمد كالمسلمين، إذ العمد أحد أوصاف العلة حكما؛ وإن ms1032 تأخر لفظا، ~~والعبرة بالأحكام لا الألفاظ، وقيل: لا، إذ قوله في العمد، اعتراف بتخلف ~~حكم علته عنها في الخطأ، وهو نقض، والأول أصح. # قوله: «والكسر: وهو إبداء الحكمة ~~بدون الحكم غير لازم» . # هذا كلام يتضمن تعريف ### | الكسر # وحكمه. # أما تعريفه، فهو إبداء الحكمة بدون الحكم، والحكمة قد سبق أنها: ما اشتمل ~~عليه الضابط الوصفي كالمشقة التي اشتمل عليها السفر المباح، والعقوبة ~~الرادعة التي اشتمل عليها القصاص، ونحو ذلك. # قال الآمدي: وهو - يعني الكسر - نقض على العلة دون ضابطها. # PageV03P510 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قلت: الضابط: هو ما رتب الشرع عليه ~~الحكم، لكونه مظنة حصول الحكمة، كالقتل العمد العدوان الذي رتب عليه القصاص ~~لكونه مظنة حفظ النفوس، وكإيلاج الفرج في فرج محرم رتب عليه الحد، لكونه ~~مظنة حفظ الأنساب وأشباه هذا. # مثال ذلك قول الحنفي في العاصي بسفره: يترخص، لأنه مسافر، فيترخص ~~كالمسافر سفرا مباحا، فإذا قيل له: لم قلت: إنه يترخص؟ قال: لأنه يجد مشقة ~~في سفره، فناسب الترخص، وقد شهد له الأصل المذكور بالاعتبار، فيقول ~~الحنبلي: هذا ينكسر بالمكاري والفيج ونحوهما ممن دأبه السفر؛ يجد المشقة ~~ولا يترخص، وكذلك المريض الحاضر؛ يجد المشقة، ولا يجوز له قصر الصلاة، ~~وكذلك لو قلنا في قطع اليد باليد: إن القطع العمد العدوان سبب لوجوب القطع، ~~لأنه مناسب من حيث إنه جناية، والجناية تناسب العقوبة، فيقال: هذا ينكسر ~~بالضرب والشتم، وسائر الجنايات هي جنايات، ولا توجب القصاص. هذا ما يتعلق ~~بتعريف الكسر وتمثيله. # وأما حكمه، فهو أنه «غير لازم» ، أي: غير وارد نقضا على العلة على الصحيح ~~عند الأصوليين. # قوله: «إذ الحكم لا تنضبط بالرأي، فرد ضبطها إلى تقدير الشارع» . # هذا دليل على أن الكسر لا يرد نقضا. وتقريره: أن الحكم ليست مضبوطة في ~~نفسها، وما ليس مضبوطا في نفسه، وجب رده إلى تقدير الشارع وضبطه، وإنما ~~قلنا: إن الحكم ليست مضبوطة في أنفسها، لأنها عبارة عن # PageV03P511 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # جلب مصالح، ودرء مفاسد، والمصالح ~~والمفاسد تختلف وتتفاوت كثيرا باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص وغير ذلك ~~من الأمور المتعلقة بها. # وأيضا فإنها ms1033 لا تتميز بأنفسها، وما لا يتميز لا ينضبط، لأن التمييز من ~~لوازم الانضباط، وهو منتف، وإنما تتميز وتتنوع بالإضافة إلى الأوصاف ~~الضابطة لها من الأفعال الظاهرة. # مثال ذلك قولنا: مشقة السفر، ومشقة المرض، ومشقة الحمل، وجناية السرقة، ~~وجناية الغصب، وجناية القتل. والقطع، فأنواع المشقة والجناية إنما تميزت ~~بتميز الأفعال التي صدرت عنها، أما هي لذاتها؛ فلا تميز فيها لنوع من نوع. # إذا ثبت أنها غير منضبطة في نفسها، لم يجز ربط الأحكام بها لوجهين: # أحدهما: لحوق المشقة للمكلفين بربط مصالحهم بأمور خفية غير مضبوطة، ~~فتختلف عليهم الأحكام، وتضطرب الأحوال. # الثاني: أن الشرع وضع قانونا كليا مؤبدا، فلو علق بالحكم، لكثر اختلافه ~~واضطرابه، وليس ذلك شأن القوانين، وإنما قلنا: إن ما لا ينضبط بنفسه يجب ~~رده إلى تقدير الشارع وضبطه، فلأن ما لا ينضبط بنفسه يقع فيه النزاع، وما ~~وقع فيه النزاع، وجب رده إلى الشرع لقوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه ~~إلى الله والرسول} [النساء: 59] . # قال بعضهم: ولأن التعليل لم يقع بالحكمة لخفائها واضطرابها، بل # PageV03P512 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بالضابط المشتمل عليها، ولا معنى ~~لإبطال ما لم يعلل به. قال: فيحتاج المعترض إلى بيان استواء الحكمة في ~~القياس. وصورة النقض كاستواء الجناية الحاصلة بالضرب والشتم، والجناية ~~الحاصلة بالقطع، وكذلك استواء مشقة المسافر، ومشقة المكاري، والفيج ~~والمريض، ولا سبيل إلى ذلك لعدم انضباط المشقة والجناية في نفسها. # وتلخيص هذا الكلام أن يقال: لا نسلم صحة سؤال الكسر، لأن شرط صحته أن ~~تكون الحكمة المعلل بها موجودة بكمالها في صورة الكسر، ولا أسلم ذلك، لأن ~~طريق معرفته وجود المظنة، ولم توجد. # وذهب قوم من الأصوليين إلى أن سؤال الكسر لازم مفسد للعلة، احتجاجا منهم ~~بأن المقصود من شرع الحكم إنما هو الحكمة دون ضابطها، فإذا تخلف الحكم ~~عنها، ظهر إلغاء ما ثبت لأجله الحكم، فبطلت كضابط الحكم إذا بطل. # والجواب: أن المقصود من شرع الحكم الحكمة المطلقة أو المنضبطة بنفسها أو ~~بضابطها، الأول ممنوع، والثاني مسلم، لكن قد بينا أن انضباط الحكمة بنفسها ~~متعذر، فتعين ms1034 المصير إلى ضبطها بضابطها، فيجب أن يكون المعتبر في السلامة ~~والنقض ذلك الضابط الذي تحقق به اعتبار الحكمة. # قلت: قد سبق ذكر الخلاف في جواز التعليل بالحكمة دون الضابط، # PageV03P513 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فالخلاف هنا يقرب تخريجه على ذلك. # ومن أمثلة اعتبار الحكمة بضابطها: أن المشقة المبيحة للترخص لما كانت ~~تختلف باختلاف الأشخاص في الضعف والقوة، واختلاف الأحوال في الفقر والجدة، ~~ضبطت بالسفر الشرعي، لأنه وصف حقيقي لا يختلف، فاستوى في مناط الترخص الملك ~~والمملوك، والغني والصعلوك. # ومنها: أن زوال العقل بشرب المسكر لما كان يختلف باختلاف الأمزجة ~~والطباع، فبعض الناس يزول عقله بتناول الجرعة والجرعتين، وبعضهم لا يزول ~~بالزق والزقين؛ جعل ضابط التحريم مطلق الخمر قل أو كثر، فاستوى في وجوب ~~الحد به شارب القليل والكثير. # ومنها: أن الإنزال في الوطء لما كان يختلف باختلاف حال الواطئ والموطوء ~~سرعة وبطأ؛ حتى إن من اشتدت غلمته ربما أنزل قبل أن يولج، ومن ضعفت همته ~~لمرض، أو تقدم وطء، أو ضعف جبلة، ربما أولج ولم ينزل؛ جعل الشرع التقاء ~~الختانين ضابطا لأحكام الإنزال من وجوب الغسل، وحد، وبطلان عبادة، وتحليل ~~زوجة، وخروج من فئة، وغير ذلك، كل هذا لأن هذه الأوصاف مظان هذه الحكم، ~~فترتب عليها الأحكام، والله تعالى أعلم. # قوله: «وفي اندفاع النقض بالاحتراز عنه بذكر وصف في العلة لا يؤثر في ~~الحكم، ولا يعدم في الأصل لعدمه - نحو قولهم في الاستجمار: حكم يتعلق ~~بالأحجار، يستوي فيه الثيب والأبكار، فاشترط فيه العدد كرمي الجمار، خلاف ~~الظاهر: لا، لأن الطردي لا يؤثر مفردا، فكذا مع غيره، كالفاسق في # PageV03P514 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الشهادة» . # هذه الجملة مركبة من مبتدأ وخبر، فالمبتدأ قوله: «خلاف» ، والخبر قوله: ~~«وفي اندفاع النقض» ، إلى آخره، وهو مقدم كقولهم: في المسألة خلاف، وفي ~~الدار رجل، ومن المؤمنين رجال. # ومعنى هذه الجملة؛ أن المعلل إذا احترز عن النقض بذكر وصف في العلة غير ~~مؤثر في الحكم وجودا وعدما، بحيث لا يتوقف وجوده على وجوده، ولا يعدم ~~بعدمه، فهل يندفع النقض عن علته بذلك؟ فيه خلاف. # ومثاله ما ms1035 ذكرناه، فإن قولنا: «الاستجمار حكم يتعلق بالأحجار» وصف شبهي ~~صحيح. وقولهم: «يستوي فيه الثيب والأبكار» ؛ لا تأثير له في اشتراط العدد ~~ولا عدمه، وإنما أتي به دفعا لنقض القياس المذكور بحد الرجم، فإنه حكم ~~يتعلق بالأحجار، فلو اقتصر على هذا الوصف في الاستجمار، لورد عليه حد ~~الرجم، لأنه حكم تعلق بالأحجار، ولم يشترط فيه العدد، فلما قيل: يستوي فيه ~~الثيب والأبكار، خرج حد الرجم، وزال النقض به، لأنه وإن كان حكما يتعلق ~~بالأحجار، لكنه فارق الاستجمار بأنه يختلف فيه الثيب والأبكار، فالثيب إذا ~~زنى يرجم، والبكر لا يرجم، بل يجلد ويغرب، بخلاف الاستجمار؛ فإنه يستوي فيه ~~الثيب والبكر، لأنه إزالة نجاسة، وهما مخاطبان بها. # فمن قال: يندفع النقض عن العلة بذلك، قال: لأن العلة يشترط اطرادها، فإذا ~~لم يكن الوصف المؤثر في الحكم مطردا، ضممنا إليه وصفا غير مؤثر ليتحقق ~~اطرادها، وتكون فائدة المؤثر العلية، وفائدة غير المؤثر دفع النقض. # PageV03P515 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ومن قال: لا يندفع النقض بذلك - ~~وهو الصحيح - قال: إن الوصف الطردي غير المؤثر ولا المناسب لا يعتبر إذا ~~كان مفردا، فكذلك لا يعتبر مع غيره من الأوصاف المعتبرة، «كالفاسق في ~~الشهادة» لا تقبل شهادته وحده فيما تقبل فيه شهادة الواحد؛ كذلك لا تقبل ~~شهادته مع غيره فيما يعتبر فيه شهادة أكثر من واحد. # وبالجملة؛ فكل ما لا يعتبر مفردا، لا يعتبر مع غيره إلا لدليل يدل على أن ~~تركيبه مع غيره أوجب له حكم الاعتبار، كالماء النجس إذا أضيف إلى ماء طهور ~~كثير، أزال حكم نجاسته ونحو ذلك. # وحاصل الجملة المذكورة أن النقض هل يندفع بذكر وصف طردي في العلة؟ فيه ~~خلاف، الأصح لا، لأن الطردي لا يصلح للاستقلال في العلة المفردة، فلا يصلح ~~للإعانة في العلة المركبة. # قوله: «ويندفع بالاحتراز عنه بذكر شرط في الحكم عند أبي الخطاب» ، إلى ~~آخره. أي: إذا احترز عن نقض العلة بذكر شرط في الحكم بأن قيده بشرط أو وصف؛ ~~هل يندفع النقض بذلك أم لا؟ فيه خلاف بين أبي الخطاب وغيره. # مثاله: ms1036 أن يقول المعلل: «حران مكلفان محقونا الدم، فجرى بينهما القصاص في ~~العمد كالمسلمين» ، فمن زعم أن النقض لا يندفع بذلك، قال: لأن العلة هي ~~الأوصاف المذكورة قبل الحكم، فيجب ثبوت الحكم حيث # PageV03P516 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ثبتت، فتقييد الحكم بعد ذلك بشرط ~~أو وصف يدل على فسادها، إذ لو صحت، لما احتاج إلى الاحتراز بتقييد الحكم. # مثاله ههنا: أن العلة تقتضي أنه حيث وجد حران مكلفان محقونا الدم أن يجري ~~بينهما القصاص حتى في قتل الخطأ وشبه العمد، لكن ذلك باطل بإجماع، فلما ~~انتقضت العلة بذلك، كان احترازه في الحكم بذكر العمد لاحقا لها بعد فسادها، ~~فلم يؤثر في تصحيحها، كما إذا ولغ كلب في قلتي ماء إلا رطلين، ثم وضع فيه ~~رطل ماء لم يكن مؤثرا في زوال نجاسته بالولوغ السابق. # ومن زعم اندفاع النقض بذلك قال: الشرط الذي قيد به الحكم هو «أحد أوصاف ~~العلة حكما، وإن تأخر» في اللفظ حتى كأنه قال في هذا المثال: حران مكلفان ~~محقونا الدم قتل أحدهما الآخر عمدا، فجرى بينهما القصاص كالمسلمين، وإذا ~~كان التقدير في المعنى هذا المثال وجب اعتباره، لأن العبرة بحق الأصل إنما ~~هي بالأحكام لا بالألفاظ. وهذا أصح، وهو قول أبي الخطاب. # وقد حصل الجواب بما ذكرناه عما احتج به الخصم إلا عن مسألة القلتين التي ~~استشهدوا بها، فالجواب عنها بالفرق بينها وبين مسألة النزاع. # وتقريره: أن الماء لا ارتباط بين أجزائه المنفصل بعضها عن بعض، فإذا حصل ~~فيما دون القلتين منه نجاسة، استقر له حكم التنجيس، فلحوق تكملة # PageV03P517 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # القلتين له لا يرفع عنه التنجيس ~~المستقر بخلاف مسألتنا، فإن أجزاء الجملة الواحدة يرتبط بعضها ببعض، فلا ~~يستقر لبعضها حكم حتى تكمل، فلهذا قلنا: إن النقض لم يستقر لأوصاف العلة ~~المذكورة بل لا يلحقها أصلا قبل ورود الوصف الذي قيد به الحكم، فكان وروده ~~مانعا لورود النقض، لا رافعا له بعد استقراره بخلاف الماء، فظهر الفرق، ~~وصار ذلك كسائر التوابع اللفظية، كخبر المبتدأ ونحوه، والحال والتمييز، ~~والاستثناء، لا يستقر حكم الجملة بدونها، حتى ms1037 لو قال: له علي عشرة دراهم، ~~وعشرون دينارا، وثلاثون قنطارا دينا إلا واحدا من كل عدد من ذلك؛ لصح هذا ~~الاستثناء، ولم يستقر حكم المستثنى منه حتى يتم الاستثناء، وكذلك في كل ~~صورة من ذلك وغيره مما أشبهه، والله تعالى أعلم. # PageV03P518 # الثامن ### | : القلب، # وهو تعليق نقيض حكم المستدل على علته بعينها، ثم المعترض تارة يصحح ~~مذهبه، كقول الحنفي: الاعتكاف لبث محض، فلا يكون بمجرده قربة كالوقوف ~~بعرفة، فيقول المعترض: لبث محض، فلا يعتبر الصوم في كونه قربة، كالوقوف ~~بعرفة، وتارة يبطل مذهب خصمه، كقول الحنفي: الرأس ممسوح، فلا يجب استيعابه ~~بالمسح كالخف؛ فيقول المعترض: ممسوح، فلا يقدر بالربع كالخف، وكقوله: بيع ~~الغائب عقد معاوضة، فينعقد مع جهل المعوض كالنكاح، فيقول خصمه: فلا يعتبر ~~فيه خيار الرؤية كالنكاح، فيبطل مذهب المستدل لعدم أولوية أحد الحكمين ~~بتعليقه على العلة المذكورة، والقلب معارضة خاصة فجوابه جوابها إلا بمنع ~~وصف الحكم، لأنه التزمه في استدلاله فكيف يمنعه. # السؤال «الثامن: القلب، وهو تعليق ~~نقيض حكم المستدل على علته بعينها» . # معنى القلب: أن المعترض يقلب دليل المستدل، ويبين أنه يدل عليه لا له، أو ~~يدل عليه وله من وجهين؛ وقد ذكرت أمثلته بعد، وسيأتي له تفصيل إن شاء الله ~~تعالى. # قوله: «ثم المعترض تارة يصحح مذهبه» إلى آخره. # أي أن المعترض تارة يكون مقصوده بقلب الدليل تصحيح مذهب نفسه، وإبطال ~~مذهب المستدل، وتارة يتعرض فيه لبطلان مذهب خصمه دون تصحيح مذهب نفسه. # PageV03P519 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مثال الأول، وهو ما إذا قصد تصحيح ~~مذهب نفسه وإبطال مذهب المستدل: ما إذا قال الحنفي في اشتراط الصوم ~~للاعتكاف، لأنه «لبث محض، فلا يكون بمجرده قربة، كالوقوف بعرفة» فإن الوقوف ~~بعرفة لا يكون بمجرده قربة، بل لا بد أن يقترن به الإحرام والنية، فكذلك ~~الاعتكاف لا يكون بمجرده قربة حتى يقترن به غيره من العبادات، وذلك هو ~~الصوم بالإجماع، إذ لم يشترط أحد مقارنة غير الصوم للاعتكاف، فهذا مبني على ~~مقدمتين: # إحداهما: لا بد أن يقترن بالاعتكاف غيره. # الثانية: أن ذلك الغير هو ms1038 الصوم، ومدرك الأولى هذا القياس، ومدرك الثانية ~~الإجماع المذكور، «فيقول المعترض» الشافعي أو الحنبلي في قلب الدليل ~~المذكور: الاعتكاف «لبث محض، فلا يعتبر الصوم في كونه قربة» ، أي: لا يشترط ~~له، «كالوقوف بعرفة» ، فإن الوقوف بعرفة لا يشترط لصحته الصوم، فكذلك لا ~~يشترط للاعتكاف عملا بالوصف المذكور، وهو كون الوقوف والاعتكاف لبثا محضا، ~~وإذا تبين أن وصف المستدل يناسب دعواه وعدمها، لم يكن بإثبات أحد الأمرين ~~أولى من إثبات الآخر، فيسقط الاستدلال به، لأنه حينئذ يصير ترجيحا من غير ~~مرجح، فههنا المعترض قصد بقلب الدليل تصحيح مذهبه، وهو عدم اشتراط الصوم ~~للاعتكاف وإبطال مذهب خصمه. # ومثال الثاني، وهو ما إذا قصد إبطال مذهب خصمه من غير تعرض # PageV03P520 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لتصحيح مذهب نفسه: قول الحنفي في ~~عدم وجوب استيعاب الرأس بالمسح: «ممسوح فلا يجب استيعابه بالمسح كالخف، ~~فيقول المعترض» : هذا ينقلب عليك بأن يقال: «ممسوح فلا يقدر بالربع كالخف» ~~، فإن أحمد ومالكا - رضي الله عنهما - يوجبان استيعاب الرأس بالمسح. وقد ~~أبطله الحنفي في قياسه، فتعرض الخصم لذلك بإبطال مذهب المستدل بقوله: فلا ~~يتقيد بالربع، لأن أبا حنيفة يقتصر على مسح ربع الرأس، ولا يلزم من ذلك صحة ~~مذهب المعترض لجواز أن يكون الصواب في مذهب الشافعي وهو إجزاء ما يسمى مسحا ~~ولو على شعرة أو ثلاث شعرات. # ثم اعلم أن القالب إذ قصد بطلان مذهب المستدل، فتارة يبطله بطريق التصريح ~~كما قيل في مسح الرأس، وتارة يبطله بطريق الالتزام، وذلك كالمثال المذكور ~~بعد في «المختصر» ، وهو ما إذا قال الحنفي في «بيع الغائب: عقد معاوضة، ~~فينعقد مع جهل» العوض، أو مع الجهل بالمعوض «كالنكاح» ، فإنه يصح مع جهل ~~الزوج بصورة الزوجة، وكونه لم يرها، فكذلك في البيع بجامع كونهما عقد ~~معاوضة، فيقول الخصم: هذا الدليل ينقلب بأن يقال: عقد معاوضة، فلا يعتبر ~~فيه خيار الرؤية كالنكاح، فإن الزوج إذا رأى الزوجة لم تعجبه لم يجز له فسخ ~~النكاح، فكذلك المشتري لا يكون له خيار إذا رأى المبيع في بيع الغائب ~~بمقتضى الجامع المذكور، ms1039 والخصم لم يصرح ههنا ببطلان مذهب المستدل، لكنه دل ~~على بطلانه # PageV03P521 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ببطلان لازمه عند الخصم وهو خيار ~~الرؤية، فإن أبا حنيفة يجيز بيع الغائب بشرط ثبوت الخيار للمشتري إذا رآه، ~~وإذا بطل هذا الشرط بموجب قياسه على النكاح، بطل مشروطه وهو صحة البيع، فهو ~~إبطال له بالملازمة لا بالتصريح. # قوله: «فيبطل مذهب المستدل لعدم أولوية أحد الحكمين بتعليقه على العلة ~~المذكورة» . # أي: إذا توجه سؤال القلب على المستدل، بطل مذهبه، إذ ليس تعليقه على ~~العلة التي ذكرها أولى من تعليق مذهب خصمه عليها، إذ ذلك ترجيح بلا مرجح. ~~وقد أشرنا إلى ذلك قبل. # قوله: «والقلب معارضة خاصة، فجوابه جوابها إلا بمنع وصف الحكم، لأنه ~~التزمه في استدلاله، فكيف يمنعه» ؟ # يعني أن قلب الدليل على ما بيناه هو نوع من المعارضة، فهو معارضة خاصة، ~~لأن النوع أخص من جنسه، وإنما قلنا: إنه معارضة خاصة، لأن المعارضة هي ~~إبداء معنى في الأصل أو الفرع، أو دليل مستقل يقتضي خلاف ما ادعاه المستدل ~~من الحكم، وهذا الوصف كذلك، لأنه إبداء مناسبة وصف المستدل بخلاف حكمه، ~~فحقيقة المعارضة موجودة فيه، لكنه نوع خاص منها، واختص عليها بخصائص: # منها: أنه لا يحتاج إلى أصل. # ومنها: أنه لا يحتاج إلى إثبات الوصف، فكل قلب معارضة وليس كل # PageV03P522 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # معارضة قلبا. وإذا ثبت أنه معارضة، ~~فجوابه جواب المعارضة على ما ذكر فيها بعد، مثل أن يقول في مسألة مسح ~~الرأس: لا نسلم أن الخف لا يتقدر بالربع، فيمنع حكم الأصل في قلب المعترض، ~~إلا منع الوصف، فإنه يجوز في المعارضة، ولا يجوز في القلب، مثل أن يقول: لا ~~نسلم أن الاعتكاف والوقوف لبث محض، أو لا نسلم أن مسح الرأس والخف مسح، أو ~~لا نسلم أن البيع أو النكاح عقد معاوضة. # والفرق بين المعارضة والقلب في ذلك: أن المستدل في المعارضة لم يعلل بوصف ~~المعترض، ولا التزمه، واعتمد عليه في قياسه، فجاز له منعه بخلاف القلب، فإن ~~المستدل التزم في قياسه صحة ما علل به المعترض وهو اللبث ms1040 والمسح، وعقد ~~المعاوضة، فليس له في جواب القلب منعه، لأنه هدم لما بنى، ورجوع عما التزمه ~~واعترف بصحته، فلا يقبل منه. هذا آخر الكلام على عبارة المختصر في سؤال ~~القلب. # وقد تضمن أن سؤال القلب إما أن يكون مصححا لمذهب المعترض، كما في مثال ~~الاعتكاف، أو مبطلا لمذهب المستدل، إما نصا كما في مثال مسح الرأس، أو ~~التزاما كما في مثال بيع الغائب. # وذكر الآمدي أقسامه على نحو ذلك. وتلخيص ما ذكره فيها: أن قلب الدليل هو ~~أن يبين القالب أن ما ذكره المستدل يدل عليه لا له، أو يدل عليه وله. قال: ~~والأول: قل ما يتفق له مثال في الشرعيات في غير النصوص، أي: لا يتفق له ~~مثال في الأقيسة. # ومثله من النصوص باستدلال الحنفي في توريث الخال بقوله عليه # PageV03P523 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # السلام: الخال وارث من لا وارث له ~~فأثبت إرثه عند عدم الوارث غيره، فيقول المعترض: هذا يدل عليك لا لك، إذ ~~معناه نفي توريث الخال بطريق المبالغة، أي: الخال لا يرث، كما يقال: الجوع ~~زاد من لا زاد له، والصبر حيلة من لا حيلة له، أي: ليس الجوع زادا، ولا ~~الصبر حيلة. # والثاني، وهو ما يدل على المستدل وله: إما أن يتعرض القالب فيه لتصحيح ~~مذهب نفسه كمسألة الاعتكاف، أو لإبطال مذهب المستدل صريحا، كمسألة مسح ~~الرأس، أو التزاما كمسألة بيع الخيار. # قال: ويلحق بهذا الضرب من القلب: قلب التسوية، كما لو قال الحنفي في ~~الخل: مائع طاهر مزيل للعين والأثر، فتحصل به الطهارة كالماء، إذ يلزم من ~~التسوية في الخل بين طهارة الحدث والخبث أنه لا يزيل النجاسة، كما أنه لا ~~يرفع الحدث تسوية بينهما فيه. # قلت: ويمكن تقسيم أنواع القلب باعتبار آخر مستفاد مما قاله الآمدي وغيره ~~في ذلك، وهو: أن القلب إما قلب تسوية كمسألة الخل، أو قلب مخالفة. ثم هو ~~إما أن يصحح مذهب المعترض كمسألة الاعتكاف، أو يبطل مذهب المستدل صريحا، ~~كمسألة مسح الرأس، أو إلزاما، كمسألة بيع الغائب. # PageV03P524 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قال النيلي وغيره: القسم الأول ms1041 من ~~القلب وهو الذي بين فيه أن دليل المستدل يدل عليه لا له هو من قبيل ~~الاعتراضات ولا يتجه في قبوله خلاف. وأما القسم الثاني: وهو ما يدل على ~~المستدل من وجه آخر، كمثال الاعتكاف، ومسح الرأس، وبيع الغائب، فاختلفوا ~~فيه: هل هو اعتراض أو معارضة؟ فزعم قوم أنه من قبيل الاعتراض، لأنه يشير ~~إلى ضعف في العلة، حيث أمكن أن يستدل بها على نقيض الحكم فصار ذلك ضربا من ~~فساد الوضع. وزعم قوم أنه معارضة، لأن المعترض يعارض دلالة المستدل بدلالة ~~أخرى. فحقيقة المعارضة موجودة فيه كما بينا. # وذكر النيلي لهذا الخلاف فوائد، منها: أنه إن قيل: هو معارضة، جازت ~~الزيادة عليه مثل أن يقول في بيع الغائب: عقد معاوضة مقتضاه التأبيد، فلا ~~ينعقد على خيار الرؤية، كالنكاح، وإن قيل: هو اعتراض؛ لم يجز مثل هذه ~~الزيادة. # قلت: الفرق بين هذه المعارضة والاعتراض: أن المعارضة، كدليل مستقل فلا ~~يتقدر بدليل المستدل، بخلاف الاعتراض، فإنه منع للدليل، فلا تجوز الزيادة ~~عليه، إذ يكون كالكذب على المستدل حيث يقوله ما لم يقل. # PageV03P525 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ومنها: أنه إن قيل: إن القلب ~~معارضة؛ جاز قلبه من المستدل كما يعارض المعارضة، مثل أن يقول المستدل في ~~أن بيع الفضولي لا يصح، لأنه تصرف في مال الغير بلا ولاية، ولا نيابة، فلا ~~يصح قياسا على الشراء، فيقول المستدل: أنا أقلب هذا الدليل، فأقول: تصرف في ~~مال الغير بلا ولاية ولا نيابة، فلا يقع لمن أضافه إليه كالشراء فإن الشراء ~~لم يصح لمن أضيف إليه وهو المشتري له، بل يصح للمشتري وهو الفضولي. ومن ~~قال: إنه اعتراض لم يجز ذلك، لأنه منع، والمنع لا يمنع. # ومنها: أنه إن كان معارضة، جاز أن يتأخر عن المعارضة، لأنه كالجزء منها، ~~وإن كان اعتراضا، لم يجز ووجب تقديمه عليها، لأن المنع مقدم على المعارضة. # ومنها: أن من جعله معارضة قبل فيه المرجح، ومن قال: إنه اعتراض، منع ذلك. ~~قال: ومثاله ظاهر في سائر الاعتراضات. # قلت: أصله ما ذكرناه من أن المعارضة ms1042 تقبل الترجيح، كالدليل المبتدأ، ~~والمنع لا يقبل الترجيح، والله تعالى أعلم. # PageV03P526 # التاسع ### | : المعارضة، # وهي إما في الأصل ببيان وجود مقتض للحكم فيه، فلا يتعين ما ذكره المستدل ~~مقتضيا، بل يحتمل ثبوته له، أو لما ذكره المعترض، أو لهما، وهو أظهر ~~الاحتمالات، إذ المألوف من تصرف الشارع مراعاة المصالح كلها، كمن أعطى ~~فقيرا قريبا غلب على الظن إعطاؤه للسببين؛ ويلزم المستدل حذف ما ذكره ~~المعترض بالاحتراز عنه في دليله على الأصح، فإن أهمله، ورد معارضة، ويكفي ~~المعترض في تقريرها بيان تعارض الاحتمالات المذكورة، ولا يكفي المستدل في ~~دفعها إلا بيان استقلال ما ذكره بثبوت الحكم، إما بثبوت علية ما ذكره بنص ~~أو إيماء، ونحوه من الطرق المتقدمة، أو ببيان إلغاء ما ذكره المعترض في جنس ~~الحكم المختلف فيه كإلغاء الذكورية في جنس أحكام العتق، أو بأن مثل الحكم ~~ثبت بدون ما ذكره، فيدل على استقلال علة المستدل. # السؤال «التاسع: المعارضة» . # اعلم أن المعارضة مفاعلة من: عرض له يعرض: إذا وقف بين يديه، أو عارضه في ~~طريقه ليمنعه النفوذ فيه، فكأن المعترض يقف بين يدي المستدل، أو يوقف حجته ~~بين يدي دليله، ليمنعه من النفوذ في إثبات الدعوى. # قوله: «وهي إما في الأصل» . يعني أن المعارضة على ضربين: # أحدهما ### | : المعارضة في الأصل. # والثاني: المعارضة في الفرع. # قوله: «ببيان وجود مقتض للحكم فيه، فلا يتعين ما ذكره المستدل مقتضيا» ، ~~إلى آخره. # PageV03P527 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أي ### | : المعارضة في الأصل # معناها أن يبين المعترض في الأصل الذي قاس عليه المستدل مقتضيا آخر للحكم ~~غير ما ذكره، يعني المستدل. وحينئذ لا يتعين ما ذكره المستدل، لأن يكون ~~مقتضيا، أي: علة للحكم، بل يحتمل ثبوت الحكم، أي: أن يكون علة الحكم هو ~~الوصف الذي ذكره المستدل، ويحتمل أن يكون علته الوصف الذي ذكره المعترض، أي ~~الذي بينه في الأصل، ويحتمل أن يكون علية الوصفين جميعا، الذي علل به ~~المستدل، والذي بينه المعترض. # قوله: «وهو» ، أي: هذا الاحتمال الثالث «أظهر الاحتمالات» ، وهو أن يكون ~~علة الحكم الوصفين جميعا، «إذ المألوف» ، أي: ms1043 لأن المألوف، أي: الذي ألفناه ~~من الشرع باستقراء موارد تصرفه ومصادرها «مراعاة المصالح كلها» ، وإذا كان ~~الوصفان جميعا مناسبين، بحيث تتوقع المصلحة عقيبهما كما ذكر في تعريف ~~المناسب، فالظاهر من الشرع تعليق الحكم عليهما تحصيلا لمصلحتهما، إذ ذلك هو ~~المألوف من تصرف العقلاء، والشرع لا يخرج عنه، وذلك «كمن أعطى» قريبا له ~~فقيرا احتمل أنه أعطاه لقرابته، واحتمل أنه أعطاه لفقره، واحتمل أنه أعطاه ~~لفقره وقرابته جميعا جمعا بين الصدقة والصلة. وهذا أظهر الاحتمالات ~~لمناسبتهما جميعا للعطاء، وكون المكلف العاقل لا يخل ببعض المصالح التي ~~تعرض له. وكذلك لو أعطى أقرب قرابته، تعارضت فيه الاحتمالات الثلاثة، أعني ~~هل أعطاه لمطلق القرابة أو لخصوصية الأقربية، أو لمجموع الأمرين؟ وكذلك ~~السلطان يعطي أجند # PageV03P528 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # جنده، وأشجعهم، وأظهرهم أثرا في ~~حماية الملك تتعارض فيه الاحتمالات، هل أعطاه لمطلق الجندية والكفاءة؟ أو ~~لخصوصية في ذلك على غيره؟ أو لمجموع الأمرين؟ وهو أظهر، لما ذكرنا. # وإذا دار الأمر بين الاحتمالات المذكورة، كان التعليل بما ذكره المستدل ~~ترجيحا من غير مرجح، بل تعليلا بالمرجوح، لأن ما ذكره يصح على تقدير واحد ~~من ثلاثة تقادير، ويبطل على تقديرين منها، ووقوع اثنين من ثلاثة أرجح وأظهر ~~من وقوع واحد منها. # ومثال ذلك ما لو علل الحنبلي قتل المرتدة بقوله: بدلت دينها، فتقتل ~~كالرجل، فيقول المعترض: لا يتعين تبديل الدين مقتضيا للقتل، بل هناك معنى ~~آخر في الرجل يقتضيه ليس في المرأة وهو جنايته على المسلمين بتنقيص عددهم، ~~وتكثير عدوهم وتقويته، إذ هو من أهل الحرب والنكاية. وحينئذ جاز أن العلة ~~في قتل الرجل تبديل الدين، أو الجناية على المسلمين، أو الأمران جميعا. ~~وحينئذ لا يتعين التبديل علة للقتل. # وكذلك لو علل الحنبلي صحة أمان العبد بقوله: مسلم مكلف، فصح أمانه كالحر، ~~فعارضه الحنفي بأن يقول: في الحر معنى ليس في العبد يجوز أن يكون مكملا ~~لمصلحة الأمان وهو مناسب لها، وهو أن الحر متفرغ البال للنظر في مصلحة ~~المسلمين، والاحتياط لهم في الأمان أو عدمه، ولا كذلك العبد، فإنه ms1044 في مظنة ~~اشتغال البال لما عليه من قيد الرق، # PageV03P529 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والاهتمام بقضاء وظائفه، فتتقاعد ~~مصلحة أمانه عن مصلحة أمان الحر وبتقدير أن يكون وصف الحرية معتبرا في الحر ~~لا يصح إلحاق العبد به، لعدم استقلال ما فيه من الوصف المناسب بالمصلحة. # قوله: «ويلزم المستدل حذف ما ذكره المعترض بالاحتراز عنه في دليله على ~~الأصح، فإن أهمله، ورد معارضة» . # يعني أن الوصف الذي أبداه المعترض في الأصل؛ هل يلزم المستدل الاحتراز ~~عنه في دليله بحذفه أم لا؟ فيه قولان للجدليين سبق توجيههما في نظير هذه ~~المسألة في سؤال النقض، فإن أهمل المستدل ذلك - أعني الاحتراز - عما ذكره ~~المعترض، «ورد» عليه «معارضة» ، أي: كان للمعترض أن يعارضه به فيرد عليه، ~~أي: على المستدل، ويلزمه جوابه. # مثاله: أن يقول الحنفي في رفع اليد في الركوع: ركن غير الإحرام، فلا يشرع ~~فيه رفع اليد، كالسجود، فإن لم يحترز عن الإحرام وإلا عارضه به الخصم بأن ~~يقول: ركن، فشرع فيه الرفع كالإحرام. # قلت: والأشبه أن هذا الاحتراز لا يلزم، لأن ما يحترز عنه المستدل إن لم ~~يكن واردا في نفس الأمر، لم يكن للاحتراز عنه ضرورة، وإن كان واردا لم ~~ينفعه الاحتراز عنه بالذكر المجرد، إذ للمعترض أن يقول: وما الفرق بين ~~الإحرام وغيره حتى تستثنيه، إذ الإحرام والركوع والسجود أركان، فإذا قست ~~على السجود، قست أنا على الإحرام، وليس أحد القياسين أولى من الآخر، اللهم ~~إلا أن يبين مناسبة احترازه، واطراد علته معه، فيكون احترازا صحيحا. # قوله: «ويكفي المعترض في تقريرها بيان تعارض الاحتمالات المذكورة، # PageV03P530 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ولا يكفي المستدل في دفعها إلا ~~بيان استقلال ما ذكره بثبوت الحكم» . # أي: أن المعترض يكفيه في تقرير المعارضة بيان مطلق تعارض الاحتمالات ~~المذكورة، أعني ثبوت الحكم لما علل به المستدل، أو لما أبداه هو، أو لمجموع ~~الوصفين، سواء كانت الاحتمالات متساوية، أو بعضها راجحا، وبعضها مرجوحا. # وأما المستدل، فلا يكفيه في دفع المعارضة إلا أن يبين أن الوصف الذي علل ~~به مستقل بثبوت الحكم بحيث لا يتوقف ثبوته على ms1045 وصف المعترض ولا غيره. ~~والفرق في ذلك بين المعترض والمستدل: هو أن المستدل مدع لاستقلال ما ذكره ~~بثبوت الحكم، والمعترض منكر لذلك، والمنكر يكفيه مطلق الإنكار، والمدعي لا ~~بد له من بينة وحجة يثبت بمثلها دعواه. # وحجة المستدل ههنا ليس إلا بيان استقلال ما ذكره بالحكم، كاستقلال تبديل ~~الدين بقتل المرتد، واستقلال الإسلام والحرية بصحة الأمان، والمعترض بمجرد ~~بيانه احتمالا آخر يصلح إضافة الحكم إليه علة أو جزء علة قد وفى بما عليه ~~من إنكار دعوى المستدل، فلذلك كفاه بيان تعارض الاحتمالات كيف كان، ولم يكف ~~المستدل «إلا بيان استقلال ما ذكره بثبوت الحكم» . # قوله: «إما بثبوت علية ما ذكره بنص أو إيماء ونحوه من الطرق المتقدمة، أو ~~ببيان إلغاء ما ذكره المعترض في جنس الحكم المختلف فيه، # PageV03P531 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # كإلغاء الذكورية في جنس أحكام ~~العتق، أو بأن مثل الحكم ثبت بدون ما ذكره، فيدل على استقلال علة المستدل» ~~. # هذا بيان الطرق التي يبين بها المستدل استقلال ما علل به الحكم، وبه يحصل ~~جواب المعارضة في الأصل. # وثم طريق آخر لم يذكر في المختصر، ونظم عبارة المختصر تقديرا هكذا: ولا ~~يكفي المستدل في دفع المعارضة إلا بيان استقلال ما ذكره بالحكم، وبيان ~~استقلال ما ذكره بالحكم يحصل بطرق: # أحدها: إثبات علية ما ذكره، أي: إثبات كونه علة بالنص، أو إيماء النص، أو ~~غير ذلك من طرق إثبات العلة المتقدم ذكرها، ثم إثبات العلة، كالإجماع، ~~والاستنباط، كالمناسبة، والسبر، والدوران. # مثال النص: أن يقول في قتل المرتدة: قوله - عليه السلام -: من بدل دينه ~~فاقتلوه ظاهر إن لم يكن نصا في أن تبديل الدين علة للقتل مستقلة به قاعدتها ~~إلى المرتدة، ويحصل المقصود. # مثال الإيماء: أن يقول في المثال المذكور بتقدير أن لا يسلم أنه نص في ~~التعليل بالتبديل: القتل حكم اقترن بوصف مناسب وهو تبديل # PageV03P532 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الدين، فوجب أن يكون هو العلة فيه، ~~كالقطع مع السرقة، والجلد مع الزنى. # وبالجملة: طرق إثبات العلة قد سبقت، فمن عرفها هناك استعملها هنا. # الطريق الثاني: أن يبين أن ms1046 ما أبداه المعترض في الأصل لاغ في جنس الحكم ~~المختلف فيه في نظر الشارع، كالذكورية في العتق؛ مثل أن يقول المستدل في ~~الأمة المعتق بعضها: رقيق أو مملوك، فسرى عتق الموسر فيه قياسا على العبد، ~~فيقول المعترض: في العبد معنى خاص يصلح أن يكون علة السراية أو جزءها وهو ~~الذكورية، فإن العبد إذا سرى العتق فيه، وكملت حريته صلح من الأمور العامة ~~والخاصة لما لا تصلح له الأمة. فيقول المستدل: ما ذكرته وإن كان محتملا ~~للمناسبة إلا أن الذكورية والأنوثية وصف ملغى في باب العتق في نظر الشرع لم ~~نره التفت إليه في موضع منه، فهو كالسواد والبياض والطول والقصر. # وحينئذ يكون وصف الرق والمملوكية هو المستقل بحكم السراية في العبد، وهو ~~متحقق في الأمة. وكذلك لو قال المستدل في النبيذ: مسكر فكان حراما كالخمر، ~~فقال المعترض: في الخمر وصف زائد يصلح علة للتحريم، أو جزء علة، وهو كونه ~~معتصرا من العنب، فيكون تأثيره في فساد العقل أشد، فيختص لذلك بالتحريم ~~بخلاف النبيذ، فيقول المستدل: مجرد الإسكار معنى مناسب للتحريم، وقد أومأ ~~إليه النص حيث قال - عليه السلام -: كل مسكر حرام، ودار التحريم معه وجودا ~~وعدما. فأما كونه من ماء # PageV03P533 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # العنب، فهو وإن دار التحريم معه ~~أيضا إلا أنه اعتبار للمادة، وليس معهودا من الشرع اعتبار المواد مع تأثير ~~الأوصاف، وكذا الكلام في خصوصية المحدد، دار مع القتل في مسألة القصاص. # الطريق الثالث: أن يبين المستدل أن «مثل الحكم» المتنازع فيه «ثبت بدون ~~ما ذكره» المعترض، فيظهر بذلك أن عدم التأثير غير معتبر في الحكم، فيستقل ~~به ما ذكره المستدل. # مثال ذلك في مسألة أمان العبد: إذا قال المستدل: مسلم مكلف فصح أمانه ~~كالحر، فعارضه الخصم في الحر بوصف الحرية كما سبق، يقول المستدل: قد صح ~~أمان العبد المأذون له في القتال مع انتفاء الحرية فيه، فدل على عدم ~~اعتبارها، فيكون ما ذكرته من وصف الإسلام والتكليف مستقلا بالصحة. # PageV03P534 # فإن بين المعترض في أصل ذلك الحكم المدعى ثبوته بدون ~~ما ms1047 ذكره مناسبا آخر، لزم المستدل حذفه، ولا يكفيه إلغاء كل من المناسبين ~~بالأصل الآخر، لجواز ثبوت حكم كل أصل بعلة تخصه، إذ العكس غير لازم في ~~الشرعيات. وإن ادعى المعترض استقلال ما ذكره مناسبا، كفى المستدل في جوابه ~~بيان رجحان ما ذكره هو بدليل، أو تسليم، وأما في الفرع بذكر ما يمتنع معه ~~ثبوت الحكم فيه، إما بالمعارضة بدليل آكد من نص أو إجماع، فيكون ما ذكره ~~المستدل فاسد الاعتبار كما سبق، وإما بإبداء وصف في الفرع مانع للحكم فيه، ~~أو للسببية، فإن منع الحكم، احتاج في إثبات كونه مانعا إلى مثل طريق ~~المستدل في إثبات حكمه من العلة والأصل؛ وإلى مثل علته في القوة، وإن منع ~~السببية، فإن بقي احتمال الحكمة معه ولو على بعد لم يضر المستدل، لإلفنا من ~~الشرع اكتفاءه بالمظنة ومجرد احتمال الحكمة، فيحتاج المعترض إلى أصل يشهد ~~لما ذكره بالاعتبار، وإن لم يبق، لم يحتج إلى أصل؛ إذ ثبوت الحكم تابع ~~للحكمة، وقد علم انتفاؤها، وفي المعارضة في الفرع ينقلب المعترض مستدلا على ~~إثبات المعارضة والمستدل معترضا عليها بما أمكن من الأسئلة. # قوله: «فإن بين المعترض في أصل ذلك ~~الحكم المدعى ثبوته بدون ما ذكره مناسبا آخر لزم المستدل حذفه» . # قلت: هذا من توابع هذا الجواب الأخير، ومعناه أن المعترض إذا بين في أصل ~~قياس المستدل وصفا زائدا على الفرع يصح تعليق الحكم عليه، فألغاه # PageV03P535 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المستدل ببيان ثبوت الحكم في أصل ~~آخر بدون ذلك الوصف الذي أبداه المعترض، فبين المعترض أن في هذا الوصف ~~الثاني وصفا آخر مناسبا يصح تعليق الحكم به، لزم المستدل إبطال هذا الوصف ~~بحذفه، أو منعه، أو غير ذلك من وجوه الإبطال، لأنه إن لم يبطله كان الكلام ~~فيه كالكلام في الأصل الأول من حيث إنه ما ذكره المستدل للتعليل، وتمثيله ~~بمسألة الأمان أيضا إذا قال المستدل: مسلم مكلف، فصح أمانه كالحر، فعارضه ~~الخصم بوصف الحرية، فألغاه المستدل بالمأذون له في القتال حيث صح أمانه ~~بدون الحرية، فقد صار المأذون له ms1048 كأصل بأن قاس عليه المستدل، فإذا بين ~~المعترض أن في المأذون له في القتال وصفا آخر مناسبا لصحة الأمان، مفقودا ~~في غير المأذون له، وذلك المناسب هو الإذن. # ووجه مناسبته أن السيد أقامه مقامه في القتال والنظر في مصالح الحرب، ~~وذلك يدل على أنه علم منه الكفاية في ذلك ورصانة الرأي، وإلا كان السيد ~~فاسقا بتفويض مصلحة المسلمين العامة إلى من ليس أهلا لها، والفسق خلاف ظاهر ~~حال المسلم. # وحينئذ يكون الإذن دليلا على صلاحية هذا المأذون له لإعطاء الأمان، ~~فالحرية وإن انتفت حقيقتها، فقد خلفها صفة تحصل مقصودها، وتدل عليها، ~~فحينئذ يلزم المستدل إبطال هذا المناسب، وإلا كان معارضا بوصف الإذن كما ~~عورض بوصف الحرية. وسبيله في إلغائه أن يبين مثلا صحة الأمان من العبد في ~~صورة بدون الإذن، وللمعترض إبداء وصف مناسب في تلك # PageV03P536 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الصورة، وعلى المستدل إلغاؤه، وهلم ~~جرا في إبداء المناسب من المعترض وإلغائه من المستدل حتى ينقطع الإلغاء من ~~المستدل، أو إبداء الوصف من المعترض. # قلت: حاصل ما ذكر من إلغاء المستدل: وصف المعترض في الأصل يرجع إلى أن ~~المستدل قاس محل النزاع على أصل، كقياس أمان العبد على أمان الحر، ثم على ~~أمان المأذون له، وذلك انتقال في الحقيقة إلا أنه لما لم يكن بطريق الإعراض ~~عن الأصل الأول بطريق التصحيح له بدفع ما يبطل تعلقه به لم يضره ولم يكن ~~منتقلا. # أما المعترض، فإنه لما ادعى أن وصف الحرية في أمان الحر مؤثر، ووصف الإذن ~~في أمان المأذون له أيضا مؤثر، فقد اعترف بأن ما أبداه أولا من وصف الحرية ~~مع الإسلام والتكليف ليس متعينا للعلية، بل هو وصف الإذن. وغيره من الأوصاف ~~التي يعارض بها المستدل في صورة الإلغاء على طريق البدل. أعني أن الوصف ~~المضموم إلى الإسلام والتكليف ليس هو الحرية عينا، بل هو الحرية أو الإذن ~~في القتال أو غيرهما كالتدبير والاستيلاد والكتابة إن قال بصحة الأمان معها ~~فينبغي أن يكون منقطعا بإبداء المناسب في محل الإلغاء. # فلو قال المستدل ms1049 للمعترض: أنت عللت صحة أمان الحر بوصف الحرية لكمال نظر ~~الحر بتفرغه، فتكمل مصلحة أمانه، ثم جعلت الإذن في صورة المأذون له خلفا عن ~~الحرية وهو لا يساويها في المصلحة لتحقق الرق في المأذون على كل حال، ~~فيتحقق شغل الخاطر، وعدم فراغ البال، فليس لك أن تعارضني به في صورة ~~المأذون له عن الحرية - لكان هذا كلاما # PageV03P537 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # صحيحا، لأنه علل بوصف ولم يظهره ~~بكماله. # قوله: «ولا يكفيه إلغاء كل من المناسبين بالأصل الآخر لجواز ثبوت حكم كل ~~أصل بعلة تخصه، إذ العكس غير لازم في الشرعيات» . # اعلم أن بعض الجدليين زعم أن المعترض إذا أبدى في صورة الإلغاء مناسبا ~~آخر غير ما عرض به في أصل القياس، كفى في جوابه «إلغاء كل من المناسبين» ~~اللذين أبداهما المعترض «بالأصل الآخر» . مثل أن يلغي الحرية في مسألة ~~الأمان بمسألة المأذون، حيث اكتفى المعترض فيه بالإذن، ولم يعتبر حقيقة ~~الحرية. ويلغي الإذن بأمان الحر حيث صح ولم يتصور فيه وجود الإذن، وإذا ~~ألغى كل واحد من المناسبين، سقطت المعارضة من الأصلين وبقي قياس المستدل ~~سالما عن معارض، فتبين ههنا أن هذا الجواب لا يصح بناء على جواز تعدد العلل ~~في الأصول، فيثبت حكم كل أصل بعلة غير علة الأصل الآخر، كأمان الحر بعلة ~~الحرية، وأمان المأذون بعلة الإذن، لأن «العكس» - يعني عكس العلة الشرعية - ~~«غير لازم» كما سبق، فلا يجب انتفاء الحكم في أحد الأصلين، لانتفاء علته في ~~الأصل الآخر. مثلا لا يلزم انتفاء صحة الأمان من المأذون لانتفاء الحرية، ~~ولا انتفاء صحة أمان الحر لعدم تصور الإذن، بل جاز أن تثبت الصحة في كل ~~منهما بالمعنى المناسب فيه. وإذا جاز ذلك لم يكن لإلغاء كل من المناسبين ~~بالآخر وجه. # قوله: «وإن ادعى المعترض استقلال ما ذكره مناسبا كفى المستدل في جوابه ~~بيان رجحان ما ذكره هو بدليل أو تسليم» . # PageV03P538 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يعني: أن المعترض إذا عارض المستدل ~~بوصف في الأصل، فإن لم يدع استقلاله بالحكم، بل بانضمامه إلى ما ذكره ~~المستدل، كالحرية مع الإسلام ms1050 والتكليف في مسألة الأمان؛ فقد مر الكلام ~~عليه. وإن ادعى استقلاله بالحكم كوصف الرجولية في المرتد، والطعم مع الكيل ~~في الربا؛ «كفى المستدل» في جواب المعترض «بيان رجحان ما ذكره» أعني ~~المستدل «بدليل» يدل على رجحانه أو بتسليم من المعترض، ولا يلزمه بيان عدم ~~مناسبة ما ذكره المعترض، لأن المقصود بيان رجحان ما ذكره هو وأولويته، وذلك ~~مثل أن يبين أن تعليل قتل المرتد بتبديل الدين أرجح من تعليله بوصف ~~الرجولية، وأن تعليل تحريم التفاضل بالكيل أو الطعم مثلا، أرجح من تعليله ~~بغيره. وبيان ذلك بطرقه سهل يسير. # قوله: «وأما في الفرع» . هذا أحد قسمي المعارضة، وهي إما في الأصل، وإما ~~في الفرع. # قوله: «بذكر ما يمتنع معه ثبوت الحكم فيه، إما بالمعارضة بدليل آكد من نص ~~أو إجماع، فيكون ما ذكره المستدل فاسد الاعتبار كما سبق» . # أي ### | : المعارضة في الفرع # تكون بأمرين: # أحدهما: ذكر دليل آكد من قياس المستدل من نص أو إجماع يدل على خلاف ما دل ~~عليه قياسه، فيتبين أن ما ذكره المستدل فاسد الاعتبار لمخالفته النص أو ~~الإجماع. وهذا هو فساد الاعتبار، كما سبق في موضعه. # مثال ذلك: لو قال الحنفي في رفع اليدين في الركوع والرفع منه: ركن من # PageV03P539 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أركان الصلاة، فلا يشرع فيه رفع ~~اليدين كالسجود، فيقول له الخصم: هذا خلاف الحديث الصحيح من رواية ابن عمر ~~- رضي الله عنهما - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يرفع يديه في ~~ثلاثة مواطن: عند الإحرام، والركوع، والرفع منه» ، فيكون قياسك فاسد ~~الاعتبار لمخالفة النص. أو يقول: نقل عن ابن عمر - رضي الله عنهما - في ~~جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - أنهم كانوا يرفعون أيديهم ولم ينكره ~~منكر، فيكون إجماعا سكوتيا، وقياسك على خلافه، فيكون فاسد الاعتبار. # قوله: «وإما بإبداء وصف في الفرع مانع للحكم فيه أو للسببية» . # هذا هو الأمر الثاني الذي تكون به المعارضة، وهو أن يبدي المعترض في فرع ~~قياس المستدل وصفا يمنع ثبوت الحكم فيه، أو يمنع سببية وصف المستدل، أي: ~~يمنع ms1051 كون وصفه سببا لثبوت الحكم. # وحاصل هذا يرجع إلى أن المعترض يبين ما يمنع علة المستدل، أو ثبوت الحكم ~~وفرعه. # مثال منع الحكم: أن يقول المستدل في المثال المذكور: ركن، فلا يشرع فيه ~~رفع اليد كالسجود، فيقول المعترض: ركن، فيشرع فيه رفع اليد كالإحرام، فقد ~~منع الحكم وهو عدم مشروعية رفع اليدين، وقاسه على أصل آخر، وهو حقيقة ~~القلب، وهو نوع معارضة كما ذكر في موضعه. # PageV03P540 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ومثال منع السببية: أن يقول ~~الحنبلي في المرتدة: بدلت دينها، فتقتل كالرجل، فيقول الحنفي: أنثى، فلا ~~تقتل بكفرها، كالكافرة الأصلية، فبين أن تبديل الدين ليس سببا لقتل المرأة. # وكذلك لو قال في قيمة العبد المتلف: مال مملوك لمعصوم، فيضمن بكمال ~~قيمته، وإن زاد على الألف كالبهيمة، فيقول المعترض: إنسان معصوم، فلا يزيد ~~بدله على الألف كالحر، فبين أنه ليس العلة في ضمانه كونه مالا بل كونه ~~إنسانا معصوما، وهو راجع إلى قياس الشبه المتردد بين أصلين. # واعلم أن منع السببية أعم من منع الحكم، لأن منع سببية وصف المستدل قد ~~يلزمه منع الحكم بأن لا يكون صالحا لإثباته إلا هو، ولا وصف المعترض الذي ~~يبديه، وقد لا يلزمه منع الحكم بأن يكون وصف المعترض صالحا لإثباته خالف ~~الوصف المستدل في ذلك. # قوله: «فإن منع الحكم، احتاج في إثبات كونه مانعا إلى مثل طريق المستدل ~~في إثبات حكمه» في علته وأصله وقوة علته، كما ذكرناه في مثال رفع اليدين ~~حيث قال المستدل: ركن فلا يرفع فيه اليدين كالسجود، فالسجود الذي هو الأصل ~~ركن، والعلة وصف شبهي، وهو كون الركوع ركنا كالسجود، فقال المعترض: ركن ~~فيرفع فيه اليدين كالإحرام، فالإحرام الذي هو الأصل ركن، والعلة أيضا وصف ~~شبهي، وذلك لأن المعارض يجب أن يكون مقاوما للمعارض - بفتح الراء - ولا ~~يقاومه إلا إذا ساواه في # PageV03P541 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أوصافه الخاصة. # قوله: «وإن منع السببية، فإن بقي احتمال الحكمة معه ولو على بعد لم يضر ~~المستدل لإلفنا من الشرع اكتفاءه بالمظنة ومجرد احتمال الحكمة، فيحتاج ~~المعترض إلى أصل يشهد لما ذكره ms1052 بالاعتبار، وإن لم يبق، لم يحتج إلى أصل، إذ ~~ثبوت الحكم تابع للحكمة وقد علم انتفاؤها» . # يعني أن الوصف الذي أبداه المعترض إما أن يمنع الحكم في الفرع، وقد سبق ~~بيانه، أو يمنع سببية الوصف الذي علل به المستدل. وحينئذ إما أن يبقى ~~احتمال حكمة وصف المستدل مع ما أبداه المعترض أو لا يبقى، «فإن بقي احتمال ~~الحكمة» «ولو على بعد» ، أي: ولو كان احتمالا بعيدا، لم يضر ذلك المستدل، ~~لأن احتمال حكمة وصفه باق، والوصف مظنة له، وقد ألفنا من الشارع أنه يكتفي ~~في ثبوت الحكم بوجود مظنته، ومجرد وجود احتمال حكمته، وهذا حاصل، وحينئذ ~~يحتاج المعترض إلى أصل يشهد للوصف الذي أبداه بالاعتبار حتى يقوى على إبطال ~~وصف المستدل. # ومثال ذلك من المحسوس: شخص جاء يكابر شخصا على أن يخرجه من داره، فخرج ~~بنفسه، وبقي عياله ورحله فيها، فيحتاج المكابر له إلى قطع علائقه عنها ~~بالكلية حتى يتمكن هو منها. أو إنسان نازع شخصا راكبا بهيمة على أخذها منه، ~~فأنزله عنها، وبقي خرجه عليها، أو مقودها في يده، فيحتاج المنازع إلى إلقاء ~~خرجه عنها، أو فك مقودها من يده حتى يستويا بالنسبة # PageV03P542 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # إليها، وإلا فما دام لراكبها بها ~~علقة كان أحق بها، فكذلك الكلام في وصف المستدل إذا عورض، وبقيت حكمته، كان ~~أولى بالاعتبار حتى يأتي المعترض بما يدل على اعتبار وصفه، فيستويان حينئذ ~~في الاعتبار أو السقوط. # ومثاله من الأحكام أن يقول الحنبلي في النبيذ: مسكر فكان حراما كالخمر، ~~فيقول الحنفي: غير مقطوع بتحريمه أو: غير مجمع على تحريمه، فلا يحرم كالخل ~~واللبن، فيقال له: الحكمة في الإسكار باقية على ما لا يخفى، والمسكر مظنة ~~لها، وذلك كاف في ثبوت التحريم عملا بوجود المظنة حتى تأتي أنت أيها ~~المعترض بشاهد على اعتبار وصفك وهو أن ما ليس مقطوعا بتحريمه، أو مجمعا على ~~تحريمه لا يكون حراما. وإن لم تبق حكمة وصف المستدل مع ما أبداه المعترض، ~~لم يحتج - يعني المعترض - إلى أصل يشهد لما ذكره بالاعتبار، لأن ms1053 ثبوت الحكم ~~تابع لبقاء الحكمة، لأنها المقصود به، وهو وسيلة إليها، وقد علم انتفاؤها، ~~ومع انتفاء المقصود لا فائدة في بقاء الوسيلة. # ومثال ذلك: مسألة ضمان العبد ونظائرها من قياس الشبه، فإن الأشباه قد ~~تتعادل، فلا تبقى حكمة شبه المستدل، كما إذا قال: مال لمعصوم، فيضمن بكمال ~~قيمته كالبهيمة، فالحكمة فيه ظاهرة، وهو تحصيل العدل بجبر ما فات من مال ~~المالك بقيمة الفائت، فإذا قال المعترض: إنسان معصوم، فلا يزيد بدله على ~~الألف كالحر؛ كانت هذه حكمة مقاومة، أو مقاربة للأولى # PageV03P543 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # من جهة أن الشرع قدر بدل الإنسان ~~المعصوم ألفا، فالزائد عليه افتئات عليه، فطعن في حكمته، وهذا إنسان معصوم، ~~فلا يحتاج المعترض ههنا إلى أصل يشهد لما ذكره بالاعتبار لمقاومته وصف ~~المستدل بنفسه، لكن على المستدل أن يرجح وصفه على وصف المعترض بأن يقول: ما ~~ذكرته متجه، لكن ما ذكرته أنا أرجح، لأن العبد في باب الضمان والإتلاف أشبه ~~بالبهيمة منه بالحر، لأن شبه المالية فيه أمكن من شبه الحرية لثبوت أحكام ~~الأموال فيه من ورود عقود المعاوضات ونحوها عليه، وأحكام الأحرار لا يتثبت ~~فيه شيء منها إلا قليل لا معول عليه، فكان بالمال أشبه، فألحق به في الضمان ~~بقيمته بالغة ما بلغت. # قوله: «وفي المعارضة في الفرع ينقلب المعترض مستدلا على إثبات المعارضة، ~~والمستدل معترضا عليها بما أمكن من الأسئلة» . # قلت: وذلك لأن المعارضة هي المقابلة على جهة، والممانعان كل واحد منهما ~~مانع لمقصود خصمه، مثبت لمقصوده هو، فإذا للمعارضة جهتان: # إحداهما: جهة منع مقصود المستدل فيحتاج المعترض فيها إلى تقدير ذلك المنع ~~بالدليل، مثل أن يستدل الحنبلي على عدم كراهة سؤر الهرة: بأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يصغي لها الإناء، فتشرب. فيقول الحنفي: ما ذكرت من # PageV03P544 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الدليل وإن دل؛ غير أن عندي مانعا ~~يعارضه، ويدل على كراهة سؤر الهرة، وهو قوله - عليه السلام -: الهرة سبع، ~~فعملت بحديث الإصغاء في الطهارة، وبهذا الحديث في الكراهة جمعا بين ~~الحديثين في العمل، فهو أولى من إلغاء أحدهما. # الجهة ms1054 الثانية للمعارضة: إثبات مطلوب المعترض كما ذكر من إثبات كراهية ~~سؤر الهرة، فهو من الجهة الأولى مانع، ومن هذه الجهة مستدل، فبالضرورة ~~يحتاج المستدل إلى أن ينقلب معترضا على استدلال المعترض، ليسلم له دليله، ~~فيعترض عليه بما أمكن من الأسئلة الواردة على النص، أو القياس مما سبق، ~~فيقول ههنا: لا نسلم صحة الحديث المذكور. سلمناه؛ لكن السبعية فيه ليست ~~حقيقة، بل مجازا شبهيا صوريا، كما يقال للطويل: # PageV03P545 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # نخلة، لاشتباههما في الطول، ~~وللمعتدل وللقد: رمح لاشتباههما في الاعتدال والاهتزاز. سلمناه؛ لكن حديثنا ~~أصح وأثبت، فيرجح، والمرجوح مع الراجح عدم في الحكم، وأشباه ذلك من الأسئلة ~~على النص. # وإن كانت المعارضة قياسا؛ اعترض المستدل عليه بأسئلة القياس المذكورة ~~للاستفسار وفساد الوضع والاعتبار والمنع ونحوه من الأسئلة على ما شرح فيها. # وأصل ذلك: أن المعارضة بالنسبة إلى المستدل كالدليل الابتدائي بالنسبة ~~إلى المعترض، وكل واحد منهما يصير مستدلا معترضا من جهتين، كما أن ~~المختلفين في قدر الثمن ونحوه، كل واحد منهما مدع منكر من جهتين. # وقد زعم قوم أن المعارضة لا تقبل، لأنها بناء من المعترض، إذ هي تقرير ~~دليل في حكم المستأنف، ووظيفة المعترض أن يكون هادما لما يذكره المستدل، ~~فلا يصح منه خلاف وظيفته، كما لو غصب المستدل منصبه في الاستدلال. والصحيح ~~أنها سؤال مقبول، لأنها وإن كانت بناء فهي بناء بالعرض، وهي بالذات هدم لما ~~بناه المستدل، وهو المقصود منها، فأشبهت المنع، والله تعالى أعلم بالصواب. # PageV03P546 # العاشر ### | : عدم التأثير، # وهو ذكر ما يستغني عنه الدليل في ثبوت حكم الأصل، إما لطرديته نحو: صلاة ~~لا تقصر، فلا يقدم أذانها على الوقت، كالمغرب، إذ باقي الصلوات تقصر، فلا ~~يقدم أذانها على الوقت، أو لثبوت الحكم بدونه، نحو: مبيع لم يره، فلم يصح ~~بيعه، كالطير في الهواء، فإن بيع الطير في الهواء ممنوع، وإن رؤي، نعم إن ~~أشار بذكر الوصف المذكور إلى خلو الفرع من المانع، أو اشتماله على شرط ~~الحكم دفعا للنقض، جاز ولم يكن من هذا الباب، وإن أشار الوصف إلى ms1055 اختصاص ~~الدليل ببعض صور الحكم، جاز إن لم تكن الفتيا عامة، وإن عمت، لم يجز لعدم ~~وفاء الدليل الخاص بثبوت الحكم العام. # السؤال «العاشر: عدم التأثير» . # اعلم أن التأثير هو إفادة الوصف أثره، فإذا لم يفده، فهو عدم التأثير. # قوله: «وهو ذكر ما يستغني عنه الدليل في ثبوت حكم الأصل، إما لطرديته» ، ~~«أو لثبوت الحكم بدونه» . # يعني أن عدم التأثير: هو ذكر وصف، أو أكثر تستغني عنه العلة في ثبوت حكم ~~أصل القياس، إما لكون ذلك الوصف طرديا لا يناسب ترتب الحكم عليه كما سبق، ~~أو لكون الحكم ثبت بدونه. # مثال الأول؛ وهو ما عدم تأثيره لكونه طرديا: قول القائل في أن الفجر لا ~~يقدم أذانها على الوقت: «صلاة لا تقصر، فلا يقدم أذانها على الوقت، ~~كالمغرب» ، وذلك، لأن «باقي الصلوات تقصر» ، ولا يقدم أذانها على وقتها، # PageV03P547 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فبقي قوله: لا تقصر؛ وصفا طرديا، ~~لأنه غير مناسب لتقديم الأذان على الوقت، ولا عدمه. # وتحقيق الكلام في هذا: أن القياس المذكور اقتضى تعليل عدم تقديم الأذان ~~بعدم القصر، فكأنه قال: لا يقدم الأذان على الفجر، لأنها لا تقصر، واطرد ~~ذلك في المغرب، لكنه لم ينعكس في بقية الصلوات، إذ مقتضى القياس المذكور أن ~~ما يقصر من الصلوات يجوز تقديم أذانه على وقته من حيث انعكاس العلة، لكن ~~الأمر ليس كذلك، لكن هذا ينبني على عكس العلة الشرعية. وقد سبق أنه غير ~~مشترط، وإذا ألغي قوله: لا تقصر؛ لم يبق لاختصاص الأصل المذكور - وهو ~~المغرب - وجه، إذ كل الصلوات لا يقدم أذانها. # ومثال الثاني، وهو ما يستغني عنه الدليل لثبوت الحكم بدونه: قوله في بيع ~~الغائب: «مبيع لم يره» العاقد، «فلم يصح بيعه، كالطير في الهواء» ، وذلك ~~لأن عدم الرؤية ههنا عديم التأثير في الأصل، وهو بيع الطير، لأن «بيع الطير ~~في الهواء ممنوع» ، أي: لا يصح وإن كان مرئيا. وعدم التأثير ههنا من جهة ~~العكس كما تقدم، لأن تعليل عدم صحة بيع الغائب بكونه غير مرئي يقتضي أن كل ~~مرئي يجوز بيعه، ms1056 وقد بطل بيع الطير في الهواء. # وذكر النيلي هذا المثال على غير هذه الصفة، فقال: مبيع لم يره فلا يصح، ~~كما إذا باع ميتة لم يرها، وهو في معنى النظم الأول، لأن عدم الرؤية في بيع ~~الميتة عديم التأثير، إذ نجاستها تستقل بالبطلان كما أن الغرر في # PageV03P548 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بيع الطير في الهواء بعدم القدرة ~~عليه يستقل بالبطلان. # ومن أمثلة ذلك: قول المستدل: مس ذكره، فوجب عليه الوضوء، كما لو مس وبال، ~~فإن مس الذكر مع البول عديم التأثير لاستقلاله بنقض الوضوء إجماعا. # واعلم أن الأول يسمى عدم التأثير في الوصف، لأن الوصف طردي غير مؤثر، ~~كقوله: صلاة لا تقصر، والثاني يسمى عدم التأثير، كعدم الرؤية في بيع الميتة ~~والطير في الهواء لاستغناء حكم الأصل في ثبوته عنه. # وقد يكون عدم التأثير لعدم اطراد الوصف في جميع صور النزاع، ويسمى عدم ~~التأثير في محل النزاع، وعدم التأثير في الوصف يرجع إلى سؤال المطالبة ~~بالعلة، وعدم التأثير في الأصل يرجع إلى سؤال المعارضة، لأن المعترض يلغي ~~من العلة وصفا، ثم يعارض المستدل بما بقي. والثالث يرجع إلى منع الفرض في ~~الدليل وتحقيقه في علم الجدل. # قوله: «نعم إن أشار - يعني المستدل - بذكر الوصف المذكور إلى خلو الفرع ~~من المانع، أو اشتماله على شرط الحكم دفعا للنقض، جاز، ولم يكن من هذا ~~الباب» . # معنى هذا الكلام أن الوصف المذكور في الدليل إنما يكون عديم التأثير إذا ~~لم يفد فائدة أصلا، أما إذا كان فيه فائدة، دفع النقض بأن يشير إلى أن ~~الفرع خال مما يمنع ثبوت الحكم فيه، أو إلى اشتمال الفرع على شرط الحكم، ~~فلا يكون عديم التأثير. # مثاله: أن يقول المستدل في مسألة تبييت النية: صوم مفروض، فافتقر # PageV03P549 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # إلى التبييت قياسا على القضاء، فإن ~~كونه مفروضا يتحقق به شرط اعتبار النية في الفرع، وهو صوم رمضان وأنه خال ~~مما يمنع ثبوت التبييت فيه، ويندفع به النقض بالنفل، إذ لو قال: صوم، ~~فافتقر إلى التبييت، لانتقض بالنفل، لأنه صوم، ولا يفتقر إلى التبييت، ms1057 مع ~~أن فرضية الصوم بالنسبة إلى تبييت النية طردي لا مناسبة فيه له. # قلت: وفي هذا نظر، بل وجه المناسب أن النية تميز العبادة من العبادة، ~~والفرض مما يشتد اهتمام الشرع به، فناسب اعتبار التبييت، لتمييز هذه ~~العبادة المفروضة عن العبادة في جميع أجزائها، بخلاف النفل في ذلك، فإن ~~الاهتمام به دون الاهتمام بالفرض. # قوله: «وإن أشار الوصف إلى اختصاص الدليل ببعض صور الحكم، جاز إن لم تكن ~~الفتيا عامة، وإن عمت لم يجز لعدم وفاء الدليل الخاص بثبوت الحكم العام» . # يعني أن وصف المستدل إذا أشار إلى اختصاص الحكم ببعض صوره، فلا يخلو إما ~~أن تكون فتياه - يعني جوابه - عاما أو لا، فإن كان عاما لم يجز، لأن الدليل ~~الخاص لا يفي بثبوت الحكم العام. # مثاله: ما إذا قيل للمالكي: هل يجوز أن تزوج المرأة نفسها؟ فيقول: نعم، ~~فإذا قيل له: لم؟ قال: لأن عامة الناس أكفاء لها، فلا يفضي ذلك إلى لحوق ~~النقص والعار بها غالبا، كما لو زوجها وليها، فإن العلة ههنا تشير إلى ~~اختصاص جواز ذلك بالدنية من النساء، فلا يجوز ذلك، لأن جوابه بجواز تزويجها ~~نفسها خرج عاما، فلا يفرق بين الدنية والشريفة، وتعليله خاص # PageV03P550 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بالدنية، والجواب العام لا يحصل ~~بالتعليل الخاص. # وإن لم تكن الفتيا عامة، كما لو قال: يجوز ذلك في بعض النساء، أو يجوز في ~~الجملة، وعلل بالتعليل المذكور؛ جاز ذلك وأفاد جواز فرض الكلام في بعض صور ~~السؤال وهو جواز تزويج الدنية نفسها دون الشريفة فرقا بينهما، كما هو مذهب ~~مالك. # بقي الكلام في قوله: «وإن أشار الوصف» ؛ هل اللام فيه للاستغراق أو ~~للعهد؟ إن قلنا: للاستغراق، كانت هذه المسألة منقطعة عما قبلها، وكان ~~حاصلها أن التعليل الخاص ببعض صور الحكم لا يصح إذا كان جواب المعلل عاما، ~~وإن لم يكن عاما، جاز وأفاد جواز فرض الدليل في تلك الصورة بناء على جواز ~~الفرض فيه كما قرر في مواضعه من كتب الخلاف، وإن قلنا: اللام للعهد وهو ~~ظاهر كلام الشيخ أبي ms1058 محمد وغيره، كان المراد بالوصف هو المعهود السابق وهو ~~العديم التأثير، ويكون معنى الكلام: أن الوصف العديم التأثير إذا لم يكن ~~دافعا للنقض كما سبق لكنه أفاد فرض الكلام في بعض الصور، جاز ذكره أيضا. # ومثله النيلي بما إذا قال الحنفي في المرتدين: طائفة من أهل الحرب، فلا ~~يضمنون أموال المسلمين بالإتلاف، كالحربي إذا أتلف في دار الحرب، فقوله: في ~~دار الحرب، لا أثر له فيما يرجع إلى الحكم، ولا مانعه وشرطه، إذ الإجماع ~~منعقد على أن الحربي لا يضمن مال المسلم، سواء أتلفه في دار الحرب أو دار ~~الإسلام، وإنما أفاد قوله: في دار الحرب، تخصيص الدليل، وفرضه في هذه ~~الصورة بناء على جواز فرض الدليل. # PageV03P551 # الحادي عشر: تركيب القياس من المذهبين، وهو ### | القياس المركب # المذكور قبل، نحو قوله في البالغة: أنثى، فلا تزوج نفسها، كابنة خمس ~~عشرة، إذ الخصم يمنع تزويجها نفسها لصغرها لا لأنوثتها، ففي صحة التمسك به ~~خلاف. # الإثبات، إذ أصله النزاع في الأصل فيثبته، ويبطل مأخذ الخصم فيه، وقد ثبت ~~مدعاه. # والنفي، لأنه فرار عن فقه المسألة إلى مقدار سن البلوغ، وهي مسألة أخرى، ~~والأول أولى. # السؤال «الحادي عشر: تركيب القياس ~~من المذهبين» ، يعني مذهب المستدل والمعترض، «وهو القياس المركب المذكور ~~قبل» ، يعني عند ذكر شروط حكم الأصل، وأنه هل يشترط أن يكون مجمعا عليه أم ~~لا؟ ومثلناه بقول المستدل: العبد منقوص بالرق، فلا يقتل به الحر كالمكاتب. # ومثاله ههنا: أن يقول الحنبلي في المرأة البالغة: «أنثى، فلا تزوج نفسها» ~~بغير ولي «كابنة خمس عشرة» سنة. # قوله: «إذ الخصم» ، إلى آخره، هذا كالتفسير والشرح، لكون القياس مركبا، ~~وذلك لأن الخصم - وهو الحنفي - «يمنع تزويجها» ، أي: تزويج بنت خمس عشرة ~~سنة «لصغرها، لا لأنوثتها» ، أي: لكونها صغيرة لا لكونها أنثى فاختلفت ~~العلة في الأصل، وإنما اتفق صحة هذا القياس لاجتماع علة # PageV03P552 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الخصمين فيه، فتركب منهما. # وتحقيق التركيب ههنا: هو أن يتفق الخصمان على حكم الأصل، ويختلفان في ~~علته، فإذا ألحق أحدهما بذلك الأصل فرعا بغير علة ms1059 صاحبه، فالقياس منتظم، ~~لكن بناء على تركيب حكم الأصل من علتين. # مثاله في هذه الصورة: أن أحمد والشافعي - رضي الله عنهما - يعتقدان أن ~~بنت خمس عشرة لا تزوج نفسها لأنوثتها، وأبو حنيفة يعتقد أنها لا تزوج نفسها ~~لصغرها، إذ الجارية إنما تبلغ عنده لتسع عشرة، وفي رواية لثماني عشرة ~~كالغلام، فالعلتان موجودة فيها، والحكم متفق عليه بناء على ذلك. فإذا قال ~~الحنبلي في البالغة: أنثى فلا تزوج نفسها كبنت خمس عشرة انتظم القياس بناء ~~على ما ذكرناه من تركيب حكم الأصل بين الخصمين من العلتين، واستناده عند كل ~~منهما إلى علته. ولهذا جاز لأحدهما منع صحة القياس لاختلاف العلة في الفرع ~~والأصل، مثل أن يقول الحنفي ههنا للمستدل: أنت عللت المنع في البالغة ~~بالأنوثة، والمنع في بنت خمس عشرة عندي معلل بالصغر، فما اتفقت علة الأصل ~~والفرع، فلا يصح الإلحاق. # قوله: «ففي صحة التمسك به خلاف» ، هل يصح أم لا؟ # قوله: «الإثبات» ؛ بدل من «خلاف» ، و «النفي» بعده عطف عليه. أي: في ذلك ~~خلاف: الإثبات والنفي، أي: أثبت صحة التمسك به قوم، ونفاه آخرون. # حجة الإثبات: أن حاصل سؤال التركيب يرجع إلى النزاع في الأصل، لأن النزاع ~~في علته، كالنزاع في حكمه. وقد سبق أن القياس يجوز على أصل مختلف فيه، فإذا ~~منعه المعترض، أثبته المستدل بطريقه، وصح قياسه، فههنا كذلك يثبت المستدل ~~أن العلة في بنت خمس عشرة هي الأنوثة، ويحققها في الفرع، وهي البالغة، ~~ويبطل مأخذ الخصم وهو تعليله في بنت خمس عشرة # PageV03P553 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بالصغر. وقد ثبت مدعاه، وصح قياسه، ~~وهو أن البالغة أنثى، فلا تزوج نفسها كبنت خمس عشرة. # حجة النفي: «أنه فرار عن فقه المسألة» المنازع فيها «إلى» النزاع في ~~«مقدار سن البلوغ وهي مسألة أخرى» فهو انتقال من الخصمين جميعا، وذلك لأن ~~الاستدلال إنما وقع على أن البالغة تستقل بتزويجها نفسها، وقياسه على بنت ~~خمس عشرة سنة أفضى إلى النزاع في أن علة المنع فيها الأنوثة، أو الصغر، ~~وذلك مبني على أنها بالغة أو صغيرة، وذلك ms1060 مبني على أن خمس عشرة هي سن ~~البلوغ أم لا؟ وهذا انتقال عن محل النزاع بواسطتين فلا يصح التمسك به ~~«والأول أولى» أي: صحة التمسك بهذا القياس المركب لما قررناه آنفا. وإذا ~~ثبت صحة التمسك به، صح سؤال التركيب عليه، ولزم المستدل الجواب عنه بما ~~ذكرناه من إبطال مأخذه في الأصل، وتحقيق الجمع بينه وبين الفرع بعلته. وعلى ~~القول ببطلان التمسك بالقياس المركب لا يتصور سؤال التركيب، لأنه فرع على ~~قياس باطل، وفرع الباطل باطل، والله تعالى أعلم. # PageV03P554 # الثاني عشر ### | : القول بالموجب، # وهو: تسليم الدليل مع منع المدلول، أو تسليم مقتضى الدليل مع دعوى بقاء ~~الخلاف، وهو آخر الأسئلة، وينقطع المعترض بفساده، والمستدل بتوجيهه، إذ بعد ~~تسليم العلة والحكم لا يجوز له النزاع فيهما. # «الثاني عشر: القول بالموجب» . ~~بفتح الجيم، أي: القول بما أوجبه دليل المستدل، أما الموجب بكسرها، فهو ~~الدليل المقتضي للحكم. # قوله: «وهو» - يعني القول بالموجب - «تسليم الدليل مع منع المدلول، أو ~~تسليم مقتضى الدليل مع دعوى بقاء الخلاف» . # هذا على جهة التخيير في تعريفه، أي: بأي هذين التعريفين عرف حصل المعنى ~~المقصود منه، لكن التعريف الثاني أحق، لأن تسليم الخصم إنما هو لمقتضى ~~الدليل وموجبه، لا لنفس الدليل، إذ الدليل ليس مرادا لذاته، بل لكونه وسيلة ~~إلى معرفة المدلول. # ومثال ذلك: ما إذا قال الشافعي فيمن أتى حدا خارج الحرم، ثم لجأ إلى ~~الحرم: يستوفى منه الحد، لأنه وجد سبب جواز الاستيفاء منه، فكان جائزا، ~~فيقول الحنبلي أو الحنفي: أنا قائل بموجب دليلك، وأن استيفاء الحد جائز، ~~وإنما أنازع في جواز هتك حرمة الحرم، وليس في دليلك ما يقتضي جوازه، فهذا ~~قد سلم للمستدل مقتضى دليله وهو جواز استيفاء الحد، وادعى بقاء الخلاف في ~~شيء آخر وهو هتك حرمة الحرم. # PageV03P555 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «وهو» - يعني القول بالموجب ~~- «آخر الأسئلة» الواردة على القياس على ما يقتضيه ترتيبها، «وينقطع ~~المعترض بفساده والمستدل بتوجيهه» . أي: إذا فسد القول بالموجب، انقطع ~~المعترض، إذ بفساده يثبت دليل المستدل على محل النزاع سالما عن معارض، ms1061 وإذا ~~صح القول بالموجب وتوجه على المستدل صحيحا، انقطع لأن به تبين أن دليله لم ~~يتناول محل النزاع، كما لو استدل على وجوب الزكاة في بعض صور النزاع فيها ~~بسورة الإخلاص؛ قيل له: سلمنا دلالتها على التوحيد لكن لا دلالة فيها على ~~وجوب الزكاة، فتبقى دعواه خالية عن دليل، فتبطل، فينقطع لقوله تعالى: {قل ~~هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} [البقرة: 111] . # قوله: «إذ بعد تسليم العلة والحكم لا يجوز له النزاع فيهما» . # هذا استدلال على الأمور الثلاثة المتقدمة، وهي أن القول بالموجب آخر ~~الأسئلة، وأن المعترض ينقطع بفساده، وأن المستدل ينقطع بتوجيهه، لأن في ~~القول بموجب الدليل تسليم علته وحكمه، وبعد تسليم العلة والحكم لا يجوز ~~النزاع فيهما، فيكون آخر الأسئلة. ثم إن استقر، انقطع المستدل، وإن أجاب ~~عنه بنحو ما ذكر بعد، انقطع المعترض، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. # PageV03P556 # ومورده: إما النفي، نحو قوله في القتل بالمثقل: إن ~~التفاوت في الآلة لا يمنع القصاص، كالتفاوت في القتل، فيقول الحنفي: سلمت، ~~لكن لا يلزم من عدم المانع ثبوت القصاص، بل من وجود مقتضيه أيضا، فأنا ~~أنازع فيه. # وجوابه ببيان لزوم حكم محل النزاع مما ذكره إن أمكن، أو بأن النزاع مقصور ~~على ما يعرض له بإقرار، أو اشتهار، ونحوه. وإما الإثبات، نحو: الخيل حيوان ~~يسابق عليه، فتجب فيه الزكاة كالإبل، فيقول: نعم زكاة القيمة. # وجوابه، بأن النزاع في زكاة العين، وقد عرفنا الزكاة باللام، فينصرف إلى ~~محل النزاع، وفي لزوم المعترض إبداء مستند القول بالموجب خلاف الإثبات، ~~لئلا يأتي به نكدا وعنادا؛ والنفي، إذ بمجرده يبين عدم لزوم حكم المستدل ~~مما ذكره، والأولى أولى، وينقطع المعترض بإيراده على وجه يغير الكلام عن ~~ظاهره، إذ وجوده كعدمه، فهو كالتسليم، نحو: الخل مائع لا يرفع الحدث، فلا ~~يزيل النجاسة كالمرق، فيقول المعترض: أقول به، إذ الخل النجس لا يزيل ~~النجاسة، لأن محل النزاع الخل الطاهر، إذ النجس متفق على عدم إزالته، فهو ~~كالنقض العام، كالعرايا على علة الربا. # قوله: " ومورده إما النفي ms1062 "، إلى ~~آخره. أي: ومورد القول بالموجب، أي: المحل الذي يرد فيه من الأحكام، أو من ~~الدعاوى، " إما النفي "، أو " الإثبات " أي: دعوى المستدل التي يرد عليها ~~القول بالموجب إما أن تكون # PageV03P557 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # نافية، نحو: " لا يمنع القصاص " أو ~~مثبتة، نحو: تجب الزكاة. # وأجود من هذا أن يقال: القول بالموجب إما أن يرد من المعترض دفعا عن ~~مذهبه، أو إبطالا لمذهب المستدل باستيفاء الخلاف مع تسليم مقتضى دليله، ~~وذلك لأن الحكم المرتب على دليل المستدل إما أن يكون إبطال مدرك الخصم، أو ~~إثبات مذهبه هو، فإن كان الأول، فالقول بالموجب يكون من المعترض دفعا عن ~~مأخذه، لئلا يفسد، وإن كان الثاني، كان القول بالموجب من المعترض إبطالا ~~لمذهب المستدل، وذلك لأن المستدل والمعترض كالمتحاربين كل واحد منهما يقصد ~~الدفع عن نفسه وتعطيل صاحبه، وهذا التقسيم لمورد القول بالموجب هو الصحيح ~~المذكور في كتب الأصول. # أما تقسيمي أنا له إلى نفي وإثبات، فلأني ظننت أن ذلك هو مقصود التقسيم، ~~ورأيت المثال على وفقه في أصل المختصر. أعني أنه منقسم إلى نفي كما في مثال ~~القصاص، وإلى إثبات كما في مثال الزكاة، فقوي الظن بذلك، ولم أكن عند ~~الاختصار تأملته في كتب الأصول. # مثال الأول: وهو ورود القول بالموجب على إبطال مأخذ المعترض، فيدفع به ~~المعترض عن مذهبه: أن يقول الحنبلي في وجوب القصاص " بالقتل بالمثقل ": " ~~التفاوت في الآلة لا يمنع القصاص، كالتفاوت في القتل "، فإنه لو ذبحه، أو ~~ضرب عنقه أو طعنه برمح، أو رماه بسهم، أو غير ذلك من صور القتل، لم يمنع ~~القصاص، فكذلك إذا كان التفاوت في الآلة لا يمنع القصاص محددة كانت أو ~~مثقلة. وهذا تعرض من المستدل بإبطال مأخذ الخصم، إذ الحنفي يرى أن التفاوت ~~في الآلة يمنع القصاص، لأن المثقل لما # PageV03P558 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # تقاصر تأثيره عن المحدد أورث ذلك ~~شبهة، والقصاص حد يدرأ بالشبهة، " فيقول الحنفي " دفاعا عن مذهبه: " سلمت " ~~أن التفاوت في الآلة لا يمنع القصاص؛ " لكن لا يلزم من عدم المانع " للقصاص ~~ثبوته، " بل " إنما يلزم ثبوته ms1063 " من وجود مقتضيه " وهو السبب الصالح ~~لإثباته والنزاع فيه، ولهذا يجب القصاص عندي بالقتل بالسيف، أو السكين أو ~~نحوها من الآلات مع تفاوتها، لكن لما كانت صالحة للإزهاق بالسريان في البدن ~~بخلاف المثقل. # ومن أمثلة هذا القسم: أن يقول الشفعوي في مسألة استيلاد الأب جارية ~~الابن: إن وجوب القيمة يمنع وجوب المهر، لأنها بوجوب القيمة على الأب صارت ~~ملكا له، فلا يلزمه مهر ملكه. فيقول الحنفي: أسلم أنه لا يمنع وجوب المهر، ~~لكن النزاع في وجوب المقتضي لوجوب المهر، إذ الحكم ثبت لوجود المقتضي، لا ~~لانتفاء المانع. # قوله: " وجوابه: ببيان لزوم حكم محل النزاع مما ذكره إن أمكن، أو بأن ~~النزاع مقصور على ما يعرض له بإقرار، أو اشتهار، ونحوه ". أي: وجواب هذا ~~القول بالموجب بطرق: # أحدها: أن يبين المستدل لزوم حكم محل النزاع بوجود مقتضيه مما ذكره في ~~دليله إن أمكنه بيانه، مثل أن يقول في المثالين المذكورين: يلزم من كون ~~التفاوت في الآلة لا يمنع القصاص وجود مقتضى القصاص إما بناء على أن وجود ~~المانع وعدمه قيام المقتضي، إذ لا يكون الوصف مانعا بالفعل إلا لمعارضة ~~المقتضي، وذلك يستدعي وجوده. ولذلك لما كان الحكم يدور مع # PageV03P559 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مقتضيه وجودا وعدما، لم يصح عرفا ~~الاهتمام بسلب المانع إلا عند قيام المقتضي، وإلا فالاهتمام بسبب المقتضي ~~أولى. أو بأن يقول المستدل: إذا سلمت أن تفاوت الآلة لا يمنع القصاص، ~~فالقتل المزهق هو المقتضي، والتقدير أنه موجود. وكذلك في مسألة الاستيلاد ~~إذا سلمت أن وجوب القيمة لا يمنع المهر، فالمتقضي لوجوب المهر قائم، وهو ~~الوطء في وقت لم تكن مملوكة له. # ومن هذا الباب أن يقول المستدل في بيع الغائب: عقد معاوضة، فلا ينعقد على ~~خيار الرؤية كالنكاح، فيقول المعترض: أقول بموجب هذا الدليل، فإنه إنما يدل ~~على أن البيع لا يثبت فيه خيار الرؤية فلم قلت: إنه لا يصح؟ فيقول المستدل: ~~لأن خيار الرؤية لازم لصحة البيع عندك، فإذا سلمت انتفاء لازمها، لزمك ~~تسليم انتفائها، إذ لا بقاء للملزوم بدون لازمه. ms1064 # ومنها: أن يبين المستدل " أن النزاع " إنما هو فيما " يعرض له "، إما " ~~بإقرار " أو اعتراف من المعترض بذلك. مثل أن يقول: إنما فرضنا الكلام في ~~صحة بيع الغائب لا في ثبوت خيار الرؤية فيه، ووقع الاستدلال على ذلك، أو ~~باشتهار بين أهل العرف أن مثل هذه المسألة إنما جرت العادة أن يقع النزاع ~~فيها في كذا لصحة البيع ههنا، فلا يسمع من المعترض العدول عنه، لأنه في ~~الأول إنكار لما اعترف به، وفي الثاني نوع مراوغة ومغالطة ودعوى جهل ~~بالمشهورات، كمن نشأ في بلاد الإسلام وشرب أو زنى مدعيا للجهل بتحريم ذلك. # ومن أمثلة هذا أن يقول المستدل: الدين لا يمنع الزكاة، ووطء الثيب # PageV03P560 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لا يمنع الرد بالعيب، فيقول ~~المعترض: أسلم أنه لا يمنع، لكن لم قلت: إن الزكاة والرد يثبتان؟ فيقال له: ~~هذا القول بالموجب لا يسمع، لأن محل النزاع في هذه المسائل ونحوها مشهور، ~~وهو أن النزاع في الزكاة: هل تجب مع الدين؟ ووطء الثيب هل يجوز معه الرد؟ ~~ومع الشهرة لا يقبل العدول عن المشهور، ولا دعوى خفائه. # قال بعضهم: ويمكن أن يرد هذا التقسيم من القول بالموجب إلى دعوى فساد ~~الوضع، لكون دليل المستدل فيه يدل على خلاف محل النزاع، فأشبه اقتضاء العلة ~~خلاف ما علق بها. # قلت: وكذلك الآخر منه إذا صح واستقر. # مثال القسم الثاني من القول بالموجب، وهو أن يرد من المعترض إبطالا لمذهب ~~المستدل: أن يقول الحنفي في وجوب الزكاة في " الخيل: حيوان يسابق عليه، ~~فتجب فيه الزكاة كالإبل، فيقول " المعترض " أقول بموجب ذلك، وهو أن تجب ~~فيها " زكاة القيمة " إذا كانت للتجارة. # قوله: " وجوابه ". أي: وجواب مثل هذا من القول بالموجب أن يقول المستدل: ~~النزاع إنما كان في زكاة العين وقد عرفت " الزكاة باللام، فينصرف إلى محل ~~النزاع " المعهود، وهو زكاة العين، فالعدول إلى زكاة القيمة لا يسمع، لأنه ~~ترك لمدلول إلى غيره. وهذا نحو مما سبق من الجواب بشهرة المراد من محل ~~النزاع. # ومن أمثلة هذا أن يقول المستدل في ms1065 نكاح اليتيمة: صغيرة، فتثبت الولاية # PageV03P561 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # عليها، كما لو كان لها أب أو جد، ~~فيقول المعترض: نعم تثبت الولاية عليها في المال، فيقول المستدل: اللفظ أعم ~~من المال، والنزاع إنما وقع في ولاية النكاح. # قوله: " وفي لزوم المعترض إبداء مستند القول بالموجب خلاف الإثبات، لئلا ~~يأتي به نكدا وعنادا، والنفي، إذ بمجرده يبين عدم لزوم حكم المستدل مما ~~ذكره ". # يعني: أن المعترض إذا قال بموجب دليل المستدل هل يجب عليه أن يذكر مستند ~~القول بموجبه، مثل أن يقول: التفاوت في الآلة لا يمنع القصاص، ولكن لا يجب، ~~لانتفاء السبب، ووجوب القيمة لا يمنع المهر، لكن المهر لا يجب لانتفاء ~~المقتضي، إذ لم يبق محل يجب المهر عنه، وأسلم أن زكاة القيمة تجب في الخيل، ~~لكن زكاة العين لا تجب، ويدل على عدم الوجوب بما عنده، فهذا فيه قولان: # أحدهما: يجب، إذ لو لم يجب عليه ذكر مستند القول بالموجب، لأتى به نكدا ~~وعنادا على المستدل ليفحمه، وربما لم يكن حقا في نفس الأمر، فيفضي إلى ~~تضييع فائدة المناظرة. ويصير هذا من باب قوله - عليه السلام -: لو أعطي ~~الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن البينة على المدعي. # والقول الثاني: لا يجب، لا لما ذكرناه في المختصر، فإنه ليس بجيد، بل لأن ~~المعترض عدل، وهو أعرف بمذهبه ومأخذه، فوجب تقليده في ذلك، # PageV03P562 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وإلا كان مطالبته بالمستند تكذيبا ~~له. # قلت: فقد بان أن محل القولين إنما هو في المعترض العدل. أما إذا لم يكن ~~عدلا، أو كان معروفا بحب الانتصار على الخصم حتى بالاسترسال في الكلام فلا ~~بد من مطالبته بالمستند، لئلا يفضي إلى إفحام المستدل بغير حق، وتضييع ~~فائدة النظر، ونشر الكلام. ثم إذا ذكر مستند القول بالموجب، لا يجوز ~~للمستدل الاعتراض عليه فيه، مثل أن يقول المعترض: وجوب القيمة لا يمنع ~~المهر، لكنه لا يجب، لأن الأب ملك الأمة، فلا يلزمه مهرها، فليس للمستدل أن ~~يعارضه، ويبين أن الأب لا يملك الجارية، ويكون منقطعا بذلك، لأنه حينئذ ~~يناظر الخصم في ms1066 مذهبه وهو أعرف به. # قوله: " وينقطع المعترض بإيراده على وجه يغير الكلام عن ظاهره، إذ وجوده ~~كعدمه، فهو كالتسليم ". # أي: ينقطع المعترض بإيراد القول بالموجب على وجه يغير كلام المستدل على ~~ظاهره، لأن " وجوده كعدمه "، ولو عدم القول بالموجب لانقطع، فكذا إذا أتى ~~به في حكم المعدوم، وذلك لأنه بتغير الكلام عن ظاهره، صار كالمناظر لنفسه ~~كما سبق التقسيم فيكون منقطعا. # مثل ذلك أن يقول الحنبلي: " الخل مائع لا يرفع الحدث، فلا يزيل النجاسة ~~كالمرق، فيقول المعترض: أقول " بموجبه، وهو أن " الخل النجس لا يزيل ~~النجاسة " عندي، فلا يسمع هذا منه، " لأن محل النزاع " عقلا وعرفا وشرعا ~~إنما هو " الخل الطاهر "، أما النجس فمتفق على أنه لا يزيل النجاسة، فصار " ~~كالنقض العام " على العلة، لأن النجس لما لم يكن بإزالته للنجاسة قائل؛ صار ~~مرفوضا لا يفرض فيه نزاع، ولا يوجه إليه نظر، " كالعرايا على # PageV03P563 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # علة الربا "؛ لما كان كل واحد من ~~الخصمين يقول بها لم ترد نقضا على واحد منهما، ولا يجب الاحتراز عنها للعلم ~~بأنها مستثناة بالإجماع، كذا هذا، وبيان تغيير المعترض كلام المستدل أنه ~~لما سلم الحكم في الخل النجس، صار كأنه فهم عن المستدل أنه استدل على أن ~~الخل النجس لا يزيل النجاسة، فقد قوله ما لم يقل. # PageV03P564 # ويرد على القياس منع كونه حجة، أو في الحدود، ~~والكفارات والمظان كالحنفية كما سبق وجوابه. # والأسئلة راجعة إلى منع، أو معارضة، وإلا لم يسمع. # وذكر بعضهم أنها خمسة وعشرون وترتيبها أولى اتفاقا، وفي وجوبه خلاف، وفي ~~كيفيته أقوال كثيرة. # قوله: «ويرد على القياس منع كونه ~~حجة» ، إلى آخره. أي: يعترض على القياس بأسئلة أخر، مثل: أن القياس في نفسه ~~ليس حجة شرعية كمذهب الظاهرية، أو ليس حجة «في الحدود» «والمظان» ، يعني ~~الأسباب، كما هو مذهب الحنفية «كما سبق وجوابه» ، أي: قد سبق هذا كله وسبق ~~جوابه في أقسام العلة. # قوله: «والأسئلة راجعة إلى منع أو معارضة، وإلا لم يسمع» . أي: جميع ~~الأسئلة المذكورة على تعددها راجعة عند التحقيق إلى ms1067 منع حال الدليل ليسلم ~~مذهب المعترض من إفساده له، أو إلى معارضة الدليل بما يقاومه أو يترجح ~~عليه، لتضعف قوته عن إفساد مذهب المعترض، وذلك لأن المعترض مع المستدل ~~كسلطان في بلاده وقلاعه وحصونه، دهمه سلطان آخر يريد أخذ بلاده منه، فالملك ~~الذي هو صاحب تلك البلاد يتوصل إلى الاعتصام من الملك الوارد عليه، إما بأن ~~يمنعه من دخول أرضه بمانع يجعله بين يديه من إرسال ماء، أو نار، أو خندق، ~~أو غير ذلك، أو بأن يعارض جيشه بجيش # PageV03P565 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مثله، أو أقوى منه، ليمنع ~~استيلاءه، أو يطرده. # فكذلك المستدل إذا نصب الدليل وقرره، فهو مبطل لمذهب المعترض، إما تصريحا ~~أو لزوما، فيحتاج المعترض إلى منع دليله، أو إلى معارضته، وقد يجمع بينهما ~~بأن يقول: لا نسلم أن دليلك يفيد ما ادعيت. ولئن سلمناه لكنه معارض بكذا، ~~واصطلح نظار العجم في صيغة المعارضة على قولهم: ما ذكرتم من الدليل وإن دل ~~لكن عندنا ما يعارضه، ويقررون المعارضة، وللمستدل والمعترض من المحسوس مثال ~~آخر وهما المتضاربان بالسيف أو غيره، فإن كل واحد منهما إذا ضرب فإما أن ~~يمنع تأثير ضربة صاحبه فيه، بأن يلقاها في مجن أو غيره، أو يقابل صاحبه على ~~ضربته بضربة مثلها مانعة أو مقتضية. # وحيث اتضح أن مرجع الأسئلة إلى منع، أو معارضة، فالمعارضة أيضا راجعة إلى ~~المنع، لأن مقصود المعترض الاعتصام من إفساد المستدل مذهبه. ولو لم تكن ~~الأسئلة راجعة إلى ذلك لم تقبل، لأن الضرورة تندفع بالمنع، والمعارضة فما ~~سواهما خارج عن محل الضرورة، فهو مستغنى عنه. # قوله: «وذكر بعضهم أنها خمسة وعشرون» سؤالا. وممن ذكر ذلك الآمدي في ~~«المنتهى» . وقد اختلفوا في ذلك اختلافا كثيرا أنا ذاكره إن شاء الله ~~تعالى. # فذكر الشيخ فخر الدين البزدوي في «المقترح» أنها خمسة عشر سؤالا، # PageV03P566 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وهي هذه: # دعوى فساد الوضع، منع وصف العلة، القدح في المناسبة، النزاع في ظهور وصف ~~العلة، النزاع في كونه مضبوطا، المطالبة باعتباره علة، منع الحكم في الأصل. ~~اختلاف الوصف في الفرع والأصل مع ms1068 اتحاد جنس المصلحة فيهما، بيان اختلاف ~~المصلحة فيهما، بيان اختلاف الحكم فيهما، المعارضة في الأصل، النقض، الكسر، ~~المعارضة في الفرع، القول بالموجب. # وذكرها النيلي في «شرح جدل الشريف» أربعة عشر: # الاستفسار، فساد الاعتبار، فساد الوضع، المنع، التقسيم، المطالبة، النقض، ~~القول بالموجب، عدم التأثير، الفرق، المعارضة، التعدية، التركيب. هكذا، ذكر ~~أنها أربعة عشر، وإنما أورد هذه الثلاثة عشر. # قال: وهذا ترتيبها في الإيراد إلا في عدم التأثير، فإنه قبل النقض، لأنه ~~يدعي أن وصفا من العلة لا أثر له، والنقض إنما يرد بعد صلاحية العلة. # وأما ما ذكره الآمدي في «المنتهى» فهو: # الاستفسار، فساد الاعتبار، فساد الوضع، منع حكم الأصل، التقسيم، منع وجود ~~العلة في الأصل، المطالبة بتأثير الوصف، عدم التأثير، القدح في مناسبة ~~الوصف، منع صلاحية إفضاء الوصف إلى الحكمة المطلوبة، منع ظهور الوصف، منع ~~انضباطه، النقض، الكسر، المعارضة في الأصل، التركيب، التعدية، منع وجوب ~~العلة في الفرع، المعارضة في الفرع بما يقتضي حكم المستدل، الفرق، اختلاف ~~الضابط بين الأصل والفرع مع اتحاد الحكمة، اتحاد الضابط مع اختلاف الحكمة - ~~عكس الذي قبله - اختلاف # PageV03P567 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الفرع والأصل، قلب الدليل، القول ~~بالموجب. # هذه خمسة وعشرون. # وذكر في «الجدل» الذي له أن الأسئلة على ضربين: # أحدهما: يرجع إلى تحقيق أمور فقهية، وإلزامات أحكامية. # والثاني: يرجع إلى مناسبات جدلية ومؤاخذات لفظية: # فالأول: وهو أهمها ينحصر في أسئلة عشرة، وهي: # فساد الاعتبار، فساد الوضع، منع حكم الأصل، سؤال الاستفسار، منع وجود ~~الوصف في الفرع، منع علية الوصف المذكور، ويلقب بسؤال المطالبة، النقض، ~~المعارضة في الأصل، منع وجود العلة في الفرع، القول بالموجب. # الضرب الثاني: وهو أحد عشر سؤالا: # عدم التأثير، الكسر، العكس، التقسيم، بيان اختلاف المظنة في الفرع والأصل ~~مع اتحاد جنس المصلحة، بيان اختلاف جنس المصلحة مع اتحاد المظنة - عكس الذي ~~قبله - بيان اختلاف حكم الأصل والفرع، كقياس التحريم على الوجوب، أو ~~بالعكس، المعارضة في الأصل، المعارضة في الفرع، القلب، سؤال التركيب. # وزعم أن هذا الضرب اصطلح على إيراده جماعة من الجدليين، وأنه لا وجه ms1069 ~~لإيراده. فهذه واحد وعشرون سؤالا ذكرها ههنا. وذكرها في «المنتهى» خمسة ~~وعشرين، والأشبه أن كل ما قدح في الدليل، اتجه إيراده، كما أن كل سلاح صلح ~~للتأثير في العدو، ينبغي استصحابه، وجميع الأسئلة المذكورة في «المختصر» ~~وغيره تقدح في الدليل فينبغي إيرادها، ولا يضر تداخلها، ورجوع # PageV03P568 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بعضها إلى بعض، لأن صناعة الجدل ~~اصطلاحية. وقد اصطلح الفضلاء على إيراد هذه الأسئلة، فهي وإن تداخلت، أو ~~رجع بعضها إلى بعض أجدر بحصول الفائدة من إفحام الخصم، وتهذيب الخواطر، ~~وتمرين الأذهان على فهم السؤال، واستحضار الجواب، وتكررها المعنوي لا يضر ~~كما لو رمى المقاتل بسهم واحد مرتين أو أكثر. # قوله: «وترتيبها أولى اتفاقا، وفي وجوبه خلاف» . # أي: ترتيب الأسئلة وهو جعل كل سؤال في رتبته على وجه لا يفضي بالمعترض ~~إلى المنع بعد التسليم، واتفقوا على أن ترتيبها على هذا الوجه أولى، وهو ~~صحيح، لأن المنع بعد التسليم قبيح، فأقل أحواله أن يكون التحرز منه أولى. # أما وجوبه فاختلفوا فيه، فمنهم من أوجبه نفيا للقبح المذكور، ونفي القبح ~~واجب، ومنهم من لم يوجبه نظرا إلى أن كل سؤال مستقل بنفسه، له حكم نفسه، ~~وجوابه مرتبط به، فلا فرق إذن بين تقدمه وتأخره، والمقصود إفحام الخصم، وهو ~~حاصل مع الترتيب وعدمه، كما أن المحارب لما كان قصده قتل غريمه، أو هزيمته ~~لم يكن فرق بين أن يبدأ قتاله بسيف، أو رمح، أو سهم، أو نار محرقة، أو ماء ~~مغرق، أو تردية من شاهق، أو غير ذلك، ولأن ترتيب الأسئلة كيفية لها، ثم إن ~~نفس الأسئلة ليست مقصودة لذاتها، إنما المقصود إفحام الخصم وهي وسيلة إليه ~~فترتيبها الذي هو فرع # PageV03P569 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # عليها أولى بذلك. هذا توجيه ما في ~~«المختصر» . # وذكر النيلي كلاما معناه: أن السائل هل له الجمع بين الأسئلة بأن يسردها ~~سردا، ثم يجيب المستدل عنها سؤالا سؤالا، أم لا، بل لا بد من سؤال وجوابه، ~~ثم إيراد الذي بعده؟ # فمنع ذلك قوم، لأنه إذا جمع، فقال: لا أسلم، ثم قال: لم قلت؟ فقد رجع ms1070 عن ~~الأول. وبالجملة انتقاله إلى كل سؤال رجوع عما قبله. # قلت: فيصير كأنه يورد، ويجيب نفسه. # وقال آخرون: هو جائز، وهو الصحيح، لأن جمعه بين الأسئلة ليس رجوعا عن ~~بعضها إلى بعض، وإنما ذلك تنزل مع الخصم من مقام إلى مقام على جهة الفرض ~~والتقدير. أي: لو فرضنا سلامة الدليل عن المنع، لم يسلم عن المطالبة، ~~فانتقاله إليها إنما هو على تقدير سقوط سؤال المنع بإجابة المستدل عنه، ~~وإلا فهو في عهدة المنع حتى يجيب عنه. # قلت: وقد ذكرت في أول الشرح أني استعملت الطريقين في الكتاب، وأن لكل ~~منهما فائدة. ثم إذا جاز الجمع بين الأسئلة هل يلزمه ترتيبها كما ذكرنا؟ ~~فيه خلاف سبق آنفا. وممن قال بوجوبه أهل سمرقند. وقد سبق أنه أليق ~~بالاتفاق. # قوله: «وفي كيفيته أقوال كثيرة» ، أي: في كيفية ترتيب الأسئلة خلاف كثير. ~~ذكر ابن المني منه جملة في جدله المسمى: «جنة الناظر وجنة المناظر» وليس ~~الآن حاضرا عندي لأذكر ما قاله، وإليه أشرت بالأقوال الكثيرة، لكن قد دل ~~على كثرة الخلاف في ذلك أن كل واحد من البزدوي والنيلي والآمدي # PageV03P570 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # في «جدله» زعم أن ترتيب الأسئلة ~~على ترتيب ما حكيناه عنه، وأنت ترى الخلاف بينهم في ذات الأسئلة وأسمائها ~~وترتيبها، والضابط الكلي له ما ذكرناه، وهو أن لا يفضي إيرادها إلى منع بعد ~~تسليم أو إنكار بعد اعتراف. # مثل أن يقول في قول المستدل: قتل فيوجب القصاص، لم قلت: إنه إذا كان قتلا ~~يوجب القصاص؟ سلمنا أنه يوجب، لكن لا نسلم أنه قتل، سلمناه، لكن ينتقض ~~بالخطأ، سلمناه، لكنه قتل من كل وجه، أو من وجه دون وجه؟ سلمناه، لكن عندنا ~~ما يعارضه، سلمناه، لكن ما المراد من قولك: إنه قتل؟ وهو سؤال الاستفسار، ~~ثم يذكر فساد الوضع والاعتبار، فالسؤال الأول سؤال المطالبة بتأثير العلة، ~~وفيه تسليم وجودها، والثاني منع العلة، فهو منع بعد تسليم، وكذا الأسئلة ~~بعده في غير مراتبها، وفيه الخلاف السابق. # قال الآمدي في «الجدل» : أول ما يجب ذكره من الأسئلة: ms1071 # فساد الاعتبار، لأن الدليل إذا لم يكن محتجا به، فلا معنى للنظر في ~~تفاصيله. # ثم فساد الوضع، لأنه يشعر بتسليم دلالة الدليل في جنسه. # ثم منع الحكم في الأصل، لأنه نظر في تفصيل الدليل، وهو يشعر بتسليم ~~الاحتجاج به في محل التعليل. # ثم سؤال الاستفسار عما يدعي كونه علة، إذ التعرض للاستفسار عن الوصف ~~المستنبط يشعر بصحة المستنبط عنه. # ثم منع وجود الوصف، فإنه يشعر بمعرفة الوصف، والاستفسار يشعر بجهله. # PageV03P571 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ثم سؤال المطالبة بكون الوصف علة، ~~إذ المطالبة بتأثيره تشعر بتسليم وجوده في نفسه. # ثم النقض، لأنه يشعر بتسليم دلالة الدليل على تأثير الوصف. # ثم المعارضة في الأصل، لأنها تشعر بتسليم صلاحية التعليل بالوصف، والنقض ~~يشعر بعدم ذلك. # ثم منع وجود الوصف في الفرع لإشعاره بكون الوصف علة في الأصل، وإلا فلا ~~وجه لإيراده. # ثم القول بالموجب، لأنه يشعر بتسليم دلالة العلة في الفرع على الحكم، ~~لكنه يدعي أنه غير ما وقع النزاع فيه. # وقال في «المنتهى» : الأولى أن يبدأ بالاستفسار، ليعرف مدلول اللفظ، ثم ~~بفساد الاعتبار، إذ هو نظر في الدليل من جهة الجملة، لا من جهة التفصيل، ثم ~~فساد الوضع، لكونه أخص من فساد الاعتبار، ثم منع حكم الأصل، لأنه نظر فيه ~~من جهة التفصيل، فكان مؤخرا عما قبله، ثم منع وجود علة الأصل، لأنه نظر ~~فيما هو متفرع عن حكم الأصل، ثم المطالبة بتأثير الوصف، وسؤال عدم التأثير، ~~والقدح في المناسبة، والتقسيم، وكون الوصف غير ظاهر ولا ينضبط، وكون الحكم ~~غير مفض إلى المقصود منه، لكون هذه الأسئلة صفة وجوه العلة، ثم النقض، ~~والكسر؛ لكونه معارضا لدليل العلة، ثم المعارضة في الأصل والتركيب؛ لكونه ~~معارضا للعلة، ثم منع وجود العلة في الفرع، ومخالفة حكمه لحكم الأصل، ~~ومخالفته للأصل في الضابط أو الحكمة، # PageV03P572 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والمعارضة في الفرع، وسؤال القلب؛ ~~لكونه نظرا فيما يتعلق بالفرع التابع للأصل، ثم القول بالموجب لتضمنه تسليم ~~كل ما يتعلق بالدليل المثمر له. # قلت: واعلم أن قولنا: يلزم أو يجب الترتيب في الأدلة، ويجوز الجمع ms1072 بينها، ~~أو لا يجوز؛ ليس المراد الوجوب أو عدم الجواز الشرعي، بمعنى أن المعترض ~~يأثم بتركه، وإنما هو اصطلاحي، أي: يكون تاركه مذموما في اصطلاح النظار، ~~فهو قادح في الفضيلة، لا في دين ولا مروءة بالنظر في الطريق المؤلفة في ~~مسائل الخلاف، يعرف أمثلة إيراد الأسئلة وكيفية الجواب عنها، كتعليقة ~~الشريف المراغي، والسيف الآمدي، وتعليقة ابن المني من أصحابنا وهي من أحسن ~~الطرائق. # أما طريقة القاضي أبي يعلى وأصحابه، كأبي الخطاب في «الانتصار» ، وابن ~~عقيل في «عمد الأدلة» ونحوها، فلا يستفاد منها، ذلك لأنهم لم يجمعوا الأدلة ~~سردا وترتيبا، بل أوردوا كل دليل وجوابه عقيبه مرتبا ذلك أو غير مرتب. # واعلم أن هذه الأسئلة الواردة على القياس على الخلاف في عددها بالغة ما ~~بلغت ليس المراد من ورودها على القياس أنها ترد على كل قياس، لأن من ~~الأقيسة ما لا يرد من موردها عليه بعض الأسئلة المذكورة، كالقياس مع عدم ~~النص والإجماع، لا يتجه عليه فساد الاعتبار إلا من ظاهري ونحوه من منكري ~~القياس، واللفظ البين لا يرد عليه سؤال الاستفسار، والوصف المناسب من وجه ~~واحد لا يرد عليه فساد الوضع، وعلى ذلك يمكن تخلف كل واحد من الأسئلة على ~~البدل عن بعض الأقيسة، وإنما المراد أن الأسئلة الواردة على القياس لا تخرج ~~عن هذه. # PageV03P573 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ونظير هذا قول أهل التصريف: إن ~~حروف الزيادة هي حروف: «سألتمونيها» على معنى أن الحروف الزوائد على أصول ~~مواد الكلم لا تخرج عن هذه الحروف، لا أن هذه الحروف حيث وقعت كانت زوائد، ~~لأن كثيرا منها وقع أصولا، والله تعالى أعلم بالصواب. # وقد نجز بحمد الله - سبحانه وتعالى - الكلام على الأدلة، وهذا حين الشروع ~~في بيان أحكام المستدل، وما يتعلق به من بيان الاجتهاد والمجتهد، والتقليد ~~والمقلد، ومسائل ذلك إن شاء الله تعالى. # PageV03P574 # الاجتهاد ### | الاجتهاد # لغة: بذل الجهد في فعل شاق، فيقال: اجتهد في حمل الرحى لا في حمل خردلة. # واصطلاحا: بذل الجهد في تعرف الحكم الشرعي، والتام منه: ما انتهى إلى حال ~~العجز عن ms1073 مزيد طلب. # وشرط المجتهد إحاطته بمدارك الأحكام، وهي الأصول المتقدمة، وما يعتبر ~~للحكم في الجملة كمية وكيفية، فالواجب عليه من الكتاب معرفة ما يتعلق ~~بالأحكام منه، وهو قدر خمسمائة آية، بحيث يمكن استحضارها للاحتجاج بها لا ~~حفظها، وكذلك من السنة، ومعرفة صحة الحديث اجتهادا كعلمه بصحة مخرجه وعدالة ~~رواته، أو تقليدا كنقله من كتاب صحيح ارتضى الأئمة رواته، والناسخ والمنسوخ ~~منهما، ويكفيه معرفة أن دليل هذا الحكم غير منسوخ، ومن الإجماع ما تقدم ~~فيه؛ ويكفيه معرفة أن هذه المسألة مجمع عليها أم لا، ومن النحو واللغة ما ~~يكفيه في معرفة ما يتعلق بالكتاب والسنة من نص وظاهر ومجمل وحقيقة ومجاز ~~وعام وخاص ومطلق ومقيد ودليل خطاب، ونحوه، لا تفاريع الفقه، لأنه من فروع ~~الاجتهاد، فلا تشترط له، وإلا لزم الدور، وتقرير الأدلة ومقوماتها. # " الاجتهاد " افتعال من الجهد، وهو ~~بضم الجيم وفتحها: الطاقة، وبفتحها فقط: المشقة. # PageV03P575 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وهو " لغة "، أي: في اللغة: " بذل ~~الجهد "، يعني الطاقة " في فعل شاق "، وإنما وصفنا الفعل بكونه شاقا لأن ~~الاجتهاد مختص به في عرف اللغة، إذ يقال: " اجتهد " الرجل " في حمل الرحى " ~~ونحوها من الأشياء الثقيلة، و " لا " يقال: اجتهد " في حمل خردلة " ونحوها ~~من الأشياء الخفيفة. # " واصطلاحا "، أي: وهو في الاصطلاح: " بذل الجهد في تعرف الحكم الشرعي "، ~~وهو معنى قوله في " الروضة " و " المستصفى " " بذل المجهود في العلم بأحكام ~~الشرع. # وقال الآمدي: هو استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على ~~وجه يحس من النفس العجز عن المزيد عليه. # وقال القرافي: هو استفراغ الوسع في المطلوب لغة، واستفراغ الوسع في النظر ~~فيما يلحقه فيه لوم شرعي اصطلاحا. # قلت: وجميع ذلك متقارب إن لم يكن متساويا. # قوله: " والتام منه "، أي: من الاجتهاد " ما انتهى إلى حال العجز عن مزيد ~~طلب " الإشارة بهذا إلى أن الاجتهاد ينقسم إلى ناقص وتام، فالناقص: هو ~~النظر المطلق في تعرف الحكم، وتختلف مراتبه بحسب الأحوال. والتام: هو ~~استفراغ القوة النظرية حتى يحس الناظر من نفسه العجز عن مزيد طلب. ms1074 ومثاله ~~مثال من ضاع منه درهم في التراب، فقلبه برجله، فلم يجد شيئا، فتركه وراح. ~~وآخر إذا جرى له ذلك، جاء بغربال، فغربل التراب حتى يجد الدرهم، أو يغلب ~~على ظنه أنه ما عاد يلقاه، فالأول اجتهاد قاصر، والثاني تام. # قوله: " وشرط المجتهد إحاطته بمدارك الأحكام، هي الأصول المتقدمة # PageV03P576 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وما يعتبر للحكم في الجملة كمية ~~وكيفية ". # لما ذكر الاجتهاد ما هو، والناقص منه والتام، أخذ يبين المجتهد وشروطه، ~~فالمجتهد من اتصف بصفة الاجتهاد، وحصل أهليته، " وشرط المجتهد إحاطته ~~بمدارك الأحكام "، أي: طرقها التي تدرك منها، ويتوصل بها إليها، " وهي ~~الأصول " المتقدم ذكرها، وهي الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، ~~والاستدلال، والأصول المختلف فيها، " وما يعتبر للحكم في الجملة " من حيث ~~الكمية والمقدار حيث يعتبر ذلك للحكم، أو من حيث الكيفية كتقديم ما يجب ~~تأخيره، وتأخير ما يجب تقديمه، لأن ذلك كله آلة للمجتهد في استخراج الحكم، ~~فوجب اشتراطه، كالقلم للكاتب، والقدوم ونحوه للنجار. # قوله: «فالواجب عليه من الكتاب معرفة ما يتعلق بالأحكام منه، وهو قدر ~~خمسمائة آية» ، إلى آخره. # هذا تفصيل للجملة المذكورة في ### | ما يشترط للمجتهد. # أما الكتاب: فالواجب عليه أن يعرف منه ما يتعلق بالأحكام، وهو قدر ~~خمسمائة آية، كما قال الغزالي وغيره، والصحيح أن هذا التقدير غير معتبر، ~~وأن مقدار أدلة الأحكام في ذلك غير منحصر، فإن أحكام الشرع كما تستنبط من ~~الأوامر والنواهي؛ كذلك تستنبط من الأقاصيص والمواعظ ونحوها، # PageV03P577 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فقل أن يوجد في القرآن آية إلا ~~ويستنبط منها شيء من الأحكام. وإذا أردت تحقيق هذا، فانظر إلى كتاب «أدلة ~~الأحكام» للشيخ عز الدين بن عبد السلام، وكأن هؤلاء الذين حصروها في ~~خمسمائة آية إنما نظروا إلى ما قصد منه بيان الأحكام دون ما استفيدت منه، ~~ولم يقصد به بيانها. # قوله: «بحيث يمكن استحضارها للاحتجاج بها، لا حفظها» ، أي: القدر المعتبر ~~معرفته للمجتهد من القرآن الكريم لا يشترط في حقه أن يحفظه، وإن حفظه، فلا ~~يشترط حفظه بلفظه، بل يكفيه أن يكون مستحضرا، بمعنى أنه يعرف مواقعه من ~~مظانه، ms1075 ليحتج به عند الحاجة إليه، لأن مقصود الاجتهاد - وهو إثبات الحكم ~~بدليله - يحصل بذلك. # قوله: «وكذلك من السنة» ، أي: ويشترط أن يعرف من السنة الأحاديث التي ~~تتعلق بالأحكام، كما يشترط أن يعرف الآيات التي تتعلق بها من القرآن # قلت: فالكلام هنا في التقدير، كالكلام هناك، أعني أن استنباط الأحكام لا ~~يتعين له بعض السنة دون بعض، بل قل حديث يخلو عن الدلالة على حكم شرعي. ومن ~~نظر في كلام العلماء على دواوين الحديث، كالقاضي عياض، والنواوي على «صحيح ~~مسلم» ، والخطابي وغيره على «البخاري» ، وفي شرح «سنن أبي داود» وغيرها؛ ~~عرف ذلك. # نعم أحاديث السنة وإن كثرت، فهي محصورة في الدواوين، والمعول عليه منها ~~مشهور، كالصحيحين وبقية السنن الستة وما أشبهها. وقد قرب # PageV03P578 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الناس ذلك بتصنيف كتب الأحكام، ~~ككتابي عبد الغني بن سرور، وكتب الحافظ عبد الحق المغربي، وكتاب «الأحكام ~~التيمية» ونحوها، وأجمع ما رأيته من كتب الأحكام لها أحكام المحب الطبري، ~~فصار الوقوف على ما احتيج إليه من أحاديث الأحكام سهل المرام و «مختصر ~~الترمذي» الذي ألفه نافع في هذا الباب. # قوله: «ومعرفة صحة الحديث اجتهادا» ، إلى آخره. أي: ويشترط للمجتهد مع ~~معرفته بأحاديث الأحكام، ومعرفته بذلك إما بالاجتهاد فيه بأن يكون له من ~~الأهلية والقوة في علم الحديث ما يعرف به صحة مخرج الحديث. أي: طريقه الذي ~~ثبت به، ومن رواية أي البلاد هو، أو أي التراجم، ويعلم عدالة رواته وضبطهم. # وبالجملة يعلم من حاله وجود شروط قبوله، وانتفاء موانعه، وموجبات رده. # وإما بطريق التقليد، بأن ينقله «من كتاب صحيح ارتضى الأئمة رواته» ، # PageV03P579 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # كالصحيحين، وسنن أبي داود، ونحوها، ~~لأن ظن الصحة يحصل بذلك، وإن كان الأول أعلى رتبة من الثاني لتحصيله من ~~الظن أكثر. # قوله: «والناسخ والمنسوخ منهما» ، أي: من الكتاب والسنة، لأن المنسوخ بطل ~~حكمه، وصار العمل على الناسخ، فإن لم يعرف الناسخ من المنسوخ، أفضى إلى ~~إثبات المنفي، ونفي المثبت، وقد اشتدت وصية السلف واهتمامهم بمعرفة الناسخ ~~والمنسوخ، حتى روي عن علي - رضي الله عنه - أنه رأى ms1076 قاصا يقص في مسجد ~~الكوفة وهو يخلط الأمر بالنهي والإباحة بالحظر، فقال له: أتعرف الناسخ من ~~المنسوخ؟ قال: لا، قال: هلكت وأهلكت، ثم قال له: أبو من أنت؟ قال: أبو ~~يحيى، قال: أنت أبو اعرفوني، ثم أخذ أذنه ففتلها، وقال: لا تقص في مسجدنا ~~بعد. # «ويكفيه» من معرفة الناسخ والمنسوخ أن يعرف «أن دليل هذا الحكم غير ~~منسوخ» ، يعني ولا يشترط أن يعرف جميع الأحاديث المنسوخة من الناسخة، ~~والإحاطة بمعرفة ذلك أيسر من غيره، لقلة المنسوخ بالنسبة إلى المحكم من ~~الكتاب والسنة. وقد صنف في ناسخ القرآن ومنسوخه أبو جعفر النحاس، والقاضي ~~أبو بكر بن العربي، ومكي صاحب «الإعراب» ، ومن المتقدمين هبة الله بن ~~سلامة، ومن المتأخرين ابن الزاغوني، وابن الجوزي وغيرهم، وفي ناسخ الحديث ~~ومنسوخه الشافعي، وابن قتيبة، وابن شاهين، وابن الجوزي، وغيرهم، ويعرف ذلك ~~معرفة جيدة من تفاسير القرآن والحديث البسيطة كتفسير القرطبي، وشرح مسلم ~~للنواوي، وغيرهما. وقد سبقت الطرق التي يعرف بها الناسخ والمنسوخ. # قوله: «ومن الإجماع» . أي: ويشترط للمجتهد أن يعرف من الإجماع # PageV03P580 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # «ما تقدم فيه» ، أي: في باب ~~الإجماع من هذا الكتاب وغيره. مثل أن الإجماع حجة، وأن المعتبر فيه اتفاق ~~المجتهدين، وأنه لا يختص باتفاق بلد دون بلد، ونحو ذلك من مسائله السابق ~~تقريرها. # قوله: «ويكفيه معرفة أن هذه المسألة مجمع عليها أم لا» . # هذا كما سبق في القدر الكافي من الناسخ والمنسوخ، وهو أن يعلم أن هذه ~~المسألة مما أجمع عليه، أو مما اختلف فيه، ولا يشترط أن يعلم الإجماع ~~والخلاف في جميع المسائل، ولعل هذا ينزع إلى تجزؤ الاجتهاد على ما سيأتي إن ~~شاء الله تعالى. # قوله: «ومن النحو واللغة» ، إلى آخره. أي: ويشترط للمجتهد أن يعرف «من ~~النحو واللغة ما يكفيه في معرفة ما يتعلق بالكتاب والسنة من نص وظاهر، ~~ومجمل، وحقيقة ومجاز، وعام وخاص، ومطلق ومقيد، ودليل خطاب ونحوه» ، كفحوى ~~الخطاب ولحنه ومفهومه، لأن بعض الأحكام يتعلق بذلك ويتوقف عليه توقفا ~~ضروريا، كقوله - عز وجل -: {والجروح قصاص} [المائدة: 45] ، يختلف الحكم ms1077 ~~برفع (الجروح) ونصبها كما سبق في أن شرع من قبلنا شرع لنا، وكقوله - عليه ~~السلام -: لا نورث، ما تركنا صدقة الرواية بالرفع وهو يقتضي أن الأنبياء لا ~~يورثون مطلقا، ورواه الشيعة «صدقة» بالنصب وهو يقتضي نفي الإرث عما تركوه ~~للصدقة، ومفهومه أنهم يورثون غيره من الأموال، حتى إنهم بناء على ذلك ظلموا ~~أبا # PageV03P581 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بكر - رضي الله عنه - وشنعوا عليه ~~بأنه منع فاطمة حقها، وكقوله - عليه السلام -: اقتدوا باللذين من بعدي أبي ~~بكر وعمر رواه الشيعة بالنصب أبا بكر وعمر على النداء، أي: يا أبا بكر، ~~فعلى رواية الجر هما مقتدى بهما، وعلى رواية النصب هما مقتديان بغيرهما، ~~وكذلك قوله - عليه السلام - في حديث محاجة آدم وموسى: فحج آدم موسى برفع ~~آدم على أنه فاعل وموسى مفعول، وعكس القدرية ذلك، فنصبوا آدم تصحيحا لمذهب ~~القدر. # وقد فرق الفقهاء بين من يعرف العربية وغيره في مسائل كثيرة من باب الطلاق ~~والإقرار على ما تقرر في كتب الفقه، وبنى محمد بن الحسن على قواعد العربية ~~كثيرا من ذلك، كفرقه بين قول القائل: أي عبيدي ضربك فهو حر، وبين قوله: أي ~~عبيدي ضربته، فهو حر، وذكر الجرجاني جملة من ذلك في كتاب مفرد، وذكرت كثيرا ~~من ذلك في كتاب «الرد على منكري العربية» . # وعلم تتعلق به الأحكام الشرعية هذا التعلق جدير أن يكون معتبرا في ~~الاجتهاد، ويلحق بالعربية التصريف لما يتوقف عليه من معرفة أبنية الكلم ~~والفرق بينهما كما سبق في باب المجمل من لفظ مختار ومغتال، فاعلا ومفعولا. # قوله: «لا تفاريع الفقه» . أي: إنما يشترط للمجتهد أن يعرف ما ذكرنا، ولا ~~يشترط أن يعرف تفاريع الفقه التي يعنى بتحقيقها الفقهاء، لأن ذلك «من فروع ~~الاجتهاد» التي ولدها المجتهدون بعد حيازة منصبه، فلو اشترطت معرفتها في ~~الاجتهاد، لزم الدور، لتوقف الأصل الذي هو الاجتهاد على # PageV03P582 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الفرع الذي هو تفاريع الفقه، وكذلك ~~لا يشترط معرفة دقائق العربية والتصريف حتى يكون كسيبويه، والأخفش، ~~والمازني، والمبرد، والفارسي، وابن جني ونحوهم، لأن المحتاج إليه منها في ~~الفقه دون ms1078 ذلك. # قوله: «وتقرير الأدلة ومقوماتها» . أي: ويشترط للمجتهد أن يعرف «تقرير ~~الأدلة» وما يتقوم ويتحقق به كيفية نصب الدليل ووجه دلالته على المطلوب، ~~وربما اشترط بعضهم معرفة المنطق، إذ به تتحقق معرفة نصب الأدلة، وتقرير ~~مقدماتها ووجه إنتاجها المطالب، لكونه ضابطا للأشكال المنتجة من غيرها، ~~والحق أن ذلك لا يشترط، لكنه أولى وأجدر بالمجتهد خصوصا في زماننا هذا الذي ~~قد اشتهر فيه علم المنطق، حتى إن من لا يعرفه ربما عد ناقص الأدوات عند ~~أهله، وإنما قلنا: لا يشترط، لأن السلف كانوا مجتهدين، ولم يعرفوا المنطق ~~الاصطلاحي، لأنهم كانوا يعرفون كيفية نصب الأدلة ودلالاتها على المطالب ~~بالدربة والقوة، فمن بعدهم إذا أمكنه ذلك مثلهم فيه، وكذلك نقول فيمن ساعده ~~طبعه على صواب الكلام واجتناب اللحن فيه لم يشترط له علم العربية. # قال الآمدي: ويشترط للمجتهد أيضا أن يكون عالما بوجود الرب تعالى، وبما ~~يجوز عليه، وما لا يجوز عليه من الصفات النفسية وغيرها، مصدقا بالرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - وبما جاء به من الشرع المنقول، كل بدليله من جهة ~~الجملة، لا من جهة التفصيل. # وقال الغزالي: ليس معرفة الكلام بالأدلة المجردة فيه على عادة # PageV03P583 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المتكلمين شرطا في الاجتهاد، بل هو ~~من ضرورة منصب الاجتهاد، إذ لا يبلغ رتبة الاجتهاد في العلم إلا وقد قرع ~~سمعه أدلة الكلام فيعرفها، حتى لو تصور مقلد محض في تصديق الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - وأصول الإيمان، لجاز له الاجتهاد في الفروع بالشروط ~~المذكورة، هذا معنى كلامه. # قال: والقدر الواجب من ذلك اعتقاد جازم، إذ به يصير مسلما، والإسلام شرط ~~المفتي لا محالة. # قلت: المشترط في الاجتهاد معرفة ما يتوقف عليه حصول ظن الحكم الشرعي، ~~سواء انحصر ذلك في جميع ما ذكر، أو خرج عنه شيء لم يذكر فمعرفته معتبرة. # PageV03P584 # ومن حصل شروط الاجتهاد في مسألة، فهو مجتهد فيها وإن ~~جهل حكم غيرها. ومنعه قوم لجواز تعلق بعض مداركها بما يجهله، وأصله الخلاف ~~في تجزؤ الاجتهاد. # ولنا: قول كثير من السلف الصحابة وغيرهم: لا أدري، ms1079 حتى قاله مالك في ست ~~وثلاثين مسألة من ثمان وأربعين. # قالوا: لتعارض الأدلة. # قلنا: (لا أدري) أعم من ذلك، والأصل عدم العلم. # ولا يشترط عدالته في اجتهاده بل في قبول فتياه وخبره. # قوله: «ومن حصل شروط الاجتهاد في ~~مسألة، فهو مجتهد فيها وإن جهل حكم غيرها، ومنعه قوم» ، إلى آخره. # يعني: أن هذه الشروط المذكورة كلها إنما تشترط للمجتهد المطلق الذي يفتي ~~في جميع الشرع، كالأئمة الأربعة - رضي الله عنهم - ونحوهم. أما من أفتى في ~~فن واحد، أو في مسألة واحدة، وجد فيه شروط الاجتهاد بالنسبة إلى ذلك الفن، ~~أو تلك المسألة، فلا يشترط له ذلك، وجاز له أن يجتهد فيما حصل شروط ~~الاجتهاد فيه، كمن عرف أصول الفرائض والحساب وهو فقيه النفس فيها عارفا ~~بمعانيها جاز له أن يجتهد في مسألة المشركة، ومسائل المناسخات والجد، ~~والمفقود ونحو ذلك، وإن لم يكن له معرفة بمسائل البيع، والنكاح، والأخبار ~~الواردة فيها، ونحوها من مسائل الفروع. # ومنع ذلك قوم من الأصوليين، فقالوا: لا يجتهد في مسألة إلا من حصل # PageV03P585 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # شروط الاجتهاد المطلق «لجواز تعلق» ~~مدارك تلك المسألة «بما يجهله» ، فإن العلوم والفنون والمسائل يمد بعضها ~~بعضا، ويبرهن في بعضها على بعض، فمن جهل فنا، نقص عليه مادة فن آخر. ولهذا ~~تزيد مادة العلم في فن بتحصيله فنا آخر، فإذا عرف الكلام والمنطق ونحو ذلك ~~من المعقولات، ظهر أثر ذلك في صحة تصوره للحقائق، وتقريره للأدلة وتركيبه ~~للأقيسة، وإذا عرف الحساب والهندسة، ظهر أثر ذلك في مهارته في الفرائض ~~والوصايا، واستخراج المجهولات، وعلى هذا فقس. وإذا جاز تعلق بعض مدارك ~~المسألة بما يجهله من المسألة لم يكن مجتهدا فيها مطلقا، فلا يجوز له ~~الاجتهاد. # قوله: «وأصله الخلاف في ### | تجزؤ الاجتهاد» . # يعني أن أصل هذا النزاع هو الخلاف في أن منصب الاجتهاد هل يصح أن يتجزأ ~~بمعنى: أن ينال العالم رتبة الاجتهاد في بعض الأحكام دون بعض؟ وقد أجازه ~~الغزالي وغيره، وهو الحق، ومسألة النزاع وأصلها هذا المذكور واحد عند ~~التحقيق. # قوله: «لنا» ، إلى ms1080 آخره. هذا هو الدليل على تجزؤ الاجتهاد، وتقريره: أن ~~كثيرا من أئمة السلف الصحابة وغيرهم كانوا يسألون عن بعض مسائل الأحكام، ~~فيقولون: لا ندري، «حتى قاله مالك - رضي الله عنه -» ، أي: قال: لا أدري ~~«في ست وثلاثين مسألة من ثمان وأربعين» ، يعني أنه سئل عن ثمان وأربعين ~~مسألة، فقال في ست وثلاثين منها: لا أدري، وقد توقف الشافعي وأحمد - رضي ~~الله عنهما - بل الصحابة والتابعون - رضي الله عنهم - # PageV03P586 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # في الفتاوى كثيرا، فلو كان ~~الاجتهاد المطلق في جميع الأحكام، شرطا في الاجتهاد في كل مسألة على حدتها؛ ~~لما كان هؤلاء الأئمة مجتهدين، لكنه خلاف الإجماع، فدل على أن ذلك لا ~~يشترط. # قوله: «قالوا: لتعارض الأدلة، قلنا: (لا أدري) أعم من ذلك، والأصل عدم ~~العلم» هذا سؤال من المانعين لتجزؤ الاجتهاد. # وتقريره: أنا لا نسلم أن قول مالك وغيره: لا أدري، كان لعدم آلة الاجتهاد ~~فيما سئلوا عنه، وإنما كان ذلك لتعارض الأدلة عندهم، وذلك لا يقدح في كونهم ~~مجتهدين، إذ شأن المجتهد الجواب تارة، والتوقف أخرى، بحسب ظهور الدليل ~~وخفائه. وحينئذ ما اجتهد منهم في آحاد المسائل إلا مجتهد مطلق باجتهاد كلي ~~لا جزئي. وحينئذ لا يصح دليلكم على تجزؤ الاجتهاد. # وتقريره الجواب من وجهين: # أحدهما: أن قول الواحد منهم: لا أدري؛ أعم من أن يكون لتعارض الأدلة في ~~تلك المسألة، أو لعدم اجتهاده فيها، فحمله على أحدهما لا دليل عليه، إذ هو ~~أمر خفي لا يعرف إلا من جهة ذلك الإمام المفتي، ولم يوجد منه إخبار به. # والوجه الثاني: أن الأصل عدم علم ذلك الإمام بحكم تلك المسألة، فيستصحب ~~فيه الحال، ويحمل على أنه إنما وقف في الجواب لعدم علمه به، فمن ادعى خلاف ~~ذلك فعليه الدليل. # PageV03P587 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «ولا يشترط عدالته في ~~اجتهاده، بل في قبول فتياه وخبره» . # أي: لا يشترط عدالة المجتهد في كونه مجتهدا، لأن تصور الأحكام، واقتناصها ~~بالأدلة يصح من العدل والفاسق، بل والكافر. ولهذا اجتهد الكفار في مللهم، ~~وصنفوا فيها الدواوين، وإنما تشترط عدالته لقبول فتياه، ms1081 وإخباره أن هذا حكم ~~الله - عز وجل - وأن الدليل الشرعي دل عليه. # وفائدة هذا التفصيل: أن الفاسق له أن يجتهد في الحكم، ويأخذ به لنفسه، ~~أي: يعمل به، ولا يلزم غيره العمل باجتهاده وقبول خبره فيها بدون العدالة، ~~فلو أدى الفاسق اجتهاده إلى أن ما دون القلتين لا ينجس إلا بالتغيير، لزمه ~~استعماله إذا كان لم يجد غيره للصلاة، ولا يلزم ذلك غيره ممن لا اجتهاد له، ~~ويعدل إلى التيمم. وهذه تشبه ما سبق في اعتبار الفاسق في الإجماع، وأن ~~إجماعه معتبر في حق نفسه، دون غيره. # PageV03P588 # ثم ههنا مسائل: # الأولى: يجوز التعبد بالاجتهاد في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~للغائب عنه، وللحاضر بإذنه وبدونه عند أكثر الشافعية، ومنعه قوم مطلقا. # وقيل: في الحاضر دون الغائب. # لنا: حديث معاذ، وحكم سعد بن معاذ في بني قريظة باجتهاد بحضرته - صلى ~~الله عليه وسلم - وأذن لعمرو بن العاص وعقبة بن عامر، ولرجلين من الصحابة ~~فيه، ولأنه لا محال فيه، ولا يستلزمه. # قالوا: كيف يعمل بالظن مع إمكان العلم بالوحي. # قلنا: لعله لمصلحة، ثم قد تعبد النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحكم ~~بالشهود وبالشاهد واليمين مع إمكان الوحي في كل واقعة بالحق الجازم فيها. # «ثم ههنا مسائل» ، يعني ما سبق من ~~الكلام في الاجتهاد، هو كالقاعدة الكلية له، ثم فيه مسائل كالجزئيات: # المسألة «الأولى: يجوز التعبد بالاجتهاد» من قياس وغيره، «في زمن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - للغائب عنه» . أما «الحاضر» ، فيجوز له ذلك «بإذنه» ~~عليه الصلاة والسلام، وأما بدون إذنه، فأجازه «أكثر الشافعية، ومنعه» ، أي: ~~ومنع ### | الاجتهاد في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - # «قوم مطلقا» ، يعني للغائب والحاضر، بإذنه أو بدونه. # وقال آخرون: يمتنع في حق الحاضر عند النبي - صلى الله عليه وسلم - دون ~~الغائب عنه، فالمذاهب إذن ثالثها الفرق بين الحاضر والغائب، ورابعها ولم ~~يذكر في «المختصر» الوقف فيه في الجملة. # PageV03P589 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وحكى الغزالي المنع والجواز، ~~والفرق بين القضاة والولاة في غيبته، لا في حضوره، دون غيرهم، والمجوزون ~~منهم من ms1082 اشترط الإذن، ومنهم من اكتفى بالسكوت، واختار هو الجواز في غيبته ~~وحضرته، مع إذنه أو سكوته. # قلت: وفي المسألة تفصيل أظنه أكثر من هذا، والنزاع إما في الجواز عقلا أو ~~شرعا، أو في الوقوع، والظاهر إثبات الجميع. # قوله: «لنا» إلى آخره. أي: لنا على جواز ذلك وجوه: # أحدها: «حديث معاذ» حيث قال: أجتهد رأيي، فأقره النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وهو حكم بالاجتهاد في زمنه. # قلت: لكن من يفرق بين القاضي وغيره، أو بين الغائب وغيره، لا يلزمه هذا. # الوجه الثاني: أن سعد بن معاذ، حكم في قريظة، لما حصرهم النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ونزلوا على حكم سعد: أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم، وكان ذلك ~~بحضرته - عليه السلام - فصوب حكمه وقال: لقد حكمت فيهم بحكم الملك، وفي ~~رواية: بحكم الله من فوق سبعة أرقعة. أو: سماوات. # PageV03P590 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قلت: ومن يجعل سعدا واليا، ويفرق ~~بين الوالي وغيره، لا يلزمه هذا أيضا. # الوجه الثالث: أنه - عليه السلام - أذن لعمرو بن العاص وعقبة بن عامر، ~~ولرجلين من الصحابة فيه، أي: في الاجتهاد، فقال لعمرو في بعض القضايا: ~~«احكم» ، فقال: أجتهد وأنت حاضر؟ ! قال: نعم إن أصبت فلك أجران، وإن أخطأت ~~فلك أجر وقال لعقبة بن عامر وصاحبيه: اجتهدوا فإن أصبتم، فلكم عشر حسنات ~~وإن أخطأتم فلكم حسنة فهذا من غيره بحضرته. # قلت: ومن يفرق بين الإذن وغيره لا يلزمه هذا، لأنه بإذن من الشارع. # قلت: وهذه الآثار ذكرها الشيخ أبو محمد، ولم أقف منها إلا على حديث عمرو ~~بن العاص - رضي الله عنه - رواه عبد بن حميد في مسنده بإسناده. # الوجه الرابع: أن الاجتهاد في زمنه - عليه الصلاة والسلام - على سائر ~~التفاصيل فيه، لا هو محال في نفسه، ولا يستلزم المحال عقلا ولا شرعا. وما ~~كان كذلك فهو جائز، فالاجتهاد في زمنه جائز، والدليل بين غني عن تقرير ~~مقدماته. # قوله: «قالوا» يعني المانعين، قالوا: الاجتهاد في زمن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عمل بالظن، مع إمكان علم حكم الواقعة بالوحي، من جهة الرسول ms1083 # PageV03P591 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # عليه السلام، والعدول عن العلم إلى ~~الظن غير جائز، لأنه تهاون بالأحكام، وترك للأقوى منها إلى الأضعف، فلا ~~يجوز، كترك النص أو الإجماع إلى القياس. # قوله: «قلنا» : الجواب عن ذلك أن العمل مع إمكان العلم بالوحي «لعله ~~لمصلحة» ، أي: لعل فيه مصلحة للمكلفين، والشرع موضوع لتحصيل المصالح، وإذا ~~جاز أن يتضمن مصلحة، وقد وقع ما يدل عليه، وجب القول بصحته. # قوله: «ثم قد تعبد» ، إلى آخره. هذا نقض لدليلهم المذكور، أي: ثم بعد ~~جوابنا عما ذكرتموه، هو منقوض بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد تعبد ~~بالحكم في الحقوق «بالشهود وبالشاهد واليمين» ، وهو إنما يفيد الظن «مع ~~إمكان الوحي في كل واقعة» من ذلك وغيره «بالحق الجازم» ، والعلم القاطع ~~«فيها» . # ومما احتجوا به: أن ما ذكرتموه على الجواز أخبار آحاد، والمسألة قطعية، ~~فلا يثبت بها، والجواب بمنع كونها قطعية. # PageV03P592 # الثانية: يجوز أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~متعبدا بالاجتهاد فيما لا نص فيه، خلافا لقوم. # لنا: لا محال ذاتي، ولا خارجي. # قالوا: يمكنه التحقيق بالوحي، والاجتهاد عرضة الخطأ. # قلنا: الظن متبع شرعا ولا يخطئ لعصمة الله له، أو لا يقر عليه فيستدرك، ~~أما وقوعه فاختلف فيه أصحابنا والشافعية، وأنكره أكثر المتكلمين. # لنا: (اعتبروا) وهو عام، فيجب الامتثال، وعوتب في أسارى بدر والإذن ~~للمخلفين، ولو كان نصا لما عوتب، وقال: «إلا الإذخر» و «لو قلت: نعم. ~~لوجبت» ولو سمعت شعرها لما قتلته، وقال له السعدان والحباب: إن كان هذا ~~بوحي فسمع وطاعة، وإن كان باجتهاد فليس هذا هو الرأي، فقال: بل باجتهاد ~~ورأي رأيته ورجع إلى قولهم. # وقد حكم داود - عليه السلام - باجتهاده وإلا لما خالفه سليمان، وإلا لما ~~خص بالتفهيم. # المسألة «الثانية: يجوز أن يكون ~~النبي - عليه الصلاة والسلام - متعبدا بالاجتهاد فيما لا نص فيه، خلافا ~~لقوم» . # اعلم أن ما فيه نص إلهي؛ لا يجوز للنبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجتهد ~~فيه بخلاف النص شرعا، لقوله - عز وجل -: {اتبع ما أوحي إليك} [الأنعام: ~~106] . أما ما # PageV03P593 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لا نص فيه، ms1084 فهل هو متعبد بالاجتهاد ~~فيه أم لا؟ والمذاهب فيه أربعة: # أحدها: الإثبات، وهو مذهب أحمد، والقاضي أبو يوسف. # والثاني: النفي، وهو قول أبي علي الجبائي، وابنه أبي هاشم. # والثالث: الإثبات في الحروب والآراء، دون الأحكام الشرعية. # والرابع: تجويزه من غير قطع به. حكاه الآمدي عن الشافعي في رسالته. # قال: وبه قال بعض الشافعية، والقاضي عبد الجبار، وأبو الحسين البصري. # والتحقيق أن الكلام في جواز ذلك ووقوعه، والأصح جوازه، إذ لا يلزم منه ~~محال، ولا أحسب أحدا ينازع في الجواز عقلا، إنما ينازع من ينازع فيه شرعا. # وأما الوقوع، فحكى الغزالي فيه أقوالا، ثالثها الوقف واختاره. وقال ~~القرافي: توقف أكثر المحققين في الكل، واختار الآمدي الجواز والوقوع. # وذكر القرافي أن الشافعي وأبا يوسف قالا بالوقوع. # قوله: «لنا» ، أي: الدليل على جواز كونه متعبدا بالاجتهاد أنه «لا محال» ~~فيه «ذاتي ولا خارجي» ، أي: لا يلزم من فرض وقوعه محال لذاته، ولا لأمر ~~خارج، وكل ما كان كذلك، فهو جائز. # قوله: «قالوا:» . هذه حجة الخصم. # وتقريرها: أنه - عليه السلام - يمكنه تحقيق الأحكام، وتحقيقها بالوحي، ~~«والاجتهاد عرضة الخطأ» فلا يجوز المصير إليه مع القدرة على الصواب قطعا. ~~وهذا نحو مما سبق لهم في المسألة قبلها. # قوله: «قلنا:» ، أي: الجواب عما ذكرتموه من وجهين: # أحدهما: أن «الظن متبع» في الشرع، واجتهاده - عليه السلام - أقل أحواله # PageV03P594 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أن يفيد الظن، فيجب اتباعه كغيره، ~~وأولى. # الثاني: أن الاجتهاد يفيد الظن، وظنه - عليه السلام - لا يخطئ لعصمة الله ~~- عز وجل - له، بخلاف غيره من الناس، أو يخطئ لكنه لا يقر عليه، بل ينبه ~~على الخطأ، فيستدركه، والكلام في «المختصر» إلى ههنا في الجواز. # ومما يدل عليه: مسألة التفويض، وهي ما إذا قيل للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: احكم برأيك، فإنك لا تحكم إلا بالحق، والصحيح جوازه. وهو اجتهاد ~~فيما لا نص فيه، وفيه نظر. # قوله: «أما وقوعه» ، أي: وقوع الاجتهاد منه فيما لا نص فيه، «فاختلف فيه ~~أصحابنا والشافعية، وأنكره أكثر المتكلمين» . وقد سبقت حكاية المذاهب فيه. # قوله: لنا ms1085 «اعتبروا» إلى آخره. أي: لنا على وقوعه وجوه: # أحدها: قوله - عز وجل -: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} [الحشر: 2] ، وهو ~~عام في الرسول وغيره، فيتناوله الأمر بالاعتبار، وهو الاجتهاد، ويجب عليه ~~الامتثال، وإلا كان عاصيا، وهو مع عصمة النبوة محال. # قلت: هذا يقتضي وجوب الاجتهاد عليه. # الوجه الثاني: أنه - عليه السلام - «عوتب في أسارى بدر» ، حيث قبل منهم ~~الفداء، ولم يقتلهم، بقوله تعالى: ما كان لنبي أن تكون له أسرى حتى يثخن في ~~الأرض إلى قوله - عز وجل -: {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب ~~عظيم} [الأنفال: 67، 68] ، وعوتب في إذنه للمخلفين عن القتال في غزاة تبوك، ~~بقوله - عز وجل -: {عفا الله عنك لم أذنت لهم} [التوبة: # PageV03P595 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # 43] ، ولو كان ذلك عملا منه بالنص، ~~لما عوتب، فدل على أنه كان بالاجتهاد. # الوجه الثالث: أنه - عليه الصلاة والسلام - لما قال في شأن مكة شرفها ~~الله تعالى: لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها قال العباس - رضي الله عنه -: ~~إلا الإذخر يا رسول الله، فإنه لبيوتنا وقبورنا - أو: لقبورنا - فقال: إلا ~~الإذخر. وهذا يدل على أنه استثناه باجتهاده، إجابة للعباس - رضي الله عنه - ~~إلى المصلحة العامة، إذ لو دخل الإذخر في عموم المنع منه؛ لما جاز أن يجيب ~~العباس إليه. # ولما سأله الأقرع بن حابس عن الحج: ألعامنا هذا، أم للأبد؟ قال: للأبد، ~~ولو قلت: لعامنا، لوجبت الكلمة أو الحجة مكررة كل عام. وهذا يدل على أنه ~~قاله باجتهاده. # قلت: إنما يدل هذا على جواز الاجتهاد إن دل، والكلام في الوقوع. ولما قتل ~~النضر بن الحارث ببدر، جاءت أخته قتيلة بنت الحارث، فأنشدته أبياتا منها: # PageV03P596 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أمحمد ولأنت نجل كريمة ... من ~~قومها والفحل فحل معرق # ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق # فقال - عليه السلام -: لو سمعت شعرها قبل قتله، ما قتلته، ولو قتله ~~بالنص، لما قال ذلك. # «وقال له السعدان» : يعني سعد بن معاذ وسعد بن عبادة - رضي الله عنهما - ~~لما أراد صلح الأحزاب على شطر نخل المدينة، وقد كتب بعض ms1086 الكتاب بذلك: إن ~~كان بوحي، فسمعا وطاعة، «وإن كان باجتهاد، فليس هذا هو الرأي» ، وكذلك ~~الحباب بن المنذر؛ لما أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينزل ببدر دون ~~الماء؛ قال له: إن كان هذا بوحي، فنعم، وإن كان الرأي والمكيدة، فانزل ~~بالناس على الماء، لتحول بينه وبين العدو، فقال لهم: ليس بوحي إنما هو رأي ~~واجتهاد رأيته «ورجع إلى قولهم» ، فدل على أنه متعبد بالاجتهاد. # PageV03P597 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قلت: ومن يفرق بين الحروب والآراء، ~~والأحكام لا يلزمه هذا، ولا قصة النضر بن الحارث، وفداء الأسارى، والإذن ~~للمخلفين، لأنها من متعلقات الحروب. # ويرد على هذه الصور جميعها جواز اقتران الوحي بها، أو تقدمه عليها، بأن ~~يكون قد أوحي إليه: إذا كان كذا فافعل كذا، وتخصيص قضية الحج بأن يكون معنى ~~كلامه: لو قلت: لعامنا، لما قلت إلا عن وحي، ولوجب - لا محالة - تكراره. # الوجه الرابع: أن داود وسليمان عليهما السلام حكما في الحرث إذ نفشت فيه ~~غنم القوم باجتهادهما، أما داود؛ فلأنه لو لم يكن حكم باجتهاده، لما جاز ~~لسليمان - عليه السلام - أن يخالفه، ولا لداود أن يرجع إليه، وأما سليمان؛ ~~فلأنه لو لم يكن حكم باجتهاده، لما خص بالتفهيم بقوله - سبحانه وتعالى -: ~~{ففهمناها سليمان} [الأنبياء: 79] على طريق المدح. # ولقائل أن يقول: يحتمل أن سليمان لم يعلم أن داود حكم بالوحي، فلذلك ~~خالفه، وأن تفهيم سليمان كان بالنص كقوله - عز وجل -: {وعلمك ما لم تكن ~~تعلم} [النساء: 113] وهو بالوحي. # ويجاب عنه: بأن داود لو حكم بالوحي، لما رجع إلى قول سليمان، ولرجع ~~سليمان عن رأيه لما علم بالوحي، وسليمان لم يكن بعد قد أوحي إليه، لأن ~~القصة كانت وهو صبي بعد. وفي هذه القصة دليل على جواز تعبد نبينا - صلى ~~الله عليه وسلم - باجتهاده، لأن هذين نبيان قد حكما باجتهادهما. وقد أمر أن ~~يقتدي بهما وبغيرهما من الأنبياء، لقوله - عز وجل -: {أولئك الذين هدى الله ~~فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] . ولقائل أن يقول: الأمر بالاقتداء بهم مطلق ~~لا عموم له، فلا يتناول الحكم بالاجتهاد. # PageV03P598 # قالوا: ms1087 ما ينطق عن الهوى، ولو اجتهد لنقل واستفاض، ~~ولما انتظر الوحي، ولاختلف اجتهاده، فكان يتهم. # قلنا: الحكم عن الاجتهاد ليس عن الهوى، لاعتماده على إذن ودليل، وليس من ~~ضرورة الوقوع النقل، فضلا عن الاستفاضة، ثم ما ذكرنا مشتهر، وانتظار الوحي ~~عند التعارض واستبهام وجه الحق والتهمة لا تأثير لها، إذ قد اتهم في النسخ ~~ولم يبطله، ولا يترك حقا لباطل، ثم الاجتهاد منصب كمال لشحذه القريحة، ~~وحصول ثوابه، فهو - صلى الله عليه وسلم - أولى الناس به. # قوله: «قالوا» : يعني المانعين ~~احتجوا على عدم الوقوع بوجوه: # أحدها: أن الحكم بالاجتهاد حكم بالهوى، وهو ممتنع في حقه وحق غيره، لقوله ~~- عز وجل -: {وما ينطق عن الهوى} [النجم: 3] ، {ولا تتبع الهوى} [ص: 26] ، ~~أو نقول: هو لا ينطق عن الهوى عملا بالوحي الصادق، والحكم بالاجتهاد حكم ~~بالهوى، فهو لا ينطق به، فلا يصدر عنه، لأنه معصوم منه. # الوجه الثاني: «لو اجتهد، لنقل واستفاض» ؛ لكنه لم ينقل مستفيضا، فدل على ~~أنه لم يجتهد، والقضايا التي ذكرت في ذلك محتملة، ثم هي آحاد لا تفيد. # الوجه الثالث: لو كان مجتهدا في الأحكام «لما انتظر الوحي» في بعض # PageV03P599 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الوقائع، كقصة بنات سعد بن الربيع ~~في تركة سعد بن الربيع؛ حتى نزلت: {يوصيكم الله في أولادكم} [النساء: 11] ؛ ~~لكنه كان ينتظر الوحي، فدل على أنه لم يجتهد في الأحكام. # الوجه الرابع: لو اجتهد في الأحكام، «لاختلف اجتهاده» فيها، كسائر ~~المجتهدين، «فكان يتهم» بسبب تغير الرأي، وكان يلزم من اجتهاده مفسدة أرجح ~~من مصلحته، وهي مفسدة تنفير الناس عنه. # قوله: «قلنا» ، أي: الجواب عن هذه الوجوه: # أما عن الأول، فبأنا لا نسلم أن الحكم بالاجتهاد نطق عن الهوى، لاعتماده ~~على الإذن والدليل الشرعي، إنما الحكم بالهوى والنطق عنه ما لا يستند إلى ~~شيء من ذلك. # وعن الثاني: أنا لا نسلم أن من ضرورة وقوع الاجتهاد نقله، فضلا عن ~~استفاضته، بل كم من قضية وقعت ولم تنقل، ثم لا نسلم أن قضاياه الاجتهادية ~~لم تشتهر، بل هي مستفيضة مشتهرة. # قولهم: هي ms1088 محتملة. # قلنا: احتمالا بعيدا لا يعول عليه. # قولهم: هي آحاد لا تفيد. # PageV03P600 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قلنا: إن سلمنا أنها آحاد مجردة عن ~~الاستفاضة فلا نسلم أنها لا تفيد في إثبات هذه المسألة، فإنها اجتهادية ~~تثبت بمثل هذه الأخبار. # وعن الثالث: بأن انتظار الوحي لا يدل على عدم وقوع الاجتهاد منه لأنه ~~إنما كان ينتظر الوحي عند تعارض مدارك الحكم، ومسالك الاجتهاد، «واستبهام ~~وجه الحق» أما حيث ظهر له الحكم، فكان يجتهد ولا ينتظر. # وعن الرابع: أنا لا نسلم أنه لو اجتهد، لاختلف اجتهاده، والفرق عصمته، ~~وتأييده الإلهي دونهم. سلمناه؛ لكن غاية ذلك ما ذكرتم من «التهمة» ، لكن ~~«لا تأثير لها، إذ قد اتهم في النسخ» حتى قال السفهاء من الكفار: {ما ولاهم ~~عن قبلتهم التي كانوا عليها} [البقرة: 142] ، وحتى قالوا: إن محمدا يعمل ~~برأيه، فيعمل اليوم شيئا، ويخالفه غدا، ومع ذلك لم يقتض تطرق التهمة بطلان ~~النسخ، لأن ذلك ترك حق لباطل، وهو غير جائز. # قوله: «ثم الاجتهاد» ، إلى آخره. هذا توجيه آخر لوقوع الاجتهاد منه، مؤكد ~~لما سبق. # وتقريره: أن «الاجتهاد منصب كمال لشحذه القريحة» بالنظر في الأدلة ~~ومقدماتها، «وحصول ثوابه» ، أي: ثواب الاجتهاد؛ لما فيه من إتعاب النفس في ~~استخراج الحكم، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - «أولى الناس به» ، ضما لكمال ~~الاجتهاد الكسبي السلبي إلى الكمال المنتجي الإلهي، والله تعالى أعلم ~~بالصواب. # PageV03P601 # الثالثة: قال أصحابنا: الحق قول واحد من المجتهدين ~~عينا في فروع الدين وأصوله، ومن عداه مخطئ. # ثم إن كان في فروع ولا قاطع، فهو معذور في خطئه، مثاب على اجتهاده، وهو ~~قول بعض الحنفية والشافعية. # وقال بعض المتكلمين: كل مجتهد في الفروع مصيب، واختلف فيه عن أبي حنيفة ~~والشافعي، وقال العنبري والجاحظ: لا إثم على من أخطأ الحق مع الجد في طلبه ~~مطلقا، حتى مخالف الملة. والظاهرية، وبعض المتكلمين: الإثم لاحق للمخطئ ~~مطلقا، إذ في الفروع حق متعين عليه دليل قاطع، والعقل قاطع بالنفي الأصلي ~~لغيره، إلا ما استثناه دليل سمعي قاطع، بناء على إنكارهم خبر الواحد ~~والقياس، وربما ms1089 أنكروا الحكم بالعموم والظاهر. # المسألة " الثالثة: قال أصحابنا: ~~الحق " في " قول واحد من المجتهدين عينا "، أي: المصيب معين " في فروع ~~الدين وأصوله، ومن عداه مخطئ، ثم إن كان " يعني خطأ المخطئ " في فروع " ~~الدين، " ولا قاطع "، أي: وليس هناك دليل قاطع عليه، " فهو معذور في خطئه، ~~مثاب على اجتهاده، وهو قول بعض الحنفية والشافعية. وقال بعض المتكلمين: كل ~~مجتهد في الفروع مصيب، واختلف فيه عن أبي حنيفة والشافعي. وقال العنبري ~~والجاحظ: لا إثم على من أخطأ الحق، مع الجد في طلبه مطلقا " يعني في الأصول ~~والفروع، " حتى مخالف الملة " كاليهود والنصارى والدهرية؛ لو جدوا في # PageV03P602 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # طلب الحق ولم يعاندوا. " والظاهرية ~~"، أي: وقالت الظاهرية " وبعض المتكلمين " الإثم لاحق للمخطئ مطلقا، إذ في ~~الفروع حق متعين عليه دليل قاطع، والعقل قاطع بالنفي الأصلي لغيره، إلا ما ~~استثناه دليل سمعي قاطع "، يعني أن الظاهرية وبعض المتكلمين، منهم بشر ~~المريسي، وابن علية، وأبو بكر الأصم، والإمامية من نفاة القياس، قالوا: إن ~~" الإثم لاحق للمخطئ مطلقا " في الأصول والفروع، وعبارة " الروضة " و " ~~المستصفى ": إن الإثم غير محطوط عن المجتهدين في الفروع. ففهمنا أن ذلك في ~~الأصول أولى، لأن في الفروع حقا متعينا، عليه دليل قاطع، لأن الأصل عدم ~~جميع الأحكام، فما ثبت منها بدليل سمعي قاطع، فهو ثابت، وما لم يثبت بدليل ~~قاطع، فهو باق على النفي الأصلي قطعا، ولا يثبت شيء من الأحكام بدليل ظني، ~~إذ لا مجال للظن في الأحكام. # قوله: " بناء على إنكارهم ". أي: وإنما قال هؤلاء هذه المقالة، " بناء ~~على إنكارهم خبر الواحد والقياس، وربما أنكروا الحكم بالعموم والظاهر "، ~~لأن هذه هي مدارك الظنون في الشرع، فإذا أنكروها لم يبق معهم ما يفيد الظن ~~مقتصرا عليه، فتعين ما يفيد القطع، كالنص المتواتر والآحاد الصحيحة، فإنها ~~تفيد العلم عند الظاهرية. # قال الآمدي: إذا كانت المسألة الفقهية ظنية؛ فإن كان فيها نص، وقصر ~~المجتهد في طلبه، فهو مخطئ آثم، وإن لم يكن فيها نص، أو كان فيها نص ولم ~~يقصر في طلبه، فقد ms1090 قال القاضي أبو بكر، وأبو الهذيل، والجبائي وابنه: إن كل ~~مجتهد فيها مصيب، وإن حكم الله تعالى فيها ما أدى إليه ظن المجتهد. # PageV03P603 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وقال ابن فورك، والأستاذ أبو إسحاق ~~الإسفراييني: إن المصيب فيها واحد، وله أجر واحد. # ونقل عن الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد، والأشعري قولان: التخطئة والتصويب. ~~قال: والمختار إنما هو تصويب الواحد، وأنه غير معين. # قلت: هذه المسألة تعرف بمسألة تصويب المجتهد، والكلام فيها كثير، وربما ~~ذكرنا بعد الفراغ منها ما نرجو أن تتحقق به إن شاء الله تعالى. # PageV03P604 # الأول: {ففهمناها سليمان} ولولا تعين الحق في جهة لما ~~خص بالتفهيم، ولولا سقوط الإثم عن المخطئ لما مدح داود ب كلا آتينا. # الثاني: لا غرض للشارع في تعيين حكم، وإنما قصده تعبد المكلف بالعمل ~~بمقتضى اجتهاده الظني، وطلب الأشبه، فإن أصابه أجر أجرين، وإن أخطأه أجر ~~للاجتهاد، وفاته أجر الإصابة، وتخصيص سليمان بالتفهيم لإصابته الأشبه، لا ~~لأن ثم حكما معينا هو مطلوب المجتهد. # قوله: «الأول» ، أي: احتج الأول، ~~وهو القائل: إن الحق في قول واحد بعينه بقوله - سبحانه وتعالى -: {وداود ~~وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ~~ففهمناها سليمان} [الأنبياء: 78 - 79] ولولا أن الحق في جهة بعينها، «لما ~~خص» سليمان «بالتفهيم» ، إذ كان يكون ترجيحا بلا مرجح، «ولولا سقوط الإثم ~~عن المخطئ، لما مدح داود» عليه السلام بقوله - عز وجل -: {وكلا آتينا حكما ~~وعلما} [الأنبياء: 79] ، لأن المخطئ لا يمدح، فدل هذا على أن الحق في قول ~~مجتهد معين، وأن المخطئ في الفروع غير آثم. # قوله: «الثاني» ، أي: احتج الثاني وهو القائل: إن كل مجتهد في الفروع ~~مصيب، وليس هناك حكم مقصود، بل المقصود ما أدى إليه ظن المجتهد؛ بأن قال: ~~«لا غرض للشارع في تعيين حكم دون حكم» لأن الغرض في # PageV03P605 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ذلك إنما يكون لمن بعض الأشياء ~~أولى به من بعض، والشارع ليس كذلك. إذ هذا شأن من يلحقه النفع بفعل الأولى ~~به، والضرر بتركه، والشارع بريء من ذلك، «وإنما قصده تعبد المكلف بالعمل ms1091 ~~بمقتضى اجتهاده الظني، وطلب الأشبه» بمقصود الشرع لو كان له مقصود معين، ~~فإذا اجتهد المكلف في طلب الأشبه، «فإن أصابه أجر أجرين، وإن أخطأه أجر ~~للاجتهاد، وفاته أجر الإصابة» . # قوله: «وتخصيص سليمان بالتفهيم» هذا جواب عن حجة الأول الذي زعم أن الحق ~~معين، وهو أن تخصيص سليمان بالتفهيم، أي: بالإخبار، أنه فهم الحكم «لإصابته ~~الأشبه، لا لأن ثم حكما معينا هو مطلوب للمجتهد» ، وقد فسرنا الأشبه ما هو. # PageV03P606 # فإن قيل: إن عنيتم الأشبه عند الله تعالى، دل على أن ~~عنده حكما معينا، والذي يصيبه المجتهد أشبه من غيره، وإلا فبينوا المراد ~~به. # قلنا: المراد الأشبه بما عهد من حكمة الشرع، ولا يلزم التعيين. # فإن قيل: فلم لا يجوز أن يكون الأشبه في نفس الأمر، هو المعين عند الله ~~تعالى. # قلنا: للقطع بأن لا غرض له في تعيينه. # فإن قيل: لعل تعيينه تضمن مصلحة. # قلنا: ولعل عدمه كذلك، فما المرجح؟ # قالوا: الدليل يستدعي مدلولا قطعيا. # قلنا: المدلول أعم من المعين وغيره، فهو كما ذكرنا. # فإن قيل: الأحكام القياسية محمولة على النصية، والنصية معينة، فكذا ~~القياسية. # قلنا: قياس ظني، وما ذكرناه أظهر. # قوله: " فإن قيل "، إلى آخره. هذا ~~تشكيك على القول بالأشبه. # وتقريره: أن يقال: " إن عنيتم " بالأشبه ما هو أشبه " عند الله - سبحانه ~~وتعالى - دل على أن عنده حكما معينا، والذي يصيبه المجتهد أشبه " بذلك ~~الحكم المعين " من غيره "، فقد ثبت أن الحكم معين، وإن لم تعنوا به هذا ~~فبينوا مرادكم به، حتى نعلمه، ونتكلم عليه بما عندنا. # PageV03P607 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: " قلنا "، أي: الجواب عن هذا ~~السؤال أن " المراد " بالأشبه المطلوب للمجتهد هو " الأشبه بما عهد من حكمة ~~الشرع "، بحيث لو قدرنا أن الشرع لو عين حكما ملائما لحكمته الشرعية، ~~المفهومة من نصوصه وإشارته وإيمائه، لكان مطلوب المجتهد، وما أصابه ~~باجتهاده أشبه بذلك الحكم المقدر، ولا يلزم من ذلك تعيين الحكم في جهة. # قوله: " فإن قيل: "، إلى آخره. هذا سؤال آخر على القول بالأشبه. # وتقريره " أن يقال: " لم لا يجوز أن يكون الأشبه ms1092 " الذي فسرتموه هو " في ~~نفس الأمر " الحكم " المعين عند الله " - عز وجل - لأن الله - عز وجل - لا ~~يختار من الأحكام إلا ما ناسب الحكمة واقتضته، فيكون المعين هو الأشبه، ~~ويلزم تعيين الحكم. # قوله: " قلنا "، أي: الجواب عن هذا السؤال: أنا إنما قلنا بأن الأشبه ليس ~~معينا في نفس الأمر عند الله - عز وجل - " للقطع بأنه لا غرض له في تعيينه ~~" بما سبق آنفا، فلو عينه مع ذلك، لكان تعيينه عبثا. # قوله: " فإن قيل "، إلى آخره. هذا سؤال آخر. # وتقريره: أن تعيين الحكم يجوز قطعا أن يتضمن مصلحة للمكلفين، وإذا جاز ~~ذلك، فلعل تعيين الحكم تضمن مصلحة لهم، فتعين لتحصيلها. # قوله: " قلنا "، أي: الجواب عن هذا أنه معارض بمثله، وهو أن عدم # PageV03P608 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # تعيين الحكم يجوز قطعا أن يتضمن ~~مصلحة لهم، فلذلك لم يتعين تحصيلا لتلك المصلحة، " فما المرجح " لتعيينه ~~على عدمه، مع استوائهما في جواز تضمنهما للمصلحة؟ # " قالوا " يعني القائل بتعيين الحكم: " الدليل يستدعي مدلولا قطعيا " ~~والشرع قد أمر المجتهدين بالاستدلال، فلو لم يكن هناك مدلول، لتجرد الدليل ~~عن المدلول وهو محال، لأن الدليل والمدلول من الإضافيات التي يستلزم بعضها ~~بعضا، كالأب وابنه، والأخ وأخيه. # " قلنا ": أي: الجواب عما ذكرتم أن كون الدليل يستدعي مدلولا مسلم، لكن ~~المدلول أعم من أن يكون معينا، أو غير معين، فإن أردتم به يستدعي مدلولا ~~معينا، فهو محل النزاع وهو ممنوع، وإن أردتم أن يستدعي مدلولا مطلقا، فهو ~~مسلم، وهو ما ذكرناه من الأشبه، ولا يلزم التعيين. # قوله: " فإن قيل "، إلى آخره. هذا سؤال آخر، وتقريره: أن " الأحكام ~~القياسية " أي: الثابتة بالقياس والاجتهاد " محمولة على النصية "، أي ~~الثابتة بالنصوص، ثم إن الأحكام " النصية معينة "، إذ لا معنى للنص على ~~الحكم إلا الكشف عن حقيقته، ليتجه التكليف به، " فكذا القياسية " يجب أن ~~تكون معينة. # قوله: " قلنا "، أي: الجواب عما ذكرتم أنه " قياس ظني "، لأنكم قستم ~~الأحكام القياسية في التعيين، على الأحكام النصية فيه، " وما ذكرناه " من ~~الدليل على عدم التعيين " أظهر "، وقد سبق تقريره، والعمل بأظهر ms1093 الدليلين ~~وأقواهما متعين. # PageV03P609 # الجاحظ: الإثم بعد الاجتهاد قبيح، لا سيما مع كثرة ~~الآراء، واعتوار الشبه وعدم القواطع الجوازم. ويلزمه رفع الإثم عن منكري ~~الصانع والبعث والنبوات، واليهود، والنصارى، وعبدة الأوثان الذين قالوا: ~~{ما نعبدهم إلا ليقربونا} إذ اجتهادهم أداهم إلى ذلك. # وله منع أنهم استفرغوا الوسع في طلب الحق فأثمهم على ترك الجد، لا على ~~الخطأ، وقوله على كل حال مخالف للإجماع، إلا أن يمنع كونه حجة كالنظام، أو ~~قطعيته فلا يلزمه، وقول الظاهرية باطل لبطلان مبناه. # قوله: «الجاحظ» ، أي: احتج الجاحظ ~~على التصويب مطلقا، بأن، تأثيم المجتهد بعد استفراغ وسعه في الاجتهاد قبيح، ~~إذ هو مفض إلى تكليف ما لا يطاق، «لا سيما مع كثرة الآراء» والمذاهب، ~~والمقالات في العالم «واعتوار الشبه» ، أي: تواردها على القلوب، و «عدم» ~~الأدلة «القواطع، الجوازم» على المطالب، فإن التأثيم يزداد قبحا مع ذلك. # قوله: «ويلزمه» هذا إلزام ألزم الناس الجاحظ به على مقالته، وهو أن يلزمه ~~«رفع الإثم» والوعيد «عن» كل كافر؛ من «منكري الصانع، والبعث والنبوات، ~~واليهود والنصارى، وعبدة الأوثان الذين قالوا» : {ما نعبدهم إلا ليقربونا ~~إلى الله زلفى} [الزمر: 3] ، لأن اجتهادهم هو الذي «أداهم إلى ذلك» . # قوله: «وله منع أنهم استفرغوا» ، إلى آخره. هذا الاعتذار للجاحظ عن # PageV03P610 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # هذا الإلزام. # وتقريره: أن للجاحظ أن يمنع أن هؤلاء الكفار «استفرغوا الوسع في طلب ~~الحق» ، أي: لا نسلم أنهم بذلوا المجهود المعتبر لمثلهم في مثل مطلوبهم، ~~فكانوا مفرطين مقصرين، فكان «إثمهم على ترك الجد» والاجتهاد الواجب عليهم، ~~لا على مجرد الخطأ، بل منهم من عاند مع اتضاح الحق له، كما أخبر الله - عز ~~وجل - عن أهل الكتاب بقوله تعالى: {وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه ~~الحق من ربهم} [البقرة: 144] وقوله - عز وجل -: {الذين آتيناهم الكتاب ~~يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون} ~~[البقرة: 146] ، فالكفار إذن طائفتان: معاند ومقصر في الاجتهاد، فعوقبوا ~~لعنادهم وتقصيرهم، ونحن إنما نعذر من اجتهد غاية وسعه فلم يدرك وخلا عن ~~العناد، فظهر الفرق. # قلت: ومنذ خطر ms1094 لي هذا الاعتذار عن الجاحظ، كان يغلب على ظني قوته، وإلى ~~الآن والجمهور مصرون على الخلاف، ولا يتمشى لهم حال إلا على القول بتكليف ~~المحال لغيره، وتساعدهم ظواهر النصوص، نحو قوله - عز وجل -: {ذلك ظن الذين ~~كفروا فويل للذين كفروا من النار} [ص: 27] ، فتوعدهم بالنار على كفرهم، ولم ~~يعذرهم بالخطأ، وعلى الآية اعتراضات لا تخفى. # وبالجملة؛ الجمهور على خلاف الجاحظ، والعقل مائل إلى مذهبه، «وقوله - على ~~كل حال - مخالف للإجماع، إلا أن يمنع كونه حجة» كما هو مذهب النظام، أو ~~يمنع كونه قاطعا مطلقا، أو في مثل هذه المسألة من القطعيات، «فلا يلزمه» ~~حكم إجماعهم، أو يقول: إن الإجماع لا ينعقد بدون # PageV03P611 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الواحد من المجتهدين على المشهور ~~في ذلك، وهو وصاحبه العنبري اثنان من مشاهيرهم فلا ينعقد الإجماع بدونهما. # قوله: «وقول الظاهرية باطل، لبطلان مبناه» وقد سبق أن قولهم بتأثيم ~~المخطئ في الفروع مبني على إنكار الاحتجاج بمدارك الظنون، من الظاهر ~~والعموم، وخبر الواحد والقياس، وذلك باطل بما سبق في مواضعه، فيبطل ما بني ~~عليه، والله تعالى أعلم بالصواب. # فوائد تتعلق بهذه المسألة: # إحداهن: أن القول بأن كل مجتهد مصيب؛ مبني على أن الوقائع الشرعية، هل ~~لله تعالى فيها حكم أم لا؟ ولنذكر تفاصيل هذين القولين، ثم نذكر فروعهما ~~المذكورة إن شاء الله تعالى. # أما القائلون بأن في الحوادث حكما معينا، فمنهم من زعم أنه لا دليل عليه، ~~وهو قول جماعة من الفقهاء والمتكلمين، ونقل عن الشافعي، وهو عندهم كدفين ~~يعثر عليه بالاتفاق، ومنهم من زعم أن عليه دليلا. # ثم اختلفوا: هل هو قطعي أو ظني؟ قال الأصم وبشر المريسي في آخرين: هو ~~قطعي. # واتفقوا على أن المكلف مأمور بطلبه، واختلفوا: هل يستحق العقاب إن أخطأه؟ ~~قال به بشر المريسي، وخالفه غيره. # وهل ينقض قضاء القاضي إذا خالفه؟ قال به الأصم، وخالفه الباقون. # وقال آخرون: الدليل عليه ظني. # وهل يكلف المجتهد بطلبه أم لا؟ فيه قولان: # أحدهما: نعم، فإن أخطأه تعين الرجوع إلى ما غلب على ظنه. # PageV03P612 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والثاني: لا يكلف ms1095 بطلبه لخفائه، ~~وهو قول كافة الفقهاء، منهم الشافعي، وأبو حنيفة رضي الله عنهم. # وأما القول بأنه لا حكم في الوقائع معين، فهو قول من قال: كل مجتهد مصيب، ~~وهو قول جمهور المتكلمين، منهم الأشعري، والقاضي أبو بكر، والجبائي وابنه. # ثم على هذا هل يقال: إن في الواقعة لو كان لله - عز وجل - فيها حكم معين ~~لكان هو، وهو القول بالأشبه، أم لا؟ ، وهو قول بعضهم. هذا حاصل ما ذكره ~~القرافي، وبينه وبين ما قدمنا ذكره نوع تكرار وتداخل لا يضر، لأن غرضي ~~البيان في المسألة بتغاير العبارات. # إذا ثبت هذا؛ فمن زعم أن في المسألة حكما معينا قال: ليس كل مجتهد مصيبا، ~~لأن ذلك الحكم إن كان نفيا، فقد أخطأه المثبت، وإن كان إثباتا، فقد أخطأه ~~النافي. # ومما قرر به بعضهم ذلك؛ أن قال: القائل: ليس كل مجتهد مصيبا، إما أن يكون ~~مخطئا، أو مصيبا، فإن كان مخطئا، فهو مجتهد قد أخطأ في هذا القول، فليس كل ~~مجتهد مصيبا، وإن كان مصيبا، فقد ثبت أن ليس كل مجتهد مصيبا، فهو على ~~التقديرين لازم. # ومن زعم أنه ليس في المسألة حكم معين قال: الحكم ما أدى إليه ظن المجتهد. ~~وحينئذ كل مجتهد مصيب، لما غلب على ظنه، ومصيب للخروج عن العهدة. # واعلم أن النزاع بينهم يسببه أن يكون لفظيا من بعض الوجوه، وذلك # PageV03P613 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # لأنهم وإن تنازعوا في أن ثم حكما ~~معينا في نفس الأمر أم لا، فهم لا يتنازعون أن المجتهد يخرج عن عهدة ~~الاجتهاد بما غلب على ظنه، وأدى إليه اجتهاده، فالنزاع من هذا الوجه لفظي. # الثانية: المختار: القول بالتصويب، وإن كان بعض أخبار الآحاد يدل على ~~خلافه، كقوله - عليه السلام -: «لقد حكمت فيهم بحكم الملك» ونحوه، لكن قد ~~يمنع الاحتجاج بها في هذا الباب أو يتأول. وقد دل على التصويب أن المصلين ~~إلى جهات عند اشتباه القبلة لا يعيدون عندنا، وهي من فروع هذا الأصل، ~~وساعدها النص. وتحقيق القول بالتصويب ينبني على أصول: # أحدها: أن الأدلة الظنية إضافية، لا ms1096 حقيقة قطعية، أي: يكون الحديث مثلا ~~أو غيره دليلا عند شخص دون غيره، وإذا لم يكن الدليل حقيقيا في نفسه لم يكن ~~له مطلوب متعين في نفسه. # الثاني: ما سبق من أن علل الشرع أمارات إضافية لا حقيقية، كالكيل علة ~~منصوبة على تحريم التفاضل عند أحمد وأبي حنيفة، والطعم عند الشافعي، ~~والكلام كما سبق. # الثالث: أن الحكم قبل ظهوره للمجتهد هو حكم بالقوة لا بالفعل، وإنما يصير ~~حكما بالفعل إذا غلب على ظنه بالاجتهاد، ومن زعم أنه قبل ذلك حكم بالفعل ~~غلط، وقال بالتعيين وعدم التصويب. # الرابع: أن الأحكام - كالحل والحرمة - ليست من أوصاف الذوات، حتى يستحيل ~~أن يكون الشيء حلالا حراما، بل هي إضافية، فلا يستحيل ذلك بالإضافة إلى ~~شخصين. # PageV03P614 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الخامس: أن الأحكام أمور وضعية لا ~~ذاتية، فلا يمتنع أن تكون تابعة للظنون وإن اختلفت، وقد ظهر ذلك في حال ~~الرخص، ينقلب الحرام مباحا، ولو كان الحرام معنى ذاتيا لما تغير. # السادس: أن أحكام الشرع لا قاطع عليها، ولا يجوز الأمر بإصابة ما لا قاطع ~~عليه، إذ هو تكليف ما لا يطاق، وهو وإن جاز، لكنه خلاف الأصل. # السابع: قال الغزالي: الحكم هو التكليف بشرط بلوغ المكلف، ولا تكليف عند ~~الله - عز وجل - قبل ذلك، فلا حكم. # قلت: بتقدير صحة تعريف الحكم بما ذكر، لا يمنع تعيين الحكم عند الله - عز ~~وجل - بعد البلوغ. # الثامن: قال: الخطأ اسم قد يقال بالإضافة إلى ما وجب، وهو الخطأ الحقيقي، ~~وقد يقال بالإضافة إلى ما طلب، وهو مجاز. # قلت: معنى ذلك أن الخطأ حقيقة، إنما يكون فيما إذا أخطأ الشخص ما وجب ~~عليه فعله، أما إذا أخطأ ما طلبه ولم يجب بعد، فذلك خطأ مجازا لا حقيقة، ~~وخطأ المجتهدين من هذا الباب، لأن الحكم إنما يجب بعد ظهوره لهم بالاجتهاد، ~~فهم قبل ذلك طالبون له واجب عليهم. # قلت: إن كان هذا مجازا شرعيا، أو اصطلاحيا بين الأصوليين، وإلا فالخطأ في ~~اللغة أعم مما ذكر؛ لأنه نقيض الصواب، والصواب يتعلق بما طلب وبما ms1097 وجب ~~جميعا. # الثالثة: الفرق بين المسائل الاجتهادية والقطعية مبهم، وقد حققته في كتاب ~~«إبطال التحسين والتقبيح» ، وأحسب أن الإشارة إليه سبقت في أوائل # PageV03P615 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # هذا الشرح، فبتقدير ذلك لا يضر ~~التأكيد بالإشارة إليه ههنا. فأقول: القطعية ما وجب اعتقاد الحكم فيها ~~قطعا، ولم يجز اعتقاد نقيضه ولا جوازه، وإن كان محتملا. والاجتهادية ~~بخلافه، وذلك تابع للدليل، فما دل عليه دليل قاطع لا يحتمل الخلاف، أو ~~احتمله احتمالا ضعيفا، ليس له من القوة ما يعول عليه لأجله، فهو قطعي، وما ~~دل عليه دليل ظني، يحتمل النقيض احتمالا قويا، يعذر فيه من صار إليه عقلا ~~وعرفا؛ فهو اجتهادي. # وأحكام الشريعة بموجب هذا التقرير ثلاثة أقسام: لأن الحكم، إما أن يستند ~~إلى قاطع، أو محتملا احتمالا يسوغ التعويل عليه لبعده، فهو قاطع، كمسألة ~~وجود الصانع وتوحيده وقدمه، وحدوث العالم، وإرسال الرسل، وما عرف من جهتهم ~~من القواطع، كالبعث وأحكام المعاد. # وإما أن يستند إلى دليل ظني يحتمل النقيض احتمالا قويا، فهو اجتهادي، ~~كأحكام الفروع الفقهية، وأكثر أصول الفقه. وإما أن يتردد الدليل بين القاطع ~~والظني، فيكون دون القاطع، وفوق الظني في القوة، كبقية أحكام العقائد ~~المختلف فيها بين طوائف الأمة، مما اعتورتها الأدلة والشبه من الطرفين، ~~فهذه واسطة بين القطعي والاجتهادي، تبعا لدليلها في ذلك، والذي يقطع به أن ~~إلحاقها بالاجتهاديات أولى، لأن التكليف بالقطع - مع عدم دليل يفيده - ~~تكليف ما لا يطاق، وهو وإن جاز، لكن وقوعه ممتنع أو نادر، والله تعالى ~~أعلم. # PageV03P616 # الرابعة: إذا تعارض دليلان عند المجتهد، ولم يترجح ~~أحدهما لزمه التوقف، وهو قول أكثر الحنفية والشافعية، وقال بعض الفئتين: ~~يخير بالأخذ بأيهما شاء. # لنا: إعمالهما جمعا بين النقيضين، وإعمال أحدهما من غير مرجح تحكم، فتعين ~~التوقف على ظهور المرجح. # قالوا: التوقف لا إلى غاية تعطيل، وربما لم يقبل الحكم التأخير، وإلى ~~غاية مجهولة ممتنع، ومعلومة لا يمكن؛ إذ ظهور المرجح ليس إليه، فتعين ~~التخيير، وقد ورد الشرع به، كتخيير المزكي بين أربع حقاق أو خمس بنات لبون ~~عن مائتين، وتخير ms1098 العامي أحد المجتهدين، أو أحد جدران الكعبة، وفي خصال ~~الكفارة، ونحوها. # قلنا: يتوقف حتى يظهر المرجح، ولا استحالة، كما يتوقف إذا لم يجد دليلا ~~ابتداء، أو كتعارض البينتين. # والتخيير رافع لحكم كل من الدليلين، والتخيير في الصور المذكورة قام ~~دليله، فلا يلحق به ما لم يقم عليه دليل. # المسألة «الرابعة: إذا تعارض ~~دليلان عند المجتهد، ولم يترجح أحدهما، لزمه التوقف، وهو قول أكثر الحنفية ~~والشافعية، وقال بعض الفئتين» - يعني الطائفتين، الواحدة فئة -: «يخير ~~بالأخذ بأيهما شاء» . # قلت: ذكر الغزالي بناء ذلك على التعيين والتصويب، فمن قال: المصيب واحد؛ ~~قال: لا تعارض في أدلة الشرع من غير ترجيح، وإنما هذا لعجز المجتهد، فيلزمه ~~التوقف، أو الأخذ بالاحتياط، أو تقليد مجتهد آخر عثر على الترجيح. # PageV03P617 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أما المصوبة، فقال بعضهم: يتوقف، ~~وقال القاضي منهم: يتخير. # قوله: «لنا:» إلى آخره. هذه حجة التوقف. وتقريرها: أن الدليلين إذا ~~تعارضا، فإما أن يعملهما، أي: يعمل بهما جميعا، أو يعمل أحدهما. والأول ~~يوجب الجمع بين النقيضين؛ النفي والإثبات، والتحليل والتحريم، وهو باطل، ~~والثاني ترجيح بلا مرجح، وهو تحكم، «فتعين التوقف على ظهور المرجح» . # ويرد على هذا الدليل أن القسمة فيه غير حاصرة، إذ بقي قسمان آخران: # أحدهما: إهمال الدليلين، والرجوع إلى ما قبل الشرع. # والثاني: التخيير بينهما، وهو مدعى الخصم، والقسمان لم يتعرض فيه لهما. # قوله: «قالوا:» ، إلى آخره. هذه حجة أصحاب التخيير، وهي من وجهين: # أحدهما: أن التوقف إما أن يكون لا إلى غاية، أو إلى غاية، والأول باطل، ~~لأن «التوقف لا إلى غاية تعطيل» للواقعة عن حكم، وربما لم يكن الحكم قابلا ~~للتأخير، والثاني أيضا باطل، لأن غاية التوقف إما مجهولة أو معلومة، والأول ~~ممتنع، لأنه يوقع الجهالة في أحكام الشرع، وليس شأنها ذلك، والثاني باطل ~~أيضا، لأن ظهور المرجح ليس إلى المجتهد، فلا يصح أن تكون غاية التوقف ~~معلومة، وإذا انتفى التوقف إلى غاية أو إلى غير # PageV03P618 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # غاية؛ تعين التخيير، وهو أن يعمل ~~بأي الدليلين شاء. # الوجه الثاني: أن الشرع قد ورد بالتخيير، فينبغي ms1099 أن لا يكون ممتنعا ههنا. # أما ورود الشرع به، ففي صور: # منها: أن المزكي إذا كان عنده مائتان من الإبل، خير بين أن يخرج عنها ~~أربع حقاق، أو خمس بنات لبون؛ على حساب في كل أربعين بنت لبون، وفي كل ~~خمسين حقة. فقد وجد مقتضى إخراج الحقاق وبنات اللبون. # ومنها: أن العامي إذا أفتاه مجتهدان، يخير بين قوليهما، أو إذا وجد ~~مجتهدين يخير بين استفتاء أيهما شاء. # ومنها: أن المصلي عند الكعبة يتخير في استقبال أي جدرانها شاء. # ومنها: في خصال الكفارة يتخير بين العتق والإطعام والصيام. ونحو هذه ~~الصور من صور التخيير واقع في الشرع. # وأما أنه ينبغي أن لا يمتنع التخيير ههنا، فلأنها صور شرعية، فجاز ~~التخيير فيها كسائر صور الشرع التخييرية. # قوله: «قلنا:» ، إلى آخره. هذا جواب عن الوجه الأول. # وتقريره: أنا لا نسلم أنه إذا امتنع التوقف تعين التخيير، بل «يتوقف حتى ~~يظهر» له «المرجح، ولا استحالة» في ذلك، «كما يتوقف إذا لم يجد دليلا ~~ابتداء» حتى يجد دليلا، كما يتوقف عند تعارض البينتين على المرجح. # أما «التخيير» فإنه «رافع لحكم كل» واحد من «الدليلين» ، فلا يجوز، إذ # PageV03P619 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # حكم أحدهما الإثبات المعين، وحكم ~~الآخر النفي المعين، والتخيير رافع لكل منهما، كالجمع بينهما لو تصور، وحيث ~~يتصور. # قلت: وحاصل هذا الجواب التزام التوقف إلى غاية مجهولة، لأنه معنى التوقف ~~إلى ظهور المرجح. # قوله: «والتخيير في الصور المذكورة» . هذا جواب الوجه الثاني، وهو أن ~~«التخيير في الصور المذكورة قام دليله» شرعا، والتخيير في محل النزاع لم ~~يقم دليله شرعا، فلا يصح إلحاقه به، والله تعالى أعلم بالصواب. # PageV03P620 # الخامسة: ليس للمجتهد أن يقول في مسألة قولين في وقت ~~واحد عند الجمهور، وفعله الشافعي في مواضع. # منها: قوله في المسترسل من اللحية قولان: وجوب الغسل، وعدمه. # لنا: إن كانا فاسدين وعلم، فالقول بهما حرام، فلا قول أصلا؛ أو أحدهما ~~كذلك فلا قولين، أو صحيحين فالقول بهما محال لاستلزامهما تضاد الكلي ~~والجزئي، وإن لم يعلم الفاسد فليس عالما بحكم المسألة، فلا ms1100 قول له فيها، ~~فيلزمه التوقف، أو التخيير، وهو قول واحد لا قولين. # وأحسن ما يعتذر به عن الشافعي أنه تعارض عنده الدليلان، فقال بمقتضاهما ~~على شريطة الترجيح، وما حكي عنه وعن غيره من القولين والروايتين ففي وقتين، ~~ثم إن علم آخرهما فهو مذهبه كالناسخ، وإلا فكدليلين متعارضين، ولا تأريخ. # المسألة " الخامسة: ليس للمجتهد أن ~~يقول في مسألة قولين في وقت واحد عند الجمهور، وفعله الشافعي في مواضع؛ ~~منها قوله: في المسترسل من اللحية قولان: وجوب الغسل وعدمه ". ونقل الآمدي ~~وغيره أن ذلك وقع منه في سبع عشرة مسألة. # قلت: ووقع ذلك من أحمد - رضي الله عنه -، قال أبو بكر في " زاد المسافر ~~": قال - يعني أحمد في رواية أبي الحارث -: إذا أخرت المرأة الصلاة إلى آخر ~~وقتها، فحاضت قبل خروج الوقت، ففيه قولان؛ أحد القولين لا قضاء عليها، لأن ~~لها أن تؤخر إلى آخر الوقت، والقول الآخر: إن الصلاة قد وجبت عليها بدخول ~~الوقت فعليها القضاء، وهو أعجب القولين إلي. # PageV03P621 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # انتهى. قال عبد العزيز: وبهذا ~~أقول. # قوله: " لنا: إلى آخره ". هذا توجيه لبطلان إطلاق القولين في وقت واحد، ~~ورد على من ربما يجيزه. # وتقريره: أن القولين المذكورين إما أن يكونا فاسدين، أو أحدهما، أو ~~صحيحين، فإن كانا فاسدين، أو أحدهما؛ فإما أن يعلم بالفساد أو لا، فإن علم ~~بفسادهما، فالقول بهما حرام، إذ لا قول له في المسألة أصلا، إذ لا يسمع من ~~قوله وقول غيره إلا الصحيح، دون الفاسد، وكذلك إن كان الفاسد أحدهما، وعلم ~~به، " فلا قولين "، بل هو قول واحد، وإن لم يعلم الفاسد من قوليه، سواء كان ~~الفاسد أحدهما أو كلاهما " فليس عالما بحكم المسألة، فلا قول له فيها، ~~فيلزمه التوقف أو التخيير "، وكل واحد من التوقف أو التخيير " قول واحد لا ~~قولين "، وإن كانا صحيحين، فالقول بهما محال لاستلزامهما التضاد الكلي أو ~~الجزئي. # الإشارة بهذا إلى الأقوال المتقابلة بالنفي والإثبات، والوسائط التفصيلية ~~بينهما، ففي الأقوال المتقابلة يلزم التضاد الكلي، وفي بعضها مع الوسائط ~~التفصيلية يلزم التضاد ms1101 الجزئي. # مثاله: أن عن أحمد في إخراج الزكاة عن بلدها إلى مسافة القصر ثلاثة ~~أقوال: النفي، والإثبات، والثالث: يجوز إلى الثغور دون غيرها، فلو فرضنا ~~أنه قال في هذه المسألة: يجوز ولا يجوز في وقت واحد؛ لكان هذا تضادا كليا، ~~بمعنى أن الجواز الكلي في جميع أفراد الزكاة وأماكن إخراجها # PageV03P622 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قابل المنع الكلي في ذلك. ولو قال: ~~لا يجوز، ويجوز إلى الثغور خاصة؛ لكان هذا تضادا جزئيا؛ بمعنى أن المنع ~~الكلي في جميع أفراد الزكاة قابل الجواز الجزئي في بعض أفراد الزكاة، ~~بالإضافة إلى بعض أماكن إخراجها وهي الثغور. وهذا اصطلاح لي ذكرته، فإن كان ~~ظاهرا أو معروفا، وإلا فها قد بينته، والأحكام المتقابلة ووسائطها كثيرة في ~~كلام الأئمة، وتلك الوسائط راجعة في الأكثر إلى قياس الشبه كما سبق. # وقد وقع تقرير هذا الدليل على خلاف ترتيبه في " المختصر "، إذ هو فيه على ~~هذا المثال: إن كان القولان فاسدين، وعلم المجتهد فسادهما، فالقول بهما ~~حرام، فلا قول له أصلا، وإن كان الفاسد أحدهما فكذلك، أي: فالقول به حرام ~~فلا قولين، بل هو قول واحد صحيح، ولا عبرة بالفاسد، وإن كانا صحيحين، ~~فالقول بهما محال لاستلزامهما التضاد المذكور، وإن لم يعلم الفاسد، أي: إن ~~لم يعلم بفسادهما أو فساد أحدهما، فليس عالما بحكم المسألة، فلا قول له ~~فيها، فيلزمه التوقف أو التخيير، وهو قول واحد لا قولين. # قوله: " وأحسن ما يعتذر به عن الشافعي أنه تعارض عنده الدليلان "، يعني ~~دليلا القولين في المسألة، " فقال بمقتضاهما "، أي: أطلق القول بذلك " على ~~شريطة الترجيح "، أي: بشرط أن ينظر فيهما بعد، فيرجح ما ظهر رجحانه. واتفق ~~أنه مات - رضي الله عنه - قبل أن يرجح المسائل السبع عشرة المذكورة. # قال القرافي: إن قيل: كيف يتصور أن يقول المجتهد: في المسألة قولان؛ مع ~~أنه لا يتصور عنده الرجحان؟ قيل: معناه أنه أشار إلى أنهما احتمالان يمكن ~~أن يقول بكل واحد منهما عالم، لتقاربهما من الحق، أو # PageV03P623 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # إلى أنهما قولان للعلماء. # قال الآمدي: إن ذكر القولين بطريق ms1102 الحكاية عن غيره، فليس ذلك قولا له، ~~وإن كان بطريق الاعتقاد لهما معا؛ فهو محال، وإن كان بطريق التخيير بينهما ~~كخصال الكفارة؛ فهو قول واحد لا أقوال. وهذا موضعه عند ذكر دليل المسألة، ~~لكني استدركته ههنا، وإن كان قد سبق معناه. # قلت: والقولان اللذان حكيناهما عن أحمد، الظاهر أنهما قولان له، أطلق ~~القول بهما على شريطة الترجيح، وقد عقبهما به حيث قال: وهذا أعجب القولين ~~إلي، وحكايته لهما عن العلماء خلاف الظاهر، لوجهين: # أحدهما: أن الأصل إضافة الكلام إلى من صدر منه. # الثاني: لو حكاهما عن غيره، لبين ذلك، حذرا من التلبيس على السامع، ~~وتردده بين أن هذا مذهبه أو غيره. # قوله: " وما حكي عنه "، أي: عن الشافعي وغيره من الأئمة - رضي الله عنهم ~~- " من القولين للشافعي " والروايتين " عن أحمد وغيره، فإنما كان ذلك في ~~وقتين، لا في وقت واحد، وذلك لا تناقض فيه، لأن المجتهد تابع لظهور الدليل ~~عنده، وذلك يختلف، فتارة يظهر وتارة لا يظهر، فتختلف أقواله في الأوقات ~~لذلك، كما تختلف نصوص صاحب الشرع باختلاف المصالح أو الوحي أو الاجتهاد، ~~وكثيرا ما يقول أحمد - رضي الله عنه - كنت أقول كذا ثم تركته، أو جبنت عنه، ~~كقوله في المتيمم يجد الماء في الصلاة: كنت أقول: يمضي في صلاته، ثم تدبرت ~~فإذا أكثر الأحاديث على أنه يخرج. وقوله: كنت أقول: إن من قال بخلق القرآن ~~لا يكفر، ثم نظرت فإذا القرآن من علم الله، # PageV03P624 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ومن زعم أن علم الله مخلوق، فهو ~~كافر. وهذا شبيه بقول الشارع: كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها كنت ~~رخصت لكم في جلود الميتة، فإذا أتاكم كتابي هذا، فلا تنتفعوا من الميتة ~~بإهاب ولا عصب، غير أن الفرق بين رجوع الشارع عن قوله، والأئمة عن أقوالهم: ~~أن رجوع الأئمة لظهور الخطأ لهم، بخلاف الشارع، فإنه معصوم من الخطأ، ~~فرجوعه لاختلاف المصالح لا للخطأ، إلا على رأي من يجيزه في اجتهاد النبي - ~~عليه الصلاة والسلام - ويجيز وقوعه منه، فيكون رجوعه عنه كرجوع الأئمة عن ~~أقوالهم. ولعل ms1103 قوله - عليه السلام - لبعض أصحابه: إن وجدتم فلانا وفلانا ~~فحرقوهما ثم دعا بهم فقال: إن وجدتموهما فاقتلوهما ولا تحرقوهما، فإنه لا ~~يعذب بالنار إلا ربها من هذا الباب إن لم يحمل على ترك الأولى. # قوله: " ثم إن علم آخرهما، فهو مذهبه كالناسخ ". أي: إذا أطلق المجتهد ~~قولين في وقتين؛ فإن علم آخر القولين، فهو مذهبه دون الأول، فلا يجوز بعد ~~رجوعه عنه أن يفتي به، ولا يقلد فيه، ولا يعد من الشريعة، كالناسخ والمنسوخ ~~في كلام الشارع، ويبقى العمل على الناسخ المتأخر ويترك المنسوخ المتقدم من ~~جهة العمل به، لأن نصوص الأئمة بالإضافة إلى # PageV03P625 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مقلديهم؛ كنصوص الشارع بالإضافة ~~إلى الأئمة. # فإن قيل: إذا كان القول القديم المرجوع عنه لا يعد من الشريعة بعد الرجوع ~~عنه، فما الفائدة في تدوين الفقهاء للأقوال القديمة عن أئمتهم؟ حتى ربما ~~نقل عن أحدهم في المسألة الواحدة القولان والثلاثة كثيرا والأربعة؛ كما في ~~بينة الداخل والخارج عن أحمد، والستة؛ كما في مسألة متروك التسمية عنه، ~~ونقل عنه أكثر من ذلك. # قيل: قد كان القياس أن لا تدون تلك الأقوال، وهو أقرب إلى ضبط الشرع، إذ ~~ما لا عمل عليه لا حاجة إليه، فتدوينه تعب محض، لكنها دونت لفائدة أخرى، ~~وهي التنبيه على مدارك الأحكام واختلاف القرائح والآراء، وأن تلك الأقوال ~~قد أدى إليها اجتهاد المجتهدين في وقت من الأوقات، وذلك مؤثر في تقريب ~~الترقي إلى رتبة الاجتهاد المطلق أو المقيد، فإن المتأخر إذا نظر إلى مآخذ ~~المتقدمين نظر فيها، وقابل بينها، فاستخرج منها فوائد، وربما ظهر له من ~~مجموعها ترجيح بعضها، وذلك من المطالب المهمة، فهذه فائدة تدوين الأقوال ~~القديمة عن الأئمة، وهي عامة. وثم فائدة خاصة بمذهب أحمد، وما كان مثله، ~~وذلك أن بعض الأئمة، كالشافعي ونحوه نصوا على الصحيح من مذهبهم، إذ العمل ~~من مذهب الشافعي على القول الجديد، وهو الذي قاله بمصر، وصنف فيه الكتب ~~كالأم ونحوه. ويقال: إنه لم يبق من مذهبه شيء لم ينص على الصحيح منه إلا ~~سبع عشرة ms1104 مسألة، تعارضت فيها الأدلة، واخترم قبل أن يحقق النظر فيها، بخلاف ~~الإمام أحمد ونحوه، فإنه كان لا يرى تدوين الرأي، بل همه الحديث وجمعه، وما ~~يتعلق به، وإنما نقل # PageV03P626 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المنصوص عنه أصحابه تلقيا من فيه، ~~من أجوبته في سؤالاته وفتاويه، فكل من روى منهم عنه شيئا دونه، وعرف به ~~كمسائل أبي داود، وحرب الكرماني، ومسائل حنبل، وابنيه صالح، وعبد الله، ~~وإسحاق بن منصور، والمروذي، وغيرهم ممن ذكرهم أبو بكر في أول " زاد المسافر ~~" وهم كثير، وروى عنه أكثر منهم، ثم انتدب لجمع ذلك أبو بكر الخلال في " ~~جامعه الكبير "، ثم تلميذه أبو بكر في " زاد المسافر "، فحوى الكتابان علما ~~جما من علم الإمام أحمد - رضي الله عنه - من غير أن يعلم منه في آخر حياته ~~الإخبار بصحيح مذهبه في تلك الفروع، غير أن الخلال يقول في بعض المسائل: ~~هذا قول قديم لأحمد رجع عنه، لكن ذلك يسير بالنسبة إلى ما لم يعلم حاله ~~منها، ونحن لا يصح لنا أن نجزم بمذهب إمام حتى نعلم أنه آخر ما دونه من ~~تصانيفه ومات عنه، أو أنه نص عليه ساعة موته، ولا سبيل لنا إلى ذلك في مذهب ~~أحمد، والتصحيح الذي فيه، إنما هو من اجتهاد أصحابه بعده، كابن حامد، ~~والقاضي وأصحابه، ومن المتأخرين الشيخ أبو محمد المقدسي رحمة الله عليهم ~~أجمعين، لكن هؤلاء بالغين ما بلغوا، لا يحصل الوثوق من تصحيحهم لمذهب أحمد، ~~كما يحصل من تصحيحه هو لمذهبه قطعا، فمن فرضناه جاء بعد هؤلاء، وبلغ من ~~العلم درجتهم أو قاربهم، جاز له أن يتصرف في الأقوال المنقولة عن صاحب ~~المذهب كتصرفهم، ويصحح منها ما أدى اجتهاده إليه، وافقهم أو خالفهم، وعمل ~~بذلك وأفتى. وفي عصرنا من هذا القبيل شيخنا الإمام العالم # PageV03P627 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # العلامة تقي الدين أبو العباس أحمد ~~بن تيمية الحراني حرسه الله تعالى، فإنه لا يتوقف في الفتيا على ما صححه ~~الأصحاب من المذهب، بل يعمل ويفتي بما قام عليه الدليل عنده، فتكون هذه ~~فائدة خاصة بمذهب أحمد، وما كان مثله ms1105 لتدوين نصوصه ونقلها، والله تعالى ~~أعلم بالصواب. # PageV03P628 # السادسة: يجوز للعامي تقليد المجتهد، ولا يجوز ذلك ~~لمجتهد اجتهد وظن الحكم، اتفاقا فيهما، أما من لم يجتهد ويمكنه معرفة الحكم ~~بنفسه بالقوة القريبة من الفعل لأهليته للاجتهاد، فلا يجوز له أيضا مطلقا؛ ~~خلافا للظاهرية. # وقيل: يجوز مع ضيق الوقت، وقيل: ليعمل لا ليفتي، وقيل: لمن هو أعلم منه، ~~وقيل: من الصحابة. # لنا: مجتهد فلا يقلد، كما لو اجتهد فظن الحكم، ولأنه ربما اعتقد خطأ غيره ~~لو اجتهد، فكيف يعمل بما يعتقد خطأه؟ نعم، له أن ينقل مذهب غيره للمستفتي، ~~ولا يفتي هو بتقليد أحد. # المسألة «السادسة: يجوز للعامي ~~تقليد المجتهد ولا يجوز ذلك لمجتهد اجتهد، وظن الحكم، اتفاقا فيهما» ، أي: ~~في الصورتين المذكورتين. أي: أن العامي يجوز له تقليد المجتهد بالاتفاق، ~~وأن المجتهد إذا اجتهد وغلب على ظنه أن الحكم كذا لا يجوز تقليد غيره ~~بالاتفاق أيضا، أي: لا خلاف في ذلك. «أما من لم يجتهد» في الحكم بعد، وهو ~~متمكن من معرفته بنفسه «بالقوة القريبة من الفعل» ، لكونه أهلا للاجتهاد، ~~«فلا يجوز له» تقليد غيره «أيضا مطلقا» ؛ لا لأعلم منه ولا لغيره؛ لا من ~~الصحابة - رضي الله عنهم - ولا غيرهم؛ لا للعمل ولا للفتيا؛ لا مع ضيق ~~الوقت ولا سعته. هذا فائدة قوله: «مطلقا، خلافا للظاهرية» . # PageV03P629 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قلت: هذا عن الظاهرية، لا أعلم ~~الآن من أين نقلته في «المختصر» ، ولم أره في «الروضة» ، ولا أحسبه إلا ~~وهما ممن نقلته عنه، أو في النسخة التي كان منها الاختصار، فإن الظاهرية ~~أشد الناس في منع التقليد لغير ظواهر الشرع. # «وقيل: يجوز» - يعني التقليد - لهذا المجتهد المذكور «مع ضيق الوقت» عن ~~معرفة الحكم باجتهاده، مثل أن ضاق وقت الصلاة، وقد أشكل عليه بعض شروطها ~~وأركانها، بحيث لو أخرها ليستوفي النظر في ذلك فات وقتها؛ جاز له أن يقلد ~~بعض الأئمة في ذلك. # «وقيل» : يجوز له التقليد «ليعمل» به «لا ليفتي» به - يعني فيما يخصه دون ~~ما يتعلق به حكم غيره - وهو قول بعض العراقيين. # «وقيل» ms1106 : يجوز له التقليد «لمن هو أعلم منه» من الصحابة أو غيرهم، دون ~~غيره، وهو قول محمد بن الحسن. # «وقيل» : يجوز تقليد غيره «من الصحابة» دون غيرهم. # وذكر الآمدي أقوالا وتفاصيل أذكرها تكملة، فقال: # المجتهد إذا اجتهد في مسألة، وأداه اجتهاده إلى حكم لا يجوز له تقليد ~~غيره في مقابل ذلك الحكم بالاتفاق، وإن لم يكن قد اجتهد فيها، قال الجبائي: ~~الأولى له أن يجتهد، مع جواز التقليد فيها لواحد من الصحابة، إذا ترجح في ~~نظره على غيره، وإلا فله تقليد من شاء منهم، ولا يقلد غير الصحابي، وبه قال ~~الشافعي في رسالته القديمة، ومنهم من جوز تقليده للتابعي أيضا دون من بعده. # PageV03P630 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وقال محمد بن الحسن: يجوز تقليد ~~العالم لمن هو أعلم منه، وسواء كان من الصحابة وغيرهم. # وقال ابن سريج: يجوز تقليد العالم لمن هو أعلم منه، إذا تعذر عليه وجه ~~الاجتهاد. # وقال أحمد، وإسحاق بن راهويه، وسفيان الثوري: يجوز تقليد العالم للعالم ~~مطلقا. # وعن أبي حنيفة في ذلك روايتان. # وقال بعض العراقيين: يجوز تقليد العالم للعالم فيما يفتي به. ومن هؤلاء ~~من خصص ذلك بما يفوت وقته لو اشتغل بالاجتهاد. # وذهب القاضي أبو بكر، وأكثر الفقهاء إلى منع تقليد العالم للعالم مطلقا، ~~قال: وهو المختار. # قلت: ما حكاه عن أحمد، من جواز تقليد العالم للعالم مطلقا غير معروف ~~عندنا، وإنما المشهور عنه الأخذ بقول الصحابي لا تقليدا له بل بنوع ~~استدلال، كما سبق في موضعه. هذا ما أردنا حكايته من الأقوال في المسألة. # عدنا إلى الكلام على أدلتها: # قوله: «لنا: مجتهد فلا يقلد» . أي: لنا على أن المجتهد لا يقلد غيره ~~وجهان: # أحدهما: القياس على ما لو اجتهد، وظن الحكم، لأن الكلام في مجتهد لم ~~يجتهد بالفعل، فنقول: هذا مجتهد، فلا يجوز له تقليد غيره، «كما لو اجتهد ~~وظن الحكم» ، فإنه لا يجوز له تقليد غيره اتفاقا، كذلك ههنا، والجامع ~~بينهما أهلية الاجتهاد، ولا أثر للفرق بينهما، بأن ذلك قد اجتهد # PageV03P631 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بالفعل، وظن الحكم، بخلاف هذا، لأن ~~ذلك ms1107 تفاوت يسير، لأن تحصيل ظن الحكم على هذا يسير، بأن يجتهد كما اجتهد ~~غيره. # الوجه الثاني: أنه ربما اجتهد، فتبين له خطأ من قلده. وحينئذ كيف يجوز أن ~~«يعمل بما يعتقد خطأه؟» ولقائل أن يقول: إنا إذا جوزنا له تقليد ذلك الغير، ~~فإنما ذلك بشرط أن لا يوجد منه اجتهاد في ذلك الحكم بنفسه، فإن وجد منه ~~اجتهاد تعين ما صار إليه اجتهاده وسقط التقليد، كواجد الماء بعد التيمم ~~وسائر المبدلات بعد إبدالها. # قوله: «نعم» أي: لا يجوز للمجتهد أن يقلد غيره. «نعم له أن ينقل مذهب ~~غيره للمستفتي» ، إرشادا له إليه، «ولا يفتي هو بتقليد أحد» . # PageV03P632 # قالوا: قوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون} وهذا لا يعلم {وأولي الأمر منكم} وهم العلماء، ولأن الأصل جواز ~~التقليد، ترك في من اجتهد لظهور الحق له بالفعل؛ فمن عداه على الأصل. # قلنا: المراد بقوله تعالى: فاسألوا: العامة، ولا نسلم أنه لا يعلم بل ~~يعلم بالقوة القريبة بخلاف العامي، وأولو الأمر: الولاة، وإن سلم أنهم ~~العلماء فجوابه ما ذكر، ثم هو معارض بعموم: {فاعتبروا} {أفلا يتدبرون ~~القرآن} وقوله: {لعلمه الذين يستنبطونه} وهذا حث على الاستنباط. # والتدبر ترك في العامي لعدم أهليته، فبقي غيره على مقتضاه، ووجه بقية ~~التفاصيل ظاهر، ودليل ضعفها عموم الدليل. # قوله: «قالوا:» يعني من جوز ~~التقليد احتجوا بوجوه: # أحدها: قوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل: 43] . ~~«وهذا» وإن كان أهلا للاجتهاد، لكنه «لا يعلم» هذا الحكم الخاص، فيتناوله ~~عموم هذا النص، فجاز له التقليد كالعامي. # الوجه الثاني: قوله تعالى: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم} [النساء: 59] ، «وهم العلماء» ، أمر بطاعتهم، وذلك بتقليدهم فيما ~~يخبرون به عن الشرع، والخطاب للمؤمنين، وهو يتناول هذا المجتهد وغيره. # الوجه الثالث: «أن الأصل جواز التقليد» لامتناع حصول أدوات الاجتهاد في ~~كل أحد عادة «ترك» ذلك «في من اجتهد» وظن الحكم، «لظهور الحق له بالفعل، ~~فمن عداه» يبقى «على الأصل» وهو جواز التقليد، فثبت # PageV03P633 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بهذه الوجوه أن هذا المجتهد ~~المذكور ms1108 يجوز له التقليد. # قوله: «قلنا:» إلى آخره هذا جواب الوجوه المذكورة. أما قوله - عز وجل -: ~~{فاسألوا أهل الذكر} ، فالمأمور بالسؤال هم «العامة» بدليل قوله - عز وجل ~~-: {إن كنتم لا تعلمون} ، ولا نسلم أن هذا لا يعلم بل هو يعلم الحكم ~~«بالقوة القريبة» من الفعل، لأن الفرض أنه مجتهد، «بخلاف العامي» ؛ فإنه لا ~~سبيل له إلى معرفة الحكم بالاجتهاد. # وأما قوله - عز وجل -: {وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] فلا نسلم أنهم ~~العلماء، بل هم «الولاة» ، لأن ذلك هو المتبادر من لفظ: {وأولي الأمر} ~~بدليل قوله تعالى: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين ~~يستنبطونه منهم} [النساء: 83] ، ولو كان أولو الأمر ههنا العلماء لم يستقم، ~~إذ لا قول لأحد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والفرض أنه - عز وجل - ~~لامهم على ترك الرد إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، وهم أمراؤهم ورؤساؤهم ~~الذين التزموا طاعتهم. # وإن سلمنا أن أولي الأمر هم العلماء «فجوابه ما ذكر» يعني في الجواب عن ~~الوجه الأول من أن المأمور بطاعة العلماء هم العامة لا المجتهدون، «ثم هو ~~معارض بعموم» قوله - عز وجل -: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} [الحشر: 2] ~~وقوله - عز وجل -: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} [محمد: 24] ~~وقوله - عز وجل -: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين ~~يستنبطونه منهم} # PageV03P634 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أمر بالاعتبار وهو الاجتهاد، وحض ~~على التدبر والاستنباط، وهو يدل على وجوبه على العموم، «ترك في العامي لعدم ~~أهليته» ففي غيره يبقى على مقتضاه في وجوب الاجتهاد وذلك يعارض ما ذكرتم من ~~دلالة طاعة أولي الأمر على التقليد. # قوله: «الأصل جواز التقليد» . # قلنا: لا نسلم، بل الأصل منعه، لأنه أخذ بغير دليل. # قوله: لامتناع حصول أدوات الاجتهاد في كل أحد عادة. # قلنا: لا نسلم أن هذا يجيز التقليد. ثم الكلام فيمن حصل أدوات الاجتهاد. # قلت: هذه المسألة المتنازع فيها واسطة بين طرفين، فتجاذباها، وذلك لأن ~~العامي يقلد باتفاق، والمجتهد إذا ظن الحكم باجتهاد لا يقلد باتفاق. # أما المجتهد الذي لم يجتهد ms1109 في الحكم، ويظهر له فهو متردد بين الطرفين، ~~فبالنظر إلى أنه لم يحصل له ظن الحكم يلحق بالعامي، وبالنظر إلى أن فيه ~~أدوات الاجتهاد، وهو قادر على معرفة الحكم بقوته القريبة من الفعل يلحق ~~بالمجتهد الذي ظن الحكم في عدم جواز التقليد، ولا يخفى أنه به أشبه، وكذلك ~~الكلام فيمن تمكن من الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض، كالنحوي في مسألة ~~نحوية، والمحدث في مسألة خبرية تتعلق بعلم أحوال الرواة، ونحو ذلك؛ هو محل ~~اجتهاد، وإلحاقه بالعامي أشبه بخلاف المجتهد المستقل بمعرفة الحكم إذا ~~اجتهد. # فحصل من هذا الباب أن المراتب أربع: # PageV03P635 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # عامي محض. # متمكن من الاجتهاد في البعض دون البعض. # مجتهد كامل لم يجتهد. # مجتهد كامل اجتهد وظن الحكم. # فالطرفان قد عرف حكمهما وهو أن العامي يقلد، والمجتهد بالفعل الظان للحكم ~~لا يقلد، والمجتهد الكامل الذي لم يجتهد مختلف فيه، والأظهر أنه لا يقلد، ~~ويلحق به من اجتهد بالفعل، ولم يظن الحكم لتعارض الأدلة أو غيره بطريق ~~أولى، والمتمكن من الاجتهاد في البعض دون البعض الأشبه أن يقلد؛ لأنه عامي ~~من وجه، ويحتمل أن لا يقلد، لأنه مجتهد من وجه، فهو محل اجتهاد، وله مراتب ~~متعددة بحسب ما يتمكن من الاجتهاد فيه من المسائل. # قوله: «ووجه بقية التفاصيل ظاهر» يعني التفاصيل المذكورة في «المختصر» ~~وكذا في غيره. # أما الفرق بين ضيق الوقت وسعته، فلأن في تقليده مع ضيق الوقت تحصيلا ~~للعمل في وقته بقول مجتهد ما، فهو أولى من إخلاء الوقت عن وظيفته لتوقع ~~ظهور الحكم بالاجتهاد. # وأما الفرق بين ضيق الوقت وسعته، فلأن في تقليده مع ضيق الوقت تحصيلا ~~للعمل في وقته بقول مجتهد ما، فهو أولى من إخلاء الوقت عن وظيفته لتوقع ~~ظهور الحكم بالاجتهاد. # وأما الفرق بين تقليده للعمل والفتيا؛ فلأن تقليده ليعمل به هو تصرف فيما ~~يخص نفسه من العمل، فجاز. كتوكيله في حق نفسه، بخلاف تقليده لفتيا الغير، ~~لأنه كتوكيله في حق غيره. # وأما الفرق بين تقليده من هو أعلم منه دون غيره؛ فلأن ms1110 تقليده أعلم منه ~~يفيده ظنا غالبا أعلى من ظهور ظنه ورتبته، إذ الغالب أن الأعلم أقرب إلى ~~الحق، والإصابة عليه أغلب، فصار كاجتهاده هو في الحكم بخلاف تقليده # PageV03P636 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # دونه، إذ لا يفيده الظن ومن هو ~~مثله، إذ لا مرجح له على اجتهاده لنفسه. # ويشبه هذا من مسائل الفروع أن من أودع شيئا وعين له موضعا، فنقله المودع ~~إلى أحرز منه، لم يضمن إن تلف، وإن نقله إلى مثله أو دونه ضمن. # والفرق بين تقليده الصحابي دون غيره: أن الصحابي أقرب إلى الإصابة من ~~غيره لما عرف من خصائص الصحابة رضي الله عنهم. # قوله: «ودليل ضعفها عموم الدليل» أي: دليل ضعف التفاصيل المذكورة عموم ~~الدليل المذكور على المنع من التقليد، كما تقرر في الوجهين الأولين. # PageV03P637 # السابعة: إذا نص المجتهد على حكم في مسألة لعلة ~~بينها، فمذهبه في كل مسألة وجدت فيها تلك العلة كمذهبه فيها، إذ الحكم يتبع ~~العلة، وإن لم يبين العلة فلا، وإن أشبهتها، إذ هو إثبات مذهب بالقياس، ~~ولجواز ظهور الفرق له لو عرضت عليه، ولو نص في مسألتين مشتبهتين على حكمين ~~مختلفين لم يجز أن يجعل فيهما روايتان ب ### | النقل والتخريج، # كما لو سكت عن إحداهما وأولى، والأولى جواز ذلك بعد الجد والبحث من أهله، ~~إذ خفاء الفرق مع ذلك وإن دق ممتنع عادة. # وقد وقع في مذهبنا، فقال في «المحرر» : ومن لم يجد إلا ثوبا نجسا صلى ~~فيه، وأعاد، نص عليه، ونص فيمن حبس في موضع نجس فصلى فيه أنه لا يعيد، ~~فيتخرج فيهما روايتان، وذكر مثل ذلك في الوصايا والقذف، ومثله في مذهب ~~الشافعي كثير. # ثم التخريج قد يقبل تقرير النصين وقد لا يقبل. # المسألة «السابعة: إذا نص المجتهد ~~على حكم في مسألة لعلة بينها، فمذهبه في كل مسألة وجدت فيها تلك العلة ~~كمذهبه فيها» ، أي: إذا نص المجتهد على حكم في مسألة، وبين علة ذلك الحكم ~~ما هي، ثم وجدت تلك العلة في مسائل أخر؛ فمذهبه في تلك المسائل كمذهبه في ~~المسألة المنصوص عليها، ms1111 لأن «الحكم يتبع العلة» فيوجد حيث وجدت، ولأن هذا ~~قد # PageV03P638 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وجد في كلام صاحب الشرع، ففي كلام ~~المجتهدين كذلك وأولى، لأن الله - عز وجل - أوجب الكفارة في سياق ذمهم ~~بأنهم يقولون: {منكرا من القول وزورا} [المجادلة: 2] ، ففهمنا من ذلك تعليل ~~وجوب الكفارة بقول المنكر والزور على جهة العقوبة، فقلنا: إذا قالت المرأة ~~لزوجها: أنت علي كظهر أبي؛ لزمتها الكفارة، لأنها قد أتت بالمنكر من القول ~~والزور كما علل به الخرقي. وقد يرد على هذا أنه يقتضي جعل المرأة مظاهرة ~~وقد نفاه الخرقي، وإنما أوجب عليها كفارة الظهار. # قلت: والتزام ذلك لا يمتنع. ولما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~الهرة: إنها من الطوافين ووجدت علة الطواف في غيرها؛ جعلنا حكم الشرع في ~~ذلك واحدا. وقد روى أحمد، أو روي له: أن قوما على ماء لهم مر بهم قوم ~~آخرون، فاستسقوهم فلم يسقوهم حتى ماتوا عطشا، فضمن عمر أصحاب الماء دياتهم. ~~فقيل لأحمد: أتقول بهذا؟ قال: إي والله؛ يقول عمر - رضي الله عنه - ولا آخذ ~~به! فلما علل بأن عمر - رضي الله عنه - قاله؛ دل على أنه يأخذ بقول عمر ~~وغيره من الصحابة - رضي الله عنهم - في كل حكم ما لم يمنعه مانع، وأن قول ~~الصحابي عنده حجة مطلقا. # قوله: «وإن لم يبين العلة» يعني المجتهد إذا نص على حكم في مسألة، ولم ~~يبين علته «فلا» أي: فلا يحكم بحكم تلك المسألة في غيرها # PageV03P639 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # من المسائل، «وإن أشبهتها» يعني ~~المسألة المنصوص عليها وغيرها في الصورة، لأن ذلك «إثبات مذهب» له ~~«بالقياس» بغير جامع «ولجواز ظهور الفرق له» أي: للمجتهد «لو عرضت عليه» ~~المسألة التي لم ينص على حكمها أي: لو عرض على المجتهد المسألتان التي نص ~~على حكمها وغيرها لجاز أن يظهر له الفرق بينهما، فيثبت الحكم فيما نص عليه ~~دون غيره. وحينئذ لا يجوز لنا أن نثبت له حكما - يجوز أن يبطله بظهور الفرق ~~له، بخلاف ما إذا نص على علة الحكم في مسألة فألحقنا بها غيرها بعلته فيها، ms1112 ~~فإنه لا يجوز أن يظهر للمجتهد فرق لو عرضتا عليه. # قوله: " ولو نص "، يعني المجتهد " في مسألتين مشتبهتين على حكمين ~~مختلفين؛ لم يجز أن يجعل فيهما روايتان ب ### | النقل والتخريج # كما لو سكت عن إحداهما وأولى ". # أي: كما أنه إذا نص على حكم في مسألة، وسكت عن مسألة أخرى تشبهها، فلم ~~ينص على حكم فيها، فلم يجز أن ينقل حكم المنصوص عليها إلى المسكوت عنها، ~~كذلك إذا نص على المسألتين بحكمين مختلفين لم يجز أن ينقل حكم إحداهما إلى ~~الأخرى ويخرجه قولا له فيها فيصير له فيها قولان، بل هذا أولى بالمنع، لأنه ~~إذا لم يجز نقل حكم المنصوص عليه إلى المسكوت عنه الذي لم ينص عليه بنفي ~~ولا إثبات، فأولى أن لا ينقله إلى منصوص عليه بنقيض الحكم، لأنا في الأول ~~نكون قد قولناه ما لم يقله، مع أنه لو قال في المسألة المسكوت عنها لجاز أن ~~يقول كما قولناه فيها، وفي الثانية قولناه نقيض ما قال، فلا يتصور موافقته ~~لنا فيها الآن بحال. # PageV03P640 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: " والأولى جواز ذلك "، أي: ~~جواز نقل حكم إحدى المسألتين المشتبهتين المنصوص على حكمهما إلى الأخرى، ~~إذا كان ذلك " بعد البحث والجد " فيه " من أهله "، أي: من أهل النظر والبحث ~~ممن تدرب في النظر، وعرف مدارك الأحكام ومآخذها، لأن " خفاء الفرق " بين ~~المسألتين الذي يقتضي اختلافهما في الحكم " مع ذلك "، أي: مع أهلية النظر " ~~ممتنع " في العادة " وإن دق " يعني ذلك الفرق. # قلت: وقياس هذا جواز ذلك في نقل حكم المنصوص عليه إلى المسكوت عنه، إذا ~~عدم الفرق المؤثر بينهما بعد النظر البالغ من أهله، لأن عدم ظهور الفرق ~~والحالة هذه ممتنع في العادة. # وقوله: " وقد وقع " - يعني النقل والتخريج - " في مذهبنا، فقال في المحرر ~~": لنا في باب ستر العورة: " ومن لم يجد إلا ثوبا نجسا صلى فيه وأعاد ; نص ~~عليه، ونص فيمن حبس في موضع نجس فصلى أنه لا يعيد، فيتخرج فيهما روايتان "، ~~وذلك لأن طهارة الثوب والمكان، كلاهما شرط في الصلاة، وهذا وجه ms1113 الشبه بين ~~المسألتين. وقد نص في الثوب النجس أنه يعيد فينقل حكمه إلى المكان، ويتخرج ~~فيه مثله، ونص في الموضع النجس على أنه لا يعيد، فينقل حكمه إلى الثوب ~~النجس، فيتخرج فيه مثله، فلا جرم صار في كل واحدة من المسألتين روايتان ~~إحداهما بالنص والأخرى بالنقل. # قوله: " وذكر " يعني صاحب " المحرر " مثل ذلك "، أي: مثل ما ذكرناه من ~~النقل والتخريج " في الوصايا والقذف ". # PageV03P641 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فقال في الوصايا: ومن وجدت له وصية ~~بخطه عمل بها ; نص عليه، ونص فيمن كتب وصيته وختمها وقال: اشهدوا بما فيها: ~~أنه لا يصح، فتخرج المسألتان على روايتين. ووجه الشبه بين المسألتين أن في ~~كل واحدة منهما قد وجدت وصيته بخطه، وقد نص فيهما على حكمين مختلفين، فيخرج ~~الخلاف في كل واحدة منهما بالنقل والتخريج كما سبق. # وقال في القذف: ومن قال لامرأته: يا زانية، فقالت: بك زنيت ; سقط عنه ~~حقها بتصديقها، ولم تكن قاذفة له ; نص عليه، ونص فيمن قال لزوجته: زنى بك ~~فلان. إنه قاذف لهما، فتخرج المسألتان على روايتين. ووجه الشبه بينهما أنها ~~في قولها له: بك زنيت قاذفة له بالالتزام والتبع، وهو في قوله لها زنى بك ~~فلان ; قاذف لفلان بالتبع. وقد اختلف نصه في المسألتين فيخرج الخلاف كما ~~سبق. # قوله: " ومثله "، أي: ومثل ما حكيناه عن مذهبنا من النقل والتخريج " في ~~مذهب الشافعي كثير ". وذلك لاختلاف نصوص الشافعي - رضي الله عنه - في ~~المسائل المشتبهة. # قوله: " ثم التخريج قد يقبل تقرير النصين، وقد لا يقبل ". يعني أنا إذا ~~خرجنا حكم كل واحدة من المسألتين في الأخرى لاشتباههما، فقد يمكننا بتدقيق ~~النظر أن نقرر كل مسألة على ما نص فيها الإمام فقط من غير نقل حكم إحداهما ~~إلى الأخرى، بأن نبدي بينهما فرقا مناسبا لاختصاص كل واحدة منهما بما نص ~~عليه فيها. فهذا يسمى تقرير النص. وقد لا يمكننا ذلك بأن لا يظهر بينهما ~~فرقا مؤثرا مناسبا كذلك، فلا يكون التخريج قابلا للتقرير. # مثال ما يقبل التقرير: مسألة القذف المذكورة، فإن الصورتين وإن اشتبهتا ms1114 # PageV03P642 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # من حيث ذكرنا، لكن الفرق بينهما من ~~جهة أنها إذا قالت له: بك زنيت، فهي غير قاصدة لقذفه، وإنما قصدت إلزامه ~~بمثل ما ألزمها، وتوبيخه على تعبيره لها بفعل قد فعل مثله، وذلك مما تنكره ~~العقول السليمة، كأنها قالت: إن عيرتني بالزنى فعير نفسك لأني وأنت اشتركنا ~~فيه. # ومن المشهور في إنكار تعيير الإنسان غيره بمثل ما فعله هو قوله - سبحانه ~~وتعالى -: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم} [البقرة: 44] ، وقول شعيب - ~~عليه السلام -: {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه} [هود: 88] ، وقول ~~نبينا - عليه الصلاة والسلام -: لم يضحك أحدكم من الضرطة أيضحك أحدكم مما ~~يفعل وقول الشاعر: # لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم # فهذا كله يشترك في المعنى الكلي الذي ذكرنا. # أما إذا قال لها: زنى بك فلان، فقد قصد قذفها، وأسنده إلى فلان إسناد ~~الفاعلية، بخلاف قولها هي له: بك زنيت، فإنها إنما أضافت الزنى إضافة ~~الفاعلية إلى نفسها دونه، فلذلك لم تكن قاذفة له، بخلافه هو حيث كان قاذفا ~~لها. # ومثال ما لا يقبل التقرير مسألة الوصية، فإنه لا يكاد ينقدح بين صورتيها ~~فرق مؤثر. # أما مسألة ستر العورة، ففي قبولها للتقرير نظر، إذ من جهة اشتراك الثوب # PageV03P643 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والمكان في الاشتراط يتعذر وجود ~~الفارق المؤثر بينهما، ومن جهة أن المكان من ضرورات الصلاة وغيرها من ~~الأفعال عقلا، إذ لا يتصور فعل إلا في مكان، بخلاف الثوب فإنه ليس من ~~ضروراتها عقلا، إذ يتصور فعلها بدونه، كصلاة العريان ينقدح الفرق بينهما ~~فيتجه التقرير. # فائدة: كثيرا ما يقع في كلام الفقهاء: في هذه المسألة قولان بالنقل ~~والتخريج، وصفته ومثاله ما ذكرنا، ويقولون أيضا: يتخرج أن يكون كذا، وتتخرج ~~هذه المسألة على مسألة كذا، أو في هذه المسألة تخريج، فيقال: ما الفرق بين ~~التخريج، وبين النقل والتخريج؟ . # والجواب: أن النقل والتخريج يكون من نص الإمام بأن ينقل عن محل إلى غيره ~~بالجامع المشترك بين محلين كما ذكرنا من الأمثلة، والتخريج يكون من قواعده ~~الكلية. # مثاله: قولنا: ms1115 لا يصح التيمم لفرض قبل وقته، ولا لنفل في وقت المنع منه، ~~ويبطل التيمم بخروج الوقت، ولا يصلي به حتى يحدث، ويتخرج خلاف ذلك كله بناء ~~على أن التيمم يرفع الحدث ; وهو قاعدة من قواعد التيمم، وإن كان مرجوعا عنه ~~عندنا. # وقولنا: إذا وجد المتيمم الماء في الصلاة خرج فتطهر وابتدأها، ويتخرج أن ~~يتطهر ويبني بناء على من سبقه الحدث في الصلاة هل يستأنف أو يبني. # وقولنا: من أتلف لذمي خمرا أو خنزيرا، لم يضمنه، ويتخرج أن يضمن الذمي ~~خمر الذمي بناء على أنها مال لهم. # PageV03P644 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # واعلم أن التخريج أعم من النقل ~~والتخريج، لأن التخريج يكون من القواعد الكلية للإمام، أو الشرع، أو العقل، ~~لأن حاصله أنه بناء فرع على أصل بجامع مشترك، كتخريجنا على قاعدة تفريق ~~الصفقة فروعا كثيرة، وعلى قاعدة تكليف ما لا يطاق أيضا فروعا كثيرة في أصول ~~الفقه وفروعه، كما ذكرنا في غير هذا الكتاب. # وأما النقل والتخريج، فهو مختص بنصوص الإمام. # PageV03P645 # و ### | إذا نص على حكمين مختلفين في مسألة، # فمذهبه آخرهما إن علم التاريخ، كتناسخ أحكام الشارع، وإلا فأشبههما ~~بأصوله وقواعد مذهبه وأقربهما إلى الدليل الشرعي. # وقيل: كلاهما مذهب له، إذ لا ينقض الاجتهاد بالاجتهاد، فإن أريد ظاهره ~~فممنوع، وإن أريد ما عمل بالأول لا ينقض، فليس مما نحن فيه، ثم يبطل بما لو ~~صرح برجوعه عنه، فكيف يجعل مذهبا له مع تصريحه باعتقاد بطلانه، ولو خالع ~~مجتهد زوجته ثلاث مرات يعتقد الخلع فسخا، ثم تغير اجتهاده فاعتقده طلاقا ~~لزمه فراقها، ولو حكم بصحة نكاح مختلف فيه حاكم، ثم تغير اجتهاده لم ينقض، ~~للزوم التسلسل بنقض النقض ; واضطراب الأحكام ; ولو نكح مقلد بفتوى مجتهد، ~~ثم تغير اجتهاده فالظاهر لا يلزمه فراقها، إذ عمله بالفتيا جرى مجرى حكم ~~الحاكم، والله سبحانه أعلم. # قوله: «وإذا نص على حكمين مختلفين ~~في مسألة» كقوله: يجزئ إخراج القيمة في الزكاة ولا يجزئ ; «فمذهبه آخرهما» ~~، أي: آخر الحكمين «إن علم التاريخ» ، أي: لا يخلو إما أن يعلم تاريخ ~~القولين أو لا، ms1116 فإن علم ; فمذهبه آخرهما، «كتناسخ أحكام الشارع» ، أي: كما ~~يؤخذ بالآخر فالآخر من أحكام الشرع، كذلك يؤخذ بالآخر فالآخر من أحكام ~~الأئمة، لما سبق من أن نصوص الأئمة بالإضافة إلى مقلديهم كنصوص الشارع ~~بالإضافة # PageV03P646 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # إلى الأئمة. وإن لم يعلم التاريخ ~~فمذهبه أشبه القولين «بأصوله» ، أي: بأصول الإمام «وقواعد مذهبه وأقربهما» ~~، أي: أقرب القولين «إلى الدليل الشرعي» ترجيحا لأحد القولين بذلك، فإن ~~الأصل والظاهر من حال الإمام مع سبره الأحكام والنظر في مآخذها أنه يطرد ~~أصوله وقواعده فيها، وأنه لا يخالف الدليل الشرعي. # ومثال ذلك: ما لو اختلف نص أحمد في أن الكفار يملكون أموال المسلمين ~~بالقهر، لكان الأشبه بأصله أنهم لا يملكون بناء على تكليفهم بالفروع كما ~~سبق، وهو أشبه بقاعدته في أن الأسباب المحرمة لا تفيد الملك، ولذلك رجحه ~~أبو الخطاب، ونصره في تعليقه ; وإن كان مخالفا لنصوص أحمد على أنهم ~~يملكونها. # ولما اختلف نصه في أن بيع النجش، وتلقي الركبان ونحوهما باطل ; كان ~~الأشبه بأصله البطلان بناء على اقتضاء النهي الفساد مطلقا. # قوله: «وقيل: كلاهما» ، أي: كلا القولين المختلفين في المسألة «مذهب له» ~~، أي: للإمام، لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، والقولان باجتهادين، فلا ~~ينقض أحدهما الآخر. # قوله: «فإن أريد ظاهره» ، أي: ظاهر قولهم: كلا القولين مذهب له بمعنى أن ~~الفتيا والعمل على كل واحد منهما، فهو «ممنوع» ، أي: لا نسلمه، لما سيأتي ~~إن شاء الله تعالى، «وإن أريد» بكونهما مذهبا له «أن ما عمل» بالقول الأول ~~من حكم وعبادة «لا ينقض» ، ولا يجب قضاؤها «فليس» ذلك «مما نحن فيه» أي: ~~ليس هذا محل النزاع، إنما النزاع فيما إذا تغير اجتهاده هل # PageV03P647 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يبقى القول الأول أم لا؟ وأحدهما ~~غير الآخر. وأما عدم نقض ما عمل بالقول الأول، فلا يوجب بقاؤه مذهبا لجواز ~~امتناع النقض لعارض أو مصلحة راجحة. # قوله: «ثم يبطل» - يعني ما ذكروه من قولهم: لا ينقض الاجتهاد بالاجتهاد - ~~«بما لو صرح» الإمام «برجوعه عنه» ، أي: برجوعه عن القول الأول، فإنه إذا ~~صرح برجوعه عنه، فإما أن لا ms1117 يبقى مذهبا له فقد نقض الاجتهاد بالاجتهاد، وهو ~~الذي نفاه الخصم، أو يبقى مذهبا له، فكيف يصح ذلك مع تصريحه باعتقاد ~~بطلانه، فإن ذلك لا يجوز. # قوله: «ولو خالع مجتهد زوجته» ، إلى آخره هذا من فروع نقض الاجتهاد ~~بالاجتهاد وصوره. ومعناه: أن مجتهدا لو خالع زوجته ثلاث مرات، وهو «يعتقد ~~الخلع فسخا» لا طلاقا، «ثم تغير اجتهاده فاعتقده طلاقا، لزمه فراقها» ، ~~لأنها صارت بموجب هذا الاجتهاد الثاني مطلقة ثلاثا وهو يعتقد صحته، فلم يجز ~~له إمساك من يعتقد تحريمها بالطلاق الثلاث. # قوله: «ولو حكم بصحة نكاح مختلف فيه حاكم» مثل أن حكم بصحة النكاح بلا ~~ولي أو شهود حاكم حنفي، أو مجتهد غيره، «ثم تغير اجتهاده» ، فرأى ذلك ~~النكاح باطلا، «لم ينقض» ذلك الاجتهاد الأول بالتفريق بين الزوجين، وذلك ~~«للزوم التسلسل بنقض النقض» ، أي: لو نقض الحكم الأول بالثاني لتغير اجتهاد ~~الحاكم، لوجب أن ينقض الحكم الثاني بالثالث إذا تغير # PageV03P648 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # اجتهاده، وهلم جرا ; كلما تغير ~~اجتهاده، حكم بحكم، ونقض الذي قبله، فيتسلسل النقض، وتضطرب أحكام الناس ~~لنقضها بعد ترتيبها على تلك الاجتهادات، وقد كان القياس أن ينقض الحكم بما ~~ينافيه من الاجتهاد بعده، كما ينقض الاجتهاد المجرد عن حكم بمثله كما في ~~مسألة الخلع، لكن ههنا ترك القياس للاستحسان تحصيلا لضبط الأمور، وصيانتها ~~عن الانتشار. # قوله: «ولو نكح مقلد بفتوى مجتهد، ثم تغير اجتهاده» - يعني اجتهاد ~~المجتهد - «فالظاهر» أنه لا يلزم، أي: لا يلزم المقلد فراق زوجته لتغير ~~اجتهاد المجتهد عما أفتاه به أولا، «إذ عمله بالفتيا جرى مجرى حكم الحاكم» ~~. # وقد بينا أن حكم الحاكم لا ينقض، فكذا ما جرى مجراه. # وحاصل ما ذكر: أن اجتهاد المجتهد إما أن يتجرد عن الحكم والفتوى، أو لا ~~يتجرد. # فإن تجرد عنهما، وجب نقضه بالاجتهاد المخالف له بعده. # وإن اقترن به حكم لم ينقض، واستؤنف العمل بالاجتهاد الثاني. # وإن اقترن به الفتيا، والعمل بها، احتمل أن لا ينقض ما عمل بها مطلقا في ~~النكاح وغيره، تنزيلا للعمل بها منزلة حكم الحاكم، واحتمل ms1118 أن ينقض ما سوى ~~النكاح، كما فرض في المختصر، فرقا بينه وبين غيره بما عرف من خواصه، وتشوف ~~الشرع إلى تكثيره، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # PageV03P649 # التقليد # لغة: جعل شيء في العنق محيطا به، والشيء قلادة. # وشرعا: قبول قول الغير من غير حجة، كأن المقلد يطوق المجتهد إثم ما غشه ~~به في دينه، وكتمه عنه من علمه أخذا من قوله تعالى: {ألزمناه طائره في ~~عنقه} على جهة الاستعارة، وليس قبول قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~تقليدا، إذ هو حجة في نفسه. # ويجوز ### | التقليد # في الفروع إجماعا، خلافا لبعض القدرية. # لنا: الإجماع على عدم تكليف العامة ذلك، ولأن المخطئ فيها مثاب فلا ~~محذور. # قالوا: الواجب العلم ; أو ما أمكن من الظن، والحاصل منه باجتهاد أكثر. # قلنا: فاسد الاعتبار لمخالفته النص والإجماع، ثم تكليفهم الاجتهاد يبطل ~~المعايش، ويوجب خراب الدنيا في طلب أهليته، ولعل أكثرهم لا يدركها فتتعطل ~~الأحكام بالكلية. # «التقليد لغة» أي: هو في اللغة ~~«جعل شيء في العنق» عنق الدابة وغيره «محيطا به» ، احترازا مما إذا لم يكن ~~محيطا بالعنق، فلا يسمى قلادة في عرف اللغة ولا غيرها، وذلك ~~كالعقود،المخانق، والمرسلات في حلوق النساء والصبيان، والسبح التي هي في ~~حلوق المتزهدين، والقلائد في أعناق # PageV03P650 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الخيل. وفي الحديث: اركبوا الخيل ~~ولا تقلدوها الأوتار، أي: لا تجعلوا الأوتار قلائد في أعناقها خشية أن ~~تختنق إذا أمعنت في الجري، لانتفاخ أوداجها. هذا هو ظاهر الحديث، وقيل فيه ~~غير ذلك. # قوله: «والشيء» - يعني المحيط بالعنق - يسمى «قلادة» ، وجمعها قلائد، ~~ومنه قوله - عز وجل -: {والهدي والقلائد} [المائدة: 2] يعني ما يقلده الهدي ~~في عنقه من النعال أو آذان القرب ونحوها. # قوله: «وشرعا» ، أي: والتقليد شرعا، أي: في عرف الشرع: «قبول قول الغير ~~من غير حجة» ; استعارة من المعنى اللغوي، «كأن المقلد يطوق المجتهد # PageV03P651 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # إثم ما غشه به في دينه، وكتمه عنه ~~من علمه» ، أي: يجعله طوقا في عنقه «أخذا من قوله» - عز وجل -: {وكل إنسان ~~ألزمناه طائره في عنقه} [الإسراء: 13] «على جهة الاستعارة» يعني من التقليد ms1119 ~~اللغوي كما سبق. # قوله: «وليس قبول قول النبي - صلى الله عليه وسلم - تقليدا إذ هو - يعني ~~قول النبي - صلى الله عليه وسلم - حجة في نفسه» . # قلت: قال الآمدي: التقليد عبارة عن العمل بقول الغير من غير حجة ملزمة، ~~كأخذ العامي بقول مثله، والمجتهد بقول مثله في الأحكام الشرعية، بخلاف ~~اتباع قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقول الأمة - يعني في الإجماع - ~~والعامي للمفتي لعدم عروه عن الحجة الملزمة به. # قلت: هذا منه على جهة الفرق بين ما هو تقليد أو غيره. # والتحقيق التفصيل وهو أن يقال: إن أريد بالحجة ما أفاد مدلوله بذاته من ~~غير واسطة، فهذا كله تقليد، وإن أريد بها ما أفاد مدلوله مطلقا، فليس ذلك ~~تقليد، لأن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - يفيد مدلوله بواسطة تصديق ~~المعجز له، والإجماع يفيد مدلوله بواسطة شهادة الصادق له بالعصمة، وقول ~~المفتي يفيد مدلوله بواسطة الإجماع الدال على وجوب قبوله بالنسبة إلى ~~العامي. # قوله: «ويجوز التقليد في الفروع إجماعا» ، أي: بالإجماع، «خلافا لبعض ~~القدرية» من المعتزلة. # «لنا» على جواز التقليد فيه وجهان: # أحدهما: «الإجماع» من الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - وغيرهم - # PageV03P652 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # سوى هذا المخالف - «على عدم تكليف ~~العامة ذلك» - يعني الاجتهاد في الفروع - فإن الصحابة ومن بعدهم لم ينكروا ~~على عامي اتبع مفتيا فيما أفتاه سواء ذكر له الدليل، أو لم يذكره. # الوجه الثاني: أن «المخطئ فيها» ، أي: في الفروع «مثاب» ، لحديث عمرو بن ~~العاص في الحاكم يخطئ فله أجر. وحينئذ لا محذور في تقليد العامي فيها، لأنه ~~في تقليده كالمجتهد في اجتهاده، والمجتهد إذا أخطأ فيها لا محذور عليه، ~~فكذلك المقلد، والجامع بينهما أن كل واحد منهما امتثل حكم الشرع بحسب طاقته ~~وأهليته ; هذا بالتقليد، وهذا بالاجتهاد. # قوله: «قالوا» ، أي: احتج الخصم على منع جواز التقليد للعامي، بأن ~~«الواجب» فيها «العلم أو ما أمكن من الظن» إذا تعذر العلم. «والحاصل» من ~~الظن بالاجتهاد أكثر من الحاصل منه بالتقليد، فيكون ذلك الظن الأكثر واجبا، ~~لأنه أقرب إلى الواجب الأصلي وهو ms1120 العلم، والأقرب إلى الواجب الأصلي واجب، ~~وإذا وجب الظن الأكثر وجب الاجتهاد الذي هو طريق إليه، بناء على أن ما لا ~~يتم الواجب إلا به، فهو واجب، وإنما قلنا: إن الواجب الأصلي هو العلم لقوله ~~- عز وجل -: {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36] ، {وأن تقولوا على ~~الله ما لا تعلمون} [الأعراف: 33] . وإنما قلنا: إن العلم إذا تعذر، وجب ما ~~أمكن من الظن لقوله - عليه السلام -: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ~~وقياسا على من لم يجد إلا بعض صاع من فطرته # PageV03P653 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يلزمه إخراجه، ومن لم يجد إلا ما ~~يكفي بعض طهارته، لزمه استعماله ثم يتيمم، ومن لم يجد في بلده مصرفا للزكاة ~~أخرجها إلى أقرب البلاد إليه، ونظائر ذلك كثيرة، وباقي مقدمات الدليل ~~ظاهرة. # قوله: «قلنا» ، أي: في جواب ما ذكروه أنه «فاسد الاعتبار لمخالفته النص ~~والإجماع» ، والإشارة بالنص إلى قوله - عز وجل -: {فاسألوا أهل الذكر إن ~~كنتم لا تعلمون} [الأنبياء: 7] ، وقوله - عليه السلام - في قصة ذي الشجة ~~المشهورة: ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال وقوله - عليه ~~السلام - في حديث ذهاب العلم: رءوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا ~~وأضلوا مفهومه من أفتى بعلم يكون هاديا، ومن كان هاديا، جاز اتباعه، ~~والإشارة بالإجماع إلى إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - كما ذكر أول ~~المسألة. # قوله: «ثم تكليفهم» ، أي: تكليف العامة «الاجتهاد يبطل المعايش، ويوجب ~~خراب الدنيا في طلب أهليته» ، أي أهلية الاجتهاد، أي صيرورة العامة أهلا له ~~لما يحتاج إليه من الفراغ والنظر، ومجالسة العلماء، وممارسة أنواع من ~~العلوم، «ولعل أكثرهم» - أي: أكثر العامة - لو تجرد لطلب أهلية الاجتهاد ~~«لا يدركها» ، إذ قد وجد كثير ممن تجرد لتحصيل العلم فمات بعد طول المدة ~~فيه على عاميته، إذ المجتهدون لعزة منصب الاجتهاد كالملوك في # PageV03P654 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الأعصار لا يوجد منهم إلا الواحد ~~بعد الواحد، فكانت «تتعطل الأحكام بالكلية» لو كلف العامة الاجتهاد، لأنهم ~~مادة العلماء، فإذا تشاغلوا بطلب الاجتهاد، انقطعت مادة العلماء وغيرهم، ~~وتعطلت الأحكام، إذ العامي لا ms1121 يقوم منه مجتهد، وينقطع بتشاغله بالعلم مادة ~~طلبه العلم، فيشتغلون بضروراتهم عن طلبه، فيخلو الوقت عمن يسترشد في أحكام ~~الشرع. # PageV03P655 # ولا تقليد في ما علم كونه من الدين ضرورة، كالأركان ~~الخمسة لاشتراك الكل فيه، ولا في الأحكام الأصولية كمعرفة الله تعالى، ~~ووحدانيته، وصحة الرسالة، ونحوها، لظهور أدلتها في نفس كل عاقل، وإن منع ~~العامي عيه من التعبير عنها. # ولأن المقلد إن علم خطأ من قلده لم يجز أن يقلده، أو أصابته فيم علمها إن ~~كان لتقليده آخر، فالكلام فيها كالأول، أو باجتهاده فيه فليجتهد في المطلوب ~~وليلغ واسطة التقليد. وفي هذه المسألة إشكال، إذ العامي لا يستقل بدرك ~~الدليل العقلي، والفرق بينه وبين الشبه لاشتباههما، لا سيما في زماننا هذا ~~; مع تفرق الآراء وكثرة الأهواء، بل نحارير المتكلمين لا يستقلون بذلك، ~~فإذا منع من التقليد لزم أن لا يعتقد شيئا. # قوله: «ولا تقليد فيما علم كونه من ~~الدين ضرورة كالأركان الخمسة» ، وهي الشهادتان، والصلاة، والزكاة، والصيام، ~~والحج. «لاشتراك الكل» يعني العامي وغيره في العلم بذلك، إذ التقليد يستدعي ~~جهل المقلد بما قلد فيه، وذلك مستحيل فيما علم بالضرورة، والعلم بهذه ~~الأركان بالضرورة الحاصلة عن التواتر والإجماع، وهما مركبان من المعقول ~~والمنقول كما سبق، وليس المراد بالضرورة العقلية المحضة. # قوله: «ولا في الأحكام» ، أي: ولا يجوز التقليد في الأحكام «الأصولية» ~~الكلية، «كمعرفة الله تعالى، ووحدانيته، وصحة الرسالة، ونحوها» من القطعيات ~~الظاهرة الأدلة، «لظهور أدلتها في نفس كل عاقل، وإن منع العامي عيه» ، أي: ~~قصور عبارته «من التعبير عنها» ، أي: عن تلك الأدلة الظاهرة، # PageV03P656 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فإن العامي إذا رأى هذا العالم ~~باختلاف أجناسه وأنواعه وحركاته وما فيه من الحكمة والإتقان، علم بالضرورة ~~أن له صانعا، وإن قصرت عبارته عن تقرير دليل الدور والتسلسل الدال على وجود ~~الصانع، وإذا رأى العالم جاريا على نظام الحكمة علم أن صانعه لا منازع له ~~فيه، ولا مشارك، لما علم في مستقر العادة من أن الأشياء تفسد بتعدد ~~المتنازعين فيها، وإن لم يمكنه تقرير الدليل من قوله - عز ms1122 وجل -: {لو كان ~~فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22] ، وإذا رأى إنسانا قد ادعى ~~النبوة، وظهر على يديه خارق للعادة بشرطه ; علم صدقه وإن لم يمكنه تقرير ~~دليل النبوة، ودفع الشبه عنه. # قوله: «ولأن المقلد» ، إلى آخره. هذا دليل آخر على امتناع التقليد في ~~الأصول. وتقريره أن المقلد إما أن يعلم خطأ من قلده أو إصابته، فإن علم ~~خطأه، «لم يجز أن يقلده» في الخطأ كما في الفروع وأولى، وإن علم إصابته ~~فإما أن يعلمها بتقليد آخر، أو باجتهاده هو، فإن علمها بتقليد شخص آخر ~~قلنا: الكلام في هذا الشخص الآخر، كالكلام في الأول وهو الذي قلدته، فيقال ~~له: بم علمت إصابة هذا الذي قلدته، بتقليدك في ذلك غيرك، أو باجتهادك؟ ~~ويتسلسل التعليل، أو ينتهي إلى الاجتهاد، وإن علم المقلد إصابة من قلده ~~باجتهاده «فليجتهد في المطلوب وليلغ واسطة التقليد» ، فنقول له: إذا كان لك ~~أهلية تعلم بها إصابة من تقلده من خطئه، فاجتهد أنت فيما قلدت فيه، وألغ ~~واسطة التقليد، أي: لا تجعل بينك وبين اعتقادك واسطة # PageV03P657 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # تقلدها، لأن هذه الواسطة تكون ~~لاغية لا فائدة فيها، بل مع تقليدها إنما اعتمدت على اجتهادك. وهذا نحو من ~~قول الفقهاء: الإقرار يلغي البينة، وحضور شاهد الأصل يلغي اعتبار شاهد ~~الفرع. # قوله: «وفي هذه المسألة إشكال» ، أي: تكليف العامة الاجتهاد في مسائل ~~الأصول، لأن العامي لا يستقل بإدراك «الدليل العقلي» ، وبالفرق «بينه وبين ~~الشبه لاشتباههما» ، أي: لاشتباه الدليل والشبهة، إذ الدليل ما لزم من ~~ثبوته ثبوت المدلول، والشبهة توهم ثبوت ما نصبت للدلالة عليه لمشابهتها ~~الدليل في بعض ذلك، وهي غير دالة على ثبوته في نفس الأمر فيحتاج الناظر في ~~أحكام الأصول أن يكون عارفا بتقرير الأدلة العقلية ودفع الشبه عنها، وذلك ~~بعيد عن العامي، بل ممتنع في حقه عادة «لا سيما في زماننا هذا مع تفرق ~~الآراء، وكثرة الأهواء، بل نحارير المتكلمين» وشطارهم «لا يستقلون بذلك» ~~وحيث الأمر كذلك، «فإذا منع» يعني العامي «من التقليد لزم أن لا يعتقد ~~شيئا» ، لأن ms1123 الاعتقاد الاجتهادي متعذر عليه، والتقليد ممنوع منه. # وحاصل هذا يرجع إلى منع عموم الدليل السابق على منع التقليد في الأصول ~~لظهور أدلتها في نفس كل عاقل. # وتقريره: لا نسلم ذلك، بل إنما هي ظاهرة في نفوس العلماء. أما العامة ~~فلا. # PageV03P658 # فالأشبه إذا، أن لا إثم على من أخطأ في حكم اعتقادي ~~غير ضروري مجتهد، أو عامي مع الجد والاجتهاد بحسب الإمكان مع ترك العناد. # وفيه احتراز مما يلزم الجاحظ، إذ أكثر مخالفي الملة عاندوا، ومنهم من لم ~~يستفرغ وسعه في الاجتهاد. # وأن الكفر إنكار ما علم كونه من الدين بالضرورة، وهو مقتضى كلام الشيخ ~~أبي محمد في رسالته، إذ لم يكفر أحدا من المبتدعة غير المعاندين ومنكري ~~الضروريات، لقصدهم الحق مع استبهام طريقه. # وقوله: «فالأشبه إذا» ، أي: قد ~~تقرر أن العامي لا يستقل بمعرفة الأدلة العقلية ودفع الشبه عنها، فالأشبه ~~بالصواب «أن» يقال: «لا إثم على من أخطأ في حكم اعتقادي غير ضروري مجتهد أو ~~عامي مع الجد والاجتهاد بحسب الإمكان مع ترك العناد» . # فقولنا: «اعتقادي» هو المراد بالأحكام الأصولية لأن حظ المكلف منها ~~الاعتقاد. # وقولنا: «غير ضروري» احتراز مما سبق من ضروريات الشريعة التي اشترك فيها ~~العامة وغيرهم. # وقولنا: «مجتهد، أو عامي» ليس احترازا عن شيء، بل هو بدل تفصيلي من ~~قولنا: «على من أخطأ» ، أي: لا إثم على المخطئ والحالة هذه، سواء كان ~~مجتهدا أو عاميا. # PageV03P659 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وقولنا: «مع الجد والاجتهاد» ~~احتراز ممن لا يجتهد في معتقده أصلا، بل يعتقد ما خطر له أو ما مال إليه ~~هواه، فإن ذلك يأثم، لأنه ترك الواجب، أو تابع الهوى في اجتهاده. # وقولنا: «بحسب الإمكان» ، أي: يكتفي منه بما أمكنه، وما بلغته قوته من ~~الاجتهاد، ولا يكلف منه ما لا سبيل له إليه، إذ ذلك ما لا يطاق. # وقولنا: «مع ترك العناد» ، احتراز من أن يجتهد ويعاند في اجتهاده بأن ~~يظهر له الصواب، فيحيد عنه، كما حكى الله - عز وجل - عن قوم فرعون: {وجحدوا ~~بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} [النمل: 14] . # قوله: «وفيه» ms1124 ، أي: في هذا الضابط المذكور لعدم الإثم «احتراز مما يلزم ~~الجاحظ» على قوله: لا إثم على من أخطأ الحق مع الجد في طلبه من رفع الإثم ~~عن كل كافر، لأنهم جدوا في طلب الحق، فلم يصيبوه، فلا يلزم هذا على ما ~~ذكرناه من الضابط، لأن أكثر المخالفين لملة الإسلام عاندوا الحق مع وضوحه ~~بدليل قوله - عز وجل -: {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله ~~يجحدون} [الأنعام: 33] ، {والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك ~~بالحق} [الأنعام: 114] ، وأشباه ذلك، مما دل على كفرهم وعنادهم. «ومنهم» - ~~أي: ومن مخالفي الملة - «من لم يستفرغ وسعه في الاجتهاد» ، فكان خطؤه ~~لتقصيره، فلحقهم الإثم لذلك، ونحن قدرنا الضابط المذكور، لنفي الإثم بأن ~~يوجد الجد في طلب الحق والاجتهاد، وأن تنتفي المكابرة والمعاندة، فلا ~~يلزمنا ما لزم الجاحظ مما سبق. # قوله: «وأن الكفر» . هذا عطف على قوله: فالأشبه أن لا إثم على من # PageV03P660 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ذكر، والأشبه أن الكفر «إنكار ما ~~علم كونه من الدين ضرورة» ، فلا يكفر أحد بإنكار ما سوى ذلك من مسائل ~~الفروع وما بينها وبين الأصول الضرورية، كمسألة القدر، والحرف، والصوت، ~~ونحوها على ما قررته في كتاب «إبطال التحسين والتقبيح» . # قلت: وهذا كالتقرير للضابط المذكور في نفي الإثم عمن أخطأ الحق، وذلك لأن ~~الكفر إذا انحصر في إنكار الضروريات، فالضروريات لا يخطئ فيها أحد عامي ولا ~~غيره، فيبقى ما عدا الضروريات «هو مقتضى كلام الشيخ أبي محمد» مصنف ~~«الروضة» «في رسالته» ، وهي رسالة رد فيها على بعض الحرانيين قوله بتكفير ~~كل مبتدع في مسائل العقائد، كالأشعرية والمعتزلة والجهمية ونحوهم، فرد عليه ~~الشيخ أبو محمد و «لم يكفر أحدا» من أهل القبلة غير المعاندين ومنكري ~~الضروريات لقصدهم الحق مع استبهام طريقه. # قلت: فهم بقصد الحق مثابون أو غير آثمين، وباستبهام طريقه معذورون. # وهذا يشير إلى قاعدة قررتها في ذلك في «القواعد الصغرى والكبرى» وكتاب ~~«إبطال التحسين والتقبيح» . # أما منكرو الضرورات، فيلزمهم العناد، لأن من يعش خمسين سنة بين المسلمين، ~~ثم يقول: الصلاة غير واجبة، والزنا ms1125 غير محرم، فهذا لا يرتاب في أنه معاند، ~~وكذلك من اعتقد في الله - عز وجل - ما يعلم أنه لا يليق به، كمن اعتقد أنه ~~جسم ; وهو يعلم أن الجسمية لا تليق به، ونحو ذلك، لأنه مستهزئ بالحرمة ~~الإلهية، متلاعب بها، فهذان يكفران، ومن سواهم، فلا، والله تعالى أعلم ~~بالصواب. # PageV03P661 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فائدة: قال الآمدي: ذهب عبيد الله ~~بن الحسن العنبري والحشوية والتعليمية إلى جواز التقليد في المسائل ~~الأصولية المتعلقة بالاعتقاد في الله - عز وجل -، وربما قال بعضهم بوجوبه ~~على المكلف، وتحريم النظر في ذلك، وذهب الباقون إلى المنع من ذلك، وهو ~~المختار. # وقال القرافي: قال إمام الحرمين في المسائل: لم يقل بالتقليد في الأصول ~~إلا الحنابلة. # قلت: قد رأيت أيها الناظر ما ذكرناه من مذهبنا في ذلك، ولا نعلم فيه ~~خلافا، كيف وقد نص أحمد على النهي عن التقليد نهيا عاما، فقال: من ضيق علم ~~الرجل أن يقلد دينه غيره، فبان أن ما قاله إمام الحرمين إما التباس عليه، ~~أو تلبيس منه، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # PageV03P662 # ثم هنا مسألتان: # إحداهما: أن العامي يقلد من علم أو ظن أهليته للاجتهاد بطريق ما، دون من ~~عرفه بالجهل اتفاقا فيهما. # أما من جهل حاله فلا يقلده أيضا، خلافا لقوم. # لنا: غالب الناس غير مجتهد، فاحتمال الأهلية مرجوح، ولأن من وجب قبول ~~قوله، وجب معرفة حاله، كالنبي بالمعجز، والشاهد والراوي بالتعديل. # قالوا: العادة أن من دخل بلدا لا يسأل عن علم من يستفتيه ولا عن عدالته. # قلنا: العادة ليست حجة على الدليل، لجواز مخالفتها إياه، ثم وجوب السؤال ~~عن علمه ملتزم، والعدالة أصلية في كل مسلم، بخلاف العلم. # قوله: «ثم هنا» ، أي: في باب ~~التقليد «مسألتان: # إحداهما: أن العامي يقلد من علم، أو ظن أهليته للاجتهاد بطريق ما، دون من ~~عرف بالجهل اتفاقا فيهما» . أي: الحكم في الصورتين إثبات في الأولى، ونفي ~~في الثانية، متفق عليه عند من أجاز التقليد للعامي. # وتحقيق القسمة فيه: أن العامي إذا أراد أن يستفتي شخصا، فإما أن يعلم، أو ~~يظن ms1126 أنه أهل للفتيا، أو يعلم أنه جاهل لا يصلح لذلك، أو يجهل حاله، فلا ~~يعلم أهليته ولا عدمها. فالأول له أن يستفتيه باتفاقهم، وعلمه بأهليته إما ~~بإخبار عدل عنه بذلك، أو باشتهاره بين الناس بالفتيا، أو بانتصابه لها ~~وانقياد # PageV03P663 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الناس للأخذ عنه ونحو ذلك من ~~الطرق. وهذا معنى قوله: «بطريق ما» ، والظن يقوم مقام العلم في ذلك لما ~~عرف. # والثاني: وهو من علم أو ظن جهله لا يجوز أن يستفتيه، لأنه تضييع لأحكام ~~الشريعة، فهو كالعالم يفتي بغير دليل. أما من جهل حاله، فلا يقلده أيضا عند ~~الأكثرين، خلافا لقوم. # «لنا» على أن لا يقلده وجهان: # أحدهما: أن «غالب الناس غير مجتهد، فاحتمال الأهلية مرجوح» . # يعني أن هذا لما جهل حاله، احتمل أن يكون أهلا، وأن لا يكون، لكن غالب ~~الإنس غير أهل للفتيا، فحمل هذا على الغالب راجح، ويلزم منه أن تكون أهليته ~~مرجوحة، فينتفي ظن أهليته، فلا يجوز تقليده. # الوجه الثاني: أن المفتي يجب قبول قوله، وكل «من وجب قبول قوله، وجب ~~معرفة حاله» ، كما أن النبي لما وجب قبول قوله، وجب معرفة حاله وامتحانه ~~بظهور المعجز على يده، «والشاهد والراوي» لما وجب قبول قولهما، وجب معرفة ~~حالهما «بالتعديل» . # قوله: «قالوا» . هذا حجة الخصم على قبول فتيا المجهول الحال. وتقريرها: ~~أن «العادة» جرت بأن «من دخل بلدا لا يسأل عن علم من يستفتيه ولا عدالته» ، ~~والعوائد المشهورة حجة لدلالتها على اتفاق الناس عليها عملا بقوله - عليه ~~السلام -: ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن. # PageV03P664 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «قلنا» هذا جواب ما ذكروه، ~~وهو أنا لا نسلم أن العادة «حجة على الدليل، لجواز مخالفتها إياه» ، ومعنى ~~ذلك: أن الدليل قد دل على أن مجهول الحال لا يستفتى كما سبق. وما ذكرتم من ~~العادة ليس حجة على هذا الدليل وكذلك مطلق «العادة ليست حجة على» مطلق ~~«الدليل لجواز» أن تخالفه، وما خالف الدليل لا يعتبر إلا بدليل، ثم لا نسلم ~~أن العادة ما ذكرتم، بل العادة خلافه، وهو أن من دخل ms1127 بلدا احتاط لدينه، ولم ~~يأخذ إلا عن أهله. وإن سلمنا أن ذلك عادة ; لكن لا نسلم شهرتها، بل هو عادة ~~شذوذ الناس وجهالهم، وإن سلمنا أنها مشهورة، لكن لا نسلم أنها تدل على ~~اتفاق عليها حتى تكون حجة. # قوله: «ثم وجوب السؤال عن علمه ملتزم» ، أي: نلتزم أن من دخل بلدا يجب ~~عليه السؤال عن علم من يستفتيه، ولا نسلم عدم وجوبه، وإنما هو شيء ~~استفدتموه من العادة، وقد بينا بطلانه. # قوله: «والعدالة أصلية في كل مسلم بخلاف العلم» . # هذا بيان الفرق بين العدالة والعلم: بأن عدالة المفتي إنما لم يجب السؤال ~~عنها، لأنها الأصل في كل مسلم بخلاف العلم، فإنه على العكس من ذلك، وهو أن ~~عدمه أصلي في كل أحد، فلذلك أوجبنا السؤال عن علم المفتي دون عدالته، والله ~~- سبحانه وتعالى - أعلم. # PageV03P665 # الثانية: يكفي المقلد سؤال بعض مجتهدي البلد، وفي ~~وجوب تخير الأفضل قولان: # النافي: إجماع الصحابة على تسويغ سؤال مقلديهم الفاضل والمفضول لأن الفضل ~~قدر مشترك، ولا عبرة بخاصة الأفضلية. # المثبت: الظن الحاصل من قول الأفضل أغلب، فإن سألهما واختلفا عليه فهل ~~يلزمه متابعة الأفضل في دينه وعلمه كالمجتهد يتعارض عنده الدليلان، أو ~~يتخير؟ فيه خلاف، الظاهر الأول، ويعرف الأفضل بالإخبار وإذعان المفضول له ~~وتقديمه، ونحوه من الأمارات المفيدة للظن، فإن استويا عنده اتبع أيهما شاء. # وقيل: الأشد، إذ الحق ثقيل مري، والباطل خفيف وبي. # وقيل الأخف، لقوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر} {وما جعل عليكم في الدين ~~من حرج} ، «لا ضرر» ، «بعثت بالحنيفية السمحة السهلة» . # ويحتمل أن يسقطا لتعارضهما، ويرجع إلى غيرهما إن وجد، وإلا فإلى ما قبل ~~السمع. # المسألة «الثانية: يكفي المقلد ~~سؤال بعض مجتهدي البلد» يعني من شاء منهم، ولا يلزمه سؤال جميعهم. «وفي ~~وجوب تخير الأفضل» . أي: هل يجب عليه أن يتخير أفضل المجتهدين فيستفتيه؟ ~~فيه «قولان» : بالنفي والإثبات «النافي» ، أي: احتج النافي لوجوب تخير ~~الأفضل بوجهين: أحدهما: # PageV03P666 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أن الصحابة أجمعوا «على تسويغ سؤال ~~مقلديهم الفاضل والمفضول» ، أي: أجمعوا على أن للمستفتي أن ms1128 يقلد فاضلهم ~~ومفضولهم، وذلك ينفي وجوب تخير الأفضل وإلا كان إجماع الصحابة - رضي الله ~~عنهم - خطأ وهو باطل. # الوجه الثاني: «أن الفضل قدر مشترك» بين الفاضل والأفضل، فليكف في جواز ~~التقليد «ولا عبرة بخاصة الأفضلية» . # قلت: ولأن الناس متفاوتون في رتبة الفضائل، فما من فاضل إلا وثم من هو ~~أفضل منه بدليل قوله - عز وجل -: {وفوق كل ذي علم عليم} [يوسف: 76] ، فلو ~~اعتبر الأفضل، لانسد باب التقليد. ولقائل أن يقول: إنما يلزم ذلك إذا ~~اعتبرنا أفضل المجتهدين مطلقا، أما إذا قيدنا ذلك بمجتهدي البلد، لم يلزم، ~~لأن الفاضل في كل بلد معروف مشهور مشار إليه بالأصابع. # قوله: «المثبت» ، أي: احتج المثبت لوجوب تخير الأفضل بأن «الظن الحاصل من ~~قول الأفضل أغلب» ، فيكون واجبا، أما الأولى، فظاهرة، وأما الثانية، فبناء ~~على أن الأصل اعتبار العلم، وإنما سقط في الشرعيات لتعذره، فوجب الظن ~~الأقرب إلى العلم كما سبق. # قلت: القولان متقاربان، والأول أيسر، والثاني أحوط. # قوله: «فإن سألهما واختلفا عليه» ، إلى آخره. أي: إن سأل المستفتي ~~مجتهدين، فأكثر، فاختلفوا عليه في الجواب، «فهل يلزمه متابعة # PageV03P667 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الأفضل» منهم «في دينه وعلمه» ، ~~«أو يتخير» فيأخذ بقول من شاء منهم؟ «فيه خلاف» . # وجه اللزوم: أنه قد تعارض عند المستفتي قولان، وأحدهما خطأ، وليس أحدهما ~~أولى بالرجحان لذاته، فلزمه ترجيح أحد القولين برجحان أحد القائلين، ~~«كالمجتهد» إذا تعارض عنده دليلان، استعمل الترجيح فيهما، فأخذ بالأرجح ~~منهما، إذ قول المجتهد عند المقلد، كقول الشارع عند المجتهد. # وجه التخيير: ما سبق من إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - على تسويغ سؤال ~~المقلد من شاء من المجتهدين، ولأن العامي لا يعلم الأفضل بالحقيقة، إنما ~~يعرف ذا الفضل من الناس ذووه، بل العامي يغتر بظواهر هيئة حسنة، وطيلسان، ~~فربما اعتقد المفضول فاضلا. # قوله: «الظاهر الأول» ، أي: وجوب متابعة الأفضل، لأن العامي وإن لم يكن ~~أهلا لمعرفة الفاضل من المفضول، لكن يكلف من ذلك وسعه بحسب اجتهاده، ~~كالمجتهد في الأدلة، والخطأ بعد الاجتهاد مغتفر، وإجماع الصحابة - رضي الله ~~عنهم - محمول على ما ms1129 إذا لم يختلف الجواب على المستفتي، بل إذا جاء يستفتي ~~ابتداء. أما عند الاختلاف، فيجب تخير الأفضل. ولذلك قال الخرقي: وإذا اختلف ~~اجتهاد رجلين، لم يتبع أحدهما صاحبه، ويتبع الأعمى أوثقهما في نفسه. # قوله: «ويعرف الأفضل» ، إلى آخره. # لما رجح وجوب تخير الأفضل احتاج أن يبين طرق معرفته، وهي: إما إخبار ~~العدل، لأنه يفيد ظن أفضليته، وهو كاف، أو بإذعان «المفضول له وتقديمه» على ~~نفسه في الأمور الدينية، كالتلميذ مع شيخه لأنه يفيد القطع # PageV03P668 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بها عادة، أو بأمارات غير ذلك مما ~~يفيد القطع، أو الظن بذلك. # قوله: «فإن استويا عنده» ، أي: إن استوى المجتهدان عند المستفتي في ~~الفضيلة، واختلفا عليه في الجواب، ففيه ثلاثة أقوال: # أحدها: يتبع «أيهما شاء» مخيرا لعدم المرجح. # الثاني: يأخذ بأشد القولين، لأن «الحق ثقيل مري والباطل خفيف وبي» ، كما ~~يروى في الأثر. وفي الحكمة: إذا ترددت بين أمرين، فاجتنب أقربهما من هواك. # وروى الترمذي من حديث عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~ما خير عمار بين أمرين إلا اختار أشدهما وفي لفظ: أرشدهما. قال الترمذي: ~~هذا حديث حسن غريب، ورواه أيضا النسائي وابن ماجه. فثبت بهذين اللفظين ~~للحديث أن الرشد في الأخذ بالأشد. # الثالث: يأخذ بأخف القولين لعموم النصوص الدالة على التخفيف في الشريعة، ~~كقوله - عز وجل -: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} # PageV03P669 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # [البقرة: 185] ، وقوله تعالى: {وما ~~جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78] ، وقوله - عليه الصلاة والسلام -: ~~لا ضرر ولا ضرار، وقوله - عليه السلام -: بعثت بالحنيفية السمحة السهلة. # وقال شيخنا المزني: من قواعد الشريعة أن يستدل بخفة أحد الأمرين ~~المتعارضين على أن الصواب فيه. أو كما قال. # قلت: وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ما خير بين أمرين إلا ~~اختار أيسرهما ما لم يكن إثما. # قلت: والفرق بينه وبين عمار فيما حكينا عنه من الأخذ بأشد الأمور: أن ~~عمارا كان مكلفا محتاطا لنفسه ودينه، والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~مشرعا موسعا على الناس، لئلا يحرجوا فينفروا، ms1130 كما صح أنه جمع بين الصلاتين ~~بالمدينة من غير خوف ولا سفر لئلا يحرج أمته. وقال: يسروا ولا تعسروا وقال ~~لبعض # PageV03P670 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أصحابه في سياق الإنكار عليه: إن ~~فيكم منكرين منفرين. # قوله: «ويحتمل أن يسقطا» - يعني قولا المجتهدين إذا اختلفا يسقطان - ~~لتعارضهما، وعدم المرجح لأحدهما، «ويرجع» المقلد «إلى غيرهما» من أقوال ~~المجتهدين «إن وجد» غيرهما، وإن لم يجد غيرهما، رجع إلى «ما قبل السمع» ، ~~وفيه الأقوال السابق ذكرها. # تنبيه: إذا اختلف على المقلد جواب المجتهدين، وقلنا: يرجع إلى قول ~~غيرهما، فذلك الغير إن أفتاه بقول ثالث غير قوليهما، مثل أن أفتاه أحدهما ~~بأن الماء المستعمل في رفع الحدث طاهر، وأفتاه الآخر أنه طهور، فأفتاه ~~الثالث بأنه نجس ; رجع إليه، وكان مستند العمل قوله. # وإن أفتاه بأحد قولي الأولين بكماله أو بجزئه، بأن فصل له ما أطلقاه مثل ~~أن أفتاه أحدهما بأن الخمر لا تطهر، وإن خللت بنقلها عن الشمس إلى الظل ~~طهرت، فهل تكون فتياه مستقلة باستناد عمل المقلد إليها، أو تكون مؤكدة لما ~~وافقها من فتيا المجتهدين الأولين؟ فيه احتمالان: أصلهما تعارض التأكيد ~~والتأسيس في الأدلة، والتأسيس أولى، فيترجح الاحتمال الأول، وقد يرجح ~~الثاني بأن الأصل وجوب العمل بقول أحد المجتهدين الأولين، لكن # PageV03P671 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # سقط العمل به لعارض التعارض، ~~وبفتيا الثالث موافقا لأحدهما زال التعارض، وظهر رجحان قوله، فوجب أن يكون ~~هو العمدة في العمل، وقول المفتي الثالث مؤكدا له. # وتظهر فائدة هذا الخلاف فيما إذا عمل بفتياهما، ثم تبين أنهما ليسا أهلا ~~للفتيا، وتضمن العمل بالفتيا ما يوجب الضمان، فإن الضمان يجب على المفتي ~~إذا لم يكن أهلا للفتيا، فإن جعلنا عمدة العمل فتيا الثالث استقل بالضمان ~~كما استقل قوله بالعمل، وإن جعلنا عمدته فتيا أحد الأولين وفتيا الثالث ~~مرجحة ; كان الضمان عليهما جميعا، والأشبه أنه عليهما نصفين لاشتراكهما في ~~سبب الإتلاف، ويحتمل أن يكون أثلاثا على الثالث ثلاثة حطا لرتبة المرجح عن ~~رتبة الأصل المعتمد عليه. وضبطنا ذلك بالثلاث لاعتبار الشرع له كثيرا، ~~والله تعالى أعلم بالصواب. # PageV03P672 # ### | القول في ms1131 ترتيب الأدلة والترجيح # الترتيب: جعل كل واحد من شيئين فصاعدا في رتبته التي يستحقها بوجه ما، ~~فالإجماع مقدم على باقي أدلة الشرع، لقطعيته وعصمته وأمنه من نسخ، أو ~~تأويل، ثم الكتاب، ويساويه متواتر السنة لقطعيتهما، ثم خبر الواحد، ثم ~~القياس، والتصرف في الأدلة من حيث العموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، ~~ونحوه سبق. # والترجيح: تقديم أحد طريقي الحكم لاختصاصه بقوة في الدلالة، ورجحان ~~الدليل عبارة عن كون الظن المستفاد منه أقوى، والرجحان حقيقة في الأعيان ~~الجوهرية، وهو في المعاني مستعار. # " القول في ترتيب الأدلة والترجيح ~~" # اعلم أن هذا من موضوع نظر المجتهد وضروراته، لأن الأدلة الشرعية متفاوتة ~~في مراتب القوة، فيحتاج المجتهد إلى معرفة ما يقدم منها وما يؤخر، لئلا ~~يأخذ بالأضعف منها مع وجود الأقوى، فيكون كالمتيمم مع وجود الماء. # وقد يعرض للأدلة التعارض والتكافؤ، فتصير بذلك كالمعدومة، فيحتاج إلى ~~إظهار بعضها بالترجيح ليعمل به، وإلا تعطلت الأدلة والأحكام. # فهذا الباب مما يتوقف عليه الاجتهاد توقف الشيء على جزئه، أو شرطه. # قوله: " الترتيب: جعل كل واحد من شيئين فصاعدا في رتبته التي يستحقها ~~بوجه ما "، أي: بوجه من الوجوه. # PageV03P673 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # اعلم أنه لما كان هذا الباب معقودا ~~لترتيب الأدلة وترجيحها، وجب الكشف عن حقيقة الترتيب والترجيح ما هي، ~~لأنهما شرطان في الاجتهاد، والحكم عليهما بالشرطية يستدعي سبق تصور ~~ماهيتهما، إذ التصديق أبدا مسبوق بالتصور. ولما كان الترتيب مصدر رتب يرتب ~~ترتيبا ; عرفناه بمصدر مثله وهو الجعل. # قوله: " جعل كل واحد من شيئين فصاعدا "، لأن الترتيب قد يكون في شيئين، ~~وقد يكون في أشياء كثيرة كجماعة رجال متفاوتين في الأقدار يجلس كل منهم حيث ~~يستحق بالنسبة إلى أصحابه. # قوله: " في رتبته "، أي: في موضعه أو منزلته " التي يستحقها "، أي: يستحق ~~جعله فيها بوجه من الوجوه، لأن أسباب الترتيب والتفاوت في المراتب متعددة، ~~فقد يستحق الشيء التقديم من جهة قوته أو قربه أو حسنه أو خاصية فيه. وقد ~~يستحق الإنسان التقديم تارة لشجاعته، وتارة لعلمه، وتارة لجاهه، وتارة ~~لدينه، وتارة لجماله، وغير ذلك من ms1132 الجهات. وقد ذكر الفقهاء ترتيب الأقارب ~~في نفقاتهم وفطرتهم وولايتهم في النكاح وإرثهم باعتبار القرب والقوة على ما ~~فصل في الفقه. # قوله: " فالإجماع مقدم على باقي أدلة الشرع ". # قد سبق أن أدلة الشرع الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وغيره من الأصول ~~المختلف فيها مما ذكرناه أو لم نذكره، والإجماع مقدم عليها جميعا لوجهين: # PageV03P674 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أحدهما: كونه قاطعا معصوما من ~~الخطأ بشهادة المعصوم له بذلك كما سبق في بابه، بخلاف باقي الأدلة. # الثاني: كونه آمنا من النسخ والتأويل بخلاف باقي الأدلة، فإن النسخ ~~يلحقها والتأويل يتجه عليها. وقد سبق الدليل على أن النسخ لا يلحق الإجماع. ~~وأما التأويل فإنه لا يلحق إلا ما كانت دلالته ظاهرة والإجماع قاطع فصار في ~~عدم لحوق التأويل له كالنصوص في مدلولها لا تقبل التأويل. # فإن قيل: قد ذكرتم في مسألة أن المباح غير مأمور: أن الكعبي تأول الإجماع ~~على ما ذكر هناك. # قلنا: حيث أضيف التأويل إلى الإجماع، فإنما يرد على مورد الإجماع لا على ~~ذات الإجماع، والفرق بينهما ظاهر. # قوله: " ثم الكتاب، ويساويه متواتر السنة لقطعيتهما " أي: ثم الكتاب مقدم ~~في الدلالة بعد الإجماع، ويساوي الكتاب في ذلك متواتر السنة، لأنهما جميعا ~~قاطعان من جهة المتن. ولذلك جاز نسخ كل واحد منهما بالآخر. # قوله: " ثم خبر الواحد ". يعني هو مقدم بعد الكتاب والسنة المتواترة، " ~~ثم القياس بعد خبر الواحد. # قوله: " والتصرف في الأدلة من حيث العموم والخصوص والإطلاق والتقييد ~~ونحوه " من حمل المجمل على المبين، وأشباه ذلك " سبق " في أبوابه. # والغرض من هذا الكلام أن المجتهد له وظائف، وهي ترتيب الأدلة والتصرف ~~فيها، وترجيح بعضها على بعض عند التعارض، وهذا نوع من # PageV03P675 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # التصرف فيها. # أما الترتيب، فقد بينا أن المقدم من الأدلة الإجماع، ثم الكتاب ثم متواتر ~~السنة، ثم خبر الواحد، ثم القياس، ثم باقي الأدلة على مراتبها في نظر ~~المجتهد. # وأما التصرف فيها كحمل العام على الخاص، والمطلق على المقيد، والمجمل على ~~المبين، ونحو ذلك ; فقد ذكر في أبوابه، وسمي هذا تصرفا، لأن التصرف هو ms1133 ~~التنقل في الأزمنة والأحوال، وهذا تنقل في أحوال الأدلة من حال إلى حال. # وأما الترجيح فنحن الآن ذاكروه إن شاء الله تعالى. # قوله: " والترجيح: تقديم أحد طريقي الحكم لاختصاصه بقوة في الدلالة، ~~ورجحان الدليل عبارة عن كون الظن المستفاد منه أقوى ". # اعلم أن الترجيح والرجحان قد يلتبسان. وقد أشرت إلى الفرق بينهما بتمييز ~~كل واحد منهما منه برسم. # فالترجيح: فعل المرجح الناظر في الدليل، وهو تقديم أحد الطريقين الصالحين ~~للإفضاء إلى معرفة الحكم لاختصاص ذلك الطريق بقوة في الدلالة، كما إذا ~~تعارض الكتاب والإجماع في حكم، والعام والخاص، أو قياس العلة والشبه، فكل ~~واحد منهما طريق يصلح لأن يعرف به الحكم، لكن الإجماع اختص بقوة على الكتاب ~~من حيث الدلالة. وكذا الخاص على العام، وقياس العلة على الشبه مقدم لذلك. # والرجحان صفة قائمة بالدليل، أو مضافة إليه، وهي كون الظن المستفاد # PageV03P676 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # منه أقوى من غيره، كالمستفاد من ~~قياس العلة بالنسبة إلى قياس الشبه، ومن الخاص بالنسبة إلى العام، فالترجيح ~~فعل المرجح، والرجحان صفة الدليل. ويظهر لك الفرق بينهما أيضا من جهة ~~التصريف اللفظي، فإنك تقول: رجحت الدليل ترجيحا، فأنا مرجح، والدليل مرجح - ~~بفتح الجيم - وتقول: رجح الدليل رجحانا فهو راجح. ألا ترى أنك أسندت ~~الترجيح إلى نفسك إسناد الفعل إلى الفاعل، وأسندت الرجحان إلى الدليل ; ~~كذلك كان الترجيح وصف المستدل، والرجحان وصف الدليل. فهذه الطريقة ~~التصريفية مفيدة في معرفة رسوم بعض الأشياء. ولما أهملها أو سها عنها بعض ~~المتأخرين وهم في ### | الفرق بين دلالة اللفظ والدلالة باللفظ. # والفرق بينهما: أن دلالة اللفظ صفة له وهي كونه حيث يفيد مراد المتكلم ~~به، أو إفادته مراد المتكلم، كأن يقول: عجبت من دلالة اللفظ، ومن: إن دل ~~اللفظ، فإذا فسرتها بأن والفعل اللذين ينحل إليهما المصدر، كان الفعل مسندا ~~إلى اللفظ إسناد الفاعلية، والدلالة باللفظ صفة للمتكلم وفعله، وهي إفادة ~~المتكلم من اللفظ ما أراد منه، لأنك تقول: عجبت من دلالة فلان بلفظه، ومن ~~أن دل فلان بلفظه على كذا، فيسند ذلك إلى ms1134 فلان وهو المتكلم لا إلى اللفظ، ~~فافهم هذا. # قوله: «والرجحان حقيقة في الأعيان الجوهرية وهو في المعاني مستعار» . # يعني أن استعمال الرجحان حقيقة إنما هو في الجواهر والأجسام، نحو: # PageV03P677 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # هذا الدينار أو الدرهم راجح على ~~هذا، لأن الرجحان من آثار الثقل والاعتماد، وهو من خواص الجواهر. # أما استعماله في المعاني، نحو: هذا الدليل، أو المذهب راجح على هذا، وهذا ~~الرأي أرجح من ذاك، فهو مجاز على جهة الاستعارة من رجحان الأجسام. # PageV03P678 # وحكي عن ابن الباقلاني إنكار ### | الترجيح في الأدلة # كالبينات، وليس بشيء، إذ العمل بالأرجح متعين. # وقد عمل الصحابة بالترجيح، والتزامه في البينات متجه، ثم الفرق بينهما أن ~~باب الشهادة مشوب بالتعبد، ولهذا لو أبدل لفظ الشهادة بلفظ الإخبار لم ~~تقبل، ولا تقبل شهادة جمع من النساء وإن كثرن على باقة بقل بدون رجل، بخلاف ~~الأدلة، ومورد الترجيح إنما هو الأدلة الظنية من الألفاظ المسموعة، ~~والمعاني المعقولة، فلا مدخل له في المذاهب من غير تمسك بدليل، خلافا لعبد ~~الجبار، ولا في القطعيات، إذ لا غاية وراء اليقين، والألفاظ المسموعة نصوص ~~الكتاب والسنة، فيدخلها الترجيح إذا جهل التاريخ، أو علم وأمكن الجمع بين ~~المتقابلين في الجملة، وإلا فالثاني ناسخ إذ لا تناقض بين دليلين شرعيين، ~~لأن الشارع حكيم، والتناقض ينافي الحكمة، فأحد المتناقضين باطل، إما لكذب ~~الناقل أو خطئه بوجه ما في النقليات ; أو خطأ الناظر في النظريات، أو ~~لبطلان حكمه بالنسخ، والمعاني المعقولة والأقيسة، ونحوها. # قوله: «وحكي عن ابن الباقلاني ~~إنكار الترجيح في الأدلة كالبينات» ، أي: قال: لا يرجح بعض الأدلة على بعض ~~كما لا يرجح بعض البينات. # قوله: «وليس بشيء» . يعني قول الباقلاني هذا ليس بشيء، لأن «العمل ~~بالأرجح متعين» عقلا وشرعا، «وقد عمل الصحابة بالترجيح» مجمعين عليه. # وقد نص الشارع على اعتباره حيث قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: يؤم ~~القوم أقرؤهم لكتاب الله - عز وجل -. . الحديث فهذا تقديم للأئمة في الصلاة # PageV03P679 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بالترجيح. ولما بعث بعض السرايا، ~~استقرأهم القرآن، فوجد فيهم رجلا يحفظ سورة البقرة ليس فيهم من ms1135 يحفظها ~~غيره، فأمره عليهم ترجيحا له بحفظها. ولما كثر القتلى يوم أحد، أمر بدفن ~~الجماعة في القبر الواحد، وقال: قدموا أكثرهم قرآنا وبالجملة فالترجيح دأب ~~العقل والشرع حيث احتاج إليه. # قوله: «والتزامه» ، أي: التزام الترجيح «في البينات متجه» ، لأن إحدى ~~البينتين إذا اختصت بما يفيد زيادة ظن، صارت الأخرى كالمعدومة، إذ # PageV03P680 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المرجوح مع الراجح كذلك، ولأنه إذا ~~جاز استعمال الترجيح في أدلة الشرع العامة المبينة لقواعده الكلية، ~~فاستعماله في أدلته الخاصة المبينة لفروعه الجزئية أولى. لا يقال: لو ~~استعملنا الرجحان في البينات لأفضى إلى تعطيل الأحكام أو إبطالها من جهة أن ~~كلما شهدت بينة أمكن أن يؤتى بأرجح منها، وهو خلاف مقصود الشرع من نصب ~~الحكام، وهو تنفيذ الأحكام، وفصل الخصام. # لأنا نقول: نحن إذا استعملنا الترجيح في البينات فإنما نستعمله ما لم ~~يتصل بشهادة البينة حكم، فإذا حكم بها مضت شهادتها، ويكون ذلك صيانة لحكم ~~الشرع عن النقض ضبطا للأحكام عن الاضطراب، لا احتراما للبينة المرجوحة. ~~وهذا كما قلنا: إذا حكم الحاكم باجتهاده ثم تغير، يعمل باجتهاد الثاني فيما ~~يستقبل، ولا ينقض ما حكم به أولا، مع أنه كان عن اجتهاد تبين كونه مرجوحا، ~~فنسبة الاجتهاد الثاني إلى الأول في الرجحان كنسبة البينة الثانية إلى ~~الأولى فيه، واتصال الحكم بالمرجوح عاصم له من النقض. وقد ذكر أصحابنا في ~~ترجيح أعدل البينتين على الأخرى، والشاهدين على شاهد ويمين وجهين. # قوله: «ثم الفرق بينهما» ، أي: بين الأدلة والبينات، هو «أن باب الشهادة ~~مشوب بالتعبد» بدليل أن الشاهد «لو أبدل لفظ الشهادة بلفظ الإخبار» أو ~~العلم فقال: أخبر أو أعلم مكان: أشهد ; «لم تقبل، ولا تقبل شهادة جمع من ~~النساء وإن كثرن» وبلغن ألوفا مؤلفة «على» يسير من المال ولو «باقة بقل» ~~حتى # PageV03P681 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يكون معهن رجل، مع أن شهادة الجمع ~~الكثير من النساء يجوز أن يحصل به العلم التواتري، وما ذاك إلا لثبوت ~~التعبد، فجاز أن يكون عدم الترجيح فيها من ذلك «بخلاف الأدلة» ، إذ لا تعبد ~~فيها، والترجيح أمر مفيد معقول، ms1136 فلا مانع له من لحوقها، والمقتضي موجود وهو ~~وجوب الوصول إلى الحق بما يمكن من الظن أو العلم. فهذا جواب عما ذكره ~~الباقلاني بوجهين ; التزام الحكم بالترجيح في البينات، والفرق بينها وبين ~~الأدلة على تقدير التسليم، وأحسب أن هذا قول قال به الباقلاني، ثم تركه، إذ ~~لا يظن بمثله الإصرار على مثل هذا القول مع ظهور ضعفه. # تنبيه: لو علم الحاكم يقينا خلاف ما شهدت به البينة، فينبغي أن يتعين ~~الحكم عليه بما علمه، ويصير ذلك بمثابة منكر اختص بعلمه وهو قادر على ~~إزالته، بل هذا هو عين ذاك وصورة من صوره. # قوله: «ومورد الترجيح» - أي: الذي يرد عليه الترجيح - «إنما هو الأدلة ~~الظنية من الألفاظ المسموعة» كنصوص الكتاب والسنة وظواهرها «والمعاني ~~المعقولة» كأنواع الأقيسة والتنبيهات المستفادة من النصوص، أما القواطع، ~~فلا يتصور التعارض فيها، إذ أحد القاطعين المتقابلين يكون كذبا قطعا. # قوله: «فلا مدخل له» ، أي: حيث اختص الترجيح بالأدلة الظنية، «فلا مدخل ~~له في المذاهب من غير تمسك بدليل خلافا لعبد الجبار» . # PageV03P682 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # اعلم أن هذه المسألة ليست في ~~«الروضة» ، وإنما نقلتها والتي قبلها فيما أظن من جدل ابن المني المسمى ~~«جنة الناظر وجنة المناظر» . وقوله: «من غير تمسك بدليل» أحسب أني أنا زدته ~~قيدا في المسألة. # وأصل المسألة أن القاضي عبد الجبار يقول: إن الترجيح له مدخل في المذاهب ~~بحيث يقال: مذهب الشافعي مثلا أرجح من مذهب أبي حنيفة أو غيره أو بالعكس، ~~وخالفه غيره. # حجة عبد الجبار: أن المذاهب آراء واعتقادات مسندة إلى الأدلة والأمارات، ~~وهي تتفاوت في القوة والضعف، فجاز دخول الترجيح فيها، كالأدلة. # حجة المانعين تتجه من وجوه: # أحدها: أن المذاهب لتوافر انهراع الناس إليها وتعويلهم عليها صارت ~~كالشرائع والملل المختلفة، ولا ترجيح في الشرائع. # قلت: وهذا ضعيف، لأن انهراع الناس إليها لا يخرجها عن كونها ظنية تقبل ~~الترجيح، ولا نسلم أنها تشبه الشرائع، ولئن سلمنا ذلك، لكن لا نسلم أن ~~الشرائع لا تقبل الترجيح باعتبار ما اشتملت عليه من المصالح والمحاسن، وإن ~~كان طريق ms1137 جميعها قاطعا. # الوجه الثاني: لو كان للترجيح مدخل في المذاهب لاضطربت الناس ولم يستقر ~~أحد على مذهب، إذ كان كلما ظهر له رجحان مذهب دخل فيه وترك مذهبه، فلذلك لم ~~يكن للترجيح فيه مدخل كما سبق في ترجيح البينات. # PageV03P683 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قلت: وهذا أيضا ضعيف، واللازم منه ~~ملتزم، وكل من ظهر له رجحان مذهب، وجب عليه الدخول فيه، كما يجب على ~~المجتهد الأخذ بأرجح الدليلين. وقد بينا اتجاه الرجحان في البينات ~~والتزامه. # الوجه الثالث: أن كل واحد من المذاهب ليس متمحضا في الخطأ ولا في الصواب، ~~بل هو مصيب في بعض المسائل، مخطئ في بعضها. وعلى هذا، فالمذهبان لا يقبلان ~~الترجيح لإفضاء ذلك إلى الترجيح بين الخطأ والصواب في بعض الصور، أو بين ~~خطأين وصوابين، والخطأ لا مدخل للترجيح فيه اتفاقا. # قلت: وهذا الوجه يشير إلى أن النزاع لفظي وهو أن من نفى الترجيح بين ~~المذاهب، فإنما أراد: لا يصح ترجيح مجموع مذهب على مجموع مذهب آخر لما ذكر، ~~ومن أثبت الترجيح بينهما، أثبته باعتبار مسائلها الجزئية، وهو صحيح، إذ يصح ~~أن يقال: مذهب مالك في أن الماء المستعمل في الحدث طهور أرجح من مذهب ~~الشافعي وأحمد في أنه غير طهور، ومذهب الشافعي في أن النهي عن التطوع بعد ~~الفجر متعلق بفعلها أرجح من مذهب أحمد في أنه متعلق بطلوع الفجر، وكذلك هو ~~في إجزاء البعير عن خمس من الإبل، وفي تقديم بينة الداخل ونحوها من المسائل ~~أرجح، ومذهب أبي حنيفة في طهارة الأعيان بالاستحالة أرجح من غيره، إلى غير ~~ذلك من الجزئيات القابلة للرجحان والمرجوحية. وحينئذ يعود النزاع لفظيا، إذ ~~لا تنافي بين قولنا: يجوز الترجيح في المذاهب، ولا يجوز، لاختلاف موضوع ~~الحكم بالكل والجزء، كما يقال: الزنجي أسود، الزنجي ليس بأسود حيث أثبتنا ~~السواد لجلده، ونفيناه عن أسنانه. # PageV03P684 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قلت: فإن ثبت أن النزاع لفظي بما ~~ذكرته فلا إشكال، وإن لم يثبت ذلك وكان النزاع معنويا احتمل أن يكون مأخذه ~~النزاع في التصويب. فمن زعم أن كل مجتهد مصيب امتنع الترجيح ms1138 في المذاهب ~~عنده، إذ ماهية الصواب أو الخروج عن العهدة لا ترجيح فيه. ومن زعم أن ليس ~~كل مجتهد مصيبا اتجه الترجيح عنده في المذاهب لتتميز بالنظر الحجة من ~~الشبهة، والراجح من المرجوح، والصواب من الخطأ. ويحتمل أن يكون النزاع ههنا ~~مبنيا على تعادل الأمارات، فمن يمنعه يمنع الترجيح في المذاهب، لأن الرجحان ~~فيها بين من تفاوت أماراتها، ومن يجيزه يجيز الترجيح في المذاهب بناء على ~~أن كل مجتهد مصيب، إذ مع تعادل الأمارات يشتبه الصواب بالخطأ، فلا بد من ~~الترجيح بين الأمارتين لتمييز إحداهما من الأخرى، واحتمال التعادل قائم في ~~كل مسألة. # والصحيح المختار: أن للترجيح مدخلا في المذاهب من حيث الإجمال والتفصيل ~~إذا دل عليه الدليل. أما من حيث الإجمال، فبأن نقول: مذهب فلان أرجح من ~~مذهب فلان، وذلك لأن الترجيح بين المذاهب يصح من بعض الوجوه فليصح مطلقا: # أما الأولى: فلأنه يصح أن يقول: مذهب أبي حنيفة أرجح المذاهب من جهة صحة ~~مقاييسه، واعتباره المناسبات المؤثرة، ومذهب الباقين أرجح من حيث اعتمادهم ~~على السنن الصحيحة، ومذهب الظاهرية أرجح من حيث إنه # PageV03P685 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أسلم لجموده على الأثر، ومذهب ~~القياسين مرجوح لمخاطرتهم بالتصرف بالرأي، وأشباه ذلك من وجوه الترجيح، وإن ~~كان بعضها فاسدا. # وأما الثانية: فلأن الترجيح مطلقا معناه من كل الوجوه، وما جاز على بعض ~~أفراد الجملة جاز على البعض الآخر، فلما جاز رجحان مذهب أبي حنيفة من جهة ~~القياس، جاز رجحانه من غير تلك الجهة، والكلام في الجواز لا في الوقوع. # وأما من حيث التفصيل، فبأن نقول: هذه المسألة أو هذا الحكم في مذهب فلان ~~أرجح منها - أو منه - في مذهب فلان، لأن هذا - أعني الترجيح بين المذاهب ~~إجمالا وتفصيلا - لا يلزم من فرض وقوعه محال لذاته عقلا ولا شرعا. ومن ادعى ~~شيئا من ذلك، فعليه الدليل. # ثم إن الترجيح في المذاهب واقع بالإجماع، وهو دليل الجواز قطعا، وذلك، ~~لأن المسلمين قد اقتسموا المذاهب الأربعة وغيرها فيما تقدم، كمذهب سفيان، ~~وداود، وغيرهما. فكل من حسن ظنه بمذهب تعبد ms1139 به، واتخذه دينا، حتى غلب مذهب ~~مالك على أهل المغرب، ومذهب أبي حنيفة على أهل المشرق، ومذهب الشافعي على ~~غالب البلاد بينهما، ومذهب أحمد على أهل جيلان، فكل من التزم مذهبا، فإنما ~~هو لرجحانه عنده بترجيحه باجتهاد أو تقليد، وأجمع المسلمون على عدم الإنكار ~~على من التزم أي مذهب شاء بذلك الترجيح، فكان الترجيح في المذاهب ثابتا ~~بالإجماع. # قوله: «ولا في القطعيات» ، أي: ولا مدخل للترجيح في القطعيات، «إذ لا ~~غاية وراء اليقين» . # PageV03P686 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يعني أن المطلوب من الترجيح تزايد ~~الظن بحصول المطلوب. وفي القطعيات يكون المطلوب معلوما يقينا، ولا غاية ~~وراء اليقين تطلب، فيستحيل الترجيح لعدم القابل له. وهذا كمن يمشي على جبل، ~~أو سطح، فلا يزال المشي ممكنا منه حتى ينتهي إلى حافته، فيستحيل منه ~~لانتهاء غاية المشي، فلو زاد بعد انتهائه إلى الطرف خطوة، لصار مشيه في ~~الهواء، وهو محال، بل يقع الماشي فيهلك، أو يتأذى. # قوله: «والألفاظ المسموعة نصوص الكتاب والسنة، فيدخلها الترجيح إذا جهل ~~التاريخ، أو علم، وأمكن الجمع بين المتقابلين في الجملة، وإلا فالثاني ~~ناسخ» . # اعلم أنه لما بين أن مورد الترجيح هو الألفاظ المسموعة والمعاني ~~المعقولة، شرع الآن يبين ما هي وما يتعلق بتعارضها والجمع بينها، فالألفاظ ~~المسموعة هي نصوص الكتاب والسنة بالاستقراء، فإذا تعارض نصان، فإما،أن يجهل ~~تاريخهما، أو يعلم، فإن جهل، قدمنا الأرجح منهما ببعض وجود الترجيح، وإن ~~علم تاريخهما، فإما أن يمكن الجمع بينهما بوجه من وجوه الجمع، أو لا، فإن ~~أمكن، جمع بينهما من حيث يصح الجمع، إذ الواجب اعتبار أدلة الشرع جميعها ما ~~أمكن، وإن لم يمكن الجمع بينهما، فالثاني ناسخ إن صح سندهما، أو أحدهما كذب ~~إن لم يصح سنده، «إذ لا تناقض بين دليلين شرعيين، لأن الشارع حكيم، ~~والتناقض ينافي الحكمة، فأحد المتناقضين» يكون باطلا، إما لكونه منسوخا، أو ~~لكذب ناقله، أو لخطئه «بوجه # PageV03P687 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ما» من وجوه تصحيف أو وهم، أو غير ~~ذلك «في النقليات» ، أو لخطأ «الناظر في النظريات» كالإخلال بشكل القياس أو ~~شرطه ونحو ذلك. ms1140 هذا على ترتيب «المختصر» في تقسيمه، وفيه تنبيهان: # أحدهما: قوله: «فيدخلها الترجيح إذا جهل التاريخ، أو علم وأمكن الجمع» ، ~~فإن هذا موهم بل هو ظاهر في أن الترجيح يدخلها في الحالين، أي: فيما إذا ~~جهل التاريخ وفيما إذا علم، وأمكن الجمع. # ولست أدري الآن ما أردت وقت الاختصار، والذي يتجه الآن منه خلاف ظاهره، ~~وهو أن النصين إذا تعارضا، وأمكن الجمع، جمعنا بينهما. # والثاني: قوله: «في الجملة» . يعني وأمكن الجمع بينهما بالتنزيل على ~~زمانين أو حالين، والأحوال كثيرة. وسواء كان الجمع بينهما قويا ظاهرا، أو ~~ضعيفا خفيا، لأن حمل النص على معنى خفي أولى من تعطيله بكل حال. # وبالجملة فالنصان، إما أن لا يصح سندهما. فلا اعتبار بهما، أو يصح سند ~~أحدهما فقط، فلا اعتبار بالآخر، فلا تعارض، أو يصح سندهما، فإما أن لا ~~يتعارضا، فلا إشكال، أو يتعارضا، فإما أن يمكن الجمع بينهما، أو لا ; فإن ~~أمكن تعين، وهو أولى من إلغاء أحدهما، وإن لم يمكن الجمع بينهما، فإما أن ~~يعلم تاريخهما، فالثاني ناسخ للأول، أو لا يعلم، فيرجح بينهما ببعض وجوه ~~الترجيح إن أمكن، وإلا كان أحدهما منسوخا أو كذبا. فهذه القسمة أضبط وأولى ~~من قسمة «المختصر» ، فلتكن العمدة عليها. # وقد يختلف اجتهاد المجتهدين في النصوص إذا تعارضت، فمنهم من يسلك طريق ~~الترجيح، ومنهم من يسلك طريق الجمع. وقد ذكر أبو الوليد # PageV03P688 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بن رشد في «قواعده» كثيرا من أمثلة ~~ذلك، والصواب تقديم الجمع على الترجيح ما أمكن، إلا أن يفضي الجمع إلى تكلف ~~يغلب على الظن براءة الشرع منه، ويبعد أنه قصده، فيتعين الترجيح ابتداء. # قوله: «والمعاني المعقولة والأقيسة ونحوها» من التنبيهات واستصحاب ~~الأحوال، كما إذا تعارض أصلان، فرجحنا أحدهما، كمن قد ملفوفا نصفين، وادعى ~~وليه أنه كان حيا، فالأصل حياته وبراءة ذمة الجاني، فللمجتهد ترجيح ما أدى ~~اجتهاده إلى ترجيحه من ذلك. # PageV03P689 # ف ### | الترجيح اللفظي # إما من جهة السند، أو المتن، أو القرينة: # أما الأول: فيقدم التواتر على الآحاد لقطعيته ; والأكثر رواة على الأقل، ~~ومنعه الحنفية كالشهادة، ms1141 وقد سبق جوابه، والمسند على المرسل، إلا مراسيل ~~الصحابة، فالأمر أسهل فيها لثبوت عدالتهم. كما سبق. والمرفوع على الموقوف، ~~والمتصل على المنقطع، والمتفق عليه في ذلك على المختلف فيه، ورواية المتقن ~~والأتقن والضابط والأضبط والعالم والأعلم والورع والأورع، والتقي والأتقى ~~على غيرهم، وصاحب القصة والملابس لها على غيره، لاختصاصه بمزيد علم، ~~والرواية المتسقة المنتظمة على المضطربة، والمتأخرة على المتقدمة ; ورواية ~~متقدم الإسلام ومتأخره سيان ; وفي تقديم رواية الخلفاء الأربعة على غيرها ~~روايتان، فإن رجحت رجحت رواية أكابر الصحابة على غيرهم، لاختصاصهم بمزيد ~~خبرة بأحوال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمنزلتهم ومكانهم منه. # قوله: «فالترجيح اللفظي» ، أي: ~~الترجيح الواقع في الألفاظ، إما من جهة متنها، أو سندها، أو قرائنها ~~المحتفة بها. # «أما الأول» : يعني ### | الترجيح من جهة السند، # «فيقدم التواتر على الآحاد لقطعيته» ، أي: لأن التواتر قاطع، والآحاد ليس ~~بقاطع، والقاطع أولى بالتقديم بالضرورة، كالإجماع على باقي الأدلة. # قوله: «والأكثر» أي: ويقدم الخبر الذي هو أكثر «رواة على» الذي هو # PageV03P690 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أقل رواة، «ومنعه الحنفية» أي: ~~قالوا: لا يقدم بكثرة الرواة، «كالشهادة» لا يقدم فيها الأكثر عددا على ~~غيره. # قوله: «وقد سبق جوابه» . يعني عند ما حكي عن ابن الباقلاني من إنكار ~~ترجيح الأدلة من الفرق بين الرواية والشهادة. # وتقريره ههنا أن كثرة العدد يفيد قوة الظن حتى يفضي إلى العلم، بتزايده ~~إلى حد التواتر، وزيادة الظن يجب اتباعها، إذ ما دونها مغمور بها، فهو ~~كالمعدوم معها. # واعلم أن هذا إنما هو محكي عن بعض الحنفية، وأكثرهم فيما أحسب على خلافه، ~~لما ذكرنا. قال بعض الحنفية: الكرخي يحكي الترجيح بكثرة الرواة عن أصحابنا، ~~وقيل: هو مذهب أبي حنيفة. # قوله: «والمسند» ، أي: ويقدم «المسند على المرسل» ، لأنه مختلف في كونه ~~حجة، وما ذاك إلا لضعف لحقه تبين فيما سبق، فتقديم المسند المتفق على كونه ~~حجة أولى، وكذلك كل مختلف فيه مع كل متفق عليه من جنسه، فتقديم المتفق عليه ~~واجب. ورجح عيسى بن أبان، ومشايخ ما وراء النهر المرسل على المسند، وسوى ~~بينهما ms1142 عبد الجبار. # قوله: «إلا مراسيل الصحابة فالأمر أسهل فيها لثبوت عدالتهم كما سبق» ، ~~فيجوز أن يقدم على المسند، أو يعارضه، وينتظر المرجح. # قلت: وهذا على ما فيه إنما هو بالنسبة إلى من بعد الصحابة. أما في زمن ~~الصحابة ; فإذا تعارض المسند والمرسل بأن قال الصحابي: سمعت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقول كذا، فقال صحابي آخر: حدثت عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - كذا ; # PageV03P691 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # كان المسند متعين التقديم، كحديث ~~أبي هريرة مع حديث أم سلمة فيمن أصبح جنبا، وحديث ابن عباس مع حديث غيره في ~~ربا النسيئة. وقد سبق ذلك. # قوله: «والمرفوع» ، أي: ويقدم المرفوع وهو المحكي بالسند عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «على الموقوف» الذي لا يتجاوز به الصحابي، لأن الأصل عدم ~~رفعه، وثبوته عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، والحجة في قوله - عليه ~~الصلاة والسلام - دون غيره. # «والمتصل» يقدم «على المنقطع» ، لأن الاتصال صفة كمال في الحديث توجب ~~زيادة ظن، والانقطاع صفة نقص وعلة توجب نقص الظن، ولأن المنقطع نوع من ~~المرسل كما سبق، وهو مختلف فيه، فالأخذ بالمتفق عليه متعين. # قوله: «والمتفق عليه في ذلك على المختلف فيه» أي: يقدم المتفق عليه في ~~الصفات المذكورة على المختلف في وجودها فيه، فيقدم المتفق على إسناده على ~~المختلف في إسناده، والمتفق على رفعه على المختلف في رفعه، والمتفق على ~~اتصاله على المختلف في اتصاله، لأن الاتفاق على الشيء يوجب له قوة، ويدل ~~على ثبوته وتمكنه في بابه، والاختلاف فيه يوجب له ضعفا، ويدل على تزلزله في ~~بابه ما لم يقم البرهان القاطع على ثبوته، فيكون المخالف حينئذ معاندا، ~~كاليهود في نبوة عيسى، وهم والنصارى في رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم -، ~~وأشباه ذلك. # PageV03P692 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «ورواية المتقن والأتقن، ~~والضابط والأضبط، والعالم والأعلم، والورع والأورع، والتقي والأتقى على ~~غيرهم» . # اعلم أن هذا واضح، لكن نزيده إيضاحا، وذلك أن كل شخصين اشتركا في صفة، أو ~~فعل، وتفاوتا فيهما بالكمية، أو الكيفية، كانا جميعا مشتركين في اشتقاق اسم ~~الفاعل لهما ms1143 من تلك الصفة، أو ذلك الفعل، واختص الزائد منهما باشتقاق أفعل ~~التفضيل له منهما، فيقال لكل واحد من المشتركين في الإتقان: متقن، وللزائد ~~فيه: أتقن. وكذلك سائر الصفات. # فنقول في الصورة المذكورة: تقدم رواية المتقن على غير المتقن، ورواية ~~الأتقن على غير الأتقن ; وإن كان متقنا، لأن نسبة المتقن إلى الأتقن كنسبة ~~الفاضل إلى الأفضل، وهو مترجح كما سبق. # وتقدم رواية الضابط على غير الضابط، ورواية الأضبط على غير الأضبط، ~~ورواية العالم على رواية غير العالم ; كرواية فقهاء الصحابة مثل علي، وابن ~~مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وأبي، وزيد بن ثابت ونحوهم، على من لم يشتهر ~~بالفقه والعلم منهم - رضي الله عنهم -، وهو كثير. وكذلك تقدم رواية الأئمة ~~الأربعة ونحوهم من فقهاء الأئمة على غيرهم ممن ليس مشهورا بالفقه منهم. # وتقدم رواية الأعلم على غير الأعلم وإن كان عالما كرواية ابن مسعود على ~~رواية أبي موسى، فإن ابن مسعود كان أعلم بلا شك. ولهذا وهم أبو # PageV03P693 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # موسى في غير قضية، ويصيب فيه ابن ~~مسعود، فيقول أبو موسى: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم. # وتقدم رواية الورع على رواية غير الورع، ورواية الأورع على رواية غير ~~الأورع، ورواية التقي، أي: ذي التقوى على غير التقي، ورواية الأتقى على غير ~~الأتقى، وذلك لأن أصل هذه الصفات والزيادة فيها يوجب زيادة الظن بالنسبة ~~إلى عدمه، فيجب اعتباره، كما في الخبر المستفيض على الآحاد. # قوله: «وصاحب القصة» ، أي: وتقدم رواية صاحب القصة «والملابس لها على ~~غيره، لاختصاصه بمزيد علم» يوجب إصابته. # مثال رواية صاحب القصة حديث ميمونة - رضي الله عنها -: «تزوجني رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وهو حلال» يقدم على حديث ابن عباس: «تزوج رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ميمونة وهو محرم» . # ومثال رواية الملابس، أي: المباشر للقصة: حديث أبي رافع: «تزوج رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ميمونة وهو حلال، وكنت السفير بينهما» ; يقدم على ~~حديث # PageV03P694 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ابن عباس المذكور. وقد أوضحت هذه ~~القصة ومأخذها في «مختصر الترمذي» . # قوله: «والرواية» . أي: ms1144 وتقدم الرواية «المتسقة المنتظمة على المضطربة» ، ~~لأن اتساق الرواية وانتظامها يدل على ضبطها والعناية بها، واضطرابها يدل ~~على تزلزلها وقلة الاهتمام بها حتى اضطربت، والاتساق: الانتظام. ذكره ~~الجوهري، وانتظام الرواية: هو ارتباط بعض ألفاظها ببعض، ووفاء الألفاظ ~~بالمعنى من غير نقص مخل، ولا زيادة مملة، واضطرابها تنافر ألفاظها، ~~واختلافها بالزيادة والنقص، كحديث: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، وحديث ~~رافع بن خديج في المخابرة ونحوهما وسبب وقوع الاضطراب في السنن الرواية ~~بالمعنى في أسباب أخر. # قوله: «والمتأخرة» ، أي: وتقدم الرواية المتأخرة «على المتقدمة» ، كقول ~~الراوي: كان آخر الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك الوضوء ~~مما مست النار، # PageV03P695 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وكرواية أبي هريرة وأم حبيبة وبسرة ~~في نقض الوضوء بمس الذكر على رواية طلق بن علي فيه، لأنها متقدمة. وذلك لأن ~~المتأخرة تدل على نسخ المتقدمة، كقول ابن عباس: كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث ~~من أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # قوله: «ورواية متقدم الإسلام ومتأخره سيان» ، أي: لا ترجيح بينهما، ~~لأنهما جميعا من الصحابة، وتفاوتهما بتقدم الإسلام وتأخره إنما يوجب رجحانا ~~في الفضيلة، لا في قبول الرواية وقوتها وضعفها، وذكر الآمدي الترجيح بذلك. # قلت: نظر إلى مطلق الرجحان في الفضيلة، ولأنها جهة يقدم بها في إمامة ~~الصلاة، فقدم بها في قبول الرواية، كالعلم، والتقوى، والعدالة. # قلت: والتوجيه المؤثر المناسب لذلك أن متقدم الإسلام أثبت إيمانا وأرجح ~~في التقوى والورع لزيادة تفكره في قوارع القرآن وزواجره، وذلك يقتضي توفر ~~الدواعي على العناية بضبط الرواية، والتحري في تحملها وأدائها، وذلك من ~~مثارات زيادة الظن. # قوله: «وفي تقديم رواية الخلفاء الأربعة» يعني أبا بكر وعمر وعثمان وعليا ~~- رضي الله عنهم - «على غيرها روايتان» : # إحداهما: لا تقدم، لأنهم وسائر الصحابة - رضي الله عنهم - في مناط ~~الرواية - وهو الصحبة - سواء. # PageV03P696 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والثانية: تقدم لزيادة فضيلتهم، ~~وتيقظهم، وتنبههم للأحكام، واحتياطهم لها، ولما ذكرنا في تقديم رواية ~~الأقدم إسلاما. # قلت: ولعل الخلاف في تقديم روايتهم مبني على الخلاف في إجماعهم: هل هو ~~حجة أم لا؟ فإن لم ms1145 يكن مبنيا عليه، فهو شبيه به. # قوله: «فإن رجحت» - يعني رواية الخلفاء الأربعة - رضي الله عنهم - «رجحت ~~رواية أكابر الصحابة على غيرهم» . يعني على رواية أصاغرهم «لاختصاصهم بمزيد ~~خبرة بأحوال النبي - صلى الله عليه وسلم -، لمنزلتهم» منه «ومكانهم» عنده، ~~وملازمتهم له. # قلت: ولا يظهر وجه بناء هذا على رجحان رواية الخلفاء، بل رواية أكابر ~~الصحابة - رضي الله عنهم - محتملة للخلاف مطلقا، كرواية الأقدم إسلاما، ~~سواء رجحت رواية الخلفاء أو لا، والأشبه ترجيح رواية الأكابر، والفرق بينهم ~~وبين الأصاغر يعرف من كتب الطبقات، وقد قسم الحاكم أبو عبد الله الصحابة ~~إلى ثلاث عشرة طبقة. # PageV03P697 # وأما الثاني: فمبناه تفاوت دلالات العبارات في ~~أنفسها، فيرجح الأدل منها فالأدل، فالنص مقدم على الظاهر، وللظاهر مراتب ~~باعتبار لفظه، أو قرينته، فيقدم الأقوى منها فالأقوى بحسب قوة دلالته ~~وضعفها، والمختلف لفظا فقط على متحده، لدلالة اختلاف ألفاظه على اشتهاره ; ~~وقد يعارض بأن اختلاف الألفاظ ضرب من الاضطراب، والاتحاد أدل على الإتقان ~~والورع، وذو الزيادة على غيره، لإمكانهما بذهول راوي الناقص ; أو نسيانه، ~~كما سبق. والمثبت على النافي إلا أن يستند النفي إلى علم بالعدم، لا عدم ~~العلم فيستويان، وما اشتمل على حظر، أو وعيد، على غيره احتياطا عند القاضي. # والناقل عن حكم الأصل على غيره، وفيهما خلاف، ولا يرجح مسقط الحد وموجب ~~الحرية على غيرهما، إذ لا تأثير لذلك في صدق الراوي، وقيل: بلى ; ~~لموافقتهما الأصل ; وقوله - صلى الله عليه وسلم - على فعله، إذ الفعل لا ~~صيغة له. # قوله: " وأما الثاني " - يعني ~~الترجيح اللفظي من جهة المتن - " فمبناه "، أي: هو مبني على " تفاوت دلالات ~~العبارات في أنفسها، فيرجح الأدل منها فالأدل "، أي: إن العبارات تتفاوت في ~~الدلالة على المعاني بالقوة والضعف، والبيان والإجمال، والإيضاح والإشكال، ~~فما كان منها أقوى دلالة، قدم على غيره. وهذه قاعدة هذا القسم، " فالنص ~~مقدم على الظاهر "، لأن النص أدل، لعدم احتماله غير المراد، والظاهر محتمل ~~غيره وإن كان احتمالا مرجوحا، لكنه يصلح أن يكون مرادا بدليل، كما سبق في ~~تأويل الظواهر. ms1146 # قوله: " وللظاهر مراتب باعتبار لفظه أو قرينته "، أي: قد يكون لفظ # PageV03P698 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أظهر في المراد من لفظ، وقد تقترن ~~به قرينة لفظية، أو معنوية، أو حالية توجب له زيادة الظهور، فتختلف مراتبه ~~بذلك، " فيقدم الأقوى " فالأقوى " من تلك المراتب " بحسب قوة دلالته وضعفها ~~" كما ترجح بعض العمومات على بعض بحسب قوتها في نفسها، أو بحسب قرائنها، ~~وكما تقدم بعض الأقيسة على بعض. # قوله: " والمختلف "، أي: ويقدم الخبر المختلف في اللفظ على ما اتحد لفظه ~~ولم يختلف " لدلالة اختلاف ألفاظه على اشتهاره. وقد يعارض بأن اختلاف ~~الألفاظ ضرب من الاضطراب والاتحاد " - يعني اتحاد لفظ الحديث - " أدل على ~~الإتقان والورع " يعني إتقان الراوي وورعه. # حاصل هذا أن الحديثين إذا تعارضا، وكان أحدهما مختلف الألفاظ، والآخر ~~متحد اللفظ لا اختلاف فيه، ففي كل واحد منهما جهة رجحان، فصار لذلك الترجيح ~~بينهما محل اجتهاد. # أما جهة رجحان المختلف، فلأن اختلاف ألفاظه تدل على شهرته حتى تلعبت به ~~ألسنة الرواة باللفظ تارة، وبالمعنى تارة، فاختلفت ألفاظه لذلك. # وأما جهة رجحان المتحد اللفظ، فلأن اتحاد لفظه يدل على الاعتناء بحفظه ~~وضبطه، وهو أدل على إتقان راويه وورعه حتى اجتهد في ضبطه، فلم يدع للاختلاف ~~عليه مدخلا، واختلاف الألفاظ ضرب من الاضطراب. # قلت: وقد يتوسط بين القولين، فيقال: إن كان اختلاف الألفاظ مما يختلف به ~~المعنى ولو أدنى اختلاف، أو تغير انتظام الرواية واتساقها ; قدم المتحد ~~لفظا، وإلا فالمختلف، أو يتعارضان # PageV03P699 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وقوله: " والمختلف لفظا فقط ": ~~احتراز من المختلف معنى، فإنه لا يعارض المتحد معنى قولا واحدا، لأن اختلاف ~~المعنى اضطراب، والمضطرب لا يعارض المستقيم، وهذا هو والمتوسط الذي ذكرته ~~من واد واحد. # قوله: " وذو الزيادة ". أي: ويقدم ذو الزيادة " على غيره "، أي: على ما ~~لا زيادة فيه " لإمكانهما "، أي: لإمكان رواية الزائد والناقص من روايتين ~~بأن يذهل " راوي الناقص " عن الزيادة، أو ينساها، فيرويها غيره " كما سبق " ~~في قبول الزيادة من الثقة. # قوله: " والمثبت "، أي: ويقدم الخبر المثبت " على النافي "، يعني الدال ~~على ثبوت الحكم على الخبر الدال ms1147 على نفيه، كإثبات بلال - رضي الله عنه - ~~صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في الكعبة على رواية ابن عباس في نفيها، ~~لأن عند المثبت زيادة علم ممكنة وهو عدل جازم بها. # قوله: " إلا أن يستند النفي إلى علم بالعدم، لا عدم العلم، فيستويان ". # PageV03P700 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يعني أن نفي النافي إن استند إلى ~~عدم العلم، كقوله: لم أعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى ~~بالبيت، ولم أعلم أن فلانا قتل فلانا، لم يلتفت إليه، وكان إثبات المثبت ~~للصلاة، وقتل فلان مقدما لما سبق. وإن استند نفي النافي إلى علم بالعدم، ~~كقول الراوي: اعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يصل بالبيت، ~~لأني كنت معه فيه، ولم يغب عن نظري طرفة عين فيه، ولم أره صلى فيه، أو قال ~~أخبرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يصل فيه، أو قال: اعلم أن ~~فلانا لم يقتل زيدا، لأني رأيت زيدا حيا بعد موت فلان، أو بعد الزمن الذي ~~أخبر الجارح أنه قتله فيه. فهذا يقبل، لاستناده إلى مدرك علمي، ويستوي هو ~~وإثبات المثبت، فيتعارضان، ويطلب المرجح من خارج. وقد سبق لنا في الجرح ~~والتعديل مثل هذا. وكذلك كل شهادة نافية استندت إلى علم بالنفي، لا إلى نفي ~~العلم، فإنها تعارض المثبتة، لأنها تساويها، إذ هما في الحقيقة مثبتتان، ~~لأن إحداهما تثبت المشهود به، والأخرى تثبت العلم بعدمه. # قوله: " وما اشتمل على حظر، أو وعيد على غيره احتياطا عند القاضي ". # أي: ويرجح ما تضمن تحريما، أو وعيدا على ما لم يتضمن ذلك أخذا بالاحتياط ~~عند القاضي أبي يعلى. وقيل: لا يرجح بذلك. # قلت: الوعيد والحظر متلازمان، إذ كل محظور متوعد عليه، وكل متوعد عليه ~~محظور، لأن الوعيد من آثار الحظر، والحظر من أحكام الوعيد، فحصل التلازم ~~بينهما لذلك. # وأصل الخلاف في هذا أن وعد الشرع ووعيده متكافئان في الغالب، كقوله ~~تعالى: {إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم} [الأنعام: 165] ، # PageV03P701 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # {إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم} ~~[فصلت: 43] ، {اعلموا أن الله ms1148 شديد العقاب وأن الله غفور رحيم} [المائدة: ~~98] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا وهو ~~كثير. فإذا تعارض الحاظر والمبيح، أو ما تضمن وعيدا أو غيره، احتمل الخلاف ~~لما ذكرنا. وهو أيضا يشبه ما سبق فيما إذا تعارضت فتيا المجتهدين عند ~~المقلد هل يأخذ بالأخف، أو بالأثقل نظرا إلى الدليل المتعارض هناك، أو إلى ~~الاحتياط تارة، وإلى عموم التخفيف في الشريعة أخرى. # قوله: " والناقل عن حكم الأصل على غيره "، أي: ويرجح النص أو الدليل ~~الناقل عن حكم الأصل على المقرر عليه. " وفيهما خلاف ": هل يقدم الناقل، أو ~~المقرر؟ # مثاله: أن الأصل في المطعومات الحل، فلو ورد بإباحة الثعلب حديث ; وحديث ~~بتحريمه ; فهل يرجح دليل الإباحة لموافقته أصل الحل واعتضاده به، فهما ~~دليلان، فيرجحان على دليل واحد، وهو دليل الحظر، أو يرجح الحاظر، لأنه ناقل ~~عن أصل الحل، فهو مفيد فائدة زيادة، وهي التحريم؟ فيه هذا الخلاف. وكذلك ~~ورد في الضبع أنها صيد تجب فيه الفدية في الإحرام، وهو يفيد إباحتها، وثبت ~~النهي عن كل ذي ناب من السباع، وهي ذات ناب، وهو يفيد تحريمها، فالأول مقرر ~~لإباحتها الأصلية، والثاني ناقل عن أصل الإباحة، فأيهما يقدم؟ والأشبه ~~تقديم المقرر لاعتضاده بدليل الأصل. # PageV03P702 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وعلى هذا تنبني بينة الداخل ~~والخارج، وهو ما إذا ادعيا عينا في يد أحدهما، وأقام كل واحد منهما بينة ~~أنها له، فالداخل من في يده العين، والخارج من ليست في يده، فمذهب الشافعي ~~تقديم بينة الداخل، لأن بينته اعتضدت بيده على العين فهما دليلان، والخارج ~~إنما معه البينة فقط. # ومذهب أحمد تقديم بينة الخارج، لأنها ناقلة عن دلالة اليد التي هي ~~كالأصل، والأشبه الأول لما ذكرنا، وهو أحد الأقوال لأحمد - رضي الله عنه -، ~~والأشبه بقواعده وقواعد غيره في اعتبار الترجيح بما يصلح له، واليد صالحة ~~للترجيح، ويحمل قوله - عليه السلام -: البينة على المدعي على ما إذا لم يكن ~~خارجا بأن تكون العين في يده، أو في يد غيرهما. # قوله: " ولا يرجح مسقط الحد وموجب الحرية ms1149 على غيرهما ". أي: إذا تعارض ~~دليلان أحدهما يسقط حدا، والآخر يوجبه ; أو أحدهما يوجب الحرية، والآخر ~~يمنعها ; لم يرجح مسقط الحد وموجب الحرية على مقابلها، " إذ لا تأثير لذلك ~~في صدق الراوي ". # " وقيل ": بل يرجح مسقط الحد وموجب الحرية " لموافقتهما الأصل "، إذ ~~الأصل عدم وجوب الحد، والأصل ثبوت الحرية. # قلت: فهو من باب تعارض الناقل والمقرر. # قلت: وقولنا في الوجه الأول: " لا تأثير لذلك في صدق الراوي " وهم تابعت # PageV03P703 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فيه الأصل ولم أتأمله، لأن هذا ~~التعليل إنما يصح في الترجيح من جهة المتن، فإذا ترجحت جهة المتن بموافقة ~~الأصل، وجب تقديمها. # قلت: وقد يستشكل هذا بقوله - عليه السلام -: لا قطع إلا في عشرة دراهم ~~وكونه قطع في ربع دينار، فإن الأول يقتضي إسقاط حد القطع عمن سرق ربع دينار ~~إلى تسعة دراهم، والثاني يقتضي وجوب حد القطع عليه، فمقتضى ما ذكرتم من ~~ترجيحه أن يكون في قطع سارق ربع دينار خلاف، بناء على الخلاف في ترجيحه. ~~وكذلك اختلفت الرواية الصحيحة في استسعاء العبد في قيمة باقيه إذا كان ~~المعتق لبعضه الآخر معسرا، فرواية الاستسعاء موجبة لحرية الباقي، فيجب ~~تقديمها على مقابلها. # والجواب أنه لا إشكال في ذلك: # أما الأول، فلأن حديث لا قطع في عشرة دراهم فيه مقال، فلا # PageV03P704 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # يعارض الأحاديث الصحيحة في القطع ~~في ربع دينار. ولو صح، لرجحناه، أو خرجنا الخلاف. # وأما الثاني فقد قلنا به، فإن عندنا في الاستسعاء الموجب لحرية باقي ~~العبد قولين، وبعض أصحابنا يرجحه. وقد صح من رواية البخاري وغيره، والمانع ~~للاستسعاء لا يمنعه إعراضا عن الترجيح المذكور، بل قد جاء في ذكر الاستسعاء ~~في الحديث بأنه مدرج من كلام نافع مولى ابن عمر - رضي الله عنهما - والأولى ~~خلافه، وثبوت الاستسعاء على ما قررته في " القواعد الكبرى ". # قوله: " وقوله "، أي: ويرجح قوله " - عليه السلام - على فعله، إذ الفعل ~~لا صيغة له ". # أي: إذا تعارض قول النبي - صلى الله عليه وسلم - على فعله، رجح القول، ~~لأن له صيغة دالة، بخلاف الفعل، فإنه لا صيغة له ms1150 تدل بنفسها، وإنما دلالة ~~الفعل لأمر خارج، وهو كونه - عليه السلام - واجب الاتباع، فكان القول أقوى، ~~فيرجح لذلك، وأيضا فإن القول متفق على كونه حجة، والفعل مختلف فيه، والمتفق ~~عليه راجح، ولأن ذلك الفعل يحتمل أن يكون تشريعا عاما، ويحتمل أن يكون من ~~خصائصه، وإذا احتمل واحتمل، سقط الاحتجاج به، وتعين القول. # PageV03P705 # وأما الثالث: فيرجح المجرى على عمومه على المخصوص ; ~~والمتلقى بالقبول على ما دخله النكير، وعلى قياسه ما قل نكيره على ما كثر، ~~وما عضده عموم كتاب، أو سنة، أو قياس شرعي، أو معنى عقلي على غيره. فإن عضد ~~أحدهما قرآن، والآخر سنة، قدم الأول في رواية، لتنوع الدلالة، والثاني في ~~أخرى، إذ السنة مقدمة بطريق البيان، وما ورد ابتداء على ذي السبب، لاحتمال ~~اختصاصه بسببه. وما عمل به الخلفاء الراشدون على غيره في رواية، لورود ~~الأمر باتباعهم، وما لم ينقل عن راويه خلافه على غيره. # ولا يرجح بقول أهل المدينة، كقول بعض الشافعية، ولا بقول أهل الكوفة، ~~كقول بعض الحنفية، إذ لا تأثير للأماكن في زيادة الظنون. # وما عضده من احتمالات الخبر بتفسير الراوي، أو غيره من وجوه الترجيحات ~~على غيره من الاحتمالات. # قوله: «وأما الثالث» . يعني ### | الترجيح من جهة القرينة، # «فيرجح المجرى على عمومه على المخصوص» . # أي: إذا تعارض عامان أحدهما باق على عمومه، والآخر قد خص بصورة فأكثر ; ~~رجح الباقي على عمومه على المخصوص، لأنه مختلف في بقائه حقيقة أو مجازا، ~~وحجة، أو غير حجة، والباقي على عمومه لا خلاف في بقائه حقيقة وحجة، فكان ~~راجحا. # قلت: وكذلك يقدم ما كان أقل تخصيصا على الأكثر تخصيصا، مثل # PageV03P706 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أن يخص أحدهما بصورة، والآخر ~~بصورتين، فالأول أرجح، لأنه أقرب إلى الأصل، وهو البقاء على العموم ومخالفة ~~الأصل فيه أقل. # قوله: «والمتلقى» . أي: ويرجح المتلقى «بالقبول على ما دخله النكير» ، ~~أي: إذا كان أحد النصين قد تلقاه العلماء بالقبول، ولم يلحقه إنكار من أحد ~~منهم فهو مقدم على ما لحقه الإنكار من بعضهم، لأن لحوق الإنكار شبهة، ~~فالخالي منها ms1151 يكون راجحا، كما في المسند مع المرسل «وعلى قياسه» أي: وعلى ~~قياس قولنا: يقدم المتلقى بالقبول على ما دخله النكير أن يقدم «ما قل نكيره ~~على ما كثر» نكيره، مثل أن يتعارض النصان ; وكلاهما قد أنكره بعض العلماء، ~~فما قل منكره منهما مقدم، مثل أن ينكر أحدهما اثنان والآخر ثلاثة، فيرجح ~~الأول، كالأقل تخصيصا مع الأكثر. # قوله: «وما عضده عموم كتاب، أو سنة، أو قياس شرعي، أو معنى عقلي على ~~غيره» . # وحاصل هذا أن أحد الدليلين يترجح باعتضاده بدليل آخر مما يفيده قوة ~~لاجتماع دليلين في مقابلة دليل واحد. فإذا تعارض نصان ; ومع أحدهما عموم ~~كتاب، أو عموم سنة، أو عضده قياس شرعي أو معنى عقلي يحصل مصلحة ما ; كان ~~مقدما على الآخر لتجرده عن مرجح. # قوله: «فإن عضد أحدهما - أي: أحد النصين - قرآن والآخر سنة» ، أي: تعارض ~~حديثان وعضد أحدهما آية، وعضد الآخر حديث، ففيه روايتان: # إحداهما: يقدم ما عضده القرآن لتنوع الدلالة، أي: لأن الدلالة صارت من ~~نوعين: الكتاب والسنة، بخلاف ما في الطرف الآخر، فإن دلالته من نوع واحد ~~وهو الحديث. # PageV03P707 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والرواية الثانية: يقدم ما عضده ~~الحديث، لأن «السنة مقدمة» على الكتاب «بطريق البيان» ، أي: من جهة كونها ~~مبينة له بحق الأصل والغالب، لقوله - عز وجل -: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين ~~للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44] . # واعلم أن التعارض إما أن يقع بين آيتين، أو خبرين، أو قياسين، أو آية ~~وخبر، أو آية وقياس، أو خبر وقياس. وعلى التقديرات الستة، فالمرجح من ~~الطرفين إما آيتان، أو خبران، أو قياسان، أو آية وخبر، أو آية وقياس، أو ~~خبر وقياس. فهذه ستة وثلاثون تعارضا مضروب ستة في ستة، فحيث اتحد نوع ~~العاضد والمعضود من الطرفين كآيتين عضدتهما آيتان، أو خبرين عضدهما خبران، ~~أو قياسين عضدهما قياسان ; رجح أحد الطرفين ببعض وجوه الترجيح مما سبق أو ~~غيره. وحيث اختلف نوعها، كآية وخبر مع خبرين أو آيتين ; فهل يقدم ما تعدد ~~نوع دلالته أو ما عضدته السنة؟ فيه ما ذكر. والأضبط من ms1152 هذا أن يرجح ما تخيل ~~فيه زيادة قوة كائنا من ذلك ما كان، وقد تتخيل زيادة القوة مع اتحاد النوع ~~واختلافه. # قوله: «وما ورد» . أي: ويرجح ما ورد «ابتداء» على غير سبب على ما ورد على ~~سبب «لاحتمال اختصاصه» ، أي: اختصاص ذي السبب «بسببه» . وهذا الاحتمال ~~معدوم فيما ورد ابتداء، فيكون راجحا، ولأن الوارد على سبب مختلف فيه بخلاف ~~غيره، والمختلف فيه مرجوح بالنسبة إلى غيره، كالمرسل مع المسند، والمخصوص ~~على غير المخصوص. # قوله: «وما عمل به الخلفاء الراشدون على غيره في رواية» ، أي: إذا تعارض ~~نصان، وقد عمل بأحدهما الخلفاء الراشدون، فهل يكون عملهم به # PageV03P708 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مرجحا له على النص الآخر؟ فيه ~~قولان: # أحدهما: نعم، «لورود الأمر باتباعهم» حيث قال - عليه الصلاة والسلام -: ~~عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ ولأن ~~الظاهر أنهم لم يتركوا النص الآخر إلا لحجة. # والقول الثاني: لا يكون ما عملوا به راجحا على غيره، لجواز أنه لم ~~يبلغهم. وحينئذ لا يدل تركهم له على مرجوحيته والأول أظهر. # فائدة: إذا وجدنا فتيا صحابي مشهور بالعلم والفقه على خلاف نص، لا يجوز ~~لنا أن نجزم بخطئه الخطأ الاجتهادي، لاحتمال ظهور الصحابي على نص أو دليل ~~راجح أفتى به، فإن الصحابة - رضي الله عنهم - أقرب إلى معرفة النصوص ~~النبوية منا لمعاصرتهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكم من نص نبوي كان ~~عند الصحابة - رضي الله عنهم -، ثم دثر، فلم يبلغنا، وذلك كفتيا علي، وابن ~~عباس - رضي الله عنهما - أن المتوفى عنها تعتد بأطول الأجلين، ونحوها من ~~المسائل التي نقم بعض الناس على علي فيها لمخالفته للنص، وخطئه بذلك. # PageV03P709 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «وما لم ينقل عن راويه خلافه ~~على غيره» ، أي: إذا تعارض خبران، أحدهما قد نقل عن راويه خلافه قولا أو ~~فعلا، والآخر لم ينقل عن راويه خلافه قولا أو فعلا، قدم الثاني، لأن مخالفة ~~الراوي ما رواه يؤثر شبهة، فالخالي منه يكون راجحا، كما سبق فيما لحقه ~~النكير بالنسبة إلى غيره. # قوله: «ولا يرجح بقول أهل ms1153 المدينة» . أي: إذا تعارض نصان، وقد قال أهل ~~المدينة بأحدهما، فلا يكون ذلك ترجيحا له، خلافا لبعض الشافعية في قولهم: ~~يرجح به. وكذلك لا يرجح بقول أهل الكوفة، خلافا لبعض الحنفية: # حجة الأول: أن الأماكن لا تأثير لها في زيادة الظنون، فلا فرق بين قول ~~أهل المدينة والكوفة وغيرهما في عدم الترجيح به. # حجة الثاني: أن إطباق الجم الغفير على العمل على وفق أحد الخبرين يفيده ~~تقوية وزيادة ظن، فيرجح به، كموافقة خبر آخر، ولأن اتفاق أهل البلد ~~المذكورين قد اختلف في كونه إجماعا، فإن كان إجماعا، فهو مرجح لا محالة، ~~وإن لم يكن إجماعا، فأدنى أحواله أن يكون مرجحا، كالظاهر والقياس وخبر ~~الواحد. # قلت: هذا هو الظاهر. # وقولهم: «لا تأثير للأماكن في زيادة الظنون» . # قلنا: نحن لا نرجح بالأماكن، بل بأقوال الجم الغفير من علماء أهلها، وهو ~~مفيد لزيادة الظن بلا شك. # PageV03P710 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قوله: «وما عضده من احتمالات الخبر ~~بتفسير الراوي، أو غيره من وجوه الترجيحات على غيره من الاحتمالات» . # أي: إذا كان الخبر يحتمل وجوها، وتتجه له محامل، ففسره الراوي على بعضها ~~; كان ما فسره الراوي عليه مقدما على باقيها. وكذلك إذا ترجح بعض ~~الاحتمالات المذكورة بوجه من وجوه الترجيح، كان مقدما على غيره مما لم ~~يترجح بذلك: # أما الأول: فلأن الصحابي لسماعه الخبر من المخبر، ومشاهدته قرائن المقال ~~والحال، أعلم بمعنى ما روى، فيكون ما فسر به الخبر متعينا، كتفسير ابن عمر ~~التفرق في حديث: المتبايعان بالخيار على التفرق بالأبدان بفعله، وتفسيره ~~قوله - عليه السلام -: فإن غم عليكم فاقدروا له بالتضييق في العدة احتياطا، ~~حيث كان يصبح يوم الثلاثين إذا غم الهلال صائما. # PageV03P711 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وأما الثاني: فلأن بعض احتمالات ~~الخبر إذا عضد بوجه من وجوه الترجيح، كان كاعتضاده بخبر آخر بجامع غلبة ~~الظن بأنه المراد في الصورتين. # PageV03P712 # والقياسي: إما من جهة الأصل أو العلة، أو القرينة ~~العاضدة: # أما الأول: فحكم الأصل الثابت بالإجماع، راجح على الثابت بالنص لعصمة ~~الإجماع، والثابت بالقرآن، أو تواتر السنة، على الثابت بآحادها. # وبمطلق النص، ms1154 على الثابت بالقياس، والمقيس على أصول أكثر على غيره، لحصول ~~غلبة الظن بكثرة الأصول، كالشهادة، خلافا للجويني، والقياس على ما لم يخص ~~على القياس المخصوص. # قوله: «والقياسي» ، أي: و ### | الترجيح القياسي، # يعني الواقع في الأقيسة، لأنه قد سبق أن الترجيح ضربان: لفظي، أي: واقع ~~في الألفاظ. وقد انتهى الكلام فيه، وقياسي، أي: واقع في القياس، والكلام ~~الآن فيه. وهو «إما من جهة الأصل، أو العلة، أو القرينة العاضدة» ، أي: ~~الترجيح العاضد للقياس إما من جهة أصله، أو علته، أو قرينة تقترن بأحد ~~القياسين تعضده، فيترجح على الآخر. # أما الأول: يعني ### | ترجيح القياس من جهة أصله، # فهو من وجوه: # أحدها: أن «حكم الأصل الثابت بالإجماع راجح على الثابت بالنص لعصمة ~~الإجماع» ، أي: إذا أمكن قياس الفرع على أصلين ; حكم أحدهما ثابت بالإجماع ~~والآخر ثابت بالنص ; كان القياس على الأصل الثابت بالإجماع مقدما على ~~القياس الثابت بالنص، لأن الإجماع مقدم على النص، فكذا ما # PageV03P713 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ثبت به يكون مقدما على ما ثبت ~~بالنص، لعصمة الإجماع من الخطأ والنسخ بخلاف النص. # الوجه الثاني: حكم الأصل الثابت بالقرآن الكريم أو تواتر السنة، راجح على ~~حكم الأصل الثابت بآحاد السنة، أي: بالسنة المروية بطريق الآحاد، كما يقدم ~~القرآن، ومتواتر السنة على آحادها. # وقد استفيد من هذا أن الحكم الثابت بالقرآن لا يقدم على الثابت بتواتر ~~السنة، كما لا يقدم القرآن والسنة على تواتر السنة، لاستوائهما كما سبق. # الوجه الثالث: حكم الأصل الثابت «بمطلق النص» راجح على حكم الأصل «الثابت ~~بالقياس» ، كما يقدم مطلق النص على القياس، والمراد بمطلق النص أنه سواء ~~كان تواترا أو آحادا، صحيحا أو حسنا مما ساغ العمل به شرعا. # الوجه الرابع: الحكم «المقيس على أصول أكثر» راجح «على غيره» ، أي: إذا ~~تعددت الأصول في أحد القياسين وليس في القياس الآخر إلا أصل واحد، مثل: إن ~~أمكن قياس الفرع بجامع على أصول كثيرة ; وأمكن قياسه بجامع آخر على أصل ~~واحد أو أصول أقل من أصول القياس الأول ; قدم القياس على الأصول الكثيرة ~~لأن ms1155 كثرتها شواهد للفرع بالصحة، وما كثرت شواهده كان الظن بصحته أغلب، كما ~~يرجح أحد الخبرين بكثرة الرواة. وهذا معنى قوله: «لحصول غلبة الظن بكثرة ~~الأصول، كالشهادة» . يعني على قول من يرجح إحدى البينتين بكثرة العدد، ~~«خلافا للجويني» حيث حكي عنه، أن أحد القياسين لا يرجح بكثرة الأصول. # PageV03P714 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الوجه الخامس: «القياس على» أصل ~~«لم يخص» راجح على أصل مخصوص، كما يرجح العام الباقي على عمومه على العام ~~المخصوص. # وبالجملة: حكم أصل القياس حكم مستنده الذي ثبت به، فما قدم من المستندات، ~~قدم ما ثبت به من أصول الأقيسة. # PageV03P715 # وأما الثاني: فتقدم العلة المجمع عليها على غيرها، ~~والمنصوصة، على المستنبطة، والثابتة عليتها تواترا على الثابتة عليتها ~~آحادا، والمناسبة على غيرها، لاختصاصها بزيادة القبول في العقول، والناقلة ~~على المقررة، والحاظرة على المبيحة، ومسقطة الحد وموجبة العتق والأخف حكما ~~على خلاف فيه، كالخبر، والوصفية للاتفاق عليها على الاسمية، والمردودة إلى ~~أصل قاس الشارع عليه على غيرها، كقياس الحج على الدين، والقبلة على ~~المضمضة، والمطردة على غيرها إن قيل بصحتها، والمنعكسة على غيرها إن اشترط ~~العكس، إذ انتفاء الحكم عند انتفائها يدل على زيادة اختصاصها بالتأثير، ~~فتصير كالحد مع المحدود والعقلية مع المعلول. # «وأما الثاني» : يعني ### | ترجيح القياس من جهة علته # فمن وجوه: # الأول: ترجح «العلة المجمع عليها على غير» المجمع عليها، أي: إذا ظهر في ~~الأصل الواحد وصفان مناسبان، وقد أجمع على التعليل بأحدهما، واختلف في ~~التعليل بالآخر، فالتعليل بالوصف المجمع عليه راجح لقوة مستندها، وهو ~~الإجماع، وهو كما لو اختلف أهل العصر الأول على قولين ; وأجمع أهل العصر ~~الثاني على أحدهما ; تعين ولم يجز الأخذ بغيره. # الوجه الثاني: ترجح العلة «المنصوصة على المستنبطة» أي: التي تثبت علتها ~~بالنص على التي ثبتت علتها بالاستنباط، لأن نص الشارع أولى من اجتهاد ~~المجتهد، لعصمة النص دونه. # PageV03P716 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الوجه الثالث: ترجح العلة التي ~~ثبتت علتها بالتواتر على التي ثبتت علتها بالآحاد لقوة التواتر كما في ~~الأخبار. # الوجه الرابع: ترجح العلة المناسبة على غير المناسبة، وكذلك التي هي أكثر ms1156 ~~مناسبة على غيرها لاختصاص المناسبة «بزيادة القبول في العقل» ، أي: لأن ~~العقول أسرع انقيادا، وأشد قبولا للعلة المناسبة، والتي هي أكثر مناسبة. # قلت: وهذا يجب أن يكون في المنصوصتين أو المستنبطتين، أما إن كانت ~~إحداهما منصوصة، فهي الراجحة، سواء كانت مناسبة، أو أشد مناسبة أو لا، ~~لعصمة النص، كما لو اجتمع نص وقياس، كان النص مقدما. # الوجه الخامس: ترجح العلة «الناقلة» عن حكم الأصل «على» العلة «المقررة» ~~عليه، كما سبق في الخبر الناقل مع المقرر. # الوجه السادس: ترجح العلة «الحاظرة على المبيحة» ، أي: التي توجب الحظر ~~على التي توجب الإباحة. # الوجه السابع: ترجح «مسقطة الحد» على موجبته، «وموجبة العتق» على نافيته، ~~والتي هي أخف حكما على التي أثقل حكما، «على خلاف» في ذلك كله، كما سبق في ~~نظيره من الأخبار، لأن العلل مستفادة من النصوص فتتبعها في الخلاف والوفاق ~~في ذلك ونحوه. وهذا كله في المنصوصتين والمستنبطتين، أما في المنصوصة ~~والمستنبطة، فالمنصوصة واجبة التقديم بكل حال، لما سبق في المناسبة مع ~~غيرها. # PageV03P717 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الوجه الثامن: تقدم العلة: ~~«الوصفية للاتفاق عليها على الاسمية» ، أي: العلة التي هي وصف، ترجح على ~~التي هي اسم، لأن التعليل بالأوصاف متفق عليه، بخلاف التعليل بالأسماء، كما ~~سبق، ولأنه أكثر فائدة، كتعليل الربا في البر بكونه مكيلا أو مطعوما يقدم ~~على التعليل بكونه برا، وفي الذهب بكونه موزونا يقدم على التعليل بكونه ~~ذهبا، وربما نزع هذا إلى تعدي العلة وقصورها. # الوجه التاسع: العلة «المردودة إلى أصل قاس الشارع عليه» راجحة «على ~~غيرها» ، كقياس النبي - صلى الله عليه وسلم - الحج على دين الآدمي في حديث ~~الخثعمية، «والقبلة على المضمضة» في حديث عمر. # فلو قال قائل: الحج على المغصوب لا يجزئ بالقياس على الصلاة، والقبلة ~~تفطر الصائم، لأنها نوع استمتاع بالقياس على الوطء ; لقلنا: القياس على ما ~~قاس عليه الشارع أولى، لأنه أعلم بالأحكام ومصالحها ومفاسدها، ويصير القياس ~~المعارض لقياس الشارع، كالقياس المعارض لنصه، بل هو معارض لنصه حقيقة، لأنه ~~نص على الحكم، ثم أوضحه بالقياس على أصل واضح، ms1157 لأنه قال للخثعمية: حجي عن ~~أبيك، وكأنه قال لعمر: لا تفطر بالقبلة كما لا تفطر إذا تمضمضت. # الوجه العاشر: العلة «المطردة» ترجح «على» غير المطردة «إن قيل بصحتها» ، ~~يعني بصحة غير المطردة. # وتحقيق هذا أن غير المطردة وهي المنتقضة بصورة فأكثر إن لم نقل بصحتها لم ~~تعارض المطردة حتى تحتاج إلى الترجيح، وتكون كالخبر الضعيف # PageV03P718 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مع الصحيح، وإن قلنا بصحتها، ~~فاجتمعت هي والمطردة، فالمطردة راجحة، لأن ظن العلية فيها أغلب، ولأنها ~~متفق عليها، والمنتقضة مختلف فيها، فهما كالعامين إذا خص أحدهما دون الآخر ~~كان الباقي على عمومه راجحا. # الوجه الحادي عشر: العلة «المنعكسة» راجحة على غير المنعكسة «إن اشترط ~~العكس» ، يعني في العلل: قد سبق أن اطراد العلة هو وجود الحكم بوجودها حيث ~~وجدت، وانعكاسها هو انتفاء الحكم لانتفائها، وسبق أيضا أن انعكاس العلة هل ~~هو شرط في صحتها أم لا؟ فإن لم يشترط العكس لم ترجح المنعكسة على غير ~~المنعكسة، لأن المشترك بينهما في شرط الصحة هو الاطراد وهو موجود، ~~والانعكاس غير مشترط، فوجوده كالعدم، وهو كالإخوة من الأم مع الإخوة من ~~الأب في ولاية النكاح، وإن اشترطنا انعكاس العلة رجحت المنعكسة على غيرها، ~~لأن «انتفاء الحكم عند انتفائها يدل على زيادة اختصاصها بالتأثير، فتصير ~~كالحد مع المحدود» يقدم المنعكس فيه على غيره، وكالعلة «العقلية مع ~~المعلول» ، كالتسويد مع الاسوداد، فكانت المشبهة لها من العلل الشرعية ~~أولى، وصار انعكاسها على هذا كإخوة الأم مع إخوة الأب في باب الميراث، يرجح ~~بها دلالته على أخصية القرابة. # PageV03P719 # المتعدية والقاصرة إن قيل بصحتها، سيان حكما، لقيام ~~الدليل على صحتها. # وقيل: تقدم القاصرة لمطابقتها النص في موردها، وأمن صاحبها من الخطأ. # وقيل: المتعدية، لكثرة فوائدها، فعلى هذا ترجح الأكثر فروعا على الأقل، ~~ومنه ترجيح ذات الوصف لكثرة فروعها على ذات الوصفين. # ورد بأن ذات الوصفين قد تكون أكثر فروعا، ولا مدخل للكلام في القاصرة ~~والمتعدية في ترجيح الأقيسة، وإنما فائدته إمكان القياس بتقدير تقديم ~~المتعدية كالوزن في النقدين، وعدمه بتقدير تقديم القاصرة كالثمنية ms1158 فيهما، ~~إذ القاصر لا يتعدى محله ليقاس عليه، ويقدم الحكم الشرعي واليقيني على ~~الوصف الحسي، والإثباتي عند قوم. # وقيل: الحق التسوية، إذ بعد قيام دليل العلية لا يختلف الظن بشيء من ذلك، ~~والمؤثر على الملائم، والملائم على الغريب، والمناسب على الشبهي. # الوجه الثاني عشر: قال: «المتعدية ~~والقاصرة إن قيل بصحتها سيان حكما» ، إلى آخره. # اعلم أن العلة القاصرة قد سبق الخلاف فيها هل هي علة صحيحة في نفسها أم ~~لا؟ فإن قلنا: ليست صحيحة لم تعارض المتعدية، فلا ترجيح كغير المطردة مع ~~المطردة، وإن قلنا: هي صحيحة، فاجتمعت مع المتعدية ففيه أقوال: # PageV03P720 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # أحدها: أنهما سواء في الحكم لا ~~رجحان لإحداهما على الأخرى «لقيام الدليل على صحتها» كما تقدم في موضعه. # الثاني: أن القاصرة أرجح، فتقدم لوجهين: # أحدهما: أنها مطابقة للنص في موردها، أي: لم يجاوز تأثيرها موضع النص، ~~بخلاف المتعدية، فإنها لم تطابق النص، بل زادت عليه، وما طابق النص كان ~~أولى. # الوجه الثاني: «أمن صاحبها» - أي المعلل بها - «من الخطأ» ، لأنه لا ~~يحتاج إلى التعليل بها في غير محل النص كالمتعدية، فربما أخطأ بالوقوع في ~~بعض مثارات الغلط في القياس، وما أمن فيه من الخطأ أولى مما كان عرضة له. # القول الثالث: أن «المتعدية» أرجح، فتقدم «لكثرة فوائدها» ، كالتعليل في ~~الذهب والفضة بالوزن، فيتعدى الحكم إلى كل موزون، كالحديد والنحاس والصفر ~~ونحوه، بخلاف التعليل بالثمنية أو النقدية، فلا تتعداهما، فكان التعليل ~~بالوزن الذي هو وصف متعد لمحل النقدين إلى غيرهما أكثر فائدة من الثمنية ~~القاصرة عليهما لا تجاوزهما. «فعلى هذا» - أي: فعلى القول بترجيح المتعدية ~~- ترجح العلة التي هي أكثر فروعا على التي هي أقل فروعا. # مثاله: لو قدرنا أن المكيلات أكثر ; عللنا في البر بالكيل، لأن علة الكيل ~~حينئذ تكون أكثر فروعا. ولو قدرنا أن المطعومات أكثر ; عللنا فيه # PageV03P721 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بالطعم، لأنه حينئذ يكون أكثر ~~فروعا. وحينئذ يصير الأقل فروعا بالإضافة إلى الأكثر فروعا كالقاصرة ~~بالإضافة إلى المتعدية، ويخرج فيهما بالتفريع العام الأقوال الثلاثة. # قوله: «ومنه» - أي: ومن الترجيح ms1159 بكثرة الفروع - «ترجيح» العلة «ذات ~~الوصف» الواحد «على ذات الوصفين» فصاعدا، لأن ذات الوصف الواحد أكثر فروعا، ~~لأن ثبوت الحكم بها متوقف على وصف واحد، وما توقف على وصف واحد، كان أكثر ~~فروعا مما توقف على وصفين فأكثر، وصار هذا كالطلاق والعتق المعلق على شروط. ~~وكذلك الأحكام التي تثبت بشاهد أقرب وقوعا مما تثبت بشاهدين، وما يثبت ~~بشاهدين أقرب وقوعا مما يثبت بأربعة، فالموقوف على الأقل أكثر، وعلى الأكثر ~~أقل، ولهذا كان الزيادة في الحد نقصا في المحدود، والنقص في الحد زيادة في ~~المحدود، فالحيوان المشاء أكثر من الإنسان، والحيوان الكاتب بالفعل أقل من ~~الإنسان. # قوله: «ورد» ، أي: ورد ترجيح ذات الوصف «بأن ذات الوصفين قد تكون أكثر ~~فروعا» . # قلت: وهذا لا يتصور إلا بحسب كثرة موارد فروع ذات الوصفين، وقلة موارد ~~فروع ذات الوصف على سبيل الاتفاق. مثل أن نعلل الربا في البر بالكيل وحده، ~~ويعلل غيرنا بالكيل مع الطعم، ويتفق أن المكيلات المطعومة أكثر من المكيلات ~~غير المطعومة. فحينئذ تكون فروع ذات الوصفين أكثر من فروع ذات الوصف ~~الواحد، وإلا فمتى فرضنا اتفاق موارد فروعهما في القلة والكثرة، كانت فروع ~~ذات الوصف الواحد أكثر بالضرورة لما حققناه. # PageV03P722 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مثل: إن فرضنا أصناف المكيل مع ~~المجرد عشرين، وأصناف المكيل مع المطعوم عشرين أيضا، فإن علة الكيل تجري في ~~الأربعين صنفا، وعلة الكيل مع الطعم لا تجري إلا في أصنافها العشرين التي ~~وجدت فيها، والله تعالى أعلم بالصواب. # قوله: «ولا مدخل للكلام في القاصرة والمتعدية في ترجيح الأقيسة، وإنما ~~فائدته إمكان القياس بتقدير تقديم المتعدية، كالوزن في النقدين وعدمه ~~بتقدير تقديم القاصرة، كالثمنية فيهما، إذ القاصر لا يتعدى محله ليقاس ~~عليه» . # قلت: معنى هذا: أن الكلام في ترجيح العلة المتعدية على القاصرة أو ~~بالعكس، لا مدخل له في ترجيح الأقيسة، أي: لا ينبني عليه ترجيح قياس إحدى ~~هاتين العلتين على الأخرى، لأن القاصرة لا تتعدى محلها ليقاس عليه غيره، ~~وإنما فائدة الكلام في ترجيح القاصرة والمتعدية إمكان القياس إن قدمنا ~~المتعدية، ms1160 وعدم إمكانه إن قدمنا القاصرة. # مثاله: أنه لما تعارض في النقدين الوزن والثمنية، فإن عللنا بالوزن أمكن ~~القياس لتعدي الوزن محل النقدية إلى الرصاص والنحاس ونحوه. فنقول: يحرم ~~التفاضل في ذلك بالقياس بجامع الوزن. وإن عللنا بالثمنية أو النقدية لا ~~يمكن القياس، لأن تلك العلة لا توجد في غيرهما ليقاس عليهما. # وهذا الكلام خرج مخرج جواب سؤال مقدر، وهو أن يقال: العلة القاصرة لا ~~يمكن القياس عليها، فالكلام في الترجيح بينها وبين العلة # PageV03P723 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المتعدية لا يتعلق بترجيح الأقيسة، ~~إذ الترجيح إنما يكون من موجودين، والقياس على القاصرة غير موجود ولا ممكن، ~~فكيف يصح الترجيح بينه وبين القياس على العلة المتعدية؟ # فكان الجواب عن ذلك بما ذكرنا، وهو أنه ليس فائدة ذلك ترجيح أحد القياسين ~~على الآخر لما ذكرتم، بل فائدته أنا إن رجحنا المتعدية، أمكن القياس، وإلا ~~فلا. # قوله: «ويقدم الحكم الشرعي واليقيني على الوصف الحسي والإثباتي عند قوم، ~~وقيل: الحق التسوية» . # أي: إذا تعارض قياسان والجامع في أحدهما حكم شرعي، وفي الآخر وصف حسي أو ~~الجامع في أحدهما حكم سلبي، وفي الآخر حكم إثباتي، فالحكم الشرعي مقدم على ~~الوصف الحسي، لأن القياس طريق شرعي لا حسي، فكان الاعتماد فيه على الأحكام ~~الشرعية أولى من الاعتماد على الأوصاف الحسية، وكذلك الحكم السلبي مقدم على ~~الثبوتي، لأنه أوفق للأصل، إذ الأصل عدم الأشياء كلها. هذا عند بعض ~~الأصوليين. # وقال آخرون: الحق أنهما سواء. يعني الحكم الشرعي مع الوصف الحسي، والحكم ~~السلبي مع الإثباتي، لأن الدليل لما قام على علية كل واحد من الأمرين، ثبتت ~~عليته، والظن لا يتفاوت بشيء مما ذكرنا، فاستويا لعدم ما يصلح مرجحا، وأبو ~~الخطاب يرجح العلة الحكمية، والقاضي يرجح الحسية. # قوله: «والمؤثر» ، أي: ويرجح «المؤثر على الملائم، والملائم على الغريب» ~~. # PageV03P724 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قلت: لأن قوتها في أنفسها على هذا ~~الترتيب. وقد سبق حقائقها وأحكامها وصفاتها ومراتبها في القسم الثالث من ~~أقسام طريق إثبات العلة عند ذكر أقسام المناسب. # قوله: «والمناسب» ، أي: ويقدم «المناسب على الشبهي» . يعني إذا دارت علة ms1161 ~~القياس بين وصف مناسب وشبهي ; قدم المناسب، لأنه متفق عليه، والمصلحة فيه ~~ظاهرة، بخلاف الشبهي فيهما. # PageV03P725 # وتفاصيل الترجيح كثيرة، فالضابط فيه: أنه متى اقترن ~~بأحد الطرفين أمر نقلي، أو اصطلاحي، عام أو خاص، أو قرينة عقلية، أو لفظية، ~~أو حالية، وأفاد ذلك زيادة ظن، رجح به. # وقد حصل بهذا بيان الرجحان من جهة القرائن ; ووجه الرجحان في أكثر هذه ~~الترجيحات ظاهر، فلهذا أهملنا ذكره اختصارا، والله تعالى أعلم. # قوله: «وتفاصيل الترجيح كثيرة» . # اعلم أن الترجيحات التي ذكرتها في «المختصر» هي أكثر من ترجيحات «الروضة» ~~نقلتها من «الحاصل» و «جدل ابن المني» ، وغيرهما، ومع ذلك، فثم تراجيح ~~كثيرة لم نذكرها ذكرت في كتب الأصوليين، وذلك، لأن مثارات الظنون التي يحصل ~~بها الرجحان والتراجيح كثيرة جدا، فحصرها يبعد. # وحيث الأمر كذلك ; «فالضابط» ، والقاعدة الكلية في الترجيح: «أنه متى ~~اقترن بأحد الطرفين» يعني الدليلين المتعارضين «أمر نقلي» ، كآية، أو خبر، ~~«أو اصطلاحي» كعرف، أو عادة ; عاما كان ذلك الأمر أو خاصا، «أو قرينة ~~عقلية، أو لفظية، أو حالية، وأفاد ذلك زيادة ظن ; رجح به» لما ذكرنا من أن ~~رجحان الدليل هو الزيادة في قوته، وظن إفادته المدلول، وذلك أمر حقيقي لا ~~يختلف في نفسه، وإن اختلفت مداركه. # قوله: «وقد حصل بهذا بيان الرجحان من جهة القرائن» . هذا اعتذار عن ترك ~~التصريح بالقسم الثالث من أقسام الترجيح القياسي، وهو ### | الترجيح بالقرائن، # لأنا كنا ذكرنا أن الترجيح القياسي: إما من جهة أصل القياس، أو علته، أو ~~قرينة عاضدة له، وذكرنا القسمين الأولين، وهما الترجيح من جهة الأصل ~~والعلة، وبقي الترجيح من جهة القرينة لم يصرح بذكره تفصيلا # PageV03P726 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # كالقسمين قبله، لكنا أدرجناه ~~إجمالا في القاعدة الكلية المذكورة للترجيح بقولنا: «أو قرينة عقلية، أو ~~لفظية، أو حالية» . # قوله: «ووجه الرجحان في أكثر هذه الترجيحات ظاهر، فلهذا أهملنا ذكره ~~اختصارا» . # يعني أن الترجيحات المذكورة في «المختصر» وقع أكثرها غير موجه، أي: لم ~~يذكر وجه الترجيح فيه، وذلك لوجهين: # أحدهما: طلبا للاختصار، إذ العادة في المختصرات ذكر الأحكام وترك ms1162 ~~التوجيهات، وإلا لم يكن اختصارا. # الثاني: أن وجه تلك الترجيحات بين، فلم نر الإطالة بذكره. # فإن قيل: فيلزمكم على هذا أن يكون توجيهكم لذلك في الشرح بتبيين البين، ~~وإيضاح الواضح، وذلك تحصيل الحاصل. # قلنا: لا يلزم ذلك، لأنا قد ذكرنا في باب المجمل والمبين أن البيان له ~~مراتب، بعضها أعلى من بعض. فرتبة بيان الترجيحات المذكورة في الشرح أعلى من ~~رتبة بيانها على المختصر على حسب تفاوت البسط في الشروحات بالنسبة إلى ~~اختصار المشروحات. # وقد نجز الكلام في «المختصر» ، فلنسرد الآن وجوها من الترجيحات ذكرت في ~~كتب الأصول تكملة لما في «المختصر» . وربما وقع تكرار بين ما # PageV03P727 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # نذكره وما في «المختصر» فليغتفر ~~ذلك، وذلك قسمان: # أحدهما: عري عن الأمثلة، ف ### | من الترجيح العائد إلى الراوي: # أن يكون أذكر للرواية، أو قد عمل بما روى، أو يكون أقرب إلى المروي عنه ~~حال سماعه، أو يكون أعلم بالعربية، أو أفطن، أو أذكى، أو أشهر في النسب لا ~~لبس في اسمه، أو تكون روايته عن حفظ لا عن كتاب، ويحتمل ترجيح الكتاب ههنا، ~~لأنه أوثق وأضبط. # ولهذا كان الإمام أحمد - رضي الله عنه - لا يروي إلا عن كتاب مع حفظه لما ~~يرويه، وأوصى بذلك أصحابه، كيحيى بن معين ونحوه. أو يكون تحمله للرواية في ~~حال بلوغه، بخلاف من تحمل الرواية صغيرا، وتقدم رواية من لم يختلط عقله في ~~وقت على غيره. # وحكى القرافي تقديم رواية المدني على غيره، وهو نازع إلى مسألة إجماع ~~المدينة، وهو متجه. # ومن الترجيح العائد إلى تزكية الراوي: أن يكون المزكي لأحد الراويين ~~أكثر، أو يكون تزكيته بصريح القول، وتزكية الآخر بالرواية عنه، أو العمل ~~بروايته، أو الحكم بشهادته، فالأول أولى. # ومن العائد إلى نفس الرواية: أن يكون أحد الخبرين من مراسيل التابعين، ~~والآخر من مراسيل من دونهم، أو يكون أحدهما مصرحا فيه بلفظ: «حدثنا» ، أو ~~«سمعت فلانا يقول» ، والآخر معنعنا، لوقوع التدليس في العنعنة كما سبق، أو ~~يكون أحدهما معنعنا والآخر معلقا، أو مكتفى فيه بالشهرة، فالمعنعن راجح، ms1163 ~~لأنه وإن احتمل الإرسال، فالظاهر الاتصال، وهو أحسن حالا مما لا سند له بكل ~~حال، أو يكون أحدهما معزوا إلى كتاب مشهور # PageV03P728 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # بالصحة، والآخر إلى كتاب ليس كذلك، ~~أو يكون راوي أحد الخبرين سماعا من لفظ الشيخ بقراءته والآخر بالقراءة على ~~الشيخ، أو إجازة، أو مناولة منه، أو وجادة، فالأول أرجح، أو يكون أحد ~~الخبرين أعلى إسنادا من الآخر، فيكون أرجح لقلة مظان الغلط فيه، أو تكون ~~رواية أحدهما باللفظ، والآخر بالمعنى، أو أحدهما سماعا من غير حجاب، كرواية ~~القاسم بن محمد، وعروة، وعمرة عن عائشة - رضي الله عنها - لأنهم محارمها، ~~والآخر من وراء حجاب، كرواية رجال كثيرين عنها، لكونهم أجانب، فالأول أولى ~~فيهما. # ومن العائد إلى المروي: أن يكون أحد الخبرين مسموعا من النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - والآخر عن كتاب، أو إقرار منه، أو أحد الخبرين قول، والآخر ~~فعل، أو أحدهما خبر واحد فيما لا تعم به البلوى، والآخر فيما تعم به. ~~فالأول مقدم في الكل لقوة السماع والقول على غيرهما، ووقع الخلاف فيما تعم ~~به البلوى: هل يقبل فيه خبر الواحد أم لا؟ ، ويقدم ما لم ينكره راوي الأصل ~~على ما أنكره، وما أنكره إنكار نسيان على ما أنكره إنكار تكذيب. # ومن العائد إلى المتن: أن يكون أحدهما أمرا والآخر نهيا، فالنهي راجح، ~~لأن محامله أقل، إذ هو متردد بين التحريم والكراهة، والأمر متردد بين ~~الوجوب والندب والإباحة وغيرهما مما ذكر في موضعه، ويقدم الحاظر على المبيح ~~لذلك، ويقدم ما مدلوله مبين على ما مدلوله مجمل باشتراك أو # PageV03P729 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # غيره، وما مدلوله حقيقي على ما ~~مدلوله مجازي، والمتفق عليه في ذلك والأشهر فيه على غيره، وما استغنى عن ~~إضمار أو حذف على غيره، وما دل بالوضع اللغوي والشرعي جميعا على ما دل ~~بأحدهما، وما دل من وجهين فأكثر على ما دل مما دون ذلك، وما له مجاز واحد ~~على ما له مجازات، وما لزمه إضمار واحد على ما لزمه إضمارات، وما أكدت ~~دلالاته على غيره، ودلالة المنطوق على ms1164 المفهوم، ومفهوم الموافقة على مفهوم ~~المخالفة، وما دل على علة حكمه على ما لم يدل عليها، وما سيق لبيان الحكم ~~على ما لم يسق له، بل استفيد من سياق كلامه، لجواز أن المتكلم لا يريد ما ~~في سياق الكلام، وما فصل القصة، واستوفى حكايتها على ما أجملها، واقتصر على ~~بعضها، لأن التفصيل والاستيفاء يدل على زيادة إحاطة بها، وما لا يشعر بنقص ~~الصحابة - رضي الله عنهم - على غيره، كحديث القهقهة المتضمن الإخبار بضحك ~~الصحابة في صلاتهم من وقوع الضرير في البئر. والإنصاف أن هذا ضعيف من ~~الترجيح، لأن الصحابة مع كمالهم قد وقع من بعضهم الزنى وشرب الخمر وهو أعظم ~~من ذلك، لكن هذا على ضعفه محيل للرجحان. وما تضمن ذكر سبب الحكم على غيره، ~~لأن الأسباب يستعان بها على معرفة الأحكام، ولهذا رجعنا في الأيمان إلى ~~أسبابها وما هيجها، والأفصح لفظا على غيره. # ومن ترجيح الأقيسة مما يعود إلى أصل القياس: أن يكون أحد # PageV03P730 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # القياسين واجب التعليل، أو متفقا ~~على تعليله، أو هو غير معدول به عن سنن القياس، فيقدم على غيره. ومما يعود ~~إلى علة حكم الأصل: أن يكون علة أحد القياسين وصفا حقيقيا والأخرى حكما ~~شرعيا، فيقدم الأول، وهذا قد سبق الخلاف فيه بين القاضي وأبي الخطاب. ويقدم ~~الوصف الوجودي على العدمي، وقد سبق الخلاف فيه أيضا، وما لا ترجع على أصلها ~~بالإبطال على غيرها، كما يقول الحنفي في قوله - عليه السلام -: في خمس من ~~الإبل شاة المعقول من هذا إيجاب مالية الشاة لإغناء الفقراء، فتجزئ قيمتها، ~~لأن علة المالية المستنبطة من النص المذكور، عادت عليه بالإبطال، فتقدم ~~عليها العلة الأخرى، وهي قصد الشارع التشريك بين الأغنياء والفقراء في جنس ~~المال، لأنها تقرر أصلها ولا تبطله. # قلت: وهذا ضعيف، لأن ما ذكره الحنفية من باب تنقيح المناط، وهو محل ~~اجتهاد. وأحسب أن خصومهم تمحلوا لهذا الوجه من الترجيح حتى يبطلوا به ~~تأويلهم. ومذهبهم في دفع القيمة في الزكاة قوي جدا. # ويقدم المناسب الضروري على غيره، والحاجي على ms1165 التحسيني، وقياس العلة على ~~قياس الدلالة، والدلالة على الشبه، وما علته واحدة على ذي العلتين للخلاف ~~فيه كما سبق، والعلة العامة المصلحة على الخاص منها. # ومما يعود إلى الفرع: أن يكون أحد القياسين مشاركا لأصله في عين الحكم، ~~وعين العلة بخلاف الآخر، أو يكون وجود العلة في أحدهما أظهر من # PageV03P731 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وجودها في الآخر، أو يكون النص قد ~~دل على حكم أحدهما إجمالا لا تفصيلا، بخلاف الآخر. هذا ما تيسر من وجوه ~~الترجيح المكملة من القسم الأول منها. # القسم الثاني: ذكر جملة من الترجيحات بأمثلتها أو بعضها، ذكرها بعض ~~الحنفية، وأحسبه الجصاص صاحب «الفصول» وفيه أبواب: # أحدها: في ### | ترجيح النصوص بعضها على بعض، # فمن أمثلة ذلك: إذا تعارض نصان، فهما إما عامان، أو خاصان، أو أحدهما عام ~~والآخر خاص، أو كل واحد منهما عام من وجه خاص من وجه، فإن كانا عامين، فإن ~~أمكن الجمع بينهما، تعين احترازا من تعطيلهما، أو تعطيل أحدهما. # مثاله: قوله - عليه السلام -: خير الشهداء من شهد قبل أن يستشهد مع ذمه ~~لمن شهد قبل أن يستشهد، فيحمل الأول على ما إذا لم يعلم # PageV03P732 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # صاحب الحق أن له شاهدا حفظا لحق ~~المسلم. والثاني: على ما إذا علم فإن شهادة الشاهد حينئذ تكون فضولا. # وإن لم يمكن الجمع بينهما، أو كانا خاصين لا رجحان لأحدهما على الآخر، ~~توقف على المرجح الخارجي، فإن لم يوجد، وعلم التاريخ، فالثاني ناسخ كما ~~سبق، وإن لم يعلم، فهما كمجمل لا بيان له، وإن كان أحدهما عاما، والآخر ~~خاصا، حمل العام على الخاص، كقوله - عليه السلام -: في الرقة ربع العشر مع ~~قوله: ليس فيما دون خمس أواق صدقة يخص الأول بالثاني، ويصير تقديره: في ~~الرقة في خمس أواق فصاعدا ربع العشر، وإن كان كل واحد منهما عاما من وجه ~~خاصا من وجه، فإن ترجحت حجة خصوص أحدهما، خص به الآخر، وإلا وقف على ~~المرجح. # ومثال ذلك: ما سبق من قوله - عليه السلام -: من نام عن صلاة أو نسيها، ~~فليصلها إذا ذكرها مع قوله: ms1166 لا صلاة بعد الفجر ونحوه من الأوقات # PageV03P733 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # المنهي عنها، فالأول عام في الوقت ~~خاص في الصلاة الفائتة، والثاني خاص في الوقت عام في الصلاة، فخصصنا الثاني ~~لما عرف من شدة اهتمام الشرع بالمكتوبات، فصار كأنه قال: لا صلاة تطوع بعد ~~الفجر. # ومنها: إذا تعارض خاصان وأحدهما متقدم، رجح المتأخر عليه، لأن بتقدير ~~ترجيح المتقدم يتعطل المتأخر بالكلية، وبتقدير ترجيح المتأخر إنما يلزم ~~تخصيص المتقدم ببعض الأزمان، وهو أولى من التعطيل بالكلية. # قلت: وهذا إنما يصح إذا كان المتقدم قد عمل به في وقت ما، وإلا لزم من ~~ترجيح أيهما كان تعطيل الآخر. # ومنها: إذا تعارض نصان، وأحدهما يعرف الحكم - موضوع لتعريفه -، والثاني ~~ينفي الحكم بإضمار شيء، أو بتقييد مطلق، فالأول راجح. # قلت: حاصل هذا يرجع إلى ترجيح ما دل بنفسه على ما افتقر إلى إضمار أو ~~تقييد، لكن عبارته منحرفة عن إفادة ذلك إفادة تامة. ثم مثله بقوله - عليه ~~السلام -: لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه مع قوله: لا عمل ~~إلا بنية، فالأول يقتضي قبول الصلاة بدون النية في الوضوء، والثاني ينفي ~~ذلك ; إما بإضمار الجواز، أي: لا صلاة جائزة أو صحيحة إلا بنية، أو بتقييد ~~لفظ العمل بالواجب، أي: لا عمل واجب إلا بنية. # PageV03P734 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قلت: وهذا ضعيف، وإنما هو من ~~تحيلات الحنفية لتصحيح مذهبهم في المسألة، وبيان ضعفه من وجهين: # أحدهما: أن فهم قبول الصلاة بدون نية الوضوء من الحديث الأول، هو من باب ~~مفهوم الغاية، والحنفية لا يقولون به. # الوجه الثاني: أن قوله - عليه السلام -: لا عمل إلا بنية إن كنا نحن نضمر ~~فيه الجوارح فهم يلزمهم إضمار الكمال بأن يقال: لا عمل كامل ولا صلاة ~~كاملة، ولم يضمروا ذلك ; لزم انتفاء ذات العمل والصلاة بدون النية، وهو ~~قولنا. # وأما تقييد العمل بالواجب، فهو من باب تخصيص العام، وليس مما نحن فيه. # ومنها: إذا تعارض المطعون فيه وغيره ; قدم الثاني، كقوله - عليه السلام - ~~لعلي - رضي الله عنه -: ليس عليك في الذهب شيء حتى يبلغ عشرين ms1167 مثقالا، ~~ففيها نصف مثقال على قوله - عليه السلام -: لا زكاة في حلي النساء، # PageV03P735 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # فالأول يقتضي وجوب الزكاة في ~~الحلي، والثاني ينفيه، لكن طعن فيه الترمذي، وقال: لم يثبت في هذا الباب عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - شيء. # قلت: أما أصل القاعدة المذكورة في ترجيح ما لا طعن فيه على غيره، ~~فصحيح،أما المثال المذكور فلا يصح لأنا سلمنا أن الحديث الثاني لا يصح، لكن ~~الأول إنما يدل على وجوب الزكاة في الحلي بعمومه، ونحن نخصه في قياس الحلي ~~في عدم وجوب الزكاة على عبيد الخدمة، وثياب البذلة بجامع كونها متعلق ~~الحاجة، فلا تحتمل المواساة، وتخصيص العموم بالقياس جائز باتفاق. # ومنها: إذا تعارض عموم قوله - عليه الصلاة والسلام - وفعله، ترجح الفعل ~~عند أبي حنيفة، والقول عند غيره كما سبق. # مثاله: قوله - عليه السلام -: لا يقتل مؤمن بكافر مع ما روي عنه أنه أقاد ~~مسلما بذمي. # PageV03P736 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # قلت: وحجة رجحان القول على الفعل ~~أن له صيغة دالة بخلاف الفعل كما سبق، وللقول بترجيح الفعل وجه أيضا. # أما المثال المذكور، فإن ما رووه أنه - عليه السلام - أقاد مسلما بذمي، ~~لا يثبت عند أئمة النقل، وإنما رواه أبو حنيفة في «مسنده» ومن عساه وافقه، ~~ولو صح، لاحتمل أن يكون ذلك المسلم ضم إلى قتل الذمي ما يوجب القتل من قتل ~~مسلم أو ردة أو حرابة، أو غير ذلك، فوقع قتله بذلك في سياق قتل الذمي ~~اتفاقا، فظن أنه أقاده به. وإذا احتمل ما ذكرناه، سقط الاستدلال به، وبقي ~~حديثنا نصا لا معارض له. ومنع الخلاف في المسألة أن قتل الذمي وقع واسطة ~~بين قتل المسلم والحربي يتجاذبه الطرفان بالشبه، فخرج فيها الخلاف، ويلزمهم ~~قتل المسلم بالحربي المستأمن، لأن عهد الإسلام وذمته واحد في العصمة. # ومنها: إذا تعارض المحرم والمبيح، رجح المحرم، كما سبق حكمه. # مثاله: قوله - عز وجل -: {وأن تجمعوا بين الأختين} [النساء: 23] مع قوله ~~- عز وجل -: {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} [المؤمنون: 6] ، إذ ~~الأول يقتضي تحريم الجمع بين الأختين في الوطء مطلقا، ms1168 والثاني يقتضي إباحته ~~بملك اليمين، فهل يرجح المحرم احتياطا، أو المبيح أخذا بالرخصة # PageV03P737 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والتخفيف؟ ولنا في تحريم الجمع بين ~~الأختين في التسري قولان عن أحمد، أصحهما المنع. # ومنها: أن المبيح الخاص راجح على المحرم العام. # قلت: هذا صحيح بناء على قاعدة تقديم الخاص، كما سبق وذكر. # مثاله: قوله - عز وجل -: {لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [المائدة: ~~87] مع قوله - عليه السلام -: أيما إهاب دبغ، فقد طهر كالخمر تخلل فتحل. ~~قال: فالأول يقتضي حرمة تخليل الخمر، لكون التخليل تحريما للعلاج الطيب، ~~والثاني يقتضي إحلاله. # قلت: في هذا المثال خبط من جهة أن قوله: كالخمر تخلل فتحل ; ليس ثابتا في ~~الخمر. ولو ثبت ; لكن لا نسلم أن التخليل تحريم للعلاج الطيب، بل هما سببان ~~عالجها بأحدهما، كما يسخن الماء بالطاهرات تارة وبالنجاسات أخرى، والمثال ~~الجيد قوله - عليه السلام -: أحلت لنا ميتتان ودمان مع قوله - عز وجل -: ~~{حرمت عليكم الميتة والدم} [المائدة: 3] ، فالخبر مبيح خاص، قدم على الآية ~~التي هي محرم عام على قاعدة تقدم الخاص. # ومنها: تقديم النص الذي لا مزاحم لمدلوله على ما له مزاحم لمدلوله، وهو ~~راجع إلى ترجيح النص على الظاهر أو المجمل. # مثاله: قوله - عليه السلام -: طلاق الأمة اثنتان مع قوله - عليه السلام ~~-: # PageV03P738 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الطلاق بالرجال، فالأول نص في أن ~~طلاق الأمة تحت الحر طلقتان، والثاني متردد بين نفي ذلك وعدمه. # ومثاله: التردد من جهة أن قوله: «الطلاق» : مبتدأ، «بالرجال» : جار ~~ومجرور يتعلق بالخبر المحذوف، فذلك المحذوف ما هو؟ إن جعلنا تقديره: الطلاق ~~معتبر بالرجال ; كان منافيا للأول، ودل على أن طلاق الأمة تحت الحر ثلاث ~~اعتبارا به، وإن جعلنا تقديره: الطلاق قائم بالرجال، كما تقول: الكلام ~~بالمتكلم، والسواد بالأسود، أي: قائم ; لم يناف الأول، لأن قيامه بالرجل لا ~~ينافي اعتباره بالمرأة. والأظهر هو التقدير الأول، لأن قيام الطلاق بالرجال ~~أمر حقيقي ظاهر جلي، واعتباره بهم حكم شرعي خفي، فحمل الأمر # PageV03P739 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # على تعريف النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - له أولى. ويرجع حاصل المثال إلى تعارض نص وظاهرين. # ومنها ms1169 تقديم ما استقل بتعريف الحكم بنفسه، على ما احتاج في تعريفه إلى ~~واسطة أو أمر زائد، ومثله بقوله - عليه السلام - لخولة بنت يسار في دم ~~الحيض: إذا طهرت فاغسليه وصلي فيه مع قوله في حديث أسماء في دم الاستحاضة: ~~حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء، قال: فالأول يقتضي جواز الغسل بالخل، ~~والثاني ينفيه لتخصيصه بالماء، فيكون الأول أولى لاستقلاله بالحكم دون ~~زيادة. # قلت: أصل القاعدة في الترجيح جيد، لكن ليس ما ذكروه من أمثلته، وإنما هو ~~من باب المطلق والمقيد، أو المجمل والمبين، لأنه أطلق الغسل في الأول مجملا ~~في آلته، وقيد في الثاني بالماء، وبين أنه الآلة فيه. # وأما عدم الاستقلال، فهو أن يحتاج أحد الدليلين إلى إضمار أو تقدير دون ~~الآخر، فيقدم ما لا يحتاج إلى ذلك. أما إذا كانت في أحدهما زيادة منصوص ~~عليها، فلا يقال: إنه غير مستقل بالدلالة، إلا أن يراد بالإضافة إلى ما لم ~~يذكر فيه، فيكون عدم الاستقلال إضافيا، لكن هذا خارج عن المشهور. نعم، يرد ~~على الاستدلال بالغسل بالماء من حديث أسماء أنه مفهوم لقب، وهو ضعيف، وأن ~~تخصيص الماء بالذكر فيه إنما كان لغلبته، والمفهوم إذا خرج مخرج الغالب لا ~~يكون حجة كما سبق، ونظائره في موضعه. # PageV03P740 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ومنها: أنه قد تقرر أن الباقي على ~~عمومه يقدم على ما خص، وأن الأقل تخصيصا راجح على الأكثر تخصيصا، وهما ~~قاعدتان صحيحتان، لكن ذكر لمثال الثانية قوله - عز وجل -: {فانكحوا ما طاب ~~لكم من النساء} [النساء: 3] مع قوله - عليه السلام -: من كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر، فلا يجمعن ماءه في رحم أختين قال: فالأول يقتضي حل نكاح ~~الأخت المعتدة عن طلاق بائن، والثاني ينفيه لتضمنه جمع الماء في رحم أختين. # قلت: صواب العبارة أن يقال: حل نكاح أخت المعتدة، لأن المعتدة لا يجوز ~~نكاحها مطلقا بالإجماع، لكن الكلام هنا في أخت زوجته المعتدة من طلاق بائن. # وأما المثال، فليس مطابقا لقاعدته، وإنما هو من أمثلة اجتماع الخاص ~~والعام، إذ قوله تعالى: {فانكحوا ما طاب ms1170 لكم من النساء} [النساء: 3] يقتضي ~~بعمومه جواز نكاح أخت المعتدة، وقوله - عليه السلام - ينفي ذلك بخصوصه، أو ~~بعمومه الذي هو أخص من مضمون الآية، فكان مقدما. # ومنها: إذا تعارض خبر الواحد، وأثر بعض مجتهدي الصحابة، والخبر # PageV03P741 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مما لا يخفى عليهم عادة، ترجح ~~الأثر. # قلت: هذا قد يتجه بناء على أن قول الصحابي أو فعله مع سكوت الباقين عنه، ~~يكون إجماعا سكوتيا يترك له خبر الواحد، لكن ذكر مثال القاعدة المذكورة ~~قوله - عليه السلام - للرجل في حديث العسيف: على ابنك جلد مائة وتغريب عام ~~مع قول عمر - رضي الله عنه -: لا أنفي بعد هذا أحدا أبدا، وقول علي - رضي ~~الله عنه -: كفى بالنفي فتنة. يعني فيقدم الأثر في عدم التغريب على الحديث ~~في إثباته، لأن الصحابي المجتهد لا يخالف الخبر إلا لدليل أرجح منه. # قلت: والاعتراض على هذا المثال: أن النفي ثبت عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في حديثين صحيحين ; حديث العسيف وحديث عبادة: «خذوا عني قد جعل الله ~~لهن سبيلا» الحديث. وما ذكرتموه عن عمر وعلي - رضي الله عنه - ليس في # PageV03P742 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # الصحة والشهرة كالحديثين ~~المذكورين، ولو ثبت صحتهما، لكن لا يمنع خفاء مثل ذلك عنهما، فقد أخذ النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - الجزية من مجوس هجر، وخفي ذلك عن عمر وغيره من ~~الصحابة - رضي الله عنهم - حتى روى لهم ذلك عبد الرحمن بن عوف - رضي الله ~~عنه - وإذا احتمل ذلك، لم يعارض به النص الصحيح بإيجاب التغريب. # ومنها: إذا تعارض أثران عن صحابيين، وأحدهما أفقه من الآخر ; قدم قول ~~الأفقه، ووجهه ظاهر. # ومثاله قول علي - رضي الله عنه - في عده نواقض الوضوء: أو دسعة تملأ ~~الفم، مع ما روي عن أبو هريرة - رضي الله عنه - أنه أفتى بعدم انتقاض ~~الطهارة بخروج النجاسة من غير السبيلين، لأن الظن الحاصل بقول الأفقه أغلب، ~~والله - سبحانه وتعالى - أعلم بالصواب. # الباب الثاني: في ### | ترجيح بعض محامل الأثر على بعض: # فمنها: إذا كان أحد احتمالي التصرف يعرف حكما يوافق العقل، والآخر يعرف ~~حكما ينافيه، ms1171 فحمله على الأول أولى، كقوله - عليه السلام -: من مس # PageV03P743 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # ذكره فليتوضأ ; يحتمل أن يراد ~~بالوضوء غسل الأعضاء الأربعة، ويحتمل أن يراد به اليد ندبا، إزالة لنفرة ~~النفس التي أورثها مس الذكر في اليد، فيترجح هذا الاحتمال، لأنه يوافق ~~العقل، والأول ينافيه. # قلت: القاعدة المذكورة يمكن تصحيحها بأن مقتضى العقل تصحيح دليل مستقر، ~~فيترجح الاحتمال الموافق له يكون جمعا بين دليلين، وهو أولى من دليل واحد، ~~ثم يخرج في هذا ما يخرج في الخبر المقرر مع النافي. # أما المثال الذي ذكره، فالاعتراض على ما رجحه فيه بأن يقال: غسل الأعضاء ~~الأربعة حقيقة شرعية، فيجب حمل كلام الشارع عليها لما سبق في موضعه. سلمناه ~~; لكن قوله: «فليتوضأ» أمر، فظاهره الوجوب، فحمله على استحباب غسل اليد ~~خلافه. سلمناه ; لكن لا نسلم حصول النفرة للنفس من مس الذكر، كيف وأنه - ~~عليه السلام - يقول في حديث طلق بن علي: إن هو إلا بضعة - أو مضغة - منك. ~~سلمناه ; لكن لا نسلم أن غسل الأعضاء الأربعة ينافيه، كيف وأن فيه طهارة من ~~الأدران الدينية والبدنية. ووقوف المصلي بين يدي ربه كذلك هو أكمل أحواله، ~~وهو مناسب ظاهر في العقل، سلمنا أنه ينافيه، لكن ليس كل ما نافى العقل، رجح ~~غيره عليه، وإلا لزم حمل الصلاة في قوله - عز وجل -: {أقيموا الصلاة} ~~[الأنعام: 72] على مسماها اللغوي، # PageV03P744 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وهو الدعاء، لأنه أنسب في العقل من ~~مسماها الشرعي، لأنه حركة محضة لا يلحق الشرع منها نفع، ولا يتوقف نفع ~~المكلف عليها، إذ كم من شخص حصل له الفوز الأخروي بغير عمل. # ومنها: إذا تنازع النص محملان: أحدهما لا يستلزم التخصيص، والآخر ~~يستلزمه، فالأول أولى. # مثاله: قوله - سبحانه وتعالى -: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: ~~3] ، يقول المستدل: المراد بالمستطاب الحلال طبعا، فيتناول جواز نكاح الأخت ~~في عدة أختها، ولا توطأ حتى تنقضي العدة، فيقول الخصم: بل المراد ~~بالمستطاب: الحلال، فلا يناولها، فيقال: هذا يوجب تخصيص العام، والمحمل ~~الأول يبقيه على عمومه، فيكون أولى. # قلت: وفي هذا نظر من وجهين: # أحدهما: أن ms1172 العموم مخصوص على التقديرين بذوات المحارم، وحينئذ يرجع إلى ~~ترجيح الأقل تخصيصا على الأكثر. # الوجه الثاني: أن النزاع إنما هو في لفظ مشترك وهو «طاب» ، فعلى أي ~~محمليه حمل، كان عاما في مدلوله، إن حمل على ما طاب طبعا، فهو عام فيه، ~~وحينئذ النزاع بمعزل عن تخصيص العموم. # ومنها: إذا كان أحد محملي النص يستلزم التعارض، والآخر لا يستلزمه، ~~فالثاني أولى، ومثل بقوله - عز وجل -: {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح ~~المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم} [النساء: 25] ; حمله الشافعي # PageV03P745 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # وأحمد - رضي الله عنهما - على ~~اشتراط عدم الطول لنكاح الأمة، وأبو حنيفة على أنه أولى لا على أنه شرط، ~~لأن النصوص المقتضية لجواز النكاح مطلقا تعارضه، فيكون حمله على الأولوية ~~أولى لعدم استلزامه التعارض. # قلت: هذا بناء منهم على أصل آخر ممنوع، وهو أن المطلق لا يحمل على ~~المقيد، ونحن لما قلنا: يحمل المطلق على المقيد، كانت آية الطول مقيدة ~~للنصوص المطلقة. # ومنها: تقديم الأقل إضمارا على الأكثر، وقد سبق، ومثل بقوله - عليه ~~السلام -: الوضوء من كل دم سائل فإضمار الوجوب حتى يصير تقديره: يجب الوضوء ~~من كل دم سائل ; أولى من إضمار نفيه بتقدير: لا يجب الوضوء من كل دم سائل. # قلت: في هذا التمثيل نظر لوجهين: # أحدهما: أن صدر الحديث: ليس الوضوء من القطرة والقطرتين، إنما الوضوء من ~~كل دم سائل. وهذا يمنع إضمار نفي الوجوب للتصريح بإثباته بصيغة الخبر. # الوجه الثاني: أن الإضمار يجب أن يكون موافقا للكلام لا منافيا، وقوله: ~~«الوضوء من كل دم سائل» جملة إثباتية، فإضمار نفي الوجوب ينافيها، والذي ~~ينبغي أن يكون النزاع فيه في هذا الحديث الوجوب والاستحباب، فيكون التقدير: ~~الوضوء واجب من كل دم سائل، أو: مستحب من كل دم سائل. # ومنها: تقديم أشهر الاحتمالين على الآخر. # PageV03P746 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مثاله: أن يتمسك المستدل على ~~أفضلية التزوج على النوافل بقوله - عليه الصلاة والسلام -: النكاح من سنتي ~~فمن رغب عن سنتي فليس مني، ولم يرد مثل هذه المبالغة في النوافل، والمراد ~~بالنكاح: العقد، فقال ms1173 الخصم: بل المراد به: الوطء، فقال المستدل: لا شك أن ~~النكاح مشترك بينهما لكنه في العقد أشهر، فحمل اللفظ عليه أولى. # قلت: النكاح هل هو حقيقة في العقد مجاز في الوطء، أو بالعكس، أو هو مشترك ~~بينهما؟ فيه ثلاثة أقوال، وبالجملة في أيها كان حقيقة أو أشهر، صح الترجيح ~~به. # ومنها: ترجيح ما أفاد حكما شرعيا على ما أفاد حكما حسيا. # مثاله: قوله - عليه الصلاة والسلام -: في الرقة ربع العشر يحتمل أن ~~المراد يجب في الرقة ربع العشر، ويحتمل أن المراد بمعنى أنها تشتمل عليه، ~~فيرجح الأول على الثاني، لأنه معلوم بالحس أن الرقة تقبل التجزئة حتى يكون ~~لها ربع العشر. # قلت: وهذا ينزع إلى تعارض التأسيس والتأكيد، لأن حمله على وجوب ربع العشر ~~أسس لنا حكما شرعيا لم نكن نعلمه، وحمله على اشتمال الرقة عليه يكون تأكيدا ~~لما علمناه بالحس. # ومنها: إذا احتمل النص محملين ; أحدهما يعرف حكما مختلفا فيه، # PageV03P747 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # والثاني يعرف حكما متفقا عليه، ~~فالأول أولى، لأنه رافع لخلاف واقع، فيكون أكثر فائدة، وهو شبيه بتقديم ~~التأسيس على التأكيد. # ومنها: ترجيح أعم المحملين على أخصهما. ومثل بقوله - عز وجل -: {حرمت ~~عليكم الميتة والدم} [المائدة: 3] ، فحمل الدم على ما يعم دم الجنين الخارج ~~من بطن أمه ميتا، أولى من حمله على ما يخرجه من العموم، لأن أعم المحملين ~~أعم فائدة. # قلت: هذا جيد عن أصحابنا، وأصحاب الشافعي خصوا الجنين المذكور بقوله - ~~عليه السلام -: ذكاة الجنين ذكاة أمه بالرفع، وهو أشهر في الرواية، وأوفق ~~لرأي سيبويه في العربية من رواية النصب، وهو يدل على أن ذكاة الأم مجزئة عن ~~ذكاة الجنين. # الباب الثالث: في ### | ترجيح الأقيسة على النصوص. # فمنها: إذا تعارض القياس والعام المخصوص، فالترجيح مبني على ما سبق من أن ~~العام المخصوص يبقى حجة وحقيقة في الباقي أم لا؟ إن قلنا: يبقى حجة ; قدم ~~على القياس، وعلى مذهب عيسى بن أبان وأصحابه يقدم القياس. # PageV03P748 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # مثاله: أن قوله - عز وجل -: {أحل ~~لكم الطيبات} [المائدة: 5] عام مخصوص بالخمر ونحوها من الطيبات ms1174 المحرمة وما ~~بقي منه يتناول لحم الخيل، فيكون حلالا، وقياسها على البغال بجامع الصورة ~~والولادة والاقتران بها في قوله - عز وجل -: {والخيل والبغال والحمير ~~لتركبوها} [النحل: 8] ; يقتضي تحريمها، فأيها يقدم؟ فيه الخلاف المتقدم. # ومنها: إذا تعارض القياس النافي لوجوب الحد وخبر الواحد الموجب له، ~~اختلفوا في أيهما يقدم؟ # مثاله: إذا وهب المالك العين المسروقة لسارقها بعد رفعه إلى الإمام، ~~فالقياس يقتضي عدم القطع، كما لو وهبها له قبل الرفع إلى الإمام، وخبر ~~صفوان بن أمية يقتضي وجوب القطع، لأنه وهب رداءه من سارقه، فقال له النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: " فهلا قبل أن تأتيني به " ثم قطعه. # قلت: والتحقيق أن مجرد القياس لا يكفي، بل مع انضمام دليلين آخرين إليه، ~~وهما استصحاب حال عدم وجوب القطع، وكون الحد مما يدرأ بالشبهة، ومع ذلك ~~يتخرج فيه أقوال، ثالثها الوقف، وأصحها وجوب الحد فرقا بين ما قبل الرفع ~~إلى الإمام وبعده بأنه بعد الرفع قد تمكن فيه حق الله تعالى، فلا يجوز ~~إسقاطه كالمحاربين بعد القدرة عليهم، بخلاف ما قبل ذلك. # ومنها: إذا تعارض القياس الجلي، وخبر الواحد الذي راويه ليس من فقهاء ~~الصحابة المشهورين، كخبر أبي هريرة - رضي الله عنه - في المصراة ; # PageV03P749 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # رجح أبو حنيفة القياس، وأحمد في ~~آخرين الخبر. # ومأخذ الخلاف: أن الظن الحاصل من القياس ههنا أغلب، أو الحاصل من الخبر؟ ~~وهو محل اجتهاد ونظر، وقد سبق. # ومنها: إذا تعارض القياس وخبر الواحد فيما تعم به البلوى، ففيه الخلاف ~~السابق. # مثاله: أن الخمر إذا خللت اقتضى القياس حلها كما لو تخللت بنفسها. وقوله ~~- عليه السلام -: كلوا ما فسد من الخمر ولا تأكلوا ما فسدتموه يقتضي ~~حرمتها. # قلت: وجه الخلاف سبق في الأخبار، وهو محل اجتهاد، أما هذا الخبر، فلا ~~يثبت، وما يروى عنه - عليه السلام - في عكسه: خير خلكم خل خمركم ولو صح ~~الخبران، لكان الأول مقدما على الثاني، لأنه أخص منه وعلى القياس عندنا لما ~~سبق. # وقد انتهى ما تهيأ إلحاقه بالمختصر من التراجيح، وقد تضمن ذلك فوائد ms1175 ~~كثيرة جمة يليق بالفاضل أن لا يهملها، وكذلك الشرح جميعه من أوله إلى آخره ~~يتضمن فوائد ومباحث لا توجد إلا فيه، تنبهت عليها بالفكرة والنظر في كلام ~~الفضلاء، وأنا ذاكر لك إن شاء الله - عز وجل - مادة هذا الشرح، لتكون # PageV03P750 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # على بصيرة مما تجد فيه وثقة، بحيث ~~إن أردت الوقوف على أصل شيء منه، ومن أين نقل، عرفت مادته. # فاعلم أن مادته، وهي الكتب التي جمع منها هي: # " الروضة " للشيخ أبي محمد التي هي أصل " المختصر ". # وأصل الروضة " وهو " المستصفى ". # و " منتهى السول " للشيخ سيف الدين الآمدي. # و " التنقيح " وشرحه للشيخ شهاب الدين القرافي. # ووقع في أوائله مراجعة لأوائل " المحصول " للإمام فخر الدين. # وأوائل " العدة " للقاضي أبي يعلى. # وفي أواخره خصوصا القياس، والأسئلة الواردة عليه مطالعة لشرح " جدل ~~الشريف المراغي " للنيلي، و " لجدل " الشيخ سيف الدين الآمدي، و " المقترح ~~" للبروي، و " نهاية الجدل " و " لباب القياس " للشيخ رشيد الدين الحواري. # ووقع فيه فوائد من كتب أخر كثيرة، لكن لم يقع من كل منها ما يستحق أن ~~يذكر لأجله، وذكرها يطول. فما كان في هذا الشرح مما يستغرب، ولم يوجد في ~~الكتب المسماة، فهو إما في الكتب التي لم تسم، أو مما قلته أنا. وقد افتتحت ~~أكثر ذلك ب " قلت " تمييزا للمقول من المنقول. وقد أوضحت ذلك كله بما اتضح ~~لي من حججه مع اجتهادي في تحقيق معانيه وتلخيصها، وإيضاح مباني ألفاظه ~~وتخليصها، وتمثيل ما أمكن ذكر مثاله # PageV03P751 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . # تسهيلا لفهمه على الناظر. ولم أعز ~~إلى أحد من العلماء شيئا إلا بعد تحقيقه بمشاهدته في موضعه، أو سؤال من أثق ~~به، إلا ما قد ربما يندر ; مما الاحتراز عنه متعذر. وأنا أعوذ بالله من غمز ~~الغامز، ولمز اللامز، وعيب العايب للغافل عما فيه من المعايب، الظان بجهله ~~أو تجاهله عصمة الإنسان من الخطأ والنسيان، وإنما الإنسان للوهم كالغرض ~~للسهم. ومن نظر في كلام الفضلاء من المتأخرين والقدماء، وما وقع في آثارهم ~~العلمية من الخلل والنقص، وما أبداه بعضهم من كلام بعض، مهد ms1176 العذر لمن ~~بعدهم في الخطأ والزلل، وإنما يفعل ذلك من في فضله كمل، لا جاهل يهمل في ~~تحصيل الفضائل، ويشري نفسه لنقص الأفاضل. ثم إني أسأل الله الكريم أن يجعل ~~سعيي مقربا إليه، ومزدلفا لديه، وذخرا في المعاد، وشاهدا مزكيا يوم يقوم ~~الأشهاد، وأن لا يجعلني كالفتيلة تحرق نفسها، وتضيء لغيرها، أو من {الذين ~~ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} بمنه وكرمه، إنه ~~هو الجواد الكريم، والحمد لله رب العالمين، وصلواته على سيدنا محمد وآله ~~أجمعين، وحسبنا الله ونعم الوكيل. PageV03P752 ms1177