######OpenITI# #META#Header#End# # الروض الزاهر في غزوة الملك الناصر # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أيد الدين المحمدي بناصره، وحمي ~~حماه بمن نهض هو وسلفه بأداء فرض الجهاد في أول الزمن وآخره. وجعل من ~~الذرية المنصورية من يجاهد في الله حق جهاده، ويسهر في سبيل الله فيمنع ~~السيف أن يغفى في إغماده، ويقدم يوم الوغا والموت من بعوثه للعدى وأجناده. # نحمده على ما وهبنا من نصره، ونشكره على نعمه التي خولنا منها بأسا أذاق ~~العدو وبال أمره. # ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة ترفع منار هذا الدين، ~~وتضاعف أجر المجاهدين، الذين أضحوا في درج المتقين مرتقين. # ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي بعثه الله وضروع الكفر حوافل، وربوع ~~البغي أواهل. فلم يزل يجرد الصفاح عن مقرها، ويطلق جياد العزم في مجراها، ~~وصعاد الحزم في مجرها. إلى أن أخمد نار الشرك والنفاق، وظهرت معجزاته ~~بإطفاء نار فارس بالعراق، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين جردوا بين ~~يديه سيوف الحتوف فاستقلعت الأغمار، وهاجروا إليه ونصروه فسموا بالمهاجرين ~~والأنصار. # وبعد، فإن الوقائع التي عظمت أحاديثها في الآفاق، وحفظت بها دماء ~~المسلمين من أن تراق. وبقي بها الملك والممالك، وأشرق بها سواد الخطب ~~PageV01P039 الحالك. وسطرها الله في صحائف مولانا السلطان الأعظم، المجاهد، ~~المرابط، المثاغر، المؤيد، المظفر، المنصور، سلطان الإسلام والمسلمين، ملك ~~البسيطة، وارث الملك، سلطان العرب والعجم والترك، محيي الدولة العباسية، ~~ناصر الليلة المحمدية، خادم الحرمين الشريفين، ولد مولانا السلطان الشهيد، ~~المجاهد، المرابط، الملك المنصور سيف الدين قلاون، قدس الله تعالي روحه. ~~وآتاه فيها من النصرة ما لم يبلغه أحد، وأورثه بها ظفرا مخلدا لا يفنى وإن ~~طال المدى والأمد. وأشبه في ثباته ووثباته أباه رضي الله عنه، والشبل في ~~المخبر مثل الأسد. واستقر بها الدين في مهاد السكون بعد القلق، وتبدلت بها ~~الأمة الإسلامية الأمن بعد الفرق. وأضحى بها وجه الإسلام سافرا بعد تقطيبه، ~~وطلع بها بدر السرور كاملا بعد مغيبه. وعمت الأنام إحسانا من الله وحسنى. ~~وعلم المؤمنون ms01 بها تحقيق قوله تعالي: وعد الله الذين امنوا منكم وعملوا ~~الصلحت ليستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليكمنن لهم دينهم ~~الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ينبغي أن يسطر فيها ما يعم ~~ربوع السرور ويونس معاهده، ويقف عليه الغائب فيكون كمن شاهده. ويبسط ذكر ~~هذه الغزوة المنصورة في الأقطار، ويتحقق أهل الإسلام أن لهم ملكا يناضل عن ~~دين الله تعالى بالسمر الطوال والبيض القصار، وبسلطانة ما أغمض سيفه في ~~جفنه إلا ليستجم لأخذ الثأر ممن ثار. # ولما كانت هذه الغزاة المبرورة والحركة التي غدتحسناتها في PageV01P040 ~~صحائف مولانا السلطان، خلد الله ملكه مرقومة مسطورة. والسفرة التي سفرت ~~بحمد الله وبسعادته، أعز الله نصره عن الغنيمة والسلامة. وأعلمت الأمة بركة ~~قوله صلى الله عليه وسلم: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم ~~من خذلهم إلى يوم القيامة. # وكنت ممن شملته نفحات الرحمة فيها، وهبت عليه رياح النصر التي كان ~~يرتجيها. وشاهدت صدق العزائم الشريفة الملكية الناصرية - خلد الله سلطانها. ~~التي أطلعت من أسنتها في سماء النقع نجوما وقاده. وشهدت في محضر الغزو على ~~إقرار العدى بالعجز وكيف لا وذاك الموطن محل الشهادة. ورأيت كيف أثبت السيف ~~لنا الحق لأنه القاضي في ذلك المجال، وكيف نفدت السهام لأجل تصميمه في ~~الحكم فلم تمهل حتى أخذت دين الآجال وهو حال. وتعين علي أن أذكر من أمرها ~~ملحة تنشرح بها الصدور، وآتي بلمعة تعرب عن ذلك النور. لأنني حقيق بتسطير ~~مناقب مولانا السلطان خلد الله ملكه وترصيف محامده. ووارث ولاء هذا البيت ~~الشريف عن أب شرف بخدمته، PageV01P041 ولا غرو أن يحذو الفتى حذو والده. ~~ولم يزل والد المملوك وجده ناظمي سير هذا البيت الشريف حتى صارت محاسنه ~~كالمثل السائر. واصفي عزائمه المظفرة في الحروب بشهادة السنة الأقلام وصدور ~~الصحف وأفواه المحابر. # وها أنذا ذاكر نبأ السفر من افتتاحه، وأشرح حديث يوم هذه الغزاة من وقت ~~صباحه. # فأقول: ركب مولانا السلطان[الملك الناصر] - خلد الله ملكه - بنية صالحة ~~أخلصها في ms02 سبيل ربه، وعزيمة ناجحة ماثلت في المضاء سمر عواليه وبيض قضبه. ~~وهمم تحمي حمى الإسلام وتغيث كالغيث الهاطل، وتأتي ببأس شديد لا يثبت لديه ~~ذووا القنا والقنابل، من قلعة مصر التي هي كنانة الله في أرضه، بجيوشه التي ~~نهضت بسنن الجهاد وفرضه. يقدمها في خدمته - خلد الله سلطانه - أمراؤه الذين ~~كأنهم ليوث غاب، أو غيوث سحاب. [أو بدور ليال، أو عقود لآل] معتضدا ببضعة ~~من الرسول، منتصرا بابن عمه الذي لا يسمو أحد من غير أهل بيته لشرفه ولا ~~يطول. ملتمسا بذلك بركة هذا البيت الشريف النبوي الذي طالما كانت الملائكة ~~من نجده وجنده، مستنزلا بيمنة الإيمان سحب كرمه، مستدعيا صادق وعده. وسار ~~على اسم الله بالجاريات التي تعدوا في سبيل الله النجاد وتعلوا الهضاب، ~~وسري يقطع المنازل، ويطوي المراحل طي السجل للكتاب. والجيوش المنصورة بين ~~يديه أعز الله سلطانه، قد أرهفت حد سيوفها، وأشرعت أسنة حتوفها، وهي تسير ~~كالجبال، وتبعث للعدى ما يرهب من طيف الخيال، PageV01P042 فبينا الركائب قد ~~استقلت في السري، ورقمت في البيداء من أعناق جيادها سطورا من قرأها استغنى ~~بحسنها عن القرى. وإذا بالبشير قد وفد، ونجم المسرة قد وقد. وأخبر بأن جملة ~~من التتار قصدوا القريتين للإغارة. وما علموا أن ذلك مبدأ خمولهم الذي فتح ~~للإسلام بسعادة مولانا السلطان - خلد الله ملكه - باب الهنا والبشارة. ~~وغرتهم الآمال، وساقتهم إلى الحتوف الآجال. فنهض بعض العساكر المؤيدة ~~فأخذهم أخذ القرى وهي ظالمة، وأعلمهم أن السيوف الناصرية ما تترك لهم بقوة ~~الله بعد هذا العام يدا في الحروب مبسوطة ولا رجلا في المواقف قائمة. وأرى ~~الله العدو مصارع بغيه، وعاقبة استحواذه، وتلا لسان الوعد الصادق على حزب ~~الإيمان وعدكم الله مغانم كثيره تأخذونها فعجل لكم هذه. # ووصل مولانا السلطان - خلد الله ملكه - غزة، والإسلام بحمد الله قد زاد ~~قوة وعزة، ثم رحل - أعز الله أنصاره - بعزم لا يفتر عن المسير، وسار - خلد ~~الله سلطانه - وقد حلف النصر أن لا يفارق ركابه وأنه يسير معه حيث سار ~~ويصير في ms03 خدمته حيث يصير. # إلى أن وصل يوم السبت الثاني من شهر رمضان المعظم سنة اثنتين وسبع ~~PageV01P043 مائة، وهو أول أيام السعود، واليوم الذي جمع فيه الناس وذلك في ~~الدنيا يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود، إلى مرج الظفر الذي هو موطن ~~الظفر، ومكان النصر الذي تحدث عنه السمار بأطيب سمر. ومولانا السلطان - خلد ~~ملكه - بين عساكره كالبدر بين النجوم، والملائكة الكرام تحمي الجيوش ~~المؤيدة بإذن الله وطيور النصر عليها تحوم. وهو - خلد الله سلطانه - قد ~~بايع الله على نصرة هذه الملة التي لا يحيد عن نصرها ولا يريم، وعاهده على ~~بذل الهمم التي انتظمت في سبيل الله كالعقد النظيم. وخضع لله في طلب النصر ~~وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيوم، وقال: رب قد بذلت نفسي في سبيلك ~~فتقبلها بقبول حسن، ونويت المصابرة في نصرة دينك وأرجو أن أشفع النية بعمل ~~يغدو لسان السنان في وصفه ذا لسن، وتلا - تقبل الله منه -: ربنا أفرغ علينا ~~صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، واهزم عدونا فقد بايعناك ~~على المصابرة، والله مع الضبرين. [وابتهل إلى الله في طلب التأييد، وتضرع ~~إليه في ذلك الموقف الذي ما رآه إلا من هو في الآخرة شهيد، وفي الدنيا ~~سعيد.] # هذا والسيوف الإسلامية بين يديه - خلد الله سلطانه - قد فارقت الأغماد ~~وحلفت أنها لا تقر إلا في الرؤوس، والأسئله قد أشرعت و آلت أنها لا تروي ~~ظمأها إلا من دماء النفوس. والسهام قد التزمت أنها لا تتخذ - كنائنها إلا ~~من النحور، ولا تتعوض عن حنايا القسي إلا بحنايا الأضالع أو لترفعها لا تحل ~~إلا في الصدور. والدروع قد لزمت الأبطال قائلة: لا أفارق الأبدان حتى تتلا ~~سورة الفتح المبين. والجياد حرمت وطييء الأرض [وقالت لفرسانها: لا أطأ ~~PageV01P044 إلا جثث القتلى، ورؤوس الملحدين. فلا ترى إلا بحرة من حديد، ~~ولا تشاهد إلا مع أستة أو بوق سيوف تصيد الصيد. والسلطان قد أرهف ظباه ~~ليستر بها في قلوب الجدى جمرة. وإلى أنه لا يورد سيوفه الطلى ms04 بيضة إلا ~~ويصدرها حمرا، والإسلام كأنه بنيان مرصوص، ونبأ النصر على مسامع أهل ~~الإيمان مقصوص. والنفوس قد أرخصت في سبيل الله، وإن كانت في الأمن غالية، ~~وأرواح المشركين قد أعد لها الأزك الأسفل من النار، وأرواح المؤمنين في جنة ~~عالية. # ولما كان بعد الظهر أقدم العدو - خذله الله - بعزائم كالسيوف الجداد، ~~وجاء على قرب من مقدمنا، فكان هو والخذلان على موافاة، وجئنا ونحن والنصر ~~على ميعاد. وأتي كقطع الليل المظلم، بهيم لا تكاد لولا دفع الله عن بزاتها ~~حجم. معتقدا أن الله قد بسط يده في البلاد - ويأبى الله إلا أن يقبضها - ~~متخيلا أن هذه الكرة مثل تلك - ويأبى الله إلا أن يخلف لهذه الأمة بالنصر ~~ويعوضها - متوهمة أن جيشه الغالب، وعزمه القاهره متحققة أنه منصور، وكيف ~~ذاك ومعنا الناصر؟! # والتقى الفريقان بعزائم لم يشبها في الحرب ول ولا تقصير، فكان جمعنا، ~~ولله الحمد، جمع سلامة، وجمعهم جمع تكسير] وحمي الوطيس، وحمل في السبت ~~الخميس على الخميس، ودارت رحا الحرب الزبون، وغنت السيوف فشرب الكماة كأس ~~المنون. # ومولانا السلطان - خلد الله ملكه - وقد ثبت في موقف المنايا آمنا، حتى ~~كأنه في جفن الردى وهو نايم، ورأى الأبطال من أوليائه جرحى في سبيل الله ~~والأعداء مهزومة والوجه منه وضاخ والثغر باسم. [وقابل العدو بصدره، وقاتل ~~حتى أفني حديد بيضه وشمره، وخاطر بنفسه والموت أقرب إليه من حبل الوريد، ~~ونكب عن ذكر العواقب جانبا، ولم يستصحب إلا سيقه المبيد. وأشتد أزرة ~~بأمرائه PageV01P045 الذين رأوا الحياة في هذا اليوم مغرما، وعدوا الممات ~~فيه منما. وقالوا: لا حياة إلا بنصر الإسلام، ولا استقرار حتى تطأ بين يدي ~~السلطان سنابك الخيول هذه الهام. وما أعددنا العزائم إلا لهذا الموقف، ولا ~~أحددنا الصوارم وخباناها إلا لنبدلها في الفك فسرف. وهم بين يدي سلطانهم ~~يحثون جيوشهم على المصابرة، ويقولون: هذا يوم تصيبنا فيه إحدى الحسنيين، ~~فإما سعادة الدنيا وإما جنة الآخرة]. وقالت الملائكة للجيوش المنصورة: يا ~~خيل الله اركبي، ويا يد النصر اكتبي. # وقامت الحرب على ساق، ms05 والتفت الساق الساق إلى ربك يوميذ المساق. وأتي ~~العدو جملة واحدة، وحمل حملة أمست بالنفوس حايده. ونكب عن الميسرة وقصد ~~الميمنة والقلب، وهاله جمع الإسلام فأراد أن يخلص بانحيازه من شدة ذلك ~~الكرب. # واستمرت المناضلة تمتد بين الفريقين وتنتشر، والمؤمنون قد وفوا بما عهدوا ~~الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، ومولانا السلطان - خلد الله ~~ملكه - يري غمرات الموت ثم يزورها، ويمر في مجال المنايا فيحلو له مريرها ~~ومرورها. وتقاسم سيوفه العدى شر قسمة، فعلى عاتقه غواشيها، وفي صدورهم ~~صدورها. وهو - خلد الله سلطانه - يردف مواكبه بحملاته، ويقدم فتخشى الأعداء ~~مواقع مهابته، وترجوا الأولياء منافع هباته. ويحرض عساكره على أداء الجهاد ~~المفترض، ويدعوهم إلى جنة لهم فيها عن المناضلة جميل الخلف و حسنالعوض، ~~ويريهم إقدام من لا يخالف المنية، ولا يهاب مواقعة السمهرية. # ولما كان وقت المغرب لجأوا - خذلهم الله - إلى جبال اعتقدوا أن فيها ~~النجاة، وقالوا: نأوي إلى جبل يعصمنا من الموت ونسوا أنه ولا عاصم اليوم من ~~أمر الله. PageV01P046 # [راموا النجاة وكيف تنجو عصبة %~% مطلوبة بالله والسلطان؟] # وحصرتهم العساكر المنصورة بين يدي مولانا السلطان - خلد الله ملكه - ~~بعزائم كالشهاب أم النهار، ودارت عليهم كالسور أو السوار. وصرتهم بقوة الله ~~وبسعادته في ربقة الإسار. وقاتلتهم الجيوش الإسلامية غير مستجنة بقرى محصنة ~~ولا من وراء جدار. تتلظى كبودهم عطشا وجوعا، ويكادون من شدة الهجير يشربون ~~من سيل قتلاهم نجيعا، ويودون لو كانوا أولي أجنحة، ويندمون حين رأوا صفقتهم ~~خاسرة وكان ظنهم أنها تكون مربحة. ويأسفون على فوات النجاة، ويتحيرون عند ~~مواقعة الجيوش المؤيدة حيث رأوا نصر الله. ويتضرمون بنار الخيبة على حركتهم ~~التي أدبرت لهم مآبا، وينظرون فيما أسلفوه من ذنوب، ولسان الانتقام يتلو ~~عليهم يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يليتني كنت تربا. # ودخلت ليلة الأحد وهم في حصرهم، وقد أوقعهم الله في حبائل مكرهم، ورأوا ~~من الحصر والضيق ما لا رأوه مدة عمرهم. وأيقنوا بالهلاك، وتحققوا أنه لا ~~خلاص لهم من تلك الأشراك. ولو ms06 سمعوا ما سبق من الإنذار لما أتوا للمبارزة ~~مظهرين، ولو علموا سوء صباحهم لفروا عشاء ونجوا من قبل أن يتلى في حقهم ~~فساء صباح المنذرين، وقالت لفرسانها: لا أطأ إلا جثث القتلى ورؤوس ~~الملحدين. فلا ترى إلا بحرا من حديد، ولا تشاهد إلا لمع أسنة أو بروق سيوف ~~تصيد الصيد، ومولانا السلطان - أعز الله سلطانه - قد جرد سيف PageV01P047 ~~عزمه، وامتطى أجواد حزمه، وأرهف ظباه ليسعر بها في قلوب العدى جمرا، وآلا ~~أنه لا يورد سيوفه في الطلا بيضا إلا ويصدرها حمرا. والإسلام كأنه بنيان ~~مرصوص، وبناء النصر على مسامع أهل الإيمان مقصوص، والنفوس قد أرخصت في سبيل ~~الله وإن كانت في الأمن غالية، وأرواح المشركين قد أعد لها الدرك الأسفل من ~~النار وأرواح المؤمنين في جنة عالية. # ولما كان بعد الظهر أقدم العدو - خذله الله - بعزائم كالسيوف الحداد، ~~وجاء على قرب من مقدمنا فكان هو والخذلان على موافاة وجئنا نحن والنصر على ~~ميعاد. وأتي كقطع الليل المظلم بهمم، لا تكاد لولا دفع الله عن مرامها ~~تحجم، معتقدا أن الله تعالى قد بسط يده في البلاد ويأبى الله إلا أن ~~يقبضها. متخيلا أن هذه الكرة مثل تلك ويأبى الله إلا أن يخلف لهذه الأمة ~~بالنصر ويعوضها، متوهما أن جيشه الغالب وعزمه القاهر، متحققة أنه منصور ~~وكيف ذاك ومعنا الناصر. # والتقى الفريقان بعزائم لم يشبها في الحرب نكول ولا تقصير، وصدم الجمع ~~الجمع فكأن جمعنا - ولله الحمد - جمع سلامه وجمعهم جمع تكسير. # وأصبح الإسلام يوم الأحد في قوته المنيعة، وأرواح العدى في أجسادهم ~~وديعة. ومولانا السلطان - خلد الله ملكه - يصطبح من دمائهم كما اغتبق، ~~ويريهم عزما يثني عقد اجتماعهم الذي انتظم واتسق. ويفهمهم أنه لا مرد له عن ~~مراد الصوارم، وأنه لا يفارق الجبل حتى يجعل عوض أحجاره جماجم. وجيوشه ~~المنصورة بين يديه أولوا همم في الحرب وذووا عزائم يجهدون في سبيل ألله ولا ~~يخافون لومة لائم، ويعدون المصابرة في طاعة الله وطاعة سلطانهم غنيمة جمعت ~~لهم أسباب الفخار، ويوصفون بكونهم مع ms07 تابعي المهاجرين والأنصار. ~~PageV01P048 # وزحف مولانا السلطان - خلد الله ملكه - وبين يديه عساكره المؤيدة فضيقوا ~~عليهم الخناق، وأحدقوا بهم أحداق الهدب بالأحداق. وراسلوهم بالسهام، ~~وشافهوهم بالكلام لا الكلام. [ورفعوا من راياتهم المنصورة ما طاول المنشآت ~~في البحر كالأعلام، وحمل بها الأبطال فكلما رآها العدى تهتز بتحريك نسيم ~~النصر سكنوا خوف الحمام، ثم] فرجوا لهم عن فرجة من جانب الجبل ظنوها فرجا، ~~وخيل لهم أنه من سلك من تلك الفرجة سلك طريقا مستقيما، وما درى أنه يسلك ~~طريقا عوجا. واستنزلتهم الجيوش المؤيدة إلى الوطاء، لتمكن سيوفها من سفكهم، ~~وتقرب مدى هلكهم. وتسلمهم إلى الحمام الذي لا ينجي منه حيل ولا حيل، وتملأ ~~الوطاء من دمائهم فتساوي السهل من قتلاهم والجبل. وحل الحمام بساحتهم، ~~وامتدت الأيدي لاستباحتهم، وضاقت عليهم المسالك، وغلبوا هنالك، وأنزل الله ~~نصره على المؤمنين وأيدهم بجنود لم يروها، واشترى منهم أنفسهم بأن لهم ~~الجنة، فيا طيب ما شروها، وفرت من العدو فرقة فضلت في حال الحرب عن السيوف، ~~فأدركهم العزم الماضي الغرار، وتلا عليهم لسان الحتف: قل لن ينفعكم الفرار. # وما انقضى ظهر يوم الأحد إلا والنصر قد خفقت بنوده، والحق سبحانه ~~[وتعالى] قد صدقت وعوده. وطائر الظفر قد رفرف جناحيه وطار باليمن ~~PageV01P049 والسرور، ونسيم الريح قد تحملت رسالة التأييد، فسارت إلى ~~الإسلام بالصبا وإلى العدا بالدبور، والألطاف - ولله الحمد - قد زادت ~~الإسلام قوة وتمكينا، ولسان النصر يتلو على مولانا السلطان: إنا فتحنا لك ~~فتحا مبينا، والسيف قد طهر ديار الإسلام من تلك الأدناس، ومولانا السلطان ~~يتلو ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس. وأمست الوحوش تحوش أشلاءهم، ~~والحوائم ترد دماءهم. والعساكر المؤيدة في أعقابهم تقتل وتأسر، وتبدي كل ~~عزيمة عليه في استئصالهم وتظهر. # [وتنظم أسنتها برؤوس القتلى، وتعقد لها على عقائل النصر فتزف لديها ~~وتجلى، إلى أن ناحتهم بالخيف من مكان قريب، وبسطت فيهم السيف فسأل الأسر أن ~~يسمح له بحظ فأعطي أيسر نصيب، وملئت من قتلاهم القفار، وأمسوا حديثا في ~~الأمصار، وعبرة لأولي الأبصار.] # ثم رحل مولانا السلطان ms08 - خلد الله سلطانه - يوم الإثنين الرابع من شهر ~~رمضان المعظم من مكان النصر وبقاعه تثني على معاليه، وتشهد بمضاء قضبه في ~~سبيل ربه ونفوذ عواليه. ونزل الكسوة ودمشق قد أخذت زخرفها وازينت، وتبرجت ~~محاسنها للنواظر وما بانت بل تبينت. وكادت جدرها PageV01P050 تسعى للقائه ~~لتؤدي السنة من خدمته والفرض، غير أنها استعارت الأنهار فسعت وقبلت بين يدي ~~جواده الأرض. ودخلها في يوم الثلاثاء، الخامس من شهر رمضان المعظم، [ودخلها ~~في هذا اليوم] والملائكة تحييه عن ربه بتحية وإكرام، وتقول له ولجيوشه ~~المؤيدة: أدخلوها بسلم في موكب كأنه نظام الدرر، بل هو - حقا - هالة القمر. ~~والمدينة قد تاهت به عجبا، والناس يدعون لسلطان [قد] شغفوا بدولته حبا. ~~ويتعجبون من نضارة ملكه الذي سر النواظر، ويرون أولياءه في ظل إنعامه، ~~فيقولون: أبدلت الأرض غير الأرض، أم صارت سماء، وإلا فما هذا القمر حوله ~~النجوم الزواهر؟ وغدت المآتم بدمشق المحروسة أفراحا وأعراسا، وربوع الهناء ~~قد عوضها يمن مقدمه عن الوحشة إيناسا. والقلعة المنصورة بآلات حصارها ~~مزينة، قائلة: كيف يستباح حماي وأنا بهذا السلطان محصنة، وبسعادته محصنة؟ # هذا، والأنهار تساير ركابه وقد صيغت من دم العدى بأحمر قاني، والأشجار ~~تميل طربا بالهناء كما يميل النشوان بين الأغاني. والأطيار تطرب بغنائها، ~~وقد أقسمت أنها لا تنوح وكيف تنوح وقد خضبت كفها PageV01P051 وطوقت الجيد، ~~والناس يقولون: أيا عجبا في أول رمضان يكون عيد و[في] آخره عيد. وأسباب ~~النصر تأتي إلى الإسلام، والقلوب تقول: هل من مزيد؟ والأيدي من لطف الله ~~تجتدي، والعزائم للأعداء تزدي، وبنصر الله ترتدي. ونهر بردا يقول عند تغريد ~~الحمامة: # يا برد ذاك الذي قالت على كبدي. والدنيا قد تاهت بسلطانها فرحة وسرورا، ~~وهام الجوزاء تود لو كانت له، خلد الله ملكه، منبرا وسريرا. والأدعية إلى ~~الله ترفع بخلود أيامه الطاهرة، ودوام دولته التي أصبحت على أعداء الدين ~~ظاهره. والرعايا تقول: هذا الملك الذي حمى الله بعزائمة الديار، وأخذ الثار ~~وأدار العدا إلى دار البوار. ووقف لا يبتغي إلا وجه ربه، وقاتل بنفسه ~~وبكتائبه ms09 وكتبه. والله لدعائهم سامع ومجيب، ومكافيه - خلد الله سلطانه - ~~بكل فتح مبين ونصر قريب. # ووصل إلى الميدان الأخضر [وقد أذاق العدو الأزرق الموت الأحمر]، في يوم ~~السعد الأبيض بعلم النصر الأصفر، إلى القصر الأبلق، وقد طلع شمسا في سماء ~~الملك أنار بها الأفق وأشرق، ففخر [القصر] بحلوله فيه وقال: هذا اليوم الذي ~~كنت أرتجيه، وهذا الوقت الذي ما برحت تبشرني به نسمات البكر والأصائل، ~~[لأنها تمر لطيفة، فأعلم أن معها منه - خلد الله ملكه - وسائل]. وهذا الملك ~~الذي أعرف املك الذي أعرف فيه من أبيه شمائل. فغبطته القلعة PageV01P052 ~~المنصورة، واشتدت حسدا وغيرة، وفاخرته بما لها من محاسن، وإشراف على أنضر ~~الأماكن، [وامتازت به من حصانتها الذي ما أمتطn سواه ذروتها، ولا على غيره ~~- خلد الله ملكه - صهوتها]، فأراد - خلد الله سلطانه - فأراد أن يعظم ~~لقلعته الشأن، فحل بها. مرة ثم بتلك أخرى، فطاب بحلوله الواديان. # ثم شرع - خلد الله ملكه - في حسن الاشتمال على أمرائه ونوابه، وجميل ~~الاحتفال بمصالح من تعلق من الولاء بأعظم أسبابه، فعمهم خلعا وعطايا سنيه، ~~وأراهم يعما بلغتهم كل أمنيه. وأذهب عنهم مشقة التعب ببذل الذهب، وأنسى ~~بمكارمه حاتم طيء، فلو عاش لاستجدي ما أطلق - خلد الله ملكه - و) وهب. ومر ~~بعود نواب سلطنته إلى أماكنهم المحروسة، وقال: الربوع هذه المدة قد خلت. ~~وحيث حللنا بالبلاد ينبغي أن تكون مأنوسه، فتضاعف الشكر لله تعالى على تمام ~~هذه النعمة، وابتهلت الألسن بالمحامد، وكيف لا، وقد طلع صبح النعمة فحلا ~~ليل تلك الغمة. # [وشكر الناس منة الله التي أعادت إليهم بالأمن الوسن، وقالوا الحمد لله ~~الذي أذهب عنا الحزن. # وأقام بدمشق المحروسة يتبوأ منها أحسن الغرفات، واستقر من بقاعها في ~~PageV01P053 جنات. فحييت به بعد الممات، وعادت بمقدمه إلى جسدها الروح بعد ~~المفارقة، وتمتعت مقلتها من محاسنه بأبهى من رياضها الرائقه، وهي يحمي ~~حماها، ويحلي مواطن ملكها الزواهر رباها، ويزينها بمواكبه التي ماثلت ~~الكواكب في سنائها وسناها، وتطأ سنابك جياده أرضها فيداني الثريا في ~~الافتخار ثراها، إلى أن قضي ms10 شهر صيامه المقبول. وأتاه عيد الفطر مبشرا ~~بإدراك آماله في عز مستمر ونصر موصول، وأسبغ من عطاياه ما أربى على عدد ~~أمواج البحر، تعددت لدولته المسرات في هذا الشهر الميمون، فآخره عيد فطر، ~~وأوله عيد نحر. # ثم رحل عن دمشق في يوم الثلاثاء ثالث شوال، ويعز عليها أن تفارقه، أو ~~تبعد عن محياه الذي أنار مغارب الملك ومشارقه، أو يسير عنها عزمه الذي إن ~~غاب أغنت مهابته، أو حضر أرهف على العدو بوارقه، وأغصان رياضها تحسد بنود ~~سناجقه، وأوراق روحها تود لو كانت مكان أعلامه وخوافقه، وزهرها يتمنى لو ~~كان وشيا لحلل جياده، وأرضها النضرة تكاد تنطوي بين يديه لتكون مراكز ~~السعادة، وقصرها الأبلق يتوسل إليه في أن يتخذه بدل خيامه، وستائره ليسر ~~مسكنه فيه ومقامه. ومصر تبعث إليه مع النسيم رسائل، وتبذل له في تعجيل عوده ~~وسائل. وكرسي سلطنتها يود لو سعي من شوق إليه، أو شافهه بالهناء وبالنعمة ~~التي أتمها الله عليه، فلبى دعوتها ولم يطل جفوتها، وسار إليها سير الأقمار ~~إلى منازل الضياء والنور، ووطيء بمواكبه الأرض فظهرت بها من مواطيء جياده ~~أهلة، ومن آثار أخفاف مطيه بدوره. # ووصل ديار مصر المحروسة وقد زقت عروسا تجلى في أبهى الحلل، وجمعت أنواع ~~المحاسن. فلا يقال لشيء منها كمل لو أن ذا كمل، وفضح الدجى إشراقها، وبهر ~~العيون جمالها، فإلى أقصى حدائق حسنها. زنت أحداقها، وسبت النفوس منازلها، ~~وكيف لا، وهي المنازل التي لم نزل نشتاقها، وشغلت القلوب أبياتها، وكيف لا، ~~وقد زانها ترصيعها وطباقها، وحوت من البهاء ما لو حوته البدور لما شانها ~~بعد التمام محاقها، وأمست روضة أثمرت اللآلي والدرر، وفلكا زها بالمشرقات ~~فيه، وكيف لا، وفي كل ناحية من وجهها قمر. # وحل - خلد الله ملكه - بظاهر القاهرة فكادت تسير لخدمته بأهلها وجدرانها، ~~غير أنه أثقلها الحلي فأخرها لتبدو إليه في أوانها المراد، وما أحسن ~~الأشياء في أوانها، وهم نيلها أن يجري في طريقه لكنه أخره النقص والتقصير، ~~واستحيا أن يقابله وهو دون غاية التمام، أو يسير ms11 من مواكب أمواجه في عدد ~~يسير، وخشي أن يتخلل السبل بين يديه فيحصل في ريها الخلل، أو تظهر عليه - ~~كونه في زمن توهمه - حمرة الخجل، وكأن عمود مقياسه قد آلى أن لا يضع أصابعه ~~في اليم إلا بإذن PageV01P054 سلطنته، ولا يلبس ثوب خلوق إلا ما يزره عليه ~~ببنانه، ولا يأتي بزيادة إلا بعد مقدمه، وكيف لا، ومدده من إحسانه. # وركب سحر الإثنين الثالث والعشرين من شوال سنة اثنتين وسبعمائة من ظاهر ~~القاهرة في موكب حف به الظفر، وأضحى حديثة للأنام وذكرى للبشر. وسيفه ~~المنصور قد أذهب عن الملة الإسلامية ليل الخطب ومحا، والأمة يترقبون طلوع ~~فجر بدره، ولسان المسرة يتلو عليهم موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناش ضحى. ~~ودخل البلد وقد تزايدت بمقدمه سرورا وبشرا، وأنشدته: # أنت غيث إذا وردت إلى الش %~% ام ونيل إذا تيممت مصرا # أطلع الشرق من جبينك شمسا %~% ليس تخفي ومن محياك بدرا # كان أمر التتار مستصعب الح %~% ال فصيرت عسر ذلك يسرا # وفتحت له أبواب نصرها التي يفضى منها إلى نعمة ونعيم، وشاهدته عيون أهلها ~~فلما رأينه أكبرنه قطعن أيديهن وقلن حش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك ~~كريم. والرعايا قد أصبحوا كما أمسوا بالدعاء له مبتهلين، والألسنة تتلو ~~عليه وعلى أمرائه أدخلوا مصر إن شاء الله امنين. وقد أظلته سماء أديمها ~~الحرير، ونجومها الذهب، وسحبها تنثر اللؤلؤ المكنون، وحيل بين سنابك خيله ~~وبين الأرض بأثواب من استبرق تستوقف العيون، وكوفئت عن وطء الأحجار بالأمس ~~في سبيل الله بوطء الديباج في هذا اليوم، وكادت الأيدي تلمس معارفها تبركا ~~بترب الجهاد الذي حملت إليه أكرم قوم. فرأى فيها جنة أوردت من مناهلها ~~كوثرا، وكان قد أنهي بين يديه حديث زينتها فوجد خبرها يجاوز خبرا. ولم يجد ~~بها عيبا غير أن صباحها حمدت به الأجفان عاقبة السرى، وتبرجت عقائلها نزها ~~للنواظر، وتظهر كل واحدة منهن في وشي أنهي من الزواهر، ولبست جدرانها حلل ~~السرور النضرة، وأبرزت بعولتهن ما في ذخائرهم ولم يسألوا نظرة إلى ميسرة ms12 - ~~وما ثنت أعطافها - كما أمست وجوه التهاني بها ضاحكة مستبشرة. ولما مر ~~بسبلها حلا له ذلك النور، ولما سلك بين قصريها تحقق الناس أن أيامه زادت ~~على أيام الخلفاء، فإنها أنشأت قصرين وهذا أنشألها قصورا ما بها من قصور، ~~فمن بروج تمنت البدور لو كانت لها منازل، ومن قلاع لو تحصن بها جان لما ~~دارت عليه دوائر الدهر الغوائل. ومن قباب علت وليس لها غير الهمم من عمد، ~~PageV01P055 وضربت على السماحة والندى فما عدم مشيدها حسن البناء ولا فقد، ~~ومن عقود عقد لها على عرائس السعود، وتمكنت في الصعود. ومن حلي لو ظفر بها ~~الحسن بن سهل لاتخذ منها لجهاز ابنته على المأمون ما لا ألف مثله في زمنه ~~ولا عهد. ولو رآه ابن طولون لإعتضد به في إهداء عقيلته للمعتضد، ومن أواوين ~~تزري بإيوان كسري الذي تعظم بناؤه وتحمد، ويستصغر في عين من رأى إيوانا ~~واحدا من هذه، وكيف لا، وذاك هدم في زمن محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا عمر ~~لنصرة محمد. وذاك أهلك بانيه وجر، وهذا أيد بانيه ونصر. ومن سواق جوار ~~وجوار سواق، وآلات تبهر عند رؤية حدائقها الأحداق، ومن عروش وأشجار، ورياض ~~نضرة تبهت الأبصار. وقد أخذت من كل المحاسن بشطر، وحلت مذاقا. وكيف لا، وقد ~~سقيت بالقطر؟ ومن سفائن قد ترفعت حتى مرت في الجو من بحر النسيم في لجج، ~~ومن عجائب إذا حدث المرء عنها قيل له: حدث عنه ولا حرج، ومن شخوص بالألحاظ ~~تغازل، ودمي تسحر العقول بسحر بابل، وصور يخيل للرائي أنها تنطق، وأشكال ~~وضعت صفة للحرب التي أضحت رايتها في الآفاق تخفق، ومن هيبة للعدى التي ~~أبادتها الأبطال، وأعدمت حقيقتها فلم يبق منها إلا مثال يبرز في خيال، ومن ~~جتور ظهرت بها آية ملكه لما مرت بنفسها على رأسه الكريم مر السحاب، وسارت ~~بين السماء والأرض فلم تحتج مع سعادته إلى عمد ولا إلى أطناب، ومن فرسان ~~جملت الجيوش المنصورة حيث لبست لامة حربها، واعتقلت رماحها وبارزت الأقران ~~فكان النصر ms13 من حزبها. # ومن أنواع احتفال يعجز عن وصفها البديع الفطن، ولولا خوف الإطالة لقلت: ~~ومن ومن إلى أن تنفد كلمة ومن. # والأمة يبذلون في خدمته الجمل والتفاصيل، ويصنعون له ما يريد من النزه، ~~ويعملون ما شاءوا من تماثيل، والأسارى قد جعلوا بين يديه مقرنين في ~~الأصفاد، يشاهدون مدينة ماثلت إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلد ~~وهو - خلد الله سلطانه - يسير الهوينا، وينظر بين حبره هذا المحفل، ويقبل، ~~وأسراؤه بين يديه كالليث أقبل للفريسة ينقل، وهم يشكرون حلمه على السلامة ~~من ريب المنون والأفواه تنطق بشكر الله إذ الأغلل في أعنقهم والسلسل ~~يسحبون. وقد بهتوا لما PageV01P056 رأوه من نعم الله التي تنوعت له - خلد ~~الله ملكه - حتى أتت كل نعمة في وقتها، وعظمت في عيونهم آيات الله سبحانه، ~~ولسان الأقدار يتلو وما نزيهم من اية إلاهي أكبر من أختها. فلما نظروا ~~بالأمس في إنجاد الملائكة للعساكر المنصورة آية كبري، شاهدوا اليوم من ~~سعادة هذا الملك الذي بنت له الأقدار بين السماء والأرض مدينة فقالوا: هذه ~~آية أخرى. واستقلوا ما مروا به من المدائن والأمصار، وغدوا وعيونهم في جنة ~~وقلوبهم في نار، واستصغروا ملكهم المخذول وملكه، وقالوا: غير عجيب لمن أقدم ~~على هذا الملك أن يبدد جمعه، ويفرط سلكه، وتحققوا أنه من أوتي هذا السعد لا ~~يؤخر - إن شاء الله - إمساك كبيرهم وهلكه. ونودوا: أن شاطروه في السلاسل ~~والقيود، والسيف يقول: ليس الأمر لمن يسمى - خديعة - محمودا، محمود. ووصل ~~مولانا السلطان تربة والده السلطان الشهيد - قدس الله روحه - وأمراؤه قد ~~بذلوا في محبته نفائس النفوس، وجزيل الأموال، وأخاير الذخائر، وركبوا ~~بالأمس للمناضلة عن دولته في سبيل الله، وقد بلغت القلوب الحناجر. وترجلوا ~~اليوم في خدمته تعظيما لشعائر سلطنته، وطلعوا في سماء المعالي كالنجوم ~~الزواهر، وصعد - خلد الله ملكه - تربة والده، رضي الله عنه، وأنوار النصر ~~على أعطاف مجده لائحة، ودخلها فلولا خرق العوائد لنهض من ضريحه وصافحه، ~~وشكر مساعيه التي اتصلت بها أعماله، وكيف لا، وهي أعمال صالحة. وقص ms14 مولانا ~~السلطان - خلد الله ملكه - عند قبره المبارك من غزوته أحسن القصص، وأسهم من ~~بركة جهاده أوفر الحصص. فلو استطاع - رحمه الله - أن ينطق لقال: هذا الولد ~~البار، والملك الذي خلفني وزاد في نصرة الإسلام وكسر التتار، ولو تمكن - ~~رضي الله عنه - لأخبره بما وجده من ثواب الجهاد في جنات وعيون، وبشره بما ~~أعده الله لمن فقد من المجاهدين في هذه الغزاة المبرورة بين يديه، وتلا ~~عليه: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله آموتا بل أحياء عند ربهم يرزقون. ~~ولأثنى على أمرائه الذين فعلوا من المصابرة والمحافظة ما أوجبه حسن التهذيب ~~منه - رحمه الله - وجميل التربية، وشكر عزائمهم التي ما ناداها أهل مملكة ~~الكشف خطب إلا أجابوهم بمواقع التلبية، واعتد بطاعتهم للميت والحي، ~~وموالاتهم التي ذاعت في كل ناد وحي، والقراء حول ضريحه يتلون آيات الله ~~التي كان - رضي الله عنه - بها عاملا، ولم يزل ربع تقواه بها آهلا، فشمل ~~مولانا السلطان - خلد الله ملكه - الأنام بالصدقات المتوفرة، وسمح من الذهب ~~والفضة بالقناطير المقنطرة، PageV01P057 وازدحمت الأماني على سيبه، كما ~~ازدحمت الأعادي على سيفه، فكان كما قيل: # قداح زند المجد لا تنفك من %~% نار الوغى إلا إلى نار القرى # وركب من التربة الشريفة والرعايا يدعون بدوام دولته التي أضحت قواعد ~~الأمن بها متينة، ويرتعون بالمدينة في لهو ولعب وزينة. # وسار جواده بين حلي وحلل، فاستوقف الأبصار، في مسلك حفت به غرف من فوقها ~~غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار. # وعاد إلى قلعته ظافرا عود الحلى إلى العاطل، وغدت ربوعه الموحشة لبعده ~~بقربه أواهل، وطلعها في أيمن طالع لا يحتاج معه إلى اختبار ولارصد، وحلت ~~شمس ملكه في برجها، وكيف لا، وهو في برج الأسد، فالله تعالي يمتع الدنيا ~~بملك حمي شاما ومصرا، وأذاق التتار بعزائمه مصائب تتري]. # وإني لأرجو أن أسطر من مناقب هذه الدولة الشريفة الناصرية ما يكون لهذا ~~المبتدا خبرا، وأن أرقم من سيرته وفتوحاته ما يسر حديثه إذا سري. مع أنا - ~~بحمد الله - قد رأينا في أيامه ms15 من عموم الأمن، وشمول المن، ما أراح ~~للمؤمنين قلوبا وأتعب للأعادي فكرا، وذكرنا عند نزول مواهب نصر الله عليه، ~~وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا. # [وحسبنا الله ونعم الوكيل.] # [قال شهاب الدين النويري: # ولما صنف المولى علاء الدين هذه الغزاة، وعرضت على المسامع الشريفة ~~السلطانية شمله الإنعام والتشريف السلطاني، ووفر حظه من ذلك، وقد سمعت هذه ~~الغزوة من لفظه، ونقلتها من خطه، وقد أتي فيما أورده بالواقعة المشاهده، ~~ووقي بقوله: إن الغائب إذا وقف على خبره يكون كمن شاهده. # وقد وقف أيضا على جملة مما صنفه الفضلاء في خبر هذه الغزاة، وهذا الذي ~~أورده أتمها وأكملها وأكثرها استيعابا للواقعة من ابتدائها إلى انتهائها. # فلذلك اقتصرت على إيرادها دون ما سواه.] PageV01P058 ### | [المناقب المظفرية] # ونذكر بعد ذلك المناقب الكريمة المولوية المالكية، المخدومية، المظفرية، ~~أعز الله نصرها، فنقول: # أما بعد حمد الله الذي اصطفى من أسرة الملك سريا، ورفع من علا بصفاته ~~وبعلاء أبيه، رضي الله عنه، مكانا عليا، وأتاه من سعادة الجد في المهمات ما ~~أصبح عزمه به وثيق العرى، وميزه من جده المنصور بميزات شهامة سمي بها ~~مظفرا. # والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه الذين نهضوا في نصرته، وحازوا ~~القربي كونهم من عشيرته وعترته. # فإنه لما كانت العزائم الشريفة، العالية، المولوية، السيدية، المخدومية، ~~المجاهدية، المرابطية، المثاغرية، المظفرية، موسى ابن المولى السلطان ~~السعيد، الشهيد، الملك الصالح علاء الدين علي بن مولانا السلطان الشهيد ~~الملك المنصور سيف الدين قلاون، قدس الله روحه - ينبغي أن يشهر حديثها في ~~الآفاق، ويسطر من أخبارها ما يغدو في سماء المحامد باهر الإشراق، لأنها ~~عزائم من تلقي السعادة كابرا عن كابر، واستشهد في غزواته بألسنة البواتر. ~~وأصبح ونسبه الكريم عليه من شمس الضحى أنوار لامعة . واتصف في ذاته بسجايا ~~غدت لكل مكرمة جامعة. ونهض في خدمة عمه مولانا السلطان الأعظم، الملك ~~الناصر - خلد الله ملكه - يشتد به أزرا، ويطلع منه في ليالي الخطوب بدرا. ~~ويغدوا لمحاسنه يستحلي، ولعرائس هممه يستجلي. ويحمد الله على مؤآزرته حيث ~~تقبل دعاءه، عند ms16 قوله: رب وأجعل لي وزيرا من أهلي. ويتسلي به عن أخيه، رضي ~~الله عنه، كلما وقع خطب فادح، ويسد به مسده، ويقول: نعم الخلف الصالح. ~~PageV01P059 # ولما كانت هذه الغزاة التي أذهب الله بها الحزن، وأعاد بها إلى العيون ~~الوسن، وأنار بها الخطب الحالك، وحفظ بها الممالك ، أرهف - أيده الله فيها ~~- عزما فلل جموع العدى، وأردى أهل الردي. واقتبس كل شجاع من مشكاة نور ~~إقدامه ما وجد عليه إلى النصر هدى. وبعث من نباله المسددة ما لا تداوي ~~جراحه ولا توسي. واتخذ بيمينه سيفا كم تلا العدو عند كثرة قتلاه تعجبة وما ~~تلك بيمينك يموسي. وكم قال : هذا سيفي الذي هو حية تسعى. والذي كم فرق بقوة ~~الله لفرق الشرك جمعا، والذي أذاق التتار مصائب تتري. والذي أشيد به مباني ~~الملك الشريف الناصري، ولي في خدمته مآرب أخرى. وكم حمل حملة لا عزمه فيها ~~ينثني ولا يده ترتد ولا حده ينبو، أضرم بإقدامه نارا في العدى لا تخبو. وكم ~~عضد ملكه وساعفه، وأبدى كل جميل وأظهر، وكم ساعده باهتمام وظافره باعتزام، ~~ولا تنكر المظافرة للمظفر. حتى طلع وجهه في سماء النقع بدرا، وسلطانه شمسا ~~جلت خطبا مكفهرا. ورأى الناس اجتماع الشمس والقمر في وقت فقالوا: هذه آية ~~كبرى، وخضب يده من دماء العدى، وأخرجها بيضاء من غير سوء، فقالوا: هذه آية ~~أخرى. وتحققوا أن بركة سميه صلي الله عليه وسلم نمت عليه حتى بلغته من كل ~~سعادة مناه، وظهر أن دعواته مجابة، حيث يتلو: رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي ~~أنعمت على وعلى ولدى وأن أعمل صلحا ترضته. # ولقد شهدت مواقف المولى %~% الذي ساد الملوك مآثرا ومفاخرا # موسى المظفر، والذي بجاده %~% لعصابة الإسلام أصبح ناصرا # هزم الأعادي واسترق عتاتهم %~% فتراه إما آسرا أو كاسرا # الاقاهم فتفللوا وتحصنوا %~% فغدا لهم بعد القتال محاصرا # لورام قس وصف بعض صفاته %~% لغدا - لعمر أبيك - قس قاصرا # فمظفر هزم الأعادي أولا %~% ومظفر هزم الأعادي آخرا # الحمد لله وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلامه . ms17