######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_010771 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: الوطواط #META# 010.AuthorNAME :: أبو إسحق برهان الدين محمد بن إبراهيم بن يحيى بن علي المعروف بالوطواط (المتوفى : 718هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 718 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: مباهج الفكر و مناهج العبر #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب متنوعة #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: مباهج الفكر و مناهج العبر #META# 030.LibURI :: JK_010771 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # رب يسر وأعن # وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت # الحمد لله الذي أرسل جود جوده على الأنام فهمي وخلق الإنسان وكلفه ليكون ~~بكمالات نفسه الناطقة قيما، وابدع إذ أطلع في سماء ذاته من شرائف صفاته ~~انجما، وغاير بين حركات الحيوانات فمكبوب، ومنساب، وسابح وطائر بالجناح ~~سما، ومنح كلا منها الهاما يقرطس غرض المرام سهمه متى رمى، وأقامه فيها ~~مقام العقل الغريزي الذي نبل به قدر المرء ونمى، والصلاة على سيدنا محمد ~~أشرف خلق ولج القول سمعه، وشق له اللسان فما وعلى آله وصحبه ما أضاف الخالق ~~في تركيب البدن إلى اللحم دما. # وبعد: فهذا الفن الثالث من الفنون التي دعت النفس إلى جمعها أحاديث ~~أمانيها ولجأت إلى الانقياد بوضعها من وساوس أغراض تعانيها قصرته على ذكر ~~الحيوان بجملة أنواعه وما اشتمل عليه كل ذي روح من أخلاقه وطباعه ولم التفت ~~إلى ما تحدث عن استعمال شيء منها من النفع والضر، ولا إلى ما ذكرته الأطباء ~~من تشريح أعضاء الصور وذلك موضوع لهم في كتب مروية عدت باختلاف الأسماء ~~والنعوت معنونة فمتى أرادت الافهام إستفصاحا عن أسراره واستصباحا من أشعة ~~أنواره فسبيلها إلى تعرف مقصودها منه، مقسوم إلى تسعة أبواب جعلتها معربة ~~عنه: الباب الأول: " في ذكر خصائص نوع الإنسان " الباب الثاني: " في ذكر ~~طبائع ذي الناب والظفر " الباب الثالث: " في ذكر طبائع الحيوان المتوحش " ~~الباب الرابع: " في ذكر طبائع الحيوان الأهلي " الباب الخامس: " في ذكر ~~طبائع الحشرات والهوام " الباب السادس: " في ذكر طبائع سباع الطير " الباب ~~السابع: " في ذكر بغاث خشاش الطير " الباب الثامن: " في ذكر طبائع الطير ~~الليلي والهمج " الباب التاسع: " في ذكر طبائع البحر والمشترك " وهنا أنا ~~ابتدي قاصدا إن شاء الله تعالى سواء السبيل مستعينا بالله تعالى، فهو حسبي ~~ونعم الوكيل. # مما يكون فاتحة الكتاب. # الباب الأول # وهو القول في بيان شرف الإنسان على سائر المخلوقات # قال الله تعالى: )ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم ~~من الطيبات وفضلناهم على كثير ms001 ممن خلقنا تفضيلا(. فعلم بهذه الآية أن ~~الإنسان صفوة العالم وخلاصته وسلالته، وخاصته، ونخبته، وثمرته، وزبدته فمن ~~أدوات التكريم فيه قول الله تعالى: )وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض ~~جميعا منه( ومن خلقت من أجله، وسببه جميع المخلوقات علويها وسفليها، خليق ~~بأن يرفل في ثياب الفخر على من تعداه، وتمتد إلى اقتطاف زهرات النجوم يداه ~~ومنها أنه واسطة بين شريف وهو الملائكة، ووضيع وهو الحيوان ولأجل ذلك، جمع ~~فيه قوى العاملين، وأهل لسكنى الدارين، فهو كالحيوان في الشهوة والغذاء، ~~وكالملائكة في العلم، والعقل، والعبادات، ووجه الحكمة فيه أنه تعالى لما ~~رشحه لعبادته وخلافته في عمارة أرضه وهيأة مع ذلك لمجاورته في جنته ودار ~~كرامته، جمع فيه القوتين، فإنه لو كان كالبهيمة معرى عن العقل لما صلح ~~لخلافة الله تعالى، وعبادته، ومجاورته في جنته كما لم تصلح البهائم، ولو ~~خلق كالملائكة معرى عن الحاجة البدنية لم يصلح لعمارة أرضه كما لم تصلح ~~الملائكة لذلك. # ومنها أنه خصه برتبة النبوة، واقتضت الحكمة الإلهية أن تكون شجرة النبوة ~~صنفا مفردا ونوعا واقعا بين الإنسان والملك، ومشاركا لكل واحد منهما على ~~وجه فإنه كالملائكة في الاطلاع على ملكوت السماوات والأرض، وكالبشر في ~~أحوال المطعم والمشرب ومثله واقعا بين نوعين، مثل المرجان مكونه شبيها ~~للنبات والمعدن فإنه بما فيه من الحجرية يشبه المعدن، وبما فيه من النمو ~~وتشذب الأغصان يشبه النبات ومنها أنه إذا طهر من نجاسته النفسية، وقاذوراته ~~البدنية جعل في جوار الله تعالى يكون حينئذ أفضل من الملائكة لقوله تعالى ~~)والملائكة يدخلون عليهم من كل باب( وفي الحديث )الملائكة خدم أهل الجنة(. # القول في مبدأ خلق الإنسان # قال أصحاب النظر في أسباب حدوث الموجودات: إن الحكمة اقتضت إن تكون ~~المخلوقات أربعة أقسام: قسم له عقل ولا شهوة له. # قسم له شهوة ولا عقل له. # وقسم له عقل وشهوة. # وقسم لا عقل ولا شهوة. PageV01P001 فسبق إيجاد ما له عقل، وليس له شهوة، ~~وهو الملائكة، وما له شهوة ولا عقل له، وهو كل ms002 الحيوان خلا الإنسان، وما ~~ليس له شهوة ولا عقل وهو الجماد وبقي من الأقسام الأربعة قسم، وهو الذي له ~~عقل وشهوة فأوجدت القدرة التامة والمشيئة الكاملة، نوع الإنسان وتممت به ~~الأقسام التي كانت في ضمان الإمكان، فإن رجحت شهوته على عقله التحق ~~بالبهائم، وإن رجح عقله على شهوته التحق بالملائكة وقال آخر: جزوى الملائكة ~~روح وعقل، والبهائم نفس هوى، والإنسان بجمع الكل ابتلاء، فإن غلب الروح على ~~النفس والهوى فضلته البهائم. # وذهب بعض الإخباريين في سبب إيجاد الإنسان الأول وهو آدم عليه السلام إن ~~الله تعالى خلق السماوات وعمرها بالملائكة، وخلق الأرض وعمرها بالجن ~~فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء، فبعث الله تعالى لمحاربتهم جندا من السماء ~~فاجتاحوهم قتلا وأسرا إلا القليل ممن سكن الجزائر، وأعماق البحر فكان فيمن ~~أسر )عزازيل(، وهو إبليس فلما خلت بقاع الأرض من الجن ولم يبق فيها إلا ~~الدواب، شاء الله تعالى أن يخلق من بعدهم فيها من يعبده ويوحده وذلك لا ~~يتأتى إلا ممن له وعقل فبعث الله تعالى إلى الأرض ملكا يقال له جبريل عليه ~~السلام ليأخذ من ترابها ما يخلق منه خلقا يعمرها به فناشدته الله تعالى في ~~ذلك خوفا أن يخلق منها ما يعصيه، فتركها، وصعد، فانزل الله تعالى ملكا يقال ~~له عزرائيل، فسألته في ذلك فقال: لا أعصي أمر ربي فأخذ من سهلها وحزنها ~~وطيبها، وخبيثها، وأحمرها، وأسودها، ثم صعد به فخلق الله من ذلك بشرا عجن ~~طينته بيده، وخمرها أربعين سنة، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له الملائكة، ~~وسماه آدم لأجل أنه خلق من أديم الأرض أي من وجهها، وكان خلقه لمضي أحد عشر ~~ساعة من يوم الجمعة وأهبط إلى الأرض عند انقضاء اليوم فكان لبثه في الجنة ~~إلى حين خروجه منها ساعة واحدة من أيام الآخرة، مقدارها ثلاث وثمانون سنة ~~وثلاثة أشهر من سني الدنيا، ويقول الناس في خرافاتهم: إن آدم - عليه السلام ~~- لما هبط إلى الأرض اجتمعت الطير والهوام، والوحوش، والحشرات، وانطلقت إلى ~~الضب وكان قاضيها حينئذ، فذكرت له ms003 حال الإنسان ووصفته بصفته فقال: أراكم ~~تصفون خلقا ينزل الطير من السماء، ويخرج الحوت من الماء، فمن كان ذا جناح ~~فليطر، ومن كان ذا مخلب فليحتفز، وتزعم اليهود في التوراة: إن الله تعالى ~~فرغ من الخلق يوم الجمعة، واستراح يوم السبت، وقال هذا يوم راحة ودعة، ~~تعالى الله أن يمسه فيما خلق لغوب ونصب، وهل ذلك إلا حالة من جبل جسمه من ~~لحم وعصب، ولم يكفهم كفرهم حتى وصفوا هيئة الاستراحة بصفة هي عين التجسيم ~~وركبوا في حكايتها الخطر العظيم، والهول الجسيم. # فصل # وخلق الإنسان على أربعة أضرب # إنسان من غير أب ولا أم، وإنسان من أب لا غير، وإنسان من أم لا غير، ~~وإنسان من أب وأم. # الضرب الأول: PageV01P002 إنسان من غير أب ولا أم وهو آدم - عليه السلام ~~- خلقه من تراب، وركب فيه روحا مؤيدا بالعقل ليقارن في العبادة من جعلت ~~السماء مركزا له وهم الملائكة، ونفسا متسلطة بالشهوة ليقارن في التناسل من ~~جعلت الأرض مركزا له وهم الحيوانات، ومبدأ خلقه أن الله تعالى لما أراد ~~إبرازه من العدم إلى الوجود، وامتحان إبليس له بالسجود قلبه في سنة أطوار، ~~طور التراب وهو قوله تعالى: )ومن آياته أن خلقكم من تراب إذا أنتم بشر ~~تنتشرون( وطور الحمأ وذلك قوله تعالى: )ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ ~~مسنون(، وهذا الكلام يقتضي التقديم والتأخير، لأن الطين لا يكون صلصالا إلا ~~بعد أن يكون حمأ، يقتضي ذلك، قال الزمخشري معناه )من صلصال كائن من حمأ( ~~فيكون صفة لصلصال، وطور الطين اللازب وذلك قوله تعالى: )فاستفتهم أهم أشد ~~خلقا من خلقنا، إنا خلقناهم من طين لازب(، وطور الصلصال وذلك قوله تعالى: ~~)خلق الإنسان من صلصال كالفخار(، ولما كان في هذا الطور كان إبليس إذا مر ~~به، وقف ليتأمله، وفي رواية يركذه برجله، ويقول: لقد خلقت لأمر عظيم، ويقال ~~كان يدخل من فيه، ويخرج من دبره لأنه كان أجوف، وطور التسوية وهو جعل ~~الخزفة التي هي الصلصال عظما ولحما ودما، وإنما كانت الأطوار ms004 على هذا ~~الترتيب لأن التراب الذي هو المبدأ الأول كان متفرق الأجزاء فجبل بالماء ~~حتى اجتمعت أجزاؤه، فصار حمأ مسنونا أي طينا مائعا متغير الرائحة إذ من ~~عادة الماء إذا خالطه شيء غير لونه وطعمه وريحه لا سيما إذا كان ما خالطه ~~ترابا، ثم ترك الحمأ برهة حتى نقصت رطوبته، واشتد فصار طينا وهو المستقر ~~على حالة من الاعتدال يصلح لقبول الصورة، واللازب الذي يلصق بما لامسه، وهو ~~اللازم أيضا، وفي هذا الطور كان تخطيط الصورة وتشكيلها، وتقدير أعضائها، ~~وتفصيلها، ثم ترك الطين حينا صار صلصالا كالفخار، وهو الطين الذي أصبح خزفا ~~وترك حتى جف وسمعت له صلصلة، أي صوت كما يسمع للفخار إذا طبخ بالنار، ثم ~~كانت التسوية وهي إحالة هذه الخزفة إلى جسم حيواني يصلح مسكنا للروح ~~الروحاني وكل طور من هذه الأطوار على ما حكاه ابن منده، أربعون سنة فيكون ~~مجموع كونه حمأ مسنونا إلى أن صار طينا لازبا، إلى أن صار صلصالا كالفخار ~~ثم إلى سوي مائة وعشرون سنة من سني الدنيا، ثم نفخ فيه الروح فصار حيا ~~ناطقا وقال علي عليه السلام، مشيرا إلى ما أودع جسد آدم عليه السلام من ~~أسرار التخليق: جمع سبحانه من حزن الأرض، وسهلها وعذبها، وسبخها تربة شنها ~~بالماء حتى اختلطت، ولاطها بالبلة حتى لزبت فجبل منها صورة ذات احناء ~~ووصول، وأعضاء وفصول، أجمعها حتى استمسكت، وأجلدها حتى صلصلت لوقت معدود ~~وأجل محدود ثم نفخ فيها من روحه فمثلت إنسانا ذا أذهان يتخيلها وفكر يتصرف ~~فيها، وجوارح يختدمها وأدوات تقلبها، فيعرف بها الأذواق والمشام والألوان، ~~والأنواع والأجناس، وبهذا الاعتبار تكون تمام الحكمة الآلهية في تخليق ~~الإنسان أظهر مما في سائر المخلوقات، لأنه خلقه من ضدين متباينين، وجوهرين ~~متغايرين، وذلك أن الروح علوي، والبدن سفلي والعلوي والسفلي ضدان، والروح ~~نوراني، والجسد ظلماني والنور والظلمة ضدان " والروح لطيف والبدن كثيف ~~واللطافة والكثافة ضدان " والروح سماوي والبدن أرضي، والسماوي والأرضي ~~ضدان، ويستظرف قول أبي إسحاق الصابي في معنى هذا: # جملة الإنسان جيفة ... وهيولاه ms005 سخيفة # فبماذا ليت شعري ... قبل النفس الشريفة # إنما ذلك فيه ... حكمة الله اللطيفة # وقال آخر: # من أين للطين القيام بنفسه ... أو أين للفخار أن يتكلما # لو لم يكن روح الحياة تمده ... ما كان من أسمائه يتعلما # وقال آخر: # لم يكن الون غير نكر ... سلافة الكرم عرفته # فآدم أصله تراب ... ونفخة الروح شرفته # الضرب الثاني PageV01P003 إنسان خلق من أب لا غير وهي حواء عليها السلام، ~~ويذكر الاخباريون في مبدأ خلقها أن آدم عليه السلام نام في الجنة، ثم ~~استيقظ فرأى حواء إلى جانبه فقال: يا رب ما هذه؟ قال: زوجك تسكن إليها ~~خلقتها من ضلعك القصراء التي في جانبك الأيسر، ولهذا يوجد عدد أضلاع الجانب ~~الأيمن في الرجل اثنا عشر وعدد أضلاع الجانب الأيسر أحد عشر، وقد خرج ~~البخاري في صحيحه مصداق ما ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: )استوصوا ~~بالنساء خيرا فإن المرأة خلقت من ضل وإن أعلى الضلع أعوج وإنك إن قومته ~~كسرته، وإن تركته استمتع به على عوج فيه(. # الضرب الثالث: إنسان من أم لا غير وهو عيسى عليه السلام قال الله تعالى ~~)إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب(. ذهب بعض المفسرين للكتاب ~~العزيز أن الله تعالى لما خلق آدم، بقي من التراب الذي خلقه منه جزء، وقال ~~آخرون لما تم خلقه عطس فسقط من أنفه تراب فلما أراد خلق عيسى عليه السلام ~~بعث جبريل إلى مريم عليها السلام فنفخ ذلك التراب في فرجها، وهو جيب درعها ~~أو ذيلها، فحملت بعيسى من ساعتها، وجاءها المخاض إلى جذع النخلة فوضعته ~~عندها، وهذه السرعة في الحمل والوضع نتيجة قوله تعالى: )كن فيكون(، ~~والمستقبل في موضع الحال، وقيل في مدة الحمل ثمانية أشهر ولا يمكن هذا ~~الحمل لغيره لأنه لا يعيش ولد لثمانية، وقيل سبعة أشهر، وقيل ستة أشهر، ~~وقيل ثلاث ساعات حملته في ساعة، وصور في ساعة، ووضعته في ساعة، وقال ابن ~~عباس كانت مدة الحمل ساعة واحدة كما حملته نبذته، وقيل حملته وهي ms006 بنت ثلاث ~~عشر سنة وقيل عشر سنين ويؤيد القول الأول قوله تعالى: )إنما المسيح عيسى ~~ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه(، والكلمة كن، وبهذه ~~الكلمة صار التراب المتفرق الأجزاء جسدا ملتئما ذا عظم ولحم وعصب وعروق ~~ودم، قابلا لنفخ الروح فيه، ومعنى وروح منه أي: من عنده. # الضرب الرابع: PageV01P004 إنسان من أب وأم، هو الذي خلق من ماء دافق ~~يخرج من بين الصلب والترائب، يعني من صلب، وترائب الأم، ودافق بمعنى مدفوق، ~~وقال الله تعالى: )يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى( يعني آدم وحواء ~~ولهذا قال أرباب العقول الصافية والأذهان الوافية: إن آثار التركيب في ~~البشر أكثر مما هي في الملائكة لأنهم خلقوا من شيء واحد وهو النور والبشر ~~خلقوا من جوهرين الروم والبدن، وظهروا من اثنين الأب والأم وركبوا من شيئين ~~المني والدم، وغذوا بغذائين الطعام والشراب فهم أكمل وأتم وهذا الضرب تم ~~بعد أن تم عليه ستة أطوار أيضا، وهي النطفة ثم العلقة، ثم المضغة، ثم ~~العظام، ثم كسوة العظام لحما، ثم الإنشاء، وهو نفخ الروح فيه قال الله ~~تعالى: )ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ~~ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة، فخلقنا المضعة عظاما فكسونا ~~العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر( أي: حيا ناطقا، أما قوله )من سلالة من ~~طين( فذهب بعض المفسرين للكتاب العزيز إلى أن هذا القول إشارة إلى آدم عليه ~~السلام، ثم ذكر نسله ونبه على أنهم مخلوقون من نطفة وذهب بعض الحذاق: منهم ~~إلى مراده بالطين الأغذية التي استحالت دما بعد أكلها لأن منبتها فيها ثم ~~استحال الدم منبتا لحركة الوقاع والجماع وبهذا يكون مبدأ الإنسان من ~~النطفة، ويكون في مقابلة التراب لكونها مواتا وهي إذا وقعت في الرحم امتزجت ~~بمني المرأة فصار شيئا واحدا، ثم يكون بعد أيام قلائل بطبخ الرحم له علقة ~~وهي دم قدمه جفاف ما، وهو في مقابلة الحمأ المسنون فما فيه من الاختلاط ~~والامتزاج ms007 ولا تزال حرارة تدأب في التخفيف حتى تصير العلقة مضغة بعد برهة، ~~وهي في مقابلة الطين اللازب الذي يمكن معه قبول الصورة ثم يكون عظاما بعد ~~حين وهي مقابلة الطين الصلصال، لاستحكام الجفاف، واليبس عليها بحيث أنها ~~إذا قرعت صلت، فإذا صارت عظاما كسيت لحما فاشتد به البدن واعتدل واشتد ما ~~بين العظام من الخلل، وهذه في مقابلة، فإذا سويته، وقوله ثن أنشأناه خلقا ~~آخر، في مقابلة ونفخت فيه من روحي، ومقدار كل طور على ما ورد في الأحاديث ~~الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أربعون يوما إلا أنه لم يذكر غير ~~ثلاثة أطوار وهي النطفة ثم العلقة ثم المضغة، فذلك مائة وعشرون يوما فإنه ~~قال عليه السلام: )إن أحدكم يجمع مثل ذلك ثم يرسل الله عز وجل إليه الملك ~~فينفخ الروح، ويؤمر بأربع كلمات، رزقه، وأجله وعمله، وسعيد أم شقي، وفي ~~رواية أن الملك يقول: يا رب ما الرزق؟ ما الأجل؟ ما العمل؟ فيقول الله عز ~~وجل ويكتب الملك( ولهذا السر جعل الشارع عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر ~~وعشرا لإستبراء الرحم فيها. # القول في الشيء الموكل بتدبير الإنسان # قالوا: )الإنسان أشياء كثيرة، فلكثرة ما هو به كثير يعجز عن إدراك ما هو ~~به واحد(، ويكفي أن نعلم أن النفس قوة إلهية واسطة بين الطبيعة المصرفة ~~للاسطقسات والعناصر المتهيئة بين العقل المنير لها، الطالع عليها، السائر ~~فيها، المحيط بها، فكما أن الإنسان ذو طبيعة لآثارها البادية في بدنه، ~~فكذلك هو ذو نفس لآثارها الظاهرة في آرائه وأبحاثه ومطالبه ومآربه، وشكه ~~وكذلك هو ذو عقل لتميزه وتصفحه واختياره وفحصه، واستظهاره، ويقينه وشكه ~~وظنه وفهمه ورويته وبديهيته، فإن قيل: كفت الطبيعة، قلنا: قد كفت في ~~مواضعها التي لها الولاية فيها من النفس كما كفت النفس في الأشياء التي لها ~~عليها الولاية من قبل العقل في الأمور التي له الولاية عليها من قبل الإله ~~وإن كان مجموع هذا كله راجعا إلى الإله فإنه في التفصيل محفوظ الحدود على ~~أربابها وهو ms008 كالملك الذي في بلاده وجماعة يصدرون عن رأيه وينتهون إلى أمره ~~ويتوخون في كل ما يعقدونه ويملونه ويبرمونه وينقضونه، ما يرجع إلى وفاته ~~ومراده وكل ذلك منه وله وبه. # وقالوا الحيوان ينقسم بالقسمة الأولى إلى ثلاثة أقسام # أحدهما: حي مالك: وهو الذي تدبره نفسه الناطقة، وتدبره الطبيعة بالقوى ~~الطبيعية وهذا هو الإنسان. # والثاني: حي مملوك: وهو الذي تدبره الطبيعة بقواها، ويدبره العقل من ~~خارج، أعني من قبل الإنسان، ولهذا لا يوجد هذا النوع إلا حيث يوجد الإنسان ~~كما يكون الزرع حيث يكون الزارع، وهكذا كالخيل والبغال والحمير والبقر وما ~~أشبه ذلك. PageV01P005 والثالث: هي لا مالك ولا مملوك: وهذا النوع تدبره ~~الطبيعة وهو مثل الكلأ، وهو سائر السباع والأنعام والسمك والطباشير ~~والحشرات فتبين لنا من هذه القسمة أن الإنسان أكمل الحيوان لاشتراك النفس ~~الناطقة التي هي العقل والطبيعة في تدبيره فأما الطبيعة فإنها قوة الباري ~~تعالى وجل مدبرة لبدن الحي، وإنما قيل لها طبيعة لأنها تلزم شيئا واحدا، ~~ولا تقوى على الشيء وضده، كما في الآلات الصناعية لأن المناشير لا تفعل فعل ~~الفأس والفأس لا يفعل فعل القدوم، وقال بعضهم: هي قوة نفسية، ثم قال فإن ~~قلت عقلية أو إلهية لم يبعده وهي التي تسري في أثناء هذا العالم محركة ~~ومسكنة ومحددة، ومبلية، ومنشئة، وهي بالمواد أعلق، والمواد لها أعشق، وقال ~~آخرون: الإنسان هو كالشيء المتقوم بتدبير الطبيعة للمادة المخصوصة بالصور ~~البشرية، المؤيدة بنور العقل من قبل الإله، وهذا وصف يأتي على الشائع عن ~~الأولين في حد الإنسان، إنه حي ناطق ميت أي حي من قبل الحس والحركة، ناطق ~~من قبل الفكر والتمييز ميت من قبل السيلان والاستحالة، فمن حيث ما هو حي ~~مشارك للحيوان، ومن حيث ما هو مشارك لما يتبدل ويتحلل، ومن حيث ما هو ناطق ~~هو إنسان حصيف، ومن حيث ما يبلغ مشابهة الملائكة بقوة الاختيار البشري، ~~والنور الإلهي هو ملك. PageV01P006 وأما النفس: فقد اختلف في ماهيتها فقال ~~قوم هي امتزاج الأركان وقال أفلاطون: جوهر بسيط عقلي يتحرك ms009 من ذاته بعدد ~~مؤلف، وقال فيثاغورس جوهر نوري ولا خلاف عندهم أن الباري عز وجل جعلها ~~كمالا أولا لجسم طبيعي آلي، وذهب أرسطو إلى أنها ليست متصلة بالبدن اتصال ~~انطباع فيه ولا حلول وإنما اتصلت إلى تدبير وتصرف، وإنها حدثت مع حدوث ~~البدن لا قبله ولا بعده، وذكر على ذلك دلالة استطلناها فتركناها، واستدلوا ~~على وجودها بالتصورات العلمية، والاختبارات الإرادية، وقالوا: لا نشك في أن ~~الحيوان يتحرك إلى جبهات مختلفة حركة إرادية، إذ لو كانت حركاته طبيعية أو ~~قسرية لتحرك إلى جهة واحدة لا تختلف البتة، فلما تحرك إلى جهات مختلفة علم ~~أن حركته اختيارية والإنسان مع أنه مختار في حركاته كسائر الحيوان إلا أنه ~~تحرك بمصالح عقلية يراها في عاقبة كل أمر فلا تصدر عنه حركاته إلا إلى غرض ~~وكمال، وهو معرفة عاقبة كل حال، والحيوان وليست حركاته بطبعه على هذا ~~المنهج فيجب أن يميز الإنسان بنفس خاص كما يتميز سائر الحيوان عن سائر ~~الموجودات واستدلوا على أنها جوهر فقالوا: من شرط الجوهر أن يكون قابلا ~~للأضداد من غير تغير وقد رأينا النفس قابلة للشيء وضده، مثل العدل والجور، ~~والذكاء والبلادة والعلم والجهل، والبر والفجور، والشجاعة والجبن، إلى غير ~~ذلك من الأضداد التي لا يحصرها التعداد، واستدلوا أيضا فقالوا يمتنع أن ~~يكون المدبر لهذا الجسم جسما لأن الجسم لا يقبل صورة أخرى من جنس صورته ~~الأولى إلا من بعد مفارقة الصورة الأولى البتة، مثاله أن الجسم إذا قبل ~~صورة وشكلا كالتثليث وليس يقبل شكلا آخر من التربيع والتدوير إلا بعد ~~مفارقة الشكل الأول، وكذا إذا قبل نقشا ومثالا، ونحن نجد النفس تقبل الصور ~~كلها على التمام والنظام من غير نقص ولا عجز، وهذه الخاصية ضد خاصية الجسم، ~~ولهذا يزداد الإنسان بصيرة كلما نظر وبحث وارتأى وكشف، )ويمتنع أن يكون ~~المدبر أيضا للبدن عرضا لأن العرض لا يتفق زمانين لقبوله التغير ~~والاستحالة، ولأنه لا يوجد إلا في غيره فهو محمول لا حامل، ويمتنع أن يكون ~~هيولى، فإنها لو كانت، لكانت ms010 قابلة للمقدار والعظم، واستدلوا أيضا على أنها ~~جوهرة بكونها لا يدخل عليها ضد ولا يصل إلى شيء منها بلى، والإنسان إنما ~~يبلى ويفسد ويموت، ويفقد لأنه يفارق النفس، والنفس تفارق ماذا حتى يكون في ~~حكم البدن وشكله، ولو كانت كذلك لكانت تموت وتنفى، فأما الإنسان بها حي وجب ~~أن لا يكون حكمها حكم البدن، ولا يخص على من كان عريا عن الهوى عاشقا للحق، ~~فالفرق بين النفس المحركة للبدن، وبين البدن المتحرك بالنفس فإن البدن ~~معجون من الطين، والنفس تدبره بالقوة الإلهية، ولهذا احتاج إلى الأجناس ~~والمواد والاقتباس والالتماس حتى تكون هذه الحياة الحسية تالفة إلى آخرها ~~من ناحية الجسر، ويكون مبدأ الحياة النفسية موصولا بالأبد بعد الأبد ولو لم ~~تكن النفس لا تموت ولا تفسد بفساد البدن عند المفارقة لما قال الله تعالى ~~مخاطبا لها مفارقتها للبدن )يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية ~~مرضية( ولما قال في حق الشهداء )ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ~~بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين( ولما قال في حق آل فرعون )النار يعرضون ~~عليها غدوا وعشيا(، وهذا منبه على أن النفس بعد مفارقتها للبدن تنتقل أما ~~إلى خير وأما إلى شر، ولهذا قال عليه السلام: )القبر روضة من رياض الجنة أو ~~حفرة من حفر النار(. # وإلى هذا أشار أبو العلاء المعري بقوله: # خلق الناس للبقاء فظلت ... أمة يحسبونها للنفاد # إنما ينقلون من دار أعما ... ل إلى دار شقوة أو رشاد PageV01P007 وكل ما ~~ذكرته القدماء في النفس ذكرته العلماء في الروح وألجأهم الحال في ذلك إلى ~~أن قالوا: هما اسمان موضوعان على مسمى واحد، هو: مدبر بدن الإنسان، وذلك ~~بالاستقراء من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذهب قوم: إلى انهما ~~متغايران، وقالوا الإنسان ذو روح ونفس، فالروح جسم لطيف تنبت في البدن به ~~يحس ويتحرك، ويلتذ، ويألم، ويضعف، ويقوى، ويصلح، ويفسد، والنفس جوهر بسيط ~~عالي الرتبة بعيد عن الفساد منزه عن الاستحالة، فالإنسان بالنفس ما هو ~~إنسان لا ms011 بالروح، وإنما هو بالروح حي فقط، ولو كان إنسانا بالروح لم يكن ~~بينه وبين الحمار فرق فإن له روحا وليس له نفس، وقالوا: الروح تغني عن ~~النفس في جنس الحيوان الذي لم يكمل فيكون إنسانا، ولا تغني النفس عن الروح ~~في الإنسان، فإن الروح كالآلة للنفس تدبرها بواسطة، وليس ذلك لعجز النفس، ~~ولكن لعجز ما ينفذ فيه التدبير، وقال ابن عباس في ابن آدم وروح بينهما مثل ~~شعاع الشمس، فالنفس هي التي بها العقل والتمييز، والروح هو الذي به النفس، ~~والتحرك، فإذا نام العبد قبض نفسه ولم تقبض روحه، وإذا مات قبض نفسه وروحه. # وقالوا: للنفس ثلاث قوى: قوة نباتية، ويشترك فيها النبات والحيوان، وقوة ~~حيوانية ويشترك فيها الحيوان والإنسان، وقوة إنسانية وهي خاصة بالإنسان، ~~وبعضهم يسمي هذه القوى، ويقول: النفس كجنس انقسم إلى ثلاثة أنواع، أو كعين ~~تفجرت منها ثلاثة ينابيع، أو كشجرة تفرعت منها ثلاثة أغصان أو كرجل يعمل ~~ثلاث صنائع، فالنفس النباتية محلها الكبد، ومنه مبدأ النشوء والنمو، ولهذا ~~جعلت فيه عروق دقاق غير ضوارب ينفذ فيها الغذاء إلى الأطراف، وقوى النفس ~~الحيوانية، محلها القلب، ومنه مبدأ الحرارة الغريزية، ولهذا فتحت منه عروق ~~ضوارب إلى الدماغ ليصعد إليه من حرارته ما يعدل ما فيه من برودة، ويترك فيه ~~من أثاره ما يدبر به الحركة والحس وقوى النفس الإنسانية محلها تصريفا ~~وتدبيرا الدماغ، ومنه يبدأ الفكر والتعبير عن الفكر ولهذا فتحت له أبواب ~~الحواس مما يلي هذا العالم، وأبواب المشاعر مما يلي ذلك العالم، فالحواس ~~خمس وهي: السمع، والبصر، والشم، والذوق، واللمس، والمشاعر خمس، وهي: الحس ~~المشترك وهي قوة مرتبة في مقدمة الدماغ من شأنها قبول ما حصل في الحواس من ~~المحسوسات. # والخيال: وهو قوة مرتبة في آخر التجويف المقدم من الدماغ من شأنها حفظ ما ~~قبله الحس المشترك من الحواس، وتبقى فيها بعد غيبة المحسوسات فهي خزانته. # والفكر: وهو قوة مرتبه في التجويف الأوسط من الدماغ من شأنها أن تركب ~~الصور والمعاني بعضها من بعض بحسب الاختيار. ms012 # والوهم: وهي قوة مرتبة في آخر التجويف الأوسط من الدماغ من شأنها أن تحكم ~~في الصور المحسوسة بمعان غير محسوسة، كإدراك الشاة معنى في الذئب فتنفر منه ~~ومعنى في النوع فتنفر إليه. # والحفظ: وهو قوة مرتبة في التجويف المؤخر من الدماغ من شأنها حفظ المعاني ~~المدركة بالوهم، واسترجاعها عند النسيان، ونسبة الحافظة إلى الوهمية كنسبة ~~الخيال إلى الحس المشترك، إلا أن تلك في الصور، وهذه في المعاني. ~~PageV01P008 وأما العقل: فقال: العقل أشرف من النفس لأنه يستخلفها ولهذا ~~إشراقه ألطف، ومنافعه في إشراقه أشرق، وحدده: بأنه قوة إلهية أبسط من ~~الاسطقسات، كما أن الاسطقسات أبسط من المركبات وهو خليفة الله، وهو الفائض ~~الفيض الخالص الذي لا شوب فيه ولا قذى، وإن قيل هو نور في الغاية لم يكن ~~ببعيد، وإن قيل اسمه يعبر عن نعته لم يكن بمنكر هذا الحديث، إذا لحظ في ~~ذروته التي يشرق منها فوق إشراق الشمس وأما إذا فحص عن أثاره في حضيضته ~~فإنه تميز وتحصيل وتصفح، وحكم، وتصويب وتخطئة، وإجازة وإيجاب وأباحة، وأما ~~إذا فحص عن أنحائه، فأنحاؤه على قدر ما يقال فلان عاقل، وفلان أعقل، وفلان ~~في عقله لوثة، وفلان ليس بعاقل وهذا الاختلاف بحسب الاختلاف في الألوان، ~~والصور، والقصر، والحسن والقبح والاعتدال والانحراف، وذلك مدروك بالحس ~~مشهود بالعيان، وأما إذا فحص عن صنيعته فهو الحكم في قبول الشيء ورده، ~~وتحسينه، وتقبيحه وحقه وباطله وذلك إن الأشياء أما أن تكون حسية أو عقلية، ~~أو مركبة منهما، أو متولدة عنهما، وتكون أما صحيحة، وأما فاسدة، أو حقا أو ~~باطلا، فالعقل يتصفح هذه كلها بنوره ويحكم لها وعليها بحكمه، ويعطي كلا ~~منها الذي حقه وتسميته التي هي له ويقال: الإنسان بين طبيعة هي عليه وبين ~~نفس هي له كالمنتهب المتوزع، فإن استمد من العقل نوره وشعاعه، قوى ما هو له ~~من النفس، وضعف ما هو عليه من الطبيعة، وإن لم يستمد قوي ما هو عليه من ~~الطبيعة وضعف ما هو من النفس. # وقال أصحاب الكلام في الطبيعيات ms013 في الإنسان قوة عالمية نظرية من شأنها أن ~~تنطبع بالصور الكلية المجردة عن المادة، ثم لها نسب إلى هذه الصورة وذلك أن ~~الشيء الذي من شأنه أن يقبل شيئا قد يكون بالقوة، وقد يكون بالقوة والفعل، ~~والقوة تنقسم إلى ثلاثة أوجه: قوة هيولانية وهي الاستعداد المطلق من غير ~~فعل ما، وهو الاستعداد الأول الذي للفعل الساذج، وبه يهتدي إلى الثدي إذا ~~خرج من الرحم، ويبكي إذا جاع. وقوة ممكنة وهو استعداد فعل ما كقوة الطفل ~~على الكتابة بعد ما يعلم بسائط الحروف. وقوة ملكة وهي قوة لهذا الاستعداد ~~إذا تم بالآلة. # فالقوة النظرية قد تكون نسبتها إلى الصور تشبه الاستعداد المطلق وتسمى ~~عقلا هيولانيا، وإذا حصلت فيها المعقولات الأول التي تتوصل إلى المعقولات ~~الثنائية تسمى عقلا بالفعل، وإذا حصلت فيها المعقولات الثانية المكتسبة ~~وصارت مخزونة بالفعل، متى شاء طالعها، فإن كانت حاضرة عنده بالفعل سمي عقلا ~~مستفادا، وإن كانت مخزونة بالقوة سمي عقلا بالملكة، وها هنا ينتهي النوع ~~الإنساني، وعنده يتشبه بالمبادئ الأول أن يتصل بالعقل الفعال، فيصرف كل شيء ~~من نفسه، لا تقليدا، أما دفعة فيزمان واحد، وأما دفعات في أزمنة شتى، وهي ~~القوة القدسية التي تناسب روح القدس، وأدناها الولاية، وأعلاها النبوة. # واختلف في مسكنه فذهب جالينوس من الحكماء، وأبو حنيفة من العلماء إلى أن ~~مسكنه الدماغ، واحتجوا بأن العقل أشرف القوى فوجب أن يكون مكانه أشرف، ~~وأشرف الأمكنة أعلاها يكون مكان العقل الدماغ وهو بمنزلة الملك العظيم الذي ~~يسكن القصر العالي المشرف، وأيضا أن الحواس محيطة بالرأس كأنها خدم الدماغ، ~~واقفة حوله على مراتبها، وأيضا إن محل الرأس من الجسد، محل السماء من ~~العالم، وكما أن السماء محل الروحانيات فكذلك الدماغ فوجب أن يكون مستكن ~~العقل وقد اعتبر اختلاط العقل إنما يكون بما يطرأ على الدماغ من مرض أو ~~عرض، وذهب الجمهور إلى أن مسكنه القلب وعلى ذلك تضافر الكتاب، والسنة ~~والعقول. # أما الكتاب: فقوله تعالى: )إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب( أي: عقل فعبر ms014 ~~عن الحال بمحله، وقال تعالى )أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون ~~بها(. # أما السنة: فقوله عليه السلام: )إن في ابن آدم لمضغة إذا صلحت صلح الجسد، ~~وإذا فسدت فسد الجسد ألا وهي القلب( وصلاحه يكون بزيادة ما فيه من العقل ~~الهادي إلى الخير، وفساده يكون بنقصانه الحاوي على الشر. # وأما المعقول: فإن العقل لما كان شريفا وجب أن يكون مكانه أشرف الأعضاء ~~وأشرف الأعضاء القلب، لأنه الرئيس الأعظم، لو أنه أول عضو يخلق من الإنسان ~~ولما كان الأهم في الخلق كان الأشرف في الأعضاء ولأن محله من البدن في ~~الوسط، والأعضاء محيطة به فكان كالملك حوله وأشياعه وعبيده PageV01P009 ~~القول فيما امتاز به الإنسان من التخليق والتركيب # ونجعل الكلام فيه: بأن الاحتلام، أعني يبتدئ في الصبي إذا بلغ أسبوعين ~~منت السنين، وفي هذا السن تنبت عانته، ويخشن صوته، وتتغير رائحة عرقه ~~وتنفلق أرنبته من طرف الروثة، وهذه علامات البلوغ، وكذلك النساء يطمثن إذا ~~مر عليهن السن، ويرتفع ثديهن، وتتغير أصواتهن، ومتى طمثت الصبية هاجت إلى ~~الجماع، وتتلذذ بذكره من غير فعل، وبعض الذكور لا يحتلم، وكذلك بعض النساء ~~لا تطمث. # ومنها أن المني لا يوافق الولادة إلا بعد مضي ثلاثة أسابيع سنينا وهذا ~~المعتاد، وقد رأيت أن ولدا للمقتدر حملت منه جارية وهو ابن إحدى عشرة سنة، ~~وفي صحيح البخاري: )إن المغيرة بن سعيد قال احتلمت وأنا ابن اثنتي عشرة سنة ~~وفيه أيضا عن أن الحسن ابن صالح قال أدركت جارة لنا جدة وهي ابنة إحدى ~~وعشرين سنة(، وكان بين عمرو بن العاص وبين ولده عبد الله اثنتا عشرة سنة ~~وإذا جامع الرجل المرأة، وبقي المني في رحمها ستة أيام، ولم يقع فذلك دليل ~~على الحمل فإذا تم الحمل لا يكون خروج الدم طبيعيا بل يرجع إلى الناحية ~~العليا إلى الثديين فيستحيل لبنا عند قرب الولادة. # ومنها أن الرجل يستفرغ ولد امرأتين لأنه يولد له وهو ابن تسعين سنة، ~~والمرأة لا تلد بعد الخمسين إلا نادرا، ولا تحيض، إلا ms015 ما حكي أن موسى بن ~~عبد الله بن حسين حملت به أمه وهي بنت ستين سنة وكان بين موسى بن عبده ~~المريدي وبين أخيه ثمانين سنة ومنها أن المرأة تفرط في السمن فتكون عاقرا، ~~والرجل يكون فلا يطرأ عليه ذلك، والمرأة تهيج في الصيف والرجل في الشتاء. # ومنها أن المرأة إذا حملت أحست بما في بطنها، ولا سيما في نواحي الحالبين ~~فإذا كان الحمل ذكرا فالحس من الناحية اليمنى، يوجد بعد أربعين يوما وإذا ~~كان أنثى فإنه يكون في الناحية اليسرى بعد تسعين يوما في الغالب ومنها أنه ~~أكثر الحيوانات شهوة للجماع، وأقدرها عليه، وإن ضرب المثل في ذلك بالعصفور، ~~فإن العصفور يسفد في فصل وزمان معلوم والإنسان يقدر على ما قدر عليه ~~العصفور في كل حين لا سيما إذا توفرت الدواعي من الغلة والجمال والشبيبة، ~~والرفاهية، وأحد ما يكون الغلام أشبق وألح، وأحرص عند أول بلوغه ثم لا يزال ~~كذلك حتى يقطعه الكبر أو آفة تعرض له، والجارية لا تزال من وقت إدراكها ~~وحركة شهوتها على شيء واحد من ضعف الإرداة حتى تكتهل فإذا اكتهلت قوي عليها ~~سلطان الحرص والشهوة للباه فيكون هيجانها عند سكون هيجان الكهل، وإدبار ~~شهوته. # ومنها أن حد الولادة في الناس مختلف بخلاف سائر الحيوانات فإن مدد حمل ~~الحيوان في كل نوع على حد سواء من الكثرة والقلة إلا النساء، فإن منهن من ~~تلد لستة أشهر وعلى هذا حمل قوله تعالى: )وحمله وفصاله ثلاثون شهرا(، وبذلك ~~أفتى علي عليه السلام في مجلس عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكانت امرأة ~~ولدت لستة أشهر، فأراد عمر أن يرجمها فكف عنها، ومنهن من تلد لسبعة أشهر ~~يقال أن الشعبي ولد لهذا العدد، ومنهن من تلد لثمانية أشهر، وقلما يعيش ~~لعلة ذكرها المنجمون على زعمهم ليس هذا موضع ذكرها وهذه المدد مختلفة، وقد ~~ذكر أصحاب التواريخ جماعة ولدوا فيها، فأما من ولد لثمانية أشهر فعيسى عليه ~~السلام، والشعبي ولد لسبعة أشهر، وكذلك جرير الشاعر وعبد الملك بن مروان ms016 ~~ولد لستة أشهر، ومنهن من تنقضي مدة الحمل التي هي تسعة أشهر وتستأنف مدة ~~أخرى، ولا تيأس من الولد كما حكي أن هرم بن حيان حملت به أمه أربع سنين، ~~ولذلك سمي مرة هرما وإن امرأة لابن عجلان ولدت له بعد أن حملت خمس سنين، ~~وحملت مرة أخرى ثلاث سنين ثم ولدت غلاما وكانت تسمى حامل الفيل، وروي أن ~~الضحاك بن مزاحم حملت به أمه ستة عشر شهرا، وولد شعبة لسنتين، ومالك بن أنس ~~- رضي الله عنه - لثلاث سنين، وخرج من بطن أمه، وقد بدت أضراسه، وسمع نساء ~~الحجاز من ولد عمر بن الخطاب يقلن ما حملت امرأة منا أقل من ثلاثين شهرا، ~~وولدت بنت أبي عبيدة محمد بن حسن على رأس أربع سنين. PageV01P010 ومنها أن ~~النساء وإن اختلفن في مدة الحمل، وبين سائر الحيوانات في ذلك فقد يشتركن ~~معها في أن تلد المرأة فذا وتوأمين، وربما ولدت ثلاثة أو أربعة وخمسة بقالب ~~البخاري: بنو راشد السلمي أربعة ولدوا في بطن واحد، عامتهم محدثون، وكان ~~شريك لهذه الأعجوبة يقول: إذا مات الرجل وله حمل وأرادوا أن يقسموا الميراث ~~عزلوا نصيب أربعة ذكور لما شاهد من بني راشدة، والمرأة إذا وضعت توأمين، ~~وكان أحدهما ذكرا فقلما يسلمان. # ومنها أن المرأة تحتمل الجماع بعد الحمل بخلاف سائر الحيوانات وربما ~~علقت، وهي إذا علقت بعد زمان يمضي عليها بالذي حملت به أولا يتم ويهلك ~~الأول والثاني، فإن علقت بعد الحمل بزمان يسير يسلمان كلاهما وهما ~~التوأمان، وحكى أرسطو في كتاب الحيوان: أن امرأة ولدت لتسعة أشهر ثم ولدت ~~بعد ذلك بشهرين فعاش الثاني وهلك الأول. # ومنها أنه قد يولد لذوي العاهات ما يشبههم من الأولاد، فيولد للأعرج أعرج ~~وللأعمى أعمى، وربما كانت العاهة في ولد الولد وكذلك في اللون. # ومنها أن جميع الحيوانات التي لها أربعة أرجل يكون ولده في الرحم ممتدا ~~منبسطا ما خلا ولد الإنسان فإنه يكون قاعدا القرفصاء شبه المتفكر وأنفه بين ~~ركبتيه وأذناه خارجتان عنه ويداه عليهما، وهو يتنفس ms017 في خلاء ووجهه إلى ~~الصلب لتحدر الطعام على صلبه ولا يتأذى به. # ومنها أن يتقدم الجنين عند خروجه ماء، وذلك عند انقلاب الرحم والمشيمة ~~ومتى لم تربط سرته لساعة وقوع المشيمة، وسال منها دم قبل أن يجمد هلك. # ومنها أن المولود إذا نعر لساعته وأومئ بيده إلى فيه، وطلب الثدي ويلازمه ~~السهر أربعين يوما، ويقال أن ذلك من وحشة يجدها لفراق وطنه الذي كان فيه ~~وهو الرحم، وما أحسن قول علي بن العباس بن جريح الرومي وقد ذكر هذه الحالة، ~~وما الحكم فيها: # لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون الطفل ساعة يوضع # وإلا فما يبكيه منها وإنها ... لأفسح مما كان فيه وأوسع # إذا عاين الدنيا استهل كأنه ... بما سوف يلقى من أذاها يفزع # وقد ورد أن ذلك من طعن الشيطان له في خاصرته. # ومنها أنه إذا خرج من الرحم يخر مقبوض الكف، ويقول أصحاب الإشارات أن ذلك ~~دليل حرصه على الدنيا، وإذا مات فتح كفه، يشير بذلك أني مع حرصي عليها خرجت ~~منها بلا شيء، وقد نظم هذا بعض الفقهاء فقال: # وفي قبض كف الطفل عند ولاده ... دليل على الحص الموكل بالحي # وفي بسطها عند الممات إشارة ... ألا فانظروني قد خرجت بلا شيء # ومنها أنه قد يولد مختونا وتسميه العرب ختان القمر، ويزعمون أن السبب في ~~ذلك، ولادة أمه له في مكان صاح للقمر لا يستره سقف ولا جدار. # قال أمرؤ القيس يهجو قيصر ملك الروم: # إني حلفت يمينا غير كاذبة ... لأنت اقلف ألا ما جنى القمر # إذا طعنت به مالت عمامته ... كما تجمع تحت الفكة الوتر # وقد ولد جماعة من الأنبياء - صلوات الله عليهم - كذلك منهم سيد البشر ~~الشفيع المشفع في المحشر - الذي ختم به النبيين وأعلا درجته في عليين - ~~محمد المبعوث إلى الأحمر والأسود صلى الله عليه صلاة دائمة يوم بنعث ونحشر ~~ومنه أنه حين يولد تكون عينيه زرقاء ثم يتغير إلى اللون الذي شأنه أن يوجد ~~له، ولا يوجد ذلك شيء من الحيوان، وهو في طفولته ms018 يحلم ولهذا نرى - حين ~~ينتبه - أما مذعورا يبكي وأما مسرورا يضحك والإنسان وحده يولد، ولا أسنان ~~له، لقلة الأرضية فيه، فإذا كبر صلبت مواده، وصلحت لمادة الأسنان، وجميع ~~عظامه من الكون الأول سوى الأسنان فإنها تتجدد مرتين في العمر مرة في الشهر ~~السابع وما بعده، ومرة في العام السابع وما بعده. # والذي يختص بالصورة أمور منها: إن الله تعالى ميزه على سائر الحيوانات ~~بأن خلقه في أحسن تقويم فجعله منتصب القامة عريض الظفر معرى البشرة عن ~~الوبر، وجعل عقله في دماغه، وصرامته في قلبه، وغضبه في كبده، وسروره في ~~كليته وضحكه في طحاله، ورعبه في رئته، وفرحه في وجهه. # ومنها أن جعل الحلاوة في عينيه، والجمال في أنفه، والصباحة في وجهه ~~والوضاءة في نشرته، والملاحة في فمه، والظرف في لسانه، والحسن في شعره ~~والرشاقة في قده واللباقة في شمائله PageV01P011 ومنها أن جعل لعينيه ~~أهدابا عليا وسفلى بخلاف سائر الحيوانات فإن ذوات الربع لها أهداب لأجفانها ~~العليا دون السفلى، وليس لعيون الجناح أهداب البتة. # ومنها أن ميز أنفه بالشم والقنا وجعله مثلث الشكل مستطيلا مبرأ من الفطس ~~والخنس. # ومنها النطق الذي لولاه كان صورة ممثلة أو بهيمة مهملة، وهو فصيح وإن عبر ~~عن نفسه باللفظ والخط، والعقد، والإشارة. # ومنها ما في يده من المنافع فإنه، لما كان محتاجا إلى الخياطة والكتابة ~~وسائر الصنائع العملية قسمت الأصابع، وقسمت الأصابع إلى أنامل، وهو وإن ~~شاركه الصنائع الحيوان في حاستها المدركة للملامسة، والخشونة، واللين، ~~واليبس، والحرارة، والبرودة فقد امتاز عنه بأن أضيف إليه معرفة الثقل ~~والخفة، وكذا إن شاركه الهر والقرد في إجهاز ما يأكلانه إلى الفم فليس فيها ~~من المرافق ماله، فإنه إذا بسط كفه كان طبقا، وإن قعره كان مغرفة، وإن ضم ~~الكفين بعضهما إلى بعض في التقعير كان قبعا وإن ضم أصابعه كان له سلاحا ~~يقاتل به عدوه. # وقال بعض الباحثين عن خلائق الإنسان أنه جمع فيه جميع ما تفرق في الحيوان ~~ثم زاد عليها ثلاث خصال بالعقل للنظر في الأمور ms019 النافعة لتجلب والضارة ~~لتتجنب، وبالمنطق لإبراز ما استفاد من العقل بواسطة النظر، وباليدين لإقامة ~~الصناعات وإبراز الصور فيها مماثلة لما في الطبيعة من قوة النفس ولما انتظم ~~له هذا كله جمع الحيل للطلب والهرب، والمكايدة والحذر، وهذا بدل من السرعة ~~والخفة التي في الحيوان، واتخذ بيده السلاح مكان الناب والمخلب والقرن، ~~واتخذ الجنن لتكون رقابة له من الآفات مكان الشعر والوبر. # وقال الجاحظ: وهم يجعلون كل إنسان وطائر ذا أربع، فجناحا الطائر يداه ~~ويدا الإنسان جناحاه، ولهذا كان كف الطائر في رجله وكف الإنسان في يده، ~~ولما كانت يد الإنسان جناحه صار إذا عدا يحركهما، ومتى قطعتا لم يجد العدو ~~كما، لو قطعت رجلا الطائر لم يجد الطيران، وفي الناس من إذا فقد يديه عمل ~~برجليه كل ما كان يعمل بيديه لو كانتا له، وركب ذوات الأربع في يديها، وركب ~~الإنسان في رجليه، وفي الناس من يعمل بيساره ما يعمل بيمينه، ويسمى أعسر ~~يسر، وبهم من يقصر بيمينه عما يعمل بيساره، ويسمى الأعسر، وإذا كان أعسر ~~مصمتا فليس سوى الخلق. # ومنها أنه ليس في الحيوان ماله ثدي في صورة غير الفيل والإنسان لكن هما ~~في الفيل بين الحالبين، والصدر، وربما حني الرجل على الطفل فدرت له ثدياه ~~وكذلك المرأة العاقر. # ومنها أن سائر الحيوان الناحية العليا منه أنبل من الناحية السفلى خلا ~~الإنسان، فإنه بالعكس إذا كان حدثا، وإذا أسن كان على التساوي وهذه علة ~~اختلاف سيره وحركته، وكذلك رجلاه أكبر من يديه، وليس ذوات الأربع من ذوي ~~البراثن والحوافر، فإن أيديها أكبر من أرجلها. # ومنها أن المرأة إذا غرقت رسبت، فإذا انتفخت طفت منقلبة على وجهها والرجل ~~بخلاف ذلك، وإذا ضربت عنقه لا تتحرك له جثة بخلاف سائر الحيوان إذا ذبح ~~وإذا وقعت جثته في الماء بعد بينونة الرأس عنها لم ترسب، وبقيت قائمة في ~~الماء، ولم تظهر أكان الماء جاريا أو راكدا، فإذا جاف وانتفخ وانقلب وظهر ~~بدنه كله. # ومنها أن كل أخرس أصم حكمة من الله تعالى، ms020 ولطفا إذ لو سمع الكلام ولم ~~يجب مات حسرة، وأصحاب الكلام في الطبائع يقولون: إن الخرس طارئ عن الصم، ~~وإنما كان ذلك لأنه حين لم يسمع صوتا قط مؤلفا، أو غير مؤلف لم يعرف ~~كيفيته، فيقصد إليه ويحكيه. # ومنها أن في طبع الإنسان، أنه متى انهزم نزل عن جواده ليحضر ببدنه لأنه ~~يظن أن إحضاره أنجى له، وأنه إذا كان راكبا على ظهر فرسه كان أقرب إلى ~~الهلاك. # ومنها أن في الناس من يحرك فروة رأسه ومنهم من يحرك أذنه من بين أعضائه، ~~وربما حرك إحداهما وترك الأخرى ساكنة، ومنهم من يبكي إذا شاء من غير سبب ~~محدث للبكاء، ومنهم من يبكي بإحدى عينيه، وبالتي يقترحها المنعت له. ~~PageV01P012 ومنها أنه متى خصي صلب عظمه، وعظمت رجلاه، وساوى الصبي في ~~الأمن من الصلع، وغيره من الحيوان إذا خصي دق عظمه واسترخى لحمه، ومتى خصي ~~الإنسان في أي سن كان، حفظ عليه الخصاء حال تلك السن من الأفعال السياسية ~~والطبيعية مدة حياته فمتى خصي قبل العشر سنين لم يتغير دمه عن دم الطفولية ~~ويبقى في مزاج الصبي لابثا لا يتحرك، وإن تعالت سنه، والدليل على ذلك أنه ~~إذا غضب بكى، وإذا غلب سطى، ويرضيه الخداع أكثر مما يرضيه الحق ويعرض له ~~الشر عند حضور الطعام، والبخل عليه والشح الغالب في كل شيء وكل ذلك من ~~أخلاق الصبيان، ومن خصي وهو في النحو لا يؤثر الخصاء في مزاجه وذلك بعد ~~ثماني عشرة سنة ولم تسقط لحيته لكنه يعدم الشهوة أما كلها أو بعضها، ويسلم ~~له جميع ما للفحول، وهو مع الخصاء يحتلم ويرى الماء إلا أنه غير دافق، وليس ~~له رائحة الطلع، ويجامع النساء كثيرا لكنه ينزل بعد الجهد الشديد ماء يسيرا ~~متغير الريح، وقال الجاحظ: الخصي تقوى شهوته، وتسخن معدته وتتسع فقحته، ~~وتنتن جلدته، وتنجرد شعرته، وتكثر دمعته، ويخرج من أكثر معاني الفحول ~~وصفاتهم، فصار كالبغل الذي ليس بحمار، ولا فرس، وتصير أخلاقه مقسومة على ~~طبائع الذكر والأنثى، وربما لم يخلص له ms021 خلق، ولم يصف بل يصير مركبا ممزوجا ~~مذبذبا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ومن العجب خروجه عن شطر طباع الذكورة ~~إلى شطر طباع الأنوثة، ولا يعرف له التخنيث، وكان ينبغي أن يكون في الخصيان ~~عاما. # القول في السبب الموجب لتغاير أخلاق الإنسان # قد تقرر بالاختبار الباحث عن الإنسان وطرائق ما فيه، وبه أن أحواله ~~مختلفة لسبب أن كل ما يدور ويجوز عليه مقابل بالضد أو شبهه كالحياة والموت ~~والنوم واليقظة، والحسن والقبح والصواب والخطأ، والخير والشر، والرجاء ~~والخوف والعدل والجور، والشجاعة والجبن، والسخاء والبخل، والحلم والسفه ~~والرضا والغضب إلى غير ذلك مما يطول تعداده، ويكثر ترداده، وما ذاك إلا ~~ليظهر امتيازه على سائر الحيوانات فإنها لم يوجد منها شيء يزول عن خاصيته، ~~ولا يتعداها إلى خلافها لأن الأسد لا يوجد جبانا، ولا الأرنب جريئا ولا ~~الغزال بطيئا لا الدب سريعا وقد يوجد الإنسان جريئا كالأسد، جبانا كالأرنب ~~سريعا كالغزال، بطيئا كالدب، خبيثا كالثعلب، سليما كالفيل، ذليلا كالكلب، ~~عزيزا كالفهد، وحشيا كالنمر، أنيسا كالحمار، ويقال الإنسان صفو الجنس الذي ~~هو الحيوان، والحيوان كدر النوع الذي هو الإنسان، فالإنسان هو الشخص الذي ~~هو واحد النوع، وما كان صفوا وخلاصة بهذا النظر فيه من كل ضرب من الحيوان ~~خلق أو خلقان، أو أكثر، فظهر بذلك عليه ويظن أيضا فيه بالأقل والأكثر، ~~والأغلب والأضعف كالكمون الذي في طبائع الخنزير والفأرة والبيات الذي في ~~طباع الذئب والتحرز الذي في طبائع الجاموس من بنات الليل، والتقدم الذي في ~~طباع الفيل أمام قطيعه تمثلا بصاحب المقدمة، والحذر الذي في طباع الخنزير، ~~والكمن تمثلا بصاحب الساقة، وكأوبة الطير إلى أوكارها، وغيرها من الدغل ~~والأعشاب والغياض التي تراها كالمعاقل ولما وهب الإنسان الروية وأعين ~~بالفكر، ورفد بالعقل جمع هذه الخصال وما هو أكثر منها لنفسه، وفي نفسه بما ~~خصصه به خالقه وميزه حين أظهره للوجود وأبرزه قال الشاعر: # وليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد PageV01P013 وبهذه ~~المزية فضل جميع الحيوانات حتى بلغ منها مراده بالتسخير والأعمال ms022 واستخراج ~~المنافع منها وإدراك الحاجات بها وهذه المزية استفادها بالعقل لأن العقل ~~ينبوع العلم والطبيعة ينبوع الصناعات، والفكر بينهما مستمد منها فصواب ~~بديهة الفكر من سلامة العقل وصواب روية الفكر من صحة الطباع وصحة الطباع من ~~موافقة المزاج بالبدن الاتفاقي والاتفاق الغيبي. وأصحاب الكلام في تهذيب ~~الأخلاق يرون أن اختلاف الأخلاق في الإنسان كائن عن اختلاف قوى النفس ~~الناطقة فإنهم يسمون القوة التي محلها الدماغ النفس الإنسانية وعنها تصدر ~~الأفعال الملكية والقوة التي محلها القلب، النفس الغضبية وعنها تصدر ~~الأفعال الشيطانية، والقوة التي محلها الكبد النفس الشهوانية وعنها الأفعال ~~البهيمية، ولا يخلو أن تقوى كلها حتى تبدو أفعالها متكافئة من غير مطاوعة ~~منها لغيرها وتكون كعدة أقوام ترافقوا ولهم أغراض بعددهم ليس للواحد منهم ~~على الباقين رئاسة، فهم مترافقون متعاضدون حتى تسلم لهم الحياة في سبيلهم، ~~ويتم لكل واحد منهم إدراك غرضه، وإذا كانت كذلك كانت نفوس الملوك الجبابرة ~~والساسة القاهرة لما فيها من علو الهمة التي في خاصة بالنفس الإنسانية، ~~ولما فيها من التغلب والاعتصام ومنع اجانب، وانتهاك الحرمة، وذلك خاص ~~بالنفس الغضبية، ولما فيها من الحرص والطمع والنشوة والاستئثار بالأموال من ~~غير اعتقاد كغاية أو وقوف عند غاية، وذلك خاص بالنفس الشهوية وأما أن تضعف ~~النفوس الثلاث ضعفا متكافئا حتى لا تصل واحدة إلى حقها إلا أنها في هذا لا ~~يقال لها سقيمة ومن كانت هذه حال أنفسهم كانوا إسقاط الناس ورعاعهم وأهل ~~الضعف والسكينة، ومن لا يوجد لهم تقدم في معاشه ولا تدبير في نفسه ولا يأخذ ~~نفسه بدقيق الصنائع ولا بمعالي الأمور، ولا يلتمس قوته في نفسه إلا عند نوع ~~قليل الفكر كثير النوم لا تسؤوه اللأواء ولا تسره النعماء، وأما أن تقوي ~~النفس الإنسانية، وترأس الغضبية والشهوية مع سلامتها، ولزومهما الحال ~~الأفضل ومن كانت نفوسهم كذلك كانوا حكماء الناس وفلاسفتهم، والمعلمين ~~الحكمة فإن كانتا ضعيفتين مسامتين ليستا على المجرى الطبيعي، ومن كانت هذه ~~الحال أنفسهم كانوا عبادا زهادا، خائفين لله عز وجل، هينين لينين أو ms023 ظباء ~~الأخلاق قليلي الشهوة للمآكل والمشارب، والمناكح زاهدين في المكاسب ~~والتجارات محبين لله تعالى راغبين فيما عنده منقطعين إليه، وذلك أنهم لما ~~بطل تعلق النفس الغضبية والنفس الشهوانية ظفرت النفس الإنسانية بنفسها ~~فاشتاقت إلى عالمها، وزهدت فيما سواه، وأما سقم الثالثة فتبطل أفعالها ولا ~~يوجد لشيء منها المجرى الطبيعي فيكون من ذلك البله والمعتوهون، ومن لا يحصل ~~من أمر دينه ولا ماكله ولا مشربه شيئا البتة حتى أنه يوجد هؤلاء من لا ~~يلتمس قوته، ومنهم يثب على الناس، ومنهم من يخاف الناس، ومنهم من فيه ~~مداراة للناس وخبث، وأما أن تقوى الغضبية وتملك الاثنتين وتستولي عليهما مع ~~سلامة فيها وهذه نفوس المحاربين وأهل النجدة والإقدام والبطش والمنافسة ~~والتغلب لأن تدبير النفس الإنسانية كله هو فيما كان فيه لذة النفس الغضبية ~~وأما أن تقوي النفس الغضبية مع سقم الاثنين وخروجها عن الحالة الطبيعية ~~فتكون هذه نفوس السراق وقطاع الطريق، وأهل الدعارة وقتلة النفوس، والصابرين ~~على العقوبات فهذه الطبقة تستلذ أن تؤذي من لا يؤذيها، وترى ذلك مغنما، ~~قاسين القلوب على نفوسهم فضلا على من سواهم، وأما أن تقوى الشهوانية وتملك ~~الاثنين مع سلامة منهما، فإن هذه نفوس التجار وكسبة الأموال، وأهل الثراء، ~~وأما أن تقوى وتستقيم الاثنتان، ويبطل فعلهما إلا أنهما ليستا بسقيمتين ~~البتة، فتكون هذه النفوس نفوس الملاحين والنقلة والرعاع وكل من تعبه لشبع ~~بطنه، وقد تقوي نفسان وتستقم واحدة أو تسقم نفسان وتقوى واحدة ولهذا ضرب من ~~التركيب لا يخفى على من له ذهن وفكر # فصل # وها هنا أمثلة ضربت لذي العقل الرزين ليتبوأ منها معقل الرشد الحصين، ~~قربت فيها الحكماء بعد الأرب، وجعلتها فارقة في الاختلاف بين الضارب ~~والضرب. PageV01P014 ومنها أنهم مثلوا النفس الإنسانية بالملك المستولي، ~~وأفضل أحواله أن يكون عالما عادلا لينا مهيبا مطاعا قويا من غير غلطة، ~~رؤوفا من غير مهانة والنفس الغضبية مقال جنده الذين يسدون ثغوره ويقهرون ~~أعداءه، ويقومون رعيته، وينفذون أمره وأفضل أحوالها أن تكون عزيزة الجانب ~~في نفسهم سهلة الانقياد لسلطانها المستخدم ms024 لها، والنفس الشهوانية مثال ~~رعيته الذين يجب أن يكون عريكتهم لينة مواتية ورهبتهم منه، ومن جنده ثابتة ~~مستحكمة فمتى أخذت هذه القوى مأخذها، وتعادلت في أوزانها وأقسامها كان ~~الإنسان كاملا وإن زال عن ذلك نقص، وكان نقصانه بمقدار زواله، والنفس ~~الإنسانية، لا تسلم من معارضتها إلا أن تكون صارمة قوية أبية، فإنها إذا ~~كملت شدتها واستحكمت قوتها ثبتت لمقابلة العدوين اللذين معها، إذ قيل للقوي ~~بين الضعيفين، فأما إن كانت وضعيفة بين قوتين فهناك تجتمع المعايب والمثالب ~~وترتفع المحاسن والمناقب. # ومنها أن البدن كالمدينة، والنفس الإنسانية كالملك، والحواس الباطنة ~~والظاهرة كالجنود، والأعضاء كالرعية، والغضب والشهوة كعدوين ينازعانه الملك ~~ويسعيان في هلاك رعيته، فإن قصد الملك قهرها استقامت مملكته وصارت إلى ~~العاقبة رعيته وإن لم ينازعهما، وضيع الحزم اختلت مملكته وصارت عاقبة أمره ~~إلى الهلاك. # ومنها أنهم قالوا: مثل النفس الإنسانية مثل الفارس ركب لأجل الصيد فشهوته ~~فرسه وغضبه كلبه، فمتى كات الفارس حاذقا، وفرسه مرتاضا، وكلبع معلما كان ~~جديرا بالنجح، ومتى كان الفرس جموحا والكلب عقورا، ولا فرسه تنبعث تحته على ~~حسب إرادته، ولا كلبه يسترسل بإشارته، فهو خليق بالعطب فضلا عن أن ينال ما ~~طلب. # ومنها أن البدن كبيت فيه إنسان وسبع، وخنزير، فالإنسان النفس الإنسانية، ~~والسبع الغضب، والخنزير الشهوة، فأي الثلاثة غلب فالمسكن له فيجب أن تكون ~~هاتان النفسان تحت سلطان النفس الإنسانية فيجريهما مجرى المركب الذي يركبه ~~عند الحاجة بسرج يذلله وشكيمة تحنكه، وحنان يلينه وسوط يخفيه فإذا نزل عنه ~~ألزمه الشكال والرباط لئلا يجد على حال من الأحوال شيئا إلى أن يشرد فيهلك ~~ويجني على صاحبه، والقول الحق أن الخلق مشتق من الخلق وكما لا سبيل إلى ~~تبديل الخلق كذلك لا قدرة على تحويل الخلق ولكن لا مندوحة على الاستبصار، ~~وقمع التلون بعزائم الاستبصار حتى يصير المحمود من الأخلاق بحتا والموصوف ~~لا يشتغل بالأرزاء به وقتا ولو لم يكن ذلك ممكنا لما وضعت الحكماء الكتب في ~~الحض على تهذيب الأخلاق وإصلاحها، وليس ذلك بالعبث فيها بل ms025 لمنفعة عظيمة ~~موجودة ظاهرة، مثاله أن الحبشي يتدلك بالماء والغسول لا ليستفيد بياضا، ~~ولكن ليستفيد نقاء شبيها بالبياض والنفس الإنسانية إذا ساست القوتين أعني " ~~الغضبية والشهوية " ، فحذفت زوائدهما ونقت فواضلهما ووفت نواقصهما، وذيلت ~~قوالصهما أعني إذا رأت غلمة في الشهوة أخمدت نارها، وإذا وجدت السرف في ~~الغضبية قصرت عنائها فحينئذ يقومان على الصراط المستقيم فيعود السفه حلما، ~~أو تحالما، والحسد غبطة، أو تغابطا، والغضب كظما أو تكاظما، وصرفت هذه ~~الكوامن في هذه المكامن إذا سارت سورتها، وثارت ثورتها على مناهج الصواب ~~تارة بالعظمة واللطف، وتارة بالزجر والعنف، وتارة بالأنفة وكبر النفس وتارة ~~بإشعار الحذر وتارة بعلو الهمة، وهناك يصير العفو عند القادر ألذ من ~~الانتقام، والعفاف عند الهائج أحلى من قضاء الوطر، والقناعة عند المحتاج ~~أشرف من الإسفاف، والصداقة عند الموتور آثر من العداوة والمرارة عند المحفظ ~~أطيب من المماراة على أن الأمرين بالتخلق والتطبع غير منكرين PageV01P015 ~~إن الأخلاق تابعة لمزاج البدن في الأصل يقال: إن الخلق من الخلق، والولد ~~شبيه بوالده لكنهم لما رأوا كل ما يمكن أن يقال فيه للإنسان لا تفعل هذا أو ~~قلل منه وكف عنه كما يقال لبصير سدد طرفك، واكحل عينيك وقر ناظرك، وكذا ~~يقال للطويل تكامن في هذا الزقاق حتى دخلن وتقاصر حتى تصل لمرور به، وحرضوه ~~عليه لوجود الأمكان، وعدم العجز عن وطئ الجسر في امتثال الأمر، ولا كان ~~الحال هذه، فرقوا ما تقدم التمثيل به في الاستطاعة وبين تكليف ما لا في ~~الوسع، وهذا إن يقال للأعمى لم لا تكون بصيرا وللطويل لم لا تكون قصيرا، ~~فإن الأول من باب الخلق الذي مكن أن ينتقل، والثاني من باب الخلق الذي لا ~~يمكن أن يتبدل، والإمكان مخلوق في المكلف، ولولا هذا لما قال تبارك وتعالى: ~~)ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها( ثم قال: )قد أفلح من زكاها وقد ~~خاب من دساها( فلو لم يكن ممكنا لما لاح الفلاح ليحضه بالحرص على تزكية ~~النفس والاجتهاد في إزالة لبس الدين وقد قالوا ونفائس الأخلاق ms026 وخسائسها ~~تكون بحسب التمايز والغرائز فإن كرمت أواصره فمحمول إلا أن تغلب النفس ~~هواها فيشوب من أخلاقها بالمذموم، ومن لومت عناصره مطبوع على الشر إلا أن ~~تحدث بقواها فيمتزج المذموم من أخلاقها بالمحمود، لكن لا يدومان، فإن الطبع ~~أملك للنفس التي هي محله وعلة تضاد أخلاق الكريم إن نفسه الإنسانية ربما ~~ضجت أو اهتضمت فتبعثها أنفتها من العار على المكافأة والانتصار، كما قال ~~الجاهلي: # ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا # وقال أعرابي: # أنا الصاب إن " شورست " يوما وإنني ... جني النخل إن سومحت يوما لأكلي # بسيط يد بالعرف والنكران أقل ... بوعد وإيعاد أقل قول فاعلي # صؤول على الضعف المنيخ وممسك ... غرامي عن الواهي المضلل # وكما قال البحتري: # متى أخرجت ذا كرم ... إليك ببعض أخلاق اللئيم # وكما قال أبو تمام: # أخرجتموه بكره عن سجيته ... والنار قد تنقضي من ناصر السلم # ومن كلام الحكماء كن من الكريم حذرا إن أهنته، ومن اللئيم إن أكرمته ومن ~~العاقل إن أحرجته، ومن الأحمق إن مازحته، ومن الفاجر إن عاشرته، وقد تظرف ~~بعض المتأخرين في قوله: # تكرمت لا طبعا وجدت تكلفا ... فقام خطيب في البرية يخطب # فلما أتاك الناس من كل جانب ... منعتهم بالطبع والطبع أغلب # وعلة ذلك في اللئيم أنه ربما كان له صديق يصفي له الود لا يعبأ به جريا ~~على سجيته، فإذا ألم وتكلف من التودد ما لا في وسعه فيعجز، ويقصر ولهذا قال ~~القائل في ذلك: # هيهات لا تتكلفن في الهوى ... فضح التطبع شيمة المطبوع # والسابق إلى هذا القول زهير بن أبي سلمى حيث قال: # ومن يبتدع ما ليس من حتم نفسه ... يدعه ويغلبه على النفس حتمها # وقد أبان بعض المتكلمين في الخلاق السبب في تباينها واختلافها، وتغلب ~~بعضها على بعض فقال المخلوقات على ثلاثة أقسام: إما كامل لا تتطرق إليه ~~النقصانات، وهم أصحاب العالم العلوي )أجسادهم السماوات وأرواحهم الملائكة، ~~ونفوسهم الكواكب. وإما ناقص لا تتطرق إليه الكمالات وهو الحيوان والمعادن ~~والنبات. بقي من التقسيم قسم وهم الذين يكونون كاملين ms027 مرة، وناقصين أخرى ~~فإذا صاروا في الكمال كانوا جالسين مع الملائكة في حضرة رب العالمين ~~معتكفين على بابه مواظبين على ذكره متوكلين على رجمته، وأما إذا صاروا في ~~النقصان ومقام الغضب والشهوة، أما في الغضب فتارة يكون كالكلب العقور، ~~والجمل الصؤول، وتارة كالنار المحرقة، والمياه المغرقة وأما في الشهوة ~~فتارة يكون كخنزير أجيع ثم أرسل إلى النجاسات، وتارة كالذباب يدب على ~~القاذورات فهو مع كونه شخصا واحدا، يصدق عليه أنه ملكي نوراني بالفضائل، ~~وشيطاني ظلماني بالرذائل، وقالت الأطباء تباين أخلاق الإنسان عن اختلاف ~~الطبائع فيه فغن الحرارة إذا غلبت على مزاج القلب يكون شجاعا سريع الحركة ~~والغضب قليل الحقد، ذكي الخاطر حسن الأخلاق، وإذا غلبت عليه البرودة يكون ~~بليدا غليظ الطبع ثقيل الروح، وإذا غلبت عليه الرطوبة يكون لين الجانب سمح ~~النفس كثير الإنسان، وإذا غلب عليه اليبس يكون صبورا ثابت الرأي، صعب ~~الانقياد والمراس، يضبط ويحقد، ويمسك، ويبخل، وقد لمح بعض الشعراء فقال: ~~PageV01P016 تحمل أخاك على ما به ... وإلا فما فيه مستمتع # وأنى له خلق واحد ... وفيه طبائعه الأربع # وعلى أثر ذكر الطبائع سئل جالينوس عن الإنسان فقال سراج ضعيف بين أربع ~~رياح، يريد البروج والطبائع الأربع. # وقال آخرون إنما اختلفت أخلاق الإنسان عن اختلاف الطينة التي خلق منها، ~~لأنها كانت مجموعة من طيب الأرض وخبيثها وسهلها وحزنها، وأحمرها وأسودها ~~وقد أشار بعض الشعراء إلى ذلك بقوله: # والناس كالأرض ومنها هم ... واثمد يجعل في الأعين # ومن تشتكي الرجل منه الأذى ... من خشن قاس ومن لين # ومن أحسن ما يقال من القول الذي يفي بحق الإنسان في التكريم وتعلية درجة ~~التعظيم: إن الله تعالى ركب فيه الضدين بدليل قوله تعالى )وهديناه النجدين( ~~وهما على بعض الأقوال مختلفان، اختلاف المطعم والماء، يصدر أحدهما حالة ~~الأفاقة، والآخر حالة الإغماء وإلى هذا أشار الشاعر بقوله هذا: # تمر على المرء أيام محنته ... حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن # فهذا عذب فرات صلح لأحياء ما هو ن الفضائل في عداد المرات، وهذا ملح أجاج ~~قطع ms028 عبابه ما نهج للمدح من المسلك، والفجاج، ولما اقتضت الحكمة الإلهية ~~جبلة على ذلك جعل بازاء كل مذموم من الملائم محمودا من المكارم لتغشى ~~الظلمة بالنور فبصيرته في خير المستور فتغلبه بعض هذه الأخلاق على بعض، في ~~الإنسان تعلو فيعلو، أو تنقص فيرخص، فإن علا استحق قول الشاعر: # يا كامل الآداب منفرد العلا ... والمكرمات ويا كبير الحاسد # شخص الإمام كمالك فاستعذ ... من شر أعينهم بعيب واحد # وقول الآخر: # قد قلت حين تكاملت وغدت ... أخلاقه زينا بلا شين # ما كان أحوج ذا الكمال إلى ... عيب يوقيه من العين # وإن نقص استحق أن يقال فيه: # تأنست بذميم الفعل طلعته ... تأنس المقلة الرمداء بالظلم # القول في معنى تسميتهم الإنسان بالعالم الصغير فذلك كمن وجوه: منها أن ~~معنى تسميتهم أوجد المخلوقات خمسة ضروب الجماد والنبات والحيوان والشيطان، ~~والملك، وكلها مجموعة في الإنسان فهو جماد حيث يكون نطفة ولا حركة فيه ولا ~~حس وهو نبات حيث ينمو ويغتذي، وهو حيوان يلد ويألم وهو شيطان حيث يقوى ~~ويضل، وهو ملك حيث يعرف الله تعالى ويعبده. # ومنها أنه يصور كل شيء بيده، ويحكي كل صوت بفيه، ولأنه ينهش اللحم كما ~~تنهش السباع، ويأكل البقول كما تأكله البهائم، ويقضم الحب كما تقضمه الطير، ~~ولهذا قالوا لا متفرق لو جمع كان منه إنسان إلا العالم، ولا مجتمع لو فرق ~~كان منه العالم إلا الإنسان، فهو إنسان بالفعل عالم اكبر بالقوة، وعالم ~~أكبر بالفعل إنسان بالقوة. # ومنها أن الله تعالى خلق المخلوقات في عالم الأجساد على أربعة أصناف قائم ~~كالأشجار، وراكع كالبهائم، وساجد كالحيات، والحيتان، وجالس كالجبال، فخلق ~~الإنسان حيث يكون تارة قائما، وتارة راكعا، وتارة ساجدا، وتارة قاعدا ويقال ~~إنما بالعالم الصغير لأنهم مثلوا رأسه وروحه بالشمس إذ قوام للعالم إلا ~~بها، كما لا قوام للجسد إلا بالروح، وعقله بالقمر لأنه يزيد وينقص ويذهب ~~ويعود، ومثلوا حواسه ببقية الكواكب السيارة، وآراؤه بالنجوم الثابتة ودمعه ~~بالمطر، وصوته بالرعد وضحكة بالبرق، وظهره بالبر وبطنه بالبحر ولحمه بالأرض ~~وعظامه بالجبال، وشعره وأعضاؤه ms029 بالأقاليم، وعروقه بالأنهار، ومغار عروقه ~~بالعيون. PageV01P017 ومنها أن فيه ما يشاكل الجمع، والشهور، والأيام، ~~والسنة، أما الجمعة فإن بدنه سبعة أجزاء وهم: اللحم، والعظام، والأعصاب، ~~والعروق، والدم، والجلد، والشعر وأما الشهور فإن لبدنه اثنا عشر جزء مدبرا ~~منها ستة باطنة وهي الدماغ والقلب، والكبد والطحال، والمعدة والأنثيان، ~~وستة ظاهرة وهي العقل والحواس الخمس، وأما الأيام فان فيه ثلاثمائة وستين ~~عظما منها ما هو لبنيه الجسد، مائتان وخمسة وستون عظما، والباقي سمسانية ~~لسد الفروج التي تكون بين العظام، فإن فيه أربعة أخلاط طبعها طبع الفصول ~~الأربعة، فالدم الربيع في حرارته ورطوبته، والمرة الصفراء كالصيف في حره ~~ويبسه، والمرة السوداء كالخريف في برده ورطوبته وسئل أرسطو طاليس: فما تقول ~~في البلغم؟ قال الملك الأكبر إن فتحت عليه بابا، فتح بابا، قيل فما تقول في ~~الدم؟ قال عبدك وبيدك، وربما قتل العبد مولاه، قيل فما تقول في المرة ~~الصفراء؟ قال كلب عقور في حديقة، قيل فما تقول في المرة السوداء؟ قال هيهات ~~تلك الأرض إذا ماجت ماج عليها وقال جالينوس: البلغم في الجسد كالسبع الذي ~~لا يضرب شيئا إلا قتله، وإن منه السودان، كاللص إذا دخل الدار عمد إلى خير ~~شيء فيه فسرقه، يغلب على القلب والدماغ فيفسدهما، والدم كعبد السوء ربما ~~قتل سيده فدواؤه إخراجه لأن التصفية لا تنفع فيه، والصفراء يرضيه اليسير، ~~ويصلحه القليل فهي تهيج بالثمرة وتعمقها شربة باردة وهذه الأخلاط من أول ~~مزاج الأركان التي هي العناصر الأربعة، وهي النار، والهواء، والماء، ~~والأرض، ومزاجها تقابلها وازدواج بعضها ببعض، ومن هذه الأركان يبتدئ ~~التركيب، واليها ينتهي التحليل وهي على الجملة، فالإنسان وعاء القوي وظريف ~~المعاني وطينة والصور ومعدن الآثار، وهدف الأعراض، ولكل شيء فيه نصيب، ومن ~~كل شيء عنده حلية وله إلى كل شيء مسلك، وبينه وبين كل شيء نسبة ومشاكلة، ~~وهو جملة أشياء لا تنفصل، وتفصيل حقائق لا تتصل، وهو لب العالم بين المتوسط ~~بين العالمين وله نزاع إلى الطرفين إلى ما حط عنه بالتشوف إلى الكمال، وإلى ~~ما ms030 يعلو عنده بالتنزه عن النقصان، وهو تابع للغالب، ومنجذب مع الجاذب، ~~وفاعل فيما علا عليه، وقبل أثره، وقابل مما انحط عنه وسرى إليه أثره والله ~~اعلم بالصواب. # الباب الثاني # في ذكر طبائع ذي الناب والظفر # قال ابن أبي الأشعث: الحيوان السبعي أرضي ناري، وإنما قيل له أرضي ناري ~~لما فيه من العدو والخفة والافتراس، وأكل الدم واللحم الحي، وجميع ذلك ~~بطبعه الناري، وإنما قيل له الأرضي لأن اليبس فيه مفرط لغلبة يبس الأرض على ~~حر النار، وحر النار مساعد غير معاند فلهذا هو أشد الحيوان واجرؤه، وهو قوي ~~الصلب شديد الختل عاسي الجسم شرس الأخلاق لا يألف كل نوع من أبناء نوعه ~~لشراسته واستئثاره هو نفسه، ولا يتزوج، ولا تربي الذكور أولادها لقساوة ~~قلوبها، وإن وجدت جراها أكلتها، ولنجعل أول ما نذكر من هذا النوع # القول في طباع الأسد PageV01P018 وإنما بدأنا به أولا لأنه أشرف هذا ~~النوع لأن منزلته في منزلة الملك المهيب لقوته، وشجاعته، وقساوته، وجهامة ~~خلقه، وشارسة خلقه، والذي يعرفه الناس منه صنفان أحدهما مستدير الجثة، ~~والاخر طويلها كثير الشعر، وعد أرسطو في هذا النوع ضرويا كثيرة، وحكى عن ~~بعض من تكلم في طبائع الحيوان قلبه أن في أرض الهند سبعا سماه باليونانية ~~في عظم الأسد وخلقته، ما خلا وجهه فإنه شبيه بوجه الإنسان ولونه شديد ~~الحمرة، وذنبه شبيه بذنب العقرب، وفي طرفه جمة وله صوت يشبه الزمارة وهو ~~قوي يأكل لحوم الناس وذكر أن في السباع ما يكون في عظم الثور وفي خلقته، له ~~قرون سود طولها في قدر شبر إلا أنه لا يحرك الفك الأعلى كما يحركه الثور، ~~ولرجليه أظلاف مشقوقة، قصير الذنب بالنسبة إلى نوعه، ويحفر بخرطومه، وينسف ~~التراب، وإذا جرح هرب، وإذا ضعف رمح برجليه، ورمي برجعيه على بعد، فأما ~~السبع الذي صدق فيه الخبر فإن أصحاب الكلام في طبائع الحيوان يقولون: إن ~~اللبوة لا تضع إلا جروا واحد وتضعه بضعة لحم ليس فيها حس ولا حركة، فتحرسه ~~من غير حضان ثلاثة أيان ثم ms031 يأتي أبوه ذلك فينفخ في تلك البضعة المرة بعد ~~المرة حتى تتحرك، وتتنفس فتنفرج الأعضاء، وتتشكل الصورة ثم تأتي أمه ~~فترضعه، ولا يفتح عينيه إلا بعد سبعة أيام من تخلقه، وهي ما دامت ترضع لا ~~يقربها الذكر البتة، فإذا مضت على الجرو ستة أشهر كلف الاكتساب لنفسه ~~بالتعليم والتدريب، وطارد الذكر الأنثى، فإن كانت صارفة أمكنته من نفسها، ~~وإن لم تكن دفعته ومنعته، وبقيت مع شبلها بقية الحول وستة أشهر من الثاني، ~~وحينئذ تألف الذكر وتمكنه من نفسها، وللأسد بعد: الوثبة واللصوق بالأرض ~~والإسراع في الحضر إذا هرب، والصبر على الجوع، وقلة الحاجة إلى الماء ما ~~ليس لغيره من السباع وهو إذا شبع من فريسته تركها، ولم يعد إليها ولو جهده ~~الجوع ولا يأكلها غيره، وإذا أكل يقيم يومين وليلتين بلا طعام لكثرة ~~امتلائه ويجعر بعد ذلك جعرا يشابه جعر الكلب، وإذا بال رفع إحدى رجليه ~~كالكلب وإذا فقد أكله صعب خلقه، وإذا امتلأ بالطعام، فهو وادع، وأكل الجيف ~~أحب إليه من اللحكم العريض الغض، وهو لا يثب على الإنسان للعداوة، ولكن ~~للطعم، فإنه لو مر به وهو شبعان لم يتعرض له، وهو مع ذلك حريص نهم، واسع ~~النحر ينهش ولا يمضغ، قليل الريق ولهذا يوصف بالبخر، ولحم الكلب أحب اليه، ~~ويقال إنما ذلك لخفته عليه فإنه إذا أراد الطواف في جنبات القرى الح الكلب ~~بالنباح عليه والإنذار به، فيرجع خائبا لنهوض الناس عليه، فإذا أراد ذلك ~~بدأ بالكلب ليأمن إنذاره، ومن شأنه إذا أكثر من حسو الدم واكل اللحم، وحلت ~~نفسه منهما طلب الملح وجعله كالحمض بعد الحلة فهو يطلبه، ولو كان بينه وبين ~~عريسه خمسون فرسخا، ويوصف بالجبن والجرأة، فمن جبنه أنه يذعر بصوت الديك، ~~ومن نقر الطشت، والضرب على الطنبور والحبل الأسود، والديك الأبيض، ~~والسنورة، والفأرة، وقد تكون النار من أسباب اغتراره واغتياله لأنه يعتريه ~~ما يعتري الظباء والوحوش عند رؤيتها النار من الحيرة والعجب بها وإدمان ~~النظر إليها، والفكر بها حتى تشغله عن التحفظ والتيقظ، ومن ms032 جرأته أنه يقدم ~~على المقنب الكبير، والجمع الكثير، والأسد الأسود أكثر جرأة وجهالة وكلبا ~~على الناس ويقال: إن الأنثى أجرأ من الذكر، والجاحظ لا يعجبه هذا القول ~~ويقول: إنما هي أنزق ومن عادته إذا عاين أحدا لا يفزع ولا ينهزم، وإن ألجئ ~~إلى ذلك وأحس بالصيادين تولى، وهو يمشي مشيا رفيقا، وهو مع ذلك ملتفت يضمر ~~الخوف ويظهر عدم الاكتراث، فإن تمكن منه الخوف هرب عجلا حتى يبلغ مكانا ~~يأمن فيه فإذا علم أنه آمن مشى ميادا، وإن كان في سهل وألجئ إلى الهرب جرى ~~جريا شديدا كالكلب، وإن رماه أحد ولم يصبه شد عليه، فإن أخذه لم يضره وإنما ~~يخدشه، ثم يخليه كأنه من عليه بعد الظفر به، وإذا شم رائحة الصيادين عفا ~~أثره بذنبه وفيه من شدة البطش ما أنه يأتل الجمل فيضرب جنبه بيده فيثني ~~الجمل عنقه كأنه يريد عضه بيساره إلى مشعره فيجذبه جذبة يفصل بها بين دأيات ~~عنقه، وإن ألفاه قائما وثب عليه، فإذا هو في ذروة سنامه فعند ذلك يضربه كيف ~~شاء ويتغلب به كيف أحب ومن عجيب أمره أنه لا يألف شيئا من السباع لأنه لا ~~يرى فيها ما هو كفؤ له فيصحبه، ولا يطئ على اثره شيء منها، ومتى وضع جلده ~~مع سائر PageV01P019 جلودها تساقطت شعورها، ولا يدنو من المرأة الطامث، ~~ومتى مس قوائمه لحاء شجر البلوط خدر ولم يتحرك من مكانه وإذا غمره الماء ~~جاء الصبي حتى يركب على ظهره ويقبض على أذنه، ولا تفارقه الحمى ولذلك ~~الأطباء يسمون الحمى داء الأسد، وعظامه عاسية جدا، وإن دلك بعض عظامه ببعض ~~خرجت منها نار كما يخرج من الحجارة، وكذلك في جلده من القوة والصلابة، ما ~~لم يعمل فيه السلاح إلا من مراق من بطنه، وليس في الأسود إلا وحشيا، وقد ~~يطول مثوى الواحد مع الناس حتى يهرم وهو في جميع حالاته صعب شديد العزم لا ~~تؤمن شروره إن انفرد من سوامه وأبصر غيضة بين يديها صحراء، ويبلغ من العمر ~~كثيرا، وعلامة ذلك ms033 أن يصاد فيوجد مهشوم الأسنان وليس ذلك إلا من الكبر. # الوصف والتشبيه # وصفه أبو زيد الطائي في حكاية حكاها لعثمان بن عفان رضي الله عنه وقد ~~لقيه فقال: )أقبل يتظالع من بغيه، ولصدره غيظ، ولبلاعيمه غطيط، ولطرفه ~~وميض، ولأرساغه نقيض كأنما تخبط هشيما، أو يطأ صريما، ذا هامة كالمجن، وخد ~~كالمسن، وعينان سجراوان كانهما سرجان، وقصرة ربلة، ولهزمة رهلة وساعد مجدول ~~وعضد مفتول، وكف شثنة البراثن، ومخالب كالمحاجن وفم أشدق كالغار الأخرق ~~يفتر عن معاول مصقولة غير مغلولة، فهجهجنا به قرقر وبربر ثم زأر فجرجر، ثم ~~لحظ البرق يتطاير من جفونه عن شماله ويمينه، فأرعشت الأيدي واصطكت الأرجل، ~~وجحظت العيون، وساءت الظنون، ولحقت الظهور بالبطون، وقد روى آخرون في ~~حكايته وصفا آخر، وكان الوصفان مصنوعين على لسانه، إذ العرب قلما تسترسل في ~~السجع. # وهو له عينان حمراوان مثل وهج الشرر كأنما نقرتا بالمناقر عرض حجر لونه ~~ورد، وزئير رعد، هامته عظيمة، وجبهته سقيمة، نابه شديد، وشره عتيد، إذا ~~استقبلته قلت أقرع، وإن استدبرته قلت أقرع، لا يهاب إذا الليل عسعس، ولا ~~يجبن إذا الصبح تنفس ثم أنشد: # عبوس شموس مصلخد مكابر ... جريء على الإقدام للقرن قاهر # براثنه شثن وعيناه في الدجى ... كجمر الغصا في وجهه الشر طائر # يدل بأنياب حداد كأنها ... إذا قلص الأشداق عنها خناجر # ومن التهويلات في الأسد نظما قول القائل: # إياك لا تستوش ليثا مخدرا ... للهول في غسق الدجى دواسا # مراسا كأمراس القليل جدوله ... لا يستطيع له الأنام مراسا # شثن البراثن لمحاجن عطفت ... أظافره فتخالها أقواسا # لان الحديد لجلده . . . فإهابه ... يكفيه من دون الحديد لباسا # مصطكة أرساغة بعظامه ... فكأن بين فصولها أجراسا # وإذا نظرت إلى وميض جفونه ... أبصرت بين شفورها مقباسا # وقال آخر يصفه: # توق وقاك رب الناس ليثا ... حديد الناب والأظفار وردا # كأن بملتقى اللجين منه ... مذربة الأسنة أو حدا # وتحسب لمح عينيه هدوء ... ورجع زئيره برقا ورعدا # تهاب الأسد حين تراه منه ... إذا لاقته في الغاب فردا # تصيد من الفرائس حين يبدو ... وكانت قبل تأنف ms034 يصيدا # وقال الناشئ يصفه: # رب ذي شبلين قسورة ... قد أجم الحين في اجمه # لا يرى حيا يطيف به ... لا ولا يدنو إلى حرمه # كمجن الحرب هامته ... وكغفور النار غور فمه # وكجدل الجذع قصرته ... وكهضيب صعب ملتزمه # وتظفر القد ساعده ... وتلف رحب مبتسمه # وكوقب الشعب فعلته ... وكلصب شعب ملتقمه # ولناب الناب مخلبه ... حين ينجيه بمختطمه # وكأن الموت معترض ... بين لحييه وملتثمه PageV01P020 وكأن البرق ما قدحت ~~... عينيه باللحظ من ضرمه # وكأن الرعد ما انتزعت ... نفسه بالزأر من سدمه # وكأجناد المخاشب ما ... بين منبته إلى قممه # وكوشك الدهر خطفته ... حين تلقيه على وجهه # وكأجال تسير إلى ... عمر إمضاء مغترمه # وكأن السيف منصلتا ... كرة إذ ذاد عن حرمه # وكأن السهم منخرقا ... حصره قصدا إلى نهمه # أن يكون رزق الورى قسما ... فجميع الناس من قسمه # وقال أبو الطيب المتنبي يصفه من أبيات: # ورد إذا ورد البحيرة واردا ... ورد الفرات زئيره والنيلا # مخضب بدم الفوارس لابس ... في غيله من لبدتيه غيلا # في وحدة الرهبان إلا أنه ... لا يعرف التحريم والتحليلا # وقعت على الأردان منه بلية ... نضدت بها هام الرفاق تلولا # ما قوبلت عيناه إلا ظنتا ... تحت الدجى نار الفريق حلولا # يطأ الثرى مترفقا من تيهه ... فكأنه آس يجس عليلا # ويرد عفرته إلى يافوخه ... حتى تصير لرأسه إكليلا # وتظنه فيما يزمجر نفسه ... عنها لشدة غيظه مشغولا # قصرت فخامته الخطى فكأنما ... ركب الكمي جواده مشكولا # ثم خرج إلى ذكر الممدوح، وقال عبد الجبار بن حمديس يصفه: # ليث مقيم في غياض منيعه ... أمين على الوحش المقيمة في القفر # يلحم شبليه لحوم فوارس ... ويقطع كاللص السبيل على السفر # هزبر له في فيه نار وشفرة ... فما يشتوي لحم القتيل على الجمر # سراجان عيناه إذا أظلم الدجى ... فإن بات يسري باتت الوحش لا تسري # له جبهة مثل المجن ومعطس ... كأن على أرجائه صبغة الحبر # يصلصل رعد من عظيم زئيره ... ويلمع برق من حماليقه الجمر # له ذنب مستنبط منه سوطه ... ترى الأرض منه مضروبة الظهر # ويضرب جنبيه به فكأنما ... له منهما طبل يحض ms035 على الكر # ويضمك في التعبيس فكيه من مدى ... نيوب صلاب ليس تهتم بالفهر # يصول بلف عرض شبرين عرضها ... خناجرها أقصى من القضيب المبتر # يجرد منها كل ظفر . . . كأنه ... هلال بدا للعين في أول الشهر # ثم خرج إلى ذكر الممدوح . . . وذكر كيف صرعه وقتله # القول في طبائع الببر # وهو سبع هندي، ويقال: حبشي وهو في صورة أسد كبير ازب ملمع بصفرة وسواد ~~ويقال إنه متوالد بين الزبرقان واللبوة، ومن طبعه أن يسالم النمر وغيره من ~~السباع، فإذا استكلب خافه كل شيء كان يسالمه، وهو والأسد متوادان أبدا ~~ومودته معه كمودة الخنافس، والعقارب، والحيات والوزغ، ويقال: أن الأنثى منه ~~تلقح بالريح ولهذا يقال أن عدوه يشبه الريح سرعة، ولا يقدر أحد على صيده ~~وإنما تسرق جراه فتحمل في مثل القوارير من زجاج عظام، فيركض بها على الخيول ~~السابقة فإن أدركهم أبوها رمي إليه بقارورة منها فينشغل بالنظر إليها ~~والحيلة في إخراج جروه منها فيفوته الآخذون لها، وقد زعم قوم أنه إذا ~~استكلب ورآه الأسد رقد حتى يبول في اذنه خوفا منه ورهبة له. # القول في طباع النمر PageV01P021 ومزاج هذا الحيوان كمزاج السبع، وهو ~~صنفان عظيم الجثة صغير الذنب وبالعكس، وزعم أصحاب البحث عن طباع الحيوان أن ~~النمرة لا تضع ولدها إلا وهو مطوق بأفعى وهي نعيش وتنهش إلا أنها لا تقتل، ~~ومنزلته من السباع في الرتبة الثانية من الأسد، وهو خفيف الجرم شديد الحضر، ~~يقضان الحراك، وفي طبعه عداوة الأسد، والظفر بينهما سجال وهو وإن كان ينتصف ~~من الأسد فإن قوته على سائر الحيوان قوة الأسد، وهو نهش خطوف بعيد الوثبة، ~~وربما وثب أربعين ذراعا صعدا إلى مجثمه الذي يأوي إليه، وفي طبعه أنه؟ يشبع ~~لثلاثة أيام يقطعها بالنوم، ثم يخرج في اليوم الرابع، ومتى لم يصد لم يأكل ~~ولا يأكل من صيد غيره كالأسد وينزه نفسه من أكل الجيفة، ولو مات جوعا، ولا ~~يأكل لحوم الناس إلا للتداوي من داء يصيبه، وفيه زعارة خلق، وحد نفس وتجهم ~~وجه، وشدة غيظ، ولهذا ms036 يقال: إذا كثر حنق الرجل على عدوه، واشتد غيظه لبس له ~~جلد النمر أي تخلق باخلاقه، والمعضوض من هذا النوع يطلبه الفأر ليبول عليه ~~فإذا ظفر به وبال عليه مات، وهو يحب شرب الخمر، وبها يصاد، فإنه إذا سكر ~~نام، وزعموا أنه يتولد بينه وبين اللبوة سبع يسمى الذراع، على قدر الذئب ~~العظيم جريء لا يأوي معه شيء من السباع والوحش. # الوصف والتشبيه # قال أبو الفتح كشاجم من طردية: # وكالح كالمغضب المهيج ... جهم المحيا ظاهر التشنيج # يكشر عن مثل مدى العلوج ... أو كشبا أسنة الوشيج # مدبج الجلد بلا تدبيج ... كأنه من نمط منسوج # تريك فيه لمع التدريج ... كواكبا لم تك فيه بروج # فصل # ومن أطرف ما يحكى أن مروان بن الحكم دس القتال الكلابي لابن هبار فقتله ~~ثط طلبه ليقتله به ليزيل عن نفسه التهمة فهرب منه، ولجأ إلى غار فيه نمر ~~فاعتركا طويلا، فلما لم يظفر واحد منهما بصاحبه تآلفا، فكان هذا يأكل من ~~صيد هذا وهذا يأكل من صيد هذا، إلا أن القتال كان يأكل مما تمسه النار فقال ~~يذكر حاله: # أيرسل مروان إلي رسالة ... لآتيه أني أذن لمضلل # وما بي عصيان ولا بعد مرحل ... ولكني من شخص مروان أوجل # ولصاحب في الغار هذا الصاحب ... أبو الجون إلا أنه لا يعلل # إذا ما التقينا كان أذكى حديثنا ... ضمات وطرف كالمعابل اطحل # كلانا عدو ولو يرى في عدوه ... مهزا وكل في العداوة مجمل # تضمنت الأروى لنا بشوائنال ... فكل له منها صديق مخردل # وأفضله في صنعة الزاد إنني ... أميط الأذى عنه ولا يتمهل # القول في طبائع الفهد # زعم أرسطو أنه متولد بين أسد ونمرة، أو بين لبوة ونمر ومزاجه كمزاج ما ~~تقدم وفي طبعه مشابهة لطبع الكلب في أدوائه والنوم الذي يعتريه، ويقال: إن ~~الفهدة إذا حملت وثقلت حملها، حنى عليها كل ذكر يراها من الفهود، يواسيها ~~من صيده، فإذا أرادت الولادة هربت إلى موضع قد اعدته لها حتى إذا علمت ~~أولادها الصيد تركتها، وهذا الحيوان يضرب به المثل في ms037 شدة النوم، وقال ~~الشاعر وقد عيره بكثرة النوم: # رقدت مقلتي وقلبي يقظا ... ن يحس الأمور حسا شديدا # يحمد النوم في الجواد كمالا ... يمنع الفهد نومه أن يصيدا # وليس شيء في جرم الفهد من الحيوان، إلا والفهد أثقل منه، وأحطم لظهر ~~الدابة والإناث أصعب خلقا، وأكثر جرأة، وإقداما من الذكور، وفي أخلاق الفهد ~~الحياء وذلك أن الرجل يمر بيده على سائر جسده، فيسكن لذلك حتى تصيب اليد ~~مكان الثفر فيقلق حينئذ ويغضب، ومن خلقه الغضب، وذلك إذا وثب على طريدة لا ~~يتنفس حتى ينالها، فيحمى لذلك، وتمتلئ رئتيه من الهواء الذي حبسه وسبيله أن ~~يراح ريثما يخرج النفس، ويبرد تلك الغلة، ويشق له عن قلب الطريدة ويشم إياه ~~ثم يطعمه منه، ويسقي رية ماء إن كان الزمان قيضا، ودون الري إن كان الزمان ~~بردا، وإن لم يروح لم يفلح بعد ذلك، وإذا أخط PageV01P022 أ صيده رجع ~~مغضبا، وربما قتل سائسه وقتئذ، ومن أخلاقه أن يأنس لمن يحسن إليه، ويقال ~~أنه لص من لصوص السباع وهو وإن كان وحشيا فإنه يقبل الأدب إلا أن كبارها ~~أقبل، وإن تقادمت في التوحش، وإناثها أصيد من ذكورها، وفي طبعه أنه يحب ~~الحسن ويصغي إليه وربما كان سببا في صيده، ومما ركب فيه أن ما عجز عن ~~التكسب منها لهرم تجتمع على فهد يصيد لها في كل يوم شبعها، وقال أرسطو: ~~والسباع تشتهي رائحة الفهد وتسدتل بها على مكانه وتعجب به أشد العجب، فهو ~~يتغيب عنها لذلك، وربما قرب بعضها من بعض فيطمع في نفسه، فإذا أحس السبع ~~منه ذلك وثب عليه فأكله، وهو ألطف شما لأرايح السباع القوية الشم فإذا مر ~~به أيل مفاجأة وثب عليه وأنشب مخالبه في مخالغه ومص دمه حتى يضعف الأيل، ~~ويسقط فتجتمع عليه الفهود فتأكله، فإن اجتاز به أسد نهض وترك الفريسة له ~~تقربا إليه والفهد يعتريه داء يسمى خناقة الفهود، وقد ألهم أنه إذا اعتراه ~~ذلك يأكل العذرة فيبرأ ويقال إن الأدواء التي تعتري الكلب تصيبه، وهي الكلب ~~والذبحة ms038 والنقرس والفالج والجرب، وهذا الداء يعرض له فيصيبه الجرب، ويقال ~~أنه يفسد الدبة فيتولد من بينهم سبع مختلف المنظر لا يتناول الناس ولكن ~~يصيد الكلاب ويأكلها. # فصل # وينبغي إذا صيد أن تغطى عيناه ويدخل في جواليق، ويجعل في بيت قد وضع فيه ~~سراج، ويلازمه سائسه ليلا ونهارا، ولا يدخل عليه غيره إذا أنس به اركبه ظهر ~~دابة، وأطعمه على يده، وأول من صاد به كليب بن وائل ويقال همام بن وبرة، ~~وكان صاحب لهو وطرب، وأول من حملها على الخيل يزيد بن معاوية، وأكثر من ~~اشتهر باللعب بها أبو مسلم الخراساني، وأول من استأنس الحلقة في الصيد ~~وأولع بها كثيرا المعتضد والمواضع التي يوجد بها هذا الحيوان ما يلي: بلاد ~~الحجاز إلى اليمن، وما يليها إلى بلاد العراق، وفيما يلي بلاد الهند إلى ~~التبت. # الوصف والتشبيه # قال أبو إسحاق الصابي من رسالة طردية: ومعنا فهود أخطف من البروق وأرسع ~~من السهم حين المروق، وأثقف من الليوث، أجرى من الغيوث وأمكر من الثعالب ~~وأدب من العقارب خمص الخصور، قب البطون رقش المنون حمر الاماق حزر الأحداق ~~، هرت الأشداق، عرض الجباه غلب الرقاب. كاشرة عن أنياب كالحراب تلحظ الظباء ~~من أبعد غاياتها، وتعرف حسنها من أقصى نهاياتها تتبع مرابضها، وآثارها، ~~وتشم روائحها وانشارها. # ومن رسالة طريدة لضياء الدين المعروف بابن الأثير الجزري يصف فهدا وذكر ~~ظبيا، فأرسلنا عليه فهدا سلس الضريبة ميمون النقية منتسبا إلى نجيب من ~~الفهود ونجيبة كأنما ينظر من جمرة، ويسمع من صخرة، ويطأ من كل برثن على ~~شفرة وله أهداب قد حيك من ضدين بياض وسواد، مصور على أشكال العيون فتطلعت ~~إلى انتزاع الأرواح من الأجساد، وهو يبلغ المدى الأقصى في أدنى وثباته ~~ويسبق الفريسة، قلا يقتنصها إلا عند التفاتة، وقال بعض الأعراب يصف فهدا من ~~أبيات: # بذلك أبغي الصيد طورا وتارة ... بمخطفة الاكفال رحب الترائب # مرفقة الأذناب نمر ظهورها ... مخططة الآذان غلب الغوارب # مدنرة ورق كأن . . . عيونها ... حواجل تستذري متون الرواكب # إذا قلبتها في الحجاج حسبتها ... سني ms039 ضرم في ظلمة الليل ثاقب # مولعة فطس الأنوف عوابس ... تخال على أشداقها خط كاتب # نواصب للأذان حتى كأنها ... مداهن للأجراس من كل جانب # ذوات آشاف ركبت في أكفها ... نوافذ في صم الضمور نواشب # فوارس ما لم تلق حربا ورجله ... إذا التبست بالبيد شهب الكتائب # تضاءل حتى ما تكاد تبينها ... عيون لدى الصرات غير كواذب # حراص يفوت البرق أمكث جريها ... ضراء مدلات بطول التجرب # توسد اجياد الفرائس أذرعا ... مرملة تحكي عناق الحبائب # وقال عبد الله بن المعتز يصف فهدة: # ولا صيد إلا بوثابة ... تطير على أربع كالعذب # معلمة من نتاج الرياح ... تريك على الأرض شيئا عجب # تضم الطريد إلى نحرها ... كضم المحبة من لا يحب # إذا ما رأى عدوها خلفه ... تناجت طمائره بالعطب # لها مجلس من مكان الرديف ... كتركية قد سبتها العرب # وفعلتها سائل كحلها ... وقد حليت سبجا من ذهب PageV01P023 متى أطلقت من ~~قلادتها ... وطار الغبار وجد الطلب # غدت وهي واثقة أنها ... تقوم بزاد الخميس اللجب # وقال عبد الصمد بن المعذل: # قد اغتدى والشمس في رواقها ... لم تأذن السدفة في إشراقها # وصحبتي الأمجاد في . . . أعراقها ... على عتاق الخيل من عتاقها # نمر بنات القفر من أرزاقها ... تغدو منايا الوحش في أطواقها # وفية الغدر من أخلاقها ... ترى بأيديها لدى استباقها # مثل أشا في العين في إنزلاقها ... كأنها والخزر من أحداقها # والخطط السود على اشداقها ... ترك جرى الاثمد من اماقها # نظارة تخفى على رماتها ... من ختلها الوحش ومن إشفاقها # كأنها الحيات في إطراقها ... أما رأيت الريح في انخراقها # أو لمعة البارق في ائتلافها ... تهوى هوى السيل في ارشاقها # ما أدرك الطرف سوى لحاقها ... وهصرها الأقران واعتناقها # وقال آخر يصفه: # قد أسبق العصم وغير العصم ... بجيد القلب حديد الفهم # مركب من عصب وعظم ... ما فيه وزن ذرة من لحم # تخاله بعض نجوم الرجم ... فكم دم أراقه من قرم # معصفر يشبه ماء الكرم ... وأنفع لي من شاهد لخصم # وقال بعض الكتاب يصف حيله، ودسيسه: # قد أسبق الأذان بالتغليس ... قبل غناء القس والقسوس # بذي دهاء ضاحك عبوس ms040 ... جهم كسي من صنعة القدوس # ديباجه من أحسن اللبوس ... كأنما تبتز من عروس # إبليس أو أمكر من إبليس ... طب بصيدها عفرها والعيس # لاط لطو الخامل الخسيس ... والسطو سطو القادر الرئيس # له دبيب ليس بالمحسوس ... مثل دبيب الماء في الغروس # فعل كمين الجحفل . . . الخميس ... وحش يضاهي حيلة الأنيس # حتى إذا أفضى من التأنيس ... إلى سكون النافر الشموس # وحمت الاجال للنفوس ... أبدلها من نعمة ببؤس # أسرع من عين إلى نفيس ... لاه عن الخشفان بالتيوس ولا مزيد في الحسن على ~~قول فارس الدولة محمد بن أحمد السراج يصفه: # واهرت الشدق فيه وفي يده ... ما في الصوارم والخطية الذبل # تساهم الليل فيه والنهار معا ... فقمصاه بجلباب من المقل # والشمس مذ لقبوها بالغزالة لم ... تطلع لناظره إلا على وجل # وتبعه من قال ناسجا على منواله وحاويا على مثاله: # واهرت الشدق بادي السخط مطرح ال ... حياء جهم المحيا سيء الخلق # والشمس مذ لقبوها . . . بالغزالة أعط ... تهما الرشا حدا من ثوبها اليقق # ونقطته حياء كي يسالمها ... على المنايا نعاج الرمل بالحدق # القول في طبائع الكلب PageV01P024 قال المتكلمون في طبائع الحيوان الكلب ~~لا سبع ولا بهيمة تامة حتى كأنه من الخلق المركب، لأنه لو تم له طباع ~~السبعية ما ألف واستوحش في البراري، وجانب القفار، ولو تم له معنى البهيمية ~~في الطبع ما أكل لحم الحيوان وكلب على الناس، وإنما جعلناه تبعا للفهد، ~~وهذه حاله لمشاركته له في حرفة الصيد، واعتناء الناس بتربيته، وتعليمه، كما ~~اعتنوا بالفهد في ذلك وهو نوعان أهلي وسلوقي، وكلاهما في الطبائع سواء، وفي ~~طبائع الكلب أنه يحلم ويحتلم، وتحيض إناثه في كل سبعة أيام وعلامة ذلك ورم ~~اثفارها والأنثى تحمل ستين يوما، ومنها ما تحمل خمس السنة، ومنها ما تحمل ~~ربعها وما ولدته قبل الستين لا يعيش، وتضع جراها عميا، ولا تفتح عينها إلا ~~بعد اثني عشر يوما، ويظهر لبنها بعد حملها بثلاثين يوما، والذكور تهيج قبل ~~الإناث وهي تنزو إذا مضى عليها سنة، وربما عرض لها ذلك إذا تمت لها ثمانية ~~أشهر ms041 وإذا وضعت الأنثى ينزى عليها بعد ستة أشهر وتحمل إلى تمام عشرين سنة ~~ويسفدها كلب أبيض وكلب أسود، وكلب أبقع، وكلب أصفر، فتؤدي إلى كل سافد منها ~~شبهه وشكله، وفي الكلب من الاهتداء إلى الأثر وشم الروائح لغيره ولهذا تراه ~~أبدا يشمم ويتروح ولو كانت الأرض ذوية جرداء، وهذا من شدة الحرص والجشع، ~~ومن جشعه أنه لا يرمي بحجر إلا رجع إليه وعض عليه لما كان لا يأكل إلا شيئا ~~رمي به إليه صار يتوهم، لفرط شهوته أن الرامي لم يرد عقره وقتله، وإنما ~~أراد إطعامه والإحسان إليه، والجيفة أحب إليه من اللحم الغريض، وهو يأكل ~~العذرة ويرجع في قيئه، ويشغر ببوله، وبينه وبين الضبع عداوة شديدة وذلك أنه ~~إذا كان في مكان مرتفع ووطئت الضبع ظله في القمر رمى نفسه إليها مخذولا ~~فاكلته، والظريف في ذلك أن الإنسان متى حمل لسان ضبع لم سنبح عليه كلب، ~~ومتى دهن كلب بشحمها جن واختلط وفي طبعه أنه يحرس ربه ويحمي حريمه شاهدا، ~~وغائبا، وذاكرا وغافلا، ونائما ويقضانا، وهو أيقظ الحيوان عينا في وقت ~~حاجته إلى النوم، وإنما نومه نهارا عند استغنائهم عن حراسته، وهو في نومه ~~أسمع من فرس، وأحذر من عقعق، وهو إذا نام كسر أجفان عينيه ولا يطبقهما وذلك ~~من خفة نومه، وسبب خفته أن دماغه بارد باالنسبة إلى دماغ الإنسان ومن عجيب ~~حاله أنه يكرم الجلة من الناس، وأهل الوجاهة، فلا ينبح على أحد منهم وربما ~~حاد عن طريقه، وينبح على الأسود، والوسخ الثوب، والصغير الحال، ومن طباعه ~~البصبصة والترضي والبشاشة، والتودد، والألف، بحيث إذا دعي بعد الضرب والطرد ~~رجع وليس شيء عنده آثر من أن ينظر إليه صاحبه بوجه طلق، وتمكنه من ملاعبته ~~وهو لا يلاعب كلبا ما دام ربه يلاعبه، وفي ملاعبته له يعضه العض الذي لا ~~يؤثر ولا يؤلم، وهي الأضراس التي لو نشبها في الحجر لنشبت وقد وصف بأنه أشد ~~الحيوان فكا وأرهفها حدا يرى العظم المدبج، فيعلم بالطبع والغريزة أنه إذا ~~عضه رضه ms042 وإذا ابتلعه استمرأه، وفي طبعه أنه يأكل للقناعة لا للشبع، والشبعة ~~الواحدة تؤثر في جسمه، وفي نومه، ومن عاداته إذا طرح له الطعام أكل منه ~~نهمته، فإن فضل عنه شيء خبأه بحيث يأمن ليجده إذا احتاج إليه وإذا طرح إليه ~~الشيء وهو شبعان احتمله حتى يحوزه لوقت ضرورة ولقد حكى بعض الكبراء أنه ~~بالدرب الذي يسكن فيه كلبة ولدت أجراء كثيرة، فذهبوا موتا واحدا بعد واحد، ~~وبقي معها واحد، فدخلت يوما بيت بعض جيرانه، فأخذت منه رغيفا، فأغلق بابه ~~وعاقبها حتى ألجأها إلى طاقة في البيت على الطريق فرمت بنفسها منها فماتت، ~~فكنت أشفق على الجرو لصغره وكيسه فأطعمه، وأسقيه لعجزه عن الاكتساب فدخل ~~يوما الدرب كلب كبير ظن الجرو أنه أمه فبادر إليه وتعلق به، ودار حوله ~~فرأيت الكلب قد قاء له شيئا من فيه وانصرف، فأكله الجرو مكانه، عندما حن ~~بره بما وصلت إليه قدرته إليه، خلق لو تخلق الإنسان بمثله لم ينطق لسان ~~يلوم على البخل وعذله والكلب يقبل التأديب والتعليم والتلقين وهو في ذلك ~~أهدى من الفيل والدب والقرد، والغنم المكية، والببغاء والزرزور حتى أن في ~~أجناسها من لو وضع على رأسه المسرجة، ورمى له قطعة لحم لا يلتفت إليها ما ~~دام على حالته، فإذا أخذت المسرجة عنه وثب على اللحم فأكله وهو يعيش على ~~الجراح التي لا يعيش عليه غيره، وتعرض له أمراض سوداوية منها الكلب، وهو ~~جنون يعترضه وقت طلوع نجم الكلب، وقد ألهم أنه إذا PageV01P025 كان في بطنه ~~دود أكل السنبل ثم يقيئه، فيرميه معه ما في بطنه من الدود ومن الأمراض ~~الذبحة، والنقرس، والجرب، والهزال، وحدوث قروح لا تبرأ، والكلب إذا أصابه ~~الكلب، وعض إنسانا أصاب الإنسان نباح مثله وألحقته العضة باجراء صغار يراها ~~علقا في صورة الكلاب، والفأر المعضوض ليبول عليه، ومتى بال عليه مات، وتعرف ~~سلامة المعضوض من عطبه أنه يرى وجهه في المرآة، فإن رأى صورته فلا بأس ~~عليه، وإن رأى فيها صورة كلب فجزع، وحرص على الهرب فإنه ms043 وشيك الموت، وقد ~~يعالج بأنفحة الكلاب يسقاها مع الماء فيبرأ # في فصل ما يختص به الكلب السلوقي من الطباع # سبب نتاج الكلب السلوقي على ما حكاه أصحاب الكلام في الكلبزة: أن الكلاب ~~تسفد الذئاب في سلوقية من أرض اليمن فيتولد بينهما السلوقي، وقال آخرون ~~الثعالب والكلب السلوقي، ويقال سلوق مدينة إلى الآن وإليها تنسب الدروع ~~والكلاب، وله نفس متولعة بتناول ما يرسله عليه أهله، ويطلبه بالإحضار خلفه ~~حتى يدركه فيأخذه لهم لأن حرصه على الصيد، وغضبه ليس من أجل نفسه كما يغضب ~~الفهد لأن الجوارح تعمل لأنفسها إلا الكلاب، فإنها تعمل لأصحابها، وهي إذا ~~كثرت عليها الآثار أو اختلطت تلتفت لذلك، وتذهب في كل وجهة، حتى تستثبت، ~~الأثر وتتحقق جهته وذلك من حرصها على مطاوعة أربابها، واستعدادها لنكاية ~~أعدائه، ومسارعتها إلى تحصيل غرضه الذي أسلاها بسببه، ومن أعجب الأحوال فيه ~~أنه إذا عاين الظباء قريبة منه كانت أو بعيدة عنه، عرف المقبل من المدبر، ~~وعرف العنز من التيس، وإذا أبصر القطيع لم يقصد غير التيس لعلمه أنه إذا ~~عدا شوطين لم يستطع البول مع شدة الحضر ورفع القوائم معا فينتقص مدى خطاه، ~~ويعتريه البهر فيلحقه الكلب والمعزى إذا اعتراها البول في العدو لم تمسكه ~~وقذفت به لسعة المسلك، ولأجل ذلك لا يطلبها، ومن عجيب أمره أنه يعرف الميت ~~من المتماوت حتى يقال: إن الروم لا تدفن ميتا حتى يعرضونه على الكلاب فتظهر ~~من شمه إياه علامة يستدلون بها على حياته أو موته، ويقال أن هذا الحذق لا ~~يوجد إلا في الكلب القلطي وهو صغير الجرم قصير القوائم جدا ويسمى أيضا ~~الصيني وهو مع هذا لا يبلغ رتبة الذئب في الشم والاسترواح، وإناث الكلاب ~~السلوقية أسرع تعلما من الذكور، والفهد بالعكس، وهذا النوع يعيش عشرين سنة ~~على ما زعم أرسطو وربما تبلغ الإناث هذا السن، ودلائل النجابة والفراهة في ~~الكلاب السلوقية أما في الخلقة فطول ما بين اليدين والرجلين، وقصر الظهر ~~وصغر الرأس وطول العنق، وغضف الأذنين، وبعد ما بينهما، وسعة ms044 العينين، وبعد ~~ما بينهما وزرقة العين ونتوء الجبهة وعرضها وقصر اليدين أما الألوان فيقال: ~~السوداء أقل صبرا على الحر والبرد، والبيض أفره إذا كن سود العيون، وقد قال ~~قوم أن السود أصبر على البرد وأقوى، وكذا كل أسود من الحيوان، ودلائل ~~الفراهة في الجراء، إذا ولدت كلبة واحدا كان افره من أبويه وإن ولدت ذكرا ~~أو أنثى كان الذكر أفره، وإن ولدت ثلاثا فيها أنثى في شبه الأم، كانت أفره ~~الثلاثة، وإن كان في الثلاثة ذكر واحد فهو أفرهها. # الوصف والتشبيه # الأحسن في أوصاف الكلاب الأهلية على أن الناس قد نظموا في هذا كثيرا لا ~~سيما العرب، فإنهم أهل الطعام وإكرام، وكانوا يسمون الكلب هادي الضمير ~~وداعي الضيف، ومتهم النعم، ومشيد الذكر، بما يجلب من الأضياف بنباحه، ~~والضمير: القريب من قولهم أضمرته البلاد أي غيبته وكانوا إذا اشتد البرد ~~وهبت الرياح ولم تثبت النيران فرقوا الكلاب حول بيوتهم، وجعلوا لها مطاول، ~~وربطوها على العمد لتتوحش فتهدي الطلاب بنباحها، وقال ابن هرمة في هذا ~~المعنى وقد أهدى كلبا: # أوصيك خيرا به فإن له ... سجية لا أزال أحمدها PageV01P026 يدل ضيفي علي ~~في غسق ال ... ليل إذا النار نام موقدها # وله أيضا من أبيات: # يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا ... يكلمه ترحبة وهو أعجم # وقال حاتم الطائي يفتخر: # وإذا تنور طارق مستنبح ... نبحت فدلته علي كلابي # وعوين يستعجلنه ولقينه ... يرشدنه بشراشر الأذناب # قوله: مستنبح يريد أن الضيف الطارق ليلا إذا لم يهتد إلى البيوت بنار ولا ~~كلاب، وذلك لشدة البرد نبح، فإذا سمعت الكلاب نبيحه نبحث فيقصدها حيث كانت ~~وعابه البديع الهمذاني # يزين حين يسمن ... ولا يتبع حين يشبع # وعند الجوع يهتم بالرجوع # ومما تختص به الكلاب السلوقية من الوصف، قال أبو إسحاق الصابي من رسالة: ~~ومعنا كلب عريق المناسب، نجيح المكاسب، حلو الشمائل نجيب المخامل حديد ~~الناظرين اغضف الأذنين، أسيل الخدين، مخطف الجنبيبن عريض الزور متين الظهر ~~أبي النفس ملهم الشكر لا يمس الأرض إلا تحليلا، وإيماء، ولا يطؤها إلا ~~بإشارة وانحناء، ms045 ولبعض الأندلسيين يصفه من رسالة: فحللناه من ساجوره، ~~وأطلقناه، فبلغنا إلى سروره، ومر يخفي شخصه غباره في سدفة سفرته تارة من ~~النصف الطامحة العيون، والهرت اللاحقة البطون معرق في نجابته منعم مخول في ~~فراهته يسمع منك إيماء، ويفهم عنك إيماء المشي، فلا يمس الأرض بأربعة، ~~ويجري فلا يسبقه الريح إلى منزعه: # إذا عدا واشتد في طلابه ... يكاد أن يخرج من إهابه # وقال: # متقد كالنار في التهابه ... لا يطعن الصيد بغير نابه # أعده للحرب من جرابه ... فكل من يرمي به لمأبه # ومن المنظوم في ذلك قول ذي الرمة من أبيات يصفه بسرعة الحضر من أبيات: # كأنه كوكب في إثر عقربه ... سوم سوداء الليل مغتصب # وقال آخر يصف كلبا: # أنعت كلبا يكسر اليحمورا ... مجربا مدربا صبورا # يأنف أن يشاكل الصقورا ... منفردا بصيده مغيرا # ذا شية تحسبها حريرا ... قد حبرت نقوشها تحبيرا # إذا جرى حسبته المقدورا ... يكاد للسرعة أن يطيرا # حتفا لمن عن له أسيرا ... أعجز أن يرى له نظيرا # وقال أبو نؤاس يصف كلبا: # هجنا بكلب طالما هجنا به ... ينتسق المقود من جذابه # كأن متينه لدى انسلابه ... متنا شجاع لج في انسيابه # كأنما الاظفور في قنابه ... موس صناع رد في نصابه # تراه في الحضر أذاها هي به ... يكاد أن يخرج من أهابه # ترى سوام الوحش إذ تحوي به ... يرحن أسرى ظفره ونابه # وقال الناشئ قافيا أثره وواردا نهره: # واغضف عيشي من عذابه ... براح أن يدعي ليغتذي به # روحه ذي النشوة من شرابه ... يخط بالبراثن في ترابه # خط يد الكاتب في كتابه ... ملتقطا للخطو في انتدابه # لقط يد الماهر في حسابه ... يستأسر المعظم عن طلابه # في نأيه عنه وفي اقترابه ... تسلبه الحتفة من أسلابه # ولا يحس ما به لما به ... ينتصل الاظفور من قنابه # كما يسل السيف من قرابه ... تخاله ماجد في التهامه # مجردا بالحضر من أهابه # وقال أبو الطيب المتنبي: # فحل كلابي وثاق الاحبل ... عن أشدق مستوجر مسلسل # اقب ساط شرس شمردل ... مؤجد الفقرة رخو المفصل # له إذا أدبر لحظ المقبل ... يعدو ms046 إذا أحرز عدو السهل # إذا تلا جاء المدى وقد تلي ... يقعي جلوس البدوي المصطلي # بأربع مجدولة لم تجدل ... فتل الأيادي رابذات الأرجل # أثارها أمثالها في الجندل ... يكاد الوثب وفي التفتل # يجمع بين متنه والكلكل ... وبين أعلاه وبين الأسفل # شبيه وسمي الحضار بالولي ... كأنه مصور من جندل # موثق على رماح ذبل ... ذي ذنب أجرد غير أعزل # يخط في الأرض حساب الجمل ... كأنه من جسمه . . . بمعزل # نيل المنى وحكم نفس المرسل ... وعقلة الظبي وحتف التتفل # لا يأتلي في تركه لا يأتلي ... مقتحما على المكان الأهول # حتى إذا قلت له نلت افعل ... افترعن مذروبة كالانصل # لا تعرف العهد بصقل الصيقل ... مركبات في العذاب المنزل # كأنها من سرعة في الشمأل ... كأنها من ثقل في يذبل PageV01P027 كأنها من ~~سعة في هوجل ... كأنه من علمه . . . بالمقتل # وعلم بقراط . . . فصاد الأكحل ... فصار ما للقفز للتجدل # وصار ما في جلده في المرجل ... فلم يضرنا معه فقد الأجدل # وقال آخر يصف كلبا من أرجوزة: # منسوبة كريمة العراق ... ضارية مشعلة الاحداق # تخالها في حلق الأطواق ... ضواحكا من سعة الأشداق # وقال ابن هذيل الأندلسي: # واغضف تلقى أنفه فكأنما ... يقود به نور من الصبح نير # إذا لهبته شهوة الصيد طامعا ... رأيت عقيم الريح عنه تقصر # وقال أبو إسحاق بن خفاجة الأندلسي يصفه: # وأخطل لو تعاطى سبق ريح ... لطار من النجاح بلا جناح # يسوق الأرض يسأل عن بنيها ... فتخير أنفه عنها الرياح # أقب إذا طردت به قنيصا ... تنكب قوسه الأجل المتاح # وله: # ومورس السربال يخلع قده ... عن نجم رجم في سماء غبار # تستن في سنن الطريق وقد عفا ... قدما فيقرأ أحرف الآثار # عف الغمور سراته فكأنه ... والنقع يحجبه هلال سرار # يفتر عن مثل النصال وإنما ... يمشي على مثل القنا الخطار # ولآخر: # ومؤدب الاساد يمسك صيده ... متوقفا عن أكله كالصائم # صب إذا ما صاد عانق صيده ... طرب المقيم إلى لقاء القادم # ولآخر: # وما الضبي منها في حشاشة نفسه ... ولكنه كالطفل في حجر أمه # يلازمه دون اخترام كأنما ... تعلق خصم عند قاض بخصمه # القول في ms047 طبائع الذئب # قال أصحاب الكلام في طبائع الحيوان: الذئب كلب بري متوحش إلا أنه مخالفة ~~لغدره، وقلة محافظته، وكان الشاعر إنما عناه بقوله وقد هجا إنسانا: # هو الكلب إلا أن فيه نذالة ... وسوء مراعاة وما ذاك في الكلب PageV01P028 ~~ويقال أيضا: الأسد والذئب مختلفان في الجوع، والصبر عليه لأن الأسد شديد ~~النهم رغيب حريص شره، وهو مع ذلك يحتمل أن يبقى أياما لا يأكل شيئا، والذئب ~~وإن كان أقفر منزلا، وأقل خصبا، وأكثر كمدا وإخفاقا فلا بد له، من شيء ~~يلقيه في فيه، فإذا لم يجد شيئا استعان بإدخال النسيم فيقتات، ومن عجيب ~~أمره أن جوفه يذيب العظم المصمت ولا يذيب نوى التمر. ويقول من سر طباع ~~الحيوان أنه لا يوجد الالتحام عند السفاد إلا في الذئب والكلب، ومتى التحم ~~الذئب والذئبة وهجم عليهما هاجم قتلهما كيف شاء، إلا أنهما لا يكادان ~~يوجدان كذلك أبدا لأن الذئب إذا أراد السفاد توخى موضعا لا يطأه أنيس خوفا ~~على نفسه، وهو يفسد مضطجعا على الأرض، وذكره عظم، وهو موصوف بالانفراد ~~والوحدة وشدة التوحش وذلك يدل على غلظ طباعه، وحدتها وميلها إلى الخلط ~~السوادي ويوصف بالقزل فإذا حث المشي فكأنه يتوجى، وإذا أراد العدو فإنما هو ~~النقز والوثب ورفع القوائم، وفي طبعه أنه إذا خفي عليه موضع الغنم عوى ~~ليؤذنهم بمكانه ويخبرهم بقربه، فإذا حضرت الكلاب إلى الناحية التي هو فيها ~~زاغ عنها إلى ناحية من الغنم ليس فيها كلب يحرسها، فاختطف، والذي يخاف من ~~الذئب السلة والخطفة والاستلاب والاختلاس، وهو لا يعود إلى فريسته بعد أن ~~شبع منها آخر الدهر، وهو ينام بإحدى مقلتيه والأخرى يقظاء حتى تكتفي العين ~~النائمة من النوم، فإذا اكتفت فتحها ونام بالأخرى ليحترس باليقظاء ويستريح ~~بالنائمة، فهو أبدا يراوح بين عينيه وهو أكثر تضورا وعواء إذا كان مرسلا، ~~وإذا أخذ وضرب بالعصى والسيوف حتى يقطه قطعا أو تهشم عظامه كلها لم تسمع له ~~صوت إلى أن يموت، وفيه من قوة حاسة الشم ما أنه يشم ويستروح من فرسخ، ms048 وأكثر ~~ما يعرض للغنم من الصبح وإنما يتوقع فترة الكلب، ونومه، )وكلامه لأنه يظل ~~طول ليلته حارسا متيقظا وميز أصحاب الكلام في طبائع الحيوان بينه وبين ~~الكلب فقالوا إن الذئب وحشي وصاحب قفار والكلب الوف، وصاحب ديار، والذئب ~~خئون غدار، والكلب وفي مناصح، وفي تركيب الذئب، إن الذئبين متى افترسا شاة ~~قسماها نصفين بالسوية، ومن عجيب أمره أنه إذا وطئ ورق العنصل مات من ساعته، ~~وعداوته للغنم بحيث أنه متى جمع بين وتر عمل من أمعاء الغنم وضرب به لم ~~يسمع لها صوت، وإذا جمع مع جلد ذئب تمعط جلد الشاة والذئب إذا كده الجوع ~~عوى فتجتمع له الذئاب، ويقف بعضها إلى بعض فمن ولي منها وثب الباقون ~~فأكلوه، وقال بعض الشعراء يعاتب صديقا له أعان عليه في مصيبة نزلت به، من ~~أبيات: # وكنت كذئب السوء لما رأى دما ... بصاحبه أحال على الدم # وإذا عرض للإنسان وخان العجز عنه عوى عواء استعانة، فتسمعه الذئاب فتقبل ~~إلى الإنسان إقبالا واحدا، وهم سواء في عداوته، والحرص عليه وعلى أكله، فأن ~~أدمى الإنسان منها واحدا وثب الباقون على المدمي فمزقوه، وتركوا الإنسان، ~~وإن كان دمدمي، وإذا طمع فيه الإنسان خافه، وإذا خافه الإنسان طمع فيه، ~~وإذا سبقت رؤية الإنسان رؤية الذئب لم يقدر على الكلام زمانا، وإن سبقت ~~رؤية الذئب رؤية الإنسان اعتراه مثل ذلك حتى أنه ربما ضرب بلحييه الأرض من ~~شدة الاصطكاك، وهو لا يواجه الإنسان، وإنما يأتيه من ورائه، فإذا وجد ~~الإنسان ما يسند ظهره إليه لم يقدر الذئب عليه، وهو يقطع العظم بلسانه، ~~ويبريه بري السيف، ولا يسمع له صوت، ويقال إن أسنانه ممطولة في أجزاء فكيه ~~عظما واحدا، وكذلك الضبع. # فصل وتقول الأعراب: إن الذئب يسفد الكلبة فيسمى الولد الذي يخرج بينهما ~~الديسم وتقول أيضا: أن الدببة تحمل من الضباع ولذا يسمونه السمع وقد اجتمع ~~فيه شدة الضبع وقوتها وجرأة الذئب وخفته، ويزعمون أنه كالحية لا يمرض ولا ~~يموت حتف أنفه وأنه أسرع من الريح والطير عدوا والله ms049 أعلم. # وقال بعض الأعراب يصف السمع: # أنعت سمعا قفزة مجرسا ... فجالسا إذا اشتهى لحم أكل # أبوه سرحان وذيخ جده ... فمن كلا لونيهما فيه مثل # وفيه من لون الضباع غرة ... وفيه من لون السراحين طحل # الوصف والتشبيه # قد أكثر الناس في وصف الذئب ونعته، والذي أتى في ذلك على الأمر الأقصى ~~واستوفى ذكر خلائقه، واستقصى ابن عنقا الغزاري وذكر جوادا شبهه بالذئب ~~فقال: PageV01P029 وأعوج من ال الصريح كأنه ... بذي الشث سيد آبه الليل ~~جائع # بغي كسبه أطراف ليل كأنه ... وليس به ضلع من الخمص ظالع # فلما اباه الرزق من كل وجهة ... جنوب الملا وأيأسته المطامع # طوى نفسه طي الحرير كأنه ... حوى حية في ربوة فهو هاجع # فلما أضاءت متنه الشمس حكه ... باعضل في أطرافه السم ناقع # وقام فألقى مدة قدر طوله ... يديه ومطى صلبه وهو قابع # وفك لحييه فلما تعاديا ... صأى ثم أقعى والبلاد بلاقع # فهم بأمر ثم أجمع غيره ... وإن ضاق رزق مرة فهو واسع # وعارض أطراف الصبا فكأنه ... رجاع غدير هزه الريح راجع # والأبيات الشهيرة في وصفه أبيات حميد بن ثور التي يقول فيها: # ونمت كنوم الفهد عن ذي حفيظة ... أكلت طعاما دونه وهو جائع # ترى طرفيه يعلان كلاهما ... كما اهتز الساسم المتتابع # خفيف المعي إلا مصيرا يبله ... دم الجوف سؤر من الحوض نافع # ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ... بأخرى المنايا فهو يقضان هاجع # إذا نال من بهم النحيلة قوته ... على غفلة مما يرى وهو جائع # لحقه ولو كان ابنها خرجت به ... أذاهب أرواح الشتاء الزعازع # وإن خال من أرض مضيفا رمت به ... محافظة والجانب المتواسع # وإذا بات وحشا ليلة لم يضق بها ... ذراعا، ولم يصبح بها وهو خاشع # إذا ما عدا يوما رأيت عبابه ... من الطير ينتظرن الذي هو صانع # هو البعل الداني من القوم كالذي ... له حرمة وهو العدو المنازع # وقال الشريف الرضي ناسجا على المنوال هاتين القصيدتين: # عاري الشوى والمنكبين من الطوى ... اتيح بالليل عاري الاشاجع # اغيبر مقطوع من الليل ثوبه ... أنيس بأطراف البلاد البلاقع # قليل نعاس ms050 الليل إلا غبابة ... تمر بعيني جاثم القلب جائع # إذا جن ليل طارد النوم طرفه ... ونص سرى الحاظه بالمطامع # يراوح بين المناظرين إذا التقت ... على النوم أطباق الجفون الهواجع # له خطفة حذاء من كل قلة ... كنشطة أقنى ينقض الطل واقع # ألم وقد كان الظلام نقيضا ... يشرد فراط النجوم الطوالع # طوى نفسه وأنساب في شمله الدجى ... وكل إمرء ينقاد تحت المطامع # إذا فات شيء سمعه دل أنفه ... وإن فات عينيه رأى بالمسامع # تظالع حتى حك بالأرض زوره ... وراع وقد روعته غير ظالع # إذا غالبت إحدى الفرائس حظه ... تداركها مستنجدا بالأكارع # جري يسوم النفس كل عظيمة ... ويمضي إذا لم يمض من لم يدافع # إذا حافظ الراعي على الشاء غرة ... خفي الشرى لا يتقى بالطلائع # يخادعه مستهزئا.... بلحاظه ... خداع ابن ظلماء كثير الوقائع # ولما عوى والرمل بيني وبينه ... تيقن صحبي أنه غير راجع # تأوى والظلماء تضرب وجهه ... إلينا بأذيال الرياح الزعازع # له الويل من مستطعم عاد طعمه ... لقوم عجال في السي نوازع # قال أبو نصر بن نباتة قافيا أثر ما تقدم من قصيدة حميد بن ثور وابن عنقا ~~ولقد أجاد كل الإجادة، وأتى بالحسنى وزيادة وهو قوله: # واطلس ما في سعيه غير أنه ... يضيق عليه الرزق والخرق واسع # يخاف أخوه حرصه وهو طاعم ... وتهرب عنه عرسه وهو جائع # علا شرف البيداء يسأل أنفه ... بيانا وقد أكدت عليه المسامع # فنمت إليه الريح إن شظية ... وبهما بأكفاف السماوة رائع # فزعزع من قطريه يدأل ظالعا ... وما هو إلا للخديعة ظالع # على كل حال من يسار... وفاقة ... يسير بما أهدت إليه المطامع # إذا غمرة هاب الجبان حياضها ... توردها ماض على الهول طالع # سرى ما له تحت الظلام وسيلة ... إلى الحي إلا خطمه والأكارع # وأبصرها فوضى فسارع تاركا ... مجاهرة إن الحريص مسارع # وإن سخطه فانظم يسرق شطره ... أزل كصدر الرمح بالخيل بارع PageV01P030 ~~فويلمه إن كان يوم غواره ... عن المجد يحمي أو عليه يقارع وهذه الأربع ~~قصائد إنما ذكرتها على نسق لكونها على قافية واحدة ولكونها عملت في قالب ~~المناظرة ms051 والمماثلة، وعرضت في معرض المجاورة والمساجلة ليوازن بين قرائح ~~شعرائها، وتثبيت الحكم فيها، ويعطي كل قريحة قسطها من أنصافه على أن ~~للبحتري قصيدة وصف الذئب فيها تقصر عنها شيئا، وكل نظم عمل في معناها، ~~وتتمنى القرائح أن تأتي بمثلها فيحول العجز بينها وبين مناها، وهي طويلة ~~جاء منها: # وليل كأن الصبخ في أخرياته ... حشاشة نصل ضم أفرنده غمد # تسربلته والذئب وسنان هاجع ... بعين ابن ليل ماله بالكرى عهد # أثير القطا الكدري عن جثماته ... وتألفني فيه الثعالب والربد # وأطلس ملئ العين يحمل زوره ... وأضلاعه من جانبيه شوى نهد # له ذنب مثل الرشاء يجره ... ومتن كمتن القوس أعوج مناد # طواه الطوى حتى استمر مريره ... فما فيه إلا العظم والروح والجلد # سما وبي من شدة الجوع ما به ... ببيداء لم تعرف بها عشية رغد # تقضقض عصلا في أسنتها الردى ... كقضقضة المقرور أرعده البرد # عوى ثم أقعى وارتجزت وهجته ... فأقبل مثل البرق يتبعه الرعد # واوجرته عرجاء تحسب ريشها ... على كوكب ينقض والليل مسود # فما زاد إلا جرأة... وضراوة ... وأيقنت أن الأمر منه هو الجد # واتبعتها أخرى فأظلت نصلها ... بحيث يكون اللب والرعب والحقد # فخر وقد أوردته منهل الردى ... على ظمأ لو أنه عذب الورد # وقمت فجمعت الحصى فاشتويته ... عليه وللرمضاء من تحته وقد # ولبعض الأعراب يصفه فقال: # فباتت وبات الذئب يعوي كأنه ... حبيب لها باليد يهوى ويعسل # أزل كعود الخبز رانة لونه ... كلون دخان النار أطلس المحل # عسوب السرى لا يملأ الليل صدره ... على الهول مقدام كسوب معبل # متى ما يفد يكن ذخره ... له مشرب في صدر يوم ومأكل # ولم ير إلا وهو في كل ليلة ... مع الكسب منه معوز الزاد مرحل # مفيد مبيد ما أفاد فما به ... إلى أحد فقر... ولا يتحول # وكل هذه القصائد عيال على قول من قال يصفه # هو الخبيث عنه فراره ... أطلس يخفي لونه غباره # في فمه شفرته وناره ... لهم بني سنجاب مر داره # والطريف من وصفه قول الآخر وهو المشهو لأبي إسحاق إبراهيم بن خفاجة من ~~أبيات يصف ms052 ذئبا: # ولرب رواغ هنالك أنبط ... ذلق المسامع أطلس الأطمار # يجري على حذر فيجمع بسطه ... تهوى فتعطف انعطاف سوار # ممتد حبل الشأو يعسل رائعا ... فتكا ويغلب أيدي الأقدار # فصل # ويلحق بالذئب في الذكر ابن آوى وهو عند المتكلمين في طبائع الحيوان ذئب ~~أهلي لأنه لا يكون أبدا إلا قريبا من الناس، وعمارة الأرض وإنما سمي ابن ~~آوى لأنه يأوي إلى عواء أبناء نوعه، ولن يعوي إلا ليلا، وذلك أنه إذا ~~استوحش وبقي وحده عوى فلا يسمع عواءه ابن آوى عن قريب ولا بعيد إلا أسرع ~~إليه حتى يصير معه فيستأنس به، وهو شديد الختل لصائده، ولهذا قيل أن بعض ~~المحترفين بالصيد يذكر أن قيمته لا تفي بالتعب عليه، وهو قوله: # إن ابن آوى لشديد المقتنص ... وهو إذا ما صيد ريح في قفص # ويقال أن صياحه يشبه صياح الصبيان وهي والضباع والثعالب تتسافد وتتلاقح # القول في طبائع الضبع # وهي سبع مهيمن لأكلها الجيفة، والميتة، يقول أصحاب الكلام في طبائع ~~الحيوان أنها كالأرانب تصير مرة ذكرا ومرة أنثى، فيلقح في حال الأنوثة، ~~ويلقح في حال الذكورية ولها في الليل قوة وسورة، وتوصف بالعرج وفيها يقول ~~بعض العرب: # من الغبر لا يدري أرجل شمالها ... بها الضلع لما هرولت أم يمينها ~~PageV01P031 وقال ابن أبي الأشعث: يوصف الضبع بالعرج، وليست عرجاء، وإنما ~~يخيل ذلك للناظر وسبب ذا التخيل لدونة في مفاصلها، وزيادة الرطوبة في ~~الجانب الأيمن على الجانب الأيسر منها، وهي مولعة بنبش القبور، وإنما ذلك ~~لشهوتها في لحوم الناس إذا لم تجدها ظاهرة، ومن عاداتها إذا صار القتيل ~~بالعراء، وانتفخ ذكره وقلبه، تجيء فتركبه وتقضي حاجتها منه، ثم تأكله، ومتى ~~رأت إنسانا نائما حفرت تحت رأسه، وأخذت بحلقه قتلته وشربت دمه، وهي فاسقة ~~لا يمر بها حيوان من نوعها إلا علاها وتضرب العرب بها المثل في الفساد، ~~فإنها إذا وقعت في الغنم عاثت ولم تكتف بما يكتفي الذئب فإذا اجتمع الضبع ~~والذئب في الغنم سلمت فإن كل واحد منهما يمنع صاحبه والعرب تقول في دعائها ms053 ~~للغنم اللهم ضبعا وذئبا، أي اجمعهما فيها لتسلم والضبع إذا وطئت ظل الكلب ~~في القمر وهو على سطح وقع فأكلته، وإذا دخل الرجل عليها وجارها ولم يسد ~~خروق الموضع بنفسه أو بثوبه، ثم صار إليها من الضياء بقدر سم الخياط، وصبت ~~إليه وقطعته وإن أخذ معه حنضلا أمن سطوتها وتوصف بالموق والحمق، وذلك إن ~~الصيادين لها يقفون على باب وجارها، ويقولون أطرقي أم طريق خامري أم عامر ~~فإذا سمعت كلامهم انقبضت، فيقولون أبشري بكمر الرجال أبشري بشاة هزيل، ~~وجواد عظلي، وهم مع ذلك يشدون يديها ورجليها وهي لا تتحرك، ولو شاءت لأجهزت ~~عليهم فقتلهم وهذا عند من له أدنى فهم في الخرافات التي للعرب، وهي تلد من ~~الذئب جروا يسمى العسبار يكون منفردا لا يألف السباع ويثب على الناس ~~والدواب والله أعلم بالصواب. # الوصف والتشبيه # قال متمم بن نويرة يصفها: # يا لهف من عرفاء ذات فليلة ... جاءت إلي على ثلاث تضلع # ظلت تراصدني وتنظر حولها ... ويريبها رمق وإني مطمع # وتظل تنشطني وتلحم أجريا ... وسط العرين وليس شيء يمنع # لو كان سيفي باليمين ضربتها ... عني ولم أوكل وجنبي الأضيع # القول في طبائع الخنزير PageV01P032 وهو صنفان: أهلي ووحشي، وكأنه مشترك ~~بين السبعية والبهيمية فالذي فيه من السبعية الناب، وأكله الجيف، والذي فيه ~~من البهيمية الظلف وأكله العشب، والعلف، وهذا النوع يوصف بالشبق، وكثرة ~~السفاد حتى أن الأنثى منها يركبها الخنزير، وهي ترجع، وربما قطعت أميالا، ~~وهو على ظهرها ويرى أثر ستة أرجل من لا يعرف ذلك فيظن أن في الدواب ما له ~~ستة أرجل وذكر الخنازير يطرد الذكور عن الإناث، وربما قتل واحد منهما ~~صاحبه، وربما هلكا جميعا وإذا كان زمان هياج الخنازير تطاطئ رؤوسها، وتحرك ~~أذنابها، وتتغير أصواتها وتضع للخنزيرة عشرين خنوصا، وتحمل من نزوة واحدة، ~~والخنزير ينزو إذا تمت له ثمانية أشهر، وإذا بلغت الخنزيرة خمسة عشر سنة لا ~~تلد، ويقال أنه ليس للخنازير زمان للنزو، لأنها تنزو إذا شبعت، والخنزيرة ~~أنسل الحيوان، والذكر أقوى الفحول على السفاد وأطولها مكثا ms054 فيه، ويقال: إنه ~~ليس لشيء من ذوات الأنياب ما للخنزير من القوة في نابه، حتى أنه يضرب بنابه ~~صاحب السيف والرمح فيقطع كل ما لقي من جسده من عظم وعصب، وربما طال ناباه ~~حتى يلتقيان فيموت عند ذلك جوعا لأنهما يمنعانه من الأكل، وهو متى عض كلبا ~~سقط شعر الكلب وهو وإن صار أهليا بعد أن كان وحشيا، لا يقبل التأديب على ~~حال حتى كأنه بهيمة في طباع ذئب، وإذا رأى الأسد جرب نفسه لمحاربته وذلك ~~أنه يضرب الشجر بنابه، فإن قطعها حارب الأسد، وإلا هرب، وفي طبعه أنه يحذر ~~الكمين، كما يحذر الجاموس من البيات فترى الخنازير إذا طردت وأريعت تقسم ~~الحذر بين الشخصين شخص تتوقعه، وآخر تعاينه، ويجعل لها في سيرها حامية منها ~~وساقه، ومنها استفادت المقاتلة حذر الكمين، وإعداد الحامية، والساقة في ~~الحرب، وهو يطلب العذرة وليست كالجلالة، وإنما يطلب أحرها وأنتنها وأقربها ~~عهدا بالمخرج، وهو في القرى يتعرف أوقات الصبح والفجر، وقبيل ذلك وبعده ~~يزور الناس للغائط فيعرف من كان قائما في بيته أنه قد أسحر، بأصواتها، ~~ومرورها ووقع أرجلها في الغيطان، ولذلك يضرب المثل ببكوره، ويعتري ذكوره ~~داء الحلاق، واللواط، فربما يرى الخنزير وقد ألجأه أكثر من عشرين خنزيرا ~~إلى مضيق ثم ينزو عليه الأمثل فالأمثل حتى يبلغ آخرهم، وهذا إنما يكون عن ~~ضعف في ذكر بعينه، أو تأنيث في طبعه، أو يكون في أعينها من الاستحسان شبيها ~~بالذي يراه بعض الرجال في الغلمان، والأحداث والشبان، وهو إذا قلعت إحدى ~~عينيه هلك عاجلا، وتقول الأطباء: أنه متى فسد من عظام الإنسان عظم ووضع في ~~مكانه عظم خنزير قبلته الطبيعة، ونبت عليه اللحم وفيه من الشبه به إنه ليس ~~له جلد يسلخ إلا أنه يقطع ما تحته من اللحم، وهو يعيش من خمس عشرة سنة إلى ~~العشرين على ما حكاه أرسطو في كتاب الحيوان. # الوصف والتشبيه # لم أجد في صفته لأحد من الشعراء شيئا، وإنما عثرت لعطاء بن يعقوب الغزنوي ~~في رسالة كتبها يعرض فيها بقاض: ms055 وما مثل فلان في استتابته إلا كمثل رجل رأى ~~في المنام أنه يضاجع خنزيرا، فبكر إلى المعبر ليعبر منامه تعبيرا فقال له ~~المعبر: يا برذعة الحمير ما غرك بالخنزير؟ ألين ملمسه أم حسن معطسه، أم ~~شكله الشريق أم طرفه العشيق، أم لقاؤه البهيج أم قبيعة الغنج أم شعره الرجل ~~أن ثغره الرتل. # القول في طبائع الدب PageV01P033 والدب مختلف الطباع يأكل ما تأكله ~~السباع، وما ترعاه الدواب، وما يأكله الناس وفي طبعه أنه إذا كان أوان ~~السفاد خلا كل ذكر بأثناه، والذكر يسفد أنثاه مضطجعة على الأرض وهي تضع ~~جروها فدرة لحم غير متميز الجوارح فتهرب به من موضع إلى موضع خوفا عليه من ~~النمل وهي مع ذلك تلمسه حتى تنفرج أعضاؤه ويتنفس وفي ولادتها صعوبة وربما ~~أشرفت على التلف حالة الوضع ويزعم بعض من فحص عن طباع الحيوان أنها تلده من ~~فيها، وإنما تلده ناقص الخلق شوقا إلى الذكر، وحرصا على السفاد، ولشدة ~~شهوتها تدعو الآدمي إلى وطئها، وهذه الحيوان يختفي ف الشتاء في مجاثمه، ~~ويكون إن كان يفعل ذلك لبرد أو علة أخرى، وهو يوجد في ذلك الزمان سمينا ~~جدا، ولذلك يكون عسر الحركة، والإناث تضع حينئذ وتقيم حتى تبلغ وقت خروج ~~جراها، وتفعل ذلك في الشهر الثالث وهو إذا جثم في مكان لا يتحرك منه إلا ~~بعد أن يمر عليه أربعة عشر يوما، وبعد ذلك يتدرج في الحركة، وهو في تلك ~~الأيام لا يأكل شيئا، وإنما يمص يديه، ورجليه وربما صيد منها شيء، فيشق ~~جوفه فيوجد معاؤه وليس فيه شيء من الطعم وهو يشد على الثور، فإذا هم الثور ~~بضربه تناول قرنه ونهشه بين كتفيه حتى يقع ولا حراك به، ولما فيه من القوة ~~يقاتل الايايل، وخنازير البر خاصة إذا فاجأها قبل أن تحس به الإنثى إذا ~~هربت دفعت جراها بين يديها، وإذا اشتد خوفها عليها حملتها، وإذا لحقها ~~طالبها صعدت بها الأشجار وفي هذا الحيوان من القوة والشدة، ما يقطع العود ~~الضخم من الشجرة العادية الذي لا ms056 يقطعه الفأس، ثم يأخذه بيديه... قائما ~~ويشد بها على الفارس فلا يصيب شيئا إلا هتكه، وفي طبعه فطنة عجيبة لقبول ~~التأديب والتعليم لكنه لا يطيع معلمه إلا بعنف وضرب شديد. # القول في طبائع التفة # وتسمى عناق الأرض وهي في نحو الكلب الصغير وأحسن من الكلب وصيدها في غاية ~~الحسن، وربما واثبت الإنسان فعقرته، ولا تطعم غير اللحوم، وتضرى على صيد ~~الكركي، وما قاربه من الطير فتفعل فيها فعلا حسنا، وتؤخذ صفته من أبيات ~~صنعها الناشئ شعرا منها: # من كان للصيد كسابا فقانصه ... ذو مرة في سباع البيد معدود # لكنه كفتاة الحي ... بارزة ... من خدرها مالئ للعين مودود # حلو الشمائل في أجفانه وطف ... صافي الأديم هضيم الكشح ممسود # فيه من البدر أشباه موافقه ... منها له سفع في وجهه سود # كوجه ذا وجه هذا في تدوره ... كأنه منه في الأشكال مقدود # له من الليث ناباه ومخلبه ... ومن غرير الظباء النحر والجيد # يصغي بأذنين يدني وشك سمعمها ... له الذي عييت في غولها البيد # كآستين على غضين تعطفها ... من جانبيه وفي الرأسين تحديد # كعنبر عوجته في سوالفها ... من بعد ما قوته الغادة الرود # كأنه لابس من جلده فنكا ... في لينه كبنان الكف تمهيد # حكته في لونه نمر الغطاط وفي ... لطف المكائد منه السمع والسيد # إذا رأى الصيد أخفى شخصه أربا ... وقلبه باقتناص الصيد معقود # يكاد من سدكه الأرض يخرقها ... كأنه لحثيث الذعر مزءود # ينساب كالايم هبالا لبغيته ... حتى إذا أمكنته وهو مكدود # سطت عليها به كف المنون فما ... تبغي نجا ورد الحين مورود # القول في طبائع الثعلب PageV01P034 وهو سبع جبان مستضعف خبث، ذو مكر، ~~وخديعة، ولكنه لفرط الخبث والحيلة، يجري مع كبار السباع، ومن حيلته في طلب ~~الرزق أنه يتماوت وينفخ بطنه ويرفع قوائمه، حتى يظن أنه قد مات، فإذا قرب ~~منه حيوان وثب عليه وصاده وهذه الحيلة، لا تتم على كلب الصيد، ومنها أنه ~~إذا دخل على برج حمام، وكان شبعانا قتلها، ورمى بها لعلمه أن لا ينتفع بها ~~فترمى حتى إذا جاع ms057 عاد إليها فأكلها وهو من الحيوان الذي سلاحه سلاحه وهو ~~أنتن من سلاح الحباري فإذا تعرض للقنفذ ولقيه شوكه، واستدار كالكرة سلح ~~عليه فانسدخ، فعندها يقبض على مراق بطنه، ومن طريف ما حكي عنه أن البراغيث ~~إذا كثرت في فروته تناول صوفه بفمه ثم يدخل النهر قليلا قليلا، والبراغيث ~~تصعد فرارا من الماء حتى يجتمع في الصوفة التي في فمه فيلقها ويهرب، والذئب ~~يطلب أولاد الثعلب فإذا ولد له وضع ورق العنصل على باب وجاره ليهرب الذئب، ~~ويقال إنما يفعل ذلك إذا أحس بالصيادين، ويقال: قضيب الثعلب في خلقة ~~الأنبوب أحد شطريه عظم في صورة المثقب، والآخر عصب ولحم وربما سفد الكلبة ~~فولدت كلبا في خلقة السلوقي الذي لا يقدر على مثله، وفرو الثعلب أفضل ~~الأوبار منه الأسود والأبيض الخلنجي، وادونه الأعرابي لقلة وبره وما كان ~~منه ببلاد الترك سمي البرطاسي لكثافة وبره، وحسن لونه، وهذا قول عبد اللطيف ~~في كتاب الحيوان الذي صنفه. # الوصف والتشبيه # قال بعض الأعراب يصفه: # جاء بصيد عجب من العجب ... أزيرق العينين طوال الذنب # تبرق عيناه إلى ضوء الشهب # وقال الببغاء: # وأعفر المسك تلقاه فتحسبه ... من ادكن الخز مخبوء بخيفان # كأن أذنيه في حسن ... انتصابهما ... إذا هما انتصبا للس زجان # يسري ويتبعه من خلفه ذنب ... كأنه حين يبدو ثعلب ثان # فلا يشك الذي بالبعد يبصره ... فردا بأنهما في الخلق اثنان # القول في طبائع النمس # وهذا الحيوان تسميه العرب الظربان، قال أبو عبيد في كتابه الغريب المصنف ~~والظرباء على وزن فعلاء، وهو على قدر الهر، وفي قدر الكلب القلطي، وهو منتن ~~الريح ظاهرا وباطنا، وقال الواصف له: لونه إلى الشبهة، طويل الخطم جدا ليس ~~له إذنان إلا صماخان، قصير اليدين، وفيهما براثن حداد، طويل الذنب ليس ~~لظهره فقار، ولا فيه مفصل، بل عظم واحد من مفصل الرأس إلى مفصل الذنب، ~~وربما ظفر الناس به فيضربونه بالسيوف فلا تعمل فيه حتى تصيب طرف أنفه لأن ~~جلده مثل قد في القوة والصلابة، ولفسوه ريح كريهة، حتى أنه يصيب ms058 الثوب فلا ~~يذهب ريحه منه حتى يبلى، وهو يفسو في الهجمة من الإبل فتتفرق ولا تجتمع ~~لراعيها إلا بعد جهد، والعرب تضرب به المثل في تفريق الجماعة فيقولون: فسا ~~بينهم الظربان وهو لأهل مصر كالقنافذ لأهل سجستان في قتله الثعابين إذ ~~لولاه لأكلتهم الثعابين، والنواطير عندهم يتخذونها إذا خافوا منها، ومن ~~عاداته أنه إذا رأى الثعبان دنا منه ووثب عليه فإذا أخذه تضاءل في الطول ~~حتى يبقى شبيها بقطعة حبل فينطوي الثعبان عليه، فإذا انطوى نفخ بطنه ثم زفر ~~زفرة، فينقطع الثعبان قطعا، قال الجاحظ: وفسو الظربان أحد سلحته، لأنه يدخل ~~على الضب في حجره، وفيه حسوله وبيضه، ويأتي أضيق موضع في الحجر فيسده ويحول ~~دبره، فلا يزال يفسو ثلاث فسوات حتى يخر الضب سكرانا مغشيا عليه فيأكله، ثم ~~يقيم في حجره حتى يأتي على آخر حسولة، وله جرأة على تسليق الحيطان في طلب ~~الطير، فإن هو سقط نفخ بطنه حتى يمتلئ جلده ريحا فلا يضره السقوط # فصل # ويشبه هذا الحيوان السمور، وقد ذهب بعض الناس إلى أنه هو وإنما البقعة ~~التي هو فيها فعلت في تغير وبره، وحكى عبد اللطيف البغدادي في كتاب الحيوان ~~عن ابن ماسة: وإن السمور حيوان ليس في الحيوان أجرأ منه على الإنسان وهو ~~سريع الحضر، لا يؤخذ إلا بالحيل في صيده بأن تدفن جيفة فيغتال بها، ولحمه ~~حلو والترك يأكلونه، وجلده لا يدبغ كسائر الحيوان ويقرب منه حيوان يسمى ~~الدلق، وهو أيضا يفترس ويكرع الدم، وذكر ابن فارس في كتاب المجمل في اللغة ~~أنه النمس أيضا. PageV01P035 والسنجاب وهو حيوان سريع الختلة، وإذا أبصر ~~الإنسان صعد الشجر العالي، وفيها يأوي، ومن ثمرها يأكل، وهو كثير ببلاد ~~الصقالبة، والخزر، ومزاجه بارد رطب بالإضافة إلى مزاج السباع وبالإضافة إلى ~~مزاج الإنسان حار رطب لسرعة حركته على حركة الإنسان. # قال أبو الفرج الببغاء: # قد بلونا الذكاء في كل ناب ... فوجدناه صنعة السنجاب # حركات تأبى على السكون وألحا ... ظ حداد كالنار في الالتهاب # خف جدا على النفوس فلو ... شاء ms059 ترامى مجاورا للتصابي # واشتهت قربه العيون إلى أن ... خلته عندها أخا للشباب # لابس جلده إذا لاح خلنا ... ه بها في مزرة من سحاب # لو غدا كل ذي ذكاء نطوقا ... رد في ساعة الخطاب جوابي # القول في طبائع الهر # وهو ضربان وحشي وأهلي، وكل منهما له نفس غضوبة يفترس، ويأكل اللحم الحي ~~وهو شبيه بالأسد في الصورة والأعضاء والوثب والافتراس والإحضار إلا أنه أقل ~~حرارة من السبع، وأكثرها من سائر الحيوانات، وهو واسع الأهاب وكل حيوان ~~مسلوخه أوسع فهو خفيف العدو، ويناسب الإنسان في أمور منها أنه يعطس ~~ويتثاءب، ويتمطى، ويتناول الشيء بيده، ويغسل وجهه وعينيه بلعابه، وفيه أنه ~~تحدث للأنثى قوة وشجاعة، ولهذا إذا كامنها الذكر هرب منها عند فراغه فلو ~~لحقته قطعته، وربما رمى بنفسه من خالف، وهذه الشجاعة تكون في الذكر قبل ~~السفاد وهي إذا هاجت آذت بصياحها أهل المكان ليلا ونهارا بشيء ظاهر لا ~~يعتريها فيه فترة ولا سآمة، ولا يفعل الذكر مثل ذلك، وهي تحمل في السنة ~~مرتين ومدة حملها خمسون يوما، وهي تأكل أولادها، ويقال أن هذا من فرط حبها ~~لهم ويقال إنما يعتريها ذلك من جنون يعرض لها عند الولادة أو جوع، ويضرب ~~المثل بالهر بالتلطف عند الاستجداء والطلب وترى منه حينئذ ما يبعث المتمقت ~~له على إيثاره وبره والميل إليه والحنو عليه، وله أصوات مختلفة عند صياحه ~~لجراه وعند طلب ما يأكل وعند الخصام، حتى أنه يكاد يفهم عنه نفسه ما يروم ~~من المحاورة لخصمه وعند هياجه للسفاد، وعند شربه، وفي طبعه الألف، ومعرفة ~~الصاحب والمنزل حتى أنه ينفي إلى الأماكن البعيدة لفساد يكون منه فيعود إلى ~~منزله بعد الأيام العديدة، وفيه من الأخلاق الحميدة أنه يراعي حق التربية ~~والإحسان إليه ويقبل التأديب حتى أنه ربما يضرب على فعل المكروه منه فلا ~~يعود لمثله، وربما رؤى في حانوت السمان والجزار، وبين الدجاج والحمام، ومما ~~يخاف عليه من سائر المطاعم ولا يتعرض لها بفساد، وربما خطفها من غيره وقاتل ~~دونها مع ما فيه من ms060 الافتراس، والاختلاس، وفي طبعه أنه إذا أطعم شيئا أكله ~~في مقصعه ولم يهرب، وإذا سرقه أو خطفه هرب به، فعل من سرق شيئا من حرزه، ~~وفيها ما يغالب الرجل على ما في يده، ويأخذ منه، ويخطفه من بين يديه ولا ~~يخافه ولا يهابه لما فيه من الجرأة، وفي بعضها من الجرأة والشجاعة ما يقتل ~~الحية العظيمة، والعقرب وعنده من الفطنة، وعلمه بما فيهما من السم القاتل، ~~أنه إذا قاتلهما يضع إحدى يديه على أنفه صيانة من نفس الحية ولسع العقرب، ~~فإنه مقتله، فإذا أكلها ترك من الحية رأسها ومن العقرب ذنبها لمكان السم ~~فيهما، وفي ذكر السنانير ما يكون الواحد الآخر متى أراد ذلك منه غير أكراه، ~~كما ذلك موجود في الخنازير والحمير ومن عادة الهر أن يحتاط في دفن رجيعه، ~~وإخفاء رائحته لئلا يشمه الفأر فيهرب، وفي طبعه أنه يألف الدار لا رب ~~الدار، فإنه ربما رحل أهله فلا يتبعهم وإن هو حمل إلى دار غير الدار التي ~~ربي فيها لا يقيم، وربما هرب منها إلى الدار الأولى، فأما يهتدي إليها وأما ~~يضيع ويبقى مترددا، أما وحشيا، وأما مأخوذا وأما مقتولا، وهو يؤثر على نفسه ~~وذلك أن الأنثى يلقى إليها الشيء وهي جائعة فتدعو أولادها إليه وربما حملته ~~إليهم من المكان البعيد، ولا تشاركهم فيه وفي طبعه أنه لا يأكل الحار ولا ~~الحامض، ومتى دهن أنفه بدهن الورد مات سريعا وجميع ما ذكرناه في طباع ~~الأهلي، وأما الوحشي فيصيده الكلب، وغيره فيربى ويعلم الصيد فيصيد، وهو في ~~جميع الصور، شرس الأخلاق جلده يشبه الذئب وربما سفد الثعلب الأنثى من هذا ~~النوع فتأتي بولد لا يشبه أحدها. # فصل PageV01P036 ويشبه الهر من الحيوان دابة الزباد وهذه الدابة في قدر ~~الهر وصورته وذنبه، وأذنيه، لا يغادر شيئا منه، إلا أنه أطول خطما وذنبا، ~~وأكبر جثة، وله وبر إلى السواد ما هو، وربما كان أنمر، وقد يوجد في جسدها ~~رائحة المسك ويجلب من بلاد السند واليمن، والزباد فيه شبيه بالوسخ الأسود ~~اللزج زعر ms061 الرائحة وله زفرة يخالطها طيب كطيب المسك، وتوجد في أرفاغه وما ~~يلي بواطن أفخاذه، وباطن ذنبه حوالي دبره فيحك من هذه المواضع بمعلقة فضة ~~أو بدرهم رقيق الحرف وبعضهم يقول: إن الزباد في هذا الحيوان في ضروع كهيئة ~~العيون، ومثل الأدهان الجامدة ترشح من مسام الجلد، وذكر أنه يفتح عينيه ~~ويعصر منها، ومن عجائب ما يحكى أن بالرانج سنانير لها أجنحة كأجنحة الخفاش ~~من آذانها إلى آذانها # الوصف والتشبيه # من رسالة لبعض الأندلسيين يصفه: هر نبيل، ينتهي من القطاط إلى أشرف قبيل ~~له رأس كجمع الكف، وأذنان قد ماتا على صف ذواتا لطافة ودقة، وسباطة ورقة ~~يقيمهما عند التشوف، ويضجعها عند التخوف، ومقلة كأنها مقتطعة من المجزع، ~~وكأن ناظرها من عيون الباقلاء منتزع، قد استطال الشعر حول أشداقه، وفوق ~~آماقه، كأبر مغروزة على العيون، وقد حددت أطرافها القيون له ناب كحد ~~المطرد، ولسان كظهر المبرد، ونف أخنس وعنق أوقص، وخلق سوي غير منتقص، أهرت ~~الشدقين، موشى الساعدين والساقين ململم اليدين والرجلين يرجل بهما وبره ~~ترجيل ذوي الهمم لما تشعث من اللحى ينفض بضربه الغبار ويميط ما علق به من ~~الأدبار، ثم يجلوه بلسانه جلاء الصقيل للحسام، والحمام للأجسام، فينقى ~~قفاه، ويواري آذاه، ويقعي الأسد إذا جلس، ويثب وثبة الدببة إذا اختلس، له ~~ظهر شديد وذنب مديد تارة يهزه هز السمهري المثقف وتارة يلويه لي الصولج ~~المعقف يعب على الماء حيث يلفه ويدني منه فاه ولا يبلغه من لسانه رشاء ~~ودلوا يعلم بها إن كان ملحا أو حلوا، يحمي داره حماية ويحرسها حراسة ~~الرقيب، فإن رأى فيها كلبا صار عليه البا، وصعر خده وعظم قده حتى يصير أنفه ~~من حماه أن يطرق، وغيره على حجابه أن يخرق، وإن رأى فيه هرا وجف إليه ~~مكفهرا ودافعه بالساعد الأسد، ونازعه منازعة الخصم الألد وأبرز برثنه ~~لمبادرته وجوشنه لمصادرته، ثم تسلل إليه لواذا، واستحوذ عليه وشد عليه شدة، ~~وضمه من غير مورد فينسل وبره نسالا، وأرسل دمه إرسالا بأنياب عضل أمضى من ~~النصل، ومخلب ms062 كمنقار الصقر درب الأقناص، والعقر، قفر قرنه ممزق الأهاب ~~مستبعرا في الذهاب، قد افلت من بين أظفار وأنياب ورضي من الغنيمة بالإياب ~~هذا وهو بحاله دون جنة وتقاتله بلا سيوف ولا أسنة، وإنما جنته متنه، وشفاره ~~أظفاره، وسنانه أسنانه، إذا سمعت منه الفأرة مغاء لم تستطع له أصغاء، ~~وتصدعت قلوبها من الحذر، وتفرق جمعها شذر مذر تهجع العيون وهو ساهر، وتستتر ~~الشخوص وهو ظاهر، ويرى من عينيه نيرين وضاحين تخالهما في الظلام مصباحين، ~~يسوق الأركان ويطوف بكل مكان ويحكي في ضجعته السرار تمنيا، وقضيب الخيزران ~~تثنيا يغط إذا نام ويتمطى إذا قام ويستقبل الرياح بشمه، ويجعل الاستدلال ~~أكبر همه، ويمكن للفأر حيث يجد لها عبثا أو يعلم لها لبثا أو يسمع لها صيا، ~~أو يلمح من شياطينها ريبا، فيلصق بالأرض، وينطوي بعضه في بعض حتى يستوي منه ~~الطول والعرض فإذا تشوفت الفأرة من جحرها، وأشرفت بصدرها ونحرها دب إليها ~~دبيب الصل وامتد إليها امتداد الظل ثم وثب في الحين عليها وساق الحين ~~إليها، فأثخنها جراحا ولم يعطها براحا وإن كان جردا مسنا لم يضع عليه سنا ~~وإن كان درصا صغيرا فغر عليه فاه، وقبض مترفقا على قفاه يزداد منه منتهيا ~~وبه تلهيا، ثم يتلاعب به تلاعب الفرسان بالأعنة والأبطال بالأسنة فإذا ~~أوجعه عضا، وأوعبه رضا أجهز في الفور عليه وعمد بالأكل إليه فازدرد منه ~~أطيب طعمه واعتقده أهنأ نعمة، ثم أظهر بالالتعاق شكره وأعمل في غير فكره ~~فيرجع إلى حيث أثاره وتبع فيه آثاره راجيا أن يجد في رباعه ثانيا من اتباعه ~~فيلحقه بصاحبه في الردى حتى يفني جميع العدى، وربما أنحرف عن هذه العوائد، ~~والتقط فتات الموائد بلا غاية في الاحتماء وبرورا بالنعماء فماله على خصاله ~~ثمن، ولا جاء بمثاله زمن وقال آخر يصف هرا: # وخبعش في مشيه متناهش ... خطف المؤخر كامل التصدير PageV01P037 مما اعر ~~معرا اغظف ضيغم ... عن كل أعضل كالسنان هصور # متسربلا ثوب الدجى أو عبشه ... شببت على مكتنيه بالتنمير # وقال ابن طباطبا العلوي، وقد تضارف يصف ms063 هرة: # فتنتني بظلمة وضياء ... إذ تبدت بالعاج والأبنوس # تتلفى الظلام من مقلتيها ... بشعاع يحكي شعاع الشموس # ذات دل قصيرة كلما قا ... مت تهادت طويلة في الجلوس # لم تزل تسبغ الوضوء وتنقي ... كل عضو لها من التنجيس # دأبها ساعة الطهارة دفن ... العنبر الرطب في الحنوط اليبيس # وقال أبو بكر الصنوبري من أبيات وذكر الجرذان: # زاد همي بهن أورق تركي ... السبالين أنمر الجلباب # ليث غاب خلقا وخلقا فمن عاينه ... قال أنه ليث غاب # قنفذ في إزبراره وهو ذئب ... في افترار وجه في انسياب # ناصب طرفه إزاء الزوايا ... وإزاء السقوف والأبواب # ينقضي الظفر حين يظفر في الحر ... ب وإلا فظفره في قراب # يسحب الصيد في أقل من اللم ... ح ولو كان صيده في السحاب # غسل وجهه بإحدى يديه ... مستعين في غسله باللعاب # ويعي الصوت إذا يعي في طوى ... وهو يرنو إذا رنا من شهاب # ثم تطرق فقال: # قرطوه وقلدوه وعالو ... ه أخيرا وأولا بالخضاب # فهو طورا يبدو بنحر عروس ... وهو طورا يمشي على عناب # حبذا ذاك صاحبا فهو في الصح ... ة أوفى من سائر الأحباب # الباب الثالث # في طبائع الحيوان الوحشي # ولنجعل أول ما نبدأ به في الذكر لشرفه وعظمه، وجلالته عند الملوك هو ~~الفيل. # القول في طبائع الفيل PageV01P038 زعم بعض الباحثين عن طبائع الحيوان أن ~~الفيلة مائية الطباع بالجاموسية والخنزيرية التي فيها، وبعضها يسكن الماء، ~~وبعضها لا يسكنه، وزعم آخرون أن الفيلة ضربان فيل، وزندفيل، وهما كالبخث ~~والعراب، والبقر والجواميس والبراذين والخيل، والفأر والجرذان والنمل ~~والذر، وبعضهم يقول: الفيل الذكر والزند فيل الأنثى، وهذا النوع لا يتلاقح ~~إلا في بلاده، ومعادنه ومغارس أعراقه وإن صار أهليا، وهو إذا اغتلم أشبه ~~الجمل في ترك الماء، والعلف حتى ينظم ايطلاه، ويتورم رأسه، ولم يكن لسواسه ~~غير الهرب منه، وربما صار وحشيا، وجهل جهلا شديدا، والفيل ينزو إذا مضى له ~~من العمر خمس سنين، واقل من ذلك قليلا، وزمان نزوه الربيع، والأنثى تحمل ~~سنتين وإذا حملت لا يقربها الذكر ولا يمسها وهي تفذ ولا تتئم، ms064 ولا ينزو ~~الذكر عليها إذا وضعت إلا بعد ثلاث سنين، ولا ينزو إلا على فيلة واحدة، وله ~~عليها غيرة شديدة، وإذا تم حملها وأرادت الوضع دخلت النهر حتى تضع ولدها في ~~الماء لأنها تلد قائمة إذ لا فواصل لقوائمها فتبرك، والذكر بعد ذلك يحرسها ~~وولدها من الحيات وذلك لعداوة أصلية بينهما، ووضع ذكر الفيل شبيه بوضعه في ~~الفرس لكنه صغير عند جنبه وهو في الفرس العتيق صغير أيضا، وانثيا الفيل ~~داخله ببدنه قريبا من كليته، ولذلك يسفد سريعا كالطير، لأن كونها داخلا ~~وقريبا من القلب فتنضح المني بسرعة، ويقال أن الفيل يحقد سريعا كالجمل ~~ويحفظ الشيء الذي يكرهه على القيم عليه حتى يقابله عند تمكنه منه وربما ~~قتله، وزعم الهند أن لسانه مقلوبة ولولا ذلك لتكلم وهو صغير، ويجعلون نابيه ~~قرنيه يخرجان مستنبطين حتى يخرقا الحنك وعلم ذلك من تشريحه ويوجد فيها ~~الأعقف والمستقيم، قال المسعودي: وربما بلغ الناب منها خمسين ومئة من ذلك، ~~والفيل يحمل بهما على الجدار الوثيق البنيان فيلقيه على الأرض وقد فتح به ~~محمود بن سبكتكين مدينة الطاق، وهي من أعظم الحصون التي ببلاد سجستان فإنه ~~جعل نابيه تحت بابها فاقتلعه، وهو أسرع الحيوان الوحشي أنسا بالناس وسرعة ~~الأنس دليل على حسن الطباع واعتدال الأخلاط ودماثة الأخلاق، وخرطومه من ~~غضروف، وهو أنفه ويده التي يوصل بها الطعام إلى فيه، ويقاتل بها وبه ويصيح، ~~وليس صياحه على مقدار جثته لأنه كصياح الصبي وينزل منه منزلة عنقه، وله فيه ~~من القوة بحيث يقلع به الشجر من منابتها، وفي طبع الفيل، أنه إذا سمع صوت ~~الخنزير ارتاع ونفر، واعتراه الفزع والجزع، وإذا ورد الغدران والأنهار ~~للشرب وكان الماء صافيا، فهو أبدا يثيره ويكدره كالخيل لأنها ترى صورتها ~~على سطح الماء فيتوهم أنه غيرها فينفر منه، وهو قليل الاحتمال للشتاء، ~~والبرد، ويعوم ويسير منغمسا ما عدا خرطومه، لأنه منه يتنفس ولا يقدر على ~~السباحة لثقل جثته، وفيه من الفهم أنه يقبل التأديب، ويفعل ما يأمره به ~~سائسه من السجود للملوك ms065 وغير ذلك من الخير والشر في حالتي السلم والحرب، ~~وفيه من الأخلاق أنه يقاتل بعضه بعضا قتالا شديدا، والمقهور بخضع للقاهر ~~ويخاف من سطوته، ويقال: أنه يصاد باللهو والطرب واللعب والزينة وريح الطيب ~~والنساء يصدنه بذلك، وربما احتيل على صيده، بأن يترقب حالة سكونه، وهدوئه ~~وذلك أنه لا ينام إلا معتمدا على ساق شجرة إذ لا يمكنه الاضطجاع لكون ~~قوائمه لا مفاصل لها لكنها كالأساطين المصمتة، والسواري الوثيقة، والصيادون ~~يأتون الشجرة التي غالب أوقاته يعتمد عليها فيضعفون أصلها فإذا أتى على ~~عادته إليها ليعتمد عليها، انكسرت فسقط، وبقي عاجزا لا يقدر لنفسه بشيء ~~فيصيدونه كيف شاءوا، والهند تعظم الفيل وتشرفه، لما اجتمع فيه من الخصال ~~المحمودة من علو سمكه وعظم صورته وبديع منظره، وطول خرطومه، وسعة إذنه وطول ~~عمره، وثقل حمله وخفة وطئه فإنه ربما مر بالإنسان فلا يشعر به لحسن خطوه ~~واستقامته، وللهند طيب يجمعونه من جباه الفيلة ورؤوسها، فإنها إذا اغتلمت ~~عرقت هذه الأماكن منها عرقا كأنه المسك ويستعملونه لظهور الشبق في الرجال ~~والنساء، ويزعمون أنه يشجع القلب ويقوي النفس ويبعثها على الإقدام، والفيل ~~يشب إلى تمام مئة وستين سنة، ويعمر مائتي سنة وأكثر، وحكى أرسطو أن فيلا ~~ظهر عمره أربعمائة سنة، وحكى بعض المؤرخين أن فيلا سجد لابرويز، ثم سجد ثم ~~سجد للمعتضد، وبينهما الزمان الذي ذكره أرسطو PageV01P039 واعتبر ذلك ~~بالوسم، وهذا الحيوان يعتريه من الأمراض وجع المفاصل لطول قيامه وثقل جثته ~~لأنه لا يضطجع والله أعلم. # الوصف والتشبيه # قال رؤية بن العجاج يصفه من أرجوزة: # أجرد كالحصن طويل النابين ... مشرق اللحي صغير الفقمين # عليه إذنان كفضل الثوبين # وقال ابن طباطبا العلوي: # أعجب بفيل آنس وحشي ... بهيمة في فطنة الإنسي # يفهم من سائسه الهندي ... غيب معاني رمزه الخفي # مثل السدلى الموثق المبني ... يطوف كالمزدجر المنهي # منزه في خلقه السوي ... عن لين مشي ركب المطي # ذي ذنب مطول ثوري ... في مثل ردف الجمل البختي # منخفض الصوت طويل العي ... يرنو بطرف منه شادي # في قبح وجه منه خنزيري ... خرطومه ms066 كجعبة التركي # كالدلو إذ يهوى إلى القرى ... يصب في مصهرج مطوي # ناباه في هولهما المخشي ... كمثل قرني ناطح طوري # إذناه في صبغهما الفضي ... كطيلساني ولدى ذمي # سائسه عليه ذو رقي ... منتصب منه على كرسي # يطيعه في أمره المأتي ... كطاعة القرقور للنوتي # وقال علي بن جريح الرومي يصفه: # واعطل عبد الناس حامل مخطم ... به حجز طورا وطورا به فغم # يقلب جثمانا عظيما... موثقا ... يهد بركنيه الجبال إذا زحم # ويسطو بخرطوم يطاوع أمره ... ومشتبهات ما أصاب بها حطم # ولست ترى بأسا يقوم لبأسه ... إذا أعمل النابين في الناس أو صدم وقال عبد ~~الكريم النهشلي يصفه: # وأضخم هندي النجار تعده ... ملوك بني ساسان وإن نابها الدهر # من الورق لا من ضربة الورق مرتعي ... أصاخ ولا من ورده الخمس العشر # يجيء كطود جائل فوق أربع ... مضبرة لمت كما لمت الصخر # له فخذان كالكثيبين لبدا ... وصدر كما أوفى من الهضبة الصدر # ووجه به أنف كروواق خمرة ... ينال به ما تدرك الأنامل العشر # وجبان لا يروي القليب صداهما ... ولو أنه بالقاع منهرت حضر # وإذن كنصف البرد تسمعه الندا ... خفيا وطرف ينفض العيب مزور # ونابان شقا لا يريد سواهما ... قناتين سمراوين طعنهما نثر # له لون ما بين الصباح وليله ... إذا نطق العصفور أو صوت الصقر # ولأبي بكر الأرجاني يصفه من أبيات يصف فيها مجلس ممدوحه شعرا فقال: # والفيل في ذيل السماط له ... زجل يهال له الفتى ذعرا # في موقف الحجاب يؤمر أو ... ينهي فيمضي النهي والأمرا # إذنان كالترسين تحتهما ... نابان كالرمحين إن كسرا # يعلو له فياله ظهرا ... فيظل مثل من اعتلى قصرا # القول في طبائع الكركدن # وتسميه الهند البوشان، ويسمى أيضا الحمار الهندي وهو عدو الزبرقان ~~والفيل، ومعادنه بلاد الهند والنوبة والبجة وهو دون الجاموس، ويقال: إنه ~~متولد بين الفرس والفيلة، وله ضلف واحد، وقرن واحد عظيم على أنفه فلا ~~يستطيع لثقله أن يرفع رأسه، وهذا القرن مصمت قوي الأصل حاد الرأس مرهفه ~~يقاتل به الفيل فلا تفد معه ناباه، ويقال: إنه إذا نشر رؤي في داخله ms067 صورة ~~بياض في سواد كصورة إنسان ودابة وسمكة، وما ذلك وأهل الصين يتخذون منه ~~المناطق، ويغالون في ثمنه، ويقال أن حمل الأنثى من هذا النوع كأيام حمل ~~الأنثى من الفيلة، والأنثى تأكل ولدها، ولا يسلم منها إلا القليل، والولد ~~يخرج قويا ثابت الأسنان والقرن قوي الحافر، وقد زعم أنه إذا كان في بطن ~~أمه، وقارب الوضع يخرج رأسه من فرجها، ويرعى من أطراف الشجر ما يقوم به ثم ~~يرجع به وقد أنكر الجاحظ هذا القول، وجعله ضربا من الخرافات، ويزعم الهند ~~أنه إذا كان في ناحية من البلاد لا يقربها حيوان أصلا، ويكون بينها وبينه ~~من البعد مئة فرسخ من أربع جهاته هيبة له وهربا منه، وليس في الحيوان ذي ~~القرن ما هو مشقوق الضلف غيره، وهو يجتر كما يجتر البقر والغنم والإبل ~~ويأكل الحشيش، ويقال: إنه شديد العداوة للإنسان حتى أنه إذا شم رائحته أو ~~سمع صوته جد في طلبه فإذا أدركه قتله، وإن لم ينتفع به لأنه لا يأكل اللحم. # القول في طبع الزرافة PageV01P040 والزرافة في كلام العرب الجماعة لأنها ~~اجتمع فيها صفات لكثير من الحيوان وهي عنق الجمل وجلد النمر، وقرن الظبي، ~~وأسنان البقر، ورأس الإبل زعم بعض المتكلمين في طبائع الحيوان أنها متولدة ~~بين الحيوانات، وقال أن السبب في ذلك اجتماع الوحوش، والدواب في حمارة ~~القيظ على شرائع المياه فتتسافد فيلقح منها ما يلقح ويمتنع منها ما يمتنع، ~~فربما سفد الأنثى من الحيوان ذكور كثيرة فيختلط مياهها فيجيء منها خلق ~~مختلة الصور والألوان والأشكال والفرس تسمي الزرافة )اشتر كاو بلنك( وتأويل ~~أشتر بالفارسية بعير، وكاو بقرة، وبلنك الضبع وهذا كما رأيت موافق لما ذهبت ~~إليه العرب من كونها مركبة الخلق من حيوانات شتى، والجاحظ لا يعجبه هذا ~~القول ويقول أنه جهل شديد لا يصدر عمن لديه تحصيل لأن الله تعالى يخلق ما ~~يشاء على ما يشاء وهو نوع من الحيوان قائم بنفسه كقيام الخيل والحمير، وما ~~يحقق ذلك أنه يلد مثله وقد شوهد، وهي طويلة اليدين ms068 والعنق جدا حتى تكون في ~~مجموعها عشرة أذرع وأكثر، قصيرة الرجلين جدا، وليس لها ركب، وإنما الركب ~~ليديها كسائر البهائم وإذا أكلت مما على الأرض تفحجت لقصر عنقها عن يديها، ~~ومن عادتها أنها تقدم عند المشي اليد اليمنى والرجل اليسرى، بخلاف ذوات ~~الأربع، فإنها كلها تقدم اليد اليمنى، والرجل اليمنى، وفي طبعها التآلف ~~والتودد، والتأنس بأهلها وهي تجتر وتبعر. # الوصف والتشبيه # قال ابن حمديس يصفها: # ونوبية في الخلق فيها خلائق ... متى ما ترق العين فيها تسفل # إذا ما أسمها ألقاه في السمع ذاكر ... رأى الطرف منها ما عناه بمقول # لها فخذا قرم وأظلاف مرهب ... وناظرتا رئم وهامة أيل # كأن الخطوط البيض والصفر أشبهت ... على جسمها ترصيع عاج بصندل # ودائمة الاقعاء في في أصل خلقها ... إذا قابلت أدبارها عين مقبل # تلفت أحيانا بعين كحيلة ... وجيد على طول اللواء المضلل # وتنفض رأسا في الزمام كأنما ... تريك له هاو على السحب معتلي # وعرف رقيق الشعر تحسب نبته ... إذا الريح هزته ذوائب سنبل # وتحسبها من مشيها إن تبخترت ... تزف إلى بعل عروسا وتنجلي # فكم منشد قول امرئ القيس عندها ... " أفاطم مهلا بعض هذا التدلل " # وقال أبو علي بن رشيق يصفها وذكر ممدوحة: # وأتاك من كسب الملوك زرافة ... شتى الصفات لكونها أثناء # جمعت محاسن ما حكت فتناسبت ... في خلقها وتنافت الأعضاء # تحثها بين الخوافق نسبة ... باد عليها الكبر والخيلاء # وتمد جيدا في الهواء يزينها ... فكأنه تحت اللواء لواء # حطت مآخرها وأشرف صدرها ... حتى الثرى لو لمت الأجزاء # وتخيرت دون الملابس حلة ... عيت بصنعة مثلها صنعاء # لونا كلون الذبل إلا أنه ... حلى وجزع بعضه الجلاء # أو ملثما صدئت صفائح جوشن ... وجرى على حافاتهن جلاء # نعم التجافيف التي قد درعت ... من جلدها لو كان فيه وقاء # ومن أبيات للفقيه عمارة اليمني، وصف فيها دارا جاء منها في وصف تصاويرها ~~وذكر الزرافة: # وبها زرافات كأن رقابها ... في الطول ألوية تؤم العسكرا # نوبية المنشأ تريك من المها ... روقا ومن بزل المهاري مشفرا # جبلت على الإقعاء من إعجابها ... فتخالها للتيه ms069 تمشي القهقري وقال أبو ~~علي بن رشيق: # ومجنونة أبدا لم تكن ... مذللة الظهر للراكب # قد اتصل الجيد من ظهرها ... بمثل السنام بلا غارب # ملمعة مثلما... لمعت ... بحناء ومشي يد الكاعب # كأن الجواري كنفها ... تخلج من كل جانب # القول في طبائع البقر الوحشية PageV01P041 وهذا النوع أربعة وهي المها ~~والأيل واليحمور والثيتل وتعد كلها من الجواري وهذا الاسم يقع على الذئب ~~والثعلب، وابن آوى، والسمع، وبقر الوحش وحمرة، والغزلان، والأرانب، لأنها ~~كلها تشرب الماء في الوصف، إذا ظفرت به وإذا عدمته صبرت عنه واجترأت ~~باستنشاق النسيم إلى أن تجده، وقال ابن أبي الأشعث في كتابه الذي وضعه في ~~طبائع الحيوان البقر والأراوي واليحامير والظباء وجميع هذا النوع ليس بأرضي ~~خالص، ولا ينبغي أن يسمى الحيوان الهوائي الأرضي لأنه خفيف الحركة متململ ~~العدو على الأرض لأنه حرارة الهواء ليست فيه ذاتية، ولا برودة الأرض كذلك، ~~إلا أن برودتها غالبة لحر الهواء، لأنها فيه أكثر، ولما كان كذلك صار بينه ~~وبين الطائر ممازجة ومناسبة ما وذلك أنه إذا أراد العدة انتصب في وقفته، ~~وطلب مهب الريح ثم استنشقها استنشاق الطائر حال طيرانه، ثم يزج نفسه ~~مستقبلا للريح، وربما أخافه مخيف، وكانت الريح تجيء من جهته فيحمل نفيه على ~~الجهة التي فيها المخيف، وأيضا فإنه يؤثر الهواء صيفا وشتاء لا يستتر منه ~~ميلا إليه ومحبة فيه. # فأما المها فيقال أن من طباعها الشبق والشهوة، وإذا حملت الأنثى هربت من ~~الذكر خوفا من عبثه بها وهي حامل، والذكر لفرط شهوته يركب ذكرا آخر، وإذا ~~ركب واحد منهما شم رائحة الماء الباقون فيثبون عليه بعد. # والبقر الوحشية أشبه شيء بالمعزى الأهلية، ولذلك تسمى نعاجا، وقرونها ~~صلاب جدا تمنع بها عن نفسها، وأولادها كلاب الصيد، والسباع التي تطبق بها ~~ويقال: إن أول من طارد البقر الوحشية على الخيل ربيعة بن نزار بن معد، وأنه ~~لما كدها لجأت منه إلى ضالة فاستترت منه بها فرق لها ورجع عنها # الوصف والتشبيه # كاتب أندلسي يصف بقرا وحشية في رسالة طردية: عن ms070 لنا سرب نعاج يمشين رهوا ~~كمشي العذارى، وينثنين زهوا تثني السكارى، تخلج بالكافور جلودها، وتضمخ ~~بالمسك قوائمها وخدودها، وكأنما لبست الدمقس سربالا واتخذت السندس سروالا . # من كل مهضمة الحشا وحشية ... تحمي مداريها دماء جلودها # وكأنما أقلام حبر كتبت ... بمداد هينيها طروس خدودها # فأرسلنا أول الخيل على آخرها، وخليناها وإياها، فمضت مضي السهام وهوت هوى ~~السمام، فمالت في أسرابها يمينا وشمالا، فكأنما أهدت لآجالها آجالا فمن متق ~~بروقه وكاب أتاه حتفه من فوقه. # وقال الأخطل يصف ثورا وذكر واديا: # فما به غير موشى أكارعه ... إذا أحس بشخص ماثل مثلا # كأن عطارة باتت تطيف به ... حتى تسربل ماء الورس وانتقلا # كأنه ساجد من نفح ديمته ... مقدس قام تحت الليل فابتهلا # يلقي التراب برد فيه وكلكله ... كما استماز رئيس المقنب الثقلا # وقال أيضا يصفه في أبيات: # أو مقفر خاضب الإطلاق جاد له ... غيث يظاهر في ميثاء مبكار # فبات إلى جنب أرطاة تكفئه ... ريح شمالية هبت بأمطار # إذا أراد به التنغيص أرقه ... سيل يدب بهدم الترب موار # حتى إذا إنجاب عنه الليل وانكشفت ... سماؤه على أديم مصحر عار # أنسن أصوات قناص أحس بهم ... كالجن يهفون من جرم وأنمار # فأنصاع كالكوكب الدري يتبعه ... غضبان يخلط من معج وإحضار # وقال عدي بن الرقاع يصف ثورين يعدوان: # يتعاوران من الغبار ملاءة ... بيضاء محكمة نسجاها # تطوى إذا وردا مكانا جاسيا ... وإذا السنابك أسهلت شرها # والوصف البديع لسرعة عدوه قول الطرماح يصف ثورا: # يبدو وتضمره البلاد كأنه ... سيف على شرف يسل ويغمد PageV01P042 وأما ~~الأيل فإن أصحاب البحث عن طبائع الحيوان يقولون أن ذكره من عصب لا لحم فيه ~~ولا غضروف، ولا عظم، وإن قرنه مصمت لا تجويف فيه، والأنثى تقلق لنزو الذكر ~~قلقا شديدا، ولهذا لا تثبت لنزوه إلا في الفرط مرة واحدة، وإذا حملت لا تضع ~~إلا على السب، والطرق لهرب السباع من الجادة المسلوكة، وإذا وضعت أكلت ~~الجعدة لإصلاح لبنها، وهي تحب الكينونة في القمر، وتأتي بولدها إلى أماكن ~~الماء، وتعرفه المواضع التي ينبغي أن يهرب إليها ms071 إذا احتاج إلى الهرب، وهي ~~صخور فيها صدوع، وتجويفات، ليس لها مدخل واحد، وتقف على ذلك المدخل وتقاتل ~~بجهدها كل حيوان يطلب ضرر ولدها، والأيل يسمن جدا، فإذا سمن اختفى في موضع ~~لا يعرف خوفا أن يصاد لسمنه، وهو مولع بالحيات يطلبها في كل موضع فإذا ~~انجحرت منه أخذ في فمه ماء ثم نفخه في الجحر فتخرج له ذنبها فيأكلها حتى ~~ينتهي إلى رأسها فيتركه خوفا من السم، وربما لسعته فتسيل دموعه إلى نقرتين ~~تحت محاجر عينيه يدخل الأصبع فيهما، فتجمد تلك الدموع وتصير كالشمع يتخذ ~~ترياقا لسم الحيات، وهو البادزهر الحيواني، وإذا لسعته أكل السراطين فيبرأ، ~~وكذلك يأكل التفاح الحامض إن كان زمانه، أو ورق شجره فيبرأ، ولا تنبت له ~~القرون إلا بعد أن يمضي عليه سنتان من عمره وإذا نبت قرناه نبتا مستقيمين ~~كالوتدين، وفي الثالثة يتشعب، ولا تزال الشعب في زيادة إلى تمام ست سنين، ~~وحينئذ يكونان كالشجرتين على رأسه ثم بعد ذلك يلقي قرونه في كل مرة ثم ~~تنبت، وإذا نبتا له تعرض بهما للشمس ليصلبا وإذا صارا كالشجرتين منعاه ~~الإحضار، فلا يكاد يفلت إذا طردته الخيل وهو إذا ألقاهما انجحر حتى ينبتا ~~لأنهما آلته وليس له سلاح غيرهما يدافع بهما عن نفسه كالترس للجبان لأنه لا ~~ينطخ بهما إلا إذا صلحا لذلك زعم أرسطو: أن هذا النوع يصاد بالصفير ~~والغناء، فهو ينام ما دام يسمع ذلك، والصيادون يشغلونه بالتطريب ويأتون ~~إليه من خلفه فإذا رأوه مسترخية أذناه وثبوا عليه، وإن لم يكن فليس لهم ~~إليه سبيل وإذا اشتد عليه العطش من أكل الحيات أتى غدير الماء، واشتمه ثم ~~انصرف عنه يفعل ذلك أربعة أيام، ثم يشرب في اليوم الخامس، وإنما يمتنع عن ~~شرب الماء لخوفه على نفسه من سريان السم في الجسد مع الماء. # الوصف والتشبيه # شاعر يصفه يصد عن الماء مع حاجته ويذكر محبوبته: # هجرتك لا قلي مني ولكن ... رأيت بقاء ودك في الصدود # كهجر الظامئات الماء لما ... تيقن المنايا في الورود # تذوب نفوسها ms072 ظمأ وتخشى ... هلاكا فهي تنظر من بعيد # وقال آخر في مثل ذلك: # وما ظامئات طال في القيظ ظمؤها ... فجاءت وفي الأحشاء غلي المراجل # فلما رأين الماء عذبا وقد أتت ... إليه رأين الموت لون المناهل # فولت ولم تشف صداها وقد طوت ... حشاها على وخز الأفاعي القواتل # بأعظم من شوقي إليك وحسرتي ... عليك ولم التذ منك بطائل # وأما اليحمور: ويسمى اليامور، فإن قرونه كقرون الأيل إلا أنها أصغر وهو ~~يلقيها في كل سنة، وهي صامتة لا تجويف فيها، ولونه إلى الحمرة، وهو أسرع من ~~الأيل. # وأما الثيتل: فينعت ببقر بني إسرائيل، وهو لا يعرف بالشام ولا بالعراق ~~ولا بالحجاز، وإنما يوجد في غور بيسان، وبنواحي مصر، ولونه في لون الأصفر ~~من البقر، ودونه بقليل، لكنه أطول وجها منها، وقرونه كقرون الغزلان إلا ~~أنها أجفى، ولسرعة حضره لا يكاد يلحقه إلا الفرس الجواد. # القول في طبائع الحمار الوحشي PageV01P043 ويسمى العير، والفرا وهو لا ~~ينزو إلا إذا بلغ ثلاثين شهرا، ويوصف بشدة الغيرة وهو يحمي عانته الدهر ~~كله، ويضرب فيها كضربه لو أصاب إناثا من غيرها ويقال أن الأنثى إذا ولدت ~~جحشا كدم الذكر قضيبه فالإناث تعمل الحيلة في الهرب به عنه حتى يسلم وهذا ~~حتى لا يكون في العانة ذكر غيره، وحكى الجاحظ: أن أبا الأخضر ذكر عن فحل ~~العانة أنه يستبهم مواضع الذرء ويجهلها، وإن الولد لم يجيء منه عن طلب، ~~ولكن النطفة البريئة عن الاسقام انتجت. وذكر أن نزوه على الإناث من شكل ~~نزوه على الذكر من نوعه، وإنما ذلك على قدر ما يحضره من الشبق لأنه لا ~~يلتفت إلى دبر من قبل، ولا إلى ما يلقح مما لا يلقح، فلا هو يريد الولد، ~~ولا يعزل ويقال: إن الحمار الوحشي يعمر مائتي سنة وأكثر، وكلما بلغ مائة ~~سنة صارت له مبولة ثانية، وشوهد منها ما له ثلاث مباول وأربع، وهو كشكل ~~المصير المحشو بين المبولة والمبولة، حتى كان بينهما حاجزا مشدودا ومعادنه ~~بلاد النوبة وزغاوة ويوجد منها ما يكون مسنة معمدة ms073 ببياض وسواد مستطيلان ~~فيما استطال من أعضائه، ومستديران فيما استدار بأصح قسمة، وأحسن ترتيب ومن ~~الحمر الوحشية صنف يسمى الأخدري، وهي أطول الحمر عمرا، ويقال: أنه من نتاج ~~الأخدر، وهو فرس لاردشير بن بابك أفلت من خيله فصار وحشيا فحمي عدة عانات ~~فضرب فيها فجاءت أولاده منها أعظم من سائر الحمر وأحسن وخرجت أعمارها عن ~~أعمار الخيل، وفي هذه الحكاية نظر لذوي الفكر لأنه لا يكون على نوعين ~~مختلفين من الحيوان حيوان يشبه أحدهما، وإنما يكون ممتزجا كالبغل بين ~~الحمار والفرس، والسمع بين الضبع والذئب، وحكى القولين أبو علي بن رشيق في ~~كتاب العمدة. # الوصف والتشبيه # قال الشماخ من أبيات يصف عيرا في غابة : # فواجهها قوارب فاتلأبت ... شطر ثانيله مثل القنا المتأودات # يعض على ذوات الضعن منها ... كما عض الثقاف على القناة # وهن يثرن بالمعزاء.. نقعا ... ترى لهن . . . سرادقات # وقال عبد الكريم النهشلي يصف حمارا أخدريا: # واضرح صلصال لا خدر ينتمي ... أمين الفصوص لم يدمث له ظهر # كأن العيون الكحل صيغت بجلده ... فنافس فيها فهي مسطورة حرز # تولع منه الجلد حتى كأنما صبا ... حا وليلا فيه حظهما قدر # كأن الجمارة الصلبة قدرت فجاءت ... لها وفقا حوافره الحفر # إذا احتال واستولى به رديانه ... توالى صغير منه ترجيعه زمر # ومن رسالة كتبها أبو الفرج الببغاء يصف فيها أتانا معمدة ببياض وسواد كان ~~صاحب اليمن أهداها لبختيار: وأما الاتان الناطقة، في كمال الصنعة، بأفصح ~~لسان فإن الزمان لاطف مولانا أيده الله تعالى منها بأنفس مذخور، وأعجب ~~مرئي، وأغرب موشى، وأفخر مركوب، واشرف محبوب، وأعجز موجود وأبهى مخدود، ~~كأنما وسمها الكمال بنهايته، والحظها الفلك بعنايته، فصاغها من ليله ~~ونهاره، وحلاها بنجومه وأقماره، ونقشها ببدائع ثاره، ورمقها بنواظر سعوده، ~~وجعلها أحد جدوده، ذات أهاب مسير، وفراء محبر، وذنب مشجر وشوى مسور ووجه ~~مرجح ورأس متوج، تكتنفه إذنان كأنهما زجان، سبجية الأنصاف، بلورية الأطراف ~~جامعة شيتها بالترتيب، بين زمن الشبيبة والمشيب، فهي قيد الأبصار وأمد ~~الأنكار ونهاية الاعتبار غني عن الحلي عطلها مزرية بالزهر حللها واحدة ms074 ~~جنسها وعالم نفسها صنعة المنشئ الحكيم وتقدير العزيز العليم. # القول في طبائع الوعل PageV01P044 وهو التيس الجبلي، والأنثى تسمى أروية، ~~وهي شاة الوحش وفي طباع هذا النوع أنه يأوي الأماكن الوعرة الخشنة، ولا ~~يزال مجتمعا، فإذا كان وقت الولادة تفرق، وإذا اجتمع في ضرع الأنثى لبن ~~امتصه والذكر إذا ضعف عن النزو أكل البلوط، فتقوى شهوته، ومتى لم يجد ~~الأنثى انتزع المني بفيه بالامتصاص، وذلك إذا جد به الشبق، وفي طبعه أنه ~~إذا أصابه جرح طلب الخضرة على الحجارة فيمتصها ويجعلها على الجرح، فيبرأ، ~~وإذا أحس بقناص وهو في مكانه المرتفع استلقى على ظهره ثم يزج نفسه فينحدر ~~ويكون قرناه وهما من رأسه إلى عجزه يقيانه ما يخشى من الحجارة، ويسرعان به ~~لملوستهما على . . .، وفي طبعه الحنو على ولده، والبر بوالديه، وأما الحنو ~~فإنه إذا صيد شيء من سخاله تبعته أمه ورضيت بأن تكون معه في الشرك وأما ~~البر بوالديه، فإنه يختلف إليهما بما يأكلانه، وإذا عجزا من الأكل مضغ لهما ~~وأطعمهما، ويقال أن في قرنيه ثقبين يتنفس بهما فمتى سدا هلك سريعا. # الوصف والتشبيه # قال الشماخ يصف محبوبة له تسمى أروى: # وما أروى وإن كرمت علينا ... بأدنى من موقفه حرون # تطيف بها الرماة وتنفتهم ... بأوعال معقفة القرون # وقال الصاحب بن عباد: # وأعين كالذرى في سفلاته ... سواد وأعلى ظاهر اللون واضح # موقف أنصاف اليدين كأنه ... إذا راح يجري بالصريحة رامح # وما أطرف قول أبي الطيب المتنبي : # وأوفت الغدر من الأوعال ... مرتديات بغي الضال # نواخس الأطراف للاكفال ... يكدن ينفذن من الأطال # لها لحى سود بلا سبال ... يصلحن للإضحاك لا الإجلال # كل اثيث نيته متعال ... لم يغد بالمسك ولا الغوالي # يرضى من الأدهان بالأبوال # القول في طباع الظباء # وهي ألوان تختلف بحسب مواضعها، فصنف منها يسمى الأرام وألوانها بيض ~~ومساكنها الرمل، وهي أشدها حضرا، وصنف يسمى العفر وألوانها حمر، وصنف منها ~~يسمى الأدم وهي تسكن الجبال، وفي هذا النوع أسرار الطبيعة أنه ما يرى ذا ~~روح إلا ويعلم ما يريد منه خير أو ms075 شر، وإذا فقد الماء استنشق الهواء فاعتاض ~~به عنه، وإذا طلب لم يجهد نفسه في حضره من أول وهلة وإذا رأى طالبه قد قرب ~~منه زاد في الحضر حتى يفوت الطالب، وهو يخضم الحنضل حتى يرى ماؤه يسيل من ~~شدقيه، ويرد البحر فيشرب منه الماء الأجاج كما تغمس الشاة لحييها في الماء ~~العذب لطلب النوى المنقع فيه وهو لا يدخل كناسه إلا مستديرا يستقبل بعينيه ~~ما يخافه على نفسه وله نومتان في مكنسين، مكنس الضحى، ومكنس العشي، وإذا ~~أسن الضبي ونبت لقرونه شعب نتج وإذا هزل أبيض وهو شيج النساء لا يسمح ~~بالمشي فإذا أراد فأنما النقز والوثب، ورفع القوائم معا كما يفعل الغراب ~~فهو أبدا يحجل كما يحجل المقيد، وليس له حضر في الجبال، ويصاد بنار توقد له ~~فيذهل لها لا سيما إذا أضيف إلى ذلك تحريك أجراس، فإنه ينخذل، ويرقد ويصاد ~~بالعطش الشديد بأن يجعلوا بينه وبين الماء فينخذل، ولا يبقى به حراك البتة، ~~وبين الظباء والحجل ألفة، ومحبة والحذاق في الصيد يصيدون بعضها ببعض، ويوصف ~~بحدة البصر، ويسمى باليونانية اسما معناه النظارة والبصرة # فصل PageV01P045 ويلحق بهذا النوع غزال المسك ولونه أسود ويشبه ما تقدم ~~في القد، ودقة القوائم وافتراق الأظلاف، وانتصاب القرون، وانعطافها غير أن ~~لكل واحد منها نابين خفيفين أبيضين خارجين من فيه في فكه الأسفل قائمين في ~~وجهه كنابي الخنزير كل واحد منهما دون الفتر على هيئة ناب الفيل ويكون ~~بالتبت وبالهند، ويقال أن الغزلان تسافر من التبت إلى اهند بعد أن يرعى من ~~حشيش التبت وهو غير طيب فيلقى ذلك المسك بالهند فيكون رديئا، وترعى حشيش ~~الهند الطيب ويعقد منه مسكا، وتأتي بلاد التبت فتلقيه فيكون جيدا، والمسك ~~فضل دموي يجتمع من جسدها إلى سررها في وقت من السنة معروف بمنزلة المواد ~~التي تنصب إلى الأعضاء، وهذه السرر جعلها الله تعالى معدنا للمسك فهي تثمره ~~كل سنة بمنزلة الشجرة التي تؤتي أكلها كل حين فإذا حصل هذا الدم في السرر ~~ورمت وعظمت فتمرض لها ms076 الظبي وتألم حتى تتكامل فإذا بلغ حكته بأظلافها ~~وتمرغت في التراب فتسقط في تلك المفاوز والبرار فيخرج الجلابون فيأخذونه ~~ويقال أن أهل التبت يضربون لها أوتادا في البرية تحك بها إذا المتها السرر ~~فتنقطع، وتسقط، فإذا سقطت عن الظبي كان في ذلك إقامته وصحته، فانتشرت حينئذ ~~في المراعي.. وورد الماء، ومنها ما يموت لشدة ألمه. # الوصف والتشبيه # قد ينبغي أن نعلم أن هذا قليل جدا لأن الشعراء نقلوا محاسن الغزال إلى ~~الغزل، وشرحوا بها حال من جذبه الحل وهزل، والصفة التي يصفون بها الظبي، ~~وصفوا بها الجارية والغلام، وصرفوا الحقيقة إلى المجاز فيما أرادوه من ~~الكلام. # قال بعضهم: # فما معزل تعطو بجيد كأنه ... عان بأيدي الصارمين صقيل # هضيم الحشى مغضوضة الطرف ... عالها بذات الأراك مرتع ومقيل # إذا نظرت من نحو أو تفرست ... دعاها أحمر المقلتين كحيل # بأحسن منها حين قالت صرمتنا ... وأنت صروم للحبال وصول # وقال ذو الرمة وذكر محبوبته: # ذكرتك إن مرت بنا أم شادن ... أمام المطايا تشرأب وتسنح # من المؤلفات الرمل أدماء صرة ... شعاع الضحى في متنها يتوضح # هي الشبه أعطافا وجيدا ومقلة ... ومية أبهى بعد منها وأملح وقال أبو ~~الطيب المتنبي من طردية وذكر منزلا للصيد: # ومنزل ليس لها بمنزل ... ولا لغير العاديات الهطل # بذي الخزمي ذفر القرنفل ... محلل ملحوش لم يحلل # عن لنا فيه مراعي معزل ... محين النفس بعيد الموئل # أعناه حسن الجيد عن لبس الحلي ... وعاده العري عن التفضل # كأنه مضمخ . . . . بصندل ... معترضا بمثل قرن الأيل # وقال آخر: # وحالية بالحسن والجيد عاطل ... ومكحولة العينين لم تكتحل قط # على رأسها من قرنها الجعد وفرة ... وفي خدها من صدغها شاهد سبط # تجللها من غبرة الجلد فروة ... وتجمعها من بيض أباطها مرط # وقد أدمجت بالشحم حتى كأنما ... ملأتها من فرط ما اندمجت قمط # القول في طبائع الأرنب PageV01P046 يقول أصحاب الكلام في طبائع الحيوان: ~~إن قضيب الذكر من هذا النوع كذكر الثعلب أحد شطريه عظم، والآخر عصب، وربما ~~ركبت الأنثى الذكر حين السفاد لما فيها من الشبق، وتسفد وهي ms077 حبلى وهي قليلة ~~الإدرار على ولدها ويزعمون أنه يكون شهرين ذكرا وشهرين أنثى، وكنت أستبعد ~~هذا وأقول أنه ضرب من الخرافات حتى وقفت عند مطالعتي للكتاب الذي وضعه ابن ~~الأثير في التاريخ، وسماه الكامل، على حكاية أوقفتني على الأعراف بين ~~الإنكار والاعتراف، ذكر في حوادث سنة ثلاث وعشرين وستمائة، وفيها اصطاد ~~صديق لنا أرنبا فرآه وله انثيان، وذكر وفرج فلما شقوا بطنه وجدوا فيه ~~خريقين، فإن كان ما زعموا منه أنه تارة يكون ذكرا وتارة يكون أنثى، وإلا ~~فتكون الأرانب كالخنثى في بني آدم يكون لأحدهما فرج الرجل، وفرج الأنثى، ثم ~~أعقب هذه الحكاية بما هو أعجب منها قال كنت بالجزيرة، ولنا جار له بنت ~~أسمها صفية، فبقيت كذلك نحو خمسة عشر سنة فإذا قد طلع لها ذكر رجل وثبت لها ~~لحية فكان لها فرج امرأة، وذكر رجل، والأرانب تنام مفتوحة العين، وربما جاء ~~القناص إليها حتى يأخذها من جهة وجهها، وهي نائمة لا تبصر وسبب ذلك حجاجي ~~عينيها لا يلتقيان فهي فاتحة لهما في النوم واليقظة، يقال: أن الأرانب إذا ~~رأت البحر ماتت، ولذلك لا توجد في الساحل، وهذا هذيان فإن المشاهد غير ذلك، ~~وتزعم العربان أن الجن تهرب منها لموضع حيضها قالوا: وهي تحيض كالمرأة، ~~وتأكل اللحم وغيره وتجتر وتبعر، وفي باطن أشداقها شعر، وكذلك تحك رجليها، ~~وليس شيء قصير اليدين أسرع منها حضرا، ولقصرهما يخف عليها الصعود والتوقل ~~وهي تطئ الأرض على زمعاتها، وهي آخر قوائمها مغالطة للطالب حتى لا يعرف ~~أثرها إلا أن الكلب الفاره والقانص الحاذق لا يخفى عليهما ذلك لأنها لا ~~تفعل ذلك إلا في السهل الذي يثبت فيه الأثر، وربما مشت في الثلج فتعفى ~~أثرها بكثرة الترداد فيه وإذا قربت من الموضع الذي تريد أن تجثم فيه، وثبت ~~إليه وثبا. # الوصف والتشبيه # بعض الشعراء يكر روضه # وخيفاء ألقى الليث فيها ذراعه ... فسرت وسار كل ماش ومضرم # تمشي بها الدرماء تسحب قصبها ... كأن بطن حبلى ذلت أو نين متئم # وهذان البيتان من أبيات المعاني ms078 ومن رسالة لبعض الأندلسيين يصف جماعة ~~أرانب: أفراد إخوان كأنهن أولاد غزلان، بين رواغ ينعطف إنعطاف البره ووثاب ~~يجتمع اجتماع الكره حاك القصب إزاره، وصاغ التبر طوقه، وسواره، قد علل ~~بالعنبر بطنه وجلل بالكافور متنه كأنما تضمخ بعبير، وتلفع في حرير ينام ~~بعيني ساهر ويفوت بجناحي طائر، قصير اليدين طويل الساقين، هاتان في الصعود ~~تنجده، وتانك عند الوثوب تؤيده # القول في طبائع القرد PageV01P047 وهذا الحيوان عند المتكلمين في ~~الطبائع، مركب من إنسان وبهيمة، وهو تدريج الطبيعة من البهيمة إلى الإنسان ~~وهو يحاكي الإنسان بصورته وفعاله جميعا، وله أضراس كأضراسه، وثنايا عليا ~~كما له، ويثني يديه ورجليه كالإنسان، وللقردة فرج مثل فرج المرأة، والذكر ~~شبيه بذكر الكلاب وأجواف القرود شبيهة بجوف الإنسان، ولذلك يستغني المشرحون ~~بتشريح القرد عن تشريح الإنسان، وله صدر كصدر الإنسان عريض، وظهر مثل ظهره ~~في مقابل صدره، ومن شبهه بالإنسان في سائر حالاته بأنه يضحك، ويطرف، ويقعي، ~~ويحكي، ويتناول الشيء بيده، وله أصابع خمسة مفصلة إلى أنامل، وأظفار، ويقبل ~~التلقين، ويأنس للأنس الشديد، ويمشي على أربع مشيه الطبيعي، ويمشي على ~~اثنتين حينا يسيرا ولشفر عينيه السفلين أهداب وليس لشيء من الحيوان ذلك ~~سواه والإنسان وإذا سقط في الماء غرق مثل الإنسان الذي لا يحسن السباحة، ~~ويأخذ نفسه بالزواج، والغيرة على الأواج، وهما خصلتان كريمتان من مفاخر ~~الإنسان على سائر الحيوان، وهو أيضا يقمل وإذا قمل تفلا ويرمي وبالقمل إلى ~~فيه ويأكله، وإذا ألح به الشبق استمنى بفيه، والأنثى تلد قرودا عديدة نحو ~~العشرة وأكثر كما تلد الخنزيرة، وتحمل بعض أولادها كما تحمل المرأة، وقال ~~من سبر حال هذا الحيوان أن الطائفة من القرود إذا أرادت النوم ينام الواحد ~~في جنب الآخر حتى يكونوا سطرا واحدا، فإذا تمكن النوم منها نهض أولها من ~~الطرف الأيمن فيمشي وراء ظهورها حتى يقعد من وراء الأقصى من الطرف الأيسر ~~فإذا قعد صاح فنهض الذي كان يليه، وفعل فعله، يكون هذا من الطائفة الليل ~~كله، فيبيت في أرض ويصبح في أخرى، وفيه ms079 من قبول التأديب والتعليم والإخفاء ~~به على أحد، ولقد درب قرد ليزيد بن معاوية على ركوب وحشي وسابق به الخيل، ~~وفيه يقول شاعر وقد سبق باتان ركبها فرسا: # من مبلغ القرد الذي سبقت به ... جياد أمير المؤمنين أتان # تمسك أبا قيس بفضل عنانها ... فليس عليها إن هلكت ضمان # والعامة تقول: القرد قبيح لكنه مليح، يشيرون إلى خفة روحه وكيسه، وحكى ~~المسعودي في كتاب المروج إن القرود من أماكن كثيرة من المعمورة عد منها ~~وادي نخلة وهو بين الجند، وبلاد زبيد، قال: وفي هذا الوادي عمائر كثيرة، ~~ومصبات للمياه، وبقعته بين جبلين، وفي كل جبل منها طائفة من القرود يسوقها ~~هزر )والهزر القرد العظيم المقدم منها( قال: ولهم مجالس يجتمع فيها خلق ~~عظيم كثير منهم فيسمع لهم حديث ومخاطبات، والإناث في ناحية الذكور، والرئيس ~~متميز عن المرؤوس، وربما سمعهم من لا يعلم أنهم قرود فظن أنهم ناس يتحدثون ~~وباليمن قرود كثيرة في نواح متعددة منها، في ذفار من بلاد صنعاء في برار ~~وجبال كأنها السحب، وتكون القرود بأرض النوبة، وأعلى بلاد الأحابيش وهذا ~~الضرب من القرود حسن الصورة خفيف الروح ذو وجه مدور وذنب مستطيل سريع الفهم ~~لما يرشد إليه، ومنها بخلجان نهر الزانج، وبحر الصين، وبلاد المهراج وفي ~~ناحية الشمال نحو أرض بلاد الصقالبة أجام وغياض فيها ضروب من القرود منتصبة ~~القامات مستديرة الوجوه والأغلب عليها صور الناس وأشكالهم، ولها شعور، ~~وربما وقع في النادر منها إذا احتيل عليه فاصطيد، فيكون في نهاية الفهم ~~والدراية، إلا أنه لا لسان له يعرفه عما في نفسه، ولكنه يفهم كلما يخاطب ~~بالإشارة، من النواحي التي بها القرود، جبل موسى المطل على مدينة سبتة من ~~بلاد المغرب، والقرود التي فيها قباح الوجوه جدا، عظام الجثث وجوهها وجوه ~~الكلاب لها خطوم، وليس أذانب، وأخلاقها صعبة لا تكاد تتطلب فيها ما تعلم ~~إلا بعد جهد. # القول في طبائع النعام PageV01P048 وإنما ذكرناه مع ذوات الأربع من ~~الوحوش، وإن كان ذا جناح لأنه عند المتكلمين في طبائع الحيوان ms080 ليس بطائر، ~~وإن كان يبيض وله جناح وريش ويعدون الخفاش طيرا وإن كان يحبل ويلد وله ~~إذنان بارزتان وليس له ريش لوجود الطيران فيه ومراعاة لقوله: )وإذ تخلق من ~~الطين كهيئة الطير بأذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني( وهم يسمون الدجاجة ~~طيرا، وإن كانت لا تطير، والنعامة تسمى بالفارسية " اشترمرغ " وتأويل اشتر: ~~جمل، وتأويل مرغ: طائر، فكأنهم قالوا جمل طائر، ولما وجد هذا الاسم ظن ~~الناس أنها نتاج ما بين الإبل والطير، وبهذا أجري عليها في قولهم: قيل ~~للظليم أحمل قال أنا طائر، قيل له: فطر قال: أنا جمل، ومما أكد عندهم القول ~~بالتوكيد أنهم رأوا فيه من الجمل المنسم، والوظيف والعنق والكرش، والخف، ~~والخرالة ومن الطير الريش والجناح، والمنقار، والبيض، ويشبه النعام بالإبل، ~~تسمى الأنثى منها قلوصا، وفي طبع النعامة أنها تحضن أربعين بيضة أو ثلاثين ~~بيضة، ومن أعاجيبها أنه تضع بيضها طولا حتى لو مد عليها خيط لما وجد لشيء ~~منها خروج عن الآخر ثم يعطي كل بيضة منها نصيبها من الحضن إذ كان بدنها لا ~~يشمل على عدد بيضها، وهي تخرج لطلب الطعم فتمر ببيض نعامة أخرى فتحضنه، ~~وتنسى بيضها، ولعلها أن تصاد فلا ترجع إليه فهلك، ولهذا توصف بالموق ~~والحمق، ويضرب المثل بها في ذلك، وعلى هذا ينشد قول ابن هرمة: # وإني وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفي زندا شماخا # كتاركة بيضها . . . بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا # ويقال: أنها تقسم بيضها أثلاثا منه ما تحضنه، ومنه ما تجعل صفاره غذاء ~~ومنه ما تفتحه وتتركه للهواء حتى يعفن ويتولد من عفنه دود فتغذي به فراخها ~~إذا خرجت، وهو من الحيوان الذي يتراوح، ويعاقب الذكر الأنثى في الحضن، وهو ~~لا يأنس بالإبل ولا بالطير مع مشاركته لهما، وكل ذي رجلين إذا انكسرت له ~~إحداهما استعان في نهوضه وحركته بالباقية ما خلا النعامة فإنها تبقى في ~~مكانها جاثمة حتى تهلك جوعا، قال الشاعر واصفا هذه الحالة: # إذا انكسرت رجل النعامة لم تجد ... على اختها نهضا ولا بأستها حبوا ~~ويقال: إن ms081 الحيوان الوحشي ما لم يعرف الإنسان لا ينفر منه إذا رآه ما خلا ~~النعام شارد أبدا وبه يضرب المثل في الشرود، وعظامه، وإن كانت عظيمة وشديد ~~العدو بها لا مخ فيها، ولا مجرى بها تزعم العرب أن الظليم أصلم وإن لما كان ~~كذلك عوض عن السمع بالشم فهو يعرف بأنفه ما لا يحتاج معه إلى السمع فربما ~~كان على بعد فشم رائحة القناص على أكثر من غلوة، والعرب تضرب به المثل في ~~شدة حاسة الشم قال الشاعر: # فهو يشم اشتمام الهيق # ولآخر: # أشم من هيق وأهدى من جمل PageV01P049 وفسر بعض المعتنين بتفسير أمثال ~~العرب قولهم )أحمق من النعامة( إن من جمقها إذا أدركها القانص أدخلت رأسها ~~في كثيب رمل تقدر أنها قد اختفت منه، وهو قوي الصبر من الماء شديد العدو ~~وأشد ما يكون عدوا إذا استقبل الريح، وكلما كان أشد لعصوفها كان أشد حضرا، ~~وهو في عدوه يضع عنقه على ظهره ثم يخرق الريح، وهو يبتلع العظم الصلب ~~والحجر والمدر والحديد فيميعه بحر قانصه حتى يصير كالماء، ويبتلع الجمر حتى ~~ينفذه إلى جوفه فيكون جوفه هو العامل في إطفائه، ولا يكون الجمر هو العامل ~~في إحراقه، وفي ذلك أعجوبتان أحدهما التغذي بما لا يغذو، والآخر الاستمراء ~~والهضم، وهذا غير منكر لأن السمندل وهو على ما زعم بعضهم دابة توجد ببلاد ~~الهند، وبلاد السند دون الثعلب خلنجية اللون، حمراء العين، ذات ذنب طويل ~~ينسج من وبرها مناديل إذا اتسخت القيت في النار المتأججة فيزول منه الزهم، ~~ولا تحترق وببلاد الترك جرذان تسلخ جلودها، وتتخذ من وبرها مناديل إذا ~~اتسخت غسلت بالنار بأن يلقى فيها ولا تحترق، وزعم آخرون أن السمندل طائر ~~ببلاد الهند يبيض ويفرخ، وفيه من الخاصية أن يدخل النار ويخرج منها ولا ~~يحترق ريشه، ويعمل جلده مناديل العمر فكما أن خاصية هذا الحيوان في ظاهره ~~كانت خاصية النعام في باطنه، والباطن كله من الحيوان أنعم من الظاهر وقد ~~حكى أبو عبيد البكري في كتاب المسالك والممالك لما ذكر ms082 قابس أن بعض أهل ~~البادية دخل على أميرها بطائر على قدر الحمامة ذكر أصحابه أنهم لم يروه قبل ~~ولا عهدوه، وكان فيه من كل لون، وهو أحمر المنقار فأمر بقص جناحيه، وأن ~~يرسل في مصره فلما كان الليل أوقد بين يدي الأمير مشعل فلما رآه الطائر ~~قصده وأراد الطلوع إليه، فلم يستطع النهوض فما زال يجهد نفسه حتى صعد إليه ~~واستوى في وسطه وجعل يتفلى فيه كما يفعل الطائر في الشمس، فلما قضى وطره ~~منه نزل، والنعام يصاد بالنار كما يصاد سائر الوحش فإنه إذا رآها دهش لها ~~واعتراه فكر فيها فيقف وقوف حيرة فيتمكن منه الصائد حينئذ. # الوصف والتشبيه # قال بعض آل بني طالب شعرا: # قد ألبس الليل حتى ينثني خلقا ... واكب الهول بالغر الغرانيق # وانتحي لنعام الدو سهلبة ... كأنها بعض أحجار المجانيق # تسدى الرياح بها ثوبا وتلحمه ... كما تلبس من نسج الخداريق # كأنما ريشها والريح . . . تغرقه ... أسمال راهبة شيبت بتشقيق كأنها حين ~~هزت رأسها فرقا سود الرجال تعادي بالمزاريق # كأن أعناقها وهنا إذا خفقت ... بها البلاقع أدقال الزواريق # فما استلذ بلحظ العين ناظرها ... حتى تغصص أعلاهن بالريق # وقال ذو الرمة من قصيدته المذهبة وذكر ناقة: # أذاك أم حاصب بالشيء مرتعه ... أبو ثلاثين أمسى وهو منقلب # شخت الجزآرة مثل البيت سائره ... من المسوح جذب شوقب خشب # كأن رجليه مسما كان من عشر ... صقبان لم يتقشر عنهما النجب # هجنع راجع في سوداء مخمله ... من القضائف أعلى ثوبه الهدب # تبرى له صلعة خرجاء خاصعة ... فالخرق دون بنات البيض منتهب # كأنها دلو بئر جد ماتحها ... حتى إذا ما رآها خانه الكرب # لا يدخران من الإيغال باقية ... حتى تكاد تفر عنهما الأهب # فكل ما هبطا في شاؤ شوطهما ... من الأماكن مفعول به العجب # لا يأمنان سباع الجو أو بردا ... إن أظلما دون أطفال لهم لجب # جاءت من البيض زعر الألباس لها ... إلا الدهاس وأم برة وأب # كأنما فلقت عنها ببلقعة ... جماجم يبس أو حنظل خرب # حتى يفيض عن عوج معطفه ... كأنها شامل أبشارها ms083 الجرب # أشداقها كصدوع النبع في قلل ... مثل الدحاريج لم ينبت لها الزغب # كأن أعناقها كرات سائغة ... طارت لفائقه أو هيشر سلب # الباب الرابع # في ذكر الحيوان الأهلي PageV01P050 ومجموعه يسميه ابن أبي الأشعث: الحي ~~المملوك الذي يدبره القعل والطبيعة معا، وهو ينقسم إلى ما يؤكل فقط، وإلى ~~ما يركب فقط، وإلى ما يركب ويؤكل معا، ومن أجل هذه المنافع ملك، ولتدبير ~~العقل له قرب مزاجه من مزاج الإنسان وإنما الفرق بينهما أن العقل يدبر ~~الإنسان من ذاته ومن خارج ذاته ونجعل بدء قولنا في الحيوان المركوب أهم ما ~~تقدم الكلام فيه. # القول في طبائع الفرس # وإنما بدأنا به لأنه قريب من الاعتدال الخالص، وأحسن ذوات الأربع صورة ~~وأفضل من سائرها، وأشببها بالإنسان لما يوجد فيه من الكرم، وشرف النفس وعلو ~~الهمة، وتزعم العرب: أنه كان وحشيا، وأول من ذلل صعبه وركبه إسماعيل - عليه ~~السلام - وهو جنسان: عتيق وهو المسمى فرسا، وهجين وهو المسمى برذونا، ~~والفرق بينهما أن عظم البرذون أغلظ من عظم الفرس وأمتن وعظم الفرس أصلب ~~وأثقل من عظم البرذون، والبرذون أحمل من الفرس، والفرس أسرع من البرذون، ~~والعتيق بمنزلة الغزال، والبرذون بمنزلة الشاة ولكل واحد منهما نفس تليق ~~بفعله وآلات مواتية له، وفي طبع الفرس الزهور والخيلاء والعجب والسرور ~~بنفسه، والمحبة لصاحبه، ومن أخلاقه الدالة على كرمه، وشرف نفسه، ومن شرفها ~~أنه لا يأكل بقية من علف غيره، وعلو همته، كما حكى المؤرخون أن أشقر مروان ~~كان سائسه لا يدخل عليه إلا بأذن، وهو أنه يحرك له المخلاة فإن حمحم دخل، ~~وإن دخل ولم يحمحم شد عليه، وناهيك لهذا الخلق في علو الهمة، والأنثى من ~~الخيل ذات شبق شديد لشدة شبقها تطيع الفحل من غير نوعها، ويقال: أنه متى ~~اشتد شبقها، وقص من عرفها سكن عنها، والذكر يشتد به الشبق ويزسد حتى يؤثر ~~أن يؤتى لفرط شهوته وقصر آلته عن الوفاء بتسكين ما يجد، وربما اقتتل ~~الفحلان بسبب الأنثى، حتى تكون لمن يغلب منهما، ويقال أن الإناث تمتلئ في ms084 ~~أوان السفاد ريحا، وإذا أصابتها ذه الآفة يركض بها ركضا متتابعا، ولا يؤخذ ~~بها لا إلى الغرب، ولا إلى الشرق، بل إلى الشمال والجنوب حتى يخرج من ~~أرحامها، كما يخرج عند ولادتها، وهي في زمان السفاد تطاطئ رؤوسها وتحرك ~~أذنابها، ويسيل من قبلها شيء شبيه بالمني غير أنه رقيق، وإذا تودقت الرمكة، ~~وأفرطت وكان بها هزال من ضعف أو علة، ولم تمكن أن ينزى عليها لتلك العلة ~~أنزى عليها بغل لأنه لا يلقحها وهو بالغ أقصى شقائها وغاية شهوتها بالذي ~~معه من الطول والغلظ فيسكن ذلك عنها، والذكر يكون مع ثلاث إناث أو أكثر، ~~وإذا دنى ذكر آخر من الأنثى التي اختارها قاتله وطرده، والطمث يعرض للإناث ~~أقل من طمث النساء، والذي ينزو إذا تمت له سنتان، وكذلك الإناث، والإناث ~~تحمل أحد عشر شهرا وتضع في الثاني عشر وهي تضع ولدا واحدا، وربما وضعت في ~~النادر اثنين، والذكر ينزو إلى تمام أربعين سنة، وربما عمر إلى التسعين، ~~والأنثى تأنف من نزو الحمار عليها فإذا أريد ذلك منها أخذت بعرفها فتذل ~~وتسكن، وكذلك الفحل يأنف من أن ينزو على أخته أو على أمه ، وقد حكي: أنه ~~أريد أن يحمل على رمكة ولد لها، يريدون بذلك العتق فأنف فسترت بثوب فنزى ~~عليها فلما رفع الثوب ورآها مر بحضر حتى رمى نفسه في بعض الأودية فهلك، ~~والخيل قد ترى الأحلام، وتحتلم كبني آدم، وذلك لفرط الشهو فيها، ومتى خلت ~~الأنثى أو هلكت، وكان لها فلو أرضعته الإناث وربته، وإذا لم يكن فيها لبن ~~يرضع عطفت عليه العواقر وتعاهدته، ولكنه يهلك إذ ليس فيها لبن، وربما ضل ~~الفلو عن أمه فرضع من غيرها، فإذا فعل ذلك ماتت أمه، ويعتري الفرس داء شبيه ~~بالكلب، وعلامته استرخاء في أذنيه إلى ناحية عرفه، وامتناعه من العلف وليس ~~لهذا الداء علاج إلا الكسن، وفي طبع الفرس أنه لا يشرب الماء إلا كدرا حتى ~~أنه يرد الماء صاف فيضربه بيده حتى يكدره، ويبين عكره، وربما ورد الماء ~~الصافي وهو ms085 عطشان، ويرى فيه خيالا له ولغيره فيحاماه ويأباه، وذلك لفزعه ~~مما يراه، يوصف بحدة البصر حتى أن بعض المغالين فيه يقولون: لو اجري بالفرس ~~في يوم ضباب من شوط بعيد، واعترضت بين يديه شعره، لوقف عندها ولم يتعد ~~حدها، وفي، وفي طبعه أنه إذا وطئ على أثر الذئب خدرت قوائمه حتى لا يكاد ~~يتحرك، وخرج الدخان من جلده، وإذا وطئته الأنثى وهي حامل أزلقت. # فصل PageV01P051 والعلامات الجامعة للنجابة في الفرس ما ذكره أيوب بن ~~القربة وقد سأله الحجاج عن صفة الجواد من الخيل فقال: القصر الثلاث الصافي ~~الثلاث، الطويل الثلاث الرحب الثلاث، فقال: صفهن، فقال: أما الثلاث ~~الصافية، فالأديم، والعينان والحافر، وأما الثلاث القصار، فالعسب، والساق، ~~والظهر، وأما الثلاث الطوال فالأنف، والعنق، والذراع، وأما الثلاث الرحبة ~~فالجوف والمنخر والجبهة، وقد جمع بعض الشعراء هذه الأوصاف فيقوله: # وقد اغتدي قبل ضوء الصباح ... وورد القطا في الغطاط الحثاث # بصافي الثلاث عريض الثلاث ... قصير الثلاث طويل الثلاث # وأهدى عمرو بن العاص ثلاثين فرسا من خيل مصر، فعرضت عليه وعنده عتبة بن ~~سنان بن يزيد الحارثي، فقال له: معاوية كيف ترى هذا يا أبا سفيان فإن عمرا ~~أطنب في وصفها، فقال: أراها يا أمير المؤمنين كما وصفت إنها لسامية العيون ~~لاحقة البطون مصغية الآذان قراء الأسنان ضخام الركبات مشرفات الحجبات رحاب ~~المناخر صلاب الحوافر، وقعها نحليل، ورفعها تعليل، فهي إن طلبت سبقت، وإن ~~طلبت لحقت قال معاوية: اصرفها إلى دارك فإن بنا عنها غنى وبفتيانك إليها ~~حاجة، وهذه الخلال قلما توجد في جواد، ولو بذل فيه سواد العين، وسويداء ~~القلب. # وقد قال أبو الطيب المتنبي مؤيدا لما قلت: # وما الخيل إلا كالصديق قليلة ... وإن كثرت في غبن من لا يجرب # وإذا لم يشاهد غير حسن شياتها ... وأعضائها فالحسن عنك مغيب # ووصف أعرابي فرسا أجرى في حلبة فقال: لما أرسلت الخيل جاءوا بشيطان في ~~اشطان، فارسوله، فلمع البرق واستهل الودق فكان أقرب الخيل إليه نقع عينه من ~~بعد عليه. # ووصف محمد بن الحسين بن الحروف ms086 فرسا فقال: هو حسن القميص جيد الفصوص وثيق ~~القصب نقي العصب يبصر بأذنيه ويتبع ويتبوع، بيديه، ويدخل برجليه، وكتب عبد ~~الله بن طاهر مع فرس أهداه إلى المأمون، وقد بعث إلى أمير المؤمنين فرسا ~~يلحق الأرانب في الصعداء، ويجاوز الظباء في الاستواء ويسبق في الحدود جري ~~الماء إن عطف جار وإن أرسل طار وإن حبس صفن، وإن استوقف قطن، وإن رعى أبن ~~فهو كما قال تأبط شرا. # ويسبق وفد الريح من حيث ينتحي ... بمنخرق من شدة المتدارك # ووصف آخر فرسا، فقال: وإذا هبط قعى كأنه محلول من قول أبي بكر بن دريد ~~يصف فرسا: # إذا جرى لم يعلق الطرف به ... ولم يجعل لونه ولم يحط # مثل دعاء مستجاب إن علا ... أو كقضاء نازل إذا هبط ووصف آخر فرسا، فقال: ~~أسيل الخد حسن القدر لقد سبق الطرف ويستغرق الوصف وقال محمد بن عبد الملك ~~لصديق له ابلغ لي برذونا، وثيق اليدين سالم الأذنين ذكي العينين، يأنف من ~~تحريك الرجلين، وساير شبيب بن شيبة علي بن هشام فاستبطأه فقال له: أنت على ~~جواد إن تركته سار وإن ضربته طار وأنا على معرف إن تركته وقف وإن شربته قطف ~~وقال بعض الشعراء يصف فرسا سبق حلبة فقال: # جاء كلمع البرق جاش ناظره ... يرسب أولاه ويطفو آخره # فما يمس الأرض منه حافره # وقال أبو عبادة البحتري: # كالهيل المبني إلا أنه ... في الحسن جاء كصورة في هيكل # جد لأن ينقض عذرة في غرة ... يقف تسيل حجولها في جندل # صافي الأديم كنا عنيت له ... لصفاء نقبته مدارس صيقل # هزج الصهيل في نفحاته ... فبرات معبد في الثقيل الأول # وقال أبو الفرج الببغاء: # إن لاح قلت أدمية أم هيكل؟ ... أو عن قلت أسابح أم جدال؟ # تتخاذل الألحاظ في إدراكه ... ويحار فيه الناظر المتأمل # فكأنه في اللطف منهم ثاقب ... وكأنه في الحسن حظ مقبل # وقال محمد بن هاني الأندلسي: # عرفت بساعة سبقها لأنها ... علقت بها الرهان عيون # واجل علم البرق فيها إنها ... مرت بجانحيته وهي ظنون # ولآخر: # منع القوائم ms087 أن تمس بها الثرى ... فكأنه في جريه متعلق # وكأن أربعة تراهن طرفه ... فيكاد يسبقه إلى ما يرمق # وقال عبد الجبار بن محمد بن حمد يس الصقلي: # شطر أولومجرر في الأرض ذيل عسيبه ... حمل الزبرجد منه جسم عقيق # يجري فلمع البرق في آثاره ... من كثرة الكبوات غير مفيق # ويكاد يخرج سرعة من ظله ... لو كان يرغب في قران صديق وقال أبو الفتح ~~كشاجم: PageV01P052 ماء تدفق طاعة وسلاسة ... فإذا استدر الحضر فيه فنار # وإذا عطفت به على ناورده ... لتديره فكأنه بركار # قصرت قلادة نحره وعذاره ... والرسغ وهي من العتيق فصار # يرد الضماضح غير ثان سنبكا ... ويرود طرفك خلفه فيحار # لو لم تكن للخيل نسبة خلقه ... حاكته من أشكالها الأطيار # وقال أبو الفضل المكيالي: # خير ما استظرف الفوارس طرف ... كل طرف بحسنه مبهوت # هو فوق الجبال وعلى وفي السه ... ل نعام وفي المعابر حوت ولآخر: # فوق طرف كالطرف في سرعة ال ... شد كالقلب قلبه في الذكاء # ما تراه العيون لا خيالا ... شطر ثانيوهو مثل الخيال في انطواء # وقال أبو بكر الصنوبري: # طرف نأت سماؤه عن أرضه ... وما نأى كاهله عن الكفل # ذو أربع من أربع من القبو ... ل والدبور والجنوب والشمل # وهو إذا أعلمها ألقى لها ... فوق الذي تطلبه من العمل # كالبرق إن أومض أو كالرعد إن ... أجلب أو صوب الحيا إذا احتفل # وقال أبو الطيب المتنبي، ناهيك به وصفا للخيل والحرب: # يعلم وجه كل سابحة ... أربعها قبل طرفها تصل # إن أدبرت لا قبيل لها ... أو أقبلت قلت ما لها كفل # وقال أيضا: # وجردا مددنا آذانها القنا ... فبتن خفافا يتبعن العواليا # تماشى بأيد كلما وافت الصفا ... نقشن به صدر البزاة حوافيا # وتنظر من سود صوادق في الدجى ... يرين بعيدان الشواخص كما هيا # وتنصت للجرس الخفي سوامعا ... يخلف مناجات الضمير تناديا # تجاذب فرسان الصباح أعنة ... كأن على الأعناق منها أفاعيا # طرائف في ذم الخيل بالهزل والعجز عن الحركة # كتب بعضهم إلى صديق له: # ما فعلت حجرك تلك التي ... أفضل من فارسها الراجل # عهدي بها ms088 تبكي وتشكو الضنا ... لما احتشاه البدن الناحل # وهي تغنيني غناء ضبة ... غايتها وجدان ما تأكل # يا رب لا أقوى على كل ذا ... موت وإلا فرج . . . عاجل # ولآخر: # يا نصر حجرك أبلى الجوع جدتها ... وأصبحت شبحا تشكو تجافيكا # إذا رأت تبنة قالت مجاهرة ... يا تبن لي حسة ما تنقضي فيكا # ترجوه طورا وتبكي منه آيسة ... حتى إذا عرضت باتت تغنيكا # هذي فدتك حالي قد علمت بها ... فكم يكون الجفا أفديك أفديكا # وقال آخر: # أعطيتني شهبا ملهوبة ... تذكر نمرود بن كنعان # سفينة الحشر إلى عدوها ... أسبق من أشقر مروان # كأنني منها على زورق ... بلا مجاذيف وسكان # فانظر إلى حجري ترى شهرة ... أخبارها جامع سفيان # وقال آخر: # حلمتني فوق معرف زمن ... ليس الذي رحله بنفاع # جلد على أعظم . . . مخلخلة ... فليس يمشي إلا بدفاع # كأنني إذا علوت صهوته ... ركبت منه سرير فقاع # وأنشدت لزهير بن محمد الصعيدي: # وفرس على المسا ... وي كلها محتوية # فما مساوئها لمن ... عددها مستوية # يا قبحا . . . مقبلة ... وقبحها مولية # راكبها في خجلة ... كأنه في معصية # مستقبحا ركوبها ... مثل ركوب المعصية # وللقاضي برهان الدين ابن الفقيه نصر: # لصاحب الأحباش برذونة ... بعيدة العهد من القرط # إذا رأت خيلا على مربط ... تقول سبحانك يا معطي # تمشي إلى خلف إذا ما مشت ... كأنها تكتب بالقبطي # القول في طبائع البغل PageV01P053 وقال أصحاب الكلام في طبائع الحيوان: ~~البغل مركب من الفرس والحمار ومركب من فساد بينهما ولما كان ممتزجا بينهما ~~صار له صلابة الحمار، وعظم آلات الخيل، وكذلك شجيحة، مولد بين نهيق الحمار، ~~وصهيل الفرس، وقال الجاحظ: البغل يخرج بين حيوانين يلدان حيوانين مثلهما و ~~يعيش نتاجهما، ويبقى بقائهما وهو لا يعيش له ولد وليس بعقيم، ولا يبقى ~~للبغلة ولد، وليست بعاقر، وخرج أطول عمرا من أبويه وأصبر على الأفعال من ~~طرفيه كابن المذكرة من النساء والمؤنث من الرجال فإنه يكون نتاجهما أخبث ~~نتاجا من البغل، وافسد أعراقا من السمع، وأكثر عيوبا من العسبار وشر ~~الطبائع ما تجاذبته الأعراق المتضادة والأخلاق المتعادية، والعناصر ~~المتباعدةويقال: إن أول ms089 من أنتجها قارون وقيل أفريدون أحد ملوك الفرس. # وقال الشاعر في كون البغل مركبا جامعا لخلقي الفرس والحمار: # البغل فيه لمن يمارسه ... صبر الحمار وقوة الفرس # وقال ابن رشيق في ذمه لميله في الطبائع إلى أمه دون أبيه: # أوصيكم بالبغل شرا فإنه ... من العير في سوء الطباع قريب # وكيف يجني البغل يوما بحالة ... يسرو فيه للحمار نصيب # والبغل يوصف برداءة الخلق والتلون لأجل التركيب، وينشد على طريق المصل: # خلق جديد كلوم ... مثل أخلاق البغال # ومن أخلاق البغال الألف لكل دابة، ويذكر بالهداية في طل طريق يسلكه مرة ~~واحدة، ويقول أصحاب الكلام في الطبائع أن ابوال إناث البغال تنقية لأجسادها ~~كما تنقي النساء بدم الطمث. # مخايل النجابة في هذا النوع: قال بعضهم: )إذا اشتريت بغلة فاشترها طويلة ~~العنق تجده في نجابتها مشرقة الهادي تجده في طاعتها مجعدة الجوف تجده في ~~صبرها(، والأحسن في مدحها قول عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة لحارث بن عبد ~~المطلب جوابا لصفوان بن عمرو بن الاهتم، وقد أنكر عليه ركوب البغل: إنه ~~يطأطئ عن خيلاء الخيل، وارتفع عن ذلة العير، وخير الأمور أوسطها، ولقي أحمد ~~بن زيد، محمد بن الحسن على بغل، فقال أجرى الله تعالى البغال فإن أخلاقها ~~ذميمة وأفعالها لئيمة، وخزيها دائم وسبقها قائم، فقال له محمد: هي مع ذلك ~~مراكب الملوك في أسفارها، وقعد الصعاليك في قضاء وإطارها مع احتمالها ~~للأثقال، وصبرها على طول الأبغال والإناث منها أحمد أثرا، ولذلك يقال فيه ~~نظما. # عليك بالبغلة دون البغل ... وإنها جامعة للشمل # مركب قاض وغمام عدل ... وعالم وسيد كهل # يصلح في الوحل وغير الوحل # وقال آخر: # عزمت على ذم البعير موفقا ... وإن ليس في المركب أجمع من بغل # وليس له بذخ الخيول وكبرها ... ولا ذلة العير الضعيف عن الرحل # وفي البغل من كل الأمور موافق ... ومركب قاض أو شيوخ ذوي الفضل # وساير عبد الحميد الكاتب، مروان بن الجعدي على بغلة، فقالت له: طالت صحبة ~~هذه الدابة لك فقال من بركة الدابة طول صحبتها، فقال: صفها ms090 فقال: همتها ~~أمامها وسوطها أمامها، وما ضربت قط إلا ظلما. # الوصف والتشبيه # من رسالة لبعض الكتاب: قد اخترت لسيدي بغلة وثيقة الخلق لطيفة الخرط ~~رشيقة القد موصوفة اليد ميمونة الطير مشرفة العنق كريمة النجار حمدة ~~الآثار. # إن أدبرت قلت لا قبل لها ... وأن أقبلت ما لها كفل # لم يطر العسيب بقوائهما، ولم يعلق الذم محاسنها قد جمعت إلى حسن القميص ~~سلامة الفصوص، فسميت قيد الاوابر، وقرة عين المشاهد تزري في انظلاقها ~~بالبروق في ائتلافها. # من رسالة الوزير أبي القاسم علي بن الحسين المعري يصف بغلة: بغلة تحل من ~~فضائل البغال وسطا، وتنال من محاسن الدواب إنها قد استكملت ما يراد ~~للسروجيات من خفة الأحلام، وما يراد لحاملات الثقل من وثاقة الأجسام أبعد ~~جريانا من السيل، وأجود إحضارا من الخيل وأوطأ مهادا من الليل، وقد جمع ~~فيها من المحاسن ما تعم فضيلتها، بل تبد قبيلتها وتشمل أسرتها بل تعمر ~~عمارتها حتى لا تقيم للخيل وزنا، إلا بقدر ما تنل به أرحامها، ولا تعتد ~~للضيف ولا أعوج إلا ما تراعي به واصرها، وإلا ما يربها من عقوق الخؤولة، ~~والأمومة ونزها على اطراح حقوق الأبوة والعمومة فيه أحق من القول فيها: # جاءت به معتجرا ببرده ... سفواء تروي بنسج وحده # تقدح قيس كلها من زند PageV01P054 ولم يذكر أحد من الشعراء وصفا لبغل ~~أجود من أبي عبادة البحتري قال: # واقب نهد للصواهل شطره ... يوم الفخار وللشج # وخرق يتيه على أبيه ويدعي ... عصبية لبني الضبيب وأعوج # مثل المذرع جاء بين عمومة ... في غافق وخؤوله للخزرج # طرائف في ذم البغال: المثل المضروب في ذلك ببغلة أبي دلامة، وأهل الأدب ~~ينسبون إليه أبياتا ساقطة يصف فيها عيوب بغلته، اخترت منها: # أبعد الخيل أركبها كراما ... وبعد الفر من محضر البغال # رزقت بغيلة شوهاء فيها ... عيوبا ليس في المقال # وغني إن ركبت آذيت نفسي ... بضرب باليمين وبالشمال # برر فليس تبرح قدر شهر ... وقل لها على ذاك احتيالي # وتضرط أربعين إذا وقفنا ... على أهل المجالس والموالي # فتقطع منطقي وتحول بيني ... وبين ms091 كلامهم مما توالي # ويدبرها ظهرها من مسح كف ... ويهزل في البراقع والجلال # ويخفي لو تمر على الحشايا ... ولو تمشي على دهش الرمال # إذا استعجلتها راثت وبالت ... وقامت ساعة عند المبال # وكانت قارحا أيام كسري ... وتذكر تبعا عند النصال # وقد ولدت ونعمان صبي ... وآخر عمرها لهلاك مالي # القول في طبائع الحمال الأهلي # قال المتكلمون في طبائع الحيوان ليس في الحيوان شيء ينزو إلى غير نوعه، ~~ويأتي فيه شبيهه إلا الحمار، وهو ينزو إذا مضى له ثلاثون شهرا، ولا يولد له ~~قبل أن يتم ثلاث سنين ونصف، قالوا: هذا النوع صنفان صنف جاس عاس يصلح لحمل ~~الأثقال، والآخر لدن دمث أحر وأيبس من نفس الفرس فتراه كبير الشعب، والحركة ~~بمنزلة النار المتوقدة لا يهدأ اضطرامها، فهذا يصلح أن يرفه للركوب في قضاء ~~الأوطار والحاجات، وأجود الحمير المصرية، وأهلها يعتنون بتربيتها والقيام ~~عليها لما يجدون فيها من الفراهة، وسرعة الحضر، والمجابة ويتغالون في ~~أثمانها بحسب فراهتها حتى بيع منها في بعض السنين حمار بمئة دينار، وعشرة ~~دنانير، وكان صاحبه يسمع أذان المغرب بالقاهرة فيركبه ويسوقه ويلحقها بمصر، ~~وبينهما ثلاثة أميال، ومن عادة الحمار أنه إذا شم رائحة الأسد رمى نفسه ~~عليه من شدة خوفه له يريد بذلك الفرار منه. # قال حبيب بن أوس الطائي في أبيات يخاطب بها عبد الصمد بن . . . . وقد ~~هجاه وحيث يقول: # أقدمت ويلك من هجري علي خطر ... والعير تقدم من خوف على الأسد # وفي الحمار داء الحلاق كالخنزير، وبعض أصحاب الحديث في الطبائع ينطر ذلك ~~ويقول الحلاق داء يصيب قضيب الحمار يقال له حلق الحمار يحلق حلقا إذا احمر ~~قضيبه وتقشر فإن لم يخص وإلا مات وقال قطرب الحلاق في الإناث إذا أصابها ~~ذلك، ويوصف بالهداية لأنه لا يضل عن طريق سلكه ولو لمرة واحدة، ولا يخطئه ~~وفإن ضل راكبه الطريق هداه وحمله على الحجة، ويوصف بحدة حاسة السمع بحيث ~~أنه ينذر راكبه بما يتوقع خوفه فيحذر منه، وإن بعد مثواه، وهذا الحيوان يحس ~~بالبرد، ويؤذيه أكثر من غيره، ms092 ولهذا لا يوجد في بلاد موغلة في الشمال، ~~وبلاد الصقالبة، ويعتريه مرض في الدماغ مثل الزكام يعرض له لبرد دماغه، ~~ويسيل من منخريه بلغم حار، فإن انحط إلى الرئة مات والظريف العجيب إذا نهق ~~أضر بالكلب حتى يقال إن نهيقه يحدث بالكلب مغصا، ولذلك يطول نباحه. # الوصف والتشبيه # وللناس في مدحه وذمه أقوال متباينة بحسب الأغراض في الحب والبغض أما ~~المدح، قال الرقاشي لما قيل له: إنك تكثر ركوب الحمير، قال: لأنها أكثر ~~مرفقا قيل له: وما ذلك قال: لأنها تستدل بالمكان على اختلاف الزمان، وهي ~~اقل المراكب داء، وأيسر دواء وأسلمها صريعا وأحفظها مهوى، وأقربها مرتقى، ~~وأقلها جماحا، واشهرها فارها، يزهي به راكبه، وقد تواضع بركوبه ويكون ~~مقتصدا وإن أسرف في ثمنه. # وأما الذم فإن أعرابية سئلت عنه فقالت لعنه الله لا يذكي ولا يزكي إن ~~أطلقته ولى، وإن ربطته أدلى، عظيم الحرارة بطيء في الغارة لا تقرى به ~~الدماء، ولا تمهر به النساء ولا يحلب في الإناء وقال جرير بن عبد الحميد: ~~لا يركب الحمار فإنه إن كان فارها أتعب يديك وإن كان بليدا أتعب رجليك. ~~PageV01P055 وكتب الوزير أبو القاسم علي بن الحسين المعري رسالة يرد فيها ~~على من عاب حمارا، وكيف يعاب الحمار، وله نسب في الصالحين عريق، ومجد في ~~الأولين وريق وباتخاذ المكرمين إلى البتول، وابن البتول صلى الله عليه وسلم ~~مطية، وبأنه كان للعزيز عليه السلام آية، وقد اختير للمطهمة بعلا، وارتضى ~~لها قرينا وشكلا، أم كيف يذم، وأعلى أمد الجواد كان أثاره، وأشرف مقام ~~العرب للمعرب شق العبارة، ومن محاسن الأوصاف فيه قول أحمد بن طاهر من ~~أبيات: # شية كأن الشمس فيها أشرقت ... وأضاء فيها البدر عند تمامه # وكأنه من تحت راكبه . . . . إذا ... ما لاح برق لاح تحت غمامه # ظهر كجري الماء لين ركوبه ... في حالتي أتعابه وجماحه # سفهت يداه على الثرى فتلاعبت ... في جريه بسهوله وأكمامه # عن حافر كالصخر إلا أنه.. ... أقوى وأصلب منه في استحكامه # ما الخيزران إذا انثنت أعطافه ... في لين ms093 معطفه ولين عظامه # عنق يطول بها فضول عنانه ... ومحزم يغتال فضل حزامه # وكأنه بالريح منتعل وما ... جري الرياح كجريه ودوامه # أخذ المحاسن آمنا من عيبه ... وحوى الكمال مبرأ من ذامه # ولأبي القسم علي بن الحسن الباخرزي من أبيات يرثي بها جمارا: # يواري بأجواف السباع مهملج ... متى أتذكر قوته اتسخط # مسرة محزون وقرة ناظر ... وجمال أعياء وراحة ممتط # وجواب آفاق وعدة راجل ... وحلية إصطبل وزينة مربط # يخاف الطريق الوعر وطأة رجلة ... ويعلو الصبا عن جريه المتوسط # شطر أولأناف به طول الثوى فعذاره ... بعيد المراقي سامح المتنوط # له ذنب ضاف به سد فرجه ... كما استرسلت أهداب برد نخطط # وأسنانه كالدر شتتها البلى ... وقد كن أشباها كعقد مسمط # على متنه جلد يروق رواؤه ... ولا كالد يبقى النسيج المخيط # يحاكي بترجيع النهاق فريده ... توافق بالا كان أوتار مربوط # وينصب أذنا لم تفتها لطافه ... سوى أنها بالشنف لم تنقرط # ثم خرج إلى التعزية فيه لمن أصيب، وعمل هذه الأبيات بسببه ولآخر: # لا تنظرن إلى هزال حماري ... وانظر إلى مجراه في الأخطار # متوقد جعل الذكاء إمامه ... فكأنما هو شعلة من نار # عادت عليه الريح عند هبوبها ... فكأنه ريح البور يباري # والمثل يضرب في الحمير المهزولة بحمار طياب كما يضرب المثل في ذلك ببغلة ~~أبي دلامة، وللناس فيه أشعار كثيرة، الجيد منها شعرا: # وحمار بكت عليه الحمير ... دق حتى به الرياح تطير # كان فيما مضى يسير بضعف ... وهو اليوم واقف لا يسير # شطر أولكيف يمشي وليس يعلن شيئا ... وهو شيخ من الحمير كبير # لمح القت مرة فتغنى ... بحنين وفي الفؤاد زفير # ليس لي منك يا ظلوم تعير ... أنا عبد الهواء وأنت أمير # ولخالد الكاتب: # وقائل إن حماري غدا ... يمشي إذا صوب أو اصعدا # فقلت لكن حماري إذا ... حثثته لا يلحق المقعدا # يستعذب الضرب فإن زدته ... كان من اللذة أن يرقدا # القول في الإبل PageV01P056 وهذا النوع ينقسم ثلاث أصناف عرابي، ويماني، ~~وبختي فاليماني هو النجيب وينزل منها منزلة العتيق من الخيل، والعرابي ~~كالبرذون، والبختي كالبغل، ويقال البخت ضأن ms094 الإبل وهو متولدة عن مني ~~العرابي فقط فإن مني البختي ينجب فكأنه حصل له نصف بلية البغل، فأما النجيب ~~فزعم من حكي قول الجاحظ أن في الإبل ما هو وحشي، وأنه يسكن أرض وبار وهي ~~غير مسكونة، وقالوا ربما ند الجمل في الهياج فيحمله ما يعرض له منه على أن ~~يأتي أرض عمان فيضرب في أدنى هجمة من الإبل، فالمهربة من ذلك النتاج، وتسمى ~~الإبل الوحشية )الجوش( ويقولون: أنها بغايا إبل عاد وثمود، ومن أهلكه الله ~~من العرب العاربة، وأما البخت منها ما هو مثل البراذين، ومنها يجمز جمزا، ~~ويرقل ارقالا والجمز في الإبل كالخبب في الخيل، وحكى أبو هلال العسكري في ~~كتاب الأوائل أن أول من ريضت له الإبل على الجمز، أم جعفر زبيدة بنت جعفر ~~بن أبي جعفر المنصور، لما حجت، وقال الجاحظ: إذا ضربت الفوالج في العراب ~~جاءت هذه الجوامز والبخت الكريمة، وفي البخت ماله سنامان في طول ظهره ~~كالسرج، ولبعضها سنامان في عرض ظهره أحدهما ذات اليمين والآخر ذات الشمال، ~~وقد يشق عن سنان البعير ويكشط جلده، ثم يجتث من أصله، كما يفعل بعض الناس ~~ذلك بالكباش في قطع آلياتها إذا عظمت وعجزت عن النهوض بها، ويقول أصحاب ~~السير لطبائع الحيوان أنه ليس شيء من الفحول مثل الجمل عند الهياج للسفاد ~~من الازدياد، وسوء الخلق وهجران المرعى، وترك الماء حتى ينظم ايطلاوه، ~~ويتورم رأسه، ويكون كذلك أياما كثيرة، وهو في هذا الوقت لا يدع إنسانا، ولا ~~جملا يدنو منه، ولو حمل على ظهره حينئذ مع امتناعه عن الطعم ثلاثة أضعاف ~~تحمله، وهو لا ينزو إلا مرة واحدة يقيم فيها النهار أجمع ينزل فيها مرارا ~~كثيرة يجيء منها ولد واحد ويخلو في البراري حالة النزو ولا يدنو منه أحد ~~غير راعية الملازم له، وذكره صلب جدا، إلا أنه من عصب، والأنثى تحمل أثني ~~عشر شهرا، وتلقح إذا مضى عليها ثلاث سنين، وكذلك الذكر ينزو في هذه المدة ~~ولا ينزو عليها إلا بعد أن تضع بسنة، وفيه من ms095 كريم الطباع أنه لا ينزو على ~~أمهاته ولا أخواته، ومتى حمل على أن يفعل حقد على أن يفعل حقد على من يلزمه ~~ذلك حتى يقتله، وليس في الحيوان من يحقد حقده، ومن حقده أنه يرصد من حقد ~~عليه الفرصة والخلوة لينتقم منه، فإذا أصاب ذلك لم يبق عليه، وفي طبعه ~~الاهتداء، والغيرة، والصولة، والصبر على الحمل الثقيل، ويقال: إن البعير ~~إذا صعب وخافته رعاته، استعانوا عليه فركبوه، وعقلوه حتى يكومه فحل آخر، ~~فإذا فعل ذلك ذل، والإبل تميل إلى شرب الماء الكدر الغليظ وهو الماء ~~النمير، فهي أبدا إذا وردت من مياه الأنهار حركتها بأرجلها حتى تتكدر وهي ~~من عشاق الشمس ولهذا ترى أبدا تضور إليها من أي جهة كانت من المشرق أو ~~المغرب، ويعتري الجمل من الأمراض داء الكلب، فإذا أصابه ذلك نحر ولم يؤكل ~~لحمه، والجمل يكون سنامه مثل الهدف فيكشط عنه جلده ويجتث من اصله بالشفار ~~ثم يعاد عليه ويداوي فيبر ومن عجيب حاله أنه يقبض على أم غيلان، والسمر ~~وعليها شكوك كصياصي البقر فيستمريء بها ويجعلها ثلطا ولا يقوى على هضم ~~الشعير المنقع وهو يتعرف على النبات المسوم بالشم مرة واحدة عند رعيه، ~~فيجتنبه ولا يغلط إلا في البيش وحده، ويعيش على ما زعم أرسطو ثلاثين سنة في ~~الغالب وقد رأى منها ما عاش مائة سنة، ومن عجيب ما ذهبت عليه العرب في ~~الإبل أنهم كانوا إذا أصاب ايبهم العر، كووا السليم ليذهب العر على السقيم، ~~فهم سقموا الصحيح من غير أن يبرءوا السقيم وكانوا إذا كثرت إبل زحدهم، ~~فبلغت الألف فقأوا عين الفحل، فإن زادت على الألف فقأوا عينه الأخرى، ~~ويزعمون أن الفقأ يطرد عينهم العين. # الوصف والتشبيه # حكي عن بعض المعظمين من شأنها، ما اقتنعت العرب ما لا خيرا من الإبل، إن ~~حملت أثقلت، وإن سارت: أبعدت، وإن حلبت أردت، وإن نحرت أشبعت، وما أظرف قول ~~القائل: # جمال معيشة الساعي ... جمال تدمن الحركة # إذا بركت بباب الدار ... ألقت برجلها البركة # وصف سيرها، قال ذو ms096 الرمة يصف ناقة: # كأن راكبها يهوي بمنخرق ... من الجنوب إذا ما ركبها نصبوا # تشكو الخشاش ومجرى النستعين كما ... إن المريض إلى عواده # الوصب PageV01P057 وقال بشامة بن الغدير يصف ناقة أجدها السير: # كأن يديها إذا أرقلت ... وقد حرن ثم اهتدين السبيلا # يدا سابح جد في عومه ... وقد شارف الموت إلا قليلا # إذا أقبلت قلت مشحونة ... أطاعت لها الريح قلعا جفولا # إذا أدبرت قلت مذعورة ... من الربد تتبع هيقا ذمولا # وقال مسلم بن الوليد: # إلى الأمام تهادانا بأرجلنا ... خلق من الريح في أشباح ظلمان # كأن افلاتها والدهر يأخذها ... افلات صادرة عن قوس مرنان # وقال آخر وهو ابن المعتز: # خوص نواج إذا حث الحداة بها ... حسبت أرجلها قدام أيديها # وقال ابن المعتز: # وقفت بها عيشا تطير بزجرها ... ويأمرها وهي الزمام فترفل # طلوب برجليها يديها كما اقتضت ... يد الخصم حقا عند آخر بطل # والطريف المطبوع قول من قال من أبيات: # فسلي البيداء عن رجل ... يخصم الريح بثعبان # يريد بالريح الناقة وبالثعبان الزمام، ومن وصفها عقيب السير والسرى ~~وقطعها البيداء ارقالا ونفحا في البر، قال سالم الخاسر من أبيات: # وكأنهن من الكلال أهلة ... أو مثلهن عواطف الأقواس # قود طواها ما طوت من مهمه ... نأى الصبا ومناهج ادراس # وقال أبو تمام حبيب بن آوس الطائي: # وبدلها السرى بالجهل حلما ... وقد أديمها قد الأديم # بدت كالبدر في ليل بهيم ... وآبت مثر عرجون قديم # مما وصف من ضمورها قول الخطيم الجزري وأجاد كل الإجادة وقال: # قد خمرت كأنها وخينها ... وشاء عروس حال منها على خصر # وقال ابن دريد في مقصورته: # خوص كأشباح الحنايا ضمر ... يرعفن بالأمشاج من جذب البرا # يرسبن في بحر الدجى وفي الضحى ... يطفون في الآل إذا الآل طفا # وقال عبد الله بن المعتز: # ترنو بناظرة كأن حجابها ... وقب أناف بشاهق لم يحلل # وكأن مسقطها إذا ما غرست ... أثار مسقط ساجد متبتل # وكأن آثار النسوع بدمها ... مسرى الأساود في كثيب اهيل # ويشد حاديها بحبل كامل ... كعسيب نخل خوصه لم ينخل # وعلى أثر ذكر السقط والمتبرك، فأحسن ms097 ما وقع في ذلك: # إذا بركت جرت على نقيانها ... مجافيه صلبا كقنطرة الجسر # كأن يديها حين تجري صفورها ... طريدان والرجلان كالبتا وفر # وعلى اثر ذكر الذئب فما أحسن ما وصفه أبو نؤاس حيث قال: # تثني على الحاذين ذا خصل ... تعماله الشذران والخطر # أما إذا رفعته شامذة ... فتقول رنق فوقها نسر # أما إذا وضعته خافضة ... فتقول أرخي خلفها ستر # وقد تطرق الشريف البياضي في قوله: # نوق ترها كالسفي ... ن إذا رأيت الآل بحرا # كتب الوجا بدمائها ... في مهرق البيداء سطرا # لا يشتكين من اللغوب ... إذا لا يعرفن زجرا # وير من سبق ظلالهن ... إذا المطي حسرا # فكأن أرجلهن تط ... لب عند أيديهن وترا # القول في طبائع البقر # قال أصحاب الكلام في طبائع الحيوان: الفحل من هذا النوع ينزو إذا تمت له ~~سنة من عمره، وهو الغالب، وقد ينزو لعشرة أشهر، وهو كثير المني، ومتى توقدت ~~شهوته ولم يخص لم يذل قبل ولم يستكن، ولم يصح جسمه، والبقرة إذا ولدت تحدر ~~لبنها من يومها ولا يوجد لها لبن قبل أن تضع، وكل إناث الحيوان أرق صوتا ~~وأحد من ذكورها إلا البقر، فإن الأنثى أفخم وأجهر من الذكر، وقرونها أقوى، ~~وهي تقلق لضرب الذكر، وتمشي تحته ولا سيما إذا أخطأ المجرى لصلابة ذكره، ~~وهي إذا اشتاقت إلى السفاد تصعب وتنفر حتى لا يقوى الرعاة عليها، وتركب ~~الذكور وتقف بين أيديها، وإذا نزى عليها بقيت عشرين يوما، وطلبت النزو مرة ~~أخرى وهي تحمل تسعة أشهر، وضع في العاشر، فإن وضعت قبل هذا الوقت لا يعيش ~~ولدها وربما وضعت اثنين، وإذا مات ولدها أو ذبح لا يسكن خوارها، ولا يدر ~~لبنها ولذلك: PageV01P058 الرعاة يسلخون جلد ولدها ويحشونه، ويعلمون له ~~قوائم تقف عليها بازائها لتدر له وتسكن، ويسمى هذا المثال )البو(، وفي طبع ~~الذكر توفر الشهوة والاغتلام، فإذا صعب وامتنع كذلك على الرعاة ربطوا ركبته ~~اليمنى بحبل صوف فيذل وينقاد، والأنثى إذا كان ولدها معها منعت منه السباع ~~بقرونها أشد منع حتى تنجيه، أو تهلك دونه، والبقر ms098 يحب الماء الصافي ويختاره ~~بضد ما يريده الخيل والإبل، وهي من الحيوان الذي يكون له قائد يتولى ~~الحراسة والإيراد والإصدار، وهي من اقاطيعها تتألف فإذا جاء وقت هيجانها ~~اقتتلت قتالا شديدا إن الواحد منها يريد أن يكون المستولي عليها ويقول ~~أرباب الفلاحة: إن البقر تعرف الشتاء الشديد وتنذر به أهل القرية وذلك أنها ~~تربض على جنبها اليمنى، وتديم شم الأرض، والثور والهرمتي لطخ منخريهما بدهن ~~الورد هلك الهر وصرع الثور. # فصل # وبأرض مصر بناحية دمياط بقر يسمى بقر الخيس، وهي بقر رقاق طوال الرقاب ~~قرونها كالأهلة، وبينها وبين سواها كما بين الغزال والغنم وفيها نفور ~~ووحشية لا ينتفع بشيد منها غير اللبن وما يكون منه وهي وإن كانت وحشية ~~فغنها مملوكة، ولها رعاة لكنها لا تعلف، ومأواها حيث يكون العشب والماء ~~دائما ولهذا توجد إلا في جزائر بحر تنيسي، ورعاتها يسمون الإناث منها ~~بأسماء متى دعيت بها إلى الحلب أجابت، إذا ولدت الأنثى وخفيت على راعيها ~~مكان ولدها في حلقها جرسا وترصدها عند رجوعها من الرعي لتسقي ولدها فيستدل ~~بحس الجرس على مكانه فإذا وقع به حمله إلى خصمه وارتبطه عنده فيغدو بعد ذلك ~~إلى الرعي ويروح إليه، وتؤنس الفحول منها وتستعمل في السواقي ولكن بعد عناء ~~وتعب شديد وممارسة لتفورها وعدم قبولها العلف لأنها في تعرفه، ولم تألفه ~~فهم يجمعونها فتذل وتضطر للانقياد والأكل، وقال المسعودي: رأيت بالري نوعا ~~من البقر يبرك كما تبرك الإبل وتثور بحملها كما تثور، والغالب عليه حمرة ~~الحدق، وسائر البقر ينفر منه، وحكى ابن منقذ في كتابه أزهار الأنهار عن ~~المدائني كأعراف الخيل، قال ابن منقذ: وأظنها الأبقار التي توجد فيها ~~الراجم وسمعت من يقول أنها أبقار عمالة في بلاد يقال لها خم وتافة وبلجستان ~~وهي ملونة بيض وسود وبلق، والبراجم تكون في رؤوس أذنابها وهي الكبار على ~~كتفها وهي الصغار، وسمعت من يقول: أنها أبقار تخرج من الصين تلد وترضع، ~~وكانت العرب إذا أوردوا البقر فلم تشرب أما للكدر وأما لقلته ضربوا الثور ms099 ~~فيقتحم الماء لأن البقر تتبعه كما يتبع الشول الفحل قال شاعرهم في ذلك: # هجوني إذا هجرت جبال سلمى ... كضرب الثور للبقر الظماء # وكانوا يزعمون أن الجن هي إلي تصد الثيران عن الماء حتى تهلك الأرض عطشا، ~~وقال شاعرهم في ذلك: # لكا الثور والجني يضرب وجهه ... وما ذنبه إن كانت الجن ظالمة # الوصف والتشبيه # قال أحمد بن علوية الأصفهاني: # يا حبذا مخضها ورائبها ... وحبذا في الرجال صاحبها # عجولة سمحة مباركة ... ميمونة طفح . . . . محالبها # تقبل للحلب كلما دعيت ... ورامها للحلاب حالبها # فتية سنها . . . .. مهذبة ... معنف في الندى عائبها # كأنها لعبة مزينة ... تطير بها عجبا ملاعبها # كأن ألبانها جنى عسل ... يلذها في الإناء شاربها # عروس باقورة إذا برزت ... من بين أحبالها ترائبها # كأنها هضبة إذا انتسبت ... أو بكرة قد أناف غاربها # تزهى بروقين كاللجين إذا ... مسهما بالبنان طالبها # لو أنها مهرة لما عدمت ... من أن يضم السرور راكبها # وأنشدنا الأديب الفاضل شمس الدين محمد الموصلي )عرف بابن الجاووش( لنفسه ~~وقد سألته أن يعمل في ذلك عملة حسنة فقال: # لله عجلة خيس ... صفراء ذات دلال # تريك عيني مهاة ... من تحت قرني غزال # قد سربلت باصيل ... وتوجهت بهلال # القول في طبائع الجاموس # وهو حيوان هندي، والفرس تجعله ضأن البقر، وتسميه )كلوميس( كأنهم قالوا ~~ضأن بقري لأنهم وجدوا فيه شبه الكبش وكثيرا من مشابه الثور لأن الكباش ضربت ~~في البقر فجاءت الجواميس. PageV01P059 قال الجاحظ: يزعم أن كل حيوان يلد ~~حيوانا مثله لا يخلو أجناسه من المعز والضأن، فالجواميس عندهم ضأن البقر ~~والبخت عندهم ضأن الإبل والبراذين ضأن الخيل، والجاموس شجيع شديد البأس وهو ~~مع ذلك أجزع خلق من عض جرجسه وبعوضة واشد هربا منها إلى الماء وهو يمشي إلى ~~الأسد رخي البال رابط الجأش، ثابت الجنان، ويقال: إن سبب إخراجها من ~~معادنها هو أن الطريق الذي بين انطاكية ومصيصة كانت مسبعة فشكي ذلك إلى ~~الوليد بن عبد الملك فحمل منها أربعة آلاف جاموس وجاموسة مما كان الحجاج بن ~~يوسف بعث به لما فتح بلاط الزط )ومن ms100 أرض الزط( على يد محمد بن القاسم وجعل ~~ألفي جاموس وجاموسة في آجام كسكر لما بنىواسط فهربت السباع حتى ما بقي منها ~~شيء، وذكر الجاحظ: أن المعتصم أبرز للأسد جاموستين فغلباه ثم أبرز له ~~جاموسة ومعها ولد فغلبته وحمت ولدها ومنعته، ثم أبرز له جاموسا واحدا ~~فواثبه الأسد ثم أدبر عنه هذا الحيوان على غلظه وفدامته ذكي إذا رأى راعية ~~الأسد صاح بإناثه يا فلانة بأسماء جعلها لها أعلاما على كل واحدة منها ~~فتخرج إليه الجواميس التي في الآجام حتى يلقيها علي الزسد فتضع رؤوسها على ~~الأرض وتمشي إليه، فإذا وثب على إحداهن قصدته بقرنيها فيقعان في جوفه ~~فتقتله لوقته وفي طبع هذا الحيوان كثير الحنين لوطنه الذي يؤخذ منها فمتى ~~هرب لا يعدوه، ويقال أنه لا ينام أصلا لشدة حراسته لنفسه وأولاده، وإذا ~~اجتمعت ضربت دائرة وتجعل رؤوسها إلى خارج تلك الدائرة وأذنابها إلى داخلها، ~~والرعاة والأولاد من داخل فتكون الدائرة كأنها مدينة سورها صياحيها والذكور ~~منها يناطح ذكرا آخر فإن غلب أحدهما الآخر دخل المغلوب جمة وأقام فيها حتى ~~يعلم من نفسه أنه قد قوى ثم يخرج يطلب ذلك الجاموس الذي غلبه فيناطحه حتى ~~يغلبه والغالب عليه القيام في الماء إلى خرطومه، ولهذا يجعله بعض المتكلمين ~~في طبائع الحيوان مائيا أرضيا لسكناه الآجام. والغدران وإنما بفعل ذلك هربا ~~من البعوض لأنه ينفذ جلده مع غلظه بخرطومه. # الوصف والتشبيه # قال الوزير أبو القاسم علي بن الحسين المعري من رسالة: وأما الجواميس ~~فرسلها أقوى الألبان، وأغذاءها، ومسارحها أفره المسارح، وأعلاها لأنها أبدا ~~خائضة في الغدران الصافية ومستظهرة بالأسلحة العادية، ولها من الرئاسة في ~~العين الرائعة والعوامل النافعة، ما للبخت على العراب ومن القوة والصلابة، ~~والشدة والنجابة ما للإبل الصلاب في الليوث العادية والسباع الضارية، ولها ~~حق لكافة الجنسالذي تولت الرئاسة عليه والعمادة فيه، لأنها ألقت بالأنيس، ~~ولم تضجر، وتوفرت على الخاصة فلم تقفر، ولعلها لو تدبرت تلك البراري، وظهرت ~~إلى تلك الصحارى لما اشتغلت العرب من السوائح والبوارح إلا بها، ms101 ولا اتخذت ~~أمثلة الزجر والعيافة إلا منها، ولكنها تكرمت على ذلك العيش المتيسر، ~~واجتنت الأخبار في تخير ذلك البؤس المستمر، وإذا كانت البقر تضرب مشاهدتها ~~فألا للسنين المقبلة، وينطق بذلك آيات القرآن المنزلة ويفسر على ذلك ما يرد ~~منها في الأحلام الصادقة حتى كان من دلائل النبوة الصادقة فهذه بمثل ذلك ~~أجدى، وبالتبرك عند مشاهدتها والتيمن بملاحظتها أولى وأشبه وقال بعضهم من ~~أبيات: # وأما الجواميس فهي التي ... تفوق جميع ذوات الحلب # كأن الملم بأخلاقها ... ألم بملئ العوادي السرب # منيم الرعاة على أمنها ... ويسرح في كل عبء أشب # ويلقى الأسود بمثل الحراب ... فتلقى الأسود بهن الحرب # القول في طبائع الضأن PageV01P060 فصل الناس ما بين الضأن والمعز، فقالوا ~~إذا ارتعت الضأنية والماعزة ينبت ما تأكله الضأنية، ولم ينبت ما تأكله ~~الماعزة، لأن الضأنية تقرض ما تأكله باسنانها والماعزة تجذب بأسنانها من ~~أصله، وقال أرسطو: الضأن رديء الشكل قليل العقل، ومن قلة عقله أن يكون في ~~البراري في حضائر فإذا نزل الشتاء، وكثر المطر خرج منها إلى الفضاء ~~والهواء، ويظن أن ذلك ينجيه من المطر، فإذا أصابه المطر خارجا عن الحضيرة ~~لا يبرح عن مكانه، ولا يزول حتى يهلك ولا يكاد يتحرك إن لن تأت الرعاة إليه ~~فتقدم ذكوره فإذا تقدمت تبعتها الإناث، وهي أكسل وأقل حركة من المعز، ~~والمعز يدنو من الناس، ويحس بالبرد أكثر من الضأن، وإذا سمعت الرعد رمت ما ~~في بطونها من ساعتها وهي تسمن من الماء، ولهذا الرعاة يطعمونها الملح بعد ~~كل خمسة أيام إذا كان صيفا تشتد رغبتها في شرب الماء، وهي إذا سمعت دويا في ~~المكان الذي يجمعها فيه التفت بعضها على بعض من الخوف، ومتى أسقيت في ~~الخريف الماء الذي يصيبه ريح الشمال كان أوفق لها من الذي تصيبه ريح الجنوب ~~وهي تهزل من التعب والطرف، ومن الرعايات فيما فضل الله به الضأن على ~~الماعز، إن الله تعالى جعل الضأن مستورة العورة من قبله ومن دبره، والماعز ~~بالضد من ذلك ويحلق بالضأن داء يسمى المجرى ms102 وهي أن تشرب الماء ولا تروى، ~~وذلك من متأفه، قالوا ومن فضيلة الكباش أنها تناقف وتناطح الناس يرهنون على ~~قتالها كما يرهنون على سباق الخيل، وقد جعل الله تعالى النماء والبركة، ~~والعدد الضأن، وهي لا تلد في السنة إلا مرة واحدة وتفذ ولا تتئم. # فصل # ويقال: في هذا النوع أنه فيه ما هو وحشي، ويشمى كبش الجبل وخلقته خلقة ~~الكباش الأهلية، وفي قدرها، وشكلها جلدا، وصوفا ووجها إلا أن قرونه جفاة ~~جدا. # الوصف والتشبيه # لم أجد في هذا النوع إلا رسالة كتبها أبو الخطاب الصابي إلى الحسين ابن ~~صبره جوابا عن بقعة وردت عليه في وصل حمل أهداه إليه: وصلت رقعتك ففضتها عن ~~خط مشرق، ولفظ موفق وعبارة وصيبة ومعان غريبة واتساع في البلاغة يعجز عنه ~~عبد الحميد في كتابته وسحيان في خطاباته وذكرت فيها جملا جعلته بصفتك جملا، ~~وكان كالمعيدي أسمع به ولا أراه، وحضر فرأيت كبشا متقادم الميلاد من نتاج ~~قوم عاد قد أفنته الدهور وتعاقبت عليه العصور فظننته أحد لزوجين اللذين ~~حملهما نوح في سفينته وحفظ بهما جنس الغنم لذريته، صغر عن الكبر ولطف في ~~القدر فبانت دمامته وتقاصرت قامته وعاد نحيلا ضئيلا باليا هزيلا بادئ ~~السقام عادي العظام جامعا للمعايب مشتملا على المثالب يعجب العاقل من حلول ~~الروح فيه لأنه عظم مجلد، وصوف ملبد، لا توجد فوق عظامه سلبا، ولا تلقي ~~اليد منه إلا خشبا، لو ألقي للسبع لأباه أو طرح للذئب لعافه وقلاه، وقد ~~أطال للكلأ فقده وبعد المرعى عهده لم ير القت إلا نائما، ولا الشعير إلا ~~حالما، وقد خيرتني بين أن أقتنيه فيكون فيه غنى الدهر، أو أذبحه فيكون خصب ~~الشهر، فملت إلى استبقائه لما تعلمه من محبتي في التوفير ورغبتي في ~~التشهير، وجمعي للولد وادخاري لغد، فلم أجد فيه مستمتعا للبقاء، ولا مدفعا ~~للغناء، لأنه ليس بأنثى فيحمل، ولا بفتى فينسل ولا بصحيح فيرعى، ولا بسليم ~~فيبقى، فملت إلى الثاني من رأيك وعملت بالآخر من قوليك، وقلت: أذبحه فيكون ~~وظيفة للعيال، وألقمه ms103 رطبا مقام قديد الغزال، فأنشدني وقد أضرمت النار، ~~وحددت الشفار، وشمر الجزار: # أعيذها نظرات منك صادقة ... إن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم # وقال: وما الفائدة لك من ذبحي: وإنما كما قيل: PageV01P061 لم يبق إلا ~~نفس خافت ومقلة إنسانها باهت ليس لي لحم يصلح للأكل، فغن الدهر أكل لحمي، ~~ولا جلدي يصلح للدبغ، فإن الأيام مزقت أديمي، ولا صوف يصلح للغزل، فغن ~~الحوادث قد حصت وبري، وإن أردتني للوقود فكف بعر أدفء من ناري، ولن تفي ~~حرارة برائحة قتاري، ولم يبق إلا أن تطالبني بذهل أو بيني وبينك دم، فوجدته ~~صادقا في مقالته ناصحا في شورته، ولم أعلم أي أموره أعجب؟ أمن مماطلته ~~الدهر على البقاء؟ أم من صبره على الضر والبلاء، أم من قدرتك عليه من أعواز ~~مثله؟ أم من إتحافك الصديق ينفذ في المعز والضأن وكل حمل ثمين، وكبش بطين ~~مجلوب إليك، وموقوف عليك بقول فيه، فلا يرد، وتردفه فلا تصد، وكانت هديتك ~~هذا الذي كأنه انشر من القبور أو أقيم عند النفخ في الصور، فما كنت مهديا، ~~لو أنك رجل من عرض الكتاب كأبي علي وأبي الخطاب ما كنت تهدي إلا كلبا أجرب ~~أو قردا أحدب. # وللمريمي في هذا المعنى: # ليت شعري عن الخوف الهزيل ... ألك الذنب فيه أم للوكيل؟ # جاءني في الزنبيل حيا وقد شد ... . . . قضى في الزبيل # لم أجد فيه غير جلد وعظم ... وذنيب له دقيق طويل # ما أراني أراه يصلح إذا أصبح ... رسما على رسوم الطلول # لا لشيء ولا لطبخ ولا بي ... ع ولا بر صاحب وخليل # اعجف لو مطفل نال منه ... لغدا تائبا عن التطفيل # القول في طبائع المعز # روى الجاحظ في كتاب الحيوان له، أحاديث كثيرة نوهت بقدرها وفخمت من أمرها ~~منها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: القحة في أهل الخيل والخباء في ~~أهل الإبل، والسكينة في أهل الغنم، ومما ذكره في فضلها أنه كان في الأنبياء ~~من رعي الغنم، ولم يرع أحد منهم الإبل، وعد منهم سعيبا، وداود، وموسى، ms104 وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يرعى غنم خديجة، وروي أن رجلا دعا أبا ذر لطعام، ~~فلما أكمل قال الحمد لله الذي أطعمنا الحمير وألبسنا الحرير، وأنه رأى ~~عندهم شاة، فقال لصاحب المنزل هذه لك قال: نعم، قال: أطب مرامها واغسل ~~رغامها، فإنها من دواب الجنة، وهي صفوة الله تعالى من البهائم، ومن بركتها ~~أن أمرؤ القيس وصفتها في قوله: # إذا لم تكن إبل فمعزى ... كأن قرون جلتها العصي # فتملأ بيتنا أقطأ وسمنا ... وحسبك من غني شبع وروي # قال أصحاب الكلام في طبائع الحيوان، والشاة تحمل بعد أن ينزى عليها ثلاث ~~مرات أو أربع مرات، وإن وقع مطر بعد النزو نقض حملها، وهي تحمل خمسة أشهر ~~مرة واحدة في السنة، فإن كانت ترعى في أماكن دافئة وكان مرعاها مخصبا تضع ~~مرتين في السنة، ومنها ما تضع إناثا، ومنها ما تضع ذكورا، وذلك يعرض من قبل ~~الأماكن أيضا، ومنها ما يفذ ويتئم، وما تضع ثلاثا أو أربعا، وفي طبع الشاة ~~أنها من الذئب أشد فرقا من الأسد، وإن كانت تعلم أن الأسد يأكلها، ومن شدة ~~فرقها منه، لو رأت الأسد والنمر، والنسر لما عبئت بها ولا خافتها، وليس ذلك ~~من تجربة ولا لأن منظر الذئب أشنع، وأهيب لكن لما فطرت عليه، ومن شأنها إذا ~~ظفر بها الأسد مانعته عن نفسها حتى ربما اضطرت الأسد إلى أن يجرها إلى ~~عرصته فأما الذئب إذا أخذها عدت معه حتى لا يكون عليه مؤونة والتيس من شدة ~~الغلمة التي فيه لا يعرض للنعجة من الضأن، وكذلك الكبش من الضأن لا يعرض ~~للشاة حتى كان ذلك موادعة بينهما فلهذا لا يقع بين هذين الجنسين المتقاربين ~~تلاقح ونتاج البتة كما يقع بين البخاتي والعراب، وبين الخيل والبراذين، ~~والخيل، والحمير، وفي الماعز ما يعلم التعليم والتلقين، والحكاية، وتسمى ~~بمصر لفرط ما يصدر عن ذلك )أبا العجب(، وقال أرسطو: والمعز كالضأن في ~~البله، وذلك أنها لا تنبعث إلا إذا أخذ الراعي بناحية واحد مهما فأن لم ~~يفعل وقفت كأنها ms105 تائهة لا تهتدي إلى طريق، والذكر من هذا النوع كالكلب يفرح ~~ببوله فيرده في خيشومه، وهو من أحر البول وأنتنه، والمثل يضرب بنتن رائحة ~~التيوس، والعجب من نتن ريحة مع تخلخل شعره، وبرودة جلده وجفوف عرق . . . . ~~بدنه ونتنه في الصيف كنتنه في الشتاء، وقال الجاحظ وذكر كل شيء أتم حسنا من ~~أناثه خلا هذا النوع. # الوصف والتشبيه # قال بعض الشعراء فيها: # راحت اصيلانا كأن ضروعها ... دلاء وفيها وائد القرن ليلب # له رعثان كالسوف وغبرة ... شريح ولون كالوديلة مذهب PageV01P062 وعينا ~~احم المقلتين وعصمة ... تثنى وصلها دان من الظلف مكتب # إذا واجه من محرف الضأن اربلت ... عطاها كما يعطوني ذرى الضأن فرهب # ترى ضيفنا يأتي يبيت بغبطة ... وضيف ابن قيس جائع يتوجب # طرائف من الوصف بالهزال، والمشهور مما وقع في ذلك ما وصف به الحمدوني شاة ~~أهداها له أبو محمد سعيد بن أحمد جاء منها شعرا: # أسعيد قد أعطيتني أضحية ... مكثت عندكم زمانا لا تطعم # نضوا تغامزت الكلاب بها وقد ... نذرت عليها كي تموت فتؤلم # وإذا الملأ ضحكوا بها قالت لهم ... لا تهزؤا بي وارحموني ترحموا # وقف الهوى حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم # وقال آخر: # أبا سعيد لنا في شأنك العبر ... جاءت وما إن لها بول ولا بعر # وكيف تبعر شاة عندكم مكثت ... طعامها الأبيضان الشمس والقمر # لو أنها أبصرت في نومها علفا ... غنت له ودموع العين تنهمر # يا مانعي لذة الدنيا بما رحبت ... إني ليقنعني من وجهك النظر # ولآخر: # لسعيد شويهة ... سلها الضر والعجف # وقد تغنت وأبصرت ... رجلا حاملا علف # بأبي من بكفه ... برء دائي من الدنف # فأتاها مطعما ... فأتته لتعتلف # فتولى وأقبلت ... تتغنى من الأسف # ليته لم يكن وقف ... عذب القلب وانصرف # الباب الخامس # في طبائع الحشرات والهوام # ويسمى مجموعها ابن أبي الأشعث الحيوان الأرضي لأنه لا يمكنه مفارقتها إلى ~~الهواء، ولا إلى الماء وهو منجحر فيها ويركن في بطنها، وإن سعى على الأرض ~~لا يضطر إلى شرب الماء ولا يحتاج إلى شم النسيم ما دام لابثا ms106 في بطنها، ~~لأنه يغتذي منها، وإن كان متنفسا فتنفسه من البخارات التي تتولد في احجرته، ~~وهذا البخار قريب من طبيعة الماء وهو أبرد الحيوان مزاجا، وأثبته وأشده ~~ذعرا، واستيحاشا وخوفا من الناس وضروبه: الأفاعي والحيات، والجرذان، البرية ~~والأهلية، والخلد، واليربوع والضب، والحرذون، والقنفذ، والعقرب، والخنفساء، ~~والوزغ، والنمل، وضروب غير ذلك وإنما ينبغي أن نبدأ من أشهرها وأضرها. # القول في طبائع الحيات PageV01P063 وإنما بدأنا بها لأنها تنزل منزلة ~~السباع من هذه الأصناف إذ هي آكلة للحم، ومن ذوات الأنياب، وما فيها من ~~العداوة للإنس، وسميت حية لأنها تحوت أي اجتمعت، ويطلق على الذكر ولأنثى، ~~يقال حية ذكر، وحية أنثى وهي أصناف كثيرة لا تحصى وشرها الأفاعي، ومساكنها ~~الرمال والجبال، ويضرب المثل فيها بأفاعي سجستان ومن التهويل في أمرها، ما ~~حكاه ابن شبرمة: أن أفعى منها نهشت غلاما في رجله فانصدعت جبهته، ويحكى أن ~~شبيب من شيبة دخل على المنصور فقال يا شبيب أدخلت سجستان فإنه بلغني أنها ~~محواة أي كثيرة الحيات قال: نعم يا أمير المؤمنين، وقد دخلتها، قال: فصف لي ~~أفاعيها، فقال: هي دقاق الأعناق صغار الأذناب مفلطحة الرؤوس رقش برش كأنما ~~كسين أعلام الحبرات كبارهن حتوف وصغارهن سيوف قال أرسطو: وليست الأفعى من ~~الحيوان الذي يلد حيوانا مثله وإن خرج من بطنها أولاد إنما ذلك لتكسر البيض ~~بتلويها وتجمعها في بطنها فيتوهم من راى ذلك أنها تلد، وليس الأمر كذلك، ~~ومن الأفاعي ما تتسافد بأفواهها، فإذا أعطى الذكر الأنثى وقع كالمغشي عليه ~~فتعمد الأنثى إلى مواضع مذاكيره فتقطعها نهشا فيموت من ساعته فإذا بلغ ~~بيضها لم يكن له مخرج لضيق مكان الولادة فتبقى في بطنها حتى تخرج الأولاد ~~فتشقه ويخرجن وتموت الأم من ساعتها فيكون طلبها للولد هلاكا لها وللذكر، ~~وذكرها يسمى الافعوان يأتيها أيام الصراف، فيصوت بها فتأتيه، وبيض الحيات ~~مستطيل أكدر اللون، وأخضر وأصفر وأسود وأشقر وارقط، وفي بعضه نمش ولمع ولم ~~يعرف السبب في اختلاف ذلك، وأما داخله فشيء أسمج من الصديد وأقذر، وهو في ~~جوفها ms107 منضد طولا على خيط واحد، وليس للحيات سفاد معروف ينتهي إلى عمله وليس ~~عند الناس في ذلك إلا الذي يروى عن ملاقاة الحيات والتواء كل واحد منهما ~~على صاحبه حتى كأنهما زوج خيزران مقلود، والحية مشقوقة اللسان، ولذلك يظن ~~بعض الناس أن لها لسانين وهي واسعة الشجر، ولها خطم، ولذلك ينفذ نابها، فلو ~~كان لرأس الحية عظم لكان اشد لعظها ولكن جلد ينطبق على عظمين مستطيلين، ~~وتوصف بالنهم والشره لأنها تبتلع الفراخ من غير مضغ كما يفعل الأسد، ومن ~~شأنها أنها إذا ابتلعت شيئا فيه عظم أتت جرم شجرة أو حجرا شاخصا فتنطوي ~~عليه انطواء شديدا فيقظم حتى يصير رفاتا، ومن عاداتها أنها إذا نهشت انقلبت ~~فيتوهم أنها فعلت ذلك لتفرغ سمها، وليس الأمر كذلك، وإنما في نابها عضل ~~فإذا عضت استغرق إدخال الناب كله، وهو أعضل، فيه شبه بالشص فإذا انقلبت كان ~~أسهل لنزعه، وأسلس لسله، وفي طبعها أنها إذا لم تجد طعما تعيش بالنسيم ~~وتقتات به الزمن الطويل، وتبلغ الجهد من الجوع فلا تأكل إلا لحم الشيء ~~الحي، وربما بقيت أربعة أشهر في الشتاء صابرة على الجوع لا تغتذي بشيء ~~البتة، وهي إذا هرمت صغرت في بدنها وأقنعها النسيم ولم تشتهي الطعام ومن ~~عجيب أمرها أنها لا تطلب الماء ولا تريده لغلبة الأرضية عليها ولهذا تصبر ~~على الغذاء مدة طويلة لأن حرارتها لا تسرع بتحليل مادتها لقلة الحرارة وغلط ~~المادة وهي لا تضبط نفسها عن الشراب إذا شمته لما في طبعها من الشوق إليه ~~إذا وجدت شربت منه حتى تسكر، وربما كان السكر سبب حتفها، لأنها إذا سكرت ~~خدرت. والذكر من الحيات لا يقيم في الموضع الواحد وإنما تقيم الأنثى على ~~بيضها بقدر ما يخرج فراخها وتقوم على الكسب ثم تخرج سائرة فمتى وجدت حجرا ~~دخلته واثقة بأن ذلك الساكن فيه بين أمرين إما أن يقيم فيصير طعاما، وأما ~~أن يهرب فيصير الجحر لها، ولهذا يضرب بها المثل في الظلم فيقال: أظلم من ~~حية، وعين الحية لا تدور ms108 في رأسها، وكذلك عين الجرد كأنها مسمار مضروب ~~وعينيها لا تنطبق، وإن قلعت عادت وكذلك نابها إن قلع عاد بعد ثلاثة أيام ~~وكذلك ذنبها إن قطع عاد، وفي طبعها أنها تهرب من الرجل العريان، وتفرح ~~بالنار وتطلبها وتعجب بها، وباللبن، ومتى ضربت بالقصب الفارسي ماتت وإن ~~ضربت بسوط قد مسه عرق الخيل ماتت، وتذبح حتى تغري أوداجها فتبقى أياما لا ~~تموت، ويقال: إنها لا تموت حتف أنفها إلا أن تقتل أو تصاد فتبقى في جوف ~~الحواوين تذللها الأيدي وتكره على الطعم في غير أرضها حتى تموت أو تحملها ~~السيول في الشتاء وزمن الزمهرير فتموت إذا صردت، والحية تسلخ كل عام قشرا ~~عن جلدها في أوان الربيع والخريف، وتبتدئ بالسلخ من عيونها ثم من رؤوسها ~~ويتم PageV01P064 سلخها في يوم وليلة، وإذا هرمت وارتخى جسمها، وعجزت عن ~~سلخه أدخلت نفسها بين عودين أو في صدع ضيق حتى تنسلخ ثم تأتي إلى عين ماء ~~فتنغمس فيه فيشتد بذلك لحمها، ويعود إلى قوته وشدته، وليس في الأرض شيء مثل ~~جسم الحية إلا والحية أقوى منه بدنا أضعافا، ومن قوتها أنها إذا دخل صدرها ~~في حجر أو صدع لم يستطع أقوى الناس - وقد قبض على ذنبها بكلتا يديه - أن ~~يخرجها لشدة اعتمادها وتعاون أجزائها، وليست بذات قوائم وإنما تنساب على ~~بطنها وليست لها أظافر ومخاليب واضلاف تتشبث بها وتعتمد عليها وربما انقطعت ~~في يدي الجاذب لها وإنما اشتدت فقر ظهرها هذه الشدة لكثرة أضلاعها فإن لها ~~ثلاثين ضلعا، وليست بذات قوائم، وإنما تنساب على بطنها فهي تدفع أجزاءها ~~وتعاونها حركة الكل من ذات نفسها دليل على إفراط قوة بدنها، وذلك مشاهد في ~~صعودها وسعيها خلف الرجل الشديد الحضر وعند هربها منه حتى تفوت وتسبق وهي ~~تعيش في الماء إن صارت فيه )وتعيش في البر بعد أن يطول مكثها في الماء ~~وصارت مائية(، ومن أصناف الحيات ما هو أزعر وذلك الغالب وفيها ما هو ازب ذو ~~شعر، ومنها ذوات قورن، وأرسطو يقول: إنما تجعل ذوات قرون ms109 على طريق المجاز ~~والاستعارة، وإنما ذلك يظهر بروز شيء جاس في رؤوسها شبيه بالقرون، ومنها ما ~~هو أحمر، ومنها صنف يمسي الشجاع يواثب الإنسان ويقوم ذنبه، وربما طار ~~العصفور فيظنه غصنا أو عود منصوبا ليستريح عليه من كثرة الطيران فإذا استوى ~~عليه ابلعته، ومنها ما يسمى الأسود وهو إذا كان مع الأفاعي في جونة وجاع ~~يبتلعها وبلعه لها قبل رؤوسها ومتى رام ذلك من غير جهة الرأس عضته فقتلته، ~~وأشر ما يوجد من هذا الصنف بمصر في أرض الزرع وهي أرض سوداء إذا نزل عنها ~~النيل تصدعت وتشققت شقوقا عظيمة لما يستولي عليها من اليبس، وهذا الصنف ~~يعظم جدا فإذا رأى الإنسان قصده فإن كان في الإنسان يقظة أخذ حذره منه ~~وقاتله إن كان معه سلاح وهو في قتاله كالشجاع المراوغ المخاتل، أو لاعب ~~الشطرنج يقصد من مقاتله جهة فإذا رآه قد اشتغل بحفظها منه نهشه في غيرها، ~~ونهشه والكفن في الحين الذي يفوت طبق الجفن على الجفن، ومن أصنافها ما يسمى ~~أصلة وهو عظيم جدا وله وجه كوجه الإنسان، ويقال أنه يصير كذلك إذا مرت عليه ~~ألوف السنين، يقتل بالنظر، ومن عجائب ما حكاه المؤرخون أنه أخرج من خزائن ~~المستنصر بالله العبيدي بيضة محلاة بالذهب فجعل الناس يتعجبون من تحليتها ~~فاستخبروا المستنصر عنها فقال أنها بيضة حية كان بعض الملوك أهداها لجدي ~~القائم بأمر الله تعالى. PageV01P065 الوصف والتشبيه # ومن الأوصاف المهولة قول بعض الأعراب: # وحنش يردي الورى بالحس ... موكل تبرحات النفس # ينفر عن مأواه كل جنس ... ذي هامة مثل سراه الترس # وقامة مثل قضيب الغرس ... وعين فتخاء وناب نمس # أو تسعة مطفورة بجلس ... وجلدة شبيهة بطرس # طليته بالجص أو بالورس ... ثم رقمت فوقه بالنقس # يلين لو أمكن للمجس ... لكنه يقتل قبل اللمس # وقال آخر في ذلك: # أفعى زحوف الليل مطراق البكر ... داهية قد صغرت من الكبر # صل صفا لا ينطوي من القصر ... طويلة الاطراق من غير خفر # كأنما قد ذهبت بها الفكر ... شقت لها العينان طولا في شفر # مهروتة ms110 الشدقين حولاء النظر ... تفتر عن عوج حداد كالإبر # جاء بها الطوفان أيام زجر # وقال آخر من أبيات: # فإذا بداهية كأن حفيفها ... بين النمام حفيف ليث خادر # شزا مسخرة الجفون كأنما ... ترنو الينا من قليب غائر # صل يعرفها الزمان فأصبحت ... دون الذراع وفوق شبر الشابر # فإذا رأيت، رأيت خوط أراكة ... وإذا فرعت فرعت قرني قادر # صما لو نفخت ثبيرا نفخة ... لانساح أو لهوى هوي الطائر # جعلت حماما للنفوس وآية ... للسائلين وغيره للناظر # وقال النابغة الجعدي: # أفعى به تسطو اكف الدهر ... على ذوي الكيد وأهل المكر # تري المنايا حيث سار تسري ... عيناه حمراوان ذات طمر # كأنه مكتحل . . . . بجمر ... ذو هامة منحوتة من صخر # وجلدة مسلوخة من نمر ... وخطفة مخلوقة من نسر # وذو فم رحب شديد الفغر ... أنيابه مثل ظفور الصقر # له خطوط عدلت في الظهر ... سود كأن خططت بحبر # أنفاسه في سبرات القر ... يحدث في الحر شديد الوغر # يعدم وجه الأرض حسن الدهر ... كأنها ما بللت . . . بقطر # وقال آخر يصف حية وبالغ في التهويل: # لا ينبت العشب في واد به ... ولا يجاورها وحش ولا شجر # جرداء سافكة الأنياب ذابلة ... ينبو من اليبس عن يافوخها الحجر # لو شرحت بالمدى ما مسها بلل ... ولو تكنفها الحاوون ما قدروا # قد جاهدوها فما قام الرفاة لها ... وخاتلوها فما نالوا ولا ظفروا # يكبر لها الورل العادي إذا نفخت ... جبنا ويهرب عنها الحية الذكر # وقال خلف الأحمر من أبيات: # كأنما لبست بأعلى جسمها ... بردا من الأثواب انهجه البلى # في عينها قبل وفي خيشومها ... فطس وفي أنيابها مثل المدى # وقال أشجع السلمي: # وحنش كحلقة السوار ... غايته شبر من الاشبار # كأنه قضيب ماء جار ... يفتر عن مثل تلظي النار # وقال آخر وأجاد: # أرقم كالدرع فيه وشم ... منمنم الظهر واللبان # يزحف كالسيل من قلاع ... كأن عينيه كوكبان # يهمش ما مس من نبات ... ويجذب النفس بالعنان # كأن ألحاظه فضا ... ليس لخلق به يدان # قال عبد الله بن المعتز: # انعت رقشاء لا يحيى لديغها ... لو قدها السيف لم يعلق به بلل # تلقي، إذا ms111 انسلخت في الأرض جلدتها ... كأنه كم درع قده بطل # وقال أبو نصر عبد العزيز بن بنانه وأجاد كل الإجادة: # إذا عرس السارون في بطن دابق ... فسر وتعوذ من شرار الطوائق # ففي الهضبة الحمراء إن كنت ساريا ... اغيبر يأوي في صدوع الشواهق # سالم ركبان الطريق نهاره ... إلى الليل محنو لاحدى البوائق # يقصر عن يافوخه حين تنطوي ... حقيبة مملوء من السم زاهق # كأن بقايا ما سدى من قميصه ... على متنه اقواف برد سبارق # يبادره الحارون إذ يبصروا به ... تسارق عيناه لحظ المشارق # ودون الذي يرجون من سقطاته ... حفيظه مسنون اللحاظ مراحق # يطول إذا ما طلته الكيد سادر ... جرى إذا ما بدهته في الحقائق # ولم أقف فيما طالعت على أظرف ولا أطرب، ولا أعجب، ولا أغرب من قول أبي ~~إسحاق إبراهيم بن خفاجة الأندلسي يصف حبابا رآه في روض معشب شعرا: # مثل الحباب بمنحاه ذؤابة ... خفاقة حيث الثريا أكفال # وانساب ثان معطفيه كأنه ... هيمان نشوان هناك مذال PageV01P066 اوطل أسمر ~~باللوى متأطر ... عطفت جنوب منه وشمال # فلم أدر هل يزهى فتخطر نحوه ... أم لاعبت أعطافه الجريال # بيد الهجيزة منه سوط خافق ... وبساق ليلة صرصر خلخال # رزت عليه حبرة موشية ... بمقتله اخت لها أسمال # مزق كما ينقد في يوم الوغى ... عن لبتي مستلم سربال # ألقى به منها هنالك درعه ... بطل وجرد سيفه مختال # القول في طبائع الورل # قال عبد اللطيف البغدادي في كتاب الحيوان له، الورل، والضب والحرباء ~~وشحمة الأرض والوزغ كلها متقاربة متناسبة في الخلق، فأما الورلوهو الحرذون، ~~فزعم أصحاب الكلام في طبائع الحيوان: أنه ليس في الحيوان أكثر سفادا منه ~~ولا أبطأ فيه، وهو ألطف من الضب، وأقوى براثا منه، وربما خرش بينهما فيغلب ~~الورل الضب فيقتله لكنه إذا قتله لا يأكله كما تفعل الحية، وهو لا يتخذ ~~بيتا لنفسه، ولا يحفر اتقاء لبراثنه، بل يخرج الضب من حجره صاغرا ويستولي ~~عليه، وإن كان أقوى براثنا منه لكن الظلم يمنعه من الحفر، ولهذا يضرب المثل ~~به في الظلم كما يضرب بالحية، فكلما يلقى ms112 ذو جحر من الحية يلقى مثله من ~~الورل ويكفي من ظلمه أنه يغتصب الحية جحرها، ويبتلعها، وربما قتل فوجد في ~~بطنه الحية العظيمة، وهو لا يبتلعها حتى يشدخ رأسها، ويقال: إنه يقاتل الضب ~~على معنى الصائد والطالب، والضب يقاتله على معنى الحرج، والجاحظ يقول: ~~الحرذون غير الورل وصفته أنه دويبة تكون بناحية مصر مليحة موشاة بألوان ~~كثيرة ونقط، لها كف ككف الإنسان مقسومة أصابعها إلى الأنامل. # وأما الضب فيقال: إن له نزكين، وللضبة فرجين، كمال للورل والحرذون ويحكى ~~أن أبا حية سئل عن ذكر الضب فزعم أنه كلسان الحية أصل واحد وله فرعان، ~~والضبة إذا أرادت أن تخرج بيضها حفرت في الأرض أدحيا، ثم رمت البيض فيه، ~~وطمته بالتراب وتعاهدته كل يوم حتى يخرج وذلك في أربعين يوما، وهي تبيض ~~سبعين بيضة، وأكثر، وبيضه شبيه ببيض الحمام، ويخرج الحسل وهو الفرخ من ~~البيضة مطيقا للكسب، والضب يخرج من جحره كليل البصر فيجلوه بالتحديق في ~~الشمس، وهو يغتذي بالنسيم ويعيش ببرد الهواء، وذلك عند الهرم، وقلة ~~الرطوبات ونقص الحرارات، وبينه وبين العقارب مودة وهو يهبها في جحره لتلدغ ~~المتحرش به إذا أدخل يده لأخذه، وقد أعطي في ذنبه من القوة نحو ما أعطيت ~~العقارب في حمتها فربما ضرب به الحية فقطعها، ولا يتخذ جحره إلا في كرية ~~جبلية خوفا من السيل والحافر، وكذلك توجد براثنه ناقصة كليلة، لحفره في ~~الصلابة وفي طبعه النسيان، وعدم الهداية، وبه يضرب المثل في الحيرة، ولذلك ~~يتخذ جحره عند أكمة أو صخرة لئلا يضل عنه إذا خر يطلب الطعم منه، ويوصف ~~بالعقوق وبه يضرب المثل في ذلك لأنه يأكل حسوله، وهو إذا أراد أكلها وقف ~~لها من جحره في موضع من منفذه إلى خارج، فإذا أحكم بدأ فأكل منها حتى يشبع، ~~وقد أشار بعض الشعراء إلى هذا في قوله يهجو: # أكلت بنيك أكل الضب حتى ... تركت بنيك ليس لهم عديد # وبعض المتكلمين في طبائع الحيوان ينكر ذلك، وإنما الضبة إذا دفنت بيضها ~~يحفر عنها الظربان والثعلب ms113 فيأكلها، والضب طويل العمر وهو من هذه الجهة ~~مناسب للحيات والأفاعي، ومن مناسبته لها أنه إذا هرم وعجز عن الحركة يبلع ~~بالنسيم، وغني به عن الطعم والشرب، وفي طبعه أنه يرجع في قيئه، ويأكل بعره، ~~وهو طويل الذماء بعد الذبح وهشم الرأس، ويقال أنه يمكث بعد الذبح ليلة ثم ~~يقرب من النار فيتحرك. # قال بعض الشعراء يصفه وذكر أرضا: # ترى ضبها مطلعا رأسه ... كما مد ساعده الاقطع # له ظاهر مثل برد الوشى ... ويظن كما حسر الأصلع # هو الضب ما مد سكانه ... فإن ضمه فهو الضفدع PageV01P067 وأما الحرباء: ~~فدويبة أكبر من العظاية، اغيبر ما كان فرخا ثم يصفر، وهو يأوى الجحر، ولهذا ~~جعلت له الأصابع والأظفار لنبش التراب، ويكون لونه أسود كالتمساح، وأصفر ~~كسام وابرص ومختلط الألوان، كالفهد وهو في الشمس كثير التلون، فإذا انتقل ~~إلى الظل قل تلونه، وإذا قارب الموت أو مات اصفر، وهو أبدا يطلب الشمس فحين ~~تبدو نحا بوجهه إليها حتى إذا أرمضت الأرض علا رأس شجرة وما يجري مجراها، ~~وذلك عند انتصاف فإذا زالت وصارت على رأسه في قبه وغاب عنه جرمها فلا يراه ~~أصابه مثل الجنون فلا يزال طالبا لها لا يفتر إلى أن يتصوب إلى جهة المغرب، ~~فيرجع بوجهه إليها مستقبلا لها لا ينحرف عنها إلى أن تغيب، فإذا غابت ذهب ~~يطلب معاشه ليله كله إلى أن يصبح، حتى إن طائفة من المتكلمين في طبائع ~~الحيوان يقول: إنه مجوسي، ولسانه طويل جدا مقدار ذراع، وذلك دليل على أنه ~~يكون مطوبا في حلقه، وهو يبلغ به ما بعد عنه الذباب، والأنثى من هذا تسمى ~~أم حبين، وتوصف بالحزم مع تقلبه مع الشمس لا يرسل يده من خوط حتى يمسك ~~بالأخرى خوطا آخر بيده الأخرى وفيه يقال: # أنى أتيح له حرباء تنضبه ... لا يرسل الساق إلا ممسكا ساقا # وكتب بعض الفضلاء إلى بعض أصدقائه رسالة يحثه فيها على الحزم والانفة ~~والتغرب عن وطنه إذا نبأ عنه: اعجزت في الاباء عن خلق الحرباء، أدلى لسانه ~~كالرشاء، يبلغ ms114 به ما يشاء، وناط همته بالشمس، مع بعدها عن اللمس وانف من ~~ضيق الوجار، ففرخ في الأشجار وسئم العيش المسخوط، فاستدبل خوطا بخوط فهو ~~كالخطيب على الغصن الرطيب. # وإن صواب الرأي والحزم لامرئ ... إذا بلغته أن لا يتحولا # الوصف والتشبيه # لم يأت أحد من الشعراء في وصف هذا الحيوان بمثل ما أتى به ذو الرمة: # كأن يدي حربائها متشمسا ... يدا مجرم يستغفر الله تائب # وقال أيضا في ذلك: # إذا جعل الحرباء يبيض لونه ... ويحضر من لفح الهجير غباغبه # ويشبح بالكفين شبحا كأنه ... أخو فجره عالى به الجذع صالبه # وقال أيضا يصفه ويذكر هاجره: # يصلي بها الحرباء للشمس ماثلا ... على الجذع إلا أنه لا يكبر # إذا حول الظل العشي رأيته ... حنيفا وفي وقت الضحى يتنصر # وأما العظاية: وتسمى شحمة الأرض، وشحمة الرمل، وهي أنوع كثيرة منها ~~الأبيض، والأحمر، والأخضر، وكلها منقطات بالسواد، وهذه الألوان بحسب ~~مساكنها فإن منها ما يسكن الرمال، ومنها ما يسكن قريبا من الماء والعشب وما ~~يألف الناس، وقال أرسطو العظاية تبقى في جحرها زمن الشتاء أربعة أشهر لا ~~تطعم شيئا، وفي طبعها محبة الشمس وتتصلب فيها، ومن خرافات الحكايات أن ~~السموم لما فرقت على الحيوان المسموم احتبست العظاية عند التفرقة، حتى نفذ ~~السم وأخذ كل حيوان قسطه على قدر السبق والبكور، فلم يكن لها فيه نصيب، ~~داخلها من الحسرة والكرب ما جعلها تسكن في المزابل والخرابات وفي طبعها ~~أنها تمشي سريعا ثم تقف كالمتحير، ويقال: إن ذلك لما تعرض لها من التفكر ~~والأسف على ما فاتها منه. # وأما الوزع: وتسمى سام ابرص، فذكر أصحاب الآثار: إنه أصم، وادعوا أن ~~السبب في صممه وفي برصه أن الداوب كلها حين ألقي إبراهيم عليه السلام في ~~نار النمرود كانت تطفئ عنه، وإن هذا كان ينفخ عليه فصم وبرص وفي طبعه أنه ~~لا يدخل شيئا فيه زعفران، والحيات تألفه كما تألف العقارب والخنافس، وهو ~~يطاعمها ويزاقها، وهو يقبل اللقاح بفيه، ويبيض كما تبيض الحيات، وزعم ~~زرادشت أن سام ابرص من ذوات ms115 السموم، ونصيبه من السم نصيب مقتصد لا يكمل بأن ~~يقتل، ومتى دبر سام ابرص جاء منه سم قاتل، وفي تركيبه أنه إذا قتل ووضع على ~~جحر حية هربت منه ولم تأوه وهو يقيم جحره زمن الشتاء أربعة أشهر لا يطعم ~~شيئا البتة. # ؟القول في طبائع القنفذ PageV01P068 وهو صنفان قنفذ ويكون بأرض مصر في ~~قدر الفأر، ودلدل ويكون بأرض الشم والعراق في قدر الكلب القلطي، والفرق ~~بينهما كالفرق بين الفأر والجرذ، والذر والنمل ويقول الباحثون عن طبائع ~~الحيوان أنه يسفد قائما وظهر الأنثى لاصق بظهر الذكر، والأنثى تبيض خمس ~~بيضات، وليس هو بيض بالحقيقة بل هو على صورة البيض، تشبه اللحم، وفي طبعه ~~أنه يجعل في جحره بابين أحدهما من جهة الجنوب، والآخر الشمال، فإذا هب ~~الريح الجنوب سد باب جهتها، وفتح باب جهة الشمال، وإذا هبت الشمال سد باب ~~جهتها وفتح باب جهة الجنوب، وبصره في الليل أكثر من النهار، ويستأنس في ~~البيوت ويختفي أياما حتى يؤنس منه ويعود يظهر )ولا يدري أين كان( وقد الهم ~~أنه متى جاع صعد الكرمة منكسا وقطع العناقيد ورمى بها ثم ينزل فيأكل منها ~~ما أطاق، وإن كان له فراخ تمرغ على الباقي فيشتك في شوكه بعد تفريطه من ~~عوده، وذهب به إلى فراخه، وهو لا يظهر إلا ليلا، ولذلك يشبه بالنمام ~~والماحل وقال عبدة بن الطيب وذكر نمامين: # قوم إذا دمس الظلام عليهم ... حدجوا قنافذ بالنميمة تمرغ # وهو مولع بأكل الأفاعي، ولا يبالي أي موضع قبض من الأفعى إن قبض على ~~رأسها أو على قفاها فذلك من أسهل الوجوه، وإن قبض على وسطها أو على ذنبها ~~جذب ما قبض عليه واستدار وتجمع ونفخ سائر بدنه فمتى فتحت فاها لتعض شيئا ~~منه تلقاها شوكه الذي في جسده فهي تهرب منه، وطلبه لها، وحرصه عليها على ~~حسب هربها منها وضعفها عنه، وإذا صادفت الأفعى مراق بطنه حتى لدغته أكل ~~الصعتر البري فيبرأ. # والدلدل إذا رأى ما يكرهه انتفض فتخرج منه شوك كالمداري تجرح ما تصيبه، ms116 ~~وزعم أصحاب الكلام في الطبائع أن شوكه شعر وإنما لما غلط البخار واشتد ~~غلطه، وغلب عليه اليبس عند صعوده من السام صار شوكا. # الوصف والتشبيه # قال الأمير شمس الدين أبو المعالي قابوس بن وشمكير من رسالة كتبها إلى ~~بعض أصدقائه وقد أهدى له دلدلا: قد أتحفتك يا سيدي بعلق نفيس وتحفة رئيس، ~~يعجب المتأمل من أحواله ويحار الناعت في أوصافه وأعماله، ويتلبد المعتبر في ~~آياته، ويكل الناظر في معجزاته، فما يدري ببديهة النظر والفؤاد، أمن ~~الحيوان هو الجماد؟ حتى إذا أمعن متدبره النظر في تعظمه والفحص عن اكمل ~~شروطه علم أنه كمي، سلاحه في حضنه، ورام سهامه في ضمنه، ومقاتل رماحه على ~~ظهره، ومخاتل سره خلاف جهره، يلقاك بأخشن من حد السيف ويستتر بألين من دبر ~~الخيف متى جمع أطرافه وضم إليه أصوافه حسبته رابية ناتية، أو قلعة بادية ~~وهو أمضى من الأجل، وأرجى من بني ثعل إن رأته الأراقم رأت حتف أنفها، أو ~~عاينته الاساود أيقنت بفناء جنسها، صعلوك ليل لا يحجم عن دامسه، وفارس ظلام ~~لا يخاف من حنادسه، فيه من الضب مثل، ومن الفأر شكل، ومن الورل نسب، ومن ~~الدلدل سبب، ومن أوابده أنه يسود إذا هرم وشاب، ويصير كأكبر ما يكون من ~~الكلاب. # وقال أبو محمد اليزيدي يذكر قنفذا رآه فأطعمه وسقاه: # وطارق ليل جاءنا بعد هجعة ... من الليل إلا ما تحدث سامر # قريناه صفو الزاد حين رأيته ... وقد جاء خفاق الحسى وهو سادر # جميل المحيا في الرضا فإذا أتى ... حمته من الضيم الرماح الشواجر # ولست تراه واضعا لسلاحه ... مدى الدهر موتورا ولا هو واتر # وقال آخر من أبيات يرثيه فيها ويصفه: # عجبت له من شبهم متحصن ... نبيل من السرد المضاعف يمرق # وأنى اهتدى سهم المنية نحوه ... وفي كل عضو منه سهم مفوق # ولو كان كف الدهر يستخشن الردى ... لكان بكف الدهر لا يتعلق # وقال أبو بكر الخوارزمي يصفه: # ومدجج وسلاحه من نفسه ... شاكي الدوابر أعزل الاقبال # يمسي ويصبح لم يفارق بيته ... ولقد سرى عددا من ms117 الأميال # وتراه يكمن بعضه في بعضه ... فتطيشعنه أسهم الأهوال # عيناه مثل النقطتين وخطمه ... يحكي ثدي رضاعة الأطفال # وكأن أقلاما غرزن بظهره ... مس المداد رؤوسها ببلال # تتهارب الحيات حين يرينه ... هرب اللصوص رأت سواد الوالي # فكأنه الخنزير إلا جلده ... وصياحه وتقارب الأوصال # ؟القول في طبائع ابن عرس PageV01P069 وهذا الحيوان مليح الصور موثق الخلق ~~جديد النفس شجيع فطن ويوجد في منازل أهل مصر، قال عبد اللطيف البغدادي: ~~وأظنه الحيوان المسمى بالدلق، وإنما يختلف وبره ولونه بحسب البلاد، وفي ~~طبعه أنه يسرق ما وجد من ذهب أو فضة وإن وجد حبوبا خلطها، وهو عدو الفأر ~~ويقتله، ويقال إن عداوته له أشد من عداوة السنور، وخرف الفأر منه أشد من ~~خوفه من السنور كما أن خوف الدجاج من ابن آوى أشد من خوفها من الثعلب، وقد ~~حكي: من فطنته ما هو شبيه بالخرافات أن رجلا صاد فرخا منها فحبسه في قفص ~~بحيث تراه أمه فلما رأته ذهبت ثم جاءت وفي فمها دينار فألقته بيد يدي الرجل ~~كأنها تفدي ولدها، فلم يتناوله، وتركه مكانه فذهبت وعادت بدينار آخر حتى ~~بلغت من العدد خمسا، فلما رأت أنه لا يضمها إليه ذهبت وعادت بخرقة كانت صرة ~~للدنانير، تريه أنه لم يبق شيء، فلم يكترث بما فعلت فلما رأت ذلك منه عمدت ~~إلى دينار منه فأخذته وعادت إلى جحرها فخشي أن تتفعل ذلك بالباقي، فبادر ~~إلى الدنانير، وأخذها وأطلق ولدها. # القول في طبائع الفأر # أصحاب الكلام في طبائع الحيوان يقولون: جميع ما يقع عليه اسم الفأر: فأر ~~البيت ويسمى الجرذ، والزباب، والخلد، واليربوع، وفأرة البيش، وفأرة المسك، ~~وفأرة الإبل: فأما فأرة البيت فصنفان، جرذان وفأر، وهما كالجواميس والبقر، ~~والبخت والعراب، والفأر من الحيوان الذي جمع له حاسة الشم والبصر، وليس في ~~الحيوان أفسد منه لا يبقي على شيء من جليل ولا حقير إلا أهلكه وأتلفه، لا ~~يقصر فعله عما فعله ريح قوم عاد، ويكفيه ما يحكى عن شدة رأيه وتدبيره في ~~الشيء الذي يأكله ويحسوه أنه يأتي القارورة ms118 الضيقة فيحتال حتى يدخل طرف ~~ذنبه في عنقها، فكلما ابتل بالدهن أخرجه وامتصه حتى لا يدع في القارورة ~~شيئا، ويضرب به المثل في السرقة والنسيان والحذر، ويبلغ الفأر من حذره ~~واحتياطه أنه يسكن السقوف وربما فاجأه السنور، وهو يريد أن يعبر بيته ~~والسنور في الأرض، وهو في السقف ولو شاء أن يدخل بيته لم يكن للسنور عليه ~~سبيلا، ويشير إليه السنور بيساره كالقائل له ارجع، فإذا رجع أولى إليه ~~بيمينه كالقائل له: عد فيعود، وإنما يطلب بذلك أن يعي أو ينزلق، فلا يفعل ~~ذلك إلى ثلاث مرات حتى يسقط إلى الأرض فيثب عليه، وفي طبع الجرد البري أنه ~~لا يحفر بيته على قارعة الطريق ويتجنب الخفض والوطأ خوفا من الحافر أن يهدم ~~عليه بيته، وحكى الجاحظ أن أناسا أنكروا أن يخلق الفأر في أرحام إناثها من ~~أصلاب ذكورها، ولكن من أرحام بعض الأرض كطينة القاطول فإن أهلها يزعمون ~~أنهم رأوا الفأر ولم يتم خلقه بعد وإن عينيها لتبصان ثم لا يريمون حتى يتم ~~خلقها وتشتد حركتها، وكذلك يتولد بأرض مصر إذا انكشف ماء النيل عنها. # وأما الزباب: فأصم يكون في الرمل والعرب تضرب به المثل في السرقة فيقولون ~~أسرق من زبابة، ولم أقف على أكثر مما ذكرت من أمره وأما الخلد: فأعمى أصم ~~لا يعرف ما يريبه إلا بالشم إلا أن عينيه كاملتان لكن الجفن ملتحم على ~~الناظر لا ينشق، وإنما خلق كذا لأنه يتنفس في البخار الغليظ والأرض له ~~كالماء للسمك، وغذاه من باطن الأرض، الرطوبات والورق، وليس له على ظهر ~~الأرض قوة، ولا نشاط، ولا حيلة بل يبقى مطروحا كالميت حتى يخطفه جارح أو ~~يموت، ولما لم يكن له بصر عوض عنه بحدة حاسة السمع فيقال أنه يحس بالوطء ~~الخفي، ومتى أحس بذلك جعل يحفر في الأرض، ويتحيل عليه حتى يصاد، بأن يجعل ~~في باب جحره قملة فإذا سمعها، وأحس بها خرج إليها ليأخذها فيصاد، وفي طبعه ~~أنه متى شم رائحة طيبة هرب، وهو يحب رائحة الكراث والبصل، ms119 وربما صيد بهما ~~فأنه متى شمهما خرج إليهما، ومن دأبه طول الكد، ودوام الحفر للأنفاق ~~والأسراب سواء انتفع بها أو لم ينتفع، وفي تركيبه أنه لا يفرط في الطلب، ~~ولا يقصر فيها، ولا يخطئ الوقت الذي يظهر فيه، ولا يغلط في المقدار. ~~PageV01P070 وأما اليربوع: فحيوان طويل الرجلين قصير اليدين جدا وله ذنب ~~كذنب الجرد بين يرفعه صعدا في طرفه شبه الفوارة، لونه لون الغزال، قال ~~أصحاب الكلام في طبائع الحيوان كل دابة حشاها الله تعالى خبثا فهي قصيرة ~~اليدين لأنها إذا خافت شيئا لاذت بالصعود، فلا يلحقها شيء، وهذا الحيوان ~~يسكن بطن الأرض لتقود رطوبتها له مقابل الماء، وهو يؤثر النسيم ويكره ~~البخار، فتراه أبدا يتخذ جحره في نسز من الأرض ثم يحفر بيته ويفتح له أربعة ~~أبواب على مهب الرياح الأربعة، وتسمى النافقاء والقاصعاء والدماء ~~والراهطاء، فإذا طلب من إحدى هذه الكوى نافق أي خرج من النافقاء، وإن طلب ~~من النافقاء قصع أي خرج من القاصعاء، وفي طبعه أنه يطأ على زمعاته في السهل ~~والأرض اللينة كي لا يعرف أثر وطئه كما يفعل الأرنب، وهو يجتر ويبعر، وله ~~كرش وأسنان واضراس في الفك الأعلى والأسفل وهو من الحيوان الذي له رئيس ~~ينقاد إليه وإذا كان فيها يكون من بينها في مكان مشرف أو على صخرة ينظر منه ~~إلى الطريق في كل ناحية، فإن رأى ما يخافه عليها صر بأسنانه وصوت، فإذا ~~سمعته انصرفت إلى أحجرتها، وإن أغفل ذلك، ورأت ما يخافه قبل أن يراه قتلته ~~لتضييعه الحزم، وغفلته، وينصب غيره وإذا أرادت الخروج من جحرها تطلب ~~المعاش، خرج الرئيس أولا يشرف فإن لم ير ما يخافه صر لها وصوت فتخرج ~~ولليربوع من الفأرة ولد يسمى القريب. # وأما الفأرة البيش: فدويبة تشبه الفأرة، وليس بفارة، ولكن هكذا تسمى ~~وتكون في الغياض والرياض وهي تتخللها طلبا لمنابت السموم ليأكلها فلا يضر ~~بها وكثيرا ما تطلب البيش وهو سم قاتل. # وأما فأرة المسك: فزعم الجاحظ: أنها دويبة تكون ببلاد تبت تصاد لنوافجها ms120 ~~وسررها، فإذا صيدت عصبت سرتها بعصاب، وهي مدلاة فيجتمع فيها دمها فإذا حكم ~~ذلك ذبحت، وما أكثر من يأكلها، فإذا ماتت قورت السرة التي عصبت ثم تدفن في ~~الشعير حينا حتى يستحيل ذلك الدم المختنق هناك الجامد بعد موتها مسكا ذكيا ~~بعد أن كان لا يرام سنا، ورأيت في بعض المجاميع أن هذه الدابة توجد ببلاد ~~الزانج، وتحمل إلى بلاد السند وإن المسك يخرج من خصيتي ذكرانها بالعصر، ومن ~~ضروع إناثها بالحلب، ورأيت في مجموع آخر: الفأر الفارسي أطيب من كل طيب، ~~وربما ضاهى ريح المسك وهو جرد أشقر شعره إلى الصفرة وهو سديد كحيل العينين ~~طويل الأذنين، قصير الذنب. # وأما فأرة الإبل: فليست بحيوان، وإنما هي رائحة تسطع من الإبل عند صدورها ~~من الورود وهو يكون من طيب المرعى وقال الراعي وغيره يصف إبلا شعرا: # لها فأرة ذفراء كل عشية ... كما فتق الكافور بالمسك فاتقه # الوصف والتشبيه # قال بعض الأعراب: # عجل بعض الناس بالعقاب ... لعامرات البيت بالخراب # كحل العيون وقص الرقاب ... مجررات فضل الأذناب # مثل مداري الكتاب والظريف في قول أبي بكر الصنوبري # بالحدب الظهور قعس الرقاب ... لدقاق الخرطوم والأذناب # للطاف آذانها . . . والخراطي ... م حداد الأظفار والأنياب # خلقت للفساد قد خلق الخل ... ق وللعبث والأذى والخراب # ناقبات في الأرض والسقف والحا ... ئط نقبا أعيا على النقاب # آكلات كل المآكل لا تس ... أمها شاربات كل الشراب # آلفات قرض الثياب وقد يع ... دل قرض القوب قرض الثياب # والطريف المطبوع، الذي يدين بحسنه التابع والمتبوع قول القاضي المعروف ~~بابن بصاقة يصف فارة بيضاء استظرفها فجعلها في قفص وأمر أن تطعم وتسقى ثم ~~قال: # وفأرة بيضاء لم تبتذل ... يوما لاطعام السنانير # إذ فأرة المسك سمعنا بها ... وهذه فأرة كافور # القول في طبائع العقرب PageV01P071 وهذا الحيوان أصناف منها الجرارة ~~والطيارة، وما له ذنب معقف، ومنها السود والخضر والصفر، وأصحاب الكلام في ~~طبائع الحيوان يقولون العقرب مائية الطباع، من ذوات الذرو وكثرة الولد نسبة ~~بالمسك والضب، وعامة هذا النوع إذا حملت الأنثى منه يكون حتفها ms121 في ولادها ~~لأن أولادها إذا استوى خلقها أكلت بطنها وخرجت فتموت، والجاحظ لا يعجبه هذا ~~القول ويقول: قد أخبرني من أثق به أنه رأى العقرب تلد من فيها مرتين وتحمل ~~أولادها، وهي قدر القمل كبيرة والعقرب شر ما تكون إذا كانت حبلى، ولها ~~ثمانية أرجل أظلاف لأجل المشي وعيناها في ظهرها، وهي من الحيوان الذي لا ~~يسبح، ومن عجيب أمرها إنها لا تضرب الميت ولا المغشي عليه ولا النائم، إلا ~~أن يتحرك شيء من بدنه فعند ذلك تضربه وهي تأوي إلى الخنافس وتسالمها، ~~وتصادق من الحيات كل أسود سالخ، وربما لسعت فتموت، وفيها ما يلسع بعضها ~~بعضا فيموت الملسوع ومن شأنها إذا لسعت الإنسان فرت فرار مسيء يخاف العقاب ~~وقال الجاحظ في كتاب الحيوان: والعقارب تستخرج من بيوتها بالجراد لأنها ~~حريصة على أكله، تشك الجرادة في عود ثم تدخله الجحر فإذا عاينتها العقرب ~~تعلقت بها، ومتى أدخل الكراث في جحرها وأخرج تبعته، وما معها من نوعها، وهي ~~إذا خرجت من جحرها في طلب المطعم يكون لها نشاط وعزم تضرب كلما لقيته، ~~ولقيها من حيوان أو نبات نشبت فيه إبرتها، وهذه الإبرة مثقوبة فيها السم، ~~والعقارب القاتلة تكون في موضعين: بشهرزور وعسكر مكرم، وهي جرارات، وهذه ~~العقارب تلسع فتقتل، وربما تناثر من لسعته، أو بعض لحمه، واسترخى لا يدنو ~~منه أحد إلا وهو يمسك أنفه مخافة أعدائه، ومن طريف أمرها أنها مع صغرها ~~وقلتها، وغزارتها تقتل الفيل والبعير بلسعتها وبنصيبين عقارب قتالة إن ~~أصلها من شهرزور، وإن بعض الملوك حاصر نصيبين فأتى بالعقارب من شهرزور، ~~ورمى بها في حيزان المجانيق إلى البلد، فأعطى القوم بأيديهم. # الوصف والتشبيه # قال عبد الصمد بن المعذل يدعو بها على عدو له: # يا رب ذي افك كثير خدعه ... مستجهل الحلم خبيث مربعه # يسري إلى عرض الصديق قذعة ... صبت عليه حين جمت بدعه # ذات ذنابى متلف من يلسعه ... تحفظه طورا وطورا ترفعه # أسود كالسبجة فيه مبضعه ... ينظف منه سمه وسلعه # تسرع فيه الحتف حين تشرعه ... يبرز كالقرنين ms122 حين تطلعه # في مثل صدر السبت حين تقطعه ... ما تصنع الرقشاء ما قد تصنعه # وقال السري الرفاء: # سارية في الظلام مهدية ... إلى النفوس الردى بلا حرج # شائلة في ذنيبها حمة ... كأنها سبجة من السبج # وقال آخر: # ومشرعة بالموت للطعن صعدة ... فلا قرن نادته يوما يجيبها # مداخلة في بعضها خلق بعضها ... كجوشن عظم ثلمته حروبها # تذيقك من وخز إبرة ... إذا لسعت ماذا يلاقي لسعيها # إذا لم يكن لون البهارة لونها ... فمن يرقان دب فيها شحوبها # لها سورة خصت بمنكر صورة ... ترى العين فيها كل شيء يريبها # لها طعنة لا تستبين لناظر ... ولا يرسل المسبار فيها طبيبها # نسيت بها قيسا وذكرى طعينه ... وقد دق معناها وجل ندوبها # تجيء كأم الشبل غضبى توقدت ... وقد توج اليافوخ منها عسيبها # عدو مع الإنسان يعمر بيته ... فكيف يوالي رقدة يستطيبها # ولولا دفاع الله عنا بلطفه ... لصبت بنا الدنيا علينا خطوبها # وقال آخر يصفها من أبيات: # تحمل رمحا ذا كعوب مشهر ... فيه سنان بالحريق مستعر # أنف تأنيفا على حين قدر ... تأنيف انف القوس شدت بالوتر # وقال آخر في ذلك أيضا: # ونضوة تعرف باسم ولقب ... ما بين هلال منصب # موجودة معدومة عند الطلب ... تطعن من لاقته من غير سبب # بخنجر تستله عند الغضب ... كأنه شعلة نار تلتهب # القول في طبائع الخنفساء PageV01P072 قال أصحاب الكلام في طبائع الحيوان: ~~إن الخنفساء تتولد من عفونة الأرض ومن فسادها، ومن مادة لم يكن يجيء منها ~~خيرا لأن الحمار لا يجيء منها فرس وهذا النوع هو أصناف منها الخنفس ~~المعروف، وهو أطول من الضب ذماء فأنه يشدغ، فيسير ويمضي، وبه يضرب المثل في ~~اللجاج وليس له أحشاء وبينه وبين العقارب والضفدع صداقة، ومنها الجعل وهو ~~يتولد من اخثاء البقر وفي طبعه أنه يموت إذا شم رائحة الطيب، وإذا دفن في ~~الورد مات أيضا، وإذا أخرج منه ودفن في الروث عاش، وله ستة أرجل وسنام ~~مرتفع محدد جدا، وهو يمشي إلى الخلف وهو مع هذه المشية يهتدي إلى بيته، ~~ويسمى الكبرتل، وقال بعضهم: لا ms123 يصير كبرتلا حتى يصير له جناحان إذا وقع إلى ~~الأرض استتر بقشرة ولم ير منها شيء، فإذا أراد الطيران تنفس فيظهران، ومن ~~عاداته أنه يحرس النيام فمن قام منها لقضاء حاجته تبعه، وذلك من شهوته ~~للغائط، فإنه قوته، ومنها صنف يسمى حمار قبان وهو يتولد في الأماكن الندية ~~على ظهره شبه المجن، ومنها صنف يسمى بنات وردان وهي أيضا تتولد في الأماكن ~~الندية وأكثر ما يكون في الحمامات والساقيات وفيها من الألوان الأسود، ~~والأصهب، والأبيض وهي إذا تكونت وتسافدت، باضت بيضا مستطيلا، وصفها بعض ~~الشعراء فقال: # بنات وردان جنس ليس تبعته ... خلق كنعتي في وصفي وتشبيهي # كمثل أنصاف بسر أحمر تركت ... من بعد تشقيقه أقماعه فيه # ومنها الصراصر والجنادب، وهذا الصنف معرى من الأجنحة له صوت بالليل لا ~~يفتر منه إذا طلع الفجر ولا يعرف له مكان إلا بتتبع صوته، وأمكنة المواضع ~~الندية وفيه ألوان: الأسود وهو جندب الجبل والاكام السود، والأورق وهو جندب ~~الطلح، والسمر والغضا والأبيض وهو جندب الصحارى، قال السري الرفاء يصف ~~جندبة: # وجندبة تمشي بساق كأنها ... على فخذ من عود منشار عرعر # حسلة تجلو الجناح كأنها ... عروس تجلت في عطاف معنبر # وأما الهوام فأول ما نبدأ منها: # القول في طبائع القراد # وهذا الحيوان أول ما يكون، وهو لا يكاد يرى صفرا قمامة، ثم يصير حمنانة ~~ثم يصير حلمة، وهو يخلق من عرق البعير ومن الوسخ والتلطخ بالثلط والأبوال ~~كما يخلق القمل من عرق الإنسان، والحلم يعرض لأذن الكلب أكثر مما يعرض ~~للبعير ومن طبع القراد، أنه يسمع رغاء الإبل من فراسخ فيقصدها، حتى أن ~~أصحاب الإبل يبعثون إلى الماء من يصلح لإبلهم الارشية وأدوات السقي، فيبيت ~~الرجال عند البئر ينتظرون مجيء الإبل فيعرفون قربها منهم في جوف الليل ~~بانبعاث القردان وسرعة حركتها ومرورها حول الرعاء، فإذا رأوا ذلك منها ~~نهضوا وتهيئوا للعمل، ويقول أصحاب الكلام في طبائع الحيوان: إن لكل حيوان ~~قرادا يناسب مزاجه فللكلب قراد يخصه، وكذا البعير، والفرس والبقر وأنشد ~~الجاحظ يصف قرادا: # ألا ms124 يا عباد الله هل لقبيلة ... إذا ظهرت في الأرض جد مغيرها # فلا الدين فيها ولا هي تنتهي ... ولا ذو سلاح من معد يضيرها # القول في طبائع النمل PageV01P073 وهذا الحيوان على ما ذهب إليه ابن أبي ~~الأشعث: )لا يتزاوج ولا يتوالد( ولا يتلاقح، وإنما يسقط منه شيء حقير في ~~الأرض ينمو بيضا ثم يتكون فيه وهو حيوان محتال يتفرق في طلب المعاش فإذا ~~وجد شيئا أنذر البا فيجئن ويحملن، وكل واحد مجتهد في صلاح العامة غير محتبس ~~لشيء من الرزق دون صحبه، ويقال إنما يفعل ذلك منها رؤساؤها، ومن تحلية في ~~طلب الرزق أنه ربما وضع بينه وبين ما يخاف عليه منه حاجز بحجزه عنه من ماء ~~أو شعر فيتسلق في الحائط، ويمشي على جذع من السقف مسامت لما حفظ ثم يلقي ~~نفسه عليه، وفي طبعه أنه يحتكر في زمن الصيف لزمن الشتاء، وفي الاحتكار من ~~الحيل ما أنه إذا احتكر ما يخاف إنباته قسمه نصفين، ما خلا الكسفرة، فإنه ~~يقسمها أرباعا لما الهم أن كل نصف منها ينبت، وإذا خاف العفن على الحب ~~أخرجه إلى ظاهر الأرض ونشره، وأكثر ما يفعل ذلك ليلا في القمر، ويقال أن ~~حياته ليست من قبل مأكله ولا قوامه، وذلك أنه ليس له جوف ينفذ فيه الطعام، ~~ولكنه مقطوع نصفين، وإنما قوته إذا قطع الحب استنشاق ريحه لا غير وذلك ~~يغذوه ويكفيه، وهو يشم ما ليس له ريح مما لو وضعه الإنسان على أنفه لم يجد ~~له ريحا وله من حدة الشم ما لو أن رجل جرادة تكون منبوذة في موضع لم ير فيه ~~ذر قط فلا يلبث أن يرى الذر إليها كالخيط الأسود المسدود، ومن أسباب هلاك ~~النملة نبات الأجنحة لها وإذا صار النمل كذلك أحصبت العصافير، وقد قال أبو ~~العتاهية في ذلك: # إذا استوت للنمل أجنحة ... حتى تطير فقد دنا عطبه # وهو يحفر قريته بقوائمه لا بفيه، وقوائمه ست، وإذا حفرها جعل فيها تعاريج ~~لئلا يجري إليها ماء المطر، وربما اتخذ قريته فوق ms125 قرية بسبب ذلك وإنما يفعل ~~ذلك خوفا على ما يدخره من البلل، وليس في الحيوان ما يحمل ضعف ما يحمل بدنه ~~مرارا غيره، وعلى أنه لا يرضى بأضعاف الأضعاف إلا بعد انقطاع الأنفاس، حتى ~~أنه يتكلف حمل نوى التمر وهو لا ينتفع بتلك النوية، وإنما على ذلك الحرص ~~والشدة، وفي هذا الحيوان ما يسمى الذر وهو والنمل بمنزلة الزنابير والنحل، ~~في أن النحل أصغر جثة، وأجود فهما ومعرفة ومن أصنافة صنف يسمى نمل الأسد ~~وسمي بذلك لأنه يشبه وجه الأسد ومؤخرة النمل، وزعم بعض المتكلمين في طبائع ~~أنه متولد وأدعى أن أباه أكل لحما، وأمه أكلت نباتا فولده، ومما يستغرب في ~~عظم خلقها، أنه وجد في ذخائر أبي كاليجار سلطان الدولة بن بهاء الدولة بن ~~بويه نملة في حلقها سلسلة تأكل كل يوم رطلين لحم بالبغدادي. # الوصف والتشبيه # قال إبراهيم بن سناه: # غزاة يولي الليث عنهن هاربا ... وليست لها نبل حداد ولا عمد # قصار الخطى حمش القوائم ضمر ... مسمرة لا تشتكي الاين والحرد # وتعدو على الأقران في صولة الوغى ... نشاطا كما يعدو على صيده الأسد # إذا فكرت طيب الهياج تنفست ... تنفس ثكلى قد أصيب لها ولد # كأكراد زنجان مزيد فضاضة ... وتلك الصعاليك الغوائب في البلد # وفيهن أجناس تشابهن صورة ... وباين في الهمات واللون والجلد # فمنهن كمت كالعناكب أرجلا ... وساع الخطى قد زان أجيادها الغيد # إذا انتهرت طارت وإن هي خلدت ... رأت ورد أحواض المنايا من الرشد # وسود خفاف الجسم لو عضت الصفا ... رأيت الصفا من وقع أسنانها قدد # يفدن علينا مفسدات جفاننا ... وأزوادنا أبغض إلينا بما وفد وقال آخر: # وحي أناخوا في المنازل باللوى ... فصاروا به بعد القطين قطينا # إذا اختلفوا في الدار ظلت كأنها ... تبدد فيها الريح بزر قطونا # لهم نظرة يسرى ويمنى إذا مشوا ... كما مر مرعوب يخاف كمينا # ويمشون صفا في الديار كأنما ... يجرون خيطا في التراب مبينا # وفي كل بيت من بيوتي قرية ... تضم صنوفا منهم وفنونا # فيا من رأى بيتا يضيق بخمسة ... وفيه قريات يسعن ms126 مئينا # وقال يحيى بن هذيل الأندلسي يصف نملة: # مخزومة في ثبح ... كأنما استقصي بالبخت # إنما آخرها نقطة ... ساقطة من قلم المفتي # مشت على الرض على أرجل ... تشبه شعر الطفل في النبت # لا تسمع الأذن لها موقعا ... في الأرض مسا ولا مرت # مكدودة ليس لها راحة ... ولا تقطع الأيام بالصمت PageV01P074 سبحان من ~~يعلم تسبيحها ... ووزنها من زنة البخت # القول في طبائع القمل # قال المتكلمون في طبائع الحيوان: القمل يتولد من العرق والوسخ إذا أصاب ~~ثوبا، أو ريشا، أو شعرا حتى يصير المكان عفنا، ويكون في الرأس الأسود الشعر ~~أسود، وفي الرأس الأبيض الشعر أبيض، وفي الرأس الأحمر الشعر - أما شقرة ~~وأما خضاب بحناء - أحمر، ومتى نصل الشعر يغير إلى لونه، والقمل من الحيوان ~~الذي إناثه أكبر من ذكوره، ويقال: إن ذكور القمل الصيبان، ويقال أنها ~~بيضها، والقمل يسرع إلى الدجاج والحمام، إذا لم يغسل، ويعرض للقرود أيضا، ~~وأما قملة النسر وهي التي تكون في بلاد الجبل، وتسمى بالفارسية دده، وإنها ~~إذا عضت قتلت، وهي أكبر من القملة، وأكثر ما تكون بمهرجان قذق، ومع صغر ~~جسمها، فإنها تفسخ جسم الإنسان في أقل من الإشارة باليد، وهي تعض لا تلسع، ~~وإنما سميت قملة النسر لأن النسر إذا سقطت بتلك الأرض في بعض الأزمنة تسقط ~~منه قملة فيستحيل إلى هذا الخبث. # قال أبو نؤاس في رجل يتفلى في الشمس: # للقمل حول أبي العلاء مصارع ... من بين مقتول وبين عقير # وكأنهن إذا علون قميصه ... فذ وتوأم سمسم مقشور # ؟الباب السادس # في طبائع سباع الطير وكلابها # ومجموع هذا النوع عند أبي الأشعث ناري لأن طبيعته حارة يابسة، وهو غضوب ~~حقود غاضب قاتل يغتذي بالدم واللحم، ويطير في جو السماء، ويتجاوز في طيرانه ~~البخار والهواء الذي هو حار رطب، ويعلو إلى هواء حار يابس، وإنما تم له هذا ~~الغلو إلى هذا الهواء من الجو لأن له نفسا مزاجها كمزاجه فهي تتحرك النار، ~~وهو ليس بذي شيء، ولا لبث في الصحارى، ولا في الشطوط لبعده عن المزاج الرطب ms127 ~~ولا هو مما يجتمع خيطا كما يطير بعض الطير ويتزاوج عند الشبق وتفارق الذكور ~~الإناث عند زواله للشره الذي كل واحد منهما وقوة الغضب ما يفترس بعضه بعضا، ~~ولغلبة المزاج الناري على طبيعته صار فيه ذكاء وسرعة حركة، وختل وقلة وفاء، ~~وأنواعه تنحصر في أربعة وهي العقاب والبازي والصقر والشاهين وتنعت بالجوارح ~~والسباع والضواري، والكواسر والمضرحيات والأحرار والعتاق، وذوات المنسر من ~~الطير ذكورها أصغر أجساما وألطف أقدادا من إناثها وأقل جمالا، وذوات ~~المناقير بالعكس من ذلك، وتسمى البغات، والذي نبدأ به بالذكر من الجوارح: # القول في طبائع العقاب # وهذا الصنف يؤنث ولا يذكر ويسمى العنقاء على ما ذهب إليه أهل اللغة وبهذا ~~القول فسر قول أبي العلاء المعري: # أرى العنقاء تكبر أن تصادا ... فعاند من تطيق له عنادا # ولا خلاف عند أهل اللغة في ذلك، وهذا الصنف ينقسم إلى قسمين: عقاب، وزمج. ~~PageV01P075 فأما العقاب فأن فيها من الألوان السود والخوخية، والصقع ~~والسفع، والبيض والشقر، ومنها ما يأوي الجبال، ومنها ما يأوي إلى الصحارى، ~~ومنها ما يأوي الغياض ومنها ما يأوي حول المدن، ويقال أن ذكورها من طير آخر ~~لطيف الجرم لا يساوي شيئا، والعقاب يبيض في الأغلب ثلاث بيضات، ويحضنها ~~ثلاثين يوما، وما عداه من الجوارح يبيض بيضتين كل سنة، ويحضن عشرين يوما، ~~وإذا خرجت الفراخ تلقي واحدا منها لأنها يثقل عليها طعام الثلاث وتربيتها، ~~وذلك لقلة صبرها وشرهها، والفرخ الذي تلقيه يعطف عليه طير آخر يسمى كاسر ~~العظام فيربيه، ومن عادة هذا الطائر أن يزق كل فرخ صائغ بعد التوفر على ~~فراخه، وفي طبع الذكر أنه يمتحن أنثاه هل هي محافظة له أو مواتية لغيره من ~~غير جنسه بأن يصوب بصر فرخه إلى شعاع الشمس، فإن ثبت عليه تحقق أنهما فرخاه ~~فأمسكهما وإن لم يصبر عليه وناء عنه ضرب الأنثى كما يضرب الرجل المرأة ~~الزانية، وطردها من وكره ورمى بالفرخين، وهي تربي فراخها إلى أن تقوى على ~~الطيران فتخرجها، وتنفيها عن مواضعها، ومن عقوقها لفراخها أنها لا تحمل على ms128 ~~نفسها في الكسب عليها، ومتى كان الذكر والأنثى في مكان مجتمعين لا يدعان ~~غيرهما من جنسهما يأويان قريبا، ولا يصيد فيه، وهي إذا صادت شيئا لا تحمله ~~على الفور إلى مكانها بل تنقله من موضع إلى موضع، ولا تجلس إلا على الأماكن ~~المرتفعة لأنها لا تستقتل من الأرض إلا ببطؤ وعسر، وإذا ما صادت الأرانب ~~تبدأ بصيد الصغار ثم الكبار، وهي أشد الجوارح جرأة، وأقواها حركة إلى الغضب ~~وأسرعها إقداما، وأنسبها مزاجا، وكذلك هي أحدها وهي خفيفة الجناح سريعة ~~الطيران فهي إن شاءت كانت فوق كل شيء، وإن شاءت كانت بقرب كل شيء، تتغذى ~~بالعراق، وتتعشى باليمن، وريشها الذي عليها فروتها في الشتاء وجنسها في ~~الصيف، وربما صادت حمر الوحش، وذلك أنها إذا نظرت الحمار رمت نفسها في ~~الماء حتى يبتل جناحها ثم تتمرغ في التراب ثم تطير حتى تقع على هامة الحمار ~~ثم تصفق على عينيه بأجنحتها فتملأها ترابا، فلا يبصر حيث يذهب فيؤخذ، وهي ~~مولعة بصيد الحيات، وولوعها بها كولوع الحيات بالفأر، وفي طبعها قبل أن ~~تدرب، أن لا تراوغ صيدا ولا تعنى في طلبه، ولا تزال موفية على شرف عال، ~~فإذا رأت سباع الطير قد صادت شيئا انقضت عليه فتتركه لها وتنجو بنفسها، ~~ومتى جاءت لم يمتنع عنها الذئب، وهي شديدة الخوف من الإنسان وتنظر إليه ~~بفرق منه، ويقال: أنها إذا شاخت وثقل جناحها، وأظلم بصرها التمست غديرا، ~~فإذا وجدته حلقت طائرة في الهواء ثم تقع من خالق في ذلك الغدير وتنغمس فيه ~~مرارا فيصح جسمها ويقوى بصرها، ويعود ريشها ناشئا إلى حالته الأولى، ومتى ~~ثقلت عن النهوض، وعميت حملتها الفراخ على ظهورها، ونقلتها من مكان إلى مكان ~~لطلب الصيد، وتعولها إلى أن تموت، ومن عجيب أمرها أنها إذا اشتكت كبدها من ~~رفع الأرانب والثعالب في العواء أكلت أكبادها فتبرئ، وهي تأكل الحيات إلا ~~رؤوسها، والطير إلا قلوبها ويدل على هذا قول امرئ القيس: # كأن قلوب الطير، رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي # ومنقارها الأعلى يعظم ms129 ويعقف حتى يكون ذلك سبب هلاكها لأنها لا تنال به ~~الطعم حينئذ: # فصل # أول من صادها أهل المغرب، وإنما رغبتهم فيها ما رأوا من شدة أسرها وعظم ~~سلاحها، ويحكى أن قيصر أهدى إلى كسرى عقابا، وكتب إليه: علمها فأنها تعمل ~~عملا أكثر من الصقور التي أعجبتك، فأمر بها فأرسلت على ظبي عرض لها فقدته ~~فأعجبته ما رأى منها، وجوعها ليصيد بها، فوثبت على صبي من حاشيته فقتلته، ~~فقال كسرى: غزانا قيصر في بلادنا بغير جيش، ثم أهدى لقيصر نمرا وكتب إليه: ~~قد بعثت إليك ما تقتل به الظباء، وما قرب منها من الوحش، وكتم ما صنعت ~~العقاب عنه فأعجب به قيصر إذ وافقت صفته ما وصف، فغفل عنه يوما فافترس بعض ~~فتيانه فقال: صادنا كسرى فإن كنا صدناه فلا بأس، فلما بلغ ذلك كسرى قال: ~~أنا أبو ساسان. وصفة المحمود منها وثاقة الخلق، ثبوت الأركان، وحمرة اللون، ~~وغؤور الحماليق، وإن تكون صقعاء، عجزاء على عكوتها بياض وأجودها ما جلبت من ~~سرت وجبال المغرب. # الوصف والتشبيه # قال امرؤ القيس يصف شدة أسرها من أبيات ذكر فيها فرسا: PageV01P076 كأنها ~~حين فاض الماء واحتفلت ... صقعاء لاح لها بالمرحة الذيب # فأبصرت شخصه من فوق مرقبه ... ودون موقعه منها شناخيب # فأقبلت نحوه في الجو كاسرة ... نحيبها من هواء الجو تصويب # فأدركته فنالته . . . مخالبها ... فانسل من تحتها والدف مثقوب # لأمثلها من ذوات الجو طائرة ... ولا كهذا الذي بالأرض مطلوب # يلوذ بالصخر منها بعدما قطرت ... منها ومنه على العقب الشآنيب # ثم استغاث بدحل وهي تحفره ... وباللسان بالشدقين تتريب # فظل منجحرا منها . . . يراصدها ... ويرقب الليل إن العيش محبوب # حبت عليه ولم تصب من ... إن الشقاء على الاشقين مصبوب # كالدلو بثت عراها وهي مثقلة ... أرجامها ودم منها وتكريب # وقال آخر من بني هذيل: # ولله فتخاء الجناحين لقوة ... توسد فرخيها لحوم الأرانب # كأن قلوب الطير في جوف وكرها ... نوى القسب تلقى عند بعض المآدب # فخالت غزالا جاثما بصرت به ... لدى سمرات عند إدماء شارب # فمرت على بدء فاعنت بعضها ... فخرت ms130 على الرجلين أخيب خائب # وقال أبو الفتح كشاحم: # يا ربما أغدو مع الآذان ... والنجم قد رنق كالوسنان # والليل كالمنهزم الجبان ... بلقوة موثقة الأركان # غرثى وكم تشبع من غرثان ... كأنما تضمر بالرهان # كريمة النجر من العقبان ... تفل حد السيف والسنان # بمخلب يهتك دستبان ... أشبه معطوف بصولجان # ومنسر من الدماء قاني ... كأنه في رؤية العنان # سنانه تلوى على دستان ... ومقلة طحاره الأجفان # كأنما صيغت من العقبان ... تضم صيد الجأب والأتان # والطير في ربقتها عواني ... لم تأل إن صادت بلا توان # ما عجزت عن عدة بناني ... أكرم بها عونا على الضيفان # وقال أبو الفرج الببغاء: # ما كل ذي مخلب وناب ... من سائر الجوارح والكلاب # بمدرك في الجد والطلاب ... أيسر ما يدرك بالعقاب # شريفة الصنعة والأنساب ... تطير من جناحها في غاب # وتستر الأرض عن السحاب ... وتحجب الشمس بلا حجاب # يظل منها الجو في اغتراب ... مستوحشا للطير كالمرتاب # ذكية تنظر من شهاب ... ذات جران واسع الجلباب # ومنكب ضخم أثيب راب ... ومنسر موثق النصاب # وراحتي ليث سرى غلاب ... ينطت إلى براثن صلاب # مرهفة أمضى من الحراب ... وكل ما حلق في الضباب # لملكها خاضعة الرقاب # الصنف الثاني من العقاب الزمج # وأصحاب الكلام في البيزرة يعدونه من خفاف الجوارح، وذلك معروف في عينيه ~~وسرعة حركته، وشدة وثبته، ويصفونه بالغدر وقلة الوفاء والألف لكافة طبعه، ~~وقد يقبل الأدب، ولكن بعد بطئ، وهو شديد الأسر لقوة في نفسه وسلطان في ~~جناحه، ومن عادته أنه يتلقف طائرا كما يتلقف البازي، ويصيد على وجه الأرض، ~~كما يصيد العقاب، ويحمد من خلقه أن يكون لونه أحمرا، وهذا اللون الذي لا ~~يشك في فراهته، ولا يحمد ما قرنص وحشيا. # الوصف والتشبيه # قال أبو الفرج الببغاء: # يا رب سرب آمن لم يزعج ... غاديته قبل الصباح الأبلج # بزمج أدلق حوش أهوج ... مضبر المنكب صلب المنسج # ذي قصب عبل أصم مدمج ... وجؤجؤ كالجوشن المدرج # وعنق سام قويم أعوج ... ومنسر أقنى فسيح مسرج # منخرق المدخل رحب المخرج ... ومقلة تشف عن فيروزج # ناظرة من لهب مؤجج ... وهامه كالحجر المدملج ms131 # ومخلب كالمعول المعوج # القول في طبائع البازي PageV01P077 وهذا النوع الثاني من الجوارح، وينقسم ~~إلى خمسة أصناف: البازي، والزرق والباشق، والعفصي، والبيدق، والبازي أحرها ~~مزاجا لأنه قليل الصبر على العطش، ومأواه الشجر العادية الملتفة، والظل ~~الظليل ومطرد المياه، وهو لا يتخذ وكرا إلا في شجرة لها شبكة ذات شوك ~~مختلفة الحجون يطلب بذلك السكن فلا يقع في شتاء ولا صيف على أغصانها ~~وأطرافها، وإذا أراد أن يفرخ بنى لنفسه بيتا، وسقفه تسقيفا لا يصل إليه منه ~~مطر ولا ثلج إشفاقا منه على نفسه من البرد والحر، ولهذا إذا اخطأ صيده، ~~وكان في برية لا شجر فيها ولى ممعنا حتى يلج كهفا من جبل أو جدارا من الأرض ~~يسكن فيه، ولذلك علق عليه الجرس، كيما يدل على موضعه إن خفي، وهو لا يطيق ~~البرد ولا الحر لرقة جوانحه فسبيله في البرد أن تقترب منه النار ليدفئ، أو ~~تجعل كفيه في الشتاء وبر الثعالب، واللبود، وسبيله في الحر أن يجعل في بيت ~~كنين من السموم، باردا بالنسيم، ويفرش له الريحان والخلاف وهو خفيف الجناح ~~سريع الطيران، يلف طيرانه كالتفاف الفاختة، ويسهل عليه أن يزج نفسا صاعدا ~~أو هابطا، وينقلب على ظهره حتى يلتقف فريسته، وسبيله أن يضرا على صيد ~~الدراج، والقبج، إذا كان طويل المنسر، وإذا كان قصيرا فسبيله أن يضرا على ~~طير الماء والحبرج، والإناث من هذا الصنف أجرأ على عظام الطير من ذكورها. # قال أصحاب الكلام في البيزرة: إن الإناث من البزاة إذا كان وقت سفادها ~~وهياجها يغشاها جميع أجناس الضواري كلها، الزرق، والشاهين والصقر وغيرها ~~وإنها تبيض من كل طير يغشاها، ولهذا تجيء مختلفة الأخلاق من الجبن والجرأة، ~~والحب، والغدر، والذكاء، والقوة، والضعف، والحسن، والقبح، والشراهة، ولهذا ~~البازي ما يدرك ما بين العصفور إلى التدرج والكراكي، والطيطوي، وصفة الفاخر ~~منه أن يكون قليل الريش، أحمر العينين حادهما، وأن تكونا مقبلتين على منسره ~~حجاجتهما ممطلان عليهما، ولا يكون وضعهما في جنبي رأسه كموضع عين الحمام، ~~والأزرق دون الأحمر العين والأصفر دونهما، ms132 وسعة الأشداق دليل على قوة ~~الافتراس، ومن صفاته المحمودة أن يكون طويل العنق عريض الصدر ما بين ~~المنكبين، شديد الانخراط إلى ذنبه، وأن يكون فخذاه طويلين مسرولين بريش ~~وذراعيه قصيرتين غليظين، وأشاجع كفيه عارية وأصابعه متفرقة، ولا تكون ~~مجتمعة ككف الغراب، ومخلبه أسود، ومنسره رقيقا، وأفخر ألوانه الأبيض ثم ~~الأشهب وهما لونان يدلان على الشدة والصلابة فإن اتفق أن يكون هذا أحمر ~~العين، وكثيرا ما يتفق كان نهاية، وهذا اللون في البزاة كالكميت في الخيل ~~لأنه يدل على الشدة، والأحمر )من البزاة أخسها( لأنه كالسوسي من الخيل بعيد ~~الفلاح، وبعض الناس يقول: أشرف البزاة الطغرك ثم البازي التام، وهو الذي قد ~~وصفناه وذكرناه، والطغرل لا يعرفه غير الترك، وهو عزيز جدا، وربما وجد ~~الواحد منها بعد الواحد فيغلب عليه الملوك، ويكون في بلاد الخزر ومأواها ~~فيما بين خوارزم إلى أرمينية، وهو يجمع صيد البازي والشاهين، وقيل أنه لا ~~يعقر بمخلبه شيئا إلا سمه، وكلما برأ جرحه انتقض، ولهذا يحمل على دستبانات ~~الوبر الوثيرة # فصل # أول من صاد هذا الطائر أعني البازي لذريق أحد ملوك الروم الأول، وذلك أنه ~~رأى بازيا إذا علا كتف، وإذا سفل خفق، وإذا أراد أن يسمو ذرق، فاتبعه حتى ~~اقتحم شجرة ملتفة كثير الدغل، فأعجبته صورته، فقال: هذا طائر له سلاح تتزين ~~بمثله الملوك، فأمر بجمع عدة من البزاة، فجمعت وجعلت في مجلسه، فعرض لبعضها ~~أيم فوثب عليه فقتله، فقال: ملك يغضب كما تغضب الملوك ثم أمر به فنصب على ~~كندره بين يديه، وكان هناك ثعلب فمر به مجتازا فوثب عليه فما أفلت منه إلا ~~جريحا، فقال: هذا جبار يمنع حماه، ثم أمر به فضري على الصيد، واتخذته ~~الملوك بعده والله أعلم بالصواب. # الوصف والتشبيه # قال أبو نؤاس يصفه: # قد اغتدى والليل ذو دواج ... ببازي الصيد على ابتهاج # كضرغام جاء.. من منهاج ... البسه وشيا بلا نساج # موشية الرياش كالدجاج ... منقط ظاهره بزاج # ومنسر أسرف باعوجاج ... تخاله صدغا على معناج # زرفته إذ قام للبراج ... في وجنة تبرق، ms133 مثل العاج # وقال الناشئ أيضا من مزدوجة: PageV01P078 لما تفرى الليل عن اثباجه ... ~~وارتاح ضوء الصبح لانبلاجه # غدوت أبغي الصيد من منهاجه ... بأقمر أبدع في نتاجه # ألبسه الخالق من ديباجه ... ثوبا كفى الصانع من نساجه # حال من الساق إلى أوداجه ... وشياص يحار الطرف في اندراجه # في نسق وفي . . . انعواجه ... وزان فوديه إلى حجاجه # بزينة كفته عز تاجه ... منسره يثنى على خلاجه # وظفره يخبر عن علاجه ... لو استضاء المرأ في إدلاجه # بعينه كفته عن سراجه ومن طردية لأبي فراس: # جئت بباز حسن اسبهرج ... دون العقاب وفوق الزمج # زين لرائيه وفوق الزين ... ينظر من نارين في غارين # كأن فوق صدره . . . والهادي ... أثار مشى الذر في الرماد # ومن رسالة لأبي إسحاق إبراهيم بن خفاجة الأندلسي يصف بازيا: طائر يستدل ~~بظاهر صفاته على كرم ذاته، طورا ينظر نظر الخيلاء في عطفه كأنما يزهى به ~~جبار، وتارة يرمي نحو السماء بطرفه كأنما له هناك اعتبار، وأخلق به أن ينقض ~~على قنيصه شهابا، ويلوى به ذهابا، ويحرقه توقدا والتهابا، وقد أقيم له سايغ ~~الذنابي والجناح، كفيلين في مطالبه بالنجاح، جيد العين وارثر حديد السمع ~~والبصر يكاد يحس بما يجري ببال، ويسري من خيال، قد جمع ببين عزة ملك وطاعة ~~مملوك، فهو بما يشتمل عليه من علو الهمة، ويرجع إليه بمقتضى الخدمة، مؤهل ~~لإحراز ما تقتضيه شمائله، وإنجاز ما تعد به مخائله، وخليق بمحكم تأديبه ~~وجودة تركيبه أن يكون مثل له النجم قنصا، أو أجرى بذكره البرق قصصا، ~~لاختطفه أسرع من لحظة، وأطوع من لفظة وانتسفه أمضى من سهم، وأسرع من وهم، ~~فقد اتسم بشرف جوهره، وكرم عنصره لا يوجه مسفرا إلا غادر قنيصه معقرا، وآب ~~إلى يد من أرسله مظفرا، مورد المخلب والمنقار، كأنما خضب بحناء أو كرع في ~~عقار. # وله أبيات يمدح بها: # طرد القنيص بكل قيد طريده ... زجل الجناح مورد الأظفار # ملتفة أعطافه بجيرة ... مكحولة أجفانه بنظار # يرمي به الأمل القصير فينثني ... مخضوب رائي الظفر والمنقار # الصنف الثاني من البازي # وهو الزرق، وهذا الصنف بازي ms134 لطيف إلا أن مزاجه أحر وأيبس، ولذلك هو أشد ~~جناحا، وأسرع طيرانا، واقوى إقداما، وفيه ختل وخبث، وذلك أنه إذا أرسل على ~~طائر طار من غير مطاردة، ثم عطف عليه، وأظهر الشدة بعد اللين وفي ألوانه ~~الأبيض وخير ألوانه الأسود الظهر الأبيض الصدر، الأحمر العين وصفة المحمود ~~منه: أعدلها خلقا وأقلها ريضا، وأثقلها حملا وأحلاها دارجها شدقا وأوسعها ~~عينا، وأصغرها رأسا، وأصفاها حدقة، وأطولها عنقا، واقصرها خافية، وأشدها ~~لحما، وخضرة رجلين وسعة مخلاب، وتعريا من اللحم وادواؤه وعلاجه كالبازي داء ~~ودواء. # الوصف والتشبيه # قال أبو نؤاس من أرجوزة طردية: # وقد اغتدى بسفرة معلقه ... فيها الذي تريده مرفقه # مبتكرا يزرق أو زرقه ... وصفته بصفة مصدقه # كأن عينيه لحسن الحدقه ... نرجسة نابتة في ورقه # ذو مننسر مخضب معلقة ... كأنه رامشته مخلقه # في كف جود طفلة أو ملعقه ... كم وزة صدنا به ولقلقه # سلاحه في لحمها مفرقه # ومن طردية لعبد الله بن المعتز: # تم له قميص وشى سابغ ... ومنسر ماضي الشباه دافغ # أعقف في حوض الدماء والغ ... رسول زرق نجيب بالغ # تملأ كفيه جناح فارغ # وقال الناشئ: # يا قانص أعد علينا ... بزرق مخبور # مناهض للبازي ... مغالب الصقور # له جناح موشى ... مضاعف التنمير # مظاهر ببردة ... مبطن بحرير # وكف سبع هصور ... محجن الأطفور # تقول فيه الخطا ... طيف لذذت من صقور # ومنسر ذي انعطاف ... كقرن ظبي غرير # في هامة كلفته ... كالجندل المستدير # وصدر باز طرير ... مفوف التحبير # كأنه ثوب وشي ... معرج التسنير # له طنابيب هقل ... وعين صقر ذعور # له بديهة صوت ... كنبذة من زمير # إذا استمرت لسمع ... الغادي لشرب الخمور # ألهته عن كل نأي ... يحكي بهم وزير # الصنف الثالث من البازي PageV01P079 وهو الباشق، وهذا الصنف وإن كان ~~معدودا في جنس البازي، والزرق فإنه أحر وأيبس، ولغلبة هذا المزاج عليه هو ~~هلع، قلق، ذعر، يأنس وقتا، ويستوحش وقتا، ونفسه قوية خائفة فإذا أنس منه ~~الصغير بلغ منه كل المراد، وخير الباشق ما أخذ فرخا لم يلق من قوادمه ريشة ~~واحدة، متنه دان، وهو متى تم تأنيسه وجد ms135 منه باز خفيف المحل، طريف الشمائل ~~يليق بالملك أن يخدمه وإن يستخدمه لخفة محمله، وحسن خلقه، ولأنه يصيد أفخر ~~ما يصيده البازي وهو الدارج والحمام والورشان، والشفنين، وأصحاب الكلام في ~~البيزرة يصفونه بالشبق، ويقولون: إن الأنثى إذا هاجت سقطت على شرف، وصفرت ~~صفيرا حتى يسمع الذكر فيعرفها فيأتيها فإذا أحست به سكنت له فإذا سفدها حلق ~~طائرا ثم يعود، ولا يزال يسفدها ما دامت ساكنة له حتى ربما فعل خمسين مرة ~~وأزيد، فإذا ضجرت شدت عليه لتقتله فيطير محلقا. # ومن طبعه إذا علق بما هو أشد منه واضطرب في يده لم يسهل عليه نقل كفه من ~~موضع إلى موضع، وإن قوى صيده عليه لم يفارقه أو يتلف أحدهما فسبيله أن لا ~~يرسل على كل ما طلب فيكون قد كلف ما لا يطيق، ومن صفاته المحمودة أن يكون ~~صغيرا في المنظر ثقيلا في الوزن طويل الساقين قصير الفخذين عظيم السلاح ~~بالنسبة إلى جسمه. # الوصف والتشبيه # قال بعض الشعراء فيه: # إذا بارك الله في طائر ... فخص من الطير اسبهرقي # له هامة كللت باللجين ... فسال اللجين على المفرق # يقلب عينين في رأسه ... كأنهما نقطتا زئبق # واشرب لونا له مذهبا ... كلون الغزالة في المشرق # حمام الحمام وحتف القطا ... وصاعقة القبح والعقعق # وأحنى عليه إلى أن يعو ... د إليك من الوالد المشفق # فأكرم به وبكف الأمي ... ر وبالدستبان إذا يلتقي # ولكاتب أندلسي يصفه من رسالة: كأنما اكتمل بلهب أو انتعل بذهب، ملتف في ~~سبرة، وملتحف بحبرة، من سيوفه منقاره، ومن رماحه أظفاره، ومن اللواتي ~~تتنافس الملوك فيها تمسكها عجبا بها وتيها، فهي على أيديها آية بادية، ~~ونعمة من الله نامية تبذل لك الجهد طرحا وتعيرك في نيل بغيتك جناحا، وتتفق ~~معك في طلب الأرزاق، وتأتلف بك على اختلاف الخلق والأخلاق ثم يلوذ بك ليؤذي ~~من يرجوك، ويفي لك وفاء لا يلزمه لك ابنك ولا أخوك. # ثم ذكر حمامة صادها: اختطفها أسرع من اللحظ، ولا محيد لها عنه، وانحدر ~~بها أعجل من اللفظ، وكأنما هي منه، ms136 ثم جعل يتناولها بمثل السبعين، ويدخلها ~~في أضيق من التسعين وكأن لها موتا عاجلا، وكأن له قوتا حصلا. # وقال آخر: # لما انجلى ضوء الصباح وانفلق ... غدوت في ثوب من الليل خلق # بطامح النظرة في كل أفق ... بمقلة تصدقه إذا رمق # كأنها نرجسة بلا ورق ... مبارك إذا رأى فقد رزق # وقال أبو الفتح كشاجم: # يسمو فيخفي في الهواء ويأتي ... عجلا فينقض انقضاض الطارق # وكأن جؤجؤ وريش جناحه ... خضبا بنقش الفتاة العاتق # فكأنما سكن الهوى أعضاؤه ... فاعارهن نحول جسم العاشق # ذا مقلة ذهبية في هامة ... محفوفة من ريشها بحدائق # ومخالب مثل الأهلة ظالما ... أدمين كف البازيار الحاذق # وإذا انبرى نحو الطريدة خلته ... كالريح في الإسراع أو كالمارق # وإذا القطاة تخلفت من خوفه ... لم يعد أن يهوى بها من خالق # الصنف الرابع من البازي # وهو العفصي بالباشق كشبه الزرق بالبازي إلا أنه أصغر الجوارح نفسا، ~~وأضعفها حيلة، واشدها ذعرا، وأيبسها مزاجا، وربما صاد العصفور، وتركه وهرب ~~لخوفه وحذره، وكل طائر حذر وخاف، مات فرقا، فإن الدراج يخاف حتى يموت لأن ~~الخوف يتحرك فيه حتى لا يحس بجوع ولا عطش حتى يموت، من طبع هذا الطير أنه ~~يرصد الطير أوان حضانه، فإذا طار من وكره خلفه فيه وكسر بيضه ونحاه ورمى ~~بالقشر، وباض مكانه وطار عنه، فيحضنه صاحب الوكر فهو أبدا لا يحضن، ولا ~~يربي، ويتكل على غيره في تربية فراخه، ولم أجد لأحد من الشعراء شيئا في ~~وصفه، فأثبته، والظاهر أنهم لم يصفوه لأنه يشبه بالباشق، فحملوا الصفة على ~~الصفة واستغنوا بأحدهما عن الأخرى. # الصنف الخامس من البازي PageV01P080 وهو البيدق، ولا يصيد غير العصافير ~~وقلما يندر، من نوعه ما يحصل به غنى، وبعض من أهل هذا الشأن يجعل البيدق ~~والعفصي أسمين موضوعين على مسمى واحد، ويزعم أن أهل مصر يسمون البيدق ~~والعفصي، فعلى هذا يكون البازي أربعة أصناف لا غير )إن شاء الله(. # الوصف والتشبيه # قال أبو الفتح كشاجم يصفه من طردية: # حسبي من البزاة والزرازق ... ببيدق يصيد الباشق # مؤدب مدرب . . . الخلائق ... أصيد ms137 من معشوقة لعاشق # يسبق في السرعة كل سابق ... ليس له في صيده من عائق # ربيته وكنت غير الواثق ... إن الفرازين من البيادق # القول في طبائع الصقر # وهو النوع الثالث من الجوارح، وينقسم إلى ثلاثة أقسام، صقر وكونج ويؤيؤ ~~والعرب تسمي كل طائر يصيد: صقرا، ما خلا النسر والعقاب، وتسميه الأكدر ~~والأجدل، وهو من الجوارح بمنزلة البغال من الدواب، لأنه اصبر على الشدة، ~~وأحمل لغليظ الغذاء، وأحسن إلفا، وأشد إقداما على حيلة الطير من الكراكين ~~والحبارح، ومزاجه أبرد من سائر ما تقدم ذكره من الجوارح، وأرطب، وذلك معروف ~~في ركوده وقلة حركته، وعدم التفاف ريشه، وبهذا السبب يضرى على الغزال ~~والأرانب ولا يضرى على الطير لأنها تفوقه، وفعله في صيده الانقضاض، والصدم ~~وهو غير صاف بجناحيه، ولا خافق به، ومتى خفق بجناحه كانت حركته بطيئة بخلاف ~~البازي، ويقول أصحاب الكلام في البيزرة أنه أهدأ نفسا من البازي وأسرع أنسا ~~بالناس، وأكثرها رضا وقناعة، وهو يغتذي بلحوم ذوات الأربع ولبرد مزاجه لا ~~يقرب من المياه، ويعافها، ولو لم يجدها الدهر لما أرادها، ومن أجل ذلك يوصف ~~بالنجر ونتن الفم، وفي طبعه أنه لا يركب الشجر، ولا شوامخ الجبال، ولا يأوي ~~إلا إلى المقابر، والكهوف، وصدوع الجبال، وفيه جبن، ونفسه دون شدته، ولذلك ~~يضرب الغزال والأرانب ويهرب منه، ولا يكاد يعلق بفرسته فإذا فارقها عاد ~~إليها منقضا فيضربها، ويرقى هاربا، وكل ما تقدم ذكره من الجوارح ينقى ~~بالماء ويغتسل، وهو ينقى بالتمعك في الرمل والتراب. # وصفاته المحمودة: أن يكون أحمر اللون عظيم الهامة، دامع العين، تام ~~المنسر طويل العنق، والجناحين، رحب الصدر، ممتلئ الزور، عريض الوسط جليل ~~الفخذين قصير الساقين والذنب، قريب القفدة من الفقار سبط الكف غليظ الأصابع ~~عظيمهما فيروزجها، أسود اللسان، وقال بعض ظرفاء الشعراء يصف المحمود منها ~~في مزدوجة طردية في قوله # إذا رأيت الصقر بين الصقرين ... له سواد سائل تحت العين # منهرت الشدق عظيم الحرفين ... ململم الهامة ضخم الكفين # كأنما الجؤجؤ مثل الفهرين ... فأبتعه يا صاح بنقد أو دين ms138 # فصل # أول من صاد به وضراه الحارث بن معاوية بن ثور بن كنده فإنه وقف يوما على ~~صياد وقد نصب شبكة للعصافير، فانقض أكدر على عصفور منها قد علق فجعل يأكله، ~~والحارث يعجب، فأمر فأتى به، وقد اندق جناحاه فرمى به في كسر بيت ووكل به ~~من يطعمه، فدربه حتى صار إذا أتاه اللحم ودعاه أجاب ثم صار يطعمه على اليد ~~ثم صار لأنسه به فبينما هو حامله يوما إذ رأى حمامة فطار عن يده إليها ~~فأخذها وأكلها، فأمر الحارث باتخاذها والتصيد بها فبينا هو يوما يسير إذ ~~لاحت أرنب فطار الصقر إليها، وأخذها فلما رآه تعاقب بين الطيور والأرانب، ~~ازداد الحارث به عجبا، وفيه محبة واغتباطا واتخذته العرب من بعده للصيد # الوصف والتشبيه # قال الناشئ يصفه من طردية: # يا رب صقر يفترس الصقورا ... يكسر العقبان والنسورا # يجتاب بردا فاخرا مطرورا ... مشمرا عن ساقه محسورا # يضاعف الوشي بها.. التنميرا ... معرجا فيه ومستديرا # كما نظم الكاتب السطورا ... كأن ساقيه إذا استثيرا # ساقا ظليم أحكما تضبيرا ... ذي هامة يرى لها تدويرا # كما ادرت جندلا نفيرا ... تسمع من داخلها صفيرا # يحكي من البراعة الزميرا ... ترى الأوز منه مستجيرا # يناكر الضحضاح والغديرا # وقال أبو الفتح كشاجم: # غدونا وطرف الليل وسنان غائر ... وقد نزل الإصباح والليل سائر # بأجدل من حمر الصقور . . . مؤدب ... وأكرم ما قربت منها الأحامر # جريء على قتل الظباء وأنني ... ليعجبني أن يكسر الوحش طائر PageV01P081 ~~قصير الذنابى والقدامى كأنها ... قوادم نسر أو سيوف بواتر # ورقش منه جؤجؤ وكأنه ... أعادته إعجام الحروف الدفاتر # وما زالت الأضمار حتى صنعته ... وليس يجوز السبق إلا الضوامر # وتحمله منا أكف كريمة ... كما زهيت بالخاطبين المنابر # وعن لنا من جانب السفح ربرب ... على سنن تستن منه الجاذر # فجلى وحلت عقدة السير فانتحى ... لأولها إذا أمكنته الأواخر # يحث جناحيه على حر وجهه ... كما فصلت فوق الخدود المعاجر # وما تم رجع الطرف حتى رأيتها ... مصرعة تهوى إليها الخناجر # الصنف الثاني من الصقر وهو الكونج # ويسمى بمصر السقاوة ونسبته من الصقر كنسبة ms139 الزرق إلى البازي إلا أنه أحر ~~منه، ولذلك هو أخف منه جناحا، وأقل بخرا، وهو يصيد الأرنب، ويعجز عن الغزال ~~لصغره، ويصيد أشياء من طير الماء ويدركها، وشدة نفسه أقل من شدة بدنه، ~~ولأجل ذلك هو أطول في البيوت لبثا وأصبر على مقاساة الشقاء من الصقر # الوصف والتشبيه # قال بعض الشعراء: # إن لم يكن صقر فعندي كونج ... كأن نقش ريشه المدرج # برد من الموشى . . . أو مدبج ... وكم به للطير قلب مزعج # وكم قتيل بدم . . . مضرج ... بمثله عنا الهموم تفرج # الصنف الثالث من الصقر وهو اليؤيؤ # ويسميه أهل مصر والشام الجلم لخفة جناحيه وسرعتهما، وهو طائر صغير قصير ~~الذنب ومزاجه بالإضافة إلى الباشق بارد رطب، لأنه أصبر منه نفسا وأثقل ~~حركة، ويشرب الماء شربا ضروريا كما يشربه الباشق إلا أ،نه أبخر، ومزاجه ~~بالنسبة إلى الصقر حار يابس، ولذلك هو أشجع منه لأنه يتعلق بما يفترسه، ~~ويصيد ما هو أجل منه مثل الدراج والطيطوي. وأول ما يضرى على اللقلق ، ويقال ~~إن أول من صاد به واتخذه للعب بهرام جور وذلك أنه شاهد يوما يؤيوا يطارد ~~قبرة، ويراوغها، ويرتفع معها ولم يزايلها إلى أن صادها فاتخذه وصاد به # الوصف والتشبيه # قال عبد الله الناشئ: # ويؤيؤ مهذب رشيق ... كأن عينيه لدى التحقيق # فصان مخروطان من عقيق # وقال أبو نؤاس: # قد اغتدى والصبح في دجاه ... كطرة البرد على متناه # بيؤيؤ يعجب من رآه ... ما في اليآني يؤيؤ شراوه # من سفعة طربها خداه ... أزرق لا تكذبه عيناه # فلو يرى القانص ما يراه ... فداه بالدم وقد فداه # من بعد ما تذهب حملاقاه ... لا يؤسد المكاء منكباه # ولا جناحاه يكتنفاه ... دون انتزاع السحر من حشاه # لو أكثر التسبيح ما نجاه ... هو الذي خولناه الله # تبارك الله الذي هداه # وقال أبو الفرج الببغاء: # ويؤيؤ أوحى من القضاء ... ممتع الصورة والأعضاء # ذي سفعة في خده سوداء ... مخبرة عن همة بيضاء # ومقلة صفت من الأقذاء ... تشف عن ياقوتة صفراء # يلعب منها في غدير ماء ... بعيدة الطرح والأنحاء # يخبر في الأرض عن ms140 السماء ... ألطف في الجو من الهواء # مباينا بالطبع للمكاء ... تباين العذر من الوفاء # القول في طبائع الشاهين # هذا النوع ثلاثة أصناف شاهين وأنبقي والقطامي، فأما الشاهين فقال الأصمعي ~~اسمه بالفارسية شوذانه فعربته العرب على ألفاظ شتى سوذانق، وسودنيق ~~وسيذنوق. ويقول أصحاب الكلام في البيزرة الشاهين من جنس الصقر إلا أنه أبرد ~~منه وأيبس، ومن أجل ذلك تكون حركته من العلو إلى السفل شديدة وليس يحلق في ~~طلب الطير، وصيده طائرا على خط مستقيم، و إنما يحوم لثقل جناحيه حتى إذا ~~سامت فريسته انقض عليها هاويا من علو فضربها، وفارقها يطلب الصعود فإن سقطت ~~إلى الأرض أخذها وإن لم تسقط أعاد ضربها لتسقط، وذلك دليل على جبنه وفتور ~~نفسه، وبرد مزاج قلبه وعلى كل حال فالشاهين أسرع، وأخفها، وأشدها ضراوة على ~~الصيد، إلا أنهم أعابوه بالأباق، وربما يعتريه من الحرص حتى أنه ربما ضرب ~~نفسه الأرض فمات، ويقولون أن عظامه أصلب من عظام سائر الجوارح، ولذلك هو ~~يضرب بصدره، ويعلق بكفه، وقال بعض حذاق أهل هذا الشأن إن الشاهين كأسمه ~~يعني الميزان لأنه لا يحتمل أدنى حال من الشبع، ولا أيسر حال من الجوع ~~والمحمود من صفاته: PageV01P082 أن يكون عظيم الهامة واسع العينين حادهما ~~تام المنسر طويل العنق رحب الصدر ممتلئ الزور، عريض الوسط جليل الفخذين ~~قصير الساقين قريب القفدة من الظهر قليل الريش لينه تام الخواقي، رقيق ~~الذنب، إذا صلب جناحه لم يفضل عنهما شيء منه فإذا كان كذلك فهو يقتل الكركي ~~ولا يفوته صيد كبير، وزعم أهل الإسكندرية أن السود منها هي المحمودة، وإن ~~السواد أصل لونها، وإنما قلبته البرية فحال ويكون فيها الملمع. # فصل # ويقال: إن أول من صاد بها قسطنطين ملك عمورية، حكي أنه خرج يوما يتصيد ~~بالبزاة حتى انتهى إلى خليج القسطنطينية، وهو المسمى بحر بنطس، فخرج إلى ~~مرج بين الخليج والبحر فسيح فنظر إلى شاهين ينكفئ على طير الماء فأعجبه ما ~~رأى من سرعته وضراوته والحاحة على صيده فأمر أن ينصب له حتى صيد، ثم ms141 ريضت ~~له بعد ذلك الشواهين، وعلمت أن تحوم على رأسه إذا ركب فتضله من الشمس، ~~فكانت تنحدر مرة وترتفع أخرى فإذا ركب وقعت حوله. # الوصف والتشبيه # قال الناشئ: # هل لك يا قناص في شاهين ... شوذانق مؤدب أمين # جاء به السائس من رزين ... ضراه بالتحسين والتليين # حتى لأغناه عن . . . التلقين ... يكاد للتثقيف والتمرين # يعرف معنى الوحي بالجفون ... يظل من جناحه المزين # في قرطق من خزه الثمين ... يشبه في طرازه المصون # برد أنو شروان أو شيرين ... مضاعف في النسج ذي غصون # )كدرع يزدجرد أو شرون( ... أحوى مجاري الدمع والشؤون # واف كشطر الحاجب القرون ... منعطف مثل انعطاف النون # يبدي اسمه معناه للعيون # وقال أبو الفتح كشاجم: # يا رب أسراب من الكراكي ... مطعمة السكون في الحراك # بعيدة المنال والإدراك ... كدر وبيض اللون كالأفناك # تقصر عنها أسهم الأتراك ... ذعرن قبل لغط المكاك # وقبل تغريد الحمام الباكي ... بغاتك يربى على الفتاك # مؤدب الإطلاق والإمساك ... ململم الهامة كالمداك # مثل الكمي في السلاح الشاكي ... ذي منسر ضخم له شكاك # ومخلب بحده.. فتاك ... للمجيب عن قلوبها هتاك # حتى إذا قلت له دراك ... وحلقت تسمو إلى الأفلاك # ممتدة الأعناق والإدراك ... موقنة بعاجل الهلاك # غادرها يهوي على الدكاك ... أسرى بكفيه بلا فكاك # يا غدوات الصيد ما أحلاك ... ومنة الشاهين ما أقواك # لم تكذبي فراسة الأفلاك ... إياك أعني ما دحا إياك # الصنف الثاني من الشاهين # وهو الانيقي ويسميه العراق الكرك، وهذا الصنف دون الشاهين من القوة إلا ~~أن فيه سرعة تزيد على صيد العصافير، قال بعض الشعراء يصفه بذلك: # غنيت عن الجوارح بالانيقي ... بمثل الريح أو لمع البروق # أصب به العصفور حتفا ... فأرميه بصخرة منجنيق # تضمن أضياف كرام ... ويحمل ما ينوب عن الحقوق # ويوسع رحالنا بمطجنات ... نرويها من الراح العتيق # الصنف الثالث من الشاهين # وهو القطامي ويسميه أهل العراق البهرجة و ذكر العلماء بالصيد أنه في طبع ~~الشاهين، والعرب تخالف ذلك وتسمي بعض الصقور القطامي والمعنون بالكلام في ~~الجوارح يخالفوهم فيما ادعوه، هذا قول كشاجم في كتاب المصايد والمطارد، ولك ~~أجد لأحد ms142 من الشعراء في وصفه شيئا. # ويلحق بما ذكرنا في الجوارح ما ناسبها في الافتراس وأكل اللحم الحي وهو ~~الصرد ويسمى الشقراق، والأخطب، والأخيل، )وذكر ابن قتيبة أن من أسمائه ~~الواق(، وبعضهم يسميه باز العصافير، )وهو طائر مولع بسواد وبياض ضخم ~~المنقار(، وفي طبعه شره وشراسة، وسرقة لفراخ غيره، ونفور من الناس، يصيد ~~الحيات ويغتذي باللحم ويأوي الأشجار ذوات الشوك، وفي رؤوس القلاع، حذرا على ~~نفسه ممن يصيده وله من الحيل في صيد ما دونه من الطير كالعصفور، والصعو، ~~وغير ذلك من تغير صوته وحكاية كل صوت لذي جثة صغيرة، فيدعوها ما تسمع منه ~~إلى التقرب ظنا منها أنه من جنسها، فإذا اجتمعن إليه شد على بعضهن فأخذه ~~وأكله، له نقر شديد وإذا نقر شيئا أكله في ساعته # الوصف والتشبيه # قال الناشئ يصفه، ويصف صيده: # لا شيء أحسن باقتناص من مرد ... يلهيك في طرد منها عن الطرد PageV01P083 ~~مثل السماني إذا ما ظل منتحبا ... لقتله طاويا منه على حمد # ذي منسر كنواة القسب منعوج ... عن مثل سم المعي للطعم مزدرد # وهامة فخمة سكاء مدبجة ... تبدو كطبخانة أوفت على جرد # أظفر كمسلاة . . . معطفة ... أشد من لدغ حر النار في الجسد # عليه من برده وشي له كفف ... مثل الجوق التي شدت من الزرد # مثل الدوابر من ترجيع واشمة ... أو كالسهاد يرى في أجفان ذي سهد # أو كالكتاب الذي أنضاه كاتبه ... وناط منعرجا منه بمطرد # إذا تقنص عصفورا فأورده ... حوض المنية عن أيد وعن جلد # رأيت مثلين ذا بالقهر يغلب ذا ... محكما فيه حكم الليث في النفد # فيستدل بما أبداه من عجب ... على مقادير صنع الواحد الأحد # فصل # وأما كلاب الطير وهي وإن كانت سباعا، لكنها ليست أنفسها كراما لأكلها ~~الجيف، وهي النسر والرخمة، والحدأة، والغراب، ومجموعها عند ابن أبي الأشعث ~~ناري أرضي ومزاجه حار بحسب زيادة كمية النار فيه على كمية الأرض، وهو من ~~اليبوسة في الغاية القصوى، يأوي الجبال والأجراف، وما كان من الأرض شامخا، ~~ويأكل اللحم، والجيف، ولا يفترس، ولنجعل ما نبدأ ms143 بذكر من هذا النوع النسر. # القول في طبائع النسر # وهو ذو منسر، وليس بذي مخلب، وإنما له أظفار حداد كالمخلب لأن المخلب ما ~~قنص به صاحبه، كقبض الصقر والبازي، وهو يسفد كما يسفد الديك، وزعم الفاحصون ~~عن أخلاق الحيوان وطبائعها: إن الأنثى من هذا الصنف تبيض من نظر الذكر ~~إليها فتجري حركة الشهوة للسفاد منها مجرى السفاد فتلتذ بذلك وهي لا تحضن، ~~وإنما تبيض في الأماكن العالية الصاحبة للشمس فيقوم حر الشمس للبيض مقام ~~الحضن، وينسب النسر إلى قلة المعرفة والكيس والفطنة، ويوصف بحدة البصر حتى ~~أنه يرى الجيفة عن أربعمائة فرسخ، وكذلك حاسة الشم إلا أنه إذا شم الطيب ~~مات لوقته، وهو أشد الطير طيرانا، وأقواها جناحا، حتى أنه يطير ما بين ~~المشرق والمغرب في يوم واحد وهو إذا وقع على جيفة )وعليها عقبان تأخرت ~~بأسرها ولم تأكل ما دام يأكل منها، وتخافه كل الجوارح، ولا يقوم له شيء ~~منها وهو شره، نهم، رغيب فإذا سقط على الجيفة( وتملى منها لم يستطع الطيران ~~حتى يثب وثبات يرفع بها طبقة طبقة في الهواء حتى يدخل تحت الريح، وكل من ~~أصابه بعد امتلائه ضربه إن شاء بعصى، وإن شاء بغيرها حتى ربما صاده الضعيف ~~من الناس، وفي طبعه أن الأنثى تخاف على بيضها، وفراخها من الخفاش فتفترش في ~~وكرها ورق الدلب لينفر منه، وهو أشد الطير حزنا إذا فقد الأنثى وإذا فقدت ~~الأنثى الذكر امتنعت عن الطعم والحركة أياما، ولزمت الوكر، وربما قتلها ~~الحزن عليها، وهو أطول الطير عمرا، حتى يقال أنه يعمر ألف سنة، ولم أجد ~~لأحد الشعراء وصفا فيه فأثبته، لأنه لا يملك، وإن وقع من ذلك شيء فإنما يقع ~~في وصف الجيوش، لأن من عاداتها أن تتبعها طمعا في مصارع القتلى. # القول في طبائع الرخم # ويسميه العرب الأنوق، ويقال أنه اسم للذكر، وهو يشارك العقاب، والنسر في ~~ارتفاعه حين الطيران، وصفته أنه طائر ضخم أبيض، وربما خالط لونه لون ~~الإنغماس، وهو النقط الصغار، وهو زهم سهل يأكل الجيف، ms144 ولا يصطاد، وفي طبعه ~~أنه لا يرضى من الجبال إلا بالوحشي منها، ومن الأماكن إلا بأسحقها وأبعدها ~~عن مواضع أعدائه، ثم من هذه الجبال في رؤوس هضابها، ثم من الهضاب في صدوع ~~صخورها، ولذلك تضرب العرب المثل بامتناع بيضها فيقولون: أعز من بيض الأنوق، ~~ويقال أن الأنثى منه لا تمكن من نفسها غير ذكرها، وإنها لا تبيض من سفاد بل ~~بالمذاقة، كما يقال في الغربان، وهي تبيض بيضة واحدة وربما أتأمت في ~~النادر، ومن عاداتها أنها تحضن بيضها وتحمي فرخها، وتحبه، وتقول العرب في ~~أكاذيبها، قيل للرخمة: ما أحمقك؟ قالت وما حمقي؟ وأنا أقطع في أول القواطع، ~~وأرجع في أول الرواجع، ولا أطير في التحسير ولا أغتر بالشكير ولا أسقط على ~~الحقير، ولم أجد لأحد من الشعراء في وصفها شيئا إذ الحال فيها كالحال في ~~النسر. # القول في طبائع الحدأة PageV01P084 والحدأة تبيض بيضتين، وربما باضت ~~ثلاثا، وخرج منها ثلاثة أفراخ وهي تحضن عشرين يوما، ومن ألوانها السود ~~والربد، وقال أصحاب الكلام في طبائع الحيوان الحدأة لا تصيد، وإنما تخطف، ~~وفي طبعها أنها تقف في الطيران وليس ذلك لغيرها من الكواسر وذكر ابن وحشية: ~~إن العقاب والحدأة يتبدلان فيصير العقاب حدأة، والحدأة عقابا، ويقال: إن ~~الحدأة أحسن الطير مجاورة لما جاورها من الطير، ولو ماتت جوعا، ولا تعدو ~~على فرخ ما جاورها ويزعم نقلة الأخبار وحملة الآثار أن الحدأة من جوارح ~~سليمان عليه السلام، وإنما امتنعت أن تملك أو تألف لأنها من الملك الذي لا ~~ينبغي لأحد من بعده، ولو كانت الحدأة مما يصاد بها لما كان في الكواسر أحسن ~~صيدا منها، ولا أجل ثمنا، وفي طبعها أنها لا تخطف إلا من يمنة من تخطف منه ~~دون شماله، حتى أن بعض الناس يقول عسري فلذلك لا يمكنها أن تأخذ من يسار ~~إنسان شيئا، وليس فيها لحم، وإنما هي عظام، وعصب، وجلد، وريش. # القول في طبائع الغراب # وأصناف: الغداف، والزاغ الأكحل، والزاغ الأورق، وهذا الصنف يحكي جميع ما ~~يسمعه، حتى هو في ms145 ذلك أعجب من الببغاء، والغراب الأبقع المورد، والغراب ~~الأبقع الأغبر، ورأيت غرابا أبيض أهداه متولي الإسكندرية إلى السلطان الملك ~~الظاهر صاحب مصر - رحمه الله - ، وقد حكي أن الغربان والعصافير والخطاف ~~يكون في بلاد الشديدة البرد كذلك، وكذلك أوبار ذوات الأربع وشعورها تكون في ~~تلك البلاد بيضا وشعور الناس فيها ضاربة إلى البياض حتى الحواجب والأهداب، ~~وسائر أنواع الغراب من ذوات المناقر لا من ذوات المناسر وهي من الطير ~~القواطع في الشتاء، الرواجع في الصيف، وإنما سميت قواطع لأنها تقطع إلى ~~الأماكن في وقت دون وقت، وفصل دون فصل والطير التي تقيم بأرض شتاء وصيفا ~~فهي الأوابد، والغراب ليس بهيمة لمكان أكله الجيف، وليس بسبع لعجره عن ~~الصيد وفي طبعه عند السفاد، وهو يسفد مواجهة، ولا يعاود الأنثى إذا سفدها ~~أبدا لقلة وفائه، والأنثى تبيض أربع بيضات أو خمسا، وإذا خرجت الفراخ من ~~البيض وقويت أجنحتها طردتها، والفرخ يخرج من البيضة قبيحا جدا يكون حينئذ ~~صغير الجرم عظيم الرأس والمنقار أجرد الجلد أسوده، متفاوت، فأبواه ينكرانه ~~لذلك ويتركانه فيجعل الله قوته من الذباب والبعوض اللذين يكونان في عشه إلى ~~أن ينبت ويقوي ريشه فيعود إليه أبواه، ويربيانه، وعلى الأنثى الحضن، وعلى ~~الذكر أن يأتيها بالطعام، وفي طبعه، أنه لا يتعاطى الصيد، بل أن أصاب جيفة ~~نال منها، وإلا مات هزالا أو يتقسم كما يتقسم بهائم الطير، وضعافها، ~~والغراب الأسود يكون مثله في الزنوج فإنهم شداد البأس وأردى الخلق تركيبا ~~ومزاجا، كمن بردت بلاده فلم تنضجه الأرحام، أو سخنت بلاده فأحرقته الأرحام، ~~والأبقع يكون اختلاف تركيبه دليلا على فساد مزاجه، وهو الأم من الأسود ~~وأضعف، وفي الغراب حذر شديد وتناصر، والغداف يقاتل البوم، ويخطف بيضها في ~~أنصاف النهار ويأكله لأنها حينئذ لا تبصر شيئا فإذا كان الليل شدت البوم ~~على بيض الغداف فأكلته لأنها أقوى منه حينئذ ومن عجيب ما أودع في الغراب من ~~الإلهام إن الإنسان إذا رام أن يأخذ أفراخه حملت الأنثى والذكر بأرجلهما ~~حجارة، وحلقا في الجو، وطرحا الحجارة ms146 عليه يريدان بذلك دفعه، والعرب تتشاءم ~~بالغراب، ولهذا اشتقوا من اسمه الغربة والاغتراب والغريب، ويرون أن صياحه ~~أكثر أخبارا، وإن الزجر أعم فيه. # قال عنترة يصفه بذلك: # ظعن الذين فراقهم أتوقع ... وجرى بينهم الغراب الأبقع # حرق الجناح ليحمي رأسه ... جلمان بالأخبار هش مولع # ولما كان صافي العين حادها سموه مخافة الزجر والطرة، الأعور، كما كنوا ~~الأعمى بالبصير والغراب من الطير القواطع يأتي من حيث لا يبلغ حمام، وذلك ~~أن الثلج إذا طبق البلاد التي قطعت إليها خرجت منها نحو الصحارى، والجبال، ~~والجزائر، حتى تعود إلى أماكنها من غير تدريب ولا تعليم، فتقيم في الدفء ~~مدة، ثم تعرف وقت انحسار الثلوج عن تلك البلاد فترجع فلا تغادر مساكنها ~~الأولى التي كانت فيها وليس ذلك خفي عن أحد، ويزهو الغراب، وصحة بدنه، ~~وصفاء مقلته، وحدة بصره يضرب المثل # الوصف والتشبيه PageV01P085 وقد اولع الناس بذكر الغراب في أشعارهم، ~~وذموه بالتطير، وادعوا أن نعيبه سبب البلى والتغيير، وأظرف ما قيل في ذلك ~~قول الطرماح بن حكيم: # وجرى بينهم غداة تحملوا ... شنج النسا أدمى الجناح كأنه # من ذي الأثارب شاجح يتعبد ... في الدار أثر الضاغين مقيد # وقال يوسف بن هارون الرمادي الأندلسي: # أيا حاتما ما أنت حاتم طيء ... وما أنت إلا حاتم الحدثان # كأنهم من سرعة البين أودعوا ... جناحيك واستحثثت للطيران # ومن رسالة لبديع الزمان يذم فيها رجلا: ما أعرف لعمار مثلا إلا الغراب ~~الأبقع مذموما على أي جني وقع، إن طار فقسم الضمير، وإن وقع فروعة النذير ~~وإن حجل فمشية الأسير وإن شجح فصوت الحمير، وإن أكل فدبر البعير، وإن سرق ~~فعلة الفقير وقال أحمد بن فرج الجبائي: # أما الغراب فمؤذن بتغرب ... وشكا فصدق بالنوى أو كذب # داجي القناع كأن في إظلامه ... إظلام يوم تفرق وتغرب # ومقنا الأطراف تحسب أنها ... بدمائنا خضبت وإن لم تخضب # ويح الهوى ملأ القلوب مخافة ... حتى باغربة الفلاة ينعب # فصل # ذهب ابن أبي الأشعث: إلى أن في الطير جوارح تسمى جوارح الماء وقال في ~~مزاجها أنه ناري مائي، ولذلك ms147 هي تطير في الجو فوق البخار، ومرعاه الماء، ~~وما يتصيد منه ثم قال: وهذا النوع مزاجه معتدل في الحرارة والرطوبة على ~~تساو في الكيفية، )وزيادة في الماء بالكمية( وزيادته في الرطوبة بحسب ~~الكمية لا بحسب الكيفية، )وزيادة في الماء بالكمية( وزيادته في الرطوبة ~~بحسب الكيفية، ومن أشخاصه، زمج الماء الذي يسمى بمصر، النورس وهو يعلو في ~~الجو ويزج نفسه على سطح الماء فيختلس منه السمكة بكفيه، ولا يقع على الجيف، ~~ولا يتغذى بغير السمك، ومن أشخاصه القرلي وهو طائر أبلق ببياض وسواد هفاف، ~~يتعلق غالبا فيزج نفسه فيختلس السمك بمنقار له طويل وهو غير محب للأنس، ~~ولهذا لا يفارق شطوط الأنهار، ومعاشه من البق والذبان، ولا يزال مرفوعا في ~~البخار يرى شيئا من معاشه فيتدلى لأخذه، ولم ير قط طائرا ولا واقفا بل ~~محدم، وجناحاه في خلفهما لا يعرفان السكون أبدا بل يخفقان دائما وبه يضرب ~~المثل في الهلع من الشر والطمع في الخير فيقال: فلان كالقرلي إن رأى خيرا ~~تدلى وإن رأى شرا تعلى، ومن أشخاصه طائر يسمى السياف وهو شاهمرج صغير يختلس ~~السمك من سطح الماء، والشاهات ، فيها دجليه صغار وبحرية كبار، ومنها ~~الكافورية الزرق، والصقرية الشهب، وهي كلها تركب سطح الماء وتأخذ ما تفترسه ~~منه وتبلعه بلعا، وهي إذا نقلت إلى المنازل افترست الهوام البرية، وكل طائر ~~أمكنها بلعه. # الوصف والتشبيه # قال بعضهم من قصيدة يرثي بها شاهمرجا: # ملك الطير له ... فيها سناء وافتخار # خلصت منها له ... أعراق صدق وبحار # كأن في صورته ... لون بياض واحمرار # كأن في الهامة يلمم ... وفي الرحل انتشار # مكنس ما توق ساق ... شمر عنه الأزرار # الباب السابع # في ذكر بغاث خشاش الطير وطبائعها # وأهم ما نجعل ابتدائنا بذكره الطير المتونم الذي يصدع القولب بتغريده ~~ويثير اشواقها بتغريده، ويجدد رغبات المحبين في الأحباب بهديله، ويصرف ~~خواطرهم عن أن تستغل عمن ألفته وعديله وهو: # الحمام # والعرب لا تطلق هذا الاسم على الذي اصطلح الناس على تسميته بالحمام التي ~~وهي الدواجن في البيوت، والبروج فإنهم ms148 يسمون هذا النوع يماما والحمام عندهم ~~كلما كان له طوق، وقال الجاحظ: كل طائر يعرف بالزواج وحسن الصوت، والهديل، ~~والدعاء، والترجيع، فهو حمام، وإن خالف بعضه بعضا في الصورة واللون ~~والهديل، فالقمري حمام، والدبسي حمام والفواخت حمام، والورشان حمام، ~~والسفنين حمام، وكلها تبيض بيضتين، فإن باضت حينا ما ثلاث بيضات فسدت ~~واحدة، أو اثنتان، وصحت واحدة، وذكر بعضهم: إن الفواخت والشفانين تسفد ~~وتبيض، ولها ثلاثة أشهر، وتحمل أربعة عشر يوما، وتجلس على البيض أربعة عشر ~~يوما، وتصير لها أجنحة، وتطير بعد أربعة عشر يوما PageV01P086 فأما القمري: ~~فسمي لبياضه، وحكاية صوته يضحك الإنسان، والعرب تسمي ذكره ساق حر لصياحه ~~وحكاية صوته، ومن طبعه أنه شديد المودة والرحمة أما مودته، فإنه يعرج على ~~فنن من أفنان شجرة على كلها أعشاش لأبناء جنسه يصايحها كل، ولا يعتزل ~~اعتزال الغراب، وأما رحمته، فإنه يربي ولده ويعف عن أنثاه ما دام ولده ~~صغيرا، وهو يطاعم أنثاه وتطاعمه، ويظهر منه عليها وله، وفيه من المروءة أنه ~~متى تزوج لا يبتغي بأنثاه بديلا، وله اعتناء بنفسه وإعجاب بها، ومن عادته ~~أنه يعمل عشه في طرف فنن دائم الاهتزاز احترازا على فرخه بسعي إليه شيء من ~~الحيوان الماشي فيقتله. # الوصف والتشبيه # قال أبو الفتح كشاجم يصفه من أبيات رثاه بها أولها: # ومطوق من حسن صنعة ربه ... طوقين خلقهما من النوار # لهفي على القمري لهفا دائما ... يكوي الحشا بجوى كلذع النار # لون الغمامة لونه ومناسب ... في خلقه الأقلام بالمنقار أما الدبسي: # سمي بذلك للونه لأن الدبيسه حمرة بسواد، وهو أصناف مصري وحجازي، عراقي، ~~وكلها متقارب، لكن أفخرها المصري، ولونة الدكنة، وفي طبع هذا الحيوان ساقطا ~~على وجه الأرض، بل في الشتاء له مشتى، وفي الصيف له مصيف، ولا يعرف له وكر. # وأما الورشان: فأصناف منها النوبي وهو ورشان أسود حجازي، إلا أنه أشجى من ~~الورشان صوتا، ومزاجه بارد رطب بالنسبة إلى الحجازيات، وصوته بين أصواتها ~~كصوت اليم على وجه العود، والورشان المعروف أبرد وأرطب منه لذلك يعروه ~~الصرع، ويوصف ms149 بالحنة على أولاده حتى أنه ربما قتل نفسه إذا رآها في يد ~~القناص. # الوصف والتشبيه # قال أبو بكر الصنوبري: # أنا في نزهتين من بستاني ... حين أخلو به من ورشان # طائر قلب من يغنيه أولى ... منه عند الغناء بالطيران # مسمع يودع السامع ماشا ... ءت وما لم تشأ من الألحان # في رداء من سوسن وقميص ... وردته عليه تشرببيان # قد تفشى لون السماء قراه ... وتراءى في جيده الفرقدان # وأما الفواخت: فهي عراقية وليست حجازية، وفيها فصاحة وحسن صوت، وصوتها في ~~الحجازيات، يشبه صوت المثلث، وفي طبعها، أنها تألف بالناس، وتعشش في الدور، ~~والعرب تضرب بها المثل، فإن حكاية صوتها عندهم، هذا أوان الرطب، تقول ذلك، ~~والنخل لم يطلع، قال الشاعر: # أكذب من فاختة ... تقول وسط الكرب # والطالع لم يبد لها ... هذا أوان الرطب وهذا الحيوان يعمر، وقد ظهر منه ~~ما عاش خمسا وعشرين سنة، وما عاش أربعين سنة على ما حكاه أرسطوطاليس. # الوصف والتشبيه # مررت بمطراب الغداة كأنها ... تعل من الإشراق راحا مفلفلا # منمرة كدراء تحسب أنها ... تجلل من جلد السحاب مفصلا # تريك على البين طوقا ممسكا ... وطرفا كما ترنو الغزالة أكحلا # لها ذنب وافي الجوانب مثل ما ... تجرد طلعا أو تجرد منصلا # إذا حلقت في الجو خلت صياحها ... برد صغير أو يحرك جلجلا # وأما الشفنين: وهو الذي تسميه العامة يماما، وصوته في المترنم كصوت ~~الرباب في الأوتار، صوتا محزونا جدا، وهي متى اختلطت مع أصواتها حسنت، وأما ~~مفردا فلا لان الزمر مستحسن مع الغناء، وغير مستحسن وحده، وفي طبعه أنه متى ~~فقد أنثاه لم يزل أعزبا يأوي إلى بعض فراخه إلى أن يموت، وكذلك الأنثى إذا ~~فقدت الذكر، وفي تركيبه أنه إذا سمن سقط ريشه، وامتنع عن السفاد، فهو لذلك ~~لا يشبع نفسه، وهو طائر ساكن جدا ويؤثر العزلة، والنفور عن مواضع الجماعات، ~~ولا يكثر الأفراخ وإنما له بطن أو بطنان في العام، ولا يرى إلا في الصيف، ~~وهو في الشتاء ينجحر في أعمال، فلا يظهر، ومنه صنف يرى في الخريف خاصة، ms150 وقد ~~ألهم الشفنين أنه يحترس من أعدائه بالسوسن يتخذه في وكره. # واليعتبط: ويسمى بصوته، وهو شريف في طيور الحجاز، وحاله حال القمري مثلا ~~بمثل إلا أنه يختص بأشياء منها أنه أحر مزاجا منه، وأعلى صوتا، وكأن القمري ~~جمع حسنا وغناء واليعتبط بقي على حاله وعلى الخلقة المعودة من الرجال. # الوصف والتشبيه # قال أبو الفتح: # وناطق لم يخش في النطق غلط ... ما قال شيئا إلا يعتبط # وإنما أوردت هذين البيتين منهما اسم هذا الطائر فقط لئلا يصحف. ~~PageV01P087 والنواح: وهو طائر كالقمري، وحاله حاله إلا أنه أحر منه مزاجا، ~~وأرطب، وأدمث وأشرف ويكون للأطيار الدمثة ملكا، وهو بصوته يهيجها إلى ~~التصويت، لأنه أشجاها صوتا، وأنعمها، وجميعها تهوى استماع صوته وتؤثره، ~~وكأنه مخنث طيب الغناء يسره استماع غناء نفسه. # والقطا: وهو نوعان كدري، وجوني، فالكدر غبر الألوان رقش الظهرو والبطون، ~~صفر الحلوق، قصار الأذناب، وهو الطف من اجوني. # والجونية سود بطون الأجنحة والقوادم، ولبابها أبيض، وفيه طوقان أصفر ~~وأسود، والظهر أغبر أرقط تعلوه صفرة، وتسمى الجونية غتما، لأنها لا تفصح ~~بصوتها، إذا صوتت، إنما تغرغر بصوتها في حلقها، والكدرية فصيحة، تنادي ~~باسمها، ولهذا يضرب المثل بها في الصدق، قالوا: والقطاة لا تضع بيضها أبدا ~~إلا أفرادا، )وهي ثلاثة(، وفي طبعها أنها إذا أرادت الماء ارتفعت من ~~أفاحيصها أسرابا لا متفرقة عند طلوع الفجر إلى حين طلوع الشمس مسيرة سبع ~~مراحل فحينئذ تقع على الماء، وتشرب نهلا، والنهل شرب الإبل والغنم أول مرة، ~~فإذا شربت أقامت حول الماء متشاغلة إلى مقدر ساعتين أو ثلاث، ثم تعود إلى ~~الماء ثانية، وتوصف بالهداية، والعرب تضرب المثل بها في ذلك، وذلك أنها ~~تبيض في القفر، وتستقي لأولادها من البعد في الليل والنهار، فتجيء في ~~الظلماء، وفي حواصلها الماء، فإذا صارت حيال أولادها صاحت " قطا " فلم تخطء ~~بلا علم، ولا شجرة، ولا علامة، ولا دليل وقال أبو زياد الكلابي: أن القطا ~~يطلب الماء من مسيرة عشرين ليلة، وفوقها، ودونها وهي تنهض من أفاحيصها حين ~~يطلع الفجر فترد الماء ms151 ضحى، والذي ترد من عشرة أيام تنهض مع الأشراق، وهو ~~طلوع الشمس، وتوصف القطا بحسن المشي لتقارب خطاها، والعرب تشبه مشي النساء ~~الخفرات بمشيها ونصفه به. # الوصف والتشبيه # قال أعرابي من أبيات: # كأنها حين تهادى تهتلك ... شمس وظل ذا بهذا يأتفك # ومعنى يأتفك يجيء ويذهب لأن ريش جناحها أسود وريش بدنها أبيض، إذا خفقت ~~بهما انقسم النظر إلى السواد والبياض، وقال آخر: # أما القطاة فإني سوف أنعتها ... نعتا يوافق منها بعض ما فيها # سكاء مخطوطة في ريشها طرق ... صهب قوادمها كدر خوافيها # منقارها كنواة القشب قلمها ... بمبرد حذق الكفين باريها # تمشي كمشي فتاة الحي مسرعة ... حذار قوم إلى ستر يواريها # تسقي الفراخ بأفواه مرفقة ... مثل القوارير شدت من أعاليها # وقال أبو إسحاق بن خفاجة يصفها: # ولرب طيار خفيف قد جرى ... فشلا بجار خلفه طيار # من كل قاصرة الخطى مختالة ... مشي الفتاة تجر فضل أزار # مخضوبة المنقار تحسب أنها ... كرعت على ظمأ بكأس عقار # لا تستقر بها الآداجي خشية ... من ليل ويل أو نهار بوار # ومن الأوصاف الجامعة لمجموع هذا النوع قول بعض الأعراب: # وقبلي أبكى كل من كان ذا هوى ... هتوف البواكي والديار بلاقع # وهن على الأفلاق من كل جانب ... نوائح ما تخضل منها المدامع # مزبرجة الأعناق نمر ظهورها ... مخطمة بالدر خضر روائع # ترى طررا بين الخوافي كأنها ... حواشي برد زينتها الوشائع # ومن قطع الياقوت صيغت عيونها ... خواضب بالحناء فيها الأصابع # والجامع لكل الأوصاف والتشبيهات لهذا النوع قول أبي الأسود الدؤلي: # وساجع في فروع الأيك هيجني ... لم أدر لم ناح مماتي ولم سجعا # أباكيا ألفه من بعيد . . . فرقته ... أم جزعا للنوى من قبل أن يقعا # يدعو حمامته والطير هاجعة ... فما هجعت له ليلى ولا هجعا # موشح سندسا خضرا مناكبه ... ترى من المسك في أذياله لمعا # له من الآس طوق فوق لبته ... من البنفسج والخيري قد جمعا # كأنما غب في مسود غالية ... وحل تحته الكافور فانتفعا # كأن عينيه من حسن أصفرارهما ... فصان من حجر الياقوت قد قطعا # كأن رجليه من حسن ms152 احمرارهما ... مادق من شعب المرجان فاستعا # شكى النوى فبكى خوف الآسى فرمى ... بين الجوارح من أوجاعه وجعا # والريح تخفضه طورا وترفعه طورا ... فمنخفضا يدعو ومرتفعا # كأنه راهب في رأس صومعة ... يتلو الزبور ونجم الليل قد طلعا PageV01P088 ~~وقال أبو اللبانة: # وعلى فروع الأيك شاد يحتوي ... طربي لا تحتويه الأضلع # يندى له طرب الهواء فيغتذي ... ويظله ورق الغصون فيهجع # تخذ الأراك أريكة . . . لمنامه ... فله إلى فيها مضجع # حتى إذا ما هزه نفس الصبا ... والصبح هزل منه شدو مبدع # فكأنما تلك الأراكة منبر ... وكأنما فيها خطيب مصقع # وهذه القطعة، وإن لم يكن فيها شيء من الوصف والتشبيه، فحسن معاني أبياتها ~~دعاني إلى إثباتها، وقال بعض الشعراء يصف مطوقة: # دعت ساق دعوة لو تناولت ... بها الصم من أعلى أبان تحدرا # تبكي بعين ليس تجري دموعها ... ولكنها تجري الدموغ تكررا # محلاة طوق ليس تخشى انفصاله ... أذاهم أن يبلى تجدد آخرا # لها وشح دون التراقي ودونها ... وصدر كمعطوف البنفسج أخضرا # تنازعها ألوان شيء صقالها ... بدا لتلالئ الشمس فيه تحيرا # وقال بعض الأندلسيين: # وما شاقني إلا ابن ورقاء هاتف ... على فنن بين الجزيرة والجسر # مفستق طوقس لازوردي كلكل ... موشى الطلي أحوى القوادم والظهر # أدار على الياقوت أجفان لؤلؤ ... وصاغ على الأجفان طوقا من التبر # حديد شبا المنقار داج كأنه ... شبا قلم من فضة مد من حبر # توسد من فرع الأراك أريكة ... ومال على طي الجناح من النحر # ولما رأى دمعي مراقا أرابه ... بكائي فاستولى على الغصن النضر # وحث جناحيه وصفق طائرا ... فطار بقلبي حيث طار وما يدري # القول في طبائع اليمام # وقد نقلنا عن العرب أن هذه التسمية واقعة على النوع الذي يسميه عامة ~~الناس الحمام، وهو أصناف مختلفة الأشكال، والألوان وهي: الرواعب وهذا الصنف ~~ألوان كثيرة، زعم الجاحظ أن الراعبي مولد بين ورشان ذكر وحمامة أنثى، فأخذ ~~من الأب الجثة، ومن الأم الصوت وفاته سرعة الطيران، فلم يشبهها فيه، وله ~~عظم البدن وكثرة الفراخ والهديل، والقرقرة لأبويه، حتى صار ذلك سببا ~~للزيادة في ثمنه، وعلى الحرص ms153 على إيجاده والرغبة فيه. # والمراعيش: وهي تطير مرتفعةن حتى تغيب عن النظر فترى في الجو كالنجم ~~وفيها ما يبقى يوما وليلة. # والعداد: وهو طير ضخم قليل الطيران كثير الفراخ والميساق: وهو أضخم من ~~العداد وأنهل، ثقيل الجسم، لا يستطيع الطيران إلا قليلا. # والشداد: وهذا الصنف لا يلزم الطيران في الجو وله في جناحيه حتى يقال أنه ~~كسر بهما الجوز، ولا يأتي الغابة لبله فيه، وأصحاب الرغبات في تربية هذا ~~الصنف يلقونه على البصريات، فيخرج من بينهما حمام يسمى )المضري( يجمع فيه ~~هداية البصري وشدة الشداد يطير صعدا حتى يرى كالنجم، وربما أقام الواحد ~~منها قائما على ذنبه يوما وليلة، وفي ذنبه ثلاثون ريشة. # والقلاب: ويسميه العراقيون الملاح، والشقاق وطيرانه تحويم. PageV01P089 ~~والمنسوب: ويسميه العراقيون الهوادي، والمصريون البصاري، يعنون البصرية وهو ~~بالنسبة إلى ما قدمنا ذكره كالعتاق من الخيل إلى ما عداها من البراذين ~~وفيها العلوي وهو أسرع طيرانا، والطف جرما، أحمر العين، مدور الرأس، مشمر ~~السوق إلى أعلى الركبتين من الريش والناس يناضلون بالهوادي في السبق إلى ~~الغايات، وطبعها الحرارة والرطوبة، وتسمى بالبصرة المذنبيات، وقال الجاحظ ~~وقد يباع الحمام منها بخمسمائة دينار ولم يصل إلى هذا الثمن شيء من الطير، ~~وتباع البيضة بخمسة دنانير والفرخ بعشرين دينارا، وفي طبعه أنه يطلب ذكره ~~ولو أرسل من آلاف فرسخ يحمل الأخبار ويأتي بها من المسافة البعيدة في المدة ~~القريبة، وفيه ما يقطع ثلاثة آلاف فرسخ في يوم واحد، وربما اصطيد، وغاب عن ~~وطنه عشرة حجج، ثم هو على ثبات عهده، وقوة عقده، وحفاظه، ونزاعه إلى وطنه، ~~حتى يجد فرصة صار إليه، وإن كان جناحه مقصوصا جدف به، وحثته نفسه إلى المضي ~~إلى سكنه فأما بلغ وأما عذر، وهو ملقى غير مرقى، وأعداؤه كثيرة، وسباع ~~الطير تطلبه أشد الطلب، وخوفه من الشاهين أشد من خوفه من غيره، وهو أطير ~~منه ومن سباع الطير ولكنه يذعر فيجهل باب المخلص ويعتريه ما يعتري الحمار ~~إذا رأى أسدا، والشاة إذا رأت ذئبا، والفأر إذا رأى هرا، ومن ms154 عجائب الطبيعة ~~المركبة، ما حكاه ابن قتيبة في كتابه عيون الأخبار عن المثنى بن زهير أنه ~~قال: لم أر شيئا قط من رجل وامرأة إلا وقد رأيته في الحمام رأيت حمامة لا ~~تريد إلا ذكرها، والذكر لا يريد إلا أنثاه إلى أن يهلك أحدهما، أو يؤخذ ~~ويؤنس منه، ورأيت حمامة تزيف للذكر ساعة يريدها، ورأيت حمامة لها زوج، وهي ~~تمكن آخر منها ما تعدوه، ورأيت حمامة تقحط حمامة ويقال: أنها تبيض عن ذلك ~~لكن لا يكون لذلك البيض فراخ، وهو في سبيل البيض الريح ورأيت ذكرا يقحط ~~ذكرا، ورأيت ذكرا يقحط كل ما لقي، ولا يتزاوج، وأنثى يقحطها كل من أرادها ~~من الذكور ولا تزاوج، وليس في الحيوان ما يستعمل التقبيل عند السفاد إلا ~~الحمام، وهو عفيف في السفاد يجر ذنبه على أثره ليعفي أثر الأنثى كأنه قد ~~علم ما فعلت ويجتهد في إخفائه، وتغطيته وهو يسفد لتمام ستة أشهر، والأنثى ~~تحمل أربعة عشر يوما، وهي تبيض بيضتين يخرج من الأولى ذكر ومن الثانية ~~أنثى، وبين الأولى والثانية يوم وليلة، والذكر من الحمام يجلس على البيض، ~~ويسخنه جزء من النهار والأنثى بقية النهار، وكذلك الليل، وهي تبيض وتفرخ في ~~كل عام عشر مرات، وأكثرها اثنتي عشرة مرة، ويتم وخلق البيض في عشرة أيام، ~~واقل من ذلك، ويمكن أن تحبس الحمامة البيض في جوفها بعد الوقت الذي ينبغي ~~أن تبيض فيه لأنها تفعل ذلك إذا أصابها أذى من قبل عشها، أو نتف شيء من ~~ريشها، أو وجع يعرض لها، والبيض يبلغ ويخرج منه الفرخ إذا مضت عليه عشرون ~~يوما، والذكر والأنثى يدفئان الفراخ ويغطيانها بأجنحتها أياما حتى تقوى كما ~~فعل بالبيض لشفقتهما عليهما وإذا باضت الأنثى دأبت الدخول إلى عشها، ~~والجلوس على بيضها، إما لحال ضعف أو كراهة ضربها الذكر واضطرارها للدخول، ~~وإذا أراد الذكر أن يسفد الأنثى أخرج فراخه من الوكر، وقد ألهم هذا النوع ~~أن الفراخ إذا خرجت من البيض فصنع الذكر ترابا مالحا وأطعمه إياه ليسهل به ~~المطعم، ms155 وزعم أرسطو أن الحمام يعيش ثمانين سنين. # فصل # وقد تفرس الناس في هذا الحيوان مخايل الجودة، والرداءة لكثرة عنايتهم به، ~~واتخاذهم له، فألوان جميع الفراسة التي لا تكاد تخطئ في الحمام الهادي ~~أربعة: التقطيع، والمجسة، والشمائل، والحركة، فالمحمود في التقطيع انتصاب ~~الخلقة، واستدارة الرأس وتوسطها، وعظم القرطمتين، ونقاؤهما واستاع المنخرين ~~وانهرات الشدقين، وسعة الجوف وحسن العينين مع توقفهما وقصر المنقار واتساع ~~الصدر، وامتلاء الجؤجؤ، وطول العنق، وإسراف المنكبين، وإنكماش الحاجبين ~~وطول القوادم، وصلابة القصب، وعظم الفخذين والساقين، قصر الذنب، وصفاء ~~اللون. # وأما المجسة: فرشاقة الخلق وشدة اللحم، ووثاقة العصب، ولين الريش وصلابة ~~المنقار. # وأما الشمائل: فصفاء البصر، وثبات النظر، وشدة الحذر، وحسن التلفت، وذكاء ~~الفؤاد، وقلة الرعدة، وخفة النهوض، والمبادرة إذا لقط. PageV01P090 وأما ~~الحركة: فالطيران في علو ومد العنق إلى فوق، وقلة الاضطراب في جو السماء ~~وضم الجناحين في الهواء وشدة الركض في الطيران، فأي طائر اجتمعت فيه هذه ~~الصفات فهو الكامل. # الوصف والتشبيه # سأل المهدي رجلا عن طائر جاء من غابة فقال لو لم يبين بفضيلة السبق لبان ~~في حسن الصورة، فقال: صفه لي فقال فدفد . . . فد الحلم، وقوم تقويم العلم ~~لو كان في ثوب خرقة، أو صندوق قلقة يمشي على عتمين ويلقط بدرتين، وينظر ~~بجمرتين إذا أقبل فديناه، وإذا أدبر حميناه، وقال عبد الصمد بن فتوح ~~الأندلسي يصف حماما جاء بالسبق وهو يقول: # يجتاب أودية السحاب بخافق ... كالبرق أومض في السحاب فأبرقا # لو سابق الريح الجنوب لغاية ... يوما لجاءك مثلها أو أسبقا # يستقرب الأرض البسيطة مذهبا ... والأفق ذا السقف الرفيعة مرتقى # ويظل مسترق السماع تخاله ... في الجو تحسبه الشهاب المحرقا # يبدو فيعجب من رآه بحسنه ... وتكاد آية عنقه أن تنطقا # مترقرقا من حيث درت كأنما ... لبس الزجاجة أو تجلبب زئبقا # وقال أبو نؤاس يصفه من أرجوزة: # وصاحبات نفر من زاعق ... يطرن بالجو بأعلى حالق # نواشط بريشها خوافق ... يبعدن أن يبلغن بالبيادق # يحسبهن لصقا بالخافق ... فلو حملن حاجة لعاشق # متيم القلب رعوب خافق ... رسائلا منه إلى صدائق # سلس من ms156 شدة شوق شائق ... يقطعن في مده نطق الناطق # مغارب الأرض إلى المشارق ... لدى الملمات وفي الحقائق # كالبرق يبدو قبل جود دافق ... والغيث يخفى وقعه للرامق # إن لم تجده بدليل البارق # ومن رسالة للقاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البياتي الكاتب يصف طائرا جاء ~~في غابة: وكأن الطائر أحد الرسل المسيرة، بل المبشرة، والجنود المحررة بل ~~المسخرة، فإنها لا تزال أجنحتها تحمل البطائق أجنحة، وتجهز جيوش المقاصد ~~والأقلام أسلحة، وتحمل من الأخبار ما تحمل الضمائر، وتطوى الأرض إذا نشرت ~~الجناح الطائر، وتزوي لها الأرض حتى ترى ما ستبلغه ملك هذه الأمة، وتقرب ~~بها السماء حتى ترى ما لا يبلغه وهم ولا همة، وتكون مراكب للأغراض لما كانت ~~الأجنحة قلوعها، وتركت )الجو بحرا تصطفق( فيه هبوب الريح، موجا مرفوعا، ~~وتعلق الحاجات على أعجازها، فلا تعرف الإرادات غير إنجازها، ومن بلاغات ~~البطائق استعارت ما هي به مشهورة من السجع، ومن رياض كبتها ألفت الرياض فهي ~~إليها دائمة الرجع، وقد سكنت البروج فهي أنجم، وأعدت في كنائنها، فهي ~~للحاجات أسهم وقد كادت أن تكون ملائكة، إذا ما ينطق بالرقاع، صارت أولي ~~أجنحة مثنى وثلاث ورباع، وقد باعد الله بين أسفارها وقربها، وجعلها طيف ~~اليقظة الذي صدق العين وما ذكبها، وقد أخذت عهود الأمانة في رقابها أطواقا ~~فأذتها من أذنابها أوراقا، فصارت خوافي وراء الخوافي، وغطت سرها المودع ~~بكتمان سحبت عليه ذيول ريشها الضوافي ترغم النوى بتقريب العهود، وتكاد ~~العيون تلاحظها تلاحظ أنجم السعود فيه أنبياء الطير لكثرة ما تأتي به من ~~الأنباء، وخطباؤهم لأنها تقوم على منابر الأغصان قيام الخطباء # القول في طبائع الببغاء # وهو طائر هندي وحبشي دمث الخلقة، ثاقب الفهم له قوة على حكاية الأصوات ~~وتلقي التلقين تتخذه الملوك في منازلهم لتنم بما يقع فيها من الأخبار وفي ~~لونه، الأغبر، والأسود، والأخضر، والأصفر، والأبيض، وقد أهدى لمعز الدولة ~~هدية من اليمن فيها ببغاء بيضاء سوداء المنقار، والرجلين وعلى رأسها ذؤابة ~~فستقية، وكل هذه الألوان معروفة خلا الأخضر وفي طبع هذا الطائر أن ms157 يتناول ~~طعمه بكفه كما يتناول الإنسان الشيء بيده، وله منقار معقف قصير يكسر به ~~الصلب وينقب به ما يعسر نقبه، وكل ما له نغمه، وإطراب فله هدر وسمت يتزاوج، ~~ويتعاشق ويسكن الذكر إلى أنثاه، وله عفة في مأكله، ومشربه، ومنكحه، )وديع ~~ليس بشره ولا أشر( وهو بمثابة الإنسان الترف الطريف، والناس يحتالون على ~~تلقينه بأن ينصب تجاه مرآة بحيث يرى خياله فيها ويتكلم الإنسان من ورائها، ~~فيتوهم أن خياله في المرآة هو الذي يتكلم فيأخذ نفسه بحكاية ما سمعه من صوت ~~الإنسان # الوصف والتشبيه PageV01P091 قال أبو اسحاق الصابي يفصها من أرجوزة بعث ~~بها إلى أبي الفرج الببغاء يمدحه فيها: # أنعتها صبيحة مليحة ... ناطقة باللغة الفصيحة # أضحت من الأطيار واللسان ... موهم لي أنها الإنسان # تنهي إلى صاحبها الأخبارا ... وتكشف الأسرار والاستارا # سكاء إلا أنها سميعة ... تعيد ما تسمعه مطيعة # وربما لقنت العضيهة ... فتغتدي بذية سفيهة # زارتك من بلادها البعيدة ... واستوطنت عندك كالقعيدة # ضيف قراه الجوز والأرز ... والضيف في أبياتنا يعز # تراه في منقارها الخلوقي ... كلؤلؤ يلقط بالعقيق # تنظر من عين . . . كالفصين ... في النور والظلمة بصاصين # تحبس في حلتها الخضراء ... مثل الفتاة الغادة العذراء # خريدة خدودها الأقفاص ... ليس لها من جنسها خلاص # تحبسها وما لها من ذنب ... وإنما تحبسها للحب # تلك التي قلبي بها مشغوف ... كنيت عنها واسمها معروف # بشرك فيه شاعر الزمان ... والكاتب المعروف بالبيان # ذلك عبد الواحد بن نصر ... تقيه نفسي حادثات الدهر # فأجابه أبو الفرج عنها بقوله: # من منصفي من حكم الكتاب ... شمس العلوم قمر الآداب # أسى لأصناف الكلام محرزا ... وسام أن يلحق لما برزا # وهل يجارى السابق المقصر ... أم هل يبارى المدرك المعذر # ما زال بي عن غرض معرضا ... ولي بما يصدره مستنهضا # فتارة يعتمد . . . الخطافا ... ببدع تستغرق الأوصافا # وتارة يعنى بنعت القبح ... من منطق لفصله محتج # يحوم حول عرض معلوم ... ومقصد في شعره مفهوم # حتى تجلت دعوة الصريح ... وسلم التلويح للتصريح # وصح إن الببغاء مقصده ... بذكر ما كان قديما يورده # فلم يدع لقائل . . . مقالا ... فيها ولا لخاطر ms158 . . . مجالا # أحال بالريش الأشيب الأخضر ... وباحمرار طوقها والمنسر # على اختلاط الروض بالشقيق ... واخضر الميناء بالعقيق # تزهى بدواج من الزبرجد ... ومقلة كسبح من عسجد # وحسن منقار أشم قان ... كأنما صيغ من المرجان # صيرها انفرادها في الحبس ... بنطقها من فصحاء الأنس # تميزت في الطيران بالبيان ... عن كل مخلوق سوى الإنسان # تحكي الذي تسمعه بلا كذب ... من غير تغيير لجد أو لعب # غذاؤها أزكى طعام وجدا ... لا تشرب الماء ولا تخشى الصدا # ذات شفى تحسبه ياقوتا ... لا يرتضي غير الأرز قوتا # كأنما الحبة في منقارها ... حبابة تطفو على عقارها # أقدامها ببأسها الشديد ... أسكنها في قفص الحديد # فهي كخود في لباس أخضر ... تيا )خركاوه( لم تستر # فوصفها المعجز ما لا يدرك ... ومثله في غيرها ما لا يملك # لو لم يكن لي لقبا لم أقصر ... لكن خشيت أن يقال منتصر # وإنما تبعت . . . باستحقاقي ... لوصفها حذق أبي إسحاق # شرفها وزاد في تشريفها ... بملح أبدع في تفويفها # فكيف أجرى بالبناء المنتخب ... من صرف المدح إلى أسمي واللقب # القول في طبائع القبج والدراج PageV01P092 ولإنما جمعت بينهما إقتداء ~~بإمام المتكلمين أرسطو، في الطبيعيات، فإنه قال في كتاب الحيوان له: القبج ~~والدراج يجمعان فراخهما تحت أجنحتهما، كما يفعل الحمام ولا تسخنان بيضهما ~~في موضع واحد بل ينقلانه حذرا لئلا يعرف أحد مكانه، وإذا دنا الصيد من ~~مواضع أعشاشهما، خرجت الأنثى بين يديه لتخدعه وتصيح بفراخها فإذا صارت ~~قريبة منها ورأت فرصة في طيرانها، طارت وتبعتها فراخها، وهذا آخر كلامه، ~~ونقلت من مواضع متفرقة في الكتب الموضوعة في طبائع الحيوان إن فراخ القبج ~~تخرج كما تخرج الفراريج، )كاسية كاسبة، وليس للقبج زواج، وكذلك الحجل(، ~~ومجراه مجرى الديكة في أنها تسفد كل دجاجة، ولا تقتصر على شيء دون شيء، ~~وإناث القبج تبيض خمس عشرة بيضة، والذكر يوصف بالقوة على السفاد كما يوصف ~~الديك والعصفور ولكثرة سفاده يطلب موضع البيض فيكسره لئلا تنشغل الأنثى ~~بحضنه عنه، ولهذا الأنثى إذا حان أن تبيض هربت، واختفت رغبة في الفراخ، وهي ~~إذا هربت بهذا السبب ضرب ms159 الذكور بعضها بعضا، وكثر صياحها، والمقهور يتبع ~~القاهر، ويسفد القوي الضعيف، والقبج يغير صوته، بأنواع شتى بقدر حاجته إلى ~~ذلك، ويعمر خمس عشرة سنة، والدراج متى كان الجو صاحيا والريح شمالا أخصب ~~بدنه، وإن كانت الريح جنوبا ساءت حاله لأنه ليس بطيار وريح الجنوب رطبة ~~ثقيلة، ولا يقوى على الطيران فيها، وإن هو طار فيها أكثر الصياح لما يلحقه ~~من التعب، ولهذا الصياد الحاذق لا يقصد صيده والريح شمال، فإنه يتصعب عليه، ~~فإن طلب صيده والريح جنوب أخذ بسهولة. # الوصف والتشبيه # قال أبو طالب المأموني يصف دراجة أهداها له: # قد بعثنا بذات حسن بديع ... كنبات الربيع بل هي أحسن # في رداء من جلنار وآس ... وقميص من ياسمين وسوسن # وقال آخر: # صدور من الدراج نمق وشيها ... وصلن بأطراف اللجين السواذج # وأحداق تبر في خدود شقائق ... تلألأ حسنا كأشتعال السارج # وأذناب طلع في ظهور ملاعق ... مجزعة الأعطاف صهب الدمالج # فافخر الطاووس يوما بحسنه ... فلا حسن إلا حسن التدارج # قال أبو إسحاق يصف قبجة: # أنعت طارونية الثياب ... لابسة خزا على الأهاب # تصنعت تصنع التصابي ... وأبرزت وجها بلا نقاب # ريان من محاسن الشباب ... مكحولة العينين كالعاب # كأنما تسقى دم الرقاب ... تسمعنا منها وراء الباب # تمتعة بالقاف في الخطاب ... كأنما تقرأ من كتاب # قهقهة الإبريق بالشراب ... أهلا بصياد لها جلاب # جاء بها كرية النصاب ... ربيبة الجبال والهضاب # ولم تدر ما بادية الأعراب ... غريبة صارت عن الأحباب # وقال أبو الحسن البغدادي المعرف بالهائم يصفها: # ولابسة ثوبا من الخز أدكنا ... ومن أحر الديباج رانا ومعجزا # مقلدة في النمر سبجة عنبر ... على أنها لم تلتس أن تعطرا # مطرزة الكمين طرزا تخالها ... لتقويمها في حلكة اللون أسطرا # تراها تعالي الضحك عجبا بنفسها ... إذا أمنت من أن تخاف وتذعرا # فتظهر عند الأمن منها تبرجا ... وتظهر عند الخوف منها تسترا # ولآخر: # ولابس جوشن أبدا مغطى ... بأدكن من ملابسه رقيق # بطون أبنوس ورأس ... لجيني ومنقار عقيق # وقرطاه الخلوقيان أشهى ... من الشذر المعلق في الحلوق # القول في طبائع الحبارى # ويسميه أهل مصر الحبرج، ms160 قال الجاحظ: هو من أشدالطيور طيرانا وأبعدها ~~شوطا، وذلك، أنه يصاد بالبصرة، فيشق عن حوصلته بعد الذبح فيوجد الحبة ~~الخضراء لم تتغير، ولم تفسد، وهذه الحبة شجرها البطم، ومنابته جبال الثغور ~~الشامية، والحبارى إذا نتف ريشها، أو تحسرت، وأبطأ نباته تموت كمدا إذا رأت ~~صويحباتها يطرن، ولهذا الطائر خزانة بين دبره وأمعائه لا يزال فيها أبدا ~~سلح رقيق لزج، فمتى ألح عليه جارح ذرق عليه، فيتمعط، فعند ذلك تجتمع عليه ~~الحباريات فينتفن ريشه طاقة طاقة، وفي ذلك هلاك الجارح، وهو يتغذى إذا جاع. # الوصف والتشبيه # قال الشاعر يصفها: # ودارية إما تراع )تبرست( ... بملحفتي وشي تضمهما نشرا # وإن تر صقرا فالسلاح سلاحها ... توليه ظهرا تستعد به ظهرا PageV01P093 ~~تغذى لفرط الشح والفقر نحوها ... فأخبث به شحا وأدفع فقرا # وقال أبو نؤاس يصفها: # يا رب غيث من السروب ... حباريات حجلتي ملحوب # يرفلن في برانس قشوب ... من حبر ظوهرن بالتذهيب # فهن أمثال النصارى الشيب ... في يوم عيد ميزر الصليب # القول في طبائع الطاووس # وفي هذا الصنف ألوان وهي الأخضر والأرقط والأبيض، ويوجد في كلها التخيل ~~ولا تعرف هذه الأنواع إلا في بلاد الرانج، وما عداها معروف مألوف، قال ~~أصحاب البحث في طبائع الحيوان: الطاووس في الطير كالفرس في الدواب عزا ~~وحسنا غير أن الناس لا يتبركون به ويكرهون كونه في دورهم، وفي طبعه العفة ~~وحب الزهو بنفسه والخيلاء والإعجاب بريشه، وعقده لذنبه كالطاق، لا سيما إذا ~~كانت الأنثى ناظرة إليه، والأنثى تبيض بعد أن يأتي عليها من العمر ثلاث ~~سنين، وكذلك لا يحصل التلوين في ريش الذكر إلا بعد مضي هذه المدة، وهي ~~بمثابة البلوغ للصبي، وفي ذلك الأوان يكمل ريش الذكر، ويتم لونه، والأنثى ~~تبيض مرة واحدة في السنة، اثنتي عشرة بيضة، وأقل، وأكثر، ولا تبيض متتابعا، ~~ويسفد في أوان الربيع، ويلقى ريشه في أوان الخريف كما تلقى الشجر ورقها ~~فيها، وهو كثير العبث بالأنثى إذا حضنت وربما كسر البيض، ولهذه العلة يحضن ~~بيضه تحت الدجاج، والدجاجة لا تقوى على حضن أكثر من ms161 بيضتين منها، وينبغي أن ~~تتعاهد الدجاجة جميع ما تحتاج إليه مخافة أن تقوم فيفسد هو، والفرخ الذي ~~يخرج من حضن الدجاجة قليل الحسن ناقص الخلق صغير الجثة، ومدة الحضن ثلاثون ~~يوما سواء كان البيض تحت الدجاجة أو تحت أمه، والفرخ يخرج من البيضة كما ~~يخرج الفروج كاسيا كاسبا، والطاووس من الطير الذي يبيض بيض الريح، ويقال: ~~إن عبث الطاووس بانثاه أوان حضنها غيرة منه، أن يخرج من البيض ما يشبهه في ~~حسن ريشه، وبهاء خلقته، وزعم أرسطو أن الطاووس يعمر خمسا وعشرين سنة وهذا ~~من حكم إلا أن يعينه الاستقراء. # الوصف والتشبيه # قال أبو الفتح كشاجم يرثي طاووسا في أبيات جاء فيها في وصفه: # وأي عذر لمقلة بعد ال ... طاووس عنها إن لم تفض بدم # رزنته روضة ترق ولم ... أسمع بروض يمشي على قدم # جثل الذنابي كأن سندسه ... سنت عليه موشية العلم # متوجا حلية حباه بها ... ذو الفطر المعجزات والحكم # كأنه يزدجر منتصبا ... يبني فيعلي مآثر العجم # طبق أجفانه ويحسر عن ... فصين يستوضحان في الظلم # استدل بالحسن فاستذال له ... ذيلا من الكبر غير محتشم # ثم مضى مشية . . . العروس ... فمن مستظرف معجب مبتسم # كأنما الازورد لمعة ... ونقط اللازورد بالعتم # ما أحسن الصبر في البلاء وما ... أجمله عصمة لمعتصم # ولآخر: # طار إلى منزلي فأوطنه ... من الطواويس خير مطرف # من كل وشى عليه متبوع ... مختلف رقمه ومؤتلف # منبسط حائل ومنقبض ... وعاطف طائل ومنعطف # فهو بديع إذا أبصرت به ... أبصرت شيئا يريد في الكلف # وقال أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسي يصفه في أبيات: # أبدى لنا الطاووس عن منظر ... لم تر عيني مثله منظرا # متوج المفرق إن لا يكن ... كسرى بن ساسان يكن قيصرا # في كل عضو ذهب مفرع ... في سندس من ريشه أصفرا # نزهة من أبصر في طيها عبرة ... لمن فكر . . . واستبصرا # تبارك الخالق في كل ما ... أبدعه منه وما صورا # وله أيضا فيه: # أهلا به لما بدى في مشيه ... يختال في جلل من الخيلاء # كالروضة الغناء أشرف فوقه ... ذنب له كالدوحة ms162 الغناء # ناديته لو كان يفهم منطقي ... أو يستطيع إجابة لندائي # يا رافعا قوس السماء ولابسا ... للحسن روض الحزن غب سماء # أيقنت أنك في الطيور ملك ... لما رأيتك منه تحت لواء # القول في طبائع الدجاج PageV01P094 وهذا النوع صنفان نبطي وهو ما يتخذ في ~~القرى والبيوت وهندي وهو عظيم يتخذ لحسن شكله ونبله، ولنبدأ بذكر البيضة ~~التي يخرج منها الفروج، وإنما ذكرنا البيضة في هذا الموضع دون ما عداه من ~~المواضع التي مضت في ذكر كثير من الطير لأن الناس كثيرا ما يستعملونه في ~~الأغذية وغيرها، مما تمس الحاجة إليه لكثرته، وإن كان أحد البيض الثلاثة ~~المأكولة وهي بيض الحمام، وبيض البط، وبيض الدجاج، وهذا النوع أكثرها ~~وجودا، ومجموع البيض إما من سفاد، وإما من ريح، والبيض الذي يتولد من الريح ~~أخف وأصغر من الذي يتولد من سفاد، وبيض الريح يكون من الدجاج والقبح، ~~والحمام، والأوز، والطاووس، وسمي ببيض الريح لأنه من غير سفاد، بل يتولد من ~~الريح الذي تهب من تلقاء الذكر فيواجه الأنثى، وبيض الريح لا يتم منه خلق ~~وما كان من البيض مستطيلا محدد الأطراف فهو يخرج من الإناث، وما كان ~~مستديرا عريض الأطراف فهو يخرج الذكور، وربما رمي البيض، فخرج الفرخ من ~~ذاته إذا كان موضوعا في أرض دفيئة، مثل ما يفعل أهل مصر حيث يضعون البيض ~~داخل الزبل فيخرج منه الفراخ ولأهل مصر عمل ظريف، وتدبير لطيف يقوم لهم ~~مقام الحضن، وهو أنهم يبنون بيوتا لطافا مستوية في التربيع تواري معدة ~~الرجل، ويشققوها، ويجعلون في كل بيت منها مجرى في عرض أربع أصابع ينقونه ~~بطين رقيق جدا، ويضعون فيه زبلا مدقوقا منخولا ويضعون فيه نارا تسري فيه ~~طول نهاره، وذلك بعد أن يضعوا في كل بيت نحوا من ثلثمائة بيضة، ويغلقوا باب ~~البيت، ويلبدونه من داخله، بحيث لا يدخل إليه نفس هواء، وإذا صار الزبل ~~رمادا غيروه بمثله ويتعاهدوه بالتقليب كل يوم عشية، وبكرة عشرين يوما، وفي ~~آخرها يفقس في التاسع عشر، وتوزن النار حتى تكون في ms163 وزن حرارة الطير في ~~الحضن، فإذا زادت الحرارة نقص من النار وإن نقصت زيد من في النار، وكلما ~~تمادى الزمان نقصوا من النار، وفتحوا كوا وإذا لم يكن للبيض من الحرارة ما ~~تزن الحضن فسد ببرد الهواء والحرارة التي دون الحضان تفسده وتعفنه والتي ~~فوقها تشويه وتجمده( وليس كل البيض يكون منه فرخ، كما ليس كل المني يكون ~~منه ولد )والمعتنون بهذا العمل الذي ذكرناه يسمون البيضة التي لا يكون فيها ~~فروج لاح ويعرفون ذلك في اليوم الثالث(، فإن وقفوا البيضة بين البصر وبين ~~الضوء، فإن كان فيها نقطة حمراء ففيها بزرة، وإن لم يروا النقطة رموا بها ~~ونوفها عن البيض، وكل ما يزق فبيضه قليل، وكل ما لا يزق فبيضه كثير، مثل ~~الدجاج والبط والإوز والقبج، لأن الأنثى لا تقوى على أن تزق عددا كثيرا، ~~وأما الدجاج والقبج، فالأنثى تنفرد بالحضان والتربية والدجاجة تجمع البيض ~~بعد السفاد في أحد عشر يوما، وهي تبيض في السنة كلها ما خلا شهرين شتوية، ~~ومنها ما تبيض ستين بيضة ومنها ما تبيض مرتين في اليوم، )وخلق البيض في ~~عشرة أيام، والبيضة تكون عند خروجها لينة القشر، فإذا أصابها الهواء يبست ~~وهي تشتمل على بياض يسمى الزتيق وصفرة تسمى المح وعليهما قشر رقيق يسمى ~~قيضا، ويعلوه قشر صلب، فالبياض رطوبة غليظة لزجة متشابهة الأجواء، وهي ~~بمنزلة المني، والصفرة رطوبة سلسة ناعمة أشبه شيء بدم قد جمد، وهي للفرخ ~~مادة يغتذي بها من سرته، والذي يتكون من الرطوبة البيضاء عين الفرخ ثم ~~دماغه ثم جلد رأسه ثم ينحاز البياض في لفافة واحدة في جلدة الفرخ، وتنحاز ~~الصفرة في غشاء واحد هي سرة الفرخ فيتغذى منها كتغذي الجنين من دم الحيض ~~فبياض البيضة مادة العظام والغظاريف )والأعصاب والربط والوترات والعروق ~~الضوارب( والسواكن والأغشية، وربما وجد في البيضة محان، قال أرسطو: باضت ~~دجاجة فيما مضى ثماني عشرة بيضة لكل بيضة محان ثم حضنت فخرج من كل بيضة ~~فروجان أحدهما أعظم من الآخر، وخلق الفروج إذا مضت عليه ms164 ثلاثة أيام، ويعرف ~~الذكر بأن يعلق الفروج برأسه فإن تحرك فذكر وإن سكن، فأنثى وكذلك يعرف من ~~البيض وقد ذكرناه. # الوصف والتشبيه # قال أبو الفرج الأصفهاني أبياتا يصف فيها الديك )سنذكرها فيما يأتي إن ~~شاء الله تعالى( جاء منها في وصف البيضة، وتطرف غاية وأبدع نهاية: # فيها بدائع صنعة ولطائف ... الفن بالتقدير والتلفيق # خلطان مائيان ما اختلطا على ... شكل ومختلط المزاج رقيق # صنع يدل على حقيقة صانع ... للخلق طرا ليس كالمخلوق PageV01P095 فبياضها ~~ورق وتبر محها ... في حق عاج بطنت بدبيقي # ولآخر ملغزا: # وصفراء في بيضاء رقت غلالة ... لها وصفا ما فوقها من ثيابها # جماد ولكن بعد عشرين ليلة ... ترى نفسها معمورة من خرابها # فصل # والدجاجة إذا هرمت لم يكن لبيضها مح، وإذا لم يكن لها مح لم يخلق منها ~~فرخ لأنه لا يكون له شيء يغذيه، ويربيه، والعجب من أخلاق الدجاج أنه تمر ~~بها سائر السباع فلا تخشاها، ويمر بها ابن آوى، وهي على سطح فترمي بنفسها ~~إليه، وهي إذا قابلت الديك تشبهت له ورامت السفاد، ورفعت ذنبها حتى لا يعلم ~~أذكر هي أم أنثى، والدجاجة توصف بقلة النوم وسرعة الانتباه، ويقال: إن ~~نومها واستيقاظها إنما هو بمقدار خروج النفس ورجوعه، ويقال: إنما تفعل ذلك ~~من شدة الخوف وأكثر ما عندها من الحيلة أن لا تبيت على الأرض، وأن ترتفع ~~على رف وما شاكله، وإذا أذن بعشاء المغرب فزعت إلى تلك العادة، وبادرت، ~~والفرخ يخرج من البيضة كاسيا كاسبا كيسا ظريفا مليحا مقبولا محببا مكتفيا ~~بمعرفته، حديد الصوت سريع الحركة، يدعى فيجيب ويتبع من يطعمه ويألفه ثم ~~كلما مرت الأيام، ماق وحمق ونقص كيسه، وأقبل قبحه، فلا يزال كذلك حتى ينسلخ ~~من جميع ما كان فيه إلى ضد ذلك ويصير في حال لا ينفع به إلا للذبح أو ~~للصياح، والبيض والفراريج، وهو مشترك الطبيعة يأكل اللحم ويحسو الدم، ويصيد ~~الذباب، وذلك من طباع الجوارح، ويلتقط الحبوب، ويأكل البقول وذلك من طبائع ~~بهائم الطير، وغن مما عابوا به الديك أنه لا ms165 يألف منزله، ولا يعرف ربعه، ~~ولا يحن إلى دجاجة، ولا تتوق نفسه إلى طروقته ولا يشتاق إلى ولده، ولا يذكر ~~ولا يتذكر، ولا يهتدي، ولا يتصور لأنه له طبيعة بلهاء ذاهلة، وذلك أنه إذا ~~سقط على حائط لم تكن له هداية ترشده إلى داره وهو لا يثبت وجه صاحبه، ولو ~~لم يخلق إلا عنده، وفي ظله، وتحت جناحه، ولا يتزاوج لغلبة الشبق عليه وإن ~~مما مدحوه به أن يجمع له عدة دجاج يسوسهن بالمواساة، ولا يؤثر واحدة منهن ~~على صويحباتها، وإنه يعرف الأوقات الزمانية الليلية، ويقسط أصواته عليها ~~تقسيطا لا يكاد يغادر منه شيئا سواء طال الليل أم قصر حتى كان طبعه على ~~حدته وهو لا يصقع لشيء رآه أو تخيله، أو سمع صوتا فأجاب، وإنما يصقع لشيء ~~في طبعه إذ لا قبل ذلك الوقت من الليل هيجه، ولو لم يكن في القرية ديك ~~غيره، وهو يوالي صياحه قبل الفجر ثم بعده إلى أن يبسط النهار، وله أيضا ~~أصوات في النهار لا يعدوهن، موضوعات أيضا على الساعات الزمانية، ومن عجيب ~~أحوال الديكة أنها إذا كانت قد ربيت في مكان ثم دخل عليها ديك غريب سفدته ~~جميعها، والديك يضرب به المثل في السفاد، وذلك أنه ينقر الحب ويحمله بطرفي ~~منقاره حتى يرميه بين يدي الدجاج، وإذا ظفر بشيء منه وهن عنه غيب دعاهن ~~إليه وقنع منه بدون حاجته توفيرا عليهن والديكة تعظم بدليل السند حتى تكون ~~مثل النعام # الوصف والتشبيه # قال بعضهم يصف حسن الدجاجة ونبل الديك: # كان الديك ديك بني نمير ... أمير المؤمنين على السرير # كأن دجاجهم في الدار رقطا ... وفود الروم في قمص الحرير # ولأبي بكر الصنوبري من أبيات يصف ديكا: # مغرد الليل ما يألوك تغريدا ... مل الكرى فهو يدعو الصبح مجهودا # لما تطرب هز العطف من طرب ... ومد للصوت لما مده الجيدا # كلابس مطرفا مرخ ذوائبه ... تضاحك البيض من أطرافه السودا # حالي المقلد لو قيست قلادته ... بالورد قصر عنها الورد توريدا # زان بفصي عقيق يدركان له ... من حدة ms166 فيهما ما ليس محدودا # يقول هذا عقيد الملك منتسب ... في آل كسرى عليه التاج مشدودا # أو فارس شد مهمازيه حين رأى ... لواء قائده للحرب معقودا # وقال السري الرفاء: # كشف الصباح قناعه فتألقا ... وسطا على الليل البهيم وأبرقا # وعلا فلاح على الجدار موشح ... بالوشي توج بالعقيق وطوقا # مرح سدول التاج في لباته ... ومشمرا وشيا عليه منمقا # وقال علي بن الحسين الأصفهاني يصف ديكا من أبيات ويرثيه فيها: # لما بقعت وصرت علق مضنة ... ونشأت نشو المقبل المومق # وتكاملت حلل الجمال بأسرها ... لك من جليل خالص ودبيق PageV01P096 وغدوت ~~ملتحفا بمرط حبرت ... فيه بديع الوشى كف أنيق # ولبست كالطاووس وشيا لامعا ... متلألئا إذ رونق وبريق # من حمرة مع صفرة في زرقة ... تخييلها يخفي على التحقيق # عرض تجل عن القياس وجوهر ... لطفت معانيه عن التدقيق # وكأن سالفتيك تبر سائل ... وعلى المفارق منك تاج عقيق # تزقو وتصفق بالجناح كمنتش ... وصلت يداه الصوت بالتصفيق # وقال أبو هلال العسكري يصفه: # متوج..... بعقيق ... مقرط بلجين # عليه قرطق وشي ... مشمر الكمين # يزهو بتاج وطوق ... كأنه نور عين # حتى إذا الصبح وافى ... مطرز البردين # دعا دعاء طريب ... مصفق باليدين # وقال بعض الأندلسيين: # وكائن نفي النوم من عين فان ... بديع الملاحة حلو المعاني # بأجفان عينيه..ز ياقوتتان ... كأن وميضها جمرتان # على رأسه التاج مستشرفا ... كتاج ابن هرمز في المهرجان # وقرطان من جوهر... أحمر ... يزينانه زين قرط الحصان # له عنق حوله.... رونق ... كما حوت الخمر إحدى القناني # ودارت برائله حولها ... لها ثوب شعر من الزعفران # ودارت بجؤجئه حلة ... تروق كما راقك الخسرواني # وقام له ذنب معجب ... كباقة زهر بدت من بنان # وقاس جناحا على ساقه ... كما قيس ستر على خيزران # وصفق تصفيق مستهتر ... بمخمرة من بنات الدنان # وغرد تغريد ذي لوعة ... يبوح بأشواقه للغواني # ولله أبو علي بن رشيق حيث مزق عليه جلباب الممادح وتركه من سمل الذم في ~~الزي الفاضح في قوله: # قام بلا عقل لا دين ... يخلط تصفيفا بتأذين # فنبه الأحباب من نومهم ... ليخرجوا في غير ما حين # بصرخة تبعث موتى الكرى ms167 ... قد أذكرت نفخ اسرافين # كأنها في حلقة غصة ... أغصه الله بسكين # ولمح في شعره هذا المثل المضروب وهو قولهم )أثقل من الزواقي( وهي الديكة ~~لأنها تفعل في تفريق المحبين فعلا يقصر عنه غراب البين حيث يؤذن صياحها ~~بتصرم ليل الوصال، وتروع رضيع الشفاه اللعس بالفصال وللناس في وصف الديك ~~محاسن كبيرة تركناها لئلا يضيق صدر كتابنا من إبداعها وتسأمها النفوس ~~فتلفضها من أصداف أسماعها، ومن خرافات العرب ما وسعني الإخلال بها ولا ~~الإهمال للأخبار بعجبها، حكى الرياش قال: كنا عند الأصمعي فوقف عليه أعرابي ~~فقال: أأنت الأصمعي؟ فقال: نعم، قال: أنت أعلم الحضر بكلام العرب؟ فقال: ما ~~معنى قول أمية بن أبي الصلت حيث قال: # وما ذاك إلا الديك شارب خمرة ... نديم غراب لا يمل الحوانيا # فلما استقل الصبح نادى بصوته ... ألا يا غراب هل رددت ردائيا # فقال الأصمعي: كانت العرب تزعم أن الديك كان ذا ناح يطير به في الجو وإن ~~الغراب كان ذا جناح كجناح الديك لا يطير بهما، وإنهما تنادما ليلة في حانة ~~يشربان فنفد شاربهما فقال الغراب: لو أعرتني جناحك لأتيتك بشراب فأعاره ~~جناحه فطار ولم يرجع، فزعموا أن الديك عند الصبح إنما يصيح استدعاء لجناحه ~~من الغراب، فضحك الأعرابي وقال: ما أنت إلا شيطان. # القول في طبائع الحجل PageV01P097 وهذا الطائر يسمى دجاج البر، وهو صنفان ~~نجدي، وتهامي، فالنجدي أخضر، أحمر الرجلين، والباقي فيه بياض وخضرة ويسمى ~~الذكر يعقوب، والفرخ الذكر السلك والأنثى السلكة وهذه الأفراخ تخرج كما ~~تخرج الفراريج كاسية كاسبة، يقول أصحاب الكلام في طبائع الحيوان إن الحجلة ~~إذا لم تلقح تمرغت في التراب ورشته، على أصول ريشها فتلقح، ويقال: أنها ~~تبيض بسماع صوت الذكر، وبريج تهب من ناحيته وإذا باضت الحجلة ميز الذكور ~~منها الذكر، وحضنت الأنثى منها الإناث في مكان فحضنتها وكذلك هما في ~~التربية، وفي تركيب هذا الحيوان قوة عند طيرانه حتى إن الإنسان إذا لم يره ~~عند الطيران ظن أنه حفيف حجر من مقلاع فيتخيل منه، والذكر شديد الغيرة على ms168 ~~الأنثى وإذا اجتمع ذكران اقتتلا فأيهما غلب ذل له الآخر، وذهبت الأنثى مع ~~الغالب، وفي طبع الذكر أنه يخدع أمثاله بقرقرته، ولهذا يتخذه الصيادون في ~~اشراكهم ليكثر القرقرة فيجتمع إليه أبناء جنسه فتقبض معه، وهو يفعل ذلك ~~كالمنتقم منها والحاسد لها، وفي طبع الأنثى إذا أصيب بيضها قصدت عش أخرى ~~وغلبتها على بيضها، وربما سرقت بيضة بعد أخرى حتى يتجمع لها ما تحضنه. # الوصف والتشبيه # قال أبو علي بن رشيق القيرواني: # ما أغربت في زيها ... ألا يعاقيب الحجل # جاءتك مثقلة الترا ... ئب بالحلي وبالحلل # صفر الجفون كأنما ... باتت بتبر تكتحل # وتخالها قد وكلت ... بالقوت والصوت الرجل # صغرى أنابيب من ... المرجان محكمة العمل # مشقوقة شق الزجا ... ج لمن تأمل أو عقل # وصلت مذابحها الرؤ ... س بحمرة فيها شعل # لولا اختلاف الجنس وال ... تركيب جاءت في المثل # كلحى الثمانين التي ... خضبت ومنها ما فصل # أو كاللثام أزاله ... فرط التلفت ما فصل # وتخالهن جواريا ... لا يزدرين من العطل # رمت الثياب إلى ورا ... ء عن المناكب تنجدل # وبدت سراويلاتها ... يسحبن وشيا من قبل # حمر من الركبات في ... لون الشقائق أو أجل # عقدتها فوق الصدو ... ر مخالسات للقبل # وشددت بالأعضاء ... من حذر عليها أن تحل # وكأنما باتت اصا ... بعها بحناء تعل # من يستحل لصيده ... فأنا امرؤ لا استحل فصل قال ابن أبي الأشعث: ومن ~~أنواع الطير نوع مزاجه مائي هوائي لأن طيرانه في العلو أكثر من طيرانه في ~~البحار، وكله يفرخ في الدحال والاجام، ومطرد المياه ولا يركب الأغصان، ولا ~~شوامخ الجبال، وإن أولما نبدأ منها أولا: # القول في طبائع الكركي # ذهب بعض الناس أنه الغرنيق، وذهب آخرون إلى أن الغرنيق صنف من الكركي وهو ~~أخضر طويل المنقار، قال أصحاب البحث عن طبائع الحيوان، الأنثى من الكراكي ~~لا تجلس للذكر عند السفاد، وسفاده سريع مثل العصفور، وهو من الحيوان الذي ~~لا يصلح إلا برئيس لأن في طبعه الخور والتمارس بالنوبة والذي يحرس يهتف ~~بصوت خفي كأنه ينذر بأنه حارس، فإذا قضى نوبته قام الذي كان ms169 نائما مستريحا ~~حتى تعفى كلها ما يلزمها من حراسة بعضها بعضا، ولها مشاتي ومصايف، ومنه ما ~~يلزم موضعا واحدا ومنه ما يسافر بعيدا، وفي طبعه التناحر، ولهذا جماعاته لا ~~تطير منقطعة ولا متباعدة بل صفا واحدا تقدمها واحد منها كالرئيس لها، وهن ~~يتبعنه، يكون ذلك حينا ثم يخلفه آخر منها متقدما حتى يصير الذي كان متقدما ~~منها متأخرا، وفي طبعه أن أبويه إذا كبرا عالهما وأتاهما بقوتهما، وقد مدح ~~هذا الخلق أبو الفتح كشاجم يخاطب ولده فقال: # اتخذ في خلة في الكراكي ... أتخذ فيك خلة الوطواط # أنا إن لم تر في غناء ... وببري ترجو جواز الصراط PageV01P098 ومعنى قوله ~~خلة الوطواط أنه يبر ولده ولا يتركه بمضيعة بل يحمله حيث توجه وأما من زعم ~~أن الغرانيق غير الكراكي، وهو الجاحظ، حاكيا عن أرسطو: الغرانيق من الطير ~~القواطع، وليست من الأوابد، وإنها إذا أحست بتغير الزمان أزمعت على الرجوع ~~بلادها وأوطانها، وذكر إنها حارسا ثم تنهض معا، وتطير مع الريح التي تهب، ~~فإذا طارت ترفعت في الهواء جدا كي لا يعرض لها شيء من الجوارح وإن عاينت ~~غيما أو خافت مطرا أو سقطت لطلب ما لا بد له منه من طعم أو هجم عليها الليل ~~أمسكت عن الصياح، وضمت إليها أجنحتها، فإذا أرادت النوم أدخل كل واحد منها ~~رأسه تحت جناحه لأنها ترى أن الجناح أحمل لما يرد عليها من المكروه في ~~رأسه، وينام قائما على إحدى رجليه لأنه يظن إن مكن رجليه نام إذا كان يجب ~~أن يكون نومه غزارا وأما قائدها وسائقها وحارسها فلا ينام إلا وهو مكشوف ~~الرأس فإن نام نومه يكون أقل من العشاش، والغرانيق تقاتل بعضها بعضا، وربما ~~صيدت بسبب ذلك لأنها تشتغل بالقتال عن حفظ أنفسها وفراخها إذا قويت تتعاهد ~~الآباء والأمهات بالطعم، ويقال إن ريشها في شيبتها رماديا، فإذا كبرت اسود ~~وليس ذلك في سائر الطير قالوا: والريش يتحول بياضه إلى السواد ولا يتحول ~~سواده إلى البياض بخلاف الشعر # الوصف والتشبيه # ومورد يجدل قلب الوامق ms170 ... منتظم بالغر والغرانق # وكل طير صافر وناعق ... مكتهل وبالغ ولاحق # موشية الصدور والعواتق ... بكل وشي فاخر وفائق # تختال في أجنحة خوافق ... كأنما تختال في قراطق # يرفلن في قمص وفي يلامق ... كأنهن زهر الحدائق # حمر الحداق نجل الحمالق ... كأنما يجلين في مخانق # كأنما نطقن بالمناطق # القول في طبائع الإوز # وهذا النوع ثلاثة أصناف بطائحي وهو طويل الأسود بزرقة، والتركي وهو مائل ~~إلى البياض، والخبي وهو الضخم الكبير منها، قال أصحاب الفحص عن الكلام في ~~طبائع الحيوان أن الإوز عند الفراغ من السفاد يسبح في الماء كأنه تمام ~~اللذة وكمال السرور، والأنثى من هذا النوع تحضن بيضها ثلاثين يوما فإذا ~~خرجت الفراخ ناهدت أخرى فربتهن وعالتهن فتكون حاضنة وداية تسوسهن وتشفق ~~عليهن كالأم، والذكور تحنو على الفراخ، ولكل منها قضيب تسفد به كالبط، ~~والإوز البطائحية )وتعرف بأرض مصر بالعراقية، تخالف الإوز الخبية في ~~الصياح، لأن الخبية تصيح ذكورها ولا تصيح إناثها، والبطائحية( بخلاف ذلك ~~ولا تحنو على الفراخ ولا تحضن. # الوصف والتشبيه # قال أبو نؤاس يصف إوزا من طردية: # يا رب سرب من أوز رتع ... في صحب الحوت برود المكرع # فهي بين حوم... ورفعمن كل محبوك الشراب ادرع # أصفر فص العين احوى الدمع ... مقرط بتؤمتين أودع # موصلة وجنته... بالأخدع ... عولى متناه بحبك أربع # فهو كبيت اللعب المصنع # وقال الناشئ ناسجا على منواله فقال: # يا رب ضحضاح قريب المشرع ... مطرد مثل السيوف اللمع # مجلل بسابحات وقع ... من كل موشى الطراز ادرع # موشح بمرط المجزع ... أو احصف الزف طرير اسفع # كأن عينيه ولما يهرع ... فصا عقيق ركبا لاصبع # ذي جمة وحف وفرع أفرع ... قرط حسنا بلألئ أربع # وعقد در حول جيد اتلع ... فهو لعين الناظر المستمع # كصنم بجوهر مرصع # وقال أبو نؤاس أيضا: # ومنهل يغتم باغلافق ... حوى من الإوز الشرارق # سود الاماقي صفر الحمالق ... كأنما يصفرن من ملاعق # صرصرة الأقلام في المهارق # وقال أبو علي الحسن بن رشيق يصف فحل إوز: # نظرت إلى فحل الإوز فخلته ... من الثقل في وحل وما هو في وحل ms171 # ينقل رجليه على حين فترة ... كمنتعل لا يحسن المشي في النعل # له عنق كالصولجان ومخطم ... حكى طرف العرجون من يافع النخل # يداخله زهو فيلحظ من على ... جوانبه إلحاظ مهتم العقل # يضم جناحيه إليه كما ارتدى ... رداء جديدا من بني البدو ذو جهل # القول في طبائع البط PageV01P099 وهو أصناف منه الوحشي والأهلي، ومن ~~الوحشي اللقلق، ومن الأهلي الصيني وفراخه تخرج كاسية كاسبة، كالفراريج، ~~وذكر أصحاب الكتب المصنفة في العجائب أن بالرانج بط بيض، وحمر ورقط طوال ~~الأعناق، قصار الأرجل، والبط وإن كان مما يطير على وجه الماء فلا ينبغي أن ~~يحكم عليه بما يحكم على طير لأنه ليس بلونه دائما، ولا يعوم فيه ولا يأكل ~~السمك في كل غذائه، فإنه يأكل النبات والبزور، وهو وإن كان ذا جناح فيه من ~~الريش والقوادم والخوافي فليس بناهض، وإنما انتفاعه بجناحيه أن يكون حتى ~~حدره الماء الجاري إلى مكان لا يجتاز طار مصعدا على وجه الماء في البخار ~~الرطب لا غير، ولهذا الطائر قضيب يخرج من دبره كذكر الكلب عظيم جدا في رأسه ~~زر كالفلكة فإذا سفد لم يخرجه حتى ينقلب تحته، ويحصل له من الأنثى عند ~~السفاد ما يحصل للكلب من الالتحام. # الوصف والتشبيه # قال بعض الشعراء يصف بطة: # اتينا بط كسكر بثياب ... مفصلة من الحرق الحرير # وقد كشفت لنا عن عظم ساق ... قصير مثل قائمة السرير # محملة مناكبها الروابي ... جناحي مثل كركرة البعير # برأس مثل فهر المسك داح ... ومنقار كملعقة البعير # وقال محمد بن أبي زرعة وقد اقترح عليه بعض أصحابه أن يقول في جماعة من ~~البط كانت في بركة ما فقال بديها: # كأنهن وقد أقبلن في نسق ... قراقر العاج قد قمعن بالذهب # القول في طبائع النحام # وهذا الطير يكون أفرادا وأزواجا، وإذا أراد المبيت اجتمع رفوفا فذكوره ~~تنام وإناثه لا تنام، وتعد لها مبايت، إذا ذعرت إحداها طارت إلى آخر، ~~ويقال: إنه لا يسفد، ولا يخرج فراخه بالحضن، وإنما تبيض من زق الذكر لها، ~~وإذا باضت تغربت وتفردت وبقي الذكر عند ms172 البيض يذرق عليه فيقوم حمو الذرق ~~عليه مقام الحضن فإذا تمت مدة الحضن خرجت الفراخ لا حراك بها فتجيء الأنثى ~~فتنفخ في مناقيرها، حتى يجري الريح فيها روحا ثم يتعاون الذكر والأنثى على ~~التربية، وفي الذكر غلظ طبع وقلة وفاء فإنه إذا علم أن فراخه قد قويت على ~~الطعم ضربها وطردها وتذهب الأم معها فلا تقربه إلى وقت السفاد. # القول في طبائع الأنيس # هذا الطائر لم أر أحدا من المتكلمين في طبائع الحيوان ذكره غير أرسطو ~~فإنني عثرت عند مطالعتي لكتاب الحيوان له على ذكره لهذا الطائر، ويغلب على ~~ظني أنه الذي يسميه رماة البندق الانيسه، والله أعلم، قال: وهذا الطائر حاد ~~البصر، وصوته يشبه صوت الجمل، ويحاكيه ومأمواه في قرب الأنهار، وفي الأماكن ~~الكثيرة المياه الملتفة الشجر وله حسن وتدبير في معاشه. # فصل # وكنت أسمع بشحم القاوند، ولم أدر أهو حيوان هوائي أم مائي أم أرضي حتى ~~وقفت على كتاب موضوع في طبائع الحيوان، وخواصه ليس عليه اسم المصنف فرأيته ~~قد قال: القاوند طير يتخذ وكره على ساحل البحر، ويحضن بيضه في شفير الرمل ~~وذلك في طبعه عند قسوة الشتاء وشدة البرد، وهو يحضن أيضا بيضه سبعة أيام، ~~ويخرج فراخه في اليوم السابع، ثم يزقها سبعة أيام أيضا والمسافرون في البحر ~~يتيمنون بهذه الأيام ويوقنون بطيب الوقت، وحلول أوان السفر، ثم قال ~~والمعتبرون بحال هذا الطير يقولون: إن الله تعالى يمسك أمواج البحار عند ~~هيجانها، في زمن الشتاء عن مبيض هذا الطائر وفراخه ببره لأبويه عند كبرهما، ~~وذلك أنهما إذا كبرا حمل إليهما قوتهما وعالهما مدة حياتهما إلى أن يموتا. # فصل # وقد مضى القول فيما نبل من الطير صورة مستوفاة على قدر الاستطاعة فليلحق ~~بذلك ما صغر جرمه، وأهم ما نبدأ بذكره منه، حسن مرأى ومسمعا وأتحفه بهما ~~القدر معا. # القول في طبائع الخطاف PageV01P100 ويسمى زوار الهند وهو من الطير ~~القواطع إلى الناس يقطع البلاد البعيدة إليهم رغبة في القرب منهم والألف ~~بهم من حيث لا يبلغه خير ولا ms173 يطأه صاحب سفر، ثم إنه إذا قطع الناس لم يبن ~~بيته إلا في أبعد المواضع حيث لا تناله أيديهم ولا يحمله الإنس بهم على ترك ~~التحرز منهم ومن ملابستهم والخوف منهم على منع نفسه لذة السكون إليهم فهو ~~لا يبخس الحزم حقه، ولا يمنع الارتقاء بهم حظه، ومن عجيب حاله أنه تقلع ~~عينه فترجع وهو لا يرى أبدا واقفا على شيء يأكله ولا يتناوله، حتى أن بعض ~~المتكلمين في طبائع الحيوان زعم أنه ليس له رجلان، ولا يرى مسافرا، ولا ~~مجتمعا بأنثاه، والخفاش عدو له وهو متى أفرخ وضع في أعشاشه قضبان الكرفس ~~فلا تؤذيه إذا شم رائحته، ولا يفرخ في عش عتيق حتى يطينه بطين جديد وهي ~~يبني عشه جديدا وذلك أنه يهيئ الطين مع التبن، وإذا لم يجد طينا مهيئا ألقى ~~نفسه في الماء ثم تمرغ في التراب حتى يمتلئ جناحاه ويصير شبيها بالطين، ~~وإذا هيأ عشه وضع الجاسي أولا كما يفعل الناس ويصير مقدار العش ما يسعه ~~ويسع أنثاه وفرخيه وهو يساوي في الطعم بينهما، وهو لا يبقي في عشه زبلا بل ~~يلقيه خارجا، فإذا كبر فرخاه علمهما ذلك وأصحاب اليرقان يلطخون فراخ الخطاف ~~بالزعفران فإذا رآهما صقر ظن أن اليرقان أصابهما من شدة الحر فيذهب ويأتي ~~بحجر اليرقان فيطرحه على الفراخ، وهو حجر أصفر فيأخذه المحتال فيعلقه على ~~من به اليرقان أو يحكه ويشرب من مائه يسيرا، والخطاف متى سمع صوت الرعد ~~مات. # الوصف والتشبيه # قال أبو إسحاق الصابي: # وهندية الأوطان زنجية الخلق ... مسودة الأبواب محمرة الحدق # كأن بها حزنا وقد لبست له ... حدادا وأدرت من مدامعها العلق # إذا صرصرت صرت بآخر صوتها ... كما صر ملوي العدو بالوتر الحزق # تصيف لدينا ثم تشو بأرضها ... ففي كل عام نلتقي ثم نفترق # وقال السري الرفاء يصفها من أبيات يصف فيها عرفه: # وغرفتنا بين السحائب نلتقي ... لهن عليها كلة ورواق # تقسم زوار من الهند سقفها ... خفاف على قلب النديم رشاق # أعاجم تلتذ الخصام كأنها ... كواعب زنج راعهن طلاق # آنسن ms174 بنا أنس الإماء تحببت ... وشيمتها غدر بنا وإباق # مواصلة والورد في شجراته ... مفارقة إن حان منه قران # وله أيضا: # وغرفتنا الحسناء قد زاد حسنها ... بزائرة في كل عام تزورها # مبيضة الأحشاء حمر بطونها ... مزبرجة الأذناب سود ظهورها # لهن لغات معجمات كأنها ... صرير نعال السبت عال صريرها # تجاورنا حتى تشب صغارها ... فيلحق فينا بالكبير صغارها # وقال أبو هلال العسكري: # وزائرة في كل عام تزورنا ... فتخبر من طيب الزمان مزارها # تخبر إن الجوراق قميصه ... وإن رياضا قد توشى ازارها # وإن وجوه الغرراق بياضها ... وإن متون الأرض راع اخضرارها # تحن إلينا وهي من غير شكلنا ... فتدنو على بعد من الشكل دارها # ويعجبنا وسط العراص وقوعها ... تمشت إلينا هندها ونوارها # وقال آخر: # أهلا بخطاف أتانا زائرا ... غردا يذكر بالزمان الباسم # لبست سرابيل الصباح بطونه ... وظهوره ثوب الظلام الغائم # القول في طبائع القيق والزرزور # أما القيق فطائر في قدر الحمام اللطيف، وأهل الشام يسمونه أبو زريق، وفي ~~طبعه كثرة الألف بالناس، وقبول التعلم، وسرعة الإدراك لما يلقن من الكلام، ~~وربما زاد على الببغاء في ذلك إذا أنجب، وإذا تعلم جاء بالكلام حروفا مبينة ~~أسماء وأفعالا حتى لا يشك سامعه إذا سمعه ولم يره أنه إنسان، وأما الزرزور ~~فيقال إنه ضرب من الغراب يسمى الغداف، وقال آخرون: هو الزاع، وهو من الطير ~~الذي يلقن فيبلغ منها الأمل في قبول التعليم ولا يرى إلا في الربيع، ولونه ~~أرقط لكن السود أغلب، ومن الشاد في لونه الأبيض، وقد روي في هدية أهداها ~~منويل ملك الروم إلى الأمام المستنصر بالله العبيدي # الوصف والتشبيه # يا رب أعجم صامت لقنته ... ظرف الحديث فصار أفصح ناطق # جون اعير قوة صفرة ... كالليل طرزه وميض البارق # حكم من التدبير أعجزت الورى ... ورأى بها المخلوق ألطف خالق # وقال آخر: PageV01P101 أمنبر ذاك أم قضيب ... يقرعه مصقع خطيب # يختال في بردتي شباب ... لم يتوضح بها مشيب # أخرس لكنه فصيح ... أبله لكنه لبيب # القول في طبائع السماني # ويقال: إنه السلوى ويعد في الطيور القواطع التي لا يعلم من ms175 أين تجيء حتى ~~أن بعض الناس يزعم أنه يخرج من البحر المالح فإنه يرى طائرا عليه واحد ~~جناحيه في الماء والآخر منشور كأنه قلع، ولأهل مصر به عناية حتى أنهم ~~يغالون في ثمنه إذا أنجب، وربما بلغت قيمته ثلاثمائة درهم بيضا وأكثر، وهو ~~صنفان ربيعي، والطرماهي فالربيعي القادم الراجل، والطرماهي القاطن المختلف ~~في الأرض، والبلاد الخصيبة، فيبيض ويفرخ فيها كالحجل، ويصاد في الصيف ~~وأوائل الخريف، ويزعم المعتنون به أن صوته ينقسم على سبعة ضروب وهي: رجف، ~~ومخلع، وتحلق، ومرسل، وحططي، وروهال، وخفيف الضرب، وهو أعلاها، وقالوا: هذه ~~ضروب أصلية تتفرع فروعا على تفريغ الغناء والموسيقى، فالرجف مقابل رست، ~~والتحليق مقابل عراق، والمرسل مقابل أصفهان، ويذكرون من هذا الهذيان الذي ~~لا تقوم عليه حجة، ولا برهان ما لا يسع العاقل سماعه، ولا يألفه طباعه ~~فإنهم استسمنوا ذا روم ونفخوا في غير حزم، وذلك إن حكاية صوته على ما ~~اتفقوا عليه )شفشلق(، ولا اعتبار عندهم في القيمة بحسن الصوت، فإنه قد يوجد ~~من الرجوف ما قيمته أكثر من خفيف الضرب، وذلك لأجل الفراهة برقة الأصوات ~~فإنه وجد منها ما صاح في الليلة الواحدة ثلاثة آلاف صوت، وفي الرجوف ما لا ~~يفهم، ويسمى مغلق وهو بالنسبة إلى ما عداه أعجمي، والغالب عليها قبل أن ~~تفصح )الوعوعة( وحكاية صوتها وعوع، وفيها ما يطلق عليها )أبو طقين( وهو ~~عندهم من الضروب الفرحة لأنه يقول شقلق مرتين في صوت واحد، وعلى كل حال فأي ~~معنى في هذا الكلام حتى تتفاوت فيه الرغبات، وتتوفر عليه الطلبات فيغالي في ~~ثمنه ويفوز يتحصيله من ومن )والله الموفق للصواب( # القول في طبائع الهدهد # وهذا الطائر منتن الريح وإن لم يكن ملطخا بشيء من القاذورات فإنه يبني ~~أفحوصه من الزبل، وليس ابتناؤه منه على قدر رغبته، وحاجته في ألا يتخذ ~~افحوصا إلا منه ولكنه جرى على أعراق أبويه إذ كان هذا الصنع عاما في جنسه، ~~ويضرب به المثل في النتن، قال بعض الشعراء يهجو رجلا: # وأنتن من هدهد ميت ... أصيب فكفن ms176 في جورب # ويذكر عنه أنه يرى الماء في باطن الأرض، كما يراه الإنسان في باطن الزجاج ~~وزعموا أنه كان دليل سليمان عليه السلام على الماء، وبهذا السبب كان تفقده ~~له على أحد أقوال المفسرين للكتاب العزيز، وقال الجاحظ الهدهد، وفي حفوظ ~~وذلك أن الذكر إذا غابت عنه أنثاه لم يأكل ولم يشرب، ولم يشتغل بطلب طعم، ~~ولم يقطع الصياح حتى تعود إليه، فإن حدث بها حادث أعدمه إياها لم يشتغل ~~بعدها بأنثى أبدا، ولم يزل صائحا عليها ما عاش، ولم يمتلئ بعدها من طعام بل ~~منه ما يمسك رمقه إلى أن يشرف على الموت فعند ذلك ينال منه شيئا يسيرا. # الوصف والتشبيه # قال بعض الشعراء ملغزا فيه: # وساجد ليس مثله ... خمس ولم يسجد لغفران # قبلته في كل أفق كما ... صليت في الخوف بنقصان # ولآخر من أبيات: # كأنه إذا أتاه من قرى سبأ ... مبشرا قد كساه تاج بلقيس # يبدو له فوق ظهر الأرض باطنها ... كما تبدت لنا الأقذاء في الكوس # وما أطرف قول أبي الشيص فيه: # لا تأمنن على سري وسركم ... غيري وغيرك أوطئ القراطيس # أو طائر سأحليه وأنعته ... ما زال صاحب تأييد وتأسيس # حمر شقاشقه ميل ذوائبه ... حلو شمائله في الحسن مغموس # قد كان هم سليمان ليذبحه ... لولا سعايته في ملك بلقيس # القول في طبائع العقعق PageV01P102 ويسمى أيضا )كندش( بالشين المعجمة، ~~وهو طائر لا يأوي تحت سقف ولا يستظل به، بل يهيء وكره في المواضع المشرفة ~~وجو الهواء الفسيح، وفي طبعه الزنا والخيانة، ويوصف بالسرقة والخبث، والعرب ~~تضرب به المثل في جميع ما ذكرناه، وإذا باضت أخفت بيضها بورق الدلب خوفا من ~~الخفاش، فإنه متى قرب من البيض مذر وفسد، ويطير من ساعته، وهو يغطي فراخه ~~بجناحيه إذا نزل المطر خوفا عليهما منه وشفقة، وتقول العرب: اموق من عقعق، ~~وإذا كان حذرا فإنه يضيع بيضه وفراخه، وفي طبعه أنه شديد الاستلاب ~~والاختلاس لما يراه من الحلي، فكم عقد ثمين وسلك خطير اختطفه من بين يدي ~~قوم، فأما رقى به وخلفه ms177 في الهواء فأتلفه، وأما أحرزه ثم لم يلتفت إليه ~~أبدا. # الوصف والتشبيه # قال فيه إسحاق الموصلي: # إذا ما بارك الله في طائر ... فلا بارك الله في العقعق # قصير الذنابي طويل الجنا ... ح متى ما يجد غفلة يسرق # يقلب عينيه في رأسه ... كأنهما قطرتا زئبق # القول في طبائع العصفور # وهو ضروب منها ما هو مطرب بصوته معجب بصورته وحسنه، وسيأتي ذكرها فيما ~~بعد إن شاء الله تعالى، فأما العصفور البيوتي، فإن أصحاب الكلام في طبائع ~~الحيوان يقولون أن في طباعه اختلاف لما فيه طباع سباع الطير وبهائمه فالذي ~~فيه من طباع السباع أنه يلقم فراخه، ولا يزقها، ويصيد أجناسا كبيرة من ~~الحيوان ذي الجناح كالنمل إذا طار فراخه والجراد، ويأكل اللحم، والذي فيه ~~من طبائع بهائم الطير أنه ليس بذي مخلب ولا منسر، وهو إذا سقط على عودة قدم ~~أصابعه الثلاث، وأخر الدابرة، وسباع الطير تقدم إصبعين وتؤخر إصبعين، وتأكل ~~الحب والبقول، ويتميز الذكر فيها على الأنثى بلحية سوداء كما للرجال، ~~والتيس، والديك، وليس في الأرض طائر ولا سبع ولا بهيمة أحنى على ولده و أشد ~~به شغفا، وعليه إشفاقا من العصافير فإنها إذا أصيبت أولادها أو خافت عليها ~~العطب فليس في شيء من أنواع من الحيوان المساعدة مثل الذي في العصافير، لأن ~~العصفور يرى الحية قد أقبلت نحو عشه لتأكل بيضه أو فراخه، فإنها مولعة بذلك ~~فيصيح فلا يسمع عصفور إلا أقبل إليه يصنع مثل صنعه بتخوف وقلق ولوعة ~~واستغاثة، فربما أفلت الفرخ فصار إلى الأرض وذهبت الحية فيجتمعن عليه إذا ~~قد نبت ريشه نبات، ولا يزلن يهيجنه للطيران بأن يطرن حوله لعلمها بأن ذلك ~~يحدث بالفرخ قوة على الطيران، فإذا نفض طرن حوله ودونه حتى يحتملنه بذلك ~~العمل والعصفور لا يعرف المشي، فإذا نفض يرفع رجليه فيثب فيضعهما معا ليس ~~معه إلا النقزان وهو كثير السفاد، وإنما سفد في الساعة الواحدة نحوا من ~~خمسين مرة، ولذلك قصر فإنه لا يعمر أكثر من سنة، وعلامة ذلك أن الأطراف ~~السود لا ms178 يظهر فيها إلا في أوان الربيع، وهذا يدل على أنه لا يبقى من ~~الذكور من شدة الوطء وصلابة الوقع على السطح مثل ما للعصفور، ولفرخ العصفور ~~تدرب على الطيران حتى أنه من الغابة البعيدة يدعى فيجيب، قال الجاحظ، ~~وبلغني أنه رجع من فرسخ، ومن ضروب العصافير عصفور الشوك الذي يأوي إليه هذا ~~العصفور، وربما نهق الحمار فيسقط فراخه، وبيضه من جوف وكره، فلذلك العصفور ~~إذا رأى الحمار، قرب من فوق رأسه وعلى عنقه وإذا بطيرانه وصياحه ونقره في ~~جراحه، ويقال إن سبب عداوته له أن معاش هذا العصفور من برز الشوك، وفيه ~~بيضة، والحمار يرعى الشوك إذا كان رطبا. # من ضروب العصافير القبرة وهي غبراء كبيرة المنقار وعلى رأسها قبرة وهذا ~~الضرب خب قاسي القلب، وفي طبعه أنه لا يهوله صوت صائح به، وربما رمي بالحجر ~~فاستخف بالرامي ولطا إلى الأرض حتى يتجاوزه الحجر، وبهذا السبب لا يزال ~~مقتولا أو مأخوذا لأن الرامي يحمله الحنق عليه فلا يزال يرميه حتى يصبه، ~~وهو يصنع وكره على الجادة حبا للإنس، ومن ضروب العصافير: حسون ويسميه أم ~~الحسن، والمصريون السقاية، وهو ذو ألوان حسنة التأليف والتركيب، وذلك أن ~~سائر جسمه متصل الأصباغ بالحمرة والصفرة والبياض والسواد والزرقة والخضرة، ~~وربما علم استقاء الماء من إناء إلى إناء بآلة لطيفة يطيق حملها دبرت له. # الوصف والتشبيه # قال أبو هلال العسكري يصف هذا العصفور # ومفتنة الألوان بيض وجوهها ... ونمر تراقيها وصفر جنوبها # كأن دراريعا عليها قصير ... ة مرقعة أعطافها وجيوبها PageV01P103 تعدل ~~أوزان الأغاني كأنما ... تعدل أوزان الأغاني غريبها # تسام استقاء في الشتاء إذا عرا ... وتعطل أيام المصيف ذنوبها # ومن ضروب العصافير البلبل وهو العندليب )والعندليب ويجمع على فواعل( ~~ويسميه أهل المدينة النغر ويعد من العصافير الدحل وهو طوير اغيبر الرأس ~~لطيف القدر مأواه الشجر ويعد منها البلبل قال الجاحظ: البلبل موصوف بحسن ~~الصوت والحنجرة ومن شأنه إذا كان غير حاذق ولا ماهر أن يطارحه إنسان بشكل ~~صوته فيجيبه، ويتدرب فيتعلم ويجود صوته ويحسن. # الوصف والتشبيه # قال ms179 أبو هلال العسكري: # مررت بدكن القمص سود العمائم ... تغني على أطراف غيد النواعم # زهين بأصداغ تروق كأنها ... نجوم على أعضاد أسود فاحم # ترى ذهبا منهن تحت مآخر ... لها ولجينا نظنة بالمقادم # ولآخر: # كيف الحي وقد خلعت على اللهو ... عذاري وقد هتكت قناعي # وتعشقت بلبلا أنا منه ... في إزعاج إلى والتياع # أنا من ريشه المدبج في زه ... ر ومن شجو صوته في سماع # الباب الثامن # في طبائع الطير الليلي والهمج # والذي يجعلنا ابتداءنا بذكره من ضروبه ما هجر ظهوره في إشراق قرص الشمس ~~وواصله عند غروبه. # القول في طبائع الخفاش # وهذا الضرب عد من الطير اصطلاحا لغويا، وإن كان ليس من الطير في شيء فإنه ~~ذو أذنين وأسنان وخطم وخصيتين بارزتين، ويبول كما تبول ذوات الأربع ويحضن، ~~ويلد، ويرضع، ولا ريش له قال بعض المفسرين للكتاب العزيز لما كان الخفاش هو ~~الذي خلقه عيسى - عليه السلام - بإذن الله تعالى كان مباينا لصنعة الخالق ~~لهذا سائر الطير تقهره وتبغضه، فما كان منها يأكل اللحم أكله، وما لا يأكل ~~اللحم قتله، فلذلك لا يطير إلا ليلا، وقال بعضهم: وسبب مباينة الطير له ~~وإنكارها إياه، مخالفته لها في الخلقة والطيران والسفاد، وسبب وغير ذلك مما ~~ذكرناه آنفا وهو من بين الطير شديد الطيران كثير التكفي سريع التقلب، ~~وطعامه البعوض والفراش يصيدها وقت طيرانه، ولا يبلغ ذلك إلا بما فيه من ~~سرعة اختطافه واختلاسه وشدة طيرانه، ولين أعطافه، وهو من ذلك ليس بذي ريش، ~~وإنما هو لحم وعشاء جلدي صلب كأنه ضفدع، وطيرانه بغير ريش عجيب، ومن عجائبه ~~أنه لا يطير في ضوء ولا في ظلمة، وسبب ذلك أنه ضعيف قوة البصر قليل شعاع ~~العين، ولذلك لا يظهر في ظلمة لأنها تكون غامرة لضياء بصره ولا يطير نهارا ~~لضعف ناظره عن التحديق في ضعاع الشمس فهو لذلك يجعل خروجه في طلب قوته، وقت ~~غروب الشمس، وظهور الشفق، وذلك وقت هياج البعوض وانتشاره، وهو يترك الجبال ~~وبسيط الفيافي وصدوع الصخور، وجزائر البحر ويطلب الناس وقربهم ثم ms180 إذا صار ~~في بيوتهم قصد أرفع مكان فيها وأحصنه، وأبعده من المواضع التي يجتاز بها، ~~وترفع فيها الحوائج، ويذكر بطول العمر حتى يجوز العقاب إلى النسر، ويجوز ~~الفيلة، وحمر الوحش إلى الحيات، ويقال: إن الذي يظهر في ضوء القمر من ~~الخفاش هو المسن ولذلك يضخم ويقبل اللحم على الكبر، )وهو من الحيوان، وليس ~~في الحيوان ما يحمل ولده غيره، والقرد، والإنسان و الطائر له أذنان ~~بارزتان، ويلد، ويرضع أولاده، وله أثداء مثل ذوات الأربع(، ويلد ما بين ~~ثلاثة إلى سبعة، وكثيرا ما يسفد، وهو طائر في الهواء كما أن الظباء قد ~~تتسافد في أحمى عدوها، وأسرع جريها، وهو يحمل ولده تحت جناحيه، وربما قبض ~~عليه بفيه، وذلك من ظنه به وإشفاقه عليه، وربما أرضعت الأنثى ولدها وهي ~~تطير وفي طبعه أنه متى أصابه شجر الدلب خدر ولم يطب. # الوصف والتشبيه # قال بعضهم يصفه عن طريق اللغز: # وطائر جناحه في رجله ... أعجب فصه من وصله # لم يصف الله بخلق مثله ... وهو على تألف في شكله # لو بيع في سوق لم اغله # والكروان: وفي طبعه الطيران في الليل والادلاج والصياح بالأسحار والإشراف ~~على مواضع العساكر، ويوصف بالحمق، ومن حمقه أنه يقال: له اطرق كرا فيلصق ~~بالأرض حتى يرمى وتقول العرب: # اطرق كرا اطرق كرا ... إن النعامة في القرى # والصدى: تزعم العرب في أكاذيبها أن الإنسان إذا مات أو قتل تتصور نفسه ~~صورة طائر تصدح على قبره مستوحشة بجسدها، وفي ذلك يقول توبة بن الحمير حين ~~يقول: PageV01P104 ولو أن ليلى الاخيلية سلمت ... علي ودوني جندل وصفائح # لسلمت تسليم البشاشة اوزقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح # ويزعمون أن هذا وقع، ويحكون عليه حكاية من خرافاتهم، وتقول العرب أن هذا ~~الطائر يكون صغيرا يم يكبر حتى يصير في قدر البوم ويسمونه الهام، واحده ~~هامة وهو يتوحش ويصيح، ويوجد في الديار المعطلة والنواويس، وحيث مصارع ~~القتلى، وأجداث الموتى، ويقولون أنه لا يزال عند ولد الميت ومخلفيه ليعلم ~~ما يكون بعده فتخبره وجاء الإسلام وهم على ms181 ذلك حتى قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم ناهيا لهم: لا عدوة، ولا طير ولا هامة. # القول على البوم # ويقال: أنه الصدى، )ويقال أن الصدر ذكر البوم(، والبوم لا ذكر له منه، ~~وقال بعض المعتنين بالبحث عن أصناف الحيوان، البوم خمسة أصناف منه ما يصيد ~~الأرنب، ومنه صنف له ألوان يأوي الآكام والبرية، ومنه المدبج بصفرة، وله ~~حواجب وقرون من ريش يسكن الجدران، ومنه إلهام وتسمى الغبشية ومنه القز وهو ~~طائر يصيح كالهام لكن صوته أدق وكل هذه الأصناف تحب الخلوة بأنفسها ~~والتفرد، وفي انس طبعها عداوة الغربان، وبعضها على أنها مبغضة لسائر الطير ~~فإن إذا رأوها اجتمعوا عليها. # فصل # وأما الهمج فهو ماله جناح يطير به، ولا يسمى طائرا إلا مجازا عند الجاحظ ~~للمناسبة وأهم ما تقدم ذكره من هذا النوع: # القول في طبائع النحل PageV01P105 وهو حيوان عنده الكيس، والفهم، ~~والنظافة، والطهارة، والشجاعة والنظر في العواقب، ومعرفة فصول السنة وأوقات ~~المطر، قال أرسطو النحل تسعة أصناف منها ستة يأوي بعضها إلى بعض، وذكر ~~أسماءها باليونانية ثم قال وغذاء النحل من الطل، والرطوبات التي يرشح بها ~~الزهر، والورق، ويجمع ذلك ويدخر، وهو العسل، ويجمع مع ذلك رطوبات وسمة يتخذ ~~منها بيوت العسل وأوعية له، وهذه الدسومات هي الشمع، وهو يجلبه على ساقيه ~~)في أطراف الشجر يسقط عليها وإن الربيع مثقل، وفي أعمال النحل(، وتدبيره ~~لمعاشه اختلاف كبير فإنه إذا أصاب خلية نظيفة نقية بنى فيها بيوتا من الموم ~~وهو الشمع أولا ثم بنى البيوت التي تأوي فيها الملوك ثم بنى بيوت الذكر ~~التي لا تعمل شيئا وهي اليعاسيب، والذكور أصغر جثثا من الإناث وهي تكثر ~~المأوى داخل الخلية، وإن طارت فهي تخرج بأجمعها، وترتفع في الهواء ثم تعود ~~إلى الخلية، والنحل تعمل أولا الشمع ثم تلقي البرز لأنه بمنزلة العش للطير، ~~وإذا ألقت البرز تجلس عليه وتحضنه كما تحضن الطير، ويكون عند ذلك البرز دود ~~أبيض موضوع على الشمع من جانب ثم تنهض الدودة وتغتذي بنفسها ثم تنشق له ~~الأرجل، ms182 والأجنحة فيطير، وهو لا يقعد على أزهار مختلفة بل على زهر واحد وإن ~~تعد على زهر آخر إنما يقعد عليه بعد أن ينصرف إلى الخلية، والنحل يملأ بعض ~~البيوت عسلا، وبعضها فراخا ذكورا فإذا اجتمعت الفراخ على ملك بدلا من آخر ~~طارت فإن تبعها الملك الذي تركته قتلته والملك لا يخرج إلا مع جميع النحل، ~~فإذا عجز عن الطيران حملته، ومن خصائص الملك أنه ليس له حمة يلسع بها، ولا ~~يترك في الكوارة بطالا ولا جاهلا لا يجتني ولا ميتة، ولا قذرا بل يأمر ~~بالإصلاح، والنشاط وأمره مطاع متبع وسيرته مرضية فيما بينهم، ويسمى ~~اليعسوب، والنحل يجتمع فتقسم الأعمال فبعضها يحمل العسل وبعضها يحمل الشمع، ~~وبعضها يستقي الماء، وبعضها يبني البيوت، وبيوتها من أعجب المباني لأنها ~~مبنية على الشكل الذي لا ينتهك، ولا ينحرف كأنه استنبط بقياس هندسي ثم هو ~~في دائرة لا يوجد فيها اختلاف وفي طبعه أنه يهرب بعضه من بعض، ويقاتل بعضه ~~بعضها ولا يتقاتل إلا في الخلايا، ويلسع من دنا من الخلية، وربما هلك ~~الملسوع، وربما لسم بأن يعصر موضع اللسعة حتى تخرج الحمة، فإنه إذا لسع ~~تركها مكان اللسعة، ومتى ذهبت الحمة من النحلة ماتت، وإذا هلك شيء من النحل ~~داخل الخلايا أخرجه الأحياء إلى الخارج وفي طبعه النظافة ومن نظافته أنه ~~يلقي رجيعه خارج الخلية لأنه منتن الريح وهو يعمل زماني الربيع والخريف، ~~وما تعمله في الربيع، جود، والصغير أعمل من الكبير وهو يشرب من الماء إذا ~~كان نقيا صافيا عذبا ويطلبه حيث كان ولا يأكل من الأكل إلا قدر شبعه، وإذا ~~قل العسل في الخلية مذقه بالماء ليكثر خوفا من النفاذ وقد علم ذلك من حال ~~المشتار فأنه إذا دخل الخلية وأخذ جميع ما فيها من العسل هلك النحل فإذا ~~أراد بقاءه أخذ بعضه، وترك لها ما يقوتها زمن الشتاء، وما يغذيها عند عدم ~~الزهر، وإذا نفذ العسل أفسد النحل بيوت الملوك وبيوت الذكور، وربما قتلت ما ~~كان في الخلية منها وتلقيه خارجا ms183 والنحل يسلخ جلده كالحيات، وتوافقه ~~الأصوات اللذيذة المطربة، فإنه إذا رقص وصفق بالأيدي اجتمع لذلك، والسوسن ~~يضره، ودواؤده أن يطرح في كل خلية كف من الملح وأن تفتح في كل شهر مرة، ~~ويدخن بزبل البقر، وفي طبعه أنه إذا طار من الخلية لا يزال حائما على ~~الموضع الذي خرج منه حتى يأوي منه إلى شجرة أو سقف وفي طبعه الهداية، فإنه ~~ربما اجتمع في حائط واحد مائة خلية فتخرج وترعى وتروح فتدخل كل نحلة من ~~بيتها إلى خليتها، وأهل مصر يحولون الخلايا في المراكب ويسافرون بها إلى ~~مواضع الزهر والثمر، فإذا أصبح المركب بمكان أرسي فيه وفتحت أبواب الخلايا ~~فيخرج النحل منها ويرتعي يومه أجمع فإذا أمسى عاد إلى المركب وأخذ كل منها ~~مكانه لا يتغير عنه ولهذا الحيوان من عجيب الفطنة وبديع الصنعة وترفيه ~~المعيشة وتشييد المأوى وتدبير المربع والمشتى، والطاعة الكبيرة، والاستكانة ~~لسائس أمره وقائد ما يتعجب من أموره ما ليس في صغير الحيوان ولا من كبيره # الوصف والتشبيه # وينسب لأبي نؤاس في وصفه: # نتاج نحل خلايا غير مفرقة ... خصبت بأطيب مصطاف ومشتاء PageV01P106 فطس ~~الأنوف مغاوير مشمرة ... خوص العيون من الإمعان في التاء # مخضرات كزرق الصقليين بدوا ... في كل مفسوحة بالسحر رقشاء # من مقرب عشرات ذات زمزمة ... وعابد مبتغ منها وعذراء # تغدو فترجع ليلا عن مشاربها ... إلى ملوك ذوي عز واحباء # فهن مؤتمرات للرئيس معا ... تكتن في خدر فسيح وأرجاء # قال أبو إسحاق إبراهيم بن خفاجة الأندلسي يصف شهدة بعث بها إلى بعض ~~أصدقائه حيث يقول: # لله ريقة نحل ... حتى أرتوي من شفاء # رعى الربى والشعابا ... يمج منه رضابا # إن شئت كان طعاما ... أو شئت كان شرابا # وكتب مع هذه الأبيات نثرا جاء منه: وكفى النحلة فضيلة وجلالة صفات أو ~~أوحي إليها، وأثنى الكتاب عليها بمساقط الانداء وراء البيداء فتقع هناك على ~~كل نوارة عبقة، وبهارة أنقة، ثم تصدر عنها بما تطبعه شمعه، وتبدعه صنعه ~~وترتشف منهما ما تحفظه رضابا وتلفظه شرابا، وتتجافى بعد منه عن أكرم مجتنى ms184 ~~في أحكم مبتنى. # القول في طبائع الزنبور # ويسمى الدبر، قال أصحاب اللغة النحلة تسمى زنبورا، وإذا أطلق هذا الاسم ~~فأما يراد به الدبر وهو جنسان جبلي وسهلي، فالجبلي يأوي الجبال والأماكن ~~الحسنة، يعشعش على الشجر، ولونه إلى السواد، وفيه العمال والأمهات، وهي ~~القواد، وبدء خلقه تتخذ دودا، فإذا خلق كسب الدبر العمال طعمها، وأدخلته ~~عليها بيوتها، وهي تتخذ بيوتا من تراب وقماه كبيوت النحل، ويجعل لها أربعة ~~أبواب لمهاب الرياح وإذا تولدت أمهات أخر قتل الدبر العمال ما كان منها في ~~العام الأول ويتميز العمال من الأمهات بصغر الجثة، وله حمة يلسع بها وغذاء ~~الدبر من الحيوان ومن الأثمار والأزهار، وصموغها، ومن العسل والسكر، ~~والأشياء الحلوة إذا وجدها ومتى أخذ من الذكور أحد وشد جناحاه بخيط وترك ~~يضطرب حوله الإناث وهي الأمهات، أما السهلي، ففيه العمال والأمهات أيضا، ~~ولونه أحمر، وهو يتخذ عشه تحت الأرض ويخرج التراب منه كما يفعل مختلف ~~النمل، وهو يختفي في الشتاء، ولا يظهر وأكثره يهلك، ومن الدبر السهلي صنف ~~مختلف اللون مستطيل الجسد، في طبعه الحرص والشره، يطلب المطابخ ويأكل ما ~~فيها من اللحوم، ويطير مفردا، ويسكن بطن الأرض، وهذا الحيوان بأسره مقسوم ~~في وسطه، وهو لذلك لا يتنفس من جوفه البتة، ومتى غمس في الدهن سكنت حركاته، ~~وإنما ذلك يضيق منافذه والله أعلم بالصواب # الوصف والتشبيه # من الغريب البديع في وصفه ما يحكى أن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت دخل على ~~أبيه في حال الطفولية، فقال: ما أبكاك؟ قال: لسعني طائر كأنه ملتف في بردي ~~حبرة، فقال له: قلت والله الاشعر يا بني. # وقال السلامي يصفه وأجاد: # ولابس لون واحد وهو طائر ... ملونة أبراده وهو واقع # أغر بردي طيه فكأنما ... وسود المنايا في حشاه ودائع # إذا حك أعلا رأسه فكأنما ... بسالفتيه من يديه جوامع # يخاف إذا ولى ويؤمن مقبلا ... ويخفي على الأقران ما هو صانع # بدا فارسي الزي يعقد خصره ... عليه قباء زينته الوشائع # فمعجره الوردي أحر ناصع ... ومئزره التبري أصفر فاقع # يرجع ms185 ألحان الغريض ومعبد ... ويسقي كؤوسا ملؤها السم ناقع # وقال السري الرفاء يصفه: # ومخطف الخصر برده حبر ... تخذره وهو خائف حذر # مجنح طار في.... مجنحه ... تصعد طورا به وتنحدر # كأنها والرياح تنشدها ... غرائب الزهر حين تنتشر # لها حمأة كأنها شعر ... تظهر مسودة وتستتر # قد أذهبت في الجبين غرته ... إذا فضضت في جيادنا الغرر # سلاحه الدهر في مؤخره ... يطعن طورا به وينتصر # كأنه شطر ما يجرده ... من بين فكيه حية ذكر # القول في طبائع العنكبوت PageV01P107 وإنما ذكرته مع ذي الجناح لأن له ~~وثبا لا يعدوه الطيران، وهو أصناف منها صنف يسمى الرتيلاء سمها قاتل، وهو ~~عنكبوت صغير، ومنه صنف طويل الأرجل ومنه صنف يسمى الليث يصيد الذبان صيد ~~الفهود، والكلاب، وله ست عيون، وإذا أراد صيد الذباب لطا بالأرض وسكن ~~أطرافه وجمع نفسه ثم وثب على ما يريد صيده فلا يخطئه، وهو يعض الأسد كما أن ~~يعض الكلب ذبان الكلف، قال الجاحظ، ولد العنكبوت أعجب من الفروج الذي يظهر ~~إلى الدنيا كاسيا كاسبا، لأن ولد العنكبوت يقوى على النسيج ساعة يولد من ~~غير تلقين، ولا تعليم، والعنكبوت يطاول في السفاد، وإذا أراد الذكر الأنثى ~~جذبت بعض خيوط نسجها من الوسط، فإذا فعلت ذلك فعل الذكر مثلها فلا يزالان ~~يتدانيان حتى يتشابكا فتصير بطن الذكر قبالة بطن الأنثى، وأول ما يلد دودا ~~صغارا ثم يتغير ويصير عنكبوتا، وهي تحضن وتقبل الصورة بعد ثلاثة أيام، ومن ~~العنكبوت ما هو كبار جدا، ونسجه رديء على وجه الأرض والصخور ومنها ما هو ~~حكيم دقيق الخلق، ومن حكمته أنه يمد السدي ثم يعمل اللحمة ويبتدئ من الوسط ~~ويهيء موضعا لما يصيد في مكان آخر كالخزانة فإذا وقع شيء فيما نسجه وتحرك ~~عمد إليه وشبك عليه حتى يضعف، فإذا علم ضعفه وحمله وذهب به إلى خزانته، فإن ~~كان جائعا أكله، وإن لم يكن امتص رطوبته، وتركه حتى يجوع، وإذا كان المصيد ~~قد خرق من النسج شيئا عاد ورمه، والأنثى هي التي تنسج والذكر يحل وينقض، ~~والذي تنسجه لا ms186 تخرجه من جوفها بل من خارج جسدها، وهي في ذلك شبيه بما يلقي ~~شعره وريشه وشوكه وجلده من الحيوان، وفم العنكبوت مشقوق بالطول لا بالعرض. # الوصف والتشبيه # قال ابن الرومي يصف فهد العنكبوت: # أعجب مستفاد ... أفادني زماني # من الفهود فهد ... في الاسم والعيان # تلك ذوات الأربع ... وذاك ذو ثمان # كأنما أرجله ... مخالب النغران # سيفاه سيفا بطل ... والدرع درع جان # مستأنس ما إن بنى ... والإنس في مكان # وصائد وهو من ال ... صائد في أمان # ذبابه في كفه ال ... طائر مثل العاني # ذبابه يبغي بدلا ... بطائر الخوان # إذا دنا فلم يكن ... بينهما غفران # عانقه أسرع من ... تعانق الأجفان # بخفة الوثوب بل ... بجرأة الجنان # فهو عزيز عزة ... في غاية الهوان # وقال خلف الأحمر في الرتيلاء: # إبعث له يا رب ذا أرجل ... في فمها احجن مثل المنجل # دهماء مثل العنكبوت المحول ... تأخذه من تحته ومن عل # وقال أبو نؤاس يصفه أيضا: # وقانص محتقر ذميم ... كدري لون أغبر قتيم # مشتبك الأعجاز بالحيزوم ... ليس برعديد ولا حموم # ولا عن الحلة بالسؤوم ... لا يخلط الهمة بالتنويم # في طلب الدرة والعلجوم ... ومخرج اللحظة بالخيشوم # أضيف أرضا من محط الميم ... أو نقطة تحت جناح الجيم # كأنما دبيبه في النيم ... دبيب خمر بزلت خرطوم # أسرع من كره طرف يومي ... أو تسعة تنهض في يوم # أرسع من ذي لبدة هضوم # القول في طبائع الجرادة PageV01P108 قال الجاحظ: تقول سرأت الجرادة إذا ~~باضت، فإذا خرج من بيضه فهو دبي، ويخرج دودا أصهب إلى البياض، فإذا تكونت ~~فيه خطوط سود وصفر وبيض فهو المسيح، فإذا ضخم جناحه فذاك الكتفان، لأنه ~~حينئذ يكتف المشي، فإذا ظهرت أجنحته، وصار أحمرا إلى الغبرة فهو الغوغاء، ~~والواحدة غوغاة، وذلك حين يستقل فيموج بعضه في بعض، ولا يتوجه إلى جهة، ~~فإذا بدت في لونه الحمرة والصفرة واختلف في ألوانه فهو الخفيان، فإذا اصفرت ~~الذكور، واسودت الإناث سمي جرادا حينئذ، وهو إذا أراد أن يبيض التمس البيضة ~~المواضع الصلبة والصخور الصلدة التي لا تعمل فيها المعاول فيضربها بذنبه، ~~فتنفرج له ms187 ثم يلقي بيضه في ذلك الصدع فتكون له كالافحوص، ويكون حاضنا له ~~ومربيا، وللجرادة ستة أرجل يدان في صدرها، وقائمتان في وسطها، ورجلان في ~~مؤخرة جسدها، وطرفا رجليها منشاران، والجراد من الحيوان الذي ينقاد إلى ~~رئيس يجتمع كالعسكر إذا ظعن أوله تابع كله ظاعنا، وإذا ترك أوله ترك جميعه ~~ولعابه سم ناقع لا يقع على شيء إلا أهلكه، وجاء في الحديث )الجرادة نثرة من ~~حوت(، ولذلك هو يؤكل ولا يذبح، وفي الجرادة خلقة عشرة من جبابرة الحيوان ~~وجه الفرس، وعينا فيل، وعنق ثور، وقرنا أيل، وصدر أسد، وبطن عقرب، وجناحا ~~نسر، وفخذا جمل، ورجل نعامة، وذنب حية # الوصف والتشبيه # قال بعض الشعراء يصف ما اجتمع فيه حيث يقول: # لها فخذا بكر وساقا نعامة ... وقادمتا نسر وجؤجؤ ضيغم # حبتها أفاعي الرمل بطنا وأنعمت ... عليها جياد الخيل بالرأس والفم # وقال بعض الأعراب يذكره افساده: باكرنا وسمى ثم خلفه ولى حتى كان الأرض ~~وشي منشور عليه لؤلؤ منثور، ثم أتتنا غيوم جراد بمناحل حداد، فأخربت البلاد ~~وأهلكت العباد فسبحان من يهلك القوي الأكول بالضعيف المأكول. وما أظرف قول ~~القائل: # دب الجراد على زرعي فقلت له ... مهلا رويدك لا تعجل بافساد # فقال منهم خطيب فوق سنبلة ... إنا على سفر لا بد من زاد # وقال أبو هلال العسكري يصف جرادة: # أجنحة كأنها ... أردية من قصب # لكنها منقوطة ... مثل صدور الكتب # بأرجل كأنها ... مناشير من ذهب # وقال أيضا فيها: # وأعرابية ترتاد زادا ... فتمرق من بلاد في بلاد # غدت تمشي بمنشار كليل ... تبوع به قرارة كل واد # وتنشر في الهواء عذبات شرى ... على أرجائه نقط المداد # وقال يعلي بن إبراهيم الأندلسي يصف دبأة: # وخيفانة صفراء القرا ... أتتك بلون أسود فوق أصفر # وأجنحة قد ألحقتها لرؤية ... تقاصر عن أنثاه برد محبر # وقال آخر في ذلك: # جرادة حنت القلوب لها ... حين أشارت بناظري ربرب # صفراء حسن يشوبها رقط ... في نقط من عبيرها الأشهب # كأنها والجناح حلتها ... راقصة في ممسك مذهب # القول في طبائع دود القز # وإنما ذكرته مع ذي ms188 الجناح لأن ماله إليه كما سنذكر، وذلك أنه يكون أولا ~~بزرا في قدر حب التين، وهو البيض الذي يتكون فيه وخروجه منه عند استقبال ~~فصل الربيع، وهيئته عند الخروج أصغر من الذر وفي لونه، وهو يخرج في الأماكن ~~الدافئة من غير حضن، إذا كان مصرورا مجعولا في حق، وما تأخر خروجه تضعه ~~النساء تحت ثديهن في صرره، فإذا خرج أطعم ورق التوت، ولا يزال يكبر ويعظم ~~إلى أن يكون في قدر الإصبع، وينتقل من السواد إلى البياض أولا فأول، وذلك ~~في مدة ستين يوما على الأكثر ثم يأخذ في النسيج على نفسه بما يخرجه من فيه ~~إلى أن ينفد ما في جوفه منه، ويكمل عليه ما يبنيه، فتكون كهيئة الجوزة ~~ويبقى فيه محبوسا قريبا من عشرة أيام ثم ينقب عن نفسه تلك الجوزة، ويخرج ~~منها فراشا أبيضا ذا جناحين لا يسكنان من الاضطراب الحركة، وعند خروجه يهيج ~~إلى السفاد فيلصق الذكر ذنبه بذنب الأنثى، ويلتحمان مدة زمانية ثم يفترقان، ~~وتنثر الأنثى البزر الذي قدمناه ذكره على الخرق البيض، تفرش قصدا إلى أن ~~ينفد ما فيها منه ثم يموتان، هذا إذا أريد منهما البزر، وإذا أريد الحرير ~~تركت في الشمس بعد فراغه من النسج لعشرة أيام، يوما أو بعض يوم فيموت، وما ~~أحسن ما أشار إليه الشاعر بما يؤول إليه حال هذا الحيوان وضربه مثلا للحرص ~~على جمع المال: PageV01P109 يعني البخيل بجمع المال مدته ... وللحوادث ~~والأيام ما يدع # كدودة القز ما تبنيه يهلكها ... وغير بالذي يبنيه ينتفع # وهو كثير العوارض لرقة بشرته بينما صحيحا بادي الصلاح مسرورا به إذ دخل ~~عليه عارض، لا يدري فيصغر ويذبل ويموت، وكثيرا ما يلحقه ذلك عندما يريد أن ~~ينسج، وبعد ما تعب على معاناته، ويقال أن السبب إطعامه ورق التوت الحامض، ~~وفيه من أسرار الطبيعة في حال تربيته أنه يهلك من صوت الرعد، وضرب الطشت ~~والهاون، ومن شم الخل، والدخان، ومس الحائض والجنب ويخشى عليه من الفأر ~~والعصفور والنحل والوزع، والحر الكثير يهلكه، وكذلك البرد ms189 الشديد، ومن عجيب ~~شأنه أنه لما كان ورق التوت فوقه كان أول ما يورق من الأشجار، ويوافق ذلك ~~خروج الدود من بيضه فهو يبتدئ مع ورق التوت وينهي عندما ينتهي في الرطوبة، ~~وبينهما مناسبة عجيبة إذ يصير من هذا الورق المحتقر حرير جليل ذو جوهر ~~شريف. # الوصف والتشبيه # قال بعض الشعراء فيها على طريق الألغاز: # وبيضة تحضن في يومين ... حتى إذا دبت على رجلين # واستبدلت بلونها لونين ... حاكت لها خبيئا بلا تزيين # بلا سما وبلا بابين ... وتنقبه بعد ليلتين # فخرجت مكحولة العينين ... قد صنعت بالنقش حاجبين # قصيرة ضئيلة الجبين ... شأنها قد قطعت تاتين # لها جناح سابغ البردين ... ما ثبتا إلا لقرب الحين # إن الردى كحل لكل عين # القول في طبائع الذباب # والعرب تجعل الذباب والفراش والنحل والدبر كلها من الذباب، ويقال إن ~~الذباب يكثر إذا هجت ريح الجنوب، وإنه يخلق تلك الساعة، وإذا هبت ريح ~~الشمال خف وتلاشى وهو من ذوات الخراطيم، وكذلك البعوض ويزعم القائم لهذا: ~~إن الذباب يخرجه ويدخله، متى أحب الأكل، والولوغ، ومن عجيب أمره أنه يلقي ~~رجعيه على الشيء الأسود أبيضا وعلى الأبيض أسودا وقال أصحاب الفحص عن طبائع ~~الحيوان: الذباب لا يظهر إلا في مواضع العفونة والأماكن المستقذرة، فإنه ~~يخلق من أجزاء تلك العفونة، وهو من الخلق الذي مبدأ خلقه من العفونات، ثم ~~يكون السفاد، ويخلق دودا ثم يصير ذبابا وإذا سفد أبطأ في سفاده، وربما بقى ~~الذكر على ظهر الأنثى عامة النهار وهو يتجاوز في ذلك البعير والخنزير ~~والكلب، وهو من الحيوانات الشمسية وذلك أنه يخفي شتاء، ويظهر صيفا، وفيه من ~~أسرار الطبيعة أنه لما لم يخلق لعينيه أجفان يدرأ بهما القذى عنها، كما خلق ~~لسائر الحيوان خلق له في مقدم بدنه يدان زائدتان تتحركان أبدا كحركة ~~الأجفان ليفعلا فعلهما في تنظيف القذى من عينيه لتبقى صافية، وقال عنترة بن ~~شداد يصفه بذلك من قصيدته المعلقة # وخلا الذباب بها فليس يبارح ... هزجا كفعل الشارب المترنم # غردا يحك ذراعه بذراعه ... فعل المكب على الزناد الاجدم ms190 # القول في طبائع البعوض PageV01P110 وهو صنفان: صنف يشبه القراد لكن أرجله ~~خفية، ورطوبته ظاهرة يسمى بالعراق والشام الجرجس، وبمصر البق، ويشم رائحة ~~الإنسان وتعلق به كقراد الجمل والكلب وله لسع شديد جدا، ويقال أنه يتولد من ~~النفس الحار، ولشدة رغبته في الإنسان لا يتمالك إذا شم رائحته، فإن في ~~السقف رمى بنفسه عليه فلا يخطئه، والصنف الآخر طائر، ويسميه العراقيون ~~البق، ويسميه المصريون الناموس، والماء الراكد يولده فإن صار الماء رقراقا ~~استحال دعاميصا، والدعاميص تستحيل فراشا، والبعوض في خلقة الفيل إلا أنه ~~أكبر أعضاء منه، فإن للفيل أربعة أرجل وخرطوما وذنبا، وله مع هذه الأعضاء ~~يدان زائدتان، وأربعة أجنحة وخرطوم الفيل مصمت، وخرطومه أجوف نافذ الخرق، ~~فإذا طعن به جلد الإنسان استقى منه الدم، وقذف به إلى جوفه، فهو له ~~كالبلعوم والحلقوم، ومما ألهم أنه إذا جلس على عضو من أعضاء الإنسان لا ~~يزال يتوخى بخرطومه السان التي يخرج منها النفس والعرق، لأنها أرق بشرة جلد ~~الإنسان، وإذا وجدها وضع خرطومه فيها وهذا الخرطوم على هيئة خرطوم الفيل ~~فيه غضون كبيرة يجمعه بها ويحده إذا أحب بتدريج في خلقه من الدقة إلى الغلظ ~~على تناسب مخصوص، وله رأس هذا الخرطوم سم يستعين به على تليين الجلد الذي ~~يقع عليه، وعلى هضم ما يبتلعه من دم وفيه من الشره أنه يمتص من دم الإنسان ~~إلى أن ينشق ويموت أو يمص إلى أن يعجز من الطيران فيكون ذلك سبب قتله، وله ~~في خرطومه من القوة بحيث أنه يغمسه في جلد الفيل، والجاموس كما يغمس في ~~الإنسان إصبعه في الثريد. ومن طرائف أمر البعوض، أنه ربما قتل البعير وغيره ~~من ذوات الأربع فيبقى طريحا في الصحراء فتجتمع حوله من السباع والطير التي ~~تأكل الجيف فمتى أكل منه شيء منها مات لوقته في موضعه، وكان بعض جبابرة ~~الولاة بالعراق يقتل بالبعوض بأن يأخذ من يريد قتله تعذيبا فيخرجه مجردا ~~إلى بعض الآجام التي بالبطائح فيتركه بها مكتوفا فيقتله في أرجى وقت ~~وأسرعه، ولهذا قال ms191 الجاحظ وبعوض البطائح كجرارات الأهواز، وعقارب شهرزور، ~~فربما ظفر بالسكران النائم فلا يبقى فيه إلا عظما عارية وهي على صغر جرمها ~~قد أودع الله في مقدم دماغها قوة الحفظ، وفي وسطه قوة الفكر، وفي مؤخره قوة ~~الذكر، وخلق لها حاسة البصر، وحاسة اللمس وحاسة السمع، وحاسة الشم، وخلق ~~لها منفذا للغذاء ومخرجا للفضلة، ومتى كان الأمر كذلك فقد خلق لها جوفا ~~وأمعاء وعروقا وعظاما، فسبحان من قدر فهدى، ولم يخلق شيئا من المخلوقات سدى ~~وقال الزمخشري في تفسيره، وفي خلق الله تعالى أصغر من البعوضة وأقل الدرجات ~~فربما تجد في تضاعيف الكتب العتيقة دويبة لا يكاد يجليها البصر الحاد إلا ~~بحركتها، فإذا سكنت فالسكون يواريها، ثم إذا لوحت بها بيدك حادت عنها ~~وتجنبت مضرتها فسبحان من يدرك صورة تلك ويرى أعضائها الظاهرة والباطنة ~~وتفاصيل خلقها، ويبصر بصرها ويطلع على خبرها، وقال بعض المخلصين في دعائه ~~والمستغيث بندائه: # يا من يرى مد البعوض جناحها ... في ظلمة الليل البهيم الأليل # ويرى نياط عروقها في نحرها ... والمخ في تلك العظام النحل # اغفر لعبد تاب من فرطاته ... ما كان مني في الزمان الأول # الوصف والتشبيه # قال بعض الظرفاء: # بعوض جعلن دمي قهوة ... وغنينني بضروب الأغاني # كأن عروقي أوتارهن ... وجسمي الرباب وهن القيان # وقال آخر يصف بعوضة: # مثل الشفاه دائم طنينها ... ركب في خرطومها سكينها # وقال أبو إسحاق الصابي: # وليلة لم أذق من حرها وسنا ... كأن في جوفها النيران تشتعل # أحاط بي عسكر للبق ذه أجب ... ما فيه إلا شجاع فاتك بطل # من كل شائكة الخرطوم طاعنة ... لا يمنع الحجب مسراها ولا الكلل # كانوا علينا وحر الصيف ينضجا ... حتى إذا نضجت أجسادنا أكلوا # القول في طبائع البراغيث PageV01P111 وإنما ذكرناه مع ذي الجناح لأنه من ~~الحيوان الذي له الوثب الذي لا يقصر عن الطيران، وقد حكى الجاحظ عن يحيى بن ~~خالد البرمكي أن البرغوث من الخلق الذي يعرض له الطيران كما يعرض للنمل، ~~والبرغوث مشاء ووثاب، والوثاب من البراغيث لا تمشي وهي تتناكح مستدبرة ~~متعاضلة، والبرغوث ms192 يطيل السفاد، ويبيض، ويفرخ بعد أن يتولد وهو يتولد من ~~التراب لا سيما في المواضع المظلمة، سلطانه، زمن الشتاء والربيع، وإذا اشتد ~~عليه الحر هلك، وهو أحدب أسود ويقال أنه في صورة الفيل وله أنياب يعض بها ~~وخرطوم يمتص به الدم وأرجل تصلح للوثب، ويكمن نهارا ويرتع في الأبدان ليلا ~~وتكثر بمصر، ويطول لبثه فيها، ولا يوجد منه شيء في البلاد الشديدة الحر مثل ~~صعيد مصر، ولا في البلاد الشديدة البرد، وتسميه العرب طامر بن طامر لما فيه ~~من الوثب. # الوصف والتشبيه # قال شاعر مصري جمع بين البق والبعوض والبراغيث: # نومي على ظهر الفراش مبغض ... والليل فيه زيادة لا تنقص # ما عاديات كالذباب تدأبت ... وسرت على عجل فلا تتربص # جعلت مدي خمرا بدائم شربها ... مسترخصات منه ما لا يرخص # فترى البعوض تقينا برتابة ... والبق يسرق والبراغيث ترقص # وقال بعض الأعراب يصف البراغيث وقد سكن مصر: # تطاول بالفسطاط ليلي ولم يكن ... بحنو الغضا ليلي علي يطول # يؤرقني حدب صغار أذلة ... وإن الذي يوقظنه لذليل # إذا ما قتلناهن أضعفن كثرة ... علينا ولا ينعى لهن قتيل # ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... وليس لبرغوث علي سبيل # الباب التاسع # في طبائع حيوان البحر والمشترك PageV01P112 قال ابن أبي الأشعث: وكل ~~حيوان البحر يأوي الماء ويستنشقه كما نستنشق نحن الهواء إلا أنا نستنشقه ~~ومن جرى مجرانا من الحيوان بأنوفنا وينفد إلى الحنك ثم إلى الرئة والسمك ~~يستنشقه بأصداغه فيقوم له الماء في تولد الروح الحيواني في قلبه، ويفي ~~الفضل الشبيه بالدخاني مقام الهواء فينا، ولهذا الحيوان أنف يشم به فقط، ~~وللنفس النفسانية فينا دم وهواء، وهي في السمك دم وماء فقط وإنما استغنى عن ~~الهواء في إقامة الحياة، ولم نستغن نحن وما أشبهنا من الحيوان عنه لأنه في ~~عالم الماء، والأرض دون عالم الهواء ونحن في عالم الماء والهواء والأرض ~~وذلك إنما نغتذي بالبزور والقضب والحيوان، وهذا من جوهر الأرض، ويشرب الماء ~~ويستنشق الهواء، والسمك كله شره كثير الأكل لأمرين: أحدهما: برد مزاج ~~معدته. والآخر قربها ms193 من فمه، ولأنه ليس له عنق ولا قصبة رئة طويلة وحيوان ~~البحر لا صوت له إذ لا رئة له، وبعضه يتنفس في الهواء، ولا صوت له إذ لا ~~حلقوم له، وبعضه له صوت ضعيف رديء، وحاسة الشم فيه قوية، أقوى منها فينا ~~وأشد سمعا منا، وسبب ذلك أن صماخه أصلب من اصمختنا لأن اصمختنا غضروفية ~~واصمخته من جوهر اصداعه، فمصاكة الأصوات لها أشد وقعا وأبصارنا أشد من ~~أبصاره لكدر الروح النفساني فيه لأنه ينظر من غير هواء، فلذلك إذا قربت منه ~~وهو راكد لا يتحرك، فإن صوت به نفر، فعلم من ذلك أن حاسة البصر فيه غير ~~مناسبة لحاسة السمع، ولسانه غليظ قصير، وهو شبيه باللسان وليس لسانا حقيقيا ~~لأن اللسان للصوت، وليس هو مصوتا، واللسان يقلب الغذاء على الأضراس عند ~~المضغ، وهذا الحيوان لأي مضغ دائما، وإنما لسانه يحس الطعام ولأنه سداد ~~لحنجرته، وحماما لحرارة جوفه، وله أضراس، وليست للمضغ، وإنما هي لقتل ما ~~يفترسه من حيوان الماء، والأرض، يطبقها عليه، وفعله هذا يشبه فعل الحية، ~~فإنها تبلع ما ليس بحيوان ازدرادا، وتنهش الحيوان، وتثبت فيه أضراسها، ~~وتفرغ فيه سما يكون سببا لقتله ومقربا له من طبعها ليجود بذلك طعمها ~~وسبيلها في ذلك سبيلنا في تدبيرنا الأغذية بالنار لنقربها من طباعنا إلا أن ~~ذلك لنا بالعقل، ولها بالطبع، ولهذا شعبتان ذواتا مفصلين هما له عوضا عن ~~الخرطوم، أو من اليد المتناول بها ما تأكله، تحركهما كيف تشاء كما يحرك ذو ~~الخرطوم خرطومه، وذو اليد يده، وإنما لم تخلق له القوائم لأنه حيوان سابح، ~~وليس بحيوان ماش، ولذلك خلقت آلات السباحة والحركة في الماء، وكذلك الحية ~~لما لم تكن ماشية لم تخلق لها القوائم، فخلقت طويلة ليكون ذلك أسرع لحركتها ~~على الأرض، والسمك يفر ويركد، وصغاره تحترس من كباره بأن تطلب الشط والماء ~~القليل الذي لا يحمل الكبير، وهو شديد الحول والقوة جدا، وذلك إن قوته ~~المحركة للإرادة تجري في مسلك واحد، ولا ينقسم في يد أو رجل أو شيء ms194 مما ~~يستغل القوة، وهذا بعينه موجود في الحيات، حتى أنه إذا دخل في جحر لم يقدر ~~ذو البطش الشديد من الرجال أن ينتزعها وإن جرها بأشد ما يقدر عليه، واختلف ~~الناس في سفاده، وأقوى الأقاويل أنه يسفد مثل الحية، وإن الذكر يلقح بسفدة ~~يسفدها كثيرا مما في جف الأنثى من البيض، كما يلقح بالشيء اليسير من الكثير ~~وهو ذكر النحل الكثير منها، وعلى هذا إن القول لا يقطع به، وقال أرسطو: من ~~السمك ما يتولد من سفاد ومن بيض ومنه ما يتولد من ذاته، أما من الطين وأما ~~من الحمأة، وأما من الرمل، وأما من العفونة التي تطفو على الماء، وخاصة إذا ~~كانت العفونات غالبة، وتكون في الأرض الذي يكون فيها الطحلب من البحر وتكون ~~على شطوط الأنهار والينابيع، لأن الحرارة تغلب على تلك الأرض فتعفن، ويتولد ~~من عفنها دود يتخلق منه ضروب من السمك وبيض السمك ليس فيه بياض وصفرة، ~~وإنما هو لون واحد، وقال الجاحظ: في السمك القواطع، والأوابد كما في الطير، ~~فإن أهل البصرة والابلة يأتيهم السمك الأسبور ثلاثة أشهر في السنة ثم ينقطع ~~عنهم تسعة أشهر ويخلفه غيره في هذه المدة، ويسمى الجواف ثم يذهب ويعود ~~الأسبور ويقطع إليهم سمك يسمى البرستوك من بلاد الزنج، ولا يوجد في الزنج ~~في الوقت الذي يوجد عندهم، فكذا لا يوجد في البصرة في الوقت الذي يكون في ~~الزنج، وعد أصنافا كثيرة كذلك، ومن أصناف السمك ما هو في شكل الحيات، وهو ~~من أصناف الحشرات والدواب والسباع، فتوالدت تلك الحيات هناك، وأما أن يكون ~~كانت PageV01P113 أمهاتها وآباؤها من ذوات الماء، ثم قال: وكيف دارت ~~الأمور، فإن الحيات في الأصل مائية لأنها مما يعيش في الهواء، وفي الماء ~~كما تعيش في السباسب الجرد، والصخور الصم، وكما تعيش في الرياض والأدغال، ~~وكذا تعيش في الجبال والرمال. # الوصف والتشبيه # أحسن ما وقع لي من ذلك قول بعض كتاب الأندلس من رسالة: تبرق بريق الصوارم ~~المسلولة، وتلمع لمعان الذوابل المصقولة، مدنرة الأصلاب، مفصصة البطون، ms195 ~~مذهبة الأفواه، مجزعة العيون، تصل صليل الرقوق في اضطرابها، وتخطر خطرات ~~العجول بأذنابها. # وقال عطاء بن يعقوب يصف حوتا من رسالة يستدعي بها صديقا، قد أهدى لنا ~~صديق سمكة قد لبست من جلدها شبكة تشبه حملا شكلا وقدا، أو جرابا قد أملئ ~~زبدا، كأنها أرادت أن تحارب السماك، أو حوت الأفلاك، فلبست من جلدها جوشنا ~~مزردا وسلت من ذنبها سيفا مجردا. وقال ابن الرومي يخاطب رئيسا ويستدعي منها ~~سمكا: # يا من أضاء شهاب غرته ... فجلا ظلام الليل ذي الحلك # عسرت علينا دعوة السمك ... أنى وجودك ضامن الدرك # إعلم وقيت الجهل أنك في ... قصر تلته مطارح الشبك # وبنات دجلة في فنائكم ... مأسورة في كل معترك # بيض كأمثال السبائك بل ... مشحونة بالشحم كالعكك # حسنت مناظرها وساعدها ... طعم كحل معاقد التكك # والناقة الغرثاء يرقبها ... قلق الخواطر متعب الملك # فليصطد الصياد حاجتنا ... يصطد موداتنا بلا شرك # فثناء مثلي غير مطرح ... وسؤال مثلك غير مترك # ولآخر: # بأحسنهن كاملها ... بيضاء قصف # ومرهفات قد ... طواهن هيف # نوات أرواح ... خفاف تستخف # فهي كمثل الطير ... في الماء تشف # ومثل هذا قول أبي عبادة البحتري وذكر بركة: # لا يبلغ السمك المحصور غايتها ... لبعد ما بين قاصديها ودانيها # يعمن فيها بأوساط مجنحة ... كالطير ينقض في جو خوافيها # فصل # ومن عجائب الدواب البحرية الدلفين، والرعاد ويوجدان بنيل مصر إلا أن ~~الدلفين يقذفه البحر المالح إلى النيل، فأما الدلفين فصفته كالزق المنفوخ ~~وله رأس صغير جدا، ويقال ليس في دواب البحر ماله رئة غيره، فلذلك يسمح له ~~بالتنفس والنفخ، وهو إذا ظفر بالغريق كان أقوى الأسباب في نجاته فإنه لا ~~يزال يدفعه إلى البر حتى ينجيه، وهو من أقوى الدواب المائية، ولا يؤذي، ولا ~~يأكل السمك، وربما ظهر على وجه الأرض وهو نائم كأنه ميت، وهو يلد ويرضع، ~~وأولاده تتبعه حيث ذهب، ولا يلد إلا في الصيف، وفي طبعه الدعة والاستئناس ~~بالناس، وخاصة الصبيان، وإذا صيد جاءت دلافين كثيرة لقتال صائده فإذا أطلقه ~~لها انصرفت، والكبير منها تتبعه الصغار ليحفظها، وهو إذا رام ms196 صيد السمك صار ~~إلى العمق خلفه في طرفة عين، وإذا لبث في العمق حينا حبس نفسه، وصعد بعد ~~ذلك مسرعا مثل السهم يطلب التنفس، فإذا كانت بين يديه سفينة وثب وثبة ~~يتجاوز بها الدقل إلى الناحية الأخرى، وهو يتزاوج في حركته فلا يرى ذكر إلا ~~مع أنثى. # وأما الرعاد: ففيه من الخاصة أن أحدا من الناس لا يقدر أن يمسه، ومتى وضع ~~الإنسان يده عليه نزعها بحركته وصاح صيحة منكرة ربما دهش بها الإنسان، ووجد ~~في فؤاده خفقانا من ذلك، وفي البحر من عجائب المخلوقات ما لا يسع وصفها ~~كتاب ولا يأتي على القليل منها استيعاب، ويكفي في الإخبار عن ذلك قول ~~القائل حدث عن البحر ولا حرج، وهذا لفظ صدر عن صدر ضاق من كثرة الفحص وحرج. # فصل # وأما المشترك: فإن ابن أبي الأشعث يسميه المائي الأرضي لأنه يأتي الماء ~~ويرتعي فيه، ويستنشق الهواء كما يستنشق الماء ويدب على الأرض ويسعى فيها ~~ولا يحدث بعدم لأنه يستنشق الهواء كما يستنشق الماء إلا أن لبثه في الماء ~~أكثر من لبثه على الأرض، وإيثاره له أكثر من إيثاره لها وأهم ما نبدأ بذكر ~~منه: # القول في طبائع التمساح PageV01P114 وهذا الحيوان لا يكون إلا في نيل ~~مصر، وقد زعم قوم أنه في نهر مهران السند، وهو شديد البطش في الماء، ولا ~~يدخل عليه الأذى إلا من ابطيه، ومنه مقتله ويعظم إلى أن يكون طوله عشرون ~~ذراعا في عرض ذراعين وأكثر، ويفترس الفرس والإنسان، وما أضرف قول أبي نؤاس ~~وقد أنكر هذه الحالة منه حيث يقول: # أضمرت للنيل هجرانا ومقلية ... إذ قيل لي إنما التمساح في النيل # فمن رأى النيل رأي العين من كثب ... فما أرى النيل إلا في البواقيل # وهو إذا أراد السفاد خرج والأنثى إلى البر فيقلبها على ظهرها واستبطنها ~~فإذا فرغ قلبها لأنها لا تتمكن من الانقلاب لقصر يديها ورجليها، ويبس ظهرها ~~وهو إذا تركها على ظهرها لم تزل على تلك الحال حتى تنقلب، وهي تبيض في البر ~~فما وقع ms197 صار تمساحا، وما بقي صار سقنقورا، والتمساح يحرك فكه الأعلى دون ~~الأسفل ولسانه معلق به، ويقال: أنه ليس له مخرج، وإن جوفه إذا امتلأ خرج ~~إلى البر وفتح فمه فجيء طائر معروف بذلك صغير أرقط لا يسقط على فم تمساح ~~إذا فتحه غيره، فلا يزال ينقره بمنقاره ما في جوفه حتى يأتي عليه أو على ~~بعضه فالطائر يأتي يطلب الطعام على معرفة به، فيكون في ذلك غذاء الطائر ~~وراحة التمساح وبعض الناس يقول: إن في رأس هذا الطائر شوكة، فإذا أغلق ~~التمساح عليه فمه حسه بها فيفتحه، وزعم بعض الباحثين عن طبائع الحيوان ~~للتمساح ستين سنا وستين عرقا، ويسفد ستين مرة، ويبيض ستين بيضة ويعيش ستين ~~سنة، ويوجد في سطح جلده مما يلي بطنه سلعة كالبيضة فيها رطوبة دموية كنافجة ~~المسك لا يغادر من رائحة السمك شيئا إلا أنها تنقطع بعد أشهر. # الوصف والتشبيه # وصفه شاعر وأجاد: # وذي هامة كالترس يفغر عن فم ... يضم على مثل الحسام المثلم # ويفتر عن مثل المناشير ركبت ... على مشفر مثل القليب المهدم # مشى في شواة من فقارة غيلم ... وسقف لحيا عن مناكب شيهم # القول في طبائع السقنقور # وبعض أصحاب الكلام في طبائع الحيوان يسميه الحرذون البحري، ويقال أيضا ~~أنه ورل مائي، ومنه ما هو مصري، وما هو هندي وما يتولد في بحر القلزم ~~وببلاد الحبشة وهو يغتذي في الماء بالسمك، وفي البر بالعظايات يسترطه ~~كالحيات وجلده في غاية الحسن لما فيه من التدبيج بالسواد والصفرة والأنثى ~~تبيض عشرين بيضة، وتدفنها في الرمل فتكمل بحرارة الهواء، ويكون ذلك حضنا ~~لها، وقال التميمي: لأنثاه فرجان، ولذكره نزكان كما في الضباب، ومن عجيب ما ~~ركب فيه من الطباع أنه إذا عض إنسانا وسبقه الإنسان إلى الماء واغتسل منه ~~مات السقنقور، وإن سبق السقنقور إلى الماء مات الإنسان وبينه وبين الحية ~~عداوة متى ظفر أحدهما بصاحبه قتله. # القول في طبائع السلحفاة # قال الباحثون عن طبائع الحيوان: السلحفاة تبيض في البر فما أقام به سمي ~~سلحفاة وما وقع إلى ms198 البحر سمي لجأة، فأما ما بقي في البر فإنه يعظم حتى لا ~~يكاد الرجل الشديد يحمله وما ينزل البحر يعظم حتى لا يكاد الحمار العاسي ~~يحمله، وربما وجد فيها ما وزنه أربعمائة رطل، وفيها أربعمائة بيضة كبيض ~~الدجاج، ثم صار بريا فوقع إلى البحر تلف، ولم يستطع الرجوع إلى البر وما ~~صار بحريا فخرج إلى البر وأصابه حر الشمس تلف ولم يستطع الرجوع إلى البحر ~~وللسلحفاة حيلة عجيبة وتوصل خفي في الصيد الذي تصيده من الطائر، فإنه يصعد ~~من الماء ويتمرغ في التراب، ويأتي موضعا قد سقط الطير عليه لشرب الماء ~~فيخفى عليها بكورة لونه التي اكتسبها من الماء والتراب فيصيد منها ما يكون ~~قوتا له، ويدخل الماء ليموت فيأكله، والسلحفاة تحضن بيضها بالنظر إليه، ~~والرصد لا غير، وللذكر نزكان، وللأنثى فرجان، والذكر يطيل المكث في السفاد، ~~وهذا الحيوان مولع بأكل الحيات، وإذا أكلها أكل بعدها صعترا يدفع به سمها. # الوصف والتشبيه # قال شاعر يصفها: # وسلحفاة يمج ... سكونها والحركة # شبهتها بديلمي ... ساقط في معركة # مستتر بترسه ... عمن عسى أن يهلكه # وقال أبو بكر الخوارزمي يصفها: # بنت ماء بدت لنا من بعيد ... مثل ما قد طوى البحاري سفره # رأسها رأس حية وقراها ... ظهر ترس وجلدها جلد صخرة # مثل فهر العطار دق به العط ... ر فحلت طرائق الطيب ظهره PageV01P115 أو ~~كما قد قلبت جفنه شرب ... نقوشها بحمره وصفره # يقطع الخوف رأسها فإذا ما ... أمنته فرأسها مستقرة # وقال ابن صارة الأندلسي يصفها وذكر بركة: # لله مسحورة في شكل ناظره ... حيث الازاهر أجفان وطف # بها سلاحيف الهانئ تغامسها ... في مائها ولها من عريض لحف # تنافر الشط إلا حين يحصرها ... برد الشتاء فتسد في وتنصرف # كأنها حين يبد بها تشوقها ... حبس النصارى على أكتافها الحجف # ولآخر: # لحى الله ذات فم أخرس ... تطيل من العي وسواسها # تكب على ظهرها... ترسها ... وتظهر من جلدها رأسها # إذا الحذر أقلق أحشاءها ... وضيق بالخوف أنفاسها # تضم إلى نحرها كفها ... وتدخل في جوفها رأسها # القول في طبائع الفرس النهري # وهو من ms199 أعظم الحيوان المشترك جثة ولا يوجد إلا بنيل مصر، وخلقته خلقة ~~الفرس إلا أن وجهه أوسع وله ظلفان كالبقر وفي رجليه كعاب مثل كعاب ذي ~~الظلف، )وصوته كصوت الفرس وعظمه كعظم الحمار(، وقوائمه قصيرة جدا أشبه شيء ~~بقوائم الفيل، وهو أعظم من الجاموس، وصورته عظيمة جدا، وله أنياب طوال غلاظ ~~صلاب يكسر بها السفن المحكمة، وأسنانه صفين وذنبه وكأنه حيوان ركب تركيب ~~الطبيعة كما ركبت الزرافة والنعامة، والنمر، )هذه الزيادة من كتاب عبد ~~اللطيف البغدادي، وله ناصية، وجلده مثل جلد الجاموس غليظ جدا، وذنبه مثل ~~ذنب الخنزير، وصوته يشبه صوت الفرس، وجوفه كذلك( ومن أسرار الطبيعة أنه ~~يخرج من النيل ويرعى زهر وليس يبدأ إذا رعى من أدنى الزرع إليه، ولكنه يحوز ~~منه قدر ما يأكل ثم يبتدئ من حيث انتهى إليه مقبلا إلى البحر وربما فاه في ~~المكان الذي يرعى فيه فينبت أيضا، وهو يقتل التمساح ويقهره ويساجله الحرب، ~~ويكون القتال بينهما دولا وأهل ريف مصر إذا رأوا اثر حافره كان ذلك عندهم ~~دليلا على توفو زيادة النيل وكثرة الخصب # القول في طبائع الجندبادستر # ويسمى كلب الماء ولا يوجد إلا ببلاد القفجاق وما يليها، ويسمى السمور ~~أيضا وهو على هيئة الثعلب أحمر اللون لا يدان له، وله رجلان، وذنب طويل ~~ورأسه كرأس الإنسان، ووجهه مدور، وهو يمشي متكئا على صدره كأنه يمشي على ~~أربع، وله أربع خصي اثنتان باطنتان، واثنتان ظاهرتان، وفيه أسرار الطبيعة ~~أنه إذا رأى الصيادين له، لأجل الجندبادستر وهو الموجود في انثييه ~~البارزتين، يجدون في طلبه قطعهما بفيه، ورمى بهما إليهم، إذ لا حاجة لهم ~~إلا بهما فإن لم يبصرهما الصيادون وداوموا على الجد في طلبه استلقى على ~~ظهره حين يريهم الدم فيعلموا أنه قطعهما، فينصرفون عنه، وهو إذا قطع ~~الظاهرتين تبرز الباطنتان وعوض عنهما غيرهما، والجندبادستر بالفارسية كبد ~~فعرب، وتفسيره الخصية، وفي داخل الخصية شبه الدم والعسل، زهم الرائحة سريع ~~التفرك، إذا جف، ذكر جالينوس أن هذا الحيوان ليس فيه غير الجدنبادستر، وقال ~~أنه يوكر ms200 على الأرض، ويولد عليها ويرعى فيها ويهرب إلى الماء، ويعتصم به ~~ويمكنه أن يلبث فيه سابحا زمانا ثم يخرج إلى الهواء. # القول في طبائع القندس والقاقم # فأما القندس فإنه يغتذي بالسمك والنبات، وقد شرف الله تعالى جلده وعظمه ~~إذ جعل الملوك يتخذون منه التيجان، ويطوقون به الأطواق والأذيال والأردان، ~~ويقول أصحاب الكلام في طبائع الحيوان أنه فيه سادة وعبيد، وأنه يتخذ مساكن ~~مرتبة كترتيب مساكن الناس، والأحرار منهم يتخذون صففا يكونون عليها، وفي ~~أسفلها مواضع للعبيد، ولبيوتهم أبواب إلى البر، وأبواب إلى النهر ويعبر ~~بعضهم على بعض، والحر لا يكتسب، وإنما يكتسب العبد له ولسيده، ويعرف جلد ~~العبد بحسن لونه وبصيصه وأهل بلاده يسلخون خراطيمه، وخراطيم السمور ~~ويتعاملون كما يتعامل بالدراهم والدنانير، بشرط أن يكون عليها ختم المالك. # وأما القاقم وهو يشبه السنجاب إلا أنه أبرد منه وأرطب، ولهذا هو أبيض يقق ~~وهو يجلب من البحر الخزري، ويشبه جلده جلد الفيل، ورأيت في بعض المجاميع ~~المجهولة، أن في بعض البحار شاة شعراء تكون في البر مع البهائم حين ترعى ~~فإذا فرغت من رعيها عادت إلى الماء، وتأكل من السمك وذكر فيها خواصا ليس ~~ذكرها من شرطي كتابي. PageV01P116 وذكر بعضهم دابة سماها خز الماء، ولم يسم ~~المكان الذي تكون فيه وقال أنها مثال ابن عرس أو قليلا، سباحتها في الماء ~~كجريها في البر، لها وبر ناعم يعمل منه ثياب الخز. # القول في طبائع الضفدع # وهو أصناف كثيرة، ويكون من سفاد وغير سفاد، فالذي يكون من سفاد يبيض في ~~البر، ويعيش في الماء، والذي من غير سفاد يتولد من المياه القائمة الضعيفة ~~الجري، ومن العفونات، وغب الأمطار، حتى يظن أنه يقع من السحاب لكثرته وكثرة ~~ما يرى منه على السطحة عقيب المطر والريح، وليس ذلك عن ذكر وأنثى وإنما ~~الله تعالى يخلقه في تلك الساعة من طباع تلك التربة والضفادع لا تؤثر أن ~~تستنشق الهواء إلا أنها إذا اضطرت إليه فعلته، وهي من الحيوان الذي لا عظام ~~فيه ويوصف بالرسح، وتقول العرب ms201 في أمثالها )ارسح من ضفدع(، ويوصف بالحذر، ~~وفي المثل )احذر من غراب وعصفور وعقعق وضفدع(، وإذا أراد النقيق أدخل فكه ~~الأسفل في الماء، ومتى دخل الماء فيه لا ينيق. # وما أطرف قول بعض الشعراء وقد ليم على قلة كلامه: # قالت الضفدع قولا ... فسرته الحكماء # في فمي ماء وهل ... ينطق من في فيه ماء # ويعرض للضفدع مثل ما يعرض لبعض الوحوش من النار حيرة إذا رأتها وفكر ~~فيها، وعجب منها، لأن الضفدع ينق فإذا أبصر النار سكت، ولا يزال يدمن النظر ~~إليها، ولذلك يتخذ للضفادع السرج إذا كثر نقيقها، ولذلك تسكت إذا رأت ضوء ~~النهار. # الوصف والتشبيه # ومقعدات زانهن أرجل ... كقعدة الناكح حين ينزل # يكسين وشيا وعيون تكحل # ولآخر: # دعتك في فاضة مدنرة ... ليس لها طرة ولا هدب # قد نسجت من زبرجد فجرى ... بين تضاعيف نسجها الذهب # يطيل صمتا نهاره فإذا ... أدركه الليل بات يصطخب # وهو وإن لم يغط مقلته ... جفن ولا امتد خلفه ذنب # يعجبني ما رآه منه ففي ... خلقته واختلافها عجب # وقال أبو بكر الخوارزمي: # أتعني والديك لما نيطق ... والليل في سربال دخن مطبق # لم يدم كشحاه بضع الفلق ... والنجم في الأفق كعين الأزرق # صوت غريق بعضه لم يفرق ... غصان بالماء ولما يشرق # وجاحظ العين ولما يخنق ... وساهر الليل ولما يعشق # هو الغراب في الخطى والمنطق ... جلد سلحفاة وثب عقعق # وصوت مخنوق ونفخ أشدق ... يرمج لج الماء رمح المحفق # كحذق ملاح غدا فيث زورق # القول في طبائع السرطان # والسرطان جيد المشي، سريع العدو ذو فكين، مخالب وأظفار حداد كبير الأسنان ~~صلب الظهر، من رآه رأى حيوان بلا رأس، ولا ذنب، عيناه في كتفه، وفمه في ~~صدره وفكاه مشقوقتان من جانبين، وله ثماني أرجل مشققات وهو يمشي على جانب ~~واحد، ويستنشق الماء والهواء معا وهو يسلخ جلده في السنة ست مرات، ويتخذ ~~لجحره بابين أحدهما شارع إلى الماء، والآخر إلى اليابس، فإذا سلخ جلده سد ~~عليه مما يلي الماء خوفا على نفسه من السمك، وترك ما يلي اليابس مفتوحا ~~ليصل ms202 إليه الريح، فتخف رطوبته وتشتد، فإذا اشتد فتح ما يلي الماء وطلب ~~معاشه وهذا دأبه. # الوصف والتشبيه # قال شاعر يصفه: # في سرطان الماء أعجوبة ... ظاهرة للخلق لا تخفى # مستضعف المنة لكنه ... أبطش من حاربته كفا # يسفر للناظر عن جملة ... متى مشى قدرها نصفا # ويقال: إن ببحر الصين سرطانات متى خرجت إلى البر استحجرت، والأطباء ~~يتخذون منها كحلا يجلو البياض، ومن عجائب الحيوان المشترك، ما يذكر أن ببحر ~~الروم أمة يقال لها بنات الماء يشبهون النساء ذوات شعور سبط، ألوانهم إلى ~~السمرة ذوات فروج عظام، وثدي، وكلام لا يكاد يفهم وقهقهة، وضحك، وربما في ~~أيدي أرباب المراكب فينكحوهن فيجدون لذلك عظيمة، ثم يعيدوهن إلى البحر، ~~وفيها أيضا رجال يسمى الواحد منهم بالقبطية أبو مرينه، ويقال أنهم يظهرون ~~بالإسكندرية وبالبرلس وبرشيد في صورة ابن آدم بجلود لزجة أو أجسام مشاكلة، ~~لهم بكاء وعويل إذا وقعوا في أيدي الناس وذلك لأنهم ربما برزوا من البحر ~~إلى البر يتشمسون فيقع الصيادين، فإذا بكوا رحموهم وأطلقوهم. # وصف آلات الصيد # فصل PageV01P117 ولما كمل غرضنا والحمد لله تعالى من هذا الباب رأينا من ~~الصواب أن نختمه بما تصبو إليه النفوس من الإتحاف، وتميل إليه من التشبيهات ~~والأوصاف المنظمة التعبير عن آلات الصيد وفتكات الخيل، والكيد، وهي وإن ~~كانت غير متعلقة بالغرض المقصود في هذا الفن، وإنها مما تتشوق إليه ~~الخواطر، والخواطر أبدا تابعة لما خطر لها من هواها وعن، فمن ذلك ما أختير ~~من رسالة كتب بها أبو إسحاق الصابي إلى محمد بن العباس بن فسابخش في صفة ~~الجلاهق، وهي قوس البندق: أقبلت رفقة الرماة قد برزت قبل الذرور للشروق، ~~وشمرت عن الأذرع، والسوق متقلدين خرائط شاكلت السيوف بحمائلها، ونياطاتها ~~وناسبتها في آثارها ونكاباتها تحمل من البندق الملموم كما هو في الصحة ~~والاستدارة كاللؤلؤ المنظوم، كأنما خرط بالجهر فجاء كنبات الفهر، قد اختير ~~طينه، وملك عجينه، فهو كالكافور المصاعد في الملمس والمنظر، وكالعنبر ~~الاذخر في المشم والمخبر، مأخوذ من خير مواطنه مجلوب من أطيب معادنه كافل ~~حامليه ms203 محقق لآمال آمليه ضامن بحمام الحمام متناول لها من أبعد مرام يعرج ~~إليها وهو سم ناقع ويهبط بها وهي رزق نافع. # وبأيديهم قسي مكسوة بأغشية السندس مشتملة منها بأفخر ملبس، مثل الكماة في ~~جواشنها ودروعها، والجياد في جلالها وقطوعها، حتى إذا جردت من تلك ~~المطارفة، وانتضيت من تلك الملاحفة، رأيت منها قدودا مخطفة رشيقة وألوانا ~~معجبة أنيقة صلبة المكاسر، والمعاجم نجية المثابت والمناجم، خطية الأسماء ~~والمناسب سمهرية الأعراق والمناصب، تركبت من شظايا الرماح الداعسة، وقرون ~~الاوعال الناخسة فحازت الشرف من طرفيها، واحتوت عليه بكلتا يديها، قد تحنت ~~المشيخة النساك وصالت صيال الفتية الفتاك، واستبدلت من قدميها في عز ~~الفوارس، بحديثها من أنفس الملابس، وانتقلت من جدها في طراد الفارات إلى ~~هزلها في طرد المستهرات، ظواهرها صفر وارسة، ودواخلها سود دامسة كأن شمس ~~أصيل قد طلعت على متونها، أو جنح ليل اعتكر في بطونها أو زعفرانا جرى فوق ~~مناكبها، أو غالية جمدت على ترائبها، إذ هي قضبان فضة أذهب شطرها وأحرق ~~شطر، أو حبات رمل اعتنق السواد منها والصفر. # وجاء منها في وصف وتر: فلما توسطوا تلك الروضة وانتشروا في الغيطة، وثبت ~~للرمي أقدامهم، وشخصت للطير أبصارهم، وتروها بكل وتر فوق سهمه منه، وهو ~~مفارق للسهم وخارج عنه، مضاعف عليها من وترين كأنه شخص ذو جسدين، أو عناق ~~ضم ضجيعهن في وسطه عين كشجرة كيس مختوم، أو سرة بطن خميص مهضوم محولة عن ~~المحاذاة مزورة عن الموازاة، تروع قلوب الطير بالانباض، وتصيب منهم مواقع ~~الأغراض، هذا ما وقع عليه الاختيار من هذه الرسالة فإن الصابي أتى من بعد ~~هذا الكلام ينعت ما صيد ومن صاد فأطال الرشأ على الواردين، والقصاد، ولضياء ~~الدين بن الأثير الجزري رسالة في المعنى الذي نحاه أبو إسحاق، وأين يفوز ~~المتأخر من المتقدم باللحاق لأن الأول اجتنى ثمر الأدب، وكان حظ المتأخر ~~منه الكلأ وكم عسى يجهد نفسه من جاء في الزمن الأخير فشكلا فلم يبق إلا أن ~~يحذو على مثاله إن اعين فاستطاع، وينسج عن منواله ms204 إن ترك الفكر عصيانه، ~~وأطاع، جاء من هذه الرسالة في وصف القسي وذكر الرماة: إذا تناولها بأيديهم ~~قلت هذه أهلة طالعة في أكف أقمار، وإذا مثل غناؤها وغناؤهم قلت منايا ~~مسبوقة في أيدي أقدار، وتلك قسي وضعت للعب لا للنضال، ولردى الأطيار لا ~~لردى الرجال وإذا نعتها ناعت قال أنها جمعت من بين وصف اللين والصلابة، ~~ووضعت من نوعين غريبين فحازت معنى الغرابة، فهي مركبة من حيوان ونبات، ~~مؤلفة منهما بعد الشتات، فهذا من سكان البحر وسواحله وهذا من سكان البر ~~ومجاهله، ومن صفاتها أنها لا تتمكن من البطش إلا حين تشد، ولا تنطلق في ~~شأنها إلا حين تعطف وترد، ولها بنات احكم تصويرها، وصحح تدويرها، فهي في ~~لونها صندلية الاهاب، وكأنما صنعت لقوتها من حجر لا من تراب، فإذا حذفها ~~نحو الأطيار تقل، وتصعد من الأرض من جبال فيها من برد فلا ترى حينئذ إلا ~~قتيلا بالمثقل الذي لا يجب في مثله فهي كأقله من تلك الأطيار يقبض نفوسها، ~~منزلة لها من السماء على أم رؤوسها ولابن المعتز يصفها على قافية منهوكة ~~أبي نؤاس الطردية: # لا صيد إلا بوتر ... أصغر مجدول ممر # إن مسه الرامي نخر ... ذي مقلة تبكي مدر PageV01P118 صنعة بار مقتدر ... ~~دام عليها فمهر # فجئن أمثال الاكر ... لم يختلفن في الصور # بصغر وللأكبر ... أشبه طين بحجر # يودعن أمثال السرر ... ثم يطرن كالشرر # إلى القلوب والثغر ... لما غدونا بسحر # والليل مسود الطرر ... تأخذ أرضا ونذر # فلاح صبح واشتهر ... جاءت صفوفا وزمر # سوابحا بيض الغرر ... يطلبن ما شاء القدر # روضا جديدا ونهر ... وهن يسألن النظر # ما عنده من أكبر ... فقام رام ما يندر # وتر قوسا وجسر ... إذا رعى الصيف انتثر # هزل عودا قد نخر ... فبين هاو ومنحدر # وسابح على خطر ... وذي جناح منكسر # فارتاح من حسن النظر ... ومسه جن الأشر # وقلن إذا حق القدر ... وجد رمي فانتشر # ما هكذا رمي البشر ... صار حصى الأرض مطر # وقال أبو الفرج عبد الواحد بن نصر الببغاء يصفها أيضا: # وداية ترضع غير درها ms205 ... وقصاء يعليها انحناء ظهرها # مقلتها شاخصة في صدرها ... نجلاء لا تطرف هدب شفرها # طائرة مقيمة في وكرها ... باطشة لكن بغير ظفرها # اراؤها تصدرها عن فكرها ... مجيئة في أصلها وفجرها # بنت كعوب سبيت من خدرها ... فاقتصها الصانع بعد مهرها # بقطعها وبردها ونشرها ... حتى إذا سار خمول ذكرها # مثلت به كمال أمرها ... فلم يزل نيرته نيرها # تنعى إلى الطير امتداد عمرها ... كأنما البندق بعد حرها # جنودها صادرة من صدرها ... جيدت بسحب طميت بصخرها # كأنها تحت انسكاب قطرها ... أسرة لوط مطرت بصخرها # فلم تزل تغمرنا ببردها ... حتى اعترفنا كلنا بشكرها # أفعالها ناطقة بفخرها ... يعنو ملوك الطير خوف مكرها # من بازها في فكه وصقرها ... لا ينكر الجارح عظم قدرها # وقال أبو إسحاق الصابي: # ومرنان معبسة ضحوك ... مهذبة الطبائع والكيان # مغالبة وليس بها حراك ... وباطشية وليس لها يدان # لها في الجارح النسب المعلى ... وإن هي خالفته في المعاني # تطير مع البزاة بلا جناح ... فتسبقها إلى مصب الرهان # وتدرك ما تشاء بغير رجل ... ولا باع يطول ولا بنان # وتلحظ ما تشاء بكل الطرف عنه ... بلا نظر صحيح ولا عيان # لها عضوان من عصب وعظم ... وسائر جسمها من خيزران # يخاطب في الهواء الطير منها ... بلفظ ليس يصدر عن لسان # فإن لم تضع أردتها بطعن ... ينوب الطين فيه عن سنان # مقرطقة ممنطقة خلوب ... مهفهفة مخففة الجران # مذكرة مؤنثة تهادى ... من الأصباغ في حلل القيان # معمرة تزايد كل يوم ... شبيبها على مر الزمان # كأن الله ضمنها فباتت ... لنا في الرزق عن أوفى ضمان # أعز علي العيون من المآقي ... وأحلى في النفوس من الأماني # إذا ما استوطنت يوما مكانا ... تولى الجدب عن ذاك المكان # وقال أبو الفتح كشاجم يصفها: # وثيقة مدمجة الأوصال ... محنية عوجاء كالهلال # تعود إن شئت إلى اعتدال ... باطنها لعاقل الاوعال # والظهر منها لقنا الأبطال ... يجعها أسمر ذو اعتدال # في وسطه من صنعة المحتال ... مثال عين غير ذي احولال # تغذى بصدفات من الصلصال ... أمضى من السهام والنبال # قذى في أعين الآمال ... فاقعة الصفرة كالجريال # رخيصة تغنم كل غال ms206 ... يؤمن منها وثبة الكلال # تعول في الجدب وفي الأحمال ... وقد يكون الصقر كالعيال # مطيها عواتق الرجال ... في غلف ممدوة طوال # كم افضلت على ذوي الافال ... وكم أنالت من أخي نوال # وقربت للطير من آجال # وقال أيضا فيها من أبيات طردية: # وفي يساري من الخطي محكمة ... متى طلبت بها أدركت مطلوبي # للوعل باطن شطريها ومعظمها ... من عود شجراء صماء الانبيب # تأنق القين في تزينها فغدت ... تومي بأحسن تفضيض وتذهيب # في وسطها مقلة منها تبين ما ... ترمي فما مقتل عنها بمحجوب # فقمت والطير قد هم الحمام له ... على سبيلي في عادي وتجويبي PageV01P119 ~~حتى إذا اكحلت بالطين مقلتها ... صبت عليهن حتفا بعد مصبوب # فرحت جذلان لم تكدر مشارب ... ولم تلق آمالي بتخييب # وقال أبو الفرج الببغاء يصف الفخ: # ذو قصر أحدب من غير كبر ... محتقر المنظر جار الخبر # مستنصر لكن إذا ضيم انتصر ... مستأنس إن صله لمس نفر # وإن جنى جناية لم يعتذر ... مفوف سهما إذا شك استمر # قضى له الحب ومأواه الخفر ... لما رأى العصفور حيا قد بدر # أرباب بالحنطة ما بين المدر ... ولم يزل بين الرجاء والحذر # تتبعه الحرص ويعنيه الخطر ... ثم هوى مستبينا لما افتكر # إن بنى الدنيا جميعا في غرر ... وأمل النفع ولم يخش الضرر # فشده الفخ بإشراك العير ... ولم يطق دفع القضاء والقدر # وكثرة الأطماع افات البشر ... وفي تصاريف الليالي معتبر # والحزم إن يجزع من حيث يسر ... وآخر الصفو وإن لذ الكدر # قال ابن المعتز يصف الدبق على طريق الألغاز: # وما رماح غير جارحات ... وليس في الدماء والغات # وليس للطراد والغارات ... يخضبن لا من علق الكماة # بدبق حتف منجز العدات ... مستمكن ليس بذي إفلات # ينشب في الصدور واللبات ... فعل اسار علق الشباة # على عواليها . . . مركبات ... أسنة ليس موقعات # من قصب الريش مجردات ... يحسبن في الهواء شائلات # أذناب جردان منكسات # وقال أبو الفتح كشاجم يصفها أيضا: # واسرات مثل مأسورات ... ممكنات غير ممكنات # مؤملات غير... مكذبات ... صوادق التعجيل للعدات # نواظر الأشكال ذاهبات ... كواسر وليس ضاريات # ولا بما يصدن عالمات ... بمثل ms207 ريق الفحل مطليات # اقتل من سمائم الحيات ... لو صلحت شيئا من الآلات # ووصلت بالزج والشباة ... كانت مكان النبل للرماة # حوامل للطير ممسكات ... تعلق الأحباب بالحبات # كأنها في النعت والصفات ... أذناب ما دق من الحيات # أعذر بالورق المفردات ... فيها من الفتيان بالقينات # فهن من قتلى ومن عناة ... بلا فكاك وبلا ديات # وقال أبو الفرج الببغاء يصف سبطانة: # وجوفاء حاملة تهتدي ... في كل قلب بمقروحه # مقومة القد ممشوقة ... مهفهفة الجسم ممسوجه # مشققة فمها عينها ... تبشر ظني بتصحيحه # فإن هي والجارح استنهضا ... إلى الصيد عاقته عن ريحه # إذا المرء أودعها سره ... لتخفيه باحت بتصريحه # موات يعيش إذا ما أعاد ... لها النافخ الروح من روحه # هي السبطانة في شكلها ... ففي القلب جد تباريحه # تحط أبا الفرخ عن ذكره ... ويستنزل الطير من لوحه # وقال السري الرفاء يصف شبكة: # وجدول بين حديقتين ... مطرد مثل حسام القين # كسوته واسعة القطرين ... تنظر في الماء بغير عين # راصدة كل قريب الحين ... تبرزه مجنح الجنبين # كمدية مصقولة المتنين ... كأنما صيغ من اللجين # وقال كشاجم يصفها: # يا رب نهر متأت ملان ... جم المدود معمر معان # باكرته مع باكر الغربان ... في فتية أفاضل أقران # بمثل أحداق بلا أجفان ... محذوة كحنو طيلسان # كأنها جلدة افعوان ... مزعج بالأطماع والحرمان # مواطن الماء عن الأوطان ... إحدى على صائدها الغرثان # من الضواري الغظف الأذان ... وكاسر البزاة والعقبان # وقال أبو الفرج الببغاء يصف شبكة العصافير: # رقراقة في السراب تحسبها ... على الثرى حلة من الزرد # كالدرع لكنها معوضة ... عن المسامير كثرة العدد # سايرها أعين مفتحة ... لا ترتضي نسبة أحد # كأنها في غرورها زخرف ... الدنيا المشرب المسرور بالكد # كاتب أندلسي يصف الشص: صنافير كأظفار السنانير، قد عطفها القين كالراء، ~~وصيرها الصقل كالماء فجاءت أحد من الإبر، وأدق من الشعر، كأنما مخلب صرد، ~~أو نصف حلقة من زرد. # وقال أبو بكر بن أحمد بن محمد الصنوبري يذكر الشص ويصفه: # أكرم ما أعددته من العدد ... وما حوى صحبي به عناء الأبد PageV01P120 ~~بناء قين حاز في الخندق الأمد ... على مقادير مخاليب الصرد # أو ms208 مثل ما عاينت أصناف الزرد ... لها رؤوس في أعاليها اود # كمثل أبيات الأفاعي اوا حد ... ذوات طعم نكد كل النكد # تشد في أذناب خيل إذ تشد ... ممرة الفيل كامرار المسد # نيطت بأطراف يراع مسترد ... صم الأنابيب قريبات العقد # عجبا بها من حيث ما عاج أحد ... من ظل صفصاف علينا قد يرد # شاطئ نهر لابس درع زبد ... فأطلقت أيديهم إطلاق يد # فلم تزل ترسل طورا وتزد ... حتى تنادوا قد من الحيتان قد # ثم بعثنا ألف عين في جسد ... فجئنا بمثلهن في العدد # ألف من الحيتان بيض كالبرد ... مكسوة دراهم لا تنفد # كذلك الأرزاق من جزر ومد ... والحمد للمهيمن الفرد الصمد # وقال أبو الفتح كشاجم يصف الشض أيضا: # من كان يحوي صيده الفضاء ... وللبزاة عنده ثواه # وطال بالكلب له العناء ... فإن صيدي ما حواه الماء # بمخلب ساعدوه رشاء ... يظل والماء غطاء # كما طوت هلالها السماء ... كأنه من الحروف راء # فهو ونصف خاتم سواء ... يحمل سما اسمه غذاء # وعطبها فيه لنا اجتناء ... تدمي القلوب والأحشاء # عاد إذا ساعده الفضاء ... أمتعنا القريس والشواء # ولله الحمد تم الفن الثالث من مباهج الفكر ومناهج العبر في الطبائع ~~الحيوانية يتلوه الفن الرابع في الفلاحات النباتية إن شاء الله تعالى بحمد ~~الله تعالى وعونه ولطفه وبه المستعان. # تم الفن الثالث من مباهج الفكر ومناهج العبر ويتلوه الفن الرابع من ~~الكتاب في الصفحة التي هذه الورقة، والحمد لله كثيرا. PageV01P121 ms209