######OpenITI# #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : ياقوتة #META# cat: للتنظيم #META# seal: #META# bkid: 381 #META# الكتاب: ياقوتة #META# bkord: 365 #META# idx: 1 #META# iso: ياقوته الغياصه الجامعه لمعاني الخلاصه #META# comp: 1 #META# bk: ياقوتة الغياصة الجامعة لمعاني الخلاصة #META# max: 633 #META# DownloadSource: al-Maktaba al-Shamela al-Zaydiyya #META# DownloadDate: 2020-04-16 #META# ConversionDate: 2020-08-11 #META#Header#End# ### || AUTO [مقدمة المؤلف] # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم. # قال سيدنا شرف الدين بقية العلماء الراشدين، بهاء الدين محيي سنة ~~المرسلين أوحد العصر، وجوهرة الفخر، قدس الله روحه ونور ضريحه: محمد بن ~~يحيى بن أحمد بن حنش [ ] بدأ الشيخ الإمام العلامة بهاء الدين أبو الحسن ~~أحمد بن الحسن الرصاص رضي الله عنه وأرضاه وجعل الجنة مسرحه ومأواه، بذكر ~~الله تعالى ثم ثنى بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله، وثلث بآله. # وإذا أردنا الكلام في مذاكرة هذا الكتاب تكلمنا في سبعة فصول: # الأول: في لم بدأ بذكر الله ثم ثنى بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم وثلث بآله. # والثاني: في معنى الحمد وما يتصل بذلك من ألفاظ الخطبة. # والثالث: في فضل العلم على سبيل الجملة. # والرابع: في فضل علم التوحيد وتمييزه على غيره. # والخامس: في بيان الغرض المقصود بهذا الفن والثمرة المطلوبة منه. # والسادس: في مسائل الاعتقاد وما يتعلق بها. # والسابع: في أبواب الكتاب. PageV01P002 ### || AUTO [ الفصل الأول] # وأما الفصل الأول وهو الكلام في الوجه الذي لأجله بدأ بذكر الله، وثنى ~~بالصلاة على رسول الله، وثلث بالصلاة على آله. # أما الوجه الأول: الذي لأجله بدأ بذكر الله فلدلالة العقل والسمع. # أما العقل: فلأنه هو المنعم على على جميع الخلق بجميع النعم فإذا كان هو ~~المنعم بها وجب شكره عليها؛ لأن شكر المنعم واجب فلذلك بدأ بذكره. # وأما السمع [ 2ب ] فالكتاب والسنة. # أما الكتاب فقوله تعالى:{فاذكروني أذكركم} وقوله تعالى:{فاذكروه ذكرا ~~كثيرا} وقوله تعالى:{ وإن تشكروا يرضه لكم} وقوله تعالى:{الحمد لله رب ~~العالمين} فهذا إلهام من الله تعالى لذكره. # وأما السنة: فما روي عن النبي صلى الله عليه وآله [ ] أنه قال: ((كل أمر ~~ذي بال لم يذكر عليه اسم الله فهو أبتر)) وقيل أقطع، وقيل وقيل خداج)). ~~والمراد بقوله ذي بال أي أمر تخطر وقيل له خطر، وقوله أقطع أي منزوع منه ~~البركة، وذلك لأن بذكر الله تعالى تحصل البركة وتطمئن القلوب كما قال ~~تعالى:{ألا ms001 بذكر الله تطمئن القلوب}. PageV01P003 # وأما الوجه الذي لأجله ثنى بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ~~فالذي يدل عليه الكتاب، والسنة والإجماع. # أما الكتاب: فقوله تعالى [ ]: {ورفعنا لك ذكرك}. ذكر بعض المفسرين أن ~~معنى هذه الآية قرنت ذكرك بذكري وقوله تعالى [ ]:{ إن الله وملائكته يصلون ~~على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}، وهو أمر، والأمر ~~يقتضي الوجوب أو الندب على الخلاف. # وأما السنة: فما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم [ ] أنه قال: ((لا ~~تدعوني كقدح الراكب)) فنهى أن يؤخر ذكره. # وما روي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال [ ]: ((البخيل من ذكرت عنده ولم ~~يصل علي)). # وعنه صلى الله عليه وآله أنه قال [ ]: ((من صلى علي صلاة صلى الله عليه ~~بها عشرصلوات ومحى عنه عشر سيئات ورفع له بها عشر درجات واستبقا الملكان ~~الموكلان به أيهما يبلغ روحي منه السلام- يعني الله عليكم-)) # وأما الإجماع: فلا خلاف في الندب وإن اختلفوا في الوجوب، فعند أبي مسلم ~~القشد إنها تجب في أي وقت. # وقال الطحاوي: تجب في العمر مرة، وعند جمهور أهل البيت عليهم السلام أنها ~~تجب في الصلاة[3أ ]. # وبه قال الشافعي ( ) وعند الناصر للحق عليه السلام: أنها غير واجبة في ~~الصلاة. # وبه قال أبو حنيفة، وإنما هي مسنونة فيها عندهما. # وأما الوجه الثاني لأجله ثلث بآله: # فما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال [ ]: ((لا تصلوا علي الصلاة ~~البتراء، قيل: وما الصلاة البتراء يا رسول الله؟ قال: أن تصلوا علي ولا ~~تصلوا على آلي)). PageV01P004 # وما رواه أبو خالد قال: (عدهن في يدي زيد بن علي ( ) عليهم السلام). # وقال زيد بن علي [ ] عليهم السلام [ ] (عدهن في يدي أبي علي بن الحسين ~~عليهم السلام). # وقال علي بن الحسين: (عدهن في يدي أبي الحسين بن علي عليهم السلام). # وقال الحسين بن علي عليهم السلام:( عدهن في يدي أبي علي بن أبي طالب ~~عليهم السلام). # وقال علي بن أبي طالب عليه السلام: ( عدهن في يدي رسول الله ms002 صلى الله ~~عليه وآله وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ((عدهن في يدي جبريل ~~عليه السلام)). وقال جبريل عليه السلام: (هكذا نزلت بهن من عند رب العزة ~~وهو اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد وبارك على محمد وعلى آل محمد وترحم ~~على محمد وعلى آل محمد، وتحنن على محمد وعلى آل محمد، وسلم على محمد وعلى ~~آل محمد كما صليت وباركت وترحمت وتحننت وسلمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ~~إنك حميد مجيد. قال كل لفظة منها بانفرادها). # واختلفوا العلماء في الصلاة على الآل، فذهب أهل البيت عليهم السلام إلى ~~أنها واجبة في الصلاة وهو أحد قولي (ش) وذهب الناصر عليه السلام و(ح) وأحد ~~قولي (س) إلى أنها غير واجبة. # هذا هو الكلام في الفصل الأول. PageV01P005 ### || AUTO [الفصل الثاني] # وأما الفصل الثاني وهو في معنى الحمد وما يتصل به من ألفاظ الخطبة. # فالحمد: له معنيان أعم وأخص [3ب]. # فالأعم: هو الثناء الحسن والوصف الجميل يدل عليه قول الشاعر: # يا أيها المالج دلوي دلوك # يثنون خيرا ويمجدونك ... إني سمعت الناس يحمدونك # أرجوك للخير كما يرجونك # وقيل إنه جوب بأبيات وهو قوله: # ملأتها ملأ يفيض فيضا ... فلن تنالي ما بقيت عيظا ... فاستنفقينها ثم ~~عودي أيضا # والمالح: هو الذي يكون أسفل البئر. والمالج: هو الذي يكون في أعلاه. # وروي أن أبا علي سئل عن الفرق بين المالح والمالج؟ فقال: فرق بينهما ~~إعجامهما. # والأخص: هو الشكر، وحقيقة الشكر: هو الاعتراف بنعمة المنعم مع ضرب من ~~التعظيم. # والأخص ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القلب، واللسان، والجوارح. # أما القلب فهو: أن يعزم على إظهاره، ويجب إذا اتهم. # وأما اللسان: فبالتعريف التعظيم، وأما الجوارح: فالعمل. PageV01P006 # والفرق بين الأعم والأخص من وجوه: # أحدهما: أن الأعم يوضع موضع الأخص، والأخص لا يوضع موضع الأعم فتقول في الأعم: # حمدتك على إحسانك، وحمدتك على علمك، وحمدتك على شجاعتك، ولا تقول شكرتك ~~على علمك ولا على شجاعتك. # وتقول في الأخص: شكرتك على إحسانك إلي وحمدتك على إحسانك إلى. # والثاني: أن الأخص ms003 لا يكون إلا في مقابلة نعمة، والأعم على كل خصلة من ~~خصال الكمال. # والثالث: أن نقيض الأعم هو الذم؛ لأن الأعم هو المدح، ونقيض المدح هو الذم. # والأخص هو الشكر للنعمة، ونقيض الشكر للنعمة هو الكفر لها. # والرابع: أن الأعم لا يكون إلا بالقول، والأخص بالقلب واللسان والجوارح، ~~يدل عليه قول الشاعر: # أفادكم النعما مني ثلاثة يدى ... ولساني والضمير المحجبا # وعرف الحمد بالألف واللام ليكون مستغرقا للمعنيين جميعا الأعم والأخص ~~لأنه سبحانه يستحق [ 4أ ]الأعم على سائر صفات الكمال، ويستحق الأخص لأنه ~~منعم بأصول النعم وفروعها، هذا في الحمد. # وأما الإله فله معنيان: لغوي، واصطلاحي. # أما اللغوي: فهو من تأله إليه القلوب ويفزع كل مكروب عند النوائب التي ~~تنوب، ولهذا كانت الجاهلية تسمي الأصنام آلهة لأنهم كانوا يفزعون إليها. # وأما الاصطلاحي: فهو من تحق له العبادة ولا يقال هو من يستحقها؛ لأنه ~~يؤدي إلى أحد باطلين إما أن يكون معه ثانيا يستحقها عليه، وإما أنه لم يكن ~~يستحقها في ما لم يعبد في كل حال بمعنى أنه مختص بصفات الكمال والإلهية ~~والاستحقاق مشروط بوجود المستحق عليه. # والعبادة: هي النهاية في التذلل والخضوع للمعبود وهي غاية الشكر للمنعم ~~بأصول النعم. PageV01P007 # والمنعم بأصول النعم ليس إلا الله تعالى فيجب أن يستحقها، وهي مأخوذة من ~~التعبد وهو التذلل، يقال: طريق معبد: أي مذلل لكثرة المشي فيها، ومنه سمي ~~العبد عبدا لتذلله بالرق. # وقوله على نعمة: على حرف جر، ونعمة جمع نعمة. # فنتكلم في حقيقة النعمة وأسمائها وقسمتها. # فحقيقة النعمة: هي المنفعة الحسنة التي قصد بها صاحبها وجه الإحسان إلى الغير. # قلنا: المنفعة احتراز من المضرة، وقلنا: الحسنة احتراز من القبيحة، ~~واختلف الشيخان أبو علي وأبو هاشم. # فقال أبو هاشم : تكن نعمة وإن كانت قبيحة قبل أن تهب للغير جميع ما يملكه ~~لقوله تعالى: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط}. فنهى أن ~~يتصرف بجميع ما يملكه، والنهي يقتضي القبح، ومعلوم أنه لو فعل ذلك لكان منعما. # وقال أبو علي: إنها ms004 لا تكون نعمة إلا إذا كانت حسنة. # وقلنا: قصد احترازا من أن لا يقصد مثل من يلقى طعاما على قارعة الطريق ~~وينتفع به الغير. # وقلنا: صاحبها ولم نقل فاعلها لأنه قد يكون منعما وإن لم يصدر منه [ 4أ ] ~~فعل كأن لا يطالب غريمه بالدين، فإنه يكون منعما بترفيهه عليه أو بأن يأمر ~~غيره بالفعل. # وقلنا: وجه الإحسان احتراز من أن يقصد وجه الإضرار مثل من يقدم للغير ~~طعاما مسموما ليقتله به أو ليثبطه حتى يأتيه عدوه يقتله فإنه لا يسمى ~~منعما؛ لأنه قصد وجه الإضرار. # وقلنا: إلى الغير احتراز من أن يقصد بإيصال المنفعة إلى الغير نفع نفسه، ~~مثل من يقدم إلى الملك شيئا ليرد له في مقابلته فإنه لايسمى منعما لأنه قصد ~~بذلك منفعة تعود عليه، وكذا من كسا عبده ليربح عليه إذا باعه فإنه غير منعم ~~على العبد لأنه قصد بذلك نفع نفسه، هذا في حقيقة النعمة. # وأما تسميتها فتسمى: نعمة، ويدا وفضلة، وفضلا، وجهوا، وجدوى، وحباء وهبة، ~~وموهبة ومنة وعطية. # وأماقسمتها فهي تنقسم إلى قسمين: أصول، وفروع. # أما الأصول فهي ست: PageV01P008 # خلق الحي، وخلق حياته، وخلق شهوته، وخلق قدرته، وتمكينه من المشتهى، فهذه ~~الخمسة مترابطة ولا تكن نعمة إلا بمجموعها، والسادس: العقل فإنه أصل في ~~نعمة الثواب، لأنه لا يحصل إلا بالتكليف، والتكليف من شرطه كمال العقل، ~~والخمسة المتقدمة تكون نعمة من دونه وهو لا يكون نعمة إلا بأن ينضم إليها. # وأما الفروع فهي: التناول كالأكل والشرب وسائر المتناولات. # وأما قوله التوام، فمعنى التوام: الكوامل لأن نعم الله تعالى تامة جميعها ~~وأياديه الجسام. الأيادي: هي النعم في هذا الموضع، واليد لفظة مشتركة بين معان: # أحدها: اليد بمعنى الجارحة وعليه يحمل قوله تعالى:{فاقطعوا أيديهما} ~~وجمعها أيدي، وبمعنى النعمة وعليه يحمل قوله تعالى [ ]: {بل يداه مبسوطتان} ~~[ 5أ] أي نعمتها، وجمعها أيادي. # وعليه أيضا قول الشاعر : # يا بن الخليفة يا معاوية إنني ... أرجو نوالك فاتخ عندي يدا # ويد: بمعنى القدرة ويدل عليه قوله تعالى [ ]:{يد الله فوق أيديهم} أي قدرته. ms005 # وقول الشاعر : # لا شفاك الله والله ما بنا ... لما حملت منك الضلوع يدان # وقول آخر : # وإذا رأيت المرء شعب أمره ... شعب العصي وثلج في العصيان # ويد بمعنى المظاهرة والمعاونة، ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم [ ]: ~~((المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وأقصاهم وهم يد على من ~~سواهم)). # ويد بمعنى الذمة والصغار يدل عليه قوله تعالى [ ]: {حتى يعطوا الجزية عن ~~يد وهم صاغرون} أي عن ذلة وصغار. # ويد بمعنى أمام الشيء يدل عليه قوله تعالى:{وهو الذي يرسل رياحا بشرا بين ~~يدي رحمته}أي أمام رحمته. # ويد بمعنى الجملة ومنه قوله تعالى [ ]:{ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس ~~بظلام للعبيد} أي بما فعلته أنت، وإن كان لسانه أو بصره أو سمعه أو فؤاده ~~وغير ذلك من سائر جوارحه الجسام معناه العظام. # الذي هدانا، اعلم أن الهدي لفظة مشتركة بين معان: PageV01P009 # أحدها: هذا بمعنى الدلالة والبينات عليه مثل قوله تعالى [ ]: {شهر رمضان ~~الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان}، أي دلالة وبيان. # وهدى بمعنى التوفيق والتسديد وعليه يحمل قوله تعالى [ ]: {والذين اهتدوا ~~زادهم هدى} أي شرح صدورهم. # وأما قوله تعالى[ ]:{فأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} [5ب] ~~فأخبر أنه تعالى هداهم فاستحبوا العمى على الهدى الأول، وبين لهم فلم ~~يختاروه لأنفسهم فلم تحصل لهم الزيادة. # وهدى بمعنى السلوك وعليه يحمل قوله تعالى [ ]:{إهدنا الصراط المستقيم}، ~~وهدى بمعنى الثواب وعليه قوله تعالى [ ]:{سيهديهم ويصلح بالهم} أي سيثبتهم. # قوله للإسلام، والإسلام والإيمان والدين معناه في الشرع واحد وهو فعل ~~الطاعات وترك المقبحات والمكروهات، والإسلام في أصل وضع اللغة هو الإستسلام ~~والإنقياد، وقال زيد بن عمرو بن نفيل: أسلمت وجهي لمن أسلمت له المزن لحملن ~~عدنان لا لا وعليه قوله تعالى [ ]:{قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن ~~قولوا أسلمنا} أي استسلمنا وانقدنا. # والإيمان في أصل اللغة: بمعنى التصديق، وعليه قوله تعالى [ ]:{وما أنت ~~بمؤمن لنا} أي بمصدق لنا، ويستعمل في الإيمان من الخوف. # وأما الدين: فهو مشترك بين معان خمسة: ms006 # أحدها: بمعنى الجزاء، وعليه حمل قولهم كما تدين تدن أي كما تفعل تجازى، ~~قال الشاعر: # إلى ديان يوم الدين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم # وثانيها: بمعنى الملة وعليه قوله تعالى [ ]:{لكم دينكم ولي دين}. # وثالثها: بمعنى الحساب قال [ ] {مالك يوم الدين}، أي يوم الحساب. # ورابعها: بمعنى الطاعة، يقال: فلان على دين الإسلام، أي هو مقيم على طاعة ~~من هو المقيم بهذه الشريعة وهو محمد بن عبدالله عليه السلام. # ويقال: دان لك القوم، أي طاعوك. # وخامسها: بمعنى العادة، وعليه قول الشاعر: # يقول وقد دارت لها وطيتي ... أهذا دينه أبدا # وديني أمي عادته وعادتي PageV01P010 وأما قوله: وجعلنا من أمة محمد عليه السلام [6أ]: # فالجعل لفظة مشتركة بين معان سبعة: # أحدها: بمعنى الخلق والإيجاد قال تعالى [ ]:{وجعل الظلمات والنور} أي خلقها. # وثانيها: بمعنى اللطف قال تعالى:{واجعلنا مسلمين لك} أي الطف لنا في ~~الإسلام ووفقنا للثبات عليه. # وثالثها: بمعنى الحكم والتسمية قال تعالى:{وجعلوا الملائكة الذين عند ~~الرحمن إناثا} أي سموهم وحكموا عليهم. # ورابعها: بمعنى الطرح والإلغاء قال تعالى [ ]: {ويجعل الخبيث بعضه على ~~بعض فيركمه جميعا} أي يلقي بعضه ويطرحه عليه. # وخامسها: بالمعنى الصيرورة، يقال: جعل الصانع السبيكة خلعا أي صيرها، ~~وقال تعالى [ ]: {ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا} أي صيره. # وسادسها: بمعنى الإرسال وقال تعالى [ ]:{جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة} ~~ومنه قول القائل: جعل فلان فلانا رسولا، أي أرسله. # وسابعها: بمعنى التمليك، يقال: جعلت هذه الدار ليزيد، أي ملكته إياها، ~~وقال تعالى [ ]:{إني جاعلك للناس إماما} أي ملكتك تصرفات الأئمة على الناس. # وأما قوله أمة لفظة مشتركة بين معان: # أحدها: بمعنى الواحد المعظم قال تعالى:{ إن إبراهيم كان أمة} أي كان ~~معظما، ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم في زيد بن عمرو بن نفيل قال: ~~((يبعث يوم القيامة أمة وحده)). # وثانيها: بمعنى الزمان قال تعالى [ ]:{وادكر بعد أمة} أي بعد زمان. # وثالثها: بمعنى الملة قال تعالى [ ]:{إنا وجدنا آباءنا على أمة} أي على ملة. # ورابعها: بمعنى الجماعة، قال تعالى [ ]:{ووجد عليه أمة ms007 من الناس يسقون}. # وخامسها: بمعنى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهم من بعث إليهم الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم، واختلف العلماء في أمته عليه السلام فمنهم من ~~قال: كل من بعث إليه سواء صدقه أو كذبه، فعلى هذا يكون اليهود والنصارى من ~~أمته، ومنهم [6ب] من قال: أمته من بعث إليهم فصدقوه وبايعوه، فلا يكون ~~المكذب له من أمته. PageV01P011 # وأما قوله محمد فنقيضه مذمم قال امرأة أبي لهب لعنها الله لعنا وبيلا: مذمم ~~قلينا ودينه أبينا، لا صمنا ولاصلينا، واللات لئن ألقاه لأرض فاه بهذا ~~المهفر، وهو مشتق من اسم الله تعالى # قال الشاعر: # ألم تر أن الله أرسل عبده # فشق له من اسمه ليجله فذ ... ببرهانه فالله أعلا وأمجدا # والعرش محمود وهذا محمدا # وله أسماء منها: محمد وأحمد، وأبو القاسم، والبشير، والنذير، والحاشر. # وأما قوله رحمة الله عليه: السلام، والسلام: من أسماء الله تعالى. # وأما قوله وصلواته، فالصلاة تستعمل على ثلاث معان في اللغة، والعرف، ~~والشرع. # فهي في اللغة: بمعنى الدعاء قال تعالى [ ]:{وصل عليهم} أي ادع لهم، قال ~~الشاعر وهو الأعشى: # عليك مثل الذي صلوت # أي دعوت. # وفي العرف: بمعنى الرحمة قال تعالى [ ]:{إن الله وملائكته يصلون على ~~النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} فمن الله بمعنى ~~الرحمة، ومن الملائكة بمعنى الاستغفار، ومن المؤمنين بمعنى الدعاء. # وقال صلى الله عليه وآله وسلم [ ]: ((اللهم صل على آل أبي أوفى)) أي ارحم. # وفي الشرع: عبارة عن أفعال، وإذا كان تحريمها التكبير وتحليلها التحريم ~~وهي مأخوذة من صليت العود بالنار إذا لينته للتثقيف لئن قلب المصلي يلين، ~~وقال ابن خالويه: والصلاة تستعمل في خمسة معان: # أحدها: هذه الشريعة. # وثانيها: الدعاء. # وثالثها: الرحمة من الله. # ورابعها: بيت النصارى يقال صلونا، ومنه قوله تعالى [ ]:{وصلوات ومساجد}. # وخامسها: أحد الصلابين وهما العظمان اللذين على يمين الذنب ويساره، وقيل: ~~هما عرقان [7ب] في مؤخره، وسمي المصلي مصليا لأنه يحرك صلوبه، وسمي التالي ~~من حبل الحبلة مصلبا لأن رأسه يكون عند ms008 صلوى السابق. # وأما قوله على من اختصه، قال: اختصاص والإختيار والاجتباء والاصطفى لفظه ~~مختلف ومعناه واحد. # وأما قوله بالنبوة فهي والرسالة بمعنى واحد في...، وهي ما يحمله الرسول ~~عن الله إلى الخلق من غير واسطة بينة. PageV01P012 # قلنا: من غير واسطة، احتراز من الأئمة والعلماء، فإنهم وإن تحملوا الشرائع ~~والأحكام عن الله تعالى إلى عباده، ولكنهم يحملونها بواسطة الأنبياء. # وقلنا ببينة: احتراز من الواسطة التي ليست بينة. # والنبوة تستعمل في اللغة مهموز فهي مأخوذة من الإنباء وهو الإخبار قال ~~تعالى [ ]:{من أنبأك هذا} أي أخبرك، وإن استعملت غير مهموز فهي مأخوذة من ~~الرفعة. # وأما قوله: اصطفاه، فقد بينا أن الاصطفى والاجتباء والارتضى بمعنى واحد، ~~والنبي صلى الله عليه وآله وسلم مصطفى لما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه قال [ ]: ((إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل واصطفى من ولد ~~إسماعيل كنانة واصطفى من كنانة قريش، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من ~~بني هاشم)). # وأما قوله: وأيده معناه قواه بالرسالة، والرسالة تستعمل في أصل اللغة ~~والاصطلاح. # أما في اللغة: فالألوكة. # وأما في اصطلاح المتكلمين: فمعناه والنبوة واحد على ما تقدم. # وأما قوله: وفضله على سائر أنبيائه، فالدليل على أنه أفضل الأنبياء وجهان: # أحدهما: أن شريعته دائمة إلى يوم القيامة. # وقد قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم [ ]:((من سن سنة حسنة كان له ~~أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة)). # فخرج من هذا أنه أكثر الأنبياء ثوابا؛ لأن أتباعه أكثر الأتباع، وشريعته ~~أدوم [7ب] الشرائع بخلاف غيره من الأنبياء، فإن منهم من بعث إلى قومه، ~~ومنهم من بعث إلى أهل بيته. # الوجه الثاني: ما يدل على أنه أفضل الأنبياء قوله: (( أنا سيد ولد آدم ~~ولا فخر وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر، وأنا أول شافع مشفع ولا فخر)). # فإن قيل: فما تقولون في قوله صلى الله عليه وآله وسلم [ ]:((لا تفضلوني ~~على أخي يونس فإنه يرفع له في كل يوم مثل ثواب أهل الأرض)). # قلنا: قد ms009 دللنا على أنه أفضل أهل الأنبياء، تأويل الخبر على أحد وجهين: PageV01P013 # إما أنه لم يكن قد علم أنه أفضل الأنبياء، وإما أنه فهم منهم وضع يونس ... ~~عن درجته فأراد رفع درجته من الله. # وأما قوله الرسول الزكي المبارك. ومنه سميت الزكوة زكاة؛ لأنها بركة ~~المال، لأن المال إذا زكي نما وتبارك. # فالرسول والنبي في الشرع واحد: وهو المتحمل للرسالة عن الله إلى الخلق من ~~غير واسطة بشر. # والزكي المبارك، ومنه سميت الزكوة زكاة لأنها بركة المال؛ لأن المال إذا ~~زكي نما وتبارك. # وقوله: محمد، قد تقدم الكلام فيه. # وأما النبي فهو يستعمل مهموز وغير مهموز كما تقدم خلافا لأبي علي فإنه ~~قال: لا يجوز أن يوصف مهموزا، واحتج بما روي أن رجلا قال للنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم:[ ] يا نبي الله، فقال: ((لست بنبي الله وإنما نبي الله أنا)). # والجواب عن ذلك: أنا نقول إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما أنكر ~~عليه لأنه فهم من حال وصفه عن منزلته. # وأما قوله الأمي، فالأمي: هو الذي لا يقرأ المكتوب ولايكتب المقروء. # أو هو مدح فيه، وذم في غيره.وقلنا: مدح فيه لأنه صلى الله عليه أتى بما ~~عجز عنه الثقلان. # ووجه الحكمة في أن جعله الله أميا لئلا يقال أنه أخذ ما أتى به عن كتاب ~~واستكتبه من غيره، وهذا أبلغ في الإعجاز. # وأما قوله: وعلى أخيه وابن عمه [8أ]: # أما أخوته فهو أخوه من الدين، والنسب جميعا ! أما أخوته فلأنه ابن عمه ~~وابن العم أخا مجازا، وأما في الدين فالدليل عليه الكتاب والسنة. # أما الكتاب فقوله تعالى [ ]:{إنما المؤمنون إخوة}. وهما رأس المؤمنين ~~وأولاهم في الدخول في الآية. # وأما في السنة ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم [ ]:أنه آخى بين ~~المهاجرين والأنصار وقال: ((وعلي أخي)). # وأما أنه ابن عمه فذلك ظاهر؛ لأنه صلى الله عليه وآله وسلم محمد بن ~~عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم، وهو علي بن أبي طالب بن عبدالمطلب بن هاشم. # وأما قوله: ms010 وباب مدينة علمه. PageV01P014 # فلما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم [ ]أنه قال: ((أنا مدينة العلم وعلي ~~بابها فمن أراد المدينة فليأتها من بابها)). # وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم:[ ]أنه قال: ((أقرؤكم أبي وأفقهكم معاذ ~~وأفرضكم زيد بن ثابت وأقضاكم علي)) والقضاء جامع لعلوم الاجتهاد. # وروي عن علي عليه السلام [ ]: أنه قال: (والله لو ثنى لي الوسادة ثم جلست ~~عليها لقضيت بين أهل التوراة بتوراتهم، وأهل الفرقان بفرقانهم، وأهل ~~الإنجيل بإنجيلهم، وأهل الزبور بزبورهم، والله ما من آية في بر ولا بحر ولا ~~سهل ولا جبل ولا سماء ولا أرض ولا ليل ولا نهار إلا وأنا أعلم في من نزلت ~~وفي أي شيء نزلت). # وقال عليه السلام [ ]:( أنا عبدالله وأخو رسول الله ما قالها أحد قبلي ~~ولا يقولها أحد بعدي إلا كاذب). # وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم [ ] في قوله: {وتعيها أذن واعية}. # قال [ ]:((سألت الله أن يجعلها أذنك يا علي فأعطانيها)) إلي غير ذلك. # وأما قوله الصديق الكبر؛ فلما روي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: ~~((الصديقون ثلاثة وهم: حبيب النجار مؤمن آل ياسين الذي قال: {يا قوم اتبعوا ~~المرسلين}، وحزقيل مؤمن آل فرعون الذي قال: {أتقتلون رجلا أن يقول ربي ~~الله} ، وعلي عليه السلام)). # وأما قوله: الطاهر [8ب] المطهر، فالمراد به الطاهر من الشرك، والمطهر ~~المعصوم، والذي يدل على عصمته أخبار كثيرة كخبر الغدير، وقوله: (( علي مع ~~الحق والحق مع علي)) وغير ذلك. PageV01P015 # وأما أنه صاحب لواء الحمد، فالذي يدل عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم [ ] أنه قال: (( ليس في القيامة راكب غيرنا ونحن أربعة نفر قال ~~فقام إليه رجل من الأنصار فقال: فداك أبي وأمي أنت يارسول الله ومن؟ قال: ~~أنا على دابة الله البراق وأخي صالح على ناقة الله التي عقرت، وعمي حمزة ~~على ناقتي العضباء، وأخي علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الجنة على ناقة ~~من نوق الجنة بيده لو اء الحمد واقف بين يدي ms011 العرش أنادي لا إله إلا الله ~~محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: فيقولون الآدميون ما هذا إلا ~~ملكا مقربا مقدر أو نبي مرسل أو حامل عرش الرب عزوجل، قال: فيجيبهم ملك من ~~تحت بطنان العرش: معاشر الآدميين ما هذا ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا ولا ~~حامل عرش رب العالمين هذا الصديق الأكبر هذا علي بن أبي طالب صلوات الله ~~عليه)) . # وقوله ونهر الكوثر، الكوثر: نهر في الجنة لما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم [ أنه قال: ((نهر الكوثر أشد بياضا من الزبد وأحلى من الشهد لا ~~يطعمه إلا من أتى بجواز من علي عليه السلام)). # وقوله أبي شبير وشبر، شبير الحسين عليه السلام، وشبر الحسن عليه السلام؛ ~~لأنه صلى الله عليه وآله نزل عليا منه منزلة هارون من موسى، وسمى ابنيه ~~باسم ابن هارون. # وعلى آل بيته المطهرين، واختلف في أهل البيت فقيل: زوجاته، وقيل: بني ~~هاشم، وقيل: بنو عبد المطلب، وقيل: علي وفاطمة والحسن والحسين وأولادهما ~~عليهم السلام، وهذا مذهب أهل البيت [9أ] وشيعتهم لما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وآله [ ]: أنه جمعهم وجللهم بكسا فدعا وقال: ((إن هؤلاء أهل بيتي ~~فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا قالت أم سلمة أنا منهم يا رسول الله قال: ~~(( لست منهم وإنك لعلى خير)). فسميت أم الخير. PageV01P016 # وقوله المطهرين المعصومين وفيهم قال الله [ ]:{إنما يريد الله ليذهب عنكم ~~الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}. لأن إذهاب الرجس ليس إلا العصمة من ~~المعاصي لا إذهاب النجس؛ لأنه يتنجس منهم كما يتنجس من غيرهم. # صحابته المقربين، والصحابي: هو من طالت مجالسته ومتابعته للنبي صلى الله ~~عليه وآله في حياته ويبقى على ذلك بعد وفاته. # قلنا: ويبقى على ذلك؛ احتراز ممن ارتد بعد وفاته وهم الذين قال فيهم صلى ~~الله عليه وآله [ ]: ((يؤتى برجال يوم القيامة فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول ~~أصحابي أصحابي فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد ~~الصالح: {وكنت عليهم شهيدا...} الآية. ### || AUTO الفصل ms012 الثالث # وهو في فضل العلم على سبيل الجملة، فالذي يدل عليه العقل والسمع. # أما العقل فاعلم: أن الشيء يشرف بشرف المنفعة، وأجل المنافع وأدومها من ~~الثواب، والثواب لا يحسن إلا على التكليف، والتكليف على ضربين: علم، وعمل، ~~والعمل على ضربين: علم بالمعبود وصفاته، وعلم بالعبادة وصفاتها. # والثواب يستحق تارة بالعلم وتارة بالعمل، فحيث يستحق بالعلم أستغل ~~فاستحقاقه وإن لم يتبعه العمل، ويمكن تحصيله من دون العمل، وحيث استحق ~~بالعمل فالعمل أصل في صحة العمد لأنه يترتب عليه إذ لولا العلم بالمعبود ~~وصفاته، والعبادة وصفاتها لها صحت العبادة ولا استحق لها الثواب فقد صار ~~العلم أصلا في الوصول [9ب] إلى هذه المنفعة الجليلة، فثبت بذلك فضل العلم ~~من جهة العقل. # وأما الذي يدل على فضله من جهة السمع فالكتاب والسنة والإجماع . PageV01P017 # أما الكتاب فقوله تعالى:[ ] {هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} ووجه ~~الاحتجاج بهذه الآية أنه تعالى هيأ المساواة في الفضل بين من يعلم وبين من ~~لا يعلم لأن الاستفهام ههنا بمعنى الإنكار، وقوله تعالى [ ]:{يؤتي الحكمة ~~من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كبيرا}. والحكمة ها هنا العلم، وقوله ~~تعالى [ ]:{يرفع الله الذين آمنوا والذين أوتوا العلم درجات}. فإنه روي عن ~~ابن عباس: أن معناه يرفع الله الذين أوتوا العلم على الذين آمنوا درجات. # وأما السنة: فما روي عن النبي صلى الله عليه وآله [ ] أنه قال: ((الناس ~~كلهم هلكى إلا العالمين، والعالمون كلهم هلكى إلا العاملين، والعاملون كلهم ~~هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم)). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم [ ] ((خيار أمتي علماؤها وخيار علماؤها ~~رحماؤها ألا وإن الله يغفر للعالم أربعين ذنبا قبل أن يغفر للجاهل ذنبا ~~واحدا ألا وإن العالم الرحيم يجئ يوم القيامة وأن نوره أضيء يمشي فيه ما ~~بين المشرق والمغرب يسري كما يسري الكوكب الدري)). # وعنه صلى الله عليه وآله [ ]:((العلماء ورثة الأنبياء)). # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم:[ ] ((من جاءه أجله وهو في طلب العلم ليحيي ~~به الإسلام لم يكن بينه ms013 وبين الأنبياء إلا درجة واحدة وهي النبوة)). # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم [ ]: ((أيما ناشيء نشأ في طلب العلم ~~والعبادة حتى يكبر أعطاه الله ثواب اثنين وسبعين صديقا)) . # وعنه صلى الله عليه وآله [ ] أنه قال: ((إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب ~~العلم رضا بما يصنع وإنه ليستغفر لطالب العلم من في السموات والأرض حتى ~~حيتان البحر وهوام البحر)) . PageV01P018 # وعنه صلى الله عليه وآله [ ]أنه قال: ((إذا كان يوم القيامة [10ب] يقول ~~الله تعالى للمجاهدين والعابدين ادخلوا الجنة، فيقول العلماء بفضل علمنا ~~تعبدوا وجاهدوا يا رب، فيقول تعالى: أنتم عندي كملائكتي اشفعوا تشفعوا ثم ~~ادخلوا الجنة)) إلى غير ذلك من الأخيار . ### || AUTO وأما الإجماع: فلاخلاف في فضل العلم على سبيل الجملة. # [الفصل الرابع] # وأما الفصل الرابع: وهو فضل هذا الفن، وبيان مرتبته على سائر الفنون فبدأ ~~تفسير كلام الشيخ رضي الله عنه قوله رحمه الله أما بعد: # فاعلم أن هذه اللفظة من أفصح كلام العرب، واختلف في أول من قالها فقيل ~~أول من قالها قس بن ساعدة وهو من فصحاء العرب، وهو من المبشرين بالنبي قبل ~~البعثة، وقيل: أول من قالها داود عليه السلام وهو المراد بقوله تعالى [ ~~]:{وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب}. وقيل: أول من قالها علي عليه السلام. # وقوله فإن مدة العمر قصيرة لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله [ ] أنه ~~قال: ((معترك المنايا ما بين الستين إلى السبعين. وقال: أعمار أمتي ما بين ~~الستين إلى السبعين)). يعني صلى الله عليه وآله الأغلب فيمن عمر أنه لا ~~يعمر إلا هذا المقدار وإن جاء أكثرا؛ لأن هذا هو الأغلب. # قوله وفنون العلم كثيرة وأعلم أنها أربعة علم أديان، وعلم لسان، وعلم ~~أبدان وعلم أزمان، وإن شئت قلت: ديني ودنيوي. # فالديني الأصولان والفقه والفرائض والنحو واللغة، والكتاب والسنة والمنطق ~~والناسخ والمنسوخ. # والدنيوي وعلم الطب وعلم الحساب [10ب]، وعلم اللسان كالنحو واللغة إذا ~~قصد بهما غير معرفة الكتاب والسنة. # وقوله: وإن أنفسه فائدة وأعظمه منفعة علم الكلام، وله أسماء التوحيد ~~والعدل والأصول وعلم ms014 الكلام، وسمي علم الكلام لوجهين: # أحدهما: أنه أوسع الفنون كلاما وأكثرها أدلة وحججا. PageV01P019 # الوجه الثاني: قال الغزالي: إنه إنما سمي علم الكلام لأنه العلم الكلي لأن ~~المتكلم يقول الشيء لا يخلو إما أن يكون موجودا أو معدوما، والموجود إما أن ~~يكون قديما أو محدثا، والمحدث إما جسم وإما عرض فعم جميع الأشياء. # ووجه ثالث: وهو أنه سمى بذلك اصطلاحا كتسمية النحو والفقه، وإن كان كل ~~علم منحو، وكذلك كل علم فإنه يحتاج إلى الفقه الذي هو الفهم، وسمي علم أصول ~~الدين؛ لأن مبنى جميع العلوم الدينية عليه ومرجعها إليه، وسمي علم التوحيد ~~والعدل لأنه كلام في إثبات الصانع وصفاته وعدله وحكمته وما به يجوز عليه ~~وما لا يجوز، ومعرفة أنبيائه وصدقهم فيما جاءوا به، فهو مشتمل على توحيد ~~الله وعدله. # وقوله الذي يعرف به الصحيح من السقيم والمعوج من المستقيم فهو رأس العلوم ~~وأولاها بالإيثار والتقديم. # والذي يدل على أنه أفضل العلوم وأولاها: العقل والسمع. # أما العقل: فوجوه: # أحدها: أن العلم يشرف بشرف معلومه، وأجل العلومات تحقيق سنا هو الله ~~تعالى الحي القيوم فيجب أن تكون المعرفة به أجل العلوم فإذا كان كذلك وجب ~~على كل عاقل أن يشغل قلبه في طلبه [11ب] ليفوز يوم القيامة بسببه، ولله ~~القائل: # وإذا علمت بأنه متفاضل ... فاشغل فؤادك بالذي هو أفضل # ولأن العلوم إنما تشرف بشرف معلوماتها، فشرف الفقه بشرف معرفة الحلال ~~والحرام، والفرائض شرفه بمعرفة المواريث، والنحو شرفه بمعرفة الكتاب ~~والسنة، وليس معلوم التوحيد إلا الله تعالى فيجب أن يكون أشرفها. # الوجه الثاني: أن العلوم تحتاج إليه وليس هو محتاج إليها. # أما الفقه: فأدلته الكتاب والسنة، وكذلك الفرائض، والكتاب والسنة لا ~~يكونان دليلين إلا بعد معرفة الصانع وصفاته، ومعرفته لا تحصل إلا بالتوحيد ~~وكذلك النحو واللغة إذا قصد بهما معرفة الكتاب والسنة وليس ذلك إلا بعد ~~بمعرفة الصانع. PageV01P020 # الو جه الثالث: أن الشيء يشرف بحسب حساسة ضده ألا ترى أن الصدق يشرف بشرف ~~حساسة ضده وهو الكذب كذلك العلم يشرف بحساسة ضده ms015 وهوالجهل، وأخس الجهل هو ~~الجهل بالله تعالى؛ لأن الجهل به يؤدي إلى الكفر والكفر أخس الأشياء، فشرف ~~التوحيد لما كان ضده أخس الأضداد. # الوجه الرابع: أن سائر العلوم يجوز عليها النسخ والتغيير، وتختلف بحسب ~~اختلاف شرائع الأنبياء وتغاير الأزمنة ما خلا علم الأصول فإنه لا ينسخ ولا ~~يتغير بل هو عقيدة كل نبي. # الوجه الخامس: أن العلم بالشيء يشرف بحسب عظم الخطر في الجهل به، والخطر ~~في الجهل بالأصول قد يكون كفرا، وقد يكون فسقا بخلاف غيره من العلوم، فإن ~~الخطأ فيه لا يبلغ هذه الحال، ألا ترى كل مجتهد [11ب] في علم الفقه مصيب ~~ولا يكون مخطئا إذا وفى الاجتهاد حقه عند الجمهور، ومن ذهب إلى أن المصيب ~~واحد قال إن الخطأ معفو. # وأما السمع: فالكتاب والسنة والإجماع المخلصين من سائر الفرق. # أما الكتاب: فآيات منها قوله تعالى :{شهد الله أنه لا إله إلا هو وأولوا ~~العلم} فبدأ بنفسه وثلث بأولي العلم، ولأهل الأصول شرف هذه الآية وفضلها ~~وهي المدارون بها؛ لأن الشهادة لا تكون إلا عن علم ويقين والعلم به لا يحصل ~~إلا بالتوحيد لأنهم لا يعلمونه إلا به. # لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: ((على مثلها فاشهد وإلا ~~فدع -وأشارالى الشمس-)) ولن يحصل العلم، النص إلا لعلماء الأصول ولا يعني ~~بعلم بعلم الأصول إلا هذا وهو العلم بالله تعالى وحدانيته... وعدله وحكمته، ~~ومنها قوله [ ]: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} وإنما موضوعة للحصر ~~فكأنه قال: لا يخشى الله إلا العلماء به، ولا تحصل معرفته ولا العلم به إلا ~~بالتوحيد. PageV01P021 # وأما السنة: فأخبار كثيرة من جملتها ما ورد من الأخبار في فضل آية الكرسي ~~وسورة الإخلاص لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله [ ]: أنه قال: ((ما خلق ~~الله من سماء ولا أرض ولا سهل ولا جبل أعظم من سورة البقرة وأعظم ما فيها ~~آية الكرسي)). # وروي أنه قال: ((من قرأ سورة الإخلاص مرة فكأنما قرأ ثلث القرآن، ومن ~~قرأها ثلاث مرات فكأنما قرأ ms016 القرآن كله مرتين فكأنما قرأ ثلث القرآن، ومن ~~قرأها ثلاث مرات فكأنما قرأ القرآن كله)). # قال الزمخشري رحمه الله: وإنما اختصا بهذا الفضل العظيم لما تضمناه من ~~توحيد الله عزوجل، وذلك يدل على فضل الأصول. # ومن ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله [ ]أن رجلا أتاه فقال: يا ~~رسول الله علمني من غرائب العلم إلى آخر الخبر وما بعده من [12ب] الأخبار ~~التي في (الخلاصة) وعنه صلى الله عليه وآله وسلم [ ]أنه قال: ((يحمل هذا ~~العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل ~~الجاهلين)). # وعنه صلى الله عليه وآله [ ]:((ما جزاء من أنعم الله عليه بالتوحيد إلا ~~الجنة)). # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم:[ ] ((كفى بالتوحيد عبادة)). # وأما الإجماع: فإجماع المخلصين أن الأصول أفضل العلم، ولهذا فإن من صنف ~~كتابا فإنه يمدح فيه بذكر معرفة الله تعالى. # وأما مرتبته على سائر العلوم فذكر القاضي شمس الدين جعفر بن أحمد أن مثل ~~من تعلم الأصول دون الفروع كصحيح البدن قليل الأغذية، ومن تعلم الفروع دون ~~الأصول كسقيم البدن كثير الأغذية، ومن جمع بينهما جمع بين الصحة والغذاء. # وقال قاضي القضاة: من رام الفروع دون الأصول كان كمن قبض على الماء. # وقال الفيقه سليمان بن ناصر: من رام الفروع دون الأصول كان كمن رام أن ~~يعبر البحر بغير سفينة. PageV01P022 ### || AUTO [ الفصل الخامس ] # وأما الفصل الخامس وهو في بيان الغرض المقصود بهذا الفن # فاعلم أن أمهات فوائده ثلاث فوائد: # الفائدة الأولى # أن يكون الإنسان على بصيرة من أمره فيما يقدم عليه وما يحجم عنه آمنا ~~فيما يعتقد ويدين به آمنا من أن يكون ضالا مخطئا في ذلك، وإنما يتحقق ذلك ~~الأمان بالأدلة القاطعة وترك التقليد وقد نبه النبي صلى الله عليه وآله على ~~ذلك بقوله: [ ] ((ستتفرق أمتي إلى نيف وسبعين فرقة كلها هالكة إلافرقة ~~واحدة)) ولن يميز تلك الفرقة إلا بأن يكون عالما بأصول الدين، ولا تحصل ~~الفرقة من المذاهب ومعرفة الخطأ من الصواب ومعرفة مذاهبهم إلا ms017 به، وقد نبه ~~الله على ذلك ذاما [12ب] للتقليد بقوله [ ] {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين ~~اتبعوا...} الآية. # وقوله تعالى [ ]:{إنا وجدنا آباءنا على أمة} ولا يحصل له اليقين بما تقدم ~~عليه إلا بأن يكون عالما بالتوحيد. # الفائدة الثانية # أن يكون آمنا عن أن يسير به عن الحق المبطلون ويوقعه في الضلاة الضالون، ~~وإنما يحصل ذلك بأن يكون متمكنا من تصحيح ما يذهب إليه بالدلالة الصحيحة ~~ومن الذب عليها بحل الشبه الواردة عليها ولن يتمكن من شيء ما ذكرناه حتى ~~يكون عالما بعلم الكلام، حتى لو كان اعتقاده لما اعتقده عن تقليد أوهو لم ~~يأمن أن يسير به المبطلون بما يوردون عليه من الشبه، وقد بينه النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم [ ] بقوله: ((من أخذ دينه عن التفكر في الله والتدبر ~~لكتابه والتفهم لسنتي زالت الرواسي ولم يزل، ومن أخذ دينه عن أفواه الرجال ~~وقلدهم فيه ذهبت به الرجال وقلدهم فيه ذهبت به الرجال من يمين إلىشمال وكان ~~من دين الله على أعظم زوال)). PageV01P023 # الفائدة الثالثة # أن يكون متمكنا من إرشاد الضالين واستنقاد المبطلين، وإنما يكون متمكنا ~~من ذلك بعلم الأصول وهو أن يعلم المذهب الصحيح ويعلم حجته عليه، ويعلم ~~المذهب الفاسد وينبهه من يتمسك بها ليتمكن من إرشاد الضال بأن يبين له ~~المذهب الصحيح، ويصحح حجته عليه، والمذهب الفاسد وحل شبهته فيه، ولن يتم ~~ذلك إلا بالعلم بتوحيد الله وعدله وحكمته وصدقه ووعده، وقد بينه النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم [ ] بقوله: ((ما أهدى المسلم لأخيه المسلم هدية أفضل ~~من كلمة حكمة سمعها فأنطوى عليها ثم علمه إياه فيزيده الله بها [13ب] هدى ~~أو ترده عن ردى ألا وإنها لتعدل إحياء نفس، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس ~~جميعا)). # وعنه صلى الله عليه وآله [ ]: أنه قال لعلي عليه السلام: ((يا علي لأن ~~يهدي الله بك من رجل خير لك مما طلعت عليه الشمس)). ### || AUTO الفصل السادس # وأما الفصل السادس وهو في ذكر مسائل الإعتقاد # فقال الشيخ (رحمه الله): اعلم أن ms018 الكلام في مسائل الاعتقاد على ما ذكره ~~سيدنا شمس الدين، جمال الإسلام والمسلمين، جعفر بن أحمد بن يحيى (رضوان ~~الله عليه) يتعلق بثمانية فصول، وهذا ترتيب القاضي في التابعة، فذكر الشيخ ~~العقد الذي ذكره القاضي بما جعل الخلاصة شرحا للتابعة، وإذا أردنا الكلام ~~في هذه الجملة تكلمنا في أربعة مواضع: # أحدها: في بيان مسائل الإعتقاد، ولم سميت مسائل الإعتقاد، وحقيقة ~~الإعتقاد، وقسمة الإعتقادات، وحقائق أقسامها وحصرها. # وثانيها: في أعدادها وتعيناتها. # وثالثها: في حقائقها وأمثلتها. # ورابعها: في قسمتها. # أما الموضع الأول: فأعلم أن مسائل الإعتقاد ثلاثون مسألة، عشر في ~~التوحيد، وعشر في العدل، وعشر في الوعد والوعيد، ولا خلاف فيها، وإن ~~أختلفوا في كيفية ترتيبها وإدخال بعضها في بعض، فيكون أقل من ثلثين أوسطها ~~وتفضيلها فيكون أكثر من ذلك. # وأما لم سميت مسائل الإعتقاد؛ فلأن المطلوب منها هو الوصول إلى العلم ~~الذي هو اعتقاد [13ب] مخصوص. PageV01P024 # فإن قيل: لم سميت مسائل الإعتقاد؟ ولم تسم مسائل العلم؟ # قلنا: لأن الإعتقاد أعم من العلم، من حيث أنه يدخل فيه قول من جوز ~~التقليد، وقول من قال أن كل مجتهد مصيب كما في الفروع، بمعنى أنه إذا ما ~~كلف كما روي عن عبدالله بن الحسن العنبري، ولأنا إذا قلنا مسائل الإعتقاد ~~دخل فيه قول أهل كل عقيدة صحيحة كانت أو فاسدة. # وأما حقيقة الإعتقاد فهي: المعنى الذي دخل فيه قول أهل كل عقيدة صحيحة ~~متى أختص بالواحد منا أوجب كونه معتقدا. # قلنا: المعنى حبس الحد، وقلنا: الذي منا أختص؛ لأنه لا يكون معتقدا إلا ~~بأن، وقلنا لواحد منا احتراز من القديم تعالى، ولم نقل بالحي لأنا لو قلنا ~~بالحي دخل فيه ما ليس منه؛ لأن القديم تعالى حي، ولا يجوز عليه الإعتقاد. # وقلنا أوجب احتراز مما يختص ولا لوجوب نحو الكدركات، وقلنا كونه معتقد ~~احتراز مما يوجب غير ذلك من المعاني مثل القدرة، وغيرها. # وأما قسمة الإعتقادات فهي تنقسم إلى أربعة أقسام: إعتقاد علم، وإعتقاد ~~جهل، وإعتقاد تقليد، وإعتقاد بحث. # وأما حقائقها فحقيقة العلم ms019 هو الإعتقاد الذي يكون معتقده أو ما يجري مجرى ~~معتقده على ما يتناوله مع سكون النفس إليه بكل حال. # قلنا: الإعتقاد حبس الحد، وقلنا: الذي يكون معتقده كالأمور الثابتة مثل ~~أن للعالم صانعا، وأن فالحد حي وغيره، وقلنا: أو ما يجري مجرى معتقده مثل ~~الأمور المتبقية كالعلم بأن لا يأتي مع الله وأن لا يبقى. وقلنا: على ما ~~يتناوله احتراز من الجهل؛ فإنه لا على ما يتناوله، ولم يقل على ما هو به؛ ~~لأنا لو قلنا على ما هو به لدخل [14ب] في الحد ما ليس منه، مثل أن يعتقد ~~أحدنا أن زيدا في الدار، ثم يكتشف أنه ليس فيها. # فإن المعتقد وهو زيد على ما هو به من صفة أخرى غير كونه في الدار، نحو ~~كونه قادرا وعالما، وغيرهما. PageV01P025 # وقلنا: مع سكون النفس إليه احترازا من التقليد والبحث، لأن النفس لا تسكن ~~معها سكونا حقيقا. فإن المقلد وإن تصور بتصوره ساكن النفس، فليس ساكن النفس ~~على الحقيقة، ولهذا ولو شكك تادبا. # سكنك لا يكشف أنه غير ساكن النفس؛ ولأنا قد قلنا في الحقيقة مع اقتضائه ~~بسكون النفس والتقليد لا يقتضي سكون النفس وإن حصل السكون عنه فليس بمقتضي عنه. # وأما حقيقة الجهل فهو الإعتقاد الذي يكون معتقده أو ما يجري مجرى معتقده ~~لا على ما يتناوله بكل حال، والاحتراز في هذا عكس ما تقدم في حقيقة العلم. # سؤال: في حقيقة الجهل وهو أن يقال يدخل في ما ذكرتم التقليد والتنحت؛ ~~لأنهما قد يكون معتقدهما لا على ما يتناوله، وظاهر الحد أن كل إعتقاد كان ~~معقتده أو ما يجري مجرى معتقده لا على ما يتناوله فهو جهل، فلعل الاحتراز ~~أن يقال إعتقاد من حكمه كون معتقده أو ما يجري مجرى معتقده لا على ما ~~يتناوله فينظر فيه. # وأما حقيقة التقليد: فهو قبول قول الغير من غير حجة ولا شبهة خارجة عن ~~حال من قلده. # قلنا: قبول قول الغير؛ لأنه لا يكون مقلدا إلا بأن يقبل قوله. # وقلنا: من غير حجة ms020 احتراز من قبولنا من النبي (صلى الله عليه وآله)؛ لأنه ~~قد أقام الحجة على صدقه، وهو ظهور المعجز على يديه. # وقلنا: ولا شبهة احتراز من علماء المخالفين؛ فإنهم ليسوا بمقلدين [14ب] ~~لأسلافهم؛ لأنهم قد طالبوا بشبهة. # وقلنا خارجة عن حال من قلده: لأن العامي لم يعتقد قول العالم إلا لشبهة، ~~وهي ما يعتقد فيه من العلم والديانة والورع، ولكنها ليست بخارجة عن حاله. # وأما حقيقة البحث: فهو الإعتقاد للشيء من غير أمر يقيضه ولا دلالة تدل ~~عليه، مثل من يعتقد أن جبريل في السماء السابعة، فهذا بحث لا دليل عليه. PageV01P026 # وأما حصرها: فنقول الإعتقاد لا يخلو إما أن يكون على ما يتناوله أم لا إن ~~لم يكن فهو الجهل، وإن كان فلا يخلو إما أن يقتضي سكون النفس إليه أم لا، ~~إن أقتضى سكون النفس فهو العلم، وإن لم يقتضي سكون النفس فلا يخلو إما أن ~~يستند إلى قول الغير أم لا، إن استند فهو التقليد وإن لم يستند فهو البحث، ~~وفي هذا الحصر نظرا لأنه قال إن كان لا على ما تناوله فهو الجهل، وقد يكون ~~تقليدا أو بحثا لا محالة فإنه ليس من حق التقليد والبحث مطابقة المعتقد، ~~وكذلك في جعل التقليد والبحث ما يكون معتقده على ما يتناوله؛ فانهما ليسا ~~كذلك بكل حال فينظر فيه. # وأما الموضع الثاني: وهو في تعدادها وتعيناتها، أما تعدادها فهي ثمانية، ~~وأما تعيناتها فهي بيان المذهب في المسألة. # وثانيها: بيان الدليل على صحة ذلك المذهب. # وثالثها: بيان تحقيق ذلك الدليل. # ورابعها: بيان الأدلة الواردة على ذلك [15ب] الدليل والتحقيق. # وخامسها: بيان أجوبة تلك الأسولة. # وسادسها: بيان مذاهب المخالفين في تلك المسألة. # وسابعها: بيان شبههم التي يتعلقون بها. # وثامنها: حل تلك الشبهة وإبطالها، وبتمام هذه الثمانية الفصول تكمل معرفة ~~ما يتعلق بكل مسألة منها. # وأما الموضع الثالث: وهو في حقائقها وأمثلتها، فالمذهب يستعمل في أصل ~~اللغة وفي الاصطلاح، أما أصل اللغة فسمي مذهبا؛ لأن المذهب هو ما يذهب فيه ~~ويسلك، ومنه نقل إلى ms021 الاصطلاح لما كان من سلك الطريق فهو ذاهب فيها فكان من ~~المعتقد شيئا وذهب إليه سمي له مذهبا. # وأما حقيقته في الاصطلاح: فهو العلم والإعتقاد والظن الذي لا يعلم صحته ~~ولا فساده إلا بدليل، وإن لم يكن ثم خصم منازع. # قلنا: هو العلم لتدخل فيه المسائل العلمية. # وقلنا: أو الإعتقاد ليدخل فيه مذاهب المخالفين، ومن اعتقد لغير دلالة. # وقلنا: أو الظن ليدخل فيه مسائل الفروع لأنها ظنية. والمذهب يستعمل فيها. PageV01P027 # وقلنا: الذي لا يعلم صحته ولا فسادها إلا بدليل احتراز مما يعلم صحته ~~وفساده بغير دليل، مثل من يقول السماء فوقه والأرض تحته فإنه يعلم صحته ~~بغير دليل، احتراز مما يعلم صحته وفساده بغير دليل مثل من يقول الأرض فوقه ~~والسماء تحته فإنه يعلم فساده بغير دليل. # فإن قيل: سميتم ما يقوله السوفسطانية مذهبا، وهو [15ب] يعلم فساده ضرورة. # قلنا: إنه ليس بمذهب، وإنما هو تجوز لما سلكوه. وإن شئت قلت: هو الخبر أو ~~القضية الذي لا يعلم صحته ولا فساده إلا بدليل، وإن لم يكن ثم خصم منازع ~~احترازا من الدعوى فإنها لا تكون دعوى إلا إذا كان ثم خصم منازع؛ لأن كل ~~دعوى مذهب، وليس كل مذهب دعوى، فكان المذهب أعم من الدعوى، ومثال المذهب ~~قول القائل: للعالم صانع فإن هذا مذهب، وأما الدليل فإنه يستعمل في أصل ~~اللغة، وفي عرف اللغة، وفي اصطلاح المتكلمين. # أما في أصل اللغة فهو المتقدم للقوم ليعرفهم الطريق، ومنه قول الشاعر: # إ ذا ما الدليل اشتاف أكناف الطرق # والاشتياف هو الإستئمام؛ لأنه يؤخذ من الأرض التي يمضي فيها شيئا من ~~التراب ويسم فإن أدرك أرايح أنوال الإبل أو الغنم، وإلا عرف أنهم قد أحازوا ~~عن الطريق وعدلوا عنها. # وأما في العرف: فهو الفاعل للدلالة إذا أكثر فعلها؛ لأنه يسمى الرجل باسم ~~فعله إذا أكثر منه. # كما يقال رجل صوم ورضي وعدل إذا أكثر من ذلك، ويقال لله تعالى يا دليل ~~المتحيرين لما أكثر من فعل الدلالة، ألا إلى قوله تعالى: {إنه عمل ms022 غير ~~صالح} فسمي العامل باسم عمله على سبيل المبالغة. # والدليل والدلالة معناهما واحد في الاصطلاح، وهو إذا ما نظر الناظر فيه ~~على الوجه الصحيح أو أصله إلى العلم بالغير[16ب]. # قلنا: ما إذا نظر الناظر فيه جنس الحد، وقلنا على الوجه الصحيح احتراز ~~ممن ينظر على الوجه الفاسد؛ لأن شروط توليد النظر للعلم ثلاثة: # أحدها: أن يكون عاقلا. # وثانيها: أن يكون عالما بالدليل الذي ينظزر فيه. PageV01P028 # وثالثها: أن تكون عالما بوجه دلالة الدليل. # ولهذا فإن الملحده غيرهم لما نظروا على الوجه الفاسد لم يحصل لهم العلم ~~بالصانع، فعند أن ينظر على الوجه الصحيح يحصل له العلم. # وقلنا: أوصله إلى العلم احتراز ممن ينظر على الوجه الصيحيح، فيحصل له ~~الظن، مثل مسائل الإجتهاد وغيرها. # وقلنا العلم بالغير، ولم نقل بما هو دليل عليه لأن لا يحقق الشيء بنفسه، ~~ولم نقل بالمطلوب لأن ما يدخل في الحد ما ليس منه، وهو طريق النظر ~~كاستدلالنا بكونه تعالى قادرا أو عالما على كونه حيا، ومثال الدليل وحدوث ~~العالم؛ فإنه يدل على ثبوت الصانع. # وأما حقيقة التحقيق: فهو ترتبي مقدمات الدليل على الوجه الذي يدل احتراز ~~من الوجه الذي لا يدل. # وحقيقة أخرى أن يقال: هو بيان التعليق بين الدليل والمدلول على نوع من ~~الإختصاص، ومثاله أن يقول أن هذا العالم محدث، والمحدث لابد له من محدث ~~ومحدثه ليس إلا الله تعالى فهذا هو التحقق. # وأما السؤال: فهو طلب المراد من الغير بالقول أو ما يجري مجراه، والذي ~~يجري مجراه الكتابة [16ب] والإشارة، وهو على قسمين: سؤال تحصيل، وسؤال ~~إستفهام. # فالتحصيل: قد يكون على وجه الإستعلا؛ فيكون أمرا، وقد يكون على وجه ~~الخصوص فيكون دعاء، وقد يكون على وجه المساواة، وهو السؤال المطلق، وقد ~~يكون على وجه المساواة. # والإستفهام: فهو ما أريد من الغير أن يعلمه به. # وأما حقيقة الجواب: فهو الكلام المتضمن إظهار....السائل؛ لأجل سؤاله ~~بالقول أو ما يجري مجراه، وحد آخر وهو الإخبار قولا وكتابة عقيب الاستخبار ~~على وجه المطابقة، وما ذكره في حد ms023 الجواب ينتقص بما لو قال لغيره مر فلانا ~~ما مرة، فإنه قد أظهر ما التسمية بالقول وليس بجواب، والصحيح في حده أن ~~نقول: هو الخبر المتضمن لإظهار ما التسمية السائل لأجل سؤاله، فلا يكون ~~الجواب إلا خبرا. PageV01P029 # ومثال السؤال ما الدليل على أن هذه الأجسام محدثة، ومثال الجواب لأنها لم ~~تخل من الأعراض المحدثة، ولم تتقدمها، وما لم يخل من المحدث ولم يتقدمه فهو ~~محدث مثله. # وأما حقيقة المخالف: فهو من ذهب إلى غير ما ذهبت إليه في المسألة، ~~والموافق هو من واقعك في المسألة، وأما الشبهة فهو ما ليس بالدليل وليس ~~بدليل، ومثاله ما يقوله عوام الملحدة أن العالم قديم،؛ لأنا لم نجد بيضة ~~إلا من دجاجة، ولا دجاجة إلا من بيضة، ولا حبة إلا من بقلة ولا بقلة إلا من ~~حبة إلى ما لا نهاية له. # وإذا أردنا أن تخل هذه الشبهة فثلاثة أوجه: # أحدها: أن تقول لهم إن قولكم [17ب] هذا إعتماد على مجدر الوجود والإعتماد ~~على مجرد الوجود لا يصح ألا ترى أنه لا يصح للزنجي أن يقول كل من في الدنيا ~~أسود، لأني لم أر أحدا إلا أسود، والرومي يناقضه لأنه يقول كل من في الدنيا ~~أبيض، لأني لم أر أحدا إلا أبيض. # والوجه الثاني: المعارضة؛ لأنا نقول لستم بأن تستدبوا بما وجدتم أولى من ~~أن نستدل بما وجدنا، فنقول: إنا لم نجد فعلا إلا وله فاعل، ولا وجدنا ~~كناية؛ ولأننا...... فيجب أن يكون للعالم فاعلا. # الوجه الثالث وهو التحقيق: وهو أن نقول الدجاجة والبيضة لا تخلو إما أن ~~تكون قديمين أو محدثين، أو أحدهما قديمة والأخرى محدثة. # فإن قلتم: إنهما قديمان، فقد بطل قولكم لأنكم قد أثبتم أن أحدهما من ~~الأخرى، وإن قلتم هما محدثان فهو الذي نقول، وإن قلتم أحدهما قديمة والأخرى ~~محدثة، فإن كانت الدجاجة هي القديمة، فكيف يصح لكم وقد قلتم لم تجدوا دجاجة ~~إلا من بيضة، وإن قلتم أن الدجاجة محدثة والبيضة قديمة فكيف يصح لكم ذلك مع ~~قولكم لم ms024 تجدوا بيضة إلا من دجاجة، فبطل قولكم والحل هو الإبطال، والإبطال ~~هو الحل. # وحقيقة الحل: هو بيان الأعلقة فيما أعتقده الخصم أن بينه وبينه علقة. # وأما الموضع الرابع: وهو في قسمتها فلها قسمتان: # أحدهما:[17ب] بإعتبار وقوعها. # والثاني: بإعتبار وجودها. PageV01P030 # أما قسمتها بإعتبار وجودها فهي ثلاثة أضرب: منها ما هو فرض عين بكل حال، ~~وهي الثلاثة المتقدمة: المذهب، والدليل، والتحقيق، فإنها تجب على كل مكلف. # ومنها ما هو فرض كفاية بكل حال، وهو معرفة مذهب المخالف، والشبهة، ~~والسؤال. # وأما الذي يكون تارة فرض عين وتارة فرض كفاية فهو الحل والجواب، فإن ورد ~~عليه شبهة وقدحت عليه وجب حلها، وكانت فرض عين، وإن لم يرد عليه أوردت ولم ~~تقدح كانت فرض كفاية. وكذلك الجواب إن كان السؤال قادح وجب الجواب، وإن لم ~~يقدح لم يجب. ### || AUTO وأما قسمتها بحسب وقوعها فأكثر ما يقع في المسألة هذه الثمانية ~~الفصول، وأقل ما يقع الثلاثة: الأول المذهب، والدليل، والتحقيق، وأوسطها ~~يكون خمسة: المذهب، والدليل، والسؤال، والتحقيق، والجواب. # [الفصل السابع] # وأما الفصل السابع وهو الكلام في أبواب الكتاب التي ذكر الشيخ (رحمه الله ~~تعالى) فإذا أردنا الكلام في ذلك تكلمنا في أمرين لابد منهما: # أحدهما: في الوقت الذي يجب على الله تعالى تنقية المكلف، وأقل ما يلزم ~~المكلف معرفته. # والثاني: فيما أستقر عليه التكليف الآن. # أما الأول: وهو في بيان الوقت الذي يجب على الله تنقية المكلف وبيان أقل ~~ما يلزم المكلف معرفته فيه، فأعلم أنه لا خلاف بينهم في أن الله تعالى إذا ~~كمل شروط التكليف [18أ]للعبد فلابد أن ينقيه، واستدلوا على ذلك بأن قالوا: ~~إن الله تعالى لو أكمل له شروط التكليف ثم أجترمه حال كمال هذه الشروط؛ ~~لكان أعمالها له عبثا ويجري مجرى من يصنع للغير طعاما ثم أبلغه قبل أن ~~يمكنه منه؛ فإن ذلك يكون عبثا فكذلك في مسألتنا، ثم اختلفوا من بعد ذلك في ~~القدر الذي تجب على الله تعالى، فذهب أبو علي إلا أنه يجب عليه أن يبقيه ~~وقتا يعرف ms025 الله فيه، أو يتمكن من معرفته، ثم يجوز أجترامه بعد ذلك، قال: ~~ولا يجب أكثر من ذلك؛ لأن العلم بما عدا ذلك علم بغيره من الأفعال، وذلك لا ~~يجب وبهذا يخرج من كونه عابثا. PageV01P031 # وقال أبو هاشم: يجب أن يبقيه وقتا يعرف الله تعالى فيه بتوحيده، وعدله، ~~وحكمته، ووعده ووعيده، وأحتج لذلك بأن قال: إن معرفة الله تعالى إنما وجبت ~~لكونها لطفا، وهي لا تكون لطفا إلا إذا انضمت إلى العلم باستحقاق الثواب ~~والعقاب؛ لأنه الذي يثبت له خط الدعاء والصرف. # وقال قاضي القضاة: الصحيح ما ذكره أبو هاشم، لكن لابد مع ذلك من أن يبقيه ~~وقتا يتمكن فيه من فعل الطاعة أو ترك معصية، وأحتج لذلك بأن قال: إن معرفة ~~الله تعالى وجبت لكونها لطفا، وهو لا يجوز أن يكلف اللطف ولا يكلف الملطوف ~~فيه، وهو أن يفعل واجبا أو يترك قبيحا، أو يتمكن من ذلك. # وأما ما استقر عليه المتكلف الآن فلاخلاف بينهم في هذه المسألة وهي عشر ~~في التوحيد، وعشر في العدل، وعشر في الوعد والوعيد، وإن أختلفوا في ~~الترتيب، فقسمها الشيخ في الواسطة إلى ثلاثة أبواب [18ب]، وقسمها في ~~الخلاصة إلى أربعة، وقسمها قاضي القضاة في الشرح إلى خمسة: التوحيد، ~~والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر، وقسمها في المعنى إلى أصلين: التوحيد، والعدل، وقسمها قاضي ~~القضاة في (مختصر الحسني) إلى أربعة: التوحيد والعدل، والوعد والوعيد، ~~والثوابت والشرائع. # وإذا أردنا الكلام في أبواب الكتاب، وهي الأبواب التي ذكرها الشيخ (رحمه ~~الله) فالكلام منها يقع في ثلاثة مواضع: # الأول: في تعدادها وتعيينها. # والثاني: في ترتيبها. # والثالث: في الكلام على كل واحد منها. # أما الموضع الأول: وعهو في أعدادها وتعيناتها، فتعدادها أربعة. # وأما تعييناتها: فهي النظر والتوحيد، والعدل، والوعد والوعيد. # وأما المو ضع الثاني وهو في ترتيبها: فترتيبها على ما ذكره الشيخ (رحمه ~~الله) فتقدم النظر على جميعها؛ لأنه الطريق إليها، ومن حق طريق الشيء أن ~~يتقدمه، لأنه لا يحصل إلا بها فوجب تقديمه، ms026 وقدم التوحيد على العدل لوجهين: PageV01P032 # أحدهما: أنه دليل عليه، ومن حق الدليل أن يتقدم على المدلول عليه؛ لأنا متى ~~أردنا أن نستدل على أنه تعالى لا يفعل القبيح. # قلنا: إنه عالم بقبح القبائح، وغني عنها، ومسألة غني وعالم من مسائل ~~التوحيد. # الوجه الثاني: أن التوحيد كلام في ذات الباري تعالى ومعرفة صفاته، والعدل ~~كلام في أفعاله، ولا يحسن أن نتكلم في الفعل مالم يعرف الذات[19أ]، وقدم ~~العدل على الوعد الوعيد لوجهين: # أحدهما: أنه طريق إليه، وطريق الشيء تتقدمه، لأنا متى أردنا أن نستدل على ~~أنه تعالى يفى بوعده ولا يخلف وعيده. # قلنا: إنه لو لم يف لانكشف لنا أنه كذب، والكذب قبيح، والله تعالى لا ~~يفعل القبيح، ومسألة نفي القبيح عن الله تعالى من مسائل العدل. # الوجه الثاني: أن العدل كلام في أفعال الله، والوعد والوعيد كلام في ~~أحكام أفعاله، ولا يحسن أن نتكلم في أحكام الفعل ما لم نعرف الفعل. # وأما الموضع الثالث: وهو في الكلام على أن كل واحد منها فنبدأ بالنظر ~~المؤدي إلى معرفة الله تعالى، وهذه الجملة تشتمل على ثلاثة فصول: # أحدها: بيان معاني هذه الألفاظ التي هي الواجب والمكلف والمؤدي والمعرفة. # وثانيها: بيان أن النظر واجب. # وثالثها: بيان أنه أول الواجبات، والكلام من هذه الفصول يقع في موضعين: # أحدهما: في ترتيبها. # والثاني: في الكلام على كل وحد منها. PageV01P033 # أما ترتيبها: فتقدم الكلام في معاني هذه الالفاظ؛ لأنه لا يحسن أن نتكلم في ~~وأن النظر واجب على المكلف؛ ولا أنه أول الواجبات، إلا بعد أن تعرف ما هو ~~النظر، وما هو الواجب؟ وما هو التكليف؟ لأن العلم بالمركب نحو أن يكون ~~مسبوقا بالعلم بمفرديه، ولا يمكن أن يحكم بمفرد على مفرد فتبينه له أو ~~تنفيه عنه إلا بعد أن تعلم معنى كل واحد منهما على إنفراده بضرورة أو ~~اكتساب، وتحقيق ذلك [19ب] أن العلم على ضربين: علم بالمفردات وانماهيات نحو ~~علمنا بمعنى العالم والمحدث والقديم، وعلم بالمركبات والنسب، وهو علمنا ~~بنسبه مفرد إلى مفرد والحكم به ms027 عليه بنفي أو إثبات، نحو علمنا أن العالم ~~محدث أو أنه ليس بقديم، فالأول يسمى علم التصور، والثاني علم التصديق هذا ~~في اصطلاح المنطقيين، والمتكلمون يسمون كل ما وجد منهما علما، والنحاة ~~يسمون الأول معرفة، والثاني علما، ويسمى الأول بصورة الآية علم تصور ~~الأشياء وماهيتها، والثاني: تصديقا لأنه علم ينسبه شيء إلى شيء، وهذا يدخله ~~الصدق والكذب، وكل واحد من التصور والتصديق، وينقسم إلى ضروري ومكتسب، ولا ~~يجوز أن يكون الكل ضروريا؛ لأنه لو كان كذلك لما احتجنا إلى اكتساب شيء من ~~العلم، ولا استعتبنا عن النظر، ولا يجوز أن يكون الكل مكتسبا؛ لأنه لو كان ~~كذلك للزم التسلسل في الحدود والأدلة، لأن كل تصور مكتسب من تصور آخر، ولا ~~ينتهي إلى تصوره ضروري لا يحتاج إلى إكتساب، وكل تصديق يكتسب من تصديق آخر، ~~ولا ينتهي إلى تصديق ضروري، والتسلسل محال، ولا مخلص منه إلى أن ينتهي ~~الإكتساب من الضرورة في التصور والتصديق. PageV01P034 # فالضروري التصور هو ما عرفنا الماهية فيه بالضرورة ولم نقتفى في معرفتها ~~إلى إكتسابها من الحد نحو علمنا بماهية الإنسان والموجود، وغير ذلك من ~~الواضحات التي لا تحتاج إلى التحديد، والمكتسب ما لا يحصل معرفته إلا ~~بإكتسابها بالحد، والحقيقة [20أ ] نحو علمنا بمعنى الجسم والعرض والسطح ~~والمط، والذي يكتسب به علم التصور هو الحد والحقيقة المنقسم إلى اللفظي ~~والمعنوي، والحقيقي والرسمي، والضروري من التصديق هو ما يكفي من العلم به ~~بصورة مفردته، ولا يحتاج إلى إكتسابه من تصديق آخر، نحو علمنا بالبداية ~~والمحسوسات، والمكتسب هو تقف العلم به على إكتسابه من تصديق آخر، وطريق ~~إكتساب علم التصديق والحجة والبرهان المنقسم إلى الفعلي، والشرعي، فهذا هو ~~الوجه في تقديم الكلام في حقيقة الواجب والمكلف، والنظر والمؤدي والمعرفة ~~على الدليل على أن النظر واجب، وعلى أنه أول الواجبات، وهذا هو الوجه في ~~أنا قدمنا الكلام في الحد والحقيقة، وما يتعلق به على الكلام في حقائق هذه ~~الألفاظ، لأنه لا يحسن أن نتكلم في حد شيء معين إلا بعد معرفة ms028 معنى الحد ~~وشروطه وطرق صحته، لذكرنا في ذلك مقدمة تكون توطية لحمله ما يجري ذلك في ~~الكتاب. # وقدم الكلام في أن النظر واجب على أنه أول الواجبات لأنه لو تكلم في أنه ~~أول الواجبات قبل أن نتكلم في أنه واجب لكان لقائل أن يقول: أثبتوا أنه ~~واجب، ثم تكلموا أنه أول الواجبات. # وأما الموضع الثاني: وهو في الكلام على كل واحد منها، فقد بينا أنه يجب ~~البداية بمعاني هذه الألفاظ، وإذا أردنا الكلام في ذلك تكلمنا في مقدمة ~~لابد منها، والكلام منها يقع في خمسة مواضع: # أحدها: في معنى الحد والحقيقة في اللغة والاصطلاح وأسمائها. # والثاني: [20ب] في قسمتها، وحقائق أقسامهما وأمثلتهما والفرق بينهما. # والثالث: في شرائطهما. # والرابع: في طرقهما. # والخامس: فيما يحد وما لا يحد، وما يصح التحديد به وما لا يصح. PageV01P035 # أما الموضع الأول: وهو في معنى الحد والحقيقة في اللغة وفي الاصطلاح، فالحد ~~يستعمل في أصل اللغة في معان: # أحدها: بمعنى الذات، يقال: حد الشيء أي ذاته، وحد بمعنى طرف الشيء، يقال: ~~حد الشيء أي طرفه وحد بمعنى المنع؛ لأنه يسما منعا لأنه يمنع أن يدخل فيه ~~ما ليس منه ويخرج عنه ما هو منه، قال تعالى{ومن يتعد حدود الله} أي ما منع ~~لله عنه، ومنه يسمى البواب حدادا لما كان يمنع الناس من الدخول، وعليه قول ~~الفرزدق: # يقول لي الحداد وهو يقود لي ... إلى السحر لا تجزع فما بك من بأس # ومنه ليس الملائكة كالحدادين أي كالبوابين، ومنه سمي إحداد المرأة إحدادا ~~لما كان يمنعها من التزين وغيره. # وقال زيد بن عمرو بن نفيل: # لا تعبدي إلها غير خالقكم ... فإن دعيتم فقولوا دونه حدد # والحقيقة تستعمل في معنيين: يقال هذا حقيقة الشيء أي ذاته، وحقيقة بمعنى ~~يقتض المجاز، مثل قولك: أسد، فهو حقيقة في السبع المخصوص مجاز في الرجل ~~الشجاع. # وأما معناهما في الاصطلاح فواحد فهو كل لفظ جلي يكشف عن معنى لفظا لفظي ~~جيئ على وجه المطابقة. # قلنا: كل لفظ جنس الحد، وقلنا: جلي احتراز ms029 من أن يكون خفيا؛ لأنه لا يخلو ~~إما أن يكون جليا يجلي أو خفيا يخفى [21أ] أو جلياس يخفي، أو خفيا يجلي، ~~والأقسام كلها باطلة إلا أن يكون خفيا يجلى؛ لأن ليس الغرض إلى الإفادة. PageV01P036 # وقلنا: على وجه المطابقة احتراز من أن لا يطابقه، فإنه لا يكون حدا، كما لو ~~قال ما حقيقة الجسم، فيقال: الطويل، والعريض، والعميق الأسود، فإن هذا قد ~~حصل فيه حقيقة الجسم، لكنه غير مطابق بخروج ما ليس بأسود، وهذا الحد معترض ~~ووجه اعتراضه أن يقال: إنكم قسمتم الحد إلى لفظي ومعنوي، وهذا الحد لا ~~يجمعهما، وإنما يدخل فيه المعنوي فقط، لأنكم قلتم كل لفظي جلي يكشف عن معنى ~~لفظ خفي، واللفظ لا يكشف عن معنى دائما يكشف عن اللفظ فقط لأنه تفسير لفظ ~~خفي، واللفظ لا يكشف عن معنى، وإنما يكشف عن اللفظ فقط لأنه تفسير لفظ بلفظ. # وأما أسماؤهما: فيقال: حد، وحقيقة، ومعنا، وماهي وما فيه، فسمي حد الشبهة ~~باللغة لأنه يمنع، وحقيقة لأنه يكشف عن ذات الشيء، ومعناه لأنه يكشف عن ~~معناه، وماهيته لأنه يسأل عنه بما هو، وما فيه لأنه يسأل عنه بأي شيء هو. # وأما الموضع الثاني وهو قسمة الحد: وحقائق أقسامه وأمثاله، والفرق ~~بينهما، وهو ينقسم إلى قسمين: لفظي، ومعوي، والمعنوي ينقسم إلى قمسين: ~~حقيقي، ورسمي، والحقيقي ينقسم إلى قسمين: ذاتي، وما يجري مجرى الذاتي. # فحقيقة اللفظي: هو كشف لفظة بلفظة أجلى منهما على سبيل المطابقة، مثل قول ~~القائل ما الليث؟ فيقول: الأسد. أو ما الذابل؟ فيقول: الرمح. [21ب] أو ما ~~العقارة؟ فيقول: الخمر. أو ما الهندي؟ فيقول: السيف. # أما المعنوي: فهو كل لفظ مركب يكشف عن معنا لفظ مفرد على وجه المطابقة. # قلنا: كل لفظ مثل قول القائل: ما الليث؟ فيقول: السبع الشجاع، العريض ~~الأعالي. أو مثل قوله: ما الخمر؟ فيقول: الشراب المعتصر من العنب المسكر كثيره. # فقوله الشراب جنس الحد يتناول جميع المشروبات، وقوله المعتصر فضله عما ~~ليس بمعصر. وقوله من العنب احتراز مما أعتصر من غير العنب ms030 من الأشربة، ~~وقوله المسكر: احتراز مما أعتصر من العنب، وليس بمسكر كالخل والزبيب. # وقلنا كثيرة: ليدخل القليل من الخمر لأنه خمر سواء قل أو كثر. PageV01P037 # وأما الحقيقي: فهو القول الدال على ماهية الشيء على سبيل التفصيل. # وأما الذاتي: فهو ما يتناول ذاتيات المحدود الراجعة إليه، المقومة ~~لماهيته، مثاله قولنا في الجسم هو أنه طويل عريض عميق. # وأما حقيقتهما: يجري مجرى الذاتي فهو ما يتناول توابع المحدود ولوازمه ~~الراجعة إلى غيره، التي لا يكون هو ما هو إلا بها، ومثاله ما يقول في حقيقة ~~التكليف هو إعلام الغير تلي له في أن تفعل وأن لا تفعل حب منفعة أو دفع ~~مضرة مع مشقة تلحقه في الفعل والترك، أو في سببه ما لم يبلغ الحال به حد ~~الإلجاء، والفرق بين الذاتي وبين ما يجري مجرى الذاتي أن الحد في الذاتي ~~بأوصاف راجعة إلى الذات، والحد في ما يجري مجرى الذتي بأوصاف راجعة إلى ~~الغير؛ ولكنها أشبهت الذاتيات من أنها لا تعقل إلا بها، وحقيقة الرسمي هو ~~[22أ] ما تناول توابع المحدود ولوازمه التي يكون ما هو من دونها، ومثال ~~الرسمي ما يقوله في حد الواجب هو ما إذا لم يفعله القادر عليه أستحق الذم ~~على بعض الوجوه؛ لأن هذه الأوصاف راجعة إلى غيره، ويكون هو ما هو من دونها، ~~والفرق بين الرسمي وبين ما يجري مجرى الذاتي أن الرسمي تحديد للشيء بتوابعه ~~ولوازمه التي يعقل من دونها لأنه يمكن أن تعلم الحد الحقيقي وإن حهلنا ~~الرسمي بخلاف ما يجري مجرى الذاتي؛ فإنه وإن كان تحديد إنما يرجع إلى الغير ~~كالرسمي؛ ولكنه لا يمكن أن تعلم المحدود من دونه كالذاتي، وسمي جاريا مجرى ~~الذاتي من حيث أنه أشبهه الذاتي وأنه مقوم لماهيته، ولم يكن دائما لأنه ~~تحديد بالأوصاف الراجعة إلى الغير فأشبهه الرسمي من هذا الوجه من تعليق الشرح. PageV01P038 # ذكر المنطقون أن الرسمي وهو الغرض عندهم ينقسم إلى قسمين: لازم ومفارق، ~~فاللازم على ضربين: لازم في العدم والوجد، ولازم في الجود دون العدم، ms031 ~~فاللازم في العدم وهو الوجود وهو كالفردية والزوجية، واللازم في الوجود فقط ~~الحدوث والقدم، وكذلك ضل الجسم، والمفارق على قسمين: زائل وغير زائل، فغير ~~الزائل سواد الغراب والزنجي، والفرق بين هذا وبين اللازم أن هذا مفارق من ~~حيث أنه ليس من ضرورة كل غراب أن يكون أسود بخلاف الظل فإنه من ضرورة الجسم. # والزائل على قسمين: سريع الزوال كحمرة الخجل، وصفرة الوجل، وبطيء الزوال ~~كصفرة الذهب. # وأما الموضع الثالث: وهو في ذكر شروطه فهي خمسة: اثنان يعمان اللفظي ~~والمعنوي،[22ب] وثلاثة تخص المعنوي. # أما اللذان يعمان اللفظي والمعنوي: فهو أن يكون الحد أجلى من المحدود، ~~لأن الغرض بالحد يتبين المعنى فإذا لم يكن أجلى منه لم يكشف لنا عن معناه. ~~مثال الذي يكون أجلى أن يقول القائل: ما هو الليث؟ فيقول: هو الأسد. هذا ~~مثال اللفظي، ولو قلت الغظنفر لم يكن حدا لفظيا؛ لأنه أخفى من المحدود. # والثاني: أن يكون الحد مطابقا للمحدود من غير زيادة ولا نقصان، ومثاله أن ~~يقول القائل: ما هو الأسد؟ فيقول: السبع الشجاع العريض الأعالي. وهذا مثال ~~في المعنوي من غير زيادة ولا نقصان، والمطابقة من شرط اللفظي كما أنها من ~~شروط المعنوي، فلو قال: ما الليث؟ فقلت السبع. لم يكن حدا لفظيا؛ لأنه يدخل ~~فيه ما ليس منه كالنمر والذئب، وأما الذي يختص المعنوي فثلاثة: # أحدها: أن يكون مركبا من جنس وفعل؛ لأن الغرض يقرب المعنى، فيبين له درجة ~~درجة مثل من يقول ما الأسد؟ فيقول له السبع الشجاع العريض الأعالي، فقدر ~~ركبناه من جنس السباع، وفضلناه بقولنا: الشجاع عما ليس شجاعا من السباع، ~~وفضلناه بقولنا: عريض الأعالي عما هو شجاع من السباع. PageV01P039 # الثاني: أن يكون جنسه من أقرب متناول الغرض، يقال يكون أقرب للفهم لأنك إذا ~~أتيت شيء بعيدا والحد أقرب منه كان غشا، مثل قول القائل: ما العقار؟ فيقول ~~المانع؛ فإن هذا من أبعد متناول. فإن قيل هلا قلتم المعتصر من العنب ولم ~~يقل الشراب؟ # قلنا: إن فيما ذكرناه مزيد ايضاح؛ لأننا بهذا ms032 أنه من قبيل الأشربة. # الثالث: [23أ] أن يكون مجنبا عن التكرار، ليس الغرض به الإفادة، والتكرار ~~لا فائدة فيه؛ لأن التكرار على ضربين: تكرار في اللفظ، وتكرار في المعنى. # فالتكرار في اللفظ مثل قولك الجسم الطويل الطويل العريض العريض العميق ~~العميق، فهذا تكرار في اللفظ هو عب لا فائدة فيه. # وأما التكرار في المعنى فمثل قولك في الجسم هو الجسم الطويل العريض ~~العميق الموجود، فهذا تكرار في المعنى؛ فيظن السامع أن تحت هذه الزيادة ~~فائدة، وإنما قلنا إن هذه الثلاثة تخص المعنوي ولا تكون في اللفظي؛ لأن ~~الشرط الأول وهو أن يكون مركبا من جنس وفصل، ولا يعقل في اللفظي؛ لأن ~~التركيب لا يكون في لفظ واحد، وإنما يعقل في المعنوي. # وكذلك الشرط الثاني: وهو أن يكون جنسه من أقرب متناول، لا يسير في ~~اللفظي؛ لأنه حد لا جنس له بخلاف المعنوي. # وكذلك الشرط الثالث: وهو أن يكون مجتنبا من التكرار فلا وجه له في ~~اللفظي؛ لأن من شرط اللفظي أن يكون لفظة بلفظة، وإنما سمي اللفظي لفظيا لأن ~~الغرض به ليس إلا شرح اللفظ لمن جهل مسماه في اللغة، مثل من سمع لفظة الليث ~~وهو يعرف الأسد، ولكنه لم يعلم أن الليث من أسمائه ولو لم يكن يعرف الأسد ~~لما أفاده الحد اللفظي، وسمي المعنوي معنويا لأنه يفيد المعنى لمن جهله ~~ويقومه في نفسه، ولهذا أحتجنا فيه إلى ذكر أوصافه وتركيبا من الجنس والفصل ~~ليعرف المعنى بذلك، ولم يحتج في اللفظي إلى ذلك. # وأما [23ب] الموضع الرابع وهو في طرقه فهي ثلاثة: PageV01P040 # أحدها: أن يكون مطردا منعكسا، وحقيقة الطرد هو الإتيان بلفظة كل مع ذكر ~~المحدود في أول الكلام والحد في آخره، والعكس هو الإتيان بلفظه كل مع ذكر ~~الحد في أول الكلام وذكر المحدود في آخره، مثال الطرد هو أن يقول كل جسم ~~فهو طويل عريض عميق، وإن عكست فقلت كل طويل عريض عميق فهو جسم؛ لأنه متى ~~إطرد وأنعكس كان جامعا مانعا، وقد يصح الطرد ولا يصح ms033 العكس، مثل أن تقول ~~حقيقة الجسم هو الطويل العريض فيكون الحد باطلا، وإن أطرد لأنك تقول في ~~طرده كل جسم فهو طويل عريض ولكنه لا ينعكس، فلهذا أفسد لأنك إذا عكست قلت ~~كل طويل عريض فهو جسم وهذا غير صحيح، وإنما يكون سطحا أو صفحة، وقد يصح ~~العكس ولا يصح الطرد، مثل أن تقول كل طويل عريض عميق أسود فهو جسم، ولا ~~يقول كل جسم فهو طويل عريض عميق أسود؛ لأنه يخرج منه الأبيض والأحمر ~~والأزرق، وهذه الحقيقة فاسدة وإن أنعكست؛ لأنها لم تطرد لأنك إذا أردت ~~الطرد قلت كل جسم فهو طويل عريض عميق أسود، فخرج من المحدود ما هو منه، ~~فبإطراد الحد يعرف أن لم يخرج منه ماهو منه وبعكاسه يعرف أنه لم يدخل فيه ~~ما ليس منه، فإذا طرد وانعكس تبين لنا أنه جامع مانع لا يدخل في المحدود ~~ماليس منه ولا يخرج عنه ما هو منه. PageV01P041 # الثانية: أن لا يتسق بأخذ اللفظين ويبق بالآخر، مثل قولك حقيقة الجسم هو ~~الطويل العريض العمق، فهذه الحقيقة صحيحة لما لم يجز أن يثبت بأحد اللفظين ~~ويبقى بالآخر، فيقول هذا طويل عريض عميق فليس بجسم أو هو جسم وليس بطويل ~~ولا عريض ولا عميق، بل يكون ذلك مناقضة، وهذا أمارة مطابقة الحد للمحدود، ~~فقال في الجلوس والقعود لما كان مطابقين لم يثبت بأحدهما وينفى بالآخر، وقد ~~يعترض على هاتين الطريقتين بأن يقال قد رأينا ما يطرد وينعكس ولا يجوز أن ~~يثبت بأحد اللفظين وينفى بالآخر، وليس بحد مثل أن يقول القائل: حقيقة الجسم ~~هوما علم الله تعالى أنه جسم فهو جسم، فهذه الحقيقة مطردة منعكسة وهي فاسدة ~~بالإجماع، وبيان طردها أنك تقول: كل جسم فقد علم الله أنه جسم، وبيان عكسها ~~كلما علم الله أنه جسم فهو جسم، وكذلك هذه الحقيقة لا يجوز أن يثبت بأحد ~~اللفظين وينفى بالآخر، فلا يجوز أن تقول هذا جسم وما علم الله أنه جسم أو ~~علم الله أنه جسم وليس بجسم بل يكون ذلك ms034 مناقضة. # الثالثة: أن تسبق معنى المحدود إلى فهم سامع الحد إذا كان من أهل ذلك ~~الفن، وقد يعترض عليه بأن يقال فقد سبق إلى فهم السامع ما هو خطأ[24ب] ~~والأولى أن نعتبر الحقيقة بحقيقة الحقيقة، وتكون طريقة رابعة، فإن كان ~~لفظيا جليا يكشف عن معنى لفظ خفي على وجه المطابقة فهو صحيح، وإن لم يكن ~~كذلك فهو فاسد، والفرق بين الطرق والشروط أن الشروط لا تكمل الحد إلا ~~باجتماعها بخلاف الطرق فإنها حصل كشف عن صحة المحدود وعن اجتماع شروط الصحة فيه. # وأما الموضع الخامس: وهو فيما يصح أن يحد وما لا يصح وما يصح التحديد به ~~وما لا يصح. # أما الذي لا يصح أن يحد: فهو أسماء الألقاب. PageV01P042 # وأما ما يصح أن يحد فهو على ضربين: منه ما يحتاج إلى تحديد، ومنه ما لا ~~يحتاج إلى تحديد، فالذي لا يحتاج إلى تحديد كالمشاهدات مثل السماء والأرض، ~~وغيرهما من الموجودات، والذي يحتاج إلى تحديد كل لفظه أفادت معنا خفيا، ~~وأما ما يصح التحديد به وما لا يصح فاعلم أن الأشياء على ثلاثة أضرب: منها ~~ما لا يصح أن يحد به بكل حال وهي أسماء الأعلام مثل زيد وعمرو، فإنها لا ~~تقيد، ومنها ما يصح أن يحد به بكل حال وهي كل لفظة كشفت عن معنى المحدود ~~بحقيقتها المفردة، ومنها ما يصح أن يحد به في حال دون حال وهي اللفظة ~~المشتركة والمجاز فإنها متى أقترنت بها القرينة أفادت، مثل السكون فإنها ~~تكون حقيقة في الكون المضاد للحركة، مجاز[25أ] في سكون النفس من الشك ~~والإرتياب فصح تحديد العلم به مع كونه مجازا لما قيدناه بالنفس فيخرج بذلك ~~السكون الذي هو ضد الحركة، وكذلك يصح التحديد باللفظة المشتركة إذا قرنت ~~بقرينة تميز المقصود، وإذ قد فرغنا من المقدمة فنتكلم في المعاني ونبدأ بما ~~بدأ به الشيخ (رحمه الله) وهو الواجب، وهو الفصل الأول. تمت. # فإذا أردنا أن نتكلم فيه تكلمنا في ثلاثة مواضع: # أحدها: في حقيقة الاستحقاق وقسمته، وحقيقة المدح والتعظيم، والذم ms035 ~~والاستحقاق. # والثاني: في حقيقة الواجب وقسمته، وذكر الاحترازات فيها. # والثالث: في قسمة الواجب. # أما الموضع الأول وهو في حقيقة الاستحقاق، وحقيقة المدح، والتعظيم والذم ~~والاستحقاق فحقيقة الاستحقاق هو حسن أمر أو وجوبه لأجل أمر متقدم على وجه ~~لولاه لما حسن أو لما وجب. # قلنا: حسن أمر مثل ذم العصاة. # قلنا: ووجوبه كمدح المؤمن، وقلنا: لأجل أمر متقدم وهو فعل الطاعة من ~~المؤمنين، أو فعل المعصية من المجرمين، وقلنا على وجه لولاه لما حسن أو لما ~~وجب يعني لولا فعل الطاعة لما وجب مدح المؤمنين، فلولا فعل المعصية لما حسن ~~ذم العصاة. PageV01P043 # وأما قسمته: فهو ينقسم إلى خمسة أقسام: استحقاق بمعنى الحسن [25ب] مثل ~~استحقاق العصاة للعقاب والذم، فإنه يحسن ولا يجب، واستحقاق بمعنى الوجوب، ~~مثل استحقاق أهل الطاعة للثواب والمدح، فإنه يجب على الله تعالى إثابتهم، ~~واستحقاق بمعنى الملك مثل قولك زيد يستحق الدار، أي يملكها، واستحقاق بمعنى ~~الأهلية والصلاحية، مثل قولك فلان يستحق الإمامة أي هو لها أهل، ويصلح لها، ~~واستحقاق بمعنى الثبوت مثل قولك البارئ يستحق الصفات -أي هي ثابتة له- ~~وحقيقة المدح هو كل قول شيء عن ارتفاع حال المذكور؛ لأنه أعم من قولنا ~~الخبر؛ لأنه قد يمدح نفسه. # وقلنا: مع القصد إلى تعظيمه قلنا هو كل خبر؛ لأن المدح لا يكون إلا ~~بالخبر، وقلنا شيء عن ارتفاع حال المذكور احتراز من القول الذي شيء عن ~~ايضاعه، وقلنا: المذكور لأنه أعم من قولنا الغير؛ لأنه قد يمدح نفسه، وقلنا ~~مع القصد إلى تعظيمه احتراز من القصد إلى الحكاية والتعريف، فالحكاية مثل ~~قوله تعالى حاكيا عن فرعون {أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي} ~~فلم يرد الله تعظيم فرعون، وإنما حكى كلامه؛ فلهذا لم يكن مدحا، والتعريف ~~مثل قوله تعالى:{وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه} فلم يرد الله تعالى مدح ~~قارون، وإنما عرفنا بحاله. # والفرق بين الحكاية والتعريف: أن الحكاية تكون للقول، والتعريف لا يكون ~~إلا للفصل والحال، وأما حقيقة التعظيم فهو كل قول أو فعل أو ms036 ترك يبنى عن ~~ارتفاع حال من وجه الله مع القصد [26أ] إلى الرفع منه. # قلنا: كل قول أو فعل كالقيام في وجهه أو ترك كترك الاستحقاق به، وقلنا ~~نثني عن ارتفاع احتراز من أن يبنى عن انصياع، وقلنا حال من وجه إليه، ولم ~~يقل المذكور؛ لأنه قد يكون لغير القول كالفعل والترك، وقلنا مع القصد إلى ~~الرفع منه احتراز من القصد إلى الوضع منه. PageV01P044 # وأما حقيقة الذم فهو كل قول يبنى على انطباع احتراز من أن يبنى عن ارتفاع، ~~وقلنا حال المذكور؛ لأنه قد يذم نفسه، وقلنا مع القصد إلى الاستحقاق به ~~احتراز من الحكاية والتعريف، فالحكاية مثل قوله تعالى: {أم أنا خير من هذا ~~الذي هو مهين ولا يكاد يبين} فلم يرد الله تعالى بذلك ذم موسى (عليه ~~السلام)، وإنما أراد الحكاية والتعريف مثل قوله تعالى{وعصى آدم ربه فغوى} ~~فلم يرد الله ذم آدم (عليه السلام) وإنما أراد تعريفنا بحاله، وحقيقة ~~الاستحقاق هو كل قول أو فعل أو ترك يبنى عن إنطباع حال من وجه إليه مع ~~القصد إلى الوضع منه والاحترازات هاهنا نقيض احتراز في التعظيم. # وحقيقة التبجيل هو رفع منزلة الغير مع قبوله لتلك المنزلة. # وأما الموضع الثاني: وهو في حقيقة الواجب وقسمته وبيان وجه الاحتراز فيها ~~وأسمائه، أما حقيقته فهو يستعمل في أصل اللغة وفي الاصطلاح، أما في أصل ~~اللغة ففي [26ب] معنيين: # أحدهما بمعنى الثبوت، وثانيهما بمعنى الوجوب، وهو السقوط، يقال: وجبت ~~الشمس إذا سقطت عند الغروب، وعليه قوله تعالى{فإذا وجبت جنوبها}أي سقطت، ~~والوجوب هو الساقط، وقال الشاعر: # أطاعت بنو عوف أميرا نهاهم ... عن السلم حتى كان أول واجب # وأما الواجب في اصطلاح المتكلمين فهو يستعمل في معان: # أحدها: الوجوب في الأفعال، وهو ما يستحق الذم بتركه، وهو المقصود هاهنا. # وثانيها: واجب بمعنى أنه يستحيل خلافه عند إمكانه، وهو يستعمل في الصفات، ~~يقال هذه الصفة واجبة ونقيضها في الحال. # وثالثها: بمعنى الوجوب الذي هو يقتضي الاختيار، كما يقال أن معلول العلة ~~واجب حصوله عند حصولها، ms037 بخلاف فعل الفاعل فإنه يقع على سبيل الاختيار. PageV01P045 # ورابعها: وجوب استمرار كما يقال: إنه يجب وقوع الفعل من القادر عند توفر ~~دواعيه وانتفاء صوارفه، والمراد أنه يستمر وقوعه عند قوة الداعي وزوال ~~الصوارف قصة مستمرة من كل قادر وفي كل وقت، وليس المراد أن تأثير الفاعل ~~فيه على سبيل الإيجاب كتأثير العلل، بل هو واقع باختياره، والمقصود من هذه ~~المعاني هو هو الواحب المحقق بالفعل، وهو ما يستحق الذم بالإخلال به على ما ~~تقدم في أول الكلام ويأتي إن شاء الله تعالى. # وإذا أردنا الكلام في حده فله حدان [27أ] حقيقي ورسمي: # فالحقيقي: هو ما ليس للقادر عليه الإخلال به على بعض الوجوه، وقيل: هو ما ~~ليس لمن يوجه عليه، وإنما كان هذا الحد حقيقيا لأنا حددناه بأخص أوصافه ~~الراجعة إليه، وهو أنه لما هو عليه ليس للقادر عليه الإخلال به بخلاف ~~الآخرين، فإنا حددنا الواجب فيهما بحكمه التابع للإخلال به وهو استحقاق الذم. # قلنا: ما ليس للقادر الإخلال به على بعض الوجوه احترازا مما يقدر عليه ~~وله الإخلال به، بل قد يجب عليه الإخلال به علل القبح. # وقلنا: على بعض الوجوه احتراز من وجوه أربعة: # أحدها: الكفارات الثلاث فإنه إذا أتى بواحدة منهن لا يستحق الذم على ترك ~~الباقي ومن فرض الكفاية، فإنه إذا قام به البعض سقط وجوبه عن البعض الآخر، ~~ومن الإكراه أقضا على الإفطار في شهر رمضان؛ فإنه لا يستحق الذم، ومن ترك ~~الصلاة في أول الوقت؛ فإنه لا يستحق الذم بذلك، ومن إخلال الشيء بالواجب؛ ~~فإنه إذا وقع منه فهو صغير في حقه؛ لأنه لا يخل إلا بما الإخلال به صغير. # وأما الرسمي: فإن شئت قلت هو ما إذا لم يفعله القادر عليه أستحق الذم على ~~بعض الوجوه، وإن شئت قلت: ما قاله الشيخ (رحمه الله) ما للإخلال به مدخل في ~~استحقاق الذم على بعض الوجوه. # واختلفوا هاهنا هل يقال على بعض الوجوه أم لا؟ PageV01P046 # فذكر الفقيه حميد ومن قال بقوله من المتأخرين: إنه لا ms038 بد منه، وقال غيرهم: ~~إنه لا يحتاج إليه؛ لأن المراد بذلك مدخل فلا يحتاج إلى هذا الاحتراز، لأن ~~قوله ما له مدخل كافي. # قال الشيخ (رضي الله عنه): الإخلال هو ترك الفعل، يقال: أخل فلان بالصلاة ~~أي تركها، ويقال: ترك ومتروك، والترك له حدان: لغوي واصطلاحي. # أما في اللغة: فقال الشيخ هو الامتناع من الفعل مع القدرة عليه، وقد ~~اعترض هذا بأن قيل هذا تكرار؛ لأنه قوله الامتناع يبنى على أنه قادر عليه؛ ~~لأنه لا يقال في العاجز أنه يتمنع من الفعل، فالصحيح أن يقال هو أن لا تفعل ~~الفعل مع القدرة عليه وزوال الموانع. # وأما في الاصطلاح: فهو يستعمل عندهم في مقابلة المتروك، يقال: ترك ومتروك ~~وحدهما أن يقال هما مقدوران ضدان مبتدآن يصح وجود أحدهما بدلا عن الآخر من ~~القادر بقدر. # قلنا: مقدوران احتراز عما ليس مقدور، وقلنا: ضدان احتراز من المثالين أو ~~المختلفين فالخلاف كالسوادين المختلفين كالسواد والحموضة فإنه لا يقال في ~~المختلفين والمثلين ترك ومتروك، لأنهما إنما يستعملان فيما لا يصح اجتماعه، ~~وإنما يفعل أحدهما ويترك الآخر لاستحالة الاجتماع. # قلنا: مبتدان احتراز بأن يكونا متولدين جميعا، ويكون أحدهما متوالد ~~والآخر مبتدا، فإن ما هذا حاله لا ترك ولا متروك؛ لأن من حق الترك والمتروك ~~أن يصح من القادر أن يوجد كل واحد منهما بدلا عن صاحبه، وهذا لا يصح إلا في ~~مبتدان؛ لأن المتولدين قد خرج عن أن يقعا على اختياره بوجود سببهما ~~كالإصابة عقب الرمي، وكذلك إذا كان أحدهما متوالد فقد صار واجب الوجود ~~بوجود سببه، والمتولد مثل السهم عند الإصابة؛ فإنه قد خرج عن مقدوره فلا ~~اختيار له فيه. PageV01P047 # وقلنا: يصح اتخاذ أحدهما[28ب] بدلا عن الآخر احترازا عما لا يصح وجوده بدلا ~~عن صاحبه نحو الكون في الجهة الأولى، والكون في الجهة العاشرة، فإنه لا ~~يقال فيهما ترك ومتروك؛ لأنه لا يصح وجود أحدهما بدلا عن الآخر لاستحالة ~~الظفر، وقلنا: من القادر بقدره احتراز من القديم فإنه قادر لذاته فلا يتصور ~~ذلك منه، وقلنا: ms039 هو ما للإخلال به مدخل، والمدخل هو التأثير، وهذا ظهور حكم ~~أو صفة، ومعناه أن إخلاله بالواجب أثر في استحقاقه للذم، ومعناه هذا أنه من ~~أخل بالواجب حسن ذمه. # وقلنا: حسن ولم نقل وجب؛ لأن الذم حق للذام واستيفاء الحق لا يجب بخلاف ~~المدح، فإنه حق للمدوح، وإبقاء الغير حقه واجب، وتصير بمثابة درهمين درهم ~~لك ودرهم عليك، فالدرهم الذي لك يحسن منك أخذه والعفو عنه، بل العفو عنه ~~أفضل، والدرهم الذي عليك يجب رده لا محالة. # قال الشيخ: وقلنا على بعض الوجوه احتراز من الواجبات المجبرة كالكفارات ~~الثلاث، فإن من وجت عليه فإنا تواجده منها فإنه لا يستحق الذم على ترك ~~الآخرين، فلولا وجوب الواجب لما حسن ذم تاركه على وجه من الوجوه؛ لأن ~~العقلا لا يذمون أحدا على ترك فعل إلا وذلك الفعل واجب. # وأما أسماء الواجب فهي خمسة: # حتم، وفرض، ولازم، ولازب، وواجب، ومعناها واحد عندنا خلافا للحنفية فإنهم ~~يقولون الغرض الحاتم ما دل عليه دليل قطعي، والواجب ما كان دليله ظنيا، ~~وسمي واجبا؛ لأن الوجوب في اللغة هو السقوط، والواجب هو الساقط فلما[28ب] ~~سقطت رتبة الظني عن القطعي والخطب عنها خصوه باسم الواجب، والغرض في أصل ~~اللغة هو التقدير، والمفروض هو المقدر، ومنه قوله تعالى:{سورة أنزلناها ~~وفرضناها}، أي قدرناها وما وجب بدليل قطعي فهو مقدر من جهة الله، فلهذا خص ~~باسم الفرض. # وأما الموضع الثالث: وهو في قسمة الواجب فهي أربع قسم: # قسم لحسنه في نفسه، وقسمة بحسب وقته، وقسمة بحسب طريقه، وقسمة بحسب من ~~وجب عليه. PageV01P048 # أما قسمته بحسبه في نفسه فهو ينقسم إلى قسمين: مخير ومعين. # فالمخير: ما يقوم غيره مما يخالفه في الصور مقامه. # قال أبو الحسن: هو ما جمع شروط ثلاثة: # أحدها: أنه لا يجوز الإخلال بهما. # وثانيها: أنه لا يجب فعلها أجمع. # وثالثها: أن أي واحد منها فعل المكلف إحداه وله مثالان عقلي وشرعي: # أما مثاله في العقل: فمثل شرب الدواء الكريه، والفصد، والحجامة، والكي ~~بالنار، فإنه إذا علم أن العلة ms040 تزول ببعض هذه فإنه مخير بينها. # وأما أمثاله في الشرع: فكالكفارات الثلاث بأن عند أهل البيت (عليهم ~~السلام) # أنها واجبة على التحييز؛ بمعنى أنه لا يجوز الإخلال بها أجمع، ولا يجب ~~عليه الإتيان بها أجمع، وأي واحدة أتى بها أجزته. # قال بعض الفقهاء: إن الواجب منها واحد لا يعينه معلوم لله تعالى، غير ~~معلوم لنا، وقال بعضهم: إن الواجب منها ما علم الله أنه يفعله وإبطال القول ~~الأول من وجهين: # أحدهما: أنا نقول أن هذا التكليف ما لا يعلم [29ب] فيكلف ما لا يعلم قبح. # والثاني: أنه كان يلزمهم أن الواحد إذا أتى بواحدة منها غير ما علم الله ~~تعالى أنه لا يجزيه. وإبطال القول الثاني من وجهين أيضا: # أحدهما: أنه كان يلزم فيمن علم الله تعالى أنه يفعلها كلها أن يجب عليه، ~~والمعلوم خلافه. # والثاني: أنه كان يلزم فيمن علم الله تعالى أنه يموت ولا يكفر بشيء ألا ~~يجب عليه شيء، والمعلوم خلاف ذلك. # وأما المعين: فهو الذي لا يقوم مخالفه في الصورة مقامه، وله مثالان: عقلي وشرعي. # أما مثاله في العقل فمثل قضاء الدين ورد الوديعة فإنه لا يقوم مخالفه في ~~الصورة مقامه. # وأما مثاله في الشرع فمثل الصلاة، والحج، والصوم، فإنه لا يقوم مخالفه في ~~الصورة مقامه. # وأما قسمته بحسب وقته، فهو ينقسم إلى قسمين: موسع، ومضيق. # أما الموسع: فهو الواجب الذي يجوز تأخيره عن أول وقت وجوبه، وله مثالان ~~:عقلي وشرعي. # أما مثاله في العقل فمثل قضاء الدين قبل المطالبة. PageV01P049 # وأما مثاله في الشرع فمثل الصلاة في أول الوقت، فإن له تأخيرها مع العزم ~~على أدائها، وهذا قول أبي علي وأبي هاشم، وغيرهما أنه يجب العزم في أول ~~الوقت على الشاكر وعند أبي الحسين، وأبي الملاحمي، والرازي، لا يجب ~~عليه......، وعند (س) أن الوجوب يختص بأول الوقت وفي آخره ضرب القضاء، وعند ~~(ح) أن الواجب يتعلق بآخر الوقت وفي أوله يقل سقط به الغرض والوقت قد يكون ~~على ثلاثة أضرب الفعل والوقت سواء مثل الصوم، وقد ms041 يكون الوقت أوسع من الفعل ~~مثل الصلاة، وقد يكون الفعل أكبر من الوقت وهذا محال؛ لأنه تكليف ما لا يطاق. # وأما المضيق: فهو ما لا يجوز تأخيره عن أول وقته الذي لغير أدائه، وله ~~مثالان : عقلي وشرعي. # أما مثاله في العقل: فمثل قضا الدين عند المطالبة [29ب] ورد الوديعة، ~~ومثل معرفة الله تعالى عند البلوغ، فإنه لا يجوز تأخيرها. # وأما مثاله في الشرع فكالصلاة في آخر وقتها فإنه لا يجوز تأخيرها عنه. # وأما قسمته بحسب طريقه فهو ينقسم إلى قسمين: عقلي، وشرعي، والعقلي ينقسم ~~إلى قسمين: ضروري واستدلالي. # والشرع ينقسم إلى قسمين ضروري واستدلالي، فحقيقة العقلي هو ما يعلم وجوبه ~~بضرورة العقل أو بدلالته. # والشرعي: هو ما لا يعلم وجوبه إلا بضرورة الشرع أو بدلالته. # أما ما يعلم بضرورة العقل فهو مثال قضا الدين، ورد الوديعة، وشكر المنعم، ~~وأما ما يعلم بدلالته فهو معرفة الله تعالى. # وأما ما يعرف بضرورة الشرع فمثل الصلاة، والزكاة، والحج، فإنا نعلم ذلك ~~ضرورة من دين النبي ((صلى الله عليه وآله)). # وأما ما يعلم بدلالة الشرع فمثل النية، والتكبير، وقراءة الفاتحة. # وأما قسمته بحسب من يجب عليه، فهو ينقسم إلى قسمين: فرض عين، وفرض كفاية. # أما حقيقة فرض العين فهو ما إذا قام به البعض لم يسقط وجوبه عن البعض ~~الباقي، وله مثالان عقلي، وشرعي: # أما مثاله في العقل فهو كقضاء الدين، ورد الوديعة، ومعرفة الله تعالى. # وأما مثاله في الشرع فكالصلاة والصوم. PageV01P050 # وأما فرض الكفاية فحقيقته هو ما إذا قام به البعض سقط وجوبه عن البعض ~~الباقي، وإن شئت قلت ما إذا علم المكلف أو غلب على ظنه أن البعض قد قام به ~~سقط وجوبه عنه، وله مثالان: عقلي، وشرعي. # أما مثاله في العقل: فمثل قضاء الدين إذا كان من جماعة ثم قضا أحدهم فإنه ~~يسقط وجوبه عن سائرهم، وكرد الوديعة [30أ] إذا كانت على هذه المثابة. # وأما مثاله في الشرع فهو كالجهاد، وكصلاة الجنازة، والأذان، وتعلم الناس ~~معالم الدين، فإذا قام به البعض ms042 سقط وجوبه عن البعض الباقي، ومعرفة الله ~~تعالى متعلقة بكل واحدة من هذه القسم فهي متعلقة من القسمة الأولى بالمعين، ~~ومن الثانية بالمضيق، ومن الثالثة بالعقلي الاستدلالي، ومن الرابعة بفرض ~~العين، وإذا قد فرغنا من الكلام في الواجب تكلمنا في المكلف، والكلام منه ~~يقع في أربعة مواضع: # أحدها: في قسمة الأفعال بحسب ما تعرض منها في المكلف، وحقائق أقسامها، ~~وأمثلتها، وحصرها. # والثاني: في الكلام في الواجبات التي على الله تعالى. # والثالث: في حقيقة المكلف، والمكلف، والتكليف، وذكر الاحترازات فيها. # والرابع: فيما يتناوله التكليف من الأفعال، وشرائط حسن التكليف. # أما الموضع الأول: وهو في قسمة الأفعال وحقائقها، فجملة الأفعال خمسة: ~~واجب، ومندوب، ومباح، ومكروه، ومحضور، وأصلها ينقسم إلى قسمين: حسن، وقبيح، ~~والقبيح ينقسم إلى قسمين: صغير وكبير، وعقلي وشرعي، والحسن يقسم إلى أربعة ~~أقسام: واجب، ومندوب، ومباح، ومكروه. # وأما حقائقها فللقبيح حدان: حقيقي، ورسمي، فالحقيقي: هو ماليس للقادر ~~عليه المتمكن من الاحتراز منه فعله على بعض الوجوه، قلنا للقادر احترازا ~~مما ليس للقادر، وقلنا المتمكن من الاحتراز منه احترازا من الصبيان، ~~والمجانين، والبهائم، فإنه إذا وقع منهم إتلاف مال الغير، أو مايجري مجراه ~~فإنه قبيح في نفسه، وليس قبيح منهم؛ لأنهم غير متمكنين من الاحتراز منه. PageV01P051 # وأما الرسمي فله حدان: أحدهما:[30ب] هو أن تقول هو ما إذا فعله القادر عليه ~~استحق الذم على بعض الوجوه، وإن شئت قلت: هو ما للإقدام عليه مدخل في ~~استحقاق الذم على بعض الوجوه، وقولنا على بعض الوجوه الخلاف فيه ما تقدم. # ومثال القبيح العقلي: هو الظلم، والكذب، ومثال القبيح الشرعي كشرب الخمر، ~~والزنا. # قلنا: بالإقدام عليه فدخل احترازا مما ليس للإقدام عليه مدخل في استحقاق ~~الذم كسائر الأفعال، والمدخل هو التأثير، وقلنا على بعض الوجوه احترازا من ~~وجوه أربعة: # أحدها: صغائر الأشياء. # وثانيها: الساهي والنائم؛ فإنهما لا يستحقان للذم على ما وقع منهما في ~~حال السهو والنوم. # وثالثها: الصبيان، والمجانين، فإنهم لا يستحقون ذما على فعل القبيح. # ورابعها: من أكره على الإفطار في رمضان، أو ms043 على شرب الخمر، وإنما قلنا إن ~~الحد الأول حقيقي؛ لأنه تحديد له بأوصافه الراجعة إليه، والثاني رسمي؛ لأنه ~~تحديد له لحكمة التابع للإقدام عليه. # وأما الحسن فهو يستعمل على وجهين: # أحدهما: نقيض القبيح وهو ماذكرنا، ويدخل فيه الواجب، والمندوب، والمباح، ~~والمكروه. # وأما حقيقة الحسن العام فهو: ما حصل فيه عرض وتعرى عن وجوه القبح، وحقيقة ~~الحسن الخاص هو: ما ترجح فعله على تركه. # وأما حقيقة المندوب فهو ما عرف فاعله حسنه، وأن لفعله مدخل في استحقاق ~~المدح والثواب، وليس لتركه مدخل في استحقاق الذم والعقاب، أو كان له صفة ~~زائدة على حسنه، وليس لتركه مدخل في استحقاق الذم والعقاب، وله مثالان: ~~عقلي، وشرعي. # فالعقلي: كبيع الغير، والشرعي: كنوافل الصلاة، وسائر النوافل الراتبة من ~~العبادات. # وأما المباح: فهو ما عرف فاعله [31أ] حسنه على الإطلاق ..... ممن يترك ~~المباح من هذا فإنه يستحب له ذلك، وأن ليس لفعله ولا تركه مدخل في استحقاق ~~مدح ولا ذم، ولا ثواب ولا عقاب، ومثاله في العقل كالسير في مناكب الأرض، ~~ومثاله في الشرع ذبح البهائم. PageV01P052 # وأما المكروه فهو ما لتركه مدخل في استحقاق المدح والثواب، وليس لفعله مدخل ~~في استحقاق المدح والثواب، وليس لفعله مدخل في استحقاق الذم والعقاب، ~~ومثاله كالإستنجاء باليمين، والأكل في الشمال، وهذا مثاله في الشرع، ومثاله ~~في العقل كترك مكارم الأخلاق، وأما حصرها فتحصيله أن الفعل لا يخلو إما أن ~~يكون صفة زائدة على حدوثه وصفة حسنه، إن لم يكن فهو الفعل اليسير الذي لا ~~تعتد به في جلب نفع أو دفع ذرر، كانخفاض الرمل وارتفاعه عند المشي عليه، ~~وإن كان له صفة زائدة على حدوثه فلا يخلو إما أن يكون للقادر عليه المتمكن ~~من الاحتراز منه فعله أم لا، إن لم يكن له ذلك فهو القبيح، وإن كان له فعله ~~فلا يخلو إما أن يستحق بالإخلال به المدح أم لا، إن استحق فهو المكروه، وإن ~~لم يستحق بالإخلال به المدح فلا يخلو إما أن يستحق بفعله المدح أم لا، إن ms044 ~~استحق فهو المندوب، وإن لم يستحق بفعله ولا بتركه مدحا ولا ذما فهو المباح. # وأما الموضع الثاني: وهو في الواجبات على الله تعالى فالكلام منه يقع في ~~ثلاثة مواضع: # أحدها: في تعدادها، وتعيناتها. # والثاني: في حقائقها، وأمثلتها. # والثالث: في الدليل على وجوبها عليه تعالى. # أما الموضع الأول فتعدادها ستة، ومن العلماء من جعلها ثمانية، وأما ~~تعيناتها[31ب] فهي التمكين للمكلفين، والبيان للمخاطبين، واللطف للمتعبدين، ~~والعوض للمؤلمين، وقبول توبة التائبين، والثواب للمطيعين، وبعثة المستحقين، ~~والانتصاف للمظلومين من الظالمين، ولم يذكر الشيخ الانتصاف ولا البعثة؛ لأن ~~الانتصاف قد دخل تحت العوض، والبعثة قد دخلت تحت الثواب، والعوض ومن ~~أفردهما بالذكر جعلها ثمانية. PageV01P053 # وأما الموضع الثاني: وهو في حقائقها، وأمثلتها فحقيقة التمكين هو خلق ~~القدرة والإله، ومثال التمكين كاليد في التمكن من الوضوء، والرجل كالتمكين ~~من الصلاة قائما، والثبات له معنيان: أعم، وأخص، فالأعم هو: الإعلام وهو ~~خلق العلوم الضرورية، ونصب الأدلة العقلية والسمعية، وأما الأخص فهو ما يدل ~~على المراد بالخطاب المجمل على سبيل التفصيل، ومثاله قوله تعالى {أقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة} فأنا لا نعلم معنى الآية إلا بقول النبي أو فعله أو ~~تقريره، أما قوله فمثل أن تقول: الصلاة كذا وكذا. # وأما فعله فمثل أن يقول: صلوا كما رأيمتوني أصلي. # وأما تقريره فكأن ير رجلا يصلي فيبقى على ماهو به، وقول الشيخ (رحمه ~~الله): البيان للمخاطبين لايتناول البيان إلا البيان بالمعنى الأخص، وما ~~يدخل فيه البيان بالمعنى الأعم، ولا بد من دخولهما جميعا؛ لأنهما واجبان ~~على الله تعالى على سواء فالأول أن يقال البيان للمكلفين. # وأما حقيقة اللطف فهو يستعمل في اللغة والاصطلاح، أما في أصل اللغة: فهو ~~ماقرت من نيل الغرض، وإدراك المقصود، وعليه قول الشاعر: # مازلت أجد حاجاتي بتلطفي ... حتى تركت رقات الملح في اللطيف # [32أ] وقال آخر: # لو سار ألف مدجج في حاجة ... ما نالها إلا الذي يتلطف # وقوله: اللطف بالصبي، وتلطف به لتكون أقرب إلى التزام المكسب، وارتقا ~~أعلى درجات الأدب. # وأما في الاصطلاح فهو: ما يدعو المكلف ms045 إلى فعل ماكلف فعله، أو ترك ماكلف ~~تركه، أو إلى أحدهما مالم يبلغ به الحال حد الالجاء. # قلنا ما يدعو خاصة اللطف، وقلنا المكلف احترازا مما يدعوا غير المكلف ~~فإنه ليس بلطف في الاصطلاح، وقد دخل في قولنا ما يدعو جميع أقسام اللطف وهو ~~ما يفعل عنده، أو يكون أقرب؛ لأن كل واحد منهما يدعو، وقلنا إلى فعل ماكلف ~~فعله أو ترك ماكلف تركه دخل فيه اللطف الذي يكون لطفا في الفعل، والترك جميعا. PageV01P054 # وقلنا: أو إلى أحدهما لأن من الألطاف ما يكون لطفا في أحدهما دون الآخر، ~~وقلنا: مالم يبلغ به الحال حد الالجاء احتراز من مشاهدة المحتضر للملكية ~~فإن ذلك وإن ادعاه لا تكون لطفا لأنه ملجأ. # وأما حقيقة العوض فهي: المنافع المستحقة المفعولة لا على وجه الإجلال، ~~والتعظيم. # قلنا: المنافع جنس الحد، وقلنا المستحقة احتراز من التفضل، وقلنا المفعول ~~لا على وجه الإجلال والتعظم احتراز من الثواب. # وأما حقيقة القبول: فهو إيجاب مدح، وثواب وإسقاط دم وعقاب، وإن شئت قلت ~~هو اسقاط دم وعقاب، أو المنع من استحقاقه لأجل أمر متقدم. # وأما حقيقة التوبة فهي: الندم على ما أخل به من الواجب لوجوبه، وفعله من ~~القبح لقبحه، والعزم على أن لا يعود إلى الشيء من ذلك. # وأما حقيقة الثواب: فهي المنافع المستحقة المفعولة على وجه الإجلال ~~والتعظيم. # قلنا: المنافع جنس الحد، وقلنا المستحقة احتراز من التفضل، وقلنا ~~المفعوله على وجه الإجلال والتعظيم احتراز من العوض [32ب]. # وحقيقة البعثة: إعادة من يستحق ثوابا، أو عوضا، والإعادة إلجاء بعد عدم ~~قد يقدمه وجوده. # والبعثة على ضربين: واجبة، وغير واجبة، فالواجبة من جهة العقل هي بعثة من ~~له ثواب، أو عوض على الله تعالى، أو على غيره، وغير الواجب بعثة سائر ~~الحيوانات من أهل العقاب، وغيرهم، وقد ورد السمع بأن الله يبعث جميع ~~الحيوانات. # وحقيقة الانتصاف: هو أخذ الحق ممن وجب عليه، ووضعه فيمن وجب له. # وأما الموضع الثالث: وهو في الدليل على وجوبها على الله تعالى فمن هنا ~~أنها ms046 واجبة، والخلاف في ذلك مع المجبرة فإنهم يقولون لا يجب على الله واجب ~~إلا من طريق الحق والتفضل فيدل على وجوب كل واحد منها. PageV01P055 # أما التمكين فيدل على وجوبه أنه تعالى لو لم يمكن المكلفين مما كلفوا لكان ~~قد كلفهم ما لا يطيقونه وذلك قبح والله تعالى لا يفعل القبيح، ومثاله في ~~الشاهد أن الواحد منا لو كلف عبده المقعد بالجري مع الخيل العربية أو صعود ~~الصرح من غير سلم لكان هذا تكليفا لما لايطاق، وقبحه معلوم ضرورة عند جميع ~~العقلاء، والذي يدل على أنه يجب عليه أن يتبين للمخاطبين أنه لو لم يبين ~~لهم لكان قد كلفهم ما لا يعلموا به، وتكليف ما لا يعلم قبح، ومثاله في ~~الشاهد تكليف العربي أن يتحدث بالعجمية، أو العجمي أن يتحدث بالعربية، أو ~~الأعمى ينقط المصحف على جهة الصحة والصواب، فإن هذا تكليف ما لا يعلم، ~~والمعلوم عند العقلاء قبحه، ولو لم يلطف للمتعبدين لكان غير مريح لعللهم، ~~ومثاله في الواحد منا لو عمل لغيره ضيافة [33أ] ثم علم أنه لا يأتي إلا أن ~~يأمر له ولده ثم لم يفعل لكان المضيف غير مريح لعلته، ولكان عائدا على عرضه ~~بالنقض، ولولم يعوض المؤلمين لكان انزاله للألم قبيحا، والله يتعالى عن ~~ذلك، ومثاله فيمن استأجر أجيرا ثم لم يوفه أجرته فإنه يكون ظالما له، ~~والدليل على وجوب قبول التوبة وجوه: # أحدها: أن التوبة هي نظير الاعتذار في الشاهد فلو لم يقبلها لما حسن منه ~~واستحق الذم كما في الشاهد فإنه قد ثبت أنه من أساء إلى غيره ثم اعتذر إليه ~~فإنه يجب عليه أن يقبل عذره عند العقلاء حتى لولم يقبل استحق الذم عند ~~العقلاء، وكذلك التوبة، والعلة الجامعة بينهما أن كل واحد منهما بذل الجهد ~~في تلافي ما وقع منه من الإساءة. # الوجه الثاني: أن الله تعالى أمر بالتوبة، وأخبر أنه يقبلها فلو لم ~~يقبلها لا يكشف لنا أن خبره كذب، والكذب قبيح، والله تعالى لا يفعل القبيح، ~~ولأنه لافائدة في إيجاب ms047 التوبة، والأمر بها إلا ما يحصل بها من سقوط ~~العقاب. PageV01P056 # الوجه الثالث: لولم يقبلها لما حسن تكليفهم بعد وقوع المعصية؛ لأنه لا يكون ~~لهم، والحال هذه طريق إلى الإنتفاع بما كلفوه. # وأما الثواب للمطيعين: فالدليل على وجوبه أن الله تعالى قد كلف هذه ~~التكاليف الشاقة، فلو لم يثب من أطاعه وتحسب معاصيه لكان ذلك ظلما من حيث ~~ألزمهم الشاق ولم يجيزه بنفع، والله يتعالى عن ذلك، ومثاله من الشاهد كمن ~~يستأجر أجيرا، ولا يوفيه أجرته فإنه يكون ظلما، والحال هذه والدليل على ~~وجوب بعثة من له ثواب أو عوض أن الله قد كلف هذه الأمور الشاقة، والتوصل ~~إلى الإثابة عليها لا تكون إلا بالبعثة، وما لا يتم الواجب إلا به يكون ~~واجبا كوجوبه. # وأما وجوب الانتصاف فالذي يدل عليه أن الله تعالى [33ب] قد خلى بين ~~عباده، ومكن القوي منهم على الضعيف، ولم يمكن الضعيف من دفع القوي فلم ~~ينتصف لكان التخلية منه قبيحة، ومثاله في الشاهد أن ولي الأيتام لو خلى ~~بينهم، ولم ينصف لبعضهم من بعض لكانت التخلية قبيحة. # وأما الموضع الثالث: وهو في حقيقة المكلف، والمكلف، والتكليف، وذكر ~~الاحترازات فيها، وهذا الموضوع هو المقصود مما ذكره الشيخ (رحمه الله ~~تعالى)، وإنما ذكرنا المواضع الباقية لإيصالها بما ذكره (رحمه الله) من ~~حقيقة المكلف، ولأنها مما تعرض في حقيقة المكلف فاحتجنا إلى الكلام فيها. # أما حقائقها فهو يستعمل في أصل اللغة، وفي الاصطلاح. # أما في أصل اللغة: فالمكلف هو الباعث على ما سبق من فعل، أو ترك قلنا على ~~ماسبق من فعل، أو ترك احتراز ممن يأمره أو يحرك ريشه فإنه لا يقال أنه ~~كلفه؛ لأن التكليف مأخوذ في اللغة من الكلفة وهي المشقة، والتكليف هو البعث ~~على ما سبق من فعل أو ترك، والمكلف هو المبعوث على ما سبق من فعل أو ترك. # وأما في الاصطلاح: فقال الشيخ (رحمه الله تعالى): هو من أعلم بوجوب بعض ~~الأفعال عليه، وقبح بعضها منه مشقة يلحقه في الفعل، والترك مالم يكن ms048 ملجأ ~~إلى شيء من ذلك. PageV01P057 # قال الشيخ: اعلم احتراز من الباري تعالى فإنه عالم بوجوب بعض الأفعال عليه ~~وقبح بعضها منه، وليس بمكلف؛ لأنه لم يعلمه بذلك أحد بل عالم بذاته غير ما ~~يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. # وقلنا: مع مشقة احتراز من أهل الجنة، فإن المشقة لا تخلقهم لقوله تعالى: ~~{يمسهم فيها نصب}..الآية، وقلنا: مالم يكن ملجأ احتراز من المحتضر، وأهل ~~الآخرة، وهذه الحقيقة معترضة من وجوه: أحدها قوله اعلم [34أ] فإنه أحترز من ~~الباري تعالى، وقد خرج بذكر المشقة؛ لأنها لا تلحقه تعالى. # الثاني: في قوله بوجوب بعض الأفعال عليه، وقبح بعضها منه، فإنه قد خرج من ~~الحد ما هو منه، وهو المندوب، والمكروه، وهما غير واجبين، ولا مستحبين. # الثالث: في قوله مع مشقة فإنه احترز به من أهل الجنة، وقد أخرجوا ~~بالإلجاء. # الرابع: أنه قد يكون في التكليف ما لا مشقة فيه كقراءة القرآن بالصوت ~~الحسن فإنه يرتاح إلى سماعه، ولا مشقة عليه في ذلك فإذا أردنا تصحيح ~~الحقيقة. # قلنا: هو من أعلم بوجوب بعض الأفعال عليه، وقبح بعضها منه، وما اولأولى ~~له أن يفعل، وما الأولى له أن يترك مع مشقة تلحقه في الفعل والترك، أو ~~سببهما، أو ما يتصل به مالم يبلغ الحال به حد الإلجاء؟ قلنا: أعلم، ولم ~~نقل: علم احترازا من الكافر فإنه أعلم، ولم يعلم فإنه أعلم بخلق العلوم ~~الضرورية، ونصب الأدلة العقلية والسمعية، وقلنا بعض الأفعال عليه، وهو فعل ~~الواجب، وقبح بعضها منه، وهو القبيح، وما الأولى له أن يفعله، وهو المندوب، ~~وما الأولى له أن يترك وهو المكروه، وقوله مع مشقة وإذا قد ذكرنا المشقة ~~فينبغي أن نبين ذكر حقيقتها، وقسمتها، ووجه اشتراطها. # أما حقيقتها فهي: عبارة عما يلحق الحي بترك ما شبهه أو بفعل ما ينهى عنه، ~~وهو ينقسم إلى قسمين: مشقة في الفعل، ومشقة في الترك، فالمشقة في الفعل: هي ~~عبارة عما يلحق الأعضاء بسبب الفعل من وهي، وونا، وضعف، وكلال. PageV01P058 # والمشقة في الترك: عبارة عما يلحق ms049 النفس ستشترك ما تشتهيه وذلك أمر موجود ~~في النفس. # وأما وجه الاحتراز بها فهو من القديم تعالى فإنه عالم بوجوب الواجبات ~~عليه، ولا تلحقه مشقة في فعلها [34ب]. # وأما وجه اشتراطها فإنها خاصة الحد الذي شبه بها الاصطلاح في اللغة؛ لأن ~~التكليف في اللغة مأخوذ من المشقة، وهي التكليف فيجب أن يكون في الاصطلاح ~~مشبها به. # قلنا: أو في الفعل تشبيه احترازا من تحديد العلم بالله تعالى فإنه لا ~~يلحق به مشقة بل تقيدوا به، وإنما يلحق المشقة في سببه وهو النظر. # قلنا: أو ما يتصل به احترازا من وقت القرآن بالصوت الحسن فإنه لا يلحقه ~~مشقة بل يلتذ به ويشتاق إلى قرآته، وإنما يلحق فيما يتصل به وهي حراسته من ~~الزنا، والسمعة، وغير ذلك من المحبطات، وفي ذلك مشقة شديدة. # وأما قوله: مالم يكن ملجأ فينبغي أن تتبين حقيقة الإلجاء، والملجأ، ~~والملجي، وقسمته، وذكر الاحتراز به، ووجه اشتراطه في التكليف، أما الملجي ~~فهو: فاعل سبب الإلجاء، والملجأ على ضربين: ملجأ إلى الفعل، وملجأ إلى ~~الترك، فالملجأ إلى الفعل هو من بلغ به داعي الحاجة إلى الفعل حدا لا ~~يقابله صارف يقاومه. PageV01P059 # قلنا: من بلغ به داعي احترازا ممن بلغ به الصارف فإنه ملجأ إلى الترك، ~~وقلنا: داعي الحاجة احترازا من داعي الحكمة نحو داعي القديم تعالى إلى فعل ~~الواجب فإنه وإن بلغ به حدا لا يقابله صارف فليس بملجأ؛ لأنه داعي حكمة، ~~وقلنا: تقاومه احترازا من صارف لا يقاوم الداعي بحال، والملجأ إلى الترك هو ~~من بلغ به صارف الحاجة عليه، ثم تجد فيه ذبابا فإن هذا الصارف لا يقاوم ~~الداعي بحال مثل من بدعوة الداعي المكين إلى أكل الطعام، ولا مانع له عنه ~~وهو قادر عليه، ثم تجد فيه ذبابا فإن هذا الصارف لا يقاوم الداعي بحال، ~~والملجأ إلى الترك هو من بلغ [35أ] به صارف الحاجة عن الفعل حدا لا يقابله ~~داع يقاومه، وقلنا: يقاومه نحو أن يوفر دواعيه إلى أكل طعام ثم يصرفه ~~الصارف عنه بأن ms050 يكون مسموما فإن الداعي والحال هذه لا يقابل الصارف بخلاف ~~ما لو وجد فيه الذباب، واللجأ إلى الفعل هو بلوغ داعي الحاجة إلى الفعل حدا ~~لا يقابه صارف يقاومه، واللجأ إلى الترك هو بلوغ صارف الحاجة عن الفعل حدا ~~لا يقابله داع يقاومه، وأما قسمة الإلجاء فالإلجاء يكون بأحد طريقين: # الأولى: بطريقة جلب المنافع، ورفع المضار، نحو أن يعلم أن له في الفعل ~~جلب منفعة، أو دفع مضرة، ولا صارف له عنه، وكذلك إذا علم أن له ذلك في أن ~~لا يفعل. PageV01P060 # والطريقة الثانية: إلجاء بطريقة المنع، وذلك في الفعل، والترك، أما في ~~الترك فظاهر نحو أن يعلم إن حاول الفعل منع منه فإنه يكون ملجأ إلى تركه، ~~وأما في الفعل فنحو أن يكون الملجا لا ينفك عن أحد الفعلين ثم يمنع من ~~أحدهما؛ فإنه يكون بذلك ملجأ إلى فعل الآخر، وأما وجه الاحتراز والإلجاء ~~فهو المختص، وأهل الآخرة فإن المختص قد صار ملجأ لايستطيع أن يزيد في حسنه، ~~ولا ينقص من سيئه، لقوله تعالى: {يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ~~ويقولون حجرا محجورا} أي جرما مجروما، وكذلك حال أهل الآخرة، وأما وجه ~~اشتراطه في التكليف فلأن مرجوا المكلف أن يتردد دعوا عيه، ويفعل الواجب ~~لوجوبه، ويترك القبيح لقبحه حتى يستحق الثواب بالفعل، والترك في هذا لا ~~يحصل في الملجأ، وإنما بفعل وبترك لأجل الإلجاء فلا يستحق مدحا، ولا ثوابا، ~~وقد يذكر للمكلف حد آخر وهو أن يقال هو من أعلم بأن له في أن يفعل أو أن لا ~~يفعل جلب منفعة، أو دفع مضرة مع مشقة [35ب] تلحق في الفعل والترك، أو في ~~سببهما، أو ما يتصل بهما مالم يكن ملجا، والاحتراز فيه كالأولى. # قلنا: اعلم احترازا من الكفار، وقلنا بأن له في أن يفعل دخل فيه الواجب، ~~والمندوب. # قلنا: وإن لا يفعل دخل فيه المحضور والمكروه. # وأما الموضع الرابع وهو فيما يناوله التكليف من الأفعال، وما لا يتناوله، ~~وشروط حسنه، أما ما لا يتناوله التكليف فهو المباح، ms051 والفعل اليسير، وأما ما ~~يتناوله فهو يتناول فعلين، وتركين. # فالفعلان: فعل الواجب، والمندوب، والتركان: ترك المحضور، والمكروه، وجملة ~~ما يتناوله التكليف ينقسم إلى قسمين: # فعل، وترك، والفعل على ضربين: علم، وعمل، والعلم على ثلاثة أقسام: منه ما ~~يخصه دون غيره، ومنه ما يخص غيره، ومنه مانعهما. PageV01P061 # أما الذي يخصه فمثل معرفة الله تعالى، وأما الذي يخص غيره فكمعرفة الحيض، ~~والنفاس إذا كان ذكرا، والحج، والزكاة إذا كان فقيرا، وأما الذي يعمه وغيره ~~فكمعرفة الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج إذا كان غنيا، والقسمة الصحيحة هو ~~أن يقول العلم على ضربين علم ل ايتبعه عمل، وعلم يتبعه عمل: # فالأول: كمعرفة الله تعالى، والثاني على ضربين: # أحدهما: يلزمه العمل بمعلومه كالصلاة، والصيام، والحج فمن وجد عليه. # والثاني: لا يلزم العمل بمعلومه كالحيض والنفاس، فإن العالم بهذه لا ~~يلزمه العمل بمعلومه يعني بمعلوم العلم. # والعمل ينقسم إلى قسمين: عقلي، وشرعي، والعقلي ينقسم إلى قسمين: ضروري، ~~واستدلالي. # فالضروري هو: [36أ] ما علم وجوبه بضرورة العقل مثل قضاء الدين ورد ~~الوديعة، وشكر المنعم، والاستدلالي هو: ماعلم وجوبه بدلالة العقل مثل النظر ~~في معرفة الله تعالى، والشرعي ينقسم إلى قسمين: ضروري، واستدلالي. # فالضروري هو: ما يعلم وجوبه إلا بضرورة الشرع، والمعلوم بضرورة الشرع مثل ~~الصلاة، والزكاة، والحج، والصيام، والمعلوم بدلالته مثل النية، والتكبيرة، ~~وقرآة فاتحة الكتاب، وأما الترك فهو على ضربين: عقلي، وشرعي: # فالعقلي: ما لا يعلم قبحه إلا بضرورة العقل، أو بدلالته، أما الذي يعرف ~~قبحه بضرورة العقل فهو مثل الظلم، والكذب، والغش، وأما الذي يعلم قبحه ~~بدلالته فهو مثل الكذب الذي فيه جلب نفع، أو دفع ضرر، فإنا إذا علمنا أن ~~الكذب إنما قبح لكونه كذبا، قلنا هذا قد شاركه في وجوه القبح فوجب أن يكون قبحا. # وأما الشرعي: فهو ما لم يعلم قبحه إلا بضرور الشرع، أو بدلالته أما ما ~~يعلم قبحه بضرورة الشرع فمثل الربا، وشرب الخمر، وقطع الصلاة، وما أشبه ~~ذلك، وأما ما يعلم قبحه بدلالته فهو مثل نكاح المتعة، ونكاح الشغار، ~~والخروج ms052 على إمام المسلمين، وأما شرائط حسن التكليف فهي أربعة: PageV01P062 # منها ما يرجع إلى المكلف، ومنها ما يرجع إلى التكليف، ومنها ما يرجع إلى ~~الفعل المكلف به، ومنها ما يرجع إلى المكلف، أما الذي يرجع المكلف فشرطان: # أحدهما: أن يمكنه مما كلفه في ذلك بأمور ثلاثة القدرة، وثالثها: العلم، ~~والعقل يدخل في العلم، ويدخل في العلم ما يحتاج إليه من نصب الأدلة. # والثاني: أن يكون ملجأ أو ما يرجع إلى التكليف فهو أن لا يكون فيه معسرة ~~للغير مثل أن تكلف عمرا ويعلم أنه يكفر زيد عند تكليفه، فإنه لا يجوز أن ~~تكلف عمرا، والحال هذه وأما ما يرجع إلى الفعل فشرطان: # أحدهما: أن لا يكون مستحيلا في نفسه كالجمع بين الضدين، وخلق الأجسام ~~والألوان. # والثاني: أن يكون الفعل صفة زائدة على حسنه من وجوب أو ثلاث. # وأما الذي يرجع إلى المكلف فشرطان: # أحدهما: أن تكون عالما أنه قد أكمل شروط التكليف. # والثاني: أن يكون قادرا على الإثابة، وعالما بأنه سيثيبه هذا هو الكلام ~~في الموضع الرابع، وتمامه ثم الكلام في المكلف. # وأما النظر فهو لفظة مشتركة، والكلام منه يقع في أربعة مواضع: # أحدها: في حقيقة اللفظ المفرد بحسب تعدد اللفظ، والمعنى وانفرادهما، ~~ويدخل في ذلك حقيقة اللفظة المشتركة، وحقيقة القرينة، وقسمتها. # والثاني: في تعداد معاني النظر، والدليل على أن النظر مشترك. # والثالث: في حقائق أقسام النظر، والشواهد عليها من الكتاب، واللغة. # والرابع: في قسمته نظر الفكر وأسمائه. # أما الموضع الأول: وهو في قسمة اللفظ المفرد بحسب تعدد اللفظ، والمعنى ~~وانفرادهما، ويدخل في ذلك حقيقة اللفظة المشتركة، والقرينة وقسمتها. PageV01P063 # أما قسمة اللفظ المفرد: فاعلم أن الألفاظ المفردة تنقسم إلى خمسة أقسام: ~~متباينة، ومترادفة، ومشتركة، ومتواطية، ومشككة، وبيان ذلك أنه لا يخلو إما ~~أن تتحد اللفظ والمعنى، أو يتعددان جميعا، أو يتحد اللفظ، ويتعدد المعنى، ~~أو يتحد المعنى ويتعدد اللفظ، فإن اتحدا جميعا فلا يخلو إما يمنع [37أ] ~~بصور معنى اللفظ من وقوع الشركة فيه أم لا، فإن منع بصور معناه من ms053 وقوع ~~الشركة فيه فهو أسماء الأعلام، وأسماء الإشارة، والمضمرات، والمعرف بالألف ~~واللام للعهد، وما أضيف إلى شيء من ذلك، وهذا هو الذي يسمى اللفظ الحري لأن ~~سماه واحد وإن لم يمنع بصور معناه من وقوع الشركة فيه فهو الكلي نحو ~~الإنسان، والحيوان، والرجل، فهذا كلي؛ لأنه يدخل تحته الجنس جميعه، ومسماه ~~أكثر من واحد، وإن كان مسماه واحد في بعض المواضع فليس لأن تصور معناه يمنع ~~من وقوع الشركة فيه، ولكن لأنه لم يوجد بأن لمسماه، وإن كان مما يفيد ~~الشركة بالنظر إلى تصور معناه بخلاف الجري فإنه يمنع بالنظر إلا تصور معناه. # والكلي على ثلاثة أضرب: # أحدها: أن توجد الشركة فيه، ويقع نحو الإنسان، والحيوان، فإنه يدخل في ~~الإنسان زيد، وعمرو، وكل إنسان، وقد وجدت الكثرة فيهم، وكذلك الحيوان. # والثاني: تصح الكثرة في مسماه، ولكن ذلك لو يوجد نحو: الشمس والقمر، فإن ~~من الممكن وجود شمسين، وقمرين أو أكثر. PageV01P064 # والثالث: أن تستحيل الكثرة فيه لقيام الدلالة عليه لأنفس مفهومة، وذلك نحو ~~الإله جل وعز، والثلاثة كلية؛ لأن جميعها وضع للماهية التي يعقل فيها ~~الكثرة بالنظر إلى مفهومها، فإن امتنع فلدلالة خارجة، والكلي الذي وقعت ~~الشركة في مسماه ما يخلوا إما أن يفيد فائدة واحدة متفقة في جميع المسميات ~~من كل وجه، أو يفيد فائدة واحدة؛ لكنها تختلف في المسميات من بعض الوجوه ~~فإن اتفقت من كل وجه فهي المتواطية، وذلك نحو إنسان، وحيوان فإنه يفيد ~~الإنسانية، والحيوانية، وهي متفقة في جميع الحيوانات، وفي كل إنسان [37ب] ~~فإن الإنسانية في معناها متفقة في زيد وعمرو وخالد، وإن اختلفوا في الطول ~~والقصر، والشجاعه والخير، وغير ذلك، فهذا اختلاف في أمر زائد على الإنسانية ~~لا في نفس الإنسانية، وكذلك الحيوانية معناها واحد في الإنسان، والفرس ~~والسبع، ولا اختلاف بينهما من حيث الحيوانية، وإنما اختلاف في أمور خارجة ~~عن الحيوانية. # وإن اختلفت الفائدة من وجه ما إما بالتقديم والتأخير، أو بالأولى ~~والأحرى، أو بالأشد والأنقض فهذه المشككة، وليست متواطية، ولا مشتركة، ~~ولكنها بينهما؛ ms054 لأن المتواطية متفقة من كل وجه، والمشتركة مختلفة من كل ~~وجه، والمشككة متفقة من وجه، ومختلفة من وجه، فانتهت هذه فسميت مشككة. # وذلك نحو الوجود فإنه يفيد في الموجودات جميعها فائدة واحدة؛ ولكنها ~~يدخلها الإختلاف بالأولى والأخرى، والتقديم والتأخير، والأشد والأنقض. # فالذي بالأولى نحو وجوب واجب الوجود من دأبه وهو القديم تعالى، فإنه أولى ~~باسم الوجود مما يكون جائز الوجود نحو المجديات، والذي يكون بالقديم ~~والتأخير وجود الجسم وجود الغرض فإنه للجسم. # قيل: ماهو للغرض وله خط المرتبة عليه؛ لأنه مخله والغرض تابع له في ذلك، ~~وليس الغرض قبلته الزمان، ولكن التقدم الذهني في الرتبة. PageV01P065 # وأما ما يفاوت بالأشد والأنقض فذلك نحو البياض في سالثلج والعلاج والزبد ~~واللبن، فإن في بعضها أشد وأقوى من بعض، إذا كان لكل أبيض فهذا جميعه فيما ~~إذا اتحدا اللفظ والمعنى. # وأما إذا تعددا جميعا نحو الفرس، والحجر، والإنسان فهذه الحقائق ~~المتباينة. # وأما إذا اتحد المعنى، وتعدد اللفظ فهي المترادفة، وذلك نحو الليث، ~~والأسد، والغضنفر، والخمر، والعقاب، والصهبا، والراح، فإن المعنى متحد وإن ~~يراد [38أ] الألفاظ. # وأما إذا اختلفت فائدة اللفظي من وجه فهي من الحقائق المتباينة نحو ~~الناطق، والفصيح، والصارم، والسيف. # وأما إذا أتحد اللفظ، وتعدد المعنى فلا يخلو إما أن يوضع أولا لأحد ~~المعنيين أو المعان، ثم ينقل تعدد ذلك إلى المعنى الآخر من الأول أو يوضع ~~لهما معا فإن وضع لأحدهما أولا ثم نقل فلا يخلو إما أن يكون النقل لمناسبة ~~مأمن المنقول عنه، والمنقول إليه أم لا فإن لم تكن لمناسبة فإنه المرتحل، ~~وإن كان لمناسبة فلا يخلو إما أن تكون دلالته على المنقول إليه أقوى من ~~دلالته على المنقول عنه، أو تكون دلالته على المنقول عنه أقوى، أو يستويان. # فإذا كان الأول سمي شرعيا إن كان الناقل الشرعي أو عرفيا إن كان الناقل ~~العرف، وإن كان الثاني فما نقل إليه مجاز، وما نقل عنه هو الحقيقة، وإن كان ~~الثالث كان مشتركا يوضعين وضع اللغة، والعرف إذا كان الناقل أهل العرف ms055 أو ~~يوضع اللغة، والشرع إن كان الناقل عن أهل اللغة أهل الشرع وإن وضع لهما ~~بمعنى أنه شاع استعماله فهيما معا في اللغة بأن وضعوه لأحدهما واستعملوه، ~~ثم وضعوه للآخر واستعملوه، وشاع الاستعمال فهو المشترك بوضع واحد، وهذا ~~اللغوي أو الشرعي إن كان الاستعمال في الشرع أو العرفي إن كان في العرف. PageV01P066 # وأما حقيقة اللفظة المشتركة فهي كل لفظة احتملت معنيين فصاعدا، ولم يسبق ~~إلى فهم السامع بعض معانيها دون بعض إلا بقرينة احتراز من الحقيقة المفردة، ~~والملجان فإنك متى قلت الأسد يتناول الفهم الحقيقة وهو السبع، ولم يسبق ~~المجاز. # وقد يعرض هذه الحقيقة بأن يقال أن لفظه موجود وقد يستعمل في الجسم، ~~والعرض، والقديم، والمحدث، ولم يسبق إلى فهم السامع عند إطلاقها بعض هذه ~~المعاني دون [38ب] بعض إلا بقرينة، وليست بلفظة مشتركة، فالأولى أن يقال: ~~هي كل لفظة وضعت لحقيقتين مختلفتين، وصاعدا وصفا أو لا من حيث هما. # كذلك قلنا الحقيقتين أي الماهيتين، وقلنا مختلفتين مما يلين مثل قرئ ~~الطهر والحيض، واحترزنا بذلك عما وضع لحقيقتين مما تليين مثل جسم، وجسم، ~~وسواد، وسواد، وقلنا: فصاعدا لأنها قد تشترك بين معان، وقلنا: وصفا أو لا ~~احترازا عما أفاد حقيقتين مختلفتين أحدهما: بوضع أهل اللغة، والثاني: ~~لعرفها نحو قولنا: دابة، وقارورة، ونحو ذلك فهذا السر بمشترك، وإن أفاد ~~حقيقتين؛ لأنه أفادهما بوضعين: أصل اللغة، وأهل عرفها. # وقلنا من حيث هما كذلك أي من حيث هما مختلفان واحترزنا بهذا عما ورد على ~~الحد الأول من قولنا موجود، ونحوه، فإن هذا وإن وضع لحقيقتين مختلفتين من ~~قديم، ومحدث، وجسم، وعرض، ولكنه وضع لها من حيث القفا في الوجود، واشتركا ~~فيه لامن حيث اختلفا في الجسمية العرضية، والقدم والحدوث، بخلاف قولنا سقف ~~فإنه لم يوضع لها من حيث القفافي أمر تجمعهما بل من حيث أصلها. # وأما القرينة فهي مستعملة في أصل اللغة، وفي الاصطلاح، فالقرينة في اللغة ~~ما يناط به الخيل لامساك الحيوان، ويدل عليه قول الشاعر: # متى تعقد قرينتنا بخيل ... تجد الخيل ms056 أو بعض القرينا # لأنهم إذا أرادوا تدليل الصعب من الإبل قربوه إلى الدلول ليسير سيرته، ~~وقول الشاعر: # وابن اللبون إذا ما لرقن قرن ... لم تستطيع صولة النزال الضاعنين PageV01P067 وأما اللفظية فمثل قول النبي (صلى الله عليه وآله): ((ألست أولى بكم من ~~أنفسكم، قالوا: بلى، يارسول الله، فمن كنت مولاه فعلي مولاه)) فإن لفظة ~~مولى وإن كانت مشتركة بين معان كثيرة؛ ولكن قوله (صلى الله عليه وآله) أول ~~الخبر قال: ((ألست أولى بكم من أنفسكم)) قرينة لفظية قضت بأن المراد بمولى ~~المذكور [39أ] هو الأولى لكن يحمل آخر الكلام على أوله. # وأما المعنوية فإنه صلى الله عليه وآله ما وقف في ذلك المكان في الحر ~~الشديد، وقطع السير، ووقف في غير موضع الوقوف، وأمر بتريح المكان، ~~والدوحات، وقام فيهم خطيبا في غير وقت الخطبة إلا لتعريفهم أمرا عظيما لم ~~يكونوا عارفين به؛ لأنه لا يخلوا إما أن يعرف في ذلك الوقت ما تعرفون صحته ~~أو فساده أو أمر كانوا جاهلين محال أن يكون أراد أن يعرفهم ما يعلمون صحته ~~من كونه موده، وناصره، وابن عمه؛ لأنهم كانوا عالمين بذلك، ومن المحال أن ~~يكون أراد أن يعرفهم أنه مولى لمن أعتق؛ لأنهم يعلمون فساد ذلك المعنى، فلم ~~يبق إلا أن يعرفهم أمرا كانوا جاهلين له، وهو أنه يملك التصرف عليهم. # وأما الموضع الثاني: وهو في تعداد معاني النظر وتعيناتها، والدليل على أن ~~لفظة النظر مشتركة بينهما، أما تعدادها فهي خمسة. # وأما تعيناتها فهي نظر المقابلة، ونظر الانتظار، ونظر الرحمة، ونظر الفكر. # وأما الدليل على لفظة النظر مشتركة بين هذه المعاني، والدليل عليه أن ~~أمارة اللفظة المشتركة حاصلة في هذه اللفظة، فإن القائل إذا قال نظرت فإن ~~فهم السامع يتردد بين هذه المعاني، ولا يسبق إلى فهمه بعض معانيها دون بعض ~~عند الإطلاق حتى يذكر القرينة المتميزة نحو أن يقول القائل: نظرت إلى ~~الهلال، ونظرت إلى الجبل، أو نظرت إلى المسكين، وإنما انظر إلى الله تعالى، ~~أو نظرت في المسألة فيهم من الأول ms057 نظر العين، ومن الثاني نظر المقابلة، ومن ~~الثالث نظر الرحمة، وكذلك سائرها، وهذا هو أمارة اللفظة المشتركة. PageV01P068 # وأما الموضع الثالث وهو في حقائق [39ب] أقسام النظر، والشواهد عليها من ~~الكتاب، وكلام العرب. # أما نظر العين فهي تقليب الحدقة السليمة في جهة المرئي إلتماسا لرؤيته. # قلنا تقلبت الحدقة السليمة احتراز من الأعمى فإنه يقلب حدقته في جهة ~~المرئي، ولا يكون ناظرا لما كانت حدقته سقيمة. # وقلنا: في جهة المرئي احتراز من أن يقلب حدقته في غير جهته فإنه لا يكون ~~ناظرا إليه، وقلنا التماسا لرؤيته احترازا ممن يقلب حدقته في جهة الشيء لا ~~لطلب رؤيته فإنه لا يكون ناظرا إليه، وفي اشتراط الإلتماس نظر؛ لأنه إذا ~~قلب حدقته في جهة المرئي يقال: نظر إليه، وإن لم يقصد الإلتماس، وأما ~~الدليل عليه من الكتاب فقوله تعالى في قصة المنافقين: {وإذا ما أنزلت سورة ~~نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد} معناه قلب أحدهم حدقته السليمة في جهة ~~صاحبه التماسا للرؤية، واللغة قول الشاعر: # نظروا إليك بأعين مزورة # حرر الحواجب ناكسوا إذقانهم # أحياهم جرى على أمواتهم ... نظر التيوس إلى شفار الحارر # نظر الذليل إلى القريب القاهري # والميتون فصحة للغابر # وثانيها: نظر المقابلة وحقيقة المقابلة المتحيرين وشيئا منهما بحسب لا ~~سائر، ولا ما يجري مجرى العسائر قلنا تحادي المتحيرين، والمتجاري هو ~~التقابل، وقلنا بحسب لا سائر بينهما احتراز من أن تحادي أحدهما الآخر لكن ~~بينهما سائر مثل الجدار الذي يمنع، والذي يجري مجراهما البعد المفرط، فإنه ~~لا يقال أن أحدهما ينظر إلى الآخر مع حصول الساتر، أو ما يجري مجراه. # وأما الدليل عليه من الكتاب فقوله تعالى في قصه الأصنام: {وتراهم ينظرون ~~إليك وهم لا يبصرون} أي يقابل ذلك من كلام العرب قول الشاعر: # إذا نظرت إلى جبال أحد ... أفادته بنظرتها سرورا PageV01P069 معناه إذا قابلتني، وثالثها نظر الإنتظار، وحقيقته هو التوسع بحصول أمر في ~~المستقبل وسواء كان خيرا، أو شرا، ويدل عليه من الكتاب قوله تعالى [40أ] من ~~قصة بلقيس: {وإني مرسلة إليهم ms058 بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون} أي منتظرة، ~~ويدل عليه من كلام العرب قول الشاعر: # وجوه يوم بدر ناظرات ... إلى الرحمن يأتي بالخلاص # معناه منتظرة. # ورابعها: نظر الرحمة، وحقيقته إرادة حصول المنفعة للغير أو دفع مظره عنه، ~~ويدل عليه من الكتاب قوله تعالى في قصة أهل النار: {ولا ينظر إليهم يوم ~~القيامة} أي لايرحمهم، وقوله صلى الله عليه وآله: ((من جر إزاره بطرا لا ~~ينظر الله إليه يوم القيامة)) أي لا يرحمه. قال الشاعر: # أنظر إلى العين ترك نظرة ... فالفقر يزري والنعيم يبجل # وخامسها: نظر الفكر وحقيقته هو المعنى الذي متى اختص بالواحد منا أو وجوب ~~كونه متفكرا، قلنا: المعنى جنس الحد، وقلنا في الواحد منا احترازا من ~~القديم فإنا لو قلنا في الحي للزم دخوله في الحد وذلك لا يجوز عليه تعالى. # وقلنا: متفكرا احترازا من سائر المعاني الموجودة في الواحد منا؛ فإنها لا ~~توجب كونه متفكرا كالقدرة، والإرادة، وغيرهما، وعليه قوله تعالى: {أفلا ~~ينظرون إلى الإبل كيف خلقت} معناه أفلا يتفكرون في خلقها، فلم يأمرهم النظر ~~الذي فعلوه، وإنما حثهم على النظر الذي أهملوه وهو الفكر بالقلب، وعليه قول ~~الشاعر: # انظر بفكرك سنين المنتها ... واعلم بأن الفكر هو سبب النجا # وأما الموضع الرابع: وهو في قسمة نظر الفكر وأسمائه فله قسمتان: قسمة ~~بحسب حكمه، وقسمة بحسب المنظور فيه. # أما قسمته بحسب حكمه فهو ينقسم إلى أربعة أقسام: واجب، ومندوب، ومباح، ~~ومحضور. # فالواجب: هو ماكان فيه دفع مضرة عن النفس سواء أكان في أمور دين أو أمور دنياء. PageV01P070 # والمندوب: هو ما يدل إليه نحو النظر في كتب الزهد، والخطب، والمواعظ ~~الداعية إلى العبادات، والمباح مثل النظر في التجارة، والطب والعلاجات. # وأما [40ب] المحضور فاتفقوا على أن كل نظر يؤدي إلى مفسدة فهو محظور، ~~ولكنا نقطع أنه ليس في مقدورنا الآن من الأنظار ما هو مفسدة إذ لو كان فيها ~~ما هو مفسدة لما حسن منا الإقدام على كل نظر على الإطلاق، فلما علمنا حسن ~~الإقدام على النظر مطلقا قطعيا على ms059 أن لا مفسدة فيها، ولو علم إليه فيها ~~مفسدة لم يعلم بها بالعقل لعرفنا ذلك بالشرع كما أنه لما علم للفاسد في ~~أفعالنا التي هي شرب الخمر، والزنا، وغير ذلك من القبائح الشرعية التي لم ~~يهتدي العقل إليها عرفنا بها، واختلفوا بعد ذلك من النظر في السنة للقصد ~~التلبس والنظر بالسجد هل يقبح أم لا فمنهم من قضى بقبحه، ومنهم من قال أنه ~~يحسن، وإنما القبح هو القصد المعترف به كما لو رد الوديعة لقصد الخديعة فإن ~~أبى علي قال: هذا الرد قبيح، وكذلك يقول في النظر. # وقال أبو هاشم، وأبو الهذيل: لا يقبح الرد، ولا النظر، وإنما القبح هو ~~القصد المعترف بهما. # وأما قسمته بحسب المنظور فيه فهو ينقسم إلى قسمين: ديني، ودنيوي. # فالدنيوي: مثل النظر من التجارات، والطب، والعلاجات. # والديني: على ضربين: نظر في الأصول، ونظر في الفروع. # فالنظر في الأصول ينقسم إلى قسمين: # أحدهما: في أصول الدين. # والثاني: النظر في أصول الفقه فالنظر في أصول الدين على ضربين: # أحدهما: النظر في دليل ليتوصل به إلى العلم بالمدلول مثل من ينظر في حدوث ~~العالم ليحصل به العلم بالصانع. # وثانيها: النظر في الشبه لتخليها. # وأما النظر في أصول الفقه فهو النظر في أدلة الفقه على وجه الإجمال، نحو ~~النظر في الأوامر، والنواهي، والعموم، والخصوص، والمجمل، والمبين. # وأما النظر في الفروع: [41أ] فهو على ضربين: PageV01P071 # أحدهما: يوصل إلى القطع، فمثل النظر في المسائل التي يكون دليلها قطعيا من ~~كتاب أو سنة متواترة، أو إجماع منقول بالتواتر، وقياسي قطعي. # وأما ما يوصل إلى الظن فهو النظر بالأمارات مثل النظر في الخبر الأحادي، ~~أو إجماع منقول بالتواتر، أو قياس قطعي. # وأما ما يوصل إلى الظن فهو النظر بالأمارات مثل النظر في الخبر الأحادي، ~~أو إجماع منقول بالإيحاد، أو أو إجتهاد فهذا هو الكلام في الموضع الرابع، ~~وتمامه، ثم الكلام في النظر. # وأما أسماء نظر الفكر فهو نظر تأمل، وفكر، وتدبر، وتجب، وروية. # وأما المؤدي معناه الموصل يقال أديني الطريق إلى المسجد أي ms060 أوصلني إليه، ~~ومعنا كون النظر مؤديا إلى المعرفة أنه يوصل إليها. # وذكر الشيخ: المؤدي لما كان النظر لفظة مشتركة بين معان فقرنه بهذه ~~القرينة اللفظية لتميز نظر الفكر على سائر الأنظار بها؛ لأنه لا يودي إلى ~~معرفة الله تعالى شيء من معاني النظر سوا الفكر. # وأما المعرفة فالكلام فيها يقع في موضعين: # أحدهما: في حقيقة المعرفة، وأسمائها، وما يتصل بها من معنى المناقضة، ~~وقسمتها، وحقائق أقسامها، وشروطها. # والثاني: في قسمة المعارف، وحقائق أقسامها، وأمثلتها، وحصرها. # وأما الموضع الأول وهو في حقيقة المعرفة، وأسمائها فحقيقة المعرفة هو ~~الإعتقاد الذي يكون معتقده، أو ما يجري مجرى معتقده على ما يتناوله مع سكون ~~النفس إليه. # وقال ابن الملاحمي: هو ظهور أمر للحي ظهورا من نفسه يمتنع معه نحو تجويز ~~خلافيه، وإن شئت قلت ما قاله الشيخ هو المعنى الذي يقتضي سكون النفس. # قلنا: المعنى جنس الحد يدخل فيه جميع المعاني من اعتقاد أو غيره، وقلنا ~~الذي يقتضي بسكون النفس لأن السكون على ضربين: حقيقة، ومجاز. # فالحقيقة: هو السكون الذي يضاد الحركة. PageV01P072 # والمجاز: يستعمل في سكون النفس وهو زوال الشك، والإثبات، فيقال: سكنت نفسه ~~إلى أن للعالم صانعا صنعه إذا اطمأن إلى ذلك وزال عنها الشك [41ب] ~~والإثبات، ويستعمل في سكون الغضب، يقال: سكن غضبه إذا زال وارتفع، والمقصود ~~هاهنا سكون النفس فقرنه الشيخ بالنفس لتميزه. # قال: والمراد بذلك كما نبه القلب التي معها تزول الشك، والتجويز، وهي ~~الفرقة التي يجدها الواحد منا من نفسه بين أن يعتقد كون زيد في الدار ~~بالمشاهدة، وبين أن يعتقد بكونه فيها بخبر واحد من آحاد الناس فإنه يخبر ~~للمشاهدة مرئية على غير ذلك الرجل تلك المرية التي عبرنا عنها بسكون النفس، ~~وقد يميز العلم بما ذكرنا عن التقليد؛ لأن المقلد وإن سكنت نفسه، ولكن ~~السكون غير مقتض عن التقليد، وإنما فعله المقلد عنده. # وأما أسماء المعرفة فهي معرفة، وعلم، وفهم، وفقه، ودراية، فهذه ألفاظ ~~مترادفة، ومعناها واحد بدليل أنه لا يجوز أن تثبت بأحد اللفظين، وينفى ~~بالآخر ms061 فلا يجوز أن يقال: علمت، وما عرفت، أو عرفت وما علمت، أو فهمت وما ~~فهمت، أو دريت وما علمت، بل يعد من قال ذلك مناقضا لكلامه جاريا مجرى من ~~يقول: عملت وما عملت أو عرفت وما عرفت. # وأما حقيقة المناقضة فهي أن يثبت في آخر الكلام ما يعينه بأوله، أو ينفي ~~بأول الكلام ما أثبت بآخره. # وأما قسمتها فهي تنقسم إلى أقسام ثلاثة: مناقضة في اللفظ والمعنى، ~~ومناقضة في المعنى دون اللفظ، ومناقضة في اللفظ والمعنى، فحقيقته أن يثبت ~~المعنى وينفيه بلفظين على صفة واحدة، نحو أن يقول: علمت وما علمت. # وأما المناقضة في اللفظ دون المعنى فحقيقتها ليثبت أحد المعنيين، وينفي ~~الآخر بلفظ واحد، ومثاله أن يقول: الجمل يذبح ويشوى، والجمل لا يذبح ولا ~~يشوى، ويريد بالأول ولد الشاة يثبت بالمعنى، وبالثاني النجم. # وأما المناقضة في المعنى دون اللفظ فحقيقتها أن يثبت المعنى وينفيه ~~بلفظين مختلفين، ومثاله أن يقول: عرفت وما علمت. PageV01P073 # وأما شرائطها [42أ] فهي خمسة بل ستة: # أحدها: أن يكون المخبر عنه واحدا، والوقت واحدا، والمكان واحد [42ب] ~~والجهة واحد، والوجه واحد، والمخبر واحد فإذا اجتمعت هذه الشروط كانت ~~مناقضة حقيقية لا تجوز في كلام صحيح، وهي المناقضة في المعنى دون اللفظ وإن ~~انضم إلى هذه الشروط اللفظ واحد فهي المناقضة في اللفظ والمعنى، ولا يجوزان ~~في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله، وإذا اختل هذه الشروط لم تكن مناقضة ~~حقيقية وجازت في كتاب الله والسنة، وعلى هذا الحمل كان ما ورد في القرآن ~~الكريم مما ظاهره المناقضة، نحو قوله تعالى{فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا ~~جان} وقوله{وقفوهم إنهم مسئولون} وقوله:{فوربك لنسألنهم أجمعين} فإن ~~القيامة مواقف أخبر أنهم لا يسألون في بعضها، ويسألون في موضع آخر. # وأما الموضع الثاني: وهو من قسمة المعارف، وحقائق أقسامها، وأمثلتها، ~~وحصرها. # أما قسمتها فهي تنقسم إلى قسمين: ضروري، ومكتسب. # والضروري ينقسم إلى قسمين: حاصل عن طريق، وحاصل لا عن طريق. # أما الحاصل لا عن طريق فهو بمبتدأ، وهو ينقسم ms062 إلى قسمين فمنه مايعد في ~~كمال العقل، ومنه ما ليس بمعدود في كمال العقل. # أما الذي هو معدود في كمال العقل فهو العلم بأحوال النفس، ومثل العلم بأن ~~العشرة أكثر من الخمسة، والعلم بالخبرة، والتجربة مثل أن الزجاج يتكسر ~~بالأحجار، والقطن يحرق بالنار. # وأما الذي لا يعد في كمال العقل، فهو كالعلم بأن زيدا هو الذي شاهدناه من ~~قبل، فإن هذا علم مبتدأ وغير حاصل على الإدراك، ولهذا يدركه الجماعة بعد ~~غيبته فيعرفه بعضهم، ولا يعرفه البعض الآخر مع اتفاقهم في إدراكه، لوا كان ~~الإدراك طريقا إلى العلم لاتفقوا في معرفته؛ لأنهم قد اتفقوا في الطريق، ~~ولذلك ليس بمعدودا في كمال العقل، ولهذا لا يعرفه بعضهم مع كمال عقله. # وأما الحاصل [42ب] عن طريق فهو ينقسم إلى قسمين: PageV01P074 # أحدهما: يحصل عن طريق موجبه. # والثاني: يحصل عن طريق غيرنا موجبه نحو: العلم بالمشاهدات، فإن المشاهدة ~~طريق موجبة إلى العلم الحاصل بها في حق العاقل. # وأما الحاصل عن طريق غير موجبة فهو ما يحصل عن طريق إعتيادة، فهو ينقسم ~~إلى قسمين: # أحدهما: تستمر العادة في حصوله عن طريقه، وهو العلم لمخبر بالأخبار ~~المتواترة. # والثاني: لا يستمر، وهو الحفظ عن الدرس، فإن العادة لا تستمر فيه بل ~~تختلف، فإن بعضهم لا يحفظ إلا عند تكرير الدرس مرارا كثيرة، ومنهم من يحفظ ~~بدون ذلك. # وأما المكتسب: فهو ينقسم إلى قسمين: حاصل عن طريق، وحاصل لا عن طريق، ~~فالحاصل لا عن طريق: هو المبتدأ كعلم المنتبه من رقدته. # وأما الحاصل عن طريق، فهو ينقسم إلى قسمين: # أحدهما: موجبة. # والثاني: حاصل عن طريق غير موجبه، فالحاصل عن طريق غير موجبة، فهو مثل ~~إلحاق التفصيل بالجملة، وهو أن يعلم أن كل قبيح ظلم. # وأما الحاصل عن طريق موجبة، فهو النظري، وهو على ثلاثة أضرب: # أحدها: أن ينظر في دار فيتحصل لك العلم بذات أخرى مثل أن ينظر في حدوث ~~العالم فيحصل هناك العلم بذات الصانع. # والثاني: أن ينظر في صفة لذات فيحصل لك العلم فيه بصفة لذات ms063 أخرى، مثل: ~~أن تنظر في أحكام العلم فيحصل لك العلم بأنه تعالى عالم. # والثالث: أن تنظر في صفة لذات فيحصل لك العلم بصفة لتلك الذات، مثل أن ~~تنظر أن الله تعالى قادر عالم، فيحصل لك العلم بأنه حي، وهذه الضرب الثالث ~~طريقة النظر. PageV01P075 # وأما حقائقها: فحقيقة الضروري هو العلم الذي لا ينبغي عن النفس بشك، ولا ~~شبهة، وإن انفرد، وقلنا العلم جنس الحد، وقلنا الذي لا ينبغي عن النفس بشك، ~~ولا شبهة، احتراز من المكتسب، فإنه ينتفي عن النفس، وقد دخل في قولنا: الذي ~~لا ينتفي عن النفس بشك ولا شبهة [43أ] الضروري الذي يلتقي بغير شك بالضد، ~~وهو الجهل عند من يقول ببقا العلم، أو ينتفي؛ لأنه ينفي أو خرج المكسب لأنه ~~ينفى بالشك والشبهة الواردة على دليله، ومثل هذا لا يمكن في الضروري؛ لأنه ~~لا دليل يستدل به إليه فينتفي بما يعرض فيه من شك أو شبهة، وهذه حاصلة ~~الضروري التي يفارق بها المكسب. # قلنا: وإن انفرد احترازا من المكتسب، فإنه ينفي إذا انفرد عن مقاربة ~~الضروري ولا ينفي إلا إذا انظم إليه الضروري بخلاف الضروري، فإنه لا ينفى ~~بالشك بحال، وإن انفرد، وقد قيل: إن حد العلم الضروري والذي لا يمكن العلم ~~به إخراج نفسه عن استمرار كونه عالما بوجه من الوجوه، وهذا أولى مما تقدم. # وذكر ابن الملاحمي أن الضروري هو العلم الذي لا يقف على استدلال العالم ~~به إذا كان ممن يتضح منه الاستدلال. # قلنا: إذا كان ممن يصح منه الاستدلال احتراز من القديم تعالى، وحقيقة ~~المكتسب: هو العلم الذي ينفى عن النفس بالشك والشبهة إذا انفرد. # قلنا: إذا انفرد احترازا مما إذا قارنه الضروري فإنه لا ينتفي مثل أن ~~يخبر بأني صادق أن زيدا في الدار، ثم شاهده بعد ذلك، فإنه لا ينتفي لما ~~قاربه الضروري، وقيل في حده هو العلم الذي يمكن العالم به إخراج نفسه عن ~~استمراره، فقال ابن الملاحمي: المكتسب الذي يقف على استدلال العالم به، ~~وحقيقة ما يكون معدودا في ms064 كمال العقل هو العلم الضروري المبتدي الذي يجب ~~اشتراك العقلاء فيه، وحقيقة ما لا يعد في كمال العقل هو العلم المبتدأ الذي ~~لا يجب اشتراك العقلاء فيه وحقيقة المبتدأ الضروي هو العلم الضروري الحاصل ~~لاعن طريق. PageV01P076 # قلنا: العلم جنس الحد، وقلنا: الضروري فصلا له عن المكسب، وقلنا: الحاصل لا ~~عن طريق احتراز من العلم الضروري الحاصل عن طريق كالعلم بالمشاهدات [43ب] ~~وحقيقة العلم الحاصل على الخبرة والتحديد: هو العلم الضروري الحاصل بضرب من ~~الاختيار، وحقيقة المشاهدة في أصل اللغة: هو الإدراك بأحد الحواس الخمس، ~~وفي عرف اللغة: هو الإدراك بحاسة البصر، وهذا في المشاهدة إذا أطلقت، فأما ~~إذا قيدت بالعلم فضل علم المشاهدة، فحقيقته بالنضر إلى المشاهدة في أصل ~~اللغة هو العلم الحاصل عن الإدراك بأحد الحواس الخمس، وبالنظر إلى عرف ~~اللغة: هو العلم الحاصل عن الإدراك بحاسة البصر، وحقيقة التواتر في اللغة ~~إذا أطلق هو ورود الشيء بعد غيره مع فترة بينهما، ومنه قوله تعالى: {ثم ~~أرسلنا رسلنا تترى} وأما إذا قيد بالخبر هو ورود الإخبار شيئا بعد شيء مع ~~فترة بينهما. # وأما في الاصطلاح: فهو الخبر من عدد يحد حصول العلم عند خبرهم لأجله. PageV01P077 # وأما حصرها فهو أنك تقول العلم لا يخلوا إما أن ينتفي عن النفس شك أو شبهة ~~أم لا انتفى فهو التكسب، وإن لم ينفى فهو الضروري، والضروري لا يخلو إما أن ~~يكون حاصلا عن طريق أم لا إن لم يكن حاصلا عن طريق أم لا إن لم يكن فهو ~~المنتدب، وهو لا يخلو إما ان يكون معدود في إكمال العقل أم لا إن لم يكن ~~فهو مثل العلم، يريد إن كان غائبا، وإن كان معدودا في كمال العقل، فهو ~~العلم بأحوال النفس، والعلم بأن العشرة أكثر من الخمسة، وأن القطن يحترق ~~بالنار، والزجاج يتكسر بالأحجار، وإن كان حاصلا عن طريق فتلك الطريق لا ~~تخلو إما أن تكون موجبة أو غير موجبة، إن كانت موجبة فهو العلم بالمشاهدات ~~وإن كانت غير موجبة فهو الإعتيادي وهو ms065 لا يخلو إما أن تستمر العادة فيه أم ~~لا، إن استمرت العادة فهو العلم لمخبر الأخبار المتواترة، وإن لم يستمر فهو ~~الحفظ عن الدرس، والمكتسب لا يخلو إما أن يكون حاصلا عن طريق أم لا، إن لم ~~يكن فهو علم المنتبه[44أ] من رقدته، وإن كان حاصلا عن طريق فتلك الطريق لا ~~تخلو إما أن تكون موجبه أم لا، إن لم تكن موجبه فهو إلحاق التفصيل بالجملة، ~~وإن كانت موجبه فهو النظر، وهو لا يخلو إما أن يكون ينظر في دليل أم لا، إن ~~لم يكن فهو طريق النظر كأن ينظر في صفة لذات فيحصل العلم في صفة لتلك ~~الذات، وإن كان نظر في دليل فهو على ضربين: # أحدهما: أن ينظر في ذات فيحصل له العلم بذات أخرى. # وثأنيها: أن ينظر في صفة لذات فيحصل لك العلم في صفة الذات، وإن كان ينظر ~~في دليل، فهو على ضربين: ### || AUTO أحدهما: لذات فيحصل لك العلم في صفة لذات أخرى، وكل واحد من ~~هذين القسمين الآخرين النظر فيه واقع في الدليل. # [الفصل الثاني] # وأما الفصل الثاني: وهو أن النظر واجب. # فالكلام منه يقع في ثلاثة مواضع: # أحدها: في حكاية المذهب، وذكر الخلاف. # والثاني: في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهب إليه المخالف. # والثالث: في بيان شبهة المخالف وإبطالها. PageV01P078 # أما الموضع الأول: وهو في حكاية المذهب، وذكر الخلاف فأعلم أن الناس قد ~~اختلفوا في النظر على قولين فمنهم من قال بوجوبه، ومنهم من قال: إنه ليس ~~بواجب، واختلف الذين قالوا بوجوبه فمنهم من قال: إنه واجب؛ لأنه طريق إلى ~~معرفة الله تعالى، ومنهم من قال وجب؛ لأنه شرط اعتيادي تحصل المعرفة عنده ~~بمجرى العاده كما في الحفظ عند الدرس، ثم اختلفوا أيضا في طريقة وجوبه، ~~فذهبت الجبرية إلى أن طريق وجوبه السمع، وعند العدلية أن طريق وجوبه العقل ~~والسمع جميعا. # أما الذين قالوا إنه ليس بواجب، فاختلفوا على ثلاثة أقوال، فقال بعضهم: ~~لا يجب لأن التقليد جائز وهم القاسم إبراهيم (عليه ms066 السلام)، وأبو إسحاق بن ~~عياش، وأبو القاسم البلخي، فإنهم [44ب] ذهبوا إلى أن مقلد المحق ناج، ومنهم ~~من قال: إن المعرفة علم ضروري يحصل من جهة الله تعالى، فلا يحتاج إلى ~~النظر، وهو أبو علي الأسراري، ومن قال بقوله الحشوية، وأهل الحديث. # ومنهم من قال: إن النظر يؤدي إلى الشك والحيرة، ومنهم من قال: إن الإسلام ~~ورد بالسيف والنظر بدعة، والأدلة متكائنة، فلا يجب حسن النظر. # وأما الموضع الثاني: وهو في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه، وفساد ماذهب ~~إليه المخالف، فالذي يدل على ذلك العقل والسمع. # أما العقل فوجهان: # أحدهما: الاستدلال على وجوبه بما يخصه. # والثاني: الاستدلال على وجوبه بما يرجع إلى غيره. # أما الوجه الأول: وهو الاستدلال على وجوبه بما يخصه فهو أن يقال: إن ~~المكلف متى حصلت له شرائط التكليف فلا بد أن يخالف سبب من أسباب الخوف، وهو ~~لا يوصل زوال الخوف إلا بالنظر فثبت بذلك وجوبه، وهذه الدلالة مبنية على ~~ثلاثة أصول: # أحدها: أن المكلف متى اجتمعت له شرائط التكليف، فلابد أن يخاف من يرى ~~النظر سبب من الأسباب الموجبة للخوف. # وثانيها: أنه لا يوصل زوال الخوف إلا بالنظر. # والثالث: أنه ثبت بذلك وجوبه. PageV01P079 # أما الأول: وهو أن المكلف متى اجتمعت فيه شرائط التكليف، فلابد من أن يخاف ~~من يرى النظر فينبغي أن يتبين أولا حقيقة الخوف، وبيان أسبابه، ثم يبين أنه ~~لابد من حصول سبب من أسباب الخوف عند كمال العقل إذا أراد إليه تكليفه، ثم ~~يدل على أنه لابد من أن يخاف عند ذلك. # أما حقيقة الخوف فهو الظن لنزول ضرب في المستقبل، أو فوت يقع عنه أو عن ~~من يجب. # قلنا: هو الضن ليس الخوف لا يدخل في المعلومات، وقلنا: نزول ضرب أو فوت ~~يقع لأن الظن لحصول النفع أو ارتفاع الضرر رجاء، وكذلك الظن بغير النفع، ~~والضرر لا يكون خوفا، ولا رجاء. # وقلنا: في المستقبل لأن الظن للضرر الحاصل لا يكون خوفا. # وأما أسباب الخوف [45أ] فهو أربعة: # أحدها: أن يثبته ms067 من قبل نفسه بأن يرى نعم الله عليه، وآثار الصفة لديه من ~~هذا التركيب الحسن، والإتقان المحكم، فنقول: لابد من أن يكون لك صانع صنعك، ~~ومدبر دبرك إن أطعته أثابك، وإن عصيته عاقبك، فعند هذا يحصل لك الخوف. # والثاني: أن يسمع إختلاف الناس والأديان، وتكفير بعضهم لبعض، وتقليل ~~بعضهم لبعض، وتهلك كل فرقة للأخرى، فعند ذلك يخاف؛ لأنه من لا يؤمن أن يكون ~~من الهالكين. # الثالث: أن يسمع قصص العاصين، ووعظ الواعظين، وتذكير المذكرين، وقراءة ~~القرآن، وما فيه من ذكر الصانع، والثواب والعقاب فيحصل عند ذلك الخوف. # الرابع: أن نرى ذلك مكتوبا في كتاب لا يأمن أن يكون لك صانع صنعك إن ~~أطعته أثابك وإن عصيته عاقبك، فإن حصل له أحد هذه الأسباب، وإلا وجب على ~~الله تعالى أن يلقي إليه سببا يخاف به، بأن يخلق في باطنه سمعه، أو على ~~لسانه ملك كلاما خفيا، معناه: لايأمن من أن يكون لك صانع صنعك، ومدبر دبرك ~~إن أطعته أثابك، وإن عصيته عاقبك. PageV01P080 # وأما الذي يدل على أن العاقل لابد أن يحصل له أحد هذه الأسباب فلأنه لو كان ~~مكلفا بالنظر، ولم يعلم بوجوبه، ولا يخاف من تركه، لم يجز تكليفه به؛ لأنه ~~في حكم الساهي، والنائم، وتكليف الساهي والنائم لا يصح. # وأما الذي يدل على أنه لابد من أن يخاف عند هذه الأسباب فلأن من حق ~~العاقل إذا خوف من أمر من الأمور بإظراره صحيحة أن يخاف عندها لو لم يخف ~~يخرج عن كونه عاقلا كما لو قيل له: لا تأمن أن يسقط عليك هذا الحائط ورأى ~~أمارة السقوط فيه من تصدعه وميلاته، فإما يعلم أنه يخاف عند ذلك لا محالة ~~لكن منهم من يعمل بحسب الخوف فيهرب من ذلك، ومنهم من يخاف فيهلك لمخالفته ~~واختياره لشهوات نفسه بعد البلاغ، والإنذار. # وأما الثاني: [45ب] وهو أن لا يؤمل زوال الخوف إلا بالنظر فالذي يدل عليه ~~أنه لا يحصل له الأمان إلا أن يكون على يقين من الأمر في ثبوت الصانع، ~~وثوابه ms068 وعقابه، فيفعل بمقتضاه، ويحذر من العقاب أو نفي الصانع فيزول هذا ~~الخوف، ويأمن من ضرر العقاب، واليقين لا يحصل إلا بالنظر فثبت أن الخوف لا ~~يزول إلا بالنظر. # وأما الأصل الثالث: وهو أنه ثبت بذلك وجوبه، فالذي يدل عليه أن يجري مجرى ~~الضرر عن النفس، ودفع الضرر عن النفس واجب، ولهذا فإن من كان في مخافة، ولم ~~يفزع إلى ما يخلص منها بأن ينظر بما يحصل به خلاصه في تلك المخافة، فإنه ~~إذا ترك النظر استحقه الذم من العقلاء، وهم لا يذمون أحدا على ترك فعل إلا ~~وذلك الفعل واجب فيثبت بذلك وجوبه، وقد تجري هذه الدلالة على وجه آخر وهو ~~أن يقال: إن النظر فعل يؤمل به زوال الخوف وكل فعل يؤمل به زوال الخوف فهو واجب. # أما الأصل الأول فينبغي أن نتكلم فيه في أربعة مواضع: # أحدها: في حقيقة الخوف، وبيان أسبابه. # والثاني: في أنه لابد من حصول بعضها لمن أراد الله تكليفه. # والثالث: أنه إذا حصل بعضهما للعاقل فلا بد أن يخاف لا محالة. # والرابع: أن لا يؤمل زوال الخوف إلا بالنظر، وبتمام ذلك. PageV01P081 # تم الأصل الأول، ثم يدل على كل واحد من الأصول بما بعده في التحرير الأول. # وأما الوجه الثاني: وهو في الاستدلال على النظر لما يرجع إلى غيره فالذي ~~يدل على ذلك أنه طريق إلى معرفة الله تعالى، وهي واجبة، ولا طريق للمكلفين ~~إليها سواه، وما يتم الواجب إلا به يكون واجبا كوجوبه وهذه الدلالة فيه على ~~أربعة أصول: # أحدها: أن معرفة الله واجبة. # والثاني: أن النظر طريق إليها. # والثالث: أنه لاطريق للمكلفين إليها سواه. # والرابع: أن ما لا يتم الواجب إلا به يكون واجبا كوجوبه. # أما الأصل الأول: وهو معرفة الله تعالى [46أ] واجبه، فالكلام منه يقع في ~~موضعين: # أحدهما: في حكاية المذهب، وذكر الخلاف. # والثاني: في الدليل على أن معرفة الله تعالى واجبة. # أما الموضع الأول: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف، فمذهب الجمهور من ~~الزيدية والمعتزلة أن معرفة الله تعالى واجبة، ms069 والخلاف في ذلك مع من أجاز ~~التقليد بأنهم يقولون لا يجب، لأنهم يجيزون للمكلفة العدول إلى التقليد، ~~ومن قال: إن المعارف تحصيل ضروري فإنه يقول لا تجب. # وأما الموضع الثاني: وهو في الدليل على أن معرفة الله تعالى واجبة فالذي ~~يدل على ذلك أنها لطف للمكلفين في القيام بما كلفوه، وتحصيل ماهو لطف هذه ~~الصفة واجب، وهذه الدلالة مبنية على أصلين. # أحدهما: أن معرفة الله تعالى لطف للمكلفين في القيام بما كلفوه. # والثاني: أن يحصل ما هو لطف بهذه الصفة واجب. # أما الأصل الأول: وهو في معرفة الله تعالى لطف، فالكلام فيه يقع في ثلاثة مواضع: # أحدها: في حقيقة اللطف في أصل اللغة، وفي الاصطلاح، وأسمائه. # والثاني: في قسمته. # والثالث: في الدلالة على أن معرفة الله تعالى لطف. # الموضع الأول: فحقيقة اللطف في أصل اللغة: هو ما قرب من نيل الغرض وإدراك ~~المقصود، وسواء كان المقرب حسنا أو قبيحا، وسواء كان المقرب إليه حسنا أو ~~قبيحا فعلا كان ذلك أو تركا. PageV01P082 # وأما في الاصطلاح: فلا يكون إلا حسنا، وإن لم يكن لطفا؛ لأن اللطف واجب، ~~والقبيح لا يجب؛ لأنه لا يكفي في حسن الفعل وجب من المصلحة فيه وهو أنه ~~يدعو إلى واجب، ولم ينفر عن وجوه القبح جميعا، وكذلك لابد في الاصطلاح من ~~أن يكون الملطوف فيه فعل واجب ومندوب، أو ترك قبح أو مكروه، فإن كان يدعوا ~~إلى فعل قبيح أو ترك واجب، فهو مفسدة، فإن قيل: إذا كنتم تشترطون في اللطف ~~أن يكون حسنا فما يقولون فيمن علم الله تعالى من حاله أن له[46ب] لطفا ~~قبيحا هل يكلف الملطوف أم لا، فالجواب عن ذلك أن هذه المسألة قد اختلف كلام ~~شيوخنا فيها، فقال أبو هاشم في (الجامع الصغير): يكلف بالملطوف، ويصير ~~بمثابة من لا لطف له، وقال في غيره من كتبه: لا يكلف لملطوفه. # وقال الشيخ أبو عبدالله المصري: يكلف الملطوف ذلك اللطف، وسواء بين ذلك ~~وبين من لطفه في إتخاذ ما لا يتناهى، فحكم بقبح تكليفه ms070 في الحالتين جميعا، ~~وفصل قاضي القضاة في ذكر من يأمر التفصيل، فقال: إذا كان لطفه في أمر قبيح ~~فقد صار لطفه في المقدورة، فلا يكلف بالملطوف مالم يحصل اللطف، وإن قدر أن ~~لطفه فيما لا غاية له قد حول في ذلك في الوجود محال، فيكلف هاهنا المطلوب ~~فيه؛ لأن اللطف في ذلك ليس في المقدور، ويجري مجرى من لا لطف له، ففرق بين ~~ما لا يكون في المعدود وبين ما لا يكون كذلك، وحقيقته على ماذكر الشيخ ~~(رحمه الله تعالى) هو ما يكون المكلف معه أقرب إلى أداء الواجبات واجتناب ~~المقبحات، وهذه الحقيقة معترضة من أربعة وجوه: PageV01P083 # أحدها: أنه قال: ما يكون المكلف معه أقرب فخرج من اللطف ما تفعل عنده أو ~~يترك عنده، وهو اللطف الحقيقي لأن ظاهر قولنا أنه أقرب إلى الفعل، وأنه قرب ~~من أن يفعل أنه ما فعل، وإنما قرب من فعله مثل قولنا: كاد أن يفعل فإنه ~~يقيد أنه قرب وما فعل وهذا الإعتراض ألزم على اصطلاحهم في اللطف، فإنهم ~~جعلوا اللطف المقرب ما يكون معه أقرب إلى الفعل، ولا يفعل بخلاف التوفيق ~~والعصمة على ما يأتي بيانه في قسمة اللطف. # الوجه الثاني: أنا وإن سلمنا أن قوله/: مايكون المكلف معه أقرب قد دخل ~~فيه لطف التوفيق، وهو ما يفعل عنده لكل حال، ولطف العصمة، وهو ما يترك عنده ~~لكل حال فإن ذلك ينتقض عليه بالملجئ، ويلزمه أن الإلجاء من اللطف كما سيأتي ~~في الحد التالي. # الوجه الثالث: أنه قال: ما يكون معه المكلف أقرب إلى أداء الواجبات ~~واجتناب المقبحات، فخرج منه اللطف، والمندوب، والمكروه. # الوجه الرابع: أنه يخرج منه أيضا ما يكون لطفا في أحدهما؛ لأنه قد يكون ~~إما فعل [47] الطاعة وإما في ترك المعصية، فالأولى أن يقال: هو مايدعو ~~المكلف إلى فعل ماكلف فعله، أو ترك ماكلف تركه، أو إلى مجموعهما مالم يبلغ ~~الحال به حد الإلجاء. # قلنا: ما يدعو جنس الحد يدخل فيه كلما يدعو من مصلحة، أو مفسدة، وغير ذلك ~~من ms071 الدواعي، وقد فعل في قولنا: يدعو اللطف التوفيق، والعصمة، والمطلق لا ~~كلها يدعو. # وقلنا: المكلف ليحترز به ما يدعو غير المكلف نحو الصبيان والجانين، فإنه ~~لا يكون لطفا، وكذلك القديم تعالى لو فعلنا ما يدعوه إلى فعل شيء لم يكن ~~لطفا نحو أن يتصدق أو يصل الرحم. # وقلنا: إلى فعل ماكلف فعله، وترك ماكلف تركه احتراز عما يدعو إلى ترك ~~ماكلف فعله، أو فعل ما كلف تركه، فإنه مفسدة. # وقلنا: أو إلى أحدهما لأن اللطف قد يكون في أحدهما من فعل، وترك كما يكون ~~في مجموعهما. PageV01P084 # وقلنا: مالم يبلغ الحال به حد الإلجاء نحترز به عما يبلغ هذا الحد نحو ~~مشاهدة الجنة والنار، فإن ذلك لا يكون لطفا، ويمكن أن يقال إن قولنا: ما ~~يدعوا المكلف يخرج الملجأ؛ لأنه ليس مكلف، وإن أمكن أن يجاب عن هذا بأن ~~يقال: إنه ابتدأ الدعاء كان مكلفا، وفيه نظر، ونعترض هذا الحد بأن من فعل ~~الواجب، وترك القبيح لمنفعة دنياء، وبه نرجوها أو للمقرب إلى الإمام، أو ~~إظهاره التدين له لجلب نفع أو دفع ضرر أن يكون ذلك لطفا، ومعلوم أنه ليس ~~بلطف، فالأولى أن يقال: هو مايدعو المكلف إلى فعل ما كلف فعله، وترك ما كلف ~~تركه أو إلى أحدهما؛ لأجل أنه مكلف بذلك. # ويحترز بقولنا لأجل أنه كلف بذلك عن الملجأ، وعمن يفعل، ويترك لأجل ماوعد ~~به، أو توعد عليه. # وأما أسماؤه، فهو يسمى لطفا ومصلحة وصلاحا وأصلح، أما تسميته لطفا، فهو ~~مأخوذ من اللطف في اللغة، وهو ما نفعل أو نترك عنده، وتكون أقرب إلى الفعل ~~أو إلى الترك، وسمي صلاحا أو مصلحة لما كان يحصل لأجله صلاحا المكلف. # وقوله: أصلح، وقوله: أصلح، يحمل على أحد أمرين: # أحدهما: أن يكون مراد أنه لا شيء يكون يقوم مقامه، ويجري مجرى قولنا في ~~الله تعالى أنه أكبر، وليس المراد المفاضلة بينه وبين غيره. # والثاني: يحمل على أنه أنفع للمكلف من حيث يريد به إلى [47ب] منافع ~~الدنيوية، فتكون على الوجه الأول لا ms072 أصلح سوا، وكقولنا: لا أكبر سوى الله تعالى. # وأما الموضع الثاني: وهو قسمة اللطف، فله قسمان: قسمة بإعتباره في نفسه، ~~وقسمة بإعتبار وجوبه أو...... # أما قسمته باعتباره في نفسه، فهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: لطف توفيق، ولطف ~~عصمة، ولطف مطلق، ولكل واحدة من هذه الأقسام حقيقة. # أما لطف التوفيق في اللغة، فهو مأخوذ من هذه الموافقة. # وأما الاصلاح فهو ما يفعل المكلف الطاعة عنده لأجله ما لم يبلغ حد ~~الإلجاء. PageV01P085 # وأما لطف العصمة فهو مأخوذ في اللغة من العاصم، وهو المانع، ومنه قوله ~~تعالى: {سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله} أي ~~لا مانع، ومنه سمته، وكالقربة عصاما، وسمته اللطف عصمة مجاز على سبيل ~~التسمية، وليس مانعا حقيقيا؛ لأنه لو كان كذلك لبطل التكليف في المعصومين، ~~ولكن لما كان بتركه عنده لأجل سببه بالمنع اللغوي، وحقيقة العصمة في ~~الاصطلاح هو ما كلف تركه عنده لأجله مالم يبلغ حد الإلجاء، واللطف المطلق ~~هو مايكون المكلف معه أقرب إلى فعل ما كلف فعله، أو ترك ماكلف تركه أو إلى ~~مجموعهما، وقد تقدم الكلام فيه. # وأما قسمته بإعتبار وجوبه........ فهو على ثلاثة أضرب: # لطف من فعل المكلف للمكلف، ولطف من فعل المكلف نفسه، ولطف من فعل بغير ~~المكلف، والمكلف لمكلف آخر. # أما اللطف الذي من فعل المكلف للمكلف فهو على ثلاثة أضرب منه ما يتقدم ~~على التكليف، ومنه ما يتأخر عنه، ومنه من يقارن فيما يتقدم أو يقارن فهو ~~غير واجب عليه تعالى؛ لأنه منفصل بالتكليف فكذلك ما تقدم على التفصيل أو ~~قارنه فهو يفضل. # وأما المتأخر فإنه واجب عليه تعالى، لا أن يعلم أن المكلف يفعل من دونه ~~أو أن غيره تعالى يفعل ما يقوم مقامه من باب اللطف، فإن لم يعلم وجب عليه ~~فعله، فإن كان في مقدوره تعالى فعل آخر يقوم مقام هذا في اللطفية، وحثنا ~~عليه تعالى وجوبا مجبرا وأن يغير [48أ] في فعل دون غيره، وكان واجبا معناه ~~اللطف واجب عليه تعالى ms073 سواء كان اللطف في واجب أو مندوب فاللطف واجب عليه ~~فيهما أجمع، وإنما وجب عليه تعالى وإن كان في المندوب بخلاف اللطف من ~~فعلنا؛ لأن اللطف واجب عليه تعالى؛ لأنه إراحة لعلة المكلف، وقد كلفنا ~~بالواجب والمندوب جميعا، فيجب عليه أن يراع علمنا فيهما، وليس كذلك في ~~الواحد منا. # وأما اللطف الذي من فعل المكلف لنفسه، فهو على ضربين: PageV01P086 # لطف في الواجب، ولطف في المندوب، واللطف في الواجب واجب، وفي المندوب ~~مندوب؛ لأن اللطف من فعلنا إنما وجب لأنه وقع للضرر، وتحرز عنه، ولا ضرر ~~علينا في ترك المندوب، فلا يجب اللطف فيه علينا. # وأما اللطف الذي من فعل غير المكلف، والمكلف له مكلف آخر فنحو أن يعلم ~~الله تعالى في فعل غير المكلف من مكلف آخر أو صبي أو مجنون أو يهمه لطفا ~~للمكلف، فلا يجوز أن يكلف الله تعالى هذا المكلف إلا أن يعلم أن لطفه الذي ~~من فعل غيره يحصل، فإن علم أنه لا يحصل لم يجز أن تكلفه، ولا يجوز أن يكلف ~~الله تعالى بعض المكلفين بفعل لطف لغيره إلا أن يعلم أن له لطفا ومصلحة ~~فيه، ويكون لطفه هو الأصل في تكليفه به، ولطف بغير تابع، فإن لم يكن كذلك ~~لم يجز تكليفه بلطف غيره. # وأما الموضع الثالث: وهو في الدليل على أن معرفة الله تعالى لطف للمكلفين ~~في القيام بما كلفوه فاعلم أولا أنا قلنا إن معرفة الله تعالى لطف للمكلفين ~~في القيام لما كلفوه فإن نزيد في ذلك أنها لطف في التكاليف العقلية، فأما ~~الشرعيات فلا يصح أن تكون المعرفة لطفا فيها لأن من شرط اللطف أن يكون زائد ~~على التمكين في الشرعيات لا يمكن العلم بها إلا بعد العلم بالله تعالى، ~~والعلم بعدله وحكمته. # فأما العلم باستحقاق العقاب والثواب فيصح أن يعد من الألطاف في الشرعيات ~~[48ب] له عند العلم بالشرع قبل النظر في استحقاقه الثواب والعقاب. # سؤال: إن قيل إذا قلتم إن معرفة الله تعالى لما وجبت لكونها لطفا في أداء ms074 ~~الواجبات واجتناب المقبحات فما قولكم فيمن علم الله تعالى من حاله أنه يفعل ~~بكل حين، ولا يحل شيء من الواجبات العقلية، واعلم أنه لا يفعل سوى عرف أو ~~لم يعرف هل يكلف بالمعرفة أم لا؟ فإن كلف بالمعرفة، فما وجه الحسن، وقد زال ~~ماجعلتموه وجها، وإن لم يكلف المعرفة فما يكون حكمه؟ ثم إذا أتى بالواجبات ~~العقلية هل استحق الثواب، ويدخل الجنة أم لا؟ PageV01P087 # فالجواب والله الهادي: إن المكلف إنما يكون مكلفا لما عنده لأنا في معلوم ~~الله تعالى، والذي عند المكلف أنه إذا عرف أن له صانعا صنعه كان أقرب إلى ~~فعل الطاعة وترك المعصية، فإذا كان هذا هو الذي عنده لزمه النظر في معرفة ~~الله تعالى، ولم يسقط عنه التكليف بها لما في معلوم الله تعالى بل هو مكلف ~~بالظاهر، وصار الحال فيه كالحال في المرأة إذا أصبحت مفطرة في رمضان ثم ~~حاضت في النهار الذي أفطرت فيه، فإن الصوم في معلوم الله تعالى لا يصح منها ~~لو صامت، ثم هي آثمة إن أصبحت مفطرة لما كانت متعبدة بما عندها، والظاهر ~~عندها عدم الحيض، فلذلك أثمت كذلك في مسألتنا، والله أعلم. # وأما إذا أتى بالواجبات العقلية ولم يعرف الله تعالى في دار الدنيا فقد ~~وقع الإجماع على أنه لا يدخل الجنة رجع. # وأما الدليل على أن معرفة الله تعالى لطفا، والذي يدل على ذلك أن المكلف ~~متى عرف أن له صانعا صنعه، ومدبرا دبره، إن أطاعه أثابه، وإن عصاه عاقبه، ~~فإنه يكون أقرب إلى فعل الطاعة قد ترك المعصية ممن لم يعرف ذلك، وإنما قلنا ~~ذلك لأنه متى عرف ثوابه لأهل طاعته، فقد علم بأن النفع العظيم هو الثواب ~~الدائم متعلق بالطاعة، فيدعوه علمه بذلك إلى الصبر، وعلى فعلها، ومتى علم ~~عقابه لأهل معصيته، فقد علم بأن الضرر العظيم، وهو العقاب الدائم متعلق ~~بالمعصية [49أ] فيدعوه علمه بذلك إلى الصبر على تركها، وهذا إشارة من الشيخ ~~إلى أن اللطف لا يكون إلا معرفة الثواب والعقاب؛ لأنهم مختلفون في ms075 ذلك. # فمنهم من قال: إن اللطف في الحقيقة هو معرفة الثواب والعقاب إلا أنه لما ~~لم يتم معرفة الثواب والعقاب إلا بعد معرفة الثواب بتوحيده وعدله سمينا ~~الجميع لطفا على وجه المجاز؛ لأن الشيء يسمى باسم ما يؤدي إليه. # ومنهم من قال: إن لكل واحدة من هذه المعارف حظا في اللطف. PageV01P088 # قال الشيخ: ويصير ذلكم لمثابة من علم أن في التجارة ربحا عظيما، وفي الطريق ~~خوفا شديدا، فإنه تكون أقرب إلى التمسك بالتجارة والتحسس للطريق ممن لم ~~يعرف ذلك وهذا مفلح عند كل عاقل، ولا يدفعه إلا معاند، فشبه الشيخ التجارة ~~بالطاعة، والربح بالثواب، والطريق بالتكليف، والخوف بالعقاب. # وأما الأصل الثاني: وهو أن يحصل ما هو لطف بهذه الصفة واجب، فاعلم أولا ~~أن الشيخ (رحمه الله) لما علم أن اللطف من فعلنا لا يجب أن يكون لطفا من ~~فعل الواجب، أو ترك القبيح، أو فيهما جميعا، أو يكون لطفا في جميع ماكلفناه ~~من واجب وغيره من فعل المندوب، وترك المكروه في كلامه في عقد الدلالة، ~~فقال: إن معرفة الله تعالى لطف للمكلفين في القيام بما كلفوه، ويحصل ماهو ~~لطف بهذه الصفة واجب. # فقوله: لطف للمكلفين في القيام بما كلفوه يريد لكل ما كلفوه من فعل أو ~~ترك فيدخل فيه الواجب والمندوب والقبيح والمكروه، ولاشك أن معرفة الله ~~تعالى، ومعرفة ثوابه لأهل طاعته وعصاته لأهل معصيته لطف في جميع ما كلفناه ~~وهذه خاصية لهذه المعارف التي بها تفارق سائر الألطاف، فإنه لا يقطع في شيء ~~منها بعموم كونه لطفا في جميع التكليف، ولها خاصة أخرى أيضا وهي أنا نقطع ~~من جهة العقل على كونها لطفا لجميع المكلفين لا مفسدة فيها [49ب] اتفق ~~العلماء في أمرين: # أحدهما: أن معرفة الله تعالى مصلحة لا مفسدة فيها. # والثاني: أن نعت الكافر والفاسق بينا بفسده، ولا مصلحة فيها.رجع. # وقوله في الأصل الثاني: ويحصل ما هو لطف بهذه الصفة واجب يريد بهذه الصفة ~~التي ذكرها في الأصل الأول، وهو أنها لطف في جميع ماكلفنا لنحترز من ms076 ذلك من ~~اللطف في فعل المندوب، وترك المكروه، فإنه ليس بواجب، وإن كان لطفا فلوا ~~اطلق الكلام، فقال: ويحصل ماهو لطف واحد لا ينقص عليه باللطف في المندوب، ~~والمكروه فاعرف ذلك. PageV01P089 # وأما الدليل على أن تحصيل ماهو لطف بهذه الصفة واجب، فالذي يدل على ذلك أنه ~~يجري مجرى دفع الضرر عن النفس، ودفع الضرر عن النفس واجب إذا كان المدفوع ~~به دون المدفوع سوى كان الضرر مظنونا أو معلوما، وكذلك ما يجري مجراه، وهذه ~~الدلالة مبنية على ثلاثة أصول: # أحدها: أن معرفة الله تعالى تجري مجرى دفع الضرر عن النفس. # والثاني: أن دفع الضرر عن النفس واجب إذا كان المدفوع به دون المدفوع. # والثالث: أنه يستوي فيه الموصوف والمعلوم. # والرابع: أن يجري مجرى دفع الضرر عن النفس واجب كوجوبه. # أما الأصل الأول: وهو أن معرفة الله تعالى تجري مجرى دفع الضرر عن النفس، ~~وإنما قال الشيخ (رحمه الله): إنها تجري مجرى دفع الضرر عن النفس، ولم ~~يجعلها دفعا؛ لأن الدفع في الحقيقة إنما يحصل الفعل الملطوف فيه، فلما كان ~~اللطف داعيا إلى الملطوف فيه، ومقربا إليه جرى مجرى الملطوف فيه في أنه دفع ~~للضرر عن النفس، ولم يكن دفعا بنفسه، قال الشيخ: والذي يدل على أنها تجري ~~مجرى دفع الضرر عن النفس قد تقدم حيث بينا أن المكلف متى عرف أن له صانعا ~~صنعه كان أقرب إلى فعل الطاعة، وترك [50أ] المعصية. # وأما الأصل الثاني: وهو أن دفع الضرر عن النفس واجب فذلك معلوم ضرورة، ~~ولهذا فإن المعلوم من حال العقلاء أنهم يسارعون إلى الفصد والحجامة، وشرب ~~الأدوية الكريهة؛ ليدفعوا بها فصار هي أعظم منها فلولا علمهم بوجوب دفع ~~الضرر عن النفس، وإلا لم يحملوا هذه المشاق والمعلوم من حالهم بحملها وذم ~~من أخل بها وهم لا يذمون أحد على ترك فعل إلا وذلك الفعل واجب، وكذلك فإن ~~من علم أن في الطريق سبعا، وأنه يجب عليه تجنب تلك الطريق إن كان متمكنا ~~وإلا دفعه بهرب أو غيره مما أمكنه ms077 وإلا استحق الذم من العقلاء، وهم لا ~~يذمون أحد على ترك فعل إلا وذلك الفعل واجب. PageV01P090 # قال الشيخ (رحمه الله): وقلنا إذا كان المدفوع به دون المدفوع ليحترز منه ~~دفع الضرر لمثله، أو بأعظم منه، فإن هذا لا يجب بل يقبح؛ لأن دفع الضرر ~~بالضرر على ثلاثة أضرب: # إما أن يدفعه بمثله، أو بدونه، أو بأكثر منه لا يجوز أن يدفعه بأعظم منه؛ ~~لأنه يكون دفعا قبيحا مثل أن تكون في بعض أصابعه آفة، ثم يدفعه بقطع جميع ~~أصابعه، أو بعضها، فهذا أقبح. # وإما أن يكون المدفوع به دون المدفوع، فهذا واجب مثل أن يكون مساويا له ~~مثل أن يكون في بعض أصابعه آفة فيقطع أصبعا أخرى لتنجا تلك، فهذا أقبح أيضا. # وإما أن يكون المدفوع دون المدفوع، فهذا واجب مثل أن يكون في يده آفة إن ~~لم يقطعها سرت إلى باقي جسده، ومثاله في مسألتنا هذه أن العقلاء يسارعون ~~إلى الفصد والحجامة ليدفعوا بها مضارا هي أعظم منها، ولا شك أن ضرر العقاب ~~أعظم من مشقة النظر فيجب على العاقل أن يتحمل مشقة النظر ليدفع بها ماهو ~~أعظم منها، وهو ضرر العقاب. # وأما الأصل الثالث: وهو أن يستوي فيه المظنون من المعلوم، فذلك معلوم ~~ضرورة، ولهذا فإنه لا فرق عند العقلاء [50ب] بين أن يخبرهم مخبر ظاهر ~~العدالة بأن في الطعام سما، وبين أن شاهدوه، فإنه يجب عليهم إجتنابه في ~~الحالتين جميعا، وإن كان الخبر يقتضي الظن، والمشاهدة تقتضي العلم، وكذلك ~~فلا فرق عندهم بين أن يظن أن الضرر يندفع بالفصد والحجامة، وشرب الدواء ~~الكريه، وبين أن يعلم ذلك، فإن اجتنابه يجب في الحالتين جميعا. PageV01P091 # وإن افترق العلم والظن في هذا الباب من وجه آخر وهو أن الضرر إذا كان ~~معلوما واندفاعه لما يتحمله من الضرر معلوم أيضا فوجه الوجوب هو دفع الضرر ~~عن النفس لا العلم بدفعه، وإذا كان مظنونا اندفاعه، فوجه الوجوب هو الظن ~~لاندفاع الضرر بذلك لا دفع الضرر لأن الوجه لو كان دفع الضرر لم ms078 يجب عند ~~الظن بكل حال؛ لأن الظن قد يطابق مظنونه، فيدفع به الضرر كما لو ظن، وقد لا ~~يطابق مظنونه، فلا يندفع به كما ظن، فكان لا يجب في هذه الحال فلما علمنا ~~أن العقلاء يحكمون بوجوبه بكل حال عند الظن دل ذلك على أن وجه الوجوب هيو ~~الظن لا غير، وإنما قال (رحمه الله): إنه يستوي فيه المعلوم والمظنون؛ لأن ~~لا يقال إنما يجب عليه دفع الضرر إذا كان قاطعا عالما به والمكلف في أول ~~أحواله تكليفه لا يعلمه فلا يجب عليه ذلك. # قال الشيخ (رحمه الله): فإذا كان ضرر العقاب مظنونا للمكلف في أول أحوال ~~التكليف، وجب عليه أن يدفعه باجتناب مايظن أنه يؤدي إليه. # وأما الأصل الرابع: وهو أن مايجري مجرى دفع الضرر عن النفس...... كوجوبه ~~فالذي يدل على ذلك أن يصير كالرملة أي دفع الضرر الذي يجب دفعه، وما يجري ~~مجرى دفع الضرر عن النفس كان حكمه في الوجوب كحكمه لأنه يحترز به من ضرر ~~العقاب والتحرز عن ذلك واجب، ولهذا العقلاء يوجب على من التبس عليه طريق ~~الأمن [51أ] بطريق الخوف. # السؤال عن الطريق، ويحب أهل الخير، ويذمون متى التبس كما يذمون إذا أقدم ~~مع العلم بالخوف ويجرون السؤال الذي تحرز به عن الضرر مجرى دفع الضرر في ~~الوجوب. # وإنما قال الشيخ (رحمه الله): كالوصلة، ولم يقل إنها وصلة؛ لأن الوصلة في ~~الحقيقة هو الفعل الذي يندفع به الضرر وصارت كالوصلة لما كان تكون مع ~~المعرفة أقرب إلى أداء الواجبات، واجتناب المقبحات، وصار كالتحرز من ضرر ~~العقاب. PageV01P092 # وأما ماذكره الشيخ (رحمه الله) في آخر كلامه، فإذا كان ضرر العقاب لا يتم ~~للمكلف دفعه لا بفعل الطاعة، وترك المعصية، ولا يحسن منه فعل الطاعة وترك ~~المعصية إلا بعد معرفة المطاع؛ لأنه لا يأمل أن يكون غير مستحق لها قبل ~~معرفته له، فإن هذا غير صحيح، والإعتراض عليه من وجهين: # أحدهما: أن الطاعات التي لا تحسن إلا بعد معرفة المطاع وهو الله تعالى، ~~واستحقاقه للعبادة، إنما هي ms079 العبادات الشرعية، والعلم بوجوبها، وحسنها لا ~~يحصل الأمر جهد الشرع، ولو خلينا والعقل لقضينا بقبحها فإذا كثر لا يعرف ~~حسنه ووجوبها إلا بعد معرفة الله تعالى لم يصح الاستدلال على وجوب معرفة ~~الله تعالى بوجوب هذه العبادات واستحقاق العقاب بتركها؛ لأنه يلزم منه ذلك ~~الدور والتوفيق، فلا يجب علينا المعرفة إلا بعد العلم بوجوب هذه العبادات؛ ~~لأنه الدليل على وجوبها، ونحن لا نعلم وجوبها إلا بعد معرفة الله تعالى ~~وعدله وحكمته وصدق رسله؛ لأن الدليل على وجوب العبادات وحسنها هنا الشرع ~~الذي لا يصح إلا بعد صحة الاستدلال، وأنه لا يلزم منه الدور والتفوق لما صح ~~الاستدلال به على الأصل الرابع من هذه الدلالة؛ لأنه يكون انتقالا من دليل ~~إلى دليل، فالدلالة التي نحن فيها هي الاستدلال على وجوب المعرفة بأنها لطف. # وما ذكره الشيخ (رحمه الله) استدلال على وجوبها بوجوب العبادات، وهذه ~~دلالة إن صحت غير دلالة اللطف ولا حاجة بها إلى الأصول المتقدمة من دلالة ~~اللطف وإلى إلا شيء منها. # وأما الأصل الثاني: وهو أن النظر طريق إلى معرفة الله تعالى، فاعلم أن ~~النظر هو الطريق إلى العلوم الاستدلالية جميعها، والذي يدل على ذلك وجوه: # أحدها: أنا نعلم من حال العقلاء أنهم يفزعون إلى النظر عند التباس الأمور ~~وإشكالها كما يفرحون إلى الإدراك عند التباس المدركات، فلولا علمهم أنه ~~طريق إلى العلم وإلا لما فزعوا إليه. PageV01P093 # الوجه الثاني: أنهم يذمون من وقع في مهلكة أو متاهة، ثم لم ينظر فيما يخلصه ~~من ذلك على ترك ذلك فلولا أنه يوصل إلى العلم وإلا لما استحق الذم؛ لن الذم ~~لا يستحق على ترك فعل إلى وذلك الفعل واجب. # الوجه الثالث: أنا لايعني أن النظر طريق إلى العلم إلا بترتيب مقدمتين ~~صحيحتين يجب حصول العلم، وهو النتيجة عندهما؛ لأن من رتبهما على الوجه ~~الصحيح لم يمكنه التوفق في النتيجة، بل يقطع عليها ويحصل له العلم بها، ~~ومثاله: أن من رأى دخانا وعلمه، ثم علم أن الدخان لا يكون إلا من نار ms080 وجب ~~عقد ذلك العلم بحصول النتيجة، وهي النار وهذا ثابت في مسألتنا. # فإن من علم أن الأجسام محدثة ثم حصل له العلم بأن المحدث لابد له من محدث ~~وجب حصول العلم بالنتيجة وهو العلم بمحدثها. # وأما الوجه الرابع: وهو ماذكره الشيخ (رحمه الله) قال: والذي يدل عليه ~~على أنه طريق إلى المعرفة. # والثاني: أن ما يوصل إلى الشيء فهو طريق له، وهذه الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن النظر موصل إلى المعرفة. # والثاني: أن ما يوصل إلى الشيء فهو طريق له. # أما الأصل الأول: وهو أنه موصل إليها فالذي يدل على ذلك يوجد تحسنه على ~~طريق واحدة ووتيرة مستمرة، والعلم يحصل بحسب النظر، من وجوه ثلاثة: # أحدها: أنه يعقل بقلبه، ويكثر تكثيره، وإنما يصح هذا إذا وقعت أنظاره في ~~مسائل مختلفة ومعلومات [52أ]متغايرة فمن كثرت أنظاره في المسائل كثرت ~~علومه، فإذا كثرت الأنظار في مسألة واحدة، فإن علمه لا يراد بذلك، ولهذا لا ~~تكون الثلاثة الذي لا يحصل له العلم إلا بتكرر النظر أكثر علوما. # وأما الوجه الثاني: وهو أنه يحصل بحسبه وهو أنه يطابقه فمن نظر في مسألة ~~حصل له العلم بتلك المسألة دون غيرها من المسائل، فمن نظر في دليل إثبات ~~الصانع حصل له العلم بالصانع دون الثبوت. PageV01P094 # والثالث: أنه يحصل بحسبه بمعنى أنه يحب حصول العلم عقب حصول النظر في ~~الدليل على الوجه الذي يدل على طريقة واحدة بحيث لا يجوز أن لا يحصل كما ~~يجب حصول الهوى عن النقل عند زوال القرار والعلافة، وهذا الوجه الثالث من ~~معنى قولنا إنه يحصل بحسبه هو الوجه الثالث من الوجوه التي استدللنا بها ~~على أن النظر يولد العلم فدلت هذه الوجوه على أن النظر يولد العلم متى ~~تكاملت شرائطه وشروطه ستة: ثلاثة في وجوده، وثلاثة في توليده. # أما التي في وجوده فهي: أن يكون الناظر قادرا لأن النظر فعل، والفعل لا ~~يصح إلا من قادر، وأن يكون مجوزا غير قاطع؛ لأن من قطع على صحة شيء أو ~~إفساده لم ms081 يمكنه أن ينظر فيه، ولهذا لا يمكن أحدنا أن ينظر إلى السماء فوقه ~~والأرض تحته ولا العكس مما كان قاطعا بصحة الأول وفساد الثاني، ولا أن ينظر ~~أنه لا قبل بحضرتنا ونحن لا نراه مع اتفاق الموانع لما كان مقطوعا على ~~فساده، والثالث: أن يكون محل النظر ظنيا بنية مخصوصة كنية القلب؛ لأن النية ~~شرط وإلا كان يوجد في يده أو رجله، وهذه الثلاثة قد تجتمع ممن لا يولد نظرة ~~العلم كالصبيان، والمجانين، فإنهم قادرون ومجوزون ومحل النظر مبني بنية ~~مخصوصة فلهذا يصح النظر منهم، ولكن لا يولد العلم لما لم يحصل شروط ~~التوليد، ومن الشروط وجود النظر أن يعلم الناظر المنظور فيه أو يعتقده أو ~~يظنه؛ لأن النظر لا يقع إلا وهناك منظور فيه في أمارته أو إشارة أو ما ~~أشبههما وأن يعتقد [52ب] الناظر ذلك، وإن كان جاهلا يجوز أن يعتقد أن البقا ~~معنا ثم ينظر فيه ليستدل به على مسألة أخرى. # وأما الشروط التي تولد فهي ثلاثة: # أحدها: أن يكون عاقلا، وأن يكون عالما بالدليل، وأن يكون عالما بوجه ~~دلالة الدليل. # أما الشرط الأول: وهو أن يكون عاقلا فالكلام منه يقع في أربعة مواضع: # أحدها: في معناه في أصل اللغة، والاصطلاح، وحكاية المذهب، وذكر الخلاف. PageV01P095 # والثاني: في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه، وفساد ماذهب إليه المخالف. # والثالث: في بيان محله. # والرابع: في وجه اشتراطه في توليد النظر للعلم. # أما الموضع الأول: وهو في معنى العقل وحكاية المذهب وذكر الخلاف فمعناه ~~في أصل اللغة: هو المنع، ومنه سمي العقل معقلا لما كان يمنع، وسمي عقال ~~البعير عقالا لما كان يمنعه من الذهاب، وقد قيل سميت الزكاة عقالا من هذا ~~الباب؛ لأنه المؤدي لها يمنع بذلك دمه وماله، ويدخل في جملة المسلمين، وقد ~~قيل إن تسمية الدية عقلا من هذا الباب؛ لأن القاتل يحصن دمه بأدائها ويمتنع ~~بذلك، وسميت العاقلة من هذا الباب؛ لأنهم يحملون بالعقل وهو الدية، وقيل إن ~~الحول سمي عقالا، قال الشاعر: # سبعا عقالا فلم ms082 تترك لنا شددا ... فكيف لو قد سعا عمرو عقالين # وأما في الاصطلاح: فهو العلوم الضرورية التي تصح بوجوب التكليف على من ~~اختص بها على بعض الوجوه. # قلنا: هو العلوم؛ لأن العقل عندنا المرجع به إلى علوم بخصوصه كما سيأتي ~~في حكاية المذهب. # وقلنا: الضرورية؛ لأن العلوم المكتسبة لا تعد من علوم العقل، وقلنا: يصح ~~بوجه التكليف على من اختص بها احتراز ممن لم يختص بها نحو المجانين ~~والصبيان وأن التكليف لا يصح بوجهه عليهم بحال من الأحوال. # وقلنا: على بعض الوجوه احترازا من الملجأ نحو المختص وأهل [53أ] الآخرة ~~فإنهم عقلاء لكنهم ليسوا بمكلفين؛ لأنهم قد صاروا ملجئين بما هم فيه وإنا ~~سمينا هذه العلوم عقلا؛ لأنها تمنع من اختص بها من الإقدام على القبائح ~~ويزجره عن ذلك، وقد قيل في حقيقة العقل: إنها هي العلوم الضرورية التي يصح ~~اكتساب العلم بالنظر ممن اختص بها على بعض الوجوه. # واحترزنا بقولنا على بعض الوجوه من أن ينظر لا على الوجه الصحيح. # وأما حكاية المذهب وذكر الخلاف فمذهبنا أن العقل مجموع علوم عشرة، ~~والخلاف في ذلك مع المطرفية، والفلاسفة. # أما المطرفية فإنهم قالوا: إنه القلب. PageV01P096 # وأما الفلاسفة: فعندهم أنه جوهر بسيط، وربما أنهم قالوا إنه قوة يدرك بها ~~المعقولات، وربما قالوا إنه طبع به مخصوصه. # وعند جعفر الصادق (عليه السلام): إن العقل ما جمع أمورا، وهي: الفهم، ~~والفطنة، والدرية، والتثبت، والتدبر، وهو يريد بها شواهد العقل؛ لأنها لا ~~بيانا إلا ممن هو عاقل، ونظيره قوله (عليه السلام): قسم الله العقل إلى ~~ثلاثة أقسام: حسن الصبر لله، وحسن الطاعة لله، وحسن المعرفة لله، فمن كن ~~فيه فهو عاقل، ومن لم يكن فيه فليس بعاقل، معناه: علامات العقل. # وقلنا: مجموع علوم عشرة: # الأول: العلم بأحوال النفس من كونه مريدا، أو كارها ومشتهيا، ونافرا، وظانا. # والثاني: العلم بالبداية، مثل: أن العشرة أكثر من الخمسة، وأن الكل أكثر ~~من الجزء. # والثالث: العلم بالمشاهدات. # والرابع: العلم بالخبرة والتجربة، مثل: أن الزجاج يتكسر بالأحجار، والقطن ~~يحرق بالنار. # والخامس: ms083 العلم بمخبر الأخبار المتواترة مثل: أن مكة في الدنيا هذا مذهب ~~أبي علي واحتج بأن قال: إنه لا يجوز أن يكون الواحد في طرف مدينة، والأخبار ~~متواترة عن طرفها الآخر، ولا يعلمه. # وذهب أبو هاشم إلى أنه ليس من علوم العقل إلا بعد ورود الشرع، وإلا وجب ~~العلم بذلك من أول خبر. # السادس: العلم بالقسمة الدائرة بين النفي والإثبات، مثل أن زيدا لا يخلوا ~~إما أن يكون في الدار أم لا. # السابع: العلم بمقاصد [53ب] المخاطبين فيما خلا وظهر إذا خوطب بلغته، ~~وكان الخطاب صادرا ممن يعلم ذاته ضرورة احتراز ممن خاطب الله تعالى، فإن ~~الإضطراب إلى مراد الله تعالى بخطابه وإن جمع الشرطين المتقدمين لا يصح، ~~والدار دار تكليف. # الثامن: ذكره للأمور الخلية قريبة العهد بالحدوث. # التاسع: العلم بتعلق العقل بفاعله مثل أن يكون زيد نجارا أو خياطا، وتحته ~~رجل قاعد، وأنه يعلم أن التجارة متعلقة بزيد دون غيره، وهو القاعد. PageV01P097 # العاشر: العلم بأحكام الأفعال من حسن وقبح ووجوب، وغير ذلك من الأحكام ~~العقلية. # وأما الموضع الثاني: وهو الدليل على صحة ماذهبنا إليه ابتداءا ثم تتبع ~~أقوال المخالفين بالإبطال. # أما الذي يدل على صحة ماذهبنا إليه فوجهان: # أحدهما: أن العقل لو كان أمرا زائدا على هذه العلوم لجاز أن سبب مع ~~عدمها؛ لأن هذا هو الواجب في كل أمرين لا عقلة بينهما من وجه معقول، فكان ~~يلزم أن يكون عالما بهذه المعلومات، وأن لا يكون عاقلا بأن لا يحصل العقل ~~عند حصولها، أو أن يكون عاقلا وإن لم يعلم بها بأن يحصل مع ابتغائها، ~~والمعلوم أن ذلك لا يجوز إذ لا يصح أن يكون عاقلا وهو لا يعلم ماذكرنا، ولا ~~أن يعلم ما ذكرنا، ولا أن يعلم ما ذكرناه وهو غير كامل العقل. # الوجه الثاني: أنا نقول حال العقل لا يخلو إما أن يكون مخالفا لهذه ~~العلوم، أو مضادا لها، أو مماثلا، ولا يجوز أن يكون مضادا ولا مخالفا إما ~~أنه لا يجوز أن يكون معادا لها، فلأنه لو ms084 كان مضادا لها للزم فيمن اختص بها ~~أن يستحيل كونه عاقلا، وفي العاقل أن يستحيل كونه عالما بها؛ لأن القيدين ~~لا يجوز اجتماعهما بحال، وأما أنه لا يجوز أن يكون مخالفا لها فلأنه كان ~~مخالفا بحال انفصاله عنها؛ ولأن هذا هو الواجب في كل مختلفين لا عقلة ~~بينهما، فكان يجوز أن يكون عاقلا غير عالم بها، أو عالم بها غير عاقل، ~~والمعلوم خلافه، وفي هذا الوجه رجوع إلى الدليل الأول؛ لأنا أبطلنا أن يكون ~~مخالفا له بمثل ما ذكرناه في الدليل الأول فيكون الدليل الأول هو أحد [45أ] ~~أقسام الدليل الثاني، وهذا لا يصح من طريق الجدل، وإن كان مماثلا لهذه ~~العلوم فهو الذي يقول وصح أن العقل إلى هذه العلوم المخصوصة فهذا هو الدليل ~~على صحة ما ذهبنا إليه إبتداء، وإما ما يتبع أقوالهم بالإبطال. # أما الذي يدل على إبطال قول المطرفية من أن قولهم العقل هو القلب فوجوه ثلاثة: PageV01P098 # أحدها: أنه كان يلزم في كل ذي قلب أن يكون عاقلا، فيجب في الصبيان ~~والمجانين والبهائم أن يكونوا عقلاء؛ لأن القلوب حاصلة لهم، والمعلوم خلافه. # والثاني: أنه كان يلزم فيمن كثر قلبه أن يكثر عقله فيكون البعير وغيره من ~~البهائم أوفر عقلا؛ لأن قلوبها أكثر، والمعلوم أنها غير عاقلة فضلا عن كون ~~عقلها أكثر وفر. # الثالث: أنه كان يلزم في النائم إذا نام ألا ينقض وضوؤه، والمعلوم أنه ~~ينقض؛ لأن عندهم العقل هو القلب، فدل على أن العقل هو المعلوم الحالة في ~~القلب؛ لأنه إذا نام ما زال عنه العقل. # فإن قيل: إن النائم يتغير بنية قلبه بالنوم والعقل هو القلب المبني بنية ~~مخصوصة وقد تغيرت بالنوم، وكذلك فهي غير حاصلة في البهائم فلا يلزم أن تكون ~~عاقلة، وكذلك الصبيان والمجانين، فجوابه من وجهين: # أحدهما: أن النية لو تغيرت لما وجب أن يرجع بالإنتباه فكان يلزم أن نية ~~العاقل في بعض الأحوال وهو غير عاقل بأن لا يرجع إليه نية قلبه في الحال، ~~والمعلوم خلافه. # الوجه الثاني: أن اعتقاد ms085 الجهل يحصل في النائم والصبي وهو ضد العلم، فلو ~~كانت النية غير صحيحة لما احتمل الجهل؛ لأن أحد الضربين لا يجوز أن يفتقر ~~إلى أزيد، فما افتقد إليه صاحبه وكذلك فقد يعلم الصبي والمجنون والنائم ~~كثيرا من الأشياء فبطل ماذكروه؛ لأن نية القلب لو اختلت لما خله شيء من ~~المعلوم. # وأما قول الفلاسفة أنه جوهر بسيط [45ب] فهو باطل من وجوه: # أحدها: أنا نقول أن هذا أنبأ منكم على إثبات الجواهر الروحانية، وهو ~~إثبات ما لا يعقل. # الثاني: أنه كان يلزم في جميع الأجسام أن يكون عاقلا< لأن الجواهر ~~متماثلة. # الوجه الثالث: أن الجواهر متحيزه، وحلول المتحيز في المتحيز محال، وهذان ~~الوجهان مواجدة لهم بظاهر العبارة ؛ لأن المعقول من الجوهر ليس إلا ~~المتحيز، فأما إذا أرادوا أنه الجوهر الروحاني الذي يدعونه لم يلزمهم ذلك، ~~وأبطلناه بالوجه الأول. PageV01P099 # وأما الموضع الثالث: وهو في بيان محله، فمذهبنا أن محله القلب، وذهب بعض ~~الفلاسفة أن محله الدماغ، وبه قال بعض الألما، ودليلنا في ذلك العقل ~~والسمع، أما السمع فقوله تعالى: {لهم قلوب لا يفقهون بها} فأضاف الله تعالى ~~العقل إلى القلب، وقوله تعالى: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب ~~التي في الصدور}. # وأما العقل فإن الإنسان يجد العلم من ناحية الصدر على الجملة، فأما يقين ~~محله من الصدر وأنه القلب فالدليل عليه السمع كما تقدم، وشبهه الفلاسفة ما ~~يعلمه من أن من فسد دماغه فسد عقله. # وجوابه: أنه يجوز أن يكون اختلاله لما يثير نية قلبه، والدماغ من التعليق ~~فيفسد أحدهما بفساد الآخر. # وأما الموضع الرابع: وهو وجه اشتراط العقل في توليد النظر للعلم، فالذي ~~يدل عليه أن الصبيان والمجانين لايولد نظرهم العلم، وإن أمكن وقوع المنظر ~~من جهتهم يحصل شرط التوليد وهو العقل، ولقائل أن يقول إنما لم يولد لأن من ~~شرط توليده أن يعلم الدليل ووجه الدلالة، وذلك لا يحصل إلا إذا كان عاقلا، ~~فلهذا لم يولد؛ لأنه شرط في نفسه فهذا تمام الكلام في الشرط الأول. PageV01P100 # والشرط الثاني: وهو ms086 أن يكون عالما بالدليل الذي ينظر فيه فالذي يدل على ذلك ~~أن النظر لا بد له من متعلق وهو الدليل المنظور فيه فمن شرط توليده للعلم ~~أن يكون عالما بالدليل، فإن لم يعلمه ولكنه كان ظانا له أو معتقدا فإنه لا ~~يولد للعلم، وإن كان قاضي القضاة قد[55أ]ذكر في موضع أن من اعتقد الدليل ~~ووجه دلالته اعتقادا مطابقا فإنه يولد إعتقادا نحو من اعتقد أن العالم محدث ~~وأن المحدث لا بد له من محدث، فإن نظره يولد إعتقادا أن للعالم صانعا، ولكن ~~لا يكون المتولد علما؛ لأن العلم لا يبنى على الإعتقاد الذي ليس بعلم ولا ~~يستنتج منه، فعلى هذا يكون الشرط في وجود النظر أن يعلم المنظور فيه، وهو ~~الدليل أو الإنارة أو نظر ذلك أو يعتقده إعتقاد علم أو جهل، ومن شرط توليده ~~للعلم أن يكون عالما بالدليل، ومن شرط توليده الإعتقاد المطابق أن يعتقد ~~الدليل ووجه الدلالة اعتقادا مطابقا فإن كان اعتقاد جهل فإنه لا يولد وما ~~يحصل عنده من الجهل بفعله ابتداءا إلا على وجه التوليد، وإذا قلنا إن من ~~شرط توليده للعلم أن يكون عالما بالدليل فإنما يعني به أن يعلم ذات الدليل ~~لا غير، ولا يجوز أن يراد به أن يعلم كونه دليلا؛ لأن العلم بكونه دليلا لا ~~يحصل إلا بعد أن ينظر فيه ويولد نظره العلم، فلو كان من شرط توليده للعلم ~~أن يعلم كونه دليلا للزم الدور؛ لأنه لا يعلم دليلا إلا بعد أن ينظر ويولد ~~له العلم، وهو لا يولد له العلم إلا بعد أن يعلم أنه دليل. # وأما الشرط الثالث: وهو أن يكون عالما بوجه دلالة الدليل فينبغي أن نتكلم ~~هاهنا في أمور: # أحدها: أن ينير وجوه التعلق، وأنه لا بد من الدليل والمدلول من تعلق، ~~ووجه اشتراطه أن يكون عالما بوجه دلالة الدليل. # أما بيان وجه التعلق فهي أربعة: # أحدها: أنه لولا المدلول لما صح الدليل. # والثاني: أنه لولاه لما وجب. # والثالث: أنه لولاه لما وجب حسنه. # والرابع: أنه ms087 لولاه لما اختص. PageV01P101 # أما مثال الأول: وهو أنه لولا المدلول لما صح الدليل، فنحو استدلالنا بحدوث ~~العالم على إثبات الصانع، فأنه لولا المدلول وهو الصانع لما صح حدوث العالم ~~وهو الدليل. # وأما مثال الثاني وهو أنه لولا المدلول لما وجب الدليل، فنحو استدلالنا ~~بمعول لعله على العلة، والمقتضى على المقتضى، وبالمسبب على السبب، فإنها ~~لولا العلة لما وجب المعلول، وكذلك المقتضى والسبب. # وأما مثال الثالث: وهو أنه لولا المدلول لما حسن [55ب] الدليل فنحو ~~استدلالنا بعدم المعجز على كذب المدعي للنبوة فلولا كذب المدعي للنبوة وهو ~~المدلول لما حسن ترك إظهار المعجز عليه وهو الدليل. # وأما مثال الرابع: وهو أنه لولا المدلول لما اختير الدليل فنحو استدلالنا ~~المعجز على صدق المدعي للنبوة فإنه لولا المدلول وهو الصدق لما اختار الله ~~المعجز على يدي هذا المدعي وهو الدليل. # قال الفقيه جمال الدين أحمد بن حميد: ومثال آخر لولا احتياج الواحد منا ~~إلى فعل القبيح وجهله بقبحه لما اختار فعله وأما أنه لا بد بين الدليل ~~والمدلول من تعلق، فالذي يدل على ذلك أنه لو لم يكن بينهما تعلق لم يكن ~~الدليل بأن يدل أولى من أن لا يدل، ولكان بأن يدل عليه أولى من أن يدل على ~~غيره، ولكان أحدهما بأن يدل على الآخر أولى من العكس، فلأجل التعلق الذي ~~بينهما كان دليلا، ودل على شيء دون غيره. PageV01P102 # وأما وجه اشترط أن يكون عالما بوجه دلالة الدليل فلأنه لو لم يعلم وجه ~~الدلالة، ولم يولد نظرة العلم؛ لأن توليده للعلم إنما كان لوجه الدلالة وهو ~~تعلق بين الدليل والمدلول للعلة الرابطة بينهما فمتى يعلم وجه الدلالة لم ~~يكن علة بين الدليل والمدلول رابطة، وكان أجبنا عنه، ومثاله: أن المكلف متى ~~عرف الدليل على الصانع الذي هو العالم، ثم علم وجه الدلالة وهو المحدث ونظر ~~في ذلك حصل له العلم بأن للعالم محدث، فلو لم يعلم وجه الدلالة وهو الحدوث ~~ثم ينظر في العالم لم يعلم ذلك، ولهذا لم يعلم الفلسفي إثبات ms088 الصانع. # أما إعتقاد قدم العالم وإن نظر في الدليل وهو العالم فثبت الأصل الأول ~~وهو أن النظر موصل إلى المعرفة بالله تعالى. # وأما الأصل الثاني: وهو أن ما توصل إلى الشيء فهو طريق له، فذلك معلوم ضرورة. # وأما الأصل الثالث: وهو أنه لا طريق للمكلفين إليها سواه، فقيد الكلام ~~بالمكلفين احترازا من أهل الآخرة، فإن طريقهم إلى معرفة الله تعالى لا ~~تعدوا أربعة أقسام: إما البديهة أو المشاهدة، أو الأخبار المتواترة، أو ~~النظر والاستدلال، هذا ماذكره الشيخ، والأولى أن يقال خمسة أقسام فتزاد على ~~ذلك الخبرة [56أ] والتجربة، وإنما قال الشيخ (رحمه الله): يتوهم كونه طريقا ~~مع أن التوهم ظن مخصوص، وحصول العلم بهذه الجهة من البديهة، وسائر ماذكره ~~معلوم غير متوهم؛ لأنه وإن كان كذلك حصول العلم بالله تعالى بالبديهة ~~والمشاهدة والخبرة والتجربة أو الأخبار المتواترة متوهم غير صحيح ولا ~~معلوم، وإنما قال يتوهم كونه طريقا إلى معرفة الله تعالى مع أن البديهة ~~ليست بطريق، والعلم البديهي هو المنتدب؛ لأنه لم يرد بذلك الطريق الحقيقية، ~~وإنما أراد أن يحضر العلم ما يحصل به من مسد أو طريق حقيقة، ومعناه ما ~~يتوهم حصول معرفة الله تعالى به لايعدوا ما ذكره، وهذه الدلالة مبنية على أصلين: PageV01P103 # أحدهما: أن ما يتوهم كونه طريقا إلى معرفة الله تعالى لا يعدوا هذه ~~الأقسام. # والثاني: أن الأقسام كلها باطلة سواء النظر والاستدلال. # فإن قيل: إن العلم قد يكون مكتسبا بطريق إلحاق التفصيل بالجملة، وإثبات ~~الصانع، حصل بهذه الطريق؛ لأنا نقول: قد يقرر في عقل كل عاقل أن كل محدث ~~فلا بد له من محدث، والعالم محدث فيجب أن يكون له محدث، وإلحاق التفصيل ~~بالجملة علم مبتدأ، وليس بمولد عن النظر والاستدلال، وهذا يعترض كل واحد من ~~الأصلين: # الأول: وهو أن ما يتوهم كونه طريقا إلى معرفة الله تعالى لا يعدوا ماذكر، ~~وهذه طريق غير ماذكر. # والثاني: أن الأقسام كلها باطلة سوى النظر والاستدلال، وإذا حصل العلم ~~بالله تعالى بإلحاق التفصيل بالجملة فقد بطل حصوله بالنظر، ms089 فإنا إن ألحقنا ~~النفصيل بالجملة إنما يكون مكتسبا، وإذا كان العلمان الأولان مكتسبين او ~~أحدهما بالنظر والاستدلال والعلم الحاصل عن النظر أو الاستدلال يطلق على ما ~~يولد من النظر من غير واسطة وعلى ما حصل من النظر بواسطة إلحاق التفصيل ~~بالجملة، والشيخ (رحمه الله) أراد بالنظر والاستدلال ما يحصل بالنظر بواسطة ~~وغير واسطة وإن كان العلم النظري في الحقيقة [56ب]...........المتولد عن ~~النظر من غير واسطة فإذا ثبت هذا عدنا إلى بيان الأصلين: # أما الأصل الأول: وهو أن ما يتوهم كونه طريقا إلى معرفة الله تعالى لا ~~يعدوا هذه الأقسام، فالذي يدل على ذلك أنها قسمة دائرة بين النفي والإثبات ~~لم يجز دخول متوسطة بينها، وهذه الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه قسمة دائرة بين النفي والإثبات. # والثاني: أن القسمة إذا دارت بين النفي والإثبات لا يجب دخول متوسطة ~~بينهما. PageV01P104 # أما الأصل الأول: وهو أنها قسمة دائرة بين النفي والإثبات، فالذي يدل على ~~ذلك أنا نقول العلم لا يخلوا إما أن ينفي عن النفس بدليل أو شبهة أو لا، إن ~~انتفيا فهو المكتسب، وإن لم ينتفي فهو الضروري، والضروري لا يخلو عن النفس ~~شك أو شبهة أو لا، إن انتفا فهو المكتسب وإن لم ينتف فهو الضروري، والضروري ~~لا يخلو إما أن يكون حاصلا عن طريق أم لا، إن كان حاصل لا عن طريق فهو ~~البديهي، وإن كان حاصلا عن طريق فتلك الطريق لا تخلوا إما أن تكون موجبة أم ~~لا، إن كانت موجبة فهو العلم الحاصل عن الإحساس بأحد الحواس الخمس، وإن لم ~~تكن موجبه فلا يخلو إما أن يكون من فعل العالم في نفسه أم لا، إن كانت من ~~فعله من نفسه فهو الحاصل عن الخبرة والتجربة، وإن لم يكن من فعله في نفسه ~~فهو العلم بخبر الأخبار المتواتر والصحيح في قسمة العلوم وحصرها ما تقدم ~~فثبت الأصل الأول: وهو أنها قسمة دائرة بين النفي والإثبات. # أما الأصل الثاني: وهو أن القسمة إذا دارت بين النفي والإثبات لم يجز ms090 ~~دخول متوسط بينهما، فالذي يدل على ذلك أن طرق الحصر ثلاث: القسمة الدائرة ~~بين النفي والإثبات. # والثانية: قسمة الأول والأكثر والمتساوي. # والثالث: مادل العقل والشرع على ما حصره. # أما القسمة الدائرة بين النفي والإثبات فذلك مثل قولك: زيد لا يخلو إما ~~أن يكون في الدار أم لا. # وأما القسمة الدائرة بين نفيين وإثباتين فإنه يجوز دخول متوسط بينهما [57أ]. # وأما قسمة الأقل والأكثر والمتساوي فمثل قولك العشرة لا تخلوا إما أن ~~تكون أقل من الخمسة أو أكثر أو مساوية لها، فهذه حاصرة. PageV01P105 # وأما مادل عليه العقل والشرع على نفي الزائد، أما دلالة العقل على نفي ~~الزائد فنحو ما نقول في أن الموانع محصورة في ثمانية لا يجوز إثبات تاسع ~~سواها؛ لأن دلالة العقل قد منعت من ذلك إذ لو صح ذلك لجوزنا أن يكون بين ~~أيدينا قبلة ونحن لانراها مع صحة الحاسة وارتفاع الموانع الثمانية بأن يمنع ~~مانع غير هذه الثمانية من رؤيتها، والمعلوم خلافه. # وأما دلالة الشرع على نفي الزائد فنحو: حصرنا للصلاة في خمس بدلالة الشرع ~~على نفي مازاد عليها في اليوم والليلة إذ لو كان هناك صلاة أخرى زائدة ~~عليها لأظهرها النبي (صلى الله عليه وآله) ولتوفرت الدواعي إلى فعلها فثبت. # الأصل الأول: وهو أن ما يتوهم كونه طريقا إلى معرفة الله تعالى لا يعدو ~~أحد هذه الأقسام. # وأما الأصل الثاني: وهو أن الأقسام كلها باطلة سوى النظر والاستدلال ~~فالذي يدل ذلك أنا نبطلها قسما قسما. # أما أنه لا يجوز أن يعرف بالبداهة فلوجوه ثلاثة: # أحدها: لو عرف بالبديهة لما اختلف العقلاء فيه، ومعلوم أنهم قد اختلفوا ~~فيه، وهذه الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه لو عرف بالبديهة لما اختلف العقلاء فيه. # والثاني: أنهم قد اختلفوا فيه. # أما الأصل الأول: وهو أنه لو عرف بالبديهة لما اختلف العقلاء فيه، فالذي ~~يدل على ذلك أن ما يعرف بالبديهة هو مثل أن العشرة أكثر من الخمسة، وهذا ~~مما لا يختلف العقلاء فيه لما كان معروفا بالبديهة. # وأما الأصل الثاني ms091 وهو أنهم ثقد اختلفوا فيه فذلك معلوم ضرورة فإن بعضهم ~~أثبت الصانع، وبعضهم نفاه وهم الملحدة، وبعضهم وحده وهم المسلمون، وبعضهم ~~بناه وهم الثنوية. # الوجه الثاني: أنه لو عرف بالبديهة [57ب] لما انتف عن النفس بشك ولا ~~بشبهة، والمعلوم أنه قد انتف وهذه الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه لو عرف البديهة لما انتف عن النفس بشك ولا شبهة. # والثاني: أنه قد انتف. PageV01P106 # أما الأصل الأول: فيدل عليه أن ما يعرف بالبديهة أن العشرة أكثر من الخمسة ~~فهذا لا يجوز إنتفاؤه. # وأما الأصل الثاني: وهو أنه قد انتف العلم فذلك ظاهر فإنا قد علمنا أن في ~~الناس من يزد بالإسلام وأشتهر به، ثم ارتد فكفر، ونفى عن نفس العلم بالله ~~كابن الرواندي، وأبي عيسى الوراق، وابن المقطع، وغيرهم، فإنهم خرجوا إلى ~~التعطيل لما انتفا عنهم العلم بالله تعالى لأجل ورود الشبهة. # الوجه الثالث: أنا قد علمنا أن معرفة الله تعالى لا تحصل لم النظر ~~واستدل، ولو عرفت بالبديهة لما وقفت على نظر واستدلال، فبطل أن يعرف الله ~~تعالى بالبديهة، وأما أنه لا يجوز أن يعرف بالخبرة والتكرية؛ فلأن الخبرة ~~والتجربة لا تكون طريقا إلى العلم إلا إذا كان مسنده إلى المشاهدة والله ~~تعالى لا يجوز مشاهدته والدلالة المبنية على أصلين: # أحدهما: أن الخبرة والتجربة لا تكون طريقا إلى العلم إلى إذا كان مستندة ~~إلى المشاهدة. # والثاني: أنه لا تجوز مشاهدته. # أما الأصل الأول: وهو أن الخبرة والتجربة لا تكون طريقا إلى العلم إلا ~~إذا كانت مسندة إلى المشاهدة فذلك ظاهر في الخبريات والتجربات نحو: علمنا ~~أن القطن يحترق بالنارن وأن الزجاج يتكسر بالأحجار، فإن ذلك لا يحل لنا إلا ~~بعد مشاهدة القطن واحتراقه، والزجاج وانكساره وتكرر ذلك واختباره من ~~حالهما. # وأما الأصل الثاني: وهو أنه تعالى لا تجوز مشاهدته فسيأتي بيانه. # وأما أنه تعالى لايعرف [58أ] بالمشاهدة فلأنه لو جازت مشاهدته في حال من ~~الأحوال لشاهدناه الآن، ومعلوم أنا لا نشاهده الآن، وهذه الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه لو ms092 جازت مشاهدته في حال من الأحوال لشاهدناه الآن. # والثاني: أنا لا نشاهده الآن. PageV01P107 # أما الأصل الأول: وهو أنه لو صحت مشاهدته في حال من الأحوال لشاهدناه الآن، ~~فلك في ذلك نحو تجويز أن أحدهما أن يقول أنه تعالى حاصلا على الصفة التي لو ~~رأ لما رأى إلا بكونه عليها، والواحد منا حاصل على الصفة التي لو أراها لما ~~رأى إلا لكونه عليها، والموانع مرتفعه فيجب أن نراه. # التجويز والثاني: أن نقول قد ثبت أن الحواس سليمة والموانع مرتفعة ~~والمدرك موجود، وهذه الشرائط التي معها ترى المرئيات، وهذه الدلالة مبنية ~~على أربعة أصول: # أحدها: أن الحواس سليمة. # والثاني: أن الموانع مرتفعة. # والثالث: أن المدرك موجود. # والرابع: أن هذه الشرائط التي معها ترى المرئيات. # وأما الأصل الأول: وهو أن الحواس سليمة، فنتكلم في حقيقة الحاسة، ~~وقسمتها، وحقائق أقسامها، والدليل على أنها سليمة. # أما حقيقة الحاسة: فهي الآلة التي يدرك بها المدركات. # وأما تسميتها: فهي تنقسم إلى خمسة أقسام: حاسة السمع، وحاسة النظر، وحاسة ~~الشم، وحاسة الذوق، وحاسة اللمس. # وأما حاسة السمع فهي: الآلة التي تدرك بها الأصوات، وحاسة النظر هي: ~~الآله التي تدرك بها المرئيات، وحاسة الشم هي: الآلة التي يدرك بها ~~الأرايح، وحاسة الذوق هي: الآلة التي تدرك بها المطعومات، وحاسة اللمس هي: ~~الآلة التي تدرك بها الحرارة والبرودة في الأجسام. # واختلف العلماء في حاسة اللمس فمنهم من ذهب إلى أنها حاسة، ومنهم من ذهب ~~إلى أنها ليست بحاسة لوجهين: # أحدهما: أن من حق الحاسة أن تكون متميزة عن سائر بدن الحي وحواسه، فيدرك ~~بها ما لا يدرك بسائره كما في غيرها من الحواس، فإن حاسة البصر مميزة وتدرك ~~بها المرئيات، ولا تدرك بغيرها، وكذلك حاسة الذوق [58ب] تدرك بها المطعومات ~~دون غيرها من الحواس. PageV01P108 # الوجه الثاني: أن من حق الحاسة أن تكون آلة للحس، وفي حكم الغير له كالعين ~~والأنف، وهذا غير حاصل في حالة اللمس، فإن الحرارة تدرك بكل محل في حياة، ~~وذلك شائع في جميع بدن الحي، فكان ms093 يجب أن تكون جميعه حاسة للمس، ويجاب عن ~~ذلك بأن قياس بعض الحواس على بعض من غير علة جامعة لا يصح؛ لأنه إعتماد على ~~مجرد الوجود والإعتماد على مجرد الوجود باطل، ولا يجب أن تكون الحاسة زائدة ~~عن المحس ومتميزة عن سائر العامة، بل يجوز أن تكون مدركا بكل بعض من انقاض، ~~ولا يكون كل جزء منه آلة لنفس ذلك الجزء، ولكن كل عضو يصح الإدراك به حاسة ~~لجملة الحي سوى ذلك العضو. # وأما الدليل على أنها سليمة فالذي يدل على ذلك أنها لو لم تكن سليمة ~~لكانت سقيمة. # والثاني: لا يجوز أن تكون سقيمة. # أما الأول: فالذي يدل عليه أنها قسمة دائرة بين النفي والإثبات فلا يجوز ~~دخول متوسط بينهما؛ لأنك تقول: الحاسة لا تخلو إما أن يصح الإدراك بها عند ~~وجود المدرك وارتفاع الموانع أم لا، إن صح فهي السليمة، وإن لم يصح فهي ~~السقيمة. # وأما الأصل الثاني: وهو أنه لا يجوز أن تكون سقيمة؛ فلأنها لو كانت سقيمة ~~لما أدركنا بها العلوم، إنا ندرك بها عند حصول المدرك وارتفاع الموانع فثبت ~~أن الحواس سليمة. # وأما الأصل الثاني: وهو أن الموانع مرتفعة، فالكلام فيه من الموانع يقع ~~في ثلاثة مواضع: # أحدها: في حقيقة الموانع وتعيناتها وأمثلتها وحصرها. # والثاني: في الدليل على أنها موانع. # والثالث: في الدليل على أنها مرتفعة. # أما الموضع الأول: فاعلم أن المانع ينقسم إلى قسمين: مانع من القول، ~~وسيأتي في مسألة قادر ومانع من الرؤية، وحقيقة ما هو لأجله تتعذر رؤية ~~المرائي على الرائي مع استمرار حالة في كونه حيا لا آفة به. PageV01P109 # وأما تعدادها فهي ثمانية، وتعييناتها: القرب والبعد المفرطان، والدقة ~~واللطافة، والحجاب الكثيف، وكونه المرئي خلاف جهة الرائي، وكون محله في بعض ~~هذه الأوصاف وعدم الضياء المناسب للعين، ومنهم من جعل الموانع ستة: فحذف ~~القرب والمفرط وعدم الضياء المناسب للعين؛ ووجه حذفهما أن من تمام صحة ~~الحاسة انفصال الشعاع عن العين على وجه الصحة والإستقامة، وإتصاله بضياء ~~مناسب بين الرائي والمرئي ومع القرب ms094 المفرط نحو المثل في العين وعدم الضياء ~~لا يحصل ذلك فكانت الحاسة غير صحيحة، ومن شرط المانع أن تكون زائدا على ~~فساد الحاسة. # وأما أمثلتها، فمثال البعد المفرط أن تكون بين جهة الرائي والمرئي مسافة ~~لا يمكن الرؤية معها، والقرب المفرط مثل المثل في العين والجفن، والرؤية ~~مثل أجسام الملائكة والجن، واللطافة مثل: الجوهر الفرد، والحجاب الكثيف مثل ~~الجدار، واحترزنا بالكثيف عن الرقيق نحو الزجاج، وكونه المرئي في خلاف جهة ~~الرائي مثل أن تكون حلقة، وكون محله ببعض هذه الأوصاف وهذا المانع يخص ~~الأعراض المدركة؛ لأنه يقال فيها أنها قرينة، ولا تعتده؛ لأنها لا تكون في ~~الجهة على سبيل الاستقلال، بل على وجه التبع لمحلها، فيقال: إنها في محل ~~قريب أو بعيد أو محجور أو رقيق أو لطيف أو كثيف، أو أن محلها في خلاف جهة ~~الرائي، والدليل على حصرها أنه لم يوجد مانع سواها إلا بالوجود مانعا؛ لأن ~~لو جوزنا مانعا سواها لأدى إلى قبح باب الجهالات حتى يجوز أن تكون بين ~~أيدينا قبلة ونحن لا نراها مع صحة الحاسة وارتفاع الموانع المعقولة، بأن ~~يمنع من رؤيتها المانع المجوز والمعلوم خلاف ذلك. PageV01P110 # أما الموضع الثاني: وهو في الدليل على أنها موانع، فالذي يدل على ذلك أنا ~~لا نعني بالمانع [59ب] إلا ما لأجله يتعذررؤية المرئي على الرائي مع ~~استمرار حاله في كونه حيا لا آفة به وهذا حاصل، وكل واحد من هذه الموانع ~~فيجب أن تكون موانع لأنا نعلم أنه يتعذر علينا الرؤية عند كل واحد منها. # وأما الموضع الثالث: وهو في الدليل على أنها مرتفعة في حق الله تعالى، ~~فالذي يدل على ذلك انها لا تمنع إلا من رؤية الأجسام والألوان، والله تعالى ~~ليس بجسم ولا لون على ما يأتي بيانه. # وأما الأصل الثالث: وهو أن المدرك موجود فسيأتي بيانه في مسألة قديم. # وأما الأصل الرابع: وهو أن هذه الشروط التي معها ترى المرئيات فالذي يدل ~~على ذلك أن الواحد منا متى كان صحيح الحاسة والموانع مرتفعة، والمدرك ms095 ~~موجود، فإنه يجب أن يدرك المدركات بكل حال، ومتى اختل شيء من ذلك فإنه ~~يستحيل أن يدرك المدركات، فلو وقف كونه مدركا على أمر زائد على ما ذكرنا من ~~ذلك أو غيره لجاز أن يجتمع ما ذكرنا، ولا تكون مدركا بأن لا يحصل ذلك إلا ~~من الزائد والمعلوم خلافه، فثبت الأصل الأول وهو أن الله تعالى لو صح أن ~~يرى في حال من الأحوال لرأيناه الآن. # وأما الأصل الثاني: وهو أنا لا نشاهده الآن فالذي يدل على ذلك أنا لو ~~شاهدناه الآن لعلمنا ضرورة وقد بينا أنه يقال لا يعلم ضرورة في دار ~~الدنياء. # وأما أنه تعالى لا يعرف بالأخبار المتواترة، فالكلام فيه يقع في موضعين: # أحدهما: في معنى التواتر، وحقيقته في أصل اللغة والاصطلاح، وشرائطه. # والثاني: في الدليل على أن الله تعالى لا يعرف بالأخبار المتواترة. # أما الموضع الأول: وهو في معنى التواتر وحقيقته وشرائطه، أما معناه: ~~فمعنى التواتر ورود الشيء مع فترة بينهما ومنه قوله تعالى: {ثم أرسلنا ~~رسلنا تترى}.......... ومتى أظيف التواتر إلى الخبر فهو مجيء خبر بعد خبر ~~لها على وجه الإتصال. PageV01P111 # وأما [60أ] في الاصطلاح: فالخبر المتواتر حقيقته هو عبارة عن خبر جماعة ~~يحصل العلم الضروري عند خبرهم لأجله. # قلنا: عبارة عن حي حسب الحد، وقلنا: جماعة احترازا من خبر الواحد ~~والاثنين فإنه لا يكون متواتر وإن أجاز بعضهم حصول العلم الضروري عنده، ~~وقلنا: يحصل العلم احترازا من خبر جماعة لا يحصل بخبرهم إلا الظن فإنه لا ~~يكون متواتر، وقلنا: الضروري احترازا من إجماع العترة (عليهم السلام)، ~~وإجماع الأمة فإنه لا يحصل بخبرهم العلم الضروري، وقلنا عند خبرهم لأجله ~~احتراز من الخبر الذي يحصل عنده العلم الضروري لا لأجله، ولكن الأمر أخذ من ~~قرينة أو مشاهدة أو نحو ذلك. # وأما شرائطه فهو على ضربين: # أحدهما: ما شرط واشتراطه صحيح. # والثاني: ما عد من شروطه وليس منها وإن شرط بعضهم. # أما الضرب الأول: فهي شروط أربعة: # أحدها: أن لا يكون قد سبق خبرهم العلم الضروري. # والثاني: ms096 أن يكونوا أكثر. # والثالث: أن يكونوا متساويين الأطراف أو متقاربينها. # والرابع: أن يكون خبرهم ومستند إلى المشاهدة، وهذه الشرائط الأربعة على ضربين: PageV01P112 # أحدهما: هو شرط في كل خبر متواتر، والثاني: لا يشترط في الخبر إلا إذا ~~أخبروا عن غيرهم، ولم يشاهدوا بأنفسهم، وهذا الثاني هو الشرط الثالث وهو أن ~~تتساوى أطراف المخبرين فهذا الإشتراط إذا كان بينهم وبين المخبرة عنه ~~بواسطة أو وسائط، والضرب الأول: هو الثلاثة الباقية، وجميع الأربعة على ~~ظروب ثلاثة منها ما يرجع إلى المخبر، ومنها ما يرجع إلى المخبرين، ومنها ما ~~هو مشترك بين المخبر عنه والمخبرين فالذي يرجع إلى المخبرين الثاني ~~والثالث، والذي هو مشترك الرابع وهو أن يخبروا عن أمر شاهدوه، فإن المراد ~~به أن يكون المخبر عنه مشاهدا في نفسه، وأن يخبر المخبرون عن مشاهدة، ولو ~~أخبروا إلا عن مشاهدة منهم لم يحصل العلم [60ب] الضروري بخبرهم، وإن كان ~~المخبر عنه مشاهدا في نفسه بل لابد من أن يخبروا عن ما شاهدوا إذا أخبروا ~~عن أنفسهم أو تلقوا خبرهم عن طائفة أخرى أخبروهم عما شاهدوه. # أما الشرط الأول: وهو أن لا يكون قد سبق خبرهم العلم الضروري، فذلك مثل ~~أن نكون قد شاهدنا مكة، وأخبرنا الطائفة العظيمة أنها في الدنيا، فإنه لا ~~يحصل لنا بخبرهم مرية على ما كان أول مرة يحصل لنا بذلك علم آخر، وهذا ~~الشرط الأول ذكره الذاري، ولم يذكره أصحابنا. # وأما الشرط الثاني: وهو أن يكونوا كثرة ما علم، أولا أنه لا خلاف في أن ~~الكثرة شرط وأن خبر الثلاثة والأربعة ليس متواتر، بل هو من باب الإيحاد، ~~وإن جاز أن يحصل عنده العلم الضروري عند بعض العلماء وهو المروي عن المؤيد ~~بالله (عليه السلام) والنظام أعني يجوز أن تحصل بخبر الواحد العلم الضروري، ~~ولكن ليس متواترا وأقل درجات الكثرة التي تجوز أن يحصل العلم الضروري بها ~~ويكون الخبر متواتر عند الجمهور من أصحابنا خمسة فما فوق، فالخمسة عندهم ~~يجوز أن يحصل بخبرهم في بعض الأحوال، ولا يجب اطراده. ms097 PageV01P113 # وأما الكثرة العظيمة فإن العادة مطردة في وجوب حصول العلم الضروري عند ~~خبرهم، وعند أبي رشيد أن الخمسة ليس من عدد التواتر، وهو المروي عن المنصور ~~بالله (عليه السلام)، والصحيح عند أصحابنا أن أقل عدد التواتر مضبوط ~~بالخمسة فما فوق، وأن مقدار التي يجب حصول العلم عندها غير مضبوط بحد ~~معلوم، ولكن أمارة حصول تلك الكثرة حصول العلم الضروري عند خبرهم، ومن ~~الناس من ضبط ذلك بعدد معلوم وليس بصحيح عندنا، فمنهم من قال يكونوا بعدد ~~نقباء بني إسرائيل وهم اثنى عشرة، ومنهم من قال يكونوا عشرين وهو قول أبي ~~هذيل لقوله تعالى: {إن يكن منكم عشرون صابرون} ومنهم من قال يجب أن يكونوا ~~أربعين كما في أهل الجمعة على مذهب (ش) في صلاة الجمعة، ومنهم من قال: يجب ~~أن يكونوا سبعين لقوله تعالى{واختار موسى قومه سبعين رجلا} ومنهم من قال: ~~يجب أن يكونوا ثلاثمائة وبضع عشرة عدد أهل بدر، والصحيح وهو المذهب أنه لا ~~حصر لهم وإنما يعتبر حصول العلم الضروري فأينما حصل فهو عددهم. # وأما الشرط الثالث: وهو أن يكونوا متساوين الأطراف والوسائط أو ~~متقاربينها فهذا إذا يكون في القرون الماضية مثل أن تخبر قرن عن قرن إلى أن ~~يتصل إلى النبي (صلى الله عليه) وأرد ما يتساوى الأطراف أن تخبر كثرة عن ~~كثرة إلى أن يتصل الخبر بالأصل المخبر عنه المشاهد نحو أن ينقل ألف عن ألف ~~أو مائة عن مائة وبالتقارب أن ينقل ألف عن تسعمائة أو ثمانمائة بعد أن يكون ~~الكل متصفا بالكثرة المعبرة، واحترزنا بذلك عن أن ننقل عدد التواتر عن عدد ~~الرجال فإن ذلك لا يكون متواتر أن أصله أحادي وإن وقعت الكثرة بعد ذلك نحو ~~كثير من الأخبار الآحادية التي يرويها المخالفون. PageV01P114 # وأما الشرط الرابع: وهو أن يكون الخبر مستندا إلى المشاهدة، فوجه اشتراطه ~~أن المشاهدة لا يجوز دخول اللبس فيها، والاستدلال يجوز دخول اللبس والغلط ~~فيه فيما أخبروا عما شاهدوه وعلموه ضرورة حصل العلم بخبرهم، ولهذا لو ~~أخبرنا الطائفة العظيمة بوجود ms098 بلد في الدنيا يقال لها بغداد لعلمنا صحة ما ~~تقوله، ولو أخبرنا الطائفة بعينها أن الله يرى بالأبصار أو أنه لا يرى فإنه ~~لا يحصل لنا العلم بخبرهم. # وأما الشروط الفاسدة فهي على ضربين: # أحدهما: يرجع إلى المخبر. # والثاني: يرجع إلى المخبرين. # فالأول: أن لا يكون المخبر قد سبق إلى اعتقاد جهل لشبهة وردت عليه، بخلاف ~~مخبر الخبر وهذا شرط السيد المرتضى من الإمامية، قال: ولهذا قال لم يحصل ~~للخصوم العلم الضروري بالأخبار المروية في إمامة أمير المؤمنين (عليه ~~السلام)؛ لأنهم قد سبقوا إلى اعتقاد غير ذلك لشبهة، وهذا الذي قد ذكره لا ~~دليل عليه. # والضرب [61ب] الثاني: الذي يرجع إلى المخبرين فشرط بعضهم أن لا يكون ~~مذهبهم واحد أهل بلدة واحدة، ولا يكون سببهم واحد وأن يكون فيهم المعصوم ~~وهذا باطل؛ لأنه لو أخبرنا أهل المسجد بأن الخطيب سقط من رأس المنبر على ~~رجل فقتله، أو أن المؤذن سقط من المئذنة على رجل فقتله لعلمنا صحة خبرهم، ~~وإن كانوا أهل مدينة واحدة وبلد واحد وأولاد رجل واحد، وليس فيهم معصوم ~~فبطل قولهم. # وأما الموضع الثاني: وهو في الدليل على أن الله تعالى لا يعرف بالأخبار ~~المتواترة، فالذي يدل على ذلك أن الأخبار المتواترة لا تكون طريقا إلى ~~العلم إلا إذا كانت مستندة إلى المشاهدة، وهو تعالى لا تجوز مشاهدته، ~~والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن الأخبار المتواترة لا تكون طريقا إلى العلم إلا إذا كانت ~~مستندة إلى المشاهدة. PageV01P115 # والثاني: أنه تعالى لا يجوز مشاهدته، فالذي يدل على الأول أن الطائفة ~~العظيمة لو أخبرتنا بوجود بلد في الدنيا يقال لها بغداد لعلمنا صحة ما ~~تقوله، ولو أخبرتنا تلك الطائفة بعينها أن الله تعالى يرى بالأبصار لم يعلم ~~صحة ما تقوله، فثبت الأصل الأول وهو أن الأخبار المتواترة لا تكون طريقا ~~إلى العلم إلا إذا كانت مستندة إلى المشاهدة. # وأما الأصل الثاني: وهو أنه تعالى لا يجوز مشاهدته فقد تقدم بيانه أيضا ~~فإذا بطلت هذه الأقسام ولم يبق لنا طريق إلى ms099 معرفة الله تعالى سوى النظر ~~والاستدلال لأن هذه طريقة السير، ومن حقها إذا بطلت جميع أقسامها إلا واحدا ~~تعيين الواحد بالصحة، ولا يجوز بطلان كما بطلت، وطريقة السير القطعية ~~الصحيحة ماجمعت أمور ثلاثة: # أحدهما: أن تستقرى الأقسام الممكنه في المسألة وتسيرها وتحصرها في أقسام ~~[62أ] بأحد طرق الحصر. # والثاني: أن يثبت بالدلالة القاطعة أنه لا بد في المسألة من أحدها، ولا ~~يجوز أن نبطل جميعها. # والثالث: أن نبطلهما جميعا أعنى الأقسام المخصوصة إلا واحد، ويكون ~~إبطالها بدليل قاطع فحينئذ يقطع على صحة القسم الثاني إذ لو بطل لعاد على ~~ما ثبت بالدلالة من أنه لا بد في المسألة من طريق وأنه لا طريق سوى ما ~~حصرناه بالنقض والإبطال، وذلك لا يجوز، وهذه الطريقة حاصلة في مسألتنا فإنه ~~قد ثبت أنه لا بد للمكلف من طريق إلى معرفة الله تعالى، وقد بينا أن الطرق ~~إلى معرفة الله تعالى محصورة في أقسام، وأبطلنا جميع تلك الأقسام إلا واحد، ~~وهو النظر والاستدلال، فثبت طريق السير وثبت الأصل الثالث وهو أن لا طريق ~~للمكلفين إليها سواه. # وأما الأصل الرابع: وهو أن ما لا يتم الواجب إلا به يكون واجبا كوجوبه، ~~فالكلام منه يقع في ثلاثة مواضع: # أحدها: في قسمة ما لا يتم الواجب إلا به. # والثاني: في حكاية المذهب. # والثالث: في الدليل على ما لا يتم الواجب إلا به يكون واجبا كوجوبه. PageV01P116 # أما الموضع الأول: وهو قسمة ما لا يتم الواجب إلا به فاعلم أن ما كلفناه ~~على ضربين: فعل وترك، فينبغي أن نذكر قسمة ما لا يتم الفعل الواجب إلا به، ~~وقسمة ما لا يتم ترك ما كلفنا تركه إلا به. # أما ما لا يتم فعل الواجب إلا به فهو على ضربين: وصلة وغير وصلة، ~~والواصلة موجبة وغير موجبة، فالوصلة الموجبة مثل أن يكلفنا الله تعالى ~~إيلام زيد، ولا يتم إلا بالضرب، وهو وصلة موجبة لأن الألم من فعلنا لا يكون ~~إلا متولدا عن تفريق ولا يقدر عليه مبتدأ. # وأما الوصلة غير الموجبة ms100 فهو ما لا يتم الواجب إلا بها وإن كانت الواجبة ~~لا توجبه[62ب] وهو على ضربين: عقلية، وشرعية، فالشرعية ما علمنا من جهة ~~الشرع أن الواجب لا يتم إلا بها، ولو خلينا وقصته الفعل لصح فعله من دونها، ~~وذلك مثل الظهور فإنه حاصل صلة إلى الصلاة من جهة الشرع، وهو غير موجب لها. # وأما العقلية فهو ما يعلم من جهة العقل أن العقل لا يمكن الوصول إليه إلا ~~بها، وذلك كما يقول في الحج فيه الزاد والراحلة وقطع المسافة وصلة إليه وهي ~~غير موجبة أما غير الوصلة فهي على ضربين: منه ما لا يتم فعل الواجب إلا ~~بفعله؛ لأجل الإلتباس، ومنه ما لا يتم الواجب إلا به لأجل التقارب. # أما ما لا يتم فعل الواجب إلا بفعله لأجل الإلتباس فمثل أن تكون عليه ~~صلاة فاتته، والتبست بالصلاة الخمس فإنه يجب عليه فعل الجميع على قول (م) ~~بالله ولا تبرأ ذمته إلا بصلاة يوم وليلة ليدخل الصلاة [63أ] ~~الملتبسة.........براءة ذمته وهو (س). # وأما ما لا يتم الواجب إلا بفعله لأجل التقارب والإتصال فمثل وجوب غسل ~~الوجه، ولا يمكنه إلا بإدخال جزء من الرأس، ومثل غسل اليدين، ومثل ستر ~~الركبة فإنه واجب ولا يمكن إلا بإدخال جزء من الساق. # وأما الترك فمثل أن يلبس إما بحسن ثيابه طاهرة، ولا يمكنه التحري في نفس ~~الطاهر، فإنه يجب عليه ترك الجميع وهذا إذا كن محضورات. PageV01P117 # وأما الموضع الثاني: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف، فمذهبنا أن ما لا ~~يتم الواجب إلا به يكون واجبا كوجوبه إذا كان مقدور لما ورد الخطاب غير ~~مشروط بما لا يتم إلا به، أو كان الواجب شرعيا، أو دل العقل على وجوبه على ~~كل حال، ولم يشرط العقل في وجوبه حصول ما لا يتم إلا به إذا كان عقليا، ~~وشرطنا أن يكون مقدورا لنا احترازا مما لا يتم الواجب إلا به مما ليس في ~~مقدورنا نحو القديمة، والرجل في القيام، وورود الخطاب فيه مطلقا لنحترز به ~~مما ورد مشروطا بما ms101 لا يتم إلا به نحو قوله تعالى: {ولله على الناس حج ~~البيت من استطاع إليه سبيلا} فإن وجوب الحج ورد مقيدا بالإستطاعة، فلذلك لا ~~يجب علينا تحصيل الزاد بالتكسب له، ونظيره قول السيد لعبده: اصعد السطح إن ~~كان السلم منصوبا فإنه لا يجب عليه نصب السلم، وكذلك لو ورد الخطاب بالفعل ~~مطلقا، ثم ورد الشرط في أنه أجزى، أو دليل آخر شرعي فإنه لا يجب تحصيل ~~الشرط نحو قوله تعالى: {وآتوا الزكاة} فإنه ورد مطلقا، ولا يجب علينا تحصيل ~~المال؛ لأنا علمنا بدليل آخر أنه مشروط بالنصاب، وقلنا أو دل العقل على ~~وجوبه مطلقا لنحترز به مما دل العقل على وجوبه شرط ما لا يتم إلا به فإن ~~هذا حاله لا يجب علينا ما لا يتم إلا به. # ومثال المطلق قوله تعالى: {أقيموا الصلاة} فهذا مطلق فيجب علينا تحصيل ~~الطهور كما لم يتم الصلاة إلا به وهذا مقدور لنا، ومثال ما هو مطلق في ~~الشاهد أن يقول السيد لعبده: اصعد السطح فيجب عليه ما لا يتم الصعود إلا به ~~من السلم. # ومثال ما أوجبه العقل غير مشروط بما لا يتم إلا به قضاء الدين، ورد ~~الوديعة، فإن العقل حكم بوجودهما مطلقا، فذلك واجب علينا ما لا يتم إلا به ~~من القيام، وفتح الباب، فهذا تحصيل مذهبنا، والخلاف مع بعض الأشعرية فإنه ~~قال: لا يجب علينا تحصيل الواجب إلا به إلا إذا كان موجبا. PageV01P118 # وأما الموضع الثالث: وهو في الدليل على أن ما لا يتم الواجب إلا به يكون ~~واجبا كوجوبه، كالذي يدل على ذلك العقل والسمع. # أما العقل فهو أن من وجب عليه قضاء الدين أو رد الوديعة، ولم يمكن من ذلك ~~إلا لقيام وفتح الباب، وإخراج المال، فإنها تجب عليه، وإنما وجب عليه لأنه ~~لا يمكن رد الوديعة، وقضاء الدين إلا بها، فيجب من كل من شاركهما في العلة ~~وجب أن يشاركه في الحكم، وهذه الدلالة مبنية على أربعة أصول: # أحدها: أن قضاء الدين ورد الوديعة واجب. # والثاني: أنه ms102 إذا لم يتم إلا بالقيام وفتح الباب [63ب] وإخراج المال، ~~فإنها تجب عليه. # والثالث: أنه إنما وجب؛ لأنه لا يمكنه رد الوديعة إلا بها. # والرابع: أن كل ما يشاركهما في العلة وجب أن يشاركهما في الحكم. # أما الأصل الأول: وهو أن قضاء الدين ورد الوديعة واجب فذلك معلوم ضرورة. # وأما الأصل الثاني: وهو أنها إذا لم يتم إلا بهذه الأفعال وجبت عليه، ~~فالذي يدل على ذلك أن العقلاء يذمونه على الإخلال بها كما يذمونه على ~~الإخلال برد الوديعة، فلولا أنها واجبة عليه وإلا لما استحق الذم. # وأما الأصل الثالث: وهو أن العلمة في وجوبها كونها وصلة إلى واجب لا يتم ~~إلا بها، فالذي يدل على ذلك أن الحكم يثبت بثبوتها ويزول بزوالها، وليس ~~هناك ما يتعلق الحكم به أولى. # وأما أنه يثبت بثبوتها فلأنا قد علمنا أن قضاء الدين ورد الوديعة ما لم ~~يتم إلا بالقيام وفتح الباب فإنه يجب عليه ذلك، فثبت وجوب هذه الأفعال عند ~~قيام هذه العلة. # وأما أن يزول بزوالها فإنه متى أمكنه ردها بدون هذه الأفعال بأن يكون على ~~يد خادمه لم تجب عليه فزال بزوالها. PageV01P119 # وأما أنه ليس هناك مايتعلق الحكم به أو لا؛ فلأنه كان يلزم أن تجب عليه هذه ~~الأفعال، وإن أمكنه الرد من دونها بأن تحصل ذلك الأمر فالذي هو العلة في ~~وجوبها هذه الأفعال مع أنه لا يتمكن من الرد إلا بها بأن لا يحصل ذلك إلا ~~الذي هو، وكان يلزم أن لا يجب عليه، وفي علمنا بخلاف ذلك دليل على أن لا ~~علة لوجوبها إلا ماذكرنا أنه لا يتم الواجب إلا بها. # وأما الأصل الرابع: وهو أن كل ما شاركها في العلة وجب أن يشاركها في ~~الحكم، فالذي يدل على ذلك أن من حق كل مشتركين يشتركا في علة حكم، فالواجب ~~أن يشتركا في ذلك الحكم وإلا عاد على أصل تلك العلة بالنقض [64أ] والإبطال؛ ~~لأن من حق العلة إذا حصلت أن يحصل جهلها بكل حال من الأحوال عن ms103 كونها علة، ~~وذلك لا يجوز وهاهنا أصل وفروع، وعلة وحكم. # فالأصل هو هذه الأفعال التي هي القيام، وفتح الباب، وإخراج المال، ~~والفرع: هو النظر، والعلة: هو أنه لا يتم الواجب إلا به، والحكم هو الوجوب، ~~فإذا كان الفرع هو النظر قد شارك الأصل وهذه الأفعال في العلة، وهي كونه لا ~~يتم أداء الواجب إلا به وجب أن يشاركه في الحكم وهو الوجوب. # وأما الدليل الشرعي فهو ما ذكره الشيخ (رحمه الله) من أن الصلاة الواجبة ~~إذا لم تتم لا بطهور وجب الطهور لأجل وجوب الصلاة، وإنما وجب لكونه وصلة ~~إلى واجب لا يتم إلا به فيجب في كل ما شاركه في الصلة أن يشاركه في الحكم ~~وهو الوجوب، وهذه الدلالة مبنية على أربعة أصول: # أحدها: أن الصلاة واجبة. # والثاني: أنها إذا لم يتم إلا بالطهور وجب الطهور. # والثالث: إنما وجب لكونه وصلة إلى واجب لا يتم إلا به. # والرابع: أن كلما شاركه في العلة وجب أن يشاركه في الحكم. # أما الأصل الأول: وهو أن الصلاة واجبة فذلك معلوم ضرورة من الدين. PageV01P120 # وأما الأصل الثاني: وهو أنها إذا لم تتم إلا بطهور وجب الطهور فذلك معلوم ~~ضرورة من دين النبي (صلى الله عليه وآله) ويدل عليه قوله تعالى: {إذا قمتم ~~إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم}...الآية، ويدل عليه قوله (صلى الله ~~عليه): ((لاصلاة إلا بطهور)) وإن كان الإضطرار من دينه صلى الله عليه وآله ~~قد أغنانا عن الاستدلال بذلك. # وأما الأصل الثالث: وهو أن العلة في وجوبه كونه وصلة إلى واجب لا يتم إلا ~~به فالذي يدل على ذلك أن الحكم يثبت بثبات هذه العلة ويزول بزوالها، وليس ~~هناك ما يتعلق الحكم به أولى، إما أن الحكم يثبت بثباتها فلأنه متى وجب ~~عليه الصلاة [64ب] وهو محدث وجب الطهور، وإما أنه يزول بزوالها فلأنه متى ~~لم تجب عليه الصلاة لم يجب الطهور فزال بزوالها، وأما أنه ليس هناك مايتعلق ~~الحكم به أولى فالذي يدل عليه ذلك أنه لو كان هناك ما يتعلق ms104 الحكم به أولى ~~من كونه ما لا يتم الواجب إلا به لجوزنا أن تجب عليه الصلاة وهو محدث، ولا ~~يجب عليه الطهور مع التمكن منه بأن لا تحصل تلك العلة التي يتعلق الحكم بها ~~أولى، أو كان يجوز أن يجب عليه الطهور لوجوب الصلاة مع إمكان أن يصلي من ~~غير طهور بأن يكون على وضوء، وفي علمنا بخلاف ذلك دليل على أنه لا علة إلا ~~ما ذكرنا من كونه لا يتم الواجب إلا به. PageV01P121 # وأما الأصل الرابع: وهو أن كل ما شاركه في العلة وجب أن يشاركه في الحكم ~~وهو الوجوب، فالذي يدل على ذلك أن من حق كل مشتركين اشتركا في علة حكم أن ~~يشترك في ذلك الحكم، وإلا عاد على أصل تلك العلة بالنقض والإبطال، وهاهنا ~~أصل وفرع وحكم، فالأصل هو الطهور، والفرع هو النظر، والعلة كونه لا يتم ~~الواجب إلا به، والحكم هو الوجوب فإذا كان الفرع وهو النظر قد شارك الأصل ~~وهو الظهور في العلة وهو كونه لا يتم الواجب إلا به وجب أن يشاركه في الحكم ~~وهو الوجوب، وقياس النظر في وجوبه على وجوب الظهور لوجوب الصلاة إنما ذكره ~~على وجه الإستظهار بترادف الأدلة من العقل والشرع، إلا أنه يعتمد عليه في ~~الاستدلال؛ لأن وجوب الظهور والصلاة لا تعلم إلا بعد معرفة الله، وعدله، ~~وحكمته، ونبوة أنبيائه. # وأما الدليل السمعي على وجوب النظر فآيات كثيرة، منها قوله تعالى: {أفلا ~~ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال}...الآية. ~~ووجه الإحتجاج بهذه الآية على وجوب النظر أن الآية وردت مورد الإنكار ~~والوعيد على ترك النظر، وذلك يدل على وجوبه، وقوله تعالى: {قل انظروا ماذا ~~في السماوات والأرض} وقوله تعالى: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف ~~الليل والنهار لايات لأولي الألباب} وقوله تعالى {وفي الأرض آيات للموقنين} ~~احتجاج وقوله تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن} إنكار وقوله تعالى: {ومن آياته ~~خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة} وتصريف الرياح احتجاج، وقوله ~~تعالى: {وضرب لنا مثلا ونسي ms105 خلقه}...الآية حكاية وقوله تعالى {كما بدأكم ~~تعودون، فريقا} احتجاج. PageV01P122 # وقوله تعالى: {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم} ~~احتجاج، وقوله تعالى: {يانوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا} حكاية، ~~وقوله:{وجادلهم بالتي هي أحسن} وقوله تعالى: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا ~~بالتي هي أحسن} نهي، والآيات الدالة على وجوب النظر المتظمن للأمر به، ~~والمشتملة على الإحتجاج والمجادلة للكفار أكثر من أن تحصر وهي في الجملة ~~على ثلاثة أضرب: # فمنها ما يتضمن الأمر بالنظر والوعيد على تركه، ومنها ماحكاه الله تعالى ~~عن أنبيائه، وذكره من إحتجاجهم ومجادلتهم، ولو كانت بدعا وقبيحا لما فعلوه، ~~ومنها ما احتج الله تعالى به. # فالضرب الأول: يدل على الوجوب، والضربان الأخيران يدلان على الحسن ~~والاستدلال بالسمع على وجوب النظر في معرفة الله تعالى إنما ذكرناه على ~~وجهة الإستظهار، وبيان ترادف الأدلة من العقل والشرع، وإن كان الشرع لا يصح ~~إلا بعد معرفة الله تعالى، ولأنا قد اتفقنا نحن ومن خالفنا في وجوب النظر ~~وزعموا أنه غير واجب وأنه بدعة ممن أقر بالصانع والثبوت على صدق القرآن ~~فيحتج به عليهم من طريق النظر. PageV01P123 # وأما الموضع الثالث: وهو في شبهة المخالف وإبطالها، فاعلم أن شبهة المخالف ~~لنا في النظر مختلفة بحسب مذاهبهم فالنظر فيمن يخالف في وجوبه لأن المعارف ~~عنده ضرورة فعدينا القول على مذهبه في المعارف، وقد أبطلناه وثبتنا أنها ~~مكتسبة فبطل ما بنى عليه، ومنهم من بنى عليه، ومنهم من بنى ذلك على مذهبه ~~من جواز التقليد، وسيأتي ببطلان ذلك فنبطل مابنى عليه، ومنهم من بنى ذلك ~~على مذهبه في أن النظر غير مولد للعلم [65ب] ولكنه يحصل عنده بالعادة من ~~فعل الله تعالى، ويجعل النظر شرطا إعتياديا، ونحن قد دللنا أن النظر طريق ~~إلى العلم ومولده فبطل قوله، ولو كان حصول العلم بالعادة عند النظر لجاز أن ~~ينظر بالدليل على الوجه الذي يدل ولا يحصل له العلم لجواز إختلاف العادة، ~~وقد علمنا خلاف ذلك، فإن من علم أن هذا الذي شاهده دخان، وقد علم أن ms106 كل ~~دخان لا يكون إلا من نار، ونظر في ذلك فإنه يعلم أن هناك نار، ولا يجوز أن ~~يشك في ذلك ولا أن يتوقف فيه بحال، ولو كان اعتياديا فجاز أن لا يعلم ذلك ~~في بعض الأحوال بأن لا يخلق له العلم الضروري، والذي يختص هذا الموضع من ~~شبه المخالفين هو شبهة من ذهب إلى النظر قبح؛ لأنه يؤدي إلى الشك والحيرة ~~وليس بطريق إلى العلم، وشبه من قال بأن الأدلة متكائنة، أما من شبهة من قال ~~أن النظر يؤدي إلى الشك والحيرة وليس بطريق إلى العلم، وشبه من قال بأن ~~الأدلة فتحريز شبههم أنهم قالوا: إنا رأينا الفرق اختلفت مذاهبهم ~~واعتقاداتهم من أن كل فرقة قد نظرت غيرها من الفرق المخالفة لها، ولم نألوا ~~جهدا في طلب الحق والمخالف لكم قد حظر كنظركم ثم أداه نظره إلى ضد اعتقادكم ~~واعتقد بنظره، أن ما هو عليه الحق وأن ما أنتم عليه الباطل، ولو كان النظر ~~طريقا إلى العلم لوجب في كل ناظر أن يعلم الصواب وأن لا يختلف الناظرون في ~~الإعتقاد؛ لأنهم قد اتفقوا في طريقه، وربما قالوا إنا قد علمنا أن الواحد ~~منا قد ينظر في مسألة ويعتقد أنه قد PageV01P124 أصاب ويطمئن قلبه، وتسكن نفسه إلى اعتقاده، ويحتج بذلك ويناظر عليه الزمان ~~الطويل، ثم يتداوله فيرجع عن اعتقاده الأول إلى ضده بنظر آخر، ويعتقد أن ما ~~كان عليه باطل، وأن الحق ما اعتقده آخرا، وهو لا يأمن في نظره الثاني أن ~~يكون كنظره الأول، وإن كان طريقها إلى العلم لما جاز شيء من ذلك. # والجواب عليهم من وجوه: # أحدها: أنا نقول لهم إنا نعلم ضرورة صحة النظر، وأنه يؤدي إلى العلم، ~~ولهذا فإن إليه ردود الشبهة على ما علم ضرورة لا يصح ولا يلزم الجواب. # الوجه الثاني: أنا نقول [66أ] لهم لا خلاف العب في الماء كأنها أكثر ~~الإحاطة، وليس هي كذلك وقد يتخايل له الإثبات واحد، والواحد اثنان، والشيء ~~الكثير صغير والصغير كبير إلى غير ذلك من شبهة ms107 السوفسطانية التى يذكرونها ~~في الغلط في المناظر، فكما أن هذه الشبهة لا تقدح في صحة الإدراك وأنه ~~الطريق إلى العلم وكذلك ما ذكروه من الشبهة في النظر فكما أن هذه الشبهة ~~وما أجابوا عنه في هذه المعارضة أجبناهم بمثله. # الوجه الثالث: أنه لا خلاف بيننا وبينهم أن الحساب طريق إلى العلم، وأنه ~~يوصل إليه، ومع ذلك أن الواحد قد يحسب في مسألة ثم يعتقد أنه قد أصاب في ~~حسابه، ثم ينكشف له بعد ذلك أنه أخطأ، فكما لا يلزم من ذلك الشك في الحساب ~~وبطلان كونه طريقا إلى العلم وكذا ماذكروه في النظر. # الوجه الرابع: أنا قد علمنا من حال العقلاء أنهم يقتصرون بحسب النظر ~~ووجوبه، ولهذا فإن من وقع في ورطة ومخافة والتبس عليه أمر من الأمور وكان ~~يمكنه أن ينظر فيه ثم أقدم على ذلك الأمر المخوف من غير نظر فإنهم يذمونه، ~~فلولا علمهم بأنه توصل إلى العلم وإلا لما قضو الحسنة ووجوبه. PageV01P125 # الوجه الخامس: أن يقال لهم: إنكم فسدتم النظر بالنظر، وهذا يبطل مذهبكم ~~وتحقق هذا الوجه أنا نقول لهم: هل علمتم أن النظر لا يؤدي إلى الشك والحيرة ~~بالضرورة أم بالنظر؟ فإن قالوا بالضرورة ظهر عنادهم وقابلناهم بمثل دعواهم، ~~وقلنا لهم: إنا نعلم بالضرورة أن النظر يؤدي إلى العلم. # وإن قالوا بالدلالة قلنا لهم فهذا اعتراف منكم بأن النظر طريق إلى العلم ~~وموصل إليه، ونحن لا ندعي أن كل نظر يولد العلم، وإنما ادعينا ذلك في بعض ~~الأنظار، وقد سلمتم ذلك -يعني أن النظر يؤدي إلى الشك والحيرة-. # الوجه السادس: أنا لم نقل أن الأنظار جميعها تؤدي إلى العلم وإنما ~~اشترطنا بالنظر أن يكون على الوجه الصحيح وأن تجتمع شرائطه، ومتى كان كذلك ~~حصل العلم، ومتى لم يكن كذلك لم يحصل العلم وهؤلاء الذين إذا هم نظرهم إلى ~~الشك والحيرة نظروا على الوجه الفاسد فمثل الفلاسفة [66ب] والملحدة ~~والمجبرة وغيرهم، وأكثر ما يدل هذه الشبهة على أن في النظر ماهو فاسد وغير ~~مولد للعلم ولسنا نؤكد ms108 ذلك، وإنما ذكرنا قولهم أنه لا يولد العلم بحال، ~~والشبهة لم تتعرض ذلك فإذن هي لا تدل على موضع الخلاف. # أما شبهة من قال الأدلة متكائنة، فإنهم قالوا: إنا وجدنا أهل المذاهب ~~المختلفة كلامهم قد احتج لمذهبه بحجة يضاهي مخالفة ويسألونها، وكل فريق ~~منهم قد تكلم على حجة خصمه بما يبطلها، ولا يرجح بكلام بعضهم على بعض، ولا ~~مرية بل كل ما رجح به فريق منهم فقد رجح خصمه بنظيره فإن الأدلة متكائنة، ~~والجواب عليهم من وجوه: # أحدها: أنا نقول لهم إنا نعلم ضرورة تعد اختيار النظر أنه يؤدي إلى العلم ~~ولهذا فإن العقلاء يفزعون إليه عند التباس الأمور عليهم، فكما يفزعون إلى ~~الإدراك عند التباس المدركات عليهم والشبهة إذا وردت على ما نعلم ضرورة لم ~~نعيدها ولم يلزم الجواب عليها لعلمنا بأن ما خالف الضرورة فهو الفاسد دون ~~الضرورة كما في شبهة ال السوفسطانية. PageV01P126 # الوجه الثاني: أنه لاخلاف بيننا وبينهم أن الحساب يوصل إلى العلم، ومع هذا ~~فقد يختلف اثنان في حسابته، ويذكر كل واحد منهما طريقة يضاهي ما ذكره ~~مخالفه، كما ذكروا في النظر ولم يقدح ذلك في صحة الحساب، فما أجابوا به فهو ~~جوابنا. # الوجه الثالث: أنا قد علمنا أن العقلاء يقضون بوجوب النظر وحسنه، ويفزعون ~~إليه عند التباس الأمر عليهم؛ ليتميز لهم الصواب به، ويعرفون الحق من ~~الباطل، ولو كانت الأدلة متكائنة لم يحصل به تمييز بعض الأقوال على بعض ولا ~~صحة بعضها وفساد بعض، ولا كان إلى الفزع إليه فائدة؛ لأنه لا يحصل بالنظر ~~على زعمهم إلا ماكان حاصلا قبل ذلك من إلتباس القولين المتنافسين وتساويهما ~~في الصحة والبطلان وهذا يؤكد اللبس ويقويه. # الوجه الرابع: [67أ] أنا نقول لهم لما علمنا.... تكافي الأدلة ضرورة ~~والاستدلال، فإن قالوا بالضرورة كابروا، وقلنا ليست دعواكم الضرورة فإن ~~الأدلة متكائنة أو لا من دعوى خصومكم على أنها غير متكائنة. # وإن قالوا بالاستدلال، قلنا: فأخبرونا هل دليلكم على أن الأدلة متكائنة ~~تكافي أدلة خصومكم على أنها غير متكافئة أو لا ms109 تكافيها؟ فإن قالوا: ~~تكافيها، بطل قطعهم على أن الأدلة متكائنة؛ لأن دلالة أنها غير متكائنة قد ~~كافتها ووقعا موقعا واحدا. ### || AUTO وإن قالوا: إن دلالة خصمهم على أنها غير متكائنة لا تكافي ~~دلالتهم على تكافيها بل دلالتهم هي الصحيحة ولا مكافي لها، فقد أقروا أن ~~النظر يقضي إلى العلم ولا يكافيه غيره، وسألناهم عما رجحوا به دليلهم على ~~أنها متكائنة على ضدها فكلما رجحوا به أريناهم مسألة في كل مسألة يصح ~~دليلها، ولسنا ندعي أن كل نظر صحيح. # [الفصل الثالث] # وأما الفصل الثالث: وهو أن النظر أول الواجبات، فالكلام منه يقع في ثلاثة مواضع: # أحدها: في معنى هذه العبارة. # والثاني: في حكاية المذاهب وذكر الخلاف. # والثالث: في الدليل على أن النظر أول الواجبات. PageV01P127 # أما الموضع الأول: وهو في معنى قولنا إنه أول الواجبات فإنما احتجنا إلى ~~تفسير هذه العبارة؛ لأن إطلاقها يوهم أن المكلف إذا بلغ أول أحوال تكليفه ~~فإن النظر أول ما يجب عليه ولا يقارن وجوبه واجب آخر وليس كذلك فإن من بلغ ~~وعنده وديعة أو عليه دين أو عنده شيء مغصوب فإنه يجب عليه قضاء الدين ورد ~~الوديعة والمغصوب كما يجب عليه النظر هذا يعليه وهذا .......... واحتجنا ~~إلى بيان هذه العبارة لرفع هذا الوهم إذا أثبت هذا فمعناه هذه[67ب] العبارة ~~أنه أول الأفعال الواجبات المقصودة التي لا يعزي عن وجوبها مكلف من غير شرط. # قلنا: أول الأفعال احتراز من التروك بحق ترك الظلم والكذب والجهل، وغير ~~ذلك من القناع، فإن المكلف لا ينفك عن التكليف بتركها في أول أحوال تكليفه ~~كما لا ينفك عن التكليف بالنظر ولا مرية للنظر عليها. # وقلنا الواجبة احتراز مما ليس بواجب، وقلنا المقصوده احترازا من أن يقال: ~~إن أول الواجب هو القصد إلى النظر قبل فعله ولكن القصد إلىالنظر غير مقصود، ~~وإلالزام التسلسل في قصد القصد، وقلنا لا يعزى عمن وجوبها مكلف احتراز من ~~قضاء الدين، ورد الوديعة، وشكر نعمة المخلوقين، فإن قد يعزى عن وجوبها؛ ~~لأنه يمكن أن يبلغ حالة التكليف ms110 وليس معه وديعة ولا عليه دين، ولا تكون ~~عليه نعمة لمخلوق، بخلاف النظر فإن كل مكلف لا ينفك عن وجوبه في أول أحواله ~~في التكليف. # وقلنا من غير شرط احتراز من نعمة الله فإنها لا تعزى عنها، ولكنه لا ينفك ~~شكره تعالى على وجهين: # أحدهما: الشكر المطلق، وهو الإعتراف بنعمته وتعظيمه من غير شرط، وهذا لا ~~يجب إلا بعد معرفة الله تعالى ولا عدل له، وأنه قصد وجه الإحسان إليه، وهذا ~~لا يحصل إلا بعد معرفة الله تعالى، والمعرفة لا تحصل إلا بالنظر فقد سبق ~~النظر وتأخر الشكر، وجرى مجرى الواجبات الشرعية. PageV01P128 # الوجه الثاني: أن شكر شكرا مشروطا، وهو أن يعتقد تعظيمه ومرتبته على غيره ~~إن قصد مما أوصل إليه وجه الإحسان، فقد احترزنا عن هذا بقولنا من غير شرط، ~~وهذا الشكر وإن كان لا ينفك عن وجوبه مكلف ولكنه مشروط، والنظر غير مشروط، ~~ومرادنا أن النظر أول الواجبات التي هي غير مشروطة، فإن قيل إذا ثبت عندكم ~~فيما كلفناه ما يقترن بالنظر في أول أحوال التكليف مثل ترك الظلم، والكذب، ~~والجهل، أو ما يتقدم عن النظر مثل القصد إلى النظر، أو ما يقارنه في بعض ~~المكلفين كرد المغصوب على من هو عنده فما الحاجة إلى إطلاق هذه العبارة ~~الموهمة، وتكليف الاحترازات. # قلنا: الوجه في ذلك أن النظر لما كان الغالب [68أ] على المكلفين التسهيل ~~فيه، وتركه، وإهماله، والميل إلا تقليد الأسلاف، وابن الآباء، وعظم الخطر ~~في ذلك، فثبت أن النظر مرية على بعض ما كلفناه من الأفعال، أردنا ثبات تلك ~~المرية والشبهة عليها لحث المكلف على فعل النظر، والإهتمام به، والمبالغة ~~في وجوبه. # وأما الموضع الثاني: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف، فمذهبنا أن النظر ~~أول الواجبات، وهو قول النظريين من المعتزلة، وبه قالت المجبرة، وإن كانوا ~~يذهبون إلى أنه أول الواجبات الشرعية؛ لأنه لا وجوب من جهة العقل عندهم، ~~وذهب البغداديون إلى أن معرفة الله تعالى أول الواجبات. # وأما الموضع الثالث: وهو في الدليل على ما ذهبنا إليه، ms111 وفساد ما ذهبوا ~~إليه، فالذي يدل على ذلك أنه طريق إلى معرفة الله تعالى، وهي متقدمة على ~~ماسوى النظر من الواجبات، وطريق الشيء متقدمة، وهذه الدلالة مبنية على ~~ثلاثة أضرب: # أحدها: أن النظر طريق إلى معرفة الله تعالى. # والثاني: أن معرفة الله تعالى متقدمة على ماسواها من الواجبات. # والثالث: أن طريق الشيء متقدمة. # أما الأصل الأول: وهو أن النظر طريق إلى معرفة الله تعالى فقد تقدم بيانه. PageV01P129 # وأما الأصل الثاني: وهو أن معرفة الله تعالى متقدمة على ما سوى النظر من ~~الواجبات فلك في ذلك وجهان: # أحدهما: ماقاله الشيخ (رحمه الله تعالى) وهو ما قد بينا أنها لطف ~~للمكلفين في القيام بما كلفوه. # قال: ومن حق اللطف أن يكون متقدما على الملطوف فيه؛ لأن الغرض باللطف هو ~~التقرب من الملطوف فيه، فوجب تقدمه عليه، وهذا معترض على الشيخ (رحمه ~~الله)؛ لأنه يقال اللطف على ضربين: فلطف من فعل الله تعالى فهذا يجب تقدمه ~~على الملطوف فيه، ويجب على الله تعالى أن يفعله لنا قبل حصوله وقت الملطوف ~~فيه؛ لأن الغرض به أن يدعونا إلى فعله، ومن حق الداعي أن يكون متقدما على ~~ما يدعوا إليه، ولطف من فعلنا نحو المعرفة بالله تعالى فيجب علينا فعل ~~المعرفة لما فيها من اللطف، ولكن [68ب] لا يقف وجوب الملطوف فيه من قضاء ~~الدين، ورد الوديعة على فعلنا للمعرفة، فلو قدرنا أن أجرنا لم يفعل المعرفة ~~كان مخلا بلفظه، ويجب عليه قضاء الدين ورد الوديعة، وكذا لو نظر في أول ~~أحوال تكليفه فإن المعرفة لا تحصل إلا بعد أوقات وفي هذه المهلة يجب علينا ~~قضاء الدين، ورد الوديعة، ولا تكون المعرفة لطفا فيها يريد ويفعل ذلك، ولا ~~لطف له فيه لتعذرها، واستحالة حصولها مكتسبة في أول حالة، فتخرج عن كونها ~~لطفا في هذه، ويكون وجوبها في أول حالة مقارنا لوجوب النظر، ولا يكون للنظر ~~مزية عليها. # الوجه الثاني: أن الواجبات على ضربين: عقلي، وشرعي. # أما الشرعي: فمعرفة الله تعالى متقدمة عليها لوجهين: # أحدهما: أن ms112 الواجبات الشرعية لا توجد إلى من جهة الأنبياء (عليهم ~~السلام)، ولا تعرف صدقهم إلا بعد معرفة الله تعالى. # الوجه الثاني: أن الشرعيات قربة وعبادة، ولا يصح القربه والعبادة إلا بعد ~~معرفة المعبود، فصح أن المعرفة متقدمة على الواجبات الشرعية. # وأما الواجبات العقلية: فقد بينا أن المكلف قد يعزى عن قضاء الدين، ورد ~~الوديعة. PageV01P130 # أما النعمة فهو على ثلاثة أضرب: نعمة من الأجانب، ونعمة من الوالدين، ونعمة ~~من الله تعالى. # أما نعمة الأجانب: فقد يجزى الإنسان منها بأن لا تكون عليه لأحد نعمة. # وأما نعمة الوالدين: فقد يمكن أن يجزى الإنسان عنها بأن لا يقصد حصوله، ~~وإنما يقصد إيفاء الشهوة، وقضاء الوطر. # وأما نعمة الباري تعالى: فلا يمكن أحد أن يجزي عنها لكن شكرها لا يجب إلا ~~بشرطين: # أحدهما: أن يعرف الله تعالى. # والثاني: أن يعلم أنه قصد وجه الإحسان. # وأما الإقرار بالله تعالى وتوحيده باللسان فهو أيضا متأخر عن معرفة الله ~~تعالى لوجهين: # أحدهما: أنه يجب بالشرع إلا عند تهمة، والشرع متأخر عن معرفة الله تعالى. # الثاني: أنه حين يحتمل الصدق والكذب فتقبح الأخبار إلا بعد معرفة الله ~~تعالى ومعرفة توحيده، فصح أن جميع الواجبات متأخرة عن معرفة الله سوى النظر [69أ]. # وأما الأصل الثالث: وهو أن طريق الشيء يتقدمه فذلك معلوم ضرورة فعل هذه ~~الطريقة تجري الكلام في الباب الأول. PageV01P131 ### || AUTO وأما إبطال قول البغداديين من أن معرفة الله تعالى أول ~~الواجبات، فيقال لهم: ما تريدون بقولكم إنها أول الواجبات، فإن أردتم بذلك ~~أنها الأصل في وجوب النظر ولولا وجوبها وكون النظر طريقا إليها لما وجب فهذ ~~مسلم، ولكن لا يخرج النظر عن كونه أول الواجبات على المكلف؛ لأنه الموجب ~~للمعرفة، والسبب المولد لها، والمعلوم أن السبب الذي هو النظر يفعل أولا ~~تولد العلم في الوقت الثاني وإن أردتم بذلك أن أول ما يجب فعله هو المعرفة ~~بها محال؛ لأن المسبب لا يفعل قبل سببه، والأقرب أن الخلاف في هذه المسألة ~~خلاف في عبارة وأن المعنا متفق عليه؛ لأن ms113 البغداديين لا يمكنهم أن يدعو أن ~~أول ما يجب على المكلف بفعله هو المعرفة بمعنا أنه يفعلها أولا قبل النظر ~~مع تسليمهم أن النظر هو الطريق إليها، وإنما أرادوا بقولهم إن المعرفة أول ~~الواجبات بمعنى أنها الأصل في وجوب النظر، وأنها متقدمة عليه في الوجوب لا ~~في الفعل لأنه لولا وجوبها لما وجب ذلك مما سلمه البصريون فقد عاد الخلاف ~~إلى الوفاق فعلى هذا يكون النظر متقدما في الوجود متأخرا في الوجوب، وتكون ~~المعرفة متقدمة في الوجوب متأخرة في الوجود. # [الباب الثاني] # وهو الكلام في التوحيد # فالكلام منه يقع في أربعة مواضع: # أحدها: في حقيقة التوحيد في أصل اللغة، وعرف اللغة، والاصطلاح. # والثاني: في قسمة مسائل. # والثالث: في ترتيبها. # والرابع: في الكلام في كل مسألة منها. # أما الأول: فالتوحيد في أصل اللغة عبارة عما يصير به الشيء واحدا، ولهذا ~~يقال إذا قطع أغصان الشجرة وأبقى أصلها أنه وجدها، فكما في التسويد ~~والتحريك والتسكين، فإنه عبارة عما يصير له الشيء أسود ومتحركا وساكنا. # وأما في عرف اللغة فهو الخبر عن كون الشيء واحدا، ويقال: إن من قال إن ~~الله تعالى واحدا، وقال لاإله إلا الله فقد وحد الله، وفي قولنا: فلان وحيد ~~زمانه ووحيد دهره أنه توحيد له لما أخبر عن كونه واحدا. PageV01P132 # وأما في الاصطلاح: فله حدان: # أحدهما: ما ذكره الشيخ (رحمه الله تعالى) وهو العلم بالله تعالى، وما يجب ~~له من الصفات، وما يستحيل عليه منها، ويدخل في ذلك العلم بنفي القديم. # الثاني: قلنا العلم بالله تعالى يعني ذاته، وما يجب له من الصفات يعني ~~مسائل الإثبات، وما يستحيل عليه منها يعني أضداد مسائل الإثبات، وكالفخر، ~~والجهل، والموت، ومسائل النفي، وقوله: ويدخل في العلم ينفى القديم الثاني ~~راجع إلى أول الحقيقة، ومعناه ويدخل في التوحيد العلم بنفي القديم، ~~والثاني: فإن قيل إلى التوحيد في الحقيقة هو نفي الثاني عن الله تعالى، ولم ~~يطلق على مسائل الباب من إثبات الصانع وصفاته وما يستحيل عليه أنها من ~~التوحيد إلا على سبيل ms114 التبع لنفي الثاني، فكيف يصح أن تعتذر الحقيقة ~~بإثباته وصفاته، وبجعل المقصود من الحقيقة داخلا في ذلك وتابعا له، فقال ~~ويدخل في ذلك وتابعا له، فقال: ويدخل في ذلك العلم بنفي القديم الثاني. # قلنا: إنما فعلنا ذلك لأن العلم نفي القديم الثاني، وإن كان هو الأصل في ~~التسمية والحقيقة فيها [70أ]، ولكنه لا يمكن أن يعلمه ولا أن يتكلم فيه إلا ~~بعد إثبات ذاته تعالى، وإثبات صفاته، ونفي ما يستحيل عليه ثم يتكلم بعد ذلك ~~بأنه لا تأتي له مشاركة فيما ذكرنا من الصفات فلما كان متأخرا في العلم ~~أخرناه في الحقيقة، فإن قيل: إن قوله وما يستحيل عليه منها يعني من قوله ~~ويدخل في ذلك العلم بنفي القديم الثاني؛ لأنه مما يستحيل عليه، فالجواب عنه ~~أن يقال: إن الضمير في قوله وما يستحيل عليه منها راجع إلى الصفات ونفي ~~الثاني نفي الذات، وليس بنفي صفة وبحقيقة أن نفي الثاني عن الله تعالى من ~~صفاته بالمعنى الأعم، كما في نفي الحاجة والرؤية، وكذلك إثبات الحاجة ~~والرؤية من جملة الصفات بالمعنى الأعم. PageV01P133 # وأما الثاني فينفيه وإن كان صفه فإثبات ذات وليس بإثبات صفة، فنفي الثاني ~~من الصفات الواجبة لله تعالى، وثبوته ليس من الصفات المستحيلة عليه بل هي ~~من الذوات المستحيلة فلذلك لم يدخل فيما يستحيل من الصفات، ووجب إفراده ~~بالذكر. # وأما الحقيقة الثانية: فهو العلم بالله بأن الله تعالى واحد لا ثاني له ~~يشاركه فيما يجب له من الصفات، وما يستحيل عليه منها نفيا وإثباتا على الحد ~~الذي يستحقه. # قلنا: العلم بأن الله تعالى واحد وهذا هو التوحيد في الحقيقة وهو الذي ~~لأجله سمي باب التوحيد، ومسائل التوحيد فنبدأ به في الحقيقة وإن كان متأخرا ~~في العلم، وقلنا لا ثاني معه يشاركه فيما يجب له من الصفات -يعني مسائل ~~الإثبات- وما يستحيل عليه منها-يعني مسائل النفي- واضداد مسائل الإثبات، ~~وقوله: نفيا واثباتا قد دخل فيما يجب له وما يستحيل عليه، لا أنه أراد ~~النفي ما يستحيل عليه، وبالإثبات ما يجب له إلا ms115 أنه ذكره لزيادة البيان ~~والإيضاح، ولو حذف من الحقيقة لجاز، وقلنا على الوجه الثاني يستحقه احتراز ~~من أخذنا فإنا وإن شاركناه في بعض هذه الصفات لكن هي جائزة لنا واجبة له، ~~فلم يشاركه على الحد الذي يستحقها، وهذه الحقيقة مخالفة [70ب] للحقيقة ~~الأولى من طريق المعنى؛ لأنه في الحقيقة الأولى لم يجعل العلم بذاته تعالى ~~وصفاته الواجبة والمستحيلة عليه مما يدخل في حقيقة التوحيد، بل جعله الأصل ~~فيها، وعلى الحقيقة الثانية ليس مما تتناوله حقيقة التوحيد، ومعناه إلا على ~~سبيل التبع من حيث أنه لا يمكن أنه لا يعلم أنه لا ثاني له فيما تجب له من ~~الصفات، وما يستحيل عليه منها بذاته وصفاته الواجبة له المستحيلة عليه ~~فدخلت من هذا الوجه؛ لأنها من جملة معناه، والحقيقة الأولى أشبه بالاصطلاح؛ ~~لأن هذه العلوم جميعها قد صارت عند المتكلمين هي علوم التوحيد على سواء، ~~والباب كله باب التوحيد. PageV01P134 # والحقيقة الثانية أشبه باللغة والعرف، وأقرب إلى ذلك، ومن جملته ما يعترض ~~على حقيقة الشيخ أن يقال إن من جملة صفاته تعالى كونه مريدا وكارها، وليسا ~~مما تجب ولا تستحيل، بل هما جائزان، وربما لجأت عن ذلك بأن يقال: إنهما ~~باينان لمعنى من فعله، فهما من باب العدل وليس بالمخلص؛ لأن ثبوت المعنى ~~وإن كان من باب العدل فاستحقاق الصفة من باب التوحيد، ولذلك ذكرهما بعض ~~العلماء في الموضوعين جميعا. # وأما الموضع الثاني: وهو في أعداد مسائله وتعيناتها وقسمتها، فاعلم أن ~~جملة مسائل التوحيد على ما ذكره الشيخ (رحمه الله تعالى) عشر مسائل، وإن ~~كان من جملة مسائله خمس عشرة مسألة العشر التي ذكرها وخمس أخرى وهي في ~~الكلام في صفته تعالى الأخص وفي كونه مريدا وكارها ومدركا وموجودا، فترك ~~الكلام في صفة الأخص؛ لأن العلم منها غير واجب على الأعيان، وفي إثباتها ~~خلاف بين المتكلمين فلم يلق ذكرها بهذا المختص. # وأما كونه مريدا وكارها فلهما تعلق بباب التوحيد؛ لأنهما من جملة صفاته ~~تعالى، ولهما تعلق بالعدل؛ لأنه مريد وكاره إرادة وكراهة، وهما ms116 معنيان من ~~فعله؛ ولأن من الكلام فيهما ما يريده وما لا يريده وذلك من العدل، فلأجل ~~ذلك اختلف العلماء في استحسان موضع الكلام فيهما [71أ] فذكرهما بعضهم في ~~التوحيد وذكرهما بعضهم في العدل، والذي يليق بالعدل منهما هو الكلام فيما ~~يريده تعالى، والذي يليق بالتوحيد الكلام في أيهما من صفاته وكيفية ~~استحقاقهما، واختار الشيخ تأخير الكلام فيهما جميعه إلى العدل. # وأما كونه مدركا فأدخلهما في مسألة سميع بصير، وأما كونه موجودا فأدخلهما ~~في مسألة قديم. PageV01P135 # وأما قسمة مسائله فهي تنقسم إلى قسمين: إثبات، ونفي، والإثبات إثبات ذات ~~وإثبات صفات، والنفي نفي ذات، ونفي صفات، فإثبات الذات المسألة الأولى، ~~وإثبات الصفات الكلام في كونه قادرا، وعالما، وحيا، موجودا، وسميعا، ~~وبصيرا، وقديما، ونفي الصفات الكلام في نفي أنه لا يشبه المحدثات، وفي أنه ~~غني، وأنه لا يرى، ونفي الذات المسألة العاشرة في أنه لا ثاني له. # وأما الموضع الثالث: وهو في ترتيب مسائله، فهي على ثلاثة أضرب، ترتيب ~~مسائل الإثبات بعضها على بعض، وترتيب مسائل الإثبات على مسائل النفي، ~~وترتيب مسائل النفي بعضها على بعض. # أما ترتيب مسائل الإثبات فيما يثبتها فلها ترتيبا ترتيب في الثوابت، ~~وترتيب في العلم. # أما ترتيب الثوابت فعنده أن يقول كل صفة كانت مقتضية لصفة أخرى أو مقتضية ~~لما يقتضيها، أو مصححة لها، أو شرطا فيها، ومقتضيها لشرطها، فإنها متقدمة ~~عليها في الثوابت فعلى هذا تكون في الصفة الأخص متقدمة على جميع صفاته؛ ~~لأنها مقتضية لكونه قادرا، وعالما، وحيا، وموجودا، وكونه موجودا ومقتضية ~~لما يقتضي كونه مدركا وهي أيضا مقتضية لكونه موجودا وكونه وجود شرط في ~~سائرها، ويتقدم في كونه موجودا على سائرها؛ لأنه لا يكون قادرا، ولا عالما، ~~ولا حيا، إلا وهو موجود، ويتقدم كونه حيا على كونه قادرا، وعالما؛ لأنه ~~مصحح لهما، ولا ترتيب بين كونه قادرا وعالما في الثوابت[71ب]. PageV01P136 # وأما كونه مدركا ومريدا وكارها فهي متأخرة عن سائر صفاته تعالى؛ لأنها ~~متحددة، وتلك حاصلة فيما لم يزل، وهذه الثلاث المحددة أيضا بترتبيب بعضها ~~على ms117 بعض، وكونه مريدا ومدركا متقدمان على كونه كارها؛ لأنه لا يكره إلا ~~القبائح من أفعال العباد، وذلك لا يكون إلا بعد وجودهم وترتبت الثبوت في ~~هذه الثلاث، وتقدم سائر صفات القديم عليها تقدم زماني وكذلك تقدم بعض ~~الثلاث على بعض، وأما الصفات الأولى فهي حاصلة في الأول على سواء، ولا .... ~~بعضها على بعض في الزمان، وإنما هو ترتيب في الدهر من حيث أن المقتضى ~~والشرط أصل في مقتضاه وشروطه، وله خط التقدم في الدهر، وإن قارن في الزمان ~~فهذا ترتيب الثبوت. # وأما ترتيب العلم فعقده أن يقول كل مسألة كانت دليلا على مسألة أخرى أو ~~دليلا على ما يزل عليها، فإنها متقدمة عليها في العلم هذا تقدم الكلام في ~~المسألة الأولى، وهو الكلام في إثبات الصانع؛ لأنا نعلم الصفات إلا بعد أن ~~نعلم الذات، وتقدم كونه قادرا على كونه عالما لوجهين: # أحدهما: يقتضي الحسنة. # والثاني: يقتضي الوجوب. # أما الذي يقتضي الحسن فهو: أن الذي دل على إثبات الصانع دل على كونه ~~قادرا من دون زيادة، وهو لا يدل على كونه عالما إلا بزيادة الأحكام، ومن ~~حسن الترتيب أن يتبع أحد المسلمين الآخر إذا كان جليلهما واحدا. # وأما الوجه الثاني: الذي يقتضي الوجوب فلأنا نستدل على كونه عالما ~~بقولنا: إنه صح منه العقل المحكم، ومن صح منه العقل المحكم فهو عالم؛ لأنا ~~وجدنا في الشاهد قادرين: # أحدهما: يصح من الفعل المحكم. PageV01P137 # والآخر: يتعذر عليه، ولافرق بينهما إلا من صح منه الفعل المحكم دون صاحبه، ~~ولا يجوز أن يصح لكونه قادرا؛ لأن الآخر قد شاركه في كونه قادرا، ولم يصح ~~منه فلا يحصل لنا العلم بكونه عالما إلا بعد العلم لكونه قادرا؛ لأن الآخر ~~قد شاركه في كونه قادرا أو لم يصح منه فلا يحصل لنا العلم بكونه عالما إلا ~~بعد العلم بكونه قادرا بصحة الفعل المطلق من دون أحكام واشتراكهما فيه، ~~وتقدم كونه مدركا لهما دليل على ما يدل [72أ] قادرا أو عالما على كونه حيا؛ ~~لأنهما دليلان عليه، ومن حق ms118 الدليل أن يتقدم المدلول في العلم وتقدمهما على ~~كونه مدركا؛ لأنهما دليل على ما يدل عليه وهو كونه حيا، فإن كونه حيا يدل ~~على كونه مدركا، ولذلك قدم كونه حيا فإن كونه حيا يدل على كونه مدركا، ~~ولذلك قدم كونه حيا على كونه مدركا، ولا ترتيب بين كونه مدركا ومريدا؛ لأن ~~إرادته قصد فهي مقارنة لوجود المراد في تلك الحال يدركه وإن كان لكونه ~~مريدا تقدم ذهني؛ لأنه كالحاث على الفعل ذكره صاحب (الإكليل). # وأما كونه موجودا فاختلفوا في تقديمهما في العلم، فمنهم من قال: يقدم على ~~جميع الصفات ويجعل بعد إثبات الصانع؛ لأنها متقدمة عليها في الثبوت، فإذا ~~أمكن أن يتقدم عليها في العلم كان أحسن وأولى ليطابق العلم والثبوت وقد ~~أمكن تقدمهما في العلم؛ لأن ما دل على إثبات الصانع دل على كونه موجودا؛ ~~لأنا نقول قد صح منه الفعل والفعل لا يصح إلا من وجود على ما سيأتي فقد صار ~~كونه موجودا في منزلة كونه قاردا وهي ماذكرنا من تقدمه عليها وعلى سائر ~~الصفات والثبوت؛ لأنها شرط فيها. # ومنهم من ذهب إلى تقديم كونه قادرا على كونه موجودا لوجهين: # أحدهما: أن صحة الفعل وإن دلت عليهما جميعا على سواء من غير حاجة إلى ~~زيادة، ولكن لكونه قادرا من .......... بالدليل الذي هو صحة الفعل ماليس ~~لكونه موجودا تلك العلة أنه مريد في صحة العقل دون كونه موجودا فكان أخص. PageV01P138 # الوجه الثاني: أن كونه قادرا وعالما مما يستدل بهما على كونه موجودا وإن صح ~~أن يستدل بغيرهما فلذلك قدمها الشيخ عليهما، ولما قدمهما عليهما أتبعهما ~~بكونه حيا لما بين كونه عالما وقادرا وحيا من علقة التصحيح، فإن كونه حيا ~~يصححهما، والتعليق بين كونه قادرا وعالما وبين كونه حيا أكبر وأظهر من ~~التعليق بينهما وبين كونه موجودا [72ب] وإن كانا دليلين على كونه موجودا أو ~~على كونه حيا، ثم أتبعا كونه مدركا ولم يفصل بينهما بطكونه موجودا؛ لأن ~~كونه حيا دليل على كونه مدركا، ومقتضية لها فلم يحسن الفرق بينهما ms119 بكونه ~~موجودا فذلك آخر كونه موجودا على جميعهما. # وأما ترتيب مسائل الإثبات على مسائل النفي فلوجهين: # أحدهما: أن الإثبات أقوى من النفي فتقدم عليه. # الثاني: أنها دليل عليها، ومن حق الدليل أن يتقدم على المدلول في العلم. # أما أنها دليل عليها فلأنا إذا أردنا أن نستدل على أنه لا يشبه المحدثات، ~~قلنا: إنه لو أشبهها لكان محدثا مثلها، وهو تعالى قديم، ومسألة قديم من ~~مسائل الإثبات. # وإذا أردنا أن نستدل على أنه تعالى غني، قلنا: إنه حي ليس بمحتاج، ومسألة ~~حي من مسائل الإثبات. # وإذا أردنا أن نستدل على أنه تعالى لا يرى بالأبصار، قلنا: إنه لو صح أن ~~يرى في حال من الأحوال لرأيناه الآن؛ لأن الحواس سليمة، والموانع مرتفعة، ~~وهو تعالى موجود، ومسألة موجود من مسائل الإثبات. # وإذا أردنا أن نستدل على أنه تعالى واحد لا ثاني معه، قلنا: إنه تعالى لو ~~كان محدثا لكان قد شاركه في القدم، والقدم صفة من صفات الذات، ومسألة قديم ~~من مسائل الإثبات، فإن قيل: إنه لا يصح الاستدلال بالسمع على نفي الروية ~~التي هي غير مكيفة، وعلى نفي الثاني ولا نحتاج إلى الاستدلال عليها بما ~~ذكرنا في مسائل الإثبات؛ لأن هاتين المسألتين يصح الاستدلال عليها بالسمع. PageV01P139 # قلنا: وإن كان كذلك لكنا لا نعلم صحة السمع إلا بعد العلم بمسائل الإثبات، ~~فقد عاد الأمر إلى ماذكرنا من تقديم مسائل الإثبات، وبيان ذلك لما لا نعلم ~~صحة السمع إلا بعد العلم أن الله تعالى عدل حكيم لا يفعل القبيح، ولا نعلم ~~أن الله عدل حكيم لا يفعل القبيح إلا بعد أن نعلم أنه عالم بقبحها، وغنى عن ~~فعلها، وقادر عليها، وعالم باستغنائه عنها، ومسألة قادر وعالم وحي من مسائل ~~الإثبات على أنه لو سلمنا أنه يصح أن يستدل على هاتين [73أ] المسألتين ~~بالسمع ولا يقف صحة على مسائل الإثبات فقد وجب تقديم بعض مسائل الإثبات على ~~سائر مسائل النفي دون هاتين المسألتين، وإذا وجب تقديم بعض مسائل الإثبات ~~على بعض مسائل النفي حسن ms120 تقديم بقية مسائل الإثبات على مسائل النفي ليتصل ~~بعض الإثبات بعض، وبعض النفي ببعض ولا يفرق بينهما، فصح أن مسائل الإثبات ~~أدلة على مسائل النفي، وأما أن من حق الدليل أن يتقدم في العلم فلأنا نتوصل ~~بالعلم بالدليل إلى العلم بالمدلول، وينظرونه إليه والطريق متقدمة على ~~المتطرق إليه، وقلنا: يتقدم في العلم لنحترز به من الثبوت؛ لأنه لا يجب ~~تقديم الدليل على المدلول في الثبوت يستدل على إثبات الصانع بفعله وهو محدث. # وأما الموضع الرابع وهو في الكلام على كل واحد منهما فقد بينا أنه يجب ~~البداية بإثبات الصانع والكلام منها يقع في أربعة مواضع: # أحدها: في حكاية المذهب وذكر الخلاف. # والثاني: في قسمة الأدلة جملة وحصرها، وبيان ما يصح أن يستدل به على الله ~~تعالى وما لا يصح. # والثالث: في تحرير الأدلة وتعييناتها. # والرابع: في بيان شبه المخالف وإبطالها. PageV01P140 # أما الموضع الأول: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف، فالذي يدل عليه جميع ~~من أثبت الثوابت وأقر بها من أهل القبلة وغيره من اليهود والنصارى أن ~~للعالم صانعا صنعه، وإليه ذهب بعض من أنكر الثبوت من الفرق الخارجة عن ~~الإسلام، وهم: البراهمة، وعباد الأصنام كما حكاه الله تعالى عنهم{ما نعبدهم ~~إلا ليقربونا إلى الله زلفى}، والخلاف في ذلك مع الدهرية، والفلاسفة ~~المتقدمين، والملحدة، والطبايعية، والفلاسفة الإسلاميين والباطنية [73ب] ~~وخلافهم على ضربين: منهم من خالف في اللفظ والمعنى، ومنهم من خالف في ~~المعنى دون اللفظ. # أما من خالف في اللفظ والمعنى فهم الدهرية، والملحدة، والطبايعية، ~~والفلاسفة المتقدمون فإنهم نفوا الصانع وقالوا العالم قديم وما به إلا فلك ~~دوار، وليل ونهار، وشموس وأقمار، وقد حكى الله تعالى مقالة الدهرية بقوله ~~تعالى: {وما يهلكنا إلا الدهر}. # وأما الذين خالفوا في المعنى دون اللفظ فهم الفلاسفة الإسلاميون، فإنهم ~~تظهر بالإسلام، وقالوا: العالم محدث وله محدث وصانع، ووصفوه بأنه قديم، ~~وقادر، وعالم، وحي، ثم خالفوا في معنى ذلك وإن أطلقوا العبارة وتأولوه على ~~ما يوافق مذاهب أسلافهم، ويقولون: إنه فاعل بالطبع والإيجاب، والوجود ~~بالطبع أكمل ms121 من الوجود بالإجتناب، فهو فاعل لذلك بطبعه، فيردون القول ~~بالصانع المختار إلى الموجب، وكذلك في سائر الصفات يخالفون في تحقيقها ~~وينفون معناها. # وأما الباطنية فإنهم يقولون بالسابق، والثاني، ويقولون إن العالم حدث من ~~السابق، والثاني، وهما الإلهان المحدثان للعالم القادران العالمان. # وأما الباري تعالى فهو العلة الأولى، وليس بمحدث للعالم، وقالوا: إنه لا ~~يوصف بقدم ولا بحدوث ولا بعدم، ولابوجود، وقالوا الولا الضرورة لما قلنا الله. # وأما الموضع الثاني: وهو في قسمة الأدلة وحصرها وما يصح أن يستدل به على ~~الله تعالى وما لا يصح. PageV01P141 # أما قسمتهم فهي تنقسم إلى قسمين: عقلي، وشرعي. # فالعقلي على ثلاثة أضرب: # أحدها: أن يكون الدليل تابعا لمدلوله.. # والثاني: أن يكون المدلول تابعا لدليله. # والثالث: أن لا يتبع واحد منهما صاحبه. # أما الضرب الأول: فهو الاستدلال [74أ] بالتابع على المتبوع فلذلك على ~~أربعة أضرب: # الأول: الاستدلال بالفعل على فاعله مثل الاستدلال بأفعال القديم تعالى عليه. # والثاني: الاستدلال بالمعلول على العلة كالاستدلال بالمعلول على العلة ~~كالاستدلال بكونه متحركا على الحركة. # والثالث: الاستدلال بالمسبب على سببه، كالاستدلال بوقوع التأليف والضرر ~~من أحدنا على وقوع سببهما؛ لأن أحدنا لا يقدر عليهما إلا على وجه التوليد، ~~وكذلك الألم منا يدل على وقوع التفريق. # والرابع: الاستدلال بالمقتضى على المقتضي نحو الاستدلال بكونه متحيرا على ~~كونه جوهر. # وأما الضرب الثاني وهو الاستدلال بالمتبوع على التابع فذلك على ثلاثة أضرب: # الأول: الاستدلال بالمقتضى على مقتضاه نحو استدلالنا بكونه حيا على كونه مدركا. # والثاني: الاستدلال بالعلة على معلولها إذا قدرنا أنه يسبق لنا العلم ~~بوجود العلة، نحو أن نعلم وجود حركه في الجسم ....... صادق فيستدل بها على ~~كونه متحركا؛ لأنه لا يجوز حصول العلة إلا ويوجب معلولها، ومن هذا الضرب ~~الاستدلال بحصول وجه القبح نحو كونه الفعل ظلما على قبحه. # والثالث: الاستدلال بحصول المسبب على الوجه الذي يوجب من حصول الشرط، ~~وزوال المانع على حصول مسببه إذا سبق لنا العلم بحصوله. # وأما الضرب الثالث: وهو أن لا يتبع واحد منهما صاحبه فنحو الاستدلال ms122 على ~~كونه كاتبا بكونه متحيزا، ونحو الاستدلال ببعض أحكام التحيز على بعض، وأن ~~بعضها لا يتبع بعضا، ولكن بينهما وجها من وجوه التلازم [74ب]. PageV01P142 # وأما الأدلة الشرعية فهو الكتاب والسنة المتواترة وإجماع العترة وإجماع ~~الأمة المنقولات بالتواتر، والقياس القطع، وهو ماعلم أصله، وفروعه، وعلته، ~~وحكمه، بدليل قاطع أو بضرورة. # وأما حصر الأدلة فهو أن يقول الدليل لا يخلوا إما أن يكون فيه تجرد العقل ~~أم لا، إن كفى فيه مجرد العقل فهو الدليل العقلي، وإن لم يكفي فهو الدليل ~~السمعي. # والدليل العقلي لا يخلو إما أن يكون تابعا لمدلوله أم لا، إن كان تابعا ~~له فهو الضرب الأول، وإن لم يكن تابعا له فلا يخلوا إما أن يكون متبوعا أم ~~لا، إن كان متبوعا فهو الضرب الثالث فالدليل السمعي لا يخلو إما أن يكون ~~خطابا أم لا، إن كان خطابا فلا يخلو إما أن يكون قديما أو محدثا، إن كان ~~قديما فهو خطابه تعالى وهو القرآن، وإن كان محدثا فهو خطاب الرسول (صلى ~~الله عليه وآله) وهو السنة الشريعة، وإن لم يكن خطابا واحدا فهو خطاب ~~الجماعة، وخطاب الجماعة لا يخلو إما أن يعتبر فيه كل الأمة أم لا، إن كان ~~فهو إجماع الأمة، وإن لم يعتبر ولكن اعتبر فيه منصب مخصوص فهو إجماع العترة ~~الطاهرة، وإن لم يكن خطابا فلا يخلو إما أن يكون مستنبطا أم لا، إن يكن ~~مستنبطا فهو فعل الرسول (صلى الله عليه وآله) وتقريره، وإن كان مستنبطا فلا ~~يخلو إما أن يستدل إلى أصل معين أم لا، إن استدل فهو القياس، وإن لم يستدل ~~فهو الاجتهاد، فهذا حصر الأدلة، وقد دخل فيه الدليل القطعي من الشرعيات ~~والظن من الاجتهاديات، والقياس قطعية وظنية. PageV01P143 # وأما ما يصح الاستدلال به عليه يقال وما لا يصح فاعلم أنه يصح الاستدلال ~~على الله تعالى بجميع أفعاله التي لا يصح وجودها من القادر بالقدرة عقد ما ~~يصح الاستدلال على الله تعالى أن يقول كل فعل يستحيل على القادر بالقدرة ~~وإيجاد مثله ms123 في جنسه أو نوعه أو وقوعه على دون وجه، فإنه يصح الاستدلال به ~~على الله تعالى، وما عدا ذلك [75أ] من أفعاله فإنه لا يصح الاستدلال به ~~عليه، وأما يستحيل في جنسه مثل الجواهر والألوان فهذا لا يصح من القادر ~~بالقدرة ايجاد مثله من جنسه، وأما نوعه فمثل القدرة فإنه لا يصح منه ~~إيجادها. # وأما وقوعه على وجه دون وجه فمثل إيجاد الكلام في العصا والشجر وحركة ~~المرتعش، والعقل والألم الزائد عند لسعة الزمبور والعقرب، فإنها وإن كانت ~~تدخل جنسها تحت مقدور العباد فإنها قد وقعت على وجه لا يقدر العباد على ~~اتخاذها عليه فصح الاستدلال بها عليه، وما خرج عن هذا العقد من أفعاله فإنه ~~لا يصح الاستدلال عليه، وكذلك لا يصح الاستدلال عليه سائر ضروب الأدلة ~~العقلية نحو الاستدلال بالمعلول على العلة، وبالمسبب على السبب، والمقتضى ~~على المقتضي؛ لأنه تعالى ليس بعلة، ولا سبب، ولا مقتضي. # وأما الأدلة السمعية فلا يصح الاستدلال على إثبات الله تعالى شيء منها ~~عند جمهور العلماء ومحصلتهم، وذهب بعض الحشوية وأهل الحديث على أنه لا يصح ~~الاستدلال عليه تعالى إلا بالسمع؛ لأن النظر عندهم بدعة تؤدي إلى الشك ~~والحيرة، والذي يدل على إبطال قولهم أن الاستدلال بالسمع على إثباته تعالى ~~يلزم الكذب، وهذا لما يصح بعد إثبات الصانع وعدله وحكمته، فإذا لم يثبت ~~الصانع إلا بالسمع وقف كل واحد منهما على صاحبه، فلا يصح السمع خبر يثبت ~~الصانع، ولا يصح الصانع حتى يصح السمع. PageV01P144 # وأما الموضع الثالث: فهو في تحرير الأدلة، فقد بينا أنه يصح الاستدلال على ~~الله تعالى بالأجسام، وبعض الأعراض، واستدل الشيخ (رحمه الله) بدلالة ~~الأجسام، وإذا أردنا أن نستدل بها على أن للعالم صانعا، قلنا الذي يدل على ~~ذلك وجود هذه الأجسام ووجه دلالتها على صانعها أنها محدثة، والمحدث لا بد ~~له من محدث، ومحدثها ليس إلا الله تعالى، وهذه الدلالة مبنبة على ثلاثة أصول: # أحدها: أن هذه الأجسام محدثة. # والثاني: أن المحدث لا بد له من محدث. # والثالث: أن ms124 محدثها ليس إلا الله تعالى. # أما الأصل الأول: وهو أن هذه الأجسام محدثة [75ب] فالكلام منها يقع في ~~ثلاثة مواضع: # أحدها: في حكاية المذهب وذكر الخلاف. # والثاني: في حقيقة الشيء وقسمته، وحقائق أقسامه، وحصرها. # والثالث: في الدليل على أن الأجسام محدثة. # أما الموضع الأول: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف، فاتفق جميع الناس ~~على أن هذه الحوادث اليومية محدثة نحو تراكب النبات والحيوانات وحركة ~~الأفلاك، ثم اختلفوا بعد ذلك فذهب أهل القبلة وجميع من أثبت الصانع من ~~الفرق الداخلة في الإسلام والخارجة عنه إلى أن الأجسام محدثة أصولها ~~وفروعها [76أ] ...... وتراكيبها، والأفلاك، وغيرها، والخلاف في ذلك مع ~~الملحدة، والدهرية، والفلاسفة المتقدمين، والفلاسفة الإسلاميين، والباطنية، ~~وخلافهم على ضربين: خلاف في اللفظ والمعنى، وخلاف في المعنى دون اللفظ. # وأما الخلاف في اللفظ والمعنى فهو خلاف الدهرية، والملحدة، والفلاسفة ~~القدماء، فإنهم ذهبوا إلى أن الأفلاك جميعها قديمة، وتراكيبها، وكذلك جميع ~~الساقط قديم، فاستوا فيه لفظ القدم ومعناه، ومنهم من ذهب إلى أن التراكيب ~~جميعها حادثة و...... قديمة. PageV01P145 # وأما الخلاف في المعنى دون اللفظ فهو مع الفلاسفة الإسلاميين، والباطنية، ~~فإنهم ذهبوا إلى أن العالم محدث جميعه من السائط والتراكيب والأفلاك، ~~وغيرها، فوافقونا في إطلاق لفظ الحدوث، وزعموا أنها حاصلة فيما لم يزل ~~العالم غيره لا من ذاته، فأستوا فيها معنى التقديم ومعنى المحدث عندهم ما ~~كان موجود من دأبه فالعالم محدث لمن وجوده عن العقول والأفلاك على ترتيب ~~لهم في ذلك. # وأما الموضع الثاني: وهو في حقيقة الشيء، وقسمته، وحقائق أقسامه وحصرها، ~~فاعلم أولا أن وجه الحاجة إلى تقديم هذا الموضع والكلام فيه أن الشيء ~~وأقسامه من قديم، ومحدث، وجسم، [76أ] وجوهر، وعرض، وغير ذلك، بغرض ذكرها في ~~الاستدلال على إثبات الصانع لحدوث الأجسام، وفي الاستدلال على حدوث ~~الأجسام، ونكثر ذكر ذلك وتكراره في هذا الموضع خاصة، وفي جملة الفن، ~~فاحتجنا إلى تقديم ذلك على الدلالة ويعود إلى إلحاق والقسمة. # أما حقيقة الشيء في أصل اللغة فهو ما يصح العلم به، والخبر عنه، سواء ms125 كان ~~موجودا، أو معدوما، قديما، أو محدثا، مستحيلا، أو بانيا. # وأما في الاصطلاح فحقيقته هو ما يصح العلم به على انفراده احتراز من ~~الصفات والأحكام فإنها لا تعلم على انفرادها وإنما يعلم الذات عليها. # وأما الذات فمعناها ومعنى الشيء في الاصطلاح واحد، وأما في أصل اللغة ~~فالذات لا تستعمل إلا مضافة، ويقال ذات مال وذات جمال. # وأما قسمته فالشيء ينقسم إلى قسمين: موجود، ومعدوم، والمعدوم ينقسم إلى ~~قسمين: أصلي، وفرعي. PageV01P146 # فحقيقة المعدوم هو المعلوم الذي ليس بموجود، وحقيقة المعدوم الأصلي هو ~~المقدوم الذي لم يتقدم عدمه وجود مثل ما لم يوجد من مقدورات القديم تعالى، ~~ومقدورات العباد، وحقيقة المعدوم الفرعي هو المعدوم الذي يقدم عدمه وجود ~~مثل ما إذا أفنا الله العالم فإنه يكون قد سبق عدمه وجوده، وحقيقة الموجود ~~هو المختص بصفة لكونه عليها تظهر عندها الصفات والأحكام المقتضاة عنه صفة ~~الذات التي ليست بوجود وهي تنقسم إلى قسمين: قديم، ومحدث، فحقيقة القديم في ~~أصل اللغة: هو ما تقادم وجوده، يقال بناء قديم، ورسم قديم، لما تقادمه ~~وجوده في الاصطلاح وهو الأول الذي لا أول وجوده، أو ما لم يتقدم وجود عدم، ~~أو الموجود في ما لم يزل، والمحدث هو ما يقدم وجوده عدم، أو هو ما لوجوده أول. # والمحدث ينقسم إلى قسمين: متحيز، وغير متحيز، فغير المتحيز هو الغرض، ~~وحقيقة ما يفرض في الوجود ويقل لبثه، ويدل عليه [76ب] قوله تعالى: {هذا ~~عارض ممطرنا} فسمى السحاب عارضا لما كان يقل لبثه، وقول النبي (صلى الله ~~عليه وآله): ((الدنيا عرض خاص)) فسمى الدنيا عرض وإن كانت أجساما لما قل لبثها. PageV01P147 # وحقيقته في الاصطلاح: هو الذي لا يشغل الحيز مع حدوثه، وإمكان حدوثه، على ~~بعض الوجوه، قلنا هو الذي لا يشغل الحيز جنس الحد ويدخل فيه القديم فإنه لا ~~يشغل الحيز، وقلنا: مع حدوثه يخرج منه القديم تعالى لأنه ليس بمحدث، قلنا: ~~أو إمكان حدوثه على بعض الوجوه لتدخل فيه الأغراض المعدومة التي قد استحال ~~وجودها هي مقدورات القدر التي ms126 حضر وقت وجودها أو معا، ولم توجد، وكذلك مالم ~~يبق من الأعراض سواء كان مقدورا القادر الذات أو بالقدرة فإنها تختص في ~~وجودها بوقت وإن لم توجد فيه استحال وجودها بعد ذلك، وكذلك مسبب السبب يختص ~~بوقت ويستحيل في غيره فهذه أغراض غير حادثة ولا يمكن حدوثها بعد مضي وقتها، ~~ولكنه قد كان يمكن على بعض الوجوه وهو أن يختار القادر إيجاده قبل مضي وقته ~~فلذلك قلنا على بعض الوجوه فلو لم يذكر ذلك لخرج من المحدوث ما هو منه، ~~ووجه الشبه في الغرض بين اللغة والاصطلاح أن ما سماه المتكلمون عرضا أقل ~~لبثا من الأجسام ولهذا تقدم العرض، ويستدل على الجسم والجسم بجماله، فلما ~~رأى المتكلمون ذلك سموه عرضا سببها بالمعنى اللغوي والمتحيز. # فحقيقته هو المختص بصفة لكونه عليها يتبع مثله من أن يكون بحثه وهو ينقسم ~~إلى أربعة أقسام: جسم، وخط، وسطح، وجوهر. # فحقيقة الجوهر في اللغة أصل الشيء ونتيجته، يقال: جوهر الثوب جيد أي أصله ~~الذي اتخذ منه ومنه قول الشاعر: # من الأولى ليس بمؤتلف PageV01P148 وإن شئت قلت هو المتحيز الذي لا يقبل التحيز ولا الإنقسام، فلما كانت هذه ~~الأخرى [77أ] التي هي الجواهر أو للجسم يتركب منها سماه المتكلمون جواهر ~~تشبيها بالجوهر في اللغة الذي هو أصل الشيء، وحقيقة الجسم هو الطويل ~~العريض، العميق، وإن شئت قلت: هو الجواهر المؤتلفه طولا، وعرضا، وعمقا؛ ~~لأنه لا يكون جسما إلا بمجموعها فإن حصل الطول فقط فهو الخط، وإن حصل الطول ~~والعرض فهو السطح أو الصفيحة، وإن اجتمعت فهو الجسم، وقد اقتضى هذا أن يذكر ~~حقيقة الطول، والعرض، والعمق، والطول، والعريض، والعميق، فحقيقة الطويل هما ~~الجوهران، أو الجواهر المؤتلفة في سمت الناظر، والطول هو ائتلاف الجوهرين ~~أو الجواهر، فسمت الناظر، والعريض هما الجوهران أو الجواهر المؤتلفة عن ~~يمين الناظر أو عن يساره مع الخط، والعميق هما الجوهران أو الجواهر ~~المؤتلفة من أعلى إلى أسفل مع الطول والعرض والعمق مع ائتلاف الجوهرين أو ~~الجواهر من أعلى إلى أسفل مع العمق ms127 والعرض وأقل ما يتركب الجسم من ثمانية ~~جواهر، ومنهم من قال أقل ما يتركب منه سته جواهر، وبه قال أبو الهذيل. # وقال أبو القاسم البلخي: أربعة، فيجعل جوهرين طولا، وجوهر إلى جنب أحدهما ~~عرضا، وجوهرا عمقا فوق واحد منهما عمقا، فقد حصل الطول والعرض والعمق، ولا ~~يشترط أن يكون من جميع جهاته. # وعن الأشعري: أقل ما يتركب منه جوهران، بناء على أصله أن الجسم هو ~~المؤتلف، وأقل ما يكون في الجسم من التأليف على قول الجمهور اثنا عشر ~~بالبقا في الصفحة السفلى أربعة أخرى، وفي الصفحة العليا منفردة أربعة، ~~ويتركب أحد الصفحتين إلى الأخرى أربعة. PageV01P149 # وأما حصرها: فنقول الشيء لا يخلو إما أن يكون باقيا على عدمه الأول أم لا، ~~إن كان فهو الأصل، وإن لم يكن فهو المعدوم، والمعدوم لا يخلو إما أن يكون ~~باقيا على عدمه الأول أم لا،[77ب] إن كان الفرعي، وإن ثبتت له صفة الوجود ~~فهو لا يخلو إما أن يكون لوجود أول أم لا، إن لم يكن فهو القديم وإن كان ~~فهو المحدث وهو لا يخلو إما أن يتحيز عند وجوده أم لا، إن لم يتحيز فهو ~~العرض وإن تحيز فلا يخلو إما أن يقبل التحيز والإنقسام أم لا، إن لم يقبل ~~فهو الجوهر الفرد، وإن قبل فلا يخلو إما أن يقبل في الجهات الثلاث أو لا، ~~إن قبله فيها فهو الجسم، وإن لم يقبله فيها فلا يخلو إما أن يقبله في جهتين ~~أم لا، إن قبله فيهما فهو السطح، وإن لم يقبله إلا في جهة واحدة فهو الخط. # وأما الموضع الثالث: وهو في الدليل على حدوث الأجسام فعلى ذلك أدلة كثيرة ~~إلا أنا نذكر منها دليلين: # أحدهما: ماذكره الشيخ (رحمه الله) وسيأتي بيانه. # والثاني: أن نقول إن الأجسام لو لم تكن محدثة لكانت قديمة، ولا يجوز أن ~~تكون قديمة وهذه الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنها لو لم تكن محدثة لكانت قديمة. # والثاني: أنه لا يجوز أن تكون قديمة. # أما الأصل الأول: وهو أنها ms128 لو لم تكن محدثة لكانت قديمة، فالذي يدل على ~~ذلك أنها قسمة دائرة بين النفي والإثبات، وبيان ذلك أنك تقول الموجود لا ~~يخلو إما أن يكون لوجوده أول أم لا، إن لم يكن لوجوده أول فهو القديم، وإن ~~لم يكن لوجوده أول فهو المحدث. # وأما الأصل الثاني: وهو أنه لا يجوز أن تكون قديمة، فإنها لو كانت قديمة ~~لكانت كائنة فيما لم يزل، ولا يجوز أن تكون كائنة فيما لم يزل، والدلالة ~~[78أ] مبنية على أصلين: # أحدهما: أنها لو كانت قديمة لكانت كائنة فيما لم يزل. PageV01P150 # أما الأصل الأول: وهو أنها لو كانت قديمة لكانت كائنة فيما لم يزل، فلأن ~~القديم هو الموجود فيما لم يزل، والجوهر لا يوجد إلا وهي متحيزة، ولا يكون ~~متحيزة إلا وهي كائنة على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى في الدعوة ~~الثالثة. # وأما الأصل الثاني: وهو أنها لا تجوز إن تكن كائنة فيما لم يزل فلأنها ~~كانت لا تخلو إما أن تكون كائنة لذاتها أو بفاعل أو لعلة، ولا يجوز أن تكون ~~كائنة لذاته لمجالات ثلاثة: # أحدها: أنه كان يلزم أن تكون الأجسام في جهة واحدة؛ لأن ذواتها متماثلة، ~~والإختصاص لبعض الأجسام ببعض الجهات دون بعض، بل هي معها على سواء. # الثاني: أنه كان يلزم أن يكون الجسم في جميع الجهات على سواء، ولا إختصاص ~~له ببعضها دون بعض. PageV01P151 # الثالث: أنه كان يلزم أن لا يخرج الجسم عن الجهة التي هو كائن فيها؛ لأنها ~~صفة ذاتية، وخروج الموصوف عن صفة ذاتية لا يجوز، وكان يلزم أن لا تجوز خروج ~~الجسم عن الجهة التي هو فيها، وإن سلمنا جواز خروجه عنها بقهر قاهر أن يعود ~~إليها عند بطلان القهر، والمعلوم خلاف ذلك، ولا يجوز أن تكون كائنة فيما لم ~~يزل لعلة؛ لأنه لا يخلو إما أن تكون الأجسام كلها كائنة في الجهات لعلة ~~واحدة، أو تكون لكل واحدة منها علة، فإن كانت العلة لزم أن تكون الأجسام في ~~جهة واحدة؛ لأنه ليس بأن يوجب ms129 لهذا الجسم كونه في هذه الجهة أولى من أن ~~يوجب لسائر الأجسام [78ب] كونها فيها؛ لأن هذه العلة مع الأجسام على سواء، ~~وإن كانت العلل كبيرة لم يصح أيضا؛ لأنه لا اختصاص لبعض العلل ببعض الأجسام ~~دون بعض، فلم تكن العلة المختصة بهذه الجهة بأن يختص بهذا الجسم أولى من ~~غيره من الأجسام، فالكلام في اختصاص بعض العلل ببعض الأجسام كالكلام في ~~اختصاص بعض الأجسام ببعض الجهات دون بعض، فلم يكن بد من فعل تخصص بعض ~~الأجسام ببعض الجهات، والبعض بالبعض الآخر بواسطة إيجاد الأكوان عند من ~~يثبت الأكوان، أو بغير واسطة كما يقول من ينفي الأكوان ويثبت كونه كائنا ~~بالفاعل وفي ذلك بطلان كونها كائنة، أو بغير واسطة كما يقول من ينفي ~~الأكوان فيما لم يزل، وإذا بطل كونها كائنة فيما لم تزل بطل فهدمها. # الدليل الثاني: وهو ماذكره الشيخ (رحمه الله) وهو الدليل المشهور، وقيل: ~~إن أول من استدل به أبو الهذيل (رحمه الله) وهو أن يقول إن هذه الأجسام لم ~~تخل من هذه الأعراض المحدثة ولم يتقدمها، وما لم يخل من هذه الأحداث ولم ~~يتقدمه فهو محدث مثله، ولك في هذا الدليل تحريران: PageV01P152 # أحدهما: يعتمده من سلك طريقة المنطقيين، فإنهم بنوه على مقدمتين، ويحصل ~~منهما نتيجة، فقالوا: الذي يدل على ذلك أن هذه الأجسام لم تخل من الأعراض ~~المحدثة المحصورة من قبل أولها، وما لم يخل من الأعراض المحدثة المحصورة من ~~قبل أولها فهو محدث مثله، وهذه الأدلة مبنية على مقدمتين: # أحدهما: أن هذه الأجسام لم تخل من الأعراض المحدثة المحصورة من قبل أولها. # والثانية أن ما لم يخل عن المحدث المحصول من قبل أوله فهو محدث مثله. # أما المقدمة الأولى فبنوها على أربع دعاوي[79أ]: # أحدها: أن في هذه الأجسام أعراضا هي غيرها. # والثانية: أنها محدثة. # والثالثة: أنها محصورة من قبل أولها. # والرابعة: أن الجسم لم يخل منها. # والمقدمة الثانية: هي أن ما لم تخل من المحدث المحصور من قبل أوله فهو ~~محدث مثله، وهذه المحدثة ولم ms130 يتقدمها، ومالم يخل من الحدوث ولم يتقدمه فهو ~~محدث مثله، وهذه الدلالة مبنية على أربع دعاوي، والكلام منها يقع في أربعة مواضع: # أحدها: في حقيقة الدعوى وأركانها. # والثاني: في إعداد دعاوي هذه الدلالة وتعييناتها. # والثالث: في ترتيبها، والكلام على كل واحد منها. # أما الموضع الأول: وهو في حقيقة الدعوى وأركانها، فحقيقة الدعوى: هو ~~الخبر الذي لا يعلم صحته ولا فسادها إلا بدليل مع خصم منازع. PageV01P153 # قلنا: الخبر جنس الحد يدخل فيه كل خبر من دعوى ومذهب، وغيرهما، وقلنا: لا ~~يعلم صحته ولا فساه إلا بدليل احتراز مما يعلم صحته أو فساده بالضرورة نحو ~~أن يقول السماء فوقه والأرض تحته، أو عكس ذلك، فإن قوله لا يسما دعوى لما ~~علم صحته أو فساده بالضرورة، وقلنا: مع خصم منازع احتراز من المذهب، فإنه ~~لا يعلم صحته ولا فساده إلا بدليل، وإن لم يكن ثم خصم منازع فكل دعوى مذهب؛ ~~لأن من ادعى شيئا فقد ذهب إليه، وليس كل مذهب دعوى؛ لأنه قد يذهب إلى مسألة ~~وليس فيها منازع، فلا تسما دعوى؛ لأن المذهب ليس من حقه أن يتعدى إلى الغير ~~من حيث كان مذهبا، والدعوى مما يتعدى إلى الغير. # وأما إن كان [79ب] الدعوى فهي أربعة: دعوى، ومدعى عليه، ومدعي، ومدعا فيه. # وأما الموضع الثاني: وهو في تعدادها فهي أربعة. # وأما تعييناتها: # فالأول: أن في هذه الأجسام أعراضا هي غيرها. # والثاني: أنها محدثة. # والثالث: أن الجسم لم يخل منها ولم يتقدمها. # والرابعة: أنها لم تخل من المحدث ولم تتقدم، فهو محدث مثله. PageV01P154 # وأما حصرها فهي أربع من غير زيادة ولا نقصان، والوجه فيه أن الدليل قد كمل ~~بهذه الأربع، فلو زيد فيها لكان عبثا؛ لأنه فلا حاجة إلا الزيادة بعد حصول ~~المقصود، ولم يقض منها لبطل الدليل ألا ترى أنا لو لم نبين الدعوى الأولى ~~في إثبات الأعراض لطلب الدعاوي الثلاث؛ لأنها متفرعة عليها، ولو لم يبين أن ~~هذه الأعراض محدثة لم يكن من اقتراب الجسم بها، وإن لم يخل منها دلالة ms131 على ~~حدوثها وكذلك فافصح أن هذه الأعراض لو لم تكن محدثة لم تكن في اقتراب الجسم ~~وإن لم يخل منها دلالة على حدوثها، وكذلك فلو ثبت حدوثها وجاز خلوه منها ~~لما دل حدوثها على حدوثه، وكذلك فلو لم يبين أن ما لم يخل من المحدث فهو ~~محدث فجاز في القديم إلا بتقدم المحدث لما ثبت حدوث الجسم فثبت أنها محصورة ~~فيها، فإن قيل: هلا جعلتم الدعاوي جسما؟ ويكون من جملتها أنها محصورة من ~~قبل أولها كما جعلها المنطقيون من جملة الدعاوي، فإنكم مالم تثبتوا إذا لك ~~لم يثبت لكم حدوث الجسم، لجواز أن لا يخلو من حادث مثله حادث إلى ما لا أول له. # قلنا: الدلالة قد استقلت أركانها وتمت ما ذكرنا من الأربع، وكونها محصورة ~~من قبل أولها، ليس من أركان الدلالة، ولكنه سؤال يرد على الدعوى الرابعة، ~~ويجاب عنه، ولا بد من الجواب عنه كما في سائر الشبه والأسؤله الواردة على ~~الدليل. # وأما الموضع الثالث: وهو في ترتيبها فلها ترتيبان: ترتيب في الحسن، ~~وترتيب في الوجوب. # أما ترتيبها في الوجوب فهو أنه يجب تقديم الأولى وتأخير الرابعة، أما ~~الاولى فإنها كلام [80أ] في إثبات الأعراض. # والثاني: كلام في صفاتها، ولم يمكن أن نتكلم في صفات الشيء إلا بعد أن ~~نتكلم في إثبات ذاته. PageV01P155 # وأما الرابعة: فوجه تأخيرها لأنها متفرعة على الثلاث، وهي لها أصل، وأصل ~~الشيء يجب أن يكون متقدما على فرعه، فوجب تقديمها بحقيقة أن الرابعة هي أن ~~الجسم لم يخل من المحدث ولم يتقدمه فهو محدث مثله، وهذا لا يصح الكلام فيه ~~إلا بعد أن يتبين إثبات الأعراض وحدوثها؛ وأن الجسم لم يخل منها ولم ~~يتقدمها، ثم تبين بعد ذلك أن ما كان كذلك فهو محدث. # وأما ترتيب الحسن فتبين الثانية، والثالثة: فيحسن أن تقدم الثانية على ~~الثالثة؛ لأن الثانية كلام في صفة الأعراض الخاصة، والثالثة في حكمها مع ~~الجسم، ومن حق حسن الترتيب أن يتبع إثبات الشيء وصفه الخاص له، ثم يبني ~~بوصفه مع غيره. ms132 # وذكر الشيخ (رحمه الله) أنه يجب تقديم الثانية على الثالثة، قال: لأن ~~الثالثة كلام في أن الجسم لم يخل من الأعراض المحدثة ولم يتقدمها، ومالم ~~يبين أو لا إثبات المعاني وحدوثها لم يصح أن نقول إن الجسم لم يخل من ~~الأعراض المحدثة، وما ذكره لا يصح؛ لأنه لاحاجة لنا في صحة الدلالة إلا أن ~~نقول إنه لم يخل الأعراض المحدثة، ويكفي أن نقول إنه لم يخل من الأعراض، ~~وتجعل هذه الدعوى الثانية، ثم نقول: وهذه الأعراض محدثة ويجعل الدعوى ~~الثالثة، وتستقيم الدلالة، ولو كان من شرط صحة الدلالة أن يقول إنه لم يخل ~~من الأعراض المحدثة لصح ما ذكره من تقديم الثانية على الوجوب. # وأما الموضع الرابع: وهو الكلام على كل واحد منهما فقد بينا أنه تجب ~~البداية منها بالدعوى الأولى، والكلام منها يقع في ثلاثة مواضع: # أحدها: في حقيقة الكون وقسمة الأكوان، وحقائق أقسامها، وأمثلتها. # والثاني: في حكاية المذهب وذكر الخلاف. # والثالث: في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ماذهب إليه المخالف. # أما الموضع الأول:[80ب] وهو في حقيقة الكون، وقسمة الأكوان، وحقائق ~~أقسامها، وأمثلتها، فحقيقة الكون وقسمة الأكوان وحقائق أقسامها وأمثلتها ~~فحقيقة الكون هو المعنى الموجب كون المتحيز كائنا في جهة من الجهات. PageV01P156 # وأما قسمة الأكوان فهي تنقسم إلى خمسة أقسام: وهي الحركة، والسكون، ~~والاجتماع، والإفتراق، والكون المطلق. # وأما حقائق أقسامها فينبغي أن نبين حقيقة الحركة، والمتحرك، وكونه ~~متحركا، والسكون والساكن وكونه ساكنا، وكذلك سائرها فالحركة هي المعنى ~~الموجب لصفة المتحيز وكونه متحركا هي الصفة الموجبة عنها، والمتحرك هو ~~المتحيز، وهكذا في جميعها فحقيقة الحركة هو الكون الموجب كون المتحيز في ~~جهة عقيب كونه في جهة أخرى بلا فصل عند ابتداء وجوده، فقوله هو المعنى جنس ~~الحد تدخل فيه سائر الأكوان. # وقوله: الموجب تخرج عنه ما ليس بموجب من المعاني نحو المدركات. # وقوله: كون المتحيز في جهة يخرج عنه سائر المعاني الموجبة سوى الأكوان. # وقوله: عقيب كونه في جهة أخرى خاصة الحركة، وقوله عند ابتداء وجوده ~~احتراز من ms133 الحركة التي تنقلب سكونا عندهم وصورتها أنك إذا انقلب الجسم ~~بالحركة فإن عندهم أنه يصير ساكنا في الوقت الثاني بتمامه انتقل. # وقوله: بلا فصل احتراز من أن يوجد الجسم في جهة، ثم يقدم ثم يوجد في جهة ~~أخرى، فإن هذا لا يسما حركة، وإن كان قد وجد في جهة بعد كونها في جهة أخرى ~~لما يخلل العدم بينهما، والمتحرك هو المتحيز الكائن في جهة عقيب كونه في ~~جهة أخرى بلا فصل، وكونه متحركا هو كون المتحيز في جهة أخرى بلا فصل، ~~والسكون ينقسم إلى: حادث ونافي. # فالنافي هو الكون الموجب ليس المتحيز في جهة وقتين فصاعدا بلا فصل. # قوله: هو الكون جنس الحد يدخل فيه جميع سائر الأكوان، وقوله: ليس المتحيز ~~فصلا له عن سائر الأكوان. # وقوله: وقتين لأن أقل ما يسكن به الجسم وقتين، وقوله بلا فصل احتراز من ~~أن يقدم الله تعالى المتحيز عن الجهة بعد وجوده فيها، ثم نعيده في تلك ~~الجهة فلهذا لا يسما سكونا، وإن كان قد لبث وقتين في الجهة لما تحلل العدم ~~بين الوقتين ولم يتصل آخر وقتي اللبث بالآخر، وحقيقة الساكن هو المتحيز ~~اللابث في الجهة وقتين وصاعدا بلا فصل. PageV01P157 # وحقيقة كونه ساكنا هو لبث المتحيز في جهة وقتين فصاعدا بلا فصل، وحقيقة ~~السكون الحادث هو الكون الموجود عقيب مثله في محل واحد، نحو تسكين الساكن ~~فإن هذا يسما سكونا في حال حدوثه، وإن لم يلبث به وقتين لما وجد في المتحيز ~~الساكن الذي قد لبث في الجهة وقتين فصاعدا، وحقيقة الاجتماع هو الكونان ~~الموجبان كونه المتحيز في جهتين على سبيل الضرب، والمجتمع هما الجوهران ~~الكائنان في جهتين على سبيل القرب، وكونه مجتمعا هو كون المتحيزين في جهتين ~~على سبيل القرب. # وحقيقة الإفتراق هما الكونان الموجبان كوني المتحيزين في جهتين على سبيل البعد. # والمغير وهما المتحيزان الكائنان في جهتين على سبيل البعد، وكونه مفترقا، ~~هو كونا المتحيزين في جهتين على سبيل البعد. # وحقيقة الكون المطلق: هو الكون الموجب كونه الجوهر الفرد في ms134 جهة عند ~~ابتداء حدوثه؛ لأنه لم يعقل فيه ذلك الوقت عند أن يوجبه الله تعالى لاحركة ~~ولا سكون ولا اجتماع ولا افتراق؛ لأن الاجتماع لا يكون إلا من اثنين وكذا ~~الإفتراق. # والكون المطلق: لا يحصل في الوجود إلا إذا أوجد الله جوهرا واحدا فقط، ~~ولم يوجد سواه على قرب منه ولا على بعد؛ لأنه لو كان في الوجود غيره مجاور ~~له لكان افتراقا، وكذلك لا يكون الكون المطلق إلا في حال حدوث الجوهر وفي ~~الوقت الثاني، إن استمر في تلك الجهة كان سكونا، وإن انتقل فهو ينتقل ~~بحركة، ومعنى قولنا: إن هذا الكون مطلق أنه لا يقيد بأمر زايد على مطلق ~~الكونية، ولا وصف له زائد على ذلك، بخلاف الأربعة الباقية فإن لكل واحد ~~منها قيدا زائدا على الكونية من حركة أو سكون أو اجتماع أو افتراق فكل واحد ~~منها كون على وجه مخصوص، والكون الحاصل في حال حدوث الجوهر لا يمكن أن يكون ~~[81ب] حركة ولا سكونا ولا يقيد بهذا القيد في حال الحدوث. PageV01P158 # وأما الاجتماع والإفتراق فإن الكون في حال حدوثه يحصل عليهما ويتقيد بهما، ~~ويخرج عن كونه مطلقا إذا كان المحدث أكثر من جوهر واحد. # وأما الموضع الثاني: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف، فاعلم أن العلماء ~~اختلفوا في ذلك، فاتفق الجمهور من الزيدية والمعتزلة والمرجئة والمجبرة أن ~~في هذه الأجسام أمورا زائد عليها، والخلاف في ذلك مع طائفة من الفلاسفة، ~~وهشام من الحكم من المجسمة، وحفص القرد من المجبرة، والأصم من النواصب ~~فإنهم ذهبوا إلى نفي الأكوان والصفات الموجبة عنها ولم يثبتوا إلا المتحيز، ~~ثم اختلفوا من أثبت في الكائن أمرا زائدا على المتحيز فذهب الجمهور من ~~الزيدية والمعتزلة إلى إثبات الأكوان التي هي الحركة والسكون، والاجتماع ~~والإفتراق، وإثبات الصفات الموجبة عنها، من كونه متحركا وساكنا، ومجتمعا ~~ومفترقا، وذهب أبو الحسين البصري، ومحمود الملاحمي، ومن قال بقولهما إلى أن ~~هذا الأمر الزائد وهو كما بينه صفة ثابته للمتحيز، وهذه الصفة بالفاعل، وهو ~~المعاني التي هي الأكوان. ms135 # وأما الموضع الثالث: وهو الدليل على صحة ماذهبنا إليه وفساد ماذهب إليه ~~المخالف، فينبغي أولا أن يدل على صحة ما ذهب إليه الجمهور من إثبات أمور ~~زائدة على ذات المتحيز، ثم نذكر بعد ذلك ما استدل به من أثبت الأكوان ~~والصفات الموجبة عنها. # وما انطلق به قول أبي الحسين منه أن الكائنة بالفاعل، أما ما يدل على صحة ~~ما ذهب إليه الجمهور من الأمر الزائد فذلك وجوه خمسة: # أحدها: أن يقول لهم إن الذوات وهي الأجسام وجميع المتحيزات قد اتفقت في ~~الجوهرية والمتحيز والوجود، ثم اختلفت فكان بعضها ساكنا، وبعضها متحركا، ~~وبعضها مجتمعا، وبعضها مفترقا، فيجب فيما افترقت فيه من الحركة والسكون، ~~والاجتماع والإفتراق [82أ] أن يكون أمرا زائدا على ماا تفقت فيه من ذواتها ~~وتحيزها وجوهريتها ووجودها، وإلا كانت متفقة مفترقة في أمر واحد وذلك محال. PageV01P159 # الوجه الثاني: أن الأجسام في ذواتها وجوهريتها وتحيزها وجودها والأكوان ~~متضادة بحسب اختلاف الجهات، ولهذا يستحيل أن يكون من جهتين في حالة واحدة، ~~فيجب فيما يضاد من الأكوان أن يكون أمرا زائدا على المتماثل من المتحيزات ~~وصفاتها التي ذكرنا، وإلا كانت متماثلة متضادة في حالة واحدة، وذلك محال ~~بالضرورة. # الوجه الثالث: أنا قد علمنا أن الأكوان تتبدل على المتحيز وتتغير عليه ~~فيخرج من حركة إلى سكون، ومن اجتماع إلى افتراق، ومن كونه في جهة إلى كونه ~~في غيرها، والمتحيز بحاله في ذاته وتخيره ووجوده فيجب فيما تجدد وتغير أن ~~يكون أمرا زائدا على ما استمر، وإلا كان الشيء الواحد متحدد غير متحدد، ~~مستمرا غير مستمر في حالة واحدة وذلك محال. # الوجه الرابع: ماذكره الشيخ (رحمه الله) من أن الواحد منا إذا حرك الجسم ~~الساكن أو سكن الجسم المتحرك فنحن نعلم أنه قد حصل أمر لم يكن؛ لأن الجسم ~~قد تغير عن حالة الأول، ولا يجوز أن يكون هذا الحاصل هو الجسم لوجهين: # أحدهما: أن الواحد منا ليس بقادر على إحداث الأجسام فتكون هي الذي حصل بفعله. # والثاني: أن الجسم كان موجودا قبل تحريك ms136 الواحد منا له أو تسكينه واتخاذ ~~الموجود محال، فثبت أن الحاصل الذي وجد من جهة الواحد منا هو شيء غير ~~الجسم، وهو الذي يروم إثباته من الأعراض وتسميته حركة أو سكونا، ويكفي في ~~تقدير هذا. # الوجه الرابع: أن نقول أنا قد علمنا أن الذي فعلناه ووقف على اختيارنا ~~أمرا زائدا على ذات االمتحيز، وأن ذات المتحيزة غير مقدورة لنا للوجهين ~~الذين ذكرناهما، فيجب فيما قدرنا عليه أن يكون أمرا زائدا على ما لم نقدر ~~عليه وإلا كان مقدورا لنا غير مقدور. PageV01P160 # الوجه الخامس: ماناظر به أبو الهذيل [82ب] بعض نفاة الأعراض فقال له: كم حد ~~الزاني؟ قال: مائة جلدة. فقال: كم حد القاذف؟ فقال: ثمانين جلدة، فقال: كم ~~الذي يليهما؟ فقال: عشرون، فقال: فهذه العشرون الجالد أو المجلود أو السوط؟ ~~فقال: لا الجالد ولا المجلود، ولا السوط، فقال: ماهي؟ قال: لا شيء. قال: ~~كأنك قلت لا شيء زائدا على ثمانين لا شيء بعشرين لا شيء فثبت بهذه الوجوه ~~أن هذه أمور زائدة وبطل قول المخالف. # وأما الذي يدل على بطلان ما ذهب إليه أبو الحسين، وابن الملاحمي من نفي ~~الكون وإثبات كونه كائنا لفاعل فوجوده نذكر منها ثلاثة: # الأول: أن الواحد منا لو كان قادرا على تحريك الجسم أو تسكينه من دون ~~اتخاذ معنى لوجب أن يكون قادرا على اتخاذ ذات الجسم، وإنما قلنا: إن الواحد ~~منا لو كان قادرا على تحريك الجسم أو تسكينه من دون اتخاذ معنى لوجب أن ~~يكون قادرا على اتخاذ ذاته، فالذي يدل عليه أن القادر لا يقدر أن يجعل ~~الذات على صفة من دون اتخاذ معنى فيها تؤثر في تلك الصفة، إلا أن يكون ~~قادرا على اتخاذ تلك الذات، دليله كلام الواحد منا فإنه لما كان قادرا على ~~اتخاذ ذاته قدر على أن يجعله على أي صفة أراد من كونه أمرا أو نهيا أو ~~خبرا، وعكسه كلام الغير فإنه لما لم يقدر على اتخاذ ذاته لم يقدر على أن ~~يجعله صفة. PageV01P161 # الوجه الثاني: أن ms137 كونه كائنا لو كان بالفاعل وقدر الواحد منا على أن يجعله ~~صفة يقدر على جعله على سائر صفاته التي يكون عليها بالفاعلين من كونه أسود ~~وأبيض، وحلو وحامض، دليله كلامنا فإنا لما قدرنا على جعله صفة كونه أمرا ~~قدرنا على أن نجعله على سائر صفات من كونه خبرا واستخبارا وتهديدا وغير ذلك ~~من صفات الكلام، وهذا الوجه مبني على أصل المخالف لنا في هذه المسألة من أن ~~السواد والبياض، والحلو والحامض، من صفات الجسم ثابتة بالفاعل، كما ذهب ~~إليه في الحركة والسكون فإنه نفى المعاني، وأثبت الصفات وجعل المدركات صفات ~~يدرك عليها الجسم فكان الجميع عنده من الصفات التي بالفاعل، فأما عندنا ~~فالمدركات من الألوان والطعوم وغيرها ذوات حالة في الجسم فليس بصفات له. # الوجه الثالث: في [83أ] أن كونه كائنا يتحدد على المتحيز في حال البقاء ~~والصفة التي بالفاعل لا يجوز عددها في حالة البقاء. # أما كونه كائنا تحدد في حالة البقاء فذلك ظاهر، فإن الجسم يتجدد كونه ~~متحركا وساكنا في حالة بقائه، وكذلك مجتمعا ومفترقا. # وأما الصفة التي بالفاعل لا يجوز تجددها، فالذي يدل عليه صفة الوجود ~~فإنها لما كانت بالفاعل لم يجز تحددها على الموجود في حالة بقائه؛ لأنه ~~يلزم من ذلك اتخاذ الموجود واتخاذ الموجود بحاله. # وأما الدعوى الثانية: وهو أن الأعراض محدثة، فالكلام فيها يقع في موضعين: # أحدها: في حكاية المذهب، وذكر الخلاف. # والثاني: في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه، وفساد ماذهب إليه المخالف. # أما الموضع الأول: فمذهبنا أن هذه الأعراض محدثة والخلاف في ذلك مع ~~المطرفية وأهل الكمون والظهور من الفلاسفة. # أما المطرفية فإنهم يقولون أن الأعراض حدوث والحدوث لا حدوث له. PageV01P162 # وأما أهل الكمون والظهور فإنهم فرقة من الفلاسفة أقرب بإثبات الأكوان لما ~~عرفت قول الفرقة الأولى منهم بنفي الأكوان، واعترفت هذه الفرقة بالأكوان ~~فلما قيل لهم يلزمكم حدوث الجسم، فقيل لهم إن الأكوان يجوز عليها العدم ~~والبطلان، والقديم لا يجوز عليه العدم والبطلان، فقالوا: إنها لا تنعدم ~~ولكنها تكمن وتظهر، ومعنى ms138 ظهورها في الجسم ولا توجد له الصفة، ومعنى كمونها ~~أنها حاصلة في الجسم ولا توحب وربما فسروا الكمون بأن ينقل منه إلى غيره، ~~والظهور بأن ينتقل تنتقل من غيره إليه، وإنما قالوا بذلك لئلا يلزم حدوث ~~الأكوان فيلزم منه حدوث الجسم، فلذلك سموا بأصحاب الكمون والظهور. # أما الموضع الثاني: وهو في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ماذهبوا ~~إليه، فتعدى في القول في إبطال مقالة المطرفية، فالذي يبطل قولهم وجوه ثلاثة: # الأول: أن هذا ينافيهم على أن الأعراض صفات وليس بذوات، وقد بينا أنها ~~ذوات، وأبطلنا قول من قال إنها صفات، وإذا ثبت أنها ذوات صح أن توصف ~~بالحدوث. # الوجه الثاني: أن نقول لهم أخبرونا [83ب] عن هذه الأكوان هل هي حاصلة بعد ~~أن لم تكن؟ فقد أقروا بأنها محدثة، وقولهم: إنها حدوث وليس بمحدثة خلاف في ~~عبارة، ولا وجه له، وإن قالوا: إنها حاصلة فيما لم يزل لم يصح؛ لأنها لا ~~توجد إلا في الجسم، والجسم محدث عندهم. # الوجه الثالث: أنا نقول لهم ما تريدون فإنها حدوث هل أردتم بذلك أنها ~~حدوث للجسم، أو أنها حدوث لأنفسها، أو أنها حدوث لأمر ثالث، فإن قلتم أردنا ~~بذلك أنها حدوث لأنفسها، حصل عرض وهو القول بحدوثها، وإن قلتم أردنا بذلك ~~أنها حدوث الجسم فذلك لا يصح من وجهين: # أحدهما: أنه كان يلزم أن أحدنا إذا حرك الجسم أن يوجد ذاته فيكون قادرا ~~على إيحاد الجسم وإحداثه وهذا محال. PageV01P163 # الوجه الثاني: أنه كان يلزمهم أن يكون الجسم متحدا في حال بقائه بحسب تجدد ~~الأكوان عليه، وكان يجب أيضا أن يكون حادثا في ادخال الحركة، والمتحيز لا ~~يصح إلا أن يكون متحركا في حالة الحدوث؛ لأن الحركة لا تصح إلا في حال ~~البقاء، ليكون المتحيز كائنا في الوقت الأول في الجهة الأولى، ثم يتصل نفسه ~~في الوقت الثاني، وهذا يقتضي البقاء، وإن قالوا بأنها حدوث الأمر الثالث لم ~~يصح؛ لأنه لا ثالث يشار إليه، ولو كان هناك ثالث لكان من قبيل الأعراض ms139 فلا ~~يوصف بأنه محدث كما ذكروا في الأكوان، ولأنه لاخلاف بيننا وبينهم أنه ليس ~~بحدوث الأمر الثالث هذا هو الكلام فيما قاله المطرفية. # وأما الذي يدل على بطلان مقالة الفلاسفة فوجوه: # أحدها: ما ذكره الشيخ (رحمه الله) وذلك في تحريران: # الأول: أنا نقول لو لم تكن محدثة لكانت قديمة، ولا يجوز أن تكون قديمة، ~~وهذه الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن الأعراض لو لم تكن محدثة لكانت قديمة. # والثاني: أنه لا يجوز أن تكون قديمة. # أما الأصل الأول: فالذي يدل على أنها قسمة دائرة بين نفي وإثبات، والقسمة ~~إذا دارت بين النفي والإثبات لم يجر دخول متوسط بينهما، نبين ذلك ونوضحه ~~أنك تقول: الموجود لا يخلو إما أن يكون لوجوده أول أم لا، إن كان لوجوده ~~أول فهو المحدث، [84أ] وإن لم يكن فهو القديم. # وأما الأصل الثاني: وهو أنه لا تجوز أن تكون قديمة فالذي يدل على ذلك أنه ~~يجوز عليها العدم والبطلان، والقديم لا يجوز عليه العدم والبطلان، والدلالة ~~مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه لا يجوز عليها العدم والبطلان. # والثاني: أن القديم لا يجوز عليه العدم والبطلان والتحرير هو ما ذكره ~~الشيخ (رحمه الله) وهو أن الأعراض يجوز عليها العدم والبطلان، والقديم لا ~~يجوز عليه العدم والبطلان، فإذا بطل قدمها ثبت حدوثها، وهذه الدلالة مثبتة ~~على ثلاثة أصول: PageV01P164 # أحدها: أن الأعراض يجوز عليها العدم والبطلان، والقديم لا يجوز عليه العدم ~~والبطلان. # والثاني: أن القديم لا يجوز عليه العدم والبطلان. # والثالث: أنه إذا بطل قدمها ثبت حدوثها. # أما الأصل الأول: فالذي يدل على ذلك أن الكون لا يوجب للجسم إلا إذا كان ~~حالا فيه، ولا يجوز أن يوجب له فهو حال في غيره أو موجودا لا في محل وإذا ~~كان حالا فيه وفرضا أن الجسم كان متحركا سكن، أو مجتمعا ثم افترق، أو عكس ~~ذلك فحال ما كان فيه من المعنى الأول لا يخلو إما أن يكون تاما منه مع وجود ~~وحده أو منتفلا عنه إلى غيره، أو مقدوحا، ms140 والأقسام كلها باطلة سواء أنها ~~مقدومة، وهذه الدلالة مبنية على ثلاثة أصول: # أحدها: أن الكون لا يوجب للجسم إلا إذا كان حالا فيه. # والثاني: أن الجسم إذا كان متحركا ثم سكن فحال الأول لا يخلو من أحد هذه ~~الأقسام. # والثالث: أن الأقسام كلها باطلة سواء أنه معدوم. # أما الأصل الأول: وهو أن الكون لا يوجب للجسم إلا إذا كان حالا فيه، ~~فالذي يدل على ذلك أنه لو أوجب له وهو حال في غيره أو موجود إلا في محل لما ~~كان بأن يوجب لبعض الأجسام الذي لم يخلها أولا من بعض؛ لأن حاله معها على ~~سواء فيجب أن تكون الأجسام كلها متحركة بحركة موجودة لا في محل أو موجودة ~~في محل غيرها، والمعلوم خلافه، وكان يلزم أن يصح من الواحد منا تحريك ~~الأجسام وتسكينها من دون أن يلمسها ولا يماس فأماسها لن يحركها ويسكنها ~~ويكون غير حال فيها فلا حاجة إلا مماسها، وفي علمنا بأنه لا يصح منا تحريكه ~~ولا تسكينه إلا بعد مماسته دليل على أنا نفعله حالا فيه. PageV01P165 # وأما الأصل الثاني: وهو أن حال الكوان الأول لا يخلو من أحد هذه الأقسام؛ ~~فلأنها قسمة دائرة، وبيان ذلك أنك تقول: إن الجسم إذا كان متحركا ثم سكن ~~فحال الحركة لا يخلو إما أن يكون موجودا في محلها الأول أم لا، إن كانت ~~موجودة في محلها الأول فهو الباقي، وإن لم تكن فلا يخلو إما أن توجد في ~~غيره أم لا، إن كان في غيره فهو المنتقل، وإن لم توجد ولا في غيره فهو ~~المعدوم، فثبت الأصل الثاني وهو أنه لا يخلو من أحد هذه الأقسام. # وأما الأصل الثالث: فهو أن الأقسام كلها باطلة سواء أنه معدوم، فالذي يدل ~~على ذلك أنا نبطلها قسما قسما أما لأنه لا يجوز أن يكون باقيا مع وجود هذه ~~ضده فلأنه لا يخلو إما أن يوجب جميعا أو لا يوجبا جميعا أو يوجب أحدها دون ~~الآخر محال أن يوجبا جميعا؛ لأنه يؤدي إلا أن يخلوا ms141 الجسم من الحركة ~~والسكون وذلك محال، ولا يجوز أن نوجب أحدهما دون الثاني؛ لأنه مخصص لأحدهما ~~دون الآخر بأن يكون موجبا، فإن قالوا: إن الطاري منها أولى أن يوجب للجسم؛ ~~لأن الطاري خط الطرف، ولهذا كان الطاري من الضربين ينفي الثاني، وكان أولا ~~بالوجود منه كما يذكرونه في السواء الطاري فهلا رضيتم بمثل ذلك، فنقول: إن ~~الطاري منهما أولا بالإيجاب ويكون الطرف مخصصا له. # قلنا: الجواب عن هذا من وجوه: # أحدها: أن الطاري إنما كان أولى بالوجود من ضده. PageV01P166 # والثاني: من حيث أنه حالة الطرو هي حالة وجوب وجوده من جهة فاعله؛ لأنها ~~حالة حدوثه من حق القادر على الشيء وجوب وقوع فعله عند توفر دواعيه، وليس ~~من حق القادر نفيا فعله واستمراره، بل يجوز أن ينفى عند طرو ضده، ولا يبطل ~~ذلك حكم القادر، ولا يمكنهم بيان مثل ما ذكرنا في الإيجاب؛ لأن عنده على ~~هذا القول أنه يجوز وجود كونه غير موجب، وليس من ضرورة وجوده أن يوجب ولا ~~في خروجه عن الإيجاب إذ قال لوجوده ولا الحكم القادر؛ لأنه قديم عندهم، ~~فإذا كان الأمر كما ذكرنا بطلت مرية الطرو في الإيجاب فلا يكن أحدها ~~بالإيجاب أولى من الآخر. # الوجه الثاني: أنا لو سلمنا أن للطاري مرية في الإيجاب فإن هذه المرية ~~تزول في الوقت الثاني، ويصير كل واحد منهما باقيا، وتعود عليهم القسمة، ~~فأما أن توجبا جميعا وهو محال، وإما أن لا توجبا معا وهو محال، وإما أن ~~توجب أحدهما فلا مخصص [85أ]. # الوجه الثالث: أن الطرو إنما يكون بحدوث الكون في المحل أو بانتقاله إليه ~~فإن كان بحدوثه فقد حصل غرضا من حدوث الأعراض، وإن كان بانتقاله إليه ~~فالإنتقال على الأعواض محال على ماسيأتي بيانه، فإن قالوا إنا نقول بالكمون ~~والظهور فهما وإن كانا موجودين في المحل فإن أحدهم يكمن والآخر يظهر فلهذا ~~لا يلزم أن يكون منك متحركا ساكنا في حالة واحدة. PageV01P167 # قلنا: الجواب عن هذا أنا نقول لهم ما يريدون بالكمون والظهور ماهو المعقول ms142 ~~في أصل اللغة واصطلاح المتكلمين، أو في اصطلاحكم، فإن أردتم ماهو المفهوم ~~منه في أصل اللغة فالكمون والظهور عندهم لا يستعمل إلا في المتحيزات، ~~والأعراض ليست بمتحيزة؛ لأن حقيقة الظهور هو تخلي المتحيز لأعين الناظرين ~~بعد أن كان مختفيا عنهم، وحقيقة الكمون هو اختفاء المتحيز عن أعين الناظرين ~~بعد أن كان متخليا لهم فإن أردتم به اصطلاح المتكلمين فلم يستعمله ~~المتكلمون إلا في المعنى الذي ذكره أهل اللغة لا في معنى غيره، وإن أردتم ~~ما ذكره في اصطلاحكم وهو أن معنى ظهور الكون في المحل إيجاب له الصفة، ~~ومعنى كمونه فيها هو أنه غير موجب له مع وجوده فهذا باطل من وجوه: # الأول: أنا نعيد عليكم القسمة الأولى في الكمون كم ذكرنا في الإيجاب ~~فنقول: إذا كانا موجودين في المتحيز جميعا لم يكن أحدهما بالكمون والآخر ~~بالظهور أولى من عكسه؛ لأنه لا يخلو إما أن يكمنا جميعا أو يظهرا جميعا، ~~ويكمن أحدهما ويظهر الآخر، والأقسام كلها باطلة كما تقدم. # الوجه الثاني: أن العلة إنما توجب ما وجبه لما هي عليه في ذاتها وما هي ~~عليه في ذاتها حاصل في جميع الأوقات، فليس بأن توجب في بعضها أولى من بعض، ~~ولا يجوز أن تحصل العلة على الحد الذي يوجب عليه ولا توجب. # الوجه الثالث: أن العلة لا يجوز أن تكون موجودة، ولا توجب بأن تكون ~~كامنة؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن لا يفترق الحال بين وجودها وعدمها؛ لأن الفرق ~~بينهما ليس إلا بأنها إذا كانت موجودة وجب، وإذا كانت معدومة لم توجب، ~~وإثبات العلة [85ب] على حد لا يتميز وجودها من عدمها محال. PageV01P168 # الوجه الرابع: أن العلة إذا كانت موجودة هي كامنة غير موجبة كان إثباتها ~~والحال هذه إثبات ما لا طريق إليه، وإثبات ما لا طريق إليه يفتح باب ~~الجهالات فيجوز أن تكون في الجماد قدرة وعلم وحياة لا طريق لنا إليها؛ ~~لأنها كامنة غير موجبة، والطريق إليها ليس إلا موجبها. # وأما أنه لا يجوز أن تكون منتقلة فلوجهين: # أحدهما: ms143 أنها لو كانت منتقلة لكانت متحيزة فالذي يدل على ذلك أن حقيقة ~~الإنتقال هو تفريغ جهة وشغل أخرى، والتفريغ والشغل لا يكون إلا في ~~المتحيزات والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنها لو كانت منتقلة لكانت متحيزة. # والثاني: أنه لا تجوز أن تكون متحيزة. # أما الأصل الأول: وهو أنها لو كانت متنقلة لكانت متحيزة، فالذي يدل عليه ~~أنه لا يجوز أن يثبت لأحد اللفظين ونفي الأخر فلا يجوز أن يقول قائل انتقلت ~~من جهة إلى جهة وما فرغة جهة وإلا شغلت أخرى، أو فرغت جهة وشغلت أخرى، وأما ~~انتقلت بل يعد من قال ذلك لكلامه جاريا مجرى من يقول انتقلت وما انتقلت، أو ~~فرغت وما فرغت، وإن كان الأولى مناقضا في المعنى دون اللفظ، والثاني مناقضا ~~في اللفظ دون المعنى. # وأما الأصل الثاني: وهو أن التفريغ والشغل لايعقل إلا في المتحيزات فالذي ~~يدل على ذلك أن هذا خاصية المتحيز الذي فاز فإنه الغرض، ولهذا حققنا ~~المتحيز بأن المختص بصفة لكونه عليها يشغل الجهة ويمنع مثله من أن يكون يحثه. # وأما الأصل الثاني: وهو أنها لو كانت متحيزة فالذي يدل على ذلك وجوه ~~الأولى منها أنها لو كانت متحيزة لم توجد غرضان في محل واحد كما أن الأجسام ~~لما كانت متحيزة لم توجد جسمان في مكان واحد، ومعلوم أنه قد وجد والدلالة ~~مبنية على أصلين: # أحدهما: أنها لو كانت متحيزة لم توجد عرضان في محل واحد [86أ]، والثاني: ~~أنه قد وجد. PageV01P169 # أما الأول: فالذي يدل عليه أنه يتعذر على الواحد منا أن يقع في موضع زيد مع ~~بقائه فيه، وأيضا يتعذر على الواحد منا أن يدخل يده في الجبل الأصم لما كان ~~متحيزا. # وأما الأصل الثاني: وهو أنا قد وجدنا الأعراض الكبيرة في محل واحد فذلك ~~ظاهر في حية الزمان فإن في الجوهر الواحد أعراضا كثيرة من لون وطعم، وكون ~~ورائحة، ورطوبة ويبوسة، واعتماد وتأليف، بانضمام بعضها إلى بعض. # الوجه الثاني: أنها لو كانت متحيزة لتكايفت وعظمت كما في الأجسام إذا ~~كثرت ms144 فإنها مكايفة وتعظم، ومعلوم أنها لا تكايف مع كثرتها دليله حبة ~~الزمان. # الوجه الثاني: أنها لو كانت متحيزة للذم أنه إذا دخل الواحد منا يده في ~~الرق وربط عليها ثم حركها أن تمتلىء كما إذا حدث إليه أجرى الهواء بالنفخ. # الوجه الرابع: أنها لو كانت متحيزة لم تكن الأعراض بأن تخل الأجسام أولى ~~من أن يخل الجسم في العرض؛ لأن كل واحد منها متحيز. # الوجه الخامس: أنها لو كانت متحيزة لوجبت أن تكون كائنة كما في سائر ~~المتحيزات ولكونها كائنة لكان الكلام فيها الكلام في الأجسام فيحتاج إلى ~~كون في كونها كائنة، والكلام في هذا الكون كالكلام فيها فتسلسل وذلك محال. PageV01P170 # الوجه الثاني أنها لو كانت منتقلة لم تخل إما أن تكون منتقلة مع الوجوب أو ~~مع الجواز لا يجوز أن تكون منتقلة مع الوجوب؛ لأنه لو وجب لكان إما أن تجب ~~لذات الكون أو لما هو عليه في ذاته، ولو كان كذلك لكان منتقلا أبدا ولم ~~يستقر فيه أصلا، ومعلوم أن المتحيز قد يستقر في الجهة ويطول لبثه فيها، ~~وذلك يقتضي بقاء السكون في الجسم واستمراره فيه، ولا يجوز أن يكون منتقلا ~~مع الجواز بفاعل أو علة، [86ب] أما الفاعل فلا يجوز أن يكون منتقلا بالفاعل ~~بمثل ما أبطلنا به أن يكون الجسم كاينا بالفاعل من أنه لا يقدر على جعل ~~الذات على صفة الآيات يكون قادرا على اتخاذ تلك الدار، فإذا كانت دار الكون ~~عندهم قديمة لم يقدر عليها الفاعل فلا يقدر على جعلها على صفة وغير ذلك من ~~الوجوه المتقدمة، ولا يجوز أن تكون منتقلة لعلة؛ لأن الكلام في تلك العلة ~~كالكلام في الكون فكان يجوز أن يكون منتقلا لعلة أخرى، وتسلسل إلى ما لا ~~نهاية له وذلك محال، فبطل أن تكون منتقلة وبطل أن تكون باقية فيه مع وجود ~~ضدها، فلم يبق إلا أن تكون معدومه؛ لأنا قد بينا أنها قسمة دائرة بين النفي ~~والإثبات، والقسمة إذا دارت بين النفي والإثبات وكانت من القسمة التي تذكر ms145 ~~ويراد بها إثبات البعض وإبطال البعض ودل الدليل على بطلان الأقسام إلا واحد ~~منها بغير الحق فيه كما تقدم في طريقة السير. # والأصل الثاني: هو أن القديم قديم لذاته وخروج الموصوف عن صفة ذاته لا ~~يجوز والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن القديم قديم بذاته. # والثاني: أن خروج الموصوف عن صفة ذاته لا يجوز، فالذي يدل على الأول أن ~~القديم لا يخلو إما أن يكون قديما لذاته أو لغيره، والغير لا يخلو إما أن ~~يكون فاعلا أو علة، والعلة لا تخلو إما أن تكون موجودة أو معدومة، ~~والموجودة لا تخلو إما أن تكون قديمة أو محدثة، والأقسام كلها باطلة سواء ~~أن القديم قديم لذاته، والدلالة مبنية على أصلين: PageV01P171 # أحدهما: أن كونه قديما لا يخلو من أحد هذه الأقسام. # والثاني: أن الأقسام كلها باطلة سواء أن القديم قديم لذاته. # أما الأصل الأول: هو أن كونه قديما [87أ] لا يخلو من أحد هذه الأقسام، ~~فالذي يدل على ذلك أنها قسمة حاضرة دائرة بين النفي والإثبات، والقسمة إذا ~~دارت بين النفي والإثبات لم يجوز دخول متوسط بينهما، والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنها قسمة دائرة بين نفي وإثبات. # والثاني: أن القسمة إذا دارت بين النفي والإثبات لم يجوز دخول متوسط ~~بينهما. # أما الأصل الأول: وهو أنها قسمة دائرة بين النفي والإثبات فالذي يدل على ~~ذلك أنك تقول الصفة الثانية للموصوف، ونفي كونه قديما لا يخلو إما أن ~~يستغني بذاته في كونه عليها أم لا إن استغنى ففي الواجبة، وإن لم يستغن فهي ~~الجائزة، والواجبة لا تخلو إما أن تثبت للذات على حال أم لا، إن لم يثبت ~~للذات على حال فهي الذاتية، وإن ثبتت على حال فهي المقتضاة، والواجبة ~~والجائزة هي التي تقتضي إلى الغير، والغير لا يخلو إما أن يكون تأثيره على ~~سبيل الصحة والاختيار أم لا، إن كان فهو الفاعل على المختار، وإن لم يكن ~~فهي العلة، والعلة لا تخلو إما أن يختص بصفة الوجود أم لا إن لم يختص فهي ms146 ~~المعدومة، وإن اختصت فهي الموجودة وهي لا تخلو إما أن يكون لوجودها أول أم ~~لا، إن كانت فهي المحدثة، وإن لم تكن فهي القديمة. # وأما الأصل الثاني: وهو أن القسمة دائرة بين النفي والإثبات لا يجوز دخول ~~متوسط بينهما فالذي يدل على ذلك أن القسم يثبت أحدها هذه نحو أن يقول زيدا ~~لا يخلو إما أن يكون في الدار أم لا. # والثانية: أن تكون دائرة بين إثباتين نحو قوله زيد لا يخلو إما أن يكون ~~في الدار أو في المسجد. PageV01P172 # والثالثة: أن تكون دائرة بين نفيين نحو قوله زيد لا يخلو إما أن يكون لا في ~~الدار ولا في المسجد، وما ذكرناه من القسمة الأولى الدائرة بين النفي ~~والإثبات، وهذه لا تجوز دخول المتوسط بينها، وهي أحد طرق الحصر؛ لأن العقل ~~لا يجوز أن يكون بين نفي الشيء وإثباته واسطة وذلك معلوم ضرورة، وهذا أحد ~~[87ب] علوم العقل، فإنا إذا قلنا زيد لا يخلو إما أن يكون في الدار أم لا، ~~لم يمكن إثبات قسم بين هذين القسمين فإن زيد لا بد من جهة يكون فيها، وتلك ~~الجهة ليس إلا الدار أو غيرها من سائر الجهات، وإذا لم يكن في الدار كان في ~~غيرها لا محالة وإذا لم يكن في غيرها كان فيها لا محالة، ولا يمكن أن يكون ~~بين كونه فيها وأن لا يكون فيها واسطة. # فأما إذا كانت القسمة دائرة بين إثباتين فإنه يجوز إثبات قسم ثالث ورابع ~~فإنك إذا قلت في زيد أنه لا يخلو إما أن يكون في الدار أو في المسجد أمكن ~~أن يقال أو في الحانوت أو في الحمام وغير ذلك من الجهات. # وكذلك إذا كانت دائرة بين نفيين أمكنت الزيادة، فإنك إذا قلت زيدا لا ~~يخلو إما أن لا يكون في الدار، أو لا يكون في المسجد، أمكن أن يقول ولا في ~~السوق ولا في الحمام. # وأما الأصل الثاني: وهو أن الأقسام كلها باطلة سواء أن القديم قديم لذاته ~~فالذي يدل على ذلك ms147 أنا نبطلها قسما قسما، وهذه القسم أحد القسم التي يذكر ~~ويراد بها إثبات الكل نحو ما تقدم في قسمة المرابع فإنا قسمناها إلى ~~ثمانية، وأثبتنا جميعها وقسمة يذكر ويراد بها إبطال الكل نحو ما يذكر في أن ~~الله تعالى لا يجوز أن يكون مشبها؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون مشبها لذاته ~~أو لغيره من فاعل أو علة، والأقسام كلها باطلة هذا ما ذكروه. PageV01P173 # وذكر أبو علي بن جلاد أن الأول أن يكون القسم أربع هذه الثلاث والرابعة قسم ~~يذكر ويراد بها إثبات أحد هذه الأقسام لا بعينه، بل على سبيل البدل وهذه ~~غير التي تذكر ويراد بها إثبات الكل؛ لأنا لا نثبت في هذه إلا أحد الأقسام ~~لا بعينه ويبطل ثالثها نحو ما يقول أن المتحيز لا يخلو إما أن يكون في حال ~~نفاية مجتمعا أو مفترقا أو متحركا أو ساكنا والواجب أن يكون على أحد هذه ~~الأقسام لابعينه، ويستحيل أن يكون على اثنين منها، ويمكن أن يقال له إن هذا ~~ليس بقسم زائد؛ لأنه قد دخل في القسمة التي يذكر ويراد بها إثبات البعض ~~وإبطال البعض لكن قد يكون إثبات واحد بعينه وإبطال الثاني وقد يكون إثبات ~~[88أ] واحدا لا بعينه وإبطال الثاني، وكذلك القسمة التي تذكر ويراد بها ~~إثبات الكل تكون على وجهين: # أحدهما: إثبات الكل على الجمع كالموانع. # والثاني: إثبات جميعها على التحييز كما يقول في الكفارات فإن جميعها ~~واجبة على التحييز وليست مثل الواجبات التي تجب على الجمع، فهذا تحصيل ~~الكلام في ذلك، وإذا أردنا إبطال الأقسام سواء أنه قديم لذاته، قلنا: إما ~~أنه لا يجوز أن يكون قديما بالفاعل فلوجوه: # الأول: كما ذكر الشيخ (رحمه الله) من أنه لو كان قديما بالفاعل فمن حق ~~الفاعل أن يتقدم على فعله وإلا بطل كونه فاعلا له، وإذا كان الفاعل سابقا ~~لكونه القديم قديما ومتقدم عليه ماكانت هذه الصفة محدثة؛ لأن ما سبقه غيره ~~فهو محدث، وفي ذلك بطلان قدومه، وقولهم إنه قديم بالفاعل متناقض متدافع؛ ~~لأن ms148 كونه بالفاعل يقتضي حدوثه كما بيناه، وكونه قديما تصريح بتقدمه القوم ~~والحدوث لا يجتمعان لشيء واحد. PageV01P174 # الوجه الثاني: أن القول بأنه قديم بالفاعل تحصيل عرضا وهو القول بحدوثه ~~ويبطل قول المخالفين وهو القول بقدمه وهذا الوجه في معنى الأول إلا أن ~~الفرق بينهما أن في هذا ما قالواه إبطالا لغرضهم، وقولهم الذي يريدون ~~إثباته وإقرار بقول خصمهم كفا بالقول...... أن يكون مبطلا لنفسه مذهب صاحبه ~~ولم يذكر هذا المعنى في الوجه الأول فافترقا من هذا الوجه. # الوجه الثالث: أنا نسألهم عن الفاعل الذي فعل القديم كونه قديما، فنقول: ~~لا يخلو هذا الفاعل إما أن يكون قديما أو محدثا محال أن يكون محدثا؛ لأن في ~~ذلك يتقدم الفعل على فاعله وذلك محال؛ لأن حصول الفعل قبل الفاعل يوجب ~~إستغنائه عنه وحصول تغيره. # وإن كان قديما لا يخلو إما أن يكون قديما لذاته أو بالفاعل أو لعلة، فإن ~~قالوا هو قديم لذاته قلنا فاقتصروا......... بأن القديم الأول قديم لذاته، ~~وتحقيق أن كون القديم قديما لذاته حاصلا بينهما على حد واحد، فإما أن يكونا ~~قديمين بالفاعل جميعا، وإما أن يكونا قديمين لذاتهما [88ب] وليس أحدهما بأن ~~يكون قديما لذاته، والآخر قديما بالفاعل الذي هو قديم الثاني أولى من العكس. # وإن قالوا أنه قديم بالفاعل سألناهم أيضا عنه هل هو قديم لذاته أو ~~بالفاعل ثم كذلك في كل فاعل فإما أن يتسلسل إلى ما لا نهاية له من الفاعلين ~~وذلك محال وأن ينتهو إلى فاعل لم يكن قديما بالفاعل ويكون قديما لذاته فيجب ~~أن يقتصروا من أول مرة، ويقولوا إن القديم قديم لذاته؛ لأن الإقتصار على ~~المحقق المعلوم أولى من المحدث المفروض. # فإن قالوا له قديما بالفاعل والفاعل قديم بالعلة، فسيأتي بطلان أن القديم ~~قديم بالعلة، ولا يجوز أن يكون قديما لعلة معدومة، لوجوه: # أحدها: أن العدم مقطعة الإختصاص، والعلة لا تجب إلا بشرط الإختصاص، فإن ~~زال الشرط زال المشروط، وهذه بدلالة مبنية على أصلين: PageV01P175 # أحدهما: أن العدم مقطعة الإختصاص حقيقة المقطعة هو زوال ms149 صفة الموجود عن ~~الذات المختصة بغيرها، فلا يوجد لها إن كان الإختصاص بينهم لأجل المنافاة ~~رجع، فالذي يدل على ذلك أن الإختصاصات خمسة، وهو كلها مشروط بالوجود اختصاص ~~الشيء بالشيء بأن يخله فيوجب له مثل اختصاص الحركة في الجسم، واختصاص الشيء ~~بالشيء بأن يوجد في بعضه يوجب لجملته مثل العلم والإرادة بأنهما توجدان في ~~قلب الواحد منا وتوجد أن لا لجملته كونه عالما ومريدا، واختصاص الشيء ~~بالشيء بأن يوجب على حد وجوده فيوجب له أو ينفيه، فالذي يوجب له كإرادة ~~الباري وكراهته، والذي ينفيه كاختصاص الفناء بالعالم، وكذلك لأن إرادة ~~الباري وكراهته لا في محل وهو تعالى أيضا لا في محل وكذلك فالعامل لا في ~~محل والفناء لا في محل. # والخامسة: اختصاص الشيء بالشيء بأن يخلة قياس به مثل اختصاص اللون ~~بالجسم، فإن من العلماء من قال ليس بذات سواء ذات الجسم، وإنما هو الجسم ~~والتبس عليه الغرض بمحله لأجل حلوله فيه فهذه الإختصاصات كلها مشروطة ~~بالوجود. # وأما الأصل الثاني: وهو أن العلة لا توجب إلا شرط [89أ] الإختصاص فالذي ~~يدل على ذلك ما نظم من حال الإرادة والموجدة في قلب زيد فإنها لما اختصت به ~~أوجبت له ولما لم يختص تعم ولم توجب له. # وأما أنه إذا زال الشرط زال المشروط فلأن نعني بالشرط الإختصاص، ~~وبالمشروط الإيجاب، فإذا زال الشرط وهو الإختصاص زال المشروط وهو الإيجاب ~~لأن المشروط لو نفي مع زوال شرطه لا يستغني عنه وبطل كونه مشروطا به؛ لأنه ~~لا معنى للشرط إلا وقوف المشروط عليه واستحالته من دونه. # الوجه الثاني: أن العلة المعدومة مع جميع الأشياء على سواء فلو وجبت ~~لبعضها كونه قديما لوجبت لسائرها فكان يلزم في جميع الأشياء أن تكون قديمة؛ ~~لأنه لا اختصاص لها بالبعض دون البعض، ومعلوم أن الأشياء ليست قديمة جميعها ~~بل قد تثبت الحوادث بالإتفاق. PageV01P176 # الوجه الثالث: أن إثبات علة معدومة لأجلها يكون القديم قديما إثبات ما لا ~~طريق إليه، وإثبات ما لا طريق إليه يفتح باب الجهالات وتجويز المحالات، ms150 ~~وإنما قلنا إن إثباتها إثبات ما لا طريق إليه فلأنه الطريق إلى العلة ليس ~~إلا حصول معلولها مع الجواز، والحال واحدة، والشرط واحد، والصفة إذا كانت ~~حاصلة في الأول وهو العدم لم يعلم حصولها مع الجواز فبطل الطريق إليها فلا ~~يجوز إثباتها. # الوجه الرابع: أن في تصحيح كون القديم قديما لعلة تقدمه وإبطاله وما كان ~~في تصحيحة إبطاله فهو باطل، وإنما قلنا إن في تصحيح ذلك إبطاله فلأنا إذا ~~أردنا تصحيح إيجاب العلة المعدومة حكمنا توجب ملازمة معلولها بها؛ لأن ذلك ~~من حكم العلة والقدم لا ابتداء له فيجب حصول إيجاب العلة المعدومة حكمنا ~~بوجوب ملازمة معلولها معها في الأزل، وإذا وجب في الأزل استغنى عن العلة؛ ~~لأن الصفة الواجبة لا يجوز افتقارها إلى علة، وسيأتي تقدير هذا الوجه ~~والإعتراض عليه في الصفات إن شاء الله تعالى، ولا يجوز أن يكون قديما لعلة ~~قديمة لوجوه: # أحدها: أن الكلام [89ب] في تلك العلة كالكلام في القديم، فإما أن تكون ~~قديم لعلة قديمة أيضا نقلنا الكلام إلى عدمهم الأول قديم لذاته ولم تثبت ~~علة قط بكون القديم العلة الأخيرة، ويتسلسل إلى غير نهاية، وإن انتهينا إلى ~~علة تكون قد لمقلد إنما وجب الإقتصار من أول مرة، وقلنا إن القديم الأول ~~قديم لذاته ولم يثبت علة قط بكون القديم قديما لأجلها؛ لأن الإقتصار على ~~المحقق المعلوم أولى من المقدر المفروض. # الوجه الثاني: أن القديم ليس بأن يكون قديم لعلة قديمة أولى من أن تكون ~~العلة قديمة للقديم؛ لأنه لا مرية لأحدهما على الآخر في إحساسه إليه، وكونه ~~قديم لأجله، فيلزم الدور والتوقف وهو محال، وأن يكون كل واحد منهما قديما ~~لصاحبه وذلك محال. PageV01P177 # الوجه الثالث: أن إثبات علة قديما يكون القديم قديما لأجلها اثبات ما لا ~~طريق إليه، وإثبات ما لا طريق إليه يفتح باب الجهالات وتجوز المحالات. # الوجه الرابع: أن في تصحيح كونه قديما لعلة قديمة إبطاله، وما كان في ~~تصحيحه إبطاله فهو باطل، وتقرير هذين الوجهين ما تقدم في العلة المعدومة، ms151 ~~وسيأتي لهما أيضا مزيد إيضاح، ولا يجوز أن يكون قديما لعلة محدثة؛ لأن كونه ~~قديما سابق عليها، وذلك يوجب إستغناؤه عنها، ولهذا لا يجوز أن يكون الجسم ~~متحركا اليوم بحركة توجد فيه غدا؛ لأن ذلك يوجب إستغناؤه، فإذا بطلت هذه ~~الأقسام ثبت أن القديم قديم لذاته. # وأما الأصل الثاني: وهو أن خروج الموصوف عن صفة ذاته لا يجوز، فالذي يدل ~~على ذلك أن كون الصفة للذات توجب إثباتها واستمرارها في جميع الأوقات إذ لو ~~ثبت ذلك في وقت دون وقت لافتقرت إلى مخصص من فاعل أو علة، وقد أبطلنا أن ~~يستحقها بفاعل أو علة فلم يبقى إلا أن يسبقها في جميع الأوقات، وتحقيق ذلك ~~أن نقول لا يخلو إما أن يثبت له في جميع الأوقات أو لا يثبت له في جميع ~~[90أ] الأوقات، أو يثبت له في وقت دون وقت محال أن لا يثبت له في جميع ~~الأوقات؛ لأن .... ينقض ما قد ثبت من حصول الصفة الذاتية، ومحال أن يثبت في ~~وقت دون وقت؛ لأن المخصص ليس إلا الفاعل أو العلة، وقد أبطلنا استحقاقها ~~بالفاعل أو العلة لم يبقى إلا أن يستحقها في جميع الأوقات. # الوجه الثاني: أن صفة الذات مع الذات يجري مجرى صفة العلة مع العلة، فكما ~~أنه لا يجوز خروج العلة عن إيجابها لصفة ما دامت عليه موجودة، وذلك لا يجوز ~~خروج الذات عن صفاتها الذاتية والعلة الجامعة بين الذات والعلة ما ذكرنا من ~~أحدهما يجري مجرى الأخرى، وصفة الذات يجري مجرى العلة على معنى أن صفة ~~الذات لا تقف على أمر زائد على الذات، كما أن صفة العلة لا تقف على أمر ~~زائد على العلة في حصولها، فلهذه العلة قسنا أحدهما على الآخر. PageV01P178 # الوجه الثالث: أن الذات تدخل في صحة كونها معلومة لأجل اختصاصها في الصفة ~~الذاتية فلو خرجت عنها لخرجت عن كونها معلومة. # وأما الأصل الثالث: وهو أنه إذا بطل قدمها يثبت حدوثها فالذي يدل على ذلك ~~أنها قسمة دائرة بين النفي والإثبات، وبيان ذلك ms152 أنك تقول الموجود لا يخلو ~~إما أن يكون لوجوده أول أم لا يكون، إن كان فهو المحدث وإن لم يكن لوجوده ~~أول فهو القديم، وقد بينا أن الأعراض موجوده فبطل أن تكون قديمة فلم يبق ~~إلا أنها محدثة. # وأما الدعوى الثالثة: وهو أن الأجسام لم تخل من الأعراض المحدثة ولم ~~يتقدمها فالكلام فيها يقع في ثلاثة مواضع: # الأول: في قسم ما يجوز خلو الجسم عنه من الأعراض وما لا يجوز، وبيان ~~حكاية المذهب وذكر الخلاف. # والثاني: في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا إليه. # والثالث: في إبطال قولهم بالهيولي والصورة. # أما الموضع الأول: وهو في قسم ما يجوز خلو الجسم عنه من الأغراض صفات ~~[90ب] وما لا يجوز فاعلم أنها على ثلاثة أضرب من ما يجوز خلو الجسم عنه بكل ~~حال، وإذا وجد فيه جاز خلوه عنه بعد وجوده فيه، وهي الأصوات وجميع ما لا ~~يبقى من الأغراض فإنه يجوز خلو الجسم عنه قبل وجوده، وإذا وجد جاز خلوه عنه ~~بعد ذلك في الوقت الثاني ومنها ما لا يجوز خلو الجسم عنها بكل حال، وهي ~~الأكوان فإنه لا يجوز خلو الجسم في حال من الأحوال، ومنها ما يجوز خلوه ~~عنها بكل حال، وإذا وجد فيه لم يجز خلوه عنه بعد وجوده فيه، فهي الألوان ~~وغيرها من الباقيات فإنه يجوز خلو الجسم عنها؛ لأنه غير محتاج إليها في ~~وجوده، ولا تحيزه، ولكنها باقية، والثاني لا ينتفي إلا بضد وضدها نوعها ~~وقبيلها، فاللون لا ينفى إلا بلون، وكذلك سائرها، ولهذا لم يجز أن تخل عنها ~~بعد وجودها فيه. PageV01P179 # وأما حكاية المذهب وذكر الخلاف فمذهبنا أن الأجسام لم تخلو من الأعراض ~~المحدثة ولم يتقدمها، والخلاف في ذلك مع طبقة من الفلاسفة فإنهم أثبتوها ثم ~~قالوا إنها محدثة فوافقونا في الدعوى الأولى والثانية، وخالفونا في الثالث، ~~فقالوا إن الأجسام كانت خالية عنها فيما لم يزل، وغرضهم بهذا إثبات قدم ~~العالم، وتحقيق مذهبهم أن أصل العالم جوهران بسيطان مفعولان غير متحيزين ~~ولا ms153 محسوسين ولا ملموسين، أحدهما يسما هيولا، والثاني صورة، ثم خلت الصورة ~~في الهيولا وتحيزا وتكايفا من بعد ذلك ثم خلتهما الأعراض. # وأما الموضع الثاني: وهو في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ماذهب ~~إليه المخالف فالذي يدل على ذلك وجوه: # أحدها: ماذكره الشيخ (رحمه الله) وتحريره أن الجسم لو جاز خلوه من ~~الأعراض فيما مضى من الزمان لجاز خلوه عنها الآن، ولا يجوز خلوه عنها الآن، ~~والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن الجسم لو جاز خلوه عن الأعراض فيما مضى من الزمان لجاز خلوه ~~عنها الآن. # والثاني: أنه لا يجوز خلوه عنها الآن. PageV01P180 # أما الأصل الأول: وهو أن الجسم لو جاز خلوه من الأعراض فيما مضى من الزمان ~~[91أ] لجاز خلوه عنها الآن فالذي يدل على ذلك أن الجسم لم يتغير عليه إلا ~~مرور الزمان، ومرور الزمان لا تأثير له فيما يجب للجسم أو يحول أو يستحيل ~~ألا ترى أن الجسم لما وجب التحييز وجب له في كل زمان ومكان، ولما جاز عليه ~~التنقل حال عليه في كل زمان ومكان، ولما استحال كونه في جهتين في وقت واحد ~~استحال عليه في كل وقت وزمان، فإن قيل إنا لا نسلم أن الجسم لم تتغير عليه ~~إلا أمور الزمان بل قد تغير عليه غير ذلك مما له تأثير فيما يجب للجسم أو ~~يجوز ذلك هو التحييز، فإنا قد ذكرنا أن أصل العالم هيولي وصورة، وهما ~~جوهران معقولان غير متحيزين ولا محسوسين ولا ملموسين، ثم تحيز بعد أن خلت ~~الصورة في الهيولى وتحدد التحيز له تأثير في ذلك، ولا خلاف بيننا وبينكم أن ~~الكائنة لم تجب إلا لأجل التحييز ولهذا لا تجب في الأعراض ولا في الجواهر ~~في حال عدمه قلنا لهم إن هذا بنا منكم على أصل فاسد، وهو أن الجوهر وجد وهو ~~غير متحيز، ثم تحيز من بعد، وهذا لو صح لكم لوجب ما ذكرتم من خلوه عن ~~الأكوان فيما لم يزل قبل تحيزه، ولكن الجواهر لا يجوز وجودها إلا ms154 وهي ~~متحيزة كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى، فإن قيل إن قولكم في الجواب ~~أن الجواهر لا توجد إلا وهو متحيزة بانتقال من هذه الدلائل إلى الدليل ~~الثاني، والإنتقال غير جائز؛ لأنه يقتضي فساد الأول من حيث لم يستقل إلا ~~بالرجوع إلى الثاني، وهو أن الجوهر لا يوجد إلا وهو متحيزز PageV01P181 قلنا: إن الإنتقال هو أن يحتاج في جواب السؤال على الدلالة إلى دلالة أخرى ~~مستقلة في أصل المسألة فحينئذ يكون ذلك معينا، ويقال إذا لم يتم الأول إلا ~~بالثانية فاقتصروا على الثانية ونحن لمن نقتض في قصرة الدلالة الأولى إلى ~~كل الدلالة الثانية، وإنما افتقرنا إلى أصل واحد منها، وهو أن الجوهر لا ~~يوجد إلا وهو متحيز، وهذا لا يمكن الإقتصار عليه في الدلالة الثانية، وما ~~هذا حاله فهو استعانهة جائزة وليس بانتقال فاعلم ذلك. PageV01P182 # فإن قالوا: ليس عندكم أن الجسم لا يجوز خلوه الآن عن الألوان بعد [91ب] ~~وجودها فيه، وإن جاز خلوه عنها فيما مضى فهلا جاز في الجسم أن لا يخلو عن ~~الأكوان الآن، وإن جاز أن يخلو عنها فيما مضى قلنا إنا لم ندع في دلالتنا ~~أن كل ما جاز خلو الجسم عنه فيما مضى جاز أن يخلو عنه الآن بكل حال، ~~وتكفينا أن يجوز خلوه عنه على حال وهذا حاصل فيما اعترضوا به الألوان، فإن ~~الجسم يجوز خلوه عنها في حال، وهو أن يبقى على ما كان عليه من الخلو عنها ~~ولم توجد فيه شيء منها فمن حقهم أن يرونا في الألوان كما أريناهم في ~~الألوان خلوه عنها بأن يبقى على ماكان عليه من الخلو ومعلوم أن ذلك لا يجوز ~~عليها بحال من الأحوال فأما بعد وجود اللون في الجسم فإنه لا يجوز خلوه عنه ~~لعلة أخرى وهو أنه نافي، والنافي لاينفيى لا بضد، وضده من بدعة، وقبله كما ~~تقدم في أول الدعوى وقد احترز كثير من العلماء عن هذا بأن قالوا في الدلالة ~~لجاز خلوه الآن بأن ينفي على ما كان ms155 عليه من الخلو، ولا حاجة إلى هذا ~~الاحتراز على التفسير الذي ذكرناه، وإن شئت قلت في الجواب عن الإعتراض ~~مرادنا أنه لو جاز أن يخلو عنها فيما مضى لجاز الآن؛ لأنه لو جاز أن تخلو ~~الجواهر عن الأكوان لأمر يرجع إلى أن المتحيز لا يحتاج إلى الكون، ولا يضمن ~~وجوده بوجوده، بل هو مستغني عنه لجاز الآن؛ لأن حال الجوهر الآن كما كان ~~ولم يتغير عليه إلا مرور الزمان، وذلك لا تأثير له فيما يحتاج إليه في ~~وجوده، وإذا كان هذا مرادنا لم يرد الإعتراض باللون؛ لأنه وإن لم يخل عنه ~~بعد وجوده فليس لأنه محتاج إليه بعد وجوده بعد أن كان مستغنيا عنه، بل لأنه ~~باق كما تقدم ونحن نعلم أن الجوهر غير محتاج إلى الألوان الآن، وإن لم يخل ~~عنه كما أنه لم يكن محتاجا إليه فيما مضى، فقد صار معنى دلالتنا أن الجوهر ~~لو استغنى عن الأكوان فيما مضى لاستغنى عنه الآن، كما في اللون وغيره من ~~الأعراض، فإن الجوهر لما استغنى الآن لم يبق PageV01P183 الإعتراض بالألوان بل صار لنا صحة والحمد لله وحده، وثبت الأصل الأول. # وأما الأصل الثاني: [92أ] وهو أنه لا يجوز خلوه عنها الآن فالذي يدل على ~~ذلك أن الأجسام لو خلت عنها الآن لخلت عن كونها كائنة، ولا يجوز خلوها عن ~~كونها كائنة والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنها لو خلت عنها الآن لخلت عن كونها كائنة فالذي دل على ذلك أن ~~كونها كائنة موجب عن الكون ولا يجوز حصول الموجب مع انتفاء الموجب إذ لو ~~حصل مع البقاء الموجب لخرج عن كونه موجبا له وذلك محال. # وأما الأصل الثاني: والثاني أنه لا يجوز خلوها عن كونها كائنة. # أما الأصل الأول: وهو أن الأجسام لو خلت عنها الآن لخلت عن كونها كائنة ~~فالذي يدل على ذلك أن كونها كائنة موجب عن اللون ولا يجوز حصول الموجب مع ~~ابتقاء الموجب إذ لو حصل مع البقاء الموجب لخرج عن كونه موجبا له وذلك محال. ms156 # وأما الأصل الثاني: وهو لا يجوز خلوها عن كونها كائنة وذلك معلوم ضرورة ~~إذ لم يمنع أن تكون كثيرا من الأجسام موجوده وهي غير متحركة ولا ساكنة، وقد ~~علمنا أن من جوز ذلك فقد كابر حكم عقله، ولهذا لو أخبرنا مخبرا أنه شاهد في ~~بعض البلاد الثانية أجساما غير متحركة ولا ساكنة لتنادا العقلاء إلى تكذيبه ~~من غير توقف في أمره، فثبت بهذه الجملة أن الأجسام لم تخل من الأعراض ~~المحدثة. # الدليل الثاني: أن الجوهر لا يوجد إلا وهو متحيز، ولا يكون متحيزا إلا ~~وهو شاغل للجهة، ولا يكون شاغل للجهة إلا وهو كائن فيها بكون، وهذه الدلالة ~~مبنية على ثلاثة أصول: # أحدها: أن الجوهر لا يوجد إلا وهو متحيز. # والثاني: أن لا يكون متحيزا إلا وهو شاغل للجهة. # والثالث: أنه لا يكون شاغل للجهة إلا وهو كائن فيها بكون. PageV01P184 # أما الأصل الأول: فالذي يدل عليه أنه متحيز لذاته وخروج الموصوف عن صفة ~~ذاته لا يجوز إما أنه متحيز لذاته فلأنه لا يخلو إما أن يكون متحيزا لذاته ~~[92ب] أو لغيرها، والغير لا يخلو إما أن يكون فاعلا أو علة، والعلة لا تخلو ~~إما أن تكون معدومه أو موجوده، والموجوده لا تخلو إما أن تكون قديمة أو ~~محدثة، والأقسام كلها باطلة سواء أنه متحيز لذاته. # أما أنه لا يجوز أن يكون متحيز بالفاعل فلوجهين: # أحدهما: أن الفاعل يفعل على سبيل الصحة والإختبار فكان يصح منه أن يجعل ~~ما ليس بمتحيز متحيزا وما هو متحيز فيجعل بعض الأجسام متحيزا وبعضها غير ~~متحيز وهذا محال. # الوجه الثاني: أنه لو كان متحيز بالفاعل يحصل منه غرضا وهو القول بحدوثه ~~ولبطل مذهبهم وهو القول بقدمه؛ لأن القادر لا يقدر على أن يجعل الذات على ~~صفة إلا بأن يكون قادر على اتخاذ تلك الذات فلا يجعله متحيزا إلا بأن توجد ~~على صفة التحييز وفي ذلك حدوثه، ولا يجوز أن يكون متحيز لعلة قديمة أو لعلة ~~معدومة إذ لو كان كذلك يحصل منه ما قلنا من ms157 أنه لا يوجد إلا وهو متحيز ~~ولبطل ماقالوه؛ لأن العلة المعدومة والعلة القديمة بيان فيما لم يزل وكان ~~لا يوجد إلا وهو متحيز وذلك غرضنا، ولا يجوز أن يكون متحيزا لعلة محدثة؛ ~~لأنها لا توجب له إلا بأن يختص به ولا يختص به حتى يخله، ولا يخله حتى يكون ~~متحيزا، ولا يكون متحيزا حتى يختص به، ويوجب له التحييز فيؤدي إلى التوقف ~~وإلا يكون متحيزا، فإن قيل إنها تختص به وإن لم يخله؛ لأنه غير متحيز، قيل: ~~إنما لها فيختص به بأن توجد على حد وجوده بأن يكونا في محل واحد أو لا في ~~محل، وهذا أحد الإختصاصات. PageV01P185 # قلنا: أيضا لا يصح لأنه إذا أختصت به على هذا الوجه ففي حالة هذا الإختصاص ~~لوجب له التحييز؛ لأن العلة توجب الصفة في حال وجودها واختصاصها فتكون في ~~ذلك متحيزا، وإذا كان متحيزا لم يكن الإختصاص به إلا بطريق الحلول، وبطل ~~الإختصاص بوجودها على حد وجوده، فعلى هذا يكون مختصة غير مختصة موجبة غير ~~موجبة، ويكون الجوهر متحيزا غير متحيز في حالة واحدة وذلك محال فثبت الأصل الأول. # وأما [93أ] الثاني: وهو أن لا يكون متحيزا إلا وهو شاغل الجهة فليس شغل ~~الجهة هو حقيقة المتحيز المقدم لماهيته فلهذا تحقيقه بأنه المختص بصفة ~~لكونه عليها شغل الجهة هو حقيقة المتحيز وخروج الشيء عن حقيقة المعرفة ~~لماهيته محال. # وأما الثالث: وهو أنه لا يكون شاغل الجهة إلا وهو كائن فيها لكون؛ فلأنه ~~إذا شغل الجهة منع مثله من أن يكون فيها، ولا يمنع مثله من أن يكون في ~~الجهة التي هو فيها إلا بأن يكون كائنا فيها، وقد بينا في الدعوى الأولى ~~أنه لا يكون كائنا في جهة إلا يكون. # الدليل الثالث: ما ناظر به أبو الهذيل بعض الفلاسفة فقال: ليس عندكم أن ~~أصل العالم جوهران غير متحيزين: # أحدهما: هيولا. # والثاني: صورة، ثم خل أحدهما في الآخر وتحيز خلتهما الأعراض بعد ذلك، ~~فأخبروني أن السابق إليه عندكم فإذا قلت الحركة فكيف يتحرك مالم ms158 يكون ~~ساكنا، وإن قلتم بالسكون فكيف يسكن مالم يكن متحركا، وإن قلتم الاجتماع ~~فيكف يجتمع مالم يكن مفترقا، وإن قلتم الإفتراق فكيف يفترق مالم يكن ~~مجتمعا. PageV01P186 # قال مشائخنا (رحمهم الله تعالى): وليس لهم أن ينقلبوا على أبي الهذيل ~~فيقولوا فإنها سبق إليه عندكم؛ لأن لأبي الهذيل أن يقول: الكون المطلق ~~الحاصل عند ابتداء حدوثه وليس بحركة ولا سكون كما قدمنا بيانه وليس لهم أن ~~يقولوا السابق إليه الكون المطلق؛ لأنه لا يعقل في مذهبهم على قدم الهيولي ~~والصورة؛ لأنه إنما استقام لنا بقولنا بحدوث الجوهر، ويكون الكون المطلق ~~أول ما حصل فيه وليس بحركة؛ لأن الحركة نقله من جهة إلى جهة ولم تكن موجودا ~~قبل حدوثه في جهة بين ولا سكون؛ لأنه لم يثبت في حالة الحدوث فأما مع القول ~~بالقدم فقد كانت الجواهر موجودة قبل حدوثه في حالة الكون المطلق فلا يمكنهم ~~القول به. # قلت: ولهم أن يقولوا إن التحييز متحدد عندنا بعد أن لم يكن وقبل حصوله ~~ولم تكن كائنة في جهة فيعقل أن يكون السابق عند تحدد السابق هو الكون ~~المطلق ويكون [93ب] تحدد المتحيز عندنا كتحدد الوجود عندكم، ومتى قالوا هذا ~~كان الجواب أن هذا بنا منكم على أصل فاسد، وهو أن الجوهر يوجد غير متحيز ~~وقد بينا فساده، وهذه الدلالة أوردها أبو الهذيل على أصحاب الهيولي من مجلس ~~المأمون، فقالوا له مثل هذا يلزمك فإنها السابق عندكم، فقال لهم الكون ~~المطلق نحن لا نقول أن الجواهر كانت موجودة قبل حدوث الأعراض بل كانت ~~معدومة، وعند وجودها وجد الكون، وعندكم كانت موجودة قبل وجود أول الأكوان ~~فيها يلزمكم ما ذكرنا. # الدليل الرابع: أن يقول لهم الجوهران عند وجودهما لا يخلو إما أن يكون ~~بينهما ثوب ومسافة أم لا إن لم يكن بينهما ثوب ومسافة فهو الاجتماع، وإن ~~كان فهو الإفتراق وثبت ما قلناه بان الاجتماع والإفتراق كونان. PageV01P187 # الدليل الخامس: وينبغي أن يكون بائنا في الترتيب؛ لأن معناه نقل من معنى ~~الدليل الأول، وهو أنا نعلم بالضرورة ms159 أنه يستحيل خلو الأجسام الآن عن كونها ~~متحركة وساكنة أو مجتمعة أو مفترقة، وإنما وجب ذلك فيها لتحيزها فالتحييز ~~حاصل لها في كل حال فيجب أن لا تخلو عن كونها كائنة في كل حال لقيام العلة ~~الموجبة لذلك وهو التحيز. # وأما الموضع الثالث: وهو في إبطال قولهم بالهيولي والصورة، فنحن نبطل ~~قولهم بوجوه: # أحدها: أنا نقول هذا إثبات ما لا طريق إليه، وإثبات ما لا طريق إليه يفتح ~~باب الجهالات، ومن أين لكم أن أصل العالم جوهران وما دليلكم عليه. # الوجه الثاني: أنهما متى كانا قديمين كان أصلين؛ لأن من حق القديمين أن ~~يشتركا في صفة القديم، فليس أحدهما بأن يكونا هيولي، والثاني صورة أولى من ~~العكس وهذا يبطل ما ذهبوا إليه. # الوجه الثالث: أنهما متى كانا غير متحيزين لم يكن أحدهما بالحلول في ~~الآخر أولى من عكسه فبطل قولهم. # الوجه الرابع: [94أ] أنه يلزم أن يكون كل واحد منها محتاجا في وجوده إلى ~~الآخر، وإذا كان كذلك أدى إلى أنهما لا يوجدان؛ لأن كل شيئين احتاج كل واحد ~~منهما محتاجا في وجوده إلى وجود الآخر فلا يوجدان وهذا حاصل في هذين فإن كل ~~واحدا منهما محتاج إلى الآخر، وبيان ذلك أن القائل إذا قال لا أدخل هذه ~~الدار حتى أدخل المسجد، ولا أدخل المسجد حتى أدخل الدار فهذا يؤدي إلى أن ~~لا يوجد منه دخول أيهما. # الوجه الخامس: أن حلول الضرورة في الهيولي لا يخلو أن يكون على سبيل ~~الوجوب إذا كان على سبيل الوجوب فهي الصفة الذاتية وهي حاصلة فيما لم يزل ~~فيحل فيما لم يزل ويحصل التحييز في ذلك ما نقوله من أن الجواهر لا توجد إلا ~~في متحيزه، وإن كان على سبيل الجواز فلا يخلو إما أن يكون بالفاعل أو لعلة ~~فإن كان بالفاعل لم يصح لوجهين: PageV01P188 # أحدهما: أنه يلزمهم من ذلك حدوث الصورة؛ لأن حلولها إذا كان بالفاعل كانت ~~بالفاعل؛ لأن القادر لا يقدر على أن يجعل الذات على صفة إلا بشرط أن يكون ~~قادرا ms160 على اتخاذ ذلك الذات، وخاصة الحلول، فإنه كيفية في الوجود فلا ينفصل عنه. # الوجه الثاني: أن في ذلك إقرار بالفاعل، وهذا الذي يرتبه في إثبات الصانع ~~المختار وإنما أرادو أن ما ذكروا التوصل إلى قديم العالم ونفي الصانع ~~المختار وإن كان لعلة قديمة أو معدومة وجب أن تخل فيما لم يزل أيضا، فيكون ~~متحيز أزلا وأبدا لحصول العلة القديمة، والمعدومة في الأزل وإن كانت محدثة ~~فتلك العلة المحدثة لا توجب له التحييز إلا بأن يخله ولا يخل حتى يكون ~~متحيزا فيقف كل واحد منهما على صاحبه وذلك محال، فبطل قولهم، والحمد لله وحده. # وأما الدعوى الرابعة: وهو أن مالم يخل من المحدث ولم يتقدمه فهو محدث ~~مثله فاعلم أولا أن العلماء [94ب] قد اختلفوا في تسمية هذه دعوى، وفي جعلها ~~رابعة فذكر في (شرح الأصول) لأبي علي بن جلاد عن الشيخ أبي رشيد أنه لا ~~احتياج أن نتكلم في أن الجسم إذا لم يخل من الأعراض المحدثة ولم يتقدمها ~~كان حكمه في الحدوث حكمها، ولا يستدل على ذلك، بل العلم به ضروري، وسواء ~~فرضنا الكلام في ذاتين معينتين أو في حوادث كثيرة يسما قبل شيء. # قال: ويجب أن تبنى الدلالة على ثلاث دعاوي فقط: إثبات الأعراض، وإثبات ~~حدوثها، وأن الجسم لم يخل منه، ويحصل عند العلم بهذه الثلاث العلم بحدوث ~~الجسم، وأن حكمها في الحدوث ولم يجعل الرابعة من جملة أصول الدلالة. # قال: وقد خالف أبو رشيد في ذلك سائر الشيوخ، فإنهم ذهبوا إلى أنها دعوى ~~واستدلوا عليها بأدلة. PageV01P189 # قال: وذكر قاضي القضاة أن الذي يعلم ضرورة هو أن الذات المعينة إذا لم تخل ~~من حادث معين فهي محدثة فأما إذا فرضناه في أنها لم تخل من حوادث كثيرة فهي ~~مكتسبة، والصحيح في هذا أنا فرضنا الكلام في أن ما تم يخل من المحدث فهو ~~محدث على سبيل الجملة فهو علم ضروري كالعلم بأن كل ظلم قبيح، وكذلك إذا ~~فرضناه في ذاتين معنيتين وعلمنا حدوث أحدهما بالضرورة وأن الآخر لم ms161 يخل ~~منها بالضرورة فإنا نعلم أنها محدثة بالضرورة ولا يصح في واحد من هذين أن ~~يكون دعوى، ولا يحتاج أن يستدل عليه، وإن كان لا بد من جعله أصلا من أصول ~~الدلالة، وإن فرضنا الكلام فإن الأجسام إذا لم تخل من الأعراض المحدثة ولم ~~يتقدمها وأن الجسم لم يخل منها وجب أن تكون محدثة فلذلك معلومه بالاستدلال؛ ~~لأنه مبني على ثلاثة أصول استدلالية: إثبات الأعراض وحدوثها، وأن الجسم لم ~~يخل منها، وما ابتنى على المكتسب فهو مكتسب، ويكون بهذه دعوى، ويصح فيها ~~الخلاف، وكذلك إذا فرضنا الكلام في الذات لم يخل من حادث قبله حادث، وقبل ~~الحادث حادث، فإن العلم بحدوث ما هذا حاله استدلالي يحتاج إلى نظر، وتطرق ~~إليه الشبهة كما ذكره القاضي، إذا عرفت هذا [95أ] رجعنا إلى المقصود وهو ~~الكلام في هذا الدعوى، والكلام فيها يقع في ثلاثة مواضع: # أحدها: في حكاية المذهب وذكر الخلاف. # والثاني: في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ماذهب إليه المخالف. # والثالث: في بيان شبههم التي يتعلقون بها وإبطالها. PageV01P190 # أما الموضع الأول: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف فمذهبنا أن الأجسام إذا ~~لم تخل من الأعراض المحدثة ولم يتقدمها وجب أن تكون محدثة مثلها، والخلاف ~~في ذلك مع ابن الرواندي وطائفة من الفلاسفة فإنهم قالوا: إن الأجسام لم تخل ~~من الأعراض المحدثة ولم يتقدمها، لكنها قديمة، والأعراض لم يحدث فيها حادث ~~قبله إلا ما لا أول له، فهذه الفرقة وافقتنا في الدعاوي الثلاث من إثبات ~~الأعراض وحدوثها، وأن الأجسام لا يخلو عنها، وجعلو خلافهم في هذه الدعوى ~~كما خالفت الفرق الثلاث منهم في الدعاوي الثلاث المتقدمة وغرض الجميع واحد ~~وهو التخلص من حدوث الأجسام والقدح في الدلالة على ذلك، وما ذكره ابن ~~الراوندي من حادث فله حادث إلى ما لا أول له هو قول من قال بقدم الأفلاك، ~~وأنها لا تنفك من حركة دورية يحدث فيها حركة قبلها حركة إلى ما لا أول له ~~ويستحل عليها السكون عندهم. # وأما الموضع الثاني: ms162 وهو في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ماذهبوا ~~إليه، فالذي يدل على ذلك وجوه: # الأول: ماذكره الشيخ (رحمه الله) قال الشيخ: الذي يدل على ذلك أن الجسم ~~إذا لم يخل من المحدثات فقد صار حكمه في الوجود كحكمها فكما أن لوجودهما ~~أول فذلك يجب أن يكون لوجود الجسم أول، وتحقيق ذلك أن الجسم إذا لم يخل من ~~الأعراض المحدثة ولم يتقدمها فقد شاركها، وحقيقة الحدوث وما شارك المحدث في ~~حقيقة الحدوث فهو المحدث مثله، وهذه الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن الجسم إذا لم يخل من الأعراض المحدثة ولم يتقدمها فقد شاركها ~~في حقيقة الحدوث. # والثاني: أن ما شارك المحدث في حقيقة [95ب] الحدوث وجب أن تكون محدثا مثله. PageV01P191 # أما الموضع الأول: وهو أن الجسم إذا لم يخل من الأعراض المحدثة يتقدمها فقد ~~شاركها في حقيقة الحدوث، فالذي يدل على ذلك أنا لا نعني بحقيقة الحدوث ~~الوجود الذي لوجوده أول أو ما تقدم لوجوده عدم، فإذا ثبت أن الأكوان محدثة ~~لوجودها أول، وثبت أن الجسم لا ينفك عنها ولم يسبقها فقد شاركها في حقيقة ~~المحدث، وحقيقة الحدوث لا محالة ولم يشاركها في أن لوجوده أول فكان لوجوده ~~لا أول له، وبطل قولنا أنه لم يخل منها ولم يتقدمها، ويصير الحال في ذلك ~~كالحال في زيد وعمرو، فإذا علمنا أن أحدهما لم يتقدم الآخر في الولادة، ثم ~~علمنا أن لأحدهما عشر سنين فإنا نعلم أن للآخر كذلك. # وأما الأصل الثاني: وهو أن ما شارك المحدث في حقيقة الحدوث وجب أن يكون ~~محدثا مثله، فالذي يدل عليه أن ثبوت حقيقة الشيء يقتضي بثبوت ذلك الشيء ~~المحقق، أو لا يجوز انفصال أحدهما عن الآخر، ولهذا كان الحد والمحدود ~~كالعبارتين الموضوعتين لمعنى واحد، ولزم من الإشتراك في أحدهما الإشتراك في ~~الآخر، ولهذا لا يجوز أن يثبت لأحد اللفظين وينفى بالآخر، فلا يجوز أن يقال ~~هذا محدث وما شارك المحدث في حقيقة الحدوث انتهى أو شاركه في حقيقة الحدوث ~~وليس بمحدث ينتهي بل ms163 يعد من قال ذلك مناقضا لكلامه. # الدليل الثاني: أن الجسم إذا لم يخل من الأعراض ولم يتقدمها وجب أن يكون ~~وجوده معها أو بعدها، وكل ما كان وجوده مع المحدث أو بعده فهو محدث مثله، ~~والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن الجسم لم يخل من الأعراض المحدثة ولم يتقدمها، وجب أن تكون ~~وجوده معها أو بعدها. # والثاني: أن ما وجد مع المحدث أو بعده فهو محدث مثله. # أما الأصل الأول: فالذي يدل عليه أنها قسمة حاضرة وبيان ذلك أنك تقول ~~الشيء لا يخلو إما أن يتقدم على غيره أو توجد معه أو بعده [96أ] ولا يعقل ~~قسم رابع باطل أن يتقدمه؛ لأنا قد أبطلنا أن يكون الجسم متقدما على الأعراض ~~في الدعوى الثالثة لم يبقى إلا أن توجد معه أو بعده. PageV01P192 # وأما الأصل الثاني: هو أن ما وجد مع المحدث أو بعده فهو محدث مثله فذلك ~~ظاهر في أن ما وجد مع المحدث فهو محدث مثله فأول وآخر ما وجد بعده أن يكون محدثا. # الدليل الثالث: أنهما لا يخلو إما أن يكونا قديمين معا، أو حديثين معا، ~~أو يكون أحدهما قديما والآخر محدثا باطل أن يكونا قديمين معا؛ لأنا قد بينا ~~في الدعوى الثانية أن الأعراض محدثة، وباطل أن يكون أحدها قديما والآخر ~~محدثا؛ لأنا سألناهم، فإن قالوا العرض هو القديم فقد بين حدوثه في الدعوى ~~الثانية، وإن قالوا الجسم هو القديم فباطل أيضا؛ لأنا قد بينا أنه لم يخل ~~من الغرض المحدث ولم يتقدمه في الدعوى الثالثة من حق القديم أن يكون متقدما ~~على المحدث تقدما لا أول له، فلم يبق إلا أنهما محدثين معا وهو الذي نقول. # وأما الموضع الثالث: وهو في بيان شبههم التي يتعلقون بها وإبطالها فلهم ~~شبه ثلاث: PageV01P193 # الشبهة الأولى: أن قالوا ليس عندكم أن الجسم لم يخل إلا أن الأكوان الحادثة ~~فيه الآن، ولم يلزم من ذلك أن يكون حادثا الآن، كما أنها حديث الآن وما ~~أنكرتم أنه وكذلك فيما مضى، ولم يخل منها ms164 ولا تجب إذا كانت محدثة أن يكون ~~محدثا، والجواب أنا لم نقتضي في دلالتنا على قولنا لم يخل منها بل صممنا ~~إلى ذلك ولم يتقدمها، وهذه عمدة الدلالة -أعني أن الجسم لم يتقدم الحوادث- ~~وهو الذي لا بد منه فيها حتى أنا لو قدرنا أن الجسم لم يتقدم الأكوان ~~الحادثة وإن كان وقد خلا عنها في بعض الأوقات لو صح ذلك لصحت الدلالة ~~واستقامت ولزم حدوث الجسم لم يتقدم الأكوان الحادثة، وبالعكس من ذلك أنه ~~لما ثبت أن الجسم لم يخل منها الآن ولم يثبت أنه لم يسعها لم يلزم من ذلك ~~حدوث ولم يدل [96ب] وقد خرج من هذا أن الذي يدل عليه، وقد خرج من هذا أن ~~الذي يدل على حدوث الأجسام من الأكوان هو الكون المطلق الحاصل عند الحدوث ~~فقط دون سائرها؛ لأنه حصل فيه هذه الشرائط، وهو أنه لم يسعها ما يحدث فيه ~~من بعد، فقد سبق الجسم ولكن لما لم يمكننا أن نسير إليه بعينه في الدلالة ~~ذكرناها جملة ليدخل فيها. # الشبهة الثانية: أنهم قالوا ليس عندكم أن الجسم لم يخل من الأعراض ~~المحدثة ولم يتقدمها، ولم يلزم أن يكون غرضنا مثلها فهلا جاز أن لا يخلو من ~~المحدثات ولا يلزم أن يكون محدثا مثلها، والجواب عليهم من وجوه: # الأولى: أنا نقول لهم هذا جمع بين أمرين من غير علة جامعة ولا طريق ~~ناضمة، وما هذا حاله لا يصح ولا يقبل ومن أين لكم أنه إذا لم يخل من العرض ~~ولم يبين هذين الأمرين، وهل هذا الإعتماد على مجرد الوجود الذي لا يصح ~~الإعتماد عليه والقياس على صور المسائل. PageV01P194 # الوجه الثاني: أنا نعارضهم بالتوأمين فإنا إذا علمنا أن أحدهما لم يتقدم ~~الآخر في الولادة، ثم علمنا أن لأحدهما عشر سنين فإن للآخر كذلك، ولم يلزم ~~بإشراكهما في وقت وجودهما وفي عدد السنين أن يشتركا في الجنس، بل قد يكون ~~أحدهما قرشيا والآخر حسنيا أو غير ذلك، فكان يلزم أن يكونا قرشيين جميعا أو ~~حسنيين جميعا فكما ms165 لا يلزم ذلك فكذلك في مسألتنا. # الوجه الثالث: أنا نعارضهم بالذاتين المعنيتين فإنا إذا علمنا أن أحدهما ~~لم يتقدم على الآخر، ثم علمنا أن أحدهما محدثة فإنا نعلم أن الآخر محدثة ~~فلم يلزم على ذلك إذا كانت أحدهما جسما أن يكون الآخر جسما فكذلك في الذوات ~~الكثيرة الموصوفة. # الوجه الرابع: وهو في التحقيق أنا نقول فرق بين ما ذكرنا وبين ما ذكرتم ~~ولا يصح القياس من ظهور الفرق، والفرق أنه في مسألتنا إذا ثبت أن الجسم لم ~~يسبق العرض وثبت أن العرض محدث مسبوق بالعدم فقد شاركه في حقيقة الحدوث وفي ~~الوجه الذي كان محدثا لأجله، وهو وجوده بعد أن لم يكن وسبق العدم له ولا ~~فرق في العقل بين أن يعلمه [97أ] الشيء محدث وبين أن يعلم أنه لم يتقدم ~~المحدث وليس كذلك فيما عارضونا به فإن العرض لم يكن عرضا لوجوده إن لم يكن ~~فيقال إذا شاركهم الجسم فيه فقد شاركه في الوجه الذي كان لأجله كان عرضا ~~فبطل ماذكروه في كل وجه. # الشبهة الثالثة: وهو إن قالوا أن الجسم قديم ومع ذلك فإنه لا ينفك عن ~~الكوان المحدثة ولكنها تحدث فيه حادث قبله حادث إلى ما لا أول له فأصولها ~~محدثة وجملتها قديمة، فلا يلزم من ذلك حدوثه، وهذه شبهة ابن الرواندي التي ~~بنا عليها كتابه الملقب ب(التاج) وقد سبق إلى القول الحادث قبل حادث إلى ما ~~لا أول له من قال بقدم الأفلاك من الفلاسفة، فإنهم ذهبوا إلى أنها لا تنفك ~~عن الحركة الدورية وهي حادثة في حركة قبلها حركة إلى ما لا أول لها ولا ~~بداية، وأخذ ما ذكروه وحرره شبهة. # والجواب عن ذلك من وجوه: PageV01P195 # الأول: أن هذه مناقضة ظاهرة فإنما يثبت للآحاد من غير شرط معقود من الجملة ~~وجب أن يثبت للجملة وتحقيقه أن أحكام الجمل والآحاد على أربعة أضرب، حكم ~~يثبت للآحاد ومن غير شرط مفقود في الجملة فيجب بثبوته في الجملة، وحكم يثبت ~~للجملة من غير شرط مفقود في الآحاد فيجب ms166 ثبوته في الآحاد، وكل حكم يثبت ~~للجملة شرط مفقود في الآحاد فيجب ثبوته في الآحاد وكل حكم يثبت فهذا لا يجب ~~أن يثبت للآحاد وكل حكم يثبت للآحاد بشرط مفقود في الجملة فهذا لا يجب ~~بثبوته للجملة فمثال الأول مسألتنا هذه فإنه قد ثبت أن كل واحد من الأكوان ~~محدث من غير شرط، فيجب أن تكون الجملة كذلك محدثة وإلا كان مناقضا، ومثاله ~~في غير مسألتنا أنه لما ثبت لكل واحد من الزنج أنه أسود من غير شرط مفقود ~~في الجملة وجب في جملتهم أن يكون أسود حتى لو لم يجب ذلك لا ينقض قولنا أن ~~كل واحد منهم أسود. # ومثال الثاني: أن يقول جملة الزنج سود فإن هذا يوجب أن يثبت لأحادهم لما ~~كان ثبوته للجملة من غير شرط. # ومثال الثالث: ماقد ثبت أن الأمة إذا اجتمعت [97ب] على شيء لم بجز عليهم ~~الخطا، ولا يجب ثبوت هذا الحكم لكل واحد منهم على انفراده بل يجوز عليه ~~الخطأ؛ لأن الحكم يثبت لجملتهم شرط اجتماعهم وهذا الشرط مفقود في الآحاد. # ومثال الرابع: جواز الخطأ على كل واحد من الأمة إذا انفرد ولا يلزم على ~~هذا جواز الخطأ عند الاجتماع؛ لأن الشرط لم يحصل وهو انفراده عن جملتهم. PageV01P196 # الوجه الثاني: أنا نقول قد ثبت آحادها محدثة والمحدث لابد له من محدث فلا ~~يخلو إما أن يكون أحدث نفسه أو غيرها باطل أن يكون أحدث نفسها؛ لأن ما يثير ~~الشك في نفسه محال؛ لأن إن أحدثت نفسها وهي معدومة فالمعدوم لا يؤثر في شيء ~~وإن احدث نفسه بعد وجودها فقد أستغنت وإيجاد الموجود محال، وإن كان غيرها ~~فلا يخلو إما أن يكون فاعلا أو علة وإن كان فاعلا وجب أن يكون متقدما؛ لأن ~~من حق الفاعل أن يكون متقدما على فعله ليصح منه أن يفعله وأن لا يفعله ~~وتخريجه من العدم إلى الوجود إذا سبق جميعها كانت محصورة من قبل أولها وثبت ~~ما قلناه من أنها محدثة وبطل ما ذهبوا إليه. # وإن ms167 كان علة فلا يخلو إما أن تكون قديمة أو محدثة إن كانت قديمة لزم قدم ~~جميعها جملتها وآحادها، وقد دللنا على أنها محدثة واتفقنا على أن آحادها ~~محدثة ثبت حدوث معلولها؛ لأن العلة لا يسبقها معلولها ولا يتقدم عليها، ~~وإلا بطل كونه موجبا عنها، ولا فرق بين أن تكون العلة واحدة أو أكثر من ذلك ~~في أن الدلالة واردة على الجميع. # الوجه الثالث: أنها لا تخلو إمأ أن تكون قديمة جميعها أو محدثة جميعها؛ ~~لأنا قد أتفقنا على أن آحادها محدثة وعلمنا ذلك وباطل أن يكون البعض قديما ~~والبعض محدثا؛ لأن ما ذكرناه في الدعوة الثانية من الدلالة على أن حدوث ~~الأكوان متناولا لجميعها وهي جواز القدم والبطلان عليها فلمك يبق إلا أن ~~تكون محدثة جميعها وهو الذي نقوله. PageV01P197 # الوجه الرابع: أن الجسم إذا كان قديما كما ذكروه ولم يخل من حادث إلى ما لا ~~أول له لم يكن بد من أن يكون في هذه [98أ] الأكوان التي تحدث إلا ما لا أول ~~له واحد مقارب لوجود الحسم والجسم غير سابق له في الجود ولا متقدما عليه إذ ~~لو سبق جميعها ولم يقارن في الأول شيئا منها لبطل ما اتفقنا عليه ودلت عليه ~~الدلالة من أنه لا يخلو من الأكوان ولا يسبقها، وهذا يوجب أن يكون فيها ~~ماهو قديم؛ لأن قولنا ما قارن القديم ولم يتقدم عليها فهو قديم لا محالة ~~كما أن ما قارن المحدث ولم يتقدم عليه فهو محدث ولا يجوز أن يكون في ~~الأكوان ماهو قديم لما تقدم في الدعوى الثانية. # وأما الأصل الثاني: وهو أن المحدث لابد له من محدث فالكلام فيه يقع في ~~ثلاثة مواضع: # أحدها: في حكاية المذهب وذكر الخلاف. # والثاني: في صحة ماذهبنا إليه وفساد ماذهبوا إليه. # والثالث: في تتبع أقوالهم بالإبطال. PageV01P198 # أما الموضع الأول: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف، فاعلم أولا أنا نعني ~~بالمحدث الذي لابد لكل محدث منه هو الفاعل المختار ولسنا نعني بذلك أنه لا ~~بد من مؤثر ما، ms168 وقد اختلف الناس في جميع ذلك، فاتفق العقلاء كافة أنه لا بد ~~من أمر ما لأجله محدث بعد أن لم يكن إلا ما يحكى عن طائفة من الدهرية في ~~جميع ذلك، فاتفق العقلاء كافة أنه لا بد من أمر ما فإنه يحكى عنهم أن ~~العالم لا صانع له ولا علة، ولعلهم أرادوا بذلك والأفلاك وتراكيبها لما ~~اعتقدوا قدمها دون الحدوث في العالم من الحوادث اليومية من النبات والحيوان ~~فلا بد من تعلقه بأمر ما، ثم اختلف القائلون بأنه لا بد من أمر ما لأجله ~~حدث العالم، فذهب أهل القبلة إلى أن فاعل العالم فاعل مختار وبه قالت ~~البراهمة، واليهود، والنصارى، وبعض عباد الأوثان، والخلاف في ذلك مع أربع ~~فرق وهم: الفلاسفة، والباطنية، وأصحاب النجوم والأفلاك، والطبايعية، فإن ~~هؤلاء ألقوا على نفي الصانع المختار على المحدث الذي يقوله المسلمون وإن ~~أطلق بعضهم لفظ ذلك، ثم اختلف القائلون بأنه لابد من صانع مختار على الحدث ~~[98ب] فذهب الجمهور من شيوخنا إلى أن كل محدث لابد له من محدث مختار للعالم ~~وغيره، وأنه لا يؤثر في الذوات إلا الفاعل وأن أثنوا الأسباب ففاعل السبب ~~فاعل المسبب وهو المؤيد في المسبب الحقيقة، وذهب أبو القاسم البلخي ومن قال ~~بقوله إلى إثبات الطبائع والخواص لبعض الأجسام، وأنها تؤثر في بعض الحوادث ~~وإن كان الله تعالى هو الفاعل للأجسام وطابعها وقادر على اتخاذ تلك الحوادث ~~عن الطبع من غير واسطة الطبع فأجازوا أن تكون في الحوادث ما يصدر عن الموجب ~~كما أن فيها ما يصدره عن المختار، وذهبت المطرفية إلى إثبات الصانع ~~المختار، ولكن قالوا إنه لا يؤثر إلا في أصول الأشياء، وهي الهواء، والماء، ~~والريح، ومنهم من زاد النار مع ذلك وقالوا هذه هي المؤثرة في العالم ~~بالإحالة والاستحالة ولم يتوله تعالى تأثير PageV01P199 فيه. # ومنهم من قال أنه يؤثر مع ذلك في المعجزات والنعم وما عدا ذلك لا تأثير ~~له فيه حتى أن منهم من قال لو عدم تعالى عن ذلك لا يستقل العالم ونفى ms169 ماهو ~~عليه من الحوادث التي تحدث فيه ويعود إلى حكاية قول من نفى المختار. # أما الفلاسفة فإنهم يقولون أن ذات الباري علة قديمة قد صارت عنها عقل ~~واحد أن الباري واحد لا يصدر عنه إلا واحد، ثم صدر عن هذا العقل الذي صدر ~~عنه ثلاثة أشياء عقل وفلك ونفس، فلك لأنه يكثر من ثلاث جهات وجود ووجوده من ~~نارية وإمكان وجوده في نفسه وعقله لباريه وهو الذي صدر عنه المتوسط في ~~الشرق وهو نفس الفلك واحتبسها إمكان وجوده في نفسه وهو الذي صدر عنه الأحسن ~~وهو الفلك، ثم صدر من الثاني عقل، وفلك، ونفس، فلك حتى انتهت العقول إلى ~~عشرة، والأفلاك إلى تسعة، وأنفس الأفلاك إلى تسعة والعقل الأخير وهو العاشر ~~احتبسها وهو المؤثر في عالم الكون والفساد. # وأما الباطنية فإنهم يقولون أن ذات الباري علة قديمة، ثم صدر عنها ~~السابق، ثم صدر من السابق الثاني وصدر عن الثاني النفس الكلية فتحركت فجعلت ~~من حركتها الحرارة ثم سكنت فمصت البروده، ثم تولد من الحرارة [99أ] اليبوسة ~~من البرودة والرطوبة، ثم حصلت من هذه أربعة أصول وهي: الهواء، والماء، ~~والأرض، والنار، فهذه إن امتزجت اعدل الإمتزاج وأتمه حصل منه الحيوان، وإن ~~امتزجت إمتزاجا متوسطا حصل منها النبات، وإن امتزجت دون ذلك في الإعتدال ~~حصل منها المعادن، و..... التأثيرات إليها ويقولون أن السابق، والثاني ~~الإلهان وهما الموصوفان بما في القرآن الكريم من صفات القدرة والعلم، وغير ~~ذلك، فأما الباري تعالى فلا يطلق عليه شيء من الصفات؛ لأن ذلك يقتضي التشبه ~~ولهم حكايات مختلفة. # وأما أصحاب النجوم فإنهم يقولون سبعة أفلاك، وهي: الشمس، والقمر، وزحل، ~~والمريخ، والمشترى، وعطارد، والزهرة. PageV01P200 # وأما الطبائعية فإنهم يقولون بالطبع والاستحالة، وكذلك المطرفية وإنما ~~ذكرناهم مع الكفر لأنهم وإن أقروا بالصانع فقد نفوا أن يكون له اختيار في ~~شيء من أفعال الأمهات الأربع وهي الماء، والنار، والأرض، والهواء، وقالوا ~~هي حاصلة بالفطرة والتركيب، وأضافوا التأثير إليها وأن النبوة فعل الشيء ~~بنفسه ويتفقوا أكثر أفعاله تعالى نحو الأرض، والأسقام، وموت ms170 الطفل الصغير، ~~وكلما نفرت عنه النفوس فليس من خلقه نحو الحربيات، وغيرها، وموت من لم يبلغ ~~مائة وعشرين سنة فشاركوا ...... والمجوس في ذلك، وقد أكذبهم الله تعالى ~~بقوله: {كل يوم هو في شأن} وقد أيضا جهلوا محمد، وخطئوا جبريل حيث لم يسأل ~~محمد ما ينفع ولده إبراهيم حتى قضى إلى الموت، وأخطأ جبريل حيث لم يعلم ~~محمدا ما ينتفع به ولده إبراهيم، فإنه لو أعلمه لما مات، فقاتلهم الله ~~تعالى، وهم كما قال الإمام المتوكل على الله أحمد بن سليمان لما نظرهم ~~يشتغلون بما لا يجب ولا يجوز فعله ويتركون الواجب الحتم فعلمت أنهم ~~الأخسرون أعمالا {الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا}. # وابتداء مذهبهم سنة خمسين وأربعمائة وأن أسسه مطرف بن شهاب، وكان رجلا ~~مغمور بالجهل متمسكون الغواية وجهله. # وأما الموضع الثاني: وهو في الدليل على صحة ماذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا ~~إليه، فالذي يدل على ذلك دليلان: # أحدهما: أن العالم وجد بعد أن لم يكن فلا بد من أمر أثر في وجوده [99ب] ~~وذلك الأمر ليس إلا الفاعل المختار، وهذه الدلالة مبنية على ثلاثة أصول: # أحدها: أن العالم وجد بعد أن لم يكن. # والثاني: أنه لابد من أمر أثر في وجوده. # والثالث: أن ذلك الأمر ليس إلا الفاعل المختار. # أما الأصل الأول: وهو أن العالم وجد بعد أن لم يكن فالذي يدل عليه قد ~~تقدم بيانه حيث بينا حدوث الأجسام وهو دليل الدعاوي فثبت الأصل الأول. PageV01P201 # وأما الأصل الثاني: وهو لابد من أمر أثر في وجوده فالذي يدل على ذلك وجهان: # أحدهما: أنه لا خلاف بين جميع العقلاء في أنه لا بد من أمر لأجله حدثت ~~هذه الحوادث إلا ما يحكى عن فرقة من الدهرية إنما وقع الخلاف في تعيين ذلك ~~الأمر، ومع اتفاق الخصوم على ذلك لا يحتاج إلى الدلالة عليه من طريق الجدل، ~~وإن كان من ذلك لا يكفي من طريق العلم بل لا بد من دلالة أخرى. # الوجه الثاني: أن هذا ms171 معلوم ..........نأمل فإنا إذا علمنا أن العالم كان ~~معدوما ثم حصل بعد أن لم يكن فإنه يعلم أنه لابد من أمر ما لأجله يحدد فيها ~~هذا الوقت من ذاته أو أمر يحدد عنها من موجب أو مختار إذ لو لم يكن هناك ~~أمرا لما كان بأن ينفي على ماكان عليه من العدم أولى من أن يحدد عليه ~~الوجود وهذا ظاهر، وقد ذكر الفقيه حسام الدين أحمد بن أحمد (رحمه الله) في ~~(العمدة) أن العلم بالصانع على سبيل الجملة ضرورة، قال: لأنا لا نعلم أنه ~~لا بد من أمر لأجله حدث ثم إذا نظرنا في تفصيل ذلك الأمر علمنا بالدلالة ~~على أنه فاعل مختار وذلك هو متعلق العلم الجملي، وذكره قاضي القضاة في ~~(.....) أنه لا يعلم ضرورة لابد له من محدث للحوادث ولا يعلم ضرورة إنما ~~أنه لابد من أمر ما لأجله حدث إلا في أفعالنا، فإنا نعلم ضرورة وجوب تعلقها ~~مقصودنا ودواعينا وذلك تعليقها بنا على الجملة، فأما في غير ذلك فلا نعلم ضرورة. # قال: ولهذا وقع فيه الخلاف وذهب بعضهم أن المتولدات حدثت ولا محدث لها ~~ولم يعقلها بطبع ولا غيره. PageV01P202 # وأما الأصل الثالث: وهو أن ذلك الأمر ليس إلا الفاعل المختار فالذي يدل على ~~ذلك أنه إذا ثبت أنه لابد من أمر فذلك الأمر لا يخلو إما أن يكون ذاته أو ~~غيره والغير لا يخلو إما أن يكون فاعلا أو علة، والعلة لا تخلو إما أن تكون ~~موجودة أو معدومة، والموجودة لا تخلو إما أن تكون لوجوده أول أول، والأقسام ~~كلها باطلة [100أ] سواء أن المؤثر هو الفاعل المختار أم أنه لا يجوز أن ~~يكون هو الذي أثر في ذاته فلأن ذاته ثابتة في حال العدم فكان يلزم أن يكون ~~موجودا في الأزل، وقد أبطلنا أن يكون قديما دلتنا على حدوثه وتحقيق هذا ~~الوجه أنه إذا أثر في نفسه فتأثير لا يخلو إما أن يكون على وجه الإيجاب أو ~~على وجه الاختيار. # فإن كان على وجه الإيجاب حصوله ms172 فيما لم يزل؛ لأن المعدوم حاصل وإن كان ~~على وجه الاختيار فذلك محال؛ لأن المختار يجب أن يكون حيا قادرا، والمعدوم ~~ليس كذلك. # الوجه الثاني: أنه لا يخلو إما أن يؤثر في ذاته وهو معدوم، أو يؤثر فيها ~~وهو موجود باطل أن يوجدها في حالة عدمه؛ لأن المعدوم لا تأثير له في شيء من ~~الأشياء من غيره ولا نفسه، ولو جاز في نفسه وهو معدوم لجاز أن يؤثر في ~~الأجسام بعد وجوده؛ لأن حال الموجود في التأثير أقوى من حال المعودم، وإن ~~أثر في نفسه في حالة الوجود فاتخاذ الموجود محال. # الوجه الثالث: أن العالم لو جاز أن يكون محدثا لنفسه لجاز في أفعالنا أن ~~تكون محدثة لأنفسها، وبطل إضافتها إلينا وتعلقها بنا، وذلك محال فبطل أن ~~يكون هو المؤثر في ذاته، ولا يجوز أن يكون المؤثر فيه علة معدومة لوجهين: # أحدهما: أن العدم ثابت في الأول فكان يلزم أن يكون العالم قديما، وقد ~~أبطلنا قدمه. PageV01P203 # الوجه الثاني: أنه لو حدث لعلة معدومة لوجب حدوثه دفعة واحدة، وفي علمنا ~~لحصول الحوادث أشياء فتسما دلالة على خلاف ذلك، وهذا الوجه يكون روحها أيضا ~~في أن العالم لم يحدث لنفسه على وجه الإيجاب، ولا يجوز أن يكون المؤثر فيه ~~علة قديمة لوجوه: # الوجه الأول: أنه كان يلزم قدمه وقد دللنا على حدوثه. # الوجه الثاني: إن كان يلزم وجوده دفعة واحدة؛ لأن العلة تؤثر على سبيل ~~الإيجاب، والمعلوم خلاف ذلك فإن اتخاذ الأسباب في ابتداء خلقه قد يكون ~~نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاما، ثم جنينا، ثم طفلا، ثم شابا، ثم كهلا، ~~وكذا البقلة قد تكون بقلة، ثم قصبة، ثم سنبلة، فعلمنا أنها لم توجد دفعة واحدة. # الوجه الثالث: إن كان يلزم أن يكون العالم بصفة واحدة من هواء أو ماء أو ~~نار أو طين ومن جماد [100ب] أو حيوان وفي علمنا باختلاف ضروب الموجودات من ~~الجمادات والحيوانات وما سبيل عليها كل واحد منها من الأصناف المختلفة مع ~~حصول الموجب معها على ms173 سواء دلالة على أنه لا بد من فاعل مختار، فإن قالوا ~~إنها إنما اختلفت لأنها صدرت عن موجبات كثيرة مختلفة. # قلنا: إن هيولا مدة هذه الأشياء المختلفة عندكم متفقة، وإنما اختلفت ~~صورها فلم تختص لبعضها ما يوجب كونها هواء بالبعض الآخر ما يوجب كونه ما ~~أولى من العكس، فإن قالوا معترض على الوجه الأول وإنما لم توجد في الأول ~~لعدم شرط أو حصول مانع، قلنا هذا الشرط لا يخلو إما أن يكون قديما أو محدثا. # إن كان قديما لزم قدم العالم لحصول الموجب، والشرط فإن كان محدثا افتقر ~~في حدوثه إلى أمر كالعالم، وذلك الأمر إما موجب أو مختارا، فإن كان مختارا ~~فقد قروا بالصانع المختار واستغنينا عن الدلالة عليه وعلقنا الحوادث به، ~~وإن كان موجبا فهل هو قديم أو محدث وإذا كان قديما فهذا وجه شرط أو لا شرط ~~وتعود القسمة من أصلها ويتسلسل ويلزم قدم العالم بأن ينتهي إلى موجب قديم ~~أوجب من غير شرط أو شرط قديم. PageV01P204 # وإن قالوا: إنا لم نوجد في الأزل لمانع، قلنا: فذلك المانع لا يخلو إما أن ~~يكون قديما أو محدثا، إن كان قديما فكان يلزم أن لا يوجد العالم؛ لأن ~~المانع حصل في جميع الأوقات؛ لأنه قديم والقديم لا يجوز عليه العدم ~~والبطلان على ما تقدم، ولو سلمنا جواز العدم على المانع القديم فلابد من ~~أمر لأجله عدم بعد الوجود فإما أن يكون مختارا فقد أقروا بالمختار، وإما ان ~~يكون قديما موجبا لزم عدم المانع في الأزل فإن وقف في إيجابه لنفي المانع ~~على شرط فذلك الشرط إما قديم أو محدث. # وتعود القسمة المتقدمة فإن كان الموجب لا ينفي المانع محدثا فلابد من أمر ~~لأجله حدث وتسلسل كما تقدم، وإن كان المانع محدثا لزم وجوده في الأزل؛ لأن ~~المانع إذا كان محدثا لم يكن له تأثير في الأزل، ولا يجوز أن يكون موجودا ~~لعلة محدثة لوجهين: # أحدهما: أنه كان يلزم وجوده دفعة؛ لأن العلة تؤثر على سبيل الإيجاب. # الوجه الثاني: أن ms174 الكلام في هذه العلة المحدثة الكلام في العالم في أنه ~~لابد لها من أمر لأجله حدث، وذلك الأمر إما [101أ] مختار أو موجب، والموجب ~~موجود أو معدوم، والموجود قديم أو محدث فتعود القسم في العلة المحدثة وكذلك ~~في عليها حتى يبتني الكلام إلى علة قديمة فيلزم قدم العالم أو تسلسل إلى ما ~~لا نهاية له وهو محال فإذا بطلت هذه الأقسام لم يبق إلا الفاعل المختار وهو ~~الذي أردناه. # الدليل الثاني: ماذكره الشيخ (رحمه الله) على أن المحدث لا بد له من ~~محدث، قال الشيخ: الذي يدل على ذلك أن لنا أفعالا وتصرفات هي محدثة وهي ~~محتاجة إلينا، وإنما احتاجت إلينا لأجل حدوثها فإذا شاركتها الأقسام في ~~الحدوث وجب أن تشاركها في الإحتياج إلى محدث، وهذه الدلالة مبنية على خمسة أصول: # أحدها: أن لنا أفعالا وتصرفات. # والثاني: أنها محدثة. # والثالث: أنها محتاجة إلينا. # والرابع: إنما أحتاجت إلينا لأجل حدوثها. PageV01P205 # والخامس: أن الأجسام إذا شاركتها في الحدوث وجب أن تشاركها في الحاجة إلى محدث. # أما الأصلان الأولان: فقد تقدم بيانهما في الدعوتين الأولتين؛ لأنا قد ~~بينا إثبات الأعراض وحدوثها وهي أفعالنا من الحركات والسكنات، وقد دخل فيها ~~إثبات سائر الأعراض وحدوثها؛ لأن الطريقة في الجميع واحدة. # وأما الأصل الثالث: هو أنها محتاجة إلينا فمعنى احتياجها إلينا هو أنه ~~لولا نحن لما وجدت، وإن شئت قلت أن الحالة من أحوالنا في حالة من أحوال ~~العقل تأثير مثل كوننا قادرين، فإن لنا تأثير في صحة الفعل، وإن يكون ~~الواحد منا عالم له تأثير في أحكام العقل، والدليل على أنها محتاجة إلينا ~~أنها توجد بحسب قصورنا ودواعينا، وتنتفي بحسب كراهتنا وصوارفنا مع سلامة ~~الأحوال إما محققا وإما مقدرا فلولا حاجتها إلينا وإلا لما وجب فيها هذه ~~القضية وهذه الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنها توجد بحسب مقصودنا ودواعينا وتنتفي بحسب كراهتنا وصورافنا ~~مع سلامة الأحوال إما محققا وإما مقدرا. # والثاني: أنها لولا حاجتنا إليها وتعلقها بنا لما وجبت هذه القضية. # أما الأصل الأول: فينبغي ms175 أن نبين حقيقة القصد والداعي والصارف والكراهة، ~~ثم نبين ما نريده بقولنا مع سلامة الأحوال إما محققا أو مقدرا، ثم يدل بعد ~~ذلك على أنها توجد بحسب مقصودنا ودواعينا، وتنتفي بحسب كراهتنا وصوارفنا. # فحقيقة القصد هي الإزالة المقارنة للفعل إذا كان فاعلها وفاعل المراد واحد. # قلنا: هي الإرادة المقارنة احتراز من المتقدمة فإنها لا تسما قصد وإنما ~~تسما عرفا. PageV01P206 # قلنا: إذا كان فاعلها وفاعل المراد واحدا احترازا من أن يزيد قيام زيد ~~موافق عند الإرادة فقيامه هذا لا يسمى قصد، وحقيقة الداعي وهو ما يرجح وجود ~~العقل على عدمه، وليس يؤثر فيه احتراز من القدرة، وحقيقة الصارف ما يرجح ~~عدم الفعل على وجوده وليس بمؤثر فيه، وحقيقة الكراهة هي المعنى التي متى ~~اختص بالحي أوجب كونه كارها، وقلنا الحي ليدخل القديم تعالى، وتزيد سلامة ~~الأحوال أن تخلص داعي الواحد منا إلى اتخاذها فلا يكون له صارف عنها، وأن ~~يزيد الداعي على الصارف، وأن ينفي الموانع، وتزيد سلامة الأحوال في التقائه ~~بحسب الصارف أن يتخلص الصارف أو يترجع الصارف على الداعي، وينبغي الإلجاء ~~إلى الفعل، ومثال ذلك أن تكون دواعيه متوفرة إلى أكل الطعام بالجوع الشديد، ~~وغير ممنوع وقادر عليه، ولا صارف له عنه اختلاف إن كان معه صارف، فالدواعي ~~مترجحة عليه نحو أن يكون يخشى الموت من ترك الأكل، وتصريفه وقوع ذباب في ~~الطعام، فأما إذا لم يخشى الموت من تركه ويرجح الصارف بأن يكون مسموما أو ~~يمنعه مانع فأحواله غير سليمة، ويزيد بالتحقيق فعل العالم المميز لفعله ~~الذي يوجد بحسب رصده ودواعيه، ويزيد بالعذر فعل الساهي والنائم فإنه وإن لم ~~يوجد بحسب قصده ودواعيه .....فهو يوجد بحسب قصده ودواعيه مقدرا على معنى ~~أنه لو كان في حال اليقضة لما وجد إلا بحسب قصده ودواعيه محققا، وبهذا يضاف ~~إليه بدليل أنه يقف على ما فيه من العذر فيفعل بعلتها ويكثر بكثرتها، ولهذا ~~فإن النائمين يتحادثان النوب في حالة نومهما فيستبد به أريد بها قدر. PageV01P207 # وأما الدليل على أنها تودد بحسب ms176 قصودنا ودواعينا وينبغي بحسب كراهيتنا ~~وصوارفنا فالذي يدل عليه أنا قد علمنا أن الواحد منا متى علم أنه له في ~~القيام منفعة عظيمة، وليس عليه مضرة وهو قادر عليه وغير ممنوع منه، فإنه ~~يوجد منه بكل حال وهذا يعلمه كل عاقل من نفسه ضرورة متى أنه لولا أنه لو لم ~~يوجد منه مع توفر الدواعي، وانتفاء الصوارف، وزوال الموانع لعلمنا أنه قادر ~~عليه وبهذه الطريقة علمنا أن العرب قادرين على معارضة العربي، وإما أنه ~~ينتفي بحسب كراهيته وصوارفه فلأنا قد علمنا أن الواحد منا متى علمنا أن ~~عليه في الخروج إلى المسجد مضرة وليس له فيه منفعة وهو قادر عليه وهو ملجأ ~~إليه فإنه يجب أن لا يفعله بكل حال، وذلك معلوم ضرورة. # وأما الأصل الثاني وهو أنه لولا حاجتها إلينا وتعلقها بنا وإلا لما وجبت ~~فيها هذه القضية، فالذي يدل على ذلك أن أفعال غيرنا لا تقف على أحوالنا، بل ~~قد توجد وإن كرهنا وجودها، وقد لا يوجد، وإذا أردنا وجودها لما لم تكن ~~محتاجة إلينا فثبت أن أفعالنا محتاجة إلينا في حدوثها. # وأما الأصل الرابع: وهو إنما احتاجت إلينا لأجل حدوثها فالذي يل على ذلك ~~وجوه ثلاثة: # الأول: ما ذكره الشيخ (رحمه الله) وهو قوله الذي يدل على ذلك أن الذي ~~يحصل بحسب أحوالنا هو حدوثها والمراد بحسب أحوالنا-أي قصودنا ودواعينا- ألا ~~ترى أنا إذا أردنا حدوثها حصلت، ومتى كرهنا حدوثها لم تحصل، فثبت أن وجه ~~حاجتها إلينا هو حدوثها، ولهذا فإن أفعال غيرنا لما لم تكن محتاجة إلينا لم ~~تصح منا. PageV01P208 # الوجه الثاني: أنها لا تخلو إما أن تكون محتاجة إلينا لأجل عدمها أو لأجل ~~بقائها، أو لأجل حدوثنا، أو لتحدد وجودها بقائخا محال أن تحتاج إلينا لأجل ~~عدمها؛ لأنها كانت معدومة ونحن معدومون، وحاجة المعدوم إلى المعدوم محال، ~~ولا يجوز أن تحتاج إلينا لأجل بقائها؛ لأنه كان يلزم إذا مات الكاتب، ~~والثاني أن تنتفي الكتابة......لأجل موتهما، والمعلوم خلافه فإنه ينفى وإن ~~كان معدوما فضلا عن خروجه عن ms177 كونه حيا فلم يبق إلا أنها إنما احتاجت إلينا ~~لأجل حدوثها، وقد اعترض هذان الوجهان بأن قيل: إنهما لا يدلان إلا على أنها ~~إنما جاءت إلينا في حدوثها دون غيره، وسائر أحوالها، وليست إذا احتاجت لأجل ~~حدوثها أن تكون علة الحاجة هي الحدوث، ولابد في ذلك من دلالة أخرى على أنها ~~إنما احتاجت إلينا لأجل حدوثها أن تكون على الحاجة هي الحدوث ولابد في ذلك ~~من دلالة أخرى على أنها إنما احتاجت إلينا لأجل حدوثها، فغن قيل: إن حال ~~حدوثها في حالة الإستغنا عن المحدث، فكيف يجوز أن يكون الحدوث علة في ~~الحاجة إلى المحدث وإنما احتاجت إليه في حالة عدمه، وعند حصول الحدوث يزول ~~الحكم وهو الإحتياج، ومن حق حكمه العلة أن تكون حاصلا عند حصولها. # قلنا: إن هذه علة كاشفة لا موجبة، والغرض أن الحدوث يكشف عن الحاجة إلى ~~محدث في حالة العدم ليخرجه إلى الموجود فالعلة الكاشفة يجوز أن تكون متأخرة ~~عن الحكم، وإنما يجب المقارنة في العلة الموجبة نحو الحركة، فيثبت أن ~~حاجتها إلينا لأجل حدوثها، وهو الوجود بعد أن لم تكن. PageV01P209 # الوجه الثالث: أن الحكم ثبت بثبات هذه العلة، ويزول بزوالها، فلأنا قد ~~علمنا أن الحدوث لما حصل في أفعالنا وجب احتياجها إلى محدث، وكشف عن ذلك، ~~ولما لم يحصل في المعدومات والقديم، ثم يحتج إلى محدث مع بقائها معلومة، ~~وإنما أنه ليس هناك ما يتعلق الحكم به أو لا من الحدوث لجوزنا في المعدوم ~~مع بقائه على العدم، وكذلك النافي في حال بقائه، والقديم أن يكون محتاجه ~~إلى محدث وإن لم يكن محدثه بأن تحصل هذه العلة التي هي أولا من الحدوث ~~أوكان يجوز في أفعالنا أن لا يحتاج إلينا، وأن يحصل الحدوث لئلا تحصل تلك العلة. # وأما الأصل الخامس: وهو أن الأجسام إذا شاركتها في الحدوث وجب أن تشاركها ~~بالاحتياج إلى محدث، فالذي يدل على ذلك أن من حق كل شريكين اشتركا في على ~~حكم أن يشتركا في ذلك الحكم؛ لأن العلة موجبة ms178 لحكمهما، والاشتراك فيها يوجب ~~الاشتراك فيه، فلو حصلت بعض المواضع ولم يحصل لعاد على كونها علة فيه ~~بالنقض والإعادة على أصل تلك العلة بالنقض والإبطال، فإن قيل: إذا قلتم أن ~~العلة في حاجة أفعالنا إلينا هو حدوثها فهذا يوجب عليكم أن تحتاج الأجسام ~~إلينا لحدوثها، ولا تحتاج إلى محدث آخر، وهذا مع كونه محال، ويعود على ~~عرضكم من اثبات محدث الأجسام بالنقض والإطال. # قلنا: إن النقض في احتياجها إلينا هو حدوثها منا لا حدوقها فقط، والعلة ~~احتياجها إلى محدث هو حدوثها فقط، والأجسام لم تحدث منها، وقد حصل فيها ~~الحدوث المطلق فيجب أن تحتاج إلى محدث ما لم يدل بعد ذلك على أن لا محدث له ~~سوى الله تعالى في الأصل الثالث إن شاء الله تعالى. # واعلم أن هذه العلة التي جمعنا بها بين الشاهد والغائب في هذه المواضع هي ~~التي تسمى علة الحكم عند المتكلمين عند وهي أحد الطرق الرابطة بين الشاهد ~~والغائب، وجملة الطرق......بينهما أربع: # أحدها: هذه وهي علة الحكم. # والثانية: طريقة الحكم. # والثالثة: ما تجري مجرى العلة. # والرابعة: طريقة الأولى. PageV01P210 # أما علة الحكم فإنها ثبت في الشاهد، ثم وجد منها في الغائب وجب أن يثبت ~~الحكم في الغائب كثبوته في الشاهد، فإنا نقول إذا كانت العلة بحاجة أفعالنا ~~إلى محدث هةو حدوثها فلا شك أن الأجسام قد شاركتها في الحدوث فجيب أن ~~تشاركها في الاحتياج إلى محدث وإلا عاد على أصل تلك العلة بالنقض والإبطال، ~~وهاهنا أصل وفرع، وعلة وحكم، فالأصل هي أفعالنا، والفرع أفعال القديم ~~تعالى، والعلة هي الحدوث، والحكم هو الاحتياج إلى محدث، فإذا كان الفرع هو ~~أفعال القديم تعالى شارك الأصل وهي أفعالنا في العلة وهي الحدوث وجب أن ~~يشاركها في الحكم وهو الاحتياج إلى محدث وليست هذه علة حقيقية؛ لأن العلة ~~الحقيقية عند المتكلمين هي كل ذات أوجبت لذات أخرى صفة أو حكما....على ~~الوجود، وإنما سميت هذه علة على وجه التجوز لمشابهتها للعلة الحقيقية من ~~حيث وجب حصول الحكم عند حصولها. PageV01P211 # والثانية: طريقة ms179 الحكم، ومثالها قولنا: إن الطريق إلى العلم يكون الواحد ~~منا قادرا هي صحة الفعل منه ويعذره على غيره، فإذا علمنا أنه حصل من أفعال ~~الباري تعالى ما يتعذر على غيره اتخاذه وجب أن يكون قادرا كما يكون في ~~الشاهد، وإلا عاد على كونه طريقا للنقض والإبطال، وهاهنا أصل وفرع وعلى ~~وحكم، فالأصل هو الواحد منا، والفرع هو القديم تعالى، والعلة صحة الفعل، ~~والحكم كونه قادرا فإذا كان الفرع وهو القديم قد شارك الأصل وهو الواحد منا ~~في العلة وهي صحة الفعل وجب أن يشاركه في الحكم وهو كونه قادرا، وإنما سميت ~~هذه طريقة الحكم؛ لأنه طريقة إلى الحكم ودالة عليه، وهذا المعنى هو الذي ~~يشترك فيه في هذه الطرق الرابطة جميعها؛ لأنها أدلة على الحكم، ولكنا سمينا ~~الولى علة الحكم لما ذكرنا من الشبه، ولم يحصل مثلععه في هذه الطريقة وإن ~~وجب الحكم عندهما؛ لأن الشبه بعد وجه آخر وهو أن صحة الفعل مقتضيا عن كوه ~~قادرا فلم يحصل التجوز بأنها علة؛ لأن الأمر بالعكس من ذلك، فلهذا كان ~~الفرق بينهما من هذا الوجه. PageV01P212 # الطريقة الثالثة: وهي ما تجري مجرى العلة، مثل ما يقول من أنه لا يصح وقوع ~~الأفعال من الواحد منا على وجه مختلفة من كون كلامه أمر أو خبر او نهيا أو ~~تهديدا إلا متى كان مريدا، فإذا علمنا أن الأفعال وقعت من الباري تعالى على ~~تلك الوجوه المختلفة وجب أن يقضي أن يكون مريدا وإلا عاد على علمنا في ~~الشاهد من أن الفعل لا يقع على هذه الوجوه إلا بكونه مريدا دون غيره بالنقض ~~والإبطال وهاهنا أصل وفرع، وعلة وحكم، فالأصل عهو الواحد منا، والفرع هو ~~القديم تعالى، والعلة وقوع الأفعال على وجوه مختلفة، والحكم كونه مريدا ~~فإذا كان الفرع وهو القديم تعالى قد شارك الأصل وهو الواحد منا في العلة ~~وهي وقوع الأفعال على وجوه مختلفة وجب أن يشاركه في الحكم، وهو كونه مريدا ~~وإنما لم يسم هذه الأفعال بأنها علة الحكم؛ لأن كونه مريدا ms180 هو المريد في ~~وقوع الأفعال على الوجوه المختلفة فلم يحسن التجوز؛ لأن وقوعها عليها علة ~~في كونه مريدا وتعد الشبه كما ذكرنا في طريق الحكم ولم يسمها أيضا بأنها ~~طريقة الحكم؛ لأن وقوع الأفعال على الوجوه المختلفة ليس بطريق في الشاهد ~~إلى كون أحدنا مريدا بالإضرار إلى ذلك عند طرائق الأحوال، فلذلك لم يسمها ~~طريقة الحكم وإن كانت طريقة إليه في الغائب بخلاف صحة الفعل فإنه طريق إلى ~~كونه قادرا شاهدا على وغائبا فخص بأنه طريقه الحكم، وسمينا هذه بأنها تجري ~~مجرى العلة لوجوب كونه مريدا عند وقوع الأفعال على الوجوه المختلفة فتجري ~~مجرى العلة من هذه الوجوه فإن قيل إذا كانت هذه العلة قد أشبهت الطريقة ~~الأولى من وجه وأشبهت الثانية من وجه، فلم قلتم ما يجري مجرى العلة ولم ~~تقولوا ما يجري مجرى الطريقة مع استوائهما. PageV01P213 # قلنا: إنا لو قلنا ما تجري مجرى الطريقة لأوهم في ذلك أن وقوع الأفعال على ~~الوجوه المختلفة ليست بطريق إلى الحكم شاهدا ولا غائبا وليس كذلك فإنها ~~طريق إليه في كل من يثبت حكمته فتعين أن سببها بما يجري على العلة، وظهر ~~الفرق بينها وبين علة الحكم، وطريقة الحكم الرابعة طريقة الأولى، ومثاله ما ~~يقوله في أنا متى علمنا أن الواحد منا إذا كان عالما يقبح القبائح، وغنيا ~~عن فعلها، وعالما باستغنائه عنها، فإنا نعلم أنه لا يفعل القبيح فإذا علمنا ~~اجتماع هذه الأوصاف في الباري تعالى على أبلغ الوجوه وأوفاها علمنا أنه لا ~~يفعل القبيح أولى وأخرى؛ لأن العلة إذا كانت في الفرع أكمل وأتم كان حصول ~~الحكم فيها أولا وأحق؛ لأنها تابع لها في حصوله، وإنما قلنا: إنها حصلت في ~~الفرع أكمل وأتم فلأنه تعالى عالم لذاته، والواحد منا عالم بعلم وغني لا ~~يجوز عليه الحاجة، والواحد منا غني بشي عن شيء فكان القديم أبلغ، فجيب ثبوت ~~الحكم في الغائب كثبوته في الشاهد، وإلا أعاد على أصل تلك العلة بالنقض ~~والإبطال، وهاهنا أصل وفرع، وعلة وحكم، فالأصل الواحد منا، والفرع ms181 القدين ~~تعالى، والعلة كونه عالما بقيح القبيح، وغنيا عن فعله، والعلم بالإستغنا ~~عنها، والحكم أنه لا يفعل القبيح، فإذا كان الفرع وهو القديم قد شارك الأصل ~~وهو الواحد منا في العلة وهو اجتماع هذه الأوصاف على أبلغ الوجوه وجب العلم ~~بقبح القبيح والغنا عن فعله وجب أن يشاركه في الحكم، وهو كونه لا يفعل ~~القبيح أولا وأخرى، ولم يسم هذه الطريقة علة الحكم، وإن كانت كالطريقة ~~الأولى في وجود حصول حكمها عند حصولها؛ لأن التجوز يعد من وجوه أخر وهو أن ~~العلة هاهنا مركبة من أوصاف ثلاث، ومن حق العلة الحقيقية أن تكون شيئا ~~واحدا؛ لأنها مؤثرة في الحكم، وتأثير بين مؤثرين لا يصح ولو يسميها بما ~~يجري مجرى العلة؛ لأنها دالة على حكمها في الشاهد والغائب وهي أشبه بطريق ~~الحكم غير أنها لما فارقتها في PageV01P214 أنها حصلت في الغائب على أبلغ مما حصلت عليه في الشاهد، فرقنا بينهما في ~~الاسم بحسب الفائدة التي اختلفنا فيها فعلنا طريقة الأولى، فهذا هو الكلام ~~في الطريقة الرابطة بين الشاهد والغائب ولا يصح الغنى من واحدة منها، إلا ~~إذا كان حكم الأصل معلوما، وكون العلة علة، ووجودها في الفرع، فحينئذ يقطع ~~على حصول الحكم في الفرع، فأما إذا كان نقض هذه الأوصاف مظنونا فإن حكم ~~الفرع مظنون، ويقبل ذلك في لافروع العملية دون الأصول العلمية، واعلم أنه ~~لا يصح أن يقاس الغائب على الشاهد إلا بأحد هذه الطرق من حصل أحدها ثبت ~~القياس، ولا يصح أن يقاس بمجرد الوجود على صور المسائل نحو ما قدمنا مما ~~ذكر به عوام الملحدة في شبههم في نفي الصانع وتقدم العالم بأن قالوا: إنا ~~لم نجد دجاجة إلا من بيضة ولا بيضة إلا من دجاجة فيجب أن يكون العالم قديم ~~ولا يفتقر إلى صانع. # وأما الموضع الثالث: وهو في تتبع أقوالهم بالإبطال. # أما الذي يبطل قول الفلاسفة فوجوه: # أحدها: أنا نقول لهم إن هذا اثبات ما لا طريق إليه واثبات ما لا طريق ~~إليه يفتح باب الجهالة، ms182 ومن أين لكم أن أصل العالم عقول وأفلاك. # الثاني: أنها إذا كانت قديمة كانت متماثلة، وإذا كانت متماثلة وجب أن ~~تكون متصفة بصفة واحدة، وإلا أعاد على القول تقدمها بالنقض والإبطال فتوكن ~~عقولا أجمع وأفلاك أجمع؛ لأنا قد بينا أن القدم صفة من صفة الذات والاشتراك ~~فيه يقتضي التماثل. # الثالث: أن يقال لم اقتصرتم على عشرة ولم يكن أكثر أو أقل؟ وهلا أجب ~~العقل العاشر عقلا وفلكا ونفسا كما أوجب ما قبله؟ أو هلا وقفتم في العقول ~~على الخامس وما الطريق إلى اقتصاركم على العاشر. # الرابع: أن يقال لهم لما جعلتم الوتر هو العاشر ولم يكن المؤثر هو الثاني ~~أو الرابع أو الخامس أو غيرها، وما طريقكم إلى ذلك مع اشتراك الكل في أنها عقول. PageV01P215 # الخامس: أن هذا بناء منكم على أصل فاسد، وهو أن الذات الواحد لا تعذر منها ~~إلا شيء واحد، وأن كثرت الأفعال يقتضي تكثير الفاعل، وفي علمنا بخلاف ما ~~قلتم ما يبطل ما ذهبتم إليه فإن الفاعل الواحد في الشاهد يصدر عنه أفعال ~~كثيرة على ما سيأتي بيانه في الكلام على النبوة أن شاء الله تعالى. # الوجه السادس: أنا نقول لهم إن الأول الذي هو الباري تعالى قد حصل فيه من ~~الكثرة نضير ما حصل في العقل. # الثاني: فإن الباري تعالى لابد من أن يكون عاقلا لنفسه، وكذلك هو واجب ~~الوجود، وفي نفسه ويستحيل وجوده من غيره، وقد يكثر من ثلاث جهات، فهلا صدر ~~عن الباري ثلاثة: عقل، وفلك، ونفس، فلك كما صدر عن العقل فبطل ما ذكروه من ~~وجه، والحمدلله. # وأما ما يبطل قول الطبائعية فوجه: # أحدها: أن يقال إن ابنائكم الطبع إثبات ما لا عقل، وكفى بالمذهب مسيرا أن ~~لا يعقل. # الوجه الثاني: أن العالم فعل محكم والفعل المحكم لا يصدر إلا من فاعل ~~مختار عالم، وليس هذا حال الطبع، ولهذا لو أخبرنا مخبر أنه سقط ......قطعة ~~من الطين ثم وقعة على الأرض فكانت كورا عجيبا محكما يطيع ذلك الطير أو ~~لغيره، أو أخبرنا ms183 بسقوط لوح من بد البحار فكان منه دواة عجيبة محكمة قد أعد ~~فيها ما نحتاج إليه في مثلها، ووضع كل من موضعه على الوجه المطابق للمصلحة، ~~أو كان منه كسر شيء عجيب لعلمنا بطلان قوله وتبادر العلماء إلى تكذيبه. # الوجه الثالث: أنا نقول إذا قلتم إن الإنسان مثلا حصلعلى هذا الترتيب ~~المخصوص المحكم من الثلاثة والأعظاء والحواس لطبع النطفة والرحم وغيرهما ~~مما يذكرونه، وأن في النطفة أجر من حقها لطبعها أن يكون منها العظم وآخرا ~~من حقها أن يكون منها اللحم، وكذلك العين والأذن فنهاية الأمر أنا نسلم ذلك ~~على بعده واستحالته، فإن أخبرونا ما الذي أوجب ترتيب الإنسان على هذا الشكل ~~المخصوص. PageV01P216 # وأما الذي أن يكون الآخر التي من حقها أن يكون منها العرض في ما ظنه، والتي ~~في تكون منها اللحم في ظاهره، وكذلك الأخرى التي تكون منها العين والأذن ~~والأنف والشعر كل شيء في موضعه مع أن النطفة ماء مائع مختلط فهلا كانت ~~الخرى التي من حقها أن تكون منها العظم في الظاهرة، وما يحصل منه اللحم في ~~الباطن، وهلا كانت العين، والأذن، والأنف، والرجل، والصدر، أو الظهر، وهلا ~~كانت الشعر في الفم والوجه، والأسنان في الرجل، إلى غير ذلك من وجوه النطف ~~فلابد من الاعتراف بصنائع مختار عالم حكيم خصها ورتبها ووضعها مواضعها ~~اللائقة بها بحسب ما يطابق المنفعة وتقتضيه الحكمة، وهذا بعينه يبطل مذهب ~~المطرفية في تأثر الطبائع، إلا أسوء حالا من الطبائعية من وجهين: # أحدهما: أن الطبائعية قد ذهبت إلى نفي الصانع، فلم يكن لهم بد من إثبات ~~الطبع ليتعلقوا به ما يحدثونه من التأثيرات وهؤلاء قد أساؤا إلى الصانع ~~المختار، فما المجلئ لهم إلا العدول بالأفعال العجيبة المحكمة على أن تكون ~~من فعله وتعليقها بما لا يفعل بالطبائعية أدخل منهم في العذر. # الوجه الثاني: أنه يلزمهم على مقالتهم أن لا يصح الاستدلال على اثبات ~~الصانع وقدرته، وعلمه، وحياته بشيء من أفعاله، لأن الأفعال المحكمة قد صدرت ~~عن الطبع، ولم يجب أن يكون حيا، ms184 ولا قادرا ولا عالما وفي ذلك بطلان الدليل ~~على صفاته تعالى. # وأما أصحاب النجوم فيقال لهم إن هذه الأفلاك أجسام وهي جمادات، وليست ~~بحية ولا قادرة، والفعل لا يصح إلا من حي قادر، وقد دخل قول الباطنية مع ~~قول الفلاسفة على وجه الجملة. # واما الأصل الثالث: وهو أن محدثها ليس إلا الله تعالى، فالكلام منه يقع ~~في موضعين: # أحدهما: في حكاية المذهب، وذكر الخلاف. # والثاني: في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه، وفساد ما ذهبوا إلي. PageV01P217 # فاعلم أولا أنا قد دللنا على أن محدث العالم فاعل مختار، وبقى الكلام في ~~تعيينه، فمذهبنا أنه الله دون غيره، والخلاف في ذلك مع المفوضة والغلاة. # أما الغلاة فإنهم يقولون: الأئمة آلهة وأنهم يخلقون ويرزقون وهم الذين ~~غلوا في محبة علي (عليه السلام) حتى اعتقدوا أنه إله، ومنهم السائبة أصحاب ~~إله سبأ وهو الذي أحدث هذا القول في آخر أيام أمير المؤمنين (عليه السلام)، ~~وقيل: إنه أحرقهم، وقال: # لما رأيت الأمر أمرا منكرا ... .... ناري ودعوت قنبرا # وروي عن النبي(صلى الله عليه وآله) قال لعلي (عليه السلام): ((يهلك فيك ~~اثنان: محب غال، ومبغض)). # قال: فالمحب هؤلاء الذين اعتقدوا أنه إله، وقيل: إنه لما أحرقهم بالنار ~~قالوا: الآن تحققت الإلهية؛ لأنه لا يقدر بالنار إلا إله، وقد قيل: إنه كان ~~إذا طعن الواحد منه الرمح قدم إليه ودخل في الرمح، وهو يقول: عجلت إليك ربي ~~لترضى، وقد ذكر في (شرح العيون) أنه لا يجوز أن يكون محدث العالم بعض ~~الأجسام خلاف للمعوضة والباطنية والمتعظ هم الخوارج الذي حاربوه وكفروه. # وأما المفوضة فإنهم يقولون إن الله تعالى يفوض إلى بعض الخلق أن يخلق أن ~~يخلق ويرزق من الملائكة والأنبياء والأئمة. PageV01P218 # وأما الموضع الثاني: وهو في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا ~~إليه فالذي يدل على ذلك أنه قد ثبت أن العالم لابد له من محدث بما قدمنا، ~~فلا يخلو ذلك المحدث إنما أن يكون قديما أم لا والقديم لا يخلوا إما أن ~~يكون هو ms185 الله تعالى أو غيره، والمحدث لا يخلو إما أن يكون متحيزا أم لا، ~~وغير المتحيز لا يخلو إما أن يكون عرضا أم لا، وهو لا يخلو من أحد هذه ~~الأقسام والأقسام كلها باطلة سوى أنه لا محدث لها سوى الله تعالى، وإما أنه ~~لا يخلو من أحد هذه الأقسام؛ فلأنها حاضرة وإما أن الأقسام باطلة سوى ما ~~ذكرنا، فلأنا نبطل قسما قسما، أما أنه لا يجوز أن يكون محدثها قديما غير ~~الله تعالى فلأنه لا ثاني لله تعالى على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى، ~~وإما أنه لا يجوز فلوجهين: # أحدهما: أنه لو صح من بعض الأجسام أن يفعل جسما لصح منا. # والثاني: أنه لا يصح منا. # أما الأصل الأول وهو أنه لو صح من بعض الأجسام لصح منا، فالذي يدل على ~~ذلك انه بعض الأجسام لا تكون قادرة إلا بقدرة ومقدورات القدر مختصرة ~~متحاسة، وإنما الحصر مقدوراتها وتحاس لكونها قدرا فكلما شاركها في كونها ~~قدر وجب أن يشاركها الحصار المقدور ويحاسنه وهذه الدلالة مبنية على أربعة أصول: # أحدها: أن الجسم لا يقدر إلا بقدرة. # والثاني: أن القدر وإن اختلفت في مقدرواتها منحصرة متجانسة. # والثالث: أن العلة هي في إنحصار مقدورها وتجانس كونها قدر. # والرابع: أن كل ما يشاركها في كونها قدرا وجب أن يشاركها في انحصار ~~المقدور، وتجانسه، فهذا عقد الدلالة، وسيأتي الدليل على كل واحد منهما في ~~مسألة نفي التجسيم إن شاء الله تعالى، وبإتمامها تم الأصل الأول. PageV01P219 # وأما الأصل الثاني: وهو أن لا يصح منا فالذي يدل عليه ما يعلمه من أن ~~الواحد منا لو توفرت دواعيه إلا أن يوجد شيئا من الأجسام أو أن يوجد لنفسه ~~ما يشاء من الأموال والبنين لم يصح منه، ولو كان قادر عليها، وهي صحيحة منه ~~لوجب أن يقع عند قصده ودواعيه كما في سائر ما تقدم عليه. # الدليل الثاني: أن الأجسام لو فعل الجسم بما فعله إلا مباشرا أو متعديا ~~أو مخترعا ومحال أن يفعل الجسم واحد منها، والدلالة ms186 مبنية على أصلين: # أحدهما: أن الجسم لو فعل الجسم لما فعله إلا على أحد هذه الوجوه. # والثاني: أنه لا يجوز أن يفعل على وجه واحد. # أما الأصل الأول: فينبغي أن نتبين أولا حقيقة المباشر والمتعدي والمخترع، ~~ثم يدل على أن الفاعل لا يصح أن يفعل الفعل إلا على أحدها سواء كان الفاعل ~~والفعل جسما أو غير جسم. # أما حقائقها: فحقيقة المباشر هو الفعل الموجود من جهة القادر في محل ~~القدرة عليه، فقولنا: هو الفعل الموجود من جهة القادر جنس الحد يشترك فيه ~~المباشر والمعتدي والمخترع، وقولنا في محل القدرة يحترز به على المتعدي ~~والمخترع، وقولنا عليه يحترز به على المتعدي الذي يفعله القادر في محل قدرة ~~قادر آخر ومن أن يحرك إحدى يديه بالأخرى فإن كل واحد منهم في محل القدرة ~~ولكنها في محل القدرة، قدرة على غير ذلك الفعل، وهذا الحد على اصطلاح اصلاح ~~المتأخرين من المتكلمين. # فأما المتقدمين فإنهم شرطوا في كون الفعل مباشرا أن يفعله في محل قدرته ~~من غير واسطة بسبب، فنقول: هو ما يفعله في محل قدرته ابتداءا فعلى قول ~~المتقدمين العلم المتولد عن التظر ليس بمباشر، وعلى قول المتأخرين أنه من ~~المباشر. # وأما حقيقة المتعدي فه الفعل الموجود من جهة القادر لا فيه ولا سبب فيه. PageV01P220 # وأما حصرها فهو أن نقول الفعل لا يخلو إما أن يفعله القادر عليه في محل ~~القدرة أم لا، إن كان فهو المباشر، وإن لم يكن فلا يخلو إما أن يفعله ~~بواسطة أم لا، إن كان فهو المعتدي، وإن لم يكن فهو المخترع. # وأما الأصل الثاني: وهو أنه لا يجوز أن يفعله على واحد منا فلأنا نبطلها ~~قسما قسما، أما أنه لا يجوز أن يفعله مباشرا؛ فلأن هذا يؤدي إلى خلول ~~المتحيز في المتحيز أو إلى تداخل المتحيز وكلاهما محال، وبيان ذلك أنه يؤدي ~~إلى تداخل المتحيزات إلى ذلك أنا قد بينا أن المابشر مفعول في محل القدرة ~~عليه، وما وجد في محل القدرة فهو حال في محلها، فإن ms187 وجد في جهة محلها لا ~~على وجه الحلول فه المتداخل في المتحيزات، وأما أنه لا يجوز أن يفعله ~~متعديا فلأن القادر بالقدرة لا يعتدي الفعل إلى غيره إلا بالاعتماد، ~~والاعتماد لا تأثير له في توليد الأجسام، أما أنه لا يعدي إلا بالاعتماد ~~فالذي يدل على ذلك ما علمنا من أن أحدنا إذا أراد تحريك الجسم أو تسكينه لم ~~يصح منه إلا بأن يعتمد عليه أو على ما يحصل به، وأما أن الاعتماد لا تأثير ~~له في توليد الأجسام فالذي يدل على ذلك وجهان: # أحدهما: أنه لولده لوجب في أحدنا أنه إذا أدخل يده في الزق، ثم سد عليها ~~واعتمد فيه أن يملأ الزق في أقرب وقت كما أنه إذا حدث إليه أخذ الهواء ~~بالنفخ ملاه. # الوجه الثاني: أن الاعتماد لا يولد إلا بشرط المماسة وهذا الشرط غير ممكن ~~في توليد الجسم لأنه لا يماسه وهو معدوم؛ لأن مماسة المعدوم محال، وليس ~~الجسم حالا فيقال إنه يولده بأن يماس محله، وأما أنه لا يجوز أن يفعله على ~~وجه الإختراع، فالذي يدل على ذلك أنا قد عملنا أن الواحد منا يتعذر عليه أن ~~يفعل الفعل في غيره من غير أن يماسه أو يماس ما يماسه، وإنما يتعذر عليه؛ ~~لأنه جسم قادر بقدرة فلكما شارطه في انه جسم قادر بقدرة وجب أن يشارطه في ~~تعذر الإختراع عليه، وسياتي تحقيق ذلك في التجسيم. PageV01P221 # وأما أنه لا يجوز أن يكون فاعل الأجسام عرضا فلأن العرض ليس بحي ولا قادر، ~~والفعل لا يصح إلا من حي قادر، وسيأتي تحقيق ذلك. # وأما أنه لا يجوز أن يكون محدثها محدثا ليس بجسم ولا عرض فلأنه لا يخلو ~~هذا المحدث إما أن يكون حيا قادرا عالما لذاته أو لمعاني لا يجوز أن يستحق ~~هذه الصفات لمعاني؛ لأن المعاني لا يوجب له حي بحقيقة ولا........ إلا بان ~~يخله، ولا يصح بأن يكون محلا، ولأن القدرة لا تصح الفعل بها إلا باستعمال ~~محلها في الفعل أو في سببه وكذلك الحياة لا ms188 يصح إلإدراك بها إلا بعد ~~استعمال محلها في المدرك، فلا يصح بأن يوجب له أن يوجد بأن يوجد على حد ~~وجوده فيكون لا في محل وهو لا في محل، ولا يجوز أن يكون حيا لذاته، قادرا ~~لذاته؛ لأن هذا يوجب أن يكون مثلا لله تعالى، ومماثلة المحدث للقديم محال، ~~ولأنه لو كان قادرا لذاته يصح منه ممانعة القديم وذلك محال، كما سيأتي في ~~مسألة النفي إن شاء الله تعالى، فإذا بطلت هذه الأقسام كلها لم يبق لها ~~محدث إلا الله تعالى فهذا هو الكلام في الموضع الثالث. # وأما الموضع الرابع: وهو في بيان شبههم التي يتعلقون بها وإبطالها، فاعلم ~~أن لهم شبها يتعلقون بها في أقدم العالم، وإبطال حدوثه، وبما يتوصلون بذلك ~~إلا نفي الصانع المختص، والصانع المختار والاستغناء عنه، فمنها أن قالوا: ~~لو لم يكن العالم قديما لكان محدثا، ولو كان محدثا لاستحال وجوده في ما لم ~~يزل، ولو استحال وجوده في ما لم يزل لم تحل هذه الأجسام باستحالة إما أن ~~تطكون راجعة إلى القادر أو إلى المقدور، أو إلى أيهما جميعا، وأي ذلك كان ~~لزم أن يستحيل أبدا الحصول هذه الوجوه في كل حال فلا يوجد، وفي علمنا ~~بوجوده دليل على أنه ليس بمستحيل، وفي ذلك قدمه والجواب عن هذه الشبهة من وجوه: PageV01P222 # أحدها: أنا نقول لهم على سبيل المعارضة ثبت عندنا وعندكم أن هذه الحوادث ~~اليومية محدثة، واستحال وجودها في الأزل فلا تخلو هذه الاستحالة إما أن ~~تكون راجعة إلى المؤثلا فيها أو إليهما جميعا، وأي ذلك كان فهو مستمر في ~~جميع الأوقات، فيلزم اليومية فيما أجبتم به فهو جوابنا لكم. # الوجه الثاني: أنا نقول لهم قد دلت الدلالة القاطعة على أن العالم محدث ~~وزلا يلزمنا أن نعرف الوجه الذي لأجله استحال الفعل في الأزل والجهل بوجه ~~استحالته ولا يوجب قدمه وبطلانه ما دلت عليه الدلالة من حدوثه وما أنكرتم ~~أن له علة لا لا يعلمها أو أنه لا يعلل، كما في كثير من الأحكام التي ms189 لا تعلل. # الوجه الثالث: أنا نقول لهم إنه يستحيل لأمر يرجع إلى القادر ولأمر يرجع ~~إلى المقدور، ولا يلزم ذلك ما ذكرتم من استحالته في كل حال. # أما الذي يرجع إلى القادر فهو كان يلزم أن يخرج عن كونه قادرا لأن من حق ~~القادر أن يؤثر في الفعل على وجه الصحة والاختيار، وفي ذلك وجوب تقدمه عليه ~~ليصح منه أن يفعله وأن لا يفعله في المستقبل فلو قارنه في القدم لبطل حكم ~~القادر، ومتى تقدم عليه فقد زال هذا الوجه في استحالته، وصح صدوره على وجه ~~الاختيار. # وأما الوجه الذي يرجع إلى المقدور فهو أنه كان يخرج عن كونه محدثا وينقلب ~~قديما وذلك محال؛ لأن فيه انقلاب ذاته واتصافه بصفة مخالفة؛ لأن المحدث ~~يخالف القديم ولأنه لو وجد في الأزل للزم أن تكون الأجسام كلها في جه واحدة ~~وأن لا يجوز خروجها عن الجهات التي هي فيها كما تقدم، وفي ذلك بطلان حكمها. PageV01P223 # وأما الشبهة الثانية: فهو إن قالوا لو كان العالم محدثا وله محدث قديم لكان ~~لا يخلو محدثه إما أن يكون متقدما عليه أم، إن لم يكن متقدما عليه لزم أن ~~يكون العالم قديما، وإن كان متقدما فهو لا يخلو إما أن يكون متقدما بوقت أو ~~لا بوقت محال أن يكون لا لوقت؛ لأن التقدم لا يفعل إلا بوقت، وإن كان بوقت ~~فلا يخلو ذلك الوقت إما أن يكون قديما أو محدثا إن كان قديما لزم في العالم ~~أن يكون قديما لوجهين: # أحدهما: أن ما وجد في الوقت القديم فهو قديم. # والثاني: أن قدم الأوقات يقتضي قدم العالم؛ لأن الوقت لا يستقل بنفسه، ~~وإنما المرجع له إلى حركات الأفلاك، وإن كان محدثا فمحدثه يتقدم عليه بوقت ~~أو لا، والكلام فيه كالكلام في العالم، وذلك يؤدي إلى التسلسل وهو محال. # والجواب عن هذه الشبهة من وجوه: # أحدها: أنا نعارضهم بالحوادث اليومية ونقول تقدم عليها محدثها بوقت أو لا ~~بوقت محال أن يقول لا بوقت؛ لأن التقدم لا يفعل إلا ms190 بوقت فلم يبق إلا أن ~~يكون بوقت وذلك الوقت لا يخلو إما أن يكون قديما أو محدثا، إن كان قديما ~~لزم في الحوادث اليومية أن تكون قديمة والمعلوم خلاف ذلك، وإن كان محدثا ~~كان الكلام في تقدمه كالكلام فيه فيتسلسل، وما أجابوا به فهو جوابنا. # الوجه الثاني: أنا نعارضهم بالزمان فنقول: الزمان لا يخلو إما أن يتقدم ~~بعضه على بعض أم لا محال أن لا يتقدم؛ لأن المعلوم تقدم بعض الشهور على ~~بعض، وكذلك الأيام والساعات، ولأنه كان يلزم في.......أن تكون موجودة دفعة ~~واحدة؛ لأنها موجودة في الأوقات، فإذا لم يكن في الأوقات تقدم وتأخر فكذلك ~~محدث فيها، وإن تقدم بعضه على بعض فلا يخلو إما أن يكون بزمان أو لا بزمان، ~~فإن قلتم لا بزمان بطل ما ذكرتم من التقدم لا يكون إلا بزمان. PageV01P224 # قلنا لهم: فهلا كان القديم متقدما على المحدث الذي هو العالم لا بزمان، وإن ~~كان متقدما عليه بزمان فذلك محال؛ لأنه يوجب أن يكون للزمان زمان، وكذلك ~~زمان لزمان إلى ما لا نهاية له، وذلك محال. # الوجه الثالث: أنا نقول لهم ما أنكرتم أن يكون القديم تعالى متقدما على ~~المحدثات لا بزمان وليس من ضرورة المتقدم على غيره أن يكون هناك زمان يتقدم ~~عليه، فإن النهار يتقدم على الليل لا بزمان بينهما، وكذلك بعض الساعات على ~~بعض، وكذلك الشهور على بعض والسنين. # الوجه الرابع: وهو التحقيق أنا نقول لهم إن الباري متقدما على أفعاله بما ~~لو كان هناك أوقات لكانت بلا حصر؛ لأن من حق القديم أن يكون سابقا على ~~المحدثات بما لو كان هناك أوقاتا لكانت بلا نهاية، وليس من حقه أن يتقدم ~~بأوقات مخففة، بل يكفي في ذلك ما يجري مجرى الوقت فيبطل ما قالوه في هذه ~~الشبهة، وتم الوجه الرابع، وبتمامه تم الكلام في المسألة الأولى، ثم نتكلم ~~بعد ذلك في صفاته تعالى، والكلام منها يقع في أربعة مواضع: # الأول: في حقيقة الصفة والحكم في أصل اللغة وعرف اللغة واصطلاح ~~المتكلمين. # والثاني: ms191 في قسمة الصفات على الجملة، وحقائق أقسامها، وحصرها. # والثالث: في قسمة صفاته تعالى على الخصوص، وبيان ما يستحق من أجناس ~~الصفات، وما لا يجوز عليه منها، وما تستحق كل ذات من الصفات، وما لا ~~تستحقه. # والرابع: في الكلام على كل واحد من صفاته. PageV01P225 # أما الموضع الأول: فالصفة في أصل اللغة هي الوصف وهو قول الواصف؛ لأنه لا ~~فرق عندهم بين الوصف والصفة، كما لا فرق عندهم بين الوعد والعدة، والوزن ~~وزنه، فنقول وصفته وصفا حسنا وصفة حسنة كما يقول وزن وزنه، ووعده وعده، وفي ~~عرف اللغة فهي ما أفاده قول الواصف، فإذا قلت: زيد قادر وعالم، أوكريم أو ~~قاعد، أو أسود فالصفة في العرب ما أفاده هذا القول سواء أفاد يقينا أو ~~إثباتا، أو ذاتا، أو صفة، أو حكما، فيقول أهل العرف: الصفة من القول إلى ما ~~أفاده القول. # وأما في الاصطلاح فيستعمل الصفة في معنيين أعم وأخف. PageV01P226 # أما الأعم فهو كل أمر زائدا على الذات يدخل في ضمن العلم بالذات، أو في ضمن ~~الوصف لها، فنقول: كل أمر زائد على الذات جنس الحد، والغرض به جائز به على ~~الذات ما ليس بذات، ويدخل فيه ما زاد على الذات مما ليس بذات يقينا أو ~~إثباتا صفة، أوحكما، وقلنا: يدخل في ضمن العلم بالذات أردنا ما نعلم بذات ~~عليه نحو كونه قادرا وعالما وحيا، فإن العلم متعلق بالذات على هذه الصفة، ~~فقد دخل هذا الزائد في ضمن العلم بالذات؛ لأن الصفة لا بعلم على انفرادها ~~وإنما الذات علم عليها، وقد خرج بقولنا يدخل في ضمن العلم بالذات إلا من ~~الزائد على الذات مما هو ذات نحو السواد والبياض فإنها وإن كانت أمرا زادا ~~على ذات الجسم فليست بصفة له بالمعنى الأعم ولا الأخص عند المتكلمين بأنها ~~تعلم على انفرادها ولا تدخل في ضن العلم بالذات، وإن كانت صفة في عرف ~~اللغة، وهذا هو الفرق بين الصفة في عرف اللغة، وبينها في الاصطلاح عند ~~المتكلمين بالمعنى الأعم، وقلنا: أو في ضمن الوصف ms192 لها أردنا به ما يدخل في ~~ضمن الوصف للذات ولا يدخل في ضمن العلم بها، نحو وصفنا لله تعالى بأنه واحد ~~فإنه يدخل في ضمن هذا الوصف نفي الثاني، ولا يدخل في ضمن العلم بها أن لا ~~ثاني؛ لأنا إذا علمنا أن الله تعالى واحد فليس هذا علم بذاته تعالى على أن ~~لا ثاني ليس العلم بأن لا ثاني ليس علم بذاته تعالى، بل علم لا معلوم له، ~~يصاحبه العلم بالله تعالى فهما علمان: # أحدهما: معلومه الله. # والثاني: لا معلوم له، فلما لم يدخل نفي الثاني في ضمن العلم بالله تعالى ~~واحد، أدخلناه بقولنا أو في ضمن الوصف لها، ولقائل أن يعترض هذا الحد بأن ~~يقول يلزم في السواد ونحوه أن يكون صفة عند المتكلمين بالمعنى الأعم؛ لأنه ~~يدخل في ضمن وصف الجسم بان أسود. # قال: أولى أن يقول: كل أمر زائد على الذات مما ليس بذات يدخل في ضمن ~~العلم بالذات، أو بضمن الوصف لها، وإن كان هذا مرادهم فالنقض لا يندفع ~~بالإضمار. PageV01P227 # وأما بالمعنى الأخص فلها حدان، إن شئت قلت كل أمر زائد على الذات راجع إلى ~~الإثبات يدخل في ضمن العلم بالذات مقصورة في العلم به على الذات، وقولنا ~~راجح إلى الأثبات نحترز به من النفي الذي يدخل في ضمن العلم بالذات، نحو ~~علمنا بأنه تعالى ليس بجاهل ولا عاجز، فإنه علم بذاته على نفي، وليس هذا ~~مثل ما ذكرنا في العلم بأنه واحد؛ لأنه نفي ذات، وهذا نفي صفة، وقولنا ~~مقصور في العلم به على الذات احتراز من الحكم فإنه ليس بمقصور في الحكم به ~~على الذات. # والحد الثاني هي المزية التي تعلم الذات عليها من دون اعتبار غير أو ما ~~يجري مجراه. # قلنا: هي المزية؛ لأنه لابد من مزية تعلم الذات عليها، وقلنا: من دون ~~اعتبار الغير ولا ما يجري مجراه احتراز من الحكم فإن العلم لا تعلم عليه ~~إلا باعتبار غيرا أو ما يجري مجراه الغير، ولقائل أن يقول إن النفي مزية ~~بعلم الذات ms193 عليها من دون اعتبار غير نحو علمنا بأنه تعالى ليس بجاهل ولا ~~عاجز وليس بصفة على المعنى الأخص، فالأولى أن يقال هي المزية الراجعة إلى ~~الإثبات التي تعلم الذات عليها من دون غير ولا ما يجري مجراه. # وأما الحكم فهو يستعمل في أصل اللغة وعرف اللغة واصطلاح الفقهاء واصطلاح ~~المتكلمين. # أما في أصل اللغة فالحكم هو المنع، ومنه سمي لجام الدابة حكمه لما كان ~~يمنعها من الذهاب، ومنه سميت الحكمة حكمة؛ لأنها تمنع صاحبها من القبح، ~~وكذلك يسميه الحاكم من هذه المنعة الخصوم، ويدل عليه قول الشاعر: # أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم ... إني أخاف عليكم أن أغضبا # وأما في عرف اللغة فإن الحكم هو الإلزام، يقال: حكم القاضي على فلان إذا ~~ألزمه فعلا ومنعه من غيره. # وأما في اصطلاح الفقهاء فهو حكم الفعل من وجوب وقبح وندب، وإباحة، ~~وكراهة. PageV01P228 # وأما في اصطلاح المتكلمين فالحكم له معنيان أعم وأخص، فالحكم بالمعنى الأعم ~~لا فرق بينه وبين الصفة المعنى الأعم، واعلم أن الصفة بالمعنى الأعم تندرج ~~تحتها الصفة بالمعنى الأخص، وأمر ثالث غيرهما وهو ما يرجع إلى النفي من ~~الصفات والأحكام فإن هذا ليس في صفة ولا حكم بالمعنى الأخص، فهو كل أمر ~~زائد على الدار، راجع إلى الإثبات يدخل في ضمن العلم بالذات غير مقصور في ~~العلم به على الذات وإن شئت قلت هي المزية التي لا يعلم الذات عليها إلا ~~باعتبار غير أو ما يجري مجرى الغير، وهذا هو الفرق بينه وبين الصفة، فإن ~~الصفة لا تعنيه في العالنم بالذات عليها، ولا ما يجري مجراه بخلاف الحكم ~~بالمعنى الأخص، ومثال ما يعتبر في العلم به الغير المماثلة فإن المماثلة لا ~~تعلم إلا بين ذاتين، وأما ما يجري مجرى الغير فمثل صحة الفعل في نفسه بين ~~الوجود وذات الموجود، والموجود صفة جارية مجرى الغير. # وأما الموضع الثاني: وهو في قسمة الصفات، وحقائق أقسامها، وحصرها. # أما قسمتها فهي تنقسم إلى قسمين: واجبة، وجائزة، والواجبة على ضربين: ~~ذاتية، ومقتضاة، والجائزة على ضربين: معنوية، وبالفاعل. ms194 PageV01P229 # وأما حقائقها فحقيقة الواجبة هي الصفة الممكنة التي يستحيل خلافها عند ~~إمكانها من تعليقة الشرح، وربما يقال إن كونه غائبا صفة ممكنة يستحيل ~~خلافها فإنه يستحيل عنده تحيزه أن لا يكون غائبا متحيزا عنه بأن يقال: هي ~~الصفة الممكنة التي خلافها عند إمكانها على التعيين، وحقيقة الجائزة هي ~~الصفة الممكنة التي لا احتراز من كونه كائنا؛ لأنه لا يستحيل خلافه على ~~التعيين فينظر فيه من تعليقه الشرح، وكذلك في الجائزة فإنه يقال كونه كائنا ~~صفة جائزة وهو يستجيل خلافها عند إمكانها فيحترز عنه بأن يقال في آخرها على ~~التعيين وحقيقة الجائزة هي الصفة الممكنة التي لا يستحيل خلافها عند ~~إمكانها فيحترز عنه بان يقال في آخرها على التعيين، وحقيقة الذاتية هي ~~الصفة التي تجب للذات من غير مؤثر ولا ما يجري مجرى المؤثر، والمؤثرات ~~ثلاثة: الفاعل، والسبب، والعلة، والذي يجري مجراه ثلاثة وهي: المقتضاة، ~~والشرط، والداعي، وحقيقة المقتضاة هي الصفة الواجبة بالذات على التعيين ~~لأجل اختصاص تلك الذات بصفة أخر. # قلنا: على التعيين احتراز من كون الجوهر كائنا فإنها تجب للجوهر لأجل ~~اختصاصه بالتحيز، ولكنه لا يجب له صفة معينة في جهة معينة، وحقيقة المعنوية ~~هي الصفة الزائدة على الوجوب التي يثبت للذات لأجل مؤثر على سبيل الإيجاب. # قلنا الزائدة على الوجود احتراز من وجود المسبب (ح) يعني أن وجود المسبب ~~صفة للمسبب وليس بزائدة على وجوده، بل هي نفس الوجود، تمت. فإنها صفة مفقرة ~~إلى مؤثر على سبيل الإيجاب وليست بمعنوية، وحقيقة الصفة التي بالفاعل هي ~~الصفة الجائزة التي تقتضي المؤثر على سبيل الصحة والاختيار. # وأما حصرها: فهو أنك تقول الصفة إما أن يستحيل خلافها عند امكانها أو أن ~~يستحال فهي الواجبة وإن لم يستحيل فهي الجائزة. # والواجبة لا تخلو إما أن تجب للذات على حال أو لا على حال وجب لا حال فهي ~~االذاتية، وإن وجبت على حال فهي المقتضاة. PageV01P230 # والجائزة لا تخلو إما أن تفتقر إلى مؤثر على سبيل الصحة والاختيار أم لا، ~~إن كانت فهي التي ms195 بالفاعل، وإن لم تكن فهي المعنوية. # وأما الأصل الثالث: وهو في قسمة صفاته على سبيل الخصوص، وما يستحق من ~~الصفات، وما لا يستحق، وصفات الباري تعالى تنقسم إلى قسمين: واجبة، وجائزة. # والواجبة تنقسم إلى قسمين: ذاتية، ومقتضاة. # والمقتضاة تنقسم إلى قسمين: منها ما يجب حصوله في ما لا يزال لا بعد ~~استحالة وهي المقتضاة عن صفته لذاته، نحو كونه قادرا، وعالما، وموجودا. # ومنها: ما يجب حصوله في ما لا يزال بعد استحالة وهي المقتضاة عن ~~المقتضاة، وذلك كونه مدركا فإنه لا يكون مدركا إلا عند وجود المدرك، فلو ~~كان مدركا فيما لم يزل للزم قدم العالم. # والجائزة: هي المعنوية، والله تعالى يستحق من هذه الصفات ثلاث: ذاتية، ~~ومقتضاة، ومعنوية. # فالذاتية هي الصفة الأخص. # والمقتضاة هي كونه مريدا، ومكرها، هذا على قول أبي هاشم. # وأما أبو علي فإنه يقول: الذاتية كونه قادرا وعالما، وحيا وموجودا. # والمقتضاة كونه مدركا، والجسم يستحق أربع: الذاتية، وهي الجوهرية، ~~والمقتضاة، وهي على ضربين: مقتضاة عن المعنوية، وهي كونه مدركا، ومقتضاة عن ~~الذاتية وهي التحيز. # والمعنوية وهي على ضربين: # أحدهما: ما يرجع إلى الأخرى، وهي كونه كائنا. # والثاني: يرجع إلى الجملة، نحو كونه قادرا، وعالما، وغيرهما، والتي ~~بالفتعل وهي الوجود والعرض يستحق منها ثلاث: ذاتية، ومقتضاة، وبالفاعل، ~~والذاتية التي بها تماثل مماثلة، وتخالف مخالفة، والمقتضاة التي لأجلها ~~يوجب ما توجبه، ويتعلق بمتعلقه، وتضاد ضده، والتي بالفاعل على صفة الوجود ~~فقد حصل من هذا أن القديم يستحق من أجناس الصفات ثلاث: الذاتية، والمقتضاة، ~~والمعنوية، ولا تستحق صفة الفاعل، والجوهر يستحق جميعها، وكلها ترجع إلى ~~الأخرى، والانقاص فإن كان حيا جاز أن يستحق مع ذلك صفات راجعة إلى الجملة ~~كما تقدم. PageV01P231 # والعرض يستحق الذاتية، والمقتضاة، والتي بالفاعل، ولا يستحق المعنوية؛ لأن ~~العرض لا يوجب للعرض. # وأما الموضع الرابع: وهو الكلام في كل واحد منها فقد بينا أنه تجب ~~البداية بالمسألة الأولى وهي كونه قادرا، والكلام منها يقع في أربعة مواضع: # الأول: في حقيقة القادر والمقدور، والفعل والفاعل، والفرق بين ms196 القادر ~~والفاعل، وبين المقدور والفعل. # والثاني: في حكاية المذهب وذكر الخلاف. # والثالث: في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه، وفساد ما ذهب إليه المخالف. # والرابع: في بيان ما يلزم المكلف معرفته في هذه المسألة. # أما الموضع الأول: فحقيقة القادر هو المختص بصفة لكونه عليها يصح منه ~~الفعل مع سلامة الأحوال. PageV01P232 # قلنا: والمختص بصفة تلك الصفة هي كونه قادرا، وقلنا: لكونه عليها، أي لأجل ~~اختصاصه بها، وقلنا: يصح منه الفعل؛ لأن صحة الفعل أخص أحكام، كونه قادرا ~~فصح التحديد به، وقلنا: مع سلامة الأحوال؛ لأن الفعل قد يتعذر في بعض ~~الأحوال على القادر؛ لأنه يرجع إليه مع حصول مانع أو عدم آلة، وقد يتعذر ~~لأمر يرجع إلى المقدور، وهو كونه مستحيلا نحو وجود الفعل فيما لم يزل؛ لأنه ~~لو وجد في ما لم يزل لكان قديما، وحقيقة المانع هو ما لأجله يتعذر الفعل من ~~جهة القادر مع استمرار حاله في كونه قادرا، وهذه الحقيقة على قول من يقول: ~~إن القادر بكونه قادرا، وحده ابن الملاحمي بأنه التميز تمييزا لأجله يصح أن ~~الفعل، وأن ذلك إذا لم يكن ممنوعا ولم يكن الفعل مستحيلا في نفسه، وذكر أن ~~هذه الحقيقة تستمر على قول من يقول: إن القادر بكونه قادرا صفة، ومن لا ~~يقول بذلك لأن التمييز يحصل له سواء كان بصفة أو غيرها من بنية أو ذات، ~~وحقيقة الفاعل من هو وجد من هته نقص ما كان قادرا عليه؛ لأنه يلزم في كل ~~قادر أن يوجد مقدوراته، وقلنا: كان قادرا عليه؛ لأنه لا يكون قادرا عليه ~~إلا قبل إيجاده، فأما بعد إيجاده فلا يسمى قادرا عليه، وكذلك لا يكون قادرا ~~عليه حال وجوده، ولهذا يكون فاعلا للإصابة في الهدف، وإن كان قد خرج عن ~~كونه حيا فضلا عن كونه قادرا، ولا فرق بين الصانع والمحدث، والفاعل لأن ~~معناها واحد. # فأما الفاعل، والصانع، والمحدث، فإنها تفترق فإنا لا نعلمه فعلا وصنعا ~~إلا وقد علمنا أن له فاعلا وصانعا مختارا، ونحن نعلم أنه محدث، ولا ms197 نعلم أن ~~له محدثا مختارا إلا بعد نظر آخر، ولهذا يستدل بحدوث العالم على أن له ~~محدثا ولا يصح أن نستدل بأنه فعل على أنه لابد له من فاعل، وحقيقة المقدور ~~هو ما يصح إيجاده، وإن شئت قلت: هو المقدوم الذي يصح إتخاذه من جهة القادر ~~على بعض الوجوه. PageV01P233 # قلنا: المعدوم جنس الحد، قلنا: الذي يصح إتخاذه من جهة القادر، احتراز من ~~المعلوم الذي يستحيل وجوده مع القادر نحو المقدورات التي يختص في وجودها ~~بوقت قد مضى، وهي مقدورات القدر، والمتولدات وما لا تنفى، فإنها وجودها ~~مستحيل، وقد خرجت عن كونها مقدورة. # قلنا: على بعض الوجوه احتراز عما لا يقع بمانع، أو ما يجري مجراه فإن ~~استحالة وجوده بذلك لا يخرجه عن كونه مقدورا. # وحقيقة الفعل هو ما وجد من جهة من كان قادرا عليه، والاحتراز فيه على ما ~~ذكرنا في حقيقة الفاعل، فإن قيل: إنكم حققتم الفعل للقادر، والقادر بالفعل، ~~وهذا حالة المجهول على مجهول، وذلك محال. PageV01P234 # قلنا: إنا حققنا الفعل بالقادر على سبيل الجملة، نحو إذا علمنا في الحي أنه ~~يصح منه التصرف بالقيام والقعود، والحركة والسكون، فقد علمنا أنه فاعل، ~~وذلك علم بكونه قادرا على سبيل الجملة، وبالتفرقة بينه وبين من لا يصح منه ~~التصرف، فصح أن يحد الفعل به، وإن لم يعلم القادر على التقصير، ثم ما حد ~~القادر على التفصيل بالفعل بعد أن عرفنا معنى الفعل بالقادر على الجملة، ~~وإنما كان يكون إحالة بالمجهول إلى المجهول، فوجدنا الفعل بالقادر الجملي، ~~ثم حددنا القادر الجملي بالفعل، وإن شئت قلت: هو ما وجد من جهة المؤثر على ~~سبيل الصحة والاختيار، وإن شئت قلت: هو ما وجد من جهة المؤثر بحسب قصده ~~ودواعيه، ذكره ابن الملاحمي، وهذا لا يصح إلى على قوله، لأن عنده الفعل لا ~~يصدر إلا بداعي وقصد سواء كان من ساه أو نائم، أو ممن هو عالم، والحدان ~~الولان يصحان على مذهبه، ومذهبهم، والفرق بين القادر والفاعل أنا نصف ~~القادر وإن لم يفعل، ولا نصف ms198 الفاعل بأنه فاعل حتى يفعل؛ لأنه اسم اشتق في ~~مثل شاتم وضارب، فلا نسمي به إلا بعد الفعل، كما لا يسمى ضاربا، ويسمى ~~وشاتما إلا بعد الضرب والشتم بخلاف قادر فإنه يفيد أنه على صفة ليس بمشتق، ~~ولهذا فإنا نصف الباري تعالى بأنه قادر فيما لم يزل، ولا نصفه بأنه فاعل ~~فيما لم يزل، والفرق بين المقدور والفعل أن المقدور لا يكون مقدورا إلا في ~~حال عدمه، والفعل لا يسمى فعلا إلا بعد وجوده. # وأما الموضع الثاني: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف، فمذهب جميع ~~المسلمين أن الله تعالى قادر، والخلاف في ذلك مع الباطنية والفلاسفة ~~الإسلاميين......والنجار، وإلزام المطرفية. # أما الباطنية فإنهم قالوا: لا نصف بأنه قادر، ولا لا قادر، وإن قالوا: ~~إنه لو وصف بأنه قادر كان ذلك تشبيها له لخلقه، وإن وصف بأنه ليس بقادر كان ~~تفصيلا، وهذا باطل؛ لأنهم ادخلوا قسمة متوسطة بين النفي والإثبات، وذلك محال. PageV01P235 # وأما الفلاسفة الإسلامييون فإنهم قالوا: إنه قادر والفعل يصدر منه على سبيل ~~الإيجاب مع الشعور، وتحقيق مذهبهم أن القادر يصدر منه بطبعه على جهة ~~الإيجاب، غير أن الفرق بينه وبين الموجب أن فعله يصدر عنه بطبعه عند ~~الإرادة للفعل مع الشعور، والموجب يصدر عنه من غير الإرادة ولا الشعور، ~~وإذا كان هذا معناه عندهم فقد نفوا عنه معنى القادر، وإن أطلقوا اللفظة. # وأما النجار فإنه يقول: إن الله تعالى يوصف بأنه قادر عالم، حي، ولكن ~~معنى ذلك عنده أنه ليس بعاجز، ولا جاهل، ولا ساه، ولا ميت، ومثل هذا يروى ~~عن برغوث. # وأما المطرفية فإنهم يذهبوا إلى أنه قادر، ويكن إلزامهم العلماء إلا أن ~~لا يكون لهم طريق إلى ذلك؛ لأنهم أظافوا العالم وما فيه من التأثيرات ما ~~خلا الأصول إلى أنها حادثة بالفطرة والتركيز، وإذا جاز صدور هذه الأفعال ~~المحكمة عن هذه الأصول وهي غير قادرة ولا عالمة لم يبق لنا طريق إلا أنه ~~تعالى قادر عالم. # وأما الموضع الثالث: وهو في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ms199 ما ذهبوا ~~إليه فينبغي أن ندل على صحة ما ذهبنا إليه من أنه تعالى قادر لم يبطل بعد ~~ذلك ما ذكره الفلاسفة والنجار وبرغوث في معنى القادر. # أما الدليل على صحة ما ذهبنا إليه فالذي يدل على ذلك أن الفعل قد صح منه، ~~والفعل لا يصح إلا من قادر، وهذه الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن الفعل قد صح منه. # والثاني: أن الفعل لا يصح إلا من قادر. PageV01P236 # أما الأصل الأول: وهو أن الفعل قد صح منه، فالذي يدل على ذلك أنه قد وقع ~~ووجد منه، والوقوع فرع على الصحة، والصحة الإمكان، ولا شك أنه لو لم يكن ~~ممكن الوجود بل كان مستحيلا لما وقع، ولقائل أن يقول: إن الوقوع إنما يدل ~~على الصحة التي هي نقيض الاستحالة، وهذه الصحة لا تدل على أنه قادر، فإن ~~مسبب السبب قد صدر عنه ووقع، والوقوع فرع على الصحة كما ذكر، إذ لو كان ~~مستحيلا لما وقع، ولم يدل ذلك على أن السبب قادر، وإنما الذي يدل على أنه ~~قادر صحة الفعل التي هي إمكان أن يفعل أو أن لا يفعل، والوقوع لا يدل على ~~هذه الصحة، وإنما الدليل على ذلك أنا نقول: قد دللنا على أن العالم صدر عنه ~~على سبيل الصحة والاختيار، فثبت بذلك أن الفعل قد صح منه، وقد ثبت ما ~~ذكرناه في هذا الأصل أن الدليل على أنه قادر هو الصحة لا الوقوع، وإنما ~~ذكرنا الوقوع لنتوصل به إلى الصحة، حتى لو علمنا أنه يصح منه الفعل ولم ~~يعلم وقوعه كفاه ذلك في أنه قادر. # وأما الأصل الثاني: هو أن الفعل لا يصح إلا من قادر فلك في الاستدلال على ~~ذلك طريقان: # أحدهما: أن يبتدي فيه تعالى من دون قياس على الشاهد بأن يقول: إنه قد صح ~~منه فعل من الأفعال ما تعذر علينا فلابد من أمر لأجله صح منه ما تعذر على ~~غيره، وذلك ليس إلا كونه قادرا، ولا حاجة إلا القياس؛ لأن الذي يدل به في ~~الشاهد ms200 قد أمكننا الابتداء به في الغائب، ولهذا لو لم يخلق الله تعالى إلا ~~فعلا واحدا لأمكنه أن يستدل بهذه الطريقة، وإن لم يثبت في الشاهد جملتين ~~حتى يصح من أحدهما الفعل، ويتعذر على الآخر، ثم نقيس الغائب عليه. PageV01P237 # والطريقة الثانية: طريقة القياس وتحريرها أن نقول: إنا وجدنا في الشاهد ~~ذاتين أحدهما يصح منه الفعل، كالصحيح السليم، والآخر يتعذر عليه الفعل ~~كالمريض المدنف، والأولى أن يقال حيين: أحدهما يصح منه الفعل، كالصحيح ~~السليم، والآخر يتعذر عليه الفعل كالمريض المدنف؛ لأنا إذا قلنا ذاتين كان ~~له أن يقول ما أنكرت أنه صح الفعل من أحدهما؛ لأنه حي بخلاف الآخر، ومتى ~~فرضناه في حيين سقط هذا السؤال، ووجب تعليله بأمر زائد على كونه حيا، والذي ~~يصح منه الفعل لابد أن يفارق من تعذر عليه بمقارنة لولاها لما صح من أحدهما ~~ما تعذر على الآخر، تلك المفارقة هو كونه قادرا وهذه الطريقة قد تثبت في ~~الغائب كثبوتها في الشاهد فجيب أن يدل على كونه قادرا؛ لأن طرق الأدلة لا ~~تختلف شاهدا وغائبا، وهذه الدلالة مبنية على خمسة أصول: # أحدها: أن هاهنا مفارقة يجب تعليلها بأمر من الأمور. # والثاني: أنها معللة بصفة زائدة على كونه حيا، وتلك الصفة هي كونه قادرا. # والثالث: أنه لما وجب تعليلها بهذه الصفة في الشاهد؛ لأنه قد صح منه ما ~~تعذر على غيره. # والرابع: أن هذه الطريقة قد حصلت في الغائب. # والخامس أنه يجب حصول الحكم، وهو كونه تعالى قادرا. # أما الأصل الأول: وهو أن هاهنا مفارقة معللة، أما المفارقة فمعلوم ضرورة ~~أن كل فاعل يفرق بين من يصح منه الفعل وبين من لا يصح منه. # وأما أن تلك المفارقة معللة فلأن طرق التعليل أربع: طريقة قاضي القضاة، ~~وطريقة أبي رشيد، وطريقة المتأخرين، وطريقة الن الملاحمي، وكلها حاصلة في ~~هذه المفارقة. # أما طريقة قاضي القضاة فهو أن الواجب عنده في المفارقة أن يعرض على وجوه ~~التعليل وهي شبه الفاعل، والسبب، والعلة، والمقتضي، والشرط، والداعي، فإن ~~قيل: شيئا منها وجب تعليله ms201 وإن لم يقبل لم يجب تعليله، وقد عرضنا هذه ~~المفارقة على وجوه التعليل فقبلت المقتضي؛ لأن كونه قادرا يقتضي صحة الفعل. PageV01P238 # وأما طريقة أبي رشيد فذكر أن الأحكام التي تقع المفارقات فيها على ثلاثة ~~أضرب، منها: ما إذا ألم تعلل بطل، فهذا يجب تعليله، ومنها ما إذا علل بطل، ~~فهذا لا يجوز تعليله، ومنها ما لا يبطل سواء علل أم لا. # أما الحكم الذي إذا لم يعلل بطل، فمثل مسألتنا هذه، فإنا إذا لم نعلل هذه ~~المفارقة بطلت؛ لأنهما إذا اشتركا في كونهما حيين ومريدين، وكارهين ~~وناظرين، ثم صح من أحدهما ما يتعذر على الآخر فإن الفعل يحكم بأنه لابد من ~~أمر افترقا فيه لأجل صح من أحدهما ما تعذر على صاحبه وإلا لم يكن أحدهما ~~بالصحة والآخر بالتعذر أولى من العكس. # وأما التي إذا عللت بطلت فمثل اختصاص الدور بصفاتها الذاتية فلا يصح أن ~~تعلل؛ لما اختصت كل ذات بذاتيتها دون الذوات الأخرى، نحو اختصاص الجوهر ~~بالجوهرية، والسواد بذاته، ولم لم يعكس فإن تعليل هذا يؤدي إلى فساده؛ لأنه ~~ثاني متى علل فسد وعاد على ما قد عرفنا ثبوته بالنقض والإبطال، فجيب أن لا ~~يعلل؛ لأن تعليله أدى إلى بطلان ما قد علم، وما أدى إلى بطلان المعلوم فهو فاسد. # وأما الحكم الذي لا يبطل سواء علل أم لا، فهذا على ضربين: # أحدهما: يكون في تعليله فائدة زائدة على العلم بعلته. # والثاني: لا تكون فيه زائدة. # أما الأول: فهو نحو تعليل احتياج أفعالنا إلينا بحدوثها، فإن في تعليله ~~فائدة، وهو قياس الغائب على الشاهد في الاحتياج إلى المحدث. # وأما الثاني: فمثل أن يطلب العلة في أن العلم بالقبح فرع على العلم بوجه ~~القبيح جملة وتفصيلا، وليس كذلك غير وجه القبح من المؤثرات نحو الحركة، ~~فإنا نعلم كونه متحركا وإن لم يعلم المؤثر فهو الحركة، وبهذا نستدل على ~~الحركة بكونه متحركا لما سبق العلم بالصفة، فتعليل الفرق بينهما لا فائدة ~~فيه زائدة على العلم تعليله. # فالأولى: يجب تعليله ويلحق بما ms202 إذا لم يعلل بطل. # والثاني: لا يجب تعليله؛ لأنه لا فائدة فيه، فهذا هو معنى ما ذكره أبو ~~رشيد، وإن خالفه في الألفاظ والأمثلة. PageV01P239 # وأما طريقة المتأخرين فهي: أن الحكم إذا حصل فيه أحد ثلاثة أمور وجب ~~تعليله، وهو التجدد بعد أن لم يكن، أو الحصول مع الجواز الإفتراق بعد ~~الإشتراك، فالتحدد مثل قولنا العلم وجد بعد أن لم يكن فلابد من أمر لأجله ~~وجد بعد أن لم يكن إذ لو لم يكن هناك أمر لم يكن وجوده أوللا من عدمه، ~~والحصول مع الجواز مثل ما نقول في الجسم إنه حصل متحركا مع جواز أن لا ~~يحصل، فلابد من أمر لأجله حصل. # وأما الافتراق بعد افشتراك فمثل مسألتنا هذه فإنهما قد اشتركا في كونهما ~~حيين ومريدين، وكارهين وموجودين، وذاتين وجسمين، ثم افترقا فصح من أحدهما ~~الفعل دون الآخر، فلابد من أمر وذلك الأمر هو كونه قادرا. # وأما ابن الملاحمي: فإنه ذكر أن الذي يجب تعليله هو ما يحدد بعد أنلم ~~يكن، أو ما أضيف إلى ذات دون أخرى، فهذا هو الذي يجكم العقل بتعليله، وما ~~عدى ذلك لا يعلل، فهذه جملة ما ذكروا في طريق التعليل، وهي متقارنة، وقد صح ~~أن مسألتنا هذه معللة على جميع الطرق فقد حصل فيها ما يقتضي التعليل عند ~~الجميع، فثبت الأصل الأول. # وأما الأصل الثاني: وهو أن ذلك الأمر صفة راجعة إلى الجملة وهي كونه ~~قادرا، فاعلم أن هذا مما اختلف العلماء فيه، فذهب أبوهاشم ومن قال بقوله ~~إلى أن للقادر بكونه قادر صفة راجعة إلى الجملة في الشاهد، وإلى الحي في ~~الغائب لأجلها يصح منه الفعل، وبه قال جمهور المعتزلة، وكثير من الزيدية، ~~والخلاف في ذلك مع أبي القاسم البلخي، وأبي الحسين البصري، وابن الملاحمي ~~فإنهم ذهبوا إلى أن المرجع بالقدرة إلى الصحة، واعتدال المزاج، وفسر أبو ~~الحسين ذلك بنية مخصوصة من رطوبة ويبوسة، وحرارة وبرودة، وتأليف، وأعصاب ~~صحيحة، وتأليف واتصال. PageV01P240 # قال أبو الحسين: وأما القديم تعالى فصح منه الفعل لذاته المخصوصة المخالفة ms203 ~~لسائر الذوات، ولم يثبت أمرا يزايد على ذلك، والدليل على صحة ما ذهب إليه ~~أبو هاشم،وفساد ما ذهبوا إليه أنا نقول: قد ثبت أنمه لابد من الأمر لأجله ~~افترقا، ولا يخلوا إما أن يكون مجرد الذات، أو أمرا زائدا عليه باطل أن ~~يكون بمجرد الذات؛ لأنه كان يلزم في جميع الذوات أن تكون قادرة من جماد ~~وعرض ، وغيرهما، وأن تستوي جميعها في صحة الفعل منها؛ لأنها مشتركة في أنها ~~ذوات، وكان يلزم أن يكونا قادرين على أن مقدورات الباري تعالى، وإن ثبت ~~لذات أخرى فتلك الذات لا تخلو إما أن تكون راجعة إلى النية وهي الحمية ~~والذمية والعصب أو لا، إن كان وجب أن تكون كذلك فذلك فيه تعالى؛ لأن الذي ~~دل على ذلك هو صحة الفعل منه، وتعذره على غيره، وقد حصل فيه تعالى، فجيب أن ~~يحصل المدلول وهذا لا يجوز عليه،وإن قالوا: إن ذلك يرجع إلى ذات غير ~~النثلاثة فذلك لا يصح لوجهين: # أحدهما: أن صحة الفعل حكم صدر عن الجملة، فيجب أن يكون المؤثر فيه راجع ~~إلى الجملة؛ لأن الذات مغايرة للجملة، ولا يجوز أن يصح من الجملة لأمر يرجع ~~إلى غيرهما، كما لا يجوز أن يصح من زيد لأمر يرجع إلى عمرو. # والوجه الثاني: أن الفعل لو صح لذات أخرى لكان الكلام في هذه الذات ~~كالكلام في ذات القادر فلم كانت هذه يصح من القادر الفعل لأجلها بخلاف ~~غيرها من الذوات فلابد من أمر فارقه به سائر الذوات، فإن كان ذاتا أخرى ~~تسلسل، وإن كان بصفة أختصت بها فهلا اقتصروا من أول الأمر، وقالوا صح من ~~القادر لاختصاصه بصفة، وبمثل هذين الوجهين يبطل أن يكون لأجله النبية. PageV01P241 # وأما الأصل الثالث: وهو أنه إنما وجب بثبوت هذه الصفة في الشاهد لأجل هذه ~~الطريقة؛ فلأن الحكم يثبت بثباتها، وينفلا بانفائها، وليس هناك ما تعليقه ~~به أولى، فإنه متى ثبت أنه صح منه الفال وتعذر على غيره ثبت كونه قادرا وإن ~~انتفى كل أمر، وما انتفى كونه قادرا لم ms204 يصح منه الفعل، وإن حصل كل أمر لو ~~ثبت ذلك لأمر آخر لما وجب ما ذكرنا. # وأما الأصل الرابع: وهو أن هذه الطريقة إذا ثبتت في الغائب وجب أن تثبت ~~الحكم فيه أيضا فلأن طريقة الأدلة لا تختلف شاهدا وغائبا فلو حصل الدليل في ~~بعض المواضع على الوجه الذي يدل، ولم يحصل المدلول عليه بقدح لقدح ذلك في ~~كونه دليلا، وهاهنا أصل وفرع، وعلة وحكم، فالأصل الواحد منا، والفرع القديم ~~تعالى، والعلة الجامعة بينهما صحة الفعل منه، وتعذره على غيره، والحكم كونه ~~قادرا فإذا كان الفرع هو القديم قد شارك الأصل وهو الواحد منا، والعلة وهو ~~أنه صح منه ما تعذر على غيره وجب أن يشاركه في الحكم وهو كونه قادرا. PageV01P242 # وأما ما يدل على بطلان ما ذكرته الفلاسفة في أن القادر مؤثر على سبيل ~~الإيجاب فإنا نعلم ضرورة، والفرق بين تأثير القادر وضرورة الفعل منه، وبين ~~هوى......، ويعرف من هو الإنسان إذا رمي به من شاهق وبين تحريكه ليده في ~~حال هوته، وما يصدر منه من الكلام فرقا ضروريا مع أن ذلك جميعه قد صدر عنه ~~مع شعوره، ولا وجه للفرق إلا أن أحدهما صدر عنه باختياره والآخر على سبيل ~~الإيجاب، وأحدنا يعلم من نفسه أنه يمكنه أن يفعل الفعل وأن لا يفعله، وأنه ~~واقف على اختياره لو شاركه، وليس كذلك هونه، ولو كان كما ذكروه من صدوره ~~على وجه الوجوب لما حسن المدح ولا الذم على شيء من الأفعال كما لا يحسن ذمه ~~ولا مدحه في هونه عند أن يرمر به، ولا أمره به ولا نهيه عنه، يوضح ذلك أن ~~المجلئ يسقط عنه المدح والذم لقوة داعيه، وإن كان لا يخرج بذلك عن كونه ~~مختارا إلى أن يكون موجبا بطبعه فكيف لا يسقط عنه لو كان موجبا بطبعه كما زعموا. # وأما ما ذكره برغوث والنجار فباطل أيضا؛ لأن صحة الفعل ووقوعه أمر ثابت، ~~والمؤثر فيه يجب أن يكون راجعا إلى الإثبات وهو كونه وتعذره يكفي فيه أن لا ms205 ~~يكون قادرا؛ ولأن كون القادر قادرا بتزايد في القادر، والتزايد إنما يكون ~~في أمر ثابت؛ لأن العاجز هو من ليس بقادر ولا يفعل منه إلا هذا، فإذا كان ~~القادر هو من ليس بعاجز فكيف احتل بكل واحد منهما إلى الآخر وهذا محال. # وأما الموضع الرابع: وهو في ما يلزم المكلف معرفته في هذه المسألة فيجب ~~أن يعلم أن الله تعالى كان قادرا فيما لم يزل، ويكون قادرا فيما لا يزال، ~~وأنه قادر على جميع أجناس المقدورات ومن كل جنس في كل وقت على ما لا ~~يتناهى، ولا يجوز خروجه عن هذه الصفة بحال من الأحوال، والدليل على هذه ~~الفصول يأتي في فغصل الكيفية إن شاء الله تعالى، وبه البقية. ### ||| AUTO المسألة الثالثة: أن الله تعالى عالم، والكلام في هذه المسألة ~~يقع في أربعة مواضع: PageV01P243 # الأول: في حقيقة العالم، والحكمة، والمحكم، والأحكام، وقسمة الأفعال بحسب ~~أحكامها. # والثاني: في حكاية المذهب وذكر الخلاف. # والثالث: في الدليل على أن الله تعالى عالم. # والرابع: فيما يلزم المكلف معرفته في هذه المسألة. # أما الموضع الأول: فللعالم حدان: حقيق ورسمي، فالحقيقي ما تقدم في اعتقاد ~~العلم، وهو المعتقد الذي يكون معتقده أو ما يجري مجرى معتقده على ما ~~يتناوله مع سكون النفس إليه، وهذا الحقيق لا يجوز اطلاقه عليه تعالى؛ لأنه ~~محال من وجهين: # أحدهما: المعتقد فإنه مجاز من عقد الخيط، فكأنه عقد قلبه على ما اعتقده. # والثاني: السكون فإنه مجاز في زوال الشك والريبة، والمجاز لا يجري عليه ~~تعالى......سمعي، وإن كان معنى ذلك حاصل في حقه تعالى، وللرسمي حدان أيضا: # أحدهما: ما ذكره الشيخ (رحمه الله تعالى) وهو المختص بصفة لكونه عليها، ~~يصح منه اتخاذ معلومه محكما وتحقيقا أو تقديرا الفعل المحكم إذا لم يكن ثم ~~مانع ولا ما يجري مجراه. PageV01P244 # والثاني: أن نقول هو المختص بصفاته لكونه عليها يصح منه اتخاذ معلومه محكما ~~وتحقيقا، أو تقديرا، فالتحقيق ما تعذر عليه مما يصح احكامه، والتقدير ما لا ~~يقدر عليه، وما لا يصح فيه الاحكام غير ms206 أنه لو كان مقدورا له ويصح احكامه ~~لأحكمه فقد احترزنا بهذا عن معلومه الذي لا يصح احكامه في نفسه مثل الذات ~~الواحدة من مقدوراته، وهو الجوهر الفرد، وعن ما لا يقدر عليه ولا يصح ~~احكامه نحو ذات القديم تعالى، وعن ما يصح احكامه في نفسه إلا أنه غير مقدور ~~له، وأن علمه نحو كتابه غيره وسائر أفعاله، فإنه لا يصح منه احكام شيء من ~~ذلك، ولكن لو قدرنا أنها مما يقبل الأحكام، وأنها مقدورة له لصح منه ~~احكامها لعلمه، وهذا هو الذي أردنا بقولنا في الحد الأول ما يجري مجرى ~~المنع، وحقيقة احكامه هو كل فعل حسن لفاعله فيه عرض صحيح، وحقيقة المحكم ~~هو......المنتظم، حقيقة الاحكام هو إيجاد فعل عقيب فعل، أو مع فعل على وجه ~~لا يتأتا من كل قادر لابتدائه. # قلنا: عقيب فعل، مثاله: الحرف بعد الحرف، أو مع فعل، مثل أن يوجد الله ~~تعالى الفعل المحكم دفعة واحدة، وقلنا: على وجه لا يتأتى من كل قادر احتراز ~~من ايجاد الحرف الواحد من الكتابة فإنه يمكن أن يقع من القادر على وجه ~~لاتفاق، وإن لم يكن عالما ولا يدل على ذلك كونه عالما إلا أن لقائل أن ~~يقول: إن هذا الحرف الواحد إذا وجد على هذه الصفة محكم، وفيه أحكام فلا ~~يجوز اخراجه من الحقيقة، وإن كان لا يدل على أن فاعله عالم لما أمكن صدوره ~~من غير العالم على وجه الانفاق بخلاف الأفعال الكثيرة فإنه لا يتفق فيها أن ~~يوجد إلا من عالم، فالأولى أن يقال في الحد على وجه لا يتأتى من كل قادر ~~الإبتداء به إلاعلى وجه البدور والاتفاق. PageV01P245 # وأما قسمة الأفعال فهي تنقيم إلى أربعة: حكمة ومحكم، ولا حكمة ولا محكم، ~~ومحكم وليس بحكمة، وحكمة وليس بمحكم، فهذه يجوز وجودها في أفعالنا ولا يجوز ~~أن تكون في أفعاله تعالى إلا ما هو محكم وحكمة أو حكمة وليس بمحكم؛ لأنه ~~يجوز أن يوجد الفعل عاريا من الأحكام، الغرض حكمي ولا يجوز في فعله القسمين ~~الآخرين، ms207 فالذي من فعل الله تعالى محكم وحكمة مثل خلق الواحد منا وغيره من ~~أفعاله المحكمة، واما الذي هو حكمة وليس بمحكم فمثل خلقه للتراب وغيره مما ~~خلقه لمنافع العباد، وليس فيه احكام. # وأما في معنى ما هو محكم وحكمة فمثل الكتابة الحسنة في نفع المسلم. # وأما الذي ليس بحكمة ولا محكم فمثل الخط المخرمش في ضرب المسألة. # وأما الذي هو محكم وليس بحكمة فمثل الخط الحسن في ضرر المسألة. # وأما الذي هو حكمة وليس بمحكم فمثل الخط المخرمش في نفع المسألة. # وأما الموضع الثاني وهي في حكاية المذهب وذكر الخلاف، فمذهبنا أن الله ~~تعالى عالم، والخلاف في ذلك مع الباطنية، وبرغوث، والنجار، وإلزام ~~المطرفية. # أما الباطنية فقد تقدم حكاية مذهبهما بمسألة قادر. # وأما برغوث والنجار فإنهما ذهبا إلى مثلما ذهبنا إليه في أنه تعالى قادر، ~~وكذلك في حي، فقالا: إنه قادر عالم حي، ولكن ذلك يرجع إلى النفي. # وأما المطرفية فإنما ألزمناهم أن يكون تعالى غير عالم من حيث أضافوا ~~العالم بإحكامه إلى الطبع فلا طريق لهم إلى أن الله تعالى عليم. # وأما الموضع الثالث: وهو في الدليل على أن الله تعالى عالمفالذي يدل على ~~ذلك وخوه ثلاثة: # الأول ما ذكر الشيخ (رحمه الله) وهو ابتدأ، والفعل المحكم لا يصح ابتدأ ~~إلا من عالم والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن الفعل المحكم قد صح منه ابتدءا. # والثاني: أن الفعل لا يصح ابتدأ إلا من عالم. PageV01P246 # أما الأصل الأول: فبين أمرين أحدهما: أن الفعل المحكم قد صح منه ابتداءا ~~إما أنه قد صح منه، قال الشيخ (رحمه الله تعالى):فالذي يدل على ذلك أنه قد ~~وقع منه ووجد الوقوع على الصحة ويعني بالصحة لا مكان إذ لو لم يصح لكان ~~مستحيلا في نفسه وهذا ضعيف كما تقدم في مسألة قادر؛ لأنه استدل على احكام ~~الفعل بالصحة التي تقيض بالاستحالة، فالأولى أن يقال قد صدر العالم عنه ~~تعالى، تعالى ما فيه من الأحكام كما بينا، فلا يخلو إما أن يكون احكامه قد ~~حصل ms208 على سبيل الجملة والاختيار، أو على سبيل الإيجاب محال أن يكون حصل منه ~~على سبيل الإيجاب؛ لأنه كان يلزم قدمه وقد دللنا على حدوثه فلم يبق إلا أنه ~~حصل على سبيل الصحة والاختيار، والذي يدل على أن الفعل المحكم صح منه أن ~~ذلك ظاهر في ملكوت المسموات والأرض، فإن فيهما من بدائع الحكمة وعجائب ~~الصنعة ما يزيد على صناعة محكمة في الشاهد، وكذلك ابن آدم فإن فيه من ~~العجائب المحكوة غاية ما يكون، ولهذا قالت الفلاسفة: هو العالم الصغير. # وقال بعض الحكماء: سيل الأرض من مجرى نهارك، والله استجارك وأخرج ثمارك، ~~فإنلم يجبك حوارا إجابتك اعتبارا، والذي يدل على أنه صح منه ابتداء. # قال الشيخ: ابتداءا احترازا من الاحتذاء والاقتداء فإنهما يحصلان ممن ليس ~~بعالم بذلك الفعل المحكم، ولا يدلان على كونه عالما به. # أما الاحتذاء فمثل الكتابة بالطابع فإنه إذا وضع علىالشمع أو الدقيق فإنه ~~يحصل مثل مافي الطائع من المحكم. PageV01P247 # وأما الاقتداء فمثل أن يقتدي بما بفعله غيره من الكتابة المحكمة فيفعل ~~مثلها مقتديا بها، وإن كان غير عالما بها، وإن كان الاحتذاء والاقتداء ~~الأنفعان إلا ممن هو عالم بتكيفهما ولا يحسنه كل واحد ولا يجوز أن يكون ~~الله تعالى أحكم العالم محتذيا ولا مقتديا؛ لأنه لو أوجده كذلك لكان المثال ~~الذي احتذى عليه أو اقتدى به لا بد له من محكم، فإن كان هو الله تعالى فذلك ~~هو المثال فعل محكم، ونحن نعلل الكلام إليه، ونستدل به على أنه تعالى عالم، ~~وقد صح منه المثال ابتداء وإن أخذته غيره فذلك الغير إما أن يكون قديما أو ~~محدثا، لا يجوز أن يكون قديما لما سيأتي أنه لا ثاني لله تعالى، وإن كان ~~محدثا فهو فعل محكم في نفسه؛ لأنه قادؤ عالم، وفاعله هو الله تعالى، إذا لا ~~قديم سواه، وان فعله محدث آخر تسلسل فيستدل به على أنه تعالى عالم؛ لأنه قد ~~فعله ابتداء على أنه لو صدر عنه بالابتداء ولا....لدل على كونه عالما، ~~يكفيه وضع الطابع على ms209 وبالطابع، وكذلك المحتدث لابد أن يكون عالما ~~بكيفية......اقتربت الكتابة على حسب ترتيب ما يحتذى به ويقدم ما قدمه، ~~ويؤخر ما أخره، وإذا أثبت بهذا أنه عالم ببعض الإسناد لنا بعد ذلك على أنه ~~عالم لذاته فيجب أن يعلم جميع الأشياء، ويدل على أنه عدل حكيم، ويصح السمع ~~ويستدل بالسمع على أنه تعالى هو المحكم لجميع العالم، فإن قيل ما أنكرتم أن ~~يكون الله تعالى أوجد العالم غير محكم ثم أحكمه غيره، والجواب عنهم نحو ما ~~تقدم لأن محكمه لا يخلو إما أن يكون قديما أو محدثا باطل أن يكون قديما على ~~ما يأتي بيانه، وإن كان محدثا فهو فهو محكم، ومحكم لا يخلو إما يكون هو ~~الله تعالى أو غيره، باطل أن يكون غيره؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون قديما أو ~~محدثا وتسلسل، فلم أن يبق إلا أن محدثه هو الله تعالى وقد صح انه محكم فحصل ~~غرضنا، أو يكون هو الذي أحكم العالم وأحدثه، ويبطل السؤال فثبت الأصل الأول ~~وهو أن الفعل المحكم PageV01P248 قد صح منه ابتداء. # وأما الأصل الثاني: وهو أن الفعل المحكم لا يصح ابتداء إلا من عالم، فلك ~~فيه طريقان كما تقدم: # أحدهما: أن يبتدئ الدلالة في الغائب من دون قياس كما تقدم في كونه قادر، ~~أو هو الأصح. # والثانية: إن سلك طريقة القياس وهو أن يقول: غنا وجدنا في الشاهد قادرين: # أحدهما: يصح منه الفعل المحكم. # والآخر: يتعذر عليه، كالأمي، فالذي صحت منه الكتابة المحكمة لابد أن ~~يفارق من تعذرت عليه بمفارقة لولاها لما صح من أحدهما ما تعذر على الآخر، ~~وقد عبر أهل اللغة عن هذه المفارقة بأن سمو من صح منه الكتابة المحكمة ~~عالما دون الآخر، وتحقيق ذلك أنا قد علمنا ثبوت مفارقة بين من صحت منه ~~الكتابة ومن من تعذرت عليه، ولابد من أمر لأجله فارقه ذلك الأمر، وليس إلا ~~كونه عالما، وقد ثبتت هذه الطريقة في الغايب فيجب ثبوت الحكم، وهذه الدلالة ~~مبنية على خمسة أصول: # أحدها: أن هاهنا مفارقة، ms210 وأنها معللة بأمر. # والثاني: أن ذلك الأمر ليس إلا كونه من صح منه الفعل المحكم عالما. # والثالث: أنه إنما وجب أن يكون عالما؛ لأنه صح منه من الأفعال المحكمة ما ~~تعذر على غيره. # والرابع: أن هذه الطريقة قد حصلت في الغايب. # والخامس: أنه يجب أن يكون عالما. # أما الأصل الأول: فقد تقدم بيانه في مسألة قادر. # وأما الأصل الثاني: وهو أن ذلك الأمر ليس إلا صفة ترجع إليه، وهو كونه ~~عالما، فقد اختلف العلماء في ذلك، فذهب أبو هاشم وجمهور المعتزلة، وكثير من ~~الزيدية أن للعالم بكونه صفة زائدة على كونه قادرا راجعة إلى الجملة في ~~الشاهد وإلى ذاته تعالى في الغائب، وذهب أبو الحسين وابن الملاحمي أن كونه ~~عالما لا يرجع به إلى إلا تعلقه بالمعلومات على ما هي عليه، ولم تثبت حالة ~~زائدة على ذلك، بل ذات القديم تعالى تقتضي له هذا التعلق بجميع المعلومات ~~من دون واسطة، إلا أن أبا الحسين جعل هذا التعلق في الشاهد حالة للعلة في ~~الغائب حالة لذاته تعالى. PageV01P249 # وقال ابن الملاحمي: هو حكم العالم وليس بحالة وقد اتفقا على أنه لابد من ~~أمر زائد على ذاته تعالى لأجله صح منه الإحكام، وقد استدل المشائخ على ما ~~ذهبوا إليه من أنه لابد من أمر راجع إلى الجملة، مثل ما تقدم في كونه قادر، ~~وقد دخل فيه بطلان ما ذكره أبو الحسين من أنه حالة.....؛ لأن صدور الفعل عن ~~الجملة فيما يؤثر فيجب أن لا يرجع إلى البعض من القلب ولا من غيره من ~~المعين الذي هو العلم؛ لأنه يرجع إلى البعض، واستدلوا على بطلان ما ذهب ~~إليه أبو الحسين وابن الملاحمي أن المرجع بكونه عالما إلى المتعلق بالمعلوم ~~فقط بأن في العلوم مالا متعلق له بالعلم أن لا ثاني للقديم تعالى، وأن لا ~~قدرة ولا علم، وأن البقا ليس بمعنى فلزمه نفي العلم هاهنا؛ لأنه لا يثبت ~~إلا التعلق، ولا متعلق في هذه الصفة، ولا تعلق، وكذلك علم الجملة عند أبي ~~الحسين لا ms211 متعلق فكان يجب نفيه. # وأما الأصل الثالث والرابع والخامس: فقد تقدم ذلك في كونه قادرا، ولا وجه ~~لاعادته. # الدليل الثاني: أن الله تعالى أوجد أفعاله مطابقة لمصالح العباد من غير ~~زيادة ولا نقصان، وكل من أوجد أفعاله مطابقة للمصلحة من غير زيادة ولا ~~نقصان فهو عالم، والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه أوجد أفعاله مطابقة لمصالح العباد من غير زيادة ولا نقصان. # والثاني: أن كل من أوجد أفعاله مطابقة للمصلحة من غير زيادة ولا نقصان ~~فهو عالم. PageV01P250 # أما الأصل الأول: وهو أن الله تعالى أوجد أفعاله مطابقة لمصالح العباد من ~~غير زيادة ولا نقصان، فالذي يدل على ذلك ما نعلمه من الأفعال التي يعلمها ~~الله تعالى مطابقة للمصالح، مثل الأمطار فإن الله تعالى يفعلها مطابقة ~~للمصلحة فينزل بقدر ما يشاء بحسب الحاجة في قدرة، وفي وقته بحيث لو جاء في ~~غير ذلك الوقت لم يحصل الغرض ولو زاد على ذلك القدر لفسد فلو كان أنقص لما ~~وقع به اعتداد ولا نفع، وكذلك أجراه للعادة في خلق البر من البر، والشعير ~~من الشعير، وهكذا في اختلاف الليل والنهار، وهكذا في الشمس والقمر، وهكذا ~~في خلق ابن آدم من التركيب الحسن والآلة الحسنة ما هو مطابق لمصلحته ~~وتركيبه للحواس، ووضع كل عضو في موضعه المطابق للمنفعة والزينة، كتركيب ~~العين في أعلى البدن، وشق الفم، وترتيب الأسنان في فيه آلة للأكل، فجعل ~~الحداد في مقدمة المقطع، والنواجذ للكسر والطحون في مؤخره للطن، وجعل ~~الرطوبة في الفم لبل اللقمة ليتمكن اساغتها ويسهل انحدارها، وتقدير الرطوبة ~~بقدر الحاجة، بحيث لو أفرطت في الكثرة أو القلة لبطل المنفعة إلى غير ذلك ~~من العجائب التي شرحها الأطباء، وما عجزوا عن شرحه من العجائب، ولهذا قال ~~علي (عليه السلام): عجبا لابن آدم كيف يتكلم بلحم، وينظر بجسم، ويتنفس من ~~خرم، ويسمع بعظم، وإن شئت ذكرت جعله العالم كما ذكره بعض العلماء فيقول: إن ~~الله جل وتقدس جعل السماء كالسقف، والأرض كالبساط، والنجوم كالمصابيح، ~~والإنسان كمالك البيت الذي يتصرف ms212 فيه وينتفع بما أعد له، وجعل ضروب النبات، ~~والحيوانات والأنهار، والأمطار مهيأة لمصالحها جميعها، والمعادين كالحرائر ~~إلى غير من العجائب التي لا تنحصر على الوجه المطابق للمصالح مع الإحكام ~~والتركيب الغريب العجيب، فجميع ذلك يدل على صانع حكيم، وقدير عليم، قصد إلى ~~وضع كل شيء في موضعه رحمة منه لعباده، وانعاما عليهم، فثبت الأصل الأول. PageV01P251 # وأما الأصل الثاني: وهو أن من وجد منه الفعل مطابقا للمصلحة من غير زيادة ~~ولا نقصان فهو عالم، فالذي يدل على ذلك أنه لو لم يكن عالما بالمفسدة ~~والمصلحة، والمنفعة والمضرة، ومطابق ذلك وما يخالفه لما كان بأن يوجدها على ~~الوجه المطابق أولى من أن يوجدها على خلافه، فيقدم المؤخر ويؤخر المقدم، ~~وهذا معلوم في الشاهد، ولا يمكن أن يقع منه على وجه الاتفاق من غير علم. # أما الدليل الثالث: أن الله تعالى خلق فينا العلوم الضرورية، ولا يصح ~~وجود العالم إلا من عالم، وهذه الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن الله تعالى خلق فينا العلوم الضرورية. # والثاني: أنه لا يصح وجود العلم إلا من عالم. PageV01P252 # أما الأصل الأول: وهو أن الله تعالى أوجد فينا العلوم الضرورية، فالذي يدل ~~على ذلك أنها قد وجدت فلا يخلو إما أن يكون أوجدها الله تعالى أو غيره، أو ~~أوجدها الواحد منا في نفسه، محال أن يكون أوجدها الواحد منا في نفسه؛ لأنها ~~لو كانت من فعله لوجب أن تكون واقفة على اختياره فكان إذا توفرت دواعيه إلى ~~فعل الفعل والزيادة فيه وغيره من العلوم الضرورية أن يوجد ذلك، ومتى صرفه ~~الصارف عن حصول العلوم الضرورية، وكره وجودها أن تزول، وفي علمنا بخلاف ذلك ~~دلالة على أنها ليست من فعلنا ولا يجوز أن تكون من قادر بقدرة وهو الغير؛ ~~لأن الفعل لا يحصل من القادر بالقدرة إلا بالاعتماد والاعتماد لا تأثير له ~~في ايجاد شيء من العلوم، أما أنه لا يوجد منه إلا بالاعتماد فذلك ظاهر فإنه ~~لو أراد تحقيق غيره لم يحصل إلا بالاعتماد؛ لأنه لا يقدر على ms213 الاختراع، ~~وإما أن الاعتماد لا تأثير في إيجاد شيء من العلوم، ولأن أحدنا لو اعتمد ~~بيده على صدر الغير لم يزد في علمه ولا ينقص، ولأن الاعتماد لو زيد ~~الاعتقاد لوجب أن يولد جميع الاعتقادات؛ لأنه لا اختصاص له ببعضها دون بعض، ~~وكان يلزم في الاعتماد الموجود في قلبه أن يولد الاعتماد لأن السبب يولد ~~لما يزعم إليه فلم يبق إلا أنها من فعل القادر لذاته فثبت الأصل الأول. # أما الأصل الثاني: وهو أن العلم لا يصح وجوده إلا من عالم فالذي يدل عليه وجهان: # أحدهما: أنا قد علمنا أنه يتعذر على الصبيان والمجانين أن يفعلوا شيئا من ~~العلوم بل يتعذر على العاقل أن يفعل شيئا من العلوم إلا على طريقة مخصوصة، ~~فمن لا يعلم شيئا أولى وأحرى أن لا يصح منه فعل العلم. # الوجه الثاني: أن العلم اعتقاد واقع على وجه، وهو لا يقع على ذلك الوجه ~~إلا من عالم؛ لأنه جنس الفعل الحكيم، وتفصيل هذا الوجه يأتي إن شاء الله ~~تعالى في الكتب البسيطة، فثبت الموضع الثالث. PageV01P253 # وأما الموضع الرابع: وهو فيما يلزم المكلف معرفته في هذه المسألة، فاعلم ~~أنه يلزمه أن يعلم أن الله تعالى كان فيما لم يزل، ويكون عالما فيما لا ~~يزال، وأنه عالم بجميع المعلومات على جميع الوجوه والتي يصح أن يعلم عليها ~~فيعلم الشيء مجملا ومفصلا ومشروط وغير مشروط، ويعلم ما كان وما سيكون، وما ~~لم يكن لو كان كيف كان يكون، ولا يجوز خروجه عن هذه الصفة في حال من ~~الأحوال، والدليل على ذلك يأتي إن شاء الله تعالى في فصل الكيفية. ### ||| AUTO المسألة الرابعة: أن الله تعالى حي، والكلام منها يقع في ~~أربعة مواضع: # أحدها: في جقيقة الحي والحياة والحيوان وكونه حيا، والفرق بين الحي ~~والحيوان. # والثاني: في حكاية المذهب وذكر الخلاف. # والثالث: على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهب إليه المخالف. # والرابع: فيما يلزم المكلف معرفته في هذه المسألة. # الموضع الأول: وهو في حقيقة الحي والحياة والحيوان وكونه حيا، ms214 فحقيقة ~~الحي هو المختص بصفة بكونه عليها يصح أن يقدر ويعلم. # قلنا: المختص بصفة تلك الصفة هي كونه حيا، قلنا: لكونه عليها أي لأجل ~~اختصاصه بها، وقلنا: يصح أن يقدر ويعلم؛ لأن صفات الجملة التي يصححها كونه ~~حيا تسع وهي كونه: قادرا، وعالما، ومريدا، وكارها، ومشتهيا، ونافرا، وظانا، ~~وناظرا، ومدركا، وهي على ثلاثة أضرب: # منها: ما يعم جميع الأحياء في جميع الأوقات، وكونه قادرا وعالما. # ومنها: ما يختص بعض الأحياء في بعض الأوقات، وهي كونه قادرا وعالما. # ومنها: ما يختص بعض الأحياء في بعض الأوقات، وهي كونه مشتهيا ونافرا، ~~وظانا وناظرا، فهذا لا يجوز على الله تعالى. PageV01P254 # ومنها: ما يثبت بجميع الأحياء في بعض الأوقات، وهي كونه مريدا، وكارها ~~ومدركا، فإنها لا تثبت له تعالى فيما لم يزل، فكان التحديد بكونه قادرا ~~وعالما أولى لعمومها لجميع الأحياء في جميع الأوقات، فأما حقيقة الأحياء: ~~فهي ما تضربه الأشياء الكثير كالشيء الواحد، مثل الإنسان فإنه أشياء كثيرة ~~لكن لما خلته الحياة صار حكمه كالشيء الواحد؛ لأنه قادر واحد، وعالم واحد، ~~وإن شئت قلت: هو المعنى التى متى اختص بالواحد منا أوجب كونه حيا، وحقيقة ~~الحياة هو الجسم الحي بحياة، وحقيقة كونه حيا هي الصفة التي تقتضي لمن اختص ~~بها صحة أن يقدر ويعلم، والفرق بين الحي والحيوان أن كل حيوان حي، وليس كل ~~حي حيوان، فالله تعالى حي وليس بحيوان. # وأما الموضع الثاني: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف، فمذهبنا أن الله ~~تعالى حي والخلاف في ذلك مع الباطنية فإنهم يقولون: لا حي ولا لا حي نحو ما ~~تقدم في كونه قادرا. # وأما المطرفية فإنه يلزمهم ذلك لما قالوا: إن التراكيب تحدث بالطبع ~~والإحالة والاستحالة، فنلزمكم أن لا يكون الله تعالى حيا ولا قادرا؛ لأن ~~التراكيب تحصل من غير حي ولا قادر عندكم، فلا طريق لكم إلى أن الله تعالى حي. # وأما الموضع الثالث: وهو في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا ~~فالذي يدل على ذلك أنه قادر وعالم، ms215 والقادر العالم لا يكون إلا حيا، وليس ~~من شرط الدلالة اجتماع الصفتين، بل إنهما حصلت دلت، ولكن العلماء جمعوا لما ~~كانا متلازمين في حقه تعالى، والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن الله تعالى قادر وعالم. # والثاني: أن القادر العالم لا يكون إلا حيا. # أما الأصل الأول: وهو أنه قادر عالم فقد تقدم بيانه. # وأما الأصل الثاني: وهو أن القادر العالم لا يكون إلا حيا، فالذي يدل على ~~ذلك أنا وجدنا في الشاهد ذاتين: # أحدهما: يصح منه أن يقدر ويعلم، كالواحد منا. # والآخر: يتعذر عليه كالميت والجماد. PageV01P255 # فالذي صح أن يقدر ويعلم لابد أن يفارق من تعذر عليه ذلك، بمفارقة لولاها ~~لما صح من أحدهما ما استحال على الآخر، وقد عبر أهل اللغة عن هذه المفارقة ~~بأن سمو من صح أن يقدر ويعلم حيا دون الآخر، وتحقيق ذلك هاهنا، وأنها هنا ~~معللة بأمر، وأن ذلك الأمر صفة راجعة إلى الجملة زائدة على الثلاثة، وهي ~~كونه حيا، وإنما وجب ذلك؛ لأنه صح من أحد الذاتين ما تعذر على الآخر، فإذا ~~ثبت ذلك في الغائب وجب أن يكون حيا، وهذه الدلالة مبنية على خمسة أصول كما ~~تقدم: أن هاهنا مفارقة، وانها معللة بصفة، وأن تلك الصفة راجعة إلى الجملة، ~~وهو كوه حي. # أما الأصل الأول: وهو أن هاهنا مفارقة فذلك معلوم ضرورة، فإن الواحد منا ~~يفرق بين من صح أن يقدر ويعلم وبين من يستحيل عليه. # وأما أن تلك المفارقة معللة بأمر، فلآن طرق التعليل أربع: طريقة قاضي ~~القضاة،وهو العرض على وجوه التعليل، وهي ست، وطريق أبي رشيد، وهي ثلاث، ~~وطريق المتأخرين وهي الافتراق بعد الاشتراك، وطريق ابن الملاحمي، وهي ~~التجدد والاضافة إلى ذات دون كما تقدم تحقيق ذلك، وكلها حاصلة هاهنا وموجبة ~~للتعليل. # أما طريقة قاضي القضاة فعرضنا هذه عليها فقلت: المقتضي لأن صحة أن يقدر ~~ويعلم مقتضا عن كونه حيا، وعلى طريقة أبي رشيد إذا لم يعلل بطل، وعلى طريقة ~~ابن الملاحمي التجدد والاضافة إلى ذات دون ذات أخرى، وعلى طريقة ms216 المتأخرين ~~الإفتراق بعد الإشتراك لأنهما قد اشتركا في كونهما ذاتين، وموجودين، ~~وافترقا، فصح من حدهما أن يقدر ويعلم واستحال على الآخر. # وأما أن ذلك صفة زائدة على الذات وهي كونه حيا فهذا مذهب أبي هاشم، ومن ~~قال بقوله، والخلاف في ذلك مع أبي الحسين وابن الملاحمي، فإنهما ذهبا إلى ~~نفي الصفة الزائدة وقالا: المرجع بكونه حيا في الشاهد إلى الثلاثة المخصوصة ~~من اللحمية والدمية، والرطوبة واليبوسة، وغير ذلك. PageV01P256 # وفي الغائب إلا أنه لا يستحيل أن يقدر ويعلم، والدليل على صحة ما ذهب إليه ~~أبو هاشم، وفساد ما ذهب أبو الحسين وابن الملاحمي أنا نقول: قد ثبت هذا ~~الأمر الذي هو الصحة أن يقدر ويعلم فلا يخلو إما أن يثبت بمجرد الذات أو ~~لذات أخرى، أو لصفة محال أن يثبت لمجرد الذات؛ لأنه كان يلزم أن يصح في ~~الجماد أن يقدر ويعلم، وباطل أن يثبت لذات أخرى، لوجوه ثلاثة: # أحدها: أن لو ثبت لذات أخرى، وكان المرجع بهاإلى البنية لزم في القديم ~~تعالى أنه إنما صح أن يقدر ويعلم؛ لأجل بنية مخصوصة، وأنتم لا تقولو به. # الثاني: أن صحت أن يقدر ويعلم حكم صدر عن الجملة فوجب أن يكون المؤثر فيه ~~راجعا إلى الجملة. # الوجه الثالث: أنه لو ثبت لأجل البنية للزم في الميت واليد الشلا أن يقدر ~~ويعلم؛ لأن فيهما بنية، ولو صح يف القديم تعالى أن يقدر ويعلم لأجل ذاته ~~يصح ذلك في كل ذات؛ لأن الذوات مشتركة في أنها ذوات، وإنما اشترط في صفاتها ~~فإن أراد بقوله لذاته المخصوصة أنها مخصوصة بأمر زائد على الذات فقد أثبت ~~بالصفة، وليس من قوله، وإن أراد بها مخصوصة بأنها ذات فليست مخصوصة بذلك، ~~بل الذات كلها مشتركة في معنى الذات، وهو أنه يصح العلم بها على انفرادها، ~~فلم يبق إلا أنه أمر زائد على البنية في الشاهد وفي الغائب زائد على ذاته ~~تعالى، وأما أن الحكم إذا ثبت في الشاهد فقد تقدم، فإن قيل: أليس أن القادر ~~العالم في الشاهد حيا ms217 ولا يلزم أن يكون القادر العالم في الغائب حيا، وإلا ~~فما الفرق بين الموضعين؟ # والجواب: عن ذلك من وجوه: # أحدها: أن هذا جمع بين أمرين من غير علة جامعة وى طريق ناظمة، وما هذا ~~حاله فلا يقبل قياسكم على صور المسائل باطل. # الثاني: أن هذا إنما يجب لو صح أن العالم القادر في الشاهد إنما وجب كونه ~~جسما؛ لأنه قادر عالم، فحينئذ كان يجب في الغائب مثله كما ذكرنا في كونه ~~حيا، وهذا مما لا سبيل له إلى تصحيحه. PageV01P257 # الوجه الثالث: أنا نبين الفرق بين الشاهد والغائب فيما عارضونا، وإن كان لا ~~يلزمنا فنقول: إن ما وجب في القادر العالم في الشاهد أن يكون جسما من حيث ~~قادر بقدرة وعالم بعلم، وهما معنيان لا يصح وجودهما إلا في محل مخصوص مبني ~~ببنية مخصوصة من لحمية ودمية، وذلك لا يصح إلا في جسم، وهذا غير حاصل في ~~الغائب؛ لأنه قادر لذاته وعالم لذاته فلم يحتج إلى محل، وليس كذلك في ~~مسألتنا فإن القادر العالم يجب أن يكون حيا سواء كان قادرا لذاته أو لمعنى، ~~فافترقا ولا يصح القياس مع وجود الفرق. # وأما الموضع الرابع وهو فيما يلزم المكلف معرفته في هذه المسألة، فيلزم ~~أن يعرف أن الله تعالى كان حيا فيما لم يزل، ويكون حيا فيما لا يزال، ولا ~~يجوز خروجه عن كونه حيا من هذه الصفة بحال من الأحوال. ### ||| AUTO المسألة الخامسة: أن الله سميع بصير، وأنه سامع مبصر مدرك ~~للمدركات، وإنما حذف الشيخ مسألة سامع مبصر، مردك للمدركات؛ لأن العلم بها ~~على التفصيل من فروض الأعيان واثباتها على التفصيل، وأنها زائدة على كونه ~~عالم بالمسموعات والمبصرات تحتاج إلى بسط لا يسعه هذا المختص، وإذا أردنا ~~الكلام فيها فينبغي أن نتكلم في ستة مواضع: # الأول: في حقيقة السميع البصير، والسامع المبصر، والمدرك، والفرق بين ~~السميع والبصير، والسامع والمبصر، وبيان أجناس المدركات. # والثاني: حكاية المذهب وذكر الخلاف. # والثالث: في الدليل على أن الله سميع بصير. # والرابع: في الدليل على أن الله ms218 تعالى سامع مبصر مدرك للمدركات. # والخامس: في بيان شبه المخالف وابطالها. # والسادس: فيما يلزم المكلف معرفته في هذه المسألة. # أما الموضع الأول: فحقيقة السميع البصير هو المختص بصفة لكونه عليها يصح ~~أن يدرك المسموع والمبصر إذا وجد. PageV01P258 # قلنا: هو المختص بصفة تلك الصفة هي كونه حيا؛ لأنه لا حال للسميع البصير ~~بكونه سميعا بصيرا، وقلنا: يدرك المسموع والمبصر إذا وجد؛ لأنه سميع بصير، ~~إذا كان بحيث يضح أن يسمع ويبصر عند وجود المسموع والمبصر، وإن لم يكن ~~سامعا ومبصرا في الحال، وحقيقة السامع المبصر هو المختص بصفة لكونه عليها ~~يدرك المسموع والمبصر في الحال، والاحتراز واحد في الحقيقتين إلا أنه لا ~~يوصف أنه مدرك إلا عند حصول المدرك. # والفرق بينهما أنا نصف السميع البصير بأنه سميع بصير وإن لم يكن ثم مسموع ~~ولا مبصر، ولا نصف السامع المبصر؛ لأنه سامع مبصر إلا إذا وجد المسموع ~~والمبصر، ولهذا نصف الله تعالى بأنه سميع بصير فيما لم يزل، ولا نصفه أنه ~~سميع مبصر فيما لم يزل لعدم المسموع والمبصر. # وأما بيان أجناس المدركات فهي ثمانية: الجسم وما هو من قبيله، مثل الجوهر ~~والخط، والسطح والألوان، والأرائح والطعوم، والحرارة والبرودة، والأصوات ~~والآلام، فالجسم يدرك بحاستين: الرؤية والممس، وكل واحد منها لا يدرك إلا بحاسة. # وأما الموضع الثاني وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف، فاتفق جميع ~~المسلمين وغيرهم ممن أقر بالصانع على أن الله تعالى يوصف بأنه سميع بصير، ~~سامع مبصر، مردك للمدركات، والكرم والكريم ناطق بذلك، قال الله تعالى{إنني ~~معكما أسمع وأرى} وقال{وهو السميع البصير} وقال:{لا تدركه الأبصار وهو يدرك ~~الأبصار} والخلاف في ذلك مع الباطنية، فإنهم يقولون: لا نطلق عليه النفي ~~ولا الاقبال كما قالوا في سائر صفاتها تعالى، ثم اختلف في وصفه تعالى، في ~~هذا الوصف ومعناه، فذهب الجمهور إلا أن المرجع بكونه سميعا بصير إلى أنه حي ~~لا آفة به، وليس بأمر زائد، وقد استعملوا ذلك بمعنى سامع ومبصر على وجه ~~المبالغة، كما في عالم وعليم، وخالف أبو هاشم في ms219 ذلك، وقال: إن له بكونه ~~سميعا بصيرا صفة زائدة على كونه حيا لا آفة به. PageV01P259 # وأما وصفه بأنه سامع مبصر، فاتفق الجمهور أن له بذلك صفة زائدة على كونه ~~عالما بالمسموعات والمبصرات، وذهب أبو الحسين وابن الملاحمي إلا أن المرجع ~~له إلى تعلقه بالمسموعات والمبصرات، والخلاف في ذلك مع البغداديين فإنهم ~~ذهبوا إلى أنه ليس بأمر زائد، وإنما المرجع إلى العلم بالمسموعات ومن ~~المبصرات لا غير، واختلف الذين اتفقوا على أنه أمر زائد في كيفية استحقاقه ~~على ثلاثة أقوال: # فذهب الجمهور العدلية والمعتزلة إلى أن ذلك الأمر مقتضيا عن كونه حيا في ~~الغائب والشاهد. # وعند الأشعرية: أنه مدرك لمعنى في الشاهد والغائب. # وعند أبي علي: أنه المعنى في الشاهد، وهو الإدراك ومقتضى في الغائب عن ~~كونه حيا. # وأما الموضع الثالث: وهو في الدليل على أن الله تعالى سميع بصير فالذي ~~يدل على ذلك أنه حي لا آفة به، وكل من كان حيا لا آفة به فهو سميع بصير، ~~والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه حي لا آفة به. # والثاني: أن كل من كان حيا لا آفة به فهو سميع بصير. # أما أنه حي فقد تقدم بيانه، وأما أنه لا آفة به؛ فلأن الآفات لا تجوز إلا ~~على الحواس، والحواس لا تجوز على الله تعالى، وهذه الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن الآفات لا تجوز إلا على الحواس. # والثاني: أن الحواس لا تجوز على الله تعالى. # أما الأصل الأول: وهو أن الآفات لا تجوز إلا على الحواس، فالذي يدل على ~~ذلك أنه لا يجوز أن تثبت بأحد اللفظين، وتنفى بالآخر، فلا يجوز أن يقال: ~~فسدت حاسته وما به آفة، أو به آفة وما فسدت حاسته، بل يعد من قال ذلك ~~مناقضا لكلامه، جاريا مجرى من يقول به آفة وما به آفة، أو فسدت حاسته وما فسدت. PageV01P260 # وأما الأصل الثاني: وهو أن الحواس لا تجوز على الله تعالى، فالذي يدل على ~~ذلك أن حقيقة الحاسة هي نقص الحي الذي يصح الإدراك بها، ms220 وقد قيل: هي الآلة ~~التي تدرك بها المدركات وهو تعالى ليس بذي أبعاض، ولا آلات، فلا تجوز عليه ~~الحواس، وإذا لم تجوز عليه الحاسة فلم تجوز عليه الآفة. # وأما الأصل الثاني: وهو أن كل من كان حيا لا آفة به فهو سميع بصير، فالذي ~~يدل على ذلك أنه لا معنى للسميع البصير إلا الحي الذي لا آفة به، ولهذا فإن ~~الحي منا كان متى كان حيا لا آفة به كان سميعا بصيرا، وصح وصفه بأنه سميع ~~بصير، وقد ثبت أن الله تعالى حي لا آفة به فيجب أن يكون سميعا بصيرا، أن ~~يوصف بذلك، وهذه الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن الواحد منا متى كان حيا لا آفة به كان سميعا بصيرا، وصح وصفه بذلك. # والثاني: أنه قد ثبت أنه تعالى حي لا آفة به، فيجب أن يكون سميعا بصيرا، ~~وأن يوصف بذلك. # أما الأصل الأول: فالذي يدل عليه أن أهل اللغة متى علموه حيا لا آفة به ~~وصفوه بأنه سميع بصير، وإن جهلو كل أمر، ومتى علموا أنه ليس بحي، أو هو حي ~~وبه آفة لم يصفوه بأنه سميع بصير، وإن علموا كل أمر ولو كان السميع البصير ~~صفة زائدة على ما ذكرنا كما روي عن أبي هاشم لصح أن يعلم كونه سميعا وإن لم ~~يعلم كونه حيا لا آفة به، أو أن يعلم كونه حيا لا آفة به، وإن لمي علم كونه ~~سميعا بصيرا، وكذلك يصح ثبوت أحدهما مع انتفاء الآخر فيكون حيا لا آفة به، ~~وإن لم يكن سميعا بصيرا، أو يثبت كونه سميعا بصيرا مع انتفاء كونه حيا لا ~~آفة به، فإن هذا الواجب في كل أمرين متغايرين لا علاقة بينهما، فثبت الأصل الأول. PageV01P261 # وأما الأصل الثاني: وهو إذا ثبت أن الله تعالى حي لا آفة كان سميعا بصيرا ~~ووجب وصفه بذلك فالذي يدل على ذلك أن المعنى قد حصل في حقه، وكل لفظة أفادت ~~معنى على سبيل الحقيقة، ثم وجد ذلك المعنى في حق الله ms221 تعالى ولم يكن اطلاقه ~~يوهم الخطأ على الله تعالى فإنه يصح وصفه به وإجراؤه عليه، ولا يحتاج في ~~ذلك إلى أذن سمعي؛ لأن من حق الحقيقة أن يطرد استعمالها شاهدا وغائبا كما ~~في كونه قادرا وعلاما وحيا، ولا جاز أن لا يطلق عليه مع حصول معناه في حقه ~~إلا بإذن سمعي لكان كذلك في اطلاق سائر الألفاظ عليه بلفي اطلاقها على غيره ~~لو صح ذلك انا نعلم بالفعل حسن الدعاء والتضرع إليه تعالى، والدعاء لا يمكن ~~إلا بأن ندعوه بالأسماء التي حصلت فوائدها في حقه على الحقيقة، وذلك قبل ~~ورود السمع، كيف وقد ورد السمع بوصفه بأنه سميع بصير؟ وقد حكي عن أبي ~~القاسم البلخي أنه قال: لا يجوز إثبات الأسماء له واطلاقها عليه إلا بإذن ~~سمعي، فإنه الأسماء عنه فلا يحتاج عبده إلا الأذن السمعي، وقد مضى من ~~الدلالة ببطل ما ذكره. # وأما الموضع الرابع: وهو أن في الدليل على أن الله تعالى سامع مبصر مدرك ~~للمدركات فالذي يدل على ذلك العقل والسمع. # أما الدلالة العقلية: فهي أنه حي لا آفة به، والموانع مرتفعة، والمدرك ~~موجود، وهذه الشرائط التي معها تدرك المدركات، والدلالة مبنية على أربعة أصول: # أحدها: أنه حي لا آفة به. # والثاني: أن الموانع مرتفعة. # والثالث: أن المدرك موجود. PageV01P262 # والرابع: أن هذه الشررئاط التي تدرك المدركات معها، وقد اعترض الشيخ محمود ~~بن الملاحمي على المشائخ في تحرير الدلالة على هذا الوجه بأن قال: إنكم إذا ~~اعتبرتم في عقد الدلالة أنه لا آفة به فمعلوم أن عدم الحاسو واستحالتها ~~أبلغ من فسادها في حالة كونه مدركا وقد استحالت عليه تعالى، فإن قلتم: إن ~~نفي الآفة شر في حق من تجوز عليه الحواس، قلنا: فلا نذكر في عقد الدلالة ~~نفي الآفة، لكن فولوا أنه حي بذاته مدركا، وثبتوا أن المقتضى بكونه مدركا ~~كونه حيا فقط، وأن الحواس شرط في حقنا دونه تعالى، ونعود إلى الدلالة على ~~ما ذكرنا من الأصول. # أما الأصل الأول: وهو أنه حي لا آفة بها ms222 فقد تقدم بيانه. # وأما الأصل الثاني: وهو أن الموانع مرتفعة في حقه تعالى؛ فلأن الموانع لا ~~تكون إلا بين غيرين كائنين في جهتين، والجهات لا تجوز إلا على الأجسام، ~~والله تعالى ليس بجسم كما سيأتي في تحقيقه في نفي الرؤية. # وأما الأصل الثالث: وهو أن المدرك موجود فقد بينا أن المردكات ثابتة وهو موجده. # وأما الأصل الرابع: وهو أن هذه الشرائط التي معها تدرك المدركات فالذي ~~يدل على ذلك ما نعلمه في الشاهد من أن الواحد منا متى كان حيا لا آفة به، ~~والموانع مرتفعة، والمردك موجود، فإنه يثبت له صفة، وهي كونه مدركا، وأن ما ~~يثبت له كونه حيا مع اجتماع هذه الأوصاف، والقديم تعالى قد اجتمعت فيه هذه ~~الأوصاف فيجب أن يكون مدركا، والدلالة مبنية على أربعة أصول: # أحدها: أن الواحد منا متى كان حيا لا آفة به، والموانع مرتفعة، والمدرك ~~موجود، فإنه تثبت له صفة كونه مدركا. # والثاني: أنا إنما تثبت لكونه حيا مع اجتماع هذه الأوصاف. # والثالث: أن هذه الأوصاف قد اجتمعت في حق الله تعالى. # والرابع: أنه يجب أن يكون مدركا. PageV01P263 # أما الأصل الأول: فذلك معلوم ضرورة، فإن الإنسان يفرق بين حاله إذا كان ~~مدركا وبين حاله إذا لم يكن مدركا، وأحلا الأمور ما يجده الإنسان من نفسه، ~~وتلك التفرقة لا تخلو إما أن يكون المرجع بها إلى كونه حيا، وإلى كونه ~~عالما، أو إلى الانطباع، أو إلى أمر زائد وهو الذي نقول لا يجوز أن يكون ~~المرجع بها إلى كونه حيا لوجهين: # أحدهما: أن كونه حيا مستمر في جميع الأوقات، وقد يحصل الإدراك وقد لا ~~يحصل مع كونه حيا، نحو أن يقدم المدرك، أو يكون هناك مانع أو بأن يكون مقتضا. # الثاني: أن كون المدرك مدركا كما نجده على الجملة من أنفسنا فإنا نجد ~~أمرا متعلقا بالمدرك، وكونه حيا غير متعلق فجيب أن يكون ما تعلق غير ما لم ~~يتعلق، وكذلك فإن كونه حيا صفة واحدة ننسبها إلى جميع المدركات نسبة واحدة، ~~وليس كذلك ms223 كونه مدركا، فإنها مختلفة باختلاف المدركات، ويحصل بعضها مع ~~انتفاء البعض، ولا يجوز أن يكون المرجع به إلى كونه عالما لوجيهن" # أحدهما: أنه قد يعلم ما لا ندرك، ويدرك ما لا نعلم. # أما ما نعلمه ولا ندركه، فنحو علمه بالقديم تعالى، والجوهر الفرد، وغير ذلك. # وأما الذي ندركه ولا نعلمه، فنحو قرص النو والبراغيث، وما أشبه ذلك، فإن ~~النائم منا يدركه في حال نومه، ولهذا قد يكون سببا لانتباهه، وإن لم نعلمه. # والثاني: أن كونه عالما أو يتبع بلفظ فإنها تتعلق بالمعدوم والموجود، ~~والقديم والمحدث، بخلاف كونه مدركا فإنها لا تتعلق إلا بهذه الثمانية بشرط ~~وجودها، ولا تجوز أن يكون لأجله الانتطباع لوجهين: # أحدهما: أن كونه مدركا يعلم بالضرورة والانطباع غير معقول. PageV01P264 # والثاني: أنا لو سلمنا الانطباع كما ذكروا فإنه أمر يصدر عن المدرك إلينا؛ ~~لأنه تأثير في الحاسة، ونحن نجد الإدراك أمرا صادرا منا إلى المدرك، ولهذا ~~نذم على سماع الغنا، ونمدح على سماع القرآن؛ لأن المؤثر فيه يرجع إليه ~~ويختص به، فإذا بطلت هذه الأقسام لم يبق إلا أن يكون المرجع به إلى كونه ~~مدركا، وهي الصفة التي نقول بها. # وأما الأصل الثاني: وهو أن المؤثر في كونه مدركا كونه حيا مع اجتماع هذه ~~الشرائط، فالذي يدل على ذلك أنه يقل بقلته ويكثر بكثرته، أما أنه يقل بقلته ~~فذلك معلوم، فإنما قل فيه الحياة قل الإدراك به كالعقب، وأما أنه يتزايد ~~بتزايده فالذي يدل على ذلك أن ما كثرت الحياة فيه كثر الإدراك كالوجه ونحوه. # الوجه الثاني: أن العلم بصحة الإدراك يتبع العلم بكونه حيا، فإن العقلاء ~~متى علموا في شخص أنه حي فإنهم يعلمون صحة صدور الإدراك، وإن حصل كل أمر ~~ولو كان المؤثر فيه غير كونه حيا لما وجب ذلك. # وأما الأصل الثالث: وهو أن القديم تعالى قد اجتمعت فيه هذه الأوصاف فقد ~~تقدم بيانه. # وأما الأصل الرابع: وهو أنه يجب كونه مدركا فالذي يدل على ذلك أن المقتضى ~~قد حصل على الحد الذي يقتضي قبحه ms224 حصول المقتضى، وإلا خرج المقتضى عن كونه ~~مقتضى، وهاهنا أصل وفرع، وعلة وحكم، فالأصل هو الواحد منا، والفرع هو ~~القديم تعالى، والعلة الرابطة حصول المقتضى على الحد الذي يقتضي، والحكم هو ~~حصول المقتضى، فإذا كان الفرع هو القديم قد شارك الأصل وهو الواحد منا في ~~العلة الرابطة وهو حصول المقتضى على الحد الذي يقتضي وجب أن يشاركه في ~~المقتضى وهو كونه مدركا، وقولنا أصل وفرع، وعلة وحكم، لا يكون إلا في طريق ~~القياس، وهذه طريقة الاقتضاء وليست قياسية. # وأما الموضع الخامس: وهو في الشبه وابطالها فلهم شبه ثلاث: # الأولى: أنه لو كان له بكونه مدركا صفة لكان قد حصل عليها بعد أن لم يكن، ~~وذلك لغير وهم عليه محال. # والجواب: من وجوه: PageV01P265 # أحدها: أنا نعارضهم بالواحد منا، فكان يجب أن يكون متغيرا إذا حصل مدركا ~~بعد أن أن لم يكن. # والثاني: أنا نقول لهم إن عنيتم أنه بغير أن ذاته قد صارت غير ما كانت أو ~~خلت من الأعراض ما لم يكن فهذا تغير، ولكنه غير حاصل فيه إذا أدرك بعد أن ~~لم يكن، وإن أردتم أنه حصل على صفة بعد أن لم يكن عليها، وكذلك نقول، ولكنا ~~لا نبطل العبارة؛ لأنها تقتضي أن ذاته صارت غير ما كانت أو خلها من الأعراض ~~ما لم يكن؛ لأن التغيير في اللغة يفيد أن الذات صارت غير ما كانت، وهذا ~~مستيحل، ثم تعورف في الذات إذا وجدت بعد عدم أو خلها ما لم يكن سواد بعد ~~بياض، أو طعم بعد طعم، وكذلك في الجسم إذا كبر بعد أن كان صغير، أو سمن بعد ~~أن نحل. # الوجه الثالث: أنا لو سلمنا أن تجدد الصفة يسمى تغيرا فإنه على وجه ~~المجاز، والمجاز لا يجوز إجراؤه عليه تعالى، ولو كان حقيقة لما جاز أيضا؛ ~~لأنه يوهم التغير الذي لا يجوز على الله تعالى. # الشبهة الثانية: أنهم قالوا: لو كان الله مدركا لوجب أن يسمى شاما وذائقا ~~ولامسا كما في الشاهد. # والجواب: عنها من وجوه: # أحدها: ms225 أنا نعارضه بالفاعل ونقول: قد ثبت أن الله تعالى فاعل، والفاعل ~~بفعل مباشرا ومتعديا ومخترعا، ولم يلزما في القديم تعالى أن يفعل مباشرا ~~ولا متعديا وكذلك في مسألتنا، فإن قالوا: إن ما لم يلزم لأن الله تعالى ليس ~~بجسم وليس يفعل الفعل مباشرا ومتعديا غير الأجسام، قلنا: كذلك في مسألتنا. # الوجه الثاني: أن هذا بناء منكم على أصل فاسد وهو أن الشام والذائق ~~واللامس اسم للمدرك، وليس بصحيح، وإنما الشام اسم لمن جمع بين حاسة الشم ~~والمشموم طلبا للإدراك، والذائق اسم لمن جمع بين المذوق .....وبين المطعوم ~~طلبا للإدراك أدرك أو لم يدرك، ولو كان اسم للمدرك لما صح أن نقول: شممته ~~ولم أدرك رائحته، وذقته فلم أدرك له طعما. PageV01P266 # الوجه الثالث: أنا لو سلمنا أنه اسم للمدرك فإنه لا يلزم أن تجري عليه ~~تعالى؛ لأنه اسم لمدرك مخصوص وهو المدرك بهذه الخواص، والله مدرك لا بحاسة ~~فلا يجوز أن يسمى بذلك، ويجري ذلك مجرى ما نقوله أنه تعالى فاعل، ولا يسمى ~~فعله مباشرا، ولا متعديا؛ لأنه اسم لمن يفعل في محل قدرته، أو بواسطة فعل ~~في محلها. # الشبهة الثالث: إن قالوا اعتمدتم على قولكم قد حصل المقتضي على الحد الذي ~~يقتضي فيجب حصول المقتضي وهو كونه مدركا من جملة المقتضى على الحد الذي ~~يقتضى في الشاهد هو الإدراك بالحواس، والله تعالى لا تجوز لعيه الحواس، فلا ~~يلزم كونه مدركا ليس من شرط الحواس وهي لا تجوز عليه. # والجواب من وجهين: # أحدهما: أنا نعارضهم بالقادر فإنا نقول: قد ثبت في الشاهد أن القادر لا ~~يفعل الفعل إلا بآلة، ولم يزلم في القديم تعالى أن يكون فاعلا بآلة فذلك ~~يجب أن يكون مردكا لا بحاسة، فما أجابوا في ذلك فهو جوابنا في هذا. # الوجه الثاني: أنا نقول: إن الواحد منا إنما يكون مدركا بالحاسة؛ لأنه حي ~~بحياة والحياة لا يصح الإدراك بها إلا بعد استعمال محلها في المدرك ضربا من ~~الاستعمال، ولهذا يتعذر على أحدنا ادراك الحما في جسم المحموم إلا ms226 بعد أن ~~يلمسه، والقديم تعالى حي لذاته فلا يحتاج في الادراك إلى الحواس. # وأما الدلالة فهي قوله تعالى{إنني معكما أسمع وأرى}، قووله{لا تدركه ~~الأبصار وهو يدرك الأبصار} وقوله تعالى{قد سمع الله قول التي تجادلك} فوصف ~~نفسه بأنه سامع ومبصر ومدرك، وقد بينا أن للمدرك السامع المبصر صفة زائدة ~~على كونه عالما وحيا وعلى انطباع المدرك في الحاسة، وهذا الأمر الذي يعلمه ~~على الجلمة ضرورة، ويجده العقلاء من أنفسهم فهو الذي عقله أهل اللغة، فيجب ~~أن يحمل ما ورد في القرآن الكريم عليه، فإن قيل: إنا نحمله على العلم ~~بالمسموعات والمبصرات، قلنا: هذا لا يصح لوجهين: PageV01P267 # أحدهما: أنا وإن سلمنا أنه يستعمل في ذلك فهو على وجه المجاز، والواجب في ~~القرآن أن يحمل على الحقيقة إلا أن يمنع مانع منها، ولا مانع؛ لأن هذا ~~الأمر الزائد صحيح عليه تعالى. # الوجه الثاني: إنه وإن استعمل فيما ذكروه على وجه المجاز فإن من شرطه أن ~~يحصل له العلم بالمسموعات والمبصرات من طريق المسماع والإبصار، ولهذا لا ~~لوصف الأعمى والأصم؛ لأنه سامع مبصر إذا علم المبصرات والأصوات من طريق ~~التواتر. # وأما الموضع السادس: وهو في ما يلزم المكلف معرفته في هاتين المسألتين، ~~أما سميع وبصير قيجب أن نعلم أن الله تعالى كان سميعا بصيرا فيما لم يزل، ~~ويكون كذلك فيما لا يزال، ولا يجوز خروجه عن كونه سميعا بصيرا في حال من ~~الأحوال، وأما كونه سامعا مبصرا مدركا للمدركات فيجب أن نعلم لم يكن مدركا ~~فيما لم يزال، وأنه مدركا فيما لم يزال عند وجود المدركات، وأنه يخرج عن ~~كونه سامعا مبصرا عند انفتاء المدركات، وعند اعادتها يجب أن يكون مدركا، ~~وأنه مدرك لجميع المدركات، والخلاف في هذه الجملة في موضعين: # أحدهما مع أبي القاسم الواسطي، فإنه ذهب إلى أنه مدرك فيما لم يزل، ~~والتعلق بالمدركات مشروط بوجودها، وهذا لا يصح؛ لأن تعلق هذه الصفة حقيقة ~~فيها فلا يصح انفصاله عنها، ولا بفعل ثبوتها من دونه، كما في كونه متحيزا ~~مع شغل الجهة. # والثاني: ms227 مع أبي القاسم بن شهلونه فإنه ذهب إلى أنه مدرك لجميع المدركات ~~ما خلا الذات والألم، وهذا لايصح؛ لأن كونه حيا مع جميع المدركات على سواء، ~~فأما أن يقتضي له كونه مدركا في جميع المدركات، وإما أن يقتضي ادراك شيء ~~منها إذ لا اختصاص لبعض منها دون بعض فهذا هو الكلام في هذه المسألة. ### ||| AUTO المسألة السادسة: أن الله تعالى قديم، والكلام منها يقع يف ~~ثلاثة مواضع: # الأول: في حقيقة القديم والمحدث، والموجود والمعدوم. # والثاني: في الدليل على أن الله تعالى قديم. # والثالث: فيما يلزم المكلف معرفته في هذه المسألة. PageV01P268 # أما الموضع الأول: فحقيقة القديم في أصل اللغة هو ما تقادم وجوده تعالى بنا ~~قديم ورسم قديم لما تقدم وجوده، وعلى هذا حمل قوله تعالى{حتى عاد كالعرجون ~~القديم} يريد به متقادم الوجود، يعني به القمر وانتهائه، فشبهه بسعف النخل ~~وهو العود الذي في رأس النخلة الذي ينحني إذا تقدم وجوده، وحقيقة القديم في ~~الاصطلاح: هو الذي لا أول لوجوده، وإن شئت قلت: هو الذي لم يتقدم وجوده عدم ~~أو هو الموجود فيما لم يزل، وحقيقة المحدث: هو الذي لوجوده أول، أو ما ~~تقادم وجوده عدم. # وأما حقيقة الموجود فقد اختلف فيه فمنهم من منع تحقيقه، ومنهم من حده بأن ~~قال: هو المختص بصفة لكونه عليها عندها تظهر الصفات والأحكام المقتضاة عن ~~صفة الذات. # وحقيقة المعدوم: هو المعدوم الذي ليس بموجود. # وأما الموضع الثاني: وهو في الدليل على أن الله تعالى قديم فإذا أردنا ~~ذلك تلكمنا في فصلين؛ لأن الحقيق قد تضمهما أحدها أنه تعالى موجود، والثاني ~~أنه لا أول لوجوده. # أما الفصل الأول: وهو أنه تعالى موجود فالكلام منه يقع في ثلاثة مواضع: # أحدها: في حكاية المذهب وذكر الخلاف في أن الله تعالى موجود، وفي أن ~~الموجود صفة زائدة على ذات الموجود. # والثاني: في الدليل على أن الوجود صفة زائدة على ذات الموجود. # والثالث: على أن الله تعالى موجود. PageV01P269 # أما الموضع الأول: فذهب جميع المسلمين أن الله تعالى موجود، وهو ms228 قول ~~الفلاسفة والإسلاميين، وكل من أثبت الصانع من الفرق الخارجة عن الإسلام، ~~كاليهود، والنصارى، والبراهمة، إلا الباطنية فإنهم يقولون: إن الله تعالى ~~لا موجود ولا لا موجود، واختلف الذين قالوا: إن الله تعالى موجد، هل الوجود ~~صفة زائدة على ذات الموجود شاهدا وغائبا، وذهب أبو الحسين وابن الملاحمي ~~إلى أن الوجود هو ذات الموجود شاهدا وغائبا وليس بأمر زائد على ذاته، وذهبت ~~الفلاسفة إلى أن وجود القديم تعالى هو نفس ذاته، وليس بأمر زائد؛ لأنه ~~تعالى واحد لا تكثير في وجوده، ووجود سائر الموجودات صفة زائدة على ذواتها. # وأما الموضع الثاني: وهو في الدليل على أن الوجود صفة زائدة ذات الوجود، ~~فالذي يدل على ذلك وجوه أربعة: # أحدها: أن الذوات ثابتة في حال القدم، فلو لم يكن الوجود صفة زائدة على ~~ذات الموجود لكان لا تفترق الحال بين القدم والموجود، وهذا محال، ولأبي ~~الحسين أن يقول: إن هذا بناء منكم على أن الذات ثابة في القدم وأنتم ~~منازعون في ذلك. # الوجه الثاني: أن منافاة السواد للبياض مشروطة بذات السواد، وهذا محال، ~~وقد أجابوا عن هذا بأن حلوهما في محل واحد ليس هو مجرد الوجود، ولكنه كيفية ~~الوجود، ونحن نثبت هذه الكيفية للذات كما ثبتوها للوجود، وجعلها شرطا في ~~البصير، وننفي صفة الوجود وثبوت الكيفيات للذوات صحيح فإنها قديمة ومحدثة، ~~وحالة، وكل ذلك كيفية ليس الذات، وإذا صح ذلك لم يلزم أن تكون مجرد الذات ~~شرطا في منافاتها كما لا يلزمهم أن يكون مجرد الوجود شرطا في المنافاة بل ~~بكيفية الوجود. PageV01P270 # الوجه الثالث: أن أهل اللغة يقولون: علمت شيئا موجودا وعلمت شيئا معدوما، ~~فلو لم يكن الوجود صفة زائدة على ذاته لكان قولهم علمت شيئا موجودا تكرار؛ ~~لأن الشيء هو الموجود فيكون تقديره علمت شيئا شيئا، وموجودا موجودا، ولكان ~~قوله علمت شيئا معدوما مناقضة، وقد أجابوا على هذا بأن حقيقة الشيء في ~~اللغة هو ما يصح العلم به والخبر عنه، سواء كان نفيا أو اثباتا وعلى هذا ~~يحمل قوله تعالى{إن زلزلة ms229 الساعة شيء عظيم} وقوله{ولا تقولن لشيء إني فاعل ~~ذلك غدا، إلا أن يشاء الله}. # الوجه الرابع: أن الذوات قد اشتركت في كونها موجودة، واختلفت في حقيقتها ~~وذواتها، فكان بعضها قديما وبعضها محدثا، وبعضها جسما، وبعضها عرضا، وفيها ~~متماثل ومختلف، ومتضاد، ولابد لأن يكون ما اختلفت فيه أمرا زائدا على ما ~~اتفقت فيها وإلا كانت مختلفة متفقة في أمر واحد وذلك محال. # وقد أجاب أبو الحسينوابن الملاحمي ومن قال بقولهما عن هذا لوجهين: # أحدهما: معارضة. # والثاني: تحقيق. # أما المعارضة فهو أن يقال قد ثبت أن الصفة اشتركت في كونها صفات وانقسمت ~~إلى أقسام فكان بعضها واجبة ذاتية، وبعضها مقتضاة، وبعضها جائزة معنوية ~~بالفاعل، وبعضها ثابت في حالة القدم، ومنها مشروطة بالوجود فيلزم فيما ~~اشتركت فيه من أنها صفات ........أن يكون أمر زائدا على ما افترقت فيه من ~~حقائقها، وماهياتها، فإذا لم يلزم من ذلك أن يكون للصفة صفة اشتركت فيها ~~جميع الصفات، ثم افترقت في أنفسها بعد ذلك فكذلك لا يلزمنا وما أجابوا به ~~فهو جوابنا. PageV01P271 # الوجه الثاني: أنا نقول إنها اشتركت في أن كل واحد منها ذات معلومة على ~~انفرادها، وحقيقة متميزة عن غيرها، والاشتراك في هذا المعنى لا يقتضي اثبات ~~صفة زائدة على ما ذكرنا، بل هو اشتراك في المعنى العام الذي لأجله سميت ~~بأنها ذوات، ثم افترقت في أنفسها وحقائقها الخاصة بها من كونها جسما وعرضا ~~وسوادا وبياضا، وهذا هو جوابهم في الصفات فإنها اشتركت في معنى الصفة ~~العامة، ثم افترقت في ماهية الصفة من تحيز وجوهرية وكائنة. # وأما الموضع الثالث: وهو في الدليل على أن الله تعالى موجود، فاعلم أن ~~الكلام في ذلك يبنى على أن الوجود صفة زائدة على الذات أم لا، فمن ذهب إلى ~~أنه ليس بصفة زائدة لم يفتقر إلى الدلالة على هذه المسألة بعد أن قد دل على ~~اثبات الصانع؛ لأن وجوده نفس ذاته، وقد صح ذلك في الدليل على اثباته، ومن ~~ذهب إلى أن اثباته زائد افتقر إلى الدلالة على أنه موجود ms230 بعد الدلالة على ~~اثبات ذاته، والدلالة على هذا القول من وجوه: # أحدها: أنه تعالى قادر عالم، والقادر العالم لا يكون إلا موجودا، وهاتان ~~الصفتان على سواء في صحة الاستدلال بهما على أنه موجود، وكل واحد منهما ~~كافية في ذلك، وليس من شرط الدلالة جمعهما، والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه تعالى قادر عالم. # والثاني: أن القادر العالم لا يكون إلا موجودا. # أما الأصل الأول: فقد تقدم بيانه. PageV01P272 # وأما الأصل الثاني: وهو أن القادر العالم لا يكون إلا موجودا، فقد ذكر ~~الشيخ علي ذلك بأن قال: إن المعدوم يستحيل أن يكون قادرا على شيء وعالما ~~به، ألا ترى أن كثيرا من الموجودات كالجمادات والأعراض أن تكون قادرة ~~وعالمة فإذا استحال ذلك فيها مع وجودها فالأولى أن يستحيل كون المعدوم ~~قادرا عالما، وهذا معترض بأن يقول: ما أنركتم أن الجمادات والأرعاض إنما ~~استحالت كونها قادرة عالمة؛ لأنها لو قدرة لم تكن قادرة إلا بقدرة، ولا ~~عالمة إلا بعلم، والقدرة والعلم يحتاجان إلى محل مبني ببنية مخصوصة، وذلك ~~غير حاصل في الجمادات والأعراض بخلاف القديم تعالى فإنه قادر لذاته وعالم ~~لذاته، وصح أن يقتضي ذلك ذاته في حال عدمها، ولهذا الاعتراض لم يصح أن يسلك ~~في هذه المسألة طريقة القياس على الشاهد، فنقول: دليله الشاهد، فإن القادر ~~العالم فيه يجب أن يكون موجودا فكذلك الغائب كما قسنا على الشاهد في سار ~~الصفات فلو سلكنا ذلك لكان لمعترض أن يفرق بما ذكرنا من أن القادر العالم ~~في الشاهد يحتاج إلى القدرة والعلم، وهما يحتاجان إلى محل مبني ببنية ~~مخصوصة، وليس كذلك في الغائب، ومثل هذا الاعتراض.............فيجب أن نعتمد ~~في الدليل على أن القادر العالم يجب أن يكون موجودا على ما ذكره مشائخنا، ~~وهو أنه لو لم يكن موجودا لكان معلوما ولا يجوز أن يكون معلوما، والدلالة ~~مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه لو لم يكن موجودا لكان معدوما. # والثاني: أنه لا يجوز أن يكون معدوما. # أما الأصل الأول: فالذي يدل على ذلك أنها قسمة دائرة ms231 بين النفي والاثبات، ~~وبيان ذلك أنك تقول الشيء لا يخلو إما أن تثبت له صفة الوجود أم لا، إن لم ~~تثبت فهو المعدوم، وإن ثبتت فهو الموجود. # وأما الأصل الثاني: وهو أنه لا يجوز أن يكوت معدوما، فالذي يدل على ذلك ~~أن القادر العالم له تعلق بمقدوره ومعلومه، والقدم يحيل التعلق، والدلالة ~~مبنية لعى اصلين: PageV01P273 # أحدهما: أن القادر العالم له تعلق بمقدوره ومعلومه. # والثاني: أن القدم يحيل التعلق. # أما الأصل الأول: وهو أن القادر العالم له تعلق بمقدوره معلومه، فلأنا لا ~~نعني تعلق القادر بمقدوره إلا صحة اتخاذه له، ولا نعني بتعلق العالم ~~بمعلومه محكما إذا كان مقدورا له، ولم يكن ثم مانع ولا شك أن هذا حاصل ~~للقادر وللعالم. # وأما الأصل الثاني: وهو أن العدم يحيل التعلق، فالذي يدل على ذلك أن ~~هاهنا معاني متعلقة بأغيارها فما وجدت تعلقت ومتى عدمت زال متعلقها، وإنما ~~زال تعلقها لعدمها، فيجب فيما شاركها في العدم أن يشاركها زوال التعلق، ~~وهذه الدلالة مبنية على أربعة أصول: # أحدها: أن هاهنا معاني متعلقة بأغيارها. # والثاني: أنها متى وجدت علقت ومتى عدمت زال تعلقها. # والثالث: أنه إنما زال تعلقها لعدمها. # والرابع: أنه إنما يجب فيما شاركها في العدم أن يشاركها في زوال التعلق. # أما الأصل الأول: وهو أن هاهنا معاني متعلقة بأغيارها فتلك المعاني هي: ~~القدرة، والعلم، والإرادة، والكراهة، والشهوة، والنفارة، والظن، والنظر، ~~فالقدرة متعلقة بالمقدور، والعلم متعلق بالمعلوم، والإرادة متعلقة بالمراد، ~~والمكروه وكذلك سائرها. # والدليل على اثبات هذه المعاني واثبات تعلقها بمتعلقاتها سيأتي في غير ~~هذا الموضع إن شاء الله تعالى، فثبت الأصل الأول. PageV01P274 # وأما الأصل الثاني: وهو أنها متى وجدت تعلقت ومتى عدمت زال متعلقها؛ فلأنا ~~لا نعني بتعلقها بالقادر إلى إيجادها للصفة المتعلقة، فتعلق القدرة هو ~~إيجابها بالصفة للقادر تلك الصفة هي كونه قادرا، وتعلق العلم بالعالم هي ~~إيجابه له الصفة، وهي كونه عالما، وتعلقها بالمقدور هو صحة وجوده بها من ~~جهة القادر، وتعلق العلم بالمعلوم هو صحة احكامه من جهت العالم ولا ms232 شك أن ~~هذا حاصل بالقدرة والعلم عند وجودها، وكذلك سائر المتعلقات، وأنه زائد عند ~~عدمها وإن تعلقت، وهي معدومة لما افترق الحال بين وجودها وعدمها، ولا صح من ~~العاجز اتخاذ الفعل بالقدرة المعلومة، ومن الجاهل احكامه بالعلم المعدوم، ~~ومعلوم بطلان ذلك. # وأما الأصل الثالث: وهو أنه إنما زال تعلقها لأجل عدمها، فالذي يدل على ~~ذلك أن الحكم الذي هو زوال التعلق يثبت باثبات القدم؛ فلأنا قد بينا أنها ~~متى عدمت زال التعلق، وإما أنه يزول بزوالها، فلأنا قد بينا أنها متى وجدت ~~تعلقت، وأما أنه ليس هناك ما تعلق الحكم به أولى فلأنه لو كان هناك ما تعلق ~~الحكم أولى لم يخل إما أن يكون أمر لا يجوز انفصاله عن العدم بحال، بل يجب ~~ملازمته، أو يجوز انفصاله عن العدم، وحصوله من دونه، فإن كان الأول فقد حصل ~~المقصود، وإن سلمناه فلا يحصل العدم إلا وتلك العلة حاصلة فيزول التعلق عن ~~المعدوم بكل حال، وذلك غرضنا سواء زال العدم أو لأمر يلازمه، وإن كان ~~الثاني جاز تعلق المعاني المعدومة بان لا تحصل العلة التي هي أولى من العدم ~~في زوال التعلق، وجاز أن يتعلق في حال وجودها بأن يحصل الأمر الذي هو العلة ~~في زوال التعلق، وجاز أن لا يتعلق في حال وجودها بأن يحصل الأمر الذي هو ~~العلة في زوال التعلق أو جاز أن لا يتعلق في حال وجودها بان يحصل الأمر ~~الذي هو العلة في زوال التعلق في حال وجودها، وفي علمنا ببطلان ذلك دليل ~~على أن لا علة إلى العدم. PageV01P275 # وأما الأصل الرابع: وهو أن كل ما شاركها في العلة وهي العدم وجب أن يشاركها ~~في الحكم وهو زوال التعلق، فالذي يدل على ذلك من حق كل مشتركين اشتركا في ~~علة حكم فالواجب أن يشتركا في ذلك الحكم وإلا عادا على أصل تلك العلة ~~بالنقض والابطال، وهاهنا أصل وفرع، وعلى وحكم، فالأصل هي المعاني، والفرع ~~هو القديم، والعلة هي العدم، والحكم هو زوال التعلق، فلو كان الفرع ms233 وهو ~~القديم قد شارك الأصل وهي هذه المعاني المعدومة في العلة وهي العدم لوجب أن ~~يشاركها في الحكم وهو زوال التعلق. # الدليل الثاني: على أن الله تعالى موجودا أن الفعل قد صح منه، والفعل لا ~~يصح إلا من موجود، والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن العفل قد صح منه. # والثاني: أن الفعل لا يصح إلا من موجود. # أما الأول: وهو أن الفعل قد صح منه فقد تقدم حيث بينا أن العالم محدث، ~~وأن المحدث لابد له من محدث، وأن محدثه ليس إلا الله تعالى. # وأما الأصل الثاني: وهو أن الفعل لا يصح إلا من موجود فالذي يدل على ذلك ~~أن الفعل محتاج في وجوده إلى الفاعل، ولا يجوز وجود المحتاج مع عدم ~~المحتاج.........إلى الفاعل فذلك معلوم ضرورة، فلأنه لا يحصل إلا من فاعل، ~~ويقف في وجوده عليه. # والثاني: أنه لا يجوز وجود المحتاج مع عدم المحتاج إليه. # أما الأول: وهو أن الفعل محتاج في وجوده، وهذه الدلالة مبنية على أصلين: PageV01P276 ### || AUTO أحدهما: أن الفعل محتاج في وجوده إلى الفاعل فالذي يدل على ذلك ~~أنه لو وجحد مع عدمه لكان مستغنيا عنه ولخرج عن كونه محتاجا إليه، يوضح ذلك ~~أنه قد ثبت أن أحكام الفعل لما لم يصح إلا بالعلم واحتاج إليه لم يصح حصوله ~~مع عدم العلم، وكذلك إذا احتاج إلى أنه لم يصح وجوده مع عدمها، ومعلوم أن ~~احتياج الفعل إلى الفاعل آكد من حاجته إلى العلم واآلة؛ لأن حاجته إلى ~~الفاعل حاجته إلى الأثر إلى المؤثر وحاجته إلى العلم والآلة حاجة المشروط ~~إلى المشروط، فإذا لم يصح مع عدم الشرط فأولى وأحرى أن لا يصح مع عدم ~~المؤثر، واعلم أن هذا الدليل لا يصح الاعتماد عليه على طريقة المشائخ؛ لأن ~~لقائل أن يقول: إذا كان عندكم أنه قد ثبت كونه تعالى قادرا، وعلمتم بذلك ~~بدلالة قبل أن تعلموا كونه موجودا فما أنركتم أن يصح منه الفعل في حال عدمه ~~لأنه قادر، والذي يصح الفعل ويؤثر في وقوعه هو ms234 كونه قادرا وكونه موجودا غير ~~مؤثر في الفعل، ولا مصحح فيصح، ويقع من دونه، وإنما يعلم أن الفعل لا يوجد ~~مع عدم الفاعل إذا علمنا أن المعدوم لا يجوز أن يكون قادرا، فأما مع تجويز ~~أن يكون قادرا فما المانع من أن يصح منه الفعل؟ ونفع لأجل كونه قادرا في ~~حال عدمه، ولا يوجب ذلك استغناؤه عنه، فثبت الأصل الثاني، وبتمامه تم ~~الدليل على أن الله تعالى موجود. # [الفصل الثاني] # وأما الفصل الثاني: وهو أنه لا أول لوجوده فالذي يدل على ذلك ما ذكره ~~الشيخ (رحمه الله تعالى) ولك في تحريره وجوه ثلاثة، وإن كان المعنى واحدا: # أحدها: أنا نقول نقول لو كان لوجوده أول لما كان قديما، ولا يجوز أن يكون ~~قديما، والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه لو كان لوجوده أول لما كان قديما. # والثاني: أنه لا يجوز أن يكون قديما. # أما الأصل الأول: فلأن حقيقة القديم هو الذي لا أول لوجوده. PageV01P277 # وأما الثاني: وهو أنه لا يجوز أن يكون قديما، فالذي يدل عليه أنه لو لم يكن ~~قديما لكان محدثا، ولا يجوز أن يكون محدثا، والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه لو لم يكن قديما لكان محدثا. # والثاني: أنه لا يجوز أن يكون محدثا. # أما الأول: فإنها قسمة دائرة بين النفي والإثبات؛ لأنك تقول: الموجود لا ~~يخلو إما أن يكون لوجوده أول أم لا، إن كان فهو المحدث، وإن لم يكن فهو ~~القديم، فثبت الأصل الأول. # وأما الفصل: وهو أنه لا يجوز أن يكون محدثا فالذي يدل على ذلك وجهان: # أحدهما: ما ذكره الشيخ (رحمه الله) وهو أنه تعالى لو كان محدثا لما صح ~~منه فعل الأجسام، وقد صح منه فعلها، والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه لو كان محدثا لما صح منه فعل الأجسام. # والثاني: أنه لو صح منه تعالى فعلها كما سيأتي تقريره. # الوجه الثاني: سيأتي بعد الفراغ من تقرير ما ذكره الشيخ في التحرير الذي ~~ذكره، والتحريرين الأخيرين. # التحرير الثاني: أنا نقول لو كان ms235 لوجوده أول لكان محدثا، ولا يجوز أن ~~يكون محدثا، والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه لو كان لوجوده أول لكان محدثا. # والثاني: أنه لا يجوز أن يكون محدثا. # أما الأصل الأول: وهو أنه لو كان لوجوده لكان محدثا فسيأتي تحقيقه في ~~تحرير الشيخ (رحمه الله تعالى). # وأما الأصل الثاني: وهو أنه لا يجوز أن يكون محدثا فلوجهين: # أحدهما: سيأتي. # والثاني: أنه لو كان محدثا لما صح منه فعل الأجسام. # والثاني: أنه قد صح منه فعل الأجسام، وقد صح منه فعل الأجسام، وقد صح ~~منها فعلها، والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: لو كان محدثا لما صح منه فعل الأجسام. # والثاني: أنه قد صح منه فعلها كما تقدم. # التحرير الثالث: ما ذكره الشيخ وهو أنه لو كان لوجوده أول لكان محدثا، ~~ولو كان محدثا لما صح منه فعل الأجسام وقد صح منه تعالى فعلها، فهذا باطل ~~كونه محدثا ثبت كونه قديما، والدلالة مبنية على اربعة أصول: PageV01P278 # أحدها: أن لو كان لوجوده أول كان محدثا. # والثاني: أنه لو كان محدثا لما صح منه فعل الأجسام. # والثالث: أنه تعالى قد صح منه فعلها. # والرابع: إذا بطل كونه محدثا ثبت كونه قديما. # أما الأصل الأول: وهو أنه لو كان لوجوده أول لكان محدثا، فالذي يدل على ~~ذلك أنه يطرد وينعكس، فنقول: كل موجود لوجوده أول فهو محدث، وكل محدث فهو ~~موجود لوجوده أول، ولا يثبت بأحد اللفظين وينفى بالآخر، فلا يجوز أن نقول: ~~هذا موجود لوجوده أول وليس بمحدث أو هو محدث، وليس لوجوده أول. # وأما الأصل الثاني: وهو أنه لو كان محدثا لما صح منه فعل الأجسام، فالذي ~~يدل على ذلك أن المحدث ليس إلا الجسم أو العرض، ولا يجوز أن يكون صانع ~~العالم جسما ولا عرضا، والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن المحدث ليس إلا جسما أو عرضا. # والثاني: أنه لا يجوز أن يكون صانع العالم جسما ولا عرضا. # وأما الأصل الأول: وهو أن المحدث ليس إلا جسما أو عرضا، قال الشيخ: فالذي ms236 ~~يدل على ذلك أنها قسمة حاضرة؛ لأنك تقول المحدث لا يخلو إما أن يتحيز عند ~~الوجود أم لا، إن تحيز فهو الجسم وما هو من قبيله، وإن لم يتحيز فهو العرض، ~~وهذا ضعيف من حيث أنه يقال: هذا بناء على أن الله تعالى قديم قبل أن يدلوا ~~على قدمه فما أنركتم أن يكون أجناس الذوات ثلاثة، كما هو مذهبكم: ذات ~~المتحيز، وذات صانع، وذات العرض، وليس بمتحيز ولا عرض، ولكنها محدثة، وإذا ~~أمكن أن يكون في القديم ما ليس بمتحيز ولا عرض أمكن أن يكون في الحدوث صانع ~~العالم ليس بمتحيز ولا عرض، وهو محدث. # وأما الأصل الثاني: وهو لا يجوز أن يكون جسما ولا عرضا، أما أنه لا يجوز ~~أن يكون صانع العالم جسما، فالذي يدل عليه أنه لو كان جسما لما صح منه فعل ~~الأجسام، ومعلوم أنه قد صح منه فعلها، والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه لو كان جسما لما صح منه فعل الأجسام. # والثاني: أن فعل الأجسام قد صح منه، فالذي يدل على الأول وجهان: PageV01P279 # أحدهما: ما تقدم من أن الفاعل لا يفعل إلا على أحد ثلاثة وجوه: إما مباشرا، ~~أو متعديا، أو مخترعا، ومحال أن يفعل الجسم الجسم على واحد منها كما تقدم ~~تحقيقه. # والثاني: أن الجسم لا يكون قادرا إلا بقدر، والقادر بالقدرة لا يصح منه ~~فعل الأجسام، والدلالة مبنية على اصلين: # أحدهما: أن الجسم لا يكون قادرا إلا بقدر. # والثاني: أن القادر بالقدرة لا يصح منه فعل الأجسام. # أما الأصل الأول: وهو أن الجسم لا يقدر إلا بقدرة فإنه لا يخلو إما أن ~~يكون قادرا لذاته أو بالفاعل، أو لعلة، أو للبنية التي هي الصحة، واعتدال ~~المزاج، والقسمة في ذلك حاضرة كما تقدم في نظائره، والأقسام كلها باطلة ~~سواء أنه قادر بقدرة لا يجوز لأن يكون قادرا لذاته؛ لأنه كان يلزم منه خمس ~~محالات: # أحدها: أنه كان يلزم أن يكون الجوهر الفرد قادرا؛ لأن صفة الذات ترجع إلى ~~الإيجاد والإنفراد، ومتى كان كذلك ms237 كان الواحد منا بمنزلة قادرين كثيرين ضم ~~بعضهم إلى بعض فلا يقع الفعل منه بداع واحد. # الثاني: أنه كان يلزم أن تكون الجمادات قادرة؛ لأن الأجسام متماثلة في ~~صفاتها الذاتية. # الثالث: أنه كان يلزم أن لايخرج الواحد منا عن كونه قادرا؛ لأنها صفة ~~ذاتية، وخروج الموصوف عن صفته الذاتية محال، ومعلوم أنه يخرج عن كونه حيا، ~~فضلا عن كونه قادرا. # الرابع: أنه كان يلزم أن لا يتفاضل القادرون، وأن يمانع الواحد منا ~~القديم؛ لأن الكل قادر لذاته. # الخامس: أنه كان يجب أن يكون الواحد منا قادرا على جميع أجناس المقدورات ~~من الطعوم والألوان، وغيرها؛ لأن صفة الذات لا اختصاص لها بمقدور دون ~~مقدور، ومعلوم خلاف ذلك، ولا يجوز أن يكون قادرا بالفاعل لوجوه: # أحدها: أن هذه الصفة تجدد للجسم في حالة البقاء، والصفة التي بالفاعل لا ~~تجدد في حالة البقاء، والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن هذه الصفة متجددة في حالة البقاء. # والثاني: أن الصفة التي بالفاعل لا يجوز ذلك فيها. PageV01P280 # أما الأصل الأول: وهو أن هذه الصفة تتجدد للجسم في حالة البقاء فذلك ظاهر، ~~فغن الواحد مناقد يكون مرة عاجزا ومرة قادرا وهي متجددة والجسم باق. # وأما الأصل الثاني: وهو أن الصفة التي بالفاعل لا يجوز ذلك فيها، فالذي ~~يدل على ذلك وجهان: # أحدهما: ما نعلمه من صفة الوجود، فإنه لا يجوز تجددها للموجودات حال ~~بقائها؛ لأن تجدد الموجود محال، وإنما لم يجب ذلك فيها؛ لأنها صفة بالفاعل، ~~ولهذا فإن الصفات المعنوية يجوز تجددها على الموصوف في حال بقائه، وكذلك ~~المقتضاة تجدد في حال البقاء، كون حال القديم مدركا لما لم يكن بالفاعل. # الوجه الثاني: أن الفاعل لايقدر أن يجعل الذات على صفة إلا بأن يكون ~~قادرا على اتخاذ تلك الذات كما تقدم تحقيق ذلك أن كونه كائنا لا يجوز أن ~~يكون بالفاعل والقدرة على اتخاذ الموجود محال، فثبت أن الصفة التي بالفاعل ~~لا يجوز تجددها في حال البقاء. # الوجه الثاني: أن المؤثر من صفات الفاعل ليس إلا كونه ms238 قادرا وعالما أو ~~مرديا، وكارها، وناظرا، وشيء من هذه الصفات لا يجوز أن تؤثر في كون القادر ~~قادرا؛ لأن كونه قادرا لا يؤثر إلى في الإحداث، وكونه عالما لا يؤثر إلا في ~~الإحكام، وكونه مريدا لا يؤثر إلا في كون الكلام خبرا، أو أمرا، وكونه ~~كارها في كونه بهذا أو تهديدا، وكونه ناظرا لا يؤثر إلا في الاعتقاد علما، ~~وكون القادر قادرا أمرا زائدا على هذه الأحكام، فلا يجوز أن يؤثر فيه ~~الفاعل لشيء من صفاته، هذه وإن لم يؤثر فيه واحد منها بطل أن يكون بالفاعل. PageV01P281 # الوجه الثالث: أن كونه قادرا لو كان بالفاعل لما اختص ببعض المقدورات دون ~~بعض؛ لأن الذي يختص كونه قادرا ببعضها هو القدرة؛ لأنها متعلقة بمقدورات ~~مخصوصة لذاتها، وإذا كان قادرا بالفاعل فهذه الصفة مع المقدورات على سواء، ~~والفاعل لا يختص ببعض المقدورات دون بعض، فكان يجب في الواحد منا أن يقدر ~~على جميع أجناس المقدورات وذلك محال، ولا يجوز أن يكون قادرا لأجل البنية؛ ~~لأن المرجع بها إلا التأليف المخصوص، وهذا متماثل، فكان يجب كل شيء أن يكون ~~قادرا، وأن يصح من الفاعل كشحمة الأذن، وغيرها، بل كان يجب في الجماد؛ لأن ~~فيه بنية، وإن كان يلزم مقدورين قادرين؛ لأن البنية في القادر بنية ~~متماثلة؛ ولأن البنية ترجع إلى أمور كثيرة من تأليف، ولحمية، ودمية، ورطوبة ~~ويبوسة، وحرارة وبرودوة، فكيف يجتمع التأثير في شي واحد فلم يبق إلا أنه ~~قادر لعلة وهي القدرة، فثبت الأصل الأول، وهو أن الجسم قادر بقدرة. # وأما الأصل الثاني: وهو أن القادر بقدرة لا يصح منه فعل الأجسام، فالذي ~~يدل على ذلك أنه لو صح منه بما فيه من القدرة لصح منا، ومعلوم أنه لا يصح ~~منا، والدلالة مبنية على اصلين: # أحدها: أنه لو صح منه لصح منا. # والثاني: أنه لا يصح منا. # أما الأول: فالذي يدل عليه أن مقدورات القدر متجانسة منحصرة، وإنما ~~انحصرت مقدوراتها وتجانس لكونها قدرا فكل ما شاركها في كونها قدرا وجب أن ~~يشاركها ms239 في انحصار المقدور وتجانسه، والدلالة مبنية على أربعة أصول: # أحدها: أن مقدورات القدر منحصرة متجانسة. # والثاني: أن العلة في ذلك كونها قدرا. # والثالث: أن القديم لو كان جسما لكان قد شاركها في كونه قادرا بقدرة. PageV01P282 # والرابع: أنه يجب أن يشاركها في انحصار المقدور الوقت الواحد في المحل ~~الواحد على الوجه الواحد إلا بمقدور واحد، ويدل على ذلك أنها لو تعددت ~~لتعددت ولا حاصر لتعدد إلا ما نهاية له، فيصح منا ممانعة القديم، ويرتفع ~~التفاضل بين القادرين؛ لأن القدرة الواحد قد تعلقت بما لا نهاية له، وهذا ~~يوجب أيضا الاستغناء عن تزايد القدر، ونريد بأنها متجتنسة أن كل قدرة تتبع ~~تعلقها في جميع المقدورات العشرة، وأنها لا تعد إلى جنس زائد عليها، ونحن ~~نعلم ذلك في قدرنا في الشاهد بعد الاختيار، فإنا لا نجوز في القادرين منا ~~من يقدر على حركة يميمنه دون يسره، أو على الحركة دون السكون، أو على الكون ~~دون الاعتماد، وكذلك فإنا نعلم أنه يتعذر علينا أن نوجد جنسا زائدا على ~~العشرة، وإن توفرت الدواعي إليه، فثبت الأصل الأول. # وأما الأصل الثاني: وهو أن العلة في ذلك كونها قدرا؛ فلأن الحكم يثبت ~~بثباته ويزول بزواله، وليس ما تعلق الحكم به أولى، أما أن الحكم يثبت ~~بثباتها؛ فلأن القدر في الشاهد يلزمها هذا الحكم، وإما أنه ينفى بانتفائها؛ ~~فلأن المعلوم واللإيرادات والشهوات لما انتفى عنها كونها قدرا انتفى عنها ~~هذا الحكم، ولم يقتض في تعلقها على هذه العشرة، بل تعلقت الشهوة بما لا ~~نهاية له من الضروب والأجناس، وصح في العلم أن يتعلق بكل معلوم موجودا كان ~~أو معدوما، قديما كان أو محدثا، وكذلك الإرادات يصح تعلقها بجميع ما يصح ~~حدوثه من مقدورات القدر وغيرها. # وأما الأصل الثالث: وهو أن القديم تعالى لو كان جسما لكان قد شاركها في ~~كونه قادرا بقدر، فلما......أن الجسم لا يكون إلا قادرا بقدر. # وأما الأصل الرابع: فلأن الاشتراك في العلة يوجب الاشتراك في الحكم على ~~ما تقدم في نظائره. PageV01P283 # وأما الأصل الثاني: ms240 وهو أنه لا يصح منا فذلك معلوم ضرورة، فإن الواحد منا ~~لو دعاه الداعي إلا أن يفعل بنفسه ما شاء من الأموال والأولاد لما صح منه ~~فعلمنا أن الجسم لا يقدر على احداث جسم آخر، وبهذه الطريقة وهي صحة الفعل ~~وتعذره عند توفر الدواعي نعلم ثبوت أصل كونه قادرا فيمن صح منه الفعل ~~وانتفاؤها عمن تعذر عليه، وكذلك نعلم بها تمييز ما نقدر عليه من الأجناس ~~وما لا نقدر عليه منها، فلما تعذر عليه اتخاذ ما زاد على العشرة عند توفر ~~الدواعي علمنا أنه غير قادر عليها، فلما صحت منه العشرة علمنا قدرته عليها، ~~وكذلك نعلم بها القدر الذي يقدر عليه من العشرة، والقدر الذي لا نقدر عليه، ~~فنقول: إذا تعذرت عليه الزيادة على ما اوجده عند محاولة رفعه الثقيل أو ~~ممانعة غيره من القادرين مع توفر دواعيه إلى الزيادة علمنا بذلك أنه غير ~~قادر عليها، وكذلك نعلم بهذا الوجه الذي صح منه اتخاذ الأفعال عليه من ~~المباشرة، والتعدي، والوجه الذي لا يصح منه اتخاذه عليه وهو الاختراع ولا ~~يجوز أن يكون صانع العالم عرضا؛ لأن العرض ليس بحي ولا قادر، والفعل لا يصح ~~إلا من حي قادر على ما يأتي تفصيله. # وأما الأصل الثالث: فهو أن فعل الأجسام قد صح منه، قال الشيخ (رحمه ~~الله): فالذي يدل على ذلك أنه قد وجد منه، ووقع على ماتقدم في اثبات كونه ~~قادرا، والوقوع فرع على الصحة، والأولى أن يقال: ما تقدم حيث بينا أن ~~العالم محدث، وأن محدثه ليس إلا الله تعالى. PageV01P284 # وأما الأصل الرابع: وهو أنه إذا بطل كونه محدثا ثبت كونه قديما، فالذي يدل ~~على ذلك أنها قسمة دائرة بين النفي والاثبات فلا يجوز دخول متوسط بينهما، ~~وبيان ذلك أنك تقول: الموجود لا يخلو إما أن يكون لوجوده أول أو لا، إن كان ~~فهو المحدث، وإن لم يكن فهو القديم، وقد بينا أن الله تعالى موجود وبطل أن ~~يكون محدثا، فيجب أن يكون قديما نظير ذلك قول القائل: زيد ms241 لا يخلو إما أن ~~يكون في الدار وليس فيها، فإن كان عاقل عالم أن زيدا لا يخلو عن أحد هذين ~~القسمين؛ لأن القسم الدائرة ثلاثة: قسمة دائرة بين نفي واثبات، فلا يجوز ~~دخول متوسط بينهما كمسألتنا، وقسمة دائرة بين إثباتين مثل أن يقول: زيد لا ~~يخلو إما في الدار وإما في المسجد، فإنه يجوز دخول متوسط بينهما، وقسمة ~~دائرة بين نفيين مثل أن يقول: زيد لا في الدار ولا في المسجد، فإنه يجوز ~~دخول متوسط بنيهما، وقسمة دائرة بين نفيين مثل أن تقول: زيد لا في الدار ~~ولا في المسجد فإنه يجوز دخول متوسط بينهما فنقول: ولا في الحانوت ولا في ~~الحائط. PageV01P285 # الدليل الثاني: أنه لا يجوز أن يكون محدثا فهو إنه لو كان محدثا لا احتاج ~~إلى محدث، تم الكلام في محدثه كالكلام فيه بأن كان محدثا فلا يخلو إما أن ~~ينتهي المحدوثون إلى محدث لا يحتاج إلى محدث، أو يتسلسل المحدوثون إلى ما ~~لا نهاية له، فإن كان الأول لم يخل إما أن يكون قديما أو محدثا، محال أن ~~يكون محدثا لما بينا من أن كل محدث لابد له من أمر لأجله حدث، وأن حدوث ~~حادث لا لأمر محال، وإن كام قديما فقد صح غرضنا من أنه لابد من قديم تنتهي ~~الحوادث جميعا إليه، وتقف عنده، وإن كان الثاني وهو أن يتسلسل المحدوثون ~~ومحدوثوهم إلى ما لا نهاية له فذلك محال لما بينا في إبطال شبهة ابن ~~الراوندي في إثبات حادث قبل حادث إلى ما لا أول له، ومن جملة الوجوه ~~المبطلة بذلك ما ذكره الشيخ هاهنا، وهو أن إثبات محدثين لا نهاية لهم يؤدي ~~إلى أن لا يوجد العالم؛ لأن وجوده وقف على وجوده ما لا نهاية له، وما وقف ~~وجوده على وجود ما لا نهاية له لم يصح وجوده، ولهذا فإن القائل إذا قال: لا ~~أدخل هذه الدار حتى أدخل قبلها من الدور ما لا نهاية له فإن متى صح في ~~كلامه لم يصح منه دخول ms242 الدار لما علق دخولها على ما لا نهاية له، وكذلك كان ~~يلزم أن يوجد العالم، وذلك محال إلا أن لقائل أن يقول: إنما لم يصح منه ~~دخول الدار، والحال هذه؛ لأنه علق دخولها بأن يدخل قبلها دار، وقبل تلك ~~الدار دارا، حتى يسبق دخول هذه الدار دخول ما لا نهاية له على هذا الترتيب ~~في القبيلة، ومضى ما لا نهاية له، حتى توقف على آخره، وينتهي إليه مع أنه ~~منتها من قبل أوله وله بداية، وهي عند تعليقه لأنه إذا وقف على آخره وانتهى ~~إليه مع أن لأوله نهاية كان محصورا متناهيا من طرفي، وبطل قوله: إنه لا ~~يدخلها حتى يسبق دخول ما لا نهاية له واحدة قبل واحدة، وتحقيقه أن دخول هذه ~~الدار وقف على ما لا نهاية له من قبل آخره، وهو منتهى من أوله فاستحال وليس ~~كذلك حدوث العالم، فإن وقف على ما لا PageV01P286 نهاية له من قبل أوله وقد انتىه من قبل آخره فصح وجوده؛ لأنه وقف عليه من ~~حيث انتهى، ودخول الدار وقف عليه من حيث لم ينته، فظهر الفرق بينهما وهاهنا ~~وجوه تعتمد في الدلالة على أنه لابد من قديم واجب الوجود تنمتهي الموجودات ~~إليه، وأن تتسلسل إلى ما لا نهاية له وهو أن نقول: إنا إذا فرضنا أن محدث ~~العالم محدث، وله محدث، ثم كذلك إلى ما لا أول له فلا شك في دخول هؤلاء ~~المحدثين في الوجود، وأنه قد حصرهم، وأن الفراغ عليهم فلا يخل بعد ذلك إما ~~أن يكون فيهم واحد قديم واجب الوجود لذاته تنتهي إليه سلسلة المحدثين إليه ~~وإن كانوا بلا نهاية، ويكون هو أصل لوجودهم أولى، بل كان واحدمنهم حاصلا عن ~~غيره، وعلة المحدث متقدمة عليه، فإن كان الأول فقد صح غرضنا من إثبات قديم ~~واجب الوجود وأن تتسلسل الحوادث إلى ما لا أول له، وإن كان الثاني وهو أن ~~كل واحد منهم له محدث، وعلة سابقة عليه لأجلها حدث، فذلك محال؛ لأنا إذا ~~فرضنا جملة هؤلاء المحدثين ms243 في الدهر بحيث لا نسند منهم شيء، وإن كانوا بلا ~~نهاية، وإن كان كل واحد منهم معلول لغيره وجب أن تكون الجملة معناها معلولة ~~لا محالة؛ لأنها هي الأحاد وعلتها لا تخلو إما أن تكون نفسها أو كل واحد ~~منها، أو واجدا معنا من جملتها، أو شيئا خارجا منها، ولا يفعل سوى ذلك، ~~محال أن تكون جملتها؛ لأن الجملة إذا كانت هي العلة في وجود نفسها كانت ~~واجبة للوجود من ذاتها، وفي ذلك بطلان كونه واحد منها محدث محتاج إلى محدث، ~~وكان يجب أيضا أن تكون الجملة التي هي مجموع الآحاد سابقة على الآحاد؛ لأن ~~العلة متقدمة على معلولها، ولا يجوز أن تكون العلة كل واحد من الآحاد؛ لأنه ~~إذا وجب وجود الجملة بواحد من آحادها استغنت عن غيره، ومحال أن يجب وجودها ~~لواحد منها بعينه؛ لأن أي واحد كان فهو معلول لعلة سابقة عليه من آحاد ~~الجملة، فكان يجب على هذا أن يكون علة لوجود نفسه؛ لأنه من الجملة وعلة ~~لوجود علته؛ أنها من الجملة PageV01P287 أيضا، وفي ذلك وجوب تقدمه على نفسه، وعلى علته التي يجب تقديمها عليه، وذلك ~~محال، أو محال أن تكون العلة شيئا خارجا عن الجملة؛ لأنا قد فرضنا الكلام ~~في جملة المحدثين الذين وجد بعضهم من بعض إلى ما لا أول له، بحيث لا نسند ~~معهم محدث، فلو كان علة الجملة شيئا خارجا عنها لبطل الغرض، وكانت نقضا؛ ~~لأنه قد نفى منها هذا لمحدث فلا نخلص من ذلك إلا القول من أنه لابد من ~~إثبات واحد من جملة المحدثين واجب الوجود في الأزل لذاته، وهو المقصود، فإن ~~قيل: هب أنه لابد من إثبات قديم واجب الوجود، ولكن ما أنكرتم أن محدث ~~العالم بعض هؤلاء المحدثين المتوسطين، ومعنى تجويز ذلك لا تثبت إلهية واجب ~~الوجود، ولا استحقاقه العبادة؛ لأن الخالق للعالم المنعم هو غيره. # قلنا: هذا لا يجوز؛ لأن هذا المتوسط إذا كان جسما أو عرضا فقد قلنا إنمها ~~يقدران على اتخاذ الأجسام ونحوها، وإن كان ms244 جنسا آخر لم يكن إلا قادرا ~~لذاته، وفي ذلك مماثلة القديم، وصحة ما نعنيه، وما دل على نفي الثاني يدل ~~على نفيه، وفي هذا الجواب انتفاء إلى الدلالة الأولى، غير أن المعتمد هو ~~الدليل الثاني، والأول يدخل في الواجب عن الاعتراض عليه. # وأما الموضع الثالث: وهو فيما يلزم المكلف معرفته في هذه المسألة، فاعلم ~~أنه يلزم أن نعلم أن الله تعالى موجود فيما لم يزل، وفي ما لا يزال، ولا ~~يجوز خروجه عن هذه الصفة في حال من الأحوال، وأنه دائم باق، قديم، وبتمامه ~~تمت المسألة السادسة، وبتمامها تم الكلام في مسائل الإثبات، وتعينها. # فصل الكيفية # فصل في كيفية استحقاقه تعالى لهذه الصفات، والكلام منه يقع في ستة مواضع: # الأولى: في بيان وجه الحاجة إلى الكلام في هذا الفصل، ووجه اتصاله بما تقدم. # والثاني: في بيان الدلالة على أن هذه الصفات أمور زائدة على ذات الباري، ~~وحكاية المذهب، وذكر الخلاف. # والثالث: في حكاية المذهب وذكر الخلاف في كيفية استحقاقه تعالى لهذه ~~الصفات. PageV01P288 # والرابع: في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه، وفساد ما ذهبوا إليه. # والخامس: في ذكر شبههم وابطالها. # والسادس: في الدلالة على اثبات الصفة الأخص، وأنه تعالى لا يجوز خروجه عن ~~صفته الذاتية، والمقتضاة عنها، وبيان حقيقة الصفة المتعلقة، وتمييز ما ~~تتعلق من صفاتها تعالى، وما لا تتعلق. # أما الموضع الأول: وهو يف بيان وجه الحاجة إلى الكلام في هذا الفصل، فوجه ~~أن ذلك أنها لما انقسمت الصفات إلى واجبة وجائزة، والواجبة ذاتية، ومقتضاة، ~~والجائزة معنوية وبالفاعل، وثبت استحقاقه تعالى لهذه الصفات احتجنا إلى أن ~~نبين كيفية استحقاقه تعالى لها، وهل هي من قبيل الواجبة أم الجائزة أم ~~الذاتية أم المقتضاة أم المعنوية أم التي بالفاعل أم هي منقسمة بحسب هذه ~~الكيفيات أو بعضها؟ ليكمل علمنا بصفاته تعالى على التفصيل، ونبطل أقوال ~~المخالفين في ذلك، وهو أيضا مقصود في نفسه؛ لأن نفي المعاني القديمة يثبت ~~كمال توحيده، وأنه تعالى واحد في القدم، وغني عن المعاني، وبيان أنه ~~يستحقها لذاته ms245 ثبت أنه لا يجوز خروجه عنها، وثبت أنه قادر على جميع ~~المقدورات، وعالم بجميع المعلومات، وبذلك يتم عدله وحكمته وتنزيهه عن ~~القبائح؛ لأنه عالم بقبحها جميعا، وغناؤه عنها، فهو فصل عظيم النفع، وعليه ~~مدال كثير من الأصول، وأما وجه ايصاله لما تقدم؛ فلأنه لا شيء اختص بإثبات ~~الصفات، ولا أهم بعد معرفتها من الكلام في كيفية استحقاقه له الأ له تكملة، ~~واجاز مجراه الجزء منه، وما تسميته هذا الفصل بفصل الكيفية؛ فلأنه كلام في ~~كيفية الاستحقاق لهذه الصفات، وذلم اسم مطابق لمسماه. # وأما الموضع الثاني وهو في الدلالة على أنها زائدة على ذاته، فذهب جمهور ~~الفرق إلى أن هذه الصفات أمور زائدة على ذاته وإن اختلفوا في أنها أحوال أو ~~معاني او صفات، وخالفت المطرفية في ذلك، وقالوا: إنها ليست بأمور زائدة ~~ومنعوا من ذلك، والدليل على بطلان مذهبهم وجوه ثلاثة: PageV01P289 # أحدها: أنها لو لم تكن أمور زائدة لكان بمن علم الذات يحصل له العلم ~~بالصفات؛ لأنها ليست بأمور زائدة على الذات، وتحقيقه أن العلم بأنه تعالى ~~قادر عالم، حي موجود لايخلو إما أن يكون عالم بذاته فقط أو عالما بذاته مع ~~أمور زائدة، فإن كان الأول لزم فيمن علم ذاته أن يعلم هذه الصفات، ولا ~~يحتاج في اثباتها إلى نظر زائد بعد اثبات الذات، وكان يجب أن لا يخالف ~~العلم بذاته العلم بصفاته ولا يخالف العلم بأنه قادر العلم بأنه حي، وحي ~~لأن معلوم الكل واحد، وهو الذات فقط، ومعلوم أن هذه العلوم مختلفة، وأن ~~بعضها لا يسد مسد البعض، ولهذا لا ينبغي قصد واحد، وكان يجب فيمن علم أن ~~الذات ليست بقادرة أن يكون عالما بنفي تلك الذات؛ لأن المنفي هو الميت، ~~والمعلوم خلاف ذلك فلم يبق إلا الثاني، وهو أنه علم بالذات مع أمور زائد، ~~وهو الذي يزيد في هذا الموضع. # الوجه الثاني: أنها لو لم تكن أمور زائدة على ذاته تعالى لكان ما يدل على ~~الذات يدل على الصفات، وما دل على بعض الصفات دل على ms246 بعض، والمعلوم خلاف ~~ذلك، فإن لكل صفة دليلا غير دليل الأخرى. # الوجه الثالث: أنها منقسمة وغير منقسمة، وثابتة منفية، وذلك محال. # وأما الموضع الثالث: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف في كيفية استحقاقه ~~تعالى فافترق الناس في ذلك على قولين: فذهب شيوخنا كافة إلى أنه يستحقها ~~بذاته على معنى أنه لا يحتاج في ثبوتها إلى غير، واتفق الفريق الثاني على ~~أنه يستحقها لمعاني، وهو القدرة والحياة، والعلم والإدراك، والسمع والبصر، ~~والإرادة والكراهة، وكذلك هو متكلم بكلام ومنهم من قال هو قديم تقدم أيضا، ~~ثم اختلف الفريق الأول في ما بينهم، فذهب أبو هاشم ومن قال بقوله إلى أنها ~~مقتضاة عن الصفة الأخص، وذهب أبو علي إلا أنه يستحقها لذاته إلا كونه مدركا ~~فإنه مقتضي عن كونه حيا، واختلف الفريق الثاني على خمس فرق وهم: الصفاتية، ~~والكلابية، والأشعرية، والكرامية، وهشام ابن الحكم. PageV01P290 # أما الصفاتية وهم: ابن جرير ومن قال بقوله فإنهم ذهبوا إلى أن هذه المعاني ~~لا توصف لا لوجود ولا عدم، ولا حدوث ولا قدم؛ لأنا صفاة والصفاة لا توصف. # وأما الكلابية فإنهم ذهبوا إلى أنه يستحقه لمعان أزلية ولا توصف بأنها ~~قديمة؛ لأن القديم قديم تقدم عندهم، والقدم لايقوم بالمعاني؛ لأنها صفاة. # وأما الأشعرية فإنهم ذهبوا إلى أنها توصف بأنها قديمة، واتفق الأشعري ~~وابن كلاب على أن هذه المعاني ليست إلا الله ولا غيره ولا بعضه، وأن بعضها ~~ليس هو الأجر ولا غيره. # وأما الكرامية: فإنهم ذهبوا إلى أنه يستحقه لمعان قديمة كما قالت ~~الأشعرية، ثم زادوا عليهم فقالوا: إنها أغيار الله تعالى ومتغايرة في ~~نفسها، وأنها أعراض قائمة بذاته، وكذلك كل فرقة قد زادت على الفرق التي ~~قبلها في الخطأ في هذه المسألة. # وأما هشام بن الحكم فقال: إنه عالم بها بعلم محدث، وقد حكى شاذ عن بعضهم ~~أنه أيضا قادر بقدرة محدثة، وحي بحياة محدثة. # وأما الموضع الرابع وهو في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهب ~~إليه المخالف، فينبغي أن نتكلم في أمرين: # أحدهما: ms247 في ابطال ما ذهبوا إليه على الجملة. # والثاني: في تتبع أقوال كل فريق فيما افردوا به. # فالذي يدل على الأول أنه قد ثبت أن الله تعالى قادر عالم حي سميع بصير ~~فلا يخلو إما أن يستحق هذه الصفات لذاته أو لغيره، والغير لا يخلو إما أن ~~يكون فاعلا أو علة، والعلة لا تخلو إما أن تكون معدومة أو موجودة، ~~والموجودة لا تخلو إما أن تكون قديمة أو محدثة، والأقسام كلها باطلة سواء ~~أنه يستحقها لذاته، وهذه الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن استحقاقه لا يخلو من أحد هذه الأقسام. # والثاني: أن الأقسام كلها باطلة، سواء أنه يستحق هذه الصفات لذاته. PageV01P291 # أما الأصل الأول: فإنها قسمة حاصرة، وبيان ذلك أنك تقول: الصفة الثانية ~~للموصوف لا تخلو إما أن يستغني بذاته في كونه عليها أو لا، إن استغنى فهي ~~الواجبة، وإن لم يستغن فهي الجائزة والواجبة، والواجبة لا تخلو إما أن تجب ~~له على حال أو لا على حال، إن وجبت لا على حال فهي الذاتية، وإن وجبت له ~~على حال فهي المقتضاة. # والجائزة: هي التي تفتقر إلى الغير، والغير لا يخلو إما أن يكون تأثيره ~~على سبيل الصحة والاختيار أم لا، إن كان فهو الفاعل، وإن لم يكن فهو ~~الموجب، والموجب لا يخلو إما أن يقف إيجابه على شرط أم لا، إن وقف ايجابه ~~على شرط فهو السبب، وإن لم يقف فهو العلة، وهو لايخلو إما أن يختص بصفة ~~الوجود أم لا، إن لم يختص بصفة الوجود فهو المعلوم وإن اختص بصفة الوجود ~~فهو الموجود، وهو لا خلو إما أن يكون لوجوده أول أم لا، إن لم يكن فهو ~~القديم، وإن كان فهو المحدث. # وأما الأصل الثاني: وهو أن الأقسام كلها باطلة سواء أنه تعالى يستحقها ~~لذاته فاعلم أولا أن القسم أربع: قسمة تذكر ويراد بها إثبات الكل كقسمة ~~الموانع التي قدمنا ذكرها، وقسمة تذكر ويراد بها إبطال الكل نحو ثاني في ~~مسألة غني من الله تعالى لا يجوز أن يكون ms248 مشتهيا ولا نافرا، وقسمة تذكر ~~ويراد بها إبطال البعض وإثبات البعض نحو هذه القسمة، وقسمة تذكر ويراد بها ~~اثبات الكل على سبيل البدل لا على وجه الجمع وهي نحو ما نقوله في الواجب ~~المجبر كالكفارات الثلاث فإنها واجبة على التحيز والبدل لا على الجمع، وإذا ~~ثبت هذا عدنا في إبطال الأقسام سواء أنه يستحقها لذاته. # أما أنه لا يجوز أن يستحقها بالفاعل فلوجوه أربعة: # أحدها: أنه تعالى قديم، والقديم لا فاعل له، وتحقيق ذلك أنك تقول: القادر ~~لا يقدر أن يجعل الذات على صفة إلا بأن يكون قادرا على اتخاذ تلك الذات، ~~والباري تعالى ليس بمقدور فلا يجوز أن يستحقها بالفاعل. PageV01P292 # الوجه الثاني: أنا نقول ذلك لا يخلو إما أن يكون قادرا عالما فهذا محال؛ ~~لأنه ليس بفاعل، وإن قالوا هو قادر عالم، قلنا: لا يخلو إما أن يستحقها ~~لذاته أو بالفاعل محال أن يستحقها بالفاعل؛ لأن الكلام في ذلك الفاعل ~~كالكلام في هذا، وإن قالوا: إنه يستحقها لذاته، قلنا: فاقتصروا علىالمحقق ~~المعلوم وهو أنه يستحقها لذاته. # الوجه الثالث: أنا نقول لهم ذلك الفاعل لا يخلو إما أن يكون قديما أو ~~محدثا، إن كان قديما فلا يخلو إما أن يكون هو الله تعالى أو غيره، محال أن ~~يكون فعلها لنفسه؛ لأنه لا يفعلها حتى يكون قادرا عالما حيا، ولا يكون كذلك ~~حتنى يفعلها فيلزم التوقف، وهو محال، وإن كان غيره فمحال؛ لأنه لا قديم مع ~~الله تعالى على ما يأتي بيانه، وإن كان محدثا فلابد له من محدث، ومحدثه إما ~~أن يكون هو الله تعالى أو غيره، محال أن يكون هو الله تعالى؛ لأنه يلزم ~~التوقف كما تقدم، ومحال أن يكون غيره؛ لأنه إن كان قديما فلا ثاني لله ~~تعالى، وإن كان محدثا فالكلام فيه كالكلام في الأول، ويتسلسل. # الوجه الرابع: أن كونه قادرا، وعالما، وحيا، أمور زائدة على الإحداث، ~~وعلى الوجوه التابعة له، نحو الكلام خبرا وأمر، ونحو الأحكام، وكون ~~الاعتقاد علما، والفاعل لا يؤثر فيما زاد على ذلك، ms249 وأما أنه لا يجوز أن ~~يستحقها لمعاني معدومة فتدل عليه وجوه: # أحدها: أن العدم مقطعه الاختصاص، والعلة لا توجب إلا بشرط الاختصاص، فإذا ~~زال الشرط زال المشروط، وقد تقدم تحقيقه. # الوجه الثاني: أن المعاني المعدومة معنا ومعه على سواء، فليس بأن يوجب له ~~أولى من أن يوجب لنا، فكان يلزم بأن يكون الواحد منا قادرا عالما للمعاني ~~المعدومة، وهي بلا نهاية، قادرا على جميع المقدورات، عالما بجميع ~~المعلومات؛ لأجل المعاني المعلومة، وأن يكون قادرا على مقدورات القديم، ~~ويصح منه بما نعنيه، وأن لا يخرج عن كونه قادرا بحال، وكل ذلك محال. PageV01P293 # الوجه الثالث: أنا نقول: إن القدم جهلا كما أن فيه علما فليس بأن يوجب له ~~العلم المعدوم كونه عالما أولى، بل يوجب له الجهل المعدوم كونه جاهلا فيلزم ~~أن يكون جاهلا وأن يكون جاهلا بالشيء عالما به في حالة واحدة وذلك محال، ~~ولا يقال أن يوجب الجهل يستحيل عليه تعالى؛ لأن ما أحال معلول العلة أحال ~~حصول العلة على الحد الذي يوجب. # وأما أنه لا يجوز أن يستحقها لعلة قديمة كما تقوله الأشعرية ومن قال ~~بقولهم، قلنا في إبطال ذلك طرق تعم المعاني ما لا يطال، وطرق تخص بعضها دون بعض. # أما العامة فهي ثلاث طرق الأولى: أنه كان يجب أن يكون أمثالا لله تعالى ~~لمشاركتها له في القدم الذي به فارق سائر المحدثات، ولا يجوز أن يكون لله ~~تعالى مثل، والدلالة مبنية على أصلين: # أحدها: أنها لو كانت قديمة لو وجب أن تكون أمثالا له تعالى. # والثاني: أنه لا يجوز أن تكون لله تعالى مثل. # وأما الأصل الأول: فلأنها شاركته في القدم وهو صفة ذاتية والاشتراك فيها ~~يوجب التماثل، ويوجب الاشتراك في سائر صفات الذات على ما تقدم في الدعوى ~~الثانية، وسائر تحقيقه في نفي الثاني، وغن قلنا إن القدم صفة مقتضاة فهو ~~كاشف على الصفة الذاتية والاشتراك فيه يكشف عن الاشتراك فيها، وذلك يوجب ~~التماثل. # وأما الأصل الثاني: وهو أنه لا يجوز أن تكون هذه المعاني أمثالا ms250 لله ~~تعالى فالذي يدل على ذلك أنها لو كانت أمثالا لله تعالى للزم محالات ستة: # أحدها: أنه كام يلزم أن يكون الله تعالى قدر وعلما وحياة، وفي ذلك ~~استحالة كونه قادرا عالما وفي استحالة كونه قادرا وعالما استحالة القدرة ~~والعلم. PageV01P294 # الوجه الثاني: أنه يلزم أن يكون حية قادرة عالمة سميعة بصيرة، فإن قيل إنه ~~يلزم كونها مثلا لله تعالى أن تكون قادرة عالمة إذا ثبت أنه يستحق هذه ~~الصفات لذاته وهذا نفس المتنازع فيه الذي.....الدلالة لا اثباته، قلنا لهم ~~لم يلزم ذلك من حيث أنها ذاتية، ولكن لأن المعاني توجب الصفة، والمصحح ~~غيرها وهو ذات الباري تعالى، فالذي يصحح كون القديم حيا ليس إلا صفته ~~الذاتية، أو حقيقة ذاتية، ثم إذا صح كونه حيا أوجبت له الحياة كونه حيا، ثم ~~تصحح له كونه حيا كونه قادرا وعالما، ويوجب له ذلك القدرة والعلم، وهذا ~~حاصل في كل واحد من المعاني، ويصحح له ذاته كونه حيا؛ لأنها كذات القديم، ~~ثم توجب القديم لها كما أوجبت له؛ لأنه بصفتها أو يوجب بعضها لبعض كما أوجب ~~للقديم، ومن وجب آخر وهو أنه إذا صح هذه المعاني أنها تكون على صفات القدم ~~من كونه حيا وقادرا وعالما صح في القديم أن يكون كذلك، وقد ثبت في العلم ~~أنه يستحيل أن يكون عالما بعلم وكذلك القدرة؛ لأن المعاني لا تقوم ~~بالمعاني، فلم يبق إلا أن يكون عالما قاردا لذاته، وإلا عاد على صحة هذه ~~الصفاة عليه لذاته بالنقض والإبطال؛ لأنها على هذا التقدير لم تصح عليه في ~~حال من الأحوال، ولهذا الوجه أيضا تقدر استغناء القديم عن المعاني؛ لأنها ~~إذا لزم أن تكون قادرة عالمة لذواتها فيه مثل ذلك وفي استغنائه عنها نفيها، ~~وفي نفيها تعىل عنه بصفتها فتتعلق بعض هذه المحالات بالبعض، وتحيل بعضها ~~بعضا، ولا مخلص من ذلك إلا نفيها. # الوجه الثالث: أنه كان يلزم أن كل واحد منا متصف بصفة الأخرى فتكون القدر ~~قدرة وعلما وحياة، وكذلك يلزم أن كل واحد منا متصف ms251 بصفة الأخرى فتكون ~~القدرة قدرة وعلما وحياة، وكذلك يلزم في كل واحدة. # الوجه الرابع: أنه يلزم أن نستغني لواحدة منها عن سائرها. # الوجه الخامس: أنه يلزم أن نستغني بأحد المعاني عن القديم؛ لأن كل واحد ~~منها قد صار بصفته. PageV01P295 # الوجه السادس: أن هذا يوجب استغناء الباري عنها؛ لأنه يلزم أن يختص الباري ~~تعالى بصفتها، وتحقيق المحالات أنها ستة: أن تكون بصفة الله تعالى، وأن ~~يكون بصفتها، وأن يكون بعضها بصفة البعض، وأن يستغني عنا ونستغني بواحدة منها. # الوجه الثاني: أنه إذا ثبت أن هذه الصفة واجبة لله تعالى عندنا وعند ~~مخالفينا في هذه المسألة، ثم لم نحتج في وجوب تقديم وجوبه إلى معنى قديم ~~وجب أن يستغني تعالى في سائر صفاته عن معنى قديم؛ لأنه لا مخصص يقتضي حاجة ~~بها إلى معنى قديم دون البعض مع اشتراك الجميع في الوجوب، وتحقيق ذلك أن ~~نقول: الباري قد استغنى في وجوده عن معنى، وإنما استغنى لوجوب وجوده في ما ~~لم يزل، وهذه الصفات قد شاركته في وجوب الحصول فيما لم يزل فوجب أن تشاركه ~~في الاستغناء، وهذه الدلالة مبنية على أربعة أصول: # أحدها: أن القديم مستغن في وجوب وجوده عن معنى. # والثاني: أنه إنما استغنى عنه لوجوب وجوده فيما لم يزل. # والثالث: أن هذه الصفات قد شاركت في وجوده في الوجوب فيما لم يزل. # الرابع: أنه يجب أن يشاركه في الحكم، وهو الاستغناء. # أما الأصل الأول: وهو أن القديم تعالى مستغني في وجوده وقدمه عن معنى، ~~فقد خالفنا في ذلك الكلابية وبعض الأشعرية، ووافقنا بعضهم، فمن وافق فلا ~~يحتاج إلى إقامة الدلالة عليه والحجة على المخالف من وجوه: PageV01P296 # أحدها: إجماع المسلمين قبل حدوث مذهب هؤلاء على أن الله تعالى واجب الوجود ~~لذاته، وأنه منفرد بوجوب وجوده لذاته، ومستغن وجوده وقدمه على موجب وفاعل ~~ولو ادعى هذا من ضرورة دين النبي (صلى الله عليه وسلم) لكان قريبا فضلا عن ~~اجماع الأمة، بل قد وافق على ذلك من أثبت الصانع من الفرق الخارجة عن ms252 ~~الإسلام كالفلاسفة وغيرهم، ولكثر في كلامه أنه تعالى واجب الوجود في ذاته ~~وما عداه ممكن الوجود من ذاته وواجب الوجود من غيره، وإن كان حاصلا في ~~الأزل وهو الوجه جيدا أن يقال: إن هذه المسألة مما يصح الاستدلال عليها ~~بالسمع كما ذهبت إليه كثير من شيوخنا وإلا كان وجها جدليا. # الوجه الثاني: أنه لو احتاج القديم في قدمه إلى قديم لم يخل القديم الآخر ~~إما أن يستغني بذاته في قدمه عن قديم آخر ويتسلسل إلى ما لا نهاية له، ~~والتسلسل محال كما تقدم، وإما أن ينتهي إلى قديم آخر لم يصح؛ لأن القدم ~~حاصل في الكل، فليس إلا أن يحتاج كل قديم إلى قديم، وإما أن يقتضي على ~~المحقق المعلوم وهو القديم تعالى، فنقول: إنه واجب الوجود، والقدم لذاته ~~ومستغن عن قديم آخر، وهو القدم، فهو تعالى بأن يكون قديما لذاته أولى من ~~القديم الذي أثبته الخصم. PageV01P297 # الوجه الثالث: أنا نقول إذا كان الباري قديما والعلة قديمة فقد اشتركا في ~~القدم، فليس الباري تعالى بأن يكون قديما للقدم أولى من أن يكون القديم ~~قديما للقديم، فيكون واحد منهما قديم للآخر، وهو محال، ولقائل أن يقول: ما ~~أنكرتم أن يشترك في القدم ويكون مع ذلك أحدهما علة في قدم الآخر، ولا يكون ~~الآخر علة في قدمه لافتراقهما في حقيقة ذاتهما، فتكون حقيقة ذات القدم ~~تقتضي أنه علة، وذات الآخر لا تقتضي ذلك، بل تقتضي أن ما تكون قديمة لغيرها ~~كما في سائر العلل والمعلومات، فإن العلة بأن تكون معلولة لتميز كل ذات عن ~~صاحبتها ومخالفتها لها، ولا يصح أن يقال في الجواب أنهما اشتركا في القدم ~~فقد وجب تماثلهما؛ لأن هذا رجوع إلى الدلالة الأولى وانتقال إليها. # وأماالأصل الثاني: وهوإنما استغنى في وجوده لوجوب وجوده فيما لم يزل ~~فالذي يدل على ذلك أن الحكم ثبت بثبات هذه العلة ويزول بزولها وليس هناكما ~~تعلق الحكم به أو لا، إما أن يثبت بثباتها؛فلأن القديم لما ثبت قدمه استغنى ~~عن علة، وإما أنه يزول ms253 بزواله فليس المحدثات لمالم يثبت قدمها ثبت الحكم، ~~وإما أنه ليس هناك ما تعلق الحكم به أولا؛ فلأنه كان يلزم أن يكون قديما ~~ولأستغنى بأن لا يحصل ذلك الأمرأو يكون محدثا واستغنى بأن يحصل ذلك الأمر، ~~والمعلوم خلافه. # وأما الأصل الثالث: وهو أنه قد شاركه في وجوب وجودها فيمالم يزل فلا خلاف ~~بيننا وبينهم أنه قادر فيما لم يزل عالم فيما لم يزل. PageV01P298 # وأما الأصل الرابع: وهو أنه يجب أن يشاركه في الحكم، فالذي يدل على ذلك أن ~~كل مشتركين اشتركا في علة حكم فالواجب أن يشتركا في ذلك الحكم، وإلا عاد ~~على أصل تلك العلة بالنقض والإبطال وهاهنا أصل وفرع وحكم،فالأصل هو القديم ~~تعالى، والفرع هو هذه الصفة، والعلة وجوب الوجود فيما لم يزل، والحكم هو ~~الاستغناء، فإذا كان الفرع وهو هذه الصفات قد شارك الأصل وهو القديم في ~~العلة وهو وجوب الوجود وجب أن يشاركه في الحكم وهو الاستغناء. # الوجه الثالث: أن إثبات هذه المعاني في إثبات ما لا طريق إليه، وإثبات ~~مالا طريق إليه يفتح باب الجهالات، أما أنه إثبات ما لا طريق إليه؛ فلأن ~~الطريق إلى إثبات القدرة والعلم والحياة ليس إلا حصول الصفات الموجبة، منها ~~على سبيل الجواز والحال واحدة والشرط واحد، وهذه الصفات ثابتة له تعالى في ~~الأزل، ولا طريق إلى أنها تثبت له مع جواز أن لا يثبت إلا ما ادعوه من ~~المعاني، فثبت أنه لا طريق إليها. # وأما أن إثبات ما لا طريق إليه يفتح باب الجهالات؛ فلأنه يؤدي إلى تجويز ~~أن في الجماد حياة وقدرة وعلما لا طريق إليها، وأن يكون ثبت ~~قبله.............ونحن لا ندركها لمانع لا طريق لنا إليه ولا إلى العلم به، ~~وكل ذلك محال، فالذي إليه وجب أن يكون محالا فهذه هي الطريقة التي تعم ~~المعاني بالإبطال. PageV01P299 # وأما ما يخص كل واحد منها، فمنها في الحياة أنه لو كان حيا بحياة محدثة ~~لوجب أن لا يصح منه الإدراك، وأن لا يكون مدركا؛ لأن الحياة لا يصح الإدراك ~~بها ms254 إلا بعد استعمال محلها في المدرك ضربا من الاستعمال، ولهذا يتعذر على ~~أحدنا لما كان بحياة أن يدرك حرارة المحموم إلا بأن يلمسه، وكذلك لا يدرك ~~حرارة لمباشره إلا بعد مباشرتها، ولو كان قادرا بقدرة لما صح منه فعل ~~الأجسام والأبدان، وقد صح منه فعلها، وقد تقدم تكرير هذه الدلالة في مسألة ~~قديم، وكذلك كان يلزم أن لا يصح منه الإختراع؛ لأن القادر بالقدرة لا يصح ~~منه الفعل إلا بعد استعمال محلها في الفعل، أو في سببه ضربا من الإستعمال، ~~وتقريرها يجري على قريب من تقريب الدلالة التي قبلها كما تقدم، وسيأتي في ~~مسألة نفي التجسيم، وكذلك كان يجب أن ينحصر مقدوره في العدد كما انحصرت في ~~الجسم، فكان لا تعلق القدرة الواحدة إلا بمقدور واحد فيلزم أن تكون ~~مقدوراته متناهية، أو تكون قدر بلا نهاية، وكلهما محال، وليس من قولهم أن ~~قدر بلا نهاية، ولو كان عالما بعلم لوجب أن يكون عمله مثلا لعلومنا، ولا ~~يجوز أن يكون مثلا لها. # أما أنه يلزم أن يكون مثلا لها؛ فلأن إذا فرضنا أن علمنا تعلق بمعلوم ~~واحد على وجه واحد وطريقة واحدة في وقت واحد، وعلم القديم تعالى متعلق بذلك ~~وجب تماثل العلمين؛ لأنهما قد اشتركا في أخص الأحكام، وهو المعلق بالمعلوم ~~على أخص ما يمكن والاشتراك على أخص الأحكام يقتضي التماثل لو صح تماثلهما ~~إذا اجتمعت هذه الشروط أن الضد الواحد وهو الجهل بذلك المعلوم على تلك ~~الشروط إذا طرأ بقاؤهما والشيء الواحد لا يبقى إلا المثلين والضدين. PageV01P300 # وأما أنه لا يجوز أن يكون علمه مثل علومنا؛ فلأنه كان يجب أن يكون محدثا ~~مثلها، أو تكون قديمة مثله؛ لأن المثلين لا يجب أن يكون أحدهما والآخر ~~محدثا؛ لأن في ذلك افتراقهما في القدم، وهي صفة الذاتية وافتراق المثلين ~~فيها محال، وقد ذكرنا هذه الطرق على ضرب من الاختصار، وموضع تفصيلها الكتب ~~البسيطة، وبالله التوفيق. فهذه الدلالة على صحة ما ذهبنا إليه. # وأما ما يبطل قول كل فريق فيما انفرد به ms255 فنحن نتتبع قول كل فريق فيما ~~اختص به بالإبطال. # أما ما ذكرته الصفاتية من قولهم إنها صفات والصفات لاتوصف بوجود ولا عدم ~~فتحقيق الكلام أنا نقول لهم إن هذه المعاني لا تخلو إما أن يعلم على ~~انفرادها أو تعلم الذات عليها، أو لا يعلم أصلا، فإن قالوا بالثالث لم يصح ~~إثباتها ولا اعتقادها، ولا الدعا إليه، ولا إقامة الدلالة على ثبوتها، ولم ~~يكن المثبت لها أسعد حالا من النافي، ولو جاز اثبات ما لا يعلم لفتح باب ~~الجهالات وجوزنا أن يكون لله تعالى جهل وعجز، وغير ذلك من الصفات المستحيلة ~~عليه وهي غير معلومة، وإن قالوا بالثاني فهذا معنى الصفة عندنا فقد وافقونا ~~في المعنى وأخطأو في العبارة؛ لأنه لابد من فرق في العبارة بين ما يعلم على ~~انفراده وبين ما لا يعلم على انفراده، ولكن تعلم الذات عليه وأولا العبارات ~~عن الأول.....ذات ومعنى، وعن الثاني بأنه حال وصفة، وإن قالوا بالأول وهو ~~أنها معلومة على انفرادها وهي مع ذلك لا توصف بوجود ولا عدم فهو باطل لوجوه: # أحدها: أن هذا خروج من القسمة الدائرة المعلومة بالضرورة فإنما ما يعلم ~~على انفراده لايخلو إما أن تثبت له صفة الوجود أم لا، إن لم تثبت له فهو ~~المعلوم وإن ثبت له فهو الموجود، والموجود إما أن يكون لوجوده أول أم لا، ~~إن كان فهو المحدث، وإن لم يكن فهو القديم. PageV01P301 # وثانيها: المستفاد في قولنا موجود وقديم حاصل في هذه المعاني فإذا حصل فيها ~~معنى اللفظة وفايدتها على وجه الحقيقة وجب اطلاقه عليها كما أطلقوا عليها ~~أنها معان وأنها معلوم وأنها قدرة وعلم وحياة لما حصلت فيها فوائدها بيان ~~ذلك أنها حاصلة على الصفة التي تظهر عندها الصفات والأحكام المقتضاة عن صفة ~~الذات، ولهذا تعلق بمقدورها ومعلومها، والعدم يحيل التعلق كما تقدم، هذا إن ~~قلنا بأن الوجود صفة زائدة على الحقيقة، وإن قلنا إن الوجود هو نفس الذات ~~فأوضح، فإن الموجود على هذا القول ليس إلا الحقيقة المعلومة المتميزة وهذا ~~حاصل في ms256 هذه المعاني؛ فيجب أن يوصف بالوجود وهي حاصل في الأزل عندهم فيوصف، ~~فالعدم ولو جاز أن لا يوصف بذلك مع حصول معناه لجاز في غيرها من الذوات ~~كالأغراض القائمة بالمحال، بل في بعض الأجسام أن لا يوصف بشيء من ذلك، ~~وكذلك كان يجب في القديم أن لا يوصف بما حصل معناه في حقه وكل ذلك محال. # وثالثها: أنا لو سلمنا لهم أن هذه المعاني لا توصف بذلك مع حصول معناه ~~فيها لما صرنا فيما نريد إلزامهم إياه؛ لأن الاعتبار بالمعاني دون العبارات ~~فيلزمهم أن تكون هذ المعاني أمثالا لله تعالى، وأن يشاركه في جميع صفاته، ~~وأن تكون قادرة عالمة حية، وأن يكون القديم قدرة وعلما وحياة كما تقدم في ~~تقرير الدلالة لمشاركتها له في معنى القدم، وقد حصل في ذلك ما أردنا، ولم ~~ينجهم الإمتناع من إطلاق العبارات، فإن قالوا إن هذه المعاني صفات والصفة ~~لا توصف؛ لأن الوصف يقتضي قيام معنى فيها، والمعاني لا تقوم بالمعاني فهو ~~باطل من وجهين: # أحدهما: أن هذا نفس المنازع فيه فإن عندنا أن وصف الشيء وصفته لا يوجب ~~قيام معنى به، وإن وصف الله تعالى بأنه قادر وعالم وحي لا يقتضي قيام معنى ~~عندنا وعندهم فإن الوجود فيه تعالى لا لمعنى. PageV01P302 # الثاني: أنهم قد وصفوا هذه المعاني أنها معلومة ومعاني وقدرة وعلم وحياة ~~ولم يقتض ذلك قيام معنى بها، فهلا جاز أن توصف بأنها موجودة وقديمة ولا ~~يقتضي ذلك قيام المعاني بها، وقد نقضوا قولهم إنها لا توصف بوصفهم لها. # وأما قول الكلابية إن هذه المعاني أزلية، فالذي يبطل أن تكون قديمة يبطل ~~أن تكون أزلية؛ لأن أحدهما هو الآخر؛ ولهذا لا يجوز أن يقال هذا أزلي وليس ~~بقديم أو هو قديم ليس بأزلي. # وأما الذي يدل على إبطال قول الجميع أن هذه المعاني ليست هي الله ولا هي ~~غيره ولا بعضه فينبغي أن نبين أولا حقيقة .......واختلاف الناس فيها لنبني ~~على ذلك بطلان قولهم فنقول الصحيح فيهما ما ذكره أبو هاشم حيث ms257 قال هما كل ~~معلومين ليس أحدهما هو الاخر، ولا جملة يدخل تحتها الآخر، فلا شك أن ~~المعلومين إذا لم يكن أحدهما هو الآخر ولا جملة يدخل تحتها الآخر أكيد زيد ~~مع زيد، والواحد من العشرة مع العشرة، فإن أحدهما غير الآخر، ولا يعقل من ~~الغيرين إلا ما ذكرنا، وذكر الجوني أن المتقدمين من المتهم حدوثهما بأن ~~قالوا هما كل موجودين يجوز تقدير وجود أحدهما مع عدم الآخر. # قال: وكان شيخنا أبو الحسن يخبر ذلك برهة من الزمان حتى وجب عليه بعض ~~المخالفين في بعض المجاس سؤالا وهو أنه يلزم في الدهر الذي يعتقد قدم ~~الأجسام أن لايعلم تغايرها، ثم بطل قولهم بوجهين: # أحدهما: أنا نقول لهم إن هذه مناقضة من أنكم قلتم لا هي الله أثبتم أنها ~~غيره، ثم قلتم ولا هي غيره يقصم ما أثبتم، ولزم أن تكون هي هو. # الوجه الثاني: أنها متغايرة فيما بينها فإن القدرة غير الحياة، والعلم ~~غير القدرة، وإن كانت متغايرة فيما بينها فبالأولى أن تكون متغايرة لله تعالى. PageV01P303 # وأما ما تقوله الكرامية من أنها قائمة بذات الباري تعالى، فهو قول باطل؛ ~~لأن المعقول من القيام بالذات هو الحلول فيها، كما يقال: الكون قائم ~~بالجسم، أي حال فيه، والله تعالى لا يجوز أن يكون محلا لغيره؛ ولأن المحال ~~محدثة وهو تعالى قديم، وتحقيقه أن القايم لفظة مشتركة بين معاني كلها غير ~~ثابتة في حق الله تعالى، وهي القيام لمعنى الإنتصاب مثل أن نقول زيد قائم ~~أي منتصب، وقائم بمعنى الحلول كما يقال الكون قائم بالجسم أي حال فيه، وهذا ~~هو مرادهم بالقيام؛ لأنهم قد مرجوا أن هذه المعاني حالة في ذاته تعالى، ~~والذي يبطله أن الحلول لا تعقل إلا في المتحيز، والله تعالى ليس بمتحيز على ~~ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، وقيام بمعنى الحفظ يدل عليه قوله ~~تعالى{أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت}أي حافظ، والله تعالى لا يحتاج إلا ~~من يحفظه؛ لأنه الحافظ، والقيام بمعنى الوجود كما يقال السماوات قائمة ms258 ~~بالله تعالى بمعنى موجوده والله تعالى قدين، فلا يحتاج إلى موجود. PageV01P304 # وأما أنه لا يجوز أن يستحقها لمعاني محدقة، قال الشيخ (رحمه الله): فلأنه ~~كان يجب أن يكون قبل احداث تلك المعاني غير قادر ولا عالم ولا حي ولا سميع ~~ولا بصير إذا لا تحدث هذه المعاني إلا من هو قادر عليها وعالم بها وحي ~~وموجود، وقوله: إذ لا موضوعه للتعليل فكأنه يقول: لا يحدث، وتحقيق ذلك أنا ~~نقول: قد ثبت أن الله تعالى يستحقها فلو استحقها لمعان محدثة لم يخل إما أن ~~يكون أحدثها لنفسه، أو أحدثها غيره، محال أن يكون أحدثها غيره؛ لأن الغير ~~لا يخلو إما أن يكون قديما او محدثا، محال أن يكون قديما؛ لأنه لا قديم مع ~~الله تعالى، وإن كان محدثا فمحدث الله تعالى، فهذا يؤدي إلى التوقف؛ لأنه ~~لا محدث من محدث المعاني له حتى يكون قادرا عالما حيا، ليصح منه احداث ~~المحدث للمعاني؛ لأنه فعل لا يصح إلا من قادر حي، ولا يصح أن يحدث القديم ~~تعالى هذا المحدث، حتى يكون عالما؛ لأنه فعل محكم مبني ببنية مخصوصة، يصح ~~فيها وجود الحياة والقدرة، فجيب أن يكون عالما بها وبمقدارها، ولا يكون ~~قادرا عالما حيا حتى يحدث المحدث، وحتى تحدث المعاني له، والتوقف محال؛ ~~ولأن ذلك المحدث الذي يحدثها للقديم يجب أن يكون قادرا بقدرة، والقادر ~~بالقدرة لا يقدر على القدرة والحياة لنفسه فيجب بقدره على احداثها لغيره، ~~ولو قدر على احداثها ولم يحدثها لغيره إلا بالاعتماد، والاعتماد لا يولد ~~هذه المعاني، ولو ولدها أيضا لم يولدها إلا ببماسة، ومماسة القديم محال، ~~وإن كان الله تعالى هو الذي أحدثها لفنسه فمحال أيضا من حيث أنه يؤدي إلى ~~التوقف؛ لأنه لا يحدثها حتى يكون قادرا حيا عالما، ولا يكون قادرا حيا ~~عالما حتى يحدثها، وذلك ظاهر في القدرة والحياة؛ لأنها فعل، والفعل لا يصح ~~إلا من قادر حي، فحصل التوقف. PageV01P305 # وأما العلم بمحدثها كما يقوله هشام فالشبهة فيه أوقع؛ لأنه قادر حي فيكفي ~~في ms259 ذلك احداث العلم، ولا يلزم التوقف فلابد من الزيادة على ما تقدم في لزوم ~~التوقف في العلم أيضا، وهي أن يدل على أن العلم لا يصح وجوده إلا من عالم ~~أيضا، فمتى دللنا على ذلك لزم الوقف، والدلالة عليه من وجهين: # أحدهما: جمليا، وهو أنا قد علمنا أن العلم لا يصح إيجاده ممن لا يعلم ~~شيئا أصلا، ولهذا فإن أحدنا لو توفرت دواعيه إلا اتخاذ شيء من العلوم لم ~~يصح منه حتى يكون عالما بأمور مخصوصة، وحتى يكون عاقلا، والعقل علوم، ولهذا ~~فإن الصبيان والمجانين لا يمكنهم اكتساب العلوم بنظرهم، وإن كانوا عالمين ~~بأشياء كثيرة فأولى وأحرى فيمن لا يعلم شيئا أصلا أن لا يمكن احداث العلم، ~~وهذا الوجه قد اعتمده أبو الحسين وغيره، وفيه نظر؛ لأن لقائل أن يقول ولم ~~إذا تعذر علينا وجب مثله في القديم تعالى فلا يحقق الجواب إلا بأن نبين ~~العلة، وهو أن العلم اعتقاد واقع على وجه مخصوص، ولا يصح أن تقع عليه إلا ~~ممن هو عالم وفي ذلك رجوع إلى الدلالة التفصيلية، وقد ذكرنا ذلك في شرح ابن جلاد. # الوجه الثاني: أن العلم اعتقاد واقع على وجه مخصوص لا يصح وقوعه على ذلك ~~الوجه إلا من عالم، وهذه الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن العلم اعتقاد واقع على وجه مخصوص. # والثاني: أنه لا يصح وقوعه على ذلك الوجه إلا من عالم. # أما الأصل الأول: وهو أن العلم اعتقاد واقع على وجه مخصوص فينبغي أنه من ~~قبيل الاعتقاد وليس وليس حسان بن أمية كما زعم أبو الهذيل، ثم يدل على أنه ~~اعتقاد على وجه: # أما الأول: فلأنه لو كان أمرا زائدا على الاعتقاد مع سكون النفس لجاز ~~الانفصال، فكان يجوز أن يكون أحدنا معتقدا للشيء مع سكون نفسه إليه، ولا ~~يكون عالما به، أو يكون عالما به ولا يكون معتقدا له ساكن النفس إليه، ~~ومعلوم أن ذلك لا يجوز. PageV01P306 # وأما أنه إنما كان علما لوقوعه على وجه مخصوص فلأنه لو كان عالما لذاته أو ms260 ~~لشيء من صفاته؛ لوجب في اعتقاد التقليد على وجه واحد، وطريقة واحدة في وقت ~~واحد أن يكون علما؛ لأنه قد صار مثلا له بمشاركته له في أخص الأحكام وهو ~~التعلق على أخص ما يمكن، وذلك يوجب المماثلة، ومعلوم أن التقليد ليس بعلم، ~~ولا يجوز أن يكون علما بمعنى؛ لأن المعنى لا يستحق صفة لمعنى، ولا يجوز أن ~~يكون عالما بالفاعل؛ لأن الفاعل لا اختيار له في ذلك، وإلا صح منه أن يجعل ~~الجهل والتقليد علما، فلم يبق إلا انه إنما كان عالما لوقوعه على وجه، ~~والوجوه التي يقع الاعتقاد على أحدها علما خمسه وقوعه عقب النظر أو يذكروا ~~النظر مثل ما يفعله المنتبه من رقدته من الاعتقاد ليذكره لنظره، واستدلاله ~~قبل أن ينام أو يكون من فعل العالم فالمعتقد نحو ما يجده أحدنا من العلوم ~~المكتسبة في كل وقت أو يذكر العلم او الحاق التفصيل بالجملة. PageV01P307 # وأما الأصل الثاني: وهو أنه لا يقع على أحد هذه الوجوه إلا ممن هو عالم ~~فذلك ظاهر لمن تأمل، نحوه.... فإن النظر من حقه أن يكون عاقلا عالما ~~وبالدليل، ووجه دلالته، وكذلك متذكر النظر من حقه أن يكون عاقلا عالما ~~بنظره الأول، ذكرا له بأنه ساكن النفس أو معتقده، وكذلك العالم بالمعتقد، ~~وكذلك متذكر العلم؛ لأن الذكر لعلمه علم ضروري بأنه كان عالما بالمعلوم، ~~وكذلك الحاق التفصيل بالجملة، مثل أن هذه الضرر المعين قبيح لا يكون إلا ~~بعد علمه، بأن كل ظلم قبيح، وأن هذا ظلم، فثبت بذلك أن العلم لا يصح إلا من ~~عالما وإذا صح ذلك لزم التوقف فلا يحدث لنفسه العم حتى يكون عالما، ولا ~~يكون عالما حتى يحدثه، واعلم أنه لا يصح إبطال قول هشام بهذين الوجهين؛ لأن ~~مذهبه أن الله تعالى عالم بالمعلومات الأزلية في الأزل لا يعلم بحدث، وإنما ~~يعلم بعلم يحدث المعلومات، ويكون له على هذا أن يقول بحدثه، وهو عالم قبل ~~احداثه بمعلومات، فيصح منه احداث العلم، وما ذكرتم من الوجهين إنما يدل على ~~أن من ms261 لا يعلم شيئا أصلا لا يصح منه أن يحدث العلم، فالأولى في إبطال قوله ~~أن نقول له: إذا كان تعالى عالما في الأزل بالمعلومات الأزلية، ويجب أن ~~يعلمها لذاته بطلان العلم القديم، فإذا ثبت أنه علم بعض المعلومات لذاته ~~وجب أن يعلم جميعها لعدم الاختصاص، وإذا كان عالما لذاته بالجميع استغنى عن ~~العلم المحدث، ولم يصح أيضا مع علمه لذاته أن يعلم بعلم محدث. # وأما الموضع الخامس: وهو في بيان شبههم وإبطالها فهم يتعلقون بشبه من جهة ~~العقل والسمع. # أما من جهة العقل فلهم شبه كثيرة نذكر منها شبهتين: # أحدهما: أنه قادر عالم، والقادر العالم لا يكون كذلك إلا بقدرة وعلم، ~~دليله الشاهد. # والجواب عن هذه الشبهة من ثلاثة أوجه: # أحدها: أنا نقول إن هذا جمع بين أمرين من غير علم جامعة ولا طريقة ناظمة، ~~وما هذا حاله لايقبل، فدلوا على العلة الرابطة بينهما. PageV01P308 # الوجه الثاني: أنا نعارضهم فنقول: إذا وجدنا القادر العالم في الشاهد ولا ~~يكون إلا جسما، فيلزم أن يكون في الغائب مثله فما أجابوا فهو جوابنا. # الوجه الثالث: وهو الفرق أنا نقول: إن القادر العالم في الشاهد حصل كذلك ~~مع الجواب، والحال واحدة والشرط واحد، فلابد من أمر لأجله حصل، والمعنى ~~يحتاج إلى محل مبني ببنية مخصوصة، والله تعالى حاصل كذلك مع الوجوب، فلا ~~يحتاج إلى معنى ولا إلى محل. # الشبهة الثانية: أنهم قالوا قد ثبت أن يعلم أن الله تعالى قادر عالم، فلا ~~يخلو إما أن يكون العلم بذلك متعلق بالذات أو بأمر رجع إلى غير الذات، إن ~~قلتم العمل إن قلتم العلم بها هو العلم بالذات فكان يلزم فيمن علم الذات أن ~~يعلم الصفات، او من علم بعضها يعلم البعض الآخر، فلم يبق إلا أنه علم بمعنى ~~زائد على الذات وهو العلم والقدر. # والجواب: من معارضة وتحقيق: # أما المعارضة فإنا نعارضهم بكونه موجودا فنقول: قد ثبت أنا نعلمه تعالى ~~موجود فلا يخلو إما أن يتعلق بذاته أو بمعنى زائد على ذاته، لا يجوز أن ~~يتعلق ms262 بذاته؛ لأنا قد نعلم إثبات الصانع ثم نحتاج إلى دلالة أخرى على أنه ~~موجود فلم يبق إلا أنه متعلق لمعنى، وذلك محال، وما أجابوا به فهو جوابنا، ~~وهذا مبني على أن الوجود صفة زائدة على الذات، والمجبرة لا يقولون بذلك ~~فالأولى المعارضة بالعلم بأنه قديم وأن العالم محدث. # والوجه الثاني: أن هذه مناقضة لأنكم قلتم إنها ليست بأغياره تعالى، ثم ~~أثبتم بعد ذلك أنها أغيار له تعالى، وقلتم: إنه إذا لم يتعلق بذاته وجب أن ~~يكون متعلقا بمعنى غير ذاته. # الوجه الثالث: هذه قسمة ناصرة غير حاصرة؛ لأنكم أحللتم تقسيم ثالث وهو ~~مذهب خصومكم وهو أن هذا العلم متعلق بذاته على أمر زائد، وهو الصفة على قول ~~أبي هاشم، والتعلق على قول أبي الحسين، فهلا أبطلتم ذلك. PageV01P309 # وأما مات يتعلقون به من جهة السمع فيتعلقون بقوله تعالى{ أنزله بعلمه} ~~وقوله{ ولا يحيطون بشي من علمه} وقوله تعالى{ذو القوة المتين}. # والجواب عليهم من وجوه: # أحدها: أنا نقول لهم لا يصح لكم الاستدلال بالسمع على شيء من المسائل مع ~~قولكم إن الله تعالى لا يقبح منه قبح، وله أن يفعل ما يشاء، وجميع ما في ~~العالم من قبيح فهو من خلقه واحداثه لا خالق لها سواه، فما أمنكم من أنم ~~يظهر المعجز على المتنبي، وأن يبعث من يجوز عليه الكذب في أخباره وما ~~ينقله، وأن يكذب تعالى في خبره وتكون هذه الآيات من جملة الآكاذيب التي ~~خلقها في العالم. # الوجه الثاني: أن العلم بصحة السمع يقف على العلم بأنه عالم لذاته عن ~~فعلها، ولا يعلم أنه عالم بقبح القبائح وغني عن فعلها حتى نعلم أنه عالم ~~لذاته، ومتى كان عالما بعلم لم يكن عالما بقبح القبائح؛ لأن العلم الواحد ~~لا يتعلق إلا بمعلوم واحد، فلا نأمن أن يكون فعلا قبيحا وهو لا يعلم أنه ~~قبيح، فإذا لم يصح الاستدلال بالسمع على أنه عالم لذاته مع أنه لو صح لصح ~~السمع، فالأول: أن لا يصح الاستدلال به على أنه عالم بعلم، مع أنه ms263 لو صح ~~لبطل السمع، فكيف يصح الاستدلال بالسمع على ما لو صح لبطل السمع؟ # الوجه الثالث: أن العلم يستعمل في معان ثلاثة: علم بمعنى العالم، وعلم ~~بمعنى المعلوم، وعلم بمعنى المعنى الذي يسنبه المتكلمون. # أما العلم الذي بمعنى العالم كما يقول أحدنا: جرى هذا بعلمي، أي وأنا ~~عالم به، والمعلوم مثل أن يقال هذا علم أهل البيت، وعلم أب يحنيفة، وعلم ~~الشافعي أي معلومه. PageV01P310 # وأما العلم الذي بمعنى المعنى: الذي يثبته المتكلمون ويقولون إنه الموجب ~~لكون العالم عالما، ولا يجوز حمل بالمشكوا به من الآيات عىل هذا المعنى؛ ~~لأن الله تعالى خاطب العرب بلغتهم، وهم لا يعقلون ولا يقولون به، فلو أراده ~~لوجب أن يبين مراده، وإلا كان مخاطبا لهم بما لا يعلمون من غير بيان، وذلك ~~لا يجوز؛ فوجب أن يحمل على ما عقلوه، وهو العلم بمعنى كونه عالما، فيكون ~~المعنى أنزله، وهو عالم به، وقوله{ فانقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين} أي ~~ونحن عالمون، والعلم بمعنى المعلوم فيكون معنى قوله{ ولا يحيطون بشيء من ~~علمه}أي: بمعلوماته(ح) هذا أبلغ تصحيحه قدس الله روحه، ونور ضريحه، ونفعنا ~~به، وكذلك القوة تستعمل في القادر، كما يقال لي بهذا الأمر قدرة، أي: أنا ~~قادر عليه، وتستعمل في المقدور كما قال (عليه السلام): وانظروا إلى قدر ~~الله، أي مقدوراته وعجائب صنعه، ويستعمل في المعنى الذي يوجب كون الواحد ~~منا قادرا وهو الذي بينه جمهور المتكلمين، والله تعالى أنزل القرآن على لغة ~~العب مخاطبا لهمب ه؛ فجيب حمله على ما يفهمونه وهم لا يفهمون المعنى الذي ~~أثبته المتلكمون؛ فجيب حمل الآية على أن المراد بها المبالغة في كونه تعالى قادرا. # الوجه الرابع: أنا نعارضهم بقوله تعالى{.....} صاحب علم؛ فيجيب أن يكون ~~فوقه عليم آخر تعالى الله عن ذلك. # وأما الموضع السادس: وهو في الدلالة على إثبات الصفة الأخص، وإثبات الصفة ~~المتعلقة، وبيان ما يتعلق من الصفات وما لا يتعلق، وبيان أنه لا يجوز خروجه ~~عن هذه الصفات بحال من الأحوال، فالكلام من هذا يقع ms264 في ستة مواضع: # الأول: في الدلالة على إثبات الدلالة الأخضص. # والثاني: في حقيقة الصفة المتعلقة، وبيان ما يتعلق من الصفات، وما لا يتعلق. # والثالث: في تعدادها، وتعيناتها، وحقائقها، وأمثلتها وقسمتها. PageV01P311 # والرابع: في الدليل على أن الله تعالى قادر على جميع أجناس المقدورات، وفي ~~كل وقت من كل جنس على ما لا يتناهى. # والخامس: في الدليل على أن الله تعالى عالم بجميع أعيان المعلومات. # والسادس: في الدليل على أنه لا يجوز خروجه عن هذه الصفات في حال من ~~الأحوال. # أما الموضع الأول: وهو في الدلالة على إثبات صفته فعل الأخص، فالكلام منه ~~يقع في موضعين: # أحدهما: في حكاية المذهب وذكر الخلاف. # والثاني: في الدليل. # أما الأول فاعلم أن المتبني للأحوال اختلفوا هل للقديم سبحانه وتعالى صفة ~~زائدة على كونه قادرا وعالما وحيا، وموجودا بكون صفة مقتضية لها وهي الصفة ~~الأخص أم لا؟ فمنهم من ذهب إلى إثباتها وهو المحكى عن القاسم بن إبراهيم ~~(عليه السلام) والشيخ أبي هاشم، وكثير من أصحابه، وهو اختيار الإمام ~~المنصور بالله (عليه السلام) وذهب كثير منهم إلى نفيها وهو مذهب الشيخ أبي ~~علي وأبي القاسم البلخي وأبي الحسين الخياط، وغيرهم. # وأما الموضع الثاني: فقد استدل على إثبات الصفة الأخص بوجوه: # منها: أن هذه الصفات التي هي كونه قادرا وعالما، وحيا وموجودا، لا يجوز ~~أن تكون ذاتية، وإذا بطل أن تكون ذاتية ثبت أن تكون مقتضاة، ولا يجوز أن ~~تكون مقتضاة إلا عن صفة ذاتية، وهي الصفة الأخص، والدلالة مبنية على ثلاثة أصول: # أحدها: أنه لا يجوز أن تكون ذاتية. # والثاني: أنه إذا بطل أن تكون ذاتية ثبت اناه مقتضاة. # والثالث: أنها لا تكون مقتضاة إلا عن صفة ذاتية، وهي الصفة الأخص. # أما الأول وهو أنه لا يجوز أن تكون ذاتية، فالذي يدل عليه أنها لو كانت ~~ذاتية لوجب في ذات القديم تعالى أن تكون مخالفة لنفسها؛ لأنها قد حصلت على ~~صفات ذاتية مختلفة لو اختص غيره ببعضها لكان مخالفا له تعالى؛ فيجب كونه ~~مخالفا لنفسه لحصوله ms265 على ما لو حصل غيره عليه لخالفه، وكونه مخالفا لنفسه ~~محال؛ لأن المخالفة لا تكون إلا بين غيرين، والذات الواحدة لا تصح أن تكون ~~غيرا لنفسها. PageV01P312 # وأما الأصل الثاني: وهو أنه إذا بطل أن تكون ذاتية ثبت أنها مقتضاة، فالذي ~~يدل عليها أنها صفات واجبة على ما تقدم؛ لأنا قد أبطلنا أن تكون معنوية أو ~~بالفاعل، وكل صفة واجبة لم تكن ذاتية فإنها مقتضاة؛ لأنها قسمة دائرة بين ~~النفي والإثبات، وبيان ذلك أنك تقول: الصفة الواجبة لا تخلو إما أن يكون في ~~ثبوتها مفتقرة إلى صفة أخرى أم لا، إن اقتصرت فهي الصفة المقتضاة، وإن لم ~~تفتقر فهي الذاتية. # وأما الأصل الثالث: وهو أنه لا يجوز كونها مقتضاة إلا عن صفة ذاتية، وهي ~~الصفة الأخص، فالذي يدل عليه أن كل صفة مقتضاة لا تخرج عن كونها مقتضاة عن ~~صفة واجبة أو جائزة، ولا يجوز أن تكون هذه الصفات مقتضاة عن صفة زائدة؛ ~~لأنه كان يجب أن يستحيل ثبوتها فيما لم يزل؛ لأن المقتضى لها صفة جائزة، ~~والصفة الجائزة يستحيل ثبوتها فيما لم يزل، فبطل أن يكون المقتضي لها صفة ~~زائدة، ونفى أنها مقتضاة عن صفة واجبة، وتلك الصفة الواجبة لا تخلو إما أن ~~تكون ذاتية أو مقتضاة لا يجوز أن تكون مقتضاة عن صفة مقتضاة؛ لأن الكلام في ~~تلك الصفة المقتضاة كالكلام في هذه، فإما أن تكون مقضتاة عن ذاتية أو عن ~~مقتضاة فإن كانت عن مقتضية لزم التسلسل، وإن كانت مقتضاة عن ذاتية وجب ~~الاقتصار على الأولى، فلم يبق إلا أنها مقتضاة عن صفة ذاتية وهي التي ~~نريدها بالصفة الأخص، وقد اعترض على هذا الدليل بأن قيل: ما أنكرتم أنه لا ~~يجب كون ذات القديم سبحانه مخالفة لنفسها وإن حصلت على صفات ذاتية في حكم ~~المختلفة لو اختص غيره ببعضها لخالفه، وذلك لأن اقتضاء هذه الصفات الذاتية ~~للاختلاف موقوف على الغير بين المختلفين، والذات الواحدة لا تجوز أن تكون ~~غيرا لنفسها، وإذا كانت الصفات الذاتية اقتضائها للمخالفة موقوفة على ms266 هذا ~~الشرط، وهذا الشرط غير حاصل في ذات القديم سبحانه؛ لأنه ذات واحدة فلا يمكن ~~أن تكون غيرا لنفسها، فإذا لم يحصل الشرط وهو الغيرية لم يحصل المشروط وهو ~~كون ذات القديم PageV01P313 مخالفة لنفسها. # والجواب أنه قد ثبت أن الصفات الذاتية إذا اختلفت اقتضت الاختلاف فلا ~~يجوز ثبوتها ذاتية مع استحالة شرط اقتضائها وهي الغيرية على الاطلاق؛ لأنه ~~يؤدي إلى التباس ما يقتضي بما لا يقتضي، فلو ثبت الصفات الذاتية مختلفة ~~ووقف اقتضائها للمخالفة على شرط يستحيل أن لايحصل لا لبس بما لا يقتضي، ~~ولاتباس المقتضي بما لا يقتضي لا يجوز. # وأما الموضوع الثاني: وهو في حقيقة الصفة المتعلقة وبين ما يتعلق من ~~الصفات وما لا يتعلق فحقيقة الصفة المتعلقة هي الصفة التي تستدعي بمجرد ~~ثبوتها بثوبوت حكم بين ما اختصت به وبين ذات أخرى، وإن كانت مخالفة قلنا هي ~~الصفة جنس الحد، وقلنا التي تستدعى بمجرد ثبوتها احتراز من أن تستدعي ~~بكيفية ثبوته كما نقوله في الصفة الذاتية فإنها تستدعى على المماثلة ~~والمخالفة بين ما اختص بها وبين غيرها، ثم لم تكن متعلقة لما كانت تستدعي ~~في ذلك بكيفية ثبوتها وهو كونها ذاتية، وقلنا ثبوت حكم بين ما اختصت به ~~وبين ذات أخرى احتراز من كون الحي حيا، فإنها وإن استدعت لمن اختص بها ثبوت ~~حكم في صحة أن يقدر ويعلم، وغير ذلك، فليست متعلقة؛ لأنها إنما تقتضي ذلك ~~لم اختص بها لا لغيره، ولا بينه وبين غيره، وقلنا: وإن كانت مخالفة احتراز ~~من كون المتحيز كائنا فإنه يستدعى بثبوت حكم بين ما اختص به وبين غيره، وهو ~~منعه لغيره من أن يكون ......... وليس بصفة متعلقة لما كانت تستدعي هذا ~~الحكم إلا بين ما اختص به وبين غيره مثله وهو جوهر، ولا يستدعيه منه بينه ~~وبين مخالفه ومن حق الصفة المتعلقة أن تستدعي الحكم بين ما اختص بها وبين ~~غيره ماثل ذلك القديم أو خالفه، ومثال الصفة المتعلقة كون أحدنا قادرا فإنه ~~يستدعي بثبوت حكم وهو صحة الفعل بين ms267 القادر وبين المقدور. PageV01P314 # وأما بيان ما يتعلق من الصفات وما لا يتعلق فاعلم أنه يتعلق من صفات الباري ~~تعالى كونه قادرا وعالما ومدركا، ومريدا وكارها، والتي لا تتعلق الصفة ~~الأخص، وكونه موجودا وحيا. # وأما ما يتعلق من صفات الواحد منا فجميعها يتعلق وهي كونه قادرا وعالما ~~ومريدا وكارها، ومشتهيا ونافرا، وظانا وناظرا ومدركا، إلا كونه حيا. # وأما الموضع الثالث: وهو في تعداد المقدورات، وتعيناتها، وحقائقها، ~~وقسمتها. # أما تعدادها: فهي ثلاثة وعشرون جنسا، وزاد أبو علي الموت والعجز قال: ~~إنهما معنيان. # وأما تعيناتها: وهي الجواهر والألوان، والروائح والطعوم، والحرارة ~~والبرودة، والرطوبة واليبوسة، والشهوة والنفرة، والحياة والقدرة، والغنا، ~~فهذه بقدر الباري على أعيانها وأجناسها، ومن كل جنس في كل وقت على ما لا ~~نهاية له لما بينا من أنه تعالى قادر لذاته، ولا اختصاص لذاته بجنس دون ~~جنس، والعشرة الباقية تنقسم إلى قسمين: # أحدهما: من أفعال القلوب. # والثاني: من أفعال الجوارح، فالتي من أفعال الجوارح: الأكوان، ~~والاعتمادات، والبالغات، والأصوات، والآلام، والذي من أفعال القلوب: ~~الاعتقادات والإرادات، والكراهات، والظنون، والأفكار. PageV01P315 # قال الشيخ (رحمه الله): فهذه العشرة يقدر العباد على أعيانها وأجناسها، ~~وقوله على أعيانها ضعيف؛ لأنه يؤدي إلى مقدورين قادرين، ومقدورين قادرين ~~محال على أصل الشيخ، ومن قال بقوله ووجه اشكاله أن العباد إذا كانوا قادرين ~~على أعيانها فما من عين إلا وهم قادرون عليها من تلك الأعيان المحصورة ~~وأجناسها تدخل تحتها، فإذا كان القديم يقدر على أجناسها فهي تلك التي قدر ~~العباد عليها، وكان مقدزر بين قادرين، وكذلك أيضا يكون في القادرين في ~~الشاهد، وإنما الأولى أن يقال: يقدر العباد على أجناسها لما مكنهم الله ~~تعالى منها، ويقدر الله تعالى على أجناسها ومن كل جنس في كل وقت على ما لا ~~بيناها لما بينا من أنه تعالى قادر لذاته، فلا تنحصر مقدوراته جنسا ولا عددا. PageV01P316 # وأما حقيقتها فحقائق الجوهر قد تقدمت، وحقيقة الألوان هي الأعراض المدركة ~~بحاسة البصر، وهي تنقسم إلى خمسة: أبيض....، وأحمر قاني، وأسود حالك، وأثفر ~~فاقع، وأخضر ناضر، والأرائح ms268 هي الأغراض المدركة بحاسة الشم وهي تنقسم إلى ~~رئحة طيبة ورائحة خبيثة، والطعوم هي الأغراض المدركة بحسب الذوق، وهي تنقسم ~~إلى خمسة: حلاوة، وحموضة، ومرارة، وملوحة، وحرارة، والحرارة هي المعنى ~~المدرك بمحل الحياة في غير محل الحياة مع انقراض المحل، والبرودة هي المعنى ~~المدرك بمحل الحياة في غير محل الحياة مع انبساط المحل، والرطوبة هي المعنى ~~الموجب انعمار المحل... واليبوسة هي المعنى الموجب بنو المحل، والشهوة هي ~~المعنى الذي متى اختص بالواحد منا أوجب كونه مشتهيا، والنفرة هي المعنى ~~الذي متى اختص بالواحد منا أوجب كونه مشتهيا، والنفرة هي المعنى التي متى ~~اختص بالواحد منا أوجب كونه نافرا، والحياة هي المعنى الذي متى اختص ~~بالواحد منا أوجب كونه حيا، والقدرة هي المعنى الذي متى اختص بالواحد منا ~~أوجب كونه قادرا، والفناء هو المعنى الموجب انتفاء العالم عند وجوده، ~~وحقيقة الأكوان قد تقدمت، والاعتمادات هي المعنى الموجب بدافع المحل بأحد ~~الجهات الست، وهي تنقسم إلى لازم ومختلف، واللازم ينقسم إلى سفلي وعلوي، ~~فاللازم السفلي مثل النقل، واللازم العلوي مثل النار والدخان، والمختلف ما ~~يقضى به غرضا من سهم أو حجر ونحو ذلك، واللازم نافي، والمختلف لا ينفا، ~~والتأليف هو المعنى الموجب صعوبة تفكيك محله على بعض الوجوه، قلنا: على بعض ~~الوجوه احتراز من أن يفارق الرطوبة في يبوسة، مثل الرمل فإنه ليس فيه ~~صعوبة، والصورة قد تقدمت، والألم ينقسم إلى حادث، ونافي، فالنافي هو إدراك ~~الشيء مع النفرة عنه وهو مثل مرارة الصبر، وحرارة النار، والحادث: هو ~~المعنى المدرك بمحل الحياة في محل الحياة مع النفرة عنه وهو مثل ما يحدث عن ~~التقطيع من الألم والاعتقادات قد تقدمت، PageV01P317 والإرادة هي المعنى الذي متى اختص بالحي أوجب كونه وليدا، والكراهة هي ~~المعنى الذي متى اختص بالحي أوجب كونه كارها، والظن هو تقليب بالقلب لأحد ~~المجوزين ظاهر به التخويف. # قلنا: هو تقليب بالقلب احتراز من القول فإنه لا يسمى ظنا. # قلنا: لأحد المجوزين مثل من يجوز الشيء وخلافه على سواء، ثم يقلب أحدهما ms269 ~~على الآخر. # قلنا: ظاهر التجويز احتراز من التقليب فإنه يكون فيه تجوزيا خفيا وتجويزا ~~ظاهرا، والتجويز الظاهر اعتقاد من متابعة، والخفي كونه لا يأمن خطاوه. # وأما قستمها فلها أقسام، إلا أنا نذكر منها طرقا، فنقول: تنقسم إلى ~~قسمين: مدرك وغير مدرك، فالمدرك منها ثمانية وهي الجواهر والألوان، ~~والأرائح والطعوم، والحرارة والبرودة، والأصوات والآلام، وغير المدرك ما ~~عداها، وهي تنقسم إلى قسمين متحيز وغير متحيز، فالمتحيز هي الجواهر، وغير ~~المتحيز ما عداها، وتنقسم أيضا إلى قسمين: مقدور للعباد، وغير مقدور ~~للعباد، فغير المقدور الثلاثة عشر، والمقدور لهم هي العشرة، والعشرة تنقسم ~~إلى قسمين: أفعال قلوب وهي خمسة على ما تقدم، وأفعال جوارح، وقلنا: أفعال ~~قلوب أن القلوب محل لها فلا توجد فيها؛ لأنها تفعلها، بل الفاعل له جملة ~~الحي، وتنقسم أيضا إلى موجب وغير موجب، فغير الموجب المدركات وما عداها ~~موجب والموجب ينقسم إلى ثلاثة أقسام فمنها ما يجب للجملة، ومنها ما يجب ~~تارة للجملة، وتارة للحي، ومنها ما يجب للمجمل، والذي يوجب للجملة سبعة ~~وهي: القدر، والعلم، والحياة، والشهوة، والنفرة، والظن، والفكر، والذي يوجب ~~للمجمل خمسة، وهي: الأكوان، والاعتمادات، والتأليفات، والرطوبة واليبوسة. # وأما التي يوجب تارة للحي وتارة للجملة فهي الإرادة والكراهة وتنقسم أيضا ~~إلى أربعة أقسام: # منها ما لا يوجب حكما ولا صفة، وهي المدركات. # ومنها ما يوجب حكما وصفة وهي تسعة: العلم، والقدرة، والحياة، والإرادة، ~~والكراهة، والشهوة، والنفرة، والظن، والفكر. PageV01P318 # ومنها ما يوجب حكما ولا يوجب صفة، وهي: الاعتمادات، والتأليفات، والرطوبة ~~واليبوسة. # ومنها ما يوجب صفة ولا يوجب حكما وهي: الأكوان، والحكم نحو صحة الحكم نحو ~~صحة الفعل، ونحو انعمار المحل وبنو المحل، ونحو ذلك. # والصفة نحو كونه قادرا وكونه عالما، ونحو ذلك. # أما الموضع الرابع: وهو في الدليل على أنه الله تعالى قادر على جميع ~~أجناس المقدورات في كل وقت ومن كل جنس على ما لا يتناها فينبغي أن نتكلم في أمرين: # أحدهما: أن الله تعالى قادر على جميع أجناس المقدورات. # والثاني: في مقدورين قادرين. # أما أنه ms270 يقال: قادر على جميع أجناس المقدورات فذلك مما لا خلاف فيه، ~~والدليل على ذلك وجوه ثلاثة: # أحدها: أنه يصح أن يقدر عليها أجمع، وإذا صح وجب، والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه يصح أن يقدر عليها أجمع. # والثاني: أنه إذا صح وجب. # أما الأول: وهو أنه يصح أن يقدر عليها أجمع، فالذي يدل على ذلك أن المصحح ~~لكونه قادرا هو كونه حيا في الشاهد والغائب؛ لكنه في الشاهد لما كان قادرا ~~بقدرة لم يقدر على جميع أجناس المقدورات، وقدر القديم عليها لما كان قادر لذاته. # وأما الأصل الثاني: وهو أنه إذا صح وجب فالذي يدل على ذلك أنها صفة ~~واجبة، والصفة الواجبة إذا صحت وجبت. # أما أنها واجبة؛ فلأنها ليست إلا ذاتية على قول أبي علي، أو مقتضاة على ~~قول أبي هاشم، والجميع واجبة. # وأما أنها إذا صحت وجبت فإن المصحح والموجب واحد، وهو أن الصفة الأخص على ~~قول أبي هاشم أو الذات على قول أبي علي بخلاف المعنوية فإن المصحح غير ~~الموجب؛ لأن المصحح لكونه متحركا هو كونه متحيزا، والموجب لكونه متحركا هي ~~الحرك ونحو ذلك. # الوجه الثاني: أنه لا يحصر المقدورات في الجنس والعدد إلا القدرة، والله ~~تعالى قادر لذاته، فلا تنحصر مقدوراته جنسا ولا عددا، والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه لا تنحصر المقدورات في الجنس والعدد إلا القدر. PageV01P319 # والثاني: أنه تعالى قادر لذاته فلا تنحصر مقدوراته جنسا ولا عددا. # أما الأصل الأول: وهو أنه لا تنحصر المقدورات في الجنس والعدد إلا ~~القدرة. # أما انحصارها في الجنس فهي منحصرة في العشرة؛ لأنه لا يصح من القادر ~~بالقدرة اتخاذ شيء سواء هذه العشرة. # وأما في العدد فلأنه لا يصح أن يفعل بالقدرة الواحدة من الجنس الواحد في ~~الوقت الواحد على الوجه الواحد في المحل الواحد أكثر من مقدور واحد. # قلنا: في القدرة الواحدة احتراز من قدرتين، فإنه يصح أن يوجد لهما ~~مقدورين، وقلنا: من الجنس الواحد احتراز من أن يوجد جنسين نحو إرادة علم، ~~أو أن يوجد أعماد ms271 وحركة. # قلنا: في الوقت الواحد احترازا من أن يوجد جنسين نحو إرادة وعلم، وأن ~~يوجد اعتماد وحركة. # قلنا: في الوقت الواحد احتراز من أن يوجد للقدرة الواحد مقدورين في وقتين. # قلنا: على الوجه الواحد احترازا من أن يوجد للقدرة الواحدة مبتدأ ~~ومتولدا، وقلنا: في المحل الواحد احترازا من أن يوجد بالقدرة الواحد ~~مقدورات كثيرة في محال كثيرة، مثل أن يحرك الحبل أو الرمح. # وأما الأصل الثاني: وهو أنه تعالى قادر لذاته فقد تقدم. # وأما أن مقدوراته لا تنحصر فقد بنيا أن الذي يحصر المقدورات ليس إلا ~~القدرة، وهو قادر لذاته فلا تنحصر مقدوراته، ولك في هذا الدليل تحرير آخر ~~أيضا، فنقول: لا يخلو إما أن يقدر عليها أجمع أو لا يقدر عليها أجمع، أو ~~يقدر على بعضها دون بعض محال أن لا يقدر عليها أجمع؛ لأن ذلك يعود على ما ~~بيناه بالنقض والإبطال، ومحال أن يقدر على بعضها دون بعض، محال أن لايقدر ~~عليها أجمعي؛ لأن ذلك يعود إلى ما بيناه بالنقض والإبطال، ومحال أن يقدر ~~على بعضها دون بعض؛ لأنه لا مخصص؛ لأن المخصص ليس إلا الفاعل أو العلة، ~~وذلك لا يجوز عليه سبحانه، فلم يبق إلا أن يقدر عليها أجمع. PageV01P320 # الوجه الثالث: أنا قد بينا أن المقدورات تنقسم إلى قسمين ما لا يقدر عليه ~~إلا الله تعالى، وهي الثلاثة عشر، فإنه تعالى لو لم يقدر عليها لبطل كونها ~~مقدورة؛ لأن القادر ليس إلا قادر لذاته أو بقدرته فإذا تعذر على القادر ~~بالقدرة فعلها بغير على القادر لذات. # والقسم الثاني: مقدور له تعالى ولغيره وهي العشرة، فإنها مقدورة لنا، ~~وغذا ثبت أنها مقدورة لنا فبالأولى أن يقدر الله تعالى عليها؛ لأن قدرته ~~زائدة على قدرتنا غير ناقصة، فثبت الأمر الأول. # وأما الأمر الثاني: وهو مقدورين قادرين فذهب جمهور من الزيدية والمعتزلة ~~أن مقدورا بين قادرين محال، والخلاف في ذلك مع أبي الهذيل، وأبو الحسن، ~~وابن الملاحمي، والأشعرية. # أما الأشعرية فعندهم ليس ثم أفعال للعباد على أصلهم، وفي الغائب إذا ms272 ~~اختلف الوجه صح مقدور بين قادرين بأن يحدثه الله تعالى ويكسبه العباد. # وأما أبي الهذيل، وابن الملاحمي، وأبو الحسين، فيقولوا يصح المقدور بين ~~قادرين مجتمعين ومفترقين، وقد احتج الجمهور على ذلك من وجهين: # أحدهما: أنه لو صح مقدور بين قادرين لأدى ذلك إلى أن يكون الشيء مقدوما ~~موجودا في حالة واحدة، وكون الشيء معدوما وموجودا في حالة واحدة محال، ~~والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه لو صح مقدورا بين قادرين لأدى إلى أن يكون الشي الواحد ~~معدوما موجودا في حالة واحدة. # والثاني: أن كون الشيء موجودا معدوما في حالة واحدة محال. # أما الأصل الأول: فالذي يدل على ذلك أن أحد القادرين إذا توفرت دزاعيه ~~إلى إيجاد الفعل والآخر إذا توفرت صوارفه إلى أن لا يوجده فإنه إذا وجد دل ~~على من توفرت صوارفه غير قادر عليه، وإن لم يوجد دل على من توفرت دواعيه ~~إلى ايجاده غير قادر عليه. PageV01P321 # وأما الأصل الثاني: وهو أن كون الشيء معدوما موجودا محال، فذلك ظاهر. ~~والجواب عن ذلك أن يقال: ليس يلزم فيمن صرفه الصارف عن فعله أن يخرج عن ~~كونه قادرا غير أنه إذا صرفه الصارف كان معدوما من جهته موجودا من جهة من ~~توفرت دواعية. # الوجه الثاني: أنهم قالوا: لو كان مقدورا بين قادرين صحيح لأدى إلى أن لا ~~يتفاضل القادرون ولا يكون فرقا بين العلة والكثرة مثل أن يكون حبلا بين ~~جماعة ثم يكون في طرفه جماعة وفي الطرف الثاني واحد، فكان يلزم أن تكون ~~قدرة الواحد تعدل قدرتهم، والمعلوم خلاف ذلك. # والجواب عن ذلك أن يقال إنه يجب بل يصح أن يشتركوا فيه، وفي هذه الصورة ~~كل واحد من العشر يدعو الداعي إلى أن يوجد غير ما أوجده الآخر فلذلك ~~استبدوا به. # وأما الموضع الخامس: وهو في الدليل على أن الله تعالى عالم بجميع أعيان ~~المعلومات على الوجوه الذي يصح أن يعلم عليها من جملة وتفصيل، ومشروط وغير ~~مشروط، ومعدوم وموجود، فهذا هو مذهبنا والخلاف في ذلك مع جهم، وعباد، ms273 وأبي هاشم. # أما جهم فقال: إن الله تعالى لا يعلم المعدوم قبل وجوده. # وقال عباد: إن الله تعالى لا يعلم الشيء مشروطا، وإنما يعلم من غير شرط. # وقال أبو هاشم: إنه لا يعلم الشيء جملة، وإنما يعلمه تفصيلا. # وقولنا: عالم بجميع أعيان المعلومات ولم يقل لجميع أجناس المعلومات؛ لأنه ~~يصح معلوم بين عالمين، ومثال الجملة بأن يعلم أن بني فلان في الدار وزيد من ~~جملتهم، ومثل قوله تعالى: {أكلها دائم} ومثل قوله إنه في الجنة: ((ما لا ~~عين رأت ولا أذن سمعت)) ومثال التفصيل: أن يعلم أن زيدا من جملة العشرة، ثم ~~يتحقق بعلم يقين، والمشروط مثل ما روي في الأخبار أن صلة الرحم تزيد في ~~العمر فالزيادة في العمر مشروطة بصلة الرحم، والدليل على صحة ما ذهبنا إليه وجهان: # أحدهما: أنه يصح أن يعلمها أجمع. # والثاني: وإذا صح وجب، والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه يصح أن يعلمها أجمع. PageV01P322 # والثاني: أنه إذا صح وجب. # وأما الأصل الأول: وهو أنه يصح أن يعلمها أجمع فلأن المصحح لكونه عاملا ~~كونه حيا في الشاهد وفي الغائب، لكن لم يصح في الشاهد أن يعلم جميع ~~المعلومات لما كان عالما بعلم، والله تعالى عالم لذاته. # وأما الأصل الثاني: [152ب] وهو أنه يصح أن يعلمها أجمع فلأن المصحح لكونه ~~عالما كونه حيا في الشاهد والغائب إذا صح وجب، فلأن الصفة الذاتية إذا صحت ~~وجبت على ماتقدم بخلاف المعنوية، فإنها تصح ولا تجب لما كانت معنوية؛ لأن ~~المصحح غير الموجب على ما تقدم. # الوجه الثاني: أن الواحد منا إنما انحصرت معلوماته لما كان عالما بعلم، ~~والله تعالى عالم لذاته، وهذة الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن الواحد منا إنما انحصرت معلوماته لما كان عالما بعلم. # والثاني: أن الله تعالى عالم لذاته. # أما الأصل الأول: وهو أن الواحد منا إنما انحصرت معلوماته لما كان عالما ~~بعلم، فالذي يدل على ذلك أن العلم الواحد لا يتعلق إلا بمعلوم واحد على ~~سبيل التفصيل إذ لو زاد على ذلك لتعدى ms274 إلى ما لا نهاية له وذلك محال. # وأما الأصل الثاني: وهو أن الله تعالى عالم لذاته فالذي يدل على ذلك قد ~~تقدم بيانه، ولكل في ذلك تحرير آخر وهو أن تقول إنه عالم لذاته فلا يخلو ~~إما أن يعلمها أجمع ،أو لا يعملها أو يعلم البعض دون البعض محال أن لا ~~يعلمها أجمع؛ لأنه ينتقض ما بينا من أنه عالم لذاته، ومحال أن يعلم البعض ~~دون البعض؛ لأنه لا مخصص فلم يبق إلا أنه عالم بجميعها. # وأما الموضع السادس: وهو أنه لا يجوز خروجه عن هذه الصفة لصفات بحال من ~~الأحوال، أما على قول أبي علي إنها ذاتية فلأن خروج الموصوف عن صفة الذات ~~لا تجوز على ما تقدم. # وأما على قول أبي هاشم أنها مقتضاة عن الصفة الأخص شرط مستدام، وكل صفة ~~مقتضاة عن الصفة الأخص شرط مستدام، فإنه لا يجوز خروجه عنها، وهذه الدلالة ~~مبنية على أصلين: PageV01P323 # أحدهما: أن هذه الصفة مقتضاة عن الصفة الذاتية شرط مستدام. # والثاني: أن كل صفة مقتضاة عن الصفة الذاتية شرط مستدام لا يجوز خروجه عنها. # وأما الأصل الأول: وهو أنها صفة مقتضاة فقد بينا أنها ليست بمعنوية، ~~وأبطلنا أن تكون بالفاعل، وأبطلنا قول أبي الملاحمي من أن المرجع بها إلى ~~التعلقات. # وأما أنها مقتضاة لشرط مستدام فلأن الشرط وهو كونه موجودا لا يخلو إما أن ~~يكون متحددا أو غير متحدد، محال أن يكون متحددا؛ لأنه يكون محدثا فكان يلزم ~~أن لا يكون قادرا حيا حتى يحدث الشرط، أو لا يحدثه حتى يكون قادرا حيا ~~فيؤدي إلى التوقف، فلم يبق [152أ] إلا أن يكون غير متحدد وأنه ثابت فيما لم ~~يزل، فخرج من هذا كونه مدرك لما كان متحددا. # وأما الأصل الثاني: وهو أن كل صفة مقتضاة عن الذاتية شرط مستدام فإنه لا ~~يجوز خروجه عنها، فالذي يدل على ذلك أنه متى حصل المقتضى وشرط الإقتضاء وجب ~~حصول المقتضى وإلا خرج المقتضى عن كونه مقتضا، والمقتضى هي الصفة الأخص ~~فإنها مقتضية لكونه قادرا ms275 وعالما وحيا شرط كونه موجودا، وكونه موجودا مقتضى ~~عن الصفة الأخص شرط كونه سببا وبتمام هذا تم الكلام في فصل الكيفية، ومسائل ~~الإثبات. # وأما مسائل النفي فالكلام منها يقع في ثلاثة مواضع: # الأول: في تعدادها وتعييناتها وقسمتها. # والثاني: في ترتيبها. # والثالث: في الكلام على كل واحد منها. # أما الموضع الأول: وهو في تعدادها وتعييناتها وقسمتها، أما قسمتها فهي ~~على ضربين: # أحدهما: اضداد مسائل الإثبات وهي العجز، والجهل، والموت، والعدم، ~~والحدوث، وقد تقدم إبطال هذه في فصل الكيفية؛ لأنا قد أثبتنا أنه لا يجوز ~~خروجه عن صفات الإثبات، فبطل اضدادها عليه. # الضرب الثاني فهي هذه المسائل. # وأما تعدادها وتعيناتها فتعدادها أربع، وتعيناتها: # الأولى: أنه لا يشبه شيئا من المحدثات. # والثانية: أنه تعالى غني لا يجوز عليه الحاجة إلى شيء أصلا. PageV01P324 # والثالثة: أنه تعالى لا يرى بالأبصار. # والرابعة: أنه تعالى واحد لا ثاني معه يشاركه في القدم والإلهية وهي أيضا ~~تنقسم إلى قسمين: نفي ذات، ونفي صفات، فنفي الذات الرابعة، ونفي الصفات هي ~~الثلاث المتقدمة. # وأما الموضع الثاني: وهي في ترتيبها، فلها ترتيبان: ترتيب وجوب، وترتيب حسن. # أما ترتيب الوجوب صحت تأخير الرابعة؛ لأنها كلام في أنه لا ثاني معه ~~يشاركه فيما يجب له من الصفات النفي والإثبات؛ لأنه لا يمكننا أن نتكلم في ~~أنه لا ثاني له يشاركه في الصفات حتى يبين الصفات أولا، ثم ينفي المشاركة ~~له فيها. # وأما ترتيب الحسن فهو في الثلاث المتقدمة فيها تنبها، فاتفق العلماء على ~~أنه يحسن تقديم المثلين الأولين على مسألة نفي الرؤية؛ لأنها كلام فيما يخص ~~الله دون غيره، وهي نفي الجسم عنه والحاجة. # والثالثة: فيما يعمه [152ب] وغيره في أنه لا يراه أحد ولا هو مرئي. # وأما تقديم مسألة نفي التجسيم على مسألة نفي الحاجة، فاختلف الشيخ والسيد ~~صاحب (شرح الأصول) فذهب الشيخ إلى أنه تقدم نفي الجسم على نفي الحاجة؛ ~~لأنها دليل عليها، ومن حق الدليل أن يتقدم على المدلول عليه في العلم، فإنا ~~إذا أردنا أن نستدل على أن الله ms276 تعالى غني ليس بمحتاج، قلنا: إن الحاجة لا ~~تجوز إلا على من جازت عليه الحاجة المنافع والمضار، والمنافع والمضار لا ~~يجوزان على إلا على من جازت عليه الشهوة والنفار، والشهوة والنفار لا تجوز ~~إلا على من جازت عليه الزيادة والنقصان، والزيادة والنقصان لا تجوز إلا على ~~الأجسام، والله تعالى ليس بجسم، فقدمت عليها لما كانت دليلا في نفي الحاجة، ~~وقدمناها أيضا على نفي الرؤية إلا أنا إذا أردنا أن نستدل على أن الله ~~تعالى لا يرى، قلنا: إن الرائي لا يرى إلا إذا كان مقابلا، أو في حكم ~~المقابل، والمقابلة لا تجوز إلا على الأجسام، والله تعالى ليس بجسم. PageV01P325 # وذهب السيد (رحمه الله) إلى تقديم مسألة نفي الحاجة على مسألة نفي ~~التجسيسم، ووجه ذلك الحاجة على ضربين: حاجة الأثر على المؤثر، وحاجة داعي ~~وصارف، وقد قدمنا نفي حاجته إلى المؤثر ذاته وصفاته في فصل الكيفية ومسألة ~~غني بنفى الحاجة إلى الداعي والصارف، فتلحق بنفي الحاجة بنفي الحاجة، وإنما ~~كان يلزم أن تقدم نفي التجسيم على نفي الحاجة لو لم يكن يدل عليها إلا هي ~~فإن لها دليل غيرها فلا يلزم أن تقدم عليها. # وأما الموضع الثالث: وهو الكلام على كل واحد منها فنبدأ بما بدأ به الشيخ ~~(رحمه الله) تعالى وهي مسألة نفي التجسيم والعرض بذلك أنه لا يشبه الأجسام ~~الأعراض، والكلام منها يقع في ستة مواضع: # أحدها: في حكاية المذهب وذكر الخلاف. # والثاني: في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه من أن الله تعالى ليس بجسم، ~~وإبطال قول من خالف في اللفظ والمعنى، ومن خالف في اللفظ دون المعنى. # والثالث: في أنه لا يشبه شيئا من الأعراض. # والرابع: أنه لا يجوز عليه ما يجوز على الأجسام والأعراض من المجيء ~~والذهاب، والهبوط والحلول، والكون في الأماكن. # والخامس: في شبه المخالف وإبطالها. # والسادس: فيما يلزم المكلف معرفته في هذه المسألة. PageV01P326 # أما الموضع الأول: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف، فمذهبنا أن الله تعالى ~~ليس بجسم ولا عرض، ولا جوهر ولا يشبه ms277 الأجسام والأعراض، ولا الجواهر، ~~والخلاف في ذلك مع فرق وهم: الحشوية، والكرامية، والنصارى، وبعض الفلاسفة، ~~والصوفية وخلافهم [153أ] على ضربين: خلاف في الجسمية، وخلاف في العرضية، ~~والخلاف في الجسمية على ضربين خلاف في اللفظ والمعنى، وخلاف في اللفظ دون ~~المعنى، فالذي خالفوا في اللفظ والمعنى هم: الحشوية، وبعض الكرامية، وهشام ~~بن الحكم، وأظن هشام الخوالفي فإنهم اتفقوا على أن الله تعالى جسم، وأنه ~~متحيز، ثم اختلفوا فذهب الحشوية إلى أن له أعضاء وجوارح، ووصف هشام بن ~~الحكم كتابا في أعضاء الرب وجوارحه تعالى الله عن ذلك وسماه كتاب التوحيد، ~~وذهب بعض الكرامية إلى أنه نور رأيناها عن الجهات الخمس وبيناها من ~~السادسة، وهي الجهة السفلى، وذهب هشام بن الحكم إلى أنه خمسة أشبار بشبر نفسه. # ومن الحشوية من قال: إنه...... فوق العرش، وللحشوية جهالات أيضا منها ~~أنهم قالوا: إنه وزارته الملائكة، ومنها أنهم قالوا أنه أدى خيلا في الجنة ~~وخلق نفسه من عرقها، ومنها: أنهم قالوا إنه خلق الملائكة من شعر ساعديه، ~~ومنها أنهم قالوا إنه نظر نفسه في الماء فخلق آدم على صورته، إلى غير ذلك ~~من الجهالات تعالى الله عما يقولون علوا كثيرا. # وأما الذين خالفوا في اللفظ دون المعنى فهم بعض الكرامية، وبعض الفلاسفة، ~~والنصارى. # وأما بعض الفلاسفة فقالوا: إن الله جوهر بسيط، والنصارى قالوا: هو جوهر. # وأما الكرامية فقالوا: هو جسم عالم بذاته وليس بطويل ولا عريض ولا عميق. # وأما الخلاف في العرضية فذلك مع بعض الكرامية والصوفية، فذهب الصوفية إلى ~~أنه عرض يحل في الصور الحسن، وبعض الكرامية قالوا: أنه عرض. PageV01P327 # وأما الموضع الثاني: وهو في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه من أنه ليس بجسم ~~وإبطال قول من خالف في اللفظ والمعنى، ومن خالف في اللفظ دون المعنى، أما ~~الذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه وابطال قول من خالف في اللفظ والمعنى فوجوه: # الأول: منها ماذكره الشيخ (رحمه الله) ولك فيه تحريران: # أحدهما: أنا نقول لو كان جسما لوجب أن يكون مثلا للأجسام، ms278 ولا يجوز أن ~~يكون مثلا لها، والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه لو كان جسما لوجب أن يكون مثلا للأجسام. # والثاني: أنه لا يجوز أن يكون مثلا لها. # أما الأصل الأول: وهو أنه لو كان جسما لوجب أن يكون مثلا للأجسام فلأنه ~~يكون قد شاركها في الصفة الذاتية والمقتضاة، والإشتراك في الصفة الذاتية، ~~والمقتضاة توجب التماثل والإشتراك في سائر صفات الذات على ما يأتي بيانه إن ~~شاء الله تعالى في نفي الثاني [153ب]. # وأما الأصل الثاني: وهو أنه لا يجوز أن يكون مثلا لها؛ فلأنه لو كان مثلا ~~لها للزم محالات، إما أن يكونا قديمين جميعا وهو محال؛ لأنا قد دللنا على ~~الأجسام محدجثثة، وإما أن يكونا مجثين معا وهو محال؛ لأنا قد دللنا أن الله ~~تعالى قديم. # التحرير الثاني: ما ذكره الشيخ (رحمه الله تعالى) أنه لو كان جسما لكان ~~محدثا، ولا يجوز أن يكون محدثا، والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه لو كان جسما لكان محدثا. # والثاني: أنه لا يجوز أن يكون محدثا. # أما الأصل الأول: وهو أنه لو كان جسما لكان محدثا، فالذي يدل على ذلك وجهان: # أحدهما: أنه لو كان جسما لكان مثلا لها، ولا يجوز أن يكون مثلا لها، ~~والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه لو كان جسما لكان مثلا لها. # والثاني: أنه لا يجوز أن يكون مثلا لها. # أما الأصل الأول وهو أنه لو كان جسما لكان مثلا لها، فقد تقدم. PageV01P328 # وأما الأصل الثاني: وهو أنه لا يجوز أن يكون مثلا لها، فالذي يدل على ذلك ~~أنه لو كان مثلا لها لكان قد اشتركا فيما يجب للجسم، أو يجوز، أو يستحيل؛ ~~لأن من حق المثلين أن يشتركا في كل ما يجب أو يجوز أو يستحيل مما يكون ~~وجوبه وجوازته واستحالته راجع إلى الذات. # قلنا: راجع إلى الذات احتراز عما يكون في وجوبه وجوازه واستحالته راجع ~~إلى غير الذات مثل ما تقول، فوجب للواحد منا أن كونه قادرا لوجود القدرة ~~فيه لا لأمر يرجع إلى ms279 ذاته، ولم نقل تحت للجماد لعدم القدرة فيه، ولم يدل ~~على اختلاف الذاتين، والجواب مثل ما تقول جاز على الواحد منا الموت لما كان ~~حيا لا لأمر يرجع إلى ذاته، ولم تقل ويجوز على الجماد لما لم يكن حيا، ولم ~~تقل على اختلاف الذاتين، واستحالة مثل ما تقول استحال الحياة على الجماد ~~لعدم الحمية والذمية لا لأمر يرجع إلى ذاته، ولم يدل على اختلاف الذاتين. # وأما الذي يرجع إلى الذات فإنه يجب لها التحييز، ويجوز عليها التنقل، ~~ويستحيل عليها الكون في جهتين في وقت واحد، والإفتراق في هذا يدل على ~~اختلاف الذاتين لما كان لأمر يرجع إلى الذات. # الوجه الثاني: أنا قد دللنا على حدوث الأجسام حيث بينا أنه لم يخل من ~~الأعراض بمحدثة ولم يتقدمها، وأنها كائنة في الجهات بأكوان، وأن الأكوان ~~محدثة، ومادل [154أ] على حدوث بعضها دل على حدوث سائرها. # وأما الأصل الثاني: وهو أنه لا يجوز أن يكون الشيء الواحد محدثا، فالذي ~~يدل على ذلك ما بيناه على أنه تعالى قديم، ولا يجوز أن يكون الشيء الواحد ~~محدثا قديما لما في ذلك من التنافي. # الدليل الثاني: أنه لو كان جسما لكان مركبا، ولا يجوز أن يكون مركبا، ~~والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه لو كان جسما لكان مركبا. # والثاني: أنه لا يجوز أن يكون مركبا. # وأما الأصل الأول: وهو أنه لو كان جسما لكان مركبا، فالذي يدل على ذلك ~~أنه لا خلاف بيننا وبينهم في أن الأجسام مركبة. PageV01P329 # وأما الأصل الثاني: وهو لا يجوز أن يكون مركبا فلأن المركب محدث، فإنا لما ~~علمنا أن الأجسام مركبة من لحم ودم، وبنية وصنعة اليد فيها غير الرجل، وجعل ~~الطرف طرفا، والوسط وسطا، علمنا أنها مركبة إذ لو لم تكن مركبة لم تكن كذا ~~أولى من عكسه فكان يلزم حدوثه، وقد دللنا على قدمه تعالى. # الدليل الثالث: ماذكره الشيخ (رحمه الله تعالى) وهو أنه لو كان جسما كما ~~زعموا لما صح منه فعل الأجسام، وإلا كان يصح منا فعلها ms280 فلما علمنا أن فعل ~~الأجسام يستحيل منا لكوننا أحساما قادرين بقدرة، وثبت أن فعل الأجسام قد صح ~~منه تعالى بطل أن يكون جسما. # الدليل الرابع: أنه لو كان جسما لما صح منه الفعل على وجه الإختراع، ~~والمعلوم أنه قد صح منه الإختراع، والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه لو كان جسما لما صح الفعل على وجه الإختراع. # والثاني: أنه قد صح منه. # وأما الأصل الأول: وهو أنه لو كان جسما لما صح منه الإختراع، فالذي يدل ~~على ذلك أن الإختراع يستحيل على الأجسام، فيستحيل من الواحد منا أن يفعل ~~الفعل من غيره بأن لا يلمسه ولا يلمس ما يلمسه. # وأما الأصل الثاني: وهو أنه قد صح منه تعالى، فالذي يدل على ذلك وجهان: # أحدهما: أن الإنسان يجد كونه قادرا وعالما ةومشتهيا ونافرا من غير أن ~~يحسن بإعتماد معتمد عليه، فلو كان الله تعالى يفعل من غير اختراع لكان ~~الواحد منا يحسن بإعتماد معتمد عليه. # الوجه الثاني: أنه تعالى يفعل الأفعال الكبيرة في الأماكن الكبيرة ~~المساعدة في الوقت الواحد، وليس ذلك بإختراع، فلو كان غير مخترع لما صح منه ~~ذلك في الحالة الواحدة، وكذا أنه ممسك السماء أن تقع على الأرض ويمسك الأرض ~~من غير مباشرة. PageV01P330 # الدليل الخامس: وهو إلزام وهو أنا نقول لو كان جسما لجاز عليه ماجاز عليها ~~من التغطية والتفريق والإيلام، وذلك لا يجوز إلا على الأجسام كما يعلم من ~~حالها، وإذا جاز عليه التفريق فلا [154ب] يخلو إما أن نقول كل جزء منه ~~قادرا وجملته قادر واحد، إن قالوا كل جزء منه قادر لزم أن يكون له كبيرة، ~~وهم لا يقولون بذلك، وإن قالوا: هو قادر لزم إذ قدرنا تفريق .....حياته ~~تعالى أن يخرج عن كونه حيا، ولاخلاف بيننا وبينهم أنه لا يجوز عليه ~~التفريق، وتمام هذه بطل خلاف من خالف في اللفظ والمعنى. # وأما ما يبطل قول من خالف في اللفظ دون المعنى، فوجوه أربعة: # أحدها: أنهم يقولون الله تعالى جسم، وليس بطويل، ولا عريض، ولا ms281 عميق، ~~وهذه مناقضة؛ لأن المفعول من الجسم هو الطويل العريض العميق، والذي يدل على ~~ذلك وجهان: # أحدهما: أنه لا يجوز أن يثبت بأحد اللفظين وينفى بالآخر فلا يجوز أن ~~يقال: هذا طويل عريض عميق، وليس بجسم، ولا أن يقال: هذا جسم وليس بطويل ولا ~~عريض ولا عميق، بل يعد من قال ذلك مناقضا لكلامه جاريا مجرى من يقول هذا ~~جسم وليس بجسم. # والوجه الثاني: أن أهل اللغة يستعملون لفظ الجسم فيما كان طويلا عريضا ~~عميقا، فيقول قائلهم: الفيل أجسم من الإبل لما اشتركا في الطول والعرض ~~والعمق، وزدنا أحدهما على الآخر فبينه قول الشاعر: # وأجسم من عاد جسوم رجالهم ... وأكثر إن عدوا عديدا من الترب # وهم لايستعملون لفظ أفعل إلا بين شيئين اشتركا في أمر وزاد أحدهما على ~~الآخر، وفي ذلك الأمر مثل أن يقال: العسل أحلى من البرنس لما اشتركا في ~~الحلاوة، وزاد العسل عليه، ولا يقال العسل أحلى من الخل لما لم يشتركا في ~~الحلاوة. # الدليل الثاني: أن لفظ الجسم عند تقبل الزائد والقيام بالذات لا يقبل، ~~والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن لفظ الجسم عند أهل اللغة عبارة تقبل الزايد، فالذي يدل على ~~ذلك قد تقدم في قولهم: الفيل أجسم من الإبل. PageV01P331 # وأما الأصل الثاني: وهو أن القيام بالذات لا يقبل التزايد فالذي يدل على ~~ذلك أن المرجع بكونه قائم بذاته إلى نفي كونه محتاجا إلى محل أو غيره، ~~والنفي لا يقبل التزايد، ول ايقال هذا أشد انتفا من هذا الوجه. # الوجه الثالث: أنه لو جاز أن يسميا جنسا كالأجسام لجاز أن يسما إنسانا لا ~~كالناس، وشيبا لا كالشاب، وشيخا لا كالشيوخ فكما أن هذا لا يجوز فذلك قولهم ~~في الجسم. # الوجه الرابع: أنا نقول لهم ما تريدون بقولكم أنه جسم تريدون ما هو ~~المفهوم في اللغة والاصطلاح، أو تريدون اصطلاحا لكم، فإن قالوا: ماهو ~~المفهوم من اللغة والاصطلاح؟ قلنا: ليس المفهوم في اللغة والاصطلاح إلا أن ~~الجسم هو الطويل العريض العميق، وإن قالوا: اصطلاحا حالنا. # قلنا: ms282 هذا لا يجوز إطلاقا على الله تعالى؛ لأنه يوهم الخطأ [155أ] ولأنه ~~لا يجوز أن تطلق على الله تعالى المجازات وإن لم يوهم الخطأ إلا بإذن سمعي ~~وكيف وهو وهم الخطأ فلا يجوز إطلاقه على الله تعالى. # وأما إبطال قول الفلاسفة والنصارى في قولهم أنه جوهر فإنا نقول لهم ~~ماتريدون بقولكم أنه جوهر، تريدون ما هو المفهوم في اللغة أو في اصطلاح ~~المتكلمين أو ماهو في اصطلاحكم، إن قلتم ماهو المفهوم في أصل اللغة؟ ~~فالمفهوم عندهم أن الجوهر أصل الشيء ونسجه، أي ما يتفرع منه كما يقال جوهر ~~هذا الثوب جيدا أو غير جيد أي أصله ونسجه، والله تعالى ليس بأصل الشيء؛ ~~لأنه لم يتفرع منه شيء ولا يركب، وإن أردتم ماهو مفهوم من اصطلاح المتكلمين ~~فالجوهر عندهم هو المتحيز الذي لا يقبل التجزي والإنقسام وهو من قبيل ~~الأجسام، وقد أبطلنا هذا، وأنهم لا يقولون به أيضا، وإن أردتم بذلك اصطلاح ~~لكم وأنه ليس من قبيل الأجسام فهذا لا يجوز إطلاقه على الله تعالى لأنه ~~يوهم الخطأ، وكل لفظة توهم الخطأ في حق الله ...... يجوز إطلاقها عليه. PageV01P332 # وأما الموضع الثالث: وهو في الدليل على أنه تعالى لا يجوز أن يكون مشتهيا ~~للأعراض فالذي يدل على ذلك وجوه: # الأول: أنه لو كان مشتهيا لها لكان محدثا، ولا يجوز أن يكون محدثا، وهذه ~~الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه لو كان مشتهيا لكان محدثا. # والثاني: أنه لا يجوز أن يكون محدثا. # أما الأصل الأول: وهو أنه لو كان مشتهيا لها لكان محدثا، فالذي يدل على ~~ذلك أنه يكون مثلا لها، وإذا كام مثلا لها وجب أن يشاركها في الحدوث؛ لأن ~~المثلين لا يجوز أن يفترقا في قدم ولا حدوث. # وأما الأصل الثاني: وهو لا يجوز أن يكون محدثا فيما بينا من أنه تعالى ~~قديم فلا يجوز أن يكون محدثا لاستحالة أن يكون الشيء الواحد محدثا قديما في ~~ذلك من النافي. # الدليل الثاني: أنه لو كان عرض لجاز عليه العدم والبطلان، ولا يجوز ms283 عليه ~~العدم والبطلان، أما إنه لو كان عرضا لجاز عليه العدم والبطلان فلما بينا ~~أن الأعراض تجوز عليها العدم والبطلان، وأما أنه لا يجوز عليه العدم ~~والبطلان فلما بينا أنه تعالى قديم دائم. # الدليل الثالث: أنه لو كان عرضا لما صح منه الفعل، والمعلوم أنه قد صح ~~منه، أما أنه لو كان عرضا لما صح منه الفعل، فلأن العرض ليس بحي ولا قادر، ~~والفعل لا يصح إلى من حي قادر على ماتقدم تحقيقه. # وأما أن الفعل قد صح منه فقد تقدم أيضا. PageV01P333 # الدليل الرابع: أنه يقال لهم ما تريدون بقولكم أنه عرض، هل تريدون أنه من ~~جنس هذه الأعراض أم من جنس مخالف لها؟ إن قلتم من جنس هذه الأعراض فقد بينا ~~بطلانها بهذه الوجوه المتقدمة، وإن قلتم أنه محال لهذه، قلنا: فهل هو مع ~~ذلك يختص بهذه الصفات التي أثبتناها للباري تعالى من كونه قادرا [155ب] ~~وعالما وحيا وموجودا أم لا، إن قلتم إنه مختص بها فقد وافقتم في المعنى، ~~وأخطأتم في العبارة، فلا يجوز إطلاق هذه اللفظة عليه؛ لأنكم إن كنتم تريدون ~~بقولكم ماهو المفهوم عند أهل اللغة فالغرض عندهم ما يعرض في الوجود ويقل ~~لبثه، والله تعالى قديم دائم، وإن أردتم ماهو المفهوم في اصطلاح المتكلمين ~~فالعرض عندهم هو الذي لا يشغل الحيز وإن أحدث، والله تعالى قديم لا يجوز ~~عليه الحدوث، وإن أردتم ماهو المفهوم من اصطلاحكم فهذا لا يجوز إطلاقه على ~~الله تعالى لأنه يوهم الخطأ، وكل لفظ يوهم الخطأ في حقه تعالى لا يجوز ~~إطلاقه عليه، وإن قلتم ليس هو مختص بهذه الصفات فقد دللنا على أن الباري ~~قادر وعالم، فلا يجوز إبطاله بوجه من الوجوه فثبت الموضع الثالث. # وأما الموضع الرابع: وهو أنه إذا استحال عليه الجسمية والعرضية واستحالت ~~عليه توابعهما، فالتوابع الجسم الكون في الأماكن، والمجيء والذهاب، والصعود ~~والهبوط، وتوابع العرض الحلول والقدم، والبطلان والتضاد، فهذا هو مذهبنا، ~~والخلاف في ذلك مع ثلاث فرق منهم: الحشوية، وهشام بن الحكم، وهشام بن ~~الخوالفي، ms284 ومنهم بعض الأشعرية، ومنه بعض أهل الجمود. # وأما الفرقة الأولى وهم الحشوية، ومن قال بقولهم، فقد حققوا أن الله ~~تعالى جسم، وأنه يجوز عليه بالحدث على الأجسام، وأثبتوا له من الإله ما ورد ~~في القرآن من اليد، والعين، والوجه، والساق، والحب، ونحو ذلك، ثم اختلف ~~هؤلاء في كيفية كونه كائنا، فقال بعضهم: هو كائن على العرش كما في الشاهد ~~كالملك على سريره، ومنهم من قال: على صفة غير هذه. PageV01P334 # وأما الفرقة الثانية فقالوا: إن هذه الآيات التي وردت في القرآن الكريم ~~صفات له تعالى. # وأما الفرقة الثالثة فقالوا بنفيها على ما أورد الله تعالى، وتجمد على ~~معناها ولا بدر. # أما مراد الله بها وما ذكروه باطل. # أما قول الفرق الأولى من أنهم أثبتوا له في جميع ما يجوز على الأجسام من ~~الآلة فباطل ما أبطلنا له كونه جسما وعرضا. # وأما قول من قال منهم: إنه كائن كما في الشاهد، فباطل من وجوه ثلاثة: # أحدها: ماتقدم. # والثاني: أنه لو كان كائنا في ما لم يزل لذاته أو لمعنى قديم للزم أن ~~يكون كائنا في جميع الجهات لا أنه لا اختصاص لذاته ببعض الجهات دون بعض. # والثالث: أنه لو كان كائنا في جهة لذات أو لمعنى قيدم في ما لم يزل للزم ~~أن لا يخرج من تلك الجهة بحال؛ لأنه يؤدي إلى خروج الموصوف عن صفة ذاته، ~~وذلك لا يجوز. # وأما قول من قال منهم أنه كائن على صفة أخرى فذلك باطل؛ لأنه لا طريق إلى ذلك. # وأما قول [156أ] الفرقة الثانية: أن ما رود في القرآن فهو صفات له تعالى ~~فباطل من وجهين: # أحدهما: أن هذه الجوارح عند أهل اللغة ليست صفات، ولا يطلقوا بها إلا على ~~الأجسام، والقرآن يرد على لعنهم؛ ولأنهم لا يفهمون من ذلك إلا أنها جوارح. # الوجه الثاني: أن هذه إثبات ما لا طريق إليه، وإثبات ما لا طريق إليه ~~يفتح باب الجهالات وتجويز المحالات. # وأما الفرقة الثالثة وهم أهل الجمود فيما ذكروه باطل؛ لأن القرآن نزل ms285 على ~~لغة العرب وخطابا لهم، فلما خاطبهم الله تعالى بما لا يعقلونه لكان ذلك ~~قبيحا منه تعالى عن ذلك، وتلبسا عليهم، فبطل ما قالوه فلله الحمد والمجد ~~والثناء. # وأما الموضع الخامس: وهو في شبهة المخالف وإبطالها فلهم شبه من جهة العقل ~~وشبهة من جهة السمع. # أما الشبه من جهة العقل فشبهتان: PageV01P335 # أحدهما: أن قالوا قد ثبت أن الله تعالى قادر فاعل وقد ثبت أن القادر الفاعل ~~في الشاهد لا يكون إلا جسما، فيجب أن يكون لله تعالى جسما؛ لأن طريقكم قياس ~~الغائب على الشاهد، والجواب عليهم من وجوه: # الأول: أن هذا جمع بين أمرين من غير علة جامعة، ولاطريقة ناظمة، وما هذا ~~حاله لا يقبل. # وأما العلة الرابطة لأن هذا قياس على مجرد الوجود، والقياس على مجرد ~~الوجود لا يصح، ولهذا لا يصح للزنج أن يقول: كل من في الدنيا أسود؛ لأني لم ~~أرى إلا أسود؛ لأنه قياس على مجرد الوجود. # الوجه الثاني: أنا نعارضهم فنقول: قد ثبت أن الله تعالى قادر فاعل، وقد ~~ثبت أن القادر الفاعل في الشاهد يجوز عليه العجز، والضعف، والموت، والزيادة ~~والنقصان، والجهل، فيلزم في الغائب أن يكون كذلك. # الوجه الثالث: وهو التحقيق أنا نقول لهم إن لم يكن جسما لكونه قادرا ~~فاعلا، وإنما كان جسما؛ لأنه قادر بقدرة، وعالم يعلم، وحي بحياة، وهذه ~~المعالي تفتقر إلى محال مبنية بنية مخصوصة، وهي لا تحل إلا في الأجسام، ~~فوجب أن يثبت في الشاهد ولا يجب في القديم تعالى؛ لأنه قادر لذاته وعالم ~~لذاته، وحي لذاته فلا يحتاج إلى محل ولا إلى بنية مخصوصة. # الشبهة الثانية: إن قالوا إن قولكم إن الله تعالى ليس بجسم ولا عرض ولا ~~داخل في العالم ولا خارج إثبات ما لا يعقل، ومن أراد أن ينفي لم يزد على ~~ذلك، والجواب على هذا من وجوه: # أحدها: أنا نقول ما مرادكم أنه لم يفعل لم تفعلوا أنتم أو لم يفعل أصلا ~~فإن أردتم أنكم لم تفعلوه فليس يلزم أنكم إذا لم تفعلوه أن ms286 لا يفعله غيركم، ~~وإن كان غرضكم أنه لم يعقل [157أ] فذلك محال؛ لأنا قد عقلناه، واستدللنا ~~عليه، واعتقدناه وأثبتناه. PageV01P336 # الوجه الثاني: أنا نقول لهم إنكم الذي أثبتم ما لا يعقل ورميتمونا بذاتكم، ~~وإن وقلتم إنه جسم قادر لذاته وعالم لذاته وحي لذاته يفعل الإختراع ويدرك ~~مع وجود الموانع، فأثبتم أنه جسم وأثبتم له صفات القديم، يقال: ولم يتحيزوا ~~عليه فيحترز على الأجسام من الموت والجهل والعجز، ولم يجد الجسم في الشاهد ~~إلا قادر بقدرة، وعالم بعلمه، وحي بحياة، ولا يصح من فعل الإختراع، ولا ~~يدرك مع وجود الموانع. # الوجه الثالث: أنا هم يقول لهم إن المتبع هو الدلالة فإن الدلالة القاطعة ~~قد دلت على أن الله تعالى صانع العالم، وأنه ليس بجسم ولا عرض، ثم حصل من ~~هاتين المقدمتين نتيجة، هو أنه لا يشبه الأجسام ولا الأعراض. # وأما شبههم من جهة السمع فيتعلقون بآيات كثيرة، منها قوله تعالى: ~~{الرحمان على العرش استوى} قالوا: والإستواء هو الإستقرار. # وقوله تعالى: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} وقوله تعالى: {بل يداه ~~مبسوطتان} وقوله تعالى: {لما خلقت بيدي أاستكبرت أم} وقوله تعالى: {ياحسرتا ~~على ما فرطت في جنب الله} وقوله تعالى {يكشف عن ساق}[157أ]. # ولجواب عن هذا الآيات من وجوه: # أحدها: أنه لا يصح الاستدلال بالسمع على هذه المسألة؛ لأن العالم بصحة ~~السمع يقف على العالم بصحة هذه المسألة؛ لأنا لا نعلم أن القرآن كلام الله ~~تعالى حتى نعلم أنه عدل حكيم، ولا نعلم أنه عدل حكيم حتى يعلم أنه عالم ~~بقبح القبائح وغني عن فعلها وعالم باستغنائه عنها، ومتى كان جسما لم يكن ~~عالما بقبح القبائح أجمع ولا غني عن فعلها ولا عالم باستغنائه عنها، بل ~~يكون محتاجا فلا يوثق بكلامه. PageV01P337 # الوجه الثاني: أن يقال ليس لهم أن يستدلوا بالسمع لأمر يرجع إلى مذهبهم، ~~فإن منهم من قال بإضافة القبائح إلى الله تعالى وأن كلما وجد في العالم من ~~ظلم وجوب فإنه من الله تعالى، فإنه لا يؤمن أن يكون القرآن قبيح من ms287 جملة ~~القبائح التي فعلها بأن يكون كذبا. # الوجه الثالث: أنا نقول لهم ما يقولون القرآن جميعه محكم أو بعضه محكم ~~وبعضه متشابه، فإن قالوا جميعه محكم، كذبهم القرآن لقوله تعالى: {منه آيات ~~محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} وإن قالوا: فيه المحكم والمتشابه، ~~قلنا: هذه الآيات من جملة المتشابه، وقد ذم الله تعالى من اتبع المتشابه ~~بقوله [157أ] تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ~~ابتغاء الفتنة} [157أ]. # الوجه الرابع: أنا نقول لهم القرآن كله يحمل على ظاهره، أو منه ما يحمل ~~على ظاهره ومنه ما يجب تأويله، فإن قالوا: يحمل جميعه على ظاهره، كذبهم ~~القرآن لقوله تعالى: {واسأل القرية} وقوله تعالى: {والعير التي أقبلنا ~~فيها} والمعلوم أنه لا يسأل القرية ولا العير، وإنما سأل أهل القرية، وأهل ~~العير، ومثل قوله تعالى: {فأذاقها الله لباس الجوع والخوف} والمعلوم أن ~~القرية لا تخاف ولا تجوع وإنما يرجع ذلك إلى أهلها، وكذا فإن الجوع والخوف ~~لا يدامان ولا يلتبسان،[157ب] وإن قالوا: إن فيه ما يحمل على ظاهره وفيه ما يتأول. PageV01P338 # قلنا: هذه الآيات مما يجب تأويلها؛ لأن دلالة العقل قد دلت على أنه تعالى ~~ليس بجسم، وهذه الآيات مخالفة بدلالة العقل، فنقول: لا يخلو إما أن نستدل ~~بهما جميعا أو نطرحها جميعا، أو نستدل بالسمع ونلغي العقل، أو نستدل بالعقل ~~ويحمل السمع عليه لا يجوز أن نستدل بالجميع؛ لأنه يؤدي إلى المناقضة، ولا ~~يجوز أن نبطلهما جميعا؛ لأن هذا يؤدي إلى أن نلغي الأدلة مع إمكان ~~استعمالها، ولا يجوز أن نحمل أدلة العقل على أدلة السمع؛ لأنها لا تحتمل ~~التأويل، فلم يبق إلا أنه يستدل بالعقل ويحمل السمع عليه، لأن أدلة السمع ~~عليه معرضة للإحتمال. # الوجه الخامس: التأويل. # أما قوله تعالى: {الرحمان على العرش استوى} فمعناه: على العرش استولى، ~~وذلك ظاهر في اللغة، وعليه قول الشاعر: # قد استوى بسر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق # فالحمد للمهيمن الخلاق # فإن قيل لم خص العرش بالاستدلال؟ # قلنا: لأنه أعظم الأشياء، ms288 ومنه استولى على أعظم الأشياء، فقد أستولى على ~~سائرها، وقد عظمه الله تعالى على غيره في مواضع كثيرة، فقال تعالى: {رب ~~العرش العظيم} والمعلوم أنه رب كل شيء، وقد يستعمل العرش بمعنى الملك، يدل ~~عليه قول الشاعر: # إذا ما بنو مروان ثلت عروشهم ... وأودت كما أودت إياد وحمير # ومعنى قوله ثلت: أي زالت، ومعنى عروشهم: أي ملكهم، فتكون الآية على هذا ~~الرحمن على الملك استولى. # وأما قوله تعالى: {ويبقى وجه ربك} فمعناه أي ذات ربك؛ لأن الوجه بمعنى ~~الذات، كما يقال: علم لوجه الله، أي لذاته، وكما يقال: هذا وجه الرائي، أي ~~ذاته، فلو كان معنى الوجه هو الخارجة لكان كل شيء منه نفيا إلا الوجه، وذلك ~~لا يقول به أحد، وقوله تعالى: {بل يداه مبسوطتان} والمراد بمعناه نعمتا ~~الدنيا والدين، وقد قيل: نعمة الدنيا والآخرة، قال الشاعر: # له على أياد لست أكفرها ... وإنما الكفر أن لا شكر للنعم PageV01P339 واليد بمعنى النعمة، كما يقال لفلان علي يد وأيادي أي نعمة ونعم؛ ولأن ساق ~~الآية لشهيد بذلك؛ لأن الله تعالى حكى مقالة اليهود: {يد الله مغلولة} فرد ~~عليهم بقوله: {غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف ~~يشاء} فدل على أن المراد بها النعمة، وقد يذكر ويراد بها الكرم والبخل ~~أيادي فلان مبسوطة أي كرمه، وكذلك البخل. # وأما قوله تعالى: {لما خلقت بيدي} فمعناه ما خلقت أنا، كما يقال: هذا ما ~~جئت بذلك، والمراد ما فعلت أنت، وكما قال تعالى: {.........} [157ب] أي ~~فعلوه، ومعلوم أن من المعاصي ما ليس باليد، ومثل قولهم: يداك أوكتا وفوك ~~نفخ، أي أنت الفاعل. # وأما قوله تعالى: {ياحسرتا على ما فرطت في جنب الله} فمعناه [157ب] ~~الجانب الذي لله، وعليه قول الشاعر: # الناس جنب والأمير جنب # معناه في جنائب والأمير وفي جانب، وكما يقال علمت في جنب الله أي الجانب ~~الذي الله. # وأما قوله تعالى {يوم يكشف عن ساق} معناه [158أ] يوم يكشف عن شدة، ~~{والتفت الساق بالساق، إلى ربك يومئذ المساق} وعليه قول ms289 الشاعر: # أخو الحرب إن أعطت به الحرب عطها ... وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا # والساق أيضا لفظة مشتركة، فلا وجه لما تعلقوا به ساق بمعنى الشدة، وساق ~~بمعنى ساق الجررة أصلها أو غصن منها، وساق وهو ساق الواحد منا، وكشفت عن ~~ساقتها وساق وهو ذات القمري يسمى ساقا. # وأما الموضع السادس وهو فيما يجب على المكلف معرفته في هذه المسألة فيجب ~~عليه أن يعلم أن الله تعالى لم يكن جسما ولا عرضا فيما لم يزل، وأنه لا ~~يكون جسما ولا عرضا فيما لا يزال، وأنه لا يشبه الأجسام ولا الأعراض في حال ~~من الأحوال، وأنه لا يجوز عليه توابع الأجسام، ولا توابع الأعراض. PageV01P340 ### ||| AUTO المسألة الثانية: أن الله تعالى غني ولاخلاف في هذه المسألة، ~~والكلام منها يقع في ثلاثة مواضع: # الأول: في حقيقة الغني في أصل اللغة، وفي اصطلاح الفقهاء، واصطلاح ~~المتكلمين. # والثاني: في الدليل على أن الله تعالى غني. # والثالث: فيما يلزم المكلف معرفته في هذه المسألة. # أما الموضع الأول: وهو في حقيقة الغني فحقيقته في أصل اللغة هو من استغنا ~~بما في يده عما في أيدي الناس، وحقيقته في اصطلاح الفقهاء هو من لا يجوز له ~~أخذ أحد الزكاة واختلفوا في ذلك، فعند (م) بالله أن الغني من ملك النصاب، ~~أو ما قيمته نصابا كاملا، وإن لم يكن مما تركا. # وعند الهادي: هو من وجبت عليه الزكاة. # وأما عند الفقهاء فهو من ملك الكفاية، واختلفوا فمنهم من قال ملكها من ~~الحول إلى الحول، ومنهم من قال: من الغلة. # قال (ش): من ملك الكفاية سواء ملك نصابا أو أكثر أو أقل وقد يختلف ذلك ~~ابحسب المؤنة. # وأما في اصطلاح المتكلمين: فحقيقته الغني هو الحي الذي ليس بمحتاج، ~~والمتكلمون لما رأوا الغني في أصل اللغة هو من استغنا عما في أيدي الناس ~~مما في يده كان في حق الله تعالى أبلغ؛ لأنه غني عن جميع الأشياء بخلاف ~~الواحد منا فإنه قد يكون غني بشيء عن شيء، والدليل على صحة هذه ms290 الحقيقة ~~أنها تطرد وتنعكس ولا يجوز أن تثبت بأحد اللفظين وتنتفي بالأجر، أما أنها ~~تطرد وتعكس فنقول كل غني حي، فليس بمحتاج، ونقول كل حي ليس بمحتاج فهو غني. # وأما أنه لا يجوز أن يثبت بأحد اللفظين وينتفي بالآخر فلا يجوز أن يقال: ~~هذا غني وهو حي ومحتاج، ولا أن يقال: هذا حي محتاج وهو غني. # وأما الموضع الثاني: وهو في الدليل على أن الله تعالى غني، فالدليل على ~~ذلك ماذكره الشيخ (رحمه الله تعالى) ولك فيه تحريران: # أحدهما: أن لو لم يكن غنيا لكان محتاجا، ولا يجوز أن يكون محتاجا، ~~والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه لو لم يكن غنيا لكان محتاجا. # والثاني: أنه لا يجوز أن يكون محتاجا [158ب]. PageV01P341 # أما الأصل الأول: وهو أنه لو لم يكن غنيا لكان محتاجا فلأنها قسمة دائرة ~~بين النفي والإثبات، وبيان ذلك أنك تقول: الحي لا يخلو إما أن يدعوه الداعي ~~إلى جلب نفع أو دفع أم لا، إن دعاه الداعي فهو المحتاج، وإن لم يدعه فهو ~~الغني الذي ليس بمحتاج. # وأما الأصل الثاني: وهو أنه لا يجوز أن يكون محتاجا فسيأتي بيانه. # وأما التحرير الثاني: فهو ما قاله الشيخ (رحمه الله) قال: إذا أردنا أن ~~نستدل على أن الله تعالى غني تكلمنا في فصلين: # أحدهما: أنه تعالى حي. # والثاني: أنه ليس بمحتاج؛ لأن الحقيقة قد تضمنتها، أما أنه تعالى حي فقد ~~تقدم بيانه. # وأما الفصل الثاني: وهو أنه ليس بمحتاج فالذي يدل على ذلك أنه لو كان ~~محتاجا لوجب أن يكون مشتهيا ونافرا، ولا يجوز أن يكون مشتهيا ولا نافرا، ~~والدلالة مبينة على أصلين: # أحدهما: انه لو كان محتاجا لوجب أن يكون مشتهيا أو نافرا. # والثاني: أنه لا يجوز أن يكون مشتهيا ولا نافرا. # أما الأصل الأول: وهو أنه لو كان محتاجا لوجب أن يكون محتاجا أو نافرا، ~~فالذي يدل على ذلك أن الحاجة لا تجوز إلا على من جازت عليه المنافع ~~والمضار، والمنافع والمضار لا تجوز إلا على من جازت ms291 عليه الشهوة والنفار، ~~وهذه الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن هذه الحاجة لا تجوز إلا على من جازت عليه المنافع والمضار. # والثاني: أن المنافع والمضار لا تجوز إلا على من جازت عليه الشهوة ~~والنفار. PageV01P342 # أما الأصل الأول: وهو أن الحاجة لا تجوز إلا على من جازت عليه المنافع ~~والمضار، فالذي يدل على ذلك أن حقيقة الحاجة هي الدواعي الداعية إلى جلب ~~نفع أو دفع ضرر، والدليل على صحة هذه الحقيقة أنها تطرد وتنعكس، فتقول على ~~دواعي داعية إلى جلب نفع أو دفع ضرر فهي حاجة، أو نقول كل حاجة فهي دواعي ~~داعية إلى جلب نفع أو دفع ضرر، ولا يجوز أن تثبت بأحد اللفظين وينتفى ~~الآخرة فلا يجوز أن يقال: أنا محتاج إلى هذا الطعام وما دعاني إليه داع ولا ~~أن يقال: دعاني إليه داع ولست بمحتاج إليه، بل يعد من قال ذلك مناقضا ~~لكلامه، وقد اقتضت هذه الحقيقة ذكر الداعي فنتكلم في حقيقة الداعي وقسمته، ~~وحقيقة المصارف وقسمته. # فحقيقة الداعي: هو ما يرجح وجود الفعل على عدمه، وليس بمؤثر فيه احتراز ~~من القدة، وهي تنقسم إلى قسمين: داعي حكمة، وداعي حاجة، فحقيقة داعي الحكمة ~~فهو علم الحي أو اعتقاده أو ظنه لحسن الفعل أو أن لغيره في الفعل جلب منفعة ~~أو دفع مضرة مع حسنه. # قلنا: علم الحي يدخل فيه القديم والواحد منا، قلنا: أو ظنه أو اعتقاده ~~الواحد منا فقط. # قلنا: لحسن الفعل صاحبه داعي الحكمة مثل عقاب أهل النار؛ لأنه حسن وفعل ~~الطاعات [158ب] من العباد. # قلنا: وإن لغيره في العقل جلب نفع أو دفع ضرر مع حسنه مثل إثابة أهل ~~الطاعة لما علم الله تعالى حسنه، ومثل الصدقة من العباد وحقيقة داعي الحاجة ~~علم الحي أو ظنه أو اعتقاده؛ بأن له في فعله جلب أو دفع مضرة وقد تكبر داعي ~~الحاجة فيكون الحال إلى العقل، وحقيقة الصارف هو ما يرجح عدم الفعل على ~~وجوده، وليس بمؤثر فيه، وهو ينقسم إلى قمسين: صارف حكمة، وصارف حاجة، فصارف ms292 ~~الحكمة هو علم الحي وظنه أو اعتقاده بقبح الفعل، وأن على غيره في الفعل جلب ~~مضرة أو فوت منفعة مع قبحه. # قلنا: علم الحي يدخل فيه القديم تعالى، قلنا: أو ظنه أو اعتقاده يخص ~~الواحد منا. PageV01P343 # قلنا: بقبح الفعل مثل إثابة أهل النار لعلمه بقبحه في الواحد منا، مثل ~~تعظيم من لا يستحق العظيم. # قلنا: أو أن على غيره في الفعل جلب مضرة أو فوت منفعة مع قبحه، مثل عقاب ~~أهل الجنة فإن الذي صرفه عن عقابهم علمه بأن عليهم فيه جلب مضرة وفوت منفعة ~~مع قبحه، وفي الواحد منا كظلم الغير، وصارف الحاجة علم الحي أو ظنه أو ~~اعتقاده بأن عليه في فعله جلب مضرة أو فوت منفعة وقد يكثر صارف الحاجة ~~فيكون إلجا إلى التراكم، وداعي الحاجة وصارف الحاجة لا يثبتان إلا في ~~الواحد منا دون القديم تعالى، فثبت الأصل الأول وهو أن الحاجة لا تجوز إلا ~~على من جازت عليه المنافع والمضار. # وأما الأصل الثاني: وهو أن المنافع والمضار لا تجوز إلا على من جازت عليه ~~الشهوة والنفار، فتبين حقيقة المنفعة والمضرة، وما يتفرع منهما، فحقيقة ~~المنفعة هي اللذة أو السرور وما أدى إليهما أو إلى أحدهما، وهو يطرد ~~وينعكس، ولا يجوز أن يثبت بأحد اللفظين وينفى بالآخر، أما أنها تطرد وتنعكس ~~فنقول كل منفعة فهي لذة وسرورة وما أدى إليهما أو إلى أحدهما، وكل لذة ~~وسرور وما أدى إليهما أو إلى أحدهما فهو منفعة، وأما أنه لا يجوز أن يثبت ~~بأحد اللفظين وينتفي بالآخر فلا يجوز أن يقال انتفعت بهذا الفعل وما تلذذت ~~به وإلا سرور، ولا أن يقال تلذذت به وسررت وما انتفعت به، بل يعد من قال ~~ذلك مناقضا لكلامه. # وأما حقيقة اللذة فهي تنقسم إلى حادث ونافي، فالنافي مثل السكر والعسل في ~~غيره عند الذوق، وحقيقته هو إدراك الشيء مع الشهوة له، وفيه خلاف بين أبي ~~علي وأبي هاشم فعند أبي علي لابد من معناه يدرك به، ومنع أبو هاشم من ذلك ~~وألزم ms293 أبا علي أنه لو كان يدرك بمعنا لجوزنا أن يدخل أحدنا السكر فمه ~~والعسل ولا يدركه مع صحة الآلة بأن لا يخلق الله ذلك المعنى. PageV01P344 # والحادث هو المعنى المدرك محل الحياة مع الشهوة له، وهو مثل الحك للحرب ~~فإنه حادث، وحقيقة الشهوة هو المعنى الذي متى اختص بالواحد منا أوجب كونه ~~مشتهيا وحقيقته السرور. # قال الشيخ (رحمه الله تعالى): هو علم الحي أو ظنه أو اعتقاده وأن له في ~~الفعل جلب منفعة أو دفع مضرة، وقد اعترض على هذه الحقيقة [159ب] باعتراضين: # أحدهما: أن هذه حقيقة داعي الحاجة، فالأولى أن يقال هو علم الحي أو ظنه ~~أو اعتقاده لحصول منفعة له أو لمن يجب في الإستقبال. # الإعتراض الثاني: أن يقال إنكم حققتم المنفعة بالسرور والسرور بالمنفعة ~~فأما أن السرور قد يجده الإنسان من نفسه فلا يحتاج إلى تحديد، وقد قال بعض ~~الأطباء أنه انبساط الدم في القلب وهذا لا يمكن العلم به. # وأما ما يؤدي إليهما فمثل الطاعات، فإنها وإن كانت شاقة متعبة في الحال ~~فإنها تسما منفعة لما كانت تؤدي إليهما، والشيء قد يسما باسم ما يؤذي الله، ~~قال الله تعالى: {قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا} فسمي العصير خمرا لما ~~كان يؤدي إليه. # ومنهم من قال: إن العنب يسما خمرا، ومنهم من قال: الخمر ما خامر العقل، ~~وأما ما يجمعهما فمثل اللقمة الشهية في الفم فإن فيها لذة وسرور؛ لأنه يعلم ~~أن يحصل له بها منفعة في المستقبل، وإما يؤدي إلى أحدهما فمثل من زيد على ~~كثرته تحصل للمدلول بمعرفته لكثر سرور، ويحصل له بعد ذلك لذة إخراجه. # وأما المضرة فحقيقتها هو الألم والغم وما يؤدي إليهما أو إلى أحدهما، وهي ~~تطرد وتنعكس فنقول كل مضرة فهو ألم وغم وما يؤدي إليهما أو إلى أحدهما، وكل ~~الألم وغم وما أدى إليهما أو إلى أحدهما فهو مضرة، ولا يجوز أن تثبت بأحد ~~اللفظين، وينتفي بالآخر، فلا يجوز أن يقال تضرر بهذا الفعل وما يألم به ولا ~~أغممت أو تألمت ms294 به واغتممت، وما تقررت بل يعد من قال ذلك مناقضا لكلامه ~~والألم ينقسم إلى حادث ونافي، فالنافي [159ب] في مثل الصبر. PageV01P345 # والثاني: وحقيقته هو إدراك الشيء مع النفرة عنه، والخلاف فيه مع الشيخين ~~مثل ما تفدم في اللذة وألزمه أبو هاشم إن أحدنا إذا أدخل يده في النار لا ~~يدرك الحرارة بأن لا يخلق الله ذلك المعنى الذي يدركه، والحادث مثل التقطيع ~~وحقيقته هو المعنى المدرك لمحل الحياة في محل الحياة مع النفرة، وحقيقة ~~النفرة هو االمعنى الذي متى إختص بالواحد منا وجب كونه نافرا، وحقيقة الغم ~~قال الشيخ: هو علم الحي أو ظنه أو إعتقادة بأن عليه بالفعل جلب مضرة أو فوت ~~منفعة، وقد يزد على هذه الحقيقة إعتراضان: # أحدهما: أن هذه حقيقة صار فالحاجة من غير اتفاق في المعنى ، فالأولى أن ~~يقال: هو علمه الحي أو ظنه أو إعتقادة بحصول مضرة عليه أو على من يجب في ~~المستقبل. # الإعتراض الثاني: أن يقال إنكم حققتم المضرة بالغم، والغم بالمضرة. # قلنا: إن الغم قد يجده الإنسان من نفسه، ولا يحتاج الى تجديد، وقد قيل ~~فيه أنه إنعصار الدم في القلب والذي يؤدي إليهما مثل المعاصي فإنها وإن ~~كانت شهية لذيذة في الحال فإنهما تسما مضرة لما كانت تؤدي إليهما، وهو ~~العقاب الدائم، قال الله تعالى: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا} [159ب] فسما الظلم نارا لما كان يؤدي إليها. # وأما ما يؤدي إليهما فنحو أن العين في فم غيره شيئا من الصبر فإنه يتألم ~~بذلك ويغتم به من بعد وقد حصل من ضرورة الحاجة المضرة والمنفعة، وحصل من ~~المنفعة اللذة والسرور، ومن اللذة الشهوة، ومن المضرة الألم والغم، ومن ~~الألم النفرة، وكل ذلك الا يجوز إلا على من كان مشتهيا أو نافارا فيلتذ ~~بإدراك ما شيتهيه ويتألم بإدراك ما ينفر عنه ويغتم به فثبت. # الأصل الأول: وهو أن لو كان محتاجا لوجب أن يكون مشتهيا أو نافرا. # وأما الأصل الثاني: وهو أنه لا ms295 يجوز أن يكون مشتهيا ولا نافرا، فالذي يدل ~~على ذلك وجوه ثلاثة: PageV01P346 # أحدها: أن الشهوة والنفرة لا تجوز إلا على من جازت عليه الزيادة والنقصان. # والثاني: أن الزيادة والنقصان لا تجوزان عليه تعالى، وهذه الدلالة مبنية ~~على أصلين: # أحدهما: أن الشهوة والنفرة لا يجوزان إلا على من تجوز عليه الزيادة ~~والنقصان. # والثاني: أن الزيادة والنقصان لا تجوزان عليه. # أما الأصل الأول: وهو أن النفرة والشهوة لا تجوزان إلا على من جازت عليه ~~الزيادة والنقضان، فالذي يدل على ذلك ما نعلمه في الواحد منا من أنه إذا ~~أدرك ما يشهيه على الحد الذي يشهيه فإن جسمة يزيد عليه، .....ويتصلح ومتى ~~أدرك ما ينفره عنه فإن جسمه ينقض ويضعف، وقد يعترض على هذا بأن يقال: أن قد ~~رأبنا أن الواحد منا يدرك ما يشتهيه ويلتذ به ولا يزيد جسمه بل ينقص، ويدرك ~~ما ينفر عنه ويزيد جسمه ولا ينقص. # والجواب عن هذا أن هذه الشهوة ليست صادقة، وإنما هي شهوة كاذبة، وإن ~~سلمنا أنها شهوة صادقة فإنه لا ينقص لأجل ما أدرك مما يشتهيه، بل قد يزيد ~~زيادة ى تظهر لنا، ثم ينقص بعد ذلك لما فيه إليه من الخلل في مجاري الطعام ~~وآلة الإنهظام لإدراك ذلك المشتهي نحو التراب.... # وأما أنه يزيد جسمه بإدراك ما ينفر عنه فإن المعلوم أنه ينقص حال شرب ~~الدواء غير أنه لما كان في يده من الفساد، ثم أدرك ما ينفر عنه من الدواء ~~فأصلح الله به ما قد كان فاسد من الآلات، ثم زاد الجسم بعد ذلك بصلاح ~~الآلات وادراك ما يشتهيه. PageV01P347 # وأما الأصل الثاني: وهو أن الزيادة والنقصان لا تجوزان عليه تعالى والذي ~~يدل على ذلك أنهما لا تجوزان إلا على الأجسام، والله تعالى ليس بجسم، وقد ~~يعترض على هذا الدليل بأن يقال: إنا وإن سلمنا أنه يكون مشتهيا أو نافرا ~~لادرك ما يشتهيه وإدراك ما ينفر عنه فإن هذه الزيادة والنقصان جرت في ~~الأجسام لعادة استمرت فيها من جهة الله تعالى، وانحراف العادة ms296 جائز، والله ~~تعالى لا تجوز عليه العادة بأن يجريها له غيره، ولأن الشهوة لا تأثير لها ~~في زايدة الأجسام ولا في نقصانها لأن الزيادة والنقصان في فعل الله تعالى، ~~كما أنكرتم أن يكون تعالى مشتهيا ونافرا من غير زيادة ولا نقصان؛ لأنهما لا ~~يجوزان عليه، وهذا الدليل للشيخ أبي هاشم، وغيره من المتقدمين. # الدليل الثاني: أن نقول إثبات كونه مشتهيا إثبات ما لا طريق إليه، وإثبات ~~ما لا طريق إليه محال؛ لأن من أصلهم أنه لا يجوز أن يثبت الله تعالى في صفة ~~الإثبات، يدل عليها الفعل بنفسه أو بواسطة أو بواسطتين أو وسائط، فالذي يدل ~~عليه بنفسه مثل أن الفعل دلي على كونه قادرا، ومثل أن الأحكام طريق إلى ~~كونه عالما والذي بواسطة مثل أن الفعل طريق إلى كونه حيا بواسطة كونه ~~قادرا، والذي بواسطتين مثل أن الفعل دليل على كونه مدرك بواسطة كونه قادرا ~~وكونه حيا ولا شيء من ذلك ولا شيء من أفعاله تعالى يدل على كونه مشتهيا بين ~~أن إثبات هذه الصفة إثبات ما لا طريق إليه فيكون محالا، وهو الدليل ذكره ~~ابن الملاحمي. # الدليل الثالث: ماذكره الشيخ (رحمه الل) تعالى، وهو دليل الشيخ أبي إسحاق ~~[160ب] قال: فالذي يدل على ذلك أنه لو كان مشتهيا أو نافرا لم يخل إما أن ~~يكون مشتهيا أو نافرا لذاته، أو غيره والغير لا يخلو إما أن يكون فاعلا أو ~~علة، والعلة لا تخلو إما أن تكون موجودة أو معدومة، والموجودة لا تخلو إما ~~أن تكون قديمة أو محدثة، والأقسام كلها باطلة، وهذه الدلالة مبنية على أصلين: PageV01P348 # أحدهما: أن كونه مشتهيا، أو نافرا لا يخلو من أحد هذه الأقسام. # والثاني: أن الأقسام كلها باطلة. # أما الأصل الأول: فالذي يدل على ذلك أنها قسمة حاضرة بيان ذلك أنك تقول ~~الصفة الثانية للموصف لا تخلوا إما أن يستغني بذاته في كونه عليها أم لا، ~~إن استغنى [160ب] فهي الواجبة، وإن لم يستغني فهي الجائزة، والواجبة لا ~~تخلو إما أن يثبت لذاته ms297 على حال أو لا على حال فهي الذاتية، وإن ثبتت له ~~على حال فهي المقتضاة، والجائزة هي التي تفتقر إلى الغير، والغير لا يخلو ~~إما أن يكون تأثيرة على سبيل الصحة والاختيار أم لا، إن كان فهي التي ~~بالفاعل وإن لم تكن فهو الموجب، والموجب لا يخلو إما أن يقف في باب لإيجابه ~~على شرط أم لا، إن وقف في باب إيجابه على شرط فهو السبب، وإن لم يقف في باب ~~إيجابه على شرط فهو العلة، ومجموعهما لا يخلو إما أن يختص بصفة الوجود أم ~~لا؛ إن لم يختص فهي المعدومة، وإن اختص بصفة الوجود فهي الموجودة وهي لا ~~تخلوا إما أن تكون بوجوده أول أم لا، إن كانت فهي المحدثة، وإن لم تكن فهي ~~القديمة وهو يقال أنها إذا كانت لمعنى قديم لحقت الواجبة؛ لأنه يستحيل ~~خلافها عند إمكانه، فذكرها هاهنا في الصفة الجائزة لا يستقيم فينظر فيه، فثبت. # الأصل الأول: وهو أن كونه مشتهيا أو نافرا لا يخلو من أحد هذه الأقسام. PageV01P349 # وأما الأصل الثاني: وهو أن الأقسام كلها باطلة فالذي يدل على ذلك أن القسم ~~كلها باطلة، فالذي يدل على ذلك أن القسم كلها أربع على ما تقدم، قسمة تذكر، ~~ويراد بها لإثبات الكل، وهي الموانع، وقسمة تذكر يذكر ويراد بها إثبات الكل ~~على سبيل البدل، وهي الكفارات الثلاث، وقسمة تذكر ويراد بها إثبات البعض ~~وإبطال البعض وهي نحو صفات القديم، يقال في أنه يستحقها لذاته، وقسمة تذكر ~~ويراد بها إبطال الكل وهي هذه فيبطلها قسما قسما، إما أن لا يجوز أن يكون ~~مشتهيا لذاته فالذي يدل على ذلك أنه لو كان مشتهيا لذاته لكان مشتهيا لجميع ~~المشتهيات، ولا يجوز أن يكون مشتهيا لجميع المشتهيات، وهذه الدلالة مبنية ~~على أصلين: # أحدهما: أنه لو كان مشتهيا لجميع المشتهيات. # والثاني: أنه لا يجوز أن يكون مشتهيا لجميع المشهيات. # أما الأصل الأول: فالذي يدل عليه أنه يصح أن يشتهيها أجمع، فإذا صح وجب، ~~وهذه الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه ms298 يصح أن يشتهيها أجمع. # والثاني: أنه إذا صح وجب. # أما الأصل الأول: وهو أنه يصح أن يشتهيها أجمع فالذي يدل على ذلك أن ~~المصحح هو كونه حيا وكونه [161أ] حيا مع المشتهيات على سواء فما من مشتهيا ~~يشتهيها يصح أن يشتهيه مشته. # الأول: يصح أن يشتهيه سائر المشتهين، ألا ترى أنه تعالى لما كان عالما ~~لذاته وجي أن يعلم جميع المعلومات، لكن لما كانت شهوة الخلق موقوفة على فعل ~~الله تعالى اختلفت شهواتهم. # وأما الأصل الثاني: وهو أنه إذا صح وجب، فالذي يدل على ذلك أنها صفة ~~واجبة، والصفة الواجبة إذا صحت وجبت، لأن المصحح والموجب واحد، بخلاف ~~الموجبة، فإن المصحح غير الموجب على ما تقدم فيثبت. # الأصل الأول: وهو أنه لو كان مشتهيا لجميع المشتهيات. # وأما الأصل الثاني: وهو أنه لا يجوز أن يكون مشتهيا لجميع المشتهيات، ~~لإلنه يلزم من ذلك محالات ستة: # أحدها: أنه كان يلزم أن يكون ملجأ إلى إيجادها دفعة واحدة. PageV01P350 # والثاني: أنه كان يلزم أن يوجدها فيما لم يزل. # الثالث: أنه كان يلزم أن يوجدها قبل الوقت الذي أوجدها فيه. # الرابع: أنه كان يلزم أن يوجد ما لا نهاية له من المشتهيات. # الخامس: أنه كان يلزم أن يوجد أكثر مما أوجد. # السادس: أنه كان يلزم إذا اشتهى الواحد منا شيئا أن يحصل له ما اشتهاه ~~فهو مشتهيا لله تعالى عن ذلك. # وقد اعترض إثبات من هذا الإلزامات: # أحدها: لو وجد فيما لم يزل، فيقال: هذا يستحيل؛ لأنه يلزم قدم المشتهيات. # الثاني: وجود ما لا نهاية له، يقال: وهذا مما لا يلزم؛ لأنه يستحيل دخول ~~ما لا نهاية له في الوجود فتبقا أربعة، وهو أنه يوجدها قبل الوقت قبل الوقت ~~الذي أوجدها. # الثاني: أن يوجد أكثر مما أوجد. # الثالث: أن يوجدها دفعة واحدة. # الرابع: إذا اشتهى أحدنا شيئا أن يحصل له، وإنما قلنا ذلك لعلمه بان له ~~في ذلك نفعا خالصا ولذة كاملة، وليس عليه في إيجادها مضرة، وهو قادر على ~~إيجادها، غير ممنوع، وفي علمنا ms299 لموجود المشتهيات من فعله تعالى شيئا يعد ~~بعد شيء، وفي الاقتصار على قدر زمنها دون ما زاد عليه دلالة على أنه ما ~~أوجدها لحاجةمنه إليها، وإنما أوجدها لمصالح العباد فبطل أن يكون مشتهيا لذاته. # وأما أنه لا يجوز أن يكون نافرا لذاته فلأنه لو كان نافرا لذاته لوجب أن ~~يكون نافرا عن جميع المنفرات، ولا يجوز أن يكون نافرا عن جميع المنفرات، ~~وهذه الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: [161ب] أنه لو كان نافرا لذاته لوجب أن يكون نافرا عن جميع ~~المنفرات. # والثاني: أنه لا يجوز أن يكون نافرا عن جميع المنفرات. # أما الأصل الأول وهو أن لو كان نافرا لذاته لوجب أن يكون نافرا عن جميع ~~المنفرات، فالذي يدل على ذلك أنه يصح أن ينفر عنها أجمع، وإذا صح وجب، وهذه ~~الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه يصح أن ينفر عنهما أجمع. # والثاني: إذا صح وجب. PageV01P351 # أما الأصل الأول: وهو أنه يصح أن يتنفر عنها أجمع، الذي يدل على ذلك أن ~~كونه حيا هو المصحح لكونه نافرا، أو كونه حيا مع المنفرات على سوى فما من ~~منفر يصح أن ينفر عنه نافر إلا ويصح أن تنفر عنه سائر المنفرات. # وأما الأصل الثاني: وهو أنه إذا صح وجب، فالذي يدل على ذلك أنها صفة ~~واجبة، والصفة الواجبة متى صحت وجبت على ما تقدم مع المنفرات على سواء ألا ~~ترى أنه لما كان عالما لذاته وجب أن يعلم جميع المعلومات فثبت. # الأصل الأول: وهو أنه لو كان نافرا لوجب أن يكون نافرا عن جميع المنفرات. # وأما الأصل الثاني: وهو أنه لا يجوز أن يكون نافرا عن جميع المنفرات ~~فلأنه كان يجب أن يكون ملجأ إلى أن يخلق شيئا منها لعلمه بأن عليه في ~~إيجادها مضرة وليس له فيه منفعة وهو غير ملجأ إلى خلق المنفرات، وهي علمنا ~~بوجود المنفرات الكثيرة في فعله تعالى دلالة على أنه غير نافر عنها فيبطل ~~أن يكون نافرا لذاته. # وإما أنه لا يجوز أن يكون نافرا أو ms300 مشتهيا بالفاعل فلأنه يقال قديم ~~والقديم لا فاعل له وتحقيق ذلك أن الفاعل لا يقدر أن يجعل الذات على صفة ~~إلا بإن يكون قادرا على ايجاد تلك الذات، والله تعالى غير مقدور على ذاته ~~على ما تقدم. # وأما أنه لا يجوز أن يكون مشتهيا لعلة مقدومة فلوجوه أربعة: # أحدها: أن العدم منطقة الإختصاص والعلة لا تجب إلا بشرط الإختصاص فإذا ~~زال الشرط زال المشروط على ما تقدم. # الوجه الثاني: أن في العدم نفرة كما أن فيه شهوة، فلو أوجب تلك الشهوة ~~المعدومة لأوجبت له تلك النفرة المعدومة، فيكون مشتهيا للشيء الواحد نافرا ~~عنه في حالة واحد وذلك محال. # الوجه الثالث: أن العدم معنا ومعه على سواء فلو وجب له العدم لأوجبت لنا؛ ~~لأنه لا اختصاص له به دوننا. PageV01P352 # الوجه الرابع: أن العدم فيما لم يزل ولا حالة له قبل [162أ] مالم يزل تصح ~~فيه هذه الصفة لم تجب فتقترن صحتها بوجوبها فتكون ذاتيه وتخرج عن كونها ~~معنوية، ويلزم تلك المحالات الستة، وإنما قلنا ذلك حق الصفة المعنوية أن ~~يتراخا وجوبها عن صحتها؛ لأن المصحح غير الموجب كما تقدم، وذلك مثل كونه ~~قادرا، فإن المصحح له كونه حيا، والمذهب هي القدرة، وقد يصح كونه قادرا ولا ~~يجب بأن لا تحصل القدرة، ومثل كونه عالما فإن المصحح له حيا، والموجب حصول ~~العلم بخلاف الواجبة، فإنه لما كان المصحح لها والمواجب واحد، فمتى صحت ~~وجبت في حالة واحدة، وأما أنه لا يجوز أن يكون مشتهيا ولا نافرا لمعنى قديم ~~من شهوة أو نفار فلوجهين: # أحدهما: أنه يلزم أن تكون تلك الشهوة والنفرة منا لا لله تعالى، ~~لمشاركتها له في العدم الذي فارق سائر المعدومات. # الوجه الثاني: أنه كان يلزم أن يوجب ذلك المعنى العدم الصفة فيما لم يزل ~~فتكون واجبة لاستحالة خلافها، فإذا وجبت استغنت بوجوبها عن المعنى فيخرج عن ~~كونها معنوية، وتكون واجبة وإذا كانت واجبة لزم منه تلك المحالات المتقدمة. PageV01P353 # وأما أنه لا يجوز أن يكون مشتهيا لشهوة محدثة؛ فلأنه كان ms301 يجب أن يكون ملجأ ~~إلى خلق الشهوات والمشتهيات دفعة واحدة، لعلمه بأن له في ذلك نفعا خالصا، ~~ولذة كاملة وليس عليه مضرة وفي علمنا لوجود الشهوات والمشتهيات شيئا بعد ~~شيء دلالة على أنه غير ملجأ إلى خلقها، والفرق بين أن يكون لذاته وبين هذه ~~أن في هذا الموضع واسطة، وهي الشهوة فتكون ملجأ إلى خلقها[بياض في الأصل]، ~~وكان يلزم تلك المحالات فبطل أن يكون مشتهيا شهوة محدثة، وأما أنه لا يجوز ~~أن يكون نافرا نفار محدث فلأنه لو جاز ذلك عليه لجازت عليه الشهوة المحدثة؛ ~~لأن من حق من صحت عليه صفة يثبت لمعنى محدث أن تصح عليه ضدها إن كان لها ~~ضد، وإنما قال الشيخ ذلك؛ لأنه لو استدل بمثل ما استدل به على أنه لا يجوز ~~أن يكون [162ب] مشتهيا شهوة محدثة، فقال: لا يجوز أن يكون نافرا بنفار ~~محدث، وأنه يجب أن يكون ملجأ إلى أن يخلق شيئا لكان لقائل أن يقول ما أنكرت ~~خلق الله تعالى لمنفرات ولا يخلق له تعالى عنها، ويخلق له نفار عن منفرات ~~لا يخلقها، فلذلك قال لو جازت عليه الشهوة المحدثة لجازت عليه النفرة ~~المحدثة لا من حق كل ضدين أن لا يفتقر أحدهما إلى أريد مما أفترق إليه ~~الآخر، ولو أفتقر إلى أزيد يخرج عن كونه ضد له، والفرق بين الشهوة والنفار ~~في حق الله تعالى أنه لو كان له شهوة لوجب أن يوجد المشتهيات، ولو كام له ~~تعالى لأوجب أن لا يوجد المنفرات؛ لكونه قادرا على ذلك، بخلاف الواحد منا ~~فإنه يكون مشتهيا وإن لم يكن ثم مشتهيات ولا ينفر إلا مع وجود المنفرات، ~~وقوله لأن من حق كل صفة تثبت بمعنى احتراز من أضداد الصفات الذاتية التي ~~قدمنا ذكرها مثل ضد كونه قادرا، وعلما، وحيا من العجز، والجهل، والموت، فلا ~~يجوز عليه أضدادها، وقوله لمعنى محدث احتراز مما تقوله الأشرعية أنه ~~يستحقها لمعان قديمة، فإنه وإن كان محالا فإنه لا يجوز من وجه عنها لما ~~كانت ثابتة فيما ms302 لم يزل يجوز PageV01P354 ضدها على قولهم غنيا. # وأما الموضع الثالث: وهو فيما يلزم المكلف معرفته في هذه المسألة فيجب ~~عليه أن يعرف أن الله تعالى كان غنيا فيما لم يزل ويكون غنيا فما لا يزال، ~~ولا يجوز خروجه عن هذه الصفة بحال من الأحوال، وأنه غني عن الأشياء، وبتمام ~~ذلك تم الكلام في المسألة الثانية. ### ||| AUTO المسألة الثالثة: أن الله تعالى لا يرى بالأبصار لافي الدنيا ~~ولا في الآخرة، والكلام منها يقع في أربعة مواضع: # الأول: في حكاية المذهب وذكر الخلاف. # والثاني: في الدليل على صحة ماذهبنا إليه، وفساد ماذهبوا إليه. # والثالث: في شبهة المخالف، وإبطالها. # والرابع: فيما يلزم المكلف معرفته في هذه المسألة. PageV01P355 # أما الموضع الأول: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف، فمذهب العدلية من ~~الزيدية، والمعتزلة، والإمامية، والخوارج، والمرجئة أن الله تعالى لا يرى ~~بالأبصار [163أ] في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يدرك بشيء من الحواس، وأنه ~~لا تصح رؤيته في نفسه ولا إدراكه، وهو مذهب النجار من المجبرة فإنه يمنع من ~~جواز الرؤية عليه تعالى، والخلاف في ذلك مع هشام بن الحكم، وسائر المجسمة، ~~ومع جمهور المجبرة وهم الأشعرية والكلابية، والضرارية، وسائر المجبرة إلا ~~النجار، فإنهم ذهبوا إلى أنه يصح أن يرى في الدنيا والآخرة، ويصح أن يراه ~~المؤمنون والكافرون، وإنما منع السمع من رؤيته في الدنيا ومنع أيضا أن يراه ~~الكافرون إلا النجار، فذهب إلى أنه لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة، وهؤلاء ~~الذين أثبتوا الرؤية هم المجسمة، والأشعرية والكرامية، والضرارية، ~~والكلابية، وأختلف هؤلاء فيما بينهم في تكييف رؤيته، فذهب المجسمة إلى أنه ~~يرى فوق العرش مثل بعض الملوك على سريره، فقال عن مقالتهم، وذهب الأشعرية ~~والكلابية إلى أنه يرى بلا كيف كما أن ذاته لا تتكيف، وقال أصحابنا: إنهم ~~قالوا إنه يرى غير مفعولة لا خلف ولا أمام ولا يمين ولا شمال، ولا فوق ولا ~~تحت ولا كل ولا بعض، ولا يصح أن يشير إليه من يراه، وليس .......... وليس ~~في ضياء وليس بيننا وبينه ms303 ظلمة ولا ضياء، ثم اختلف القائلون بالرؤية بماذا ~~يكون إدراك، فذهب الحشوية إلى أنه يدرك بجميع الحواس، وذهب الأشعرية إلى ~~أنه يصح أن يدرك بجميع الحواس لكن بإدراك يخلقه الله تعالى، وقالوا يجوز أن ~~يخلق له إدراك في كل حاسة، فيدركها بها، وذهب ضرار بن عمرو إلى أنه تعالى ~~يدرك بحاسة سادسة في الآخرة زائدة على هذه الحواس. PageV01P356 # وأما الموضع الثاني: وهو في الدليل على صحة ماذهبنا إليه وفساده ما ذهبوا ~~إليه، أما الحشوية فإنا لا نكلمهم في هذه المسألة؛ لأنهم يسلمون لنا أن ~~الله تعالى إذا لم يكن جسما لم تجب عليه الرؤية، ونحن يسلم لهم أنه لو كان ~~جسما لجازت عليه الرؤية؛ لأن خلافهم في الأصل، ومن حسن المناظر إذا كان ~~المخالف يخالف في الأصل والفرع أن ينقل معه الكلام إلى الأصل، مثل اليهود ~~فإنا لا نكالمهم في أحكام الشرائع، وإنما نكالمهم في أثبات النبوة، ولا ~~إنها الأصل، وهكذا الملحد فإنا لا نكلمهم في عدل الله تعالى، وحكمته، وإنما ~~نكلمهم في إثبات الصانع، والدليل على صحة ماذهبنا إليه، وفساد ماذهب إليه ~~الآخرون العقل والسمع. # وأما العقل فأدلة نذكر منها وجهان: # أحدهما: دليل الموانع. # والثاني: دليل المقابلة. # أما دليل الموانع فالذي يدل على ذلك أنه لو صح أن يرى في حال من الأحوال ~~لرأيناه الآن، ومعلوم أنا لا نراه الآن، وهذه الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه لو صح أن يرى في حال من الأحوال لرأيناه الآن. # والثاني: أنا لا نراه الآن. # أما الأصل الأول: وهو أنه لو صح أن يرى في حال من الأحوال لرأيناه الآن ~~فالذي يدل على ذلك فيه تحريران: # أحدهما: أن نقول إن الحواس سليمة، والموانع مرتفعة، والمدرك موجود، وهذه ~~الشرائط هي التي معها ترى المرنات وقد تقدم بيانه حيث بينا أنه لا يعرف ~~بالمشاهدة. # التحرير الثاني: أن نقول الذي يدل على ذلك أن الواحد منا حاصل على الصفة ~~التي لو رأى لما رأ إلا لكونه عليها، والله تعالى حاصل على الصفة التي لو ~~رأى ms304 لما روى إلا بكونه عليها، والموانع مرتفعة، وهذه الشرائط التي معها نرى ~~المرئيات، وهذه الدلالة مبنية على أربعة أصول: # أحدها: أن الواحد منا حاصل على الصفة التي لو رأى لما رأى إلا بكونه عليها. # والثاني: أن الله تعالى حاصل على الصفة التي لو رأى لما رأى إلا بكونه عليها. # والثالث: أن الموانع مرتفعة. PageV01P357 # والرابع: أن هذه الشرائط هي التي معها ترى المرئيات. # أما الأصل الأول: وهو أن الواحد منا حاصل على الصفة التي لو رأى لما رأى ~~إلا بكونة عليها، وهذا مذهبنا، أن الواحد منا متى كان حيا لا آفة به، ~~والموانع مرتفعة، والمدرك موجود، فإنه يجب أن يدرك، والخلاف في ذلك مع ~~الأشعرية ومع ضرار بن عمرو. # وأما الأشعرية فإنهم قالوا: لابد من معنى يدرك به غير هذه بأن يخلق الله ~~تعالى لكل شيء إدراكا يدركه به، والدليل على بطلان قولهم هذا وجوه: # أحدها: أنه لو كان كما قالوا لكان يقدر أن يكون بين الدنيا وفي حضرتنا ~~............... ولا يدركها بأن لا يحصل الإدراك الذي يدرك به ولا يكون ثم ~~فرق بين الأعمى والبصير. # الوجه الثاني [164أ]: أنه كان يلزم يدرك المعدوم والجوهر والقديم في هذا ~~الوقت بأن يخلق الله تعالى الإدراك الذي يدرك به. # الوجه الثالث: أنه كان يلزم أن يرى الإنسان أن يرى البعوضة على رأس الجبل ~~في الصين في الليلة الظلماء بأن يخلق الله تعالى إدراكها، ولايدرك الجبل ~~بأن لا يحصل إدراكه، والمعلوم خلاف ذلك. # وأما ضرار فقال: إنه تعالى لا يدرك إلا بحاسة سادسة، وذلك باطل. # الوجه الأول: أن إثبات حاسة سادسة لا طريق إليه، وثبات ما لا طريق إليه ~~يفتح باب الجهالات، وتحرير المحالات وما هذا حاله لا يقبل. # الوجه الثاني: أنا نقول لا خلو إما أن تكون هذه الحاسة مماثلة لهذه ~~الحواس يعنى .............ومخالفه لها إن كانت مماثلة لها فلم يدرك بهذه ~~فكذا مما ماثلها، وإن كانت مخالفه لها فليس كثير من خلاف هذا فيما بينها ~~فمنها كبائر، ومنها صغائر، ومنها سهل، ومنها عين، ms305 ومنها حول، ومنها دعج. # الوجه الثالث: أنه يلزم أن يدرك بحاسة سابعة وثامنة، غير هذه الحواس نحو ~~حاسة الشم، واللمس، والذوق، فثبت الأصل الأول وهو أن الواحد حاصل على الصفة ~~التي لو رأى لما رأى إلا لكونه عليها. PageV01P358 # وأما الأصل الثاني: وهو أن الله تعالى حاصل على الصفة التي لو رأى لما رأى ~~إلا لكونه علهيا، فالذي يدل على ذلك وجهان: # أحدهما: أنه لا خلاف بيننا وبينهم في أنه لا يجوز أن يحصل في الآخرة على ~~صفة لم يكن عليها، وأنه ثابت على صفة لورأى لما رأى إلا لكونه عليها. # الثاني: أن الشيء عندنا إنما يرى لأجل صفته المقتضاة، مثل التحييز في ~~الجوهر، والهبة في اللون، وعند أبي عبدالله يرى لصفته الذاتية شرط الوجود، ~~وعند الأشعرية إنما يرى الشيء لوجوده، والذي يدل على صحة قولنا أنا نقول أن ~~الأشياء على ضربين منها مايرى، ومنها ما لا يرى، فالذي لا يرى مثل القدرة، ~~والعلم، والحياة، والذي يرى لا يخلو إما أن تثبت رؤيته لأمر ولا لأمر محال ~~أن يثبت لا لأمر لا بما لم يكن بأن يثبت أو لا بأن لا يثبت، وأن يثبت لأمر ~~فذلك الأمر لا يخلو إما أن يكون لمجرد الذات أو لأجل صفة الذاتية المشروطة ~~بالوجود كما يقوله أبوعبدالله أو لأجل صفة الوجود كما تقولهخ الأشعرية، أو ~~لأجل صفة المقتضى [بياض في الأصل]وبالفاعل، والأقسام كلها باطلة سوى أنه ~~يرى لأجل صفته المقتضاة محال، ومحال أن يرى لمجرد الذات؛ لأنه كان يلزم في ~~كل ذات أن يرى، ومحال أن يرى لأجل صفة ذاته؛ لأنه كان يلزم في الجوهر ~~المعدوم أن يرى لأجل صفة ذاته؛ لأن الذوات ثابتة في حالة العدم، ومحال أن ~~يرى لأجل صفته الذاتية المشروطة بالوجود كما يقوله أبو عبدالله؛ لأنه كان ~~يلزم في الأغراض أن يرا جميعها إذا وجدت، والمعلوم أن كثيرا منها لا يرى، ~~ولا يجوز أن يرى الشيء لأجل وجوده كما تقوله الأشعرية؛ لأنه كان يلزم في ~~القدرة والعلم والحياة أن يرى؛ لأنها ms306 موجودة، ولا يجوز أن يرى لأجل صفة ~~معنوية؛ لأنا ندرك شيئا من الأغراض وهي الألوان من غير صفة، ولا يجوز أن ~~يرى لمعنى لوجهين: PageV01P359 # أحدهما: أنه كان يلزم أن لايدرك ما يصح إدراكه وهي الأجسام بأن لا يحصل ~~فيما ذلك المعنى ويدرك ما لا يصح إدراكه من الأعراض ،بأن يحصل ذلك المعنى ~~فيها نحو الحياة والقدرة والعلم، وذلك محال، وأن يدرك منا في جسم غيره من ~~قدرة وعلم. # الوجه الثاني: أنا ندرك الأعراض من غير معان؛ لأنها معان، والمعنى لا ~~اختصاص له بمعنى، ولا يجوز أن ندرك بالفاعل؛ لأن الفاعل لا ........ له في ~~ذلك إذ لو كان له مخبر لصح أن يجعل ما يستحيل رويته مما يصح رؤيته، مثل ~~القدرة، والعلم، وإن يجعل ما يصح رؤيته مما يستحيل رؤيته فإذا بطلت هذه ~~الأقسام كلها لم يبق إلى ما ذهبنا إليه من أن الشيء إنما يرى لأجل صفة ~~مقتضاة فثبت الأصل الثاني. # وأما الأصل الثالث: وهو أن الموانع مرتفعة، فالذي يدل على ذلك أنها لا ~~تمنع إلا من رؤية الأجسام والألوان، والله تعالى ليس بجسم ولا عرض على ما ~~تقدم بيانه. # وأما الأصل الرابع: وهو أن هذه هي الشروط التي معها تدرك المدركات، فالذي ~~يدل على ذلك أنه قد حصل المقتضى على الحد الذي يقتضي، فيجب حصول المقتضى ~~والمقتضى كون الواحد منا على الحد الذي يقتضي وهو وجود المدرك وارتفاع ~~الموانع، فيجب حصول المقتضى وهو كون العدم مدركا، والمعلوم خلافه، فثبت. # الأصل الأول وهو أن الله تعالى [156أ] لو صح أن يرى في حال من الأحوال ~~لرأيناه الآن. # وأما الأصل الثاني: وهو أنه لا يرى الآن فلا خلاف بينا وبينهم إلا ما ~~يروى عن فرقة شاذة أنه يري نفسه بعض الصالحين فتعلى الله عن مقالتهم، وقد ~~نقض أهل المذهب قوى هذا الدليل على دليل المقابلة؛ لأن دليل المقابل لا ~~يمنع إلا من أنا لا نراه، وهذا يدل على أنا لا نراه ولا يري نفسه، وأنه ليس ~~يرى، ومنهم من قوى دليل ms307 المقابلة، وقد روي ذلك عن (م) بالله وغيره. PageV01P360 # الدليل الثاني: وهو دليل المقابلة، وتحدير هذا الدليل أن الواحد منا لايرى ~~إلا بالحاسة، والرائي بالحاسة لا يرى إلا ماكان مقابلا أو في حكم المقابل، ~~أو حالا في المقابل، والله تعالى ليس بالمقابل، ولا في حكم المقابل، ~~ولاحالا في المقابل، وهذه الدلالة مبنية على ثلاثة أصول: # أحدها: أن الواحد منا لا يرى إلا بالحاسة. # والثاني: أن الرائي بالحاسة لا يرى ما كان مقابلا، أو في حالا في ~~المقابل، أو في حكم المقابل. # والثالث: أن الله تعالى ليس بالمقابل ،ولا حالا في المقابل، ولا في حكم ~~المقابل. # أما الأصل الأول: فالذي يدل على ذلك أن الواحد منها متى حصلت له الحاسة ~~السليمة صح أن يرى المرئيات، ومتى عدمت أو سقمت استحال أن يرى المرئيات، ~~فدل ذلك على أنخ يثبت بثبات هذه الحواس ويزول بزواله، وليس هناك ما يتعلق ~~الحكم به أولى. # وأما الأصل الثاني: وهو أن الرائي بالحاسة لا يرى إلا ماكان مقابلا، أو ~~حالا في المقابل، أو في حكم المقابل، فالمقابل الجسم والحال اللون، والذي ~~في حكمه المقابل الوجه في المراد فإنها متى كانت مقابلة صح أن يرى بها، ~~واختلفو في كيفية الإدراك بها فعند أبي هاشم أن الشعاع ينفصل من العين إلى ~~المرآة، ثم ينعكس منها إلى الوجه فيراه، ولهذا فإنها إذا كانت كبيرة وجمع ~~بين مرآتين رأى قفاه، وهكذا الماء والأشياء الصقيلة، وعند أبي الحسين ~~والفلاسفة أنه ينطبع الوجه فيها وهذا باطل من وجوه: # الأول: أن الإنطباع غير معقول. # والثاني: أنه لا يخلو إما أن يكون الطبع فوق صفحة المرآة أو تحتها، محال ~~أن يكون فوق المرآة؛ لأنه كان يلزم أن لا يدركها ويحجبها، ومحالات أن يكون ~~تحتها؛ لأنه كان [165ب] يلزم أن يحجبه فلا يدرك. PageV01P361 # الوجه الثالث: أنه كان يلزم أنه إذا نظر زيد نفسه في المرآة وغاب أن يبقا ~~وجهه فيها، المعلوم خلاف ذلك، وقد اختلفو في هذا الأصل، وهو قوله إن الرائي ~~بالحاسية لايرا إلا ما كان ms308 مقابلا أو حالا في المقابل أنه في حكم المقابل ~~هل تعلم ضرور أو استدلال فمنهم من قال: أن يعلم ضرورة وهو أبو الحسين، قال: ~~فإن الإنسان يجد من نفسه أنه لا يمكن أن يرا إلا ماكان مقابلا أو حالا في ~~المقابل، أو في حكمه المقابل ومن جوز شيئا غير هذا فقد كان حكم عقله، ولو ~~جوز غير هذا للزم جواز أن يرى الصوت أو الحلاوة، أو غير ذلك، وذهب سائر ~~المشائخ إلا أنه لا يعلمه إلا بالاستدلال، فالذي يدل على ذلك أن المقابلة ~~متى حصلت بين الرائي والمرئي أو ما في حكمهما صح أن يرى المرئيات، ومتى ~~عدمت المقابلة وما في حكمها استحال أن يرى المرئيات. # وأما الأصل الثالث: وهو أن الله تعالى ليس بمقابل، ولا حالا في المقابل، ~~ولا في حكم المقابل، فالذي يدل على ذلك أن المقابل والحلول أو ما في حكمهما ~~لا يجوز إلا على المحدثات، والله تعالى ليس بمحدث على ماتقدم بيانه من أنه ~~قديم، فثبت بدليل العقل أن الله تعالى لا يرى بالأبصار في الدنيا، ولا في ~~الآخرة. # وأما الدليل السمعي فالكلام منه يقع في موضعين: # أحدهما: في بيان ما يصح الاستدلال عليه بالسمع من المسائل وما لا يصح. # والثاني: في بيان صحة الاستدلال بالسمع على هذه المسألة، ووجه الاستدلال عليها. PageV01P362 # أما الموضع الأول: وهو في بيان ما يصح الاستدلال بالسمع عليه من المسائل، ~~وما لا يصح فاعلم أن مسائل التوحيد على ضربين منها ما لا يصح الاستدلال ~~بالسمع عليه بكل حال، ولا خلاف فيه بين العدلية، ومنها ما يصح الاستدلال ~~عليه بالسمع ولا خلاف فيه بين العدلية، وعقده أن كل مسألة يقف العلم بصحة ~~السمع على العلم بها فإنه لا يصح الاستدلال بالسمع عليها؛ لأنه قد يكون قد ~~وقف الأصل على الفرع فكان يؤدي إلى التوقف، وكل مسألة لا يقف العلم بصحة ~~السمع على العلم بها فإنه يصح [166أ] الاستدلال بالسمع عليها، وجملة ~~المسائل على ثلاثة أضرب: منها ما لا يصح الاستدلال بالسمع عليه ms309 بكل حال وهي ~~مسألة إثبات الصانع، ومسألة قادر وعالم وغني، ومسألة عدل حكيم؛ لأن العلم ~~بصحة السمع يقف على العدل والحكمة، ونعلم أنه عدل حكيم حتى نعلم أنه عالم ~~بقبح القبائح وغني عن فعلها، وعالم باستغنائه، والذي يصح الاستدلال عليه ~~بالسمع خمس مسائل وهي: مسألة نفي الثاني، ومسألة نفي الرؤية، ومسألة مدرك، ~~ومسألة مريد، ومسألة كاره؛ لأنه لا يصح وإن علمنا أن معه ثاني وكذا، وإن ~~كان يرى وإن كان لا يدرك على ما يقوله البغداديون، غير أنه عالم بالمسموعات ~~والمبصرات عندهم. # وأما المختلف فيها فهي مسألة حي وموجود، ومسألة نفي التجسيم، فإن منهم من ~~قال إنه يصح الاستدلال بالسمع عليها وهو أبو رشيد، وعند المنصور بالله، ~~وقاضي القضاة، وأبي الحسين أنه لا يصح، وعند الشيخ الحسن الرصاص أنه يصح ~~على موجود ونفي التجسيم دون كونه حيا وإلا صح أنه لا يصح؛ لأنا لو جوزنا ~~عليه أنه جسم لجوزنا عليه الحاجة لم يكن عالما بقبح القبائح ولا غني عنها. PageV01P363 # وأما الموضع الثاني: وهو في بيان صحة الاستدلال بالسمع على هذه المسألة، ~~فاعلم أنهم قد استدلوا بآيات كثيرة، وأظهر ما فيها هذه الآية، وهي قوله ~~تعالى: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير} ولك في ~~الاستدلال بها طريقتان: # الأولى: أن الله تعالى نفى أن تدركه الأبصار نفيا عاما عند جميع الأشخاص ~~في جميع الأوقات، وإدراك الأبصار هو رؤيتها، وإثبات ما نفاه الله تعالى لا ~~يجوز، وهذه الدلالة مبنية على ثلاثة أصول: # أحدها: أنه تعالى نفا إدراك الأبصار عنه نفيا عاما عند جميع الأشخاص في ~~جميع الأوقات. # الثاني: أن إدراك الأبصار هو رؤيتها. # والثالث: إن إثبات مانفاه الله تعالى لا يجوز. # أما الأصل الأول: وهو أنه تعالى نفا إدراك الأبصار نفيا عاما فالذي يدل ~~على ذلك ظاهر الآية: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} فإن لا موضوعة في ~~اللغة للنفي كما يقال لارجل في الدار ولا عالم [166ب] في البلد إلا زيدا، ~~قلنا: نفيا عاما عند جميع الأشخاص؛ لأنه أدخل ms310 حرف النفي وهو لا على إسم ~~الجنس المعرف بالألف واللام وهو الإبصار، وحرف النفي إذا دخل على إسم الجنس ~~المعرف بالألف واللام اقتضاء الإستغراق بدليل صحة الإستثناء، فنقول إلا ~~المؤمنين أو الأنبياء، وصحة الإستثناء يدل على الإستغراق على ما يأتي بيانه ~~إن شاء الله تعالى. # وأما أنه في جميع الأوقات فالذي يدل على ذلك وجهان: # أحدهما: أن لا لتأييد النفي، مثل قوله لا أدخل هذه الدار فإنه متى صدق في ~~كلامه لم يقع منه دخول الدار. # الوجه الثاني: أنه لا يخلو إما أن ينفى في جميع الأوقات أو لا في جميع ~~الأوقات أو ينفي في وقت دون وقت محال أن لا ينفي في جميع الأوقات؛ لأنه ~~عدول عند ظاهر الآية، ومحال أن ينفي في وقت دون وقت؛ لأنه لا مخصص فلم يبقى ~~إلا أنه في جميع الأوقات. PageV01P364 # وأما الأصل الثاني: وهو أن إدراك الأبصار هو رؤيتها فسيأتي بيانه في ~~التحرير الثاني. # وأما الأصل وهو أن إثبات مانفاه الله تعالى لا يجوز فلأنه يكون تكذيبا ~~للصادق وردا لكلامه، وذلك لا يجوز، وقد أوردوا هاهنا إعتراضا بأن قالوا إن ~~القرآن عام وخاص، ومن أصلكم بناء العام على الخاص وهو قوله تعالى: {وجوه ~~يومئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة} يخص بعض الأوقات وهو يوم القيامة بقوله ~~يومئذ، ويخص بعض الأشخاص بقوله {وجوه يومئذ ناضرة} أي مشرقة حسنة، وهي وجوه ~~المؤمنين إلى ربها ناظرة، أي رائية، وهذه من جملته، والجواب عن هذا من وجهين: # أحدهما: أنا نقول إنما يخص إذا كان يقبل التخصص لكان بينهما تناف، وهذان ~~ليس بينهما تناف فتأويل الآية الآخرى غير هذا فإن النظر لا يفيد الرؤية. # الوجه الثاني: أن الأدلة العقلية قد دلت على أنه لا يرى لا في الدنيا ولا ~~في الآخرة، وهي لا يجوز تخصيصها؛ لأنها قد يكون قد جاز فيها، وهذه الآية قد ~~طابقت أدلة العقل فتخصيصها يكون تخصيصا بدلالة العقل [167أ] والتخصيص لا ~~يكون إلا في الأفعال. # الطريقة الثانية: ما ذكره الشيخ (رحمه الله) قال: ووجه الاستدلال ms311 بهذه ~~الآية أن الله تعالى يمدح نفي إدراك الأبصار وهى رؤيتها عن نفسه بمدح راجع ~~إلى ذاته، فلا يجوز إثبات ما مدح الله تعالى نفسه على هذا الوجه، وهذا ~~الوجه مبني على خمسة أصول: # أحدها: أن إدراك الأبصار هو رؤيتها. # والثاني: أن الله تعالى يمدح نفي إدراك الأبصار وهو رؤيتها عن نفسه. # والثالث: أن مدحه ذلك راجعا إلى ذاته. # والرابع: أن إثبات ما هذا حاله يؤدي إلى انقلاب ذاته. # والخامس: أن الانقلاب عليه تعالى لا يجوز، فغن شئت قلت يدل الرابع أن ~~إثبات ما هذا حاله يؤدي إلى النقص والنقص على الله تعالى لا يجوز. # أما الأصل الأول: وهي إدراك الأبصار هو رؤيتها فالكلام منه يقع في ~~موضعين: # أحدهما: في بيان معان الإدراك وذكر الخلاف. PageV01P365 # والثاني: في الدليل على إدراك الأبصار هو رؤيتها. # أما الموضع الأول: فهو في بيان معاني الإدراك فهو ينقسم إلى أربعة أقسام ~~إدراك بمعنى اللحوق يقال: أدرك فلان زمان النبي (صلى الله عليه وآله) أي ~~لحقه، وعليه حمل قوله تعالى: {قال أصحاب موسى إنا لمدركون} أي لملحوقون. # وثانيها: بمعنى النضج والإيناع، يقال: أدركت الفاكهة إذا نضجت وأينعت. # وثالثها: بمعنى البلوغ، يقال أدرك الصبية والصبي إذا بلغا، ومنه سمي ~~البالغ المدرك. # ورابعها: بمعنى إحساس الحواس، يقال: أدركت ببصري أي رأيته وأدركت بسمعي ~~صوتا أي سمعته، وفي هذا اختلاف بين العلماء، فمنهم من قال: أن لفظة مشتركة ~~لا يسبق إلى فهم السامع بعض منها دون بعض إلا بقرينة، ولهذا فإن القائل متى ~~قال: أدرك فلان فإن الفهم ينفي متردد.[167ب]. # أما المرد به إدراك البصر أو الخوف أو البلوغ، ومنهم من قال: هو حقيقة في ~~اللحوق يقال: أدركت الفاكهة أي لحقت في النضج والايناع، ويقال: أدركت الصبي ~~أي لحق بحاله الرجال، ويقال: أدرك ببصره أي لحقه من جهة إلى جهة. # وأما الموضع الثاني: وهو في الدليل على أن إدراك الأبصار هو رؤيتها، ~~والذي يدل على ذلك وجهان: # أحدهما: أنه لا يجوز أن يثبت بأحد اللفظين وينتفي بالآخر، فلا يجوز ms312 أن ~~نقول أدركت ببصري شخصا وما رأيته بعيني، أو رأيته بعيني وما أدركته ببصري، ~~بل يعد من قال ذلك مناقضا لكلامه، وقد يعترض هذا بأن يقال: قد رأينا شيئين ~~ليس أحدهما هو الآخر، ولا يجوز أن يثبت بأحد اللفظين وينفي الآخر، وهو ~~الكون والمتحيز، فإنه لا يجوز أن يقال هذا متحيز وليس بكائن، ولا هذا كائن ~~وليس بمتحيز، والجواب عن هذا من وجهين: # أحدهما: أنا نقول: إن الكون والمتحيز كل واحد منهما للآخر، ولا يصح إلا ~~به فلا يلزمنا ذلك. PageV01P366 # الوجه الثاني: من الجواب أنا وإن سلمنا أن الإدراك هو غير الرؤية، فإنه لا ~~يجوز أن ملك أحدهما من الآخر فيحصل منه غرضنا سواء كان أحدهما هو الآخر أو ~~لم يكن، وقد نفى الله تعالى أحدهما عن نفسه والآخر لا ينفك عنه فيجب أن ~~ينفى عن الله تعالى. # الوجه الثاني: أنه متى بدأ الإدراك بالبصر لم يسبق إلى الفهم شيء من هذه ~~المعاني إلا الرؤية في اللغة، والقرآن نزل على لغة العرب فدل على أن إدراك ~~الأبصار هو رؤيتها حقيقة تثبت الأصل الأول. # وأما الأصل الثاني: وهو أنه تعالى يمدح نفي إدراك الأبصار عن نفسه فالذي ~~يدل على ذلك وجوه: # الأول: أن الأمة أجمعت على ذلك وإجماعهم حجة، وهذه الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن الأمة أجمعت على ذلك. # والثاني: أن إجماعهم حجة. # أما الأصل الأول: وهو أن الأمة أجمعت على ذلك فالذي يدل على ذلك أنه ~~لاخلاف أن هذا مما يمدح الله تعالى به، وإنما الخلاف في كيفية التمدح، فذهب ~~أهل العدل إلى أن الله تعالى يمدح بنفي إدراك الأبصار عنه في الدنيا ~~والآخرة، وذهبت الأشعرية والضرارية من المجبرة إلى أن الله تعالى يمدح نفي ~~الإدراك في الدنيا دون الآخرة، وعن الكافرين دون المؤمنين، وذهبت الحشوية ~~إلى أن الله تعالى يمدح نفي الإحاطة عن نفسه لإعتقادهم أنه جسم فثبت الأصل ~~الأول وهو أن الأمة أجمعت على ذلك. # وأما الأصل الثاني: وهو أن إجماعهم حجة، فسيأتي بيان ذلك إن شاء ms313 الله ~~تعالى في باب الوعد والوعيد [168أ] مفصلا، ويدل على ذلك الكتاب والسنة. # أما الكتاب فقوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ~~ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} فوعد الله ~~تعالى من خالف سبيل المؤمنين بالنار كما وعد من شاق الرسول. PageV01P367 # وأما السنة فما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: ((سألت الله ~~تعالى أن لا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها)). # وعنه (صلى الله عليه): ((لاتزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين)). # الوجه الثاني: أن قوله تعالى: {لا تدركه الأبصار} متوسط بين أوصاف المدح، ~~ولا يجوز أن يتوسط بين أوصاف المدح ما ليس بمدح، وهذه الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن قوله تعالى: {لا تدركه الأبصار} متوسط بين أوصاف المدح ما ليس بمدح. # الثاني: أنه لا يجوز أن يتوسط بين أوساط المدح ما ليس بمدح. # أما الأصل الأول: وهو الذي يدل عليه أن نظام الآية شهد بذلك فيما قبل ~~وفيما بعد، قال الله تعالى: {بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن ~~له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم، ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق ~~كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل} فهذا مدح، وقوله تعالى: {لا تدركه ~~الأبصار} متوسط بين هذا وبين قوله تعالى: {وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف ~~الخبير} وهذا مدح أيضا، فثبت أنه متوسط بين أوصاف المدح. # وأما الأصل الثاني: وهو أنه لا يجوز أن يتوسط بين أوصاف المدح ما ليس ~~بمدح فالذي يدل على ذلك ما نعلمه في الشاهد من أنه لا يحسن من الواحد منا ~~أن يقول فلأن .... أسود صالح زكي، بل يكون قوله أسود مستهجنا عند العقلاء ~~معيبا عن الفصحاء، لما لم يكن مدحا، فإذا لم يكن الحسن ذلك في كلام الواحد ~~منا لم نحسن في كلام الباري أحق وأولى، ولأن من حسن النظم والفصاحة أن لا ~~يتوسط في الكلام ما ليس منه. PageV01P368 # الوجه الثالث: أن قوله ms314 تعالى: {لا تدركه الأبصار} بينة على تمدحه بنفي ~~الصاحبة ونفي الولد، كأنه يقول كيف من لم تدركه الأبصار يكون له صاحبة أو ~~ولد، وكل ما كان تشبيها على مدح فهو مدح. # الوجه الرابع: أنا لا نعني بالمدح إلا إثبات صفة للمدوح يتميز بها عن ~~سائر الأشياء؛ لأن الأشياء على أربعة أضرب منها ما يرى ويرى وهو الواحد ~~منا، ومنها ما لم يرى ولا يرى وهو المعدومات، وأكثر الأعراض نحو القدرة، ~~ومنها: ما يرى ولا يرى وهي الجمادات. # ومنها ما يرى ولا يرى وهو الله تعالى [168ب] ويجري ذلك المدح مجرى قوله ~~تعالى: {لا تأخذه سنة ولا نوم} فكما لا يكون هذا مدحا إلا بانضمامه إلى ~~كونه حيا؛ لأن الجمادات لا تأخذها السنة والنوم، فكذا قوله تعالى: {لا ~~تدركه الأبصار} لا يكون مدحا إلا بانضمامه إلى قوله تعالى {وهو يدرك ~~الأبصار وهو اللطيف الخبير} فصح أنه مدح مجموعها فثبت الأصل الثاني وهو أن ~~الله تعالى يمدح نفي إدراك الأبصار عن نفسه. # وأما الأصل الثالث: وهو أن تمدحه بذلك راجع إلى ذاته، فالذي يدل على ذلك ~~وجوه ثلاثة: # أحدها: أنه بين به أن ذاته لا ترى؛ لأن كون الشيء مرئيا أو غير مرئي هو ~~مما يتبع صفة ذاته، ألا ترى أنا ندرك الجسم على أخص أوصافه، وهو كونه ~~متحيزا ويستحيل علينا إدراك كثيرا من الأعراض لما يرجع إلى ذاتها، ولأنا قد ~~بينا أن المرئيات إنما ترى لصفتها المقتضاة، وأبطلنا قول من يقول أن ~~المرئيات ترى لأجل الصفة الذاتية المشروطة بالوجود، وقول من قال إنها ترى ~~لوجودها فلم يبق إلا قولنا وهو أن الشيء إنما يرى لصفته المقتضاة، والتحيز ~~مقتضا عن الجوهرية. PageV01P369 # الوجه الثاني: أنا نقول هذا النفي الذي تمدح الله تعالى به لا يخلو إما أن ~~يريد به أن يحيل رؤيته لما هو عليه في ذاته، أو ينفي الإدراك كما ذكرته ~~الأشعرية، أو الحاسة السادسة كما ذكره ضرار بن عمر، أو ينفي الإحاطة كما ~~تقول المجسمة، باطل أن يكون نفى فعل الإدراك ms315 أو فعل الحاسة لوجهين: # أحدهما: ما تقدم من إبطال قولهم. # الوجه الثاني: أنا نقول إن الله تعالى أنزل القرآن على لغة العرب وهم ~~لايعرفون بهذا المعنى، والذي هو الإدراك ولا الحاسة التي هي غير هذه ~~الحواس، والله تعالى إنما خاطبهم بما عقلوه دون مالم يعقلوه. # وأما أنه لا يجوز أن يكون منفي، فالوجه الأول منها أن يقال: إن الإحاطة ~~تستعمل حيث لا يستعمل فيه الإدراك، فيقال: أحاط السور المدينة ولم يدركها، ~~وكذلك يقال: أحاط الكافور يعني الميت، وكذلك الإدراك يستعمل حيث لا تستعمل ~~الإحاطة، فيقال: أدركت السماء، ولايقال: أحطت بها. # الوجه الثاني: أن هذا المدح لا يكون مدحا بمجرده؛ لأن الأجسام الكبار ~~كالجبال العظيمة مشاركة في أنها تدرك ولا يحاط بها. # الوجه الثالث: أنا نقول إن هذا بناء منكم [169أ] على أصل فاسد وهو أن ~~الله تعالى جسم وقد بينا بطلان ذلك. # الوجه الرابع: وهو أن نقول لو سلمنا لكم أنه نفا أن الأبصار لا تحيط به، ~~فكما أنها لا تحيط به لا تدركه فيحصل منه غرضنا. PageV01P370 # الوجه الثالث من الأصل: أنا نقول أن المدح ينقسم إلى قسمين منه مايرجع إلى ~~الذات ومنه ما يرجع إلى الفعل، فالذي يرجع إلى الذات ينقسم إلى قسمين: نفي ~~وإثبات، فالإثبات على ضربين: واجب، وجائز، فالواجب مثل قادر عالم حي، ~~والجائز أنه يريد الطاعات ويكره المعاصي، والنفي ينقسم إلى قسمين: واجب، ~~وجائز، فالواجب مثل أنه لا تجوز عليه الحاجة، وأنه لا يجوز عليه الجهل، ~~وأنه ليس مشبه للأجسام، وأنه لا ثاني معه، وأنه لا يرى بالأبصار في الدنيا ~~ولا في الآخرة، والجائز أنه لا يكره الطاعات ولايريد المعاصي، والذي يرجع ~~إلى العقل ينقسم إلى قسمين: نفي وإثبات، فالإثبات على ضربين: واجب، وجائز، ~~فالواجب كالتمكين للمكلفين، والبيان للمخاطبين، واللطف للمتعبدين، والجائز ~~مثل أنه خالق ومفصل، ومجمل ومحسن، والنفي على ضربين: واجب، وجائز، فالواجب ~~أنه لا يفعل الظلم ولا الجور، والجائز مثل أنه لا يعاقب العصاة، فغرضنا نفي ~~الرؤية على أحد هذه الأقسام، فما قيل منها ms316 إلا النفي الوجب الراجع إلى ~~الذات، وعرض الشيخ (رحمه الله) حيث قال في أول التحرير على هذا الوجه احترز ~~من التمدح، والذي يرجع إلى الفعل مثل قولنا إنه لا يعاقب العصاة، فإنه لو ~~تركه لم يلحقه نقص. # وأما الأصل الرابع: وهو أن إثبات ماهذا حاله يؤدي إلى انقلاب ذاته، فالذي ~~يدل على ذلك إنما هو عليه في ذاته، وإلى أن تصير ذاته ذاتا أخرى تصح عليها ~~الرؤية بعد أن كانت مستحيلة، وهذا هو الإنقلاب. # وأما الأصل الخامس: وهو أن الإنقلاب على الله تعالى لا يجوز، فالذي يدل ~~على ذلك وجهان: # أحدهما: أنا قد بينا أن التمدح راجع إلى ذاته فكانت صفة ذاتية، وقد بينا ~~أن خروج الموصوف عن صفة ذاته لا يجوز. PageV01P371 # الوجه الثاني: أنه لاخلاف بين السلف الصالح أنه لا يجوز أن يحصل في دار ~~الآخرة على صفة لم يكن عليها في الدنيا، وهم أيضا مجمعون [169ب] على ذلك ~~وإن شئت قلت إن إثبات ما هذا حاله نقص والنقص لا يجوز عليه، أما أنه نقص ~~فيدل عليه وجهان: # أحدهما: أنه يؤدي إلى الإنقلاب. # والثاني: أن كل تمدح ففيه نقص إلا التفصيل، ثم أنا نقول لا يخلو هذا الذي ~~تمدح الله به إما أن يكون إثباته ونفيه مدحا فهذا لا يصح، وإما أن يكون ~~نفيه مدحا وإثباته نقصا فهذا الذي نريد، أو يكون إثباته مدحا ونفيه نقصا ~~فهذا لا يصح، ولا يجوز في مسألتنا هذه، وإما أن النقص لا يجوز عليه فلا ~~خلاف فيه، ويجري هذا التمدح المذكور في هذه الآية مجرى التمدح في قوله ~~تعالى: {لا تأخذه سنة ولا نوم} والذي يدل عليه وجهان: # أحدهما: أن السنة والنوم لا يجوزان عليه في الدنيا ولا في الآخرة، وكذلك ~~الإدراك لا يجوز عليه في الدنيا ولا في الآخرة. # الوجه الثاني: أن نفي السنة والنوم لا يكون مدحا بمجرده، وإنما يكون مدحا ~~بانضمامه إلى كونه حيا، كما أن التمدح ينفي الإدراك لا يكون مدحا بإنفراده، ~~وإنما يكون بانضمامه إلى أنه يدرك ولا ms317 يدرك وهو اللطيف الخبير؛ لأن الأشياء ~~على ثلاثة أضرب: # أحدها: لا تأخذه سنة ولا نوم وليس بحي وذلك كالجمادات. # والثاني: تأخذه السنة والنوم وهو حي وذلك كالحيوانات. # والثالث: لا تأخذه سنة ولا نوم وهو حي وهو الله تعالى، فهذا هو الاستدلال ~~بالآية الأولى. # والدليل الثاني: وهو قوله تعالى حاكيا عن موسى: {قال رب أرني أنظر إليك ~~قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني} والدليل في ~~هذه الآية من وجهين: # أحدهما: أن لن في لغة العرب لتأبيد النفي فإن الواحد إذا قال: لن أدخل ~~هذه الدار فإنه متى صدق في كلامه لم يقع منه دخولها. PageV01P372 # الثاني: أنا نقول لا يخلو إما أن يكون نفي في جميع الأوقات أولى في جميعها، ~~أو في وقت دون وقت باطل أن يكون لا في جميع الأوقات؛ لأنه يعود على معنى ~~الآية بالنقص والإبطال، وباطل أن يكون في وقت دون وقت؛ لأنه لا مخصص فلم ~~يبق إلا أن يكونا معا في جميع الأوقات، وقد اعترض هذا فإن قالوا إن لن ليست ~~للتأبيد؛ لأنه قال تعالى في قصة اليهود: {فتمنوا الموت إن كنتم صادقين، ولا ~~يتمنونه أبدا} [170أ] ثم قال في آية أخرى: {ونادوا يامالك ليقض علينا ربك} ~~فتمنوه هاهنا، وكذلك هذه الآية فيكون تقدير الآية لن تراني إلا في الآخرة. # والجواب عن هذا الإعتراض من وجوه: # الأول: أنا نقول إن لن إذا وردت مطلقة فهي للتأييد حقيقة، فإذا وردت غير ~~مطلقة بحيث تكون قرينة حملت على المجاز. # الوجه الثاني: أن قوله تعالى: {ولن يتمنوه أبدا} هذه نزلت في اليهود. # وقوله: {ونادوا يامالك} لم يصرح أنها فيهم فلا يكون هم المرادون بها. # الوجه الثالث: أنا نقول إن لن إذا لبس الأمر فيها واختلف فإنه قد ذكر ~~بهذه الآية التأييد فصرح به وما أجبتم فهو جوابه. # الوجه الرابع: أن قوله لهم: {ولن يتمنوه} هذا في الدنيا؛ لأنهم يخرجون من ~~نعيمها إلى عذاب جهنم، وقوله: {ليقض علينا ربك}؛ لأنهم في العذاب، فيريدون ~~الخروج منه ms318 إلى غيره، وهذا الوجه هو التحقيق، ويكون تقدير الآية لم يتمنوا ~~الموت على هذا الوجه فبطل إعتراضهم، فثبت الموضع الثاني. # وأما الموضع الثالث: وهو في شبههم فلهم شبه من جهة العقل، وشبه من جهة ~~السمع، والمحصلون منهم يقولون أنه لا شبهه له من جهة العقل ولولا السمع ما ~~أثبتوا الرؤية، فنذكر لهم شبه من جهة العقل، وهى أنهم قالوا: إنا نرى ~~المرئي لوجوده، وقد ثبت أن الله موجود فيجب أن يرى، وهذه الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن المرئي إنما يرى لوجوده. PageV01P373 # والثاني: أن الله تعالى موجود فيجب أن يرى. # أما الأصل الأول: وهو أن المرئي إنما يرى لأجل وجوده، فالذي يدل على ذلك ~~ما نعلمه من حال اللون والجسم فإنه لا تصح عليهما الرؤية لأجل ما هما عليه ~~في ذواتهما؛ لأن ماهما عليه من ذواتهما مختلف فليس إلا أيهما أتفقا في ~~الرؤية لعله جامعة وهي الوجود، والله تعالى موجود فيجب أن يرى. # والجواب من وجوه خمسة: # أحدها: أن هذا جمع بين أمرين من غير علة جامعة ولا طريقة ناظمة، وما هذا ~~حاله لا تقبل، ومن أين لكم أنه صح في اللون والجسم أن يرى والله موجود فيجب ~~أن يلمس. # فأما الأشعرية فقد .....لأجل وجودهما أن يجب في كل موجود أن يرى. # الوجه الثاني: أن نعارضهم فنقول [170ب] إن الشيء إنما يلمس لأجل وجوده، ~~والله موجود فيجب أن يلمس، فاما الأشعرية فقد التزموا ذلك، ونافيهم لا ~~يلتزموه. # الوجه الثالث: أن هذا عكس وعكس العلل لا يجب وإنما يجب طردها؛ لأنه يصح ~~أن يكون الحكم واحد والعلل مختلفة، والذي يدل عليه العقل والسمع. # أما الشرع فمثل أن القتل حكم واحد وعلله مختلفة فمرة بالقصاص، ومرة ~~بالزنا، ومرة بالردة، وهذه علة شرعية. # وأما من جهة العقل فمثل صحة كون الشيء معلوما، وصحة كونه موجودا، فهما ~~يرجعا إلى الصفة الذاتية ولم يلزم أن يكون لكل واحد منهما علة. # والوجه الرابع: أنه لاخلاف بين العلماء أن الطرد في العلل يجب فلا تحصل ~~العلة إلا ms319 ويحصل معلولها، فلو كانت العلة في كون الشيء مرئيا هو وجوده للزم ~~في القدرة والعلم والإرادة وغيرها من الأعراض أن يرى؛ لأن العلة هي الوجود ~~وقد حصل. # الوجه الخامس: بعض المحصلين من علمائنا وعلمائهم ذهبوا إلى أن الوجود ليس ~~صفة زائده على ذات الوجود فإن كان كذلك لم يصح ما يتعلق به من أن المرئي ~~إنما يرى لوجوده. # وأما شبههم من جهة السمع فهم يتعلقون بشبه من جهة الكتاب والسنة. # أما ما يتعلقون به من جهة الكتاب فآيات كثيرة نذكر منها آيتين: PageV01P374 # الأولى منهما: قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة} ووجه ~~الاستدلال لهم بهذه الآية، أنهم قالوا: قوله {وجوه} تعني وجوه المسلمين ~~{يومئذ} يعني يوم القيامة {ناضرة} أي مشرقة حسنة {إلى ربها ناظرة} أي رائية. # والجواب عليهم من وجوه: # الأول: أنه لا يصح لكم الاستدلال بالسمع لوجوه ثلاثة: # أحدها: أنه لا طريق لكم إلى إثبات الصانع؛ لأن الطريق إلى إثباته ليس إلا ~~أفعالنا نستدل بها فنقيس الغائب على الشاهد، وهو أن نقول: إن أفعالنا ~~محتاجة إلينا، وإنما أحتاجت إلينا لأجل حدوثها فيجب أن تكون الأجسام إذا ~~شاركتها في الحدوث أن تشاركها في الإحتياج إلى محدث، وأنتم قد نفيتم ن أن ~~تكون لنا أفعال وتصرفات فبطل استدلالكم، وهكذا في الطريقة الثانية من ~~الاستدلال وهو أنها توجد بحسب قصودنا ودواعينا، فإذا كانت توجد بحسب قصودنا ~~ودواعينا وليست منا لم يكن لنا إلى العلم [171أ] بها طريق. # الوجه الثاني: أنا لو سلمنا أن لكم طريقا إلى إثبات الصانع فلا طريق لكم ~~إلى إثبات النبوة؛ لأنكم تصفون القبائح إلى الله تعالى فما آمنكم أنه أرسل ~~رسولا كاذبا. # الوجه الثالث: أنا لو سلمنا أن لكم طريقا إلى إثبات النبوة فلا طريق لكم ~~إلى معرفة كلام الله تعالى؛ لأنكم تقولون إن كل قبيح في العالم فهو من الله ~~تعالى وهو لا يقبح منه شيء فما آمنكم أن تكون هذه من جملة القبائح. # الوجه الثاني: أن النظر لا يفيد الرؤية لوجوه أربعة: # أحدها: أنه يثبت ms320 بأحد اللفظين وينفى بالآخر، ولا يكون مناقضا فلو كان ~~النظر يفيد الرؤية لكان الكلام مناقضا؛ لأنك تقول نظرت فما رأيت، ونظرت إلى ~~الهلال فلم أره فكأنك تقول رأيت الهلال فلم أره. # الوجه الثاني: أنك تعقب بالرؤية فتقول نظرت فرأيت فلو كان يفيد الرؤية ~~لكان نكران ويكون تقرب رأيت فرأيت. PageV01P375 # الوجه الثالث: أن الرؤية تجعل غاية للنظر فتقول مازلت أنظر حتى رأيت، فلو ~~كان أحدهما الآخر لكان بمنزلة أن يجعل الشيء ثابت لنفسه، ولكان تقديره ~~مازلت أنظر حتى نظرت أفأرى حتى رأيت. # الوجه الرابع: أن النظر ينقسم، فيقال: نظر غصب، ونظر رضا، والرؤية لا ~~تنقسم، فدل على النظر غير الرؤية. # الوجه الثالث: أن ظاهر الآية يفيد تقلب الحدقة السليمة في جهة المرئي ~~طلبا لرؤيته، والله تعالى لا يكون في جهة عندنا وعند مخالفينا في هذه ~~المسألة وهم الأشعرية، فأكثر ما فيه يكون مجازا، والمجازات لا يجوز إطلاقها ~~على الله تعالى. # الوجه الرابع: أن إلى واحد الآلاء وهي النعم فيكون تقدير الآية: {وجوه ~~يومئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة} أي نعمة ربها ناظرة وذلك موجود في اللغة، قال ~~الشاعر: # فهم لكم فيما إلي................ ... بما أعيا النطاسي جذيما # الوجه الخامس: التأويل فيجب تأويلها على ما يوافق دلالة العقل، ومحكم ~~القرآن وللآية تأويلان: # أحدهما: أن نقول: {وجوه يومئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة} أي إلى ثواب ربها ~~رائية فيكون قد حذف المضاف وهو إسم الثواب، وأقام المضاف إليه مقامه وهو ~~[171ب] إسم الله تعالى، وذلك ظاهر كما قال الله تعالى: {واسأل القرية التي ~~كنا فيها} والمراد بذلك أهل القرية، وكذا في أهل العير على تقدير حذف ~~المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وقوله تعالى: {وجاء ربك والملك} معناه ~~جاء أمر ربك، وذلك موجود في اللغة أيضا قال الشاعر: # سل الربع أنا يممت أم مالك ... وهل عادة للربع أن يتكلما # والربع هو المحل، والمراد: سل أهل الربع. PageV01P376 # التأويل الثاني: ما روي عن علي (عليه السلام): أنه تأولها على أن النظر ~~بمعنى إنتظار ثواب الله تعالى لما روى عن ms321 علي (عليه السلام): أنه مر برجل ~~رافع يده إلى السماء شاخص ببصره، فقال له (عليه السلام): ياعبدالله إكفف ~~يدك واغضض بصرك فإنك لن تراه ولن تناله، فقال: يا أمير المؤمنين إن لم أراه ~~في الدنيا فسأراه في الآخرة، فقال (عليه السلام): بل لا تراه في الدنيا ولا ~~في الآخرة، أما سمعت الله تعالى يقول: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ~~وهو اللطيف الخبير} إن أهل الجنة ينظرون إلى الله تعالى كما ينظر الله أهل ~~الدنيا ينتظرون ما يأتيهم من خيره وإحسانه. # فتأول (عليه السلام) النظر بمعنى الإنتظار، والنظر بمعنى الإنتظار ظاهر ~~في لغة العرب على ما تقدم في أول الكتاب ويصح الجمع بين هذين التأويلين ~~المرويين عنه (عليه السلام) فيحمل على أن أهل الجنة ينظرون إلى ماقد حصل ~~لهم من الثواب وهم مع ذلك ينتظرون ثوابا آخر ولا يكون بينهما تناف، وقد ~~يعترض هذا بأن يقال: إن بينهما تناف فلا يصح أن يحمل ذلك على قول أبي هاشم؛ ~~لأنه يقول أن اللفظة مشتركة لا يراد بها كلا معنييها فلا تحمل على كلا ~~معنييها. # والجواب: أنا نقول: إن الشيخ أجاز قول من يقول من أهل المذهب إن اللفظة ~~المشتركة يراد بها كلا معنييها، وأنه يجب أن يحمل عليها جميع، وقد يعترضوا ~~هذا بأن يقولوا إن الإنتظار يؤدي إلى الغم والحسرة، وكما يقال الإنتظار ~~يورث الإصفرار، ويقال: الإنتظار الموت الأحمر، وذلك لا يجوز على أهل الجنة. # والجواب من وجهين: # أحدهما: أنكم تقولون إن الرؤية من أعظم الثواب وليست الرؤية مستمرة لهم ~~بل يكرهون رؤيته في بعض الحالات نحو حالات الجماع، ونحو ذلك فكما أنهم لا ~~يكون عندكم في غم وحسرة في حال انتظارهم فكذلك هذا. PageV01P377 # الوجه الثاني: أن المنتظر [172أ] إنما يكون في غم وحسرة إذا كان غير واثق ~~بحصول ما يأتيه أو يحتاجه، وأهل الجنة في نعيم والتذاذ واثقين بحصول ما ~~ياتيهم فلا يكونون في غم ولا حسرة. # الآية الثانية مما يتعلقون بها: قول الله تعالى: {رب أرني أنظر إليك قال ms322 ~~لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني} ووجه استدلالهم ~~بهذه الآية أنهم قالوا إن موسى (عليه السلام) سأل ربه الرؤية لنفسه فلولا ~~أنها جائزة وإلا لما سألها، والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه سألها لنفسه. # والثاني: أنه لولا أنها جائزة وإلا لما سالها، أما أنه سألها لنفسه فلأنه ~~قال: رب أرني وهذه بالنفس، فأضاف السؤال إلى نفسه، ولأنه تاب والتوبة لا ~~تكون إلا من فعل النفس، وأما أنه لولا أنها جائزة، وإلا لما سألها لنفسه ~~فلأنه نبيه وكليمه، والنبي لا يسأل إلا ماكان جائزا؛ لأنه معصوم، والجواب ~~عليهم من وجوه: # الأول: أنه لا يصح لكم الاستدلال بالسمع على ماتقدم في الآية الأولى. # الوجه الثاني: أنا نقول أنه سأله الرؤية لقومه، والذي يدل على ذلك وجهان: # أحدهما: قوله تعالى: {فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة} ~~وقوله تعالى: {أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} فأضاف الله تعالى السؤال إلى قومه. # وما روي عن الزمخشري (رحمه الله تعالى) أنه قال: ما حكا الله تعالى ~~الرؤية في القرآن العظيم إلا عظمها. # وأما قولهم: إنه سألها لنفسه فباطل لوجهين: # أحدهما: أنه إنما سألها لنفسه؛ لأنه شفيع، والشفيع يضيف السؤال إلى نفسه ~~ليكون أبلغ في قضاء الحاجة. # الوجه الثاني: أنه في إضافة السؤال إلى نفسه وجه حكمة، وهو أن يعلمنا أنه ~~إذا لم يره وهو كليمه تعالى وصفيه فأولا أن لا يروه. # وأما قولهم: إنه تاب فإن سأل بحضرتهم، وليس للنبي أن يسأل بحضرة القوم ~~إلا بإذن سمعى. PageV01P378 # الوجه الثالث: التأويل المروي عن أبي الهذيل أنه قال: رب أرني آية أنضر ~~إليها علمك عبدها علما ضروريا. # الوجه الرابع: أنه سأل ليحصل له دليل سمعي يطمئن قلبه معه وإن كان قد علم ~~من جهة العقل؛ لأنه لا يرى فأراد ذلك مثل إبراهيم (عليه السلام) فإنه قد ~~كان مؤمنا بالبعث والنشور فأراد أن يطمئن قلبه فقال: {رب أرني كيف تحي ~~الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} وكذا سؤال ms323 موسى (عليه ~~السلام). # الوجه الخامس: أننا لو استدللنا بها لكنا أسعد حالا منكم؛ لأن الله تعالى ~~علق الرؤية بشرط مستحيل وما علق بالمستحيل فهو مستحيل، أما أنه علق الرؤية ~~بشرط مستحيل فلأنه إما أن يكون علقها بشرط استقرار الجبل عند تحركه، أو قبل ~~تحركه، أو بعده، محال أن يكون علقها باستقراره قبل تحركه؛ لأنه كان مستقرا ~~ولم يراه، ولأن الماضي لا يكون شرطا، ومحال أن يكون علقها باستقراره بعد ~~التحريك؛ لأنه قد استقر ولم ينقل أنه رآه فلم يبقى إلا أنه علقها بشرط ~~استقراره حال التحريك، ورؤيته في تلك الحالة محال، وأما أنه إذا استحال ~~الشرط استحال المشروط فذلك معلوم ظاهر عند أهل اللغة إذا أرادوا نفي شيء ~~علقوه بشرط مستحيلن ويقول المخالف في قوله لن تراني يقول في الدنيا، ولهذا ~~تاب لما سأله في الدنيا قلنا لهم لأن موضوعه [...بياض في المخطوط...] النفي ~~فلا يصح ما ذكرتموه. # وأما شببهم من جهة السنة فما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: ~~((سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تظامون في رؤيته)) ~~فإن روي بالتشديد فمعناه لا يزدحمون في الرؤية، وإن روي بالتخفيف فمعناه لا ~~يشكون في رؤيته. # والجواب عليهم من وجوه سبعة: # الأول: أنه لا يصح لكم الاستدلال بالسمع على ماتقدم. PageV01P379 # الوجه الثاني: أن هذا الخبر من أخبار الآحاد التي لا توصل إلى العلم، وإذا ~~كانت من أخبار الآحاد التي لا توصل إلى العلم لم يقتضي إلا غالب الظن متى ~~تكاملت شروطه إذ لو كان متواترا لكان معلوما ظاهرا عند المخالف والمؤالف ~~وأن لا يختص به فريق دون فريق، ومسألتنا هذه مما يجب الوصول فيها إلى العلم ~~اليقين، ولا يوجد فيها إلا بالأدلة القاطعة؛ لأنها من مسائل أصول الدين، ~~فلا يجوز الأخذ بها بأخبار الآحاد؛ لأنها لا توصل إلا إلى الظن متى تكاملت ~~شرائطه وشروطه خبر الواحد أربعة: # أحدها: أن يكون راويا عدلا مرضيا. # الثاني: أن يكون ضابطا. # الثالث: أن لا يكون معارضا لدلالة العقل ms324 ومحكم القرآن. # الرابع: أن لا يكون خبره مثنى ولا لأمر من حق أن لو كان معلوما [173أ] ~~ظاهرا مثل الحج إلى غير البيت أو صلاة سادسة. # الوجه الثالث: أن هذا الخبر مخالف لدلالة العقل ومحكم القرآن، وكل ما ~~خالف هذين الدليلين وجب رده أو تأويله. # الوجه الرابع: أن هذا الخبر مطعون في متنه؛ لأن ظاهره يفيد التشبيه الذي ~~لا يقول به أحد من المسلمين؛ لأن ظاهره يقتضي أن الخلق يرون الله تعالى في ~~جهة العلو على شكل الإستدارة وهيئة الإضاءة والإنارة، وقد نعترض على هذا ~~الوجه بأن قيل لا يلزم التشبيه؛ لأن تقدير الخبر سترون ربكم رؤية كرؤية ~~القمر، والتشبيه في الرؤية لا في المرئي. # الوجه الخامس: أنه مطعون في سنده؛ لأن رواية قيس بن حازم عن جرير بن الله ~~البجلي عن النبي (صلى الله عليه وآله) وقيس مطعون في عقله وفي عدالته، أما ~~في عقله فإنه خولط في آخر عمره وكان يروي الأخبار وهو على تلك الصفة، وقيل: ~~إنه كان يطلب الدرهم هبة يشتري به عصى يضرب بها الكلاب. PageV01P380 # وأما في عدالته فإنه كان يرى رأي الخوارج في علي (عليه السلام) ولهذا قال ~~سمعت عليا على منبر الكوفة يقول: انفروا إلى بقية الأحزاب -يعني أهل ~~النهروان- دخل بغضه في قلبي، ومن دخل بغض أمير المؤمنين في قلبه فأقل ~~أحواله أن لا يكون عدلا إذا لم يكن منافقا، لما روي عن النبي (صلى الله ~~عليه وآله) أنه قال لعلي (عليه السلام): ((لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا ~~منافق)) ولولا أن هذا الخبر أحادي لقطعنا بكونه منافقا. # الوجه السادس: أنه لو صح هذا الخبر عن النبي (صلى الله عليه وآله) فإنه ~~يجب تأويله على ما يوافق دلالة العقل ومحكم القرآن، كما تأولنا الآيات التي ~~يفيد ظاهرها التجسيم، فيقال المراد بالرؤية المذكورة فيه العلم، والرؤية ~~بمعنى العلم ظاهرا في الكتاب واللغة. # أما في الكتاب فنحو قوله تعالى: {ألم ترى إلى ربك كيف مد الظل} معناه: ~~ألم تعلم، ونحو قوله: {أولم ير الإنسان ms325 أنا خلقناه من نطفة} ونحو قوله: ~~{ألم ترى كيف فعل ربك بأصحاب الفيل} إلى غير ذلك من الآيات. # وأما في اللغة فنحو قول الشاعر: # رأيت الله إذا سما نزارا ... وأسكنكم ببكة قاطنينا [173ب] # معناه علمت فيكون معنى الجواب صح أنكم ستعلمون ربكم يوم القيامة كما يعلم ~~القمر من شاهده، وإنما خص يوم القيامة بالذكر؛ لأن الخلائق كافة يعلمون ~~الله تعالى ذلك اليوم، وإن لم نعلمه في الدنيا إلا بعضهم. # وقوله: ((لا تظامون في رؤيته)) أي لا تشكون في العلم به ضرورة، وإن روي ~~بالتشديد فمعناه لا تزدحمون في خلقه بل كل واحد يعلمه وهو مكانه؛ لأن العلم ~~بالقلب، وقد يقال إذا حملهم الخبر على العلم فلا فائدة؛ لأن قد علموه في ~~الدنيا فكذلك يعلموه في الآخرة. PageV01P381 # قلنا: الجواب أنهم إنما علموه في الدنيا بنظر واستدلال وليس كذلك في الآخرة ~~فإنهم يعلمونه من غير نظر ولا استدلال ولا مشقة، فإنهم يعلمونه ضرورة، فإن ~~قيل: إن الخبر ورد مورد البشارة للمؤمنين دون الكافرين، فإنهم لا يرونه ~~بالإتفاق فأي بشارة لأهل الجنة وقد اشتركوا هم وأهل النار في أنهم يعلمون ~~به ذلك اليوم ضرورة. # قلنا: إنهم وإن علموه الجميع ضرورة فإنه لا يكون بشارة إلا لأهل الجنة ~~فقط، فإنهم إذا علموا الله تعالى ضرورة يكونون قاطعين أنهم مخلدون فيما هم ~~فيه من النعيم؛ لأنه لا ينقطع فيزدادوا سرورا إلى سرورهم، ونعيما إلى ~~نعيمهم، بخلاف أهل النار فإنهم عند أن يعلمون الله تعالى ضرورة فيعلمون ~~أنهم خالدون فيما هم من العقاب فيحصل لهم غم وحسرة فلا تكون بشارة لهم. # الوجه السابع: أنا نقول إذا صح لكم الاستدلال بأخبار الآحاد صح لنا ما ~~ترونه من الأخبار بل أخبارنا أولى لوجوه: # أحدها: أن رواتها عدول ظابطون. # الثاني: أنها موافقة لدلالة العقل ومحكم القرآن. # الثالث: أن رواتها قد بلغوا من الكثرة حدا لم يبلغه رواتكم، وهذا نوع ~~ترجيح، وكل هذه الوجوه مفقودة فيما تروونه من الأخبار فكانت أخبارنا أولى، ~~فمن جملة ما رويناه بالإسناد الموثوق به إلى ms326 سمرة بن جندب أنه قال: سألنا ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) هل نرى ربنا في الآخرة؟ فانتفض وسقط ولصق ~~بالأرض، وقال: ((لن يراه أحد ولاينبغي لأحد أن يراه)). # وبالإسناد الموثوق به إلى جابر بن عبدالله الأنصاري أنه قال: قال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ((إعلموا أنكم لن تروا ربكم في الدنيا ولا ~~في الآخرة)). # وروينا بالإسناد الموثوق به إلى عائشة (رضي الله عنها) أنها سئلت: هل رأى ~~محمد ربه؟ فقالت: يا هذا لقد ... شعرب مما قلت، من زعم أن محمدا رأى ربه ~~فقد أعظم الفرية [174أ] على الله عز وجل. PageV01P382 # وروي عنها أنها قالت: ثلاث من قالهن فقد أعظم الفرية على الله تعالى: من ~~زعم أن محمدا رأى ربه مع قوله تعالى: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} ~~الآية، ومن زعم أن محمدا يكتم شيئا من الوحي مع قوله تعالى: {ياأيها الرسول ~~بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته}، ومن زعم أن محمدا ~~يعلم الغيب فقد أعظم الفرية على الله عز وجل مع قوله: {لو كنت أعلم الغيب ~~لاستكثرت من الخير وما مسني السوء}. # وأما الموضع الرابع: وهو مماثلة من المكلف معرفته في هذه المسألة فيجب ~~عليه أن يعلم أن الله تعالى لم يكن مرئيا فيما لم يزل، ولا يكون مرئيا فيما ~~لا يزال، ولا تجوز عليه الرؤية بحال من الأحوال، وأنه لا يدرك بحاسة من ~~الحواس. ### ||| AUTO المسألة العاشرة من مسائل التوحيد، وهي الرابعة من مسائل ~~النفي وهي أن الله تعالى واحد لا ثاني معه يشاركه، والكلام منها يقع في ~~خمسة مواضع: # أحدها: في بيان ما يستعمل فيه الواحد وحقيقة واحد الإلهية في أصل اللغة ~~والاصطلاح. # والثاني: في حكاية المذهب وذكر الخلاف. # والثالث: في الدليل على صحة ماذهبنا إليه ابتداءا. # والرابع: في تتبع أقوال المخالفين بالإبطال. # والخامس: في شبههم. # أما الموضع الأول: وهو في بيان ما يستعمل فيه الواحد وحقيقة واحد الإلهية ~~في أصل اللغة والاصطلاح، أما ما يستعمل فيه الواحد ms327 فهو يستعمل في معان خمسة: # أحدها: واحد بمعنى واحد العدد، وواحد الذي لا يقبل التجزي والإنقسام، ~~وواحد لا ثاني معه في القدم، وواحد المختص بصفات الكمال، وواحد بمعنى ~~الإلهية. # أما واحد العدد فمثل واحد إثنين وهذا لا يجوز إطلاقه على الله تعالى، وقد ~~روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض خطبه الواحد لا ..... العدد. PageV01P383 # وأما الواحد الذي لايقبل التجزي والإنقسام فقال عباد: لا يجوز إطلاقه على ~~الله تعالى، وعند الجمهور أنه يجوز إطلاقه على الله تعالى؛ لكنه لا يكون ~~مدحا إلا بانضمامه إلى كونه حيا؛ لأن الأشياء على أربعة أضرب منه ماليس بحي ~~ولا يقبل التجزي والإنقسام مثل الجوهر الفرد والأعراض [174ب]، ومنها ما هو ~~غير حي وهو يقبل التجزي والإنقسام وهو الجمادات، ومنها ماهو حي ويقبل ~~التجزي والإنقسام وهو كالواحد منا، ومنها ماهو حي ولا يقبل التجزي ~~والإنقسام وهو الله تعالى. # وأما الواحد الذي لا ثاني له في القدم فهو الله تعالى إلا عند المجبرة ~~فإنهم ينسبون معه قدما وهو القدرة، والعلم، والحياة. # وأما الواحد المختص بصفات الكمال فهو الله تعالى، وحقيقته في أصل اللغة ~~هو المختص بصفات تقل المشاركة فيها، ويدل عليها قول الشاعر: # جاءت له مريد بالبردة ... شقوا بردي ينسج وحده # جاءته يعني النبي (صلى الله عليه وآله) شقوا: يعني البغلة حقيقة الناصية، ~~بردى سترة لهن مخصوص، ينسج وحده يعني ثم ينسج على منواله أحد، وحقيقته في ~~الاصطلاح هو المختص بصفات لا يشاركه فيها مشارك على الخبر الذي يستحقها، ~~وهي هذه الصفات التي قدمنا ذكرها في مسائل الإثبات والنفي. # وأما الواحد في الإلهية فهو الله تعالى؛ لأن الإله هو من تحق له العبادة، ~~والعبادة هي غاية التذلل والخصوص للمعبود، ولا يستحقها إلا من كان منعما ~~بأصول النعم والقادر على أصول النعم ليس إلا الله، وحقيقته في الاصطلاح، ~~قال الشيخ: هو المتفرد بصفات الإلهية على حد لا يشاركه فيها مشارك وهي كونه ~~قادر على جميع أجناس المقدورات، عالما بجميع أعيان المعلومات، حيا قديما ~~فيما لم يزل وفيما ms328 لا يزال، ولا يجوز خروجه عن هذه الصفات بحال من الأحوال، ~~ولهذه الحقيقة شبه بأصول اللغة؛ لأن الواحد عندهم هو المتفرد بصفات الكمال ~~تعالى وحيد عصرة فريد دهره. PageV01P384 # وأما الموضع الثاني: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف، فأعلم أنه أتفق جميع ~~الفرق الداخلة في الإسلام والخارجة عنه أنه لا ثاني مع الله تعالى يشاركه ~~في جميع صفاته، ثم اختلفوا فذهب أهل القبلة إلى أنه تعالى لا ثاني معه ~~مستقل، والفريق الثاني قالوا إن معه مستقل، ثم اختلف أهل القبلة فيما ~~بينهم، فذهب أهل العدل من الزيدية والمعتزلة إلى أنه تعالى لا ثاني معه ~~مستقل ولا غير مستقل، وذهب أهل الجبر إلى أن معه ثاني ليس بمستقل [175أ] ~~وهي المعاني التي أثبتوا. # وأما الفريق الثاني وهم الذين قالوا إن معه ثاني مستقل فهم أربع فرق، ~~وهم: النبيوية، والمجوس، والنصارى، والباطنية، وإلزام المطرفية هو الخامس. # أما النبيوية يقولون بصانعين: # أحدهما: النور. # والثاني: الظلم، وأتفقوا أن كل ما حصل من خير وهو ما تشتهيه النفوس فهو ~~من النور بطبعه ولا يقدر عندهم على فعل الشر، وكل ماحصل من شر وهو ما تنفر ~~عنه النفوس فهي من الظلمة بطبعها ولا تقدر عندهم على فعل الخير، واتفقوا ~~على أنهما قديمين، وأتفقوا على أن النور قادر عالم حي، واختلفوا في الظلمة ~~فمنهم من قال: إنها قادرة عالمة حية، ومنهم من قال: إنها عاجزة موات جاهلة، ~~واختلفوا أيضا فمنهم من قال لابد من ثالث يخرج النور والظلمة؛ لأن العالم ~~مركب منهما فيكون ما حصل من خير فهو من النور، وما حصل من الشر فهو من ~~الظلمة، وأما المجوس فإنهم يقولون بصانعين يقربون عن أحدهما يزدان وهو ذات ~~الباري، وعند الثاني أهرمن وهو الشيطان، واتفقوا على أن ماحصل من الخيرات ~~فهو من يزدان وما حصل من الشرور فهو من أهرمن، واتفقوا على أن يزدان قديم ~~واختلفوا في أهرمن، فمنهم من قال حدث من فكرة يزدان الردية، قالوا: إن ~~يزدان لما استتب له الأمر فكر في نفسه فكرة ردية، ms329 فقال: لو كان لي مضاد ~~ينازعني كيف كان حالي معه. PageV01P385 # وأما النصارى فإنهم يقولون إن الله تعالى جوهر على الحقيقة ثلاثة أقاتيم ~~على الحقيقة أقتوم الأب وهو ذات الباري، وأقتوم الإثر وهو الكلمة، ومنهم من ~~قال هو العلم، وأقتوم روح القدس وهو الحياة، ومنهم من قال أقتوم الأثر ~~إنجيل لعيسى (عليه السلام) واختلفوا في الإتحاد فمنهم من قال أدرعه ومنهم ~~أمران أراد بهما واحدة، وكراهتهما واحدة، ومشيتهما واحدة. # وأما الباطنية: فإنهم يقولون صانعين: # أحدهما: السابق. # والثاني: التالي، واتفقوا على أن السابق قديم صادر عن العلة واختلفوا في ~~التالي فمنهم من قال: هما جميعا صدرا عن العلة ومنهم [175ب] من قال أن ~~التالي صدر عن السابق. # وأما إلزام المطرفية فإن عندهم أن الاسم هو المسمى وقد أسموا الله أربعين ~~إسما هي الله والله هي، وإذا كان الاسم هو المسمى لزمهم أن يكون يعدل ~~الأسماء آلهة. # وأما الموضع الثالث: وهو في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه ابتداء، فالذي ~~يدل على ذلك أنه لو كان معه قديم ثان لوجب أن يكون مثلا له، ولا يجوز أن ~~يكون لله تعالى مثل، وهذه الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه لو كان معه قديم ثاني لوجب أن يكون مثلا له. # والثاني: أنه لا يجوز أن يكون لله تعالى مثل. # أما الأصل الأول: وهو أنه لو كان معه تعالى قديم لوجب أن يكون مثلا له، ~~فالكلام منه يقع في موضعين: # أحدهما: في حقيقة المماثلة، والمخالفة، والمثلين، والمختلفين. # والثاني: في الدليل على أنه لو كان معه ثان لوجب أن يكون مثلا له. # أما الموضع الأول: وهو في حقيقة المماثلة والمخالفة، فحقيقة المماثلة هي ~~قيام أحد الذاتين مقام الآخر وإن شئت قلت هي أن يسد أحد الذاتين مسد الآخر ~~عند وجودهما فيما يكشف عن صفتهما الذاتية على سبيل التفصيل. # قلنا: هو قيام أحد الذاتين مقام الآخر احترازا من الصفات فإنه لايقال ~~فيهما مماثلة ولا مخالفة، وإنما يجري مجرى المماثلة والمخالفة. PageV01P386 # قلنا: عند وجودها احترازا من حالة العدم فإنها ms330 لا تقوم إلا بشرط الوجود، ~~وقلنا: فيما يكشف احترازا مما لم يكشف، فالذي يكشف نحو المقتضاة وهي التحيز ~~يكشف عن المقتضى وهو الجوهرية، فإن ثم جوهرية ونحو إلهية التي تجمع الشعاع؛ ~~لأنها مقتضاة عند السوادية. # وأما التي لا تكشف فنحو صحة كونه قادرا في الغالب، والشاهد، فإن أحدهما ~~يقوم مقام الآخر في الكشف عن كونه قادرا، ولا يكشف عن مماثل. # قلنا: على سبيل التفصيل احترازا مما يكشف على سبيل الجملة، فإنه كان يلزم ~~أن تكون المثلات مختلفين، والمختلفات مثلين، أما أن يكون المثلان مختلفين ~~فإنه قد يحتاج أحدهما إلى محل غير ما يحتاج إليه الآخر، وهكذا المختلفين قد ~~اشتركا في صحة كونهما معلومين وصحة كونهما موجودين، فيلزم أن يكونا مثلين، ~~وحقيقة المخالفة هي أن لا يقوم أحد الذاتين مقام الآخر عند وجودها فيما ~~يكشف عن صفتها الذاتية على سبيل التفصيل والاحتراز هاهنا عكس الاحتراز في ~~حقيقة [176أ] المماثلة، وحقيقة المثلين هما كل معلومين يسد أحدهما مسد ~~الآخر عند وجوده فيما يكشف عن صفته الذاتية على سبيل التفصيل، وحقيقة ~~المختلفين هما كل معلومين لا يسد أحدهما مسد الآخر فيما يكشف عن صفته ~~الذاتية على سبيل التفصيل. # وأما الموضع الثاني: وهو في الدليل على أنه لو كان معه قديم ثاني لوجب أن ~~يكون مثلا له، فالذي يدل على ذلك أن القديم صفة من صفات الذات والإشتراك في ~~صفة من صفات الذات توجب التماثل، ويوجب المشاركة في سائر الصفات، وهذه ~~الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن القدم صفة من صفات الذات. # والثاني: أن الإشتراك في صفة من صفات الذات يوجب التماثل، ويوجب المشاركة ~~في سائر صفات الذات. # أما الأصل الأول: وهو أن القدم صفة من صفات الذات فعلما اختلاف بين ~~الشخصين فعند أبي علي أن القدم صفة ذاتية، وعند أبي هاشم أنها صفة مقتضاة ~~عن الصفة الأخص، وقد تقدم أن القدم صفة ذاتية في الدعوى الثانية. PageV01P387 # وأما الأصل الثاني: وهو أن الإشتراك في صفة من صفات الذات يوجب التماثل ~~ويوجب الإشتراك في سائر ms331 صفات الذات أما أنه يوجب التماثل فعلى الخلاف أيضا ~~بين الشخصين، أما على قول أبي علي مستقيم، وأما على قول أبي هاشم أنها صفة ~~مقتضاة على الصفة عن الصفة الذاتية وهو الدليل عليها فإذا اشتركا في ~~المدلول؛ لأن الإشتراك في الدليل يوجب الإشتراك في المدلول. # وأما الدليل على أن الإشتراك في الصفة الذاتية يوجب التماثل فالذي يدل ~~على ذلك ما نعلمه في السوادين فإنهما إنما كانا مثلين لإشتراكهما في صفتي ~~ذاتيهما وهي كونهما سوادين بدليل أن ما شاركهما في هذه الصفة كان مثلا ~~لهما، ومالم يشاركهما فيها لم يكن مثلا لهما وتحقيق ذلك أنا نقول هذا الحكم ~~الذي هو المماثلة والمخالفة لا يخلو إما أن يثبت لأمر أو لا لأمر باطل أن ~~تكون ثبتت لا لأمر لأنه لم يكن بأن يكون مماثلا أولى بأن يكون مختلفا، وإن ~~ثبت الأمر فلا تخلو إما أن تكون لمجرد الذات على قول أبي الحسين وابن ~~الملاحمي [176ب] أو لصفة ذاتية أو لصفة مقتضاة، أو لصفة معنوية، أو لمعنى ~~أو بالفاعل، محال أن يثبت لمجرد الذات؛ لأنه كان يلزم جميع الذوات أن تكون ~~مماثلة، وهذا ....... فبطل كلام أبي الحسين وابن الملاحمي ولهما أن يجيبا ~~عن ذلك بوجهين معارضة وتحقيق. # أما المعارضة وهو أن يقال إن الصفات قد اشتركت في كونها صفات ولم يلزم أن ~~تكون مماثلة بل بعضها قادرة وبعضها عالمة. # الوجه الثاني: أن يقال إن الذوات قد اشتركت في الإسم واختلفت في الحقائق، ~~فإن حقيقة بعض الذوات وماهيتها نحو الجوهر غير حقيقة ذات العرض والإشتراك ~~في الإسم لا يوجب التماثل، ولا يجوز أن يكون لأجل صفة مقتضاة؛ لأن المقتضاة ~~لا تثبت إلا بشرط الوجود فكان يلزم أن لا يكون التماثل ثابتا في حالة ~~العدم؛ لأنه ليس بصفة مقتضاة، ولا يجوز أن يكون لأجل لصفة معنوية لوجهين: # أحدهما: أن التماثل ثابت في حالة العدم وليس ثم صفة معنوية. PageV01P388 # الوجه الثاني: أنه كان يلزم أن لا يكون في الأعراض تماثل لعدم الصفة ~~المعنوية ولا يجوز أن ms332 يكون المعنى لوجوه: # أحدها: أنه كان يلزم أن لا يكون التماثل ثابتا في حالة العدم؛ لأن المعنى ~~لا يختص إلا بالوجود. # الوجه الثاني: أن التماثل ثابت في الأعراض وهي معاني والمعنى لا يختص لمعنى. # الوجه الثالث: أنه كان يلزم أن لا يختص بالمماثل فيكون مختلفا، أو يختص ~~بالمختلف فيكون متماثلا مختلفا في حالة واحدة وذلك محال، ولا يجوز أن يكون ~~بالفاعل لوجهين: # أحدهما: أن التماثل ثابت في حالة العدم، والفاعل لا تأثير له في أن يماثل ~~في حالة العدم. # الوجه الثاني: أن الفاعل يفعل الفعل على الصحة والاختيار فكان يجعل ماهو ~~متماثل مختلفا، وما هو مختلف متماثلا، وذلك محال، فلم يبق إلا أن التماثل ~~لأجل الصفة الذاتية، وأما أن الإشتراك في الصفة الذاتية يوجب المشاركة في ~~سائر صفات الذات فعلى الخلاف بين الشخصين، أما على قول أبي هاشم فلأن ~~الإشتراك في المقتضى على الحد الذي يقتضي يوجب الإشتراك في المقتضى وإلا ~~خرج عن كونه مقتضيا، وأما على قول أبي علي فلأن الشيئين متى كانا مثلين ~~كانا قد اشتركا في صفة ذاتية وهي التي كانا بها مثلين فيجب أن يشتركا في ~~سائر صفاتهما الذاتية إذ لو اشتركا في صفة ذاتية وافترقا في أخرى ذاتية ~~لكانا مثلين مختلفين، ولا يجوز أن يكونا مثلين مختلفين، وهذه الدلالة مبنية ~~على أصلين: # أحدهما: أن الشيئين إذا اشتركا في صفة ذاتية وافترقا في صفة أخرى ذاتية ~~كانا مثلين مختلفين. # والثاني: أن يكون الشيئين مثلين مختلفين محال. # أما الأصل الأول: فالذي يدل عليه أن الشيئين إذا كانا مثلين قد اشتركا في ~~صفة ذاتية بشرط [177أ] إتفاقهما فيها، ومتى كانا مختلفين كانا قد افترقا في ~~صفة ذاتية بشرط افتراقهما. PageV01P389 # وأما الأصل الثاني: وهو أن كون الشيئين مثلين مختلفين محال، فالذي يدل على ~~ذلك أنا كنا نجوز أن يكون السوادان في محل واحد فيطرأ عليهما الضد فينفيهما ~~من حيث أنهما مثلان ولا ينفيهما من حيث أنهما مختلفان؛ لأنه يصح اجتماع ~~المختلفين مثل اللون والطعم فيكون الشيء الواحد موجودا معدوما ms333 في حالة ~~واحدة وذلك محال، فلو كان مع الله تعالى قديم ثان لكان قد شاركه في صفة ~~ذاتية وهي كونه قديما، فيجب أن يشاركه في سائر صفاته الذاتية وهي كونه ~~قادرا على جميع أجناس المقدورات، عالما بجميع أعيان المعلومات، حيا قديما ~~فيما لم يزل وفيما لا يزال، فثبت الأصل الأول وهو أن الله تعالى لو كان معه ~~قديم ثاني لوجب أن يكون مثلا له. # وأما الأصل الثاني: وهو أنه لا يجوز أن يكون لله تعالى مثل، فالذي يدل ~~على ذلك أنه لو كان لله تعالى مثل لصح بينهما التمانع، وصحة التمانع محال، ~~وهذه الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه لو كان معه مثل يصح بينهما التمانع. # والثاني: أن صحة التمانع محال. # أما الأصل الأول: وهو أنه لو كان لله تعالى مثل يصح بينهما التمانع ~~فالكلام منه يقع في موضعين: # أحدهما: في حقيقة التمانع والمانع والممنوع والمنع، ومابه يقع التمانع. # والثاني: في الدليل على صحة التمانع بين القادرين. # أما الموضع الأول: وهو في حقيقة التمانع والمانع والممنوع والمنع، فحقيقة ~~التمانع هو تساوى مقدورا لقادرين بحيث يتعذر على كل واحد منهما مانع ~~وممنوع، والتمانع هو ما يكون بينهما مثل متحاذيي الجبل. PageV01P390 # وأما حقيقة المانع فهو على ضربين منه ما يرجع إلى القادر ومنه ما يرجع إلى ~~المقدور، فالذي يرجع إلى المقدور حقيقته هو ما لأجله يتعذر الفعل على ~~القادر، ومع استمرار حاله في كونه قادرا، والذي يرجع إلى القادر هو القادر ~~الذي يتعذر على غيره إيجاد مقدوره لأجل ما أوجده، والممنوع على ضربين منه ~~ما يرجع إلى القادر ومنه ما يرجع إلى المقدور، فالذي يرجع إلى القادر هو ~~القادر الذي يتعذر عليه إيجاد مقدروه لأجل ما أوجده الآخر، والذي يرجع إلى ~~المقدور هو مايتعذر وجوده لأجل ما وجد من جهة قادر آخر، والمنع هو أن لا ~~بيانا من القادر ما لولاه........ مع استمرار حاله في كونه قادرا. # وأما ما به يقع التمانع فأعلم أن التمانع لا يقع إلا بشيئين موجودين في ~~حكم ms334 المعدومين، مختلفين في حكم الضدين، وقلنا موجودين في حكم المعدومين؛ ~~لأنهما لو كانا موجودين لم [177ب] يقع منهما تمانع، ولو كانا معدومين لم ~~يسم بمانع، وقلنا مختلفين في حكم الضدين؛ لأنهما لو كانا ضدين لنفا أحدهما ~~الآخر، وهذا مثل متحاذيي الجبل فإن أحدهما يحدث يمنة والآخر يسرة، ولهذا ~~كانا مختلفين، وقلنا في حكم الضدين لأن كل واحد منهما يوجد منه ما يوجده ~~الآخر، ولم يعد يحصل موجبها إذ لو حصل لنفى أحدهما الآخر فلا يكونا ضدين. # وذكر الفقيه حميد أن التمانع يقع بين شيئين معدومين بواسطة فعلين موجودين ~~فالمعدومان هما الذي يقع التمانع بينهما هما المسببان من حدي الجبل، ~~والموجودان الذين هما الواسطة هما العمادان الذي من المتحاذيين. # وأما الموضع الثاني: وهو في الدليل على صحة التمانع بين القادرين فالذي ~~يدل على ذلك ما نعلمه في الشاهد، فإن كل قادرين يصح بينهما التمانع، وكذلك ~~يصح في الغائب، وأبلغ من ذلك أن الإنسان قديما مع نفسه بإحدى يديه فأولى أن ~~يتمانع القادران فثبت الأصل الأول، وهو أنه لو كان معه تعالى مثلا له لصح ~~بينهما التمانع. PageV01P391 # وأما الأصل الثاني: وهو أن صحة التمانع محال، فالذي يدل على ذلك أنه لا ~~يمتنع أن يريد أحدهما تحريك جسم في حال ما يريد الآخر تسكينه، وكان لا يخلو ~~الحال من ثلاثة أقسام: إما أن يوجد مرادهما جميعا أو لايوجد مرادهما جميعا، ~~أو يوجد مراد أحدهما دون الآخر ،محال أن يوجد مرادهما جميعا؛ لأنه يؤدي إلى ~~أن يكون الجسم متحركا ساكنا في حالة واحدة وذلك محال، ومحال أن يوجد مراد ~~أحدهما دون الآخر؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون أحدهما قادرا دون الآخر فيكون من ~~وجد مراده هو الإله القديم ومن تعذر مراده فهو عاجز وممنوع، والعجز والمنع ~~لا يجوزان إلا على القادر بقدرة، وإذا كان قادرا بقدرة كانت مقدروراته ~~متناهية وبطل أن يكون قديما، ومحال أن لا يوجد مرادهما جميعا؛ لأنه يؤدي ~~إلى محالين: # أحدهما: قال الشيخ أنه كان يلزم أن يخرج الجسم عن كونه ms335 متحركا وساكنا ~~وذلك محال وهذا معترض؛ لأنه يقال من أين يلزم خروجه عن ذلك؛ لأنه يقال يبقى ~~على ما كان عليه من الحركة والسكون. # والمحال الثاني: أن يؤدي إلى أن يكونا عاجزين وقد يعترض هذا بأن يقال إن ~~كل واحد منهما قادر لذاته فيكون مقدورهما واحد؛ لأن القادر للذات قادر على ~~جميع أجناس المقدوارت، فلا يلزم التمانع، والجواب عنه من وجهين: # أحدهما: أن العلم بصحة التمانع يقف على العلم بكونهما قادرين ولا يقف على ~~العلم [178أ] بتغاير المقدور ولا بإيجاده، ولهذا فإن المجبرة والفلاسفة وهم ~~نفاة الأعراض يعلموا صحة التمانع، وإن لم يعلموا تغاير المقدورات. PageV01P392 # الوجه الثاني: أنا لو سلمنا أن مقدورهما واحد فإنه لا يمتنع أن يدعوا ~~أحدهما الداعي إلى غير ما دعا إليه الآخر، وأبلغ من هذا أن الواحد منا ~~مقدور واحد وهو يصح أن يمانع نفسه بإحدى يديه، فإذا صح في الواحد فأولى في ~~القادر، فإن قيل: إنا نقول أنهما حكيمان، فإذا كانا حكيمين فلا يدع الداعي ~~أحدهما إلى غير ما دعى إليه الآخر، فإذا أراد أحدهما فعلا أراده الآخر ~~بعلمه أن في العقل حكمة متى علم ذلك، والجواب عن هذا من وجهين: # أحدهما: أنا نقول إن كلامنا في تقدير التمانع ولم نتكلم في وقوعه؛ لأنا ~~لو تكلمنا في وقوعه لأدى إلى ثبوت الثاني، ونحن إنما أقمنا الدلالة على ~~نفيه، والتقدير يقوم مقام التحقيق في هذه المسألة. # الوجه الثاني: أنا لو سلمنا أنهما حكمان فإنه لا يمتنع ما رمناه من تقدير ~~التمانع بأن يدعو أحدهما الداعي إلى ضد ما دعا إليه الآخر لعلمه بأن له في ~~فعله حكمة فيصح التمانع مثل أن يريد أحدهما تحريك جسم ويريد الآخر تسكينه، ~~وكل واحد منهما قد علم بأن في ما أراده وأراده صاحبه حكمة، وقد يعترض ابن ~~الملاحمي هذا بأن يقول: إن المرجح لهما واحد فما رجح لأحدهما أنه حكمة رجح ~~للآخر فلا يصح التمانع. # والجواب: أنا نقول هذا بناء منك على أن الفعل لا يوجد إلا بترجيح وداع ~~وهو ms336 يؤخذ عندنا من غير ترجيح ولا داعي كما في الشاهد والنائم، وابن ~~الملاحمي يقول: إن الساهي والنائم لا يفعل إلا الداعي ولا خلاف بينهم أن ~~العالم بالفعل لا يفعله إلا الداعي فأما المرجح فإن المشائخ قالوا: لا ~~يحتاج إليه إستوا الأمران أو اختلفا. # قال ابن الملاحمي: إذا استويا فلا بد من مرجح، وألزموه فيمن دعاه الجوع ~~الشديد إلى الطعام ومعه رغيفان على سوى وليس له أن يأخذ إلا أحدهما ولا ~~مرجح لأحدهما على الآخر أن لا يأخذ أحدهما وإن هلك. # الدليل الثاني: أنه لو كان له مثل لأدى إلى مقدور بين قادرين ومقدور بين ~~قادرين محال، وهذه الدلالة مبنية على أصلين: PageV01P393 # أحدهما: أنه لو كان له مثل لأدى إلى مقدور بين قادرين. # والثاني: أن مقدور بين قادرين محال. # أما الأصل الأول: فالذي يدل عليه أن كل واحد منهما قادر لذاته كان ~~مقدورهما واحد وأدى إلى مقدور بين قادرين [178ب]. # وأما الأصل الثاني: وهو أن مقدورين قادرين محال وقد تقدم بيانه. # الدليل الثالث: أنه لو كان له تعالى مثل لم يمتنع إذا أراد أحدهما شيئا ~~أن يكرهه الآخر، فتكون إرادتهما وكراهيتهما مختلفين، وهذا بناء على أن ~~القديم تعالى إرادته وكراهته معنيان موجودان لا في محل على حد وجوده، فإذا ~~كان معه قديم تعالى عن ذلك كانت إرادتهما وكراهتهما لا في محل، وهما معهما ~~على سواء، فليس بأن يوجبا لأحدهما أولى من أن يوجبا للآخر، فكان لا يخلو ~~الحال من ثلاثة أقسام إما أن يكونا مريدين كارهين جميعا، أو يكون أحدهما ~~مريدا والآخر كارها أولا، يكونا مريدين ولا كارهين لا يجوزا أن يكونا ~~مريدين كارهين جميعا من وجهين: # أحدهما: أن ذلك محال. # الوجه الثاني: أنه كان يلزم إذا كانا مريدين كارهين أن أحدهما فعل ~~الإرادة وأجبرا على الكراهة، والآخر فعل الكراهة وأجبرا على الإرادة، ولا ~~يجوز أن يكون أحدهما مريدا دون الآخر؛ لأنه اختصاص لهما بأحدهما دون الآخر، ~~وكذا الكراهة وكذا مجموعهما، ومحال أن لا يكونا مريدين ولا كارهين جميعا؛ ~~لأنه يؤدي ms337 إلى أن لا يكون بين وجودهما وعدمهما فرق، فهذا مايدل على أنه لا ~~قديم ثاني مع الله تعالى. PageV01P394 # وأما ما يدل على أنه لا شريك له في الإلهية فقد بينا الإلاه هو من تحق له ~~العبادة، والعبادة هي الغاية في التذلل والخضوع للمعبود، وهي غاية الشكر، ~~وغاية الشكر لا تستحق إلى على غاية النعم، وغاية النعم ليس إلا أصولها، ~~والمنعم بأصول النعم ليس إلا الله تعالى؛ لأنه قادر لذاته وعالم لذاته وحي ~~لذاته، فلو كان معه قديم لكان قد شاركه في العبادة، فإن قيل: هذا استحق ~~الواحد منا نوعا من العبادة بقدر ما أنعم من النعم إلى الغير نحو السجدة أو ~~شيء من ذلك. # قلنا: هذا لا يصح لوجهين: # أحدهما: أنه قد بينا أنه لا يستحق العبادة إلا المنعم بأصول النعم، وذلك ~~ليس إلا الله تعالى. # والثاني: أن أصول النعم وفروعها ليس إلا من الله تعالى وهو خالق النعم ~~والمنعم عليه والنعمة من جهته تعالى. # وأما الدليل السمعي: فآيات كثيرة منها ما يدل على الواحدانية، ومنها ما ~~يدل على التمانع. # أما مايدل على التمانع لو كان معه ثاني فقوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة ~~إلا الله لفسدتا} [179أ] وقوله تعالى: {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من ~~إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض}. # وأما الدليل على الوحدانية: فقوله تعالى: {قل هو الله أحد} وقوله تعالى: ~~{الله لا إله إلا هو} وقوله تعالى{فاعلم أنه لا إله إلا الله} وقوله تعالى: ~~{لا إله إلا أنا فاعبدوني} إلى غير ذلك من الآيات. # وأما الموضع الرابع: وهو في تتبع أقوالهم بالإبطال فيبطل قول كل فريق ~~منهم على انفراده، أما الثنوية فيبطل قولهم في خمس مسائل: # الأولى: قولهم أن النور والظلمة قديمين. # والثانية: قولهم أنهما قادرين. # والثالثة: قولهم أنهما متعاكسان. # والرابعة: قولهم بالطبع. # والخامسة: قولهم بالمزاج. # أما المسألة الأولى: وهي قولهم بقدمها فباطل من وجوه ثلاثة: PageV01P395 # الأول: أنهما عندنا جسمان، وعند بعض الناس عرض، والأجسام والأعراض محدثة، ~~وهذه ms338 الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنهما عندنا جسمان وعند بعض الناس عرضان. # والثاني: أن الأجسام والأعراض محدثة. # أما الأصل الأول: وهو أنهما عندنا جسمان وعند بعض الناس عرضان، فلا خلاف ~~بينهم في المعنى وإن اختلفوا في العبارة على ما الاسم واقع على السواد ~~والبياض الذي هو حاله في الجسم، فمن قال: إنهما جسمان قال إنهما ينقبضان ~~وينبسطان، والقبض والبسط لا يجوزان إلا على الأجسام، ومن قال إنهما عرضان ~~قال إنهما سواد وبياض. # وأما الأصل الثاني: وهو أن الأجسام والأعراض محدثة فقد تقدم بيانه في ~~الدعوى الأولى والثانية. # الوجه الثاني: أنهما لو كانا قديمين لكانا مثلين؛ لأن القدم صفة ذاتية، ~~والإشتراك في الصفة الذاتية يوجب التماثل، فلا يكون أحدهما نورا والثاني ~~ظلمة، وإنما يكونان نورا جميعا أو ظلمة جميعا. # الوجه الثالث: أنهما لو كانا قديمين للزم أن يكونا كائنين فيما لم يزل، ~~وإذا كانا كائنين فيما لم يزل لزم محالات: # أحدها: أنه كان يلزم أن يكونا في جهة وذلك يؤدي إلى تداخل المتحيزات؛ ~~لأنه لا اختصاص لأحدهما بتلك الجهة دون الأخرى، ويؤدي إلى اجتماع الضدين ~~وذلك محال. # الثاني: أنه كان يؤدي إلى أن يكونا في جميع الجهات [179ب] أو يؤدي إلى أن ~~كل واحد منهما في جهة واحدة وذلك محال؛ لأنه لا مخصص. ### ||| AUTO المسألة الثانية: وهي في إبطال قولهم أنهما قادران عالمان ~~فذلك باطل من وجوه: # الأول: أن يقال لهم إنه كان يلزم في الواحد منا أن يكون قادرا لذاته، ولا ~~يخرج عن كونه قادرا؛ لأنه مركب منهما جيمعا. # الوجه الثاني: أنه كان يلزم في الجمادات أن يكون قادرا؛ لأنه مركب منهما. # الوجه الثالث: أن هذا يبطل قولهم بالطبع؛ لأنهما إذا كانا قادرين بطل ~~قولهم إن الفعل يصدر بالطبع. ### ||| AUTO المسألة الثالثة: في إبطال قولهم أنهما متعاكسين فمن وجوه ثلاثة: PageV01P396 # أحدها: أنه متى كانا قديمين كانا قد اشتركا في صفة ذاتية فيجب أن يشتركا في ~~سائر صفات الذات فيكونا إما نورا جميعا أو ظلمة جميعا. # الوجه الثاني: أنه لو جاز ms339 أن يكونا قديمين ويشتركا في بعض الصفات ويفترقا ~~في بعضها لجاز أن يكون أحدهما موجودا والثاني معدوما، فتكون الظلمة أو ~~النور معدوما والآخر موجود؛ لأنه لا تكون مخالفتهما في صفة أخرى أولى من أن ~~يختلفا في هذه. # الوجه الثالث: أن يقال لهم إذا قلتم أن الأفعال تحصل من الظلمة وهي غير ~~قادرة ولا حية فقولوا كذلك في النورة أنه غير قادر، وإلا فما الطريق إلى ~~كونه قادرا، أو عالما، أو حيا، فلا يكونا إلا قادرين جميعا هذا قول من قال بذلك. ### ||| AUTO المسألة الرابعة: وهي قولهم بالطبع تبطلة وجوه: # الأول: أنا نقول لهم إن قولكم بالطبع إثبات ما لا يعقل، وكفا بالمذهب ~~فسادا ألا يعقل. # الوجه الثاني: أن النور عندكم يستحق المدح على فعل الخير، والظلمة تستحق ~~الذم على فعل الشر، وهما يفعلان عندكم بطبعهما من غير اختيار، وإذا كان ~~كذلك فلا وجه للمدح ولا للذم؛ لأنهما لا يستحقان إلا على فعل الإحسان. # الوجه الثالث: أن هذا بناء منكم على أصل فاسد، وهو أن أحدهما يفعل الخير ~~ولا يقدر على فعل الشر، والثاني يفعل الشر ولا يقدر على فعل الخير، وقد ~~رأينا كل واحد منهما يصدر منه خير وشر، وقد تصور العلماء في ذلك صور كثيرة ~~نذكر منها أربعا: # الأولى: أنه يحصل من النور خير وشر، فالخير نحو أن نضع له بذرة فإنه مع ~~النور يلقاها ويحصل منه شر بأن يظفر به عدوه، وأيضا يحصل من الظلمة خير وشر ~~فالخير أنه يستر من عدوه والشر إذا ضاق عليه ضره أو بذرة فإنه يلقاها مع ~~الظلمة. # الصورة الثانية: أن الإنسان إذا نظر إلى عين الشمس والقمر فإنه يصيبه في ~~بصره ضعف وربما يطمسه، وإذا نظر إلى الخضرة [180أ] وهي من قبل الظلمة فإنه ~~يرجع إليه نظره والنظر إليهما يزيد في النظر. PageV01P397 # الصورة الثالثة: أن الواحد منا قد يسيء ويعتذر وهو فاعل واحد، والإساءة شر، ~~والاعتذار خير، فلا يخلو إما أن يكون فاعل الاعتذار هو فاعل الإساءة أو هو ~~غيره، إن كان ms340 المعتذر هو المسيء فقد فعل خيرا وشرا، وإن كان غيره فإعتذاره ~~هاهنا لا يسقط إساءة غيره ويكون غائبا، كما يعتذر عن الظلمة، فإن قيل: إن ~~الاعتذار من النور بطبعه، والإساءة من جهة الظلمة كما أن الواحد منا يعتذر ~~من فعل ولده وفعل عبده وبهيمته. # قلنا: إن الجواب عن هذا أنا نقول إنه إن كان منه تقصير فيما يفعله ولده ~~أو عبده أو بهيمته فقد اعتذر مما كان من جهته من التقصير، وقد فعل خير وشر، ~~وإن لم يكن منه تقصير فاعتذاره لا حكم له كما تقدم. # الصورة الرابعة: وهو أن الواحد منا قد يكذب ويعلم أنه كاذب، فالكذب شر ~~وعلمه خير، فإما أن يقولوا هما منه جميعا أو من غيره، فإن قلتم إنهما منه ~~فقد فعل خيرا وشرا، وإن قلتم إنهما من غيره، أو الخير من النور، والشر من ~~الظلمة، فالمعلوم خلاف ذلك؛ لأن العقلاء لا يوجهو ذلك إلا إلى جملته. ### ||| AUTO المسألة الخامسة: في قولهم في المزاج وهو أنا نقول لهم هل ~~امتزجا على سبيل الإيجاب أو على سبيل الجواب لا يجوز أن يكون على سبيل ~~الإيجاب؛ لأنه يؤدي إلى محالين: # أحدهما: أن يكون العالم قديما. # الثاني: أن لا ينفصل أحدهما عن الآخر؛ لأنهما صفة واجبة، فلا يجوز خروجه ~~عنها، وأنتم لا تقولون بذلك، وإن كان على سبيل الجواب فلا يخلو إما أن يكون ~~من ثالث أو من فعلهما، إن كان من ثالث فقد حصل فعل الخير والشر من غيرهما، ~~وإن كان من فعلهما فهذا لا يصح؛ لأنه لا يحصل الفعل مع الجواز إلا بأن يكون ~~الفاعل قادر، وأنتم تقولون إنه يفعل بالطبع لا يكون إلا على سبيل الوجوب، ~~فهذا هو الكلام على الثنوية. # وأما إبطال قول المجوس فنتكلم عليهم في مسألتين: PageV01P398 # الأولى: أنهما لو كانا قديمين لكانا مثلين، ولو كانا مثلين لكانا جميعا إما ~~جسمان أو لا يكونا جسمين، وأنتم تقولون إن أهرمن جسم، ويزدان ليس بجسم. # الثاني: أنهما لو كانا قديمين لكان ما فعله أحدهما فعله الآخر؛ ms341 ~~لإشتراكهما في الصفة الذاتية وهي القدم، وأنتم تقولون كل واحد [180ب] منهما ~~لا يقدر على ما فعله الآخر. ### ||| AUTO المسألة الثانية: الكلام عليهم في حدوث أهرمن وهو من وجهين: ~~جملي، وتفصيلي، فالجملي أنا نقول لهم إن أهرمن عندكم محدث للشرور، وهي ~~أجسام وأعراض ضرورية مع كونه محدثا لا يصح منه فعل الأجسام والأعراض ~~الضرورية ما كان من جهة الله تعالى نحو حركة المرتعش ........ الذي من جهته ~~ونحو ذلك، والذي ليست ضرورية نحو ما يكون من الواحد منا من الحركة والألم. # وأما التفصيلي: فنقول لهم أهرن حدث من فكرة يزدان التي أثبتم أو من ~~عقوبات الأرض ، إن كان من الفكرة فباطل من وجوه ثلاثة: # الأول: أن الفكرة لا تجوز على الله تعالى؛ لأنها لا تجوز إلا على من جهل ~~عواقب الأمور وهو عالم لذاته، فلا تجوز عليه الفكرة. # الوجه الثاني: أنا نقول لو ولدت فكرة القديم لولدت؛ لأنه لا يختلف الفكر ~~من أي فاعل وقع. # الوجه الثالث: أنه يلزمكم أن يكون فردان هو المحدث للسرور؛ لأنه حصل منه ~~أهرمن، وإن كان من عقوبات الأرض فهذا باطل لوجوه: # أحدها: أنا نسألكم عن العقوبات من أحدثها يزدان أو غيره؟ فإن كان يزدان ~~لزمكم أن يكون محدثا للسرور، وإن كان غيره فهو خلاف مذهبكم؛ لأنكم تقولوا ~~لا محدث غيرهما. # الوجه الثاني: أن العقوبات كثيرة فكان يلزمكم حصول أهرمنات كثيرة، وكذا ~~لو لم يكن إلا عقوبة واحدة لزمكم أن لا يزال يحدث. # الوجه الثالث: أن العقوبات أجسام، والجسم لا يحصل منه جسم فهذا هو الكلام ~~على المجوس. # وأما الكلام على النصارى: فهو أنا نقول لهم أما قولكم الأقانيم فباطل لوجوه: PageV01P399 # الأول: أن قولكم أقانيم عبارة غير معقولة لا في الاصطلاح ولا في الشرع فيجب ~~نفيها، وهذا بواحدة من حيث التسمية. # الوجه الثاني: أن قولكم جوهر على الحقيقة ثلاثة أقانيم على الحقيقة ~~مناقضة ظاهرة عند جميع العقلاء. # الوجه الثالث: أنا نسألكم عن الأقانيم هل هي ذوات كلها أو صفات كلها أو ~~ذات وصفة، فمحال أن تكون ms342 ذوات كلها؛ لأنكم قلتم إنه جوهر على الحقيقة وهو ~~لا يقبل التجزئ والإنقسام، ثم قلتم في أقتوم الابن أنه العلم أو الكلمة، ~~والعلم والكلمة عندكم ليس بذات، وقلتم في أقتوم روح القدس أنه الحياة، وهذه ~~صفات عندكم، فإن قلتم [181أ] إنها صفات أحتجتم إلى رابع يكون موصوفا؛ لأنها ~~إذا كانت صفات فلا بد لها من موصوف، وإن قلتم ذات وصفتين فهذا لا يصح ~~لوجهين: # الأول: أنا نقول الموصوف لا يعتدد بأعداد صفاته وإلا لزم تعداد الجوهر ~~ليعدد صفاته. # الوجه الثاني: أنا وإن سلمنا لكم بتسليم جدل أنها تتعدد، فإنه لا يصح لكم ~~الإقتصار على الصفتين؛ لأن صفات القديم تعالى أكثر من ذلك، مثل قادر وعالم، ~~وحي وسميع، وبصير ومدرك، وموجود وقديم، أما إبطال أن عيسى ابن الله فباطل؛ ~~لأن الابن يستعمل حقيقة ومجاز، فالحقيقة ما يستعمل في أصل اللغة وما يستعمل ~~في اصطلاح الفقهاء. # أما في اللغة فالابن هو من خلق من مائه، وفي اصطلاح الفقهاء هو من ولد ~~على فراشه، وهذا لا يجوز شيء منه على الله تعالى. # وأما ما يستعمل في المجاز فهو لا يكون إلا بشرطين: # أحدهما: أن يكون المبني أكبر من المتبني. # والثاني: أن يكون من جنسه احترازا من أن يكون في غير الآدميين، وجميع ذلك ~~لا يجوز على الله تعالى، فإن قيل هلا جاز ذلك بأن يقال عيسى ابن الله كما ~~جاز أن يقال: إبراهيم خليل الله. # قلنا: الجواب عن ذلك أنا نقول بفرق بينهما فإن عيسى (عليه السلام) لم ~~تحصل فيه حقيقة البنوة ولا مجازها، والله منزه عن ذلك، بخلاف الخليل فإنه ~~يستعمل في معنين: # أحدهما: بمعنى الصاحب والصديق. PageV01P400 # والثاني: بمعنى محتاج إليه ومفتقر،، والحاجة بمعنى الخلة، والله تعالى لا ~~يجوز أن يقال إنه خليل لإبراهيم، وإنما إبراهيم خليله، بمعنى صديقه، ألقى ~~الله تعالى إليه من مكتوباته وعجائبه، ومحتاج إليه ومفتقر في كل أمر، وعليه ~~قول الشاعر: # وأن أباه خليل قوم مستعينه ... يقول لا غائب مالي ولا حرم # وكان معنى الخليل حاصل في إبراهيم، ms343 فإن قيل هذا بمعنى حاصل في سائر ~~الأنبياء فإنهم كانوا محتاجين إلى الله تعالى وألقى إليهم حكمته وعجائبه، ~~فلم يقال في كل واحد منهم خليل الله. # والجواب: أن هذا اللفظ غلب على إبراهيم (عليه السلام). # وأما الموضع الخامس: وهو في شبههم، أما شبهة الثنوية والمجوس، فإنهم ~~قالوا: العالم مركب من خير وشر، والله تعالى منزه من الشرور، فلا بد [181ب] ~~من بان تضاف إليه الشرور. # والجواب عن هذه الشبهة من وجوه ثلاثة: # الأول: أنه لا يصح المدح والذم في حق الله تعالى عندكم؛ لأنه لا يفعل إلا ~~بالطبع، والفاعل بالطبع لا يستحق المدح والذم؛ لأنه يصدر منه على سبيل ~~الإيجاب، ولا يستحقه إلا من يفعل على سبيل الصحة والاختيار. # الوجه الثاني: أن هذا منكم بناء على أصل فاسد، وهو أن كل ما تفر عنه ~~النفوس فهو شر، وذلك غير صحيح فإن الفصد والحجامة والكي تنفر عنها النفوس ~~وهي حسنة. # الوجه الثالث: أنه إن كان لكم ....... سواء هذا أو هو أن تضيفوا الشرور ~~إليه كما قالته الجبرية....... من أن سؤاله ثابتا وربما قالوا بهذه الشبهة ~~على وجه آخر وهو أن قالوا إن الخير والشر ضدان ولا يصح أن يكون فعلهما واحد ~~كما في التسخين والتبريد، فإنهما ليسا من النار جميعهما ولا من الماء ~~جميعهما، بل التسخين من النار، والتبريد من الماء. # والجواب عن ذلك من وجوه: # أحدها: أن هذا جمع بين أمرين من علة جامعة. PageV01P401 # الوجه الثاني: أن هذا بناء منكم على أنه لا يصح أن يعقل الضدين، والمعلوم ~~خلاف ذلك، فإن الواحد منا يصح منه أن يفعل الخير والشر في حالة واحدة فيحسن ~~بإحدى يديه ويسيء بالأخرى، فأولى في القديم تعالى. # الوجه الثالث: أن هذا بناء منكم على أصل فاسد، وهو أنه تعالى يفعل بطبعه ~~وليس كذلك؛ لأنه فاعل مختار. # الوجه الرابع: أنكم بنيتم ذلك على أصلكم أن ما تنفر عنه النفوس فهو شر ~~وذلك محال؛ لأن جميع أفعال الله تعالى حسنه، فمنها مايفعله عاجلا، ومنها ~~مايفعله لأجل حكمة ومصلحة ms344 يعلمها، فيكون نفعه آجلا. # وأما التسخين والتبريد فإن النار ليس هي المؤثرة في الماء، وإنما جاورت ~~الماء إخراجا، وصار كذلك، ولهذا متى زالت تلك الأخرى برد الماء، والماء ليس ~~هو المؤثر في التبريد، وإنما آخر باردة لما جاورت النار غلبت عليها، وكذلك ~~إذا جاورت غير النار واختلفوا في النار في كيفية إحراقها فذهب الجمهور إلى ~~أن الله تعالى أجرى العادة بأنها تحرق وهو الفاعل فلو وصلت إلى الشيء وأراد ~~أن لا تحرقه لكان ذلك، وذهب أبو القاسم البلخي، وأبو الحسين إلى أنها تحرق ~~بطبعها، فلو وصلت إلى الشيء أحرقته بكل حال إلا أن يمنع اله تعالى بحال ~~بينهما فكذا الخلاف بالماء هل يروى وفي البرد وفي الطعام هل يشبع بالطبع أو ~~على سبيل العادة [182أ]. # وأما شبهة النصارى فإنهم قالوا إن عيسى يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه ~~والأبرص، فيكون ابنا لله تعالى؛ لأنه لا يقدر على فعل ذلك إلا الإله. # والجواب عن ذلك من وجهين: # الأول: المعارضة لسائر الأنبياء، فكان يلزم أن إبراهيم، وموسى، وصالح، ~~ومحمد، وسائر الأنبياء (عليهم السلام) أن يكونوا أبناء الله تعالى؛ لأن ما ~~من نبي إلا وله معجزات، منها أن موسى قلب العصا حية، ومنها أن صالح أخرج ~~الناقة من الجبل، ومنها أن محمد (صلى الله عليه وآله) نبع الماء من بين ~~أصابعه. PageV01P402 ### || AUTO الوجه الثاني: أن هذه الأفعال ليست أفعاله، وإنما أجرى بها ~~الله تعالى على يديه وهي معجزة له، وهي من أفعال الله تعالى، وبتمام ذلك تم ~~الكلام في التوحيد. # [الباب الثالث] # أما الباب وهو الكلام في العدل، فالكلام منه يقع في أربعة مواضع: # الأول: في حقيقة العدل في أصل اللغة وعرفها، وفي اصطلاح الفقهاء، وفي ~~اصطلاح المتكلمين. # والثاني: في تعداد مسائل العدل وتعييناتها وقسمتها. # والثالث: في ترتيبها. # والرابع: في الكلام على كل واحد منها. # أما الموضع الأول: وهو في حقيقة العدل، فالعدل في أصل اللغة هو إيتاء ~~الغير حقه واستيفاء الحق منه، وهذه الحقيقة معترضة بأن يقال: خرج من الحد ~~ما هو منه وهو ms345 ترك الظلم وهو أصل العدل، ويمكن أن يجاب عنه بأن يقال قد دخل ~~في جملة إيقافه وإذا أردت التخلص من الإعتراض قلت: هو إنصاف الغير بفعل ما ~~يجب له أو إستحق عليه أو ترك ما لا يستحق عليه مع القدرة. # قلنا: بفعل ما يجب له مثل قضا الدين، ورد الوديعة، وشكر المنعم، ومثل ~~الثواب والتمكين، ونحو ذلك من جهة الله تعالى. # قلنا: أو إستحق عليه مثل العقاب لمن يستحقه. # قلنا: وترك ما لا يستحق عليه وهو الظلم، قلنا مع القدرة احترازا من ~~الضعفة فإنه لا يسمى تركهم لظلم الملوك عدلا، وقد ذكر قاضي القضاة حقيقته ~~فقال: هو كل فعل حسن يفعله الفاعل لينفع به الغير أو ليضره، وهذا معترض ~~بخلق العالم؛ لأنه ليس فيه إيفا ولا استيفا بل هو بفضل فيدخل في العدل، وقد ~~قيل إنه إلتزم بأن فعله عدل، وذكر سائر المتكلمين أنه ليس بعدل وعند الجميع ~~[182ب] أنه تفصيل، وحقيقته في عرف اللغة أنه نقل إلى الفاعل فسمي باسم ~~فعله، فقال: رجل عدل إذا أكثر من فعله ورجل صوم، ورجل رضي إذا أكثر من فعل ~~ذلك، وقوله تعالى: {إنه عمل غير صالح} فسماه باسم فعله لما أكثر من العمل ~~غير الصالح، وقول الشاعر: # متى يسخر قوم نقل شرابهم ... هم بيننا فهم رضا وهم عدل PageV01P403 وحقيقته في اصطلاح الفقهاء: هو مقبول الشهادة، ويقال: هو المختص بالعدالة ~~وهو أحسنه. # وأما العدالة فقال (م) بالله: هي محاسبة النفس عند كل طرفة، والإجتناب عن ~~كل شبهة، وقال أيضا: من كانت محاسنة أكثر من مساوئه، قيل: إن المراد به مع ~~إجتناب الكبائر، وذكر الغزالي: أنها هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة ~~المرؤة والتقوى جميعا، وهو على أصل لهم، وهو أن كثرة المزاح مما يجرح ~~العدالة، وهكذا من كان له مهارة رفيعة فعمد إلى أدون منها. # وأما حقيقته في اصطلاح المتكلمين: فهو يستعمل في معنيين في الفعل وفي ~~الفاعل، فإن استعمل في الفاعل قلنا: هو الذي لا يفعل القبيح كالظلم والعبث، ~~ولا يخل ms346 بالواجب كالتمكين للمكلفين في أفعاله كلها حسنة، فإن قيل إن قولكم ~~هو الذي لا يفعل القبيح ولا يخل بالواجب يعني عند قولكم وأفعاله كلها حسنة. # والجواب من وجهين: # أحدهما: أن قولنا وأفعاله كلها حسنة رد على المجبرة، فإنهم قالوا: إن ~~أفعاله تعالى لا توصف بحسن ولا قبح، وهو قول الأشعرية. # الوجه الثاني: لو أنا لم نقل وأفعاله كلها حسنة لدخل في أفعاله ما ليست ~~بحسنة وهب الأفعال اليسيرة؛ لأنها ليست بحسنة ولا قبيحة، وليست تجوز عليه ~~تعالى وهي في أفعالنا، فوجد هذا الحد في القديم تعالى ولن يوجد في الواحد ~~منا، فإن قيل قولكم لا يخل بالواجب وأفعاله كلها حسنة يعني عند قولكم لا ~~يفعل القبيح. # قلنا: الجواب عن ذلك أن قولنا لا يفعل القبيح خاصية الحد وأم للمسائل ~~فلابد من ذكره، وأما إذا استعمل في الفعل فهو هذه العلوم وهو العلم بأن ~~الله تعالى عدل حكيم، وأنه لا يفعل القبيح، ولا يخل بالواجب، وأفعاله كلها حسنة. # وأما الموضع الثاني: وهو في تعداد مسائل العدل وتعييناتها وقسمتها. # أما تعدادها فهو عشر، وأما تعييناتها، فالأولى: أن الله تعالى عدل حكيم. # والثانية: أن أفعال العباد مضافة إليهم [183أ]. # والثالثة: أنه لا يثيب أحد إلا بعمله ولا يعاقبه إلا بذنبه. PageV01P404 # والرابعة: أن المعاصي ليست بقضاء من الله ولا بقدره. # والخامسة: أنه لا يكلف أحد ما لا يطيقه. # والسادسة: في الإمتحانات. # والسابعة: في أنه لا يريد الظلم، ولا يرضى الكفر، ولا يحب الفساد. # والثامنة: أن القرآن كلام الله تعالى. # والتاسعة: في أن القرآن محدث. # والعاشرة: في النبوات. # وأما قسمتها فهي تنقسم إلى قسمين: إثبات، ونفي، فمسائل النفي والإثبات هي ~~الخمس المتقدمة والسابعة مشتركة بين النفي والإثبات، والأربع الباقيات إثبات. # أما الموضع الثالث: وهو في ترتبيها فقدمنا مسائل النفي على مسائل ~~الإثبات؛ لأنها أقوى في هذا الموضع، بخلاف مسائل النفي في التوحيد فإنه لا ~~يمكن معرفتها من دون مسائل الإثبات، وهاهنا اتفقوا على مسائل النفي أنها ~~متقدمة على مسائل الإثبات؛ لأنه لا يمكن معرفة مسائل ms347 الإثبات هاهنا إلا بعد ~~معرفة مسائل النفي، وأن هذه الأولى هو أنه عدل حكيم. # أما المسائل وهي متفرعة منها، وكذا مسألة خلق الأفعال متقدمة أيضا، ~~واختلفوا في تقديم بعضها على بعض فذهب الشيخ إلى تقديم مسألة أنه لا يفعل ~~القبيح على خلق الأفعال؛ لأنها دليل عليها، ومن حق الدليل أن يتقدم المدلول ~~عليه في العلم؛لأنا إذا أردنا أن نستدل على أن الله تعالى لا يفضل أفعال ~~العباد، وقلنا لأن فيها ما هو قبيح والله تعالى لا يفعل القبيح، وذكروا ~~للسيد صاحب (شرح الأصول) أنها تقدم مسألة خلق الأفعال على أنه لا يفعل ~~القبيح ووجهه أنا إذا أردنا أن نستدل على أن الله تعالى لا يفعل القبيح ~~قلنا دليله الشاهد فإن الواحد منا متى كان عالما بقبح القبائح وغني عن ~~فعلها وعالم بإستغنائه عنها فإنه لا يفعل القبيح، فقسنا الغائب على الشاهد ~~فوجب تقديمها، فهذا ما يقتضيه كلامه، وإن كان قد قدم في الشرح مسألة عدل ~~حكيم، وللشيخ أن يجيب عن هذا لوجهين: # أحدهما: أن نقول أنا نستدل بالطريقة المبتداة وهو أن صوارفه متوفرة عن ~~فعل القبيح على ما يأتي فلا يحتاج إلى قياسه على الشاهد. PageV01P405 # الوجه الثاني: أنا نعلم بالضرورة تعلق الفعل بالفاعل وذلك كافي عن القياس ~~[183ب]. # وأما الموضع الرابع: وهو في الكلام على كل مسألة منها فنبدأ بما بدأ به ~~الشيخ (رحمه الله تعالى) وهو أنه عدل حكيم، والكلام منها يقع في ثلاثة مواضع: # الأول: في حكاية المذهب وذكر الخلاف. # والثاني: في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا إليه. # والثالث: في التشبه. # أما الموضع الأول: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف فمذهبنا أن الله ~~تعالى عدل حكيم، وأنه يجب تنزيهه عن كل ظلم وجور، والخلاف في ذلك مع ~~المجبرة فإنهم يقولون أن كل ظلم وجور وقع في العالم فالله مقدره وفاعله، ~~ولا خلاف بيننا وبينهم في العبارة، وإنما واحدهم الشيخ من جهة المعنى؛ ~~لأنهم يقولون لا يقبح منه قبيح ويضيفونها إليه. # وأما الموضع الثاني: وهو ms348 في الدليل، فإذا أردنا ذلك تكلمنا في ثلاثة ~~فصول؛ لأن الحقيقة قد نضمها وهي أنه لا يفعل القبيح ولا يخل بالواجب، وأن ~~أفعاله كلها حسنة، فإن قيل لم قدمتم أنه لا يفعل القبيح على أنه لا يخل ~~بالواجب؟ قلنا: لأن القبيح أعم من الإخلال، والإخلال يدخل فيه؛ لأنه قبيح، ~~فإن قيل: قدموا سائر المسائل على أنه لا يخل بالواجب، فالجواب عن ذلك من وجهين: # أحدهما: أن الإخلال بالواجب من جملة القبائح فلا نفرق بينها. # والثاني: أنه جملته النفي فيلحق النفي بالنفي. # أما الفصل الأول: وهو أن الله تعالى لا يفعل القبيح فينبغي أن نتكلم أولا ~~في مقدمات أربع، ثم نعود إلى الغرض المقصود، وهو أن الله تعالى لا يفعل ~~القبيح. # الأولى: في المقدمات في حقيقة الفعل وقسمة الأفعال، وحقائق أقسامها ~~وحصرها. # والثانية: أن الفعل يحسن ويقبح ويوجب. # والثالثة: في الوجه الذي لأجله وجب الواجب، وقبح القبيح، وحسن الحسن. # والرابعة: في أن الله تعالى قادر على ما لو فعله لكان قبيحا. # أما المقدمة الأولى: فقد تقدم الكلام فيها. PageV01P406 # وأما الثانية: وهو أن الفعل يقبح ويحسن ويوجب، فقدمناه على أن الله تعالى ~~قادر على ما لو فعله لكان قبيحا؛ لأنه أصل، ومعرفة الأصل متقدمة على الفرع، ~~وقدمنا أنه قادر على ما لو فعله لكان قبيحا على أنه لا يفعل القبيح؛ لأنه ~~لا يمكن أن نتكلم في أنه لا يفعله إلا بعد أن يعلم أنه قادر عليه، فنبدأ ~~بما ذكرنا أنه تحسن البداية به وهو أن [184أ] العقل يحسن ويوجب ويقبح، ~~والكلام منه يقع في موضعين: # الأول: في ذكر حكاية المذهب وذكر الخلاف في أن العقل يحسن ويقبح ويوجب. # والثاني: في الدليل على صحة ماذهبنا إليه، وفساد ما ذهب إليه المخالف. # أما الموضع الأول: وهو في حكاية المذهب، وذكر الخلاف، فمذهبنا أن العقل ~~يقضي بوجوب بعض الأشياء، وقبح بعضها، وحسن البعض، والخلاف في ذلك مع ~~المجبرة والفلاسفة فإنهم قالوا إن العقل لا يقضي بشيء مما ذكرناه، وهم على ~~ثلاث فرق: # الفرقة الأولى: وهم ms349 بعض الأشعرية، وبعض الفلاسفة، فإنهم قالوا: إن العقل ~~لا يحسن ولا يقبح ولا يوجب، ولا طريق إلى شيء من ذلك من جهة العقل، ولا حكم ~~للعقل في نفسه. # الفرقة الثانية: وهم النجارية فإنهم قالوا في الأفعال واجب وحسن وقبيح، ~~ولا طريق إلى معرفتها إلا الشرع، ولا طريق إليها من جهة العقل. # والفرقة الثالثة: وهم بعض الأشعرية وبعض الفلاسفة فإنهم قالوا ليس به ~~واجب ولا قبيح من جهة الإستخلاف ...... # وأما الموضع الثاني: وهو في الدليل على صحة ماذهبنا إليه وفساد ما ذهب ~~إليه المخالف، فالذي يدل على ذلك وجوه: # أحدها: أن العقلاء يقضون بوجوب قضاء الدين، ورد الوديعة، وشكر المنعم، ~~ويقضون بقبح الظلم، والكذب، والغيبة، ولهذا فإنهم متى علموا أن رجلا يضرب ~~صبيا لم كانت السماء فوقه والأرض تحته فإنهم يقضون بقبح ذلك، ومتى علموا ~~أنه يضربه ليؤدبه فإنهم يقضون بحسنه فبطل قولهم. PageV01P407 # الوجه الثاني: وهو يبطل أهل الإستخلاء أنا نقول لو أخبرنا مخبر أن أهلا ~~قلتم يقضون بقبح قضاء الدين، ورد الوديعة، وشكر المنعم، ويقضون بوجوب ~~الظلم، والكذب، والغيبة، لبادر العقلاء إلى تكذيبه من غير توقف في أمره، ~~بخلاف مالو أخبرنا أنهم يستحلون صورا غير ما يستحلى، ويشبهون من المقاس غير ~~الذي نشبهه وينفر عن ما لا ينفر عنه، فإن العقلاء لا يكذبونه لجوازه، وليس ~~هو راجع إلى العقلاء. # الوجه الثالث: وهو مما يخص من يقول بالإستخلاء أنا نقول إن هذا بناء منكم ~~على أصل فاسد، وهو أن كل ما نفرت منه النفوس فهو قبيح، وكل ما تشتهيه ~~[184ب] فهو حسن وقد رأينا ما تنفر عنه النفوس فهو حسن مثل الفصد والحجامة، ~~فإن النفوس تنفر عنها وهي حسنة، وما تشتهيه النفوس وهو قبيح مثل أخذ مال ~~الغير وقتله فإنها تشتهيه، والعقل يقبح ذلك. # وأما المقدمة الثالثة: وهي الوجه الذي لأجله وجب الواجب، وقبح القبيح، ~~وحسن الحسن، فالكلام منها يقع في موضعين: # أحدهما: في حكاية المذهب وذكر الخلاف. # والثاني: في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا إليه. # أما ms350 الموضع الأول: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف فمذهبنا أن القبيح ~~إنما يقبح لوقوعه على وجه وهو كونه ظلما، وكذبا، وعيبا، وإنما وجب الواجب ~~لوقوعه على وجه وهو كونه قضاء دين، ورد وديعة، وشكر نعمة. # وأما الحسن فعند الشيخين أنه إنما حسن لوقوعه على وجه وهو كونه جلب نفع، ~~أو دفع ضرر، وعند أبي عبدالله البصري: أنه إنما حسن بحصول غرض فيه ونفرة ~~عنه وجوه القبح، وعند البغداديين أن الشيء إنما يقبح لصورته وعينه ويحسن ~~لصورته وعينه، والخلاف في ذلك مع المجبرة وهم فريقان: # الفريق الأول: قالوا إن الواجب إنما وجب، وكذلك القبيح إنما قبح لكوننا ~~مأمورين منتهيين، وهم الأشعرية. # والفريق الثاني: قالوا إنما وجب الواجب وقبح القبيح؛ لكوننا مملوكين ~~مربوبين، وهم الجهمية أصحاب جهم بن صفوان. PageV01P408 # وأما الموضع الثاني: وهو في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وإبطال ما ذهبوا ~~إليه فالذي يدل على ذلك وجوه: # الأول: أنا نقول لهم إن العقلاء متى علموا بوقوع الظلم على وجه وهو كونه ~~ظلما، وكذلك الكذب والعيب متى علموا وقوعها على وجه وهو كونهما كذبا وعيبا ~~علموا قبحهما وإن جهلوا جميع الأشياء، ومتى لم يعلموا وقوعهما على هذه ~~الوجوه لم يعلموا قبحها، وكذلك متى علموا وقوع قضاء الدين على وجه وهو كونه ~~قضاء له، علموا وجوبه وهكذا رد الوديعة متى علموا كونه رد إليها علموا ~~وجوبه، وإن جهلوا الأشياء جميعا ومتى لم يعلموا وقوعهما على ذلك الوجه لم ~~يعلموا وجوبها. # الوجه الثاني: إن كان يلزمهم في الملحدة أن لايعلموا وجوب قضاء الدين ورد ~~الوديعة ولا شكر المنعم؛ لأنهم غير مأمورين ولا منتهين ولا عرفوا الشرائع. # الوجه الثالث: أنه كان يلزم في المريد أن ينفي عنه العلم بقبح الظلم ~~والكذب والعيب، وينفي عنه العلم بوجوب [185أ] قضاء الدين، ورد الوديعة، ~~وشكر المنعم، كما ينفى عنه العلم بقبح الزنا، وشرب الخمر، لما كانت شر عنده. # الوجه الرابع: أنه كان يلزم إفحام الأنبياء والرسل، فنقول لهم لا يخلو ~~إما أن يأتوا الأنبياء بما يوافق العقل ms351 أو بما يخالفه، فإن قالوا: أتوا بما ~~يوافقه، قلنا: بطل مذهبكم؛ لأن العقل قد حسن ما أتوا به، وإن قلتم إنه ما ~~أتوا بما خالفه فإنهم منا، قال لنا الأنبياء: يجب عليكم أن تنظروا في ~~نبؤتنا وصدق ما جئنا به، قلنا: إن ذلك لا يجب علينا حتى نعلم أنا مأمورين ~~منتهون، ونحن لا نعلم كوننا مأمورين منتهين إلا بعد أن نعلم صدقكم، ونحن لا ~~نعلم صدقكم إلا بأن ننظر فنحن لا ننظر حتى لا نعلم فيؤدي هذا إلى الدور فلا ~~نعلم صدقه فيما أتوا به من الشرائع حتى نعلم أنا مأمورون منهون؛ لأن الأمر ~~والنهي هو وجه الوجوب، ولا نعلم أنا مأمورون منهيون حتى نعلم صدقهم فيما ~~أتوا به من الشرائع، فهذا هو الدليل على صحة ما ذهبنا إليه. PageV01P409 # وأما إبطال قولهم إن الواجب إنما وجب، والقبيح إنما قبح؛ لكوننا مأمورين ~~منهين فباطل من وجوه: # الأول: أنه كان يلزم إذا أمر الله تعالى بالظلم والكذب والعيب أن يحسن ~~لأجل الأمر، وإذا نهى عن قضاء الدين، ورد الوديعة، وشكر المنعم، أن يقبحه ~~لأجل النهي. # الوجه الثاني: أنه كان يلزم إذا أمرنا بأمر قبيح أن يجب، أو نهينا عن حسن ~~أن يقبح. # الوجه الثالث: أنه كان يلزم أن تكون أفعال الله تعالى ليست بحسنة ولا ~~قبيحة؛ لأنه ليس بمأمور ولا منهي، وقد إلتزم الأشعري هذه المقالة فخرق ~~الإجماع. # وأما إبطال قول من قال إنما وجب الواجب وقبح القبيح لكوننا مملوكين ~~مربوبين فكان يلزم أن تكون أفعالنا إما قبيحة جميعا أو حسنة جميعا؛ لأن ~~معهما على سواء، وكان يلزم أيضا أن أفعال الله تعالى ليست بحسنة ولا قبيحة؛ ~~لأنه ليس مملوك ولا مربوب. # وأما إبطال قول البغداديين في أن الشيء إنما يقبح لصورته وعينه فباطل؛ ~~لأنه إذا كان كذلك فإنا نقول السجدة الواحدة إذا كانت لله تعالى حسنة ومتى ~~كانت للشيطان كانت قبيحة لوقوعها على وجه، فيلزمهم إذا كان الشيء يقبح ~~لصورته وعينه أن يكونا قبيحين جميعا أو حسنين جميعا، والمعلوم خلاف ذلك. ms352 # وأما المقدمة الرابعة: وهي أن الله تعالى قادر على مالو فعله لكان قبيحا ~~[185ب] فالكلام منها يقع في ثلاثة مواضع: # أحدها: في حكاية المذهب وذكر الخلاف. # والثاني: في الدليل. # والثالث: في الشبهة وإبطالها. # أما الموضع الأول: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف فالناس على قولين، ~~منهم من قال إن الله تعالى يقدر على فعل القبيح، ومنهم من قال إنه لا يقدر، ~~والذين قالوا يقدر هم جمهور العدلية، وإفترقوا على قولين: PageV01P410 # أحدهما: ما ذهب إليه الجمهور أيضا أنه قادر عليه بمعنى أنه يصح منه، لكن لا ~~يفعله لأجل العدل والحكمة، وذهب أبو الهذيل، وأبو الحسين، ومحمود بن ~~الملاحمي إلى أنه قادر عليه لكنه يستحيل من جهته، والذين قالوا لا يقدر ~~عليه إختلفوا على قولين أيضا: فمنهم من قال لا يقدر عليه لا على إنفراد ولا ~~مع غيره وهو النظام، والأسواري أبو علي، وذهب النجارية بأنه لا يقدر عليه ~~تفردا بل يفعله أحدنا والعبد أكتسابا. # وأما الموضع الثاني: وهو في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وإبطال قول ~~المخالف، أما إبطال قول ابن الملاحمي ومن معه، فذلك باطل لوجهين: # أحدهما: أن قولهم أنه قادر عليه لكنه مستحيل من جهته مناقضة. # الوجه الثاني: أن هذا بناء منهم على أصل فاسد، وهو أن الفعل لا يصح إلا ~~بداعي وقد تقدم إبطاله؛ لأنهم يقولون لايوجد الفعل إلا بداعي ولا داعي لله ~~تعالى إلى فعل القبح فيكون مستحيلا. # وأما إبطال قول النظام وأبي علي الأسواري فمن وجوه: # الأول: أن الله تعالى قادر لذاته فيجب أن يكون قادرا على جميع أجناس ~~المقدورات، والقبائح من جملة المقدورات فيجب أن يقدر عليها، وقد إعترض هذا ~~بأن قيل أليس عندكم أن الله قادر لذاته ولم يقدر على أعيان مقدورات العباد، ~~ولا يكون ذلك نقضا، فهلا قلتم إنه لا يقدر على فعل القبيح ولا يكون نقضا. # والجواب: أن الدلالة القاطعة قد دلت على أنه قادر على جميع أجناس ~~المقدورات، ولم تدل على أنه ليس بقادر على فعل القبيح. # وأما على قول ms353 أبي الحسين ومن وافقه فإنه يقول: إنه يقدر على أفعال العباد جميعا. # وأما الحسن منها فلأن مذهبه أن مقدورا بين قادرين صحيح. # وأما القبيح منها فإنه يقدر عليه ويستحيل منه. # وأما على قولنا فإنا نقول وإن نفينا أن يقدر الله تعالى على أعيان ~~مقدروات العباد فإنه يقدر [186أ] على أجناسها ومن كل جنس في كل وقت على ما ~~لا يتناها فقولوا إنه يقدر على جنس القبيح وأنتم لا تقولون به. PageV01P411 # الوجه الثاني: من قبل الإعتراض أن الله تعالى قادر على إظهار المعجزة على ~~يدي النبي الصادق فكذلك يقدر على إظهاره على يدي الكاذب؛ لأن الصدق والكذب ~~ليس لهما تأثير في قدرة الله تعالى. # الوجه الثالث: أن الله تعالى قادر على أن يقول لأن العالم قديم وهو صدق ~~فيجب أن يقدر على أن يقول العالم قديم وهو كذب؛ لأن من قدر على ثلاثة ألفاظ ~~قدر على لفظين من تلك الثلاثة أولى وأخرى. # الوجه الرابع: أنا نسألهم هل هو قادر على الإخلال بالواجب أم لا؟ فإن ~~قالوا: إنه لا يقدر على الإخلال لزمهم أن يكون ملجأ إلى فعله ولا يكون ~~مختارا لفعله فلا يستحق المدح والتعظيم، وإن قالوا هو قادر فالإخلال ~~بالواجب قبيح فثبت أنه قادر على فعل القبيح. # وأما الموضع الثالث: وهو في الشبه شبههم أن قالوا لو كان الله تعالى قادر ~~على فعل القبيح لصح منه ولكان فادحا في العدل والحكمة. # والجواب من وجوه: # الأول: المعارضة بالأنبياء والملائكة، فلا خلاف أنهم معصومون عن الكبائر، ~~وعن بعضهم أيضا أنهم معصومون من الصغائر، وهم قادرون على فعل القبيح، ويصح ~~منهم ولم يفدح في عدلهم ونبوتهم وحكمتهم. # الوجه الثاني: ما ذكره إبن الملاحمي أنه قادر عليه، لكنه مستحيل وقوعه من جهته. # الوجه الثالث: أنا نقول ما يريدون بأنه يقدح في العدل والحكمة يريدون أنا ~~نشك ونتوهم أن يفعله أو يريدون أنه يصح منه أن يفعله، إن كان الأول فلا ~~يلزم منا؛ لأن الدلالة قد دلت على أنه عدل حكيم فينزه من فعله، وإن ms354 أردتم ~~الثاني وهو أنه يصح منه أن يفعله بمعنى أنه قادر على فعله ولا يفعله فهذا ~~هو مذهبنا، ولا يكون ذلك نقضا بل هو ألمع في المدح؛ لأن التارك للشيء مع ~~القدرة يكون مدحه أبلغ مما لو تركه وهو غير قادر عليه، بل هو لا يسمى ~~تاركا، وبتمام ذلك تم الكلام في المقدمات، ثم نرجع إلى الغرض المقصود وهو ~~أن الله تعالى لا يفعل القبيح والكلام منه يقع في موضعين: # الأول: في حكاية المذهب وذكر الخلاف. PageV01P412 # والثاني: في الدليل [186ب]. # أما الموضع الأول: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف بين أهل القبلة على ~~سبيل الجملة أن الله تعالى لا يفعل القبيح، وإختلفوا في التفصيل فذهب أهل ~~العدل إلى أنه لا يفعل الظلم ولا الجور ولا يقبح منه ذلك، فهم مخالفون في ~~المعنى دون اللفظ. # وأما الموضع الثاني: وهو في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه، وفساد ما ~~ذهبوا إليه، فالذي يدل على ذلك وجهان: # أحدهما: أنا لا نقيس الغائب على الشاهد بل يصح أن نورد طريقة مبتدأة ~~فنقول: إن صوارفه تعالى متوفرة إلى أن لا يفعل القبيح ولا داعي له إلى ذلك ~~وهو قادر على أن يفعله وغير ممنوع، وكذا من كان بهذه الأوصاف فإنه لا يفعل ~~القبيح، والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن صوارفه متوفرة إلى أن لا يفعل القبيح ولا داعي له إلى ذلك وهو ممنوع. # والثاني: أن كل من كان بهذه الأوصاف فإنه لا يفعل إما أن صوارفه متوفرة ~~فلعلمه بقبحه وإستغنائه عنه، وإما أنه لا داعي له إلى ذلك فلأن الذي يدعو ~~إلى القبح ليس إلا الجهل بقبحه والحاجة إليه، وهذا لا يجوز على الله تعالى، ~~وإما أنه قادر فلأنه قادر لذاته، وأما أنه غير ممنوع فالمنع لا يجوز على ~~الله تعالى. # وأما الأصل الثاني: وهو أن كل من كان بهذه الأوصاف فإنه لا يفعل القبيح ~~وذلك معلوم ضرورة. # وأما الطريقة الثانية: فهي القياسية وهي أن نقول إنه عالم بقبح القبائح ~~وغني عن فعلها، وعالم باستغنائه ms355 عنها، وذكر قاضي القضاة في (المحيط) حكاه ~~عنه الشيخ أبو محمد بن ...... قال: لا حاجة إلى قوله وغني عن فعله؛ لأن ~~قوله وعالم بإستغنائه عنه يعني عن ذلك، وكل [187أ] من كان بهذه الأوصاف ~~فإنه لا يفعل القبح، والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه عالم بقبح القبائح وغني عن فعلها، وعالم باستغنائه عنها. # والثاني: أن كل من كان بهذه الأوصاف فإنه لا يفعل القبائح. PageV01P413 # أما أنه عالم بقبح القبيح؛ فلأنه عالم لذاته، والعالم للذات يجب أن يكون ~~عالم بجميع المعلومات، والقبائح من جملة المعلومات فيجب أن يعلمها. # وأما أنه غني عن فعلها؛ فلأنه غني لا تجوز عليه الحاجة فيدخل في ذلك ~~الحسن والقبيح. # وأما أنه عالم بإستغنائه عنها فلما ثبت أنه عالم لذاته فلا بد أن يعلم ~~بإستغنائه عنها. # وأما الأصل الثاني: وهو أن كل من كان بهذه الأوصاف فإنه لا يفعل القبيح، ~~فالذي يدل على ذلك ما نعلمه في الشاهد من أن الواحد منا متى كان عالما بقبح ~~القبائح، وغني عن فعلها، وعالما بإستغنائه عنه فإنه لا يفعل، وإنما لم ~~يفعله لاجتماع هذه الأوصاف، والقديم تعالى قد اجتمعت فيه هذه الأوصاف، فيجب ~~أن لا يفعله، وهذه الدلالة مبنية على أربع أصول: # أحدها: أن الواحد منا متى اجتمعت فيه هذه الأوصاف، فإنه لا يفعل القبيح. # والثاني: أنه إنما لم يفعله لاجتماعها. # والثالث: أن القديم تعالى قد إجتمعت فيه هذه الأوصاف. # والرابع: أنه لا يفعل القبيح. # أما الأصل الأول: وهو أن الواحد منا متى إجتمعت فيه هذه الأوصاف لم يفعله ~~فذلك معلوم ضرورة دليله إذا قيل له إن صدقت أعطيناك درهما وإن كذبت أعطيناك ~~درهما فإنه يختار الصدق متى كان عالما بقبح الكذب وغني عن فعله بأن يستوي ~~الدرهمان، ولا غرض له زائد في ذلك، ونعلم أنه غني عنه. # وأما الأصل الثاني: وهو أنه إنما لم يفعله لاجتماع هذه الأوصاف، فالذي ~~يدل على ذلك أن الحكم يثبت بثباته، ويزول بزواله، وليس هناك ما تعليق الحكم ~~عليه أولى أما إنه يثبت بثباته ms356 فلأنه [187ب] ما إجتمعت هذه الأوصاف لم ~~يفعله، وأما أنه يزول بزواله فلأنه متى اختلت أو اختل واحد منها صح أن يفعل ~~ذلك، وأما أنه ليس هناك ما تعليق الحكم به أولى؛ فلأنه كان يصح أن تجتمع ~~هذه الأوصاف ويفعل بأن تكون العلة عند اجتماعها، وتحمل هذه أو واحد منها، ~~ويسمى في كونه لا يفعل بأن تحصل العلة. PageV01P414 # وأما الأصل الثالث: وهو أنها قد اجتمعت في القديم تعالى فقد بيناه. # وأما الأصل الرابع: وهو أنه يجب أن لا يفعل فلأن من حق كل مشتركين إشتركا ~~في علة حكم، فالواجب أن يشتركا في ذلك الحكم والإتحاد على كون العلة علة ~~بالنقض والإبطال، وهاهنا أصل وفرع، وعلة وحكم، فالأصل هو الواحد منا، ~~والفرع هو القديم تعالى، والعلة اجتماع هذه الأوصاف، والحكم أنه لا يفعل ~~القبيح، فإذا كان الفرع وهو القديم تعالى قد شارك الأصل وهو الواحد منا في ~~العلة الرابطة وهي اجتماع هذه الأوصاف وجب أن يشاركه في الحكم وهو أن لا ~~يفعل القبيح، والعلة في الغائب هاهنا أقوى فيجب أن يثبت الحكم أولى، فهذا ~~هو الكلام في الفصل الأول. # وأما الفصل الثاني: وهو أنه تعالى لا يخل بالواجب فالكلام منه يقع في ~~ثلاثة مواضع: # أحدها: في حكاية المذهب وذكر الخلاف في وجوب الواجبات عليه تعالى. # والثاني: في بيان وجوب الواجبات، والدليل على وجوبها. # والثالث: في الدليل على أنه لا يخل بالواجب. # أما الموضع الأول: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف، فمذهبنا أن الله ~~تعالى تجب عليه واجبات، والخلاف في ذلك مع المجبرة فإنهم قالوا لا يجب عليه ~~واجب؛ لأن الواجب إنما وجب علينا لكوننا مملوكين مربوبين، مأمورين منهيين، ~~وكلا منهما لا تجوز على الله تعالى. # وأما الموضع الثاني: وهو في بيان الواجبات على الله تعالى والدليل على ~~وجوبها عليه تعالى، فقد تقدم بيان ذلك في المكلف. # وأما الموضع الثالث: وهو في الواجبات على الله تعالى، فالذي يدل على ذلك ~~أن دواعيه متوفرة إلى فعله، ولا صارف له وهو قادر على الفعل ms357 وغير ممنوع، ~~وكل من كان بهذه الأوصاف فإنه يفعل الفعل بكل حال، والدلالة مبنية على أصلين: # أحدها: أن دواعيه متوفرة إلى فعله ولا صارف له، وهو قادر غير ممنوع. PageV01P415 # والثاني: أن كل من كان بهذه الأوصاف وجب أن يفعل أما أن دواعيه متوفرة ~~[188أ] إلى فعله فلعلمه بحسنه ووجوبه، وأن من أخل به إستحق الذم، وأما أنه ~~لا صارف له فلأنه لا يصرف عن الفعل الواجب إلا لجهل يوجبه، أو لعجز عن ~~آدابه، أو حصول مشقة، وكل هذه الأمور لا تجوز على الله تعالى. # واما أنه قادر فلأنه قادر لذاته، وأما أنه غير ممنوع فلأن المنع لا يجوز ~~إلا على العاجز والقادر بقدرة، وكلاهما لا يجوزان على الله تعالى. # وأما الأصل الثاني: وهو أن كل من كان بهذه الأوصاف وجب أن يفعل فهو معلوم ~~ضرورة، وأدللنا عليه، فليس هو إلا على سبيل الإستظهار، والذي يدل على ذلك ~~أن الواحد منا إذا كان محتاجا إلى الأكل ولا صارف له عنه وهو قادر على أن ~~يأكل وغير ممنوع فإنه يجب أن يأكل وإلا خرج عن كونه قادرا، ولهذا فإن العرب ~~لما لم يعارضوا القرآن مع توفر دواعيهم ولا صارف لهم وهم غير ممنوعين دل ~~على عجزهم، وأنهم ليسوا قادرين على معارضته. # وأما الفصل الثالث: وهو أن أفعاله كلها حسنة، فالكلام منه يقع في موضعين: # أحدهما: في حكاية المذهب وذكر الخلاف. # والثاني: في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا إليه. # أما الأول: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف فمذهب جميع العدلية أن أفعال ~~الله تعالى كلها حسنة، والخلاف في ذلك مع المجبرة عموما، ومع الأشعرية ~~خصوصا، ومع المطرفية. # أما مع المجبرة فإنهم يقولون إن القبائح من أفعال الله تعالى، ويقولون إن ~~ما حصل في العالم من الظلم والجور فإن الله فاعله فهم مخالفون في المعنى ~~دون اللفظ. # وأما الأشعرية فإنهم يقولون إن أفعال الله تعالى ليست بحسنة ولا قبيحة. # أما المطرفية فإنهم يقولون أن المتعديات من أفعال الله تعالى، وفيها ms358 ما ~~هو قبيح فيلزمهم القول بذلك. PageV01P416 # وأما الموضع الثاني: وهو في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا ~~إليه، فالذي يدل على ذلك أنها لو لم تكن حسنة لكانت قبيحة، ولا يجوز أن ~~تكون قبيحة، والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: [188أ] لو لم تكن حسنة لكانت قبيحة. # والثاني: لا يجوز أن تكون قبيحة. # أما الأصل الأول: فالذي يدل على ذلك أنها قسمة دائرة حاضرة، وبيان ذلك ~~أنك تقول الفعل لا يخلو إما أن يكون للإقدام عليه مدخل في استحقاق الذم أم ~~لا، إن كان فهو القبيح وإن لم يكن فهو الحسن. # والذي على الثاني: قد تقدم بيانه في الفصل الأول. # وأما الموضع الثالث من المسألة: وهو في ذكر الشبه وإبطالها فلا شبهة لهم ~~على أنه ليس بعدل حكيم، وإنما لهم الشبهة في أنه يفعل القبيح، وتحريرها ~~أنهم قالوا: إن الواحد منا إذا كان له أولاد وأم وخدم وعبيد وعلم أن بعضهم ~~يقتل بعضا، ويعجز بعضهم ببعض فإن التخلية قبيحة. # قالوا: وقد وجد هذا بعينه في حق الله تعالى من أنه خلى بين خلقه ولم يقبح منه. # والجواب عن هذه الشبهة من وجوه: # الأول: أن هذا جمع بين أمرين من غير علة جامعة ولا طريق ناظمة، وما هذا ~~حاله لا يقبل. # الوجه الثاني: أن القبح لا يقبح لصورته ولا بعينه، وإنما يقبح لوقوعه على ~~وجه، فأردنا أنه وقع من الله تعالى على وجه القبح ولم يقبح. # الوجه الثالث: أن الفرق ظاهر وهو أن الله تعالى مكلف للخلق فلو منعهم ~~بالقهر والغلبة لبطل التكليف ولم يستحقوا مدحا، ولاذما، ولا ثوابا، ولا ~~عقابا، وقد منعهم تعالى بالزجر ونهاهم وتوعدهم على فعل المعاصي، وعدهم على ~~فعل الطاعات وترك المعاصي، بخلاف الواحد منا فإنه مأمون بالمنع بالقهر ولا ~~يبطل بذلك عوض وتعاقب على تركه وبيان على فعله، وذلك من جملة التكليف عليه. PageV01P417 # الشبهة الثانية: أن قالوا المعلوم في الشاهد أن الواحد منا إذا قتل عبده أو ~~أحرق ماله أو أغرقه فإنه يقبح منه، ms359 وقد وجد هذا بعينه في حق الله تعالى مثل ~~الموت، والحريق، والغرق، ونحوه، ولم يقبح منه. # والجواب عن هذه الشبهة من وجوه: # الأول: أن هذا جمع بين أمرين من غير علة إلى آخره. # الثاني: أن هذا بناء منكم على أصل فاسد، وهو أن الفعل يقبح لصورته وعينه، ~~وليس كذلك، وإنما يقبح لوقوعه على أي وجه من أي فاعل وقع، ولهذا [189أ] فإن ~~السجدة الواحدة قد تكون حسنة وقد تكون قبيحة، فحسنة بأن تكون لله تعالى، ~~وقبيحة بأن تكون للشيطان. # الوجه الثالث: الغرق وهو أن الله تعالى لا يفعل ذلك إلا لحكمة وصواب، نحو ~~جلب منفعة، أو دفع مضرة، أو استحقاق، بخلاف الواحد منا فإنه لا يفعل الفعل ~~إلا ظلما، أو عبثا، أو جورا، فهذا هو الكلام في المسألة الأولى، وهو أن ~~الله تعالى عدل حكيم. ### ||| AUTO المسألة الثانية: في أفعال العباد، والكلام منها يقع في خمسة مواضع: # الأول: في حقية الفعل وقسمة الأفعال بحسب المبتدأ والمتولد. # والثاني: في حكاية المذهب وذكر الخلاف. # والثالث: في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا إليه. # والرابع: في إبطال قولهم بالكسب. # والخامس: في شبههم وإبطالها. # أما الموضع الأول: وهو في حقيقة الفعل وقسمة الأفعال هو ما وجد من جهد من ~~كان قادرا عليه وقد تقدمت. # وأما قسمة الأفعال فلها قسم كثيرة، إلا أن المقصود فيها هاهنا المبتدأ ~~والمتولد، وهي تنقسم إلى قسمين: مبتدأ، ومتولد، وإن شئت قلت هو سبب ومسبب. # أما حقيقة المبتدأ: فهو الفعل الموجود من القادر من غير واسطة موجبة. # وحقيقة المتولد: هو الفعل الموجود من جهة القادر بواسطة موجبة. # وحقيقة السبب: هو كل ذات صدرت عنها ذات أخرى على سبيل الإيجاب. # وحقيقة المسبب: هو كل ذات أخرى على سبيل الإيجاب والأسباب ثلاثة، ~~والمسببات ستة. PageV01P418 # أما الأسباب: فهي الإعتمادات، والكون، والنظر، ويصدر من الإعتماد ... وكون ~~وصوت بشرط الصكة، وحقيقة الصكة هو تأليف بين جسمين صلبين عقب حركات ~~متوالية، أو حركات يقل السكوت بينها، والكون يصدر منه ألم وتأليف ويصدر عن ms360 ~~النظر العلم، والأسباب على ضربين: منها ما يقدر عليه مبتدأ، ومتولد، وهو ~~الإعتماد والكون، ومنها ما يقدر عليه إلا مبتدأ وهو النظر. # وأما المسببات فهي ستة: وهي الصادرة عن الأسباب، وهي الإعتماد، والكون، ~~والصوت، والتأليف، والألم، والعلم، [189ب] وهي على ضربين: منها ما يقدر ~~عليه الواحد منا مبتدأ ومتولد، وهي ثلاثة: الإعتماد، والكون، والعلم، ومنها ~~ما لا يقدر عليه إلا متولد، وهي الثلاثة الباقية، وهي الصوت، والتأليف، ~~والألم، وهذه بقدر الله ابتداء ومتولد، وعند أبي علي لا يقدر الله عليها ~~متولد، وإنما يقدر عليها ابتداء. # وأما الموضع الثاني: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف، فمذهب العدلية إلى ~~أن أفعال العباد منهم حسنها وقبيحها لا من الله تعالى وهو يتعالى أن يفعل ~~شيئا منها. PageV01P419 # والخلاف في ذلك مع المجبرة بأسرهم والمطرفية، أما المجبرة فاتفقوا على أن ~~أفعال العباد مضافة إليهم وأنهم مجبرون عليها، بمعنى أنه ليس لهم أن يفعلوا ~~ما تركوا ولا أن يتركوا ما يفعلوا، ثم افترقوا على فرق، فمذهب الجهمية إلى ~~أن أفعال العباد خلق الله فيهم، وإنما تضاف إليهم لأجل حلولها فيهم، كما ~~يضاف حركة الشجر إليها، وذهب الضرارية إلى أن أفعال العباد جميعها فعل الله ~~تعالى وكسب للعبد، والمتعديات يتفرد الله تعالى بها، وذهب الرازي والغزالي ~~والجوني إلى أن القدرة مؤثرة؛ لكن على سبيل الإيجاب، فرجعوا إلى مقالة ~~أصحابهم وهو أقل حظا؛ لأنهم أثبتوا القدرة مؤثرة، ثم بعدهم الجهمية فإنهم ~~زادوا في الجهالة من حيث نفوا تأثير القدرة، ثم بعدهم الضرارية فإنهم ~~أثبتوا ما لا يعقل وهو الكسب، ثم بعدهم الأشعية فإنهم زادوا بالجهالة ~~بالقسمة التي قالوا إن المبتدآت فعل الله تعالى وكسب للعبد، والباقي يتفرد ~~الله بها. # وأما المطرفية فإنهم يقولون الفعل الذي يوجد في الفاعل من جهته والذي في ~~غيره من الله تعالى، ويقولون إن ضارب ومضروب وضرر وإنضراب والصارف والمصروف ~~ظاهر، والضرب هو ما في الفاعل والإله وهو من الفاعل، والإنضراب هو ما في ~~المضروب، ويقولون أيضا فاعل ومفعول وفعل وإنفعال، وكذا قاتل، وغير ms361 ذلك قياسه. PageV01P420 # وأما الموضع الثالث: وهو في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا ~~إليه، فاعلم أنه لا خلاف بيننا وبينهم في تعليق الفعل بالفاعل، وأنه معلوم ~~ضرورة، وأنه وقع الخلاف في الكسب والحدوث، واختلف العدلية في ذلك فذهب أبو ~~الحسين وابن الملاحمي إلى أنه معلوم ضرورة جملة وتفصيلا، قالا: ولهذا فإن ~~العاقل يوجه الذم إلى الفاعل دون الإله، وأبلغ من هذا فإن الصبي يوجه المدح ~~والذم إلى الفاعل، ولا يوجهه إلى العود أو إلى الحجر وليس ذلك [190أ] إلا ~~لعلمه أنه فعله، وكذلك فإنهم يظلمون الفاعل بفعله طلب المضطر إلى أنه فعله، ~~وكذلك فإنهم يوجهون إليه المدح والذم، والأمر والنهي. # وأما الشيخان أبو علي وأبو هاشم فقالا: لا نعلم تعلق الفعل بالفاعل على ~~سبيل التفصيل إلا بالدلالة، والذي يدل على ذلك العقل والسمع. # أما العقل فأدلة وإلزامات: # الدليل الأول: أن نقول إن أفعالنا توجد بحسب قصودنا ودواعينا، وتنفى بحسب ~~كراهيتنا وصوارفنا مع سلامة الأحوال، إما محققا وإما مقدرا، فلولا أنها من ~~فعلنا وإلا لما وجبت فيها هذه القضية، فهذه الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنها توجد بحسب قصودنا ودواعينا، وتنفى بحسب كراهيتنا وصوارفنا. # والثاني: أنها لو كانت من فعل الله لما وجبت فيها هذه القضية. PageV01P421 # أما الأصل الأول: فالذي يدل على ذلك أن الواحد منا متى دعاه الداعي المكين ~~إلى إيجاد فعل فهو قادر عليه، ولا صارف له عنه، وغير ممنوع، ودواعيه متوفرة ~~إليه، ولا صارف له عنه، فإنه يجب أن يأكل بكل حال، وإلا خرج عن كونه قادرا، ~~وأما أنها تنتفى بحسب كراهيتنا وصوارفنا مع سلامة الأحوال، فالذي يدل على ~~ذلك أن الواحد منا متى علم أن عليه مضرة في الخروج من المسجد وليس له فيه ~~منفعة وهو قادر على الترك وغير ممنوع منه، فإنه يجب ألا يفعل بكل حال، وإلا ~~خرج عن كونه قادرا، ونريد بسلامة الأحوال ألا يقابل داعية صارف مثله، وأكثر ~~منه ولا يقابل صارفه داع مثله، وأكثر منه وألا يمنعه مانع من ms362 ذلك، ونريد ~~بقولنا إما محققا وإما مقدرا فالمحقق فعل العالم المميز لفعله، والمقدر فعل ~~الساهي والنائم. # وأما الأصل الثاني: وهو أنها لو كانت من فعل الله تعالى لما وجبت فيها ~~هذه القضية، فالذي يدل على ذلك ما نعلمه من صوارفنا وألواننا، فإنها لما ~~كانت من فعل الله تعالى لم توجد بحسب قصدنا ودواعينا، ولا تنفى بحسب ~~كراهيتنا وصوارفنا، وكذلك كان يجب في أفعالنا لو كانت من فعل الله تعالى، ~~فلما علمنا الفرق بين الأفعال وبين الصور والألوان دل على أن أفعالنا منا ~~لا من الله تعالى، وقد أوردوا هاهنا اعتراضين: # أحدهما: أن قالوا ما أنكرتم أن الله تعالى يفعلها فينا لأجل العادة قد ~~عودنا بأنا متى [190ب] أردنا حصولها ودعانا إليها داع أوجدها فينا، ومتى لم ~~نرد حصولها وكرهناها لم يوجدها كما في سير الدابة، فإنه من فعلها وليس من ~~فعل الراكب، ولو وجد مطابقا لقصده، وهكذا أهل الجنة فإن الثواب يحصل بحسب ~~قصدهم وهو من فعل الله تعالى. # والجواب عليهم من وجوه: # أحدها: أنا نقول لا طريق لكم إلى إثبات الصانع؛ لأن الطريق ليس إلا ~~أفعالنا، وقد أبطلتم أن يكون لنا فعل. PageV01P422 # الوجه الثاني: أنها لو كانت لأجل العادة التي عودنا الله تعالى لجاز انحراف ~~العادة، فكان يتوفر الواحد منا إلى الفعل ولا يحصل منه، وهو مع ذلك قادر ~~عليه، وغير ممنوع منه ولا صارف له عنه، بإن لا يوجد الله تعالى أو تكون ~~صوارفه متوفرة عن الفعل ولا داعي له إليه، وهو غير قادر عليه، ويحصل منه ~~بأن يوجد الله تعالى وذلك لا يجوز. # الوجه الثالث: أنه كان يجب أن يكون مدفوعا إليها كما في الصور والألوان ~~لما لم تكن من فعلنا، وكذلك الإرتعاش فإنه لما لم يكن من فعلنا كان الإنسان ~~مدفوعا إليه، وليس كذلك في أفعالنا التي تقف على أحوالنا. # الوجه الرابع: أنها لو كانت توجد بحسب قصودنا ودواعينا وليست من أفعالنا ~~لجوزونا أن لا تكون منه تعالى، وإن كانت توجد بحسب إرادته وتنفى بحسب ~~كراهته. ms363 # وأما قولهم بمثال الدابة فإن قصد الدابة وافق قصد الراكب فإنه لو رام ~~الإقدام بها على الأسد، وفي الهوام، أو الحيد، أو الماء، لم يتم ذلك منها. # وأما أهل الجنة وافق قصدهم قصد القديم تعالى وعصبهم على ذلك فلو أرادوا ~~بلوغ درجة الأنبياء لم يحصل لهم ذلك. # الإعتراض الثاني: أن قالوا إن هذا ينتقض عليكم بفعل الساهي والنائم ~~فإنهما يفعلان من غير قصد ولا داعي لهما عندكم. # والجواب عن هذا من وجوه: # الأول: أنا قد إشترطنا وقلنا إما محققا وإما مقدرا فإنا نقدر أنه لو كان ~~نقضان فإنه يوجد بحسب قصدة وداعيه. # الوجه الثاني: أن دليلنا إنما هو على غير الساهي والنائم، وليس يلزم أنه ~~متى حصل دليل يدل على جميع الأشياء. # الوجه الثالث: أنا ندل على الساهي والنائم، والدليل عليه من وجهين: # أحدهما: أن أفعاله تقف على قدرة فتقل بقلتها وتكثر بكثرتها، ولهذا فإن ~~النائمين يتجاذبان الثوب فتشتد به أيديهما قدرا فدل على أنه فعلهما. # الوجه الثاني: أنه لو كان من فعل الله تعالى للزم [191أ] أن يكون تعالى ~~فاعلا للقبيح؛ لأنه يصدر منه في منامه ماهو خطأ، وذلك لا يجوز على الله تعالى. PageV01P423 # الدليل الثاني: وهو مختلف فمنهم من قال أنه إلزام، ومنهم من قال: إنه دليل، ~~والأظهر أنه دليل، وتحريره أنه يحسن دخول الأمر والنهي عليها، ويتعلق بها ~~المدح والذم، فلو كانت من فعل الله تعالى لما حسن فيها شيء من ذلك، وهذه ~~الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه يحسن دخول الأمر والنهي عليهما، ويتعلق بها المدح والذم. # والثاني: أنها لو كانت من فعل الله تعالى لما حسن فيها شيء من ذلك. # أما الأصل الأول: فالذي يدل عليه العقل والسمع. # أما العقل: فما نعلمه في الشاهد فإنهم يحسنون الأمر بقضاء الدين، ورد ~~الوديعة، وشكر المنعم، وهكذا إكرام الضيف، ويستحسنون النهي عن الظلم، ~~والكذب، وما شاكل ذلك. # أما الشرع: فقد ورد بحسن الأمر بفعل الصلاة، والزكاة، ونحوها ورد بحسن ~~النهي عن أشياء نحو الزنا، وشرب الخمر. # وأما الأصل ms364 الثاني: وهو أنها لو كانت من فعل الله تعالى لما وجب فيها شيء ~~من ذلك، كالصور والأولان، ولهذا فإن العقلاء يذمون على من ذم غيره على ~~طوله، أو قصره، أو على حسن صورته، أو قبحها، بأنه سخيف العقل لما لم يكن ~~لها به تعلق، ولا يمدح ولا يذم لأجلها، فإنه قيل ليس لكم أن تستدلوا بالأمر ~~والنهي، والمدح والذم، على أفعالكم حتى تثبت أنها أفعالكم؛ لأنه لا يصح أن ~~تكونوا مأمورين بها منهيين عنها، ممدوحين مذمومين عليها، إلا بعد أن تضاف ~~إليكم، وإذا استدللتم بهذا الدليل أدى إلى الدور فلا يعرفوا الأمر والنهي ~~حتى تعرفوا أنها أفعالكم، ولا تعرفوا أنها أفعالكم حتى تعرفوا الأمر بها ~~والنهي عنها. # والجواب: أنا نقول أما على قول أبي الحسين: فإنها عندهم معلومة ضرورة، ~~جملة وتفصيلا. PageV01P424 # وأما على قول الشيخين: فإنا نعلم أنها متعلقة بالفاعل على سبيل الجملة ~~ضرورة، ومتى علمنا تعلقها بالفاعل على سبيل الجملة حسن دخول الأمر والنهي ~~عليها، وتعلق المدح والذم عليها على هذا الوجه، فإذا ثبت ذلك إستدللنا ~~عليها بالأمر والنهي، وبالمدح والذم على سبيل التفصيل، وهو أنها فعله وليس بكسب. # وأما الإلزامات فالأول منها: أن الله تعالى لو كان فاعلا للظلم والجور ~~لوجب أن يشتق له منها إسما فيسمى بفعله للظلم ظالما، وبفعله للجور جائرا، ~~وذلك لا يجوز، وهذه الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه لو كان فاعلا للظلم والجور لوجب أن يشق له منها إسما. # والثاني: أن ذلك لا يجوز [191ب]. # أما الأصل الأول: فالذي يدل عليه وجهان: # أحدهما: أن أهل اللغة يشتقون للفاعل من فعله إسما، ويشتقون للصارف من ~~فعله للضرب صارفا، ومن فعله للسم ساما، وكذلك ما نعلمه من أفعال القديم ~~تعالى مثل خالق ورازق ومنعم فإنها لما كانت من فعله إشتق له منها إسما، ~~فكذلك كان يجب في الظلم والجور مثله. # الوجه الثاني: أن هذا يكون مناقضة لقولهم أن يفعل الظلم وليس بظالم، ~~ويفعل الجور وليس بجائز، وهكذا في الكذب. # وأما الأصل الثاني: وهو أن ذلك ms365 لا يجوز فلا خلاف بين المسلمين أن من وصف ~~الله بالظلم والجور فقد خرج من زمرة المسلمين، ودخل في زمرة الملحدين. # وأما الإلزام الثاني: فهو أنه لو كان يفعل الظلم والجور والكذب لم يكن ~~لنا طريق إلى إثبات النبوة، ولا إلى إثبات كونه عدلا حكيما؛ لأنا من أن ~~يكون ذلك تقريرا وتلبيسا منه وهو من جملة القبائح؛ لأنه لا يخلو إما أن ~~يفعلها وتقبح منه أو يفعلها ولا تقبح منه، إن قالوا إنه يفعلها وتقبح منه ~~فقد أثبتوا أنه فاعل للقبائح، وإن قالوا إنه يفعلها ولا تقبح منه فقد دللنا ~~على أن أفعال العباد منهم لا منه. PageV01P425 # الإلزام الثالث: أنه لو كان يفعل الظلم والجور لما استحق العبادة؛ لأنها ~~غاية التعظيم والشكر، وإذا كان يفعل الظلم والجور لم يستحقها؛ لأنه لا ~~يستحقها إلا المختص بصفات الكمال، وفعل الظلم والجور والكذب من صفات النقص، ~~تعالى عن ذلك علوا كبيرا، فهذا هو الدليل من جهة العقل. # وأما الدليل من جهة السمع: فأعلم أنه لا يصح الاستدلال بالسمع على هذه ~~المسألة، وإنما استدل الشيخ بالسمع عليها لوجوه أربعة: # أحدها: أنه أراد أن يبين أن الأدلة متطابقة فيكون ذلك أبلغ في الدلالة. # الثاني: أنه لا خلاف بيننا وبينهم أنه حجة فإحتج به عليهم. # الثالث: أنهم لما استدلوا أنه أراد أن يعارضهم. # الرابع: أن العلماء المتقدمين لما لم يكونوا استدلوا به في هذه المسألة ~~وغيرها مما لا يصح الاستدلال عليها بالسمع، فأنكرت عليهم الأشعرية والحشوية ~~وسبقوا عليهم بذلك، وقالوا: هؤلاء لا دليل لهم السمع لا في الكتاب ولا في ~~السنة، فأراد الشيخ أن يعلمه أنه دليل لنا أبلغ منهم، والسمع يدل على ~~مذهبنا جملة وتفصيلا. # أما الجملة: فالقرآن مشحون بالأمر والنهي، والوعد والوعيد، والمدح والذم، ~~فلا يحسن [192أ] هذا إلا إذا كان لنا أفعال. # وأما التفصيل: فاعلم أن الله تعالى قد أضاف أفعال العباد إليهم بمعنى ~~الفعل والظلم، والإضرار والخلق، والعمل والكسب، والقول والكتابة. # أما الفعل والظلم والإضرار فقوله تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ms366 ~~ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم ~~يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون}. # وأما الخلق فقوله تعالى: {وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير} وقوله {وتخلقون إفكا}. PageV01P426 # وأما العمل فقال تعالى: {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من ~~سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا}. # وأما الكسب فقوله تعالى: {ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد ~~احتمل بهتانا وإثما مبينا}. # وأما القول فقوله تعالى: {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت ~~النصارى ليست اليهود على شيء}. # وأما الكتابة فقوله تعالى: {فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما ~~يكسبون}. # وأما الموضع الرابع: وهو في إبطال قولهم بالكتب، فالكلام منه يقع في ~~ثلاثة مواضع: # الأول: في الوجه الملجئ لهم إلى القول بالكتب وحقيقة الكتب في أصل اللغة ~~والاصطلاح. # والثاني: في حكاية المذهب وذكر الخلاف. # والثالث: في الدليل على صحة ماذهبنا إليه وفساد ما ذهب إليه المخالف. # أما الموضع الأول: وهو في الوجه الذي الجأهم إلى القول بالكسب وحقيقته، ~~فاعلم أن غرضهم بذلك الفرار مما ألزمهم أهل العدل من قبح الأمر والنهي، ~~وإنزال الكتب، وإرسال الرسل؛ لأن لهم أن يقولوا إذا كانت أفعالنا خلقا لله ~~تعالى فينا فلأي غرض جئتمونا فإرسالكم يكون عبثا؛ لأن الله تعالى إن فعلها ~~فينا حصلت، وإن لم يفعلها لم تحصل، فلا فائدة حينئذ في إرسالكم إلينا، ~~ويكون ذلك كمن يقيد عبده، ويعكمه، وينزله بئرا، ويختم عليه، ثم يناديه اطلع ~~لم لا تطلع، فالتجأ عبده ذلك إلى القول بالكسب، وقالوا: إنه يتوجه إليه ~~الأمر والنهي، والمدح والذم؛ لأنه إكتسبه. PageV01P427 # وأما حقيقته فحقيقة الكسب في أصل اللغة هو إحداث الفعل لجلب منفعة إلى ~~الفاعل، أو دفع مضرة عنه، ولهذا لم يجز أن يسمى إليه مكتسبا؛ لأنه لا يجوز ~~الإكتساب إلا على من جازت عليه المنافع والمضار، ومنه سميت الحرف مكاسب، ~~ومنه يسمى الكاسب كاسب، ومنه سميت الطيور ذوات المخالب كواسب، وحقيقة الكسب ~~في الاصطلاح موافق [192ب] ms367 لأصل اللغة. # وأما حقيقته عندهم فهو ما وقع بقدرة محدثة، وهو باطل من وجوه ثلاثة: # الأول: أن قولكم الكسب لا يعقل والحد لا يكون إلا تفصيلا لما قد عول حمله ~~وجملته غير معقولة. # الوجه الثاني: أن نقول ما تريدون بقولكم وقع؟ تريدون حدث أو تريدون ~~إكتسب؟ فإن أردتم أحدث فهو قولنا، وإن أردتم إكتسب فعن الكسب سألناكم، وهذا ~~يكون تفسير الشيء بنفسه. # الوجه الثالث: أن قولكم بقدرة محدثة احترازا ذكرتموه لمجرد دفع الإلزام ~~فقط؛ لأن لا يلزمكم أن الله تعالى مكتسب ولا مخلص لكم من الإلزام من دون ~~دليل، ولا دليل لكم على أن الإكتساب لا يكون إلا بقدرة محدثة. # وأما الموضع الثاني: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف، فمذهب جميع أهل ~~العدل، وهو مذهب الجهمية من المجبرة، وهو قوال الرازي، والجوني، والغزالي: ~~أن الكسب غير معقول، والخلاف في ذلك مع الأشعرية والضرارية. # وأما الموضع الثالث: في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ماذهبوا ~~إليه، فالذي يدل على ذلك وجوه: # الأول: أن الكسب لا يعقل وكافيك بفساد المذهب كونه غير معقول؛ لأن ~~العدلية مع تباعد ديارهم وأوطانهم مازالوا يطلبون من الخير له ما هو الكسب ~~فما عقلوه. # الوجه الثاني: أن الإلزام الذي إلتجيتم منه إلى الكسب باقي؛ لأن عندكم ~~الكسب متى صح وجب، ومتى كان كذلك لم يتوجه المدح والذم، ولا الأمر والنهي ~~إليه، ويصير ذلك بمثابة المرئي له من شاهق فإنه لا يمدح ولا يذم على نقله وهويه. PageV01P428 # الوجه الثالث: أنا نقول لهم الكسب هو شيء خلقه الله تعالى أو لم يخلق، فإن ~~قالوا: هو شيء خلقه الله فقد لحقوا بمقالة الجهمية ولزمهم ما ألزمناهم، وإن ~~قالوا هو شيء لم يخلقه الله تعالى فقد أثبتوا العبد فاعلا لشيء لم يخلقه ~~الله تعالى. # الوجه الرابع: ما قاله أبو الهذيل لبعض الجبرية وهو أن بعض الجبرية كان ~~يسأل أبا الهذيل أن يناظره وهو يساعده من مكالمته، فأجابه في بعض الأحوال ~~إلى المناظرة، فاتفقا، فقال له الجبري: أسألك أو إسألني، فقال ms368 أبو الهذيل: ~~هذا من سوء الأدب الذي أنت تسألني إلى المناظرة حتى لما وقع الإتفاق طلبت ~~أني أسألك، فقال له أبو الهذيل: أما إذا عزمت فلامدن لك حبلا لا يجمع شيء ~~طرفيه إلى يوم القيامة، ثم قال له أبو الهذيل: هل به شيء غير الله أو غير ~~خلقه [193أ]؟ قال: لا. فقال له: لم سخط الله على العصاة لأنه الله أو لأنه ~~خلق؟ فإنقطع الجبري، فقال له النظام: قل لأنه اكتسبها، فقال الجبري كذلك، ~~فقال أبو الهذيل: هل الكسب شيء غير الله تعالى أو غير خلقه؟ فقال: لا. ~~فقال: لم سخط الله على العصاة لأنه الله أو لأنه خلق؟ فانقطع الجبري. # الوجه الخامس: أن الكسب لو صح منا لصح من الله تعالى؛ لأنا إذا قدرنا ~~عليه فأولى أن يقدر الله تعالى عليه؛ لأنه إن أرادت قدرته على قدرتنا، وإلا ~~لم نقص. # وأما الموضع الخامس: وهو في بيان شبههم وإبطالها، فاعلم أنهم يتعلقون ~~بشبه من جهة العقل، وشبه من جهة السمع. # أما شبههم من جهة العقل فالأولى: أن قالوا إنه لو كان العبد محدثا لشيء ~~من أفعاله لقدر على حدوث الأجسام والألوان؛ لأن الحدوث متماثل، والمعلوم ~~خلاف ذلك. # والجواب عليهم من وجوه: # أحدها: أن هذا جمع بين أمرين من غير علة جامعة ولا طريق ناظمة، وما هذا ~~حاله لا يقبل، ومن أين لكم أن من أحدث الفعل أنه يجب أن يحدث الجسم. # الوجه الثاني: أنه كان يلزمكم في الواحد منا أن يكتسب الصور والألوان كما ~~اكتسب الأفعال. PageV01P429 # الوجه الثالث: أن من علمائنا والمخلصين من علمائكم من لم يثبت الحدوث وهو ~~الوجود صفة زائدة على ذات الوجود، وإنما قالوا الوجود هو ذات الموجود فلم ~~يشترك في أمر يوجب إضافتها إلى فاعل واحد. # وأما من أثبت من أصحابنا أن الوجود صفة زائدة على ذات الوجود وأنهما ~~متماثلان في الوجود، فإنه يقول: إن المحدث للأجسام غير المحدث للأفعال كما ~~تقدم في الدعاوي. # الوجه الرابع: أنا نفرق فنقول أنا لم نقدر على أفعالنا إلا لما ms369 كانت ~~داخلة تحت مقدورات القدر؛ لأنا قد بينا أن مقدورات القدر منحصرة في العشرة ~~الأجناس، بخلاف الأجسام والألوان فإنها غير داخلة تحت مقدورات القدر، ولا ~~يقدر عليها إلا الله تعالى. # الشبهة الثانية: أن قالوا: لو قدر الواحد منا على إحداث فعله لقدر على ~~إعادته كما في حق الله تعالى، فإنه لما قدر على إحداثه قدر على إعادته، ~~والمعلوم أنا لا نقدر على ذلك. # والجواب عليهم من وجوه: # الأول: أن هذا جمع بين أمرين من غير علة جامعة ولا طريق ناظمة، وما هذا ~~حاله لا يقبل. # الوجه الثاني: أنا نعارضهم بالكسب، فنقول لو قدر الواحد منا على الكسب ~~لقدر على إعادته، فلزمكم أن يقدر على إعادة أفعالنا كما قدر على كسبها. # الوجه الثالث: أن هذا بناء منكم على أصل فاسد، وهو أن من [193ب] قدر على ~~إحداث فعل قدر على إعادته وليس كذلك، فإنا قد رأينا في أفعال الله تعالى ما ~~لا يصح إعادته مثل ما لا ينفى، كالصور والألم والإعتقاد، وغير ذلك، فإذا ~~استحال منه تعالى في بعض الأشياء إستحال منا في جميعها أولى وأخرى. # الوجه الرابع: أنا نقول لهم أن للإعادة شروط ثلاثة، فشرط يرجع إلى ~~الفاعل، وشرطان إلى الفعل. # أما الشرطان اللذان يرجعان إلى الفعل: فهما أن يكون مبتدأ أو أن يكون مما ينفى. # وأما الذي يرجع إلى الفاعل: وهو أن يكون قادرا لذاته. PageV01P430 # الشبهة الثالثة: وهو لضرار وضرار كان من العدلية غير أنه طرت عليه شبهة ~~فخرج من مذهب العدلية إلى مذهب الجبرية، وهي أن بنويا قال له: أخبرني ~~الإيمان أشرف أو الروث؟ فقال: بل الإيمان أشرف من الروث. # فقال: فكان فعلك أشرف من فعل الله تعالى. فقال ضرار: لا فعل لي قل الفعل ~~فعل الله تعالى، وأفعاله تتفاضل في الشرف، وكان بغرض البنوي أن يثبت ثانيا ~~يضيف إليه الروث. # والجواب من وجهين: # أحدهما: أن الكسب الذي يقول به ضرار وهو إكتساب الإيمان فإنه عنده أنه ~~كسب للعبد فيلزمه أن العبد قد كسب ما هو أشرف من ms370 فعل الله. # الوجه الثاني: أنه ليس المرجع بالشرف بين الإيمان والروث إلا جلب النفع ~~أو دفع الضرر إلى صاحبه الفاعل له، فإيمانه خير له من الروث، فأما بالنظر ~~إلى العين فالروث أنفع لزيد من إيمان عمرو، وليس المرجع به إلى الفاعل، ~~فليس كل شيء يشرف بشرف فاعله. # وأما شبههم من جهة السمع فيتعلقون بآيات منها قوله تعالى: {خالق كل شيء} ~~وقوله: {وخلق كل شيء} ونحو ذلك، وكل تستغرق كل الأشياء، وأفعال العباد من ~~جملة الأشياء، فوجب أن تكون من فعله. # والجواب عليهم من وجوه: # الأول: أنه لا يصح الاستدلال بالسماع مع بقائكم على مذهبكم كما تقدم. # الوجه الثاني: أن الله تعالى من جملة الأشياء فيلزمكم أن يكون خالقا ~~لنفسه ولصفاته نحو القدرة والحياة والعلم على مذهبكم فيلزمكم أن يكون خالقا ~~لها وذلك محال. # الوجه الثالث: التأويل وهو أن هذا عموم مخصوص مثل قوله تعالى: {يدبر كل ~~شيء} والمعلوم أنها لم تدبر السماء والجبال، ومثل قوله تعالى: {وأوتيت من ~~كل شيء ولها عرش عظيم} والمعلوم أنها لم تؤت ملك سليمان، فيكون خالق كل شيء ~~أي معظم الأشياء. # الشبهة الثانية: قوله تعالى: {أتعبدون ماتنحتون والله خلقكم وما تعملون} ~~فأضاف أفعال العباد إليه؛ [194أ] لأن قوله ما مصدرية فيكون تقديره ونحتكم ~~الذي تنحتون، والله خلقكم تقديره وعملكم. # الجواب عليهم من وجوه: PageV01P431 # الأول: أنه لا يصح لكم الاستدلال بالسمع على ما تقدم. # الوجه الثاني: أن الآية وردت حجة لإبراهيم (عليه السلام) ولو نجا القوم ~~ودمائهم وهو تعالى لا يوبخهم على فعله؛ لأنه يكون لهم حجة عليه. # الوجه الثالث: أنا لو استدللنا بالآية لكنا أسعد حالا منكم؛ لأنه أضاف ~~أفعالهم إليهم، فقال: {تعبدون ماتنحتون} فأضافه إليهم بمعنى العبادة ~~والنحت، وقال وما تعملون فأضاف إليهم العمل. # الوجه الرابع: التأويل فنقول قوله تعالى: {أتعبدون ماتنحتون} فيه {والله ~~خلقكم وما تعملون} فيه، وذلك ظاهر مثل قوله تعالى: {يعملون له مايشاء من ~~محاريب وتماثيل} والمراد بذلك: يعملون له ما يشاء في المحاريب، ويقال: عمل ~~النجار بابا أي في الباب، ms371 وبتمام ذلك تم الكلام في المسألة الثانية. ### ||| AUTO المسألة الثالثة: أن الله تعالى لا يثيب أحدا إلا بعمله، ولا ~~يعاقبه إلا بذنبه، والكلام من هذه المسألة يقع في ثلاثة مواضع: # أحدها: في حكاية المذهب وذكر الخلاف. # والثاني: في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا إليه. # والثالث: في بيان شبههم وإبطالها. # أما الموضع الأول: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف فمذهب، جميع أهل ~~العدل أن الله تعالى لا يثيب أحدا إلا بعمله، ولا يعاقبه إلا بذنبه، ~~والخلاف في ذلك مع الأشعرية، والحشوية، وإلزام المطرفية. # أما الأشعرية فإنهم يجوزون أن الله تعالى يثيب من لم يطعه، ويعاقب من لم ~~يعصه، فيجوز أن يثيب الفراعنة الأنبياء، ويعاقب الأنبياء لمعصية الفراعنة، ~~وبينوا ذلك على أصلين لهم: # أحدهما: أنه عنده يفعل القبيح ولا يقبح منه. # الثاني: أن الأفعال كلها مضافة إليه، ولا فعل لهم يثابوا عليه ولا ~~يعاقبوا. # وأما الحشوية فإنهم يقطعون على أن الله تعالى يعذب أطفال المشركين بذنوب ~~آبائهم. # وأما المطرفية: إن أطفال المشركين يعذبون في دار الدنيا بذنوب آبائهم، ~~ولهذا فإنهم يسترقون ويسبون، فألزمهم أصحابنا أن يكون حكمهم حكم آبائهم في ~~الآخرة. PageV01P432 # وأما الموضع الثاني: وهو في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ماذهبوا ~~إليه، فالذي يدل على ذلك العقل والسمع. # أما العقل: فالذي يدل على ذلك أن المجازاة بالثواب والعقاب لمن لم ~~يستحقهما من جملة القبائح، والله تعالى لا يفعل القبيح. # والثاني: أن الله تعالى لا يفعل القبيح. # أما الأصل الأول: وهو [194ب] أن المجازاة بالثواب والعقاب لمن لا ~~يستحقهما، إما أن .....لأنه يكون تعظيم لمن لا يستحق التعظيم، وتعظيم من لا ~~يستحق التعظيم قبيح؛ لأن حقيقة الثواب هي المنافع المستحقة على وجه الإجلال ~~والتعظيم، فاقتضى ذلك أن نتكلم في حقيقة المنفعة وقسمة المنافع، وحقائقها، ~~وحصرها، ثم ندل على أن المجازاة بالثواب لمن لا يستحقه تعظيم من لا يستحق ~~التعظيم، وذلك قبيح. # أما حقيقة المنفعة فقد تقدمت. # وأما قسمتها فلها قسمتان: قسمة بحسبها في نفسها، وقسمة بحسب ms372 من وصلت إليه. # أما قسمتها بحسبها في نفسها، فهي تنقسم إلى أربعة أقسام: تفضيل، وثواب، ~~وعوض، ولطف. # فحقيقة التفضل: هي المنافع التي ليست لمستحق. # وحقيقة العوض: هي المنافع المستحقة المفعولة لا على وجه الإجلال ~~والتعظيم. # وحقيقة اللطف: هو ما يدعو المكلف إلى فعل ما كلف تركه أو إلى أحدهما مالم ~~يبلغ الحال به حد الإلجاء. # وأما حقيقة الثواب: فهي في اللغة مأخوذة من الرجوع، ومنه قولهم: ثاب إليه ~~عقله إذا رجع، وأختلف البانها في ذلك فمنهم من قال: يستحق الثواب على ~~الهبة، ومنهم من قال: لا يستحق، والثواب هو الجزاء، أي جزاء كان، يدل عليه ~~قوله تعالى: {هل ثوب الكفار ماكانوا يفعلون}. # وفي الاصطلاح هي المنافع المستحقة على وجه الإجلال والتعظيم مع الدوام. # قلنا: هي المنافع جنس الحد، وقلنا: المستحقة احترازا من التفضل، وقلنا: ~~به على وجه الإجلال والتعظيم احترازا من العوض، وقلنا: مع الدوام اختلفوا ~~فيه، فمنهم من قال: يذكر لأنه يكون إيضاحا للحد، ومنهم من قال: لا يذكر، ~~واحتج بوجهين: PageV01P433 # أحدهما: أن كل جزء منه ليس بدائم. # والثاني: أنه من جملة الشروط وليس يلزم أن تكون الحقيقة جامعة للشروط. # وأما قسمتها: بحسب ما وصلت إليه فمنها ما يعم جميع الحيوان وهو التفضل، ~~فما من حي خلقه الله تعالى إلا وهو متفضل عليه، ومنها ما يختص بعض الحيوان ~~وهو الثواب فلا يستحقه إلا المكلفون، ومنها ما يلحق بسببه وهو اللطف ~~والعوض، فالعوض يلحق بالألم، واللطف يلحق بالتكليف. # وأما حصرها: فإنك تقول: المنفعة لا تخلو إما أن تكون واجبة أو لا، إن لم ~~تكن واجبة فهي التفضل، وإن كانت واجبة فلا تخلو إما أن تقترن بالتكليف أو ~~لا، إن اقترنت [195أ] بالتكليف فهي اللطف، وإن لم تقترن بالتكليف فلا تخلو ~~إما أن تستحق على وجه الإجلال والتعظيم فهي الثواب، وإن لم فهي العوض. # وأما الدليل على أن المجازاة بالثواب لمن لا يستحقه يكون تعظيما لمن لا ~~يستحق التعظيم، فالذي يدل على ذلك أنه يخرج مخرج الشكر على الإحسان من حيث ms373 ~~أن سببهما واحد. # قلنا: يجري مجرى الشكر على الإحسان؛ لأن الشكر يستحق على سبيل الإجلال ~~والتعظيم، وقلنا: من حيث أن سببهما واحد؛ لأنهما لا يستحقان إلا بفعل النفس ~~فلا يستحقهما إلا من فعل سببهما فلا يستحق الشكر إلا من فعل النعمة، ولا ~~يستحق الثواب إلا من فعل الطاعة، فلو أوصل الثواب إلى من لا يستحقه لكان ~~تعظيم لمن لا يستحق التعظيم. # وأما أن تعظيم من لا يستحق التعظيم قبيح، فالذي يدل على ذلك مانعلمه في ~~الشاهد فإنه يقبح في الواحد منا تعظيم الأجانب كتعظيم الوالدين، أو ينزل في ~~باب التعظيم منزلة المحسن، أو تعظيم الوالدين كتعظيم الأنبياء، أو الأنبياء ~~كتعظيم الله تعالى، فإن قيل: لم قلتم إن تعظيم من لا يستحق التعظيم معلوم ~~قبحه عند جميع العقلا وهؤلاء الكفار من جملة العقلاء، وقد عظموا الأصنام، ~~وهي لاتستحق التعظيم. PageV01P434 # قلنا: إنما عظموها لإعتقادهم أنها تستحقه، وقد حكا الله تعالى مقالتهم، ~~فقال: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفا} فطرت عليهم شبهة في ~~الاستحقاق، فثبت الطرف الأول، وهو أن المجازاة بالثواب لمن لا يستحقه يكون قبيحا. # وأما أن المجازاة بالعقاب لمن لا يستحقه يكون قبيحا؛ فلأنه يكون ظلما، ~~والظلم قبيح، وهذه الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن المجازاة بالعقاب لمن لا يستحقه يكون ظلما. # والثاني: أن الظلم قبيح. # وأما الأصل الأول: وهو أن المجازاة بالعقاب لمن لا يستحقه يكون ظلما؛ ~~فلأن حقيقة العقاب هي المضار المستحقة المفعولة على وجه الاستحقاق ~~والإهانة، وهذا ثابت في الظلم؛ لأن حقيقة الظلم هو الضرر العاري عن جلب ~~منفعة أو دفع مضرة أو استحقاق، والظن للوجهين المتقدمين أو أحدهما، ولا ~~يكون في الحكم كأنه من جهة الضرورة فلا يكون في الحكم كأنه من جهة غير فاعل الضرر. # قلنا: هو الضرر؛ لأن الظلم لا يكون إلا ضررا، قلنا: العاري عن جلب منفعة ~~[195ب] أو دفع مضرة احتراز من حمل المشاق في الطاعة وفي التجارة فإن فيه ~~مضار، لكن فيه جلب منفعة ودفع مضرة، وكذلك الفصد والحجامة. # قلنا: أو ms374 استحقاق مثل العقاب، قلنا: أو الظن للوجهين المتقدمين أو ~~لأحدهما لما بينا أنه يجب دفع الضرر مظنونا كان أو معلوما؛ لأنه لا فرق بين ~~أن نعلم جلب النفع أو دفع الضرر أو نظنه، فإن تعطى تلك المشقة لا تكون ~~ظلما، قلنا الوجهين ولم نقل الوجوه الثلاثة؛ لأن العلماء مختلفون فيما يظن ~~أنه مستحق للعقاب، هل الظن يقوم مقام العلم في إنزال الألم به على وجه ~~الاستحقاق والإهانة أم لا؟ فقال أبو علي: لا يجوز أن يقوم الظن مقام العلم ~~في أن الألم ينزل به على وجه الاستحقاق والإهانة حتى نعلم أنه يستحقه؛ لأنه ~~لو أوصله إليه على ذلك الوجه وليس بعالم هل يستحق أم لا لكان أقدم على ما ~~لا يقال كونه قبيحا.... PageV01P435 # وقال أبو هاشم: يجوز إذا ظننا أن يستحقه كالحدود؛ فإنها توصل إليهم بشهادة ~~الشهود، وشهادة الشهود لا توصل إلا إلى الظن، وكذلك هاهنا ومن يقول بالقول ~~الأول يقول قد ورد الشرع بإقامة الحدود بشهادة الشهود فعلينا امتثاله، فإن ~~كانوا صادقين في معلوم الله تعالى كان الحد عقوبة، وإن كانوا كذبة كان الحد ~~إبتلاء أو امتحانا كحد التائب، وليس إذا ورد الشرع به في موضع قسنا عليه، ~~فإن الحدود لا تثبت بالقياس. # قلنا: ولا يكون في الحكم من جهة المضرور كالجمل الصائل والناعي، فإنه وإن ~~حصل فيه ضرر في الحكم من جهته فلا يكون ظلما من القاتل. # قلنا: ولا يكون في الحكم كأنه من جهة غير فاعل الضرر، مثل من يلقي صبيا ~~صغيرا في النار أو يغرقه فإنه في الحكم من جهة الملقي وإلا فالمحرق هو الله ~~تعالى، ولا يكون ظلما من جهة الله تعالى لما كان في الحكم من جهة الملقي. # والدليل على صحة هذه الحقيقة أنها تطرد وتنعكس، ولا يجوز أن تثبت بأحد ~~اللفظين وتنفى بالآخر، فثبت الأصل الأول وهو أن المجازاة بالعقاب لمن لا ~~يستحقه تكون ظلما. # وأما الأصل الثاني: وهو أن الظلم قبيح فقبحه معلوم ضرورة بدليل أن من ~~علمه ظلما علمه قبيحا، ومن ms375 لم يعلمه ظلما لم يعلمه قبيحا، وقد نعترض هذا ~~بأن يقال إن قلتم أنه معلوم ضرورة والمجبرة لم يعلموه بل هم يعتقدون أنه ~~ليس بقبيح. # والجواب عن هذا من وجهين: # أحدهما: أنا لم ندعي أنه معلوم ضرورة في الغائب والشاهد وإنما هو في ~~الشاهد، وهم لا يخالفونا في ذلك فمتى علمنا وقوعه في الغائب مثل ما علمنا ~~وقوعه في الشاهد علمنا قبحه. # الوجه الثاني[196أ]: ما قاله أبو الحسين من أنه معلوم ضرورة في الشاهد ~~والغائب، وأن من كابر في ذلك فقد كابر حكم عقله. # وأما المجبرة فهم عوام، وعلماء: # أما العوام فيعتقدون قبحه، ولهذا لو قلت لواحد منهم ولم تقل له إن مذهب ~~أصحابه لا يكره. PageV01P436 # وأما علماؤهم فهم مكابرون لعقولهم نقضا منهم لمذهبهم، وهم عدد قليل تجوز ~~عليهم المكابرة، فثبت أن المجازاة بالثواب والعقاب لمن لا يستحقه يكون قبيحا. # وأما الأصل الثاني: وهو أن الله تعالى لا يفعل القبيح فقد تقدم بيانه. # وأما الدليل السمعي: فالكتاب والسنة. # أما الكتاب فقوله تعالى: {ولا تزروا وازرة وزر أخرى} {وأن ليس للإنسان ~~إلا ماسعى} فأخبر أنه لا يحمل أحد ذنب أحد. # وقوله تعالى: {فكل أخذنا بذنبه} ولا شك أن الطفل لا ذنب له فلا يجوز ~~تعذيبه بغير ذنب ولا بذنب أبيه. # وقوله تعالى: {إن الله لايظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون} ولا ~~ظلم أعظم من تعذيب من لا ذنب له، فيجب نفيه عن الله تعالى كما نفاه عن نفسه. # وأما السنة فما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله): أنه نهى عن قتل ~~الذرية في بعض الغزوات، فقيل: يارسول الله: الفسق أولاد المشركين، فقال: ~~((أليس خياركم أولاد المشركين، كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها ~~لسانها إما شاكرا وإما كفورا)) فتبين أنهم على فطرة الإسلام فلا يجوز قتلهم. # وأما الموضع الثالث: وهو في بيان شببهم فلهم شبه من جهة العقل، ولهم شبه ~~من جهة الشرع. # أما شبههم من جهة العقل فشبهتان: # أحدها: أن قالوا قد ثبت أن حكمهم حكم آبائهم ms376 في الدين، ولهذا يسترقون ~~ويملكون ويمنعون من الدين في مقابلة المسلمين، فيكون حكمهم حكم آبائهم في ~~الآخرة. # فالجواب عليهم من وجوه: # أحدها: أن هذا جمع بين أمرين من غير علة جامعة ولا طريق ناظمة، وما هذا ~~حاله لا يقبل. # الوجه الثاني: أنا نعارضهم فنقول أن حكمهم ليس حكم آبائهم في الدنيا، ~~ولهذا فإنهم لا يقطعون بسرقة آبائهم، ولا يجلدون إذا زنا الآباء، وكذا ~~فإنهم لا يجوز أن يقتلوا، فثبت أن حكمهم ليس حكم آبائهم في الدنيا وكذلك في ~~الآخرة. PageV01P437 # الوجه الثالث: أن لهم أعواضا على ما يتألمون من الملكة والإسترقاق، ~~كالأمراض التي تصيبهم، ويكون مع ذلك اعتبارا لآبائهم، وزاجرا لهم عن موافقة الكفر. # الشبهة الثانية: أن قالوا إن العقاب يجب أن يكون على أبلغ الوجوه، ومن ~~أبلغ الوجوه أن يرى قرة عينه [196ب] في النار فيكون أبلغ في غمه. # والجواب عليهم من وجوه: # الأول: أنه يلزم أن يعذب الله تعالى الأنبياء والمؤمنين لأجل شرك آبائهم ~~فيكونون معهم في النار، والمعلوم أن ذلك لا يجوز. # الوجه الثاني: هل أهل النار متفاضلون في العقاب كل واحد على قدر ما ~~يستحقه، فإذا كان لا يزداد أحد من أهل جهنم في عقابه على ما يستحقه فالأولى ~~أن لا يعاقب من لا يستحق العقاب. # الوجه الثالث: أنا نقول أنهم لا يتألمون بذلك، ولا يزيدهم غما؛ لأنهم ~~مستقلون بأنفسهم، كما قال الله تعالى: {يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما ~~أرضعت} وقوله تعالى: {يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل ~~امرء منهم يومئذ شأن يغنيه}. # الوجه الرابع: أن العذاب يكون على أبلغ الوجوه فيما يستحق فيكون تعذيب ما ~~يستحق دون ما لا يستحق والأولاد لا يستحقون شيئا. # وأما شبههم من جهة السمع: فالكتاب والسنة. # أما الكتاب فقوله تعالى: {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار ~~الذي يضلونهم بغير علم}. # والجواب من وجهين: # أحدهما: أنه لا يصح لكم الاستدلال بالسمع على ما تقدم. # والثاني: أن المراد أنهم يعذبون بفعلهم وبدعائهم غيرهم إلى الضلال. # وأما شبههم ms377 من جهة السنة فيتعلقوا بخبر، قالوا: روي أن خديجة (رضي الله ~~عنها) سألت النبي (صلى الله عليه وآله) عن أطفال كانوا لها في الجاهلية؟ ~~فقال: ((لو شئت لأسمعتك ضغاهم في النار)). # والجواب عليهم من وجوه: # الأول: أن هذا الخبر لم يصح عن النبي (صلى الله عليه وآله). # الوجه الثاني: أنه لو صح فهو خبر أحادي، وأخبار الآحاد لا يصح الأخذ بها ~~في هذه المسألة، ولا توجد فيها إلا بالأدلة القاطعة. PageV01P438 # الوجه الثالث: أنه معارض لأدلة العقل ومحكم القرآن، وكل ما خالف هذا من ~~الدليلين وجب رده أو تأويله. # الوجه الرابع: أنا نعارضهم بقول النبي (صلى الله عليه وآله): ((رفع القلم ~~عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقض، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى ~~يحتلم)). # الوجه الخامس: التأويل وهو أن المراد بالأطفال البالغون، وذلك ظاهر في ~~اللغة، يدل عليه قول الشاعر: # عرضت لعامر والخيل تردى ... بأطفال الحروب مسمرات # وقال شعرا آخر: # ويشرع بالفواحش كل طفل ... نحو المحربات ولا يبالي ### ||| AUTO المسألة الرابعة: أنه لا يجوز إطلاق القول بأن المعاصي من ~~قضاء الله وقدره، والكلام منها يقع في خمسة مواضع: # أحدها: في حكاية [197أ] المذهب، وذكر الخلاف. # والثاني: في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا إليه. # والثالث: في الشبهة وإبطالها. # والرابع: في بيان القدرية من هم. # والخامس: في الألفاظ المشتركة. # أما الموضع الأول: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف، فمذهب جميع العدلية ~~أنه لا يجوز إطلاق القول بأن المعاصي من قضاء الله تعالى وقدره، والخلاف في ~~ذلك مع المجبرة، وإلزام المطرفية. # أما المجبرة فإنهم يقولون: المعاصي بقضاء الله وقدره، بمعنى الخلق، وإنما ~~قالوا ذلك لأن عندهم أن ما وقع في العالم من ظلم، وكفر، وعصيان، فهو من فعل ~~الله تعالى. # وأما المطرفية فإنهم يقولون: إن طاعة العاصي معاصي، فألزمناهم من ذلك، ~~فيقال لهم ما يقولون الله تعالى يأمر بالطاعة أم لا؟ فإن قالوا: لم يأمر ~~بها، أكذبهم القرآن وإجماع الأمة، وإن قالوا: أمر بها فمن جملتها طاعات ~~العاصي، فقد ms378 أثبتوا أن الله تعالى أمر بالمعاصي. # وأما الموضع الثاني: وهو في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا ~~إليه، فالذي يدل على ذلك العقل والسمع. # أما العقل فوجوه ثلاثة: PageV01P439 # أحدها: أن القضاء والقدر لفظتان مشتركتان بين معان مختلفة، بعضها صحيح ~~وبعضها فاسد، وكل لفظة هذا حالها فإنه لا يجوز إطلاقها على الله تعالى، ~~وهذه الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن القضاء والقدر لفظتان مشتركتان بين معان بعضها صح وبعضها فاسد. # والثاني: أن كل لفظة هذا حالها فإنه لا يجوز إطلاقها على الله تعالى. # أما الأصل الأول: فاعلم أن القضاء ينقسم إلى أربعة أقسام: # أحدها: بمعنى الخلق والتمام، يحكيه قوله تعالى: {فقضاهن سبع سماوات في ~~يومين} معناه: أتم خلقهن، ويدل عليه قول الشاعر: # وعليهما مسرودتان قضاهما ... داؤد أو صنع السوابغ # سبع وقضاء بمعنى الأمر والإلزام، يدل عليه قوله تعالى: {وقضا ربك أن ~~لاتعبدوا إلا إياه} معناه أمر وألزم، وقضاء بمعنى الإخبار والإعلام، وعليه ~~جملة قوله تعالى: {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ~~ولتعلن علوا كبيرا} معناه أخبرنا وأعلمنا، وقضاء بمعنى الحكم، يقال قضا ~~القاضي على فلان، أي حكم عليه. # أما القدر فهي لفظة مشتركة بين معان، قدر بمعنى الخلق، يحكيه قوله تعالى: ~~{وقدر فيها أقواتها} معناه خلق فيها أقواتها، وقدر بمعنى العلم، يحكيه قوله ~~تعالى: {إلا امرأته قدرناها من الغابرين} [197ب] معناه: علمنا ذلك من ~~حالها، وقدر: بمعنى الكتابة، يحكي ذلك قول الحجاج: وأعلم بأن ذا الجلال قدر ~~في الصحف الأولى التي كان سطر أمرك هابرا فاجتنب منه التبر، ويقال: النتر ~~فإن قيل النتر فهو الفساد، وإن قيل التبر فهو الهلاك، يدل عليه قوله تعالى: ~~{لا تزد الظالمين إلا تبارا} أي هلاكا. # وأما أنها لفظة مشتركة فلأنها متى أطلقت لم تسبق إلى فهم السامع بعض ~~معانيها إلا بقرينة، وأما أنها مشتركة بين معان بعضها صحيح، وبعضها فاسد؛ ~~فلأنها على ثلاثة أضرب منها ماهو فاسد بكل حال، ومنها ما هو صحيح بكل حال، ~~ومنها ما هو ms379 صحيح في حال دون حال. PageV01P440 # أما الذي هو فاسد بكل حال فهو أنه لا يجوز إطلاق القول بأن المعاصي من قضاء ~~الله وقدره، بمعنى الخلق؛ لأنا قد بينا أن أفعال العباد منهم لا من الله ~~تعالى لا خلقا ولا إحداثا. # وأما الذي هو صحيح بكل حال فإطلاق القول بأنها بقضاء الله وقدره، بمعنى ~~الإخبار والإعلام من القضاء ومن القدر ومن الكتابة والعلم؛ لأن الله تعالى ~~قد أخبر أن العباد يفسدون في الأرض، وعلم ذلك من قبل خلقه لهم، لما بينا ~~أنه تعالى عالم لذاته. # وأما ما هو صحيح في حال دون حال: فاعلم أن أفعال العباد على ضربين فعل ~~المكلف، وفعل غير المكلف. # أما فعل غير المكلف: فلا يجوز أن يقال بأمر الله تعالى؛ لأن الأمر تبع ~~للتكليف، وليسوا مكلفين. # وأما فعل المكلف فهو على ضربين: مباح، وفعل يسير، وغير ذلك. # أما المباح واليسير: فإنه أيضا لا يجوز أن يقال: إن الله تعالى يأمر ~~بذلك؛ لأنه تعالى لا يكلفنا بذلك. # وأما غير ذلك في أفعال المكلفين فهو على ضربين: قبيح، وحسن. # أما القبيح: فلا يجوز إطلاق القول بأن الله تعالى يأمر به لوجوه ثلاثه: # أحدها: إتفاق منا ومنهم؛ لأنهم لا يطلقون القول بأن الله تعالى أمر بها؛ ~~لأن الأمر يقتضي الوجوب، فكان يلزمهم أن تكون واجبة، وإنما يقولون خلقها. # الوجه الثاني: إجماع المسلمين. # الوجه الثالث: أنها قبيحة، والأمر بالقبح قبيح، قال الله تعالى: {إن الله ~~لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لاتعلمون} فثبت الأصل الأول وهو أن ~~كل لفظة هذا حالها فإنه لا يجوز [198أ] وهو أن القضاء والقدر لفظتان ~~مشتركتان بين معان بعضها صحيح وبعضها فاسد. PageV01P441 # وأما الأصل الثاني: وهو أن كل لفظة هذا حالها فإنه لا يجوز إطلاقها على ~~الله تعالى، فالذي يدل على ذلك أن إطلاقها يوهم أن الله تعالى خلقها أو أمر ~~بها، وقد بينا أن ذلك فاسد لا يجوز، فثبت أنه لا يجوز إطلاق القول بأن ~~المعاصي من قضاء الله ولا من قدره إلا ms380 مع التقيد بما يزيل الإشكال ويرفع ~~الإيهام، فيقال: قضى الله تعالى بالمعاصي بمعنى أنه علم بها وأخبر أن ~~العباد يفعلونها، ويقال: لم يقضي الله بها بمعنى أنه لم يخلقها ولم يأمر بها. # الدليل الثاني: أن المعاصي لو كانت من قضاء الله وقدره لوجب علينا الرضا ~~بها، والرضا بالمعاصي لا يجوز، وهذه الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن المعاصي لو كانت من قضاء الله وقدره لوجب علينا الرضا بها. # والثاني: أن الرضا بالمعاصي لا يجوز. # أما الأصل الأول: فالذي يدل عليه وجهان: # أحدهما: إجماع المسلمين في أنه يجب الرضا بكل ماقضى الله تعالى به ~~كالصحة، والسقم، والحياة والموت، والخصب والجدب. # الوجه الثاني: ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: ((يقول ~~الله تعالى: من لم يرض بقضائي، ويصبر على بلائي، ويشكر على نعمائي، فليتخذ ~~ربا سواي)). # وأما الأصل الثاني: وهو أن الرضا بالمعاصي لا يجوز، فالذي يدل على ذلك ~~إجماع المسلمين أنه لا يجوز لأحد أن يرضى بقتل الأنبياء، ولا بهدم المساجد، ~~ولا بتمزيق المصاحف، ولا مخلص من الإجماعين إلا القول بأن المعاصي ليست من ~~قضاء الله تعالى ولا من قدره؛ لأنهم إن قالوا هي من الله تعالى ولا يجب ~~الرضا بها خالفوا الإجماع الأول، وإن قالوا: هي من الله تعالى ويجب الرضا ~~بها خالفوا الإجماع الثاني. # الدليل الثالث: أن يقال للمخالف من قضا بعبادة الأوثان والنيران؟ فإن قال ~~الله تعالى أكذبه القرآن، لقوله تعالى: {وقضا ربك أن لاتعبدوا إلا إياه} ~~وهم يقولون لم يأمر بها وإنما خلق العبادة فيهم، وهي الفعل. PageV01P442 # والجواب: أنا نقول لا مخلص لكم من ذلك فإنه تعالى إذا لم يأمرهم بعبادتها ~~فبالأولى أن لا يخلق فيهم عبادتها؛ لأن الفعل أعظم خطبا من الأمر، ولهذا ~~فإن من قتل نبيا أعظم خطأ ممن أمر بقتله، فقولوا إن الله تعالى يأمر نبيا ~~صادقا يأمر الناس بفعل المعاصي، و.....الواجبات، وإن قال المخالف الذي أمر ~~بها غير الله تعالى فقد رجعوا إلى الحق وتركوا الباطل، والرجوع إلى الحق ~~أولى ms381 من التمادي في الباطل. # وأما الدليل السمعي فالكتاب والسنة: # أما الكتاب فقوله تعالى: {والله يقضي بالحق} وقد يقولون: إن هذا دليل ~~خطاب وليس يجب إذا كان يفعل الحق أن لا يفعل الظلم، ويقولون أيضا: إنه يفعل ~~أفعال العباد ولا تقبح منه. # والجواب أنا نقول لهم: إن الله تعالى يمدح ولا مدح في أنه يفعل المعاصي، ~~وإنما أراد بذلك أنه لا يقضي إلا بالحق. # وأما السنة فاختار منها ماروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: ~~((يكون في آخر الزمان قوم يعملون بالمعاصي ويقولون هي من قضاء الله وقدره ~~الراد عليهم كالمشرع سيفه في سبيل الله)). # وما روي عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال: ((صنفان من أمتي لا تنالهما ~~شفاعتي لعنهما الله على لسان تسعين نبيا وهم القدرية والمرجئة)) قيل: ~~يارسول الله ومن القدرية؟ قال: ((الذي يعملون بالمعاصي ويقولون هي من قضاء ~~الله وقدره)) قيل: فمن المرجئة؟ قال: ((الذين يقولون الإيمان قول بلا عمل)). # وما روي عن عمر بن الخطاب: أنه أتي إليه بسارق فقال له: ما حملك على ~~سرقك؟ فقال: قضاء الله عليا يا أمير المؤمنين، فأمر بقطع يده وضربه ثلاثين ~~درة، ثم قال: قطعت يده لسرقته، وضربته بكذبه على الله أعظم من سرقة، ولم ~~ينكر على عمر أحد من أصحابه فكان حجة، وإلا فهو لا يحتج بفعل عمر عندنا. PageV01P443 # وأما الموضع الثالث: وهو في شبههم التي يتعلقون بها فقد تعلقوا بأخبار ~~يروونها عن النبي (صلى الله عليه) أنه قال: ((القدر سر الله فلا تفشوه ~~القدر خيره وشره من الله يجب الإيمان بالقدر خيره وشره)). # والجواب عليهم من وجوه: # الأول: أن هذا الخبر لم يصح عن النبي (صلى الله عليه وآله). # الوجه الثاني: أنه إن صح فهو من أخبار الآحاد التي لا تصل إلى العلم، ~~وهذه المسألة من مسائل أصول الدين التي لا يجوز الأخذ فيها إلا بالأدلة ~~القاطعة. # الوجه الثالث: أنه معارض لدلالة العقل ومحكم القرآن، وكل ما خالف [199أ] ~~الدليلين وجب رده أو تأويله. # الوجه الرابع: ms382 أنه معارض بما قدمنا من الأخبار وهي صحيحة؛ لأنها موافقها ~~للدلالة فيجب رده وتأويله. # الوجه الخامس: التأويل، فيقول المراد بقوله: (القدر سر الله فلا تفشوه) ~~يعني في أفعاله التي يفعل مثل الصحة والسقم، والموت والحياة، والغنى ~~والفقر، والجدب والخصب، ولا يكن لكم مطعن فيها؛ لأنها فعلها تعالى لمصالح ~~لا تعلموها، وأنتم الذين تفشونه فإنكم تقولون كلما وقع من فعل فهو بقضاء ~~الله تعالى وقدره. # وأما قوله: (خيره وشره من الله) فهي هذه الأفعال أيضا التي هي الصحة ~~والسقم، والفقر والغنى. # وأما قوله: (يجب الإيمان بالقدر خيره وشرة) فهي هذه أيضا يجب الرضا بها؛ ~~لأنه فعل لا يفعلها إلا لحكمة وصلاح، وإنما سمى بعضها شرا على سبيل ~~التجويز. # الشبهة الثانية: مناظرة آدم وموسى، فإنهم قالوا: ..... في السماء، فقال ~~موسى لآدم: أنت آدم وأبو البشر خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك ~~جنته فعصيته، فقال له آدم: أترى أن المعصية فعلتها أنا أو كتبها الله تعالى ~~قبل خلقي بألفي عام؟ فقال له موسى: بل شيء كتب عليك. فقال له آدم: أتلومني ~~على شيء كتبه الله علي؟ فانقطع موسى. # والجواب عليهم من وجوه: # أحدها: أن هذا الخبر لم يصح. # الوجه الثاني: أنه من أخبار الآحاد فلا يجوز الأخذ به في هذه المسألة. PageV01P444 # الوجه الثالث: أنه معارض لدلالة الفعل ومحكم القرآن فيجب رده. # الوجه الرابع: أن الحجة فيه قد تكون لإبليس على الله تعالى، فيقول له ~~الله: لم لم تسجد إذ أمرتك؟ فيقول: يارب قضيت علي، ولم تفعل في السجود، ~~وليس لي تصرف في نفسي ولا حيلة، وتكون أيضا حجة لفرعون ولسائر أهل المعاصي ~~على الله تعالى. # وأما الموضع الرابع: وهو في بيان القدرية من هم، فالكلام منه يقع في ~~موضعين: # أحدها: في حكاية المذهب، وذكر الخلاف. # والثاني: في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا إليه. # وأما الموضع الأول: وهو في حكاية المذهب فاعلم أنا قد اتفقنا نحن وإياهم ~~على أنه اسم ذم، وهم يرموننا به، ونحن نرميهم به، وسميناهم قدريه ms383 لما كانوا ~~يقضون ويقدرون أن أفعال العباد من الله، وسمونا قدريه [199ب] بما كنا نقول: ~~إن العباد قادرون على أفعالهم ونقضي بأنها منهم لا من الله تعالى. # وأما الموضع الثاني: وهو في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ماذهبوا ~~إليه، فالذي يدل على ذلك العقل والسمع. # أما العقل فوجوه: # الأول: أنه اسم ذم فلا يطلق إلا على من مذهبه مذموم في القدر، أما أنه ~~اسم ذم فلا خلاف بيننا وبينهم، وأما أنه لا يطلق إلا على من مذهبه مذموم، ~~فإنا نظرنا إلى المذهبين المذموم فوجدنا مذهبهم وهو المذموم؛ لأنهم يقولون ~~إن الله تعالى يفعل القبائح من أفعال العباد، ويخلقها فيهم ويعاقبهم عليها، ~~وليس لهم تصرف، فأطلقنا عليهم بذلك، وليس مذهبنا كذلك؛ لأنا نضيف أفعال ~~العباد إليهم حسنها وقبيحها، فحسنها يثيبهم الله تعالى عليه، وقبيحها ~~يعاقبهم الله عليه، فلم يكن مذموما. PageV01P445 # الوجه الثاني: أنه من الأسماء المشتقة فاشتق لهم ذلك؛ لأنهم كانوا يلهجون ~~به ومن كثر لهجه بشء اشتق له اسما؛ لأنهم يقولون ما من حركة ولا سكون، ولا ~~قيام ولا قعود إلا بقضاء الله تعالى وقدره، والله هو الفاعل لذلك، ولهذا ~~فإن النبي (صلى الله عليه) لما كان كثير اللهج بالتمر واللبن سمي تمري ولبني. # الوجه الثالث: أن القدر اسم إثبات فمن أثبته سمي به وقد أثبتوا، فيجب أن ~~يسموا به كما في الملحدة كما اثبتوا الإلحاد، وهكذا في الثنوية لما أثبتوا ~~الثاني ونحن لم نثبته فلم نسما به. # وأما من جهة السمع فوجهان: # أحدهما: ما روي عن النبي (صلى الله عليه) أنه قال: ((القدرية مجوس هذه ~~الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوا جنائزهم، هم خصماء ~~الرحمن، وشهود الزور، وجنود إبليس)). # وأما أنهم مجوس هذه الأمة فليس لهذه الأمة مجوس لكن لما نظرنا مذهب هؤلاء ~~وجدنا مذهبهم يضاهي مذهب المجوس من وجوه: # أحدها: أن مذهب المجوس طائعين يمدحون أحدهما على ما صدر منه، ويذمون ~~الآخر على ماصدر منه، وإن كان لا اخبار له فيه، وهذا مذهب ms384 الجبرية بعينه ~~فإنهم يجعلون المؤمن ممدوحا على الإيمان، وإن كان لا يمكنه خلافه، والكافر ~~مذموما على الكفر، وإن كان لا يمكنه خلافه. # الوجه الثاني: أنهم يقولون إن أحدهما مطبوع على فعل الخير ولا يقدر على ~~فعل الشر وهو يزدان، [200أ] وأهرمن مطبوع على فعل الشر ولا يقدر على فعل ~~الخير، وهذا هو مذهب الجبرية بعينه؛ لأنهم يقولون: إن الكافر يقدر على ~~الكفر ولا يقدر على الإيمان، والمؤمن يقدر على الإيمان ولا يقدر على الكفر. # الوجه الثالث: أن المجوس يجيزون نكاح الأمهات والأخوات، ويقولون: إنه من ~~الله تعالى، وهذا هو مذهب الجبرية، فيقولون: إن المعاصي التي يفعلونها من ~~قضاء الله تعالى وقدره، وإن كان لا يجيزون نكاح الأمهات والأخوات، لكنهم ~~إذا كان من غير نكاح أضافوه إلى الله تعالى على ذلك. PageV01P446 # وأما قوله: (خصماء الرحمن) فلأن الله تعالى إذا قال لأبليس: (لم لم تسجد إذ ~~أمرتك ولم عصيتني وأغويت عبادي)؟ فيقول أردت مني ذلك، وخلقته في ولم تخلق ~~في السجود وولا أقدرتني عليه ثم لا شهود له إلا المجبرة، فيأتي بهم ~~فيقولون: نعم ما لأحد تصرف إلا ما فعلت فيه فهم جنوده وشهوده. # الدليل الثاني: قول النبي (صلى الله عليه): ((لا تجالسوا أهل القدر ولا ~~تدامجوهم)) فنظرنا من في مجالسته مفسدة فوجدناهم المجبرة لوجوه: # الأول: أن من جالسهم أساء الظن بالله تعالى من حيث أنهم يقولون: إنه خلق ~~المعاصي فيهم ويعاقبهم عليه، وقد قال تعالى: {الظانين بالله ظن السوء عليهم ~~دائرة السوء}. # الوجه الثاني: أن مجالستهم تؤدي إلى الإستهزاء بآيات الله تعالى، من حيث ~~أنه إذا كان يخلق المعاصي فيهم فلا حاجة إلى إرسال الرسل، وإلى إنزال ~~الكتب، والله يتعالى عن ذلك. # الوجه الثالث: أن مجالستهم تؤدي إلى الإسترسال في المعاصي، وترك الطاعات؛ ~~لأنهم يقولون إن فعلها فينا أطعنا، وإن لم يفعلها فينا فلا شيء علينا، فإن ~~قالوا: لا بل أنتم القدرية لأنكم تقولون أنتم تقدرون على أفعالكم فاشتق لكم ~~من ذلك. # قلنا: الجواب من وجهين: # أحدهما: أنه إنما اشتق من ms385 القادر قدري كما لو يستوفيه قدري، والمذكور في ~~الخبر هو القدري بالفتح. # الوجه الثاني: أنه كان يلزمكم أن تسموا الله تعالى بذلك؛ لأنه يقدر على ~~أفعاله فثبت الموضع الرابع [200ب]. # وأما الموضع الخامس: وهو في بيان الألفاظ المتشابهة، فالكلام منها يقع في ~~ثلاثة مواضع: # أحدها: في حقيقة المحكم والمتشابه، والدليل على أن في القرآن محكم ~~ومتشابه، والطريق ألى تمييز المحكم والمتشابه. # والثاني: في بيان الألفاظ المتشابهه. # والثالث: في الضلال والهدى. # أما الموضع الأول: وهو في حقيقة المحكم فالمحكم يستعمل في معنيين: أعم وأخص. PageV01P447 # وأما الأعم: فهو ما أحكمت ألفاظه، واتفقت معانيه على وجه لا يكون بينهما ~~تناقض، ولا تنافي مع الفصاحة، وهذه تعم جميع القرآن. # وأما الأخص: وأما الأخص فهو ما أريد به ظاهره. # وأما المتشابه فله حقيقة: أعم وأخص: # أما الأعم: فهو ما يشبه بعضه بعضا في جزالة الألفاظ وجودة المعاني. # وأما الأخص: فهو ما أريد به غير ظاهره. # وأما الدليل على أن في القرآن محكم ومتشابه فقوله تعالى: {منه آيات ~~محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} ولا خلاف بين الأمة أن فيه محكم ~~ومتشابه، وكل فرقة تدعي أنها تمسكت به هو المحكم، وما تمسكت به الأخرى هو ~~المتشابه. # وأما الطريق إلى تمييز المحكم من المتشابه فإنا نرجع إلى الشاهد، وهو ~~طريقة العقل، فنقول: إن ما وافق دلالة العقل القاطعة فهو المحكم، وما ~~خالفها فهو المتشابه، ثم نتناول المتشابه، وإنما وجب تأويله لأنه عارض ~~دلالة العقل فلا يخلو إما أن يطرحهما جميعا بمعنى دلالة العقل والسمع، أو ~~يجمع بينهما، أو يحمل العقل على السمع، أو السمع على العقل، محال أن ~~يطرحهما جميعا؛ لأنه يؤدي إلى إبطال العقل والسمع، ومحال أن يجمع بينهما من ~~دون تأويل؛ لأنه يؤدي إلى التناقض؛ لأن أحدهما يدل على غير ما أقتضاه ~~الآخر، ومحال أن يحمل العقل على السمع لوجهين: # أحدهما: أنه يؤدي إلا أن يكون في تصحيحه إبطاله، وما كان في تصحيحه ~~إبطاله فهو باطل؛ لأنه يؤدي إلى نفي الصانع، والنبوات، والشرائع. # الوجه الثاني: ms386 أنه يؤدي إلى تأويل ما لا يحتمل التأويل وهو دليل العقل؛ ~~لأن دليل العقل لا يحتمل التأويل فلم يبق [201أ] إلا أن يحمل السمع على ~~العقل وهو الصحيح. # وأما الموضع الثاني: وهو في بيان الألفاظ المتشابهه فهي كثيرة إلا أن قد ~~ذكر الشيخ (رحمه الله) منها طرفا فذكره وهي اليد والوجه. # أما اليد فهي لفظة مشتركة بين معان ثمانية: PageV01P448 # أحدها: يد بمعنى الجارحة، وجمعها أيدي، يدل عليه قوله تعالى: {والسارق ~~والسارقة فاقطعوا أيديهما} ويد: بمعنى النعمة، وجمعها أيادي، يدل عليه قوله ~~تعالى{بل يداه مبسوطتان}أي: نعماته في الدنيا والدين، وهذه بينته، ويقال: ~~فلان يبسط اليد إذا كان كريما، ومغلول اليد إذا كان بخيلا، ويد بمعنى ~~القوة، يقال للملك على بني فلان: يد وقوة، ويدل عليه قوله تعالى: {والسماء ~~بنيناها بأيد} وعليه قوله الشاعر: # فقالا سقاك الله ما............... ... بما حملت منك الظلوع يداي # وقوله تعالى: {يد الله فوق أيديهم} أي قدرته، وكلها تجوزات تطلق على الله ~~تعالى، إلا اليد بمعنى الخارجة، فإنه لا يجوز أن تطلق على الله تعالى؛ لأن ~~الجوارح محدثة، وهو تعالى قديم، ويد بمعنى المظاهرة والمعاونة، ومنه قوله ~~(عليه السلام): تكافا دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، ~~ويد بمعنى الذلة والصغر، يدل عليه قوله تعالى: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم ~~صاغرون} ويد بمعنى أمام الشيء، ويدل عليه قوله تعالى{وهو الذي يرسل الرياح ~~بشرا بين يدي رحمته} أي أمام رحمته، ويد بمعنى الجملة يدل عليه ذلك بما ~~قدمت يداك أي ما فعلته أنت، وإن كان بلسانه أو سمعه أو بصره أو فؤاده أو ~~غير ذلك. # أما الوجه: فهو لفظة مشتركة بين ستة معان أيضا: # أحدها: وجه بمعنى الذات، وعليه قوله تعالى: {ويبقى وجه ربك} أي ذاته، ~~ووجه بمعنى أول الشيء، يدل عليه قوله تعالى حاكيا عن أهل الكتاب: {وقالت ~~طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار وكفروا ~~آخره}، ووجه: بمعنى الجارحة، يدل عليه قوله تعالى [201ب]: {فاغسلوا وجوهكم} ~~ولا يجوز أن ms387 يطلق عليه تعالى إلا الوجه بمعنى الذات فقط، ووجه بمعنى ~~الطاعة، يدل عليه قوله تعالى: {فأينما تولوا فثم وجه الله} ووجه بمعنى خيار ~~الشيء، يقال: هذا وجه القوم، ووجه البر، وكلها لا يجوز أن تطلق على الله ~~تعالى إلا الوجه بمعنى الذات. PageV01P449 # وأما الموضع الثالث: وهو في الضلال والهدى، فالكلام منه يقع في ثلاثة مواضع: # أحدها: في حكاية المذهب وذكر الخلاف. # والثاني: في بيان معنى الهدى والضلال، والدليل على صحة ماذهبنا إليه وما ~~يجوز إطلاقه على الله تعالى، وما لا يجوز، وإبطال تعلقهم به. # والثالث: في بيان شبههم وإبطالها. # أما الموضع الأول: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف، فمذهب جميع أهل ~~العدل أن لا يجوز إطلاق الضلال على الله تعالى، بمعنى الخلق، ولا الصد عن ~~الدين، والخلاف في ذلل مع المجبرة، فإنهم يقولون: إن الله تعالى أضل بمعنى ~~خلق الضلال، وهدى بمعنى خلق الهدى. # وأما الموضع الثاني: وهو في بيان معان الضلال والهدى، والدليل وما يصح ~~إطلاقه على الله تعالى وما لا يصح. # أما الهدى فالهدى يستعمل في معان خمسة: # أحدها: بمعنى الدلالة والبيان، يدل عليه قوله تعالى: {شهر رمضان الذي ~~أنزل فيه القرآن هدا للناس وبينات من الهدى والفرقان} وهدى بمعنى التوفيق ~~والتسديد، يدل عليه قول الله تعالى: {الذين اهتدوا وزدناهم هدى} أي: زادهم ~~توفيقا وتسديدا، وهدى بمعنا الثواب، يدل عليه قوله تعالى: {سيهديهم ويصلح ~~بالهم} معنا سيهديهم وهدى بمعنى السلوك، سواء كان في خير وشر. # أما الخير فمثل قوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم} أي اسلك بنا. # وأما الشر فمثل قوله تعالى: {فاهدوهم إلى صراط الجحيم} أي اسلكوا بهم، ~~وهدى بمعنى الحكم، قال الشاعر: # ما زال يهدى قومهم ويضلنا ... جهدا وينسبنا إلى الفجار # واعلم أن جميع ألفاظ الهدى يجوز [202أ] إطلاقها على الله تعالى، غير أن ~~منها ما يعم، ومنها ما يكون لاحق لسببه، فأما الذي يعم فما كان بمعنى ~~الدلالة والبيان فما من مكلف إلا وقد هداه بمعنى دله وتبين له. # وأما الذي هو لاحق لسببه فهو التوفيق ms388 والتسديد والثواب فيما كلف الله ~~العبد، وله لفظ وجب عليه أن يوفقه ويسدده إذا أطاع أثابه. PageV01P450 # وأما إبطال قولهم إنه بمعنى الخلق فما تعلقوا به باطل من وجوه ثلاثة: # أحدها: أنه لم يوجد في اللغة أن الهدى بمعنى الخلق. # الوجه الثاني: أنه لو كان بمعنى الخلق لأدى إلى المناقضه، مثل قوله ~~تعالى: {فأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} فكان يجي على قولهم: ~~خلق فلم يخلق، وأما المراد بالآية فمعناه دللناهم وبيناهم. # الوجه الثالث: أنه كان يؤدي إلى أنه لا حاجة إلى الرسل؛ لأنه قد خلق ~~الهدى فلا فائدة بإرسالهم. # وأما بيان معاني الضلال فهو مستعمل بمعان ثمانية: ضلال بمعنى العذاب، يدل ~~عليه قوله تعالى: {إن المجرمين في ضلال وسعر} ومعناه في عذاب وضلال، بمعنى ~~الصد عن الدين، يدل عليه قوله تعالى: {ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن ~~والإنس} وقوله تعالى: {وأضل فرعون قومه وما هدى} المراد بذلك الصد عن الدين ~~والإغواء عنه، وضلال بمعنى الإبطال، يدل عليه قوله تعالى: {فلن يضل ~~أعمالهم} معناه لن يبطلها، وضلال بمعنى الذهاب يدل، عليه قوله تعالى: ~~{ووجدك ضالا فهدى} أي ذاهب عن الحكمة، وضلال بمعنى الهلاك والتقطيع، يدل ~~عليه قوله تعالى: {ءأئذا ضللنا في الأرض} أي هلكنا وتقطعنا، وضلال بمعنى ~~النسيان، يدل عليه قوله تعالى: {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} يضل ~~وينسى، وضلال بمعنى سلب التوفيق الذي لم يهدي به، يدل عليه قوله تعالى: ~~{فمن يهدي من أضل} أي سلبه التوفيق، فإن العبد متى لم يهتدي [202ب] بالهدى ~~الأصلي فإن الله تعالى سلبه الألطاف المتفرعة على الهداية الأصلية، وضلال ~~بمعنى الحكم والتسمية، يدل عليه قول الشاعر: # فطائفة قال اكفرو لي بحبكم ... وطائفة قالوا أمسى وذمت # قوله أكفرولي: أي حكموا وسموا، وقال الآخر: # ما زال يهدي قومه ويضلنا ... جهلا وينسبنا إلى الفجار # أي يحكم لقومه بالهداية وعلينا بالضلال، فجملة هذه الألفاظ على ثلاثة أضرب: # منها: ما لا يجوز إطلاقه على الله تعالى بكل حال. # ومنها: ما يجوز إطلاقها بكل حال. PageV01P451 # ومنها: ما يجوز ms389 بحال دون حال. # أما الذي يجوز إطلاقه على الله تعالى بكل حال، فالضلال بمعنى الهلاك؛ لأن ~~الله تعالى يهلك الخلق جميعا. # وأما الذي لا يجوز إطلاقه بكل حال، فالضلال بمعنى الصد عن الدين، فهو لا ~~يجوز إطلاقه عليه تعالى بحال من الأحوال. # وأما الذي يجوز إطلاقه بحال دون حال فهو الذي كل ما كان لاحقا لسببه مثل ~~العذاب وسائرها، فما جعل السبب من جهة المكلف نحو المعصية فإنه يجوز أن ~~يطلق على الله تعالى أن يعذبه. # وأما إبطال تعلقهم به من أنه عصى الخلق فهو قول باطل من وجوه: # أحدها: أنه لم يدخل في اللغة أن الضلال بمعنى الخلق. # الوجه الثاني: أنه تعالى قد أضافه إلى غيره، فقال تعالى: {وأضل فرعون ~~قومه وما هدى} وقال تعالى: {وما أضلنا إلا المجرمين} فكان ذلك يؤدي إلى أن ~~الذم متوجه إلى نفسه. # الوجه الثالث: أن هذا يؤدي إلى أنه لا حاجة إلى الرسل؛ لأنه قد دخل ~~الضلال فيهم، فلا فائدة في إرسال الرسل، وإنزال الكتب. # وأما الموضع الثالث: وهو في بيان شبههم وإبطالها، فقد تعلقوا بقوله ~~تعالى: {يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا} قالوا: والهدى: بمعنى الخلق. # والجواب عليهم من وجوه: # الأول: أنه لا يصح لكم الاستدلال بالسمع لمثل ما تقدم. # الوجه الثاني: أنه ليس في ظاهر الآية ما يقيد به. # الوجه الثالث: أنه معارض لدلالة العقل ومحكم القرآن. # الوجه الرابع: أنه لم يوجد في اللغة ما يدل على أن الهدى والضلال بمعنى الخلق. # الوجه الخامس: التأويل، وفيه تأويلان: # أحدهما: أن معنى {يضل به كثيرا} أي يعاقب بالكفر به، {ويهدي به كثيرا} ~~بمعنى أنه يثيب من آمن به ...... لأنه يقتضي ذلك؛ لأن قوله تعالى: {وما يضل ~~به إلا الفاسقين} معناه: لا يعاقب به إلا الفاسقين. # التأويل الثاني: معناه أنه يظهر ويبين عند نزوله ضلال كبير، ويبين عند ~~نزوله هدا كثيرا، أي يعلم ذلك من أحواهم عند سماعهم له، فهذا هو الكلام في ~~المسألة الرابعة. PageV01P452 ### ||| AUTO المسألة الخامسة: أن الله تعالى لا يكلف أحدا ms390 ما لا يطيقه، ~~والكلام من هذه المسألة يقع في خمسة مواضع: # الأول: في حكاية المذهب، وذكر الخلاف. # والثاني: في حقيقة القدرة والطريق إلى إثباتها وتمييزها عما يلبس بها. # والثالث: في بيان طرق من أحكامها. # والرابع: في الدليل على أن الله تعالى لا يكلف أحدا ما لا يطيقه. # والخامس: في الشبه. # أما الموضع الأول: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف، فاعلم أن الناس ~~اختلفوا فتفرقوا على قولين، فمنهم من قال: إن الله تعالى لا يكلف أحدا ما ~~لا يطيقه، ومنهم من قال: إن الله تعالى يكلف ما لا يطاق، واختلف الذين ~~قالوا إن الله تعالى لا يكلف ما لا يطاق على ثلاث فرق: # الفرقة الأولى: وهم العدلية بأسرهم فإنهم قالوا إنه لا يكلف ما لا يطاق؛ ~~لأنه قبيح، وهو عدل حكيم لا يفعل القبيح. # الفرقة الثانية: وهم النجارية فإنهم قالوا إنه لا يكلف ما لا يطاق؛ لأنه ~~قبيح، وهو تعالى لا ينفرد بفعل القبيح، ويقولون لو كلف أحدنا آخر صح وكان ~~هذا مشترك بينه تعالى وبين المكلف. # الفرقة الثالثة: وهم الغزالي ومن قال بقوله: إنه لا يكلف ما لا يطاق لا ~~لأنه قبيح، ولكن لأنه يستحيل منه مثل ما يستحيل من الواحد منا أن يريد من ~~الجمادات تتحرك، أو يقوم الفريق الثاني الذين قالوا: يكلف ما لا يطيق وهم ~~الأشعرية وغيرهم من المجبرة، فإنهم قالوا: إن تكليف ما لا يطاق على أربعة أضرب: # الأول: ما يستحيل أن يكون مقدور للقديم ولنا وذلك مثل اجتماع الضدين، ~~وجعل المحدث قديما، وجعل القديم محدثا. # والضرب الثاني: ماليس جنسه داخلا تحت مقدور العباد، مثل الأجسام ~~والألوان. # والضرب الثالث: ما يكون جنسه داخلا تحت مقدور العباد، مثل الطيران، فإنه ~~من قبيل الحركات التي تقدر عليها. # والضرب الرابع: أفعالنا كالحركة والسكون، والقيام والقعود، قالوا: بأن ~~العقل يجوز أن الله تعالى يكلف جميع هذه الأشياء؛ إلا أن السمع منع من ~~الثلاثة المتقدمة. PageV01P453 # وأما الرابع: فهو تكلفه وهو تكليف ما لا يطاق مالم توجد القدرة عليه، فأما ~~إذا حصلت ms391 القدرة عليه فإنه لا يكون تكليف ما لا يطاق. # وأما الموضع الثاني: وهو في حقيقة القدرة وبيان الطريق [203ب] إلى ~~إثباتها، فاعلم أن الناس قد اتفقوا على أنه لابد من مفارقة بين القادر ~~والعاجز، والذي يدل على ذلك أن الواحد منا متى حصل قادرا مع جواز أن لا ~~يحصل فلا بد من أمر ما أن الواحد منا متى حصل قادر مع الجواز فذلك معلوم ~~ضرورة؛ لأنه قد يكون مرة قادرا، ومرة عاجز، وأما أنه لابد من أمر فلأنه لو ~~لم يكن به أمر لم تكن بعض الأجسام قادرة وبعضها غير قادرة أولى من العكس، ~~وهو أن لا تكون لا قادرة ولا عاجزة، أو يكون جميعها قادرة أو غير قادرة، ~~فلابد من أمر حصل لأجله يعض الأجسام قادر وبعضها ليس بقادر، وهو لا يخلو ~~إما أن يكون قادرا لذاته أو بالفاعل أو لمعنى، محال أن يكون قادرا لذاته ~~لوجوه أربعة: # أحدها: أنه كان يلزم أن يكون كل جزء منه قادر. # الوجه الثاني: أنه كان يلزم أن لا يخرج الواحد منا على كونه قادرا؛ لأنها ~~صفة ذاتية. # الوجه الثالث: أنه كان يلزم في الجمادات أن تكون قادرة؛ لأنها متماثلة. # الوجه الرابع: أنه كان يلزم أن لا يقابل القادرون، وأن يمانع القديم في ~~أفعاله، وذكر النظام أن الواحد منا قادرا لذاته. # وأما أنه لا يجوز أن يكون قادرا بالفاعل فلوجهين: # أحدها: أن هذه الصفة تجدد للجسم في حال نفائه، والصفة التي بالفاعل لا ~~يجوز تجددها، أما أن هذه تجدد للجسم فلأنه يكون من قادرا ومرة عاجز، وأما ~~أن الصفة التي بالفاعل نحو تجددها مما يعلمه من حال الموجودة فلأنه لما كان ~~وجودها بالفاعل لم يجد تجددها. # الوجه الثاني: أن هذه الصفة تزايد، والصفة التي بالفاعل لا يجوز تزايدها، ~~أما أنها تزايد فلأنه قد يكون من حال الصفة صفة الوجود فإنها لما كانت ~~بالفاعل لم يجز تزايدها، فلم يبق إلا أن تكون لمعنى. PageV01P454 # وأما تمييزها فاختلفوا في ذلك المعنى، فذهب جمهور المشائخ أبو هاشم ms392 ومن قال ~~بقوله إلى أنه أمرا زائد على التنبيه والحياة، وذهب البغداديون، وأبو ~~الحسين، وابن الملاحمي إلى أن المرجع به إلى المثالين وبه مخصوص، وقال ~~بعضهم: المرجع به إلى الحياة، والذي يبطل قول البغداديين، وابن الملاحمي، ~~وأبو الحسين وجوه: # أولها: أنه لو كان المرجع لكونه قادرا أي التنبيه والتأليف للزم في تزيد ~~الأذن أن تكون قادرة؛ لأن فيها تأليف وبنيه. # الوجه الثاني: أنه كان يلزم في المريض [207أ]المدلف أن يكون قادرا؛ لأن ~~فيه بنية وتأليفا مع بقي الحياة. # الوجه الثالث: أنه كان يلزم من الجمادات أن تكون قادرة؛ لأن فيه تأليف ~~والتأليف متماثل، ولهم أن يقولوا إنا اشترطنا بنية مخصوصة فثبت الموضع ~~الثاني. # وأما الموضع الثالث: وهو في بيان طرق من أحكام القدرة فنبين من أحكامها ~~ثلاثة أحكام: # أحدها: أنها غير موجبة. # وثانيها: أنها متقدمة. # وثالثها: أنها حاصلة للضدين فهذا هو مذهبنا، والخلاف في ذلك مع الجبرية ~~فإنهم يقولون إنها موجبة للمقدور، وأنها مقارنة، وأنها غير صالحة للضدين. # أما أنها غير موجبة فالذي يدل على ذلك صحة ماذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا ~~إليه وجوه: # الأول: أنها لو كانت موجبة لمقدورها لكانت أفعالنا من الله تعالى، وذلك ~~لا يجوز، وهذه الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنها لو كانت موجبة لمقدورها لكانت أفعالنا من الله تعالى. # والثاني: أن ذلك لا يجوز. # أما الأصل الأول: وهو أنها لو كانت موجبة لمقدورها لكانت أفعالنا من الله ~~تعالى، فالذي يدل على ذلك أن فاعل السبب فاعل المسبب على الإطلاق، فكان ~~يلزم أن يكون من فعله تعالى. # وأما الأصل الثاني: وهو أنه لا يجوز أن تكون من فعله، فالذي يدل على ذلك ~~قد تقدم حيث بينا أن أفعال العباد منهم لا من الله. PageV01P455 # الوجه الثاني: أنها لو كانت موجبة لمقدورها لما توجه إلينا مدح ولا ذم، كما ~~في الملجئ فإنه لا يتوجه إليه مدح ولا ذم مع أن معه نوع من الإختيار فأولى ~~في الموجب أن لا يتوجه إليه مدح ولا ذم. # الوجه الثالث: أنها لو ms393 كانت موجبة لمقدورها لم يكن لنا بها إلى العلم ~~طريق؛ لأن الطريق إليها وليس إلا كونه قادر، والطريق إلى كونه قادر صحة ~~الفعل على سبيل الصحة والاختيار، وذلك لا يصح إذا كانت موجبة. # الوجه الرابع: أنها لو كانت موجبة لمقدورها لكان عدم الإيمان دليلا على ~~عدمها، وذلك لا يجوز، وهذه الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنها لو كانت موجبة لمقدورها لكان عدم الإيمان دليلا على عدمها. # والثاني: أن ذلك لا يجوز. # أما الأصل الأول: فالذي يدل عليه أن من حق الموجب أن يحصل عند حصول ~~[204ب] موجبه. # وأما الأصل الثاني: وهو أن ذلك لا يجوز، فالذي يدل على ذلك أنه يلزم ~~محالات كثيرة، منها أنه كان يلزم أن تكون تكليف الله تعالى الكافر بالإيمان ~~تكليف لما لا يطاق، وإنما قلنا ذلك لأنه فمات ولم يوجد منه الإيمان؛ لأن ~~قدرة الإيمان لم يخلقها الله تعالى فيه، وقد ثبت أنه مكلف بلا خلاف بين ~~المسلمين، والقرآن الكريم ناطق بذلك، قال الله تعالى: {قل يا أهل الكتاب ~~تعالوا إلى كلمة سواء بيينا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا ~~يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله}...الآية. # المحال الثاني: أنه كان يلزم فيمن أكل الطعام الحرام طول عمره مع جود ~~الطعام الحلال أن يكون قد أكله جائز؛ لأنه لم يقدره على أكل الحلال، ومعلوم ~~ذلك أنه لا يجوز عند أهل شريعة الإسلام (زادها الله شرفا). # وكما في المشرف على الهلاك من الجوع، فإنه يجوز له أكل الحرام مع أن فيه ~~قدرة على تناول الحلال لو وجد بل ذلك أبلغ. PageV01P456 # المحال الثالث: أنه كان يلزم فيمن يتيمم للصلاة طول عمره مع وجود الماء ~~المباح الطاهر ويمكنه، ولا آفة تمنعه من إستعماله أن يجزي ذلك، ومعلوم أن ~~ذلك لا يجزيه. # المحال الرابع: أنه كان يلزم فيمن صلى في ثوب نجس ومعه ثوب طاهر، وهكذا ~~فيمن صلى إلى غير القبلة، والمعلوم خلاف ذلك. # المحال الخامس: أنه كان يؤدي إلى اشتباه الظن بالأنبياء إلى جنس ms394 الظن ~~بالشياطين، فيقال: إن الأنبياء ما تركوا الكفر والمعاصي خوفا من الله ~~تعالى، وإنما لم يقدروا على ذلك، ويقال: إن الشياطين إنما تركوا الطاعة إلا ~~أنهم لم يقدروا عليها، وذلك لا يجوز. # وأما أنها متقدمة لمقدورها فالذي يدل على ذلك وجوه: # الأول: أنها لو كانت مقارنة كما ذكروا لكان يلزم أن يكون عدم الإيمان ~~دليلا على عدمها، وذلك لا يجوز، إما أنه يلزم أن يكون عدم الإيمان دليلا ~~على عدمها، فمن حيث أنها مقارنة فإذا لم تقارن دل على أنها لم توجد، أما أن ~~ذلك لا يجوز فلأنه كان يلزم تلك المحالات. # الوجه الثاني: أنها صالحة للضدين، والذي يدل على ذلك أنه لا يخلو إما أن ~~توجد في القدرة في وقت واحد أو في وقتين، محال أن توجد أنها في وقت واحد؛ ~~لأن اجتماع الضدين محال، وإن وجد أنها في وقتين ثبت أنها [205أ] متقدمة ~~لأحدهما. PageV01P457 # الوجه الثالث: قوله تعالى حاكيا عن المنافقين: {فسيحلفون بالله لو استطعنا ~~لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم أنهم لكاذبون} فاستدللنا بهذه الآية ~~أن القدرة متقدمة على مقدورها؛ لأن الله تعالى أكذبهم فلا يخلو إما أن ~~يكذبهم في أنهم كانوا مستطيعين على الخروج في ذلك الوقت فلم يخرجوا، أو ~~أكذبهم مع أنهم لم يكونوا مستطيعين في ذلك الوقت، بل أكذبهم لما قالوا ~~استطعنا يريدون في المستقبل لخرجنا وكلاهما يحصل منه غرضنا، وهو أنه تعالى ~~أكذبهم بأنهم لم يخرجوا في الوقت والقدرة حاصلة معهم، أو أنهم لا يخرجون في ~~المستقبل إذا حصلت فدل هذا على أن القدرة متقدمة وليست بمقارنة لمقدورها، ~~فلو كانت مقارنة لمقدورها لم يكذبهم الله تعالى ولخرجوا عند حصول القدرة ~~على الخروج لكونها موجبة مقارنة. # وأما أنها صالحة للضدين فالذي يدل على ذلك وجهان: # أحدهما: أن الله تعالى قد كلف الكافر الإيمان فلا يخلو إما أن يكلفه ~~الإيمان بقدرة الكفر أو بقدرة غيرها، إن كلفه الإيمان بقدرة غير قدرة الكفر ~~فقدرة الإيمان ضد لقدرة الكفر فلا يجتمعان، وإن كلفه بقدرة الكفر فهو الذي ms395 ~~نقول، فقد صلحت للضدين. # الوجه الثاني: أنا نقول لو لم تكن القدرة صالحة للضدين لجاز أن يكون ~~الواحد منا قادرا على المشي بمائة ألف فرسخ فلا يقدر على المشي مسيرة فرسخا ~~واحدا؛ لأن حركة بمائة ضد حركة سيرة، والمعلوم خلاف ذلك فإن الواحد منا ~~يمشي أين ما شاء فدل على أنها صالحة للضدين. # وأما الموضع الرابع: وهو في الدليل على أن الله تعالى لا يكلف أحد ما لا ~~يطيقه، فالذي يدل على ذلك أن تكليف ما لايطاق قبح، والله تعالى لا يفعل ~~القبيح، وهذه الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن تكليف ما لا يطاق قبيح. # والثاني: أن الله تعالى لا يفعل القبيح. # أما الأصل الأول: وهو أن تكليف ما لايطاق قبيح فلك في هذه الدلالة ~~طريقان: # أحدهما: طريق أبي الحسين، وابن الملاحمي. # والثانية: طريقة القياس. PageV01P458 # أما طريقة ابن الملاحمي، وأبي الحسين فإنهما قالا: إن تكليف ما لايطاق ~~معلوم قبحه ضرورة من أي فاعل كان، سواء كان في الشاهد [205ب] أو في الغائب ~~فإن الإنسان يعلم قبحه بالوجدان من النفس. # وأما المجبرة على ضربين: عوام وعلماء، فالعوام يعلمون قبحه ضرورة، ~~والعلماء يتعصبون لمذهبهم. # وأما طريقة القياس فالذي يدل على ذلك ما يعلم في الشاهد من أنه يقبح من ~~الواحد منا أن يأمر من لا جناح له بالطيران، أو أن يأمر المقعد بالجري مع ~~الخيل العربية، أو الأعمى ينقط المصحف على وجه الصحة والصواب، وإنما قبح ~~ذلك لكونه تكليفا لما لا يطاق، والقديم تعالى قد شاركه في أنه كلف الكافر ~~الإيمان وهو لا يطيقه فيجب أن يشاركه في الحكم وهو القبح، وهذه الدلالة ~~مبنية على أربعة أصول: # أحدها: أنه يقبح من الواحد منا أن يكلف عبده المقعد بالجري مع الخيل ~~العربية، وينقط الأعمى مع كونه أعمى على وجه الصحة والصواب. # والثاني: أنه إنما قبح لكونه تكليفا لما لايطاق. # والثالث: أن الله تعالى قد شاركه في أنه قد كلف الكافر الإيمان وهو لا يطيقه. # والرابع: أنه يجب أن يشاركه في الحكم وهو القبح. ms396 # وأما الأصل الأول: وهو أن الواحد منا إذا كلف عبده ما لايطيق إلى آخره، ~~فذلك معلوم ضرورة قبحه، ولهذا فإن العقلاء يذمونه على ذلك. # وأما الأصل الثاني: وهو أنه إنما قبح لكونه تكليفا لما لايطاق، فالذي يدل ~~على ذلك وجهان: # أحدهما: أن الحكم يثبت بثباته ويزول بزواله، وليس هناك ما يعلق الحكم به، ~~وأما أنه يثبت بثباته فلأنا متى علمنا أنه تكليف ما لا يطاق علمنا قبحه، ~~وثبت الحكم، ومتى لم يعلم كونه تكليفا لما لايطاق لزال الحكم وهو القبح. # وأما أنه ليس هناك ما تعلق الحكم به أولى فلو كان هناك أمر تعلق عليه ~~الحكم للزم أن يكون تكليفا لما لا يطاق، ولا يقبح بأن لا يحصل ذلك الأمر ~~وأن لا يكون تكليفا لما لم يطاق ويقبح بأن لا يحصل ذلك الأمر، والمعلوم خلافه. PageV01P459 # الوجه الثاني: أنا نقول لا يخلو إما أن تكون العلة ما قلنا، أو ما ما قاله ~~المخالف محال أن تكون العلة ما قاله المخالف من أن القبيح إنما قبح لكوننا ~~مملوكين ومربوبين، ومأمورين منهين؛ لأنه قد يعرف القبيح من ليس يعرف بأنه ~~مأمور ولا منهي، ولا مربوب ولا مملوك، وهم الملحدة [206أ] فلم يبق إلا أنه ~~إنما قبح لكونه تكليفا لما لا يطاق. # وأما الأصل الثالث: وهو أن الله تعالى قد كلف الكافر الإيمان وهو لا ~~يطيقه فهذا هو مذهبهم. # وأما الأصل الرابع: وهو أنه إذا شاركه في العلة وجب أن يشاركه في الحكم، ~~فالذي يدل على ذلك أن من حق كل مشتركين اشتركا في علة حكم وجب أن يشتركا في ~~ذلك الحكم، وإلا عاد على أصل تلك العلة بالنقض والإبطال، وهاهنا أصل وفرع، ~~وعلة وحكم. # فالأصل: هو تكليف الواحد منا عبده ما لا يطيقه. # والفرع: هو تكليف الله تعالى الكافر ما لا يطيق. # والعلة: هي كونه تكليفا لما لا يطاق. # والحكم: هو القبح. # فإذا كان الفرع هو تكليف الله تعالى الكافر ما لا يطيق قد شاركه في ~~الأصل، وهو تكليف الواحد منا عبده ما ms397 لا يطيقه في العلة وهي كونه تكليف لما ~~لا يطاق وجب أن يشاركه في الحكم وهو القبيح. # الدليل الثاني: أنه لو جاز تكليف ما لا يطاق لجاز تكليف ما لا يعلم. # والثاني: أن تكليف ما لا يعلم لا يجوز. # أما الأصل الأول: وهو أنه لو جاز تكليف ما لا يطاق لجاز تكليف ما لا ~~يعلم، فالذي يدل على ذلك أن تكليف ما لا يعلم أهون في القبح؛ لأن الفعل ~~حاجته إلى القدرة أكثر من حاجته إلى العلم؛ لأن العلم شرط، والفعل محتاج ~~إلى القدرة حاجة الأثر إلى المؤثر، والعلم ليس إلا الأحكام. # وأما الأصل الثاني: وهو أن تكليف ما لا يعلم لا يجوز، فلا خلاف بيننا ~~وبينهم إلا ما يروى عن بعضهم أن تكليف ما لا يعلم يجوز وهو باطل. # الدليل الثالث: أنه لو جاز تكليف ما لايطاق لجاز تكليف العاجز والجماد، ~~وذلك لا يجوز، والدلالة مبنية على أصلين: PageV01P460 # أحدهما: أنه لو جاز تكليف ما لا يطاق لجاز تكليف العاجز والجماد. # والثاني: أن ذلك لا يجوز. # أما الأصل الأول: فالذي يدل عليه أنه لم يمنع من تكليف العاجز والجماد ~~إلا عدم القدرة، فالكافر أبلغ لأن قد عدمت عنه قدرة الإيمان على قولهم، ~~وجعل فيه أضداد الإيمان وهو الكفر، وإرادة الكفر وقدرتها، وليس في العاجز ~~والجماد ضد. # وأما الأصل الثاني: وهو أن ذلك لا يجوز فلا خلاف فيه، هذا الدليل من جهة العقل. # وأما الدليل من جهت السمع فالذي يدل على ذلك آيات كثيرة منها: قوله ~~تعالى: {لايكلف الله نفسا إلا وسعها} والوسع دون [206ب] الطاقة، يدل عليه ~~قول الشاعر: # كلفتها الوسع في نصي لها أصلا ... والوسع منها دون الجهد والبادي # يعني الناقة، وقوله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا ما أتاها} أي: ما ~~أقدرها، وقوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} أي ما قدرتم، وقول النبي ~~(صلى الله عليه): ((إذا أمرتم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) أي: ماقدرتم عليه. # وأما الموضع الخامس: وهو في بيان شبههم وإبطالها فلهم شبه من جهة ms398 العقل، ~~وشبه من جهة السمع. # أما شبههم من جهة العقل: فاعلم أنهم بنو شبههم من جهة العقل لى مذهبهم ~~وهو أن القدرة موجبة بمقدورها، وأنها غير متقدمة، وأنها غير صاحلة للضدين، ~~وأن أفعال العباد من جهة الله تعالى، وقد بينا إبطال ذلك. # وأما شبههم من جهة السمع فآيات، منها قوله تعالى: {ولا تحملنا ما لاطاقة ~~لنا به} قالوا: فلولا أنه يكلف ما لا يطاق لما أمرنا بأن ندعوا أن لا ~~يحملنا ما لا طاقة لنا به. # والجواب عليهم من وجوه: # الأول: أنا نقول لا يصح لكم الاستدلال بالسمع مع بقائكم على مذهبكم الردي. PageV01P461 # الوجه الثاني: أنه ليس لكم في ظاهر الآية ما يدل على ما تمسكتم به، والله ~~تعالى يفعل ما كان فيه مصلحة سواء دعونا أو لم ندع، ولهذا فإنه لا ينبغي أن ~~الإنسان إذا دعا أن يدعوا على القطع، وإنما يكون عادة مشروطا، ويضمن ذلك ~~بأنه إن كان الله يعلم فيه مصلحة فعله؛ لأنه لا يأمن أن يكون ما دعى به ~~مفسد له، وأظن أن هذا هو المذهب، ويدل على بطلان قولهم أن إبراهيم (عليه ~~السلام) دعا الله تعالى فقال: {ولا تخزني يوم يبعثون} والمعلوم أنه لا ~~يخزيه، ونحن لا نعلم. # الوجه الثالث: أنه معارض لدلالة العقل ومحكم القرآن فيجب تأويله. # الوجه الرابع: أنه دعاء مستقل بنفسه، وهي من جملة الأدعية التي نحن ~~متعبدون بها. # الوجه الخامس: التأويل وفيه تأويلان: # أحدهما: أن المراد به لا يحملنا ما طاقة لنا به من التكاليف الشاقة، وإن ~~كنا نقدر عليها مثل تكاليف الأمم الماضية، كاليهود فإن تكاليفهم كانت فيها ~~من المشقة ما خفى به عند من عرف أخبارهم، وكذا فإن من الأمم الماضية من ~~كانت صلواتهم خمسين صلاة، ومنهم من كانت توبته أن يقتل نفسه وأن يقطع يده ~~إذا عصى بها، وكذا فإن العرب يقولون: لا تحملنا [207أ] ما لا نطيق أي: ما ~~شق علينا. # التأويل الثاني: أن المراد لا تحملنا ما لا طاقة لنا به من عذاب الآخرة، ~~ويدل عليه ms399 آخر الآية قوله تعالى: {واعف عنا واغفر لنا وارحمنا}. # الشبهة الثانية: {انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا} ~~قالوا: فأخبر الله تعالى أنهم لا يهتدون ولا يستطيعون سبيلا مع أنهم ~~مكلفون. # والجواب عليهم من وجوه: # الأول: أنه لا يصح لكم الاستدلال بالسمع مع بقائكم على مذهبكم. # الوجه الثاني: أنه ليس في ظاهر الآية ما يدل على ما ذكرتموه؛ لأنه لم ~~يبين فيم ذلك فلابد من التأويل، ولستم بالتأويل أولى منا. PageV01P462 # الوجه الثالث: التأويل فنقول المراد بقوله تعالى: {انظروا كيف نضرب لكم ~~الأمثال} لأنهم مثلوه أنه مجنون، وأنه ساحر، وأنه كاذب، وقوله: {فضلوا فلا ~~يستطيعون سبيلا} أنهم لا يستطيعون فيما قدحوا في نبوتكم، أي لم يجدوا سبيلا ~~إلى بيان ذلك وإثباته. # الشبهة الثالثة: قوله تعالى: {صم بكم عمي فهم لا يعقلون} قالوا: إنهم على ~~هذه الصفة وكلفهم ما لا يعقلون ولا حيلة لهم. # والجواب عليهم من وجوه: # الأول: أنا نقول لا يصح لكم الاستدلال بالسمع على ما تقدم. # الوجه الثاني: أنه ليس في ظاهر الآية ما يقتضي ما ذكرتموه، بل كانوا ~~فصحاء دهاة حذاقا فطنا. # الوجه الثالث: التأويل فنقول إنه تعالى إنما وصفهم بذلك لما قد خلق لهم ~~آلات وحواس وإن لم ينتفعوا بها فيما كلفهم به فوصفهم بذلك، وذلك ظاهر في ~~اللغة يدل عليه قول الشاعر: # لقد أسمعت لو ناديت حيا # ولو نار نفخت لقد أضاءت ... ولكن لا حياة لمن تنادي # ولكن أنت تنفخ في رماد # فوصفهم أنهم غير أحياء لما لم ينتفعوا بالحياة، وقال آخر: # كيف الرشاد وقد صرنا إلى الضلال ... لهم عن الرشد أغلال وأقياد # فشبههم بأن فيهم أغلال وقيود، والمعلوم أن ليس فيهم شيء من ذلك. ### ||| AUTO المسألة السادسة: في الإمتحانات، والكلام منها يقع في ستة مواضع: # الأولى: في حقيقة الألم والطريق إلى إثباته. # والثاني: في حكاية المذهب وذكر الخلاف وإضافتها إلى الله تعالى. # والثالث: في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه [207ب] وفساد ماذهبوا إليه. # والرابع: في حسنها والوجه الذي لأجله حسنت. # والخامس: في ms400 حقيقة العوض والإعتياد، وأحكامها وأسباب العوض. # والسادس: في كيفية الإنصاف للمظلومين من الظالمين. # أما الموضع الأول: فهو في حقيقته والطريق إلى إثباته. PageV01P463 # أما حقيقته فقد تقدمت، وأما الطريق إلى إثباته فهو على سبيل الجملة معلوم ~~ضرورة، والإثبات تفرف بين حاله إذا كانت متألما، وبين حاله إذا كان غير ~~متألم، فإذا ضرب أحدنا الآخر وتألم به فلا بد من أمر، وذلك الأمر لا يخلو ~~إما أن يكون المرجع به إلى الضارب أو إلى المضروب، أو أمر زائد، وهو الذي ~~يقول، محال أن يكون المرجع به إلى الضارب، أو إلى المضروب أو الآلة، أو ~~الكون، أو الإعتماد، أو التأليف؛ لأن ذلك ظاهر ولا يجوز أن يكون المرجع به ~~إلى الآلة وهي التي وقع الضرب بها لوجوه ثلاثة: # الأول: أن المضروب يزول والآلم باقي. # الوجه الثاني: أن الألم يدرك في محل الحياة والآلة تدرك مجاورة للجسم فقط. # الوجه الثالث: أنه لو وضع الآلة على الجسم من غير اعتماد لما ألمه، ولا ~~يجوز أن يكون المرجع به إلى الكون أو الإعتماد أو إلى التأليف لوجوه: # أحدها: أن الألم مدرك، والكون والإعتماد والتأليف غير مدرك. # الوجه الثاني: أنه كان يلزم أن لا يزال متألما لما فيه من الإعتماد ~~والتأليف والأكوان والتأليفات. # الوجه الثالث: أن ذلك الإعتماد والكون والتأليف يزول والألم يزول، وقد ~~اتفقت من هذه الوجوه وإن اختلف في غير فلم يبق إلا أن الألم أمر زائد على ~~ما ذكرنا وهو ما يتولد عن التفريق، وكذا في الآلام التي من جهة الله تعالى، ~~فإنها لابد فيها من تفريق. # وأما الموضع الثاني: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف في إضافتها إلى ~~الله تعالى، فمذهبنا أن هذه الآلة النازلة بالعباد الخارجة عن مقدوراتهم عن ~~فعل الله تعالى، وبه قالت الجبرية وغيرهم، والخلاف في ذلك مع الثنوية، ~~والملحدة، والمجوس، والطبائعية، والمطرفية. # أما الملحدة قال الشيخ: إنهم يقولون: إنها قديم لإعتقادهم أن العالم ~~قديم، وقد يجعلونها طريقا إلى نفي الصانع، ويقولون: [208أ] إنه لو كان ~~للعالم صانع عدل حكيم ms401 لما ألم الخلق هذه الآلام القبيحة. PageV01P464 # وأما الثنوية فإنهم يقولون: إنها تحصل من قبل الظلمة؛ لإعتقادهم أنها تفعل ~~الشر بطبعها. # وأما المجوس فإنهم يقولون: إنها تحصل من قبل الشيطان لإعتقادهم أنها تفعل ~~الشر بطبعه، ولا تقدر على فعل الخير، وإلى ذلك ذهب بعض المطرفية واستدلوا ~~بقوله تعالى في قصة أيوب: {إني مسني الشيطان بنصب وعذاب}. # وأما الطبائعية فإنهم يقولون: إنها تحصل بالإحالة والاستحالة، وتأثيرات ~~الطبائع، وكذلك سائر المطرفية فإذا شفع عليهم قالوا إنما حصل من الإحالة ~~والاستحالة على وجه المصلحة، فالله تعالى مريده، وما جعل منها على وجه ~~المفسدة فالله تعالى لا يريده. # وأما الموضع الثالث: وهو في الدليل على صحة ماذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا ~~إليه، فالذي يدل على ذلك أنها محدثة، والمحدث لابد له من محدث، ومحدثها لا ~~يجوز أن يكون سوى الله تعالى، وهذه الدلالة مبنية على ثلاثة أصول: # أحدها: أنها محدثة. # والثاني: أن المحدث لابد له من محدث. # والثالث: أن محدثها لا يجوز أن يكون سوى الله تعالى. # أما الأصل الأول: وهو أنها محدثة، فالذي يدل على ذلك أنها من جملة ~~الأعراض، وقد بينا أن الأعراض محدثة، فبطل قول الملحدة أنها قديمة. # وأما الأصل الثاني: وهو أن المحدث لابد له من محدث، فالذي يدل على ذلك قد ~~تقدم بيانه، فبطل قول الطبائعية من أنها تحصل بالطبع، ولأن المحدث يجب أن ~~يكون حيا قادرا، والطبع ليس بحي ولا قادر. # وأما الأصل الثالث: وهو أن محدثها ليس إلا الله تعالى، فالذي يدل على ذلك ~~أنها لا تخلو [208ب] إما أن تكون أحدثت نفسها أو غيرها، والغير لا يخلو إما ~~أن يكون فاعلا أو علة والعلة لا تخلو إما أن تكون موجودة أو معدومة، ~~والموجودة لا تخلو إما أن تكون قديمة أو محدثة، لا يجوز أن يكون أحدثت ~~نفسها لوجوه: PageV01P465 # الأول: ما ناظر به القاسم بن إبراهيم عليه السلام الملحد المعروف من مناظرة ~~القاسم بن إبراهيم في أهليلجه أنه قال للملحد: لو جاز في هذه الآلام أن ~~تحدث نفسها ms402 لجاز في أفعالنا أن تحدث أنفسها فتستغني في وجودها عنا، فانقطع ~~الملحد، فقال له القاسم عليه السلام: لا تخلو إما أن تحدث نفسها في حالة ~~العدم أو في حالة الوجود، محال أن تحدث نفسها في حالة العدم لأن العدم لا ~~تأثير له في العدم، ومحال أن تحدث نفسها في حالة الوجود؛ لأن إيجاد الموجود محال. # الوجه الثاني: أنها لو أحدثت نفسها للزم في كل ذات وكل شيء أن يحدث نفسه ~~وهو يؤدي إلى نفي الصانع. # الوجه الثالث: أنها لا تخلو إما أن تحدث نفسها على سبيل الإيجاب أو على ~~سبيل الجواز، محال أن تحدث نفسها على سبيل الإيجاب؛ لأنه كان يلزم قدمها ~~وأن لا يزال الإنسان متألما، ولا يجوز أن تحدث نفسها مع الجواز لأن الجواز ~~لا يحصل إلا بالصحة والاختيار مع كونه حيا قادرا، وليست بحية ولا قادرة، ~~ولا يجوز أن تحصل من علة قديمة ولا معدومة لوجوه: # أحدها: أنه كان يلزم قدمها لأن العدم ثابت فيما لم يزل وكذلك العدم . # الوجه الثاني: أنه كان يلزم أن يكون جميع الأحياء متألمين لأنها معهم على سواء. # الوجه الثالث: أنه يلزم أن لا يزال الواحد متألما لأنهما مع الأوقات على ~~سواء، ولا يجوز أن يكون صادرا عن علة محدثة لوجوه أربعة: # أحدها: أن هذه إشارة منكم إلى الطبع، والطبع غير معقول. # الوجه الثاني: أنه يلزمكم إضافتها إلى الله تعالى لأن فاعل السبب فاعل ~~المسبب. # الوجه الثالث: أن يقال ما أردتم بقولكم إن وقعت الإحالة على وجه الفساد، ~~أتريدون بالفساد أنها قبيحة لحقتم بمقالة الثنوية والمجوس وبطل قولكم بما ~~يبطل به قولهم في الدليل على جنسها، وإن أردتم بالفساد نفور النفوس عنها ~~فلا وجه للتقسيم فإن جميع الآلام تنفر منها النفوس. PageV01P466 # الوجه الرابع: وينبغي أن يكون أولا أن يقال إثبات هذه العلة إثبات ما لا ~~طريق إليه، وإثبات ما لا طريق إليه لا يجوز أما أنه إثبات ما لا طريق إليه ~~فذلك ظاهر لأن الذي يدل على العلة إذا لم تكن مدركة ms403 أنها هي الصفات الصادرة ~~عنها، أو الأحكام، ولا حكم ولا صفة يمكن أن تجعل طريقا إليها؛ فثبت أنه لا ~~طريق إليه. # وأما إثبات ما لا طريق إليه لا يجوز فاتفاق العقلاء على ذلك، وقد تعلق ~~هؤلاء الذين قالوا بالطبع بشبهتين: # أحدهما: من جهة العقل، والثانية: من جهة السمع. # أما التي من جهة العقل: فهو إن قالوا قد ثبت أن الإنسان إذا أكل بعض ~~الأشياء تألم، وإذا دخل بعض البلاد التي فيها السدم تألم، قالوا: فليست من ~~فعل الله تعالى وإنما هي تحصل من الطبع. # فالجواب عليهم من وجهين: # أحدهما: أنا نقول: لا تعلق لكم بهذا لأنا قد رأينا من الأشياء ما يأكله ~~الإنسان ويتألم به، ويأكله مرة أخرى ولا يتألم به، وهكذا الجماعة يأكلون ~~الشيء فيتألم بعضهم وبعضهم يسلم، ويدخلون البلد التي فيها السدم فيتألم ~~بعضهم ويسلم بعضهم. # الوجه الثاني: أن هذه عادة أجراها الله تعالى عند دخول بلاد الأسدام أنه ~~يجعل التألم كما في إجرائه أن الولد يحصل له عند التقاء الذكر والأنثى، ~~وكما أن البر من البر والشعير من الشعير، وكما أجرى سبحانه العادة .....عند ~~شرب الماء، والشبع عند أكل الطعام. # الشبهة الثانية # من جهة السمع فإنهم تعلقوا بخبر النبي -صلى الله عليه- أنه قال: ((حاذروا ~~بلاد الأسدام فإنها تحث في الآجال)). # والجواب عليهم من وجوه: # الأول: أن هذا من أخبار الآحاد فيجب اطراحه، فهذه المسألة لا يجوز الأخذ ~~فيها إلا بالأدلة القطعية. # الوجه الثاني:أنه معارض بدلالة العقل ومحكم القرآن وكل ما خالف هذين ~~الدليلين وجب رده أو تأويله. # الوجه الثالث: أنا نعارضهم بخبر عن النبي صلى الله أنه قال: ((لا طيرة ~~ولا عدوى ومن أعدى الأول)). PageV01P467 # الوجه الرابع: التأويل وهو أن المراد تخبير ما قد عود الله أن الآلام تحصل عنده. # عدنا إلى القسمة، والفاعل لا يخلو إما أن يكون الله تعالى وغيره، والغير ~~لا يخلو إما أن يكون قديما أو محدثا، والمحدث لا يخلو إما أن يكون جسما أو ~~عرضا، والجسم لا يخلو إما أن يكون المتألم ms404 أو غيره، والأقسام كلها باطلة ~~سوى أنه هو الله تعالى لا يجوز أن يكون محدثها قديما ثابتا مع الله تعالى ~~لأنا قد بينا أنه لا قديم مع الله، ولا يجوز أن يكون عرضا لأن الجماد ليس ~~بحي ولا قادر، والفعل لا يصح إلا من حي قادر، ولا يجوز أن يكون جمادا لأن ~~الجماد ليس بحي ولا قادر، ولا يجوز أن يكون حيوانا غير المرضى لوجهين: # أحدهما: أن الغير لا يصدر منه الفعل إلا باعتماد ولا شك أنا ندرك هذا ~~الألم من غير أن نحس باعتماد متعمد علينا. # الوجه الثاني: أنها لو كانت من فعل الغصب لم يجب الرضا بها، والمعلوم أنه ~~يجب الرضا بها ولا يجوز أن يكون من فعل المرضى في نفوسهم لوجهين: # أحدهما: أنها لو كانت من فعلهم لاستحقوا الذم، ومعلوم أنهم لا يستحقون الذم. # الوجه الثاني أنه كان يلزم أن يوجد بحسب قصودنا ودواعينا وأن ينتفي بحسب ~~كراهتنا وصوارفنا والمعلوم خلاف ذلك، فإذا بطلت هذه الأقسام لم يبق لها سوى ~~الله تعالى. # وأما الموضع الرابع: وهو في حسنها، والوجه الذي لأجله حسنت. # أما حسنها فالكلام منه يقع في موضعين: # أحدها: في حكاية المذهب وذكر الخلاف. # والثاني: في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا إليه. # أما الموضع الأول: فمذهبنا أنها حسنة والخلاف في ذلك مع من يقر بحدوثها ~~ثم ينفيها عن الله تعالى وهم الثنوية والمجوس والمطرفية فإنهم اعتقدوا أنها ~~قبيحة ولأجل ذلك نفوها عن الله تعالى. # وأما الموضع الثاني: وهو في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا ~~إليه، فالذي يدل على ذلك وجوه: PageV01P468 # الأول: أن هذا منكم بناء على أصل فاسد وهو أن ما تنفر عنه النفوس فهو قبيح ~~وما اشتهته النفوس فهو حسن، وقد رأينا ما تنفر عنه النفوس وهو حسن مثل ~~الفصد والحجامة، ورأينا ما تشتهيه وهو قبيح مثل أخذ مال الغير وقتله فإن ~~العقل يقضي بقبحه. # الوجه الثاني: أن هذه التكاليف تنفر عنها النفوس فكان يلزم أن تكون ms405 قبيحة ~~فيجب تركها، والمعلوم خلافه. # الوجه الثالث: أنه قد ثبت أنها فعل الله تعالى، وثبت أيضا أن أفعاله كلها ~~حسنة على ما تقدم بيانه في مسألة عدل حكيم. # وأما الوجه الذي لأجله حسنت، فالكلام منه يقع في موضعين: # أحدهما: في حكاية المذهب وذكر الخلاف. # والثاني: على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا إليه. # أما الموضع الأول: فمذهبنا أن ما كان منها مستحقا فوجه حسنه الاستحقاق ~~وما لم يكن مستحقا فلا بد فيه من عوض واعتبار ولا يحسن إلا بمجموعهما، ~~والمستحق مثل الحدود والعذاب في الآخرة والخلاف في ذلك مع المجبرة وأبي علي ~~وعباد والبكرية وأهل التناسخ. # أما المجبرة فإنهم يقولون هذا لا بفعل شيء وإنما حسنت لكوننا مملوكين ~~مربوبين والمالك يفعل في ملكه ما يشاء، ومنهم من قال: أنها تحسن لا لأمر. # وأما أبو علي فإنه قال: العوض يكفي في حسنها دون الاعتبار، وعباد يقول ~~الاعتبار كاف في حسنها دون العوض. # وأما البكرية وأهل التناسخ فإنهم يقولون إنه لا يحسن بشيء منها إلا وهو ~~مستحق فهي مستحقة عندهم، فلما ألزموا قبح إيلام الأطفال والبهائم افترقوا ~~فقالت البكرية: إنهم لا يتألمون، وقال أهل التناسخ: إن هؤلاء قد كانوا عصوا ~~في هياكل غير هذه ثم انتقلوا إلى هذه الهياكل، وانتقل الصبيان والبهائم إلى ~~هياكلهم. # وأما الموضع الثاني: وهو في صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا إليه فالذي ~~يدل على ذلك العقل والسمع. # أما العقل في إبطال قول الشيخين أبي علي وعباد وهو أنها دليل لنا على ~~المجبرة وهو أن الألم لو خلا عن العوض والاعتبار أو أحدهما لكان قبيحا. PageV01P469 # والثاني: أن الله تعالى لا يفعل القبيح، وهذه الدلالة مبنية على أصلين ~~أحدهما: أن الألم لو خلا عن العوض والاعتبار أو أحدهما لكان قبيحا. # والثاني: أن الله تعالى لا يفعل القبيح، أما لو خلا عنهما جميعا فلا خلاف ~~بين المشائخ في قبحه. # وأما أنه إذا خلا عن أحدهما كان قبيحا عندنا، أما أنه لو خلا عن الاعتبار ~~كما قاله أبو علي ms406 فإنه يكون قبيحا لأنه يكون عبثا والعبث قبيح، أما أن يكون ~~عبثا فلأن ....هو الفعل الواقع من العالم به عاريا عن عوض مثله، وهذا ~~المعنى حاصل في الألم وهذا لو خلا عن الاعتبار لأنه كان يمكن ويحسن إيصال ~~ويقع العوض إلى المؤلم من دون الألم، وقلنا في الحقيقة الواقع من العالم به ~~عاريا عن غرض احتراز من غير العالم نحو الساهي والنائم فإنه لا يكون عبثا، ~~وقلنا عاريا عن عوض احتراز من الفعل الواقع من العالم به ولكن فيه عوض، ~~والذي مما لا غرض فيه مثل من يستأجر الغير ليحمل له الماء من نهر إلى نهر ~~من غير نفع، وقلنا: عوض مثله احترازا مما لا يحصل فيه غرض مثل أن يسافر إلى ~~بلد لتجارة ليربح بينا هو يعلم أنه يربحه في بلده من غير سفرة، ونحو أن ~~يصعد السطح ليظن الفي وذلك يمكنه في الأرض، ولو كان يحصل له في السفر ربح ~~زائد على ما يحصل له في بلده إلا أن الزيادة يسيرة فهذا لا يكون غرض مثله ~~وإنما يكون غرض مثله إذا كان شيء يستأجر لمثله في العادة. # وأما أن العبث قبيح فقبحه معلوم ضرورة، فإن قيل: فقولوا إنه كان يمكن ~~ويحسن إيصال نفع الثواب من دون مشقة ولا تكليف، قلنا: إن الثواب يستحق على ~~وجه الإجلال والتعظيم، فلو أوصله إلى من لا يستحق لكان ذلك تعظيما لمن لا ~~يستحق التعظيم، وتعظيم من لا يستحق التعظيم قبيح ولأن الثواب لا يحصل إلا ~~بمشقة، وأما أنه لو خلا عن العوض كما ذكر عباد لكان ظلما والظلم قبيح. PageV01P470 # وأما أنه يكون ظلما فلأن الظلم هو الضرر العاري عن جلب نفع أو دفع ضرر أو ~~استحقاق، وهذا المعنى حاصل فيه لو خلا عن العوض. # وأما أن الظلم قبيح فقبحه معلوم ضرورة، وحجة عباد أنه يقول: إنه يخرج عن ~~كونه ظلما بالثواب والاعتبار لأن الثواب يحصل بفعله للطاعة، ولو لا ~~الاعتبار لما فعل الطاعة، ولولا الطاعة لما حصل الثواب. # والجواب عليه من وجهين: ms407 # أحدهما: أنا نقول إنه قد يتألم من لا يعتبره ولا يحصل له ثواب كالصبيان ~~والبهائم فيبطل عليهم على قول العوض والثواب. # الوجه الثاني: أن الثواب إنما يكون في مقابلة الطاعة وجيز لمنفيها بدليل ~~أنه يستحق عليها وإن لم يتقدمها ألم وإذا كان في مقابلة الطاعة ألم بقي ~~الألم خال عن نفع يقابله فيكون ظلما. # وأما إبطال قول المجبرة فقد تقدم. # وأما الذي يبطل قول أهل التناسخ والبكرية في أنها لا يحسن إلا مستحقه فوجوه: # الأول: أنه كان يلزم أن لا يحسن الفصد والحجامة وشرب الدواء الكريه لأنه ~~لم يعد يتقدم جميع ذلك استحقاق. # الوجه الثاني: أنه كان يلزم أن يستحقوا الذم لأنهم مستحقون لها كما في ~~الحدود. # الوجه الثالث: أنه كان يلزم إذا تابوا أن يزول عنهم لأن التوبة تسقط ~~الاستحقاق والمعلوم خلافه. # الوجه الرابع: أنه كان يلزم أن لا يرضى بها لأنها مستحقة كما لا يرضى ~~بالعقاب لأنه مستحق. # الوجه الخامس: أنه كان يلزم قبح التكليف لأنه مشقة ولم يتقدم المشقة ~~استحقاق. # الوجه السادس: أنه كان يلزم قبح ترذلها بالصبيان والمجانيين لأنهم غير ~~مستحقين وعند هذا الإلزام افترقوا فقالت البكرية: إنهم لا يتألمون، وقال ~~أهل التناسخ: إنهم كانوا عصوا في هياكل غير هذه، وقول أهل التناسخ باطل من وجوه: # أحدها: أنا نعلم ضرورة أن الذي نشاهده هو هذا دون غيره وليس به إلا هذا ~~الشخص المشاهد. PageV01P471 # الوجه الثاني: أنه كان يؤدي إلى أن لا يبقى بالأمر والنهي ولا المدح والذم ~~ولا الحدود ولا النكاح ولا الشهادة ولا قضاء الدين لأنا لا نأمن أن الذي ~~يعرفه قد انتقل إلى هيكل غيره. # الوجه الثالث: أنه لو كان كما قالوا لكان أحدنا يذكر أنه قد كان في هيكل ~~غير هذا وأنه فيه قاضيا أو واليا أو غير ذلك، فيبطل ما تعلقوا به. # وأما قول البكرية أنها لا تألم فباطل من وجوه: # الأول: أنا نعلم ضرورة أن الصبي يتألم كما نعلم ذلك في الكبير. # الوجه الثاني: أنه كان يجب أن لا يكون به ms408 فرق بين أن يوضع الصبي على ~~الشوك أو في النار وبين أن يوضع على الحرير لأنه لا يتألم على قولهم. # الوجه الثالث: أن أحدنا يعلم أنه كان يتألم في صغره فيبطل قولهم. # وأما الدليل السمعي على أنه يجب في الألم أن لا يخلو من العوض والاعتبار ~~فالذي يدل على ذلك الكتاب والسنة. # أما ما يدل على الاعتبار فقوله تعالى: {أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام ~~مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون} والمراد الفتنة في هذه الآية ~~الإصحاب بالمرض وغيره فأخبر الله تعالى أن غرضه بذلك أن يتوبوا وأن يذكروا، ~~وإنما قلنا أن الفتنة هاهنا في الامتحان لأنها لفظة مشتركة بين معان: # أحدها: ما ذكرنا ويدل على ذلك قوله تعالى: {ألم أحسب الناس أن يتركوا أن ~~يقولوا آمنا وهم لا يفتنون}. # وثانيها: بمعنى العذاب والتخويف يحكيه قوله تعالى: {يوم هم على النار ~~يفتنون} أي يعذبون. # وثالثها: بمعنى الصد عن الدين والإغواء قال تعالى: {يا بني آدم لا ~~يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة} معناه لا يصدنكم عن الدين ~~ويغويكم. # ورابعها: بمعنى الكفر والاختلال، وعليه حمل قول الله تعالى: {وقاتلوهم ~~حتى لا تكون فتنة} معناه: حتى لا يكون كفر وضلال، ولا يجوز في هذه الآية ~~التي ذكرنا شيء من هذه المعاني سوى الامتحان. PageV01P472 # وأما ما يدل على الاعتبار من السنة فما روي عن النبي صلى الله عليه أنه ~~قال: ((إذا أصاب المؤمن سهم ثم عوفي كان كفارة له فيما مضى وموعظة له في ~~المستقبل، وإذا أصاب المنافق سهم ثم عوفي كالبعير عقلوه أهله ثم أرسلوه فلم ~~يدر لما عقلوه ولم أرسلوه)) ويدل على ثبوت العوض قوله صلى الله عليه: ~~((يقول الله تعالى إني وجهت إلى عبد من عبيدي مصيبة في بدنه أو ماله ~~فاستقبل ذلك بصبر جميل استحقت منه يوم القيامة أن أنصب له ميزانا أو أنشر ~~له ديوانا)) وقوله صلى الله عليه: ((يتمنى أهل البلاء في الآخرة لو زادهم ~~الله تعالى بلاء لعظم ما أعد ms409 لهم في الآخرة)) وقال صلى الله عليه: ((من وعك ~~ليلة كفرت عنه ذنوب سنة)) فإن قيل: كيف تكفر عنه ذنوب سنة والتكفير لا يكون ~~إلا بالثواب؟ # قلنا: إن له إذا صبر على ذلك ثوابا فيكفر له به. # وأما الموضع الخامس: وهو في حقيقة العوض والاعتبار وأحكامهما وأسباب العوض. # أما حقيقته: فهي المنافع المستحقة لا على وجه الإجلال والتعظيم، وحقيقة ~~الاعتبار قال الشيخ: هو ما يدعو المكلف إلى فعل الطاعة وترك المعصية وهذه ~~حقيقة، وهذه حقيقة اللطف وإنما يقال حقيقة الاعتبار: هو ما يكون المكلف معه ~~أقرب إلى فعل الطاعة وترك المعصية لأجل ما نزل به أو بغيره من الألم. # وأما أحكامها فأحكامها أربعة: # أحدها: أن تكون منفعة جبرانا لما وصل إلى المؤلم سواء كان من جنس ما ~~يعتاده أو لم يكن بخلاف الثواب فإنه لا بد من أن يكون من جنس ما اعتاده. PageV01P473 # الحكم الثاني: أنه يجب أن يكون موفيا على الألم أضعافا مضاعفة بحيث لو خير ~~المؤلم بين الصحة والألم لاختار الألم على الصحة وليس ذلك إلا لعلمه لما ~~يحصل من العوض، وإنما وجب ذلك لأن الله تعالى أنزله من غير مراضاة فلا بد ~~أن يبلغ العوض الحد الذي ذكرناه حتى يخرج الألم عن كونه ظلما بخلاف العوض ~~الذي يجب على الواحد منا فإنه لا يكون إلا بمقدار الألم كما في أروش ~~الجنايات فإنها لا تكون إلا بمقدار الجنايات فكذلك هذا. # الحكم الثالث: أنه لا يكون دائما خلافا لأبي الهذيل وأبي علي وقد رجع أبو ~~علي عن ذلك، وحجتهم أن قالوا: لو كان منقطعا للزم التسلسل لأنه إذا انقطع ~~أصابه غم على انقطاعه. # والجواب عليهم من وجهين: # أحدهما: أنا نقول لهم: قد ثبت أن الواحد منا إذا استحق مثلا على فعل شيء ~~من الطاعات عشرة أجزاء من الثواب في كل وقت، ثم اجتمع ذلك من تقدم فعل ~~الطاعة إلى دخوله الجنة، ثم يوصله الله إليه عند دخوله دفعة واحدة، وينقطع ~~ذلك إلا العشرة المستمرة فإنها تبعا، فإنه هاهنا لا ms410 يصيبه غم بانقطاع ذلك ~~الذي قد كان اجتمع فكذلك هاهنا. # الوجه الثاني: أنه مستغن بما هو فيه من الثواب فلا يتلفت على العوض ولا ~~يفرح ولا يغتم بانقطاعه. # الحكم الرابع: أنه قد يجوز إيصاله إليه في الدنيا بشرطين: # أحدهما: أن لا تكون فيه مفسدة مثل كثرة الرزق فقد يكون بسطه مفسدة لقوله ~~تعالى: {ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض}. # الشرط الثاني: أن يعلم أن ليس عليه مظلمة لأحد. # وأما أحكام الاعتبار فثلاثة: # أحدها: أنه لا يعتبر فيه كثرة ولا قلة بل يكفي فيه فعل أو ترك. # الحكم الثاني: أنه ليس من شرطه أن يعتبر من نزل به لأنه قد ينزل بما لا ~~يعتبر كالصبيان والبهائم، وقد يكون فيه اعتبار للذي نزل به ولغيره، ولكن ~~الشرط أن يعتبر به معتبر. PageV01P474 # أما الحكم الثالث: أنه لا يجوز لنا أن ننزله لأجل الاعتبار لأنا لا نعلم من ~~يعتبر ومن لا يعتبر بخلاف الباري تعالى فإنه ينزله لعلمه من يعتبر به. # وأما أسباب العوض فأشياء ثلاثة: # أحدها: أن يكون من جهة الله تعالى أو من جهة المكلف أو من جهة غير ~~المكلف. # أما إذا كان من جهة الله تعالى فقيده أن نقول: كل ألم أو غم أو فوت نفع ~~من جهة الله تعالى أو في الحكم كأنه من جهته ولم يكن مستحقا فإن العوض ~~عليه، قلنا: كل ألم مثل الأمراض وغم مثل الوالد لموت ولده، أو الولد لموت ~~والده أو غير ذلك أو غير ذلك، قلنا: أو فوت نفع مثل أن يفوت عليه شيء من ~~رزقه فإن كان عالما فلا كلام في وجوب العوض له وإن لم يعلم لا في الحال ولا ~~في المستقبل فذكر الفقيه حميد وهو أحد قولي قاضي القضاة أنه استحق العوض، ~~وقول القاضي الثاني وهو قول الشيخ أبي هاشم أنه لا يستحق شيئا لأن حقه أخذ. # قلنا: أو في الحكم كأنه من جهته مثل أن يكون بإيجابه أو ندبه أو إباحته ~~أو إلجاء، قلنا: بإيجابه مثل ذبح الهدي ms411 الذي يجب على المحرم فإن العوض عليه ~~تعالى، قلنا أو ندبه مثل ذبح الضحايا فإن العوض عليه في ذلك لأنه ندب إليه، ~~قلنا: أو إباحته وذلك مثل إباحته لنا من ذبح الأنعام وغيرها من الحيوانات، ~~واستخدام العبيد والبهائم فإن العوض في ذلك على الله تعالى. # قلنا: أو إلجاه مثل أن يلجي السبع إلى الافتراس بالجوع الشديد أو الواحد ~~منا من أكل مال الغير أو إفساده بالعدو عليه فإن العوض في ذلك عليه تعالى، ~~وقلنا: ولم يكن مستحقا مثل الحدود في الدنيا والعقاب في الآخرة، فلا يجب ~~فيها العوض. PageV01P475 # وأما الذي يكون من جهة المكلف فعقده أن نقول: كل ألم أو غم أو فوت نفع من ~~جهته أو كأنه في الحكم كأنه من جهته، ولم يكن مستحقا فإن العوض عليه، قلنا: ~~كل ألم مثل قتله الغير أو ضربه أو ما أشبه ذلك، قلنا: أو غم مثل ما يلحق ~~الوالد إذا قتل ولده الغير أو من يمسه أمره، قلنا: أو فوت نفع مثل أخذ شيء ~~من ماله، قلنا: أو يكون في الحكم كأنه من جهته مثل شهود الزور إذا شهدوا ~~زورا فيقتل أحد أو أخذ شيء من ماله بشهادتهم فإن العوض عليهم أو مثل من ~~يلقي صبيا في النار أو البرد فإن العوض في ذلك على الملقي، قلنا: ولم يكن ~~مستحقا مثل القصاص أو إلجاء نحو أن يلجئه إلى الشوك ونحو ذلك فإن العوض عليه. # وأما إذا كان من عند غير المكلف فعقده أن نقول كل ألم أو غم أو فوت نفع ~~من جهته غير المكلف أو كان في الحكم كأنه من جهته ولم يكن مستحقا فالعوض ~~عليه عند أبي هاشم ومن قال بقوله، قال لأنهم يفعلون مختارين ولأن الصبي إذا ~~جنى على غيره جناية وجب أرشها في ماله والأعواض تجري مجرى الأروش فلا يعتبر ~~فيها كمال العقد، وعند ابن الملاحمي أن العوض على الله تعالى لأنه مكنهم من ~~ظلم الغير ولم يجعل لهم عقولا تزجرهم فكان العوض عليه تعالى. # وأما السادس: ms412 وهو في الانتصاف للمظلومين من الظالمين فالكلام منه يقع في ~~أربعة مواضع: # أحدها: في معنى الانتصاف وذكر الخلاف فيه وما به يقع الانتصاف والخلاف فيه. # والثاني: في الدليل على وجوبه. # والثالث: في تتبع أقوال المخالفين بالإبطال. # والرابع: في كيفية إيصاله إلى مستحقيه. # أما الموضع الأول: وهو في معنى الانتصاف وذكر الخلاف فيه فمعناه هو أخذ ~~الحق ممن وجب عليه ووضعه فيمن وجب له. # وأما ذكر الخلاف فيه فقد اختلفوا في وجوبه فذهبت العدلية إلى أنه واجب، ~~وذهبت الجبرية إلى أنه ليس بواجب بناء على أصلهم أنه لا يجب على الله واجب. PageV01P476 # وأما الخلاف فيما به يقع الانتصاف فذهب الجمهور إلى أنه يكون بالأعواض ~~المستحقة على الآلام، وذهبت الجبرية إلى أنه يكون بالثواب والعقاب فإن كان ~~للظالم ثواب أعطي المظلوم من ثواب الظالم، وإن لم يكن له ثواب طرح على ~~الظالم من عقاب المظلوم، وذهب أبو القاسم إلى الانتصاف يكون بالتفضل من جهة ~~الله تعالى، وقالت المطرفية: إنه يكون بالعقاب فيعاقب الظالم. # وأما الموضع الثاني: وهو في الدليل على وجوب الانتصاف فالذي يدل على ذلك ~~العقل والسمع. # أما العقل فوجوه ثلاثة: # الأول: أن الله تعالى خلى بأن خلقه في دار الدنيا ومكن الظالم من المظلوم ~~وأقدره على ظلمه ولم يمنعه من الظلم فلو لم ينتصف للمظلوم في الآخرة ممن ~~ظلمه لكانت التخلية قبيحة في دار الدنيا والله تعالى لا يفعل القبيح. # الوجه الثاني:أن حال الله مع الخلق كحال الولي مع الأيتام فكما أن الولي ~~إذا تظالم الأيتام وجب عليه أن ينتصف لبعضهم من بعض فكذلك الانتصاف. # الوجه الثالث: أنا قد دللنا على وجوب العوض فلا بد له من مستوفي في ~~الآخرة وليس يقدر على الاستيفاء والانتصاف في الآخرة إلا الله تعالى. # وأما الدليل السمعي: فالذي يدل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع. # أما الكتاب فقوله تعالى: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس ~~شيئا وإن كان حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين} فإذا كان الله تعالى ~~لا يضيع عبده ms413 مثاقيل الخردل فكيف يضيع عبده ما هو أكبر من ذلك. PageV01P477 # وأما السنة فما روي عن النبي صلى الله عليه أنه قال: ((ينادي مناد يوم ~~القيامة من تحت بطنان العرش يسمعه جميع من حضر الموقف أنا الملك الديان لا ~~ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وقبله لأحد من أهل النار مظلمة حتى ~~أقتصها منه، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وقبله لأحد من أهل ~~الجنة مظلمة حتى أقتصها منه)) وروي عن النبي صلى الله عليه أنه قال: ((الله ~~لينتصف للشاة الجماء من ذات القرنين)) وروي عنه صلى الله عليه وآله: ((إن ~~الله ينتصف للمظلوم من الظالم حتى الجماء من القرناء)). # وأما الإجماع فلا خلاف بينهم في الانتصاف وإن اختلفوا في كيفيته. # وأما الموضع الثالث: وهو في تتبع أقوالهم بالإبطال. # أما قول المجبرة فباطل لوجوه ثلاثة: # الأول: قولكم الانتصاف بالثواب والعقاب يؤدي إلى إثابة من لا يستحق ~~الثواب وعقاب من لا يستحق العقاب؛ لأن الثواب لا يستحق إلاعلى فعل الطاعة، ~~والعقاب لا يستحق إلا على فعل المعصية، وهاهنا يثاب على فعل غيره ويعاقب ~~على فعل غيره وقد قال تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى}. # الوجه الثاني: أنه قد يكون المظلوم من أهل النار والظالم من أهل الجنة ~~والإجماع أن أهل الجنة لا يجوز عليهم تنغيص ولا ألم ولا غم، فإذا لم يكن ~~لهم ثواب يقضون منه نحو الصبيان وأدخلهم الله الجنة تفضلا لم يجز على قولهم ~~أن يطرح عليه من عقاب المظلوم، وكذا إذا كان المظلوم من أهل النار فلا يجوز ~~أن يؤخذ له من ثواب الظالم الذي له ثواب لأنه لا يجب أن يكون في النار روح وراحة. # الوجه الثالث: أنه قد يكون العوض على من ليس له ثواب ولا عقاب كالصبيان ~~والمجانيين فيبطل على قولهم الانتصاف. # وأما ما يبطل قول المطرفية فوجهان: PageV01P478 # أحدهما: أن قولكم هذا يؤدي إلى عقاب من لا يستحق العقاب لأنه إذا لم يكن ~~الانتصاف إلا بالعقاب وقد يكون الظالم من أهل ms414 الجنة وقد يكون ممن لا يعاقب ~~كالصبيان والمجانيين والبهائم فيؤدي إلىعقاب أهل الجنة، وإلى عقاب من لا ~~يستحقه وذلك لا يجوز. # الوجه الثاني: أن العقاب إنما يكون في مقابلة المعصية لأن الظالم عاصي ~~مخطي بفعله للمعصية وبإساءته إلى الغير فلو عوقب من غير أخذ عوض لبقيت حسنة ~~الأنبياء إلى الغير خالية عن الانتصاف كان ذلك بمثابة من يحبسه الملك ثم ~~أخذ مال غيره أو ضربه من دون أن يستوفي لذلك الغير حقه. # وأما ما يبطل قول أبي القاسم فوجهان: # أحدهما: أن التفضل ليس بواجب بل يتفضل وقد لا يتفضل، وقد دللنا على أن ~~الانتصاف واجب فكيف يسقط ما قد ثبت وجوبه بما هو موجب. # الوجه الثاني: أن هذا لا يسمى انتصافا ولهذا فإن الخصمين إذا أتيا إلى ~~القاضي ثم أصلح بينهما بشيء منه سلمه لهما أو لأحدهما فإن هذا لا يسمى ~~انتصافا وإنما يقال وهبا. # وأما الموضع الرابع: وهو في كيفية إيصال العوض إلى مستحقه. # فاعلم أنه لا يخلو إما أن يوصله في الدنيا أو في الآخرة إن أوصله في ~~الدنيا فلا بد من ذينك الشرطين المتقدمين، وإن أوصله إليه في الآخرة، فاعلم ~~أن العقل يقضي تبعته من له عواض وثواب ولا يقضي تبعته من عليه عوض وعقاب. # أما من له ثواب وعوض فإنه حق له ولا يمكن إيصاله إليه إلا بالبعثة فوجبت ~~البعثة لأجل وجوبه. # وأما من عليه عوض وعقاب فإن العقل لا يقضي بوجوب البعثة لهم لأنا لا نجوز ~~أن يعفو الله تعالى أو ما يوصل ما عليهم من دون بعثة، وإنما ورد السمع بذلك ~~فقال تعالى: {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ~~ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون} وقال تعالى: {وإذا الوحوش ~~حشرت} وحيث لا فائدة في حشرها إلا لتوفير العوض عليها لأنها ليست من أهل ~~الثواب فتثاب ولا من أهل العقاب فتعاقب. PageV01P479 # واعلم أن المستحق للعوض لا يخلو إما أن يكون من أهل الثواب أو من ms415 أهل ~~العقاب أو ممن لا يستحق واحد منهما إن كان من أهل الثواب فإن الله تعالى ~~يوصل إليه ما يستحقه من العوض مع جميع ما يستحقه من الثواب، وإن كان من أهل ~~العقاب فإن الله تعالى يوصل إليه ما يستحقه في كل وقت بمقدار ما يستحقه ~~فيكون عوضه موفرا، وعقابه دائما، فإن قيل: أليس الله تعالى قال: {لا يخفف ~~عنهم من عذابها}. # قلنا: معناه لا يخفف عنهم من القدر الذي يستحقونه والعوض هم مستحقون له، ~~وإن كان ممن ليس له ثواب ولا عليه عقاب فلا يخلو إما أن يكون من جنس ~~المكلفين أو من غير جنس المكلفين، فإن كان من جنس المكلفين كالأطفال ~~والمجانيين فإن الله تعالى يوفر عليهم ما يستحقونه من الأمراض مع ما يتفضل ~~عليهم في الجنة، وقد ورد في الخبر بأن أطفال المؤمنين يكونون مع آبائهم ~~وأولاد المشركين يكونون خدم لأهل الجنة، وإن كان من غير جنس المكلفين ~~كالبهائم فإن الله تعالى يوفر عليها ما تستحقه من الأعواض حيث بينا، وقد ~~قيل في ذلك ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الله تعالى يجعلها في ساحة الجنة ويوفر عليها أعواضها هنالك، ~~فإن قيل: إن هذا يؤدي إلى أن يكون في الجنة افتراس وحساس وإنبات لأن في ~~الدنيا شيء منها لا متاع له إلا في الافتراش. # والجواب من وجهين: # أحدهما: أنا قد بينا أن العوض لا يجب أن يكون من جنس ما يعتاد وهو تعالى ~~قادر على أن يوصل إليها من غير ما يعتاده ويخلق لها سواه ويمتعها من ~~الافتراش. # الوجه الثاني: أنا نقول إن لله تعالى في ملكه ما يسع ذلك فلا يستبعد أن ~~يوصل إليه...لأنه قادر عليه. # القول الثاني: أنه تعالى يوفر عليها أعواضها في العرصة .......لا يستحق ~~عوضا ويدل على ذلك قوله تعالى: {ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا} المراد ~~به أن الكافر إذا شاهد ذلك قال كذلك. PageV01P480 # القول الثالث: أن ما كان منها صورة حسنة زاده الله حسنا، وأدخل الجنة يلتذ ~~أهل الجنة بالنظر إليه ويتم عليه ms416 التفضل، وما كان منها... الصورة أدخله ~~الله النار، وزاده شواهة ويكون زيادة في عذاب أهل النار ويجعله يلتذ في ~~النار كما في خزنة جهنم نعوذ بالله منها. ### ||| AUTO المسألة السابعة # وهي أن الله تعالى مريد وكاره، والكلام من هذه المسألة يقع في ثلاثة ~~فصول: الأول: في حقيقة الإرادة والكراهة، والمريد والكاره والطريق إلى ~~إثباتهما. # والثاني: في الدليل على أن الله تعالى مريد وكاره. # والثالث: في بيان ما يريده الله تعالى من الأفعال وما يكرهه. # أما الفصل الأول: وهو في حقيقة الإرادة والكراهة والمريد والكاره، ~~والطريق إلى إثباتهما فالكلام منه يقع في ثلاثة مواضع: # الأول: في حقيقة الإرادة والكراهة والمريد والكاره، والثاني: في حكاية ~~المذهب وذكر الخلاف في إثبات الإرادة والكراهة وتقسميها. # والثالث: في الدليل على إثبات الإرادة والكراهة. # أما الموضع الأول: وهو في الحقائق فحقيقة الإرادة هو المعنى الذي متى ~~اختص بالحي أوجب كونه مريدا. # قلنا: المعنى جنس الحد، قلنا: متى اختص لأنه أعم فيعم الواحد منا والقديم ~~تعالى لأنه لو قلنا يتألم يدخل القديم لأن إرادته توجد لا في محل، وقلنا ~~بالحي ليدخل القديم. # وحقيقة الكراهة: هو المعنى الذي متى اختص بالحي أوجب كونه كارها ~~والاحترازات في هذا كالاحترازات في الإرادة. # وأما المريد فاختلفوا فمنهم من قال هو يعلم ضرورة، ومنهم من قال: يحتاج ~~إلى تحديد، وحقيقته: هو المختص بصفة لكونه عليها يصح منه إيقاع كلامه أمرا وخبرا. # وحقيقة الكاره: هو المختص بصفة لكونه عليها يصح منه إيقاع كلامه نهيا ~~وتهديدا وقد يعترض هذا بأن يقال: إنكم حددتم الإرادة بالمريد. # والجواب على ذلك: أن الاعتراض إنما يتوجه إذا حددنا كل واحد منهما ~~بالثاني فلما في هذا فلا نرده ومثال ما يرد فيه الاعتراض. PageV01P481 # قلنا: حقيقة الخبر: هو ما يحتمل الصدق والكذب، والصدق هو الخبر الذي يكون ~~مخبره على ما هو به فهذا يرد فيه الاعتراض. # وأما الموضع الثاني: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف في إثبات الإرادة ~~والكراهة ونفيهما، فذهب الجمهور من العدلية إلى أن الإرادة والكراهة معنيان ~~زائدان ms417 على الشهوة والنفرة على الداعي والصارف، والخلاف في ذلك مع أبي ~~القاسم البلخي وأبي الحسين وابن الملاحمي. # فأما أبو القاسم ومن تابعه من البغداديين فقالوا: المرجع بالإرادة إلى ~~الشهوة والكراهة إلى النفرة، وقال ابن الملاحمي: المرجع بهما إلى الداعي ~~والصارف في الغائب والشاهد، وأبو الحسين وافقنا في الشاهد ووافق ابن ~~الملاحمي في الغائب فيوافقنا في أحدهما وخالفنا في الآخر. # وأما الموضع الثالث: وهو في الدليل على إثبات الإرادة والكراهة فيدل على ~~ما ذهبنا إليه ابتداء، ثم نتتبع أقوالهم بالإبطال، والدليل على صحة ما ~~ذهبنا إليه أن للواحد منا لكونه مريدا وكارها معنيين راجعين إلى الجملة ~~....على سبيل الجواز والحال واحدة والشرط واحد فلا بد من أمر وذلك الأمر ~~ليس إلا وجود معنى. # أما أن للواحد منا بكونه مريدا وكارها صفتين راجعتين إلى الجملة، فالذي ~~يدل على ذلك أن يستحيل كون الواحد منا مريدا للشيء كارها له في حالة واحدة، ~~فلو لم يكن له صفتان راجعتان إلى الجملة لصح أن يريد بإرادة في... من قبله ~~وكراهة في ... آخر لأنه لا تنافي بينهما. # وأما أنهما ثابتان على سبيل الجواز فإنهما لو لم يثبتا على سبيل الجواز ~~لثبتا على سبيل الوجوب، ولا يجوز أن يثبتا على سبيل الوجوب. # أما أنهما لو لم يثبتا على سبيل الوجوب فإنه يلزم منه محالات: # أحدهما: أنه كان يلزم أن يكون مريدا لجميع المرادات كارها لها. PageV01P482 # المحال الثاني: أنه كان يلزم أن لا يخرج الواحد منا عن كونه مريدا أو كارها ~~وأما أن الحال واحدة والشرط واحد فالحال كونه حيا والشرط منهم من قال: هو ~~بنية القلب، ومنهم من قال: هو زوال السهو والغفلة. # وأما أنه لا بد من أمر فلأنه لم لم يكن ثم أمر لم يكن بأن يحصل أولا من ~~أن لا يحصل. # وأما أن ذلك الأمر ليس إلا وجود معنى فلأنه لا يخلو إما أن يحصل على سبيل ~~الجواز أو على سبيل الوجوب، لا يجوز أن يكون على سبيل الوجوب لأنه يلزم منه ~~ما تقدم، ms418 وإن حصل على سبيل الجواز فلا يخلو إما أن يكون فاعلا أو علة، لا ~~يجوز أن يكون مريدا بالفاعل لوجهين: # أحدهما: أن هذه الصفة تتجدد على الذات في حالة البقاء والصفة التي ~~بالفاعل لا يجوز تجددها في حالة البقاء. # الثاني: أن الفاعل لا يقدر أن يجعل الذات على صفة إلا بأن يكون قادرا على ~~إيجاد تلك الذات فلم يبق إلا أنه لمعنى وبطل أن يكون بالفاعل، وكذلك المعنى ~~إما أن يكون المرجع به إلى ما يقول به أبو القاسم البلخي من الشهوة والنفرة ~~أو ما يقوله ابن الملاحمي من الداعي والصارف، أو ما يقوله من الإرادة ~~والكراهة لا يجوز أن يكون ما قالوا لما يأتي بيانه فلم يبق إلا ما يقوله من ~~الإرادة والكراهة. # وأما تتبع أقوالهم بالإبطال، أما ما يبطل قول أبي القاسم فوجوه: # الأول: أن الإنسان قد يشتهي ما يريده ويريد ما لا يشتهيه، وينفر عما لا ~~يكرهه، ويكره ما لا ينفر عنه. # أما أنه يريد ما لا يشتهي فلأنه قد يريد الفصد والحجامة وهو لا يشتهيه ~~وهو يريد الطاعة ولا يشتهيها. # وأما أنه يشتهي ما لا يريده؛ فلأنه قد يشتهي الأكل في رمضان وهو لا يريده ~~ويشتهي المعاصي وهو لا يريدها. # وأما أنه يكره عما لا ينفر عنه فإنه يكره الأكل في رمضان وسائر المعاصي ~~وهو لا ينفر عن ذلك. # وأما أنه ينفر عما لا يكره فإنه ينفر عن شراب الأدوية الكريهة ولا ~~يكرهها. PageV01P483 # الوجه الثاني:أن الإرادة والكراهة مقدوران لنا، والشهوة والنفرة غير ~~مقدرتين لنا. # الوجه الثالث: أن الشهوة والنفرة لا يتعلقان إلا بالمدركات، والإرادة ~~والكراهة يتعلقان بالمدركات وغيرها. # وأما ما يبطل قول أبي الحسين وابن الملاحمي فالذي يبطل قولهم وجهان: # الأول: إرادة القبيح قبيحة، وكراهة الحسن قبيحة، والداعي والصارف ليسا ~~بقبيحين لأنهما علم ضروري يخلقه الله تعالى كما قلنا في حقيقتهما هو علم ~~الحي أو ظنه... إلى آخر الحقيقة. # الوجه الثاني: أن الإرادة والكراهة ضدان فلا يجتمعان على شيء واحد كما ~~تقدم، والداعي والصارف ليسا بضدين؛ ms419 لأنه يصح اجتماعهما في الشيء الواحد ~~فيدعي إليه داعي ويصرف عنه صارف؛ لأنهما من جملة العلوم، والعلوم لا تصارف ~~فيها فثبت الفصل الأول. # وأما الفصل الثاني: وهو في الدليل على أن الله تعالى مريد فالكلام منه ~~يقع في ثلاثة مواضع: # أحدها: في حكاية المذهب وذكر الخلاف. # والثاني: في الدليل على أن الله تعالى مريد. # والثالث: في كيفية استحقاقه تعالى لهذه الصفة. # أما الموضع الأول: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف فاتفق الناس على أن ~~الله تعالى مريد وقد وصف نفسه بذلك، ومن خالف في ذلك كفر فقال تعالى: {يريد ~~الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}وإنما اختلفوا في كيفية الوصف فذهب ~~العدلية إلى أن الله تعالى مريد وكاره بإرادة وكراهة، وأنهما معنيان زائدان ~~على كونه عالما وعلى الداعي والصارف كما في الواحد منا، والخلاف في ذلك مع ~~البغداديين ومع أبي الحسين وابن الملاحمي. PageV01P484 # أما البغداديون فإنهم يقولون: إن معنى وصف الله تعالى بأنه مريد.....أوجد ~~أفعاله وهو عالم بها وغير ساه عنها ولا مغلوب، ومعنى أنه مريد لأفعال ~~العباد أنه أمرهم بها ويعينهم عليها، ومعنى أنه كاره لأفعال غيره أنه نهاهم ~~عنها، وعند أبي الحسين وابن الملاحمي أن المرجع بكونه مريدا إلى الداعي ~~والصارف بمعنى أنه لا يفعل الفعل إلا إذا دعاه الداعي ولا يتركه إلا إذا ~~صرفه عنه صارف. # وأما الموضع الثاني: وهو في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا ~~إليه فالذي يدل على ذلك وجهان: # أحدهما: أنه تعالى أوجد أفعاله على وجوه مختلفة وهي لا توجد على وجوه ~~مختلفة إلا بالإرادة والكراهة. # أما أنه أوجدها على وجوه مختلفة؛ فلأنه أوجد بعضها أمرا وبعضها خبرا ~~وبعضها بهذا، وبعضها نعمة وبعضها نقمة وذلك مثل الحياة فإنها للعصاة في ~~الدنيا نعمة وفي الآخرة نقمة. # وأما أن أفعاله لا توجد على وجوه مختلفة إلا بالإرادة والكراهة فالذي يدل ~~على ذلك ما نعلمه في الشاهد فإن الواحد منا متى أوجد أفعاله على وجوه ~~مختلفة من أمر ونهي وخبر وتهديد فإنا نعلم ms420 أنه مريد وكاره، لكن لا نعلم ~~بمجرد الفعل ولا بخبره لأنه قد يكون ملتبسا معتما فقد يأمر بالشيء ولا ~~يريده بأن يكون هازلا ومازحا أو مكرها على فعل شيء وهو لا يريده، ولكن نعلم ~~ذلك بقرائن أحواله بخلاف وجوده من الله تعالى فإنا نعلم أنه مريد وكاره ~~بمجرد وقوع أفعاله على وجوه مختلفة لأنه عدل حكيم. # الوجه الثاني: أن الله تعالى قد أمر ونهى، والأمر والنهي لا يكونان أمرا ~~ونهيا إلا بالإرادة والكراهة، والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه أمر ونهى. # والثاني: أن الأمر والنهي لا يكونان إلا بالإرادة والكراهة. # أما الأصل الأول، وهو أنه أمر ونهى فذلك ظاهر، مثل قوله تعالى: {أقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة} ومثل قوله تعالى: {ولا تقربوا الزنا ولا تأكلوا مال ~~اليتيم ولا تقتلوا النفس التي حرم الله}. PageV01P485 # وأما الأصل الثاني: وهو أن الأمر لا يكون إلا مع الإرادة، والنهي لا يكون ~~إلا مع الكراهة فهذا مذهبنا، والخلاف في ذلك مع المجبرة فإنهم يقولون إن ~~الله تعالى أمر بالطاعة ولم يردها ونهى عن المعصية ولم يكرهها. # والذي يبطل قولهم وجوه ثلاثة: # الأول: أن صيغة الأمر والتهديد واحد فلو لم يكن مريدا لأحدهما وكارها ~~للثاني لم يكن له فرق وذلك ظاهر مثل قوله تعالى: {اعملوا آل داود ~~شكرا}وقوله تعالى: {اعملوا ما شئتم} وقد وقع الإجماع على أن أحدهما أمر ~~والآخر تهديد فلا يخلو إما أن تكون هذه التقرقة لأمر يرجع إلى الصيغة لأنها ~~متماثلة، ومحال أن يرجع إلى المأمور به لأنه معها على سواء، ولا يجوز أن ~~يكون لأمر يرجع إلى المأمور لأنه قد يكون المأمور والمتهدد واحد لأنه مع ~~الصفتين على سواء فلم يبق إلا أنه لأمر يرجع إلى الفاعل، وذلك الأمر إما أن ~~يكون لمجرد ذاته أو لكونه قادرا وعالما وحيا ومشتهيا ونافرا،وكونه مريدا ~~وكارها، لا يجوز أن يكون مجرد ذاته لأنها مع الصفتين على سواء، ولا يجوز أن ~~يكون المرجع به إلى كونه قادر وسائر الصفات لأنها مع الصفتين على سواء فلم ~~يبق إلا ms421 أنه مريد لأحدهما وكارها للآخر. # الوجه الثاني: أن الواحد إذا أمر عبده بفعل وأكره عليه، ثم نهاه عن ذلك ~~الفعل وتوعده على فعله فإن العقلاء يذمونه على نهيه له وليس ذلك إلا لكونه ~~أراد منه فعله. # الوجه الثالث: أن المطيع من فعل ما أراده المطاع، والدليل على ذلك أن ~~الأخرس إذا أشار إلى ولده أوعبده بشيء ثم فعله فإنه يسمى مطيعا وليس ذلك ~~إلا أنه فعل ما أراده وإن لم يصدر منه أمر. # وأما الموضع الثالث: وهو في كيفية استحقاقه تعالى لهذه الصفة فمذهب جمهور ~~العدلية أن الله تعالى مريد وكاره لمعنيين محدين موجودين لا في محل، ~~والخلاف في ذلك مع بشر بن المعتمي والنجارية والأشعرية. # أما النجارية وبشر فإنهم قالوا: إن الله تعالى مريد لذاته، وبشر هو من ~~العدلية. PageV01P486 # وأما الأشعرية فإنهم قالوا: إنه مريد بإرادة قديمة. # والذي يبطل قول النجارية أنه يلزم محالات: # أحدها: أن يكون مريدا لجميع المرادات لأنها مع المرادات على سواء وأن ~~يكون مريدا فيما لم يزل وكارها وأن يوجد أكثر مما أوجد، وأن يوجدها دفعة ~~واحدة، وأن يوجد ما لا نهاية له. # والذي يبطل قول الأشعرية أنه لو كان مريدا بإرادة قديمة للزم في تلك ~~الإرادة أن تكون مثلا لله تعالى لأنها قد شاركته في القدم الذي به فارق ~~سائر المحدثات فلم يبق إلا أن يكون مريدا بإرادة محدثة وهي لا تخلو إما أن ~~تكون حالة فيه أو في غيره أولا في محل باطل أن يحل فيه لأن الحلول لا يجوز ~~إلا في الأجسام، وباطل أن يكون في غيره لأنها لو كانت حالة في غيره لم يختص ~~به فلا توجب له ولكان إيجابها للذي حلت فيه أولا من أن يوجب للقديم تعالى ~~فلم يبق إلا أن تكون موجودة لا في محل. # وأما الفصل الثالث: وهو فيما يريده الله وما لا يريده وهذا هو المقصود من ~~العدل والكلام منه يقع في ثلاثة مواضع: # الأول في حكاية المذهب وذكر الخلاف. # والثاني: في الدليل على صحة ما ms422 ذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا إليه. # والثالث في الشبه وإبطالها. # أما الموضع الأول: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف فعندنا أنه مريد ~~لجميع أفعاله إلا الإرادة والكراهة لأنهما غير مقصودين في أنفسهما، ولأنه ~~يؤدي إلى التسلسل على ما تقدم وأنه لا يكره شيئا من أفعاله لأنه لا يكره ~~إلا القبيح وهو عالم أنه لا يفعله فلا حاجة إلى كراهته بخلاف الواحد منا ~~فإنه إما يكره القبيح من فعل نفسه؛ لأن كراهته له لكونه زجرا له عن فعله، ~~وأما أفعال غيره تعالى فهو لا يريد أفعال غيره المكلفين والمباحات ~~والمكروهات من أفعال المكلفين، والمراد بالمكروهات الشرعية التي هي كراهة ~~تنزيه مثل الأكل بالشمال ونحو ذلك وأنه يريد الطاعات ويكره المعاصي، ~~والخلاف في ذلك مع المجبرة وإلزام للمطرفية. PageV01P487 # أما المجبرة فإنهم قالوا: أنما وقع فقد أراده الله تعالى قبيحا كان أو حسنا ~~وما لم يقع فالله تعالى كاره له. # وأما إلزام المطرفية فمن حيث أنهم قالوا: طاعات العاصي معاصي وقد أمر ~~الله بها فيجب أن يكون مريدا لها، وألزمناهم أن يكون كارها للحسن. # وأما الموضع الثاني: وهو في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا ~~إليه فنحن نحتاج إلى أن نبين الدلالة على أربع مسائل: # الأول: أنه مريد لأفعاله والدليل على ذلك أنه أوجدها وهو قادر عليها عالم ~~بها لغرض يخصها وهو غير ممنوع، وكل من كان بهذه الأوصاف فإنه يجب أن يريد الفعل. # أما أنه أوجدها فظاهر، وأما أنه قادر عليها فلأنه قادر لذاته ومن حق ~~القادر للذات أن يكون قادرا على جميع أجناس المقدورات وهي من جملة ~~المقدورات. # وأما أنه عالم بها فلهذا العلة، قلنا: لغرض يخصها احتراز من نفض التراب ~~في الجلد والألم في الفصاد فإنهما لم يوجدا لغرض يخصهما، وإنما وجد على ~~سبيل التبع للمقصود من الجلد والفصد، وذلك إخراج الدم من الفصد والألم من ~~الجلد بخلاف القديم فإنه لا يوجد أفعاله إلا لغرض يخصها مثل خلق العالم. # وأما أنه غير ممنوع؛ فلأن المنع لا يجوز ms423 إلا على من جاز عليه العجز وهو ~~غير جائز عليه تعالى. # وأما أن كل من كان بهذه الأوصاف فإنه يجب أن يريد الفعل، فالذي يدل على ~~ذلك أن الإنسان إذا كان بين يديه طعام شهي لذيذ وهو قادر على الأكل وعالم ~~بنفعه لغرض فإنه يجب أن يأكل. ### ||| AUTO المسألة الثانية # وهو أنه لا يريد أفعال من ليس بمكلف ولا المباحات والمكروهات، فالذي يدل ~~على ذلك أن الإرادة تبع للتكليف فلو أراد هذه الأفعال لكان عيبا والعيب ~~قبيح والله تعالى لا يفعل القبيح، واختلف الشيخان هل يريد المباحات في ~~الآخرة أم لا؟ PageV01P488 # فذهب الشيخان أبو هاشم إلى أنه يريدها منهم، واحتج بقوله تعالى لأهل الجنة: ~~{كلوا واشربوا هنيئا}فكان تعالى مريدا لذلك ونضير ذلك في الشاهد مثل الضيف ~~إذا علم أن المضيف أراد أن يأكلوا الطعام كان ذلك أهنأ لهم، وقال أبو علي: ~~إنه تعالى لا يريد ذلك لأنه مباح. ### ||| AUTO المسألة الثالثة # أنه تعالى يريد الطاعات، والذي يدل على ذلك وجوه: # الأول: أن الله تعالى أمر بها وتوعد على تركها ووعد على فعلها وكل من كان ~~هذا حاله فإنه يجب أن يكون مريدا، دليله الشاهد فإن السيد إذا أمر عبده ~~بفعل وتوعده على تركه فإنه يجب أن يريده. # الوجه الثاني: أن الفاعل للطاعة مطيع، والمطيع: هو من فعل ما أراده ~~المطاع، أما أن الفاعل لها مطيع فبالاتفاق. # وأما أن المطيع هو من فعل ما أراده المطاع فسيأتي بيانه فيما بعد إن شاء ~~الله تعالى. # الوجه الثالث: قوله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}فهذه لام ~~الغرض والإرادة. ### ||| AUTO المسألة الرابعة # وهو أنه تعالى لا يريد المعاصي، والذي يدل على ذلك العقل والسمع، أما ~~العقل فوجوه: # الأول: ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى أن هذا كله راجع إلى الإرادة، ~~وإرادة القبيح قبيحة والله تعالى لا يفعل القبيح، والدلالة مبنية على ثلاثة أصول: # أحدها: أن هذا كله راجع إلى الإرادة. # والثاني: أن إرادة القبيح قبيحة. # والثالث: أن الله تعالى لا يفعل القبيح. # أما ms424 الأصل الأول: فالذي يدل عليه أن الرضا والمحبة والإرادة ألفاظ مختلفة ~~ومعناها واحد بدليل أنه لا يجوز أن تثبت بأحد اللفظين وتنفى بالآخر فلا ~~يجوز أن يقول: أريد أن آكل طعامي ولا أرضاه ولا أحبه، أو أحبه وأرضاه ولا أريده. PageV01P489 # وأما الأصل الثاني: وهو أن إرادة القبيح قبيحة، فالذي يدل على ذلك أن ~~الواحد منا إذا كان من أهل الصلاح والعفة وأخبر من نفسه بأنه مريد الظلم أو ~~لشيء من القبائح فإن منزلته تسقط عند جميع العقلاء، ولاوجه لذلك إلا كونه ~~مريدا للقبيح، ويؤكد ذلك قول النبي صلى الله عليه: ((نية المؤمن خير من ~~عمله ونية الفاسق شر من عمله)) وذكر بعضهم أن معناه: نية المؤمن خير من ~~عمله أي هي من جملة الخيرات، ونية الفاسق شر من عمله أنها من جملة الشرور، ~~وقد قال بعضهم: نية المؤمن أبلغ من عمله لأنه ينوي فعل خيرات كثيرة ولا ~~يترك منها إلا ما عجز عنه فكانت نيته أبلغ من عمله بمعنى أوسع، وكذا نية ~~الفاسق أبلغ من عمله أنه ما يترك المعاصي إلا عجزا عن فعلها فكانت نيته ~~أبلغ من عمله معناه أوسع منه. # وأما الأصل الثالث: وهو أنه تعالى لا يفعل القبيح فقد تقدم بيانه وقد ~~اعترض على هذا الدليل بأن قيل: إن هذا بناء منكم أنه تعالى مريد بإرادة ~~محدثة وأنها فعل له فيكون قد فعل القبيح ونحن نقول: إنه تعالى مريد لذاته ~~فلم يفعل إرادة قبيحة كما قلتم، وقد اختلف العلماء في الجواب على قولين: # القول الأول: منهم من أجاب بأن هذا بناء منكم على أصل فاسد وهو أن الله ~~تعالى مريد بإرادة قديمة أو مريدا لذاته وقد أبطلنا ذلك القول. # الثاني: أنه تعالى إذا كان مريدا للقبائح فقد اختص بصفة نقص، والنقص لا ~~يجوز عليه. # أما أنه يحتص بصفة نقص فهذا معلوم ظاهر سواء كانت محدثة أو قديمة فهي ~~صفقة نقص كما أن الجاهل يوصف بصفة نقص فهذا معلوم ظاهر. # وأما أن النقص لا يجوز على الله تعالى ms425 فلا خلاف بيننا وبينهم. # الدليل الثاني: أنه قد نهى عنها وتوعد فاعلها بالعقاب وزجره عنها وأكد ~~على فاعلها ولا وجه لذلك إلا أنه كارها لها كما في الشاهد فإن السيد إذا ~~نهى عبده عن فعل أو توعده إذا فعله فالمعلوم أنه كاره له. PageV01P490 # الدليل الثالث: أنه تعالى لو كان مريدا للقبائح لوجب فيمن فعلها أن يسمى ~~مطيعا لله تعالى، وذلك لا يجوز، والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه لو كان مريدا للقبائح لوجب فيمن فعلها أن يسمى مطيعا. # والثاني: أن ذلك لا يجوز. # أما الأصل الأول: وهو أنه لو كان مريدا للقبائح لوجب فيمن فعلها أن يسمى ~~مطيعا لله تعالى، فالذي يدل على ذلك أن المطيع هو من فعل ما أراده المطاع، ~~هذا هو مذهبنا والخلاف في ذلك مع المجبرة فإنهم يقولون: إن المطيع من فعل ~~ما أمر به المطاع، وهذا بناء منهم على أن الله تعالى أمر بالطاعة ولم يردها ~~ونهى عن المعصية ولم يكرهها. # والذي يبطل قولهم وجوه: # الأول: ما نعلمه في الشاهد من حال السيد والوالد إذا أشار إلى ولده أو ~~إلى عبده بإشارة يفهم منها ما مراده ثم فعل مراده فإنه يسمى مطيعا وإن لم ~~يصدر منه أمر. # الوجه الثاني: أن القائل إذا قال لغيره أريد منك أن تفعل ما هو كذا ثم ~~فعله فإنه يسمى مطيعا وإن لم يصدر منه أمر؛ لأن الأمر لا يكون إلا بلفظة ~~أفعل أو ما يقوم مقامها. # الوجه الثالث: أنا لو سلمنا أن المطيع هو من فعل ما أمر به المطاع فقد ~~قدمنا أن الآمر لا يكون آمرا إلا بالإرادة. # الوجه الرابع: أنه لا يجوز أن يثبت بأحد اللفظين وينفى بالآخر فلا يجوز ~~أن يقال: فلان مطيع لفلان وما فعل ما أراده أو فعل ما أراده وما أطاعه بل ~~يعد من قال ذلك مناقضا لكلامه. # الوجه الخامس: اللغة قال الشاعر: # رب من أنصحت غيظا قلبه ... قد عنا لي موتا لم يطع PageV01P491 أي لم يفعل ما أراده، وما روي عن النبي ms426 صلى الله عليه ضرب بعقبه الأرض فخرج ~~الماء فقال له العباس: إن ربك ليطيعك، فقال عليه السلام: ((وأنت يا عم لو ~~أطعت الله أطاعك)) أي لفعل ما أردت، واختلفوا فمنهم من قال: إنه لا بد من ~~رتبة للمطاع فلا يسمى الله تعالى مطيعا للواحد منا وإنما يقال: فعل ما ~~أراده، وكذا لا يسمى السيد مطيعا لعبده، وهذا هو قول الجمهور، ومنهم من قال ~~لا يقتضي الرتبة ويلحق بذلك إلزامان: # أحدهما: أن نقول لو كان الله تعالى مريدا للقبائح كما تقول المجبرة لوجب ~~أن يكون الشياطين موافقين لله تعالى في الإرادة من حيث أنهم يريدوا القبيح ~~والأنبياء مخالفون له في ذلك من حيث أنهم في ذلك كارهون لها، وكل مذهب أدى ~~إلى أن يكون الشياطين موافقة لله تعالى في الإرادة والشيء مخالفا له في ذلك ~~وجب القضاء بفساده وإلا لزم. # الثاني: أن السيد إذا ذم عبده على فعل واعتذر العبد إليه وقال ما فعلت ~~فعلا من الأفعال إلا لعلمي بأنك تريده ولا تكرهه، ولا تركت فعلا من الأفعال ~~إلا لعلمي بأنك تكرهه ولا تريده فلا يخلو إما أن يقولوا يقبل العذر أم لا، ~~فإن قالوا: لا يقبل كابروا وعاندوا، وإن قالوا يقبل لزمهم أن يكون الكفار ~~معذورين وذلك باطل وهذا إذا كان صادقا فيما قاله. PageV01P492 # وأما الدليل من جهة السمع: فالكتاب والسنة، أما الكتاب فآيات منها قول الله ~~تعالى: {وما الله يريد ظلما للعباد} {وما الله يريد ظلما للعالمين} فنفى ~~بهاتين الآيتين إرادة كل ظلم عن نفسه على سبيل العموم، ووجه الاستدلال بها ~~أنه تعالى أدخل حرف النفي الذي هو (ما) على اسم نكرة وهو قوله ظلما، وإذا ~~دخل حرف نفي على اسم نكرة اقتضى الاستغراق، وإنما قلنا أن ما حرف نفي فلأن ~~القائل إذا قال: ما رأيت أحدا وما أكلت شيئا وما فعلت فعلا فإنه إذا فعل ~~شيئا مما نفاه فإنه يسمى كاذبا ولا وجه في ذلك إلا أنه نفى فلا يجوز إثبات ~~ما نفاه الله تعالى لأنه يكون ردا ms427 لكلامه وتكذيبا للصادق، وذلك لا يجوز، ~~وقوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}واليسر: هو النفع ~~الخالص وما يؤدي إليه ولا شك أن الطاعات تؤدي إلى الثواب فيجب أن يكون ~~مريدا لها، والعسر: هو الضرر الخالص وما يؤدي إليه، والمعصية تؤدي إلى ~~العقاب الدائم فيجب أن لا يكون مريدا لها، ووجه الاستدلال بهذه الآية أن ~~الله تعالى يسر على المريض والمسافر الصوم في رمضان فقال تعالى: {فمن كان ~~منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر}فإذا كان الله تعالى أراد بهم ~~اليسر من هذه المضرة اليسيرة فبالأولى أن لا يريد بهم ما هو أعظم منها وهو ~~العقاب في الآخرة، فإن قالوا: إن هذا وارد في سبب وهو رمضان فليس لكم أن ~~تستدلوا به، قلنا: إن هذا خطاب وارد على سبب والخطاب لا يقصر على سببه مثل ~~آية السرقة فإنها واردة على سبب ولم تقصر عليه في نفسه، ومثل قوله: ~~{الزانية والزاني} فكان يؤدي إلى أن لا يؤخذ به في شيء غير ما هو سبب فيه، ~~وقوله تعالى: {والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن ~~تميلوا ميلا عظيما}فأضاف إرادة الميل إلى غيره مريدا لها، وقوله تعالى بعد ~~عده للمعاصي: {كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها}فإذا كان كارها لها وجب أن ~~لا يكون مريدا لها، وقوله تعالى: PageV01P493 # {والله لا يحب الفساد}وقوله تعالى: {ولا يرضى لعباده الكفر}وقوله تعالى: ~~{وإن تشكروا يرضه لكم}وقد بينا أن معنى الرضا والمحبة والإرادة واحد وقد ~~منع بعض المجبرة من أن يرضاها أو يحبها لما ورد السمع بذلك وقال إنه يريدها ~~لما لم يرد السمع بالمنع من ذلك على زعمه. # وأما الدليل من جهة السنة: فما روي عن النبي صلى الله عليه أنه قال: ((إن ~~الله كره لكم العبث في الصلاة والرفث في الصيام والضحك بين المقابر)) وقوله ~~صلى الله عليه أنه قال: ((إن الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة ~~المال)) فإذا كان الله تعالى يكره هذه الأفعال فكيف يريد ms428 ما هو أعظم منها ~~تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # وأما الموضع الثالث: وهو في بيان شبههم وإبطالها، فلهم شبه من جهة العقل، ~~وشبه من جهة السمع. # أما شبههم من جهة العقل فثلاث: # الأولى: أنهم قالوا: لو وقع في ملك الله ما لا يريده لدل على ضعفه وعجزه ~~كما في الشاهد فإن الملك إذا أراد من رعيته شيئا ثم لم يقع ذلك الشيء دل ~~على عجزه. # والجواب عليهم من وجوه: # أحدها:أن هذا جمع بين أمرين من غير علة جامعة ولا طريق ناظمة، وما هذا ~~حاله لا يقبل. # الوجه الثاني: أنا نعارضهم فنقول: لا خلاف بيننا وبينكم فإن الله تعالى ~~لا يحب المعاصي ولا يرضاها وقد وقعت منهم، ولم يدل على عجزه وضعفه عن ~~المعصية...فعلوا ما نهى عنه من المعاصي وتركوا ما أمر به من الطاعات ولم ~~يدل ذلك على عجزه وضعفه. # الوجه الرابع: أنا نعارضهم أيضا باليهود والنصارى فإنهم يختلفون إلى ~~كنائسهم وبيعهم، والنبي صلى الله عليه وآله والمؤمنون لا يريدون ذلك بل ~~يكرهونه ولم يدل على عجز النبي والمؤمنين بل أبقاهم لمصحلة رآها فكذا في ~~مسألتنا هذه. PageV01P494 # الوجه الخامس: أنا نقول لهم: ما تريدون بقولكم لو وقع في ملكه ما لايريده ~~لدل على عجزه؟ تريدون من فعل نفسه أو من فعل الغير؟ إن قلتم من فعل نفسه، ~~فإنه إذا لم يقع في ملكه ما يريده دل على عجزه ولا كلام، وإن قلتم من فعل ~~غيره فهو لا يخلو إما أن تكون المنفعة له أو لغيره، إن كانت المنفعة له ~~فهذا يدل على عجزه كما في الشاهد فإن الملك إذا أراد من الرعية شيئا مما ~~يخصه ولم يقع منهم دل على عجزه، وإن قلتم: المنفعة للغير فهذا لا يدل على ~~عجزه كما في الشاهد فإن الملك إذا أراد من الرعية أن يصلوا ويصوموا ثم لم ~~يقع منهم لم يدل على عجزه وكذا هذا، وهذا هو نظير مسألتنا فلا يدل على عجزه. # الشبهة الثانية # إن قالوا: قد ثبت أنا نفعل ms429 المعاصي وهو عالم بها وقادر على أن يمنعنا ~~منها ثم لم يمنعنا منها فدل على أنه مريد لها كما في الشاهد فإن السيد إذا ~~رأى عبيده يفعلون فعلا وهو عالم بهم وقادر على منعهم ثم لم يمنعهم دل على ~~أنه مريد لذلك الفعل فيجب مثله في الغائب. # والجواب من وجوه: # الأول: أن هذا جمع بين أمرين من غير علة جامعة ولا طريقة ناظمة، وما هذا ~~حاله لا يقبل. # الوجه الثاني: أنا نعارضهم فنقول قد ثبت أن اليهود والنصارى يختلفون إلى ~~كنائسهم مع علم المسلمين ومع كونهم قادرين على منعهم ولم يمنعوهم ولم يدل ~~ذلك على أنهم مريدين لذلك. # الوجه الثالث: أنا نقول: قد ثبت أن الله تعالى لا يرضى المعاصي ولا يحبها ~~وثبت في الشاهد أن السيد إذا رأى عبيده يفعلون فعلا وهو عالم بهم وقادر على ~~منعهم ثم لم يمنعهم دل على أنه راض بما فعلوا ولم يلزم في الغائب أن يكون ~~راضيا بها ولا محبا لها، وكذلك هاهنا. # الوجه الرابع: أنا نقول إن الله تعالى قد منعهم غاية المنع بالزجر لهم ~~بالأمر والنهي وتوعدهم بالعقاب. PageV01P495 # الوجه الخامس: أنا نفرق فنقول إن الله تعالى كلفنا بأن نمنع من المعاصي ~~والكفر به تعالى بالقهر والحرب ولم يبطل فرض بل يعاقب على ترك ذلك، ويثاب ~~على فعله بخلاف القديم تعالى فإنه ترك منعهم على وجه الإكراه لوجه حكمة ~~وإلا فهو قادر على منعهم، لكن لو منعهم بالقهر والغلبة لبطل التكليف ولم ~~يستحقوا ثوابا. # الشبهة الثالثة # أنهم قالوا لو لم يكن الله مريدا لأفعال العباد لكان ساهيا عنها أو ~~مغلوبا وذلك لا يجوز عليه فلم يبق إلا أنه مريدا لها. # والجواب على هذه الشبهة من وجوه: # الأول: أن هذه قبيحة قاصرة غير حاضرة فهو يمكن دخول متوسط فلا يصح قولكم. # الوجه الثاني: أن النبي صلى الله عليه والصحابة والمؤمنون عالمون ببقاء ~~اليهود على دينهم واختلافهم إلى كنائسهم وهم غير ساهين عنهم ولا مغلوب ~~عليهم فيلزمكم أن يكونوا مريدين لأفعالهم. # الوجه الثالث: أن ms430 الواحد منا عالما بتصرفات أهل السوق وسائر أفعالهم وهو ~~غير ساه عنها ولا مغلوب ولم يحب أن يكون مريدا لها. # الوجه الرابع: أن الله تعالى عالم بنفسه وغير ساه عنها ولامغلوب فيلزمهم ~~أن يكون مريدا لها، وكذلك قدرته وعلمه على قوتهم أنه قادر بقدرة فيلزمكم أن ~~يكون مريدا لقدرته لأنه غير ساه عنها ولا مغلوب فيلزمكم أن يكون مريدا. # الوجه الخامس: أنكم تركتم مذهب خصمكم خارجا من القسمة لأنه يقول هو تعالى ~~كاره لها وليس بغافل ولا ساه ولا مغلوب. # وأما السمع: فالكتاب والسنة والإجماع. # أما الكتاب فآيات منها: قوله تعالى: {ولو شاء ربك ما فعلوه} { ولو شاء ~~ربك لآمن من في الأرض}قالوا: فدل على أنه قد شاء فعلهم. # والجواب عليهم من وجوه: # الأول: أنه لا يصح لكم الاستدلال بالسمع لأنكم تضيفون القبائح إلى الله تعالى. # الوجه الثاني: أن هذه الآيات معارضة لأدلة العقل ومحكم القرآن فيجب ~~تأويلها. PageV01P496 # الوجه الثالث: قوله تعال حاكيا عن المنافقين: {سيقول الذين أشركوا لو شاء ~~الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ~~ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم ~~إلا تخرصون}. # ووجه الاستدلال عليهم بهذه الآية وجوه: # الأول: أنه تعالى وبخهم وذمهم. # الوجه الثاني: أنه أكذبهم فقال تعالى: {كذلك كذب الذين من قبلهم}فإن ~~قوله: كذب الذين من قبلهم يحصل منه غرض سواء كان يقرى بالتخفيف أو بالتشديد ~~وقراءة التخفيف أدل من قراءة التشديد. # الوجه الثالث: قوله تعالى: {حتى ذاقوا بأسنا}والبأس: هو العذاب فأخبر ~~أنهم يذوقون العذاب. # الوجه الرابع: أنه قال تعالى: {هل عندكم من علم فتخرجوه لنا} وهذا لا ~~يقال إلا للمبطل. # الوجه الخامس: أنه قال تعالى: {إن تتبعون إلا لظن}فأخبر أنهم يتبعون ~~الظن، وقد قال تعالى: {إن الظن لا يغني من الحق شيئا}وقال تعالى: {إن بعض ~~الظن إثم}. # الوجه السادس: أنه أخبر تعالى أنهم يخرصون، والخرص: هو الكذب. # الوجه الرابع على أصل الشبهة وهو التأويل فنقول: المراد بذلك ms431 بشبهة ~~الإكراه أنه تعالى لو شاء لأكرههم ويدل عليه قوله تعالى لنبيه صلى الله ~~عليه وآله: {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين}فأخبر أنه لو شاء إكراههم، ~~لكن لو أكرههم على الطاعة بطل التكليف ولم يستحقوا مدحا ولا ذما ولا ثوابا ~~ولا عقابا، وكذلك لو ألجأهم إلى ترك المعصية لأن من شرائط حسبان التكليف ~~زوال المنع والإلجاء. # الشبهة الثانية # قوله تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون ~~بها}قالوا: فأخبر تعالى أنه خلق خلقا لجهنم وهو مريد لذلك لأن هذه لام ~~الغرض والإرادة. # والجواب عن هذه الشبهة من وجوه: # الأول: أنه لا يصح لكم الاستدلال بالسمع على ما تقدم. PageV01P497 # الوجه الثاني: أن هذا معارض بدلالة العقل ومحكم القرآن لأنه تعالى قال: ~~{وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}وأدلة العقل قد دلت على أنه يريد ~~الطاعات ولا يريد المعاصي بل يكرهها. # الوجه الثالث: أنه كان يلزمكم أن يكون غير منعم على أحد من الكفار لأنه ~~وإن كان قد أنعم عليهم فهي محبطة في جنب ما يعد لهم من العقاب ونضير ذلك ~~بمثابة من يعد لغيره ...ليثبطه حتى يقتله عدوه فكما أنه لا يكون منعما عليه ~~فكذلك هذا. # الوجه الرابع: التشبيه فإن الله شبههم لما لم ينتفعوا بما كلفوه لأنه ~~أراد منهم الطاعات ففعلوا المعاصي فشبههم بقوله: {ولقد ذرأنا لجهنم }فكأنه ~~ما خلقهم إلا للنار وآخر الآية يدل على ذلك فقال تعالى: {لهم قلوب لا ~~يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها}فشبههم بذلك ~~لما لم ينتفعوا بها فكذلك هذا وأظن أن هذا الوجه هو التحقيق. # الوجه الخامس: أن هذا اللام لام العاقبة وذلك ظاهر في القرآن وفي اللغة، ~~أما في الكتاب فمثل قوله تعالى: {فالتقطه آلفرعون ليكون لهم عدوا ~~وحزنا}والمعلوم أنهم ما التقطوه لذلك ولكن ليكون لهم قرة عين كما حكاه الله ~~تعالى وإنما أخبر تعالى بالعاقبة فكذلك هذا فيكون معنى الآية: ولقد خلقنا ~~خلقا والمعلوم منهم أنهم يعصون فيصيرون إلى جهنم. # وأما اللغة: فكما ms432 قال الشاعر: # والموت تغذو الوالدات بحالها ... كما لخراب الدهر تبنى المساكن # وقال آخر: # لدوا للمنون وابنوا للخراب ... فكلكم يصير إلى ذهاب # الوجه السادس: أن غرضه بذلك الاستقبال مثل قوله تعالى: {ونادى أصحاب ~~النار أصحاب الجنة} والمراد به سينادي فكذلك هذا فيكون تقدير الآية ولقد ~~ذرأنا لجهنم أي سيخلق يريد في الآخرة أنه يخلق الكافرين لجهنم؛ لأن المشائخ ~~اختلفوا فعند الجمهور أن الخلق بعد موت ثم يوجدهم الله خلقا آخر بعد عدم، ~~وعند ابن الملاحمي وابن الحسين أنهم يبددون فيجمعهم بعد ذلك. PageV01P498 # الوجه السابع: أن المراد بذلك لام النقل يدل عليه قول الشاعر: # أم الجليس لعجوز سهربة ... ترضى من اللحم بعضم الرقبة # فيجوز النقل ويقال لأم الجليس عجوز سهربة فيكون تقدير الآية: ولقد ذرأنا ~~جهنم لكثير من الجن والإنس. # وأما السنة: فقد تعلقوا بأخبار يروونها عن النبي صلى الله عليه وآله أنه ~~قال: ((لو شاء الله أن لا يعصى ما خلق إبليس)) . # والجواب عليهم من وجوه: # الأول: أن هذا الخبر غير صحيح ولو سلمنا صحته فإنه من أخبار الآحاد التي ~~لا يجوز الأخذ بها في أصول الدين. # الوجه الثاني: أنه معارض بدليل العقل ومحكم القرآن فكل ما خالف دلالة ~~العقل ومحكم القرآن وجب رده. # الوجه الثالث: أنا نعارضهم بقول النبي صلى الله عليه وآله: ((إن الله كره ~~لكم ...وكثرة السؤال وإضاعة المال)) . # الوجه الرابع: أنكم أبطلتم مذهبكم بهذين الخبرين، عندكم أن الله تعالى هو ~~الذي خلق المعاصي كلها والإغواء والإضلال فليس لإبليس فعل على مذهبكم. # فأما الإجماع: فتتعلقوا بشبهة فقالوا: أجمعت الأمة على قولهم ما شاء الله ~~كان وما لم يشأ لم يكن، قالوا: فدل على أنه مريد لأفعال العباد لأن المشيئة ~~هي الإرادة، والجواب عليهم من وجوه: # الأول: أن الإجماع غير صحيح لا تواتر ولا آحاد، وإن نقلتموه قولا أو فعلا ~~أو تقريرا فنحن مخالفون لكم فيه. # الوجه الثاني: أن هذا الإجماع لو سلمنا فإنه منقول بالآحاد، ومسألتنا ~~قطعية فلا يجوز الأخذ به فيها. # الوجه الثالث: أنا نعارضكم فنقول المراد ms433 بقولهم ما شاء الله كان وما لم ~~يشأ لم يكن من أفعال نفسه لا من أفعال غيره. ### ||| AUTO المسألة الثامنة # إن القرآن كلام الله تعالى ووحيه وتنزيله، والكلام من هذه المسألة يقع في ~~أربعة مواضع: # أحدها: في حقيقة الكلام والمتكلم. # والثاني: في حكاية المذهب وذكر الخلاف في القرآن أنه كلام الله تعالى. # والثالث: في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهب إليه المخالف ~~وتتبع أقوالهم بالإبطال. PageV01P499 # والرابع: في بيان شبه المخالف وإبطالها. # أما الموضع الأول: وهو في حقيقة الكلام والمتكلم، فحقيقة الكلام: هو ~~الحروف المنضومة والأصوات المتقطعة المسموعة وإن شئت قلت ما انتضم من حرفين ~~فصاعدا وكان مسموعا متميزا مفيدا من فعل قادر واحد، ذكره بعض المتأخرين، ~~قلنا: هو ما انتضم، فالإنتظام حقيقة في التأليف والأجسام، وفي هذا الكلام مجاز. # قلنا: من حرفين احترازا من حرف واحد فإنه لا يسمى كلاما، وقلنا: وكان ~~مسموعا احترازا من الكتابة فإنها منتظمة، وليست تسمى كلاما لما لم تكن ~~مسموعة. # قلنا: متميزا احترازا من صرير الباب وطنين الذباب والصراخ. # وقلنا: مفيدا احترازا من كادث ومادث فإنه منتظم ومسموع وليس بكلام، وقد ~~اختلف العلماء فمنهم من قال: هو كلام لأن الكلام ينقسم إلى قسمين: مهمل، ~~ومستعمل، فعلى هذا لا يحتاج إلى الاحتراز بقولنا مفيدا، ومنهم من قال: ليس ~~بكلام لا بد من الاحتراز به. # وقلنا: من فعل قادر احتراز من أن يأتي الواحد بالنون من نصر، وآخر بالصاد ~~وآخر بالراء، وقد اعترض على هذه الحقيقة باعتراضين: # أحدهما: إن قيل: إن عليا عليه السلام قال لأبي الأسود الدؤلي: (انح للناس ~~نحوا واقسم لهم الكلام إلى ثلاثة أقسام: اسم، وفعل، وحرف جاء لمعنى) قال: ~~وقد سمى الحرف الواحد كلاما. # قلنا: الجواب أنه لم يسمه كلاما وإنما مراده أقسم لهم أصول الكلام التي ~~يتركب منها. # الاعتراض الثاني: أن يقال: إن هذا ينتقض عليكم بقول القائل ق، وع، وش، ~~فقد يسمى كلاما وهو حرف. # قلنا: الجواب من وجهين: # أحدهما: أنه لا بد من أن يكون مضافا فمراده ms434 ق نفسك الشر، وع الكلام، وش الثوب. # الوجه الثاني: أنه لو لم يكن مضافا فلا بد أن يكون ثم حرف آخر إذا سكت ~~وهو الهاء لأنه لا يمكن النظر بحرف واحد. # وأما الكلام عند أهل النحو: فهو ينقسم إلى كلمة وكلام، فالكلمة: هي كل ~~لفظة أفادت معنى مثل زيد وبكر وعمرو وعبد الله. PageV01P500 # وأما الكلام: فهو كل لفظتين أسندت أحدهما إلى الآخر على سبيل الإفادة ~~احتراز من عبد الله فإنه لفظتين ولم يسم كلمتين لأن من يقول عبد الله إن ~~أراد به الاسم مثل قولهم: زيدا وعمرا فهذا اسم علم فلا يكون على سبيل ~~الإفادة، وإن أراد به الإخبار بأنه عبد الله، ومثل قوله عبد زيد يريد ~~الإخبار فهذا كلام لأنه لفظتين أسندت أحدهما إلى الآخر على سبيل الإفادة، ~~واختلف المتكلمون وأهل النحو فكل منهم يقول إنما أتى به من الحقيقة، فذلك ~~مطابق للغة،وما أتى به الآخر فهو اصطلاح. # وأما المتكلم فهو الفاعل للكلام خلافا للمجبرة فإنهم قالوا المتكلم من ~~قام الكلام بذاته والكلام هو المعنى القائم بذات المتكلم. # وما ذكروه باطل من وجوه: # الأول: أن القيام لفظة مشتركة بين معان وهو لا يصح التحديد بها إلا ~~بقرينة فالتحديد بالحقيقة أولى. # الوجه الثاني: أن هذا حالة بالمجهول إلى المجهول لأنكم فسرتم الشيء بنفسه. # الوجه الثالث: أنه كان يلزم في القدرة والعلم والحياة أن يسمى كلاما ~~لأنها قائمة بذات المتكلم، والمعلوم إنما لايسمى كلاما. # الوجه الرابع: أن الكلام هو هذه الحروف والأصوات في الشاهد والغائب على ~~ما نبينه. # الوجه الخامس: أنه كان يلزم أن يوصف اللسان بأنه متكلم لأنه قائم به ولا ~~يوصف به الجملة. # وأما الموضع الثاني: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف فمذهب جميع أهل ~~العدل وهو قول الخوارج وسائر الفرق أن هذا القرآن الذي بيننا كلام الله ~~تعالى ووحيه وتنزيله، والخلاف في ذلك مع الأشعرية والكلابية والمطرفية ~~والباطنية. # أما الأشعرية: فإنهم يقولون أن هذا الذي بيننا ليس بكلام لله تعالى ووحيه ~~وتنزيله وإنما هذا عبارة عن كلام، وكلامه ms435 معنى قديم قائم بذات الباري تعالى ~~وليس بحرف ولا صوت. # وأما الكلابية: فإنهم يقولون أن هذا القرآن الذي ليس بكلام الله تعالى ~~وإنما هذا حكاية عن معنى أولي قائم بذات الباري وليس بحرف ولا صوت. PageV01P501 # وأما المطرفية: فإنهم قالوا: إن هذا القرآن الذي بينا ليس بكلام الله تعالى ~~وإنما عندهم صفة ضرورية قائمة بقلب ملك ميكائيل،وأما كلام الله فلا إلينا ~~نزل ولا بنا اتصل، ولكن تلاشى وبطل، ومنهم من يقول أنه صفة ضرورية فاستنبط ~~منها هذا القرآن، ومنهم من يقول إنه مجبور عليه. # وأما الباطنية: فإنهم يقولون إنه كلام الرسول حصل بالفيض من النفس الكلية ~~على النفس الجزئية، ومذهبنا أن الكلام هو الحروف والأصوات سواء كان كلام ~~الله تعالى أو غيره وأنه ليس بمعنى وهو قول الحشوية والكرامية. # وأما الأشعرية فإنهم قالوا إن الكلام معنى في النفس في الغائب والشاهد ~~والذي يظهر عبارة عن ذلك، والكلابية أثبتوه معنى في الغائب، فأما في الشاهد ~~فوافقونا فيه. # وأما الموضع الثالث: وهو في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا ~~إليه وتتبع أقوالهم بالإبطال فاعلم أن لنا في إضافة الكلام إلى الله تعالى ~~طريقان : # أحدهما: أنا إذا علمنا وقوعه على صفة لا يمكن القادر بالقدرة لإيجاده على ~~على تلك الصفة، علمنا أنه كلام الله تعالى. # والذي يدل على ذلك وجوه أربعة: # الأول:أنا نقول إن النبي صلى الله عليه وآله كان يدين بأنه كلام الله ~~تعالى ويخبر به وهو عليه السلام لايدين إلا بالحق ولا يخبر إلا بالصدق، ~~وهذه الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه صلى الله عليه كان يدين بأنه كلام الله تعالى ويخبر الناس بذلك. # الثاني: أنه عليه السلام لا يدين إلا بالحق ولا يخبر إلا بالصدق. # أما الأصل الأول: وهو أنه عليه السلام كان يدين بذلك، فالذي يدل على ذلك ~~أنه معلوم ضروي من دينه عليه السلام أنه كان ... ويعتقد أن الذي جاءه كلام ~~الله تعالى دون أن يكون كلاما له عليه السلام أو لغيره من المتكلمين، وذلك ~~ظاهر ms436 عند كل من علم الأخبار وعلم السير والأثار. PageV01P502 # وأما الأصل الثاني: وهو أنه عليه السلام لا يدين إلا بالحق ولا يخبر إلا ~~بالصدق فالذي يدل عى ذلك أن المعجز الذي ظهر على يديه قد شهد له بالصدق ~~فيما أخبر به والإصابة فيما اعتقده؛ لأن ظهور المعجز على من لا يكون كذلك ~~قبيحا والله تعالى لا يفعل القبيح، فإن قيل: إنكم تستدلون بالقرآن على أنه ~~صلى الله عليه وآله نبي وتستدلون بكلام النبي على القرآن أنه كلام الله ~~فهذا يؤدي إلى الدور. # قلنا: الجواب على ذلك: أنا استدللنا على أنه صلى الله عليه نبي بالمعجز ~~الذي ظهر على يديه وهو القرآن وغيره، فكان القرآن معجزا له وسواء كان ~~القرآن هو كلام الله أو غيره، وعلمنا صدقه بذلك فلما علمنا صدقه بذلك ~~استدللنا بكلامه على أن هذا كلام الله تعالى. # الدليل الثاني: الكتاب والسنة والإجماع. # أما الكتاب: فقوله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع ~~كلام الله}ولا شك أن الذي سمع المشرك هو هذا دون أن يكون معنى قديما كما ~~تقول الأشعرية، أو الأول كما تقول الكلابية، فإن قيل: إنكم استدللتم بكلامه ~~تعالى على أنه كلام الله. # قلنا: الجواب على ذلك أنا قد استدللنا على أنه معجز للنبي صلى الله عليه ~~وآله وأنه صدق، ولم ...كونه معجزا وكونه صدقا على أنه كلام الله تعالى، ~~فلما صح لنا أنه معجز وأنه صدق صح لنا متى وجدنا فيه ما دل على أنه كلام ~~الله أن نستدل به على أنه كلام الله لما علمنا من صحته وصدقه لا لكونه ~~كلاما لله تعالى. # الدليل الثالث: وهي السنة وهي أخبار كثيرة واردة عن النبي صلى الله عليه ~~بأنه كلام الله تعالى، وواردة بالحث على تعلمه وملازمته والتمسك به، وإن ~~كانت ليس هي في الظاهر متواترة فهي متواترة من جهة المعنى من حيث أنها أتت ~~من جهات شتى والمعنى واحد، فكانت متواترة وعلمت ضرورة كما في شجاعة علي ~~عليه السلام، وسخاء حاتم طي، وفصاحة امرؤ القيس ms437 فإنها علمت ضرورة لما اتفقت ~~على معنى واحد وإن كان كل خبر منها آحاديا. PageV01P503 # الوجه الرابع: إجماع الأمة على أن هذا كلام الله تعالى، وقولهم هذا قول ~~الله تعالى وهذا كلام الله واحتجاج بعضهم به على بعض قيل: المجبرة وقيل ~~خلافهم. # وأما تتبع أقوال المخالفين بالإبطال. # أما قول الأشعرية أن الكلام ليس هو الحروف والأصوات وإنما هو معنى في ~~النفس فباطل من وجوه: # الأول: أن هذا إثبات ما لا طريق إليه، وإثبات ما لا طريق إليه يفتح باب ~~الجهالات وتجويز المحالات. # الوجه الثاني: أن أهل اللغة متى سمعوا هذه الحروف والأصوات وصفوها بأنها ~~كلام وإن جهلوا كل أمر، ومتى لم يسمعوا هذه الحروف والأصوات لم يصفوه بأنه ~~كلام وإن علموا كل أمر. # الوجه الثالث: أنه كان يلزم أن يسمع كلامين النفسي والذي يخرج، والمعلوم ~~خلاف ذلك. # وأما قول الكلابية بأنه أزلي، فالأزلي هو القديم، والقديم هو الأزلي ~~والذي يبطله أنه لو كان قديما لكان مثلا لله تعالى لأنه يكون قد شاركه في ~~القدم، ولا يجوز أن يكون لله تعالى مثل على ما تقدم. # وأما قولهم بأنه قائم بذاته فهو باطل لأن القيام لفظة مشتركة فإذا أرادوا ~~بالقيام الحلول كما يقال: الكون قائما بالجسم أي حال فيه، فهذا لا يجوز ~~إطلاقه على الله تعالى لأن ذلك لا يجوز إلا على المحدثات، وإن أرادوا به ~~الانتصاب كما يقال: زيد قائم أي منتصب فذلك لا يجوز إلا على الأجسام، وإن ~~أرادوا لقيام الحفظ فإن أرادوا به الحافظ لله تعالى، فذلك لا يجوز لأنه ~~تعالى لا يحتاج إلى حافظ سبحانه، وإن أرادوا أن الله تعالى حافظ كما قال ~~تعالى: {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت}أي حافظ، فذلك لا يجوز لأنه متى ~~كان قديما لا يحتاج إلى من يحفظه، وإن أرادوا بالقيام الوجود فباطل من وجهين: PageV01P504 # أحدهما: أنه إذا كان موجودا به بمعنى أنه الفاعل له بطل مذهبهم وهو الذي ~~يقول كما يقال: السموات موجودة بالله بمعنى أنه الفاعل لها، ولزم حدوثه وهم ms438 ~~لا يقولون به، وإن أرادوا بالوجود الثبوت فهو أيضا باطل لأنه ليس يلزم في ~~إنما وقف وجوده على وجود غيره أن يقال هو قائم به، ألا ترى أن العلم وقف ~~وجوده على الحياة، ولا يجوز أن يقال: العلم قائم بالحياة. # وأما إبطال قولهم بالحكاية والعبارة فذلك محال لأن الحكاية يجب أن تكون ~~من جنس المحكي شروط أربعة: # أحدها: أن يكون جنسه واحد والمعنى واحد واللغة واحدة والإعراب واحد، ~~وكذلك العبارة، ويجب أن يكون من جنس المعبر عنه بشرط أن يكونا كلامين، ~~وكذلك العبارة يجب أن تكون من جنس المعبر عنه وإن اختلفا فالحكاية يجب أن ~~تكون بلفظ المحكي، والعبارة يختلف اللفظ والمعنى واحد، فإذا كانت هذه ~~العبارة والحكاية من جنس الحروف والأصوات وجب في المحكي عنه والمعبر عنه أن ~~يكون من جنس الحروف والأصوات، وبطل قولهم. # وأما قول المطرفية فباطل من وجوه: # الأول: أن هذا إثبات ما لا طريق إليه. # الوجه الثاني: أنا نقول لهم: إن أردتم أنه صفة طبعية استنبط منها هذا ~~الكلام فهذا إثبات الطبع، والطبع غير معقول، وإن أردتم أنه مجبر عليه فهو ~~لا يجبر إلا فعله فيكون كلاما لهم دون أن يكون كلامالله تعالى. # الوجه الثالث: أن يقال لهم: إنكم أبطلتم كلام الله لأنكم قلتم أنه للملك ~~والصفة هي للموصوف فلا يكون لله تعالى كلام. # وأما قول الباطنية فباطل من وجهين: # أحدهما: أن هذا بناء منكم على نفي الصانع ولا نكالمكم في الأصل. # الوجه الثاني: أن هذا بناء منكم على إثبات النفوس والأرواح المتعلقة وقد ~~تقدم بطلان ذلك. PageV01P505 # وأما الموضع الرابع: وهو في بيان شبهة المخالف وإبطالها فهم يتعلقون بشبه ~~وهي أنهم قالوا: إن الكلام هو الذي في النفس ولهذا فإن أهل اللغة يقول ~~الواحد منهم في نفسي كلام فدل على أن الكلام هو الذي في النفس، قالوا: ~~ولهذا فإن عمر قال: زورت في نفسي كلام، قال فسبقني إليه أبو بكر، وقال ~~الشاعر: # إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الكلام دليلا # والذي يبطل قولهم ms439 وجوه: # الأول: أنا نعارضهم فنقول: إن الإنسان قد يقول في نفسي التجارة فكان يلزم ~~أن يكون معاني في النفس. # الوجه الثاني: أن أهل اللغة لا يفعلون من الكلام ويصفونه بأنه كلام إلا ~~هذه الحروف والأصوات. # الوجه الثالث: التأويل فنقول مراده في نفسي كلام أي قدرت في نفسي كلام ~~وعلمت ترتيبه ونظمه، وقول عمر زورت في نفسي كلام مراده قدرته وعلمت نظمه، ~~وهذا قول الشاعر: # إن الكلام لفي الفؤاد.... # مراده تراتيبه والعلم بنظمه وكيفية إيجاده. ### ||| AUTO المسألة التاسعة # وهو أن القرآن محدث مخلوق، والكلام من هذه المسألة يقع في أربعة مواضع: # أحدها: في حكاية المذهب وذكر الخلاف. # والثاني: في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا إليه. # والثالث: في شبه المخالف وإبطالها. # والرابع: في كيفية نزول القرآن. # أما الموضع الأول: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف، فمذهب جميع أهل ~~العدل أن القرآن محدث مخلوق، والخلاف في ذلك مع الحشوية والحنابلة ~~والأشعرية والكرامية والمطرفية، وخلافهم على ضربين: خلاف في اللفظ والمعنى، ~~وخلاف في اللفظ دون المعنى. # أما الذين خالفوا في اللفظ والمعنى فهم الحشوية والحنابلة فإنهم قالوا ~~إنه قديم غير محدث. # وأما الذين خالفوا في اللفظ دون المعنى فهم الأشعرية والكرامية ~~والمطرفية. # أما الأشعرية والكرامية فإنهم قالوا إنه محدث غير مخلوق. # وأما المطرفية فإنهم قالوا إن هذا القرآن الذي بيننا لا يوصف بقدم ولا ~~حدوث ولا بعدم ولا وجود، وكذلك اعتقادهم في سائر الأغراض. PageV01P506 # وأما الموضع الثاني: وهو في الدليل على أنه محدث مخلوق. # أما أنه محدث فالذي يدل عليه العقل والسمع، أما العقل فوجوه سبعة: # الأول منها: ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى وهو أن القرآن لو لم يكن ~~محدثا لكان قديما...إلى آخر ما ذكره. # الوجه الثاني: قوله أيضا وهو أن القرآن لو كان قديما لوجب أن تكون حروفه ~~موجودة معا فيما لم يزل إلى آخره. # الوجه الثالث: قوله رحمه الله تعالى: إن القرآن مرتب في الوجود إلى آخره. # الوجه الرابع: أن القرآن مفيد بالمواضعة والمواضعة لا تكون إلا ms440 محدثة، ~~وهذه الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن القرآن مقيد بالمواضعة. # والثاني: أن المواضعة محدثة، أما أنه مقيدا فبالاتفاق منا ومنهم، وقلنا ~~بالمواضعة لأن أهل اللغة قد تواضعوا على المعاني كالسواد والبياض فلما ~~تواضعوا عليها ثبت أن السواد اسم للأسود، والبياض اسم للأبيض إذ لو يمكن ثم ~~مواضعة لم يكن السواد للأسود أولى من أن يكون اسما للأبيض ولهذا فإنهم لما ~~تواضعوا على كادث ومادث لم يسم كلاما وهو من جملة الحروف المسموعة، ولهذا ~~فإن اللفظ الواحدة قد وضعت في اللغة لمعنى لما تواضعوا عليها، ولها عند أهل ~~الشرع معنى آخر لما تواضعوا عليه، وكذا العجم والعرب والقرآن نزل على لغة ~~العرب التي تواضعوا عليها فثبت أنه مقيد بالمواضعة. # وأما الأصل الثاني: وهو أن المواضعة لا تكون إلا محدثة فلأن المتواضعين ~~محدثون فبالأولى أن يكون المواضع محدثة. # والوجه الخامس: أنه معجز، والمعجز لا يكون إلا محدثا فلأن حقيقة المعجز ~~هو الفعل الخارق للعادة المتعلق بدعوى المدعي للنبوة، والقديم لا يكون فعلا ~~ولا خارقا للعادة. # الوجه السادس: أن كلامه تعالى عرض يحتاج إلى محل والقديم لا يحتاج إلى ~~غيره، والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه عرض يحتاج إلى محل. # والثاني: أن القديم لا يحتاج إلى غيره. PageV01P507 # أما الأصل الأول: وهو أنه عرض يحتاج إلى محل، أما أنه عرض فلأنه من جملة ~~الحروف والأصوات وهي أعراض. # وأما أنه يحتاج إلى محل فلأنه لو لم يكن حالا لبطلت صفته المقتضاة وهي ~~التي لأجلها سمع الصوت، وتضاد مضاده لو كان له مضاد، ومحله لا يخلو إما أن ~~يكون قديما أو محدثا، والقديم لا يخلو إما أن يكون الله أو غيره، ولا يجوز ~~أن يكون الله تعالى لأنه ليس بجسم، والمحل لا يجوز إلا على الأجسام، ولا ~~يجوز أن يكون قديما غيره لأنه لا قديم إلا الله تعالى، وإن كان محله محدثا ~~وجب أن يكون الحال محدثا لأنه لا يجوز أن يكون قديما ومحله محدثا. # وأما الأصل الثاني: وهو أن القديم لا يحتاج إلى غيره ms441 فلأن القديم لو ~~احتاج إلى غيره لبطل كونه قديما لأن القديم هو الموجود فيما لم يزل. # الوجه السابع: أنه لو كان قديما لكان الله تعالى متكلما فيما لم يزل وذلك ~~محال لأنه كان يلزم هازئا أو عابثا وذلك لا يجوز عليه تعالى، وإنما قلنا ~~يلزم أن يكون عابثا فلأن المتكلم لا يتكلم إلا أن يفيد الغير أو نذر من لا ~~ينسى أو بأن تكون عباده أو يستريح بذلك، وكل ذلك لا يجوز عليه تعالى لأنه ~~لا قديم معه يفيده ولا يجوز عليه النسيان. PageV01P508 # وأما الأدلة السمعية: فآيات منها قوله تعالى: {وما يأتيهم من ذكر من ربهم ~~محدث إلا استمعوه وهم يلعبون} وقوله تعالى: {ومن قبله كتاب موسى إماما ~~ورحمة} وقوله تعالى: {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها} وذلك على ما ~~ذكره الشيخ رحمه الله وهو قوله تعالى: {ألر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من ~~لدن حكيم خبير}وذلك فقوله: ألر قيل: هو اسم لله تعالى، وقيل اسم للسورة، ~~وقيل: إن وجه الحكمة في قول الله تعالى ألم، وحم، وطه، ويس، وما ماثل ذلك ~~يريد بذلك تحسين القرآن هو جنس هذه الحروف التي بينكم وأنتم لا تقدرون على ~~شيء من ذلك، وأما وجه الاستدلال بهذه الآية على الحدوث فهو أن قوله: {ألر} ~~و{ألم} مرتب، والمرتب لا يكون إلا محدثا، وقوله: كتاب والكتاب مأخوذ من ~~الاجتماع وذلك لا يكون إلا محدثا، وقوله: أحكمت مرتب والمحكم محدث وقوله: ~~آياته والآيات هي الأدلة والدليل لا يكون إلا محدثا،وقوله: {ثم فصلت} وما ~~فصل فهو محدث، وقوله: {من لدن}وما كان من لدن غيره فهو محدث. # وأما الدليل على أن القرآن مخلوق، فالدليل عليه العقل والسمع، أما العقل ~~فالذي يدل على ذلك أن معنى الخلق ثابت فيه وما حصلت فيه معنى الخلق فهو ~~مخلوق، وهذه الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه قد ثبت فيه معنى الخلق. # والثاني: أن ما ثبت فيه معنى الخلق فهو مخلوق. # أما الأصل الأول: وهو أن قد ثبت فيه معنى الخلق فالذي يدل على ms442 ذلك على أن ~~الخلق يستعمل في أصل اللغة وفي أصل الاصطلاح. # أما في أصل اللغة: فالخلق هو تقدير الفعل بحسب الغرض والداعي يقال خلقت ~~الأديم أي قدرته ويدل عليه قول الله تعالى: {فتبارك الله أحسن الخالقين} أي ~~المقدرين، ويدل عليه قول الحجاج: إني إذا وعدت وفيت، وقال زهير: # ولا أنت تفري ما خلقت ... وبعض القوم يخلق ثم لا يفري # ويقال: خلقت الأديم هل يجي منه مظهره أي قدرته، ويدل عليه قول الشاعر: # ولا يأط بالذي الخالقين ولا ... ولا الذي الخوالق ألا حبذا لآدمي PageV01P509 وأما حقيقته في الاصطلاح: فاختلف البصريون والبغداديون فعند البصريين الخلق ~~هو مدبر الفعل بحسب المصلحة من غير زيادة ولا نقصان، والمخلوق: هو الفعل ~~المقدر بحسب المصلحة من غير زيادة ولا نقصان، والخالق: هو المدبر للفعل ~~بحسب المصلحة من غير زيادة ولا نقصان. # وأما عند البغداديين: فالخلق عندهم هو وجود الفعل لا بآلة، والمخلوق ~~الفعل الموجود لا بآلة، والخالق هو الفاعل لا بآلة، وقد حصل من هذا جميعه ~~معنى الخلق في القرآن، أما على قول أهل اللغة فلأنه مقدر، وأما على قول ~~البغداديين فهو موجود لا بآلة، وأما على قول البصريين فلأنه مقدر بحسب ~~المصلحة من غير زيادة ولا نقصان. # وأما الأصل الثاني: وهو أن ما حصل فيه معنى الخلق فهو مخلوق فالذي يدل ~~على ذلك أن كل لفظة أفادت معنى على سبيل الحقيقة في موضع من المواضع ولم ~~يكن إطلاقها يوهم الخطأ صح إطلاقها مثل قادر وعالم وحكيم. # الدليل الثاني: أن القرآن لو لم يكن مخلوقا لكان خلقا فإذا لم يجز أن ~~يكون خالقا ثبت أنه مخلوق. # وأما الدليل من جهة السمع: فالكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: {إنا ~~جعلناه قرآنا عربيا}معناه خلقناه كما قال تعالى: {وجعل الظلمات ~~والنور}معناه خلقناهما، وقد روي هذا المعنى عن ابن عباس، وقوله تعالى: ~~{وكان أمر الله مفعولا} والقرآن من جملة أوامر الله تعالى فوجب أن يكون ~~مفعولا، وهذا لا يكون دليلا إلا على من قال بقدمه فقط، فأما من قال بحدوثه ms443 ~~فهم يوافقونا بأنه محدث ومفعول وأنكروا مجرد العادة بأنه مخلوق، ولا دليل ~~على إطلاقها في الكتاب. # وأما السنة فما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: ((ما خلق الله ~~من سماء ولا أرض ولا سهل ولا جبل أعظم من سورة البقرة وأعظم ما فيها آية ~~الكرسي)) وقوله صلى الله عليه وآله: ((كان الله ولا شيء ثم خلق الذكر)). PageV01P510 # وأما قول المطرفية أنه ليس بكلام ولا محدث فهو تجاهل وخروج عن قضيا العقول ~~لأن كل عاقل يعلم بفطرة عقله أن الموجود لا يخلو من قدم أو حدوث. # أما الموضع الثالث: وهو في شبههم وإبطالها فلمن خالف في اللفظ والمعنى ~~شبه، ولمن خالف في اللفظ دون المعنى شبه. # أما شبه من خالف في اللفظ والمعنى فلهم شبه عقلية وسمعية. # أما العقلية فشبهتان: # الأولى: إن قالوا لو لم يكن الله تعالى متكلما فيما لم يزل لكان أخرس أو ~~ساكنا والخرس والسكون لا يجوزان عليه تعالى فيجب أن يكون متكلما كما في ~~الشاهد فإن الواحد منا إذا لم يكن متكلما كان أخرس أو ساكنا. # والجواب عليهم من وجوه: # أحدها: أن هذه الشبهة لا تعلق للأشعرية بها لأنهم يقولون أن هذا القرآن ~~الذي بيننا محدث وأنه حروف وأصوات وإن كان عندهم أن الكلام ليس إلا القائم ~~بالنفس وإنما هذه على قول من يقول بقدمه. # الوجه الثاني: هذا جمع بين أمرين من غير علة جامعة ولا طريقة ناظمة، وما ~~هذا حاله لا يقبل. # الوجه الثالث: أن هذه قسمة قاصرة غير حاضرة لأنه خرج عنها أقسام أخر. # الوجه الرابع: أنا قد رأينا من ليس بمتكلم ولا أخرس ولا ساكتا كالأطفال ~~والبهائم والصارخ فكانت قسمتك غير حاضرة. # الوجه الخامس: أن هذا بناء منكم على أصل فاسد وهو أن السكوت ضد الكلام، ~~وعندنا أن السكوت ليس بضد له لأنه يجوز أن يخلق الله الكلام في لسان الأخرس ~~فلو كان السكوت ضد الكلام لما أوجد الله الكلام في لسانه مع بقاء الخرس، ~~والمتكلم هو الله تعالى كما في ms444 الحصا وبنيتم ذلك على أن الحي لا يخلق من ~~الشيء أو ضده وعندنا أنه يخلق منهما نحو ما ذكره شيخنا أبو إسحاق بن عياش ~~من أن الواحد منا قد لا يريد تصرفات الإنسان في الأسواق ولا يكرهها. PageV01P511 # الوجه السادس: أنا نقول لهم ما تريدون بقولكم أنه يجب أن يكون متكلما ~~تريدون ويصح منه الكلام فدلوا على ذلك فلا دليل لكم أو تريدون أنه لا يخرج ~~عن كونه متكلما ويستحيل منه ذلك فهو باطل لأنه كيف يجب ويستحيل فلا يجوز ~~إطلاق هذا عليه. # الشبهة الثانية # إن قالوا قد ثبت أن الاسم هو المسمى وأن أسماء الله تعالى في القرآن فيجب ~~أن يكون القرآن قديما، والذي يدل على ذلك أن الاسم هو المسمى قوله تعالى: ~~{سبح اسم ربك الأعلى} وكما يقال: طلقت زينب واعتقد سعد، وقول الشاعر: # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر # فعلقوا التسبيح والطاعات والطلاق والعتق والسلم على الاسم لما كان هو ~~المسمى عندهم. # والجواب عليهم من وجوه: # الأول: أن هذه الشبهة لا تعلق للأشعرية بها لأنه من قبيل الحروف والأصوات ~~وهي محدثة وهم يوافقونا في ذلك. # الوجه الثاني: أنا نقول ليس بأن تستدلوا على أنه قديم بما فيه من أسماء ~~القديم أولى من أن يستدل من أنه محدث بما فيه من أسماء المحدثات نحو السماء ~~والأرض والجن والإنس وغيرذلك. # الوجه الثالث: أنا نقول إن الاسم ليس هو المسمى والذي يدل على ذلك وجوه: # أحدها: أن الاسم يقدم تالي وجوده، والمسمى لا يقدم. # الوجه الثاني: أن الواحد منا يقدر على إحداث الاسم ولا يقدرعلى إحداث ~~المسمى. # الوجه الثالث: أنه يلزمكم أن يتعدد الشيء بتعدد أسمائه فإن لله تعالى ~~أسماء كثيرة، قيل: إلى تسعة وتسعين اسما ، وكذا في غيره له أسماء كثيرة. # الوجه الرابع: أن الاسم عرض والمسمى قد يكون عرضا وقد يكون جسما. # الوجه الخامس: أنه لو كان الاسم هو المسمى للزم أن يكون من قال نار أحرقت ~~فمه ومن تكلم بالنجاسة ينجس فمه ms445 قال الشاعر: # لو كان من قال نارا أحرقت فمه ... لما تفوه باسم النار مخلوق PageV01P512 وأما قولهم سبح اسم ربك فالمراد سبح ربك باسمه وسبح ربك باسمه الأعلى، ~~وطلقت زينب المراد الشخص المسمى بزينب، وكذلك العتق وكذا قول الشاعر: ثم ~~اسم السلام عليكما أي ثم السلام عليكما فجميع ذلك عائد إلى نفس المسمى. # وأما الشبهة التي لهم من جهة السمع فتعلقوا بقوله تعالى: {إنما أمره إذا ~~أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} فلا يخلو إما أن يقولوا أن كن محدثة أو ~~قديمة إن قلتم أنها قديمة فهو الذي نريد وهي من جملة القرآن فيكون قديما، ~~وإن قلتم أنها محدثة فهي من جملة الأشياء وقد قال تعالى: {إنما أمره إذا ~~أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} فيؤدي إلى التسلسل فيحتاج في كل كن إلى كن ~~إلى ما لا نهاية له فكلما أراد أن يقول كن احتاج إلى كن. # والجواب في هذه الشبهة من وجوه: # الأول : أنه لا تمسك للأشعرية بهذه الشبهة لأن كن من جملة الحروف ~~والأصوات. # الوجه الثاني: أنا لو استدللنا بذلك على حدوث القرآن لكنا أسعد حالا منكم ~~لأنا إذا وما بعده للإستقبال وما كان للإستقبال فهو محدث. # الوجه الثالث: قوله كن قد عقبه بالمكون لأن الفاء للتعقيب وما عقب ~~بالمكون فهو محدث لأنه وإن كان متقدما له فهو متقدم بأوقات محصورة فوجب أن ~~يكون محدثا. # الوجه الرابع: أنه لا يجوز أن تحمل الآية على ظاهرها لأنه يؤدي إلى أن ~~الله تعالى يكون غائبا ...إذ أحاطت المعدوم بقوله كن كمن يخاطب الجماد. # الوجه الخامس: أن المراد بذلك أنه تعالى أخبر عن شأنه وعظم قدرته بأنه ~~إذا أراد شيئا حصل على أي وجه أراده فكأنه يقول له كن فيكون كما يقال أمر ~~كن فهذا تقدير وإلا فهو لا يجوز أن يخاطب الله المعدوم بهذا الخطاب، وهذا ~~موجود في القرآن واللغة، أما القرآن فقوله تعالى: {فقال لها وللأرض ائتيا ~~طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين}ومعلوم أنه ما قال لها ولا ms446 قالا له. # وأما اللغة فقول الشاعر: # امتلأ الحوض وقال بطني ... مهلا رويدا قد ملأت بطني # ومعلوم أنه لم يقل. PageV01P513 # وأما شبهة من خالف في اللفظ دون المعنى فقالوا: لو كان مخلوقا لكان مكذوبا ~~لأن المخلوق هو المكذوب مثل قوله تعالى: {إن هذا إلا اختلاق}أي مكذوب، ومثل ~~قوله تعالى: {إن هذا إلا خلق الأولين} ومثل قوله: {وتخلقون إفكا} . # والجواب عليهم من وجوه: # الأول: أنه لم يستعمل الخلق بمعنى الكذب في اللغة لا حقيقة ولا مجاز ~~فيبطل قولكم. # الوجه الثاني: أنه كان يلزم أن لا يطلق على الله تعالى خالقا إلا بقرينة ~~لئلا يوهم الكذب والمعلوم خلافه. # الوجه الثالث: لو سلمنا أنه يستعمل بمعنى الكذب فإنه مجاز وكلامنا في وصف ~~القرآن بأنه مخلوق من حيث الحقيقة والحقيقة حاصلة فيه فيوصف بالخلق. # وأما شبههم من جهة السنة: فقالوا: روي عن النبي صلى الله عليه أنه قال: ~~((القرآن كلام الله فمن قال أنه مخلوق كفر)). # والجواب عليهم من وجوه: # الأول: أنه لا يصح لكم الاستدلال بالسمع. # الوجه الثاني: أنه من أخبار الآحاد فلا يصح الأخذ به في هذه المسألة. # الوجه الثالث: أنه معارض لدلالة العقل ومحكم القرآن. # الوجه الرابع: أنه معارض بقول النبي صلى الله عليه: ((كان الله ولا شيء ~~ثم خلق الذكر)). # الوجه الخامس: التأويل فنقول المراد أن المراد كلام الله فمن نسبه إلى ~~غير قائله فقد كفر. # وأما الموضع الرابع: وهو في كيفية حدوثه ووقت حدوثه ونزوله ووقت نزوله. # أما حدوثه فهو عرض من جملة الأعراض وهو لا يوجد إلا في محل لأنه لو وجد ~~لا في محل لبطلت صفة الذاتية وهي التي لأجلها ثبت كونه مسموعا ولأجلها تضاد مضاده. # وأما وقت حدوثه: فقيل: إن الله تعالى أحدثه قبل النبي صلى الله عليه بأن ~~أوجده في اللوح المحفوظ، فإن قيل:ما فائدة إحداثه في ذلك الوقت؟ # قلنا: قد يكون لطفا للملائكة وتعبدهم لله... PageV01P514 # وأما نزوله فقد قيل أنه نزل في رمضان في اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا ثم ~~نزل في اثنين وعشرين ليلة ms447 على النبي صلى الله عليه، وقيل أنزل في ليلة ~~القدر إلى سماء الدنيا وقيل: إن جميع الكتب أنزلت في رمضان، وقيل: إن رمضان ~~اسم من أسماء الله، وقيل جبريل عليه السلام كان يأمره الله أن يأخذ من ~~اللوح المحفوظ ما تدعو الحاجة إليه وتظهر فيه المصلحة ويوصله إلى النبي صلى ~~الله عليه. ### ||| AUTO المسألة العاشرة # في النبوات وإذا أردنا الكلام فيها تكلمنا في خمسة مواضع: # الأول: في حقيقة النبي والنبوة، والرسول والرسالة. # والثاني: في حسن البعثة. # والثالث: في الصفة التي يجب أن يكون النبي صلى الله عليه وآله. # والرابع: في الطريق إلى معرفة نبوة الأنبياء عليهم السلام. # والخامس: في نبوة نبينا صلى الله عليه. # أما الموضع الأول: وهو في حقيقة النبي والرسول. # أما النبي فهو يستعمل في أصل اللغة وفي الإصطلاح. # أما في اللغة: فالنبي يستعمل مهموزا وغير مهموز فإن استعمل غير مهموز ~~فإنه يفيد الرفعة يدل عليه قول الشاعر وهو أوس بن حجر: # لا صح ريثما دقائق الحصى ... مكان النبي من الكثائب # وقد ذكر فيه ثلاث تأويلات: # أحدها: ذكره ص بالله بقوله: لا صح ريثما دقائق الحصى بالتاء يعني دقائق ~~الحصا مرثوم بالذم، مكان النبي أي لمكان النبي والنبي هو الراكب والكاثب ~~مسح الرأس قارنتم الحصى بالذم لأجل مكان النبي وشدة حربه وتحكمه عليها. # التأويل الثاني: أن قوله رثما لا صح ريثما بالثاء يقول دقاق الحصى مرثوم ~~بالذم، مكان النبي ويريد بمكان النبي ما ارتفع في سنابك الخيل من الكثيب ~~لأنه يصير به أثر الحافر مرتفع مثل التكثب فشبهه بذلك. PageV01P515 # الوجه الثالث: أن مكان النبي بالثاء يدل عليه ثبت قبله قال بعض من ...به ~~بعض العرب على السيد لو أنه يقوم على ذروة الصافت، الصافت اسم جبل ذكره في ~~الصحاح والصا وكذا الكتاب بالتاء المعجمة من فوق اثنتين اسم جبل أيضا ذكره ~~فيها ثم قال لا صح ريثما دقاق الحصى يعني الجيل ... عليه، وقال مكان النبي ~~والكاثب: جبل حوله أكام تشبه الخيل الذي يؤم عليه أنه يصير مثل الآكام ms448 التي ~~هي حولي الكاثب، وأما إذ استعمل مهموزة فإنه يفيد الإنباء والإخبار والنبي ~~في اللغة على وزن فعيل وفعيل بمعنى مفعل وبمعنى يفعل أما فعيل بمعنى مفعل ~~شيء بمعنى منبأ يدل عليه قوله تعالى: {قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم ~~الخبير}وحكيم بمعنى محكم وعليه قوله تعالى: {يس والقرآن الحكيم}أي المحكم ~~وعليه قول الشاعر: # وقصيدة تأتي الملوك حكيمة ... قد قلتها ليقال من ذا قالها # وأما فعيل بمعنى يفعل فنبى بمعنى منبي وسميع بمعنى مسع قال الشاعر: # أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحا في هجوع # والنبي أيضا يقال هو الطريق وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله نهى ~~عن الصلاة على النبي أي الطريق فإذا اشتق منه اسم النبي فلأنه طريق إلى ~~الخير، والنبوة في أصل اللغة بمعنى الرفعة، وأما الرسول في أصل اللغة فهو ~~المتحمل للرسالة من العين ليبلغها إلى الغير، والرسالة: هي الألوكة ومنه ~~يسمى الملك ملكا لما كان متحملا للرسالة وهي الألوكة. # وأما في الاصطلاح: فالرسول والنبي معناهما واحد وبهذا خاطبه الله تعالى ~~تارة يا أيها النبي، وتارة يا أيها الرسول وحقيقته هو المتحمل للرسالة عن ~~الله تعالى إلى خلقه من غير واسطة. # قلنا: المتحمل للرسالة عن الله إلى الخلق من غير واسطة دخل جبريل فقط. # قلنا: من غير واسطة دخل جبريل فقط. PageV01P516 # قلنا: من غير واسطة بشر دخل النبي صلى الله عليه وخرج العلماء لأنهم ~~متحملون بواسطة بشر وهو النبي صلى الله عليه، والنبوة والرسالة في الشرع ~~واحد وهو ما يتحمل الرسول عن الله إلى الخلق من غير واسطة بشر، وهذه حقيقة ~~في النبي مجاز في غيره فلا يقال في غيره رسول مطلق وإنما يقال رسول الإمام ~~أو غيره، والرسول والنبي عندنا واحد، وخالفت المطرفية في ذلك فقالوا: النبي ~~غير الرسول واحتجوا بقوله تعالى : {وما أرسلنا من رسول ولا نبي}فقال هذا ~~عطف والعطف يقتضي المغايرة ولما روي عن النبي صلى الله عليه أنه سئل عن ~~الأنبياء كم هم؟ قال: ((مائة ألف وعشرون ألفا والرسل ثلاثمائة وأربعة ms449 عشر)) ~~ذكره في الكاشف، فقالوا كان النبي غير الرسول. # والجواب أنا لا نسلم لكم هذا الخبر وصحته، وإن سلمنا فمراده الأنبياء ~~الذين كانوا يصلحون للنبوة وإن لم ينبأهم الله، والرسل هم الذبن أرسلوا ~~بالرسالات فأما الآية فقد ترد ذلك ويراد بها المغايرة وقد ترد ويراد بها ~~التعظيم، ومثل قوله: {فاكهة ونخل ورمان} ومعلوم أن قد دخل النخل والرمان في ~~الفاكهة وإنما أراد بذلك على سبيل التعظيم. # وأما الموضع الثاني: وهو في حسن البعثة فالكلام منه يقع في ثلاثة مواضع: # الأول: في حكاية المذهب وذكر الخلاف، والثاني: في الدليل على صحة ما ~~ذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا إليه، والثالث: في ذكر شبههم وإبطالها. # أما الموضع الأول: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف فمذهب جميع من أقر ~~بالصانع أنها حسنة والخلاف في ذلك مع من نفى الصانع ومع البراهمة فإنهم ممن ~~أثبت الصانع ثم قالوا إنها قبيحة. # وأما الموضع الثاني: في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا ~~إليه فالذي يدل على ذلك أن العقل يجوز أنها مصلحة ولا مفسدة فيها وما جوز ~~العقل أنه مصلحة ولا مفسدة فهو حسن، وهذه الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن العقل يجوز أنها مصلحة ولا مفسدة فيها. PageV01P517 # والثاني: أن ما جوز العقل أنه مصلحة ولا مفسدة فيه فهو حسن. # أما الأصل الأول: وهو أن العقل يجوز ذلك فالذي يدل عليه وجوه ثلاثة: # أحدها: أن الله تعالى إذا علم أنا مع معرفة العقاب وأنه لا يعفو يكون ~~أقرب إلى فعل ما كلفناه فإنه تعالى يحسن منه أن يرسل إلينا من يعلمنا بذلك. # الوجه الثاني: أنه إذا علم أنا مع الوعظ والتذكير أقرب إلى فعل ما كلفناه ~~فإن البعثة تكون لنا لطفا واللطف واجب عليه. # الوجه الثالث: أن الله تعالى متى علم أن في أفعالنا ما هو مصلحة وفيها ما ~~هو مفسدة ونحن لا نعلم ذلك حسن منه أن يبعث إلينا من يعلمنا بالمصلحة من ~~المفسدة مثل الصلاة والزكاة والحج والصوم فإن في هذه مصلحة ms450 لأنها تقربنا ~~إلى فعل الواجبات العقلية وعلينا في شرب الخمر والزنا وغير ذلك من المعاصي ~~مفسدة لقوله تعالى: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في ~~الخمر والميسر}فبعث من يعلمنا بذلك. # وأما الأصل الثاني: وهو أن ما كان مصلحة لا مفسدة فيه فلأن حقيقة الحسن ~~ثابتة فيه لأن حقيقة الحسن هو ما حصل فيه غرض صحيح وتعرى عن سائر وجوه ~~القبيح. # وأما الموضع الثالث: وهو في شبههم وإبطالها، فمن ذلك أنهم قالوا الأنبياء ~~لا يخلو إما أن يأتوا بما يخالف العقول أو يوافقها إن أتوا بما خالفها وجب ~~رده وإن أتوا بما يوافقها ففي العقل تنبيه عن ذلك. # والجواب عليهم من وجوه: # الأول: أنا نعارضهم فنقول إنه لا خلاف بيننا وبينكم في حسن وعظ الواعظين ~~وتذكير المذكرين فنقول لا يخلو إما أن يأتوا بما يوافق العقول أوبما ~~يخالفها فإذا حسن وعظهم وكذلك البعثة وإلا فما أجبتم فهو جوابنا. PageV01P518 # الوجه الثاني: أنا نعارضهم أيضا بالأطباء فنقول إنه قد ثبت أن أحدنا إذا ~~نزل به أمر أو بمن يلي أمره فإنه يمتثل ما أتى به الطبيب والطبيب قد يجوز ~~عليه الخطأ وقد يتعمد الخطأ لأنه ليس بمعصوم فإذا حسن الامتثال لمن هو على ~~هذه الصفة مع أن القسمة فيه في أنه إما أن يأتي بما يوافق العقول أو بما ~~يخالفها فأولى أن يحسن الامتثال لما أتوا به الأنبياء عليهم السلام. # الوجه الثالث: أنا لا نعني بالبعثة إلا أنه يعلمنا بالمصلحة من المفسدة ~~فلا يخلو إما أن تقولوا يحسن ذلك أولا يحسن فإن قلتم أنه لا يحسن...عن ~~قضايا العقول، وإن قلتم يحسن فهذا هو الذي نريده وهو مثال مسألتنا. # الوجه الرابع: أنا نقول لهم إن الأنبياء لم يأتوا بما يخالف العقول محضا ~~ولا بما يوافقها محضا وإنما أتوا بما يوافقها جملة وهو مقرر في العقل ولا ~~نعرف تفصيله فإن العقل يقضي بأن كل ما فيه مصلحة من حيث نفع أو دفع ضرر فهو ~~حسن، وكل ما كان فيه مفسدة بأن يكون فيه ms451 جلب ضرر وفوت نفع فهو قبيح، ونحن ~~لا نهتدي إلى تفصيل ذلك فإذا أتوا بما نفصله كان حسنا نحو أن يأتوا بأن ~~الصلاة والحج الزكاة لنا فيه مصلحة وكان العقل يحكم بأن هذا عبث ويأتوا بأن ~~الزنا مفسدة والعقل يقضي بأنه حسن. # وأما الموضع الثالث: وهو في الصفة التي يجب أن يكون النبي عليها فاعلم ~~أنه يجب أن يكون على صفة يكون معها أقرب إلى التبليغ وأبعد عن التنفير، ~~ويجب أن لا يكون على صفة يكون معها أقرب إلى التنفير وأبعد عن التبليغ، ~~والتبليغ والتنفير على ضربين: # أحدهما: خلقي، والثاني: اكتسابي، والخلقي على ضربين: # أحدهما: مايمنع من التبليغ، والثاني: ....................من التبليغ ~~فمثل الخرس والصمم، وأما ما ينفر فمثل الجذم والبرص. # وأما الاكتسابي فعلى ضربين أيضا: # أحدهما: ما يمنع وهو أن يكون كثير السهو والغفلة والنسيان والكذب ~~والكتمان. PageV01P519 # وأما الثاني: وهو الذي ينفر بكثرة المزاح والمحاباة وكثرة المخاطبة فإنه ~~يجب أن يكون مجنبا عن هذه وقد اقتضى هذا أن نذكر ما يجوز على الأنبياء من ~~الكبائر وما لا يجوز فعندنا أنه لا يجوز عليهم شيء من الكبائر لا قبل ~~البعثة ولا بعدها، والخلاف في ذلك مع الحشوية والأشعرية. # أما الحشوية فإنهم قالوا أجازوا عليهم الكبائر قبل البعثة وبعدها، وأما ~~الأشعرية فإنهم قالوا إنها تجوز عليهم قبل البعثة ولا تجوز عليهم بعدها. # وما ذكروه باطل من وجوه: # أحدها: أنه قد ثبت أن الواعظين ينفر عنهم إذا كانوا من أهل الكبائر فأولى ~~إذا حصل ذلك في الأنبياء. # الوجه الثاني: أن الكذب من جملة الكبائر فلا يثق بما أتوا به إذا كانوا ~~على هذه الصفة. # الوجه الثالث: أنا لا نأمن أن ينزل عليهم الناسخ والمنسوخ فلا يظهرون ~~علينا إلا المنسوخ دون الناسخ. # وأما الصغائر فعندنا أنها تجوز عليهم وعند الإمامية أنها لا تجوز عليهم ~~وإنما تجوز عليهم عندنا بشرطين: # أحدهما: أن لا تكون قادحة في التبليغ. # الثاني: أن لا تكون منفرة واختلف أصحابنا في وقوعها فقال أبو علي يفعلوها ~~مع التأويل مثل معصية آدم، ms452 وقال النظام يفعلوها مع السهو، وقال أبو هاشم ~~يفعلوها مع العمد بالشرطين، وهذا هو الذي رجحوه وإلا لم تكن معصية إذا كانت ~~مع السهو أو التأويل. # وأما الموضع الرابع: وهو في الطريق إلى معرفة نبوة الأنبياء عليه السلام ~~فمعرفة ذلك بأحد أمرين: إما الخبر، أو ظهور المعجز. # أما الخبر فهو على ضربين: # أحدهما: أن يكون من جهة الله تعالى. # والثاني: أن يكون من حقه من قد ثبتت عصمته. # أما الذي يكون من جهة الله تعالى فنحو أن يؤخذ الكلام في شجر أو حصى أو ~~يعلم ضرورة أنه ليس بكلام ملك ولا حي فنقول الرجل الفلاني في بلد بني فلان ~~نبي ويصفه بصفة لا تلتبس بغيره بأن يقول بالمكان الفلاني. # وأما الثاني: وهو خبر المعصوم فنحو أن يخبر موسى بنبوة عيسى وعيسى يخبر ~~بعده بمحمد صلى الله عليهم أجمعين. PageV01P520 # وأما المعجز فمثل خروج الناقة من الجبل وقلب العصا حية ومثل القرآن وسيأتي ~~الكلام فيه إن شاء الله تعالى. # وأما الموضع الخامس: وهو في نبوة نبينا محمد صلى الله عليه، والكلام منها ~~يقع في أربعة مواضع: # أحدها: في حكاية المذهب وذكر الخلاف. # والثاني: في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهب إليه المخالف. # والثالث: في شبه المخالف وإبطالها وإبطال قولهم بالنسخ والبداء. # والرابع: أنه صلى الله عليه وآله مرسل إلى الثقلين وأن شريعته لا تنسخ ~~إلى يوم القيامة وأنه خاتم النبيين. # أما الموضع الأول: وهو في حكاية المذهب والخلاف فمذهبنا أن محمدا نبي ~~صادق والخلاف في ذلك مع اليهود والنصارى والباطنية والمطرفية. # أما اليهود فهم على ضربين: منهم من ينفي نبوته ويقول ليس بنبي كما نفوا ~~نبوة عيسى، ومنهم من يقول هو نبي لكنه مرسل إلى العرب دون أهل الكتاب، ~~والنصارى أيضا نفوا نبوته صلى الله عليه. # وأما الباطنية فقالوا إن النبوة مادة صدرت من الثاني إلى من يقوم للسابق ~~فيه عناية واهتمام. # وأما المطرفية فيقولون إنها جزاء على الأعمال وأما نفاة الصانع فإنا لا ~~نكالمهم في النبوة لأنهم مخالفون ms453 للأصل. # وأما الموضع الثاني: وهو في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا ~~إليه فالذي يدل على ذلك على أن المعجز قد ظهر على يده عقيب دعوى النبوة ~~والمعجز لا يظهر عقيب دعوى النبوة إلا على نبي صادق، وهذه الدلالة مبنية ~~على أصلين: # أحدهما: أن المعجز قد ظهر على يده عقيب دعوى النبوة. # الثاني: أن المعجز لا يظهر عقيب دعوى النبوة إلا على نبي صادق. # أما الأصل الأول: وهو أن المعجز قد ظهر على يده عقيب دعوى النبوة فله ~~معجزات كثيرة من جملتها القرآن، والذي يدل على ذلك ما ذكره الشيخ رحمه الله ~~ولك فيه تحريران: أحدهما القول أن القرآن قد ظهر على يده وهو معجز وهذه ~~الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن القرآن قد ظهر على يده. PageV01P521 # والثاني: أنه معجز، أما أنه قد ظهر على يده فالذي يدل على ذلك أنه كان في ~~الدنيا وادعى النبوة لنفسه وجاء بالقرآن ولم يسمع قبله من غيره وجعله معجزة ~~له ومبنى الدلالة على أربعة. # وأما الثاني: وهو أنه معجز فالذي يدل على ذلك أنه تحدى العرب أن يأتوا ~~بمثله فلم يأتوا بشيء منه وإنما تركوا الإتيان بمثله لعجزهم عنه، فثبت أنه ~~معجز لهم وقد بينا الدلالة على أربعة أصول وهي الأربعة الأخيرة من أصول الشيخ. # وأما تحرير الشيخ رحمه الله فيقول: أنه صلى الله عليه لما كان في الوقت ~~المعلوم والحال المعلوم على ما هو معروف من نسبه وبلدته ادعى النبوة لنفسه ~~وجاء بالقرآن ولم يسمع قبله من غيره، وجعله معجزة له وتحدى العرب أن يأتوا ~~بمثله فلم يأتوا بشيء مما تحداهم به وإنما تركوا الإتيان بمثله لعجزهم عنه ~~فثبت أنه معجزة له جار له مجرى معجزات الأنبياء عليهم السلام، وهذه الدلالة ~~مبنية على ثمانية أصول: # أحدها: أنه كان في الدنيا. # والثاني: أنه ادعى النبوة لنفسه. # والثالث: أنه جاء بالقرآن ولم يسمع من قبله من غيره. # والرابع: أنه جعله معجزة له جارية مجرى معجزات الأنبياء عليهم السلام. # والخامس: أنه تحدى ms454 العرب أن يأتوا بمثله. # والسادس: أنهم لم يأتوا بشي مما تحداهم به. # والسابع: إنما تركوا الإتيان لعجزهم عنه. # والثامن: أنه ثبت بذلك أنه معجزة له. # أما الأربعة المتقدمة: وهي أنه كان في الدنيا وأنه ادعى النبوة لنفسه ~~وأنه جاء بالقرآن وأنه لم يسمع قبله من غيره وأنه جعله معجزة له فهي معلومة ~~ضرورة من سمع الأخبار وعرف السير والآثار وإنما قلنا أنها معلومة ضرورة لأن ~~خواص العلم الضروري قد حصلت فيها وهي ثلاثة: # أحدها: أنها لا تنتفي عن النفس بشك ولا شبهة. # الثاني: أن العقلاء لا يختلفون فيه. PageV01P522 # الثالث: أن الإنسان إن رجع إلى عقله علم أن ذلك حصل له من غير نظر ولا ~~استدلال وقد يعترض هذا بأن يقال ما أنكرتم أن النبي أخذ هذا عن نبي غيره ~~فقبله وأخذ منه ذلك وأنابه. # والجواب على ذلك من وجوه: # للأول أن يعلم أن إضافته إليه صلى الله عليه كما يعلم إضافة الكتب إلى ~~الأنبياء مثل التوراة إلى موسى ومثل الإنجيل إلى عيسى والزبور وغير ذلك إذ ~~لو كان كذلك لم يأمن ولم يبق شيء من التصانيف ولا القصائد بأن يجوز ذلك. # الوجه الثاني: أن فيه قصص وأمور ما جرت إلا وفيه وفي عصره مثل خيبر وحنين ~~ومقاماته في مكة وقصة أحد وأشياء كثيرة وليس ذلك إلا وهو منزل عليه. # الوجه الثالث: أنه لو أنزل على نبي قبله ثم مكن الغير منه قبل أن يبلغه ~~لكان ذلك تغريرا أو تلبيسا لأنه لا يرسله إلا ليبلغ ما أرسل به لمصلحة قد ~~عرفها فلو أخبر منه قبل ذلك أي مكن الغير من قتله لكان ذلك قبيحا فإنه يجب ~~على الله حفظه حتى يبلغ ما أنزل إليه، ويدل عليه قوله تعالى: {والله يعصمك ~~من الناس}أي يمنعهم منك. # وأما الأصل الخامس: فهو أنه تحدى العرب على أن يأتوا بمثله فالذي يدل على ~~ذلك وجوه: # أحدها: قال الشيخ أنه معلوم ضرورة لكن بشرط تقدم الفحص والتفتيش فتفارق ~~الوجوه الأولة لأنها لا تحتاج إلى فحص ولا تفتيش، ms455 ومن فحص على هذا أو فتش ~~علم من طريق الأخبار أن محمدا صلى الله عليه وآله كان يغشى مشاهد العرب ~~ويتلو عليهم القرآن ويلتمس منهم المعارضة ويلقاهم إلى الموسم ويتحداهم ~~قبيلة قبيلة ولهذا فإن اتفق بالأنصار بالعقبة وبايعهم أنه يهاجر إليهم ~~وينصرونه وبايعوه على ذلك وذلك من الأمور المضافة إليه. # الوجه الثاني: أنه تحدى العرب والقرآن مشحون بآيات التحدي وقد رتب إليه ~~التحدي فيه ثلاث مراتب: PageV01P523 # المرتبة الأولى: أنه قال تعالى: {أم يقولون افتراه بل لا يوقنون فليأتوا ~~بحديث مثله إن كانوا صادقين}فلما لم يأتوا بشيء من ذلك أنزلهم مرتبة ثانية ~~فقال تعالى: {قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون ~~الله إن كنتم صادقين}فلما لم يأتوا بشيء من ذلك أنزلهم مرتبة ثالثة فقال ~~تعالى: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا ~~شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين}ثم عقبه بقوله تعالى: {قل لئن اجتمعت ~~الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم ~~لبعض ظهيرا}ثم لمالم يأتوا بشيء من ذلك توعدهم وتهددهم بأن قال تعالى: {فإن ~~لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت ~~للكافرين}ولا شك أن هذه الآيات باقية على المعارضة، وهذا إشارة من الشيخ ~~رحمه الله تعالى إلى اعتراض بأن يقال ما أنكرتم أن النبي صلى الله عليه ~~وعلى آله كتم هذه الآيات من المشركين لئلا يعارضوا القرآن. # والجواب عن هذا الاعتراض من وجوه: # الأول: أنا نعلم أن هذه الآيات منقولة على حد نقل القرآن إذ لو جوزنا أنه ~~كتم هذه لجوزنا في سائر الآيات ولبطل القرآن ولكان سائر الآيات نقلها أشهر ~~من هذه الآيات، ومعلوم أنها على سواء في الإشهاد والنقل. # الوجه الثاني: أن التحدي عام للمشركين والمؤمنين فلو علم المؤمنون أنه ~~كتم منه لكان ذلك داعيا إلى الردة ولعلموا أنه لم يرد به الصلاح ولأن ~~المؤمنين أكثر داعي إلى المعارضة عنه في إثبات أمر دينهم. # الوجه الثالث: أن ms456 الكتمان لا يكون إلا مع المواطأة لو جوزنا أنه كتمها ~~لخرجت، ألا ترى إلى بني أمية كيف كتموا مساوءهم فخرجت وهم أهل الأمر وكذلك ~~كتموا فضائل علي عليه السلام ومن علموا أنه يخرجها ضربوا رقبته فلو كان كما ~~قاله السائل لخرج الكتمان. PageV01P524 # الوجه الرابع: أنها خرجت بعد النبي صلى الله عليه فكان يعارضوا عند خروجها ~~إليهم والمعلوم أن المتأخرين من الجاهلية كانوا أفصح من المتقدمين منهم ~~وأبلغ في كثير من الأمور ولهذا فإنه سئل بعضهم ما الدليل على أن القرآن ~~معجز فقال إيمان الجاحظ به. # الوجه الثالث: من التحدي أنا نقولوا لو سلمنا أنه ليس له تحدي لفظي فإنه ~~.... عليه قد تحداهم بالمعنوي وكان ... عليه يدعي التمييز عليهم ويتحجج ~~بذلك عليهم لأجل ما أتى به فكان ذلك أكبر دعاء لهم إلى المعارضة ولهذا فإن ~~صبيا لو ادعى اليمين على غيره من الصبيان .... خذوله أو حمل حجر وعلموا ذلك ~~من قصده كان ذلك ألمع في أيدهم إلى المعارضه لأنهم يعلمون إلى أمره يبطل ~~إذا عارضوه فإذا كان ذلك يعلمه الصبيان فكيف يلتبس على دهات العرب. # وأما الأصل السادس: وهم أنهم لم يأتوا بشيء من ذلك فالذي يدل على ذلك وجوه: # أحدها: ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى. # الوجه الثاني: أنك تقول لو كان للقرآن معارضة صحيحة ولم يظهرها الله ~~تعالى لكانت هي الحجة والقرآن هو الشبهة ولا يجوز أن يظهر الله تعالى ~~الشبهة ويكتم الحجة على وجه لا يمكن حلها فلو كان به معارضة قادحة لكان كذلك. # الوجه الثالث: أنه لو كان به معارضة قادحة أن ينقل إلينا لأنه قد نقل ~~إلينا من المعارضات الركيكة وإن لم تكن قادحة كمعارضة مسيلمة وابن المقفع ~~فلو كان به معارضة قادحة لكان مثلها أولى قال: مسيلمة إنا أعطيناك الجواهر ~~فصل لربك وهاجر ولا تطيع كل شيخ فاجر. # وأما الأصل السابع: وهو إنما تركوا الإتيان بذلك لعجزهم عنه فالذي يدل ~~على ذلك أن دواعي العرب كانت متوفرة إلى إبطال أمر النبي صلى الله عليه ولا ms457 ~~صارف لهم عن ذلك، وكانوا يعلمون أن أمره يبطل بالمعارضة فلو كانوا قادرين ~~عليها لفعلوها وهذه الدلالة مبنية على ثلاثة أصول: # أحدها: أن دواعي العرب كانت متوفرة إلى إبطال أمر النبي صلى الله عليه ~~ولا صارف لهم عنه. PageV01P525 # والثاني:أنهم كانوا يعلمون أن أمره كان يبطل بالمعارضة. # والثالث: أنهم كانوا قادرين عليها لفعلوها. # أما الأصل الأول: وهو أن دواعي العرب كانت متوفرة إلى إبطال أمر النبي ~~صلى الله عليه ولا صارف لهم عنه أما أن دواعي العرب متوفرة إلى إبطال أمر ~~النبي صلى الله عليه فالذي يدل على ذلك وجوه: # الأول: أنه صلى الله عليه ادعى الرئاسة عليهم وأنه المالك للتصرف عليهم ~~في أمور الدنيا والآخرة وهذا غاية البعث على المعارضة لأنهم كانوا أهل ~~الله... # الوجه الثاني: أنه ادعى أن ماهو عليه الحق وما هم عليه الباطل فكان هذا ~~باعثا لهم على المعارضة. # الوجه الثالث: أنه كان يسب آلهتهم وهي عندهم أعظم الأشياء فكان ذلك ~~يدعوهم إلى إبطال أمره. # الوجه الرابع: أنه توعدهم على مخالفته في الدنيا باستئصال شأفتهم ~~وبالآخرة بالعذاب ولهذا استهونوا بذل النفوس وصبروا على مرارة الحرب فلولا ~~قوة دواعيهم لما تحملوا هذه المشاق. # وأما أنه لا صارف لهم عن ذلك فلأن الصارف لايخلو إما أن يكون صارف دين أو ~~صارف دنيا محال أن يكون صارف دين لوجهين: # أحدهما: أنهم كانوا يقولون أن ما أتاهم به وما هو عليه وما هم عليه هو ~~الحق فلم يصرفهم دين عن ذلك. # الوجه الثاني: أنه ليس من الدين ترك المعارضة بل من الدين أن يعارضوا حتى ~~يعلموا الحق من الباطل بالمعارضة، وإن كان صارف دنيا فباطل من وجهين: # أحدهما:أنه لا يخلو إما أن يكون رغبة أو رهبة إن كان رغبة فباطل لأنه لم ~~يكن في يده شيء يرغبون إليه، وإن كان رهبة فباطل لأنه كان مضطهدا بينهم. # الوجه الثاني: أنه لو كان شيء من ذلك لوجب أن ينقل إلينا أنه رغبهم أو ~~استرهبهم أن يتركوا معارضته، والمعلوم خلاف ذلك بل نقل إلينا ms458 أنه طلب منهم ~~المعارضة وتحداهم فلم يفعلوا ذلك ولا صح منهم. PageV01P526 # وأما الأصل الثاني: وهم أنهم كانوا يعلمون أن أمره يبطل بالمعارضة فالذي ~~يدل على ذلك أنه صلى الله عليه كان يظهر لهم أنهم إن أتوا بمثل ما أتى به ~~لم يجب عليهم طاعته، وما لم يأتوا بذلك وجبت عليهم فإنهم عند ذلك يعلمون ~~علما ضررويا أن أمره يبطل بالمعارضة كما أن بعض الشعراء متى أتى بقصيدة ~~وادعى التمييز على غيره لأجلها وزعم أن أحدا لا يأتي بمثلها فإن العقلاء ~~يعلمون علما ضروريا أن دعواه تبطل متى أتى بعضهم بمثلها أو بخير منها، ~~ويظهر كذبه كذلك، وكذلك في الصبيان فإن المعلوم من حالهم أن صبيا لو ادعى ~~على سائر الصبيان التمييز بفعل من الأفعال فإنهم يعلمون أنه متى أتى أحدهم ~~بمثله بطل تميزه عليهم فكيف يلتبس ذلك على دهاة العرب. # وأما الأصل الثاني: وهو لو كانوا قادرين عليها لفعلوها فالذي يدل على ذلك ~~أن من حق القادر على الشيء أن يحصل منه متى توفرت دواعيه ولا صارف له عنه ~~وهو قادر على الفعل غير ممنوع فإنه متى كان كذلك ولم يحصل منه دل على عجزه، ~~فإذا ثبت ما قدمنا من توفر دواعي العرب إلى إبطال أمر النبي صلى الله عليه ~~وأنهم يعارضوه ثبت أنهم إنما تركوا المعارضة لعجزهم عنها. # الوجه الثاني: أنا لو سلمنا أنهم تركوا المعارضة وهم قادرون عليها فإن ~~هذا يكون أبلغ في الأعمار ويصير بذلك بمثابة من يدعي علىغيره أمرا من ~~الأمور ثم يقول الدليل على صدق دعواي أنك لا تحرك رأسك أو أصبعك، ثم لم ~~يفعل ذلك مع أنه متوفر الدواعي إلى إبطال أمره فإنه يكون أبلغ في الإعجاز ~~ويصير ذلك مثل قوله تعالى: {فتمنوا الموت إن كنتم صادقين}ثم قال تعالى: ~~{ولن يتمنوه أبدا}قيل: فإن هذا أبلغ في الإعجاز لما لم يتمنوه وقد يعترض ~~على هذا بأن يقال ما أنكرتم أنهم لم يعارضوا القرآن لأنهم اشتغلوا بالحرب ~~وأرادوا استئصال شأفة النبي صلى الله عليه وآله بالحرب. ms459 # والجواب عليهم من وجوه: PageV01P527 # الأول: أنا نقول إن النبي صلى الله عليه أقام معهم ثلاثة عشر سنة من غير ~~حرب ولم يأتوا بشيء مما تحداهم به. # الوجه الثاني: أنهم كانوا يحاربون مرة ويسالمونه مرة فلم لا يعارضوا عند الصلح. # الوجه الثالث: أنهم لم يكونوا يحضروا الحرب بأجمعهم بل منهم من يحضر، ~~ومنهم من يقف، فكان من يقف يعارض. # الوجه الرابع: أنا نقول إن الحرب لا تمنع من المعارضة ولهذا فإنهم وقت ~~الحرب يأتون بالرسائل والقصائد والإرتجاز ولا يمنعهم من الحرب من ذلك وتطلع ~~القرائح عند الحروب فكان يحب أن يأتوا بالمعارضة كذلك لأن دواعيهم معها أبلغ. # الوجه الخامس: أن النبي صلى الله عليه استأصل شأفتهم ثم عجزوا عن محاربته ~~وتركوها فكان يعارضوا. # وأما الأصل الثامن: وهو أنه ثبت بذلك أن القرآن معجزة له والكلام منه يقع ~~في خمسة مواضع: # أحدها: في حقيقة المعجز في أصل اللغة وفي الاصطلاح. # والثاني: في شرائطه وما يصح منها وما ليس بصحيح منها عندنا، ووجه ~~اشتراطها. # والثالث: في الفرق بين الشعبذة والحيلة وبين المعجز. # الرابع: في أنه هل يجوز إظهار المعجز على من ليس بنبي أم لا. # والخامس في الدليل على أن القرآن معجز. # أما الموضع الأول: وهو في حقيقة المعجز في أصل اللغة وفي الاصطلاح. # أما في اللغة: فهو يستعمل في الفعل وفي الفاعل فالمعجز هو من أعجز العين ~~وهكذا المقدر هو من أقدر العين يقال: أقدر بالله، وأما في الفعل فهو الفعل ~~الذي يتعذر على القادر بقدرة إيجاد مثله في جنسه أو نوعه أو صفته أو قدره ~~أو وقوعه على وجه دون وجه. # قلنا: إيجاد مثله في جنسه مثل الصورة والألوان، وقلنا: أو نوعه مثل ~~القدر، وقلنا: أو صفته مثل الفصاحة في القرآن فإن الواحد منا وإن قدر على ~~الكلام فإنه لا يقدر على أن يجعله على مثل تلك الصفة، قلنا: أو قدره مثل ~~نتق الجبل وقلب المدينة أو غير ذلك، وقلنا: أو وقوعه على وجه دون وجه مثل ~~إيجاد الكلام في الحصى ms460 والشجر فإنا لا نقدر على وقوعه على ذلك الوجه. PageV01P528 # وأما حقيقته في الاصطلاح: فهو الفعل الناقض للعادة المتعلق بدعوى المدعي ~~للنبوة. # وأما الموضع الثاني: وهو في شرائطه فهي سبعة: # أحدها: أن يكون من فعل الله تعالى أو جاريا مجرى فعله. # الثاني: أن يكون ناقضا للعادة. # الثالث: أن يكون متعلقا بدعوى المدعي للنبوة. # الرابع: أن يكون عقيب دعوى النبوة. # الخامس: أن لا يكون إلا من فعل الله تعالى. # السادس: أن لا يكون من جنس ما يقدر عليه. # السابع: أن لا يكون في وقت انحراف العوائد، واعلم أنها على ثلاثة أضرب: ~~منها ماهو صحيح بكل حال، ومنها ما هو فاسد بكل حال، ومنها ما هو محتمل. # أما الذي هو صحيح فهي الثلاثة الأولة وهي ما ذكره الشيخ، وأما التي هي ~~فاسدة فهي الخامس والسادس، فهذان الشرطان ذكرهما اليهود، وهما باطلان من وجوه: # الأول: أنا نقول لهم أليس عندكم أن نتق الجبل وفلق البحر من معجزات موسى ~~عليه السلام وجنسه داخل تحت جنس مقدورات العباد...فهكذا قولوا في معجزات ~~نبينا صلى الله عليه. # الوجه الثاني: أنا نقول لهم أليس معجزات عيسى عليه السلام من فعل الله ~~تعالى وليس جنسها داخل تحت مقدورنا فلم لم تقولوا بنبوته؟ # الوجه الثالث: أنا لا نعني بالمعجز إلا ما يدل على صدق النبي صلى الله ~~عليه وآله سواء كان جنسه داخل تحت مقدورات العباد أم لا إذا كان خارقا ~~للعادة. # وأما الضرب الثالث: وهو الذي هو محتمل فهو إثبات الرابع والسابع فمنهم من ~~شرطهما ومنهم من لم يشترطهما، أما من اشترط الرابع فوجهه أن الله تعالى لا ~~يرسل النبي إلا لمصلحة ولا يدل على صدقه حتى يظهر المعجز عقيب الدعوى وإلا ~~بطلت المصلحة، ووجه من لم يشترطه وهو الشيخ وغيره أن نقول: إن هذا الذي ~~اشترطتم راجع إلى المعجز ونحن قد أثبتنا شرائطه التي تعلق به. PageV01P529 # وأما الشرط السابع وهو أن لا يكون المعجز في وقت انحراف العادة، فوجه من ~~قال به أنه إذا أتى في ذلك الوقت لم ms461 يكن بأن يدل على صدقه أولى من أن يدل ~~على صدق غيره ولا يأتي على وفق ما ادعاه غيره. # وأما وجه من لم يشترطه فإنا نقول: إن الله تعالى لا يجوز أن يظهره مطابقا ~~لدعواه إلا وهو يعلم أنه صادق سواء كان في وقت انحراف العادة أو في غيرها. # وأما الموضع الثالث: وهو في الفرق بين المعجز وبين الحيل والشعبذة فالفرق ~~بينهما من وجوه: # الأول: لأن المعجز ينفذ على جميع الناس، والحيل والشعبذة لا ينفذان إلا ~~على العوام دون من له صناعة فإنه لا ينفذ عليه. # الوجه الثاني: أن الحيل والشعبذة لا تحصل إلا بطريق وتعلم، والمعجزات ~~تحصل من غير طريق ولا تعلم. # الوجه الثالث: أنا نقول إن الأنبياء لا يختلفون إلى أهل الشعبذة وإلى أهل ~~السحر والحيل ليأخذوا منهم المعجز. # الوجه الرابع: أن المعجز دائم وهذه لا تدوم مثل من يدعي أنه ينبت شيئا من ~~النبات فإنه يزول بعد ذلك في الحال، وهكذا في سائر الحيل. # الوجه الخامس: أن المعجز غير معارض بخلاف الحيل والشعبذة فإنها معارضة من ~~كل من طلبها. # وأما الموضع الرابع: وهو في أنه هل يجوز ظهور المعجز على من ليس بنبي أم لا؟ # اختلفوا في ذلك، فذهب جمهور أهل العدل إلى أنه لا يجوز إلا على الأنبياء ~~وهو قول السيد (أبو ط) وذكر (م بالله) و(ص بالله) عليهم السلام، وهو قول ~~أبي الحسين أنه يجوز على الصالحين على وجه الكرامة، وقال أبو القاسم: يجوز ~~خروجها على من سيكون نبيا، وأظن أن بعضهم قال يجوز ظهورها على الكذاب، ولكل ~~واحد من هؤلاء وجه. # أما وجه قول أبي طالب ومن قال بقوله: يعني أنه لو ظهر المعجز على من ليس ~~بنبي لم يكن فرق بين الأنبياء وغيرهم. PageV01P530 # وأما وجه قول م بالله ومن قال بقوله: فإنهم قالوا قد وقع ذلك فلولا أنه ~~جائز وإلا لما وقع وتفرقهما ولا بين الأنبياء وغيرهم أنه لا يجوز ذلك في ~~غير الأنبياء إلا على وجه الكرامة من غير دعوى؛ إذ لو ms462 ادعوها لكانوا كذبة ~~ولم يجز ظهورها عليهم. # وأما وجه قول أبي القاسم يجوز لله لمن سيكون نبيا على وجه الإرهاص. # وأما الموضع الخامس: وهو في الدليل على أن القرآن معجز فالذي يدل على ذلك ~~أن شرائط المعجز قد اجتمعت فيه وذلك على ما ذكره الشيخ رحمه الله إلى آخره، ~~ولا خلاف في أنه معجز وإنما اختلفوا في وجه إعجازه، فمذهبنا وجه إعجازه: هو ~~لأجل الفصاحة، وعند النظام الصرفة يعني أن الله تعالى صرفهم أن يأتوا ~~بمثله، وعند بعضهم الأسلوب يعني لا يوجد مثل أسلوبه، وعند بعضهم لأنه أخبر ~~عن الغيوب، وما ذكره النظام باطل من وجوه: # الأول: أنه كان يلزم أن يجدوا من أنفسهم أنهم مصروفون والمعلوم خلافه. # الوجه الثاني: أنه كان يلزم أن يكون بين كلامهم فرق قبل نزوله وبعد نزوله ~~لأنهم صرفوا على قوله أن يأتوا بمثله بعد النزول. # الوجه الثالث: أنه كان يلزم أن لا يكون فيه فصاحة أعني القرآن لأنه يكون ~~أبلغ في الاعجاز فيقال لهم: لم يأتوا بمثله مع أنه لا فصاحة فيه فيكون ذلك ~~أبلغ في عجزهم. # وأما إبطال قول من قال أنه لأجل الأسلوب فذلك باطل لأن فيه ما يشبه الرجز ~~ويشبه الشعبذة؛ ولهذا فإن الخطباء والمرسلين والشعراء يأخذون من القرآن ~~ويأتي على وفق ما أتوا به. # وأما من قال إنه لأجل الإخبار عن الغيوب فذلك صحيح فيما فيه إخبار عن ~~الغيوب لكن فيه ما ليس بخبر عن الغيوب فيلزم أن يكون بعضه معجز وبعضه غير معجز. # وأما الدليل على أنه معجز فالذي يدل على ذلك ما ذكره الشيخ رحمه الله من ~~أول الدلالة. # وأما الأصل الثاني: وهو أن المعجز لا يظهر دعوى النبوة إلا على نبي صادق ~~فالذي يدل على ذلك ما قاله الشيخ ولك في إيراده تحريران: PageV01P531 # أحدهما: أن نقول لو لم يكن صادقا لكان كاذبا ولا يجوز أن يكون كاذبا، ~~والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه لو لم يكن صادقا لكان كاذبا. # والثاني: أنه لا يجوز أن يكون كاذبا. # أما ms463 الأصل الأول: فلأنها قسمة حاصرة على ما سيأتي. # وأما الأصل الثاني: وهو أنه لا يجوز أن يكون كاذبا فالذي يدل على أنه ~~يجري مجرى التصديق بالقول لمن ظهر على يديه وتصديق الكاذب كذب، والكذب قبيح ~~والله تعالى لا يفعل القبيح، والدلالة مبنية على أربعة أصول على ما يأتي ~~بيانه التحرير ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى وهو أن نقول المعجز يجري مجرى ~~التصديق بالقول لمن ظهر على يديه وتصديق الكاذب كذب، والكذب قبيح والله ~~تعالى لا يفعل القبيح؛ فإذا بطل أن يكون من ظهر على يديه المعجز كاذبا ثبت ~~أنه صادق، وهذه الدلالة مبنية على خمسة أصول: # أحدها: أنه يجري مجرى التصديق بالقول لمن ظهر على يديه. # والثاني: أن تصديق الكاذب كذب. # والثالث: أن الكذب قبيح. # والرابع: أن الله تعالى لا يفعل القبيح. # والخامس: أنه إذا بطل أن يكون من يظهر على يديه المعجز كاذبا ثبت أن يكون صادقا. # أما الأصلان الأولان فلا يحتاج إلى ذكرهما لأن الشيخ رحمه الله تعالى قد ~~ذكرهما. # وأما الأصل الثالث: وهو أن الكذب قبيح فقبحه معلوم ضرورة على الجملة ~~والخلاف في ذلك مع الأشعرية والمطرفية والخطابية فإنهم قالوا: كل ما كان ~~فيه جلب نفع أو دفع ضرر فهو حسن وليس بقبيح، وهذا باطل لأنه لا خلاف في قبح ~~الكذب الذي ليس فيه جلب نفع ولا دفع ضرر، وهذا قد شاركه في كونه كذبا فيجب ~~أن يشاركه في القبح بطريق القياس. # وأما الأصل الرابع فقد تقدم بيانه آنفا. PageV01P532 # وأما الأصل الخامس: وهو أنه إذا بطل أن يكون من يظهر على يديه المعجز كاذبا ~~ثبت أن يكون صادقا فالذي يدل على ذلك أنها قسمة دائرة على ما ذكره الشيخ ~~رحمه الله، والخلاف في ذلك مع الجاحظ فإنه قال إنه قد لا يكون صادقا ولا ~~كاذبا، قال: فالصادق هو من يخبر بالشيء ويعلم أن مخبره على ما هو به، ~~والكاذب هو من يخبر بالشيء ويعلم أن مخبره لا على ما هو به، قال: فأما الذي ~~ليس بصادق ms464 ولا كاذب فهو من يخبر بالشيء حشفا ولا يكون عالما بما يتأوله، ~~هذه حكاية الفقيه حميد رحمه الله في العمدة، وحكي عنه حكاية أخرى وهي أن ~~الخبر إن كان مطابقا مع اعتقاد المطابقة فهو صدق وإن كان غير مطابق مع ~~اعتقاد عدم المطابقة فهو كذب، والذي ليس بصدق ولا كذب هو الذي لا يكون ~~مطابقا مع عدم الاعتقاد، وأظن أن عنه حكاية ثالثة فاعرف ذلك وموضعه أصول الفقه. # واحتج بقول الله تعالى: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله ~~والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} فقال: إن الله ~~تعالى كذبهم هاهنا مع أن خبرهم متعلق على ما المخبر به لما كانوا معتقدين ~~أنه ليس على ما هو به فأكذبهم على ذلك، والدليل على صحة ما ذهبنا إليه وجوه: # أحدها: أن أهل اللغة يقولون فلان يكذب ولا يدري أنه يكذب ولا يكون ~~مناقضة، وعلى قول الجاحظ يلزم أن يكون مناقضة لأن بقولهم فلان يكذب قد ~~أثبتوه على قوله عالما، والمعلوم أنها لا تكون مناقضة. # الوجه الثاني: أنها قسمة دائرة على ما ذكره الشيح رحمه الله. # الوجه الثالث: أن العقلاء منا علموا أن مخبره على ما هو به علموا صدقه ~~وإن لم يعلموا هل هو عالم به أم لا، ومتى علموا أن مخبره لا على ما هو به ~~علموا كذبه وإن لم يعلموا كونه عالما به. # الوجه الرابع: قوله تعالى: {ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم ~~الكاذبون}فأكذبهم الله تعالى مع أنهم يظنون أنهم على شيء. PageV01P533 # وأما احتجاجه بالآية فباطل لأن المراد بذلك أن الله تعالى إنما أكذبهم لما ~~شهدوا وهم غير عالمين والشهادة لا تكون إلا عن علم ولأنهم أخبروا عن ~~اعتقادهم وهو خلاف ما أخبروا به.ه. # الدليل الثاني من الأصل مما يدل على أنه نبي صادق أنه قد ظهر على يديه ~~معجزات كثيرة سوى القرآن، والمعجز لا يظهر إلا على نبي صادق، والدلالة ~~مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه قد ظهر على يديه معجزات كثيرة سوى القرآن. ms465 # والثاني: أن المعجز لا يظهر إلا على نبي صادق. # أما الأصل الأول: وهو أنه قد ظهر على يديه معجزات كثيرة فذكر الحاكم في ~~بعض كتبه إلى ألف معجزة منها ما هو متواتر، ومنها ما ليس بمتواتر ولكنها ~~وإن لم يتواتر نقلها فهي متواترة على معنى واحد فهي متواترة من طريق ~~المعنى، فمن جملتها أنه صلى الله عليه وآله كان يخطب إلى جذع فلما نصب له ~~المنبر تحول إليه فحن الجذع لفراقه صلى الله عليه وعلى آله حنين الناقة ~~لولدها فنزل صلى الله عليه فضمه إلى حجره فسكن، فقال صلى الله عليه: ((لولا ~~ذلك لحن إلى يوم القيامة)). # ومنها ما روي من زيادات الطعام أنه كان يشبع العدد الكثير من الشيء ~~اليسير في مواضع كثيرة، منها أنه صلى الله عليه وآله قيل إنه لما نزل قوله ~~تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين}دعا بني عبد المطلب وهم يومئذ ثمانية ~~وأربعون رجلا وأتى لهم بقعب من لبن وحيث شاة وشيء من طعام وكان الواحد منهم ~~يأكل الفصيل ويشرب العس فأكلوا من ذلك حتى شبعوا وشربوا من اللبن حتى رووا ~~وكل شيء بحاله ففعل ذلك ثلاث مرات وهو يقول إني نذير لكم بين يدي عذاب ~~شديد، فقال له أبو لهب: لو لم تكن يا بني عبد المطلب من سحر ابن أخيكم إلا ~~ما ترون. PageV01P534 # ومنها ما روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: لما كان وقت اشتغالهم ~~بالخندق كانت عندنا شويهة سيمنة فذبحناها وشويناها لرسول الله صلى الله ~~عليه فلما كان وقت انصرافهم من صلاة المغرب قلت للنبي صلى الله عليه أحب أن ~~تنصرف معي إلى منزلي وإنما أريد رسول الله صلى الله عليه وحده فقال فأمر ~~النبي صلى الله عليه مناديا في القوم: أن انصرفوا مع رسول الله صلى الله ~~عليه إلى بيت جابر قال فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، قال: فأتى الناس ~~وأتينا بالطعام إلى النبي صلى الله عليه قال: فبرك وسمى وأكل الناس ~~وتدافعوا قال كلما صدر قوم جاء آخرون حتى ms466 صدر عنها أهل الخندق وهم يومئذ ~~ثلاثة آلاف. # ومنها ما روي أن ابنة بشير بن سعد أمرتها أمها بشيء من التمر غداء لخالها ~~عبد الله بن رواحة ولأبيها بشير بن سعد فمرت بالنبي صلى الله عليه فقال لها ~~النبي صلى الله عليه: ((لمن هذا؟)) فقالت: هذا غداء لخالي عبد الله بن ~~رواحة ولأبي بشير بن سعد فأعطته النبي صلى الله ووضعه في راحته فما ملأها ~~فدعا النبي صلى الله عليه وآله بثوب فتركه فيه وأمر مناديا في الناس وذلك ~~في الخندق هلم إلى الغداء مع عبد الله بن رواحة وبشير بن سعد فأتى الناس ~~فأكلوا من ذلك حتى شبعوا وقاموا والثوب يفيض من أطرافه. # ومنها ما روي أنه صلى الله عليه في بعض الغزوات انقطع زادهم فأمرهم النبي ~~صلى الله عليه أن يجمعوا حثالة الزاد فجمعوا له فرقا فيه وأكلوا منه حتى ~~اكتفوا وملؤا كل جراب ومزود. # ومنها ما روي أنهم مضوا بماء قليل يكفي الراكب والراكبين فقال: ((لا ~~يقربه أحد حتى أصلي)) فمج فيه فكان عينا جارية. # ومنها ما روي أنه قل الماء عندهم فأتى بمنصاة تنور فيها ماء فوضع فيه ~~أصابعه فنبع الماء من بين أصابعه. # ومنها تسبيح الحصى في يديه، ومنها انشقاق القمر نصفين ونزل نصفه في ناحية ~~المغرب والآخر في ناحية المشرق ودخل كل واحد من كم وخرج من الآخر حتى رفع ~~كما كان. PageV01P535 # ومنها مجي الشجرة إليه تخد الأرض ورجوعها من غير جاذب ولا دافع. # ومنها قصة الثعلب وكلام الذئب. # ومنها تكليمه الذراع المسموم الذي أتت به المرأة ليأكله وفيه سم فكلمه ~~الذراع بأنه مسموم فقال لها النبي صلى الله عليه: ((ما حملك على ذلك؟)) ~~فقالت: رجالي حملوني على ذلك فقلت: إن كان ملكا خلص الناس وإن كان نبيا فهو ~~يعلم ذلك إلى غير ذلك. # وأما الأصل الثاني: وهو أن المعجز لا يظهر عقيب دعوى النبوة إلا على نبي ~~صادق فقد تقدم بيانه. # الدليل الثالث: أنه أخبر عن الغيوب واستمر صدقه فيها، وكل من أخبر ms467 عن ~~الغيوب واستمر صدقه فيها فهو نبي ، وهذه الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه أخبر عن الغيوب واستمر صدقه فيها. # والثاني: أن من أخبر عن الغيوب واستمر صدقه فيها فهو نبي. # أما الأصل الأول: فالذي يدل عليه هو الكتاب والسنة. # أما الكتاب: فقوله تعالى: {سيهزم الجمع ويولون الدبر}فكان كما أخبر في ~~قصة بدر وحنين. # ومنها قوله تعالى: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين...}الآية إلى ~~آخرها في قصة فتح مكة فكان كما أخبر. PageV01P536 # ومنها قوله تعالى: {ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون ~~في بضع سنين} والقصة أن الروم كانوا أهل كتاب وأعداؤهم فارس عبدة الأوثان ~~فقال المشركون لأصحاب النبي صلى الله عليه: غلب أصحابنا أصحابكم، فاغتم ~~المؤمنون واستر المشركون فنزلت هذه الآية حتى أن النبي صلى الله عليه قال ~~لأبي بكر لما حضر على ذلك زد في الخطو ومد في الأجل وقوله تعالى: {وتودون ~~أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق} والأصل في ذلك أنه لما ~~أتى أبو سفيان من الشام بتجارات للمشركين فعلم النبي صلى الله عليه وآله ~~المجنة وخير المسلمين بين النفير وهم الرجال الذين خرجوا في لقاء أبي سفيان ~~وبين العير وهو المال فاختار النبي صلى الله عليه المال فنهاهم الله بقوله: ~~{وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم...}إلى آخرها، ثم خرجوا إلى النفير وهم ~~الرجال فقتلوهم وفاتهم المال، فقال أبو سفيان لأصحابه: نجمع المال ونحارب ~~به لنأخذ بالثأر ويريد أن يستأصل شأفة النبي وأصحابه فنزلت هذه الآية قوله ~~تعالى: {فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم ~~يحشرون}فكان الأمر كما ذكر النبي صلى الله عليه. # وقوله تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ~~لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا}فكان الأمر كما أخبر. # وأما السنة فما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لعلي عليه ~~السلام: ((ستخضب هذه من هذه-يعني لحيته من هامته من ابن ملجم ms468 لعنه الله-)) ~~فكان الأمر كما أخبر. # وما روي عنه صلى الله عليه أنه قال لعلي عليه السلام: ((ستقاتل الناكثين ~~والقاسطين والمارقين)) فالناكثون طلحة والزبير، والقاسطون معاوية وأصحابه، ~~لأن القاسط هو الجائر، والمارقون هم الخوارج، قيل: إنهم مرقوا من الإسلام ~~كما يمرق السهم من خط القوس في الرمية. PageV01P537 # وما روي عنه صلى الله عليه أنه قال للزبير: ((ستحارب عليا وأنت له ظالم)) ~~وقال لعائشة: ((ستنبحك كلاب الحوأب)) الحوأب مهموز ذكره في الصحاح. # وقوله لعمار: ((ستقتلك الفئة الباغية وآخر زادك صباح من لبن)) والصباح: ~~هو الفتح اللبن الرقيق الممزوج بالفتح، وأظن أن الفتح هو الماء، وقيل: إنه ~~فتح آنية كبيرة في ذلك الوقت فما وجد فيها إلا كما وصف النبي صلى الله عليه ~~فأيقن بما قاله إلى غير ذلك من الأخبار التي أخبر عنها وكان كما أخبر. # وأما الأصل الثاني: وهو أن من أخبر عن الغيوب واستمر صدقه فيها فهو نبي ~~لأنه لا يستمر صدقه فيها إلا متى كان عالما بمخبراتها بأن يعلمه الله تعالى ~~بها بالوحي وذلك لا يكون إلا للأنبياء. # وأما الموضع الثالث: وهو في شبههم فاعلم أنهم يتعلقون بالنسخ والبداء، ~~وإذا أردنا الكلام في النسخ والبداء تكلمنا في أربعة مواضع: # أحدها: في حقيقة النسخ في أصل اللغة والاصطلاح والبداء. # والثاني: في حكاية المذهب وذكر الخلاف. # والثالث: في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا إليه. # والرابع: في بيان شبههم وإبطالها. # أما الموضع الأول: وهو في حقيقة النسخ والبداء، فالنسخ يستعمل في أصل ~~اللغة وفي الاصطلاح. # أما في اللغة: فهو الإزالة والنقل يقال: نسخت الريح آثار بني فلان أي ~~أزالتها، وفي النقل يقال: نسخت الكتاب بمعنى نقلته، ولا خلاف أنه مستعمل ~~فيهما واختلفوا هل هو حقيقة مشتركة فيهما أو في أحدهما ومجاز في الآخر. # وأما في الاصطلاح: فهو إزالة مثل حكم شرعي بطريق شرعي على وجه لولاه لكان ~~المنسوخ ثابتا مع تراخيه عنه. # قلنا: إزالة مثل الحكم الشرعي احتراز من الأحكام العقلية إذا رفعها الشرع ~~فإنه لا يسمى ms469 نسخا وإن كان في معناه، وكذا فإنه إذا كان الرافع والمرفوع ~~عقليين أو أحدهما عقلي والآخر سمعي فإنه لا يسمى نسخا. # وقلنا: بطريق أعم من قولنا به نقل؛ لأن النسخ قد يكون بأخبار الآحاد إذا ~~نسخت مثلها. PageV01P538 # وقلنا:بطريق شرعي احتراز من العقلي إذا رفع الشرعي مثل الإغماء والموت ~~والحياة. # وقلنا: على وجه لولاه لكان المنسوخ ثابتا احتراز من إلغائه مثل قوله ~~تعالى: {وأتموا الصيام إلى الليل}فلو قال لا تصوموا الليل لم يكن نسخا لأن ~~قوله تعالى: {إلى الليل}قد أفاد أنه لا يصام ولأنه لا نسخ إلا بعد ثبوت. # وقلنا: مع تراخيه عنه احتراز من الاستثناء المتصل فإنه لا يكون نسخا لأن ~~النسخ لا يكون إلا مع التراخي. # وأما البداء فهو يستعمل في اللغة وفي الاصطلاح. # أما في اللغة: فهو الظهور ومنه قوله: بدا الجبل إذا ظهر، ومنه قوله ~~تعالى: {وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون}. # وأما في الاصطلاح: فهو أمر بعد نهي أو نهي بعد أمر وهو ما جمع شروطا ستة: ~~أن يكون الأمر واحد والمأمور واحد والمأمور به واحد والمكان واحد والوقت ~~واحد والوجه واحد نحو أن يقول زيد لسعد اشتر اللحم السمين من السوق عند ~~الظهر فهذا هو الأمر. # وأما البداء: فهو النهي أن يقول له بعد ذلك القول يا سعد لا تشتر اللحم ~~السمين من السوق عند الظهر فلا يكون بداء حتى يفيد جميع ذلك أو ما يقتضي ~~المنع من جميع ذلك بأن يقول لا تشتر اللحم رأسا فإن قال لا تشتر عند العصر ~~أو الهزيل أو نحو ذلك لم يكن بداء. PageV01P539 # وأما الموضع الثاني: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف فمذهبنا أن محمدا صلى ~~الله عليه وآله نسخ شرائع ما قبله وأن شريعتنا ينسخ بعضها بعضا، والخلاف في ~~ذلك من بعض المسلمين فإنهم يقولون إن نبينا لم ينسخ شرائع من قبله غير أنها ~~كانت مؤقتة فارتفعت عند بلوغ وقتها بمعنى أنها تبطل عند انتهاء وقتها حتى ~~لو لم يكن بعدها شريعة لم يبق لها ms470 حكم، وعند أبي مسلم أن شريعتنا لا ينسخ ~~بعضها بعضا، والخلاف في ذلك مع اليهود فإنهم يقولون إن النسخ لا يجوز عقلا ~~ولا شرعا ، ومنهم من قال يجوز عقلا وإنما منع الشرع منه، ومنهم من قال يجوز ~~عقلا فإنهم يقولون عقلا وشرعا غير أنهم قالوا لكن لم يظهر على محمد صلى ~~الله عليه معجزا. # وأما الموضع الثالث: وهو في الدليل فالذي يدل على ذلك أن الشرائع مصالح ~~والمصالح يجوز نسخها، والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن الشرائع مصالح. # والثاني: أن المصالح يجوز نسخها. # أما الأصل الأول: وهو أن الشرائع مصالح فالذي يدل على ذلك قوله تعالى: ~~{إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}وقوله تعالى: {إنما يريد الشيطان أن ~~يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر}. # وأما الأصل الثاني: وهو أن المصالح يجوز نسخها فالذي يدل على ذلك ما ~~نعلمه من اختلاف المصالح من الغنى والفقر والصحة والسقم والحياة والموت ~~فكما يجوز نقل المكلفين من الصحة إلى السقم لأجل المصلحة فكذا يجوز نقلهم ~~من شريعة إلى شريعة، والذي يدل على ذلك ما نعلمه من اختلاف المصلحة في ~~الشاهد فيمن يلي الإنسان أمره من ولد أو غيره فإنه يختلف فقد يكون العنف ~~أصلح وقد يكون الرفق أصلح، وقد يكون العنف أصلح في حال والرفق في آخر ~~والشخص واحد. # وأما الموضع الرابع: وهو في الشبه فشبههم تختلف بحسب اختلاف مذاهبهم ~~لأنهم على أربع فرق: # الفرقة الأولى: قالوا: لا يجوز النسخ عقلا ولا شرعا، والثانية قالوا: ~~يجوز عقلا لكن منع الشرع منه. PageV01P540 # الثالثة: أنه قال يجوز عقلا وشرعا لكن النبي صلى الله عليه لم يظهر على ~~يديه معجزة. # والفرقة الرابعة: قالوا: إنه مرسل إلى العرب دون العجم. # فأما القولان الأخيران فهما ظاهرا السقوط، وأما من قال يجوز عقلا وشرعا ~~لكن لم يظهر على يديه معجزة فقد بينا ظهور المعجز على يديه صلى الله عليه. # وأما قول من قال ليس برسول إلا إلى العرب فقد دللنا على أنه رسول إلى ~~الجميع. # وأما من قال لا يجوز ms471 عقلا ولا شرعا ومن قال يجوز عقلا لكن منع منه السمع ~~فهم يبنون مذاهبهم على شيء وهو أنهم يقولون لو كان النسخ جائزا ....إلى أن ~~يكون الحق باطلا والباطل حقا؛ لأن شريعة محمد صلى الله عليه كانت باطلا ~~وشريعة موسى حقا ثم نسخت. # والجواب من وجوه: # الأول: أن موسى عليه السلام نسخ شرائع من كان قبله لأنه كان في شريعة آدم ~~تزوج الأخ بأخته، وهكذا شريعة إبراهيم غير شريعة موسى فإنه كان الاختبار ~~فيها في حال الكبر ثم صار في شريعة موسى في حال الصغر وكذا فإن الجمع بين ~~الأختين كان جائزا في شريعة يعقوب عليه السلام، ثم صار محرما في شريعة ~~موسى، فهكذا يجوز لمحمد صلى الله عليه أن ينسخ شرائع من قبله. # الوجه الثاني: أن نقول إن شريعة موسى كانت قبل ظهور المعجز على يديه ~~باطلا ثم صارت بعد ذلك حقا فما أجابوا فهو جوابنا. # الوجه الثالث: أن الشيء ليس بقبيح لعينه ولا لصورته وإنما يقبح لوقوعه ~~على وجه ولهذا فإن دخول الدار ما كان بإذن صاحبها كان حسنا ومتى كان من غير ~~إذن صاحبها كان قبيحا، وهكذا في السجدتين إذا كانت إحداهما لله والأخرى ~~للشيطان وكذلك هذا. # الوجه الرابع: أنا لم نقل بنسخ العين وإنما مثل الحكم مثل أن يأمر الله ~~تعالى بالصلاة غدا عند الظهر ثم ينسخ ذلك فهذا لا يجوز لأنه لا يأمر ~~بالصلاة إلا وقد علمها مصلحة فلا يجوز نسخها قبل الوقت وإنما يجوز نسخ ~~مثلها بعد مضي الوقت. # الشبهة الثانية PageV01P541 أنهم قالوا: لو كان النسخ جائزا لأدى إلى أحد باطلين إما يجوز عليه البداء ~~بأن ينكشف له أن الفعل الأول مفسدة وأن الآخر مصلحة، والبداء لا يجوز عليه ~~تعالى، وإما أن يكون أمر بالقبيح ونهى عن الحسن ولا مخلص من هذين المحالين ~~إلا القول بأن النسخ لا يجوز. # والجواب عليهم من وجهين: # الأول: أنا نعارضهم بشرائع الأنبياء المتقدمين عليهم السلام. # الوجه الثاني: أن السيد لعبده يا سعد إذا كان غدا وقت الظهر يوم ms472 الجمعة ~~فاشتر لحما سمينا من السوق، ثم قال لعبده الآخر: لا تشتر لحما سمينا، فهذا ~~لا يكون نسخا ولا بداء؛ لأن من شروط البداء أن يكون الوقت واحدا، وفي ~~مسألتنا الوقت مختلف والمأمور مختلف والوجه مختلف فلا يلزم أن يكون بداء. # وأما الشبهة التي من جهة السمع فقالوا: إن موسى عليه السلام منع من النسخ ~~فقال: تمسكوا .....أبدا، وقال: شريعتي لا تنسخ أبدا. # والجواب عن هذه الشبهة من وجوه: # الأول: أن هذا الخبر ليس بصحيح وأنتم فيما بينكم أيضا مختلفون فيه. # الوجه الثاني: إن صح فهو آحادي فلا يجوز الأخذ به في هذه المسألة لأنها ~~قطعية لا يجوز الأخذ فيها إلا بالأدلة القاطعة. PageV01P542 # الوجه الثالث: أنه منقول بالعبرانية إلى العربية فقد اختلف لفظه فلا يوثق ~~به ولأنه يجوز أن يتعمد ويسهو ويغفل فيحذف لفظا يفيد معنى آخر، ولهذا اختلف ~~العلماء هل يجوز نقل كلام النبي صلى الله عليه بالمعنى أم لا؟ فالذي ذهب ~~إليه الجمهور وهو قول السيد (ط) و(ص بالله) أنه يجوز رواية الخبر بالمعنى ~~والذي ذكره بعض أهل الحديث وبعض أهل الظاهر أنه لا يجوز روايته إلا بلفظه، ~~والذي ذكره قاضي القضاة: إن كان الراوي عدلا عالما ضابطا جاز أن يروى ~~بالمعنى وإن لم يكن كذلك لم يجز، والذي رواه السيد ط وأبو عبد الله ~~الجرجاني عن ح أنه إن كان للخبر معنيان لم يجز إلا بلفظه وإن لم يكن له إلا ~~معنى واحد جاز روايته بالمعنى، واحتج أهل الظاهر ومن قال بقولهم بقول النبي ~~صلى الله عليه: (( رحم الله امرءا سمع مقالتي فوعاها -وقد يروى-نضر الله ~~امرءا سمع مقالتي فوعاها ثم أداها كما سمعها فرب حامل فقه إلى من هو أفقه ~~منه ورب حامل فقه إلى غير فقيه)). # الوجه الرابع: التأويل يقال مراد موسى إن صح الخير ما لم يظهر صاحب معجز ~~لأنا نقول لا يخلو إما أن يريد ما لم يظهر صاحب معجز أو وإن ظهر ، إن كان ~~مراده ما لم يظهر صاحب معجز هو الذي ms473 نقوله، وإن كان مراده وإن ظهر فهذا ~~يعود على نبوته بالنقض والإبطال لأن الطريق إلى نبوته ليس إلا العجز فإذا ~~ظهر على غيره ولم يدل على صدقه لزم أن يكون كذلك لا يدل على نبوة موسى. # الوجه الخامس: أنا نعارضهم بالأخبار الواردة في التوراة فإنها قد وردت ~~بلفظ التأبيد وإن أريد بها الانقطاع لأن عندهم أن العبد يستخدم ست سنين ~~ويعرض عليه العتق في السابعة فإن أبى ثقبت أذنه واستخدم أبدا ثم إن ذلك نسخ ~~بأن يستخدم خمسين سنة. # الوجه السادس: المعارضة بالبشارات الواردة في التوراة بنبوة محمد صلى ~~الله عليه وهي ما ذكره الشيخ رحمة الله عليه. PageV01P543 # وأما الموضع الرابع: وهو أنه صلى الله عليه مرسل إلى الثقلين وأنه خاتم ~~النبيين وأن شريعته دائمة إلى يوم الدين. # أما أنه خاتم النبيين فالذي يدل على ذلك وجهان: # أحدهما: أنه معلوم ضرورة من دينه صلى الله عليه وأنه كان يدين بذلك ويخبر به. # والوجه الثاني: أن القرآن ناطق بذلك قال تعالى: {ما كان محمد أبا أحد من ~~رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين}. # وأما أنه مرسل إلى الثقلين، أما الدليل على أنه مرسل إلى الإنس فالكتاب ~~والسنة. # أما الكتاب فقوله تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم ~~جميعا}وقوله: {وما أرسلناك إلا كافة للناس}فذكر بعضهم أن المراد به كافا ~~لهم عن المعاصي وزجرا لهم، وذكر بعضهم أن المراد به أرسله إلى كافة الناس. # وأما السنة فما روي عن النبي صلى الله عليه أنه قال: ((أنا مرسل إلى ~~الأحمر والأسود)) فقيل: إن الأسود هم العرب لأنهم أقرب إلى الخضرة، وقيل: ~~إن الحمرة هم العجم. # وأما أنه رسول إلى الجن فالذي يدل على ذلك آيات منها قوله تعالى: {وإذ ~~صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا انصتوا فلما قضي ~~ولوا إلى قومهم منذرين}إلى قوله: {يا قومنا أجيبوا داعي الله...}الآية ~~وقوله تعالى: {قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا ~~عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ms474 ولن نشرك بربنا أحدا}. PageV01P544 ### || AUTO وأما أن شريعته لا تنسخ فلأنه قد ثبت أنه خاتم النبيين وإذا ~~ثبت أنه خاتم الأنبياء ثبت انقطاع الوحي بانقطاع الوحي لا تنسخ شريعته صلى ~~الله عليه، ولهذا قالت المعتزلة لا ينزل عيسى إلا بعد انقطاع التكليف قالوا ~~لأنه لو نزل والتكليف باق لأدى إلى أحد باطلين إما أن يكون متعبدا بشريعة ~~محمد صلى الله عليه وهذا يؤدي إلى التنفير منه وإما أن يأمر الناس بشريعته ~~فينسخ شريعة محمد صلى الله عليه، ومنهم من قال إنه يكون متعبدا بشريعته ~~ويأمر الناس بما هم عليه من شريعة محمد صلى الله عليه، ومنهم من قال إنه ~~يكون متعبدا بشريعة النبي صلى الله عليه وآله ولا يكون تنفيرا عنه. # [الباب الرابع] # وأما الباب الرابع وهو الكلام في مسائل الوعد والوعيد فالكلام منه يقع في ~~ثلاثة مواضع: # الأول: في حقيقة الوعد والوعيد والخبر والصدق والكذب. # والثاني: في قسمة مسائله. # والثالث: في الكلام على كل مسألة منها. # أما الموضع الأول: وهو في حقيقة الوعد والوعيد والخبر والصدق والكذب ~~فحقيقة الوعد: هو الخبر عن إيصال النفع أو دفع ضرر عن الغير في مستقبل ~~الزمان من جهة المخبر إلى المخبر. # قلنا: الخبر جنس الحد وهو أقرب من قولنا الكلام. # قلنا: عن إيصال النفع أو دفع الضرر احتراز من إيصال الضرر أو فوت النفع. PageV01P545 # وقلنا: إلى الغير احتراز من أن يوصله إلى نفسه، وقلنا: في مستقبل الزمان ~~احتراز من الماضي والحال فإنه إذا أخبره بذلك لم يكن وعدا، وقلنا: من جهة ~~المخبر إلى المخبر احتراز من أن يخبر بإيصال نفع أو دفع ضرر من غيره فإنه ~~لا يسمى وعدا وإنما يسمى بشيرا مثل النبي صلى الله عليه فإنه لا يسمى واعدا ~~لأنه أخبر عن الله تعالى، ومنه ما يقوله الفقهاء من بشرني من عبيدي فهو حر ~~لأن البشر هو ما يظهر في بشرة الوجه مما يدل على السرور الحاصل في القلب ~~وسواء كان الوعد قبيحا أو حسنا، والواعد أعم من البشير لأن كل ms475 واعد بشير ~~وليس كل بشير واعد، وقد اقتضى الوعد أربعة إن كان واعد وموعود ووعد، وهذا ~~القول وموعود به وهو الفعل. # وأما الوعيد فحقيقته: هو الخبر عن إيصال الضرر أو فوت نفع إلى الغير في ~~مستقبل الزمان من جهة المخبر إلى المخبر، والكلام في الوعيد والاحترازات ~~عكس ما في الوعد فقس ذلك عليه. # وأما الخبر فله حدان حقيقة ومجاز، فالمجاز قد يكون بالإشارة وقد يكون ~~بالدليل. # أما الإشارة فيدل عليه قول الشاعر: # تخبرني العينان ما الصدر كاتم ... وما جن بالبغضاء والنظر السرر # وقد يقال ولاحن بالبغضاء من الملاحنة. # وأما الدلالة فيدل عليها قول الشاعر: # وكم لسواد الليل عندك من يد ... تخبر أن الماء لونه يكذب # أو يدل على أن الماء لونه يكذب أن السر من جهة الظلمة. # وأما الحقيقة فهو ما يحتمل التصديق والتكذيب ولا يقال ما يحتمل الصدق ~~والكذب لأنه يكون إحالة بالمجهول إلى المجهول، وإن شئت قلت هو قول تام ~~يستدعي لنفسه إضافة أمر من الأمور إلى أمر من الأمورنفيا كان أو إثباتا، ~~وهذه الحقيقة لأبي الحسين. # قلنا: قول تام احتراز من أن نقول زيد الطريق فهذا ليس بتام والتام أن ~~نقول زيد الطريق في الدار. # وقلنا: يستدعي نفسه احتراز من الأمر فإنه لا يستدعي بنفسه ولا يعلم أنه ~~أمر حتى يعلم أنه أراده. PageV01P546 # وقلنا: إضافة أمر من الأمور مثل قوله زيد في الدار فقد أضاف أمر إلى أمر ~~وهو زيد إلى الدار ومثل قولك زيد كريم وعمرو بخيل. # وقلنا: نفيا أوإثباتا مثل زيد في الدار إثباتا وليس زيد في الدار نفيا. # وأما الصدق فهو الخبر الذي يكون مخبره أو ما يجري مجرى مخبره على ما ~~تناوله. # قلنا:هو الخبر جنس الحد، وقلنا: الذي يكون مخبره أو ما يجري مجرى مخبره ~~على ما يتناوله بمجرده مثل قوله لا إله إلا الله والذي يجري مجرى مخبره مثل ~~قوله لا ثاني لله فهذا كله مخبره على ما هو به. # وأما الكذب فهو الخبر الذي يكون مخبره أو ما يجري مجرى مخبره ms476 لا على ما ~~يتناوله بمجرده هاهنا مثل زيد في الدار وليس فيها، والذي يجري مجراه مثل ~~قوله لله تعالى ثاني. # وأما الموضع الثاني: وهو في قسمة مسائله فهي تنقسم إلى حقيقتين حقيقة ~~عقلية وحقيقة سمعية، أما العقلية فثلاث مسائل: # أحدها: أن الفاعل للطاعة يستحق الثواب الدائم. # والثاني: أن العاصي يستحق العقاب الدائم. # والثالثة: أن العقاب يسقط بثلاثة أشياء أحدها العفو، أو التوبة أو ~~التكفير. # وأما الحقيقة السمعية فهي عشر مسائل: # الأولى: أن من وعده الله تعالى من المؤمنين بالثواب فإنه متى مات مستقيما ~~على إيمانه صائرا إلى الجنة لا محالة. # والثانية: أن من وعده الله تعالى بالعقاب من الكفار فإنه متى ما مات مصرا ~~على كفره صائرا إلى النار لا محالة. # والثالثة: أن من وعده الله تعالى بالعقاب من الفساق فإنه متى مات مصرا ~~على فسقه صائرا إلى النار لا محالة ومخلدا فيها خلودا دائما في حقاب لا تنقطع. # والرابعة: المنزلة بين المنزلتين. # والخامسة: الشفاعة. # والسادسة: في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # والسابعة: في إمامة علي عليه السلام. # والثامنة والتاسعة: في إمامة الحسن والحسين عليهما السلام. # والعاشرة: في حصر الإمامات. # وأما الموضع الثالث: وهو في الكلام على كل واحدة منها فنبدأ بالحقيقة ~~العقلية. PageV01P547 ### ||| AUTO [المسألة الأولى] # أما المسألة الأولى وهو أن من فعل الطاعات فهو مستحق للثواب الدائم فالذي ~~يدل على ذلك أنا نقول إن الله تعالى قد كلفنا هذه المشاق فلا تخلو إما أن ~~يكون تكليفنا لغرض أم لا لغرض محال أن يكلفنا لا لغرض لأنه يكون عبثا، وإن ~~كلفنا لغرض فلا يخلو إما أن يكون راجعا إليه أو إلينا لا يجوز أن يكون لغرض ~~راجع إليه تعالى لأن الأغراض لا تجوز عليه، وإن كان ذلك الغرض عائد إلينا ~~فلا يخلو إما أن يكون لنفع أو لضرر لا يجوز أن يكون عائدا لضرر لأنه يكون ~~ظلما والظلم قبيح والله تعالى لا يفعل القبيح فلم يبق إلا أن يكون عائدا ~~إلى النفع وذلك النفع لا يخلو إما أن يكون يحسن ms477 الابتداء لمثله أم لا يجوز ~~أن يكون مما يحسن الابتداء لمثله لأن التكليف يكون عبثا فلا يبق إلا أنه ~~تكليفا لنفع لا يحسن الابتداء بمثله وهو الثواب. # وأما أنه يجب أن يكون دائما فلأن الثواب بالآخرة نظير المدح على الطاعة ~~في الدنيا لأنه لا خلاف بين العقلاء أن من فعل الطاعة أنه يستحق المدح على ~~سبيل الدوام وكذلك الثواب لأن المثبت لها واحد وهو الطاعة. ### ||| AUTO المسألة الثانية # أن الفاعل للمعصية يستحق العقاب ويفعل الحسن وخلق فينا شهوة القبيح ~~ومنفرة الحسن فلا بد من زاجر وهو العقاب إذ لو لم يكن ثم عقاب لكان مغريا ~~لنا بالقبيح والإغراء بالقبيح قبح والله تعالى لا يفعل القبيح. # وأما أنه دائم فالذي يدل على ذلك أن العقاب في الآخرة نظير الذم في ~~الدنيا لأنه لا خلاف بين العقلاء أن الفاعل للقبائح يستحق الذم على سبيل ~~الدوام وكذلك يستحق العقاب على سبيل الدوام لأن المثبت لها واحد وهو فعل ~~المعاصي. ### ||| AUTO المسألة الثالثة # أن العقاب يسقط بالعفو أو بالتوبة أو بالتكفير. # أما أنه يسقط بالعفو فالذي يدل على ذلك قد تقدم. PageV01P548 # وأما أنه يسقط بالعفو فلأنه حق لله تعالى فيجوز أن يعفو عن حقه هذا قول ~~البصريين والخلاف في ذلك مع البغداديين فإنهم يقولون أن العقل لا يجوز أن ~~يعفو لأن ذلك يكون إغراء على فعل القبيح، وقد ورد السمع بأنه لا يعفو عن ~~العاصيين بالاتفاق. # وأما أنه لا يجوز أن يسقط بالتكفير فالذي يدل على ذلك أنه يجري مجرى ~~الذنبين فكما أن الذنبين يتساقطا فكذلك هذا فإن بقي له شيء من الثواب استحق ~~على سبيل الدوام وإن بقي له شيء من العقاب استحقه على سبيل الدوام وقد ~~اختلفوا هل يستويا أم لا؟ فذهب المشائخ أبو علي وأبو هاشم وغيرهم أن الثواب ~~والعقاب لا يستويان وأن الله تعالى لا يدخل الجنة إلا بثواب ولا يدخل أحدا ~~تفضلا من المكلفين، وذهب المؤيد بالله وغيره من المتأخرين والفقيه حميد بن ~~أحمد أنه يجوز أن يستوي الثواب ms478 والعقاب ويدخل الله من يدخل الجنة تفضلا ~~عليه بذلك. # وأما الحقيقة السمعية فالمسألة الأولى منها وهو أن من وعده الله تعالى ~~بالثواب من المؤمنين فإنه متى مات مستقيما على إيمانه صائرا إلى الجنة لا ~~محالة ومخلدا فيها خلودا دائما في ثواب لا ينقطع، وهذه المسألة لا خلاف فيها. ### ||| AUTO المسألة الثانية # أن من توعده الله تعالى بالعقاب من الكفار فإنه متى مات مصرا على كفره ~~صائرا إلى النار لا محالة ومخلدا فيها خلودا دائما في عقاب لا ينقطع هذا هو ~~مذهبنا والخلاف مع جهم والبطحي ومقاتل بن سليمان. # أما جهم فإنه يقول أنهم يتألمون يصيرون مثل دود الخل فلا يتألمون لطول ~~مكثهم فيها. # وأما البطحي ومقاتل فإنهما قالا إنه ينقطع العذاب عنهم. # والدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا إليه وجوه ثلاثة: # الأول: أن النبي صلى الله عليه كان يدين بذلك ويخبر به وهو صلى الله عليه ~~لا يدين إلا بالحق ولا يخبر إلا بالصدق إلى آخر الدليل على ما ذكره الشيخ ~~رحمه الله تعالى. # الوجه الثاني: إجماع الأمة وإجماعهم حجة، والدلالة مبنية على أصلين: PageV01P549 # أحدهما: أن الأمة أجمعت على ذلك. # والثاني: على أن إجماعهم حجة. # أما أن الأمة أجمعت فلأنه لا خلاف بينهم، وأما هؤلاء المخالفون فلا يعتد ~~بخلافهم ولأن الإجماع قد انعقد قبل حدوثهم وقبل ذكرهم. # وأما أن إجماعهم حجة فسيأتي بيانه. # الوجه الثالث: أن العترة أجمعت على ذلك وإجماعهم حجة، والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن العترة أجمعت على ذلك. # والثاني: أن إجماعهم حجة، أما أن الأمة أجمعت على ذلك فلأنه لا خلاف بينهم. # وأما هؤلاء المخالفون فلا يعتد بخلافهم ولأن الإجماع قد انعقد قبل خلافهم ~~وقبل ذكرهم مكرر وافهم ذلك. # أما أن الأمة أجمعت على ذلك إنه ما روي عن أحد منهم أنه قال بانقطاع عقاب ~~الكفار أصلا. # وأما أن إجماعهم حجة فسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. ### ||| AUTO المسألة الثالثة # إن من توعده الله بالعقاب من الفساق فإنه متى مات مصرا على فسقه ms479 صائرا لا ~~محالة إلى النار ومخلدا فيها خلودا دائما، وإذا أردنا الكلام في هذه ~~المسألة تكلمنا في مقدمة في ألفاظ العموم؛ لأن الدلالة قد تضمنتها، والكلام ~~من المقدمة يقع في ثلاثة مواضع: # أحدها: في حكاية المذهب وذكر الخلاف. # والثاني: في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا إليه. # والثالث: في الشبه وإبطالها. # أما الموضع الأول: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف، فمذهبنا أن في اللغة ~~ألفاظ موضوعة للعموم مثل ما ومن وأي وكل والرجال وأجمعين وغير ذلك، والخلاف ~~في ذلك مع المرجئة وهم على خمس فرق: # الأولى: أنهم قالوا إنه ليس في اللغة ألفاظ لا للعموم ولا للخصوص وهو ~~الأشعري. # والفرقة الثانية: قالوا: في اللغة ألفاظ حقيقة في الخصوص ومجاز في ~~العموم. # الفرقة الثالثة: قالوا: في اللغة ألفاظ مشتركة فيهما لكن لا يتميز إلا ~~بتفرقه. # الفرقة الرابعة: قالوا: في اللغة ألفاظ للعموم لكن لا ندري هل في حقيقة ~~أو مجاز في العموم أو الخصوص. PageV01P550 # الفرقة الخامسة: قالوا: في اللغة ألفاظ للعموم في سائر الأشياء دون آيات ~~الوعد والوعيد قد استعمل فيها. # وأما الموضع الثاني: وهو في الدليل فالذي يدل على ذلك وجوه أربعة: # الأول: أن العموم معنى عقله أهل اللغة ومستهم الحاجة إليه، وكل معنى عقله ~~أهل اللغة ومستهم الحاجة إليه وجب أن يضعوا عبارة، والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن العموم معنى عقله أهل اللغة. # والثاني: أن كل معنى عقله أهل اللغة ومستهم الحاجة إليه وجب أن يضعوا له عبارة. # أما الأصل الأول: وهو أن العموم معنى عقله أهل اللغة فلأنهم أهل اللغة ~~وأربابها. # وأما أن الحاجة مستهم إليه فلأن من أراد أن يسأل في الدار يصعب عليه أن ~~يقول أزيد في الدار يصعب عليه أزيد في الدار أبكر أعمرو إلى ما لا نهاية ~~له، وكذلك يصعب أن يقول دخل الدار أزيد أم بكر أم عمرو إلى ما لا نهاية له ~~فأكرمه أو أن يقول أتاك زيد أتاك عمرو أتاك بكر إلى نحو ذلك، فيقال من في ms480 ~~الدار أو من دخل الدار أو من أتاك أو جاء الرجال أو جاء القوم فيثبت الأصل الأول. # وأما الأصل الثاني: وهو أن كل معنى عقله أهل اللغة ومست حاجتهم إليه وجب ~~أن يضعوا له عبارة، فالذي يدل على ذلك أن دواعيه متوفرة إلى ذلك ولا صارف ~~لهم عنه وهم قادرون عليه غير ممنوعين، فيجب أن يفعلوه وإلا خرجوا عن كونهم ~~قادرين، وأبلغ من ذلك أنهم قد وضعوا للشيء الواحد مما لا تمس الحاجة إلى ~~مائة اسم وهو السيف فبالأولى أن يضعوا للأشياء الكثيرة التي مست الحاجة ~~إليها اسما واحدا. # الوجه الثاني: أن من إذا دخلت على هذا الوجه في الشرط والجر اقتضت ~~الاستغراق، والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه يصح الاستثناء. # والثاني: أن صحة الاستثناء تدل على الاستغراق. # أما الأصل الأول: وهو أنه يصح الاستثناء، فالذي يدل على ذلك أنه إذا قال ~~من دخل داري أكرمته فإنه يصح أن يستثني أي عاقل شيئا فيقول إلا زيدا أو عمرا. PageV01P551 # وأما الأصل الثاني: وهو أن صحة الاستثناء تدل على الاستغراق، فالذي يدل على ~~ذلك أن من حق الاستثناء الحقيقي أن يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله ~~تحته، وقد يعترضوا هذا بأن يقولوا ليس من حق الاستثناء أن يخرج من الكلام ~~ما لولاه لوجب دخوله تحته، وإنما من حقه أن يخرج منه ما لولاه لصلح دخوله تحته. # والجواب عليهم من وجوه: # أحدها: أنا نعارضهم بأسماء الأعداد وهي أنا نقول إذا قال علي لفلان عشرة ~~إلا دينار فلولا استثناؤه لهذا الدينار لوجب دخوله تحته ويحكم عليه به، وقد ~~يعترض هذا الوجه بأن يقال: إن هذا لأجل العدد فإن قولنا عشرة يفيد هذا العدد. # الوجه الثاني: أنا نقول لهم إن الاستثناء هو إخراج بعض من كل بإلا أو ~~بكلمة في معنى إلا مثل سوى أو غير، وإذا كان كذلك فلولا الاستثناء لوجب ~~دخوله تحته. # الوجه الثالث: أنا نفرق بين ما لولاه لوجب دخوله وبين ما لولاه لصلح وهو ~~أن القائل إذا قال رأيت الرجال ms481 إلا زيدا، فهذا لولاه لوجب دخوله، وإن قال ~~رأيت رجالا إلا زيدا، فهذا لولاه لصلح دخوله. # الوجه الرابع: من الدلالة أن اسم الجنس المجموع المعرف إذا عرف بالألف ~~واللام اقتضى الاستغراق مثل قول القائل أدخل الرجال إلا زيدا على ما تقدم. # الوجه الخامس: أن القائل إذا قال: ما أكلت شيئا أو ما شربت شيئا أو ما ~~رأيت شيئا فإنه يصح التكذيب له ولا وجه لذلك إلا أنه العموم، وكذلك أجمعوا ~~على أن قوله: {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله}أن هذا النفي ~~للعموم، ولا وجه لذلك إلا أنه يصح الاستثناء منه، ولا وجه لذلك إلا كونه ~~للعموم. # وأما الموضع الثالث: وهو في ذكر شبههم وإبطالها، فشبههم قالوا: لو كان في ~~اللغة ألفاظ للعموم تقتضي الاستغراق لما دخل عليها التأكيد مثل قولنا جاء ~~الرجال كلهم فلو كان الرجال يستغرق لما دخل عليها التأكيد وهو قوله كلهم. # فالجواب عليهم من وجوه: PageV01P552 # الأول: أنا نعارضهم بألفاظ الآحاد والأعداد فإنها قد تؤكد الاستغراق، أما ~~الأفراد فمثل قوله ضربت زيدا نفسه فأكد بقوله نفسه، ونحو قوله نعجة واحدة ~~ودكة واحدة. # وأما الأعداد فمثل قوله: {تلك عشرة كاملة}بعد قوله عشرة استغراق، وقوله ~~كاملة تأكيد. # الوجه الثاني: أنا نقول لهم أخبرونا عن التأكيد هل هو يقتضي الاستغراق أم ~~لا؟ فإن قلتم قد اقتضى الاستغراق حصل غرضنا من وجهين: # أحدهما: أن قد أثبتم لفظ العموم. # والثاني: أن قد اتفق أهل اللغة على أن المؤكد به إذا اقتضى الاستغراق فإن ~~المؤكد يقتضي الاستغراق، وإن قلتم لا يقتضيه لزمكم أن يكون عبثا. # الوجه الثالث: أنا لا نعني بالتأكيد إلا تقرير المعنى في النفس فيكون ذلك ~~تأكيدا لما أخبر به المخبر أي يقويه بصحة خبره وصحة مخبره. # الشبهة الثانية # إن قالوا: إن هذا يؤدي إلى المناقضة نحو قوله جاء القوم إلا زيدا قالوا ~~فهذا يكون مناقضة. # والجواب عليهم من وجوه: # الأول: أنا نعارضهم بالعدد فهو قوله علي عشرة إلا دينار فهذا صحيح غير مناقض. # الوجه الثاني: أنا نقول ms482 لهم ما تريدون بقولكم إنه يؤدي إلى المناقضة؟ ~~تريدون أنه أراد دخوله ثم أخرجه فذلك لا يجوز في كلام القديم تعالى، أو ~~تريدون أنه قد عمه فلولا استثناه لوجب دخوله، فهذا الذي نقول نحو قوله ~~تعالى: {ألف سنة إلا خمسين عاما}وبتمام ذلك تمت المقدمة. # ثم نعود إلى أول المسألة، والكلام منها يقع في ثلاثة مواضع: # الأول: في حكاية المذهب وذكر الخلاف. # والثاني: في الدليل. # والثالث: في الشبهة وإبطالها. # أما الموضع الأول: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف، فمذهب أهل البيت ~~عليهم السلام وأتباعهم وهو مذهب جمهور المعتزلة أن الفساق مخلدون في النار، ~~والخلاف في ذلك مع المرجئة وهم على ثلاث فرق: PageV01P553 # الأولى: قالوا: يجوز أن يدخلوها وأن لا يدخلوها بأن يعفو عنهم، وإذا دخلوها ~~جاز أن يخرجوا وأن لا يخرجوا، وذلك مذهب أبي القاسم البستي وهو من الزيدية ~~من أصحاب (م بالله) وهذا هو الإرجاء الحقيقي. # والفرقة الثانية: وهم النجدان فإنهم قالوا نقطع أن يدخلوها وإذا دخلوها ~~قطعنا على خروجهم فرقا بين الكفار والفساق. # والفرقة الثالثة: قالوا: يجوز أن يعفو عن بعضهم وإذا عفا عن البعض قطعنا ~~أن يعفو عن الكل وإلا أدى ذلك إلى المحاباة وذلك لا يجوز على الله تعالى، ~~وهو قول محمد بن شبيت من المعتزلة. # وأما الموضع الثاني: وهو في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه، فالذي يدل على ~~ذلك الكتاب والسنة. # أما الكتاب فآيات كثيرة منها قوله: {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم ~~خالدين فيها أبدا}ووجه الاستدلال بهذه الآية أن الله تعالى توعد كل عاص على ~~العموم بالخلود في النار، والفاسق عاص كما أن الكفار عصاة، واختلاف الوعيد ~~يكشف عن الكذب، والكذب قبيح والله تعالى لا يفعل القبيح، وهذه الدلالة ~~مبنية على ستة أصول: # أحدها: أن الله تعالى توعد كل عاص على العموم بالخلود في النار. # والثاني: أن الخلود هو الدوام. # والثالث: أن الفاسق داخل في عموم الآية كالكافر. # والرابع: أن اختلاف الوعيد يكشف عن الكذب. # والخامس: أن الكذب قبيح. # والسادس: أن الله ms483 تعالى لا يفعل القبيح. # أما الأصل الأول: وهو أن الله تعالى توعد كل عاص على العموم بالخلود في ~~النار، فالذي يدل على ذلك أن من إذا دخلت على هذا الوجه في الشرط والجر ~~اقتضت الاستغراق بدليل صحة الاستثناء، وصحة الاستثناء تدل على لاستغراق على ~~ما تقدم؛ ولأنا قد بينا أن من موضوعة للعموم فلو أرادها الله تعالى وقصد ~~بها معنى غير ذلك لكان ذلك تغريرا وتلبيسا، وذلك لا يجوز. PageV01P554 # وأما الأصل الثاني: وهو أن الخلود هو الدوام، فالذي يدل على ذلك قول الله ~~تعالى: {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون}ووجه الاستدلال ~~بهذه الآية أن الله تعالى نفى أن يكون لأحد من البشر في هذه الدنيا خلودا، ~~والمعلوم أنه لم يرد بذلك البقاء المنقطع لأن كل واحد منهم قد يبقى بقاء ~~منقطعا، فلم يبق إلا أن الخلود هو الدوام ويدل عليه قول الشاعر: # وعنفت دهرا قبل مجرد أحسن ... لو كان للنفس اللجوج خلود # غيره: # وهل ينعمن إلا سعيد قليل ال ... هموم لا يبيت بأوجال # وأما الأصل الثالث: وهو أن الفاسق داخل في عمومها كالكافر، فالذي يدل على ~~ذلك وجوه: # الأول: أن الآية متأولة لكل عاص، والذي يدل على أن الفاسق عاص وجوه: # الأول: إجماع المسلمين على أنه عاص. # الوجه الثاني: أن الله تعالى قد سمى فاعل ...عاصيا فقال تعالى: {وعصى آدم ~~ربه} فبالأولى أن فاعل الكبائر عاصي. # الوجه الثالث: أن العاصي هو من فعل ما كرهه المعصى وهذا ثابت في حقه. # الوجه الثاني من الأصل: أن الآية وردت مورد الزجر واللطف، والفاسق من ~~يحتاج إلى الزجر. # الوجه الثالث: أنه لو لم يدخل فيها لكان ذلك إغراء له بالقبح وذلك لا يجوز. # وأما الأصل الرابع: وهو أن إخلاف الوعيد يكشف عن الكذب، فالذي يدل على ~~ذلك أن حقيقة الوعيد هو الخبر عن إيصال الضرر إلى الغير في مستقبل الزمان ~~فلو لم يقع المخبر له لانكشف لنا أنه كذب. # وأما الأصل الخامس: وهو أن الكذب قبيح فقد تقدم. # وأما ms484 الأصل السادس: وهو أن الله تعالى لا يفعل القبيح وقد تقدم بيانه. PageV01P555 # الدليل الثاني قوله تعالى: {إن الأبرار لفي نعيم، وإن الفجار لفي جحيم ~~يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغائبين} ووجه الاستدلال بهذه الآية أن الله ~~تعالى توعد كل فاجر على العموم فإنهم لا يغيبون عن النار ومن لم يغب عن ~~النار فهو خالد فيها، والفاسق فاجر كما أن الكافر فاجر، وإخلاف الوعيد يكشف ~~عن الكذب، والكذب قبيح والله تعالى لا يفعل القبيح، والدلالة مبنية على ستة ~~أصول على ما تقدم. # الآية الثالثة قوله تعالى: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا ~~فيها}ووجه الاستدلال بهذه الآية أن الله تعالى توعد كل من قتل مؤمنا ~~بالخلود في النار، والمعلوم أن من قتل مؤمنا متعمدا أنه لا يكفر بذلك وإنما ~~يفسق، وقد يعترضوا هذه الآيات بأن يقولوا: إن الفاسق يدخل في آيات الوعيد ~~نحو قوله: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}ونحو ~~قوله: {ومن يطع الله ورسوله}والفاسق قد يدخل في آيات الوعد فيفعل كما ~~يفعلون فليس بأن يدخلوه في آيات الوعيد أولى من أن يدخله في آيات الوعد. # والجواب عنه من وجهين: # أحدهما: إجماع المسلمين في أنه يستحق الذم ... # الوجه الثاني: أن أهل الولاية من الإمام والمسلمين يقيمون عليهم الحدود ~~والتعزيرات على وجه الإهانة والاستخفاف، فهذا هو الدليل من الكتاب. # وأما الدليل من السنة فما ذكره الشيخ رحمه الله نحو قوله صلى الله عليه ~~وآله: ((من تحسا سما فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا فيها مخلدا)) ~~إلى غير ذلك مما ذكره في الكتاب. # وأما الموضع الثالث: وهو في شبههم التي يتعلقون بها، فلهم شبه من الكتاب ~~والسنة. # أما من الكتاب فآيات منها قوله تعالى: {فأنذرتكم نارا تلظى لا يصلاها إلا ~~الأشقى}والأشقى هو الكافر فلا يدخلها الفاسق. # والجواب عليهم من وجوه: # الأول: أنكم قطعتم هاهنا أنهم لا يدخلونها وليس هذا مذهبكم ... # الوجه الثاني: أنه إذا لم يدخلها كان هذا إغراء له بالمعاصي وذلك لا يجوز. ms485 PageV01P556 # الوجه الثالث: أنه يدخلها بغير هذه الآية لو سلمنا ذلك فيدخلها بقوله ~~تعالى: {وأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين}والمعلوم أن ~~الفاسق شقي. # الوجه الرابع: أنه يلزمكم أن لا يدخلها بعض الكفار وهو الكافر الأصلي وهو ~~الذي لم يكذب. # الوجه الخامس: أن قوله {فأنذرتكم نارا تلظى}فإن نارا هاهنا نكرة فلا ~~يدخلها ويدخل نارا غيرها فإن في جهنم أودية ومصائب أجارنا الله منها ومن ~~جميع ذلك. # الوجه السادس: تأويل أبي الهذيل فإنه قال: يدخل في الآية ويكون معناها ~~إلا الذي كذب والذي تولى وإن كان ضعيفا من جهة النحو. # الآية الثانية قوله تعالى: {فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير ~~وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك}واستدلالهم بهذه ~~الآية من وجهين: # أحدهما: أن قالوا إنه شرط مكثهم فيها ما دامت السموات والأرض، والمعلوم ~~أنهما لا يدومان لأنهما يفنيان. # والجواب عليهم من وجوه: # الأول: أن هذا مناقضة لأنكم قطعتم في الشبهة الأولى أنهم لا يدخلونها ~~وأثبتم هاهنا أنهم يدخلونها. # الوجه الثاني: أنا نعارضهم بقوله تعالى: {فأما الذين سعدوا ففي الجنة ~~خالدين فيها ما دامت السموات والأرض}وبالاتفاق منا ومنكم أنهم خالدون ~~مخلدون خلودا دائما فما أجبتم في هذا فهو جوابنا. # الوجه الثالث: أنه لما ذكر السموات والأرض للتبعيد لما كانت العرب تذكر ~~ذلك فيقال لا أجبتك مادامت السموات والأرض أو ما بل البحر صوفه أو ما دعا ~~إليه داعي أو ما لبى ملبيا أو ما لاح بارق، ويريدونه للتبعيد وعليه قول ~~الشاعر: # وأقسم المجد حقا لا يحالفهم ... حتى يحالف بطن الراحة الشعر # الوجه الرابع: تأويل أبي علي وهو أنه قال: لو سلمنا أنه أراد فأراد بذلك ~~سماء الآخرة وأرضها وهما دائمان. # والوجه الثاني من الآية وهو قوله تعالى: {إلا ما شاء ربك}فقالوا إنه ~~استثنى أن يخرجهم منها. # والجواب عليهم من وجوه: PageV01P557 # الأول: إن المراد بذلك أن العاصي يستحق العذاب من وقت المعصية فاستثنى ~~هاهنا أن يعذبه في أوقات الدنيا وفي القبر والعرصة بالنار. # الوجه الثاني: ms486 أن إلا بمعنى الواو فيكون تقديره: وما شاء ربك تركهم وهو ~~الدوام فأول الآية ما دامت السموات والأرض على ظاهره وآخرها وما شاء ربك ~~وهو الدوام وذلك ظاهر في اللغة قال الشاعر: # وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان # أي والفرقدان. # الوجه الثالث: إن المراد بذلك إلا ما شاء ربك وهو أن يخرجهم منها إلى ~~الزمهرير، وقد قيل إنه أعظم عليهم من حر النار أجارنا الله من عذابها. # وأما ما يتعلقون من جهة السنة فأخبار رووها منها قول النبي صلى الله ~~عليه: ((يخرج رجل من النار بعدما ذهب صبره وستره)) وقوله صلى الله عليه: ~~((يخرج قوما من النار بعدما امتحشوا وصاروا فحما وحمما)) قالوا قدر هذا على ~~ما قلناه أنهم غير مخلدين. # والجواب عليهم من وجوه: # الأول: أن هذا من أخبار الآحاد فلا يجوز الأخذ به في هذه المسألة. # الوجه الثاني: أنه معارض لدلالة العقل ومحكم القرآن فيجب رده. # الوجه الثالث: أنه معارض بما قدمنا من الأخبار وهي موافقة لدلالة العقل ~~ومحكم القرآن وهي قوله من تحسا سما إلى قوله خالدا وما بعد ذلك من الأخبار، ~~ومن ذلك قوله صلى الله عليه حجة عليهم إذا قالوا هم يخرجون ويدخلون الجنة ~~فقد قال صلى الله عليه: ((لا يدخل الجنة قتات ولا شرطي ولا مدمن خمر)) ~~وقوله صلى الله عليه: ((من ظلم أجيرا أجرته لم يرح رائحة الجنة وإن رائحتها ~~لتدرك من مسيرة خمسمائة عام)). # الوجه الرابع: التأويل فإن قوله يخرج رجل من النار ويخرج قوم من النار أي ~~من جمل أهل النار، وقوله بعد ما ذهب خبره وستره أي جماله وبهاؤه، وكذا بعد ~~ما امتحشوا وصاروا فحما وحمما شبههم بذلك لما كانوا عليه من أهل النار ~~وأفرطهم في ذلك، والدليل على هذا التأويل الكتاب والسنة. PageV01P558 # أما الكتاب فقوله تعالى: {على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها}والمعلوم أن ~~ليس هناك نار ولا حفرة وإنما أنقذهم النبي صلى الله عليه بما أتى به من ~~الدلالة والبيان. # وأما السنة فقوله صلى الله عليه: ms487 ((مازلت آخذكم بحجزكم هلم النار وأنتم ~~تتهافتون فيها تهافت الفراش)) ومعلوم أنه لم كان يأخذ بحجزهم، وما روي عنه ~~صلى الله عليه أنه لما أذن المؤذن فقال أشهد أن لا إله إلا الله فقال صلى ~~الله عليه: ((على الفطرة)) ثم قال المؤذن: أشهد أن محمدا رسول الله، فقال ~~النبي صلى الله عليه: ((خرج من النار)) . ### ||| AUTO المسألة الرابعة # أن أصحاب الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه يسمون فساقا ولا يسمون كفارا ~~ولا مؤمنين، والكلام من هذه المسألة يقع في خمسة مواضع: # الأول: في تسميتها ونسبتها ووجه تسميتها ووجه الحاجة إلى وضع هذه ~~الأسماء. # والثاني: في حكاية المذهب وذكر الخلاف. # والثالث: في حقائق هذه الألفاظ والدليل على أنها قد انتقلت من اللغة إلى الشرع. # والرابع: في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا إليه وأحكام ~~المكلبين. # والخامس: في شبههم وإبطالها. # أما الموضع الأول: وهو في قسمتها فقد يقال مسألة الأسماء والأحكام، ويقال ~~مسألة المنزلة بين المنزلتين. # وأما وجه تسميتها منزلة بين المنزلتين فإن المنزلة بين المنزلتين في ~~اللغة شيء واحد بين شيئين فيجذب إلى كل واحد منها بشبه، وهذا حال هذه ~~المسألة. # وأما وجه تسميتها مسألة الأسماء والأحكام فلأنها كلام في أسماء المكلفين ~~وأحكامهم. # وأما وجه الحاجة إلى تسميتهم هذه الأسماء والأحكام فلأنها كلام في أسماء ~~المكلفين وأحكامهم. PageV01P559 # وأما وجه الحاجة إلى تسميتهم هذه الأسماء، فاعلم أنهم لما اختلفوا واختلف ~~أحكامهم اقتضت الحكمة تسميتهم وتعبدنا الله بذلك وهو على ضربين: منهم من ~~يستحق العقاب، ومنهم من يستحق الثواب، ومن يستحق الثواب على ضربين: منهم من ~~يستحق الثواب العظيم وهم الأنبياء والملائكة، ومنهم من يستحق دون ذلك وهم ~~المؤمنون، والمؤمنون لهم أسماء مؤمن ومسلم وصالح وبر وزكي إلى غير ذلك، ~~وكذا من يستحق العقاب على ضربين ومختلف أحكامهم فتختلف بحسبها فثبت الموضع الأول. # وأما الموضع الثاني: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف، فمذهبنا أن أهل ~~الكبائر من هذه الأمة كشارب الخمر والزاني وما جرى مجراها يسمون فساقا ولا ~~يسمون ms488 كفارا ولا مؤمنين، والخلاف في ذلك مع الخوارج والمرجئة والحسن ~~البصري. # أما الخوارج فإنهم يقولون هوفاسق كافر حتى منهم من يقول مشرك بالله. # وأما المرجئة فإنهم يقولون هو فاسق مؤمن حتى منهم من يقول كإيمان جبريل ~~وميكائيل ومرادهم مؤمن مصدق...يعني الاسم على ما هو عليه في اللغة. # وأما الحسن البصري فإنه يقول إنه فاسق منافق ولا خلاف بينهم في أنه يسمى فاسقا. # وأما الموضع الثالث: وهو في بيان الأسماء وبيان معانيها في اللغة وفي ~~الشرع وأنها قد نقلت من اللغة إلى الشرع. # أما الكفر فهو في اللغة التغطية، ويقال: تكفر فلان بسلاحه أي تغطى به، ~~ومنه يسمى البحر كافرا لما كان يغطي ما فيه، وكذا الظلام سمي كافرا، ويسمى ~~الزراع كافرا لتغطيته للبذر، ويدل عليه قوله تعالى: {يعجب الزراع ليغيظ بهم ~~الكفار}أي زراع آخرين وأظنه قيل هم المشركين، وقوله تعالى: {كما يئس الكفار ~~من أصحاب القبور}والمراد به الذين يدفنون الميت بالتراب فسموا كفارا ~~لتغطيتهم له، وقيل: الكفار الذين جحدوا البعث والنشور. # وأما في الاصطلاح: فهو من يستحق العقاب العظيم مع إجراء أحكام مخصوصة. PageV01P560 # وأما المنافق: فهو اسم لمن أظهر خلاف ما أبطن سواء كان حسنا أو قبيحا وهو ~~مأخوذ من النافقا وهو جحر اليربوع لأنه يتخذ له بابان يظهر أحدهما ويخفي ~~الآخر فإذا استطبق الباب الذي يظهر منه خرج من الباب الذي يخفيه. # وأما في الشرع: فهو من أظهر الإسلام وأبطن الكفر. # وأما الفسق في اللغة: فهو الظهور ويقال: فسقت الرطبة إذا ظهرت، واستعمل ~~بعد ذلك في الظهور على وجه الإصرار سواء كان بنفسه أو بغيره، ومنه سميت ~~الفارة فويسقة لخروجها على وجه الإصرار. # وأما في الشرع: فهو الخروج من ولاية الله تعالى إلى عداوته، وهذا معترض ~~لأنه كان يلزم في الفاسق الأصلي أن لا يسمى فاسقا لأنه لم يخرج من ولاية ~~الله إلى عداوته. # وأما المؤمن في اللغة: فهو مأخوذ من التصديق يدل عليه قوله تعالى: {وما ~~أنت بمؤمن لنا}أي بمصدق، ويستعمل أيضا في الأمان من الخوف. # وأما الإسلام: ms489 فهو مأخوذ في اللغة من الاستسلام والانقياد يدل عليه قوله ~~تعالى: {قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا}أي استسلمنا وانقدنا. # وأما الدين فله معان في اللغة وقد تقدم ذلك منها أنه مأخوذ من الطاعة ~~يقال: دان الناس للملك إذا طاعوه، والإيمان والإسلام والدين في الشرع ~~معناهما واحد وهو فعل الطاعات واجتناب المقبحات والمكروهات. # وأما الدليل على أنها قد نقلت من اللغة إلى الشرع فوجهان: # أحدهما: أنه لو كان باقيا على الاشتقاق للزم في الكافر أن يسمى مؤمنا إذا ~~صدق غيره بشيء، ويلزم بالصبي إذا تغطى بثوبه أن يسمى كافر فكان يلزم في ~~الكفار إذا انقادوا لأمر بعضهم بعضا أن يسموا مسلمين، وكان يلزم في ~~المؤمنين إذا خرجوا على الإصرار بالكفار أن يسموا فساقا. # الوجه الثاني: أن الإيمان والإسلام مدح والكفر والفسق والنفاق اسم ذم في ~~الشرع ولم يوضع لذلك في اللغة. # وأما الموضع الرابع: وهو في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا ~~إليه وأحكام المكلفين. PageV01P561 # أما الدليل فيدل على صحة ما ذهبنا إليه ابتداء ثم تتبع أقوالهم بالإبطال، ~~فالذي يدل على ذلك أن الأمة أجمعت على ذلك وإجماعهم حجة، وهذه الدلالة ~~مبنية على أصلين: # أحدهما: أن الأمة أجمعت على ذلك. # والثاني: أن إجماعهم حجة. # أما الأصل الأول وهو أن الأمة أجمعت على ذلك فهو ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى. # وأما الأصل الثاني وهو أن إجماعهم حجة، فالذي يدل على ذلك الكتاب والسنة. # أما الكتاب فقوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ~~ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} ووجه ~~الاستدلال بهذه الآية أن الله تعالى توعد كل من خالف سبيل المؤمنين بالنار ~~كما توعد من شاق الرسول بالنار، وذلك يقضي قبح مخالفتهم كما اقتضى قبح ~~مخالف الرسول ووجوب مناقضته كما اقتضى وجوب متابعته، فكذلك قوله: {وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا}فجعلهم ~~شهودا وهو لا يستشهد إلا عدلا. # وأما السنة فما روي عن النبي ms490 صلى الله عليه أنه قال: ((سألت الله أن لا ~~تجتمع أمتي على ضلالة فأعطانيها)) وقوله: ((لا تزال طائفة من أمتي على الحق ~~ظاهرة)) وقوله: ((يد الله مع الجماعة)) وقوله: ((من فارق الجماعة قيد شبر ~~فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه)). # وأما تتبع أقوالهم بالإبطال فنبطلها واحدا واحدا. # أما قول الخوارج فإنا نقول لهم ما تريدون بقولكم أنه كافر تريدون إطلاق ~~العبارة والمعنى أو تريدون إطلاق العبارة دون المعنى، فإن قالوا: نريد ~~إطلاق العبارة من دون المعنى. # قلنا: فقد وافقتمونا في المعنى وخالفتمونا في العبارة لأن الكفر هو اسم ~~لمعاص مخصوصة تتبعها أحكام مخصوصة وهو الجحدان لله والتكذيب لرسله أو إنكار ~~نبي من خلقه، وإن أردتم إطلاق العبارة والمعنى فهو باطل من وجوه: PageV01P562 # أحدهما: أن الله تعالى شرع اللعان بين الزوجين متى قذف الزوج زوجته أو ~~رماها بالزنا فلو كان الفسق كفرا لما صح اللعان، وهذه الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن الله تعالى شرع اللعان بين الزوجين متى قذف الزوج زوجته ~~بالزنا. # والثاني: أنه لو كان الفسق كفرا لما صح اللعان. # أما الأصل الأول وهو أن الله تعالى شرع اللعان فذلك ظاهر في قوله تعالى: ~~{والذين يرمون أزواجهم}. # وأما الأصل الثاني وهو أن الفسق لو كان كفرا لما صح اللعان، فالذي يدل ~~على ذلك أن أحدهما فاسق لا محالة لأن الزوج إن كاذبا كان فاسقا لأجل القذف ~~الذي نص الله تعالى عليه أنه فسق بقوله: {أولئك هم الفاسقون} وإن كان صادقا ~~كانت الزوجة فاسقة لأجل الزنا فثبت أن أحدهما فاسق لا محالة فلو كان الفسق ~~كفرا لكانت قد حصلت البينونة بنفس المعصية ولا لعان بين الأجنبيين ~~بالإجماع، وبالإجماع إنه لا بد في اللعان من الإمام أو من يقوم مقامه من ~~قبله، وإنما اختلفوا هل لا بد من أن يفسخ بينهما بعد اللعان أم لا؟ فمنهم ~~من قال لا بد من الفسخ بعد اللعان وإلا فهما على نكاحهما، ومنهم من قال ~~ينفسخ بعده ولا يحتاج إلى فسخه. # الوجه الثاني: أن الصحابة ms491 كانوا يقيمون الحدودعلى الزناة ولا يفرقون ~~بينهم وبين أزواجهم. # الوجه الثالث: أنهم يقيمون الحدود عليهم على وجه الاستحقاق والإهانة ولا ~~يقتلونهم فلو كان الفسق كفرا لقتلوهم لما روي عن النبي صلى الله عليه أنه ~~قال: ((من بدل دينه فاقتلوه)). # وأما ما يبطل قول الحسن البصري من أن الفاسق منافق فوجهان: # أحدهما: أن المنافق اسم لمن يبطن الكفر ويظهر الإسلام وليس كذلك الفاسق ~~فإنه يظهر الإسلام ويبطنه. # الوجه الثاني: أن هذا بناء منكم على أصل فاسد وهو أنه لا يجتمع الفسق ~~والإيمان وليس كذلك فإنه قد يعصي وهو مؤمن بالله تعالى على ما يأتي بيانه. # وأما ما تقوله المرجئة من أنه فاسق مؤمن فباطل من وجوه: PageV01P563 # أحدها: أن قولنا مؤمن اسم مدح وتعظيم والفاسق لا يستحق المدح والتعظيم، ~~والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن قولنا مؤمن اسم مدح وتعظيم. # والثاني: أن الفاسق لا يستحق المدح والتعظيم. # أما الأصل الأول وهو أن قولنا مؤمن اسم مدح وتعظيم، فالذي يدل على ذلك وجوه: # الأول: إجماع الأمة على أنه اسم مدح وتعظيم. # والثاني: أنه يحسن توسطه بين أوصاف المدح فلو لم يكن مدحا لما حسن توسطه ~~بين أوصاف المدح كما لا يحسن أن يقال: فلان بر تقي أسود صالح زكي بل يكون ~~قوله أسود مستهجنا معيبا عند الفصحاء العقلاء لما لم يكن مدحا. # الوجه الثالث: أن الله تعالى ما ذكر الإنسان إلا فمدحه مثل قوله تعالى: ~~{إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته ~~زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون أولئك هم المؤمنون حقا} وقوله تعالى: {قد ~~أفلح المؤمنون}إلى غير ذلك فثبت الأصل الأول وهو أن قولنا مؤمن اسم مدح ~~وتعظيم. # وأما الأصل الثاني وهو أن الفاسق لا يستحق المدح والتعظيم، فالذي يدل على ~~ذلك أنه لا خلاف بين الصحابة أنهم لا يستحقون المدح والتعظيم بل يستحقون ~~المدح والتعظيم بل يستحقون اللعن .. والذم. # الوجه الثاني: أنهم كانوا يقيمون عليهم الحدود على وجه الاستخفاف ~~والإهانة. # الوجه الثالث: أن بين الفسق والإيمان منافاة ms492 وأن أحدهما غير الآخر لقوله ~~تعالى: {بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان} وقوله تعالى: {والزانية والزاني}إلى ~~قوله: {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله}وقال في آية أخرى: {وكان ~~بالمؤمنين رحيما}وقوله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة}وقال في آية أخرى: {لا ~~تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله}والفاسق هو ~~من حاد الله ورسوله. PageV01P564 # وأما الدليل من جهة السنة فما روي عن النبي صلى الله عليه أنه قال: ((لا ~~يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب ~~الخمر حين يشربها وهو مؤمن فإذا فعل ذلك انتزع الإيمان من قلبه))قيل: يا ~~رسول الله فما هو؟ قال: ((فاسق فإن تاب تاب الله عليه)) وهذا نص فيما ذهبنا إليه. # وما روي عن علي عليه السلام أنه سئل عن الخوارج ماهم؟ فقال: (كانوا ~~إخواننا في الأمس فبغوا علينا) وكان عليه السلام لا يجهز على جريحهم ولا ~~يقتل مدبرهم، فثبت أن الفاسق اسم بين اسمين فيجب أن يكون له حكم بين ~~الحكمين. # وأما أحكام المكلفين، أما أحكام الكفار فلهم أحكام جملة وتفصيل. # أما الجملة فمنها أنها لا توارث بيننا وبينهم ولا يدفنون في مقابر ~~المسلمين وأنهم لا يناكحونا وأنهم لا يراطنون وأن ذبيحتهم حرام، فمنها ما ~~هو مجمع عليه، ومنها ما هو مختلف فيه. # وأما أحكامهم على سبيل التفصيل أما المرتد فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، ~~وأما الأصلي فهو لا يخلو إما أن يكون حربيا أو ذميا، إن كان حربي فلا يخلو ~~إما أن يكون من كفار العرب أو العجم، إن كان من كفار العرب فإنه يقتل ~~البالغ وتسبى الذراري والنساء والصبيان وتستباح الأموال، وإن كانوا أهل ذمة ~~ثم خرموها أو عجم فالإمام بالخيار بين ثلاثة أشياء: إن شاء قتل البالغين ~~وسبى الذراري والنساء، وإن شاء ضرب عليهم الجزية، وإن شاء استرقهم الكل، ~~ولعل الفرق بين العرب والعجم أن العجم أقرب إلى الضعف وقلة الحيل بخلاف ~~العرب فإنهم فيهم الدهاء فلا يؤمنوا إذا صولحوا على شيء من ذلك. ms493 # وأما أحكام المؤمنين فهي كثيرة منها أنه يجب موالاتهم ومناصرتهم، وقبول ~~شهادتهم. # وأما الفاسق فله أحكام منها ما يوافق به المؤمن ويخالف به الكافر، ومنها ~~ما يوافق بها الكافر ويخالف بها المؤمن، فمنها: الخمسة التي ذكرناها في ~~الكافر. PageV01P565 # وأما ما يوافق بها الكافر ويخالف بها المؤمن فمنها: أنه يذم ويلعن، ويستخف ~~به ولا تقبل شهادته، ولا تجوز موالاته. # أما أنها لا تقبل شهادته فلقوله تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل منكم}والفاسق ~~ليس بعدل. # وأما أنها لا تجوز موالاته فلقوله تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله...}الآية؛ فثبت بذلك أن له اسما ~~بين إسمين وحكما بين حكمين. # وأما الموضع الخامس: وهو شبههم وإبطالها. # أما شبهة الخوارج فقد تعلقوا بآيات منها قوله تعالى: {فأنذرتكم نارا تلظى ~~لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى}قالوا: ووجه الاستدلال بهذه الآية أن ~~الله تعالى قال: {فأنذرتكم نارا تلظى لا يصلاها إلا الأشقى}والأشقى هو ~~الكافر، قالوا: وبالاتفاق بيننا وبينكم أن الفاسق يدخل النار فيسمى كافرا. # والجواب عليهم من وجوه: # الأول: أن الفاسق ليس فاسقا وإنما هو شقي لأن الأشقى مأخوذ من ...فيكون ~~على أبلغ الوجوه، والكافر أشقى من الفاسق فيجب أن يكون هذا المراد بهذه الآية. # الوجه الثاني: أنه قال: {الذي كذب وتولى}والفاسق ليس بمكذب. # الوجه الثالث: أن قوله نارا نكرة والنكرة لا تعم، والنيران كثيرة فيدخل ~~نارا غير هذه النار. # الوجه الرابع: أنه يدخل النار بغير هذه الآية بقوله تعالى: {فأما الذين ~~شقوا ففي النار ...}الآية. # الشبهة الثانية # تعلقهم بقوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن ~~كفر فإن الله غني عن العالمين} قالوا: والفاسق تارك للحج فيجب أن يكون ~~كافرا لأن الله تعالى سمى تاركه كافرا. # والجواب عن هذه الشبهة من وجهين: # أحدهما: أن الآية مجملة ولم تبين من الكافر ولا فيها ما يدل على كفره. # الوجه الثاني: أن المراد بقوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت}أي أنه ~~حق واجب لله تعالى فمن أنكر وجوبه كفر. # الشبهة ms494 الثالثة PageV01P566 قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}قالوا: والفاسق ~~لم يحكم بما أنزل الله فيجب أن يكون كافرا. # والجواب عليهم من وجوه: # الأول: أن (ما) إذا أريد بها النفي اقتضت الاستغراق فهي هاهنا تقتضي ~~الاستغراق فيكون المراد من لم يحكم بجميع ما أنزل إليه، والمعلوم أن الفاسق ~~لم يترك جميع الأحكام بل أتى بالبعض وترك البعض. # الوجه الثاني: أنها نزلت في اليهود فتقصر عليهم، فإن قالوا: ليس هذا من ~~مذهبكم لأن عندكم أن الخطاب لا يقصر على سببه فأكثر القرآن نزل على أسباب ~~فكان يلزمكم قصره عليها. # قلنا: الجواب أن الخطاب لا يقصر على سببه ما لم يدل عليه دليل فأما إذا ~~دل عليه دليل فإنه يقصر عليه. # الوجه الثالث: أن المراد بذلك من لم يحكم بما أنزل الله مستحلا لشركه. # وأما شبهة المرجئة فإنهم قالوا: إنكم تقولون إن المؤمن المسلم هو من فعل ~~الواجبات وترك المقبحات والله تعالى يفعل ذلك فكان يجب أن يسمى مؤمنا. # والجواب من وجهين: # أنا نعارضهم فنقول: إن من فعل الواجبات سمي تقيا وكان يلزم أن يسمى الله ~~تعالى بذلك. # الوجه الثاني: أنا إنما قلنا ذلك فيمن يستحق الثواب والعقاب والله تعالى ~~لا يستحق ثوابا ولا عقابا. # وأما شبهة الحسن البصري فإنه لو كان الفاسق مصدقا لله تعالى في وعده ~~ووعيده لما قدم على المعصية ولهذا فإن من كان بين يديه نارا مؤججة وقال من ~~هو قادر عليه إن فعلت هذا الفعل أدخلتك هذه النار وإن فعلت هذا الفعل ~~أدخلتك الجنة فإنه لا يفعل، وكذا أن من علم أن في جحار صرة دراهم وحية وأنه ~~إن أدخل يده الصرة لدغته الحية فإنه يتركها، فكذلك الفاسق لو كان عارفا لله ~~تعالى ومصدقا له في وعده ووعيده لما فعل المعصية، فلما فعلها دل على أن في ~~اعتقاده خللا. # والجواب عنه من وجهين: # أحدهما: أنا نعلم ذلك بالوجدان من النفس فإن أحدنا يقدم على المعصية مع ~~علمه بالله وتصديقه له في وعده ووعيده. PageV01P567 # الوجه ms495 الثاني: أن من يقدم على المعصية إن كان من المرجئة فهو يؤمل العفو ~~وإن كان ممن يقول بالوعيد فهو يسوف التوبة. # وأما ما مثل به من النار فليس بمثال لمسألتنا لأن ذلك قد صار ملجأ ومع ~~اللجاء يبطل التكليف. # وأما مسألة الصرة التي في الجحر فليس بمثال لمسألتنا أيضا، وإنما مثال ~~مسألتنا أن يكون معه ترياق لأجل لدغ اللحية فذلك مثال مسألتنا فإنه يقدم ~~على المعصية مع تسويف التوبة كما أن ذلك يدخل يده لأجل الترياق الذي معه. ### ||| AUTO المسألة الخامسة # في شفاعة محمد صلى الله عليه وآله، والكلام منها يقع في أربعة مواضع: # الأول: في حقيقة الشفاعة في اللغة وفي الاصطلاح، وأركانها وبيان موضوعها، ~~والدليل عليه. # والثاني: في حكاية المذهب وذكر الخلاف. # والثالث: في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا إليه. # والرابع: في شبه المخالف وإبطالها. # أما الموضع الأول: وهو في حقيقة الشفاعة. # أما في اللغة: فاعلم أن الشفيع هو نقيض الوتر، والشفع هو الزوج، والوتر ~~هو الفرد ولهذا سميت الشفعة في الشرع شفعة لما كان الشفيع يضم إلى ماله ~~مالا آخر. # وأما في الاصطلاح: فالشفاعة هي السؤال المتضمن جلب نفع إلى الغير ودفع ~~ضرر عنه على وجه يكون غرض السائل حصول ما سأل لا من أجل سأله، قلنا: هو ~~السؤل لأنها هو السؤال لأنها لا تكون إلا سؤالا، وقلنا: المتضمن جلب نفع أو ~~دفع ضرر لأنها تستعمل فيهما جميعا خلافا للمجبرة على ما يأتي. # وقلنا: لجلب نفع إلىالغير أو دفع ضرر عنه لأنه إذا سأل لنفسه لا يسمى ~~شافعا لأنها مما يتعدى. # قلنا: على وجه يكون غرض السائل حصول ما سأل لأجل سؤاله احتراز منا إذا ~~سألنا الله تعالى الوسيلة والدرجة الرفيعة للنبي صلى الله عليه فليس يحصل ~~لأجل سؤالنا لأن الله تعالى قد وعده به سواء سألناه أو لم نسأله، وإنما ~~غرضنا بذلك التقرب إلى الله تعالى وإلى رسوله. # وأما أركانها فلها أركان خمسة فيقال: شافع، ومشفوع، ومشفوع به وشفاعة. PageV01P568 # وأما موضوعها فاعلم أنها ms496 تستعمل في دفع الضرر خلافا للمرجئة والمجبرة فإنهم ~~قالوا: لا تكون إلا في دفع الضرر. # والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا إليه الكتاب واللغة. # أما اللغة: فإن عند أهل اللغة أنها تستعمل في جلب النفع كما تستعمل في ~~دفع الضرر يقال: شفع الوزير إلى الأمير ليزيد فلانا في راتبه وعطيته كما ~~يقال: شفع إليه ليصفح عن جرمه وخطيئته، ويدل عليه قول الشاعر: # فتى إن جئته لصنيعة ... إلى ماله لم تأته بشفيع # وقال آخر: # أتينا سليم الأمير نزوره # كلا شافعي زوار من ضميره ... وكان امرءا لحا ويكرم زائره # عن البخل ناهيه وبالجود آمره # وأما الكتاب فقوله تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته ~~مشفقون}والفاسق ليس بمرضي، وقوله تعالى: {الذين يحملون العرش ومن حوله ~~يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة ~~وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم}فإذا حسن من ~~الملائكة أن يسألوا هذه المنافع للمؤمنين لم يمتنع أن تكون شفاعة نبينا صلى ~~الله عليه لزيادة المنافع. # وأما الموضع الثاني: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف فاعلم أنه لا خلاف ~~في أن للنبي صلى الله عليه شفاعة وأنها مقبولة، ويدل على ذلك ما روي عنه ~~صلى الله عليه أنه قال: ((من كذب بالشفاعة لم ينلها)) وإنما اختلفوا في أمرين: # أحدهما: أنها هل تكون شفاعة لجميع الأمم أو لأمته؟ # الأمر الثاني: اختلفوا لمن يكن من أمته؟ فعندنا لا تكون إلا للمؤمنين ~~منها والتائبين، وعند المرجئة والمجبرة لا تكون إلا لمن تاب مصرا على ~~كبيرة، ويختلف شيوخنا هل كان تجوز الشفاعة للمصرين من جهة العقل قبل ورود ~~السمع أو لا؟ # فذكر قاضي القضاة أنها لا تجوز ومثل ذلك بأن من قتل ولدا لرجل وهو مصر ~~على قتل الثاني فإن العقل يمنع من الشفاعة له ولا يجيزها. PageV01P569 # وأما أبو هاشم وسائر الشيوخ فقالوا: إنه لا يجوز من جهة العقل وإنما ورد ~~السمع بالمنع منه. # واختلف شيوخنا من وجه آخر وهو أنها ms497 في ماذا تكون الشفاعة؟ فالذي ذهب إليه ~~الشيخ أبو الهذيل أنها تكون في رد ما أحبطته المعاصي، وهذا ضعيف، وقال سائر ~~الشيوخ: لا تكون إلا في التفضل. # وأما الموضع الثالث: وهو في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا ~~إليه، فالذي يدل على ذلك الكتاب والسنة. # أما الكتاب فآيات منها قوله تعالى: {وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى ~~الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع}ووجه الاستدلال بهذه ~~الآية أن الله تعالى نفى عموم الشفاعة من كل وجه شفيع عن كل ظالم على سبيل ~~العموم والفاسق ظالم وإثبات ما نفاه الله تعالى لا يجوز، وهذه الدلالة ~~مبنية على أربعة أصول: # أحدها: أن الله تعالى نفى عموم الشفاعة عن كل شفيع. # والثاني: أنه نفاها عن أن تكون لكل ظالم. # والثالث: أن الفاسق ظالم. # والرابع: أن إثبات ما نفاه الله تعالى لا يجوز. # أما الأصل الأول: وهو أن الله تعالى نفى عموم الشفاعة عن كل شفيع، فالذي ~~يدل على ذلك وجوه: # الأول: أنه أدخل حرف النفي الذي هو (ما) على اسم شفيع وهو نكرة ومن حق ~~حرف النفي إذا دخل على نكرة اقتضى الاستغراق بدليل أنه يصح الاستثناء وصحة ~~الاستثناء تدل على الاستغراق. # أما أنه يصح الاستثناء؛ فلأنه كان يصح منه أن يستثنى من سائرهم العقلاء ~~فيقول إلا محمدا ومن شاء. # وأما وأن صحة الاستثناء تدل على الاستغراق فقد تقدم بيانه. # الوجه الثاني: أنه إذا قال: ما أكلت شيئا أو ما شربت شيئا فإنه يصح فيه ~~التكذيب ولا وجه لذلك إلا أنه أتى بلفظ العموم فصح فيه الاستثناء. # الوجه الثالث: أنهم أجمعوا على أن قوله تعالى: {ما اتخذ الله من ولد وما ~~كان معه من إله}نفى كل ولد وكل إله. # وأما الأصل الثاني: وهو أنه نفاها عن كل ظالم فالذي يدل على ذلك وجهان: PageV01P570 # أحدهما: أن الظالمين اسم جنس مجموع معرف بالألف واللام، واسم الجنس إذا عرف ~~بالألف واللام اقتضى الاستغراق لجميع الظلمة ولجميع الفساق فلو أكرم البعض ~~وأهان ms498 البعض لاستحق الذم، كذلك لو أهان البعض من الفساق وأكرم البعض، ولو ~~أكرم جميع العلماء وأهان جميع الفساق ثم ذمه سيده لاستحق سيده الذم من ~~العقلاء؛ لكونه ذمه على ما أمره به وأراده منه. # وأما الأصل الثالث: وهو أن الفاسق ظالم، فالذي يدل على ذلك وجهان: # أحدهما: إجماع الأمة أنه ظالم. # والثاني: قوله تعالى: {ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه}والفاسق من جملة ~~من يتعدى حدود الله فيجب أن يكون ظالما. # وأما الأصل الرابع: وهو أن إثبات ما نفاه الله تعالى لا يجوز، فالذي يدل ~~على ذلك أن إثباته يكون ردا لكلام الله تعالى وتكذيبا للصادق، وذلك لا يجوز ~~فلو شفع النبي صلى الله عليه لأحد منهم لأدى إلى أحد باطلين: إما أن يقبل ~~شفاعته فيكون ذلك ردا لكلام الله تعالى وإبطالا لمعنى الآية وذلك لا يجوز، ~~وإما أن لا يقبل شفاعته فيكون ذلك إسقاطا لمرتبته وخرقا للإجماع في أن ~~شفاعته مقبولة وردا لقوله تعالى: {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا}فقد قيل ~~إن المراد بذلك الشفاعة، وعسى من جهة الله تعالى بمعنى القطع لأن التعسي ~~بمعنى الترجي والترجي لا يصح منه تعالى، وذلك لا يجوز إلا على من جهل عواقب ~~الأمور، وقد اعترض على هذا بأن قيل إن المراد بالآية هاهنا أنه نفى أن يكون ~~لهم شفيع يطاع لأنه يقتضي أن يكون قوله تعالى من هو أعلى منه رتبة فيشفع ~~فيعطيه الله تعالى؛ لأن المطاع رتبته أعلى فنفى أن يكون له شفيع له رتبة ~~على الله تعالى، ولم ينف الشفيع الذي ليس له رتبة على الله تعالى وهو الذي يجب. # والجواب عليهم من وجوه: # الأول: أن هذه الآية وردت مورد الزجر والتهديد وهي لا تزجر إلا شفاعة منا ~~حملت على نفي كل شفيع مطاع أو يجاب. PageV01P571 # الوجه الثاني: في أنه قد ثبت بيننا وبينكم بالاتفاق...علي أن هذه الآية حجة ~~على أنه لا شفاعة للكافر، فإذا قلتم أنه لا حجة فيها على أنه لا شفاعة ~~للفاسق لزمكم أن لا تكون فيه ms499 حجة على أن الكافر لا شفاعة له. # الوجه الثالث: أن هذا بناء منكم على أن الشفيع له رتبة على المشفوع ونحن ~~لا نسلم ذلك فإن منهم من اعتبرها ومنهم من لم يعتبرها، ويدل على ذلك قول ~~النبي صلى الله عليه لما قال له عمه العباس: إن ربك ليطيعك، قال: ((نعم ~~وأنت لو أطعته لأطاعك)) ولم يلزم ما قلتم من الرتبة، وقول الشاعر: # رب من أنضجت غيظا قلبه ... قد تمنى لي موتا لم يطع # أي لم يفعل ما أراده. # الآية الثانية قوله تعالى: {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا ~~يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون}فلو شفع النبي صلى الله عليه ~~لأحد منهم لكان قد جزت نفس عن نفس ولكان قد نفعها الشفاعة. # وقوله تعالى: {ما للظالمين من أنصار}فلو شفع النبي صلى الله عليه وآله ~~لكان قد أنقذهم إلى غير ذلك. # وأما الدليل من جهة السنة فأخبار كثيرة منها قوله صلى الله عليه: ((جرت ~~شفاعتي لثلاثة من أمتي: رجل أحب أهل بيتي بقلبه ولسانه، ورجل قضى لهم ~~حوائجهم لما احتاجوا إليه، ورجل ضارب بين أيديهم بسيفه)) إلى آخر ما ذكره ~~الشيخ رحمه الله من الأخبار. # وقد ألزم أصحابنا المخالف إلزامين: # أحدهما: أن قالوا لهم هل يحسن من الواحد منا إن يسأل الله تعالى أن يدخله ~~في شفاعة النبي صلى الله عليه وآله أم لا؟ فإن قالوا: لا يحسن خالفوا ~~الإجماع وخرجوا من دائرة المسلمين، وإن قالوا يحسن. قلنا: هل يحسن منه أن ~~يسأل الله تعالى أن يميته فاسقا حتى يستحق الشفاعة على قولكم أم لا يحسن أن ~~يسأل الله تعالى؟ فإن قالوا يحسن خرجوا من الإجماع ومن دائرة الإسلام، وإن ~~قالوا لا يحسن ثبت أن الشفاعة لا تحسن إلا للمؤمنين ولا تخلص من الإجماع من ~~القول بأنها لا تكون إلا للمؤمنين. PageV01P572 # فإن قالوا: ما تقولون هل يحسن من الواحد منا أن يسأل الله تعالى أن يجعله ~~من التوابين أم لا؟ فإن قلتم لا يحسن خرجتم من ms500 الإجماع ومما عليه المسلمون، ~~وإن قلتم يحسن فهل يحسن أن يدعو الله تعالى أن يجعله من العاصين فإن التوبة ~~لا تكون إلا من ذنب، فإن قلتم خالفتم الإجماع، وإن قلتم لا يحسن نقضتم ~~الإجماع الأول وهو أنه يحسن أن يدعو الله تعالى أن يجعله من التوابين. # والجواب عليهم من وجهين: # أحدهما: أنا نقول إن الدعاء عبارة مستقلة سواء كان هناك ذنب أم لا فإن ~~النبي صلى الله عليه كان يعد له في المجلس الواحد من التوبة والاستغفار إلى ~~مائة مرة. # الوجه الثاني: أن المراد بقوله: اللهم اجعلني من التوابين أي ممن يفعل ~~فعل التوابين لأن فعل التوابين من أبلغ الأفعال. # الإلزام الثاني: أن يقال لهم ما تقولون فيمن حلف بطلاق نسائه وعتق عبيده ~~وإمائه ليفعلن ما يستحق به الشفاعة هل يؤمر بالبر والإحسان أو يؤمر بفعل ~~العصيان؟ فإن قالوا بالتالي خرجوا من الإجماع ومما عليه المسلمون، وإن ~~قالوا بالأول فهو الذي نقول. # وأما الموضع الرابع: وهو في شبههم فاعلم أنهم قد تمسكوا بشبهتين عقلية ~~وسمعية. # أما العقلية فقالوا: إن أهل الجنة يستغنون بما هم فيه فلا حاجة لهم إلى ~~الشفاعة وإنما المحتاج إليها أهل الكبائر وهي لا تكون إلا في دفع الضرر بأن ~~لا يدخلوا النار أو بأن يخرجوا منها. # والجواب عن هذه الشبهة من وجوه: # أحدها: أنا نعارضهم بقوله تعالى: {ويزيدهم من فضله}وهم قد صاروا إلى ~~الجنة فلا حاجة إلى التفضل فما أجابوا فجوابنا مثله. # الوجه الثاني: أنه قد ثبت أن من فعل الواجبات وترك المقبحات فإنه يدخل ~~الجنة فيلزمكم أن يكون ما كلفنا الله به من سائر المندوبات عدما. # الوجه الثاني: أن في الشفاعة غرض وهو بيان رتبة الشفيع ومنفعة المشفوع له. # الشبهة الثانية PageV01P573 من جهة السمع وهي أن يتعلقوا بقول النبي صلى الله عليه وآله: ((شفاعتي لأهل ~~الكبائر من أمتي)) قالوا: فثبت أنها لا تكون إلا للفاسق. # والجواب عليهم من وجوه: # الأول: أن هذا من أخبار الآحاد، وهذه المسألة قطعية فلا يجوز الأخذ فيها ~~إلا بالدلالة القاطعة. ms501 # الوجه الثاني: أنه معارض للدلالة التي قد تقدمت على أنها لا تكون لأحد من ~~الفساق فيجب رده. # الوجه الثالث: أنه معارض أيضا بما في الأخبار التي ذكرها الشيخ رحمه الله ~~والأخذ بها أولى لأن رواتها أكثر وهي موافقة للدلالة التي نفت الشفاعة عن ~~الفساق. # الوجه الرابع: وهو أنه معارض بما رواه الحسن البصري عن النبي صلى الله ~~عليه وآله أنه قال: ((ليست شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)) وهذا يجب الأخذ ~~به لأن رواته أعدل وفيه زيادة موافقة للدلالة. # الوجه الخامس: التأويل فنقول تقديره شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي إذا ~~تابوا، فإن قيل فما فائدة التخصيص لهم بالذكر؟ # قلنا: لوجهين: # أحدهما: أن لا يتوهم متوهم أنه لا حظ لهم في الشفاعة لأجل ما فعلوه فأزال ~~التوهم. # الوجه الثاني: أن النفع في حقهم أعظم لأنه قد صاروا في أعداد الفقراء ~~والإحسان إلى الفقير ليس كالإحسان إلى الغني وإن كان كل واحد منهما منفعة ~~فلذلك خصهم بالذكر. ### ||| AUTO المسألة السادسة # في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والكلام من هذه المسألة يقع في ستة مواضع: # أحدها: في حقيقة الأمر والنهي والمعروف والمنكر. # والثاني: في حكاية المذهب وذكر الخلاف. # والثالث: في الدليل على وجوبه. # والرابع: في الشروط وتعدادها وتعييناتها وقسمتها ووجه اشتراطها. # والخامس: في قسمة المعروف والمنكر. # والسادس: في كيفية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # أما الموضع الأول وهو في حقيقة الأمر بالمعروف. PageV01P574 # أما الأمر فلا خلاف أنه يستعمل بالقول حقيقة ولا خلاف أيضا أنه يستعمل في ~~غير القول، وإنما اختلفوا في استعماله في غير القول، فذهب أكثر الحنفية ~~وقوم من الشافعية وهو اختيار الحاكم إلى أنه مجاز في الفعل حقيقة في القول، ~~وذكر أكثر الشافعية إلى أنه حقيقة في الفعل والقول، وذهب أبو الحسن البصري ~~إلى أنه حقيقة في القول والشأن والغرض وجهة التأثير فالقول مثل قولك افعل، ~~والشأن مثل قوله تعالى: {وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر} أي شأننا لأنه ~~إذا أطلق قوله وما أمرنا تردد الفهم، ومثل قوله: # عزمت على إقامة ذي ms502 صباح ... لأمر ما تسود من تسود # أي لشأن، ومثل قوله: أمر فلان عظيم أي شأنه وحاله. # وأما الغرض فمثل قوله: جاء زيد لأمر أي لغرض، ومثل قوله: لأمر ما جدع ~~قصير أنفه أي لغرض. # وأما جهة التأثير فمثل قوله: لا بد من أمر لأجله جدب العالم ولا بد من ~~أمر احترك الجسم لأجله. # وأما (ص بالله) فقصر هذا اللفظ على الثلاثة وهو القول في اللسان والغرض ~~دون الرابع فقال: إنما كان يصح هذا القسم عند من يعقل ثبوت معنى يؤثر في ~~كون الجسم متحركا فأما من لا يخطر بباله ذلك فلا يصح أن يقال إن اللفظ يفيده. # واعلم أن المقصود هاهنا هو القول، وحقيقة القول: هو ما ذكره الشيخ رحمه ~~الله تعالى وهي معترضة من وجوه ثلاثة: # أحدها: أن عبارة العجم لا تدخل فيها. # الثاني: أنه حد الأمر بالمأمور والشيء لا يحد بما ينصرف من ألفاظه. # الثالث: أن مذهب الشيخ أن الأمر يقتضي الوجوب ولم يذكره ولا أشار إليه ~~فالأولى في الحقيقة أن يقال: هو قول القائل لغيره افعل ولتفعل أو ما يقوم ~~مقامهما على وجه الاستعلاء دون الخضوع مع كون المورد للصيغة مريدا لحدوث ما ~~تناولته حتما. # قلنا: هو قو القائل لغيره إفعل للحاضر أو ليفعل للغائب أو ما يقوم ~~مقامهما يدخل سائر اللغات. # قلنا: على وجه الاستعلاء لأنه لا بد أن يكون مستعليا عليه وهو أعم من ~~الرتبة لأن قد يأمر ورتبته ناقصة. PageV01P575 # قلنا: دون الخضوع احترازا من الدعاء والسؤال فإنه لا يكون أمر مثل قوله ~~اللهم اغفر لي، والنهي مثل اللهم لا تؤاخذنا. # قلنا مع كون المورد للصيغة مريدا لأن الأمر لا يكون أمرا إلا بالإرادة ~~خلافا للمجبرة لأن عندهم الأمر يكون أمرا غير إرادة. # قلنا: لحدوث ماتناولته ولم نقل المأمور لأنه يكون قد حد الشيء بما ينصرف ~~من ألفاظه.وقلنا: حتما على قول من يقول أن الأمر يقتضي الوجوب. # فأما من يقول أن الأمر لا يقتضي الوجوب فإنه لا يحتاج إلى هذا الاحتراز. # وقد قيل: إن حقيقة ms503 الأمر ما جمع شروطا ثلاثة: وهي أن يكون على وجه ~~الاستعلاء، والثاني: الصيغة، والثالث: الإرادة. # وقالت المجبرة: حقيقة الأمر القول المقتضى طاعة الأمر بفعل ما أمر به، ~~وقالوا في النهي: هو القول المقتضي معصية الناهي بفعل ما نهاه عنه، والذي ~~يبطل ما ذكروه في حقيقة الأمر وجوه ثلاثة: # أحدها: أنكم حددتم الأمر بالطاعة والطاعة بالأمر لأنكم تقولون حقيقة ~~الطاعة هي فعل ما أمر به المطاع. # الوجه الثاني: أنكم حددتم الأمر بالأمر والحد ينبغي أن ...فيه ما ينصرف ~~من ألفاظ المحدودة. # الوجه الثالث: أنا قد بينا أن إلا لا يكون أمرا إلا بالإرادة على ما تقدم ~~بيانه وقياس هذه الوجوه في النهي يرد عليهم أيضا. # وأما حقيقة النهي فهي قول القائل لغيره: لا تفعل أو لا تفعل أو ما يقوم ~~معهما على وجه الاستعلاء دون الخضوع مع كون المورد للصيغة كارها لحدوث ما ~~تناولته والاحترازات في هذه الحقيقة كالاحترازات في حقيقة الأمر، وكذا هي ~~الاعتراضات الأولات دون النهي. # وأما حقيقة المعروف: هو كل فعل فعل حسن يستحق بفعله المدح والثواب، وهذا ~~ليس فيه معنى الاستخفاف فيقال هو ما عرف فاعله حسنه وأن لفعله مدخل في ~~استحقاق المدح والثواب، والمنكر: هو ما عرف فاعله قبحه وأن لفعله مدخل في ~~استحقاق الذم والعقاب. # وأما الموضع الثاني وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف. PageV01P576 # فاعلم أنه لا خلاف في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على سبيل ~~الجملة، واختلفوا في التفصيل في أمرين: # أحدهما: هل يجب بالقول والفعل أو لا يجب إلا بالقول، فعندنا أنه يجب ~~بالقول والفعل سواء كان إمام أم لا، فالأمر بالواجب واجب وبالمندوب مندوب، ~~والنهي كله واجب. # وعند الإمامية لا يجب بالفعل إلا إذا كان به إمام ويجب بالقول بكل حال. # وعند الحشوية أنه يجب بالقول، وظاهر قولهم في الحالين. # الأمر الثاني: اختلفوا هل يدل الفعل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر مع السمع أو لا يدل على ذلك إلا السمع؟ # فعند أبي هاشم أن العقل لا يدل على وجوبه ms504 مع السمع وما ذكره أبو علي ~~باطل؛ لأنا نقول لا يخلو إما أن يكون في الأمر والنهي منفعة للآمر والناهي ~~ودفع مضرة عنه أو للمأمور المنهي أو لغيرهما أو لطفا لأحدهما أو لغيرهما، ~~إن كان فيه نفع له فإنه لا يجب عليه نفع نفسه، وإن كان فيه جلب منفعة للغير ~~أو دفع مضرة فإنه لا يجب في العقل دفع مضرة الغير ولا جلب نفعه، وإن كان ~~فيه دفع مضرة عن نفسه فنحن نقول بوجوبه، وإن كان لطفا فهو باطل لوجوه: # أحدها: أنه لا طريق لنا من جهة العقل إلى أن الأمر والنهي يكون لطفا؛ ~~لأنا رأينا الناس يختلفوا فمنهم من يزجره الأمر والنهي، ومنهم من لا يزجره ~~بل يزيده إغراء. # الوجه الثاني: أنه كان يلزم أن يمنعهم الله تعالى عنها إذا كانت العلة ~~كونه لطفا للآمر والناهي والمأمور والمنهي، وله أن يجيب عن هذا بأن يقول ~~إنه لو منعهم بالقهر لبطل التكليف فلذلك لم يمنعهم. # الوجه الثالث: أنه كان يلزم أن يأمر اليهود والنصارى ولا يغويهم عن دينهم ~~لأن أمرهم لطف لنا. # وشبهة أبي علي أنه قال: إذا لم يكن العقل يقضي بوجوب الأمر والنهي كان ~~ذلك إغراء عن التارك المعروف وفاعل القبيح. # والجواب من وجهين: # أحدهما: أنه كان يلزم في الباري تعالى يحول بينهم وبين المعاصي وإلا كان مغريا. PageV01P577 # الوجه الثاني: أن الإغواء قد زال بالوعيد والزجر، والعقل يقضي باستحقاق ~~العقاب. # وأما الموضع الثالث: وهو في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه، فالذي يدل على ~~ذلك الكتاب والسنة. # أما الكتاب فآيات منها قوله تعالى: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على ~~لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن ~~منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون}فجعل العلة في توبيخهم وذمهم ولعنهم كونهم ~~كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه. # الآية الثانية قوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} ووجه الاستدلال بهذه الآية ~~أن الله تعالى أمر ms505 أن يكون فينا من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، والأمر ~~يقتضي الوجوب، وذلك يقتضي وجوبه على بعض منا غير معينين، وذلك هو معنى ~~الواجب على الكفاية، وهذه الدلالة مبنية على أربعة أصول: # أحدها: أن الله تعالى أمر أن يكون فينا من يأمر بالمعروف وينهى عن ~~المنكر. # والثاني: أن الأمر يقتضي الوجوب. # والثالث: أن ذلك يقتضي وجوبه على بعض منا غير معين. # والرابع: أن ذلك هو معنى الواجب على الكفاية. # أما الأصل الأول: وهو أن الله تعالى أمر أن يكون فينا من يأمر بالمعروف ~~وينهى عن المنكر، فالذي يدل على ذلك وجهان: # أحدهما: أن قوله تعالى: {ولتكن منكم أمة}صريح الأمر، وذلك ظاهر في اللغة. # الوجه الثاني: أنه لا خلاف بين المسلمين أن الله تعالى أمر بذلك. # وأما الأصل الثاني: وهو أن الأمر يقتضي الوجوب فهذا موضع الخلاف، فمذهب ~~جمهور الزيدية والمعتزلة إلى أن الأمر يقتضي الوجوب في اللغة والشرع، وذهب ~~الشيخان أبو علي وأبو هاشم إلى أن الأمر لا يقتضي الوجوب إلا أن يدل عليه ~~دليل شرعي، وإنما يقتضي الندب من جهة الله تعالى. PageV01P578 # وذهب السيد أبو طالب والحاكم وأبو القاسم البلخي إلى أن الأمر يقتضي الوجوب ~~من جهة الشرع دون اللغة، والذي يدل على أن الأمر يقتضي الوجوب من جهة اللغة ~~والشرع. # أما اللغة فوجهان: # أحدهما: أن السيد إذا أمر عبده بفعل ثم لم يفعل فإنه يستحق الذم فلولا أن ~~الأمر يقتضي الوجوب من جهة اللغة وإلا لما استحق الذم، والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن السيد إذا أمر عبده بفعل ثم لم يفعل فإنه يستحق الذم. # والثاني: أنه لولا أن الأمر يقتضي الوجوب وإلا لما استحقه. # أما الأصل الأول: وهو أن السيد إذا أمر عبده بفعل ثم لم يفعله استحق ~~الذم، فالذي يدل على ذلك أن العقلاء لا يذمون أحدا على ترك فعل إلا وذلك ~~الفعل واجب. # الوجه الثاني: أن العبد إذا ترك ما أمر به فإنه يسمى عاصيا فلولا أن ~~الأمر يقتضي الوجوب وإلا لما سمي عاصيا. # أما ms506 أنه سمي عاصيا فالذي يدل عليه الكتاب فقوله تعالى: {أفعصيت أمري}. # وأما اللغة: فقول الشاعر: # أمرتك أمرا فعصيتني ... فأصبحت مسلوب الإمارة نادما # وأما أنه لولا أن الأمر يقتضي الوجوب وإلا لما استحق هذا الاسم، فالذي ~~يدل على ذلك أنه اسم ذم، وأهل اللغة لا يذمون أحدا على ترك فعل إلا وذلك ~~الفعل واجب، ويدل على ذلك قوله تعالى: {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار ~~جهنم خالدين فيها أبدا}. # وأما الدليل الشرعي فآيات منها قوله تعالى: {وإذا قيل لهم اركعوا لا ~~يركعون}وقوله تعالى: {ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك}وقوله تعالى: {فليحذر ~~الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم}فلولا أن الأمر ~~يقتضي الوجوب وإلا لما استحق لمخالفته العذاب الأليم، وقد اعترضوا هذا بأن ~~قالوا: إن المراد بقوله {يخالفون عن أمره}أي يكذبونه. # والجواب على ذلك من وجوه: # أحدها: أن المخالفة ضد الموافقة، والمخالفة وهو أن لا يفعل ما يقتضيه ~~الأمر، والموافقة هو أن يفعل ما يقتضيه الأمر فلا يصح ما ذكرتموه من أن ~~المراد أن يكذبونه. PageV01P579 # الوجه الثاني: أنا وإن سلمنا ما قلتم فإنا نقول المراد بقوله: {فليحذر ~~الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم...}إلى آخرها فيحمل عليها ويحصل غرضنا. # الوجه الثالث: أنا نقول لهم أنهم لا يكونون مخالفين للرسول وإنما خالفوا ~~ما أتى به وهو المعجز؛ لأنهم لا يكونون مخالفين للنبي إلا بعد أن قد ثبت ~~كونه نبيا بالمعجز. # وأما الأصل الثالث: وهو أن ذلك يقتضي وجوبه على بعض منا غير معين فلأنه ~~أتى بلفظ من، ومن تقتضي التبعيض في هذا الموضع كما يقال: خاتم من فض وثان ~~من حديد، وكذلك لو قال السيد لعبده: تقم طائفة منكم بحفظ الدار فإنه متى ~~قام به بعضهم سقط وجوبه عن البعض الباقين، ومتى لم يقم به أحد منهم توجه ~~الذم إلى كافتهم. # وأما الأصل الرابع: وهو أن ذلك هو معنى الواجب على الكفاية؛ فلأن الواجب ~~على الكفاية هو الذي إذا قام به البعض سقط وجوبه عن البعض الآخر، وذلك ms507 نحو ~~صلاة الجنازة ودفن الموتى فإنه إذا قام به أحد من المسلمين سقط وجوبه عن ~~باقيهم، ومتى لم يقم به أحد توجه الذم إلى كافتهم. # وأما الدليل من جهة السنة فأخبار منها ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى ~~أولها: ((وامروا بالمعروف تخصبوا وانهوا عن المنكر تنصروا...)) إلى آخر ما ~~ذكره، واختلفوا في قوله في الخبر الثاني: ((حتى تغير أو تنتقل)) فقالت ~~المعتزلة: المراد بالانتقال من ذلك الموضع لئلا يتوهم بالرضى ، وقالت ~~الزيدية: الذين قالوا بالهجرة بالانتقال من ذلك البلد. PageV01P580 # ومنها ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله : ((لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن ~~المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم)) وروي ~~عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: ((والذي نفسي بيده ليخرجن أناس من أمتي ~~يوم القيامة على صورة القردة والخنازير بما دهنوا أهل المعاصي ولم يباينوهم ~~وهم يستطيعون)) وما روي عن موسى عليه السلام أنه سأل ربه عن أحب خلق الله؟ ~~قال: أسرعهم إلى رضاي كسرعة النسر إلى وكره، وأشدهم غضبا عن ارتكاب محارمي ~~كغضب النمر لنفسه فإنه إذا غضب لنفسه لم يبال بالناس قلوا أم كثروا إلى غير ذلك. # وأما الموضع الرابع: وهو في الشروط فنذكر أعدادها وتعيناتها ووجه اشتراط ~~كل واحد منها وقسمتها. # أما أعدادها فهي خمسة. # وأما تعييناتها فهي أن يعلم الآمر الناهي أن الذي أمر به معروف حسن، وأن ~~الذي نهى عنه منكر قبيح. # الثاني: أن يعلم أو يغلب على ظنه أن لأمره ونهيه تأثير. # الثالث: أن لا يؤدي أمره ونهيه إلى فعل منكر آخر وتضييع معروف. # الرابع: أن لا يؤدي إلى إتلاف روحه. # الخامس: أن يعلم أو يغلب على ظنه أنه لم يأمر بالمعروف أدى إلى تضييعه ~~وإن لم ينه عن المنكر أدى إلى وقوعه. # وأما وجه اشتراط كل واحد منها. # أما الأول فوجه اشتراطه من وجوه: # أحدها: أنه إن لم يعلم أن الذي أمر به معروف حسن، وأن الذي ينهى عنه منكر ~~قبيح لم يأمن أن يأمر بالمنكر لظنه أنه ms508 معروف، وينهى عن المعروف لظنه أنه منكر. # الوجه الثاني: أن لا يأمن أن يخبر بالشيء لا على ما هو به فيكون كاذبا. # الوجه الثالث: أن حال الآمر الناهي ليس بأبلغ من حال المأمور المنهي فإذا ~~كان المأمور المنهي لا يجب عليه الترك ولا الفعل حتى يعلم أو يغلب على ظنه ~~قبح ذلك ويتمكن من العلم به، فكذلك الآمر الناهي لا يجب عليه الأمر والنهي ~~حتى يعلم ذلك. PageV01P581 # وأما وجه اشتراط الشرط الثاني فوجهه أن الأمر والنهي لا يرادان لأنفسهما ~~وإنما يرادان لوقوع المأمور به وارتفاع المنهي عنه، وإن كان قد اختلفوا إذا ~~لم يعلم ولا يغلب على ظنه أن لأمره ونهيه تأثيرا، ولا علم ولا غلب على ظنه ~~أن ليس لأمره ونهيه تأثير بل بقي متردد، فمنهم من قال لا يجب، واتفقوا على ~~أنهما يختار، وبقي الكلام إذا علم أو غلب على ظنه أنه لا تأثير لأمره ولا ~~نهيه فيسقط الواجب اتفاقا، واختلفوا في الحسن. # وأما الشرط الثالث: فوجه اشتراطه أن الفعل الذي فعله العاصي قبل الإنكار ~~وهو منفرد به وإذا أمره بها بعد ذلك ثم فعل منكرا آخرا وضاع معروف آخر فقد ~~شاركه فيه وسواء كان مثل الأول أو أكبر منه أو أصغر لأن قد حصل منكر آخر، ~~ومنهم من قال: إذا كان دون الأول لم يسقط الوجوب؛ لأن الغرض تقليل المنكر ~~وقد حصل، ولو علم أو غلب على ظنه أنه لا يقع منكر ولا يضيع معروف غير ذلك ~~الأول وجب، وبقي الكلام إذا لم يعلم ولا يغلب على ظنه أحد الجنبين وأنه يقع ~~أم لا وبقي مترددا، فالظاهر الوجوب إذا علم أو ظن أن له تأثير. # وأما الشرط الرابع: فاعلم أنه لا يخلو إما أن يخش على نفسه القتل أو ~~الضرر أو أخذ المال المجحف أو قطع العضو الذي يموت منه، فإذا كان هكذا لم ~~....ووجهه أنه قد ثبت أنه يجوز له فعل المنكر إذا اضطر إليه وقاية النفس ~~فأولى أن يترك الأمر والنهي إذا كان يخشى على ms509 روحه، وإن كان لا يبلغ ذلك ~~إلى فوت الروح نحو أن يخشى على أخذ مال له لا يجحف أو ضرر أو حبس لا يؤدي ~~إلى إتلاف النفس فإن الصحيح أنه لا يجب عليه، ووجهه أن الذي يجري عليه منكر ~~جرى بما يعتبر فيما يجري عليه هل هو مثل ذلك الذي أمر به أناقصا عنه ويكون ~~على الخلاف. PageV01P582 # وأما الخامس: وهو أن لا يؤدي إلى فعل المنكر وتضييع المعروف، وأما المعروف ~~فنحو أن يكون آخر الوقت للصلاة ويعلم أو يغلب على ظنه أنه إن لم يأمر ~~بالصلاة فاتت بأن يكون نائما أو ساهيا أو تاركا فإنه يجب عليه أمره. # وأما المنكر فنحو أن تكون آلات الملاهي حاضرة ويعلم أنه إن لم ينه عليها ~~وقع المنكر وجب عليه. # وأما قسمتها فلها قسمتان: # أحدهما: أنها تنقسم إلى قسمين منها ما يقوم الظن فيه مقام العلم، ومنها ~~ما لا يقوم الظن فيه مقام العلم، فالذي لا يقوم الظن فيه مقام العلم هو ~~الأول، والذي يقوم الظن فيه مقام العلم سائرها. # القسمة الثانية: أنها على ثلاثة أضرب: منها ما إذا سقط الوجوب سقط الحسن ~~وهذا هو الأول والثالث والخامس. # ومنها: ما إذا سقط الوجوب لم يسقط الحسن وهو الرابع إذا كان فيما يجري ~~عليه اعزاز للدين كما فعله الحسين بن علي عليه السلام. # ومنها: ما اختلف فيه وهو الثاني، فمنهم من قال: إن ذلك الوجوب يسقط ~~للحسن، ومنهم من قال: إذا سقط الوجوب بقي الحسن. # وأما الموضع الخامس وهو في قسمة المعروف والمنكر فله قسمتان: # أحدهما: أنك تقول إنها على ضربين منها ما إذا جاز عن الضرورة جاز عند ~~الإكراه، وذلك كالنطق بكلمات الكفر وشرب الخمر عند العطش العظيم وأكل ~~الميتة والأكل في رمضان وقطع الصلاة، فهذا يجوز عند الإكراه كما يجوز عند ~~الضرورة، ومنها إذا لم يجز عند الضرورة لم يجز عند الإكراه، وذلك نحو قتل ~~الغير وأخذ ماله المجحف. # القسمة الثانية وهي على ضربين: # أحدهما: يعم المعروف والمنكر والآخر يخص المعروف. PageV01P583 # أما الذي ms510 يعمهما فاعلم أنه لا يخلو إما أن يكون من أفعال القلوب أو من ~~أفعال الجوارح، إن كان من أفعال القلوب فهو على ضربين: معروف، ومنكر، ~~فالمعروف أن يعلمه أن للعالم صانعا، والمنكر أن يعتقد أن الله تعالى... له ~~ثاني، ولا طريق لنا إلى العلم بذلك إلا الاضطرار بأن نعلم ذلك من قرائن ~~أحواله....ومصنفاته فيجب بعد أن يقتض له أن ذلك باطل وهذا حق ويحل شبهته ثم ~~ينهاه بعد ذلك. # وأما إن كان من أفعال الجوارح فلا يخلو إما أن يقف على أفعال القلوب أم ~~لا؟ إن كان مما يقف على أفعال القلوب فالمنكر منه نحو السجود لغير الله، ~~والأمر مثل نية الزكاة والصلاة ونحو ذلك فلا يأمر في ذلك ولا ينهى حتى يتبين. # وأما إن كان مما لا يقف على أفعال القلوب فلا يخلو إما أن يكون شرعيا أو ~~عقليا إن كان عقليا فلا يخلو إما أن يكون معروفا أو منكرا، إن كان منكرا ~~فهو على ضربين: أحدهما ضروري استدلالي، أما الضروري فيجب النهي عنه ولا ~~يحتاج إلى تبين وذلك نحو الكذب الذي ليس فيه جلب نفع ولا دفع مضرة ونحو الظلم. # وأما الاستدلالي فنحو الكذب الذي فيه جلب نفع أو دفع ضرر فيبين له أولا ~~ثم ينهاه. # وأما المعروف فهو على ضربين: ضروري واستدلالي، وأما الاستدلالي فذلك نحو ~~ما لا يتم الواجب إلا به نحو القيام وفتح الباب في قضاء الدين إذا لم يمكن ~~إلا به فإنه يبين له أولا ثم يجبر إن لم يفعل، وإن كان شرعيا فهو على ~~ضربين: معروف، ومنكر، والمنكر على ضربين: ضروري واستدلالي، فإن كان ضروري ~~وجب النهي عنه من غير تبيين إلا أن يكون قريب العهد بالإسلام فإنه يبين له ~~أولا، وذلك نحو الربا والشرب للخمر ونحو ذلك. PageV01P584 # وأما الاستدلالي فذلك نحو مسائل الاجتهاد فإن ذلك يكون على حسب مذهبه فإنه ~~لا يجب نهيه عنه كمن رأى حنفيا يشرب المثلث ولو رأى حنفي شافعيا يشرب ~~المثلث وجب عليه أن ينهاه لما كان لا ms511 يجوز عند الشافعي، وإن كان معروفا فهو ~~على ضربين: ضروري ، واستدلالي، فالضروري نحو الصلاة والزكاة والحج والصيام ~~فإنه يؤمر بذلك، وإن كان استدلاليا فذلك نحو قراءة الفاتحة في الصلاة، ~~وتكبيرة الافتتاح ونحو ذلك فإنه يعتبر في ذلك مذهبه، فإن كان مذهبه أمر به، ~~وإن لم يكن مذهبه لم يؤمر به فهذه القسمة التي تعم المعروف والمنكر، وقد ~~دخل فيها كيفية الأمر والنهي. # وأما القسمة التي تخص المعروف فاعلم أن الأمر بالمعروف لا يخلو إما أن ~~يكون مما يحتاج إلى نية أم لا؟ إن كان مما لا يحتاج إلى نية كرد الوديعة ~~وقضاء الدين ورد المغصوب فإنه يجب الإجبار عليه، وإن كان مما يحتاج إلى نية ~~فلا يخلو إما أن تكون نية الغير تقوم مقام نيته أم لا؟ إن كانت نية الغير ~~تقوم مقام نيته فإنه يجبر عليه وذلك كالزكاة فإن نية الإمام فقط تقوم مقام ~~نية رب المال، وإن كان مما لا تقوم نية الغير مقام نيته كالصلاة والصيام ~~فإنه لا يجب الإكراه، ولكن اختلفوا في حده، فقال الهادي والناصري: إنه ~~يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وقال (م بالله): إنه يحبس ويضرب أوقات الصلاة ولا يقتل. # وأما الموضع السادس: وهو في الكلام في كيفية الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر. # فاعلم أنه يجب أولا البداية بالكلام اللين والوعظ والتذكير فإن نجع وإلا ~~تجاوزه إلى الكلام الحسن والتهديد، فإن نجع وإلا تجاوزه إلى الضرب بالعصا، ~~ثم بعد ذلك إلى الضرب بالسيف،ويدل على ذلك العقل والسمع. PageV01P585 # أما السمع فقوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ~~فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيئ إلى أمر الله}فأمر ~~أولا بالإصلاح وهو يتضمن الكلام اللين والحسن، ثم أمر بالقيام عند البغي ~~وهو يتضمن الضرب بالعصا والضرب بالسيف. # وأما العقل فإنه لا يجوز العدول إلى الأمر الصعب مع وجود الأمر السهل هذا ~~على سبيل الجملة. ### ||| AUTO المسألة السابعة # في إمامة علي عليه السلام وإذا أردنا الكلام فيها تكلمنا في مقدمة لا بد ~~منها، ms512 والكلام من المقدمة يقع في أربعة مواضع: # أحدها: في حقيقة الإمامة. # والثاني: فيما يحتاج إلى الإمام فيه. # والثالث: في وجوب الإمامة وطريق وجوبها. # والرابع: في إمامة علي عليه السلام. # أما الموضع الأول: فالإمامة في اللغة: هي الرئاسة المقتضية للتقدم، ~~والإمام هو الرئيس المتقدم. # وأما في الاصطلاح: فالإمامة هي رئاسة عامة لشخص من الأشخاص تقتضي التصرف ~~على جميع الناس في أكثر أمور الدين والدنيا على وجه لا يكون فوق يده يد. # قلنا: هي رئاسة عامة احترازا من الرئاسة الخاصة كرئاسة الرجل على أهل بيته. # قلنا: لشخص احترازا من النبوة فإنها تصح أن تكون لأكثر من واحد؛ لأنه يصح ~~أن يكون كل نبي مرسل إلى قوم بشريعة واحدة أو شرائع مختلفة وإلا ما لا يكون ~~إلا لواحد. # قلنا: يقتضي التصرف على جميع الناس في أمور الدين والدنيا، فأمور الدين ~~نحو أخذ الزكاة ممن وجبت عليه، وإقامة الحدود، والجمعة والغزو إلى ديار ~~الكفار والبغاة إلى ما نبينه، أو أمور الدنيا مثل حفظ الأوقاف والمساجد، ~~والمناهل على ما نبينه. # وقلنا: على وجه لا يكون فوق يده يد احترازا من القاضي ومن ولاه الإمام ~~جميع الأمور فإن يد الإمام فوقه. # وأما الإمام في الاصطلاح: فهو من له الرئاسة العامة المقتضية للتصرف على ~~جميع الناس في أمور الدنيا والدين. PageV01P586 # وأما الموضع الثاني: وهو الكلام فيما يحتاج إليه الإمام، فمذهبنا أنه إنما ~~يحتاج إليه في أحكام شرعية. # وقالت الإمامية: يحتاج إليه في جميع الأحكام الشرعية والعقلية حتى قال ~~بعضهم: في أمور الدنيا والدين، والسموم والأغذية، ونحن نذكر الأحكام التي ~~يحتاج إليه فيها، ثم نبطل قولهم. # واعلم أن الأحكام الشرعية على ضربين: # منها ما لا يقوم به إلا الإمام أو من يلي من قبله، فإن لم يكن به إمام لم ~~يجز لأحد القيام بذلك، وذلك أربعة أشياء: # أحدها: أخذ الزكاة كرها فلا خلاف بينهم إلا خلاف شاذ . # الثاني: إقامة الحدود فإنه لا خلاف في أنها لا تقام على الأحرار إلا في ~~وقت الإمام، وأما المملوك فقال القاسم عليه ms513 السلام: للسيد أن يقيم الحد على ~~عبده وإن لم يكن به إمام. # الثالث: الجمعة لا تقام إلا في وقت الإمام عند أهل البيت عليهم السلام ~~وهو إجماع العترة. # وقال (ش): تقام ولا حاجة إلى الإمام في إقامتها. # وقال (ح): لا بد من الإمام وإن كان جائرا. # والرابع الغزو إلى ديار الكفار والبغاة وهو مختلف فيه. # أما الغزو إلى ديار الكفار فمذهب الهادي عليه السلام لا يكون إلا في زمان إمام. # وقال (م بالله): يكون في غير وقت إمام، وهو قول (ص بالله). # وأما البغاة قال (ص بالله) قولان: # أحدهما: أنه لا يجوز إلا في وقت الإمام. # والثاني: يجوز في غير وقته. # وأما ما يقام في غير وقت الإمام وإذا وجد الإمام كان أولى فذلك نحو الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، وحفظ بيضة الإسلام والأوقاف والمناهل وأوقاف ~~المساجد ونصب القضاة، وتزويج من لا ولي لها، فهذه أمرها إلى الإمام إن كان ~~وإن لم يكن به إمام كان ذلك إلى المسلمين، فعند الهادي عليه السلام من صلح ~~لشيء من ذلك قام به ولا يحتاج إلى نصب. # وقال م بالله: لا بد من النصب فينصب خمسة سادسهم. PageV01P587 # وأما إبطال قول الإمامية من أن العقليات تؤخذ من جهة الإمام فباطل؛ لأنا ~~نقول لهم ما مرادكم بقولكم أنه يحتاج إليه فيها بمعنى أنه طريق إليها فذلك ~~باطل لأن طريق العقليات الأدلة القاطعة، والسمعيات طريقها الكتاب والسنة ~~والإجماع والقياس، والإمام وغيره في ذلك على سواء، وإن قلتم أنه لطف فيها، ~~فباطل من وجوه: # أحدها: أنه لا طريق لنا من جهة العقل إلى أن الإمام لطف......الناس ~~مختلفين فبعضهم يزجره الإمام، وبعضهم يزيده إغراء في المعاصي. # الوجه الثاني: أنا نقول إذا جاز في الإمام أنه لا يحتاج إلى لطف جاز في ~~غيره فلا يحتاج إلى الإمام، وإن لا بد له من لطف لزم أن يحتاج إلى إمام ~~يكون له لطف، والإمام إلى إمام ويتسلسل ذلك. # الوجه الثالث: أنه إذا جاز أن يخلو الزمان من نبي جاز أن يخلو ms514 من إمام بل ~~هو أبلغ فإن كان يبعث الله لنا نبيا يكون أبلغ في اللطف من الإمام. # الوجه الرابع: أن عندكم أنه يكون إمام وإن لم يظهر فوجوده وعدمه على ~~سواء؛ لأنا نقول إذا كان غائبا لا يخلو إما أن يتعبدنا الله بالملطوف فيه ~~أم لا؟ إن قلتم أنه يتعبدنا بذلك فكيف يتعبدنا بالملطوف مع أن اللطف غائب عنا. # وإن قلتم: لا يتعبدنا بذلك إلا مع حصول اللطف، لزمكم أن يبطل التكليف ~~لكونه غائب. # وأما الموضع الثالث: وهو الكلام في الدليل على وجوب الإمامة وطريق ~~وجوبها، فالذي يدل على وجوبها وجهان: # أحدهما: إجماع الصحابة فإنهم أجمعوا على نصب الإمام وقدموا ذلك على تجهيز ~~النبي صلى الله عليه ولم يقل أحد منهم لا حاجة إلى الإمامة، وكذلك لما مات ~~عمر جعلها شورى، ولما مات عثمان فزعوا إلى علي عليه السلام ولم ينكر أحد ~~منهم ذلك. PageV01P588 # الوجه الثاني: أن الله تعالى أوجب أحكاما ولا يقوم بها إلا الأئمة وما لا ~~يتم الواجب إلا به يكون واجبا كوجوبه، ولا دليل عليها إلا الشرع، وإذا كان ~~الدليل عليها شرعيا كان الطريق إليها شرعيا خلافا لأبي القاسم البلخي فإنه ~~قال: الطريق إليها العقل مع السمع، قال: ولهذا ما ترى أحدا من القرى من ~~قبائل العرب وغيرهم إلا ولهم رئيس، ومنه قول الشاعر: # لا يصلح القوم فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا # والجواب عليهم عن هذا أنا نقول هذا مبني على أن اللطف يصح العمل به من ~~جهة العقل، وهذا لا يصح أن يقطع على أن العقل يهتدي إلى أن به لطف إلى ~~معرفة الله تعالى. # وأما الموضع الرابع: وهو الكلام في تعيين الإمام، فالكلام منه يقع في ~~أربعة مواضع: # أحدها: في حكاية المذهب وذكر الخلاف. # والثاني: في الدليل عليه. # والثالث: في شبه المخالف وإبطالها. # والرابع: في حكم من تقدم علي عليه السلام، وحكم من حاربه، وحكم من توقف ~~في إمامته. # أما الموضع الأول: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف، فمذهب الجارودية من ms515 ~~الزيدية والإمامية أن الإمام بعد النبي صلى الله عليه بلا فصل أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، والطريق إلى إمامته عندهم النص، ~~فعند الزيدية أنه خفي، وعند الإمامية أنه جلي، ولهذا يفسقون المشائخ ~~المتقدمين على علي عليه السلام، والخلاف في ذلك مع الصالحية من الزيدية ~~والمعتزلة والخوارج والحشوية، وسائر فرق الجبرية فإنهم يقولون: الإمام بعد ~~الرسول صلى الله عليه وآله أبوبكر ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي عليه السلام. # وأما الموضع الثاني: وهو في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا ~~إليه، فلنا في ذلك أربع طرق، وهي الكتاب والسنة وإجماع العترة والتفصيل. # أما الكتاب فقوله تعالى: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين ~~يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون}والكلام من هذه الآية يقع في ~~موضعين: PageV01P589 # أحدهما: أنها نزلت في علي عليه السلام. # والثاني: في وجه دلالتها على إمامته. # أما الموضع الأول، فالذي يدل على أنها نزلت فيه وجوه: # أحدها: أن العترة أجمعت على ذلك وإجماعهم حجة. # أما أن العترة أجمعت على ذلك فلا خلاف بين الزيدية والإمامية، أما أن ~~إجماعهم حجة فسيأتي إن شاء الله تعالى. # الوجه الثاني: الخبر المستفيض وهو ما روي أن سائلا اعترض يسأل في مسجد ~~رسول الله صلى الله عليه فلم يعطه أحد شيئا، وكان علي عليه السلام يصلي ~~فأشار بخنصره اليمنى إلى السائل وكان متختم فأخذ الخاتم ثم نزل جبريل على ~~النبي صلى الله عليه وآله بهذه الآية، وخرج صلى الله عليه وآله إلى المسجد ~~والناس بين قائم وراكع وقاعد وساجد فنظر بالسائل فقال: ((هل أعطاك أحد ~~شيئا؟)) فقال: نعم خاتم من ذهب، قال: ((من أعطاك؟)) قال: ذلك القائم وأشار ~~بيده إلى علي عليه السلام، قال: ((على أي حالة أعطاك؟ )) قال: وهو رافع. ~~قال فكبر النبي صلى الله عليه وآله فقال: ((الحمد لله الذي جعلها في وفي ~~أهل بيتي ثم تلا هذه الآية: {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب ~~الله هم الغالبون})) وقول الشيخ رحمه الله أنه لا ms516 خلاف بين أهل النقل في ~~صحة هذا الخبر ضعيف؛ لأنه قد روي لبعضهم فيه خلاف. # الوجه الثالث: أنه قال: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا}فيجب أن ~~يكون الولي غير المولى عليه، ولا خلاف بين من أقر بأنها نزلت في علي أن ~~الولي يكون غير المولى. # الوجه الرابع: أنه وصفه بصفة لم توجد في غيره وهي قوله: {وهم راكعون} ~~وهذه واو الحال، ولا خلاف بين من أقر بأنها نزلت في علي في ذلك، وقد ~~اعترضوا هذا باعتراضات: # أحدها: أن قالوا: إنما فعله عليه السلام من نزع الخاتم فعل كبير يفسد ~~الصلاة، وذلك لا يجوز عليه. # والجواب من وجوه: # أحدها: أن هذا كان في صدر الإسلام جائز. # الوجه الثاني: أنه يجوز أن يكون هذا مما اختص به علي عليه السلام، فقد ~~كان له خصائص لم توجد في غيره. PageV01P590 # الوجه الثالث: أنه ليس بفعل كثير إذا كان من قريب والخاتم فسيح. # الوجه الرابع: أنه يجوز أن يكون علم أن السائل مضطر بحيث يخشى عليه ~~الهلاك، وإذا كان كذلك جاز قطع الصلاة، بل يجب كما في الغريق. # الاعتراض الثاني: إن قالوا: إنه قال خاتم من ذهب، والذهب لا يجوز التختم به. # والجواب من وجوه: # أحدها: أنه كان جائزا في صدر الإسلام. # والثاني: أنه يجوز أن يكون هذا من خصائص علي عليه السلام. # الاعتراض الثالث: إن قالوا: إن عليا عليه السلام كان لا يملك شيئا من ~~المال؛ لأنه كان كلما ملكه من الأموال أنفقه في الجهاد وفي غيره من القرب؛ ~~لأنه كان سخيا فلا تجب عليه الزكاة. # والجواب من وجهين: # أحدهما: أنه إذا ثبت أن الآية نزلت فيه كان هذا إخبار من الله تعالى ~~بوجوبها عليه. # الوجه الثاني: إن كان يحصل له من القيام ما تجب فيه الزكاة. # وأما الموضع الثاني: وهو الكلام في وجه دلالتها على إمامته، فلنا في ذلك ~~طريقان: # أحدهما: أنا نقول إن الله تعالى أثبت لعلي عليه السلام الولاية كما ~~أثبتها لنفسه ولرسوله، والولاية هي ملك التصرف وذلك هو معنى الإمامة، ms517 ~~والدلالة مبنية على ثلاثة أصول: # أحدها: أنه أثبت الولاية لعلي عليه السلام كما أثبتها لنفسه ولرسوله. # والثاني: أن الولاية هي ملك التصرف. # والثالث: أن ذلك هو معنى الإمامة. # أما الأصل الأول: فالذي يدل على ذلك أنه تعالى قال: {إنما وليكم الله ~~ورسوله والذين آمنوا}وقد بينا أن المراد بالذين آمنوا علي عليه السلام، وقد ~~اعترضوا هذا بأن قالوا: إن هذا لفظ جمع وأجل الجمع ثلاثة. PageV01P591 # والجواب: أنا نقول إنه لا يمتنع أن يرد لفظ الجمع ويراد به الواحد تعظيما ~~له كما قال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}فذكر لفظ الجمع ~~وهو يريد به نفسه بلا خلاف، وقال تعالى: {فقدرنا فنعم القادرون}ومنه قول ~~الملك أمرنا وكتبنا وقلنا، وهذا معترض بأن يقال: إن بينهما فرقا، وإن صح في ~~قوله: {إنا نحن نزلنا}لم يصح في اسم الجنس المعرف بالألف واللام فإنه لا ~~خلاف أنه لا يصح أن يقال: رأيت الرجال ويريد به زيدا، ونحن نعترض بأن هذا ~~حمل لكلام الباري على المجاز، وهو يجب حمل كلامه على الحقيقة. # قلنا: إنه يجب حمله على حقيقته إذا دلت دلالة وجب العدول إلى المجاز، ~~وهاهنا قد دلت الدلالة. # قال الشيخ رحمه الله تعالى: ولأنه قال تعالى: {إنما وليكم الله ورسوله ~~والذين آمنوا}فيجب أن يكون الولي من المؤمنين غير المولى عليه، وهذا قد ~~ذكرناه في أول المسألة. # قال الشيخ: لأن من حق العطف في اللغة أن يكون غير المعطوف عليه، وكلام ~~الشيخ رحمه الله فيه سهو في وسطه، وإن كان آخره صحيحا لو اقتصر عليه لأن ~~كلامه يوهم أن مراده أنه عطف الذين آمنوا على الكاف، وهو قوله: {وليكم}وهذا ~~ضعيف؛ لأنه لا يصح العطف على وليكم، ولا الضمير فيه لأن الضمير في وليكم هم ~~الذين آمنوا فلو صح لكان عطف الشيء على نفسه وذلك لا يصح، ولهذا فإنه لا ~~يصح أن يقال: جاء زيد وعمر وبكر فلا يصح العطف على جاء ولو صح لكان تقديره: ~~جاء زيد وعمر وبكر فلو صح كلام الشيخ لكان تقديره: إنما ms518 وليكم الله والذين ~~آمنوا، والذين آمنوا معطوف هاهنا على الله ورسوله، وإنما يكون الالزام ~~الصحيح ما ذكره الشيخ رحمه الله في آخر كلامه أنه لو لم يكن كما ذكرنا لكان ~~تقديره: إنما ولي الذين آمنوا ورسوله والذين آمنوا، وهذا يكون إخراجا ~~لكلامه تعالى إلى الهذر والعبث. # وأما الأصل الثاني وهو أن الولاية هي ملك التصرف. # قال الشيخ: فالذي يدل على ذلك وجهان: PageV01P592 # أحدهما: أن لفظة ولي وإن كانت مشتركة بين معان فقد صار الغلب عليها فعرف ~~الاستعمال وهو ملك التصرف ألا ترى أنه متى قيل: فلان ولي القوم لا يسبق إلى ~~الأفهام إلا أنه هو المالك للتصرف عليهم. # قال الشيخ: الوجه الثاني: أنا لو سلمنا أنه لا يسبق إلى الأفهام فإنه يجب ~~حمله عليها أجمع وذلك هومعنى الإمامة، وهذا لا يصح الاستدلال به على الأصل ~~الثاني، وإنما سهو من الشيخ وإنما هي طريق ثانية في الدلالة على الآية. # وأما الأصل الثالث: وهو أن ذلك هو معنى الإمامة فإنا لا نعني بقولنا فلان ~~إمام إلا أنه المالك للتصرف في أمور مخصوصة وتنفيذ أحكام شرعية، وقد ثبت أن ~~عليا عليه السلام كان وليا لكافة المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه ~~وآله فيجب أن يكون مالكا للتصرف عليهم. # الطريقة الثانية: إنا وقد سلمنا أنه لا يسبق إلى الأفهام أنه المالك ~~للتصرف فإنه مشترك بين معان فيجب حمله عليها أجمع، وذلك هو معنى الإمامة، ~~وهذه الدلالة مبنية على ثلاثة أصول: # أحدها: أن لفظة ولي مشتركة بين معان. # والثاني: أنه يجب حملها عليه أجمع. # والثالث: أن ذلك هو معنى الإمامة، فالذي يدل على الأول أنها مشتركة بين ~~المود والناصر والمالك للتصرف. # وأما الأصل الثاني: وهو أنه يجب حملها عليها أجمع فلا يخلو إما أن يحمل ~~عليها أجمع أو لا يحمل عليها أجمع، أو يحمل على البعض دون البعض محال أن لا ~~يحمل على شيء منها؛ لأن ذلك يعود على ما بيناه بالنقض والإبطال، ومحال أن ~~يحمل على بعض منها دون بعض؛ لأنه لا مخصص ms519 فلم يبق إلا أن يحمل عليها أجمع. # وأما الأصل الثالث: وهو أن ذلك هو معنى الإمامة فلأنا لا نعني بقولنا ~~فلان إمام إلا أنه المالك للتصرف، وهذا هو الدليل من جهة الكتاب. PageV01P593 # وأما الدليل من جهة السنة فأخبار كثيرة أصحها خبر الطير وهو ما روي أن ~~النبي صلى الله عليه انصرف من حجة الوداع فلما انتهى إلى غدير خم في ~~الهاجرة نصف النهار بسريح الروحات، ثم قام فيهم خطيبا وأخذ بأصبع علي عليه ~~السلام وقال: ((ألست أولى بكم من أنفسكم؟)) وقرر ذلك عليهم بقوله تعالى: ~~{النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((فمن كنت ~~مولاه فعلي مولاه اللهم والي من والاه وعادي من عاداه وانصر من نصره واخذل ~~من خذله)) والكلام من هذا الخبر يقع في موضعين: # أحدهما: في صحته. # والثاني: في وجه دلالته. # أما الموضع الأول: وهو في صحته، فالذي يدل عليه وجوه: # أحدها: أن الأمة تلقته بالقبول ولم ينكر أحد وإنما هم بين مستدل به على ~~إمامته وبين مستدل به على فضله. # الوجه الثاني: أن العترة أجمعت على صحته. # والثاني: أن إجماعهم حجة، وهذه الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن العترة أجمعت على صحته. # والثاني: أن إجماعهم حجة. # أما أنهم أجمعوا فلا خلاف بينهم أعني الزيدية والإمامية، وأما أن إجماعهم ~~حجة فسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. # الوجه الثالث: أنه ظهر واشتهر مع كثرة أعداء أمير المؤمنين واجتهادهم في ~~إخفاء إمامته عليه السلام، وظهر مع ذلك ومع توعدهم بالقتل إن أظهره، ولا ~~وجه لذلك إلا صحته. # وأما الموضع الثاني: وهو في وجه دلالته، فلنا فيه خمسة منازل وسميناها ~~منازل لأن أولها أقواها، ثم ننزل معهم درجة درجة. # المنزلة الأولى: أن لفظة مولى مشتركة بين معان وقد صار الغالب عليها فعرف ~~الاستعمال هو الملك للتصرف فيجب حملها عليه وذلك هو معنى الإمامة، وهذه ~~الدلالة مبنية على أربعة أصول: # أحدها: أن لفظة مولى مشتركة بين معان. # والثاني: أنه قد صار الغالب عليها بعرف الاستعمال هو المالك ms520 للتصرف. # والثالث: أنه يجب حملها عليه. # والرابع: أن ذلك هو معنى الإمامة. PageV01P594 # أما الأصل الأول: فالذي يدل على ذلك أنه يقال: فلان مولى فلان أي معتقه ~~وفلان مولى العبد أى معتقه. # وأما المود والناصر فقوله تعالى: {ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن ~~الكافرين لا مولى لهم}أي مودهم وناصرهم. # وأما ابن العم فقوله تعالى: {وإني خفت الموالي من ورائي}أي ابن عمي. # وأما الجار والحليف فقال الشاعر: # موالي حلف لا موالي قرابة ... ولكن فطينا يدفعون الأناوبا # وأما الصاحب والمالك للتصرف، أما الصاحب فيدل عليه قول النابغة: # لما رأوا شق إقعاص صاحبه # قالت له النفس لا أرى طمعا ... ولا سبيل إلى عقل ولا قود # وإن مولاك لم يسلم ولم يصد # وأما الثاني وهو المالك فإنه يقال: مولى العبد ومولى الأمة وما ذكره من ~~الاستشهاد فهو حجة على غير هذين المعنيين وهو على مولى بمعنى أولى وذلك ~~معنى على حاله على الصحيح، ويدل عليه قول الأخطل في مدح عبد الملك بن مروان: # فما وجد فيها قديس لأمرها # .............................. # فأصبحت مولاها من الناس كلهم ... أعف وأوفى من أبيك وأمجدا # وأحرى قريش أن يهاب ويحمدا # ومولى بمعنى الأولى يدل عليه قوله تعالى: {النار هي مولاكم وبئس المصير} ~~أي هو أولى بكم، وقول لبيد: # معذب كلا الفرحين يحسب أنه ... مولى المخافة خلفها وأمامها # أي أولى بالمخافة. # وأما الأصل الثاني: وهوأنه قد صار الغالب عليها بعرف الاستعمال هو المالك ~~للتصرف؛ فلأنه متى قيل: هذا مولى العبد ومولى الدار لم يسبق إلى الفهم إلا ~~أنه المالك للتصرف. # وأما الأصل الثالث: وهو أنه يجب حملها على ما السابق إلى الأفهام فلأن ~~كلام الله تعالى وكلام رسوله يجب حمله على ما هذا السابق إلى الأفهام. PageV01P595 # وأما الأصل الرابع: وهو أن معنى ذلك هو معنى الإمامة فلأنا لا نعني بقولنا: ~~فلان إمام إلا أنه المالك للتصرف في أمور مخصوصة وتنفيذ أحكام شرعية، وقد ~~اعترضوا بأن قالوا: إن السبب في هذا الخبر أن عليا عليه السلام قال لزيد بن ~~حارثة: (أنا مولاك) فقال: ms521 لست مولاي، وإنما مولاي رسول الله صلى الله عليه ~~فلما علم رسول الله ذلك أوقفهم وخطبهم. # والجواب عليهم من وجوه: # أحدها: أنه هذا لا يجوز على علي عليه السلام أن يدعي أن زيد بن حارثة ~~مولى له بمعنى أنه اعتقد لأنه منزه من الكذب وهو أيضا معصوم. # الوجه الثاني: أن هذا الخبر كان عند انصرافه من حجة الوداع، وزيد بن ~~حارثة قتل في غزوة مؤتة. # الثالث: أن النبي صلى الله عليه ذكر في خطبته ما لا تعلق له بذلك لأنه ~~قال: ((اللهم وال من والاه وعاد من عاداه)) وما ذكروه لا يقتضي ذكر هذه. # المنزلة الثانية: أنا وإن سلمنا لكم أنه لا سبق إلى الأفهام أنه المالك ~~للتصرف فإن في الخبر قرينة لفظية اقترن به، وقضت بأن المراد بلفظة مولى ~~الأولى فيجب حملها عليه، والأولى هو الأحق والأملك وذلك هو معنى الإمامة، ~~وهذه الدلالة مبنية على أربعة أصول: # أحدها: أن لفظة مولى مستعمل بمعنى الأولى. # والثاني: أنه يجب حملها عليه. # والثالث: أن الأولى هو الأحق والأملك. # والرابع : أن ذلك هو معنى الإمامة، فالذي يدل على الأول الكتاب، والخبر ~~واللغة. # أما الكتاب فقوله تعالى: {النار مولاكم}أي هي أولى بكم. # وأما الخبر فما روي عن جعفر الصادق بن محمد الباقر رضي الله عنهما أنه ~~قيل له: ما أراد النبي صلى الله عليه بقوله لعلي عليه السلام: ((من كنت ~~مولاه فعلي مولاه))؟ فقال: سئل عنها والله رسول الله صلى الله عليه فقال: ~~((الله مولاي أولى بي من نفسي لا أمر لي معه وأنا مولى المؤمنين أولى بهم ~~من أنفسهم لا أمر لهم معي ومن كنت مولاه أولى به من نفسه لا أمر له معي ~~فعلي مولاه أولى به من نفسه لا أمر له معه)). PageV01P596 # وأما اللغة فقول الشاعر: # فأصبحت مولاها من الناس كلهم ... وأحرى قريش أن يهاب ويحمدا # أي أولى بها من الناس كلهم، وقول لبيد: # فعذب كلا الفرحين يحسب أنه ... مولى المخافة خلفها وأمامها # وأما الأصل الثاني: وهو أنه يجب حمله عليه ms522 فلأن كلام الله تعالى وكلام ~~رسوله يجب حمله إذا ورد على حقيقة الشرع فإن لم فعلى العرف، فإن لم فعلى ~~لله كلام ..........ثم على المجاز الأقرب على المجاز الأبعد. # وأما الأصل الثالث: وهو أن الأولى هو الأحق والأملك؛ فلأنه لا يجوز أن ~~يثبت بأحد اللفظين وينفى بالآخر، فلا يجوز أن تقول هذا أحق وأملك، وليس ~~بأولى أو هو أولى وليس بأحق وأملك. # وأما الأصل الرابع: وهو أن ذلك هومعنى الإمامة فلأنا لا نعني بقولنا فلان ~~إمام إلا أنه هو المالك للتصرف في أمور مخصوصة وتنفيذ أحكام شرعية، وقد ~~اعترض بأن قيل: إن هذه القرينة ليست منقولة على حد نقل الخبر. # والجواب: أنا نقول إنها وإن لم تكن منقولة على حد نقله فإنه قد بلغ نقلها ~~حد نقل التواتر. # المنزلة الثالثة: أنا وإن سلمنا أنه لا يسبق إلى الأفهام وهناك قرينة ~~لفظية فإن فيه قرينة معنوية وهي أن النبي صلى الله عليه جمعهم في ذلك الوقت ~~والحر الشديد وقطع الطريق وخطبهم وليس بوقت للخطبة فلا يخلو إما أن يريد ~~تعريفهم بما يعرفون أنه ابن عمه وموده وناصره، وحليفه وجاره وصاحبه، أو ~~ماهم يعرفون بطلانه من أنه ما اعتقده أحدهما فقد اعتقده الآخر، أو لما ~~جهلوه وهو أحق وأملك وأنه المالك للتصرف لا يجوز أن يكون أراد بذلك أن ~~يخبرهم بما يعرفون صحته وإنما يعرفون بطلانه، وإنما أراد أن يخبرهم بما هم ~~جاهلون به ، وهذا هو الذي نريده، وقد اعترض على هذا بأن قيل: إن النبي صلى ~~الله عليه إنما أراد بذلك الإخبار عن عصمته ووجوب موالاته. # والجواب على هذا أنا نقول ليس في ذلك غرض لأن موالاة المؤمن واجبة وإن لم ~~يكن معصوما. PageV01P597 # المنزلة الرابعة: أنا وإن سلمنا أنه لا يسبق إلى الفهم ولا هناك قرينة ~~لفظية ولا معنوية فإن لفظة مولى مشتركة بين معان كثيرة فيجب حملها عليها ~~أجمع، وذلك هو معنى الإمامة، والدلالة مبنية على ثلاثة أصول كما تقدم، ~~والذي يدل على الأول ظاهر، والذي يدل على الثاني أنه ms523 لا يخلو إما أن يحمل ~~عليها أجمع أولا يحمل عليها أجمع أو يحمل على البعض دون البعض على ما تقدم، ~~والذي يدل على الثالث قد تقدم أيضا. # المنزلة الخامسة: أن الخبر اقتضى عصمته، والمعصوم أولى بالإمامة، ~~والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن الخبر يقتضي عصمته. # والثاني: أن المعصوم أولى بالإمامة، فالذي يدل على الأول أنه قال: ~~((اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله)) وهذا ~~دعاء له أيضا على القطع، والنبي لا يدعو لأحد على القطع إلا إذا كان معصوما ~~وذلك أيضا مذهب بعض من خالف في هذه المسألة. # وأما الأصل الثاني: وهو أن المعصوم أولى بالإمامة فلا خلاف فيه ولهذا من ~~قال بعصمته من المعتزلة قالوا: أنه منع مانع من العقد له. # الخبر الثاني: وهو خبر المنزلة وهو ماروي عن النبي صلى الله عليه أنه قال ~~لعلي عليه السلام أنه قال:(( أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي ~~بعدي)) والكلام منه يقع في موضعين: # أحدهما: في صحته، والثاني: في في وجه دلالته. # أما الموضع الأول: وهو في صحة هذا الخبر ليس بمتواتر كالأول والذي يدل ~~على صحته وجوه: # أحدها: أن الأمة تلقته بالقبول. # والثاني: أن العترة أجمعت علىصحته. # والثالث: أنه ظهر واشتهر مع كثرة أعداء أمير المؤمنين واجتهادهم في إخفاء ~~مناقبه. # وأما الموضع الثاني: وهو في وجه الإستدلال به، فوجه الإستدلال به أن ~~النبي صلى الله عليه أثبت لعلي عليه السلام جميع منازل هارون من موسى إلا ~~النبوة، ومنازل هارون من موسى استحقاق الخلافة والشركة في الأمر وذلك هو ~~معنى الإمامة، وهذه الدلالة مبنية على ثلاثه أصول: PageV01P598 # أحدها: أن النبي صلى الله عليه أثبت لعلي جميع منازل هارون من موسى إلا ~~النبوة. # والثاني: أن منازل هارون من موسى استحقاق الخلافة والشركة في الأمر. # والثالث: أن ذلك معنى الإمامة، فالذي يدل على الأول أنه استثناه منه ~~فقال: إلا النبوة ومن حق الاستثناء الحقيقي أن يخرج من الكلام ما لولاه ~~لوجب دخوله تحته ms524 فلولا استثنى النبوة لدخلت، وكذلك فإنه كان يصح أن يقول ~~إلا استحقاق الخلافة فلما لم يستثنيها دخلت، وقد اعترضوا هذا بأن قالوا: ~~هذا بناء منكم على أصل فاسد وهو أن منزلة من ألفاظ العموم وليست من ألفاظ ~~العموم. # والجواب: عن هذا من وجهين: # أحدهما: أنه استثنى والاستثناء لا يصح إلا من لفظ يقتضي العموم فدل على ~~أنه صلى الله عليه قصد به العموم لجميع منازل هارون فإن قالوا: هذا استثناء ~~مجاز وليس بحقيقة. # قلنا: إن هذا منكم حمل لكلام النبي صلى الله عليه على المجاز وكلام النبي ~~صلى الله عليه لا يجوز أن يحمل إلا على الحقيقة إلا لمانع. # الوجه الثاني: أن منزلة في اللغة بمعنى منازل ألا ترى أنه إذا قال: فلان ~~من الأمير بمنزلة الوزير فإنه لا يسبق إلى الفهم إلا أن جميع منازل الوزير ~~حاصلة فيه كما لو قال: بمنازل الوزير فإنه لافرق بينهما، ومنازل من ألفاظ ~~العموم بالإضافة. # وأما الأصل الثاني: وهو أن منازل هارون من موسى استحقاق الخلافة والشركة ~~في الأمر فذلك ظاهر في القرآن نحو قوله تعالى: {وقال موسى لأخيه هارون ~~أخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين} وقوله تعالى: {أفعصيت ~~أمري}وقوله تعالى: {قال ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول ~~فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي} وهذا كلام الخليفة والمستخلف. # وأما الأصل الثالث: وهو أن ذلك هو معنى الإمامة فالذي يدل عليه ما تقدم، ~~وقد اعترضوا بأن قالوا: إنما كان يصح لكم لو حيي هارون بعد موسى. PageV01P599 # والجواب: أنا نقول أن في الخبر قرينة قد أخرجت هذا الاعتراض وهي قوله بعدي ~~فإن قوله:(( أنت مني بمنزلة هارون من موسى)). # الوجه الثاني: أنا نقول أنه لا خلاف أن هارون لو بقى بعد موسى لا يستحق ~~جميع هذه المنازل. # الطريقة الثالثة: إجماع العترة وإجماعهم حجة، أما نهم أجمعوا فلا خلاف ~~بينهم في ذلك. # وأما أن إجماعهم حجة فسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. # الطريقة الرابعة: التفضل وهو أنه أفضل ms525 الصحابة والأفضل هو بالإمامة، ~~والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنه أفضلهم، والثاني: أن الأفضل أولى بالإمامة. # أما الأصل الأول: وهو أنه أفضلهم فالكلام منه يقع في موضعين: # أحدهما: في حكاية المذهب وذكر الخلاف في التفضيل. # والثاني: في الدليل على صحة ما نختاره. # أما الموضع الأول: فاختلفوا على ثلاثة أقوال فمذهب الزيدية، والإمامية ~~وهو قول أبي عبد الله وقاضي القضاة أن عليا أفضلهم صلى الله عليه. # وأما الشيخان أبو علي وأبو هاشم فمالا إلى التوقف ومالا ماذكر لأحدهم ~~فضيلة ومنقبة إلا وللثاني مثلها فتوقفا. # وأما سائر المعتزلة والمرجئة والخوارج والحشوية وسائر الجبرية فذهبوا إلى ~~الأفضل أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي. # وأما الموضع الثاني: وهو في الدليل على صحة ماذهبنا إليه فلنا في ذلك ~~ثلاث طرق: # الأولى: منها أن العترة أجمعت على ذلك وإجماعهم حجة والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن العترة أجمعت على ذلك. # والثاني: أن إجماعهم حجة، فالذي يدل على الأول أنه لاخلاف بينهم في ذلك ~~وإجماعهم حجة فسيأتي بيانه إن شا الله تعالى. # الطريقة الثانية: مما يدل على أنه أفضلهم وأولى أن خصال الفضل قد اجتمعت ~~فيه من العلم والجهاد والزهد والدين والنسب والصهارة. PageV01P600 # أما العلم فما روي عن النبي صلى الله عليه أنه قال:((أنا مدينة العلم وعلي ~~بابها فمن أراد المدينة فليأتها من بابها)) وما روي عنه صلى الله عليه لما ~~نزل قوله تعالى: {وتعيها أذن واعية} قال: (( سألت الله أن يجعلها أذنك يا ~~علي فأعطانيها)) أي استجاب دعاي. # وقال ابن عباس: العلم مقسوم ستة أسداس فأخذ علي خمسة وشارك الناس في ~~السدس السادس، وقد روي: سبعة أعشار وشارك الناس في العشر العاشر، وكذلك ~~فإنهم كانوا يرجعون إليه في المعضلات وذلك ظاهر وقد روي أن عمر قال: لا ~~أبقاني الله لمعضلة لا يكون فيها ابن أبي طالب، وقالوا: لولا علي لهلك عمر. # وأما الجهاد: فذلك مما لا خلاف فيه وأن له مواطن كثيرة لم يبلغ أحد إلى ~~مثلها وأنه كشف الكرب عن الرسول صلى الله ms526 عليه وآله وأنه أكثر الصحابة قتلا ~~وقتالا، فمن مواطنه عليه السلام أنه لما أتى سلمان الفارسي من الفرس فأشار ~~على النبي صلى الله عليه بعمل الخندق على المدينة فصنعوه ثم كاد ذات يوم ~~واجتمعت العرب فلم يقدروا على شيء فأقحم أحدهم وهو عمرو بن عبد ود حصانه ~~فإذا هو من داخل الخندق فقام إليه علي عليه السلام وكان عمرو من أشجع العرب ~~فصارع علي فصرعة، وقيل: إنه ضرب عليا ضربة فوضع فيها شيء من الطين ثم تلا: ~~{منها خلقناكم وفيها نعيدكم } ثم اعتقله علي وأراد ذبحه فبزق عمرو بن عبد ~~ود الريق إلى وجه علي عليه السلام فسكن ساعة حتى راح الغضب وحزر إليه ثم ~~ذبحه فنزل جبريل عليه السلام أخبر النبي صلى الله عليه أن الله تعالى باهى ~~به الملائكة في السماء، وقيل إنه عليه السلام لما أدخل سيفه يقطر دما قال ~~النبي صلى الله عليه وآله:(( اللهم أتحف عليا بتحفة لم تتحف بها أحدا قبله ~~ولا تتحف أحدا بعده)) فنزل جبريل بأترجة مكتوب عليها سطران هذه من الطالب ~~العالم إلى ابن أبي طالب إلى غير ذلك. # وأما الدين: فاعلم أنه قد شارك الصحابة واختص بخصلتين: # أحدهما: أنه ما سبق إيمانه كفر. PageV01P601 # الثانية: أنه أول من صلى من الرجال مع النبي صلى الله عليهم أجمعين وقد روي ~~أنه سئل أبو القاسم البستي عن علي والصحابة فقال: مثل علي مثل الإناء ~~الحديد الذي لم يدخله شيء ومثل الصحابة مثل الآنية التي قد استعملت في ~~أنواع النجاسات ثم غسلت ونظفت فأيها يليق إليه الخاطر فإذا هو علي عليه ~~السلام. # وأما الزهد: فذلك ظاهر أن لا يحصى. # وأما النسب: فنسبه نسب رسول الله صلى الله عليه وهو صهره. # الطريقة الثانية: وهو ما ورد من جهة السنة فمنها ماروي عن النبي صلى الله ~~عليه أنه أهدى إليه طائر مشوي فقال:(( اللهم آتني بأحب خلقك إليك يأكل معي ~~من هذا الطير)) وكان أنس بن مالك على الباب فأتى علي ابن أبي طالب فرده أنس ms527 ~~ثم أتاه مرة أخرى فرده ثلاثا ثم أتى في الرابعة فشعر به النبي صلى الله ~~عليه فقال:((افتح له يا أنس)) فقال النبي صلى الله عليه وآله حين رآه ~~فقال:((اللهم والى يعني أحب خلقك إلي ثم قال: له ما أبطأ بك يا علي)) فقال ~~عليه السلام: يا رسول الله هذه الرابعة يردني أنس، فقال صلى الله عليه ~~لأنس: ما حملك؟ فقال: لما سمعتك أحببت أن يكون من قومي فقال: النبي صلى ~~الله عليه:((إن الرجل ليحب قومه)) ومن ذلك ماذكره الشيخ رحمه الله تعالى من ~~الأخبار فلا حاجة إلى تكرارها. # وأما الأصل الثاني: وهو أن الأفضل هو أولى بالإمامة فلا خلاف بين الصحاية ~~ولهذا بعد موت النبي صلى الله عليه وآله فإنهم زعموا إلى عد الفضائل فقالت: ~~الأنصار الدار دارنا والإسلام عز بنا، وقال أبو بكر: نحن عترة رسول الله ~~صلى الله عليه ...................وقال عمر: أتطيب نفس أن تقدم قدمين ~~قدمهما رسول الله صلى الله عليه للصلاة. # وأما الذين قالوا من المعتزلة هو أفضل ولم يقولوا بإمامته فهم مختلفون ~~على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه يجوز تقديم المفضول على الفاضل. # القول الثاني: قول الحاكم قال: منع الصحابة مانع ولا يعلم ما هو. PageV01P602 # الثالث: أنهم قالوا تقدم لفضله إلا أنه منع مانع من تقديمه وهو أنه كان ~~أكثر القتل في الناس في حال كفرهم فأكثرهم قتل قتل أباه أوأخاه أو ابنه أو ~~غيرهم من القرابات فكانت النفوس تنفر عنه فخشوا أن يتفرقوا الناس عليه. # والجواب من وجوه: # أحدها: أن هذا مما لأجله وجب تقديمه فاحترموه لأجله لأنه كشف الكرب عن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله. # الوجه الثاني: أن هذا يؤدي إلى إساءة الظن يالصحابة. # الوجه الثالث: أن هذا لو كان مانع لمنع النبي صلى الله عليه وآله من ~~تقديمه في الغزوات. # الوجع الرابع: أن الله ورسوله قدما عليا، أما النبي فلأنه ما أمر عليه ~~أحد وما خرج عليه السلام مخرجا إلا وهو أميرهم وأبو بكر وعمر من جملتهم، ~~وكذلك قال: النبي صلى الله ms528 عليه وآله قد قدم أسامة عليهما حتى أنه قرب موته ~~وهو يقول: ((نفذوا جيش أسامة)) وكان أبو بكر وعمر فيهم، وكان أسامة أميرهم ~~وما قدمه على علي عليه السلام وقدمه الله لما نزلت سورة براءة فأرسل بها ~~النبي صلى الله عليه أبو بكر يوصلها إلى مكة يبلغها إلى المشركين فأوحى ~~الله إلى النبي صلى الله عليه أنه لا يبلغلها عنك إلا أنت أو رجل منك فأمر ~~عليا فأخذها من أبي بكر، فقال أبو بكر: هل نزل في شيء؟ فقال: لا إلا أنه ~~نزل الوحي إلى النبي صلى الله عليه فقال لا يبلغ عنك إلا أنت أورجل منك. # وأما الموضع الثالث: وهو في شبههم فلهم شبهتان: # أحدهما: إن قالوا إن الأمة أجمعت على إمامة أبي بكر وإجماعهم حجة. # والجواب: أنا نقول لهم قد حصل لكم بفعل الإجماع بالتواتر وبالآحاد فإن ~~قالوا: بالتواتر. # قلنا: هذا باطل لأنه لو كان متواتر لوجب أن نشارككم فيه لأن من حق ~~التواتر أن لا يختص بالعلم به فريق دون فريق لأنه إما أن يكون مما يحتاج ~~فيه إلى محص وتفتيش أو لا يحتاج، فإن كان يحتاج فقد فحصنا، وإن كان لا ~~يحتاج فكان يجب أن نشارككم فيه، وإن قالوا: بالآحاد فهذا باطل من وجوه: PageV01P603 # أحدها: أنا نقول لهم انقلوا لنا الإجماع قولا أو فعلا أوتقديرا. # الوجه الثاني: أن أخبار الآحاد لا يصح الاستدلال به على مسألتنا. # الوجه الثالث: أنه لا طريق لكم إلى نقل الإجماع مع الإنكار ومع ما ينقل ~~من الأمور الشنيعة فإنه روي أنه لما بويع لأبي بكر حمل عمر الناس على ~~البيعة طوعا وكرها، فمن جملة ما جرى من الأمور الشنيعة كسر سيف الزبير وضرب ~~عمار بن ياسر إلى أخر ما ذكره الشيخ رحمه الله فلا فائدة في تكراره إلى غير ~~ذلك من الأمورالشبيعة. # وأما ما يدل على إنكار علي عليه السلام فمن ذلك ما روي أنه قال في جوابه ~~لمعاوية: وزعمت أني لكل الخلفاء حسدت وعلى كلهم نعيت إلى أخر ما ذكره ms529 الشيخ ~~إلى غبره مما ذكره عليه السلام. # وأما دعواهم أن عليا عليه السلام قد بايع ...فإنه بايع مجبرا، ويدل على ~~ذلك جوابه لمعاوية، وأما دعواهم أن الصحابة وإن اختلفوا في ابتداء الأمر ~~فقد سكتوا سكوت رضا فذلك باطل لأن سكوت من سكت بعد هذه الأمور التي جرت لا ~~يدل على رضا. # الشبهة الثانية # وهي للحسن البصري وهي أن قال: إن إمامة أبي بكر منصوص عليها نص خفي وهي ~~أن النبي صلى الله عليه قدمه للصلاة. # والجواب: عليهم من وجوه: # أحدهما: أن هذا الخبر ليس بصحيح وإنما عائشة التي أمرت بلالا أن يقول ~~لأبي بكر أبوها أن يصلي بالناس. # الوجه الثاني:أنه صح فهو آحادي ومسألتنا قطعية. # الوجه الثالث: أنا نقول ليس بأن تستدلوا بتقديمه من أن تستدلوا بتأخيره ~~فإن النبي صلى الله عليه لما سمع ضجة الناس ووجد بيده خفة خرج يتهادى بين ~~اثنين فأتى وأبو بكر يصلي فعزله وصلى بالناس بل هذا أولى. # الوجه الرابع: أن هذا جمع بين أمرين من علة جامعة معه ولا طريقة ناظمة ~~وما هذا حاله لا يقبل، ومن أين لكم أنه إذا قدمه للإمامة الصغرى صلح ~~للإمامة الكبرى؟. # الوجه الخامس: أنه يصح في إمامة الصلاة الحر والعبد وولد الزنا بخلاف ~~الإمامة الكبرى. PageV01P604 # الوجه السادس: أن الله تعالى قد قدم عليا وكذلك رسوله قدمه أيضا على ما ~~بينا من أن النبي صلى الله عليه وآله قدمه في السرايا والله تعالى قدمه على ~~ما تقدم في سورة براءة. # وأما الموضع الرابع: وهو في حكم من حاربه ومن تقدم عليه، ومن توقف في ~~إمامته. # أما من حاربه فلا خلاف في فسقهم وهم الناكثون والقاسطون والمارقون، ومنهم ~~من تاب بعد ذلك قال أصحابنا: قد صححوا توبة عائشة والزبير وطلحة، وأما ~~معاوية فمنهم من قال بكفره لأمور منها أنه أول من أحدث الجبر لأنه قال: أنا ~~خازن من خزان الله تعالى أعطي من أعطاه الله وأمنع من منعه الله، ولهذا ~~قيل: العدل هاشمي والجبر أموي. # ومنها أنه ألحق زيادا بأبيه ms530 وهو من زنا فرد ما هو معلوم ضروري من دين ~~النبي صلى الله عليه وآله. # ومنها أنه كان يببيع الآصنام ومات وفي عنقه صليب يستشفي به. # ومنها: أن النبي صلى الله عليه قال:((يموت معاوية على غير ملتي)) وأما ما ~~يدل على فسقه[....] فيدل عليه ماروي عن النبي صلى الله عليه أنه ~~قال:((معاوية في تابوت من نار)) وروي أنه مر ذات يوم يقود بأبيه الجمل ~~وأخوه يسوقه فقال النبي صلى الله عليه:(( لعن الله الراكب والقائد ~~والسائق)) إلى غير ذلك مما يدل على فسقه، ويدل على فسق الخوارج أنهم خرجوا ~~على إمام الحق ولاخلاف في فسق من خرج على إمام الحق. # وأما من تقدم عليه وهم أبو بكر وعمر وعثمان فقد اتفقت الزيدية والإمامية ~~على أن فعلهم معصية، واختلفوا فذهبت الإمامية إلى أنهم يفسقون بذلك وهو قول ~~بعض الزيدية، ومن الإمامية من كفرهم، وعند جمهور أهل البيت عليهم السلام ~~والذي صححوا للمذهب أنه يتوقف في أمرهم فلا يرضى عنهم ولا يسبوا لأنا ~~لانعلم خطيئتهم كبيرة أم صغيرة. PageV01P605 # قال (م بالله): إلى وقتي هذا ما علمت أحدا من أهل البيت فسقهم ومن حكى عن ~~أحد منهم فقد كذب، وروي عن (ص بالله) أنه قال: من سبهم فلا تصلوا خلفه ومن ~~رضى عنهم فاسألوه ما الدليل، وقد روي عنه فيما أظن عكس ذلك، وروي عنه أنه ~~عظمهم واحتج بأن لهم أسوة بالأنبياء فقد عصى آدم ربه وغيره. # وأما من توقف في إمامتة سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمرو ومحمد بن ~~مسلمة وأظن رابع فإنه لا يقطع على فسقهم، وقد روي عن أمير المؤمنين عليه ~~السلام أنه سئل عنهم فقال:( خذلوا الحق ولم ينصروا الباطل) فهذا هو الكلام ~~في المسالة السابعة. ### ||| AUTO المسألة الثامنة والتاسعة # في إمامة الحسن والحسين عليهم السلام والكلام منها يقع في أربعة مواضع: # أحدها: في حكاية المذهب وذكر الخلاف. # والثاني: الدليل، والثالث، في الشبه، والرابع: في حكم من حاربهما. # أما الموضع الأول: فمذهب الزيدية والمعتزلة أن الحسن والحسين ms531 إمامان بعد ~~أبيهما وهو قول الإمامية والخلاف في ذلك مع الخوارج واليزيدية. # أما الخوارج فقالوا: إن الحسن كفر بتسليم الأمر لمعاوية. # وأما اليزيدية فقالوا: إن الحسين خارج لأن عندهم أن يزيد إمام قبل الحسين ~~نص عليه معاوية أبوه[.....] وأن الحسين خرج عليه. # وأما الموضع الثاني: وهو الكلام في الدليل فالذي يدل على صحة ما ذهبنا ~~إليه وجوه أربعة: # أحدها: الخبر وهو ما روينا بالإسناد الموثوق به إلى النبي صلى الله عليه ~~أنه قال:(( الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا وأبوهما خير منهما)) والكلام ~~منه يقع في موضعين: # أحدهما: في صحته، والثاني: في وجه دلالته. # أما الموضع الأول: وهو في صحته فالذي يدل علىذلك وجوه: # أحدها: أن الأمة تلقته بالقبول. # والثاني: أن العترة أجمعت على صحته. # الثالث: أنه ظهر واشتهر مع كثرة أعدائهما ولا وجه لذلك إلا صحته. PageV01P606 # وأما الموضع الثاني: وهو في وجه دلالته أن النبي صلى الله عليه قال:(( ~~الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا)) وقد بينا حقيقة الإمامة ثم ~~قال:((وأبوهما خير منهما)) وفي هذا دلالة أيضا على إمامة علي عليه السلام ~~لأنه لا يجوز أن يكون غير الإمام من الرعية خير منه، بل يجب أن يكون أفضلهم ~~أو من جملة أفاضلهم، وقد اعترض هذا باعتراضين: # أحدهما: إن قالوا كان يلزمكم أن يكونا إمامين في وقت واحد وفي وقت أبيهما ~~وأن يكون الحسين إماما في وقت الحسن. # والجواب عن ذلك أنا نقول إن هذا قد خرج بالإجماع فإنه لا خلاف أنه لم يكن ~~لأحد منهما أن يتصرف في وقت النبي صلى الله عليه وأنهم كانوا متصرفين عن ~~أمره، وكذلك لم يكن لأحد منهما أن يتصرف في وقت أبيهما، وكذلك الحسين في ~~وقت أخيه الحسن. # الاعتراض الثاني: إن قالوا أن المراد بقوله هما إمامان أيهما يصلحا ~~للإمامة لأنهما إمامان في الوقت؛ لأن المعلوم أنهما لم يكونا إمامين في ذلك ~~الوقت، وقولكما أنهما إمامان في ذلك الوقت ليس بصحيح. # والجواب عن ذلك من وجوه: # أحدها: أنا نقول ما ألزمتمونا في ذلك ms532 لزمكم؛ لأن المعلوم أنهما لم يكونا ~~يصلحا ذلك اليوم. # الوجه الثاني: إنما قلتم حمل لكلام الرسول على المجاز وهو خلاف ظاهر ~~ولايجوز حمله على المجاز مهما أمكنت الحقيقة وهي ممكنة وهو أن الخبر يفيد ~~استحقاقهما للإمامة في كل وقت .....والتصرف موقوفا إلى وفاة النبي صلى الله ~~عليه ووفاة أبيهما. # الوجه الثالث: أن هذا يكون إبطالا لفائدة الخبر؛ لأنا نعلم صلاحتهما ~~للإمامة من دون الخبر ولهم أن يجيبوا بأن ليس فيه إبطال لأن هاهنا فائدة ~~وهي أنهما متى صلحا لم يحتاج إلى اختيار الشروط ومعرفتها والتفحيص على ذلك، ~~بل يبايعهما من ذلك الوقت. # الدليل الثاني: إجماع الأمة وإجماعهم حجة، وهذه الدلالته مبنية على أصلين: # أحدهما: أن الأمة أجمعت على ذلك. PageV01P607 # والثاني: إجماعهم حجة أما أنهم أجمعوا فلا خلاف في ذلك إلا من لايعتد ~~بخلافه، ونحن نقول إن الإجماع منعقد قبل حدوث مذهبهم وإن كان بعد حدوث ~~مذهبهم فهم لايعدون في الإجماع. # وأما الأصل الثاني: فسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. # الدليل الثالث: إجماع العترة وإجماعهم حجة، والدلالة مبنية على أصلين. # أحدهما: أن العترة أجمعت على ذلك. # والثاني: أن إجماعهم حجة أما أنهم أجمعوا فلا خلاف في ذلك وأما أن ~~إجماعهم حجة فسيأتي بيانه. # الدليل الرابع: أن كل واحد منهما قام ودعا وهو جامع لشروط الإمامة وبايعه ~~أهل الحل والعقد، وهذا أحد الطرق المعتبرة عند الأمة. # وأما الموضع الثالث: وهو في شبههم. # أما شبهة الخوارج فإنهم قالوا: إن الحسن سلم الأمر لمعاوية فكفر؛ لأن ~~عندهم كل ذنب فهو كبيرة وكل كبيرة فهي كفر. # والجواب: أنا نقول المعلوم أن الحسن ما سلم الأمر ولكن هادن عن ضرورة ~~لأنه لما قدم عسكر عبد الله بن العباس لقيه معاوية وخدعه فقال: إني قد ~~اصطلحت أنا والحسن...له فانقلب العسكر لما صاروا والأسراء لهم فأخبر الحسن ~~بذلك فقال:ما صالحت ثم أجبروا على الهدنة حتى أنه ما هادن طعنت فخذه وأخذوا ~~شيئا من متاعه ولم تكن الهدنة برأي الحسن. # وأما اليزيدية فشبهتهم أن قالوا: الحسين خارجي لأنه خرج ms533 على يزيد بعدما ~~صحت إمامته تأليف من الله معاوية[...]. # والجواب: عن هذا ظاهر فإنه لاخلاف أن يزيد ليس بإمام وأنه فاسق بل كافر ~~وأنه كان يتظهر بالمعاصي. PageV01P608 # وأما الموضع الرابع: وهو في حكم من حاربهما فلا خلاف في فسقهم ويدل على ذلك ~~أخبارمنها: قوله صلى الله عليه لما نظر إليهما قال:(( أنا حرب لمن حاربكما ~~سلم لمن سالمكما)) إلى آخر ماذكره الشيخ رحمه الله من الأخبار، ومن ذلك ~~ماروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه لما نزل قوله تعالى: {إنما يريد ~~الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهرك تطهيرا} كان النبي صلى الله عليه ~~يقرع باب فاطمة ويمسك بعتبتي الباب ويقول:(( إنما يريد الله ليذهب عنكم ~~الرجس أهل البيت ويطهرك تطهيرا)) وقال صلى الله عليه: ((قدموهم ولا تقدموهم ~~وتعلموا منهم ولا تعلموهم ولا تخالفوهم ولا تشتموهم فتكفروا)) وكذلك فإنه ~~أتى إلى النبي صلى الله عليه والحسين في حجره وهو صلى الله عليه يبكي فسئل ~~عن ذلك فقال:(( إنه أتاني جبريل وأخبرني أن ولدي هذا يقتل في أرض يقال لها ~~كربلاء وأراني تربتها هذه)). # فروي عن أم سلمة أنها خبت من التراب في قارورة فنظرت إليه ذات يوم فإذا ~~هو دم فعلمت إنه قد جرى أمر، ثم أتى ناعي الحسين عليه السلام إلى غير ذلك ~~من الأخبار. # وأما الدليل على كفر يزيد فالذي يدل على ذلك أنه لما جيء إليه برأس ~~الحسين دعا بقضيب من خيزران وجعل ينكت به ثنايا الحسين فقال أبو بردة تنكت ~~بعد الحسين أشهد لقد رأيت رسول الله -صلىالله عليه وآله يقبل ثناياه وثنايا ~~أخيه الحسن ويقال إنهما سيدا شباب أهل الجنة فقتل الله قاتلكما ولعنه وأعد ~~له جهنم وساءت مصيرا، فأمر بسجنه وإخراجه وجعل ينكت ثنايا الحسين ويقول: # ليت أشياخي ببدر شهدوا # لست من عتبة إن لم أنتقم ... جزع الخزرج من وقع الأسل # من بني أحمد ماكان فعل # وهذه الأبيات لابن...قالها في قصيدة يوم أحد، ثم زاد يزيد اللعين فيها، ~~وفي هذا دليل على كفره ms534 لأنه جعل ذلك انتقاما من الرسول فلعن الله يزيد ولعن ~~[......]وأشياعهما إلى يوم القيامة. PageV01P609 ### ||| AUTO المسألة العاشرة # في أن الإمامة فيمن قام ودعا من أولاد الحسن والحسين وهو جامع بشروط ~~الإمامة، والكلام منها يقع في خمسة مواضع: # أحدها: في حكاية المذهب وذكر الخلاف. # والثاني: في الدليل. # والثالث: في طرق الإمامة. # والرابع: في الشروط. # والخامس: فيما يجب على الإمام للرعية وما يجب على الرعية. # أما الموضع الأول: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف فمذهب الزيدية أهل ~~البيت وشيعتهم أنها فيمن قام ودعا في أولاد الحسن والحسين وهو جامع لشروط ~~الإمامة ولاتجوز في غيرهم، وعند المعتزلة أنها في قريش، قال: أبو علي وهو ~~منهم ويجوز في غيرهم إذا لم يوجد فيهم من يصلح. # وعند الخوارج أنها تجوز في جميع الناس، وعند الإمامية أن الأئمة منصوص ~~عليهم .... منصبا مخصوصا، وذهب المخلصون منهم إلى أن الأئمة اثني عشر علي ~~الوصي، والحسن السبط، والحسين الشهيد، ومن أولاده سبعة وهم علي بن الحسين ~~زين العابدين ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق،والكاضم موسى بن ~~جعفر، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الباقر الأصغر، وعلي بن محمد، ~~والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن بن علي المنتظر وهم... يدعوا النصر ~~جملة وتفصيلا. # أما الجملة: فقالوا إن النبي صلى الله عليه قال:(( الأئمة من عترتي بعدد ~~نقباء بني إسرائيل)). # وأما التفصيل: فإنهم قالوا لما ولد الحسين نزل جبريل بلوح من نور مكتوب ~~فيه أسماؤهم وبشر فاطمة بذلك. # وأما الموضع الثاني: وهو الكلام في الدليل فإذا أردنا ذلك أبطلنا قول ~~أصحاب النص أولا وقولهم باطل؛ لأنا نقول لا يخلو إما أن يكون حصل النص ~~تواترا أو آحادا؟ فإن قالوا: آحاديا باطل من وجهين: # أحدهما: أن مسألتنا هذه قطعية فلا يصح الاستدلال عليها بالأخبار ~~الآحادية. # الوجه الثاني: أنكم تكفروا من أنكر ذلك والتكفير لايصح بالأخبار الآحادية ~~وإن قالوا أنه متواتر فباطل لوجوه: أن حق المتواتر أن يشترك فيه جميع ~~العقلاء. PageV01P610 # والثاني: أنه لو صح لكم هذا من دون ms535 أن يعلم يصح للبكرية أن يدعوا أن الأئمة ~~اثني عشر من أولاد جميع أبي بكر من غير أن يعلم أحد غيرهم ويصح لنا أن ندعي ~~أن الأئمة اثنى عشر من ولد الحسن والمعلوم خلاف ذلك. # الوجه الثالث: أنه كان يلزم أول الأحوال أن لايختلفوا فيه والمعلوم أنهم ~~أكثر الناس اختلافا، ثم نتكلم في الدليل والكلام منه يقع في موضعين: # أحدهما: في أنه يجوز فيهم. # والثاني: أنها لاتجوز في غيرهم. # أما الموضع الأول: وهو أنها تجوز فيهم فالذي يدل عليه إجماع الأمة ~~وإجماعهم حجة، وهذه الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنهم أجمعوا، والثاني: أن إجماهم حجة. # أما الأصل الأول: وهو أنهم أجمعوا بعد بطلان قول أصحاب النص فلأن من قال: ~~أنها تجوز في جميع الناس فهم من الناس بل من أخيارهم، ومن قال: أنها من ~~قريش فهم من قريش بل من خيارهم، وإنما قلنا: بعد بطلان قول أصحاب النص لأنه ~~إذا كان في المسألة قولان وبطل أحدهما يعني الحق في القول الآخر، واختلفوا ~~لم يعين في القول الآخر فمنهم من قال: لأنه لو بطلت الأقوال جميعها كان قد ~~أجمعوا على الخطأ وإجماعهم على الخطأ لايجوز، وهذا ضعيف لأنهم ليسوا ~~بمجمعين على الخطأ بل لكل واحد منهم قول غير قول الآخر. # الوجه الثاني: أنه يؤدي إلى خروج الحق عن أيدي الأئمة وخروجهم عن أيديهم ~~لايجوز لقول النبي صلى الله عليه: ((لا تزال طائفة من أمتي على الحق ~~ظاهرين)). # وأما الأصل الثاني: وهو أن إجماعهم حجة فالكلام منه يقع في موضعين: # أحدهما: في حقيقة الإجماع وحكاية المذهب وذكر الخلاف فيه. # والثاني: في الدليل على أن إجماعهم حجة. # أما الموضع الأول: وهو في حقيقة الإجماع وذكر المذهب، وذكر الخلاف في ~~حقيقة الإجماع هو اتفاق أهل العقد والحل من أمة محمد صلى الله عليه وآله ~~على أمر من الأمور. # وأما حكاية المذهب وذكر الخلاف فمذهبنا أن إجماع الأمة حجة والخلاف في ~~ذلك مع النظام والرازي، والإمامية. PageV01P611 # أما النظام فقال: ليس إجماعهم حجة. # وأما الإمامية فقالوا: ms536 إنه حجة لكون المعصوم فيهم وهو الإمام المنتظر إذ ~~لو لم يكن فيهم لم يكن إجماعهم حجة. # وأما الرازي فقال: إنه لا طريق لنا إلى معرفة حصول الإجماع إلا في زمان ~~الصحابة حيث كان المؤمنون قليلا يمكن معرفتهم على التفصيل، وظاهرمذهبه أنه ~~لا يخالف في كونه حجة لو أمكن وثبت. # وأما الموضع الثاني: وهو الكلام في الدليل فالذي يدل على صحة ما ذهبنا ~~إليه الكتاب والسنة. # أما الكتاب: فآيات أحدهما قوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين ~~له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جنهم وساءت ~~مصيرا}ووجه الاستدلال بهذه الآية أن الله توعد من خالفهم بالناركلما توعد ~~من شاق الرسول، وذلك يقتضي وجوب متابعتهم وقبح مخالفتهم كما اقتضى وجوب ~~متابعة الرسول وقبح مخالفته، وقد اعترضوا هذا بأن قالوا:كلام الله تعالى ~~يجب أن يكون منسوقا منظوما فيكون المعطوف على نسق المعطوف عليه، ويكون ~~تقدير الآية ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين من بعد ما تبين له الهدى. # والجواب من وجوه: # أحدها: أن هذه الآية وردت مورد المدح للأمة ولا مدح لهم إذا قد تبين لهم ~~الهدى لأن قد اتبع هو الهدى بعد تبيينه وليس عادهم متبعين وبعد تبين الهدى ~~هو المتبع، ولا فرق بين أن تكون الأمة مؤمنين أو فساقا أو عبيدا أو أحرارا. # الوجه الثاني:أن الإتباع هو التأسي والإقتداء لايكونان إلا بأن يفعل مثل ~~ما فعل على الوجه الذي فعل لأجل أنه فعل لا لأجل الدلالة، وإذا فعل لأجل ~~الدلالة لم يكن متبعا لهم ولا متأسيا بهم، بل حصل لأجل الدلالة. PageV01P612 # الوجه الثالث: أنا نفرق بين أول الآية وبين آخرها وهو أنه لما فرق متابعة ~~الرسول بالمشاقة لم يكن بد من أن يقول من بعد ما تبين له الهدى لأنه لا ~~مشاقا إلا بعد ما تبين له الهدى وقبل ذلك لايكون مشاقا بخلاف آخر الآية ~~فإنه ليس من شرط كونه متابعا تبين الهدى، بل من شرطه أن يتبعه ms537 لمجرد قوله ~~لا لتبين الهدى، وقد اعترضوا أيضا باعتراض آخر وهو إن قالوا: أن قوله ويتبع ~~غير سبيل المؤمنين أن هذا اسم حبس معرف بالألف واللام وهو يقتضي الاستغراق ~~فلا يخلو إما أن نقول هو خطاب لأصحاب النبي صلى الله عليه وآله في وقته أو ~~لهم ويكون بعد وفاته أو يكون خطابا لجميع المؤمنين إلى آخر الدنيا وكل ذلك محال. # والجواب عن هذا أنا نقول على قولكم هذا كان يلزم أن لا يستدل بالإجماع ~~أبدا لأن وقت النبي صلى الله عليه هم الجميع تبع له ولا حكم لهم معه، وأما ~~بعده فلم يمت صلى الله عليه إلا وقد مات بعض من توجه الخطاب إليهم، ولو صح ~~أيضا الاستدلال بها ولا المخاطبين للزم أن لا يعد في الإجماع من ولد بعد ~~نزول الآية. # وأما الاستدلال بهم إلى آخر الدنيا فلو كان ذلك ما أمكن منا نفيهم لأنه ~~لايعلم انقطاعهم إلا بعد انقطاع التكليف، وذلك اليوم لاحجة في الإجماع فلم ~~يبق إلا أن الآية وردت على سبيل المدح لهم وأنهم حجة بعد موت النبي صلى ~~الله عليه لأهل كل عصر في عصرهم، وهذا هو المراد. # الآية الثانية قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء ~~علىالناس} والحجة في هذه الآية من وجهين: # أحدهما: أنه قال وسطا والوسط هو الخيار ومنه قوله تعالى: {قال أوسطهم} ~~والمراد خيارهم. # الوجه الثاني: أنه قال: {لتكونوا شهداء على الناس} والشاهد لايكون إلا ~~عدلا، وقد اعترضوا هذا بأن قالوا إن المراد شهد يوم القيامة. # والجواب من وجهين: # أحدها: أنه أثبته في الحال لأن قوله: {جعلناكم} هذا يقتضي أنهم قد صاروا ~~عدولا في الحال لأن جعلنا لا يكون للمستقبل. PageV01P613 # الوجه الثاني: أنها وردت مورد المدح، والمدح لا يكون إلا في الدنيا لأن كل ~~أحد ذلك اليوم يكون عدلا ولأنه لايكذب في ذلك اليوم. # وأما السنة: فأخبار كثيرة منها قوله صلى الله عليه:(( سألت الله أن لا ~~تجتمع أمتي على ضلالة فأعطانيها)) وقال:(( لا تزال طائفة من أمتي على الحق ms538 ~~ظاهرين)) وقال:((يد الله مع الجماعة)) وقال:((من فارق الجماعة قيد شبر فقد ~~خلع ربقة الإسلام من رقبته)) إلى غير ذلك من الأخيار. # وأما الموضع الثاني: وهو في أنها لاتجوز في غيرهم فالذي يدل على ذلك وجوه: # أحدها: إجماع العترة وإجماعهم حجة، والدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أنهم أجمعوا، والثاني: أن إجماعهم حجة. # أما الأصل الأول: فلك فيه طريقان: # أحدهما: أن يقال لاخلاف بينهم في الصدر الأول أنها جائزة .... وأنهم ~~أجمعوا على إمامة محمد بن عبد الله، ويحيى بن عبد الله، وزيد بن عبد الله، ~~ويحيى بن زيد وهؤلا ليس من الإثنى عشر. # الطريقة الثانية: أن نقول إذا كان في المسألة قولان بطل أحدهما تعين الحق ~~في القول الآخر، وإلا خرج الحق عن أيدي العترة وخروجه عن أيديهم لا يجوز. # وأما الأصل الثاني: وهو أن إجماع العترة حجة فسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. # الوجه الثاني: أن الأمة أجمعت على أنها لا تجوز في جميع الناس وأنه لابد ~~من شخص مخصوص بأوصاف وشروط، ثم أجمعت على أن تلك الشروط والأوصاف تصح ~~بكمالها في ولد الحسن والحسين، واختلفوا في صحة ذلك في غيرهم فتكون ثابتة ~~فيهم بالإجماع وما عداهم موقوف على الدلالة، وهذا بعد بطلان قول أصحاب النص. # الوجه الثالث: أن الأمة بين قائلين منهم من قال: بإمامة علي عليه السلام ~~وقال بالحصر ومنهم من لم يقل بإمامته ولابالحصر فلا يجوز إحداث قول ثالث ~~لأنه خرقا للإجماع على خلاف فمنهم من قال: لس بخرق للإجماع، بل يجوز إحداث ~~قول ثالث، ومنهم من قال: لايجوز. PageV01P614 # الوجه الرابع: أنها لو جازت في غيرهم لوجب أن يدل عليها دليل شرعي والمعلوم ~~أنه ليس به دليل شرعي ولا عقلي وإنما قلنا: إنه كان يجب أن يدل عليه دليل ~~شرعي فلأنها شرعية فلا توجد أوصافها ولا طرقها إلا من جهة الشرع وقلنا أنه ~~ليس به دليل شرعي ولا عقلي. # أما العقل: فلأنه يقضي بجواز الإمامة لأن فيها أمور ضارة نحو القتل ~~والقطع وإقامة الحدود. # وأما الشرع: فلأن أدلة ms539 الشرع ليس الكتاب والسنة والإجماع ولا تمسك لهم ~~شيء من ذلك وقد تعلقوا الشبه. # أما المعتزلة: فتعلقوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال:(( ~~الأئمة من قريش)) وقد تكلموا في صحة هذا الخبر ووجه دلالته. # أما صحته فقالوا: إن أبا بكر استدل به يوم السقيفة ولم ينكر قيله أحد من ~~الصحابة، وكان السبب في امتناع الأنصار عن المبايعة لسعد بن عبادة لأنه ليس ~~من قريش لأنهم قد أرادوا العقد له حتى احتج أبو بكر بهذا الخبر. # وأما وجه دلالته فإنه ورد بلفظ الجمع وهو قول الأئمة من قريش وذلك يقتضي ~~استغراق جنس قريش. # والجواب من وجوه: # أحدها: أنه لو كان صحيحا لنقله ابن جرير وغيره ممن استقصىفي أخبار يوم ~~السقيفة ولم يذكره. # الوجه الثاني: إنه إن صح فهو آحادي ومسألتنا قطعية. # الوجه الثالث: أنه لو صح لما قال عمر: لو كان سالم مولى حذيفة حيا ما ~~خالجتني فيه الشكوك يعني أنه يكون إماما وهو ليس من قريش. # الوجه الرابع: أن دعوى الإجماع باطل لا إجماع أهل السقيفة ولا إجماع ~~الصحابة. # أما أهل السقيفة فلأن سعد بن عبادة كان معهم في السقيفة، ثم خرج غاضبا من ~~المدينة. # وأما إجماع الصحابة فلأنه لم يحضر علي عليه السلام معهم ولا بنو هاشم. # الوجه الخامس: أن من للتبعيض لأن التبعيض يفيد الجنس، والجنس لا يفيد ~~التبعيض مثل قولك: لا تأكل من العسل، وهذا ضعيف لأنهم يقولون إن غرضنا جنس ~~مشاع في قريش والبعض يبطله. PageV01P615 # الوجه السادس: إنا وإن سلمنا أنها لبيان الجنس وأنها ليست بمستعملة في ~~التبعيض، ولكن الخبر معارض للدلالة القاطعة التي قدمناها فيجب التأويل ~~فنحملها على بعض الخصوص وهم من ذكرنا لبيان الدلالة. # وأما شبهة الخوارج فاحتجوا بالكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: ~~{وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} قالوا: أولي الأمر: هم ~~الأئمة. # والجواب من وجهين: # أحدهما: أنه لا حجة لكم في ظاهر الآية. # الوجه الثاني: إنا وإن سلمنا أن المراد بأولي الأمر هم الأئمة فليس فيه ms540 ~~دلالة على أنها تكون في جميع الناس، وقد دلت الدلالة أنها في أولاد الحسن ~~والحسين. # وأما السنة فقالوا: إن النبي صلى الله عليه وآله قال: ((أطيعوا السلطان ~~وإن كان عبدا حبشيا)). # والجواب من وجوه: # أحدها: أنه آحادي فلا يستدل به في مسألتنا. # الثاني: أنه كان يلزم أن تكون الإمامة جائزة في العبد. # الثالث: أن المراد أمر الإمام الذين يؤمرهم على الناس. # وأما الموضع الثالث: وهو أن الدعوة طريق إلى ثبوت الإمامة، والكلام من ~~هذا الموضع يقع في موضعين: # الأول: في حقيقة الدعوة وحكاية المذهب، وذكر الخلاف. # والثاني: في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا إليه. # أما الموضع الأول: فحقيقة الدعوة: هو التجرد للقيام بالأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، والعزم على ما يحمل أثقاله ومباينة الظالمين، ولا بد مع ~~هذا من إظهار أمره. # وأما حكاية المذهب وذكر الخلاف، فمذهبنا أن الدعوة طريق إلى الإمامة فيمن ~~عدا عليا عليه السلام، والحسن والحسين لأنه منصوص عليهما. # وقالت المعتزلة: إن طريق العقد والاختيار، واختلفوا في ذلك فقال بعضهم: ~~يعقد خمسة لسادسهم، واحتجوا بيوم السقيفة، وقال بعضهم: أربعة يعقدوا ~~لخامسهم قالوا: لأن هذا أبلغ ما يعتبر في الشهود في الزنا، وقال بعضهم: ~~اثنان يعقدا للثالث كما في سائر المعاملات. PageV01P616 # وقالت العباسية: طريقها الإرث، وقالت الحشوية: طريقها القهر والغلبة، وقال ~~الجاحظ والمطرفية: إنها جزاء على الأعمال. # وأما الموضع الثاني: وهو الكلام في الدليل على ذلك، فالذي يدل على ذلك وجوه: # أحدها: قوله تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة}وقوله ~~تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير}وقوله تعالى: {ومن أحسن قولا ممن ~~دعا إلى الله}إلى غير ذلك من الآيات. # الوجه الثاني: إجماع العترة، ولك فيه طريقتان كما قدمنا: # أحدهما: أنا نقول إنه لا خلاف في الصدر الأول. # الطريقة الثانية: إذا كان في المسألة قولان بطل أحدهما تغير الحق في ~~القول الآخر. # الوجه الثالث: أن الأمة أجمعت على ذلك وإجماعهم حجة ولا دليل على خلاف ما ~~أجمعوا عليه، فلو بطل ذلك لخرج الحق عن ms541 أيديهم ولا يجوز، وهذه الدلالة ~~مبنية على خمسة أصول: # أحدها: أن الأمة أجمعت على ذلك. # والثاني: أن إجماعهم حجة. # والثالث: أنه لا دليل على خلاف ما أجمعوا عليه. # والرابع: أنه لو بطل ذلك لخرج الحق عن أيديهم. # والخامس: أن خروج الحق عن أيديهم لا يجوز، فالذي يدل على الأول أنه لا ~~خلاف بينهم أنه لا بد من الدعوة وإن اختلفوا هل هي طريق أم لا، والذي يدل ~~على الثاني قد تقدم، والذي يدل على الثالث أنا نبطل الأقوال جميعا سوى ما ذكرنا. # وأما قول المعتزلة فباطل لوجوه: # أحدها: أن العترة أجمعت على بطلان العقد والإختيار، وإجماعهم حجة، وم ~~بالله يقول: إن الصحابة قد أجمعت على العقد ولم يقع فيه نكير فكان حجة، ~~وإنما النكير في المعقود له. # الوجه الثاني: أنهم بنوا هذا على إمامة أبي بكر وقد أبطلنا إمامته فيبطل ~~ما بنوا عليها؛ لأنهم ادعوا الإجماع من الصحابة على ذلك، ومعلوم أنهم لم ~~يجمعوا وكل من أبطل إمامة أبي بكر أبطل العقد والإختيار. PageV01P617 # الوجه الثالث: أن الإمامة أمر شرعي فلا تؤخذ أدلتها وأوصافها إلا من جهة ~~الشرع ولا دلالة في الشرع تدل على أن العقد والإختيار طريق إلى ثبوت ~~الإمامة. # وأما قول العباسية فهو باطل لوجوه: # أحدها: أن الإمامة أمر شرعي على ما تقدم. # الوجه الثاني: أنه كان يلزم أن تنقسم الإمامة انقسام المواريث والتركات ~~ربع وثلث وسدس. # الوجه الثالث: أنه كان يلزم أن تستحقها النساء. # الوجه الرابع: أنا نقول إن العباس رضي الله عنه لم يدعها لنفسه وهو أقرب ~~إلى النبي صلى الله عليه، وإنما قال لعلي عليه السلام: امدد يدك لأبايعك ~~فيقول الناس عم رسول الله صلى الله عليه بايع لابن أخيه فلا يختلف عليك ~~اثنان إلى آخر ما ذكره الشيخ رحمه الله، وكذلك فإن علي بن عبد الله السجاد، ~~وعبد الله وعبيد الله وقثم ما ادعوا شيئا من هذا، بل كانوا منصرفين عن أمر ~~علي عليه السلام، وإنما حدثت هذه المقالة في زمان ظلمة بني العباس أحدثها ms542 ~~لهم ابن الراوندي يريد بذلك التقرب إليهم. # وأما قول الحشوية فباطل لوجوه: # أحدها: أن الإمامة أمر شرعي كما تقدم. # الوجه الثاني: أنه كان يلزم أن يستحقها الظلمة لأنهم قد تغلبوا. # الوجه الثالث: أنه كان يلزم أن ينقلب الحق باطلا والباطل حقا، فعند أن ~~يغلب الظالم يكون إماما، وعند أن يغلب المحق تبطل إمامته. # وأما قول الجاحط فهو باطل لوجوه: # أحدها: أن الإمامة أمر شرعي كما تقدم. # الوجه الثاني: أنه كان يلزم أن يكون إمامين أو أكثر في وقت واحد. # الوجه الثالث: أنه كان يلزم أن تكون الإمامة في النساء لأنهن يعلمن. # الوجه الرابع: أن الجزاء على الأعمال الصالحة يكون شهيا لذيذا، والإمامة ~~تكليف فلو كانت جزاء لكان قد جزى تكليفا على تكليف، وهم يحتجون بقوله ~~تعالى: {وجعلناهم أئمة لما صبروا}. # والجواب: أنا نقول المراد لأجل صبرهم إلا أنه جزاء على صبرهم. # وأما الموضع الرابع: وهو أنه لو بطل ذلك لخرج الحق عن أيديهم فذلك ظاهر. PageV01P618 # وأما الموضع الخامس: وهو أن خروج الحق عن أيدي الأئمة لا يجوز فلقول النبي ~~صلى الله عليه : ((لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين)) فالخلاف في ذلك ~~كالخلاف فيما تقدم إذا تغير الحق في القول الآخر. # وأما الموضع الرابع: وهو الكلام في الشروط، فالكلام منها يقع في موضعين: # أحدها: في تعدادها وتعييناتها. # والثاني: في وجه اشتراط كل واحد منها. # أما الموضع الأول: وهو الكلام في تعدادها وتعييناتها فهي اثنا عشر: # أحدها: أن يكون ذكرا، وأن يكون حرا، وأن يكون بالغا، وأن يكون عاقلا، وأن ~~يكون من المنصب، وأن لا يكون في وقته إمام قد تقدمت دعوته، وأن يكون عالما، ~~وأن يكون ورعا، وأن يكون فاضلا، وأن يكون شجاعا، وأن يكون سخيا، وأن يكون ~~قويا على تدبير الأمر، وزادت الإمامية ثلاثة شروط: # أحدها: أن يكون أعلم الناس، وأن يكون معصوما، وأن يظهر على يديه المعجز. # وأما الموضع الثاني: وهو في وجه اشتراط كل واحد منها فلنا في ذلك طريقان: # أحدهما: إجماع الأمة، وإجماع العترة، وإجماعها ms543 حجة إلا خلاف شاذ في إجماع ~~العترة، وهو خلاف من يقول: لا يشترط العلم وقال يكفي التقليد أو الخلاف في ~~إمامين في وقت واحد، وكل ذلك مسبوق بالإجماع. # فأما المنصب فلا خلاف فيه على الجملة إلا خلاف الخوارج وهو مسبوق ~~بالإجماع. # الطريقة الثانية: أن يبين وجه اشتراط كل واحد على حد. # أما الوجه الذي لأجله يجب أن يكون ذكرا حرا؛ فلأن الإمامة لا تجوز في ~~النساء لتعذر التصرف عليهن. # وأما العبيد فلكون تصرفهم مملوك، وأما أن يكون بالغا عاقلا؛ فلأن الصبي ~~والمجنون لا يصلحان للإمامة لعلة تصرفهم وتغيره. PageV01P619 # وأما وجه اعتبار المنصب فقد تقدم، وأما أنه لا يكون في وقته إمام قد سبقت ~~دعوته، فمذهبنا أنه لا يجوز إمامان في وقت واحد، والخلاف في ذلك مع الخوارج ~~فإنهم أجازوا ذلك إذا تباعدت الديار، وقد روي هذا عن الناصر عليه السلام ~~وليس بصحيح عنه، ثم إنا نقول: إذا وقع إمامان في وقت واحد فلا يخلو إما أن ~~يعلم أحدهما بالآخر أم لا، إن لم يعلم فلا كلام، وإن علم فلا يخلو إما أن ~~يعلم من المتقدم منهما، إن علم المتقدم أجري في سيره وبطل الآخر، ولا فرق ~~بين أن يكون المتقدم أفضل أو الآخر خلافا للناصر فإنه قال: يسلم المفضول ~~للفاضل سواء تقدمت دعوته أو تأخرت، وإن لم يعلم المتقدم منهما فلا يخلو إما ~~أن يمكن التوصل إلى العلم أم لا، إن كان يمكن التوصل إلى العلم فإن كل واحد ~~منهما يسير بسيرته إلا أنه يترك ما يفعلوا بالإمام من الأحكام حتى يعلم ~~المتقدم من المتأخر، وإن كان لا يمكن التوصل إلى معرفة السابق من هو منهما ~~فإنه يبطل عليهما جميعا، ثم يستأنف لأحدهما وقد قيل فيه إنه يقرع بينهما، ~~وأظن أنه قد قيل: أنه يطلب منهما جميعا الترك فمن يغلب بطلت عليه. # وأما وجه اشتراط العلم فنتكلم أولا في ذكر علوم الاجتهاد. # واعلم أنها ثمانية: أصول الدين، وأصول الفقه، وفروع الفقه، والكتاب ~~والسنة، والنحو واللغة، والمنطق على خلاف فيه هل ms544 هو من علوم الاجتهاد أم لا. # أما أصول الدين فيعرف ما يجوز على الله تعالى وما لا يجوز، وأن يتمكن من ~~حل الشبه وجواب الأسئلة وأن يكون متمكنا في رد المتشابه إلى المحكم. # وأما أصول الفقه فيعلم الأوامر والنواهي والعموم والخصوص، والمجمل ~~والمبين حتى يأتي على أبواب أصول الفقه. # وأما الفروع فيعلم مسائل الإجماع ومسائل الخلاف لئلا يخالف الإجماع. # وأما الكتاب فيعلم معاني الآيات التي هي متعلقة بالأحكام، وأحسب أنه قد ~~ذكر أن الذي يحتاج إلى الإمام من الكتاب خمسمائة آية. والله أعلم. ذكره ~~الغزالي. PageV01P620 # وذكر الرازي في أسرار التنزيل أن الآيات المتعلقة بالأحكام دون ستمائة آية، ~~ويعلم المحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ. # وأما السنة فيعلم ما يتعلق بالأحكام الشرعية، وأظنه روي عن السيد ط أنه ~~قال: يكفي في ذلك سنن أبي داود. # وأما اللغة فلا بد أن يعرف لغة العرب ليعرف مراد الله تعالى بخطابه. # وأما النحو فيجب أن يكون الإمام عليها، والوجه في اشتراط أن يكون عليها؛ ~~لأنه يحتاج إليها في أمور عظيمة ضارة نحو القتل والغزو وأحكام الفروج فلا ~~بد أن يكون مجتهدا لينفذ جميع ذلك من غير انتظار لاجتهاد غيره، وهذا إجماع، ~~ثم اختلفوا في أمرين: # أحدهما: القاضي هل يجب أن يكون مجتهدا أم لا؟ فمذهب الهادي والشافعي أنه ~~يجب أن يكون مجتهدا، وعند م بالله وزيد بن علي، وح: أنه لا يجب أن يكون ~~مجتهدا بل يكفيه التقليد إذا اطلع على مذهب إمامه وتمكن من معرفة مراده. # الأمر الثاني: اختلفوا هل يصح ...أن يجتهد في فن وإن لم يجتهد في غيره، ~~فمنهم من قال: يصح إذا لم يكن للمسألة تعلق بغير ذلك الفن نحو المسألة ~~الفرضية إذا لم تعلق بغير الفراض، ومنهم من قال: لا يصح. # وأما وجه اشتراط الورع، فالورع: هو العدالة وقد تقدمت حقيقتها، والذي يدل ~~على اشتراطه وجهان: # أحدهما: أنه لا خلاف في اشتراط العدالة في القاضي والشاهد والمحتسب، ~~فأولى وأحرى في الإمام. # الوجه الثاني: أنه لو لم يكن عدلا لم يوثق به ms545 فيما يحتاج إليه فيه. # وأما وجه اشتراط أن يكون فاضلا فاختلفوا في هذا الشرط، فقال ص بالله: إنه ~~مجموع هذه الشروط، وقال بعضهم: هو الورع، وقال بعضهم: إنه أمر زائد على ~~الورع وهو زيادة بعده من المحرمات حتى يكون بينه وبين المحرمات في ~~المباحات، وقد نبه على ذلك قول النبي صلى الله عليه: ((إن لكل ملك حمى وإن ~~حمى الله محارمه ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه)) يريد صلى الله عليه ~~وآله وسلم من قرب من المحيطات يوشك أن يقع فيها. PageV01P621 # وأما الشجاعة المراد بذلك أن يكون له من رباطة الجأش وقوة التدبير ما يصلح ~~معه لإمارة الجيوش وتدبير الحروب، ولا بد أن يكون له من المواطن المشهورة ~~ما تعرف به شجاعته وإن لم يكن موطن حرب كما في زيد بن علي عليه السلام فإنه ~~عرفت شجاعته في مناظرة جرت بينه وبين هشام بن عبد الملك فإنه أغلظ عليه في ~~الجواب ولم يكن أحد يفعل ذلك؛ ولأن من ليس فيه شجاعة لا يؤمن أيهادن مع ~~تمكنه وأن يفر بالجيوش أو غير ذلك. # وأما السخاء فالمراد بذلك أن يكون سخيا بوضع الحقوق في مواضعها وفي ~~أوقاتها ولا يكون معه طبيعة شح تمنعه فيؤخرها عن وقتها حتى يهلك الإسلام؛ ~~لأنه يجب أن يدفع شيئا من ماله. # وأما القوة على تدبير الأمر فهذا يتضمن شرطين: # أحدهما: أن يكون قويا في حاسته. # الثاني: أن يكون معه من جودة الرأي ما يفزع إليه في المشورة والرأي ~~السديد. # وأما ما ذكرته الإمامية من زيادة الشروط الثلاثة وهي أن يكون أعلم الناس ~~وأن يكون معصوما، وأن يظهر المعجز على يديه، فنبطلها واحدا واحدا. # أما أنه يجب أن يكون أعلم الناس، إن الإمامة أمر شرعي ولا تؤخذ أوصافها ~~وأدلتها إلا من طريق الشرع ولا دلالة في الشرع على ذلك. # الوجه الثاني: أن هذا يؤدي إلى سد باب الإمامة؛ لأنه لا يحصل لنا أن يكون ~~أعلم الناس إلا بأحد أمرين: إما بالوحي وقد انقطع بموت النبي صلى ms546 الله عليه ~~وآله أو أن يحيط الإنسان بأقطار الأرض، وهذا متعذر. # الوجه الثالث: أن الذي يحتاج إلى الإمام فيه يكفي أن يكون مجتهدا. # وأما إبطال اشتراطهم العصمة، فالذي يدل على إبطالها وجوه: # أحدها: أن الإمامة أمر شرعي فلا تؤخذ أوصافها وأدلتها إلا من جهة الشرع، ~~ولا دلالة لذلك في الشرع. # الوجه الثاني: أن هذا مبني على أن الشرائع تؤخذ عنه وقد تقدم بطلانه. # الوجه الثالث: أنه كان يلزم في أمرائه وولاته أن يكونوا معصومين؛ لأنهم ~~يحاولون من الأمور أكثر ما يحاول. # وأما اشتراطهم لظهور المعجز على يديه فباطل لوجوه: PageV01P622 # أحدها: أن الإمامة أمر شرعي فلا تؤخذ أوصافها وأدلتها إلا من جهة الشرع ولا ~~دلالة في الشرع على ذلك. # الوجه الثاني: أن هذا مبني على أن الشرائع تؤخذ منه، وهذا باطل. # الوجه الثالث: أنه قد ثبت لنا إمامة علي عليه السلام والحسن والحسين وإن ~~لم نعلم ظهور المعجز عليهم. # وأما الموضع الخامس: وهو فيما يجب على الرعية للإمام وما يجب على الإمام ~~للرعية. # أما ما يجب على الإمام فيجب عليه حفظ بيضة الإسلام، ووضع الحقوق في ~~مواضعها، والنظر في مصالح المسلمين من تفقد الطرقات والمناهل والمساجد، ~~وحفظ الأوقات والانتصاف للمظلوم من الظالم وما أشبه ذلك. # وأما ما يجب على الرعية للإمام، فاعلم أنه لا يخلو إما أن يكون إمام ~~الزمان أو الماضي، إن كان الماضي فلا يخلو إما أن يكون معصوما أو غير ~~معصوم، إن كان معصوما وجب اعتقاد إمامته والتبري ممن حاربه، وإن كان غير ~~معصوم فإن كانت صحة إمامته بالتواتر وجب اعتقادها، وإن لم تصح لم يجب. # وإن كان إمام الزمان فاعلم أنه يجب على كل الناس معرفة تكمل الشرائط ~~جميعها فيه إلا العلم فهو على ضربين: جملة، أو تفصيلا. # أما الجملة فيجب على كل أحد أن يعلمه عالما إما بالخبرة أو التواتر بأن ~~يعلم أنه يفتي ويدرس، وأنه يرجع إليه في المسائل في الفتوى. # وأما التفصيل فيكفي فيه تقليد العلماء الذين قد خبروه، ومنه قوله صلى ~~الله عليه ms547 وآله وسلم: ((من مات ولم يعرفه إمام زمانه مات ميتة جاهلية)). # وقالت الإمامية: المراد بالخبر أن الزمان لا يخلو من إمام، وقال بعضهم: ~~اطرادية أن يعرف شرائط الإمام حتى إذا قام اختبره، وقال بعضهم: يعرف الإمام ~~الذي يقوم في زمانه، وقال بعضهم: المراد به القرآن العظيم فإذا علم هذه ~~الشرائط متكاملة فيه وجب عليه اتباعه والتسليم له في الصلح والهدنة والجهاد ~~معه، وإعطاء الحقوق، ولم تجز مخالفته فيما أمر به إلى غير ذلك مما له على ~~الأمة، ويدل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع العترة وإجماع الأمة. PageV01P623 # أما الكتاب فقوله تعالى: {يا قومنا أجيبوا داعي الله...}إلى قوله: {ومن لا ~~يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض}والداعي: هو الإمام على خلاف، وقوله ~~تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}وأولوا الأمر هم ~~الأئمة أيضا. # وأما السنة فما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من سمع ~~واعيتنا أهل البيت ولم يجبها كبه الله على منخريه في نار جهنم)). # وأما إجماع الأمة فلا خلاف بينهم في ذلك. # وأما إجماع العترة فاعلم أنهم أجمعوا، وإجماعهم حجة، أما أنهم أجمعوا على ~~ذلك فلا خلاف بينهم. # وأما أن إجماعهم حجة فالكلام منه يقع في موضعين: # أحدهما: في حكاية المذهب وذكر الخلاف. # والثاني: في الدليل. # أما الموضع الأول: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف، فمذهبنا أن إجماعهم ~~حجة وهو قول الشيخ أبي هاشم وأبي عبد الله البصري، ومذهب سائر الفرق أن ~~إجماعهم ليس بحجة. # وأما الموضع الثاني: وهو في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا ~~إليه، فالذي يدل على ذلك الكتاب والسنة. # أما الكتاب فقوله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~ويطهركم تطهيرا}والكلام من هذه الآية يقع في موضعين: # أحدهما: أنها نزلت فيهم. # والثاني: في وجه دلالتها على عصمتهم. # أما أنها نزلت فيهم، فالذي يدل على ذلك وجهان: # أحدهما: أنه قال أهل البيت، وأهل بيت الرجل في اللغة: قرابته ونسبه. # قال ص: إذا أطلق أهل بيت النبي صلى ms548 الله عليه وآله وسلم فإنه لا يسبق إلى ~~الفهم إلا أنهم علي وفاطمة والحسن والحسين وأولادهما. PageV01P624 # الوجه الثاني: ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لما نزلت هذه ~~الآية جللهم بكساء فدكي فقال: ((اللهم إن هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس ~~وطهرهم تطهيرا)) فقالت أم سلمة: وأنا من أهل بيتك يا رسول الله، فقال: ~~((لست منهم وإنك لعلى خير)) واختلفوا فمنهم من قال: إن هذا هو السبب في ~~نزول هذه الآية، ومنهم من قال: إنه بعد نزولها، وكذلك فإنها لما نزلت كان ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم يغدو إلى بيت فاطمة ويضرب بيده الباب ويقول: ~~((إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)) وقد اعترضت ~~المعتزلة وذلك بأن قالوا: إنها نزلت في النساء؛ لأن أولها فيهن. # والجواب من وجهين: # أحدهما: أنها لو نزلت فيهن لقال تعالى ليذهب عنكن ويطهركن. # الوجه الثاني: أن قد دلت الدلالة القاطعة على أنها نزلت فيهم. # وأما الموضع الثاني: وهو وجه دلالتها فهو قوله تعالى: {ليذهب عنكم الرجس ~~أهل البيت}والرجس: يستعمل في أربعة أشياء: # أحدها: النجس، وعليه قوله تعالى: {أو دما مسفوحا فإنه رجس}. # والثاني: في المعاصي، وعليه قوله تعالى: {إنما الخمر والميسر...}إلى ~~قوله: {رجس من عمل الشيطان}. # والثالث: في العقاب، ويدل عليه قوله تعالى: {فزادهم رجسا إلى رجسهم}. # والرابع: في الشرير من الحيوانات قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((أعوذ بالله من الرجس النجس-يعني الرجيم)) ولا يجوز أن يكون المراد بذلك ~~إذهاب النجس؛ لأنه تعالى يريد التطهير من الحدث منهم ومن غيرهم، ولا يجوز ~~أن يريد بذلك العقاب؛ لأنه من فعل المعصية استحق العقاب كان منهم أو من ~~غيرهم، ولا يجوز أن يريد الشرير من الحيوانات؛ لأنه لا يريد أن يكون فيهم ~~شريرا ولا في غيرهم، فلم يبق إلا أنه أراد بذلك عصمتهم وإذهاب المعاصي عنهم. PageV01P625 # الآية الثانية: قوله تعالى: {هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة ~~أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي ms549 هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم ~~وتكونوا شهداء على الناس}والحجة فيها من وجهين: # أحدهما: أنه قال تعالى: {هو اجتباكم}والإجتباء: هو الاختيار والإصطفى وهو ~~لا يصطفي إلا الخيار. # الوجه الثاني: أنه قال: {وتكونوا شهداء على الناس}والشهود لا يكونون إلا ~~عدولا، وقد اعترضوا هذا بأن قالوا: يلزم في اليهود أن يكونوا عدولا؛ لأنهم ~~من أولاد إبراهيم عليه السلام. # والجواب: أنهم قد خرجوا بالإجماع. # وأما السنة فما روي عن علي عليه السلام أنه قال: (أيها الناس اعلموا أن ~~العلم الذي أنزله الله تعالى على الأنبياء من قبلكم في عترة نبيكم فأين ~~يتاه بكم عن أمر تنوسخ من أصلاب أصحاب السفينة حتى صار هؤلاء مثلها فيكم ~~وهم كالكهف لأصحاب الكهف وهم باب السلم فادخلوا في السلم كافة، وهم باب حطة ~~من دخله غفر له- فقال عليه السلام-وعني حجة قالها في حجة الوداع: ((إني ~~تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي ~~فإنه نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)) والحجة في ~~ذلك من وجهين: # أحدهما: أنه قال: ((ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبدا)) فأمننا من ~~الضلال إذا تمسكنا بهم لأنتم على الحق والصواب. # والثاني: أنه قرنهم بالكتاب وقد ثبت أن الكتاب حجة، فكذلك ما قرن به يجب ~~أن يكون حجة. PageV01P626 # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أهل بيتي أمان لأهل الأرض كما أن النجوم ~~أمان لأهل السماء فإذا ذهب أهل بيتي من الأرض أتى أهل الأرض ما يوعدون، ~~وإذا ذهبت النجوم من السماء أتى أهل السماء ما يوعدون)) وقال صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها ~~غرق وهوى)) وأهل بيت الرجل: هم عترته لا خلاف أن أمة نوح هلكت كلها إلا من ~~ركب السفينة، فكذلك أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم يجب أن تكون هالكة ~~إلا من تمسك بالعترة، واعترضوا على هذا بأن قيل: إن هذا بناء على أن الحسن ~~والحسين ms550 عليهما السلام ابنان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهما ~~ابناء بنته، وابن البنت لا يكون أبناء لأبيها، وعليه قول الشاعر: # بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد # والجواب أنا نقول: هما ابناه، والدليل على ذلك الكتاب والسنة. # أما الكتاب فقوله تعالى: {فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ~~ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين}والمعلوم ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يخرج يوم المباهلة إلا بعلي وفاطمة ~~والحسن والحسين عليهم السلام فكان الأبناء هم الحسن والحسين، والنساء هم ~~فاطمة، والأنفس هم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي عليه السلام. # وأما السنة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((كل بني بنت ينتمون إلى ~~أبيهم إلا ولدي الحسن والحسين فأنا أبوهما وعصبتهما وأعقل عنهما)) والحسن ~~كان يقول للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا أبه، ولعلي يا أبا الحسين، ~~والحسين كان يقول للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا أبه، ولعلي عليه ~~السلام يا أبا الحسن. # فإن قيل: فقد قال تعالى: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله ~~وخاتم النبيين}. # والجواب من وجهين: # أحدهما: أنهما كانا صبيين في ذلك اليوم ولم يكونا بعد من الرجال. PageV01P627 # والوجه الثاني: أنه كان يتبنى بعضهم بعضا، وكان النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قد تبنى زيد بن حارثة، فكان يدعى زيد بن محمد فنزلت هذه الآية نسخا ~~لذلك، فهذا هو الكلام في مسائل الاعتقاد. # واعلم أن الشيخ رحمه الله تعالى لما فرغ من مسائل الاعتقاد ألحقها ~~بالكلام في التقليد وإن كان موضعه أول الكتاب، لكن الشيخ رحمه الله تعالى ~~لما قسم الكتاب إلى أربعة أبواب لم ير موضعا يليق للتعليل إلا هذا الموضع، ~~وإن كان العلماء رحمهم الله تعالى يذكرونه في أول الكتاب لأنه حثا للقاري ~~على النظر، والكلام منه يقع في ثلاثة مواضع: # أحدها: في حقيقته لغة وشرعا. # والثاني: في حكاية المذهب وذكر الخلاف. # والثالث: في الدليل. # أما الموضع الأول: فحقيقة التقليد في ms551 اللغة مأخوذة من القلادة للبعير ~~فسمي المقلد مقلدا لما كان يأخذ شرك العالم يجعله له قلادة، والمقلد لا ~~يسمى مقلدا حقيقة، ولكن من حيث أنه متبع. # وأما حقيقته في الاصطلاح: فقال السيد مانكديم أحمد بن الحسن صاحب شرح ~~الأصول -قدس الله روحه في الجنة-: هو قبول قول الغير من غير أن يطالبه بحجة ~~ولا بينة، وهذا معترض من وجهين: # أحدهما: أن يقال إن الحجة هي البينة فيكون تكرارا في الحد. # الوجه الثاني: أن علماء المخالفين ليس معهم حجة ولا بينة، وإنما معهم ~~شبهة فيلزم أن يكون متبعوهم مقلدين لأنهم اتبعوهم من غير حجة ولا بينة، ~~والمعلوم أنهم غير مقلدين لهم لأنهم إنما اتبعوهم لأجل الشبهة، وإنما ~~الصحيح أن يقال من غير حجة ولا شبهة. # قلنا: قبول قول الغير من غير حجة احترازا ممن يتبع النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فإنه لا يسمى مقلدا؛ لأنه قد طالبه بحجة. PageV01P628 # قلنا: ولا شبهة يخرج منه علماء المخالفين فإنهم ليسوا بمقلدين، ولكنهم ~~متمسكون بشبهة، وقال ابن الملاحمي: هو إجراء قول من قوله ليس بحجة وهو ~~العالم فجرى قول من قوله حجة في وجوبه الاتباعي من غير دلالة يعني من غير ~~دلالة مبيحة للتقليد، فيخرج من ذلك التقليد في الفروع لأن الدلالة قد ~~أجازته، وإذا أردت إدخال التقليد في الفروع في الحد حذفت قوله من غير ~~دلالة، وهذه معترضة من وجوه: # أحدها: أن قولنا تقليد أوضح من هذا. # الثاني: أنه يلزمه أن يكون مخبرا للتقليد مقلد. # الثالث: أنه قال في وجوب الاتباع والتقليد غير واجب. # وأما الموضع الثاني: وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف فاعلم أنهم اختلفوا ~~في خمسة أقوال، فمنهم من أجازه في الأصول والفروع وهو أبو إسحاق بن عياش ~~وأبو القاسم البلخي أجازه للفرق والغبيبة ومن يبعد فهمه، وقال القاسم بن ~~إبراهيم عليه السلام: مقلد المحق ناجي، ومنهم من لم يجزه لا في الفروع ولا ~~في الأصول وهم بعض البغداديين وأحد قولي الشيخ أبي علي الجبائي، ومنهم من ~~توسط وهو على ثلاثة ms552 أقوال: # أحدها: أن التقليد يجوز فيما لا يحتاج فيه إلى الاعتقاد وهو مسائل ~~الفروع، وهذا هو مذهبنا. # القول الثاني: أنه يجوز في الأصول ولا يجوز في الفروع وهو قول بعض ~~الفقهاء. # القول الثالث: أحد قولي أبي علي الجبائي أنه لا يجوز رده فيما كان عليه ~~دلالة، وما لم يكن عليه دلالة أجاز التقليد فيه. # وأما الموضع الثالث: وهو الكلام في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ~~ما ذهبوا، فالذي يدل على ذلك العقل والسمع. # أما العقل فوجوه: # أحدها: أن التقليد إقدام على ما لا يأمن المرء كونه خطأ، والإقدام على ما ~~لا يأمن المرء كونه خطأ قبيح، وهذه الدلالة مبنية على أصلين: # أحدهما: أن التقليد إقدام على ما لا يأمن المرء كونه خطأ. PageV01P629 # والثاني: أن الإقدام على ما لا يأمن المرء كونه خطأ قبيح، فالذي يدل على ~~الأول أنه لا يحصل الأمان إلا بالعلم، ولا علم مع المقلد، وهذه الدلالة ~~مبنية على أصلين: # أحدهما: أن الأمان لا يحصل إلا بالعلم. # والثاني: أنه لا علم مع المقلد. # أما الأصل الأول فظاهر أنه مع الشك لا يأمن. # وأما الأصل الثاني: وهو أنه لا علم مع المقلد، فالذي يدل على ذلك أن ~~العلم لا يحصل للمقلد إذ لو حصل لم يكن مقلدا. # وأما الأصل الثاني: وهو أن الإقدام لا يؤمن كونه خطأ قبيح، فالذي يدل على ~~ذلك أنه يجري مجرى من يفعل القبيح، ولا فرق بينهما وصار الحال فيه كالحال ~~في الخبر الذي يجوز كونه كذبا. # الوجه الثاني: أنه لا يخلو إما أن يقلد من لا يؤمن خطؤه أو من يؤمن خطؤه، ~~فإن قالوا: بتقليد من لا يؤمن خطؤه لزم في جميع الفرق أن يكونوا محقين، وإن ~~قالوا: بتقليد من يؤمن خطؤه فلا يخلو إما أن يحصل لهم الأمان بالضرورة أو ~~بالاستدلال أو بمقلد آخر، فإن قالوا: حصل بالضرورة فلا طريق إلى ذلك، وإن ~~قالوا: حصل بالاستدلال فلا طريق إليه أيضا؛ إ ذ لو كان إليه طريق لم يكن ~~مقلدا، وإن كان ms553 حصل لمقلد آخر لزم التسلسل. # الوجه الثالث: أن الله تعالى قد نصب الدلالة القاطعة فلا يجوز العدول إلى ~~التجويز مع نصب الدلالة القاطعة. # الوجه الرابع: أنه لا يخلو إما أن يقلد أرباب المذاهب جميعها أو بعضها ~~دون بعض أو لا يقلد فهو الذي نقوله وإن قلد جميعه أدى إلى الاعتقادات ~~المناقضات، وإن قلد بعضها دون بعض فلا مخصص، فإن قالوا: إنا نقول يقلد من ~~له مزية وهو أهل الزهد والتقشف. # فالجواب من وجوه: # أحدها: أن القسمة باقية لأن في كل فرقة زهادا وعبادا فنقول لا يخلو إما ~~أن يقلد جميع الزهاد من الفرق أو لا يقلدهم أو يقلد البعض دون البعض كما تقدم. # الوجه الثاني: أنه إن كان يؤدي إلى انقلاب الحق باطلا والباطل حقا؛ لأن ~~الزهاد قد ينلقبوا من فرقة إلى فرقة. PageV01P630 # الوجه الثالث: أن الزهد والتقشف ليس بدلالة على الحق فإن الأحبار والرهبان ~~كانوا زهادا متقشفين وقد ذمهم الله تعالى وقال: {مثل الذين حملوا التوراة ~~ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا}فإن قالوا: نحن نقول يقلد الكثير. # فالجواب من وجوه: # أحدها: أنه كان يلزم أن يكون أتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير ~~محقين؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان في ابتداء الأمر في قلة. # الوجه الثاني: أن الكثرة ليست من أمارات الحق ولا القلة من أمارات ~~الباطل، ولهذا فإن الله قد ذم الأكثرين عددا ومدح الأقلين عددا، فقال تعالى ~~في مدح الأقلين: {وما آمن معه إلا قليل}وقال تعالى: {وقليل ما هم}وقال ~~تعالى: {وقليل من عبادي الشكور}إلى غير ذلك، وقال في ذم الأكثرين: {وإن تطع ~~أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله}وقال تعالى: {وما أكثر الناس ولو حرصت ~~بمؤمنين}وقال: {ولكن أكثرهم لا يعلمون}ويؤكد ذلك ما روي عن الحرب بن حوط ~~أنه قال لأمير المؤمنين عليه السلام: أترى أهل الشام مع كثرتهم على الباطل ~~فإن أهل العراق مع قلتهم على الحق فقال: يا حار إنه لمطموس عليك إن الحق لا ~~يعرف بالرجال وإنما الرجال يعرفون ms554 بالحق فاعرف الحق تعرف أهله قلوا أم ~~كثروا، واعرف الباطل تعرف أهله قلوا أم كثروا إلى غير ذلك. # الوجه الثالث: أن الكثرة قد تنقلب قلة والقلة قد تنقلب كثرة. # الوجه الرابع أن قد يكونون على سواء. # وأما الدليل من جهة السمع فالكتاب والسنة. # أما الكتاب فقوله تعالى: {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا ~~العذاب...}إلى آخرها، وقوله تعالى: {إنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على ~~آثارهم يهرعون}وقوله تعالى: {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم ~~مقتدون}. PageV01P631 # وأما السنة فما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من أخذ ~~دينه في التفكر في آلاء الله والتدبر لكتابه والتفهم لسنتي زالت الرواسي ~~ولم يزل، ومن أخذ دينه عن أفواه الرجال قلدهم فيه ذهبت به الرجال من يمين ~~إلى شمال وكان من دين الله على أعظم زوال)) وما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم أن رجلا أتاه فقال يارسول الله أخبرني بكلمات جوامع نوافع، فقال: ~~((اعبد الله تعالى ولا تشرك به شيئا وزل مع القرآن حيث زال وقال من أتاك ~~بالحق فاقبله وإن كان عبدا بغيضا، ومن أتاك بالباطل فاردده وإن كان حبيبا ~~قريبا)) قال زدني، قال: ((لا أجد)) وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((واقنع ~~بقبول الحق من حيث ورد عليك وميز بعقلك ما اشتبه عليك فإنه حجة الله عليك ~~ووديعته عندك وبرهانه فيك)) وفي ذلك كفاية لمن أنصف نفسه ولم يعم التعصب ~~عين بصيرته. # وأما أحد قولي أبي علي في أنه لا يجوز التقليد في الفروع فباطل لوجهين: # أحدهما: الإجماع فإنه لا خلاف بين الصحابة أنهم كانوا يوجبون على العوام ~~السؤال والتقليد، ولم يطلبوا سوى ذلك من الأدلة السمعية ومعرفتها وأن ~~يكونوا علماء. # الوجه الثاني: أنا نقول لا يخلو إما أن يوجبوا على العامي أن يكون مجتهدا ~~في وقت نزول الحادثة أو قبل ذلك، فإن قلتم يجب في وقت نزول الحادثة فذلك ~~مستحيل، وإن قلتم أن يكون مجتهدا قبل ذلك فكان يلزم أن يوجب على ms555 العوام ~~التعليم في الابتداء، وينكر عليهم إذا تركوا ويؤمروا بالتعليم ولا يشتغلوا ~~بشيء من الزراعة والنجارات وسائر الصناعات، والمعلوم خلاف ذلك فما أنكر ~~عليهم أحد في عصر من الأعصار، فإن قلبوا علينا وقالوا إن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم لم يكن يطلب في وقته من العرب إلا الشهادتين فقط ولم يطلب ~~منهم نظرا ولا استدلالا في معرفة الله تعالى فيلزمكم أن يجوز التقليد في ~~معرفة الله تعالى وسائر مسائل الاعتقاد. PageV01P632 # والجواب عن هذا أن هذا أمر عقلي دليله مركب في عقولهم فيحملهم النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم على أن قد نظروا واستدلوا بخلاف مسائل الفروع فإن ~~طريقها ليس بمركب في عقولهم، بل هو مبني على الكتاب والسنة. ms556