######OpenITI# #META# bkid: 14224 #META# bk: العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام #META# المؤلف: علي بن إبراهيم بن داود بن سلمان بن سليمان، أبو الحسن، علاء الدين ابن العطار (المتوفى: 724 ه) #META# وقف على طبعه والعناية به: نظام محمد صالح يعقوبي #META# الناشر: دار البشائر الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان #META# الطبعة: الأولى، 1427 ه - 2006 م #META# عدد الأجزاء: 3 (في ترقيم مسلسل واحد) #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] #META# inf: None #META# auth: ابن العطار #META# authinf: ابن العطار (654 - 724 ه = 1256 - 1324 م). علي بن إبراهيم بن داود بن سلمان بن سليمان، أبو الحسن، علاء الدين ابن العطار. • فاضل من أهل دمشق، كان أبوه عطارا وجده طبيبا. • باشر مشيخة المدرسة النورية مدة 30 سنة وفلج سنة 701 فكان يحمل في محفة، وكتب بشماله مدة. • له مصنفات، منها. «الوثائق المجموعة - خ». «الاعتقاد الخالص من الشك والانتقاد - خ» [ثم طبع]. «آداب الخطيب - خ». «إحكام شرح عمدة الأحكام». كتاب في «فضل الجهاد». وآخر في «حكم الاحتكار عند غلاء الأسعار». «رسالة في أحكام الموتى وغسلهم - خ». ورتب «فتاوى النووي - خ» على أبواب الفقه (كما في تذكرة النوادر 62). وخرج له أخوه لأمه بالرضاع شمس الدين الذهبي «مشيخة» قال ابن حجر: ولم يكن بالماهر مثل الأقران الذين نبغوا في عصره. نقلا عن: «الأعلام» للزركلي #META# tafseernam: None #META# islamshort: 0 #META# onum: 14224 #META# over: 1 #META# seal: 97113024 #META# oauth: 694 #META# bver: 1 #META# pdf: 1 #META# oauthver: 3 #META# vername: None #META# cat: شروح الحديث #META# lng: علي بن إبراهيم بن داود بن سلمان بن سليمان، أبو الحسن، علاء الدين ابن العطار #META# higrid: 724 #META# ad: 724 #META# aseal: 3D7490D5 #META# blnk: None #META# pdfcs: 2 #META# shrtcs: 0 #META# ScrapeDate: 2019-10-16 #META# ScrapeURL: http://shamela.ws/index.php/book/14224 #META#Header#End# ### | CHECK مقدمة المؤلف # بسم الله الرحمن الرحيم # رب يسر # (1 وأتمم بخير من غير ضير 1) # وصلى الله على محمد وآله # الحمد لله الواحد المعبود، الواجد الماجد الودود، الغني عن طاعة الطائع ~~ولا يعجل على الكنود، القوي لا بكثرة الأعوان والجنود، الأول الذي لا يوصف ~~بابتداء الوجود، الآخر الباقي بعد كل مخلوق قضي عليه بالفناء والخلود، ~~الظاهر فلا يمكن دفع وجوده بالجحود، الباطن فلا يخفى عليه خافية في الغيب ~~والشهود. # أحمده على ترادف فضله المعهود، وأسأله تحقيق الأمل بكرم عفوه الموعود. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة لا شك فيها ولا عنود، ~~وأنه الأحد الصمد الذي تنزه عن الوالد والمولود. # وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صاحب اللواء المعقود، ورسوله المخصوص في ~~القيامة بالحوض المورود، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه (¬2) الركع ~~السجود، القائمين بحقوقه الموفين بالعهود. # أما بعد: # فقد سألني جماعة من أصحابي في شرح كتاب "العمدة في الأحكام" من PageV01P039 # أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للإمام الحافظ أبي محمد عبد ~~الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي - رحمه الله -، سهل العبارة، ~~موضحة من غير إشارة؛ ليفهمه المبتدي، ولا يزدريه الفاضل المنتهي. # فأجبتهم إلى ذلك بعد الاستخارة، رجاء نفعهم، وطلب ثواب الله تعالى، وحصول ~~البشارة. # وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب، وهو حسبي ونعم الوكيل، ~~سبحانه هو ولي أهل الإحسان. # وسميته: كتاب "العدة في شرح العمدة". # والله تعالى يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن ييسره على أكمل الوجوه، منجيا ~~لقارئه وكاتبه والمشتغل به من كل محذور ومكروه وشدة، آمين. # وأتكلم -إن شاء الله تعالى- في كل حديث على راويه من الصحابة، ثم على ~~ألفاظه، ثم على معانيه، ثم على أحكامه. # وأرجو من فضل الله تعالى إن تم أن يكون شافيا نافعا. # وعلى الله تعالى اعتمادي، وإليه تفويضي واستنادي، استعنت بالله، توكلت ~~على الله، فوضت أمري إلى الله، أسلمت وجهي إلى الله، ما شاء الله لا قوة ~~إلا بالله، لا يأتي بالخير إلا الله، ms0001 ولا يصف السوء إلا الله، وأستودعه ~~ديني وبدني وقلبي وأمانتي وجميع أموري، ووالدي وأحبابي والمسلمين أجمعين، ~~وجميع عباد الله الصالحين من سكان السموات والأرضين. # * * * PageV01P040 ### || CHECK [باب] ### | AUTO كتاب الطهارة ### ||| AUTO الحديث الأول # عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: "إنما الأعمال بالنية -وفي رواية: بالنيات-، وإنما لكل امرئ ~~ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت ~~هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه" (¬1). # بدأ المصنف به؛ لتعلقه بالطهارة، واقتداء بالسلف، والبداءة به في ~~تصانيفهم. # وهذا الحديث لم يروه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا عمر بن الخطاب، ~~وقيل: رواه عنه غيره، ولم يصح، والله أعلم. # وهو أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام. # قال الشافعي وأحمد بن حنبل -رحمهما الله-: يدخل في حديث: "الأعمال ~~بالنية" ثلث العلم (¬2). PageV01P041 # وقال الشافعي: يدخل هذا الحديث في سبعين بابا من الفقه (¬1). # وليس معنى كلام الشافعي - رحمه الله - انحصاره في السبعين، وإنما مراده ~~المبالغة في الكثرة، والله أعلم. # أما راويه فهو: أبو حفص عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح ~~-بكسر الراء ثم الياء المثناة من تحت- بن عبد الله بن قرط بن رزاح -بفتح ~~الراء ثم الزاي- بن عدي بن كعب، القرشي العدوي؛ يجتمع مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في كعب بن لؤي -بالهمز وتركه-. # أسلم قديما، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو ~~أول من سمي أمير المؤمنين عموما، وسمي قبله به خصوصا عبد الله بن جحش على ~~سرية في اثني عشر رجلا. # وهو أول من مصر الأمصار، وفتح الفتوح، وهو أحد العشرة المشهود لهم ~~بالجنة، وثاني الخلفاء، وسمي الفاروق لفرقانه بين الحق والباطل بإسلامه ~~وظهور ذلك. # وكان من محدثي هذه الأمة، ونزل القرآن بموافقته في ستة أشياء. # ومناقبه أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تذكر، يحتمل ذكرها مجلدات. # روي له عن رسول الله - صلى ms0002 الله عليه وسلم - خمس مئة حديث، وتسعة وثلاثون ~~حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على ستة وعشرين حديثا، وانفرد البخاري ~~بأربعة وثلاثين حديثا، ومسلم بأحد وعشرين حديثا. # وولي الخلافة عشر سنين وخمسة أشهر، وقيل: ستة، وقتل يوم الأربعاء لأربع ~~بقين من ذي الحجة، وقيل: لثلاث، سنة ثلاث وعشرين، وهو ابن ثلاث وستين على ~~الأصح، ودفن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيت عائشة - رضي الله ~~عنها -، وصلى عليه صهيب بن سنان الرومي - رضي الله عنه - (¬2). PageV01P042 # وأما لفظه: # فقوله: "سمعت" هي أرفع صيغ الرواية، ثم: حدثنا، وأخبرنا، كذا قاله الخطيب ~~البغدادي (¬1). # وقال أبو عمرو بن الصلاح: "حدثنا"، و"أخبرنا" أرفع من "سمعت" من جهة؛ إذ ~~ليس في "سمعت" دلالة أن الشيخ رواه إياه، بخلافهما (¬2). # وقوله: "رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " اختلف أئمة الحديث هل يجوز ~~تغيير "قال النبي" إلى: "قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"، أو عكسه؟. # فقال أبو عمرو بن الصلاح: الظاهر أنه لا يجوز، وإن جازت الرواية بالمعنى؛ ~~لاختلاف معنى النبوة والرسالة، قال: والصواب -والله أعلم- جوازه؛ لأنه لا ~~يختلف به هنا معنى، وهذا مذهب أحمد بن حنبل، وحماد بن سلمة، والخطيب (¬3). # ولفظة "إنما" للحصر عند جمهور اللغويين والأصوليين وغيرهم، فتثبت الحكم ~~في المذكور، وتنفيه عما عداه، ولكن نفيه عما عداه بمقتضى موضوعها، أو هو من ~~طريق المفهوم، وفيه بحث. # وهي تقتضي الحصر المطلق والمقيد، ويفهم ذلك بالقرائن والسياق، فإن دل ~~السياق والمقصود من الكلام على الحصر في شيء مخصوص، فقل به، وإلا فاحمله ~~على الإطلاق. PageV01P043 # والنية -بتشديد الياء على المشهور، وحكي تخفيفها-، وهي القصد، وهو: عزم ~~القلب على الشيء، والمراد هنا: العزم على الفعل تقربا إلى الله تعالى. # والهجر في اللغة: الترك، وهو ترك الوطن وغيره هنا (¬1). # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته ~~إلى الله ورسوله". # القاعدة عند أهل العربية المتقررة أن الشرط والجزاء والمبتدأ والخبر لا ~~بد أن يتغايرا، وها هنا وقع الاتحاد في قوله: "فمن كانت هجرته" إلى آخره، ms0003 ~~فلا بد أن يقدر له شيء، وهو: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نية وقصدا، ~~فهجرته إلى الله ورسوله حكما وشرعا. # ووقعت الهجرة في الإسلام على أوجه: # أحدها: إلى الحبشة عندما آذى الكفار الصحابة. # الثانية: من مكة إلى المدينة. # الثالثة: هجرة القبائل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # الرابعة: هجرة من أسلم من أهل مكة ليأتي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، ثم يرجع إليها. # الخامسة: هجرة ما نهى الله عنه. # ومعنى الحديث وحكمه يتناول الجميع، غير أن الحديث ورد على سبب، على ما ~~سيأتي، والعبرة بعموم اللفظ. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ومن كانت هجرته الى دنيا"، الدنيا -بضم ~~الدال على المشهور-، وحكى ابن قتيبة وغيره كسرها، وجمعها دنا؛ ككبرى وكبر، ~~وهي من دنوت؛ لدنوها وسبقها الدار الآخرة، وينسب إليها: دنيوي، ودنيي، وقال ~~الجوهري وغيره: ودنياوي (¬2). PageV01P044 # وفي حقيقتها قولان للمتكلمين: # أحدهما: ما على الأرض مع الجو والهواء. # والثاني: كل المخلوقات من الجواهر والأعراض الموجودة قبل الدار الآخرة، ~~وهو الأظهر. # وقوله: "دنيا" -مقصور غير منون على المشهور-، وهو الذي جاءت به الرواية، ~~ويجوز في لغة غريبة تنوينها، وروى ابن الأعرابي بيت العجاج في جمع دنيا: # دنيا طال ما قد عنت # بالتنوين، والمشهور فيه بلا تنوين. # وقوله: "أو امرأة يتزوجها" أي: ينكحها كما جاء في الرواية الأخرى، وقد ~~تستعمل بمعنى الاقتران بالشيء، ومنه قوله تعالى: {وزوجناهم بحور عين} ~~[الدخان: 54] أي: قرناهم، عند الأكثرين. # وقال مجاهد والبخاري وطائفة: أنكحناهم. # فإن قيل: كيف ذكرت المرأة مع الدنيا مع أنها داخلة فيها؟ فالجواب: أنه ~~جاء أن سبب هذا الحديث: أن رجلا هاجر من مكة إلى المدينة ليتزوج امرأة تسمى ~~أم قيس، لا لقصد فضيلة الهجرة، فقيل له: مهاجر أم قيس (¬1)، فلهذا خص ذكر ~~المرأة، وإن كانت أعظم أسباب الدنيا، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: ~~"ألا إن الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا: المرأة الصالحة" (¬2). # فالغالب أنها شر متاع الدنيا دون سائر ما ينوى به الهجرة من أفراد ~~الأعراض PageV01P045 # الدنيوية، ولهذا قال - صلى الله ms0004 عليه وسلم -: "ما تركت بعدي فتنة هي أضر ~~على الرجال من النساء" (¬1). # وقد صنف الإمام أبو الفرج بن الجوزي وغيره أسباب الحديث، كما صنف الواحدي ~~وغيره أسباب النزول للقرآن، والله أعلم. # وقد يجاب أيضا: بأن المرأة لا يلزم دخولها في هذه الصيغة؛ لأن لفظة ~~"دنيا" نكرة، وهي لا تعم في الإثبات، فلا تدخل المرأة فيها، وقد يكون ذكرها ~~من باب التنبيه على زيادة التحذير منها؛ كذكر الخاص بعد العام تنبيها على ~~مرتبته، كما في ذكر جبريل وميكائيل بعد الملائكة، وذكر الصلاة الوسطى بعد ~~الصلوات في المحافظة، وذكر محمد ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم -صلى ~~الله عليه وعليهم أجمعين- بعد النبيين في أخذ الميثاق عليهم، وليس منه ~~النخل والرمان بعد ذكر الفاكهة، وإن كان قد غلط بعض الناس فيه، فعده منه؛ ~~لأن فاكهة نكرة في سياق الإثبات، فلا تعم، والله أعلم. # أما معانيه، فتقدم بعضها في ألفاظه. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الأعمال بالنيات" لا بد فيه من ~~إضمار، ولا جائز أن يكون المضمر: وجودها؛ لوجود العمل ولا نية، فتعين أن ~~يكون المضمر الصحة أو الكمال، وتقدير الصحة ألزم؛ لأنه أقرب إلى خطوره ~~بالذهن عند الإطلاق، فالحمل عليه أولى، وقد يقدرونه بالاعتبار، وقرب ذلك ~~بمثل؛ كقولهم: إنما الملك بالرجال؛ أي: قوامه ووجوده، وإنما الرجال بالمال، ~~وإنما الرعية بالعدل، وكل ذلك يراد به أن قوام هذه الأشياء بهذه الأمور. # وعلى تقدير إضمار الصحة أو الكمال، وقع اختلاف الفقهاء، فذهب الشافعي ~~والجمهور إلى تقدير الصحة، وذهب أبو حنيفة ومن وافقه إلى تقدير PageV01P046 # الكمال، وقدر بعض المحدثين القبول، وهو راجع إلى ثواب الآخرة، وهو مرتب ~~على الصحة والكمال، وقد تنفك الصحة عن القبول بالنسبة إلى أحكام الدنيا ~~فقط، والأعمال تطلق على الجوارح والقلوب، قولا كان العمل أو فعلا، لكن ~~الأسبق إلى الفهم تخصيصه بالجوارح، لكن في الشرعيات فهو يستعمل فيهما، ~~فيقال: أعمال القلوب، وأعمال الجوارح، وخصص بعضهم أعمال الجوارح بما عدا ~~القول، وهو غلط؛ لاتفاقهم على أن اللسان جارحة، والقول عمله، نعم يستعمل ms0005 ~~القول والعمل في معرض التقابل، أما أن القول لا يسمى عملا، فلا. # قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وإنما لكل امرئ ما نوى" مقتضاه أن من نوى ~~شيئا، يحصل له، وما لم ينوه، لا يحصل له، ولهذا عظموا هذا الحديث، وجعلوه ~~داخلا في ثلث العلم، أو نصفه، والمراد بالحصول وعدمه بالنسبة إلى الشرع، ~~وإلا فالعمل قد حصل، لكنه غير معتد به، وسياق الحديث يدل عليه بقوله: "ومن ~~كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه". # فإن قيل: فما فائدة ذكر الثاني بعد الأول؟ # قلنا: فائدته اشتراط تعيين المنوي، فمن كان عليه صلاة مقضية، لا يكفيه أن ~~ينوي الصلاة الفائتة، بل لا بد أن ينوي كونها ظهرا أو عصرا أو غيرهما. # ولولا اللفظ الثاني، لاقتضى الأول صحة النية بلا تعيين، أو أوهم ذلك. # وكون هذا الحديث ثلث العلم، قال البيهقي وغيره: معناه أن كسب العبد بقلبه ~~ولسانه وجوارحه، فالنية أحد أقسامه الثلاثة وأرجحها؛ لأنها تكون عبادة ~~بانفرادها، بخلاف القسمين الآخرين، ولهذا كانت نية المؤمن خيرا من عمله؛ ~~لأن القول والعمل يدخلهما الفساد بالرياء ونحوه، بخلاف النية (¬1)، وتدخل ~~النية في الوضوء والاغتسال والتيمم والصلاة وأنواعها، والزكاة والصيام ~~والاعتكاف والحج والطلاق والخلع والعتق والكتابة، والتدبير والإبراء ~~والظهار PageV01P047 # ونحوها، بجعل الكناية كالصريح، وكذلك في البيع والإجارة وسائر المعاملات، ~~والرجعة والوقف والهبة وكناية لفظ الطلاق وغيرها عند من يقول: كنايتها مع ~~النية كالصريح، وهو الصحيح، وكذلك إذا كان عليه ألفان بأحدهما رهن دون ~~الآخر، فأوفاه ألفا، صرف إلى ما نواه منهما، وكذلك ما أشبه ذلك، ويدخل ~~-أيضا- في الأيمان والنذور، والله أعلم. # وأما ما يتعلق بأحكامه: # فاعلم أن النية في جميع العبادات تكون بالقلب كما سبق، ويستحب أن يتلفظ ~~مع ذلك بلسانه، فإن اقتصر على القلب، كفاه، وإن اقتصر على اللسان، فلا. # وعن الشافعي قول ضعيف غريب؛ أنه يكفيه في الزكاة اللفظ؛ لأنها تشبه ~~الديون، ولهذا يجوز تقديمها قبل وقتها، ويأخذها السلطان قهرا؛ ولهذا قال ~~الأوزاعي: لا تجب النية في الزكاة. # وقال ms0006 أبو عبد الله الزبيري -من متقدمي أصحاب الشافعي-: يشترط في نية ~~الصلاة نية القلب، ولفظ اللسان، وهو غلط، ولو جرى على لسانه شيء، وفي قلبه ~~غيره، فالاعتبار بالقلب. # وفي اشتراط إضافة العبادة إلى الله تعالى لصحة النية خلاف؛ فالاعتبار ~~بالقلب، قال الجمهور: لا يشترط، لكن يستحب، وشرطها أبو العباس بن القاص وغيره. # وينبغي لمن أراد شيئا من الطاعات أن يستحضر النية، فينوي بها وجه الله تعالى. # وهل يشترط ذلك أول كل عمل -وإن قل وتكرر فعله- مقارنا لأول العمل متصلا ~~به؟ اشترطه بعضهم، وشرط بعضهم ذلك في أول العمل، ولا يشترطه إذا تكرر، بل ~~يكفيه أن ينوي أول كل عمل، ولا يشترط تكرارها فيما بعد، ولا مقارنتها، ولا ~~الاتصال. PageV01P048 # وشرط بعضهم المقارنة دون الاتصال، وشرط بعضهم الاتصال، وهو أخف من ~~المقارنة، وكل هذه المذاهب راجعة إلى أن النية جزء من العبادة، أم شرط ~~لصحتها؟ مذهب الجمهور أنها جزء منها، ولأصحاب الشافعي وجه أنها شرط، والشرط ~~لا تجب مقارنته ولا اتصاله ولا تكراره للمشروط، بل متى وجد ما يرفعه أو ~~ينفيه، وجب فعله. # وتنبغي النية في الصدقات، وقضاء حوائج الناس، وعيادة المرضى، واتباع ~~الجنائز، وابتداء السلام ورده، وتشميت العاطس وجوابه، والأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، وإجابة الدعوة، وحضور مجلس العلم والأذكار، وزيارة ~~الأخيار والقبور، والنفقة على الأهل والضيفان، وإكرام أهل الود والفضل وذوي ~~الأرحام، ومذاكرة العلم والمناظرة فيه وتكراره وتدريسه وتعلمه وتعليمه ~~ومطالعته وكتابته وتصنيفه، والفتوى والقضاء، وإماطة الأذى عن الطريق، ~~والنصيحة والإعانة على البر والتقوى، وقبول الأمانات وأدائها، وما أشبه ~~ذلك؛ حتى ينبغي له إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أن يقصد به التقوي على ~~طاعة الله تعالى، وإراحة البدن لينشط للطاعة. # وكذلك إذا أراد جماع زوجته أن يقصد امتثال قول الله تعالى: {وعاشروهن ~~بالمعروف} [النساء: 19]، وإيصالها حقها، وتحصيل ولد صالح يعبد الله تعالى، ~~وإعفاف الزوجة، وإعفاف نفسه وصيانتها من التطلع إلى حرام، أو الفكر فيه، أو ~~مكابدة المشاق بالصبر، وهذا معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وفي بضع ms0007 ~~أحدكم صدقة" (¬1). # وكذا ينبغي لمن يعمل حرفة ينفع المسلمين مما هو فرض كفاية أن يقصد إقامة ~~فرض الكفاية، ونفع المسلمين؛ كالزراعة وغيرها من الحرف التي هي قوام عيش ~~المسلمين. PageV01P049 # والضابط لحصول النية والثواب [عليها] (¬1): أنه متى قصد بالعمل امتثال ~~أمر الشرع، وبتركه: الانتهاء بنهي الشرع، كانت حاصلة مثابا عليها، وإلا ~~فلا، وإن لم يقصد ذلك، كان عملا بهيميا، ولهذا قال السلف: الأعمال ~~البهيمية: ما عملت بغير نية، والله أعلم. # واعلم أن سؤال الله تعالى ومحاسبته إنما يقع يوم القيامة على مخالفة ~~الوسائل والمقاصد الشرعية، وإنعامه وإفضاله إنما يقع على موافقتها، والنية ~~وسيلة للشرع ومقصودة، والأعمال قد تكون وسيلة، وقد تكون مقصودة، وقد يكون ~~هذا وهذا، وكل وسيلة مقصودة إلى ما دونها، وسيلة بالنسبة إلى ما فوقها، ~~والله أعلم. # ودخول الجنة لا يقع إلا برحمة الله تعالى، والدرجات فيها بالأعمال، ~~والخلود بالنيات، والكل مبدؤه وانتهاؤه وتعلقه راجع إلى فضل الله الإله ~~الخالق والآمر -تبارك الله رب العالمين-. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" (¬2). # أبو هريرة: أول مكنى بها؛ لهرة كانت له يلعب بها صغيرا. # واسمه عبد الرحمن بن صخر على الأصح من نحو ثلاثين قولا. # واختلف في نسبه -أيضا- كثيرا. # أسلم عام خيبر سنة سبع من الهجرة، وشهدها مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، ولزمه إلى PageV01P050 # أن توفي النبي صلى الله عليه وسلم؛ وهو أكثر الصحابة حديثا، وعبد الله بن ~~عمرو بن العاص أكثر منه حديثا، على ما ثبت عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، ~~وعاش أكثر منه، وتأخرت وفاته بعده، إلا أن أبا هريرة كان مقيما بالمدينة، ~~ولم يخرج منها، وكان الناس يأتونها من كل ناحية بعد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم؛ لكونها محط الركاب؛ لأجل الخلافة، ولزيارة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، والصلاة في مسجده، ولأخذ العلم، وكان أبو هريرة متصديا للرواية ~~عن رسول الله - صلى الله ms0008 عليه وسلم -، ونشر العلم؛ بخلاف عبد الله بن عمرو؛ ~~فإنه سافر إلى البلاد، وغلب عليه العبادة، فلهذا لم يشتهر حديثه، ولم تكثر ~~روايته؛ واشتهر وكثر حديث أبي هريرة - رضي الله عنهما -. # وكان أبو هريرة من أصحاب الصفة، ومن أحفظ الصحابة حديثا. # وقال البخاري: أبو هريرة: دوسي أزدي يماني، نزل المدينة. # قال غيره: روى عنه نحو ثمان مئة رجل أو أكثر من أهل العلم من أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم والتابعين وغيرهم، وكان ينزل ذا الحليفة، وله بها دار ~~تصدق بها على مواليه، فباعوها من عمرو بن يزيع، وكان ينوب بالمدينة في ~~الصلاة وغيرها، وصلى على عائشة وأم سلمة زوجي النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ومات بها، ودفن بالبقيع سنة سبع، وقيل: ثمان، وقيل: تسع وخمسين، وكان سنه ~~يوم مات ثمانيا وثمانين سنة، فتكون سنه يوم مات النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- إحدى وثلاثين سنة، أو ثلاثين، أو تسعا وعشرين، على الخلاف في وفاته. # وروي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة آلاف حديث، وثلاث مئة ~~حديث، وأربعة وسبعون حديثا، اتفقا على ثلاث مئة وخمسة وعشرين، وانفرد ~~البخاري بثلاثة وتسعين، ومسلم بمئة وسبعين (¬1). PageV01P051 # وأما ما اشتهر في الشام من أن قبره بقرية بناحية بالقرب من عسقلان، فليس ~~بصحيح، بل ذاك قبر جندرة -بفتح الجيم وسكون النون وفتح الدال المهملة ~~وبالراء ثم الهاء-، ابن خيشنة -بفتح الخاء المعجمة ثم الياء المثناة تحت ~~الساكنة ثم الشين المعجمة ثم النون ثم الهاء-، ابن نقير -بضم النون وفتح ~~القاف وسكون المثناة تحت ثم الراء-، أبو قرصافة -بكسر القاف وسكون الراء ثم ~~الصاد المهملة ثم الألف ثم الفاء ثم الهاء- من بني عمرو بن الحارث بن مالك ~~بن كنانة، سكن الشام، ومات بها، وقبره بناحية بقرب من عسقلان، ذكره أبو ~~حاتم بن حبان في الصحابة، والله أعلم (¬1). # والقبول يراد به في الشرع الصحة وحصول ثواب الآخرة وقد تتخلف الصحة عن ~~ثواب الآخرة بدليل صحة صلاة العبد الآبق، ومن أتى عرافا، وشارب الخمر إذا ~~لم ms0009 يسكر ما دام في جسده شيء منها؛ فأما ملازمة القبول للصحة، ففي قوله صلي ~~الله عليه وسلم: "لا تقبل صلاة حائض إلا بخمار" (¬2)؛ أي: من بلغت سن الحيض ~~لا تقبل صلاتها إلا بسترتها، ولا تصح ولا تقبل مع انكشاف عورتها، والقبول ~~مفسر بترتب الغرض المطلوب من الشيء على الشيء، يقال: قبل فلان عذر فلان: ~~إذا رتب على عذره الغرض المطلوب منه، وهو محو الجناية والذنب. # فقوله صلي الله عليه وسلم: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" ~~هو عام في عدم القبول من جميع المحدثين في جميع أنواع الصلاة، والمراد ~~بالقبول: وقوع PageV01P052 # الصلاة مجزئة بمطابقتها للأمر، فعلى هذا يلزم من القبول الصحة في الظاهر ~~والباطن، ومتى ثبت القبول، ثبتت الصحة، ومتى ثبتت الصحة، ثبت القبول. # ونقل عن بعض المتأخرين أن القبول عبارة عن ترتب الثواب والدرجات على ~~العبادة، والإجزاء عبارة عن مطابقة الأمر، فهما متغايران، أحدهما أخص من ~~الآخر، ولم يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، فالقبول أخص من الصحة، على هذا ~~فكل مقبول صحيح، وليس كل صحيح مقبولا، وهذا إن نفع في نفي القبول مع بقاء ~~الصحة، ضر في نفي القبول مع نفي الصحة، لكن يقال: دل الدليل على كون القبول ~~من لوازم الصحة، فإذا انتفى، انتفت، فيصح الاستدلال بنفي القبول على نفي ~~الصحة، ويحتاج في نفيه مع بقائها إلى تأويل أو تخريج. # ويرد على من فسر القبول بكون العبادة مثابا عليها أو مرضية، مع أن قواعد ~~الشرع تقتضي أن العبادة إذا أتي بها مطابقة للأمر، كانت سببا للثواب في ~~ظواهر لا تحصى فيها. # إذا ثبت هذا، فاعلم أن الحدث عبارة عن نواقض الوضوء، وهي عند الشافعية ~~أربع متفق عليها، وأربع مختلف فيها. # وقد فسره أبو هريرة -راوي الحديث- بنوع من الحدث حين سئل عنه، فقال: فساء ~~أو ضراط (¬1)، وكأنه أجاب السائل عما يجهله منها، أو عما يحتاج إلى معرفته ~~في غالب الأمر. # والحدث بموضوعه يطلق على الأكبر؛ كالجنابة والحيض والنفاس، والأصغر؛ ~~كنواقض الوضوء، وقد يسمى نفس الخارج ms0010 حدثا، وقد يسمى المنع المرتب عليه ~~حدثا، وبه يصح قولهم: رفعت الحدث، ونويت رفعه، وإلا استحال ما يرفع ألا ~~يكون واقعا. # وكأن الشارع صلى الله عليه وسلم جعل أمد المنع المترتب على خروج الخارج ~~إلى استعمال الطهر، وقد تقوى بهذا قول من يرى أن التيمم يرفع الحدث؛ لكون ~~المرتفع هو PageV01P053 # المنع، وهو مرتفع بالتيمم، لكنه مخصوص بحالة ما، أو بوقت ما؛ إما عدم ~~الماء، أو مانع من استعماله مع وجوده، وليس ذلك ببدع، والأحكام تختلف ~~باختلاف محالها. # وقد كان الوضوء في صدر الإسلام واجبا لكل صلاة، فقد ثبت أنه كان مختصا ~~بوقت، مع كونه رافعا للحدث اتفاقا، ولا يلزم من انتهائه في ذلك الوقت ~~بانتهاء وقت الصلاة ألا يكون رافعا للحدث، ثم نسخ في فتح مكة، وصلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس بوضوء واحد، ونقل عن بعضهم أنه لم ~~ينسخ، وأن الحكم باق إلى الآن، وهو مردود، لكن الحكم في الاستحباب باق، وفي ~~الوجوب منسوخ؛ لأنه إذا نسخ الوجوب، بقي الندب، على ما تقرر في كتب الأصول. # وقد ذكر الفقهاء من أصحاب الشافعي وغيرهم: أن الحدث وصف حكمي مقدر قيامه ~~بالأعضاء على معنى الوصف الحسي، وينزلون الوصف الحكمي منزلة الحسي في قيامه ~~بالأعضاء؛ كقولنا: الوضوء أو الغسل يرفع الحدث؛ أي: يزيل الأمر الحكمي ~~المترتب على المقدر الحكمي، فمن يقول بأن التيمم لا يرفع الحدث يقول: إن ~~الأمر المقدر الحكمي باق لم يزل، والمنع (¬1) الذي هو مترتب عليه زائل، فلا ~~يرفع ذلك الوصف الحكمي المقدر، وإن كان المنع المرتب عليه زائلا، ولا دليل ~~من حيث الشرع يدل عليه، وأقرب ما يذكرون فيه أن الماء المستعمل قد انتقل ~~إليه مانع، وذلك منازع في طهارته أو طهوريته أو نجاسته، فلا يلزم انتقال ~~المانع إليه، فلا يتم الدليل، والله أعلم. # وقوله صلى الله عليه وسلم: "حتى يتوضأ" نفى القبول إلى غاية، وهي الوضوء، ~~وما بعد الغاية مخالف لما قبلها، فاقتضى قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقا، ~~ودخل تحته الصلاة الثانية قبل الوضوء ms0011 لها ثانيا، وهذا مجمع عليه في الوضوء. # والحديث محمول عند العلماء على من ترك الوضوء بلا عذر، أما من تركه PageV01P054 # بعذر, وأتى ببدله، فالصلاة مقبولة قطعا؛ لأنه قد أتى بما أمر به قطعا. # وقد استدل المتقدمون بهذا الحديث على أن الصلاة لا تجوز إلا بطهارة، ولا ~~يلزم من عدم القبول عدم الصحة؛ بدليل ما تقدم، وقد تكون الصلاة مقبولة بلا ~~وضوء ولا تيمم، فمن لم يجد ماء ولا ترابا، فإنها صحيحة مقبولة، ولا تجب ~~إعادتها على أحد الأقوال عند الشافعي، وهو مختار جماعة من محققي أصحابه، ~~وهو قول جماعة من العلماء، فيكون الحديث خرج على الأصل والغالب، والإعادة ~~والقضاء لا يجبان إلا بأمر محدد، وهذا كله على مذهب من يقول: إن الطهارة ~~شرط لصحة الصلاة، أما من يقول: إنها شرط للوجوب؛ كمالك وابن نافع، فإنهما ~~قالا: من عدم الماء والصعيد، لم يصل، ولم يقض إن خرج وقت الصلاة؛ لأن عدم ~~قبولها لعدم شرطها يدل على أنه ليس مخاطبا بها حال عدم شرطها، فلا يترتب في ~~الذمة شيء، فلا تقضى، لكن قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أمرتكم بآمر فأتوا ~~منه ما استطعتم" (¬1) يمنع هذا؛ فإنه أمر بالصلاة بشروط تعذرت، فيأتي بها، ~~ولا يلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط بالنسبة إلى أصل الوجوب، والله أعلم. # وقد استدل بهذا الحديث على بطلان الصلاة بالحدث، سواء كان خروجه اختيارا ~~أم اضطرارا، سهوا أو عمدا؛ لعدم تفريقه صلى الله عليه وسلم بين حدث وحدث في ~~حالة دون حالة، وقد حكي عن مالك والشافعي -في القديم-، وغيرهما: أنها لا ~~تبطل إذا سبقه الحدث، بل يتوضأ ويبني على صلاته، وإطلاق الحديث يرد عليه. # واختلف العلماء من أصحاب الشافعي وغيرهم في موجب الوضوء ما هو؛ فذهب ~~طائفة إلى أنه يجب بالحدث وجوبا موسعا، وذهب آخرون إلى أنه يجب بالقيام إلى ~~الصلاة؛ بدليل قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا} [المائدة: 6] PageV01P055 # الآية، وذهب آخرون إلى أنه يجب بالأمرين جميعا، وهو الراجح عند أصحاب ~~الشافعي. # وأجمعت الأمة على تحريم ms0012 الصلاة بغير طهارة من ما أو تراب، ولا فرق في ذلك ~~بين الصلاة المفروضة والنافلة، وسجود التلاوة والشكر، وصلاة الجنازة. # وحكي عن الشعبي، ومحمد بن جرير الطبري من قولهما جواز صلاة الجنازة بغير ~~طهارة، وهو مذهب باطل، والإجماع على خلافه، وعموم الحديث المذكور يدل على ~~ذلك، فلو صلى محدثا متعمدا بلا عذر، أثم، ولا يكفر عند الشافعية وجمهور ~~العلماء، وحكي عن أبي حنيفة: أنه يكفر؛ لتلاعبه، دليل الجمهور أن الكفر لا ~~يحكم به إلا بالاعتقاد، وهذا المصلي اعتقاده صحيح، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، وعائشة - رضي الله عنهم - ~~قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ويل للأعقاب من النار" (¬1). # أما عبد الله بن عمرو بن العاص: أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: ~~أبو نصير، قرشي سهمي، وهو وأبوه صحابيان، أسلم قبل أبيه، وأبوه أكبر منه ~~بإحدى عشرة سنة، واستدل الفقهاء بذلك على صحة إسلام الصبي المميز، إذ لم ~~يكن عبد الله بالغا، وإن كان بالغا، فيدل أن أقل سن البلوغ في PageV01P056 # الإسلام باستكمال عشر سنين، وقيل: كان أكبر منه باثنتي عشرة سنة، وقال ~~ابن حبان: ثلاث عشرة سنة. # وكان غزير العلم، مجتهدا في العبادة، وكان كثير كتابة العلم والحديث عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكثر أقرانه حملا عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وأبو هريرة أكثر رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منه، ~~وتقدم في الحديث قبله سبب ذلك. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "نعم أهل البيت عبد الله وأبو ~~عبد الله وأم عبد الله" (¬1)، وهو ممن حفظ القرآن أجمع على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وكان يقرأ كتب الأولين؛ التوراة والإنجيل، ومناقبه ~~كثيرة جدا، وله حكم ومواعظ. # روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع مئة حديث، اتفقا على سبعة ~~عشر حديثا، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بعشرين حديثا؛ وروى عنه جماعة من ~~التابعين، وروى له ms0013 أصحاب الكتب الستة، ومات بمكة، وقيل: بالطائف، وقيل: ~~بمصر، وقيل: بالشام، قال أبو حاتم بن حبان: كان يسكن مكة، ثم خرج إلى ~~الشام، وأقام بها، ومات بمصر، ويقال: مات بعجلان -قرية من قرى الشام بالقرب ~~من غزة من بلاد فلسطين- ليالي الحرة- في ولاية يزيد بن معاوية، وكانت الحرة ~~سنة ثلاث وستين، وكان له يوم مات اثنتان وسبعون سنة، وقد قيل: مات سنة خمس ~~وستين، ومنهم من زعم أنه مات سنة تسع وستين، والأول أصح، هذا آخر كلامه ~~(¬2). PageV01P057 # وتقدم أبو هريرة، وسيأتي ذكر عائشة - رضي الله عنها - إن شاء الله تعالى. # وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم من حديث يوسف بن ماهك بنحوه عن عبد الله ~~بن عمرو. # قوله صلى الله عليه وسلم: "ويل": هو الحزن والهلاك والمشقة من العذاب ~~(¬1)، ومعناه هنا: هلاك وخيبة، والأعقاب: جمع عقب؛ وهي مؤخر القدم، وهي ~~-مؤنثة، وتسكن القاف وتكسر- (¬2)، وتخصيصه -صلى الله عليه وسلم- الأعقاب ~~بالعقاب بالنار؛ لأنها التي لم تغسل غالبا، وقيل: أراد صاحب الأعقاب، فحذف ~~المضاف؛ لأنهم كانوا لا يستقصون غسل أرجلهم في الوضوء. # وهذا الحديث ورد على سبب، وهو أنه صلى الله عليه وسلم رأى قوما وأعقابهم تلوح. # الألف واللام في "الأعقاب" يحتمل أن تكون للعهد، فيختص الذكر بتلك ~~الأقدام المرئية التي لم يمسها الماء، ويحتمل أن تكون للجنس، فلا يختص بها، ~~بل الأعقاب التي هذه صفتها لا تعم بالطهر، ولا يجوز أن تكون للعموم المطلق ~~في كل الأقدام ومسحها، بل يكون العموم المطلق فيها مرادا بالتضمين بالتنبيه ~~بالأدنى على الأعلى. # وطرق الحديث، وجمع ألفاظه يفسر بعضه بعضا. # وقد استدل به: على أن العقب في الرجل محل للتطهير بالغسل؛ للتوعد بالنار ~~على تركه، عند رؤيته يلوح من غير غسل. # وقال صلى الله عليه وسلم في بعض طرقه: "أسبغوا الوضوء" (¬3). # وقد أخرج أبو داود وغيره، بأسانيدهم الصحيحة؛ من حديث عمرو بن PageV01P058 # شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رجلا قال: يا رسول الله! كيف الطهور؛ فدعا ~~بماء، فغسل كفيه ثلاثا، إلى أن قال: ثم غسل رجليه ثلاثا، ثم ms0014 قال: "هكذا ~~الوضوء؛ فمن زاد على هذا أو نقص، فقد أساء وظلم" (¬1). # واستدل به: على أن المسح لا يجزئ؛ لأنه لا يقال في المسح: أسبغوا، ولا: ~~أمرنا بإسباغه فيه، وهذا مجمع عليه، ولم يقل به أحد من العلماء. # وقالت الشيعة: يجب مسحهما. # وقال محمد بن جرير الجبائي (¬2) -رأس المعتزلة-: يتخير بين المسح والغسل، ~~وقال بعض أهل الظاهر: يجب الجمع بين المسح والغسل، وكلها مذاهب باطلة. # وقد صنف الإمام أبو الفتح سليم الرازي - رحمه الله - كتابا ست كراريس ~~بخطه، قرأه عليه الخطيب البغدادي، وغيره من الأئمة الأعلام، سماه: "الرسالة ~~المنصفة في طهارة الرجلين في الوضوء" على كلام الشريف المرتضى أبي القاسم ~~علي بن الحسين الموسوي، والشيخ أبي محمد عبد الله بن محمد بن النعمان ~~المعروف بابن المعلم (¬3) في ذلك، واستقصى في الرد عليهم، وأتى فيه من ~~الأدلة والعلوم ما يقر به أعين العلماء من أهل السنة، وغيرهم، -فرحمه الله، ~~ورضي عنه-. # وفي الحديث: وجوب غسل جميع الأعضاء، حتى لو بقي جزء لطيف من PageV01P059 # عضو، لم يصح وضوءه؛ لأنه لم يقل أحد من العلماء بالفرق بين وضوء عضو ~~ووضوء عضو في المغسول. # وفيه: وجوب تعليم الجاهلين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~"إذا توضأ أحدكم، فليجعل في أنفه، ثم لينتثر، ومن استجمر فليوتر، وإذا ~~استيقظ أحدكم من نومه، فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثا؛ فإن ~~أحدكم لا يدري أين باتت يده! "، وفي لفظ لمسلم: "فليستنشق بمنخريه من ~~الماء"، وفي لفظ: "من توضأ فليستنشق" (¬1). # قول الراوي: "أن": هو عند الإطلاق محمول على السماع، خصوصا إن كان الراوي ~~صحابيا، وأدرك الواقعة. # وقوله صلى الله عليه وسلم: "فليجعل في أنفه"، ولم يقل: ماء، فيه دليل على ~~جواز حذف المفعول، إذا دل الكلام عليه، وقد ذكر المفعول في غير هذه ~~الرواية. PageV01P060 # وقوله صلى الله عليه وسلم: "ثم لينتثر"، الانتثار: هو دفع الماء للخروج ~~من الأنف، مأخوذ ms0015 من النثرة؛ وهي طرف الأنف، ومنهم من جعله جذب الماء إلى ~~الأنف؛ وهو الاستنشاق، وقال: هو مشترك بينهما، وهو قول ابن الأعرابي وابن ~~قتيبة، وقال الخطابي: النثرة؛ هي الأنف (¬1)، وثبت في الصحيح أنه صلى الله ~~عليه وسلم استنشق واستنثر، فجمع بينهما، وذلك يقتضي التغاير. # ومنهم من قال: سمى جذب الماء استنشاقا بأول الفعل، واستنثارا بآخره؛ وهو ~~استدعاء الماء بنفس الأنف للدخول والخروج. # وقال الفراء: يقال: نثر الرجل، وانتثر، واستنثر؛ إذا حرك النثرة في ~~الطهارة (¬2). # وقوله صلى الله عليه وسلم: "ومن استجمر فليوتر". # الاستجمار: مسح محل البول والغائط بالجمار، وهي الأحجار، وحمله بعضهم على ~~استعمال البخور للتطيب بالمجمر، فإنه يقال فيه: تجمر، واستجمر، إما بأن ~~يأخذ ثلاث قطع من الطيب، أو يتطيب ثلاث مرات، واحدة بعد أخرى، والأظهر الأول. # والإيتار: أن يكون الاستجمار بوتر، لكن هو عند الشافعي: لا يجوز بأقل من ~~ثلاث، وإن حصل الإنقاء؛ لأن الواجب عنده أمران: إزالة العين، واستيفاء ثلاث ~~مسحات، فإن حصل الإنقاء بثلاث، فلا زيادة، وإن لم يحصل، وجبت الزيادة. # وهذا الحديث يدل على وجوب الإيتار، لكن بالثلاث من دليل آخر؛ وهو نهيه ~~صلى الله عليه وسلم أن يستنجي بأقل من ثلاث (¬3). PageV01P061 # وقوله: "منخريه": هو -بفتح الميم وكسر الخاء المعجمة، وبكسرهما جميعا-، ~~لغتان معروفتان (¬1). # وقوله صلى الله عليه وسلم: "فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" هو بيان ~~لسبب الأمر بالغسل عند استيقاظه من النوم، وحكمة معناه؛ أنه لا يأمن نجاسة ~~يده بطوافها حال نومه على بدنه، فيصادف بثرة، أو قتل قملة، أو قذرا، أو نحو ذلك. # قال الشافعي وغيره من العلماء -رحمهم الله-: وأهل الحجاز كانوا يستنجون ~~بالأحجار غالبا، وبلادهم حارة، فإذا نام أحدهم، عرق، فلا يأمن أن تطوف يده ~~على ذلك الموضع النجس، فإذا وضعها في الماء القليل، نجسته، والماء غالبا ~~إنما يكون في الأواني، والغالب فيها القلة (¬2). # أما أحكام الحديث: # فقد تمسك به من قال بوجوب الاستنشاق؛ وهو مذهب أحمد، وقال مالك، ~~والشافعي، وغيرهما بعدم الوجوب، وحملوا الأمر على الاستحباب؛ بدليل قوله ms0016 ~~صلى الله عليه وسلم -فيما روي- للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله" (¬3)، ~~فأحاله على الآية، وليس فيها ذكر الاستنشاق، ولأن المأمور به حقيقة إنما هو ~~الانتثار، وليس هو بواجب بالاتفاق. # وفيه دليل على وجوب الإيتار في الاستجمار، أما بالثلاث، فمن دليل خارج. # واعلم أن المراد بالإيتار أن يكون عدد المسحات ثلاثا، أو خمسا، أو فوق PageV01P062 # ذلك من الأوتار؛ ومذهب الشافعي أنه فيما زاد على الثلاث مستحب، قال أصحاب ~~الشافعي: إن حصل الإنقاء بثلاث، فلا زيادة، وإن لم يحصل، وجبت، ثم إن حصل ~~بوتر، فلا زيادة، وإن حصل بشفع؛ كأربع أو ست، استحب الإيتار. # وقال بعض أصحابنا: يجب الإيتار مطلقا؛ لظاهر هذا الحديث، وحجة الجمهور ~~الحديث الصحيح في السنن: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من استجمر ~~فليوتر، من فعل، فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج" (¬1) حملا له على ما زاد على ~~الثلاث، وجمعا بينه وبين حديث نهيه صلى الله عليه وسلم عن أن يستنجي بأقل ~~من ثلاثة أحجار (¬2)، والله أعلم. # وفيه دليل على أن شرعية غسل اليدين وكراهة غمسهما في الإناء قبل غسلهما ~~في الوضوء ليس مختصا بنوم الليل، بل لا فرق فيه بين نوم الليل والنهار؛ ~~لإطلاقه صلى الله عليه وسلم النوم من غير تقييد. # وقال أحمد: يختص بنوم الليل دون النهار؛ بقوله صلى الله عليه وسلم: "أين ~~باتت يده"، والمبيت لا يكون إلا بالليل، وقد صح أيضا مقيدا بالليل، فقال ~~صلى الله عليه وسلم: "إذا قام أحدكم من الليل"، رواه البخاري ومسلم وأبو ~~داود (¬3)، وعنه رواية أخرى: أن كراهة الغمس إن كان من نوم الليل فهي ~~للتحريم، وإن كان في النهار، فهي للتنزيه، لكنه محمول على الغالب، لا ~~للتقييد، كيف وقد علل صلى الله عليه وسلم بأمر يقتضي PageV01P063 # الشك، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "فإنه لا يدري أين باتت يده"، فدل ~~على أن الليل والنوم ليس مقصودا بالتقييد. # وقال جماعة من العلماء: يجب غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء في ابتداء ~~الوضوء عند الاستيقاظ من النوم؛ أخذا من ms0017 الأمر؛ لظهوره في الوجوب. # وقال مالك والشافعي والجمهور: لا يجب، والأمر أمر ندب؛ لحديث الأعرابي، ~~وليس فيه غسل اليدين في ابتداء الوضوء، ولأن الأمر يصرف عن الوجوب عند ~~الإطلاق؛ لقرينة ودليل (¬1)، وهي هنا تعليله صلى الله عليه وسلم بما يقتضي ~~الشك في نجاسة اليد، وقواعد الشرع تقتضي أن الشك لا يقتضي وجوبا في الحكم ~~إذا كان الأصل المستصحب على خلافه موجودا، ولا تحصل الطهارة في اليد ~~والماء، فليستصحب (¬2)، ودليلهم على ندبيته في الوضوء مطلقا وروده في صفة ~~وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير تعرض لسبق نوم، والمعنى المعلل ~~به في الحديث هو جولان اليد حال اليقظة، فيعم الحكم؛ لعموم علته، ولو خالف ~~وغمس يده، لم يأثم الغامس، ولم يفسد الماء؛ وحكي عن الحسن البصري: أنه ينجس ~~الماء في القيام من نوم الليل، وهي رواية ضعيفة عن أحمد، ونقل عن إسحاق بن ~~راهويه، ومحمد بن جرير الطبري، وهو ضعيف جدا؛ لأصل الطهارة في الماء واليد، ~~وعدم التنجس بالشك، ولا يمكن أن يقال: الظاهر في اليد النجاسة. # وفيه دليل على كراهة غمس اليد في الإناء قبل غسلها ثلاثا إذا قام من ~~النوم، وأما غير المستيقظ، فيستحب له غسلها قبل إدخالها في الإناء؛ لأن ~~صيغة النهي تقتضي الكراهة على أقل الدرجات، ولا يلزم من الكراهة في الشيء ~~الاستحباب في غيره؛ لعدم التلازم بينهما؛ بدليل عكسه في صلاة الضحى؛ فإن ~~فعلها مستحب، وتركها غير مكروه، فكذلك غسلهما للمستيقظ قبل إدخالهما الإناء ~~من المستحبات، وتركه له من المكروهات، وبذلك فرق أصحاب الشافعي بين ~~المستيقظ وغيره. PageV01P064 # وفيه دليل على الفرق بين ورود الماء على النجاسة، وورودها عليه، فإذا ورد ~~عليها الماء، أزالها، وإذا وردت عليه، نجسته إذا كان قليلا؛ لنهيه صلى الله ~~عليه وسلم عن إيرادها عليه، وأمره بإيراده عليها، وذلك يقتضي أن ملاقاة ~~النجاسة إذا كان الماء واردا عليها غير مفسد له، وإلا لما حصل المقصود من ~~التطهير. # وفيه دليل على أن الماء القليل ينجس بملاقاة النجاسة ووقوعها فيه؛ فإنه ~~صلى الله ms0018 عليه وسلم إذا منع من إدخال اليد فيه لاحتمال النجاسة، فمع تيقنها ~~أولى، لكن قد يعترض على هذا بأن مطلق التاثير (¬1) لا يلزم منه التأثير ~~بالتنجيس، ولا يلزم من ثبوت الأعم ثبوت الأخص المعين، فثبت مطلق التأثير، ~~ولم يثبت خصوص التأثير بالتنجيس. # وأورد أن الكراهة ثابتة عند التوهم، فلا يلزم أن يكون أثر اليقين هو ~~الكراهة. # وأجيب بأنه يثبت عند اليقين زيادة في رتبة الكراهة -والله أعلم-. # وفيه دليل على كراهة غمس اليدين في الإناء قبل غسلهما ثلاثا، سواء كان ما ~~في الإناء ماء قليلا، أو طعاما، أو غيره من الأشياء الرطبة. # وفيه دليل على استحباب التثليث في غسل النجاسة؛ لأنه إذا أمر به في ~~المتوهمة، ففي المحققة أولى. # وفيه دليل على رد ما يقوله أحمد أن الغسل سبعا عام في جميع النجاسات؛ ~~لتنصيصه صلى الله عليه وسلم على التثليث، والتسبيع خاص في ولوغ الكلب. # وفيه دليل على أن النجاسة المتوهمة يستحب الغسل فيها دون الرش؛ للأمر ~~بالغسل دون الرش؛ فإنه في بول الرضيع الذي لم يطعم، وفي اللباس ونحوه إذا ~~توسوس فيه. # وفيه دليل على استحباب استعمال ألفاظ الكنايات فيما يتحاشى من ذكره؛ فإنه ~~صلى الله عليه وسلم قال: "فإنه لا يدري أين باتت يده"، ولم يقل: فلعله وقعت ~~يده على دبره، أو ذكره، أو نجاسة، أو نحو ذلك. PageV01P065 # وفيه دليل على العفو عن أثر النجاسة في محلها، وإذا انتقل منه لم يعف ~~عنه، وهذا كله إذا شك في نجاسة يده، فلو تيقن طهارتها بطريقة، وأراد غمسها ~~قبل غسلها، فقد قال جماعة من أصحاب الشافعي: حكمه حكم الشك؛ لأن أسباب ~~النجاسة قد تخفى في حق معظم الناس، فيجري عليه حكمه؛ لئلا يتساهل فيه من لا ~~يعرف، والأصح الذي عليه جمهورهم أنه لا يكره، بل هو بالخيار بين الغمس أولا ~~والغسل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر النوم ونبه على العلة، وهو الشك، ~~فإذا انتفت العلة، انتفت الكراهة. # ولو كان النهى عاما، لقال: إذا أراد أحدكم استعمال الماء، فلا ms0019 يغمس يده ~~حتى يغسلها، وكان أعم وأحسن -والله أعلم-. # وفي الحديث دليل على استحباب الأخذ بالاحتياط في العبادات وغيرها عند ~~الاشتباه والشك ما لم يخرج إلى حد الوسوسة -والله أعلم-. # * * * ### ||| AUTO الحديث الخامس # عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~"لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل منه" (¬1)، ~~ولمسلم: "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب" (¬2). # الماء الدائم: هو الراكد، ويؤكده قوله صلى الله عليه وسلم: "الذي لا ~~يجري"، ويوضح معناه، ويحتمل أنه ذكره للاحتراز من المياه التي يجري بعضها ~~دون بعض؛ كالبركة، ونحوها. # وقوله صلى الله عليه وسلم: "ثم يغتسل منه" الرواية: "يغتسل" بالرفع؛ أي: ~~هو يغتسل منه؛ PageV01P066 # أي: شأنه الاغتسال منه، ومعناه: النهي عن البول فيه، سواء أراد الاغتسال ~~منه، أو لا. وقيل: يجوز جزمه على النهي، ونصبه على تقدير أن، أو تكون ثم ~~بمعنى الواو للجمع؛ كقوله: لا تأكل السمك وتشرب اللبن؛ أي: لا تجمع بينهما، ~~وهو فاسد المعنى هنا؛ فإنه يقتضي النهي عن الجمع بين البول وإرادة ~~الاغتسال، أو نفس الاغتسال، وليس ذلك مرادا بالإجماع، بل البول في الماء ~~الراكد منهي عنه على إفراده، والاغتسال فيه منهي عنه على انفراده، سواء كان ~~كثيرا أو قليلا، وقد رواهما أبو داود وابن ماجه بإسناد صحيح، ولفظه: "لا ~~يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من الجنابة" (¬1)، لكن إن كان ~~كثيرا، كان نهي تنزيه في الغسل، ونهي تحريم في البول؛ لما يلزم منه من ~~تقذيره أو إفساده. # ووقع هنا "يغتسل منه" بالميم، وهي رواية مسلم، ورواية البخاري "فيه" ~~بالفاء، ومعناهما مختلف يفيد كل واحد منهما حكما بطريق النص، ولو لم يرد، ~~لاستوى الحكم فيه بالنسبة إلى الوضوء والغسل، وهو مختلف فيهما، فيجوزان ~~بالأخذ من الماء الدائم واستعماله خارجا عنه دون التوضؤ والاغتسال فيه نفسه ~~لفهم المعنى المقصود، وهو التنزه عن التقرب إلى الله تعالى بالمستقذرات، ~~ولهذا استوى المعنى في الوضوء والغسل، وقد ورد النهي عن الوضوء ms0020 في بعض ~~الروايات مصرحا به -والله أعلم-. # وسمي الجنب؛ لبعده عن المسجد والقرآن؛ ولما بعد عنهما، أمر بالإبعاد عن ~~الماء الدائم؛ لئلا يقذره كما يقذره البول، ويقال للرجل: جنب، وللمرأة، ~~وللاثنين، والجمع، كله بلفظ واحد، قال الله تعالى: {وإن كنتم جنبا} ~~[المائدة: 6]. # وأما حكم البول في الماء الراكد، فمقتضاه النهي فيه للتحريم مطلقا، وبه PageV01P067 # استدل أبوحنيفة على تنجيس الغدير ائذي يتحرك طرفه بتحرك الطرف الآخر؛ ~~بوقوع النجاسة فيه، فإن الصيغة صيغة عموم، وهو عند الشافعية وغيرهم محمول ~~على ما دون القلتين، وعدم تنجيس القلتين فما زاد إلا بالتغير مأخوذ من حديث ~~القلتين؛ جمعا بين الحديثين؛ فحديث القلتين خاص، وهذا الحديث مقتضاه ~~العموم، والخاص مقدم على العام. # ولأحمد - رحمه الله - طريقة أخرى، وهي الفرق بين بول الآدمي وما في معناه ~~من العذرة المائعة وغير ذلك من النجاسات، فأما بول الآدمي وما في معناه، ~~فينجس الماء، وإن كان أكثر من قلتين، وأما غيره من النجاسات، فيعتبر فيه ~~القلتان، وكأنه رأى [أن] الخبث المذكور في حديث القلتين عام بالنسبة إلى ~~الأنجاس، وهذا الحديث خاص بالنسبة إلى بول الآدمي، فقدم الخاص على العام ~~بالنسبة إلى النجاسات الواقعة في الماء الكثير، ويخرج بول الصبي (¬1) وما ~~في معناه من جملة النجاسات الواقعة في القلتين؛ لخصوصه، فينجس الماء دون ~~غيره من النجاسات، ويلحق بالبول المنصوص عليه ما يعلم أنه في معناه. # ومالك - رحمه الله - حمل النهي على الكراهة للتنزيه مطلقا؛ لاعتقاده أن ~~الماء لا ينجس إلا بالتغير بالنجاسة، فخرج بالحديث عن الظاهر عند الكل ~~بالتخصيص أو التقييد؛ للإجماع على أن الماء الكثير المستبحر لا تؤثر فيه ~~النجاسة، وأنه إذا غيرته النجاسة (¬2)، ولو كان يسيرا، امتنع استعماله: # فللحنفية أن يقولوا: خرج عن المستبحر الكثير بالإجماع، فيبقى فيما عداه ~~على حكم النص، فيدخل تحته ما زاد على القلتين. # وللشافعية أن يقولوا بقول أبي حنيفة: في خروج المستبحر للإجماع، ويخرج ~~القلتان فيما زاد بمقتضى حديث القلتين، فيبقى فيما عداه، وما نقص عن ~~القلتين داخلا تحت مقتضى الحديث. PageV01P068 # وللحنابلة أن يقولوا: ms0021 خرج ما ذكرتموه، وما دون القلتين داخل تحت نص ~~الحديث، وما زاد على القلتين عام في الأنجاس، فتخصص ببول الآدمي. # ولمخالفهم أن يقول: معلوم جزما أن النهي إنما هو لمعنى النجاسة، وعدم ~~التقرب إلى الله تعالى بما خالطها، وهذا المعنى يستوي فيه سائر الأنجاس، ~~ولا يتجه فرق بين بول الآدمي وغيره في هذا المعنى، ولا يقال: إن بول الآدمي ~~أشد استقذارا من غيره من سائر النجاسات، فيكون أوقع وأنسب في المنع؛ فإنه ~~ليس كذلك، بل قد يساوي غيره، أو يرجح عليه غيره في الاستقذار والنفرة منه، ~~فلا يبقى لتخصيصه معنى في المنع دون غيره، فحينئذ يحمل الحديث على أنه ورد ~~من باب التنبيه على ما يشاركه في معناه من الاستقذار، وإذا وضح المعنى، شمل ~~الكل، والجمود على خلافه ظاهرية محضة. # وللمالكية أن يقولوا: وجب إعمال الحديث فيما يمكن إعماله فيه من كراهة ~~التنزيه في القليل والكثير مع وجود الإجماع على تحريم الاغتسال بعد تغير ~~الماء بالبول، وذلك يلتفت إلى مسألة أصولية، وهي جواز حمل اللفظ الواحد على ~~معنيين مختلفين، فإذا جعلنا النهي للتحريم، كان استعماله في كراهة التحريم ~~والتنزيه، من باب استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه، والأكثرون على ~~منعه، والشافعي وغيره يقولون بجوازه. # وقد يقال: حالة التغير مأخوذة من غير هذا اللفظ، فلا يلزم استعمال اللفظ ~~في معنيين مختلفين، وهو متجه، إلا أنه يلزم منه التخصيص في الحديث. # وقد استدل بعض العلماء برواية مسلم المذكورة على خروج الماء المستعمل عن ~~التطهير به؛ إما لنجاسته كما نقل عن أبي حنيفة - رحمه الله -، ونقل عنه ~~الرجوع عن ذلك، وإما لعدم طهوريته، قال: لأن النهي وارد على مجرد الغسل، ~~وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يغتسل الحديث"، فدل على وقوع المفسدة ~~بمجرده، ولا بد في الحديث من التخصيص بحديث القلتين على مذهب الشافعي، أو ~~المستبحر على مذهب أبي حنيفة؛ فإن الاستعمال لا يؤثر فيه. PageV01P069 # ومالك - رحمه الله - يرى الماء المستعمل طهورا، قل أو كثر، فحمل النهي ~~على الكراهة كما تقدم، قال: ms0022 لأن الماء بعد استعماله باق غير مختص بالتطهير، ~~والحديث عام في النهي، وإذا حمل على كراهة التنزيه، كانت المفسدة عامة؛ ~~لأنه لا يستقذر بعد الاغتسال فيه باستعماله في طهارة أو غيرها، فيستمر ~~النهي، إلا أن فيه حمل النهي على المجاز، والأصل الحقيقة، وهو التحريم، فلا ~~يظهر وجه الدلالة. وقد (¬1) تمسكت الظاهرية به في تخصيص النهي عن البول في ~~الماء، حتى لو بال في كوز وصبه في الماء، أو بال خارج الماء فجرى إليه، لم ~~يضر عندهم، وكذا قالوا في التغوط فيه: إنه لا يضر، وكذا سائر النجاسات إذا ~~وقعت فيه، وهو خلاف الإجماع، وأقبح ما نقل عنهم في الجمود؛ إذ العلم القطعي ~~حاصل ببطلانه؛ لاستواء الحكم في الحصول في الماء على ما تقدم، وليس ذلك من ~~مجال الظنون، بل هو مقطوع به، هذا ما يتعلق بالكلام على هذا الحديث، ومذاهب ~~العلماء وتعلقهم بأحكامه وفوائده. # وقد جعل أصحاب الشافعي - رحمهم الله - النهي في هذا الحديث على اختلاف ~~حالين؛ باعتبار قلة الماء وكثرته، وتغيره وعدم تغيره، فإن كان قليلا، فهو ~~للتحريم، تغير أم لم يتغير، جاريا كان أو غيره، وحكى بعضهم فيه وجها: أنه ~~يكره إذا لم يتغير، وإن كان كثيرا وتغير فهو للتحريم، جاريا كان أو غيره، ~~وإن لم يتغير، كره، ولا يحرم، وإن كان راكدا، ولو قيل: يحرم، لم يكن بعيدا؛ ~~لعموم النهي، وحمله على التحريم على المختار عند المحققين من أصحاب الأصول، ~~قال الشافعي - رحمه الله - في "البويطي": أكره للجنب أن يغتسل في البئر، ~~معينة كانت أو دائمة، وفي الماء الراكد، وسواء قليل الراكد وكثيره، أكره ~~الاغتسال فيه (¬2). # وقال العلماء: يكره البول والتغوط بقرب الماء، وإن لم يصل إليه؛ لعموم PageV01P070 # نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن البراز في الموارد، ولما فيه من إيذاء ~~المارين بالماء، ولما يخاف من وصوله إليه. # وأما انغماس من لم يستنج في الماء للاستنجاء، فإن كان قليلا، فهو حرام، ~~وإن كان كثيرا جاريا لا ينجس بوقوع النجاسة، فلا بأس به، وإن كان راكدا، ~~فليس بحرام، ms0023 ولا تظهر كراهته؛ لأنه ليس في معنى البول، ولا يقاربه، ولو ~~تركه، فهو حسن. # وفي الحديث دليل على أن حكم الجاري مخالف لحكم الراكد؛ لأن الشيء إذا ذكر ~~بأخص أوصافه، كان حكم ما عداه بخلافه، والمعنى فيه أن الجاري إذا خالطه ~~النجس، دفعه الجزء الثاني الذي يتلوه منه، فيغلبه، فيصير في معنى المستهلك ~~الذي لم يخالطه النجس، والماء الراكد القليل لا يدفع النجس عن نفسه إذا ~~خالطه، لكن يداخله، فمهما أراد استعمال شيء منه، كان النجس فيه قائما، ~~والماء في حد القلة، فكان محرما، -والله أعلم-. # وأما حكم الماء الذي انغمس فيه الجنب بعد انفصاله منه، فإن كان قلتين ~~فصاعدا، لم يصر مستعملا، سواء اغتسل فيه واحد متكررا، أو جماعات في أوقات؛ ~~وإن كان دون قلتين، فإن انغمس فيه بغير نية، ثم لما صار تحته، نوى، ارتفعت ~~جنابته، وصار مستعملا، وإن نزل فيه إلى ركبتيه مثلا، ثم نوى قبل انغماس ~~باقيه، صار الماء في الحال مستعملا بالنسبة إلى غيره، وارتفعت الجنابة عن ~~ذلك القدر المنغمس، بلا خلاف، وارتفعت -أيضا- عن الباقي إذا تمم انغماسه ~~على المذهب الصحيح المنصوص في مذهب الشافعي. # وقال بعض الشافعية: لا يرتفع عن باقيه، هذا إذا تمم انغماسه من غير ~~انفصال، فلو انفصل ثم عاد إليه، لم يجزئه ما يغسله به بعد ذلك، بلا خلاف، ~~ولو انغمس رجلان تحت الماء الناقص عن قلتين إن تصورتم [أنهما] نويا دفعة ~~واحدة، ارتفعت جنابتهما، وصار الماء مستعملا، فإن نوى أحدهما قبل الآخر، ~~ارتفعت جنابة الناوي، وصار الماء مستعملا بالنسبة إلى رفيقه، فلا ترتفع ~~جنابته PageV01P071 # على المذهب الصحيح المشهور، وفيه وجه شاذ أنها ترتفع، وإن نزلا فيه إلى ~~ركبتيهما، فنويا، ارتفعت جنابتهما عن ذلك القدر، وصار مستعملا، فلا يرتفع ~~عن باقيهما، إلا على الوجه الشاذ، هذا تفصيل مذهب الشافعي في ذلك - والله ~~أعلم - (¬1). # * * * ### ||| AUTO الحديث السادس # عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم، فليغسله سبعا" (¬2)، ولمسلم: "أولاهن ~~بالتراب" ms0024 (¬3). # وله في حديث عبد الله بن مغفل - رضي الله عنهما -: أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "إذا ولغ الكلب في الإناء، فاغسلوه سبعا، وعفروه ~~الثامنة بالتراب" (¬4). # أما أبو هريرة، فتقدم في الحديث الثاني. # وأما عبد الله بن مغفل، فكنيته أبو سعيد، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: ~~أبو زياد، وأبوه مغفل صحابي -أيضا-، ويقال: المغفل: بالألف واللام، ذكره ~~مسلم في "صحيحه"، فيقال: رضي الله عنهما عند قراءتهما وكتابتهما، وهو بضم ~~الميم وفتح الغين المعجمة وفتح الفاء المشددة، ثم لام، ويشتبه بمعفل -بضم ~~الميم وسكون العين وكسر الفاء مخففة - والد هبيب الصحابي الغفاري، وبمعقل ~~-بفتح الميم وسكون العين المهملة وبالقاف المكسورة- جماعة من الصحابة - رضي ~~الله عنهم -، وبمعقل -بضم الميم وفتح العين المهملة وبالقاف PageV01P072 # المفتوحة المشددة -والد عبد الله بن المعقل مذكور في "نسب تنوخ" لمحسن بن ~~علي التنوخي. # وولد لعبد الله بن مغفل: زياد، ومغفل، وحسان. # قال ابن عبد البر: وكان له سبعة أولاد، وهو عبد الله بن مغفل بن عبد نهم ~~-بضم النون -، ويقال: عبد عنم -بفتح العين وسكون النون-، ابن عفيف بن أسيحم ~~بن ربيعة بن عدي بن عوف بن ذويد -بضم الذال المعجمة وفتح الواو وسكون الياء ~~المثناة تحت ثم دال مهملة- بن سعد بن عداء بن عمرو بن عثمان المزني، من ~~مزينة مضر، بايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت الشجرة، وقال: إني ~~لمن رفع أغصان الشجرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يخطب (¬1). # قال الحسن -وهو أروى الناس عنه-: كان عبد الله بن مغفل أحد العشرة الذين ~~بعثهم عمر إلينا يفقهون الناس، وكان من نقباء أصحابه، وكان سكن المدينة، ثم ~~تحول إلى البصرة، وابتنى بها دارا قرب المسجد الجامع. # وقال معاوية بن قرة: أول من دخل باب مدينة "تستر" عبد الله بن مغفل ~~المزني، يعني: يوم فتحها. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة وأربعون حديثا، اتفقا ~~منها على أربعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بآخر، روى عنه جماعة من ~~التابعين، ms0025 وروى له البخاري ومسلم وأبو داود، والترمذي والنسائي، وابن ماجه، ~~ومات بالبصرة سنة ستين، وقيل: إحدى وستين، وقيل: تسع وخمسين، في آخر خلافة ~~معاوية، في ولاية عبيد الله بن زياد، وأمر ألا يصلي عليه ابن زياد، وأمر ~~ابن زياد بأن يصلي عليه أبو برزة الأسلمي، وصلى عليه، وقيل: صلى عليه عابد ~~بن عمرو - والله أعلم - (¬2). PageV01P073 # أما لفظه: # فقوله: "إذا ولغ الكلب في الإناء" ولغ -بفتح اللام- يلغ -بفتحها أيضا-، ~~وحكى ابن الأعرابي كسرها في الماضي، ومصدرهما ولغ، وولوغ، وأولغه صاحبه، ~~وهو أن يدخل لسانه في المائع فيحركه، ولا يقال: ولغ بشيء من جوارحه غير ~~اللسان، والولوغ للكلب وسائر السباع، ولا يكون لشيء من الطير إلا الذباب (¬1). # وقال الجوهري: قال أبو زيد: ولغ الكلب بشرابنا، وفي شرابنا، ومن شرابنا (¬2). # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وعفروه الثامنة بالتراب"، التعفير: ~~التمريغ، ومعناه: مرغوه بالتراب (¬3)، وقال صاحب "المطالع" (¬4): عفروه: ~~اغسلوه بالتراب؛ أي: مع الماء (¬5)، ويقال منه: عفره -مخفف الفاء - يعفره ~~عفرا، وعفره تعفيرا؛ أي: مرغه، والتراب معروف؛ وهو اسم جنس لا يثنى ولا ~~يجمع، وقال المبرد: هو جمع واحدته ترابة، وله خمسة عشر اسما ذكرها ابن ~~النحاس لا حاجة إلى ذكرها هنا (¬6). PageV01P074 # أما أحكامه: # ففيه الأمر بغسل ما شرب منه الكلب أو ولغ، وهو ظاهر في تنجيس الإناء ~~المولوغ فيه، سواء كان طعاما مائعا، أو غيره من المائعات. # وأقوى من هذا الحديث في الدلالة رواية مسلم في "صحيحه": أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبعا" ~~(¬1)؛ لأن لفظة "طهور" معناها: مطهر، والمطهر إما أن يطهر الحدث، أو النجس، ~~ولا حدث في الإناء وما فيه، ضرورة، فتعين النجس، وهو مذهب الشافعي وجمهور ~~العلماء. # وقال بعضهم: المراد: الطهارة اللغوية، وهي التنزه عما يستقذر عادة لا ~~حكما، ورد عليه بأن حمل اللفظ على الحقيقة الشرعية مقدم على اللغوية ~~والعرفية، كيف ولا تعارض يقتضيهما؟ # وحمل مالك - رحمه الله - هذا الأمر على التعبد؛ لاعتقاده طهارة الماء ~~والإناء، وربما رجحه أصحابه ms0026 بذكر هذا العدد المخصوص، وهو السبع؛ لأنه لو ~~كان للنجاسة، لاكتفى بما دون الشبع؛ فإنه لا يكون أغلظ من نجاسة العذرة، ~~وقد اكتفي فيها بما دون السبع، والحمل على التنجيس أولى؛ لأنه متى دار ~~الحكم بين التعبد وبين كونه معقول المعنى، كان حكمه على معقول المعنى أولى؛ ~~لندرة التعبد في الأحكام المعقولة المعنى، وكونه ليس بأغلظ من نجاسة العذرة ~~ممنوع عند القائل بنجاسته، وليس بأقذر منها، والتغليظ لا يتوقف على زيادة ~~الاستقذار، لكن إذا كان أصل المعنى معقولا، تعين القول به، وإذا وقع في ~~التفاصيل ما لا يعقل، اتبع في التفصيل، ولا ينقض له التأصيل، ولو لم تظهر ~~زيادة التغليظ في نجاسته، لاقتصر على التعبد بالعدد، ورجع في أصل المعنى ~~على معقوليته، وإذا ثبت أن الأمر بغسله سبعا للنجاسة، استدل به على نجاسة ~~عين الكلب، إما لنجاسة لعابه المتصل بفمه؛ لكونه جزءا منه، وفمه أشرف PageV01P075 # ما فيه، وهو نجس، فكله نجس، أو لكون اللعاب نجسا، وهو عرق الفم، فعرقه ~~كله نجس، وهو متحلب من البدن، فجميعه نجس. # فتبين من الحديث الدلالة على نجاسته فيما يتعلق بالفم، وفي باقي البدن ~~بالاستنباط، وفيه بحث، وهو أن يقال: إنما دل الدليل على نجاسة الإناء بسبب ~~الولوغ، وذلك قدر مشترك بين نجاسة عين اللعاب والفم، أو تنجسهما باستعمال ~~النجاسة غالبا، والدال على المشترك لا يدل على أحد الخاصين، فلا يدل على ~~نجاسة عين الفم أو اللعاب، فلا تتم الدلالة على نجاسة عين الكلب. # واعترض على ذلك بأنه لو [كانت] العلة تنجيس أحدهما، لزم أحد أمرين: إما ~~تخصيص العموم، أو ثبوت الحكم بدون علته؛ لأنه لو فرض تطهير فمه بماء كثير، ~~أو بأي وجه، فولغ في الإناء، فإما أن يجب غسله أولا، أو لا، فإن لم يجب، ~~لزم تخصيص العموم، أو ثبوت الحكم بدون علته، وكلاهما خلاف الأصل. وأجيب عنه ~~بأن الحكم منوط بالغالب، والمذكور من الصور نادر، فلا يلتفت إليه، وهذا كله ~~يقوي أن الغسل وتغليظه لأجل قذارته، وهي النجاسة. # وقد استدل على نجاسة ms0027 الكلب -أيضا- بأن المولوغ فيه قد أمرنا بإراقته؛ ففي ~~"صحيح مسلم" مرفوعا: "أنه إذا ولغه، فليرقه، وليغسله سبعا" (¬1)، ولو كان ~~طاهرا، لم يأمر بإراقته، فدل على نجاسته؛ لنجاسة الكلب، مع نهيه - صلى الله ~~عليه وسلم - عن إضاعة المال. # وإذا ثبت نجاسة الكلب، فهو عام في كل كلب؛ لعموم اللفظ، وهو مذهب جمهور ~~العلماء، سواء كان مما يجوز اقتناؤه، وسواء كلب البدوي والحضري. # وفي مذهب مالك أقوال: # أحدها: كمذهب الجمهور في نجاسته. PageV01P076 # والثاني: طهارته، وإليه ذهب بعض أهل الطاهر، وقالوا: غسله تعبد. وتقدم فساده. # والثالث: طهارة المأذون في اتخاذه دون غيره. # وهذه الأقوال الثلاثة عن مالك. # وحكى الخطابي عنه قولا رابعا: أنه إذا لم يجد ماء غيره، توضأ به، وبه قال ~~الثوري، لكن قال: ثم يتيمم بعده. # وقال عبد الملك بن الماجشون المالكي: كلب البدوي غير نجس، وكلب الحضري نجس. # والأظهر العموم؛ لأن الألف واللام إذا لم يقم دليل على صرفها إلى المعهود ~~المعين، فهي للعموم، ومن يرى الخصوص يصرفه عنه بقرينة أنهم نهوا عن اتخاذ ~~الكلاب إلا لوجوه مخصوصة، والأمر بالغسل مع المخالطة عقوبة يناسبها ~~الاختصاص بمن ارتكب النهي في اتخاذ ما منع من اتخاذه، فإيجاب الغسل مع ~~المخالطة عسر وحرج، ولا يناسبه الإذن والإباحة في الاتخاذ، وهذا يتوقف على ~~وجود القرينة عند الأمر بالغسل. # وفيه دليل على عموم الإناء، والأمر بغسله للنجاسة، وذلك بتنجيس ما فيه، ~~فيقتضي المنع من استعماله. # وفي مذهب مالك قول أن ذلك يختص بالماء دون الطعام، وقد ورد الأمر ~~بالإراقة مطلقا في الروايات الصحيحة، وظاهره للوجوب. # وفي مذهب مالك قول للندب، وكأنه لما اعتقد طهارة الكلب بالدليل الذي دله ~~عليه، جعله صارفا له من الوجوب إلى الندب، والأمر قد يصرف عن ظاهره بدليل. # واتفق أصحاب الشافعي على الأمر بالإراقة، لكن اختلفوا، هل هي واجبة ~~لعينها فتجب على الفور، أم لا تجب الإراقة إلا إذا أراد استعمال الإناء؟. PageV01P077 # حكى الأول الماوردي في "الحاوي" (¬1)، ويحتج له بمطلق الأول، وهو يقتضي ~~الوجوب على المختار، وهو قول أكثر الفقهاء. # وبالثاني ms0028 قال أكثر أصحاب الشافعي، لكنهم قالوا: الإراقة مستحبة، لكن إذا ~~أراد استعمال الإناء، أراقه، واحتجوا بالقياس على سائر النجاسات؛ فإنه لا ~~تجب إراقتها، بلا خلاف، ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن المراد في الولوغ الرجر ~~والتغليظ والمبالغة في التنفير عن الكلاب. # وفي الحديث دليل نصا (¬2) على اعتبار السبع في عدد الغسلات، وهو مذهب ~~الشافعي، ومالك، وأحمد، والجماهير (¬3)، وفيه رد على أبي حنيفة - رحمه الله ~~- في قوله: تغسل ثلاثا، وكأنه لم يبلغه هذا الحديث. # ونقل بعض العلماء عن أبي حنيفة وأصحابه: أنه يغسل حتى يغلب على الظن ~~طهارته، والعدد لا يعتبر. # وفيه دليل على وجوب التعفير بالتراب، وبه قال الشافعي وأصحاب الحديث. # وليست في رواية مالك هذه الزيادة من ذكر التراب، فلم يقل بها، لكن ~~الزيادة من الثقة مقبولة، وهي رواية الشافعي والجمهور من المحدثين، وقالوا ~~بها، ومعلوم أن التراب إنما ضم إلى الماء استظهارا في التطهير، وتوكيدا له؛ ~~لغلظ نجاسة الكلب؛ فقد عقل أن الأشنان وما أشبهه من الأشياء التي فيها قوة ~~الجلاء والتطهير بمنزلة التراب في الجواز، وذكر أصحاب الشافعي - رحمهم الله ~~- في الجص والصابون والأشنان بدل التراب ثلاثة أقوال: # أظهرها: لا يقوم مقامه؛ لظاهر الخبر، ولأنها طهارة متعلقة بالتراب، فلا ~~يقوم غيره مقامه؛ كالتيمم. PageV01P078 # والثاني: يقوم مقامه؛ كالدباغ يقوم غير الشب والقرظ مقامهما، وكالاستنجاء ~~يقوم فيه غير الحجارة مقامها. # والثالث: إن وجد التراب، لم يعدل إلى غيره، وإن لم يجده، جاز العدول إلى ~~غيره للضرورة، وإن كان يقوم مقامه. # ومن أصحاب الشافعي من قال: يجوز إقامة غير التراب مقام التراب فيما يفسد ~~باستعماله؛ كالثياب، فلا يجوز فيما لا يفسد؛ كالأواني. # وهذه المسألة مبنية على أصل، وهو أن التعفير لماذا روعي؟ اختلف أصحاب ~~الشافعي فيه على أوجه: # أحدها: للتعبد يتبع فيه النقل، وقيل: للاستطهار بغير الماء، وقيل: للجمع ~~بين نوعي الطهور: الماء والتراب، فعلى الأول والثالث: لا يكفي استعمال غير ~~التراب، ولا الغسلة الثامنة، ولا التراب النجس، ولا المزج بسائر النجاسات ~~المائعات، وعلى الثاني: يجوز؛ لأنه قد استطهر، وهذا ms0029 كله معان مستنبطة ليس ~~فيها سوى مجرد مناسبة ليست بأمر قوي، فإذا دخلها الاحتمال، رجع إلى النص، ~~وأيضا -فالمعنى المستنبط إذا عاد على النص بإبطال أو تخصيص، مردود عند جميع ~~الأصوليين - والله أعلم -. # وفيه دليل على أن غسلة التتريب تحصل بالأولى، وهي أولى عند الشافعي، قال ~~أصحابه: يستحب أن يكون التراب في غير الأخيرة لنأتي عليه بما ينظفه (¬1)، ~~والأفضل أن يكون في الأولى، ويحصل -أيضا- بكل مرة من المرات؛ لأن الروايات ~~ثبتت بذلك، ففي بعضها: "أولاهن"؛ كما ذكره "المصنف"، وفي بعضها "أخراهن" ~~وفي بعضها: "إحداهن" (¬2)، ويرجح جعله في الأولى؛ بأنه إذا PageV01P079 # لحق بعض المواضع الطاهرة رشاش بعض الغسلات، لا يحتاج إلى تتريبه، وإذا ~~أخرت، فلحق رشاش ما قبلها بعض المواضع، احتيج إلى تتريبه، فكانت الأولى ~~أولى وأرفق بالمكلف. # وفي حديث ابن مغفل دليل على زيادة مرة ثامنة ظاهرا، وبه قال الحسن ~~البصري، وهو رواية عن مالك، وأحمد بن حنبل، وذكر أصحاب الشافعي أنه هل يقوم ~~غسله ثامنة بالماء مكان التراب؛ فيه وجهان، والحديث قوي في المرة الثامنة، ~~ومن تأول الحديث تأوله بتأويل بعيد. # [قال صاحب "الشامل" (¬1): ويحمل الحديث على أنه عد التراب ثامنة، وإن كان ~~يوجد مع السبع؛ لأنه جنس آخر؛ جمعا بين الخبرين] (¬2). # وذكر صاحب "الحاوي" (¬3) في قدر التراب وجهين: # أحدهما: ما يقع عليه الاسم. # والثاني: ما يستوعب محل الولوغ. # وذكر بعض أصحاب الشافعي عنه: أنه لو جعل مكان التراب غيره من جص أو ~~أشنان، قولان، وأن محلهما مع عدم التراب، فأما مع وجوده، فلا يجوز، قولا واحدا. # ومنهم من قال: القولان في جميع الأحوال، وأنه إذا قلنا: غير التراب لا ~~يقوم مقامه في الإناء، ففي الثوب وجهان. # وفيه دليل على أن ذر التراب على المحل لا يكفي، بل لا بد من خلطه بالماء، ~~ثم إيصاله إلى المحل من إناء أو ثوب، ووجهه أنه جعل مرة التتريب داخلة في PageV01P080 # مسمى الغسلات، وذر التراب لا يسمى غسلا، وفيه احتمال من حيث إن ذر التراب ~~على المحل، وإتباعه الماء يصح أن يقال: ms0030 غسل بالتراب، ولا بد من مثل هذا في ~~أمره - صلى الله عليه وسلم - في غسل الميت بماء وسدر عند من يرى أن المتغير ~~بالطاهر غير طهور، وإن جرى على ظاهر الحديث في الاكتفاء بغسلة واحدة؛ إذ ~~بها يحصل مسمى الغسل، إلا أن قوله: "وعفروه" قد يشعر بالاكتفاء بالتتريب ~~بطريق ذر التراب على المحل، وإن كان بخلطه بالماء لا ينافي كونه تعفيرا ~~لغة، فلا ينافي ما قالوه؛ لإطلاق ذر التراب على المحل، وعلى إيصاله بالماء ~~إليه، والحديث إن دل على اعتبار مسمى الغسلة، دل على خلطه بالماء، وإيصاله ~~إلى المحل، وذلك أمر زائد على مطلق التعفير على تقدير شموله للصورتين: ذر ~~التراب، وإيصاله بالماء. # وفيه دليل على أن الماء القليل إذا حلت به نجاسة، فسد. # وفيه دليل على تحريم بيع الكلب إذا كان نجس الذات، فصار كسائر النجاسات. # واعلم أنه لا فرق في مذهب الشافعي بين ولوغ الكلب وغيره من أجزائه؛ كدمه ~~وبوله وروثه وعرقه وشعره ولعابه، أو عضو من أعضائه إذا كان رطبا، أو أصاب ~~شيئا رطبا في حال رطوبته ويبوسة أجزائه، فإنه يجب غسله سبع مرات إحداهن ~~بالتراب. # ولو ولغ كلب مرات، أو كلبان (¬1) في إناء، ففيه أوجه، الصحيح: أنه يكفيه ~~للجميع سبع مرات، وقيل: يلزمه لكل ولغة سبع، وقيل: يكفيه لو لغات الكلب ~~الواحد سبع، ولكل كلب سبع، ولو وقع في الإناء المولوغ فيه نجاسة أخرى، كفى ~~سبع، ولو كانت نجاسة الكلب دمه أو روثه، فلم يزل إلا بست غسلات مثلا، فهل ~~يحسب ذلك غسلة أم ستا، أم لا يحسب شيئا؟ أوجه، أصحها: غسلة. PageV01P081 # ولو ولغ في ماء كثير بحيث لم ينقص بولوغه عن قلتين، لم ينجسه، ولو ولغ في ~~ماء قليل، أو طعام، فأصاب ذلك الماء والطعام ثوبا أو بدنا أو إناء آخر، وجب ~~غسله سبعا، إحداهن بالتراب، ولو ولغ في إناء فيه طعام جامد، ألقي ما أصابه ~~وما حوله، وانتفع بالباقي على طهارته السابقة؛ كما في الفأرة تموت في السمن ~~الجامد - والله أعلم -. # * * * ### ||| AUTO الحديث السابع ms0031 # عن حمران مولى عثمان بن عفان - رضي الله عنهما -[أنه رأى عثمان - رضي ~~الله عنه -، دعا بوضوء، فأفرغ على يديه من إنائه، فغسلهما ثلاث مرات، ثم ~~أدخل يمينه في الوضوء، ثم تمضمض واستنشق واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثا، ويديه ~~إلى المرفقين ثلاثا، ثم مسح برأسه، ثم غسل كلتا رجليه ثلاثا، ثم قال: رأيت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ نحو وضوئي هذا، وقال: "من توضأ نحو ~~وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه" (¬1). # أما راوياه: # فأحدهما: عثمان بن عفان بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس ابن عبد مناف، ~~يجتمع مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عبد مناف، كنيته أبو عمرو، ~~وقيل: أبو عبد الله، وقيل: أبو ليلى، أسلم قديما، وهاجر الهجرتين، وتزوج ~~ابنتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولهذا سمي: ذا النورين، ولم يعرف ~~أحد من لدن آدم - صلى الله عليه وسلم - تزوج بنتي نبي غير عثمان - رضي الله ~~عنه - رقية وأم كلثوم - رضي الله عنهما -، وهو أول من خرج إلى أرض الحبشة، ~~وهاجر إليها، وسائر من هاجر إليها تبع له - رضي الله عنه -، وكان رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يستحيي منه أكثر من غيره، وهو أكثر PageV01P082 # أمته - صلى الله عليه وسلم - حياء، واشترى بئر رومة، وجعلها للمسلمين، ~~وجهز جيش العسرة، فدعا له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمغفرة؛ ما ~~أسر وما أعلن، وما أبدى وما أخفى، وما هو كائن إلى يوم القيامة، وقال: "ما ~~يبالي عثمان ما عمل بعدها" (¬1)، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"من يزيد في مسجدنا؟! فاشترى عثمان موضع خمس سواري، فزاده في المسجد (¬2). # وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: كان عثمان - رضي الله عنه - ~~أوصلنا للرحم، وكان من {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما ~~طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا ~~وأحسنوا والله يحب المحسنين} الآية التي في المائدة ms0032 [93] (¬3). # وزوجه الله سبحانه أم كلثوم بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمثل ~~صداق رقية، وعلى مثل صحبتها، وكان ممن تستحي منه ملائكة الرحمن، وشبهه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بإبراهيم خليل الرحمن، وهو أحد المشهود لهم ~~بالجنة (¬4)، وأحد الذين كانوا معه - صلى الله عليه وسلم - بحراء، فانتفض، ~~فقال - صلى الله عليه وسلم -: "اثبت أحد؛ فإنما عليك نبي أو صديق أو شهيد" ~~(¬5)، وأحد الخلفاء الراشدين، وأحد الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، وأحد الذين قاموا به في ركعة واحدة، وأحد صوام الدهر ~~وقوام الليل - رضي الله عنه -، وجمع الناس PageV01P083 # على المصحف، واستسلم للقتل صبرا لله تعالى. # روى عنه من الصحابة: زيد بن خالد الجهني، وعبد الله بن الزبير، والسائب ~~بن يزيد، ومحمود بن لبيد (¬1)، وجماعة كثيرة من التابعين؛ كابنه، وغيره. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مئة حديث، وستة وأربعون ~~حديثا، اتفقا على ثلاثة أحاديث، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بخمسة، وروى ~~له أيضا: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم من أصحاب السنن ~~والمسانيد. # وولي الخلافة اثنتي عشرة سنة إلا عشرة أيام، وقيل: إلا اثنتي عشرة ليلة، ~~وكان في يده خاتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحوا من سنتين، ثم سقط ~~في بئر أريس من آبار المدينة، فاتخذ خاتما من فضة فصه منه، ونقش عليه: آمنت ~~بالذي خلق فسوى. # وولد في السنة السادسة بعد الفيل، وقتل يوم الجمعة بعد العصر، وهو صائم، ~~لثمان عشرة خلون من ذي الحجة، وقيل: قتل في أوسط أيام التشريق سنة خمس ~~وثلاثين، وهو ابن تسعين سنة، وقيل: ابن ثمان، وقيل: اثنتين وثمانين، وصلى ~~عليه جبير بن مطعم، ودفن بالبقيع بحش كوكب ليلا (¬2). # قال أسهم بن حبيش: لما حملنا نعشه، غشينا سواد من خلفنا، PageV01P084 # فهبناهم، فنادى مناديهم أن: لا روع عليكم، اثبتوا؛ فإنا جئنا نشهده معكم، ~~فكان ابن حبيش يقول: هم ملائكة الله (¬1). # وأما الراوي عنه مولاه حمران بن أبان، فهو مدني قرشي أموي مولاهم، كان ms0033 من ~~سبي عين التمر، كان للمسيب بن نجيد، فابتاعه عثمان، وأدرك أبا بكر وعمر، ~~وسمع -أيضا- عبد الله بن عمرو، ومعاوية بن أبي سفيان، فهو تابعي ثقة، احتجا ~~به في "الصحيحين"، وكان كثير الحديث، وقول ابن سعد: لم أرهم يحتجون بحديثه، ~~غير صحيح، وهو بضم الحاء - والله أعلم - (¬2). # وأما قوله: "دعا بوضوء": هو بفتح الواو، وهو الماء، وبالضم اسم لفعل ~~الوضوء، وقيل: بالفتح فيهما، وهو قليل، وحكي ضمها، وهو شاذ (¬3)، وذكر بعض ~~أصحاب مذهب مالك أنه هل هو اسم لمطلق الماء، أو لما يفيد الوضوء به، أو ~~إعداده له؟. # قال: فيه نظر يحتاج إلى كشف وبيان تنبني عليه مسألة الماء المستعمل لمن ~~استدل بحديث جابر على طهوريته حيث صب عليه - صلى الله عليه وسلم - من ~~وضوئه، ولا يلزم ذلك؛ للإجماع على طهارة المستعمل في فرض الطهارة، فكيف ~~بنفلها؟ وما نقل عن أبي حنيفة؛ من نجاسته، ثبت عنه رجوعه عنه، هذا إذا ~~سلمنا أن الذي صب عليه كان مستعملا في طهارته، واستعماله للتبريك PageV01P085 # جائز بالإجماع، خصوصا من النبي صلى الله عليه وسلم، وإن حملناه على ما ~~فضل من ماء وضوئه بعد فراغه منه، فهو طهور بلا شك، وهو طاهر فيه، فلا يبقى ~~فيه دليل من حيث اللفظ على ما أراده من طهورية المستعمل، وهو مذهب مالك، ~~وهو قول قديم للشافعي، وجعل أن الوضوء -بالفتح- حقيقة في المستعمل، أو ~~الأقرب إلى الحقيقة، وأن استعماله في المعد للوضوء مجاز، وأن الحمل على ~~الحقيقة أو الأقرب إليها أولى، فحينئذ حمله على مطلق الماء أولى من حمله ~~على أن يكون مقيدا بالاستعمال، أو الإعداد، وهو قول جمهور الفقهاء وأئمة ~~اللغة - والله أعلم -. # وهذا البحث أفاد إلى أن الماء المطلق يسمى وضوءا عند إطلاقه، أو لا بد أن ~~يقصد به الوضوء ويعد (¬1) له، وحينئذ يرجع إلى تأثير النيات في الأعيان، ~~وتغيير أحكامها، وهو موجود، - والله أعلم -. # وقوله: "فأفرغ على يديه": أفرغ؛ أي: قلب وصب على يديه ليغسلهما، واليدان ~~تثنية يد، وهي مؤنثة. # ويؤخذ من الحديث الإفراغ على اليدين ms0034 معا، وفي الحديث الآخر: "أفرغ بيده ~~اليمنى على اليسرى، ثم غسلهما" (¬2)، وهو قدر مشترك بين غسلهما مجموعتين أو ~~مفرقتين، لكن إن أمكن غسلهما معا، فهو أفضل هنا، وإلا قدم الكف اليمنى كما ~~إذا غسل يده اليمنى إلى المرفق؛ فإن الأفضل تقديمها بلا شك. # قوله: "ثم تمضمض واستنشق واستنثر": "ثم" مفيدة للترتيب بين غسل اليدين، ~~والمضمضة، وأصلها مشعر بالتحريك، ومنه: مضمض النعاس في عينيه: إذا تحرك، ~~واستعملت في المضمضة لتحريك الماء في الفم، PageV01P086 # وهو حقيقته عند الفقهاء، ولا يشترط مجه عندهم، حتى لو ابتلعه بعد ذلك، ~~كان قد أتى بها، وعمل بالسنة فيها. # ومن ذكر المج منهم في المضمضة، جرى على الأغلب في العادة. # والاستنشاق: أخذ الماء بخياشيمه إلى أعلى. # والاستنثار: أخذه مع الأذى منها إلى خارج، وقد تقدم في الحديث الرابع ~~الكلام على الاستنشاق والاستنثار وحقيقتهما، وأن بعضهم جعلهما بمعنى واحد، ~~وهذا الحديث يرد عليه؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - عطفهما، بعضهما على ~~بعض، والعطف يقتضي المغايرة. # قوله: "ويغسلهما ثلاث مرات" مبين لذكر العدد المهمل في رواية من أهمله؛ ~~كمالك وغيره، وهو المذكور -أيضا- في رواية أبي هريرة في الحديث الرابع. # وقوله: "ثم غسل وجهه ثلاثا" الوجه: مشتق من المواجهة، وهو عند الفقهاء ~~كذلك، لكن اختلفوا في حده، فالذي عليه جمهورهم أنه: ما بين منابت شعر الرأس ~~في غالب المنابت -لا باعتبار الصلع ولا الغمم- ومنتهى اللحيين، وهما: مجتمع ~~عظمي الحنك طولا، وفي العرض: ما عدا وتدي الأذنين. # و"ثم" هنا للترتيب بين المسنون والمفروض، وبعض الفقهاء رأى الترتيب في ~~المفروض دون المسنون. # وقيل في حكمة تقديم المضمضة والاستنشاق على غسل الوجه المفروض: أن ~~المعتبر في صفات الماء للتطهير: لون يدرك بالبصر، وطعم يدرك بالذوق، وريح ~~تدرك بالشم، فقدمت هاتان السنتان لاختبار الماء، قبل فعل الفرض. # وقوله: "ويديه إلى المرفقين" المرفق: بفتح الميم وكسر الفاء، وقيل: عكسه، ~~لغتان، وكذلك المرفق: من الأمر الذي يرتفق وينتفع به PageV01P087 # الإنسان (¬1)، وهما قراءتان في السبع، قرأ نافع وابن عامر بالأولى، وقرأ ~~الباقون بالثانية. # والمراد به: موصل الذراع ms0035 في العظمين. # لكن اختلف قول الشافعي - رحمه الله -: هل هو اسم لإبرة الذراع، أم لمجموع ~~رأس عظم العضد مع الإبرة؟ على قولين. # وبنى على ذلك أنه لو شل الذراع من العضد، هل يجب غسل رأس العضد، أم ~~يستحب؟ فيه خلاف، المشهور وجوبه، ومذهب مالك والشافعي وجمهور العلماء وجوب ~~إدخال المرفقين في الغسل، وقال زفر وأبو بكر بن داود: لا يجب إدخالهما. # ومنشأ الاختلاف: أن "إلى" لانتهاء الغاية، وقد ترد بمعنى "مع"، والأول هو ~~المشهور، فمن قال به، لم يوجب إدخالهما في الغسل، ومن قال بالثاني، أوجبه. # وفرق بعضهم بين أن تكون الغاية من جنس ما قبلها، أو لا، فإن كانت من ~~الجنس، دخلت؛ كما في الوضوء، وإن كانت من غيره، لم تدخل؛ كما في قوله تعالى ~~{ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187]. # ومنهم من قال: إن كانت الغاية لإخراج ما دخل قبلها، لم يخرج؛ فإن اسم ~~اليد: ينطلق عليها إلى المنكب، حتى قال أصحاب الشافعي: لو طالت أظافيره ولم ~~يقلمها، وجب غسلها بلا خلاف؛ لاتصالها باليد، ودخولها فيها، وكذلك لو نبت ~~في محل الفرض يد أخرى، أو سلعة، وجب غسلها، بلا خلاف أيضا. # فلو لم ترد هذه الغاية، لوجب غسل اليد إلى المنكب، فلما دخلت، أخرج عن ~~الغسل ما زاد على المرفقين، فانتهى الإخراج إلى المرفقين، فدخلا في الغسل. PageV01P088 # وقال آخرون: لما تردد اللفظ بين أن يكون للغاية، أو بمعنى "مع"، فاقتضى ~~الإجمال؛ فبينه فعله - صلى الله عليه وسلم -؛ حيث أدار الماء على مرفقيه، ~~وفعله - صلى الله عليه وسلم - أصل في بيان المجمل، خصوصا في الوجوب. # قال شيخنا أبو الفتح محمد بن علي بن وهب القشيري - رحمه الله -: وهذا ~~عندنا ضعيف؛ لأن "إلى" حقيقة في انتهاء الغاية، مجاز بمعنى "مع"، ولا إجمال ~~في اللفظ بعد تبيين حقيقته، ويدل على أنها حقيقة في انتهاء الغاية: كثرة ~~نصوص أهل العربية على ذلك، ومن قال بأنها بمعنى "مع"، لم ينص على أنها ~~حقيقة في ذلك؛ فيجوز أن يريد المجاز (¬1). # قوله: "ثم مسح برأسه" ms0036 هذه الباء مقتضاها عند الشافعي التبعيض في الآية ~~الكريمة، ويجيء ذلك هنا. # وأنكر أن تكون للتبعيض جماعة، وقالوا: مسح رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - جميع رأسه، بدأ من مقدمه إلى مؤخره، أقبل بيديه وأدبر، وهو مبين ~~للمراد من الآية، ولا شك أن اسم الرأس حقيقة في العضو كله، لكن الفقهاء ~~اختلفوا في القدر الواجب من المسح، وليس في الحديث ما يدل على الوجوب لمسح ~~جميعه؛ لجواز أن يكون الثواب المخصوص على هذه الأفعال؛ إذ لا يلزم منه عدم ~~الصحة عند عدم كل جزء من تلك الأفعال، كما رتبه فيه على المضمضة ~~والاستنشاق، وإن لم يكونا واجبين عند كثير من الفقهاء أو الأكثرين، وادعاء ~~الإجمال فيه كما في المرفقين، وأن الفعل بيان له، ليس بصحيح؛ لأن الظاهر من ~~الآية بين، إما على مطلق المسح؛ كما يقوله الشافعي - رحمه الله -، أو على ~~الكل؛ كما يقوله مالك - رحمه الله - في أن الرأس حقيقة في كله، والتبعيض لا ~~يعارضه، فلا إجمال، وهذا قوي، وهو قول عن الشافعي - رحمه الله -. # واتفق العلماء على أن المسح لا يتعين على الشعر، ولا على البشرة في حق PageV01P089 # من له شعر، بل أيهما مسح عليه، أجزأه، فلا نقول: إن مسح الشعر بدل عن ~~البشرة؛ كما يقول في الخف - والله أعلم -. # قوله: "ثم غسل كلتا رجليه" فيه الصراحة بوجوب غسلهما، والرد على الروافض ~~في أن واجب الرجلين المسح، وقد تبين ذلك -أيضا- من حديث جماعة من الصحابة - ~~رضي الله عنهم - في "الصحيح" وغيره، وأنهم وصفوا وضوء رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، ومن أحسن الأحاديث في ذلك حديث عمرو بن عبسة -بفتح العين ~~المهملة والباء الموحدة-: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما منكم ~~من أحد يقرب وضوءه" إلى أن قال: "ثم يغسل رجليه كما أمره الله" (¬1)، فمن ~~هذا الحديث انضم القول إلى الفعل، وتبين أن المأمور به الغسل. # قوله: "ثلاثا" فيه استحباب التثليث في غسل الرجلين، وبعض الفقهاء لا ~~يراه، واستدل له بأنه ورد في بعض الروايات: "فغسل ms0037 رجليه حتى أنقاهما" (¬2)، ~~ولم يذكر عددا، وأكد من جهة المعنى بقرب الرجل من الأرض في المشي، وكثرة ~~مباشرتها الأوساخ والأدران، فاقتضى الإنقاء من غير عدد، لكن هذا لا ينافي ~~العدد، لما في ذكر العدد من الزيادة عليه، فتعين العمل به؛ لدلالة لفظ ~~الحديث عليه من غير وجه - والله أعلم -. # وقوله: "نحو وضوئي هذا" اعلم أن لفظة "نحو" لا تطابق لفظة "مثل"؛ فإن ~~المثل يقتضي ظاهرا المساواة من كل وجه، إلا من حيث حقيقة "مثل" و"نحو" في ~~خروجهما عن الوحدة، واقتضاء التغاير، لكن لفظة "نحو" لا تعطي المثلية، وإن ~~استعملت كذلك لغة لا اصطلاحا عرفيا، فيكون استعمالها فيها مجازا، ولهذا فرق ~~المحدثون بين "نحو" و"مثل"، فقالوا فيما كان مثل الإسناد أو المتن من كل ~~وجه: مثله، كما استعمله مسلم في "صحيحه" في غير موضع، وقالوا: PageV01P090 # "نحوه" فيما قارب الإسناد والمتن، حتى استدلوا على الذين قالوا بالفرق ~~بينهما، وألزموهم بمنعهم الرواية بالمعنى. # ولعل واصف وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وروايته عنه - صلى ~~الله عليه وسلم - لفظة "نحو وضوئي" لحظ الفرق بينهما؛ من حيث إن مثلية ~~وضوئه - صلى الله عليه وسلم - لا يتأتى لأحد إلا من حيث امتثال الأمر، ~~وحصول الثواب المناسب للمتوضئ على قدر التبعية فيه؛ لأنه قد يكون في وضوئه ~~- صلى الله عليه وسلم - أشياء لم نكلف بها، فتكون ملغاة بالنسبة إلينا، ~~فيكون ذكر ذلك بيانا للفعل الذي يحصل الثواب الموعود به، وعليه: فلا بد أن ~~يكون الوضوء المفعول موصوفا لأجل الغرض المطلوب، فلهذا استعمل "نحو" في ~~حقيقتها العرفية، مع فوات المقصود، لا بمعنى "مثل"، أو يكون ترك ما علم ~~قطعا أنه لا يخل بالمقصود - والله أعلم -، مع أن لفظة: "مثل" ثابتة عنه - ~~صلى الله عليه وسلم - بإسناد "الصحيحين" في "سنن أبي داود"، وغيره (¬1). # قال شيخنا الحافظ الموفق أبو الفتح المعروف بابن دقيق العيد - رحمه الله ~~-: ويمكن أن يقال: إن الثواب يترتب على مقاربة ذلك بالفعل تسهيلا وتوسيعا ~~على المخاطبين، من غير تضييق وتقييد بما ذكرناه إلا أن الأول ms0038 أقرب إلى ~~مقصود البيان (¬2). # واعلم أن غفر ما تقدم من ذنوب المتوضئ مرتب على أمرين: # أحدهما: وضوءه على النحو المذكور. # والثاني: صلاة ركعتين بعده بالوصف المذكور في الحديث، والمترتب على مجموع ~~أمرين لا يلزم ترتبه على أحدهما إلا بدليل خارج، وقد يكون الشيء ذا فضل ~~بوجود أحد جزأيه، فيصح كلام من أدخل الحديث في فضل الوضوء فقط؛ لحصول مطلق ~~الثواب، لا الثواب المخصوص على مجموع الوضوء على النحو PageV01P091 # المذكور، والصلاة الموصوفة بالوصف المذكور. # قوله: "لا يحدث فيهما نفسه" اعلم أن حديث النفس على قسمين: # أحدهما: ما يهجم عليها، ويتعذر دفعه عنها. # والثاني: ما يسترسل معها، ويمكن دفعه وقطعه. # فيحمل الحديث عليه دون الأول؛ لعسر اعتباره، ولفظ الحديث يقتضيه بقوله: ~~"لا يحدث"؛ فإنه يشهد بتسبب وتفعل لحديث النفس، ويمكن أن يحمل على القسمين؛ ~~لتعلق العسر بالتكاليف في وجوب دفعه وتحصيلها لحصول الثواب المترتب عليها، ~~فمن حصل له ذلك العمل، حصل له ذلك الثواب، ومن لا، فلا، ولا يكون ذلك من ~~باب التكاليف المأثوم تاركه حتى يلزم دفع العسر عنه، نعم لا بد أن تكون ~~الحالة المترتب عليها الثواب المخصوص ممكنة الحصول، وهي التجرد عن شواغل ~~الدنيا، وغلبة ذكر الله تعالى على القلب، وتعميره به، وذلك حاصل لأهل ~~العناية، ومحكي عنهم، ثم إن حديث النفس يعم الخواطر الدنيوية والأخروية، ~~والحديث محمول على المتعلق بالدنيا فقط؛ لأنه مأمور بالفكر في معاني المتلو ~~من القرآن العزيز والذكر والدعوات، وتدبرها، وذلك لا يحصل إلا بحديث النفس، ~~وليس كل أمر محمود أو مندوب بالنسبة إلى غير وقته وحاله من أمور الآخرة، بل ~~قد يكون أجنبيا عنها، مثابا عليه. # وقد كان عمر - رضي الله عنه - يجهز الجيوش وهو في الصلاة، واستعجل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في صلاة وفراغه منها، وسئل عن ذلك، فقال - ~~صلى الله عليه وسلم -: "كان عندي شيء من تبر، فكرهت أن يحتبس، فقسمته" ~~(¬1)، وكل ذلك قربة خارجة عن مقصود الصلاة. # قوله - صلى الله عليه وسلم -: "غفر له ما تقدم من ذنبه" ms0039 الطاهر فيه ~~العموم في الكبائر والصغائر، PageV01P092 # لكنهم جعلوا مثله بالصغائر، وقالوا: إنما تكفر الكبائر بالتوبة، وكان ~~مستندهم في ذلك وروده مقيدا في مواضع؛ كقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، كفارات لما بينهن؛ ~~ما اجتنبت الكبائر" (¬1)، فجعلوه في هذه الأمور المذكورة مقيدا للمطلق في غيرها. # وفي هذا الحديث دليل على سرعة التعليم بالفعل، وأنه أبلغ وأضبط في حق ~~المتعلم. # وفيه: جواز الاستعانة في طلب الماء، وهو مجمع عليه من غير كراهة. # وفيه: استحباب إفراغ الماء على اليدين قبل غسلهما ما لم تتحقق نجاستهما. # وفيه: جواز إدخالهما الإناء بعد غسلهما، وأنه لا يفتقر إلى نية الاغتراف. # وفيه: استحباب التثليث في جميع الوضوء، ما عدا الرأس؛ فإنه لا يكرر ~~ثلاثا، وقد ثبت في "صحيح البخاري" أنه - صلى الله عليه وسلم - مسحه مرة بعد ~~ذكر التثليث في باقي الأعضاء (¬2)، وهو المختار عند المحققين. # وفيه: وجوب الترتيب في أعضاء الوضوء؛ فإنه رتبه الراوي بثم في معرض ~~البيان، وهي للترتيب، واختلف أصحابنا في ترتيبه في مسنون أعضاء الوضوء على وجهين. # وفيه: الاستدلال بفعله - صلى الله عليه وسلم - على الأحكام الشرعية، وأن ~~المرجع إليه - صلى الله عليه وسلم - في جميعها. # وفيه: استحباب تناول ماء الوضوء باليمين، ولم يتعرض في هذا الحديث لتقديم ~~اليمين على اليسار، لكنه ثابت في غيره من حديث عثمان وغيره في اليدين PageV01P093 # والرجلين، وأما الأذنان والخدان والكفان والمنخران والعينان وجانبا ~~الرأس، فقال العلماء: لا يستحب تقديم اليمين فيهما، بل يستحب غسلهما ~~ومسحهما دفعة واحدة، فلو فعل وغسلهما أو مسحهما دفعة، فإن كان له يد واحدة، ~~قدم اليمين منهما في الأذنين والخدين وباقيها. # وفيه: متابعته - صلى الله عليه وسلم - في جميع الأمور، وتحري مصلحة فعله ~~- صلى الله عليه وسلم -، واستحباب ركعتين خفيفتين بعد الوضوء، ودفع حديث ~~النفس في الأمور الدنيوية، وما لا يعني، وما أعده الله تعالى لهذه الأمة من ~~الثواب على الطاعات، وغفر السيئات، قال الله تعالى: {إن الحسنات يذهبن ~~السيئات ذلك ذكرى للذاكرين} [هود: 114]- والله أعلم ms0040 -. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثامن # عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، قال: شهدت عمرو بن أبي حبيش، سأل عبد ~~الله بن زيد، عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بتور من ماء، ~~فتوضأ لهم وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، فأكفأ على يديه من التور، فغسل ~~يديه ثلاثا، ثم أدخل يده في التور، فمضمض واستنشق واستنثر، ثلاثا بثلاث ~~غرفات، ثم أدخل يده فغسل وجهه، ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين، ثم أدخل ~~يده فمسح رأسه، فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة، ثم غسل رجليه (¬1). # وفي رواية: بدأ بمقدم رأسه، حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى ~~المكان الذي بدأ منه (¬2). # وفي رواية: أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأخرجنا له ماء في ~~تور من صفر (¬3). PageV01P094 # قال - رضي الله عنه - (¬1): التور شبه الطست. # أما رواته، فهم أنصاريون مازنيون مدنيون. # أما عمرو بن يحيى، فهو ثقة روي له في "الصحيحين" (¬2)، واسم جده، عمارة ~~بن أبي حسن، واسمه تميم بن عبد عمرو بن قيس بن محرث بن الحارث بن ثعلبة بن ~~مازن، وقيل: اسمه كنيته، وهو صحابي، يقال: شهد العقبة وبدرا، وعمارة لا ~~يعرف له رواية (¬3). # وأما أبوه يحيى، فهو تابعي سمع أبا سعيد الخدري. # وعبد الله بن زيد بن عاصم ثقة، رويا له في "الصحيحين" (¬4). # ومعنى قوله: قال: شهدت عمرو بن أبي حسن كأنه قال: شهدت ابني عمرا إلخ ~~شهدت، يعني: عمرا، ونسبه إلى جده الصحابي؛ تشريفا له، ولم ينسبه إلى نفسه أدبا. # وأما قوله: المازني -بالزاي والنون- فهو نسبة إلى مازن: قبائل وبطون، ~~أحدها مازن الأنصار، منهم عبد الله بن زيد بن عاصم، وأخوه تميم بن زيد، ~~وابن أخيه عباد بن تميم، وجماعة من الصحابة والتابعين، وعمرو هذا وأبوه ~~وجده منهم، وتشتبه هذه النسبة بالمأربي -بالهمزة والراء والباء الموحدة- ~~نسبة PageV01P095 # إلى "مأرب": ناحية ب "اليمن"، وهي التي استقطع أبيض بن حمال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ملحها، وقد يقال في النسبة إليها: المآربي -بالمد على ~~الجمع- والله أعلم -. # وأما عبد ms0041 الله بن زيد، فهو ابن زيد بن عاصم بن كعب بن عمرو بن عوف بن ~~مبذول بن عمرو بن غنيم بن مازن بن النجار الأنصاري المازني المدني، أمه أم ~~عمارة نسيبة -بفتح النون وكسر السين- بنت كعب بن عمرو بن عوف، شهد أحدا مع ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -هو وأمه أم عمارة، فروي أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال يومئذ: "رحمة الله عليكم أهل البيت" (¬1)، وليس هو راوي ~~حديث الأذان، وإن كان قاله: سفيان بن عيينة، فإنه وهم، بل راوي حديث الأذان ~~عبد الله بن زيد بن عبد ربه بن ثعلبة بن زيد بن الحارث بن الخزرج، أبو محمد ~~الأنصاري الخزرجي، شهد العقبة وبدرا، وكانت رؤياه الأذان في السنة الأولى ~~من الهجرة بعد بناء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسجده، وقال - صلى ~~الله عليه وسلم -: "هذ رؤيا حق" (¬2)، وأمر فنودي به على ما رأى، وتوفي ~~بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين وهو ابن أربع وستين سنة، وصلى عليه عثمان بن ~~عفان، قال الترمذي: سمعت البخاري يقول: لا يعرف لعبد الله بن زيد بن عبد ~~ربه إلا حديث الأذان (¬3). # وأما راوي حديث الوضوء، فروى له أصحاب الكتب الستة، وروى له البخاري ~~ومسلم ثمانية أحاديث، وقتل يوم الحرة في أواخر ذي الحجة سنة ثلاث وستين وهو ~~ابن سبعين سنة (¬4)، قال أبو حاتم بن حبان: سميت هذه الوقعة بيوم PageV01P096 # الحرة؛ لأن يزيد بن معاوية بعث جيشه يريد المدينة، وعليهم صخر بن أبي ~~الجهم، فتوفي صخر قبل مسير الجيش إليها، فاستعمل يزيد عليهم بعده مسلم بن ~~عقبة المزني، فسار بهم حتى نزل المدينة، فقاتلهم حتى هزمهم، وأباح المدينة ~~ثلاثة أيام، فسميت هذه الوقعة وقعة الحرة (¬1)، فهما متفقان في الاسم واسم ~~الأب والقبيلة، ومفترقان في اسم الجد والبطن من القبيلة. # فالأول: مأربي، والثاني: حارثي، وكلاهما أنصاريان خزرجيان، فيدخلان في ~~نوع المتفق المفترق من علوم الحديث - والله أعلم -. # وأما ألفاظه، فقوله: "دعا بتور من صفر"، التور: مثل الإجانة تشبه القدر، ~~ويكون من حجارة ومن نحاس (¬2). # وقال ms0042 شيخنا أبو الفتح القاضي: هو الطست (¬3). # والصفر -بضم الصاد وكسرها، والضم أفصح وأشهر -هو النحاس، وسمي النحاس ~~شبها -بفتح الشين والباء، وبكسر الشين وإسكان الباء -سمي به لكونه يشبه لون الذهب. # وقوله في الرواية الأولى: "فدعا بتور من ماء"؛ أي: من إناء من ماء، على ~~حذف المضاف، وهو نوع من المجاز، واستعمل الحقيقة في الرواية، الرواية ~~الثانية في قوله: في تور من صفر. # وتقدم الكلام على المضمضة والاستنشاق والاستنثار. # قوله: "ثم أدخل يده"؛ يعني: "في التور"، فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة، PageV01P097 # اختلف الفقهاء في كيفية الإقبال والإدبار، هل هو بالنسبة إلى الرأس، أو ~~بالنسبة إلى الشعر، أو بالنسبة إلى الناصية إلى الوجه، ثم إلى مؤخر الرأس، ~~ثم إلى ما بدأ منه؟ على ثلاثة مذاهب. # وهذا الحديث مطلق في الإقبال والإدبار من غير تحديد ابتداء غاية ~~وانتهائها في الرأس، لكنه ذكره في الرواية الثانية في قوله: بدأ بمقدم رأسه ~~حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، فهذه ~~الرواية ظاهرة في الأول، وهو مذهب الشافعي ومالك - رحمهما الله -، وهو ~~أنهما قالا: يبدأ بمقدم الرأس الذي يلي الوجه، ويذهب إلى القفا، ثم يردهما ~~إلى المكان الذي بدأ منه، وهو مبتدأ الشعر من حد الوجه، ولو لم ترد رواية ~~التحديد بالابتداء والانتهاء، لكان للإطلاق في الرواية الأولى جوابا من حيث ~~إنهم قالوا: الإقبال لا يكون ابتداؤه إلا من مؤخر الرأس، والإدبار لا يكون ~~ابتداؤه إلا من مقدم الرأس لو سلم، مع أنهم استدلوا عليه برواية وردت في ~~حديث الربيع بنت معوذ - رضي الله عنها - حسنة، رواها عنها أبو داود ~~والترمذي وابن ماجه، وحسنها الترمذي وقال: حديث عبد الله بن زيد أصح من هذا ~~وأجود إسنادا (¬1)، وهي أنه بدأ بمؤخر رأسه، ثم بمقدمه، وهي محمولة على ~~الجواز، لا على الأفضل، أو على حالة أو وقت، فلا يعارض ذلك الرواية المفسرة ~~عن عبد الله بن زيد، والجواب عن رواية الإطلاق في الإقبال والإدبار أن ~~الواو لا تدل على الترتيب، ms0043 ويؤيد عدمه ثبوت التقييد بالغاية ابتداء وانتهاء ~~في الرواية الثانية، ويصح -أيضا- جعل الإقبال من جهة الشعر من منابته من ~~جهة القفا، والإدبار إليه على معنى الفرق بين الذهاب إليه والوصول، وهو ~~بعيد؛ للبدأة بالرأس لا بالشعر في رواية الكتاب - والله أعلم -. # وفي هذا الحديث دليل على: جواز الاستعانة بإحضار الماء للطهارة بلا ~~كراهة. PageV01P098 # وفيه: جواز الوضوء من آنية النحاس وما أشبهه. # وفيه: تعليم المتعلمين بالفعل إذا كان الفعل أبلغ في الفهم من القول. # وفيه: إلقاء الماء على اليد قبل إدخالها في الإناء في ابتداء الطهارة. # وفيه: جواز إدخالها الإناء بعد ذلك. # وفيه: أن نية الاغتراف لا تجب؛ لأنه لو وجبت، لنقل. # وفيه: أن الفقه اللازم عن الذهن من غير أصل شرعي لا يعمل به، بل يكون ~~العمل به بدعة، ويكون ذكره لتشحيذ الذهن، لا لحكم شرعي. # وفيه: جواز التثليث في بعض أعضاء الوضوء دون بعض. # وفيه: الفرق بين الاستنشاق والاستنثار. # وفيه: غسل الرجلين. # وفيه: استقبال الرأس واستدباره في مسحه إذا كان له شعر، فلو كان محلوقا ~~قد نبت يسيرا، فلا بأس به، ولو كان فاسد المنبت، لم يستحب، ويكون الحديث ~~خرج مخرج الغالب. # وفيه: إتيان الكبير إلى أتباعه، وابتداؤهم إياه بإحضار ماء الوضوء إذا ~~علموا أن به حاجة إليه. # * * * ### ||| AUTO الحديث التاسع # عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره، وفي شأنه كله (¬1). # أما عائشة - رضي الله عنها -، فهي الصديقة بنت الصديق، أم المؤمنين، أم ~~عبد الله، كنيت بابن أختها أسماء بإذن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقيل: ~~بسقط، ولا يصح، PageV01P099 # واسم أبيها أبي بكر: عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب ~~بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب، يلتقي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~في مرة بن كعب. # قال أبو عمر بن عبد البر: لم يختلفوا في اسم أبيها وجدها، وأن لقب أبي ~~بكر عتيق، وأمها أم رومان -بضم الراء-، ms0044 وحكى ابن عبد البر أنه يقال بفتحها ~~أيضا، واسم أم رومان زينب بنت عامر، وقيل: بنت دهمان من بني مالك بن كنانة. # وعائشة وأبوها وأمها وجدها صحابة، وشاركها في ذلك جماعة من الصحابة، لكنه ~~قليل، ولا يوجد أربعة من الصحابة متوالدون إلا في آل أبي بكر الصديق: عبد ~~الله بن أسماء بنت أبي بكر بن أبي قحافة، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر ~~بن أبي قحافة. # تزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل الهجرة بسنتين، وقيل: بثلاث ~~سنين، وقيل غير ذلك، وهي بنت ست سنين، وبنى بها بعد الهجرة منصرفه من بدر ~~في شوال السنة الثانية من الهجرة، وتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وهي ابنة ثماني عشرة سنة، روي لها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألف ~~حديث ومئتا حديث وعشرة أحاديث، اتفق البخاري ومسلم على مئة وأربعة وتسعين ~~حديثا، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين حديثا، ومسلم بثمانية وستين حديثا، ~~روى عنها من الصحابة: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن ~~قيس الأشعري، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وأبو هريرة، ونيف وستون رجلا ~~وامرأة من التابعين في الصحيح، توفيت سنة سبع، وقيل: ثمان وخمسين، لسبع ~~عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، وأمرت أن تدفن بالبقيع، وصلى عليها أبو هريرة، ~~ونزل قبرها خمسة: عبد الله وعروة ابنا الزبير، والقاسم بن محمد، وعبد الله ~~بن عبد الرحمن بن أبي بكر (¬1) - رضي الله عنهم -. # ومناقبها كثيرة جدا؛ سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أي الناس أحب ~~إليك؟ قال: PageV01P100 # "عائشة لا، قيل: من الرجال؟ قال:. "أبوها" رواه مسلم (¬1). # وعن مسروق قال: رأيت مشيخة (¬2) أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~الأكابر يسألون عائشة عن الفرائض (¬3). # وعن عطاء بن أبي رباح قال: كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن ~~الناس رأيا في العامة (¬4). # وعن عروة قال: ما رأيت أحدا أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر من عائشة - رضي ~~الله عنها - (¬5). # وعن القاسم بن محمد قال: ms0045 كانت عائشة قد استقلت بالفتوى في خلافة أبي بكر، ~~وعمر، وعثمان، وهلم جرا، إلى أن ماتت (¬6). # واعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مات عن تسع من أزواجه، وعائشة ~~أفضلهن بلا خلاف. # وهل هي أفضل من خديجة بنت خويلد؟ وجهان حكاهما صاحب "التتمة" (¬7)، وادعى ~~الثعلبي الإجماع على أن خديجة أول الناس إسلاما، وهذا يقتضي ترجيح تفضيلها ~~على عائشة -رضي الله عنهن-. PageV01P101 # واختصت عائشة بفضائل لم يشركها أحد من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فيها: # الأولى: أنه - صلى الله عليه وسلم - تزوجها بكرا دون غيرها. # الثانية: أنها خيرت فاختارت الله ورسوله على الفور، وكن تبعا لها في ذلك. # الثالثة: نزول آية التيمم بسبب عقدها حين حبس رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - الناس، وقال أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم [يا] آل أبي بكر (¬1). # الرابعة: نزول براءتها من السماء. # الخامسة: جعلها قرآنا يتلى إلى يوم القيامة. # السادسة: تتبع الناس بهداياهم يومها؛ لما علموا من حبه - صلى الله عليه ~~وسلم - لها. # السابعة: اختياره - صلى الله عليه وسلم - أن يمرض في بيتها. # الثامنة: وفاته - صلى الله عليه وسلم - بين سحرها ونحرها. # التاسعة: وفاته في يومها. # العاشرة: وفاته - صلى الله عليه وسلم - في بيتها. # الحادية عشرة: دفنه - صلى الله عليه وسلم - في بيتها. # الثانية عشرة: [بيتها] بقعة هي أفضل بقاع الأرض مطلقا، وهي مدفنه - صلى ~~الله عليه وسلم -، وادعى القاضي عياض الإجماع عليه. # الثالثة عشرة: أنها رأت جبريل - صلى الله عليه وسلم - في صورة دحية ~~الكلبي، وسلم عليها. # الرابعة عشرة: كانت أحب نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - إليه. # الخامسة عشر: اجتماع ريق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وريقها في آخر ~~أنفاسه. # السادسة عشرة: كانت أكثرهن علما. # السابعة عشرة: كانت أفصحهن لسانا. PageV01P102 # الثامنة عشرة: لم ينزل الوحي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~لحاف امرأة غيرها. # التاسعة عشرة: أن جبريل جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بصورتها ~~قبل أن يتزوجها. # العشرون: لم ينكح النبي - صلى الله عليه ms0046 وسلم - امرأة أبواها مهاجران بلا ~~خلاف سواها. # الحادية والعشرون: كان أبوها أحب الرجال إليه، وأعزهم عليه - صلى الله ~~عليه وسلم -. # الثانية والعشرون: كان لها يومان وليلتان في القسم دونهن لما وهبتها سودة ~~بنت زمعة يومها وليلتها. # الثالثة والعشرون: أنها كانت تغضب، فيترضاها - صلى الله عليه وسلم -، ولم ~~يثبت ذلك لغيرها. # الرابعة والعشرون: لم ينزل بها أمر إلا جعل الله لها منه مخرجا، ~~وللمسلمين بركة. # الخامسة والعشرون: لم يرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - امرأة حديثا ~~أكثر منها. # السادسة والعشرون: أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يتتبع رضاها في ~~المباحات؛ كضرب الجواري إليها، وجعل ذقنها على عاتقه، ووقوفه لتنظر إلى ~~الحبشة يلعبون (¬1). # وأما ألفاظه: # فالتنعل: لبس النعل، والترجل: تسريح الشعر، يقال: شعر مرجل؛ أي: مسرح، ~~وشعر رجل ورجل، ورجله صاحبه: إذا سرحه ودهنه (¬2). PageV01P103 # والتيمن في التنعل: البدأة باليمنى، وفي الترجل: البدأة بالشق الأيمن من ~~الرأس في تسريحه ودهنه، وفي الطهور، البدأة بالشق الأيمن في الغسل، وباليد ~~اليمنى والرجل اليمنى في الوضوء، وأما الخدان والعينان والأذنان والمنخران ~~والكفان، فلا يشرع التيمن فيهما كما تقدم إلا أن يكون أقطع ونحوه، فتقدم ~~اليمين (¬1). # وقولها: "وفي شأنه كله": عام في كل شيء، خص منه دخول الخلاء، والخروج من ~~المسجد، والامتخاط، والاستنجاء وما شابه ذلك. # والطهور في هذا الحديث -بضم الطاء-، والمراد به فعل الطهارة، وبفتح ~~الطاء: الماء الذي يتطهر به، وقال سيبويه: الطهور -بالفتح- يقع على الماء ~~والمصدر معا (¬2). # والضابط في معنى هذا الحديث: أن ما كان من باب التكريم والرتبة (¬3) كان ~~لليمين، وما كان بخلافه، فلليسار. # وحكم البدأة باليمنى الاستحباب عند مالك والشافعي، وإن كان الشافعي يقول ~~بوجوب الترتيب في أعضاء الوضوء؛ فإن اليدين والرجلين كالعضو الواحد؛ حيث ~~جمعا في لفظ القرآن العزيز؛ حيث قال: {أيديكم وأرجلكم} [الأعراف: 124]، وهو ~~مجمع عليه، ويدخل في عموم قولها: وفي شأنه كله: حالة اللباس، والأكل، ~~والشرب، والأخذ، والعطاء، والاكتحال والسواك، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، ~~ونتف الإبط، وحلق الرأس، والمصافحة، واستلام الحجر، وما أشبه ذلك. # فلو تعارض الانتعال والخروج ms0047 من المسجد، خرج منه بيساره، ووضعها على PageV01P104 # نعله اليسرى من غير لبس، ثم خرج باليمنى، ولبسها، ثم لبس اليسرى -والله أعلم-. # واعلم أن تقديم اليمين على اليسار من اليدين والرجلين في الوضوء سنة، لو ~~خالفه، صح الوضوء، وفاته الفضيلة، وقالت الشيعة: هو واجب، ولا اعتداد ~~بخلافهم، لكن قال الشافعي: الابتداء باليسار مكروه -نص عليه في "الأم"- (¬1). # وقد روى أبو داود والترمذي بأسانيد جيدة عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا لبستم وإذا توضأتم فابدؤوا ~~بأيامنكم" (¬2) ظاهر الأمر فيه للوجوب، فمخالفته محرمة، لكن انعقد الإجماع ~~على عدم التحريم، فثبتت الكراهة -والله أعلم-. # * * * ### ||| AUTO الحديث العاشر # عن نعيم المجمر، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: "إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار ~~الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل" (¬3). # وفي لفظ: رأيت ابا هريرة يتوضأ، فغسل وجهه ويديه حتى كاد يبلغ المنكبين، ~~ثم غسل رجليه حتى رفع إلى الساقين، ثم قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - PageV01P105 # يقول "إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء، فمن استطاع ~~منكم أن يطيل غرته فليفعل" (¬1). # وفي لفظ لمسلم: سمعت خليلي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "تبلغ الحلية من ~~المؤمن حيث يبلغ الوضوء" (¬2). # أما نعيم، فكنيته أبو عبد الله بن عبد الله، ويقال: ابن محمد، حكاه ابن ~~حبان، وهو عدوي، مولى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، تابعي مدني، سمع ابن ~~عمر وأنسا وأبا هريرة، اتفقوا على توثيقه، روى له صاحبا "الصحيحين". # وأما المجمر، فهو -بضم الميم وسكون الجيم وكسر الميم الثانية-، ويشتبه ~~بمخمر -بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الميم الثانية- ابن اخي ~~النجاشي ذي مخمر، وقال ابن يونس: مجمر -بضم الميم وكسر الثانية- ويقال: ~~مخبر -بكسر الميم وإبدال الثانية باء موحدة مفتوحة-، وجماعة من آباء الرواة ~~مجمر (¬3) بلا اختلاف، وهو صفة لعبد الله أبي نعيم، لا لنعيم على قول ~~الأكثرين، منهم ابن حبان، وصاحب ms0048 "المطالع"، وقال: إنما استعمل في نعيم ~~مجازا، قال ابن حيان: وإنما قيل: المجمر؛ لأن أباه كان يأخذ المجمر قدام ~~عمر بن الخطاب إذا خرج إلى المسجد في شهر رمضان، ويقال: إن عمر جعل نعيما ~~على إجمار المسجد، فسمي: المجمر؛ ذكره عبد الغني المقدسي في "ترجمة كيسان"، ~~وما أظنه صحيحا -والله أعلم- (¬4)، وتجمير المسجد: تبخيره. PageV01P106 # وأما أبو هريرة، فتقدم. # وأما الغرة، فهي البياض في الوجه، والتحجيل: بياض في اليدين والرجلين، ~~وأصله في اللغة: البياض في جبهة الفرس ويديها ورجليها (¬1)، ثم استعمله - ~~صلى الله عليه وسلم - في العلامة التي تكون على المؤمنين يوم القيامة في ~~مواضع الوضوء، وهي نور، وسماه غرة وتحجيلا من آثار الوضوء، والمراد به في ~~الغرة: غسل شيء من مقدم الرأس وما يجاوز الوجه زائد على الجزء الذي يجب ~~غسله لاستيعاب كمال الوجه، وفي التحجيل: غسل ما فوق المرفقين والكعبين، وهو ~~مستحب بلا خلاف، وادعى الإمام أبو الحسن بن بطال المالكي، ثم القاضي عياض ~~اتفاق العلماء على أنه لا يستحب الزيادة فوق المرفق والكعب، وهي دعوى ~~باطلة؛ فقد ثبت فعل ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبي هريرة، ~~وعمل العلماء وفتواهم عليه، فهما محجوجان بذلك، واحتجاجهما بقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "من زاد على هذا أو نقص، فقد أساء وظلم" (¬2) غير صحيح؛ ~~لأن المراد به الزيادة في عدد المرات أو النقص عن الواجب، أو الثواب المرتب ~~على نقص العدد، لا الزيادة على تطويل الغرة والتحجيل -والله أعلم-. # وأما حد الزائد، فقال بعض أصحاب الشافعي: لا حد له، وقال بعضهم: # حده نصف العضد والساق، وقال بعضهم: إلى الركبتين والمنكب، والأحاديث # تقتضي ذلك كله. # [وقد استعمل أبو هريرة - رضي الله عنه - الحديث على إطلاقه، فظاهره في ~~إطالة الغرة والتحجيل -والله أعلم-] (¬3). # وقوله: "يدعون غرا محجلين"، يحتمل أن يكون منصوبا على المفعولية PageV01P107 # ليدعون بمعنى التسمية؛ أي: يسمون غرا، ويحتمل أن يكون على الحال، وهو ~~الأقرب. # وقوله: "من آثار الوضوء" هو -بضم الواو، وهذا هو المعروف، ويجوز أن يقال ~~بفتحها، ويكون المراد: ms0049 آثار الماء المستعمل في الوضوء، فالغرة والتحجيل نشآ ~~عن الفعل بالماء، فيجوز نسبتهما إلى كل واحد منهما. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل" ~~اقتصاره - صلى الله عليه وسلم - على ذكر الغرة دون التحجيل، من باب التغليب ~~بالذكر لأحد الشيئين، وإن كان بسبيل واحد للترغيب فيه، وقد استعمل الفقهاء ~~ذلك، فقالوا: يستحب تطويل الغرة، ومرادهم الغرة والتحجيل -والله أعلم-. # وقد استدل جماعة من العلماء بهذا الحديث على أن الوضوء من خصائص هذه ~~الأمة -زادها الله تعالى شرفا-، وقال آخرون: ليس الوضوء مختصا بها، بل الذي ~~اختصت به الغرة والتحجيل. # واحتجوا بالحديث الآخر: "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي" (¬1)، وأجاب ~~الأولون عن هذا بجوابين: # أحدهما: أنه حديث ضعيف معروف الضعف. # والثاني: لو صح، لاحتمل اختصاص الأنبياء دون أممهم؛ بخلاف هذه الأمة ~~-والله أعلم-، ولا شك أن هذه الأمة مختصة بآثار الوضوء يوم القيامة، وهو ~~النور الذي يكون في الوجوه والأيدي والأرجل المسمى بالحلية دون غيرهم من ~~الأمم -والله أعلم-. PageV01P108 # وقول أبي هريرة - رضي الله عنه -: "سمعت خليلي - صلى الله عليه وسلم - " ~~أصل الخليل: الصديق، فعيل بمعنى مفعول، وهو المحبوب الذي تخللت محبته ~~القلب، فصارت خلاله؛ أي: في باطنه، ولا شك أنه يجب محبة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - محبة تخالط القلب والبدن، مقدمة على النفس والمال والولد ~~والناس أجمعين، ويجوز إطلاق ذلك هنا بهذا المعنى، فيقول أحد الصحابة أو ~~كلهم: سمعت خليلي، وقال خليلي، وأما هو - صلى الله عليه وسلم - فلم يتخذ ~~أحدا خليلا؛ لأن خلته كانت مقصورة على حب الله تعالى، فليس فيها متسع ~~لغيره، ولا شركة من محاب الدنيا والآخرة، ولا ينال ذلك إلا بفضل الله لمن ~~يشاء من عباده. # ففي الحديث: استحباب المحافظة على الوضوء وسننه المشروعة. # وفيه: ما أعده الله تعالى من الفضل والعلامة لأهل الوضوء يوم القيامة. # وفيه: ما أطلعه الله تعالى لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - من ~~المغيبات المستقبلة التي لم يطلع عليها نبيا غيره - صلى الله عليه وسلم ms0050 - ~~من أمور الآخرة وصفات ما فيها -والله أعلم-. # * * * PageV01P109 ### || AUTO باب الاستطابة # الاستطابة: إزالة الأذى عن المخرجين بحجر أو ماء، مأخوذ من الطيب، يقال: ~~استطاب الرجل فهو مستطيب، وأطاب فهو مطيب (¬1). # * * * ### ||| AUTO الحديث الأول # عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: أن النبي كان إذا دخل الخلاء قال: ~~"اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" الخبث -بضم الخاء والباء- وهو جمع ~~خبيث، والخبائث: جمع خبيثة، استعاذ من ذكران الشياطين وإناثهم (¬2). # أما أنس، فهو أنصاري خزرجي نجاري (¬3) كنيته أبو حمزة، كناه رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ببقلة كان يجتنيها، قال: الأزهري: البقلة التي جناها ~~أنس كان في طعمها لذع، فسميت حمزة بفعلها فقال: رمانة حامزة؛ أي: فيها ~~حموضة، وهو أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن يزيد بن حرام -بالحاء المهملة ~~والراء- وجمع ما في الأنصار من الأسماء حرام كذلك، وفي قريش بكسر PageV01P110 # الحاء المهملة والزاي-، أمه أم سليم، واختلف في اسمها اختلافا كثيرا، ~~والصحيح مليكة، وهو الثابت في "الصحيحين"، وهي بنت ملحان -بكسر الميم على ~~المشهور-. # وحكى صاحب "المطالع" عن بعضهم فتحها (¬1)، أتت به أمه إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ليخدمه حين قدم المدينة، فخدمه عشر سنين، فكان عمره عشرا، ~~وقيل: ثمانيا، ودعا له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكثرة المال ~~والولد، فرأى - رضي الله عنه - من أولاده وأحفاده أكثر من مئة وعشرين، منهم ~~لصلبه ثمانون ولدا، ثمانية وسبعون ذكرا، وابنتان. # وقال أنس: أخبرتني ابنتي أمينة أنه دفن لصلبي إلى مقدم الحجاج البصرة بضع ~~وعشرون ومئة (¬2). # وهو من أكثر الصحابة حديثا، روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ألفا حديث، ومئتا حديث، وستة وثمانون حديثا، اتفقا على مئة وثمانية وستين، ~~وانفرد البخاري بثلاثة وثمانين، ومسلم بأحد وسبعين. # روى عنه: أبو أمامة أسعد بن سهل بن حنيف، وابناه موسى والنضر، وأحفاده، ~~وخلق كثير من التابعين. # وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدخل على أمه أم سليم فيصلي في ~~بيتها غير المكتوبة، ويدعو لهم بخير الدنيا والآخرة. # وهو ms0051 من أطول الصحابة عمرا، وسكن البصرة، ومات بها سنة ثلاث، وقيل: خمس، ~~وقيل: إحدى، وقيل: اثنتين وتسعين، ودفن بقصره على نحو فرسخين من البصرة، ~~وهو آخر من مات من الصحابة بها - رضي الله عنه -، وقال محمد بن عبد الله ~~الأنصاري: كان سنه يوم مات مئة وسبع سنين. # وقال حميد: عمر مئة سنة إلا سنة، ولا التفات إلى قول من قال: إنه آخر PageV01P111 # الصحابة موتا، بل آخرهم موتا أبو الطفيل عامر بن واثلة؛ فإنه مات سنة ~~مئة، وقال مورق العجلي لما مات أنس: ذهب اليوم نصف العلم (¬1). # أما ألفاظه: # فالخلاء -بفتح الخاء المعجمة والمد-: موضع قضاء الحاجة، وكذلك الكنيف، ~~والمرحاض، وأصله المكان الخالي، ثم كثر استعماله حتى يجوز به غير ذلك. # وقوله: "إذا دخل" معناه: إذا أراد الدخول كما في قوله تعالى: {فإذا قرأت ~~القرآن} [النحل: 98]، وقد ثبت هذا المعنى تصريحا في رواية البخاري قال: كان ~~إذا أراد أن يدخل. # وأما الخبث، فهو بضم الخاء والباء وإسكانها، لكن الأكثرون على الضم، ~~والإسكان جائز كما في نظائره، ونقل القاضي عياض أن الأكثرين على الإسكان، ~~وقال الخطابي: الإسكان غلط، وكلا القولين خلاف الصواب، بل الوجهان جائزان ~~كما ذكرنا، وجواز الإسكان على سبيل التخفيف قياسا؛ كما يقال: كتب ورسل، ~~وعنق، وأذن غير ممنوع، لا خلاف فيه عند أئمة العربية، وهو باب معروف عند ~~أئمة التصريف، وهو أن فعلا -بضم الفاء والعين- تخفف عينه قياسا، فلعل ~~الخطابي أنكر أن الأصل الإسكان فيه، لكن عبارته موهمة، وممن صرح بأن الباء ~~ساكنة هنا إمام هذا الفن والعمدة فيه أبو عبيد القاسم بن سلام، والخبث ~~-بالضم- جمع الخبيث، والخبائث جمع الخبيثة، يريد ذكران الشياطين PageV01P112 # وإناثهم، وقيل: هو الشر، وقيل: الكفر، وقيل: الخبث: الشيطان، والخبائث: ~~المعاصي، وقال ابن الأعرابي: الخبث في كلام العرب: المكروه؛ فإن كان من ~~الكلام، فهو الشتم، وإن كان من الملل، فهو الكفر، وإن كان من الطعام، فهو ~~الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضار (¬1). # ولا شك في صحة هذا الحديث من رواية أنس - رضي الله عنه - كما ms0052 ذكره ~~المصنف، وهو ثابت في "الصحيحين"، وقد رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ~~ماجه، والحاكم أبو عبد الله في "مستدركه" من رواية زيد بن أرقم - رضي الله ~~عنه - بزيادة في أوله، وهي: "إن هذه الحشوش محتضرة، فإذا أتى أحدكم الخلاء، ~~فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث"، وقال الترمذي: حديث أنس أصح شيء في ~~الباب وأحسن، وحديث زيد بن أرقم في إسناده اضطراب (¬2)، وأشار إلى اختلاف ~~الرواة فيه، وقال أبو محمد عبد الحق في "أحكامه الوسطى": حديث زيد بن أرقم ~~اختلف في إسناده، والذي أسنده ثقة، وقال الحاكم: هو من شرط الصحيح، ولم ~~يخرجاه بهذا اللفظ، وقال شيخنا أبو زكريا النواوي - رحمه الله -: حديث زيد ~~بن أرقم صحيح أو حسن، قلت: وهو حسن عند أبي داود؛ لسكوته عليه -والله أعلم-. # قال شيخنا أبو الفتح بن دقيق العيد القشيري - رحمه الله - قوله: "إذا ~~دخل": يحتمل أن يراد به: إذا أراد الدخول؛ كما في قوله تعالى: {ويوم نبعث ~~في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك ~~الكتاب تبيانا لكل PageV01P113 # شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين} [النحل: 89]، ويحتمل أن يريد به: ابتداء ~~الدخول، وذكر الله تعالى مستحب في ابتداء قضاء الحاجة، فإن كان المحل الذي ~~يقضي فيه الحاجة غير معد لذلك؛ كالصحراء مثلا، جاز ذكر الله تعالى في ذلك ~~المكان، وإن كان معدا لذلك؛ كالكنيف، ففي جواز الذكر فيه خلاف بين الفقهاء، ~~فمن كرهه، فهو محتاج إلى أن يؤول قوله: إذا دخل بمعنى: إذا أراد؛ لأن لفظة ~~دخل أقوى في الدلالة على الكنف المبنية منها على المكان البراح، أو لأنه قد ~~تبين في حديث آخر المراد؛ حيث قال - صلى الله عليه وسلم - "إن هذ الحشوش ~~محتضرة، فإذا دخل أحدكم الخلاء فليقل "الحديث، وأما من أجاز ذكر الله تعالى ~~في هذا المكان، فلا يحتاج إلى هذا التأويل، ويحمل دخل على حقيقتها، ثم قال: ~~الحديث الذي ذكرناه من قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن هذه الحشوش ~~محتضرة"؛ أي: للجان والشياطين بيان ms0053 لمناسبة هذا الدعاء المخصوص لهذا المكان ~~المخصوص، هذا آخر كلامه (¬1). # قلت: أما قوله: يجوز ذكر الله تعالى في مكان قضاء الحاجة إذا كان غير معد ~~له؛ كالصحراء، وإن كان معدا لها، ففيه خلاف بين الفقهاء، وجعله حديث الحشوش ~~محتضرة بيانا لمناسبة هذا الدعاء المخصوص في هذا المكان المخصوص، فلا أعلم ~~أحدا ذكر هذه الجملة من العلماء في الجواز والاختلاف والمناسبة، بل كلهم ~~ذكروا الكراهة فيه، حتى صرح بعض العلماء في الصحراء بالكراهة إذا أراد قضاء ~~الحاجة، وأراد اتخاذ مكان منه أنه يصير حكمه حكم المكان المتخذ في البنيان. # ورأيت بعض المتأخرين ينقل تحريم استصحاب ذكر الله تعالى فيه المكتوب، ~~فكيف بالنطق به؟، ولم أره، لكنهم صرحوا بالكراهة، سواء كان غير قاض حاجته، ~~أم على قضائها، ومناسبة الاستعاذة تقتضي ذلك، أما أنها تقتضي جواز ذكر الله ~~تعالى فيه، فلا -والله أعلم-. PageV01P114 # وأما قوله: ويحتمل أن يريد به ابتداء الدخول، فهو غير صحيح، مع التصريح ~~في رواية البخاري أنه - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد دخول الخلاء، ~~قال -والله أعلم-. # وفي هذا الحديث دليل: على مراقبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لربه، ~~ومحافظته على ضبط أوقاته وحالاته، واستعاذته عندما ينبغي أن يستعاذ منه، ~~ونطقه بما ينبغي أن ينطق به، وسكوته عندما ينبغي أن يسكت عنده، وقد كان - ~~صلى الله عليه وسلم - إذا خرج من الخلاء قال: " غفرانك" (¬1)؛ أي: أسألك ~~غفرانك على حالة شغلتني عن ذكرك. # وفيه: شرعية هذا الذكر عند إرادة دخول الخلاء، وهو متفق عليه. # وفيه: ما كان عليه أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - من ضبط أموره - ~~صلى الله عليه وسلم -، وأحواله، وأقواله، وأفعاله، وأذكاره، وغير ذلك -رضي ~~الله عنهم- أجمعين. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - "إذا أتيتم الغائط، فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولا ~~تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا" قال أبو أيوب: فقدمنا الشام، فوجدنا ~~مراحيض قد بنيت نحو الكعبة، فننحرف عنها، ونستغفر الله ms0054 تعالى (¬2). # الغائط: الموضع (¬3) المطمئن من الأرض، كانوا ينتابونه للحاجة، فكنوا به PageV01P115 # عن نفس الحدث؛ كراهية لذكره بخاص اسمه، والمراحيض: جمع المرحاض، وهو ~~المغتسل، وهو -أيضا- كناية عن موضع التخلي. # أما أبو أيوب، فاسمه: خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة، الخزرجي، نجاري، شهد ~~بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وشهد العقبة ~~الثانية، وبايع -أيضا-، ونزل عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين ~~قدم المدينة شهرا حتى بنيت مساكنه ومسجده، وقال أبو أيوب: لما نزل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - في بيتي، نزل في السفل، وأنا وأم أيوب في ~~العلو، قال: فقلت له: بأبي أنت وأمي! إني أكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون ~~تحتي، فكن أنت في العلو، وننزل نحن فنكون في السفل، قال: "يا أبا أيوب! إن ~~أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في أسفل البيت"، قال: فكان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في سفله، وكنا فوقه في المسكن، فلقد انكسر جب لنا فيه ~~ماء، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها ننشف بها الماء؛ خوفا ~~أن يقطر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيء (¬1). # ولما تحدث في الإفك، وقالت له أم أيوب: ألم تسمع ما يتحدث به الناس؟ ~~وأخبرته، فقال - رضي الله عنه -: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا -سبحان الله- ~~هذا بهتان عظيم، فأنزل الله الآية: {ولولا إذ سمعتموه} [النور: 16] إلى ~~آخرها (¬2). # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مئة وخمسون حديثا، اتفق ~~البخاري ومسلم منها على سبعة، وانفرد البخاري بحديث واحد، ومسلم بخمسة. # روى عنه: البراء بن عازب، وجابر بن سمرة، والمقداد بن معدي كرب، وأبو ~~أمامة الباهلي، وزيد بن خالد الجهني، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن يزيد ~~الخطمي -رضي الله عنهم أجمعين-، وخلق كثير من التابعين. PageV01P116 # مات بأرض الروم غازيا سنة اثنتين، وقيل: إحدى وخمسين، وقيل: سنة خمسين ~~زمن معاوية. # وروى ابن سيرين: أنه غزا زمن معاوية، فمرض، فقال لهم: قدموني في أرض ms0055 ~~الروم ما استطعتم (¬1). # وروى المدائني: أنه دخل عليه يزيد بن معاوية، فقال: ما حاجتك؟ قال: تعمق ~~قبري وتوسعه (¬2). # وقال أبو حاتم بن حبان البستي - رحمه الله -: إن أبا أيوب قال لهم: إذا ~~أنا مت فقدموني في بلاد الروم ما استطعتم، ثم ادفنوني، فمات، وكان المسلمون ~~على حصار القسطنطينية، فقدموه حتى دفن إلى جانب حائطها. # روى له أصحاب الكتب الستة، وغيرهم (¬3). # وأما قوله: "الأنصاري"، فهي نسبة إلى الأنصار، واحدهم نصير؛ كشريف ~~وأشراف، وقيل: ناصر؛ كصاحب وأصحاب، وهم قبيلتان: الخزرج والأوس، والخزرج ~~أشرفهما؛ لكون أخوال النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم، وهو وصف لهم ~~إسلامي. # روى البخاري في "صحيحه"، عن غيلان بن جرير، قال: قلت لأنس بن مالك - رضي ~~الله عنه -: أرأيت اسم الأنصار، أكنتم تسمون به، أم سماكم الله تعالى به؟ ~~قال: بل سمانا الله تعالى (¬4). PageV01P117 # واعلم أن الخزرج والأوس هما ابنا حارثة بن ثعلبة العنقاء بن عمرو مزيقياء ~~بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن ~~الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن ~~قحطان بن عامر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح - صلى الله عليه وسلم -. # وقحطان أصل العرب، وهو يقطن، وقيل: يقظان، وسمي قحطان؛ لأنه كان أول من ~~تجبر وظلم وقحط أموال الناس من ملوك العرب -والله أعلم-. # وأما ألفاظه: # فقد ذكر المصنف الغائط والمراحيض، والشأم مهموز، ويجوز تسهيله، ويقال: ~~الشآم -بالمد- في لغة قليلة، وهو مذكر، وقد يؤنث، فيقال: الشام مبارك ~~ومباركة، وسمي به لأن سام بن نوح سكنه أولا، فعرب بالشين، وقيل: لكثرة ~~قراه، ودنو بعضها من بعض؛ كالشامات، وقيل: لأن باب الكعبة مستقبل مطلع ~~الشمس، فمن استقبله كان اليمن عن يمينه، والشام عن شماله، وهي الشومى، ~~فسميا بذلك، وحده في الطول من العريش إلى الفرات، وقيل: إلى بالس، وفي ~~العرض، قال السمعاني: هو بلاد بين الجزيرة والغور إلى الساحل، وهو أفضل ~~البقاع بعد مكة والمدينة، وقد بارك ms0056 الله تعالى فيه -والله أعلم-. # وقوله: "قد بنيت": يعني: في الجاهلية، وبناؤها نحو الكعبة ليس قصدا لها، ~~ولا لقبلة أهل الشام إذ ذاك، وهي بيت المقدس، وإنما هو مجرد جهل ومصادفة. # والمراد بالقبلة المنهي عن استقبالها واستدبارها: الكعبة، فعلى هذا يكون ~~الألف واللام فيها للعهد، ولا يجوز أن تكون للجنس، وإن كان ورد النهي عن ~~استقبال بيت المقدس في "سنن أبي داود" وابن ماجه، و"مسند أحمد بن حنبل"، من ~~رواية معقل بن أبي معقل الأسدي - رضي الله عنه -، بإسناد حسن؛ لأن النهي ~~فيه إنما هو في استقباله فقط، ولفظه: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أن نستقبل القبلتين ببول أو بغائط (¬1)، ولأن القبلة عند الإطلاق تصرف إلى ~~الكعبة في PageV01P118 # شرعنا، لا على القبلة المنسوخة، ولأن النهي في الكعبة عن الاستقبال ~~والاستدبار في محله على ما فيه من الخلاف، وسيأتي، فلا يجوز أن تكون للجنس ~~في القبلتين، بل للعهد، والله أعلم، ثم إن النهي في استقبال الكعبة ~~واستدبارها للتحريم في الصحراء والبنيان، وهو قول أبي أيوب الأنصاري راوي ~~هذا الحديث، ومجاهد، وإبراهيم والنخعي التابعيين، وسفيان الثوري، وأبي ثور، ~~وأحمد في رواية، وهؤلاء حملوا النهي على العموم، وجعلوا العلة فيه للتعظيم ~~والاحترام للقبلة؛ لأنه معنى مناسب، ورد النهي على وقفه، فتكون علة له. # وقد روي من حديث سراقة بن مالك، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~أنه قال: "إذا أتى أحدكم البراز، فليكرم قبلة الله -عز وجل-" (¬1)، وهذا ~~ظاهر قوي في هذا التعليل، [فلا فرق فيه بين الصحراء والبنيان] (¬2)، ولو ~~كان الحائل كافيا في جوازه في البنيان، لكان في الصحراء [من] (¬3) الجبال ~~والأودية ما هو أكفى. # وفيه مذهب ثان: أنهما جائزان مطلقا، وهو قول: عروة بن الزبير، وربيعة ~~الرأي شيخ مالك، وداود الظاهري، ورأى هؤلاء حديث أبي أيوب منسوخا، وزعموا ~~أن ناسخه حديث مجاهد عن جابر - رضي الله عنه - قال: نهى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام ~~يستقبلها، وهو حديث حسن ms0057 بلا شك، رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، ~~والحاكم في "مستدركه"، وقال: صحيح على شرط مسلم (¬4)، والصواب أنه حسن ليس ~~على PageV01P119 # شرط مسلم؛ لأن أبان بن صالح أحد رواته روى له البخاري دون مسلم، ولا يجوز ~~أن يقول: على شرط البخاري؛ لأن في إسناده محمد بن إسحاق، والبخاري لم يرو ~~له أصلا ولا متابعة، فتعين أن يكون حسنا، لكن استدلال هؤلاء به على النسخ ~~ضعيف فيهما، ولا يصار إليه إلا بعد تعذر الجمع، والجمع ممكن كما سيأتي. # وفيه مذهب ثالث: أنه لا يجوز الاستقبال فيهما، ويجوز الاستدبار فيهما، ~~وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة، وهو ضعيف جدا، ويكفي في الرد عليه حديث ~~أبي أيوب هذا. # وفيه مذهب رابع: وهو قول الجمهور، وبه قال مالك والشافعي، وأحمد -في إحدى ~~الروايتين- أنه يحرم استقبال القبلة في الصحراء بالبول والغائط، ولا يحرم ~~ذلك في البنيان، وهو مروي عن العباس بن عبد المطلب، وابن عمر -رضي الله ~~عنهم-، ورأى هؤلاء الجمع بين الأحاديث، وأنه لا يصار إلى النسخ إلا ~~بالتصريح به، أو بمعرفة تاريخه، وأن الجمع أولى من إلغاء بعض الأحاديث، ~~واستدلوا بحديث ابن عمر الآتي، وبأحاديث أخر، ولما في المنع في البنيان من ~~المشقة والتكلف لترك القبلة، بخلاف الصحراء. # واعلم أن الغائط استعمل في الخارج، وغلب على الحقيقة الوضعية، فصار حقيقة ~~عرفية، لكن لا يقصد به إلا الخارج من الدبر فقط، ويقال: إنه يقصد به الخارج ~~من القبل والدبر كيف كان. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولكن شرقوا أو غربوا" هذا الخطاب لأهل ~~المدينة ومن في معناهم؛ كأهل الشام واليمن وغيرهم ممن قبلته على هذا ~~[السمت] (¬1)، فأما من كانت قبلته في جهة المشرق أو المغرب، فإنه يتيامن أو ~~يتشاءم -والله أعلم-. PageV01P120 # وقول أبي أيوب: فقدمنا الشام ... إلى آخره، يدل على أن للعموم صيغة عند ~~العرب وأهل الشرع، على خلاف ما ذهب إليه بعض الأصوليين في ذلك، والمعني به ~~استعمال صيغة العموم في بعض أفراده كما فعله الجمهور في حديث أبي أيوب هذا. # قال شيخنا ms0058 أبو الفتح الحافظ - رحمه الله -: أولع بعض أهل العصر وما يقرب ~~منهم (¬1) بأن قالوا: صيغة العموم إذا وردت على الذوات مثلا، أو على ~~الأفعال، كانت عامة في ذلك، مطلقة في الزمان والمكان، والأحوال والتعلقات، ~~ثم يقال: المطلق يكفي في العمل به صورة واحدة، فلا يكون حجة فيما عداه، ~~وأكثروا من هذا السؤال فيما لا يحصى من ألفاظ الكتاب والسنة، وصار ذلك ~~ديدنا لهم في الجدال، وهذا باطل عندنا، بل الواجب أن ما دل على العموم في ~~الذوات مثلا يكون دالا على ثبوت الحكم في كل ذات تناولها اللفظ، ولا يخرج ~~عنها ذات إلا بدليل يخصه، فمن أخرج شيئا من تلك الذوات، فقد خالف مقتضى ~~العموم، نعم يكفي في العمل المطلق مرة؛ كما قالوه، ونحن لا نقول به في هذه ~~المواضع من حيث الإطلاق، وإنما قلنا به من حيث المحافظة على ما تقتضيه صيغة ~~العموم في كل ذات، فإن كان المطلق لا يقتضي العمل به في مرة مخالفة لمقتضى ~~صيغة العموم، اكتفينا في العمل به مرة واحدة، مما يخالف مقتضى صيغة العموم، ~~قلنا بالعموم محافظة على مقتضى صيغة الأمر، لا من حيث إن المطلق يعم، مثال ~~ذلك إذا قال: من دخل داري فأعطه درهما، فمقتضى الصيغة العموم في كل ذات صدق ~~عليها أنها الداخلة، فإذا قال قائل: هو مطلق في الأزمان، فأعمل به في ~~الذوات الداخلة في أول النهار مثلا، ولا أعمل به في غير ذلك الوقت، لأنه ~~مطلق في الزمان، وقد عملت به مرة، فلا يلزم أن أعمل به أخرى؛ لعدم عموم ~~المطلق. # قلنا له: لما دلت الصيغة على العموم في كل ذات دخلت الدار، ومن جملتها PageV01P121 # الذوات الداخلة في آخر النهار، فإذا أخرجت تلك الذوات، فقد أخرجت ما دلت ~~الصيغة على دخوله، وهي كل ذات، وهذا الحديث أحد ما يستدل به على ما قلناه؛ ~~فإن أبا أيوب من أهل اللسان والشرع، وقد استعمل قوله: "ولا تستقبلوا ولا ~~تستدبروا" عاما في الأماكن، وهو مطلق فيها، وعلى ما قال هؤلاء المتأخرون ms0059 لا ~~يلزم منه العموم، وعلى ما قلناه يعم؛ لأنه إذا خرج عنه بعض الأماكن، خالف ~~صيغة العموم في النهي عن الاستقبال والاستدبار. هذا آخر كلامه، وهو نفيس - ~~والله أعلم - (¬1). # أما استغفار أبي أيوب وأصحابه، فلأن مذهبه تحريم الاستقبال في البنيان ~~كما ذكرنا، ولا يتأتى له الانحراف الكامل في قعوده إلا بحسب إمكانه، ~~فاستغفر احتياطا، ولا يظن به أنه كان يفعل ما يعتقد تحريمه، وقيل: ~~استغفارهم لبانيها، وفيه بعد من وجهين: # أحدهما: أن تعقيب الوصف للحكم بالفاء والعطف عليه يشعر بالعلية، فالحكم: ~~المنع من الجلوس إلى القبلة، والوصف: الانحراف المعقب بالفاء، والعطف عليه ~~بالاستغفار. # الثاني: الظاهر أن المراحيض بناء الكفار في الجاهلية، فكيف يجوز ~~الاستغفار لهم؟ مع أنه - صلى الله عليه وسلم - استأذن ربه في الاستغفار ~~لأمه، فلم يؤذن له، واعتذر في الكتاب العزيز عن استغفار إبراهيم - صلى الله ~~عليه وسلم - لأبيه، وأنه تبرأ منه -والله أعلم-. # ويحتمل: أن استغفاره لمن بناها من المسلمين جاهلا على اعتقاده. # وقيل: استغفاره من ذنوبه، فالذنب يذكر بالذنب، لكن احتمال استغفاره لمن ~~بناها من المسلمين جاهلا أو غالطا أو ساهيا بعيد جدا؛ لكونه غير آثم، إلا ~~أن يكون استغفر على مذهب أهل الورع والرتب العلية في نسبتهم التقصير إلى ~~أنفسهم في التحفظ منه -والله أعلم-. PageV01P122 # وفي الحديث: ما كان عليه - صلى الله عليه وسلم - من القيام بالبيان ~~والإيضاح [والنصح] (¬1) لأمته. # وفيه: ابتداء العالم أصحابه بالعلم، خصوصا إذا علم أن بهم حاجة إلى العمل به. # وفيه: أنه ينبغي للعالم التنبيه على الوقائع المخالفة للعلم، والرجوع ~~عنها، أو الاستغفار والتوبة منها، إن كان تلبس بها متلبس. # وفيه: الكناية عن المستقذرات بألفاظ غير شنيعة النطق بها. # وفيه: تعظيم جهة القبلة، وتكريمها، والنهي عما يلزم منه عدم ذلك؛ كما في ~~الاستدبار -والله أعلم-. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - قال: رقيت يوما على بيت ~~حفصة، فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقضي حاجته مستقبل الشام، مستدبر ~~الكعبة (¬2). # أما عبد الله بن عمر، ms0060 فكنيته أبو عبد الرحمن، وتقدم الكلام على نسبه ~~ونسبته في أول حديث من الكتاب، وهو معدود في المكيين المدنيين، أسلم قديما ~~مع أبيه وهو صغير لم يبلغ الحلم، وهاجر معه ومع أمه زينب بنت مظعون، وأخته ~~حفصة أم المؤمنين، وقدمه على نقله، واستصغر عن أحد، وشهد الخندق وما بعدها ~~من المشاهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو من أكثر الصحابة ~~حديثا، وأحد العبادلة الأربعة: وابن الزبير، وابن عباس، وابن عمرو ابن ~~العاص -رضي الله عنهم-، ولا يطلق العبادلة اصطلاحا على غيرهم، وإن أطلقه ~~الجوهري في PageV01P123 # "صحاحه" على ابن مسعود - رضي الله عنه -؛ لتقدم وفاته، وإنما خص هؤلاء من ~~بين العبادلة بالذكر؛ لكونهم من أصاغر الصحابة وفقهائها، وتأخروا، وأخذ ~~عنهم العلم والرواية -والله أعلم-. # ولعبد الله بن عمر مناقب كثيرة، وفضائل شهيرة، روي له عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ألف حديث، وست مئة حديث، وثلاثون حديثا، اتفق البخاري ~~ومسلم على مئة وسبعين حديثا، وانفرد البخاري بأحد وثمانين، ومسلم بأحد ~~وثلاثين. # روى عنه أولاده وأحفاده ومولاه نافع، وخلق كثير من التابعين، وكان - رضي ~~الله عنه - لا يعدل برأيه؛ فإنه أقام بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ستين سنة، فلم يخف عليه شيء من أمره ولا من أمر الصحابة -رضي الله عنهم-. # روى له أصحاب السنن والمسانيد، وكان يتحفظ ما سمع من النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، ويسأل عما غاب عنه من قول أو فعل من حضر، ويتبع آثاره - صلى ~~الله عليه وسلم - حتى مواضع صلاته - صلى الله عليه وسلم - سفرا أو حضرا، ~~وبايع النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أبيه وبعده أدبا، وكان يغضب إذا ~~قيل: هاجر قبل أبيه، وكان قواما صواما متواضعا، لا يأكل حتى يؤتى بمسكين ~~فيأكل معه، وكان ممن لم تمل به الدنيا، وقال سعيد بن المسيب: لو شهدت لأحد ~~أنه من أهل الجنة في الدنيا، لشهدت لابن عمر (¬1)، وكان ضابطا لأحاديث رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، لا يزيد فيها ولا ينقص، وقال ms0061 - صلى الله عليه ~~وسلم -: "أرى عبد الله رجلا صالحا" (¬2)، وكان من البكائين الخاشعين، إذا ~~أعجبه شيء من ماله، قربه لربه، فكان رقيقه يتزينون له بالعبادة وملازمة ~~المسجد، فيعتقهم، فيقول له أصحابه: ما بهم إلا خديعتك، فيقول: من خدعنا ~~بالله، انخدعنا له (¬3)، قال نافع: PageV01P124 # لو نظرت إلى ابن عمر إذا اتبع أثر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~قلت: إنه مجنون (¬1)، ولم يمت حتى أعتق ألف إنسان وزيادة، وربما تصدق في ~~المجلس الواحد بثلاثين ألفا، وبعث إليه معاوية بمئة ألف، فلم يحل حول وعنده ~~شيء منها، وكان إذا تلا: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} ~~[الحديد: 16]، يبكي حتى يغلبه، وإذا تلا: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو ~~تخفوه} [البقرة: 284]، يبكي ويقول: إن هذا الإحصاء لشديد. # مات - رضي الله عنه - بمكة سنة ثلاث، وقيل: أربع وسبعين، بعد موت ابن ~~الزبير بثلاثة أشهر من جرح أصاب رجله، ابن أربع، وقيل: ست، وقيل: سبع ~~وثمانين سنة، وكان مولده قبل الوحي بسنة، ودفن بالمحصب، وقيل: بسرف، وقيل: ~~بفج، وكلها مواضع بقرب مكة بعضها أقرب إلى مكة من بعض (¬2). # وأما ألفاظه: # فقوله: "رقيت" -هو بكسر القاف، ولغة طيئ بفتحها-، وحكى صاحب "المطالع" ~~الفتح مع الهمز (¬3)، وسميت الكعبة كعبة؛ لاستدارتها؛ من التكعب، وهو ~~الاستدارة. # واختلف العلماء في كيفية العمل بهذا الحديث: PageV01P125 # فمنهم: من رآه ناسخا لحديث أبي أيوب، واعتقد الإباحة مطلقا، وقاس ~~الاستقبال على الاستدبار، واطرح تخصيص حكمه بالبنيان، ورأى أنه وصف ملغى لا ~~اعتبار به. # ومنهم: من رأى العمل بحديث أبي أيوب، واعتقد أن هذا خاص بالنبي - صلى ~~الله عليه وسلم -. # ومنهم: من جمع بينهما، وأعملهما كما تقدم -والله أعلم-. # واستدل من خصه بالنبي - صلى الله عليه وسلم - بأن نظر ابن عمر، وجلوسه - ~~صلى الله عليه وسلم - كان اتفاقا منهما من غير قصد لبيان حكم للأمة، وأنه ~~رد بصره في الحال؛ لأنه لو كان ذلك حكما عاما، لبينه - صلى الله عليه وسلم ~~- بالقول كغيره من الأحكام، فلما لم يقع ذلك، دل على الخصوص، ms0062 ثم إن حكم ~~العام إذا خص أن يقتصر على جواز التخصيص، ويبقى العام فيما عداه على عمومه ~~فيما بقي من الصور؛ إذ لا معارض له في ذلك، وحديث ابن عمر هذا لم يدل على ~~جواز الاستقبال والاستدبار معا، بل دل على الاستدبار فقط، فالمعارضة بينه ~~ويين حديث أبي أيوب إما هي في الاستدبار، فيبقى الاستقبال لا تعارض فيه، ~~فيجب العمل به في المنع منه مطلقا، لكنهم أجازوهما معا في البنيان، وعليه ~~هذا السؤال، وهذا إذا كان في حديث أبي أيوب لفظ يعم، وليس هو كذلك، بل هما ~~جملتان، إحداهما عامة في محلها، تناول حديث ابن عمر بعض صور عمومها ~~بالخصوص، والأخرى لم يتناولها، فهي باقية على حالها، وتقديم القياس على ~~اللفظ العام فيه كلام في أصول الفقه، وشرط صحة القياس مساواة الفرع للأصل، ~~أو زيادته عليه في المعنى المعتبر في الحكم، ولا تساوي هاهنا؛ لزيادة قبح ~~الاستقبال على الاستدبار على ما يشهد العرف به، وقد اعتبر ذلك العلماء في ~~منع الاستقبال وجواز الاستدبار، فلا يلزم من إلغاء الناقص إلغاء الزائد في ~~قبحه وحكم جوازه. # وفي الحديث: وجوب تتبع أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم - كلها ونقلها، ~~وأنها كلها أحكام شرعية. PageV01P126 # وفيه: جواز استدبار القبلة في البنيان، وأنه مخصص لعموم النهي -والله أعلم-. # وفيه: استحباب الكناية بقضاء الحاجة عن البول والغائط، وجواز قضاء الحاجة ~~في مكان غير معد له؛ من سطح وغيره، سواء كان مضطرا إلى ذلك أم لا. # وفيه: جواز الإخبار عن مثل ذلك للاقتداء والعمل، وجواز تبسط أقارب الزوجة ~~في بيت الزوج حالة الاحتشام، وكف البصر عما يستحيا من رؤيته -والله أعلم-. # واعلم أن العلماء من أصحاب الشافعي -رحمهم الله- قالوا: يجوز استقبال ~~القبلة واستدبارها في البنيان إذا كان قريبا من ساتر من جدار أو نحوه؛ بحيث ~~[يكون بينه وبين ثلاث أذرع فما دونها، وأن يكون الساتر مرتفعا بحيث] (¬1) ~~يستر أسافل الإنسان، وقدروه بآخرة الرحل، وهي نحو ثلثي ذراع، فإن زاد ما ~~بينه وبين الساتر على ذلك، أو قصر عن ms0063 آخرة الرحل، فهو حرام كالصحراء، إلا ~~إذا كان في بيت بني لذلك، فلا حجر فيه كيف كان، قالوا: ولو كان في الصحراء، ~~وستر بشيء على الشرط المذكور، زال التحريم، فالاعتبار بوجود الساتر وعدمه، ~~فيحل في الصحراء والبنيان بوجوده، ويحرم فيهما لعدمه، هذا هو الصحيح ~~المشهور. # ومنهم: من اعتبر الصحراء والبنيان مطلقا، ولم يعتبر الحائل، فأباح في ~~البنيان مطلقا، وحرم في الصحراء مطلقا، لكن تفريعهم على الأول، فقالوا: لا ~~فرق بين أن يكون الساتر دابة، أو جدارا، أو كثيب رمل، أو جبلا، ولو أرخى ~~ذيله في قبالة القبلة، حصل الستر به على أصح الوجهين؛ لحصول الحائل، وهذا ~~الكلام كله مبني على أن العلة المستنبطة هل هي معتبرة أم لا؟. # أما إذا لم يعتبرها، فلا كلام، وإن اعتبرها، فهل هي احترام القبلة، أو ~~رؤية PageV01P127 # المصلين من الملائكة أو الجن من المؤمنين؟ فيه كلامان: فمن علل باحترام ~~القبلة، فلا فرق، ومن علل برؤية المصلين من الملائكة، اعتبر الحائل في ~~الصحراء والبنيان -والله أعلم-. # وحيث جوزنا الاستقبال والاستدبار، هل نقول: إنه مكروه؟ أو نقول: إن كان ~~عليه مشقة في تكلف التحرف، فلا كراهة، وإن لم تكن مشقة، فالأولى تجنبه؛ ~~للخروج من خلاف العلماء، ولا يطلق عليه الكراهة. # أطلق الأول: جماعة من أصحاب الشافعي، ولم يذكره الجمهور، واختار شيخنا ~~العلامة أبو زكريا النواوي - رحمه الله - الثاني -والله أعلم-. # وأما الجماع مستقبل القبلة في الصحراء والبنيان، فجوزه الشافعي، وأبو ~~حنيفة، وأحمد، وداود، واختلف فيه أصحاب مالك، فجوزه ابن القاسم، ومنعه ابن ~~حبيب، والصواب الجواز؛ فإن التحريم إنما يثبت بالشرع، ولم يرد فيه نهي، ~~وإذا تجنب استقبال القبلة واستدبارها بالبول والغائط حال خروجهما، جاز له ~~ذلك حال الاستنجاء، وأما بيت المقدس، فيكره استقباله واستدباره بالبول ~~والغائط، ولا يحرم -والله أعلم-. # * * * ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة، فيستنجي ~~بالماء (¬1). # العنزة: الحربة. # أما أنس، فتقدم الكلام عليه. ms0064 # وأما الخلاء -بفتح الخاء والمد- فهو: الخالي المتخذ لقضاء الحاجة، سواء PageV01P128 # كان في الصحراء أو البنيان، لكن الظاهر أن المراد به في هذا الحديث ~~البراح من الأرض؛ بقرينة حمل العنزة؛ فإن الصلاة إليها إنما تكون بعد ~~الوضوء وقضاء الحاجة. # والغلام: الصبي، مأخوذ من الغلمة، وهي الحركة والاضطراب. # والإداوة -بكسر الهمزة-: إناء صغير من جلد يتخذ للماء كالسطيحة ونحوها، ~~وجمعها أداوى. # والعنزة -بفتح العين والنون والزاي-: عصا طويلة في أسفلها زج، ويقال: رمح ~~قصير، وإنما كان يستصحبها - صلى الله عليه وسلم - لأنه كان إذا توضأ صلى، ~~فيحتاج إلى نصبها بين يديه؛ لتكون حائلا يصلي إليه، وقد ورد في حديث أنه - ~~صلى الله عليه وسلم - كانت توضع له فيصلي إليها (¬1)، وهذا إنما يناسب ~~البراح من الأرض لقضاء الحاجة والوضوء والصلاة بعده. # وأما في البنيان، فلا يناسب؛ لأنه لا يحتاج إلى العنزة، ولا إلى خدمة ~~الذكور له، بل يناسبه خدمة أهل بيته من نسائه ونحو ذلك. # وقول أنس: "أنا وغلام نحوي"؛ أي: مقارب لي في السن، والحرية، لا أنه مثله ~~من كل وجه. # وفي الحديث فوائد: # منها: خدمة الصالحين وتفقد حاجاتهم، خصوصا المتعلقة بالطهارة والعبادة. # ومنها: التباعد لقضاء الحاجة عن الناس لقرينة حمل العنزة والإداوة. # ومنها: جواز استخدام الرجل الفاضل بعض أتباعه الأحرار، خصوصا إذا أرصدوا ~~لذلك نفوسهم، والاستعانة في مثل هذا. PageV01P129 # ومنها: جواز الاستنجاء بالماء واستحبابه ورجحانه على الاقتصار على الحجر، ~~لكن مذهب جمهور السلف والخلف، والذي أجمع عليه أئمة الفتوى من أهل الأمصار ~~أن الأفضل الجمع بينهما، فيقدم الحجر، ثم يستعمل الماء، فتخف النجاسة، وتقل ~~مباشرتها بيده، ويكون أبلغ في الإنقاء، فإن أراد الاقتصار على الحجر مع ~~وجود الماء، جاز. # وقال ابن حبيب المالكي: لا يجوز مع وجود الماء، وهو ضعيف، لكن الاقتصار ~~على الماء أفضل من الاقتصار على الحجر؛ لكوبه يزيل عين النجاسة وأثرها، ~~والحجر يزيل العين دون الأثر؛ لكنه معفو عنه، وتصح الصلاة معه؛ كسائر ~~النجاسات المعفو عنها. # وذهب بعض السلف إلى أن الأفضل الحجر، وجازف بعضهم، فأوهم كلامه أن ms0065 الماء ~~لا يجوز الاستنجاء به؛ لكونه مطعوما، وهذا كله مخالف لظواهر الأحاديث ~~الصحيحة، ولما امتن الله تعالى به في كتابه العزيز من التطهير به، وما عليه ~~العلماء من السلف والخلف. # وسئل سعيد بن المسيب عن الاستنجاء بالماء، فقال: هو وضوء النساء (¬1)، ~~ونحوه عن غيره، ولعله ذكر ذلك في مقابلة غلو من أنكر الاستجمار بالأحجار، ~~وبالغ في إنكاره بهذه الصيغة؛ ليمنعه من الغلو -والله أعلم-. # وقد استدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن المستحب أن يتوضأ من الأواني ~~دون البرك ونحوها، وهو غير مقبول، قال القاضي عياض - رحمه الله -: هذا لا ~~أصل له؛ لأنه لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه وجد البرك ~~والمشارع ثم عدل عنها إلى الأواني -والله أعلم-. # * * * PageV01P130 ### ||| AUTO الحديث الخامس # عن أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسح من ~~الخلاء بيمينه، ولا يتنفس في الإناء" (¬1). # أما أبو قتادة الحارث بن ربعي: فاسم جده أبي أبيه: بلدمة -بفتح الباء ~~الموحدة والدال المهملة، وسكون اللام بينهما، ويقال: بضمهما، ويقال: بالذال ~~المعجمة المضمومة مع ضم الباء-، بن خناس -بضم الخاء المعجمة وتشديد النون، ~~ثم ألف، ثم سين مهملة- بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن سلمة -بكسر اللام- ~~السلمي- بفتحها، ويجوز في لغة كسرها- المدني، فارس رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، شهد أحدا والخندق، وما بعد ذلك من المشاهد، واختلف في شهوده ~~بدرا، فلم يذكره ابن عقبة، ولا ابن إسحاق في البدريين، وذكره بعضهم فيهم. # وأما اسمه، فالمشهور ما ذكره المصنف، وهو قول أكثر المحدثين، وقال ابن ~~إسحاق: اسمه الحارث، وقال عبد الله بن محمد بن عمارة الأنصاري، والواقدي: ~~اسمه النعمان، وقال غيرهما: اسمه عمر. # وروى عنه ابنه عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وخلق من ~~التابعين. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مئة حديث وسبعون حديثا، ~~انفرد البخاري بحديثين، ومسلم بثمانية، واتفقا على أحد ms0066 عشر، وروى له أصحاب ~~السنن والمساند. # مات سنة أربع وخمسين بالمدينة، وهو ابن سبعين سنة، وقيل: سنة ثمان PageV01P131 # وثلاثين بالكوفة، ابن اثنتين وسبعين، وصلى عليه علي بن أبي طالب، والأول أصح. # قال ابن حبان: وقيل: إنه مات في خلافة علي، وهو الذي صلى عليه وكبر عليه ~~سبعا (¬1). # أما التنفس، فهو هنا خروج النفس من الفم، يقال: تنفس الرجل، وتنفس ~~الصعداء، وكل ذي رئة متنفس، ودواب الماء لا رئات لها (¬2). # والحكمة في النهي عنه أنه أبعد عن تقدير الإناء، وعن خروج شيء تعافه ~~النفس من الفم، فإذا أبانه عند إرادة النفس، أمن ذلك. # وقد ثبت إبانة الإناء للتنفس ثلاثا، وهو في هذا الحديث مطلق، ولأن إبانة ~~الإناء أهنأ في الشرب، وأحسن في الأدب، وأبعد عن الشره، وأخف للمعدة. # وإذا تنفس في الإناء، واستوفى ريه، حمله ذلك على فوات ما ذكرنا من حكمة ~~النهي، وتكاثر الماء في حلقه، وأثقل معدته، وربما شرق به. # وأما نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن مس الذكر باليمين، فظاهره: النهي ~~عنه في حال البول، وورد في حديث آخر النهي عن مسه باليمين مطلقا؛ لكن في ~~تقييده - صلى الله عليه وسلم - بحالة البول تنبيه على رواية الإطلاق وأولى؛ ~~لأنه إذا كان النهي عن المس باليمين حالة الاستنجاء، مع أنه مظنة الحاجة ~~إليها، فغيره من الحالات أولى. PageV01P132 # وقد يعترض هاهنا شبهة، وهي أنه نهى عن الاستنجاء باليمين، وعن مس الذكر ~~باليمين، ولا بد للمستجمر من أحد النهيين؛ لأنه إن أمسك ذكره بيمينه، دخل ~~في النهي عن مسه، وإن أمسك الحجر بها، دخل في النهي عن الاستنجاء باليمين. # والجواب عن هذه الشبهة: أنه لا يلزم منه أن يمسك الحجر بها، بل يمكنه ~~الاستجمار بحجر ضخم لا يزول عن مكانه، أو بجدار هو ملكه لا يتأذى مار ~~بالتنجس به حين استناده إليه إذا كان رطبا، ويمسك ذكره بيساره، فيحركه بها ~~من غير تكرار وضعه في الموضع الذي وضعه أولا عليه؛ لئلا يتنجس رأس ذكره ~~بوضعه ثانيا عليه، فلا يجزئه حينئذ إلا ms0067 الماء، فلو كان الحجر صغيرا، جعله ~~بين عقبيه، وفعل ما ذكرناه بالصفة المذكورة، فلو عجز أو شق عليه أخذ الحجر ~~باليمين، وجعله بمنزلة الحائط، أو حجر كبير، ومسح عليه، حرك اليسار دون ~~اليمين، ومتى حرك اليمين، دخل في النهي، -والله أعلم-. # ومن العلماء من خص النهي عن مس الذكر باليمين بحالة البول، أخذا بظاهر ~~الحديث كما ذكرنا. # ومنهم: من أخذ بالنهي عن مسه مطلقا؛ أخذا بالرواية المطلقة. # وقد يسبق إلى الفهم أن المطلق يحمل على المقيد، أو العام على الخاص، ~~فيختص النهي بهذه الحالة، وفيه بحث للأصوليين، وهو أن القاعدة أن حمل العام ~~على الخاص، أو المطلق على المقيد ليس هو في باب المناهي، وإنما هو في باب ~~الأمر والإثبات؛ لما يلزم منه من الإخلال باللفظ الدال على الخصوص أو ~~المقيد. # وأما في باب النهي، فيلزم منه الإخلال باللفظ الدال على الإطلاق ~~أوالعموم، مع تناول النهي، وهو غير سائغ، وهذا -أيضا- بعد مراعاة النظر في ~~روايتي الإطلاق والتقييد، أو العموم والخصوص، هل هما حديثان، أو حديث مخرجه ~~واحد؟، فإن كانا حديثين، فالأمر على ما ذكرناه أولا، وإن كان حديثا PageV01P133 # واحدا مخرجه واحد، اختلف (¬1) عليه الرواة، فينبغي حمل المطلق على ~~المقيد، ويكون زيادة من عدل، وهي مقبولة عند الأصوليين والمحدثين، وهذا ~~يكون -أيضا- بعد النظر في دلالة المفهوم، وما يعمل به منه، وما لا يعمل به، ~~وبعد أن ننظر في تقديم المفهوم على ظاهر العموم. # واعلم أن الأصل في النهي التحريم، إلا أن يدل دليل على إرادة الكراهة، ~~وقد حمله في هذا الحديث وأمثاله داود الظاهري، وابن حزم، على التحريم ~~مطلقا، وجمهور الفقهاء حملوه هنا على الكراهة، وبعض أصحاب الشافعي وغيرهم ~~أشار إلى التحريم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولا يتمسح من الخلاء بيمينه" سمي الخارج ~~من القبل والدبر خلاء؛ لكونه يفعل في المكان الخالي، ويلازم ذلك غالبا، ~~ولفظ الحديث يتناول القبل والدبر، وقد ذكرنا كيفية التمسح في القبل، وأما ~~الدبر، فاختلف أصحاب الشافعي في كيفية مسحه على وجهين: # أحدهما: أن يضع الحجر ms0068 على موضع من جانب الصفحة اليمنى خارج عما أصابه ~~الخارج من حلقة الدبر، ويمسحها، ثم يضع الحجر الثاني على الصفحة اليسرى ~~كذلك، ثم يمسح بالثالث الصفحتين والمسربة، وهذا أسهل وأحب إلينا. # والثاني: أن يمر الأول من مقدم الصفحة اليمنى، ويضعه على عين الخارج، ~~ويديره على حلقة الدبر إلى أن يرجع إلى الموضع الذي بدأ منه، ثم يضع الثاني ~~على مقدم الصفحة اليسرى، ويديره عليها من جهتها إلى [أن يرجع إلى الموضع ~~الذي بدأ منه]، ويفعل بالحجر الثالث كفعله به في الوجه الأول، وهذا الوجه ~~العمل به عسر، وهو الراجح في المذهب، وإنما قلنا؛ لا يضع الحجر إلا على ~~موضع لم يصبه الخارج؛ لأنه إذا وضعه على الخارج، نجس، فمنع الاستجمار به؛ ~~لأن شرطه أن يكون طاهرا ليزيل النجو -والله أعلم-. PageV01P134 # ثم المرأة كالرجل في منع مس القبل والدبر باليمنى؛ لأن سبب النهي إكرام ~~اليمين، ويستحب ألا يستعين باليد اليمنى في شيء من أمور الاستنجاء إلا لعذر. # وإذا استنجى بماء، صبه باليمنى، ومسح باليسرى، وإذا كان بحجر، فإن كان في ~~الدبر، مسح بيساره. # واعلم أن في النهي عن الاستنجاء باليمين تنبيها على إكرامها وصيانتها عن ~~الأقذار ونحوها، وكذا ما كان من باب التكريم [والتشريف] (¬1) يكون باليمين، ~~وما كان من باب الامتهان وإزالة الأقذار والأوساخ والبشاعة يكون باليسار. # وأما النهي عن التنفس في الإناء، فمعناه: لا يتنفس فيه نفسه، بل يتنفس ~~خارجه؛ فإنه سنة ثابتة، وأدب شرعي في الشرب؛ لما يحصل بالتنفس في الإناء من ~~نتنه، وغير ذلك من الحكم المتقدمة. # وقد روى الترمذي من رواية أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -: أن [النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -] (¬2) نهى عن النفخ في الشراب، فقال رجل: القذاة ~~أراها (¬3) في الإناء، فقال: "أهرقها"، قال: فإني لا أروى من نفس واحد، ~~قال: "فأبن القدح إذا عن فيك"، وقال: حديث حسن صحيح (¬4). # وأما ما ثبت في "الصحيحين" من رواية أنس - رضي الله عنه -: أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - كان يتنفس في الإناء (¬5) ثلاثا (¬6)، فمعناه: خارج ms0069 ~~الإناء -والله أعلم-. # * * * PageV01P135 ### ||| AUTO الحديث السادس # عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قال: مر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما، فكان ~~لا يستنزه من البول، وأما الآخر، فكان يمشي بالنميمة"، فأخذ جريدة رطبة، ~~فشقها نصفين، فغرز في كل قبر واحدة، فقالوا: يا رسول الله! لم فعلت هذا؟ ~~قال: "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا" (¬1). # أما عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، فكنيته: أبو العباس، وهو أحد العبادلة الأربعة كما تقدم ذكره في ~~الحديث قبله، كان يقال له: الحبر، والبحر، دعا له رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بالحكمة والتفقه في الدين وتعلم التأويل، فأخذ عنه الصحابة ~~-رضي الله عنهم- ذلك. # وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: هو ترجمان القرآن (¬2)، ودعا له -أيضا- ~~صلى الله عليه وسلم - فقال: "اللهم بارك فيه وانشر منه، واجعله من عبادك ~~الصالحين، اللهم زده علما وفقها" (¬3)، قال أبو عمر: كلها أحاديث صحاح، ~~قال: وقال مجاهد عن ابن عباس: رأيت جبريل - صلى الله عليه وسلم - مرتين، ~~ودعا لي بالحكمة مرتين (¬4). # وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يحبه ويدنيه ويقربه ويشاوره، ويقول: ~~هو فتى الكهول، له لسان سؤول، وقلب عقول (¬5). PageV01P136 # وقال القاسم بن محمد ومجاهد: ما سمعت فتيا أحسن من فتيا ابن عباس، إلا أن ~~يقول قائل: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬1). # وقال طاوس: أدركت خمس مئة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ~~ذكروا ابن عباس فخالفوه، لم يزل يقررهم حتى ينتهوا إلى قوله (¬2). # وقال يزيد بن الأصم: خرج معاوية حاجا معه ابن عباس، فكان لمعاوية موكب، ~~ولابن عباس موكب ممن يطلب العلم (¬3). # وقال مسروق: كنت إذا رأيت ابن عباس قلت: أجمل الناس، فإذا تكلم، قلت: ~~أفصح (¬4) الناس، وإذا تحدث، قلت: أعلم الناس (¬5). # وقال أبو وائل شقيق: خطبنا ابن عباس وهو على الموسم، فافتتح سورة النور، ~~فجعل يقرأ ويفسر، فجعلت أقول: ما رأيت ولا ms0070 سمعت كلام رجل مثله، لو سمعته ~~فارس والروم والترك لأسلمت (¬6). # وقال عمرو بن دينار: ما رأيت مجلسا أجمع لكل خير من مجلس ابن عباس؛ ~~الحلال والحرام والعربية والأنساب، وأحسبه قال: والشعر (¬7). # وقال عبيد الله بن عباس: ما رأيت أحدا كان أعلم بالسنة، ولا أجلد رأيا، ~~ولا أثقب نظرا من ابن عباس (¬8)، ولقد كان عمر - رضي الله عنه - يعده ~~للمعضلات، مع اجتهاد عمر ونظره للمسلمين. PageV01P137 # وقال القاسم بن محمد: ما رأيت في مجلس ابن عباس باطلا قط، ولا سمعت قولا ~~أشبه بالسنة من فتواه، وكان أصحابه يسمونه البحر، ويسمونه الحبر، وكان قد ~~عمي في آخر عمره، وروي أنه رأى رجلا مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلم ~~يعرفه، فسأل عنه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال "أرأيته؟ "، قال: نعم، ~~قال: "ذاك جبريل، أما إنك ستفقد بصرك" (¬1)، فعمي بعد ذلك في آخر عمره، فقال: # إن يأخذ الله من عيني نورهما ... ففي لساني وقلبي منهما نور # قلبي ذكي وعقلي غير ذي دخل ... وفي فمي صارم كالسيف مأثور # وابن عباس من أكثر الصحابة حديثا، روي له عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ألف حديث، وست مئة حديث، وستون حديثا، اتفق البخاري ومسلم على خمسة ~~وتسعين، وانفرد البخاري بمئة وعشرين، ومسلم بتسعة وأربعين. # روى عنه جماعة من الصحابة: عبد الله بن عمر، وأنس، وأبو الطفيل عامر، ~~وثعلبة بن الحكم، وأبو أمامة بن سهل بن حنيف، وخلق كثير من التابعين. # وروى عنه -أيضا- أخوه كثير بن العباس، وروى له أصحاب المساند والسنن، ~~وغيرهم. # ولد - رضي الله عنه - قبل الهجرة بثلاث سنين، وكان سنه يوم مات النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ثلاث عشرة سنة، هذا هو الصحيح، وقيل غير ذلك عن أحمد ~~بن حنبل وغيره. # ومات بالطائف سنة ثمان وستين، ابن إحدى وسبعين سنة على الصحيح، وقيل ~~غيره، وصلى عليه محمد بن الحنفية، وقال: اليوم مات رباني هذه الأمة. # قال أبو حاتم بن حبان: وقبره بالطائف مشهور يزار. # قال أبو عمر بن عبد البر: ويروى أن طائرا ms0071 أبيض خرج من قبره، فتأولوه علمه ~~خرج إلى الناس، ويقال: بل دخل قبره طائر أبيض، فقيل: إنه بصره في التأويل. PageV01P138 # وروينا بإسنادنا إلى أبي الزبير، قال: مات ابن عباس بالطائف، فجاء طائر ~~أبيض، فدخل في نعشه حين حمل، فما رئي خارجا منه (¬1). # وله - رضي الله عنه - من الكلام في الحكم ما لم يقل مثله، قال -رضي الله ~~عنه-: ما من مؤمن ولا فاجر إلا وقد كتب الله رزقه من الحلال، فإن صبر حتى ~~يأتيه، آتاه الله، وإن جزع فتناول شيئا من الحرام، نقصه الله من رزقه من ~~الحلال (¬2). # وعن بريدة قال: شتم رجل ابن عباس فقال: إنك لتشتمني وفي ثلاث خصال: إني ~~لآتي على الآية من كتاب الله، فلوددت أن جميع الناس يعلمون منها ما أعلم، ~~وإني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يعدل في حكمه، فأفرح به [وما لي به من ~~سائمة] (¬3)، ولعلي لا أقاضي إليه أبدا، وإني لأسمع بالغيث قد أصاب البلد ~~من بلاد المسلمين، فأفرح به وما لي به من سائمة (¬4). # أما ألفاظه: # فقوله - صلى الله عليه وسلم - عند مروره بالقبرين: "إنهما ليعذبان"؛ دليل ~~على إثبات عذاب القبر؛ وهو مذهب أهل السنة، وهو مما يجب اعتقاد حقيقته، وهو ~~مما نقلته PageV01P139 # الأمة متواترا؛ فمن أنكر عذاب القبر، أو نعيمه، فهو كافر؛ لأنه كذب الله ~~تعالى، ورسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ في خبرهما. # ثم إن في إضافة عذاب القبر إلى البول خصوصية، دون غيره من المعاصي؛ إن ~~الله تعالى جعل ذلك في حق بعض عباده؛ فإئه جاء في الحديث عنه - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: "تنزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه" (¬1)، ~~وجاء أن بعضهم ضمه القبر، أو ضغطه؛ فسئل أهله عنه، فذكروا: أنه كان منه ~~تقصير في الطهور. # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وما يعذبان في كبير"؛ ففيه تأويلات: # أحدها: ليس بكبير عندكم، وهو عند الله كبير، ومعناه: أنه كبير في الذنوب، ~~وإن كان صغيرا عندكم، يدل عليه ما ثبت في البخاري: "بلى إنه كبير" (¬2)؛ ~~أي: ms0072 إنه كبير عند الله، مثل قوله تعالى: {وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم} ~~[النور: 15]. # وثانيها: لا شك أن النميمة من الدناءات المستحقرة؛ بالإضافة إلى المروءة، ~~وكذلك التلبس بالنجاسة؛ لا يفعلها إلا حقير الهمة، فلعل قوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "وما يعذبان في كبير"؛ إشارة إلى حقارتهما، بالنسبة إلى ~~الذنوب. # وثالثها: أنه ليس بأكبر الكبائر، وإن كان كبيرا. # ورابعها: أنه ليس كبيرا، في زعمهما، دون غيرهما. # وخامسها: أنه ليس كبيرا تركه عليهما؛ إذ التنزه من البول، وترك النميمة ~~لا يشق. # وقوله: "أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله"، اختلف في معنى لا يستتر؛ على ~~وجهين (¬3): PageV01P140 # أحدهما -وهو الراجح-: أنه لا يستنزه من البول، وعليه حجابا؛ من ماء، أو ~~حجارة؛ فيكون مجازا؛ لكونه عبر بالتستر بالماء، أو الأحجار، في إزالة النجو ~~عن الاستتار عن الأعين (¬1) في كشف العورة، إذ هو حقيقة فيه؛ لما بين ~~الحقيقة والمجاز هنا من العلاقة، وهي: أن المستتر عن الشيء فيه بعد، ~~واحتجاب عنه؛ وذلك تنبيه بالبعد عن ملامسة البول. # قال شيخنا القاضي أبو الفتح - رحمه الله -: ورجحنا المجاز، وإن كان الأصل ~~الحقيقة؛ لوجهين: # أحدهما: لو كان المراد: العذاب على مجرد كشف العورة؛ لكان أمرا خارجا عن ~~البول؛ لحصول العذاب على كشفها، وإن لم يكن [بول] (¬2)، فتبقى خصوصية البول ~~مطرحة عن الاعتبار، والحديث دال على خصوصية البول بعذاب القبر تصريحا؛ ~~فالحمل عليه أولى. # الثاني: أن لفظة "من" من قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يستتر من ~~البول" حين أضيفت إليه؛ لابتداء الغاية حقيقة، أو مجازا، المعنى ما يرجع ~~إلى معنى ابتدائها، وهو أن عدم الاستتار بسبب العذاب إلى البول إذا هو ~~ابتداء سببه من البول، وحمله على كشفها فقط، يزيل هذا المعنى (¬3). # ورواه أبو داود: "لا يستنزه من البول"، وهو رواية لمسلم (¬4)، ورواه ~~البخاري: "لا يستبرئ من البول" (¬5)؛ وكلها تقوي ترجيح الاستنزاه منه، لا ~~الاستتار. PageV01P141 # ومعنى الاستبراء من البول، والاستنزاه منه: عدم اجتنابه، والتحرز منه؛ ~~أي: لا يستفرغ بقية بوله، وينقي موضعه ومجراه؛ لأنه إذا لم يفعل ذلك، ms0073 قد ~~يخرج منه بعد الوضوء شيء، فينقضه، فيصلي بغير وضوء؛ ويكون الإثم فيه لأجل ~~الصلاة. # وروي: "يستتر" و"يستنثر" بالتاء المثناة، والمثلثة، وهما شاذتان، والله أعلم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة"، ~~النميمة: نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض، على جهة الإفساد؛ وهي المحرمة، أما ~~إذا كان فعله النميمة: في ترك مفسدة، أو دفع ضرر، أو إيصال خبر يتعلق ~~بالغير؛ لم تكن محرمة، ولا مكروهة، بل قد تكون واجبة، أو مستحبة، كما نقول ~~في الغيبة، إذا كانت نصيحة لدفع مفسدة، أو تحصيل مصلحة شرعية، ولو أن شخصا ~~اطلع من آخر على قول، يقتضي إيقاع ضرر بإنسان، وإذا نقل ذلك القول إليه، ~~احترز عنه؛ وجب عليه ذكره له. # قال أهل اللغة: يقال: نم الحديث، ينمه، وينمه -بالكسر والضم-، نما، فهو ~~نمام، والاسم: النميمة، ونم الحديث: إذا ظهر؛ فهو لازم، ومتعد (¬1). # والجريدة: السعفة، وجمعها: جريد، والعسيب من الجريد: ما لم ينبت عليه ~~الخوص، وما نبت عليه؛ فهو: السعف. # وأما شقها نصفين، وغرز كل واحد على قبر، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا"، فلأن النبات يسبح ما دام رطبا، فإذا حصل ~~التسبيح بحضرة الميت، حصلت له بركته بالتخفيف عنه؛ فلهذا اختص بحالة ~~الرطوبة. # أو لأنه - صلى الله عليه وسلم - سأل الشفاعة لهما، ورجا إجابتها، وارتفاع ~~العذاب، أو تخفيفه عنهما مدة رطوبتهما؛ لبركة النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-. PageV01P142 # وقال الخطابي، وغيره: وليس ذلك من أجل أن في الجريد الرطب معنى ليس في ~~اليابس، قال: والعوام في كثير من البلاد يجعل الخوص في قبور موتاهم، كأنهم ~~ذهبوا إلى هذا، وليس لفعلهم وجه، هذا آخر كلامه (¬1). # وقد ذكر البخاري في "صحيحه": أن بريدة بن الحصيب الصحابي - رضي الله عنه ~~- أوصى: أن يجعل في قبره جريد (¬2)؛ فلعله تبرك بفعل يفعل مثل فعل النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -. # وقيل: لعله - صلى الله عليه وسلم - أوحي إليه بذلك، وقيل: بل إنه - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يدعو لهما مدة رطوبتهما. # واعلم ms0074 أن العلماء اختلفوا في تسبيح اليابس: # فقال كثيرون، أو الأكثرون من المفسرين: لا يسبح، في قوله تعالى: {وإن من ~~شيء إلا يسبح بحمده} [الإسراء: 44]، قالوا معناه: وإن من شيء حي، ثم قالوا: ~~فحياة كل شيء بحسبه؛ فحياة الخشب ما لم ييبس، والحجر ما لم يقطع. # وذهب المحققون من المفسرين إلى أنه: على عمومه، ثم اختلف هؤلاء؛ هل يسبح ~~حقيقة، أم تسبيحه أن فيه دلالة على الصانع؛ فيكون مسبحا منزها، بصورة حاله. # والمحققون: على أنه يسبح حقيقة، وقد أخبر الله -سبحانه وتعالى-: {وإن ~~منها لما يهبط من خشية الله} [البقرة: 74] فإذا كان العقل لا يحيل جعل ~~التمييز فيها، وجاء النص به؛ وجب المصير إليه. # واستحب العلماء من هذا الحديث: تلاوة القرآن عند القبر، قالوا: لأنه اذا PageV01P143 # كان الميت ينتفع بالتخفيف عنه بغرز الجريد الرطب، إما بتسبيحه ما دام ~~رطبا، أو يابسا؛ فتلاوة القرآن من الإنسان أولى. # وأما أحكام الحديث، وفقهه: # ففيه: إثبات عذاب القبر. # وفيه: تحريم النميمة، وأنها من الكبائر، وقال بعضهم: ليست من الكبائر؛ ~~فيكون العذاب عليها تنبيها على أن التعذيب بالكبائر أولى، وتحذيرا من ~~الذنوب مطلقا. # وفيه: دليل على التنزه من النجاسات، أو وجوب ستر العورة، على حسب ما تقدم. # وفيه: دليل المذهب الشافعي، في نجاسة الأبوال كلها؛ لشمول البول بالألف ~~واللام، وهو عام يتناول جميع الأبوال. # وفيه: جواز ذكر الموتى، إذا كان في ذكرهم بالمعاصي مصلحة؛ وهي: تنفير ~~الناس عن فعلهم. # وفيه: جواز تعيينهم بالذكر، وأن هذا الحديث مخصص؛ لعموم قوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "اذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن مساؤهم" (¬1)، ولا يجوز أن ~~يقال: إن صاحبي القبر كانا كافرين، أو منافقين؛ لأنهما لو كانا كذلك، لم ~~يدع لهما بما يخفف العذاب، أو لم يرجه لهما، ولو كان من خواصه في حقهما، ~~لبينه، والله أعلم. # * * * PageV01P144 ### || AUTO باب السواك ### ||| AUTO الحديث الأول # عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"لولا أن أشق على أمتي؛ لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" (¬1). # أما أبو هريرة، فتقدم ms0075 ذكره. # وأما ألفاظه: # فكلمة "لولا": تدل على انتفاء الشيء لوجود غيره؛ لأنها نفت وجوب السواك، ~~لوجود المشقة. # والسواك: مشتق من التساوك؛ وهو: التمايل، والتردد؛ لأن الإنسان يردده في ~~فيه ويدلكه، يقال: جاءت الإبل تساوك: إذا كانت أعناقها تضطرب من الهزال. # وقيل: هو مشتق من السوك، وهو: الدلك، والسواك والمسواك: ما يدلك به الفم ~~من العيدان، ونحوها، وساك فاه يسوكه: إذا دلكه، فإذا لم يذكر الفم، قلت: ~~استاك، أو: تسوك. # والسواك: مذكر، قال الليث: وتؤنثه العرب، وذكر صاحب،"المجمل": أنه PageV01P145 # يؤنث، ويذكر، وغلط الأزهري الليث في التأنيث. # وجمع السواك: سؤك -بضمتين، الثانية مهموزة-، ويجوز إسكان الهمز؛ ككتاب، ~~وكتب، وكتب، ونظائره (¬1). # وقوله: "عند كل صلاة"، يجوز في لفظة "عند" كسر العين، وفتحها، وضمها؛ ~~ثلاث لغات، حكاهن الجوهري في "صحاحه" (¬2)، ومعناها: حضور الشيء، ودنوه، ~~وهي: ظرف مكان وزمان؛ لا يدخل عليها من حروف الجر، إلا: (من)، وكسر العين: ~~أفصح وأشهر. # وأما أحكامه: # فاستدل به بعض أهل الأصول على أن: الأمر للوجوب، ووجهه: ما ذكرنا من ~~دلالة لولا، ومعناها؛ فتدل على انتفاء الأمر لوجود المشقة، والمنتفي لأجل ~~المشقة؛ إنما هو: الوجوب، لا الاستحباب؛ لأنه ثابت عند كل صلاة؛ [فاقتضى ~~أن] (¬3) الأمر للوجوب، ولولا أن الأمر للوجوب، لم يكن لقوله - صلى الله ~~عليه وسلم - معنى؛ لأنه إذا أمر به، ولم يجب، كيف شق عليهم؟! فثبت أنه: ~~للوجوب، ما لم يقم دليل على خلافه. # ومذهب جميع العلماء: استحبابه. # وحكى الشيخ أبو حامد، والماوردي، عن داود: الوجوب، لكن قال صاحب "الحاوي" ~~عنه: إن تركه لا يبطل الصلاة، وحكى عن إسحق بن راهويه: أنه واجب، وأن تركه ~~عمدا يبطلها. # وأنكر المتأخرون من أصحاب الشافعي [عليهما] (¬4) هذا النقل عن داود؛ بل PageV01P146 # المنقول عنه: أنه سنة، ولو صح، لم يكن خارقا للإجماع. # وفيه: دليل على أن المندوب ليس مأمورا به، وفيه خلاف للأصولين. # وفيه: دليل على جواز الاجتهاد للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فيما لم يرد ~~فيه نص من الله تعالى، وهو مذهب الفقهاء، وأصحاب الأصول، وهو الصحيح ~~المختار عندهم. # وفيه: ms0076 بيان ما كان عليه - صلى الله عليه وسلم - من الشفقة والرفق بأمته. # وفيه: دليل على استحبابه عند كل صلاة؛ سواء كانت فريضة، أو نافلة، متكررة ~~في زمان؛ كالتراويح، والضحى، أو متفرقة؛ كالفرائض، وتحية المسجد، وسنة ~~الوضوء. # والسر في ذلك: أنا مأمورون -في كل حال من أحوال التقرب إلى الله تعالى-، ~~أن نكون على حالة كمال، ونظافة؛ شرفا للعبادة، وقد قيل: إن ذلك الأمر هنا ~~متعلق بالملائكة؛ فإن الملك يضع فاه على فم القارئ، وهو يتأذى مما يتأذى ~~منه بنو آدم؛ من الرائحة الكريهة؛ فسن له السواك لأجل ذلك. # وفيه: دليل بعمومه، على استحبابه للصلاة الواقعة بعد الزوال للصائم، وهو ~~قول الشافعي، حكاه عنه الترمذي، وغيره: أنه لا يكره في وقت من الأوقات. # وقال أبو يعقوب البويطي في "كتابه" عن الشافعي، وهو من كتبه الجديدة في ~~كتاب الصيام: ولا بأس بالسواك للصائم في الليل والنهار (¬1)، والذي نص عليه ~~في "مختصر المزني" (¬2)، وعليه جمهور أصحابه: كراهته له بعد الزوال، لكن ~~جمهور العلماء على خلافه. PageV01P147 # فثبت عن الشافعي ثلاثة نصوص: الكراهة، وعدمها، وأنه لا بأس به. # وما استدل به للكراهة من القياس على دم الشهيد، من أنه لا يزال عن الميت ~~حرف أصفر لكونه ميتا، زال عنه التكليف، وإبقاؤه متعلق بالأحياء المكلفين؛ ~~ليكون علامة له يوم القيامة، وشهادة له على بيعه نفسه لله تعالى، في كون ~~الخلوف من الرائحة الكريهة للصائم بعد الزوال غالبا لا ينبغي إزالتها؛ ~~لأنها أطيب من ريح المسك عند الله تعالى، وما هو عند الله، لا يتصور زواله، ~~مردود بكون الشيء الواحد له حكمان عند الله تعالى: # أحدهما: بالنسبة إلى الدنيا، والثاني: بالنسبة إلى الآخرة. # فالخلوف، وإن كان طيبا عند الله؛ فالمراد: رضا الله تعالى عنه، وقبوله ~~لفعل العبد، وثناؤه عليه، ولا شك أن ذلك ثابت في الدنيا والآخرة. # وأما أنه لا يزال في حكم الدنيا؛ لما يترتب عليه من الأذى به للصائم، ومن ~~جالسه؛ من الملائكة، والآدميين؛ فلا، كيف وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: ~~"السواك مطهرة للفم، ms0077 مرضاة للرب" (¬1)؟! وعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - ~~الحث عليه عند كل صلاة. # مع أن الخلوف إنما هو عبارة عن الرائحة الكريهة الناشئة عن خلو المعدة من ~~الطعام والشراب، والسواك لا يزيلها؛ وإنما يخفف آثار ريحها في الفم. # مع أنه ثبت في "صحيح [ابن حبان"، وغيره: أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-] (¬2) قال: "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك" ~~(¬3)، والمطلق PageV01P148 # يحمل على المقيد؛ بالنسبة إلى الأحكام، لا بالنسبة إلى ما عند الله ~~تعالى؛ فإنه مطلق غير مقيد؛ فاستوى هو ودم الشهيد؛ في كونهما موصوفين ~~بالأطيبية يوم القيامة. # فأما حكم دم الشهيد في الدنيا: بالنجاسة إجماعا، وهي محرمة بالاتفاق على ~~المكلفين؛ فكذلك حكم الخلوف في الدنيا: الكراهة، وهو مكروه الإبقاء مع وجود ~~التكليف، كيف وهو غير متصور الزوال، والسواك يخفف آثاره؟! # فاستويا في الدنيا في: كونهما أطيبين عند الله -بالمعنى الذي ذكرناه- في ~~الدنيا، وفي يوم القيامة، ويزالان عن المكلفين في الدنيا؛ أحدهما: وجوبا، ~~والآخر: استحبابا. # وتكون فائدة الحديثين؛ في دم الشهيد، والخلوف: الحث على طلب القتل؛ ~~للشهادة، وعلى الصوم؛ الحامل على كسر النفس، ومعرفة نعم الله تعالى في ~~الشبع وغيره، ورؤية فضل الله تعالى، وطلب ثوابه؛ لا إزالة الخلوف، والله أعلم. # وفيه: استحباب السواك لكل صلاة؛ سواء كان المصلي متطهرا بالماء، أو ~~التراب، أو عادمهما. # وفيه: استحبابه لصلاة الجنازة، ولركعة الوتر، والمنذورة. # ثم إن السواك: آلة لإزالة ما يكره، في الفم -غالبا-، وقد يستعمل حيث لا ~~يوجد فيه ما يكره؛ فتكون عبادة محضة، وقد بنوا على ذلك مسألتين: # إحداهما: أخذ السواك لاستعماله في الفم، هل يكون باليد اليمنى، أو ~~باليسرى؟ # نقل عن الإمام أحمد - رحمه الله -: أن المستحب أخذه باليسرى؛ وكأنه نظر ~~إلى أنه آلة لإزالة أذى، فكان باليسرى؛ كآلة الاستجمار. # ومن نظر أن فيه تعبدا؛ حيث أمر فيه، ولا إزالة، قال: يكون أخذه باليمنى؛ ~~وكأنه جعله من باب التكريم؛ فأشبه الأكل والشرب. PageV01P149 # المسألة الثانية: يستحب البداءة بالجانب الأيمن من الفم بالسواك؛ لاجتماع ~~الأمرين؛ لأنا إن ms0078 نظرنا إلى الإزالة، أو إلى التكريم، كان الأيمن أولى، ~~والله أعلم. # ثم اعلم: أن السواك مستحب في جميع الأوقات والحالات، إلا ما تقدم من ~~كراهته بعد الزوال للصائم على المشهور من قول الشافعي - رحمه الله -، ~~ووجوبه عمن ذكرنا [من العلماء] (¬1). # ويتأكد الأمر به في مواضع: عند الصلاة، وعند الوضوء، وعند الاستيقاظ من ~~النوم، وعند تغير الفم -ويكون بأشياء منها ترك الأكل والشرب؛ يعني: في غير ~~صوم؛ وإلا فيتناقض الاستحباب المؤكد، والكراهة للصائم بعد الزوال-، وعند ~~أكل ما له رائحة كريهة، وعند طول السكوت وعند كثرة الكلام. # ثم إن السواك ينبغي أن يكون بعود من أراك؛ لحديث ورد فيه، وفيه منافع ~~كثيرة، ذكرها العلماء (¬2)، وغيرهم؛ وهو المتعارف بالاستياك بالحجاز. # قال أصحاب الشافعي -رحمهم الله-: وبأي شيء استاك -مما يزيل التغير- حصل؛ ~~كالخرقة الخشنة، وبالسعد، والأسنان، ونحوها، وأما الإصبع اللينة؛ فلا يحصل ~~الاستياك بها، وفي الخشنة ثلاثة أوجه: المشهور: لا يحصل أيضا، والثاني: ~~يحصل، والثالث: يفصل بين وجدان غيرها؛ فلا يحصل، وبين ألا يجد؛ فيحصل. # ثم إن السواك يستحب أن يكون متوسطا بين اليبوسة، والليونة؛ لئلا يجرح، أو ~~لا يحصل به إزالة. # ويستحب أن يستاك بعرض الأسنان لا بعرض الفم؛ لئلا يدمي لحم أسنانه؛ فينجس ~~فمه؛ فتبطل صلاته معه، أو يبتلعه، فيفطر إن كان صائما، فلو استاك بعرض ~~الفم: حصل الاستياك مع الكراهة. ويستحب إمرار السواك على طرف PageV01P150 # لسانه، وكراسي أضراسه، وسقف حلقه إمرارا لطيفا. # ويستحب أن يعود الصبيان السواك، ويؤمروا به؛ كالصلاة. # ويجوز استعمال سواك غيره بإذنه، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنهما - قال: "كان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، إذا قام من الليل، يشوص فاه بالسواك" (¬1). # أما حذيفة: فهو صحابي، وأبوه صحابي أيضا، وتقدم أن اليماني يكتب (بالياء) ~~في ترجمة عبد الله بن عمرو بن العاص، والكلام عليه، وهو: حذيفة بن اليمان، ~~واسمه: حسيل -بضم الحاء، وفتح السين المهملتين، ثم الياء، ثم اللام- تصغير: ~~حسل -بكسر الحاء، وإسكان السين- ويقال فيه: غير مصغر: حسل. # واليمان: لقب، ولقب ms0079 به؛ لأن جد جده: جروة -بكسر الجيم- أصاب دما في قومه، ~~فهرب إلى المدينة، فحالف بني عبد الأشهل؛ فسماه قومه: اليمان؛ لأنه حالف ~~اليمانية، فلقب بلقبه ابن جابر بن عمرو بن ربيعة بن جروة ابن الحارث بن ~~مازن بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن رشيب بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مضر ~~بن نزار، حليف بني عبد الأشهل. # يكنى أبا عبد الله، وحكى أبو حاتم بن حبان: أنه يقال في كنيته: أبو ~~سريحة، ويقال في نسبته: عبسي قطعي، وهو من حلفاء الأنصار. # وأمه اسمها: الرباب بنت كعب بن عدي بن كعب (¬2) بن عبد الأشهل. PageV01P151 # شهد حذيفة وأبوه مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدا، وقتل أبوه ~~يومئذ، قتله المسلمون خطأ، وكانا أرادا أن يشهدا بدرا، فاستحلفهما المشركون ~~ألا يشهدا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فحلفا لهم، ثم سألا النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -، فقال: "نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم" (¬1)، ~~وكان حذيفة ممن هاجر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان له أخ اسمه: ~~صفوان، شهد معهما أحدا. # وكان حذيفة من كبار أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو الذي ~~بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينظر إلى قريش يوم الخندق؛ فجاء ~~بخبر رحيلهم. # وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يسأله عن المنافقين، وهو المعروف في ~~الصحابة بصاحب سر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان عمر ينظر إليه ~~عند موت من مات منهم؛ فإن لم يشهد جنازته، لم يشهدها عمر. # وكان يقول حذيفة: خيرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الهجرة، ~~والنصرة، فاخترت النصرة (¬2)، وقال حذيفة - رضي الله عنه -: كان الناس ~~يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخير، وكنت أسأله عن الشر؛ ~~مخافة أن يدركني (¬3). # وقال علي - رضي الله عنه -: كان حذيفة أعلم أصحاب محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - بالمنافقين (¬4)، وروى عنه: أنه سأله عمر عن الأمارات التي بين يدي ~~الساعة من يعقلها عن رسول الله - صلى الله ms0080 عليه وسلم -؟ فقال: أنا، فقال له ~~عمر: هات، فلعمري إنك عليها لحري، ثم ذكر له منها (¬5). PageV01P152 # (¬1) وسئل حذيفة - رضي الله عنه -: أي الفتن أشد؟ قال: أن يعرض عليك ~~الخير والشر، فلا تدري أيهما تركت (¬2). # وقال حذيفة: لا تقوم الساعة حتى يسود كل قبيلة منافقوها (¬3). # وقال أبو عمر بن عبد البر: وشهد حذيفة "نهاوند"، فلما قتل النعمان ابن ~~مقرن (¬4)، أخذ الراية، وكان فتح نهاوند، والري، والدينور على يد حذيفة، ~~وكانت فتوحه كلها سنة: اثنتين وعشرين. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحاديث لم يذكر عدتها بقي بن ~~مخلد، وذكر صاحب "الجمع بين الصحيحين" عدة ما له فيهما، فقال: اتفقا على: ~~اثني عشر حديثا، وانفرد البخاري: بثمانية، ومسلم: بسبعة عشر، والله أعلم. # روى عنه جماعة من الصحابة: عمار بن ياسر، وجندب بن عبد الله، وعبد الله ~~بن يزيد الخطمي، وأبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي، وعبد الله بن عكيم ~~الجهني، وخلائق كثيرون من التابعين. # وولاه عمر "المدائن"، ومات بها سنة ست وثلاثين، بعد قتل عثمان بأربعين ~~ليلة في أول خلافة علي، وقيل: توفي سنة خمس وثلاثين، والأول أصح، وقال أبو ~~عمرو: وكان موته بعد أن نعي عثمان إلى الكوفة، وكان حذيفة سكن الكوفة. # قال أبو حاتم بن حبان: وكان فص خاتمه ياقوتة استمانحونية، فيها كوكبان ~~متقابلان، بينهما مكتوب: الحمد لله، قال: كذا قاله جرير، عن الأعمش، عن PageV01P153 # موسى بن عبد الله بن بريد (¬1)، عن أم سلمة بنت حذيفة (¬2). # وأما قوله: "يشوص فاه بالسواك" فهو بفتح الياء، وضم الشين المعجمة، ~~وبالصاد المهملة. # ومعناه: يغسل فاه بالسواك، قاله الهروي، وغيره. # يقال: شاصه يشوصه، وماصه يموصه؛ إذا غسله، والشوص أيضا: دلك الأسنان ~~بالسواك عرضا، قاله ابن الأعرابي، وإبراهيم الحربي، والخطابي، وغيرهم. # وقيل: هو التنقية، ذكره أبو عبيد، والداودي، وكل ذلك متقارب (¬3). # وتخصيص الذكر للشوص، بالليل؛ يقتضي: تعليق الحكم بمجرد القيام مطلقا. # وقيل: يقتضي: تخصيصه بالقيام للصلاة بالليل. # وفي الحديث دليل على: استحباب السواك في حال القيام من النوم، وعلته: أن ~~النوم مقتض ms0081 لتغير الفم، وهو لتنظيف الفم؛ فسن لاقتضاء التغير، وإذا كان ~~كذلك؛ فلا فرق بين: نوم الليل، والنهار، فتخصيصه بالليل؛ للغلبة، أو لكون ~~تغير الفم فيه أكثر، والله أعلم. PageV01P154 # ولفظ الحديث في رواية البخاري ومسلم: "كان إذا استيقظ من النوم" (¬1)؛ ~~فيعم النوم فيهما. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: دخل عبد الرحمن بن أبي بكر - رضي الله ~~عنهما - على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا مسندته إلى صدري، ومع عبد ~~الرحمن سواك رطب، يستن به؛ فأبده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نظره؛ ~~فأخذت السواك، فقضمته، وطيبته، ثم دفعته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فاستن به، فما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استن استنانا أحسن ~~منه، فما عدا أن فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رفع يده، أو إصبعه، ~~ثم قال: "في الرفيق الأعلى"، ثلاثا، ثم قضى، وكانت تقول: مات بين حاقنتي ~~وذاقنتي" (¬2). # وفي لفظ: فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك؟ فأشار ~~برأسه؛ أن: نعم. هذا لفظ البخاري، ولمسلم نحوه (¬3). # أما عائشة - رضي الله عنها -: فتقدم ذكرها. # وأما عبد الرحمن بن أبي بكر، فهو أخوها لأبويها، وهو: أسن أولاد الصديق - ~~رضي الله عنهما -، كنيته: أبو عبد الله، وقيل: أبو محمد. # وشهد بدرا، وأحدا مع الكفار، ثم أسلم في هدنة الحديبية، وحسن إسلامه، ~~وهاجر إلى المدينة، وصحب النبي - صلى الله عليه وسلم - هو وفتية من قريش. # وكان اسمه: عبد الكعبة، فغيره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسماه: ~~عبد الرحمن. # وكان من أشجع رجال قريش، وأرماهم لسهم، وحضر اليمامة مع خالد بن PageV01P155 # الوليد، فقتل سبعة من كبارهم، وهو الذي قتل محكم اليمامة ابن طفيل؛ رماه ~~بسهم في نحره، فقتله. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمانية أحاديث، اتفقا على ~~ثلاثة، روى عنه جماعة من التابعين، وروى له جماعة من أصحاب السنن، ~~والمساند. # مات ب "الحبشي"؛ وهو: جبل بينه وبين مكة ستة أميال، وقيل: نحو عشرة ~~أميال، ثم حمل ms0082 على رقاب الرجال إلى مكة، وقال أبو حاتم بن حبان: مات ~~بالحبشة، وهو غلط. # وكانت وفاته سنة: ثلاث وخمسين، وهو الأكثر، وقيل: خمس وخمسين، وقال أبو ~~حاتم: سنة ثمان وخمسين، قبل عائشة، قال أبو عمر بن عبد البر: يقال: إنه ~~توفي في نومة نامها، فلما اتصل موته بأخته عائشة أم المؤمنين - رضي الله ~~عنهما - ظعنت من المدينة حاجة، حتى وقفت على قبره، وكانت شقيقته، فبكت عليه ~~وتمثلت: # وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا # فلما تفرقنا كأني ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا # أما والله لو حضرتك لدفنتك حيث مت مكانك، ولو حضرتك ما بكيتك، والله أعلم (¬1). # وأما ألفاظه: # فقولها: "إنه كان يستن بسواك"؛ أي: بعود من أراك. # والاستنان: استعمال السواك، وهو افتعال من الأسنان؛ أي: يمره عليها. # وكان مسواك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تارة من أراك، وتارة من ~~جريد النخل. PageV01P156 # قولها: "فأبده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نظره"؛ أي: نظر إليه طويلا. # يقال: أبدت فلانا النظر؛ إذا طولته إليه، فكأن أصله من معنى التبديد، ~~الذي هو التفريق؛ وكأنه - صلى الله عليه وسلم - أعطاه مدته من النظر؛ أي: ~~حظه (¬1). # وقولها: "فقضمته وطيبته"؛ أي: مضغته بأسناني ولينته. # وقولها: "بين حاقنتي، وذاقنتي"؛ الحاقنة: الوهدة المنخفضة بين الترقوتين ~~من الحلق. # والذاقنة: الذقن، وقيل: طرف الحلقوم، وقيل: ما يناله الذقن من الصدر. # والحواقن: جمع حاقنة؛ وهي: أسافل البطن أيضا، وقيل في الذاقنة: أعالي ~~البطن؛ فكان المراد: بحقن الطعام؛ أي: يجمعه (¬2)، ومنه المحقنة -بكسر ~~الميم-: التي يحتقن بها، ومن كلام العرب: لأجمعن بين حواقنك، وذواقنك (¬3). # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "في الرفيق الأعلى": يجوز أن يكون إشارة ~~منه - صلى الله عليه وسلم - إلى قوله تعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك ~~مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن ~~أولئك رفيقا} [النساء: 69]؛ فيكون معناه: الأعلى من نوع البشر. # وقد صنف السهيلي صاحب "الروض الأنف" كتابا في مبهمات القرآن، وذكر أن ~~المنعم عليهم؛ الذين أمرنا بسؤال أن ms0083 نهدى صراطهم، في الفاتحة؛ هم: في قوله ~~تعالى: {فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم} [النساء: 69]، الآية في سورة ~~النساء (¬4). PageV01P157 # وقال شيخنا القاضي أبو الفتح -رحمه الله-: ويجوز أن يكون الأعلى من ~~الصفات اللازمة؛ التي ليس لها مفهوم يخالف المنطوق؛ كما في قوله تعالى: ~~{ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به} [المؤمنون:117]؛ وليس ثم داع ~~(¬1) إلها آخر له به برهان (¬2). # وكذلك {ويقتلون النبيين بغير الحق} [البقرة: 61]؛ ولا يكون قتل النبيين، ~~إلا بغير الحق. # فيكون الرفيق لم يطلق الأعلى؛ إلا على الذي اختص الرفيق به، ويقوي هذا ما ~~ورد في بعض الروايات: "وألحقني بالرفيق" (¬3)، ولم يصفه بالأعلى؛ وذلك ~~دليل: أنه المراد بلفظة الرفيق، ويحتمل أن يعم الأعلى، وغيره. # ثم ذلك على وجهين: # أحدهما: أن يخص الفريقان معا، بالمقربين المرضيين، ولا شك أن مراتبهم ~~متفاوتة؛ فيكون - صلى الله عليه وسلم - طلب أن يكون في أعلى مراتب الرفيق؛ ~~وإن كان الكل من السعداء المرضيين. # الثاني: أنه يطلق الرفيق، بالمعنى الوضعي؛ الذي يعم كل رفيق، ثم يخص منه ~~الأعلى بالطلب؛ وهو مطلق المرضيين؛ ويكون الأعلى بمعنى: العالي، ويخرج عنه ~~غيرهم، وإن كان اسم الرفيق منطلقا عليهم. # ويروى أن عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - لما حضرته الوفاة، قال: ~~أجلسوني، فأجلسوه، فقال: أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت، ولكن لا ~~إله إلا الله، ثم رفع رأسه، فأمد النظر، ثم قال: إني لأرى حضرة ما هم بإنس، ~~ولا جن، ثم قبض (¬4). PageV01P158 # قلت: وما ذكر من المجوزات في الرفيق الأعلى، هو إذا لم يكن فيه بيان منه ~~- صلى الله عليه وسلم -؛ وقد ثبت البيان فيه من حديث عائشة - رضي الله عنها ~~-، قالت: أغمي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ورأسه في حجري، فجعلت ~~أمسحه، وأدعو له بالشفاء، فلما أفاق، قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا، بل ~~أسأل الله الرفيق الأعلى، مع جبريل، وميكائيل، وإسرافيل"، رواه أبو حاتم بن ~~حبان في "تقاسيمه وأنواعه" بإسناد الصحيح (¬1)، والله أعلم. # وفي الحديث: # دخول أقارب الزوجة على الزوج ms0084 في مرضه، وغيره. # وفيه: استياك بالسواك الرطب، وقال بعض الفقهاء: إن الأخضر لغير الصائم ~~أحسن، وإن كان يابسا؛ استحب أن يكون قد ندي بالماء. # وفيه: إصلاح السواك، وتهيئته للاستياك. # وفيه: الاستياك بسواك الغير. # وفيه: العمل بما يفهم من الإشارة، والحركات. # وفيه: جواز أن يكون الذي قربت وفاته جالسا مستندا إلى زوجته، ونحوها ممن ~~يعز عليه، ولا يشترط أن يوجه إلى القبلة على جنبه الأيمن، أو على قفاه على ~~العادة. # وفيه: نقل أحواله - صلى الله عليه وسلم - إلى أمته كلها؛ لتتبع، والله - ~~سبحانه وتعالى - أعلم. # * * * PageV01P159 ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: أتيت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، وهو، يستاك بسواك، قال: وطرف السواك على لسانه؛ يقول: "أع أع"، ~~والسواك في فيه؛ كأنه يتهوع" (¬1). # أما أبو موسى: فاسمه عبد الله بن قيس بن سليم بن حصار بن حرب بن عامر بن غنم. # ويقال في نسبه غير هذا. # وهو الأشعري: نسبة إلى الأشعر -رأسه نبت- بن أدد بن زيد بن يشجب بن يعرب ~~بن قحطان. # وكان أبو موسى، وأبو عامر، وأبو بردة، وأبو رهم بنو قيس، إخوة أربعة، ~~أسلموا كلهم في موضع واحد، صحابيون. # وكان أبو موسى حليفا للنبي - صلى الله عليه وسلم -، واختلف فيمن حالف منهم: # فقال الواقدي: حالف بعد قدومه مكة مع إخوته في جماعة الأشعريين أبا أحيحة ~~سعيد بن العاصي [من بني أمية] (¬2)، وأمية، ثم أسلم بعد ذلك، وهاجر إلى أرض ~~الحبشة. # وقال ابن إسحاق: هو حليف آل عتبة بن ربيعة؛ ذكره فيمن هاجر من حلفاء بني ~~عبد شمس إلى الحبشة. # واختلف في هجرة أبي موسى وقومه إلى أرض الحبشة: # فقال جماعة من أهل السير، والنسب: لما قدم مكة، وحالف من حالف، PageV01P160 # انصرف إلى بلاد قومه، ولم يهاجر إليها، ثم قدم مع إخوته، فصادف قدومه ~~قدوم السفينتين من الحبشة. # وقال أبو عمر بن عبد البر: الصحيح أنه لم يهاجر إليها؛ وإنما رجع بعد ~~الفتنة إلى بلاد قومه، فأقام بها حتى قدم مع الأشعريين، نحو خمسين رجلا ms0085 في ~~سفينة؛ فألقتهم الريح إلى النجاشي بأرض الحبشة، وافوا خروج جعفر وأصحابه ~~منها، وأتوا معهم، وقدمت السفينتان معا: سفينة الأشعريين، وسفينة جعفر ~~وأصحابه على النبي - صلى الله عليه وسلم - في خيبر. # وقيل: إنهم أقاموا بالحبشة بعد رمي الريح لهم إليها مدة، ثم خرجوا منها ~~بعد خروج جعفر، فذكروا فيمن هاجر إليها، والله أعلم. # وولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا موسى على "زبيد"، و"عدن" ~~و"ساحل اليمن"، واستعمله عمر على "الكوفة" و"البصرة"، وشهد وفاة أبي عبيدة ~~(¬1) ب "الأردن"، وخطبة عمر بالجابية، وقدم دمشق على معاوية. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ثلاث مئة وستون حديثا، اتفق ~~البخاري ومسلم على: خمسين حديثا، وانفرد البخاري: بأربعة، ومسلم: بخمسة ~~عشر، وروى له أصحاب السنن، والمساند، وروى عنه من الصحابة: أنس بن مالك، ~~وخلق كثير من التابعين. # وقال فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لقد أوتي مزمارا من مزامير ~~آل داود" (¬2)، وسئل علي - رضي الله عنه - عن موضع أبي موسى من العلم؛ ~~فقال: صبغ في العلم صبغة (¬3)، وكان عمر إذا رآه، قال: أذكرنا يا أبا موسى، ~~فيقرأ عنده (¬4). PageV01P161 # وقال الشعبي: كان القضاة أربعة: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وزيد ~~بن ثابت، وأبو موسى - رضي الله عنهم - (¬1). # وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استغفر له؛ فقال: "اللهم اغفر ~~لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله مدخلا كريما" (¬2). # مات بمكة، ودفن بها، وقيل: بالكوفة، ودفن بالثوية، على ميلين منها، ~~واختلف في تاريخ وفاته، فقيل: سنة اثنتين وأربعين، وقيل: أربع وأربعين، ~~وقيل: سنة خمسين، وقيل: إحدى وخمسين، وقيل: اثنين وخمسين، وهو ابن ثلاث ~~وستين سنة -رحمه الله، ورضي عنه- (¬3). # وأما ألفاظه: # فقوله: "يقول: أع أع". # هو بضم الهمزة، وسكون العين المهملة، ورواه النسائي: "عا عا" (¬4). # ومعناه: يتهوع؛ أي: يتقيأ؛ فكأنه يتهوع، أي: له تصويت كتصويت المتهوع ~~الذي يتقيأ؛ لا أنه يتقيأ، والله أعلم. # وفي الحديث: # الاستياك على اللسان، وإن كان لفظ الحديث لا يعطي ذلك؛ وقد ورد PageV01P162 # مصرحا به في بعض ms0086 الروايات، والعلة التي تقتضي الاستياك على الأسنان ~~موجودة في اللسان، بل هي أبلغ وأقوى؛ لما يترقى إليه من أبخرة المعدة، لكن ~~الفقهاء ذكروا الاستياك في الأسنان عرضا، وورد في بعض الروايات: الاستياك ~~على اللسان طولا، والله أعلم. # وقد ترجم على هذا الحديث: باب استياك الإمام بحضرة رعيته (¬1)؛ فإن ~~الاستياك من أفعال البذلة والمهنة، ويلازمه -أيضا- من إخراج البصاق، وغيره؛ ~~ما لعل بعض الناس يتوهم أن ذلك يقتضي إخفاءه وتركه بحضرة الرعية. # وقد اعتبر الفقهاء ذلك في مواضع كثيرة؛ كالأكل والشرب في المواضع التي لم ~~تجر العادة بالأكل والشرب فيها؛ كالطرق والأسواق؛ وهو الذي يسمونه بحفظ ~~المروءة. # فأورد هذا الحديث لبيان أن الاستياك ليس من قبيل ما يطلب إخفاؤه، ويتركه ~~الإمام بحضرة الرعية؛ إدخالا له في باب العبادات والقربات، والله أعلم. # والمترجمون في التصانيف على الأحاديث: # تارة تكون للتنبيه على الرد على مخالف في المسألة لم تشتهر مقالته. # وتارة تكون لفائدة ظاهرة في الدلالة على المعنى المراد. # وتارة تكون لفائدة ظاهرة فائدتها قديمة لا تكاد تستحسن. # وتارة تكون لمعنى يخص الواقعة، لا يظهر لكثير من الناس، كترجمة هذا ~~الباب، والله أعلم. # * * * PageV01P163 ### || AUTO باب المسح على الخفين ### ||| AUTO الحديث الأول # عن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - قال: كنت مع النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في سفر، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، ~~فمسح عليهما" (¬1). # أما المغيرة: فهو بضم الميم، أو كسرها، الضم أشهر، ابن شعبة بن أبي عامر ~~بن مسعود بن معتب -بالعين المهملة، والتاء المثناة فوق المشددة، ثم الباء ~~الموحدة- بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قسي بن منبه، وهو ثقيف ~~الثقفي، يكنى: أبا عيسى، ومنعها عمر بن الخطاب عنه، وكناه: أبا عبد الله، ~~وقيل: كنيته: أبو محمد. # أسلم عام الخندق، وأحصن ثلاث مئة امرأة في الإسلام، وقيل: ألف امرأة، ~~وكان موصوفا بالدهاء، وقص له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شاربه على ~~سواك، وهذه منقبة لا نعرفها لغيره من الصحابة. # روي له عن رسول ms0087 الله - صلى الله عليه وسلم -: مئة وستة وثلاثون حديثا؛ ~~اتفقا على سبعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثين؛ فجميع روايته فيهما: ~~اثنا عشر PageV01P164 # حديثا، وروى عنه من الصحابة: المسور بن مخرمة، وخلق كثير من التابعين، ~~وروى له أصحاب السنن، والمساند. # ومات بالكوفة أميرا عليها في الطاعون سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين؛ ~~وهو ابن سبعين سنة (¬1). # وقال الشعبي: دهاة العرب أربعة: معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، ~~والمغيرة بن شعبة، وزياد، فأما معاوية؛ فللأناة والحلم، وأما عمرو؛ ~~فللمعضلات، وأما المغيرة؛ فللمبادهة، وأما زياد؛ فللصغير والكبير (¬2). # وأما ألفاظه: # فالسفر الذي كان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه: غزوة تبوك، ~~قبل الفجر؛ كذا ثبت في "الصحيحين" (¬3). # ففيه دليل على: جواز المسح على الخفين: وهو جائز بالإجماع في السفر ~~والحضر. # لكن هل الأفضل غسل الرجلين، إذ هو الأصل والغالب، أم المسح أفضل ردا على ~~الخوارج، أم يتساويان؛ لتقابلهما؟ مذاهب: # والجمهور: على أن غسلهما أفضل، والمسح على الخف جائز؛ وبه قال أصحاب ~~الشافعي، وعن الإمام أحمد: روايتان، أصحهما: المسح أفضل، والثانية: هما ~~سواء، واختاره: ابن المنذر. PageV01P165 # واختلفت الروايات فيه: # ومن أشهرها: رواية المغيرة بن شعبة. # ومن أصحها: رواية جرير بن عبد الله البجلي -بفتح الباء والجيم-، وقال: ~~روينا في "سنن البيهقي" عن إبراهيم بن أدهم - رضي الله عنه - قال: ما سمعت ~~في المسح على الخفين أحسن من حديث جرير - رضي الله عنه - (¬1). # واعلم: أن غزوة تبوك، كانت في رجب، سنة تسع؛ وقتها كانت قصة المغيرة في ~~المسح على الخفين، ورواية جرير فيه كان بعد نزول المائدة، قبل موت النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - بشهرين، أو نحوهما. # ولهذا كان يعجب أصحاب عبد الله بن مسعود الأخذ بحديث جرير؛ لتأخره، ورده ~~على من ظن أنه منسوخ، أو شك في جوازه، وإزالته الإشكال فيه، واللبس على من ~~التبس؛ ولهذا قال جرير - رضي الله عنه -: وهل أسلمت إلا بعد نزول المائدة؟ (¬2) # حتى اشتهر جواز المسح على الخف عند علماء الشريعة، وعد شعارا لأهل السنة، ~~حتى جعله ms0088 بعضهم أفضل من الغسل على ما حكينا؛ لكون تركه صار شعارا لأهل ~~البدع؛ فحديث جرير مبين للمراد من الآية في غير صاحب الخف؛ فتكون السنة ~~مخصصة للآية، والله أعلم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "دعهما؛ فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح ~~عليهما": يعني: الطهارة الشرعية بكمالها؛ لأنه لا يسمى شرعا متطهر، لمن ~~يتطهر في جميع الأعضاء، إلا لمعة؛ فكيف من يترك عضوا كاملا؟ # ولهذا قال أصحاب الشافعي - رحمهم الله -: لو غسل إحدى رجليه، PageV01P166 # وأدخلها الخف، ثم غسل الأخرى، وأدخلها الخف؛ لم يجز المسح حتى ينزع ~~الأولى، ثم يلبسها. # وتفويت سنة اللبس في تقديم اليمنى لا يوجب منع جواز المسح؛ لأنه علق ~~الحكم بالمسح عليهما بإدخالهما طاهرتين، وذلك لا يقتضي إدخال إحداهما طاهرة ~~دون الأخرى، والحكم المترتب على التثنية غير المترتب على الوحدة؛ فيكون ~~حالا منهما، لا من كل واحد منهما، والله أعلم. # وقول المغيرة: "فمسح عليهما": فيه إضمار، تقديره: فأحدث، فمسح عليهما؛ ~~لأن وقت جواز المسح بعد الحديث، ولا يجوز قبله؛ لأنه على طهارة الغسل. # والحدث المجوز للمسح: ما ينقض الوضوء من البول والغائط، والنوم، ونحوها؛ ~~لا ما يوجب الغسل، وذلك ثابت في حديث صفوان بن عسال -بالعين والسين المشددة ~~المهملتين-، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - قال: "كنت مع النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، فبال، وتوضأ، ومسح على خفيه" (¬1). # مختصر، تقدم الكلام على حذيفة وأبيه قريبا في ### ||| AUTO الحديث الثاني # من باب السواك. # وقوله: "فبال، وتوضأ، ومسح على خفيه": بيان للإضمار في الحديث قبله، وقد ~~ورد مبينا فيه. # واعلم: أن أحاديث المسح على الخفين، رواها عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- خلائق PageV01P167 # لا يحصون من الصحابة، قال الحسن البصري - رحمه الله -: حدثني سبعون من ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يمسح على الخفين (¬1). # واعلم: أنه جائز بالإجماع -كما تقدم- في السفر والحضر؛ سواء كان لحاجة، ~~أو لغيرها، حتى يجوز للمرأة الملازمة لبيتها، والزمن الذي لا يمشي. # وأنكر ms0089 جوازه الشيعة، والخوارج؛ ولا يعتد بخلافهم. # وروي عن مالك فيه روايات: والمشهور من مذهبه كمذهب الجماهير، والله أعلم. # واعلم أن ما ذكرناه من اشتراط كمال الطهارة في جواز المسح بعد اللبس ~~والحدث، حتى لو غسل إحدى رجليه، وألبسها الخف، ثم غسل الأخرى، وألبسها ~~الخف، لم يجز، وأنه يجب نزع الأولى، ثم لبسها كما تقدم هو مذهب مالك، ~~وأحمد، وإسحاق في اشتراط الطهارة. # وقال أبو حنيفة، وسفيان الثوري، ويحيى بن آدم، والمزني، وأبو ثور، وداود: ~~يجوز اللبس على حدث، ثم يكمل الطهارة. # وقد قال بعض أصحاب الشافعي: يجب نزع اليسرى، ثم لبسها، وهو شاذ، والله أعلم. # * * * PageV01P168 ### || AUTO باب في المذي وغيره ### ||| AUTO الحديث الأول # عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: كنت رجلا مذاء، فاستحييت أن ~~أسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لمكان ابنته، فأمرت المقداد بن ~~الأسود، فسأله، فقال: "يغسل ذكره، ويتوضأ" (¬1)، وللبخاري: "اغسل ذكرك، ~~وتوضأ" (¬2)، ولمسلم: "توضأ، وانضح فرجك" (¬3). # * أما علي، فهو أمير المؤمنين، أبو الحسن، وكناه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: أبا تراب، وكانت أحب أسمائه إليه. # واسم أبي طالب: عبد مناف بن عبد المطلب، يلتقي مع النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فيه، فكان هو أبا أبي النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وقالت طائفة: اسم أبي طالب: عمران، مستندين فيه إلى قوله تعالى: # {إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين} [آل ~~عمران: 33]؛ وهو تحريف على الله تعالى، وعلى رسوله، وعلى علماء التفسير، لا ~~يعرف عن أحد من العلماء. PageV01P169 # أمه: فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، أبي جد عبد المطلب جد رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -، وهي أول هاشمية ولدت هاشميا، أسلمت، وهاجرت إلى ~~المدينة، وتوفيت في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وصلى عليها، ~~وبرك في قبرها - صلى الله عليه وسلم -. # وعلي - رضي الله عنه - رابع الخلفاء وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، ~~وأقضى الأمة، وهو أول خليفة، كان أبواه هاشميين، ولم يك بعده من أبواه ~~هاشميان ms0090 غير محمد الأمين بن زبيدة، وهو من النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بمنزلة هارون من موسى في الأخوة، وشد الأزر -ليس في النبوة- في حياته، وبعد ~~موته (¬1). # وشبهه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعيسى - صلى الله عليه وسلم - في ~~كونه يهلك فيه طائفتان من اليهود والنصارى حيث جعلته إحداهما: ولد زنية؛ ~~فكفروا بذلك، والأخرى: ابن الله -تبارك وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون ~~علوا كبيرا-، فكفروا بذلك. # فكذلك هلك في علي طائفتان: محب مفرط، ومبغض مفرط، فمن كفره، أو بدعه، أو ~~استنقصه؛ فهو ضال هالك، ومن رقاه إلى الإلهية، أو النبوة، أو التقدمة في ~~الخلافة على من تقدمه من الخلفاء، أو التفضيل عليهم؛ فهو ضال هالك. # فعيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وعلي ابن عم ~~الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم -، وزوج ابنته فاطمة البتول - رضي الله ~~عنهما -، وأول من أسلم وصلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - من الصبيان، ~~وشهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مشاهده كلها، إلا تبوك. PageV01P170 # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من كنت مولاه، فعلي مولاه"، "من كنت ~~ناصره ومؤازره، فعلي كذلك". # وكان عمره مبدأ النبوة: عشر سنين، وبقي مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بعدها بمكة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة عشر سنين، ومدة خلافة أبي بكر ~~وعمر وعثمان، وخلافته: ثلاثون سنة، فكان عمره ثلاثا وستين سنة، هذا هو ~~الصحيح المختار في مدة عمره. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمس مئة حديث، وستة وثمانون ~~حديثا، اتفقا منها على عشرين حديثا، وانفرد البخاري بتسعة، ومسلم بخمسة عشر. # وروى عنه بنوه: الحسن، والحسين، ومحمد، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، ~~وابن عمر، وابن قيس، وأبو موسى الأشعري، وابن جعفر، وأبو سعيد الخدري، وأبو ~~رافع، وصهيب، وزيد بن أرقم، وجابر، وأبو أمامة الباهلي، وأبو هريرة، وأبو ~~سريحة حذيفة بن أسيد الغفاري، وسفينة، وجابر بن سمرة، وعمرو بن حريث، وأبو ~~ليلى الأنصاري، والبراء بن عازب، وطارق بن شهاب الأحمسي، ms0091 وطارق بن أشيم ~~الأشجعي، وعبد الرحمن بن أبزى، وسيرين بن سحيم، وأبو جحيفة السوائي؛ وكلهم ~~صحابة، وخلق كثير من التابعين، روى له أصحاب السنن والمساند. # وصنف العلماء في مناقبه تصانيف مفردة فيه، ومضافة إلى غيره، وكان - رضي ~~الله عنه - من ينابيع الحكم في الصحابة. # ولي الخلافة خمس سنين، وقيل: خمس سنين إلا أربعة أشهر، وقيل: إلا شهرين ~~وأياما، وقتل ليلة الجمعة، لسبع عشرة بقيت من رمضان، سنة أربعين؛ وهو عام ~~الجماعة، قتله عبد الرحمن بن ملجم المرادي. # قال ابن حبان في "تاريخه": وكان لعلي - رضي الله عنه - يوم مات اثنتان ~~وستون سنة، وكانت خلافته خمس سنين وثلاثة أشهر، إلا أربعة عشر يوما، ~~واختلفوا في موضع قبره، ولم يصح عندي شيء من ذلك فأذكره، وقد قيل: إنه PageV01P171 # دفن بالكوفة في قصر الإمارة عند مسجد الجماعة، وهو ابن ثلاث وستين سنة، ~~هذا آخر كلامه. # وذكر أيضا: أن لعلي من الولد يوم مات: خمسا وعشرين ذكرا وأنثى؛ خمسة من ~~فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الحسن، والحسين، ومحسن، وأم ~~كلثوم الكبرى، وزينب الكبرى، والباقون من غيرها. # قال أبو عبد الله محمد بن سلامة القضاعي في "عيون الأخبار" له: كان لعلي ~~أربعة عشر ذكرا، وثمانية عشر أنثى؛ النسل منهم لخمسة، وهم: الحسن، والحسين، ~~ومحمد بن الحنفية، وعمر، والعباس، وذكر -أيضا-: أنه دفن ليلا، وعمي قبره. # ولم يقم بالمدينة بعد الخلافة غير أربعة أشهر، ثم سار إلى العراق في سنة ~~ست وثلاثين. # قال أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي، قال عبد الله بن سلام -رضي الله ~~عنه-: وهو ممن شهد له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجنة: "ما قتلت ~~أمة نبيها، إلا قتل به منهم سبعون ألفا، ولا قتلوا خليفتهم، إلا قتل به ~~منهم خمسة وثلاثون ألفا" (¬1). # وكان علي - رضي الله عنه - من زهاد المسلمين، يلبس ثيابا رثة؛ فعابوا ~~عليه ثيابه، فقال: يعيبون علي لباسي؛ وهو أبعد لي من الكبر، وأجدر أن يقتدي ~~بي المسلم (¬2). # ودعا له رسول الله - صلى الله عليه ms0092 وسلم -: بالرحمة، وأن يدور الحق معه ~~حيث دار. # وقال - رضي الله عنه - يوما وقد فرق جميع ما في بيت المال على الناس، حتى ~~كنسه، ثم أمر بنضحه، ثم صلى فيه ركعتين؛ رجاء أن يشهد له يوم القيامة: يا ~~صفراء! يا بيضاء! غري غيري (¬3). PageV01P172 # وقال - رضي الله عنه -: ليس الخير أن يكثر مالك، وولدك؛ ولكن الخير أن ~~يكثر عملك، ويعظم حلمك، وأن تباهي الناس بعبادة ربك؛ فإن أحسنت، حمدت الله، ~~وإن أسأت، استغفرت الله، ولا خير في الدنيا، إلا لأحد رجلين: رجل أذنب ~~ذنوبا؛ فهو مدارك ذلك بتوبة، أو رجل يسارع في الخيرات، ولا يقل عمل في ~~تقوى؛ وكيف يقل ما يتقبل؟! (¬1). # وقال علي - رضي الله عنه -: احفظوا عني خمسا، فلو ركبتم الإبل في طلبهن، ~~لا تصيبوهن قبل أن تدركوهن، لا يرجو عبد إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه، ولا ~~يستحيي جاهل أن يسأل عما لا يعلم، ولا يستحيي عالم إذا سئل عما لا يعلم، أن ~~يقول: الله أعلم، والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمن ~~لا صبر له (¬2). # وقال: إن أخوف ما أخاف عليكم: اتباع الهوى، وطول الأمل؛ فأما اتباع ~~الهوى، فيصد عن الحق، وأما طول الأمل، فيصد عن الآخرة، ألا وإن الدنيا قد ~~ترحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة، ولكل واحدة منها بنون، فكونوا من ~~أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا؛ فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدا ~~حساب ولا عمل (¬3). # وقال: أشد الأعمال ثلاثة: إعطاء الحق من نفسك، وذكر الله تعالى على كل ~~حال، ومواساة الأخ في المال (¬4). PageV01P173 # وقال: لقد رأيتني أربط الحجر على بطني من شدة الجوع على عهد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، وإن صدقتي اليوم أربعون ألف دينار (¬1). # أما ألفاظه: # فقوله: "كنت رجلا مذاء"؛ أي: كثير المذي، وهو بفتح الميم، وتشديد الذال ~~المعجمة، وبالمد، صيغة مبالغة، على وزن فعال. # وفي المذي لغتان؛ مذي: بفتح الميم، وإسكان الذال، ومذي: بكسرها، وتشديد ~~الياء، ومذي: بكسر الذال، وتخفيف الياء؛ فالأوليان مشهورتان، أصحهما ~~وأشهرهما: ms0093 الأولى، والثانية حكاها أبو عمرو الزاهد عن ابن الأعرابي. # ويقال: مذي، وأمذى: يمذي، ويمذي، ومذى، الثالثة بالتشديد (¬2). # والمذي: ماء أبيض رقيق لزج، يخرج عند شهوة؛ لا بشهوة، ولا دفق، ولا يعقبه ~~فتور، وربما لا يحس بخروجه؛ ويكون ذلك للرجل والمرأة، وهو في النساء أكثر ~~منه في الرجال. # وقوله: "فاستحييت": هذه اللغة الفصيحة فيه بالياءين، وقد يقال: استحيت ~~بياء واحدة، والمراد بالحياء هنا: تغير وانكسار يعرض للإنسان من تخوف ما ~~يعاتب به، أو يذم عليه. # وأما الحياء الشرعي الممدوح عليه الذي لا يأتي إلا بخير: فهو رؤية النعم، ~~ورؤية التقصير، فتتولد بينهما حالة تسمى حياء وتلك حالة حاملة على: مزيد ~~الشكر، واستقصاء الأعمال. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وانضح فرجك"، وهو بالحاء المهملة، لا ~~يعرف غيره؛ أي: PageV01P174 # اغسله، والنضح: يكون غسلا، ويكون رشا، لكن الغسل هنا متعين ببيان الرواية ~~الأخرى في الأمر به؛ فحمل النضح عليه. # وقول علي - رضي الله عنه -: "لمكان ابنته"؛ تنبيه على العلة في عدم سؤاله ~~عن حكم المذي بنفسه؛ لكونه علما. # والعلم وتعلمه عبادة لا ينبغي أن تدخله النيابة، وعدم مواجهة العلماء، ~~والسؤال عنه، ولهذا أثنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على نساء ~~الأنصار؛ لكونهن لم يمنعهن الحياء من التفقه في الدين؛ لما سألنه عن أشياء ~~تتعلق بأنفسهن مما يستحيا من ذكره -عادة-. # لكن عليا لما رأى أن هذه المسألة يتعلق بها مواجهة النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بالسؤال عن حالة تعرض عند مقدمات الجماع؛ أرسل غيره يسأل، أدبا مع ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لمكان ابنته منه. # وقوله: "فأمرت المقداد بن الأسود"؛ إنما قيل: ابن الأسود؛ لأنه كان في ~~حجر الأسود بن [عبد] يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة الزهري، فتبناه ~~وحالفه في الجاهلية؛ وإلا فهو المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة ~~بن ثمامة، بهراني من بهرا بن عمرو، وقيل: كندي من كندة، وقيل: حضرمي من ~~حضرموت، وقيل: حالف أبوه كندة فنسب إليها، وحالف هو بني زهرة فقيل له: ~~الزهري ms0094 -أيضا-، وقيل: كان عبدا حبشيا للأسود بن عبد يغوث؛ فتبناه، والصحيح: ~~ما ذكرناه أولا، ولا يصح كونه عبدا. # كنيته: أبو الأسود، ويقال: أبو عمرو، ويقال: أبو معبد. # وشهد المشاهد كلها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يثبت أنه ~~شهد بدرا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فارس غيره، وقيل: كان الزبير ~~-أيضا- فارسا معه، وهو أحد السبعين الذين هم أول من أظهر الإسلام. # قال أبو عمر بن عبد البر - رحمه الله -: وكان من الفضلاء النجباء الكبار ~~الأخيار من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو أحد الأربعة عشر ~~النجباء الوزراء PageV01P175 # الرفقاء الذين أعطيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما كان للأنبياء قبله. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اثنان وأربعون حديثا؛ اتفق ~~البخاري ومسلم على حديث واحد، وانفرد مسلم بثلاثة. # روى عنه: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، والسائب بن ~~يزيد، وغيرهم من الصحابة، وكبار التابعين، وروى له أصحاب السنن، والمساند ~~-أيضا-. # مات بالجرف على عشرة أميال من المدينة، وحمل على رقاب الرجال إليها سنة ~~ثلاث وثلاثين في خلافة عثمان، وهو ابن سبعين سنة، وصلى عليه عثمان - رضي ~~الله عنه - (¬1). # قال ابن مسعود: شهدت من المقداد مشهدا، لأن أكون صاحبه، أحب إلي مما طلعت ~~عليه الشمس، قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إنا -والله- لا نقول لك كما ~~قالت أصحاب موسى: اذهب أنت وربك، فقاتلا، إنا هاهنا قاعدون -لما ذكر ~~المشركين-، ولكنا نقاتل بين يديك، ومن خلفك، وعن يمينك، وعن شمالك؛ قال: ~~فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يشرق وجهه لذلك، وسره وأعجبه (¬2). # وقال بريدة: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحبه، وعليا، وسلمان، ~~وأبا ذر (¬3)، وسمعه PageV01P176 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ رافعا صوته، فقال: "أواب" (¬1). # قوله - صلى الله عليه وسلم -: "يغسل ذكره"؛ برفع اللام، خبر بمعنى الأمر، ~~وهو مجاز جائز؛ لما يشتركان فيه من معنى الإثبات، ولو روي مجزوما؛ [جاز على ضعف. # ومنهم من منعه إلا ms0095 في ضرورة الشعر بحذف الحرف عن المجزوم، وانفعاله؛ كقول ~~الشاعر: محمد تفد نفسك كل نفس] (¬2) # وفي الحديث فوائد: # منها: أن المذي لا يوجب الغسل؛ وهو مجمع عليه. # ومنها: أنه ينقض الوضوء؛ وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، والجماهير ~~قالوا: ويوجب الوضوء. # ومنها: نجاسته؛ لإيجاب الغسل، لكن قال الشافعي، والجماهير: يجب غسل ما ~~أصابه المذي، لا غسل جميع الذكر. # وحكي عن مالك، وأحمد -في رواية عنهما-: إيجاب غسل جميع الذكر؛ لكونه ~~حقيقة في العضو كله، وزاد الإمام أحمد: وجوب غسل الأنثيين أيضا؛ لحديث رواه ~~أبو داود - منقطعا -: في غسله جميع الذكر. # ثم من قال بوجوب غسل الجميع، اختلفوا في معناه: هل هو لتبريد العضو؛ ~~فيضعف المذي، أو هو تعبد؟ وبنوا على ذلك فرعا، وهو وجوب النية لغسله. # إن جعلناه تعبدا، وجبت؛ حيث لا نجاسة على ما زاد على محل خروجه، فليس ~~بإزائه نجاسة، وإنما هو عبادة؛ فافتقر إلى النية؛ كالوضوء. # وعدول جمهور العلماء عن استعمال الحقيقة في الذكر كله نظرا إلى المعنى ~~الموجب للغسل، وهو خروج الخارج، فاقتضى الاقتصار عليه. # ومن جعل الحكمة في غسل جميعه التبريد، اقتضى عدم وجوبه -أيضا- والله ~~أعلم. PageV01P177 # ومنها: وجوب غسل المذي بالماء، ولا يجوز فيه غيره، مما لا يجوز الاستجمار ~~به، في الغائط والبول؛ لكونه نادرا، فأشبه الدم، وهو أصح القولين عند ~~الشافعي - رحمه الله -، والقول الآخر: جوازه؛ قياسا على المعتاد، ويجعل ~~الحديث بالأمر بالغسل: أنه خرج مخرج الغالب المعتاد، فيمن هو في بلد، أو ~~يحمله على الاستحباب. # وقد استدل به من قال: يجب الوضوء على من به سلس البول؛ لكون المذاء: من ~~كثر منه المذي، وقد أمر بالوضوء منه، فكذلك من به سلس البول. # لكن المذاء الذي يكثر مذيه يكون لصحته، وعلته شهوته -غالبا-؛ وقد تكون ~~لمرضه، واسترساله لا يمكن إزالته، وهو نادر، خلاف سلس البول؛ فإنه مرض لا ~~يزول -غالبا- فافترقا، والله أعلم. # ومنها: جواز الاستنابة في الاستفتاء؛ للعذر، سواء كان المستفتي حاضرا، أو غائبا. # ومنها: جواز الاعتماد على الخبر المظنون مع القدرة على المقطوع ms0096 به؛ لأن ~~عليا - رضي الله عنه - اقتصر على قول المقداد مع تمكنه من رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -. # وقد يعترض على ذلك: بأن عليا كان حاضرا مجلس سؤال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، واستحيا أن يكون السؤال منه بنفسه. # وأورد على ذلك: أنه يلزم من قبول قول المقداد من غير أن يكون علي حاضرا ~~مجلس السؤال؛ إثبات خبر الواحد بخبر الواحد. # وجوابه: أن المراد ذكر صورة من صور خبر الآحاد؛ تدل على قبوله، وهي: فرد ~~من أفراده غير منحصرة فيه؛ والحجة تقوم بجملتها؛ لأنه منها، وإلا لكان ذلك ~~إثبات الشيء بنفسه، وهو محال. # لكنه يذكر للتنبيه على أمثاله؛ لا للاكتفاء به، مع أن عليا - رضي الله ~~عنه - إنما أمر المقداد بالسؤال استحياء، لا لأجل قبول خبره، فإن ثبت أن ~~عليا PageV01P178 # - رضي الله عنه - أخذ هذا الحكم عن المقداد من غير حضوره، ولا قرينة ~~أوجبت قبول خبره، ففيه حجة. # ومنها: استحباب حسن العشرة مع الأصهار، وأن الزوج ينبغي له ألا يذكر ما ~~يتعلق بأسباب الجماع ومقدماته، والاستمتاع بالزوجة، بحضرة أبيها، وأخيها، ~~وابنها، وغيرهم من أقاربها. # ولهذا قال علي - رضي الله عنه -: فاستحييت أن أسأل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -؛ لمكان ابنته؛ لأن المذي يكون غالبا حال مداعبة الزوجة، ~~وقبلتها، ونحو ذلك من أنواع الاستمتاع، مع كونه سؤالا عن حكم شرعي، فما ظنك ~~بذكر ذلك لغير حاجة؟! والله أعلم. # ومنها: وجوب الغسل من خروج المني. # ومنها: أن الفرج يراد به شرعا: القبل، ولا شك أنه مأخوذ من الانفراج، في ~~اللغة، فدخل في عمومه: لفظ الدبر، وقد تمسك به الشافعية في انتقاض الوضوء ~~بمسه في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من مس فرجه؛ فليتوضأ" (¬1). # لكن المراد به في حديث المذي: القبل فقط، وإن كان في العرف يغلب استعماله ~~فيه من الرجل والمرأة، فصار فيه الوضع اللغوي، غلبة العرفي؛ فرجح المراد ~~الشرعي منه. # لكن يحتمل أن المخالف في انتقاض الوضوء بمس الذكر، لم يثبت عنده عرف ~~يخالف الوضع العرفي، والله أعلم. ms0097 # ومنها: أنه قد يؤخذ من قوله - صلى الله عليه وسلم - في بعض الروايات ~~المذكورة: "توضأ، وانضح فرجك" جواز تأخير الاستنجاء على الوضوء، وذلك إنما ~~يتم على قول PageV01P179 # من يقول: إن الواو للترتيب؛ وهو مذهب ضعيف. # وقد جوز جماعة من الفقهاء: تأخير الاستنجاء على الوضوء؛ إذا كان بحائل ~~يمنع انتقاض الطهارة، لكن الأفضل أن يستنجي قبل الوضوء، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد، عن زيد بن عاصم المازني - رضي الله ~~عنه - قال: شكي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الرجل يخيل إليه أنه يجد ~~الشيء في الصلاة، قال: "لا ينصرف حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا" (¬1). # أما عباد بن تميم، فهو: ابن أخي عبد الله بن زيد بن عاصم راوي حديث ~~الوضوء، وحديث الاستسقاء، تقدم الكلام عليه: على نسبه، ونسبته، وما يتعلق ~~به من الحديث الثامن من كتاب الطهارة. # وعباد هذا: تابعي، ثقة، متفق على توثيقه. # روي عنه أنه قال: أنا يوم الخندق ابن خمس سنين؛ فأذكر أشياء وأعيها، وكنا ~~مع النساء في الآطام، وما كان من أهل الآطام ينامون إلا عقبا؛ خوفا من بني ~~قريظة أن يغيروا عليهم (¬2). # ومعلوم أن يوم الخندق كان سنة خمس من الهجرة، أو قبله؛ فمقتضى ذلك أن يعد ~~عباد في صغار الصحابة، لا في التابعين، ولم أعلم أن أحدا ذكره فيهم، مع ~~ذكرهم في الصحابة لمحمود بن لبيد، وهو مقاربه، أو أصغر منه، وقد روى عن ~~عباد هذا، وكذلك عبد الله بن الزبير، والنعمان بن بشير معدودان في أصاغر PageV01P180 # الصحابة، وهما أصغر منه، فليتفطن لذلك!! والله أعلم (¬1). # وأما قوله: "شكي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الرجل": فهو -بضم ~~الشين، وكسر الكاف- مبني لما لم يسم فاعله، والرجل: مرفوع. # ولم يذكر هنا الشاكي، وجاء في رواية للبخاري أن السائل هو: عبد الله ابن ~~زيد الراوي. # قال بعض الحفاظ: وينبغي ألا يتوهم بهذا أن شكي مفتوح الشين والكاف، ويجعل ~~الشاكي هو: عمه المذكور؛ فإن هذا الوهم غلط، والله أعلم. ms0098 # وقوله: "يخيل إليه أنه يجد الشيء": المشار إليه بالشيء هو: الحركة التي ~~يظن بها أنها حدث، وليس كذلك. # ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: "حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا": # معناه: يعلم وجود أحدهما، ولا يشترط اجتماع السماع والشم بإجماع ~~المسلمين، ومعناه: حتى يتيقن خروجه. # وهذا الحديث: أصل من أصول الإسلام، وقاعدة من قواعد الفقه، وهي: أن ~~الأشياء يحكم ببقائها على أصولها، حتى يتيقن خلاف ذلك، ولا يضر الشك الطارئ عليها. # والعلماء -فيما نعلم- متفقون على هذه القاعدة، لكنهم مختلفون في كيفية ~~استعمالها: # مثاله: مسألة الباب التي دل عليها الحديث؛ وهي: أن من تيقن الطهارة، وشك ~~في الحديث، حكم ببقائه على الطهارة، سواء حصل الشك في الصلاة، أو خارجها، ~~وهذا مذهب الشافعي، وجمهور علماء السلف والخلف، إعمالا PageV01P181 # للأصل السابق، وهو الطهارة، واطراحا للشك الطارئ، وأجازوا الصلاة في هذه الحال. # وعن مالك - رحمه الله - روايتان: # إحداهما: يلزمه الوضوء مطلقا، وهي محكية عن الحسن البصري، ووجه شاذ عن ~~بعض الشافعية؛ نظرا إلى الأصل قبل الطهارة، وهو ترتب الصلاة في الذمة، فلا ~~تزال إلا بطهارة متيقنة، ولا يقين مع الشك في وجود الحدث. # والثانية: إن كان شكه في الصلاة، لم يلزمه الوضوء وإن كان خارجها، لزمه، ~~وكأنه أخذه من الحديث الذي رواه مسلم في "صحيحه" عن أبي هريرة - رضي الله ~~عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا، ~~فأشكل عليه، أخرج منه شيء، أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا، أو ~~يجد ريحا" (¬1). # وحمل الحديث على العموم في الصلاة إذا كان في المسجد، وأن المراد بالمسجد ~~نفس الصلاة؛ تسمية للصلاة باسم موضعها؛ للزومها إياه. # فالشافعي: اطرح الشك مطلقا، وألغى كل قيد، واعتبر أصل الطهارة الوارد بعد ~~ترتب الصلاة في الذمة، كيف وقد ورد في بعض طرق الحديث: "إن الشيطان ينفخ ~~بين إليتي الرجل" (¬2) تنبيها على إلغاء الشك الحاضر؛ لأجل مناسبة سبب؟ # قال أصحاب الشافعي: ولا فرق في شكه بين تساوي الاحتمالين في وجود PageV01P182 # الحديث، وعدمه، أو ms0099 يرجح أحدهما، ويغلب على ظنه، فلا وضوء عليه، ويستحب أن ~~يتوضأ احتياطا، وإذا توضأ للاحتياط مع دوام الشك، فذمته بريئة. # فلو عدم حدثه بعد ذلك، فهل يجزئه الوضوء المستحب في حال شكه؟ # وجهان: أصحهما عندهم: لا يجزئه؛ لتردده في نيته، والله أعلم. # أما إذا تيقن الحدث، وشك في الطهارة، فإنه يلزمه الوضوء بإجماع المسلمين. # أما إذا تيقن وجودهما بعد طلوع الشمس -مثلا-، ولا يعرف السابق منهما، ولا ~~حاله قبل طلوع الشمس؛ لزمه الوضوء. # وإن عرف حاله قبلهما، فأوجه: # أظهرها: أن حكمه الآن بضد ما قبل طلوع الشمس، فإن كان متطهرا قبلها، فهو ~~الآن محدث، وإن كان محدثا، فهو الآن متطهر. # والثاني: -وهو الصحيح عند جماعة المحققين- أنه يلزمه الوضوء بكل حال. # والثالث: يبني الأمر على ما يغلب على ظنه. # والرابع: يكون كما كان قبل طلوع الشمس، وهو غلط؛ لأنه حكم بحالة تيقن ~~بطلانها بما وقع بعدها، والله أعلم. # ومن مسائل القاعدة التي اشتمل عليها معنى الحديث: # من شك في طلاق زوجته، أو عتق عبده، أو نجاسة الماء الطاهر، أو طهارة ~~النجس، أو نجاسة الثوب، أو غيره، أو أنه صلى ثلاثا، أم أربع ركعات، أو أنه ~~ركع وسجد، أم لا، أو نوى الصوم، أو الوضوء أو الاعتكاف، وهو في أثناء هذه ~~العبادات، وما أشبه هذه الأمثلة: # فكل هذه الشكوك لا تأثير لها، والأصل عدم الحادث، والله أعلم. # ومن أحكام الحديث: # شرعية سؤال العلماء عما يحدث من الوقائع، وجواب السائل، والله أعلم. PageV01P183 ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن أم قيس بنت محصن الأسدية - رضي الله عنها -: أنها أتت بابن لها صغير؛ ~~لم يأكل الطعام، إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأجلسه رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - في حجره، فبال على ثوبه؛ فنضحه بماء، ولم يغسله (¬1). # وعن عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها -، قالت: أتي رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بصبي، فبال على ثوبه؛ فدعا بماء، فأتبعه إياه (¬2). # ولمسلم: فأتبعه بوله، ولم يغسله (¬3). # أما أم قيس: فلا اسم لها غير كنيتها، وهي: أخت ms0100 عكاشة بن محصن ابن حرثان ~~بن قيس بن مرة بن كثير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة. # أسلمت قديما بمكة، وهاجرت إلى المدينة، وكانت من المبايعات. # روي لها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أربعة وعشرون حديثا؛ اتفقا ~~منها على حديثين. # روى عنها من الصحابة: وابصة بن معبد، وجماعة من التابعين، وروى لها أصحاب ~~السنن، والمساند (¬4). # وأما قوله: "الأسدية"، -بفتح الهمزة، والسين المهملة- فنسبة إلى أسد ابن ~~خزيمة، وهي نسبة -أيضا- إلى أسد في قريش: أسد بن عبد العزى بن قصي بن PageV01P184 # مالك، وأسد في مذحج: أسد بن مسلمة بن عامر، وأسد بن عبد مناة بن عائذ ~~الله بن سعد العشيرة، وفي الأسد -أيضا-: أسد بنو أسد بن حرب بن عتيك. # وتشتبه هذه النسبة بالأسدي -بسكون السين، مبدلة من الزاي- نسبة إلى أزد ~~شنوءة؛ كذا قاله السمعاني، وحكى عن ابن السكيت، وغيره؛ أنه يقال فيه: الأزد ~~-بالزاي، والسين- لغتان، منهم من الصحابة: ابن بحينة، وابن اللتبية. # وأما ألفاظه: # فقولها: "في حجره": هو بفتح الحاء المهملة، وكسرها؛ لغتان مشهورتان. # وأما حقيقة النضح: فهو أن يغمر الشيء الذي أصابه البول بالماء؛ كسائر ~~النجاسات؛ بحيث لو عصر لا يعصر، قاله أبو محمد الجويني، والقاضي حسين، ~~والبغوي. # والذي قاله إمام الحرمين، والمحققون: إن النضح أن يغمر، ويكاثر بالماء ~~مكاثرة لا تبلغ جريان الماء، وتردده، وتقاطره، بخلاف المكاثرة في غيره؛ ~~فإنه يشترط فيها: أن يكون بحيث يجري بعض الماء، ويتقاطر من المحل، إن لم ~~يشترط عصره (¬1). # ويدل عليه قولها: "فنضحه، ولم يغسله"، وقولها في رواية في "صحيح مسلم": ~~"فدعا بماء، فرشه" (¬2). # أما أحكامه ومعانيه: # فلا شك أن بول الصبي الذي لم يطعم نجس، وقد نقل بعض أصحاب الشافعي ~~الإجماع على نجاسته. # وقال: لم يخالف فيه إلا داود الظاهري، ومن جوز نضحه؛ فللتخفيف في PageV01P185 # إزالته، لا لكونه ليس بنجس، وحكاية ابن بطال، ثم القاضي عياض، عن الشافعي ~~وغيره أنهم قالوا: هو طاهر وينضح باطلة قطعا. # ولا خلاف في مذهب الشافعي في جواز نضحه؛ وهو قول علي بن ms0101 أبي طالب - رضي ~~الله عنه -، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن ~~راهويه، وابن وهب من أصحاب مالك، وروي عن أبي حنيفة؛ عملا بهذا الحديث. # والفرق بينه وبين الصبية في الحديث الآخر: "يغسل بول الجارية، وينضح بول ~~الغلام؛ ما لم يطعم" رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، من رواية علي - ~~رضي الله عنه - مرفوعا، وقال الترمذي: حديث حسن (¬1). # وقد حكى صاحب "التتمة" (¬2) من أصحاب الشافعي، ثلاثة أوجه فيهما: # أحدها: يغسل منهما. # والثاني: ينضح منهما. # والثالث: التفرقة بينهما؛ وهو الصحيح، والوجهان الأولان شاذان ضعيفان. # وممن قال بوجوب الغسل منهما: مالك، وأبو حنيفة -في المشهور عنهما-، وأهل ~~الكوفة، وكأنهم اتبعوا القياس على سائر النجاسات، ولم يبلغهم الحديث، أو ~~بلغهم، وأولوا الحديث في قوله: "ولم يغسله" على أنه: لم يغسله غسلا مبالغا ~~فيه كغيره، فسمي الأبلغ: غسلا، والأخف: نضحا؛ وهو خلاف الظاهر، يحتاج إلى ~~دليل يقاوم هذا الظاهر، ويبعده التفرقة بين النضح والغسل في الحديث ~~المذكور؛ وهي تقتضي المغايرة، واعتل بعضهم في هذا: بأن بول الصبي يقع في ~~محل واحد، وبول الصبية يقع منتشرا؛ فيحتاج من صب الماء في PageV01P186 # مواضع متعددة ما لا يحتاج إليه في بول الصبي. # وربما حمل بعضهم لفظ النضح في بول الصبي على الغسل، وهو ضعيف؛ لنفي ~~الغسل، والتفرقة بينهما في الحديثين. # والمعنى في التفرقة بينهما: أن النفوس أعلق بالذكور من الإناث؛ فيكثر حمل ~~الذكر؛ فناسب التخفيف بالاكتفاء بالنضح، ودفعا للعسر والحرج، بخلاف الإناث. # وقيل غير ذلك؛ وهو ركيك؛ من حيث إن كثافة النجاسة ورقتها لا أثر لها في ~~عدم الوجوب، ولا التخفيف في الشرع؛ وإنما المعتبر في ذلك: عموم الابتلاء ~~به، وعدمه، والله أعلم. # وفي الحديث دليل على: استحباب حمل الأطفال إلى الصالحين؛ ليحنكوهم، ~~ويبركوهم، ويدعوا لهم؛ ولا فرق في استحباب حمله إليهم حال الولادة، وبعدها. # وفيه: الندب إلى اللين، وحسن المعاملة، والمعاشرة، والتواضع، والرفق مع ~~الصغار، والضعفاء. # وفيه: التبرك بأهل الصلاح والفضل (¬1). # وفيه: وجوب غسل بول الصبي إذا طعم؛ وهذا لا خلاف فيه. ms0102 # وفيه: الندب إلى حمل الأذى، وما يعرض له منه. # وفيه: جبر قلوب الكبار؛ بإكرام أطفالهم، وإجلاسهم في الحجر، وعلى الركبة، ~~ونحو ذلك. # وفيه: طلب الماء إذا عرض له حاجة به، والله أعلم. # * * * PageV01P187 ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: جاء أعرابي، فبال في طائفة المسجد، ~~فزجره الناس، فنهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما قضى بوله، أمر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بذنوب من الماء؛ فأهريق عليه (¬1). # تقدم الكلام على أنس - رضي الله عنه -، في أول باب الاستطابة. # وأما الأعرابي: فهو: منسوب إلى الأعراب؛ وهم سكان البوادي، ووقعت النسبة ~~إلى الجمع دون الواحد؛ لأنه جرى مجرى القبيلة؛ كأنمار. # ولو نسب إلى المفرد؛ وهو عرب، لقيل: عربي، فيقع فيه الاشتباه بالعربي، ~~وهو كل مولود من ولد إسماعيل - صلى الله عليه وسلم -؛ سواء كان من أهل ~~البادية، والقرى، وهو غير المعنى الأول. # وطائفة المسجد: ناحيته. # والمسجد -بكسر الجيم- كالمجلس: لموضع السجود، ويجوز بفتحها، وقيل: الفتح ~~لموضع الجبهة فقط، ويقال له في لغة: مسيد، بالياء بدل الجيم (¬2). # [وقال الزهري: المسجد -بالكسر-: اسم جامع حيث يسجد عليه، ومنه رحب لا ~~يسجد بعد أن يكون اتخذ لذلك، فأما المسجد -بالفتح- من الأرض لموضع السجود ~~نفسه ونحو ذلك] (¬3). # والذنوب -بفتح الذال، وضم النون-، وهي: الدلو المملوءة ماء. PageV01P188 # وإنما زجر الناس الأعرابي؛ لكونهم اعتقدوه منكرا، فبادروا إلى منعه لما ~~فيه من تنزيه المسجد عن الأنجاس، لكنه فاتهم النظر إلى أن منعه، وقطعه عليه ~~يؤدي إلى الضرر به، وزيادة التنجيس لمكان آخر من المسجد؛ فلهذا نهاهم - صلى ~~الله عليه وسلم - عن زجره، بخلاف ما إذا تركه حتى يفرغ؛ فإن الرشاش لا ينتشر. # وفي هذا الحديث: نجاسة بول الآدمي، وهو مجمع عليه، ولا فرق فيه بين ~~الصغير والكبير؛ لكن بول الصغير فيه النضح، وتقدم بيانه. # وفيه: احترام المسجد، وتنزيهه عن الأقذار. # وفيه: أن الأرض تطهر بصب الماء عليها؛ ولا يشترط حفرها، ونقل التراب، ~~وهذا مذهب الشافعي، والجمهور. # وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: لا تطهر إلا بحفرها. # وفيه: ms0103 مكاثرة الأرض النجسة بالماء، وأنه لا يتحدد بشيء، قيل: إنه يكون ~~سبعة أمثال البول. # وفيه: أن الماء إذا كان واردا على النجاسة؛ طهرها، وأنه لا يشترط العصر؛ ~~بل يكفي نضوب الماء. # وفيه: الرفق بالجاهل في التعليم؛ وأنه لا يؤذى، ولا يعنف إذا لم يأت ~~بالمخالفة استخفافا وعنادا. # وفيه: دفع أعظم الضررين باحتمال أخفهما؛ لأن البول في المسجد مفسدة، ~~وزجره؛ لقطعه عليه، وضرره، وتعديد مواضع التنجيس في بدنه، وموضعه؛ مفسدة ~~أكثر من الأولى، فاحتمل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك؛ ترجيحا لأخف ~~المفسدتين على أعظمهما، والله أعلم. # * * * PageV01P189 ### ||| AUTO الحديث الخامس # عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يقول: "الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظافر، ~~ونتف الإبط" (¬1). # أما أبو هريرة: فتقدم. # وأما قوله: "الفطرة خمس"، فظاهره الحصر في الخمس؛ كما يقال: العالم في ~~البلد زيد، إلا أن الحصر في مثل هذا تارة يكون حقيقيا، وتارة يكون مجازيا. # فالحقيقي: ما ذكرناه، إذا لم يكن في البلد غيره. # والمجازي: مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الدين النصيحة" (¬2)؛ كأنه ~~بولغ في النصيحة إلى أن جعل الدين إياها، وإن كان في الدين خصال أخرى غيرها. # وقد ثبت عدم الحصر لخصال الفطرة في غير هذه الرواية؛ وهي: قوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "خمس من الفطرة"، وفي "صحيح مسلم"، وغيره: "عشر من ~~الفطرة" (¬3)؛ وذلك أدل دليل، وأصرح في عدم الانحصار في الخمس والعشر، ~~والله أعلم. # وأما الفطرة؛ فالمراد بها هنا: السنة؛ لأنها جاءت مفسرة في "صحيح ~~البخاري" من رواية ابن عمر - رضي الله عنهما -، عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "من السنة: قص الشارب، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر" (¬4). PageV01P190 # وأصح ما فسر به الحديث بما ثبت في رواية أخرى؛ لا سيما في "صحيح ~~البخاري". # وقال الماوردي، والشيخ أبو إسحق الشيرازي - رحمه الله -: المراد بالفطرة ~~هنا: الدين. # الأول: هو الصحيح، ثم إن معنى الحديث: أن هذه الخصال من سنن الأنبياء ~~الذين يقتدى بهم - عليهم الصلاة والتسليم -. # قال الخطابي - رحمه الله ms0104 -: وأول من أمر بها من الأنبياء - صلوات الله ~~وسلامه عليهم -: إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -، وهو معنى قوله تعالى: ~~{وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن} [البقرة: 124]. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: بهؤلاء الخصال، فلما فعلهن، قال الله ~~تعالى: {قال إني جاعلك للناس إماما} [البقرة: 124]؛ أي: يقتدى بك، ويستن ~~بسنتك (¬1). # والفطرة تنصرف في كلام العرب على وجوه: # أحدها: الفطرة: مصدر فطر الله الخلق؛ أنشأه، والله فاطر السماوات والأرض؛ ~~أي: خالقها. # والفطرة: بمعنى الجبلة التي خلق الله الناس عليها، وجبلهم على فعلها. # وأما الفطرة، في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "كل مولود يولد على ~~الفطرة" (¬2)، فقال أهل اللغة: هي خلقه لهم، وقيل: الإيمان بالله الذي كان ~~أقر به لما أخرجه من ظهر آدم. PageV01P191 # والفطرة: زكاة الفطر. # ذكر هذه الوجوه أبو عبد الله محمد بن جعفر التميمي المعروف بالقزاز، في ~~كتاب "تفسير غريب البخاري" (¬1). # قال شيخنا أبو الفتح القاضي: وأولى الوجوه أن تكون الفطرة ما جبل الله ~~الخلق عليه، وجبل طاعتهم على فعله؛ وهي: كراهة ما في جسده مما هو ليس من ~~زينته (¬2). # والختان: قطع الجلدة التي تغطي الحشفة؛ وهي: كمرة للذكر من الصبي، ومن ~~الجارية قطع جزء يسير من الجلدة التي في أعلى فرجها. # يقال: ختن الصبي، يختنه -بكسر التاء، وضمها-، ختنا -بإسكان التاء-. # وهو واجب عند معظم العلماء، ولا يمتنع عطف غير الواجب على الواجب؛ كعكسه ~~في قوله تعالى: {كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: ~~141]؛ فالإيتاء واجب، والأكل ليس بواجب. # والاستحداد: استفعال من الحديد؛ وهو: إزالة شعر العانة؛ وهو آلة منه، ~~يسمى الموسى، ويجوز إزالته بغير ذلك من القص، والنتف، والنورة، لكن السنة ~~حلقه، هو الذي دل عليه هذا الحديث. # ثم العانة: الشعر فوق ذكر الرجل، وحواليه، وكذلك الشعر حول فرج المرأة. # ونقل عن أبي العباس بن سريج - رحمه الله -: أنه الشعر النابت حول حلقة الدبر. # فيحصل من مجموع هذا: حلق جميع ما على القبل، والدبر، وحولهما. # وأما وقت حلقه، فالمختار: أنه يضبط بالحاجة وطوله، فإذا ms0105 طال، حلق، PageV01P192 # وكذلك الضبط في قص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط، وحلق العانة. # ويستحب ألا يتجاوز بتركه أكثر من أربعين ليلة؛ لحديث أنس - رضي الله عنه ~~- قال: وقت لنا في قص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط، وحلق العانة؛ أن ~~لا نترك أكثر من أربعين ليلة، رواه مسلم في "صحيحه" (¬1). # وقص الشارب: سنة؛ وهو مخير بين القص بنفسه، وبين أن يولي ذلك غيره؛ لحصول ~~المقصود من غير هتك مروءة، ولا حرمة؛ بخلاف العانة. # ويستحب البداءة بقص الجانب الأيمن. # والقص في الحديث مطلق؛ ينطلق على إحفائه، وعلى ما دون ذلك. # واستحب بعض العلماء إزالة ما زاد على الشفة، قالوا: وهو المختار، ولا ~~يحفه من أصله، وفسروا به قوله - عليه السلام -: "أحفوا الشوارب" (¬2). # وقوم يرون: إنهاك الشفة، وإزالة جميع الشعر، ويفسرون به الإحفاء، فاللفظ ~~يدل على الاستقصاء، ومنه: إحفاء المسألة، وفي بعض الروايات: "أنهكوا ~~الشوارب" (¬3). # والأصل في الأمر بقصها، وإحفائها: مخالفة زي الأعاجم، وورد ذلك منصوصا في ~~"الصحيح". # وزوالها أبلغ في النظافة في مدخل الطعام والشراب، وأنزه من وضر الطعام. # وتقليم الأظافر: قطع ما طال على اللحم منها. PageV01P193 # وهو تفعيل من: القلم، والفعل منه: قلم -مشددا-، والقلامة: ما يقطع من ~~الظفر (¬1). # وله معنيان: # أحدهما: تحسين الهيئة، والزينة، وإزالة القباحة في طول الأظافر. # والثاني: أنه أقرب إلى تحصيل الطهارة الشرعية على أكمل الوجوه؛ لما عساه ~~يحصل تحتها من الوسخ المانع من وصول الماء إلى البشرة، وهذا إنما يكون: إذا ~~طالت طولا فاحشا، أما إذا لم تطل طولا فاحشا؛ فإنها لا تمنع وصول الماء إلى ~~البشرة، ويعفى عن يسير الوسخ تحتها. # وتقليم الأظافر ليس بواجب؛ ويستحب أن يبدأ باليمين، وباليدين قبل ~~الرجلين: # فيبدأ بمسبحة يده اليمنى، ثم الوسطى، [ثم البنصر]، ثم الخنصر، ثم ~~الإبهام. # ثم يعود إلى اليسرى، فيبدأ بخنصرها، ثم بنصرها، إلى آخرها. # ثم يعود إلى الرجل اليمنى، فيبدأ بخنصرها، ويختم بخنصر اليسرى. # والقلم معناه: القطع، ويحصل بأي آلة؛ من مقص، وسكين، ويكره بالأسنان. # ويستحب دفن قلامة الظفر، وشعر الإبط، والعانة، اتفق عليه أصحاب ms0106 الشافعي، ~~ونقلوه عن ابن عمر - رضي الله عنهما -. # وأما نتف الإبط، فهو: إزالة شعرها بالنتف، ويحصل أيضا بالحلق، والنورة؛ ~~لكن الأفضل: ما دلت عليه السنة، وهو النتف؛ ولعل السبب فيه: أن الشعر يقوى ~~أصله بحلقه، ويغلظ جرمه. PageV01P194 # ولهذا يصف الأطباء: تكرار الحلق للشعر الذي تزداد قوته في مواضعه، فالإبط ~~إذا قوي شعره، وغلظ؛ كان أفوح للرائحة الكريهة منه، بخلاف العانة؛ فإنها لا ~~يظهر فيها ما يظهر في الإبط مما ذكرنا، والاستحداد فيها: أيسر، وأخف على ~~الإنسان، من غير معارض. # ودخل يونس بن عبد الأعلى على الشافعي - رحمه الله -، وعنده المزين يحلق ~~إبطه، فقال الشافعي: علمت أن السنة النتف؛ ولكن لا أقوى على الوجع (¬1). # ويستحب أن يبدأ بالإبط الأيمن، والله أعلم. # أما الأحكام: # فالختان: واجب عند الشافعي، وكثير من العلماء. # وسنة عند مالك، وأكثر العلماء، وتمسكوا في ذلك: # بأن الفطرة مفسرة بالسنة، وهي صريحة في غير الواجب؛ لأنها تذكر في ~~مقابلته. # وبأن قرائن الختان مستحبان؛ فكذلك هو. # لكن كون السنة تذكر في مقابلة الواجب وضع اصطلاحي؛ لأجل الفقه، وهي في ~~الوضع اللغوي: الطريقة، وهي في ذلك تكون واجبة، أو مندوبة. # ويجوز عطف غير الواجب على الواجب، وعكسه؛ كما تقدم. # كيف، والأدلة فيه قوية؛ من حيث عموم الكتاب العزيز، بالأمر باتباع ~~إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -، وقد ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - اختتن ~~بالقدوم، وهو ابن ثمانين سنة (¬2). PageV01P195 # والأصل في الأمر الوجوب، ولا يلزم من استعمال اللفظ عند اقترانه ~~بالمندوب، ألا يفيد الوجوب في بعض مدلولاته؛ خصوصا إذا قوي بدليل من خارج. # كيف ودلالة الاقتران ضعيفة؟ # خصوصا إذا استقلت الجمل، ولا يلزم من استمرار استعماله في الندب في هذا ~~الزمن، أن يكون الماضي كذلك؛ لكون الأصل عدم التغيير. # كيف ومن قال بأنه سنة معارض، بقول من قال: إنه واجب؟ # والأصل عدم التغيير، فتعود الحال إلى الأصل، وهو الأمر بالاتباع، وهو ~~للوجوب، فلا يكون للندب إلا بدليل من خارج، ولا دليل، والله أعلم. # ثم هو واجب على الرجال والنساء جميعا، وهو في ms0107 حال الصغر جائز، وليس بواجب. # وقيل: يجب على الولي أن يختن الصغير قبل بلوغه. # وقيل: يحرم ختانه قبل عشر سنين. # لكن الصحيح: أنه يستحب للولي ختانه يوم سابعه، وهل يحسب يوم ولادته من ~~السبعة، أم لا؟ وجهان: أصحهما: يحسب، ولو كان خنثى مشكلا، لم يجز ختانه في ~~فرجه حتى يتبين، على الأظهر. # وقيل: يجب فيهما بعد البلوغ. # ولو كان له ذكران عاملان، وجب ختانهما، واعتبار العمل فيهما بالبول ~~والجماع وجهان. # ولو كان أحدهما عاملا دون الآخر، إما بالبول، أو الجماع: ختن العامل. # ولو مات غير مختون، لم يختن، على الصحيح، صغيرا كان أو كبيرا. # وقيل: يختنان، وقيل: يختن الكبير دون الصغير، والله أعلم. # وفيه: وجوب نقل ما سمع من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وضبطه، وألا ~~يتجاوزه، وأن ذلك PageV01P196 # لا يمنع رواية ما سمعه غيره، وضبطه زيادة على ما رواه هو، بل الزيادة من ~~الثقة مقبولة؛ إذا لم تخالف ما رواه. # فإنه روي: خمس من الفطرة، وعشر من الفطرة؛ وعمل العلماء بها من غير ~~اختلاف، ولا إنكار، والله أعلم. # وفيه: تبين العلم، وهل هو مجتهد فيه، أو منقول عن غيره؟ # فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في بعض طرقه: "عشر من سنن ~~المرسلين" (¬1). # وتقدم باقي أحكامه في ألفاظه ومعانيه. # * * * PageV01P197 ### || AUTO باب الجنابة ### ||| AUTO الحديث الأول # عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لقيه في ~~بعض طرق المدينة، وهو جنب: فانخنست منه، فذهبت، فاغتسلت، ثم جئت، فقال: ~~"أين كنت يا أبا هريرة؟ " قال: كنت جنبا، فكرهت أن أجالسك وأنا على غير ~~طهارة، قال: "سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس" (¬1). # الجنابة: دالة على معنى البعد، ومنه قوله تعالى: {والجار الجنب} [النساء: 36]. # وعن الشافعي - رضي الله عنه -: أنه إنما سمي جنبا، من المخالطة. # ومن كلام العرب: أجنب: إذا خالط امرأته. # فعلى هذا يكون من الأضداد، وهو أن اللفظ يستعمل في الضدين في المعنى؛ ~~كالقرب والبعد، ولأن مخالطتها يلزم منها حصول الجنابة، أو مؤدية إليها، ~~التي معناها البعد ms0108 (¬2). # وأما المدينة: فهي مدينة النبي - صلى الله عليه وسلم -. PageV01P198 # ولها أسماء: المدينة، والدار؛ لأمنها والاستقرار بها. # وطيبة، وطابة؛ من الطيب؛ وهي الرائحة الحسنة، والطاب، والطيب: لغتان. # وقيل: من الطيب، وهو الطاهر؛ لخلوصها من الشرك، وطهارتها. # وقيل: من طيب العيش بها. # وفي "صحيح مسلم": أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الله تعالى ~~سمى المدينة طابة" (¬1). # ويقال لها: يثرب، والعذراء، وجابرة، والمجبورة، والمحبة، والمحبوبة، ~~والقاصمة؛ لأنها قصمت الجبابرة، ولم تزل عزيزة في الجاهلية، تمنعت على ~~الملوك السالفة، وغيرهم، أعزها الله تعالى برسوله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وقيل: لم يعبد بها صنم قط. # ثم اعلم: أن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى؛ ولهذا كثرت أسماء الله ~~تعالى، وأسماء رسوله - صلى الله عليه وسلم -. # واعلم أن الأصوليين اختلفوا في أن: الاسم غير المسمى، أو هو هو، وذلك في ~~غير اسم الله تعالى، وأما الله - سبحانه وتعالى -، فلا يجوز إطلاق ذلك ~~عليه؛ بل هو -سبحانه- واحد في ذاته، وصفاته، ومخلوقاته، وذاته. # وأسماؤه قديمة، لا يقال: هذا هذا، ولا هذا غير هذا؛ بل نطلقه كما أطلقه ~~سبحانه، لا إله إلا هو، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا. # وقوله: "فانخنست"؛ أي: انقبضت راجعا. # والانخناس: الانقباض، والرجوع، يقال: خنس، لازما ومتعديا، فمن PageV01P199 # اللازم: ما جاء في الحديث في ذكر الشيطان: "فإذا ذكر الله خنس" (¬1)، ومن ~~المتعدي: ما جاء في الحديث أيضا: "وخنس إبهامه" (¬2)؛ أي: قبضها. # وقيل: يقال: أخنسه في المتعدي، ذكره صاحب "مجمع البحرين" (¬3). # ورويت هذه اللفظة: "فانبجست" (¬4)؛ من الانبجاس -بالجيم-: وهو الاندفاع؛ ~~أي: اندفعت عنه، ويؤيده ما جاء في حديث آخر، وهو قوله: "فانسللت منه" (¬5). # وروي -أيضا-: "فانبخست" (¬6) -بالخاء-؛ من البخس، وهو: النقص؛ كأنه - رضي ~~الله عنه - اعتقد نقصان نفسه بجنابته، عن مجالسة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، أو مصاحبته؛ لاعتقاد نجاسة نفسه. # وفي لفظ البخاري: "فانسلت" (¬7)، وفي لفظ مسلم: "فانسل" (¬8). # وروي: "فانبجست" -بالجيم، والشين المعجمة-، وهو: الإسراع (¬9). # وقوله: "كنت جنبا"؛ أي: ذا جنابة. # وهذه اللفظة تقع على الواحد المذكر، والمؤنث، والاثنين، والجمع ms0109 بلفظ PageV01P200 # واحد، قال تعالى في الجمع: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} [المائدة: 6]، وقال ~~بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إني كنت جنبا" (¬1). # وقد يقال: جنبان، وجنبون، وأجناب. # قوله: "فكرهت أن أجالسك، وأنا على غير طهارة"، إنما كره ذلك؛ لاعتقاده ~~نجاسة الجنب؛ ولهذا قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "سبحان الله! إن ~~المؤمن لا ينجس"؛ تعجبا من اعتقاده، وإعلامه بالحكم في عدم نجاسة الجنب، ~~وإن كان المستحب أن يكون الإنسان على طهارة في ملابسة الأمور المعظمة، لكن ~~اعتقاد النجاسة أعظم مفسدة من مراعاة لمصلحة مستحبة. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "سبحان الله"؛ تنزيه لله تعالى، منصوب نصب ~~المصدر، أريد به هنا، وأمثاله: التعجب. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن المسلم لا ينجس"؛ هو -بضم الجيم، ~~وفتحها- لغتان، فيقال في الماضي: نجس، و [نجس]-بكسر الجيم، وضمها-، فمن ~~كسرها في الماضي، فتحها في المضارع، ومن ضمها في الماضي، ضمها في المضارع ~~-أيضا-؛ وهو قياس يطرد عند أهل العربية، إلا أحرفا مستثناة، من ذلك (¬2). # وأما الأحكام: # ففيه: دليل على طهارة المسلم حيا، أو ميتا: # وأما الحي: فهو طاهر بإجماع المسلمين. # حتى الجنين إذا ألقته أمه، وعليه رطوبة فرجها، قال بعض أصحاب الشافعي: هو ~~طاهر بإجماع المسلمين، قال: ولا يجيء فيه الخلاف المعروف PageV01P201 # في نجاسة رطوبة فرح المرأة، والخلاف في كتب الشافعية في نجاسة بيض ~~الدجاج، ونحوه؛ فإن فيه وجهين؛ بناء على رطوبة الفرج. # وأما الميت المسلم: فاختلف العلماء فيه، وللشافعي قولان؛ الصحيح: أنه ~~طاهر، ولهذا غسل؛ ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن المسلم لا ينجس". # ذكره البخاري في "صحيحه"، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - تعليقا: ~~"المسلم لا ينجس حيا، ولا ميتا" (¬1). # وأما الآدمي الكافر: فحكمه في الطهارة والنجاسة حكم المسلم، وهو مذهب ~~جمهور العلماء. # وبعض أهل الظاهر يرى: أن المشرك نجس في حال حياته؛ أخذا بظاهر قوله ~~تعالى: {إنما المشركون نجس} [التوبة: 28]. # ويقال للشيء: نجس؛ بمعنى أن: عينه نجس، ويقال: نجس: بإضافة النجاسة له، ~~ويجب حمله على المعنى الأول؛ هو: أن عينه لا ms0110 تصير نجسة؛ لإمكان نجاسته ~~بإصابة النجاسة. # ويجاب عن الآية الكريمة: بأن المراد نجاسة الاعتقاد، والاستقذار؛ لا أن ~~أعضاءهم نجسة؛ كنجاسة البول والغائط، ونحوهما. # فإذا ثبت طهارة الآدمي، مسلما كان أو كافرا، فعرقه، ولعابه، ودمعه ~~طاهرات، سواء كان: محدثا، أو جنبا، أو حائضا ونفساء؛ وهذا كله بإجماع ~~المسلمين، كما تقدم. # وكذلك الصبيان: أبدانهم، وثيابهم، ولعابهم؛ محمولة على الطهارة، حتى PageV01P202 # تتيقن النجاسة، فتجوز الصلاة في ثيابهم، والأكل معهم من المائع إذا غمسوا ~~أيديهم فيه، والله أعلم. # وفيه: دليل على احترام أهل الفضل، وتوقيرهم في مجالستهم، ومصاحبتهم، وأن ~~يكون على أكمل الهيئات، وأحسن الصفات. # ويستحب لطالب العلم: أن يحسن حاله مع شيخه في المجالسة؛ بأن يكون متطهرا، ~~متنظفا بإزالة الشعور المأمور بإزالتها، وقص الأظافر، وإزالة الروائح ~~الكريهة، والملابس المكروهة، وغير ذلك؛ فإن ذلك من إجلال العلم والعلماء. # وفيه: أن العالم إذا رأى من تابعه أمرا يخالف الشرع؛ من قول، أو فعل، أو ~~اعتقاد؛ أن يرشده إليه، ويبين له الصواب. # وفيه: جواز التعجب، بسبحان الله! وأن ذلك لا يعد سوء أدب مع التنزيه؛ ~~وكأنه في المعنى: تذكير لمن يعجب من فعله المخالف؛ بالرجوع إلى الله تعالى، ~~وتنزيهه، والله تعالى أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني والثالث # عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إذا اغتسل من الجنابة، غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل ~~بيديه شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته؛ أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم ~~غسل سائر جسده. # وقالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إناء واحد، ~~نغترف منه جميعا (¬1). PageV01P203 # وعن ميمونة بنت الحارث زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، قالت: وضع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وضوء الجنابة؛ فأكفأ بيمينه على يساره مرتين، ~~أو ثلاثا، ثم غسل فرجه، ثم ضرب يده بالأرض، أو بالحائط مرتين، أو ثلاثا، ثم ~~تمضمض واستنشق، وغسل وجهه، وذراعيه، ثم أفاض على رأسه الماء، ثم غسل جسده، ~~ثم تنحى فغسل رجليه؛ فأتيته بخرقة، فلم ms0111 يردها؛ فجعل ينفض الماء بيديه (¬1). # تقدم الكلام على عائشة - رضي الله عنها -. # وأما ميمونة: # فهي أم المؤمنين بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم بن ذؤيبة بن عبد ~~الله بن هلال بن عامر بن صعصعة، الهلالية، أخت أم الفضل امرأة العباس بن ~~عبد المطلب، أم عبد الله بن عباس. # تزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنة ست من الهجرة، وكان اسمها ~~برة، فسماها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ميمونة. # روي لها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ستة وأربعون حديثا، اتفق ~~البخاري ومسلم على سبعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بخمسة. # روى عنها عبد الله بن عباس، وجماعة من التابعين، وروى لها أصحاب السنن ~~والمساند المشهورة. # وماتت سنة إحدى وخمسين في ولاية معاوية -على المشهور-، وقيل غيره. # وصلى عليها ابن عباس، ودخل قبرها هو وغيره من أبناء أخواتها، وغيرهم، ~~ودفنت بسرف على أميال مختلف فيها من مكة، أشهرها: عشرة أميال (¬2). PageV01P204 # أما ألفاظ حديث عائشة - رضي الله عنها -: # فقولها: "كان إذا اغتسل من الجنابة"؛ وصيغة (كان) تقتضي تكرار فعله؛ أي: ~~وكان عادته؛ كقول ابن عباس: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجود ~~الناس بالخير (¬1)، ويقال: كان فلان يقري الضيف. # وقد تستعمل؛ لإفادة مجرد الفعل ووقوعه دون الدلالة على التكرار. # والأول أكثر في الاستعمال، وعليه ينبغي حمل قول عائشة - رضي الله عنها -. # وقولها: "إذا اغتسل من الجنابة"؛ يحتمل أن تقدر له الإرادة؛ فيكون من باب ~~التعبير بالفعل عن ارادته؛ كما في قوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ ~~بالله} [النحل: 98]. # ويحتمل أن تريد به ملابسة الفعل بالشروع فيه؛ فإنه يقال: فعل كذا؛ إذا ~~شرع فيه، وإذا فرغ منه؛ فيكون حمله على الشروع صحيحا، ويكون وقتا للبداءة ~~بغسل اليدين. # بخلاف قوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله} [النحل: 98]؛ فإنه لا ~~يمكن وقت الشروع في القرآن أن يكون وقت الاستعاذة، فلا يكون حمله عليه ~~صحيحا؛ فيتعين حمله على الإرادة دون الشروع، والله أعلم. # وقولها: "من الجنابة"؛ في من -هاهنا- معنى: السببية، مجاز ms0112 عن ابتداء ~~الغاية من حيث إن السبب مصدر المسبب، ومنشئا له. # وتكون الجنابة -هاهنا- بمعنى: الأمر الحكمي الذي ينشأ عن التقاء ~~الختانين، أو الإنزال. PageV01P205 # قولها: "غسل يديه"؛ هذا الغسل قبل إدخال اليدين في الإناء، وقد بين ذلك ~~مصرحا به من رواية سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. # وقولها: "ثم توضأ وضوءه للصلاة"؛ ظاهره أنه وضوء كامل، ولما كان وضوء ~~الصلاة له صورة معنوية في الذهن؛ شبه هذا الوضوء به؛ ليطابقه به في الفعل، ~~لكنه مقيد بابتداء غسل الجنابة، ولا يلزم منه كونه وضوءا للصلاة حقيقة. # وقولها: "ثم اغتسل"؛ يعني: على ما هو مشروع معلوم عندكم، ثم ذكرت بعض ~~صفاته؛ فقالت: "ثم يخلل بيديه شعره"؛ فحقيقة التخليل: إدخال الأصابع فيما ~~بين أجزاء الشعر، لكن هل يكون مع بلل الأصابع بغير نقل ماء، أو بنقل ماء؟ # الراجح: أنه مع نقل الماء؛ للرواية الواردة في "صحيح مسلم": "ثم يأخذ ~~الماء، فيدخل أصابعه في أصول شعره" (¬1). # وفي "سنن النسائي" في حديث عائشة ما يبين أنه يخلل شعره بالماء، وبوب ~~عليه: باب تخليل الجنب رأسه، فقالت فيه: "كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يشرب رأسه، ثم يحثي عليه ثلاثا" (¬2). # وهاتان الروايتان: رد على من قال: يخلل شعره بيديه مبلولة دون ماء، فلا ~~يقال: شربت بدون ماء. # وقولها: "حتى ظن أنه أروى بشرته" الظن يكون بمعنى: العلم، وبمعنى: رجحان ~~أحد الطرفين على الآخر مع الاحتمال. # لكن قولها فيما بعد ذلك: "أفاض عليه الماء ثلاثا"؛ يمنع القطع بأن يكون ~~بمعنى العلم -هنا-؛ لأنه كان يكتفي بري البشرة الذي لزم منه وصول الماء إلى ~~جميع الشعر؛ فيخرج به عن العهد في الإتيان بالواجب. PageV01P206 # مع أنه يكتفى بالظن في هذا الباب، وما شابهه؛ وهو قائم في الحكم مقام ~~القطع؛ لأنا لو تعبدنا بالقطع في ذلك؛ لأدى إلى الحرج والمشقة، ثم إلى ترك ~~المأمور. # وأروى: مأخوذ من الري؛ الذي هو: ضد العطش، وهو مجاز في ابتلال الشعر ~~بالماء. # يقول: رويت من الماء -بالكسر- أروى -بالفتح- ريا، وريا، ms0113 وروي، وأرويته ~~أنا (¬1). # والبشرة: ظاهر الجلد؛ والمراد بإروائها: إيصال الماء إلى جميع الجلد، ~~والغالب أنه لا يصل إليه إلا وقد ابتلت أصول الشعر، أو كله. # وقولها: "أفاض الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده"؛ إفاضة الماء على ~~الشيء: إفراغه عليه، يقال: فاض الماء: إذا جرى، وفاض الدمع: إذا سال. # سائر -هنا-؛ بمعنى: البقية؛ وهي الأصل في استعمالها، وقد تستعمل بمعنى: ~~الجميع، لكن البقية هنا متعينة؛ لذكرها الرأس أولا، وهو مأخوذ من السؤر. # وأما أحكامه: # ففيه دليل على: أن أفعاله - صلى الله عليه وسلم - حجة؛ كأقواله. # وفيه دليل على: استحباب غسل اليدين قبل وضوء الاغتسال، ثم الوضوء بعده ~~كاملا، ثم الاغتسال بعده، يبدأ فيه برأسه، ويخلله بأصابعه العشر دون الخمس، ~~ثم باقي جسده. # وفيه: التثليث في الاغتسال؛ كالوضوء. # وفيه: جواز اغتسال الرجل والمرأة جميعا من إناء واحد، وأن اغترافهما من ~~الإناء يكون على التعاقب؛ لغلبة صغر أوانيهم، وتعذر تساويهما في الاغتراف PageV01P207 # من غير تعاقب؛ فيقتضي جواز اغتسال الرجل بفضل طهور المرأة؛ لتأخر اغتراف ~~الرجل عن امرأته في بعض الاغترافات، وإن كان لفظ الحديث محتملا لشروعهما في ~~الاغتسال دفعة واحدة، لكن ليس فيه عموم، والله أعلم. # وأما حديث ميمونة - رضي الله عنها -: # فقولها: "وضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضوء الجنابة"؛ أي: كما ~~في الجنابة، وقد تقدم أن الوضوء -بفتح الواو- اسم لمطلق الماء، أو للماء ~~المضاف إلى الوضوء، لكن هذا اللفظ يدل على أنه: اسم لمطلق الماء؛ لإضافته ~~إلى الجنابة. # قولها: "فأكفأ"؛ أي: قلب، يقال: كفأت الإناء، وأكفأته -ثلاثيا، ورباعيا-: ~~إذا قلبته. # وحكى القاضي عياض - رحمه الله - في "المشارق"، عن بعضهم: إنكار أن يكونا ~~بمعنى واحد؛ وإنما يقال في قلبت: كفأت -ثلاثي-، وأما أكفأت -رباعيا-، ~~فمعناه: أملت؛ وهو مذهب الكسائي (¬1). # وقولها: "ثم غسل فرجه"؛ يعني به: القبل، وغسله؛ لإزالة ما علق به من الأذى. # وينبغي أن يفعل ذلك في الابتداء قبل الوضوء؛ لئلا يغسله بعد ذلك؛ فيحتاج ~~إلى إعادة غسل أعضاء الوضوء؛ لتحصيل سننه للغسل. # ثم المعنى في غسله: هل هو ms0114 للأذى المحكوم عليه بالنجاسة؟ أم بمجرد الأذى ~~الذي هو الاستقذار؟ ينبني ذلك على: أن المني نجس، وفيه خلاف للعلماء: # مذهب الشافعي - رحمه الله -، وجماعة: طهارته، ومذهب غيرهم: نجاسته. # ثم إذا قلنا بطهارته، هل الغالب سبق إنزاله بمذي، فيتنجس به، أم ليس ~~الغالب ذلك؟ PageV01P208 # ثم إذا لم يكن الغالب سبقه بمذي، فهل يتنجس برطوبة فرج المرأة؟ إن قلنا: ~~إنها نجسة، نجس؛ وإلا: فلا. # وحيث حكمنا بالنجاسة، وغسله لإزالة النجاسة، والغسل عن الجنابة: مرة ~~واحدة؛ هل يكتفى بها، أم لا بد من مرتين؛ إحداهما: للنجاسة، والأخرى: ~~للجنابة؟ # فيه خلاف لأصحاب الشافعي - رحمه الله تعالى -، لكن الحديث مطلق لا يدل ~~إلا على الغسل من غير تكرار؛ فيؤخذ منه الاكتفاء بغسلة واحدة من حيث إن ~~الأصل عدم غسله ثانيا، والله أعلم. # وقولها: "ثم ضرب يده بالأرض، أو الحائط مرتين، أو ثلاثا"؛ إنما فعل ذلك - ~~صلى الله عليه وسلم -؛ لإزالة ما لعله علق باليد من رائحة؛ زيادة في ~~التنظيف. # وقد اختلف أصحاب الشافعي في أن النجاسة إذا زالت عينها، وبقيت رائحتها، ~~هل تضر؟ على وجهين، أصحهما: لا تضر، وهو قول كثير من الفقهاء. # فإذا استقصى في إزالة العين، فقد يؤخذ من هذا الحديث العفو عنها؛ لأن ~~ضربه - صلى الله عليه وسلم - يده بالأرض، أو بالحائط، لا بد أن يكون ~~لفائدة: # لا جائز أن يكون: لإزالة العين؛ لحصولها قبله، وإلا لتنجست الأرض، أو ~~الحائط؛ بملاقاتها. # ولا يكون: لإزالة الطعم؛ لأنه دليل على بقاء العين. # ولا يكون: لبقاء اللون؛ لبعده بالإنزال، أو المجامعة؛ لكون ذلك لا يقتضي ~~لونا يلصق باليد، وإن وجد؛ فنادر جدا. # فتعين أن يكون: لإزالة الرائحة، وحكمها: ما تقدم. # فتعين أن يكون فعله - صلى الله عليه وسلم - استظهارا في زيادة التنظيف، ~~وإزالة احتمال وجود رائحة، مع الاكتفاء بالظن في زوالها. PageV01P209 # وقولها: "ثم تمضمض، واستنشق، وغسل وجهه، وذراعيه"؛ ففيه دليل على: شرعية ~~هذه الأفعال في الغسل، لكن اختلف الفقهاء في المضمضة، والاستنشاق فيه: # فأوجبها أبو حنيفة، ونفى الوجوب: مالك، والشافعي، وغيرهما، وقالوا: هما ~~مستحبان فيه، ms0115 وفي الوضوء، وليس في الحديث ما يدل على الوجوب [إلا أن يقال: ~~إن مطلق أفعاله - صلى الله عليه وسلم - تفيد الوجوب] (¬1). # غير أن المختار عند الأصوليين: أن الفعل لا يدل على الوجوب إلا إذا كان ~~بيانا لمجمل يعلق به الوجوب، وذلك في الطهارة ليس من قبيل المجملات. # وقولها: "ثم أفاض على رأسه الماء"؛ قد يحتج بظاهره من يقول من أصحاب ~~مالك: بتأخير مسح الرأس مع الرجلين عن الغسل، وفيه خلاف لأصحاب مالك، ~~ويحتمل أن إفاضته الماء على رأسه؛ لكون فيه معنى المسح، وزيادة. # وقد اختلف أصحاب الشافعي في أن غسل الرأس يقوم مقامه مسحه؟ الصحيح من ~~أوجه ثلاثة: التفرقة فيما بينهما؛ فيجري في الرأس، ولا يجري في الخف، والله أعلم. # قولها: "ثم تنحى، فغسل رجليه"؛ يقتضي: تأخير غسل الرجلين إلى ما بعد ~~الغسل، وهو أحد القولين للشافعي، واختيار أبي حنيفة. # ومذهب عائشة -قبله- يقتضي: إكمال الوضوء قبل الغسل، وهو الصحيح من مذهب ~~الشافعي، وغيره من العلماء. # وفرق بعضهم بين أن يكون موضع الغسل وسخا، أو يكون الماء قليلا، فيؤخر ~~غسلهما، وبين أن لا يكونا كذلك؛ فيكمل وضوءه؛ جمعا بين الأحاديث، وهذا في ~~كتب المالكية، وغيرهم من العلماء. # وقولها: "فأتيته بخرقة؛ فلم يردها"؛ الخرقة المذكورة: جاءت مسماة في PageV01P210 # هذا الحديث: بالمنديل (¬1)، ورده إياها: إما لأمر يتعلق بها من وسخ، أو ~~صبغ من زعفران، ونحوه. # [وإما أن يكون لعدم حاجته إليها لكي لا يتنشف] (¬2). # ولهذا "جعل ينفض الماء بيديه". # وقد اختلف أصحاب الشافعي في التنشيف، ونفض الأعضاء من الوضوء والغسل على أوجه: # أظهرها: أن المستحب تركهما، ولا يقال: إنهما مكروهان. # والثاني: أنهما مكروهان. # والثالث: أنهما مباحان، يستوي فعلهما وتركهما، وهو المختار عند جماعة من ~~المحققين. # والرابع: يستحب التنشيف؛ لما فيه من الاحتراز عن الأوساخ. # والخامس: يكره التنشيف في الصيف دون الشتاء. # وأما السلف من الصحابة، وغيرهم من العلماء: # فقال أنس بن مالك، والثوري: لا بأس به فيهما. # وقال ابن عمرو بن أبي ليلى: مكروه فيهما. # وقال ابن عباس: يكره في الوضوء دون الغسل. ms0116 # وقد روى التنشيف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جماعة من الصحابة - ~~رضي الله عنهم -، قال الترمذي: ولا يصح فيه شيء عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - (¬3). # وقد ثبت النفض في حديث ميمونة هذا؛ فاقتضى الإباحة، ولم نعلم أحدا من ~~العلماء قال باستحبابه، فإذا كان النفض مباحا، كان التنشيف مثله، وأولى؛ ~~لاشتراكهما في إزالة الماء. PageV01P211 # وقد استدل بعض العلماء على كراهة النفض بحديث ضعيف عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: "لا تنفضوا أيديكم؛ فإنها مراوح الشيطان" (¬1)؛ فإنه لا يقاوم ~~هذا الحديث الصحيح، والله أعلم. # وفي الحديث فوائد: # منها: إعداد ماء الغسل؛ كالوضوء. # ومنها: استحباب الصب باليمين على اليسار. # ومنها: استحباب التكرار في الغسل مرتين، وثلاثا؛ وكذلك الوضوء. # ومنها: استحباب تقديم غسل الفرج، ثم الوضوء بعده، ثم إفاضة الماء على ~~الرأس، ثم على سائر الجسد. # ومنها: استحباب التنحي من المغتسل إن كان وسخا؛ لغسل القدمين؛ سواء أكمل ~~وضوءه قبل الغسل، أم لا. # ومنها: إباحة التنشيف، والنفض، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -: أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ~~-: قال: يا رسول الله! أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: "نعم، إذا توضأ أحدكم، ~~فليرقد" (¬2). # وقد تقدم الكلام على عبد الله بن عمر في الحديث الثالث من باب الاستطابة. # وعلى عمر في أول الكتاب. PageV01P212 # واعلم أن مدلول حقيقة لفظ هذا الحديث؛ إباحة النوم وهو جنب، لكنها متوقفة ~~على الوضوء، وهو مأمور به، واختلف العلماء في الأمر به، هل هو للاستحباب، ~~أم للوجوب؟ # فمذهب الشافعي، وأبي يوسف، والجمهور: إلى أنه للاستحباب. # ونقل ابن العربي، عن الشافعي: أنه لا يجوز للجنب أن ينام إلا على وضوء، ~~وهو غريب ضعيف، لا يعرفه أصحاب الشافعي؛ بل قالوا كلهم بخلافه. # وعن مالك في وجوبه قولان: # أحدهما: وهو قوله في "المجموعة"، وبه قال ابن حبيب، وأهل الظاهر: الوجوب، ~~فلو تركه، قال مالك: فليستغفر الله. # وقال بعض أشياخ المالكية: لا تسقط العدالة بتركه؛ لاختلاف العلماء فيه. # ثم المراد بالوضوء: الوضوء المشروع، ولم ms0117 نعلم أحدا قال: بأنه الوضوء ~~اللغوي؛ الذي هو مجرد النظافة، ويؤيد ذلك: ما رواه مسلم، في "صحيحه"، عن ~~عائشة - رضي الله عنها -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد أن ~~ينام وهو جنب؛ يتوضأ وضوءه للصلاة (¬1). # واستدل من قال بوجوبه: بأنه ثبت في لفظ الحديث في "الصحيحين"، وغيرهما: ~~أن الوضوء ورد بصيغة الأمر، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "توضأ، واغسل ~~ذكرك؛ ثم نم" (¬2)، ومطلق الأمر للوجوب. # لكنه وقع الإجماع على أنه: لا يجب على الجنب الوضوء؛ وإنما يجب عليه ~~الغسل. PageV01P213 # واختلف أصحاب الشافعي في وقت وجوبه؛ هل هو حصول الجنابة بالتقاء ~~الختانين، أم بإنزال المني، أم بهما؟ أم لا يجب إلا عند القيام إلى الصلاة؟ ~~على أوجه. # ومن قال: يجب الغسل بحصول الجنابة، قال: يجب وجوبا موسعا. # واستدل من لم يوجب الوضوء بحديث الأسود، عن عائشة: أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كان ينام وهو جنب، ولا يمس ماء، وهو حديث حسن رواه أبو داود، ~~والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (¬1). # وضعفه بعضهم، واختلفوا في تأويله على تقدير صحته على وجهين: # أحدهما: ما ذكره ابن سريج، والبيهقي: أن المراد أنه لا يمس ماء للغسل. # والثاني: وهو الراجح عند جماعة: أن المراد أنه كان في بعض الأوقات لا يمس ~~ماء أصلا؛ لبيان الجواز، إذ لو واظب عليه؛ لتوهم وجوبه. # واختلف العلماء في علة شرعية الوضوء للجنب قبل أن ينام؟ # فقال أصحاب الشافعي: لتخفيف الحدث؛ فإنه يرفعه عن أعضاء الوضوء. # وقال غيرهم: علته أن يثبت على إحدى الطهارتين؛ خشية الموت في منامه. # وقيل: بل لعلة أن ينشط إلى الغسل؛ إذ نال الماء أعضاءه. # وبنوا على هاتين: وضوء الحائض إذا أرادت النوم: # فمن علل بالنوم على إحدى الطهارتين: استحبه لها. # ومن علل بحصول النشاط: لم يستحبه؛ لعدم حصول رفع الحيض، فلا يؤثر في حدثها. # وقد نص الشافعي، وأصحابه: على أنه لا يستحب الوضوء للحائض، PageV01P214 # والنفساء، فيحتمل أنهم راعوا العلة الثانية من العلتين، ويحتمل أنهم لم ~~يراعوها، ورأوا أن أمر الجنب به تعبد ms0118 لا يقاس عليه غيره، أما إذا انقطع دم ~~الحائض والنفساء، صارتا كالجنب، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الخامس # عن أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: جاءت أم سليم، امرأة ~~أبي طلحة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله! إن ~~الله لا يستحيي من الحق، هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: "نعم إذا رأت الماء" (¬1). # أما أم سلمة: فهي أم المؤمنين هند، وقيل: رملة، وليس بشيء، بنة أبي أمية ~~حذيفة، ويقال: سهيل بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم بن يقظة بن ~~مرة، المخزومية. # كانت قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - عند أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد. # أمها: عاتكة بنت عامر بن ربيعة. # تزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنة ثلاث بعد وقعة بدر. # هاجرت الهجرتين: هجرة الحبشة، والمدينة. # روي لها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ثلاث مئة وثمانية وسبعون ~~حديثا؛ اتفقا على ثلاثة عشر حديثا، ولمسلم مثلها. # روى عنها: ابنها عمر، وابنتها زينب، وجماعة من التابعين. # وروى لها -أيضا-: أصحاب السنن والمساند. # وتوفيت سنة تسع وخمسين، وقيل: سنة ستين؛ لثمان بقين من رجب في PageV01P215 # اليوم الذي مات فيه معاوية، وولي فيه ابنه يزيد، وقال ابن حبان: سنة إحدى وستين. # وصلى عليها أبو هريرة، وقيل: سعيد بن زيد أحد العشرة، وهو بعيد جدا؛ لأنه ~~توفي سنة إحدى وخمسين، وماتت هي سنة إحدى وستين، أو بعدها؛ كما تقدم، والله أعلم. # ودفنت بالبقيع؛ بلا خلاف، ودخل قبرها ابناها عمر وسلمة، وابن أخيها عبد ~~الله بن أبي حذيفة (¬1). # وأما أم سليم: فهي أم أنس بن مالك، وتقدم ذكرها في أول باب الاستطابة في ~~ترجمته، وأن اسمها الغميصاء، وقيل غيره، وكانت من فاضلات الصحابة، ~~ومشهوراتهن، وهي أخت أم حرام بن ملحان - رضي الله عنها -. # روي لها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أربعة عشر حديثا؛ اتفقا ~~على حديث واحد، وللبخاري آخر، ولمسلم ms0119 حديثان. # روى عنها: ابنها أنس، وعبد الله بن عباس. # وروى لها: أبو داود، والترمذي، والنسائي. # وأما زوجها أبو طلحة، فاسمه: زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن ~~زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار. # شهد العقبة، وبدرا، وأحدا، والمشاهد كلها مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، وهو نقيب. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اثنان وتسعون حديثا؛ اتفق ~~البخاري، مسلم على ثلاثة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بآخر. # روى عنه: عبد الله بن عباس، وأنس بن مالك، وزيد بن خالد، وابنه: PageV01P216 # عبد الله، وابن ابنه: إسحاق بن عبد الله، وغيرهم. # روى له أصحاب السنن والمساند. # مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: سنة أربع وثلاثين، وسنه: سبعون ~~سنة، وصلى عليه عثمان بن عفان. # وقيل: مات بالشام، وعاش بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - أربعين سنة ~~يسرد الصوم. # وروي أنه غزا البحر؛ فمات فيه. # قال أبو حاتم بن حبان: وكان فارس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقتل ~~يوم حنين عشرين رجلا بيده، وهو القائل: # أنا أبو طلحة، واسمي زيد ... وكل يوم في سلاحي صيد (¬1) # وأما لفظه: # فقولها: "إن الله لا يستحيي من الحق"، يقال: استحيا -بياء قبل الألف- في ~~الماضي، يستحيي -بياءين- في المضارع، ويقال فيه: يستحي بياء واحدة. # ومعناه: أن الله لا يمتنع من بيان الحق، وضرب المثل بالبعوضة، وبيت ~~العنكبوت؛ كما قال تعالى: {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما ~~فوقها} [البقرة: 26]؛ فكذا أنا لا أمتنع من سؤالي عما أنا محتاجة إليه. # وقيل معناه: إن الله لا يأمر بالحياء في الحق، ولا يبيحه؛ وإنما قالت ذلك ~~بين يدي سؤالها عما دعتها الحاجة إليه في الدين؛ مما تستحيي النساء عن ~~السؤال عنه عادة، وذكره بحضرة الرجال؛ فالامتناع من ذلك ليس بحياء حقيقي؛ ~~لأن الحياء خير كله، ولا يأتي إلا بخير، وذلك ليس بخير، بل هو شر؛ فلا يكون PageV01P217 # حياء حقيقيا؛ بل هو مجازي طبعي، يسمى خورا. # وقد قالت عائشة - رضي ms0120 الله عنها -: نعم النساء نساء الأنصار؛ لم يمنعهن ~~الحياء أن يتفقهن في الدين (¬1). # وقد يقال: إنها تعتذر من المطلوب -عادة- بالحياء، في الإثباث؛ لا في ~~النفي؛ كما ثبت: "إن الله حيي كريم" (¬2)، فأما في النفي؛ فالمستحيلات ~~تبقى، ولا يشترط فيه أن يكون ممكنا. # وأجيب بأنه: لم يرد على النفي مطلقا، بل على أحيا من الحق؛ فمن حيث ~~المفهوم يقتضي: أنه يستحيي من غير الحق؛ فيعود من جنبه إلى جانب الإثبات. # والذي يحسن العذر: أن يأتي رافعا للمعتذر عنه إذا كان متأخرا، مستقبلا ~~للنفس، متأثرة بقبحه. # أما أن يكون دافعا له، فلا؛ بأن يكون متقدما على المعتذر منه، مدركا ~~للنفس، صافيا من العتب، والذي في الحديث من الثاني؛ لكنه بالنسبة إلى ~~العادة، لا بالنسبة إلى مطلوب الحق، والله أعلم. # ثم في الكلام حذف؛ تقديره: إن الله لا يستحيي من ذكر الحق، وبيانه كما ~~تقدم شرحه. # والحق -هنا-، خلاف الباطل، والمقصود: الاقتداء بفعل الله تعالى في ذلك ~~بذكر الحق الذي دعت الحاجة إليه من السؤال عن احتلام المرأة. # وقولها: "هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ ". # لفظة هي؛ تأكيد وتحقيق، لو أسقطت من الكلام، لتم أصل المعنى. # والاحتلام -في الوضع-: افتعال من الحلم -بضم الحاء، وسكون اللام-، PageV01P218 # وهو ما يراه النائم في نومه، يقال منه: حلم بفتح اللام، واحتلم، واحتلمت ~~به، واحتلمته (¬1). # وقد خص هذا الموضع اللغوي ببعض ما يراه النائم، وهو ما يصحبه إنزال ~~الماء، فلو رأى غير ذلك؛ لصح أن يقال له: احتلم وضعا، ولم يصح عرفا. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "نعم؛ إذا رأت الماء". # لما كان الاحتلام مستعملا في رؤية المنام من غير إنزال، وتارة يستعمل مع ~~الإنزال؛ حسن السؤال مستعملا عن حكمه الشرعي؛ ليتبين من أصل وضعه الذي هو ~~في أصل اللغة. # وحسن الجواب مقيدا بالإنزال؛ وهو قوله: "إذا رأت الماء"، ووصف الإنزال ~~بالرؤية يحتمل النزول من الصلب، أو الترائب إلى باطن الفرج من غير خروج إلى ظاهره. # لكنه يعكر على البكر في عدم وجوب الغسل عليها ms0121 بذلك. # ولا يعكر على الثيب؛ فإنه يجب عليها بخروجه إلى باطن فرجها؛ وهو الموضع ~~الذي يجب عليها غسله في الجنابة، والاستنجاء، الذي يظهر حال قعودها لقضاء ~~الحاجة، وإن لم يبرز إلى ظاهره. # فعلى هذا تكون الرؤية بمعنى: العلم؛ كأنه يقول: إذا علمت خروج الماء، ~~فيجب عليك الغسل، والله أعلم. # ثم اعلم أنه: يجب الغسل على المرأة بالإنزال؛ وكذلك الرجل، والدليل على ~~ذلك؛ قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الماء من الماء" (¬2). # فيحتمل أن أم سليم - رضي الله عنها - لم تسمع ذلك، فسألت عن ذلك؛ PageV01P219 # لمسيس حاجتها إليه، ويحتمل أن تكون سمعته، ولكنها سألت عن حال المرأة؛ ~~لقيام مانع فيها يخرجها عن العموم؛ وهو ندرة بروز الماء منها. # أما أحكام الحديث: # ففيه: السؤال عن العلم؛ إذا جهله، أو علمه، أو احتاج إلى زيادة إيضاح. # وفيه: تقديم الاعتذار قبل المعتذر منه، وإن كان واجب الفعل؛ لأجل العادة. # وفيه: الاحتياط لعدم سوء الظن بالشخص بعدم الأدب العادي، وإن لم يكن سوء ~~أدب شرعا. # وفيه: أن بيان المطلوب؛ إنما هو فيما وافق الشرع، لا العادة. # وفيه: السؤال في الاستفتاء: بهل؛ تنبيها على عدم معرفة السائل؛ فلا يقول ~~هكذا قلت أنا، ولا كنت أعلم ذلك من غيرك، أو قال فلان: بخلاف قولك. # وفيه: أن لفظة (على) مقتضاها: الوجوب. # وفيه: جواب المفتي: بنعم، مع قيد في الحكم؛ إذا كان. # وفيه: أن المرأة يجب عليها الغسل بخروج المني سواء النوم، واليقظة؛ كما ~~يجب على الرجل بخروجه؛ وهو مجمع عليه. # وكذلك أجمعوا على أنه: يجب بإيلاج الحشفة في الفرج. # وكذلك أجمعوا على إيجابه بالحيض، والنفاس. # واختلفوا في إيجابه على من ولدت ولدا، ولم تر ماء أصلا، أو ألقت مضغة أو ~~علقة، والأصح عند أصحاب الشافعي: وجوب الغسل، ومن لا يوجبه أوجب الوضوء. # ومذهب الشافعي - رحمه الله -: أنه يجب الغسل بخروج المني، سواء كان ~~بشهوة، أو دفق، أم بنظر في النوم، أو في اليقظة؛ وسواء أحس بخروجه، أم لا، ~~وسواء خرج من العاقل، أو من المجنون. PageV01P220 # ثم المراد بخروج ms0122 المني: أن يخرج إلى الظاهر، أما ما لم يخرج؛ فلا يجب ~~الغسل؛ وذلك بأن يرى النائم، أنه يجامع وأنه قد أنزل، ثم يستيقظ، فلا يرى ~~شيئا، فلا غسل عليه بإجماع المسلمين. # وكذلك لو اضطرب بدنه لمبادئ خروج المني، فلم يخرج؛ وكذا لو نزل المني إلى ~~أصل الذكر، ثم لم يخرج؛ فلا غسل، وكذا لو صار المني في وسط الذكر، وهو في ~~صلاة، فأمسك بيده على ذكره، فوق حائل، فلم يخرج المني حتى سلم من صلاته، ~~صحت صلاته، فإنه ما زال متطهرا حتى خرج. # والمرأة كالرجل في هذا؛ إلا إذا كانت ثيبا، فنزل المني إلى فرجها، فإنه ~~يجب الغسل، كما تقدم ذكره، وإن كانت بكرا؛ لم يلزمها، ما لم يخرج من فرجها، ~~لأن داخل فرجها كداخل إحليل الرجل، والله أعلم. # وفيه: جواز استفتاء المرأة بنفسها. # وفيه: قبول خبرها؛ وهو مجمع عليه. # وفيه: استحباب حكاية الحال في الوقائع الشرعية مع الحكم، والله أعلم. # وفيه: رد على من يزعم أن ماء المرأة لا يبرز، وإنما يعرف إنزالها ~~بشهوتها؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "نعم؛ إذا رأت الماء". # * * * ### ||| AUTO الحديث السادس # عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كنت أغسل الجنابة من ثوب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، فيخرج إلى الصلاة، وإن بقع الماء في ثوبه (¬1). # وفي لفظ مسلم: لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فركا؛ فيصلي فيه (¬2). PageV01P221 # اعلم أن تسمية الجنابة باسم المني: من باب تسمية الشيء باسم سببه؛ فإن ~~خروج المني، ووجوده: سبب لاجتناب الصلاة، وما في معناها، وبعده عنها. # ثم إن غسل عائشة - رضي الله عنها - للمني، من ثوب النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لم يكن لاعتقاد نجاسته، ووجوب غسله؛ وإنما كان لمجرد التنظيف؛ ~~لقولها في الرواية الثانية: "كنت أفركه من ثوبه - صلى الله عليه وسلم - ~~فركا فيصلي فيه". # فلو كان نجسا، لم يتركه النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يكتف بفركه، ~~أو حكه. # وقد اختلف العلماء؛ في طهارة مني الآدمي، ونجاسته: # فقال الشافعي، وأحمد في ms0123 أصح روايتيه، وأصحاب الحديث: بطهارته، وهو مروي ~~عن علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وعائشة، وبه قال داود ~~-أيضا-. # واستدلوا بما تقدم من فركه، وحمل حديث غسله على الاستحباب، والتنزه، ~~واختيار النظافة. # وقال مالك، وأبو حنيفة، والليث، والحسن بن صالح: بنجاسته؛ حتى قال مالك: ~~لا بد من غسله، رطبا ويابسا. # وقال أبو حنيفة: يكفي في تطهيره فركه إذا كان يابسا، ويجب غسله إذا كان ~~رطبا؛ عملا بالحديث في فركه، وبالقياس في غسل الرطب. # ولم ير الاكتفاء بالفرك دليلا على الطهارة، وشبهه بعض أصحابه: بما جاء في ~~الحديث من دلك النعل من الأذى؛ في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا وطئ ~~أحدكم الأذى بنعله، أو خفه، فطهورهما التراب" رواه الطحاوي، من حديث أبي ~~هريرة (¬1)؛ فإن الاكتفاء فيه بالدلك لا يدل على طهارة الأذى. PageV01P222 # وأما مالك: فعمل بالقياس في نجاسته رطبا، ويابسا، وإزالته، ووجه القياس ~~فيه من وجوه: # أحدها: أن الفضلات المستحيلة إلى الاستقذار في محل يجتمع نجسة، والمني ~~منها، فليكن نجسا. # وثانيها: أن الأحداث الموجبة للطهارة نجسة، والمني من الأحداث الموجبة ~~للطهارة. # وثالثها: أنه يجري على مجرى البول، فيتنجس. # وهذا غير مقبول؛ فإن مجرى المني غير مجرى البول. # ولهذا قال أصحاب الشافعي: يجب غسل المني إذا استجمر بالحجر؛ لأنه يجتمع ~~هو والبول في رأس الذكر، وهو نجس معفو عنه بالنسبة إلى الصلاة، غير معفو ~~عنه بالنسبة إلى ما يلاقيه من الرطوبات، فلو كان يجري في مجرى البول، لما ~~كان لقولهم فائدة، ولقالوا: بوجوب غسله؛ لتنجسه. # وأما في إزالته بالماء؛ فكسائر النجاسات، إلا ما عفي عنه، والفرد يلحق ~~بالأعم الأغلب. # وأما الليث فقال: نجس تعاد الصلاة منه. # وأما الحسن بن صالح فقال: لا تعاد الصلاة من المني في الثوب وإن كان ~~كثيرا، وتعاد منه في الجسد وإن كان قليلا. # وأما الشافعي - رحمه الله -: فاتبع الحديث في فركه؛ كما تقدم، ورآه دليلا ~~على طهارته، فلو كان نجسا، لما اكتفى فيه إلا بالغسل؛ قياسا على سائر ~~النجاسات. # فلو اكتفى بالفرك ms0124 مع كونه نجسا؛ لزم خلاف القياس، والأصل عدم ذلك. # وهذا الحديث يخالف ظاهره لما ذهب إليه مالك، وقد اعتذر عنه بأشياء فيها ~~بعد نقلا وتأويلا، والله أعلم. PageV01P223 # وهذا الكلام كله في مني الآدمي. # وللشافعي قول شاذ ضعيف: أن مني المرأة نجس، دون مني الرجل. # وقول أشذ منه: أن مني المرأة والرجل نجس. # لكن الصواب: أنهما طاهران؛ فعلى القول الصواب بطهارته، هل يحل أكله؟ ~~وجهان: أظهرهما: لا؛ لاستقذاره، فهو داخل في جملة الخبائث المحرمة علينا. # وأما مني باقي الحيوانات: # فإن كان كلبا، أو خنزيرا، أو متولدا من أحدهما؛ فمنيها: نجس بلا خلاف. # وإن كان غيرهما؛ ففيه ثلاثة أوجه: # أصحها: أنها كلها طاهرة. # والثاني: أنها كلها نجسة. # والثالث: مني مأكول اللحم: طاهر، وغيره: نجس، والله أعلم. # وقد استدل جماعة من العلماء بهذا الحديث: على طهارة رطوبة فرج المرأة. # وفيها خلاف مشهور لأصحاب الشافعي، وغيرهم، والأظهر: طهارتها. # ووجه الاستدلال بأن قالوا: الاحتلام مستحيل في حق النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -؛ لأنه من تلاعب الشيطان بالنائم، فلا يكون المني الذي على ثوبه - ~~صلى الله عليه وسلم - إلا من الجماع. # ويلزم منه مرور المني على موضع أصاب رطوبة فرج المرأة، فلو كانت نجسة، ~~لتنجس بها المني، ولما تركه في ثوبه، ولما اكتفى فيه بالفرك. # وأجاب من قال: بنجاسة رطوبة فرجها بجوابين: # أحدهما: منع استحالة الاحتلام منه - صلى الله عليه وسلم - الذي هو فيض من ~~غير تلاعب الشيطان، بخلاف الاحتلام الذي هو تلاعبه؛ فإنه ممنوع عنه - صلى ~~الله عليه وسلم -. # والثاني: جواز أن يكون ذلك المني من مقدمات الجماع؛ فيسقط منه شيء PageV01P224 # على الثوب، وأما المتلطخ بالرطوبة؛ فلم يكن على الثوب، فسقط استدلالهم ~~بالحديث على طهارته. # لكن الظاهر منه الأول، والله أعلم. # وفي الحديث دليل على: جواز الصلاة في الثوب الرطب، وإن أصابه شيء من ~~الأوساخ الطاهرة؛ كالتراب، والطين، ونحوهما؛ لا ينجسه. # وفيه: أنه ينبغي للمرأة أن تتفقد ثياب زوجها بالتنظيف، والغسل، ونحوهما، ~~خصوصا إذا كان من أمر يتعلق بها. # وفيه: أنه ينبغي للمقتدي أن ينقل ms0125 أحوال المقتدى به -وإن كان يستحيا من ~~ذكرها في العادة- إلى الناس؛ ليقتدى بها، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث السابع # عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها؛ فقد وجب الغسل" (¬1)، وفي لفظ: ~~"وإن لم ينزل" (¬2). # تقدم الكلام على أبي هريرة. # واختلف العلماء في المراد بالشعب: # فقيل: هي يداها، ورجلاها. # وقيل: رجلاها، وفخذاها. # وقيل: فخذاها، وشفراها، وقيل: إسكتاها؛ وهما: حرفان بشق فرجها. # قال الأزهري: ويفترق الإسكتان، والشفران؛ في أن الإسكتين: ناحيتا الفرج، ~~والشفران: طرفا الناحيتين. PageV01P225 # وقيل: الشعب الأربع: نواحي الفرج الأربع؛ وهو اختيار القاضي عياض - رحمه ~~الله -. # والشعب: النواحي، واحدتها: شعبة، وأما من قال: أشعبها؛ فهو جمع شعب (¬1). # قال شيخنا أبو الفتح القاضي: وكان التفسير للشعب بالنواحي تحويم على طلب ~~الحقيقة الموجبة للغسل، قال: والأقرب عندي أن يكون المراد: اليدين، أو ~~الرجلين والفخذين، ويكون الجماع مكنيا عنه بذلك، ويكتفى بما ذكر عن ~~التصريح. # وإنما رجحنا هذا؛ لأنه أقرب إلى الحقيقة، أو هو حقيقة من الجلوس بالكناية ~~عن التصريح؛ لا سيما في أمثال هذا المكان التي يستحيا من التصريح فيها به. # وأيضا، فقد نقل عن بعضهم أنه قال: الجهد: من أسماء النكاح؛ ذكر عن ~~الخطابي. # وعلى هذا: فلا يحتاج أن يجعل قوله: "جلس بين شعبها الأربع" كناية عن ~~الجماع بالجماع؛ فإنه صرح [به] بعد ذلك (¬2). # وقوله: "ثم جهدها" هو -بفتح الجيم، والهاء-؛ ومعناه: بلغ مشقتها. # وقال الخطابي: حفزها (¬3). # قال أهل اللغة: يقال: جهدته، وأجهدته: بلغت مشقته. # وهذا -أيضا- لا يراد حقيقته، وإنما المقصود منه: وجوب الغسل بالجماع، وإن ~~لم ينزل، وكل هذه كنايات يكتفى بفهم المعنى منها عن التصريح. PageV01P226 # قال القاضي عياض - رحمه الله -: الأولى أن يكون جهد؛ بمعنى: بلغ جهده في ~~عمله فيها (¬1). # والجهد: الطاقة؛ وهو إشارة إلى الحركة، وتمكن صورة العمل؛ وهو نحو قول من ~~قال: حفزها؛ أي: كدها بحركته؛ وإلا فأي مشقة بلغ بها في ذلك؟ # وقوله في أول الحديث: "بين شعبها"؛ كناية عن المرأة، وإن لم يجر ms0126 لها ذكر؛ ~~اكتفي بفهم المعنى من السياق؛ كما في قوله تعالى: {حتى توارت بالحجاب} [ص: 32]. # وأما ما يتعلق بأحكام الحديث: # ففيه: بيان عدم انحصار وجوب الغسل بالإنزال، بل يجب به، وبالتقاء ~~الختانين؛ وهو تغييب الحشفة، أو قدرها في الفرج، فعلى هذا يكون الحديث خرج ~~مخرج الغالب؛ لا أن الجلوس بين شعبها، وجهدها شرط لوجوب الغسل. # ولا شك أن وجوب الغسل كان في أول الإسلام منحصرا في الإنزال؛ لقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "إنما الماء من الماء" (¬2)، ثم نسخ ذلك بهذا الحديث، ~~وغيره؛ كحديث: "إذا التقى الختانان" (¬3)، وفي رواية: "إذا مس الختان ~~الختان" (¬4)، وفي رواية أبي داود: "وألزق الختان بالختان، فقد وجب الغسل" (¬5). # ولا شك أن هذا الحكم مجمع عليه، ولم يقل أحد بخلافه؛ إلا ما روي عن PageV01P227 # عثمان، وأبي: أنهما لم يريا غسلا إلا من الإنزال، وقد روي رجوعهما عنه، ~~مع أن المسند إليهما في أنه لا يجب إلا بالإنزال ضعيف. # قال الإمام أبو بكر بن العربي: وإنما الأمر الصعب خلاف البخاري في ذلك، ~~وحكمه بأن الغسل مستحب، وهو أحد أئمة الدين، وأجل علماء المسلمين معرفة، وعدلا. # وما بهذه المسألة خفاء؛ فإن الصحابة اختلفوا فيها، ثم رجعوا عنها، ~~وأجمعوا على وجوب الغسل بالتقاء الختانين وإن لم يكن إنزال (¬1). # وقد نقل عن البخاري أنه قال: الغسل منه أحوط في الدين من باب حديثين ~~تعارضا. # فقدم الذي يقتضي الاحتياط في الدين، لا أنه قال بعدم الوجوب؛ وهو الأشبه ~~بإمامة البخاري، وعلمه، والله أعلم. # وخالف في عدم الإيجاب به: داود الظاهري، وبعض أصحابه، وخالفه بعض ~~الظاهرية، ووافق الجماعة. # ومستند الظاهري، ومن وافقه: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الماء من ~~الماء". # ثم إنه قال في الحديث الآخر الذي رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه؛ من ~~رواية أبي بن كعب (¬2) - رضي الله عنه -: إنما كان الماء من الماء رخصة في ~~أول الإسلام، ثم نسخ بعد. قال الترمذي: حديث حسن صحيح (¬3)؛ فزال ما ~~استندوا إليه، والله أعلم. # واعلم أن الأحكام كلها من وجوب الغسل، والمهر، ms0127 وغيرهما: متعلقة PageV01P228 # بتغييب الحشفة، بالاتفاق، ولا يشترط تغييب جميع الذكر. # فلو غيب بعض الحشفة؛ لم يتعلق به شيء من الأحكام بالاتفاق أيضا إلا وجها ~~شاذا منكرا مردودا لبعض أصحاب الشافعي - رحمه الله -: أن حكم بعضها حكم ~~جميعها، وهو غلط، والله أعلم. # ثم إنه يجب الغسل على الرجل والمرأة؛ لإطلاقه - صلى الله عليه وسلم - ~~إيجابه من غير تقييد بواحد منهما. # وحكم الإيلاج في الدبر كذلك في وجوب الغسل، أي دبر كان. # قال أصحاب الشافعي: وسواء كان ذلك عن قصد، أو نسيان، وسواء كان ذلك، ~~مختارا، أو مكرها، وسواء كان ذلك مختونا، أو أغلف؛ فيجب الغسل في كل هذه ~~الصور على الفاعل، والمفعول به. # إلا [إذا] كان الفاعل والمفعول به صبيا، أو ميتة؛ فإنه لا يقال: وجب ~~عليه؛ [لأنه] ليس مكلفا، لكن يقال: صار جنبا. # فإن كان مميزا، وجب على الولي أن يأمره بالغسل؛ كما يأمره بالوضوء. # فإن صلى من غير غسل، لم تصح صلاته، وإن لم يغتسل حتى بلغ؛ وجب عليه الغسل. # وإن اغتسل في الصبا، ثم بلغ؛ لم يلزمه إعادة الغسل، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثامن # عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم ~~-: أنه كان هو وأبوه عند جابر بن عبد الله، وعنده قومه؛ فسألوه عن الغسل؛ ~~فقال: يكفيك صاع، فقال رجل: ما يكفيني، فقال جابر: كان يكفي من هو أوفى منك ~~شعرا، وخيرا منك - يريد: النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم أمنا في ثوب ~~(¬1). PageV01P229 # وفي لفظ: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفرغ على رأسه ثلاثا (¬1). # الرجل الذي قال: ما يكفيني؛ هو: الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، أبوه ~~هو ابن الحنفية. # أما أبو جعفر محمد بن علي: فهو: قرشي، هاشمي، مدني، تابعي جليل، يعرف ~~بالباقر. # قال الواقدي: سمي به؛ لأنه بقر العلم، وعرف أصله؛ أي: شقه، وفتحه. # وكان - رحمه الله - خير محمد على وجه الأرض في زمنه؛ متفق على إمامته، ~~وجلالته، وتوثيقه. # روى له الأئمة، منهم: ms0128 البخاري، ومسلم (¬2). # وأما أبوه علي بن الحسين: فكنيته: أبو الحسين، ويقال: أبو الحسن، ويقال: ~~أبو محمد؛ تابعي جليل، يعرف بزين العابدين، وكان ثقة، مأمونا، كثير الحديث، ~~عاليا، رفيعا. # قال يحيى بن سعيد: كان أفضل هاشمي أدركته؛ يقول: يا أيها الناس! أحبونا ~~حب الإسلام؛ فما برح حبكم حتى صار علينا عارا! # وقال شيبة بن نعامة: كان علي بن الحسين يبخل؛ فلما مات، وجدوه يقوت مئة ~~أهل بيت بالمدينة في السر. # مات سنة أربع وتسعين بالمدينة، وكان يقال لهذه السنة: سنة الفقهاء؛ لكثرة ~~من مات فيها منهم. # روى له: الأئمة، والبخاري، ومسلم (¬3). PageV01P230 # وأما الحسين: فكنيته: أبو عبد الله، وهو سبط رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، وريحانته. # روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ثمانية أحاديث؛ رويا له عن أبيه. # وولد لخمس خلون من شعبان، سنة أربع، وقيل: ثلاث. # وقتل يوم عاشوراء يوم السبت، وقيل: يوم الجمعة بكربلاء من أرض العراق، ~~سنة إحدى وستين؛ وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وقيل غيره؛ قتله: سنان بن أنس ~~النخعي. # قال أبو حاتم بن حبان - رحمه الله -: وجثته بكربلاء، واختلف في موضع رأسه: # فمنهم من زعم: أن رأسه على رأس عمود في مسجد جامع دمشق على يمين القبلة؛ ~~وقد رأيت ذلك العمود. # ومنهم من زعم: أن رأسه في البرج الثالث من السور على باب الفراديس بدمشق. # ومنهم من زعم: أن رأسه في قبر معاوية؛ وذلك أن يزيد دفن رأسه في قبر ~~أبيه، وقال: أحصنه بعد الممات، هذا آخر كلامه. # وأما ما يقوله أهل مصر: إنه بها مدفون؛ فباطل، لا أصل له، ولا خلاف في ~~بطلانه عند العلماء، والله أعلم (¬1). # وكان بينه وبين الحسن طهر واحد. PageV01P231 # وأمهما: فاطمة الزهراء بنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - يقول: "اللهم إني أحبهما؛ فأحبهما" (¬1). # وقال - صلى الله عليه وسلم -: "حسين مني، وأنا من حسين، أحب الله من أحب ~~حسينا؛ حسين سبط من الأسباط" (¬2). # وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ابناي هذان سيدا شباب أهل ms0129 الجنة، إلا ابني ~~الخالة؛ عيسى، ويحيى" (¬3). # وأما الرجل الذي قال: ما يكفيني: # فكنيته: أبو محمد الحسن بن محمد بن الحنفية؛ وهو أخو عبد الله بن محمد بن ~~الحنفية، وكان الحسن هذا يقدم على أخيه في الفضل. # وهو: تابعي، مدني، ثقة من أوثق الناس، كان الزهري يعد من غلمانه؛ يعني: ~~في العلم. # مات سنة مئة، أو تسع وتسعين. # روى له الأئمة، منهم: البخاري، ومسلم (¬4). # وأما أبوه محمد بن علي بن أبي طالب: # فكنيته: أبو القاسم، ويقال: أبو عبد الله، يعرف: بابن الحنفية؛ واسمها: PageV01P232 # خولة بنت جعفر بن قيس بن مسلم بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدؤل بن ~~حنيفة؛ كانت من سبي اليمامة. # وروت عن أبيه علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، قال: قلت للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: إن ولد لي بعدك ولد، أسميه باسمك، وأكنيه بكنيتك؟ قال: ~~"نعم" (¬1). # وقال إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد الختلي: لا نعلم أحدا أسند عن علي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر، ولا أصح، مما أسند محمد بن الحنفية. # روى له: البخاري، ومسلم، وغيرهما من الأئمة. # قال أبو نعيم، وعمرو بن علي: مات سنة أربع عشرة ومئة، وقال البخاري: قال ~~أبو نعيم: مات سنة ثمانين، وقال يحيى بن بكير: مات سنة إحدى وثمانين (¬2). # وأما جابر بن عبد الله: # فكنيته: أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد، أنصاري؛ ~~خزرجي، سلمي، مدني. # وهو: ابن عبد الله بن عمرو بن حرام بن عمرو بن سواد بن سلمة، وهو من بني ~~جشم بن الخزرج. # وهو من أكثر الصحابة حديثا؛ روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~ألف حديث، وخمس مئة حديث، وأربعون حديثا. # أخرج له البخاري، ومسلم منها: مئتين وعشرة أحاديث؛ اتفقا على: ثمانية PageV01P233 # وخمسين، وانفرد البخاري: بستة وعشرين، ومسلم: بمئة وستة وعشرين. # وروى -أيضا- عن: أبي بكر، وعمر، وعلي، وجماعة من الصحابة. # روى عنه: خلق من التابعين. # وغزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنفسه: إحدى وعشرين غزوة؛ شهد ms0130 ~~جابر منها معه: تسع عشرة. # استغفر له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمسة وعشرين مرة ليلة ~~العقبة. # مات سنة ثمان، أو تسع وسبعين؛ بعد أن عمي، وكان يخطب بالجمرة، وسنه يوم ~~مات: أربع وتسعون سنة، وصلى عليه: أبان بن عثمان؛ وهو والي المدينة يومئذ. # وروى له: أصحاب المساند والسنن (¬1). # أما لفظه: # فالصاع: مكيال معروف -يذكر، ويؤنث-، ويقال فيه أيضا: صوع، وصواع؛ ثلاث ~~لغات؛ وهو: أربعة أمداد بمد النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ وهو هنا: خمسة ~~أرطال وثلث بغدادية؛ كما في الفطرة، وفدية الحج، وغيرها، وقيل: ثمانية أرطال. # والمد: ربع صاع؛ وهو رطل وثلث، وهو معتبر على التقريب، لا على التحديد؛ ~~هذا هو الصواب المشهور، وذكر بعض أصحابنا وجها: أن المد رطلان (¬2). PageV01P234 # وأما حكم الحديث: # فاعلم أنه: ليس الصاع؛ مذكورا لبيان أقل ما يكفي من الماء في الغسل. وقد ~~أجمع العلماء على أن الماء المجرى في الوضوء، والغسل، غير مقدر؛ بل يكفي ~~فيه القليل، والكثير؛ مما يسمى غسلا، ووضوءا، إذا وجد الإسباغ بجريان الماء ~~على الأعضاء؛ فمتى حصل ذلك، تأدى الواجب؛ وإن لم يبل الثرى. # قال الشافعي - رحمه الله -: وقد يرفق بالقليل؛ فيكفي، ويخرق بالكثير؛ فلا ~~يكفي (¬1). # لكن قال العلماء: والمستحب ألا ينقص ماء الغسل عن صاع، ولا ماء الوضوء عن ~~مد، وقد تقدم مقدارهما، والاختلاف فيه. # وهذا الحديث أحد ما يدل على الصاع، وقد دلت الأحاديث في "سنن أبي داود"، ~~وغيره على مقادير مختلفة، وذلك - والله أعلم -؛ لاختلاف الأوقات، والحالات؛ ~~وهو دليل على عدم التحديد فيه. # وأجمع العلماء على النهي عن الإسراف في الماء؛ لو كان على شاطئ البحر، ~~وهل النهي للتحريم، أو لكراهة التنزيه؟ وجهان لأصحاب الشافعي، أظهرهما: ~~للتنزيه، والثاني: للتحريم، والله أعلم. # وفي الحديث: # بيان ما كان عليه الصحابة، وغيرهم من العلماء من رجوعهم إلى أقوال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -، وأفعاله، وحالاته؛ فإن جابرا - رضي الله عنه - لما ~~كان عنده آل علي بن أبي طالب، وسألوه عن الغسل، وأجابهم بالصاع؛ فأجابه ~~أحدهم بعدم الكفاية، فرد عليه ms0131 جابر بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~وحاله، [وأنه - صلى الله عليه وسلم -أوفى منه شعرا، فأفحمه، ورجع إليه. PageV01P235 # وفيه: جواز الصلاة] (¬1) في ثوب واحد؛ وإن كان المصلي إماما. # وفيه: المباحثة في العلم، والسؤال عنه؛ وإن كان السائل أشرف نسبا. # وفيه: جواز الرد بعنف؛ إذا كان حقا وصوابا في إبلاغ الحق، وإيصاله إلى ~~المردود عليه. # وفيه: وجوب الوقوف عند الحق من غير ممانعة، وجدال، والله أعلم. # * * * PageV01P236 ### || AUTO باب التيمم ### ||| AUTO الحديث الأول # عن عمران بن حصين - رضي الله عنهما -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- رأى رجلا معتزلا لم يصل في القوم، فقال: "يا فلان! ما منعك أن تصلي في ~~القوم؟ "، فقال: يا رسول الله! أصابتني جنابة، ولا ماء، قال: "عليك ~~بالصعيد؛ فإنه يكفيك" (¬1). # أما عمران بن حصين: فهو صحابي ابن صحابي، وكنيته: أبو نجيد -بضم النون-؛ ~~وهو عمران بن الحصين بن عبيد بن خلف بن عبد فهم بن سالم بن عاصرة بن سلول ~~بن حبسية بن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة؛ وهو لحي بن حارثة بن عمرو بن ~~عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث بن ثبت بن ~~مالك بن زيد بن هلال الخزاعي. # وممن ذكر صحبة أبيه: أبو حاتم بن حبان، وقال فيه: حصين بن عبيد الخزاعي: ~~والد عمران، له صحبة. # أسلم أبو هريرة، وعمران عام خيبر. # وكان لعمران ابن اسمه نجيد، كني به. PageV01P237 # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: مئة حديث، وثمانون حديثا؛ ~~اتفقا على ثمانية، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بتسعة. # روى عنه: جماعة من التابعين، وروى له: أصحاب السنن والمساند. # ونزل البصرة، وكان قاضيا بها؛ استقضاه عبد الله بن عامر، فأقام أياما، ثم ~~استعفاه فأعفاه. # وكان الحسن البصري يحلف بالله ما قدمها -يعني: البصرة- راكب، أنفع لهم؛ ~~من عمران بن حصين. # ومات بها سنة اثنتين وخمسين (¬1). # واعلم أن آية التيمم نزلت في شعبان، سنة خمس من الهجرة، في غزوة ~~المريسيع: # قصد رسول الله - صلى ms0132 الله عليه وسلم - بني المصطلق من خزاعة على مائهم، ~~قريب من الفرع؛ فقتل منهم رجالهم، وسبا نساءهم، وكان فيمن سبى؛ جويرية بنت ~~الحارث بن أبي ضرار، تزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وجعل صداقها ~~أربعين أسيرا من قومها. # وفي هذه الغزاة سقط عقد عائشة؛ فأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بالناس على التماسه، وليسوا على ماء؛ فنزلت آية التيمم. # أما التيمم لغة، فهو: القصد. # قال الإمام أبو منصور الأزهري: التيمم في كلام العرب: القصد، يقال: تيممت ~~فلانا، ويممته، وتأممته؛ وأممته؛ أي: قصدته (¬2). # ثم إن التيمم خصيصة خص الله تعالى به هذه الأمة -زادها الله شرفا-. PageV01P238 # وهو ثابت بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة. # وأما الصعيد، فالمراد به: التراب، وهو مذهب الأكثرين. # وقيل: هو جميع ما صعد على الأرض. # واعلم أن: اعتزال الرجل -المذكور في الحديث- الناس، وترك الصلاة فيهم، لا ~~يخلو؛ إما أن يكون في المسجد؛ وهو الظاهر، أو خارجه: # فإن كان خارجه، فيكون الرجل قد لزم الأدب والسنة في ترك جلوسه عند ~~المصلين إذ لم يصل معهم. # وإن كان في المسجد، فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمن رآه ~~جالسا في المسجد، والناس يصلون: "ما منعك أن تصلي مع الناس، ألست برجل ~~مسلم؟! " (¬1)؛ وهذا الإنكار؛ لشدة قبح الصورة في ترك الصلاة جالسا، والناس يصلون. # أما أن يترك الصلاة جنبا، لابثا في المسجد، عالما بتحريمه، مع تقرير عليه ~~من غير إنكار، وتبيين الحكم له؛ فلا يجوز ذلك على مذهب جماهير العلماء؛ ~~استدلالا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا أحل المسجد لجنب، ولا حائض" (¬2). # وجوز أحمد: المكث فيه للجنب، وضعف هذا الحديث؛ لجهالة رواته، وبه قال ~~المزني. # لكنه مخالف لظاهر القرآن العزيز، في قوله تعالى: {ولا جنبا إلا عابري ~~سبيل حتى تغتسلوا} [النساء: 43]؛ بمعنى: لا تقربوا الصلاة، ولا مواضعها ~~المعدة لها، إلا عابري سبيل مجتازين، غير لابثين، للخروج من المساجد؛ إذا ~~كنتم جنبا، فقد أبيح العبور فيها من غير لبث. PageV01P239 # وهو قول الحسن، ومالك، والشافعي، ومنع العبور فيها مطلقا أبو ms0133 حنيفة، ~~وأصحابه، وقال بعض أصحابه: يتيمم للمرور فيها. # وأما الصلاة: فلم يبح أحد الدخول فيها جنبا للقادر على الماء، أو التراب، ~~وعند عدمهما يجوز الدخول فيها؛ للضرورة. # فعلى قول الجمهور يكون معنى الحديث: أن الرجل اعتزل المصلى، والصلاة، في ~~غير سفر: # فلو كان في حضر؛ بأن كان في قرية انقطع ماؤها، فإنه يتيمم، ويصلي، ولا ~~إعادة عليه عند مالك، والأوزاعي، ويعيد عند الشافعي؛ إذا قدر على الماء في ~~الوقت، ويقضي خارجه؛ لندرة إعواز الماء في الحضر، وعند أبي حنيفة: يؤخر ~~الصلاة حتى يجد الماء. # وهذا الحديث حجة عليه، وعلى من أوجب الإعادة؛ لإطلاقه كفاية التيمم من ~~غير إعادة، فإنها لا تجب إلا بأمر محدد، ولا أمر؛ فإنه - صلى الله عليه ~~وسلم - لا يجوز له تأخير البيان عن وقت الحاجة. # كيف! وهو متأخر عن الأمر بالتيمم؛ فإنه في سنة خمس، وهذا بعد إسلام عمران ~~بن الحصين - رضي الله عنهما -، وهو بعد عام خيبر، سنة سبع، والله أعلم. # وقوله: "أصابتني جنابة، ولا ماء"؛ يحتمل أنه لم يعلم مشروعية التيمم، ~~ويحتمل أنه علمه، لكن اعتقد أن الجنب لا يتيمم، ورجح هذا الاحتمال؛ لسبق ~~مشروعية التيمم على إسلام عمران راوي الحديث. # وقوله: "ولا ماء"؛ نفي لوجود الماء بالكلية؛ بحيث لا يوجد بسبب، ولا سعي؛ ~~ليكون أبلغ في النفي، وإقامة العذر. # وقد أنكر بعض المتكلمين على النحاة، تقديرهم في قوله: لا إله إلا الله؛ ~~لنا، أو في الوجود، وقال: نفي الحقيقة مطلقة أعم من نفيها مقيدة؛ لأن ~~إبقاءها مقيدة؛ دليل على سلب الماهية مقيدة. PageV01P240 # وانتفاؤها غير مقيدة دليل على نفي الحقيقة، فتنتفي مع كل قيد، وإذا انتفت ~~مع كل القيد؛ لا يلزم نفيها مع قيد آخر، والله أعلم. # وفي الحديث: دليل على: أن العالم إذا رأى أمرا يخالف الشرع، أن يسأل عنه ~~المخالف قصدا؛ لتعليمه ما جهله. # وفيه دليل على: وجوب تبيين الحكم والصواب على الفور من غير تأخير. # وفيه دليل على: أن التيمم قائم مقام الغسل عند عدم الماء، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني ms0134 # عن عمار بن ياسر - رضي الله عنهما - قال: بعثني النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في حاجة، فأجنبت، فلم أجد الماء؛ فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة، ~~ثم أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فذكرت ذلك له، فقال: "إنما يكفيك أن ~~تقول بيديك هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على ~~اليمين، وظاهر كفيه، ووجهه (¬1). # أما عمار بن ياسر: فهو صحابي ابن صحابي، وأمه سمية أيضا صحابية، وكنيته: ~~أبو اليقظان بن ياسر بن مالك بن الحصين بن قيس بن ثعلبة بن عنس بالنون [بن ~~عوف بن يلم] (¬2) بن زيد بن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب ابن عوف بن زيد بن ~~كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. # وأمه سمية بنت خياط، كانت أمة لأبي حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو ~~بن مخزوم، وكان ياسر قدم [من اليمن] (¬3) إلى مكة، فحالف أبا حذيفة بن ~~المغيرة؛ فزوجه إياها، فولدت عمارا، فأعتقه أبو حذيفة. PageV01P241 # أسلم ياسر وسمية، وكان إسلامهما ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~دار الأرقم؛ هو وصهيب بن سنان في وقت واحد بعد بضعة وثلاثين رجلا. # قال مجاهد: أول من أظهر إسلامه: أبو بكر، وبلال، وخباب، وصهيب، وعمار، ~~وأمه سمية. # وكان ممن يعذب في الله؛ هو، وأبوه، وأمه، فمر بهم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وهم يعذبون، فقال: "صبرا آل ياسر؛ فإن موعدكم الجنة" (¬1). # وقتل أبو جهل سمية؛ وكانت أول شهيدة في الإسلام، ولما أعطى عمار المشركين ~~بلسانه ما أرادوا، واطمأن بالإيمان قلبه؛ أنزل الله فيه: {إلا من أكره ~~وقلبه مطمئن بالإيمان} [النحل: 106]، أجمع على ذلك أهل التفسير. # وهاجر إلى أرض الحبشة، ثم إلى المدينة، وصلى القبلتين، وهو من المهاجرين ~~الأولين، ثم شهد بدرا، والمشاهد كلها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وأبلى ببدر بلاء حسنا. # وكان عمار أول من بنى مسجدا في الإسلام؛ وهو مسجد قباء، ذكره ابن الأثير. # وقال ابن عباس، في قول الله تعالى: {أومن كان ميتا فأحييناه ms0135 وجعلنا له ~~نورا يمشي به في الناس} [الأنعام: 122]، قال: عمار بن ياسر، {كمن مثله في ~~الظلمات ليس بخارج منها} [الأنعام: 122]، قال: أبو جهل بن هشام (¬2). # وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن عمارا ملئ إيمانا إلى ~~مشاشه"؛ ويروى: "إلى أخمص قدميه" (¬3). PageV01P242 # وقال خالد بن الوليد، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من أبغض ~~عمارا، أبغضه الله"؛ قال خالد: فما زلت أحبه من يومئذ (¬1). # وروى أنس - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: ~~"اشتاقت الجنة إلى: علي، وعمار، وسلمان، وبلال" (¬2). # واستأذن عمار على النبي - صلى الله عليه وسلم - يوما، فعرف صوته، فقال: ~~"مرحبا بالطيب المطيب؛ ائذنوا له" (¬3). # وعن علي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"إنه لم يكن نبي، إلا أعطي سبعة نجباء، ووزراء، ورفقاء؛ وإني أعطيت أربعة ~~عشر: حمزة، وجعفرا، وأبا بكر، وعمر، وعليا، والحسن، والحسين، وعبد الله بن ~~مسعود، وسلمان، وعمارا، وأبا ذر، وحذيفة، والمقداد، وبلالا" (¬4). # وتواترت الآثار عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "تقتل عمارا ~~الفئة الباغية" (¬5)؛ وهذا PageV01P243 # من إخباره بالغيب، وأعلام نبوته - صلى الله عليه وسلم -. # وعن عمرو بن سلمة قال: لكأني أنظر إلى عمار يوم صفين، واستسقى، فأتي ~~بشربة من لبن، فشرب، فقال: اليوم ألقى الأحبة، إن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عهد إلي أن آخر شربة أشربها من الدنيا، شربة لبن"، ثم قاتل حتى ~~قتل - رضي الله عنه - (¬1). # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اثنان وستون حديثا؛ اتفقا ~~منها على حديثين، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بحديث واحد. # وروى عنه: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وأبو موسى الأشعري، وأبو ~~أمامة الباهلي، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وأبو ~~الطفيل عامر بن واثلة، وأبو لاس الخزاعي -وهؤلاء صحابة-، وغيرهم من ~~التابعين. # وروى له: أصحاب السنن والمساند. # وقتل بصفين سنة سبع وثلاثين، ودفنه علي في ثيابه؛ ولم يغسله، وهو ابن ~~ثلاث وتسعين سنة، ms0136 وقيل: إحدى وتسعين، والله أعلم (¬2). # وأما ما يتعلق بالحديث من الألفاظ، والمعاني، والأحكام: # فقوله: "فتمرغت في الصعيد؛ كما تمرغ الدابة": # وهو استعمال لقياس تقدم العلم بمشروعية التيمم عليه. PageV01P244 # وكأن عمارا لما رأى الوضوء خاصا ببعض الأعضاء، وبدله؛ وهو التيمم خاصا ~~-أيضا-؛ وجب أن يكون بدل الغسل الذي يعم جميع البدن عاما لجميعه. # وقد استدل أبو محمد بن حزم الظاهري بهذا الحديث على إبطال القياس؛ لأن ~~عمارا قدر: أن المسكوت عنه؛ من التيمم للجنابة، حكمه حكم الغسل من الجنابة؛ ~~إذ هو بدل منه، فأبطل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك، وأعلمه أن لكل ~~شيء حكم المنصوص عليه فقط. # قال شيخنا أبو الفتح القاضي - رحمه الله -: والجواب عن استدلاله بهذا ~~الحديث على بطلان هذا القياس الخاص: # أنه لا يلزم من بطلان الخاص، بطلان العام، والقائسون لا يعتقدون صحة كل قياس. # ثم في هذا القياس شيء آخر؛ وهو أن الأصل -الذي هو الوضوء- قد نفي فيه ~~مساواة البدل؛ فإن التيمم لا يعم جميع أعضاء الوضوء؛ فصار مساواة البدل ~~للأصل ملغى في محل النص؛ وذلك لا يقتضي المساواة في الفرع. # بل لقائل أن يقول: قد يكون الحديث دليلا على صحة أصل القياس، وأن قوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "إنما كان يكفيك كذا وكذا"؛ يدل أنه: لو كان فعله، لكفاه. # وذلك دليل على صحة قولنا: لو كان فعله؛ لكان مصيبا، ولو كان فعله؛ لكان ~~قائسا التيمم للجنابة، على التيمم للوضوء؛ على تقدير أن يكون اللمس ~~-المذكور في الآية- ليس هو الجماع. # لأنه لو كان عند عمار هو الجماع، لكان حكم التيمم مبينا في الآية؛ فلم ~~يكن يحتاج إلى أن يتمرغ؛ فإن فعله ذلك لا يتضمن اعتقاد كونه ليس عاملا ~~بالنص، بل بالقياس. # وحكم النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه كان يكفيه التيمم على الصورة ~~المذكورة، مع ما بين من PageV01P245 # كونه لو فعل ذلك لفعله بالقياس عنده لا بالنص (¬1). # قوله: "ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة": # استدل به من قال: الواجب في التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين؛ ms0137 وهو مذهب ~~عطاء، ومكحول، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وعامة أصحاب الحديث، ~~وهو قول قديم للشافعي، ورواية عن مالك. # وحكى أصحاب الشافعي عن الزهري: أنه يجب مسح اليدين إلى الإبطين. # وقال الخطابي: لم يختلف أحد في أنه لا يلزم مسح ما وراء المرفقين. # ومذهب مالك ترجع حقيقته إلى الاكتفاء بضربة واحدة للوجه واليدين، فإنه ~~إذا فعل ذلك، يعيد في الوقت؛ والإعادة تتضمن إجزاءه ظاهرا. # ومذهب الشافعي والأكثرين: أنه لا بد من ضربتين: ضربة للوجه، وضربة ~~لليدين، وقد ورد في حديث لا يقاوم هذا الحديث في الصحة، ولا يعارض بمثله. # وبمثل قول الشافعي، قال علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، والحسن ~~البصري، والشعبي، وسالم بن عبد الله بن عمر، وسفيان الثوري، ومالك، وأبو ~~حنيفة، وأصحاب الرأي، وآخرون. # وحكى أصحاب الشافعي -أيضا-، عن ابن سيرين: أنه قال: لا يجزئه أقل من ثلاث ~~ضربات؛ ثانية لكفيه، وثالثة لذراعيه. # لكن الأول قوي جدا؛ وقواه بعض المشايخ المحققين الذين أدركناهم، وأفتي ~~به، والله أعلم. # قوله: "ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه، ووجهه": # قدم في لفظ الحديث مسح اليدين على مسح الوجه، لكن بحرف الواو؛ وهو PageV01P246 # لا يقتضي الترتيب، وفي غير هذا الحديث: ثم مسح وجهه، بلفظ (ثم)، وهي ~~تقتضي الترتيب. # فاستدل به على أن: ترتيب اليدين على الوجه ليس بواجب؛ لأنه إذا ثبت ذلك ~~في التيمم، ثبت في الوضوء، ولا قائل بالفرق. # قوله: "وظاهر كفيه": # يقتضي الاكتفاء بمسح الكف في التيمم؛ وهو مذهب أحمد. # وحكى الحسن بن زياد، عن أبي حنيفة: أنه إذا مسح أكثر وجهه، وأكثر يديه ~~أجزأه، ومذهب الشافعي وأبي حنيفة -في المشهور عنه-: أن التيمم إلى ~~المرفقين، واستدل على ذلك: # بتقييده اليد، بالغاية إلى المرفقين في الوضوء؛ لقوله تعالى: {فاغسلوا ~~وجوهكم وأيديكم إلى المرافق} [المائدة: 6]. # وأطلقت في التيمم؛ بقوله تعالى: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} [المائدة: ~~6]، فلو كانت الغاية في التيمم مغايرة للوضوء، لبينها؛ فدل على أن الغاية ~~في التيمم كالغاية في الوضوء. # وبحديث أبي الجهم عبد الله بن الحارث ms0138 بن الصمة الأنصاري النجاري: أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - تيمم على الجدار؛ فمسح وجهه ويديه" (¬1). # ولا شك أن اليد تطلق لفظا: على رؤوس الأصابع إلى الإبط، وتطلق شرعا، ~~ولفظا: على الكف، وتطلق كذلك: على الكف والذراع. # وهذه الإطلاقات الثلاثة مذاهب للعلماء، تقدم نقلها، لكن أقواها: أن ~~المراد باليدين: الكفان؛ لظاهر حديث عمار؛ ولآية السرقة: {فاقطعوا أيديهما} ~~[المائدة: 38]، والمراد: كفاهما إجماعا. # وقد ورد في بعض روايات حديث أبي الجهم: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~مسح وجهه، PageV01P247 # وذراعيه"، والذي في "الصحيح": "ويديه". # وفي هذا الحديث فوائد: # منها: جواز الاجتهاد في زمن - صلى الله عليه وسلم -، وقد اختلف العلماء ~~في ذلك على مذاهب: # أصحها: الجواز؛ فإن عمارا اجتهد في صفة التيمم - رضي الله عنه -، # والقائلون بذلك يجوزونه بحضرته -أيضا-. # والثاني: لا يجوز بحال. # والثالث: يجوز في غير حضرته، ولا يجوز فيها، والله أعلم. # ومنه: مراجعة العلماء في العلم والاجتهاد؛ فإن عمارا - رضي الله عنه - ~~راجع النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما اجتهد فيه. # ومنها: ذكر العلماء لمن راجعهم وجه الصواب، وتبيينه. # ومنها: البيان بالفعل، وأنه أبلغ في التفهيم من القول. # ومنها: أن التيمم ضربة واحدة؛ وأنه في الوجه، والكفين، وتقدم بيانه. # ومنها: جواز إطلاق القول على الفعل؛ بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما ~~يكفيك أن تقول بيديك". # ومنها: أن الجنب، إذا لم يجد الماء، تيمم، وفي حكمه الحائض والنفساء إذا ~~طهرتا وعدمتا الماء. # وذهب عمر وابن مسعود: إلى أن الجنب لا يصلي بالتيمم، بل يؤخر الصلاة إلى ~~أن يجد الماء، فيغتسل، وحمل قوله تعالى: {أو لامستم النساء} [النساء: 43]؛ ~~على اللمس باليد، دون الجماع. # وحديث عمار هذا حجة؛ وكان عمر نسي قصة عمار، وروي أن ابن مسعود رجع عن ~~قوله، وجوزه للجنب. # * * * PageV01P248 ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "أعطيت خمسا، لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي؛ نصرت بالرعب مسيرة شهر، ~~وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا؛ فأيما رجل من أمتي، أدركته ms0139 الصلاة؛ فليصل، ~~وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد من قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث ~~إلى قومه، وبعثت إلى الناس عامة" (¬1). # أما جابر بن عبد الله؛ فتقدم ذكره قريبا، قبل باب التيمم. # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أعطيت خمسا"، فهو تعديد لفضائله التي ~~خص بها، دون سائر الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-. # ثم ظاهر الحديث: أن كل واحدة من الخمس لم تكن لأحد من الأنبياء قبله، وقد ~~يعترض على ذلك: بأن نوحا - صلى الله عليه وسلم - كان مبعوثا إلى كل أهل ~~الأرض بعد خروجه من الفلك. # وأجيب عنه: بأن ذلك من لزوم الوجود؛ لأنه لم يبق إلا من كان معه من ~~المؤمنين؛ فكان مرسلا إليهم، لا لعموم أصل بعثته؛ لانحصار الخلق في ~~الموجودين بسبب ذلك الحادث. # بخلاف نبينا - صلى الله عليه وسلم -؛ فإن عموم رسالته في أصل البعثة، وهو ~~موجب قبولها عموما في الأصول والفروع. # ثم تمحيض العبادة لله تعالى هو التوحيد؛ فيجوز أن تكون الدعوة إليه عامة، ~~لكن على ألسنة أنبياء متعددة؛ ليثبت التكليف به لسائر الخلق، وإن لم تعم ~~الدعوة به، بالنسبة إلى نبي واحد. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "نصرت بالرعب، مسيرة شهر": PageV01P249 # الرعب: الوجل، والخوف؛ لتوقع نزول محذور. # ثم هذه الخصيصة تنفي وجود الرعب لغيره - صلى الله عليه وسلم - في أكثر من ~~مسيرة شهر، ولا ينفي أقل من ذلك، وأما المساواة، فهي -أيضا- منفية؛ لحصول ~~الاشتراك معه - صلى الله عليه وسلم - في خصوصيته وفضائله، ويجوز أن يحصل ~~ذلك لغيره؛ من أتباعه، على سبيل التبعية له - صلى الله عليه وسلم -، لا على ~~سبيل الأصالة؛ ككرامات الأولياء، والله أعلم. # قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وجعلت لي الأرض مسجدا": المسجد في الأصل: ~~موضع السجود. # وهو بكسر الجيم، وفتحها، وقيل: بالفتح: اسم لمكان السجود. # وبالكسر: اسم للموضع المتخذ مسجدا. # وحكى غير واحد من أهل اللغة: أنه يقال للمسجد: مسيد -بفتح الميم، وكسر ~~الياء المثناة تحت، بدل الجيم-. # ثم يطلق في العرف: على كل مكان مبني للصلاة؛ التي فيها السجود. ms0140 # وكانت الأمم الماضية لا يجوز لها الصلاة إلا في الأماكن المعدة لها؛ من ~~البيع، والكنائس، وقيل: كانوا لا يصلون إلا في أرض تيقنوا طهارتها، وخصت ~~هذه بالصلاة في جميع الأرض، إلا ما تيقنا نجاسته. # فأكرم الله تعالى نبيه محمدا - صلى الله عليه وسلم -، وأمته؛ بجعل الأرض ~~كلها مسجدا؛ توسعة عليها، واستثنيت أماكن تمنع الصلاة فيها؛ لوصف عرض لها؛ ~~لنجاسة، أو إيهام تعظيم، أو لشغل قلب المصلي فيها؛ كالسوق، ومعاطن، تتعلق ~~به شيء، من أحكام المساجد الشرعية. # وقد يكون تسميتها مسجدا مجازا من المكان المبني للصلاة؛ لاشتراكهما في ~~الصلاة فيها؛ فيكون من مجاز التشبيه بجملة الصلاة، لا بعضها؛ وهو السجود فقط. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وطهورا": الطهور: هو المطهر لغيره؛ ~~لخصوصية التطهير بالتراب بعد الماء. PageV01P250 # ولو كان الطهور هو الطاهر، لم تثبت الخصوصية؛ فإن طهارة الأرض عامة في حق ~~كل الأمم. # وقد استدل به من جوز التيمم بجميع أجزاء الأرض؛ للعموم في قوله: "وجعلت ~~لي الأرض مسجدا وطهورا". # وأجاب من خص التيمم بالتراب؛ بتخصيصه به في الحديث الآخر؛ وهو قوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "وجعلت تربتها لنا طهورا" (¬1)، والخاص يقضي على العام. # واعترض على ذلك بوجوه: # منها: أن تربة كل مكان: ما فيه من تراب وغيره. # ومنها: أنه مفهوم اللقب، وهو يعلق الحكم بالتربة؛ وهو ضعيف عند ~~الأصوليين، لم يقل به إلا الدقاق. # وأجيب عن هذا: بأن في الحديث قرينة زائدة على مجرد تعليق الحكم بالتربة؛ ~~وهو الافتراق في اللفظ: بين جعل الأرض كلها مسجدا، وجعل تربتها طهورا؛ ~~بمقتضى الحديث الآخر، والافتراق في السياق بالعطف يدل على الافتراق في الحكم. # ومنها: أنه لو سلم أن الحديث الذي خص التربة بالطهورية بمفهومه، والحديث ~~الذي عم الأرض بها جميع أجزائها بمنطوقه؛ وإذا تعارضت دلالة المفهوم التي ~~تنفي الطهورية، عن غيرها من أجزاء الأرض، ودلالة المنطوق التي تقتضي طهورية ~~جميع أجزائها؛ لكان المنطوق مقدما على المفهوم هاهنا، والله أعلم. # وقال بعض المالكية: لفظ طهور يستعمل لا عن حدث، ولا خبث؛ كما سمي الصعيد ms0141 ~~طهورا، وليس عن حدث، ولا خبث؛ فإن التيمم لا يرفع الحدث. # وجعل ذلك جوابا عن استدلال الشافعية على نجاسة فم الكلب، بقوله: PageV01P251 # "طهور إناء أحدكم، إذا ولغ فيه الكلب؛ أن يغسل سبعا" (¬1)؛ فقالوا: طهور؛ ~~يستعمل إما عن حدث، أو خبث، ولا حدث على الإناء؛ فتعين أن يكون عن خبث. # فمنع هذا -المجيب المالكي- الحصر، وقال: إن لفظة طهور، تستعمل في إباحة ~~الاستعمال؛ كما في التراب؛ إذ لا يرفع الحدث كما قلناه؛ فيكون قوله: "طهور ~~إناء أحدكم" مستعملا في إباحة استعماله؛ كما في التيمم. # قال شيخنا أبو الفتح القاضي - رحمه الله -: وفي هذا عندي نظر؛ فإن ~~التيمم، وإن قلنا: إنه لا يرفع الحدث، لكن الموجب عندي؛ لفعله الحدث، وفرق ~~بين قولنا: إنه من حدث، وبين قولنا: إنه يرفع الحدث (¬2). # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة، ~~فليصل": # أيما: هذه صيغة عموم يدخل تحتها من لم يجد ماء، ووجد ترابا، ومن لم يجد ~~ماء، ولا ترابا، ووجد غيرهما؛ من أجزاء الأرض. # يستدل به على عموم التيمم بأجزائها، ومن خص التيمم بالتراب، يحتاج إلى ~~دليل؛ يخص هذا العموم، أو يحمل الحديث على من لم يجد ماء، ولا ترابا؛ فإنه ~~يصلي على حسب حاله. # ويحتمل أن يكون العموم بالنسبة إلى جميع حالات الصلاة والمصلي؛ من عدم ~~آلة الطهارة، وغير ذلك، ومما يتعلق بالصلاة، ووقتها، ومكانها. # فإنه كانت الأمم الماضية لا تصلي إلا في المساجد بوضوء؛ على المشهور من ~~قول العلماء: في أن الوضوء لم يكن خاصا بهذه الأمة، بقوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "هذا وضوئي، ووضوء الأنبياء قبلي" (¬3)، في التثليث، ولا يخرجها عن ~~وقتها؛ مع ضيق الوقت، وتعيينه. PageV01P252 # وخصت هذه الأمة بالتيمم بدلا عن الوضوء، والغسل؛ فكأنه - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة؛ على أي حال كان، وفي أي ~~مكان، فليصلها، [وخصت أنها بسعة الوقت، إلا في المغرب؛ على قول] (¬1). # لكن تعقيب الحكم بالفاء، في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فأيما رجل من ~~أمتي"، عقب قوله: ms0142 "جعلت لي الأرض مسجدا، وطهورا" يدل على أن العموم بالنسبة ~~إلى مكان الصلاة، وطهارتها، والله أعلم. # قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وأحلت لي الغنائم": # لا شك أن الغنائم كانت محرمة على الأمم الماضية، فكانوا يجمعونها، فتأتي ~~نار من السماء، فتأكلها، فأحلها الله تعالى لهذه الأمة؛ إكراما لها لضعفها، ~~بسبب نبيها - صلى الله عليه وسلم -. # ثم إن المراد بإحلالها له - صلى الله عليه وسلم -: تصرفه فيها، بقسمتها ~~لنفقته ولمن يشاء؛ كما في قوله تعالى: {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله ~~والرسول} [الأنفال: 1]. # ويحتمل أن المراد به: بعض الغنائم؛ كما في بعض الأحاديث: "وأحل لنا ~~الخمس" رواه أبو حاتم بن حبان في "صحيحه" (¬2). # والغنائم: ما يؤخذ من الكفار؛ بإيجاف الخيل والركاب بقتال، والله أعلم. # قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وأعطيت الشفاعة": # الألف واللام تكون للعهد؛ كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وأعطيت ~~الشفاعة"، وقوله تعالى: {فعصى فرعون الرسول} [المزمل: 16]. # وتكون للعموم؛ كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "المسلمون تتكافأ دماؤهم" ~~(¬3). PageV01P253 # وقد تكون لتعريف الحقيقة؛ كقولهم: الرجل خير من المرأة، والفرس خير من ~~الحمار. # ولا شك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له شفاعة عامة؛ وهي: التي ~~تكون في المحشر، يفزع إليه الخلائق بسببها - صلى الله عليه وسلم -؛ في ~~إراحتهم من طول القيام بتعجيل حسابهم، وهذه خاصة به - صلى الله عليه وسلم ~~-، لا خلاف فيها، ولا تنكرها المعتزلة؛ فعلى هذا تكون الألف واللام في ~~الشفاعة للعهد. # قال القاضي عياض: وقيل: المراد بالشفاعة: شفاعة لا ترد، قال: وقد تكون ~~شفاعته المذكورة في الحديث لخروج من في قلبه مثقال ذرة من إيمان من النار؛ ~~لأن الشفاعة لغيره إنما جاءت قبل هذا، وهذه مختصة به؛ كشفاعة المحشر (¬1). # واعلم أن شفاعاته الأخروية خمس: # إحداها: هي العظمى التي يحمده عليها الأولون والآخرون؛ وهي خاصة به؛ كما ذكرنا. # الثانية: الشفاعة في إدخال قوم الجنة بغير حساب ولا عقاب؛ وهذه أيضا ~~ثابتة له - صلى الله عليه وسلم -، قال شيخنا أبو الفتح القاضي- رحمه الله ~~تعالى-: ولا أعلم الاختصاص فيها، أو ms0143 عدمه (¬2). # الثالثة: الشفاعة لقوم قد استوجبوا النار؛ فيشفع في عدم دخولهم النار؛ ~~وهذه غير مختصة. # الرابعة: فيمن يدخل النار من المذنبين؛ فيشفع في خروجهم منها، وقد صح ~~فيها: عدم الاختصاص؛ من شفاعة الأنبياء، والملائكة، والإخوان من PageV01P254 # المؤمنين، ثم يخرج الله كل من قال: لا إله إلا الله؛ كما جاء في الحديث، ~~لا يبقى فيها إلا الكافرون. # الخامس: الشفاعة بعد دخول الجنة في زيادة الدرجات لأهلها؛ وهذه لا تنكرها ~~المعتزلة. # فيلخص أن الشفاعة: معلومة الاختصاص به - صلى الله عليه وسلم -، ومعلومة ~~عدم الاختصاص، ومحتملة الوجهين؛ فلا يكون الألف واللام للعموم. # فإن كان قد صدر منه - صلى الله عليه وسلم - الإعلام بالأول للصحابة؛ ~~فالألف واللام للعهد. # وإن لم يتقدم ذلك على هذا الحديث؛ فليجعل الألف واللام لتعريف الحقيقة، ~~وينزل على الشفاعة العظمى؛ لأنه كالمطلق حينئذ، فيكتفى بتنزيله على فرد. # وليس لك أن تقول: لا حاجة إلى هذا التكلف؛ فإنه ليس في الحديث إلا قوله: ~~"أعطيت الشفاعة"، وكل الأقسام قد أعطيها - صلى الله عليه وسلم -؛ فيحمل ~~اللفظ على العموم. # لأنا نقول: هذه الخصلة مذكورة في الخمس التي اختص بها - صلى الله عليه ~~وسلم -؛ فلفظها -وإن كان مطلقا- إلا أن ما سبق في صدر هذا الكلام يدل على ~~الخصوصية. # ثم اعلم أنه: لا شك أنه قد عرف بالنقل المستفيض سؤال السلف الصالح -رضي ~~الله عنهم- شفاعة نبينا - صلى الله عليه وسلم -، ورغبتهم فيها. # وعلى هذا لا يلتفت إلى قول من قال: يكره أن يسأل الله تعالى أن يرزقه ~~شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لكونها لا تكون إلا للمذنبين؛ فإنها ~~قد تكون -كما قدمنا- لتخفيف الحساب، وزيادة الدرجات. # ثم كل عاقل معترف بالتقصير؛ محتاج إلى العفو، غير معتقد في عمله، مشفق أن ~~يكون من الهالكين؛ ويلزم هذا القائل ألا يدعو بالمغفرة والرحمة؛ لأنها ~~لأصحاب الذنوب؛ وهذا كله خلاف ما عرف من دعاء السلف، والخلف، والله أعلم. PageV01P255 # ثم اعلم أن كيفية شفاعته - صلى الله عليه وسلم -: أنه يشفع أولا في إراحة ~~الخلق من الموقف، والفصل بين العباد، وهذا ms0144 هو المقام المحمود الذي ادخره ~~الله تعالى له، وأعلمه أنه يبعثه فيه. # ثم بعد ذلك حلت الشفاعة في أمته - صلى الله عليه وسلم -، وفي المذنبين، ~~وحلت شفاعة الأنبياء، والملائكة، وغيرهم -صلوات الله وسلامه عليهم-. # ثم تمييز المؤمنين من المنافقين، ثم حلول الشفاعة، ووضع الصراط، وهذه ~~شفاعة في المؤمنين المذنبين على الصراط؛ وهي لنبينا - صلى الله عليه وسلم ~~-، ولغيره. # ثم الشفاعة فيمن دخل النار، وهذا مما تقتضيه مجموع الأحاديث، والله أعلم. # قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وكان النبي يبعث إلى قومه، وبعثت إلى ~~الناس كافة": # تقدم الكلام على نوح - صلى الله عليه وسلم -، والاعتراض به على هذا في ~~كونه بعث إلى أهل الأرض، والجواب عنه. # وفي هذه الرواية: أنه - صلى الله عليه وسلم - بعث إلى الناس كافة، وهي ~~تقتضي: تخصيص البعثة إلى الناس، دون غيرهم، وليس الأمر كذلك؛ فإنه - صلى ~~الله عليه وسلم - ذكر ذلك في معرض امتنان الله تعالى عليه، لكنه لا تنفى ~~زيادة الامتنان ببعثته إلى غيرهم؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - بعث إلى ~~الأبيض والأسود. # وروى مسلم في "صحيحه": أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "وبعثت إلى كل ~~أحمر وأسود" (¬1). # قيل: المراد بالأحمر: البيض من العجم، وغيرهم، وبالأسود: العرب؛ لغلبة ~~السمرة فيهم، وغيرهم من السودان. # وقيل: المراد بالأسود: السودان، وبالأحمر: من عداهم من العرب، وغيرهم. PageV01P256 # وقيل: الأحمر: الإنس، والأسود: الجن، ولا شك أنه - صلى الله عليه وسلم - ~~بعث إلى الجن، والإنس. # ثم إنه - صلى الله عليه وسلم - خص بهذه الخمسة، وغيرها؛ من جوامع الكلم، ~~ومفاتيح خزائن الأرض، والآيات من خواتيم سورة البقرة. # وجوامع كلمه - صلى الله عليه وسلم - هي: القرآن، وكلامه - صلى الله عليه ~~وسلم -؛ فإن كلا منهما ألفاظه يسيرة، ومعانيه كثيرة، والله أعلم. # وفي هذا الحديث: # جواز ذكر ما امتن الله به على عبده، وخصه به، وعدم كتمانه، قال تعالى: ~~{وأما بنعمة ربك فحدث} [الضحى: 11]. # وفيه دليل على: جواز الصلاة في جميع البقاع، إلا ما استثناه الشرع؛ من ~~المقبرة، والمزبلة، والمجزرة، وسائر المواضع النجسة، ومواضع الشياطين. # وفيه ms0145 دليل على: أن الأصل في الأرض الطهارة. # وعلى: تحليل الغنائم بشرطها. # وجواز ذكر العلم من غير سؤال، خصوصا عند الاحتياج إليه. # والتعريف بنعم الله تعالى، وعدم الجهل، والله أعلم. # وقد يستدل به على: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفضل الأنبياء، ~~وأنه - صلى الله عليه وسلم - فضل بأشياء على غيره منهم؛ وذلك دليل على ~~أفضليته، والله أعلم. # ولا شك أنه: يعرف فضل المتبوع بفضل التابعين -أيضا-؛ فكما أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - أفضل الأنبياء، فكذلك أمته خير الأمم، وقد ثبت: أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "أهل الجنة عشرون ومئة صف، أنتم ثمانون" (¬1)، والله أعلم. # * * * PageV01P257 ### || AUTO باب الحيض ### ||| AUTO الحديث الأول # عن عائشة - رضي الله عنها -: أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، فقالت: إني أستحاض، فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: "لا" ~~إن ذلك عرق؛ ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي، ~~وصلي (¬1). # وفي رواية: "وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة؛ فاتركي الصلاة، فإذا ذهب ~~قدرها؛ فاغسلي عنك الدم، وصلي" (¬2). # أما عائشة: فتقدم ذكرها. # وأما فاطمة بنت أبي حبيش: # فاسم أبيها: قيس بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي، القرشية، ~~الأسدية، وهي غير فاطمة بنت قيس؛ التي روت قصة طلاقها، ولا نعرف لهذه ~~المذكورة في هذا الحديث رواية غير حديث الاستحاضة هذا. # وحبيش: بضم الحاء المهملة، وفتح الباء الموحدة، ثم الياء المثناة تحت، ثم ~~الشين المعجمة، وله في الأسماء مشابه خمسة، ذكرها ابن ماكولا (¬3). PageV01P258 # ووقع في "صحيح مسلم"، في أكثر النسخ: فاطمة بنت أبي حبيش بن عبد المطلب؛ ~~وهو وهم، والصواب: ما ذكرناه، بحذف لفظة عبد (¬1). # وأما لفظه: # فالحيض، والاستحاضة؛ أصله: السيلان؛ فالحائض تسمى حائضا عند سيلان الدم ~~منها، والاستحاضة عند سيلانه مستمرا. # يقال: حاضت المرأة، تحيض، حيضا، ومحيضا ومحاضا؛ فهي حائض: إذا سال الدم ~~منها، في نوب معلومة معتادة، وإذا سال في غير نوبه؛ قيل: استحيضت، وهي ~~مستحاضة، والاسم الاستحاضة. # وللحيض ستة أسماء: الحيض، والطمث، والضحك، والعراك، والإكبار، والإعصار. ms0146 # وهو دم يرخيه رحم المرأة بعد بلوغها في أوقات معتادة، يخرج من قعر الرحم، ~~والاستحاضة في غير أوقاته، ويسيل من عرق فمه في أدنى الرحم، ويسمى: العاذل ~~-بالذال المعجمة مكسورة-، وجعل ابن عرفة المحيض والحيض من ذوات الواو، قال: ~~هو اجتماع الدم إلى ذلك المكان، ومنه تسمى الحوض؛ لاجتماع الماء فيه، وهو ~~خطأ لفظا ومعنى، أما لفظه، فجعله إياه من ذات الواو؛ وهو من ذوات الياء (¬2). # وأما معنى: فلكونه جعله من الاجتماع؛ وهو اجتماع الدم في فرجها، لا من PageV01P259 # السيلان؛ إما دائما، أو في أوقات؛ كما ذكرنا، لكنه يمكن أن يطلق عليهما ~~من حيث المعنى لفظ الاجتماع في بعض الأحوال. # وقولها: "أستحاض"؛ وهو مبني للمفعول، ولم يبن للفاعل؛ كما في قولهم: نفست ~~المرأة، نتجت الناقة، والكلمة من الحيض كما تقدم لفظها، ومعناها، والزوائد ~~التي لحقتها للمبالغة؛ كما يقال: أعشب المكان، ثم يبالغ، فيقال: اعشوشب، ~~وكثيرا ما تجيء الزوائد لهذا المعنى. # وقولها: "فلا أطهر"؛ يحتمل أن مرادها: نفي الطهارة اللغوية؛ وهي النظافة، ~~وكنت بذلك على عدم النظافة من الدم؛ لأنها لم تكن عالمة بالحكم الشرعي، ولا ~~هي مستعملة للمطهر في ذلك الوقت، بل جاءت سائلة عنه؛ فتعين حمله على الوضع ~~اللغوي. # ثم حقيقته: استمرار الدم؛ وعليه حمله بعضهم، ويمكن حمله على: المبالغة، ~~ومجاز العرب، وكثرة تواليه، وقرب بعضه من بعض. # ولا شك أن الطهارة تطلق بإزاء النظافة؛ كما ذكرنا. # وتطلق بإزاء استعمال المطهر، فيقال: الوضوء طهارة صغرى، والغسل طهارة كبرى. # وتطلق على الأمر المرتب على استعمال المطهر شرعا؛ فيقال لمن ارتفع مانع ~~الحدث عنه: هو على طهارة، ولمن لم يرتفع عنه المانع: هو على غير طهارة. # وقولها: "أفأدع الصلاة؟ "؛ هو سؤال عن استمرار حكم الحيض حالة دوام الدم، ~~أو عدمه، ممن تقرر عنده أن الحائض ممنوعة من الصلاة. # قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا، إن ذلك عرق"؛ عرق -بكسر العين، وسكون ~~الراء- وهو المسمى: بالعاذل؛ كما تقدم. # وظاهره: انبثاق الدم من العرق، وقد جاء في الحديث: "عرق انفجر" (¬1). PageV01P260 # ويحتمل أن يكون: من ms0147 مجاز التشبيه؛ إن كانت سبب الاستحاضة كثرة مادة الدم، ~~وخروجه من مجاري الحيض المعتادة. # قوله - صلى الله عليه وسلم -: "دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها": # دل بلفظه على أن هذه المرأة كانت معتادة؛ وهذا يقتضي: أنها كانت لها أيام ~~تحيض فيها. # وليس في لفظ الحديث ما يدل أنها كانت مميزة، أو غير مميزة، فقد يستدل به ~~من يرى الرد إلى أيام العادة؛ سواء كانت مميزة، أو غير مميزة؛ وهو اختيار ~~أبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي. # ولا شك أن المستحاضة تكون مبتدأة، أو معتادة، وكل واحدة منهما تكون ~~مميزة، وغير مميزة؛ فتصير أربعة. # والتمسك بهذا الحديث على ردها إلى العادة؛ سواء كانت مميزة، أو غير ~~مميزة، ينبني على قاعدة أصولية؛ وهي منقولة عن الشافعي - رحمه الله -: ترك ~~الاستفصال في حكاية الحال ينزل منزلة العموم في المقال؛ كقوله - صلى الله ~~عليه وسلم - لفيروز، وقد أسلم على أختين: "اختر أيهما شئت" (¬1)، ولم ~~يستفصله، هل وقع العقد عليهما مرتبا، أو متفاوتا؟ # وكذا نقول هاهنا، لما سألت هذه المرأة عن حكمها في الاستحاضة، ولم ~~يستفصلها - صلى الله عليه وسلم - عن كونها مميزة، أو غير مميزة؛ كان دليلا ~~على أن الحكم عام في المميزة، وغيرها؛ كما قالوا في قصة فيروز، والذي يقال ~~عليه؛ من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يجوز أن يكون علم حال الواقعة ~~كيف وقعت، وأجاب على ما علم؛ يقال هاهنا: يجوز أن يكون علم حال الواقعة في ~~التمييز، وعدمه. # وقوله في رواية: "ليس بالحيضة"؛ هي بكسر الحاء؛ أي: الحالة؛ وهو مذهب ~~الخطابي. PageV01P261 # والأظهر فتحها؛ أي: المرة من الحيض، ونقله الخطابي عن أكثر المحدثين، أو ~~كلهم؛ وهو في هذا الحديث متعين، أو قريب منه؛ لاقتضاء المعنى إياه؛ فإنه - ~~صلى الله عليه وسلم - أراد نفي الحيض، وإثبات الاستحاضة. # وأما ما يقع في كثير من كتب الفقه: "إئما ذلك عرق انقطع، أو انفجر، وليس ~~بالحيضة"؛ فهي زيادة لا تعرف في الحديث، وإن كان لها معنى. # وقوله: "فإذا أقبلت الحيضة، فدعي الصلاة": # في الحيضة ms0148 -هنا- الوجهان؛ في فتح الحاء، وكسرها جوازا حسنا. # وهو تعليق الحكم بالإقبال، والإدبار؛ فلا بد أن يكون معلوما للحيضة، ~~بعلامة تعرفها: # فإن كانت مميزة، وردت إلى التمييز؛ فإقبالها: بدو الدم الأسود، وإدبارها: ~~إدبار ما هو بصفة الحيض، وإن كانت معتادة، وردت إلى العادة؛ فإقبالها: وجود ~~الدم في أول أيام العادة، وإدبارها: انقضاء أيام العادة. # وقد ورد في حديث فاطمة بنت أبي حبيش ما يقتضي الرد إلى التمييز، وقالوا: ~~إن حديثها هذا في المميزة، وحمل قوله: "فإذا أقبلت الحيضة" على الحيضة ~~المألوفة التي هي بصفة الدم المعتاد. # وأقوى الروايات في الرد إلى التمييز، الرواية التي فيها: "دم الحيض أسود ~~يعرف؛ فإذا كان ذلك، فأمسكي عن الصلاة" (¬1). # وقد يشير إلى الرد إلى العادة في هذا الحديث: قوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "فإذا ذهب قدرها"؛ يعني: قدر أيامها، وصحف بعض الطلبة هذه اللفظة، فقال: ~~"فإذا ذهب قذرها؛ -بالذال المعجمة المفتوحة-، وإنما هو: قدرها -بالدال ~~المهملة الساكنة-؛ أي: قدر وقتها. PageV01P262 # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فاغسلي عنك الدم، وصلي": هذا الحديث مشكل ~~في ظاهره؛ حيث لم يذكر الغسل، ولا بد بعد انقضاء الحيض من الغسل. # وحمل بعضهم هذا الإشكال على أن جعل الإدبار: انقضاء أيام الحيض؛ ~~فالاغتسال .... ، وجعل قوله: "فاغسلي عنك الدم" محمولا على دم يأتي بعد الغسل. # والجواب الصحيح: أن الغسل إن لم يذكر في هذه الرواية، فقد ذكر في رواية ~~أخرى صحيحة قال فيها: "واغتسلي". # وأما أحكامه: # ففيه دليل على: أن المستحاضة لا تصلي إلا في الزمن المحكوم بأنه حيض؛ وهو ~~مجمع عليه، ولم يخالف فيه الخوارج. # وفيه: استفتاء من وقعت له مسألة، وجواز استفتاء المرأة بنفسها، ومشافهتها ~~الرجال فيما يتعلق بالطهارة، وأحداث النساء، وجواز استماع صوتها عند ~~الحاجة. # وفيه: النهي لها عن الصلاة في زمن الحيض؛ وهو نهي تحريم، ويقتضي فساد ~~الصلاة بإجماع المسلمين، وسواء في هذه الصلاة المفروضة، والنافلة؛ لظاهر ~~الحديث؛ وكذلك يحرم عليها: الطواف، وصلاة الجنازة، وسجود التلاوة، وسجود ~~الشكر، وكل هذا متفق عليه. # وقد أجمع العلماء على: أنها ليست ms0149 مكلفة بالصلاة، وعلى أنه لا قضاء عليها، ~~نعم، استحب بعض السلف، وبعض أصحاب الشافعي للحائض إذا دخل وقت الصلاة: أن ~~تتوضأ، وتستقبل القبلة، وتذكر الله تعالى، وأنكر ذلك بعضهم. # وفيه دليل على: نجاسة دم الحيض، والأمر بإزالته، وأن الصلاة تجب بمجرد ~~انقطاع دم الحيض. # واعلم: أن المستحاضة لها حكم الطاهرات في معظم الأحكام؛ فيجوز PageV01P263 # لزوجها وطؤها في حال جريان الدم عند الشافعي، وجمهور العلماء، وبه قال ~~ابن المنذر، وحكاه في "الإشراف" (¬1)؛ عن ابن عباس، وابن المسيب، والحسن ~~البصري، وعطاء، وسعيد بن جبير، وقتادة، وحماد بن أبي سليمان، وبكر بن عبد ~~الله المزني، والأوزاعي، والثوري، ومالك، وإسحاق، وأبي ثور. # وروي عن عائشة أنها قالت: لا يأتيها زوجها (¬2)؛ وبه قال النخعي، والحكم، ~~وكرهه ابن سيرين، وقال أحمد: لا يأتيها، إلا أن يطول ذلك بها، وفي رواية ~~عنه: أنه لا يجوز وطؤها، إلا أن يخاف العنت، والمختار: قول الجمهور. # روى عكرمة عن حمنة بنت جحش - رضي الله عنها -: أنها كانت مستحاضة، وكان ~~زوجها يجامعها، رويناه في سنن أبي داود، والبيهقي، وغيرهما بهذا اللفظ ~~بإسناد حسن (¬3). # وقال البخاري في "صحيحه": قال ابن عباس: المستحاضة يأتيها زوجها إذا صلت، ~~الصلاة أعظم (¬4)، ولأن المستحاضة؛ كالطاهرة في الصلاة، والصوم؛ وكذا في ~~الجماع؛ ولأن التحريم إنما يثبت بالشرع، ولم يرد بتحريمه. # وأما الصلاة، والصيام، والاعتكاف، وقراءة القرآن، ومس المصحف، وحمله، ~~وسجود التلاوة، وسجود الشكر، ووجوب العبادات عليها؛ فهي [في] كل ذلك ~~كالطاهر؛ وهذا مجمع عليه. # وإذا أرادت المستحاضة الصلاة؛ فإنها تؤمر بالاحتياط في طهارة الحدث PageV01P264 # والنجس؛ فتغسل فرجها قبل الوضوء، أو التيمم إن كانت تتيمم، وتحشو فرجها ~~بقطنة أو خرقة؛ دفعا للنجاسة، أو تقليلا لها. # فإن كان دمها قليلا، يندفع بذلك وحده؛ فلا شيء عليها غيره، وإن لم يندفع ~~بذلك؛ سدت مع ذلك على فرجها، وتلجمت؛ وهو أن تشد على وسطها خرقة أخرى ~~مشقوقة الطرفين، فتدخلها بين فخذيها، وإليتيها، وتشد الطرفين بالخرقة التي ~~في وسطها، إحداهما: قدامها عند سرتها، والأخرى: خلفها، وتحكم ذلك، وتلصق ~~هذه الخرقة بين الفخذين ms0150 بالقطنة التي على الفرج إلصاقا جيدا؛ وهذا الفعل ~~يسمى: تلجما، واستثفارا، وتعصيبا. # قال أصحابنا: وهذا الشد، والتلجم واجب، إلا في موضعين: # أحدهما: أن تتأذى بالشد، ويحرقها اجتماع الدم؛ فلا يلزمها؛ لما فيه من الضرر. # والثاني: أن تكون صائمة؛ فتترك الحشو بالنهار، وتقتصر على الشد. # قالوا: ويجب تقديم الشد والتلجم على الوضوء، وتتوضأ عقب الشد من غير ~~إمهال، فإن شدت، وتلجمت، وأخرت الوضوء، وتطاول الزمان؛ ففي صحة وضوئها ~~وجهان: الأصح: أنه لا يصح. # وإذا استوثقت بالشد على الصفة التي ذكرناها، ثم خرج منه دم من غير تفريط: ~~لم تبطل طهارتها، ولا صلاتها، ولها أن تصلي بعد فرضها ما تشاء من النوافل؛ ~~لعدم تفريطها، ولتعذر الاحتراز عن ذلك. # أما إذا خرج الدم؛ لتقصيرها في الشد، وزالت العصابة عن موضعها؛ لضعف ~~الشد، فزاد خروج الدم بسببه؛ فإنه يبطل طهرها، فإن كان ذلك في أثناء صلاة، ~~بطلت، وإن كان بعد فريضة، لم تستبح النافلة؛ لتقصيرها. # وأما تجديد غسل الفرج، وحشوه، وشده لكل فريضة: فتنظر؛ إن زالت العصابة عن ~~موضعها زوالا له تأثير، وظهر الدم على جوانب العصابة، وجب التجديد. PageV01P265 # وإن لم تزل العصابة عن موضعها، ولا ظهر الدم؛ ففيه وجهان لأصحابنا: ~~أصحهما: يجب التجديد؛ كما يجب تجديد الوضوء، والله أعلم. # وتتعلق بالمستحاضة أحكام وفروع تحتمل كراريس، والله -سبحانه وتعالى- أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن عائشة - رضي الله عنها -: أن أم حبيبة - رضي الله عنها - استحيضت سبع ~~سنين، فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأمرها أن تغتسل لكل صلاة (¬1). # أما عائشة - رضي الله عنها -؛ فتقدمت. # وأما أم حبيبة هذه؛ فيقال فيها: أم حبيب، بلا هاء، قال الدارقطني: قال ~~إبراهيم الحربي: هو الصحيح، قال الدارقطني: وقول الحربي هو الصحيح، وكان من ~~أعلم الناس بهذا الشأن، واسمها: حبيبة. # قال الحميدي عن سفيان، وصححه أبو علي الغساني، وجعل ابن الأثير: أن أم ~~حبيبة فيها أكثر، وأنها كانت مستحاضة، قال: وأهل السير يقولون: المستحاضة ~~أختها؛ حمنة بنت جحش، قال ابن عبد البر: الصحيح؛ أنهما كانتا مستحاضتين. # وهي: أم حبيبة ms0151 بنت جحش بن رباب الأسدي (¬2). PageV01P266 # قال الحافظ أبو محمد عبد العظيم المنذري - رحمه الله -: المستحاضات على ~~عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، خمس: # الأولى: حمنة بنت جحش، أخت زينب بنت جحش زوج رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. # الثانية: أختها أم حبيبة، ويقال: أم حبيب، بغير هاء. # الثالثة: فاطمة بنت أبي حبيش، القرشية، الأسدية. # الرابعة: سهلة بنت سهيل، القرشية، العامرية. # الخامسة: سودة بنت زمعة، زوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وقد ذكر بعضهم: أن زينب بنت جحش استحيضت، والمشهور: خلافه؛ وإنما ~~المستحاضة أختاها، والله أعلم (¬1). # وهذا الحديث وقع في نسخ هذا الكتاب: "فأمرها أن تغتسل لكل صلاة"، وليس في ~~"الصحيحين"، ولا أحدهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرها بذلك. # ولا شك أنه قد ورد الأمر بالغسل لكل صلاة خارج الصحيح من رواية ابن ~~إسحاق، وغيره، بروايات كثيرة، وليس فيها شيء ثابت، وقد ضعفها كلها البيهقي، ~~ومن قوله: والذي صح في هذا: ما رواه البخاري، ومسلم في "صحيحيهما": أن أم ~~حبيبة بنت جحش - رضي الله عنها - استحيضت، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إنما ذلك عرق، فاغتسلي"، فكانت تغتسل عند كل صلاة. # قال الشافعي - رحمه الله -: إنما أمرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أن تغتسل، وتصلي، وليس فيه: أنه أمرها بالغسل لكل صلاة، قال: ولا شك -إن ~~شاء الله تعالى-: أن غسلها كان تطوعا، غير ما أمرت به؛ وذلك واسع لها؛ هذا ~~كلام الشافعي بلفظه (¬2)، وقاله قبله -بعبارة مقاربة لمعنى قوله- سفيان بن ~~عيينة شيخه، والليث بن سعد، والله أعلم. # وحمل بعضهم معنى حديث الكتاب؛ بالأمر بالغسل لكل صلاة: على PageV01P267 # مستحاضة ناسية التوقيت، والعدد؛ يجوز في مثلها: أن ينقطع الدم عنها في ~~وقت كل صلاة. # وقد اختلف العلماء من السلف، والخلف في وجوب الغسل على المستحاضة لكل ~~صلاة، فقال الجمهور من السلف والخلف: لا يجب الغسل عليها لشيء من الصلوات، ~~ولا في وقت من الأوقات، إلا مرة واحدة في وقت انقطاع حيضها؛ وهو مروي عن ~~علي، وابن ms0152 مسعود، وابن عباس، وعائشة -رضي الله عنهم-؛ وهو قول عروة بن ~~الزبير، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، ومالك، وأبي حنيفة، وأحمد. # وروي عن ابن عمر، وابن الزبير، وعطاء بن أبي رباح: أنهم قالوا: يجب عليها ~~أن تغتسل لكل صلاة. # وروي عن عائشة: أنها قالت: تغتسل كل يوم غسلا واحدا. # وعن المسيب، والحسن، قالا: تغتسل من صلاة الظهر إلى صلاة الظهر، دائما، ~~والله أعلم. # ودليل الجمهور: أن الأصل عدم الوجوب؛ فلا يجب إلا ما ورد الشرع بإيجابه، ~~ولم يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أمرها بالغسل إلا مرة واحدة ~~عند انقطاع حيضها؛ وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أقبلت الحيضة؛ ~~فدعي الصلاة، وإذا أدبرت؛ فاغتسلي" (¬1)، وليس في هذا ما يقتضي تكرار ~~الغسل، والله أعلم. # وفي حديث عائشة: رد على من قال: يجمع بين كل صلاتين بغسل واحد. # وفيه: ما كانت الصحابة -رضي الله عنهم- في الرجوع؛ فيما يحدث لهم من ~~أمورهم كلها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والسؤال عن الأحكام، ~~والجواب عنها، والله أعلم. # وفيه دليل على: إثبات الاستحاضة، وأن حكم دمها غير دم الحيض. PageV01P268 # واعلم أن الاستحاضة على ضربين: # أحدهما: ألا يكون حيضا، ولا مختلطا به؛ بأن يكون دون يوم وليلة غير ~~متكرر؛ فحكمه: أن تتوضأ لكل صلاة. # والضرب الثاني: أن يكون بعضه حيضا، وبعضه ليس بحيض؛ بأن يكون دما متصلا ~~دائما، مجاوزا لأكثر الحيض؛ وصاحبة هذا الضرب، لها ثلاثة أحوال: # أحدها: أن تكون مبتدأة؛ وهي التي لم تر الدم قبل ذلك؛ وفيها قولان ~~للشافعي، أصحهما: ترد إلى يوم وليلة، والثاني: إلى ست، أو سبع. # الثاني: أن تكون معتادة؛ فترد إلى قدر عادتها في الشهر الذي قبل شهر ~~استحاضتها. # الثالث: أن تكون مميزة، ترى بعض الأيام دما قويا، وبعضها دما ضعيفا؛ ~~كالأسود، والأحمر؛ فتكون حيضتها أيام الأسود، بشرط: ألا ينقص الأسود عن يوم ~~وليلة، ولا يزيد على خمسة عشر يوما، ولا ينقص الأحمر عن خمسة عشر يوما. # ولهذا كله تفاصيل في كتب المذهب مبسوطة، والله أعلم. ms0153 # * * * ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - من إناء واحد؛ وكلانا جنب، وكان يأمرني، فأتزر، فيباشرني؛ وأنا ~~حائض، وكان يخرج رأسه إلي؛ وهو معتكف، فأغسله؛ وأنا حائض (¬1). # تقدم الكلام على لفظ الجنب، ومعناه، واغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد. PageV01P269 # وقولها: "وكان يأمرني، فأتزر"؛ معناه: أشد إزارا، أستر به سرتي، وما ~~تحتها إلى الركبة. # وقولها: "فيباشرني؛ وأنا حائض"، معناه: يباشرني بجميع أنواع الاستمتاع من ~~القبلة، والمعانقة، وبالذكر فيما فوق الإزار فوق السرة، وتحت الركبة وهو ~~حلال باتفاق العلماء، ونقل جماعة الإجماع عليه، منهم: الشيخ أبو حامد ~~الإسفراييني، وغيره. # ولا يغتر بما حكي عن عبيدة السلماني، وغيره: من أنه لا يباشر شيئا منها ~~بشيء منه؛ فإنه منكر غير مقبول، ولو صح، لكان مردودا بالأحاديث الصحيحة في ~~مباشرة النبي - صلى الله عليه وسلم - فوق الإزار، [بفعله] وإذنه: # أما فعله: ففي هذا الحديث، وغيره. # وأما إذنه: ففي قوله - صلى الله عليه وسلم - في "صحيح مسلم"، عن أنس - ~~رضي الله عنه -: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح" (¬1)؛ يعني: الوطء في الفرج، ~~أو فيما دون السرة، وفوق الركبة. # ولو تركنا، وفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بمجرده؛ لم يكن فيه دليل ~~على الإباحة، أو المنع؛ لما تقرر أن فعله - صلى الله عليه وسلم - لا يدل ~~على الوجوب، على المختار عند الأصوليين، وغيرهم من العلماء. # وأما المباشرة بالجماع للحائض في الفرج، فهو حرام بنص القرآن العزيز، ~~والسنة الصحيحة، وإجماع المسلمين: # فلو فعله معتقدا حله، صار كافرا مرتدا. # ولو فعله غير معتقد حله، فإن كان ناسيا، أو جاهلا وجوده، أو تحريمه، أو ~~مكرها: فلا إثم عليه، ولا كفارة. # وإن وطئها عالما بالحيض والتحريم مختارا، فقد ارتكب معصية كبيرة؛ نص PageV01P270 # الشافعي - رحمه الله -: على أنها كبيرة، ويجب عليه التوبة. # ولا كفارة -على الصحيح الجديد من قولي الشافعي-، وهو مذهب مالك، وأبي ~~حنيفة، وأحمد في إحدى الروايتين، وجماهير السلف؛ كعطاء، وابن أبي مليكة، ~~والشعبي، والنخعي، ومكحول، والزهري، وأبي الزناد، وربيعة، ms0154 وحماد بن أبي ~~سليمان، وأيوب السختياني، وسفيان الثوري، والليث بن سعد -رحمهم الله ~~تعالى-. # وللشافعي قول قديم ضعيف: أنه يجب عليه الكفارة؛ وهو مروي عن ابن عباس، ~~وجماعة من التابعين، والأوزاعي، وإسحاق، وأحمد في الرواية الثانية. # واختلفوا فيها: فقال الحسن البصري، وسعيد بن جبير: عتق رقبة. # وقال الباقون: دينارا ونصف دينار، على اختلاف منهم فيه؛ هل يجب الدينار ~~في أوله وجدته، أو في زمن الدفق، والنصف في آخره، أو بعد انقطاعه؟ ~~والأحاديث في ذلك كلها ضعيفة؛ فالصواب: عدم الوجوب، واستحباب التصدق بشيء، ~~والله أعلم. # وأما المباشرة فيما دون السرة، وفوق الركبة؛ ففيها أوجه لأصحاب الشافعي: # وأشهرها في المذهب: التحريم؛ وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأكثر العلماء؛ ~~منهم سعيد بن المسيب، وشريح، وطاوس، وعطاء، وسليمان بن يسار، وقتادة. # والوجه الثاني: الجواز مع الكراهة؛ وهو قوي من حيث الدليل، وهو المختار؛ ~~لحديث أنس - رضي الله عنه - الذي رواه مسلم: أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: "اصنعوا كل شيء، إلا النكاح" (¬1)؛ فاقتصاره - صلى الله عليه وسلم - ~~في مباشرته على ما فوق الإزار محمول على الاستحباب؛ وبه قال عكرمة، ومجاهد، ~~والشعبي، والنخعي، PageV01P271 # والحكم، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، ومحمد بن الحسن، وأصبغ، وإسحاق، وأبو ~~ثور، وأبو المنذر، وداود. # والوجه الثالث: إن كان المباشر يضبط نفسه؛ لضعف شهوته، أو لشدة ورعه: ~~جاز، وإلا: فلا؛ وهو حسن، قاله أبو الفياض البصري؛ من أصحابنا. # ثم تحريم المباشرة والوطء إنما هو في مدة الحيض، وبعد انقطاعه إلى أن ~~تغتسل، أو تتيمم؛ إن عدمت الماء بشرطه؛ وهذا قول الجمهور من العلماء. # وقال أبو حنيفة: إذا قطع الدم لأكثر الحيض؛ حل وطؤها في الحال. # واحتج الجمهور بقوله تعالى: {ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من ~~حيث أمركم الله} [البقرة: 222]، والله أعلم. # وحيث جوزنا المباشرة فيما عدا الفرج مما يستمتع به، فلا فرق فيه بين أن ~~يكون عليه دم، أم لا، على المشهور الذي قطع به جماهير العلماء من أصحاب ~~الشافعي، وغيرهم؛ للأحاديث المطلقة، وينبغي اجتنابه خروجا من الخلاف، ومن ~~معنى ms0155 تحريم وطء الحائض في الفرج، والوطء في الدبر، والله أعلم. # وقولها: "وكان يخرج رأسه إلي وهو معتكف، فأغسله وأنا حائض": # أما الحائض: فهو اسم فاعل من الحيض يطلق على المؤنث، بلا هاء، وحكي في ~~لغة قليلة: حائضة، بالهاء. # وفي هذه الجملة: # جواز إخراج المعتكف بعض بدنه من المسجد، ولا يبطل اعتكافه. # وجواز غسل رأس المعتكف حال اعتكافه، وترجيله، وما في معناه، بشرط: ألا ~~يقذر المسجد. # وجواز مخالطة المعتكف بالحائض إذا لم يخرج من المسجد، ولا تدخل هي ~~المسجد، ومحادثتها، وما في معنى ذلك. # وجواز استخدام الرجل امرأته فيما خف من الشغل، واقتضته العادة. PageV01P272 # وأن بدن الحائض طاهر غير نجس إذا لم يلاق نجاسة. # وقد استدل به بعضهم على أن من حلف ألا يخرج من بيت، أو غيره، فخرج ببعض ~~بدنه، لم يحنث، ووجه الاستدلال: أن الحديث دل على: أن خروج بعض البدن لا ~~يكون كخروج كله من المكان المعين الكون فيه فيما يعتبر فيه، وإذا كان كذلك، ~~لم يحنث بخروج ذلك البعض منه؛ لأن اليمين إنما تعلقت بخروجه، وحقيقته في ~~البدن، لا بعضه، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن عائشة - رضي الله عنها -، قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يتكئ في حجري، فيقرأ القرآن؛ وأنا حائض" (¬1). # الحجر: معروف، وهو بفتح الحاء، وكسرها، ومعنى "يتكئ في حجري"؛ أي: يميل ~~بإحدى شقيه في حجري، ولا شك أن قراءة القرآن ممتنعة على الحائض، وقد يوهم ~~ذلك أنه لا يجوز مخالطتها، والاتكاء في حجرها بقراءة القرآن؛ تعظيما ~~للقرآن، فأرادت عائشة - رضي الله عنها - نفي هذا التوهم، ونفي ما كانت ~~اليهود عليه من عدم مخالطة الحاثض، ومجانبتهم إياها في الأكل، والشرب، ~~والمضاجعة، فكيف بالتلاوة، والعبادة؟! # وقد اختلف العلماء في قراءة القرآن للحائض: # فمنعه الشافعي، وأصحابه، وجمهور العلماء. # وللشافعي قول: أنه يجوز لها القراءة إذا خافت نسيانه، أو لم تجد ماء، ولا ~~ترابا، وأمرناها بالصلاة، فإنها تقرأ الفاتحة على وجه لأصحاب الشافعي. PageV01P273 # ومذهب مالك: جواز القراءة لها مطلقا. # وفي الحديث: # تبليغ العلم، والابتداء به، ms0156 والإخبار بأحواله - صلى الله عليه وسلم -؛ ~~للتأسي به، والإخبار بما يستحيا من ذكره عادة إذا ترتبت دونه مصلحة من ~~تبيين حكم، وغيره، وقراءة القرآن في حجر الحائض، وبقرب موضع النجاسة، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الخامس # عن معاذة قالت: سألت عائشة -رضي الله عنها-، فقلت: ما بال الحائض تقضي ~~الصوم، ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟! فقلت: لست بحرورية، ولكني ~~أسأل، فقالت: كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة (¬1). # أما معاذة: # فكنيتها: أم الصهباء بنة عبد الله، العدوية، البصرية، التابعية، امرأة ~~صلة بن أشيم، كانت من العابدات، اتفقوا على أنها ثقة حجة. # روى عنها: جماعة من التابعين، وغيرهم. # روى لها: البخاري، ومسلم، وأصحاب السنن (¬2). # أما الحروري: فمن ينسب إلى حروراء: قرية بقرب الكوفة على ميلين منها -وهي ~~بفتح الحاء المهملة، وضم الراء الأولى، وبالمد-، اجتمع فيها أوائل PageV01P274 # الخوارج، ثم كثر استعماله في كل خارجي، ومنه قول عائشة لمعاذة: "أحرورية ~~أنت؟! "؛ أي: خارجية. # وإنما قالت لها ذلك؛ لأن مذهب الخوارج: أن الحائض تقضي الصلاة، وهو خلاف ~~إجماع المسلمين. # ولأن معاذة أوردت السؤال على غير صفته المجردة، بل قد تشعر صيغتها بتعجب، ~~وإنكار؛ حيث قالت: ما بال الحائض تقضي الصوم إلى آخره؟ فأجابتها معاذة بأن ~~قالت: ولكني أسأل؛ أي: أسأل سؤالا مجردا عن الإنكار، أو التعجب، بطلب مجرد ~~العلم بالحكم. # وأما إجابة عائشة بالنص دون المعنى؛ فلأنه أبلغ وأقوى في الردع عن مذهب ~~الخوارج، وأقطع لمن يعارض بخلاف المعنى المناسب؛ فإنه عرضة للمعارضة. # والمعنى في وجوب قضاء الصوم دون الصلاة عليها: عدم المشقة في الصوم، ~~ووجودها في الصلاة؛ فإنها متكررة، فيشق قضاؤها، والصوم غير متكرر، فإنه يجب ~~في السنة مرة واحدة، وربما كان الحيض يوما، أو يومين. # وقول عائشة - رضي الله عنها -: "كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم، ولا ~~نؤمر بقضاء الصلاة". # هذا حكمه حكم المرفوع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فإنه قول ~~صحابية، والأمر والنهي إذا بني لما لم يسم فاعله من الصحابي، لم يحمل على ~~غير ms0157 النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فيكون بمنزلة قوله: قال، أو: سمعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، ونحوهما من صيغ الرفع، والاتصال. # وقد أجمع المسلمون على: أن الحائض والنفساء، لا يجب عليهما الصلاة، ولا ~~الصوم، وأجمعوا على: أنه لا يجب عليهما قضاء الصلاة، وعلى: أنه يجب عليهما ~~قضاء الصوم. # قال الجمهور من العلماء: وليست الحائض مخاطبة بالصيام في زمن الحيض، ~~وإنما يجب عليها القضاء بأمر جديد. PageV01P275 # وذكر بعض أصحاب الشافعي وجها: أنها مخاطبة بالصيام في حال الحيض، وتؤمر ~~بتأخيره كما يخاطب المحدث بالصلاة، وإن كانت لا تصح منه في زمن الحدث. # وهذا الوجه ليس بشيء، فكيف يكون الصوم واجبا عليها بسبب لا قدرة لها على ~~إزالته؟! بخلاف المحدث؛ فإنه قادر على إزالة الحدث، والله أعلم. # وقد اكتفت عائشة - رضي الله عنها - في الاستدلال على إسقاط القضاء بكونها ~~لم تؤمر به، فيحتمل وجهين: # أحدهما: أن تكون أخذت إسقاط القضاء من سقوط الأداء، ويكون مجرد سقوط ~~الأداء دليلا على سقوط القضاء، إلا أن يوجد معارض، وهو الأمر بالقضاء؛ كما ~~في الصوم. # الثاني: وهو الأقرب: أن يكون السبب في ذلك أن الحاجة داعية إلى بيان هذا ~~الحكم؛ فإن الحيض يتكرر، فلو وجب قضاء الصلاة فيه، لوجب بيانه، وحيث لم ~~يتبين، دل على ما يقوله أرباب الأصول من أن قول الصحابي: كنا نؤمر، وننهى، ~~في المرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإلا لم تقم الحجة به، والله أعلم. # وفي الحديث دليل على: السؤال عن العلم، وأن المسؤول إذا فهم من لفظ ~~السائل شيئا، يذكره له، ويبين ذلك له، وإن كان مقصود السائل خلافه، فيجب. # وفيه: بيان السائل مراده من لفظه. # وفيه: أن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ونهيه حجة بمجرده، ولا يفتقر ~~إلى معرفة سره، أو حكمته، أو علته. # وفيه دليل على: أن الحائض لا تصوم، ولا تصلي، وأنها تقضي الصوم دون ~~الصلاة. # وتقدم نقل الإجماع على الأربعة الأحكام منها، والله أعلم، وله الحمد ~~والنعمة، وبه التوفيق والعصمة. # * * * PageV01P276 ### | AUTO كتاب الصلاة ### || AUTO ms0158 باب المواقيت ### ||| AUTO الحديث الأول # عن أبي عمرو الشيباني، واسمه: سعد بن إياس، قال: حدثني صاحب هذه الدار ~~-وأشار بيده إلى دار عبد الله بن مسعود-، قال: سألت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: "الصلاة على وقتها"، قلت: ثم ~~أي؟ قال: "بر الوالدين"، قلت: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله"، حدثني ~~بهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولو استزدته، لزادني (¬1). # أما أبو عمرو الشيباني: فقد ذكر اسمه وكنيته. # وأما الشيباني: فهو بالشين المعجمة، نسبة إلى شيبان بن ثعلبة بن عكابة. # أدرك سعد زمان النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يره، وقال: بعث النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، وأنا أرعى إبلا لأهلي بكاظم (¬2)، فهو تابعي مخضرم. # وقد عد مسلم - رحمه الله - التابعين المخضرمين عشرين نفسا، وهم أكثر من ~~ذلك، وممن لم يذكره منهم: أبو مسلم الخولاني، والأحنف بن قيس. PageV01P277 # سمع علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وحذيفة، وأبا مسعود البدري، وغيرهم من ~~الصحابة. # روى عنه: جماعة من التابعين، وهو مجمع على ثقته، وروى له: البخاري، ومسلم (¬1). # وتشتبه نسبته بالسيباني -بالسين المهملة-، وهو أبو عمرو زرعة والد يحيى ~~أبي زرعة، عداده في الشاميين، تابعي يروي عن: عقبة بن عامر، وابنه يحيى ~~متفق على توثيقه. # قال محمد بن حبيب: كل شيء من العرب: شيبان، إلا في حمير؛ فإن فيها: ~~سيبان؛ يعني: -بالسين المهملة- بن الغوث بن سعد بن عوف بن مالك ابن زيد بن ~~سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن الغوث بن قطن بن عرنب ~~بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن حمير (¬2)، والله أعلم. # وأما عبد الله بن مسعود: # فكنيته: أبو عبد الرحمن، واسم جده أبي أبيه: غافل -بالغين المعجمة ~~والفاء- بن حبيب بن شمخ بن مخزوم، ويقال: شمخ بن فارس بن مخزوم بن صاهلة بن ~~كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس ابن مضر، الهذلي، ~~حليف بني زهرة. # كان أبوه مسعود بن ms0159 غافل قد -حالف في الجاهلية- عبد الحارث بن زهرة. # أمه: أم عبد بنت عبد ود بن سواء بن هذيل -أيضا-. # أسلم عبد الله بمكة قديما، وهاجر إلى الحبشة، ثم هاجر إلى المدينة، وشهد PageV01P278 # بدرا والمشاهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو صاحب نعل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، كان يلبسه إياها إذا قام، فإذا جلس، أدخلها ~~في ذراعه، وكان كثير الولوج على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال له ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "آذنك علي أن ترفع الحجاب، وتسمع سوادي، ~~حتى أنهاك" (¬1)، والسواد -بكسر السين-: السرار. # روى الطبراني بإسناده إلى عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: ~~لقد رأيتني سادس ستة، ما على الأرض مسلم غيرنا (¬2). # وشهد له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجنة مع العشرة في حديث حسن، ~~رواه أبو عمر بن عبد البر، في "استيعابه" بإسناده إلى سعيد بن زيد أحد ~~العشرة، قال: كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حراء، فذكر العشرة، وعبد ~~الله بن مسعود (¬3)، وكان ممن صلى للقبلتين. # وقال - صلى الله عليه وسلم -: "رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد، وسخطت ~~لأمتي ما سخط لها ابن أم عبد" (¬4)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "اهدوا ~~هدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن أم عبد" (¬5)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ~~"رجل -أو رجلا- عبد الله في الميزان أثقل من أحد" (¬6). PageV01P279 # وهو ممن جمع القرآن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأحد ~~الأربعة الذين أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأخذ القرآن منهم: ابن ~~أم عبد، ومعاذ، وأبي، وسالم مولى أبي حذيفة، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ~~"من أراد أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل، فليقرأ على قراءة ابن أم عبد" (¬1). # وكان - رضي الله عنه - رجلا قصيرا نحيفا يكاد طوال الرجال يوازيه جلوسا ~~وهو قائم، وكان شعره يبلغ شحمة أذنيه، وكان لا يغير شيبه، وقتل أبا جهل يوم ~~بدر بسيفه، فنفله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إياه. # وقال ms0160 حذيفة وهو يحلف بالله: ما أعلم أحدا أشبه دلا وهديا برسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، من حين يخرج من بيته إلى أن يرجع إليه، من عبد الله ~~بن مسعود، ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -: أنه ~~من أقربهم وسيلة إلى الله يوم القيامة (¬2). # وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: إني لأعلمهم بكتاب الله، وما أنا ~~بخيرهم، وما في كتاب الله سورة، ولا آية، إلا وأنا أعلم فيما نزلت، ومتى ~~نزلت (¬3)، ولم ينكر هذا القول عليه أحد. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ثمان مئة حديث وثمانية ~~وأربعون حديثا، اتفقا منه على: أربعة وستين، وانفرد البخاري بأحد وعشرين، ~~ومسلم بخمسة وثلاثين. PageV01P280 # روى عنه جماعة من الصحابة، منهم: أنس بن مالك، وأبو رافع مولى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -، وأبو موسى الأشعري، وعمرو بن حريث، وغيرهم، ومن ~~التابعين خلق كثير، وروى له: أصحاب السنن والمساند. # ولما مات، قال أبو الدرداء: ما ترك بعده مثله. # مات سنة اثنتين، وقيل: ثلاث وثلاثين؛ ابن بضع وستين سنة، والأكثرون على: ~~أنه مات بالمدينة، ودفن بالبقيع، وصلى عليه عثمان، وقيل: عمار، وقيل: ~~الزبير؛ وكان آخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينه وبين الزبير، وكان ~~أوصى إليه، وأوصى أن يدفن بجنب عثمان بن مظعون، وقيل: مات بالكوفة، والله ~~أعلم (¬1). # وأما قوله: "حدثني صاحب هذه الدار -وأشار إلى دار عبد الله بن مسعود-": # لا شك أن الإشارة إلى الشيء قد تكون أبلغ في التفهيم من التصريح باسمه، ~~وذكره؛ لما فيه من نفي أنواع المجاز، وحينئذ يجوز للراوي التحديث من غير ~~ذكر اسم المروي عنه إذا كان السامع عارفا به بإشارة، أو علم سابق به يقع ~~التمييز به من غير اشتباه. # وقوله: "سألت النبي - صلى الله عليه وسلم -: أي العمل أحب إلى الله؟ ": # اعلم أن العبد مأمور بتنزيل الأشياء منازلها، فيقدم الأفضل على الفاضل، ~~فيعمل عليه، ويسأل عنه طلبا للدرجة العليا، وتحريضا على تأكيد القصد إليه، ~~والمحافظة؛ فإن المخالفة في ms0161 الشرع تقع بارتكاب المحرم، وترك الأفضل. # ولا شك أن العمل يطلق على: عمل القلب، والجوارح؛ والمراد في هذا PageV01P281 # الحديث: عمل البدن والجوارح؛ حيث وقع الجواب: بالصلاة على وقتها، وتكون ~~النية مطلوبة فيه باللازم، لا بمراد الحديث، وفي أعمال القلوب: فاضل، ~~وأفضل؛ كالإيمان، وهو ثابت في الأحاديث الصحيحة، فثبت أن الأعمال في الشرع ~~يراد بها عمل الجوارح والقلوب، والله أعلم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الصلاة على وقتها": # ليس فيه ما يقتضي الصلاة أول الوقت، أو آخره، وكأن المقصود به: الاحتراز ~~عن إخراج الصلاة عن وقتها المشروع؛ لئلا تصير قضاء، لكنه قد ثبت في بعض ~~روايات هذا الحديث: "الصلاة لوقتها". # وروى أبو داود في "سننه" من حديث أم فروة أخت أبي بكر الصديق لأبيه - رضي ~~الله عنهما - قالت: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أي الأعمال ~~أفضل؟ قال: "الصلاة في أول وقتها" ولم يتكلم عليه بشيء؛ فهو حسن عنده. # وأخرجه الترمذي، وقال: حديث أم فروة لا يروى إلا من حديث عبد الله بن عمر ~~العمري، وليس بالقوي عند أهل الحديث، واضطربوا في هذا الحديث. # ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" من رواية ابن مسعود، قال: سألت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، بلفظ حديث أم فروة. # ورواه الحاكم في "مستدركه" كذلك من طريقين، ثم قال: فقد تقوى لفظه: ~~"الصلاة في أول وقتها" باتفاق الثبتين: بندار بن بشار، والحسن بن مكرم على ~~روايتهما عن عثمان بن عمرو، وهو صحيح، على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وله ~~شواهد في هذا الباب (¬1) -. # فحينئذ؛ يحمل حديث الكتاب، ويستدل به على: تقدم الصلاة في أول PageV01P282 # الوقت من لفظه ببيان رواية أبي داود، والترمذي، وابن خزيمة، والحاكم، ~~والله أعلم. # واعلم أن الأحاديث قد اختلفت في أفضل الأعمال، وتقديم بعضها على بعض، ~~والذي قيل في الجمع بينها: أنها أجوبة مخصوصة، لسائل مخصوص بالنسبة إلى ~~حاله، أو وقته، أو بالنسبة إلى عموم ذلك الحال والوقت، أو بالنسبة إلى ~~المخاطبين بذلك، أو من هو في مثل حالهم. # ولو خوطب بذلك الشجاع ms0162 الباسل المتأهل للنفع الأكبر في القتال لقيل له: ~~الجهاد. # ولو خوطب صاحب المال ذو الثروة، لقيل له: الصدقة. # وهذا في حق جميع أحوال الناس، قد يكون الأفضل في حق قوم، أو شخص، مخالفا ~~للأفضل في حق آخرين؛ بحسب المصلحة اللائقة بالوقت، أو الحال، أو الشخص. # وقد تقدم -في هذا الحديث- بر الوالدبن على الجهاد، وهو دليل على تعظيم ~~برهما، ولا شك أن أذاهما بغير موجب محرم، وممنوع منه، وأما ما يجب من البر، ~~ففي ضبطه إشكال، وكلام طويل. # والجهاد ينقسم إلى: فرض عين، وفرض كفاية؛ فالعين: مقدم على حق الوالدين، ~~والكفاية: لا يجوز إلا بإذنهما إذا تعطلت مصلحتهما الواجبة به، وكل حق ~~متعين وكفاية كذلك حكمه بالنسبة إليهما، والله أعلم. # وبرهما: الإحسان إليهما، وفعل الجميل معهما، وفعل ما يسرهما، ويدخل فيه: ~~الإحسان إلى صديقهما؛ كما ثبت في الصحيح: "إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ~~ود أبيه" (¬1). # قال أهل اللغة: يقال: بررت والدي، أبره -بكسر الراء في الماضي، PageV01P283 # وبضمها مع فتح الباء في المضارع- برا، وأنا بر به -بفتح الباء-، وبار، ~~وجمع البر: الأبرار، وجمع البار: البررة (¬1). # وقد ذكر في حديث أبي هريرة: الأفضل الإيمان، ثم الجهاد، ثم الحج (¬2). # وفي حديث أبي ذر: الإيمان، والجهاد (¬3). # وفي حديث ابن مسعود هذا: الصلاة، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد؛ كما ترى. # وفي حديث عبد الله بن عمرو: أي الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام، وتقرأ ~~السلام على من عرفت، ومن لم تعرف" (¬4). # وفي حديث أبي موسى، وعبد الله بن عمرو: أي المسلمين خير؟ قال: "من سلم ~~المسلمون من لسانه، ويده" (¬5). # وصح في حديث عثمان - رضي الله عنه -: "خيركم من تعلم القرآن، وعلمه" (¬6). # وأمثال هذا في الصحيح كثيرة، وقد ذكر الإمام الجليل أبو عبد الله الحليمي ~~الشافعي، عن شيخه الإمام العلامة المتقن أبي بكر القفال الشاشي الكبير -وهو PageV01P284 # غير القفال الصغير المروزي المتكرر في كتب أصحاب الشافعي المتأخرين من ~~الخراسانيين-، قال الحليمي: وكان القفال أعلم من لقيته من علماء عصره، إنه ~~جمع بين هذه الأحاديث بوجهين: ms0163 # أحدهما: نحو ما ذكرناه أولا، قال: فإنه قد يقال: خير الأشياء كذا، ولا ~~يراد أنه خير جميع الأشياء من جميع الوجوه، وفي جميع الأحوال، والأشخاص، بل ~~في حال دون حال، ونحو ذلك. # واستشهد في ذلك بأخبار منها: عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: "حجة لمن لم يحج أفضل من أربعين غزوة، ~~وغزوة لمن حج أفضل من أربعين حجة" (¬1). # الوجه الثاني: أنه يجوز أن يكون المراد: من أفضل الأعمال كذا، أو: ومن ~~خير هذا، أو: من خيركم من فعل كذا، فحذفت من، وهي مرادة؛ كما يقال: فلان ~~أعقل الناس، وأفضلهم؛ ويراد أنه: من أعقلهم، وأفضلهم. # ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: "خيركم خيركم لأهله" (¬2)، ومعلوم ~~أنه لا يصير بذلك خير الناس مطلقا، ومن ذلك قولهم: أزهد الناس في عالم ~~جيرانه، وقد يوجد في غيرهم من هو أزهد منهم فيه، هذا كلام القفال. # فعلى هذا الوجه: يكون الإيمان أفضلها مطلقا، والباقيات متساويات في كونها ~~من أفضل الأعمال، أو الأحوال، ثم يعرف فضل بعضها على بعض بدلائل عليها، ~~ويختلف باختلاف الأحوال، والأشخاص. # ولا شك أنه جاء في بعض هذه الروايات: أفضلها كذا، ثم كذا؛ بحرف "ثم"، وهي ~~موضوعة للترتيب، وهي هنا: للترتيب في الذكر؛ كما قال الله PageV01P285 # تعالى: {وما أدراك ما العقبة (12) فك رقبة (13) أو إطعام في يوم ذي مسغبة ~~(14) يتيما ذا مقربة (15) أو مسكينا ذا متربة (16) ثم كان من الذين آمنوا} ~~[البلد:12 - 16]. # ومعلوم أنه ليس المراد الترتيب في الفعل؛ وكما قال تعالى: {قل تعالوا أتل ~~ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا} [الأنعام: 151]، إلى قوله: {ثم ~~آتينا موسى الكتاب} [الأنعام: 154]، وكما قال: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم ~~قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} [الأعراف: 11]، ونظائر ذلك كثيرة، ومما أنشدوا فيه: # قل لمن ساد ثم ساد أبوه ... ثم قد ساد قبل ذلك جده # وحكى القاضي عياض - رحمه الله - في الجمع بينهما وجهين: # أحدهما: نحو الوجه الأول، قال: قيل: اختلف الجواب لاختلاف الأحوال، فأعلم ~~كل قوم ms0164 بما بهم حاجة إليه، أو بما لم يكملوه من دعائم الإسلام، ولا بلغهم علمه. # والثاني: أنه قدم الجهاد على الحج في بعضها؛ لأنه كان أول الإسلام، ~~ومحاربة أعدائه، والجد في إظهاره، وذكر بعضهم: أن "ثم" لا تقتضي ترتيبا؛ ~~وهو شاذ عند أهل العربية، والأصول، والمراد بالجهاد: الجهاد المتعين وقت ~~الزحف؛ أي: النفير العام؛ فإنه متقدم على الحج؛ لما فيه من المصلحة العامة ~~للمسلمين، والله أعلم (¬1). # واعلم: أن العبادات على ضربين: # منها: ما هو مقصود بنفسه. # ومنها: ما هو وسيلة إلى غيره، وفضيلة الوسيلة بحسب مقصودها المتوصل إليه؛ ~~فحيث يعظم [المقصود، تعظم] الوسيلة، فالجهاد وسيلة إلى إعلان الإيمان ~~ونشره، وإخماد الكفر ودحضه؛ فعظم فضله بفضل مقصوده؛ وهو الإيمان. PageV01P286 # وقوله: "حدثني بهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولو استزدته، ~~لزادني": # هو تأكيد لثبوت ما أخبر به من العلم؛ فإنه أخذه من في رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - سماعا من لفظه دون واسطة، وهو أرفع درجات التحمل. # ثم أخبر أنه كان بمرتبة الفهم، ووعى ما سمع، وأن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - كان منشرحا لذلك، لو طلبت منه زيادة على ما حدثني، لحدثني، ~~لكني كرهت التطويل عليه؛ لئلا يسأم مني. # وفي الحديث: # السؤال عن العلم، ومراتبه في الأفضلية. # وفضل الصلاة في الوقت، وأن أوله أفضل، وأن الصلاة أفضل العمل. # وفيه: فضل بر الوالدين، وأنه أفضل من الجهاد بشروطه. # وفيه: فضل الجهاد. # وفيه: تقديم الأهم فالأهم من الأعمال. # وفيه: تنبيه الطالب على تحقيق العلم، وكيفية أخذه. # وفيه: التنبيه على مرتبته عند الشيوخ وأهل الفضل؛ ليؤخذ علمه بقبول، ~~وانشراح، وضبط، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: لقد كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يصلي الفجر، فيشهد معه النساء من المؤمنات، متلفعات بمروطهن، ثم ~~يرجعن إلى بيهوتهن لا يعرفهن أحد من الغلس (¬1). # قولها: "فيشهد معه النساء؛ من المؤمنات": PageV01P287 # يحتمل قولها: من المؤمنات؛ أنه بيان لنوع النساء اللاتي تحضرن الصلاة؛ ~~لتخرج الكافرات. # ويحتمل أنه بيان لوصفهن؛ لتخرج المنافقات، ms0165 وهو الأقرب. # وقولها: "متلفعات" -هو بالعين المهملة بعد الفاء-، ووقع في رواية في ~~"الموطأ" و"صحيح مسلم": "متلففات" (¬1) -بالفاءين-، ومعناهما متقارب؛ أي: ~~متغطيات، أو ملتحفات، أو متجللات، إلا أن التلفع لا يكون إلا مع تغطية الرأس. # وقولها: "بمروطهن"؛ أي: بأكسيتهن، واحدها: مرط -بكسر الميم-، والمرط: ~~كساء معلم؛ يكون من خز، ومن صوف، ومن كتان، قاله الخليل. # وقال ابن الأعرابي: هو الإزار، وقال النضر: لا يكون المرط إلا درعا، وهو ~~من خز أخضر، ولا يسمى المرط إلا الأخضر، ولا يلبسه إلا النساء. # وظاهر الحديث يصحح قول الخليل، وفي الحديث: مرط من شعر أسود (¬2). # وقولها: "من الغلس"؛ بيان لسبب عدم معرفتهن، ومعناه: ما يعرفن أنساء هن، ~~أم رجال؟ وقيل: ما تعرف أعيانهن، وهذا ضعيف؛ فإن المتلفعة في النهار -أيضا- ~~لا تعرف عينها، فلا يبقى في الكلام فائدة. # والغلس -ذكره المصنف-: اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل. # والغبش -بالباء والشين المعجمة- قيل: الغبس -بالسين المهملة- وبعد PageV01P288 # الغلس -باللام-، وهي كلها: في آخر الليل، ويكون الغبس: في أول الليل. # وقولها: "يصلي الفجر"؛ يقال: صلى الفجر، وصلى الصبح، وصلى الغداة؛ أي: ~~صلى صلاة كذا، على حذف المضاف، ولا كراهة في ذلك، فكله ثابت في الصحيح. # وكره بعضهم صلاة الغداة، وهو مرجوح ضعيف. # لكن قال الشافعي: سماها الله الفجر، وسماها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - الصبح؛ فلا أحب أن تسمى بغيرهما (¬1). # وفي هذا الحديث: # دليل على: استحباب التبكير بصلاة الصبح، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، ~~والجمهور، وقال أبو حنيفة: الإسفار أفضل. # وجه الدلالة للجمهور: أن الغلس لا يكون إلا مع الظلمة، مع ما ثبت من طول ~~قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصبح، حتى إنه كان يقرأ ما بين ~~الستين إلى السبعين مع الترتيل والتدبر. # واستدل أبو حنيفة بحديث ضعيف: "أسفروا بالفجر؛ فإنه أعظم للأجر" (¬2). # وتأوله الجمهور -على تقدير ثبوته- على التبكير بالصلاة، لا على غلبة ~~الضياء وظهوره؛ جمعا بين فعله - صلى الله عليه وسلم - وقوله، والله أعلم. # وفيه دليل على: جواز حضور النساء الجماعة بالمسجد مع الرجال، وهو ms0166 مقيد ~~بما إذا أمنت المفاسد؛ من الافتتان، وغيره، إما عليهن، أو بهن. # وليس في الحديث ما يدل على كونهن عجزا، أو شواب، وقد كره بعضهم PageV01P289 # للشواب ذلك، والذي ينبغي في هذه الأزمان: المنع مطلقا، إلا أن يكن عالمات ~~عاملات، لا يفتن بهن، ولا يفتن غيرهن بصورة، أو حالة، أو فعل، أو قول، ~~والله أعلم. # ولا شك أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من المسجد مطلقا، وفي مخدع بيتها ~~أفضل من بيتها مطلقا؛ لحديث ثبت في ذلك، والله أعلم. # وفيه دليل على: استقرار المرأة في بيتها مطلقا؛ لحديث ثبت في ذلك، وألا ~~تخرج منه إلا لمصلحة شرعية، وأن ترجع إليه بعد فراغها منها، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: كان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يصلي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس نقية، والمغرب إذا وجبت، ~~والعشاء أحيانا وأحيانا؛ إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطؤوا أخر، ~~والصبح كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصليها بغلس (¬1). # أما جابر: فتقدم. # وأما ألفاظه: # فالظهر: مشتقة من الظهور؛ لأنها ظاهرة وسط النهار. # والهاجرة: نصف النهار، قال الخليل: والهجر، الهجير، والهاجرة: نصف ~~النهار، وأهجر القوم، وهجروا: ساروا في الهاجرة، وقال غيره: هي شدة الحر. # والمراد هنا: نصف النهار بعد الزوال. PageV01P290 # قيل: سميت هاجرة من الهجر؛ وهو الترك؛ لأن الناس يتركون التصرف حيئنذ ~~لشدة الحر، ويقيلون (¬1). # والعصر: أصله الزمان، والمراد به هنا: طرفه، ومنه قيل لصلاة الصبح، وصلاة ~~العصر: العصران، ويقال للعصرين: الغداة، والعشي. # وجاء في الحديث: "حافظ على العصرين"، قيل: وما العصران؟ قال: "صلاة قبل ~~طلوع الشمس، وقبل غروبها" (¬2)، سماهما العصرين؛ لأنهما يقعان في طرفي ~~العصرين؛ وهما: الليل، والنهار، والأشبه: أنه غلب أحد الاسمين على الآخر؛ ~~كالعمرين: لأبي بكر وعمر، والقمرين للشمس والقمر. # وقوله: "والشمس حية"؛ حياتها: صفاء لونها قبل أن تصفر، أو تتغير، وهو مثل ~~قوله: "بيضاء نقية"، وقيل: حياتها: وجود حرها. # وقوله: "والمغرب إذا وجبت"؛ أي: الشمس سقطت للغروب، والمراد: سقوط قرصها، ~~ويستدل عليه بطلوع الليل من ms0167 المشرق، وهو الوقت الذي يفطر فيه الصائم. # وتقدم الغلس في الحديث قبله. # وأما أحكامه: # ففيه دليل على: أوقات الصلاة، وأن أفضلها أولها، إلا العشاء؛ فإن الأفضل ~~تأخيرها لانتظار كثرة الجماعة؛ لهذا الحديث، لكن للعلماء قولان؛ في أن ~~الأفضل: PageV01P291 # تقديمها: كالصلوات؛ سواء رجاء زيادة الجماعة، أم لا. # أم تأخيرها: إلى ثلث الليل، أو نصفه؛ لأجل مجرد التأخير لقصد ذلك الوقت. # وعلى هذا اختلفوا: هل يختلف ذلك باختلاف الأزمنة؛ من الصيف لقصر الليل، ~~فيكون التقديم أفضل، أو الشتاء لطوله، فيكون التأخير أفضل؟ # وذهب بعض العلماء؛ إلى أن تأخير الصلوات إلى آخر الوقت أفضل، إلا الصبح ~~يوم النحر بالمزدلفة؛ فإنه يصليها بغلس. # أما الظهر: فتقديمها أفضل؛ لكونه صلاها في الهاجرة؛ وهي شدة الحر وقوته، ~~لكنه معارض بظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الآخر: "إذا اشتد ~~الحر، فأبردوا" (¬1). # ويمكن الجمع بينهما: بأن يكون أطلق اسم الهاجرة على الوقت الذي بعد ~~الزوال مطلقا؛ فإنه قد يكون فيه الهاجرة في وقت، فيطلق على جميع الوقت ~~بطريق الملازمة، وإن لم يكن وقت الصلاة في حر شديد؛ وفيه بعد. # وقد نقل صاحب "العين" (¬2): أن الهجير، والهاجرة: نصف النهار، فإن كان ~~مراد الحديث هذا؛ كان معناه مطلقا على الوقت. # وقد اختلف الفقهاء من أصحاب الشافعي، وغيرهم: أن الإبراد رخصة، أو عزيمة؛ ~~بمعنى: أنه سنة، وفيه وجهان لأصحاب الشافعي: # أصحهما: أنه عزيمة بشروط. # والثاني: أنه أمر إباحة، فيكون تعجيلها في الهاجرة أخذا بالأشق، فيكون ~~التهجير لبيان الجواز، على قول من يرى الإبراد سنة، وفيه بعد؛ لأن قول PageV01P292 # الراوي: كان، يشعر بالكثرة، والملازمة عرفا، فلا يكون لبيان الجواز. # وأما العصر: فتعجيلها أفضل؛ لقوله: "والعصر والشمس نقية" خلافا لمن قال: ~~إن أول وقتها ما بعد القامتين، ولا شك أن للعصر خمسة أوقات: # وقت فضيلة: وهو أول وقتها. # ووقت اختيار: وهو إلى أن يصير ظل الشيء مثليه. # ووقت جواز: وهو إلى إصفرار الشمس. # ووقت جواز مع الكراهة: وهو حالة الإصفرار إلى الغروب. # ووقت عذر: وهو في حق من يجمع بين العصر ms0168 والظهر بسفر، أو مطر. # ويكون العصر في هذه الأوقات أداء، فإذا كانت كلها بغروب الشمس، كانت قضاء. # وأما المغرب: فيدخل وقتها بسقوط قرص الشمس، ويختلف ذلك بالأماكن: # فما كان منها حائلا بين الرائي، وبين قرصها: لم يكتف بغيبوبته عن العين؛ ~~بل لا بد من رؤية طلوع الليل من المشرق، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: ~~"إذا غربت الشمس من هاهنا، وطلع الليل من هاهنا، فقد أفطر الصائم" (¬1). # وإن لم يكن حائل: فقد قال بعض المالكية: يدخل وقتها بغيبوبة الشمس، ~~وشعاعها المستولي عليها، ولا وقت لها إلا واحد، وهو بمقدار ما يتوضأ، ويستر ~~العورة، ويؤذن ويقيم، وثلاث ركعات، وسنتها، وهو أحد قولي الشافعي المشهور ~~في مذهبه، وله استدامتها إلى غيبوبة الشفق، أما ابتداؤها أداء؛ فلا يجوز ~~بعد ذلك، بل يكون قضاء. PageV01P293 # والقول الثاني: أن وقتها يمتد إلى الشفق، وله فعلها أداء في كل ذلك ~~الوقت، وهو الصحيح المختار عند المحققين من المتقدمين والمتأخرين من أصحاب ~~الشافعي المحدثين، وغيرهم، ولا يأثم بذلك. # وصلاة المغرب في حديث جبريل في اليومين في وقت واحد؛ كان متقدما بمكة، ~~وامتداد وقتها إلى غروب الشفق متأخرا بالمدينة، وأحاديثها أصح إسنادا، فوجب ~~تقديمها، والعمل بها. # أو يكون فعلها في حديث جبريل - عليه السلام - بيانا للأفضل، أو الاختيار، ~~ولم يستوعب وقت الجواز، وذلك جار في أكثر الصلوات، والله أعلم. # وفي قوله: "في العشاء أحيانا" دليل على أن تأخير الصلاة؛ لانتظار الجماعة ~~أفضل، وقد تقدم ذكر ذلك بالنسبة إلى العشاء، لكن المسألة ذكرها العلماء ~~بالنسبة إلى جميع الصلوات التي لم يتضيق وقتها: أن فعلها في أول الوقت مع ~~الجماعة أفضل، فلو تعارض الانفراد، أو الوقت، أو التأخير مع الجماعة، ~~فوجهان: # الصحيح المختار: أن التأخير للجماعة أفضل؛ لهذا الحديث. # ولأن التشديد في ترك الجماعة مع إمكان التقديم، والترغيب في فعلها موجود ~~في الأحاديث الصحيحة، وفضيلة الصلاة في أول الوقت ورد على وجه الترغيب في ~~الفضيلة. # وأما جانب التشديد في التأخير عن أول الوقت، فلم يرد كما ورد في صلاة ~~الجماعة، وكل ms0169 ذلك دليل على رجحان الصلاة في الجماعة. # نعم إذا صح لفظ: "الصلاة في أول الوقت أفضل" (¬1) كان دليلا دلالة ظاهرة ~~على خلاف ما ذكرنا من أن التأخير للجماعة أفضل، وقد تقدم ذكرنا لصحته في ~~الحديث الأول من هذا الباب، وإن كان حديث الباب ليس فيه دليل على الصلاة PageV01P294 # في أول الوقت؛ لأن لفظه: "الصلاة على وقتها" و"الصلاة لوقتها"، وليس ~~فيهما دليل لأفضلية الصلاة في أول الوقت، والله أعلم. # وأما الصبح: ففعلها في أول الوقت أفضل، وحديث: "أسفروا بالفجر؛ فإنه أعظم ~~للأجر" (¬1) -بتقدير ثبوته- لا يعد معارضا لأحاديث التبكير بها، مع أنه ~~حمله على التبكير بالصبح، ويكون المراد بالإسفار: تيقن طلوع الفجر، ووضوحه، ~~لا غلبة الضياء الظلمة. # وهو بعيد من حيث إن فعلها فعل تيقن طلوعه لا يجوز، فلا آخر فيه، ولفظة ~~أفعل: تقتضي المشاركة في الأجر بقوله: "أعظم" مع رجحان أحد الطرفين حقيقة، ~~وقد يرد أفعل التفضيل من غير اشتراك، وهو قليل، لكنه على وجه المجاز، فيحمل ~~الحديث عليه، ويرجح، وإن كان تأويلا بفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~في تقديمها مغلسا. # * * * ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن أبي المنهال سيار بن سلامة، قال: دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلمي، ~~فقال له أبي: كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي المكتوبة؟ ~~فقال: كان يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس، ويصلي العصر، ~~ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة؛ والشمس حية، ونسيت ما قال في ~~المغرب، وكان يستحب أن يؤخر من العشاء التي تدعونها العتمة، وكان يكره ~~النوم قبلها، والحديث بعدها، وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل ~~جليسه، وكان يقرأ بالستين إلى المئة (¬2). PageV01P295 # وأما سيار: # فهو -بتقديم السين على الياء المشددة-، وقد يشتبه بيسار -بتقديم الياء ~~على السين-. # وهو تابعي بصري رياحي، من بني رياح -بكسر الراء، والياء المثناة- ابن ~~يربوع بن حنظلة. # روى عنه: جماعة من التابعين، وغيرهم، وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: صدوق ~~صالح الحديث، روى له: البخاري، ومسلم. # مات سنة تسع وعشرين ms0170 ومئة، ذكر وفاته وتبعيته ابن حبان في "ثقاته" (¬1). # وأما أبو برزة: # فهو -بفتح الباء الموحدة، وسكون الراء، وفتح الزاي، ثم الهاء الملفوظ بها ~~تاء، في الوصل-، وقد يشتبه بأبي بردة صورة لا لفظا -بضم الموحدة، وبالدال ~~المهملة-. # ولهم في الأسماء: برزة مثل الأول، إلا أنه بضم الباء؛ جد شيخ دمشقي، سمع ~~من ابن ماكولا، اسمه: عبد الجبار بن عبد الله بن برزة أردسقاني، مولده سنة ~~ثمان وسبعين وثلاث مئة بالري. # واسم أبي برزة: نضلة بن عبيد -بفتح النون، وسكون الضاد-، هذا المشهور في ~~اسمه، واسم أبيه، وقيل عكسه: عبيد بن نضلة، وقيل: نضلة بن عبد الله. # وحكى الحاكم أبو عبد الله في "التاريخ" عكسه: عبد الله بن نضلة، وقال: ~~وقيل: كان اسمه نضلة بن نيار؛ فسماه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: عبد ~~الله، وقال: "نيار شيطان". PageV01P296 # أسلم قديما، وشهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتح مكة. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ستة وأربعون حديثا، اتفق ~~البخاري ومسلم: على حديثين، وانفرد البخاري: بحديثين، ومسلم: بأربعة. # روى عنه جماعة من التابعين، وروى له أصحاب السنن والمساند. # نزل البصرة، وغزا خراسان، وعاد إليها، واختلف في تاريخ وفاته، فالذي عليه ~~الأكثر: أنه مات سنة ستين قبل موت معاوية، وقيل: سنة أربع وستين، واختلف في ~~مكان وفاته؛ فالمشهور: بالبصرة، وقيل: بخراسان، وقيل: بنيسابور، وقيل: في ~~مفازة بين سجستان وهراة. # وأما نسبته: الأسلمي، فإلى جد من أجداده اسمه أسلم. # واسم جد أبي برزة: الحارث بن حبال بن أنس بن جزيمة -بفتح الجيم، وكسر ~~الزاي- بن مالك بن سلامان بن أسلم بن أفصى -بالفاء- بن حارثة، والله أعلم (¬1). # وأما الهجير: فهو اسم من أسماء الظهر. # ويسمى: الأولى؛ كما ذكر في الحديث، سميت أولى؛ لأنها أول صلاة صلاها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - من الخمس المكتوبة في إمامة جبريل - صلى الله ~~عليه وسلم - كما ثبت في الصحيح. # وتسميتها الهجير؛ لكونها تصلى -غالبا- في وقت الهجير، والهاجرة؛ وهو شدة ~~الحر وقوته كما تقدم، فتكون ms0171 تسميتها به من باب حذف المضاف، وإقامة PageV01P297 # المضاف إليه مقامه، تقديره: كان يصلي صلاة الهجير، ولا شك أن "كان" تقتضي ~~الدوام -عرفا-، وتشعر بالتكرار كما يقال: كان فلان يكرم الضيف، ويقاتل ~~العدو: إذا كان ذلك دأبه وعادته. # والألف واللام في "المكتوبة"؛ للاستغراق، ولهذا أجاب بذكر الصلوات كلها؛ ~~لأنه فهم من السائل العموم. # وقوله: "حين تدحض الشمس"؛ أي: تزول وتدحض -بفتح التاء، والحاء- يقال: ~~دحضت الشمس، تدحض: إذا زالت، وظاهر اللفظ يقتضي: وقوع صلاته - صلى الله ~~عليه وسلم - للظهر عند الزوال؛ فلا بد من تأويله. # وقد يتمسك به من يقول من أصحاب الشافعي: إن فضيلة أول الوقت إنما تحصل ~~بأن تقع شروط الصلاة متقدمة على دخول الوقت، وتكون الصلاة واقعة في أوله؛ ~~بهذا الحديث، وهو ضعيف؛ إذ لا يمكن وقوع جميع الصلاة حين الزوال؛ لتعذره ~~[ولانضاف أول جزء من الصلاة على أول جزء من الوقت عند الزوال لعسره] (¬1). # ولهذا كان الصحيح في المذهب: أنه إذا اشتغل عقب دخول الوقت بأسباب ~~الصلاة، وسعى إلى المسجد، وانتظر الجماعة، ولم يشتغل إلا بما يتعلق ~~بالصلاة؛ كان مدركا للفضيلة أول الوقت، ويشهد له فعل السلف، والخلف، ولم ~~ينقل عن أحد منهم أنه كان يشدد في إدراك فضيلة أول الوقت هذا التشديد العسر. # ومنهم من قال: تمتد فضيلة أول الوقت إلى نصف وقت الاختيار؛ فإن النصف ~~السابق من الشيء يطلق عليه: أول بالنسبة إلى المتأخر. # وقوله: "والشمس حية" فهو مجاز عن نقاء بياضها، وعدم مخالطة الصفرة لها، ~~وتقدم في الحديث قبله. # وقوله: "وكان يستحب أن يؤخر من العشاء"، لفظة "من" هنا: للتبعيض الذي ~~حقيقته راجعة إلى الوقت، أو الفعل المتعلق بالوقت. PageV01P298 # وقوله: "التي يدعونها العتمة" هو إشارة إلى اختيار تسميتها بالعشاء؛ ~~لموافقة الكتاب العزيز في قوله تعالى: {ومن بعد صلاة العشاء} [النور: 58]. # وقد ثبت النهي عن تسميتها بالعتمة، وثبت في "الصحيح" تسميتها بالعتمة، في ~~قوله: "ولو يعلمون ما في النداء والعتمة" (¬1)، وثبت النهي: "لا تغلبنكم ~~الأعراب على تسميتها العشاء، يقولون: العتمة" (¬2). # فلعل تسميتها بها؛ لبيان الجواز، أو ms0172 لعل المكروه: أن يغلب عليها اسم ~~العتمة؛ بحيث يكون اسم العشاء لها مهجورا، أو كالمهجور، وقد أباح تسمية ~~العشاء بالعتمة: أبو بكر، وابن عباس -رضي الله عنهم-. # والمعنى في النهي عن تسميتها بالعتمة؛ تنزيها لهذه الصلاة الشريفة ~~الدينية، وأن يطلق عليها ما هو اسم لفعلة دنيوية؛ وهي الحلبة التي كانوا ~~يحلبونها في ذلك الوقت، ويسمونها العتمة؛ ويشهد لهذا قوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "وإنها تعتم بحلاب الإبل" (¬3). # والمقصود من النهي في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تغلبنكم الأعراب ~~على اسم صلاتكم العشاء" في "صحيح مسلم" (¬4). # و"لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب"، في "صحيح البخاري" (¬5)؛ ~~لأنهم كانوا يطلقون العشاء على المغرب. PageV01P299 # ألا تتبع الأعراب في تسميتهم هاتين الصلاتين بذلك؛ لأنهم لم يقيدوا ~~بتسميتها، لا بما جاء في كتاب الله تعالى، ولا بما جاء في السنة كما ثبت في ~~حديث جبريل - عليه السلام -، وغيره تسميتها بالمغرب، والله أعلم. # وقوله: "وكان يكره النوم قبلها"؛ لأنه قد يكون سببا لنسيانها، أو تأخيرها ~~عن وقتها المختار، وغيره. # وقد كرهه: عمر، وابنه، وابن عباس، وغيرهم من السلف، وبه قال مالك، وأصحاب ~~الشافعي. # وقال الطحاوي: يرخص فيه بشرط: أن يكون معه من يوقظه، وروي عن ابن عمر: ~~مثله، والله أعلم (¬1). # وقوله: "والحديث بعدها"؛ لأنه قد يقع فيه من اللغو واللغط ما لا ينبغي ~~ختم اليقظة به، ولهذا شرع من الذكر عند النوم ما لا يشرع في غيره من ~~الحالات. # وهذا إذا كان الحديث لا يتعلق بمصلحة شرعية؛ كالحديث في مصالح المسلمين، ~~ومع الضيفان، ومؤانسة الضعفاء، والإخوان، ومذاكرة العلم، وقد بوب البخاري ~~عليه: "باب: السمر بالعلم" (¬2)، وكذلك الحديث فيما تدعو إليه حاجة الناس، ~~وقد صح: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حدث أصحابه بعد العشاء (¬3). # ثم المراد بكراهة الحديث بعد العشاء: بعد فعلها، لا بعد دخول وقتها، ~~واتفق العلماء على كراهته، إلا ما كان في خير. # وقد تكون الحكمة في كراهة الحديث بعدها: ما جعله الله من كون الليل PageV01P300 # سكنا ليسكن فيه، فإذا نحدث فيه، فقد ms0173 جعله كالنهار الذي هو متصرف المعاش، ~~فكأنه قصد إلى مخالفة حكمة الله التي أجرى عليها وجوده. # وقيل: الحكمة فيه إراحة الكتبة، ولهذا كان بعض السلف يقول لأصحابه إذا ~~أرادوا الحديث بعدها: أريحوا الكتبة، والله أعلم. # وقوله: "وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه"؛ تقدم أنه يقال ~~لصلاة الصبح: صلاة الغداة، بلا كراهة، ونقل عن بعض السلف: كراهته، وهذا ~~الحديث يرد عليه. # ومعرفة الرجل جليسه حين يسلم: هو نظره إلى وجهه، ولهذا قال في رواية في ~~"صحيح مسلم": وكان ينصرف حين يعرف بعضنا وجه بعض (¬1)، وهذا كله ظاهر في ~~شدة التبكير. # وليس فيه مخالفة لقوله في النساء في الحديث الثاني: "ما يعرفهن أحد من ~~الغلس" (¬2)؛ لأن هذا إخبار عن رؤية جليسه، وذاك إخبار عن رؤية النساء عن ~~بعد، وقد تقدم أن الغلس قبل الغبش، فيمكن رؤية الجليس مع الغبش في أوله، ~~ولا يمكن مع الغلس. # وأما انفتاله - صلى الله عليه وسلم -، فيحتمل أن يكون مراد الراوي به: ~~السلام؛ أي: انفتل بوجهه للسلام، ويحتمل أن مراده: انفتل بجميع بدنه، وأقبل ~~على المأمومين، ولا شك أن كلا الأمرين جائز، لكن اختلف العلماء أيهما أفضل؟ # فذهب الشافعي، ومن وافقه، وتبعه: إلى أن بقاءه مستقبل القبلة إن لم يرد ~~الانصراف أفضل، خصوصا إن جلس للذكر، والدعاء؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "خير المجالس ما استقبل به القبلة" (¬3). PageV01P301 # ولحثه - صلى الله عليه وسلم - على نوع من الذكر بعد الصبح وهو ثان رجليه ~~على هيئة الجلوس في الصلاة قبل أن يقوم، ولأنه أجمع للقلب، وأبعد عن شغله. # فيكون انفتاله - صلى الله عليه وسلم - أحد الاحتمالين؛ لبيان الجواز، أو ~~محمولا على حالة دعت إليه مصلحتها متعدية عامة. # وذهب أحمد بن حنبل، ومن وافقه: إلى أن انفتال الإمام إلى المأمومين بجميع ~~بدنه عقب السلام أفضل، واستدل بأحاديث أخرى قال فيها: فلما سلم، انفتل، ~~وأقبل على جلسائه. # والذي يقتضيه الجمع بين الأدلة أنه إن كانت المصلحة الشرعية في الاستقبال ~~أكثر، كان أفضل، [وإن كانت في الانفتال إلى المأمومين ms0174 أكثر، كان أفضل] ~~(¬1)، والله أعلم. # وقوله: "وكان يقرأ بالستين إلى المئة"؛ معناه: يقرأ قراءة مرتلة بالستين ~~من الآيات إلى المئة منها، وفي ذلك مبالغة في التقديم في أول الوقت، ~~والتطويل، لا سيما مع ترتيل قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وليس هذا الحكم خاصا به - صلى الله عليه وسلم -، وبصحابته الذين كانوا ~~يصلون وراءه، بل هو عام في جميع أمته، إمامهم، ومأمومهم، ومنفردهم، إذا لم ~~يكن عذر من مرض، أو كبر، أو ضعف، أو حاجة، أو صغر. # ولهذا ثبت في الصحيح: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا أم أحدكم ~~الناس، فليخفف؛ فإن منهم الكبير، والضعيف، وذا الحاجة" (¬2)، وقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: "إني أدخل في الصلاة، وإني أريد إطالتها، فأسمع بكاء ~~الصبي، فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه" (¬3). # وأحكام الحديث معلومة من شرحه، والله تعالى أعلم. PageV01P302 ### ||| AUTO الحديث الخامس # عن علي - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوم ~~الخندق: "ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى ~~غابت الشمس" (¬1). # وفي لفظ لمسلم: "شغلونا عن الصلاة الوسطى؛ صلاة العصر"، ثم صلاها بين ~~المغرب والعشاء (¬2). # وله: عن عبد الله بن مسعود، قال: حبس المشركون رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عن صلاة العصر؛ حتى احمرت الشمس، أو اصفرت، فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "شغلونا عن الصلاة الوسطى؛ صلاة العصر، ملأ الله أجوافهم ~~وقبورهم نارا، أو: حشا الله أجوافهم وقبورهم نارا" (¬3). # أما علي، وابن مسعود، فتقدم ذكرهما. # وأما يوم الخندق: فكان في شوال سنة خمس من الهجرة، وقيل: أربع، وهو يوم ~~الأحزاب، وكان الذي أشار على النبي - صلى الله عليه وسلم - بحفر الخندق ~~سلمان، وهو أول غزوة غزاها سلمان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~فخندق على المدينة فيها، بين المدام إلى ناحية رائح، وجعل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - سلعا وراء ظهره، والخندق بينه وبين القوم، والله أعلم. # [أما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ملأ الله ms0175 قبورهم وبيوتهم نارا"، في ~~رواية علي]، (¬4)، وفي PageV01P303 # رواية ابن مسعود: "ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا، أو: حشا الله أجوافهم ~~وقبورهم نارا"، فقد يستدل بالحديث الثاني من رواية ابن مسعود: على منع ~~الرواية بالمعنى؛ حيث تردد بين اللفظيين: ملأ، وحشا، ولم يقتصر على أحدهما، ~~مع تقاربهما في المعنى، لكن بينهما تفاوتا، فإن قوله: "حشا الله"؛ يقتضي: ~~التراكم، وكثرة أجزاء المحشو ما لا يقتضيه: ملأ. # وقد قيل: إن شرط الرواية بالمعنى: أن يكون اللفظان مترادفين، لا ينقص ~~أحدهما عن الآخر، لكن الأولى الرواية باللفظ، وإن جوزنا الرواية بالمعنى؛ ~~فلعل ابن مسعود قصد الأفضل الأولى متحريا له. # وقوله: "ثم صلاها بين المغرب والعشاء"؛ فيه كلامان: # أحدهما: أن تأخيره للعصر، وإخراجها عن وقتها، هل كان عمدا أو سهوا؟ فيه ~~احتمالان: # فمن قال: عمدا؛ جعل شغل العدو لهم عذرا في تأخيرها عن وقتها، وقال: كان ~~هذا قبل نزول صلاة الخوف، وأما بعد نزولها، وإلى الآن؛ فلا يجوز تأخيرها، ~~بل تصلى على حسب حالة شدة الخوف على ما هو معروف من أنواعها عند العلماء. # ثم الذي وقع في "الصحيحين": أن المؤخر صلاة العصر، وظاهره أنه لم يفت غيرها. # وفي "الموطأ": أنها صلاة الظهر، والعصر (¬1). # وفي غيره: أنه أخر أربع صلوات: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، حتى ذهب ~~هوي من الليل. # وطريق الجمع بين هذه الروايات: أن وقعة الخندق بقيت أياما، فكان هذا في ~~بعض الأيام، وهذا في بعضها، والله أعلم. PageV01P304 # الكلام الثاني: هل صلاته - صلى الله عليه وسلم - لها بين وقت المغرب ~~والعشاء، أم بين فعلهما؟ # فإن قلنا: بين وقتهما؛ لزمه منه الترتيب في الفوائت، وفيه مذاهب للعلماء، ~~أوجبه بعضهم، مع اتفاقهم على استحبابه. # وإن قلنا: بين فعلهما؛ لزم منه أن تكون العصر الفائتة بعد صلاة المغرب ~~الحاضرة، وذلك لا يراه من يوجب الترتيب، وفي ذلك احتمالان، لكن يحتاج ~~أحدهما إلى مرجح، إما لوجوب الترتيب في الفوائت، أو لاستحبابه. # وقد ورد في "صحيح مسلم": أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بدأ بالعصر، ثم ~~صلى المغرب (¬1)، فترجح أنه ms0176 صلى العصر بين وقتهما، لا بين فعلهما: إما ~~وجوبا، وإما استحبابا. # أما تحتم الوجوب، فلا، وحديث: "لا صلاة لمن عليه صلاة" (¬2) ضعيف، ولو ~~صح، لحمل على: نفي الكمال، لا الصحة، ولا نقول: إن الأصل أن يحكي القضاء ~~الأداء، وفعله - صلى الله عليه وسلم - يعين الوجوب فيه؛ لمعارضة أن الأصل ~~عدم الوجوب فيه، والله أعلم. # وقوله في حديث ابن مسعود: "حبس المشركون رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- عن صلاة العصر، حتى احمرت الشمس، أو اصفرت": اعلم أن اصفرار الشمس، ~~واحمرارها: وقت كراهة الصلاة، ومعلوم أن وقت الفضيلة، والاختيار، والجواز ~~بلا كراهة: قبله. # فيكون فعلها عند اصفرارها في وقت الكراهة، لكنه كان قبل نزول قوله تعالى: ~~{فإن خفتم فرجالا أو ركبانا} [البقرة: 239]؛ لأنه لو كانت نزلت، لأقيمت في ~~حال الخوف. PageV01P305 # وظاهره يوهم مخالفة الحديث قبله، وفعلها بين المغرب والعشاء، وليس كذلك، ~~بل حبس المشركين إياه انتهى إلى اصفرار الشمس، ولم يقع فعلها إلا بعد ~~المغرب؛ لاشتغاله - صلى الله عليه وسلم - ناسيا لها، أو غيرها؛ مما اقتضى ~~جواز تأخيرها إذ ذاك، والله أعلم. # وأما أحكام الحديث: # ففيه دليل على: جواز الدعاء على الكفار بمثل هذا الدعاء، وعلى الإخبار ~~بسبب الدعاء؛ لإقامة العذر. # وفي ظاهره دليل على: إن فاتته الفريضة تقضى في جماعة؛ وبه قال العلماء كافة. # إلا ما حكي عن الليث بن سعد: أنه منع ذلك، فإن صح؛ فهو مردود بظاهر هذا ~~الحديث، وبصريح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الصبح بأصحابه جماعة ~~حين ناموا عنها بعد طلوع الشمس؛ كما ثبت في "صحيح مسلم" (¬1). # وفيه دليل على: أن من فاتته صلاة، وصلاها في وقت آخر؛ أنه يبدأ بالفائتة، ~~ثم يصلي الحاضرة، وهو مجمع عليه، لكنه عند الشافعي، وطائفة: على الاستحباب، ~~فلو صلى الحاضرة، ثم الفائتة، جاز. # وعند مالك، وأبي حنيفة، وآخرين: على الإيجاب، فلو قدم الحاضرة، لم يصح، ~~وتقدم دليلهما مبينا. # وقد يحتج بفعله - صلى الله عليه وسلم - العصر مقدمة على المغرب بعد غروب ~~الشمس؛ من يقول: إن وقت المغرب متسع ms0177 إلى غروب الشفق؛ لأنه لو كان ضيقا، ~~لبدأ بالمغرب؛ لئلا يفوت وقتها، فدل على أنه متسع. # لكن لا يمشي ذلك عند من يقول: إنه ضيق، فيحتاج إلى الجواب عن هذا؛ لأن ~~المختار اتساعه؛ كما بيناه فيما تقدم، والله أعلم. PageV01P306 # وفيه دليل على: أن الصلاة الوسطى؛ هي العصر، وقد اختلف العلماء من ~~الصحابة، فمن بعدهم فيها في المراد بها في القرآن العزيز. # لكن صريح هذه الأحاديث يعين أنها العصر، وبه قال: علي بن أبي طالب، وابن ~~مسعود، وأبو أيوب، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، ~~وعبيدة السلماني، والحسن البصري، والنخعي، وقتادة، والضحاك، والكلبي، ~~ومقاتل، وأبو حنيفة، وأحمد، وداود بن المنذر، وغيرهم، قال الترمذي: هو قول ~~أكثر العلماء من الصحابة، فمن بعدهم (¬1). # وقاله الماوردي عن مذهب الشافعي؛ لصحة الأحاديث فيه، قال: وإنما نص على ~~أنها الصبح؛ لأنه لم تبلغه الأحاديث الصحيحة في العصر، ومذهبه اتباع ~~الحديث، وهذا هو المذهب الصحيح في المسألة. # وقالت طائفة: هي الصبح؛ وهو منقول عن عمر، وابنه، وابن عباس، ومعاذ، ~~وجابر، وعطاء، ومجاهد، وعكرمة، والربيع بن أنس، ومالك بن أنس، والشافعي، ~~وجمهور أصحابه، وغيرهم، وأجاب هؤلاء عن الحديث على طريق المعارضة له، ~~وللفظه، ومعناه. # أما المعارضة له: فعورض بحديث رواه مالك، من حديث أبي يونس، مولى عائشة: ~~أنه قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا، ثم قالت: إذا بلغت هذه الآية، ~~فآذني: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} [البقرة: 238]، فلما بلغتها، ~~آذنتها، فأملت علي: حافظوا على الصلوات، والصلاة الوسطى، وصلاة العصر، ~~وقوموا لله قانتين، ثم قالت: سمعتها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬2). # ونحوه روي -أيضا- عن زيد بن أسلم، عن عمر بن رافع، قال: كنت أكتب مصحفا ~~لحفصة أم المؤمنين، فذكر عنها مثل ما ذكر عن عائشة (¬3). PageV01P307 # والمعطوف يغاير المعطوف عليه، وهذا ينبني على خبر الآحاد، هل يثبت به ~~قرآن؟ وإذا لم يثبت به، هل تنزل منزلة خبر الآحاد في العمل به؟ اختلف ~~الأصوليون فيه: # فالمنقول عن أبي حنيفة: تنزيله منزلته، ولهذا أوجب التتابع في ms0178 صوم ~~الكفارة للقراءة الشاذة: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) (¬1). # والمختار عندهم: أنه لا يجوز إثبات القرآن بالآحاد؛ لأنه لم يرو على أنه خبر. # لكنه قد يعطف الشيء على نفسه، أو يكون من باب عطف الصفات بعضها على بعض ~~مع اتحاد الشخص، ومنه قول الشاعر (¬2): # إلى (¬3) الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم # ومنهم من تمسك في إثبات أنها الصبح؛ بقرينة قوله تعالى: {وقوموا لله ~~قانتين (238)} [البقرة: 238]؛ لأن القنوت في الصبح، وهو ضعيف لوجهين: # أحدهما: أن القنوت مشترك بين القيام، والسكوت، والدعاء، وكثرة العبادة، ~~فلا يتعين حمله على قنوت صلاة الصبح. # الثاني: أن الحكم قد يعطف على مثله، وإن لم يكونا مجتمعين في موضع واحد ~~مختصين به، فتضعف القرينة. # ومنهم من تمسك بأنها الصبح بالتأكيد فيها في الأحاديث الصحيحة؛ PageV01P308 # كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لو يعلمون ما في الصبح والعتمة؛ لأتوهما ~~ولو حبوا" (¬1)؛ لكنه إنما سيق في معرض ذم المنافقين بتأخرهم عنها. # مع أنه معارض بالتأكيدات في صلاة العصر؛ كقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"من صلى البردين دخل الجنة" (¬2)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإن ~~استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها" (¬3)، وحمل ~~المفسرون قوله تعالى: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب (39)} [ق: ~~39] على صلاة الصبح، وصلاة العصر. # مع ما ثبت من التشديد في ترك صلاة العصر، ما لا يعلم ثبوته في ترك الصبح؛ ~~كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من ترك صلاة العصر، حبط عمله" (¬4)، و"من ~~ترك صلاة العصر فكأنما وتر أهله، وماله" (¬5). # وأما المعنى: فهو أن تخصيص الصلاة الوسطى بالمحافظة؛ لأجل المشقة، ~~والمشقة في الصبح أكثر؛ لكونها تكون في حال طيب النوم، ولذته؛ حتى قيل: إن ~~ألذ النوم، إغفاءة الصبح؛ فناسب ذلك أن تكون هي المخصوصة بالمحافظة عليها. # لكنه معارض بما في صلاة العصر من مشقة ترك معاش الناس وتكسبهم، مع أنه لو ~~لم يعارض بذلك، لكان ساقط الاعتبار بالنص على أنها العصر، مع أن للفضائل ~~والمصالح مراتب لا يحيط بها البشر، فالواجب: اتباع النصوص ms0179 فيها. PageV01P309 # ثم قد سلك المخالف للنص في أنها العصر مسلك النظر في كونها وسطى من حيث ~~العدد؛ فلا بد من تعيين ابتدائها فيه بحيث يقع به معرفة الوسط، وبه يقع ~~التعارض. # فمن قال: إنها الصبح، يقول: سبقها المغرب، والعشاء ليلا، وأخر عنها ~~الظهر، والعصر نهارا، فكانت وسطا. # ومن قال: إنها المغرب، يقول: سبقها الظهر والعصر -كيف وقد سميت الظهر ~~أولى-، وتأخر عنها العشاء والصبح، فكانت هي الوسطى؛ وهو قول قبيصة بن ذؤيب. # ومن قال: هي العشاء، يقول: سبقها صلاة نهار، وصلاة ليل، وتأخر عنها صلاة ~~بينهما، وصلاة نهار، مع أن الصبح قد اختلف فيها؛ هل هي نهارية، أو ليلية، ~~أو لا يوصف بهما؟ على ثلاثة مذاهب للسلف. # ومن قال: الظهر هي عكس القول في العشاء في التقديم، والتأخير. # وهذا لا يتعين، بل ينبغي أن يكون مسلك النظر من حيث الفضل؛ كما يشير إليه ~~قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} [البقرة: 143]؛ أي: عدلا. # ومع ذلك كله، فأقوى دليل لمن قال: إنها الصبح، ومنع أنها العصر، قضية ~~العطف الذي قدمناه، وهي قاصرة عن النص: في أنها العصر، وقد أقسم الله تعالى ~~بها؛ تعظيما لها في قوله: {والعصر (1)} [العصر: 1] قال مقاتل: أقسم بصلاة ~~العصر؛ وهي الصلاة الوسطى. # والاعتقاد منه أقوى من الاعتقاد المستفاد من العطف، والواجب على الناظر ~~المحقق: أن يزيل الضعيف، ويعمل بالأرجح منها، والله أعلم. # ثم حكى القاضي عياض - رحمه الله - في الصلاة الوسطى قولين آخرين، غير ما ~~ذكرنا، أحدهما": أنها مبهمة في الخمس، والثاني: أنها الجمعة، وقيل: إن ~~الوسطى جميع الخمس. # وكلها أقوال ضعيفة جدا، خصوصا في الجمعة؛ لأن المفهوم بالإيصاء PageV01P310 # بالمحافظة عليها، إنما كان كونها معرضة للضياع؛ وهو غير لائق بالجمعة، ~~فإن الناس -في العادة- يحافظون عليها أكثر من غيرها، فإنها تأتي في الأسبوع ~~مرة، بخلاف غيرها. # وأما من قال: هي جميع الخمس؛ فهو ضعيف، أو غلط؛ لأن العرب لا تذكر الشيء ~~مفصلا، ثم تجمله، وإنما تذكره مجملا ثم تفصله، أو تفصل بعضه تنبيها على ~~فضيلته، وقد تجمله جميعه من ms0180 غير تفصيل؛ تنبيها على المحافظة على جميعه، ~~فيكون القول بإبهامها في الخمس من هذا الأخير، والله أعلم. # ثم أصح الأقوال في الصلاة الوسطى: الصبح، والعصر، وأصحهما: العصر، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث السادس # عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما -، قال: أعتم النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، بالعشاء، فخرج عمر - رضي الله عنه - فقال: يا رسول الله! رقد ~~النساء والصبيان، فخرج ورأسه يقطر، يقول: "لولا أن أشق على أمتي -أو على ~~الناس-، لأمرتهم بهذه الصلاة، هذه الساعة" (¬1). # أما ابن عباس، فتقدم ذكره. # وأما قوله: "أعتم"، فمعناه: أخر الصلاة حتى اشتدت عتمة الليل؛ وهي ظلمته، ~~يقال: عتم بالليل، يعتم -بكسر التاء-: إذا أظلم، والعتمة: الظلمة، ونقل عن ~~الخليل: أنها اسم لثلث الليل الأول بعد غروب الشفق. # وقد يستعمل أعتم بمعنى: دخل في العتمة؛ كما يقال: أصبح، وأمسى، PageV01P311 # وأظهر؛ أي: دخل فيها (¬1)، قال الله تعالى: {حين تمسون وحين تصبحون} ~~[الروم: 17]، وقال: {وعشيا وحين تظهرون} [الروم: 18]. # واستدل بعضهم بقوله: أعتم، على جواز تسمية هذه الصلاة: بالعتمة، وليس فيه ~~دليل؛ لأنا فسرنا أعتم؛ بمعنى: تأخير الصلاة، أو الدخول في وقت العتمة، ولا ~~يلزم من ذلك جواز تسمية العشاء بذلك، وقد تقدم في الحديث الرابع من هذا ~~الباب الكلام على ذلك، والاختلاف فيه. # لكن قال الشافعي: وأحب ألا تسمى صلاة العشاء: بالعتمة (¬2)، وإنما قال ~~ذلك؛ لما في الحديث من النهي في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تغلبنكم ~~الأعراب على اسم صلاتكم، ألا وإنها العشاء" (¬3) عن غلبة التسمية، والتنفير ~~عنها؛ لأنفة النفوس من الغلبة. # وإضافة الاسم إليهم في قوله: "على اسم صلاتكم" قال: فيه زيادة، ألا ترى ~~أنا لو قلنا: لا تغلبن على مالك، كان أشد تنفيرا من قولنا: لا يغلبن على ~~مال، أو على المال؛ لدلالة الإضافة على الاختصاص به. # ولا شك أن الأولى عدم تسميتها بالعتمة؛ وهو مقتضى كلام الشافعي، أما ~~الكراهة فلا؛ لأن قوله: لا أحب، أقرب إلى الأولوية، أو نقول: النهي راجع ~~إلى الغلبة؛ كما ذكرنا. # ولا شك أنها مكروهة دائما، ms0181 أو أكثر، ولا يناقضه أن يستعمل قليلا؛ جمعا ~~بين استعماله - صلى الله عليه وسلم - لفظ العتمة في قوله: "ولو يعلمون ما ~~في الصبح، والعتمة" (¬4)، والنهي عن تسميتها عتمة، والله أعلم. # ثم على قول من قال: إن العتمة اسم الثلث الأول بعد غيبوبة الشفق لا يحمل PageV01P312 # على أول أجزاء هذا الوقت؛ بل على آخره، أو ما يقاربه؛ لتظهر فائدته ~~بمخالفة العادة، وفائدة قول عمر - رضي الله عنه -: "رقد النساء والصبيان"، ~~وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لولا أن أشق على الناس، أو على أمتي؛ ~~لأمرتهم بهذه الصلاة هذه الساعة". # ثم كلمة "لولا" تدل على: انتفاء الشيء؛ لوجود غيره، وقد تقدم ذلك في ~~السواك في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لولا أن أشق على أمتي؛ لأمرتهم ~~بالسواك عند كل صلاة"؛ (¬1) وأن مطلق الأمر للوجوب؛ فهل يتساوى لفظ ~~الحديثين في ذلك، أم لا؟ # فلك أن تمنع التساوي فيهما، وتقول: الذي اقتضاه لفظ الحديث هنا: انتفاء ~~الأمر؛ لوجود المشقة، والمنفي أمر الوجوب؛ لثبوت الاستحباب في تأخيرها عند ~~من يراه. # فأما من يرى أن تقديمها أفضل؛ لما دل عليه الدليل عنده، فيتعارضان، ويرجح ~~دليل التأخير من خارج، وتكون مقدمة لذلك، ويصير مجموع الحديثين دليلا على ~~أن الأمر للوجوب بهذه المقدمة. # وقول عمر -رضي الله عنه-: "يا رسول الله! رقد النساء والصبيان". # يحتمل أنه قاله لطلب فائدة يسمعها من النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~ذلك، أو لظن الغفلة عن التقديم، ثم طلب الفائدة قد يكون راجعا إلى المسجد؛ ~~لقلة احتمال النساء والصبيان المشقة في حضورهم الصلاة في الجماعة، أو ~~انتظارهم في البيوت؛ لمن يصليها في المسجد ممن حضر المسجد؛ إشفاقا عليهم، ~~أو إشفاقا على المصلين؛ لشغل قلوبهم بمن في البيوت من النساء والصبيان؛ ~~لانتظارهم إياهم في العادة. # وأما الصبيان، فهو جمع صبي، وهو الغلام من حين يولد إلى أن يبلغ -وهو ~~بكسر الصاد، وضمها-؛ كقضيب، وقضبان. PageV01P313 # واعلم أنه - صلى الله عليه وسلم - إنما أخرها قصدا؛ لتطويل مدة الانتظار؛ ~~فإن العبد في صلاة ما دام ينتظر الصلاة. ms0182 # وقوله: "فخرج ورأسه تقطر"؛ أي: شعر رأسه يقطر؛ لكون القطر إنما يكون من ~~الشعر لا من الرأس، فعبر عنه مجازا لنيابة فيه، وكان ذلك من أثر اغتساله - ~~صلى الله عليه وسلم -، ويحتمل أنه من أثر الوضوء، وهو بعيد، والله أعلم. # وأما أحكامه: # ففيه دليل على: تتبع أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأحواله، ~~وأقواله، ونقلها إلى أمته، وأنها كلها شرع يقتدى به. # وفيه: تأخير صلاة العشاء، وأنه مستحب، لكن هل هو أفضل، أم التقديم، أم ~~يختلف باختلاف الأحوال والأزمان؟ فيه أقوال للعلماء تقدمت. # ظاهر هذا الحديث: أن التأخير أفضل؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - عليه ~~بهذا اللفظ، وأن الغالب كان تقديمها. # وبه استدل من قال بتفضيل التقديم، وقال: لو كان التأخير أفضل؛ لواظب ~~عليه، وإن كان فيه مشقة، والحكمة في تركه: خشية أن يفرض عليهم، أو يتوهموا ~~إيجابه؛ كتركه - صلى الله عليه وسلم - صلاة التراويح، وتعليله إياه: بخشية ~~افتراضها، والعجز عنها، وأجمع العلماء على استحبابها؛ لزوال العلة التي خيف ~~منها، وهذا المعنى موجود في العشاء، فيكون التأخير الآن أفضل. # وفيه: تنبيه التابع المتبوع على أمر يجري على خلاف المعتاد؛ ليتعرف ~~حكمته، أو أنه غفل عنه، ونحو ذلك. # وفيه: أنه يستحب للعالم، أو الإمام: أن يعتذر إلى أصحابه إذا تأخر عنهم، ~~أو جرى منه ما يظن أنه يشق عليهم، ويقول لهم وجه المصلحة فيه. # وفيه دليل على: أن الأمر للوجوب. # وفيه: شرعية النظر في أمر الضعفاء؛ كالنساء، والصبيان، ونحوهم أكثر من ~~غيرهم. PageV01P314 # وفيه: أنه يجوز لغير المؤذن الراتب أن يعلم الإمام بالصلاة، خصوصا إذا ~~كان في إعلامه مصلحة ظنها، أو تحققها. # وفيه: ذكر المصلحة مبينة غير مجملة، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث السابع # عن عائشة -رضي الله عنها-، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا ~~أقيمت الصلاة، وحضر العشاء، فابدؤوا بالعشاء" (¬1)، وعن ابن عمر: نحوه (¬2). # ولمسلم عنها، قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا ~~صلاة بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان" (¬3). # أما عائشة، وابن عمر؛ فتقدم ذكرهما. # اعلم: ms0183 أن الألف واللام في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أقيمت ~~الصلاة"؛ يحتمل الاستغراق بجميع الصلوات، ويحتمل أن يكون لتعريف الماهية، ~~ويحتمل أن يكون للعهد؛ لصلاة معينة للشرع. # لا جائز أن يكون للاستغراق للأمر بالبداءة بالعشاء لحضور العشاء؛ فخرج به ~~صلاة النهار، وتبين أنها غير مرادة، فبقي التردد بين صلاة الليل؛ وهي: ~~المغرب، والعشاء، وانتفى تعريف الماهية، وترجح حملها على معهود الشرع معين ~~عنده؛ وهي: المغرب؛ لما صح في بعض الروايات: "إذا وضع العشاء، PageV01P315 # وأحدكم صائم، فابدؤوا به قبل أن تصلوا" (¬1)، وفي رواية صحيحة: "فابدؤوا ~~به قبل أن تصلوا صلاة المغرب" (¬2). # والحديث يفسر بعضه بعضا، فأما أهل القياس والنظر، ففهموا المعنى في ~~الحديث: في تقدم الطعام على الصلاة؛ لعدم التشويش بالتشوف إلى الطعام؛ ~~لتنبيهه - صلى الله عليه وسلم - بقوله في الرواية المفسرة: "وأحدكم صائم"؛ ~~فإنه مؤد إلى عدم الحضور في الصلاة. # لكن هل يقتصر على ما يكسر سورة الجوع، أو يأكل ما يشبعه؛ بحيث لا يؤدي ~~إلى خروج الصلاة عن وقتها، ولا يذهب حضوره فيها؟ # نقل عن الإمام مالك - رحمه الله -: البداءة بالصلاة، إلا أن يكون طعاما ~~خفيفا، واستدل بالحديث المفسر، وعلى أن وقت المغرب فيه توسعة. # لكن إن أراد التوسعة بالنسبة إلى الطعام للصائم، فمقبول، وإن أراد ~~التوسعة إلى غروب الشفق، ففيه نظر بالنسبة إلى من يقول بضيق وقتها، وتقديره ~~بزمان معين يدخل فيه ما يكسر سورة الجوع بلقيمات. # وأما الظاهرية فقالوا: بتقديم الطعام على الصلاة مطلقا، وزاد بعضهم، ~~فقال: وإن صلى، فصلاته باطلة، والله أعلم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صلاة بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه ~~الأخبثان": # الأخبثان: البول، والغائط، وقد ورد التصريح بهما في بعض الأحاديث. # وهذا الحديث عام في كل صلاة، ومنعها مع حضور الطعام، ومدافعة الأخبثين؛ ~~لأن (لا) لنفي الجنس مع النكرة تعم، وصلاة نكرة مع لا؛ فكان ذلك عاما في كل ~~صلاة. PageV01P316 # وقد تقدم الكلام بالنسبة إلى اللفظ قبله، وأنه خاص بالمغرب، لا بالنسبة ~~إلى المعنى؛ فإن هذا دال على: المعنى والتعميم، وفيهما ms0184 دليل على: تقديم ~~حضور القلب، وفضيلته في الصلاة على فضيلة أول الوقت؛ فإنهما لما تزاحما قدم ~~صاحب الشرع الوسيلة إلى حضور القلب على أداء الصلاة في أول الوقت. # وقد يمنع أصحاب المعاني في هذا الحديث: الحكم بتأخير الصلاة بمجرد حضور ~~الطعام، بل يقولون: لا يدفع حضوره التشوف إليه. # قال شيخنا أبو الفتح القاضي - رحمه الله -: والتحقيق في هذا: أن الطعام ~~إذا لم يحضر؛ فإما أن يكون متيسر الحضور عن قرب حتى يكون كالحاضر، أو لا. # فإن كان الأول: فلا يبعد أن يكون كالحاضر، وان كان الثاني: وهو ما يتراخى ~~حضوره، فلا ينبغي أن يلحق بالحاضر؛ فإن حضور الطعام يوجب زيادة تشوف، وتطلع إليه. # وهذه الزيادة يمكن أن تكون اعتبرها الشارع في تقديم الطعام على الصلاة، ~~فلا ينبغي أن يلحق بها ما لا يساويها؛ للقاعدة الأصولية: إن محل النص إذا ~~اشتمل على وصف يمكن أن يكون معتبرا، لم يلغ، هذا آخر كلامه، وهو نفيس، ~~والله أعلم (¬1). # ثم اعلم أن مدافعة الأخبثين لا تخلو من أحوال: # أحدها: أن يكون بحيث لا يعقل بسببه الصلاة، وضبط حدودها، فهذا لا تحل له ~~الصلاة، ولا الدخول فيها إجماعا. # الثاني: أن يكون بحيث يعقلها مع ذهاب خشوعه بالكلية، ومذهب جمهور الأمة: ~~أنه لا تبطل صلاته. # ونقل عبد الله بن خفيف - رحمه الله - عن الشافعي - رحمه الله - قولا: أن ~~ذهاب الخشوع يبطل الصلاة، وهو غريب جدا. PageV01P317 # أما الدخول فيها مع فقدان الخشوع، فقد يقال: يمنعه على هذا القول، والذي ~~يتعين: أنه مكروه. # الثالث: أن يكون بحيث يؤدي إلى الإخلال بركن، أو شرط امتنع الدخول في ~~الصلاة معه، وان دخل، واختل الركن، أو الشرط، فسدت الصلاة به. # وان لم يؤد إلى ذلك، فالمشهور من مذاهب العلماء: الكراهة. # ونقل عن مالك في ذلك: أنه يؤثر في الصلاة بشرط شغله عنها، وأنه يعيد في ~~الوقت، وبعده، وتأوله بعض أصحابه: على شغل لا يدري كيف صلى معه، وأما الشغل ~~الخفيف الذي لا يمنع إقامة حدودها مع ضم وركيه، فهو الذي يعيد ms0185 معه في الوقت. # والذي يقتضيه التحقيق: أنه إن منع ركنا، أو شرطا، منع الدخول، وقيل: فسدت ~~الصلاة به، وإن لم يمنع: فهو مكروه نظرا إلى المعنى، وإلا: فهو مانع ~~الدخول، أو الاستمرار؛ نظرا إلى أصل النهي، لكن فعلها مع النهي لا يقتضي ~~الإعادة عند الشافعي، فإنها لا تجب إلا بأمر مجدد. # الرابع: أن يكون بحيث يؤدي به إلى الشك في شيء من الأركان، فحكمه حكم من ~~شك فيها بغير هذا السبب، وهو البناء على اليقين بأنه لم يفعله، فيأتي به، ~~ويكون ذلك مكروها -أيضا-. # وقد جعل بعضهم مدافعة الأخبثين ناقضا للطهارة، أو قائما مقام الناقض؛ ~~لخروج الخبث عن محله ومقره، فيجعله مانعا للدخول في الصلاة، وهذا بعيد؛ ~~لأنه إحداث سبب في نواقض الوضوء من غير دليل لم يذكره أحد من العلماء، وليس ~~في الحديث صراحة به، وإن كان فيه مناسبة، لكنها لا تثبت بها الأحكام، والله أعلم. # وأما أحكامه: # ففيه دليل على: أن شهود الصلاة في الجماعة ليس بواجب؛ لأن النداء PageV01P318 # بالإقامة إذا سمعه وهو في بيته، وقد حضر طعامه، لم يجبه، وبدأ به، وإن ~~فاتته الصلاة في الجماعة. # وفي هذا الاستدلال نظر؛ فإن الجماعة لا يسقط أصل وجوبها به، لكن حضور ~~الطعام عذر في تركها، ووجود العذر رخصة في ترك الواجب، لا أنه يرفعه بمعنى ~~عدم تعلق الخطاب به. # وفيه دليل على: أنه يبدأ بالأكل، ويأكل حاجته بكاملها بحيث يسمى عشاء، ~~ويؤيد ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - في رواية في "صحيح مسلم: "فابدؤوا ~~بالعشاء" ولا تعجلن حتى تفرغ منه". # وهذا يضعف تأويل من تأوله على أكل ما يكسر سورة الجوع، ويبطله؛ لكن شرطه: ~~ألا تخرج الصلاة عن وقتها، وتصير قضاء، هذا هو المذهب الصحيح عند الشافعي، ~~وجمهور أصحابه، وغيرهم. # وحكى أبو سعيد المتولي من أصحاب الشافعي وجها لبعض الأصحاب: أنه لا يصلي، ~~بل يأكل، ويتوضأ، وإن خرج الوقت؛ لأن مقصود الصلاة الخشوع، فلا يفوته، وهو ~~ضعيف؛ لما يلزم منه من ترك واجب لأجل المحافظة على فعل مندوب. # مع ms0186 أن العلماء من أصحاب الشافعي، وغيرهم قالوا: وإن ترك الطعام، وصلى على ~~حاله، وفي الوقت سعة، فصلاته صحيحة، وكان فعلها مكروها، ويستحب له إعادتها. # وفيه دليل على: أنه ينبغي ألا يدخل في الصلاة إلا وقلبه فارغ من كل ما ~~يشغله، ويذهب خشوعه؛ لأنه إذا نهي عنها لأمر لازم ليس وجوده بتعاطيه؛ فغيره ~~مما يتعاطاه أولى. # وفيه دليل على: فضيلة هذه الأمة، وما منحها الله تعالى من مراعاة حظوظ ~~البشرية، وتقديمها على الفضائل الشرعية، ووضع الشديدات عنها، وتوفير ثوابها ~~على ذلك، خصوصا إذا قصده للمتابعة؛ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ~~أعلم. PageV01P319 ### ||| AUTO الحديث الثامن # عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: شهد عندي رجال مرضيون، ~~وأرضاهم عندي عمر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة بعد ~~الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب (¬1). # عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~قال: "لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب ~~الشمس" (¬2). # وفي الباب: عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر بن ~~الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، وسمرة بن جندب، وسلمة بن ~~الأكوع، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن عفراء، وكعب بن مرة، وأبي أمامة الباهلي، ~~وعمرو بن عبسة السلمي، وعائشة، والصنابحي، ولم يسمع من النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -رضي الله عنهم-. # أما ابن عباس، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عمرو، وأبو هريرة، ~~وعائشة؛ فتقدم ذكرهم. # وأما أبو سعيد: # فاسمه: سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر وهو خدرة ~~بن عوف بن الحارث بن الخزرج، الأنصاري، وهو وأبوه صحابيان. # استشهد أبوه مالك يوم أحد، وكان يقال له: سعد بن الشهيد؛ إشارة إلى جده ~~سنان، استصغر يوم أحد فرد، وغزا بعد ذلك مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- اثنتي عشرة غزوة. PageV01P320 # وهو من أكثر الصحابة حديثا، روي له ms0187 عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~ألف حديث ومئة حديث وسبعون حديثا؛ اتفق البخاري ومسلم على: ستة وأربعين ~~حديثا، وانفرد البخاري: بستة عشر حديثا، ومسلم: باثنين وخمسين حديثا. # وروى عنه من الصحابة: عبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وزيد بن ثابت، ~~وعبد الله بن عباس، وأبو أمامة سهل بن حنيف، وخلق كثير من التابعين. # وكان ممن بايع النبي - صلى الله عليه وسلم - هو وخمسة على: ألا تأخذهم في ~~الله لومة لائم، منهم: أبو ذر، وسهل بن سعد، وعبادة بن الصامت. # وروى حنظلة بن أبي سفيان الجمحي، عن أشياخه قالوا: لم يكن أحد من أحداث ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفقه من أبي سعيد، وفي رواية: أعلم. # وروى له: أصحاب السنن والمساند. # مات بالمدينة يوم جمعة، سنة أربع وستين، وقيل: وسبعين؛ وهو ضعيف، ابن ~~أربع وسبعين سنة، ودفن بالبقيع. # وأما الخدري -بضم الخاء المعجمة، وسكون الدال المهملة، وبالراء، ثم ياء ~~النسب-، فنسبة: إلى خدرة جد من أجداده، وخدرة، وخدارة: أخوان بطنان من ~~الأنصار، أبو مسعود الأنصاري: من خدارة، وأبو سعيد: من خدرة؛ وهما: ابنا ~~عوف بن الحارث بن الخزرج. # قال أبو عمر بن عبد البر: كان أبو سعيد من الحفاظ، المكثرين، العلماء، ~~الفضلاء، العقلاء (¬1). PageV01P321 # وأما سمرة بن جندب: فاختلف في كنيته؛ فقيل: أبو سعيد، ويقال: أبو عبد ~~الله، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو سليمان، ويقال: ~~جندب -بضم الجيم، وبضم الدال، وفتحها-. وهو سمرة بن جندب بن هلال بن خديج ~~بن مرة بن حزم بن عمرو بن جابر بن ذي الرئاستين الفزاري، حليف الأنصار. روي ~~له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: مئة حديث وثلاثة وعشرون حديثا؛ ~~اتفق البخاري، ومسلم: على حديثين، وانفرد البخاري: بحديثين، ومسلم: بأربعة، ~~روى عنه: عمران بن حصين، وجماعة من التابعين، وروى له: أصحاب السنن ~~والمساند. وكان يسكن البصرة، ومات بها سنة ثمان وخمسين في آخر خلافة ~~معاوية، سقط في قدر مملوء ماء حارا؛ كان يتعالج بالقعود عليها ms0188 من كراز شديد ~~أصابه؛ فسقط في القدر الحار، فمات؛ فكان ذلك تصديقا لقول رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - له، ولأبي هريرة، وثالث معهما: "آخركم موتا في النار" ~~(¬1). وقال محمد بن سيرين: كان سمرة -ما علمت- عظيم الأمانة، صدوق الحديث، ~~يحب الإسلام وأهله (¬2). # وقال [أبو] عمر بن عبد البر: وكان سمرة من الحفاظ المكثرين عن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -. # وقال سمرة: لقد كنت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكنت أحفظ ~~عنه، وما يمنعني من القول إلا أن هاهنا رجالا هم أسن مني، ولقد صليت مع PageV01P322 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على امرأة في نفاسها؛ فقام عليها ~~للصلاة وسطها (¬1). # وأما سلمة بن الأكوع: # فكنيته: أبو إياس، بابنه إياس؛ وهو الأكثر، وقيل: أبو مسلم؛ وهو مرجح عند ~~جماعة، ويقال: أبو عامر. # والأكوع: جده، وهو لقب له، وهو سلمة بن عمرو بن سنان، وهو اسم الأكوع بن ~~عبد الله بن قشير بن خزيمة بن مالك بن سلامان بن أفصى بن خارجة بن عمرو بن ~~عامر الأسلمي. # شهد معه الرضوان تحت الشجرة، وبايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يومئذ ثلاث مرات: في أول الناس، وأوسطهم، وآخرهم، وبايعه يومئذ على الموت. # وقال يزيد بن أبي عبيد: قلت لسلمة بن الأكوع: على أي شيء بايعتم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية؟ قال: على الموت (¬2). # وقال سلمة: غزوت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبع غزوات، وخرجت ~~فيما بعث من البعوث سبع غزوات. # ويقال: إنه شهد مؤتة، وكانت سبب إسلامه؛ فيما ذكره ابن إسحاق: أنه كلمه الذئب. # قال سلمة: رأيت الذئب أخذ ظبيا، فطلبته حتى نزعته منه، فقال: ويحك ما لي ~~ولك؟! عمدت إلى رزق رزقنيه الله ليس من مالك، فنزعته مني، قال: قلت: يا ~~عباد الله! إن هذا لعجب! ذئب يتكلم! فقال الذئب: أعجب من هذا أن PageV01P323 # النبي - صلى الله عليه وسلم - في أصول النخل يدعوكم إلى عبادة الله، ~~وتأبون إلا عبادة الأوثان! قال: فلحقت برسول الله ms0189 - صلى الله عليه وسلم -، ~~وأسلمت (¬1). # وقد كلم الذئب رافع بن عميرة، الصحابي -أيضا-، والله أعلم. # روى سلمة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: سبعة وسبعين حديثا؛ اتفقا ~~على: ستة عشر، وانفردالبخاري: بخمسة، ومسلم: بتسعة. # روى عنه: ابنه إياس، ومولاه يزيد بن أبي عبيد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ~~وغيرهم من التابعين. # سكن الربذة، وكان شجاعا، راميا، محسنا، خيرا، قال ابنه إياس: ما كذب أبي ~~قط، وروى عن أبيه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "خير ~~رجالتنا: سلمة ابن الأكوع" (¬2). # مات - رحمه الله - سنة أربع وسبعين، بالمدينة، وهو ابن ثمانين سنة. # روى له: أصحاب السنن والمساند (¬3). # وأما زيد بن ثابت: # فكنيته: أبو سعيد، وقيل: أبو خارجة؛ بابنه، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: ~~أبو عبد الرحمن. # وهو زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد عوف ابن غنيم ~~بن مالك بن النجار، أنصاري نجاري، وقال ابن حبان: هو من بني سلمة، أحد بني ~~الحارث بن الخزرج؛ وهو أخو يزيد بن ثابت. PageV01P324 # قدم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، وهو ابن إحدى عشرة ~~سنة، وكان يكتب الوحي للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان -أيضا-كاتبا لأبي ~~بكر الصديق، وعمر بن الخطاب. # وكان عمر يستخلفه إذا حج، استخلفه ثلاث مرات: مرتين في حجتين، ومرة في ~~خروجه إلى الشام، وكتب إليه من الشام: إلى زيد بن ثابت، من عمر بن الخطاب، ~~وكان معه لما قدم من الشام، وخطب بالجابية عند خروجه لفتح بيت المقدس. # وهو الذي تولى قسمة غنائم اليرموك، وقتل أبوه ثابت، يوم بعاث: وقعة كانت ~~بين الأوس والخزرج، وعمره يومئذ ست سنين، وكانت قبل هجرة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بخمس سنين، وأتي به إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وهو غلام قد قرأ ست عشرة سورة. # ولم يجزه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بدر، ولا أحد، وأجيز في ~~الخندق، وكان ينقل التراب يومئذ مع المسلمين، وقال أبو عمر بن ms0190 عبد البر: رد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر جماعة، منهم: زيد بن ثابت، ثم ~~شهد أحدا، وما بعدها من المشاهد، ورمي يوم اليمامة بسهم؛ فلم يضره. # وكان أحد فقهاء الصحابة الجلة الفراض، قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "أفرض أمتي: زيد بن ثابت" (¬1). # وكان أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - قد أمره بجمع القرآن في الصحف، ~~فكتبه فيها، فلما اختلف الناس في القراءة زمن عثمان، واتفق رأيه ورأي ~~الصحابة أن يرد القرآن إلى حرف واحد، وقع اختياره على حرف زيد، فأمره أن ~~يمل المصحف على قوم من قريش جمعهم إليه، فكتبوه على ما هو عليه اليوم بأيدي ~~الناس، والأخبار بذلك متواترة المعنى، وإن اختلفت ألفاظها. # وكانوا يقولون: غلب زيد بن ثابت الناس على اثنين: القرآن، والفرائض. PageV01P325 # وقال مسروق: قدمت المدينة، فوجدت زيد بن ثابت من الراسخين في العلم (¬1). # وقال مالك بن أنس: كان إمام الناس عندنا بعد عمر بن الخطاب: زيد بن ثابت؛ ~~يعني: بالمدينة (¬2). # قال أبو عمر بن عبد البر: كان عثمان يحب زيد بن ثابت، وكان زيد عثمانيا، ~~ولم يكن فيمن شهد شيئا من مشاهد علي مع الأنصار، وكان مع ذلك يفضل عليا، ~~ويظهر حبه. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اثنان وسبعون حديثا؛ اتفقا ~~منها على: خمسة أحاديث، وانفرد البخاري: بأربعة، ومسلم: بحديث. # وروى عنه من الصحابة: عبد الله بن عمر، وأنس، وأبو هريرة، وعبد الله ابن ~~يزيد الخطمي، وسهل بن أبي خثمة، وسهل بن سعد الساعدي، وسهل ابن حنيف، وأبو ~~سعيد الخدري، وخلق من التابعين، وروى له: أصحاب السنن والمساند. # ومات بالمدينة سنة أربع وخمسين، وقيل: ست، وقيل: خمس، وقيل: إحدى، أو ~~اثنتين وخمسين، وقيل: سنة خمس وأربعين، وقيل: ثلاث، وقيل: اثنتين وأربعين، ~~وقيل: ابن ست وخمسين، وقيل: أربع وخمسين، وصلى عليه مروان؛ وله بالمدينة ~~عقب، وقتل يوم الحرة سبعة من الأولاد من صلبه (¬3). PageV01P326 # وأما معاذ بن عفراء: # فهو منسوب إلى أمه عفراء بنت عبيد بن ثعلبة بن عبيد ms0191 بن ثعلبة بن غنم بن ~~مالك بن النجار. # وهو معاذ بن الحارث بن رفاعة بن الحارث بن سواد بن مالك بن غنم ابن ~~النجار، الأنصاري؛ وهو داخل في نوع المنسوبين إلى غير آبائهم. # شهد بدرا، والمشاهد كلها، ويقال: إنه جرح يوم بدر، فمات منها بالمدينة، ~~وشهد أخواه: معوذ، وعوذ، -ويقال: عوف- بدرا، وقتلا شهيدين، وكلهم بنو ~~عفراء، وأبوهم الحارث، وقال أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحارث الفزاري: ~~يقال: إنه أول من أسلم من الأنصار هو ورافع بن مالك الزرقي. # قال الواقدي: وآخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين معاذ بن الحارث ~~ومعمر بن الحارث، ومعاذ وأخوه هما ضربا أبا جهل ببدر حتى برد، وأجهز عليه ~~ابن مسعود - رضي الله عنه - بسيفه؛ يعني: سيف أبي جهل، فنفله رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - إياه، ولمعاذ بن عفراء. # قال أبو حاتم بن حبان: قتل معاذ بالحرة، سنة ثلاث وستين، وقيل: قتل مع ~~علي بن أبي طالب. # وقال الواقدي: توفي معاذ بعد قتل عثمان أيام حرب علي، ومعاوية، وهو معنى ~~قول ابن عبد البر: مات معاذ في خلافة علي. # روى له من أصحاب السنن: النسائي (¬1). PageV01P327 # وأما كعب بن مرة: # فهو السلمي البهزي، والأكثرون على أنه: كعب بن مرة، وقيل: مرة ابن كعب؛ ~~وهو من بهز بن الحارث بن سليم بن منصور، نزل البصرة، ثم سكن الأردن من الشام. # روى عنه: جماعة من التابعين، وروى له: جماعة من أصحاب السنن والمساند. # ومات بالأردن سنة سبع، وقيل: سنة تسع وخمسين (¬1). # وأما أبو أمامة الباهلي: # فاسمه صدي بن عجلان، ويقال فيه: الصدي -بالألف واللام؛ كالعباس، وعباس-، ~~ولم يذكر الحاكم أبو أحمد في كتابه "الكنى" غيره. # وهو صدي بن عجلان بن والبة بن رباح بن الحارث بن معن بن مالك ابن أعصر بن ~~سعد بن قيس عيلان بن مضر، وقيل في نسبه غير هذا. # وأما الباهلي: فنسبه إلى باهلة، واسمه: مالك بن يعصر بن سعد بن قيس عيلان ~~بن مضر، واتفقوا على أن نسبته باهلي؛ والأكثر ms0192 على أنه منسوب إلى مالك بن ~~يعصر كما ذكرنا، وقال بعضهم: نسبة إلى باهلة في بني سهم. # سكن أبو أمامة مصر، ثم انتقل إلى حمص، وكان من المكثرين في الرواية عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأكثر حديثه عند الشاميين. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: مئتا حديث وخمسون حديثا؛ ~~روى له البخاري: خمسة أحاديث، ومسلم: ثلاثة. # روى عنه: جماعة من التابعين الشاميين، وروى له: أصحاب السنن والمساند. PageV01P328 # ومات بحمص من الشام: سنة إحدى وثمانين، وقال أبو حاتم بن حبان: سنة ست ~~وثمانين؛ وهو ابن إحدى وتسعين سنة، وكان يصفر لحيته، وكان مع علي بصفين. # قال أبو عمر النمري: وأكثر حديثه عند الشاميين، وهو آخر من مات بالشام من ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قول بعضهم (¬1). # وأما عمرو بن عبسة السلمي: # فكنيته: أبو نجيح في قول الأكثرين، ويقال: أبو شعيب، وينسبونه: عمرو بن ~~عبسة بن عامر بن خالد بن عاصرة بن عتاب بن امرئ القيس بن بهثة -بضم الباء، ~~وسكون الهاء، وبالثاء المثلثة- بن سليم بن منصور بن عكرمة ابن حفصة بن قيس ~~بن عيلان بن مضر. # وقال أبو حاتم بن حبان: عمرو بن عبسة بن خالد بن حذيفة بن عمرو ابن خلف ~~بن مازن بن عامر. # أسلم قديما في أول الإسلام، قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم ~~قدم المدينة مهاجرا، وكان رابع أربعة في الإسلام: النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، وأبي بكر، وبلال؛ وهو، وقصته في "الصحيح" مشهورة، وأنه قال للنبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: من معك على هذا؟ يعني: ما ذكر له من توحيد الله ~~تعالى، وأن لا يشرك به شيء، وتكسير الأوثان، وحقن الدماء قال - صلى الله ~~عليه وسلم -: "حر وعبد"؛ يعني: أبا بكر، وبلالا، قلت: ابسط يدك، أبايعك؛ ~~فبايعته على الإسلام، قال: فلقد رأيتني، وأنا ربع الإسلام (¬2). PageV01P329 # واستأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المكث معه، أو اللحوق بقومه، ~~فأذن له في الرجوع إلى قومه، فخرج، ثم أتى النبي ms0193 - صلى الله عليه وسلم - ~~قبل فتح مكة، فسكن الشام، وقدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ~~الحديبية، وكان يسكن صفته من أرض بني سليم. # وهو أخو أبي ذر الغفاري لأمه، وأمهما: رملة بنت الوقيعة بن حرام بن غفار. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ثمانية وثلاثون حديثا، روى ~~له مسلم: حديثا واحدا، وروى عنه: جماعة من الصحابة، منهم: عبد الله بن ~~مسعود، وأبو أمامة الباهلي، وسهل بن سعد الساعدي، وأبو الظبية الكلاعي ~~-بالظاء المعجمة-، وغيرهم من الصحابة والتابعين. # نزل الشام، ثم سكن حمص إلى أن مات، روى له: أصحاب السنن والمساند. # وأما السلمي: -بضم السين المهملة، وفتح اللام- فهي نسبة إلى سليم، قبيلة؛ ~~وهي سليم بن منصور بن عكرمة، المذكور في نسبه منهم: عمرو بن عبسة، وجماعة ~~من الصحابة، والتابعين، وغيرهم (¬1). # وأما الصنابحي: # -بضم الصاد المهملة، وفتح النون، ثم ألف، ثم باء موحدة، ثم حاء مهملة، ثم ~~ياء النسب- فنسبة إلى الصنابح: بطن من مراد، واشتهر بها دون الاسم: عبد ~~الرحمن بن عسيلة بن عسل بن عسال، أبو عبد الله الصنابحي المرادي؛ تابعي ~~جليل، إمام مخضرم؛ رحل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقبض النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - PageV01P330 # وهو في الطريق بالجحفة قبل أن يصل لخمس، أو ست. # ثم نزل بالشام، وسمع أبا بكر الصديق، وعبادة بن الصامت، وبلال بن رباح، ~~ومعاذ بن جبل، وشداد بن أوس، وعمرو بن عبسة، وعائشة أم المؤمنين. # وروى عنه: جماعة كثيرة من تابعي أهل الشام، وغيرهم. # وثقه ابن سعيد، وقال: قليل الحديث. # وقال عمر بن عبد العزيز في حديث نقله الصنابحي [فقال: إمام أخذ عن إمام، ~~وقال يعقوب بن شيبة: وذكر الصنابحي عن أبي بكر الصديق] (¬1)، فقال: يروي عن ~~أهل الحجاز والشام، دخل المدينة بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~يروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحاديث يرسلها عنه. # وقد قلب بعضهم اسمه فجعله كنية، وبعضهم قلب كنيته فجعلها اسما، وكله خطأ، ~~والصواب: ما ذكرناه أولا. # روى له: ms0194 البخاري، ومسلم، وأصحاب السنن (¬2). # وأما ألفاظه: # فقوله: "شهد عندي رجال مرضيون، وأرضاهم عندي عمر": # لا شك أن الشهادة عند ابن عباس؛ بمعنى: الإخبار، والرواية له عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، والتبليغ عنه؛ لا بمعنى الشهادة عند الحكام. # كيف، وعمر - رضي الله عنه - كان قاضيا لأبي بكر - رضي الله عنه -، وأمير PageV01P331 # المؤمنين بعده، ومات وهو أمير المؤمنين، ولم يكن ابن عباس قاضيا له، ولا ~~نائبا في الإمارة؟! فدل على ما ذكرناه. # وفيه: استحباب الثناء على الشيوخ والعلماء، وإن لم يكونوا متهمين، وتبيين ~~مراتبهم في الفضل، وغيره؛ حيث قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: "وأرضاهم ~~عندي عمر". # [وفي (¬1) بعض النسخ "حتى تطلع الشمس" ولا شك أنهما صحيحان. # فأما "تشرق" فضبط -بضم التاء وكسر الراء-، وضبط -بفتح التاء وضم الراء- ~~وهو الأكثر عند رواة المشارقة، وأشار القاضي عياض إلى الترجيح الأول في ~~"شرح صحيح مسلم"، وذكر الثاني في "المشارق" (¬2)، وهو بمعنى تطلع؛ لأن أكثر ~~الروايات على تطلع، فوجب حمل تشرق في المعنى على موافقتها. # قال أهل اللغة: يقال: شرقت الشمس تشرق؛ أي: طلعت، على وزن طلعت تطلع، ~~وغربت تغرب، ويقال: أشرقت تشرق؛ أي: ارتفعت وأضآت، ومنه قوله تعالى: ~~{وأشرقت الأرض بنور} [الزمر: 69] أي: أضاءت (¬3)، فمن قال: إن الرواية من: ~~أشرقت تشرق، واحتج لها بالأحاديث الأخرى في النهي عن الصلاة عند طلوع ~~الشمس، والنهي عن الصلاة إذا بدا حاجب الشمس حتى تبرز، وحديث: "ثلاث ساعات: ~~حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع" (¬4)، وكل هذا يبين أن المراد بالطلوع ~~ارتفاعها، وإشراقها وإضاءتها، لا مجرد ظهور قرصها، والله أعلم. # وأما نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة بعد الصبح، وبعد العصر، فهو ~~نهي عن الصلاة بعد PageV01P332 # فعلهما، لا بعد دخول وقتهما، لأنه لو أخرهما لم تكن الصلاة قبلهما، وإن ~~تقدم فعلهما في أول الوقت، كرهت، فدل على ما ذكرنا، وأن عدم الكراهة بدخول ~~وقتهما يختلف بتطويل النافلة وتخفيفها؛ فإنه ربما طول المصلي النافلة قبل ~~فعلهما إلى آخر وقتهما، فيكون ذلك مكروها، وهذا كله بخلاف كراهة الصلاة ms0195 عند ~~الطلوع، والاستواء، والغروب بالحمرة والصفرة؛ فإن الكراهة فيها متعلقة ~~بالوقت، وهذا الحديث معمول به عند فقهاء الأمصار، وإن اختلف بعض المتقدمين ~~فيه من بعض الوجوه. # واعلم أن صيغة النفي إذا دخلت على فعل في ألفاظ صاحب الشرع، كان حملها ~~على نفي الفعل الشرعي أولى من نفي الفعل الوجودي، لتكون نفيا للحكم الشرعي ~~لا للفعل الحسي؛ لأن الشارع إنما يطلق لفظه على عرفه وهو الشرعي، ونفي ~~الحسي منتف لوجود الفعل حسا، ويحتاج فيه إلى إضمار لتصحيح اللفظ، وهو ~~المسمى بدلالة الاقتضاء، وينشأ منه النظر في كون اللفظ عاما، أو مجملا، ~~وظاهرا في بعض محامله، وحمله على نفي الحقيقة الشرعية أولى؛ لعدم الإضمار. # فمن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي سعيد الخدري هذا: "لا ~~صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس"، وفيه زيادة على نفي الفعل، وهي مد ~~الكراهة إلى ارتفاع الشمس، وليس المراد مطلق الارتفاع عن الأفق، بل ~~الارتفاع الذي تزول عنه صفرة الشمس، أو حمرتها، وهو مقدر برمح أو رمحين. # وقوله: "لا صلاة" عام في كل صلاة، وخصه الشافعي ومالك: بالنوافل، ولم ~~يقولا به في الفرائض والفوائت، فهي جائزة في سائر الأوقات، وأبو حنيفة يقول ~~بامتناعها، وهو أدخل في العموم، إلا أنه قد يعارض بقوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها" (¬1)، وكونه جعل ذلك ~~وقتا لها، PageV01P333 # وفي بعض الروايات: "لا وقت لها إلا ذلك" (¬1). # لكن بين الحديثين عموم وخصوص من وجه، فحديث النهي عن الصلاة بعد الصبح ~~وبعد العصر خاص في الوقت، عام في الصلاة، وحديث النوم والنسيان خاص بالصلاة ~~الفائتة، عام في الوقت، فكل منهما بالنسبة إلى الآخر عام من وجه، خاص من وجه. # ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من ~~الليل" (¬2)؛ فإنه نفي للصوم الشرعي لا الحسي. # ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا نكاح إلا بولي" (¬3)، فإن حمله ~~على الحقيقة الشرعية ينفي الاحتياج إلى الإضمار، وحمله على الحقيقة الحسية، ~~يضمر بعضهم ms0196 الصحة، وبعضهم الكمال، وكذلك ما شاكل ذلك. # واعلم أنه أجمعت الأمة على كراهة صلاة لا سبب لها في هذه الأوقات. # واتفق العلماء على جواز الفرائض المؤداة فيها. # واختلفوا في النوافل التي لها سبب؛ كصلاة تحية المسجد، وسجود التلاوة، ~~والشكر، وصلاة العيد، والكسوف، وفي صلاة الجنازة، وقضاء الفوائت. # ومذهب الشافعية وطائفة: جواز ذلك كله، ومذهب أبي حنيفة وآخرين: أنه داخل ~~في النهي، بعموم الأحاديث. PageV01P334 # واحتج الشافعي وموافقوه: بأنه ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى ~~سنة الظهر بعد العصر، وهذا صريح في قضاء السنة الفائتة، فالحاضر أولى، ~~والفريضة المقضية أولى، وكذلك الجنازة، والله أعلم]. # وفي الحديث فوائد: # من جملتها: ما في الحديث الأول من قول ابن عباس: شهد عندي رجال إلى آخره، ~~وهو الرد على الروافض فيما يدعونه من مباينة أهل البيت، وأكابر الصحابة. # ومنها: أن الكراهة في الصلاة بعد الصبح وبعد العصر، التي لا سبب لها: ~~كراهة تحريم؛ لأن الأصل في النهي التحريم، وقد اختلف أصحاب الشافعي - رحمه ~~الله -، في ذلك على وجهين: # أصحهما: أن الكراهة للتحريم؛ ولو صلاها، لم تنعقد؛ على أصح الوجهين، ~~ويكون آثما. # ومنها: أنه لا تكره الصلاة قبل الصبح؛ لأن التخصيص بالنهي بعدها، يفيد ~~عدم النهي قبلها، وقد كره جماعة من السلف: الصلاة قبلها، ما عدا سنة الفجر؛ ~~والذي عليه الجمهور خلافه. # ومنها: كراهة الصلاة عند طلوع الشمس، حتى ترتفع الشمس قيد رمح. # ومنها: أن الكراهة بعد فعل العصر، ممتدة إلى غيبوبة قرص الشمس؛ وبغيبوبته ~~تزول الكراهة، وتجوز الصلاة؛ ولهذا كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، إذا غابت الشمس، ابتدروا السواري، قبل المغرب بالصلاة، قد يظن ~~الظان؛ أن المغرب قد صليت؛ لكثرة المصلين، والله أعلم. # * * * PageV01P335 ### ||| AUTO الحديث التاسع # عن جابر بن عبد الله: أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، جاء يوم الخندق، ~~بعدما غربت الشمس، فجعل يسب كفار قريش، وقال: يا رسول الله! ما كدت أصلي ~~العصر، حتى كادت الشمس تغرب، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "والله ما ~~صليتها"، قال: فقمنا ms0197 إلى بطحان، فتوضأ للصلاة، وتوضأنا لها، فصلى العصر ~~بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب (¬1). # أما جابر، وعمر: فتقدم ذكرهما. # وتقدم ذكر: يوم الخندق -أيضا-، والجمع بين هذا الحديث، وبين أحاديث صلاة ~~الوسطى؛ في الخامس من هذا الباب، وأحكامها. # وأما ما يختص بهذا الحديث؛ من شرح الألفاظ، وغيرها: # فقول عمر - رضي الله عنه -: "يا رسول الله! ما كدت أصلي العصر؛ حتى كادت ~~الشمس تغرب"، لا شك أن (كاد) من أفعال المقاربة؛ ويجوز حذف أن مع الفعل، في ~~خبرها؛ وهذا الحديث يدل عليه، ويجوز إثباتها معه؛ وهو الأكثر، وثبت في هذا ~~الحديث إثباتها في "صحيح مسلم". # وقوله: فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "والله ما صليتها"؛ وإنما حلف ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، تطييبا لقلب عمر - رضي الله عنه -؛ فإنه شق ~~عليه تأخير العصر إلى قريب من الغروب، فأخبره - صلى الله عليه وسلم -: أنه ~~لم يصلها بعد؛ ليكون لعمر أسوة، ولا يشق عليه ما جرى، وتطيب نفسه، وأكد ذلك ~~الخبر باليمين. # قوله: فقمنا الى بطحان"؛ هو -بضم الباء الموحدة، وإسكان الطاء، وبالحاء ~~المهملتين-؛ هكذا هو عند المحدثين، في رواياتهم، وفي ضبطهم، وتقييدهم. PageV01P336 # وقال أهل اللغة: هو -بفتح الباء، وكسر الطاء-، ولم يخبروا غير هذا؛ وكذا ~~نقله صاحب "البارع"، وأبو عبيد البكري؛ وهو واد بالمدينة (¬1). # وقوله: "فتوضأ للصلاة، وتوضأنا لها، فصلى العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى ~~بعدها المغرب"؛ هذا ظاهر أنه صلاهما في جماعة؛ فيكون فيه دليل: بجواز صلاة ~~الفريضة الفائتة جماعة؛ وبه قال العلماء كافة، إلا ما حكاه القاضي عياض، عن ~~الليث بن سعد: أنه منع ذلك؛ وهو مردود بهذا، وبأنه - صلى الله عليه وسلم -: ~~"صلى الصبح في جماعة، حين ناموا عنها"، رواه مسلم في "صحيحه" (¬2). # وقد ذكر أصحاب الشافعي -رحمهم الله تعالى-: أن من فاتته الجمعة لعذر، ~~وغيره؛ أنه يصلي الظهر، لكنه هل يصليها في جماعة؟ الأصح: أنه تشرع في ~~جماعة، لكن لا تكون مشتهرة؛ لما يلزم من شهرتها سوء الظن بالإمام. # ولأصحابنا وجه: أنها لا تشرع في جماعة، ms0198 بل تصلى فرادى. # وفي الحديث فوائد: # منها: جواز سب المشركين؛ لتقرير النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك، ~~من غير إنكار؛ وهو سب مطلق من غير تعيين، فينبغي أن يحمل على ما ليس بفحش. # وفيه: تقديم الفائتة على المؤداة؛ لقول عمر - رضي الله عنه -: "ما كدت ~~أصلي العصر"؛ لأن (كاد) إذا دخل عليه النفي؛ اقتضى وقوع الفعل، في الأكثر؛ ~~كما في قوله تعالى: {فذبحوها وما كادوا يفعلون} [البقرة: 71]، وصلاته - صلى ~~الله عليه وسلم - العصر قبل المغرب؛ تدل على ذلك -أيضا-. # ومذهب مالك: وجوبه في القليل من الفوائت؛ وهي ما دون الخمس، وفي الخمس ~~خلاف. PageV01P337 # ومستحب عند الشافعي مطلقا. # فإذا ضم إلى هذا الحديث الدليل على اتساع وقت المغرب إلى مغيب الشفق، لم ~~يكن في هذا الحديث دليل على وجوب الترتيب في قضاء الفوائت، وسيأتي إيضاحه. # وفيه دليل على: جواز القسم، من غير استحلاف، واستحبابه إذا كان فيه ~~مصلحة؛ من توكيد أمر، أو زيادة طمأنينة، أو نفي توهم نسيان، أو إشفاق، ونحو ~~ذلك من المقاصد الصالحة؛ لأن القسم توكيد للمقسم عليه. # وفي هذا القسم إشعار ببعد وقوع المقسم عليه؛ حتى كأنه لا يعتقد وقوعه، ~~فأقسم على وقوعه؛ وهو يقتضي تعظيم الترك، وهو مقتضى الاشتفاق منه، أو ما ~~يقارب معناه. # وقد كثر القسم في الأحاديث عنه - صلى الله عليه وسلم -؛ وهكذا القسم من ~~الله تعالى، في الكتاب العزيز، لكن حكمنا في المقسم به، مخالف له -سبحانه ~~وتعالى-؛ فإنه سبحانه وتعالى له أن يحلف بعظيم مخلوقاته؛ تنبيها على عظمها ~~عنده، وتشريفها؛ كقوله -سبحانه وتعالى-: {والذاريات ذروا}، {والطور}، ~~{والمرسلات عرفا}، {والسماء والطارق}، {والشمس وضحاها}، {والليل إذا يغشى}، ~~{والضحى} {والتين والزيتون}، {والعاديات ضبحا}، {والعصر}، ونظائرها؛ فكل ~~هذا لما ذكرناه، ولتفخيم المقسم عليه، وتوكيده. # وأما حكمنا: فلا يجوز لنا أن نحلف إلا بالله تعالى، أو باسم من أسمائه ~~-تبارك وتعالى- لا يشاركه فيه غيره، أو بصفة من صفاته؛ وقد ثبت أنه - صلى ~~الله عليه وسلم -، قال: "من كان حالفا؛ فلا يحلف إلا بالله" (¬1)، وفي ~~رواية: "فليحلف بالله، ms0199 أو ليسكت" (¬2)، وورد PageV01P338 # في حديث عنه - صلى الله عليه وسلم -: "من حلف بغير الله، فقد أشرك" (¬1). # وفيه دليل على: عدم كراهة قول القائل: ما صلينا؛ خلاف ما توهمه قوم من ~~كراهته. # وقد تمسك بهذا الحديث، وبحديث: "شغلونا عن الصلاة الوسطى" (¬2) بعض ~~المتقدمين؛ في تأخير الصلاة في حالة الخوف إلى حالة الأمن. # والفقهاء كلهم على خلافه؛ وإقامة الصلاة في حالة الخوف، وأجابوا عن هذين ~~الحديثين: بأنهما كانا في غزوة الخندق، وصلاة الخوف شرعت، في غزوة ذات ~~الرقاع؛ وهي بعد ذلك، وتقدم ذكر ذلك. # ومن الناس من سلك في الجواب طريقا آخر، وهو أن الشغل أوجب نسيان الصلاة؛ ~~فتركها للنسيان، قال: وهو ظاهر فيه، وليس كذلك؛ بل الظاهر: تعليق الحكم ~~بالشغل المذكور لفظا. # وقد تقدم الكلام على: وجوب الترتيب في الفوائت، في حديث: الصلاة الوسطى، ~~والاختلاف فيه؛ ولا شك أن الفعل بمجرده لا يدل على وجوب الترتيب في قضائها؛ ~~على المختار عند الأصولين. # وإن ضم إليه الدليل على تضييق وقت المغرب؛ كان فيه دليل على تقديم ~~الفائتة على الحاضرة، عند ضيق الوقت؛ لأنه لو لم يجب، لم يخرج الصلاة عن ~~وقتها لفعل ما ليس بواجب؟! # فالدلالة من هذا الحديث على حكم الترتيب؛ تنبني على ترجيح أحد الدليلين ~~على الآخر؛ في امتداد وقت المغرب، والله أعلم. PageV01P339 ### || AUTO باب فضل الجماعة ووجوبها # فيه أحاديث. ### ||| AUTO الحديث الأول # عن ابن عمر -رضي الله عنه-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" (¬1). # تقدم الكلام على ابن عمر. # وأما الفذ: فهو المنفرد، ومعناه: المصلي وحده، قال صاحب "المطالع": ولغة ~~عبد القيس: الفنذ -بالنون-، وهي غنة لا نون حقيقة، قال: وكذلك يقوله أهل ~~الشام، قلت: لعل لغة عبد القيس الأصل؛ فأدغم نون الغنة في الذال، فشددت، ~~ومعنى الفاذة: المنفردة القليلة المثل في بابها (¬2). # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أفضل من صلاة الفذ": # اعلم أن صيغة أفعل التفضيل؛ تقتضي الاشتراك -غالبا-؛ حيث لا مانع منه، ~~وقد لا تقتضيه؛ لمانع؛ ms0200 كقوله تعالى: {فتبارك الله أحسن الخالقين} ~~[المؤمنون: 14]؛ PageV01P340 # فإنه لا يجوز حملها هنا على الاشتراك، إجماعا. # إذا ثبت هذا؛ فأفضل -هاهنا-، تقتضي: الاشتراك، وزيادة الفضل بالجماعة، ~~ويدل عليه؛ ما رواه أبو داود بإسناد حسن: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "صلاة الرجل مع الرجل؛ أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين؛ أزكى ~~من صلاته مع الرجل، وما زاد؛ فهو أحب إلى الله" (¬1). # وما ثبت في رواية في "الصحيح"، حديث في هذا الباب: "تزيد صلاة الجماعة ~~على صلاة الفذ" (¬2)، أو "تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ" (¬3)؛ وذلك ~~دليل على: صحة صلاة المنفرد، وأن الجماعة ليست شرطا لصحة الصلاة. # وقد قال بأن الجماعة فرض على الأعيان؛ جماعة من العلماء، وبأنها شرط ~~لصحتها: داود الظاهري، والمختار في المذهب الشافعي: أنها فرض على الكفاية، ~~وقيل: سنة. # ثم الفضل في الجماعة؛ هل هو بسببها فقط، أم بوصف زائد؛ وهو كونها في ~~المسجد؛ لكثرة الخطا إليها، وكتب الحسنات، ومحو السيئات بكل خطوة، وانتظار ~~الصلاة، ودعاء الملائكة، ومراعاة آداب دخول المسجد، وغير ذلك؟ # والظاهر: الأول؛ لأن الجماعة وصف علق عليه الحكم، وإذا كان ذلك لأجل ~~الجماعة؛ فهل تفضل جماعة جماعة بالكثرة؟ # المشهور عن مالك: أنه لا تفضل، وقال ابن حبيب: تفضل بالكثرة، وفضيلة ~~الإمام. PageV01P341 # فمن صلى في جماعة؛ وإن قلت، لا يعيد في أكثر منها؛ على مشهور قول مالك، ~~وهو قول جماعة العلماء، وحكي عن مالك: إعادتها في المساجد الثلاثة في ~~الجماعة، والله أعلم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "بسبع وعشرين درجة"، في رواية في "صحيح ~~مسلم": "بخمس وعشرين درجة"، (¬1) وفي رواية فيه: "بخمس وعشرين جزءا" (¬2). # الاختلاف بين الدرجة والجزء؛ فإن كلا منهما مراد الآخر، وإن كان الجزء ~~هو: الجاري على اللغة، والدرجة: مؤولة عليه، وجعلها بعضهم غيره؛ وهو غفلة ~~منه؛ وأما الجمع بين سبع وعشرين، وخمس وعشرين؛ فمن ثلاثة أوجه: # أحدها: أن ذكر العدد القليل لا ينفي الكثير، ومفهوم العدد باطل عند جمهور ~~الأصوليين. # الثاني: أنه أخبر بالقليل أولا، ثم أعلمه الله بزيادة الفضل؛ فأخبر بها. ms0201 # الثالث: أن ذلك يختلف باختلاف المصلين، والصلاة؛ فيكون لبعضهم خمس ~~وعشرون، ولبعضهم سبع وعشرون، بحسب كمال الصلاة؛ من المحافظة على هيئاتها، ~~وخشوعها، وكثرة جماعتها وفضلهم، وشرف البقعة، ونحو ذلك، والله أعلم. # ثم التضعيف بالجماعة للصلاة؛ هل هو بمعنى الصلوات، فتكون صلاة الجماعة؛ ~~بخمس وعشرين، أو سبع وعشرين صلاة؟ أو يقال: إن لفظ الدرجة، والجزء؛ لا يلزم ~~منهما أن يكون بمقدار الصلاة؟ # لكن الأول أظهر؛ حيث ورد مبينا في بعض الروايات، ولفظه: "تضاعف PageV01P342 # على صلاة الفذ"، مشعرة به، ثم المراد بالفذ: إذا لم يكن معذورا بترك ~~الجماعة؛ لمرض، أو سفر، ونحوهما. # أما إذا كان معذورا بذلك؛ فهل يقع التفاضل بينه، وبين الصلاة في جماعة؟ # إن جعلنا الألف واللام، في الفذ؛ تعريفا للعموم: اقتصر التفاضل بينهما؛ ~~فيدخل تحته: الفذ المصلي بعذر، وغير عذر، لكن المعذور يكتب له أجر الجماعة؛ ~~إذا كانت صلاته في الجماعة في حال صحته، وإقامته. # لما روى البخاري في "صحيحه" من حديث أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه-: أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يكتب للمسافر والمريض ما كان يعمل ~~صحيحا مقيما" (¬1)، والله أعلم. # وفي الحديث فوائد: # منها: المفاوتة في الفضائل في الجماعة؛ في الصلاة، وغيرها. # ومقتضى مذهب مالك: عدم التفاوت في الجماعة للصلاة؛ كما تقدم، واستدل ~~لذلك: بأنه لا مدخل للقياس في الفضائل، والحديث إذا دل على الفضل مقدار ~~معين، مع امتناع القياس، اقتضى الاستواء في العدد المخصوص، في الفضل؛ فيدخل ~~تحته كل جماعة، سواء كانت كبرى، أو صغرى، والتقدير واحد؛ بمقتضى العموم. # لكن صريح الحديث المتقدم دليل على التفاوت، فبطل استدلالهم. # ومنها: أن الجماعة ليست بفرض عين، ولا شرط للصلاة؛ لما تقدم أن صيغة أفعل ~~التفضيل تقتضي الاشتراك في الفضل؛ وهو يقتضي وجود فضيلة في صلاة الفذ، وما ~~لا يصح لا يقتضي ذلك؛ ولذلك نقول، في انتفاء المشروط: بانتفاء الشرط؛ فدل ~~على عدم شرطيتها. PageV01P343 # وممن قال بأن الجماعة فرض عين: عطاء، والأوزاعي، وأحمد، وأبو ثور، وابن ~~المنذر، وابن خزيمة، وداود؛ وهو قول محكي عن الشافعي. # ومنها: ms0202 إطلاق الفضيلة في الجماعة؛ سواء تبدد قلب المصلي في الجماعة، أو ~~لم يتبدد؛ لطلب الشرع لها، والحث عليه، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"صلاة الرجل جماعة، تضعف على صلاته في بيته، وفي سوقه: خمسا وعشرين ضعفا؛ ~~وذلك أنه إذا توضأ، فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة، ~~لم يخط خطوة؛ إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى؛ لم تزل ~~الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه: اللهم صل عليه، اللهم اغفر له، اللهم ~~ارحمه، ولا يزال في صلاة؛ ما انتظر الصلاة" (¬1). # أما أبو هريرة، فتقدم. # والجمع بين عدد الدرجات، في الحديث الذي قبل هذا؛ تقدم أيضا. # وأما الألفاظ: # فالخطوة: -بفتح الخاء-، هي الفعلة من المسمى: واحد الخطا، وبضمها، وهي ~~الرواية: ما بين القدمين؛ وهو الاسم، والفتح للمصدر، ولكنها في هذا الموضع، ~~بفتح الخاء أشبه؛ لأن المراد: فعل الماشي (¬2). # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها ~~خطيئة". PageV01P344 # قال الداودي: إن كانت له ذنوب؛ حطت عنه، وإلا رفعت له درجات، قال: وهذا ~~يقتضي: أن الحاصل بالخطوة درجة واحدة؛ إما الحط، وإما الرفع، قلت: فعلى هذا ~~تكون "الواو" بمعنى "أو"، لا بمعنى العطف. # وقال غيره: بل الحاصل بالخطوة، ثلاثة أشياء؛ لقوله في الحديث الآخر: "كتب ~~الله له بكل خطوة حسنة، ويرفعه بها درجة، وحط عنه بها سيئة" (¬1). # ثم التضعيف في صلاة الجماعة؛ في المسجد، تضعف على صلاة المنفرد؛ في سوقه ~~وبيته، من غير عذر؛ كما تقدم، أما إذا صلى في الجماعة؛ في البيت، أو في ~~السوق، من غير عذر؛ هل يحصل له هذا التضعيف؟ # ظاهر لفظه، في تعليله، في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وذلك أنه إذا ~~توضأ، إلى آخره": يقتضي ترتبه عليه؛ لأن ما رتب على مجموع، لا يحصل ببعضه، ~~إلا بدليل على: إلغاء ذلك البعض، وعدم اعتباره؛ فيصير وجوده كعدمه، ويبقى ~~ما عداه معتبرا. # إذا ms0203 تقرر ما ذكرنا؛ فاللفظ يقتضي: الحكم بالمضاعفة في صلاته في الجماعة ~~بهذا الوصف، على صلاته في بيته وسوقه؛ وهو الوضوء في البيت، والإحسان فيه، ~~والمشي إلى الصلاة؛ لرفع الدرجات، وصلاة الملائكة عليه، ما دام في مصلاه. # فحينئذ يلزم أن يكون الحكم في محله، بوجود هذه المذكورات؛ فكل ما أمكن أن ~~يكون معتبرا منها، لا يجوز ترتب الحكم على بعضه؛ لأنه الأصل؛ فإذا صلى في ~~بيته في جماعة، لم يحصل له التضعيف؛ بمقتضى ظاهر اللفظ، والقياس؛ لأنه لا ~~يمكن إلغاؤه. # لكنه ورد حديث آخر مطلق في صلاة الجماعة؛ من غير تقييد بالمسجد؛ فحينئذ، ~~يرجع كل واحد من الحديثين، والنظر فيهما: إلى العموم والخصوص. # وقال أحمد بن حنبل - رحمه الله -، في رواية عنه: لا يتأدى الفرض في PageV01P345 # البيوت، بإقامته في الجماعة فيها؛ ولعله نظر إلى ما ذكرناه. # ثم المفاضلة للصلاة في المسجد؛ بين الانفراد، والجماعة، هل نقول: إنها ~~تحصل للمصلي في البيوت؛ ظاهر إطلاق العلماء حصولها بينهما بهذا القدر ~~المخصوص؛ أما المفاوتة بينهما، من حيث الجماعة والانفراد؛ فلا شك فيه. # لكن فيه تردد أصحاب الشافعي -رحمهم الله-؛ في أنه هل يتأدى الفرض، أو ~~المشروع في الجماعة؛ بإقامتها في البيوت؟ # إذا قلنا: إنها فرض على الكفاية، منهم من قال: يكفي؛ كما لو صلوا جماعة ~~في السوق. # والصحيح: أنه لا يكفي؛ لأن المشروع في الجماعة، إنما شرع بوصف كونه في ~~المسجد؛ وهو منتف في البيوت، لكنه بعدم الخصوصية في المسجد؛ لا بحسب ~~الجماعة. # أما المفاضلة بين الجماعة: في المسجد، والبيت والسوق؛ فمقتضى الحديث: ~~المفاضلة بينهما؛ للمقابلة بلفظ الجماعة بينهما؛ لأنا لو جرينا على إطلاق ~~اللفظ، لم تحصل المقابلة، وكون الشيء قسما، يصير قسما منه باطل؛ فتصح ~~المقابلة بينهما في الجماعة والانفراد، فيكون الحديث عاما: في المسجد، ~~والبيت والسوق بينهما. # وقد أشار بعضهم إلى المفاوتة بين المسجد والسوق فقط؛ من حيث ما ورد: أن ~~الأسواق موضع الشياطين؛ فالصلاة فيها ناقصة الرتبة، فهي مكروهة؛ وهذا ممكن ~~في السوق، بخلاف البيت، فلا تطرد فيه، لكنهم لم يذكروا ms0204 الصلاة في السوق مع ~~الصلاة في المواضع المكروهة؛ كالحمام، ومعاطن الإبل. # فكأن الحديث خرج مخرج الغالب؛ في أن من لم يصل في الجماعة، صلى منفردا، ~~لا لمقابلة الجماعة بالجماعة؛ في المسجد، وفي البيت والسوق، أو الانفراد؛ ~~بالانفراد فيها؛ وبهذا يرتفع الإشكال. # ثم الأوصاف التي تعتبر في ذلك؛ لا تلغى، فللناظر في الحديث، معتبر: PageV01P346 # فوصف الرجولية: لا يخرج المرأة؛ لتساويها مع الرجل، في ثواب العمل، ~~بالنسبة إليها؛ إلا إذا منعناها الخروج للجماعة في المسجد؛ فحينئذ صلاتها ~~في بيتها أفضل؛ مع الجماعة، أو منفردة، من خروجها. # وتقييد الوضوء في البيت: غير معتبر؛ لكونه غير داخل في التعليل. # والوضوء معتبر، لا شك فيه، لكن المعتبر فيه: كونه ظاهرا؛ [أو فعل الطهارة ~~فيه نظر، ويرجح الثاني باستحباب تحديد الوضوء] (¬1)، لكن الظاهر أن قوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "إذا توضأ"، ليس للتقييد بالفعل؛ وإنما خرج مخرج ~~الغالب، أو ضرب المثال. # وأما إحسان الوضوء: فلا بد من اعتباره؛ وبه يستدل على: اعتبار فعل ~~الطهارة، لا غيره، ويبقى ما ذكرناه؛ من خروجه مخرج الغلبة، أو ضرب المثال. # وأما خروجه إلى الصلاة، لا غيره: فمشعر بالخروج لأجلها؛ وهو مصرح به في ~~حديث آخر: "لا يخرجه، أو لا ينهزه إلا الصلاة" (¬2)؛ وهذا وصف معتبر. # وأما صلاته مع الجماعة: فلا بد من اعتبارها؛ لأنها محل الحكم، والله أعلم. # وفي الحديث فوائد: # منها: الحث على الصلاة في الجماعة المشروعة لها. # ومنها: أن فعلها في المسجد أفضل. # ومنها: تجديد الوضوء لكل صلاة، وفعل الواجب أفضل من المندوب. # ومنها: أن المسجد الأبعد للجماعة أفضل من القريب، إلا أن تتعطل الصلاة، ~~أو الجماعة؛ بذهابه عنه إلى البعيد. PageV01P347 # ومنها: إحسان الوضوء، بفعله على الوجه المأمور به؛ من غير مجاوزة فيه، ~~ولا تقصير. # ومنها: تكفير الذنوب، ورفع الدرجات. # ومنها: صلاة الملائكة على من ينتظر الصلاة في المسجد. # ومنها: أن صلاة الملائكة على المنتظر: هو الدعاء له بالمغفرة، والرحمة. # ومنها: أن من تعاطى أسباب الصلاة؛ يسمى مصليا. # ومنها: أنه ينبغي لمن خرج في طاعة؛ صلاة، أو غيرها: ms0205 أن لا يشركها بشيء؛ ~~من أمور الدنيا، وغيرها، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"أثقل الصلاة على المنافقين؛ صلاة العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما ~~فيهما؛ لأتوهما، ولو حبوا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة، فتقام، ثم آمر رجلا، ~~فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال، معهم حزم من حطب، إلى قوم لا يشهدون ~~الصلاة؛ فأحرق عليهم بيوتهم بالنار" (¬1). # أما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أثقل الصلاة على المنافقين؛ صلاة ~~العشاء، وصلاة الفجر": # أما كونهما أثقل من غيرهما من الصلوات عليهم؛ فللمشقة اللاحقة لهم في ~~فعلهما جماعة في المساجد؛ وإنما كان الثقل في فعلهما في المساجد جماعة؛ دون ~~تركهما، وإن كان غير مذكور في اللفظ؛ لدلالة السياق عليه؛ وهو قوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "لأتوهما، ولو حبوا"، وقوله: "ولقد هممت -إلى قوله:- لا ~~يشهدون"؛ فكل ذلك مشعر بأن المراد: حضورهم إلى جماعة المسجد. PageV01P348 # وتخصيص هاتين الصلاتين بكونهما أثقل؛ لقوة الداعي إلى ترك الجماعة، ~~والصارف عن الحضور: # أما العشاء: فلأنها وقت الإيواء إلى البيوت، والاجتماع مع الأهل، واجتماع ~~ظلمة الليل، مع طلب الراحة من متاعب السعي بالنهار. # وأما الصبح: فلأنها وقت لذة النوم، خصوصا في شدة البرد؛ لبعد العهد ~~بالشمس؛ لطول الليل، أو في زمن الحر؛ فهو وقت البرد، والراحة من أثر حر ~~الشمس؛ لبعد العهد بها. # فلما قوي الصارف، ثقلت على المنافقين، وأما المؤمن الكامل الإيمان؛ فهو ~~عالم بزيادة الأجر؛ لزيادة المشقة، فيكون ذلك داعيا له إلى الفعل؛ كما كان ~~صارفا للمنافقين، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: "لو يعلمون ما فيهما"؛ ~~أي: من الأجر والثواب، "لأتوهما، ولو حبوا"؛ فالمؤمن: رجا ثواب الله، ~~وتيقنه، وخاف عقاب الله، واتقاه، والمنافق: كما قال الله تعالى: {وإذا ~~قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى} الآية [النساء: 142]. # وقال الحسن البصري: من النفاق؛ اختلاف اللسان والقلب، واختلاف السر ~~والعلانية، واختلاف الدخول والخروج (¬1). # وقال الأوزاعي: المؤمن يقول قليلا، ويعمل كثيرا، والمنافق يقول كثيرا، ~~ويعمل قليلا (¬2). # وقوله - صلى الله عليه ms0206 وسلم -: "ولو يعلمون ما فيهما؛ لأتوهما، ولو ~~حبوا"؛ أي: لو يعلمون ما في فعلهما جماعة في المسجد؛ من الأجر والثواب، وفي ~~تركهما؛ من العقاب، لأتوهما؛ أي: لجاؤوا إليهما، ولو حبوا؛ أي: محتبين، ~~يزحفون على إلياتهم، من مرض أو آفة، أو حبوا: كحبو الصغير على يديه ورجليه. PageV01P349 # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولقد هممت أن آمر بالصلاة، فتقام، ثم آمر ~~رجلا بصلي بالناس" إلى آخره؛ الهم بالشيء، غير فعله. # واختلف في الألف واللام، في "الصلاة"؛ هل هي لمعهود صلاة، أو للجنس؟ # فمن قال: للعهد، اختلف فيها؛ ففي رواية: أنها العشاء، وفي رواية: أنها ~~الجمعة. # ومن قال: للجنس؛ حمله على جميع الصلوات، مطلقا؛ وكله صحيح لا منافاة فيه. # ثم اختلف في هؤلاء القوم؛ المتخلفين عن الصلاة: # فقيل: كانوا منافقين، وسياق الحديث يقتضيه؛ فإنه لا يظن ذلك بالمؤمنين من ~~الصحابة؛ من تركهم الصلاة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفي مسجده. # وقيل: يحتمل أن ذلك التهديد لقوم مؤمنين، صلوا في بيوتهم؛ لأمر توهموه ~~مانعا، ولم يكن كذلك، ويؤيد هذا التأويل؛ ما رواه أبو داود زيادة على هذا ~~الحديث، فقال: "لقد هممت أن آمر فتيتي، فيجمعوا حزما من حطب، ثم آتي قوما ~~يصلون في بيوتهم؛ ليست بهم علة؛ فأحرقها عليهم" (¬1)، والمنافقون لا يصلون ~~في بيوتهم؛ إنما يصلون في الجماعة؛ رياء وسمعة، وأما إذا خلوا؛ فكما وصفهم ~~الله: من الكفر، والاستهزاء. # وعلى هذا التأويل تكون هذه الجماعة المهدد على التخلف عنها: هي الجمعة؛ ~~كما نص عليه في حديث عبد الله بن مسعود؛ فيحمل المطلق منها، على المقيد. # وهمه - صلى الله عليه وسلم - بإتيانهم بعد إقامة الصلاة، برجل يصلي ~~بالناس؛ لتتحقق مخالفتهم، وتخلفهم؛ فيتوجه اللوم عليهم. PageV01P350 # وفي هذا الحديث فوائد: # منها: الدليل لمن قال: إن الجماعة فرض عين؛ ولا شك أنها كذلك في الجمعة، ~~واختلف العلماء فيما عداها؛ من الصلوات الخمس: # فقال عطاء، والأوزاعي، وأحمد، وأبو ثور، وابن المنذر، وابن خزيمة، وداود: ~~الجماعة فرض عين، لكن اختلفت الرواية عن أحمد، وداود: هل هي فرض؛ بمعنى ms0207 ~~الشرط للصلاة، أم لا؟ والأظهر عن أحمد: أنها فرض عين، ليس بشرط. # وقال الأكثرون: هي سنة. # وقيل: فرض كفاية؛ وهو قول في مذهب الشافعي، ومالك، وهو المختار عند جماعة ~~من محققي أصحاب الشافعي. # وجه الدليل لمن قال: إنها فرض عين: هذا الحديث؛ فإنه إن قيل: إنها فرض ~~كفاية؛ فهو كان قائما بفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومن معه، وإن ~~قيل: إنها سنة؛ فلا تحريق، ولا قتل على تاركها؛ فتعين أنها: فرض على ~~الأعيان. # وأجاب القائلون بأنها سنة، أو فرض كفاية: بأن التهديد على تركها؛ إنما ~~كان لصفة النفاق، مع ترك الجماعة، لا لتركها فقط، ويشهد لذلك ما ثبت في ~~"الصحيح": أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "ولو علم أحدهم أنه يجد عظما ~~سمينا، لشهدها"؛ يعني: العشاء (¬1). # ومعلوم أن ذلك؛ ليس صفة للمؤمنين، لا سيما أكابر الصحابة، وإذا كان ذلك ~~للمنافقين؛ كان التحريق للنفاق، لا لترك الجماعة؛ فلا يتم الدليل، مع أن ~~الترتيب على وصفين لا يجوز أن يترتب على أحدهما. # وقال القاضي عياض: وقيل هذا في المؤمنين، وأما المنافقون؛ فكان النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - معرضا عنهم غالبا، ولهذا لم يعاقبهم في التخلف معاقبة ~~كعب PageV01P351 # وأصحابه، ولا عارضهم معارضة غيرهم من المؤمنين (¬1). # قال شيخنا أبو الفتح الحافظ -رحمه الله-: وهذا إنما يلزم، على أن ترك ~~معاقبة المنافقين كان واجبا عليه - صلى الله عليه وسلم -؛ فتمتنع معاقبتهم ~~بهذا التحريق؛ فيكون ذلك في المؤمنين. # فأما إذا كان تركه مباحا له - صلى الله عليه وسلم -، مخيرا فيه، فلا يلزم ~~ذلك، بل يجوز أن يكون في المنافقين؛ بجواز معاقبته لهم، وليس في إعراضه - ~~صلى الله عليه وسلم - عنهم بمجرده، ما يدل على وجوبه عليه. # ولعل في قوله - صلى الله عليه وسلم -، وتركه ما طلب منه فيهم؛ لئلا يتحدث ~~الناس: أن محمدا يقتل أصحابه؛ طلبا للتأليف، وعدم التنفير عن الإسلام: ما ~~يشعر بتخييره - صلى الله عليه وسلم - فيهم؛ لأنه لو كان يجب عليه ترك ~~قتلهم، لكان الجواب بصريح المنع الشرعي، وهو أنه لا ms0208 يحل قتلهم، ومما يشهد ~~أن ذلك في المنافقين عندي: سياق الحديث من أوله: "أثقل صلاة على ~~المنافقين". # قال: ووجه آخر، وهو أن همه - صلى الله عليه وسلم - بالتحريق يدل على ~~جوازه، وتركه التحريق يدل على جواز تركه؛ وإذا اجتمع الجواز والترك في حق ~~هؤلاء، لا يلزم أن يكون هذا المجموع في المؤمنين؛ هذا ملخص كلامه -رحمه ~~الله - (¬2). # ثم لو سلم أن التحريق كان لترك الجماعة، لما كان فيه دليل على أنها فرض ~~عين؛ لأنه لم يحرق، وهم به، ثم تركه، ولم يخبرهم أن من ترك الجماعة: أن ~~صلاته غير مجزية؛ وهو موضع البيان. # وضعف ذلك، على تقدير أن يكون المراد بالحديث المؤمنين؛ لأنه - صلى الله ~~عليه وسلم - لا يجوز أن يهم إلا بما يجوز له فعله لو فعله، وإنما كونه لم ~~يخبرهم، إلى آخره؛ فلأن البيان لم يتعين أن يكون بالتنصيص، بل يكون ~~بالدلالة، ولما قال - صلى الله عليه وسلم -: "ولقد هممت، إلى آخره"؛ دل على ~~وجوب الحضور عليهم لصلاة الجماعة. PageV01P352 # فإذا دل الدليل على أن ما وجب في العبادة كان شرطا فيها غالبا، كان ذكره ~~- صلى الله عليه وسلم - هذا لهم دليلا على: وجوب الحضور، ووجوبه دليلا على ~~الشرطية؛ فحينئذ، يكون ذكر الهم دليلا على لازم الحضور؛ وهو الاشتراط ~~بالوسيلة المذكورة، فلا يشترط في البيان أن يكون نصا، وقد قيل: إن اشتراطه ~~في النصية غالب، ولهذا ينفك الوجوب عن الشرط. # ثم لو سلم ذلك جميعه، لكان المراد بالتخلف عن الجماعة في الجمعة، لا ~~غيرها، والجماعة شرط فيها، وقد ورد مفسرا في بعض الروايات؛ كما قدمناه، ~~لكنه ورد مفسرا في غيرها؛ فلا يتم أن المراد الجمعة فقط؛ فحينئذ، يرجع ~~البحث إلى الأحاديث التي رويت في ذلك؛ هل هي حديث واحد، أو أحاديث مختلفة؟ # فإن كانت مختلفة، قيل: لكل واحد من الصلوات المذكورة. # وإن كانت واحدا، اختلف فيه؛ فيرجع البحث إلى أن عدم ترجيح بعض الروايات ~~على بعض؛ يحتاج إلى بيان مراده - صلى الله عليه وسلم -، من إحدى الصلاتين: ~~العشاء، والجمعة. ms0209 # فإن كان مراده الجمعة؛ فلا يتم الدليل. # وإن كان العشاء؛ توقف الحال بتردد الاستدلال. # ثم لو سلم ما قالوه، إنما يكون ذلك في صلاة معينة؛ وهي: إما الجمعة، وإما ~~العشاء، وإما الفجر، خصوصا على مذهب الظاهرية؛ فلا يلزم منه وجوب الجماعة ~~في غير هذه الصلوات الثلاثة؛ عملا بالظاهر، وترك اتباع المعنى. # إلا أن يضم إلى ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أن آمر بالصلاة فتقام" ~~على عمومها، وحينئذ يحتاج إلى اعتبار الحديث، وسياقه، وما يدل عليه، فيحمل ~~لفظ الصلاة عليه، إن أريد التحقيق، وطلب الحق، والله أعلم. # ومنها: تقديم الوعيد والتهديد على العقوبة، وسر ذلك أنه إذا أمكن دفع ~~المفسدة بالأهون من الزاجر، لم يعدل إلى الأعلى والأصعب منه. PageV01P353 # وفيه: الحث البليغ على حضور الجماعة في المسجد؛ في العشاء، والفجر. # وفيه: تسمية صلاة الصبح بصلاة الفجر. # وفيه: أن الإمام إذا عرض له شغل، يستخلف من يصلي بالناس؛ لقوله: "آمر ~~بالصلاة، فتقام، ثم آمر رجلا، فيصلي بالناس". # وفيه: جواز الانصراف بعد إقامة الصلاة؛ لعذر. # واستدل به بعضهم على جواز العقوبة بالمال؛ وهو مذهب مالك. # وفي قوله - صلى الله عليه وسلم - في بعض طرقه: "ثم يحرق بيوت على من ~~فيها" ما يدل على: أن تارك لصلاة متهاونا يقتل. # وفيه: جواز أخذ أهل الجرائم على غرة. # وفيه: أن الأفضل لأهل الأعذار تحمل المشقة في الإتيان إلى الجماعة؛ لقوله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "لأتوهما، ولو حبوا"، ومعلوم أن إتيان الصلاة حبوا ~~لا يكون إلا من عذر، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد، فلا يمنعها". # قال: فقال بلال بن عبد الله: والله لنمنعهن، قال: فأقبل عليه عبد الله، ~~فسبه سبا سيئا ما سمعته سبه مثله قط، وقال: أخبرك عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، وتقول: والله لنمنعهن!! (¬1). # وفي لفظ: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" (¬2). PageV01P354 # أما عبد الله بن عمر؛ فتقدم ذكره. # وأما بلال ms0210 بن عبد الله: # فهو ابن عبد الله بن عمر، راوي الحديث؛ تابعي مدني ثقة، روى له مسلم (¬1). # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد، ~~فلا يمنعها": # مقتضى عدم المنع: الإباحة لهن في الخروج إلى المساجد للصلاة. # ويلزم من النهي عن المنع، إذا طلبت ذلك: أنها كانت ممنوعة من الخروج من ~~بيت الزوج لغير ذلك؛ لأنه لو كان جائزا لها الخروج، لم يكن للنهي عن المنع ~~من الخروج فائدة؛ لأنه إذا كانت الطاعات المشروعة مقيدة بالاستئذان، ~~والإذن، فما ظنك بغيرها من أنواع الخروج؟! # ثم الحديث عام في النساء، لكنه ذكرهن في اللفظ الثاني في الحديث بقوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله"؛ لأنه أوقع في ~~السمع من التعبير بالنساء؛ لمناسبة الإضافة بين الإماء والمساجد؛ لقصد ~~تشريف الطائع، ومحل الطاعة. # ثم اعلم: أن الفقهاء خصصوا هذا الحديث بأحاديث أخر، وجعلوها شروطا للعمل ~~به؛ لمفاسد طرأت؛ كما قالت عائشة - رضي الله عنها - في "الصحيح": لو رأى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أحدث النساء لمنعهن المساجد؛ كما منعت ~~نساء بني إسرائيل (¬2). PageV01P355 # فمن الشروط: أن لا يتطيبن؛ وهذا مذكور في بعض روايات هذا الحديث: ~~"وليخرجن تفلات" (¬1)، وفي بعض الأحاديث: "إذا شهدت إحداكن العشاء، فلا ~~تطيب تلك الليلة" (¬2)، وفي بعضها: "إذا شهدت إحداكن المسجد، فلا تمسن ~~طيبا" (¬3). # ويلحق بالطيب: ما في معناه؛ من البخور، وحسن الملابس، والحلي الذي يظهر ~~أثره في الزينة؛ فإن منع الطيب لهن في الخروج؛ إنما هو: لدفع داعية الرجال، ~~وشهوتهم، وربما يكون سببا لتحريك شهوة المرأة أيضا؛ وكذلك حكم كل خروج يؤدي ~~بهن إلى مفسدة نهى الشرع عنها. # وخص بعضهم قول عائشة في المنع من الخروج؛ للمرأة الجميلة المشهورة، وربما ~~خصه بعضهم بالخروج بالليل؛ لرواية في "صحيح مسلم": "لا تمنعوا النساء من ~~الخروج إلى المساجد بالليل؛ (¬4)؛ فالتقييد بالليل مشعر بما قال. ومما قيل ~~في تخصيص الحديث: بأن لا يزاحمن الرجال. # وكل ذلك من المنع خارج عن الحديث، خلا الطيب، وما في معناه؛ ms0211 من الخلاخل ~~التي يسمع صوتها، والأزر المفعقعة، والأحذية المصرصرة؛ التي توجب رفع ~~الأبصار إليها بسببها، والافتتان بها، وكذلك ما يعرض لهن في الطريق من أهل ~~الفساد والأذى. # وهذا النهي للتنزيه: إذا كانت ذات زوج، أو سيد، ووجدت الشروط؛ فإن لم يكن ~~لها زوج، ولا سيد، حرم المنع، إذا وجدت الشروط. PageV01P356 # وأما سب عبد الله ولده بلالا، ومبالغته فيه: ففيه أن السنة سب المعترض ~~على السنة، والمعارض لها برأيه. # وفي الحديث فوائد: # منها: منع الرجل امرأته من الخروج من منزله، إلا بإذنه. # ومنها: أنه لا يمنعها إذا استأذنته في الخروج إلى المساجد؛ بالشروط ~~المذكورة. # ومنها: الأدب مع السنة، وأن لا تعارض بصريح الرد، والأخذ بالرأي. # ومنها: تأديب المعترض عليها، والراد عليها برأيه، وسبه، وتعزيره، ~~والمبالغة في ذلك. # ومنها: الرد على العالم بمجرد الهوى، وتأديب الرجل ولده؛ وإن كان كبيرا ~~في تغيير المنكر. # ومنها: تأديب العالم من تعلم عنده، وتكلم بما لا ينبغي. # ومنها: تقديم حق الله تعالى، وحق رسوله - صلى الله عليه وسلم - على غيرهم. # ومنها: القول بالحق؛ سواء كان القول له قريبا، أو غيره، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الخامس # عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: صليت مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعد الظهر، وركعتين بعد الجمعة، ~~وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء (¬1)، وفي لفظ: فأما المغرب، ~~والعشاء، والجمعة؛ ففي بيته (¬2). PageV01P357 # وفي لفظ: أن ابن عمر قال: حدثني حفصة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كان يصلي سجدتين خفيفتين بعدما يطلع الفجر؛ وكانت ساعة لا أدخل على النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فيها (¬1). # تقدم الكلام على ابن عمر. # وأما أخته حفصة: # فتقدم نسبها، في ذكر أبيها عمر - رضي الله عنه -؛ وهي: أم المؤمنين، بنت ~~أمير المؤمنين عمر، أسلمت تبعا لأبيها؛ وهي: أخت عبد الله لأبيه وأمه، ~~وأمها: زينب بنت مظعون. # وكانت تحت خنيس بن حذافة السهمي، فلما تأيمت حفصة، ذكرها عمر لأبي بكر؛ ~~فلم يرجع إليه كلمة، ثم عرضها على عثمان حين ماتت ms0212 رقية بنت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال عثمان: ما أريد أن أتزوج اليوم؛ فشكا ذلك عمر إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأخبره بعرضه إليه؛ فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "يتزوج حفصة من هو خير من عثمان، ويتزوج عثمان من هي ~~خير من حفصة". # ثم خطبها إلى عمر، فتزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلقي أبو ~~بكر عمر؛ فقال: لا تجد علي في نفسك؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~كان ذكر حفصة فلم أكن لأفشي سر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬2). # وتزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -عند أكثرهم- في سنة ثلاث من ~~الهجرة، وقيل: سنة اثنتين، وطلقها تطليقة، ثم ارتجعها؛ لأن جبريل - صلى ~~الله عليه وسلم - قال له: "راجع حفصة؛ فإنها صوامة قوامة، وإنها زوجك في ~~الجنة" (¬3). PageV01P358 # وأوصى إليها عمر بعد موته، وأوصت حفصة إلى أخيها عبد الله بما أوصى به ~~عمر، وبصدقة تصدقت بها بمال وقفته بالغابة. # روي لها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ستون حديثا؛ اتفقا على: ~~ثلاثة، وانفرد مسلم: بستة. # روى عنها: أخوها عبد الله، والمطلب بن أبي وداعة بن ضميرة، وعبد الله بن ~~صفوان، وشتير بن شكل، وروى لها: أصحاب السنن والمسانيد. # وتوفيت سنة إحدى، وقيل: سنة خمس وأربعين، وقيل: أول ما بويع معاوية، ~~وبويع معاوية في جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين، وصلى عليها مروان بن ~~الحكم، وقيل: توفيت سنة سبع وعشرين؛ وهو ضعيف (¬1). # أما الكلام على لفظه: # فذكر هذا الحديث في باب: صلاة الجماعة لم تظهر له مناسبة، إلا من حيث ~~المعية؛ في قول ابن عمر: "صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~الحديث"، لكنه لا يلزم منها الاجتماع للسنن المذكورة؛ لأجل الجماعة فيها، ~~وإن كان محتملا؛ فإن المعية مطلقا أعم منها في الصلاة. # ومما يبعد الاحتمال المذكور؛ قول عائشة بعده: "لم يكن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، على شيء من النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتي الفجر" (¬2)، ~~وهذا لا تعلق له ms0213 بالجماعة. PageV01P359 # وأما الكلام على هذا الحديث، فمن أوجه: # الأول: ما يتعلق بعلوم الحديث، وأنواعه؛ وهو أن [في] الرواية التالية، ~~دليلا على: # رواية الأخ عن أخيه؛ سواء كان ذكرا، أو أنثى. # وأخذ العلم من المرأة؛ خصوصا إذا كانت أعلم بالواقعة والحالة. # وقبول خبر الواحد، وهو مذهب العلماء العلماء؛ من جميع الطوائف، خلافا ~~لبعضهم، وعمل بخبر الواحد: الصحابة، فمن بعدهم فيما لا يحصى من الأحكام. # الثاني: فيما يتعلق بالصلوات النوافل المقيدة بأوقات وأعداد. # فمنها: السنن الرواتب قبل الفرائض وبعدها. # فأما الحكمة في النوافل قبلها، فلأن النفس متكيفة بأسباب الدنيا، ~~واشتغالها بحالة بعيدة عن حضور القلب في العبادة والخشوع فيها الذي هو ~~روحها، فكان تقديمها عليها تأنيبا للنفس في الفرض بالعبادة قبله؛ لتتكيف ~~بحالة الخشوع، وتدخل في الفرض على حالة حسنة لم تكن للنفس قبله، فإنها ~~منافرة للطاعة، لا سيما إذا كثر أو طال ورود الحالة المنافية لما قبلها، ~~فإنها قد تمحو أثرها، أو تضعفه، وأما في النوافل بعدها، فلأنها جابرة لما ~~وقع في الفرائض من نقص إن وقع. # الثالث: ما يتعلق بعددها، ولا شك أنه قد ثبت في ذلك أحاديث، لكن # تأكدها على مراتب، فبعضها آكد من بعض؛ بحسب مواظبته - صلى الله عليه وسلم ~~- عليه، أو # تخصيصه بكثرة الثواب في فعله لمشقة الفعل، أو لاشتغال الناس عنها ~~بمعايشهم، أو راحة بنوم أو لعب، وغيرهما، أو لغير ذلك. # واعلم أنه ثبتت في السنن الراتبة المقيدة بالفرائض أحاديث: PageV01P360 # منها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم ~~وليلة، بني له بهن بيت في الجنة" (¬1). # ومنها: "ما من مسلم يصلي لله تعالى في يوم اثنتي عشرة ركعة تطوعا غير ~~فريضة، إلا بنى الله له بيتا في الجنة" (¬2). # ولا شك أن هذا العدد موجود في أحاديث ابن عمر المذكورة في الكتاب هنا، ~~وفي حديث عائشة هنا: أربعا قبل الظهر، وركعتين بعدها وبعد المغرب وبعد ~~العشاء، وإذا طلع الفجر صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، الحديث، ~~لكنه لا يلزم منها الاجتماع ms0214 للسنن المذكورة [إلى] صلى ركعتين، وهن اثنتا ~~عشرة أيضا، وليس للعصر ذكر في "الصحيحين". # وجاء في "سنن أبي داود" بإسناد صحيح عن علي - رضي الله عنه -: أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - كان يصلي قبل العصر ركعتين (¬3). # وفي الترمذي، وقال: حسن: عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~قال: "رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربع ركعات" (¬4). # وفيه -أيضا-، وقال: حسن، عن علي - رضي الله عنه -: "كان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -[يصلي] قبل العصر أربع ركعات" (¬5). # وجاء في أربع بعد الظهر عن أم حبيبة - رضي الله عنها - قالت: قال: PageV01P361 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حافظ على أربع قبل الظهر، وأربع ~~بعدها، حرمه الله على النار" رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح (¬1). # وفي "صحيح البخاري" عن ابن مغفل: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"صلوا قبل، المغرب، قال في الثالثة: لمن شاء" (¬2)، وفي "الصحيحين" عن ابن ~~مغفل -أيضا- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "بين كل أذانين صلاة " ~~(¬3)، والمراد: بين الأذان والإقامة. # فهذه جملة من الأحاديث في السنن الراتبة مع الفرائض. # قال جمهور العلماء، وأصحاب الشافعي: هذه النوافل المذكورة في هذه ~~الأحاديث جميعها مستحبة، لا خلاف في شيء منها، إلا في الركعتين قبل المغرب، ~~فإن فيهما وجهين عند أصحاب الشافعي: أشهرهما عندهم: عدم الاستحباب، ~~والمحققون منهم قالوا باستحبابهما؛ لحديثي ابن مغفل، وحديث ابتدارهم ~~السواري بهما، وهو في "الصحيحين" (¬4). # قال العلماء من الشافعية وغيرهم: واختلاف الأحاديث في أعدادها محمول على ~~التوسعة فيها، وأن لها أقل وأكمل، فيحصل أصل السنة بالأقل، والأكمل فعل ~~الأكثر. # وكذلك في الضحى والوتر وغيرها، فأعدادها بالأقل والأكثر وما بينهما دليل ~~على أقل المجزي من أصل السنة، وعلى الأكمل، والأوسط، والله أعلم. PageV01P362 # هذا ما يتعلق بالنوافل المقيدة، وأما النوافل المطلقة، وتسمى المرسلة، ~~فما كان منها في حديث صحيح أو حسن مقيدا بعدد أو هيئة، أعمل به، وكان ~~مستحبا، وتختلف مراتبه وتأكيده باختلاف دليله في فعله وتركه قولا وعملا على ~~حسبه؛ في ms0215 صحته ومراتبه، وما كان في حديث ضعيف، احتمل أن يعمل به؛ لدخوله ~~تحت العمومات، لكن شرطه أن لا يقوم دليل على المنع منه في العمومات أخص ~~منه، وليس الحديث الموضوع من ذلك ألبتة، خصوصا إن أحدث شعارا في الدين؛ ~~كالصلاة المذكورة في ليلة أول جمعة من رجب؛ فإن حديثها موضوع، وقد أدخلها ~~بعضهم تحت العمومات الدالة على فضل الصلاة والتسبيحات، ولم يستقم له ذلك لو ~~كان حديثها ضعيفا، وهو الذي لم يدخل تحت حد الصحيح أو الحسن، فكيف بالموضوع ~~الذي هو شر من الضعيف المختلق المصنوع؟! كيف وقد صح أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - نهى عن تخصيص ليلة الجمعة بقيام، وهو أخص من العمومات الدالة ~~على فضيلة مطلق الصلاة، ثم احتمال دخوله تحت العمومات إنما هو في الفعل لا ~~في الحكم بالاستحباب المخصوص بهيئة؛ لأنه يحتاج إلى دليل شرعي عليه بذلك ~~الوقت والهيئة والحالة، والله أعلم. # ومما أحدث شعارا في الدين عيدا ثالثا أحدثه الروافض وسموه: عيد الغدير، ~~وليس له أصل في الشريعة. # ثم المحدث في الدين قد يكون زيادة وصف في العبادة المشروعة لم تثبت في ~~السنة؛ كاجتماع في موضع الانفراد، ويزعم من يفعل ذلك أن يدخل تحت عموم ~~السنة؛ كما يفعل في ليلة النصف، والتعريف بغير عرفة، وهذا لا يستقيم؛ فإن ~~الغالب على العبادات التعبد، ومأخذها التوقيف، فإن دل الدليل على كراهة ~~المحدث بخصوصيته، كان أقوى في منعه وأظهر. # وقد ذكر أصحاب الشافعي -رحمهم الله- في رفع اليدين في دعاء القنوت وجهين، ~~فمن نظر إلى صحة الحديث في رفع اليدين في الدعاء عند الإطلاق، PageV01P363 # قال برفعهما، ومن نظر إلى التوقيف والتعبد، قال بالمنع، كيف والصلاة تصان ~~عن زيادة عمل بغير دليل خاص فيه صحيح، فإذا لم يصح فيه حديث خاص، كان دليل ~~صيانة الصلاة عن زيادة عمل أخص من دليل رفع اليدين في الدعاء مطلقا. # ثم المحدث قد يكون محرما، وقد يكون مكروها، ويختلف ذلك باختلاف نفس الشرع ~~فيه من التشديد بالنسبة إلى ذلك الجنس والتخفيف، فإنا إذا ms0216 نظرنا إلى البدع ~~المتعلقة بأصول العقائد، لم تكن مساوية للبدع المتعلقة بأحكام الشريعة ~~الفروعية، ولا شك أن الناس من العلماء الأصوليين والفروعيين قد تباينوا ~~تباينا كثيرا في الكلام على البدع والتشديد فيها، حتى إن بعض العلماء من ~~المالكية مر بقوم يصلون في إحدى ليلتي الرغائب في رجب، والتي في نصف شعبان، ~~وبقوم عاكفين على محرم، فحسب حالهم على المصلين لتلك الصلاة، وعلل بأنهم ~~عالمون بارتكاب المعصية يرجون الاستغفار والتوبة، والمصلون لتلك الصلاة ~~معتقدون أنهم في طاعة، فلا يتوبون ولا يستغفرون. # والقياس في هذا يرجع إلى العمومات الشرعية أو دليل خاص عليه، وميل ~~المحققين من العلماء إلى ذلك. # وقد ثبت عن السلف من الصحابة والتابعين ما يؤيده؛ كجعل ابن عمر - رضي ~~الله عنهما - صلاة الضحى بدعة؛ حيث لم يثبت عنده فيها دليل بإدراجها تحت ~~عموم الصلاة؛ لتخصيصها بوقت مخصوص، ولذلك قال في القنوت الذي فعل في عصره: ~~إنه بدعة، ولم ير إدراجه تحت عموم الدعاء. # وكذلك نقل الترمذي عن عبد الله بن المغفل، لابنه في الجهر بالبسملة: ~~"إياك والحدث" (¬1)، ولم يرد إدراجه تحت دليل عام. # وكذلك ما خرجه الطبراني بسنده عن قيس بن أبي حازم قال: ذكر لابن PageV01P364 # مسعود قاص يجلس بالليل ويقول للناس: قولوا كذا، وقولوا، فقال: إذا ~~رأيتموه، فأخبروني، قال: فأخبروه، فجاء عبد الله متقنعا، فقال: من عرفني، ~~فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا عبد الله بن مسعود، تعلمون إنكم لأهدى من ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه (¬1)، وفي رواية: "لقد جئتم ببدعة ~~ظلما" أو: "لقد فضلتم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه علما" ~~(¬2)، وإنما أنكر ذلك؛ لأنه رآه من باب الزيادة في العبادات، مع أنه داخل ~~تحت العمومات في فضيلة الذكر. # ولا شك أن ذلك جميعه -بتقدير ثبوته عنهم- محمول على أنه لم تبلغهم ~~الأحاديث الخاصة فيه، أو أنه اقترن به أمر من رياء، أو ترك واجب شرعي، أو ~~استدراج بذلك إلى مفاسد علموها، وإلا فالأحاديث الصحيحة ثابتة بالأمر ~~بالذكر، فرادى ومجتمعين، والحث عليه، وعلى صلاة الضحى، والدعاء ms0217 في الصلاة؛ ~~لحديث أبي بكر - رضي الله عنه -: علمني دعاء أدعو به في بيتي وفي صلاتي (¬3). # وحديث: "إن لله تعالى ملائكة سيارات فضلاء، يطلبون حلق الذكر، فإذا ~~وجدوها، قالوا: هلموا إلي طلبتكم" (¬4)، وكذلك القنوت في الصبح وغيرها. # وهذا كله راجع إلى معرفة وجوه السنة، وما هي، وقد بين ذلك الشافعي -رحمه ~~الله- أحسن بيان، فيما رويناه في كتاب "المدخل إلى معرفة السنن" للبيهقي ~~-رحمه الله- بإسنادنا إليه، ثم إلى الربيع، قال: أنا الشافعي: وسنة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - من ثلاثة أوجه: # أحدها: ما أنزل الله تعالى فيه نص كتاب، فسن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بمثل نص الكتاب. PageV01P365 # والثاني: ما أنزل الله فيه جملة كتاب، فبين عن الله تعالى معنى ما أراد ~~بالجملة، وأوضح كيف فرضها، أعاما أم خاصا؟ وكيف أراد أن يأتي به العباد؟ # والثالث: ما سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما ليس فيه نص كتاب، ~~فمنهم من قال: جعله تعالى بما افترض من طاعة، وسبق في علمه من توفيقه لرضاه ~~أن يسن فيما ليس فيه نص كتاب. # ومنهم من قال: لم يسن سنة قط إلا ولها أصل في الكتاب، كما كانت سنته ~~لتبيين عدد الصلاة وعملها عن أصل حمله فرض الصلاة، وكذلك ما سن من البيوع ~~وغيرها من الشرائع، لأن الله تعالى قال: {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ~~إلا أن تكون تجارة عن تراض} [النساء: 29]، وقال: {وأحل الله البيع وحرم ~~الربا} [البقرة: 275]، فما أحل وحرم، فإنما بين فيه عن الله تعالى كما بين ~~الصلاة. # ومنهم من قال: بل جاءت به رسالة الله -جل ثناؤه-، فأثبت به سنة بفرض الله ~~-عز وجل-. # ومنهم من قال: ألقي في روعه كل ما سن، وسنته الحكمة التي ألقيت في روعه ~~من الله -جل ثناؤه-. # هذا آخر كلام الشافعي في "المدخل" (¬1)، والله أعلم. # وقال غيره: سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قوله، أو فعله، أو ~~حاله، أو تقريره لما اطلع عليه - صلى الله عليه وسلم - من القول والفعل ~~الحال ms0218 بحضرته وسكت عليه، والله أعلم. # فالحاصل أن السنة في المعنى الشرعي أمر بين الغلو والإهمال، فلا يتنطع ~~متعاطيها، ولا يبخل مترخصيها، بل هي حالة بين حالتين، وهي حال سادات الأمة ~~وسلفها، والقدوة من أهلها وخلفها، فنسأل الله التوفيق لذلك، وأن يهدينا ~~لأحسن المسالك. PageV01P366 # وفي الحديث فوائد: # منها: الاقتداء به - صلى الله عليه وسلم - في النوافل، وفعلها، وتتبعها، ~~ونقلها. # ومنها: صلاة النوافل في البيت، والمسجد، وغيرهما؛ وإن كان فعلها في البيت ~~أفضل، إلا أن يكسل عن فعلها فيه؛ فالمسجد أفضل. # ومنها: تخفيف ركعتي الفجر. # ومنها: عدم الدخول على الشخص في ذلك الوقت، والاستئذان عليه؛ وقد تقدم ~~باقي أحكامه، وفوائده، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث السادس # عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~على شيء من النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتي الفجر" (¬1). # وفي لفظ مسلم: "ركعتا الفجر خير من الدنيا، وما فيها" (¬2). # أما عائشة؛ فتقدم ذكرها. # وأما مناسبة التبويب للحديث، فتقدم قبله أنه لا مناسبة بينهما بوجه. # قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها": # المراد بهما: السنة، لا الفريضة، والمراد بالدنيا: حياتها، وما فيها: ~~متاعها، لا ذاتها؛ فكأنه قال: خير من متاع الدنيا، وشدة تعاهده - صلى الله ~~عليه وسلم - على صلاتهما: لعظم فضلهما، وجزيل ثوابهما. # وجمهور العلماء: على أنهما سنة، ليستا واجبتين. PageV01P367 # وحكى القاضي عياض -رحمه الله-، عن الحسن البصري: وجوبهما. # والصواب: أنهما سنة، غير واجبتين؛ لقول عائشة - رضي الله عنها -: "على ~~شيء من النوافل"، مع تصريحه - صلى الله عليه وسلم -: بعدم وجوب غير هذه ~~الصلوات الخمس، وقول السائل له: هل علي غيرها؟ قال: "لا، إلا أن تطوع" (¬1). # وقد اختلف أصحاب الشافعي -رحمهم الله- في أفضل التطوع، الذي لا تشرع له ~~الجماعة؛ على وجهين: أحدهما: سنة الصبح، والثاني: الوتر، وتمسكوا في أفضلية ~~ركعتي الفجر؛ بهذين الحديثين، من المواظبة عليهما، وكون [ما] فيهما خير من ~~الدنيا وما فيها. # فأما المواظبة عليهما: فمشترك بينه، وبين الوتر؛ فإنه كان واجبا عليه - ~~صلى الله عليه وسلم -، ومعلوم ms0219 أنه كان على الواجب أشد محافظة من المندوب؛ ~~وإذا كان فعل المندوب خيرا من الدنيا، فما ظنك بالواجب؟! # وقد رجح بعض أصحاب الشافعي أفضلية الوتر؛ لكونه مختلفا في وجوبه بين ~~العلماء؛ وهذا لا يصح؛ فإنه مشترك بينه، وبين ركعتي الفجر؛ بما حكيناه من ~~وجوبهما، عن الحسن البصري، ومعلوم أنه من فضلاء التابعين، وأئمتهم، وجلتهم؛ ~~فاستويا في ذلك. # وقد اختلف أصحاب مالك في أن ركعتي الفجر؛ هل هما سنة، أو فضيلة؟ مع فرقهم ~~بين السنة والفضيلة، فقالوا: السنة: ما واظب عليه في الجماعة مظهرا له، وما ~~لم يواظب عليه من هذه من النوافل، فهو فضيلة، وما واظب عليه ولم يظهره؛ ~~كركعتي الفجر، ففيه قولان: أحدهما: سنة، والثاني: فضيلة. # وهذا اصطلاح لا أصل له؛ وقد بينا السنة ومعناها في الحديث قبله، لكن ~~السنة تختلف رتبتها في الفضيلة، فبعضها آكد من بعض، على حسب مقصود PageV01P368 # الشرع، ومقتضاه، ومنطوقه، وشرعية الجماعة فيها، والله أعلم. # ولا شك، أن حكم القراءة فيهما: قراءة: {قل يا أيها الكافرون} [الكافرون: ~~1]، بعد الفاتحة في الأولى، و {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] في الثانية كذلك. # أو في الأولى: {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا} الآية في البقرة ~~[البقرة: 136]، وفي الثانية: {قل ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا ~~وبينكم} الآية في آل عمران [آل عمران:64]؛ وكلا القراءتين ثابتة عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فيها، إن شاء مصليهما، قرأ هذا، وإن شاء، قرأ ~~هذا بعد الفاتحة. # وقال مالك: لا يقرأ غير الفاتحة، وبه قال جمهور أصحابه، وقال بعض السلف: ~~لا يقرأ شيئا؛ وكلا القولين مخالف للسنة الثابتة التي لا معارض لها، والله أعلم. # * * * PageV01P369 ### || AUTO باب الأذان ### ||| AUTO الحديث الأول # عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: "أمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر ~~الإقامة (¬1). # أما أنس، فتقدم في أول باب الاستطابة. # وأما بلال: # فهو مؤذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد كان لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - مؤذنون أربعة: مؤذنان بالمدينة؛ كما سيأتي: بلال، وابن أم ~~مكتوم؛ وكانا ms0220 في وقت واحد، وكان أبو محذورة مؤذنا له - صلى الله عليه وسلم ~~- بمكة، وسعد القرط؛ أذن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقباء مرات. # وبلال هو ابن رباح، قرشي تيمي مولاهم، مولى أبي بكر الصديق -رضي الله ~~عنه-؛ اشتراه بسبع أواقي، وقيل: بخمس، وأعتقه، وكان يرثه، ولأبي بكر ولاؤه، ~~وكان يعذب في الله تعالى، وأمه: حمامة؛ وهو مشهور بالانتساب إليها، وكانت ~~مولاة لبعض بني جمح. # وكان قديم الإسلام، صادقا فيه، طاهر القلب، متقدم الهجرة، وقيل: إنه أول ~~من أسلم مطلقا؛ وهو من أول من أظهر الإسلام، وكان ممن هانت عليه PageV01P370 # نفسه في الله تعالى، وهان عليه قومه؛ فأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به ~~في شعاب مكة؛ وهو يقول: أحد أحد. # وقال السمعاني، في "أنسابه" (¬1): الحبشي: نسبة إلى الحبشة؛ بلاد معروفة، ~~وقد ملكها النجاشي؛ الذي أسلم بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وهاجر إليه ~~أصحابه، حتى هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة؛ فالتحقوهم من ~~الحبشة إلى المدينة، وسميت الحبشة بحبشة؛ لأبيه ابن حام، وقيل: الزنج، ~~والحبشة، والنوبة، وزعاوة، وقران؛ هم ولد رغبا بن كوش بن حام؛ ومنها: بلال ~~الحبشي؛ مؤذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ هذا كلام السمعاني. # واختلف في كنية بلال؛ فالمشهور: أبو عبد الله، ويقال: أبو عمرو، ويقال: ~~أبو عبد الكريم، ويقال: أبو عبد الرحمن، شهد بدرا وأحدا، والمشاهد كلها؛ مع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وهو أول من أذن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يؤذن لأحد بعده - ~~صلى الله عليه وسلم -؛ فيما روي، إلا مرة واحدة، في قدمة قدمها المدينة؛ ~~لزيارة قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، طلب إليه الصحابة ذلك؛ فأذن، ~~ولم يتم الأذان، وقيل: إنه أذن لأبي بكر خلافته. # روي عن بلال - رضي الله عنه -: أنه قال لأبي بكر بعد موت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: إن كنت أعتقتني لله؛ فدعني أذهب حيث شئت، وإن كنت ~~أعتقتني لنفسك فاحبسني، قال أبو بكر: اذهب حيث شئت (¬2)؛ فذهب إلى الشام، ~~فسكنها مؤثرا للجهاد ms0221 على الأذان إلى أن مات. # وكان خازن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بيت ماله. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أربعة وأربعون حديثا؛ اتفقا ~~على: حديث واحد، وانفرد البخاري: بحديثين غير مسندين، ومسلم: بحديث مسند. PageV01P371 # روى عنه: أبو بكر، وعمر، وابنه عبد الله، وأسامة بن زيد، وغيرهم من ~~الصحابة، وكبار التابعين، وروى له: أصحاب السنن والمساند. # مات بدمشق سنة عشرين، وقيل: إحدى وعشرين، وقيل: سنة ثماني عشرة؛ وهو ابن ~~بضع وستين، وقيل: ابن ثلاث وستين، وقيل: ابن سبعين. # واختلف في موضع مدفنه؛ فالمشهور الذي عليه الأكثرون: أنه بباب الصغير، ~~وقيل: بباب كيسان، وقيل: مات بداريا، وحمل على رقاب الرجال، ودفن بباب ~~كيسان، وقيل: مات بحلب، ودفن على باب الأربعين، وقال أبو حاتم بن حبان: ~~وسمعت أهل فلسطين يقولون: قبره بعمواس، وقيل: إن قبره بداريا. # وامرأة بلال: هند الخولانية، وقال أبو عمر بن عبد البر: وله أخ يسمى: ~~خالدا، وأخت تسمى: عفرة. # وكان شديد الأدمة، نحيفا، طوالا، أجنى (¬1)، خفيف العارضين، والله أعلم (¬2). # وأما قوله: "أمر" -بضم الهمزة- فهو راجع عند الأصوليين إلى أمر النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -؛ على المختار عندهم؛ وهو الراجح عند جمهور الفقهاء، ~~والمحدثين، وحكمه: حكم المرفوع. # وشذ بعضهم فقال: هذا اللفظ، وشبهه موقوف؛ لاحتمال أن يكون الآمر PageV01P372 # غير النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو خطأ؛ لأن إطلاق الأمر والنهي إنما ~~ينصرف إلى صاحبه، وهو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وهكذا الحكم في قول الصحابي: أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا؛ سواء أضافه إلى ~~حياته - صلى الله عليه وسلم -، أم أضافه إلى بعد وفاته؛ كله مرفوع، والخلاف ~~جار فيه. # وحكى الخطابي: أن بعضهم شذ، فقال: الآمر لبلال بذلك: أبو بكر، وعمر، قال: ~~وهو فاسد؛ لأن بلالا لحق بالشام بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~واستخلف سعد القرظ على الأذان، في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬1). # قلت: وهذا كله لم يثبت التصريح برفعه من جهة أخرى؛ فأما إذا ثبت رفعه، ~~فلا وجه ms0222 للاحتمال، ولا شك أن الآمر في هذا الحديث؛ هو رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، وقد رواه النسائي، والدارقطني، والحاكم بأسانيد صحيحة. # وقال الحاكم: وهو صحيح على شرطهما، ولم يخرجاه، من رواية أبي قلابة، عن ~~أنس: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بلالا أن يشفع الأذان، ~~ويوتر الإقامة" (¬2). # فارتفع الخلاف فيه، والاحتمال. # ولا شك أن شفع الأذان، وإيتار الإقامة هو من باب العبادات، والتقديرات، ~~وذلك لا يؤخذ إلا بتوقيف منه - صلى الله عليه وسلم -، والله أعلم. # وقوله: "يشفع الأذان"؛ هو -بفتح الياء، والفاء-، وأصله: الضم، ومنه: ~~الشفعة بضم الحصص؛ إذا أبيعت إلى حصته بالشفعة؛ ومعناها هنا: الإتيان ~~بكلماته مثنى؛ فكأنه ضم كل كلمة إلى مثلها؛ وهذا مجمع عليه اليوم، وحكي عن ~~بعض السلف في إفراده خلاف (¬3). # وقوله: "ويوتر الإقامة"؛ أي: يأتي بكلماتها وترا، ولا يثنيها، بخلاف PageV01P373 # الأذان، ويخرج عنه: التكبير الأول، والأخير؛ فإنه مثنى، وكذلك لفظ ~~الإقامة؛ فإنه مثنى، وقد ثبت في "صحيح مسلم": "ويوتر الإقامة" (¬1). # وخالف أبو حنيفة، فقال: الإقامة مثنى؛ كالأذان. # وخالف مالك الشافعي في لفظ الإقامة، قال: إنه مفرد؛ عملا بهذا الحديث. # وتمسك الشافعي بالاستثناء في الإقامة في "صحيح مسلم". # وأيد مالك مذهبه في ذلك وغيره بعمل أهل المدينة، ونقلهم، وجعله أقوى؛ لأن ~~طريقه النقل، والعادة في مثله يقتضي شيوع العمل، وأنه لو كان تغير، لعمل به. # وقد اختلف أصحاب مالك في أن إجماع المدينة حجة مطلقا؛ في مسائل الاجتهاد، ~~أو يختص ذلك بما طريقه النقل والانتشار؛ كالأذان، والإقامة، والصاع، والمد، ~~والأوقات، وعدم أخذ الزكاة من الخضراوات. # وقال بعض المتأخرين من المالكية: والصحيح عندنا جزما: أنه لا فرق في ~~مسائل الاجتهاد بينهم وبين غيرهم من العلماء، ولم يقم دليل على عصمة بعض ~~الأئمة. # نعم؛ ما طريقه النقل، إذا عدم اتصاله، وعدم تغييره، واقتضته العادة من ~~صاحب الشرع، ولو بالتقرير عليه؛ فالاستدلال به قوي، يرجع إلى أمر عادي به؛ ~~كحكمه في إفراده الإقامة، وتثنية الأذان: أن الأذان لإعلام العامة؛ فيثنى؛ ~~ليكون أبلغ في إعلامهم، والإقامة للحاضرين؛ ms0223 فلا حاجة إلى تكرارها. # ولهذا قال العلماء: يكون رفع الصوت في الإقامة دون الأذان، وإنما كرر لفظ ~~الإقامة خاصة؛ لأنه مقصودها، فإن قيل: إن المختار: الإقامة إحدى عشرة كلمة، ~~منها: الله أكبر، الله أكبر؛ أولا، وآخرا، وهذا تثنية؛ كما مر ذكره؟! PageV01P374 # فالجواب: أنه وإن كان صورة تثنية؛ فهو بالنسبة إلى الأذان إفراد؛ ولهذا ~~قال أصحاب الشافعي: يستحب للمؤذن أن يقول كل تكبيرتين بنفس واحد؛ فيقولهما ~~في أوله، وفي آخره، كل منهما بنفس واحد، والله أعلم. # وفي حديث أنس هذا فوائد: # منها: قد يستدل به على وجوب الأذان؛ من حيث إنه إذا أمر بالوصف، لزم أن ~~يكون الأصل مأمورا به؛ فظاهر الأمر للوجوب؛ وهذه مسألة اختلف فيها: ~~والمشهور: أن الأذان والإقامة سنتان. # وقيل: فرضان على الكفاية؛ وهو قول الإصطخري من أصحاب الشافعي، وقد يكون ~~له متمسك بهذا الحديث. # وفيه: أن الأذان يشفع؛ لكن اختلف العلماء، في كيفية كونه شفعا: # فقال الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وجمهور العلماء: بالتربيع في التكبير فيه. # وقال مالك: بالتثنية. # ولا شك أن التربيع ثابت في "صحيح مسلم"؛ من حديث أبي محذورة (¬1)، مع ~~اختلاف فيه بين التثنية والتربيع، وكذلك اختلف فيهما عن عبد الله بن زيد، ~~لكن المشهور فيه التربيع عنه؛ وهي زيادة من الثقة، وهي مقبولة؛ وبها عمل ~~أهل مكة في المواسم؛ وهو مجمع المسلمين، ولم ينكرها أحد من الصحابة، ~~وغيرهم. # وقيل لأحمد بن حنبل -وكان يأخذ بأذان بلال-: أليس أذان أبي محذورة بعد ~~أذان بلال؟ فقال: أليس لما عاد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، ~~أقر أذان بلال على حاله! والله أعلم (¬2). # وفيه: أن الإقامة وتر، واختلف العلماء في كيفيتها: PageV01P375 # فالمشهور من نصوص الشافعي، وبه قال أحمد: أنها إحدى عشرة كلمة؛ بتثنية ~~الإقامة والتكبير مرتين. # وقال مالك في المشهور عنه: هي عشر كلمات؛ لإفراده لفظ الإقامة. # وللشافعي قول شاذ: أنها ثماني كلمات؛ التكبير الأول، والأخير، والإقامة ~~مرة في كل واحد منها، والصواب: الأول. # وقال أبو حنيفة: الإقامة سبع عشرة كلمة؛ فيثنيها كلها؛ وهو شاذ عند ms0224 ~~العلماء. # قال الخطابي: مذهب جمهور العلماء الذي جرى عليه العمل في الحرمين، ~~والحجاز، والشام، واليمن، ومصر، والمغرب، إلى أقصى بلاد الإسلام: أن ~~الإقامة فرادى، إلا لفظ الإقامة؛ فإنها مثنى، والمشهور عن مالك: أنه لا ~~يثنيها، والله أعلم (¬1). # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي -رضي الله عنه- قال: أتيت النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، وهو في قبة حمراء من أدم، قال: فخرج بلال بوضوء؛ فمن ~~ناضح، ونائل، قال: فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه حلة حمراء؛ كأني ~~أنظر الى بياض ساقيه، قال: فتوضأ، وأذن بلال، قال: فجعلت أتتبع فاه، هاهنا، ~~وهاهنا؛ يقول يمينا وشمالا: حي على الصلاة، حي على الفلاح؛ فركزت له عنزة، ~~فتقدم، فصلى الظهر ركعتين، ثم لم يزل يصلي حتى رجع إلى المدينة" (¬2). # أما أبو جحيفة وهب بن عبد الله: # فالمشهور في اسمه، واسم أبيه: ما ذكره في هذه الرواية؛ وهو مشهور PageV01P376 # بكنيته، وكان علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - يسميه: وهب الخير، ووهب الله. # وقيل: إن اسم أبيه وهب -أيضا-، وقيل: جابر. # وهو من صغار أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ قيل: مات النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، ولم يبلغ الحلم. # ونزل الكوفة، وابتنى بها دارا، وجعله علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ~~على بيت المال بالكوفة، وشهد معه مشاهده كلها، وكان يحبه، ويثق إليه، ~~وحديثه عند أهلها. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: خمسة وأربعون حديثا؛ اتفقا ~~على: حديثين، وانفرد البخاري: بحديثين، ومسلم: بثلاثة. # وروى عنه: ابنه عون، وجماعة من صغار التابعين، وروى له: أصحاب السنن ~~والمساند. # قال أبو حاتم بن حبان: مات سنة أربع وسبعين، في ولاية بشر بن مروان على ~~العراق، وقال غيره: سنة اثنتين وسبعين، في إمارة بشر البصرة. # وأما السوائي: بضم السين المهملة، ثم الواو المفتوحة، ثم الألف الممدودة، ~~بعدها همزة مكسورة، ثم ياء النسب؛ بنسبه إلى بني سواءة. # وأبو جحيفة: من بني حرثان بن سواءة بن عامر بن صعصعة، وقيل: إنه وهب ms0225 بن ~~عبد الله بن جنادة بن حجر بن رباب بن حبيب بن سواءة، وقيل غيره، والله أعلم (¬1). # وأما القبة الحمراء: فهي شيء يعمل من خشب مقبى؛ وهو ضيق الرأس معروف، ~~ويغشى بالأدم المصبوغ بالحمرة. PageV01P377 # وقوله: "حمراء"، وصفها بذلك؛ وهو من باب وصف الشيء بما ظهر، ورئي؛ وهو أحسنه. # وقوله: "من أدم"، هو بفتح الدال؛ وهو جمع الأديم: وهو الجلود. # وتقدم أن الوضوء -بفتح الواو-: اسم للماء، والكلام عليه. # وقوله: "فمن ناضح، ونائل"؛ فيه إضمار تقديره: فتوضأ، فمن الناس من ينال ~~من وضوئه شيئا، ومنهم من ينضح عليه غيره؛ مما يناله، ويرش عليه بللا مما ~~حصل له؛ تبركا بآثاره - صلى الله عليه وسلم -، وكلاهما قد ورد مبينا، في ~~حديث آخر صحيح: "فمن لم يصب، أخذ من يد صاحبه" (¬1)، وفي آخر: "فرأيت الناس ~~يأخذون من فضل وضوئه" (¬2). # وقوله: "عليه حلة حمراء"؛ الحلة: ثوبان غير لفقين رداء، وإزارا؛ وسميا ~~بذلك: لأن كل واحد منهما، يحل على الآخر. # قال الخليل: ولا يقال حلة لثوب واحد، وقال أبو عبيد: الحلل: برود اليمن، ~~وقال بعضهم: لا يقال لها حلة حتى تكون جديدة، بحلها عن طيها (¬3). # والدليل على أن الحلة لا تكون إلا ثوبان: ما ثبت في الحديث: "أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا عليه حلة؛ اتزر بإحداهما، وارتدى ~~بالأخرى" (¬4). PageV01P378 # وقوله: "حي على الصلاة، حي على الفلاح"، معناه: تعالوا إلى الصلاة، ~~تعالوا إلى الفلاح؛ وهو الفوز، والبقاء الدائم، يقال: حي على كذا؛ أي: هلم ~~وأقبل، ويقال: حي على، وحي هلا، وحي هلا، وحي على كذا، وحي إلى كذا، وحي هل ~~منصوبة مخففة، مشبهة بخمسة عشر، وحي هل بالسكون؛ لكثرة الحركات، وتشبيها ~~بصه، ومه، وبخ، وحي هل بسكون الهاء. # وقيل: معنى حي: هلم، وهلا: حثيثا، وقيل: هلا: أسرع؛ جعلا كلمة واحدة، ~~وقيل: هلا: اسكن، وحي: أسرع، وقيل: حي: أعجل، وهلا: صلة (¬1). # وقوله: "وأذن بلال، فجعلت أتتبع فاه" إلى آخره؛ معناه: أتتبع فاه في حال ~~التفاته يمينا، وشمالا؛ لقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح. # وتقدم ms0226 ذكر معنى العنزة في الطهارة. # واعلم أنه لم يبين في رواية الكتاب مكان اجتماعه بالنبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، وبين ذلك في رواية أخرى؛ في "الصحيحين"، وغيرهما، وهي [أن] "أبا ~~جحيفة أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة؛ وهو بالأبطح، في قبة له ~~حمراء، من أدم" (¬2)؛ وفيها: فائدة زائدة رافعة لإيهام أن يكون اجتماعه ~~بالنبي - صلى الله عليه وسلم - قبل وصوله إلى مكة، في رواية الكتاب. # فيشكل قوله: "فلم يزل يصلي ركعتين، حتى رجع إلى المدينة"، من غير وصوله ~~إلى مكة؛ وكأنه لم يبق للسفر نهاية، وإذا تبين أن الاجتماع كان بمكة؛ علم ~~نهاية السفر، وابتداء قصر الظهر، وأنه: من ابتداء رجوعه من مكة، إلى وصوله ~~إلى المدينة، والله أعلم. # وقوله: "ركزت له عنزة"؛ أي: أثبتت في الأرض، يقال: ركزت الشيء، أركزه ~~-بضم الكاف في المستقبل-، ركزا: أثبته. PageV01P379 # وفي الحديث فوائد كثيرة: # منها: إتيان أهل القدوة وأهل الفضل إلى أماكنهم، في السفر والحضر؛ للتبرك ~~بهم، والاقتباس منهم، وحكاية حالهم، وذكر منازلهم. # ومنها: خدمتهم؛ بإحضار ماء الوضوء، ونحوه. # ومنها: استعمال فضل طهورهم، وطعامهم، وشرابهم، ولباسهم، والتبرك بآثارهم. # ومنها: جواز لبس الأحمر؛ من الحلة الحمراء، وغيرها. # ومنها: جواز النظر إلى ساقي الرجل الصالح؛ للاقتداء به، في حاله ولباسه. # ومنها: أن الساقين ليسا بعورة، وقد أجمع العلماء؛ على أنهما ليسا بعورة ~~من الذكور، لكن إن نظر إليهما بشهوة؛ فهو حرام إجماعا؛ كسائر ما ينظر إليه ~~من المحرمات. # ومنها: شرعية الأذان في السفر، قال الشافعي -رحمه الله-: ولا أكره من ~~تركه في السفر، بما أكره من تركه في الحضر؛ لأن المسافر مبني على التخفيف (¬1). # ومنها: أنه يسن للمؤذن الالتفات، في الحيعلتين؛ يمينا وشمالا، برأسه ~~وعنقه، قال أصحاب الشافعي: ولا يحول قدميه وصدره عن القبلة؛ إنما يلوي رأسه وعنقه. # واختلف في كيفية التفاته، على مذاهب؛ وهي أوجه لأصحاب الشافعي: # أصحها، وقول الجمهور: بأنه يقول: حي على الصلاة؛ مرتين عن يمينه، ثم على ~~الفلاح؛ مرتين عن يساره. # والثاني: يقول عن يمينه: حي على الصلاة مرة، ثم ms0227 مرة عن يساره، ثم يقول: ~~حي على الفلاح؛ مرة عن يمينه، ثم مرة عن يساره. PageV01P380 # والثالث: يقول عن يمينه: حي على الصلاة، ثم يعود إلى القبلة، ثم يعود إلى ~~الالتفات عن يمينه، فيقول: حي على الصلاة، ثم يلتفت عن يساره، فيقول: حي ~~على الفلاح؛ يفعل مثل ما فعل عن يمينه. # ومنها: استصحاب العنزة للصلاة، ونحوها، في السفر، وجواز الاستعانة ~~للإمام، بمن يركزها له، ونحو ذلك. # ومنها: أن الأفضل قصر الصلاة في السفر؛ وإن كان بقرب بلد، ما لم ينو ~~إقامة أربعة أيام، فصاعدا، والله أعلم. # واعلم: أن مواظبته - صلى الله عليه وسلم - على فعل شيء تدل على رجحان ~~فعله، ولا تدل على وجوبه، إلا على مذهب من يرى أن أفعاله - صلى الله عليه ~~وسلم - على الوجوب؛ وليس بمختار عند أهل علم الأصول. والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: أنه قال: "إن بلالا يؤذن بليل؛ فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم ~~مكتوم" (¬1). # أما ابن عمر، وبلال؛ فتقدم ذكرهما. # وأما ابن أم مكتوم: # فتقدم في الحديث الأول من هذا الباب: أنه أحد مؤذني رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - الأربعة. # واسمه: عمرو بن قيس بن زائدة بن الأصم بن هزم بن رواحة؛ هذا قول ~~الأكثرين، وقيل: اسمه: عبد الله بن زائدة، كان اسمه الحصين؛ فسماه النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - عبد الله، وقيل غير ذلك في اسم أبيه وجده؛ وهو قرشي ~~عامري، واسم أمه: PageV01P381 # عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة بن عامر بن مخزوم؛ وهو ابن خال خديجة بنت خويلد. # هاجر إلى المدينة، قبل مقدم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبعد مصعب بن ~~عمير، واستخلفه النبي - صلى الله عليه وسلم - على المدينة ثلاث عشرة مرة؛ ~~ليصلي بالناس، وشهد القادسية، وقتل بها شهيدا، وكان ذهاب بصره بعد بدر ~~بسنتين. # وقال أبو حاتم بن حبان: وشهد القادسية، ومعه راية سوداء، وعليه درع، ثم ~~رجع إلى المدينة، ومات بها في ms0228 خلافة عمر. # روى عنه: عبد الرحمن بن أبي ليلى، روى له: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (¬1). # وفي هذا الحديث: # ما كان عليه - صلى الله عليه وسلم - من المحافظة على أمر ربه -سبحانه ~~وتعالى-؛ في بيان الشرائع، والأحكام دقها وجلها؛ فإن الله تعالى جعل البيان ~~إليه - صلى الله عليه وسلم -، فقال تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ~~ما نزل إليهم} [النحل: 44]. # وفيه: جواز الأذان للصبح، قبل طلوع الفجر الصادق؛ في الصوم، وغيره. # وفيه: وجوب البيان عند الاشتباه؛ فإنه لما كان الأكل والشرب جائزا إلى ~~طلوع الفجر الثاني للصائم، والأذان في العادة مانع منهما؛ بين حكمه - صلى ~~الله عليه وسلم -؛ وهو عدم الامتناع منهما بأذان بلال، إلى سماع أذان ابن ~~[أم] مكتوم. # وقال بعض أصحاب الشافعي: يكره الأذان في الصوم قبل وقت أذان بلال؛ وهو ~~وقت بين الفجر الصادق والكاذب، ومنهم من قال: يجوز بعد نصف الليل. PageV01P382 # لكن في حديث بلال، وابن أم مكتوم؛ ما يدل على تفاوت وقت أذانهما، ففي ~~رواية في "صحيح مسلم": "أنه ليس بين أذانهما، إلا أن ينزل هذا، ويصعد هذا" (¬1). # وفيه: دليل على جواز أن يكون المؤذن أعمى؛ فإن ابن مكتوم كان أعمى، ~~وأذانه صحيح، ولا كراهة فيه إذا كان معه بصير، وقال أصحاب الشافعي: يكره أن ~~يكون الأعمى مؤذنا وحده. # وفيه: دليل على جواز تقليد البصير للأعمى في الوقت، وجواز اجتهاده فيه؛ ~~فإن الأعمى لا بد له من طريق يرجع إليه في طلوع الفجر؛ إما سماع من بصير، ~~أو اجتهاد. # وفي الصحيح: "أنه كان لا يؤذن، حتى يقال له: أصبحت أصبحت" (¬2)؛ فهذا ~~دليل على رجوعه إلى البصير، ولو لم يرد ذلك، لم يكن في هذا اللفظ دليل على ~~جواز رجوعه إلى الاجتهاد بعينه؛ لأن الدال على أحد الأمرين منهما، لا يدل ~~على واحد منهما معينا. # وفيه: دليل على جواز أن يكون للمسجد الواحد مؤذنان. # وفيه: دليل على استحباب أن يؤذن كل واحد منهما مفردا، مرتين، إذا اتسع ~~الوقت؛ كصلاة الفجر، ونحوها، فإن كان ضيقا؛ كالمغرب، فإنه ms0229 لم ينقل فيها ~~مؤذنان، وقال الفقهاء من أصحاب الشافعي: يتخيرون بين أن يؤذن كل منهم في ~~زاوية من زوايا المسجد، وبين أن يجتمعوا، ويؤذنوا دفعة واحدة. # واعلم أنه لو اقتصر على مؤذن واحد في المسجد؛ لم يكن مكروها، وفرق بين أن ~~يكون الفعل مستحبا، وبين أن يكون تركه مكروها، فلو زاد على مؤذنين؛ PageV01P383 # فليس في الحديث تعرض له، لكن إن احتاج المسجد، أو الناس إلى أكثر؛ اتخذ ~~ثلاثة، أو أكثر بحسب الحاجة، وقد اتخذ عثمان - رضي الله عنه - أربعة؛ ~~للحاجة عند كثرة الناس. # قال العلماء من أصحاب الشافعي، وغيره: يستحب ألا يزاد على أربعة، إلا ~~لحاجة ظاهرة، قالوا: وإذا ترتب للأذان اثنان فصاعدا؛ فالمستحب ألا يؤذنوا ~~دفعة، بل: # إن اتسع الوقت: يرتبوا فيه، فإن تنازعوا في الابتداء به؛ أقرع بينهم. # وإن ضاق الوقت: فإن كان المسجد كبيرا؛ أذنوا متفرقين في أقطاره، وإن كان ~~ضيقا؛ أذنوا دفعة، بشرط أن تحصل كلمات الأذان، من كل واحد منهم، وألا يحصل ~~من اختلاف الأصوات تهويش، فإن أدى إلى ذلك: لم يؤذن إلا واحد، فإن تنازعوا: أقرع. # وأما الإقامة: فإن أذنوا على الترتيب: فالأول أحق بها، فإن كان هو المؤذن ~~الراتب، أو لم يكن هناك مؤذن راتب؛ فإن كان الأول غير المؤذن الراتب، ~~فأيهما أولى بالإقامة؟ فيه وجهان لأصحاب الشافعي؛ أصحهما: أن الراتب أولى؛ ~~لأنه منصبه. # ولو أقام، في هذه الصور، غير من له ولاية الإقامة؛ اعتد به على الصحيح، ~~الذي قاله جمهور أصحاب الشافعي، وقال بعضهم: لا يعتد به؛ كما لو خطب واحد، ~~وأم بهم غيره؛ فلا يجوز على قول. # وأما إذا أذنوا معا: فإن اتفقوا على إقامة واحد؛ جاز، وإلا: فيقرع. # قالوا: ولا يقيم في المسجد الواحد إلا واحد، إلا إذا لم تحصل الكفاية ~~بواحد، قال: ولا بأس أن يقيموا معا؛ إذا لم يؤد إلى التهويش، وبشرط أن تصدر ~~كلمات الإقامة منهم كلهم؛ فلو صدر بعضها من بعضهم، والبعض من الآخرين؛ لم ~~تصح الإقامة، والله أعلم. # * * * PageV01P384 ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن أبي سعيد الخدري ms0230 -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إذا سمعتم المؤذن، فقولوا مثل ما يقول" (¬1). # أما أبو سعيد الخدري؛ فتقدم ذكره، وما يتعلق به. # وأما أحكامه، وفوائده، وما يتعلق به: # فقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا سمعتم المؤذن، فقولوا مثل ما يقول"، ~~فلا بد أن يعرف قول المؤذن؛ ومعناه: ليقول السامع مثل قوله، بتدبر معناه، ~~فقوله الأذان المعروف؛ بترجيعه، وتثويبه، وحيعلته. # ولا شك أن الحديث قد قال بعمومه -في قول سامع المؤذن مثل قوله- بعض ~~العلماء، فقال: يحكيه مثل قوله، إلى آخره؛ وهو ظاهر الحديث. # وذهب الشافعي، وجمهور العلماء: إلى أنه يبدل السامع لفظ الحيعلة، ~~بالحوقلة، ويقال: الحولقة، ويكررها؛ بتكررها؛ لحديث صحيح ثبت فيه: "أنه ~~يقول السامع للمؤذن، بعد قوله: حي على الصلاة: لا حول ولا قوة إلا بالله، ~~إلى آخره" (¬2). # وقدمه الشافعي على الأول؛ لخصوصه، وعموم الأول، وذكر من المعنى فيه: # أن الأذكار الخارجة عن الحيعلة يحصل ثوابها بذكرها؛ فيشترك السامع، ~~والمؤذن في ثوابها، إذا حكاها السامع. # وأما الحيعلة: فمقصودها الدعاء إلى الصلاة، من المؤذن وحده، PageV01P385 # ولا يحصل مقصوده من السامع؛ فعوض عن الثواب، الذي يفوته بالحيعلة، الثواب ~~الذي يحصل له بالحوقلة، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا حول ولا قوة ~~إلا بالله؛ كنز من كنوز الجنة" (¬1)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من ~~قال: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ غرست له نخلة في الجنة" (¬2). # لكن قد قال بعض العلماء من الأصوليين: إنه إذا أمكن الجمع بين الخاص ~~والعام، وإعمالهما، وجب ذلك؛ فلا يبعد أن يكون متمسك من قال: يجيبه في كل ~~كلمات الأذان. # وقد ذكر أصحاب الشافعي -رحمهم الله-، في رفع اليدين في الدعاء: يجمع بين ~~إجابته، في الحيعلة بها، وبالحوقلة؛ جمعا بينهما، ولم أعلم أحدا، قال به من ~~المتقدمين، وغيرهم، والله أعلم. # وأما ترجيع المؤذن: فهو قوله الشهادتين سرا يسمع نفسه بهما، ثم يرجع إلى ~~رفع الصوت بهما، وظاهر الحديث، أنه يقول مثل قوله، إذا علم ترجيعه؛ لعموم ~~قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فقولوا مثل ms0231 ما يقول". # وأما تثويبه: وهو قوله في أذان الصبح: الصلاة خير من النوم، فيقول سامعه: ~~صدقت وبررت؛ لحديث ورد فيه. # ثم إن السامع يقول كل كلمة، بعد فراغ المؤذن منها عقبها؛ لأن الفاء في ~~قوله - صلى الله عليه وسلم - : "فقولوا" تقتضي التعقيب، وهو يقتضي تعقيب ~~قول المؤذن، بقول الحاكي. PageV01P386 # ولا شك أنه لا تشرع إجابة المؤذن؛ لمن هو في صلاة فريضة، أو نافلة؛ فأما ~~من هو في غير صلاة، فتشرع له إجابته؛ ولا تكره في حالة، أو وقت من الأوقات، ~~إلا في حالة نهى الشرع عن الذكر فيها؛ فلو أجابه في الصلاة، فهل يكره؟ فيه ~~قولان للشافعي -رحمه الله-: # أظهرهما: الكراهة؛ لأنه إعراض عن الصلاة، ولا تبطل به، إلا بقوله: حي على ~~الصلاة، حي على الفلاح، والصلاة خير من النوم؛ لأنه كلام آدمي. # وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء ~~من كلام الناس" (¬1)، وقد ثبت عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أنه قال: ~~"الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله تعالى، أباح فيه الكلام" (¬2)؛ فمقتضى ~~هذين الحديثين: تحريم كلام الآدميين في الصلاة. # فأما بطلان الصلاة فيه؛ فهو متعلق بمن كان عالما بتحريمه، متعمدا؛ فلو ~~كان ناسيا، أو جاهلا، لم تبطل. # فلو سمعه في الصلاة، وهو في قراءة الفاتحة، كرهت الإجابة قطعا، من غير ~~خلاف، إذا كانت بالأذكار فقط، ولا تبطل الصلاة، بل تبطل قراءة الفاتحة، ~~ويجب استئنافها؛ لوجوب الموالاة فيها، وهو معذور بقطع الموالاة؛ بالتنفس، ~~ونحوه، وبما هو من مصلحة قراءتها؛ من التعظيم والإجلال لله تعالى، وسؤاله ~~-سبحانه وتعالى-؛ فإن ذلك لا يقطع موالاتها. # فلو أجاب فيها -أعني الصلاة- بالحوقلة، دون الحيعلة؛ لم تبطل أيضا. # وفي مذهب مالك: إذا أجاب بالحيعلة في الصلاة، هل تبطل به؟ قولان: # أحدهما: أنه كلام آدمي، مخاطبة له بالمجيء إلى الصلاة؛ فأبطل، بخلاف بقية ~~ألفاظ الأذان؛ التي هي ذكر، والصلاة محل ذكر. PageV01P387 # والثاني: أنه لم يقصد به المخاطبة بالدعاء للناس إليها؛ بل قصد به حكاية ~~ألفاظ المؤذن، وذلك لا يبطل. ms0232 # ثم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فقولوا مثل ما يقول" لا يقتضي المثلية ~~في رفع الصوت، ولا في أوصاف المؤذن، ومماثلته، بل من الوجه المبين في ~~الأحاديث الصحيحة: من التكبير، والشهادتين، والحيعلة، والحوقلة؛ على ما ~~بيناه أولا، والله أعلم. # ثم اعلم: أن الإجابة سنة مرغب فيها، ليست بواجبة؛ على الصحيح الذي عليه ~~الجمهور. # وحكى الطحاوي، عن بعض العلماء: الوجوب فيه؛ لظاهر الأمر. # واتفق أصحاب الشافعي -رحمهم الله-: أنه لا تشرع إجابة المؤذن، إلا مرة واحدة. # وحكى القاضي عياض، خلافا: # أنه هل يجب عند سماع كل مؤذن، أم لأول مؤذن فقط؟ # قال: واختلف قول مالك؛ هل يتابع المؤذن، في كل كلمات الأذان، أم إلى آخر ~~الشهادتين؟ لأنه ذكر، وما بعده ليس بذكر، وبعضه تكرار لما سبق. # قال: واختلف أصحاب مالك؛ هل يحكي المصلي المؤذن في صلاة الفريضة ~~والنافلة، أم لا يحكيه فيهما، أم يحكيه في النافلة، دون الفريضة؟ على ثلاثة ~~أقوال؛ ومنعه أبو حنيفة فيهما، والله أعلم. # قال الشافعي، وأصحابه -رحمهم الله-: لو سمع الأذان، وهو في قراءة، أو ~~تسبيح، ونحوهما؛ قطع ما هو فيه، وأتى بمتابعة المؤذن. # قالوا: ويتابعه في الإقامة؛ كالأذان، إلا أنه يقول في لفظ الإقامة: ~~أقامها الله، وأدامها؛ ومتابعته فيها داخل في عموم قوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "فقولوا مثل ما يقول". PageV01P388 # هذا ما يتعلق بقول سامع المؤذن، وأحكامه. # وأما معنى قوله: فاعلم أن الأذان كلمة جامعة لعقيدة الإيمان، مشتملة على ~~نوعيه؛ من العقليات، والسمعيات: # فأوله: إثبات الذات، وما تستحقه من الكمال، والتنزيه عن أضدادها؛ وذلك ~~بقوله: الله أكبر؛ وهذه اللفظة -مع اختصار لفظها- دالة على ما ذكرناه. # ثم صرح بإثبات الوحدانية، ونفي ضدها، عن الشركة المستحيلة في حقه -سبحانه ~~وتعالى-؛ وهذه عمدة الإيمان والتوحيد، المقدمة على وظائف الدين. # ثم صرح بإثبات النبوة، والشهادة بالرسالة لنبينا - صلى الله عليه وسلم -؛ ~~وهذه قاعدة عظيمة، بعد الشهادة بالوحدانية، وموضعها بعد التوحيد؛ لأنها من ~~باب الأفعال الجائزة الوقوع، وتلك المقدمات من باب الواجبات، وبعد هذه ~~القواعد، كملت العقائد العقليات؛ فيما يجب، ms0233 ويستحيل، ويجوز؛ في حقه -سبحانه ~~وتعالى-. # ثم دعا إلى ما دعاهم إليه من العبادات، فدعاهم إلى الصلاة، وعقبها بعد ~~إثبات النبوة؛ لأن معرفة وجوبها، من جهة النبي - صلى الله عليه وسلم -، لا ~~من جهة العقل. # ثم دعا إلى الفلاح؛ وهو الفوز، والبقاء في النعيم المقيم؛ وفي ذلك إشعار ~~بأمور الآخرة؛ من البعث والجزاء، وهو آخر تراجم عقائد الإسلام. # ثم كرر ذلك بإقامة الصلاة؛ للإعلام بالشروع فيها، وهو متضمن لتأكيد ~~الإيمان، وتكرار ذكره عند الشروع في العبادة بالقلب واللسان؛ وليدخل المصلي ~~فيها على بينة من أمره، وبصيرة من إيمانه، ويستشعر عظيم ما دخل فيه، وعظمة ~~حق تعبده، وجزيل ثوابه. # وأما مناسبة جواب الحيعلة بالحوقلة؛ فلأن الحيعلة دعاء إلى الحضور ~~للصلاة، وما يترتب على حضورها؛ من البقاء والنعيم؛ فأمروا بالإجابة ~~بالحوقلة، وهي: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فكأنهم قالوا: لا حول لنا، ولا ~~قوة لنا إلا بالله؛ أي: بعونه وتأييده. PageV01P389 # وليس الحول والقوة بمترادفين؛ بل الحول: الاعتماد في تحصيل الشيء، أو ~~محاولته، والقوة: القدرة عليه، وكلاهما: غير حاصلين إلا بإقدار الله تعالى، ~~وتوفيقه، والله أعلم. # وللأذان وإجابته آداب وأحكام، وأذكار معروفة في كتب العلم، وعند العلماء؛ ~~فمن أراد فليراجعهم، والله أعلم. # * * * PageV01P390 ### || AUTO باب استقبال القبلة ### ||| AUTO الحديث الأول # عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- كان يسبح على ظهر راحلته؛ حيث كان وجهه، يومئ برأسه، وكان ابن عمر يفعله (¬1). # وفي رواية: كان يوتر على ظهر بعيره (¬2)، ولمسلم: غير أنه لا يصلي عليها ~~المكتوبة (¬3)، وللبخاري: إلا الفرائض (¬4). # أما قوله: "يسبح"؛ فمعناه: يصلي النافلة، وأطلق التسبيح على مطلق الصلاة؛ ~~في قوله تعالى: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب} [ق: 39]؛ على ~~صلاة الصبح، وصلاة العصر؛ عند أهل التفسير. # والتسبيح حقيقة: قول: سبحان الله؛ فإذا أطلق على الصلاة، كان من باب PageV01P391 # تسمية الشيء باسم جزئه؛ تنبيها على فضل ذلك الجزء؛ كما أن أصل الصلاة ~~الدعاء، ثم سميت العبادة كلها به؛ لاشتمالها عليه، وكذلك تسمية الصلاة: ms0234 ~~بالركوع، أو السجود، أو القرآن، أو القيام. # أو لأن المصلي منزه لله تعالى، بإخلاص العبادة له وحده؛ كالتسبيح، فإنه ~~تنزيه لله تعالى؛ فيكون من مجاز الملازمة؛ لأن التنزيه لازم للصلاة المخلصة ~~لله وحده. # وقوله: "حيث كان وجهه" يعني: حيثما توجه وجهه في السفر، وقد ثبت ذكر ~~السفر في بعض الأحاديث، أو معظمها؛ وهو مطلق في رواية الكتاب، حتى تمسك بها ~~بعض أصحاب الشافعي؛ وهو أبو سعيد الإصطخري في جواز النافلة على الدابة في ~~البلد؛ وهو محكي عن أنس بن مالك، وأبي يوسف صاحب أبي حنيفة. # وقوله: "يومئ برأسه" يعني: في الركوع والسجود؛ ليكون البدل على وفق ~~الأصل؛ فيجعل السجود أخفض من الركوع، وليس في الحديث ما يدل على ذلك، ولا ~~نفيه، لكن في اللفظ ما يدل على نفي حقيقة السجود. # وقوله: "وكان ابن عمر يفعله" تنبيه على أن رواية الحديث، والعمل به أقوى ~~في التمسك به من الرواية له فقط؛ لجواز أن يكون الحديث عند الراوي، إذا لم ~~يعمل به؛ مخصوصا بحالة، أو منسوخا، أو معللا، أو نحو ذلك. # وقوله: "كان يوتر على بعيره"؛ استدل به على أن الوتر ليس بواجب، بل سنة؛ ~~وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، والجمهور. # وقال أبو حنيفة: واجب، لا يجوز على الراحلة؛ بناء على مقدمة أخرى؛ وهي أن ~~الفرض لا يقام على الراحلة، وهو مرادف للواجب، فلا يقام عليها. # وليس بقوي في الاستدلال؛ لأنه ليس فيه إلا ترك الفعل المخصوص، وليس الترك ~~دليلا على الامتناع؛ وكذا الكلام على استثناء ابن عمر الفرائض، من فعله - ~~صلى الله عليه وسلم -؛ فإنه يدل على ترك هذا الفعل، وترك الفعل لا يدل على ~~امتناعه. PageV01P392 # لكن قد يقال: إن وقت الفريضة مما يكثر على المسافرين؛ فترك الصلاة لها ~~على الراحلة دائما، مع فعل النوافل على الراحلة؛ إشارة إلى الفرقان بينهما، ~~في الجواز، وعدمه، مع تأييد المعنى؛ من كون الصلوات المفروضة قليلة محصورة؛ ~~لا يؤدي النزول عن الراحلة لها إلى نقصان المطلوب؛ والنوافل المطلقة لا حصر ~~لها؛ فيؤدي النزول إلى ترك ms0235 المطلوب من تكثيرها، مع اشتغال المسافر. # ودليل الجمهور: هذه الأحاديث. # فإن قيل: مذهب الشافعي أن الوتر واجب على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~قلنا: وإن كان واجبا عليه، فقد صح فعله على الراحلة؛ فدل على صحته منه على ~~الراحلة، ولو كان واجبا على العموم، لم يصح على الراحلة؛ كالظهر. # فإن قيل: الظهر فرض، والوتر واجب، وبينهما فرق، قلنا: هذا الفرق اصطلاح ~~منكم، لا يسلمه لكم الجمهور، ولا يقتضيه شرع، ولا لغة، ولو سلم، لم يحصل به ~~هنا غرضكم، والله أعلم. # وقوله: "غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة"؛ المكتوبة نعت للصلاة، وحذفت ~~لدلالته عليها، ونعتها بالمكتوبة، دون المفروضة؛ اتباعا للفظ القرآن، في ~~قوله تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} [النساء: 103]. # وأجمعت الأمة على أن المكتوبة لا تجوز إلى غير القبلة، ولا على الدابة، ~~إلا في شدة الخوف. # فلو أمكنه استقبال القبلة، والقيام، والركوع، والسجود، على دابة واقفة ~~عليها هودج، أو نحوه: جازت الفريضة؛ على الصحيح من مذهب الشافعي. # ولو كانت سائرة: لم تصح؛ على الصحيح المنصوص للشافعي، وقيل: يصح؛ ~~كالسفينة؛ فإنها تصح فيها الفريضة بالإجماع. # ولو كان في ركب، وخاف لو نزل للفريضة، انقطع عنهم، ولحقه الضرر، قال ~~أصحاب الشافعي: يصلي الفريضة على الدابة، بحسب إمكانه، ويلزمه إعادتها؛ ~~لأنه عذر نادر. PageV01P393 # ومقتضى القواعد: أنه لا يلزمه الإعادة، خصوصا إذا خاف فوت الوقت؛ لأنه ~~أتى بما أمر به، على حسب استطاعته، والإعادة والقضاء إنما يجبان بأمر ~~محدود، والله أعلم. # وفي هذه الروايات: # دليل على: جواز التنفل على الدابة في السفر، حيث توجهت، ولا يشترط ~~استقبال القبلة فيها؛ سواء كانت نافلة مطلقة، أو راتبة؛ وهو جائز بإجماع ~~المسلمين، ويجوز في قصير السفر، وطويله؛ عند الشافعي، وجمهور العلماء. # وقال مالك، في رواية عنه: لا يجوز التنفل على الدابة في السفر، إلا في ~~سفر تقصر فيه الصلاة؛ وهو قول غريب محكي عن الشافعي. # واعلم: أن شرط جواز التنفل على الدابة في السفر: ألا يكون سفر معصية؛ فلا ~~يجوز لعاص بسفره الترخص بشيء من ms0236 رخص السفر؛ كمن سافر لقطع الطريق، أو لقتال ~~بغير حق، أو عاقا والده، أو آبقا من سيده، أو ناشزة على زوجها، ونحوهم، إلا ~~التيمم؛ فإنه يجب عليه، إذا لم يجد الماء، ويصلي، وتلزمه الإعادة؛ على ~~الصحيح من مذهب الشافعي؛ تغليظا عليه، فإن له طريقا إلى الخلاص من الإعادة، ~~بالتوبة في الحال. # ولا شك أن السبب في جواز التنفل على الدابة في السفر: تيسير تحصيل ~~النوافل، وتكثيرها؛ فما ضيق طريقه قل، وما اتسع طريقه سهل؛ فاقتضت رحمة ~~الله تعالى للعباد: أن تقلل الفرائض عليهم؛ تسهيلا للكلفة، وفتح لهم ~~-سبحانه وتعالى- طريق التكثير للنوافل؛ تعظيما للأجور، أو جبرا للنقص ~~المحذور. # واشترط بعض الفقهاء من الشافعية: أن يكون توجهه إلى جهة مقصده، في سفره؛ ~~ليكون بدلا له عن القبلة؛ فلو توجه إلى غير جهة مقصده، في المسير: لم يجز ~~له التنفل؛ وذلك مأخوذ من فعله - صلى الله عليه وسلم -: أنه كان يسبح؛ حيث ~~كان وجهه، على راحلته، والله أعلم. PageV01P394 # وأما تنفل راكب السفينة، فمذهب الشافعي: أنه لا يجوز، إلا إلى القبلة، ~~إلا ملاح السفينة؛ فيجوز له التنفل إلى غير القبلة؛ لحاجته. # وعن مالك روايتان: إحداهما: كمذهب الشافعي، والثانية: جواز التنفل حيثما ~~توجهت، لكل أحد. # ثم إنه يجوز التنفل في السفر على كل دابة؛ من بعير، وبغل، وفرس، وحمار؛ ~~بلا خلاف، بشرط ألا يكون الراكب مماسا لنجاسة، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: بينما الناس بقباء، في صلاة ~~الصبح إذ جاءهم آت، فقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قد أنزل عليه ~~الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل القبلة؛ فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى ~~الشام، فاستداروا إلى الكعبة (¬1). # أما ألفاظه: # فقوله: "بينما الناس"؛ معناه: بين أوقات كذا، ويجوز: بينما، وبينا؛ بلا ميم. # وقباء: بالمد، ومصروف، ومذكر، وقيل: مقصور، وغير مصروف، ومؤنث؛ وهو موضع ~~معروف بقرب المدينة (¬2). # وقوله: "وقد أمر أن يستقبل القبلة؛ فاستقبلوها": # سميت القبلة قبلة؛ لأن المصلي يقابلها، وتقابله. # قال الهروي: وروي: فاستقبلوها -بكسر الباء، وفتحها-، الكسر أصح ms0237 PageV01P395 # وأشهر؛ وهو الذي يقتضيه تمام الكلام بعده: على الأمر، والفتح: على الخبر (¬1). # وقوله: "في صلاة الصبح": # قال الشافعي -رحمه الله-: قد سماها الله تعالى الفجر، وسماها رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - الصبح؛ فلا أحب أن تسمى بغير هذين الاسمين (¬2). # وقد ثبت في "صحيح مسلم"، في هذا الحديث: "بينما الناس، في صلاة الغداة" ~~(¬3)؛ ففيه دليل على: جواز تسميتها غداة؛ ولا خلاف في جوازه، وإن كان ~~الشافعي لم يحب تسميتها بغير الفجر والصبح؛ لأن ذلك لم يدل على منع التسمية ~~بغيرهما؛ كيف، وقد ثبت غيرهما، من قول الصحابة؟! والله أعلم. # واعلم: أنه ينبغي أن نعرف كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يستقبل الكعبة في صلاته، وهو بمكة؟ فذهب نفر من العلماء: إلى أن صلاته - ~~صلى الله عليه وسلم -، وهو بمكة، لم تكن إلى بيت المقدس؛ وإنما صلى إليه ~~بعد مقدمه إلى المدينة. # والذي عليه جمهور العلماء: أنه كان يصلي إلى الشام. # قال شيخنا أبو اليمن بن عساكر الحافظ -رحمه الله- (¬4): وسبب الاختلاف في ~~ذلك: أنه - صلى الله عليه وسلم - كان إذا صلى بمكة مستقبلا بيت المقدس جعل ~~الكعبة بينه وبين بيت المقدس، يتحرى القبلتين معا؛ فلم يظهر استقباله بيت ~~المقدس، ولا توجهه إليه، حتى هاجر إلى المدينة، وخرج من مكة. PageV01P396 # هكذا روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - من طريق صحيحة، وقد روى أبو ~~حاتم بن حبان في "صحيحه" في هجرة البراء بن معرور، وكعب بن مالك إلى مكة، ~~عام بيعة العقبة؛ ما يدل على ذلك؛ وهو: أن البراء بن معرور - رضي الله عنه ~~- رأى ألا يجعل الكعبة وراء ظهره في صلاته، وأنه شاور في ذلك كعبا؛ فلم ~~يوافقه، وأنه بقي في نفسه من فعله حتى قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، وهو وعمه العباس جالسين بمكة، فسلم هو وكعب عليه - صلى الله عليه وسلم ~~-، في قصة طويلة، قال البراء بن معرور: يا رسول الله! إني صنعت في سفري هذا ~~شيئا، أحببت أن تخبرني عنه؛ فإنه قد وقع في ms0238 نفسي منه شيء؛ إني قد رأيت ألا ~~أجعل هذه البنية مني بظهر، وصليت إليها، ومنعني أصحابي، وخالفوني؛ حتى وقع ~~في نفسي من ذلك ما وقع، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أما إنك ~~قد كنت على قبلة، لو صبرت عليها"، قال: ولم يزده على ذلك الحديث. # قال أبو حاتم: أما تركه - صلى الله عليه وسلم - أمر البراء بإعادة الصلاة ~~التي صلاها إلى الكعبة، حيث كان الفرض عليهم استقبال بيت المقدس؛ لأن ~~البراء أسلم لما شاهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلم يأمره بإعادة تلك ~~الصلاة، من أجل ذلك (¬1). # قال شيخنا الحافظ أبو اليمن بن عساكر -رحمه الله- كلاما، مقتضاه: أن ~~البراء - رضي الله عنه -، كان مسلما قبل هجرته إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - إلى مكة، هو ومن معه من الأنصار، وكانوا يسمون الأنصار في ذلك ~~الوقت: الخزرج، ويدعون أوسها وخزرجها به، والقضاء على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عشر؛ وهذه واقعة عين، ووقائع الأعيان تحتمل وجوها من التأويل. # واحتمال تأويل هذا الإمام -رحمه الله- متجه، لولا أن سياق القصة يدل على ~~خلافه؛ بل يصرح بخلاف تأويله، واستدل على قوله بأحاديث، واستشهد عليه ~~بشواهد، يطول الكلام بذكرها؛ منها قولهم له في محاجته، في تركه التوجه PageV01P397 # إلى الشام: وما بلغنا أن نبينا يصلي إلا إلى الشام، وما كنا نصلي إلى غير قبلة. # فحيئذ، يكون تركه - صلى الله عليه وسلم - أمر البراء بالإعادة؛ لتأول ~~البراء فيه، وعلم ذلك عند الله -سبحانه وتعالى-، وتأويله في توجهه إلى ~~الكعبة له أصل صحيح، ومنزع حسن؛ فإنهم كانوا قد تقرر في أذهانهم وعلمهم: أن ~~هذا النبي المبعوث في عصرهم؛ هو على ملة إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -. # ودين إبراهيم الحنيفية، وقبلته الكعبة؛ كما أخبرهم أحبار اليهود؛ الذين ~~ذمهم الله في كتابه المجيد، على كتم ما علموا، أو كفر ما عرفوا، ولعنهم على ~~إصرارهم على ذلك؛ فقال سبحانه: {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ~~فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين} [البقرة: 89]. # فصلى ms0239 البراء إلى الكعبة؛ اتباعا لما علمه من علماء اليهود، مستصحبا لأصل ~~الحكم في ذلك، ورجحه على ما وجد فيه التردد عنده، في ثبوته، والاختلاف في ~~صحته، ووجوده؛ وهو وجه من وجوه التراجيح؛ فهذا ملخص كلامه -رحمه الله- في ~~ذلك، والله أعلم. # ثم في حديث الكتاب فوائد أصولية وفروعية: # أما الأصولية، فمنها: قبول خبر الواحد؛ وهو معمول به، معتد به عند ~~الصحابة -رضي الله عنهم-، وهلم جرا، وليس المقصود من ذلك إثبات الشيء ~~بنفسه؛ بل ذكره مثال من جهة الأمثلة التي لا تحصى؛ فيثبت بالمجموع القطع، ~~بقبولهم خبر الواحد. # ومنها: نسخ الكتاب والسنة المتواترة، هل يجوز بخبر الواحد، أم لا؟ # والأكثرون: على المنع؛ لأن المقطوع لا يزال بالمظنون. # ونقل عن الظاهرية: الجواز، واستدل له بهذا الحديث؛ ووجهه: أنهم عملوا ~~بخبر الواحد، من غير إنكار من النبي - صلى الله عليه وسلم - عليهم، وفيه ~~نظر؛ من حيث فرض المسألة، وأنها مفروضة، في نسخ الكتاب والسنة المتواترة، ~~بخبر الواحد. PageV01P398 # ويبعد عادة أن أهل قباء؛ مع قربهم من النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~وإتيانهم إليه، ومراجعتهم له؛ أن يكون مستندهم في استقبال بيت المقدس ~~بالصلاة؛ الخبر عنه - صلى الله عليه وسلم -، من غير مشاهدة لفعله، أو ~~مشافهة من قوله، مع طول المدة؛ وهي ستة عشر شهرا. # ولو سلم الامتناع في العادة، لم يسلم عدم إمكان ذلك، والمحتمل لأمرين لا ~~يتعين حمله على أحدهما؛ فلا يتعين استقبالهم بيت المقدس على خبر الواحد عنه ~~- صلى الله عليه وسلم -؛ بل يجوز أن يكون عن مشاهدة، وإذا جاز انتفاء أصل ~~الخبر؛ جاز انتفاء خبر التواتر؛ لأن انتفاء المطلق يلزم منه انتفاء قيوده، ~~وإذا جاز انتفاء خبر التواتر؛ لم يلزم أن يكون الدليل منصوصا في المسألة ~~المفروضة. # واعترض على ما ذكر بوجهين: # أحدهما: أن المدعى امتناع كون مستند أهل قباء مجرد الخبر، من غير مشاهدة، ~~إن صح، إنما يصح في جميعهم؛ فأما في بعضهم، فلا يمتنع في العادة، كون ~~مستنده الخبر لا التواتر. # الثاني: أن ما ابتدئ، من جواز استنادهم إلى ms0240 المشاهدة يقتضي أنهم أزالوا ~~القاطع بالمظنون؛ فإن المشاهدة قطع، وإذا جاز إزالة المقطوع به بالمشاهدة ~~بخبر الواحد، فمثله زوال المقطوع بالمظنون، وأجيب عن الأول بأنه إذا سلم ~~امتناعه على جميعهم، لزم استنادهم إلى التواتر؛ فلا يتعين حمل الحديث عليهم. # فإن قيل: وما يقتضي الجميع؛ فيقتضي استناد بعض من استدار إلى التواتر؛ ~~فيصح الاحتجاج؟ # أجيب: بأنه لا شك بإمكان استنادهم كلهم إلى المشاهدة، ومع هذا، فلا ينبغي ~~حمل الحديث عليه، إلا أن يتبين استناد الكل، أو البعض إلى الخبر بالتواتر، ~~ولا سبيل إلى ذلك. # وعن الثاني بوجهين: # أحدهما: أنه ليس المراد إثبات المسألة المعينة بطريق القياس على PageV01P399 # المنصوص؛ بل المراد التنبيه والمناقشة على الاستدلال بالحديث عليها؛ وقد ~~تم الغرض منه. # الثاني: أن يكون إثبات جواز نسخ خبر الواحد مقيسا على جواز نسخ خبر ~~الواحد المقطوع به مشاهدة؛ بجامع اشتراكهما في زوال المقطوع بالمظنون، ~~لكنهم نصبوا الخلاف مع الظاهرية، وفي كلام بعضهم ما يدل على أن: من عداهم ~~لم يقل به، والظاهرية لا يقولون بالقياس؛ فلا يصح استدلالهم بهذا الخبر على ~~المدعى؛ لكون هذا الوجه يختص بالظاهرية. # ومنها: جواز نسخ السنة بالكتاب، ووجه تعلق ذلك بالحديث؛ أن الآتي المخبر ~~لهم، ذكر أنه أنزل الليلة قرآن، وأحال النسخ على الكتاب، وليس التوجه إلى ~~بيت المقدس بالكتاب؛ إذ لا نص فيه عليه؛ فالتوجه إليه بالسنة، ويلزم من ~~مجموع ذلك: نسخ السنة بالكتاب. # والمنقول عن الشافعي، وطائفة: خلافه، واعترض عليه بوجوه مقيدة: # أحدها: أنه يمكن أن استقبال بيت المقدس، كان ثابتا بكتاب نسخ لفظه. # والثاني: أن النسخ كان بالسنة، ونزل الكتاب على وفقها. # الثالث: يجعل المجمل، في قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة} [البقرة: 43]؛ ~~كالملفوظ به، وفسر بأمور؛ منها: التوجه إلى بيت المقدس؛ فيكون كالمأمور به ~~لفظا، في الكتاب. # وأجيب عن الأول والثاني: بأن هذا المساق في التجويز يفضي إلى: ألا يعلم ~~ناسخ من منسوخ بعينه أصلا؛ فإن هذين الاحتمالين مطردان في كل واحد من ناسخ ~~ومنسوخ. # والحق أن هذا التجويز يقتضي القطع اليقيني بالنظر إليه، إلا ms0241 أن تحتف ~~القرائن بنفيه؛ كما في كون الحكم بالتحويل إلى القبلة مسندا إلى الكتاب ~~العزيز. # وعن الثالث بعد التسليم بأن المبين كالملفوظ به في كل أحكامه، ومنها: هل ~~يثبت في حق المكلف قبل بلوغ الخطاب له؟! وقد اختلف في ذلك، ووجه PageV01P400 # التعلق لذلك من الحديث: أنه لو ثبت الحكم في أهل قباء قبل بلوغ الخبر ~~إليهم؛ لبطل ما فعلوه؛ من التوجه إلى بيت المقدس، فلم ينعقد، ويجب الإعادة ~~في بعضها، فتبطل. # ومنها: جواز مطلق النسخ؛ لأن كل ما دل على جواز الأخص دل على جواز الأعم. # ومنها: قد يؤخذ منه جواز الاجتهاد في زمنه - صلى الله عليه وسلم -، أو ~~بالقرب منه؛ لأنه كان يمكن قطع الصلاة، وأن يثبتوا على ما فعلوا، فرجحوا ~~البناء؛ وهو محل اجتهاد. # وقد حكى الماوردي من الشافعية في "الحاوي" (¬1) وجهين لأصحاب الشافعي؛ في ~~أن استقبال بيت المقدس كان ثابتا بالقرآن، أم باجتهاد النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -؟ # وقال القاضي عياض: الذي ذهب إليه أكثر العلماء؛ أنه كان بسنة، لا بقرآن (¬2). # فعلى هذا: فيه دليل لمن يقول: إن القرآن ينسخ بالسنة؛ وهو قول أكثر ~~الأصوليين المتأخرين؛ وهو أحد قولي الشافعي. # والقول الثاني له، وبه قال طائفة: لا يجوز؛ لأن السنة مبينة، فكيف ~~تنسخها؟ وهؤلاء يقولون: لم يكن استقبال بيت المقدس بسنة؛ بل بوحي من الله ~~تعالى، قال الله تعالى {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها} الآية [البقرة: 143]. # واختلفوا -أيضا- في عكسه؛ وهو نسخ السنة بالقرآن؛ فجوزه الأكثرون، ومنعه ~~الشافعي وطائفة، وتقدم ذلك وأدلته. # وأما الأحكام الفروعية: فمنها: أن قولهم: الليلة؛ يطلق على الماضية، ولا ~~يراد بها المستقبلة إلا بقرينة، أو دليل. # ومنها: جواز الصلاة الواحدة إلى جهتين؛ وهذا هو الصحيح عند الشافعية؛ PageV01P401 # فمن صلى إلى جهة بالاجتهاد، ثم تغير اجتهاده في إثباتها، فيستدير إلى ~~الجهة الأخرى، حتى لو تغير اجتهاده أربع مرات في الصلاة الواحدة؛ فيصلي كل ~~ركعة منها إلى جهة، صحت صلاته، على الأصح؛ لأن أهل هذا المسجد المذكور في ~~الحديث استداروا في صلاتهم، واستقبلوا بيت المقدس، ms0242 ولم يستأنفوها. # ومنها: أن الوكيل، إذا عزل، فتصرف قبل بلوغ الخبر؛ هل يصح تصرفه؟ # الصحيح: نفوذ تصرفه؛ بناء على مسألة النسخ، وجه مأخذ المنازع في البناء ~~على النسخ: أنه خطاب تكليفي؛ إما بالفعل، أو بالاعتقاد، ولا تكليف إلا مع ~~الإمكان، ولا إمكان مع الجهل بورود الناسخ. # ومعنى ثبوت حكم العزل في الوكيل: أنه باطل، ولا استحالة في علم الوكيل ~~بعد البلوغ ببطلانه قبل بلوغ الخبر؛ وهل يثبت حكمه قبل بلوغ الخبر؟ فيه ~~خلاف: فهذا إما يتعلق بالبناء على ذلك، وعلى تقدير صحته؛ فالحكم هناك يكون ~~مأخوذا بالقياس، لا بالنص. # ومنها: أن الأمة لو صلت مكشوفة الرأس، ثم علمت بالعتق في أثناء الصلاة؛ ~~هل تقطع الصلاة، أم تبني؟ # إن أثبتنا الحكم قبل بلوغ العلم إليها؛ فسدت الصلاة، ولزمها قطعها. # وإن لم نثبته؛ لم يلزمها قطعها، إلا أن تتراخى بسترها لرأسها؛ وهذا الحكم ~~-أيضا- مثل الأول، وإنه بالقياس. # ومنها: تنبيه من لم يصل المصلي على أمر يتعلق بالصلاة؛ واجب، أو ممنوع، ~~وقد فعل الصحابة ذلك في المندوب، والمكروه -أيضا-. # ومنها: مراعاة سمت القبلة بالاجتهاد؛ لميلهم إلى جهة الكعبة عند بلوغهم ~~الخبر بتحويل القبلة قبل قطعهم بالصلاة إلى عينها. # ومنها: أن من صلى إلى غير القبلة بالاجتهاد، ثم تبين له الخطأ؛ لم يلزمه ~~الإعادة؛ لأنه فعل ما وجب عليه في ظنه، مع مخالفة الحكم في نفس الأمر؛ فإن PageV01P402 # أهل قباء فعلوا ما وجب عليهم عند ظنهم بقاء الأمر، ولم يفسد فعلهم، ولا ~~أمروا بالإعادة. # ومنها: أن من لم يعلم بفرض الله عليه، ولم تبلغه الدعوة، ولا أمكنه # الاستعلام بذلك من غيره؛ فالفرض غير لازم له، والحجة غير قائمة. # فعلى هذا لو أسلم في دار الحرب، أو طرف بلاد الإسلام، ولم يجد من يستعلمه ~~عن شرائع الإسلام، وأمكنه السير والبحث عما يجب عليه بالإسلام؛ قال مالك، ~~والشافعي: يجب عليه أن يقضي ما مر؛ من صلاة وصيام لم يعلم وجوبهما. # وهذا الحكم راجع إلى القياس -أيضا-؛ فإنه يعد مقصرا بإسلامه، واعتراضه ~~عما يجب عليه به، مع ms0243 تمكنه منه. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن أنس بن سيرين - رحمه الله - قال: استقبلنا أنسا حين قدم من الشام، ~~فلقيناه بعين التمر، فرأيته يصلي على حمار، ووجهه من ذا الجانب -يعني: عن ~~يسار القبلة-، فقلت: رأيتك تصلي لغير القبلة، فقال: لولا أني رأيت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يفعله، ما فعلته (¬1). # أما أنس بن سيرين: # فهو تابعي بصري ثقة، روى له: البخاري، ومسلم، وغيرهما من أصحاب السنن ~~والمساند. # وهو أخو محمد بن سيرين، التابعي المشهور. PageV01P403 # أنس هذا كنيته: أبو موسى، وقيل: أبو عبد الله، وقيل: أبو حمزة، ويقال في ~~نسبته: الأنصاري؛ لأنه لما ولد، حمل إلى أنس بن مالك؛ فسماه أنسا، وكناه: ~~أبا حمزة، وكان أبوه سيرين يكنى: أبا عمرة، وكان مولى أنس ابن مالك، وابن ~~المولى له حكم أبيه؛ في كونه مولى في النسبة؛ فهو أنصاري، مولاهم. # وكان أولاد سيرين ستة: معبد، ويحيى، ومحمد، وأنس، وحفصة، وكريمة، وذكر ~~بعضهم: خالدا بدل كريمة، وأكبرهم: معبد، وأصغرهم: أنس. وقال ابن معين: ولد ~~سيرين أثبتهم: محمد، وأنس: دونه، ولا بأس به، ومعبد: يعرف، وينكر، ويحيى: ~~ضعيف الحديث، وكريمة: كذلك، وحفصة: أثبت منهما. # وقال غيره: روى محمد، عن يحيى، عن أخيه أنس، عن أنس بن مالك، حديثا؛ وهذا ~~لطيفة غريبة، ثلاثة إخوة بعضهم عن بعض. # ولد أنس بن سيرين لستة بقيت من خلافة عثمان، وسمع جماعة من الصحابة، ~~والتابعين، ومات سنة عشرين ومئة (¬1). # وأما ألفاظه: # فتقدم ذكر الشام، في الطهارة. # وأما عين التمر: فهو موضع كانت به وقعة زمن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ~~-، في أول خلافته؛ استشهد بها جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - (¬2). # وأما الحمار: فهو اسم للذكر من الحمر، والأنثى: أتان. PageV01P404 # وأما استقبالهم لأنس حين قدم من الشام؛ فلأنهم كانوا مقيمين بالبصرة، ~~خرجوا منها، ليتلقوه في مجيئه إلى البصرة؛ فصادفوه في استلقائه، مستقبلين ~~له بعين التمر. # ووقع في "صحيح مسلم"، قال: "تلقينا أنس بن مالك، حين قدم الشام" (¬1)، في ~~جميع رواياته؛ من غير اختلاف من رواته، قال القاضي عياض: ms0244 وقد قيل: إنه وهم، ~~وصوابه: قدم من الشام؛ كما في "صحيح البخاري" (¬2). # قال شيخنا أبو زكريا النووي - رحمه الله -: ورواية مسلم صحيحة، ومعناها: ~~تلقيناه في رجوعه، حين قدم الشام؛ وإنما حذف ذكر رجوعه، للعلم به، والله ~~أعلم (¬3). # وقوله: "رأيتك تصلي إلى غير القبلة، فقال: لولا أني رأيت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يفعله، لم أفعله"؛ هذا السؤال لأنس بن مالك، إنما هو عن ~~عدم استقبال القبلة فقط، لا عن غير ذلك؛ من هيئة، ونحوها، والله أعلم. # وفيه فوائد: # منها: الصلاة على الدابة، إلى غير القبلة، إذا كانت نافلة؛ كما تقدم في ~~حديث ابن عمر. # ومنها: جواز صلاة النافلة في السفر على الحمار. # ومنها: أنه قد يؤخذ منه طهارة الحمار؛ لأن ملامسته مع التحرز منه متعذر، ~~لا سيما إذا طال الزمن في ركوبه؛ فاحتمل العرق، وإن كان يحتمل أن يكون على ~~حائل بينه وبينه. # ومنها: الرجوع إلى أفعاله - صلى الله عليه وسلم -؛ كأقواله، والوقوف ~~عندها. PageV01P405 # ومنها: تلقي المسافر، وسؤاله عن مستند عمله المخالف للعادة. # ومنها: أن التابع إذا رأى من متبوعه ما يجهله، يسأله عنه. # ومنها: الجواب عن السؤال بالدليل، وفعل الصحابي، وقوله حجة ما لم يخالف، ~~والله أعلم. # * * * PageV01P406 ### || AUTO باب الصفوف ### ||| AUTO الحديث الأول # عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "سووا صفوفكم؛ فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة" (¬1). # في الحديث: الأمر بتسوية الصفوف، الأول فالأول؛ وهو اعتدال القائمين ~~للصلاة، على سمت واحد، وسد فرج الصفوف؛ جمعا بين مدلول الأمر؛ للصورة ~~والمعنى، وقد يراد الأمر بسد الخلل في الصفوف، في حديث صحيح؛ فحصل الأمر ~~بالتسوية: صورة ومعنى تصريحا. # وفيه: إشارة إلى أن تسويتها مستحب ليس بواجب؛ لجعله - صلى الله عليه وسلم ~~- تسويتها من تمام الصلاة، ومعلوم أن الشيء إذا لم يكن من أركان الشيء، ولا ~~من واجباته، وكان من تمامه، كان مستحبا؛ لكونه أمرا زائدا على وجود حقيقته ~~التي لا تسمى إلا بها، في الاصطلاح المشهور، وقد ينطلق من حيث الوضع على ms0245 ~~بعض ما لا تتم الحقيقة إلا به. # ثم إن كيفية إتمام الصفوف: أن يتم الأول، فالأول؛ فلا يشرع في تسوية ~~الثاني حتى يتم الأول، ولا الثالث حتى يتم الثاني، ولا الرابع حتى يتم ~~الثالث، وهكذا إلى آخرها. PageV01P407 # ثم تسوية الصفوف، والأمر بها، يتأكد في حق الإمام والمأموم؛ فينبغي لكل ~~منهما المحافظة عليهما، على الوجه المأمور به، والله أعلم. # وفيه: أنه ينبغي للمفتي، أو الأمير، إذا أمر بأمر؛ أن يذكر مقام ذلك ~~الأمر من المأمورات، والله تعالى أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن النعمان بن بشير - رضي الله عنهما - قال: سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: "لتسون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم" (¬1). # ولمسلم: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسوي صفوفنا، حتى كأنما ~~يسوي بها القداح، حتى إذا رأى أنا قد عقلنا، ثم خرج يوما، فقام حتى كاد أن ~~يكبر؛ فرأى رجلا باديا صدره؛ فقال: "عباد الله! لتسون صفوفكم، أو ليخالفن ~~الله بين وجوهكم" (¬2). # أما النعمان بن بشير: # فكنيته: أبو عبد الله بن بشير -بفتح الباء، وكسر الشين المعجمة-، وله في ~~الأسماء مشابه: بشير -بضمها، وفتح الشين-، ونسير -بضم النون، وفتح السين ~~المهملة- ويسير -بضم الياء المثناة تحت، وفتح السين المهملة-، ويسير ~~-بفتحها وكسر السين المهملة-. # وبشير: والد النعمان صحابي؛ وهو ابن سعد بن ثعلبة بن جلاس -بضم الجيم، ~~وتخفيف اللام، وبالسين المهملة- بن زيد بن مالك بن ثعلبة ابن كعب بن ~~الخزرج، أنصاري خزرجي. PageV01P408 # والنعمان أمه: عمرة بنت رواحة، أخت عبد الله بن رواحة. # وهو أول مولود ولد بالمدينة من الأنصار، ولد على رأس أربعة عشر شهرا من ~~الهجرة، وقيل: ولد قبل وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بثمان سنين، ~~وقيل: بست، والأول أكثر وأصح؛ لأنهم يقولون: ولد هو وعبد الله بن الزبير ~~عام اثنين من الهجرة. # نزل النعمان الكوفة، وكان يليها لمعاوية، ثم ولي قضاء دمشق. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: مئة حديث وأربعة عشر حديثا؛ ~~ذكره بقي ابن مخلد. # روى عنه: جماعة من ms0246 التابعين، وابنه محمد، وروى له: البخاري، ومسلم، ~~وأصحاب السنن والمساند. # قال أبو حاتم بن حبان: وقتل بحمص؛ قتله خالد بن علي الكلاعي، بعد وقعة ~~المرج براهط؛ وكان عاملا لابن الزبير على حمص، هذا آخر كلامه. # وقال غيره: قتل بالشام، في أول سنة أربع وستين، بقرية من قرى حمص، وقال ~~ابن أبي خيثمة: قتل سنة ستين (¬1). # وأما ألفاظه ومعانيه: # فالقداح: بكسر القاف، جمع قدح؛ وهي خشب السهام حين تنحت، وتبرى، وتهيأ ~~للرمي، وتحرير السهم له؛ فإنه كان طائشا عن الغرض وإصابته، وضرب به المثل؛ ~~لتحرير التسوية لغيره. # ومعنى الحديث: يبالغ في تسوية الصفوف؛ حتى تصير كأنما يقوم بها السهام؛ ~~لشدة استوائها واعتدالها، وقد تقدم في الحديث قبله كيفية التسوية. PageV01P409 # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أو ليخالفن الله بين وجوهكم"، اختلف في ~~معنى المخالفة للوجوه؛ هل هو بالصورة، أو بالمعنى؟ # فمنهم من قال بالصورة؛ ومعناه: يمسخ الوجوه، ويحولها عن خلقتها؛ كقوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله ~~صورته صورة حمار؟ " (¬1)، وقيل: يغير صفتها. # ومنهم من قال بالمعنى؛ والمراد بالوجوه: القلوب؛ فإن تقدم الشخص على ~~المصلي إلى جنبه، أو على الجماعة، يوغر صدورهم، خصوصا إن كان غير أهل ~~للتقدم في الإمامة؛ وذلك موجب لاختلاف قلوبهم، فعبر عنه باختلاف وجوههم؛ ~~لكونه يلزم من تغير القلب تغير الوجه غالبا، فلما كان لازما له، عبر به عنه. # والمراد: ما يحصل في القلوب بسبب ذلك؛ من العداوة والبغضاء، وكلاهما سبب ~~للاختلاف في البواطن، الذي سببه الاختلاف في الظواهر؛ بعدم التسوية في ~~الصفوف، وينشأ عن ذلك الضغائن والأحقاد؛ وهذا كما يقال: تغير وجه فلان علي؛ ~~أي: ظهر لي من وجهه كراهة لي، وتغير قلبه علي، والله أعلم. # وقد يعبر بالمخالفة في الوجه؛ عن اختلاف المقاصد، وتباين النفوس؛ فإن من ~~تباعد مع غيره، وتنافر، رئي بوجهه تغير؛ فيكون المقصود: التحذير من وقوع ~~التباغض والتنافر، والله أعلم. # وقوله: "حتى إذا رأى أنا قد عقلنا"، معناه: أنه - صلى الله عليه وسلم - ~~راقبهم في ms0247 التسوية، حتى ظهر له فهمهم المقصود منها، وامتثالهم له. # وقوله: "فقام حتى كاد أن يكبر، فرأى رجلا باديا صدره من الصف؛ فقال: عباد ~~الله! لتسون صفوفكم"؛ هذا تفسير لشدة مراقبته - صلى الله عليه وسلم - لهم، ~~في التسوية PageV01P410 # للصفوف، والمحافظة على ذلك، وتنبيه المأمومين عليها، والأمر المؤكد لهم ~~بها؛ فإنه أكده - صلى الله عليه وسلم - بلام الأمر، ونون التوكيد، والتهديد ~~على تركها؛ باختلاف القلوب، والأبشار. # وفي الحديث فوائد: # منها: أنه ينبغي للإمام والراعي: أمر أتباعه بالخير، ومراقبته لهم في ~~ذلك، ظاهرا وباطنا، والشفقة عليهم في الدنيا والآخرة، ولا يهمل واحدا منهم، ~~وألا يخصه بالمخاطبة؛ بل يعمهم جميعهم بالخطاب، وإن وقعت المخالفة من واحد منهم. # ومنها: الحث على تسوية الصفوف، وتسويتها بنص الإمام؛ ولهذا كان عمر - رضي ~~الله عنه - يوكل بتسويتها رجالا؛ فلو تركه الإمام، فعله المصلون، وأمر ~~بعضهم بعضا بها، وشرع لكل أحد الأمر بها، وتسويتها. # والسر في تسويتها: موافقة الملائكة - صلوات الله وسلامه عليهم -، وقد ورد ~~في حديث: "صفوا كما تصف الملائكة" (¬1)، والمطلوب منها: محبة الله تعالى ~~لعباده. # ومنها: التحذير من المخالفة؛ في الظاهر والباطن، والحث على الموافقة، في ~~الظاهر والباطن. # ومنها: أنه لا تهمل مخالفة، حتى لو حصل الامتثال من الجميع، وتخلف واحد، ~~خشي من شؤمه عليهم. # ومنها: شرعية الكلام بين الإقامة والدخول في الصلاة؛ إذا كان لمصلحة ~~الصلاة، ويقاس عليه: ما كان مصلحة شرعية، وخشي فواتها. # واختار جماهير العلماء؛ من الشافعية، وغيرهم: الكلام مطلقا، ومنعه بعضهم. PageV01P411 # والصواب: الجواز؛ سواء كان لمصلحة الصلاة، أو لغيرها، أو لا لمصلحة؛ لكنه ~~إذا كان لا لمصلحة، كان مكروها. # ومنها: كراهة التقدم على المأمومين في الصف؛ سواء كان التقدم بقدميه، أو ~~بمنكبيه، أو بجميع بدنه؛ فإنه إذا كان - صلى الله عليه وسلم - منع بادي ~~الصدر، الذي لا يظهر فيه كبير مخالفة في التسوية، وهدد من فعله، فما ظنك ~~بغيره؛ من البدن، والقدم، والمنكب!! # ومنها: جواز التمثيل للأمور المأمور بها، بعضها ببعض؛ فإن تسوية الصف ~~مأمور بها، وتسوية القداح مأمور بها؛ ومثل تسوية الصف ms0248 بتسوية القداح. # ومنها: اختبار الإمام أو المعلم أتباعه، بعد فهمهم عنه. # ومنها: التهديد على المخالفة، والتوكيد للتحذير، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: أن جدته مليكة دعت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - لطعام صنعته، فأكل منه، ثم قال: "قوموا فلأصلي لكم"، قال ~~أنس: فقمت إلى حصير لنا؛ قد اسود من طول ما لبس، فنضحته بماء، فقام عليه ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ~~ورائنا، فصلى لنا ركعتين، ثم انصرف - صلى الله عليه وسلم - (¬1). # ولمسلم: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى به وبأمه؛ فأقامني عن ~~يمينه، وأقام المرأة خلفنا (¬2). # قال المصنف - رحمه الله -: اليتيم، قيل: هو ضميرة جد حسين بن عبد الله بن ~~ضميرة. PageV01P412 # تقدم ذكر أنس، وقد ذكر المصنف اليتيم؛ فقال: هو ضميرة، ولم ينسبه؛ وإنما ~~عرفه بكونه: جد الحسين، وقد نسبه غير واحد: ضميرة بن أبي ضميرة الليثي، جد ~~حسين بن عبد الله بن عميرة -بفتح العين المهملة، وكسر الميم-، من أهل ~~المدينة، له صحبة؛ ذكره أبو حاتم بن حبان في الصحابة من "تاريخه". # وقال غيره: ضميرة بن سعد الحميري، ولا منافاة بينهما؛ فإن سعدا اسم لأبي ~~ضميرة، وليثا من حمير؛ وإنما تنافى كلام ابن حبان، والمصنف، في جد حسين؛ ~~فقال المصنف: ضميرة، وقال ابن حبان: عميرة، والله أعلم بالصواب منهما؛ ~~فيحتمل أن يكون أحدهما تصحيفا (¬1). # وأما العجوز: فالذي ذكره غير واحد، أنها: أم سليم أم أنس، وقد تقدم ذكر ~~أم سليم في أحاديث الجنابة. # وأما قوله: جدته مليكة: فاعلم أن هذا الحديث رواه إسحق بن عبد الله ابن ~~أبي طلحة، عن أنس بن مالك؛ فالضمير في جدته عائد على إسحق بن عبد الله؛ لأن ~~مليكة هي أم سليم، وهي أم عبد الله بن أبي طلحة، وأنس بن مالك؛ فهي جدة ~~إسحق لأبيه؛ قاله أبو عمر بن عبد البر. # فعلى هذا كان ينبغي للمصنف، وغيره أن يذكر إسحق؛ فإن إسقاطه يوهم أن تكون ~~جدة ms0249 أنس، لا جدة إسحق، وقيل: إنها جدة أنس؛ وهو ضعيف؛ فعلى هذا لا يحتاج ~~إلى ذكر إسحق، والأحسن إثباته على كل حال. # وقال بعضهم: مليكة هي أم حرام؛ فهي بضم الميم، وفتح اللام، وقيل: بفتح ~~الميم، وكسر اللام (¬2). PageV01P413 # وقوله: "قوموا فلأصلي لكم"، مكسورة اللام في قوله: فلأصلي: مكسورة، لام ~~كي، والفاء زائدة، وقد جاءت زيادتها في قولهم: زيد فمنطلق؛ كما قال: # وقائلة خولان فانكح فتاتهم (¬1) # وهو مذهب الأخفش. # وقد روي بكسر اللام، وجزم الياء؛ على أنه أمر نفسه؛ كما يقال: لأقم، ~~ولأقعد. # وقد روي بفتح اللام، والياء ساكتة؛ وهي أشدها؛ لأن اللام تكون جواب قسم ~~محذوف، وحينئذ تلزمها النون، في الأشهر (¬2). # وقوله: "فقمت إلى حصير قد اسود من طول ما لبس، فنضحته بماء"، لا شك أن ~~لباس كل شيء بحسبه شرعا ولغة؛ فافتراش الحصير لا يسمى لباسا عرفا. # ونضحه بالماء: يحتمل أن يكون غسلا؛ لأجل تليينه، وتهيئته للجلوس عليه، ~~وقد صرح بذلك في رواية في "صحيح مسلم". # ويحتمل أن يكون لطهارته، وزوال ما يعرض من الشك في النجاسة فيه. # ويحتمل أن يكون رشا؛ وهو ما دون الغسل، وهو الذي ينضح به بول الصبي الذي ~~لم يطعم، أو فيمن حصل له شك في نجاسة؛ فإن احتراز الصبيان عن النجاسة بعيد. # وقوله: "ثم انصرف" يحتمل أن المراد بالانصراف: خروجه من البيت؛ وهو ~~الأقرب. # ويحتمل أنه أراد الانصراف من الصلاة؛ بناء على أن السلام لا يدخل تحت ~~مسمى الصلاة؛ عند أبي حنيفة، وأما على رأي غيره؛ فيكون الانصراف عبارة عن ~~التحلل، الذي يستعقب السلام. PageV01P414 # وفي الحديث مسائل: # منها: ما كان عليه - صلى الله عليه وسلم - من التواضع، في إجابة الدعوة ~~في غير العرس، ولا خلاف في [أن] إجابتها مشروعة؛ لكن هل هو واجب، أم فرض ~~كفاية، أم سنة؟ ثلاثة أوجه لأصحاب الشافعي، وغيرهم؛ وظواهر الأحاديث ~~الإيجاب. # ومنها: إجابة أولي الفضل لمن دعاهم في غير الوليمة. # ومنها: جواز النافلة جماعة. # ومنها: تبريك الرجل الصالح والعالم أهل المنزل بصلاته في منزلهم، ولعل ~~النبي - صلى الله ms0250 عليه وسلم - أراد تعليمهم أفعال الصلاة مشاهدة مع ~~تبريكهم؛ فإن المرأة قلما تشاهد أفعاله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد؛ ~~فأراد أن تشاهدها، وتتعلمها، وتعلمها غيرها. # ومنها: الصلاة للتعليم، ولحصول البركة للاجتماع؛ فإن قوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "فلأصلي لكم"، يشعر بتخصيصهم بذلك. # ومنها: جواز الصلاة على الحصير، وسائر ما تنبته الأرض؛ وهو مجمع عليه، ~~وروي عن عمر بن عبد العزيز خلاف هذا؛ وهو محمول على استحباب التواضع ~~بمباشرة الأرض نفسها. # ومنها: أن الأصل في الثياب، والحصر، والبسط: الطهارة، وأن حكم الطهارة ~~مستمر، حتى تتحقق النجاسة. # ومنها: أن الأفضل في نوافل النهار أن تكون ركعتين؛ كنوافل الليل. # ومنها: أنه لو حلف ألا يلبس ثوبا، ولم تكن له نية بافتراشه؛ فافترشه: حنث ~~به؛ وبه قالت المالكية، وقالت الشافعية: لا يحنث؛ لأن الأيمان مبناها العرف ~~عندهم، وهذا في العرف لا يسمى لباسا. # ومنها: أن افتراش الحرير لباس له؛ فيحرم على الرجل، مع أن في الحرير نصا ~~يخصه بالتحريم على الذكور، والتحليل للإناث، لكن اختلف أصحاب الشافعي - ~~رحمهم الله - في جواز افتراش الحرير للنساء، على وجهين: PageV01P415 # منهم من رجح الجواز، وأسند إلى أن اللباس إنما يسمى عرفا في البدن، وجوز ~~لهن؛ لما فيه من الزينة للرجال، وليس ذلك في الجلوس، والاستناد إليه. # ومنها: صحة صلاة الصبي المميز. # ومنها: أن للصبي موقفا في الصف، وبه قال جمهور العلماء؛ وهو الصحيح في ~~مذهب الشافعي، وعن أحمد: كراهته؛ وهو مروي عن عمر، وغيره؛ وهو محمول على ~~صبي لا يعقل الصلاة، ويعبث فيها. # ومنها: أن الاثنين يكونان صفا وراء الإمام؛ وهو مذهب العلماء كافة، إلا ~~ابن مسعود، وصاحبيه، وأبا حنيفة، والكوفيين؛ فإنهم قالوا: يكونان عن يمينه، ~~وعن يساره، ويكون الإمام بينهما. # ومنها: أن موقف المرأة في الصلاة وراء الصبي، وأنها إذا لم تكن معها ~~امرأة أخرى، تقف وحدها؛ وهذا لا خلاف فيه، ويجوز أن يتمسك به على أن المرأة ~~لا تؤم الرجال؛ لأن مقامها في الائتمام متأخر عن مرتبتهم، فكيف تتقدمهم ~~إمامة؟! # وهذا مذهب جمهور العلماء، خلافا ms0251 للطبري، وأبي ثور؛ فإنهما أجازا إمامة ~~المرأة للرجال والنساء؛ جملة، وحكي عنهما: إجازته في التراويح؛ إذا لم يوجد ~~قارئ غيرها. # واختلف -أيضا- في إمامتها للنساء؛ فذهب مالك، وأبو حنيفة، وجماعة من ~~العلماء: إلى المنع أيضا، وأجازه الشافعي، وغيره؛ وهو رواية عن مالك، والله أعلم. # ومنها: أن موقف المنفرد من المأمومين عن يمين الإمام؛ سواء كان رجلا، أو ~~صبيا، حتى قال أصحاب الشافعي: ويقوم الخنثى خلفه، والمرأة خلف الخنثى. # * * * PageV01P416 ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: بت عند خالتي ميمونة، فقام النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - يصلي من الليل، فقمت عن يساره، فأخذ برأسي؛ فأقامني ~~عن يمينه (¬1). # تقدم ذكر ابن عباس، وتقدم ذكر خالته ميمونة، في باب الجنابة. # وأما مبيت ابن عباس عندها، فقد ورد في رواية ضعيفة: أنها كانت حائضا ~~(¬2)؛ وهي حسنة المعنى جدا؛ إذ لم يكن ابن عباس يطلب المبيت في ليلة للنبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فيها حاجة إلى أهله، ولا يرسله أبوه إلا إذا عدم ~~حاجته إلى أهله؛ لأنه معلوم أنه - صلى الله عليه وسلم - لا يفعل حاجته مع ~~حضرة ابن عباس معهما في الوسادة. # فإن مبيته؛ إنما كان ليراقب أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ ليقتدي ~~به في الصلاة، وغيرها، ولعله لم ينم، أو نام قليلا جدا (¬3). # وفي الحديث فوائد: # منها: جواز نوم بعض محارم المرأة في بيت زوجها، إذا لم يكن على الزوج ضرر ~~في ذلك. # ومنها: جواز الجماعة في النافلة في صلاة الليل. # ومنها: أن أقل الجماعة اثنان. # ومنها: أن الجماعة تحصل بالصبي المميز. # ومنها: أن موقفه موقف الرجال؛ في الصف الأول، عن يمين الإمام، إذا PageV01P417 # اطلع على مخالفة من المأمومين؛ يرشد إليها بالفعل، وهو في الصلاة. # ومنها: أن العمل اليسير لا يبطل الصلاة. # ومنها: أن المأموم إذا وقف في غير موقفه، يحول إلى غيره؛ سواء كان في ~~الصلاة، أو خارجها، بشرط: عدم تكرر الأفعال ثلاثا متوالية. # ومنها: جواز الائتمام بمن لم ينو الإمامة؛ فإنه ورد في رواية: أنه دخل في ~~الصلاة، ms0252 بعد دخول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها. # ومنها: نقل أفعاله، وأحواله - صلى الله عليه وسلم -؛ ليقتدى به، والله أعلم. # * * * PageV01P418 ### || AUTO باب الإمامة ### ||| AUTO الحديث الأول # عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار، ويجعل ~~الله صورته صورة حمار؟ " (¬1). # هذا الحديث وعيد؛ بأن من رفع رأسه قبل إمامه، في ركوع أو سجود، يتحول ~~رأسه أو صورته، رأس أو صورة حمار، ولا يلزم وقوع الوعيد، بخلاف الوعد؛ فإنه ~~لازم وقوعه. # والحديث نص في الرفع، والخفض في الهوي إلى الركوع والسجود يقاس على ~~الرفع، واعلم أن فاعل ذلك متعرض للوعيد؛ مما ذكر في الحديث، وليس فيه دليل ~~على وقوعه ولا بد. # ثم التحويل والجعل، هل يرجع إلى أمر معنوي، أو صوري، أو أعم؟ فترجع إلى ~~المعنى والصورة جميعا، ويكون أبلغ في الوعيد، والتحضيض على عدم المخالفة، ~~واجتنابها؟ فإن الحمار موصوف بالبلادة، ويستعار للجاهل البليد عن ترك ما ~~يجب عليه؛ من فروض الصلاة، ومتابعة الإمام. PageV01P419 # فيترجح المعنى المجازي بأن التحويل في الصورة الظاهرة لم يقع غالبا، مع ~~كثرة رفع المأمومين قبل الإمام، وإن كان قد نقل وقوعه بإسناد صحيح؛ لشخص أو ~~شخصين، في أزمنة قديمة. # لكن الحديث لا يدل على وقوعه، وإنما فاعل الرفع قبل الإمام متعرض له، ~~خصوصا إن كان مستهترا بالحديث؛ فإنه يقع به، كما ذكرنا، ونعوذ بالله من ~~ذلك، والمتعرض للشيء لا يلزم وقوع ما يعرض له، والمتوعد به لا يلزم وقوعه ~~في الوقت الحاضر عند فعل المخالفة، والجهل موجود عنده؛ فإن الجهل عبارة عن ~~فعل ما لا ينبغي، وعن الجهل بالحكم؛ فإن العالم بالشيء، ولم يعمل به، يقال ~~له: جاهل؛ لأن الشيء يفوت بفوات ثمرته ومقصوده، وإن كان سببه موجودا. # ولهذا يقال: فلان ليس بإنسان؛ لفوات وصف يناسب الإنسانية، ولما كان ~~المقصود من العلم: العمل به؛ جاز أن يقال لمن لا يعمل به: جاهل غير عالم، ~~وقد يقال: عالم غير عارف؛ ms0253 فيسمى عدم المعرفة جهلا، والله أعلم. # وفي الحديث: # دليل على: تحريم مسابقة الإمام، وغلظها، لكن إذا سبقه بركن، لا تبطل ~~صلاته، وإن كان قد ارتكب المحذور؛ إن كان عالما: وجب عليه الرجوع إلى ~~متابعته، وإن كان جاهلا: وجب عليه الرجوع -أيضا- إلى متابعته، ولا يكون ~~آثما؛ بل يأثم بعدم التعلم، إن كان فرط فيه، والله أعلم. # وقالت الشافعية: تبطل بسبقه بثلاثة أركان، وهل تبطل بما دون ذلك؟ # أوجه، ثالثها: تبطل بركنين، ولا تبطل بركن. # وفيه: التهديد على المخالفة؛ خشية وقوعها. # وفيه: وجوب متابعة الإمام، واحترامه بها. # وفيه: كمال شفقته - صلى الله عليه وسلم - بأمته، وبيانه لهم الأحكام، وما ~~يترتب على المخالفة، والله أعلم. PageV01P420 ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: ~~"إنما جعل الإمام؛ ليؤتم به؛ فلا تختلفوا عليه؛ فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع ~~فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد ~~فاسجدوا، وإذا صلى جالسا، فصلوا جلوسا أجمعون" (¬1). # وبمعناه عن عائشة - رضي الله عنها -، قالت: صلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في بيته، وهو شاك؛ فصلى جالسا، وصلى وراءه قوم قياما، فأشار إليهم؛ ~~أن اجلسوا، فلما انصرف، قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، ~~وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، ~~وإذا صلى جالسا، فصلوا جلوسا أجمعون" (¬2). # أما عائشة، وأبو هريرة؛ فتقدم الكلام عليهما. # وأما الكلام على ألفاظه: # فالفاء: تقتضي التعقيب؛ فيقتضي أن تكون أفعال المأموم عقب أفعال الإمام ~~القولية، والفعلية، فنبه - صلى الله عليه وسلم - بالتكبير والتسميع على ~~القولية، وبالركوع والرفع على الفعلية. # وقد تقدم الكلام على المنع من مسابقة الإمام في الحديث قبله، وأما مساواة ~~الإمام: # فقال الفقهاء: هي مكروهة، قالوا: ولا تستحب موافقة الإمام في شيء من ~~أحكام الصلاة، إلا في التأمين؛ للحديث الصحيح: "فمن وافق تأمينه تأمين PageV01P421 # الإمام، غفر له ما تقدم من ذنبه" (¬1)، فقد وقع التخصيص على موافقته فيه؛ ~~فاستحب. # وإنما: تقتضي الحصر؛ للائتمام، ms0254 والمتابعة في كل شيء؛ حتى في النية، ~~والهيئة؛ من الموقف، وغيره؛ وقد اختلف في ذلك الفقهاء: # فقال الشافعي، وغيره: لا يضر اختلاف النية، وجعل الحديث مخصوصا، بالأفعال ~~الظاهرة. # وقال مالك، وأبو حنيفة: يضر اختلاف النية، وجعلا اختلاف النيات داخلا تحت ~~الحصر في الحديث. # وقال مالك، وغيره: لا يضر الاختلاف في الهيئة؛ بالتقدم في الموقف، وجعل ~~الحديث عاما فيما عدا ذلك. # وقوله: "سمع الله لمن حمده"؛ أي: أجاب، ومعناه: أن من حمد الله؛ متعرضا ~~لثوابه، استجاب له؛ فأعطاه ما تعرض له. # "فقولوا: ربنا ولك الحمد"، وأما الواو، في قوله: "ولك الحمد"؛ فهي: ثابتة ~~في هذين الحديثين، محذوفة في أحاديث صحاح أخر؛ وهذا الاختلاف في الاختيار، ~~لا في الجواز؛ لثبوتهما. # لكن إثبات الواو يدل على زيادة معنى؛ وهو النداء بالاستجابة؛ فكأنه يقول: ~~يا ربنا استجب، أو تقبل، ونحوهما، وعطف ذلك بقوله: "ولك الحمد"؛ فكأنه خبر ~~ثان، له الحمد سبحانه وتعالى؛ فكأنه حمد الله تعالى بلفظ الخبر الدال على ~~ثبوت الحمد له ملكا واستحقاقا؛ فاشتمل الكلام على: معنى الدعاء، ومعنى الخبر. # وحذف الواو دال على أحد هذين المعنيين فقط. PageV01P422 # قلت: وثبوت الواو في ذلك منقول عن الشافعي في "مختصر البويطي"، والله أعلم. # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وإذا صلى جالسا؛ فصلوا جلوسا ~~أجمعون"، فهكذا وقع التأكيد في الروايات؛ بأجمعون: مرفوعا، ومقتضاه: أن ~~يكون منصوبا؛ لأن التأكيد يتبع المؤكد في إعرابه، وقد وقع في بعض الروايات ~~كذلك؛ بأجمعين: منصوبا، ويمكن التكلف للجواب، على ما وقع في الروايات، ~~والله أعلم. # وقولها: "إنه - صلى الله عليه وسلم - صلى في بيته؛ وهو شاك"؛ هذه ~~الشكاية، يحتمل أنها كانت من سقطة عن فرس ركبها بالمدينة، فصرعه جذم نخلة، ~~فانفكت قدمه؛ فدخل عليه أصحابه يعودونه في مشربة لعائشة، في غير وقت صلاة ~~فريضة؛ ووجدوه يصلي نافلة، فقاموا خلفه، فأشار إليهم؛ فقعدوا، فلما قضى ~~الصلاة، قال: "إذا صلى الإمام جالسا، فصلوا جلوسا، وإذا صلى قائما، فصلوا ~~قياما، ولا تفعلوا كما فعل أهل فارس بعظمائها" رواه أبو حاتم بن حبان ms0255 في ~~"صحيحه"، من رواية جابر - رضي الله عنه - (¬1). # وقد أفصح في هذه الرواية: أن الصلاة التي صلوها خلفه قياما كانت نافلة، ~~وأن العلة في أمرهم بالجلوس خلفه في الفريضة؛ عدم التشبه بالكفار؛ في ~~قيامهم خلف عظمائهم؛ لتعظيمهم، فأمرهم بالجلوس؛ لتكون العظمة لله جميعا، ~~ولا يكون - صلى الله عليه وسلم - في شيء منها؛ اختيارا، ولا غير اختيار، ~~والله أعلم. # وكان سقوط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن فرسه، وجحش شقه الأيمن؛ ~~أي: خدش جلده، وانسحاجه، فخرح، فصلى بهم جالسا، وقال: "إنما جعل الإمام؛ ~~ليؤتم به"، إلى آخر الحديث؛ في ذي الحجة، سنة خمس من الهجرة، كان - صلى ~~الله عليه وسلم - ركب وأتى الغابة، فسقط عن فرسه. PageV01P423 # وفي هذا الشهر دفت دافة من عامر بن صعصعة، فأمرهم ألا يدخروا من ضحاياهم ~~شيئا؛ ليواسوا المحتاجين، ثم قال لهم: "كلوا وادخروا بعد ثلاث" (¬1)، والله أعلم. # فهذان النقلان يدلان على: أنه انقطع غير مرة، وصلى بهم جالسا شاكيا غير ~~مرة من سقطة، وأن أمرهم بالصلاة خلفه جلوسا متقدم على قصة الصديق، وصلاته ~~بالناس، وخروج النبي - صلى الله عليه وسلم - في مرضه الذي مات فيه، بين ~~بريرة وثوبة، وإجلاسه - صلى الله عليه وسلم - إلى جنب أبي بكر - رضي الله ~~عنه -، وسيأتي الكلام عليهما، في أحكام الحديث. # وفيه مسائل: # منها: وجوب متابعة الإمام، وتحريم الاختلاف عليه. # ومنها: أنه لو أحرم المأموم بالصلاة، مكبرا قبله؛ لا تنعقد صلاته. # ومنها: أن ركوعه وسجوده متأخر عن الإمام. # ومنها: أن السمع مختص بالإمام، وأن ذكر الإمام: ربنا لك الحمد، يختص به؛ ~~هكذا استدل به الإمام أحمد؛ وهو اختيار مالك. # ومذهب الشافعي، وغيره: أن الإمام، والمأموم، والمنفرد يجمعون بين السمع، ~~والتحميد، في الرفع من الركوع، والاستواء منه، قالوا: فالتسميع ذكر لحالة ~~الرفع منه، والتحميد ذكر لحالة الاستواء من الرفع. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وإذا قال: سمع الله لمن حمده؛ فقولوا: ~~ربنا ولك الحمد"؛ تعليما لهم ما جهلوه من ذكر الاستواء، بخلاف ذكر الرفع من ~~الركوع؛ وهو التسميع؛ فإنهم كانوا يعلمونه، ms0256 ويعملون به، ويتابعون فيه النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -؛ فلم يحتج إلى التنبيه عليه، بخلاف قوله: ربنا ولك ~~الحمد. PageV01P424 # وقد روى مسلم في "صحيحه"، من رواية ابن أبي أوفى - رضي الله عنه - قال: ~~كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رفع ظهره من الركوع، قال: "سمع ~~الله لمن حمده، ربنا لك الحمد ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء ~~بعد" (¬1). # وروى البخاري، في "صحيحه"، قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (¬2). # ومنها: جواز الإشارة، والعمل القليل في الصلاة؛ للحاجة. # واعلم: أن متابعة المأموم لإمامه؛ في التكبير، والقيام، والقعود، ~~والركوع، والسجود؛ مشروع، وأن المأموم يفعلها بعده: # فيكبر تكبيرة الإحرام بعد فراغ الإمام منها؛ فإن شرع قبل فراغ الإمام ~~منها، لم تنعقد صلاته. # ويركع بعد شروع الإمام في الركوع، وقبل رفعه منه؛ فإن قارنه، أو سبقه: ~~فقد أساء، ولكن لا تبطل صلاته؛ وكذا السجود. # ويسلم بعد فراغ الإمام من السلام؛ فإن سلم قبله، بطلت، إلا أن ينوي ~~المفارقة؛ ففيه خلاف مشهور، الصحيح: أن له أن ينوي المفارقة؛ بعذر، وغير ~~عذر، وإن سلم معه، فقد أساء، ولا تبطل صلاته؛ على الصحيح، وقيل: تبطل. # ومنها: وجوب المتابعة في النيات؛ فلا يصلي مفترض خلف متنفل، ولا مؤد خلف ~~قاض، ولا مؤد فرضا خلف مصل فرضا غيره؛ وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وآخرون، ~~وأجاز جميع ذلك الشافعي، وطائفة، وتقدم مأخذهم في ذلك. # واستدل الشافعي على الجواز: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ~~بأصحابه ببطن نخل صلاة الخوف مرتين؛ بكل فرقة مرة، فصلاته الثانية وقعت له ~~نفلا، وللمقتدين فرضا. PageV01P425 # وبأن معاذا - رضي الله عنه - كان يصلي العشاء مع النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، ثم يأتي قومه، فيصليها بهم؛ هي لهم فريضة، وله تطوع. # ومما يدل على أن الإتمام إنما يجب في الأفعال الظاهرة؛ قوله - صلى الله ~~عليه وسلم -، في رواية جابر: "ائتموا بأئمتكم: إن صلى قائما؛ فصلوا قياما، ~~وإن صلى قاعدا؛ فصلوا قعودا" (¬1). # ومنها: أنه لا يجوز للقائم القادر على القيام أن يصلي خلف القاعد ms0257 قائما؛ ~~وبه قال أحمد، والأوزاعي. # وقال مالك، في المشهور عنه، وعن أصحابه: لا يجوز أن يؤم أحد جالسا، وإن ~~كان مريضا، يؤم الأصحاء قيام، لا قعود؛ وبه قال محمد بن الحسن. # وقال أبو حنيفة، والشافعي، وجمهور السلف: لا يجوز للقادر على القيام أن ~~يصلي خلف القاعد، إلا قائما. # وتمسك مالك، ومن قال بقوله؛ في عدم جواز إمامة الجالس مطلقا، بحديث رواه ~~الدارقطني، من حديث جابر الجعفي، عن الشعبي قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "لا يؤمن أحد بعدي جالسا" (¬2)، ورواه مجالد -أيضا-، عن ~~الشعبي؛ وهذا مرسل، لو صح إسناده، كيف وجابر الجعفي متروك، ومجالد ضعيف؛! # قال أبو حاتم بن حبان: أول من أبطل في هذه الأمة صلاة المأموم قاعدا، إذا ~~صلى إمامه جالسا: المغيرة بن مقسم صاحب النخعي، وأخذ عنه حماد بن أبي ~~سليمان، ثم أخذ عن حماد: أبو حنيفة، وتبعه عليه من بعده من أصحابه. # وأعلى شيء احتجوا به: شيء رواه جابر الجعفي، عن الشعبي؛ فذكره، قال: وهذا ~~لو صح إسناده، لكان مرسلا؛ والمرسل من الخبر وما لم يرو سيان في الحكم ~~عندنا. PageV01P426 # لأنا لو قبلنا إرسال تابعي، وإن كان ثقة فاضلا، على حسن الظن، لزمنا قبول ~~مثله عن أتباع التابعين، ومتى قبلنا ذلك؛ لزمنا قبول مثله عن الأتباع، ومتى ~~قبلنا لزمنا قبول مثل ذلك، عن تباع التبع، ومتى قبلنا ذلك؛ لزمنا أن نقبل ~~من كل إنسان إذا قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ وفي هذا نقض ~~الشريعة. # والعجب ممن يحتج بهذا المرسل، وقد قدح في روايته الإمام أبو حنيفة - رحمه ~~الله -، قال: ما رأيت فيمن لقيت أفضل من عطاء، ولا لقيت فيمن لقيت أكذب من ~~جابر الجعفي، ما أتيته بشيء قط من رأي، إلا جاءني به بحديث، وزعم أن عنده ~~كذا وكذا ألف حديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم ينطق بها؛ فهذا ~~أبو حنيفة يجرح جابرا الجعفي، ويكذبه، ضد من انتحل، من أصحابه مذهبه؛ هذا ~~آخر كلامه، والله أعلم (¬1). # واحتجوا -أيضا- بترك ms0258 الخلفاء الراشدين الإمامة؛ من قعود، وهو ضعيف؛ فإن ~~ترك الشيء لا يدل على تحريمه، ولعلهم اكتفوا بالاستنابة للقادرين، وإن كان ~~وقع الاتفاق على أن صلاة القاعد بالقائم مرجوحة، وأن الأولى تركها؛ فذلك ~~سبب ترك الخلفاء الإمامة من قعود. # ومن العلماء من قال: إن إمامة الجالس كانت خاصة بالنبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، وهو ضعيف، فالأصل عدم ذلك حتى يدل الدليل عليه. # واحتج الشافعي، ومن قال بقوله؛ أنه لا يجوز للقادر على القيام أن يصلي ~~خلف القاعد إلا قائما: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في مرض وفاته ~~بعد هذا قاعدا، وأبو بكر والناس خلفه قيام. # وهذا هو الصواب؛ فقد روى مسلم في "صحيحه" من حديث عائشة - رضي الله عنها ~~- في صلاة أبي بكر بالناس، قالت: فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~حتى جلس عن يسار أبي بكر، قالت: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يصلي بالناس جالسا، PageV01P427 # وأبو بكر قائما، يقتدي أبو بكر بصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر (¬1). # وقد تقدم أن الذي خرج معه في تلك الحال: بريرة وثوبة، إلى أن أجلستا ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في مصلاه عن يسار أبي بكر؛ فعائشة وهما أعلم ~~بذلك من غيرهن، وقد كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يأخذون بالأحدث ~~فالأحدث من أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويجعلونه ناسخا لما ~~قبله؛ وهذا قول البخاري، والجمهور، وزعم بعض العلماء؛ أن أبا بكر كان هو ~~الإمام، والنبي - صلى الله عليه وسلم - مقتد به، لكن الصواب: الأول. # وقد تقدم أن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالجلوس وراءه في الصلاة ~~كان متقدما، في آخر سنة خمس من الهجرة، وصلاة أبي بكر - رضي الله عنه - ~~خلفه قائما؛ في آخر مرض وفاته، في أوائل سنة إحدى عشرة، وأن العلة في منع ~~صلاة القائم خلف القاعد؛ لمخالفة فارس والروم في قيامهم خلف عظمائهم؛ فلما ~~عقلوا ذلك عنه - صلى الله عليه وسلم -، ردهم إلى ما هو مطلوب ms0259 للشرع أيضا؛ ~~وهو أنه لا يترك واجب لأجل موافقة الإمام، من غير معارضة ما هو أهم منه. # فإن تعظيم الرب - سبحانه وتعالى -؛ هو المطلوب الأعظم، وعدم مشاركة غيره ~~له في ذلك؛ فإذا تحقق العبد ما يستحقه الرب سبحانه وتعالى؛ من التوحيد، ~~والإجلال، والتعظيم، لزمه القيام بامتثال أمره، واجتناب نهيه، ومما أمر به ~~القادر القيام في الصلاة الفرضية، ومتابعة الإمام؛ فإذا عجز الإمام، لا ~~يتركه المأموم لأجله. # قال الله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16] , وثبت في ~~"الصحيحين": أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا أمرتكم بأمر، فافعلوا ~~منه ما استطعتم" (¬2). # وتأول بعضهم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وإذا صلى جالسا، فصلوا جلوسا ~~أجمعين"؛ على PageV01P428 # حالة الجلوس في الصلاة المشروعة، للقادر على القيام، ولا يخالف الإمام ~~فيها بالقيام؛ وكذلك إذا صلى قائما، فصلوا قياما؛ أي: في حالة قيامه، ولا ~~تخالفوه بالقعود؛ وكذلك في الركوع والسجود، بقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا". # وهو بعيد؛ بورود الأحاديث المذكورة في سبب ذلك، والمراد منه، وإشارته ~~إليهم بالجلوس، والتعليل بمخالفة الأعاجم؛ في القيام على ملوكهم، وسياق ~~الحديث يمنع فهم هذا التأويل، وقد حصل الكلام؛ على حديث عائشة، وأبي هريرة ~~بما فيه مقنع، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن عبد الله بن يزيد الخطمي الأنصاري قال: حدثني البراء؛ وهو غير كذوب، ~~قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قال: "سمع الله لمن حمده"، ~~لم يحن أحد منا ظهره حتى يقع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ساجدا، ثم ~~نقع سجودا بعده (¬1). # أما عبد الله بن يزيد: # فكنيته: أبو موسى؛ وهو صحابي، شهد الحديبية؛ وهو ابن سبع عشرة سنة، وشهد ~~مع علي صفين، والجمل، والنهروان؛ قاله ابن عبد البر. # وقال ابن حبان: كنيته: أبو أمية، شهد بيعة الرضوان، سكن الكوفة، ومات وهو ~~أميرها أيام ابن الزبير. # وقال ابن أبي حاتم: روى عنه: أبو بردة بن أبي موسى، وابن بنته عدي بن ~~ثابت الأنصاري، وابنه موسى بن عبد الله بن يزيد. ms0260 # وقال ابن عبد البر: وروى عنه: محمد بن كعب القرظي، وعامر الشعبي. PageV01P429 # وقال ابن حبان: وكان الشعبي كاتبه، ولم يرو له من أصحاب الكتب الستة، ~~فيمن روى عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ غير أبي داود، والترمذي. # وذكره بقي بن مخلد؛ فيمن روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أربعة ~~أحاديث. # وقال عبد الغني المقدسي: روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~سبعة وعشرون حديثا؛ أخرج له البخاري حديثين، ولم يخرج له مسلم شيئا، وقال ~~غيره: خرج له مسلم أحد حديثي البخاري. # وأما الخطمي: فهو -بفتح الخاء المعجمة، وسكون الطاء المهملة، ثم الميم، ~~وياء النسب- نسبة إلى بني خطمة؛ هم من الأوس، وخطمة هو: ابن جميع بن مالك ~~بن الأوس، وقيل: اسم خطمة: عبد الله بن جشم بن مالك بن أوس بن حارثة بن ~~ثعلبة بن عمرو بن عامر (¬1). # وتقدم ذكر النسبة إلى الأنصار، وعبد الله بن يزيد -المذكور-؛ وهو: ابن ~~يزيد بن حصين بن عمرو بن الحارث بن خطمة، والله أعلم. # وقد روى هذا الحديث أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، وقد صح سماعه من ~~الخطمي، والبراء؛ فجعل بعضهم قول المصنف: "حدثني البراء؛ وهو غير كذوب" من ~~كلام الخطمي في البراء، وجعله بعضهم من كلام أبي إسحق السبيعي فيه، فلو ذكر ~~المصنف أبا إسحق، عن عبد الله بن يزيد، لكان أحسن؛ ليدخل احتمال الوجهين ~~معا في كلامه. # وأما على ما ذكره؛ فلا يحتمل إلا عبد الله بن يزيد، مع أنه قد روى شعبة، ~~عن أبي إسحق، قال: عبد الله بن يزيد، يخطب يقول: "حدثنا البراء؛ وهو غير ~~كذوب". PageV01P430 # لكن لا يلزم من قول عبد الله بن يزيد ذلك في خطبته، ألا يكون أبو إسحق ~~قاله في روايته للحديث؛ إما اقتداء بعبد الله، وإما ابتداء؛ تنبيها على ~~تقوية الحديث، وقبوله، وتفخيمه في النفس؛ للعمل به، وتبليغه. # كيف، وقد أضاف ابن معين قوله: "حدثني البراء؛ وهو غير كذوب" إلى ابن ~~إسحق، وابن معين من الحفاظ الكبار؟! وتخطئته في ms0261 ذلك؛ لكونه في تزكية ~~البراء، يؤدي إلى الشك في روايته، بتزكيته؛ وهو تابعي، والبراء صحابي؛ ~~والعادة أن الأكبر يزكي من دونه، لا أن الصغير يزكي من فوقه؛ غير لازم، إلا ~~أن يأتي نقل صريح، في هذا الإسناد؛ أنه من كلام عبد الله بن يزيد، لا من ~~كلام أبي إسحق؛ فيجب الرجوع إليه. # وقد بينا أن المتكلم، أو الراوي يفخم؛ لقصد تفخيم كلامه، وأخذه بالقبول، ~~وقد فعل ذلك الصحابة، والتابعون، وهلم جرا: # فقد فعله ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: حدثنا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -؛ وهو الصادق المصدوق (¬1)؛ وكذلك أبو هريرة - رضي الله عنه -؛ ~~ومعلوم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير محتاج إلى تزكيتهما، أو ~~ثنائهما. # وكذلك فعله أبو مسلم الخولاني التابعي الجليل - رحمه الله -، قال: حدثني ~~الحبيب الأمين عوف بن مالك الأشجعي، مع نظائر كثيرة لذلك. # فحينئذ يكون معنى الكلام: حدثني البراء؛ وهو غير كذوب؛ أي: غير متهم؛ كما ~~علمتم، فثقوا بما أخبركم عن عبد الله، عنه. # ويكون ابن معين أخطأ في تعليله؛ أن البراء صحابي؛ وهو منزه عن هذا ~~الكلام؛ فإنه لا وجه له؛ سواء كان القائل عبد الله بن يزيد، أو أبا إسحق، ~~وأن المراد به: عبد الله بن يزيد فقط، كيف وعبد الله بن يزيد صحابي -أيضا-؛ ~~كما ذكرنا؟ لا في إضافة القول إلى أبي إسحق السبيعي؛ فإنه ثبت سماعه من كل PageV01P431 # واحد؛ من عبد الله، والبراء، وإن كان لم يصرح الحفاظ بسماعه لهذا الحديث ~~من البراء، والله أعلم. # وأما البراء: # فكنيته: أبو عمارة، ويقال: أبو عمرو، ويقال: أبو الطفيل بن عازب بن ~~الحارث بن عدي بن مجدعة -بفتح الميم، والدال المهملة، وسكون الجيم بينهما، ~~وبعد الدال عين المهملة، ثم الهاء- بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو ~~بن مالك بن الأوس، الحارثي الأوسي المدني. # وأبوه عازب له صحبة، ذكرها غير واحد؛ منهم: ابن حبان. # استصغر هو، وابن عمر، يوم بدر؛ وكانا لدة، وجماعة غيرهما، وأول غزاة ~~شهدها هو، وابن عمر، وأبو سعيد، ms0262 وزيد بن أرقم: الخندق، وافتتح الري سنة ~~أربع وعشرين؛ صلحا، أو عنوة، وقيل: افتتحها غيره قبل ذلك، وشهد البراء مع ~~علي صفين، والجمل، والنهروان، ثم نزل الكوفة. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ثلاث مئة حديث، وخمسة ~~أحاديث؛ اتفق الشيخان: على اثنين وعشرين حديثا، وانفرد البخاري: بخمسة عشر، ~~ومسلم: بستة. # روى عنه؛ من الصحابة: عبد الله بن يزيد الخطمي الأنصاري، وأبو جحيفة، ~~ووهب السوائي؛ ومن التابعين: أبو إسحق السبيعي، وعامر الشعبي، وعبد الرحمن ~~بن أبي ليلى، وغيرهم، وروى له: أصحاب السنن والمساند. # ومات بالكوفة في ولاية مصعب على العراق، سنة ثنتين وسبعين (¬1). PageV01P432 # وأما قوله: "لم يحن أحد منا ظهره"؛ فمعناه: لم يعطف، ومنه حنيت العود: ~~عطفته، ويقال: حنيت، وحنوت -بالياء، والواو-؛ لغتان حكاهما الجوهري، وغيره، ~~وقد روي بهما في "صحيح مسلم": يحنو، ويحني، والأكثر في اللغة والرواية: الياء. # وفي هذا الحديث فوائد: # منها: ما كان الصحابة - رضي الله عنهم - عليه من الاقتداء برسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، والمتابعة له؛ في الصلاة، وغيرها، حتى لم يتلبسوا ~~بالركن الذي ينتقل إليه، حين يسرع في الهوي إليه؛ بل يتأخرون عنه. # ومنها: أن في فعل الصحابة ذلك دليلا على: طول الطمأنينة من النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، ولفظه قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتقدم: ~~"فإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا" ما يقتضي تقديم ما يسمى ركوعا ~~وسجودا. # ومنها: أن السنة للمأموم: لا ينحني للسجود حتى يضع الإمام جبهته على ~~الأرض، إلا أن يعلم من حاله؛ أنه لو تأخر إلى هذا الحد، لرفع الإمام من ~~السجود قبل سجوده. # ومنها: مع مجموع ما ذكر؛ أن السنة للمأموم: أن يتأخر عن الإمام قليلا، ~~بحيث يشرع في الركن، بعد شروعه فيه، وقبل فراغه منه، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "إذا أمن الإمام، فأمنوا؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر له ~~ما تقدم من ذنبه" (¬1). # أما قوله - صلى ms0263 الله عليه وسلم -: "فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة": PageV01P433 # فقد اختلف العلماء في معنى الموافقة: # فالأظهر: أنها راجعة إلى الزمان، ويقوي ذلك قوله في رواية في "صحيح ~~مسلم": "إذا قال أحدكم: آمين، والملائكة في السماء: آمين؛ فوافقت إحداهما ~~الأخرى، غفر له ما تقدم من ذنبه" (¬1). # وقيل: وافقهم في الإخلاص، والصفات الممدوحة. # وقيل: وافقهم في مجرد القول، ويلزم منه الموافقة في الزمان؛ فهو راجع إلى الأول. # وقوله: "غفر له ما تقدم من ذنبه"؛ أي: من الصغائر، إن كانت، وإن لم تكن؛ ~~رجي تخفيف الكبائر، وإن لم تكن كبائر؛ رفعت درجات. # واختلف في الملائكة المذكورين في الحديث؛ فقيل: الحفظة، وقيل: غيرهم من ~~أهل السماء؛ للحديث في "صحيح مسلم": "فوافق قوله قول أهل السماء" (¬2). # وأجاب الأولون عنه: بأنه إذا قالها الحاضرون؛ من الحفظة، قالها من فوقهم؛ ~~حتى تنتهي إلى أهل السماء، ووقع في رواية، في غير الصحيح: "فمن وافق تأمينه ~~تأمين الملائكة؛ غفر له" (¬3)؛ وهي صحيحة المعنى؛ فإن الموافق للموافق ~~موافق، والله أعلم. # وفي هذا الحديث: # دليل على: استحباب التأمين للإمام، والمأموم، وأما المنفرد؛ فيستحب له ~~-أيضا-، ولكل قارئ في غير الصلاة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا قال ~~أحدكم: آمين"، الحديث؛ وهو أعم من أن يكون إماما، أو مأموما، أو منفردا، أو ~~في غير صلاة. PageV01P434 # وفيه دليل على: استحباب موافقة المأموم الإمام، في التأمين؛ فيكون معه، ~~لا قبله، ولا بعده. # وقد يستدل به على: الجهر بالتأمين للإمام؛ وهو ضعيف؛ فإن فعله، والتحضيض ~~عليه، لا يلزم منه الجهر به، ووجه الاستدلال على جهر الإمام به: أنه علق ~~تأمينهم بتأمينه؛ فلا بد أن يكونوا عالمين به، ولا يحصل لهم العلم إلا ~~بالسماع. # قال أصحاب الشافعي: يسن للإمام، والمنفرد: الجهر بالتأمين؛ وكذا يسن ~~للمنفرد، على المذهب الصحيح، وأجمعت الأمة على: أن المنفرد يؤمن؛ وكذلك ~~الإمام والمأموم، في الصلاة السرية؛ وكذلك قال الجمهور في الجهرية. # وقال مالك، في رواية عنه: لا يؤمن الإمام في الجهرية. # وقال أبو حنيفة، والكوفيون، ومالك، في رواية: لا يجهر بالتأمين، وقال ~~الأكثرون: ms0264 يجهر. # واستدل لمالك: أن الإمام لا يؤمن؛ بأن المراد من الحديث، إذا أمن الإمام: ~~على بلوغه موضع التأمين؛ وهو خاتمة الفاتحة، ويؤيده قوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "وإذا قال: ولا الضالين، فقولوا: آمين" (¬1)؛ فإذا بلغ موضعه، قيل: ~~أمن، وإن لم يتلبس به؛ كما يقال: أنجد: إذا بلغ نجدا، وأتهم: إذا بلغ ~~تهامة، وأحرم: إذا بلغ الحرم؛ فكذلك إذا أمن: إذا بلغ موضعه. # وهذا مجاز، فإن وجد دليل يرجحه على ظاهر الحديث؛ فإن حقيقته في التأمين، ~~عمل به، وإلا فالأصل: عدم المجاز، ولعل مالكا اعتمد على عمل أهل المدينة؛ ~~إن كان لهم في ذلك عمل، ورجح به مذهبه، وقد تقرر في كتب الأصول: ضعف القول ~~بعمل أهل المدينة فقط، خصوصا إن عارضه نص، أو ظاهر. # وفيه دليل على: فضل الإمام؛ فإن تأمينه موافق لتأمين الملائكة؛ ولهذا شرع PageV01P435 # موافقة المأمومين له فيه، بخلاف غيره. # وفيه دليل على: فضل الله تعالى، وكرمه؛ حيث جعل غفر الذنوب، على ما ~~ذكرنا، مرتبا على موافقة الإمام في التأمين. # * * * ### ||| AUTO الحديث الخامس، والسادس # عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "إذا صلى أحدكم للناس، فليخفف؛ فإن فيهم الضعيف، والسقيم، وذا الحاجة، ~~وإذا صلى لنفسه، فليطول ما شاء" (¬1). # وفي معناه: الحديث السابع: # عن أبي مسعود الأنصاري - رضي الله عنه - قال: جاء رجل إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، فقال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح، من أجل فلان؛ مما ~~يطيل بنا، فما رأينا النبي - صلى الله عليه وسلم - غضب في موعظة قط أشد مما ~~غضب يومئذ، فقال: "يأيها الناس! إن منكم منفرين، فأيكم أم الناس، فليوجز؛ ~~فإن من ورائه الكبير، والصغير، وذا الحاجة" (¬2). # تقدم الكلام على أبي هريرة، ونسبه الأنصاري. # وأما أبو مسعود: # واسمه: عقبة بن عمرو بن ثعلبة بن أسيرة -بفتح الهمزة، وكسر السين ~~المهملة- بن عسيرة -بفتح العين، وكسر السين المهملتين- بن عطية بن جدار ~~-بكسر الجيم- بن عوف بن الخزرج، البدري؛ لسكناه ماء ببدر، وقيل: لشهوده ~~بدرا الوقعة المشهورة؛ قاله البخاري، ms0265 ولا يصح. PageV01P436 # قال ابن إسحق: كان أبو مسعود أحدث من شهد العقبة سنا، ولم يشهد بدرا، ~~وشهد أحدا، وما بعدها من المشاهد، ونزل الكوفة، وسكنها، وخلف عليا بها في ~~خروجه إلى صفين. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: مئة حديث، وحديثان؛ اتفقا ~~على: تسعة أحاديث، وللبخاري: حديث واحد، ولمسلم: سبعة. # روى عنه؛ من الصحابة: عبد الله بن يزيد الخطمي، ومن التابعين: ابنه بشير، ~~وقيل: له صحبة؛ ولا تصح، وجماعة غيره. # ومات بالكوفة، وقيل: بالمدينة قبل الأربعين، قيل: سنة إحدى وثلاثين، ~~وقيل: أيام خلافة علي، وقيل: مات بعد الأربعين سنة إحدى، أو اثنتين، وقيل: ~~في آخر خلافة معاوية. # وروى له: أصحاب السنن والمساند (¬1). # وأما الكلام على معنى التخفيف: # فاعلم: أن المراد به: تخفيف لا يخل بمقاصد الصلاة، وأركانها، وسننها. # والضابط في التطويل، وعدمه: إذا لم يكن المأمومون يؤثرونه؛ فإن آثروه، ~~طول، وحد التطويل مقدر: بصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفعله فيها ~~غالبا؛ وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدخل في الصلاة، ويريد ~~إطالتها، فيسمع بكاء الصبي؛ فيتجوز فيها. # والمراد باعتبار قول المأمومين؛ في التطويل، وتركه: إذا كانوا محضورين؛ ~~كما إذا اجتمع قوم لصلاة الليل، أو كان المسجد صغيرا، في الفرائض؛ أما إذا ~~كان المسجد كبيرا، والجماعة غير محضورين: فإن الإمام يخفف بهم، مطلقا؛ PageV01P437 # بحيث لا يخل بالفرائض، والسنن؛ وهذا الحكم مذكور في الحديثين المذكورين، ~~مع علته. # ثم المشقة في التطويل: أمر إضافي؛ فليس المعتبر فيه عادة بعض المصلين ~~الجاهلين المقصرين، ولا الغالين المتنطعين؛ بل هو معتبر بما قاله العلماء. # فلا يزيد في القيام؛ بالقراءة الطويلة المملة المؤدية إلى كراهية الصلاة، ~~ولا في الركوع، والسجود؛ على ثلاث تسبيحات، ونحوها، من دعاء في السجود، ~~وتعظيم في الركوع؛ كما كان - صلى الله عليه وسلم - يفعل؛ مع أمره بالتخفيف، ~~[وشدة غضبه في الموعظة، في إطالة الإمام الصلاة بهم؛ فهذا لا يعد طولا ~~ومشقة، شرعا؛ بل التخفيف عنه مكروه] (¬1)، وعن الواجب حرام. # ثم العلة في كراهة التطويل: إنما هو التنفير عن ms0266 الخير، بسبب المشقة ~~الحاصلة منه، مع الحاملة على: ترك العبادة، أو الدخول فيها بغير انشراح، أو ~~تملل، أو شغل القلب بكراهته؛ عن الحضور في الصلاة، والخشوع؛ اللذين هما ~~مقصودها، والمطلوب منها، والله أعلم. # ثم غضبه - صلى الله عليه وسلم - في هذه الموعظة: إما لمخالفة العلم في ~~تخفيف الصلاة، أو التقصير في تعلمه، أو لهما، والله أعلم. # ثم تطويل الإمام في الصلاة عذر في التخلف عن حضور الجماعة، إذا علم من ~~عادة الإمام التطويل الكبير؛ لهذا غضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~موعظته؛ لكون التطويل على المأمومين سببا لترك الجماعة، وربما يكون في حق ~~بعض الجهال سببا لترك الصلاة. # ولا شك أن ترك أصل الجماعة حرام، وبعضهم يقول: إن تركها بعض الناس؛ بحيث ~~قام شعارها في الناحية، لم يحرم، وبعضهم يقول: إن تركها مكروه مخالف للسنة. # وقد روى أبو حاتم بن حبان في "صحيحه"، من رواية سعيد بن جبير، عن PageV01P438 # ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"من سمع النداء فلم يجب؛ فلا صلاة له، إلا من عذر" (¬1)؛ وفي هذا الحديث: ~~أن الأمر بإتيان الجماعة أمر حتم، لا ندب؛ فتعين أن يكون الأمر الحتم على ~~من سمع النداء: فرض عين، أو كفاية. # ثم الأعذار في ترك الجماعة؛ المنصوص عليها في السنة، عشرة: # الأول: المرض؛ بدليل تأخر النبي - صلى الله عليه وسلم - عنها في مرضه، ~~وقد جعله - صلى الله عليه وسلم - علة في عدم تطويل الإمام الصلاة. # الثاني: حضور الطعام، خصوصا عند توقان النفس إليه، وهو صائم؛ لقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "إذا قرب العشاء, وحضرت الصلاة؛ فابدؤوا به قبل صلاة ~~المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم"؛ حديث صحيح، على شرط الشيخين، من رواية أنس (¬2). # الثالث: النسيان الذي يعترض الشخص في بعض الأحوال؛ للحديث الصحيح، عن أبي ~~هريرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قفل من ~~غزوة خيبر سار ليلة، حتى إذا أدركه الكرى، عرس، وقال لبلال: "اكلأ الليل"، ~~فصلى ms0267 بلال ما قدر له، ونام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبلال، ~~وأصحابه؛ حتى طلعت الشمس، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من نام ~~عن صلاة، أو نسيها؛ فليصلها، إذا ذكرها" (¬3). # الرابع: السمن المفرط؛ للحديث الصحيح الذي رواه أنس - رضي الله عنه -: أن ~~رجلا من الأنصار كان ضخما؛ لا يستطيع حضور الجماعة مع PageV01P439 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فذكر ذلك له، ودعاه لطعام صنعه له في ~~بيته؛ فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على حصير في بيته ركعتين (¬1). # الخامس: مدافعة الأخبثين البول، والغائط؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"وهو يدافعه الأخبثان: البول، والغائط، (¬2)، وقوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "إذا وجد أحدكم الغائط؛ فليبدأ به قبل الصلاة" (¬3). # السادس: خوف الإنسان على نفسه، وماله، في طريقه إلى المسجد؛ لحديث عتبان ~~بن مالك - رضي الله عنه - في "الصحيح": أنه قال: يا رسول الله! إذا كانت ~~الأمطار، سال الوادي، ولم أستطع الخروج إلى المسجد؛ فأصلي لهم، ووددت أنك ~~يا رسول الله تأتي، فتصلي في بيتي؛ حتى أتخذه مصلى، ففعل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -" الحديث (¬4). # السابع: وجود البرد الشديد المؤلم؛ لحديث ابن عمر - رضي الله عنهما -: ~~أنه صلى هو وأصحابه في رحالهم ذات ليلة، في برد شديد، وقال: رأيت رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -، فعل مثل هذا، أو أمر به الناس، حديث صحيح (¬5). # الثامن: المطر المؤذي؛ لأن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "إذا كانت ليلة برد ومطر، فصلوا في الرحال"، وكان ~~يأمر المؤذن بذلك، حديث صحيح (¬6)، والمطر عذر في التخلف عن الجماعة؛ قليلا ~~كان، أو كثيرا؛ لحديث صحيح فيه. PageV01P440 # التاسع: وجود الظلمة؛ لحديث صحيح، من رواية ابن عمر - رضي الله عنهما - ~~قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر، في ليلة ظلماء, ~~فنادى مناد به: أن صلوا في الرحال (¬1). # العاشر: أكل الثوم والبصل، إلى أن يذهب ريحهما؛ وكذلك ما في معناهما؛ مما ~~له رائحة كريهة؛ كالكراث، والبقول المنتنة، ms0268 وقد ثبت في النهي عن ذلك أحاديث ~~صحيحة؛ تمنع إتيان المساجد حتى يذهب ريحها؛ سواء كان فيها جماعة، أم لا؛ ~~فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم. # وقد ألحق الفقهاء بهذه النصوص عليها أعذارا في معناها، وبعضها أولى بأن ~~يكون عذرا؛ فالشخص مأمور بالجماعة، وإتيانها، فإذا عذر في إتيانها، فلا ~~يتركها؛ إما واجبا، وإما مندوبا، والله أعلم. # واعلم: أن الضعف يعم: الصغر، والكبر، والمرض، والسقم؛ فيكون ذكر السقيم، ~~والصغير، والكبير؛ من باب ذكر الخاص بعد العام، أو من باب تعداد الصفات ~~الموجبة للعذر، في ترك الإمام التطويل عليهم، في الصلاة. # وفي الحديثين مسائل: # منها: الرد على من قال: لا تجوز صلاة الجماعة إلا خلف معصوم. # ومنها: أن الإمام يخفف الصلاة؛ على الشرط، والتفصيل الذي ذكرناه. # ومنها: ذكر الأحكام للناس بعللها. # ومنها: جواز حضور المريض، والصبي، والشيخ، وسائر من به ضعف الجماعة. # ومنها: مراعاة الضعفاء في أمور الآخرة؛ وكذلك في أمور الدنيا، ومنه قوله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "سيروا على سير أضعفكم" (¬2). PageV01P441 # ومنها: جواز ذكر الإنسان؛ في الشكوى، والانتصار عليه. # ومنها: التأخر عن الجماعة؛ للأعذار. # ومنها: الموعظة لأمر الدين، وذكر الأحكام عند المخالفة. # ومنها: الغضب في الموعظة. # ومنها: تألف الناس على الطاعات، وعدم تنفيرهم عنها. # ومنها: أن الإنسان إذا صلى منفردا، فإنه يصلي ما شاء؛ من قيام، وركوع، ~~وسجود، لا في اعتدال، وجلوس بين سجدتين؛ سواء كان في فرض، أو نفل، والحديث ~~في تطويل المنفرد مطلق منزل على ما ذكرنا. # ومنها: تسمية الصلاة، وإضافتها إلى وقتها المأمور بإتيانها فيه. # ومنها: خطاب الناس، ونداؤهم في الموعظة، مما تكرهه نفوسهم من المخالفة، ~~وإظهار ذلك القصد، والإرشاد والتعليم، والتبليغ؛ من غير تخصيص بالذكر لفاعل ~~المخالفة، والله أعلم. # * * * PageV01P442 ### || AUTO باب صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ### ||| AUTO الحديث الأول # عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- إذا كبر في الصلاة، سكت هنيهة، قبل أن يقرأ، فقلت: يا رسول الله! بأبي ~~أنت وأمي، أرأيت سكوتك بين التكبير، ms0269 والقراءة، ما تقول؟ قال: اللهم باعد ~~بيني وبين خطاياي؛ كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي؛ ~~كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج، والماء، ~~والبرد" (¬1). # لا شك أن (كان) تشعر بكثرة الفعل، أو المداومة عليه، وقد تكون لمجرد وقوعه. # وقوله: "سكت هنيهة"؛ أي: قليلا من الزمان، وأصله: هنة، ثم صغر هنية، ثم ~~أبدلت الياء المشددة هاء. # وقوله: "أرأيت سكوتك؟ "؛ المراد به: سكوت عن الجهر؛ لا سكوت مطلق عن ~~القول، وسكوت عن قراءة القرآن؛ لا عن الذكر، والدعاء، والله أعلم؛ بدليل ~~قوله بعده: ما تقول؟ فإنه مشعر بأنه فهم أن في سكوته - صلى الله عليه وسلم ~~- قولا. # ووقع السؤال بقوله: "ما تقول؟ "، دون قوله: هل تقول؟ مع أن السؤال بهل PageV01P443 # مقدم على السؤال بما ها هنا؛ لكنه استدل على أصل القول بحركة الفم؛ كما ~~استدل الصحابة - رضي الله عنهم - على قراءته سرا، باضطراب لحيته. # وقوله: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي"، إلى آخره؛ المراد: محو الخطايا، ~~وترك المؤاخذة بها؛ وفيه مجازان: # أحدهما: استعمال المباعدة في ترك المؤاخذة، والمباعدة إنما تكون في ~~الزمان، أو المكان. # الثاني: استعمالها في الإزالة الكلية، مع أن أصلها لا يقتضي الزوال، وليس ~~المراد: البقاء مع البعد، ولا ما يطابقه من المجاز؛ بل المراد: الإزالة ~~الكلية؛ وكذلك التشبيه بالمباعدة بين المشرق والمغرب؛ فإن المراد منه: ترك ~~المؤاخذة. # وقوله: "من الدنس"؛ وهو -أيضا- مجاز عن زوال الذنوب، وأثرها. # ولا شك أن الدنس في الثوب؛ بلون غير البياض، وطعم غير طيب، ورائحة كريهة، ~~وكله دنس، وجاء في رواية في "صحيح مسلم": "من الدرن" (¬1)، وفي رواية: "من ~~الوسخ" (¬2)؛ ولما كان ذلك في الثوب الأبيض أظهر من غيره من الألوان؛ وقع ~~التشبيه به. # وقوله: "اغسلني"، إلى آخره؛ فهو مجاز عن المؤاخذة؛ كما ذكرنا، ويحتمل ~~بعده أمران: # أحدهما: التعبير بالغسل؛ عن الغاية بالمحو بمجموع أنواع المياه، في ~~مشاهدة نزولها إلى الأرض؛ من الماء، والثلج، والبرد؛ فيكون المراد منه: ~~التواب الذي، تكرر تنقيته للذنوب، بثلاثة أشياء منقية؛ يكون في غاية ms0270 ~~النقاء. # الثاني: يكون كل واحد من الثلاثة مجازا عن صفة يقع بها التكفير، والمحو؛ PageV01P444 # وهذا كقوله تعالى: {واعف عنا واغفر لنا وارحمنا} [البقرة: 286]، وكل واحد ~~من العفو، والمغفرة، والرحمة؛ صفة لها أثر في محو الذنب. # ففي الأمر الأول: نظر إلى كل واحد من أفراد الألفاظ، وفي الثاني: نظر إلى ~~كل فرد من أفراد المعاني؛ وكلاهما دالان على: الغاية في محو الذنب، ~~والتطهير منه. # وفي هذا الحديث مسائل: # منها: استحباب هذا الذكر؛ بين تكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، وغيره؛ ~~وهو مستحب عند الشافعي، وجمهور العلماء، والحكمة فيه: تمرين النفس على ~~انشراحها لأفضل الأذكار، وتدبرها؛ وهي: الفاتحة، وما شرع معها من القراءة ~~-والفاتحة: واجبة-. # وأوجب جماعة من السلف: قراءة شيء معها؛ بأحاديث حسنة، رواها أبو داود، ~~وغيره، وجمهور العلماء: على استحبابه. # ومنها: تفدية النبي - صلى الله عليه وسلم - بالآباء والأمهات؛ وهو مجمع ~~عليه، وهل يجوز تفدية غيره من المؤمنين؟ على ثلاثة مذاهب: # الصحيح: جوازه بلا كراهة. # ومنهم من منعها؛ وجعلها خاصة بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وله أن يفدي ~~من شاء، بلا خلاف. # ومنهم من فصل؛ فقال: يجوز تفدية العلماء الصالحين الأخيار، ولا يجوز ~~تفدية غيرهم؛ لأنهم هم الوراث المنتفع بهم، بخلاف غيرهم. # ومنها: استعمال المجاز، وتسمية الكلام السر سكوتا. # ومنها: السؤال عن العلم للفضلاء دون غيرهم. # ومنها: تخصيص الإمام نفسه بالدعاء، دون المأمومين؛ فإن الظاهر منه - صلى ~~الله عليه وسلم -: أنه كان إماما؛ فيحتمل النهي الوارد في تخصيص الإمام ~~نفسه به، وأنه خانهم، على: كراهة التنزيه، لا التحريم؛ بيانا للجواز. PageV01P445 # ومنها: التطهير بذوب الثلج، والبرد؛ وهذا مجمع عليه. # ومنها: شرعية سؤال المباعدة من الذنوب، والتنقية منها، والغسل، وتأكد ~~ذلك؛ فإن ذلك ليس من التحجر في الدعاء، بل هو من باب العلم، بسعة - رحمة ~~الله تعالى -، وجوده، وكرمه، وأنه لا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه، وأنه لا ~~يرجى غيره، ولا يطلب إلا منه، - سبحانه وتعالى - لا يحصى ثناء عليه، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن عائشة - رضي الله عنها -، قالت: كان رسول ms0271 الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة ب: الحمد لله رب العالمين، وكان إذا ركع؛ ~~لم يشخص رأسه، ولم يصوبه، ولكن بين ذلك، وكان إذا رفع رأسه من الركوع؛ لم ~~يسجد حتى يستوي قائما، وكان إذا رفع رأسه من السجدة؛ لم يسجد حتى يستوي ~~قاعدا، وكان يقول في كل ركعتين: التحية، وكان يفرش رجله اليسرى، وينصب رجله ~~اليمنى، وكان ينهى عن عقبة الشيطان، وينهى أن يفرش الرجل ذراعيه افتراش ~~السبع، وكان يختم الصلاة بالتسليم (¬1). # تقدمت عائشة - رضي الله عنها -. # وأما ألفاظه ومعانيه: # فتقدم الكلام على: (كان)، وأنها تقتضي المداومة، أو الأكثرية، لكن لا ~~يأتي فيها هنا إلا المداومة؛ لافتتاح الصلاة بالتكبير، والقراءة ب: الحمد ~~لله رب العالمين؛ أي: سورة الحمد، ومعلوم أنه - صلى الله عليه وسلم - لا ~~يخل بالتكبير، والقراءة. # والفقهاء يستدلون بأفعاله - صلى الله عليه وسلم -، في كثير منها في ~~الصلاة على الوجوب؛ لأنهم يرون أن قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة} [البقرة: ~~43] خطاب مجمل مبين بالفعل، PageV01P446 # والفعل المبين للمجمل المأمور به يدخل تحت الأمر؛ فيدل بمجموع ذلك على ~~الوجوب، لا لأن الفعل بمفرده يدل على الوجوب، وإذا كان المسلك ذلك، ووجدت ~~أفعال غير واجبة، وجب أن يحال على دليل آخر؛ دل على عدم وجوبها. # وفي ذلك بحث؛ وهو أن الخطاب المجمل تبيين بأول وقوع الأفعال، فلم يكن ما ~~وقع بعده بيانا له؛ لوقوع البيان بالأول، فتبقى أفعالا مجردة لا تدل على ~~الوجوب، إلا أن يدل دليل على أن الفعل المستدل به بيانا؛ فيتوقف الاستدلال ~~بهذه الطريقة على وجوده، بل قد يقوم الدليل على خلافه. # كمن رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل فعلا؛ وهو من أصاغر الصحابة ~~الذين لهم تمييز، بعد إقامته - صلى الله عليه وسلم - مدة للصلاة، مثلا؛ ~~فهذا مقطوع بتأخره، وكذلك من أسلم بعد مدة، وأخبر برؤية الفعل؛ فإنه حينئذ ~~يتحقق تأخير الفعل. # لكنه قد يجاب عنه بأمر جدلي، لا يقوم مقام تأخر الفعل؛ وهو أنه دل الدليل ~~من الحديث المعين، على وقوع هذا الفعل، والأصل ms0272 عدم غيره؛ فتعين أن يكون ~~بيانا؛ وهذا قوي، فيما إذا وجدنا فعلا لم يقم الدليل على عدم وجوبه، فأما ~~إذا وجد: فإن جعلناه مبينا عدم وجوبه؛ لزم النسخ بذلك الوجوب الذي ثبت، ولا ~~شك أن مخالفة الأصل أقرب من التزام النسخ. # قولها: "يستفتح الصلاة بالتكبير"؛ يعني: بالتكبير الذي هو تحريم للصلاة؛ ~~كما ثبت: "تحريمها التكبير" (¬1)، ولا شك أن التحريم لا يحصل بالتكبير ~~وحده، بل به وبالنية؛ وهما أمران: أحدهما: قائم بالقلب، والثاني: بالنطق؛ ~~فيحتمل أنها عبرت بالأخص عن الأعم؛ للعلم به، ويحتمل أنها ذكرته؛ للتنبيه ~~على تعين لفظ التكبير، دون غيره. PageV01P447 # وإن استفتاح الصلاة بالنية كان معلوما عندهم؛ وهي قصد الطاعة بالصلاة؛ ~~كما أن الإخلاص في الطاعة لله، لا بد منه في الاستفتاح، وغيره؛ وهو تصفية ~~العمل من الشوائب، بألا يقصد العمل للنفس، ولا للهوى، ولا للدنيا، بل ~~للتقرب إلى الله تعالى؛ فكذلك النية، وكلاهما كان عندهم معلوما؛ فلهذا ~~استغنت بذكر التكبير عنهما. # ونقل خلاف ذلك عن بعض المتقدمين، وتأوله بعضهم على مالك، والمعروف: ~~خلافه، عنه، وعن غيره. # ثم التحريم بالتكبير خصوصا؛ كما ذكرنا. # وأبو حنيفة يكتفي بمجرد التعظيم؛ كقوله: الله أجل، أو أعظم. # وتعيين لفظه؛ قال به مالك، والشافعي، وأحمد، وجمهور العلماء؛ مستدلين على ~~وجوبه، تعينه: بهذا النقل، على الطريقة السابقة، من كونها بيانا للمجمل؛ ~~وفيه ما ذكرنا، لكن انضم إليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "صلوا كما ~~رأيتموني أصلي" (¬1)؛ فصار البيان بفعله - صلى الله عليه وسلم -، وقوله؛ ~~فهذا مجرد أن الفعل يشعر بأنه خطاب للأمة بأن تكون صلاتهم كصلاته؛ في كل ~~فعل، وقول، وحركة، وسكون. # ولا شك أنه بعض من حديث مالك بن الحارث، قال: أتينا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - رحيما رفيقا؛ فظن أنا قد اشتقنا أهلنا، فسألنا عمن ~~تركنا من أهلنا، فأخبرناه، فقال: "ارجعوا إلى أهليكم؛ فأقيموا عندهم، ~~وعلموهم، ومروهم، فإذا حضرت الصلاة؛ فليؤذن لكم أحدكم، ثم ليؤمكم أكبركم" ~~(¬2)، زاد البخاري: ms0273 "وصلوا كما رأيتموني أصلي" (¬3). PageV01P448 # فهذا خطاب لمالك بن الحارث، وأصحابه، والأمة تشاركهم في هذا الخطاب، وأن ~~يوقعوا الصلاة على الوجه الذي أمروا بإيقاعها عليه؛ كما رأوا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يصلي. # فما ثبت استمراره - صلى الله عليه وسلم - دائما؛ دخل تحت الأمر، وكان ~~واجبا، وبعض ذلك مقطوع باستمرار فعله له؛ وما لم يدل دليل على وجوده، في ~~تلك الصلوات التي تعلق الأمر بإيقاع الصلاة على صفتها؛ لا يجزم بتناول ~~الأمر له؛ فهذا كله يقال، من الجدل أيضا، والله أعلم. # وقولها: "والقراءة ب: الحمد لله رب العالمين"، فالقراءة: منصوب عطف على ~~مفعول يستفتح؛ وهو: الصلاة، وبالحمد: مرفوع، على الحكاية. # وقد تمسك به مالك، وأصحابه؛ في ترك الذكر بين التكبير والقراءة؛ لأنه لو ~~تخلل بينهما ذكر، لم يكن الاستفتاح بالقرآن؛ ب: الحمد لله رب العالمين. # واستدل به أصحاب مالك، وغيرهم؛ على ترك التسمية في ابتداء الفاتحة، وأنها ~~ليست منها. # وتأوله الشافعي، والأكثرون القائلون بأنها من الفاتحة؛ على أن المراد: ~~يستفتح القراءة بسورة الحمد، لا بسورة أخرى، وقد قامت أدلة؛ على أن البسملة منها: # الأول: ثبوتها في المصحف الكريم. # الثاني: ما رواه الشافعي، بإسناده إلى أم سلمة - رضي الله عنها -: أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قرأ بأم القرآن، بدأ ببسم الله ~~الرحمن الرحيم، يعدها آية، ثم قرأ: الحمد لله رب العالمين، بعدها ست آيات (¬1). # وروى بإسناده، عن نعيم بن عبد الرحمن المجمر، قال: صليت خلف أبي PageV01P449 # هريرة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، قبل أم القرآن، وقبل السورة، وكبر ~~في الخفض، والرفع، وقال: أنا أشبهكم صلاة بصلاة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، قال الله - عز وجل -: {ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن ~~العظيم} [الحجر: 87]؛ وهي أم القرآن، وأولها: بسم الله الرحمن الرحيم (¬1). # وروي عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: أنه كان يقرأ: بسم الله الرحمن ~~الرحيم، قبل: الحمد، وقبل السورة (¬2). # وروي عن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، قال: صليت خلف عمر ابن الخطاب - ~~رضي الله عنه ms0274 -، فكان يجهر ب: بسم الله الرحمن الرحيم. (¬3) # كل ذلك مذكور في "مختصر أبي يعقوب البويطي"، عن الشافعي - رحمهما الله ~~تعالى -، وقد صنف جماعة كتبا في التسمية في الفاتحة، والجهر بها؛ منهم: ~~سليم الرازي، والخطيب البغدادي، وغيرهما. # وقد أجاب بعض المخالفين عن تأويل الشافعي، وغيره: بأن لفظ الحديث، إن ~~أجري مجرى الحكاية، اقتضى: البداءة به بعينه، ولا يكون غيره قبله؛ لأن ~~الغير حينئذ يكون هو المفتتح، وإن جعل اسما؛ فالفاتحة لا تسمى سورتها، ~~بمجموع الحمد لله رب العالمين، بل بسورة الحمد؛ فلو كان لفظ الرواية بها، ~~لقوي تأويل الشافعي، وغيره؛ فإنه يدل حينئذ على الافتتاح بالسورة، التي ~~البسملة بعضها عندهم؛ وفي هذا الجواب عند التأمل نظر. # وقولها: "وكان إذا ركع، لم يشخص رأسه"؛ أي: لم يرفعه، ومادة الإشخاص: تدل ~~على الارتفاع؛ ومنه: أشخص بصره: إذا رفعه إلى العلو، PageV01P450 # ومنه: الشخص؛ لارتفاعه للأبصار، ومنه: شخص المسافر: إذا خرج من منزله إلى ~~غيره (¬1). # وقولها: "ولم يصوبه"، هو -بضم الياء، وفتح الصاد المهملة، وكسر الواو ~~المشددة-؛ أي: لم ينكسه؛ ومنه: الصيب؛ المصبوب بصوب الماء، ومن أطلق الصيب ~~على الغيم؛ فهو من المجاز؛ لأنه سبب الصب، الذي هو المطر (¬2). # وقولها: "ولكن بين ذلك"؛ هو إشارة إلى المسنون من الركوع، بأن يكون ~~معتدلا فيه؛ باستواء الظهر والعنق. # وقولها: "وكان إذا رفع رأسه من الركوع، لم يسجد حتى يستوي قائما"؛ دليل ~~على الرفع من الركوع، والاعتدال فيه؛ بأن يستوي قائما، وقد اختلف الفقهاء ~~فيه؛ على ثلاثة أقوال: # أحدها: يجب. # والثاني: يستحب. # والثالث: يجب ما هو إلى الاعتدال أقرب، ويستحب ما زاد عليه. # ولكن الرفع من الركوع من الأفعال التي ثبت استمرار النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - عليها. # وقولها: "وكان إذا رفع رأسه من السجود، لم يسجد حتى يستوي قاعدا"؛ دليل ~~على الرفع من السجود، والاستواء في الجلوس بين السجدتين؛ أما الرفع، فلا بد ~~منه؛ لعدم تصور عدد السجدتين بغيره، بخلاف الركوع؛ فإنه غير متعدد. # فلهذا أجري الخلاف الذي في الرفع من الركوع، في الرفع من السجدة الأولى، ms0275 ~~وقال: الرفع منها، والاعتدال، والطمأنينة؛ كالرفع من الركوع؛ وهو سهو؛ لعدم ~~تصوره في الرفع من السجود؛ لتعدده شرعا، بخلاف الركوع؛ فإنه PageV01P451 # غير متعدد، وهو متميز عن السجود، بخلاف السجدة الثانية؛ فإنها غير متميزة ~~عن الأولى، فافتقرت إلى التمييز بالرفع الفاصل بينهما، والله أعلم. # وقولها: "وكان يقول في كل ركعتين: التحيه"؛ إطلاق لفظ التحية على التشهد ~~كله؛ من باب إطلاق اسم الجزء على الكل، وهذا الموضع، مما فارق فيه الاسم ~~المسمى. # فإن التحية: الملك، أو البقاء، أو غيرهما؛ وذلك لا يتصور قوله، بل يقال: ~~اسمه الدال عليه، بخلاف قولنا: أكلت الخبز، وشربت الماء؛ فإن الاسم فيه ~~أريد به المسمى. # أما لفظة الاسم، فقد قيل فيها: إن الاسم هو المسمى؛ وفيه نظر دقيق. # وهذا بالنسبة إلينا، وأما بالنسبة إلى الله تعالى؛ فلا يقال: الاسم غير ~~المسمى، ولا هو هو، بل يجب إطلاقه؛ كما أطلقه الله -سبحانه وتعالى-، من غير ~~خوض فيه، والله أعلم. # وقولها: "وكان يفرش رجله اليسرى، وينصب رجله اليمنى"؛ يفرش: بضم الراء، ~~أو كسرها، والضم أشهر. # واعلم أن جلسات الرباعية، والثلاثية أربع: الجلوس بين السجدتين، وجلسة ~~الاستراحة؛ عقب كل ركعة يعقبها قيام، والجلسة للتشهد الأول، والجلسة للتشهد ~~الأخير. # ومذهب الشافعي -رحمه الله-: أن السنة؛ أن يجلس الرجل جميعها مفترشا، إلا ~~الجلسة التي يعقبها سلام؛ فإنه يجلس فيه متوركا. # واحتج بحديث أبي حميد الساعدي - رضي الله عنه -، في "صحيح البخاري": أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، جلس مفترشا، في التشهد الأول، ومتوركا في ~~الأخير (¬1)، وحمل حديث عائشة هذا، على غير الأخير؛ جمعا بينه، وبين حديث ~~أبي حميد، ورجح من حيث المعنى، بأمرين: PageV01P452 # أحدهما: أن المخالفة في هيئة الجلوس، قد تكون سببا للتذكر، عند الشك في ~~كونه الأول، أو الأخير. # والثاني: أن الافتراش هيئة استيفاز؛ فناسبت الجلسات الأول، والتورك هيئة ~~اطمئنان؛ فناسب الأخير، كيف، وهو مطابق للنقل، في حديث أبي حميد، في "صحيح ~~البخاري"؟! فكان أولى. # وقال أبو حنيفة: الهيئة المروية في حديث عائشة هذا، أولى؛ تمسكا بإطلاقه، ~~لكنه في الرجال. # ومذهب ms0276 الشافعي: جلوس المرأة؛ كجلوس الرجل. # وذهب بعض السلف: أن سنة المرأة التربع في الجلسات؛ سواء فيه الفريضة، ~~والنافلة، وخصه بعضهم بالنافلة. # ومذهب الجمهور: أنه لا فرق بين الفريضة والنافلة، للرجل والمرأة، في جميع ~~الجلسات؛ افتراشا، وتوركا. # ومذهب مالك: اختيار التورك في جميعها؛ وهو أن يفضي بوركه إلى الأرض، ~~ويخرج رجله اليسرى من تحته، وينصب اليمنى من رجليه، وقد وردت هيئة التورك ~~في بعض الأحاديث، لكنها ليست لها قوة في الصحة؛ كأحاديث الافتراش، والتورك، ~~والله أعلم. # واختلف قول الشافعي؛ في الأفضل في جلوس العاجز، عن القيام في الفريضة، ~~وجلوس المتنفل الذي له أجر نصف القاعد؛ على أقوال: # أصحها: الافتراش؛ لأنه غالب جلسات الصلاة. # والثاني: التورك؛ لأنه أمكن من الافتراش، وهو أحد صفات جلسات الصلاة. # والثالث: التربع؛ لأنه أمكن في الجلوس من الافتراش والتورك؛ وليكون ~~الجلوس، الذي هو بدل عن القيام، مخالفا للجلوس المشروع في الصلاة. PageV01P453 # والرابع: جلوس المتعلم؛ فيقيم ركبة، ويضع على الأرض أخرى؛ لأن التربع ~~هيئته هيئة تكبر، وجلوس المتعلم هيئة تواضع؛ فهو أشبه أن يكون بدلا عن ~~القيام، والله أعلم. # وقولها: "وكان ينهى عن عقبة الشيطان"، ويروى: "عن عقب الشيطان" (¬1). # أما عقبة: بضم العين، وسكون القاف، وأما عقب: فبفتح العين، وكسر القاف؛ ~~وكلاهما في "صحيح مسلم"، وروى بعضهم الثاني، بضم العين؛ وهو ضعيف. # وفسره أبو عبيد: بالإقعاء المنهي عنه؛ وهو أن يلصق إليته بالأرض، وينصب ~~ساقيه، ويضع يديه على الأرض؛ وهو ضعيف. # والمشهور في تفسيره: بأن يفرش قدميه، ويجلس بإليته على عقبيه، وسمي ذلك ~~بالإقعاء -أيضا - (¬2). # وأما الإقعاء الذي هو سنة، الثابت في "صحيح مسلم"، من رواية ابن عباس؛ ~~فهو: أن ينصب أصابع قدميه، ويجلس بوركيه على عقبيه؛ فليس من هذين التفسيرين ~~بشيء، والله أعلم. # وقولها: "وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع"؛ وهو أن يضع ذراعيه ~~على الأرض في السجود، والسنة: أن يرفعهما، ويكون الموضوع على الأرض كفيه فقط. # وقولها: "وكان يختم الصلاة بالتسليم"؛ معناه: يتحلل منها بالتسليم؛ كما ~~قال - صلى الله عليه وسلم -: "تحليلها التسليم" (¬3)، ولا شك ms0277 أنه كما أن ~~تحريمها التكبير، أو ما في PageV01P454 # معناه من التعظيم، على قول أبي حنيفة؛ وكذلك تحليلها، فيقتضي الوجوب فيه، ~~مع قوله - صلى الله عليه وسلم -: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (¬1). # وبوجوبه قال مالك، والشافعي، وأحمد، وجمهور العلماء من السلف، والخلف؛ ~~قالوا: لا تصح الصلاة إلا به. # وقال أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي: هو سنة، ولو تركه صحت صلاته. # قال أبو حنيفة: لو فعل منافيا للصلاة؛ من حدث، أو غيره، في آخرها؛ صحت ~~صلاته، واحتج: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعلمه للأعرابي حين ~~علمه واجبات الصلاة. # فاحتج الجمهور: بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبما ذكرناه، والله أعلم. # واعلم: أن المشروع تسليمتان؛ وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد، ~~والجمهور. # وذهب مالك، في طائفة: إلى أن المشروع تسليمة؛ وهو قول ضعيف عن الشافعي. # ثم التسليمة الثانية سنة بالاتفاق، وشذ بعض الظاهرية، والمالكية؛ ~~فأوجبها؛ وهو شاذ مخالف لإجماع من قبله، والله أعلم. # وفي هذا الحديث فوائد وأحكام؛ غير ما ذكرنا في ألفاظه ومعانيه: # منها: نقل أقواله وأفعاله وأحواله إلى الأمة؛ كما فعلت عائشة، وتلقته ~~الأمة عنها بالقبول، خصوصا في أحكام الصلاة. # ومنها: افتتاح الصلاة بالتكبير، ووجوبه، وتعينه. # ومنها: وجوب القراءة في الصلاة، وأنه الفاتحة، وقد ثبت في "صحيح ابن ~~خزيمة" "وابن حبان"، أحكام الصلاة، مرفوعا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: "لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب" (¬2). PageV01P455 # ومنها: تسمية السورة ببعضها، وكل سور القرآن في التسمية، كالفاتحة، ثم ~~التسمية بالبعض؛ قد يكون لعظم لفظه، ومعناه، وقد يكون لشهرة قصته، وقد يكون ~~لعظم المنة به، وقد يكون لتفخيم ذكر المنعوت في السورة، وقد يكون لغير ذلك، ~~على ما اقتضته التسمية. # ومنها: تسوية الظهر في الركوع؛ بحيث يستوي رأسه، ومؤخره. # ومنها: وجوب الاعتدال، إذا رفع رأسه من الركوع؛ بحيث يستوي قائما. # ومنها: وجوب الجلوس بين السجدتين. # ومنها: وجوب التشهد الأول، والأخير؛ وهو مذهب أحمد، وأصحاب الحديث. # وقال الشافعي: الأول سنة، والثاني واجب. # وقال مالك، وأبو حنيفة، والأكثرون: هما سنتان، ليستا واجبتين. ms0278 # دليل أحمد، والمحدثين: هذا الحديث، مع قوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"صلوا كما رأيتموني أصلي" (¬1)، وبقول ابن مسعود - رضي الله عنه -: "كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا التشهد؛ كما يعلمنا السورة من ~~القرآن" (¬2)، وبقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا صلى أحدكم، فليقل: ~~التحيات" (¬3)، والأمر للوجوب. # لكن قال أحمد -رحمه الله-: يجبر التشهد الأول بسجود السهو؛ فإن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - تركه، وجبره بسجود السهو؛ فحينئذ يبقى الخلاف بينه ~~وبين الشافعي؛ في تسميته واجبا، أو سنة، لكن اعتضد أحمد في تسميته واجبا ~~بالقياس على PageV01P456 # واجب الحج؛ فإنه إذا ترك، جبر بدم؛ وكذلك التشهد الأول واجب، يجبر بسجود السهو. # أجاب الشافعي عن ذلك: بأن الأصل في الواجب: أنه يتعين الإتيان به، ولا ~~يجوز تركه، ولا جبره، جوز في الحج؛ لمشقة العبادة، ولمواساة الفقراء من أهل ~~الحرم، ولدخول النيابة فيه؛ للتخفيف، بخلاف الصلاة؛ فإنها عبادة بدنية، لا ~~مشقة فيها، ولا يدخلها النيابة، ولا تكفر بالمال؛ بل لا بد من الإتيان بها ~~على كل حال، ما دام العقل ثابتا، حتى في مقابلة العدو، وغيره؛ فافترقا، ~~والله أعلم. # واحتج الأكثرون حيث قالوا: هما سنتان: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ترك التشهد الأول، وجبره بسجود السهو، ولو وجب، لم يصح جبره؛ كالركوع، ~~وغيره من الأركان، قالوا: وإذا ثبت هذا في الأول؛ فالأخير بمعناه؛ ولأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعلمه للأعرابي المسيء صلاته، حين علمه ~~فروض الصلاة. # وأجاب الشافعي: بأنه لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا غيره؛ ~~تركه عمدا، ولا سهوا، ولا جبره بسجود سهو؛ فاقتضى الوجوب؛ كالركوع، ~~والسجود، بخلاف التشهد الأول، والله أعلم. # ومنها: شرعية الافتراش في جلسات الصلاة، وتقدم الكلام عليه مستوفى، ثم هو ~~وغيره من هيئات الجلسات في الصلاة مسنونة؛ فلو جلس في الجميع مفترشا، أو ~~متوركا، أو متربعا، أو مقعيا، أو مادا رجليه؛ صحت صلاته، وإن كان مخالفا. # ومنها: شرعية مخالفة الشيطان في الجلوس في الصلاة، وغيرها، ولا شك أن كل ~~حالة؛ من قول، ms0279 أو فعل، أو حركة، أو سكون، أو خطرة، أو نظرة، أو فكرة مخالفة ~~للشرع؛ فهي شيطانية، لكن بعضها دخل في المجاوزة، التي امتن الله تعالى بها، ~~وبعضها لم يدخل، والله أعلم. # ومنها: مخالفة الحيوان؛ كالكلب، وغيره، في حالة افتراش ذراعيه، وغيرها، ~~خصوصا في الصلاة، ولا شك أن الله تعالى جبل الحيوانات على PageV01P457 # أحوال محمودة، ومذمومة؛ فيبين الشرع ما كان محمودا منها، ومذموما؛ ~~للاكتساب، والاجتناب. # وقد صنف بعض العلماء كتابا في "تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب"، ~~وكل ذلك كرما منه سبحانه؛ لتكريم النوع الإنساني، ليقتدي، أو يرتدي، والله أعلم. # ومنها: شرعية السلام آخر الصلاة، وتقدم الكلام عليه، ولفظه: السلام ~~عليكم، فلو قال: ورحمة الله، كان أفضل. # وأجمع من يعتد به: على أنه لا يجب إلا تسليمة واحدة. # وإن سلم واحدة: استحب أن يسلمها تلقاء وجهه. # وإن سلم تسليمتين: جعل الأولى عن يمينه، والثانية عن يساره، ويلتفت في كل ~~تسليمة؛ حتى يرى من عن جانبه خده، وقيل: خديه. # ولو سلم التسليمتين؛ عن يمينه، أو عن يساره، أو تلقاء وجهه، أو الأولى عن ~~يمينه، والثانية عن يساره: صحت صلاته، وحصلت التسليمتان، ولكن فاتته ~~الفضيلة في كيفيتهما، والله تعالى أعلم. # ومنها: استحباب مجافاة المرفقين عن الجنبين في السجود؛ لأنه إذا نهي عن ~~افتراش ذراعيه، لزم منه رفعهما؛ فلزم منه مجافاتهما، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كان يرفع يديه حذو منكبيه؛ إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع ~~رأسه من الركوع؛ رفعهما كذلك، وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ~~وكان لا يفعل ذلك في السجود (¬1). PageV01P458 # أما ابن عمر، فتقدم الكلام عليه. # اعلم: أن سبب شرعية رفع اليدين؛ كما قيل: # أن كفار قريش، وغيرهم، كانوا يظهرون الصلاة مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، وأصنامهم تحت آباطهم، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - برفعهما؛ ~~ليرفعوها معه، فتسقط أصنامهم. # وقيل: كانوا يرفعون أيديهم عند طلب العفو، في محاصرة ms0280 أعدائهم لهم، فجعل ~~الله تعالى ذلك في الصلاة؛ استسلاما له، وانقيادا. # وقيل: لرفعهم أيديهم في الغارات، بالصياح والتكبير؛ فجعل الله ذلك في ~~الصلاة، والله أعلم. # ثم رفعهما مع التكبير للإحرام، مشروع بالإجماع؛ للأحاديث الثابتة فيه، ~~كهذا الحديث، وغيره. # واختلف العلماء في الرفع فيما سواهما: # فقال الشافعي، وأحمد، وجمهور الصحابة، فمن بعدهم: يشرع رفعهما -أيضا- عند ~~الركوع، وعند الرفع منه، وهو رواية عن مالك، وهذا الحديث يدل على ذلك. # وللشافعي قول: إنه شرع رفعهما في موضع رابع؛ وهو إذا قام من التشهد ~~الأول؛ وهو الصواب، فقد صح في "البخاري"، عن ابن عمر: أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، كان يفعله (¬1)، وصح -أيضا- في "سنن أبي داود، والترمذي"؛ ~~بأسانيد صحيحة، من رواية أبي حميد الساعدي (¬2). PageV01P459 # فهو مذهب الشافعي، فقد قال - رضي الله عنه -: إذا صح الحديث، فهو مذهبي (¬1). # وقال أبو بكر بن المنذر، وأبو علي الطبري من أصحاب الشافعي، وبعض أهل ~~الحديث: يستحب -أيضا- في السجود. # وقال أبو حنيفة، وأصحابه، وجماعة من أهل الكوفة: لا يستحب في غير تكبيرة ~~الإحرام. # وهو مشهور الروايات عن مالك. # وأجمعوا على: أنه لا يجب شيء من الرفع، وحكي عن داود: إيجابه عند تكبيرة ~~الإحرام، وبه قال الإمام أبو الحسن أحمد بن سيار السياري من أصحاب الشافعي: ~~أصحاب الوجوه. # وأما صفة الرفع، فلا شك أنه رفعهما في هذا الحديث حذو منكبيه. # وفي رواية في "صحيح مسلم": أنه رفعهما حتى حاذى بهما أذنيه، وفي رواية ~~فيه -أيضا-: أنه حاذى بهما فروع أذنيه (¬2). # وقد جمع الشافعي -رحمه الله- بين هذه الروايات: بأنه - صلى الله عليه ~~وسلم - جعل كفيه محاذيا منكبيه، وأطراف أصابعه على أذنيه، وإبهاميه بشحمتي ~~أذنيه، فاستحسن الناس ذلك منه؛ وذلك معنى قول ابن عمر، والعلماء: إنه كان ~~يرفع يديه حذو منكبيه. # وأما وقت الرفع: فظاهر رواية ابن عمر هذه: أنه يبتدئ الرفع مع ابتداء ~~التكبير، ولم يتعرض فيها لوقت وضعهما، وفي "صحيح مسلم": أنه رفعهما، ثم ~~كبر، وفي رواية فيه: كبر، ثم رفع يديه (¬3)؛ فهذه حالات فعلها PageV01P460 # رسول الله - صلى الله ms0281 عليه وسلم -؛ بيانا لجواز كل واحد منها؛ وهي أوجه ~~لأصحاب الشافعي: # الأصح: أنه يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير، ولا استحباب في الانتهاء. # وقيل: يرفعهما غير مكبر، ثم يبتدئ التكبير مع إرسالهما، وينهيه مع ~~انتهائه. # وقيل: يرفع غير مكبر، ثم يكبر ويداه قارتان، ثم يرسلهما. # وقيل: يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير، وينهيهما معا. # وقيل: يبتدئ بهما معا، وينهي التكبير مع انتهاء الإرسال، والله أعلم. # واختلف العلماء في حكمة الرفع: # فقال الشافعي -رحمه الله-: فعلته إعظاما لله تعالى، واتباعا لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -. # وقال غيره: هو استكانة، واستسلام، وانقياد، وكان الأسير إذا غلب، مد ~~يديه؛ علامة لاستسلامه. # وقيل: هو إشارة إلى استعظام ما دخل فيه. # وقيل: هو إشارة إلى طرح أمور الدنيا، والإقبال بجملته على صلاته، ~~ومناجاته -سبحانه وتعالى-؛ كما تضمن ذلك قوله: الله أكبر، فيتطابق فعله، وقوله. # وقيل غير ذلك، وفي أكثر ذلك نظر، والله أعلم. # وقوله: "وإذا رفع رأسه من الركوع، رفعهما كذلك، وقال: سمع الله لمن حمده، ~~ربنا ولك الحمد"، تقدم الكلام على معنى ذلك، وإثبات الواو، وحذفها. # وأما قوله: "وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد"؛ فمقتضاه: أن ~~الإمام يجمع بينهما؛ لأن ابن عمر إنما أخبر عن الغالب من حالة النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، وهو - رضي الله عنه - من المقتفين لأفعاله، وأحواله، ~~وآثاره - صلى الله عليه وسلم -؛ فغير ذلك نادر جدا. PageV01P461 # ومعنى سمع الله لمن حمده: استجاب دعاء من حمده. # واعلم: أنه يبدأ في قوله: سمع الله لمن حمده؛ حين يشرع في رفعه من ~~الركوع، ويمده حتى ينتصب قائما، ثم يشرع في ذلك الاعتدال؛ وهو ربنا ولك ~~الحمد، إلى آخره؛ وهذا مذهب الشافعي. # وطائفة قالوا: استحب ذلك لكل مصل؛ من إمام، ومأموم، ومنفرد؛ فيجمعون ~~بينهما على الوجه المذكور؛ من أن سمع الله لمن حمده ذكر لحالة الرفع من ~~الركوع، وربنا لك الحمد ذكر لحالة الاستواء منه؛ فإن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فعلهما جميعهما، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "صلوا كما رأيتموني ~~أصلي" (¬1). # وقوله: ms0282 "وكان لا يفعل ذلك في السجود"، معناه: لا يرفع يديه في ابتداء ~~السجود، والرفع منه، ولعل مراده في الابتداء، وكأنه أقرب؛ وبه قال أكثر ~~الفقهاء: إنه لا يسن رفع اليدين عند السجود. # وخالف فيه بعضهم، فقال: يرفع؛ لحديث ورد فيه؛ وكأنه اعتمد أنه زيادة، ~~فثبت العمل بها، وتقديم القول بها على من نفاها، أو سكت عنها. # لكن من ترك الرفع، رجح رواية ابن عمر في ترك الرفع من السجود، لكن ~~الترجيح إنما يكون عند التعارض، ولا تعارض بين رواية من أثبت الزيادة، أو ~~نفاها، أو سكت عنها؛ إلا أن يكون ذلك جميعه منحصرا متحدا في وقت واحد؛ فيجب ~~العمل بالزيادة؛ وهذا كله إذا ثبتت صحة الزيادة. # أما إذا كانت ضعيفة؛ فلا تعارض بينهما، ويجب تقديم الثابتة، وحديث ابن ~~عمر في نفي الرفع عند السجود ثابت، وحديث إثباته ضعيف، والله أعلم. # وفي الحديث مسائل: # منها: التكبير في الهوي إلى الركوع؛ وهو سنة عند العلماء كافة، إلا أحمد ~~بن حنبل، في إحدى الروايتين عنه؛ فإنه أوجبه؛ وكذلك حكم جميع PageV01P462 # التكبيرات، ما عدا تكبيرة الإحرام؛ فإنها واجبة قطعا. # ومنها: أن الرفع لليدين يكون مع ابتداء التكبير للهوي إلى الركوع، لكنه ~~يستحب بسط التكبير على الهوي، إلى أن ينتهي راكعا، ثم يشرع في ذكر الركوع. # ومنها: شرعية رفع اليدين في المواضع الثلاثة المذكورة؛ على ما ذكرناه. # ومنها: استحباب الجمع بين قوله: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد"؛ ~~للإمام، وقد تقدم الكلام عليه. # ومنها: استحباب عدم الرفع في السجود، والرفع منه. # ومنها: أن أفعاله - صلى الله عليه وسلم - حجة؛ كأقواله. # ومنها: وجوب نقلها، وتبليغها، والعمل بها؛ على مراتبها من الوجوب، ~~والندب. # ومنها: فضل الصحابة على من بعدهم؛ حيث ضبطوا، وبلغوا، وعلموا، وبذلوا ~~الجهد في ذلك، والله أعلم. # واعلم: أنه إذا ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - سنة؛ وجب اعتقاد ~~شرعيتها، والعمل بها: فإن كانت واجبة: كان الاعتقاد والعمل واجبين. # وإن كانت مندوبة: وجب اعتقاد ندبيتها، من حيث هو مندوب، ولم يجب العمل ~~بها؛ ms0283 لكن يستحب ويتأكد، ما لم يعارضه مراعاة واجب؛ في نفس، أو مال، أو ~~عيال، أو حق واجب غيرها، والله أعلم. # وقد صنف الإمام أبو عبد الله البخاري -رحمه الله- كتابا في رفع اليدين ~~مستقلا، رد فيه على [من] منع الرفع؛ وهو روايتنا، والله أعلم (¬1). PageV01P463 ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة -وأشار بيده إلى ~~أنفه-، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين" (¬1). # أما ابن عباس، فتقدم الكلام عليه. # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم": # فالآمر له - صلى الله عليه وسلم -: هو الله تعالى؛ بواسطة جبريل - صلى ~~الله عليه وسلم -، وبالإلهام، وبغير ذلك من الطرق؛ كالرؤيا، والأمر يقتضي ~~الوجوب. # وسمى الجبهة، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين: أعظما، وإن كانت ~~مشتملة على غيرها، وعلى أكثر من سبعة عظام؛ مجازا، من باب تسمية الجملة ~~باسم بعضها، وأراد - صلى الله عليه وسلم - الأعضاء. # ثم ظاهر الحديث دال على: وجوب السجود على هذه الأعضاء: # أما الجبهة: فهي التي يكتنفها الجبينان، والسجود عليها واجب عينا؛ عند ~~الشافعي، ومالك، وجمهور العلماء، والسجود على الأنف: مستحب. # وأوجب السجود عليهما: أحمد، وابن حبيب المالكي. # وقال أبو حنيفة، وابن القاسم من أصحاب مالك: هما واجبان على البدل؛ على ~~أيهما اقتصر أجزأه. # ولم يختلف قول الشافعي؛ في وجوب السجود على الجبهة، واختلف قوله؛ في وجوب ~~السجود على اليدين، والركبتين، والقدمين؛ على قولين: الراجح عنده، وعند ~~أكثر أصحابه: الوجوب، ورجح بعض أصحابه: عدم الوجوب، وأجمعوا على استحباب ~~السجود عليها. PageV01P464 # فإذا قلنا بالوجوب؛ فلو أخل بعضو منها: لم تصح صلاته. # واستدل من قال بعدم الوجوب: بقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث رفاعة ~~- رضي الله عنه -: ثم سجد فمكن جبهته (¬1)؛ وهذا غلبة دلالة مفهوم لقب، أو ~~غاية، ودلالة المنطوق على وجوب السجود على الأعضاء المذكورة مقدم عليه. # وليس هذا من باب تخصيص العموم بالمفهوم؛ في قوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"جعلت لي الأرض ms0284 مسجدا، وطهورا" (¬2)، مع الزيادة المنقولة من جماعة من ~~الثقات: "وتربتها طهورا" (¬3)؛ فإنه يعمل بها؛ لما يلزم من العمل بالعموم، ~~والمفهوم بخلاف هذا؛ فإنا إذا قدمنا دلالة المفهوم فيه، أسقطنا الدلالة على ~~وجوب السجود على هذه الأعضاء الستة: اليدين، والركبتين، والقدمين؛ مع تناول ~~اللفظ لها بخصوصها. # وأضعف من هذا: ما استدل به على عدم الوجوب؛ من إضافة السجود إلى الوجه، ~~في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "سجد وجهي للذي خلقه" (¬4)؛ حيث لا يلزم ~~من الإضافة إليه، انحصار السجود فيه. # وأضعف منه: الاستدلال بأن مسمى السجود يحصل بوضع الجبهة؛ فإن الحديث يدل ~~على إثبات زيادة في المسمى، فلا يترك. # وأضعف منه: المعارضة بقياس شبهي؛ ليس بقول، مثل أن يقال: أعضاء الوضوء لا ~~يجب كشفها، فلا يجب وضعها؛ كغيرها من الأعضاء، سوى الجبهة. # فالقول بالوجوب راجح؛ نقلا ودليلا. PageV01P465 # واستدل لأبي حنيفة، ومن قال بقوله: في الاكتفاء بالسجود على الأنف، وأنه ~~أيهما سجد عليه؛ من الجبهة، والأنف، أجزأه: برواية في بعض طرق حديث ابن ~~عباس هذا: "الجبهة والأنف" (¬1)، وفي الرواية التي ذكرها المصنف في الكتاب: ~~"وأشار بيده إلى أنفه"؛ فيحتمل أن معناه: أنهما جعلا كالعضو، ويكون الأنف ~~كالتبع للجبهة، وقوي هذا الاحتمال بوجهين: # أحدهما: لو كان الأنف كعضو منفرد عن الجبهة حكما، لكانت الأعضاء المأمور ~~بالسجود عليها، ثمانية لا سبعة؛ فيخرج الحديث عن مطابقة العدد المذكور فيه. # الثاني: اختلاف عبارة الحديث؛ في ذكره لفظا، أو إشارة؛ فإذا جعلا كعضو ~~واحد، أمكن أن تكون الإشارة إلى أحدهما، إشارة إلى الآخر؛ فتتطابق الإشارة ~~والعبارة، وحينئذ ربما يستبيح منه إجزاء السجود على الأنف وحده؛ لأنهما ~~كعضو واحد، فإذا سجد على بعضه، أجزأه. # لكن الحق أن هذا لا يعارض رواية التصريح بذكرهما، ودخولهما تحت الأمر، ~~وإن اعتقد أنهما كعضو من حيث العدد؛ فهو في التسمية لفظا، لا في الحكم ~~الدال عليه الأمر، مع أن الإشارة لا تعين المشار إليه، بل قد تتعلق ~~بالجبهة؛ فتكون الإشارة إلى ما قاربه، لا إليه يقينا، بخلاف اللفظ؛ فإنه ~~يتعين لما وضع له. ms0285 # ثم المراد باليدين المأمور بالسجود عليهما: الكفان، واعتقد قوم: أن مطلق ~~اليدين، يحمل عليهما؛ كما في قوله تعالى: {فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38]، ~~واستنتجوا من ذلك: أن التيمم إلى الكوعين؛ كما تقدم، وبالجملة إن اتضح هذا، ~~أم لم يتضح؛ فالمراد هنا: الكفان؛ لأنا لو حملنا الحديث على الكفين، ~~والذراع، لكان أمرا بالمنهي عنه؛ من افتراش الكلب، أو السبع؛ وهو مستحيل أن ~~يكون الشيء الواحد مأمورا به، منهيا عنه. PageV01P466 # ثم المراد بالكفين: الراحة، والأصابع، من غير اشتراط جمعها، بل يكفي ~~أحدهما؛ فلو سجد على ظهر الكف: لم يكفه؛ هكذا ذكره بعض أصحاب الشافعي ~~المصنفين. # ولم يختلف قولهم؛ في أنه لا يجب كشف الركبتين في السجود، ومباشرة المصلي ~~بهما، بل يكفي وضعهما؛ لما يلزم منه من كشف العورة؛ وهو منهي عنه. # وأما القدمان: فلا يجب كشفهما -أيضا-؛ لأن الشارع وقت المسح على الخفين ~~بمدة تقع فيها الصلاة مع الخف، فلو وجب كشفهما؛ لوجب نزع الخف، وبطلت ~~طهارتهما، أو كل الطهارة، وبطلت الصلاة؛ وهذا باطل، وقد ثبت أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - صلى في الخفين؛ في غير حديث. # وأما الكفان: ففي كشفهما قولان للشافعي مترددان: بين الجبهة؛ فيجب ~~كشفهما، وبين الركبتين، والقدمين؛ فلا يجب، وأصحهما عند المحققين: عدم ~~الوجوب، مع اتفاقهم على تأكد استحبابه. # مع أن لفظ الحديث لا يدل على وجوب كشف شيء من الأعضاء السبعة؛ بل يدل ~~على: وجوب الوضع على الأرض؛ فمن وضعها، فقد خرج عن العهدة، وأتى بما أمر ~~به؛ فيكفي مسمى السجود: بالوضع، والزائد عليه: خلاف الأصل، فهل يضم الزائد ~~إلى فعل المأمور به؛ فيجعل علة للإجزاء، أو جزء علة؟! فيه نظران، والله أعلم. # مع أن للشافعي، في وضع ما عدا الجبهة على الأرض؛ قولين، أصحهما: الوجوب؛ ~~للحديث، وعللوا عدم وجوب وضعها: بأنه ليس بأصل؛ لمطلوب السجود عليها، وإنما ~~هو للتبعية للسجود على الجبهة، وإذا وجب الشيء للتبعية والتمكين، لا يلزم ~~منه الوجوب بالأصالة؛ ولهذا لو زوحم عن السجود على الأعضاء المذكورة، ~~وأمكنه السجود على الجبهة: صح سجوده، ms0286 والصلاة به. # والجواب عن هذا: أنه لا يلزم من صحة الصلاة، بالاقتصار على الجبهة في PageV01P467 # هذه الصورة؛ إلا يكون الوضع في باقي الأعضاء واجبا، عند التمكن من السجود ~~عليها، ويكون سقط الوجوب فيها؛ لعذر الازدحام، وعدم إبطال العبادة، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الخامس # عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إذا قام إلى الصلاة، يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يرفع، ثم يقول: سمع الله ~~لمن حمده حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول، وهو قائم: ربنا ولك الحمد، ثم ~~يكبر حين يهوي، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع ~~رأسه، ثم يفعل ذلك في صلاته كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين ~~بعد الجلوس (¬1). # اعلم: أن حديث أبي هريرة هذا مجمع على العمل به اليوم؛ في أن المصلي يكبر ~~في كل خفض، ورفع، إلا من رفعه من الركوع؛ فإنه يقول: سمع الله لمن حمده. # وكان في التكبير خلاف زمن أبي هريرة؛ فكان بعضهم لا يرى التكبير إلا ~~للإحرام، وبعضهم يزيد على بعض ما في حديثه؛ وكأنهم لم يبلغهم فعل رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -؛ ولهذا كان أبو هريرة يقول في بعض الروايات: إني ~~لأشبهكم صلاة برسول الله (¬2)، واستقر العمل عليه بعده إلى الآن. # ثم هذا الحديث يصرح؛ أن في [كل] ركعة خمس تكبيرات؛ فالثنائية: إحدى عشرة ~~تكبيرة، بتكبيرة الإحرام، والثلاثية: سبع عشرة تكبيرة، بتكبيرة PageV01P468 # الإحرام، وتكبيرة القيام من التشهد الأول، والرباعية: ثنتان وعشرون ~~تكبيرة بها، وخمس في كل ركعة؛ ففي الصلوات الخمس أربع وتسعون تكبيرة، والله أعلم. # وقد تقدم قريبا؛ أن جميع التكبيرات سنة؛ عند العلماء كافة، إلا أحمد بن ~~حنبل، في إحدى الروايتين عنه؛ فإنه أوجبها، وأجمعوا على وجوب تكبيرة ~~الإحرام. # وقوله: "يكبر حين يقوم"؛ يقتضي: إيقاع التكبير في حال القيام، ولا شك أنه ~~واجب للتكبير، وقراءة الفاتحة؛ عند من يوجبها، مع القدرة؛ وكل انحناء يمنع ~~اسم القيام عند التكبير يبطل التحريم، ويقتضي عدم ms0287 انعقاد الصلاة. # وقوله: "ثم يكبر حين يركع"؛ يقتضي مقارنة التكبير لابتداء الركوع، إلى ~~حين انتهائه إلى حده، ويمده على ذلك، ثم يشرع في تسبيح الركوع المشروع فيه. # وقوله: "ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صلبه من الركعة"؛ يقتضي: ~~ابتداء قول التسميع حال ابتداء الرفع من الركوع، إلى حين ينتصب قائما، ~~ويمده عليه، ويدل على أنه ذكر هذه الحالة، ولا شك أن الفعل يطلق على ابتداء ~~الشيء وجملته حالة مباشرته، فحمله عليها لكونه مستصحبا للذكر في جميع ~~مباشرته له أولى؛ لئلا يخلو جزء من الفعل عن ذكر. # ومعنى حين يرفع صلبه من الركعة؛ أي: حين يبتدئ الرفع. # وقوله: "ثم يقول: ربنا ولك الحمد؛ وهو قائم"؛ دليل على: أن التحميد ذكر ~~الاعتدال من الركوع، وأن ابتداءه حال ابتداء الاعتدال حين ينتصب قائما. # وعلى: أن كلا من التسميع، والتحميد في محلهما؛ يشرعان لكل مصل؛ جمعا بينه ~~وبين قوله - صلى الله عليه وسلم -: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (¬1)، وتخصيص ~~جمعهما بالإمام؛ خلاف الأصل، وتخصيص من غير مخصص. PageV01P469 # وقوله: "ثم يكبر حين يهوي"؛ يقال: هويت إلى الأرض -بفتح الواو-؛ بمعنى: ~~سقط؛ وكذلك يقال بمعنى: هلك، ومات؛ ومنه قوله تعالى {ومن يحلل عليه غضبي ~~فقد هوى} [طه: 81]، ومن الأول: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فهو يهوي في ~~النار" (¬1)؛ أي: ينزل ساقطا، يقال من السقوط: هوى يهوي. # وزعم بعضهم أن صوابه: أهوى إلى الأرض، وليس ذلك بشيء. # وقيل: أهوى؛ من قريب، وهوى؛ من بعيد. # ومعناه: ثم يكبر حين يهوي ساجدا" (¬2)؛ وهو ثابت في "صحيح مسلم"، والكلام ~~في ابتدائه وانتهائه؛ كالكلام فيما قبله، وكذلك الكلام فيما بعده. # وكذلك، يشرع في التكبير للقيام من التشهد الأول؛ حين يشرع في الانتقال، ~~ويمده حتى ينتصب قائما؛ هذا مذهبنا، ومذهب كافة العلماء، إلا مالكا؛ فإنه ~~قال: لا يكبر للقيام من التشهد الأول حتى يستوي قائما؛ وهو مروي عن عمر بن ~~عبد العزيز. # وظاهر هذا الحديث يخالف ذلك؛ لأن محل قوله: "حين يقوم من الثنتين، بعد ~~الجلوس" قبل الاستواء للقيام، ويرجح -أيضا- من ms0288 جهة المعنى؛ بشغل زمن الفعل ~~بالذكر، والله أعلم. # وتقدم في الأحاديث قبله، وفي الكلام عليه؛ ما يتعلق بأحكامه، والله أعلم. # * * * PageV01P470 ### ||| AUTO الحديث السادس # عن مطرف بن عبد الله قال: صليت أنا وعمران بن حصين خلف علي بن أبي طالب ~~-رضي الله عنه-، فكان إذا سجد كبر، وإذا رفع رأسه كبر، وإذا نهض من ~~الركعتين كبر؛ فلما قضى الصلاة، أخذ بيدي عمران بن حصين، وقال: ذكرني هذا ~~صلاة محمد - صلى الله عليه وسلم -، أو قال: "صلى بنا صلاة محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - (¬1). # أما مطرف: # فكنيته: أبو عبد الله بن عبد الله بن الشخير -بكسر الشين، وتشديد الخاء ~~المشددة المعجمتين، وبالياء المثناة تحت، ثم الراء- بن عوف بن كعب بن وقدان ~~بن الحرش -بفتح الحاء المهملة، وآخره شين معجمة-، التابعي الجليل، البصري ~~العامري، أخو أبي العلاء. # مات سنة خمس وتسعين، اتفقا على إخراج حديثه في الصحيحين، وروى له: أصحاب ~~السنن والمساند. # اتفقوا على: ثقته، وجلالته، وورعه، وعقله، وأدبه، وكان مجاب الدعوة؛ كان ~~بينه وبين رجل كلام، فكذب عليه؛ فقال مطرف: اللهم إن كان كاذبا، فأمته، فخر ~~مكانه ميتا، فرفع ذلك إلى زياد، فقال: قتلت الرجل، فقال: لا، ولكنها دعوة ~~وافقت أجلا (¬2). # وأما عمران، وعلي؛ فتقدما، والكلام عليهما. PageV01P471 # وهذا الحديث يدل على: تمام التكبير في حالات الانتقالات؛ وهو الذي استقر ~~عليه العمل، وأجمع عليه فقهاء الأمصار؛ كما تقدم، وتقدم الاختلاف في ~~وجوبها؛ وهو مبني على: أن الفعل للوجوب، أم لا؟ وإذا لم يكن للوجوب، رجع ~~البحث إلى: أن الفعل بيان للمجمل، أم لا؟ ومن ها هنا مأخذ من يرى الوجوب. # والأكثرون على الاستحباب، فإذا قلنا به، فتركه، هل يسجد للسهو له إذا ~~تعدد، أم لواحد منه، أم لا يسجد؟ فيه اختلاف، وليس لذلك تعلق بهذا الحديث، ~~إلا أن يستدل به على: أن التكبيرات المذكورة سنة، مع انضمام أن المستحب ~~مطلقا يقتضي سجود السهو لتركه، فيصير المجموع دليلا على ذلك، وأما التفرقة ~~بين كون المتروك مرة، أو أكثر؛ فهو راجع إلى الاستحباب، وتخفيف أمر ms0289 المرة ~~الواحدة، ومذهب الشافعي: أن تركها لا يوجب السجود، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث السابع # عن البراء بن عازب -رضي الله عنهما- قال: رمقت صلاة محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -، فوجدت قيامه، فركعته، فاعتداله بعد ركوعه، فسجدته، فجلسته بين ~~السجدتين، فسجدته، فجلسته ما بين التسليم، والانصراف؛ قريبا من السواء. # وفي رواية البخاري: ما خلا القيام والقعود، قريبا من السواء" (¬1). # أما البراء؛ فتقدم ذكره. # هذا الحديث بصراحته يدل على: تخفيف القراءة، والتشهد، وإطالة الطمأنينة ~~في الركوع، والسجود، وفي الاعتدال عن الركوع، وعن السجود، PageV01P472 # ونحو هذا قد ثبت في "صحيح مسلم"، من رواية أنس، قال: ما صليت خلف أحد ~~أوجز صلاة؛ من صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، في تمام (¬1). # ولا شك، أن قوله: "قريبا من السواء"؛ يدل على بعضها، كان فيه طول يسير ~~على بعض؛ وذلك في القيام، ولعله في التشهد كذلك؛ لأنه يقتضي: إما تطويل ما ~~العادة فيه التخفيف، أو تخفيف ما العادة فيه التطويل، في القيام؛ كقراءة ما ~~بين الستين إلى المئة في الصبح. # وكما ثبت في قراءة صلاة الظهر؛ بحيث يذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضي ~~حاجته، ثم يتوضأ، ثم يأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ وهو في الركعة ~~الأولى؛ مما يطولها. # وقد ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم -؛ قرأ سورة المؤمنين، حتى بلغ ذكر ~~موسى وهارون (¬2)، وأنه - صلى الله عليه وسلم -؛ قرأ في المغرب بالطور ~~(¬3)، والمرسلات (¬4)، وفي "صحيح البخاري": أنه قرأ فيها بالأعراف (¬5)، ~~وأشباه هذا. # ويوافق هذا ما رواه مسلم، في رواية هذا الحديث؛ من عدم ذكر القيام، وما ~~ذكره البخاري؛ كما ذكره المصنف: أن ما خلا القيام، والقعود؛ قريبا من ~~السواء. # ومعلوم أن القيام يشمل قيام القراءة، وقيام الاعتدال، والقعود يشمل قعود ~~التشهد، وقعود الجلوس بين السجدتين؛ فحينئذ يجمع بين الروايات كلها؛ بأنها PageV01P473 # محمولة على اختلاف أحوال؛ ففي أوقات يطول، وفي أوقات يخفف. # ذهب بعضهم إلى: أن التخفيف هو المتأخر من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، بعد ذلك التطويل، وقد ورد في بعض الأحاديث: أن صلاته ms0290 - صلى الله عليه ~~وسلم - كانت بعد تخفيفا (¬1)، وأن الذي ذكره البخاري؛ وهو قوله: ما خلا ~~القيام، والقعود، صحيح، وأن ذكر القيام في رواية الكتاب وهم من الراوي. # قال شيخنا أبو الفتح القاضي: وهذا بعيد عندنا؛ لأن توهيم الراوي الثقة، ~~على خلاف الأصل، لا سيما إذا لم يدل دليل قوي لا يمكن الجمع بينه وبين ~~الزيادة؛ على كونها وهما. # وليس هذا من باب العموم والخصوص؛ حتى يحمل العام على الخاص، فيما عدا ~~القيام؛ فإنه قد صرح من حديث البراء، بذكر القيام، ويمكن الجمع بينهما؛ بأن ~~يكون فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك كان مختلفا؛ فتارة: يستوي ~~الجميع، وتارة: يستوي ما عدا القيام، والقعود. # وليس في هذا، إلا أحد أمرين: # إما الخروج عما تقتضيه لفظة (كان) من المداومة، أو الأكثرية. # وإما أن يقال: الحديث اختلف رواته عن واحد؛ فيقتضي ذلك: التعارض، ولعل ~~هذا هو السبب الذي دعا من ذكرناه عنه؛ أنه نسب تلك الرواية إلى الوهم إلى ~~من قاله؛ وهذا هو الوجه الثاني؛ أعني: اتخاذ الرواية أقوى من الأول، في ~~وقوع التعارض، وإن احتمل غير ذلك، على الطريقة الفقهية. # ولا يقال: إذا وقع التعارض؛ فالذي أثبت التطويل في القيام لا يعارضه من ~~نفاه؛ وإن المثبت مقدم على النافي؛ لأنا نقول: الرواية الأخرى تقتضي بنصها: ~~عدم التطويل في القيام، وخروج تلك الحالة -أعني: حالة القيام والقعود- عن ~~بقية حالات أركان الصلاة؛ فيكون النفي، والإثباب: إذا انحصروا في محل PageV01P474 # واحد، والنص والإثبات إذا انحصرا في محل تعارضا. # إلا أن يقال باختلاف هذه الأحوال، بالنسبة إلى صلاة النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -؛ فلا يبقى فيه انحصار إلى محل واحد، بالنسبة إلى الصلاة، ولا ~~يعترض على هذا إلا بما قدمناه؛ من مقتضى لفظة (كان)، أو كون الحديث واحدا ~~عن مخرج واحد اختلف فيه؛ فلينظر ذلك من الروايات، وتحقق الاتحاد، أو ~~الاختلاف، في مخرج الحديث، والله أعلم، هذا آخر كلامه (¬1). # أما أحكامه: # ففيه دليل على: أن الرفع من الركوع ركن طويل؛ لأنه لا ينافي أن تكون ms0291 ~~القراءة في الصلاة، فرضها ونفلها؛ بمقدار ما إذا فعل في الركوع، ويكون ~~قصيرا، والذي قاله في الحديث؛ من استواء الصلاة، ذهب بعضهم إلى: أنه الفعل ~~المتأخر، بعد ذلك التطويل كما ذكرنا. # وقد تكلم الفقهاء في الأركان الطويلة والقصيرة، واختلفوا في الاعتدال عن ~~الركوع؛ هل هو قصير، أم طويل؟ والراجح عند الشافعية: أنه قصير. # ولم يتكلم أصحاب الشافعي في الجلوس بين السجدتين؛ في طوله وقصره، وأنه ~~على الخلاف، بل أطلقوا: أنه قصير، ومقتضى الحديث: أنه طويل؛ كالاعتدال عن ~~الركوع. # وفائدة الكلام في تطويل ما هو قصير: أنه هل يقطع الموالاة الواجبة من ~~الصلاة، أم لا؟ # ذهب بعض الفقهاء: أنه لا يبطل الصلاة، بل يجب عليه أن ينقل إليه ركنا ~~قوليا؛ كقراءة الفاتحة، ثم يركع، ثم يعتدل، والله أعلم. # وفيه دليل على: أن تكون أفعال الصلاة مقاربة بعضها بعضا في الطول والقصر؛ ~~فلو طول بعضها على بعض جاز. PageV01P475 # وفيه دليل على: استحباب الجلوس في مصلاه، بين التسليم والانصراف، بقدر ~~قيام، أو ركوع، أو سجود. # وفيه دليل على: أن التابع يستحب له أن يرمق أفعال متبوعه في صلاته، ~~وعبادته؛ ليعمل بها، وينقلها، ولا يسأله باللفظ عنها؛ بل يحمل عنه كلفة ~~الجواب، والتعليم بالقول، خصوصا إذا تعلقت بالمتبوع تكاليف كثيرة، والله أعلم. # وفيه دليل على: أن أفعاله - صلى الله عليه وسلم - حجة؛ كأقواله، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثامن # عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: إني لا آلو أن أصلي ~~بكم؛ كما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بنا، قال ثابت: فكان ~~أنس يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه؛ فكان إذا رفع رأسه من الركوع، انتصب ~~قائما، حتى يقول القائل: قد نسي، وإذا رفع من السجدة، يمكث، حتى يقول ~~القائل: قد نسي (¬1). # أما أنس؛ فتقدم. # وأما ثابت: # فكنيته: أبو محمد بن أسلم، تابعي جليل، عابد ثقة، بصري. # سمع جماعة من الصحابة؛ كابن الزبير، وابن عمر، وابن مغفل، وغيرهم، وخلقا ~~من التابعين. # وروى عنه: جماعة من التابعين الصغار، وخلق سواهم. # اتفقوا ms0292 على توثيقه؛ وهو أحد الثلاثة الذين هم أثبت الناس في أنس: PageV01P476 # الزهري، ثم قتادة، ثم ثابت، وكان من تابعي البصرة، وزهادهم، يتثبت في ~~الحديث، من الثقات المأمونين المحدثين، صحيح الحديث، وأحاديثه مستقيمة، وما ~~وقع من النكرة فيها؛ فهو من الراوي عنه. # قال أنس - رضي الله عنه -: إن للخير أهلا، وإن ثابتا من مفاتيح الخير (¬1). # وقال حماد بن سلمة: كان ثابت يقول: اللهم إن كنت أعطيت أحدا الصلاة في ~~قبره، فأعطني الصلاة في قبري (¬2). # وكان حماد أروى الناس عن ثابت؛ فيما ذكره الإمام أحمد بن حنبل، وروى أن ~~ثابتا رئي في قبره يصلي، مات سنة ثلاث، وقيل: سبع وعشرين ومئة. # روى له: البخاري، ومسلم، وأصحاب السنن والمساند. # قال علي -هو ابن المديني-: له نحو مئتين وخمسين حديثا (¬3). # وأما البناني: فهو -بضم الباء الموحدة، وفتح النون، ثم ألف، ثم نون، ثم ~~ياء النسب- نسبة إلى بنانة، قيل: هي أم سعد بن لؤي، وقيل: بل أمه حضنت لسعد ~~بنيه، وقيل: بل هي: بنانة أم بني سعد بن ضبيعة بن نزار، وللبناني: مشابه ~~سبعة في الأنساب؛ مذكورة في "المختلف والمؤتلف". # وقوله: "لا آلو"؛ أي: لا أقصر، والألو: بمعنى التقصير، وبمعنى الاستطاعة، ~~والسياق يرشد إلى المراد، والألو على مثال: العتو، ويقال: الألي على مثال: ~~الغني، والماضي: آلى، مخففا، وقد يقال: بهذا المعنى، إلا مشددا؛ وكلاهما ~~صواب، يقال: آلى الرجل، وألي: إذا قصر، وترك الجهد (¬4). PageV01P477 # وقوله: "أن أصلي"؛ أي: في أن أصلي. # وإنما قدم أنس - رضي الله عنه - هذا القول على روايته؛ لما رأى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يفعل؛ ليدل السامعين على: الحفظ، والاهتمام به، ~~وليحقق عندهم المراقبة؛ لاتباع أفعاله - صلى الله عليه وسلم -. # وقوله: "حتى يقول القائل: قد نسي"؛ تنبيه على: تطويل فعله - صلى الله ~~عليه وسلم -. # وقوله: حتى يقول القائل؛ في الاعتدال، والجلوس بين السجدتين، على العادة ~~فيه، والمشروع؛ فيحمل القائل فعله - صلى الله عليه وسلم - على النسيان، لا ~~على المشروع. # وفي هذا الحديث نص صريح على أن الاعتدال من الركوع ركن طويل، ms0293 وكذلك ~~الجلوس من السجدة الأولى، فلا يجوز العدول عنه لقول من قال: إنهما ركن ~~قصير؛ بدليل أن التسبيحات لم يسن فيه استرسالا كما سنت القراءة في القيام، ~~والتسبيحات في الركوع والسجود مطلقا. # وفيه دليل: على إحياء السنن إذا أميتت، والإنكار على مخالف السنة. # وفيه: البيان بالفعل، والتنبيه عليه بالقول، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث التاسع # عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة، ولا ~~أتم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬1). # اعلم أن المطلوب في كل أمر العدل، وهو الوسط في كل شيء، وهذا الحديث من ~~هذا، فيدل على طلب أمرين في الصلاة: التخفيف في حق الإمام، مع الإتمام، ~~وعدم التقصير، وذلك هو الوسط العدل، والميل إلى أحد الطرفين PageV01P478 # خروج عنه، فالتطويل في حق الإمام إضرار بالمأمومين، وتقدم حكمه وعلته، ~~والتقصير عن الإتمام بخس لحق العبادة، وليس المراد بالتقصير هنا ترك ~~الواجبات؛ فإن تركها مفسد للصلاة، موجب لنقصها، فيرفع حقيقتها، بل المراد ~~-والله أعلم- التقصير من المسنونات، والتمام بفعلها، والله أعلم. # فينبغي للإمام التوسط في ذلك، ويكون حاله دائما بين التفريط والإفراط؛ ~~لأنه إذا كان هذا في الصلاة التي هي أجل أركان الإسلام، فما ظنك بغيرها من ~~العبادات والعادات، كيف وهو قدوة للناس؟ والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث العاشر # عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي البصري، قال: جاءنا مالك بن الحويرث ~~في مسجدنا هذا، فقال: إني لأصلي بكم وما أريد الصلاة، أصلي كيف رأيت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، فقلت لأبي قلابة: كيف كان يصلي؟ قال: مثل ~~صلاة شيخنا هذا، وكان يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض (¬1). # * أما أبو قلابة: # فهو تابعي، ثقة، جليل، موصوف بالفقه، والعقل، والصلاح، سمع جماعة من ~~الصحابة والتابعين، وكان كثير الحديث. # قال مسلم بن يسار: لو كان أبو قلابة من العجم، كان موبذ موبذان، يعني: ~~قاضي القضاة بالعربية (¬2). # قال علي بن المديني: أبو قلاتة عربي من جرم، واسمه عبد الله بن زيد بن ~~عمر، ومات ms0294 بالشام، وأدرك خلافة عمر بن عبد العزيز. PageV01P479 # وقال ابن يونس: قدم أبو قلابة مصر زمن عمر بن عبد العزيز بن مروان، وتوفي ~~بالشام سنة أربع ومئة. # وروى له البخاري ومسلم وأصحاب السنن والمساند (¬1). # وأما الجرمي: -بفتح الجيم وسكون الراء ثم الميم ثم ياء النسب- فنسبة إلى ~~جرم- جد من أجداده -بن ريان- بالراء- هم المشاة تحتد المشددة بن حلوان بن ~~عمران بن الخاف بن قضاعة. # وأما البصري: -بفتح الباء الموحدة وكسرها، ثم الصاد المهملة، ثم الراء ثم ~~ياء النسب- نسبة إلى البصرة -بفتح الباء وكسرها وضمها، ثلاث لغات حكاهن ~~الأزهري، المشهور الفتح، ولم يذكروا في النسبة الضم؛ خوفا من الاشتباه ~~بالنسبة إلى بصرى البلدة المعروفة بالشام، وطلبا للتخفيف-. # والبصرة: بلدة داخلة في حد سواد العراق، وليس لها حكمه؛ لأنها أحدثت بعد ~~فتحه ووقفه، ويقال لها: البصيرة -بضم الباء وفتح الصاد- على التصغير، ~~ويقال: تدمر، والمؤتفكة. # قال السمعاني: ويقال لها: قبة الإسلام، وخزانة العرب، بناها عتبة بن ~~غزوان في زمن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - سنة سبع عشرة، وسكنها الناس ~~سنة ثمان عشرة، ولم يعبد صنم قط في أرضها (¬2). # * وأما مالك بن الحويرث: فكنيته أبو سليمان، ويقال في اسم أبيه: الحارث، ~~وحويرثة تأنيث حويرث تصغير حارث، صحابي ليثي، قدم على PageV01P480 # النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأسلم وأقام عنده أياما، ثم أذن له في ~~الرجوع إلى أهله. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمسة عشر حديثا، اتفقا على ~~حديثين، وللبخاري حديث واحد. # نزل البصرة، وتوفي بها سنة أربع وتسعين، وروى له أصحاب السنن والمسانيد (¬1). # * وأما شيخهم المذكور في الحديث، فاسمه عمرو بن سلمة -بكسر اللام-، أبو ~~بريد -بضم الباء الموحدة وفتح الراء- الجرمي، إمامهم، ممن نزل البصرة، ولم ~~يلق النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يثبت له سماع منه، وقد وفد أبوه ~~سلمة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقيل: إن ابنه عمر وفد معه، لكنه غريب. # وروى عنه جماعة من التابعين، روى له البخاري، وأبو داود، والنسائي (¬2). # * وأما حديث مالك بن الحويرث هذا: فانفرد ms0295 بإخراجه البخاري دون مسلم، وليس ~~ذلك من شرط هذا الكتاب، وأخرجه البخاري من طرق منها: رواية وهيب، وأكثر ~~ألفاظ رواية الكتاب فيها، وفي آخرها في كتاب البخاري: وإذا رفع رأسه من ~~السجدة الثانية، جلس واعتمد على الأرض، ثم قام (¬3). # وفي رواية خالد، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث الليثي: أنه رأى PageV01P481 # النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته، لم ينهض ~~حتى يستوي قاعدا (¬1). # * وأما ألفاظه ومعانيه: # فقوله: "إني لأصلي بكم وما أريد الصلاة"، معناه: أصلي صلاة لقصد التعليم، ~~لا لغيره من مقاصد الصلاة، ولا شك أن الصلاة تراد لمقاصد أتى الشرع بها، ~~منها هذا القصد؛ لصلاته - صلى الله عليه وسلم - بالناس على المنبر، فإذا ~~أراد السجود، هبط فسجد على الأرض، ثم صعد، إلى أن أتم صلاته - صلى الله ~~عليه وسلم -، وكان فعله ذلك لقصد التعليم، ففي ذلك جميعه دليل على جواز فعل ~~مثل ذلك، وليس هو من باب التشريك في العمل. # قوله: "أصلي كيف رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي" دليل على ~~البيان بالفعل، وأنه جار مجرى البيان بالقول، وإن كان البيان بالقول أقوى ~~في الدلالة على آحاد الأفعال إذا كان القول ناصا على كل فرد منها. # وقوله: "وكان يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض": هذا الجلوس هو ~~أحد جلسات الصلاة عقب سجود الركعة الأولى والثالثة من الرباعية، ويسمى عند ~~الفقهاء بجلوس الاستراحة، هو جلوس رابع في الصلاة الثلاثية والرباعية، ~~وحكمه الجلوس مفترشا عند الشافعي، ومن قال باستحبابه، وللشافعي قول: إنه لا ~~يشرع، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وغيرهما. # وهذا الحديث دليل للاستحباب، وحجة على من قال بعدمه، وحمل هؤلاء الحديث ~~على أنها إنما فعلت لسبب الضعف للكبر، لا أنها مقصودة لقصد القربة، وقد فصل ~~بعض أصحاب الشافعي في استحبابها بين الشاب القوي والشيخ الضعيف، فقال: لا ~~تستحب للشاب، وتستحب لغيره. # وقد روي عن المغيرة بن حكيم: أنه رأى عبد الله بن عمر يرجع من سجدتين من ~~الصلاة على ms0296 صدور قدميه. قال: فلما انصرف، ذكر ذلك له، فقال: إنها PageV01P482 # ليست بسنة الصلاة، وإنما أفعل ذلك من أجل أني أشتكي (¬1). # وفي حديث آخر في فعل ابن عمر أنه قيل في ذلك. قال: إن رجلي لا تحملاني (¬2). # والأفعال إذا كانت للجبلة، أو ضرورة الخلقة لا تدخل في أنواع القرب ~~المطلوبة، فإن تأيد هذا التأويل بقرينة تدل عليه؛ مثل أن أفعاله السابقة ~~على حالة الكبر والضعف، لم يكن فيها هذه الجلسة، أو يقترن فعلها بحالة ~~الكبر، من غير أن يدل دليل على قصد القربة، فلا بأس بهذا التأويل. # وقد رجح في علم الأصول أن ما لم يكن من الأفعال مخصوصا بالرسول، ولا ~~جاريا مجرى أفعال الجبلة، ولا ظهر أنه بيان لمجمل، ولا علم صفته من وجوب أو ~~ندب أو غيره، فإما أن يظهر فيه قصد القربة، أو لا، فإن ظهر، فمندوب، وإلا فمباح. # لكن لقائل أن يقول: ما وقع في الصلاة، فالظاهر أنه من هيئتها، لا سيما ~~الفعل الزائد الذي تقتضي الصلاة منعه، وهذا أقوى، إلا أن تقوم القرينة على ~~أن ذلك الفعل كان بسبب الكبر أو الضعف، فيظهر حينئذ بتلك القرينة أن ذلك ~~أمر جبلي، فإن قوي باستمرار عمل السلف على ترك الجلوس، فهو زيادة في ~~الرجحان للترك، مع أن في فعلها تنبيها على الاستعانة على النشاط في القيام ~~للصلاة، وإظهار التضعف بين يدي الله تعالى، ولهذا إذا نهض إلى القيام، يقوم ~~كالعاجز، لا كالفاره، فهو أقرب إلى الخشوع الذي هو جل مطلوب الصلاة، والله ~~أعلم. PageV01P483 ### ||| AUTO الحديث الحادي عشر # عن عبد الله بن مالك ابن بحينة -رضي الله عنهم-: أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كان إذا صلى "فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه" (¬1). # أما عبد الله بن مالك ابن بحينة. # فكنيته أبو محمد، أسلم، وصحب النبي - صلى الله عليه وسلم - قديما، وكان ~~ناسكا فاضلا يصوم الدهر. # * وأما أبوه مالك، فله صحبة، وكان حالف المطلب بن عبد مناف، فتزوج بحينة، ~~وهي ابنة الحارث بن المطلب، فولدت له عبد الله. ms0297 # قال ابن سعد: واسمها عبدة بنت الحارث، وهو الأرت، وأسلمت بحينة، وبايعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وأبو مالك: هو ابن القشب -بكسر القاف، وسكون الشين المعجمة، وآخره باء ~~بواحدة -وهو جندب بن نضلة بن عبد الله بن رافع، أزدي من أزد شنوءة، توفي ~~عبد الله في آخر خلافة معاوية. # بحينة -بضم الباء الموحدة، وفتح الحاء المهملة وسكون الياء المثناة، وفتح ~~النون، ثم هاء التأنيث -هي أم عبد الله، وهو أحد المنسوبين إلى أمهاتهم. # وغلط بعضهم فجعلها أم مالك، وهو وهم، إنما هي امرأته أم عبد الله، فعلى ~~هذا يقال: عبد الله بن مالك -بالجر منونا-، ويكون ابن بحينة صفة لعبد الله، ~~لا لمالك، فيرفع إن كان عبد الله مرفوعا، ويجر إن كان مجرورا، وينصب إن كان ~~منصوبا، ويكتب (ابن) بالألف؛ لأنه ليس بين علمين؛ فإنه لا يحسن حذفها عند ~~الكتاب إلا إذا كانت بين علمين [وليست] صفة للأول، فإذا كانت بين علمين صفة ~~للأول منهما؛ فلا بد من كتابته بالألف؛ تنبيها على ذلك؛ كعبد الله بن أبي PageV01P484 # ابن سلول، والله أعلم، وكذلك كل ما أشبه ذلك، والله أعلم. # وأما إذا كان بين علمين ليس الثاني منهما أبا للأول، بل أمه، فإنه لا ~~يكتب بالألف، ولا ينصرف الثاني، فلا يجر ولا ينون، بل يكون مفتوحا، ويكون ~~الفتح علامة للجر، إلا إذا أضيف، فإنه يجر، ولا ينون؛ كمحمد بن حبيب صاحب ~~كتاب "المحبر في المختلف والمؤتلف في قبائل العرب"، فإن حبيب أمه، فلا ~~ينصرف؛ للتأنيث، والعلمية، ومثله محمد بن شرف القيرواني الشاعر المجيد، فإن ~~شرف أمه، ولذلك نظائر كثيرة، والله أعلم. # روى البخاري ومسلم لعبد الله بن مالك ابن بحينة أربعة أحاديث. # روى عنه الأعرج، وحفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وابنه علي بن عبد الله ~~ابن بحينة، وروى [له] أصحاب السنن والمساند، والله أعلم (¬1). # قوله: "فرج بين يديه" بتشديد الراء؛ يعني: رفعهما عن جنبيه حال وضع كفيه ~~على الأرض وبعده، حتى يرفع من السجود، ويسميه الفقهاء: مجافاة المرفقين ms0298 عن ~~الجنبين، ويسمى -أيضا-: تحوية. # وقوله: "حتى يبدو بياض إبطيه"؛ يعني: يبالغ في رفع مرفقيه وساعديه عن ~~الأرض مبالغة بحيث يرى الأجنبي بياض إبطيه لشدة رفعهما، والمعنى فيه: PageV01P485 # إعمال اليدين في الصلاة، وإخراج هيئتهما إلى صفة الاجتهاد عن صفة التكاسل ~~والاستهانة، ولفظ الحديث في الكتاب ليس مقيدا بالسجود، فدخل فيه الركوع ~~-أيضا-؛ لأن قوله: "كان إذا صلى، فرج"، فيشمل الركوع والسجود، والحكم فيهما ~~كذلك عند الفقهاء، وقد يلزم من ذلك الحمل على الجبهة في السجود، كما ذكره ~~بعض الفقهاء، وقد خصص الفقهاء المجافاة والتحوية بالرجال، وقالوا: المرأة ~~تضم بعضها إلى بعض؛ لأن المقصود منها التصون والتجمع والتستر، وتلك الحالة ~~أقرب إلى هذا المقصود. # ففي الحديث دليل على: شرعية المجافاة عن الجنبين، وعدم بسطهما على الأرض؛ ~~فإنه لا يرى بياض الإبطين مع بسطهما. # وفيه: الاقتداء بفعله كما يقتدى بقوله. # وفيه: التحامل على الجبهة في السجود، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني عشر # عن أبي مسلمة سعيد بن يزيد، قال: سألت أنس بن مالك: أكان النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يصلي في نعليه؟ قال: نعم (¬1). # * أما أبو مسلمة: # فهو ثقة، محتج به في الصحيحين، وغيرهما، وهو أزدي بصري تابعي صغير، ويقال ~~له: الطاحي القصير، والطاحي -بالطاء والحاء المهملتين- نسبة إلى طاحية: بطن ~~من الأزد، واسم جده مسلمة، فهو أبو مسلمة سعيد بن يزيد بن مسلمة. # وقال أبو حاتم بن حبان في التابعين من "ثقاته": كنيته أبو مسلمة الطحان، PageV01P486 # وما أظن قوله: الطحان إلا تصحيفا، وصحفه غيره بالطائي، والله أعلم (¬1). # * وأما أنس، فتقدم ذكره. # النعل: معروف، والصلاة فيه جائزة، لكن لا توصف بالاستحباب؛ لكونه خارجا ~~عن المعنى المطلوب في الصلاة، وهو عدم الزينة الشاغلة عن أشكال هيئة الجلوس ~~والسجود ونحوهما، فإن قيل: إن لبسهما من باب التزين للصلاة، والتجمل لها؛ ~~كالأردية والثياب الحسنة، فيكون مستحبا. # فالجواب: إن التزين والتجمل إنما يستحب إذا لم يكن مانع من إلهاء؛ ~~كالخميصة، أو تلبس بقذر أو وسخ غالبا؛ كالنعال، فتنحط رتبة الصلاة فيها عن ~~الاستحباب، وينتفي الجواز، مع أنه ms0299 لم يرد نص خاص في التزين والتجمل في ~~الصلاة، وإنما هما داخلان في عموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الله أحق ~~من تزين له" (¬2)، "إن الله جميل يحب الجمال" (¬3)، ومراعاة مصالح الصلاة ~~من أمر النجاسة والقذر أولى من مراعاة التزين والتحسين، فإن الأول من باب ~~الضرورة، والثاني من رتبة الحاجة، فرعاية الأول أولى، فيكون أرجح، فيعمل ~~بالحديث في الجواز ما لم يمنع منه مانع، وفي عدم الاستحباب، والله أعلم. # وقد يستدل بالحديث على جواز العمل بالأصل في حكم الطهارة والنجاسة، وقد ~~اختلف الفقهاء في تعارض الأصل والظاهر أيهما يقدم؟ والتحقيق فيه: إن كان ~~الغالب الظاهر، اتبع، ما لم يعارضه غيره، وإلا عمل بالأصل، ولا شك أنه PageV01P487 # قد جاء في الحديث النظر إلى النعلين ودلكهما بالأرض، ودل ذلك على أن ~~دلكهما طهور لهما، وليس ذلك من باب تعارض الأصل والغالب، وإنما هو من باب ~~البيان؛ كما لو صلى فيها من غير دلك، مع أن الأصل عدم الدلك، لكن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - إذا أمر بشيء، لم يترك، والظن المستفاد من الدلك أرجح ~~من عدمه، والله أعلم. # وفيه دليل على: السؤال عن العلم، وأنه يكفي في الجواب: نعم، فقط، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثالث عشر # عن أبي قتادة الأنصاري -رضي الله عنه-: أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يصلي وهو حامل أمامة بنة زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لأبي العاص بن الربيع بن عبد شمس، فإذا سجد، وضعها، وإذا قام، حملها (¬1). # * أما أبو قتادة، فتقدم ذكره في باب الاستطابة. # * وأما أمامة: فهي كما ذكر أنها ابنة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، ولدت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان يحبها، ويحملها ~~على عنقه في الصلاة، وأهديت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - هدية فيها ~~قلادة من جزع، فدعا - صلى الله عليه وسلم - أمامة بنت زينب فأعلقها في ~~عنقها، وتزوجها علي بن أبي طالب بعد فاطمة - رضي الله عنها -، زوجها منه ~~الزبير بن ms0300 العوام، وصي أبيها أبي العاص عليها، فلما قتل علي، وآمت منه ~~أمامة، تزوجها المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، زوجها منه الحسن ~~بن علي بعد أن خطبها معاوية فلم تجب إليه، وهلكت عند المغيرة، PageV01P488 # وليس لها عقب، وقيل: لم تلد لعلي ولا للمغيرة، وقيل: ولدت للمغيرة ولدا ~~اسمه يحيى، وبه يكنى (¬1). # * وأما أمها زينب: فهي ابنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -كما ذكر-، ~~وهي أكبر بناته. # قال أبو عمر بن عبد البر: هذا لا خلاف فيما علمته في ذلك، إلا ما لا يصح، ~~ولا يلتفت إليه، وإنما الاختلاف بينها وبين القاسم أيهما ولد أولا؟ فقالت ~~طائفة من أهل العلم بالنسب: القاسم، ثم زينب، وقال الكلبي: زينب، ثم ~~القاسم. # وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محبا لها، وأسلمت، وهاجرت حين أبي ~~زوجها أبو العاص بن الربيع أن يسلم، وولدت منه غلاما يقال له: علي، وجارية ~~اسمها: أمامة. # ولدت زينب - رضي الله عنها - سنة ثلاثين من مولد النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قبل النبوة بعشر سنين، وماتت سنة ثمان من الهجرة في حياة النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، وهي ابنة ثلاثين سنة (¬2). # * وأما أبو العاص بن الربيع: فهو صهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~زوج ابنته، واسم جده # أبي أبيه: عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي العبشمي، كان ~~يقال له: جرو البطحاء، واختلف في اسمه، فأكثر المشهور: لقيط، وقيل: مهشم، ~~وقيل: هشيم، وأمه: هالة أخت خديجة - رضي الله عنها - بنت خويلد بن أسد؛ ~~لأبيها وأمها. PageV01P489 # وكان أبو العاص هذا مؤاخيا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، مصافيا، ~~وشكر له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مصاهرته، وأثنى عليه بذلك خيرا. # وهاجرت زينب - رضي الله عنها - مسلمة، وتركته على تركه، فلم يزل مقيما ~~عليه حتى كان قبل الفتح، خرج في تجارة إلى الشام، أصيب في سرية لرسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أميرهم زيد بن حارثة، فأسروا ناسا من العير التي هو ~~فيها، ms0301 وأفلت هاربا إلى المدينة، وأجارته زينب، فأجاره رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، واستوهب له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما كان معه من ~~المال من السرية في قصة طويلة، ورجع إلى مكة، وأدى إلى كل ذي مال من قريش ~~ماله، وأسلم بمكة بحضرة قريش، وأخبرهم أنه لم يمنعني من الإسلام إلا تخوف ~~أن تظنوا أني أحل أموالكم، فلما أداها الله إليكم، أسلمت، ثم خرج حتى قدم ~~على رسول مسلما، وحسن إسلامه، ورد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابنته ~~عليه بالنكاح الأول، ولم يحدث شيئا بعد ست سنين، وروي أنه - صلى الله عليه ~~وسلم - ردها بنكاح جديد، والأول أصح وأشهر، والله أعلم (¬1). # وأما قوله: "أبو العاص بن الربيع"، هكذا هو في "صحيحي البخاري ومسلم، ~~وعند أكثر رواة "الموطأ": ابن ربيعة، وكذا رواه البخاري عن مالك: أبو العاص ~~بن ربيعة، والصحيح المشهور هو الأول. # وقال القاضي عياض: وقال الأصيلي: هو ابن ربيع بن ربيعة، فنسبه مالك إلى ~~جده، قال القاضي: وهذا الذي قاله غير معروف، ونسبه عند أهل الأخبار ~~والأنساب باتفاقهم: أبو العاص بن الربيع، على ما ذكرنا أولا، والله أعلم ~~(¬2). PageV01P490 # وأما قوله: ولأبي العاص بن الربيع، دون نسبة أمامة إليه، وإنما نسبها إلى ~~أمها؛ تنبيها على أن الولد إنما ينسب إلى أشرف أبويه دينا ونسبا؛ لأنه - ~~صلى الله عليه وسلم - لما حملها، كان أبوها مشركا، وهو قرشي عبشمي، وكانت ~~أمها أسلمت، وهاجرت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهي قرشية ~~هاشمية، فنسبها إليها دونه، وبين بعبارة لطيفة أنها لأبي العاص بن الربيع؛ ~~تحريا للأدب في نسبتها ونسبها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونسبه، ~~والله أعلم. # ثم الكلام يتعلق بهذا الحديث بوجهين: # الأول: حمل الطفلة في الصلاة، وإباحته. # الثاني: طهارة ثوبها. # والكلام في الأول في بحثين: # الأول: أن حملها كان بغير تعمد منه - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة، بل ~~كانت تتعلق به - صلى الله عليه وسلم -، فلم يدفعها، فإذا قام بقيت معه، ~~قاله الخطابي، قال: ms0302 ولا يتوهم أنه حملها ووضعها مرة بعد أخرى عمدا؛ لأنه ~~عمل كثير يشغل، وإذا كان عمل الخميصة شغله، فكيف لا يشغله هذا (¬1)؟! # والجواب عن ذلك: أنه دعوى مجردة يردها ما ثبت في الصحيح في هذه الرواية ~~وغيرها: أنه كان إذا سجد وضعها، وإذا قام حملها، وفي غيره: خرج PageV01P491 # علينا حاملا أمامة، فصلى وهي على عاتقه (¬1)، وكل هذا يدل على أنه - صلى ~~الله عليه وسلم - تعمد حملها بيانا لجواز مثل هذا. # وأما الخميصة: فإنها تشغل القلب بلا فائدة، بل هي مجرد زينة ملهية، بخلاف ~~حمل الصبية، فإنه لا يلزم من حملها في الصلاة شغل القلب، وإن شغل، فإنه ~~يترتب عليه فوائد، وبيان قواعد أكثر من شغل القلب بالصبية، بخلاف الخميصة. # الثاني: لم يقل أحد بتخصيص جواز حمل الصبية دون غيرها من الصبيان والرجال ~~وسائر الحيوان في الصلاة إذا حكمنا بطهارة ذلك كله. # واستدل الشافعي، ومن قال بقوله بهذا الحديث على جوازه في الفريضة ~~والنافلة؛ فإنه ثبت في بعض طرقه في "صحيح مسلم": أنه حملها في صلاة كان يؤم ~~الناس فيها في المسجد (¬2)، وهو ظاهر في الفريضة، وإذا جاز في الفريضة، كان ~~في النافلة أولى؛ فإنه يحمل في النافلة ما لا يحمل في الفريضة، وحكم ~~المأموم في ذلك والمنفرد حكم الإمام. # وحمل بعض المالكية الحديث في جواز الحمل على النافلة دون الفريضة، وادعى ~~بعضهم أنه منسوخ في الفريضة، وبعضهم: أنه خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، وبعضهم أنه كان لضرورة، وكلها أقوال مروية عن مالك، غير القول بأنه خاص ~~بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وكلها دعاوى لا دليل على صحتها، ولا ضرورة ~~إليها، بل الحديث الصحيح الصريح يقتضي جوازه في الفريضة، وأنه كان ذلك في ~~صلاة ظهر أو عصر، وأنه - صلى الله عليه وسلم - خرج عليهم حاملا أمامة، ~~وأنهم كانوا ينتظرونه لها، والأصل عدم النسخ والتخصيص، والضرورة؛ إذ كل ~~واحد منها لا يصار إليه إلا بدليل، ولا دليل، فإن أريد بالنسخ تحريم العمل ~~في الصلاة، والكلام فيها، قلنا: ليس PageV01P492 # هذا من ذاك، ms0303 فإن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن في الصلاة لشغلا" (¬1) ~~كان قبل قدوم زينب وابنتها إلى المدينة، فإنه كان عند قدوم عبد الله بن ~~مسعود من الحبشة قبل بدر، وقدوم زينب وابنتها إلى المدينة بعد ذلك، ولو ثبت ~~أنه بعده، لكان فيه إثبات النسخ بالاحتمال، وهو لا يجوز، مع أن الأصل ~~استواء الفريضة والنافلة في الشرائط والأركان، ولم يقل أحد بالفرق بينهما ~~في ذلك، إلا في جواز النافلة جالسا، أو على الدابة في السفر، وليس حمل ~~الصبية من ذلك، وإلا لبينوه كما بينوا غيره، ونقلوه، والقياس لا يصح في ~~ذلك، وهو ممنوع هنا، وقد بينا عدم الضرورة. # وقد فرق بعض أتباع مالك بين أن تكون الحاجة إلى حمل الصبية شديدة؛ بحيث ~~لا يجد من يكفيه ذلك، أو يخشى على الصبي، فيجوز حمله في الفريضة والنافلة، ~~وبين أن يكون حمله على معنى الكفاية لأمه لشغلها بغير ذلك، فيجوز في ~~النافلة دون الفريضة. # والجواب عن ذلك: أن الأصل استواء الفريضة والنافلة في الشرائط والأركان، ~~إلا ما خصه الدليل. # الوجه الثاني: طهارة بدنها وثوبها، ولا شك أن الناس يعتادون تنظيف ثياب ~~الصبيان وأبدانهم في مثل هذا الحال، خصوصا صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، ولو كان الأصل فيهم الطهارة، والغالب النجاسة، لكان الغالب في مثل هذا ~~الحال العادة، وهي التنظيف، فيعادل الغالب بالعادة، ونفي الأصل، وهو ~~الطهارة، فرجحت، مع أن قصة حمل أمامة وطهارة ثوبها وبدنها قضية حال، فلا ~~تعم، فيكون الحال التي صلى بها محمولة وقع فيها التنظيف؛ إما لتخصيصه - صلى ~~الله عليه وسلم - لجواز علمه بعصمة الصبية من البول حال حملها، أو لتعمد ~~تنظيفها في تلك الحال على العادة، وكلاهما يوجب صحة انصلاة مع حملها، وليس ~~فيه ما يخالف قواعد الشرع، فإن الآدمي طاهر، وطهارة ظاهره ممكن، وما في ~~جوفه من النجاسة معفو عنه؛ PageV01P493 # لكونه في باطنه ومعدته، كيف وثياب الأطفال وأجسادهم على الطهارة، ودلائل ~~الشرع متظاهره على هذا. # ثم بعد ذلك بحث من حيث إن كثرة الأفعال في أصل الصلاة ms0304 يبطلها، لكن إذا ~~كانت الأفعال كثيرة متوالية، أما إذا كانت قليلة أو كثيرة متفرقة، فإنها لا ~~تبطلها، وفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث من الثاني، فإنها ~~أفعال متعددة متفرقة، فهو دليل على جواز ذلك، والله أعلم. # وفي الحديث مسائل: # منها: جواز الصلاة، وهو حامل غيره من الآدميين وغيرهم، كما بيناه. # ومنها: أن ذلك شرع مستمر للمسلمين إلى يوم الدين. # ومنها: أن ثياب الصبيان وأجسادهم محمولة على الطهارة حتى تتحقق النجاسة. # ومنها: أن الفعل القليل لا يبطل الصلاة، وأن الأفعال إذا تعددت ولم ~~تتوال، بل تفرقت، لا تبطل الصلاة. # ومنها: التواضع مع الصبيان وسائر الضعفة ورحمتهم وملاطفتهم. # ومنها: جواز حملهم في صلاة الفريضة والنافلة، كما بيناه. # ومنها: أن شغل القلب [في] مثل ذلك في الصلاة معفو عنه. # ومنها: إكرام أولاد المحارم -كالبنات والأخوات ونحوهم-: بالحمل، ~~ومؤانستهم؛ جبرا لهم ولآبائهم وأمهاتهم. # وقد يستدل به على أن مسهم لا ينقض الوضوء، لو سلم أنه مسه بلا حائل، وأنه ~~ممن يشتهى. # أما المس بحائل، وإن كان لا يمنع الروية كالشعرية، أو لمن لا يشتهى، أو ~~كان في سن من تشتهى، وهو محرم، فلا ينتقض على الصحيح، والله أعلم. # * * * PageV01P494 ### ||| AUTO الحديث الرابع عشر # عن أنس بن مالك - رضي الله عنه-، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: ~~"اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب" (¬1). # * أما أنس، فتقدم ذكره. # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "اعتدلوا في السجود": معناه راجع إلى ~~الاعتدال المعنوي المراد للشرع في السجود، وهو وضع الكفين على الأرض، ورفع ~~المرفقين عن الأرض وعن جنبيه، رفعا بليغا؛ بحيث يظهر بياض إبطيه إذا لم تكن ~~مستورة. # والحكمة في ذلك أنه أشبه بالتواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من ~~الأرض، وأبعد من هيئة الكسالى، وليس المراد منه الاعتدال الخلقي المطلوب في ~~الركوع، فإن المراد فيه استواء الظهر والعنق، والمطلوب هنا ارتفاع الأسافل ~~على الأعالي مع ما تقدم، حتى لو تساويا، بطلت الصلاة على الأصح من الوجهين ~~عند أصحاب الشافعي، ولهذا ms0305 نهى عقب ذلك عن بسط ذراعيه انبساط الكلب؛ لكونه ~~منافيا لمقصود الشرع، فإنه ذكر الحكم مقرونا بعلته. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب": ~~انبساط الكلب هو كالتتمة للأول، فإن الأول كالعلة له، فيكون الاعتدال ~~المطلوب للشرع علة لترك انبساط الكلب، فذكر الحكم مقرونا بعلته؛ تنبيها على ~~الأشياء الخسيسة المشبهة بفعل الكلب؛ ليترك في الصلاة؛ فإن المنبسط يشعر ~~حاله بالتهاون بالصلاة، وقلة الاعتناء بها والإقبال عليها، ومثل هذا قوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه" (¬2)، PageV01P495 # فإنه - صلى الله عليه وسلم - لما قصد التنفير عن الرجوع في الهبة، شبهه ~~برجوع الكلب في قيئه، والله أعلم. # وجاء المصدر في هذا الحديث مخالفا لفعله، فإنه من الثلاثي، والانبساط من ~~الخماسي، وهو جائز أن يكون المصدر مخالفا لفعله في صيغته، وهو في القرآن ~~العزيز في قوله تعالى في آل عمران: {فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا ~~حسنا} [آل عمران: 37]، وفي سورة نوح - صلى الله عليه وسلم -: {والله أنبتكم ~~من الأرض نباتا} [نوح: 17]، والله أعلم. # وفي الحديث: الأمر بالاعتدال في السجود على الوجه المشروع. # وفيه: النهي عن التشبه بالأفعال الخسيسة. # وفيه: إضافة الخسيس إلى أهله، وأنه جائز لقصد التنفير عنه، والله أعلم. # * * * PageV01P496 ### || AUTO باب وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود # عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل ~~المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء فسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~فقال: "ارجع فصل، فإنك لم تصل"، فرجع فصلى كما صلى، ثم جاء فسلم على النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -، فقال: "ارجع فصل، فإنك لم تصل" ثلاثا، فقال: والذي ~~بعثك بالحق! ما أحسن غيره، فعلمني، فقال: "إذا قمت إلى الصلاة، فكبر، ثم ~~اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل ~~قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، وافعل ذلك في ~~صلاتك كلها" (¬1). # تقدم ذكر أبي هريرة. # وأما الرجل المبهم في ms0306 هذا الحديث، فلم أعلم أن أحدا سماه في المبهمات إلا ~~الحافظ أبا القاسم خلف بن بشكوال؛ فإنه قال: اسمه خلاد، لكنه ذكر الحديث من ~~رواية رفاعة (¬2)، ويسمي الفقهاء هذا الحديث: حديث المسيء صلاته. # واعلم أن الواجبات في الصلاة على ضربين: متفق عليها، ومختلف فيها، وليس ~~هذا الحديث موضوعا لحصرها، بل لحصر ما أهمله هذا الرجل المصلي PageV01P497 # وجهله في صلاته، وقد استدل به الكثير من الفقهاء على أن ما ذكره - صلى ~~الله عليه وسلم - فيه فهو واجب، وما لم يذكره فيه ليس بواجب، وليس الحديث ~~موضوعا لبيان سنن الصلاة اتفاقا، فالنية، والقعود في التشهد الأخير، وترتيب ~~أركان الصلاة واجبات مجمع عليها، وليست مذكورة في الحديث، والتشهد الأخير، ~~والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه، والسلام من المختلف فيه، ~~أوجب هذه الثلاثة: الشافعي، والجمهور، قالوا بوجوب السلام منها، وكثيرون ~~قالوا بوجوب التشهد، والشعبي، وأحمد بن حنبل وأصحابه، وأصحاب الشافعي قالوا ~~بوجوب الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأوجب جماعة من الشافعية ~~نية الخروج من الصلاة، وأوجب أحمد التشهد الأول، وكذا التسبيح، وتكبيرات ~~الانتفال. # فالجواب: عما استدل له الكثير من الفقهاء من أن المذكور في الحديث واجب، ~~وغيره ليس بواجب، مع ما ذكرنا من الواجبات المجمع عليها والمختلف فيها: أن ~~المجمع عليه كان معلوما عند السائل لم يحتج إلى بيانها، وكذا المختلف فيه ~~عند من يوجبه يحمله على ذلك، وجه استدلالهم على الوجوب بذكره في الحديث، ~~وعدمه بعدمه: أن الأمر تعلق بالوجوب، وأن عدمه ليس لمجرد أن الأصل عدم ~~الوجوب، بل الأمر زائد، وهو أن ما ذكره - صلى الله عليه وسلم - في هذا ~~الحديث تعليم وبيان للجاهل، وتعريف لواجب الصلاة، وهو يقتضي انحصاره فيما ~~ذكر، وقويت رتبة الحصر فيه بذكر ما تعلقت به الإساءة من المصلي من الواجب ~~فيها، وما لم تتعلق به، وذلك دليل على عدم الاقتصار على المقصود مما وقعت ~~فيه الإساءة فقط في كل ما وقع، واختلف الفقهاء في وجوبه، وكان مذكورا في ~~الحديث، ذلك أن تتمسك به ms0307 في وجوبه، وكل موضع اختلفوا في تحريمه، فلك أن ~~تستدل على عدم تحريمه؛ لأنه لو حرم، لوجب التلبس بضده؛ فإن النهي عن الشيء ~~أمر بأحد أضداده، ولو كان التلبس بالضد واجبا؛ لذكر على ما قررناه، فإذا ~~انتفى ذكره -أعني: ذكر الأمر بالتلبس بالضد- انتفى بلزومه، وهو النهي عن ~~ذلك الشيء، وكل موضع اختلفوا في وجوبه، ولم يكن مذكورا في الحديث، ذلك ~~-أيضا- أن تتمسك به في عدم وجوبه -أيضا- PageV01P498 # بكونه غير مذكور فيه؛ لما تقدم من كونه موضع تعليم وبيان، فظهرت القرينة ~~مع ذلك على قصد ذكر الواجبات، فهذه الطرق الثلاثة يمكن الاستدلال بها على ~~كثير من المسائل المتعلقة بالصلاة، إلا أن على طالب التحقيق في هذا ثلاث وظائف: # إحداها: جمع طرق الحديث وإحصاء الأمور المذكورة فيه، والأخذ بالزائد ~~فالزائد منها؛ فإنه واجب. # الثانية: استمراره على طريقة واحدة فيها، فلا تستعمل في مكان ما يتركه في ~~آخر، فيتقلب نظره، بل يستعمل القوانين المعتبرة في ذلك استعمالا واحدا؛ ~~فإنه قد يقع هذا الاختلاف في كلام كثير من المناظرين. # الثالثة: إذا أقام دليلا على أحد أمرين إما على عدم الوجوب، أو الوجوب؛ ~~فالواجب العمل به، ما لم يعارضه ما هو أقوى منه، وهذا في باب النفي يجب ~~التحرز فيه أكثر، فلينظر عند التعارض أقوى الدليلين يعمل به، وإذا استدل ~~على عدم وجوب شيء بعدم ذكره في الحديث، وجاءت صيغة الأمر في حديث آخر، فهي ~~مقدمة، وإن قيل: إن الحديث دل على عدم الوجوب، وتحمل صيغة الأمر على الندب، ~~لكن عدم الوجوب أقوى؛ لأنه متوقف على مقدمة أخرى، وهي أن عدم الذكر في ~~الرواية يدل على عدم الذكر في نفس الأمر، وهي غير المقدمة المتقدمة من أن ~~عدم الذكر يدل على عدم الوجوب؛ لأنه المراد، ثم إن عدم الذكر في نفس الأمر ~~غير عدم الذكر من الرسول - صلى الله عليه وسلم - يدل على عدم الوجوب؛ فإنه ~~موضع البيان، وعدم الذكر في نفس الأمر غير عدم الذكر في الرواية، وعدم ~~الذكر في الرواية إنما يدل على عدم ms0308 الذكر في نفس الأمر بطريق أن يقال: لو ~~كان، لذكر، أو بأن الأصل عدمه، وهذه المقدمة أضعف من دلالة الأمر على ~~الوجوب -أيضا-، فالحديث الذي فيه الأمر إثبات لزيادة، فيعمل بها. # وهذا البحث كله بناء على إعمال صيغة الأمر في الوجوب الذي هو ظاهر فيها، ~~والمخالف يخرجها عن حقيقتها؛ بدليل عدم الذكر، فيحتاج الناظر PageV01P499 # المحقق إلى الموازنة بين الظن المستفاد من عدم الذكر في المخالفة، وبين ~~الظن المستفاد من كون الصيغة للوجوب. # قال شيخنا أبو الفتح القاضي -رحمه الله-: والثاني عندنا أرجح، والله أعلم (¬1). # ثم إذا تقرر أن عدم الذكر في الحديث يدل على عدم الوجوب، فقد استدلوا ~~بهذا الحديث على مسائل، من حيث إنها غير مذكورة فيه: # منها: أن الإقامة غير واجبة، وقال بعض العلماء بوجوبها؛ لما ورد في بعض ~~طرق الحديث الأمر بها، فمن استدل بعدم الذكر في الحديث على عدم الوجوب ~~يحتاج إلى عدم رجحان الدليل الدال على وجوبها عند الخصم، فإن صح الأمر ~~بالوجوب، فقد عدم أحد الشرطين، وإن لم يصح، فقد تم الدليل على عدم الوجوب، ~~وإلا فيتعارض عدم الذكر والأمر بها لو صح، فينتفي الوجوب، ويبقى الندب. # ومنها: أن دعاء الاستفتاح غير واجب؛ لأنه لم يذكر في الحديث، ومن نقل من ~~بعض المتأخرين من غير المنسوبين إلى مذهب الشافعي: أن الشافعي قال بوجوبه، ~~فقد غلط ووهم. # ومنها: التعوذ ورفع اليدين في تكبيرة الإحرام، ووضع اليد اليمنى على ~~اليسرى، وتكبيرات الانتقالات، وتسبيحات الركوع والسجود، وهيئات الجلوس، ~~ووضع اليد اليمنى على الفخذ، وغير ذلك مما لم يذكر في الحديث، ليس بواجب ~~إلا ما ذكرناه من المجمع عليه، والمختلف فيه. # ومنها: استدلال لبعض المالكية على عدم وجوب التشهد مما ذكرنا من عدم ~~الذكر، وقد استدل به الحنفية على عدم وجوب السلام، لكن الدليل على وجوبه ~~أقوى، وكذلك دليل إيجاب التشهد؛ للأمر به، هو راجح، وقد تقع المناظرة بين ~~الرجحانين، بأن دلالة اللفظ على الشيء لا تنفي معارضة المانع الراجح؛ ~~لكونها PageV01P500 # أمرا يرجع إلى اللفظ، أو إلى أمر ms0309 لوجود النظر إليه، وذلك يمهد عذر أحد ~~الرجحانين، ويثبت الحكم، ولا ينفي وجود المعارض. # أما لو استدل بلفظ يحتمل أمرين على السواء، لكانت الدلالة منتفية، وقد ~~يطلق الدليل على الدليل التام الذي يجب العمل به، وذلك يقتضي عدم وجود ~~المعارض الراجح، لكن الأولى أن يستعمل في دلالة ألفاظ الكتاب، والسنة ~~الطريق الأول، ومن لمدعى المعارض، فعليه البيان. # وفي الحديث مسائل: # منها: وجوب التكبير بعينه؛ لنصه عليه بقوله: "فكبروا"، وأبو حنيفة يخالف ~~فيه، ويقول: المراد منه التعظيم، وبأي لفظ أتى به حصل، وغيره قصر التعظيم ~~بلفظ التكبير، ولم يعده إلى غيره؛ نظرا إلى التعبد به، والاحتياط فيه ~~الاتباع؛ لخصوص التعظيم به، وهو: الله أكبر. # وأعلم أن رتب الأذكار مختلفة، فلا يتأدى بذكر ما يتأدى بآخر، ولا يعارض ~~أن يكون ذلك المعنى مفهوما، فقد يكون التعبد واقعا في التفصيل كما نفهم من ~~الركوع التعظيم بالخضوع، ولو أقام مقامه خضوعا آخر لم يكتف به، فكذلك لفظ ~~التكبير، ويتأيد باستمرار عمل الأمة على الدخول في الصلاة به، وهو: الله ~~أكبر، وبما اشتهر في الأصول بأن كل علة مستنبطة تعود على النص بالإبطال أو ~~التخصيص، فهي باطلة، وعلي هذا يخرج حكم هذه المسألة؛ فإنه إذا لمستنبط من ~~النص أن مطلق التعظيم هو المقصود، بطل خصوص التكبير، فيخرج عن الفائدة. # ومنها: وجوب القراءة في الصلاة في الركعات كلها، وهو مذهب الشافعي، ~~وجمهور العلماء، لكن ظاهر هذا الحديث أن الفاتحة غير متعينة، والفقهاء ~~الأربعة عينوها للوجوب، إلا أن أبا حنيفة منهم جعلها واجبة، وليست بفرض، ~~على أصله في الفرق بين الواجب والفرض. # وحكى القاضي عياض عن علي بن أبي طالب، وربيعة، ومحمد بن PageV01P501 # أبي صفرة، وأصحاب مالك: أنه لا تجب قراءة أصلا، وهي رواية شاذة عن مالك، ~~وفي مذهب مالك في قراءة الفاتحة في كل ركعة ثلاثة أقوال: # أحدها: كمذهب الجمهور، وتجب في كل ركعة. # والثاني: في الأوليين. # والثالث: تجب في ركعة واحدة. # وقال الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة: لا تجب القراءة في الركعتين ~~الأخيرتين، بل هو بالخيار، ms0310 إن شاء قرأ، وإن شاء سبح، وإن شاء سكت، والصحيح ~~الذي عليه جمهور العلماء من السلف والخلف: وجوب الفاتحة في كل ركعة؛ لقوله ~~- صلى الله عليه وسلم - للأعرابي: "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها"، مع قوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب" رواه أبو ~~بكر بن خزيمة، وأبو حاتم بن حبان في "صحيحيهما" من رواية أبي هريرة (¬1)، ~~وهو مبين أن المراد من قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صلاة إلا بفاتحة ~~الكتاب" (¬2) عدم الإجزاء، لا نفي الكمال. # والجواب عن هذا الحديث: أن المراد منه: "اقرأ ما تيسر": ما زاد على ~~الفاتحة بعدها؛ جمعا بينهم وبين دلائل إيجابها، ويؤيده الأحاديث الحسنة ~~التي رواها أبو داود في "سننه" مرفوعة: "ثم اقرأ بفاتحة الكتاب، وما تيسر ~~من القرآن" (¬3)، وفي رواية: "وما شاء الله" (¬4)، وروى أبو حاتم بن حبان ~~في "صحيحه" عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: أمرنا نبينا - صلى ~~الله عليه وسلم - أن نقرأ بفاتحة الكتاب، وما تيسر، في الصلاة (¬5) وقد قال ~~بوجوب الزائد على الفاتحة PageV01P502 # جماعة من التابعين وغيرهم، وقاله شيخنا أبو الفتح بن دقيق العيد عن ~~الأكثرين عملا بهذه الأحاديث، أو أن الحديث محمول على من عجز عن الفاتحة، ~~وعن حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: اقرأ بها في نفسك: أن المراد: اقرأها ~~سرا، بحيث تسمع نفسك لا تدبر ذلك، وتكره كما حمله بعض المالكية؛ لأن ~~القراءة لا تطلق إلا على حركة اللسان بحيث تسمع نفسه، ولهذا اتفق العلماء ~~على أن الجنب لو تدبر القرآن بقلبه، من غير حركة لسانه، لا يكون قارئا ~~مرتكبا لقراءة الجنب المحرمة، وكذلك لو أمره الجنب على قلبه من غير لفظ، ~~جاز، مع أنه يقال: قرأت بقلبي، فدل على أن مراد أبي هريرة ما ذكرنا، يؤيده ~~فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في قراءته وأصحابه، والله أعلم. # ثم مذهب الشافعي ومن وافقه أنها واجبة على الإمام والمأموم والمنفرد؛ ~~عملا بحديث أبي هريرة: "اقرأ بها في نفسك" (¬1)، ثم إنه ms0311 لا يصح أن يكون ~~المراد بقوله: "اقرأ ما تيسر معك" الإجمال الذي يريده الأصوليون؛ فإن ~~المجمل ما لم يتضح المراد منه، وهذا متضح المراد؛ إذ يتبع امتثاله بفعل كل ~~ما تيسر، حتى لو لم ترد أحاديث تعيين الفاتحة، لاكتفينا في الامتثال بكل ما ~~تيسر، وإن أريد بالمجمل الذي لا يتعين فرد من أفراده، فهذا لا يمنع ~~الاكتفاء بكل فرد ينطلق عليه الاسم كما في سائر المطلقات، ثم المطلق يجوز ~~تقييده، والعام يجوز تخصيصه، فقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صلاة إلا ~~بفاتحة الكتاب" (¬2) مطلق، وهو مقيد بقيد المتيسر الذي يقتضي التخيير في ~~قراءة كل فرد من أفراد المتيسرات، فليس المطلق مطلقا هنا من كل وجه، والقيد ~~المخصوص يقابل التعيين، ونظير المطلق الذي لا ينافي التعيين أن يقول: اقرأ ~~قرآنا، ثم يقول: اقرأ الفاتحة؛ فإنه يحمل PageV01P503 # المطلق على المقيد حينئذ، ويوضح ذلك بمثال، وهو أنه لو قال لعبده: اشتر ~~أي لحم، ولا تشتر لحم الضأن، لم يتعارض، ولو قال: اشتر لي لحم شاة، ولا ~~تشتر لحم الضأن، في وقت واحد، لتعارض. # وأما التخصيص، فأبعد؛ لأن سياق الكلام يقتضي تفسير الأمر عليه، وإنما ~~يقرب هذا إذا جعلت (ما) بمعنى الذي، وأريد بها شيء معين، وهو الفاتحة؛ ~~لكثرة حفظ المصلين لها، فهي المتيسرة. # ومنها: أن الركوع واجب، وكذلك الطمأنينة فيه، وقد تخيل من لا يعتقد ~~وجوبها؛ بأن الغاية هل تدخل في المغيا أم لا؟ # فيه مذاهب: فمن فرق بين أن يكون من جنس المغيا، وصف الركوع بوصف، ووصف ~~الطمأنينة معه بوصف، حتى لو فرضنا أنه لو ركع ولم يطمئن، ارتفع مسمى ~~الركوع، ولم يصدق عليه أنه جعل مطلق الركوع مغيا للطمأنينة، وادعى بعض ~~المتأخرين أن الطمأنينة لا تجب من حيث إن الأعرابي صلى غير مطئمن ثلاث ~~مرات، والعبادة بدونها فاسدة، ولو كانت فاسدة، لكان فعل الأعرابي فاسدا، ~~ولو كان كذلك، لم يغيره النبي - صلى الله عليه وسلم - في حال فعله، وإذا ~~تقرر بهده الدعوى عدم الوجوب، حمل الأمر في الطمأنينة على الندب، وفي ms0312 قوله: ~~"فإنك لم تصل" على عدم الكمال، وهذا التخيل والدعوى فاسدان مخالفان لمدلول ~~اللفظ، ومفهوم الشريعة. # ومنها: وجوب الرفع من الركوع والاعتدال فيه، خلافا لمن نفى وجوب الرفع من ~~الركوع والاعتدال فيه، ومذهب الشافعي وجوبهما، وفي مذهب مالك خلاف في ~~الاعتدال، استدل من قال بعدم الوجوب أن المقصود من الرفع الفصل، وهو يحصل ~~بدون الاعتدال، وهو ضعيف؛ فإن الفصل مقصود، وليس هو كل المقصود، بل هو بصفة ~~الاعتدال مقصودان، والأمر دل عليهما، فلا يجوز تركهما، قريب من هذا ~~الاستدلال في الضعف من قال في عدم وجوب الطمأنينة، بأن الله تعالى قال: ~~{اركعوا واسجدوا} [الحج: 77] فلم يأمر PageV01P504 # سبحانه بما زاد على ما يسمى ركوعا وسجودا، وهو واه جدا لا شك أن المكلف ~~لا يخرج عن عهدة الأمر الآخر مما يسمى ركوعا أو سجودا، وهو الطمأنينة، إلا ~~بفعلها، وبه يحصل امتثاله، كما يحصل امتثال الأمر في الركوع والسجود بفعل ~~مسماهما. # ومنها: وجوب السجود، والطمأنينة فيه، والكلام فيه كالكلام في الركوع ~~والرفع منه؛ كما مر. # ومنها: وجوب الجلوس بين السجدتين، والطمأنينة فيه؛ كما مر. # ومنها: وجوب ذلك كله في كل ركعة؛ كما ذكرناه. # ومنها: الرفق بالمتعلم والجاهل في التعليم، وملاطفته، وإيضاح المسألة له، ~~وتلخيص المقاصد، والاقتصار على المهم دون المكملات التي لا تحتمل حالة حفظه ~~والقيام بها. # ومنها: استدراجه بفعل ما جهله مرات؛ لعله أن يكون فعله ناسيا أو غافلا، ~~فيتذكره، فيفعله من غير تعليم وأمر، وليس ذلك من باب التقرير على الخطأ، بل ~~من باب تحقق الخطأ وفعله عن جهل، لا عن غفلة ونسيان. # ومنها: استحباب السلام وتكراره على قرب من المتلاقيين، ووجوب الرد عليه ~~في كل مرة. # ومنها: أن صيغة الرد: وعليكم السلام، أو: وعليك السلام، بالواو، وهذا ~~وجوب الرد مكررا، وإن لم يكن له ذكر في هذا الحديث، لكنه مذكور فيه في بعض ~~طرقه في الصحيح. # ومنها: أن من أخل ببعض واجبات الصلاة لا تصح صلاته، ولا يسمى مصليا، بل ~~يقال: لم يصل، فإن قيل: كيف تركه - صلى الله عليه ms0313 وسلم - يصلي مرارا صلاة ~~فاسدة؟ فالجواب: أنه - صلى الله عليه وسلم - يعلم من حاله: أنه لم يأت بها ~~في المرة الثانية والثالثة فاسدة، بل كان محتملا عنده - صلى الله عليه وسلم ~~-: أنه يأتي بها صحيحة، وفعل الرجل الداخل في المرة الأولى إياها؛ على وجه ~~الغفلة والنسيان، ويضمن: أمره له - صلى الله عليه وسلم - PageV01P505 # بالرجوع والصلاة، وبيان أنه لم يصل محتملا، من غير تفصيل. # فائدة زائدة: وهي إقامة عذره بالغفلة، والنسيان؛ تجويزا لذلك، إعلاما أنه ~~فعله جهلا، وعنادا، مع أن ذلك أبلغ في: التعليم، والتعريف، والأدب، وأخذ ما ~~يجهل بقبول له، ولغيره؛ كما أمرهم - صلى الله عليه وسلم - بالإحرام بالحج، ~~ثم بفسخه إلى العمرة؛ ليكون أبلغ في تقرير ذلك عندهم، والله أعلم. # ومنها: أنه ينبغي للجاهل أن يسأل التعليم من العلماء، والاعتراف بعد ~~العلم، وأن يقر به، ويقسم عليه. # ومنها: وجوب النظر إلى صلاة الجاهل، وأعماله فيها، وتعريفه الصواب، وما ~~جهله، وأن ذلك ليس من باب التجسس، ولا الدخول فيما لا يعني. # ومنها: جواز صلاة الفرض منفردا؛ إذا أتى بفرائضها، وشروطها. # ومنها: وجوب القيام في الصلاة، وقبل الدخول فيها على القادر؛ بقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "إذا قمت إلى الصلاة، فكبر" (¬1)، والله أعلم. # * * * PageV01P506 ### || AUTO باب القراءة في الصلاة ### ||| AUTO الحديث الأول # عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (¬1). # أما عبادة بن الصامت: # فكنيته: أبو الوليد بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن غنم بن سالم بن ~~عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج، أنصاري خزرجي سالمي، وسالم يقال له: الحبلى؛ ~~لعظم بطنه، ومن نسب إليه، يقال لهم: بنو الحبلى. # وعبادة: أحد النقباء ليلة العقبة؛ شهد العقبة الأولى، والثانية، وآخى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينه، وبين مرثد الغنوي، وشهد بدرا، ~~والمشاهد كلها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وشهد بيعة الرضوان، ثم ~~وجهه عمر إلى الشام قاضيا، ومعلما، فأقام بحمص، ثم انتقل ms0314 إلى فلسطين؛ وهو ~~أول من ولي القضاء بها في بيت المقدس. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: مئة وأحد وثمانون حديثا؛ ~~اتفق البخاري ومسلم: على ستة أحاديث، وانفرد البخاري: بحديثين، ومسلم: ~~بآخرين. PageV01P507 # روى عنه: أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وفضالة بن عبيد، وشرحبيل بن ~~حسنة، وأبو أمامة الباهلي، ورفاعة بن رافع، ومحمود بن الربيع، وبنوه: ~~الوليد، وعبيد الله، وداود وبنو عبادة، وجماعة من التابعين المخضرمين، ~~وغيرهم، روي له: أصحاب السنن والمساند. # مات عبادة: سنة أربع وثلاثين، ابن اثنتين وسبعين سنة، وقال أبو حاتم ابن ~~حبان: ابن ثمانين سنة، واختلف في موضع دفنه، وموته؛ فالأكثر المشهور: أنه ~~دفن ببيت المقدس؛ وهو مشهور بها، قريب من باب الرحمة، وزرته بها. # وقال أبو حاتم بن حبان: سكن الشام، ومات بالرملة، ودفن ببيت المقدس (¬1). # وأما فاتحة الكتاب: فلها ثلاثة أسماء معروفة: # فاتحة الكتاب: لأن بها افتتح القرآن. # وأم القرآن، وأم الكتاب: لأن أصل القرآن منها بدئ، وأم الشيء: أصله؛ ومنه ~~سميت مكة: أم القرى؛ لأنها أصل البلاد، دحيت الأرض من تحتها. # وقيل: لأنها مقدمة، وإمام لما يتلوها من السور، يبدأ بكتابتها في المصحف، ~~ويقرأ بها في الصلاة. # والسبع المثاني: لأنها سبع آيات؛ باتفاق العلماء، وسميت مثاني؛ لأنها ~~تثنى بها في الصلاة، وتقرأ في كل ركعة، وقال مجاهد: سميت مثاني؛ لأن الله ~~تعالى استثناها لهذه الأمة، وذخرها لهم (¬2)، وقد امتن الله تعالى على ~~رسوله - صلى الله عليه وسلم - بها، PageV01P508 # فقال تعالى: {ولقد آتيناك سبعا من المثاني} [الحجر: 87] والمراد بها: ~~فاتحة الكتاب. # وقوله: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"؛ دليل على: وجوب قراءتها في ~~الصلاة. # ووجه الاستدلال ظاهر، واعتقد بعض علماء الأصول الإجمال في مثل هذا اللفظ؛ ~~لدورانه بين نفي الحقيقة، أو الكمال: # أما الحقيقة: فلا سبيل إليه؛ للزومه؛ ففي كل إضمار مجمل، وهو منتف؛ لأن ~~الإضمار إنما احتيج للضرورة إليه، وهي تندفع بإضمار فرد؛ فلا يحتاج إلى ~~أكثر منه، وإضمار الكل يتناقض؛ فإن إضمار الكمال يقتضي: إثبات أصل الصحة، ms0315 ~~ونفيه تعارض الأصل، وليس واحد منهما بأولى من الآخر؛ فيتعين الإجمال. # وهذا إنما يتم؛ إذا حمل لفظ الصلاة، والصيام، وغيرهما؛ على غير عرف ~~الشرع؛ أما إذا حمل على عرف الشرع، فيكون منتفيا حقيقة، ولا يحتاج إلى ~~الإضمار، والمؤدي إلى الإجمال؛ فإن ألفاظ الشارع محمولة على عرفه، في ~~الغالب؛ لأنه المحتاج إليه، فإنه بعث لبيان الشرعيات، لا لبيان موضوعات ~~الألفاظ في اللغة. # ثم إن الصلاة اسم لمجموع الصلاة؛ التي تحريمها التكبير، وتحليلها ~~التسليم؛ حقيقة، لا لكل ركعة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خمس صلوات، ~~كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة" (¬1)، فلو كان كل ركعة تسمى صلاة؛ ~~لقال: سبع عشرة صلاة. # وقد يستدل بالحديث من يرى: وجوب قراءة الفاتحة، في كل ركعة؛ بناء PageV01P509 # على: أن كل ركعة تسمى صلاة، وقد بينا عدمه. # وقد يستدل به من يرى: وجوبها في ركعة واحدة؛ بناء على: أنه يقتضي حصول ~~اسم الصلاة، عند قراءة الفاتحة؛ فإذا حصل مسمى قراءتها، وجب أن تحصل ~~الصلاة، والمسمى يحصل بقراءتها مرة واحدة؛ فوجب القول بحصول مسمى الصلاة، ~~بدليل؛ أن إطلاق اسم الكل، يطلق على الجزء، لكن بطريق المجاز، لا الحقيقة. # والجواب عن هذا: أنه دلالة مفهوم؛ على صحة الصلاة بقراءة الفاتحة في ~~ركعة؛ فإذا دل المنطوق على وجوبها في كل ركعة، كان مقدما عليه. # وقد يستدل به من يرى: وجوبها على العموم؛ لأن صلاة المأموم صلاة، فينتفي ~~عند انتفاء قراءتها؛ فإن وجد دليل يقتضي تخصيصه من هذا العموم، قدم، وإلا، ~~فالأصل: العمل به. # وفي مذهب الشافعي في وجوب قراءتها على المأموم تفصيل؛ إن كانت سرية: ~~وجبت، بلا خلاف، وإن كانت جهرية: وجبت -أيضا-، على أصح القولين، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن أبي قتادة الأنصاري -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر؛ بأم الكتاب، ~~وسورتين؛ يطول في الأولى، ويقصر في الثانية، وكان يطول في الأولى؛ من صلاة ~~الصبح، ويقصر في الثانية، وفي الركعتين الأخريين؛ بأم الكتاب (¬1). # تقدم الكلام على ms0316 أبي قتادة، في باب الاستطابة. PageV01P510 # أما الأوليان: فهي تثنية أولى؛ وكذلك الأخريان: تثنية أخرى. # وأما ما يسمع على الألسنة؛ من الأولة، وتثنيتها بالأولتين؛ فمرجوح في اللغة. # والحكمة في قراءة السورة؛ في الأوليين من الظهر والعصر، وفي الصبح: أن ~~الظهر في وقت قائلة، والعصر في وقت شغل الناس؛ بالبيع والشراء، وتعب ~~الأعمال، والصبح في وقت غفلة؛ بالنوم آخر الليل، فطولتا بالقراءة؛ ليدركهما ~~المتأخر؛ لإنشغاله بما ذكرنا؛ من القائلة، والتعب، والنوم، وإن كانت ~~قراءتهما في العصر أقصر من الظهر، والصبح. # والحكمة في تطويل الأولى على الثانية قصدا: ليدرك المأموم فضيلة أول ~~الصلاة جماعة. # وقوله: يسمع الآية أحيانا؛ إسماعه - صلى الله عليه وسلم - يحتمل أنه كان ~~مقصودا: فيكون دليلا على أن الإسرار ليس بشرط لصحة الصلاة السرية؛ بل يجوز ~~الجهر، والإسرار فيها، والإسرار أفضل؛ فيكون ذلك بيانا للجواز، مع أن ~~الإسرار سنة. # ويحتمل أنه ليس مقصودا بل كان دليلا على أن الإسرار ليس بشرط لصحة ~~السرية، بل يجوز الجهر فيها، والإسرار أفضل، فيكون ذلك بيانا يحصل بسبق ~~اللسان؛ للاستغراق في التدبر؛ وهو الأظهر، لكن الإسماع يقتضي القصد له، ~~والله أعلم. # وفي الحديث مسائل: # منها: أن (كان) تقتضي الدوام في الفعل، وتقدم. # ومنها: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، وتقدم الكلام على ذلك، والاختلاف فيه. # ومنها: شرعية السورة في الركعتين الأوليين؛ من الظهر والعصر، وفي حكمهما ~~العشاء؛ وكذلك في الصبح. # ومنها: أن السورة لا تشرع في الأخريين؛ من الظهر والعصر؛ وكذلك PageV01P511 # العشاء، والثالثة من المغرب، وقد اختلف قول الشافعي في الاستحباب وعدمه؛ ~~على قولين، والمشهور منهما: عدم الاستحباب، إلا أن يكون المصلي مسبوقا. # قال الشافعي - رحمه الله -: ولو أدرك المسبوق الأخريين؛ أتى بالسورة في ~~الباقيتين؛ لئلا تخلو صلاته من سورة (¬1). # ومنها: أن سورة كاملة أفضل من قدرها من غيرها؛ لارتباط القراءة بعضها ~~ببعض، في ابتدائها، وانتهائها، بخلاف قدرها من طويلة؛ فإنه قد يخفى ~~الارتباط على أكثر الناس، أو كثير منهم، فيبتدئ ويقف على غير مرتبط؛ وهو ~~محذور؛ لإخلاله بنظم القرآن. # ومنها: تطويل السورة في ms0317 الركعة الأولى على الثانية؛ في الصبح، والظهر، ~~والعصر؛ وكذلك المغرب، والعشاء، وقد اختلف العلماء في ذلك؛ من الشافعية، ~~وغيرهم؛ والاختلاف وجهان لأصحاب الشافعي: # أشهرهما عندهم: لا تطول الأولى على الثانية؛ وهو مخالف لظاهر الحديث، ~~وتأولوه على: أنه طول بدعاء الافتتاح، والتعوذ، أو لسماع دخول داخل في ~~الصلاة، لا في القراءة. # والثاني: وهو الصحيح، تطويل القراءة في الأولى قصدا؛ لظاهر السنة؛ فعلى ~~هذا من قال من أصحاب الشافعي: استحباب السورة في الأخريين، اتفقوا على أنها ~~أخف منها في الأوليين. # واختلفوا في تطويل الثالثة على الرابعة، إذا قلنا بتطويل الأولى على ~~الثانية؛ على وجهين. # وقد تقدم ذكر اختلاف السلف؛ في وجوب قراءة السورة مع الفاتحة، ودليله، ~~وعدمه، وفي يده هنا وضوحا، ولا شك؛ أن مجرد فعله - صلى الله عليه وسلم - لا ~~يدل على الوجوب، إلا أن يبين أنه وقع بيانا لمجمل؛ فقد ادعي في كثير من ~~أفعاله - صلى الله عليه وسلم - التي قصد إثبات وجوبها، أنها بيان له، لكن ~~ذلك في هذا خارج عما ادعى؛ فإنه PageV01P512 # ليس في قراءته - صلى الله عليه وسلم - السورة مع الفاتحة هنا، إلا مجرد ~~فعل؛ فافترقا. # ومنها: جواز إضافة تسمية الصلاة إلى وقتها. # ثم أعلم: أنه ليس في هذا الحديث تعرض لتطويل الصلاة بالقراءة، ولا قصرها، ~~وقد ثبت في الصحيح بيان ذلك، وسيأتي -إن شاء الله تعالى-، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن جبير بن مطعم -رضي الله عنه- قال: "سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يقرأ في المغرب بالطور" (¬1). # أما جبير بن مطعم - رضي الله عنه -: # فكنيته: أبو محمد، ويقال: أبو عدي؛ وهو ابن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد ~~مناف بن قصي، القرشي المدني. # قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة؛ وهو مشرك، في فداء ~~أسارى بدر، ثم أسلم بعد ذلك، قبل عام خيبر، وقيل: أسلم يوم الفتح، وكان من ~~حكماء قريش وساداتهم. # وهذا الحديث مما سمعه جبير من النبي - صلى الله عليه وسلم - حال قدومه؛ ~~وهو مشرك، في فداء الأسارى، لا بعد ms0318 إسلامه؛ وذلك دليل على: صحة التحمل قبل ~~الإسلام، والأداء بعده، ولا خلاف فيه. # روي لجبير عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ستون حديثا، اتفقا على: ~~ستة، وانفرد البخاري: بحديث (¬2)، ومسلم: بآخر. PageV01P513 # روى عنه من الصحابة: سليمان بن صرد، وجماعة من التابعين، وابناه: محمد، ~~ونافع، ورى له: أصحاب السنن والمساند. # مات بالمدينة، سنة أربع، وقيل: سبع، وقيل: تسع وخمسين، وكان يؤخذ عنه ~~النسب (¬1). # أما المغرب: فقد وصفها الشرع بوتر النهار؛ لكونها ثلاثية، لا لكونها تصلى ~~في آخر وقت النهار؛ فإنها تصلى في أول الليل بعد غروب الشمس وطلوع الليل من ~~المشرق، وبعد غروب الشمس؛ سميت مغربا. # وأما قراءته - صلى الله عليه وسلم - فيها بالطور: فمعناه: في الركعتين ~~الأوليين التي يجهر فيهما بالقراءة، لا في الثالثة منها، والذي استقر عليه ~~العمل عند الفقهاء: تقصير الصلاة فيها، وهذا الحديث يخالفه؛ فإن الطور من ~~أوساط سور القراءة في الصلاة؛ ومثلها مشروع في العصر، والعشاء، لا في ~~المغرب؛ وكذلك ما ثبت في قراءته - صلى الله عليه وسلم - في المغرب ~~بالأعراف. # فإما أن يحمل الحديثان على: رجحان قراءتهما في المغرب؛ فتقتضيان ~~الاستحباب، أو على: بيان جوازهما، والأفضل: ما استقر عليه العمل من تقصير ~~القراءة؛ لكونهما غير متكرر قراءتهما، فيدلان على الجواز، لا على رجحانهما، ~~وفرق بين كون الشيء مستحبا، وبين كونه مكروها. # كيف وقراءته - صلى الله عليه وسلم - في المغرب بالطور متقدما؟! فإنه عقب ~~غزوة بدر؛ وهي متقدمة، فإن ذلك في آخر السنة الثانية من الهجرة. # قال شيخنا أبو الفتح بن دقيق العيد - رحمه الله -: والصحيح عندنا: أن ما ~~صح من ذلك، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ مما لم تكثر مواظبته عليه؛ ~~فهو جائز من غير PageV01P514 # كراهة؛ لحديث جبير بن مطعم في قراءة الطور في المغرب، ولحديث قراءة ~~الأعراف فيها. # وما صحت المواظبة عليه، فهو في درجة الرجحان في الاستحباب، لا أن غيره ~~مما قرأه - صلى الله عليه وسلم - مكروه، والله أعلم (¬1). # * * * ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن البراء بن عازب -رضي الله عنهما-: أن النبي ms0319 - صلى الله عليه وسلم - ~~كان في سفر، فصلى العشاء الأخيرة، فقرأ في إحدى الركعتين: بالتين والزيتون، ~~فما سمعت أحدا أحسن صوتا، أو قراءة منه - صلى الله عليه وسلم - (¬2). # أما البراء بن عازب، فتقدم ذكره. # ولا شك أن هذا الحديث، والذي قبله؛ متعلقان بكيفية القراءة في الصلاة، ~~وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك أفعال مختلفة في الطول ~~والقصر، وصنف بعض الحفاظ فيها كتابا مفردا. # والذي ذكره الشافعية مختارين له: التطويل في الصبح، والظهر، والتقصير في ~~المغرب، والتوسط في العصر، والعشاء. # وغيرهم يوافق في الصبح، والمغرب، ويخالف في الظهر، والعصر، والعشاء، ~~والذي استقر عليه عمل الناس: التطويل في الصبح، والتقصير في المغرب. # ولعل العلة في شرعية ذلك: انبساط النفس، وانبعاثها للتطويل؛ لراحتها ~~بالنوم، واستيقاظها بعده نشيطة، بخلاف المغرب؛ فإنها تكون منقبضة؛ لتعبها PageV01P515 # بالسعي في النهار، وإتعابها، ولحاجة الناس إلى عشاء صائمهم، وأكلهم عقب ~~تعبهم، وشغلهم؛ فخففت القراءة بالتقصير لذلك. # فحينئذ تكون قراءته - صلى الله عليه وسلم - في العشاء بالتين والزيتون؛ ~~وهي من قصار سور القراءة؛ لكونه في السفر، وهو مناسب للتخفيف؛ لتعب ~~المسافر، وانشغاله. # وفي الحديث مسائل: # منها: تخفيف القراءة في صلاة السفر. # ومنها: تحسين الصوت بالقراءة؛ لأنه إذا حسنها في السفر، مع مظنة التعب ~~والمشقة، ففي غيره أولى. # ومنها: جواز قول: عشاء الآخرة، مضافا، والرد على الشعبي في إنكار ذلك. # ومنها: نقل أفعاله، وأقواله، وأحواله؛ إلى أمته - صلى الله عليه وسلم -؛ ~~للعلم والعمل بها، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الخامس # عن عائشة -رضي الله عنها-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث رجلا ~~على سرية، فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم بقل هو الله أحد، فلما ~~رجعوا، ذكروا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "سلوه: لأي شيء، يصنع ذلك؟ "، فسألوه، فقال: لأنها صفة ~~الرحمن -عز وجل-؛ فإني أحب أن أقرأ بها، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "أخبروه أن الله -عز وجل- يحبه" (¬1). # أما عائشة - رضي الله عنها -، فتقدمت. ms0320 # وأما الرجل المبعوث على السرية: فلا أعلم اسمه في المبهمات. PageV01P516 # والسرية: واحدة السرايا؛ وهي: الطائفة التي يبعثها الإمام من الجيش، قبل ~~دخول الحرب، يبلغ أقصاها: أربع مئة، سموا بذلك: لكونهم خلاصة العسكر، ~~وخياره، مأخوذ من الشيء السري؛ وهو النفيس، وقيل: لأنهم يبعثون سرا وخفية، ~~وليس بالوجه؛ لأن لام السر: راء، وهذه: ياء (¬1). # وأعلم: أن سورة {قل هو الله أحد} اشتملت على: اسمين من أسمائه تعالى ~~يتضمنان جميع أوصاف كماله تعالى، لم توجد في غيرها، من جميع السور؛ وهو ~~الأحد الصمد؛ فإنهما يدلان على: أحدية الذات المقدسة الموصوفة بجميع أوصات ~~الكمال المعظمة، وبيانه: # أن الأحد، والواحد: وإن رجعا إلى أصل واحد لغة، فقد افترقا استعمالا، ~~وعرفا؛ وذلك أن الهمزة من أحد، منقلبة عن الواو من وحد، قال النابغة: # كأن رحلي وقد زال النهار بنا ... يوم الجليل على مستأنس وحد (¬2) # فهما من الوحدة؛ وهي راجعة إلى نفي التعدد، والكثرة، غير أن استعمال ~~العرب فيهما مختلف؛ فإن الواحد عندهم: أصل العدد، من غير تعرض لنفي ما ~~عداه، والأحد: يثبت مدلوله، ويتعرض بنفي ما سواه. # ولهذا أكثر ما استعملته العرب في النفي، فقالوا: ما فيها أحد، ولم يكن له ~~كفوا أحد، ولم يقولوا: هنا واحد؛ فإن أرادوا الإثبات، قالوا: رأيت واحدا من ~~الناس، ولم يقولوا: هنا أحدا. # وعلى هذا؛ فالأحد في أسمائه تعالى: مشعر بوجوده الخاص الذكره لا يشاركه ~~فيه غيره؛ وهو المعبر عنه: بوجود الوجود، وربما عبر عنه بعض المتكلمين: ~~بأخص وصفه. PageV01P517 # وأما الصمد: فهو المتضمن لجميع أوصاف الكمال؛ فإن الصمد: الذي انتهى ~~سؤدده؛ بحيث يصمد إليه في الحوائج كلها؛ أي: يقصد، ولا يقع ذلك تحقيقا إلا ~~ممن حاز جميع خصال الكمال حقيقة، وذلك لا يكمل إلا لله -عز وجل-؛ فهو الأحد ~~الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. # فقد ظهر بهذين الاسمين؛ من شمول الدلالة على الله تعالى، وصفاته، ما ليس ~~لغيرهما من الأسماء، وأنهما ليسا موجودين في شيء من سور القرآن؛ فلهذا علل ~~حبه إياها؛ لأنها صفة ms0321 الرحمن. # ثم محبة الله تعالى لعباده: إرادة ثوابهم، وتنعيمهم، وقيل: محبته لهم نفس ~~الإثابة، والتنعيم، لا الإرادة. # ومحبة عباده له -سبحانه وتعالى-: لا يبعد فيها الميل منهم إليه سبحانه؛ ~~وهو متقدس عن الميل؛ فحقيقة محبة عباده له: ميلهم إليه؛ لاستحقاقه -سبحانه ~~وتعالى- المحبة، من جميع وجوهها، وقيل: محبتهم له: استقامتهم على طاعته، ~~وقيل: الاستقامة ثمرة المحبة. # وقولها: "فيختم بقل هو الله أحد"؛ دليل على: أنه كان يقرأ بغيرها، لكنه ~~هل كان يقرأ بها مع غيرها، في ركعة واحدة، ويختم بها في تلك الركعة، أم كان ~~يختم بها في آخر ركعة يقرأ فيها السورة؟ # الظاهر: الأول، والثاني: يحتمله اللفظ. # وعلى الأول: يكون فيه دليل على: جواز الجمع بين سورتين في ركعة واحدة. # وقوله: "لأنها صفة الرحمن"؛ يحتمل أنها: لما اختصت بصفات الرب تعالى، دون ~~غيرها؛ بمعنى: عدم انحصارها فيها، عبر بها لأنها تضمنت جميعها. # ويحتمل: أن يضمر: "ذكر" فيكون المراد أن فيها: ذكر صفة الرحمن، فعبر عن ~~ذلك الذكر: بالوصف، وإن لم يكن نفس الوصف. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أخبروه: أن الله يحبه"؛ يحتمل: أن محبة ~~الله له بسبب PageV01P518 # قراءتها، ويحتمل: أنها بسبب ما، شهد به كلامه؛ من محبته لذكر صفة الرب ~~سبحانه، وصحة اعتقاده، ويحتمل: أنه بسبب قراءتها، وما شهد به؛ فإن قراءتها ~~سبب عن المحبة لما ذكر، والله أعلم. # وفي هذا الحديث مسائل: # منها: استحباب البعوث والسرايا، والتأمير عليهم. # ومنها: أن أميرهم يؤمهم، فيصلى بهم. # ومنها: جواز قراءة سورتين مع الفاتحة، في ركعة. # ومنها: فضيلة سورة: {قل هو الله أحد}، ولا يدل على أنها أفضل السور، بل ~~أفضل السور سورة: {الحمد لله رب العالمين}. # ومنها: أنه يشرع لمن فعل فعلا؛ عبادة، أو غيرها، أن يسأل بعد فعله ~~العلماء به. # ومنها: أنه ينبغي للمسؤول العالم أن يسأل السائل عن قصده، وسبب فعله. # ومنها: أن محبة الله تعالى، ومحبة صفاته أفضل المطلوبات. # ومنها: أن ما كان من التلاوة متعلقا بصفة الرب -سبحانه وتعالى-، كان أفضل ~~التلاوات، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث السادس ms0322 # عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه-: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال لمعاذ: "فلولا صليت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا ~~يغشى؛ فإنه يصلي وراءك: الكبير، والصغير، وذو الحاجة" (¬1). # تقدم الكلام على جابر. PageV01P519 # وأعلم: أنه لم يتعين في هذه الرواية؛ في أي صلاة كان القول لمعاذ - رضي ~~الله عنه -، لكن قد عرف أن معاذا كان يطول في عشاء الآخرة بقومه؛ فيكون ذلك ~~دليلا على: استحباب قراءة هذه السورة، أو قدرها فيها، لكن هذه السور أفضل ~~من غيرها؛ للتحضيض عليها. # وكذلك ينبغي المحافظة على كل ما ورد: صحيحا، أو حسنا عنه - صلى الله عليه ~~وسلم -؛ من القراءة المختلفة في الصلاة: فعلا، أو قولا، أو تقريرا، أو ~~تحضيضا، ولقد أحسن من قال من العلماء: اعمل بالحديث، ولو مرة؛ تكن من أهله (¬1). # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإنه يصلي وراءك: الكبير، والصغير، وذو ~~الحاجة"؛ فالمراد بالكبير: المسن، ولا شك أن الصلاة تختلف إطالتها باختلاف ~~أحوال المصلي؛ إماما، أو مأموما، أو منفردا؛ فإذا كان المأمومون يؤثرون ~~التطويل، ولا شغل للإمام، ولا لهم؛ طولوا، وإذا لم يكن كذلك، خففوا، وقد ~~تراد الإطالة، فيعرض ما يقتضي التخفيف؛ كبكاء الطفل، ونحوه. # وعلى ذلك تتنزل الأحاديث؛ في تطويله - صلى الله عليه وسلم -، وتخفيفه، ~~وإذا استقرئ فعله - صلى الله عليه وسلم -: وجد التطويل إماما أقل، والتخفيف ~~أكثر؛ فتكون الإطالة لبيان الجواز، والتخفيف لكونه أفضل، وعليه دل قوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "إن منكم منفرين؛ فأيكم صلى بالناس، فليخفف؛ فإن ~~فيهم: السقيم، والضعيف، وذا الحاجة" (¬2). # وقيل: إن تطويله، وتخفيفه؛ لبيان أن القراءة فيما زاد على الفاتحة؛ لا ~~تقدير فيها، بل يجوز قليلها، وكثيرها؛ بل الواجب الفاتحة فقط؛ لاتفاق ~~الروايات عليها، واختلافها فيما زاد. # وبالجملة: السنة التخفيف؛ للعلة التي بينها، وتطويله - صلى الله عليه ~~وسلم - في بعض PageV01P520 # الأوقات؛ لتحققه انتفاء العلة، مع قصده إرادة التطويل؛ كقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "إني لأدخل في الصلاة، أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي، ~~فأتجوز في صلاتي؛ مخافة أن تفتتن أمه" ms0323 (¬1)؛ ولهذا قال - صلى الله عليه ~~وسلم - لمعاذ: "أفتان أنت؟! " مرتين، أو ثلاثا (¬2). # وإن كان منفردا، ووجد نفسه مقبلة على التطويل: طؤل، وإلا: خفف؛ ليكون ~~مقبلا على صلاته، في جميع حالاته؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: "إذا ~~نعس أحدكم في صلاته، فليرقد" (¬3)؛ أي: بعد فراغه منها، وتخفيفها؛ خوفا من ~~السآمة، وعدم التدبر، والله أعلم. # وفي هذا الحديث مسائل: # منها: الحث على قراءة هذه السور، ونحوها في الصلاة؛ إذا كان إماما، وفي ~~حكمه المنفرد، والمأموم الذي لا يسمع قراءة الإمام. # ومنها: تعليل الأحكام للناس؛ لكونه أدعى إلى القبول، والعمل بالعلم، ~~وأثبت في القلوب. # ومنها: الرفق بالضعفاء، والشفقة عليهم؛ في الأمور الأخروية، فما ظنك ~~بغيرها من أمور الدنيا؟ # ومنها: تحسين العبارة في التعلم بالتحضيض الدال على الأمر من غير تعاطي ~~لفظه؛ مراعاة لنفرة النفوس عنه، والله أعلم. PageV01P521 ### || AUTO باب ترك الجهر ب: بسم الله الرحمن الرحيم # عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأبا ~~بكر، وعمر -رضي الله عنهما- كانوا يفتتحون الصلاة، ب: الحمد لله رب ~~العالمين. وفي رواية: صليت مع أبي بكر، وعمر، وعثمان، فلم أسمع أحدا منهم ~~يقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم. ولمسلم: صليت خلف النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب ~~العالمين، لا يذكرون: بسم الله الرحمن الرحيم؛ في أول قراءة، ولا في آخرها (¬1). # قد تقدم الكلام على أنس، وعلى افتتاح الصلاة ب: الحمد لله رب العالمين، ~~وتأويله؛ فيما مضى، وأنه كان يبتدئ بالفاتحة، قبل السورة. # واعلم: أن القراء، والفقهاء من الصحابة، والتابعين، وهلم جرا؛ قد اختلفوا ~~في بسم الله الرحمن الرحيم، هل هي آية من الفاتحة، أم لا؟ وهل يجهر بها في ~~الصلاة الجهرية، أم لا؟ # مع اتفاقهم على: أنها ليست آية أول براءة، وعلى: أنها بعض آية في سورة ~~النمل. PageV01P522 # واختلفوا في: أنها آية من أول كل سورة، أو بعض آية، أو ليست بآية؛ على ~~أوجه، وقد صنف فيها جماعة كتبا من المتقدمين، والمتأخرين، ms0324 المثبتين لها، ~~والمخالفين، وفي الجهر بها. # ولا شك أنها ثابتة في رسم المصحف؛ أول الفاتحة، وكل سورة إلا براءة. # قال الشعبي: كان يكتب على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بدء ~~الأمر؛ على رسم قريش: باسمك اللهم، حتى نزلت: {وقال اركبوا فيها بسم الله ~~مجراها} [هود: 41]، كتب: باسم الله، حتى نزلت: {قل ادعوا الله أو ادعوا ~~الرحمن} [الإسراء: 110]، كتب: باسم الله الرحمن، حتى نزلت: {إنه من سليمان ~~وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} [النمل: 30]، كتب مثلها (¬1). # وأما من قال: إنها ليست من الفاتحة، ولا من غيرها من السور، قال: ~~الافتتاح بها للتيمن والتبرك، ومن قال: بأنها من الفاتحة، وليست من سائر ~~السور، قال: إنما كتبت للفصل. # وقال الثوري، وابن المبارك: هي آية من الفاتحة، ومن كل سورة، إلا سورة ~~التوية. # واتفق العلماء على: أن الفاتحة سبع آيات: # فالآية الأولى عند من يعدها منها: {بسم الله الرحمن الرحيم}، وابتداء ~~الآية الأخيرة: {صراط الذين أنعمت عليهم}، إلى آخرها. # ومن لم يعدها من الفاتحة، قال: ابتداؤها: {الحمد لله رب العالمين}، ~~وابتداء الآية الأخيرة: {غير المغضوب عليهم}. # واحتج من جعلها من الفاتحة، ومن السور: بأنها كتبت في المصحف، بخط ~~القرآن. PageV01P523 # قال ابن عباس، وسعيد بن جبير: {بسم الله الرحمن الرحيم} الآية السابعة (¬1). # روى الدارقطني بإسناد صحيح؛ كلهم ثقات، من رواية أبي هريرة، مرفوعا: ~~الأمر بقراءتها في الفاتحة، وأنها آية منها؛ وكذلك روى بإسناد صحيح، ورجاله ~~ثقات، عن أم سلمة؛ من فعله - صلى الله عليه وسلم - (¬2). # وقوله: "كانوا يفتتحون الصلاة، ب: الحمد لله رب العالمين": # الحمد: مرفوع الدال على الحكاية، وإن كان مجرورا بالباء. # وقد استدل به، وبما بعده من الأحاديث؛ على عدم الجهر بالبسملة في الصلاة، ~~وقد اختلف العلماء في ذلك؛ على ثلاثة مذاهب: # أحدها: ترك البسملة سرا وجهرا؛ وهو مذهب مالك. # الثاني: قراءتها سرا، لا جهرا؛ وهو مذهب أبي حنيفة، وأحمد. # والثالث: الجهر بها، فيما يجهر فيه؛ وهو مذهب الشافعي، وطوائف من السلف، ~~والخلف. # والمتيقن من هذا الحديث؛ عدم الجهر، فأما الترك ms0325 أصلا؛ فمحتمل مع ظهوره في ~~قوله: "لا يذكرون: بسم الله الرحمن الرحيم، في أول قراءة، ولا آخرها". # والأحاديث الواردة في قراءتها، والجهر بها في الصلاة؛ معتل أكثرها، ~~وبعضها فيه ما يدل على قراءتها في الصلاة، إلا أنه ليس بصريح الدلالة على ~~خصوص التسمية. # ومن صحيحها: حديث المعتمر بن سليمان: أنه كان يجهر ب: بسم الله PageV01P524 # الرحمن الرحيم؛ قبل فاتحة الكتاب، وبعدها، ويقول: ما آلو أن أقتدي بصلاة ~~أبي، وقال أبي: ما آلو أن أقتدي بصلاة أنس، وقال أنس: ما آلو أن أقتدي ~~بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، رواه الحاكم أبو عبد الله، وقال: ~~رواة هذا الحديث كلهم ثقات (¬1). # ومن صحيحها -أيضا-: حديث نعيم بن عبد الله المجمر قال: كنت وراء أبي ~~هريرة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن، حتى بلغ: ولا ~~الضالين، ثم قال: آمين، وقال الناس: آمين، ويقول كما سجد: الله أكبر، وإذا ~~قام من الجلوس: الله أكبر، ويقول إذا سلم: والذي نفسي بيده! إني لأشبهكم ~~صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، رواه الدارقطني، بأسانيد كل ~~رجالها ثقات (¬2). # ومن صحيحها ما رواه الدارقطني بإسناد كلهم ثقات: # عن أنس - رضي الله عنه - قال: صلى معاوية بالمدينة صلاة، فجهر فيها ~~بالقراءة؛ فلم يقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، لأم القرآن، ولم يقرأ بها ~~للسورة التي بعدها، ولم يكبر حتى يهوي، حتى قضى تلك الصلاة، فلما سلم، ~~ناداه من سمع ذلك من المهاجرين، والأنصار، من كل مكان: يا معاوية! أسرقت ~~الصلاة، أم نسيت؟! قال: فلم يصل بعد ذلك، إلا قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، ~~لأم القرآن، وللسورة التي بعدها، وكبر حتى يهوي ساجدا (¬3). # فهذه أحاديث صحاح ثابتة مثبتة للبسملة، والجهر بها؛ فهي مقدمة على ~~الأحاديث بنفيها، ولا يلزم من عدم سماع أنس للبسملة، والجهر بها؛ عدم ~~ثبوتها، والجهر بها. PageV01P525 # كيف وهي ثابتة في رسم المصحف بخطه؛ باتفاق الصحابة، وإجماعهم على: ألا ~~يثبتوا فيه غيره، وأجمع المسلمون بعدهم عليه، في كل الأعصار إلى يومنا، مع ~~اجتماعهم على: أنها ms0326 ليست من براءة، ولا يكتب فيها؟! # ودليل المالكية على تركها: عمل أهل المدينة، لكن حديث أنس، وغيره يرد ~~عليه، وليس لهم دليل صريح يدل على الترك مطلقا، والله أعلم. # * * * PageV01P526 ### || AUTO باب سجود السهو ### ||| AUTO الحديث الأول # عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: صلى بنا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - إحدى صلاتي العشي، قال ابن سيرين: وسماها أبو هريرة، ~~ولكن نسيت أنا، قال: فصلى بنا ركعتين، ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في ~~المسجد، فاتكأ عليها، كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين ~~أصابعه، وخرجت السرعان من أبواب المسجد، فقالوا: أقصرت الصلاة؟ وفي القوم ~~أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه، وفي القوم رجل في يديه طول، يقال له: ذو ~~اليدين، فقال: يا رسول الله! أنسيت، أم قصرت الصلاة؟ قال: "لم أنس، ولم ~~تقصر"، فقال: "أكما يقول ذو اليدين؟ "، فقالوا: نعم، فتقدم، فصلى ما ترك، ~~ثم سلم، ثم كبر، فسجد مثل سجوده، أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر، ثم كبر وسجد ~~مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه، وكبر، فربما سألوه، ثم سلم، فنبئت: أن ~~عمران بن حصين، قال: ثم سلم (¬1). # أما محمد بن سيرين: # فكنيته: أبو بكر، وكنية أبيه سيرين: أبو عمرة، ومحمد: تابعي، ثقة، PageV01P527 # جليل، إمام، رفيع، مأمون، عال، فقيه، ورع، كثير العلم، أنصاري، مولاهم، ~~بصري، كان مولى أنس بن مالك خادم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وإخوته: معبد، وأنس، ويحيى، وحفصة، وكريمة؛ بنو سيرين، تابعيون ثقات، وهو ~~وهم: من سبي عين التمر، أسرهم خالد بن الوليد. # سمع حديثا واحدا من ابن عمر، ودخل على زيد بن ثابت، وسمع جندب بن عبد ~~الله البجلي، وأبا هريرة، وعبد الله بن الزبير، وأنس بن مالك، وعمران بن ~~حصين، وعدي بن حاتم، وسلمان بن عامر الضبي، وأم عطية نسيبة الأنصارية، ~~وجماعة من التابعين، وأخاه معبدا، وأخته حفصة؛ وهو من أروى الناس عن شريح، ~~وعبيدة. # واختلف في سماعه من ابن عباس، والصحيح: أنه سمع من عكرمة، ms0327 عنه. # قال أحمد بن حنبل - رحمه الله -: سمع ابن سيرين من: أبي هريرة، وابن عمر، ~~وأنس، ولم يسمع من ابن عباس شيئا، كلها يقول: نبئت عن ابن عباس، وقد سمع من ~~عمران بن حصين. # قال: وقال هشام بن حسان: أدرك الحسن من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، عشرين ومئة، قلت: فابن سيرين؛ قال: ثلاثين، وقال هشام: حدثني أصدق من ~~أدركت من البشر: محمد بن سيرين، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان. # وهو أكبر من أخيه أنس، ومات سنة عشر ومئة، بعد الحسن بمئة يوم؛ فعلى هذا ~~يكون عمره: نحو خمسة وسبعين سنة. # روى له: الشيخان، وأصحاب السنن والمساند (¬1). PageV01P528 # وتقدم أبو هريرة. # وأما ألفاظه: # فالعشي: ما بين زوال الشمس إلى غروبها؛ ومنه سميت صلاة الظهر، والعصر: ~~صلاتي العشي، وفي "صحيح مسلم": إحدى صلاتي العشي؛ إما الظهر، وإما العصر. # وأما الخشبة المعروضة: فهي جذع من نخل؛ كذا جاء مبينا في "صحيح مسلم"، ~~وكان في قبلة المسجد. # وقوله: "وخرجت السرعان"؛ هو بفتح السين المهملة، والراء؛ وهو المسرعون ~~إلى الخروج، ويجوز فيه: إسكان الراء؛ نقله القاضي عياض، قال: وضبطه الأصيلي ~~في "البخاري": بضم السين، وإسكان الراء؛ فيكون جمع سريع، كقفيز وقفزان، ~~وكثيب وكثبان، قال الخطابي: وكسر السين خطأ (¬1). # وقوله: "أقصرت الصلاة؟ "؛ هو بضم القاف، وكسر الصاد، وروي بفتح القاف، ~~وضم الصاد؛ وكلاهما صحيح، ولكن الأول: أشهر، وأصح (¬2). # وقوله: "وفي القوم رجل في يديه طول، يقال له: ذو اليدين"؛ اسم ذي اليدين: ~~الخرباق -بكسر الخاء المعجمة، وبالباء الموحدة، وآخره قاف-؛ وهو سلمي من ~~بني سليم. # وقول الزهري: إنه ذو الشمالين، عمير بن عمرو بن غبشان، من خزاعة، حليف ~~لبني زهرة، وإنه قتل يوم بدر، غلط؛ اتفق أهل الحذق والفهم والحفظ على ~~تغليطه؛ منهم: إمام الفن مسلم بن الحجاج، وأبو عمر بن عبد البر. # وقال أبو عمر: لا أعلم أحدا من أهل العلم بالحديث المصنفين فيه عول على ~~قول الزهري، في حديث ذي اليدين، وكلهم تركوه؛ لاضطرابه في إسناده، PageV01P529 # ومتنه، وإن كان إماما عظيما في ms0328 هذا الشأن؛ فالغلط لا يسلم منه بشر، ~~والكمال له، وكل أحد يؤخذ من قوله، ويترك، إلا النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- (¬1). # قوله: "فنبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم"؛ القائل: هو محمد ابن سيرين ~~الراوي عن أبي هريرة؛ وهو مصرح بأنه لم يسمع ذلك من عمران، بل بواسطة. # وأعلم: أن أحاديث باب السهو في الصلاة: ستة، وإن كان الماوردي ذكرها: ~~خمسة، وأغفل حديث عمران بن حصين - رضي الله عنهما -؛ وهو: أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - سلم في ثلاث، ثم صلى ركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين. # الثاني: حديث أبي هريرة؛ فيمن شك؛ فلم يدر كم صلى، وفيه: أنه سجد سجدتين، ~~ولم يذكر موضعهما. # الثالث: حديث أبي سعيد؛ فيمن شك، وفيه: أنه يسجد سجدتين قبل أن يسلم. # الرابع: حديث ابن مسعود؛ وفيه: القيام إلى خامسة، وأنه يسجد بعد السلام. # الخامس: حديث ذي اليدين؛ الذي ذكره المصنف، من حديث أبي هريرة؛ وفيه: ~~السلام من اثنتين، والمشي، والكلام، وأنه سجد بعد السلام. # قال أبو عمر: وقد روى قصة ذي اليدين: عبد الله بن عمر، ومعاوية بن حديج ~~-بضم الحاء المهملة-، وعمران بن حصين، وصاحب الجيوش، واسمه: عبد الله بن ~~مسعدة؛ وهو معروف في الصحابة بابن مسعدة، له رواية عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - (¬2). # السادس: حديث ابن بحينة، وقد ذكره المصنف بعد هذا؛ وفيه: القيام من ~~اثنتين، والسجود قبل السلام. PageV01P530 # واختلف العلماء، في الأخذ بهذه الأحاديث: # فمنهم: من وقف عليها في مواضعها، ومنع القياس عليها؛ كداود الظاهري، ~~ووافقه أحمد في الصلوات المذكورة خاصة، وخالفه في غيرها، وقال: يسجد فيما ~~سواها؛ قبل السلام، لكل سهو. # ومنهم من قاس: واختلف هؤلاء: # فقال بعضهم: هو غير في كل سهو؛ إن شاء سجد بعد السلام، وإن شاء قبله؛ في ~~الزيادة، والنقص. # وقال أبو حنيفة: الأصل فيه: السجود بعد السلام، وتأول باقي الأحاديث عليه. # وقال الشافعي: الأصل فيه: السجود قبل السلام، ورد بقية الأحاديث إليه. # وقال مالك: إن كان السهو زيادة: سجد بعد السلام، وإن كان نقصا: ms0329 فقبله. # فأما الشافعي، فقال في حديث أبي سعيد: فإن كانت خامسة، شفعها، ونص على ~~السجود قبل السلام، مع تجويز الزيادة، والمجوز كالموجود. # ويتأول حديث ابن مسعود؛ في القيام إلى خامسة، والسجود بعد السلام؛ على ~~أنه - صلى الله عليه وسلم - ما علم السهو إلا بعد السلام، ولو علمه قبله، ~~لسجد قبله. # وتأول حديث ذي اليدين؛ على أنها صلاة جرى فيها سهو، فسها عن السجود قبل ~~السلام، فتداركه بعده. # وأقوى المذاهب هنا: مذهب مالك؛ وهو قول للشافعي، ثم مذهب الشافعي؛ وله ~~قول -أيضا-: بالتخيير. # وعلى القول بالتفرقة؛ بين الزيادة والنقص، وهو أقواها؛ كما ذكرنا؛ لو ~~اجتمع في صلاة سهوان؛ سهو بزيادة، وسهو بنقص: سجد قبل السلام، أو بعده، ~~للزيادة، والنقص؛ أنه يجزئه، ولا تفسد صلاته، وإنما اختلافهم في الأفضل. PageV01P531 # ولو سها سهوين، فأكثر: كفاه سجدتان للجميع؛ وبه قال مالك، والشافعي، وأبو ~~حنيفة، وأحمد، وجمهور التابعين. # وعن ابن أبي ليلى: لكل سهو سجدتان؛ وفيه حديث ضعيف، والله أعلم. # وفي حديث ذي اليدين هذا فوائد؛ أصولية، وفروعية: # أما الأصولية: # فمنها: ما يتعلق بأصول الدين؛ فهو في موضعين: # أحدهما: جواز السهو في الأفعال على الأنبياء -صلوات الله عليهم وسلامه-. # والثاني: في الأقوال. # أما الأول: فجوازه مذهب عامة العلماء، والنظار؛ وهذا الحديث يدل عليه؛ ~~وهو مصرح به في حديث ابن مسعود - رضي الله عنه -: أنه - صلى الله عليه وسلم ~~- ينسى؛ كما تنسون (¬1)؛ وهو ظاهر القرآن. # وشذت طائفة من المتوغلين، فقالت: لا يجوز السهو عليه، وإنما ينسى قصدا، ~~أو يتعمد صورة النسيان؛ وهذا باطل؛ لإخباره - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~ينسى، ولأن الأفعال العمدية تبطل الصلاة؛ ولأن صورة الفعل النسياني كصورة ~~الفعل العمدي، وإنما يتميزان للغير بالإخبار. # والذين أجازوا السهو قالوا: لا يقر عليه؛ فيما طريقه البلاغ الفعلي، ~~اختلفوا هل من شرط التنبيه الاتصال بالحادثة، أم لا يشترط، بل يجوز التراخي ~~إلى أن تنقطع مدة التبليغ؛ وهو العمر؟ # وهذه الواقعة -في حديث ذي اليدين- قد وقع البيان فيها على الاتصال، ومذهب ~~أكثرين: أنه يشترط تنبيهه - صلى الله عليه ms0330 وسلم - على الفور متصلا ~~بالحادثة، ولا يقع فيه تأخير. PageV01P532 # وجوزت طائفة: تأخيره مدة حياته - صلى الله عليه وسلم -؛ واختاره إمام ~~الحرمين. # ومنعت طائفة من العلماء: السهو عليه - صلى الله عليه وسلم -؛ في الأفعال ~~البلاغية، والعبادات؛ كما أجمعوا على منعه، واستحالته عليه؛ في الأقوال ~~البلاغية، وأجابوا عن الظواهر الواردة في ذلك؛ وإليه مال الأستاذ أبو إسحق ~~الإسفراييني. # والصحيح: الأول؛ فإن السهو لا يناقض النبوة، وإذا لم يقر عليه، لم يحصل ~~فيه مفسدة، بل يحصل فيه فائدة؛ وهو بيان أحكام التأسي، وتقرير الأحكام. # وقسم القاضي عياض - رحمه الله - السهو عليه - صلى الله عليه وسلم -؛ في ~~الأفعال إلى: ما لا طريقه البلاغ، وإلى ما طريقه البلاغ، ولإتيان الأحكام ~~من الأفعال البشرية؛ مما يختص به: من العبادات، والأذكار القلبية. # وأبى ذلك بعض من تأخر عن زمنه - صلى الله عليه وسلم -، وقال: إن أقوال ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم -، # وأفعاله، وإقراره؛ كله بلاغ، واستنتج بذلك: العصمة في العمل؛ بناء على ~~المعجزة، تدل على العصمة، فيما طريقه البلاغ؛ وهذه كلها بلاغ، تتعلق بها ~~العصمة، ولم يصرح في ذلك؛ بالفرق بين محمد، أو سهو، وأخذ البلاغ في ~~الأفعال؛ من حيث التأسي به - صلى الله عليه وسلم -؛ فإن سوى بين السهو، ~~والعمد فيها؛ فهذا الحديث يرد عليه. # قال القاضي عياض: واختلفوا في جواز السهو عليه - صلى الله عليه وسلم -؛ ~~في الأمور التي لا تتعلق بالبلاغ، وبيان أحكام الشرع؛ من أفعاله، وعاداته، ~~وأذكار قلبه؛ فجوزه الجمهور. # الموضع الثاني: جوازه في الأقوال؛ وهو ينقسم إلى: ما طريقه البلاغ؛ ~~فالسهو فيه ممتنع إجماعا؛ كامتناع العمد فيه، قطعا وإجماعا. # وأما السهو في الأقوال الدنيوية، وفيما ليس سبيله البلاغ من الأخبار التي ~~لا تستند الأحكام إليها، ولا أخبار المعاد، وما لا يضاف إلى وحي: فجوزه ~~قوم؛ إذ لا مفسدة فيه، وليس هو من باب التبليغ الذي يتطرق به القدح في ~~الشريعة. PageV01P533 # والحق الذي لا مرية فيه، ولا تردد، ولا ترجيح: القول بمنع ذلك على ~~الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- في كل خبر من الأخبار؛ ms0331 كما لا يجوز ~~عليهم خلف في خبر؛ لا عمدا، ولا سهوا، لا في صحة، ولا في مرض، ولا رضا، ولا غضب. # وحسبك في ذلك: أن سيرة [نبينا]- صلى الله عليه وسلم -، وكلامه، وأفعاله؛ ~~مجموعة معتنى بها على مر الزمان، يتداولها الموافق، والمخالف، والمؤمن، ~~والمرتاب؛ فلم يأت في شيء منها استدراك غلط في قول، ولا اعتراف بوهم في كلمة. # ولو كان، لنقل؛ كما نقل سهوه في الصلاة، ونومه عنها، واستدراكه رأيه في ~~تلقيح النخل، وفي نزوله بأدنى مياه بدر، وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"والله لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرا منها؛ إلا فعلت الذي هو خير، ~~وكفرت عن يميني" (¬1)، وغير ذلك. # وأما جواز السهو عليه؛ في الاعتقادات في أمور الدنيا: فغير ممتنع. # والذي يتعلق بما ذكرنا، من هذا الحديث؛ قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لم ~~أنس، ولم تقصر"، وفي رواية أخرى: "كل ذلك لم يكن"، وقد اعتذر عن ذلك بوجوه: # الأول: أن المراد: لم يكن القصر والنسيان معا، وكان الأمر كذلك. # الثاني: أن المراد: الإخبار عن اعتقاد قلبه، وظنه؛ وكأنه مقدر النطق به، ~~وإن كان محذوفا؛ فإنه لو صرح به، ثم بأن خلافه في نفس الأمر، لم يقتض أن ~~يكون خلافه في ظنه؛ فإذا كان لو، صرح به، وقيل: لم يكن ظني؛ لم يكن مغايرا ~~له؛ فكذلك إذا كان مقدرا. # وهذان الوجهان؛ يختص الأول منهما: برواية من روى كل ذلك: "لم يكن"، فأما ~~من روى: "لم أنس، ولم تقصر"؛ فلا يصح فيه هذا التأويل. # وأما الوجه الثاني: فهو مستمر على مذهب من يرى؛ أن مدلول اللفظ PageV01P534 # الخبري هو: الأمور الذهنية، فإنه لم يذكر ذلك؛ فهو الثابت في نفس الأمر، ~~ولا يصير كالملفوظ به. # الثالث: أن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لم أنس"، يحمل على السلام؛ أي: ~~إنه كان مقصودا، لكنه بنى على التمام، ولم يقع سهوا في نفسه، وإنما وقع في ~~عدد الركعات؛ وهذا بعيد. # الرابع: الفرق بين السهو، والنسيان؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~كان يسهو، ولا ms0332 ينسى، ولذلك نفى عن نفسه النسيان؛ لأنه غفلة، ولم يغفل عنها، ~~وكان شغله بحركات الصلاة وما فيها، شغلا بها، لا غفلة عنها؛ ذكر ذلك القاضي ~~عياض (¬1). # قال شيخنا أبو الفتح القاضي - رحمه الله -: وليس هذا في تلخيص للعبارة عن ~~حقيقة السهو والنسيان، مع بعد الفرق بينهما؛ في استعمال اللغة؛ وكأنه يتلوح ~~من اللفظ، على أن النسيان: عدم الذكر لأمر لا يتعلق بالصلاة، والسهو: عدم ~~النسيان لأمر يتعلق به، وبكون الإعراض نسيانا عن تفقد أمورها حتى يحصل عدم ~~الذكر، لا لأجل الإعراض؛ وليس في هذا -بعد ما ذكرناه- تفريق كلي يخص السهو ~~والنسيان، والله أعلم (¬2). # الخامس: ذكر القاضي عياض - رحمه الله -: أنه ظهر له ما هو أقرب وجها، ~~وأحسن تأويلا؛ وهو أنه إنما أنكر - صلى الله عليه وسلم -: فنسيت، المضافة ~~إليه؛ وهو الذي نهى عنه بقوله: "بئسما لأحدكم أن يقول: نسيت، ولكنه نسي" (¬3). # وقد روي: "إني لا أنسى -على النفي-، ولكن أنسى" (¬4)، وقد شك PageV01P535 # الراوي؛ على رأي بعضهم في الرواية الأخرى، هل قال: أنسى، أو أنسى؟ وأن ~~"أو" هنا للشك، وقيل: بل للتقسيم. # وإن كان هذا: يكون مرة من قبل شغله، وسهوه، ومرة يغلب على ذلك، ويجبر ~~عليه ليسن؛ فلما سأله السائل بذلك اللفظ، أنكره، وقال: "كل ذلك لم يكن"، ~~وفي الرواية الأخرى: "لم أنس، ولم تقصر"، أما القصر فتبين؛ وكذلك لم أنس ~~حقيقة من قبل نفسي وغفلتي عن الصلاة، ولكن الله نساني، لأسن. # وأعلم: أنه ثبت في الصحيح؛ من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه -: أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لو حدث في الصلاة شيء، لأنبأتكم به، ~~ولكن إنما أنا بشر، أنسى كما تنسون؛ فإذا نسيت فذكروني" (¬1). # وهذا يعترض على ما ذكره القاضي عياض؛ من أنه - صلى الله عليه وسلم - أنكر ~~نسبة النسيان إليه، وقد نسبه إليه؛ في حديث ابن مسعود هذا مرتين، وما ذكره ~~-أيضا-؛ من أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "بئسما لأحدكم أن يقول: نسيت ~~آية كذا" (¬2). # وهذا ذم لإضافة نسبة النسيان إليه، ولا يلزم ms0333 من الذم للإضافة إليها؛ الذم ~~لإضافته إلى كل شيء؛ فإن الآية من كلام الله المعظم، ويقبح بالمسلم إضافة ~~كلام الله تعالى، ونسيانه، إلى نفسه؛ وليس هذا المعنى موجودا، في كل نسيان ~~ينسبه إلى نفسه؛ فلا يلزم مساواة غير الآية لها. # وكيفما كان، لم يلزم من الذم الخاص الذم العام لو لم تظهر مناسبة، وإذا ~~لم يلزم ذلك؛ لم يلزم أن يكون قول القائل، الذي أضافه إلى عدد الركعات؛ ~~داخلا تحت الذم، فينكر، والله أعلم. # ولما تكلم بعض المتأخرين؛ على هذا الموضع، ذكر أن التحقيق في الجواب عنه: ~~أن العصمة إنما تثبت في الإخبار عن الله تعالى؛ في الأحكام، PageV01P536 # وغيرها؛ لأنه الذي قامت عليه المعجزة، أما إخباره عن الأمور الوجودية: ~~فيجوز عليه النسيان؛ لو ضعفنا القول به، والله أعلم. # وأما ما يتعلق بأصول الفقه؛ وهي قواعد فروع الدين: # فقد احتج بهذا الحديث على: جواز الترجيح بكثرة الرواة؛ من حيث إن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - طلب إخبار القوم، بعد إخبار ذي اليدين. # وفي ذلك بحث؛ من حيث إنه ليس المطلوب هنا السؤال؛ للتحمل، والإخبار، بل ~~لتقوية الأمر المسؤول عنه، وتحقيقه، لا للترجيح للتعارض، والله أعلم. # وأما ما يتعلق بالفروع؛ ففي هذا الحديث فوائد: # منها: أن أبا هريرة - رضي الله عنه - صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- هذه الصلاة، التي سلم منها من اثنتين، ومعلوم أن أبا هريرة أسلم عام ~~خيبر، وأنه لم يحصل له صحبة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - سوى هذه ~~المدة؛ فيكون حديث ذي اليدين متأخرا؛ فلا يكون منسوخا. # ومنها: أن نسيان الراوي لعين المروي لا يمنع الرواية، خصوصا إذا لم يتلبس ~~بإيهامه حكم. # ومنها: أن نية الخروج من الصلاة، وقطعها، إذا كانت بناء على ظن التمام؛ ~~لا يوجب بطلانها. # ومنها: أن السلام سهوا لا يبطل الصلاة. # ومنها: أن كلام الناسي لا يبطل الصلاة؛ وكذلك الذي يظن أنه ليس منها، لا ~~يبطلها؛ وبه قال جمهور العلماء؛ من السلف، والخلف، وبه قال ابن عباس، وعبد ~~الله، وعروة؛ ابنا ms0334 الزبير، وعطاء، والحسن، والشعبي، وقتادة، والأوزاعي، ~~ومالك، والشافعي، وأحمد، وجميع المحدثين. # وقال أبو حنيفة، وأصحابه، والثوري؛ في أصح الروايتين عنه: تبطل PageV01P537 # صلاته؛ بالكلام ناسيا، أو جاهلا؛ لحديث ابن مسعود، وغيره، وزعموا: أن قصة ~~ذي اليدين منسوخة به؛ بناء على أن ذا اليدين قتل يوم بدر، وأن قصته في ~~الصلاة كانت قبل بدر. # قالوا: ولا يمنع من هذا كون أبي هريرة رواه؛ وهو متأخر الإسلام عن بدر؛ ~~لأن الصحابي قد يروي ما لا يحضره؛ بأن سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، أو صحابي آخر. # والجواب عن ذلك: أنه لا يصح ادعاء النسخ لحديث أبي هريرة بحديث ابن ~~مسعود؛ لاتفاق العلماء من المحدثين، وأهل السير على: أن حديث ابن مسعود في ~~تحريم الكلام في الصلاة كان بمكة، حين رجع من أرض الحبشة، قبل الهجرة، ~~وحديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين كان بالمدينة متأخرا عن عام خيبر، بدليل ~~ما ذكرناه؛ من شهوده القصة، وإسلامه عام خيبر، كما تقدم، وقد بينا غلط ~~الزهري فيما يتعلق ب "ذي اليدين" من تسميته ذي الشمالين، وأنه استشهد يوم بدر. # ومنها: أن كلام العمد لإصلاح الصلاة يبطلها عند جمهور الفقهاء، وروى ابن ~~القاسم عن مالك: أن الإمام لو تكلم بما تكلم به النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- من الاستفسار والسؤال عند الشك وإجابة المأمومين: أن صلاتهم تامة على ~~مقتضى الحديث، والذين منعوا من هذا اختلفوا في الاعتذار عن هذا الحديث على وجوه: # منها: أنه منسوخ، وقد بينا بطلانه. # ومنها: التأويل لكلام الصحابة بأنه الإشارة والإيماء، لا بالنطق، وفيه ~~بعد؛ لأنه خلاف الظاهر من حكاية الراوي لقولهم، وإن كان قد ورد في حديث ~~حماد بن زيد في رواية لأبي داود بإسناد صحيح: "أن الجماعة أومؤوا" (¬1) أي: ~~نعم، فيمكن الجمع بين أن يكون بعضهم نقل ذلك إيماء، وبعضهم كلاما، واجتمع ~~الأمران في حق بعضهم. # ومنها: أن كلامهم كان إجابة للرسول - صلى الله عليه وسلم -، وإجابته ~~واجبة، واعترض عليه PageV01P538 # بعض المالكية بأن قال: إن الإجابة لا تتعين بالقول، فيكفي ms0335 فيه الإيماء، ~~وعلي تقدير أن يجب لا يلزم منه الحكم بصحة الصلاة؛ لجواز أن يجب الإجابة، ~~ويلزمهم الاستئناف. # ومنها: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - تكلم معتقدا لتمام الصلاة، ~~والصحابة تكلموا مجوزين النسخ، فلم يكن كلام واحد منهم مبطلا، وهذا يضعفه ~~ما في "كتاب مسلم" أن ذا اليدين قال: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كل ذلك لم يكن"، فقال: قد كان بعض ~~ذلك يا رسول الله، فأقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الناس فقال: ~~"أصدق ذو اليدين؟ "، فقالوا: نعم يا رسول الله، بعد قوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "كل ذلك لم يكن" (¬1). # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "كل ذلك لم يكن" يدل على عدم النسخ، فقد ~~تكلموا بعد العلم بعدم النسخ. # قال شيخنا أبو الفتح - رحمه الله -: وليتنبه ها هنا لنكتة لطيفة في قول ~~ذي اليدين: قد كان بعض ذلك، بعد قوله - صلى الله عليه وسلم -: "كل ذلك لم ~~يكن"؛ فإن قوله: "كل ذلك لم يكن" تضمن أمرين: # أحدهما: الإخبار عن حكم شرعي، وهو عدم القصر. # والثاني: الإخبار عن أمر وجودي، وهو النسيان، وأحد هذين الأمرين لا يجوز ~~فيه السهو، وهو الإخبار عن الأمر الشرعي، والآخر متحقق عند ذي اليدين، فلزم ~~أن يكون بعض ذلك كما ذكر (¬2). # ومنها: أن الأفعال الكثيرة التي ليست من جنس أفعال الصلاة إذا وقعت سهوا ~~لا تبطل الصلاة؛ بدليل أنه - صلى الله عليه وسلم - جرى منه أفعال كثيرة: ~~مشيه - صلى الله عليه وسلم - إلى منزله، وإتيانه جذعا في قبلة المسجد، ~~واستناده إليه لما خرج سرعان الناس، وكلامه لذي اليدين وغيره، وتقدمه ~~لإتمام ما بقي من صلاته، وفي هذه المسألة وجهان PageV01P539 # لأصحاب الشافعي - رحمه الله -، الصحيح عند المتولي: ما ذكرنا، والمشهور ~~في المذهب: أنها تبطل، وهو مشكل، وتأويل الحديث عليه صعب، أما الأفعال ~~القليلة أو الكثيرة المتفرقة، فإنها لا تبطل قطعا، خصوصا إن كانت لعذر، ~~والله أعلم. # ومنها: جواز البناء على الصلاة بعد السلام سهوا، ms0336 وجمهور العلماء عليه؛ ~~سواء كان السهو بعد ركعة أو ركعتين أو ثلاثا؛ لأن الأصل في جواز البناء إذا ~~سلم سهوا؛ لهذا الحديث، وهو ركعتان، وفرعه السلام من ركعة أو ثلاث، فهو في ~~معنى الأصل، ومساو له، وإن خالف القياس عند بعض أهل الأصول، وقد علمنا أن ~~المانع لصحة الصلاة إن كان هو الخروج منها بالنية والسلام، وهذا المعنى قد ~~ألغي عند ظن التمام بالنص، فإذا الفرع في معنى الأصل بلا فرق. # وذهب سحنون من المالكية إلى تخصيص جواز البناء إذا سلم من ركعتين، على ما ~~ورد في الحديث، ولعله رأى أن البناء بعد قطع الصلاة ونية الخروج منها على ~~خلاف القياس، وإنما ورد النص في هذه الصورة المعينة على خلافه، وهو السلام ~~من اثنتين، فيقتصر على مورد النص، ويبقى فيما عداه على القياس. # ومنها: تقدير القرب في جواز البناء بما ورد في هذا الحديث، وما عداه ~~طويل، فلا يجوز فيه البناء، وهو وجه في مذهب الشافعي، وقدره بعضهم بالعرف، ~~واختاره جمهور الشافعيين، وقدره بعضهم بمقدار الصلاة، وبعضهم بمقدار ركعة، ~~وهو مرجوح عندهم، وأبى ذلك بعض المتقدمين، وقال بجواز البناء وإن طال، ما ~~لم ينتقض فيه وضوءه، وروي ذلك عن ربيعة، وقيل نحوه عن مالك، وليس بمشهور ~~عنه، والمختار الأول، خصوصا على رواية من روى أنه - صلى الله عليه وسلم - ~~وصل إلى منزله، ثم خرج منه. # ومنها: شرعية سجود السهو. PageV01P540 # ومنها: أن سجود السهو سجدتان. # ومنها: أنه في آخر الصلاة، وقيل في حكمة كونه في آخرها احتمال طرآن سهو ~~آخر، فيكون جابرا للكل، ويتفرع على ذلك أنه لو سجد، ثم تبين أنه لم يكن في ~~آخر الصلاة، أعاده في آخرها، ويتصور ذلك في صورتين: # إحداهما: أن يسجد للسهو في الجمعة، ثم يخرج الوقت، وهو في السجود الأخير، ~~فيلزمه إتمام الظهر، ويعيد السجود. # والثانية: أن يكون مسافرا، فيسجد للسهو، وتصل به السفينة إلى الموطن، أو ~~ينوي الإقامة، فيتم ويعيد، والله أعلم. # ومنها: أن سجود السهو يتداخل، ولا يتعدد بتعداد أسبابه؛ فإنه قد ms0337 تعدد في ~~هذا الحديث الجنس في القول والفعل، ولم يتعدد في السجود، وهذا مذهب جمهور ~~الفقهاء، ومنهم من قال بتعدد السهو، ومنهم من فرق بين اتحاد الجنس وتعدده، ~~فإن اتحد، لم يتعدد، وإلا تعدد. # ومنها: أن محل سجود السهو بعد السلام، وقد تقدم في الكلام على ألفاظ هذا ~~الحديث اختلاف العلماء في ذلك، وتقرير مذهب الشافعي، وتأليف الأحاديث عليه، ~~ومأخذنا في المذاهب، وأن أقواها مذهب مالك، وهو ما كان من نقص فمحله بعد ~~السلام، وأومأ إليه الشافعي في القديم، والأحاديث ثابتة في السجود بعد ~~السلام، في الزيادة، وقبله في النقص، وعلى ذلك جمع مالك - رحمه الله تعالى- ~~بينها، والذين قالوا بأن الكل قبل السلام؛ كالشافعي، ومن وافقه أو تابعه من ~~العلماء، اعتذروا عن الأحاديث التي جاءت بعد السلام بوجهين: # أولهما: ادعاء النسخ بقول الزهري أن آخر الأمرين من فعل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - السجود قبل السلام. # وثانيهما: أن الذين رووه قبله من متأخري الإسلام وأصاغر الصحابة. # وقد اعترض على رواية الزهري بالإرسال، ولو كانت مسندة، فشرط النسخ PageV01P541 # التعارض باتحاد المحل، ولم يقع ذلك مصرحا به في رواية الزهري، فيحتمل أن ~~يكون الآخر هو السجود قبل السلام، لكن في محل النقص، وإنما يقع التعارض ~~المحوج إلى النسخ لو بين أن المحل واحد، ولم يبين ذلك، واعترض على أن الذين ~~رووا السجود قبل السلام من متأخري الإسلام وأصاغر الصحابة بأنه: لا يلزم ~~منه التحمل حال الإسلام وكبرهم، بل يكون قبلهما، ثم رووه بعدهما، من ~~الاعتذار عن الأحاديث التي جاءت بالسجود بعد السلام التأويل، بأن المراد ~~بالسلام السلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي في التشهد، أو يكون ~~بأخيرهما بعده على سبيل السهو، وهما بعيدان؛ لسبق الفهم في السلام هو الذي ~~يقع به التحلل، لا الذي في التشهد، والأصل عدم السهو وبطريق إلى الأفعال ~~الشرعية من غير دليل سائغ، وأيضا فهو مقابل بعكسه، وهو أن يقول الحنفي: ~~محله بعد السلام، وتقدمه قبله على سبيل السهو، ومن الاعتذار عنها الترجيح ~~بكثرة الرواة، وهو ms0338 إن صح، فالاعتراض عليه بأن طريقة الجمع أولى من الترجيح؛ ~~لأنه إنما يصار إليه عند عدم إمكانه، ولا بد فيه من النظر في محل التعارض، ~~وإيجاد موضع الخلاف من الزيادة والنقصان. # وأما القائلون بأن محله بعد السلام مطلقا، فاعتذروا عن الأحاديث المخالفة ~~لقولهم بالتأويل، إما بأن المراد بقوله: قبل السلام: السلام الثاني، أو بأن ~~المراد بقوله: وسجد سجدتين: سجود الصلاة، وما ذكره الأولون من احتمال السهو ~~لا يكون إلا بعد التسليمتين اتفاقا. # وذهب أحمد بن حنبل - رحمه الله - إلى الجمع بين الأحاديث بطريق آخر غير ~~ما ذهب إليه مالك، وهو أن يستعمل كل حديث فيما ورد فيه، وما لم يرد فيه ~~حديث، فمحل السجود فيه قبل السلام، وكان هذا نظرا إلى أن الأصل في الجائز ~~أن يقع في المجبور، فلا يخرج عن هذا الأصل إلا في مورد النص، ويبقى فيما ~~عداه على الأصل. # وهذا المذهب مع مذهب مالك متفقان في طلب الجمع وعدم سلوك PageV01P542 # الترجيح، لكنهما اختلفا في وجه الجمع، وترجح قول مالك بذكر المناسبة في ~~أن سجود السهو عند النقص قبل السلام، وعند الزيادة بعده، وإذا ظهرت ~~المناسبة، وكان الحكم على وفقها، كانت علة، وإذا كانت علة، عم الحكم جميع ~~محالها، فلا يتخصص ذلك بمورد النص. # ومنها: أن حكم سهو الإمام يتعلق بالمأمومين، فيسجدون معه، وإن لم يسهوا؛ ~~بدليل أن القوم سجدوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - لسهوه في هذا الحديث ~~لما سجد، وهذا إنما يتم في حق من لم يتكلم من الصحابة، ولم يمش، ولم يسلم ~~أنه كان لذلك. # ومنها: أن التكبير في سجود السهو كما في سجود الصلاة. # ومنها: أنه لا يشرع التشهد بعد سجود السهو؛ فإنه لم يذكر في الحديث، فدل ~~على عدمه في الحكم، وقد فعل العلماء في استدلالهم ذلك كثيرا، فيقولون: لو ~~كان، لذكر، وقد اختلف أصحاب مالك فيه إذا كان سجود السهو قبل السلام. # ومنها: جواز رجوع المصلي في قدر صلاة نفسه إلى قول غيره؛ إماما كان أو ~~مأموما، وهو وجه مرجوح ms0339 في مذهب الشافعي، ذكره صاحب "التتمة"، والجمهور على ~~خلافه، وقالوا: لا يعمل المصلي إلا على يقين نفسه، إلا أن يكون المجيزون ~~ممن يحصل اليقين بقولهم، وهو أن يبلغوا إلى حد التواتر، وأجابوا عن هذا ~~الحديث: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان سؤاله لهم ليتذكر، لا رجوعا ~~إلى قولهم، فلما ذكروه، ذكر، فعلم السهو، فبنى عليه، ولو جاز ترك يقين نفسه ~~والرجوع إلى قول غيره، رجع إليه لما قال ذو اليدين حين قال له النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: "لم تقصر، ولم أنس"، والله أعلم. # * * * PageV01P543 ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن عبد الله بن بحينة، وكان من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -رضي ~~الله عنه-: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر، فقام في الركعتين ~~الأوليين، ولم يجلس، فقام الناس معه، حتى إذا قضى الصلاة، وانتظر الناس ~~تسليمه، كبر وهو جالس قبل أن يسلم، ثم سلم (¬1). # أما عبد الله بن بحينة: # فهو منسوب هنا إلى أمه، واسم أبيه: مالك، وتقدم الكلام عليه في آخر باب ~~صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وأعلم أن كل واحد من التشهد الأول وجلوسه يشرع لتركه سجود السهو، وفي هذا ~~الحديث قد تركا، وسجد لتركهما سجدتا السهو، فيستدل به على أنه إذا سها ~~سهوين أو أكثر: أنه يكفيه سجدتان، وحينئذ يحتمل أن السجود لترك الجلوس، ~~وجاء من ضرورته الوجودية ترك التشهد، فلا يتعين أن الحكم في السجود ترتب ~~على ترك التشهد فقط. # وقد دل هذا الحديث على شرعية سجود السهو لما نقص من الصلاة قبل السلام، ~~فإنه نقص من الصلاة المذكورة الجلوس الأوسط وتشهده، ويلزم من ذلك أن الجلوس ~~المذكور وتشهده ليسا بواجبين؛ لأن الواجب لا يجبر إلا بتداركه وفعله، فلما ~~جبرا بالسجود، علمنا عدم وجوبهما، ولزم من ذلك عدم تكرر السجود عند تكرير ~~السهو؛ لتركه الجلوس وتشهده، وسجوده لهما سجدتان من غير تكرير، وهذا إذا ~~ثبت أن ترك التشهد الأول بمفرده موجب. # وفيه دليل على: وجوب متابعة الإمام، وإن ترك بعضا مسنونا من ms0340 الصلاة، وهذا ~~لا إشكال فيه، خصوصا على قول من يقول: إن الجلوس الأول سنة، وهو PageV01P544 # مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، والجمهور، وأحمد. # وقال أحمد في طائفة قليلة: هما واجبان، يجبران بالسجود لسهوهما على مقتضى ~~الحديث، لكن متابعة الإمام واجبة عند جميعهم؛ لاتفاقهم على أن من ترك سنة ~~أو واجبا مجبورا، وتلبس بواجب: أنه يستمر فيه، ولا يجوز له الرجوع إلى ما ~~ترك، فلا يترك المأموم واجبين، أحدهما متابعة الإمام، والثاني التلبس ~~بواجب، وهو القيام لأجل المحافظة على سنة أو واجب مجبور، والله أعلم. # وفيه دليل على: شرعية التكبير لسجود السهو، وهو مجمع عليه، واختلف ~~العلماء فيما إذا فعلهما بعد السلام، هل يحرم، ويتشهد ويسلم؟ والصحيح في ~~مذهب الشافعي أنه يسلم، ولا يتشهد؛ كصلاة الجنازة. # وقال مالك: يتشهد، ويسلم في سجود السهو بعد السلام. # واختلف قوله: هل يحرم لهما، ويجهر بسلامهما كسائر الصلوات أم لا؟ وقد ثبت ~~السلام لهما إذا فعلتا بعد السلام في حديث ابن مسعود، وحديث ذي اليدين، ولم ~~يثبت في التشهد حديث. # ثم سجود السهو يشرع في صلاة التطوع كالفرض عند جمهور العلماء، وقال ابن ~~سيرين وقتادة: لا سجود للتطوع، وهو قول غريب ضعيف عن الشافعي، والله أعلم. # * * * PageV01P545 ### || AUTO باب المرور بين يدي المصلي ### ||| AUTO الحديث الأول # عن أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري -رضي الله عنه-، قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: "لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه من ~~الإثم، لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه"، قال أبو النضر: لا ~~أدري قال: أربعين يوما، أو شهرا، أو سنة (¬1). # أما أبو جهيم: # فاسمه: عبد الله بن جهيم الأنصاري، كذا قاله الحافظ أبو عمر بن عبد البر ~~في كتابه "الكنى" من معرفة الصحابة (¬2)، ونقله عن مالك بن أنس، عن أبي ~~النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن بشر بن سعد، عن أبي جهيم، قال. وذكره وكيع ~~عن سفيان الثوري، عن سالم أبي النضر، عن بسر بن سعيد، عن عبد الله ms0341 بن جهيم، ~~قال، فلم يذكر كنيته، وهو أشهر بكنيته على ما قاله مالك. # وروى عنه بسر بن سعيد مولى الحضرميين، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في المار بين يدي المصلي: أنه لو علم ما عليه في المرور بين يديه من الإثم، ~~الحديث، قال: PageV01P546 # يقال: أبو جهم هذا هو ابن أخت أبي بن كعب، ولست أقف على نسبه في الأنصار، ~~هذا آخر كلام أبي عمر -رحمه الله تعالى-، فعلى هذا يكون ما ذكره المصنف من ~~نسبه غلطا، كيف وقد ذكر الحافظ أبو عمر بعده: أبو الجهيم، قال: ويقال: أبو ~~الجهم بن الحارث بن الصمة الأنصاري، أبوه من كبار الصحابة، روى عن أبي جهم ~~هذا عمير مولى ابن عباس في التيمم في الحضر على الجدار، هذا آخر كلام ابن ~~عبد البر. # وحديث التيمم المذكور رواه البخاري والنسائي وأبو داود، وأخرجه مسلم في ~~"صحيحه" منقطعا، وهو أحد الأحاديث المنقطعة فيه، ولفظ أبي داود وروايته له ~~من رواية عمير مولى ابن عباس: أنه سمعه يقول: أقبلت أنا وعبد الله بن سيار ~~مولى ميمونة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى دخلنا على أبي الجهيم بن ~~الحارث بن الصمة الأنصاري، فقال أبو الجهيم: أقبل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - من نحو بئر جمل، فلقيه رجل مسلم فسلم عليه، فلم يرد عليه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - السلام، حتى أتى على جدار، فمسح وجهه ويديه، ~~ثم رد - عليه السلام -. # فمقتضى كلام ابن عبد البر: أن أبا جهيم راوي حديث التيمم غير راوي حديث ~~المرور بين يدي المصلي، لكن ذكر الحفاظ له روايته يدل على أنه راويهما، وقد ~~صرح بذلك القاضي عياض، فقال: هو المذكور في التيمم، قال: وهو غير أبي جهم ~~-بفتح الجيم مكبر- الذي قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اذهبوا بهذه ~~الخميصة إلى أبي جهم" (¬1)؛ فإن اسمه عامر بن حذيفة العدوي، وهذا البيان من ~~القاضي عياض إنما يجيء على قول من قال في كنية ابن الحارث بن الصمة: أبو ~~الجهم، أما من ms0342 قال فيه: أبو الجهيم -مصغر بالياء-، فلا يتجه بيانه إلا لخوف ~~الاشتباه بالتصحيف، وقد ذكره الحافظ أبو محمد المصنف في "كماله" (¬2) في PageV01P547 # أسماء رجال الكتب الستة، في الصحابة منه، فقال: أبو جهيم ابن الحارث بن ~~الصمة بن عمرو بن عتيك بن عمرو بن مبذول، وهو عامر بن مالك بن النجار، ~~ويقال: هو أبو جهيم بن الحارث بن الصمة بن حارثة بن الحارث بن زيد مناة بن ~~حبيب بن عبد حارثة بن مالك بن عضب بن جشم بن الخزرج الأنصاري، قيل: اسمه ~~عبد الله. # اتفقا له على حديثين، روى عنه بسر بن سعيد، وعمير مولى ابن عباس. # روي له الجماعة، وهذا يدل على أنه راويهما عنده. # وذكر الحافظ أبو الوليد محمد بن عبد الله بن خيرة في كتابه "المعجم ~~المختصر والمدخل إلى معرفة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"، فقال: ~~أبو جهم ابن الحارث بن الصمة بن عمرو بن عتيك بن مبذول الأنصاري، له صحبه ~~ورواية، وأخوه سعيد بن الحارث شهد صفين مع علي، فقتل بها، روى عنه عمير ~~مولى ابن عباس، قال: أقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - من نحو بئر جمل، ~~فلقيه رجل مسلم، فسلم عليه، فأقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - على ~~الجدار، فمسح وجهه ويديه، ورد عليه، وليس يروي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - التيمم في الحضر إلا من هذا الوجه، وأما أبو جهم بن حذيفة صاحب ~~الأنبجانية، فقال: اسمه عبيد، وليست له رواية عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، هذا آخر كلامه، والله أعلم بالصواب، لكن الظاهر فيه قول الجماعة من ~~أنه راوي الحديثين، وقول ابن عبد البر مخالف لهم، والله أعلم (¬1). # وأما أبو النضر: # المذكور فيه، فهو راوي الحديث عن بسر بن سعيد، عن أبي جهيم، واسمه PageV01P548 # سالم بن أبي أمية، مدني، قرشي، تيمي، مولى عمر بن عبيد الله التيمي، ~~وكاتبه، وهو تابعي، سمع أربعة من الصحابة: أنسا، وابن أبي أوفى، وعوف بن ~~مالك، والسائب بن يزيد، اتفقوا على توثيقه وصلاحه وحسن حديثه، ms0343 قال ابن سعد: ~~ثقة، كثير الحديث، وقال ابن سعد: صالح، ثقة، كثير الحديث، وقال أبو حاتم: ~~صالح، ثقة، حسن الحديث، مات سنة تسع وعشرين ومئة، روي له البخاري ومسلم ~~وأصحاب السنن (¬1). # وأما ألفاظه: # فقوله: "لكان أن يقف أربعين خيرا له" إلى آخره: روي (خيرا) منصوبا ~~ومرفوعا على أنه اسم كان أو خبرها، وهو ظاهر، ومعناه: لاختار وقوف هذه ~~المدة على ما عليه من الإثم، وذكر ابن أبي شيبة فيه: "لكان أن يقف مئة عام ~~خيرا له" (¬2)، وكل هذا تغليظ وتشديد، ووقع الإبهام في تمييز العدد ليكون ~~أردع عن المرور بين يدي المصلي، وهذا إذا لم يكن المصلي متعديا بوقوفه في ~~الصلاة بأن يصلي في طريق الناس أو في غيرها إلى غير سترة ونحوها. # ثم للمار والمصلي أربع صور: # الأولى: أن يكون للمار مندوحة عن المرور بين يدي المصلي، ولم يتعرض ~~المصلي لذلك، فالإثم خاص بالمار إن مر. # الصورة الثانية: أن يتعرض المصلي لمرور المار عليه، وليس للمار مندوحة عن ~~المرور، فالإثم خاص بالمصلي دون المار. # الصورة الثالثة: أن يتعرض المصلي للمرور عليه، وللمار مندوحة عن PageV01P549 # المرور، فيمر، فيأثمان، أما المصلي؛ فلتعرضه، وأما المار؛ فلمروره مع ~~إمكان ألا يفعل. # الصورة الرابعة: ألا يتعرض المصلي، ولا يكون للمار مندوحة، فلا يأثم واحد منهما. # وفي الحديث: النهي الأكيد والزجر الشديد عن المرور بين يدي المصلي إذا لم ~~يكن المصلي متعديا؛ لما فيه من شغل قلبه عما هو بصدده، والدخول بينه وبين ربه. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز ~~بين يديه، فليدفعه، فإن أبى، فليقاتله؛ فإنما هو شيطان" (¬1). # تقدم الكلام على أبي سعيد ونسبه فيما تقدم. # أما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من ~~الناس": فهو عام في كل ما يستره من جماد وحيوان، إلا ما ثبت المنع من ~~استقباله؛ من آدمي أو ما ms0344 أشبه الصنم المصمود إليه، وما في معنى ذلك، وقد ~~كره ذلك بعض الفقهاء، قال: لأنه يصير في صورة المصلى إليه، وكرهه مالك في ~~المرأة، قال بعض العلماء: يستحب أن يجعل المصلي السترة عن يمينه أو شماله ~~ولا يصمد لها. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإذا أراد أن يجتاز بين يديه فليدفعه": ~~هذا الأمر الظاهر فيه الوجوب، لكن اتفق العلماء على أنه أمر ندب متأكد. # قال شيخنا أبو زكريا النواوي - رحمه الله -: ولا أعلم أحدا من العلماء PageV01P550 # أوجبه، بل صرح أصحاب الشافعي وغيرهم بأنه مندوب غير واجب، وهذا لمن لم ~~يفرط في ترك الصلاة إلى سترة، أما إذا فرط بترك الصلاة إليها، أو تباعد ~~عنها على قدر المشروع، فمر مار وراء موضع السجود، لم يكره، وإن مر موضع ~~السجود كره، ولكن ليس للمصلي أن يقاتله، وعلة ذلك تقصيره [لأنه] لم يقرب من ~~السترة. # نقل القاضي عياض اتفاق العلماء على ذلك، قال: وكذلك اتفقوا على أنه لا ~~يجوز للمصلي المشي إليه ليدفعه، وإنما يدفعه ويرده من موقفه، إما بإشارة، ~~أو بشيء؛ لأن مفسدة المشي في صلاته أعظم من مرور المار من بعيد بين يديه، ~~وإنما أبيح له قدر ما تناله يده من موقفه، ولهذا أمر المصلي بالقرب من ~~سترة، وإنما يرده إذا كان بعيدا بالإشارة أو التسبيح، قال: وكذلك اتفقوا ~~على أنه إذا مر، لا يرده؛ لئلا يصير مرورا ثانيا، إلا شيئا روي عن بعض ~~السلف أنه يرده، وتأوله بعضهم، هذا كلام القاضي عياض (¬1). # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وإن أبى، فليقاتله": ليس المراد ~~بالمقاتلة المقاتلة بالسلاح، ولا بما يؤدي إلى الهلاك، بالإجماع، وإنما ~~المراد: قوة المنع له على المرور؛ بحيث لا ينتهي إلى الأعمال الشانئة ~~للصلاة. # قال أصحاب الشافعي: يرده إذا أراد المرور بين يديه بأسهل الوجوه، فإن ~~أبى، فبأشد منه، وإن أدى إلى قتله، فلا شيء عليه؛ كالصائل عليه لأخذ نفسه ~~أو ماله، وقد أباح له الشرع مقاتلته، وهي مباحة، فلا ضمان فيها، فلو قاتله ~~بما يجوز قتاله به، فهلك، ms0345 فلا قود عليه باتفاق العلماء، وهل يجب دية، أم ~~يكون هدرا؟ فيه مذهبان للعلماء، وهما قولان في مذهب مالك. PageV01P551 # وفي الحديث دليل على جواز العمل في الصلاة لمصلحتها من غير كراهة. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإنما هو شيطان": يعني أن امتناعه من ~~الرجوع عن المرور فعل من أفعال الشيطان، فأشبه فعله فعله؛ لأن الشيطان بعيد ~~من الخير وقبول السنة، وقيل: إنما حمله على المرور [و] الامتناع من الرجوع ~~الشيطان، وقيل: المراد بالشيطان: القرين؛ كما جاء في الحديث: "فإن معه ~~القرين" (¬1). # وفي الحديث: جواز إطلاق لفظ الشيطان في مثل هذا. # وفيه: التنبيه على عظم رتبة الصلاة ومناجاة الرب - سبحانه وتعالى -، ~~واحترام المصلي، وعدم تعاطي أسباب تهويش قلبه وشغله عما هو بصدده، فإنها ~~حالة عظيمة ومقام كريم خاص بالله تعالى، ولهذا نهي عن القيام بين يدي ~~المخلوقين، وكان من سره القيام بين يديه أن يتبوأ مقعده من النار، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن ابن عباس - رضي الله عنهما -، قال: أقبلت راكبا على حمار أتان، وأنا ~~يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالناس ~~بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت، فأرسلت الأتان ترتع، ~~ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي أحد (¬2). # تقدم الكلام على ابن عباس. # وأما الأتان، فهي الأنثى من جنس الحمر، فقوله في هذه الرواية: حمار أتان، ~~هي رواية البخاري، ولمسلم روايتان: إحداهما: أتان، والأخرى: PageV01P552 # حمار، فرواية البخاري استعمال لفظ الحمار فيما يعم الذكر والأنثى، وبين ~~أنه أنثى، ومثله للفظ الحمار الشاة والإنسان. # وقوله: "ناهزت الاحتلام"؛ أي: قاربته، وهو يصحح قول من قال: إن ابن عباس ~~ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما مات كان ~~عمر ابن عباس ثلاث عشرة سنة، خلافا لمن قال غير ذلك؛ كسعيد بن جبير، وأحمد ~~بن حنبل؛ مما لا يقارب البلوغ. # وقوله: "فأرسلت الأتان ترتع"؛ أي: ترعى. # وقوله: "يصلي بمنى"؛ فيها لغتان: الصرف، وعدمه، ولهذا تكتب بالألف ~~والياء، والأجود صرفها وكتابتها ms0346 بالألف، وسميت منى؛ لما يمنى فيها من ~~الدماء؛ أي: يراق، ومنه قوله تعالى: {من مني يمنى} [القيامة: 37]. # وقوله: "فلم ينكر ذلك علي أحد"، استدلاله على عدم بطلان الصلاة لمروره ~~بعدم الإنكار منهم لفعله لفائدتين: # إحداهما: أنه غير مؤاخذ بفعله، ومرور الحمار بين يدي بعض الصف. # أما فعله، فإنه لو كان في سن الصغر وعدم التمييز، لاحتمل أن يكون عدم ~~الإنكار عليه لعدم مؤاخذته بسبب صغر سنه، لكنه نبه عليه بقوله: ناهزت ~~الاحتلام، تأكيدا لعدم بطلان الصلاة بمرور من هو في هذا السن، ولم يستدل ~~بعدم استئنافهم الصلاة بدلا عن عدم إنكارهم؛ لأنه أكثر فائدة، فإنه إذا دل ~~عدم إنكارهم على أن هذا الفعل غير ممنوع من فاعله، دل على عدم إفساده ~~الصلاة؛ إذ لو أفسدها، لامتنع إفساد صلاة الناس على المار، ولا ينعكس هذا، ~~وهو أن يقال: لو لم يفسد، لم يمتنع على المار؛ لجواز ألا يفسد الصلاة، ~~ويمتنع المرور على المار؛ كما يقول في مرور الرجل بين يدي المصلي؛ حيث يكون ~~له مندوحة: إنه ممتنع عليه المرور، وإن لم يفسد الصلاة على المصلي، فثبت ~~بهذا أن عدم الإنكار دليل على الجواز، والجواز دليل على الإفساد، وأنه لا ~~ينعكس، فكان الاستدلال بعدم الإنكار أكثر فائدة من الاستدلال بعدم ~~استئنافهم الصلاة. PageV01P553 # وأما مرور الحمار بين يدي المصلي، فلا يخلو إما أن يكون إماما أو غيره، ~~فإن كان إماما، فلا يخلو إما أن يصلي إلى سترة، أو إلى غير سترة، فإن كان ~~إماما صلى إلى سترة، فهو سترة لمن وراءه، فالمرور في هذا الحديث وقع بين ~~يدي بعض الصف لا كله، والإمام سترة للكل، فلا يضر، وإن صلى إلى غير سترة، ~~فالأكثرون من الفقهاء على أنه لا تفسد الصلاة بمرور شيء بين يديه. # وظاهر هذا الحديث يدل عليه بقوله: بغير جدار، ولو كان ثم سترة غيرها من ~~غيره، لذكرها، والمأموم بطريق الأولى، والمنفرد لذلك. # وقد وردت أحاديث معارضة لذلك، منها ما دل على قطع الصلاة بمرور الكلب ~~الأسود والمرأة والحمار، وهو حديث ms0347 صحيح. # ومنها ما دل على قطعها بمرور المرأة والحمار فقط، وهو صحيح أيضا. # ومنها ما دل على قطعها بمرور اليهودي والنصراني والمجوسي والخنزير، وهو ضعيف. # وقد قيل: إن هذه الأحاديث منسوخة بأحاديث أخر، منها قوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لا يقطع الصلاة شيء" (¬1)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"وادرؤوا ما استطعتم" (¬2)، في حديث المار بين يدي المصلي والمرأة، منسوخة ~~بحديث عائشة الآتي بعد هذا، والحمار بحديث ابن عباس المتقدم، وهذا كله صحيح ~~إن ثبت تاريخ تأخير الناسخ عن المنسوخ بعد تعذر الجمع والتاويل، مع أن حديث ~~"لا يقطع الصلاة شيء" ضعيف. # وقد اختلف العلماء في قطع الصلاة بمرور الحمار والمرأة والكلب الأسود، ~~فقال قوم: يقطع هؤلاء الصلاة، وقال أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى-: يقطعها ~~الكلب الاسود، وفي قلبي من المرأة والحمار شيء، ووجه قوله: إن PageV01P554 # الكلب لم يجئ في الترخيص فيه شيء يعارض هذا الحديث، وأما المرأة ففيها ~~حديث عائشة، وفي الحمار حديث ابن عباس السابق. # وقال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وجمهور العلماء من السلف والخلف: لا ~~تبطل الصلاة بمرور شيء من هؤلاء ولا غيرهم، وتأول هؤلاء هذا الحديث على أن ~~المراد بالقطع نقص الصلاة؛ لشغل القلب بهذه الأشياء، وليس المراد بطلانها. # وحكى الأثرم عن أحمد -رحمه الله- جزم القول بأنه لا يقطع المرأة والحمار، ~~وجزم القول بذلك يتوقف على أمرين: # أحدهما: أن يبين تأخر المقتضى لعدم الفساد على المقتضى للفساد، وفيه عسر ~~عند المبالغة في التحقيق. # والثاني: أن يبين أن مرور المرأة مساو لما حكته عائشة - رضي الله عنها - ~~من الصلاة إليها راقدة. # قال شيخنا أبو الفتح -رحمه الله-: وليس هذه بالبينة عندنا لوجهين: # أحدهما: أنها - رضي الله عنها - ذكرت أن البيوت ليس فيها حينئذ مصابيح، ~~فلعل سبب هذا الحكم عدم المشاهدة لها. # والثاني: أن قائلا لو قال: إن مرور المرأة ومشيها لا يساويه في التشويش ~~على المصلي اعتراضه بين يديه، فلا يساويه في الحكم، لم يكن ذلك بالممتنع، ~~وليس يبعد من تصرف الظاهرية مثل هذا، وفي قول ابن ms0348 عباس: فلم ينكر ذلك علي ~~أحد، دليل على أن عدم الإنكار حجة على الجواز، لكنه مشروط بانتفاء الموانع ~~من الإنكار، وبالعلم بالاطلاع على الفعل، وذلك ظاهر، ولعل السبب في قول ابن ~~عباس ذلك دون قوله: ولم ينكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك: أنه ذكر أن ~~هذا الفعل كان بين يدي بعض الصف، وليس يلزم من ذلك اطلاع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - على ذلك؛ لجواز أن يكون الصف ممتدا، ولا يرى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - هذا الفعل منه، فلا يجزم بترك إنكاره مع اطلاعه، فلا يوجد شرط ~~الاستدلال بعدم الإنكار على PageV01P555 # الجواز، وهو الاطلاع مع عدم المانع، أما عدم الإنكار، فمن رأى هذا الفعل، ~~فهو متيقن، فترك المشكوك فيه، وهو الاستدلال بعدم إنكار النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، وأخذ المتيقن، وهو الاستدلال بعدم إنكار الرائين للواقعة، وإن ~~كان يحتمل قوله: ولم ينكر ذلك علي أحد، النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وغيره؛ لعموم لفظ أحد، إلا أن فيه ضعفا؛ لأنه لا معنى للاستدلال بعدم إنكار ~~غير النبي - صلى الله عليه وسلم - مع حضرته، وعدم إنكاره إلا على بعد (¬1). # وفي الحديث دليل على: جواز ركوب الصبي المميز الحمار وما في معناه، وأن ~~الولي لا يمنعه من ذلك، وأن صلاته صحيحة، وأن الإمام سترة لما وراءه، وجواز ~~إرسال الدابة من غير حافظ، أو مع حافظ غير مكلف، وعلى احتمال بعض المفاسد ~~لمصلحة أرجح منها؛ فإن المرور أمام المصلين مفسدة، والدخول في الصلاة وفي ~~الصف مصلحة راجحة، فاغتفرت المفسدة للمصلحة الراجحة من غير إنكار. # * * * ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، ورجلاي في قبلته، فإذا سجد، غمزني، فقبضت رجلي، وإذا قام، ~~بسطتهما، والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح (¬2). # تقدم الكلام على عائشة. # وأما قولها: "فإذا سجد غمزني"، قال صاحب "المطالع": أي: طعن بإصبعه في ~~لأقبض رجلي من قبلته (¬3). PageV01P556 # وقد استدل بعض الفقهاء على أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء بناء على ms0349 أن ~~لمسه - صلى الله عليه وسلم - كان دون حائل، ولا يصح هذا لاحتمال ظاهر أن ~~لمسه - صلى الله عليه وسلم - كان فوق حائل، فلا يكون فيه دليل على المسألة؛ ~~للاتفاق على أن اللمس فوق حائل غير ناقض، أما اللمس دون حائل، فقد اختلف ~~فيه، فقال بعضهم: إن كان دون لذة، لا ينقض، وإن كان بلذة، نقض، وقال بعضهم: ~~ينقض وإن كان دون لذة؛ لعموم دليل اللمس، وهو قوله تعالى: {أو لامستم ~~النساء} [المائدة: 6]؛ حملا له على مجرد اللمس، وبالجملة: الظاهر من حال ~~النائم أن يكون لمس المصلي إياه فوق حائل، والله أعلم. # وقولها: "والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح"، أرادت به الاعتذار عن عدم ~~قبضها رجليها عند سجوده - صلى الله عليه وسلم - وعلمها به بالظلمة؛ حيث لا ~~ضوء في البيت كيلا تحوجه - صلى الله عليه وسلم - إلى طعن رجليها بإصبعه -لو ~~كان فيها مصابيح- عند سجوده، ويحتمل أنها ذكرت ذلك لتأكيد الاستدلال على ~~حكم من الأحكام الشرعية، إما لاغتفار صلاة المصلي إلى النائم، أو إلى ~~المرأة، أو لفعل مع الغمز في الصلاة للحاجة، والله أعلم. # وفي الحديث مسائل: # منها: جواز الصلاة إلى النائم، وإن كان امرأة، بلا كراهة، وقد كرهه ~~بعضهم؛ لحديث ورد فيه، وحمل بعض العلماء هذا الحديث على جواز ذلك، وخصوصيه ~~بالنبي - صلى الله عليه وسلم - دون غيره؛ لتنزهه عما يعرض لغيره في الصلاة ~~من الفتنة بالمرأة، واشتغال القلب بها، والنظر إليها وتذكرها، مع أن الحالة ~~كانت بالليل، والبيوت ليس فيها مصابيح. # ومنها: أن المرأة لا تقطع صلاة، وقد مر الكلام في هذه المسألة في الحديث ~~قبله، وقد يفرق في المعنى بين مرورها ونومها، فإن المرور قد يهوش القلب عن ~~الصلاة أكثر من النوم في الظلمة وعدم الرؤية. # ومنها: أن العمل اليسير لا يفسد الصلاة. PageV01P557 # ومنها: عدم كراهية أن تكون المرأة سترة للمصلي، وكرهه مالك، وكره بعض ~~العلماء الصلاة إلى الحيوان، آدميا كان أو غيره، مع تجويز الصلاة إلى ~~المضطجع، وكأنه محمول أو مقيد بما إذا كان مستقبلا للمصلي بوجهه ms0350 أو بعض ~~بدنه، أما إذا كان مستدبرا له، فلا كراهة. # ومنها: اللطف بالأهل وعدم التهويش عليهم في نومهم ومضجعهم، وإن كان على ~~الزوج كلفة في ذلك وهو في عبادة، والله أعلم. # * * * PageV01P558 ### || AUTO باب جامع ### ||| AUTO الحديث الأول # عن أبي قتادة بن ربعي الأنصاري - رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين (¬1). # تقدم الكلام على اسم أبي قتادة ونسبه ونسبته. # وفي هذا الحديث مسائل: # الأولى: في حكم الركعتين عند دخول المسجد. # وقد نقل إجماع المسلمين على أنهما سنة. # وقال شيخنا أبو الفتح - رحمه الله -: وجمهور العلماء على عدم الوجوب ~~لهما، ثم اختلفوا، فظاهر مذهب مالك: أنهما من النوافل، وقيل: إنهما من ~~السنن، وهذا على اصطلاح المالكية في الفرق بين السنن والنوافل والفضائل، ~~ونقل عن بعض الناس أنهما واجبان؛ تمسكا بالنهي عن الجلوس قبل الركوع، وعلى ~~الرواية الأخرى التي وردت بصيغة الأمر، ولا شك أن ظاهر الأمر الوجوب، وظاهر ~~النهي التحريم، ومن أزالهما عن الظاهر، فهو يحتاج إلى الدليل، وهذا آخر ~~كلامه (¬2). PageV01P559 # قلت: ولعل مراد الشيخ - رحمه الله تعالى - ببعض الناس المنقول عنه ~~وجوبهما: داود وأصحابه؛ فإن القاضي عياضا - رحمه الله - حكاه عنهم، لكن ~~اصطلاح البخاري إذا قال: فقال بعض الناس: أنه الإمام أبو حنيفة، لكنه ليس ~~مرادا هنا؛ لأن المنقول عن أبي حنيفة استحبابهما، وكراهتهما في وقت النهي، ~~وإن كان قال بوجوب الوتر، ونقل عن الحسن البصري وجوب ركعتي الفجر، لكن ~~العلماء استدلوا على عدم الوجوب في غير الصلوات الخمس بقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد" (¬1)، وقول السائل: هل علي ~~غيرها؟ قال: "لا إلا أن تطوع" (¬2)، فحملوا بذلك صيغة الأمر على الندب في ~~الوتر، وركعتي التحية، والفجر؛ لدلالة ما ذكرنا من حديث السائل، وكتب الخمس ~~على العباد على عدم الوجوب في غيرها، لكن يشكل عليهم بإيجابهم الصلاة على ~~الميت تمسكا بصيغة الأمر. # الثانية: لا تكره صلاة التحية في وقت من أوقات كراهة إذا دخل ms0351 المسجد، بل ~~هي مستحبة مشروعة، وكرهها أبو حنيفة، والأوزاعي، والليث، وقال مالك: لا ~~يركعهما في الأوقات المكروهة، وحكي وجه بالكراهة في مذهب الشافعي، وطريقة ~~أخرى أن محل الخلاف بين العلماء فيهما إذا قصد الدخول في هذه الأوقات لأجل ~~أن يصليهما فيها، أما إذا لم يقصد الدخول لفعلهما، فلا كراهة، وليس هو محل ~~الخلاف، والمعروف من مذهب الشافعي - رحمه الله - وأصحابه: أنه يركعهما ~~فيها، وأما ما حكاه القاضي عياض - رحمه الله - عن الشافعي - رحمه الله - في ~~جواز صلاتهما بعد العصر ما لم تصفر الشمس، وبعد الصبح ما لم تسفر؛ إذ هي ~~عنده من النوافل التي لا سبب لها، وإنما يمنع من هذه الأوقات ما لا سبب له، ~~ويقصد ابتداء؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ~~ولا غروبها" (¬3). انتهى ما حكاه عن الشافعي، فهو غير معروف في نقل PageV01P560 # أصحابه عنه على هذه الصورة، لكنه أقرب الأشياء إليه، خصوصا على ما حكيناه ~~من الطريقة في مذهبه، وإن كان ليس هو بعينه. # واستدل من قال بكراهتهما: بنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة بعد ~~الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس، وأجاب أصحاب الشافعي عن ~~ذلك: بأن النهي إنما هو عما لا سبب لها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~صلى بعد العصر ركعتين قضاء سنة الظهر، فخص وقت النهي، وصلى به ذات السبب، ~~ولم يترك التحية في حال من الأحوال، بل أمر الذي دخل المسجد يوم الجمعة وهو ~~يخطب، فجلس، أن يقوم فيركع ركعتين، مع أن الصلاة في حال الخطبة ممنوع منها ~~إلا التحية، فلو كانت التحية تترك في حال من الأحوال، لتركت الآن؛ لأنه ~~قعد، وهي مشروعة قبل القعود، ولأنه كان يجهل حكمها، ولأنه - صلى الله عليه ~~وسلم - قطع خطبته، وكلمه، وأمره أن يصلي التحية، فلولا شدة الاهتمام ~~بالتحية في جميع الأوقات، لما اهتم بها هذا الاهتمام، ولا شك أن الكلام في ~~هذه المسألة مبني على مسألة أصولية، وهي ما إذا تعارض نصان، كل واحد منهما ms0352 ~~بالنسبة إلى الآخر عام من وجه، خاص من وجه، وليس المعنى بالنصين هنا ما لا ~~يحتمل التأويل، بل ما حكمه حكم النص في وجوب العمل؛ كقوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: لا إذا دخل أحدكم المسجد" الحديث، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"لا صلاة بعد الصبح" (¬1) الحديث، فالأول خاص بالنسبة إلى صلاة التحية، عام ~~بالنسبة إلى الأوقات، والثاني خاص بالنسبة إلى الأوقات، عام بالنسبة إلى ~~الصلوات، فوقع الإشكال في هذه المسألة من هاهنا، وهي من أشكل مسائل الأصول، ~~ولا بد من تحقيق ذلك، فنقول: # مدلول النص إن لم يتناول مدلول الآخر، ولا شيئا منه، فهما كلفظ PageV01P561 # المشركين والمؤمنين مثلا، وإن كان مدلول أحدهما يتناول كل مدلول الآخر، ~~فهما متساويان؛ كلفظة الإنسان والبشر مثلا، وإن كان مدلول أحدهما يتناول كل ~~مدلول الآخر، ويتناول غيره، فالمتناول له ولغيره عام من كل وجه بالنسبة إلى ~~الآخر، والآخر خاص من كل وجه، وإن كان مدلولهما يجتمع في صورة، وينفرد كل ~~واحد منهما بصورة أو صور، وكل واحد منهما عام من وجه، خاص من وجه؛ كهذين ~~الحديثين، فهو من هذا القبيل؛ فإنهما يجتمعان في صورة، وهي ما إذا دخل ~~المسجد بعد الصبح أو العصر، وينفردان بأن توجد الصلاة في ذلك الوقت من غير ~~دخول المسجد، أو دخوله في غير ذلك الوقت، فإذا وقع مثل هذا، فالإشكال قائم؛ ~~لأن أحد الخصمين لو قال: لا تكره الصلاة عند دخول المسجد في هذه الأوقات؛ ~~لأن هذا الحديث دل على جوازها عند دخول المسجد، وهو خاص بالنسبة إلى الحديث ~~الأول المانع من الصلاة بعد الصبح، فخص قوله: "لا صلاة بعد الصبح" بقوله: ~~"إذا دخل أحدكم المسجد"، فلخصمه أن يقول: قوله: "إذا دخل أحدكم المسجد" عام ~~بالنسبة إلى الأوقات، فخصه بقوله:: "لا صلاة بعد الصبح"، فإن هذا الوقت أخص ~~من عموم الأوقات، فتحقق الإشكال، وذهب بعض المحققين في هذا إلى الوقف حتى ~~يأتي بترجيح خارج بقرينة أو غيرها، فمن ادعى أحد هذا الحكمين من الجواز أو ~~المنع، فعليه إبداء أمر زائد ms0353 على مجرد الحديث، وقدمناه في جواب أصحاب ~~الشافعي في هذه المسألة أولا، والله أعلم. # الثالثة: إذا دخل المسجد بعد فعل ركعتي الفجر في بيته، هل يركع تحية ~~المسجد؟ # اختلف فيه قول مالك -رحمه الله-، وظاهر هذا الحديث يقتضي أنه يركعهما، ~~وهو قول جمهور العلماء، واستدل من منع ركوعهما بحديث رواه عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: "لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي الفجر" (¬1)، ~~وعارض به هذا PageV01P562 # الحديث، وهو أضعف من المسألة الثانية؛ لضعف هذا الحديث، ولا بد من صحته ~~وقوته في الصحة قوة تعارض الحديثين الأولين في المسألة قبلها؛ فإنهما ~~صحيحان، ثم بعد التجاوز عن هذه المطالبة، وتقدير تسليم الصحة له يعود الأمر ~~إلى تعارض أمرين كما ذكرنا، فيصير كل واحد عاما من وجه، خاصا من وجه، والله أعلم. # الرابعة: إذا دخل المسجد مجتازا، هل يركعهما؟ # حقق ذلك مالك. # قال شيخنا أبو الفتح - رحمه الله -: وعندي أن دلالة هذا الحديث لا تتناول ~~هذه المسألة، فإنا إن نظرنا إلى صيغة النهي، فهو يتناول جلوسا قبل الركوع، ~~فإذا لم يحصل الجلوس أصلا، لم يعقل النهي، وإن نظرنا إلى صيغة الأمر، ~~فالأمر يوجد بركوع قبل جلوس، فإذا انتفيا معا، لم يخالف الأمر، والله أعلم (¬1). # الخامسة: ركعتا التحية مشروعة لكل مسجد يدخله: # لتناول لفظ الحديث كل مسجد، وقد أخرجوا عنه المسجد الحرام، وجعلوا تحيته ~~الطواف، وقد كره أبو حنيفة وأحمد ركعتي الطواف في أوقات النهي بمكة، فإن ~~كان في تحية المسجد خلاف فيهما، فلمخالفهم أن يستدل بهذا الحديث، وإن لم ~~يكن خلاف، فالسبب في ذلك النظر إلى المعنى، وهو أن المقصود افتتاح دخول ~~المسجد بعبادة، وافتتاح دخول المسجد الحرام بالطواف عبادة تحصل هذا ~~المقصود، مع أن غيره من المساجد لا يشاركه فيها، فاجتمع فيه تحصيل المقصود ~~مع الاختصاص، كيف وهو الموجود من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في PageV01P563 # حجته حين دخل المسجد، فابتدأ بالطواف؛ على ما تقتضيه الأحاديث، واستمر ~~عليه العمل، وذلك أخص من عموم دخول المسجد، مع أنه يأتي بعد ms0354 طوافه بركعتيه، ~~فيكون ذلك جريا على ظاهر اللفظ، ومشيا على السنة، وتوفية للعمل بمقتضى ~~الحديث، والله أعلم. # السادسة: ركعتا التحية هل تشرعان لمن صلى العيد في المسجد عند دخوله إليه؟ # ظاهر لفظ هذا الحديث أنها تشرع، ونقل الإمام أبو بكر الشاشي - رحمه الله ~~- في "حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء" (¬1) عن الشافعية: أنه يكره ~~للإمام التنفل قبلها وبعدها، ولا يكره للمأموم، قال: وقال مالك وأحمد: يكره ~~للمأموم أيضا، وعن مالك رواية أخرى: أنه إذا صلى في المسجد، يجوز له ~~التنفل، وقال أبو حنيفة والحسن: يكره له التنفل قبلها، ولا يكره بعدها، وقد ~~جاء في الحديث: أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يصل قبلها ولا بعدها -يعني: ~~صلاة العيد-، وهو حديث صحيح متفق عليه، لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لم يصل العيد في المسجد، ولا نقل ذلك، فلا معارضة بين الحديثين، إلا أن ~~يقول قائل، أو يفهم فاهم: أن ترك الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها من سنتها من ~~حيث هي هي، لا كونها واقعة في الصحراء ولا في المسجد، فحينئذ لم يبق أثر في ~~ذلك الحكم، فيقع التعارض بين الصلاة عند دخول المسجد وعدم الصلاة قبل صلاة ~~العيد في المسجد، غير أن ذلك القول أو الفهم يتوقف على أمر زائد وقرائن ~~تشعر به، والله أعلم. # السابعة: هل تشرع التحية لمن تردد إلى المسجد وتكرر مرارا كما مر مأمورا به؟ # فيه وجهان لأصحاب الشافعي: قال بعضهم: لا تشرع، وقاسه على من تكرر دخوله ~~إلى مكة من الخطابين والفكاهين من غير إحرام، وفيه -أيضا- اختلاف قول ~~الشافعي، والحديث يقتضي تكرر الركوع بتكرر الدخول، وهذا القياس PageV01P564 # ينبني على جواز القياس على المختلف فيه، وقد منعه بعضهم، واستعمالهم له ~~يدل على جوازه، وحينئذ يرجع ذلك إلى تخصيص العموم بالقياس، وللأصوليين فيه ~~أقوال متعددة، والله أعلم. # الثامنة: في ظاهر الحديث دليل على أنه لا تحصل التحية إلا بفعل ركعتين، ~~ولا يشترط أن ينوي بهما التحية، بل لو صلى الفريضة ركعتين، أو سنة راتبة، ~~أو نافلة مطلقة، ms0355 حصلت، ولو صلى ركعة، أو سجد لتلاوة أو شكر، أو صلى صلاة ~~الجنازة بنية التحية، حصلت على وجه لبعض أصحاب الشافعي، والصحيح أنها لا ~~تحصل، وهو الصواب؛ للنص على صلاة ركعتين، وليس ذلك في معناهما، إلا أن يكون ~~المفهوم من الحديث شغل المسجد بعبادة مطلقة عند الدخول تعظيما له، لكن ~~تعظيمه بركعتين أبلغ في إكرامه واحترامه من ركعة أو سجدة أو قيام، كيف ~~والمعتبر في العبادات التوقيف، ولم يرد ما يدل على خلافه؟ والله أعلم. # قال أصحاب الشافعي: ولو نوى بصلاته التحية والمكتوبة، انعقدت صلاته، ~~وحصلتا له؛ لأنه ليس في نيته وفعله ما ينافي المأمور، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن زيد بن أرقم - رضي الله عنه -، قال: كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل ~~صاحبه وهو الى جنبه في الصلاة حتى نزلت: {وقوموا لله قانتين} [البقرة:238]، ~~فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام (¬1). # أما زيد بن أرقم، فهو أنصاري خزرجي، وهو ابن أرقم بن زيد بن قيس بن ~~النعمان بن مالك بن الأغر بن ثعلبة بن عمرو بن كعب بن الخزرج بن PageV01P565 # الحارث بن الخزرج، اختلف في كنيته على أقوال كثيرة، أشهرها: أبو عمرو، ~~وقيل: أبو عامر، وقيل: أبو سعيد، وقيل: أبو سعد، وقيل: أبو أنيسة، ويقال: ~~أبو حمزة، وهو الذي رفع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قول عبد الله ~~بن أبي ابن سلول: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فأكذبه ~~عبد الله، وحلف، فأنزل الله تعالى تصديق زيد، والقصة مشهورة في كتب ~~التفسير. # غزا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبع عشرة غزوة، قال الحافظ أبو ~~الوليد بن خيرة: أول مشاهده: الخندق سنة خمس، ثم مات بعدها، وقال الحافظ ~~أبو عمر ابن عبد البر: ويقال: إن أول مشاهده: المريسيع، وشهد مع علي صفين، ~~ونزل الكوفة وسكنها، وابتنى بها دارا في كندة، روي له عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - سبعون حديثا، اتفق البخاري ومسلم على أربعة، وانفود ~~البخاري بحديثين، ومسلم بستة. # روى عنه: أنس بن ms0356 مالك - رضي الله عنه -، وجماعة كثيرة من كبار التابعين ~~وغيرهم، مات بالكوفة سنة خمس، وقيل: سنة ثمان وستين، وروى له أصحاب السنن ~~والمساند (¬1). # وأما الكلام على الحديث، فمن أوجه: # أحدها: قوله: "نتكلم في الصلاة"، هذا حكمه حكم المرفوع التي رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، ولا يجيء فيه التفصيل في عدم الإضافة إلى زمنه - صلى ~~الله عليه وسلم -، فيكون موقوفا، وإلا فهو مرفوع على الصحيح من قول ~~العلماء؛ لأنه ذكر نزول الآية: {وقوموا لله قانتين} [البقرة:238]، ومعلوم ~~أنها نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى PageV01P566 # أمروا ونهوا عن الكلام لبعضهم بعضا، فكان ذلك ناسخا، فاجتمع في كلام ~~الراوي ذكر المنسوخ والناسخ؛ لتقدم أحدهما على الآخر. # الثاني: صراحة ذكرهما فيه ظاهر بلا شك، وهو أحد أقسامه، وليس من قسم ما ~~عرف بالتاريخ؛ فإنه قد ذكروا فيه أنه لا يصلح أن يكون دليلا على أنه ناسخ؛ ~~لاحتمال أن يكون الحكم بالنسخ عن طريق اجتهادي، والنسخ رفع حكم متقدم من ~~الشارع بحكم منه متأخر؛ كهذا الحديث. # الثالث: قوله تعالى: {وقوموا لله قانتين (238)} [البقرة:238] الذي ذكره ~~المفسرون في كتبهم، ورجحوه في القنوت المأمور به أنه الطاعة؛ أي: مطيعين، ~~ومنه قوله تعالى إخبارا عن إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - أنه كان أمة ~~قانتا؛ أي: مطيعا. # وظاهر هذا الحديث أنه السكوت عن الكلام المذكور فيه، وهو كلام الرجل ~~صاحبه، لا كل كلام؛ فإن الصلاة ليس فيها حالة سكوت، وإسكات الصلاة في ~~افتتاحها وبعد الفراغ من الفاتحة قبل آمين وبعده قبل قراءة السورة، ليس ~~سكوتا حقيقيا، وإنما هو سكوت بالنسبة إلى رفع الصوت، لا عن ترك دعاء، حتى ~~قال بعض الشافعية: يستحب أن يقول بعد التأمين وقبل السورة: سبحان الله ~~والحمد لله ولا إله إلا الله والله كبر، فحينئذ المفهوم من السكوت عرفا ترك ~~الكلام مطلقا، وشرعا ترك الكلام خطابا للآدميين، أو ترك الجهر أو إسماع ~~نفسه به في الصلاة، أما كلام النفس فيها، فمعفو عنه، مع تنقيص الثواب إذا ~~استمر، وهذا معنى قول من ms0357 قال من المفسرين: وقيل: القنوت: السكوت عما لا ~~يجوز التكلم به في الصلاة. # وقال مجاهد: قانتين: خاشعين، قال: ومن القنوت طول الركوع، وغض البصر، ~~وخفض الجناح (¬1)، وقيل: المراد: طول القيام. # وقيل: القنوت: الصلاة؛ أي: مصلين، ومنه قوله تعالى: {أمن هو قانت PageV01P567 # آناء الليل ساجدا وقائما} [الزمر: 9]؛ أي: مصليا، هذا ما يتعلق بالآية من ~~كلام الفقهاء المحققين والمفسرين. # والقنوت يستعمل في اللغة بمعنى الطاعة والإقرار بالعبودية، والخضوع، ~~والدعاء، وطول القيام، والسكوت، وفي كلام بعضهم ما يفهم منه أنه موضوع ~~للمشترك، وهو الدوام على الشيء، فإذا كان أصله هذا، فمديم الطاعة قانت، ~~وكذلك الداعي والقائم في الصلاة، والمخلص فيها، والساكت فيها، كلهم قانتون ~~فاعلون له، وهذه طريقة المتأخرين من أهل العصر وما قاربه، يقصدون بها دفع ~~الاشتراك والمجاز عن موضع اللفظ، ولا بأس بذلك إن لم يقم دليل على أن ~~اللفظة حقيقة في معنى معين أو معان، فيستعمل حيث لا يقوم دليل على ذلك. # الرابع: كلام الصحابي في التفسير لا ينزل منزلة المرفوع إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فيه، بل يكون موقوفا عليه، فإن كان كلامه يتعلق بسبب ~~نزول آية، أو تعليل، ونحوهما، فهو منزل منزلة المسند المرفوع، هذا كلام ~~المحققين في ذلك، فقول زيد بن أرقم - رضي الله عنه - في هذا يشعر بأن ~~المراد بالقنوت كما ذكرنا تفسيره، قيل: لما دل عليه لفظة (حتى) التي ~~للغاية، والفاء في قوله: فأمرنا، التي تشعر بتعليل ما سبق عليها لما يأتي ~~بعدها، ولا شك أن الصحابة كانوا مشاهدين الوحي والتنزيل، ويعلمون سبب ذلك ~~مع القرائن المحتفة بها، ما يرشدهم إلى تعيين المحتملات، وبيان المجملات، ~~فيصيرون كأنهم ناقلون للفظ التعليل والتسبيب. # الخامس: قوله: "فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام"، هذا حكمه حكم ~~المرفوع، ولا يجيء فيه الخلاف الذي عند المحدثين في ذلك، بدليل مشاهدة ~~الراوي لنزول الآية، وجعله غاية لترك الكلام في الصلاة، ثم الأمر بالسكوت ~~يقتضي أن كل ما يسمى كلاما، فهو منهي عنه، وما لا يسمى كلاما، فدلالة ~~الحديث قاصرة عن النهي ms0358 عنه. PageV01P568 # وقد اختلف القدماء في أشياء هل تبطل الصلاة أم لا؟؛ كالنفخ والتنحنح لغير ~~غلبة وحاجة، وكالبكاء، والذي يقتضيه القياس أن ما يسمى كلاما فهو داخل تحت ~~اللفظ، وما لا يسمى كلاما، فمن أراد إلحاقه به، كان ذلك بطريق القياس، ~~فليراع شرطه في مساواة الفرع للأصل، واعتبر أصحاب الشافعي ظهور حرفين، وإن ~~لم يكونا مفهمين، فإن أقل الكلام حرفان، ولقائل أن يقول: ليس يلزم من كون ~~الحرفين يتألف منهما كلام أن يكون كل حرفين كلاما، وإن لم يكن كذلك، ~~فالإبطال به لا يكون بالنص، بل بالقياس، فليراع شرطه، اللهم إلا أن يريد ~~بالكلام كل مركب، مفهما كان أو غير مفهم، فحينئذ يندرج التنازع فيه تحت ~~اللفظ، إلا أن يكون فيه بحث، والأقرب أن ننظر إلى مواقع الإجماع، والخلاف؛ ~~حيث لا يسمى الملفوظ به كلاما، فما أجمع على إلحاقه بالكلام، ألحقناه به، ~~وما لم يجمع عليه، مع كونه لا يسمى كلاما، فيقوى به عدم الإبطال، ومن هذا ~~استضعف القول بإلحاق النفخ بالكلام، ومن ضعيف التعليل فيه قول من علل ~~البطلان به بأنه شبه الكلام، وهذا ركيك مع ثبوت السنة الصحيحة: أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - نفخ في صلاة الكسوف في سجوده. # وفي هذا الحديث دليل على تحريم جميع أنواع كلام الآدميين في الصلاة، ~~وأجمع العلماء على أن الكلام فيها عامدا عالما بتحريمه لغير مصلحتها ولغير ~~إنقاذ هالك وشبهه، مبطل للصلاة، وأما الكلام لمصلحتها، فقال الشافعي، ~~ومالك، وأبو حنيفة، وأحمد، والجمهور: يبطل الصلاة، وجوزه الأوزاعي وبعض ~~أصحاب مالك، وطائفة قليلة، وكلام الناسي لا يبطلها عند الشافعي والجمهور، ~~ما لم يطل، وقال الكوفيون وأبو حنيفة: يبطل، والله تعالى أعلم. # * * * PageV01P569 ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة - رضي الله عنهم - عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، قال: "إذا اشتد الحر، فأبردوا عن الصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح ~~جهنم" (¬1). # أما راوياه، فتقدم الكلام عليهما. # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا اشتد الحر"، فاشتداده: قوته، ~~وسطوعه، وانتشاره، وغليانه. # وقوله: "فأبردوا" ms0359 أي: أخروا. # وقوله: "عن الصلاة"، وروي في "صحيح مسلم": "بالصلاة" -بالباء- وهما ~~بمعنى، و (عن) تطلق بمعنى الباء؛ كما يقال: رميت عن القوس؛ أي: بها، ومنع ~~بعض أئمة اللغة القول: رميت بالقوس، ونقل جوازه جماعة، فيقال: رميت عن ~~القوس، وبها، وعليها، وممن نقله عن العرب مطلقا ابن الجوزي في "تفسيره" في ~~قوله تعالى: {ويوم تشقق السماء بالغمام} [الفرقان: 25]، والله أعلم (¬2)، # ومعنى الحديث: أخروا الصلاة إلى البرد، واطلبوه لها. # وقوله: "فإن شدة الحر من فيح جهنم" روي بفتح الفاء والياء المثناة تحت، ~~وبالحاء المهملة، وروي في غير "الصحيح": فوح -بالواو بدل الياء- (¬3)، ذكره ~~ابن الأثير في "نهايته" (¬4)، ومعناه: أن شدة الحر وغليانه تشبه نار جهنم، PageV01P570 # فاحذروه واجتنبوا ضرره، والذي يقتضيه مذهب أهل السنة وظاهر الحديث أن شدة ~~الحر من فيح جهنم حقيقة لا استعارة وتشبيها وتقريبا؛ فإنها مخلوقة موجودة، ~~وقد ثبت في "الصحيح" عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "اشتكت النار ~~إلى ربها، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف" (¬1)، والله أعلم. # واعلم أن الإبراد إنما شرع في صلاة الظهر، وقال أشهب المالكي: شرع في ~~العصر، وخالفه جميع العلماء، واختلف في مقدار وقته، فقال بعض الشافعية: وهو ~~أن يؤخر الصلاة عن أول الوقت مقدار ما يظهر للحيطان ظل، ولا يحتاج إلى ~~المشي في الشمس، وقالت المالكية: يؤخر الظهر في الحر إلى أن يصير الفيء ~~أكثر من ذراع. # واختلف الفقهاء في هذا الإبراد، هل هو رخصة أو عزيمة سنة؟ وقد يعبر عنه ~~بأن الأفضل تقديم الظهر أو الإبراد بها، وينبني على ذلك أن من صلى في بيته، ~~أو مشى في كن إلى المسجد، هل يسن له الإبراد؟ إن قلنا: رخصة، لم يسن له؛ إذ ~~لا مشقة عليه في التعجيل، وإن قلنا: سنة، أبرد، وهو الأقرب؛ لورود الأمر ~~به، مع ما اقترن به من العلة، من أن شدة الحر من فيح جهنم، وذلك مناسب ~~للتأخير، والأحاديث الدالة على التعجيل وفضيلته عامة أو مطلقة، وهذا خاص، ~~فلا مبالاة مع صيغة الأمر ومناسبة العلة ms0360 بقول من قال: التعجيل أفضل؛ لأنه ~~أكثر مشقة؛ فإن مراتب الثواب إنما يرجع فيها إلى النصوص، وقد ترجح بعض ~~العبادات الخفيفة على ما هو أشق منها بحسب المصالح المتعلقة بها. # واختلف أصحاب الشافعي بالإبراد بالجمعة على وجهين: فقال جمهورهم: لا ~~يشرع؛ فإن التبكير بها سنة فيها، وقال بعضهم: يشرع؛ لأن لفظ الصلاة في ~~الحديث يطلق على الظهر، والجمعة، والتعليل مستمر فيها، فالجواب عن تعليل PageV01P571 # الجمهور بأنه قد يحصل التأذي بحر المسجد عند انتظار الإمام، لكن قد ثبت ~~في "الصحيح": أنهم كانوا يرجعون من صلاة الجمعة وليس للحيطان فيء يستظلون ~~به (¬1) من شدة التبكير بها أول الوقت، فدل على عدم الإبراد بها، والله أعلم. # وقد عورض هذا الحديث بما رواه مسلم في "صحيحه" من حديث خباب بن الأرت - ~~رضي الله عنه -، قال: شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حر ~~الرمضاء فلم يشكنا، وسئل أبو إسحاق -يعني: السبيعي- بعد رواية هذا الحديث: ~~أفي الظهر؟ قال: نعم، قيل: أفي تعجيلها؟ قال: نعم (¬2)، واختلف العلماء في ~~الجواب عنه على أوجه: # أحدها: أنه منسوخ؛ لأنهم لما شكوا ذلك، كانوا بمكة، وحديث الإبراد ~~بالمدينة، فإنه من رواية أبي هريرة وغيره، ومن العلماء من لم ير النسخ، ~~وقال: الجمع ممكن، فيحمل حديث خباب على الأفضل، وحديث الإبراد على الرخصة، ~~والتخفيف في التأخير، أو يجمع بأن الإبراد سنة؛ للأمر به والتعليل، ويحمل ~~حديث خباب على أنهم طلبوا تأخيرا زائدا على قدر الإبراد الذي ذكرناه أولا، ~~والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: ~~"من نسي صلاة، فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك، أقم الصلاة لذكري" ~~(¬3)، ولمسلم: PageV01P572 # "من نسي صلاة، أو نام عنها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها" (¬1). # تقدم ذكر أنس - رضي الله عنه -. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها" معناه: ~~أنه يلزمه الصلاة إذا خرجت عن الوقت بنوم أو نسيان، وتكون قضاء، وهذا لا ~~خلاف فيه. # وقوله - صلى الله ms0361 عليه وسلم -: "لا كفارة لها إلا ذلك" يعني: أنه لا ~~كفارة لها غير فعلها وقت ذكرها، ولا يلزمه شيء آخر مع فعلها؛ من عتق أو ~~صيام أو صدقة، كغيرها مما تدخله الكفارة مع وجوب قضائه، ويحتمل أن مراده ~~أنه لا بدل لقضائها كما يقع الإبدال في بعض الكفارات، أو أنه لا يكفي مجرد ~~التوبة والاستغفار، بل لا بد من الإتيان بها. # وقوله: "أقم الصلاة لذكري" قال مجاهد في قوله تعالى: {وأقم الصلاة لذكري ~~(14)} [طه: 14]؛ أي: لتذكرني فيها، وقال مقاتل: إذا تركت صلاة ثم ذكرتها ~~فأقمها (¬2). # وقد قرئ في الشواذ: {إلى شياطينهم قالوا}. # ثم الأمر بقضائها يقتضي فعله عند ذكرها، فيصير ظرفا للمأمور به، فيتعلق ~~الأمر بالفعل فيه، ولا شك أنه كذلك، أما على الوجوب في حق من تركها عامدا، ~~فإنه يجب على الفور، أو على الاستحباب في حق النائم والساهي، ولا يجب كما ~~ذكره بعض أصحاب الشافعي، وقد ذكر بعضهم الوجوب على الفور مطلقا، وبعضهم عدم ~~الوجوب على الفور مطلقا، واستدل بعض العلماء على عدم وجوب القضاء على الفور ~~بعذر النوم والنسيان بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لما ناموا ~~عن صلاة الصبح بالوادي، فما أيقظهم إلا حر الشمس، أخر قضاءها، واقتادوا ~~رواحلهم حتى خرجوا من الوادي، وذلك دليل على جواز التأخير، لكنه PageV01P573 # يتوقف ذلك على أنه لا يكون ثم مانع من المبادرة إلى فعلها، وادعى بعضهم ~~أن المانع كون الشمس كانت حينئذ طالعة، والصلاة حينئذ مكروهة، وذلك مردود ~~بأنها كانت صبح اليوم، وأبو حنيفة وغيره يجيزها في هذا الوقت، وبأن في هذا ~~الحديث: فما أيقظهم إلا حر الشمس، والحر بها لا يكون إلا بعد ارتفاعها، ~~والقضاء كان بعد ذلك، واعتقد بعضهم أن المانع من فعلها على الفور كون ~~الوادي حضرهم فيه الشيطان، وقد نبه في الحديث على ذلك، فأخر الصلاة حتى خرج ~~عنه، لكن كل وقت ومكان وقع فيه مثل هذا يكون قد حضر فيه الشيطان غالبا، لكن ~~حضوره في الوادي قطعي بإخبار النبي - صلى الله عليه وسلم ms0362 -، وغيره ظني ~~راجح، وذلك كله يقتضي رجحان القضاء على الفور وإرغام الشيطان، لكن ما فعله ~~- صلى الله عليه وسلم - من تأخيرها لذلك راجح مقدم على هذا الرجحان الذي ~~يقتضي القضاء على الفور في هذه الصورة؛ لأنه صاحب الشرع، وهو - صلى الله ~~عليه وسلم - أعرف به، والله أعلم. # ثم الصلاة إذا قلنا: إنه يجب الترتيب في قضائها، فلو ذكر الفائتة المنسية ~~وهو في صلاة، هل يقطعها؟ لم يقل المالكية بالقطع مطلقا، بل لهم في ذلك ~~تفصيل بين الفذ والإمام والمأموم، وبين أن يكون الذكر بعد ركعة أولا، فلا ~~يستمر الاستدلال مطلقا لهم، وحيث يقال: يقطعها، فوجه الدليل منه أنه يقتضي ~~الأمر بالقضاء عند الذكر، ومن ضرورة ذلك قطع ما هو فيه، ومن أراد إخراج شيء ~~من ذلك، فعليه أن يبين معنى مانعا من إعمال اللفظ في الصورة التي يخرجها، ~~ولا يخلو هذا التصرف من نوع جدل. # وفي الحديث دليل على: وجوب القضاء على العامد بالترك بطريق الأولى؛ لأنه ~~إذا لم تقع المسامحة مع قيام العذر بالنوم والنسيان، فلأن لا يقع مع عدم ~~العذر [أولى]، وحكى القاضي عياض عن بعض المشايخ أن قضاء العامد مستفاد من ~~قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فليصلها إذا ذكرها"؛ لأنه بغفلته عنها وعمده ~~كالناسي، ومتى ذكر تركه لها، لزمه قضاؤها. # قال شيخنا أبو الفتح القاضي - رحمه الله -: وهو ضعيف؛ لقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: PageV01P574 # "فليصلها إذا ذكرها"، وهو كلام مبني على ما قبله، وهو قوله: "من نام عن ~~صلاة أو نسيها"، والضمير في قوله: "فليصلها إذا ذكرها" عائد على الصلاة ~~المنسية، أو التي وقع النوم عنها، فكيف يحمل ذلك على ضد النوم والنسيان، ~~وهو الذكر واليقظة؟ نعم لو كان كلاما مبتدأ؛ مثل أن يقال: من ذكر صلاة، ~~فليصلها إذا ذكرها، لكان ما قيل محتملا، وأما قوله: كالناسي، إن أراد بذلك ~~أنه مثله في الحكم، فهي دعوى، ولو صحت لم يكن ذلك مستفادا من اللفظ، بل من ~~القياس، أو من مفهوم الخطاب الذي أشرنا إليه، وكذلك ما ذكر ms0363 في هذا من ~~الاستناد إلى قوله: "لا كفارة لها إلا ذلك"، والكفارة إنما تكون من الذنب، ~~والنائم والناسي لا ذنب لهما، وإنما الذنب للعامد، لا يصح أيضا؛ لأن الكلام ~~كله مسوق على قوله: "من نام عن صلاة أو نسيها"، والضمائر عائدة إليها، فلا ~~يجوز أن يخرج عن الإرادة، ولا أن يحتمل اللفظ ما لا يحتمله، وتأويل لفظ ~~الكفارة هاهنا أقرب، وليس من إيغال أن الكلام الدال على الشيء مدلول على ~~ضده؛ فإن ذلك ممتنع، وليس ظهور لفظ الكفارة في الإشعار بالذنب بالظهور ~~القوي الذي تصادم به النص الجلي في أن المراد الصلاة المنسية، أو التي وقع ~~عنها النوم، وقد وردت كفارة القتل خطأ مع عدم الذنب، وكفارة اليمين بالله ~~مع استحباب الحنث في بعض المواضع، وجواز اليمين ابتداء، فلا ذنب، والله ~~أعلم (¬1). # * * * ### ||| AUTO الحديث الخامس # عن جابر بن عبد الله: أن معاذ بن جبل - رضي الله عنهم - كان يصلي مع ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عشاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه، فيصلي بهم ~~تلك الصلاة (¬2). # * أما جابر، فتقدم ذكره. PageV01P575 # وأما معاذ، فكنيته أبو عبد الرحمن بن جبل بن عمرو بن أوس بن عايذ -بالياء ~~المثناة من تحت والذال المعجمة- بن عدي بن كعب بن عمرو بن أودى بن سعد بن ~~علي بن أسد بن شاردة بن تزيد -بالتاء المثناة فوق- بن جشم بن الخزرج، ~~الأنصاري ثم الجشمي، وقيل في نسبه غير ذلك، وهو مدني أسلم وهو ابن ثماني ~~عشرة سنة، وشهد العقبة وبدرا والمشاهد كلها مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، ومناقبه كثيرة جدا، وكان له ابن يسمى: عبد الرحمن، وبه كني، وقاتل ~~مع أبيه يوم اليرموك، وآخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينه وبين ابن ~~مسعود، قال الواقدي: هذا مما لا اختلاف فيه عندنا. # وقال ابن إسحاق: آخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين معاذ وجعفر بن ~~أبي طالب، وبعثه رسول الله قاضيا إلى الجند من اليمن يعلم الناس القرآن ~~وشرائع الإسلام، ويقضي بينهم، وجعل إليه قبض الصدقات ms0364 من العمال الذين ~~باليمن، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قسم اليمن على خمسة ~~رجال: خالد بن سعيد على صنعاء، والمهاجر بن أبي أمية على كندة، وزياد بن ~~لبيد على حضرموت، ومعاذ بن جبل على الجند، وأبو موسى الأشعري على زبيد، ~~وزمعة، وعدن، والساحل، ولما وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معاذا ~~إلى اليمن قال له: "بم تقضي؟ "، قال: بما في كتاب الله، قال: "فإن لم تجد؟ ~~"، قال: بما في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: "فإن لم تجد؟ ~~"، قال: أجتهد رأي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الحمد لله ~~الذي وفق رسول رسول الله لما يحب رسول الله" (¬1). وقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: " [أعلمهم -يعني: أمته-] بالحلال والحرام معاذ بن جبل" ~~(¬2)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "يأتي معاذ بن PageV01P576 # جبل يوم القيامة أمام العلماء رتوة" (¬1)، والرتوة -بفتح الراء، ~~وبالمثناة فوق ساكنة، وبالواو مفتوحة، ثم هاء التأنيث-، ومعناها: الرمية ~~بسهم، وقيل: بحجر؛ أي: يكون معاذ يوم القيامة أمام العلماء بمقدار مسافة ~~الرمية بالسهم أو الحجر. # وعن فروة الأشجعي وغيره قال: كنت جالسا مع ابن مسعود، فقال: إن معاذا كان ~~أمة قانتا لله حنيفا ولم يكن من المشركين، فقلت: يا أبا عبد الرحمن! إنما ~~قال الله: {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا} [النحل: 120]، فأعاد قوله: ~~إن معاذا، فلما رأيته أعاد، عرفت أنه تعمد الأمر، فسكت (¬2). # وفي رواية قال: سمعتموني ذكرت إبراهيم؟ إنا كنا نشبه معاذا بإبراهيم، قال ~~فروة: فقال: أتدري ما الأمة وما القانت؟ قلت: الله أعلم، قال: الأمة: الذي ~~يعلم الخير ويؤتم به ويقتدى، والقانت: المطيع لله، وكذلك كان معاذ بن جبل ~~معلما للخير، مطيعا لله ولرسوله (¬3). # وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: "والله يا معاذ إني ~~لأحبك"، قال: وأنا والله أحبك يا رسول الله، الحديث (¬4). وعن عبد الله بن ~~كعب بن مالك - رحمه الله - PageV01P577 # قال: كان معاذ رجلا شابا جميلا من أفضل شباب قومه، سمحا، لا يمسك، ms0365 وادان ~~حتى أغرق ماله كله في الدين، فباع النبي - صلى الله عليه وسلم - ماله كله ~~في دينه حتى قام معاذ بغير شيء، في قصة طويلة فيها: أن معاذا - رضي الله ~~عنه - بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى طائفة من أهل اليمن عام ~~الفتح ليجبره، فمكث أميرا باليمن، وكان أول من تجر في مال الله تعالى، وأنه ~~أصاب حتى قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقدم على أبي بكر، الحديث. ~~وهذا الحديث مرسل صحيح (¬1). # وخرج معاذ إلى الشام في خلافة أبي بكر، واستعمله عمر على الشام إذ مات ~~أبو عبيدة، فمات من عامه في طاعون عمواس بين قرية بين الرملة وبيت المقدس، ~~قاله أبو عمر بن عبد البر. # وقال المدائني: مات معاذ بناحية الأردن في طاعون عمواس. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مئة حديث وسبعة وخمسون ~~حديثا، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بحديث واحد، روى ~~عنه من العبادلة: ابن عمر، وابن عباس، وابن عمرو بن العاصي، وأبو قتادة ~~الأنصاري، وجابر بن عبد الله، وأنس، وأبو أمامة الباهلي، وأبو ثعلبة ~~الخشني، وعبد الله بن أبي أوفى، وعبد الرحمن بن سمرة، وعبد الرحمن بن غنم، ~~وجنادة بن أبي أمية، والمقدام بن معدي كرب، وجماعة من التابعين المخضرمين، ~~وغيرهم، وروى له أصحاب السنن والمساند. # ونسب الطاعون الذي مات فيه إلى عمواس؛ لأنه أول ما بدأ منها، قال أبو ~~زرعة عبد الرحمن بن عمرو البصري الدمشقي: كان الطاعون بسنة سبع عشرة وثمان ~~عشرة، وفي سنة سبع عشرة رجع عمر من سرغ بجيش المسلمين ليلا يقدمهم على ~~الطاعون، ثم عاد من العام المقبل سنة ثمان عشرة حتى أتى PageV01P578 # الجابية، فاجتمع إليه المسلمون، فجند ومصر الأمصار، وفرض الأعطية ~~والأرزاق، ثم قفل إلى المدينة. # وعن الزهري قال: أصاب الناس طاعون بالجابية، فقام عمرو بن العاصي فقال: ~~تفرقوا عنه؛ فإنه بمنزلة نار، فقام معاذ بن جبل فقال: سمعت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول: "هذه رحمة لهذه الأمة، اللهم ms0366 فأذكره معاذا وآل معاذ ~~فيمن يذكره بهذه الرحمة" (¬1). # واتفقوا على أنه مات سنة ثمان عشرة، إلا قولا شاذا أنه مات سنة سبع عشرة، ~~واختلفوا في سنه يوم مات، فالأكثرون على أنه ابن ثلاث وثلاثين، وقيل: أربع، ~~وقيل: ثمان، وقيل: إحدى وثلاثين، وقيل: ثمان وعشرين. # قال الحافظ أبو محمد عبد الغني المقدسي - رحمه الله -: وقبره بغور بيسان ~~في شرقيه - رحمه الله ورضي عنه - (¬2). # أما قول جابر: إن معاذا كان يصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عشاء الآخرة، ففيه دليل على جواز مثل هذا، وإضافة المنكر إلى المعرف، وإذا ~~كان المعرف صفة للمنكر، ويعبر عنه بإضافة الموصوف إلى صفته، وهو مذهب ~~الكوفيين، فيقال: عشاء الآخرة، ومسجد الجامع، ومنعه البصريون، وقالوا حيث ~~جاء إضافة المنكر إلى المعرف في الصفة والموصوف إنما هو بتقدير موصوف معرف ~~محذوف، وهو العشاء الآخرة، وفي مسجد المكان الجامع، والله أعلم. PageV01P579 # وقد منع بعض العلماء قول: العشاء الآخرة، قال: لأنه يقتضي أن يكون ثم ~~عشاء أولى، وقد نهي عن تسمية المغرب عشاء، وهذا غلط مردود بما ثبت في "صحيح ~~مسلم": أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أيما امرأة أصابت بخورا، فلا ~~تشهد معنا العشاء الآخرة" (¬1)، وقد ثبت ذلك من كلام جماعة من الصحابة؛ ~~لحديث جابر هذا وغيره، والله أعلم. # وأما صلاة معاذ - رضي الله عنه - صلاة العشاء مع النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ثم يصليها بقومه، فاعلم أنه ينبغي أن يقرر أولا أن فرض معاذ - رضي ~~الله عنه - في هذه الصلاة كانت الأولى، وهي صلاته مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لوجوه: # أحدها: أنه روى الدارقطني في بعض طرق هذا الحديث فيمن صلى وفعل فعل معاذ: ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "فهي لهم فريضة وله تطوع" (¬2)، ~~وعللها بعض المالكية بأنها رواية شديدة الضعف، وعلى تقدير ثبوتها، فهي ~~مدرجة، ليست من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل من كلام ابن جريج، ~~أو من روى عنه، أو من قول جابر؛ لأن ابن عيينة رواه، ms0367 وليس فيه هذه اللفظة ~~التي ذكرها ابن جريج، ولا شك أن الدارقطني إمام جليل لم يذكر شيئا من ذلك، ~~وهو أخبر، وأعلم بالحديث، فلو كان ثم شيء مما ذكره هذا المالكي المعلل، ~~لبينه، وابن جريج ثقة فيما رواه PageV01P580 # وانفرد به، ولا يثبت القدح في مثل هذا بالاحتمال من غير نص من حافظ على ~~أنها مدرجة، والله علم. # الوجه الثاني: أنه يبعد بعدا شديدا أن يجعل معاذ فرضه مع قومه، وصلاته مع ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - نافلة؛ فإنه - رضي الله عنه - لا يظن به ذلك، ~~فيترك فضيلة فرضه خلف النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويأتي بها مع قومه، مع ~~ما ثبت من رتبته في العلم. # الوجه الثالث: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا أقيمت الصلاة، فلا ~~صلاة إلا المكتوبة" (¬1)، فكيف يظن بمعاذ - رضي الله عنه - مخالفة ذلك، ~~ويصلي النافلة مع قيام المكتوبة؟! إذا تقرر هذا، وأن فرض معاذ - رضي الله ~~عنه - كان الأولى، وأن صلاته بقومه كانت نافلة، فقد ادعى بعضهم أن ذلك ~~منسوخ بأمرين: # أحدهما: أنه يحتمل أن فعل معاذ ذلك حين كانت الفريضة تقام في اليوم مرتين ~~حتى نهي عنه. # والثاني: أن إسلام معاذ كان متقدما، وقد صلى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- بعده سنتين من الهجرة صلاة الخوف غير مرة على وجه تقع فيه المخالفة ~~الظاهرة بالأفعال المنافية للصلاة في غير حالة الخوف، وذلك يدل على عدم ~~إيقاع الصلاة في اليوم مرتين على وجه لا يقع المنافاة والمفسدات في غير هذه ~~الحالة. # والجواب عن الأول: أنه لا بد من نقل على إيقاع الفرض في اليوم مرتين، ولا ~~نقل، فلا دليل على النسخ، وإثباته بالاحتمال لا يجوز. # وعن الثاني: ما ذكر من الملازمة، وصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بعده صلاة شدة الخوف لا يدل على النسخ بتقدير تقدم إسلام معاذ وفعله، كيف ~~والمنازعة واقعة في أن ذلك هل كان عقب إسلامه أو بعده؟ على أنه قد كانت ~~الضرورة داعية إلى صلاة معاذ بقومه؛ لقلة القراء ذلك ms0368 الوقت، ولم يكن لهم ~~غنى عن صلاة معاذ، ولم يكن لمعاذ غنى عن صلاته مع النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، مع احتمال فعل معاذ ذلك أنه كان PageV01P581 # مقترنا بحالة مخصوصة أبيح له ذلك من أجلها، فيرتفع الحكم بزوالها، فلا ~~يكون نسخا على كل حال، فهو ضعيف؛ لعدم قيام الدليل على النسخ والفعل من كل ~~وجه، والله أعلم. # إذا تقرر أن فرض معاذ الأولى، وعدم نسخه، ثبت جواز صلاة المفترض خلف ~~المتنفل، وادعاء عدم علم النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك بعيد جدا، ولو ~~فرض عدم علمه بذلك، وأن ذلك لم يجز، لم يقر عليه - صلى الله عليه وسلم -، ~~بل كان ينزل عليه الوحي بمنع فعل معاذ، فقد نزل الوحي في المجادلة عن ~~نفسها، وفي التحريم لما أحل الله، وغير ذلك، وأمر الصلاة أعظم، فدل على ~~بطلان هذا الادعاء، والله أعلم. # وقد اختلف العلماء في جواز صلاة المفترض خلف المتنفل، وهو راجع إلى ~~قاعدة، وهي أن ائتمام المأموم بالإمام واجب في الصورة والنية، والفعل ~~والقول، أم في الفعل وبعض القول؟ وفي ذلك كلام تقدم معظمه، ونتكلم هنا على ~~ما يتعلق بحديث معاذ، فنقول: يجوز اختلاف نية الإمام والمأموم مطلقا؛ لحديث ~~معاذ، فيجوز اقتداء المفترض بالمتنفل، وعكسه، والقاضي بالمؤدي، وعكسه، سواء ~~اتفقت الصلاتان، أم لا، إلا أن تختلف الأفعال الظاهرة، وهو مذهب الشافعي، ~~ومن قال بقوله، وهو أوسع المذاهب. # وخالف مالك في أحد قوليه في ذلك، وقال: لا يجوز اختلاف النيات حتى لا ~~يصلي المتنفل خلف المفترض، ونقل هذا القول عن مالك ليس بجيد، كذا قال شيخنا ~~أبو الفتح القاضي، قال: وهذا أضيق المذاهب في هذه المسألة. # وقال أبو حنيفة، ومالك -في المشهور الراجح عنه، وهو أوسط المذاهب-: يجوز ~~اقتداء المتنفل بالمفترض، لا عكسه (¬1)، وحديث معاذ - رضي الله عنه - أشبه ~~بالاستدلال على جواز عكس هذا المذهب، خصوصا لمن لم يعد المعنى في العبادات، ~~لكنه اعترض على فعل معاذ بأن الاستدلال به إنما هو من باب ترك الإنكار من ~~النبي - صلى الله عليه ms0369 وسلم -، وشرط صحة الاستدلال بالفعل الواقع من PageV01P582 # غيره - صلى الله عليه وسلم - علمه به، وتقريره إياه، وجائز ألا يكون - ~~صلى الله عليه وسلم - علم بصلاة معاذ بقومه؛ إذ لو علم، لأنكر، وهذا ~~الاعتراض بعيد جدا؛ لما ذكرناه أولا، وبما ثبت في "الصحيح": أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - علم بصلاته بشكوى قومه من التطويل عليهم، وغضبه - صلى الله ~~عليه وسلم - لذلك، وتكرير قوله: "أفتان أنت يا معاذ؟! " (¬1)، ولم يثبت ~~صريحا أنه - صلى الله عليه وسلم - منعه من الصلاة بقومه وإلزامه بالصلاة ~~معه، بل خيره بين الصلاة معه، والتخفيف في صلاته بقومه، وبين ترك صلاته ~~بقومه، والصلاة معه - صلى الله عليه وسلم -، لا أنه خيره بين الصلاة معه ~~وترك الصلاة بقومه، وبين الصلاة بقومه وترك الصلاة معه، والله أعلم، ولهذا ~~كان استدلال جمهور العلماء بحديث معاذ على جواز اقتداء المفترض بالمتنفل، ~~وعكسه؛ لأن المحذور إنما هو وقوع الاختلاف على الأئمة ظاهرا، ولا اختلاف ~~ظاهرا هنا، واختلاف النيات أمر باطن لا يظهر فيه كبير محذور، والاستدلال ~~للمسائل العمليات إنما هو بما ظهر من الأفعال أو الأقوال أو التقريرات، لا ~~بالمعتقدات المجوزات، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث السادس # عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: كنا نصلي مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته في الأرض، بسط ~~ثوبه، فسجد عليه (¬2). # تقدم ذكر أنس - رضي الله عنه -. # وقوله: "كنا نصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، هذا حكمه حكم ~~المرفوع، بلا خلاف؛ إذ الظاهر تقرير النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه، ~~وعلمه به، ولهذا صرح أنس بالمعية في صلاتهم. PageV01P583 # وقوله: "بسط ثوبه فسجد عليه"، لا شك أن الثوب لغة إنما هو غير المخيط؛ ~~كالرداء والإزار، وقد تطلق على المخيط؛ كالقميص وغيره، وقد فسر عمر - رضي ~~الله عنه - الثوبين بالمخيط وغيره في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أوكلكم ~~يجد ثوبين؟ " (¬1) حين سئل عن الصلاة في الثوب الواحد، فقال: هو إزار ~~ورداء، أو إزار وقميص، وغير ms0370 ذلك، إذا ثبت هذا، فقول أنس: "بسط ثوبه"، يعم ~~ذلك [كل] ما يسمى ثوبا، لكنه ليس فيه تعرض لاتصاله بلبس المصلي، أو بسطه ~~منفصلا عن لبسه، لكن الظاهر انفصاله عنه، فإنه إذا صلى على ثوب منفصل عن ~~لبس المصلي، فإنه يجوز الصلاة عليه بلا خلاف، وإن كان متصلا به، فإن كان ~~المبسوط المصلى عليه يتحرك بحركة المصلي، لم يصح الصلاة عليه، وإن لم يتحرك ~~بحركته، صحت، فبسط الصحابة ثيابهم لاتقاء الحر في الصلاة، محمول على أنهم ~~لم يكونوا لابسيها، ولو كانوا لابسيها، كانت محمولة على أنها لم تتحرك ~~بحركتهم في الصلاة، والله أعلم. # وقد أجاز أبو حنيفة والجمهور السجود على طرف ثوبه المتصل به، ولم يجوزه ~~الشافعي، وتأول الحديث على السجود على ثوب منفصل عنه، وحمله الأصحاب على ~~المتصل إذا لم يتحرك بحركته، والله أعلم. # وفي الحديث فوائد: # منها: أنه يقتضي تقديم الظهر في أول الوقت مع الحر، ولا شك أن ذلك صحيح ~~إن قلنا: إن الإبراد رخصة، فيكون تقديمها سنة، والإبراد جائز، وإن قلنا: إن ~~الإبراد عزيمة مسنونة، فقد ردد بعضهم القول في أن صلاتهم للظهر في أول ~~الوقت في شدة الحر منسوخ، أو يكون على الرخصة. # قال شيخنا أبو الفتح - رحمه الله -: ويحتمل عندي عدم التعارض؛ لأنا إذا PageV01P584 # جعلنا الإبراد إلى حيث يبقى ظل يمكن المشي فيه إلى المسجد، أو إلى ما زاد ~~على الذراع، فلا يبعد أن يبقى مع ذلك حر يحتاج معه إلى بسط الثوب، فلا يقع تعارض. # ومنها: جواز استعمال الثوب وغيره في الحيلولة بين المصلي وبين الأرض؛ ~~لاتقاء الحر وبردها. # ومنها: أن الأولى في مباشرة المصلي الأرض بجبهته ويديه، فإنه علق بسط ~~الثوب بعدم الاستطاعة، وذلك يفهم منه أن الأفضل والمعتاد عدم بسطه، والله ~~أعلم (¬1). # * * * ### ||| AUTO الحديث السابع # عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء" (¬2). # المراد بالثوب هنا الإزار فقط، وقد ألحق به في المعنى السراويل، ms0371 وكل ما ~~تستر به العورة؛ بحيث يكون أعالي البدن مكشوفا، فورد النهي على مخالفة ذلك ~~بأن يجعل على عاتقه شيء يحصل الزينة المسنونة في الصلاة. # والعاتق: ما بين المنكب والعنق، وهو مذكر، ويؤنث أيضا، وجمعه: عواتق، ~~وعتق -بضمتين-، وعتق، -بضم ثم إسكان-. # ثم السنة في جعل بعض ثوب المصلي على العاتق إذا كان مكشوفا، أما إذا كان ~~مستورا بقميص أو غيره، فلا يشرع جعل شيء منه ولا غيره على عاتقه، وقد ذكر ~~أصحاب الشافعي - رحمهم الله تعالى - أن الإمام يوم الجمعة يستحب له أن PageV01P585 # يزيد على سائر الناس في الزينة؛ كالرداء ونحوه، وليس من زينته الطيلسان؛ ~~فإنه ليس من شعار الإسلام، بل هو من شعار اليهود؛ فإنه ثبت في "صحيح مسلم" ~~وغيره أنه شعار يهود أصبهان السبعين ألفا الذين يخرجون مع الدجال (¬1)، وقد ~~نهى الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن التشبه باليهود والنصارى وسائر ~~الكفار، ولعن من تشبه بهم، مع أنهم يمنعون من لبسه في بلاد المسلمين؛ لما ~~فيه من الرفعة عليهم به، والله أعلم. # وقد اختلف العلماء في ستر العاتق في الصلاة، هل هو مستحب، أو واجب؟ فذهب ~~مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، والجمهور إلى استحبابه، وأن تركه مكروه كراهة ~~تنزيه، تصح الصلاة مع كشفه. # وذهب أحمد - رحمه الله - في المشهور عنه، وبعض السلف إلى الوجوب، وعدم ~~الصحة بتركه إذا قدر على ستره، أو وضع شيء عليه؛ لظاهر هذا الحديث. # وعن أحمد رواية أخرى: أن صلاته صحيحة، لكنه يأثم بتركه. # واستدل الجمهور بما رواه البخاري ومسلم في "صحيحيهما" من رواية جابر: أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له في ثوب له: "فإن كان واسعا، فالتحف ~~به، وإن كان ضيقا، فاتزر به" (¬2)، ولم يأمره - صلى الله عليه وسلم - بوضع ~~شيء على عاتقه مع ضيقه واتزاره به، فدل على عدم وجوبه والإثم بتركه، لكنه ~~قد يجاب عنه بأن عدم أمره - صلى الله عليه وسلم - له بوضع شيء على عاتقه مع ~~ضيق ثوبه؛ لعلمه بعجزه عن ستره، والعاجز معذور في ذلك، بخلاف ms0372 القادر، والله أعلم. # وقد اعترض على ذلك بأن الذي يطرح على عاتقه شيئا في الصلاة لا يخلو إما PageV01P586 # أن يشغل يده بإمساكه، أولا، فإن لم يشغل، خيف سقوطه وانكشاف عورته إن كان ~~بعض ثوبه الإزار، وإن شغل، كان فيه مفسدتان: إحداهما: منعه من الإقبال على ~~صلاته والاشتغال بها، الثانية: أن شغل يديه بالركوع والسجود لا يؤمن معه ~~انكشاف العورة فيهما بسقوط الثوب، مع أنه نقل عن بعض العلماء القول بظاهر ~~الحديث، ومنع الصلاة في السراويل والإزار وحده، لأنها صلاة في ثوب ليس على ~~عاتقه منه شيء، وهو مخصوص بغير حالة الضرورة، والأشهر عند جمهور العلماء ~~خلاف هذا على ما حررنا نقله أولا، وجواز الصلاة بما يستر العورة، وحمل ~~الحديث على كراهة التنزيه؛ حيث لا ضرورة ولا معارض له بأمر أكثر مصلحة ~~للصلاة منه، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثامن # عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، قال: "من أكل ثوما أو بصلا، فليعتزلنا، وليعتزل مسجدنا، وليقعد في ~~بيته"، وأتي بقدر فيه خضرات من بقول، فوجد لها ريحا، فسأل، فأخبر بما فيها ~~من البقول، فقال: "قربوها" إلى بعض أصحابه، فلما رآه، كره أكلها، فقال: ~~"كل؛ فإني أناجي من لا تناجي" (¬1). # تقدم الكلام على جابر. # أما البقول -في جمع البقل- قال أهل اللغة: البقل: كل نبات اخضرت به الأرض (¬2). # وقوله: "وأتي بقدر فيه خضرات"، هكذا هو في "صحيح مسلم": بقدر وهو PageV01P587 # ما يطبخ فيه، ورواه البخاري في "صحيحه"، وأبو داود في "سننه"، وغيرهما: ~~ببدر -بباءين موحدتين - (¬1)، قال العلماء: وهو الصواب، وفسره الرواة وأهل ~~اللغة والغريب بالطبق، قالوا: وسمي بدرا لاستدارته كاستدارة البدر، ~~واستبعدوا لفظة القدر بأنها تشعر بالطبخ (¬2). # وقد ورد الإذن بأكل البقول المذكورة مطبوخة، وأما البدر، فلا تشعر كونها ~~فيه مطبوخة، بل يجوز أن تكون نية، فلا يعارض ذلك الإذن في أكلها مطبوخة. # وأما الضمير في "فيه"، فهو عائد على القدر إذا قلنا: إنه مذكر، وهو لغة، ~~وأما إذا قلنا: إنها مؤنثة، فيكون الضمير عائدا إلى ms0373 الطعام الذي في القدر، ~~والله أعلم. # وقوله: "فأخبر بما فيها من البقول": دليل على أن القدر مؤنثة. # وقوله: "قربوها، إلى بعض أصحابه"، الضمير في قربوها عائد إلى البقول، أو ~~إلى الخضرات، لكن عوده إلى البقول أولى؛ لأنه أقرب. # وقوله: "فلما رآه كره أكلها، قال: كل فإني أناجي من لا تناجي"، فيه دليل ~~على إباحة أكل الثوم والبقل ونحوهما، وهو حلال بإجماع من يعتد به، وحكي عن ~~أهل الظاهر أو بعضهم تحريم أكل هذه الأشياء؛ لأنها تمنع عن حضور الجماعة، ~~وتقريره عندهم أن الجماعة فرض عين، ولا يتم الإتيان به إلا بترك أكل هذه ~~الأشياء؛ لهذا الحديث، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب، فترك أكل هذا ~~واجب، وحجة الجمهور المعتد بهم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "كل؛ فإني ~~أناجي من لا تناجي"، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أيها الناس! ليس لي ~~تحريم ما أحل الله" (¬3)، ويلزم من PageV01P588 # إباحة أكلها ومنع حضور الجماعة والمساجد بسبب أكلها، ألا تكون الجماعة ~~واجبة على الأعيان، وتقريره أن كل هذه الأشياء جائز؛ لما ذكرناه، ومن ~~لوازمه ترك الصلاة جماعة في حق آكلها، ولازم الجائز جائز، وترك الجماعة في ~~حق آكلها جائز، وذلك ينافي الوجوب عليه. # وفي الحديث فوائد: # منها: اعتزال الجماعة والمساجد لمن أكل بصلا أو ثوما أو نحوهما مما له ~~رائحة كريهة، ولزوم بيته، وذلك تصريح بالنهي عن ذلك في كل مسجد، وهو مذهب ~~العلماء كافة، وحكي عن بعض العلماء: أن النهي خاص بمسجد الرسول؛ لقوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "فليعتزلنا، أو: فليعتزل مسجدنا" (¬1)، وأكد ذلك بأن ~~مسجده - صلى الله عليه وسلم - كان مهبط الوحي، والصحيح عمومه؛ لقوله - صلى ~~الله عليه وسلم - في رواية في "صحيح مسلم": "فلا يقربن المساجد" (¬2)، ~~فيكون قوله - صلى الله عليه وسلم -: "مسجدنا" للجنس، أو لضرب المثال؛ لأنه ~~معلل بتأذي الناس أو الملائكة الحاضرين، وذلك قد يكون موجودا في المساجد كلها. # ومنها: أن أكل البصل والثوم ونحوهما حلال، والنهي إنما هو عن الحضور مع ~~الجماعة، أو عن حضور المسجد، ms0374 لا عن أكلها، فإنه جائز بإجماع من يعتد به، ~~وتقدم ذلك، وقد اختلف أصحاب الشافعي - رحمهم الله تعالى - في الثوم هل كان ~~حراما على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أم كان يتركه تنزها كغيره؟ ~~على وجهين، وظواهر الأحاديث عدم التحريم، وأنه - صلى الله عليه وسلم - ~~كغيره، ومن قال بالتحريم قال: PageV01P589 # المراد بقوله: "ليس لي تحريم ما أحل الله" (¬1) بالنسبة إلى أمته فيما ~~أحل لها، لا بالنسبة إليه، والله أعلم. # وقد ألحق العلماء بالمنع من المساجد من أكل الثوم والبصل والكراث كل ما ~~له رائحة كريهة من المأكولات وغيرها، وألحق القاضي عياض - رحمه الله - به ~~من أكل فجلا، أو كان يتجشأ، وألحق ابن المرابط المالكي به من في فيه بخر، ~~أو به جرح له رائحة، وقد قاس العلماء على هذا مجامع الصلاة في غير المساجد؛ ~~كمصلى العيد والجنائز ونحوهما، والله أعلم. # ومنها: أنه من أكل هذه المذكورات، هل هو عذر مرخص في ترك الجماعة، أم خرج ~~المنع من حضور المساجد والجماعات مخرج الزجر عن أكلها، فلا يقتضي أن يكون ~~عذرا في ترك حضورها إلا أن تدعوه ضرورة إلى أكلها، وهذا بعيد من وجه آخر، ~~وهو أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بتقريب هذه البقول إلى بعض أصحابه، ~~فإنه ينافي الزجر، والله أعلم. # ومنها: احترام الناس والملائكة؛ بمنع أذاهم بالروائح الكريهة ونحوها مما يؤذي. # ومنها: الأمر بالقعود في البيت عند وجود الأذى المتعدي واعتزال الناس ~~للكف عن أذاهم؛ والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث التاسع # عن جابر - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أكل ~~البصل والثوم والكراث، فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه ~~الإنسان" (¬2). PageV01P590 # تقدم ذكر جابر. # وفي هذا الحديث زياد على الذي قبله: ذكر الكراث، وفيه إشارة إلى تعدي ~~الحكم إلى كل ما له رائحة كريهة كما ذكرناه فيما تقدم، وتقدم التوسع ~~بالمساجد إلى سائر المجامع، خلا الأسواق ونحوها. # وأما تعليله - صلى الله عليه وسلم - بتأذي الملائكة من أكل المذكورات ~~كلها لأجل ريحها كما ms0375 يتأذى به الإنسان، ففيه تنبيه على كراهة أكلها مطلقا، ~~أو في مواضع حضور الملائكة، فيخرج منه الحفظة الملائكة الملازمون لبني آدم، ~~وإن لم يكن أحد من بني آدم حاضرا، فيكون تأذي الملائكة علة بانفرادها، ~~وتأذي بني آدم علة بانفرادها، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # * * * ### || AUTO باب التشهد # سمي التشهد تشهدا بأشرف ما فيه، وهو لفظه، وهو الشهادتان، كما سميت ~~الصلاة سبحة أو ركوعا أو سجودا بأشرف ما فيها، وهو التسبيح، أو الركوع، ~~والسجود؛ فإنهما لما كانا علة في الخضوع، سميت به، وإن كان أحدهما أبلغ من ~~الآخر فيه، وإن كان التسبيح من حيث ذاته أفضل منهما، والسجود أفضل من ~~الركوع، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الأول # عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: علمني رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - التشهد، كفي بين كفيه، كما يعلمني السورة من القرآن: "التحيات ~~لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام ~~علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا ~~عبده ورسوله" (¬1). # وفي لفظ: "إذا قعد أحدكم في الصلاة، فليقل: التحيات لله"، وذكره، وفيه: ~~"فإنكم إذا فعلتم ذلك، فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض"، وفيه: ~~"فليتخير من المسألة ما شاء" (¬2). PageV02P597 # أما ابن مسعود، فتقدم الكلام عليه في أول كتاب الصلاة. # وأما ألفاظه، فقوله: التحيات، هي جمع تحية، وهي الملك، وقيل البقاء، ~~وقيل: العظمة، وقيل: الحياة، وقيل: السلام، فإذا حمل على السلام، فيكون ~~التقدير: التحيات التي تعظم بها الملوك مثلا كلها مستحقة لله تعالى، وأتى ~~بها بلفظ الجمع؛ لأن ملوك العرب كل واحد منهم يحييه أصحابه بتحية مخصوصة، ~~فقيل؛ جميع تحياتهم لله تعالى، وهو المستحق لذلك حقيقة، وإذا حمل على ~~البقاء، فلا شك في اختصاص الله تعالى به، وإذا حمل على الملك والعظمة، ~~فيكون معناه: الملك الحقيقي التام، أو العظمة الكاملة لله؛ لأن ما سوى ملكه ~~وعظمته تعالى فهو ناقص. # وقوله: "والصلوات" الواو تقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، ~~فيكون حينئذ كل جملة ms0376 ثناء مستقلا، وهو أبلغ، ومعناها: الصلوات المعهودة، ~~ويكون التقدير أنها واجبة لله تعالى، لا يجوز أن يقصد بها غيره، أو يكون ~~ذلك إخبارا عن إخلاصنا الصلوات له؛ أي: صلاتنا مخلصة له لا لغيره، [وقيل: ~~معناها: الرحمة، فيكون معنى إضافتها إلى الله؛ أي: هي للمتفضل بها، والمعطي ~~هو الله؛ لأن الرحمة التامة لله لا لغيره] (¬1)، وقدر بعض المتكلمين هذا ~~المعنى بأن قال: كل من رحم أحدا، فرحمته له بسبب ما حصل له من الرقة عليه، ~~وهو برحمته دافع لألم الرقة عن نفسه، بخلاف رحمة الله تعالى؛ فإنما [هي] ~~لمجرد إيصال النفع إلى العبد، وقيل: معناها: الدعوات والتضرع. # وقوله: "والطيبات" فقد فسرت بالأقوال الطيبات، ولو فسرت بما هو أعظم من ~~الأفعال والأقوال والأوصاف، كان أولى، وطيب الأوصاف كونها بصفة الكمال، ~~وخلوصها عن شوائب النقص. # وقوله: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى PageV02P598 # عباد الله الصالحين"، أما السلام، فمعناه: التعوذ باسم الله الذي هو ~~السلام، والتحصين به - سبحانه وتعالى -؛ كما يقول: الله معك؛ أي: الله ~~متوليك وكفيل بك؛ أي: باللطف والحفظ والمعونة، وقيل: معناه: السلامة ~~والنجاة لكم، كما في قوله تعالى: {فسلام لك من أصحاب اليمين} [الواقعة: ~~91]، وقيل: معناه: الانقياد لك؛ كما في قوله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون ~~حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا ~~تسليما} [النساء: 65]، وليس يخلو بعض هذا من ضعف؛ لأنه لا يتعدى السلام ~~ببعض هذه المعاني بكلمة على، ولذلك قيل في معنى السلام آخر الصلاة الذي هو ~~تحليل منها. # وأما قوله: "عباد الله، فهو جمع عبد، وله جموع غيره: عبيد، وأعبد، ~~وأعابد، ومعبوداء، ومعبدة، وعبد، وعبدان، وعبدان -بضم العين وكسرها-، وعبدا ~~-بالقصر والمد-، والعبودية أشرف أوصاف العبد، وبها بعث الله تعالى نبيه ~~محمدا - صلى الله عليه وسلم - في أعلى مقاماته في الدنيا، وهو الإسراء في ~~بدايته ونهايته؛ حيث قال - سبحانه وتعالى -: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا} ~~[الإسراء: 1]، فكان من ربه {فكان قاب قوسين أو أدنى (9) فأوحى إلى عبده ms0377 ما ~~أوحى} [النجم: 9، 10]، ونعتهم بالصالحين ليخرج الطالحين، قال الزجاج وصاحب ~~"مطالع الأنوار" وغيرهما (¬1): هم القائمون بحقوق الله تعالى، وحقوق العباد ~~الواجبة عليهم، والألف واللام الداخلتان على الجمع للتكثير، وعلى الجنس ~~دليل على العموم، وعلى صحة القول به من غير توقف ولا تأخر، وقد نبه - صلى ~~الله عليه وسلم - على ذلك حيث قال: "أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض" ~~(¬2)، وهو مذهب الفقهاء - رحمهم الله تعالى -، وهو مقطوع به في لسان العرب، ~~وتصرفات ألفاظ الكتاب والسنة التي من جملتها قوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"أصابت كل عبد"، فأدخل فيه الكل، حتى PageV02P599 # الملائكة خصهم، أعني: العباد الصالحين من الملائكة والجن والإنس بالذكر ~~للثناء والتعظيم، وقد كانوا قبل ذلك يقولون: السلام على الله، السلام على ~~فلان، السلام على فلان، حتى علموا هذا اللفظ. # وقوله: "أشهد أن لا إله الا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله" إنما أتى ~~بلفظ الشهادة دون لفظ العلم واليقين؛ لأنه أبلغ في معنى العلم واليقين، ~~وأظهر؛ حيث إنه شهود، وهو مستعمل في ظواهر الأشياء وباطنها، بخلاف العلم ~~واليقين؛ فإنهما يستعملان في البواطن غالبا دون الظواهر، ولهذا قال الفقهاء ~~- رحمهم الله تعالى -: لا تصح إذا الشهادة عند الحاكم بلفظ دون الشهادة، ~~فلو قال الشاهد: أعلم أو أوقن بكذا، لم يصح، والله أعلم. # وسمي نبينا محمدا - صلى الله عليه وسلم - به؛ لكثرة خصاله المحمودة، ~~فألهم الله أهله تسميته به؛ لعلمه سبحانه بها فيه - صلى الله عليه وسلم -، ~~قال أهل اللغة: يقال: رجل محمد ومحمود: إذا كثرت خصاله المحمودة (¬1). # واعلم أنه ورد في التشهد أحاديث: # منها: رواية ابن مسعود هذه. # ومنها: رواية ابن عباس، وأبي موسى الأشعري - رضي الله عنهم -، واتفق ~~العلماء على جوازها كلها، واختلفوا في الأفضل والمختار منها، ولا شك أن ~~الروايات اختلفت فيه، فمذهب أبي حنيفة وأحمد - رحمهما الله - وجمهور ~~الفقهاء اختيار تشهد ابن مسعود هذا؛ لكونه عند المحدثين أشد صحة؛ فإنه في ~~"الصحيحين"، وغيره في مسلم خاصة، ولما فيه من المغايرة بين المعطوف ~~والمعطوف عليه كما تقدم، وأنه ms0378 أبلغ، بخلاف حذف واو العطف، فيكون ما عدا ~~الأول صفة له، فيكون جملة واحدة في الثناء، وزاد بعض الحنفية في تقرير هذا ~~بأن قال: لو قال: والله، والرحمن، والرحيم، لكانت أيمانا متعددة تتعدد بها PageV02P600 # الكفارة، ولو قال: والله الرحمن الرحيم، لكانت يمينا واحدة فيها كفارة ~~واحدة، وبما فيه من إثبات الألف واللام في السلام للتعريف، وتنكيره في ~~رواية غيره، والتعريف أعم. وبقول ابن مسعود - رضي الله عنه - في اللفظ الذي ~~يدل على العناية بتعلمه وتعليمه، وهو: علمني رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - التشهد كفي بين كفيه؛ كما يعلمني السورة من القرآن، لكن هذا مشترك ~~بينه وبين تشهد ابن عباس - رضي الله عنهما - لما فيه من زيادة لفظة ~~"المباركات"، وهي موافقة لقول الله تعالى {تحية من عند الله مباركة طيبة} ~~[النور: 61]. # وأجاب من رجح مذهب الشافعي في اختيار تشهد ابن عباس بأن واو العطف قد ~~تسقط، وتكون مقدرة في حديث ابن عباس، فيكون تقدير التحيات المباركات ~~الصلوات الطيبات، بالواو فيها كلها، وحذفها جائز للاختصار، معروف في اللغة، ~~وأنشدوا في ذلك: # كيف أصبحت كيف أمسيت مما (¬1) # والمراد: كيف أصبحت وكيف أمسيت؛ وهذا أولا إسقاط للواو العاطفة في عطف ~~الجمل، ومسألتنا في إسقاطها في عطف المفردات، وهو أضعف من إسقاطها في عطف ~~الجمل، ولو كان غير ضعيف، لم يمتنع الترجيح بوقوع التصريح بما يقتضي تعدد ~~الثناء، بخلاف ما لم يصرح به، والله أعلم. # واختار مالك تشهد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الذي علمه الناس على ~~المنبر، ورجحه أصحابه؛ لشهرته، وعدم المنازعة فيه من أحد من الصحابة -رضي ~~الله عنهم-، فصار كالإجماع، وهو: التحيات لله الزاكيات الطيبات لله، سلام ~~عليك أيها النبي، إلى آخره، ويترجح تشهد ابن مسعود عليه، وكذا تشهد ابن ~~عباس - رضي الله عنه - بأن رفعه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مصرح ~~به، ورفع تشهد عمر - رضي الله عنه - بطريق الاستدلال، كيف والغاية دالة على ~~تقديمها بتعليمها PageV02P601 # كما يعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السورة من القرآن، ms0379 والله أعلم. # واعلم أن العلماء اختلفوا في التشهد، هل هو واجب، أم سنة؟ فقال الشافعي ~~وطائفة: الأخير واجب، والأول سنة، وقال جمهور المحدثين: هما واجبان، وقال ~~أحمد: الأول واجب، والثاني فرض، وقال أبو حنيفة ومالك وجمهور الفقهاء: هما ~~سنتان، وعن مالك رواية بوجوب الأخير، وقد وافق من لم يوجب التشهد على وجوب ~~التعوذ بقدره في آخر الصلاة، واستدل للوجوب بقوله: "فليقل التحيات"، والأمر ~~للوجوب، إلا أن مذهب الشافعي - رحمه الله - أن جميع ما يوجه إليه هذا الأمر ~~ليس بواجب، بل الواجب بعضه، وهو: "التحيات لله، سلام عليك أيها النبي"، من ~~غير إيجاب ما بين ذلك من "المباركات والطيبات والصلوات"، وكذا -أيضا- لا ~~يوجب كل ما بعد السلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - على اللفظ الذي ~~يوجه عليه الأمر، بل الواجب بعضه، واختلفوا فيه، وعلل هذا الاقتصار على بعض ~~ما في الحديث بأنه المتكرر في جميع الروايات، وعليه إشكال؛ لأن الزائد في ~~بعض الروايات زيادة من عدل، فيجب قبولها إذ توجه الأمر بها، وكان الشافعي - ~~رحمه الله - اعتبر في حد الأقل ما رآه مكررا في جميع الروايات، ولم يكن ~~تابعا لغيره، وإن ما انفردت به الروايات، أو كان تابعا لغيره، جوز حذفه، ~~لكنه يشكل على هذا لفظة "الصلوات"، فإنها ثابتة في جميع الروايات، وليست ~~تابعة في المعنى، وقد ادعى الرافعي ثبوت "الطيبات" في جميع الروايات، ~~واستشكلها، وهي منفية في رواية "الموطأ" عن ابن عمر - رضي الله عنهما -، ~~والله أعلم. # ثم اعلم أن "المباركات والزاكيات" في حديث عمر بمعنى واحد، والبركة: كثرة ~~الخير، وقيل: النماء، وكذا الزكاة أصلها النماء. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: شرعية تعليم السنة والأحكام وضبطها وحفظها كما يشرع تعليم القرآن ~~وحفظه وضبطه. PageV02P602 # ومنها: الأمر بالتشهد وتقدم الاختلاف في وجوبه والكلام عليه. # ومنها: أن لفظة "كل" للعموم. # ومنها: الدعاء بالسلام على الأنبياء والصالحين، وتقدم الكلام على ذلك مفصلا. # ومنها: شرعية الدعاء آخر الصلاة قبل السلام. # ومنها: أنه يدعو بما شاء من أمور الآخرة والدنيا ما لم يكن إثما، وهذا ms0380 ~~مذهبنا ومذهب جمهور العلماء، وقال أبو حنيفة: لا يجوز إلا الدعوات الواردة ~~في القرآن والسنة، واستثنى بعض أصحاب الشافعي بعض صور من الدعاء تقبح؛ كما ~~لو قال: اللهم أعطني امرأة صفتها كذا وكذا، وأخذ يذكر أوصاف أعضائها. # ومنها: ما استدل به جمهور العلماء على أن الصلاة على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في التشهد الأخير ليست واجبة من حيث إن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قد علم التشهد، وأمر عقبه أن يتخير من المسألة ما شاء، ولم يعلم ~~ذلك، وموضع التعليم لا يؤخر فيه بيان الواجب، ومذهب الشافعي وأحمد وإسحاق ~~وبعض أصحاب مالك وجوبها في التشهد الأخير، فمن تركها، بطلت صلاته، وقد جاء ~~في رواية في هذا الحديث في غير مسلم زيادة: "فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك" ~~(¬1)، لكنها زيادة ليست صحيحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وسيأتي الكلام عن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث ~~الآتي مبينا واضحا، والله أعلم. PageV02P603 ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة -رضي الله عنه-، فقال: ~~ألا أهدي لك هدية؟ إن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج علينا فقلنا: يا ~~رسول الله! قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: "قولوا: اللهم صل ~~على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك ~~على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد" (¬1). # أما عبد الرحمن بن أبي ليلى، فكنيته أبو عيسى، واسم أبيه أبي ليلى: يسار، ~~على الأصح المشهور، ويقال: بلال، ويقال: داود بن بلال بن بلبل بن أحيحة بن ~~الجلاح بن الحريش بن جحجنا بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس. # وعبد الرحمن هذا تابعي، ثقة، جليل، أنصاري، أوسي، كوفي، حضر حلقته جماعة ~~من الصحابة -رضي الله عنهم- استمعوا لحديثه، وأنصتوا له، فيهم البراء بن ~~عازب - رضي الله عنهما -، وروي عنه قال: أدركت عشرين ومئة من أصحاب النبي - ~~صلى الله ms0381 عليه وسلم - كلهم من الأنصار. # ولد لست بقيت من خلافة عمر، وروى عنه وعن الخليفتين بعده، وسعد بن أبي ~~وقاص من العشرة، وخلق كثير من الصحابة والتابعين. # وأبوه أبو ليلى صحابي، لم يرو عنه غير ابنه عبد الرحمن هذا، وابن أبي ~~ليلى الفقيه، القاضي محمد بن عبد الرحمن هذا ضعيف، ومات عبد الرحمن سنة ~~ثلاث وثمانين، وروى له البخاري ومسلم (¬2). PageV02P604 # وأما كعب بن عجرة، فكنيته أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو ~~إسحاق، وهو من بني سالم بن عوف، وقيل: من بني سالم بن بلي بن الحاف بن ~~قضاعة، حليف لبني حارثة بن الحارث بن الخزرج، وقيل: هو حليف لبني عوف بن ~~الخزرج، وهم القواقلة، وقيل: إنه حليف لبني سالم من الأنصار، شهد بيعة ~~الرضوان، وقال ابن الأثير: تأخر إسلامه. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبعة وأربعون حديثا، اتفقا ~~على حديثين، وانفرد مسلم بآخرين، وروى عنه ابن عمر، وابن عباس، وابن عمرو ~~بن العاصي؛ العبادلة، وجابر بن عبد الله، وطارق بن شهاب، وبنوه: إسحاق، ~~وعبد الملك، ومحمد، والربيع، وجماعة من التابعين، مات بالمدينة سنة اثنتين، ~~وقيل: إحدى، وقيل: ثلاث وخمسين، وله خمس وسبعون سنة، روى له أصحاب السنن ~~والمساند (¬1). # أما ألفاظه: فقوله: "ألا أهدي لك هدية" الهدية: ما يتقرب به إلى المهدى ~~إليه توددا وإكراما من غير قصد عوض دنيوي، بل القصد ثواب الآخرة، وأكثر ما ~~يستعمل في المأكول والمشروب والملبوس، وقد يتجوز بها في العلوم اللفظية ~~والمعنوية الشرعية؛ كما في هذا الحديث: "ألا أهدي لك هدية"، والهدية واحدة ~~الهدايا؛ كالعطية والعطايا، والبرية والبرايا، وفيه إضمار؛ كأن عبد الرحمن ~~بن أبي ليلى قال له: نعم، فقال له كعب: "إن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~خرج علينا، فقلنا: يا رسول الله" الحديث. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "قولوا: اللهم صل على محمد" إلى آخره، ~~صيغة الأمر في قوله ظاهرة في الوجوب، وقد اتفق العلماء على وجوب الصلاة على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، لكن PageV02P605 # اختلف العلماء، ms0382 فأكثرهم على وجوبها في العمر مرة، وقال بعضهم: يجب كلما ~~ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو اختيار الطحاوي من الحنفية، وأبي ~~عبد الله الحليمي من الشافعية. # وقال الشافعي وأحمد: هي واجبة في التشهد الأخير عقبه قبل السلام، وهذا ~~مروي عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله - رضي الله عنهما -، وهو قول الشعبي، ~~وإسحاق، وقد نسب الشافعي جماعة في وجوبها في التشهد الأخير إلى مخالفة ~~الإجماع، وهو غير صحيح، فإن الشعبي تابعي صغير، وهو من الفقهاء المعتد ~~بقولهم، وخلافه ليس معه إجماع، كيف وهو منقول عن عمر وابنه، وجعل من نسب ~~الشافعي إلى مخالفة الإجماع في ذلك أن قول أحمد وإسحاق في الوجوب على سبيل ~~التبعية والتقليد للشافعي، لا استقلالا. # واعلم أنه ليس في الحديث تنصيص على أن هذا الأمر مخصوص بالصلاة، وقد ~~استدل الفقهاء كثيرا على وجوبها في الصلاة بأنها واجبة بالإجماع، ولا تجب ~~في غير الصلاة بالإجماع، فتعين وجوبها فيها، وهو ضعيف جدا، ولأن قولهم: لا ~~تجب في غير الصلاة بالاجماع إن أرادوا به عينا، فهو صحيح، لكنه لا يلزم منه ~~أن يجب في الصلاة عينا؛ لجواز أن يكون الواجب مطلق الصلاة، فلا يجب واحد من ~~العينين خارج الصلاة وداخلها. # واعلم أن كل لفظ أمرنا بالإتيان به على صيغة من الشارع يجب في العمل به ~~مراعاة لفظه، ولا يجوز الإتيان به بمعناه، فالصلاة من الله تعالى معناها ~~الرحمة، فإذا قلنا: اللهم صل على محمد، فكأننا سألنا الله تعالى الرحمة ~~لمحمد - صلى الله عليه وسلم -، ولا يسقط الأمر بقولنا: اللهم ارحم محمدا، ~~أو اللهم ترحم على محمد، دون الصلاة، وقد وردت الرحمة مع الصلاة والتبريك ~~في بعض الأحاديث الغريبة للنبي - صلى الله عليه وسلم -: "وارحم محمدا وآل ~~محمد، كما رحمت إبراهيم وآل إبراهيم"، واختلف علماء المالكية في قول ذلك، ~~فقال بعضهم: لا يقال، وهو اختيار أبي عمر بن عبد البر، وأجازه بعضهم، وهو ~~مذهب محمد بن أبي زيد، والمختار PageV02P606 # عند أكثر العلماء عدم جوازه؛ لأن النبي - صلى الله عليه ms0383 وسلم - علمهم ~~الصلاة عليه، وليس فيها ذكر الرحمة، فيتعين لفظ الصلاة، وإن كان معناها ~~السؤال والدعاء والتضرع له - صلى الله عليه وسلم - بالرحمة، فلا تفرد ~~بالذكر، والله أعلم. # وقد استدل بعض أصحاب الشافعي على وجوبها في الصلاة برواية في هذا الحديث ~~في صيغة أنهم قالوا: يا رسول الله! كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في ~~صلاتنا؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: "قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل ~~محمد" إلى آخره، وهذه الرواية صحيحة، رواها الإمامان الحافظان أبو حاتم بن ~~حبان البستي، والحاكم أبو عبد الله في "صحيحيهما"، وقال الحاكم: هي زيادة ~~صحيحة (¬1)، واحتجا بها على الوجوب، واحتجا أيضا في "صحيحيهما" بما روياه ~~عن فضالة بن عبيد - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~رأى رجلا يصلي لم يحمد الله ولم يمجده، ولم يصل على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "عجل هذا"، ثم دعاه النبي ~~فقال: "إذا صلى أحدكم، فليبدأ بحمد الله والثناء عليه، وليصل على النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، وليدع بعد بما شاء"، قال الحاكم: هذا حديث صحيح على ~~شرط مسلم (¬2). # وهذان الحديثان، وإن اشتملا على ما لا يجب بالإجماع؛ كالصلاة على الآل ~~والذرية والدعاء، فلا يمتنع الاحتجاج بهما؛ فإن الأمر للوجوب، فإذا خرج بعض ~~ما تناوله الأمر عن الوجوب بدليل بقي الباقي على الوجوب، والله أعلم. # وأما الصلاة على الآل، فهو سنة، وفي مذهب الشافعي وجه شاذ أنها واجبة، ~~وقد يتمسك لهذا الوجه بلفظة الأمر، لكنه محجوج بإجماع من قبله في عدم وجوب ~~الصلاة على الآل، والله أعلم. PageV02P607 # وقد اختلف في آل النبي - صلى الله عليه وسلم - من هم؟ فاختار الشافعي ~~أنهم بنو هاشم وبنو المطلب، واختار الأكثرون والمحققون أنهم جميع الأمة ~~وأهل دينه، قال الله تعالى: {أدخلوا آل فرعون أشد العذاب (46)} [غافر: 46]، ~~واختار آخرون أنهم أهل بيته - صلى الله عليه وسلم -، وذريته، والله أعلم. # وأما تسمية النبي - صلى الله عليه وسلم - بمحمد، فتقدم في الكلام على ms0384 ~~الحديث قبله. # وقوله: "كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد"، أما إبراهيم، وإبراهام، ~~وإبراهم -بضم الهاء وفتحها وكسرها-، فقال الماوردي: معناه بالسريانية أب ~~رحيم، وقال غيره: فيه خمس لغات، وقال الجواليقي وغيره (¬1): أسماء الأنبياء ~~-صلوات الله وسلامه عليهم- كلها عجمية إلا محمدا، وصالحا، وشعيبا، وآدم، ~~وقال ابن قتيبة: تحذف الألف من الأسماء الأعجمية كإبراهيم، وإسماعيل، ~~وإسحاق، وإسرائيل، استثقالا كما ترك صرفها، وكذا سليمان، وهارون، قال: فأما ~~ما لا يكثر استعماله منها؛ كهاروت، وماروت، وقارون، وطالوت، فلا تحذف الألف ~~في شيء منه، ولا تحذف من داود، وإن كان مشهورا؛ لأنه حذف منه إحدى الواوين، ~~فلو حذفت الألف، أجحف به، وأما ما كان على وزن فاعل، كصالح، ومالك، وخالد، ~~فيجوز إثبات ألفه وحذفها بشرط كثرة استعماله، فإن قل؛ كسالم، وحامد، وجابر، ~~وحاتم، لم يجز حذف الألف، وما كثر استعماله ودخلته الألف واللام، تحذف ألفه ~~معهما، وبإثباتها مع حذفهما، تقول: قال الحرث لئلا يشتبه بحرب، فلا تحذف من ~~عمران، ويجوز حذفها وإثباتها في عثمان وسفيان ونحوهما بشرط كثرة استعمالها (¬2). # وقد كثر سؤال المتأخرين عن مقتضى المشبه به، وهو الصلاة على إبراهيم - ~~صلى الله عليه وسلم - وآله، والمشبه، وهو الصلاة على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وآله، مع أن نبينا أفضل PageV02P608 # من إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -، فكيف تطلب صلاة على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - تشبه بالصلاة على إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -؟ وقد أجيب عن ~~ذلك بوجوه: # أحدها: أن التشبيه بينهما إنما وقع في أصل الصلاة، لا في قدرها؛ لقوله ~~تعالى: {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} [البقرة: 183]، ~~فالتشبيه إنما وقع في أصل الصيام، لا في عينه ووقته، قال شيخنا أبو الفتح ~~القاضي - رحمه الله -: وهذا ليس بالقوي (¬1). # الثاني: أن التشبيه إنما وقع في الصلاة على الآل، فيكون الكلام تم عند ~~قوله: اللهم صل على محمد، ويكون منقطعا عن التشبيه، ويكون قوله: وعلى آل ~~محمد متصلا بما بعده، فيكون السؤال لهم مثل ما لإبراهيم - صلى الله عليه ~~وسلم - وآله آل ms0385 النبي - صلى الله عليه وسلم - فقط، وقد حكى هذا الوجه بعض ~~أصحاب الشافعي عنه، قال شيخنا أبو الفتح القاضي - رحمه الله -: وفي هذا من ~~الإشكال أن غير الأنبياء -صلوات الله عليهم وسلامه- لا يمكن أن يساويهم، ~~فكيف يطلب ما لا يمكن وقوعه؟ (¬2). # الثالث: أن التشبيه إنما وقع في الصلاة مقابلة للمجموع من النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، وآله بالمجموع من إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - وآله، ~~ومعظم الأنبياء - صلى الله عليهم وسلم - هم آل إبراهيم، فكأنه سأل مقابلة ~~الجملة بالجملة، لا المقدار بالمقدار؛ لأنه إذا تعذر أن يكون لآل الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - مثل ما لآل إبراهيم الذين هم الأتباع من الأنبياء ~~وغيرهم، كان ما توفر من ذلك حاصلا للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فيكون ~~زائدا على الحاصل لإبراهيم - صلى الله عليه وسلم -، والذي يحصل من ذلك هو ~~آثار الرحمة والرضوان، ومن كانت في حقه أكثر، كان أفضل. # الرابع: أن الأمر بالصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - للتكرار بالنسبة ~~إلى كل صلاة في حق كل مصل، فإذا اقتضت في حق كل مصل حصول صلاة مساوية ~~للصلاة على PageV02P609 # إبراهيم، كان الحاصل للنبي - صلى الله عليه وسلم - بالنسبة إلى مجموع ~~الصلوات أضعافا مضاعفة، لا ينتهي إليها العد والإحصاء. # فإن قيل: التشبيه حاصل بالنسبة إلى أصل هذه الصلاة، والفرد منها، ~~فالإشكال حاصل، قال أبو الفتح شيخنا - رحمه الله -: متى يرد الإشكال؟ إذا ~~كان الأمر للتكرار، وإذا لم يكن، الأول ممنوع، والثاني مسلم، ولكن هذا ~~الأمر للتكرار بالاتفاق، وإذا كان للتكرار، فالمطلوب من المجموع حصول مقدار ~~لا يحصى من الصلوات بالنسبة إلى المقدار الحاصل لإبراهيم - صلى الله عليه ~~وسلم - من المساواة أو عدم الرجحان عند السؤال، وإنما يلزم ذلك لو لم يكن ~~الثابت للرسول - صلى الله عليه وسلم - صلاة مساوية للصلاة على إبراهيم، أو ~~زائدة عليها، أما إذا كان كذلك، فالمسؤول من الصلاة إذا انضم إلى الثابت ~~المتقرر للرسول - صلى الله عليه وسلم -، كان المجموع زائدا في المقدار على ~~القدر المسؤول، وصار هذا في ms0386 المثال كما إذا ملك إنسان أربعة آلاف درهم، ~~وملك آخر ألفين، فسألنا أن يعطي صاحب الأربعة آلاف مثل ما لذلك الآخر، وهو ~~ألفان، فإذا حصل ذلك، انضمت الألفان إلى الأربعة آلاف، فالمجموع ستة آلاف، ~~وهي زائدة على المسؤول الذي هو ألفان، والله أعلم (¬1). # وقوله: "اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك ~~حميد مجيد" اختار المصنف هذا اللفظ من بين سائر ألفاظ الروايات في الصلاة ~~والتبريك، فإنه ليس فيهما ذكر إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -، وإنما ~~المشبه به آله فقط، وأكثر الروايات فيها ذكر إبراهيم - صلى الله عليه وسلم ~~- وآله، والله أعلم. # ومعنى البركة هنا: الزيادة من الخير والكرامة، وقيل: الثبات على ذلك؛ من ~~قولهم: بركت الإبل؛ أي: ثبتت على الأرض، ومنه بركة الماء، وقيل: هي بمعنى ~~التطهير من العيوب كلها والتزكية. # وقوله: "إنك حميد مجيد"؛ أي: حميد بصيغة المبالغة بمعنى المحمود، PageV02P610 # وهو المستحق لأنواع المحامد، وقيل: الذي تحمد أفعاله، ومجيد: مبالغة في ~~الماجد، وهو الذي كمل في الشرف والكرم والصفات المحمودة، يقال: مجد الرجل ~~ومجد -بالضم والفتح- يمجد -بالضم فيهما-، مجدا ومجادة، فيكون مجيد كالتعليل ~~لاستحقاق الحمد بجميع المحامد، ويحتمل أن يكون حميد مبالغة من حامد، ويكون ~~ذلك كالتعليل للصلاة المطلوبة؛ فإن الحمد والشكر يتقاربان، فحميد قريب من ~~معنى شكور، وذلك مناسب لزيادة الإفضال والإعطاء لما يراد من الأمور العظام، ~~وكذلك المجد والشرف مناسبته لهذا المعنى ظاهرة، والله أعلم. # وقد احتج بهذا الحديث من أجاز الصلاة على غير الأنبياء، فإن أراد بالجواز ~~على سبيل التبعية لهم، فمسلم، وإن أراد على سبيل الاستقلال، فممنوع، مع أن ~~الصلاة والتسليم لم يؤمر بهما على سبيل الجمع في الكتاب العزيز إلا على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يخبر الله تعالى عن نفسه الكريمة وعن ~~ملائكته - صلى الله عليهم وسلم - بالصلاة فقط إلا على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، وأما السلام فقط، فقد سلم الله تعالى في سورة الصافات على ~~الأنبياء والمرسلين دون الصلاة، وقد أمر الله تعالى نبيه ms0387 محمدا - صلى الله ~~عليه وسلم - بالسلام على المؤمنين بالآيات إذا جاؤوه، فقال تعالى: {وإذا ~~جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم} [الأنعام: 54]. # وقد أجمع العلماء على الصلاة على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، ~~ولذلك أجمع من يعتد به على جوازها واستحبابها على سائر الأنبياء والملائكة ~~استقلالا، وأما غير الأنبياء والملائكة من مؤمني الآدميين من أمة محمد - ~~صلى الله عليه وسلم -، فقد اختلف العلماء في الصلاة عليهم استقلالا، فذهب ~~مالك والشافعي والأكثرون إلى أنهم لا يصلى عليهم استقلالا، فلا يقال: اللهم ~~صل على أبي بكر، أو عمر، أو علي، أو غيرهم، ولكن يصلى عليهم تبعا، والحديث ~~يدل على ذلك، خصوصا على مذهب المحققين في أن الآل كل المؤمنين. # واختلف أصحاب الشافعي في هذا المنع هل هو للتحريم أم لكراهة التنزيه، PageV02P611 # أم هو خلاف الأولى؟ على ثلاثة أوجه، والصحيح الذي عليه الأكثرون منهم: ~~أنه مكروه كراهة تنزيه، قالوا: لأنه شعار أهل البدع، وقد نهينا عن شعارهم، ~~لكن المعتمد في دليل المنع أن الصلاة في لسان السلف صارت مخصوصة بالنبي ~~وغيره من الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- استقلالا، كما أن ~~قولنا: عز وجل مخصوص بالله -سبحانه وتعالى-، فكما لا يقال: محمد عز وجل، ~~وإن كان عزيزا جليلا، لا يقال: أبو بكر أو علي صلى الله عليه، وإن كان ~~معناه صحيحا. # وذهب الإمام أحمد وجماعة إلى جواز الصلاة على كل واحد من المؤمنين ~~استقلالا، واحتجوا بقوله تعالى: {هو الذي يصلي عليكم وملائكته} [الأحزاب: ~~43]، وبقوله - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم صل على آل أبي أوفى" (¬1)؛ ~~فإنه - صلى الله عليه وسلم - إذا أتاه قوم بصدقتهم، صلى عليهم، وأجاب ~~الأكثرون بأن هذا النوع من الصلاة مأخوذ من التوقيف وعمل السلف، ولم ينقل ~~استعمالهم ذلك، بل خصوا به الأنبياء كما ذكرنا، وأجابوا عن الآية الكريمة ~~والحديث المذكورين وغيره من الأحاديث: أن ما كان من الله -عز وجل- ورسوله - ~~صلى الله عليه وسلم -، فهو دعاء وترحم، وليس فيه معنى التعظيم والتوقير ~~الذي يكون من غيرهما، واتفق العلماء على جواز ms0388 جعل غير الأنبياء من الأتباع ~~والذرية والأزواج تبعا لهم في الصلاة؛ للأحاديث الصحيحة في ذلك، وفي الأمر ~~به في أحاديث التشهد، والصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم -، وفي السلام ~~عليه، ولم يزل السلف على العمل به خارج الصلاة أيضا. # وأما السلام، فقال الشيخ أبو محمد الجويني: هو في معنى الصلاة، فإن الله ~~تعالى قرن بينهما، فلا يفرد به غائب غير الأنبياء، فلا يقال: أبو بكر، أو ~~عمر، أو علي - عليه السلام -، وإنما يقال ذلك خطابا للأحياء والأموات، وأما ~~الحاضر PageV02P612 # منهم، فيقال: سلام عليك، أو عليكم، أو السلام -بالألف واللام-، والله ~~أعلم (¬1). # وفي الحديث فوائد: # منها: استحباب ابتداء العالم أصحابه بالعلم باستفتاح كلام يحملهم على ~~أخذه بقبول. # ومنها: أنه يؤخذ العلم تؤدة شيئا فشيئا؛ ليفهم ويعمل به، فإذا علمه، ~~أخبرنا العالم بأنه فهمه وعلمه، وسأله عن غيره، فإن الصحابة -رضي الله ~~عنهم- قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف ~~نصلي عليك؟ # ومنها: أنه يستحب للإنسان أن يبدأ بنفسه في الدعاء؛ حيث قال: السلام ~~علينا وعلى عباد الله الصالحين. # ومنها: تنزيل مراتب الأنبياء وغيرهم، ويقيس الإنسان مراتبهم، فلا يقدم ~~أخيرا على أول. # ومنها: أن تقديم ذكر الشيء في كتاب الله تعالى لا يوجب العمل تقديمه، فإن ~~الله تعالى قدم الأمر بالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - على ~~السلام، والسلام مقدم في العمل إجماعا، وهذا يدلك أن الواو تقتضي مطلق ~~الجمع لا الترتيب، والله -سبحانه وتعالى- أعلم. # ومنها: فضل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفضل الصلاة والتسليم، وقد ~~روينا في فضلهما والترغيب فيهما وما يترتب عليهما من رفع الدرجات، وتكفير ~~السيئات، وتكثير الحسنات، وقضاء الحاجات، ورفع الحجب، واستجابة الدعوات ~~أحاديث كثيرات، والله -سبحانه وتعالى- أعلم. # * * * PageV02P613 ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يدعو: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا ~~والممات، ومن فتنة المسيح الدجال" (¬1)، وفي لفظ لمسلم: "إذا تشهد أحدكم، ~~فليستعذ بالله من أربع، ms0389 يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم"، ثم ذكر ~~نحوه (¬2). # تقدم الكلام على أبي هريرة. # وقوله: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو" إلى آخره: # فيه دليل على استحباب هذا الدعاء آخر الصلاة قبل السلام، وفي "صحيح ~~مسلم": أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم ~~السورة من القرآن، وأن طاوسا - رحمه الله - أمر ابنه بإعادة الصلاة حين لم ~~يدع بهذا الدعاء فيها (¬3)، وهذا كله دليل على تأكيد على هذا الدعاء ~~والتعوذ، والحث الشديد عليه، وظاهر كلام طاوس أنه حمل الأمر به على الوجوب، ~~فأوجب الإعادة للصلاة بفواته، وجمهور العلماء على أنه مستحب، ليس بواجب، ~~ولعل طاوسا أراد تأديب ابنه، وتأكيد هذا الدعاء عنده، لا أنه يعتقد وجوبه، ~~والله أعلم. # واعلم أن دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - واستعاذته من هذه الأمور ~~التي عوفي منها وعصم إنما فعله ليلتزم خوف الله تعالى وإعظامه والافتقار ~~إليه، لتقتدي أمته به، وليبين لهم صفة الدعاء والمهم منه، والله أعلم. # وقوله: "أعوذ بك من عذاب القبر": # فيه إثبات عذاب القبر وفتنته، وهو متكرر مستفيض في الروايات عن PageV02P614 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والإيمان به واجب، وأجمع عليه العلماء ~~من أهل السنة وغيرهم، وهو مذهب أهل الحق، خلافا للمعتزلة. # وقوله: "ومن عذاب النار": # فيه الإيمان بالنار، وأنها مخلوقة موجودة، وقد ثبتت الاستعاذة منها في ~~غير حديث. # وقوله: "ومن فتنة المحيا والممات": أي: الحياة والموت، ففتنة المحيا ما ~~يتعرض له الإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات، ~~وأشدها وأعظمها -والعياذ بالله تعالى منه- أمر الخاتمة عند الموت، وفتنة ~~الممات قيل: المراد: فتنة القبر، وقد صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- الاستعاذة من عذاب القبر وفتنة القبر كمثل أو أعظم من فتنة الدجال، ولا ~~يكون من هذا الوجه متكررا مع قوله: من عذاب القبر؛ لأن العذاب مرتب على ~~الفتنة، والسبب غير المسبب، ولا يقال: إن المقصود زوال عذاب القبر؛ لأن ~~الفتنة نفسها أمر عظيم، وهو شديد يستعاذ بالله ms0390 من شره، ويجوز أن يراد بفتنة ~~الممات: الفتنة عند الموت، وأضيفت إلى الموت؛ لقربها منه عند الاحتضار، أو ~~قبله بقليل، وتكون فتنة المحيا على هذا ما يقع قبل ذلك في مدة الحياة ~~للإنسان وتصرفه في الدنيا، فإن ما قارب الشيء يعطى حكمه، فحالة الموت تشبه ~~بالموت، فلا تعد من الدنيا، فعلى هذا يكون الجمع بين فتنة المحيا والممات ~~وفتنة المسيح الدجال وفتنة القبر من باب ذكر الخاص بعد العام، ونظائره ~~كثيرة، والله أعلم. # ويحتمل أن يراد بفتنة المحيا والممات حالة الاحتضار وحالة المساءلة في ~~القبر، فكأنه استعاذ من فتنة هذين المقامين، وسأل التثبيت فيهما؛ كما قال ~~تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} ~~[إبراهيم: 27]. # واعلم أن الرواية التي في "صحيح مسلم" - رحمه الله - كما ذكرها المصنف ~~فيها زيادة كون الدعوات مأمورا بها بعد التشهد، والمراد به الأخير لا ~~الأول؛ PageV02P615 # لأنه مبني على التخفيف، وقد ظهرت العناية بالدعاء بهذه الأمور؛ حيث أمرنا ~~بها في كل صلاة، وهي حقيقة بذلك؛ لعظم الأمر فيها، وشدة البلاء في وقوعها، ~~ولأن أكثرها أمور إيمانية غيبية، فتكررها على النفس يجعلها ملكة لها، وفيها ~~التعبير عن الاستعاذة بصيغة من النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فإنه يمكن ~~التعبير عنها بغير هذا اللفظ، وهو جائز يحصل به المقصود، فإن معنى أعوذ: ~~أعتصم، لكن الأولى امتثال الأمر بقول ما أمر به الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم -، والله أعلم. # وفي الحديث الرد على أبي حنيفة - رحمه الله -؛ حيث منع الدعاء في الصلاة ~~إلا بألفاظ القرآن العظيم. # واعلم أن محل الدعاء من الصلاة مواطن: # منها: هذا الموطن بين التشهد والتسليم. # ومنها: دعاء الاستفتاح بين تكبيرة الإحرام وقبل قراءة الفاتحة. # ومنها: الدعاء في السجود. # ومنها: الدعاء في الجلوس بين السجدتين. # ومنها: في الركوع. # ومنها: الدعاء في تلاوته فيها، وهو إذا مر بآية فيها سؤال سأل، وإذا مر ~~بآية فيها تعوذ تعوذ، وقد وردت في كل موطن منها أحاديث صحيحة وحسنة وضعيفة، ~~منها أحاديث خرجت في "الصحيحين" وغيرهما، ويدل ms0391 أيضا عليها حديث أبي بكر ~~الصديق - رضي الله عنه - الذي سنذكره إن شاء الله تعالى، وهو هذا. # * * * ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-: أنه ~~قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: ~~"قل: اللهم إني PageV02P616 # ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا انت، فاغفر لي مغفرة من عندك، ~~وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" (¬1). # أما عبد الله بن عمرو بن العاص، فتقدم الكلام عليه. # وأما أبو بكر الصديق: # فاسمه عبد الله بن أبي قحافة، واسمه عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب ابن ~~سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، يلتقي مع النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في مرة بن كعب، وأمه أم الخير سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب أخي عمرو ~~بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، تلتقي مع رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -[في مرة]، فهي ابنة أخي جده عامر، وهو صخر بن عامر، ~~فتكون ابنة عم أبيه، والله أعلم. # أسلم أبوه، وقيل: إن اسمه عتيق، وليس بمشهور، وقيل: إنما سمي به لحسن ~~وجهه، وقيل: إنما سمي عتيقا؛ لما روي من غير وجه عن عائشة - رضي الله عنها ~~-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أبو بكر عتيق الله من النار" ~~(¬2)، فمن يومئذ سمي عتيقا، وقال مصعب بن الزبير وغيره: إنما سمي عتيقا؛ ~~لأنه لم يكن في نسبه شيء يعاب به (¬3)، وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه ~~قال: إن الله -سبحانه وتعالى- هو الذي سمى أبا بكر على لسان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - صديقا (¬4)، وقال أبو العالية والكلبي في قوله تعالى: ~~{والذي جاء بالصدق وصدق به} [الزمر: 33]، الذي جاء بالصدق: رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، وصدق به: أبو بكر - رضي الله عنه - (¬5). PageV02P617 # وروى محمد بن فضيل عن الكلبي أن قوله تعالى: {لا يستوي ms0392 منكم من أنفق من ~~قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا} [الحديد: ~~10]، نزلت في أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - (¬1)؛ فإنه أول من أسلم، ~~وأول من أنفق في سبيل الله، وقال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: أول ~~من أظهر إسلامه بسيفه وبيعته النبي - صلى الله عليه وسلم - أبو بكر الصديق ~~- رضي الله عنه - (¬2). # وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر - رحمه الله -: وسمي الصديق لبداره إلى ~~تصديق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كل ما جاء به، وقيل: بل قيل له ~~الصديق لتصديقه له في خبر الإسراء. # وكان في الجاهلية وجيها، رئيسا من رؤساء قريش، وإليه كانت الأشناف، وهي ~~الرايات في الجاهلية، كان إذا حمل شيئا، صدقته قريش فيه، وأمضوا حمالته ~~وحمالة من قام معه، وإن احتملها غيره، خذلوه ولم يصدقوه. # وأسلم على يدي أبي بكر من العشرة: الزبير، وعثمان، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف. # وهو أول من أسلم من الرجال، وكان له أربعون ألفا أنفقها كلها على رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ما نفعني مال ~~ما نفعني مال أبي بكر" (¬3). # وأعتق أبو بكر سبعة كانوا يعذبون في الله تعالى، منهم: بلال، وعامر بن ~~فهيرة. PageV02P618 # وزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابنته عائشة - رضي الله عنها -، ~~وكان يقال لها: الصديقة بنت الصديق، وكان أبو بكر - رضي الله عنه - أعلم ~~الناس بحديث التخيير، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو المخير، ~~وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "دعوا لي صاحبي؛ فإنكم قلتم لي: ~~كذبت، وقال: صدقت" (¬1)، وقال - صلى الله عليه وسلم - في كلام البقرة ~~والذئب: "آمنت بهذا أنا وأبو بكر وعمر" (¬2)، وما هما [ثم]، ثم علم - صلى ~~الله عليه وسلم - منهما بما كانا عليه من اليقين والإيمان. # وقال عمرو بن العاص - رضي الله عنه -: قلت: يا رسول الله! من أحب الناس ~~إليك؟ قال: "عائشة"، قلت: من الرجال؟ قال: "أبوها" (¬3). # وعن أبي سعيد الخدري - رضي ms0393 الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذا ~~خليلا، لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام، لا تبقين في المسجد خوخة ~~إلا خوخة أبي بكر" (¬4). # وعن أبي أمامة الباهلي - رضي الله عنه - قال: حدثني عمرو بن عبسة، قال: ~~أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بارك بعكاظ، فقلت: يا رسول الله! من ~~اتبعك على هذا الأمر؟ قال: "حر وعبد: أبو بكر، وبلال"، قال: فأسلمت عند ذلك (¬5). # وعن أنس: أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنهما - حدثه قال: قلت: PageV02P619 # يا رسول الله - للنبي - صلى الله عليه وسلم - ونحن في الغار-: لو أن ~~أحدهم ينظر إلى قدميه، لأبصرنا تحت قدميه، قال: "يا أبا بكر! ما ظنك باثنين ~~الله ثالثهما؟ " (¬1). # وقال رجل من أبناء أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مجلس فيه ~~القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق: والله ما كان من موطن فيه رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - إلا وعلي فيه، فقال القاسم: يا أخي! لا تحلف، قال: ~~هلم، قال: بلى ما لا نرده، قال الله تعالى: {ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ ~~يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا} (¬2) [التوبة: 40]. # قال أصحاب المعاني: كانت المعية لفظا ومعنى، أما اللفظ، فإنه كان يقال ~~لأبي بكر: خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى قال له رجل: يا ~~خليفة الله! قال: لست بخليفة الله، ولكني خليفة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، وأنا راض بذلك (¬3)، وأما المعنى، فإن عناية الله تعالى لم ~~تفارقهما في الدنيا والآخرة، وأجمع الصحابة على استخلافه من غير نزاع، ~~وكانت خلافته كالمنطوق بها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، واستخلفه ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أمته في الصلاة، وإنما لم يصرح ~~باستخلافه على أعباء الأمة؛ لأنه لم يؤمر فيه بشيء، بل عرض به - صلى الله ~~عليه وسلم - تعريضا قام مقام التصريح، وهو ما رواه الطحاوي عن المزني، ms0394 عن ~~الشافعي، عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن جبير بن مطعم، ~~عن أبيه - رضي الله عنه - قال: أتت امرأة إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، فسألته عن شيء، فأمرها أن ترجع إليه، فقالت: يا رسول الله! أرأيت ~~إن جئت ولم أجدك؟ -تعني الموت-، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "إن لم تجديني، فأتي أبا بكر" (¬4)، قال الشافعي - رحمه الله -: PageV02P620 # في هذا الحديث دليل على أن الخليفة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أبو بكر - رضي الله عنه - (¬1). # وكان أبو بكر أعلم الناس بالأنساب وبكل شيء بعد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، وكان أشجع الناس، وأشدهم فهما، وأغزرهم علما، وأكثرهم رأفة ~~ورحمة، ولما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لم يعتره ما اعترى ~~الصحابة من الجزع والقلق وعدم الصبر، حتى إنه - رضي الله عنه - كان في سرية ~~أسامة بن زيد، فجاء المسجد، فوجد الناس مضطربين لموت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، فلم يرعه ما الناس فيه، ولم يرجع إلى قولهم حتى دخل بيت ابنته ~~عائشة - رضي الله عنهما -، فكشف عن وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~فوجده قد مات، فقبله بين عينيه، وقال: والله لقد مت الموتة التي كتبها الله ~~-عز وجل- عليك، ثم سجاه، ثم خرج إلى المسجد وخطب الناس، وقال من جملة قوله: ~~من كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت، ومن كان يعبد محمدا، فإن محمدا قد ~~مات، ثم تلا: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل ~~انقلبتم على أعقابكم} [آل عمران: 144]، فعلم الناس أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قد مات (¬2)، ثم لم يكن له - رضي الله عنه - هم إلا أمر ~~المسلمين وأعبائهم، فذهب إلى الأنصار، فتكلم هو وعمر معهم، وقال لهم من ~~جملة قوله: نحن الصادقون وأنتم المفلحون، والله جعل المفلحين مع الصادقين، ~~يشير بذلك إلى أن الله تعالى وصف المهاجرين بالصادقين، والأنصار بالمفلحين ~~في سورة الحشر، ms0395 وجعل المفلحين مع الصادقين في سورة براءة، فقال تعالى: {يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} [التوبة: 119]، فرجعوا ~~إليه، وبايعهم وبايعوه في قصة طويلة، وأول من بايعه عمر - رضي الله عنهما ~~-، ثم PageV02P621 # تتابع الناس، وقال لهم: لست بخيركم، فإن نسيت فذكروني، وإن اعوججت ~~فقوموني (¬1). # فانظر إلى ما جمع تعالى له من التوحيد والتشريع والشجاعة، والثبات، ~~والفهم الثاقب، والعلم الراسخ، واليقين الصادق، والصبر الجميل، إلى غير ذلك ~~من الصفات الحميدة، والعطايا الفريدة، رضي الله عنه وأرضاه، ولهذا وزن ~~الأمة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرجحها، ولهذا قال علي - رضي ~~الله عنه -: من قال: إن أحدا كان أحق بالخلافة من أبي بكر - رضي الله عنه ~~-، فقد أعظم الفرية، وخطأ أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~والمؤمنين. # وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: والله الذي لا إله إلا هو! لولا ~~أن أبا بكر استخلف، ما عبد الله، فقيل له: مه يا أبا هريرة! ما تقول؟ فأقام ~~الحجة، وأوضح المحجة، حتى صدقوه فيه، وشهدوا له بما ذكره فيه (¬2). # وقال علي - رضي الله عنه -: رحم الله أبا بكر، أول من جمع ما بين اللوحين (¬3). # وقال: لا يفضلني أحد على أبي بكر وعمر إلا جلدته جلد المفتري (¬4). # وقال عبد الله بن جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنهما -: ولينا أبو بكر ~~فخير خليفة، أرحمه بنا، وأحناه علينا (¬5). PageV02P622 # وقال مسروق: حب أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - ومعرفة فضلهما من السنة (¬1). # وعن حذيفة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر" (¬2). # وقال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: اجعلوا إمامكم خيركم؛ فإن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - إمامنا خيرنا (¬3). # وقال أبو بكر بن عياش - رحمه الله - في مجلسه العام: ما ولد لآدم ولد بعد ~~النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر، قالوا: صدقت يا أبا بكر، قال له عاصم ~~بن يوسف مولى فضيل بن عياض: يا أبا بكر! ولا ms0396 يوشع بن نون وصي موسى؟ قال: ~~ولا يوشع بن نون وصي موسى، إلا أن يكون نبيا، ثم فسره أبو بكر فقال: قال ~~الله -عز وجل-: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110]، وقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: "أفضل هذه الأمة بعدي أبو بكر" (¬4)، قال ~~الحافظ أبو محمد عبد الغني المقدسي - رحمه الله -: والأمة مجمعة على ما قال ~~أبو بكر - رحمه الله - إلا من لا يعتد بخلافه. # وكان أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - أول الناس إسلاما، وهاجر مع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، وشهد معه بدرا والمشاهد كلها، ثم ولي الخلافة ~~بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنتين ونصفا، وقد اختلف فيما ~~بعد السنتين اختلافا كثيرا، فأكثرها ستة أشهر، وأقلها ثلاثة أشهر إلا خمس ~~ليال، وحكي قول غريب: أن PageV02P623 # مدة خلافته عشرون شهرا، واستكمل بخلافته سن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، فمات وهو ابن ثلاث وستين سنة، وصلى عليه عمر بن الخطاب في المسجد، ودفن ~~في بيت عائشة - رضي الله عنها - مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ونزل ~~في قبره عمر، وعثمان، وطلحة وابنه عبد الرحمن -رضي الله عنهم-، وتوفي يوم ~~الاثنين، وقيل: ليلة الثلاثاء، لثمان، وقيل: لثلاث بقين من جمادى الأولى ~~سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وكان مرضه خمس عشرة ليلة، ودفن ليلا. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مئة حديث، واثنان وأربعون ~~حديثا، اتفق البخاري ومسلم على ستة أحاديث، وانفرد البخاري بأحد عشر حديثا، ~~ومسلم بحديث واحد، وروى عنه عمر، والبراء بن عازب، وابنه عبد الله، وعلي بن ~~أبي طالب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبو هريرة، والبراء بن عازب، ~~وابنته عائشة أم المؤمنين، وعبد الله بن عباس، وزيد بن ثابت، وأبو سروعة ~~عقبة بن الحارث بن نوفل بن عبد مناف القرشي، وخلق سواهم، وروى له أصحاب ~~السنن والمساند. # قالت عائشة - رضي الله عنها -: لم يقل أبو بكر - رضي الله عنه - بيت شعر ~~في الإسلام حتى مات (¬1)، وكان ms0397 هو وعثمان - رضي الله عنهما - ممن حرم الخمر ~~في الجاهلية، وهو - رضي الله عنه - الذي قام بقتال أهل الردة، فظهر من فضل ~~دأبه في ذلك وشدته مع لينه ما لم يحتسب، فأظهر الله تعالى دينه، وقتل على ~~يديه وببركته كل من ارتد عن دين الله، حتى ظهر أمر الله وهم كارهون، وقاتل ~~مانعي الزكاة -أيضا- حتى رغبوا إلى أدائها. # واختلف في مكثه في الغار هو ورسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال ~~مجاهد - رحمه الله -: مكثا فيه ثلاثا، وقيل: بضعة عشر يوما، وهو غير صحيح، ~~وله - رضي الله عنه - من الخطب والمواعظ والحكم وغير ذلك ما يحتمل مجلدات، ~~والله أعلم (¬2). PageV02P624 # أما قوله: "ظلما كثيرا"، فهو في معظم الروايات مضبوط بالثاء المثلثة، وفي ~~بعض روايات مسلم: كبيرا -بالباء الموحدة-، وكلاهما حسن، قال شيخنا العلامة ~~أبو زكريا النووي - رحمه الله -: فينبغي أن يجمع بينهما -يعني للاحتياط على ~~التعبد- بلفظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمحافظة عليه خصوصا في ~~الدعاء، فيقال: ظلما كثيرا كبيرا" (¬1). # وقد احتج البخاري في "صحيحه" (¬2)، والبيهقي في "سننه" (¬3)، وغيرهما من ~~الأئمة بهذا الحديث للدعاء آخر الصلاة، وهو استدلال حسن صحيح؛ فإن قوله: ~~"في صلاتي" يعم جميعها، ومن مظان الدعاء في الصلاة هذا الموطن، فتعليم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - تقرير منه - صلى الله عليه وسلم - له لسؤاله ~~وجواز العمل به، فمقتضى الحديث الأمر به من غير تعيين لمحل، ولو فعل فيها ~~حيث لا يكره الدعاء فيه، جاز، لكنه يترجح فعله في موطنين: في السجود، وبعد ~~التشهد قبل السلام؛ فإنه قد ثبت الأمر بالدعاء فيهما خصوصا، فقال - صلى ~~الله عليه وسلم -: "وليتخير بعد ذلك من المسألة ما شاء". # قال شيخنا أبو الفتح ابن دقيق العيد الحافظ، المدقق، المحقق -رحمه الله ~~تعالى-: ولعله يترجح كونه فيما بعد التشهد؛ لظهور العناية بتعليم دعاء ~~مخصوص في هذا المحل (¬4). PageV02P625 # وقوله: "إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا" دليل على أن الإنسان لا يعرى من ذنب ~~وتقصير؛ كما قال - صلى الله عليه وسلم -: "استقيموا ولن تحصوا" (¬1)، وقال ~~- صلى ms0398 الله عليه وسلم -: "كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون" (¬2)، ~~وأمرنا بالدعاء بذلك على الإطلاق من غير تقييد وتخصيص بحالة، فلو كان ثم ~~حالة لا يكون فيها ظلم ولا تقصير، لما كان هذا الإخبار مطابقا للواقع، ولا ~~يؤمر به. # وقوله: "ولا يغفر الذنوب إلا أنت"، إقرار بوحدانية الباري -سبحانه ~~وتعالى-، واستجلاب لمغفرته بهذا الإقرار؛ كما قال تعالى: "علم أن له ربا ~~يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب"، وقد وقع في هذا الحديث امتثال لما أثنى الله ~~تعالى في قوله: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله ~~فاستغفروا لذنوبهم} [آل عمران: 135]. # وقوله: "فاغفر لي مغفرة من عندك" فيه وجهان: أنه إشارة إلى التوحيد في ~~قوله: "ولا يغفر الذنوب إلا أنت" كأنه قال: لا يفعل هذا إلا أنت، فافعله ~~أنت، والثاني: وهو أحسنها، أنه إشارة على طلب مغفرة مبتدأ بها من عند الله ~~تعالى لا يقتضيها سبب من العبد من عمل حسن وغيره، بل هي رحمة من عنده ~~-سبحانه وتعالى- متفضل بها، ولا إدلال بسبب من الأسباب، فإن الإدلال ~~بالأعمال، والاعتقاد بكونها موجبة للثواب وجوبا عقليا، يقتضي أن للعبد فيها ~~سببا، وليس الأمر كذلك، بل الله سبحانه المتفضل بالسبب والمسبب، فكل منهما ~~من عنده، ليس للعبد فيه مدخل سوى توفيق الله -سبحانه وتعالى-، وهو خلق قدرة ~~الطاعة فيه، فشرف بذلك. PageV02P626 # والمغفرة: الستر في لسان العرب، والرحمة من الله تعالى عند المنزهين من ~~الأصوليين عن التشبيه، إما نفس الأفعال التي يوصلها الله تعالى؛ من الإنعام ~~والإفضال إلى العبد، وإما إرادة اتصال تلك الأفعال، فعلى الأول: هي من صفات ~~الفعل، وعلى الثاني: هي من صفات الذات. # وقوله: "إنك أنت الغفور الرحيم": صفتان ذكرتا ختما للكلام على جهة ~~المقابلة لما قبله لقوله: "اغفر لي وارحمني"، فالغفور مقابل لسؤال المغفرة، ~~والرحيم مقابل لسؤال الرحمة، وقد وقعت المقابلة للأول بالأول، والثاني ~~بالثاني - هاهنا-، وقد تقع على خلاف ذلك بأن يراعى القرب، فيجعل الثاني ~~للأول، والأول للأخير، وذلك على حسب اختلاف المقاصد، وطلب التعيين في ~~الكلام، ومما يحتاج إليه ms0399 في علم التفسير مناسبة مقاطع الآي لما قبلها، ~~والله أعلم. # وفي هذا: الحديث: شرعية طلب تعليم العلم من العلماء، خصوصا في الدعوات ~~المتعلقة بالصلوات. # وفيه: الاعتراف بظلم النفس وتقصيرها في كل حالة. # وفيه: حصره للمغفرة بأنها لا تكون إلا من عند الله تعالى؛ إذ لا يتصور ~~إيجادها من عند غيره. # وفيه: طلبها وطلب الرحمة، وإن كانت رحمة الله تعالى تعم المغفرة وغيرها. # وفيه: الثناء على الله تعالى بما وصف به نفسه. # وفيه: إجابة العالم للمتعلم سؤاله، خصوصا إذا كان المسؤول علما عمليا، ~~وافتقارا وتوحيدا أو تنزيها، والله تعالى أعلم. # * * * PageV02P627 ### ||| AUTO الحديث الخامس # عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: ما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~صلاة بعد أن نزلت عليه: {إذا جاء نصر الله والفتح} [النصر: 1] إلا يقول ~~فيها: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي" (¬1)، وفي لفظ: كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم ربنا ~~وبحمدك، اللهم اغفر لي" (¬2). # في لفظ الحديث أولا ما يصرح بالمبادرة إلى امتثال الأمر في قوله: "سبحانك ~~اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي"، مع ما جاء في بعض الحديث في "الصحيح" من ~~قول عائشة: يتأول القرآن (¬3)، وذلك يشعر بأنه يفعل ما أمر به فيه، فإن كان ~~الفتح ودخول الناس في دين الله حاصلا، فكيف يكون القول امتثالا للأمر ~~الوارد، ولم يوجد شرط الأمر؟ وإن لم يكن حاصلا، وهو المختار على مقتضى ~~اللفظ، فيكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قد بادر إلى الفعل المأمور به ~~قبل وقوع الزمن الذي تعلق به الأمر فيه إذ ذاك عبادة وطاعة لا تختص بوقت ~~معين، فإذا وقع الشرط، كان الواقع من هذا القول بعد وقوعه واقعا على حسب ~~الامتثال، وقبل وقوع الشرط واقعا على حسب التبرع، وليس في قول عائشة - رضي ~~الله عنها -: يتأول القرآن، ما يقتضي، ولا بد أن يكون جميع قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - واقعا على جهة الامتثال للمأمور حتى يكون دالا على وقوع الشرط، ~~بل مقتضاه أنه يفعل تأويل ms0400 القرآن وما دل عليه لفظه فقط، وجاز أن يكون بعض ~~هذا القول فعلا لطاعة مبتدأة، وبعضه امتثالا للأمر. # وفي لفظه ثانيا ما يقتضي جواز الدعاء في الركوع، ولا تعارض بين ذلك PageV02P628 # وبين قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما ~~السجود، فاجتهدوا فيه في الدعاء" (¬1)؛ فإنه دال على الأولوية من تعظيم ~~الرب -سبحانه وتعالى- في الركوع، والأولوية لا يخالف الجواز من الدعاء فيه، ~~كيف ولم ينه عنه فيه، بل فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه، وأمر ~~بالاجتهاد في السجود من الدعاء من غير منع من التسبيح، فيقتضي ذلك جميعه أن ~~تكون الكثرة للتعظيم في الركوع، لا منع الدعاء، والكثرة للدعاء في السجود ~~لا منع التنزيه، وإن كان السؤال والدعاء يدل على التنزيه والتعظيم، مع أن ~~في حديث عائشة - رضي الله عنها - لفظ (إذا)، وهي تقتضي الاستقبال وعدم حصول ~~الشرط حينئذ، لكنها لا تدخل إلا على ما يتحقق وقوعه، بخلاف (إن)؛ فإنها ~~تدخل على المشكوك في وقوعه، ولهذا إذا قال لزوجته: إذا دخلت الدار فأنت ~~طالق، لم يكن حلفا؛ لأنه غير محقق الوقوع، فلا يصح دخولها على الدخول ~~للدار، ولو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، كان حلفا؛ لكونه مشكوكا فيه غير ~~محقق الوقوع، لكنه إذا وجد المعلق عليه فيهما، وقع الطلاق؛ لوجود الصفة، ~~وقد ولدوا في (إذا) وجها في عدم الوقوع في قوله: إذا حلفت بطلاقك فأنت ~~طالق، فقال: إذا دخلت الدار، فأنت طالق، ثم دخلت، قالوا: لأنه لا يسمى حلفا ~~عرفا، وإن كان وضعهما لغة كما ذكرنا، فلا يكون حلفا في (إذا)، ويكون حلفا ~~في (إن)، فلما كانت (إذا) لا تدخل إلا على ما يتحقق وقوعه، عامله معاملة ~~الحاضر، فبادر إلى امتثال الأمر، فقول عائشة - رضي الله عنها -: "ما صلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة بعد أن نزلت: إذا جاء نصر الله ~~والفتح"، يقتضي تعجيل القول لتحقق وقوعهما، وقرب الصلاة عقب نزول الآية، ~~والمراد بالفتح فتح مكة، وأما دخول الناس في دين الله ms0401 أفواجا، فتحتاج إلى ~~مدة أوسع من المدة التي بين الصلاة الأولى ونزول الآية والفتح، والله أعلم. PageV02P629 # وقوله: "سبحانك اللهم" سبحانك: منصوب على المصدر، قال أهل العربية ~~وغيرهم: التسبيح: التنزيه، يقال: سبحت الله تسبيحا وسبحانا، ومعناه براءة ~~وتنزيه له من كل نقص وصفة لمحدث (¬1). # وقوله: "وبحمدك" سبحتك، ومعناه: وبتوفيقك لي وهدايتك وفضلك علي سبحتك، لا ~~بحولي وقوتي، ففي ذلك شكر لله تعالى على هذه النعمة، والاعتراف بها، ~~والتفويض إلى الله تعالى، وأن كل الأفعال له سبحانه ملكا واستحقاقا، وقوله ~~في الآية الكريمة: {فسبح بحمد ربك} [النصر: 3]، فيه وجهان: # أحدهما: المراد بالأمر: التسبيح بنفس الحمد؛ لتضمن الحمد معنى التسبيح ~~الذي هو التنزيه؛ لاقتضاء الحمد نسبة الأفعال المحمود عليها إلى الله تعالى ~~وحده، وفي ذلك نفي التزكية. # والثاني: المراد: التباس فسبح بالحمد، فتكون الباء في (وبحمدك) دالة على ~~الحال، وهذا هو الراجح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سبح وحمد بقوله: ~~"سبحانك وبحمدك"، وعلى مقتضى الوجه الأول كان يكتفي بالحمد فقط، لكن تسبيح ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - دليل على ترجيح المعنى الثاني، ويكون معناه: ~~بحمدك سبحت، فيكون الحمد سببا للتنزيه بسبحان، ويكون معناه التوفيق ~~والهداية، والاعتقاد معناه، وهذا كما قالت عائشة - رضي الله عنها -: لما ~~نزلت براءتها للنبي - صلى الله عليه وسلم -: بحمد الله لا بحمدك، كما ثبت ~~في "الصحيح" (¬2)؛ أي: وقع هذا بسبب حمد الله؛ أي: بتفضله وإحسانه وعطائه؛ ~~قإن الفضل والإحسان سبب الحمد، فيعبر عنهما به. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم اغفر لي" امتثال لقوله تعالى: ~~{واستغفره إنه كان PageV02P630 # توابا} بعد امتثال قوله: {إذا جاء نصر الله والفتح (1) ورأيت الناس ~~يدخلون في دين الله أفواجا (2) فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا}، ~~وسؤال المغفرة هنا، مع أنه - صلى الله عليه وسلم - مغفور له، هو من باب ~~العبودية والإذعان والافتقار إلى الله -سبحانه وتعالى- والله أعلم. # * * * PageV02P631 ### || AUTO باب الوتر ### ||| AUTO الحديث الأول # عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: سأل رجل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وهو على المنبر: ما ms0402 ترى في صلاة الليل؟ قال: "مثنى مثنى، فإذا خشي ~~الصبح، صلى واحدة، فأوترت له ما صلى"، وأنه كان يقول: "اجعلوا آخر صلاتكم ~~بالليل وترا" (¬1). # أما ابن عمر، فتقدم الكلام عليه. # وأما الرجل السائل، فلا أعلم اسمه بعد الكشف عليه. # وأما المنبر: فهو مأخوذ من النبر، وهو الارتفاع. # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة الليل مثنى مثنى"، فهكذا هو في ~~"صحيح البخاري ومسلم". # وقد تمسك به مالك - رحمه الله - في أنه لا يزاد في صلاة النفل على ~~ركعتين، سواء كان بالليل أو النهار، وبه قال الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة ~~- رحمه الله -: صلاة نفل الليل مثنى مثنى، وأما نفل النهار، فرباع؛ حيث إن ~~صلاة النهار، وهي الظهر والعصر، رباعيتان، فنفله كفرضه، وأما الليل، فصلاته PageV02P632 # فرضا ثلاثية ورباعية، وقد نص الشارع على أن نفله مثنى، فلا يتعدى. # أجاب الأولون والجمهور بأنه صح بالإسناد الصحيح الذي أجاب البخاري بصحته، ~~وهو في "سنن أبي داود والترمذي": أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"صلاة الليل مثنى مثنى" (¬1)، لكن ظاهر لفظ الحديث في "الصحيحين" يقتضي حصر ~~صلاة الليل فيما هو مثنى، وبعد ثبوت لفظ النهار، ارتفع الحصر في الليل، ~~واقتضى أن حكم النهار كالليل في كون صلاة نفله مثنى، وهو المقصود؛ إذ ذلك ~~ينافي الزيادة؛ لأنه لو جازت الزيادة، لما انحصرت صلاة الليل والنهار في ~~المثنى، لكن الشافعي حمل ذلك على الأفضل والأولى، وهو أن يسلم من كل ~~ركعتين، فلو جمع ركعات بتسليمة واحدة، أو تطوع بركعة واحدة، جاز، وذكر بعض ~~أصحاب الشافعي أنه لو تطوع بأزيد من ركعتين شفعا أو وترا، فلا يزيد على ~~تشهدين، ثم إن كان المتنفل به شفعا، فلا يزيد بين تشهدين على ركعتين، وإن ~~كان وترا، فلا يزيد بينهما على ركعة، فعلى هذا إذا تنفل بعشر ركعات مثلا، ~~جلس بعد الثامنة، ولا يجلس بعد السابعة، ولا ما قبلها؛ لأنه يكون قد زاد ~~على ركعتين بين التشهدين، وإن تنفل بتسع أو بسبع مثلا، فلا يزيد بين ~~التشهدين على ركعة، فيجلس ms0403 بعد الثامنة في التسع، وبعد السادسة في السبع، ثم ~~يصلي الركعة، ثم يجلس، ولو اقتصر على جلوس واحد في ذلك كله، جاز، وإنما ~~حمله على ما ذكر أن النوافل تبع للفرائض، وهي شبهها، والفريضة الوتر للنهار ~~في المغرب، وليس بين التشهدين فيها إلا ركعة واحدة، والفرائض الشفع ليس بين ~~التشهدين فيها أكثر من ركعتين، وليس بمتفق على ذلك عند أصحاب الشافعي، وقد ~~صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الضحى يوم الفتح ثمان ركعات، ~~سلم من كل ركعتين، وكل واحدة من صلاة العيد والاستسقاء ركعتان، وهذه كلها ~~من صلاة النهار، والله أعلم. PageV02P633 # ثم لفظ الحديث كما اقتضى ظاهره عدم الزيادة على مثنى، وكذلك يقتضي عدم ~~النقصان منهما، وقد اختلفوا في ذلك، فقال الشافعي وطائفة: يجوز التنفل ~~بركعة، وقال أبو حنيفة: لا يجوز؛ لظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة ~~الليل والنهار مثنى مثنى" وهذا أولى من الاستدلال بأنه لو كانت الركعة ~~الفردة صلاة، لما امتنع قصر صلاة الصبح والمغرب، فإنه ضعيف، ثم قوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "صلاة الليل مثنى"، مع قوله: "فإذا خشي الصبح أوتر بركعة ~~واحدة توتر له ما صلى"، يقتضي تقديم شفع على الوتر، فلو أوتر بعد صلاة ~~العشاء من غير شفع، لم يكن آتيا بالسنة، وظاهر مذهب مالك - رحمه الله - لا ~~يوتر بركعة فردة هكذا من غير حاجة، وقال أبو حنيفة: لا يجوز الوتر بأقل من ~~ثلاث ركعات، ثم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإذا خشي الصبح، أوتر ~~بواحدة" يقتضي انتهاء وقت الوتر إلى طلوع الفجر الثاني يخرج بطلوعه، وهو ~~المشهور في مذهب الشافعي، وهو قول جمهور العلماء، ولأصحاب الشافعي وجه أنه ~~يمتد بعد طلوع الفجر حتى يصلي الصبح. # ثم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا" يقتضي ~~أن يكون الوتر آخر صلاة الليل؛ لأنه أمر أن يجعله آخر صلاته بالليل، ولم ~~يقل أحد بوجوبه فيما أعلم، بل ذهب ذاهب إلى وجوب أصل الوتر، وجعل من جملة ~~ما استدل به على وجوبه ms0404 هذا الحديث، وليس فيه دليل، بل إن أراد الاستدلال ~~بأن يحمل الصيغة على الندب، فلا يستقيم له أيضا؛ لما يلزم منه من الجمع بين ~~الحقيقة والمجاز في لفظة واحدة، ومذهب هذا الذاهب يمنعه، ولا يرى ندبية ~~الوتر، فلا يستقيم له الاستدلال به على الوجوب، ثم جعل الوتر آخر صلاة ~~الليل هو الأفضل؛ لأنه الغالب من فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وقوله، فلو أوتر ثم أراد التنفل، فهل يشفع وتره بركعة أخرى، ثم يتنفل بما ~~شاء من صلاته؛ فيه وجهان لأصحاب الشافعي، وإذا لم يشفعه بركعة، وصلى، فهل ~~يعيد الوتر أخيرا؛ فيه خلاف للمالكية والشافعية، ولا شك أن هذا الحديث ~~يقتضي ظاهره إعادته، لكنه يتوقف على ألا يكون قبله وتر؛ لما جاء من الحديث ~~الآخر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: PageV02P634 # "لا وتران في ليلة" رواه أبو داود، والنسائي، والترمذي، وقال: حسن، وابن ~~خزيمة في "صحيحه" (¬1)، فيلزم من الأمر بجعله آخر الصلاة، ومن قوله: "لا ~~وتران في ليلة" يشفع الوتر الأول، وإن لم يشفعه، أعاد الوترين في ليلة، وإن ~~لم يعد الوتر، لم يكن آخر صلاة الليل وترا، ومن قال: لا يشفع ولا يعيد ~~الوتر، منع أن ينعطف حكم صلاة على أخرى بعد السلام والحديث، وطول الفصل إن ~~وقع ذلك، فإذا لم يجتمعا، والحقيقة أنهما وتران، ولا وتران في ليلة، فامتنع ~~الشفع، وامتنع إعادة الوتر أخيرا، ولم يبق إلا مخالفة ظاهر قوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا"، وهو محمول على الاستحباب، ~~كما أن الأمر بأصل الوتر كذلك، وترك المستحب أولى من ارتكاب المكروه، ومن ~~قال بإعادة الوتر، فهو -أيضا- مانع من شفع الوتر الأول محافظة على قوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا"، ويحتاج إلى ~~الاعتذار عن قوله: "لا وتران في ليلة"، وقد ينبني الكلام في ذلك على مسألة، ~~وهي أن التنفل بركعة فردة هل يشرع في غير المنصوص عليه؟ وفيه خلاف، فليتأمل ذلك. # وقد رتب الشافعي -رحمه الله تعالى- على هذا المعنى ms0405 مسألة، وهي أنه لو نذر ~~صلاة، هل يلزمه ركعتان، أو ركعة؟ إن نظرنا إلى واجب الشرع فيه، وهو الصحيح، ~~لزمه ركعتان، وإن نظرنا إلى جائزه، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"الوتر ركعة من آخر الليل" (¬2)، لزمه ركعة، والله أعلم. # وأبو حنيفة - رحمه الله - يخالف في أن الوتر ركعة، وفي أنه لا يجوز ~~التنفل بركعة، قال: إنه ليس في الفرائض صلاة ركعة، فلتكن النوافل كذلك، لكن PageV02P635 # الحديث الصحيح يدل على أن الوتر ركعة من آخر الليل، رواه مسلم في ~~"صحيحه"، وغيره، وقد روى أبو داود، والنسائي، وابن ماجه بإسناد حسن صحيح من ~~حديث أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "الوتر حق على كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بخمس، فليفعل، ومن ~~أحب أن يوتر بثلاث، فليفعل، ومن أراد أن يوتر بواحدة، فليفعل" (¬1)، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: من كل الليل أوتر رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -؛ من أول الليل، وأوسطه، وآخره، فانتهى وتره إلى السحر (¬2). # تقدم ذكر عائشة - رضي الله عنها -. # السحر: هو وقت قبل انفجار الصبح قريب منه. # واعلم أن الليل اسم لجميع الوقت؛ من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الثاني، ~~وقد اختلف علماء السلف ما بين طلوع الفجر الثاني وطلوع الشمس، هل هو من ~~النهار، أم من الليل، أم هو وقت مستقل لا من هذا، ولا هذا؟ وهذا الحديث يدل ~~ظاهره على أنه ليس من الليل؛ لأنه جعل كل الليل وقتا للوتر، وجعل نهاية ~~الوتر الذي كل الليل وقته السحر أو الفجر، فدل على أن ما بعده ليس من ~~الليل، ولا شك أن أول وقت الوتر لا يدخل فيه ما بين غروب الشمس ووقت العشاء ~~اتفاقا، مع أنه داخل في قولها: من كل الليل أوتر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -؛ PageV02P636 # من أوله، والصحيح من مذهب الشافعي وأصحابه أنه لا يدخل وقته إلا بفراغ ~~المصلي من صلاة العشاء، وفي وجه: يدخل وقته بدخول وقت ms0406 العشاء، وفي وجه: لا ~~يصح الإيتار بركعة إلا بعد نفل بعد العشاء، وأما آخر وقته، فيمتد إلى آخر ~~طلوع الفجر الثاني، وقيل: يمتد إلى صلاة الصبح، وقيل: يمتد إلى طلوع الشمس، ~~والأحاديث الصحيحة تدل للأول والثاني؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يصلي الصبح عقب طلوع الفجر الثاني بيسير، فعبر في بعض الأحاديث بفعل الصبح ~~عن طلوع الفجر؛ لقربه منه، واتفق العلماء على جواز فعله في جميع ما بين أول ~~وقته وآخره، لكنهم اختلفوا في أن الأفضل تقديمه في أول الليل، أو تأخيره ~~إلى آخره، ولا شك أن ذلك يختلف باختلاف الحالات، وطرآن الحاجات، وخصوصية ~~الأوقات، فمن وثق أن يقوم آخر الليل، فلا شك أنه أفضل؛ لقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "فإن صلاة آخر الليل مشهودة" (¬1)، وذلك أفضل؛ ومعناه تشهده ~~ملائكة الرحمة، ومن لا يثق بذلك، فالتقديم له أفضل؛ لحديث أبي هريرة وغيره ~~في "الصحيح": "أوصاني خليلي - صلى الله عليه وسلم - ألا أنام إلا على وتر" (¬2). # ولا شك أن آخر الليل أفضل من أوله وأوسطه، وفيما بين نصفه الأول وسدسه ~~الآخر أفضل من الأول والآخر، وحكى بعض العلماء عن أصحاب الشافعي وجهين ~~مطلقا في أن الأفضل الوتر أول الليل وآخره، والصواب فيه التفصيل الذي ~~ذكرناه، وإذا نظرنا إلى آخر الليل من حيث هو، كان فعل الوتر فيه أفضل، فإذا ~~عارضه احتمال تفويته، قدمناه على فوات الفضيلة، وهذه قاعدة كبيرة تدخل ~~تحتها مسائل كثيرة، من جملتها: إذا كان عادما للماء، ويرجو وجوده آخر ~~الوقت، فهل بقدم التيمم أول الوقت إحرازا لتحقق الفضيلة أوله، أم يؤخره ~~إحرازا للوضوء؟ # فيه قولان للشافعي، المختار: تقديم الصلاة بالتيمم أول الوقت، وهكذا كل PageV02P637 # فضيلة كانت في ذات العبادة ينبغي مراعاتها وتقديمها على كل فضيلة خارجة ~~عنها، فالطواف قرب البيت أفضل من البعد عنه، فإذا عارضه ما يمنع من الإتيان ~~به في ذاته على الوجه المشروع، كان البعد عنه أفضل؛ محافظة على المطلوب في ~~ذات الطواف، ولا شك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل الوتر أول ms0407 الليل ~~وآخره كما في الحديث الصحيح في الكتاب، وأقر أبا بكر على فعله أوله، وعمر ~~على فعله آخره، وقال - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر: "أخذ هذا بالحذر"، ~~وقال لعمر: "أخذ هذا بالقوة" بعد سؤاله - صلى الله عليه وسلم - لكل واحد ~~منهما: "متى توتر؟ " (¬1). # وليس للوتر وقت لا يجوز فيه، ولا يكره في الوقت المحدود له في الليل، لكن ~~فعل الصحابة منزل على ما ذكرناه أولا من الحكم والتعليل، والله أعلم. # واعلم أن حكم قيام رمضان المسمى بالتراويح في وقته حكم وقت الوتر، لا ~~أعلم في ذلك خلافا، وأما ما يفعله كثير من الأئمة للمساجد بالديار المصرية ~~في حضرها وريفها من صلاتهم لها بين المغرب والعشاء، والوتر بعدها قبل فعل ~~العشاء، فلا يجوز ذلك، ولا يحصل لهم فضيلة قيام رمضان ووتره، وهل يحصل لهم ~~فضيلة نفل مطلق؟ فيه نظر إذا أتوا بذلك على الوجه المأمور به فيه، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شيء إلا في ~~آخرها (¬2). # اعلم أن لفظة (كان) فعل ماض يدل على وقوع الفعل مرة واحدة من حيث PageV02P638 # وضعها لا يلزم منه الدوام ولا التكرار، وهو المختار الذي عليه الأكثرون ~~والمحققون من الأصوليين، فإن دل دليل على التكرار أو الدوام، يعمل به، ولا ~~شك أنه ثبت في "الصحيح" أن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كنت أطيب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لحله قبل أن يطوف بالبيت (¬1)، ومعلوم أنه - ~~صلى الله عليه وسلم - لم يحج بعد أن صحبته عائشة إلا حجة واحدة، وهي حجة ~~الوداع، فقد استعملت (كان) في المرة الواحدة، ولا يقال: لعلها طيبته لحله ~~قبل أن يطوف بالبيت في العمرة أيضا، فاقتضت التكرار؛ لأن المعتمر لا يحل له ~~الطيب قبل الطواف بالإجماع، فثبت استعمالها (لكان) في المرة الواحدة، كما ~~قاله الأصوليون، إذا ثبت هذا، فقولها: كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ms0408 ركعة، ~~مع ما ثبت في "الصحيح" عنها: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقوم بتسع ~~ركعات (¬2)، كان يقوم بإحدى عشرة ركعة منهن الوتر، يسلم من كل ركعتين (¬3)، ~~وكان يركع ركعتي الفجر إذا جاء المؤذن (¬4)، وعنها: كان يقوم بثلاث عشرة ~~بركعتي الفجر (¬5)، وعنها: كان لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ~~ركعة (¬6)، أربعا وأربعا وثلاثا، وعنها: كان يصلي ثلاث عشرة: ثمانيا، ثم ~~يوتر، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، ثم يصلي ركعتي الفجر (¬7)، وقد فسرتها في ~~الحديث الآخر: منها ركعتا الفجر، وعنها في PageV02P639 # البخاري: أن صلاته من الليل سبع أو تسع (¬1)، يقتضي كل ذلك عدم التكرار ~~والدوام، وذكر البخاري ومسلم من حديث ابن عباس: أن صلاته بالليل ثلاث عشرة ~~ركعة، وركعتين بعد الفجر سنة الفجر (¬2)، وفي حديث زيد بن خالد: أنه - صلى ~~الله عليه وسلم - صلى ركعتين خفيفتين، ثم طويلتين، وذكر الحديث، وقال في ~~آخره: فتلك ثلاث عشرة (¬3). # قال القاضي عياض- رحمه الله - (¬4): قال العلماء: في هذه الأحاديث إخبار ~~كل واحد من ابن عباس وزيد وعائشة بما شاهد، واختلف في أحاديث عائشة، ~~واختلافها، فقيل: هو منها، وقيل: من الرواة عنها، فيحتمل أن إخبارها بإحدى ~~عشرة هو الأغلب، وباقي رواياتها بما كان يقع نادرا في بعض الأوقات، فأكثره ~~خمس عشرة بركعتي الفجر، وأقله سبع، وذلك بحسب ما كان يحصل؛ من اتساع الوقت ~~أو ضيقه بطول قراءة، كما جاء في حديث حذيفة وابن مسعود، أو لنوم، أو لعذر ~~من مرض أو غيره، أو عند كبر السنن كما قالت عائشة: "فلما أسن، صلى سبع ~~ركعات" (¬5)، أو تارة بعد الركعتين الخفيفتين في أول قيام الليل كما رواها ~~زيد بن خالد (¬6)، وروتها عائشة في "صحيح مسلم" (¬7) بعد ركعتي الفجر تارة، ~~وبحذفهما أخرى، وقد تكون عدت راتبة العشاء مع ذلك تارة وحذفها أخرى، قال ~~القاضي: ولا خلاف أنه ليس في ذلك حد لا يزاد عليه ولا ينقص منه، وأن صلاة ~~الليل من الطاعات التي كلما زيدت، زاد الأجر، PageV02P640 # وإنما الخلاف في فعل النبي - صلى الله عليه ms0409 وسلم -، وما اختار لنفسه، ~~والله أعلم. # وقولها: "يوتر من ذلك بخمس لا يجلس إلا في آخرها" قد تقدم أن قوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "صلاة الليل مثنى مثنى" دال ظاهرا على الحصر في صلاة ~~النفل ليلا، وكأنه صارت المثبوتة لها صفة، إلا ما خرج بدليل؛ بحيث لا يجوز ~~الزيادة على ركعتين إلا بسلام، وهذا الفعل منه - صلى الله عليه وسلم - يدل ~~على الجواز، فيقتضي التعارض بينهما، فلا بد من الموازنة بينهما، فنقول: ~~دلالة الفعل على الجواز يتطرق إليها الخصوص، وهو بعيد لا يصار إليه إلا ~~بدليل، فتبقى دلالة الفعل على الجواز معارضة لدلالة اللفظ على الحصر، ~~ودلالة الفعل على الجواز قوية، فيبقى نظر آخر، وهو أن الأحاديث دلت على ~~أعداد مخصوصة، فإذا جمعنا ونظرنا أكثرها فما زاد عليه، وقلنا بجوازه، كان ~~قولا بالجواز مع اقتضاء الدليل منعه من غير معارضة الفعل له. # ولقائل أن يقول: نعمل دليل المنع حيث لا معارض لها من الفعل، إلا أن يصد ~~عن ذلك إجماع، أو يقام دليل على أن الأعداد المخصوصة ملغاة عن الاعتبار، ~~ويكون الحكم الذي دل عليه الحديث مطلق الزيادة، وفيها هنا أمران: # أحدهما: أن نقول: مقادير العبادات يغلب عليها التعبد، فلا يجزم بأن ~~المقصود لا يتعلق بالعدد، وأن المقصود مطلق الزيادة. # الثاني: أن نقول: المانع المحتمل هو الزيادة على مقدار ركعتين، وقد ألغي ~~بهذه الأحاديث، وقد تقدم أنه لا خلاف في جواز الزيادة على العدد المنقول ~~عنه - صلى الله عليه وسلم -، وإنما الخلاف في صفته واختياره لنفسه - صلى ~~الله عليه وسلم -، والله أعلم. # * * * PageV02P641 ### || AUTO باب الذكر عقيب الصلاة # قوله: عقيب -بالياء- لغة شاذة في عقب الشيء -بلا ياء-، وهي الفصيحة ~~المعروفة، ومعناها: بعد الشيء. # * * * ### ||| AUTO الحديث الأول # عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-: أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف ~~الناس من المكتوبة، كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال ابن ~~عباس: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته (¬1)، وفي لفظ: ما كنا نعرف ~~انقضاء صلاة رسول الله ms0410 - صلى الله عليه وسلم - إلا بالتكبير (¬2). # تقدم ذكر ابن عباس. # وهذان الحديثان مرفوعان إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحكم؛ ~~لتقرير النبي - صلى الله عليه وسلم - للذكر برفع الصوت من غير نكير منه؛ ~~لأن هذه الحالة تدل على علمه بها، فيدل ذلك على شرعيته واستحبابه، وتأكيد ~~التكبير من الذكر، وقد قال ذلك من الاستحباب PageV02P642 # برفع الصوت عقب المكتوبة من المالكية: ابن حبيب في "الواضحة" (¬1)، قال: ~~كانوا يستحبون التكبير في العساكر، والبعوث إثر صلاة الصبح والعشاء تكبيرا ~~غالبا ثلاث مرات، وهو قديم من شأن الناس، وعن مالك: أنه محدث، وقد استحبه ~~جماعة من السلف، واستحبه من المتأخرين ابن حزم الظاهري وغيره. # وقال الطبري: في هذا الحديث الإبانة عن صحة فعل من كان يفعل ذلك من ~~الأمراء، يكبر بعد صلاته، ويكبر من خلفه. # وقال غيره: ولم يقل أحد من أصحاب المذاهب المتبوعة، وكلهم متفقون على عدم ~~استحباب رفع الصوت بالذكر والتكبير، وحمل الشافعي هذا الحديث على أنه - صلى ~~الله عليه وسلم - جهر وقتا يسيرا حتى يعلمهم صفة الذكر، لا أنهم جهروا ~~دائما، قال: فأختار للإمام والمأموم أن يذكرا الله تعالى بعد صلاته ويكبر ~~من خلفه، وقال غيره: ولم يقل به] (¬2) الفراغ من الصلاة، ويخفيان ذلك، إلا ~~أن يكون إماما يريد أن يتعلم منه، فيجهر حتى يعلم أنه قد تعلم منه ثم يسر، ~~وحمل الحديث على هذا. # ولا شك أن الذي حمل الشافعي - رحمه الله - على اختيار إخفاء الذكر عقيب ~~الصلاة إلا أن يكون له مقصود شرعي في الجهر؛ للنقل والعقل، أما النقل، ~~فحديث روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "خير الذكر الخفي" (¬3)، ~~وهو حديث غير ثابت، وأما العقل، فإن الإخفاء أبعد من الرياء ونحوه، أما إذا ~~كان صادقا مع الله تعالى، ولم يكن متعديا برفع صوته؛ بأن كان مذكرا به أو ~~معلما، أو كان يجتمع قلبه وبدنه عليه وعلى تدبره، أو كان إظهار شعائر الدين ~~برفع صوته به، فهو PageV02P643 # أفضل، وهذا الحديث محمول على ذلك، والله أعلم. # وقول ابن ms0411 عباس: "كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته" ظاهره أنه لم يكن ~~يحضر الصلاة في الجماعة في بعض الأوقات؛ لصغره، وقد ذكر بعض المصنفين في ~~كتاب "ما العوام عليه موافقون للسنة والصواب دون الفقهاء". # وذكر مسائل: # منها: رفع الصوت بالذكر عقيب الصلوات، وهذان الحديثان يدلان على صحة ~~قوله، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن وراد مولى المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- قال: أملى على المغيرة بن ~~شعبة -رضي الله عنه- في كتاب إلى معاوية: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له ~~الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي ~~لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد"، ثم وفدت بعد على معاوية، فسمعته ~~يأمر الناس بذلك (¬1). # وفي لفظ: كان ينهى عن قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال، وكان ينهى ~~عن عقوق الأمهات ووأد البنات ومنع وهات (¬2). # أما المغيرة بن شعبة، فتقدم ذكره في باب المسح على الخفين. # وأما وراد: فهو كاتب المغيرة بن شعبة ومولاه، وهو ثقفي، كوفي، كنيته: أبو ~~سعيد، ويقال: أبو الوراد، تابعي ثقة، روى له البخاري ومسلم وأصحاب PageV02P644 # السنن والمساند، وروى عنه جماعة من التابعين الصغار (¬1). # وأما معاوية: فهو ابن أبي سفيان، وهو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن ~~عبد مناف، كنيته أبو عبد الرحمن، وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، ~~كان هو وأبوه وأخوه يزيد بن أبي سفيان من مسلمة الفتح، وروي عن معاوية أنه ~~قال: أسلمت في عمرة القضية، ولكني [كنت] أخاف أن أخرج، وكانت أمي تقول: إن ~~خرجت، قطعت عنك القوت. # وأما أبوه صخر، فذكر ابن قتيبة: أن عينيه ذهبت إحداهما يوم الطائف، ~~والأخرى يوم اليرموك، ومات في خلافة عثمان أعمى. # وهو أول من عمل المقصورة سنة أربع وأربعين بجامع دمشق والجوامع، وأول من ~~بلغ درجات المنبر خمس عشرة مرقاة، وأول من جعل ابنه ولي العهد خليفة ms0412 بعده ~~في صحته، وأول من جعل على رأسه حرسا، وأول من قيدت بين يديه الجنائب، وأول ~~من اتخذ الخصيان في الإسلام، وأول من قتل مسلما صبرا؛ حجرا وأصحابه، وكان ~~يقول: أنا أول الملوك (¬2)، وولاه عمر -رضي الله عنه- الشام بعد موت أخيه ~~يزيد، وكان معاوية أحد كتاب الوحي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وحضر ~~غزوة قيسارية مع أخيه يزيد، واستخلفه على غزوها حين سار إلى دمشق، ولم يزل ~~معاوية عليها حتى فتحها، وقد قيل: إن فتحها كان في سنة تسع عشرة في خلافة ~~عمر - رضي الله عنه -، وفي ذي الحجة منها توفي يزيد بن أبي سفيان في دمشق، ~~وولي معاوية بعده، وجزع عمر على يزيد جزعا شديدا، وكتب بالولاية بعده ~~لمعاوية، فأقام أربع سنين، فأقره عثمان عليها اثنتي عشرة سنة إلى أن مات، ~~ثم كانت الفتنة بينه وبين علي - رضي الله عنه -، فحاربه PageV02P645 # معاوية أربع سنين، على الصواب، وقيل: خمس سنين، ولما دخل عمر الشام، وشهد ~~فتح بيت المقدس حين دخوله الشام سنة ست عشرة -وكان فتحها صلحا- رأى معاوية ~~في موكب عظيم، فلما دنا منه قال: أنت صاحب الموكب العظيم؟ قال: نعم يا أمير ~~المؤمنين، قال: ما يبلغني من وقوف ذوي الحاجات ببابك!، قال: ما يبلغك من ~~ذلك، قال: ولم تفعل هذا؟ قال: نحن بأرض جواسيس العدو، وبها كثير، فيجب أن ~~نظهر فيها من السلطان ما يرهبهم، فإن أمرتني، فعلت، وإن نهيتني انتهيت، ~~فقال عمر: يا معاوية! ما نسألك عن شيء إلا تركتني في مثل رواجب الضرس، لئن ~~كان ما قلت حقا، إنه لرأي أريب، وإن كان باطلا، إنها لخدعة أديب، قال: ~~فمرني يا أمير المؤمنين، قال: لا آمرك ولا أنهاك، فقال عمرو ابن العاص: يا ~~أمير المؤمنين! ما أحسن ما صدر الفتى عما أوردته فيه! قال: لحسن مصادره ~~وموارده جشمناه ما جشمناه (¬1)، وذم معاوية عند عمر - رضي الله عنه - قوم، ~~فقال: دعونا من ذم فتى قريش، من يضحك في الغضب لا ينال ما عنده إلا على ~~الرضا، ولا يوجد ms0413 ما فوق رأسه إلا من تحت قدميه (¬2). # وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: ما رأيت بعد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أسود من معاوية، فقيل له: ولا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي؟ فقال: ~~كانوا -والله- خيرا من معاوية، وأفضل، وكان معاوية أسود منهم (¬3). # وقيل لنافع: ما لابن عمر بايع معاوية ولم يبايع عليا؟ فقال: كان ابن عمر ~~لا يضع يدا في فرقة، ولا يمنعها من جماعة، ولم يبايع معاوية حتى اجتمع ~~عليه. PageV02P646 # قال أبو عمر بن عبد البر: كان معاوية - رضي الله عنه - أميرا بالشام نحو ~~عشرين سنة، وخليفة مثل ذلك؛ كان من خلافة عمر نحوا من أربعة أعوام، وخلافة ~~عثمان كلها اثنتي عشرة سنة، وبايع له أهل الشام خاصة بالخلافة سنة ثمان أو ~~تسع وثلاثين، واجتمع الناس عليه حين بايع له الحسن بن علي وجماعة ممن معه، ~~وذلك في ربيع أو جمادى سنة إحدى وأربعين، فسمي عام الجماعة. # وقال أبو بشر الدولابي: وبويع له في ذي الحجة سنة أربعين ببيت المقدس، ~~وكانت خلافته تسع عشرة سنة، وتسعة أشهر، وثمانية وعشرين يوما. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مئة حديث، وثلاثة وستون ~~حديثا، اتفق البخاري ومسلم على أربعة أحاديث، وانفرد البخاري بمثلها، ومسلم بخمسة. # وروى عنه من الصحابة: عبد الله بن عباس، وأبو سعيد الخدري، والسائب بن ~~يزيد، وأبو أمامة بن سهل بن حنيف، وجماعة من التابعين، وروى له -أيضا- ~~أصحاب السنن والمسانيد، ومات في رجب سنة ستين بدمشق ابن ثمان وسبعين سنة، ~~وقيل: ابن ست وثمانين، واختلف في يوم وفاته، وفي سنتها، والمشهور ما ذكرنا، ~~وقال القضاعي محمد بن سلامة بن جعفر: وتوفي بدمشق مستهل رجب، وقيل: للنصف ~~سنة ستين بدمشق، ابن ثمان وسبعين سنة، وقيل: ابن ست وثمانين، واختلف في يوم ~~وفاته، وفي سنتها، والمشهور ما ذكرناه. # وصلى عليه ابنه يزيد، وقيل: إن ابنه كان غائبا، فصلى عليه الضحاك ابن ~~قيس، ودفن بين باب الجابية وباب الصغير، ورأيت بخط بعض علماء وقتنا المتأخر ~~في جواب ms0414 فتيا له: أن معاوية مات بدمشق، ودفن تحت حائط جامعها في قبلته في ~~الموضع الذي يسمى بقبر هود - صلى الله عليه وسلم -، وأخفي قبره كما أخفي ~~قبر علي بالعراق خشية عليه، وما أعلم من أين أخذ هذا، ثم وجدت معنى ما أفتى ~~به في جزء مخرج عن أبي الفتح محمد بن هارون بن نصر بن السدي، وأنه دفن أولا PageV02P647 # بمقبرة باب الصغير، ثم نقل إلى المكان المذكور، وكان مشهورا، ثم بني ~~الجامع بعد ذلك، ثم لعله أخفي بعد ذلك، والله أعلم. # ولا شك أن هودا - صلى الله عليه وسلم - لم يقدم الشام فيما ذكره ~~المؤرخون، وإنما كان بحضرموت، ومات بها، وقيل: قدم مكة، ومات بها، ودفن، ~~والله أعلم. # ولما حضرت معاوية الوفاة، وثقل في مرضه، وكان ابنه يزيد غائبا، كتب إلى ~~ابنه بحاله؛ فيما ذكر محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: سمعت الشافعي ~~يقول ذلك، وأنشد ابنه يزيد أبياتا مشهورة لما أتاه الرسول بذلك، فلما وصل ~~إليه ابنه وجده مغمورا، فأفاق معاوية فقال: يا بني! إني صحبت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، فخرج لحاجة، فاتبعته بإداوة، فكساني أحد ثوبيه الذي ~~يلي جلده، فخبأته لهذا اليوم، وأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - من أظفاره ~~وشعره ذات يوم، فأخذته وخبأته لهذا اليوم، فإذا أنا مت، فاجعل ذلك القميص ~~دون كفني مما يلي جلدي، وخذ ذلك الشعر والأظفار فاجعله في فمي وعلى عيني ~~ومواضع السجود مني، فإن نفع شيء، فذاك، وإلا، فإن الله غفور رحيم. # ولمعاوية منقبة جليلة رويناها في "جزء ابن عرفة": أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "اللهم علم معاوية الكتاب والحساب، وقه العذاب" (¬1). # وقال قتادة: قلت للحسن: يا أبا سعيد! إن هاهنا ناسا يشهدون على معاوية ~~أنه من أهل النار، فقال: لعنهم الله، وما يدريهم من في النار (¬2)؟ # ورزق عمر بن الخطاب معاوية - رضي الله عنهما - على عمله بالشام عشرة آلاف ~~دينار كل سنة (¬3). PageV02P648 # وأما ألفاظ الحديث ومعانيه وأحكامه: # فقوله: "دبر كل صلاة"، فالمعروف المشهور في ms0415 الروايات واللغة: دبر -بضم ~~الدال-، وقال الداودي عن ابن الأعرابي: دبر الشيء ودبره -بالضم والفتح-: ~~آخر أوقاته، والصحيح: الضم، ولم يذكر الجوهري آخرون غيره، وقال أبو عمر ~~المطرزي في كتابه "اليواقيت" (¬1): دبر كل شيء -بفتح الدال-: آخر أوقاته من ~~الصلاة وغيرها، قال: هذا هو المعروف في اللغة، والمراد به في الحديث: عقب ~~السلام منها، سواء كان آخر وقتها، أو أوسطه، أو أوله، إلا أن يكون مراد أهل ~~اللغة بآخر أوقات الشيء الفراغ من فعله، فيتطابق تفسيرهم ومراد الحديث، ~~والله أعلم (¬2). # وقوله: "ولا ينفع ذا الجد منك الجد" المشهور الذي عليه الجمهور أن الجد ~~بفتح الجيم، ومعناه: لا ينفع ذا الغنى والحظ منك غناه، وضبطه جماعة بكسر ~~الجيم (¬3)، والجد هنا وإن كان مطلقا، فهو محمول على حظوظ الدنيا، يعني: ~~إنما ينفعه العمل الصالح، والنافع في الحقيقة هو الله تعالى بالتوفيق للعمل ~~الصالح والإخلاص فيه وقبوله، والله أعلم. # واعلم أن الذكر مطلوب محثوث عليه من الشرع، وهو مطلق ومقيد، فالمطلق لا ~~يكره في وقت من الأوقات، ولا حالة من الحالات، إلا في حالة فضاء من البول ~~والغائط والجماع، واختلف العلماء في كراهته في الحمام PageV02P649 # والمواضع النجسة، وقراءة القرآن أفضل من المطلق منه، والمقيد منه هو الذي ~~ورد فيه نص خاص بزمان أو مكان أو حال، وهو أفضل من تلاوة القرآن، هكذا نص ~~عليه العلماء، وإنما شرع هذا الذكر المخصوص عقيب الصلوات؛ لما اشتمل عليه ~~من معاني التوحيد، ونسبة الأفعال إلى الله تعالى، والمنع والإعطاء وتمام ~~القدرة، والثواب المرتب على الأذكار يرد كثيرا مع خفة اللسان بالأذكار ~~وقلتها، وإنما كان كذلك اعتبارا بمدلولاتها؛ لأنها كلها راجعة إلى الإيمان ~~الذي هو أشرف الأشياء. # وقوله: "منك" هو متعلق بينفع، وينفع مضمن معنى يمنع، أو ما يقاربه، ولا ~~يعود "منك" إلى الجد؛ فإن ذلك نافع. # وقوله: "عن قيل وقال" الأشهر فيه: قيل -بفتح اللام- على سبيل الحكاية، ~~وهذا النهي لا بد فيه من التقييد بالكثرة التي لا يؤثر معها وقوع الخطل ~~والخطأ، والسبب إلى وقوع المفاسد من ms0416 غير يقين، والأخبار الباطلة، وقد ثبت ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما ~~سمع" (¬1)، وقال بعض السلف: لا يكون إماما من حدث بكل ما سمع (¬2). # وقوله: "وإضاعة المال"، فمعناه النهي عن إنفاقه في غير وجوهه المأذون ~~فيها شرعا، سواء كانت دينية أو دنيوية؛ لأن الله تعالى جعل الأموال قياما ~~لمصالح العباد، وفي تبذيرها تفويت تلك المصالح المأذون فيها، إما في حق ~~مضيعها، أو في حق غيره، أما بذله وإنفاقه كثيرا في تحصيل مصالح الآخرة، فهو ~~مطلوب محثوث عليه بشرط إلا يبطل حقا أخرويا أهم منه، وقد قال السلف: لا سرف ~~في الخير، ولا خير في السرف (¬3)، وبذل المترفين من أهل PageV02P650 # الدنيا وإنفاقهم -غالبا- إنما هو فيما لم يأذن فيه الشرع، فيقدمون حظوظ ~~نفوسهم في الأموال على حقوق الله تعالى فيها، فيقع الهلاك بعد الإمهال من ~~غير إهمال؛ لأن فعلهم عين الإضاعة، والله أعلم. # وأما إنفاق المال في مصالح الدنيا وملاذ النفس على وجه لا يليق بحال ~~المنفق وقدر ماله، فإن كان لضرورة مداواة، أو دفع مفسدة تترتب، فليس ~~بإسراف، وإلا ففي كونه إسرافا فيه وجهان: المشهور أنه إسراف، وصحح الرافعي ~~في "المحرر" (¬1) الإسراف، ووجهه أنه يقوم مصالح البدن وملاذه، وهو غرض ~~صحيح، لكنه يؤدي به الحال غالبا إلى ارتكاب المحذور والذل، وما أدى إلى ~~المحذور فهو محذور، وظاهر القرآن العظيم يقوي أنه إسراف في غير آي، والله أعلم. # قال شيخنا أبو الفتح - رحمه الله -: والأشهر في مثل هذا أنه يباح؛ أعني: ~~إذا كان الإنفاق في غير معصية، وقد نوزع فيه (¬2). # وقوله: "وكثرة السؤال" فيه وجهان للعلماء: # أحدهما أنه راجع إلى الأمور العملية، وقد كانوا يكرهون تكلف المسائل التي ~~لا تدعو الحاجة إليها، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أعظم الناس جرما عند ~~الله من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين، فحرم عليهم من أجل مسألته" (¬3)، ~~وفي حديث اللعان لما سئل - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يجد مع امرأته ~~رجلا، فكره رسول الله ms0417 - صلى الله عليه وسلم - المسائل وعابها (¬4)، وفي ~~حديث معاوية - رضي الله عنه -: أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن PageV02P651 # الأغلوطات، وهي شداد المسائل وصعابها (¬1)، وإنما كان ذلك مكروها؛ لما ~~يتضمن كثيرا من التكاليف في الدين، والتنطع والرجم بالظن من غير ضرورة تدعو ~~إليه، مع عدم الأمن من العثار وخطأ الظن، والأصل المنع من الحكم بالظن، إلا ~~حيث تدعو الضرورة إليه، ومما دعت الضرورة إليه من ذلك جواز الاجتهاد في ~~المياه، والأخذ بما غلب على الظن طهارته، مع وجود الماء المتيقن طهارته، ~~وكذلك الأخذ بالأصل في طهارتها، وإن شك في نجاستها، وكذلك إلحاق الولد ~~بالفراش؛ لتعذر اليقين فيه، وكذلك عدم الحكم بالعلم، والعمل بالبينة ~~استبراء للعرض المحثوث عليه شرعا. # وأما قول الشافعي - رحمه الله -: لولا قضاة السوء، لقلت بجواز الحكم ~~بالعلم لما يقع الاشتباه بالقاضي المحق والمبطل، ولا يقع النقاد من العلماء ~~في كل عصر، ولو وقع، قد تضعف نفوسهم عن إظهار الزيف، ولو أظهروا الحق، قد ~~لا يجدون من يعينهم على إظهاره والعمل به، فمنع القول بجوازه سدا للتهمة في ~~الدين والعرض عملا تحضيض الشرع على ذلك، حيث قال - صلى الله عليه وسلم -: ~~"فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه" (¬2). وأمره - صلى الله عليه وسلم - ~~بالحكم بالظاهر، وقطعه - صلى الله عليه وسلم - قطعة من النار لمن حكم له ~~بالظاهر الذي يخالف الباطن، والله أعلم. # الوجه الثاني: أن يكون ذلك راجعا إلى سؤال المال، وقد وردت أحاديث في ~~تعظيم تقبيح مسألة الناس، ولا شك أن لفظ الحديث يدل على النهي عن الكثرة في ~~السؤال، لا عن السؤال مطلقا، وهو عام في سؤال الله تعالى والناس، خرج سؤال ~~الله تعالى بالأمر به، والحث عليه في قوله تعالى: {واسألوا الله من PageV02P652 # فضله} [النساء: 32] وقوله - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس: "إذا سألت ~~فاسأل الله" (¬1)، وهو مطلق، كثيره وقليله، ففي القليل من سؤال الناس ~~لبعضهم، وفي حديث رواه أبو داود: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لبعض ~~من سأله عن المسألة مرارا، قال له ms0418 في الثالثة: "فإن كنت لا بد سائلا، فاسأل ~~الصالحين" (¬2)، وإذا ثبت بعض سؤال بعض الناس، فلا شك أن بعضه ممنوع حيث ~~يكون السائل غنيا لاحاجة به إلى ما سأل، ويظهر الحاجة، وهو في الباطن ~~بخلافها، أو يخبر السائل عن أمر هو كاذب فيه، وفي السنة ما يشهد باعتبار ~~ظاهر الحال في هذا، وهو ما ثبت أن رجلا من أهل الصفة مات وترك دينارين، ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كيتان" (¬3)، وإنما كان ذلك -والله ~~أعلم- لأنهم كانوا فقراء مجردين يتصدق عليهم، ويأخذون بناء على الفقر ~~والعدم، وظهر معه هذان الديناران على خلاف ظاهر حاله. # والمنقول عن مذهب الشافعي جواز السؤال، لكن ذكر العلماء من أصحابه وغيرهم ~~له شروطا، وهي أنه لا يلح في السؤال، ولا يذل نفسه ذلا زائدا على ذل نفس ~~السؤال، ولا يؤذي المسؤول، ثم ينظر في السؤال، إن كان في صورة لا يحرم من ~~العلم أو المال، فإن كان في صورة تقتضي، "المنع منه تنزيها، فينبغي ~~الامتناع من قليله وكثيره، لوان لم يقتض المنع منه، حمل النهي على الكثير ~~من السؤال المباح دون قليله؛ لأن كراهتها في الكثير أشد، وليس في الحديث ما ~~يدل إلا على الكثرة فقط، أو يحمل الحديث على السؤال عن كثرة السؤال عن ~~المسائل المتعلقة بالدين، الحاملة على التنطع والتدقيق والتضييق فيه. PageV02P653 # ثم إن الحديث المذكور مراد بكثرة السؤال لنفسه فيما ذكر، فهل يكون السؤال ~~لغيره حكمه حكم نفسه في الكثرة والقلة، أو يمنع منه مطلقا، أو يؤذن فيه ~~مطلقا؟ يختلف ذلك باختلاف المقاصد والنيات، وحال السائل والمسؤول، والله أعلم. # وقوله: "وكان ينهى عن عقوق الأمهات" تخصيص النهي بالأمهات مع امتناعه في ~~الآباء -أيضا- لأجل كثرة حقوقهن وشدتها، ورجحان الأمر ببرهن وتكريره مرات ~~دون الآباء، وهذا من باب تخصيص الشيء بالذكر إظهارا لعظم موقعه في الأمر إن ~~كان مأمورا [به]، وفي النهي إن كان منهيا عنه، وقد يذكر في موضع آخر ~~بالتنبيه بذكر الأدنى على الأعلى، فيخص الأدنى بالذكر، وذلك بحسب اختلاف ~~المقصود، وقد يقع ms0419 التنبيه بالأعلى على الأدنى. # وقوله: "ووأد البنات" هو عبارة عن دفنهن بالحياة، وخصت البنات بالذكر دون ~~الأبناء؛ لأنه كان هو الواقع، فتوجه النهي إليه، لا لأن الحكم مخصوص ~~بالبنات. # وقوله: "ومنع وهات" وهذا النهي راجع إلى السؤال الصحيح وغير الصحيح ~~بالمنع والإعطاء، وحينئذ يحتمل وجهين: # أحدهما: النهي عن المنع حيث يؤمر بالإعطاء، وعن السؤال حيث يمنع منه، ~~فيكون كل واحد منهما مخصوصا بصورة غير صورة الآخر. # الثاني: أن يجمعا في صورة واحدة لا تعارض بينهما، فيكون وظيفة الطالب ~~ووظيفة المعطي ألا يمنع إن وقع السؤال، وهذا لا بد أن يستثنى منه، أما إذا ~~كان المطلوب محرما على الطالب، فإنه يمتنع على المعطي إعطاؤه؛ لكونه معينا ~~على الإثم، ويحتمل أن يكون ذلك محمولا على الكثرة من السؤال، والعبارة ~~الواضحة في ذلك النهي عن منع ما أمر بإعطائه، وطلب ما لا يستحق أخذه، والله أعلم. # وفي هذا الحديث دليل على: استحباب هذا الذكر عقيب الصلاة المكتوبة. PageV02P654 # وعلى استحباب إملاء العالم العلم على أصحابه ليقيدوه ويكتبوه. # وعلى المبادرة إلى امتثال السنن وإشاعتها. # وعلى جواز العمل بالمكاتبة بالأحاديث، وإجرائها مجرى المسموع، والعمل ~~بالخط في مثل ذلك إذا وثق به بأنه خط الكاتب. # وعلى قبول خبر الواحد، وهذا فرد من أفراد لا تحصى. # وعلى التفويض إلى الله تعالى واعتقاد أنه -سبحانه وتعالى- مالك الملك، ~~وأن له الحمد ملكا واستحقاقا، وأن قدرته -سبحانه وتعالى- تعلقت بكل شيء من ~~الموجودات، خيرها وشرها، نفعها وضرها، وأن العطاء والمنع بيده، وأن الأسباب ~~إنما تنفع بإذنه، وأنها متصرف فيها كسائر المخلوقات، لا تأثير لها في شيء ~~من الأشياء إلا بتقديره وإذنه. # وعلى الامتناع من اللغط وفضول الكلام وما لا فائدة فيه. # وعلى الامتناع من كثرة السؤال إلا فيما أذن الشرع فيه. # وعلى تحريم إضاعة المال في غير وجوهه المأذون فيها. # وعلى قتل الأنفس بغير حق شرعي. # وعلى تحريم منع ما يجب أداؤه، وعلى تحريم إعطاء ما يجب منعه، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن ms0420 الحارث بن هشام، عن أبي صالح، عن ~~أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن فقراء المسلمين أتوا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، فقالوا: يا رسول الله! قد ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى ~~والنعيم المقيم، فقال: "وما ذاك؟ "، قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما ~~نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق، فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "أفلا أعلمكم PageV02P655 # شيئا تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم ~~إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "تسبحون وتكبرون ~~وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة"، قال أبو صالح: فرجع فقراء ~~المهاجرين فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله، فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء". قال سمي: ~~فحدثت بعض أهل الحديث فقال: وهمت، إنما قال لك: تسبح ثلاثا وثلاثين، وتحمد ~~الله ثلاثا وثلاثين، وتكبر الله ثلاثا وثلاثين، فرجعت إلى أبي صالح فقلت له ~~ذلك، فقال: الله أكبر وسبحان الله والحمد لله حتى تبلغ من جميعهن ثلاثا ~~وثلاثين (¬1). # أما سمي: فهو قرشي، مخزومي، مولاهم، مدني، ثقة، وثقه أحمد بن حنبل وأبو ~~حاتم، وروى له البخاري ومسلم، قتله الخوارج بقديد سنة إحدى وثلاثين ومئة (¬2). # وأما أبو صالح: فاسمه ذكوان. # وتقدم ذكر أبي هريرة. # وأما الدثور: فهي الأموال، واحدها دثر -بفتح الدال المهملة-، وهو المال ~~الكثير (¬3). # وقوله في عدد كيفية التسبيحات والتحميدات والتكبيرات: إن أبا صالح كان ~~يقول: الله أكبر وسبحان الله والحمد لله ثلاثا وثلاثين مرة، وظاهر الحديث ~~أنه كان يسبح ثلاثا وثلاثين مستقلة، ويكبر ثلاثا وثلاثين مستقلة، ويحمد ~~كذلك، PageV02P656 # وهو ظاهر جميع روايات الحديث، قال القاضي عياض: وهو أولى من تأويل أبي ~~صالح (¬1). # وقوله: "ولا يكون أحد أفضل منكم" يدل على ترجيح هذه الأذكار على فضيلة ~~المال، وعلى أن تلك الفضيلة للأغنياء مشروطة بألا يفعل هذا الفعل الذي أمر ~~به الفقراء، ويدل على تعليم كيفية هذا الذكر، ولا شك أن جمعه والإتيان بكل ~~كلمة ms0421 منه على حدة فرادى جائز، لكن جمعه راجح؛ لأن العدد في الجملة يحصل في ~~كل فرد من العدد، كيف وهو ظاهر الحديث؟ # وفي الحديث فوائد: # منها: السؤال عن الأعمال المحصلة للدرجات العالية والنعيم الدائم ~~والمسابقة إليها. # ومنها: فضل من جمع الله له بين خير الدنيا والآخرة من الصلاة والصوم ~~والصدقة والعتق والذكر. # ومنها: أن من نقص شيئا مما ذكر، كان مفضولا بالنسبة إلى من أتى به. # ومنها: أن من كان فقيرا صابرا هل يقوم فقره وصبره مقام غنى الغني وشكره ~~في الفضل، أم يترجح أحد المقامين على الآخر إذا خلا عما يقترن بكل واحد ~~منهما من الإطغاء والإنساء وغيرهما من محبطاته؟ ولا شك أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - كان غنيا بالله تعالى، شاكرا له، فقيرا إليه، صابرا على ~~جميع أحواله، مع أن هذا الحديث يقتضي تفضيل الغني الشاكر على الفقير الصابر ~~بسبب القربات المتعلقة بالمال، وقد أقرهم - صلى الله عليه وسلم - على ذلك، ~~لكن علمهم بما يقوم مقام تلك الزيادة، فلما قالها الأغنياء، ساووهم فيها، ~~وبقي معهم رجحان قربات المال، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "ذلك فضل الله ~~يؤتيه من يشاء"، فظاهره القريب من النص أنه فضل الأغنياء بزيادة القربات، ~~وقد تأول بعض الناس قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء" بتأويل مستنكر يخرجه عن الظاهر، والذي يقتضيه الأصل تساويهما، وحصول PageV02P657 # الرجحان بالعبادات المالية، فيكون الغني أفضل، وذلك غير مشكوك فيه، والذي ~~يقع النظر فيه إذا تساويا في أداء الواجب فقط، وانفرد كل واحد بمصلحة ما هو ~~فيه من الصبر أو الشكر؛ فإن كلا منهما متعبد به، وإذا تقابلت المصالح، ففي ~~ذلك نظر يرجع إلى تفسير الأفضل، فإن فسر بزيادة الثواب، فالقياس يقتضي أن ~~المصالح المتعدية أفضل من القاصرة، وإن فسرنا بالأشرف بالنسبة إلى صفات ~~النفس، فالذي يحصل للنفس من التطهير للأخلاق والرياضة لسوء الطباع بسبب ~~الفقراء أشرف، فيترجح الفقراء، ولهذا المعنى ذهب الجمهور من الزهاد والعباد ~~إلى ترجيح الفقير الصابر؛ لأن مدار الطريق ms0422 على تهذيب النفس ورياضتها، وذلك ~~مع الفقر أكثر منه مع الغنى، فكان أفضل بمعنى الشرف، وقد اختلف العلماء في ~~هذه المسألة على خمسة أقوال: # أحدها: تفضيل الغني؛ لهذا الحديث وغيره. # والثاني: تفضيل الفقير؛ لاستعاذته - صلى الله عليه وسلم - من الغنى، ~~خصوصا إذا كان مطغيا. # والثالث: تفضيل الكفاف؛ لسؤاله - صلى الله عليه وسلم - إياه. # والرابع: أن التفضيل باعتبار حال الناس في الغنى والفقر بالنسبة إلى ~~صلاحهم في أنفسهم وأديانهم. # والخامس: التوقف عن تفضيل واحد منهما. # ولا شك أن المسألة لها غور، والأحاديث فيها متعارضة، وقد صنف العلماء ~~فيها كتبا عديدة، والذي يقتضيه القول في التفضيل ما اختاره الله سبحانه ~~لنبيه - صلى الله عليه وسلم - وصحابته -رضي الله عنهم-، وهو الفقر غير ~~المدقع، ويكفيك دليلا ما ثبت في "الصحيح" مرفوعا أن فقراء المسلمين يدخلون ~~الجنة قبل أغنيائهم بخمس مئة عام (¬1)، وأصحاب الأموال محبوسون على قنطرة ~~بين الجنة والنار، ويسألون عن PageV02P658 # فضول أموالهم، وحينئذ يرجع التأويل في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ذلك ~~فضل الله يؤتيه من يشاء" إلى الثواب المترتب على الأعمال عند الله تعالى، ~~لا بحسب الأذكار، ولا بحسب إعطاء الأموال، وإنما هو فضل الله يؤتيه من ~~يشاء، والله أعلم. # ومنها: أن الإنسان قد يدرك بالعمل اليسير في الصورة، العظيم في المعنى من ~~سبقه، ولا يدركه من بعده في الفضل ممن لا يعمل به؛ فإن سياق الحديث يدل على ذلك. # ومنها: فضل الذكر أدبار الصلوات. # ومنها: أن أدبار الصلوات أوقات فاضلة يرتجى فيها إجابة الدعوات وقبول ~~الطاعات، ويصل بها متعاطيها إلى الدرجات العاليات والمنازل الغاليات، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن عائشة -رضي الله عنها-: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في خميصة ~~لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف، قال: "اذهبوا بخميصتي هذ ~~إلى أبي جهم، وأتوني بأنبجانية أبي جهم؛ فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي" (¬1). # الخميصة: كساء مربع له أعلام، والأنبجانية: كساء غليظ. # تقدم ذكر عائشة. # وأما أبو جهم المذكور في الحديث، فاسمه عامر بن حذيفة بن غانم ms0423 القرشي ~~العدوي، المدني، الصحابي. # قال الحاكم أبو أحمد: ويقال: اسمه عبيد بن حذيفة، وهو غير أبي جهيم -بضم ~~الجيم وزيادة ياء على التصغير- المذكور في التيمم، وفي مرور المار بين يدي ~~المصلي (¬2). PageV02P659 # والأنبجاني -بفتح الهمزة وكسرها، وبفتح الباء الموحدة منه، وتكسر، وأما ~~الياء المثناة تحت آخره، فهي مشددة ومخففة-، قال ابن قتيبة: إنما هو ~~منبجاني، ولا يقال: أنبجاني، منسوب إلى منبج، وفتحت الياء في النسب؛ لأنه ~~خرج يخرج مخيراني، وهو قول الأصمعي، لكنه ليس بظاهر؛ فإن النسب إلى منبج منبجي. # وأما قوله في الحديث: "وأتوني بأنبجانية أبي جهم" فروي بتشديد الياء ~~المثناة والتأنيث على الإضافة، وعلى التذكير من غير ذكر أبي جهم ثانيا، قال ~~المصنف - رحمه الله -: هو كساء غليظ، وقال غيره: هو كساء غليظ لا علم له، ~~فإذا كان له علم، فهو الخميصة، وإن لم يكن له، فهو أنبجانية، وقال ثعلب: هو ~~كل ما كثف، وقال الداودي: هو كساء غليظ بين الكساء والعباء، وقال القاضي ~~أبو عبد الله المازري: هو كساء سداه قطن أو كتان ولحمته صوف (¬1). # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإنها ألهتني عن صلاتي" معناه: أنها شغلت ~~قلبي عن كمال الحضور في الصلاة وتدبر أذكارها وتلاوتها ومقاصدها من ~~الانقياد والخضوع، وبعثه - صلى الله عليه وسلم - بالخميصة إلى أبي جهم وطلب ~~أنبجانيه من باب الإدلال عليه؛ لعلمه بأنه يؤثر ذلك ويفرح به، ولا يلزم من ~~بعثها إليه أن أبا جهم يصلي فيها، فإن حلة عطارد بعث بها النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى عمر - رضي الله عنه -، وقال: "لم أبعث بها إليك لتلبسها" ~~(¬2)، وفي رواية: "لم أكسكها لتلبسها" (¬3)، والله أعلم. PageV02P660 # وفي هذا الحديث مسائل: # منها: جواز لبس الثوب ذي العلم. # ومنها: أن اشتغال الفكر يسيرا في الصلاة غير قادح فيها، وأنها صحيحة، ~~وهذا مجمع عليه عند الفقهاء [ونقل عن بعض السلف والزهاد ما لا يعتد به في ~~الإجماع]. # ومنها: طلب الخشوع في الصلاة والإقبال عليها، ونفي كل ما يشغل القلب ~~ويلهي عن ذلك. # قال أصحاب الشافعي -رحمهم الله تعالى-: ms0424 يستحب للمصلي النظر إلى موضع ~~السجود، ولا يتجاوزه، وقال بعضهم: يكره تغميض عينيه، قال شيخنا أبو زكريا ~~النووي - رحمه الله -: وعندي أنه لا يكره إلا أن يخاف ضررا (¬1). # ومنها: المبادرة إلى ترك كل ما يلهي ويشغل القلب عن الطاعات، وإلى ~~الإعراض عن زينة الدنيا والفتنة بها. # ومنها: النظر وجمعه عما لا حاجة بالشخص إليه في الصلاة وغيرها، وقد كان ~~السلف -رحمهم الله- لا يخطئ نظر أحدهم موضع قدميه إذا مشى. # ومنها: ما استنبطه الفقهاء من هذا الحديث، وهو كراهة تزويق حيطان المساجد ~~ومحاريبها بالأصباغ والنقوش وزخرفتها بالصنائع المستظرفة؛ فإن الحكم يعم ~~بعموم علته، والعلة: الاشتغال عن الصلاة، وزاد بعض المالكية في هذا: كراهة ~~غرس الأشجار في المساجد. # ومنها: قبول الهدية من الأصحاب، والإرسال بها إليهم، والطلب لها ممن يظن ~~به السرور به أو المسامحة. # * * * PageV02P661 ### || AUTO باب الجمع بين الصلاتين في السفر # عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يجمع بين صلاة الظهر والعصر إذا ما كان على ظهر سير، ويجمع بين ~~المغرب والعشاء (¬1). # تقدم ذكر ابن عباس. # ولفظ هذا الحديث للبخاري دون مسلم، وأطلق إخراجه عنهما نظرا إلى أصل ~~الحديث على عادة المحدثين، فإذا أرادوا التحقيق فيه، قالوا: أخرجاه بلفظه ~~إن كان، أو بمعناه إن كان. # واعلم أن الفقهاء لم يختلفوا في جواز الجمع في الجملة، لكن أبا حنيفة - ~~رحمه الله - يخصه بالجمع بعرفة ومزدلفة، وتكون العلة في جوازه النسك لا ~~السفر، والحنفيون يؤولون أحاديث الجمع بعذر السفر على [أن] المراد بها ~~تأخير الصلاة الأولى إلى آخر وقتها، وتقديم الثانية في أول وقتها، وجعل بعض ~~الفقهاء الجمع نوعين: جمع مقارنة، وجمع مواصلة، قال: فجمع المقارنة كون ~~الشيئين في وقت واحد؛ كالأكل والقيام مثلا؛ فإنهما يقعان في وقت واحد، وجمع ~~المواصلة أن يقع أحدهما عقب الآخر، وقصد إبطال تأويل أصحاب أبي حنيفة - رضي ~~الله عنه - بما ذكرنا؛ لأن جمع المقارنة لا يمكن في الصلاتين؛ إذ PageV02P662 # لا يقعان في حالة واحدة، وأبطل جمع المواصلة -أيضا-، ms0425 وقصد إبطال تأويل ~~الحنفيين المذكور؛ إذ لم يتنزل على شيء من النوعين، لكن الروايات الصحيحة؛ ~~كحديث ابن عمر، وأنس، وابن عباس هذا يدل على جواز الجمع بعذر السفر، ويبطل ~~تأويل الحنفيين، ولولا ذلك، لكان الدليل يقتضي امتناع الجمع؛ لأن الأصل عدم ~~جوازه، ووجوب إيقاع الصلاة في وقتها المحدود لها، لكن هذا الحديث دل على ~~جواز الجمع على ظهر سير في الظهر والعصر، وكذلك المغرب والعشاء، وهو رخصة، ~~وجملة ما ذكروه من التأويل يقتضي الحصر والزيادة في المشقة على المسافر، ~~وقد صح الجمع -أيضا- في حال النزول، فالعمل به دليل آخر على الجواز في غير ~~صورة السير، وقيام دليلهم يدل على إلغاء اعتبار هذا الوصف، ولا يمكن معارضة ~~دليل الوصف بالمفهوم من هذا الحديث؛ لأن المنطوق أرجح. # وقوله: "وكذلك المغرب والعشاء" يريد: في الجمع، وظاهره اعتبار الوصف ~~فيهما، وهو كونه على ظهر سير. # وأجمع العلماء على أن الجمع ممتنع بين الصبح وغيرها، وبين العصر والمغرب، ~~كما أجمعوا على جواز الجمع بين الظهر والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء ~~بمزدلفة، ومن هاهنا ينشأ نظر القياس في مسألة الجمع، فأصحاب أبي حنيفة - ~~رحمه الله - يقيسون الجمع المختلف فيه على الجمع الممتنع اتفاقا، ويحتاجون ~~إلى إلغاء الوصف الفارق بين محل النزاع ومحل الإجماع، وهو الاشتراك الواقع ~~بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، إما مطلقا، أو حالة العذر، وغيرهم ~~يقيس الجواز في محل النزاع على الجواز في موضع الإجماع، ويحتاج إلى إلغاء ~~الوصف الجامع، وهو النسك. # ثم اختلف في جواز الجمع بعذر المطر، فجوزه الشافعي وجمهور العلماء في ~~الصلوات التي يجوز فيها الجمع، وخصه مالك بالمغرب والعشاء فقط. # وأما الجمع بعذر المرض، فمنعه الشافعي والأكثرون، وجوزه أحمد وبعض PageV02P663 # الشافعية، منهم: القاضي حسين، وأبو حسين المتولي، والروياني، واختاره ~~الطبري؛ لما ثبت في "صحيح مسلم" من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -: أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر والعصر جمعا بالمدينة في غير خوف ~~ولا سفر (¬1)، وفي رواية من حديثه أيضا: جمع رسول الله - صلى الله عليه ms0426 ~~وسلم - بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر، ~~قال الراوي عن ابن عباس: قلت له: لم فعل ذلك؟ قال: كي لا يحرج أمته (¬2). # وهو محمول عند العلماء على المرض، وقد فعله ابن عباس - رضي الله عنهما -، ~~وقال لمن استعجله في صلاة المغرب وقد بدت النجوم: أتعلمني بالسنة لا أم ~~لك؟! رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمع بين الظهر والعصر، والمغرب ~~والعشاء. قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء، فأتيت أبا هريرة ~~فسألته، فصدق مقالته (¬3)، وتأويله عندهم على المرض، وفعل ابن عباس، وتصديق ~~أبي هريرة يدلان على أن الحديث معمول به غير منسوخ، ومن هذا المعنى المشقة ~~في المرض أشد من المطر. # واعلم أن الترمذي - رحمه الله - قال في آخر كتابه في "العلل": ليس في ~~كتابي حديث أجمعت الأمة على ترك العمل به إلا حديث ابن عباس في الجمع [بين ~~الصلاتين] من غير خوف ولامطر، وحديث قتل شارب الخمر في الرابعة (¬4)، أما ~~قوله في قتل شارب الخمر، فمسلم، وهو منسوخ دل الإجماع PageV02P664 # على نسخه، وقوله في حديث ابن عباس ممنوع بدليل من ذكرنا ممن تأوله وعمل ~~به، والله أعلم. # وأما الجمع للحاجة في الحضر من غير اتخاذه عادة، فجوزه ابن سيرين، وأشهب ~~من أصحاب مالك، والقفال الشاشي الكبير من أصحاب الشافعي، وحكاه الخطابي عنه ~~عن أبي إسحاق المروزي عن جماعة من أصحاب الحديث، واختاره ابن المنذر، وهو ~~ظاهر قول ابن عباس: أراد أن لا يحرج أمته، ولم يعلله بمرض ولا غيره، والله أعلم. # واعلم أن جمع التقديم ثابت بين الظهر والعصر بعرفة، وجمع التأخير ثابت ~~بين المغرب والعشاء بمزدلفة، وتقدم الاختلاف في علة جوازه، هل هو النسك أو ~~السفر؟ وتظهر فائدة الخلاف بين أهل مكة وما حولها والغرباء، فمن علل ~~بالنسك، جوزه لجميع الناس المقيمين والغرباء، ومن علل بالسفر، جوزه للغرباء ~~دون المقيمين ومن في معناهم، ثم الجمع بعذر السفر هل يجوز في كل سفر، أم ~~يختص بالطويل؟ الصحيح أنه لا ms0427 يجوز في القصير، كما لا يجوز فيه القصر، ويجوز ~~في الطويل بلا خلاف، والطويل ثمانية وأربعون ميلا هاشمية، وهو مرحلتان ~~معتدلتان، والقصير دون ذلك، وفوق مسافة العدوى، وهي أن يستعدي على خصمه ~~ويرجع إلى وطنه في يومه، والأفضل لمن هو في المنزل في وقت الأولى أن يقدم ~~الثانية إليها، ولمن هو سائر في وقت الأولى ويعلم أنه ينزل قبل خروج وقت ~~الثانية أن يؤخر الأولى إلى الثانية، ولو خالف فيهما، جاز، وكان تاركا ~~للأفضل، وشرط الجمع في وقت الأولى أن يقدمها، وينوي الجمع قبل فراغه من ~~الأولى، وألا يفرق بينهما، فإذا أراد الجمع في وقت الثانية، وجب أن ينويه ~~في وقت الأولى، ويكون قبل ضيق وقتها، بحيث يبقى من الوقت ما يسع تلك الصلاة ~~فأكثر، فإن أخرها بلا نية، عصى، وصارت قضاء، وإذا أخرها بالنية، استحب أن ~~يصلي الأولى أولا، وأن ينوي الجمع، وألا يفرق بينهما، ولا يجب شيء من ذلك. PageV02P665 # وأما الجمع بعذر المطر، فشرط جوازه أن يمشي إلى الجماعة في غير كن؛ بحيث ~~يلحقه بلل المطر، ولا يجوز لغيره على الأصح من الوجهين، وشرطه -أيضا- أن ~~يكون في وقت الأولى عند الإحرام بها، والفراغ منها، وافتتاح الثانية، ولا ~~يجوز الجمع في المطر في وقت الثانية، على أصح الوجهين؛ لعدم الوثوق ~~باستمراره إليها. # * * * PageV02P666 ### || AUTO باب قصر الصلاة في السفر # عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: صحبت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك (¬1). # هذا لفظ رواية البخاري، ولفظ رواية مسلم أطول وأبسط وأزيد، فليعلم ذلك. # وتقدم ذكر ابن عمر. # القصر: رد الرباعية إلى ركعتين، ويقال: قصر الصلاة وقصرها -مخففا ~~ومثقلا-، وحكى الواحدي في "الوسيط" (¬2): أقصرها -رباعيا- ثلاث لغات، ~~وبالتخفيف جاء القرآن، قال الله تعالى: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من ~~الصلاة} [النساء: 101]، والمصدر منها القصر والتقصير، والقياس من الثالثة ~~الإقصار، والله أعلم (¬3). # واعلم أن الصلاة كانت فرضيتها ركعتين ركعتين مدة شهر من قدومه - صلى الله ~~عليه وسلم - المدينة، ms0428 وكانوا يتنفلون، فرآهم - صلى الله عليه وسلم - فقال: ~~"يا أيها الناس! اقبلوا فريضة الله"، PageV02P667 # فأقرت صلاة المسافر، وزيدت في صلاة المقيم (¬1). # وقوله: "فكان لا يزيد في السفر على ركعتين" لا شك أن مذهب ابن عمر - رضي ~~الله عنهما - عدم التنفل في السفر، حتى لو قال: لو كنت متنفلا، لأتممت، ~~فحينئذ قوله: "فكان لا يزيد على ركعتين" يحتمل أن يكون ذكره دليلا على عدم ~~التنفل وقصر الصلاة، فلا يزيد على ركعتين في الرباعية، ولا يتنفل قبلها ولا ~~بعدها، ويحتمل أنه أراد عدم التنفل فقط، ويكون ذكر قصر الصلاة لازما لذلك، ~~وقد وردت أحاديث يدل سياقها على أنه أراد ذلك، والظاهر الذي يفهم منه أنه ~~أراد عدم زيادة في الفرض على ركعتين وترك الإتمام؛ حيث أتم جماعة من ~~الصحابة -رضي الله عنهم- الصلاة في السفر، فذكر ذلك دليلا عليهم، وذكر أبا ~~بكر وعمر وعثمان في ذلك، مع أن الحجة قائمة بفعل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -؛ ليبين أن ذلك كان معمولا به عند الأئمة، لم يتطرق إليه نسخ ولا ~~معارضة راجحة، وقد فعل ذلك جماعة من الأئمة في استدلالهم؛ كمالك وغيره، ~~والله أعلم. # واعلم أن القصر في السفر الطويل والإتمام جائزان بالإجماع، واختلف ~~العلماء في أن الأفضل القصر أو الإتمام؟ فذهب مالك والشافعي وأحمد وأكثر ~~العلماء على أن القصر أفضل، وللشافعي قول: أن الإتمام أفضل؛ قياسا على ~~قوله: إن الصوم في السفر أفضل، ولأصحابه وجه: أنهما سواء. # وقال أبو حنيفة وجماعة: القصر واجب، ولا يجوز الإتمام. # والحجة عليهم ما ثبت في "صحيح مسلم" وغيره أن الصحابة -رضي الله عنهم- ~~كانوا يسافرون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فمنهم القاصر، ومنهم ~~المتم، ومنهم الصائم، ومنهم المفطر، لا يعيب بعضهم على بعض (¬2)، وبأن ~~عثمان كان أمير PageV02P668 # المؤمنين، وعائشة كانت أمهم، وأتما الصلاة في السفر، فلو كان القصر ~~واجبا، لما أقر النبي - صلى الله عليه وسلم - من أتم من الصحابة معه في ~~السفر عليه، ولما فعله عثمان وعائشة، فدل على جوازه، وأنهم أخذوا بأحد ~~الجائزين، ms0429 وتركوا الأفضل؛ لمعان اقتضت ذلك في اجتهادهم، لا أنهم تركوا ~~الواجب وما أقر النبي - صلى الله عليه وسلم - الصحابة في حياته عليه، والله أعلم. # والحجة على أن القصر أفضل من الإتمام مواظبة النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- عليه في السفر، وقال بعض العلماء بوجوبه فيه كما تقدم تبيينه قريبا، ~~بخلاف الصوم؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - لم يواظب عليه في السفر، ولم يقل ~~أحد بوجوبه في السفر -أيضا-، ولأنه إذا أفطر فيه، خرج به عن وقته، ووجب ~~قضاؤه، والقصر لا يخرج الصلاة عن وقتها، بل يأتي بالصلاة في وقتها المشروع، ~~إما منفردة، أو جمعا، وقد تقدم في الباب قبله حد السفر الطويل والقصير. # قال الشافعي ومالك وأصحابهما، والليث، والأوزاعي، وفقهاء أصحاب الحديث ~~وغيرهم: لا يجوز القصر إلا في مسيرة مرحلتين قاصدتين، وهي ثمانية وأربعون ~~ميلا هاشمية، والميل ستة آلاف ذراع، والذراع أربعة وعشرون إصبعا معترضة ~~معتدلة، والإصبع ست شعرات معترضات معتدلات. # وقال أبو حنيفة والكوفيون: لا تقصر في أقل من ثلاث مراحل، وروي عن عثمان، ~~وابن مسعود، وحذيفة. # وقال داود وأهل الظاهر: يجوز في السفر الطويل والقصير، حتى لو كان ثلاثة ~~أميال، قصر. # ثم مذهب الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، وأحمد، والجمهور أنه يجوز القصر في ~~كل سفر مباح، وشرط بعض السلف كونه سفر خوف، وبعضهم كونه سفر حج أو عمرة أو ~~غزو، وبعضهم كونه سفر طاعة، وجوزه أبو حنيفة والثوري في سفر المعصية، ومنعه ~~الشافعي، ومالك، وأحمد والأكثرون. PageV02P669 # قال أصحاب الشافعي -رحمهم الله-: العاصي بسفره لا يترخص بشيء من رخص ~~السفر، والعاصي في سفره يترخص، والله أعلم. # ولا تجوز صلاة الفرض في حال من الأحوال ركعة واحدة، وجوزه في الخوف جابر، ~~وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والحسن البصري، والضحاك، وإسحاق بن راهويه، مستدلين ~~بما ثبت في "صحيح مسلم" عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: فرض الله -عز ~~وجل- الصلاة على لسان نبيكم - صلى الله عليه وسلم - في الحضر أربعا، وفي ~~السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة (¬1)، وخالف ذلك الشافعي ومالك والجمهور، ~~وقالوا: صلاة ms0430 الخوف كصلاة الآمن في عدد الركعات، فإن كانت في الحضر، وجب ~~أربع ركعات، وإن كانت في السفر، وجب ركعتان، ولا يجوز الاقتصار على ركعة ~~واحدة في حال من الأحوال، وتأولوا حديث ابن عباس هذا على أن المراد ركعة مع ~~الإمام وركعة أخرى يأتي بها منفردا كما جاءت الأحاديث الصحيحة في صلاة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في الخوف، وهذا التأويل لا بد منه ~~للجمع بين الأدلة، والله أعلم. # * * * PageV02P670 ### || AUTO باب الجمعة # - بضم الميم، وإسكانها، وفتحها-، ووجه بعضهم الفتح بأنها تجمع الناس، ~~ويكثرون فيها، كما يقال: همزة ولمزة؛ لكثرة الهمز واللمز، سميت جمعة ~~لاجتماع الناس، وكان يقال ليوم الجمعة في الجاهلية: العروبة، وجمعها: جمعات ~~وجمع (¬1). # * * * ### ||| AUTO الحديث الأول # عن سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه - قال: رأيت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قام على المنبر، فكبر، وكبر الناس وراءه وهو على المنبر، ثم ~~رفع فنزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر، ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته، ثم ~~أقبل على الناس فقال: "يا أيها الناس! إنما صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلموا ~~صلاتي" وفي لفظ: صلى عليها، ثم كبر وهو عليها، ثم ركع وهو عليها، ثم نزل ~~القهقرى (¬2). # وجه دخول هذا الحديث في ### || AUTO باب الجمعة # أن فعله - صلى الله عليه وسلم - للصلاة على الوجه PageV02P671 # المذكور، وعلته إنما كان ليأتموا به وليعلموا صلاته، وهذا المقصود في ~~الجمعة أبلغ منه في غيرها من الصلوات، إذ لا فرق في الحكم. # واعلم أن أول جمعة جمعت بعد قدومه - صلى الله عليه وسلم - المدينة في بني ~~سالم بن عوف بأربعة أيام. # وأما سهل بن سعد: فكنيته أبو العباس بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن ~~حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج، الأنصاري، المدني، كان ~~اسمه حزنا، فسماه النبي - صلى الله عليه وسلم - سهلا، وقال -رضي الله عنه-: ~~توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا ابن خمس عشرة سنة. # روى عن رسول الله - صلى الله عليه ms0431 وسلم - مئة حديث، وثمانية وثمانون ~~حديثا، اتفق البخاري ومسلم على ثمانية وعشرين حديثا، وانفرد البخاري بأحد ~~عشر، وروى عنه الزهري، وأبو حازم سلمة بن دينار، وأبي بن العباس بن سهل بن ~~سعد، وغيرهم، وروى له أصحاب السنن والمساند، مات بالمدينة بلا خلاف سنة ~~إحدى وتسعين وهو ابن مئة سنة، وهذا لا يصح؛ لأنه كان عمره قبل الهجرة خمس ~~سنين، فيقتضي أن يكون يوم موته ابن ست وتسعين، إلا على ما روي أن عمره يوم ~~الملاعنين كان خمس عشرة سنة، فيصح أن عمره يوم مات مئة سنة، وقيل في يوم ~~وفاته غير هذا، والله أعلم. # قال بعضهم: وهو آخر من مات من الصحابة مطلقا، وليس بصحيح؛ فإن آخرهم موتا ~~أبو الطفيل عامر، بل الصواب أن آخرهم موتا بالمدينة كما روي عن ابن عيينة ~~قال: قال أبو حازم سلمة بن دينار: كان سهل بن سعد آخر من بقي من أصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -؛ يعني: بالمدينة، كما أن آخرهم موتا بالبصرة ~~أنس بن مالك -رضي الله عنهم-. # وأما الساعدي: فنسبته إلى بني ساعدة بطن من الأنصار الخزرجيين، والله ~~أعلم (¬1). PageV02P672 # وأما المنبر: فهو بكسر الميم، مشتق من النبر، وهو الارتفاع، ولا شك أن ~~منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ثلاث درجات، إحداها المقام، وهو ~~الذي قام عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة. # وقوله: "ثم رفع" وهو بالفاء؛ أي: رفع رأسه من الركوع. # وقوله: "فنزل" أصل موضوع الفاء للتعقيب، لكن تعقيب كل شيء بحسبه، والمراد ~~النزول: بعد رفعه من الركوع. # وقوله: "القهقرى" هو المشي إلى خلف، وإنما فعل ذلك لئلا يستدبر القبلة. # وقوله: "حتى سجد في أصل المنبر"؛ أي: على الأرض إلى جنب الدرجة السفلى. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولتعلموا صلاتي" هو بفتح العين واللام ~~المشددة؛ أي: تتعلموا؛ بين - صلى الله عليه وسلم - أن صعوده المنبر وصلاته ~~عليه إنما كان للتعليم؛ ليرى جميعهم أفعاله - صلى الله عليه وسلم -، بخلاف ~~ما كان على الأرض؛ فإنه لا يراه إلا ms0432 بعضهم ممن قرب منه. # وقوله: "وفي لفظ: صلى عليها، ثم كبر عليها، ثم ركع وهو عليها" الضمير في ~~عليها في المواضع الثلاثة عائد إلى الدرجة الثالثة، وهي أعلى المنبر، وهي ~~بعض من المنبر، وإن لم يكن لها ذكر؛ لدلالة المعنى عليها. # وفي هذا الحديث فوائد: # منها: استحباب اتخاذ المنبر. # ومنها: استحباب كون الخطيب ومن في معناه على مرتفع من الأرض؛ كمنبر أو ~~كرسي ونحوهما. # ومنها جواز الفعل القليل في الصلاة. PageV02P673 # ومنها: أن الخطوتين لا تبطل الصلاة، ولكن الأولى ترك الخطوة والخطوتين ~~وغيرهما من أفعال إلا لحاجة، فإن كان لحاجة، فلا كراهة فيه كما فعل - صلى ~~الله عليه وسلم -. # ومنها: أن الأفعال الكثيرة إذا تفرقت لا تبطل الصلاة؛ لأن النزول عن ~~المنبر والصعود تكرر، فجملته كثيرة، وأفراده متفرقة كل واحد منهما قليل. # ومنها: جواز صلاة الإمام على موضع أعلى من موضع المأمومين لقصد التعليم ~~بلا كراهة، بل هو مستحب، وكذلك حكم ارتفاع المأموم على الإمام لقصد إعلام ~~المأمومين بصلاة الإمام، وإن لم يقصد شيئا من ذلك، فهو مكروه، وزاد أصحاب ~~مالك: إن قصد بذلك التكبر، بطلت صلاته. # ومنها: أنه ينبغي للكبير أو الإمام أو العالم إذا فعل شيئا يخالف المعتاد ~~أن يبين حكمه لأصحابه؛ ليزيل الريبة عنهم، ولأنه أبلغ في فهمهم. # ومنها: استحباب قصد تعليم المأمومين أفعال الصلاة؛ فإن ذلك لا يقتضي ~~القدح والتشريك في العبادة، بل هو كرفع صوته بالتكبير ليسمعهم، وكذلك حكم ~~إقامة الصلاة أو الجماعة لقصد التعليم، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -: أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "من جاء منكم الجمعة فليغتسل" (¬1). # تقدم الكلام على ابن عمر. # قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من جاء منكم الجمعة" المراد بالمجيء ~~إرادته، بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم - في رواية في "صحيح مسلم": "إذا ~~أراد أحدكم أن يأتي الجمعة" (¬2)، وفي معنى إرادة المجيء قصد الشروع في ~~المجيء. PageV02P674 # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فليغتسل" الفاء للتعقيب، واشترط مالك - ~~رحمه الله - اتصال ms0433 الغسل بالرواح؛ لتعلقه بالأمر بالمجيء إلى الجمعة، لكنه ~~قد تبين أن المراد إرادته أو قصده، وأبعد داود الظاهري، وجعل الغسل متعلقا ~~باليوم فقط، حتى لو اغتسل قبل غروب الشمس يوم الجمعة حصلت مشروعية الغسل، ~~مستدلا بقوله - صلى الله عليه وسلم - في "الصحيح": "لو اغتسلتم ليومكم" ~~(¬1)، وقوله: "غسل يوم الجمعة" (¬2)، وقوله: "لو اغتسلتم يوم الجمعة"، ~~فعلقه، وأضافه إلى اليوم، وهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فدل على أنه ~~مشروع لليوم، لا لتعين المجيء، لكنه قد تبين المقصود من الغسل، وبيان سبب ~~شرعيته في الأحاديث الصحيحة، وهو إزالة الروائح الكريهة والوسخ؛ لعدم إيذاء ~~الناس والملائكة، وكذلك أبعد من قدم جوازه على يوم الجمعة؛ بحيث لا يحصل ~~المقصود من إزالة ما ذكر والنظافة لم يعتد به، والمعنى إذا كان معلوما من ~~الشرع بالقطع؛ كالنص، أو بالظن الراجح المقارن للنص، فاتباعه وتعليق الحكم ~~به أولى من اتباع مجرد اللفظ، وإذا كان أصل المعنى معقولا، وتفاصيله تحتمل ~~التعبد، فلا شك أنه محل نظر، ولا شك أن الأحاديث التي دلت على تعلق الأمر ~~بالمجيء أو الإتيان قد دلت على تعلق الأمر بهذه الحالة المطلوبة من النظافة ~~وإزالة الوسخ، والأحاديث التي تدل على تعليقه باليوم لا تتناول تعليقه بها، ~~فهو إذا تمسك بها أبطل دلالة الأحاديث التي دلت على تعلق الأمر بالحالة ~~المطلوبة، وليس له ذلك، ونحن إذا قلنا بتعليقه بهذه الحالة، لم يبطل ما ~~استدل به، وعملنا بمجموع الأحاديث. PageV02P675 # واللام في قوله: "فليغتسل" للأمر، ولكن جمهور العلماء من السلف والخلف ~~على أنها للندب، قال القاضي عياض: وهو المشهور من مذهب مالك وأصحابه (¬1)، ~~وإن كان ظاهر الأمر للوجوب، وقد ثبت التصريح به في قوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "غسل الجمعة واجب على كل محتلم" (¬2)، وهذا الذي حمل طائفة من ~~السلف وبعض الصحابة وبعض التابعين، ومالك في رواية عنه، وأهل الظاهر إلى ~~القول بوجوبه؛ عملا بظواهر الأمر والأحاديث المروية فيه، واحتج الجمهور ~~الذين قالوا بالندب بأحاديث صحيحة، منها ما رواه مسلم في "صحيحه": أن رجلا ~~دخل وعمر ms0434 يخطب، وهو عثمان بن عفان، وقد ترك الغسل، وأقره عمر والصحابة على ~~ذلك (¬3)، وهم أهل الحل والعقد، مع أن ترك عثمان -رضي الله عنه- حجة في عدم ~~الوجوب بمجرده، فلو كان واجبا، لألزموه، ولما تركه، ومنها ما ثبت صحيحا في ~~السنن: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من توضأ، فبها ونعمت، ومن ~~اغتسل فالغسل أفضل" (¬4)، ففيه دليلان: الندب، وعدم الوجوب، ومنها رواية في ~~"صحيح مسلم"، وهي قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لو اغتسلتم يوم الجمعة" ~~(¬5)، وهذا اللفظ يقتضي أنه ليس بواجب؛ لأن التقدير: لو اغتسلتم، لكان أفضل ~~وأكمل، وتأولوا صيغة الأمر على الندب، وصيغة الوجوب على التأكيد في قوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "واجب على كل محتلم"، وضعف هذا التأويل؛ فإن المراد ~~بالمحتلم البالغ، كما أن المراد بالحائض في قوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" (¬6): من PageV02P676 # بلغت سن الحيض، لا وجوده، والوجوب شرعا المنع من الترك، وحمله على الندب ~~أو تأكيد النفل خلاف الظاهر إذا لم يعارضه دليل آخر، فحينئذ يكون الجمع بين ~~الأدلة التي ظاهرها الاختلاف وإعمالها أولى من إلغائها، خصوصا إذا أمكن ~~الجمع بوجه سائغ. والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: جاء رجل والنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يخطب الناس يوم الجمعة، فقال: "صليت يا فلان؟ " قال: لا، قال: ~~"قم فاركع ركعتين" (¬1). # تقدم الكلام على جابر. # والرجل المبهم هو معين في رواية في "صحيح مسلم" (¬2)، وهو سليك الغطفاني، ~~وقال الخطيب في "المبهمات" وغيره: وقيل: هو النعمان بن قوقل، والأول هو ~~المشهور (¬3). # وهذا الحديث حجة لمن يقول باستحباب تحية المسجد لمن دخله والإمام يخطب، ~~وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وفقهاء المحدثين، وقال به الحسن البصري ~~وغيره من المتقدمين، وغير هذا الحديث أصرح في الدلالة، وهو ما ثبت في "صحيح ~~مسلم" في بعض طرق هذا الحديث: أنه قال - صلى الله عليه وسلم - بعد أمره ~~لسليك: "قم فاركع ركعتين وتجوز فيهما"، ثم قال: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة ms0435 ~~والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوز فيهما" (¬4). PageV02P677 # وقال مالك، والليث، وأبو حنيفة، والثوري، وجماعة كثيرة من الصحابة ~~والتابعين، وهو مروي عن عمر وعثمان: لا يصليهما؛ لوجوب الاشتغال بالإنصات ~~للخطبة بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب: أنصت، ~~فقد لغوت" (¬1). # قالوا: فإذا منع من الكلمة، وهي: أنصت، مع كونها أمرا بمعروف ونهيا عن ~~منكر في زمن يسير، فلأن يمنع من الركعتين مع كونهما مسنونتين في زمن طويل ~~من باب الأولى. # واعتذروا عن الأحاديث المذكورة من أمره للرجل الداخل أنه مخصوص به؛ لأنه ~~كان فقيرا، فأريد قيامه لتستشرفه العيون، ويتصدق عليه، وأيدوا ذلك بأمره - ~~صلى الله عليه وسلم - له بالقيام؛ لأن ركعتي التحية تفوت بالجلوس، وقد تم، ~~وبأن الحديث المذكور خبر واحد، والمالكية تقدم عمل أهل المدينة عليه، ويرون ~~العمل به أولى من خبر الواحد، والحنفية ترده فيما تعم البلوى به. # والجواب عن ذلك بأن التخصيص على خلاف الأصل يبعد الحمل عليه مع صيغة ~~العموم في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا جاء أحدكم الجمعة والإمام ~~يخطب"؛ فإنه تعميم يزيل توهم التخصيص بهذا الرجل، ومذهب المالكية معروف في ~~رد خبر الواحد بعمل أهل المدينة، [ومذهب] الحنفية معروف -أيضا- في رده بما ~~تعم به البلوى، وبالقياس الجلي في كتب أصول الفقه. # وأما الجلوس قبل أن يركعهما، فمكروه للعالم بأنها سنة، وأما الجاهل، ~~فيستحب له تداركها على قرب، ولا تسقط بمجرد الجلوس، ولا بالنسيان إذا ذكرها ~~على قرب، والاشتغال بالركعتين للداخل مستثنى من عموم الأمر بالإنصات ~~للخطبة، والله أعلم. PageV02P678 # وقال الإمام أبو العباس القرطبي صاحب "المفهم" (¬1): وذهب بعض المتأخرين ~~من أصحاب الحديث إلى الجمع بين الأمرين، فخير الداخل بين الركوع وتركه، وهو ~~قول من تعارض عنده الخبر والعمل، والله أعلم. # وفي هذا الحديث: # جواز تأخير المجيء إلى الجمعة والإمام يخطب على المنبر. # وفيه: جواز الكلام للخطيب في الخطبة لحاجة التعليم ونحوه. # وفيه: جواز جوابه للمستمع وغيره. # وفيه: الأمر بالمعروف، والإرشاد إلى المصالح في كل حال وموطن. # وفيه: أن تحية المسجد لا تفوت بالجلوس ms0436 في حق الجاهل حكمها. # وفيه: أن تحية المسجد ونوافل النهار ركعتان. # وفيه: أن تحية المسجد لا تفوت بالجلوس في حق الجاهل. وقد أطلق أصحاب ~~الشافعي فواتها بالجلوس، وهو محمول على من طال جلوسه كما ذكرنا عالما بأنها سنة. # وقد يستنبط منه أن تحية المسجد وغيرها من الصلوات ذوات الأسباب المباحة ~~لا تكره في وقت من الأوقات، وكذلك كل ذات سبب واجب؛ كقضاء فائتة ونحوه؛ ~~لأنها لو سقطت في حال من الأحوال، لكان حال استماع الخطبة أولى بالسقوط، ~~فلما لم تترك في حال هو واجب، وتركه محرم، وقطعت الخطبة من أجله، وأمره ~~بفعله بعد أن قعد؛ لجهله بحكمها، دل على تأكدها، وأنها لا تترك بحال، ولا ~~في وقت من الأوقات، وباقي الصلوات ذوات الأسباب يقاس عليها، والله أعلم. # * * * PageV02P679 ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن جابر -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب ~~خطبتين وهو قائم، يفصل بينهما بجلوس (¬1). # أما جابر هذا، فهو ابن سمرة، كذا هو مبين في "صحيح مسلم". # قال ابن حبان: ولأبيه سمرة صحبة، واختلف في اسم جده، فقيل: جنادة بن ~~جندب، وقيل: عمرو بن جندب، وهو سوائي من بني سواءة حليف بني زهرة. # كنية جابر هذا: أبو عبد الله، وقيل: أبو خالد، وأمه خلدة بنت أبي وقاص ~~أخت سعد بن أبي وقاص أحد العشرة، سكن الكوفة، روي له عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - مئة حديث وستة وأربعون حديثا، اتفقا على حديثين، وانفرد ~~مسلم بثلاثة وعشرين، روى عنه جماعة من التابعين وغيرهم، مات سنة ست وستين ~~أيام المختار. # وقال أبو حاتم بن حبان: توفي بالكوفة سنة أربع وسبعين في ولاية بشر ابن ~~مروان على العراق، وصلى عليه عمرو بن حريث، وحديثه عند أهل الكوفة، هذا آخر ~~كلامه، وروى له أصحاب السنن والمساند (¬2). PageV02P680 # أما الخطبة -بضم الخاء-، فهي الكلام المؤلف المتضمن وعظا وإبلاغا، خطب ~~يخطب -بضم الخاء- خطابا بكسر الخاء (¬1). # وفي هذا الحديث دليل على ثلاث مسائل في الخطبة: # الأولى: اشتراط الخطبتين لصحة الجمعة، وهو مذهب الشافعي ms0437 والأكثرين، قال ~~القاضي عياض: وإليه ذهب عامة العلماء، وقال الحسن البصري، وأهل الظاهر، ~~وابن الماجشون عن مالك: إنها تصح بلا خطبة، وفي دليل اشتراطهما نظر؛ من حيث ~~إنهم استدلوا عليه بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لهما مع قوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (¬2)، وذلك يتوقف على أن تكون ~~إقامة الخطبتين داخلا تحت كيفية الصلاة، وإذا لم يكن كذلك، لم يبق ~~الاستدلال عليه إلا بمجرد الفعل. # الثانية: اشتراط القيام فيهما، ولا يصح من القاعد، قال ابن عبد البر: ~~إجماع العلماء على أن الخطبة لا تكون إلا قائما لمن أطاقه. # وقال أبو حنيفة: يصح قاعدا، والقيام ليس بواجب. # وقال مالك: وهو واجب لو تركه أساء وصحت الجمعة. # والذي ذهب إليه الشافعي والأكثرون اشتراطه، وفي دليله من النظر ما ذكرنا ~~في المسألة الأولى. # الثالثة: اشتراط الجلوس بينهما، وأنه فرض من فروضها، قال الطحاوي: لم يقل ~~هذا غير الشافعي (¬3)، وقال مالك، وأبو حنيفة، والجمهور: الجلوس بين PageV02P681 # الخطبتين سنة ليس بواجب ولا شرط، وفي دليل الاشتراط والفرضية من النظر ما ~~ذكرنا، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الخامس # عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"إذا قلت لصاحبك: أنصت، يوم الجمعة، والإمام يخطب، فقد لغوت" (¬1). # قوله: "أنصت" معناه: اسكت، وقد ثبت في "صحيح مسلم" أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "من أتى الجمعة فاستمع وأنصت" (¬2)، فجعلهما شيئين ~~متمايزين، ولا شك أن الاستماع الإصغاء، والإنصات السكوت، ولهذا قال الله ~~تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} [الأعراف: 204]، يقال: أنصت ~~ونصت وانتصت، ثلاث لغات حكاهن الأزهري في "شرح ألفاظ مختصر المزني" (¬3). # وقوله: "فقد لغوت" يقال: لغا يلغو، ولغي يلغى، بالواو والياء في المضارع، ~~وظاهر القرآن يقتضي لغة الياء في قوله تعالى: {وقال الذين كفروا لا تسمعوا ~~لهذا القرآن والغوا فيه} [فصلت: 26]، وقد لغوت ولغيت، وهما روايتان في ~~"صحيح مسلم" (¬4). # واللغو واللغي: رديء الكلام وكل ما لا خير فيه، وقد يطلق على الخيبة PageV02P682 # أيضا، وقيل: معناه: ملت ms0438 عن الصواب، وقيل: تكلمت بما لا ينبغي (¬1). # ومعنى الحديث: النهي عن جميع أنواع الكلام حال الخطبة، ونبه بهذا على ما ~~سواه؛ لأنه إذا قال: أنصت، وهو في الأصل أمر بمعروف، وسماه لغوا، فغيره من ~~الكلام أولى، وطريقه إذا أراد نهي غيره عن الكلام أن يشير إليه بالسكوت إن ~~فهمه، فإن تعذر فهمه، فلينهه بكلام مختصر، ولا يزيد على أقل ممكن. # ولا شك أن الحديث دليل على طلب الإنصات في الخطبة، والناس في ذلك على قسمين: # أحدهما: من يسمع الخطبة، وهؤلاء ضربان: ضرب لا تصح الجمعة إلا بهم، وهم ~~أربعون أو أقل أو أكثر على قدر الاختلاف فيهم، فهؤلاء يجب عليهم الاستماع ~~بلا شك، وضرب تصح الجمعة بدونهم وهم يسمعون، فهؤلاء يجب عليهم -أيضا- عند ~~مالك، وأبي حنيفة، والشافعي في أحد قوليه في الحديث، وأحمد في المشهور من ~~روايته، وعامة العلماء، مع اتفاقهم على أن الكلام في هذا الضرب مكروه كراهة ~~تنزيه، لكن الاختلاف في التحريم، والذي يقتضيه الدليل التحريم، وهو الراجح ~~عند أكثر العلماء، وحكي عن النخعي والشعبي وبعض السلف: أنه لا يجب إلا إذا ~~تلا الخطيب فيها القرآن. # القسم الثاني: من لا يسمع الخطبة أصلا، قال القاضي عياض وغيره: اختلف ~~العلماء فيه، هل يجب عليه السكوت؛ كما لو كان يسمع؟ قال الجمهور: يلزمه؛ ~~لأنه إذا تكلم، يهوش على السامعين، ويشغلهم عن الاستماع، وقال النخعي ~~وأحمد، والشافعي في أحد قوليه: لا يلزمه، ولكن يستحب له. # وأما الإنصات بين خروج الإمام والخطبة، فقال به أبو حنيفة، قال: يجب ~~الإنصات بخروج الإمام، وقال مالك والشافعي والجمهور: لا يجب، والله أعلم. PageV02P683 # ولا شك أن الإنصات والإمام يخطب يستدل له من عموم الحديث على من سمعه ومن ~~لم يسمعه من غير تقييد، حتى استدلت به المالكية على عدم تحية المسجد من حيث ~~إن الأمر بالإنصات أمر بمعروف، وأصله الوجوب، فإذا منع منه مع قلة زمانه ~~وقلة انشغاله، فلأن يمنع الركعتان مع كونهما سنة وطول الاشتغال بهما أولى، ~~وقد تقدم ذلك، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث السادس ms0439 # عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"من اغتسل يوم الجمعة، ثم راح، فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة ~~الثانية، فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشا ~~أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة ~~الخامسة، فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام، حضرت الملائكة يستمعون الذكر" (¬1). # أما الرواح لغة: فهو الذهاب أول النهار وآخره، قال الأزهري: لغة العرب أن ~~الرواح الذهاب، سواء كان أول النهار أو آخره، أو في الليل، والمراد به في ~~الحديث الذهاب أول النهار (¬2)، وادعى مالك والقاضي حسين وإمام الحرمين من ~~أصحاب الشافعي: أن الرواح لا يكون إلا بعد الزوال، وقالوا: هذا معناه في ~~اللغة بناء على أن الساعات المذكورة في الحديث عندهم لحظات لطيفة، لا ~~الساعات التي هي من طلوع الفجر أو طلوع الشمس، وقد اختلف في ذلك، والصحيح ~~عند العلماء أنه من طلوع الفجر، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "يوم ~~الجمعة اثنتا عشرة ساعة" (¬3)، فجعل الساعات عبارة عن جميع اليوم، لا عن ~~اللحظات PageV02P684 # اللطيفة، مع أن لفظة راح محتملة لمجرد السير أي وقت كان، كما صرح به ~~الأزهري، وأوله مالك في السعي على مجرد السير. # وقوله: "فكأنما قرب بدنة" معنى قرب: تصدق، وأما البدنة، فقال جمهور أهل ~~اللغة وجماعة من الفقهاء: تقع على الواحد من الإبل والبقر والغنم، سميت ~~بذلك؛ لعظم بدنها، وخصها جماعة بالإبل، وهو المراد بالحديث اتفاقا؛ لأنها ~~قوبلت فيه بالبقرة والكبش (¬1)، وادعى بعض الفقهاء من الشافعية أن استعمال ~~البدنة في الإبل أغلب، وبنى على ذلك أنه لو قال: لله علي أن أضحي ببدنة، ~~ولم يقيد بالإبل لفظا ولا نية، والإبل موجودة، هل يتعين؟ فيه وجهان: # أحدهما: التعين؛ لأن لفظة البدنة مخصوصة بالإبل، أو غالبة فيه، فلا يعدل عنه. # والثاني: أنه يقوم مقامها بقرة، أو سبع من الغنم؛ حملا على ما علم من ~~الشرع من إقامتها مقامها، والأول أقرب. # فإن لم يوجد الإبل ففيه وجهان: ms0440 # أحدهما: يصبر إلى أن توجد. # والثاني: تقوم مقامها البقرة. # واعلم أن البدنة والبقرة تطلقان على الذكر والأنثى باتفاقهم، والهاء ~~فيهما للوحدة؛ كقمحة وشعيرة ونحوهما من أفراد الجنس، وأما البقرة، فسميت ~~بها؛ لأنها تبقر الأرض؛ أي: تشقها بالحراثة، والبقر: الشق، ومنه قولهم: بقر ~~بطنه، أي: شقه، ومنه سمي محمد الباقر - رضي الله عنه -؛ لأنه بقر العلم، ~~ودخل فيه مدخلا بليغا، ووصل منه غاية مرضية. PageV02P685 # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "كبشا أقرن" ووصفه بالأقرن لكماله به وحسن ~~صورته، ولأنه ينتفع به. # والدجاجة -بكسر الدال وفتحها- لغتان مشهورتان، وتقع على الذكر والأنثى. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإذا خرج الإمام، حضرت الملاتكة يستمعون ~~الذكر" يقال: حضرت -بفتح الضاد وكسرها- لغتان، الفتح أفصح وأشهر، وبه جاء ~~القرآن، قال الله تعالى: {وإذا حضر القسمة} [النساء: 8]. # ومقتضى الحديث خروج الإمام بعد الساعة الخامسة، وتطوي الملائكة الصحف ~~لاستماع الذكر، وخروج الإمام إنما يكون بعد الساعة السادسة على ما بينا أن ~~المراد بالساعات الزمانية التي يومها اثنتا عشرة ساعة، أما إذا جعلنا ~~المراد منها اللحظات بعد الزوال، أو جعلنا ذلك عبارة عن ترتيب منازل ~~السابقين، فلا يلزم هذا الاقتضاء، والإشكال عليه، والمراد بهؤلاء الملائكة: ~~غير الحفظة، ووظيفتهم كتابة حاضري الجمعة، واستماعهم للذكر الذي هو الوعظ ~~والتذكير؛ تشريفا له ولسامعيه، وتعظيما لقدر الجمعة، وشهادة لهم بذلك جميعه. # واعلم أنه جاء في رواية النسائي بعد الكبش: بطة، ثم دجاجة، ثم بيضة (¬1)، ~~وفي رواية له بعد الكبش: دجاجة، ثم عصفور، ثم بيضة (¬2) , وإسناد الروايتين ~~صحيحان، ولا إشكال عليهما، فإن اقتضاهما أن خروج الإمام بعد السادسة، فيصح ~~كون أن الساعات هي من اليوم الذي هو اثنتا عشرة ساعة، والله أعلم. # ثم إن من جاء في أول ساعة من هذه الساعات، ومن جاء في آخرها مشتركان PageV02P686 # في تحصيل ثواب أصل البدنة أو البقرة أو الكبش، ولكن ثواب بدنة الأول أكمل ~~من ثواب الآخر، والمتوسط، وثواب بدنة المتوسط بينهما، كما أن صلاة الجماعة ~~تزيد على صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة، ومعلوم أن الجماعة تطلق على اثنين ms0441 ~~وعلى ألوف، فمن صلى في جماعة هم عشرة آلاف مثلا، درجاته أكمل من درجات من ~~صلى مع اثنين، مع نظائر كثيرة لهذا، والله أعلم. # ثم المراد بالغسل المتقدم في الحديث على الرواح الإطلاق لأجل الجمعة من ~~غير مواقعة لزوجة أو جارية، واستحبه بعض أصحاب الشافعي في كتب الفقه، قال: ~~ليكون أغض لبصره وأسكن لنفسه، مستدلا برواية في "صحيح مسلم": "من اغتسل يوم ~~الجمعة غسل الجنابة" (¬1)، وهو استدلال ضعيف؛ لأن معنى الحديث: من اغتسل ~~غسلا كغسل الجنابة في الصفات، لا في الموجبات له من جماع أو احتلام، والله أعلم. # وفي هذا الحديث أحكام: # الأول: الحث على الغسل يوم الجمعة، وتقدم الاختلاف في وجوبه واستحبابه في ~~الحديث الثاني من هذا الباب، لكن في هذا الحديث عموم أكثر من ذلك؛ فإن ~~عمومه بالمجيء، والأمر بالغسل مقيد به، وهنا عمومه من حيث الحث عليه، وعلى ~~التبكير إلى الجمعة، سواء كان رجلا أو امرأة، وسواء كان صبيا أو جارية؛ لأن ~~القربات تصح من هؤلاء كلهم، فيشرع لكل مريد للجمعة مطلقا، ويتأكد في حق ~~الذكور البالغين أكثر من غيرهم من النساء والصبيان المميزين؛ فإنه في حق ~~النساء قريب من التطيب، ولا يكره في حقهن؛ فإنه تنظف له محض، وهو مطلوب ~~للجمعة وغيرها، ولأصحاب الشافعي في هذه المسألة اختلاف وجوه: # أصحها: ما ذكرنا. # والثاني: يستحب للذكور خاصة. PageV02P687 # والثالث: يستحب لمن تلزمه الجمعة دون النساء والصبيان والعبيد ~~والمسافرين. # والرابع: يستحب مطلقا لكل أحد، سواء أراد حضور الجمعة أم لا؛ كغسل العيد؛ ~~فإنه يستحب لكل أحد. # الثاني: استحباب التبكير إلى الجمعة والتهجير؛ كما ورد في الأحاديث ~~الصحيحة، ومذهب الشافعي، وجماهير أصحابه، وابن حبيب المالكي، وجمهور ~~العلماء: استحباب التبكير إليها أول النهار، والساعات عندهم أول النهار، ~~والرواح أوله وآخره كما تقدم ذكره، واختار مالك التهجير، واستدل عليه ~~بأوجه: أحدها: أن التهجير والمهجر إنما يكون في الهاجرة، ومن خرج من بيته ~~عند طلوع الشمس مثلا، أو بعد طلوع الفجر، لا يقال له: مهجر، وأجيب عن ذلك ~~بأن التهجير مشتق من الهجر، ms0442 وهو ترك المنزل أي وقت كان، كيف وقد ثبت في ~~"الصحيح" مرفوعا: "من غسل واغتسل، وغدا وابتكر" (¬1)، وذلك يدل على أن ~~المراد بالتهجير أول النهار؛ لأن الغدو والتبكير إنما يكونان أول النهار؛ ~~لا وقت الهاجرة، قال الخليل بن أحمد وغيره من أهل اللغة: التهجير: التبكير ~~(¬2)، ومنه الحديث: "لو يعلمون ما في التهجير، لاستبقوا إليه" (¬3)؛ أي: ~~التبكير إلى كل صلاة. # الثالث: ما ذكرنا من أن المراد بالساعات: اللحظات، وقد بينا بطلانه هنا، ~~واستدلوا على ما قالوه بأن العرف واستعمال الشرع لا يدلان على استعمال PageV02P688 # الساعات بحساب وآلات، وإن دل، فالمراد بها الظرفية التي تقع فيها المراتب ~~في الذهاب، وقد بينا تسمية الشارع لها حيث قال: "يوم الجمعة اثنتا عشرة ~~ساعة" (¬1)، والجواب عن المراتب بالأكملية والأفضلية في السبقية، لا رفع كل ~~التقريب بالنسبة إلى تلك الصلاة. # الرابع: ما ذكرناه من أن الساعة السادسة لم تذكر، وعقب خروج الإمام وحضور ~~الملائكة بالخامسة، فمن قال: التبكير من طلوع الفجر إلى زوال الشمس يجعل ~~الوقت المذكور في هذا الحديث مقسما على خمسة أجزاء، ويجعله مردا للفعل في ~~الذهاب، وهذا لا يصح؛ فإن الحمل على الساعات التي من اثني عشر أولى؛ لظهوره ~~وخفاء ما جعله، ولم يقل أحد به، بل القائل اثنان إما أول النهار، أو أول ~~الزوال، ولا عيب في خروج الإمام عقب الخامسة، كيف وقد أجبنا عنه بذكر ~~النسائي للسادسة، فدل ذلك جميعه على أنه لا شيء من الهدي والفضيلة لمن جاء ~~بعد الزوال، وإن ذكر الساعات إنما كان للحث على التبكير إليها، والترغيب في ~~فضيلة السبق، وتحصيل الصف الأول، وانتظار الصلاة، والاشتغال بالتنفل والذكر ~~ونحوه، وهذا كله لا يحصل بالذهاب بعد الزوال؛ ولا فضيلة لمن أتى بعد ~~الزوال؛ لأن النداء يكون حينئذ، ويحرم التخلف بعده. # الخامس: البيان لمراتب الناس في الفضائل في الجمعة وغيرها بحسب أعمالهم، ~~وذلك يعرف أيضا من قوله -سبحانه وتعالى-: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} ~~[الحجرات: 13]. # السادس: أن القربان والهدي والصدقة تقع على القليل والكثير من غير الإبل ~~والبقر والغنم، ms0443 وقد قال به بعض أصحاب الشافعي، وهي أقرب إلى الرواية التي ~~فيها لفظ؛ كالمهدي دجاجة وغيرها، وقد ذكرنا أن النسائي روى بإسنادين PageV02P689 # صحيحين بعد الكبش: بطة، ثم دجاجة، ثم بيضة، وفي الرواية الثانية: دجاجة، ~~ثم عصفور، ثم بيضة. # السابع: أن التضحية بالإبل أفضل من البقر؛ لجعل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - الإبل في الدرجة الأولى، والبقرة في الدرجة الثانية، وقد أجمع ~~العلماء على أن الإبل أفضل من البقر في الهدايا، واختلفوا في الأضحية، ~~فمذهب الشافعي وأبي حنيفة والجمهور: أن الإبل أفضل من البقر ثم الغنم، كما ~~في الهدايا، ومذهب مالك أن أفضل الأضحية الغنم، ثم البقر، ثم الإبل، قالوا: ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ضحى بكبشين (¬1)، ولأن لحم الغنم أطيب، ~~فكان أفضل، لكن ظاهر حديث التبكير إلى الجمعة يخالف هذا، وهو حجة الجمهور، ~~ومع القياس على الهدايا وتضحيته على كبشين لا يلزم منها الأفضلية، بل تقيد ~~الجواز وطيب اللحم من الغنم معارض بكثرته من الإبل والبقر، ولعله - صلى ~~الله عليه وسلم - لما ضحى بالكبشين لم يجد غيرهما في ذلك الوقت، كما ثبت في ~~"الصحيح": أنه - صلى الله عليه وسلم - ضحى عن نسائه بالبقر (¬2). # الثامن: أن حضور هؤلاء الملائكة لازم لخروج الإمام للخطبة المشتملة على ~~ذكر الله تعالى والوعظ والتذكير، واستماع ذلك، لا لاستماع ما أحدث فيها من ~~البدع وغيرها؛ فإن ذلك تكتبه الحفظة على فاعله، والراضي به بلسانه، وأما ~~الراضي به بقلبه، فإن الله تعالى مطلع عليه دون الحفظة من الملائكة، والله ~~تعالى أعلم. # * * * PageV02P690 ### ||| AUTO الحديث السابع # عن سلمة بن الأكوع -رضي الله عنه- وكان من أصحاب الشجرة، قال: كنا نصلي ~~مع النبي - صلى الله عليه وسلم - الجمعة، ثم ننصرف، وليس للحيطان ظل نستظل ~~به (¬1). وفي لفظ: كنا نجمع مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا زالت ~~الشمس، ثم نرجع فنتتبع الفيء (¬2). # تقدم الكلام على سلمة بن الأكوع. # والفيء؛ قيل: هو اسم مخصوص بالظل الذي بعد الزوال، وإن أطلق على الظل قبل ~~الزوال مجازا؛ لأنه من فاء يفيء: إذا ms0444 رجع، وذلك فيما بعد الزوال. # وقوله: "نجمع" هو -بضم النون وفتح الجيم وتشديد الميم المكسورة-؛ أي: ~~نقيم الجمعة. # وقوله: "ليس للحيطان ظل نستظل به" ليس نفيا لأصل الظل، بل ينفي ظلا ~~يستظلون به، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، مع أن أهل الحساب قالوا: إن ~~عرض المدينة خمسة وعشرون درجة، فإذا غاية الارتفاع تسعة وثمانون، فلا تسامت ~~الشمس الرؤوس، وإذا لم تسامت الرؤوس، لم يكن ظل القائم تحته حقيقة، بل لا ~~بد من ظل، فامتنع أن يكون المراد نفي أصل الظل، فيكون المراد ظلا يكفي ~~أبدانهم للاستظلال، ولا يلزم من ذلك وقوع الصلاة ولا شيء من خطبتها، ولو ~~طالت القراءة فيها، قبل الزوال. # وقوله: "فنتتبع الفيء" إنما كان ذلك لشدة التبكير، وقصر حيطانهم، لكنه ~~كان في يسير، وفي هذين الحديثين دليل على أن وقت الجمعة وقت للظهر لا يجوز ~~إلا بعد الزوال، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وجماهير العلماء من ~~الصحابة والتابعين فمن بعدهم، ولم يخالف في ذلك إلا أحمد وإسحاق، فقالا ~~بجوازها قبل الزوال؛ تمسكا بهذا الحديث؛ من حيث إنه تقع PageV02P691 # بعد الزوال الخطبتان والصلاة، مع ما ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يقرأ فيهما الجمعة والمنافقين، وذلك يقتضي زمانا يمتد فيه الظل، فحيث كانوا ~~ينصرفون منها، وليس للحيطان فيء يستظلون به، ربما اقتضى ذلك أن تكون واقعة ~~قبل الزوال، أو خطبتاها، أو بعضها، لكن الحديث الثاني يتبين منه وقوع ذلك ~~جميعه بعد الزوال، ولا يلزم من قراءته الجمعة والمنافقين الدوام، وما تمسكا ~~به من الحديث الأول، وهم؛ لما بيناه. # قال القاضي عياض: وروي في هذا أشياء عن الصحابة لا يصح شيء منها إلا ما ~~عليه الجمهور، وحملوا الحديث على المبالغة في تعجيلها، وأنهم كانوا يؤخرون ~~الغداء أو القيلولة في هذا اليوم إلى ما بعد صلاة الجمعة؛ لأنهم ندبوا إلى ~~التبكير إليها، فلو اشتغلوا بشيء من ذلك قبلها، خافوا فوتها، أو فوت ~~التبكير إليها، والله أعلم (¬1). # * * * ### ||| AUTO الحديث الثامن # عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: كان ms0445 النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ ~~في صلاة الفجر يوم الجمعة: {الم (1) تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب ~~العالمين} [السجدة: 1، 2] السجدة، و: {هل أتى على الإنسان} (¬2) [الإنسان: 1]. # في الحديث دليل على استحباب قراءة هاتين السورتين في صلاة الصبح يوم ~~الجمعة، والسجود عند قراءة آية السجدة في صلاة الفجر وغيرها من الفرائض، ~~وقد كرهه مالك في "المدونة" (¬3) خشية التخليط على المأمومين، وعلل أيضا ~~بخوف زيادة سجدة في صلاة الفرض، وهو تعليل فاسد بشهادة هذا الحديث، PageV02P692 # وخص بعض أصحاب مالك الكراهة بصلاة السر، فعلى هذا لا يكون مخالفا لهذا ~~الحديث، وفي المحافظة على قراءتها دائما أمر آخر، وهو أنه ربما أدى ذلك ~~الجهال إلى اعتقاد أن ذلك فرض في هذه الصلاة، ومن مذهب مالك حسم مادة ~~الذرائع، فالذي ينبغي أن يقال: إن الكراهة لقراءتها مطلقا لا يقال؛ لأن ~~الحديث يأباه، وإذا انتهى الحال إلى وقوع هذه المفسدة، تركت في بعض ~~الأوقات؛ دفعا لهذه المفسدة، وليس في الحديث ما يقتضي قراءتها دائما اقتضاء ~~قويا، وعلى كل حال فهو مستحب، والمستحب قد يترك لدفع المفسدة المتوقعة، ~~وهذا المقصود يحصل بالترك في بعض الأوقات، لا سيما إذا كان يحضره الجهال ~~ومن يخاف منه وقوع هذا الاعتقاد الفاسد، والله أعلم. # * * * PageV02P693 ### || AUTO باب العيدين # العيد مشتق من العود، وهو الرجوع والمعاودة؛ لأنه يتكرر، وهو من ذوات ~~الواو، وكان أصله: عود -بكسر العين-، فقلبت الواو ياء؛ كالميقات والميزان، ~~من الوقت والوزن، وجمعه أعياد، قال الجوهري: وإنما جمع بالياء، وأصله ~~الواو؛ للزومها في الواحد، قال؛ ويقال في الفرق بينه وبين أعواد الخشب (¬1). # * * * ### ||| AUTO الحديث الأول # عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وأبو بكر وعمر يصلون العيدين قبل الخطبة (¬2). # أما ابن عمر، فتقدم ذكره. # واعلم أن أول صلاة صليت للعيد بالمدينة في المصلى صلاة عيد الفطر في ~~السنة الثانية من الهجرة بعد بدر. # وأما قوله: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر" إلى آخره، ~~فمعناه أن فعل صلاة ms0446 العيد قبل الخطبة سنة ثابتة إلى الآن، لم ينسخ؛ لأن ~~فعله - صلى الله عليه وسلم - حجة بمجرده، PageV02P694 # وفعل أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - حجة بقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر، وعمر" (¬1)، خصوصا إذا وقع الإجماع على ~~فعلهما من غير مخالفة لهما، فصار فعل الصلاة قبل الخطبة ثابتا بالسنة ~~والإجماع عليه، فهذا معنى إضافة فعلهما إلى فعل النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، والله أعلم. # واعلم أن صلاة العيدين من الشعائر الإسلامية المطلوبة شرعا، والنقل بهما ~~متواتر يغني عن خبر الآحاد، وإن هذا الحديث مما يدل عليها، وقد كان ~~للجاهلية يومان معدان للعب، فأبدل الله تعالى المسلمين منهما بهذين اليومين ~~اللذين يظهر فيهما تكبير الله تعالى وتحميده ظهورا شائعا، وذلك يغيظ ~~المشركين، وجعلهما شكرا على ما أنعم به من أداء العبادات التي في يومهما ~~وقبلهما؛ كإتمام الصوم في عيد الفطر، وما يقع فيه من العبادات القاصرة ~~والمتعدية، وكالعبادات الواقعة في عشر عيد الأضحى، وأعظمها إقامة وظيفة ~~الحج، ولهذا سمي عيدا؛ لعوده كل سنة وتكرره، وقيل: لعود السرور، وقيل: ~~تفاؤلا بعوده على من أدركه؛ كما سميت القافلة عند خروجها تفاؤلا بقفولها ~~سالمة، وهو رجوعها، وحقيقتها الراجعة. # وقد قدمت الخطبة على الصلاة في صلاة العيدين في زمن بني أمية، وقيل: ~~فعلوا ذلك في كل صلاة لها خطبة والصلاة مقدمة عليها، إلا الجمعة، وخطبة يوم ~~عرفة؛ فإنهم أقروهما على ما هما عليه، وإنما قدموا الخطبة على الصلاة؛ نظرا ~~إلى عدم تفويت الناس الصلاة، فآثروا تقديم الخطبة للمحافظة على الصلاة لمن يتأخر. # واختلفوا في أول من فعل ذلك، فقيل: فعله عثمان - رضي الله عنه - في شطر ~~خلافته، ولم يصح عنه، وقيل: أول من قدمها معاوية، وقيل: مروان بالمدينة في ~~خلافة معاوية، وقيل: زياد بالبصرة في خلافة معاوية، وقيل: فعله ابن الزبير ~~في آخر أيامه، ثم وقع الإجماع على خلاف ذلك، والرجوع إلى فعل النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وصاحبيه. PageV02P695 # وقد فرق العلماء بين صلاة العيد والجمعة بفرقين: # أحدهما: أن صلاة ms0447 الجمعة فرض عين يهتم الناس بالإتيان إليها من خارج المصر ~~قبل دخول وقتها، وينتشرون في أشغالهم بعده في أمور دنياهم، فقدمت الخطبة ~~عليها ليتلاحق الناس ولا يفوتهم الفرض، لا سيما فرض لا يقضى على وجهه، وهذا ~~معدوم في صلاة العيد. # الثاني: أن صلاة الجمعة هي صلاة الظهر حقيقة، وإنما قصرت بشرائط، منها: ~~الخطبتان، والشرط لا يتأخر، ويتعذر مقارنة الشرط للمشروط الذي هو الصلاة، ~~فلزم تقديمه، وليس هذا المعنى في صلاة العيد؛ أي: ليست مقصورة عن شيء آخر ~~بشرط حتى يلزم تقدم ذلك الشرط. # واختلف العلماء في صلاة العيد، هل هي واجبة أم مستحبة؟ # فذهب الشافعي إلى أنها سنة مؤكدة، وبه قال جماهير أصحابه. # وقال أبو سعيد الإصطخري من الشافعية: هي فرض كفاية. # وقال أبو حنيفة: هي واجبة. # فإذا قلنا: فرض كفاية، فامتنع أهل موضع منها، قوتلوا عليها كسائر فروض ~~الكفاية، وإذا قلنا: سنة، فوجهان: # أصحهما: لا يقاتلون؛ كسنة الظهر وغيرها من السنن. # والثاني: يقاتلون؛ لأنها شعار ظاهر، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن البراء بن عازب -رضي الله عنهما- قال: خطبنا النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يوم الأضحى بعد الصلاة، فقال: "من صلى صلاتنا، ونسك نسكنا، فقد أصاب ~~النسك، ومن نسك قبل الصلاة، فلا نسك له"، فقال أبو بردة بن نيار خال البراء ~~بن عازب: يا رسول الله! إني نسكت قبل الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب، PageV02P696 # وأحببت أن تكون شاتي أول ما يذبح في بيتي، فذبحت شاتي، وتغذيت قبل أن آتي ~~الصلاة، قال: "شاتك شاة لحم"، قال: يا رسول الله! فإن عندنا عناقا هي أحب ~~إلي من شاتين، أفتجزئ عني؟ قال: "نعم، ولن تجزئ عن أحد بعدك" (¬1). # أما البراء بن عازب، فتقدم ذكره في باب صفة صلاة النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -". # وأما خاله أبو بردة بن نيار، فاسمه هانئ، وقيل: الحارث، وقيل: مالك، ~~والصحيح المشهور الأول. # وأما أبوه نيار، فاختلف فيه، فالمشهور نيار، وقيل: عمرو، وقيل: هبيرة، ~~ولم يختلفوا أنه من بلي؛ فيما قاله شيخنا أبو الفتح - رحمه ms0448 الله -. # قال أبو حاتم بن حبان: هو أسلمي، ويقال: هو حليف لبني حارثة بن الحارث بن ~~الخزرج. # ونسبه غيرهما إلى بني قضاعة؛ لأن بليا منهم، وقال: هو مدني. # وقال أبو حاتم: هو حليف لبني مجدعة. # قلت: ويسمونه أيضا هانئ بن عمرو بن نيار، وكان عقبيا بدريا، وشهد العقبة ~~الثانية مع السبعين في قول جماعة من أهل السير. # وقال الواقدي: إنه توفي في أول خلافة معاوية، وشهد المشاهد كلها مع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. # اتفق البخاري ومسلم على حديث واحد له، وروى عنه جابر بن عبد الله وجماعة ~~من التابعين، وروى له أصحاب السنن والمساند، مات ولا عقب له، قال أبو حاتم ~~بن حبان: سنة خمس وأربعين، وقال غيره: سنة إحدى أو اثنتين وأربعين (¬2). PageV02P697 # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من صلى صلاتنا ونسك نسكنا"، فلا شك ~~أن أصل النسك في اللغة من النسيكة، وهي البقرة المدل المصفاة من كل خلط، ~~والمراد بها هنا الذبيحة أضحية، وقد استعمل فيها كثيرا، واستعمله بعض ~~الفقهاء في نوع خاص من الدماء المراقة في الحج، وقد يستعمل فيما هو أعم من ~~ذلك من العبادات، ومنه يقال: فلان ناسك؛ أي: متعبد، ومعناه: مخلص عبادته ~~لله تعالى. ثم قوله: "صلى صلاتنا ونسك نسكنا"؛ أي: مثل صلاتنا ومثل نسكنا. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فقد أصاب النسك"؛ أي: فقد أصاب مشروعية ~~النسك وما قارب ذلك. # وقوله: "ومن نسك قبل الصلاة، فلا نسك له" معناه: لا يقع مجزئا عن ~~الأضحية، وظاهر اللفظ أن المراد منه قبل فعل الصلاة، ولم يتعرض لذكر ~~الخطبتين، وهما معتبران عند الشافعي؛ لكونهما مقصودتين مع الصلاة، فإن وقت ~~الأضحية لا يدخل إلا بمقدار الصلاة والخطبتين عنده. # وقوله: "شاتك شاة لحم"؛ أي: ليست ضحية، ولا ثواب فيها، بل هو لحم لك ~~تنتفع به، كما في رواية أخرى: "إنما هو لحم قدمته لأهلك" (¬1). # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولن تجزي عن أحد بعدك" هو بفتح التاء ~~المثناة فوق، ومعناه لن تقضي، يقال: جزى عني كذا؛ ms0449 أي: قضى؛ أي: إن الذي ~~فعله من الذبح قبل الصلاة لم يقع نسكا، فالذي يأتي بعده لا يكون قضاء عنه، ~~وهذا الذي ضبطناه PageV02P698 # في تجزي بفتح التاء هو في جميع الطرق والروايات، وهو من نحو قوله تعالى: ~~{واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده} [لقمان: 33]، وقد امتنع بهذا الحديث ~~قياس غير أبي بردة عليه، وتخصيص أبي بردة بهذا الحكم إمضاء له دون من بعده، ~~ولا شك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى عقبة بن عامر - رضي الله عنه ~~- عتودا؟، وقال: "ضح به أنت" رواه مسلم في "صحيحه" (¬1)، وأعطى زيد بن خالد ~~- رضي الله عنه - عتودا أجذع فقال: "ضح به"، فقلت: إنه جذع، من المعز أضحي ~~به؟ قال: "نعم ضح به", فضحيت به (¬2)، ورواه أبو داود بإسناد حسن (¬3)، ~~وليس فيها قوله: من المعز، لكنه معلوم من قوله: عتود؛ فإن العتود من أولاد ~~المعز خاصة، وهو ما رعى وقوي، قال الجوهري وغيره: هو ما بلغ سنة، وجمعه ~~أعتدة وعدان بإدغام التاء في الدال، ومعلوم أنه لا يجزئ في الأضحية، وإنما ~~يجزئ الجذع من الضأن، ولهذا روى البيهقي بإسناده الصحيح عن عقبة بن عامر - ~~رضي الله عنه - قال: أعطاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غنما أقسمها ~~ضحايا بين أصحابي، فبقي عتود منها، فقال: "ضح بها أنت ولا رخصة لأحد فيها ~~بعدك" (¬4)، فهذان الصحابيان حكمهما في الرخصة لهما حكم أبي بردة بن نيار. # وأما العناق: فهي الأنثى من أولاد المعز ما لم يتم له سنة، فإذا قوي ~~ورعى، وأتى عليه حول، قيل للذكر منه: عتود، وقال بعضهم: هي الصغيرة من ~~أولاد المعز ما دامت ترضع، [ولهذا قال في بعض روايات "صحيح مسلم": عندي PageV02P699 # عناق لبن (¬1)؛ أي: صغيرة قريبة مما ترضع] (¬2)، وجمع العناق أعنق وعنوق. # وقوله: "هي أحب إلي من شاتين"، وفي رواية في "صحيح مسلم": "عندي عناق لبن ~~هو خير من شاتي لحم" (¬3)، ومعناه: أطيب لحما وأنفع؛ لسمنها ونفاستها. # وفي هذا الحديث مسائل: # منها: أن خطبة عيد الأضحى بعد الصلاة، وتقدم الكلام ms0450 عليها في الحديث قبله. # ومنها: أن الأضحية لا يدخل وقتها إلا بعد صلاة العيد والخطبتين، وقد قال ~~ابن المنذر - رحمه الله -: وأجمع العلماء على أن الأضحية لا تجوز قبل طلوع ~~الفجر، واختلفوا فيما بعد ذلك، فقال الشافعي، وداود، وابن المنذر: يدخل ~~وقتها إذا طلعت الشمس، ومضى قدر صلاة العيد وخطبتين، فإذا ذبح بعد هذا ~~الوقت، أجزأه، سواء صلى الإمام أم لا، وسواء صلى المضحي أم لا، وسواء كان ~~من أهل الأمصار أو من أهل القرى أو البوادي أو المسافرين، وسواء ذبح الإمام ~~ضحيته أم لا. # وقال عطاء وأبو حنيفة: يدخل وقتها في حق أهل القرى والبوادي إذا طلع ~~الفجر الثاني، ولا يدخل في حق أهل الأمصار حتى يصلي الإمام ويخطب، فإذا ذبح ~~قبل ذلك، لم يجزئه. # وقال مالك: لا يجوز ذبحها إلا بعد صلاة الإمام وخطبته وذبحه. # وقال أحمد: لا يجوز قبل صلاة الإمام، ويجوز بعدها قبل ذبح الإمام، PageV02P700 # وسواء عنده أهل القرى والأمصار، ونحوه عن الحسن، والأوزاعي، وإسحاق بن ~~راهويه. # وقال الثوري: تجوز بعد صلاة الإمام قبل خطبته، وفي أثنائها. # وقال ربيعة: فمن لا إمام له إن ذبح قبل طلوع الشمس لا يجزئه، وبعد طلوعها ~~يجزئه، وظاهر هذا الحديث حجة على من خالفه بالنسبة إلى الصلاة. # ولما كانت الخطبتان مقصودتين في هذه العبادة، اعتبرهما الشافعي ومن وافقه. # ومنها: أن من ذبح قبل الصلاة لم يكن ناسكا؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "شاتك شاة لحم". # ومنها: أن المأمورات إذا وقعت على خلاف مقتضى الأمر، لم يكن الجهل عذرا ~~فيها، وقد فرق العلماء بين المأمورات والمنهيات في ذلك، فقالوا: يعذر في ~~المنهيات بالنسيان والجهل؛ كما في حديث معاوية بن الحكم حين تكلم في ~~الصلاة، ولا يعذر في المأمورات بأن المقصود منها إقامة مصالحها، ولا يحصل ~~ذلك إلا بفعلها، بخلاف المنهيات، فإنها مزجور عنها بسبب مفاسدها امتحانا ~~للمكلف بالانكفاف عنها، وذلك إنما يكون بالتعهد لارتكابها، ومع النسيان ~~والجهل لم يقصد المكلف ارتكاب المنهي، فعذر بالجهل فيه. # ومنها: أن لله تعالى أن يخص ms0451 ببعض الأحكام التي منع الناس منها من شاء على ~~لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - لعذر وغير عذر. # ومنها: أن المرجع في الأحكام كلها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~دون غيره ومن رجعت إليه من أمته فإنما هو بإذنه - صلى الله عليه وسلم -. # ومنها: أن يوم الأضحى يوم أكل وشرب يحرم الصوم فيه؛ حيث وصفه بالأكل ~~والشرب، والله أعلم. # * * * PageV02P701 ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن جندب بن عبد الله البجلي -رضي الله عنه- قال: صلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يوم النحر، ثم خطب، ثم ذبح، وقال: "من ذبح قبل أن يصلي، فليذبح ~~أخرى مكانها، ومن لم يذبح، فليذبح باسم الله" (¬1). # أما جندب بن عبد الله، فهو -بضم الجيم والدال المهملة بينهما نون ساكنة، ~~ويقال: بفتح الدال أيضا-، وحكى لي بعض شيوخي أن أبا محمد عبد العظيم الحافظ ~~المنذري - رحمه الله - قال: ويقال فيه: جندب -بكسر الجيم وفتح الدال- وكأنه ~~قاله لغة من واحد الجنادب الذي هو طائر، لا وضعا في هذا الاسم المعين، ~~والله أعلم. # وجندب هذا هو ابن عبد الله بن شقيق، ويقال فيه: ابن سفيان، وكأنه نسبه ~~إلى جده، فإن الأول أشهر وأصح، كنيته: أبو عبد الله، وهو منسوب إلى علقة، ~~وعلقة حي من بجيلة، صحب النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويقال له: جندب ~~الخير، نزل الكوفة ثم تحول إلى البصرة، فحديثه عند البصريين جميعا. # قال العلائي: جندب من بني علقة بن عبد اله بن أنمار بن أراش بن عمرو بن ~~الغوث أخي الأزد بن غوث. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة وأربعون حديثا، اتفق ~~البخاري ومسلم منها على سبعة، وانفرد مسلم بخمسة، روى عنه الحسن البصري، ~~وأبو عمران عبد الملك بن حبيب الجوني، وأبو مجلز لاحق بن حميد، وغيرهم من ~~التابعين، وروى له أصحاب السنن والمساند، مات سنة أربع وستين (¬2). PageV02P702 # وأما البجلي -بفتح الباء الموحدة والجيم ثم اللام ثم ياء النسب- فنسبة ~~إلى بجيلة، قال السمعاني (¬1): هذه النسبة إلى قبيلة بجيلة، وهو ابن أنمار ~~بن ms0452 أراش كما تقدم ذكرنا له قريبا، وقيل: إن بجيلة اسم أمهم، وهي من سعد ~~العشيرة، وأختها باهلة، ولدتا قبيلتين عظيمتين نزلتا الكوفة، وبجيلة -أيضا- ~~حي من سليم، وبجيلة -أيضا- من عك بن عدثان -بضم العين المهملة وبالثاء ~~المثلثة بعد الدال- والصحيح أن عكا أخو معد بن عدنان -بفتح العين المهملة ~~وبالنون-، وبجيلة أيضا من أحمس، وتشتبه هذه النسبة بالبجلي -بسكون الجيم- ~~نسبة إلى امرأة اسمها بجلة بنت هناه بن مالك بن فهم الأزدي، منهم عمرو بن ~~عبسة. صحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وغيرهم، وهم رهط من سليم بن ~~منصور، يقال لهم: بنو بجلة، والله أعلم. # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ومن لم يذبح فليذبح باسم الله"قال ~~الكتاب من أهل العربية: إذا قيل: باسم الله، تعين كتبه بالألف، وإنما تحذف ~~الألف إذا كتب بسم الله الرحمن الرحيم بكمالها (¬2)، ومعناه فليذبح قائلا: ~~باسم الله، والتسمية على الذبيحة سنة عند جمهور العلماء، وواجبة عند بعضهم، ~~قال ابن سيرين والشعبي: إذا ذبح المسلم من غير تسمية، حرمت، سواء تركها ~~عمدا أو سهوا، وقال الثوري وجماعة: إن تركها عامدا، لا تحل، وإن تركها ~~ناسيا، تحل، وقال ابن عباس وخلق من الصحابة والتابعين: تحل، وهو مذهب مالك ~~والشافعي وأحمد، واحتج لذلك بما ثبت في "صحيح البخاري" -رحمه الله- من حديث ~~عائشة - رضي الله عنها - قالت: قالوا: يا رسول الله! إن هنا أقواما حديث ~~عهد بشرك يأتون بلحمان لا ندري يذكرون اسم الله عليها أم لا، قال: "اذكروا ~~أنتم PageV02P703 # اسم الله وكلوا" (¬1)، فلو كانت التسمية شرطا للإباحة، لكان الشك في ~~وجوده مانعا من تسميته كالشك في أصل الذبح. # ومعنى هذا الحديث معنى الحديث الذي قبله من حيث إن الضحية لا يدخل وقتها ~~إلا بعد الصلاة والخطبة، وهو أظهر في اعتبار فعل الصلاة من الذي قبله، فإن ~~الأول اقتضى تعليق الحكم بلفظ الصلاة، وهذا لم يعلق فيه الحكم بلفظ فيه ~~الألف واللام، إلا أنه إن جرينا على ظاهره، اقتضى أنه لا تجزي الأضحية في ~~حق من لم يصل صلاة العيد ms0453 أصلا. # قال شيخنا أبو الفتح - رحمه الله -: فإن ذهب إليه أحد، فهو أسعد الناس ~~بظاهر هذا الحديث، وإلا فالواجب الخروج عن الظاهر في هذه الصورة، ويبقى ما ~~عداها بعد الخروج عن الظاهر في محل البحث، قال: وقد يستدل بصيغة الأمر في ~~قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فليذبح أخرى" إحدى طائفتين: إما من يرى أن ~~الأضحية واجبة، وإما من يرى أنها تتعين بالشراء بنية الأضحية، أو بغير ذلك؛ ~~من غير اعتبار لفظ التعيين، وإنما قلت ذلك؛ لأن اللفظ المعين للأضحية من ~~صيغة النذر أو غيرها قليل نادر، وصيغة (من) في قوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "من ذبح" صيغة عموم، واستغراق في حق كل من ذبح قبل أن يصلي، وقد ذكرت ~~لتأسيس قاعدة وتمهيد أصل، وتنزيل صيغ العموم التي ترد لتأسيس القواعد على ~~الصورة النادرة أمر مستكره على قدر في قواعد التأويل في فن أصول الفقه، ~~وإذا تقرر هذا، وهو استبعاد حمله على الأضحية المعينة بالنذر أو غيره من ~~الألفاظ، فينبغي التردد في أن الأولى حمله على من سبق له أضحية معينة بغير ~~اللفظ، أو حمله على ابتداء الأضحية من غير سبق تعيين، هذا آخر كلامه، والله ~~أعلم (¬2). # وقد يستدل بهذا الحديث بما نقلناه عن مالك - رحمه الله - في الكلام على ~~الحديث الذي قبله من أنه لا يجوز ذبح الأضحية إلا بعد صلاة الإمام وخطبته ~~وذبحه؛ لأن فعله - صلى الله عليه وسلم - مورد لبيان الأحكام، PageV02P704 # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من ذبح قبل أن يصلي فليذبح أخرى مكانها" ~~إنما كان بعد ذبحه، فكأنه قال: من ذبح قبل فعلي هذا من الصلاة والخطبة ~~والذبح، فليذبح أخرى مكانها؛ أي: فلا يعتد بما ذبحه أولا ضحية. # وهذا الاستدلال غير مستقيم؛ لمخالفته التقييد بلفظ الصلاة، والتعقيب ~~بالفاء من غير مهلة، والخطبة إنما اعتبرناها في وقت عدم جواز الأضحية تبعا ~~للصلاة، وأما الذبح، فلا يصح اعتباره لمنع دخول وقتها، بل هو دليل لنا على ~~جواز الذبح؛ لما قررناه من أن فعله - صلى الله عليه وسلم - حجة للأمة ms0454 ما لم ~~يرد دليل بتخصيصه - صلى الله عليه وسلم - به، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: شهدت مع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بلا أذان ولا إقامة، ثم ~~قام متوكئا على بلال، فأمر بتقوى الله تعالى، وحث على طاعته، ووعظ الناس، ~~وذكرهم، ثم مضى حتى أتى النساء، فوعظهن، وذكرهن، وقال: "تصدقن؛ فإنكن أكثر ~~حطب جهنم"، فقامت امرأة من سطة النساء سفعاء الخدين، فقالت: لم يا رسول ~~الله؟ قال: "لأنكن تكثرن الشكاة، وتكفرن العشير"، قال: فجعلن يتصدقن من ~~حليهن، يلقين في ثوب بلال من أقرطتهن وخواتيمهن (¬1). # تقدم ذكر جابر. # وأما قوله: "شهدت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم العيد، فبدأ ~~بالصلاة قبل الخطبة" تقدم الكلام على أن صلاة العيد قبل الخطبة، وما يتعلق بذلك. # وقوله: "بلا أذان ولا إقامة"، فهو مجمع عليه عند العلماء اليوم، وهو PageV02P705 # المعروف من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدين، ونقل عن ~~بعض السلف فيه شيء خلاف إجماع من قبله وبعده، وكان سببه تخصيص الفرائض ~~بالأذان تمييزا لها بذلك عن النوافل، وإظهارا لشرفها، وأشار بعضهم إلى معنى ~~آخر، وهو أنه لو دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - إليها، لوجبت الإجابة، ~~وذلك مناف لعدم وجوبها، وهذا أحسن بالنسبة إلى من يرى أن صلاة الجماعة فرض ~~على الأعيان، قال العلماء: ويستحب أن يقال فيها: الصلاة جامعة، لنصبهما ~~الأول على الإغراء، والثاني على الحال. # قوله: "ثم قام متوكئا على بلال" التوكؤ: التحامل، والمراد هنا الميل في ~~قيامه متحاملا على بلال. # قوله: "فأمر بتقوى الله، وحث على طاعته، ووعظ الناس، وذكرهم": أما ~~التقوى، فهي امتثال أمر الله تعالى، واجتناب نهيه، وأما الحث على الطاعة، ~~فيكون بأمرين: # أحدهما: بالترغيب في الجزاء عليها. # والثاني: بالترهيب من تركها بفوات ثوابها وترتب العقاب عليه. # وأما الوعظ، فهو الأمر، ومنه قوله تعالى: {لم تعظون قوما الله مهلكهم} ~~[الأعراف: 164]؛ أي: تأمرون، وقوله تعالى: {قل إنما أعظكم بواحدة} [سبأ: ~~46]؛ أي: آمركم. # وأما ms0455 التذكير فيكون بالنعم ودفع النقم، واستحقاق الله -سبحانه وتعالى- ~~الطاعة والتنزيه والتحميد والتوحيد، والشكر على ذلك كله، وعلى التوفيق له. # وهذه المذكورات الأربع هي مقاصد الخطبة، ولا شك أن الوصية بتقوى الله ~~تعالى واجب في الخطبة الواجبة، لكن هل يتعين لفظ التقوى؛ أي: يتأدى ~~بمعناها؟ فيه وجهان لأصحاب الشافعي -رحمهم الله تعالى-: أصحهما عندهم: ~~الثاني، مع اتفاقهم أن الأولى الإتيان بلفظها، وما كان واجبا فيما هو واجب، ~~هل يكون واجبا فيما هو مسنون؟ فيه أوجه لأصحاب الشافعي: PageV02P706 # الأصح: تسميته بالوجوب في المسنون، فما يتأدى به الواجب في الخطبة ~~الواجبة يتأدى به السنة في الخطبة المسنونة. # وقوله: "ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن وقال: تصدقن" هذا المضي إلى ~~النساء صريح في أنه كان بعد الفراغ من خطبة العيد، ووقع في رواية في "صحيح ~~مسلم" ما يوهم أنه - صلى الله عليه وسلم - نزل من المنبر في أثناء الخطبة، ~~فأتى النساء فوعظهن، لا بعد الفراغ منها، وقطع القاضي عياض به، وليس كما ~~قال، وقد وقع في "صحيح مسلم" -أيضا- في حديث جابر هذا بأنه - صلى الله عليه ~~وسلم - صلى ثم خطب الناس، فلما فرغ، نزل فأتى النساء، فذكرهن (¬1)، والله أعلم. # قوله: "فإنكن أكثر حطب جهنم" جهنم: اسم من أسماء النار -أعاذنا الله ~~منها- وحطبها: وقودها، والحصب في لغة أهل اليمن والحبشة: الحطب، وإنما كن ~~كذلك؛ لعدم طاعة الله في أنفسهن وأزواجهن وشكرهن لله تعالى على نعمه. # قوله: "فقامت امرأة من سطة النساء" أصل هذه اللفظة من الوسط الذي هو ~~الخيار، وهي -بكسر السين المهملة وفتح الطاء المخففة-، ووقع في بعض نسخ ~~"صحيح مسلم": من واسطة النساء (¬2)، يقال: فلان من أوساط قومه، وواسطة ~~قومه، ووسط قومه، وقد وسط وساطة وسطة، ويقال: وسطت القوم أسطهم وسطا وسطة؛ ~~أي: توسطتهم. # قال القاضي عياض: معنى هذه اللفظة الخيار؛ أي: من خيار النساء، والوسط: ~~العدل والخيار، قال: وزعم بعض الفضلاء الحذاق أن الرواية فيها تصحيف وتغيير ~~من بعض رواة "صحيح مسلم"، وأن الأصل في الرواية من سفلة النساء، فاختلطت ~~الفاء ms0456 باللام، فصارت طاء، ويؤيد ذلك رواية ابن أبي شيبة: والنسائي من "سفلة ~~النساء" (¬3)، وفي رواية لابن أبي شيبة: "فقامت امرأة ليست PageV02P707 # من علية النساء" (¬1)، وهذا ضد التفسير الأول، ويعضده بعده قوله: "سفعاء ~~الخدين" (¬2). # قال شيخنا العلامة أبو زكريا النواوي - رحمه الله -: وهذا الذي ادعوه من ~~تغيير الكلمة غير مقبول، بل هي صحيحة، وليس المراد بها خيار النساء؛ كما ~~فسره القاضي، بل المراد امرأة من وسط النساء، جالسة في وسطهن، والله أعلم (¬3). # وقوله: "سفعاء الخدين" قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله تعالى- يقال: ~~سفعاء -بفتح السين وضمها، وقيل غيره-، وحكاهما أيضا صاحب "المطالع"، ومعنى ~~السفع: من أصاب خده لون مخالف لونه الأصلي من سواد أو حمرة أو غيره، وقال ~~الأصمعي: هو حمرة يعلوها سواد، وقال غيره: هو شحوب بسواد (¬4). # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لأنكن تكثرن الشكاة" هو بفتح الشين؛ أي: ~~الشكوى، ولا شك أن الشكاية جائزة إذا اضطررن إليها، فإذا كثرت منهن، دل ذلك ~~على عدم الرضا بقضاء الله تعالى، وعلى عدم وشكره -سبحانه وتعالى-، فيكون ~~إكثارهن لها متعلقا بالله تعالى، فاقتضى دخول النار. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وتكفرن العشير" قال أهل اللغة: العشير: ~~المعاشر والمخالط، ومعناه عند الأكثرين هنا الزوج، وقيل: هو كل مخالط، وقال ~~الخليل: يقال: هو PageV02P708 # العشير والشعير، على القلب (¬1)، ومعنى الكفر هنا: جحد الإحسان؛ لضعف ~~عقلهن، وقلة معرفتهن؛ فإن الزوج قوام على المرأة بالنفقة والكسوة والسكنى، ~~وغض بصرها عن المحارم، وقيام حرمتها به، وسترها، وقد بين الله -سبحانه ~~وتعالى- ذلك في كتابه العزيز فقال: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله ~~بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم} [النساء: 34]. # واعلم أن الكفر -عند الإطلاق- لا يطلق إلا على الكفر المنافي للإسلام، ~~وقد يطلق على الكفر المنافي لكماله؛ لقصد التنبيه على عظم قبحه شرعا وعادة، ~~لا للخروج من الإسلام. # وقوله: "فجعلن يتصدقن من حليهن يلقين في ثوب بلال من أقراطهن ~~وخواتيمهن"الحلي: جمع، والمفرد حلي، وهو: بضم الحاء المهملة وكسرها، الضم ~~أشهر وأكثر، وقد قرئ بهما في السبع، وأكثر القراء ms0457 على الضم، واللام مكسورة، ~~والياء مشددة فيهما، والأقرطة: جمع قرط، قال ابن دريد: كل ما علق في شحمة ~~الأذن فهو قرط، سواء كان من ذهب أو خرز، وأما الخرص، فهو الحلقة الصغيرة من الحلي. # قال القاضي عياض - رحمه الله -: قيل: الصواب: قرطتهن، بحذف الألف، وهو ~~المعروف في جمع قرط؛ كخرج وخرجة، ويقال في جمعه: قراط؛ كرمح ورماح، وقيل في ~~جمع قرط: قروط، نقله غير القاضي، قال القاضي: ولا يبعد صحة أقرطة، وتكون ~~جمع جمع؛ أي: يكون أقرطة جمع قراط، لا سيما وقد صح في الحديث (¬2)، ~~والخواتيم: جمع خاتم، وفيه أربع لغات: فتح التاء، وكسرها، وخاتام، وخيتام ~~(¬3)، وهذه أنواع من الحلي مأخوذة من الحلية، وهي الزينة، والله أعلم. PageV02P709 # وفي هذا الحديث أحكام كثيرة: # منها: شهود صلاة العيد مع الإمام. # ومنها: البدأة بالصلاة قبل الخطبة، واتفق أصحاب الشافعي على أنه لو قدمها ~~على الصلاة، صحت، ولكنه يكون تاركا للسنة، مفوتا للفضيلة، بخلاف خطبة ~~الجمعة؛ فإن تقديمها شرط لصحة الجمعة. # ومنها: أنه لا يشرع لصلاة العيد أذان ولا إقامة. # ومنها: القيام في الخطبة، والتوكؤ على شيء، ولو على آدمي. # ومنها: الأمر بتقوى الله تعالى، والوعظ والتذكير، والحث على طاعة الله ~~تعالى في الخطب. # ومنها: تخصيص النساء بالوعظ والتذكير في مجلس غير مجلس الرجال إذا لم ~~يترتب عليه مفسدة، وهو حق على الإمام أن يفعله. # ومنها: حضور النساء صلاة العيد، وهذا كان في زمنه - صلى الله عليه وسلم - ~~حضورهن إياها مطلقا، سواء المخبآت، وغيرهن، وأما اليوم، فلا تخرج الشابة ~~ذات الهيئة، ويخرج إليها من لا هيئة لها، ولهذا قالت عائشة - رضي الله عنها ~~-: "لو رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أحدث النساء لمنعهن ~~المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل" (¬1). # واختلف العلماء من السلف في خروجهن للعيد، فرأى جماعة ذلك حقا عليهن، ~~منهم: أبو بكر، وعلي، وابن عمر، وغيرهم -رضي الله عنهم-، ومنهم من منعهن ~~ذلك، منهم: عروة، والقاسم، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك، وأبو يوسف، ~~وأجازه أبو حنيفة مرة، ومنعه مرة. # ومنها: ms0458 الأمر بالصدقة لأهل المعاصي والمخالفات. # ومنها: التنبيه على أن الصدقة من دوافع عذاب جهنم. PageV02P710 # ومنها: الإعلان بالنصح بالعلة التي تبعث على إزالة العيب أو الذنب اللذين ~~يتصف بهما الإنسان. # ومنها: العناية بذكر ما تشتد الحاجة إليه للمخاطبين. # ومنها: بذل النصيحة لمن يحتاج إليها والسعي فيها إليه. # ومنها: سؤال الواعظ والمذكر حال وعظه وتذكيره عما يلبس عليه من العلم وما ~~لا يعلمه. # ومنها: مباشرة المرأة المفتي بالسؤال، خصوصا بحضرة النساء. # ومنها: سؤال المستفتي للعالم عن العلم وهو قائم، للنساء وغيرهن. # ومنها: عدم الحياء في السؤال عن العلم. # ومنها: جواز كشف المرأة وجهها إذا كانت غير جميلة للاستفتاء بحضرة الرجال ~~والنساء، وقد جوز الفقهاء كشف وجه المرأة مطلقا للشهادة عليها. # ومنها: شكر الإحسان وأهله. # ومنها: الصبر وعدم الشكاية إلى المخلوقين، وقد أمر الله -سبحانه وتعالى- ~~بالصبر في غير آية، وحث عليه، وأن يكون جميلا، وهو الذي لا شكوى فيه ولا ~~جزع، وقد حث الشرع على إنزال الحوائج بالله تعالى دون غيره، وأن إنزالها ~~بالله تعالى سبب لحصولها، وأن إنزالها بالمخلوقين سبب لفواتها. # ومنها: تحريم كفران النعم، سواء كانت من مفضول أو فاضل، وقد صح أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يشكر الله من لا يشكر الناس" (¬1). # ومنها: التنبيه على شكر الله والثناء عليه؛ فإنه -سبحانه وتعالى- خالق ~~الأسباب والمسببات، والهادي لأحسنها، والصارف لسببها، ولا شك أن ذكر PageV02P711 # النعم والتحدث بها شكرها بالنسبة إليه -سبحانه وتعالى-. # وأما بالنسبة إلى الآدميين، فبالمكافأة عليها إن قدر، وإلا فبالثناء على ~~صاحبها والدعاء له. # وأما التحدث بها، فإن علم أن صاحبها يؤثر التحدث بها وذكرها، أمسك عنهما، ~~وإن علم أنه يكره ذلك، فعلهما، وينبغي أن يكون مع ذلك مقصود شرعي؛ من ~~التنبيه على مثل فعل المنعم، والاقتداء به في الإحسان، وحكم المكافأة ~~الثناء عليه والذكر، والله أعلم. # ومنها: التنبيه على الأعلى بالأدنى؛ فإنه إذا كان بالشكاية وكفر الإحسان ~~فاعلهما من أهل النار، فكيف بمن ترك الصلاة وقذف المؤمنين ورماهم بالكبر ~~والبهتان؟ # ومنها: جواز طلب الصدقة للفقراء من ms0459 الأغنياء عند الحاجة. # ومنها: جواز تصرف المرأة في مالها وحليها بالصدقة وغيرها بغير إذن زوجها، ~~وقد منعه مالك فيما زاد على الثلث إلا برضاء زوجها، والجمهور على جوازه؛ ~~لأنه - صلى الله عليه وسلم - حث النساء عليها، وفعلنها من غير تقييد بإذن ~~زوج، فدل على الجواز، أجاب بعض المالكية عن ذلك بأنهن تصدقن بحضرة أزواجهن، ~~وأنه الغالب، ولعلهن لم يفعلن ذلك فيما زاد على الثلث، وهو ضعيف أو باطل؛ ~~لأن فعلهن ذلك كان في غيبة أزواجهن وهن معتزلات عنهم في حضرته - صلى الله ~~عليه وسلم -. # ومنها: أنه ينبغي للإمام إذا لم يكن في بيت المال شيء من مال أو متاع أو ~~عقار أن يطلب الصدقة للمحتاجين، ويقيم من يتطوع بجمعها لهم، وكذلك كبير ~~القوم يفعل إذا دعت إلى ذلك حاجة أو ضرورة. # ومنها: المبادرة إلى فعل الخيرات والمسارعة إليها. # ومنها: الصدقة بجميع أنواع المال، وإن كان المتصدق محتاجا إلى ما يتصدق به. # ومنها: منقبة ظاهرة للنساء المتصدقات، ورفع مقامهن في الدين، وامتثال PageV02P712 # أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع أنهن ضعيفات عن التكسب غالبا، ~~وتحصيل الأموال، والشح فيهن أغلب من الرجال، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الخامس # عن أم عطية نسيبة الأنصارية -رضي الله عنها- قالت: أمرنا -تعني: النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أن نخرج في العيدين العواتق وذوات الخدور، وأمر الحيض ~~أن يعتزلن مصلى المسلمين حتى يخرج الحيض فيكبرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم، ~~ويرجون بركة ذلك اليوم وطهرته. وفي لفظ: كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد، حتى ~~تخرج البكر من خدرها (¬1). # أما أم عطية نسيبة، وهي: -بضم النون، وفتحها-، ذكرهما الخطيب أبو بكر ~~الحافظ البغدادي في كتابه "الأسماء المبهمة"، قال: عن علي المديني: أن عبد ~~العزيز بن المختار سمى أم [عطية]: نسيبة بضم النون، وأن يزيد بن زريع سماها ~~نسيبة بفتح النون. # واختلف في اسم أبيها، فقال أبو نعيم وابن منده: هي بنت كعب، وقال أبو عمر ~~بن عبد البر: هي بنت الحارث، وهي مشهورة بكنيتها، وهي التي غسلت بنت النبي ~~- صلى الله ms0460 عليه وسلم -، وقال ابن ماكولا: أم عطية: نسيبة -بضم أوله وفتح ~~ثانيه- الأنصارية، لها صحبة، وروى عنها محمد بن سيرين، وأخته حفصة. # قال: وأما نسيبة -بفتح أوله وكسر ثانيه-، فهي أم عمارة نسيبة بنت كعب ~~الأنصارية، كانت تشهد المشاهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - روى ~~عنها عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة. # وقال ابن الأثير الجزري: كانت أم عطية من كبار نساء الصحابة، وكانت PageV02P713 # تغسل الموتى، وتغزو مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، تعد في أهل ~~البصرة. # وقد قال عبد الغني المقدسي الحافظ: روي لها عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أربعون حديثا، اتفق البخاري ومسلم على ستة، وانفرد البخاري ومسلم بآخر. # قلت: وروى لها أصحاب السنن والمساند، وجعل الحافظ أبو حاتم بن حبان - ~~رحمه الله - أم عطية الأنصارية وأم عمارة واحدة لها كنيتان، فقال: أم عطية ~~الأنصارية التي دخلت البصرة اسمها نسيبة بنت كعب المازنية، وهي أم عمارة، ~~وهي والدة عبد الله بن زيد بن عاصم المازني، روى عنها ابن سيرين، وأهل ~~البصرة، وتقدم ذكرها في الكلام على الحديث الثامن من كتاب الطهارة، في ~~ترجمة ابنها عبد الله بن زيد بن عاصم، وأنها أم عمارة لا أم عطية، والله ~~أعلم (¬1). # وأما الألفاظ: فالعواتق: جمع عاتق، وهي الجارية البالغة، وقيل: التي ~~قاربت البلوغ، وقيل: هي ما بين أن تبلغ إلى أن تعنس ما لم تتزوج، والتعنيس: ~~طول المقام في بيت أبيها بلا زواج حتى تطعن في السن، قال أهل اللغة: سميت ~~عاتقا؛ لأنها عتقت من امتهانها في الخدمة والخروج في الحوائج، وقيل: لأنها ~~قاربت أن تتزوج، فتعتق من قهر أبويها وأهلها، وتشتغل في بيت زوجها. # وأما الخدور، فهي جمع خدر، وهي البيت، وقيل: الخدر: ستر في ناحية البيت. # قولها: أمر الحيض: أمر -بفتح الهمزة والميم-، ومعناه: أمر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، PageV02P714 # وكان المقصود بالأمر بإخراجهن جميعهن المبالغة في الاجتماع وإظهار ~~الشعار، وكان المسلمون إذ ذاك في غاية القلة، فاحتيج إلى المبالغة بإخراج ~~العواتق وذوات ms0461 الخدور الحيض منهن والطاهرات لذلك، وأمر الحيض باعتزال مصلى ~~المسلمين ليس لتحريم حضورهن فيه إذا لم يكن مسجدا، بل إما مبالغة في ~~التنزيه لمحل العبادة في وقتها على سبيل الاستحسان، أو لكراهة جلوس من لا ~~يصلي مع المصلين في محل واحد في حال إقامة الصلاة؛ كما جاء أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال لرجل: "ما منعك أن تصلي مع الناس، ألست برجل مسلم؟ " ~~(¬1)؛ ولا يصح أن يستدل بهذا الأمر على وجوب صلاة العيدين والخروج إليها؛ ~~لأن هذا الأمر إنما توجه لمن ليس بمكلف بالصلاة باتفاق؛ كالحيض، وإنما ~~مقصود هذا الأمر تدريب الأصاغر على الصلاة، وشهود دعوة المسلمين، ومشاركتهم ~~في الثواب، وإظهار جمال الدين. # قولها: فيكبرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم، ويرجون بركة ذلك اليوم، وطهرته: ~~هذا إشعار بتعليل خروجهن لأجل ما ذكر الفقهاء أو بعضهم يستثنى خروج الشابة ~~التي يخاف من خروجها الفتنة، وقد تقدم اختلاف الصحابة ومن بعدهم في ذلك في ~~الحديث قبله. # واعلم أن التكبير للعيدين شرع في أربعة مواطن: في السعي إلى الصلاة إلى ~~حين يخرج الإمام، وفي أول الصلاة، وفي أول الخطبة، وبعد الصلاة، وسيأتي ~~بيان تفصيله في أحكام الحديث، والله أعلم. # وفي هذا الحديث أحكام: # الأول: أن السنة الخروج لصلاة العيد إلى المصلى، وأنه أفضل من فعلها في ~~المسجد، وعلى هذا عمل الناس في معظم الأمصار، وأما أهل مكة، فلا يصلونها ~~إلا في المسجد من الزمن الأول، واختلف أصحاب [الشافعي] PageV02P715 # -رحمهم الله- في الأفضل في صلاة العيد؛ أن تفعل في الصحراء، أو في ~~المسجد؟ على وجهين: # أصحهما عند المحققين منهم: الصحراء أفضل؛ لهذا الحديث وغيره. # والثاني: وهو الأصح عند أكثرهم: المسجد أفضل، إلا أن يضيق على الناس، ~~وعللوه بأن صلاة أهل مكة في المسجد كانت لسعته، وخروج النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى المصلى لضيق المسجد، فدل على أن المسجد أفضل إذا اتسع. # الثاني: أن السنة خروج الناس كلهم إلى المصلى، الرجال والنساء والجواري ~~والصبيان؛ لما فيه من إظهار الشعار، لكن السنة إذا خرج النساء مع الرجال ms0462 أن ~~يكن في حافات الطريق لا في وسطها. # الثالث: منع الحيض من النساء من المصلى، وأن يعتزلن الناس فيه، وقد اختلف ~~أصحاب الشافعي في هذا المنع، هل هو للتنزيه، أم للتحريم؟ فالذي قاله ~~جمهورهم، بل كلهم إلا واحدا أو اثنين: للتنزيه؛ للاحتراز من مقارنتهن ~~للرجال من غير حاجة ولا صلاة، ولصيانتهن، وإنما لم يحرم؛ لأنه ليس مسجدا. # وحكى أبو الفرج الدارمي منهم عن بعض أصحاب الشافعي وجها: أنه يحرم مكث ~~الحائض في المصلى كما يحرم مكثها في المسجد؛ لأنه موضع للصلاة، فأشبه ~~المسجد، والأول هو الصواب. # الرابع جواز ذكر الله للحائض من غير كراهة، وكذلك الجنب، وإنما يحرم ~~عليهما قراءة القرآن. # الخامس: حضور مجالس الذكر والخير لكل أحد من الجنب والحائض ومن في ~~معناهما، إلا في المسجد. # السادس: شرعية التكبير في العيدين لكل أحد، وفي كل موطن، خلا موضع نهى ~~الشرع عنه، وهو مجمع عليه، ويستحب أيضا ليلتي العيدين، ويقدم مواطن التكبير ~~في العيد، ويتأكد استحبابه حال الخروج إلى الصلاة، وبه قال جماعة من ~~الصحابة وسلف الأمة، وكانوا يكبرون إذا خرجوا حتى يبلغوا المصلى، يرفعون PageV02P716 # أصواتهم، وقاله الأوزاعي ومالك والشافعي. # وقال أبو حنيفة: يكبر في الخروج للأضحى دون الفطر، وخالفه أصحابه، وقالوا ~~بقول الجمهور. # وأما التكبير بتكبير الإمام في الخطبة، فمالك يراه، وغيره يأباه. # وأما التكبير في أول صلاة العيد سوى تكبيرة الإحرام في الأولى، وتكبيرة ~~القيام إلى الثانية، فهو متفق عليه بين العلماء للإمام والمأموم والمنفرد، ~~لكن اختلفوا في عدده: # فقال الشافعي: سبع في الأولى، وخمس في الثانية. # وقال مالك وأحمد وأبو ثور: ست في الأولى، وخمس في الثانية. # وقال الثوري وأبو حنيفة فيما حكاه عنهما ابن المنذر، يكبر أربع تكبيرات ~~قبل القراءة، ثم يقوم في الركعة الثانية فيقرأ، ثم يكبر أربع تكبيرات، ثم ~~يركع بالتكبيرة الرابعة، قال: وبهذا القول قال أصحاب الرأي، وممن قال به من ~~الصحابة: ابن مسعود، وحذيفة، وأبو موسى الأشعري، وعقبة بن عامر. # واعلم أن جمهور العلماء يرى هذه التكبيرات متوالية متصلة، وقال عطاء ~~والشافعي ms0463 وأحمد: يستحب بين كل تكبيرتين ذكر الله تعالى، وروي هذا عن ابن ~~مسعود -أيضا-. # وأما التكبير بعد الصلوات وغيرها، فهو مشروع في عيد الفطر من غروب الشمس ~~ليلة العيد إلى أن يحرم الإمام بصلاة العيد، وفي عيد الأضحى اختلف علماء ~~السلف ومن بعدهم في ابتدائه وانتهائه على نحو عشرة مذاهب، أما ابتداؤه، فمن ~~صبح يوم عرفة أو ظهره، أو صبح يوم النحر أو ظهره أو عصره، أقول: وأما ~~انتهاؤه، فمن ظهر يوم النحر، أو ظهر أيام النفر، أو في صبح آخر أيام ~~التشريق، أو ظهره، أو عصره، أقوال، واختار مالك والشافعي وجماعة ابتداءه من ~~ظهر يوم النحر، وانتهاءه صبح آخر أيام التشريق، وللشافعي قول: إلى العصر من ~~آخر أيام التشريق، وقول: إنه من صبح يوم عرفة إلى عصر آخر PageV02P717 # التشريق، وهو الراجح عند جماعة من العلماء الشافعيين وغيرهم، وعليه العمل ~~في الأمصار. # السابع: جواز بروز الأبكار للطاعات بشرط ألا تتبرج ولا تفتتن ولا يفتن بها. # الثامن: أنه ينبغي لأولياء الجواري والصبيان أن يمرنوهم على العبودية لله ~~تعالى بالدعاء له وتكبيره، ويعرفوهم بركة ذلك اليوم، وما يترتب عليه من ~~الثواب والجزاء والغفران، ولذلك يجب عليهم تعلم ما يجب عليهم ويحرم، حتى ~~قال الواحدي: يجب عليهم تعليم أسماء الأنبياء، ونقل الاتفاق عليه، والله أعلم. # التاسع: ينبغي مراعاة يوم العيدين؛ لبركتهما، بمزيد الخيرات، وتطهير ~~السيئات، وعدم ارتكاب المخالفات. # العاشر: فضلهما في ذاتهما وشرف زمنهما على غيره؛ فإن الشرف يكون بالعطاء، ~~ويكون بالمنع من البلاء، وهذان حاصلان فيهما؛ مما جعله الله فيهما، فينبغي ~~مراقبتهما لما ذكرنا، والله أعلم. # * * * PageV02P718 ### || AUTO باب الكسوف ### ||| AUTO الحديث الأول # عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: خسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، فبعث مناديا ينادي: الصلاة جامعة، فاجتمعوا، وتقدم، فكبر، ~~وصلى أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات (¬1). # تقدم ذكر عائشة - رضي الله عنها -. # وقولها: خسفت، يقال: خسفت -بفتح الخاء المعجمة وفتح السين المهملة-، ~~ويقال: خسفت -بضم الخاء، على ما لم يسم فاعله-، يقال: كسفت الشمس والقمر، ~~وكسفا، ms0464 وانكسفا، وخسفا، وخسفا، وانخسفا، ست لغات. # وقيل: الكسوف مختص بالشمس، والخسوف بالقمر، وهو ظاهر في القرآن العزيز في ~~سورة القيامة في قوله تعالى: {فإذا برق البصر (7) وخسف القمر (8)} ~~[القيامة: 7]، وقيل عكسه، وهو ضعيف، ويشهد لاختلاف اللغات اختلاف الألفاظ ~~في الأحاديث الصحيحة، وكلها بمعنى واحد؛ فإنها كلها أطلقت على معنى واحد. # وفيل: الكسوف في أوله، والخسوف في آخره إذا اشتد ذهاب الضوء. PageV02P719 # وقيل: الكسوف: ذهاب النور بالكلية، والخسوف: تغير اللون (¬1). # قولها: فبعث مناديا ينادي: الصلاة جامعة، الصلاة جامعة، منصوبان، الأول ~~على الإغراء، والثاني على الحال. # وفي هذا الحديث أحكام: # الأول: المبادرة إلى الصلاة عند خسوف الشمس والسعي في أسبابها بالنداء ~~لها والاجتماع. # الثاني: اهتمام الإمام بها والتحريض عليها. # الثالث: المبادرة إلى الاجتماع لها من غير تأخير. # الرابع: كونها سنة مؤكدة، وذلك مجمع عليه؛ لبدار النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - إليها، وجمع الناس عليها، وإظهاره ذلك. # وحكم خسوف القمر كذلك عند الجمهور، وتردد مالك في الصلاة له، ولم يلحقها ~~بكسوف الشمس في قول. # الخامس: لا يؤذن لها، ولا يقام، اتفاقا، وهذا الحديث يدل على أنه ينادى ~~لها: الصلاة جامعة، وهو حجة لمن استحبه. # السادس: أن السنة أن تصلي في جماعة، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور ~~العلماء، وقال العراقيون: فرادى، وهذا الحديث وغيره حجة عليهم. # السابع: السنة في كيفيتها أن تصلى ركعتين، في كل ركعة قيامان وركوعان ~~وسجودان، وهو مذهب الشافعي، ومالك، والليث، وأحمد بن حنبل، وأبي ثور، ~~وجمهور علماء الحجاز وغيرهم. # وقال الكوفيون: هما ركعتان كسائر النوافل، وهذا الحديث مع حديث جابر PageV02P720 # وابن عباس وابن عمرو بن العاص حجة عليهم، مع أنه قد صح غيره أيضا، وهو ~~ثلاث ركعات، وأربع ركعات في ركعة واحدة، لكن قال ابن عبد البر: أحاديث قول ~~الجمهور أصح ما في الباب، وما باقي في الروايات المخالفة معللة ضعيفة (¬1). # قلت: وحديث جابر بن سمرة وأبي بكرة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ~~في الكسوف ركعتين (¬2)، الذي احتج به الكوفيون، مطلق، والروايات الصحيحة ~~تبين المراد به، وبتقدير ms0465 صحته، فالروايات الكثيرة أصح، ورواتها أحفظ وأضبط، ~~ومن العلماء من اعتذر عنه بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يرفع رأسه ~~ليختبر حال الشمس، هل انجلت أم لا؟ فإذا لم يرها انجلت، ركع. # وقال شيخنا أبو الفتح القاضي - رحمه الله -: وفي هذا التأويل ضعف إذا ~~قلنا: سنتها ركعتان كسائر النوافل (¬3). # ومن العلماء من قال: اختلاف الروايات بحسب اختلاف حال الكسوف، ففي بعض ~~الأوقات تأخر انجلاء الكسوف، فزاد عدد الركوع، وفي بعضها أسرع الانجلاء، ~~فاقتصر، وفي بعضها توسط بينهما، فتوسط في عدده. # واعترض الأولون على هذا بأن تأخر الانجلاء لا يعلم في أول الحال، ولا في ~~الركعة الأولى، وقد اتفقت الروايات على أن عدد الركوع في الركعتين سواء، ~~وهذا يدل على أنه مقصود في نفسه، منوي من أول الحال، وكان العلماء PageV02P721 # الذين جعلوا اختلاف الروايات بحسب الانجلاء جعلوا ذلك سنة صلاة الكسوف، ~~لا أن يكون سنتها أن يكون هيئتها منوية من أولها، فيكون الفعل مبينا لنسبة ~~هذه الصلاة، وعلى مذهب من جعلها ركعتين، كانهم أرادوا أن يخرجوا فعل الرسول ~~- صلى الله عليه وسلم - في العبادة عن المشروعية مع مخالفتهم للقياس في ~~زيادة ما ليس من الأفعال المشروعة، في الصلاة. # وقال إسحاق بن راهويه، وابن جرير، وابن المنذر، وغيرهم من العلماء: جرت ~~صلاة الكسوف في أوقات، واختلاف صفاتها محمول على بيان جواز جميعها، فتجوز ~~صلاتها على كل واحد من الأنواع الثابتة، وهذا قوي، والله أعلم. # الثامن: جواز إطلاق لفظ الركعات على نفس الركوع. # التاسع: تقدم الإمام على المأمومين. # العاشر: أن يكون إحرام الإمام وتكبيره عقب كونه في مصلاه. # الحادي عشر: استحباب بعث الإمام من ينادي بصلاة الكسوف، وكذلك ينبغي أن ~~يفعل في كل صلاة شرعت لها الجماعة. # الثاني عشر: نقل فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - عند تغير الأحوال ~~والأزمنة إلى أمته للاقتداء والعمل، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الشمس والقمر آيتان من ms0466 آيات الله يخوف ~~الله بهما عباده، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد من الناس، فإذا رأيتم منها ~~شيئا، فصلوا، وادعوا حتى ينكشف ما بكم" (¬1). PageV02P722 # أما أبو مسعود الأنصاري، فتقدم ذكره. # واعلم أن كسوف القمر كان في جمادى الاخرة السنة الخامسة من هجرته - صلى ~~الله عليه وسلم -[إلى] المدينة فيما ذكره أبو حاتم بن حبان - رحمه الله - ~~في "تاريخه"، قال - رحمه الله -: فجعلت اليهود يرمونه بالشهب، ويضربون ~~بالطاس، ويقولون: سحر القمر، فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة ~~الكسوف، هذا آخر كلامه. # قلت: فثبت بما ذكره أن الضرب على الطاس ونحوه عند كسوف القمر من فعل ~~اليهود، فينبغي أن يجتنب؛ لعموم نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن التشبه ~~بالكفار، وأمره - صلى الله عليه وسلم - بمخالفة اليهود. # وأما كسوف الشمس، فكان في سنة ست من الهجرة، وبعد رجوعهم من سرية إلى ~~العمر وقبل سرية إلى ذي الفضة، ثم كان بعد ذلك في سنة عشر من الهجرة، يقال: ~~إنه كان يوم مات إبراهيم يوم عاشوراء، ولا يصح؛ فإن إبراهيم بن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ولد في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة، وعاش ستة عشر شهرا، ~~وكان من مارية القبطية، هكذا ذكره ابن حبان الحافظ (¬1)، وأما القضاعي، ~~فقال: ولد سنة ثمان من الهجرة، ومات وله سنة وعشرة أشهر وثمانية أيام، وعلى ~~كلا القولين لا يصح موته يوم عاشوراء نقلا، ولا يصح -أيضا- في اصطلاح أرباب ~~تسيير الكواكب، والله أعلم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، ~~معناهما: أنهما علامتان دالتان على عظم قدرة الله تعالى وقهره، وكمال ~~إلهيته، وإنما خصهما بالذكر؛ لما وقع للجاهلية من أنهما لا يخسفان إلا لموت ~~عظيم، وهذا لا يصدر إلا ممن لا علم له، ضعيف العقل، مختل الفهم، فرد - صلى ~~الله عليه وسلم - جهالتهم، وتضمن ذلك الرد على من قال بتأثيرات النجوم، ثم ~~أخبر - صلى الله عليه وسلم - بالمعنى الذي لأجله ينكسفان، وهو قوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "يخوف الله بهما عباده"؛ أي: ms0467 إنه ينبغي للعباد الخوف عند ~~وقوع PageV02P723 # التغيرات العلوية، فإن قيل: وأي تخويف في ذلك؟ والكسوف أمر عادي بحسب ~~تقابل هذه النيرات وحجب بعضها لبعض، وذلك يجري مجرى حجب الجسم الكثيف نور ~~الشمس عما يقابله من الأرض، وذلك لا يحصل به تخويف، فيكون لكسوف الشمس ~~والقمر أسباب عادية يخرج كسوفهما عن التخويف، فينافي التخويف المذكور في ~~الحديث، وذلك فاسد؛ فإنا لا نسلم أن سبب الكسوف ما ادعوه، ومن أين عرفوا ~~ذلك بالعقل أم بالنقل؟ وكل واحد منهما إما بواسطة تطرأ، أو بغير واسطة، ~~ودعوى شيء من ذلك ممنوعة، وغايتهم أن يقولوا: [إن] ذلك مبني على أمور ~~هندسية ورصدية يفضي بسالكها إلى القطع، ونحن نمنع إفضاء ما ذكروه إلى ~~القطع، وهو أول المسألة، ولئن سلمنا ذلك جدلا، لكنا نقول: يحصل بهما تخويف ~~العقلاء من وجوه متعددة: أوضحها: أن ذلك مذكر بالكسوفات التي تقع بين يدي ~~الساعة، ويمكن أن يكون ذلك الكسوف منها، ولذلك قام - صلى الله عليه وسلم - ~~فزعا يخشى أن تقوم الساعة، وكيف لا وقد قال تعالى: {فإذا برق البصر (7) ~~وخسف القمر (8) وجمع الشمس والقمر} [القيامة: 7، 8، 9]، قال أهل التفسير: ~~جمع بينهما في إذهاب نورهما، وقيل غير ذلك. # و-أيضا- فإن كل ما في العالم علويه وسفليه دليل على تفرد قدرة الله تعالى ~~وتمام قهره باستغنائه وعدم مبالاته، وذلك كله يوجب عند العلماء بالله خوفه ~~وخشيته؛ كما قال تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 28]، ~~فأصحاب المراقبة له ولأفعاله -سبحانه وتعالى- الذين عقدوا أبصار قلوبهم ~~بوحدانيته وعظيم قدرته على خرق العادة واقتطاع المسببات عن أسبابها، إذا ~~وقع عندهم شيء غريب، حدث عندهم الخوف؛ لقوة اعتقادهم في فعل الله تعالى على ~~ما يشاء، وذلك لا يمنع أن يكون ثم أسباب تجري عليها العادة إلى أن يشاء ~~الله تعالى خرقها، ولهذا كان - صلى الله عليه وسلم - عند اشتداد هبوب الريح ~~يتغير، ويدخل ويخرج خشية أن تكون كريح عافى، وإن كان هبوب الريح موجودا في ~~العادة، فيكون لله تعالى أفعال خارجة عن كل الأسباب، وأفعال خارجة على ms0468 ~~الأسباب، وقدرته -سبحانه وتعالى- حاكمة على كل سبب، فيقطع ما شاء من ~~الأسباب والمسببات بعضها عن بعض. PageV02P724 # وخص هنا خسوفهما بالتخويف؛ لأنهما أمران علويان نادران طارئان عظيمان، ~~والنادر العظيم مخيف موجع، بخلاف ما كثر وقوعه؛ فإنه لا يحصل منه ذلك ~~غالبا، و -أيضا- فلما وقع فيهما من الغلط الكثير للأمم التي كانت تعبدها، ~~ولما وقع من اعتقاد تأثيرهما حتى قالوا: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال - ~~صلى الله عليه وسلم - هذا الكلام ردا عليهم، والحكمة في ذلك في قوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "لا ينكسفان لموت أحد من الناس": أن بعض الجاهلية الضلال ~~كانوا يعظمون الشمس والقمر، ويقولون: انخسفا لموت العظماء؛ لعظمهما عندهم، ~~فبين - صلى الله عليه وسلم - أنهما مخلوقان، لا صنع لهما؛ كسائر المخلوقات، ~~يطرأ عليهما النقص والتغيير كغيرهما، وكان بعض الضلال من المنجمين وغيرهم ~~يقولون: لا ينكسفان إلا لموت عظيم، حتى قالوا عند مصادفة موت إبراهيم - رضي ~~الله عنه -، فبين - صلى الله عليه وسلم - أن هذا باطل -أيضا-؛ لئلا يغتر ~~أحد بأقوالهم، والله أعلم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإذا رأيتم منها شيئا، فصلوا وادعوا حتى ~~ينكشف ما بكم" معناه: بادروا بالصلاة والدعاء، وأسرعوا إليهما حتى يزول هذا ~~العارض الذي يخاف كونه مقدمة عذاب أو وجود عذاب، ولا شك أن الله -عز وجل- ~~امتن على البشر بالشمس والقمر ونورهما، ووصف القمر بالنور، والشمس بالسراج، ~~فإذا زال ذلك، أو تغير، فهو عذاب حاضر، سواء عاد نورهما، أم لم يعد، لكن ~~عدم عودهما أشد عذابا؛ لما يدل على قرب الساعة وأهوالها، فالإسراع إلى ~~الصلاة والدعاء سبب لرفع البلاء غالبا، وفي أمره بالصلاة والدعاء جميعا ما ~~يدل على أن المراد بالصلاة: الصلاة المشروعة للكسوف؛ لجمعه في الأمر ~~بينهما، فلو كان المراد بالصلاة: الدعاء الذي به سميت الصلاة، لما حسن ذلك، ~~فدل على ما ذكرنا، وإذا كان كذلك، فيقتضي الأمر بهما أن تكون غاية فعلهما ~~إلى الانجلاء. # قال الفقهاء: إذا صليت صلاة الكسوف على الوجه المشروع، ولم يقع الانجلاء: ~~إنها لا تصلى ثانيا، بخلاف صلاة الاستسقاء؛ ms0469 فإنهم إذا لم يسقوا، صلوا ثانيا ~~وثالثا. # وقال شيخنا أبو الفتح القاضي - رحمه الله -: وليس في هذا الحديث ما يدل PageV02P725 # على خلاف ما ذكره الفقهاء في صلاة الكسوف؛ من عدم إعادتها إذا صليت ولم ~~تنجل؛ لوجهين: # أحدهما: أنه أمر بمطلق الصلاة، لا بالصلاة على هذا الوجه المخصوص، ومطلق ~~الصلاة شائع إلى حين الانجلاء. # الثاني: لو سلمنا أن المراد الصلاة الموصوفة بالوصف المذكور، لكان لنا أن ~~نجعل هذه الغاية لمجموع الأمرين؛ أعني: الصلاة والدعاء، ولا يلزم من كونهما ~~غاية لمجموع الأمرين أن يكونا غاية لكل واحد منهما على انفراده بخلاف، فجاز ~~أن يكون الدعاء ممتدا إلى غاية الانجلاء بعد الصلاة على الوجه المخصوص مرة ~~واحدة، ويكون غاية المجموع (¬1). # وفي الحديث دليل على: التنبيه بالاعتبار بآيات الله وحدوث ظهورها، وعلى ~~عظيم قدرته وإلهيته -سبحانه وتعالى-، وعلى أن الكواكب وغيرها لا فعل لها ~~ولا تأثير، وإنما هي علامات، وعلى الرجوع إلى الله تعالى عند الحوادث ~~المخالفة للعادة بالصلاة والدعاء، خصوصا إذا خشي زوال نعم الله تعالى فيها، ~~وعلى شرعية صلاة الكسوف، والتوجه إلى الله تعالى عنده، وعلى وجوب البيان ~~للأمور، خصوصا إذا اعتقد خلاف الصواب فيها، وعلى الاجتهاد في السؤال لله ~~تعالى، والعبادة حال وجود الحوادث حتى تزول. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن عائشة -رضي الله عنها-: أنها قالت: خسفت الشمس على عهد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالناس، ~~فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم قام فأطال القيام، وهو دون القيام ~~الأول، ثم ركع فأطال الركوع، وهو دون الركوع الأول، ثم سجد فأطال السجود، ~~ثم فعل في الركعة الأخرى PageV02P726 # مثل ما فعل في الركعة الأولى، ثم انصرف وقد تجلت الشمس، فخطب الناس، فحمد ~~الله، وأثنى عليه، ثم قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان ~~لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك، فادعوا الله، وكبروا، وصلوا، ~~وتصدقوا"، ثم قال: "يا أمة محمد! والله ما من أحد أغير من الله أن يزني ~~عبده أو ms0470 تزني أمته، يا أمة محمد! والله لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلا، ~~ولبكيتم كثيرا". وفي لفظ: فاستكمل أربع ركعات، وأربع سجدات (¬1). # تقدم الكلام على بعض هذا الحديث في الحديث الأول والثاني، ونتكلم -إن شاء ~~الله تعالى- على باقي ما يتعلق بهذا الحديث. # قوله - صلى الله عليه وسلم -: "يا أمة محمد! ما من أحد أغير من الله"، من ~~زائدة، تقديره: ما أحد، وثبت في "صحيح مسلم": "إن من أحد"، وهي نافية ~~بمعنى: ما، فعلى هذا، يجوز في أغير النصب خبر (إن) النافية؛ فإنها تعمل عمل ~~(ما) عند الحجازيين، وعلى اللغة التميمية فيها: أغير مرفوع على أنه خبر ~~المبتدأ الذي هو أحد، فالوجهان جائزان، في رواية الكتاب في أغير النصب ~~والرفع. # والغيرة في حقنا راجعة إلى تغير وانزعاج وهيجان يلحق الغيران عندما ينال ~~شيء من حرمه أو محبوباته يحمل على صيانتهم ومنعهم، وهذا التغير على الله ~~تعالى محال؛ إذ هو منزه عن كل تغير ونقص، لكن لما كانت ثمرة الغيرة صون ~~الحريم ومنعهم، وزجر القصد إليهم، أطلق ذلك على الله تعالى؛ إذ قد زجر وذم، ~~ونصب الحدود، وتوعد بالعقاب الشديد من تعرض لشيء من محارمه، وهذا من باب ~~التجوز، ومن باب تسمية الشيء باسم ما يترتب عليه. # ولا شك أن المنزهين لله تعالى عن سمات الحدث ومشابهة المخلوقين بين ~~رجلين: إما ساكت عن التأويل، وإما مؤول على أن يراد شدة المنع والحماية من ~~الشيء؛ فإن الغائر على الشيء مانع له، حام له، فالمنع والحماية من لوازم PageV02P727 # الغيرة، فأطلق لفظ الغيرة عليهما من مجاز الملازمة، أو غير ذلك من الوجوه ~~الشائعة في لسان العرب كما ذكرنا، والأمر في التأويل وعدمه في هذا قريب عند ~~من يسلم التنزيه؛ فإنه حكم شرعي؛ أعني: الجواز وعدمه، كما تؤخذ سائر ~~الأحكام، إلا أن يدعي مدع أن هذا الحكم ثبت بالتواتر عن صاحب الشرع -أعني: ~~المنع من التأويل- ثبوتا قطعيا، فخصمه يقابله حينئذ بالمنع الصريح، وقد ~~يتعدى بعض خصومه إلى التكذيب القبيح. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "يا أمة محمد! ms0471 والله لو تعلمون ما أعلم، ~~لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا" معناه: لو تعلمون من عظم انتقام الله تعالى ~~من أهل الجرائم، وشدة عقابه، وأهوال القيامة وما بعدها كما علمت، ترون ~~النار كما رأيت في مقامي هذا، وفي غيره، لبكيتم كثيرا، ولقل ضحككم؛ لفكركم ~~فيما علمتموه. # ولما كانت النفوس مجبولة على الإخلاد إلى الشهوات، والأخذ بالرخص وترك ~~العزائم، وذلك كله يوقعها في الخطر العظيم، ويحملها عليه، قابلها - صلى ~~الله عليه وسلم - الطبيب الحاذق بما يصدها، لا بما يزيدها؛ فإن العلل ~~المزمنة إن لم يبادر إليها بقطع مادة الداء بالدواء النافع القاطع لها، ~~وإلا استحكمت العلة. # وقولها: "فاستكمل أربع ركعات وأربع سجدات" أطلقت الركعات على عدد الركوع، ~~وتقدم في الحديث الأول إطلاقها في ركعتين، وهو متمسك بعض المالكية في أنه ~~لا يقرأ الفاتحة في الركوع الثاني؛ من حيث إنه أطلق على الصلاة ركعتين. # وفي الحديث أحكام: # منها: شرعية صلاة الكسوف في جماعة بإمام. # ومنها: شرعية طول القيام فيها، ولم يذكر في الحديث حد لطوله، لكن قال ~~أصحاب الشافعي وغيرهم بطول القيام الأول نحوا من سورة البقرة؛ لحديث ورد فيه. # ومنها: تطويل الركوع الأول، ولم يذكر -أيضا- في الحديث له حد، وذكر PageV02P728 # الشافعية أنه يطوله بقدر مئة آية، وذكر غيرهم أنه لا يطوله إلا بما لا ~~يضر بمن خلفه. # ومنها: أن القيام الثاني يكون دون القيام الأول، وهو سنة هذه الصلاة، وهو ~~مناسب لحكم الركعة الثانية في غيرها من الصلوات عند المحققين من العلماء أن ~~يكون أقصر من الأولى، وكان السبب فيه أن النشاط في الركعة الأولى يكون ~~أكثر، فناسب التخفيف في الثانية حذرا من الملال. # واعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتبر خلاف معنى هذه المناسبة في ~~قيام الليل، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "إذا قام أحدكم من الليل، فليصل ~~ركعتين خفيفتين، ثم ليطول ما شاء" (¬1)، وكانت المناسبة في ذلك استدراج ~~النفس من التخفيف إلى حلاوة التثقيل، وهو التطويل، وكذلك ذكر العلماء ~~مناسبة شرعية السنن الراتبة قبل الصلوات، وكذلك إذا اعتبرت مناسبة التنزيل ms0472 ~~للكتاب العزيز، وشرعية الأحكام وتكثيرها، فإنك تجدها متدرجة من التخفيف ~~والتقليل إلى التثقيل والتكثير؛ ليكونا أثبت وأبعد من الملال فيهما، ولهذا ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "خذوا من العمل ما تطيقون الدوام عليه" ~~(¬2) الحديث، والله أعلم. # واعلم أن الفقهاء اتفقوا على القراءة في هذا القيام الثاني؛ أعني: الذين ~~قالوا به، وجمهورهم، على قراءة الفاتحة، وقالوا: لا تصح الصلاة إلا ~~بقراءتها فيه، وقال محمد بن مسلمة من المالكية: لا تقرأ الفاتحة في القيام ~~الثاني، وكأنه رآها ركعة واحدة زيد فيها ركوع، والركعة الواحدة لا تثنى ~~فيها الفاتحة، فهذا يمكن أن يؤخذ من الحديث كما ذكرنا في قول عائشة: ~~واستكمل أربع ركعات في أربع سجدات. PageV02P729 # وقولها: "فصلى أربع ركعات في ركعتين"، واتفق العلماء على أن القيام ~~الثاني والركوع الثاني من الركعة الأولى أقصر من القيام الأول والركوع، ~~وكذا القيام الثاني والركوع الثاني من الركعة الثانية يكون أقصر من الأول منهما. # واختلفوا في القيام الأول والركوع الأول من الثانية، هل هما أقصر من ~~القيام الثاني والركوع الثاني من الركعة الأولى، أم هما سواء؟ فمن قال: ~~تكون أقصر في ذلك كله، يجعل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وهو دون القيام ~~الأول ودون الركوع الأول" عائدا إلى مجموع الصلاة، وهو بعيد من لفظ الحديث، ~~فإنها قالت: ثم فعل في الركعة الثانية مثل ما فعل في الركعة الأولى، ~~والمثلية في الثانية تقتضي التسوية بينها وبين الأولى من غير تقصير عنها، ~~والعلماء متفقون على شرعية إطالة القراءة والركوع فيها كما وردت به ~~الأحاديث، فلو اقتصر على الفاتحة في كل قيام، وأدنى طمأنينة في كل ركوع، ~~صحت صلاته، وفاته الفضيلة. # ومنها: استحباب إطالة السجود فيها، وظاهر مذهب مالك والشافعي أنه لا ~~يطوله، بل يقتصر على قدره في سائر الصلوات، وبه قال جمهور أصحاب الشافعي، ~~والذي نص عليه المحققون، ونص عليه الشافعي - رحمه الله - في "البويطي"، ~~وقاله أبو العباس بن سريج: أنه يطول كما يطول الركوع، ولفظ الشافعي في ~~"البويطي": ثم خر ساجدا، فسجد سجدتين تامتين طويلتين، يقيم ms0473 في كل سجدة نحوا ~~مما أقام في ركوعه، لكن قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي - رحمه الله - في ~~"المهذب" (¬1) بعد حكايته عن ابن سريج تطويله: إنه ليس بشيء؛ قال: لأن ~~الشافعي لم يذكر ذلك، ولا نقل ذلك في خبر، ولو كان قد أطال النقل كما نقل ~~في القراءة والسجود، وهذا الذي قاله غير مقبول؛ لعدم اطلاعه على الأخبار ~~الصحيحة، ومنصوصات الشافعي الجديدة في ذلك؛ كحديث الكتاب في إطالة السجود، ~~وفي حديث آخر عن عائشة أنها قالت: "ما PageV02P730 # سجد سجودا أطول منه" (¬1)، وكذلك ثبت بطوله من حديث أبي موسى، وجابر بن ~~عبد الله -رضي الله عنهم-، وقد تقدم نقلنا له عن مختصر "البويطي"، وهو من ~~أجل أو أجل منصوصات الشافعي في كتبه الجديدة، والذي ذكره أبو إسحاق ~~الشيرازي - رحمه الله - من عدم ذكر الشافعي له إنما أراد في "مختصر المزني" ~~فقط، لا غيره، والله أعلم. # ومنها: شرعية الخطبة بعد صلاة الكسوف؛ لقولها: "فخطب الناس، فحمد الله ~~وأثنى عليه"، وهو ظاهر الدلالة في أن لصلاة الكسوف خطبة، وبه قال الشافعي، ~~وابن جرير، وفقهاء أصحاب الحديث، قالوا: استحب بعدها خطبتان، ولم ير ذلك ~~مالك وأبو حنيفة وأحمد، وقال بعض أتباع مالك: لا خطبة لها، ولكن يستقبلهم، ~~ويذكرهم، وهذا خلاف الظاهر من الحديث؛ لأنه ابتدأ بما يبتدئ به الخطيب من ~~الحمد لله والثناء عليه، وما ذكر من أن المقصود الإخبار بأنهما: "آيتان من ~~آيات الله" إلى آخره ردا على من قال: "إنهما ينكسفان لموت عظيم"، وقد قالوه ~~عند موت إبراهيم بن النبي - صلى الله عليه وسلم -رضي الله عنه-، والإخبار ~~عن الجنة والنار؛ حيث رآهما، وذلك يخصه - صلى الله عليه وسلم - دون غيره، ~~كله ضعيف؛ فإن الخطب لا تنحصر مقاصدها بما يخص الخطيب، بل ما ذكر مطلوب ~~للخطيب وغيره؛ فإن الحمد والثناء والموعظة شامل لذكر الجنة والنار، وكونهما ~~آيتين من آيات الله، وذلك بعض مقاصد الخطبة؛ لأن المقصود لو سلم خصوصيته - ~~صلى الله عليه وسلم - بذلك. # ومنها: أن خطبة الكسوف لا تفوت بالانجلاء، بخلاف الصلاة. ms0474 # ومنها: أن الخطبة يكون استفتاحها بالحمد لله تعالى، والثناء عليه دون شيء ~~اخر من الذكر والبسملة وغيرهما، ومذهب الشافعي وأحمد: أن لفظة الحمد لله ~~متعينة، فلو قال معناها، لم تصح خطبته. # ومنها: شرعية صلاتها لخسوف القمر ككسوف الشمس في جماعة، وبه قال PageV02P731 # الشافعي وفقهاء أصحاب الحديث، وروي عن جماعة من الصحابة وغيرهم؛ لقوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "فإذا رأيتم ذلك، فصلوا" بعد ذكرهما من غير تفصيل في ~~جماعة أو فرادى، وقد فعلها - صلى الله عليه وسلم - في جماعة في كسوف الشمس، ~~فدل على أن كسوف القمر كذلك، وقال مالك وأبو حنيفة: لا تسن الجماعة في كسوف ~~القمر، ولا أن تكون هيئتها كهيئة كسوف الشمس من تكرار الركوع وتطويلها، بل ~~تسن صلاتها ركعتين فرادى كسائر الصلوات، والله أعلم. # ومنها: جواز فعلها في أوقات الكراهة وغيرها عند رؤية الكسوف أي وقت كان؛ ~~فإنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بها إذا رأوا كسوفها، وهو عام في كل وقت، ~~وهو مذهب الشافعي وغيره، واختلف مذهب مالك في ذلك، فظاهر مذهبه: أنها لا ~~تفعل إلا بعد جواز النافلة إلى الزوال، وقيل في مذهبه -أيضا-: إنها لا تفعل ~~إلا بعد صلاة العصر، ومنطوق الحديث بعمومه يرد ذلك. # ومنها: استحباب الصدقة عند رؤية الكسوف، وكذلك يستحب عند كل المخاوف؛ ~~لاستدفاع البلاء والمحاذر. # ومنها: استحباب الدعاء والتوجه إلى الله تعالى واللجوء إليه عند المخاوف ~~والشدائد، ولا شك أن الدعاء في الرجاء مطلوب للشرع بكونه سببا لدفع البلاء ~~والشدائد؛ فإنه ثبت في الصحيح مرفوعا: "تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في ~~الشدة" (¬1)، وروى الترمذي من رواية أبي هريرة: أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "من أراد أن يستجيب الله دعاءه عند الكرب والشدائد، فليكثر من ~~الدعاء في الرخاء" (¬2). PageV02P732 # ومنها: أنه ينبغي ألا يفخم الإنسان نفسه، ولا يعظمها بالوصف المتصف به، ~~بل يذكر نفسه باسمه الموضوع له؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في ~~الخطبة: "يا أمة محمد! "، وكرره من غير أن يضيفهم إلى نبوته، ولا رسالته، ~~ولا ms0475 ياء الإضافة، كل ذلك تواضعا وأدبا، والله أعلم. # ومنها: الحث على اجتناب الزنا والمعاصي، وتفخيم العقوبة عليها وقبحها عند ~~الله تعالى، ولا شك أن الزنا من الكبائر، لا يكفر بفعله كفرا يخرجه عن ~~الإسلام إلا أن يعتقد حله، فيكفر إجماعا، وينبغي اجتناب المعاصي كلها ~~صغيرها وكبيرها؛ فإنه ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يحقرن ~~أحدكم صغير الذنب، فربما به دخل النار" (¬1)، وكذلك لا ينبغي أن يحقر من ~~الخير شيئا؛ فإنه ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تحقرن من ~~المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق" (¬2)، والجامع لذلك كله قوله ~~-سبحانه وتعالى-: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره (7) ومن يعمل مثقال ذرة شرا ~~يره} [الزلزلة: 7، 8]، وقوله تعالى: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك ~~حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما} [النساء: 40]. # ومنها: الحث على قلة الضحك وكثرة البكاء، والتحقق بما الإنسان صائر إليه، ~~وما هو فيه، ولا شك أن كثرة الضحك وقلة البكاء مذمومان للشرع؛ فإنهما يدلان ~~على قسوة القلب، وكثرة البطر، ومن الضحك ما هو محمود، وهو ما اقترن به ~~مقصود شرع من تعجب بنعم الله تعالى، أو فرح للمسلمين، أو تجلد على الكافرين ~~والمنافقين، ونحو ذلك، ومن البكاء ما هو مذموم؛ كالبكاء لإظهار الجزع، أو ~~للرياء، أو لإضعاف المؤمنين، أو تحزنا على المنافقين، أو PageV02P733 # ما شاكل ذلك، فأما ما كان منه خشية لله تعالى، وخوفا، فهو شعار عباد الله ~~العارفين، وهو جلاء للقلوب، وتطهير للذنوب، وتقريب من علام الغيوب، وقد ~~يغلب على الفاجر البكاء كما ورد في بعض الأحاديث مرفوعا وموقوفا: "إذا كمل ~~فجور الرجل ملك عينيه، فإذا أراد أن يبكي، بكى" (¬1)، وقد يقع البكاء على ~~أمر نفساني، فيتوهم أنه من خشية الله تعالى، فليتفطن لذلك؛ ليقطع ويجتنب، ~~والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن أبي [موسى]-رضي الله عنه- قال: خسفت الشمس في زمان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، فقام فزعا يخشى أن تكون الساعة حتى أتى المسجد، فقام، ~~فصلى بأطول قيام ms0476 وركوع وسجود رأيته يفعله في صلاة قط، ثم قال: "إن هذه ~~الآيات التي يرسلها الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله يرسلها ~~يخوف بها عباده، فإذا رأيتم منها شيئا، فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره" (¬2). # أما أبو موسى، فتقدم ذكره، وأن اسمه: عبد الله بن قيس بن سليم بن حصار ~~الأشعري، وتقدم الكلام على معظم هذا الحديث قبله، فإن ذلك جميعه دليل على ~~جواز استعمال الخسوف في الشمس، وهي لغة صحيحة ثابتة كما تقدم. # وقوله: "فقام فزعا يخشى أن تكون الساعة". # قد استشكل ذلك من حيث إن للساعة مقدمات كثيرة لا بد من وقوعها، ولم PageV02P734 # تقع؛ كطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، والنار، والدجال، وقتال ~~الترك، وأشياء كثيرة لا بد من وقوعها قبل الساعة؛ كفتوح الشام والعراق ومصر ~~وغيرها، وإنفاق كنوز كسرى في سبيل الله، وقتال الخوارج، وغير ذلك من الأمور ~~المشهورة في الأحاديث، وأجيب عنه بأجوبة: # أحدها: لعل هذا الكسوف قبل إعلام النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذه ~~الأمور. # وثانيها: لعله خشي أن يكون ذلك بعض مقدماتها. # وثالثها: إن قيامه - صلى الله عليه وسلم - فزعا خاشيا أن تكون الساعة إما ~~هو ظن من الراوي لما رآه خرج إلى الصلاة مستعجلا مبادرا إليها؛ لا أنه - ~~صلى الله عليه وسلم - خشي ذلك حقيقة، ولعله - صلى الله عليه وسلم - خاف أن ~~يكون الكسوف نوع عقوبة؛ لخوفه عند هبوب الريح أن يكون عذابا، فظن الراوي ~~خلاف ذلك، ولا اعتبار بظنه، وذلك دليل على دوام مراقبته - صلى الله عليه ~~وسلم - لفعل الله تعالى، وتجريد الأسباب العادية عن إيجادها لمسبباتها. # وفي الحديث أحكام: # منها: أن السنة في صلاة الكسوف أن تكون في المسجد الجامع، وهو المشهور من ~~مذاهب العلماء، قال أصحاب الشافعي: وإنما لم يخرج إلى المصلى خوفا من ~~فواتها بالانجلاء؛ فإن السنة المبادرة إليها، وخير بعض أصحاب مالك بين ~~المسجد والصحراء، وهو خلاف الصواب، والمشهور لانتهاء فعل الصلاة بالانجلاء، ~~وهو مقتض لأن يعتني بمعرفته، ويراقب حال الشمس، ولولا أن المسجد أرجح، ~~لكانت الصحراء ms0477 أولى؛ لأنها أقرب إلى إدراك حال الشمس في الانجلاء وعدمه، ~~وأيضا فإنه يخاف من اجتماع الناس في المصلى فوات إقامتها كما ذكره ~~الشافعيون، والله أعلم. # ومنها: جواز الإخبار بما يوجب الظن من شاهد الحال، وإن لم يكن في نفس ~~الأمر كذلك؛ فإن إخباره أنه قام فزعا خاشيا أن تكون الساعة محتمل له ~~ولغيره. PageV02P735 # ومنها: الدوام على مراقبة الله تعالى، وطاعته، والخوف منه؛ بحيث لا يخرجه ~~الخوف إلى اليأس من رحمته. # ومنها: تطويل الركوع والسجود، وتقدم الكلام عليه في الحديث قبله. # ومنها: شرعية صلاة الكسوف للنساء والمسافرين وكل واحد؛ فإنه وإن كان ~~الخطاب للذكور؛ بقوله: "فافزعوا إلى الصلاة" في الحديث قبله والدعاء والذكر ~~والاستغفار والصدقة وغير ذلك، فالنساء مندرجات فيه كما في قوله تعالى: {إذا ~~قمتم إلى الصلاة فاغسلوا} [المائدة:6]، و {كتب عليكم الصيام} [البقرة: ~~183]، وغير ذلك من خطاب التعبدات العامة، فإنهن داخلات فيها باتفاق. # وكونها مشروعة للنساء وغيرهن هو مذهب الشافعي، ومشهور مذهب مالك، وروي عن ~~مالك -أيضا-: أن المخاطب بها من يخاطب بالجمعة، فيخرج منها النساء ~~والمسافرون ونحوهم، وذهب الكوفيون إلى أنهن يصلين أفذاذا لا جماعة، وقد صح ~~حضورهن لها مع رسول الله- - صلى الله عليه وسلم -، وذلك يدل على أنهن ~~مخاطبات بها في جماعة. # ومنها: شرعية الدعاء والذكر والاستغفار عند الكسوف، ولا شك أن كل واحد من ~~المذكورات عبادة مستقلة مطلوبة في جميع الحالات والآنات، سواء كان أمر ~~مخوف، أم لا، لكنه آكد في المخوف، والله أعلم. # فالدعاء والذكر والاستغفار مشروع لمزيد الخيرات واستدفاع المكروهات. # * * * PageV02P736 ### || AUTO باب الاستسقاء # الاستسقاء: طلب السقيا. ### ||| AUTO الحديث الأول # عن عبد الله بن زيد بن عاصم المازني -رضي الله عنه- قال: خرج النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يستسقي، فتوجه إلى القبلة، وحول رداءه، ثم صلى ركعتين جهر ~~فيهما بالقراءة (¬1). وفي لفظ: إلى المصلى (¬2). # أما عبد الله بن زيد بن عاصم المازني، فتقدم ذكره في كتاب الطهارة، ~~والكلام على المازني -أيضا-. # وأما قوله: "خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستسقي"؛ أي: يطلب ~~السقي بتضرعه ودعائه. ms0478 # وقوله: "فتوجه إلى القبلة، وحول رداءه"، أما استقبال القبلة هنا، فلأنها ~~حالة دعاء وتضرع لطلب السقيا، فناسبت استقبالها، بخلاف الخطبة والموعظة؛ ~~فإنها حالة إنذار وتذكير، فناسبت استقبال الناس واستدبار القبلة، وهي السنة. # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "خير المجالس ما استقبل به القبلة" ~~(¬3)، فهو خارج عن هذا؛ PageV02P737 # حيث لا تعلق لأحد به من موعظة أو تعلم أو مخاطبة، والله أعلم. # وأما تحويل الرداء، فهو من باب التفاؤل وانقلاب الحال من الشدة إلى السعة. # وقوله: "ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة" ظاهره أنه صلى بعد الدعاء ~~وتحويل الرداء، وإن كانت ثم استعملت لغير الترتيب في عطف الجمل بعضها على ~~بعض، وإن كان ما بعدها متقدما على المذكور في قوله تعالى: {وأن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه} الآية إلى قرله تعالى: {ثم آتينا موسى الكتاب} [الأنعام: ~~154] الآية. # وقد قال بتقديم الخطبة فيها على الصلاة: الليث بن سعد، ومالك، لكن مالكا ~~رجع عنه، وقال بتقديم الصلاة على الخطبة، وهو مذهب الشافعي وجمهور العلماء، ~~والأحاديث بعضها يقتضي تقدم الصلاة على الخطبة، وبعضها يقتضي عكسه، واختلفت ~~الرواية في ذلك عن الصحابة -رضي الله عنهم-. # ولم يذكر في صلاة الاستسقاء في هذا الحديث التكبيرات الزوائد كما في صلاة ~~العيد، وقد قال به الشافعي، وابن جرير، وروي عن ابن المسيب، وعمر بن عبد ~~العزيز، ومكحول، وقال الجمهور: لا يكبر، واختلفت الرواية في ذلك عن أحمد، ~~وخيره داود بين التكبير وتركه. # واحتج الشافعي ومن قال بقوله بما رواه أبو داود من حديث ابن عباس - رضي ~~الله عنهما -: أنه قال: "خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متبذلا ~~متواضعا متضرعا حتى أتى المصلى، فرقي المنبر، ولم يخطب خطبكم هذه، ولكن لم ~~يزل في الدعاء فيه والتضرع والتكبير، ثم صلى ركعتين كما يصلي في العيد"، ~~وقد أخرج هذا الحديث الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن ~~صحيح (¬1)، لكن قال عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي في "جرحه PageV02P738 # وتعديله" (¬1): إن راوي هذا الحديث إسحاق بن عبد الله بن كنانة عن ms0479 ابن ~~عباس، وأبي هريرة، مرسل، وبتقدير صحته واتصاله لا تنتهض الحجة به على ~~التكبيرات الزوائد؛ فإن التشبيه بالشيء يصدق من بعض الوجوه، ولا يلزم من ~~كلها إلا في شبيه ومثيل؛ للمبالغة التي فيها؛ فإن العرب تقول: زيد كالأسد، ~~وكالبحر، وكالشمس، يريد بذلك أنه يشبهه في وجه من الوجوه، وقد روى هذا ~~الحديث الدارقطني، وقال فيه: "صلى ركعتين، كبر في الأولى سبع تكبيرات، وقرأ ~~في الأولى: سبح اسم ربك الأعلى، وقرأ في الثانية: هل أتاك حديث الغاشية، ~~وكبر خمس تكبيرات" (¬2)، وهذا نص، غير أن في إسناد هذا الطريق محمد بن عمر ~~بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ضعيف، مع أن الجمهور تأولوا ~~الحديث الذي رواه أبو داود وغيره: أنه صلى كما صلى في العيد، على أن المراد ~~في العدد للركعتين، وللجهر بالقراءة، وفي كونها قبل الخطبة، والله أعلم. # وأما قوله: "جهر فيهما بالقراءة"، وفي كونهما قبل الخطبة، والله أعلم، ~~فلم يذكر في مسلم، بل هو في البخاري، فينكر على المصنف بإطلاقه من غير ~~تبيين، وأجمع العلماء على استحباب الجهر بالقراءة فيهما، بخلاف كسوف الشمس؛ ~~فإنه يستحب الإسرار فيها، وأما الخطبة، فقال مالك والشافعي: ويخطب فيها ~~خطبتان، يجلس في أولاهما، وفي وسطهما، وقال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وعبد ~~الرحمن بن مهدي: يخطب خطبة واحدة لا جلوس فيها، وخيره الطبري. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: الخروج إلى المصلى لصلاة الاستسقاء؛ وأنه سنة، وقال أصحاب الشافعي: ~~يخرجون إلى الصحراء؛ لأنه أبلغ في الافتقار والتواضع، ولأنها أوسع PageV02P739 # للناس؛ لأنها يحضرها الناس كلهم، فلا يسعهم المصلى ولا المسجد الجامع. # واعلم أن خروجه - صلى الله عليه وسلم - إلى المصلى للاستسقاء المذكور في ~~أول شهر رمضان سنة ست من الهجرة. # ومنها: أن السنة في صلاته الجماعة، وقال أبو حنيفة: لا تشرع له صلاة فضلا ~~عن الجماعة، ولكن يستسقى بالدعاء، وقال سائر العلماء من السلف والخلف من ~~الصحابة والتابعين ومن بعدهم حتى أصحاب أبي حنيفة كلهم: يصلي للاستسقاء ~~ركعتين بجماعة، واستدل لأبي حنيفة باستسقاء النبي ms0480 - صلى الله عليه وسلم - ~~على المنبر يوم الجمعة من غير صلاة، قالوا: لو كانت سنة، لما تركها، وأجاب ~~الجمهور عن هذا: بأنه كان في صلاة الجمعة، وهي عقب الاستسقاء بالدعاء في ~~خطبتها، فاكتفى بها بيانا لجواز مثل هذا، وقد أجمع أهل العلم على أن ~~الاستسقاء سنة، لكن قالوا: هو مشروع على ثلاثة أنواع: # أحدها: الاستسقاء بالدعاء من غير صلاة. # الثاني: الاستسقاء في خطبة الجمعة، أو في إثر صلاة مفروضة، وهو أفضل من ~~النوع الذي قبله. # الثالث: وهو أكملها: أن يكون بصلاة ركعتين، وخطبتين، وهو الذي خالف فيه ~~أبو حنيفة، قال أصحاب الشافعي: ويتأهب قبله بصدقة وصيام وتوبة، وإقبال على ~~الخير ومجانبة الشر، ونحو ذلك من طاعة الله تعالى. # ومنها: استحباب [تحويل] الرداء وقلبه في أثناء الخطبة، قال أصحاب ~~الشافعي: يحوله في نحو ثلث الخطبة الثانية حين يستقبل القبلة فيها، وجمهور ~~العلماء على أن تحويله سنة، وأنكره أبو حنيفة، وصعصعة بن سلام من قدماء ~~العلماء بالأندلس، وهذا الحديث وغيره حجة عليهم، قال أصحاب الشافعي: يستحب ~~أيضا للمأمومين كما يستحب للإمام، وبه قال مالك وغيره، وخالف فيه جماعة من ~~العلماء. # ثم الذين قالوا بالتحويل اختلفوا، فمنهم من قال: إنه يرد ما على يمينه ~~على PageV02P740 # شماله، ولا ينكسه، قاله بعضهم، وهم الجمهور، وقال الشافعي بمصر: ينكسه، ~~فيجعل ما يلي رأسه أسفل، وسبب هذا الاختلاف اختلافهم في مفهوم قول الصحابي: ~~حول وقلب: هل هما بمعنى، أو بينهما فرق؟ ولا خلاف في تحويل الإمام وهو ~~قائم، والذين قالوا بتحويل الناس قالوا: يفعلونه وهم جلوس، وكذلك نص ~~الشافعي في مختصر" البويطي": على أن الإمام يدعو وهو قائم، وأن الناس لا ~~يقومون، بل يكونون جلوسا، والذين قالوا بعدم التحويل استدل لهم بأن التحويل ~~إنما فعله - صلى الله عليه وسلم - ليكون أثبت على عاتقه عند رفع اليدين في ~~الدعاء، أو عرف بطريق الوحي تغير الحال عند تغيير ردائه، وهو بعيد؛ فإن ~~الأصل عدم نزول الوحي بتغيير الحال عند تحويل الرداء، وفعله - صلى الله ~~عليه وسلم - التحويل لمعنى مناسب ms0481 أولى من حمله على مجرد ثبوت الرداء على ~~عاتقه أو غيره، واتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - في فعله أولى من تركه ~~لمجرد احتمال الخصوص، مع ما عرف في الشرع من محبته التفاؤل. # ومنها: يقدم الدعاء على الصلاة، ويقدم الكلام على ذلك. # ومنها: استقبال القبلة عند تحويل الرداء والدعاء في الاستسقاء. # ومنها: استقبالها عند الدعاء مطلقا. # ومنها: الجهر بالقراءة في هذه الصلاة. # ومنها: الرد على من أنكر صلاة الاستسقاء. # ومنها: أنها ركعتان، وهي كذلك بإجماع المثبتين لها، واختلفوا هل هي قبل ~~الخطبة أم بعدها؟ وتقدم، فلو قدم الخطبة على الصلاة، صحتا، ولكن الأفضل ~~تقديم الصلاة؛ كصلاة العيد وخطبتها عند من يقول به، والله أعلم. # * * * PageV02P741 ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة من باب ~~كان نحو دار القضاء، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم يخطب، فاستقبل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائما، ثم قال: يا رسول الله! هلكت ~~الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغثنا، قال: فرفع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يديه، ثم قال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، قال ~~أنس: ولا والله! ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع من ~~بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء، ~~انتشرت، ثم أمطرت، قال: [فلا] والله! ما رأينا الشمس سبتا، قال: ثم دخل رجل ~~من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم ~~يخطب، فاستقبله قائما، فقال: يا رسول الله! هلكت الأموال، وانقطعت السبل، ~~فادع الله يمسكها عنا، قال: فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه، ~~ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ~~ومنابت الشجر، قال: فأقلعت، وخرجنا نمشي في الشمس، قال شريك: فسألت أنس بن ~~مالك: أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري (¬1). # الظراب: الجبال الصغار. # وأما أنس، فتقدم الكلام عليه. # وأما ألفاظه، وما يتعلق به: # فقوله: "إن رجلا ms0482 دخل المسجد يوم الجمعة من باب نحو دار القضاء": أما دار ~~القضاء، فهي دار بيعت في دين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الذي كتبه على ~~نفسه، وأوصى ابنه عبد الله أن يباع فيه ماله، فإن عجز ماله، استعان ببني ~~عدي، ثم بقريش، فباع ابنه داره هذه لمعاوية، وماله بالغابة، فقضى دينه، ~~وكان PageV02P742 # دينه ستة وثمانين ألفا فيما رواه البخاري في "صحيحه" (¬1)، وغيره من أهل ~~الحديث والسير والتواريخ وغيره. # وقال القاضي عياض: كان ثمانية وعشرين ألفا، وهو غلط (¬2)، فكان يقال: دار ~~قضاء دين عمر، ثم اختصر، فقالوا: القضاء، وهي دار مروان، وقال بعضهم: هي ~~دار الإمارة، وهو غلط؛ لأنه بلغه أنها دار مروان، فظن أن المراد بالقضاء ~~الإمارة، والصواب ما ذكرنا، والله أعلم. # ودخول الرجل من باب كان نحو دار القضاء، وكلامه للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يدل على جواز كلام الداخل مع الخطيب في حال خطبته، ويحتمل أن يكون ~~إنما كلمه في حال سكتة كانت من النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ إما لاستراحة ~~في النطق، وإما في حال الجلوس، والله أعلم. # وقوله: "ثم قال: يا رسول الله! هلكت الأموال، وانقطعت السبل": المراد ~~بالأموال: الأموال الحيوانية؛ لأنها التي يؤثر فيها انقطاع الغيث من المطر ~~وغيره، بخلاف الأموال الصامتة، والسبل: الطرق، وانقطاعها إما بعدم المياه ~~التي يعتاد المسافرون ورودها، وإما باشتغال الناس وشدة القحط عن الضرب في الأرض. # وقوله: "فادع الله يغثنا"، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم أغثنا" ~~المشهور في اللغة أنه يقال في المطر: غاث الله الناس والأرض، يغيثهم -بفتح ~~الياء- ثلاثي؛ أي: أنزل المطر، والذي في هذا الحديث وغيره من رواياته: ~~أغثنا -بالألف-، ويغيثنا: -بضم الياء- من أغاث يغيث، رباعي، لكن الهمزة فيه ~~للتعدية، ومعناه: هب لنا غيثا، وقال بعضهم: المذكور في الإغاثة بمعنى ~~المعونة، وليس من طلب الغيث، إنما يقال في طلب الغيث: اللهم غثنا، قال ~~القاضي عياض: ويحتمل أن يكون من طلب الغيث؛ أي: هب لنا غيثا، وارزقنا غيثا، ~~كما يقال: PageV02P743 # سقاه الله وأسقاه؛ أي: جعل له سقيا، ms0483 على لغة من فرق بينهما، والصواب أن ~~الهمزة فيه للتعدية كما ذكرنا، والله أعلم (¬1). # قوله: "فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه، وقال: اللهم أغثنا" ~~إلى آخره: لا شك أن السنة في دعاء الاستسقاء رفع اليدين فيه، وقد عداه ~~بعضهم إلى كل دعاء، وقالوا: السنة رفع اليدين في الدعاء مطلقا، ومنهم من لم ~~يعده، مستدلا بما رواه البخاري ومسلم في "صحيحيهما"، وغيرهما عن أنس - رضي ~~الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يرفع يديه في شيء من ~~دعائه إلا في الاستسقاء حتي يرى بياض إبطيه (¬2)، ولا شك أن هذا مؤول على ~~عدم الرفع البليغ؛ بحيث يرى بياض إبطيه إلا في الاستسقاء، أو أن المراد: لم ~~أره رفع، وقد رآه غيره، فيقدم المثبتون في مواضع كثيرة، وهم جماعات، على ~~واحد لم يحضر ذلك، وقد ورد في حديث آخر أنه: استثنى ثلاثة مواضع: ~~الاستسقاء، والاستنصار، وعند رؤية البيت، وفي موضع آخر عشية عرفة. # وقد روى رفع اليدين في الدعاء جماعة من الصحابة، وقد روى أنس حديثا يعارض ~~حديثه هذا، وهو حديث القراء الذين بعثهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~خاله حرام، وفيه: فقال أنس: لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~كلما صلي الغداه رفع يديه يدعو عليهم (¬3)، وقد صنف الحافظ أبو محمد عبد ~~العظيم المنذري في ذلك جزءا -رحمه الله-، وقد جمع شيخنا أبو زكريا النواوي ~~-قدس الله روحه ونور ضريحه- في "شرح المهذب" نحوا من ثلاثين حديثا من ~~"الصحيحين"، أو PageV02P744 # أحدهما في رفع اليدين في الدعاء مطلقا في أواخر باب: صفة الصلاة، منه ~~(¬1)، والله أعلم. # قوله: "ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة"، المراد بالسماء ~~هنا: الفضاء المرتفع بين السماء والأرض، والسحاب معروف، والقزعة -بفتح ~~القاف والزاي- وهي: القطعة من السحاب، وجمعها قزع؛ كقصبة وقصب، قال أبو ~~عبيد: وأكثر ما يكون في الخريف، ومنه أخد القزع في الرأس، وهو: حلق بعض رأس ~~الصبي وترك بعضه (¬2). # قوله: "وما بيننا وبين سلع من بيت ولا ms0484 دار": # قوله: "من بيت ولا دار"هو تأكيد لقوله: وما نرى في السماء من سحاب ولا ~~قزعة؛ لأنه أخبر أن السحابة طلعت من وراء سلع، فلو كان بينه وبينهم دار، ~~لأمكن أن تكون السحابة والقزعة موجودة حال بينهم وبينها ما بينهم وبين سلع ~~من دار لو كانت، وسلع -بفتح السين المهملة وسكون اللام-، وهو جبل بقرب ~~المدينة من غربها (¬3)، والمقصود بهذا كله الإخبار عن معجزة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وعظيم كرامته على الله -سبحانه وتعالى- بإنزال المطر ~~سبعة أيام متوالية من غير تقدم سحاب ولا قزع ولا سبب آخر، لا ظاهر، ولا ~~باطن، سوى سؤال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي نحن مشاهدون له - صلى ~~الله عليه وسلم - ولسلع وللسماء، وليس هناك سبب للمطر أصلا. # وقوله: "ثم أمطرت"، يقال: مطرت، وأمطرت، في المطر، وهذا الحديث دليل ~~لجواز أمطر -بالألف-، وهو المختار عند المحققين من أهل اللغة، وقال بعضهم: ~~لا يقال: أمطرت -بالألف- إلا في العذاب؛ كقوله تعالى: {وأمطرنا عليها حجارة ~~من سجيل منضود} [هود: 82]، والمشهور الأول، ولفظة أمطرت: تطلق في الخير PageV02P745 # والشر، وتعرف بالقرينة، قال الله تعالى: {هذا عارض ممطرنا} [الأحقاف: ~~24]، وهذا من أمطر، والمراد به: المطر في الخير؛ لأنهم ظنوه خيرا، فقال ~~الله تعالى: {بل هو ما استعجلتم به ريح} (¬1) [الأحقاف: 24]. # وقوله: "ما رأينا الشمس سبتا"؛ أي: جمعة، وقد بين في رواية أخرى، والمراد ~~به: سبعة أيام، أولها يوم الجمعة ويوم السبت، وآخرها يوم الخميس وبعض يوم ~~الجمعة، وهو في اللغة: القطع، وبه سمي يوم السبت، وقال: بانت في تفسير ~~قوله: سبتا؛ أنه: القطعة من الزمان، يقال: سبت من الدهر؛ أي: قطعة منه، ~~وسبته: قطعته، وقد رواه الدارقطني: ستا، وفسره: ستة أيام من الدهر، وهو ~~تصحيف، كذا قاله أبو العباس القرطبي: إنه تصحيف (¬2)، وهو الصحيح؛ من حيث ~~إن الرواية فيه سبتا -بفتح السين المهملة وسكون الباء الموحدة وبالتاء ~~المثناة فوق- أما من حيث معنى السبت في العدد، فهو صحيح؛ فإنهم ما رأوا ~~الشمس سبعة أيام كوامل، بل ستا كوامل وبعض ms0485 يومي جمعة، وذلك لا يطلق عليه ~~يوم كامل، والله أعلم. # وقوله في الجمعة الثانية: "هلكت الأموال، وانقطعت السبل"؛ أي: بكثرة ~~المطر فإن إمساك المطر وكثرته مضر. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم حوالينا": هو ظرف معلق بمحذوف ~~تقديره: اللهم أنزل حوالينا، ولا تنزل علينا، ويقال: حولنا، وحوالينا، وهما ~~روايتان صحيحتان. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم على الآكام والظراب، وبطون ~~الأودية، ومنابت الشجر": سأل - صلى الله عليه وسلم - ربه -سبحانه وتعالى- ~~ذلك أدبا معه؛ حيث لم يسأل رفعه من أصله، بل سأل رفع ضرر المطر، وكشفه عن ~~البيوت والمرافق والطرق؛ بحيث لا يتضرر به ساكن ولا ابن سبيل، وسأله بقاءه ~~في مواضع الحاجة؛ بحيث يبقى PageV02P746 # نفعه وخصبه، وهي بطون الأودية وغيرها من المواضع المذكورة. # والإكام -بكسر الهمزة، ويقال: بفتحها مع المد فيها-: جمع أكمة، ويقال: ~~جمع أكم -بفتح الهمزة والكاف-، وأكم -بضمهما- والذي يقتضيه القياس أن يكون ~~الأكم والأكمات جع الأكمة، أما الأكم بضمهما فيقتضي أن يكون جمع الإكام؛ ~~مثل كتاب وكتب، وقد يكون ذلك جمع أكم -بفتحهما- مثل جبال وجبل، وهو التل ~~المرتفع من الأرض، دون الجبل، وأعلى من الرابية، وقيل: دون الرابية. # والظراب -بكسر الظاء المعجمة-: جمع ظرب -بفتحها وكسر الراء-، وهي الروابي ~~الصغار (¬1). # وقوله: "فسألت أنس بن مالك: أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري"، وثبت في ~~"صحيح البخاري" وغيره في بعض طرق هذا الحديث أنه الرجل الأول. # وفي هذا أعلام نبوة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وأحكام: # منها: استجابة دعائه - صلى الله عليه وسلم - في الاستسقاء والاستصحاء، ~~وعظيم قدره وحرمته عند ربه -سبحانه وتعالى- حتى أمطرت في الاستسقاء عقب ~~دعائه أو معه، وحتى أمسكت في الاستصحاء حتى خرجوا يمشون في الشمس. # ومنها: أدبه - صلى الله عليه وسلم - مع ربه -سبحانه وتعالى- حيث لم يسأل ~~ربه -سبحانه وتعالى- رفع المطر، بل سأل دوامه حيث ينتفع به. # ومنها: استحباب سؤال الإمام الاستسقاء والاستصحاء. # ومنها: استحباب ذلك في خطبة الجمعة، وهو أحد الأنواع فيه كما تقدم ذكره. # ومنها: جواز الاستسقاء منفردا عن الصلاة المخصوصة له، ms0486 واغترت به الحنفية، ~~وقالوا: هذا هو الاستسقاء المشروع لا غير، وجعلوا الاستسقاء بالبروز PageV02P747 # إلى الصحراء والصلاة بدعة، وليس كما قالوا، بل هو سنة ثابتة عنه - صلى ~~الله عليه وسلم - كما تقدم في الحديث الأول وغيره من الأحاديث الصحيحة، وقد ~~ذكرنا أنه ثلاثة أنواع، وفيما قالوه إبطال نوع ثابت، والله أعلم. # ومنها: استحباب تكرير الدعاء ثلاثا، وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه كان إذا دعا بدعوة، دعا بها ثلاثا. # ومنها: استحباب طلب انقطاع المطر عن المنازل والمرافق إذا كثر وتضرروا ~~به، وهو الاستصحاء، ولكن لا تشرع له صلاة ولا اجتماع في الصحراء. # ومنها: إجابة الإمام الرعية إذا سألوه في مصالحهم الدنيوية والأخروية، ~~خصوصا إذا كانت مصلحة عامة. # ومنها: الرجوع إلى الله تعالى بالسؤال والتضرع في جميع حالات العبد وما ~~ينزل به. # ومنها: الاستعانة في ذلك بالصالحين وأهل الخير في المجامع والمساجد ~~والأماكن الشريفة. # ومنها: استقبال القبلة في الدعاء. # ومنها: الدعاء قائما للإمام ومن في معناه. # ومنها: رفع اليدين فيه. # ومنها: الدعاء في الخطبة وقطعها للأمر يحدث. # ومنها: الاعتبار بعظيم قدرة الله تعالى وما يجريه على يدي أنبيائه ورسله ~~من المعجزات، وعلى يدي أوليائه من الكرامات. # ومنها: الاقتداء بهم في جميع ذلك كما فعل الصحابة والتابعون والسلف ~~الصالحون وهلم جرا إلى اليوم، والله تعالى أعلم. # * * * PageV02P748 ### || AUTO باب صلاة الخوف ### ||| AUTO الحديث الأول # عن عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- قال: صلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - صلاة الخوف في بعض أيامه، فقامت طائفة معه، وطائفة بإزاء ~~العدو، فصلى بالذين معه ركعة، ثم ذهبوا، وجاء الآخرون، فصلى بهم ركعة، وقضت ~~الطائفتان ركعة ركعة (¬1). # أما ابن عمر، فتقدم الكلام عليه في كتاب الطهارة. # وأما صلاة الخوف: فكانت في عسفان في سنة ست من الهجرة بعد رمضان، وبها ~~نزلت آيتها التي في النساء، وكان سبب نزولها: أنه - صلى الله عليه وسلم - ~~صلى بأصحابه الظهر، فندم المشركون على عدم اغتيالهم بالقتل لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فعزموا على ذلك ms0487 في الصلاة الآتية، فنزل ~~جبريل على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال له: إنها صلاة الخوف، وتلا ~~عليه: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة} [النساء: 102]، فعلمه صلاة الخوف، ~~ثم صلاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك على أوجه في أماكن، ~~والله أعلم. # واعلم أن صلاة الخوف رويت في الأحاديث على أوجه يبلغ مجموعها ستة PageV02P749 # عشر وجها عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ذكرها كلها الإمام أبو داود ~~سليمان بن الأشعث السجستاني الحافظ -رحمه الله تعالى- في "سننه"، وذكر ابن ~~القصار المالكي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاها في عشرة مواطن، ~~وذكر غيره منهم أكثر من ذلك، وفي حديث ابن أبي حثمة وأبي هريرة وجابر: أنه ~~صلاها يوم ذات الرقاع، وهي غزوة نجد وغطفان سنة خمس من الهجرة، وتقدم ذكرنا ~~أنه صلاها بعسفان، وصلاها يوم بني سليم، وفي غراة جهينة، وفي غزوة محارب ~~بنجد، وببطن نجد على باب المدينة، والمختار عند العلماء أن هذه الروايات ~~كلها جائزة بحسب مواطنها، وفيها تفصيل وتفريع في كتب الفقه. # قال الخطابي - رحمه الله -: صلاة الخوف أنواع، صلاها النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أيام مختلفة، وأشكال متباينة، يتحرى في كلها ما هو أحوط ~~للصلاة، وأبلغ في الحراسة، فهي على اختلاف صورها متفقة المعنى (¬1). # ثم مذهب العلماء كافة أن صلاة الخوف مشروعة اليوم كما كانت، إلا أبا يوسف ~~والمزني، فقالا: لا تشرع بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لقول الله ~~تعالى: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة} [النساء: 102]، وقد يؤيد هذا ~~بأنها صلاة على خلاف المعتاد، وفيها أفعال منافية، فجازت المسامحة فيها ~~بسبب فضيلة إمامته - صلى الله عليه وسلم -، وما ذكراه لا يصلح أن يكون ~~دليلا على الخصوصية؛ لأنه لو كان دليلا، للزم قصر الخطابات على من توجهت ~~له، وحينئذ يلزم أن تكون الشريعة قاصرة على من خوطب بها، لكلن قد تقرر ~~بدليل إجماعي أن حكمه على الواحد حكمه على الجماعة، وكذلك ما يخاطب به هو؛ ~~كقوله تعالى: {فإن كنت في شك} [يونس: 94]، و {يا ms0488 أيها النبي حسبك الله} ~~[الأنفال: 64]، ونحوه كثير، كيف وقد أمرنا باتباعه والتأسي به، فيلزم ~~اتباعه مطلقا حتى يدل دليل واضح على الخصوص، مع أن الصحابة -رضي الله عنهم- ~~اطرحوا توهم الخصوص في هذه الآية والصلاة، وعدوا ذلك إلى غير النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، وهم أعلم بالمقال، وأقعد بالحال، PageV02P750 # ولا يلتفت إلى قول من ادعى الخصوصية، مع عموم قوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (¬1)، والله أعلم. # وصلاة الخوف هي الصلاة المعهودة، تحضر والمسلمون متعرضون لحرب العدو، وقد ~~اختلف العلماء: هل للخوف تأثير في تغيير الصلاة المعهودة عن أصل مشروعيتها ~~المعروفة، أم لا؟ ذهب الجمهور إلى أن له تأثيرا، وهو راجع إلى ما ذكرناه من ~~أنه خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، أم عام في جميع الأزمان؟ والله أعلم. # وقد أخذ بحديث ابن عمر هذا: الأوزاعي، وأشهب المالكي، وهو جائز عند ~~الشافعي. # ثم قيل: إن الطائفتين قضوا ركعتهم الباقية معا. # وقيل: متفرقين، وهو الصحيح، ورجح أبو حنيفة الأخذ بحديث ابن عمر هذا، إلا ~~أنه قال: بعد سلام الإمام تأتي الطائفة الأولى إلى موضع الإمام، فتقضي، ثم ~~تذهب، ثم تأتي الطائفة الثانية إلى موضع الإمام، فتقضي، ثم تذهب، وقد أنكرت ~~عليه هذه الزيادة. # وقيل: إنها لم ترد في حديث، واختار الشافعي رواية صالح بن خوات عمن صلى ~~مع النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف الآتية. # واختلف أصحابه لو صلى على رواية ابن عمر هل تصح، أم لا؟ الصحيح: الصحة؛ ~~لصحة الرواية، وترجيح رواية صالح من باب الأولى، واختار مالك ترجيح الصفة ~~التي ذكرها سهل بن أبي حثمة التي رواها هو عنه في "الموطأ" موقوفة، وهي ~~تخالف الرواية المذكورة في الكتاب في سلام الإمام، فإن فيها أن الإمام ~~يسلم، وتقضي الطائفة الثانية بعد سلامه. # ولما رجح الفقهاء بعض الروايات على بعض، احتاجوا إلى ذكر سبب الترجيح، ~~فتارة يرجحون بمواقع ظاهر القرآن، وتارة بكثرة الرواة، وتارة بكون بعضها ~~موصولا، وبعضها موقوفا، وتارة بالموافقة للأصول في غير هذه الصلاة، PageV02P751 # وتارة بالمعاني، وهذه ms0489 الرواية التي اختارها أبو حنيفة - رحمه الله - ~~توافق الأصول في أن قضاء الطائفتين بعد سلام الإمام، وأما ما اختاره ~~الشافعي، ففيه قضاء الطائفتين معا قبل سلام الإمام، والله أعلم. ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات بن جبير، عمن صلى مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - صلاة ذات الرقاع صلاة الخوف: أن طائفة صفت معه، وطائفة ~~وجاه العدو، فصلى بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائما، وأتموا لأنفسهم، ثم ~~انصرفوا، فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي ~~بقيت، ثم ثبت جالسا، وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم (¬1). # الذي صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - هو سهل بن أبي حثمة. # أما يزيد بن رومان، فكنيته: أبو روح، وهو أسدي قرشي، مولاهم، كان مولى ~~الزبير بن العوام، معدود في المدنيين، تابعي، روى عن عبد الله بن الزبير، ~~وأنس بن مالك، وجماعة من التابعين، عالم، كثير الحديث، ثقة، روى عنه ~~الزهري، وهشام بن عروة، وخلق سواهم من الأئمة والثقات، مات سنة ثلاثين ~~ومئة، روى له البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب السنن والمساند. # وأبوه: رومان -بضم الراء-، وحكي في اسم رومان: فتح الراء مطلقا، وهو شاذ (¬2). # وأما صالح بن خوات بن جبير، فهو أنصاري، مدني، تابعي، ثقة، روى له PageV02P752 # البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب السنن والمساند، وخوات -بفتح الخاء ~~المعجمة وتشديد الواو، ثم ألف، ثم تاء مثناة-، وهو ابن جبير بن النعمان، له ~~صحبة، وكان أحد فرسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وله مشابه، والله ~~أعلم (¬1). # وأما: سهل بن أبي حثمة، فكنيته: أبو يحيى. # ويقال: أبو محمد. # وقيل: أبو عبد الرحمن، وأبو حثمة -بفتح الحاء المهملة وسكون الثاء ~~المثلثة، ثم الميم المفتوحة، ثم تاء التأنيث-، واسمه: عبد الله بن ساعدة. # وقيل: عامر بن ساعدة بن عامر بن عدي بن خيثم بن مجدعة بن حارثة ابن ~~الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس، الأنصاري، المديني، مات النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - وهو ابن ثمان سنين، ms0490 وقد حفظ عنه، روي له عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - خمسة وعشرون حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها ~~على ثلاثة أحاديث، روى عنه جماعة من التابعين، منهم: ابن شهاب الزهري. # وقيل: لم يسمع منه، وروى له أصحاب السنن والمساند، وذكر ابن [أبي] حاتم ~~الرازي: أنه سمع رجلا من ولده يقول: كان ممن بايع تحت الشجرة، وكان دليل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أحد، وشهد ما بعدها من المشاهد، قال ابن ~~الأثير في "معرفة الصحابة" له، وقول الواقدي أصح؛ يعني: موت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وهو ابن ثمان سنين، قال: وتوفي في أول أيام معاوية، ~~وحديثه في صلاة الخوف صحيح مشهور (¬2). PageV02P753 # وأما غزوة ذات الرقاع، فكانت سنة خمس من الهجرة بأرض غطفان من نجد، سميت ~~ذات الرقاع؛ لأن أقدام المسلمين تعبت من الحفا، فلفوا عليها الخرق، هكذا ~~ثبت في الصحيح عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - (¬1). # وقيل: سميت به بجبل هناك يقال له: الرقاع؛ لأن فيه بياضا وحمرة وسوادا. # وقيل: سميت بشجرة يقال لها: ذات الرقاع. # وقيل: لأن المسلمين رقعوا راياتهم فيها. # وقيل: يحتمل أن هذه الأمور كلها وجدت فيها، وشرعت صلاة الخوف فيها، وقيل: ~~في غزوة بني النضير، وتقدم ذكرنا لسبب نزول آية صلاة الخوف أول الباب، وأنه ~~كان في عسفان سنة ست، والله أعلم. # وأما الطائفة: فهي الفرقة والقطعة من الشيء، تقع على القليل والكثير، لكن ~~قال الشافعي: أكره أن تكون الطائفة في صلاة الخوف أقل من ثلاثة، فينبغي أن ~~تكون الطائفة التي تكون مع الإمام ثلاثة فأكثر، والذين في وجه العدو كذلك، ~~واستدل بقوله تعالى: {وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم} ~~[النساء: 102] إلى آخر الآية، فأعاد على كل طائفة ضمير الجمع، وأقل الجمع ~~ثلاثة على المشهور، والله أعلم. # وقوله: "وطائفة وجاه العدو" وهو -بكسر الواو وضمها-، يقال: وجاهه ووجاهه ~~وتجاهه؛ أي: قبالته. # واعلم أن هذا الحديث اشتمل على أمرين مخالفين للصلاة المفعولة في الأمن: ~~وهو جوازها إلى غير القبلة إذا كان العدو في ms0491 غير جهتها. # الثاني: انتظار الإمام قائما الطائفة الثانية في الركعة الثانية ليصلوها ~~ثم يسلموا جميعا، وهذا في الصلاة الثانائية مقصورة كانت أو بأصل الشرع، ~~وهذا مختار الشافعي، أما الرباعية: فهل ينتظرها قائما في الثالثة أو قبل ~~قيامه؟ فيه اختلاف PageV02P754 # للفقهاء، وإذا قيل بأنه ينتظرها قبل قيامه، فهل تفارقه الطائفة الأولى ~~قبل تشهده عند رفع رأسه من السجود، أو بعد التشهد؟ اختلف الفقهاء فيه، وليس ~~في الحديث دلالة على أحد المذهبين، وإنما يؤخذ بطريق الاستنباط منه. # قال: شيخنا القاضي أبو الفتح -رحمه الله تعالى-: ومقتضى الحديث -أيضا- أن ~~الطائفة الأولى تتم لأنفسها مع بقاء صلاة الإمام، وفيه مخالفة للأصول في ~~غير هذه الصلاة، لكنه فيها ترجيح من جهة المعنى؛ لأنها إذا قضت وتوجهت إلى ~~نحو العدو، وتوجهت فارغة من الشغل بالصلاة، وتوفر مقصود صلاة الخوف، وهو ~~الحراسة على الصفة التي اختارها أبو حنيفة بتوجيه الطائفة للحراسة، مع ~~كونها في الصلاة، فلا يتوفر المقصود من الحراسة، وربما أدى إلى أن يقع في ~~الصلاة الضرب والطعن وغير ذلك من منافيات الصلاة، ولو وقع في هذه الصورة، ~~لكان خارج الصلاة، وليس بمحذور، ومقتضى الحديث -أيضا-: أن الطائفة الثانية ~~تتم لنفسها قبل فراغ الإمام، وفيه ما في الأول، ومقتضاه -أيضا-: أنه يثبت ~~حتى تتم لنفسها ويسلم بهم، وهذا اختيار الشافعي، وقول في مذهب مالك، ثم ~~ظاهر مذهب مالك أن الإمام يسلم، وتقضي الثانية بعد سلامه، وربما ادعى بعضهم ~~أن ظاهر القرآن يدل على أن الإمام ينتظرهم ليسلم بهم؛ بناء على أنه فهم من ~~قوله: {فليصلوا معك} [النساء: 102]؛ أي: بقية الصلاة التي بقيت للإمام، ~~فإذا سلم الإمام بهم، فقد صلوا معه البقية، وإذا سلم قبلهم، لم يصلوا معه ~~البقية؛ لأن السلام من البقية، وليس بالقوي الظهور، وقد يتعلق بلفظ الراوي ~~من يرى أن السلام ليس من الصلاة من حيث إنه قال: فصلى بهم الركعة التي ~~بقيت، فجعلهم مصلين معه بما يسمى ركعة، ثم أتى بلفظه، ثم ثبت جالسا، فأتموا ~~لأنفسهم، ثم سلم، فجعل لفظ السلام متراخيا عن ms0492 مسمى الركعة، إلا أنه ظاهر ~~ضعيف، وأقوى منه في الدلالة ما دل على أن السلام من الصلاة، والعمل بأقوى ~~الدليلين متعين، هذا آخر كلامه -رحمه الله تعالى- (¬1). PageV02P755 ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن جابر بن عبد الله الأنصاري -رضي الله عنهما- قال: شهدت مع رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف، فصففنا صفين خلف رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، والعدو بيننا وبين القبلة، وكبر النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، وكبرنا جميعا، ثم ركع، وركعنا جميعا، ثم رفع رأسه من الركوع، ورفعنا ~~جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، ~~فلما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - السجود، وقام الصف الذي يليه، انحدر ~~الصف المؤخر بالسجود، وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر، وتأخر الصف المقدم، ثم ~~ركع النبي - صلى الله عليه وسلم - وركعنا جميعا، ثم رفع رأسه من الركوع ~~فرفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرا في الركعة ~~الأولى، فقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - السجود والصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود، فسجدوا، ثم سلم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، وسلمنا جميعا، قال جابر: كما يصنع حرسكم ~~هؤلاء بأمرائهم. # ذكره مسلم بتمامه، وذكر البخاري طرفا منه، وأنه صلى صلاة الخوف مع النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - في الغزوة السابقة غزوة ذات الرقاع (¬1). # أما جابر، ونسبه، ونسبته، فتقدم ذكره جميعه. # واعلم أن هذه الصلاة المذكورة كانت والعدو في جهة القبلة، وبهذه الكيفية ~~قال الشافعي، وابن أبي ليلى، وأبو يوسف، ويجوز عند الشافعي تقدم الصف وتأخر ~~الصف الأول كما في هذا الحديث، ويجوز بقاؤهما على حالهما، وقد رواه مسلم في ~~حديث ابن عباس، ولا شك أن الحراسة تتأتى للكل مع الإمام في الصلاة، ويتأتى ~~فيها التأخير عن الإمام لأجل العذر، إذا ثبت هذا، فموضع الحراسة في السجود، ~~وأما في الركوع، فالمشهور في مذهب الشافعي أنه ليس PageV02P756 # موضعها؛ لأنه لا يمنع من إدراك العدو بالبصر، فالحراسة ممكنة معه بخلاف ~~السجود، ms0493 وفيه وجه لبعض أصحاب الشافعي: أنه يحرس في الركوع -أيضا-، والمراد ~~بالسجود الذي سجده النبي - صلى الله عليه وسلم -، وسجد معه الصف الذي يليه، ~~هو السجدتان جميعا. # ثم الحديث يدل على أن الصف الذي يلي الإمام يسجد معه في الركعة الأولى، ~~ويحرس الصف الثاني فيهما، ونص الشافعي على خلافه: وهو أن الصف الأول الذي ~~يليه يحرس في الركعة الأولى، فقال بعض أصحابه: لعله سها، ولم يبلغه الحديث، ~~وجماعة من العراقيين وافقوا الصحيح في مذهبه، ولم يذكر بعضهم سوى ما دل ~~عليه الحديث؛ كأبي إسحاق الشيرازي، وبعضهم قال بذلك بناء على المشهور عن ~~الشافعي: أن الحديث إذا صح يؤخذ به ويترك قوله، أما الخراسانيون فإن بعضهم ~~تبع نص الشافعي؛ كالغزالي في "الوسيط" (¬1)، # ومنهم من ادعى أن في الحديث رواية لذلك، ورجح ما ذهب إليه الشافعي بأن ~~الصف الأول يكون جنة لمن خلفه، ويكون ساترا له عن أعين المشركين، وبأنه ~~أقرب إلى الحراسة، وهؤلاء مطالبون بإبراز تلك الرواية، والترجيح إنما يكون بعدها. # ثم الحديث يدل على أن الحراسة يتناوبها الطائفتان في الركعتين، فلو حرست ~~طائفة واحدة في الركعة معا، ففي صحة صلاتهم خلاف للشافعي، والله أعلم. # ولا شك أن في بعض طرق حديث جابر هذا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~صلى بكل طائفة ركعتين، وهي صحيحة في "صحيح مسلم"، وغيره، ورواها أبو داود ~~في "سننه" من رواية أبي بكرة - رضي الله عنه - (¬2)، فكانت الطائفة الثانية ~~مفترضين خلف PageV02P757 # متنفل، وبه قال الشافعي، وهو محكي عن الحسن البصري، وادعى الطحاوي أنه ~~منسوخ، ولا تقبل دعواه؛ إذ لا دليل لنسخه. # واعلم أن الخوف لو كان أكثر مما نقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فعله فيه، فإنه يصلي على حسب حاله، راكبا وقائما، يومئ إيماء، مستقبل ~~القبلة وغير مستقبلها، وهو قول ابن عمر، وبه أخذ مالك، والثوري، والأوزاعي، ~~والشافعي، وعامة العلماء، ويشهد له قوله تعالى: {فإن خفتم فرجالا أو ~~ركبانا} [البقرة: 239] قال بعض العلماء: بحسب ما يتمكن منه. # وقال جماعة من الصحابة والسلف: يصلي ms0494 في الخوف ركعة يومئ بها إيماء. # وقال الضحاك: فإن لم يقدر على ركعة، فتكبيرتين حيث كان وجهه. # وقال إسحاق: إن لم يقدر على ركعة إيماء، صلى سجدة، فإن لم يقدر فتكبيرة. # وقال الأوزاعي نحوه إذا تهيأ الفتح، لكن إن لم يقدر على ركعة، ولا على ~~سجدة، لم يجزئه التكبير، وأخرها حتى يؤمنوا. # وهذه المذاهب كلها لها أصل صحيح من الكتاب والسنة، وهو قوله تعالى: ~~{فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16]، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (¬1)، وهو مأمور بالصلاة على صفة ~~من قيام وركوع وسجود وتكبير وتلاوة، فإذا تعذر بعضها، أتى بالباقي؛ محافظة ~~على امتثال الأمر، والله أعلم. # ومنع مكحول وبعض أهل الشام من صلاة الخائف جمله متى لم يتهيأ له أن PageV02P758 # يأتي بها على وجهها، ويؤخرها إلى أن يتمكنوا من ذلك، واحتجوا بتأخير ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة يوم الخندق، ولا حجة لهم فيه؛ لأن ~~صلاة الخوف إنما شرعت بعد ذلك كما ذكرنا. # واختلف الذين قالوا بالجواز للمطلوب في جواز ذلك للطالب: # فمالك وجماعة من أصحابه على التسوية بينهما. # وقال الشافعي، والأوزاعي، وفقهاء أصحاب الحديث، وابن عبد الحكم: لا يصلي ~~الطالب إلا بالأرض. # ثم اختلفوا فيما يباح له من العمل في الصلاة، فجمهورهم على جواز كل ما ~~يحتاج إليه في مطاردة العدو، وما يضطر إليه من ذلك؛ من مشي ونحوه، وقال ~~الشافعي: إنما يجوز له من ذلك المشي اليسير، والطعنة والضربة، فأما ما كثر، ~~فلا تجزئه الصلاة، ونحوه عن محمد بن الحسن، والله أعلم. # * * * PageV02P759 ### | AUTO كتاب الجنائز # الجنائز -بفتح الجيم- جمع جنازة -بكسر الجيم وفتحها-، وقيل: بالفتح ~~للميت، وبالكسر للنعش عليه ميت، وقيل: عكسه، حكاه صاحب "المطالع"، وقال ابن ~~فارس: الجنازة مشتقة من جنز يجنز: إذا ستر (¬1). ### || AUTO الحديث الأول # عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: نعى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم، وكبر أربعا (¬2). # تقدم ذكر أبي هريرة. # وأما النجاشي: وهو -بفتح ms0495 النون وبالجيم والشين المعجمة وتشديد الياء-، ~~لقب لكل من ملك الحبشة، ومعناه بالعربية: عطية، فيما ذكره ابن قتيبة، قال ~~جماعة من الأئمة أهل العربية وغيرهم، وكلامهم متداخل: كل من ملك المسلمين ~~يقال له: أمير المؤمنين، ومن ملك الحبشة: النجاشي، ومن ملك الروم: قيصر، ~~ومن ملك الفرس: كسرى، ومن ملك الترك: خاقان، ومن ملك PageV02P761 # القبط: فرعون، ومن ملك مصر: العزيز، ومن ملك اليمن: تبع، ومن ملك حمير: ~~القيل -بفتح القاف-. # وقيل: القيل أقل درجة من الملك. # واسم النجاشي: أصحمة -بفتح الهمزة وإسكان الصاد وفتح الحاء المهملتين-، ~~وقيل: صحمة -بفتح الصاد وإسكان الحاء-، وحكى الرافعي في "شرح مسند ~~الشافعي": أنه يقال: أصمحة -بتقديم الميم على الحاء- أصمحة، ولعله تصحيف، ~~وقيل: صمحة -بتقديم الميم على الحاء بلا ألف-، قاله ابن أبي شيبة في ~~"مسنده"، وهو شاذ، والله أعلم. # واعلم أن النجاشي تابعي؛ لأنه آمن، رأى الصحابة، ولم ير النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، وهذه المسألة تلقى في المعاياة، فيقال: شخص صلى عليه النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، وهو تابعي، فيقال: هو النجاشي، قاله أعلم (¬1). # وقوله: "نعى النبي - صلى الله عليه وسلم - النجاشي"، اعلم أن النعي على ضربين: # أحدهما: مجرد إعلام لمقصد ديني؛ مثل: طلب كثرة الجماعة تحصيلا للدعاء ~~للميت وتتميما للعدد الذي وعد بقبول شفاعتهم له؛ كالأربعين والمئة مثلا، أو ~~لتشييعه وقضاء حقه في ذلك، وقد ثبت في معنى ذلك قوله: - صلى الله عليه وسلم ~~- "هلا آذنتموني به" (¬2)، ونعيه - صلى الله عليه وسلم - أهل مؤتة. # وضرب فيه أمر محرم: مثل نعي الجاهلية المشتمل على مفاخر الميت ومآثره، ~~وإظهار التفجع عليه، وإعظام حال موته، فالأول مستحب، والثاني محرم. PageV02P762 # وفي الحديث أحكام: # منها: # الإعلام بالميت للمقصد الديني. # ومنها: إثبات الصلاة على الميت، وأجمع العلماء على أنها فرض كفاية، ~~واختلفوا في القدر الذي يسقط به، فقال أصحاب الشافعي: تسقط بصلاة واحد، وهو ~~الصحيح عندهم، وقيل: يشترط اثنان، وقيل: ثلاثة، وقيل: أربعة. # وأما صلاته - صلى الله عليه وسلم - على النجاشي: فكانت متعينة؛ حيث مات ~~بأرض لم تقم ms0496 بها فريضة الصلاة عليه، فتعين الإعلام بموته لذلك، وهكذا الحكم ~~في كل مسلم مات ولم يصل عليه؛ فإنه يتعين على كل من علم بموته الصلاة عليه. # ومنها: معجزة ظاهرة لرسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ لإعلامه بموته وهو في ~~الحبشة في اليوم الذي مات فيه. # ومنها: شرعية الصلاة على الميت الغائب، وهو مذهب الشافعي - رحمه الله -، ~~وخالف في ذلك مالك وأبو حنيفة وغيرهما، وقالا: لا يصلى على الغائب، ~~ويحتاجون إلى الاعتذار عن الحديث، ولهم اعتذارات: # منها: ما ذكر أن صلاته - صلى الله عليه وسلم - على النجاشي كانت متعينة. # والثاني: ما قيل: إنه - صلى الله عليه وسلم - رآه، فيكون حين صلاته عليه ~~كميت رآه الإمام ولم يره المأمومون، وهذا يحتاج إلى نقل يثبته، فمثله لا ~~يثبت بالاحتمال. # ومنها: الخروج إلى المصلى للصلاة على الميت الغائب من غير كراهة، وقد ~~تمسك به الحنفية في منع الصلاة على الميت في المسجد، وبجعل الكراهة في ~~الصلاة على الميت في المسجد مطلقة، ولا يتم لهم ذلك إلا أن تخص الكراهة في ~~الميت يكون في المسجد؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على سهيل بن ~~بيضاء في المسجد (¬1)، ومعلوم أن موته كان خارج المسجد، وحمل إلى المسجد ~~للصلاة PageV02P763 # عليه فيه، والخروج إلى المصلى للصلاة على النجاشي أبلغ في إظهار أمره ~~المشتمل على هذه المعجزة الباهرة، ولإكثار المصلين عليه، ومذهب جمهور ~~العلماء جواز الصلاة على الميت في المسجد مطلقا، ولا يتم لهم الاستدلال منه ~~على الكراهة على الصلاة عليه فيه أصلا؛ لأن الممتنع عندهم إنما هو إدخاله ~~إلى المسجد، لا مجرد الصلاة عليه فيه. # ومنها: أن سنة تكبيرات صلاة الجنازة أربع، وهو مذهب الشافعي وجمهور ~~العلماء، ونقل إجماعهم عليه، وخالف الشيعة في ذلك، وقالوا: يكبر خمسا، وقد ~~وردت به أحاديث مرفوعة، لكنها غير ثابتة كثبوت التكبير أربعا، وبتقدير ~~ثبوتها، فالتكبير أربعا متأخر عنها، وهو مروي عن ابن عباس؛ أعني: التكبير ~~أربعا كان متأخرا عن التكبير خمسا، ومعلوم أن الأخذ عنه كان بالآخر فالآخر ~~من أمره - صلى الله ms0497 عليه وسلم -، وروي عن بعض المتقدمين أنه كبر على ~~الجنازة ثلاثا، وهذا الحديث يرده، واختلف الصحابة فيه من ثلاث إلى تسع، ثم ~~وقع الاتفاق على الأربع كما بينا، ونسخ ما عنداه. # ومنها: استحباب الصفوف، والأمر بها في صلاة الجنازة؛ لقوله: فصف بهم، وقد ~~ثبت في الصحيح من كتب السنن: "من صلى عليه ثلاثة صفوف لا يشركون بالله شيئا ~~إلا شفعهم الله فيه" (¬1)، ولم يقع في الأحاديث الصحيحة السلام من صلاة ~~الجنازة على الخصوص، لكن يستدل عليه بعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"تحريم الصلاة التكبير، وتحليلها التسليم"، وهو حديث صحيح أجمع العلماء ~~عليه، لكن قال الجمهور منهم: يسلم تسليمة واحدة، وقال الثوري وأبو حنيفة ~~والشافعي وجماعة من السلف: يسلم تسليمتين. PageV02P764 # وهل يجهر الإمام بالسلام أو يسر به؟ قال الشافعي: يسر، وقال أبو حنيفة: ~~يجهر، وعن مالك روايتان، والله أعلم. # * * * ### || AUTO الحديث الثاني # عن جابر -رضي الله عنه-: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على ~~النجاشي، فكنت في الصف الثاني أو الثالث (¬1). # في هذا الحديث استحباب أن تكون الصفوف على الميت أكثر من واحد، وهو بعض ~~من الحديث الأول، وثبت عن بعض العلماء من الصحابة أو التابعين: أنه كان إذا ~~حضر الناس الصلاة على الميت، صفهم صفوفا؛ طلبا لقبول الشفاعة؛ للحديث الذي ~~ذكرناه قريبا من كتب السنن، وهذا ### || AUTO الحديث الثاني # لعله من هذا القبيل، فإن الصلاة كانت في الصحراء، ولعلها لا تضيق من صف ~~واحد، ويمكن أن يكون لغير ذلك، والله أعلم. # وفيه: التثبت فيما يقوله الإنسان ويحكيه، خصوصا إن كان لتبيين حكم، أو ~~تعليم أدب؛ فإن جابرا لما ذكر أن صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - على ~~النجاشي كانت بصفوف وراءه، وأنه كان في الصف الثاني أو الثالث، حكى الحال ~~على ما هو في ذهنه من غير زيادة ولا نقص. # وفيه: الصلاة على الغائب، خصوصا إذا علم عدم الصلاة عليه. # * * * PageV02P765 ### || AUTO الحديث الثالث # عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~صلى ms0498 على قبر بعد ما دفن، فكبر عليه أربعا (¬1). # تقدم الكلام على ابن عباس، وهذا القبر الذي صلى عليه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يحتمل أن يكون قبر السوداء التي كانت تقم المسجد، ويحتمل ~~غيره إلا أن يأتي بيان. # وبالجملة ففي الحديث دليل على جواز الصلاة على القبر بعد دفن الميت، وهو ~~مذهب الشافعي وأصحابه وموافقيه، وسواء كان صلى عليه أم لا. # ومنع الصلاة على القبر أصحاب مالك مستدلين بقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله تعالى ينورها بصلاتي ~~عليهم" (¬2)، فقد علم النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك وغيره لا بعلمه ~~مخصوصا به، وهذا ليس بشيء لوجوه: # أحدها: إنا لا نسلم أن المراد بصلاته عليهم الصلاة المعهودة، وإن كان ~~سياق الحديث يدل على إرادته، بل المراد مجرد الدعاء، فيكون دعاؤه بخصوصيته ~~مجردا عن الصلاة هو الذي يحصل تنويرها به لتحقق استجابته، لا مطلق الصلاة ~~الذي هو المجموع، لكن يقال: استجابة دعائه - صلى الله عليه وسلم - في ~~الصلاة أبلغ منها في غيرها. # الثاني: وإن كنا لم نعلم الخصوصية به لجواز الصلاة على القبر، لكنا نظنه، ~~ونرجو فضل الله -سبحانه- ودعاء المسلمين لمن صلوا عليه. # الثالث: أنه - صلى الله عليه وسلم - قد قال: "من صلى عليه مئة -أو: ~~أربعون- من المسلمين، PageV02P766 # شفعوا فيه" (¬1)، فقد أعلمنا أن ذلك يكون من غيره. # الرابع: أنه كان يلزم منه ألا يصلي على ميت بعده - صلى الله عليه وسلم -؛ ~~لإمكان الخصوصية فيمن صلى عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا باطل، ~~فإن قيل: الخصوصية في جواز صلاته - صلى الله عليه وسلم - على القبر إنما ~~كانت لكونه ولي المؤمنين وواليهم، فيختص جواز الصلاة على القبر بالوالي ~~والولي إذا لم يصليا على الميت، فالجواب أن هذا المذكور خارج عن محل ~~الخلاف، كيف وقد صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيره من أصحابه معه على ~~القبر ولم ينكر عليه؟! لكن هذا يحتاج إلى نقل من حديث آخر ليس في هذا ~~الحديث ذكر له. # وفيه: بيان ms0499 ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - من التواضع والرفق ~~بأمته، وتفقد أحوالهم والقيام بحقوقهم في الحياة والموت، والاهتمام بمصالح ~~آخرتهم ودنياهم. # وفيه: دليل على أن التكبير في الصلاة على الميت أربع، قال ابن عبد البر: ~~وانعقد الإجماع بعد الاختلاف على الأربع، وما سواه شذوذ لا يلتفت إليه، ~~قال: ولا نعلم أحدا من فقهاء الأمصار يخمس إلا ابن [أبي] ليلى، والله أعلم. # واعلم أنه لم يذكر في هذه الأحاديث ما يقرأ في صلاة الجنازة، وقد اختلف ~~العلماء في قراءة الفاتحة فيها، فذهب مالك -في المشهور عنه- وأبو حنيفة، ~~والثوري إلى عدم قراءتها، وكأنهم تمسكوا بظاهر ما خرجه أبو داود من حديث ~~أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: "إذا صليتم على الميت، فأخلصوا له الدعاء" (¬2)، وبأن مقصود هذه ~~الصلاة إنما هو الدعاء PageV02P767 # واستفراغ الوسع بعمارة أحوال تلك الصلاة في الاستشفاع للميت. # وذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق، ومحمد بن مسلمة، وأشهب من أصحاب مالك، ~~وداود إلى أنه يقرأ فيها بالفاتحة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صلاة ~~إلا بفاتحة الكتاب" (¬1)؛ حملا على عمومه، وقد خرج ابن خزيمة وابن حبان في ~~"صحيحيهما" في هذا الحديث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تجزئ ~~صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن" (¬2)، وقد خرج البخاري في "صحيحه" عن ابن ~~عباس - رضي الله عنهما -: أنه صلى على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب، وقال: ~~ليعلموا أنها سنة (¬3)، وخرج النسائي من حديث أبي أمامة - رضي الله عنه - ~~قال: السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في الأولى بأم القرآن مخافتة، ثم ~~يكبر ثلاثا، والتسليم عند الآخرة (¬4)، وذكر الإمام محمد بن نصر المروزي عن ~~أبي أمامة -أيضا- قال: السنة في الصلاة على الجنائز أن يكبر، ثم يقرأ بأم ~~القرآن، ثم يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم يخلص الدعاء للميت، ~~ولا يقرأ إلا في التكبيرة الأولى، ثم يسلم (¬5). هذان الحديثان صحيحان، ~~وهما ملحقان عند الأصوليين بالمسند، والعمل على حديث أبي أمامة أولى؛ إذ ms0500 ~~فيه جمع بين عموم قوله: لا صلاة، وبين إخلاص الدعاء للميت، وقراءة الفاتحة ~~فيها لم هي استفتاح الدعاء، ففي حديث أبي أمامة وجوب الصلاة على النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فيها، وبه قال الشافعي -رحمه الله تعالى-، والله أعلم. # * * * PageV02P768 ### || AUTO الحديث الرابع # عن عائشة -رضي الله عنها-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كفن في ~~ثلاثة أثواب يمانية ليس فيها قميص ولا عمامة (¬1). # أما قولها: "يمانية"، فهو بتخفيف الياء، على اللغة الفصيحة المشهورة، ~~وحكى سيبويه والجوهري وغيرهما لغة في تشديدها، ووجه الأول: أن الألف بدل من ~~ياء النسب، فلا يجتمعان، بل يقال: يمنية أو يمانية بالتخفيف، وكانت الأثواب ~~من قطن (¬2). # وقولها: "ليس فيها قميص ولا عمامة" معناه لم يكفن في قميص ولا عمامة، ~~وإنما كفن في ثلاثة أثواب غيرهما، ولم يكن مع الثلاثة شيء آخر، هكذا فسره ~~الشافعي وجمهور العلماء، وهو مقتضى ظاهر الحديث، حتى قالوا: ولا يستحب أن ~~يكون في الكفن قميص وعمامة، وقال مالك وأبو حنيفة: يستحب قميص وعمامة، ~~وتأولوا الحديث على أن معناه ليس القميص والعمامة من جملة الثلاثة، وإنما ~~هما زائدان عليها، وهو ضعيف؛ لعدم ثبوته في الحديث، بل يتضمن أن القميص ~~الذي غسل فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - نزع عنه عند تكفينه، ولا يتجه ~~غير ذلك؛ لأنه لو كفن فيه مع رطوبته، لأفسد الأكفان. # وأما الحديث الذي رواه أبو داود في "سننه" من رواية ابن عباس: أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - كفن في ثلاثة أثواب: الحلة ثوبان، وقميصه الذي توفي ~~فيه (¬3)، فهو حديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به؛ لأن يزيد بن أبي زياد أحد ~~رواته مجمع على ضعفه، لا سيما وقد خالف رواية الثقات. PageV02P769 # وفي هذا الحديث فوائد: # منها: استحباب التكفين في ثلاثة أبواب، وقد ثبت في الصحيح أنها كانت ~~سوابغ، قال العلماء: وأقل الواجب فيه ثوب واحد ساتر لجميع البدن، وما زاد ~~مستحبة. # ومنها: أن الورثة لا يضايق بعضهم بعضا، بل كل من رأى تكفين الميت في ~~المستحب يجاب، ولا يمنع، ms0501 بل يتبع. # ومنها: استحباب كونها يمانية من قطن. # ومنها: كراهة القميص والعمامة في الأكفان. # ومنها: الاقتداء بآثاره - صلى الله عليه وسلم - في حياته وموته، والله أعلم. # * * * ### || AUTO الحديث الخامس # عن أم عطية الأنصارية -رضي الله عنها- قالت: دخل علينا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - حين توفيت ابنته، فقال: "اغسلنها ثلاثا، أو خمسا، أو أكثر ~~من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الأخيرة كافورا، أو شيئا من ~~كافور، فإذا فرغتن، فآذنني"، فلما فرغنا، آذناه، فأعطانا حقوه، فقال: ~~"أشعرنها به"؛ يعني: إزاره -وفي رواية: "أو سبعا"-، وقال: "ابدأن بميامنها ~~ومواضع الوضوء منها"، وإن أم عطية قالت: وجعلنا رأسها ثلاثة قرون (¬1). # أما أم عطية، فتقدم الكلام عليها في آخر باب العيدين. # وأما الابنة التي توفيت، فهي زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~هذا هو المشهور الذي رواه مسلم في "صحيحه"، وروى أبو داود في "سننه" من ~~حديث ليلى بنت قانف الثقفية: أن التي غسلتها أم عطية هي أم كلثوم - رضي ~~الله عنها - (¬2)، وذكره القاضي عياض عن بعض أهل السير، والأول أصح، ويحتمل ~~أنها غسلت هذه، PageV02P770 # وهذه؛ فإن أم عطية كانت غاسلة للميتات، وكانت من فاضلات الصحابيات. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "اغسلنها ثلاثا أو خمسا" معناه: اغسلنها ~~وترا، وليكن ثلاثا، فإن احتجتن إلى زيادة للإنقاء، فليكن خمسا، على أن ~~الإيتار مطلوب في غسل الميت، فإن حصل تعميمه وإنقاؤه بواحدة، كانت الثلاث ~~مأمورا بها ندبا، وإن لم يحصل ذلك بواحدة، وحصل بالثلاث، كانت الثلاث ~~واجبة، وندب الخمس، وقد اختلف أصحاب الأصول في جواز إرادة المعنيين ~~المختلفين بصيغة الأمر؛ فقوله: "اغسلنها" صيغة أمر بالغسل، وقوله: "ثلاثا" ~~غير مستقل بنفسه، فإذا حصل المقصود بواحدة، كان قوله: "ثلاثا أو خمسا" غير ~~داخل تحت صيغة الأمر بأصل الغسل، فيكون المراد به الاستحباب، فالوجوب مراد ~~بالنسبة إلى أصل الغسل، والاستحباب بالنسبة إلى الإيتار عند عدم الحاجة إلى ~~الزيادة على الواحدة أو الثلاث، وقد رواه مسلم بروايات: "اغسلنها ثلاثا، أو ~~خمسا، أو سبعا، أو أكثر من ms0502 ذلك"، "اغسلنها وترا: ثلاثا أو خمسا"، ولم يذكر ~~الواحدة؛ لخروج الحديث على الغالب في الإنقاء والتعميم، لا على التحديد ~~بعدد، ولهذا جعله - صلى الله عليه وسلم - مفوضا إليهن على حسب الحاجة ~~الشرعية، لا مجردة بحسب التشهي؛ فإن الأمر الوارد من الشرع يصان عن التشهي، ~~خصوصا إذا كان موصوفا بصفة؛ لوجود الإسراف في التشهي، وقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "إن رأيتن ذلك"، فالكاف من "ذلك" مكسورة خطابا لأم عطية - رضي ~~الله عنها -، وأتى بالنون الثقيلة لجميع النساء؛ حيث إن الغسل لا يتعاطاه ~~إلا جماعة منهن، لكن نظر المصلحة الشرعية قد يكون لواحدة منهن، فيحسن جمعهن ~~في الرواية، وإفراد أم عطية في الخطاب، ومعنى ذلك: إن احتجن إلى الزيادة، ~~وليس معناه التخيير والتفويض إلى شهوتهن. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "بماء وسدر" قد يوهم هذا اللفظ أن الماء ~~المختط بالسدر يجوز التطهير به من غير ماء مطلق، وليس هو ظاهرا في امتزاج ~~السدر بالماء حال التطهير، بل يحتمل اجتماعهما في الغسل من غير مزج، ويكون ~~أحدهما واردا على الآخر، فيزول توهم جواز ذلك. PageV02P771 # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "واجعلن في الأخيرة كافورا أو شيئا من ~~كافور" الحكمة في الكافور في غسل الميت الحفظ لبدنه، ولعل ذلك السبب في ~~جعله في الأخيرة؛ فإنه لو جعل في غسل غيرها من الغسلات قبلها، لأذهبه، فلا ~~يحصل المقصود من ذلك، مع ما فيه من تطييب الميت وإكرامه وتبريد بدنه ~~وتصليبه، وذلك يمنع إسراع الفساد إليه. # وقولها: "فأعطانا حقوه " -بكسر الحاء وفتحها- لغتان: وهو الإزار، وأصل ~~الحقو معقد الإزار، وسمي به الإزار مجازا؛ لملازمته إياه، وهو من باب تسمية ~~الشيء باسم ما يلازمه، وجمع الحقو: أحق وحقى، ويجمع -أيضا- على أحقاء؛ كدلو ~~وأدلاء ودلى (¬1). # وقولها: فقال: "أشعرنها إياه" معناه: اجعلنه شعارا لها، والشعار ما يلي ~~الجسد، والدثار ما فوقه، والحكمة في إشعارها به تبريكها بآثاره - صلى الله ~~عليه وسلم -. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها" هذا ~~أمر بإكرام ميامن الميت، ومواضع الطهارة من بدنه؛ تشريفا ms0503 لها على سائر ~~البدن، فإن البدأة بالشيء يقتضي الاهتمام به، لكن إذا فعل ذلك، هل هو وضوء ~~حقيقي، أو هو جزء من الغسل خصت به المذكورات من الميامن ومواضع الوضوء ~~تشريفا؟ فيه كلام. # قولها: "وجعلنا رأسها ثلاثة قرون"؛ أي: ثلاث ضفائر، وتضمن ذلك تسريح شعر ~~الميت وضفره. # وفي هذا الحديث أحكام كثيرة: # منها: أن العالم يجب عليه الابتداء بتعليم العلم إذا علم أن العامل يجهل ~~ذلك العلم، أو يقصر في العمل به. # ومنها: أن النساء أحق بغسل الميتة من زوجها، وقد يمنع ذلك من يتحقق أن PageV02P772 # زوج زينب كان حاضرا في وقت وفاتها، لا مانع له من غسلها، وأنه لم يفوض ~~الأمر إلى النسوة، ومذهب الشافعي والجمهور أن للزوج غسل زوجته، وقال الشعبي ~~والثوري وأبو حنيفة: لا يجوز له غسلها، واختلف أصحاب الشافعي في أن النساء ~~أحق بغسل الميتة من زوجها على وجهين: أصحهما عندهم: أنهن أحق به منه، وأجمع ~~العلماء على أن لها غسل زوجها. # ومنها: أن بعض العلماء استدل بهذا الحديث على أنه لا يجب الغسل من غسل ~~الميت من حيث إنه موضع تعليم، فلو وجب، لذكره، وعدم الوجوب مذهب الشافعي ~~والجمهور، ولكن قال الخطابي: لا أعلم أحدا قال بوجوبه، وأوجب أحمد وإسحاق ~~الوضوء منه، وجمهور العلماء على استحبابه، وفي مذهب الشافعي وجه شاذ مردود: ~~أنه واجب، وليس بشيء، والحديث المروي فيه من رواية أبي هريرة مرفوعا: "من ~~غسل ميتا فليغتسل، ومن مسه فليتوضأ" (¬1) ضعيف بالاتفاق. # ومنها: شرعية الإيتار في غسل الميت على حسب الحاجة. # ومنها: تفويض الحاجة في ذلك إلى الغاسل على حسب المصلحة الشرعية من غير إسراف. # ومنها: أنه ينبغي للعالم إذا علم أمرا يتعلق بالمأمور به لا يمكن ~~الائتمار به إلا بالفعل على صورة أن يقيد الأمر والتعليم بغاية ليوضع ~~موضعه؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإذا فرغتن فآذنني"؛ أي: أعلمنني. # ومنها: أنه ينبغي للمأمور التقيد بالأمر فورا وغاية. # ومنها: استحباب السدر في غسل الميت، وهو متفق على استحبابه، ويكون في ~~المرة الواجبة، وقيل: يجوز ms0504 فيها. PageV02P773 # ومنها: استحباب شيء من الكافور في الغسلة الأخيرة، وهو متفق عليه عند ~~الشافعية ومالك وأحمد، وبه قال جمهور العلماء، وقال أبو حنيفة: لا يستحب، ~~وهذا الحديث حجة عليه. # ومنها: تبريك الرجل الصالح أقاربه وأصحابه بشيء من آثاره، خصوصا في الموت ~~وأسبابه، وقبول ذلك منه. # ومنها: جواز تكفين المرأة في ثوب الرجل. # ومنها: استحباب مشط رأس الميت وضفره، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق، وقال ~~الأوزاعي والكوفيون: لا يستحب المشط ولا الضفر، بل يرسل الشعر على جانبيها ~~مفرقا، وقال بعض أصحاب الشافعي بجعل الثلاث خلف ظهرها، وروى في ذلك حديثا ~~غريبا أثبت استحبابه به. # ومنها: استحباب تقديم الميامن في غسل الميت وسائر الطهارات، ويلحق بذلك ~~أنواع الفضائل. # ومنها: استحباب وضوء الميت، وهو عند الشافعية في أول الغسل كما في وضوء ~~الجنب، وباستحباب وضوء الميت قال مالك والشافعي والجمهور، وقال أبو حنيفة: ~~لا يستحب، والله أعلم. # * * * ### || AUTO الحديث السادس # عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: بينما رجل واقف بعرفة، إذ وقع ~~عن راحلته، فوقصته، أو قال: فأوقصته، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه؛ فإنه ~~يبعث يوم القيامة ملبيا" (¬1)، وفي رواية: "ولا تخمروا وجهه ولا رأسه" ~~(¬2). PageV02P774 # قال المصنف - رحمه الله -: الوقص: كسر العنق. # تقدم الكلام على ابن عباس. # أما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولا تحنطوه" فهو بالحاء المهملة؛ أي: ~~لا تمسوه حنوطا، والحنوط -بفتح الحاء المهملة-، ويقال له: الحناط -بكسر ~~الحاء-، وهو أخلاط من طيب يجمع للميت خاصة، لا يستعمل في غيره (¬1). # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولا تخمروا رأسه"؛ أي: لا تغطوه، ~~والتخمير: التغطية. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا" معناه: على ~~هيئته التي مات عليها؛ ليكون ذلك علامة لحجه، ودلالة على فضيلته؛ كما يجيء ~~الشهيد يوم القيامة وأوداجه تشخب دما. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولا تخمروا وجهه ولا رأسه" لم يقل مالك ~~وأبو حنيفة ومن قال بقولهما: إن المحرم إذا مات ms0505 لا يمتنع ستر رأسه ووجهه؛ ~~لأنه بالموت انقطع عنه حكم الحياة؛ لانقطاع العبادة بزوال حكم التكليف هو ~~القياس، وقال الشافعي وأصحابه: يباح ستر وجهه، ولا يحرم، ويحرم تغطية رأسه، ~~ويبقى كما كان في الحياة، فيتأول الحديث على أن النهي عن تغطية الرأس الوجه ~~ليس مقصودا لذاته، بل لكونه لازما لتغطية الرأس غالبا، والعمل بالحديث إذا ~~صح مقدم على القياس، وهذا متعين، ويجعل مالك وأبو حنيفة أن هذا الحكم خاص ~~بالمحرم المذكور في الحديث؛ حيث علله - صلى الله عليه وسلم -: بأنه يبعث ~~يوم القيامة ملبيا، ولا يعلم وجود ذلك في غير هذا المحرم لغير النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، والحكم إنما يعم بعموم علته، لكن هذه العلة تقتضي ~~الخصوصية، والأصل أن ما ثبت لشخص في زمنه - صلى الله عليه وسلم - ثبت لغيره ~~حتى يدل الدليل على خلافه، ولم يثبت خلافه، كيف وقد ثبت أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "يبعث المرء على ما مات عليه" (¬2)، وهذا عام في كل ~~صورة PageV02P775 # ومعنى، فاقتضى ذلك تعليق هذا الحكم لأجل الإحرام؛ حيث مات محرما، فيعم كل ~~محرم، كيف والتلبية من لوازم الإحرام؟! والله أعلم. # وفي هذا الحديث فوائد كثيرة: # منها: أن حكم الإحرام باق في الميت المحرم، وهو مذهب الشافعي كما تقدم. # ومنها: أن الميت المحرم يجب غسله وتكفينه. # ومنها: جواز التكفين في الثياب الملبوسة، وهو مجمع عليه. # ومنها: جواز التكفين في ثوبين، لكن الأفضل ثلاثة. # ومنها: أن الكفن مقدم على الدين وغيره؛ حيث لم يسأل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عن دين مستغرق، ولا غيره، وترك الاستفصال في حكاية الحال ينزل ~~منزلة العموم في المقال. # ومنها: أن الكفن للميت واجب بالإجماع، وكذلك غسله والصلاة عليه ودفنه. # ومنها: استحباب دوام التلبية في الإحرام. # ومنها: التنبيه والتحريض على لقاء الله تعالى بحالة تناسب العبودية؛ ~~لتكون شاهدا لصاحبها يوم القيامة، والله أعلم. # * * * ### || AUTO الحديث السابع # عن أم عطية الأنصارية - رضي الله عنها - قالت: نهينا عن اتباع الجنائز، ~~ولم يعزم علينا (¬1). # هذا الحديث حكمه حكم ms0506 المرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن ~~النهي لا يجوز أن يضاف إلى غير النبي - صلى الله عليه وسلم -. PageV02P776 # وقولها: "ولم يعزم علينا"؛ أي: لم يؤكد علينا في المنع من اتباع الجنائز ~~ما وكد علينا في غيره، فلم نؤمر فيه بعزيمة، والعزيمة دالة على التأكيد، ~~فكأنها قالت: كره لنا اتباع الجنائز من غير تحريم، وقال بعض الأصوليين: ~~العزيمة: ما أبيح فعله من غير قيام دليل المنع، والرخصة: ما أبيح فعله مع ~~قيام دليل المنع، وهذا خلاف ما دل عليه هذا الحديث، وهو مخالف -أيضا- لما ~~دل عليه الاستعمال اللغوي من إشعار العزم بالتأكيد؛ فإن هذا القول يدخل ~~تحته المباح الذي لا يقوم دليل الحظر عليه. # وقد وردت أحاديث في التشديد في اتباع النساء أو بعضهن للجنائز أكثر مما ~~يدل عليه هذا الحديث، والذي جاء عن فاطمة - رضي الله عنها - من ذلك إما أن ~~يكون لعلو منصبها، وحديث أم عطية هذا في عموم النساء، أو يكون الحديثان ~~محمولين على اختلاف حالات النساء، وقد أجاز مالك اتباعهن للجنائز، وكرهه ~~للشابة في الأمر المستنكر، وخالفه غيره من أصحابه، فكرهه مطلقا؛ لظاهر ~~النهي، والله أعلم. # وفي هذا الحديث فوائد منها: # أن النهي إذا بني لما لم يسم فاعله من النبي - صلى الله عليه وسلم - يضاف ~~إلى الله تعالى دون غيره. # ومنها: كراهة اتباع النساء الجنائز من غير تحريم. # قال القاضي عياض - رحمه الله -: قال جمهور العلماء بمنعهن من اتباعها، ~~وأجازه علماء المدينة، قلت: فإن اقترن باتباعهن لها محرم، أو جر إلى مفسدة، ~~كان حراما شديد التحريم. # ومنها: التفرقة بين نهي التنزيه والتحريم في عرف الصحابة بالنسبة إلى ~~العلم، وأما بالنسبة إلى العمل، فلم يفرقوا فيه، بل كانوا يجتنبون المكروه ~~تنزيها وتحريما مطلقا، لا لضرورة بيان من اعتقاد أو إلجاء إلى ارتكاب محرم، ~~فيفعلون المكروه تنزيها خلوصا من المحرم، ومن استقرى فعلهم وقولهم وقواعد ~~الشرع، وجد الأمر كما ذكرته، والله أعلم. PageV02P777 ### || AUTO الحديث الثامن # عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، عن النبي - صلى الله عليه ms0507 وسلم - قال: ~~"أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة، فخير تقدمونها إليه، وإن تك غير صالحة، ~~فشر تضعونه عن رقابكم" (¬1). # قد تقدم أن الجنازة -بفتح الجيم وكسرها- لغتان مطلقا، يقال: بالفتح ~~للميت، وبالكسر للنعش، فيكون الفتح للأعلى، والكسر للأسفل، فينبغي أن تقرأ ~~هنا: أسرعوا بالجنازة بالفتح؛ لأن المراد به الإسراع بالميت، فهو المقصود. # واعلم أن المراد بالإسراع: الإسراع في المشي بالميت إلى المدفن، ويدل على ~~ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - في آخر الحديث: "فخير تقدمونها إليه، أو ~~شر تضعونه عن رقابكم"، وقيل: يعني به الإسراع بتجهيز الميت بعد موته، لئلا ~~يتغير، لكن الأول أظهر، ثم لا يبعد أن يكون كل واحد منهما مطلوبا؛ إذ ~~مقتضاه مطلق الإسراع؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - لم يقيده بقيد، والله أعلم. # ثم الخطاب بالإسراع للرجال دون النساء؛ لأنهم أقوى للحمل، والنساء ~~ضعيفات، وربما انكشف من الحامل بعض بدنه. # ثم الإسراع بالميت مطلوب بشرط إلا يكون على هينة مزرية، ولا يؤدي إلى ~~انفجاره أو سقوطه ونحو ذلك، قد جعل الله لكل شيء قدرا، وقد بين - صلى الله ~~عليه وسلم - الحكمة في الإسراع بقوله: "فإن تك صالحة إلى آخره"، والله أعلم. # وفي هذا الحديث فوائد: # منها: الأمر بالإسراع على ما ذكرنا، وقد كره بعض السلف الإسراع، وهو ~~محمول على الإسراع المحذور. PageV02P778 # ومنها: إكرام أهل الخير والصلاح إذا ماتوا بالمبادرة إلى الوصول إلى جزاء ~~ما قدموه من الأعمال الصالحة، وجزاؤها من فضل الله تعالى ورحمته. # ومنها: تقليل مصاحبة أهل الشر، إلا فيما وجب بسببهم من بعد موتهم؛ لبعدهم ~~عن رحمة الله تعالى، فلا مصلحة في مصاحبتهم، وكذا ينبغي اجتناب مصاحبة أهل ~~البطالة وغير الصالحين، ومما ابتلي به الناس في هذه الأزمان في جنائزهم ~~المشي معها متماوتين زائدا على السكينة والوقار بهما في غيرها من الحالات، ~~وتأخير الإسراع بها بحضور بعض الظلمة، أو صلاته عليها، أو تكرير الصلاة ~~عليها مرة بعد أخرى لغير مقصود أو عذر شرعي، وكل هذا مخالف للسنة، بعيد من ~~حالة الموت والاعتبار بها، والله يعلم المفسد ms0508 من المصلح، والمنتفع من ~~المتضرر، وجالب الخير من مانعه، وهو سبحانه أعلم بكل شيء، سبحانه لا يحصى ~~ثناء عليه كما أثنى على نفسه. # * * * ### || AUTO الحديث التاسع # عن سمرة بن جندب -رضي الله عنه- قال: صليت وراء النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - على امرأة ماتت في نفاسها، فقام وسطها (¬1). # تقدم الكلام على سمرة بن جندب. # وأما هذه المبهمة في الحديث، فقد ذكرها النسائي في "سننه"، وقال: هي أم ~~كعب (¬2)، وأما النفاس: فهي -بكسر النون-، وهو الدم الخارج بعد الولد، ~~مأخوذ من النفس، وهي الدم، أو لأنه يخرج عقب النفس (¬3)، وليس هذا مرادا PageV02P779 # بقوله: ماتت في نفاسها، بل المراد: ماتت قبل خروج الولد في نفاسها، وعلى ~~هذا تأوله بعض من منع القيام على جنازة المرأة على وسطها في الصلاة، وقال: ~~إنما قام - صلى الله عليه وسلم - وسط هذه المرأة من أجل جنينها حتى يكون أمامه. # وقوله: فقام وسطها، فهو -بسكون السين-، هكذا الرواية فيه، وكذا قيده ~~الحفاظ، وقيده بعضهم بالسكون والفتح معا بمعنى واحد، والصواب: أن الساكن ~~ظرف، والمفتوح اسم، فإذا قلت: حفرت وسط الدار بئرا، كان معناه: حفرت في ~~الجزء المتوسط منها، ولا نقول: حفرت وسط الدار بالفتح إلا أن تعم الدار ~~بالحفر، وعلى هذا فالصواب في الرواية السكون (¬1). # وكون هذه المرأة ماتت في نفاسها هو وصف غير معتبر بالاتفاق، وهو حكاية ~~أمر وقع، وأما وصف كونها امرأة، فهل هو معتبر أم لا؟ من الفقهاء من ألغاه، ~~وقال: يقام عند وسط الجنازة مطلقا، ذكرا كان أو أنثى، ومنهم من خص ذلك ~~بالمرأة كي يسترها عن الناس، وأما الرجل، فعند رأسه، وهو مذهب الشافعي، ~~وأحمد بن حنبل، وأبي يوسف، وقال ابن مسعود بعكس هذا، وذكر عن الحسن التوسعة ~~في ذلك، وبها قال أشهب، وابن شعبان من أصحاب مالك، وقال أصحاب الرأي: يقوم ~~فيها حذاء الصدر، ولا شك أن النساء لم يكن يسترن في ذلك الوقت بما يسترن به ~~اليوم، لكن الفعل إذا شرع لمعنى، ثم زال ذلك المعنى، بقي الحكم فيه كما ~~كان، ms0509 وإن لم يوجد معنى السبب؛ كالرمل في الطواف وغيره. # وقد روى أبو داود وغيره ما يرفع الخلاف: عن أنس - رضي الله عنه -: أنه ~~صلى على جنازة، فقال له العلاء بن زياد: يا أبا حمزة! هكذا كان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يصلي على الجنائز كصلاتك؛ يكبر عليها أربعا، يقوم عند ~~رأس الرجل، وعند عجيزة المرأة؟ قال: نعم. # وهذا الحديث يدل على مشروعية مقام الإمام كذلك، وهل يبطل تأويل من PageV02P780 # تأول أن مقام النبي - صلى الله عليه وسلم - وسط جنازة أم كعب إنما كان من ~~أجل جنينها كما تقدم، والله أعلم. # وأجمع العلماء على أنه لا يقوم ملاصقا للجنازة، وأنه لا بد من فرجة ~~بينهما، حكاه الطبري. # وفي هذا الحديث: إثبات الصلاة على النفساء، وإن كانت شهيدة. # وفيه: أن السنة أن يقف الإمام عند عجيزة الميتة. # وفيه: أن موقف المأموم في صلاة الجنازة وراء الإمام، والله أعلم. # * * * ### || AUTO الحديث العاشر # عن أبي موسى عبد الله بن قيس -رضي الله عنه-: أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - برئ من الصالقة والحالقة والشاقة (¬1). # قال المصنف - رحمه الله -: الصالقة التي ترفع صوتها عند المصيبة. # أما أبو موسى، فتقدم الكلام عليه. # وأما الصالقة، فقد فسرها المصنف، والصلق: الصوت الشديد، يريد: رفعه في ~~المصائب، وعند الفجيعة بالموت، ويدخل فيه النوح، ويقال بالسين أيضا، وهو ~~الأصل، ويقرب منه قوله تعالى: {سلقوكم بألسنة حداد} [الأحزاب: 19]، والصاد ~~تبدل من السين. # والحالقة: التي تحلق شعرها عند المصيبة إذا حلت، ومنه الحديث: "ليس منا ~~من صلق أو حلق" (¬2)، ومنه لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من النساء ~~الحالقة والسالقة. PageV02P781 # والشاقة: التي تشق ثوبها عند المصيبة. # وهذا الحديث دليل على تحريم هذه الأفعال، وإنما حرمت لإشعارها بعدم الرضا ~~بقضاء الله تعالى وقدره، والسخط له، وذلك كبيرة من كبائر الذنوب؛ حيث اقتضى ~~فعل هذه الأشياء التبري من فاعلها ولعنه وخروجه من طريقة المصطفى - صلى ~~الله عليه وسلم -، وإن اعتقد معتقد حل فعلها، كان كافرا. # ويدخل في معنى الحالقة من قطعت شعرها ms0510 من غير حلق. # وهذه الأفعال من الرجال أشد تحريما، ويحرم تعاطي الأسباب الحاملة على ~~ذلك، وصرف الأموال فيه، ويجب التصبر والصبر والرضا بقضاء الله تعالى وقدره، ~~وتجنب صرف الأموال في أسباب تعاطي ذلك. # وتشرع الصدقة عن نفس الإنسان وعن موتاه، ويصل ثوابها إليهم بإجماع ~~المسلمين، وتحريم الصدقة في الوجوه المحرمة، ويأثم فاعلها بإجماع المسلمين، ~~ومن الوجوه المحرمة: صرف الأموال إلى النواحات والمنوحين، سواء كان ذلك ~~بقراءة أو إنشاد أو وعظ أو نحو ذلك، خصوصا إن ترتب على ذلك محرمات أخر؛ من ~~تمطيط قراءة، أو تهييج على صراخ وشق وحلق، أو تعديد محاسن الميت من غير قصد ~~تحريض اقتداء بفعله، ولم يكن الميت متصفا بها، أو جعل المقابح محاسن، ويشرع ~~التصبر والتصبير والتذكير الحامل على ذلك، ومن أحسنه: أن لله تعالى ما أخذ، ~~وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فليصبر صاحب المصيبة، وليحتسب أجرها ~~عند الله تعالى. # ومن الأفعال المحرمة عند مصائب الموت إدارة ذوائب العمائم إلى قدام بدنه؛ ~~فإن ذلك فعل اليهود، وقد نهى الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - عن ~~التشبه بهم، ولعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من تشبه بهم، وأمر ~~بمخالفتهم، ومن الأفعال المحرمة عندها ما يفعله الأمراء والأخيار ومماليكهم ~~وإماؤهم من نشر الشعور ولبس جلال الدواب المشعرة وغيرها، وقلب سروج الخيل، ~~وتنكيس الرايات، وبذر PageV02P782 # التبن على الأبواب، وذبح الذبائح لموت الميت، وعقر الحيوان، ولطم الخدود، ~~وشق الجيوب، وإعلاء الأصوات بالبكاء والندب، والمراءاة بذلك، وارتكاب ذلك ~~لأجل فلان وفلانة، بل يجب في ذلك كله الامتناع منه، والرجوع إلى الله ~~تعالى، وليكثر من قوله: إنا لله وإنا إليه راجعون عند وجود المصيبة وبعدها ~~وقبلها، والله أعلم. # ومن الأفعال المحرمة في ذلك المراءاة به، وقصد التسميع والمفاخرة بها، بل ~~يكون المكلف في ظاهره وباطنه متبعا لا مبتدعا، مقيدا بالشرع لا مطلقا ولا ~~متكلفا ولا متخلفا عن فعل خير، خصوصا في هذه الحال المذكرة بالزهد في ~~الدنيا ومقابحها، الحاملة على الرغبة في الآخرة وموانحها، فينبغي المراقبة ms0511 ~~لله تعالى في كل حال من الحالات، والاستغفار من كل زلة من الزلات، والرجوع ~~إليه في كل لحظة من اللحظات، وسؤاله الثبات حتى الممات، إنه ولي ذلك، وجميع ~~المؤمنين والمؤمنات. # * * * ### || AUTO الحديث الحادي عشر # عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: لما اشتكى النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~ذكر بعض نسائه كنيسة رأينها بأرض الحبشة، يقال لها: مارية، وكانت أم سلمة ~~وأم حبيبة أتتا أرض الحبشة، فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها، فرفع رأسه فقال: ~~"أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح، سووا على قبره مسجدا، ثم صوروا فيه تلك ~~الصور، أولئك شرار الخلق عند الله" (¬1). # أما عائشة وأم سلمة، فتقدم ذكرهما، وأن اسم أم سلمة: هند، ويقال: رملة، ~~وليس بشيء، وهما أما المؤمنين. PageV02P783 # وأما أم حبيبة، فاسمها رملة، وقيل: هند، والأول أشهر، كنيت بابنتها حبيبة ~~بنت عبيد الله بن جحش، وهي أم حبيبة بنت أبي سفيان صخر بن حرب ابن أمية، أم ~~المؤمنين، الأموية، كانت من السابقين إلى الإسلام، هاجرت مع زوجها عبيد ~~الله إلى أرض الحبشة، فتوفي عنها، فتزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، وهي هناك سنة ست من النبوة قبل الهجرة، ويقال: سنة سبع، زوجه إياها ~~عثمان بن عفان، وأمها صفية بنت أبي العاصي عمة عثمان، وقيل: إن النجاشي ~~-رضي الله عنه- زوجه إياها، وأصدقها مئتي دينار، وقيل: أربع مئة دينار، ~~فلعل واحدا منها أوجب، والآخر قبل منه - صلى الله عليه وسلم -، وقيل: عقد ~~عليها خالد ابن سعيد [بن] العاصي، وأولم عليها عثمان بن عفان لحما وثريدا، ~~وجهزها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - النجاشي، وبعث إليها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - شرحبيل بن حسن، فجاءه بها، وقيل: بل تزوجها ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، وقيل: إنه الصحيح، وكان أبوها ~~إذ ذاك بمكة، والله أعلم بالصواب. # وروي لها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمسة وستون حديثا، اتفق ~~البخاري ومسلم على حديثين، وانفرد مسلم بحديثين، وروى عنها أخواها: معاوية ~~وعتبة، وابن أخيها عبد الله بن عتبة ms0512 بن أبي سفيان، وجماعة كثيرة من ~~التابعين، وروى لها أصحاب السنن والمساند، وتوفيت قبل موت معاوية بسنة، ~~وتوفي معاوية في رجب سنة ستين، وقيل: توفيت سنة أربع وأربعين، وأما موضع ~~دفنها، فأهل الشام يقولون: إنه بدمشق بمقبرة باب الصغير، وقال أبو عمر بن ~~عبد البر -رحمه الله تعالى-: روي عن علي بن حسين قال: قدمت منزلي في دار ~~علي بن أبي طالب، فحفرنا في ناحية منه، فأخرجنا منه حجرا، فإذا فيه مكتوب: ~~هذا قبر بنت صخر، فأعدناه مكانه، والله أعلم (¬1). PageV02P784 # وأما مارية، فهي -بكسر الراء، وفتح الياء المثناة تحت الخفيفة، بالكسر ~~والفتح فيهما-: الكنيسة المذكورة في الحديث. # وفي هذا الحديث دليل على تحريم تصوير الحيوان، خصوصا الآدمي الصالح، سواء ~~كان التصوير في حائط، أو ثوب، أو رق، أو مجسدا قائما بذاته، والأحاديث في ~~"الصحيحين" وغيرهما تدل على ما ذكرته، ولقد غلط من حمل التحريم على المجسد ~~القائم بذاته؛ حيث أشبهت الأصنام، وأبعد من ذلك من حمل الأحاديث على كراهة ~~التنزيه، وأن التشديد الوارد في التصوير إنما كان في ذلك الزمان لقرب عهد ~~الناس بعبادة الأوثان، وهذا الزمان انتشر الإسلام، وتمهدت قواعده، فلا ~~تساويه في المعنى، ولا في التشديد في التحريم، وكل من القولين غلط باطل ~~قطعا؛ حيث أخبرنا الشارع - صلى الله عليه وسلم - بعذاب المصورين في الآخرة، ~~وأنه يقال لهم: أحيوا ما خلقتم، وذلك مخالف لمقالتهم، كيف وقد صرح في قوله ~~- صلى الله عليه وسلم - في وصف المصورين: المشبهون بخلق الله، وهذه علة ~~عامة مستقلة مناسبة لا تحصى زمنا دون زمن، وليس لنا التصرف في النصوص ~~المتظاهرة المتظافرة الصريحة بمعنى خيالي يمكن ألا يكون مرادا، مع اقتضاء ~~اللفظ للتعليل بغيره، وهو التشبيه بخلق الله. # وفيه دليل على منع بناء المساجد على القبور، وهو منع يقتضي التحريم، كيف ~~وقد ثبت في الحديث الآتي لعن اليهود والنصارى على اتخاذ القبور مساجد، ~~وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" (¬1). # وفيه: دليل جواز حكاية الإنسان ما رآه من البناء والتصاوير، ms0513 وأنه لا حرج ~~في ذلك. # وفيه: دليل على وجوب البيان عند حكاية ما يقتضي مخالفة الشرع. PageV02P785 # وفيه: دليل على أن المرض ليس عذرا في عدم البيان والإنكار. # وفيه: دليل على تحريم التعظيم بما لا يحل فعله، وقوله. # وفيه: دليل على وصف فاعل المحرمات المضاهية لخلق الله تعالى والآمر بها، ~~ومرتضيها بأقبح وصف؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - وصفهم بشرار الخلق عند الله. # وفيه: دليل على أن الاعتبار في الأحكام والأوصاف وغيرها إنما هو بما عند ~~الله، لا بما عند الخلق. # وفيه: دليل على جواز الكلام عند المريض والشاكي. # وفيه: دليل على أن الكلام عنده إنما يكون بما يناسب حال الشاكي ومقامه؛ ~~حيث ذكرتا أماكن العبادة وتعظيم النصارى لها بما ذكرتا، فبين - صلى الله ~~عليه وسلم - حكم ذلك، ودليل جميعه. # أما بناء غير المساجد على القبور، فإن كان لمعنى مقصود شرعي، فهو جائز ~~إجماعا، بشرط ألا يكون في بقعة محرمة من غصب أو تسبيل على المسلمين، وقد نص ~~الشافعي وأصحابه على تحريم البناء في المقبرة المسبلة للمسلمين، قال ~~الشافعي -رحمه الله تعالى-: ورأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى فيها ~~(¬1)، ويؤيد الهدم، ومن المقصود الشرعي فعل الصحابة -رضي الله عنهم- بالنبي ~~- صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه حيث دفنوا في بيت عائشة - رضي الله عنها -، ~~وأخفيت قبورهم بالبناء كي لا تتخذ مسجدا كما ذكرته عائشة في الحديث الآتي، ~~أما البناء في ملك الباني غير المساجد على القبر، فهو مكروه، وعموم النهي ~~عنه في الأحاديث الصحيحة يقتضي التحريم، والله تعالى أعلم. PageV02P786 ### || AUTO الحديث الثاني عشر # عن عائشة -رضي الله عنها- فالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~مرضه الذي لم يقم منه: "لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد"، قالت: ولولا ذاك، أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا" (¬1). # أما قولها: "قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرضه الذي لم يقم ~~منه"، فهو تنبيه على ما كانت الصحابة تعتمده من الأخذ بالآخر من قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - وفعله، ms0514 فنبهت - رضي الله عنها - على أن ذلك ليس من أمره ~~المتقدم، بل هو من المتأخر عند موته. # وهذا الحديث يدل على امتناع اتخاذ قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~مسجدا، ولم يفهم من ذلك امتناع الصلاة على قبره - صلى الله عليه وسلم -. # وقد اختلف العلماء في الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - بعد غسله ~~وتكفينه وقبل دفنه، مع اتفاقهم على أنه غسل وكفن، فقالت طائفة: لم يصل عليه ~~أحد أصلا، وإنما كان الناس يدخلون أرسالا يدعون وينصرفون، واختلف هؤلاء في ~~علة ذلك، فقيل: لفضيلته، فهو غني عن الصلاة عليه، وهذا ينكسر بغسله، وقيل: ~~بل لأنه لم يكن هناك إمام، وهذا غلط؛ فإن إمامة الفرائض لم تتعطل، ولأن ~~بيعة أبي بكر - رضي الله عنه - كانت قبل دفنه، وكان إمام الناس قبل الدفن. # والصحيح الذي عليه الجمهور أنهم صلوا عليه أفرادا، فكان يدخل قوم يصلون ~~فرادى ثم يخرجون، ثم يدخل فوج آخر فيصلون كذلك، ثم دخلت النساء بعد الرجال، ~~ثم الصبيان، وإنما أخروا دفنه - صلى الله عليه وسلم - من يوم الاثنين إلى ~~ليلة الأربعاء أو آخر نهار الثلاثاء؛ للانشغال بأمر البيعة؛ ليكون لهم إمام ~~يرجعون إلى PageV02P787 # قوله إن اختلفوا في شيء من أمور تجهيزه ودفنه، وينقادون لأمره؛ لئلا يؤدي ~~إلى النزاع واختلاف الكلمة، وكان هذا أهم الأمور عندهم. # أما الصلاة عليه بعد دفنه - صلى الله عليه وسلم - الصلاة المعهودة، فلم ~~ينقل فعلها عن أحد من السلف والخلف، وقد حكى بعض الشافعية في ذلك وجها ~~ضعيفا بناء على جواز الصلاة على الميت بعد الدفن لمن لم يصل عليه، لكنه ~~بعيد جدا لتطابق المسلمين على عدم فعلها، ولإشعار الحديث بالمنع، وأما ~~الدعاء عند قبره، فلم يزل السلف والخلف يفعلونه، ويتوسلون إلى الله تعالى ~~بالدعاء هناك، وبه - صلى الله عليه وسلم - عند قبره وغيره من البقاع من غير ~~منع، والله أعلم. # واستدل بعض الفقهاء بعدم الصلاة على قبره - صلى الله عليه وسلم - على عدم ~~الصلاة على القبر جملة، وأجيبوا عن ذلك بأن قبر الرسول ms0515 - صلى الله عليه ~~وسلم - مخصوص عن هذا بما فهم من الحديث من النهي عن اتخاذ قبره - صلى الله ~~عليه وسلم - مسجدا، والله أعلم. # وتحرم الصلاة على قبره، والسجود له؛ لما حرض النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- ومنع منه من الصلاة إلى قبر غيره من الأنبياء - صلى الله عليهم وسلم - ~~وغيرهم، ومنع من السجود له في حياته - صلى الله عليه وسلم -، فبعد موته ~~أولى، ولما علم الصحابة -رضي الله عنهم- والتابعون ذلك، لم يبنوا الحجرة ~~النبوية -على ساكنها أفضل الصلوات والتسليم- مربعة، بل بنوها من جهة شمالها ~~مثلثة على صفة السنبوسكة؛ لئلا يصلى هناك ويسجد، وهذا كله تعريف لمقام ~~الربوبية، ومراقبة له سبحانه وتعالى؛ حيث انفرد سبحانه بالعظمة والكبرياء ~~والإلهية والعبادة، وكل ما أوهم تعظيما لشيء، كان فعله حراما، إلا ما قرره ~~الشرع من التوقير والتعظيم للأشياء المضافة إليه -سبحانه وتعالى-؛ ككتاب ~~الله تعالى، وبيته، والحجر الأسود، ومساجده، وأنبيائه، وأوليائه، وأحبابه، ~~والعلماء به وبأحكامه، ونحو ذلك من غير مجازفة، وتجاوزه مجاوزة الحد في ذلك. # وأما التعظيم المطلق، فهو لله تعالى من كل الوجوه لصفاته وأسمائه ولا ~~سيما [ما] لا يشركه في ذلك مشارك، ولا ينازعه منازع، فله التعظيم كله، PageV02P788 # وله الكمال كله، وله الجلال كله، وله التقديس كله، وله الحمد كله، وله ~~الشكر كله، وله الملك كله، سبحانه لا يحصى ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه. # وفي هذا الحديث: جواز لعن اليهود والنصارى على العموم، وأما لعن الشخص ~~المعين منهم، فقيل: لا يجوز؛ لغيب خاتمته؛ فإنه قد يموت مسلما، وقيل: يجوز ~~لوصف اليهودية أو النصرانية فيه الآن؛ كلعن المعين من المسلمين أصحاب ~~المعاصي المصرين عليها. # وفيه: جواز ذكر سبب اللعن؛ للتحذير منه. # وفيه: تحريم بناء المساجد على القبور مطلقا؛ لأنه إذا منع من بنائها على ~~قبور الأنبياء، وهم أرفع البشر درجة، فمن دونهم أولى. # وفيه: تعظيم الربوبية، وتحريم تعاطي الأسباب المؤدية إلى المشاركة لها في ~~ذلك، بل إن اعتقدوا جواز ذلك، فهو كفر. # وفيه: وجوب بيان ذلك وتحقيقه بالعلل والحكم. # وفيه: تحريم ms0516 السجود إلى القبور، والصلاة إليها، وإن لم يقصد تعظيمها، ~~والله أعلم. # * * * ### || AUTO الحديث الثالث عشر # عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية" (¬1). # تقدم الكلام على ابن مسعود. # وأما الجاهلية، وهي ما قبل الإسلام، وكل فعل خالف فعل الإسلام وما قرره ~~الشرع، فهو جاهلي، وفاعله من الجاهلية؛ حيث خالف الإسلام فيه، والله أعلم. PageV02P789 # والمراد بدعوى الجاهلية: ما كانت العرب تفعله عند موت الميت برفع الصوت ~~وغيره: واجبلاه! واسنداه! واسيداه! ويدخل في ذلك تحت لفظ الصالقة في الحديث ~~السابق، وما كانت تدعو الناس إلى المآتم، والذابح عليها، والنعي، وما أشبه ذلك. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس منا"؛ أي: ليس من هدينا وسنننا ~~وطريقتنا، وقال سفيان الثوري: يجري على ظاهره من غير تآويل؛ لأن إجراءه ~~كذلك أبلغ في الانزجار عما يذكر في الأحاديث التي صيغتها: ليس منا من قال ~~أو فعل كذا، وقال المتأخرون من العلماء: بل هي مؤولة على من فعل المزجور ~~عنه معتقدا حله؛ فإنه يكفر بذلك، فيكون قوله: "ليس منا"؛ أي: ليس من أهل ~~ديننا، وإن فعله غير معتقد حله، كان مؤولا على: ليس من طريقتنا وسنننا، ولا ~~يكفر، بل يكون عاصيا. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من ضرب الخدود" لما تضمن ضرب الخدود عدم ~~الرضا بقضاء الله تعالى وقدره، ووجود الجزع، وعدم الصبر، وضرب الوجه الذي ~~نهى الشرع عن ضربه من غير اقتران مصيبة، كان فعله حراما مؤكد التحريم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وشق الجيوب" الجيوب جمع جيب، وهو ما يشق ~~من الثوب ليدخل فيه الرأس نازلا به إلى العنق والرقبة، أو يقطع منه، ومنه ~~قوله تعالى: {وثمود الذين جابوا الصخر بالواد} [الفجر: 9]: قطعوا، ولما ~~تضمن شقه ما ذكر في لطم الخدود، وإفساد الشق المذكور بزيادة على ما وضع له ~~من الانتفاع به متضمنا نقص قيمة الثوب، والرياء بذلك، كان أيضا حراما شديد ~~التحريم، وهو براءته - صلى الله عليه ms0517 وسلم - من الشاقة في الحديث المتقدم. # وفي هذا الحديث: # تحريم هذه المذكورات، والسكون إلى أوامر الله تعالى ورسوله - صلى الله ~~عليه وسلم - في جميع الحالات. # وفيه: تحريم ضرب الوجه؛ لأنه إذا حرم البعض، فالكل بطريق الأولى، مع أن ~~في الوجه ما هو أفضل من الخد. PageV02P790 # وفيه: تحريم إفساد المال، أو تنقيصه، خصوصا عند السخط والجزع. # وفيه: تحريم تعاطي ما كانت الجاهلية تفعله؛ لأنه إذا حرم مثل ما ذكر عند ~~المصائب، مع أن فاعل ذلك كالمكره عليه طبعا، فغيره من الأمور الاختياريات ~~من فعلهم الذي يقرر الشرع عدم فعلها بالتحريم أولى، والله أعلم. # * * * ### || AUTO الحديث الرابع عشر # عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"من شهد الجنازة حتى يصلى عليها، فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن، فله ~~قيراطان"؛ قيل: وما القيراطان؟ قال: "مثل الجبلين العظيمين". ولمسلم: ~~"أصغرهما مثل أحد" (¬1). # أما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله ~~قيراط"، فالقيراط: اسم لمقدار معلوم في العرف، وهو جزء من أربعة وعشرين ~~جزءا، وقد يراد به الجزء مطلقا، ويكون عبارة عن الحظ والنصيب، فيكون تمثيلا ~~لجزء من الأجر، ومقدار منه، ألا ترى أنه قال: مثل الجبلين العظيمين، أو مثل ~~أحد؟ وهذا من مجاز التشبيه؛ تشبيها للمعنى العظيم بالجسم العظيم، والمقصود ~~من الحديث: أن من صلى على جنازة، فله أجر عظيم من الثواب والأجر، فإن صلى ~~عليها واتبعها حتى تدفن، كان له حظان عظيمان من ذلك؛ إذ قد عمل عملين: ~~أحدهما: صلاته، والثاني: كونه معه إلى أن يدفن، ولا يلزم من هذا أن يكون ~~هذا القيراط هو المذكور في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من اقتنى كلبا ~~إلا كلب صيد أو زرع أو ماشية، نقص من أجره كل يوم قيراط" (¬2)، وفي رواية: ~~"قيراطان" (¬3)، بل ذلك PageV02P791 # قدر معلوم يجوز أن يكون مثل هذا وأقل وأكثر، فإن قيل: في قوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "ومن شهدها حتى تدفن، فله قيراطان" ما يقتضي أن القيراطين ~~يحصلان بشهودها ms0518 ودفنها، أحدهما: بالشهود، وهو اتباعها، والثاني: بدفنها، ~~فيكون حينئذ له بالصلاة والاتباع والدفن ثلاثة قراريط، قلنا: هذا مردود بما ~~ثبت في "صحيح البخاري" في أوائل كتاب الإيمان منه، وهو: أن القيراط الثاني ~~على مجموع الشهود والدفن، ولا يحصل بهما قيراطان أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "من شهد جنازة وكان معها حتى يصلى عليها، ويفرغ من دفنها، ~~رجع من الأجر بقيراطين" (¬1)، وهذا صريح في أن المجموع بالصلاة والاتباع ~~وحضور الدفن قيراطان، وقد سبق مثل هذا في باب المواقيت في حديث: "من صلى ~~العشاء في جماعة، فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى العشاء والصبح في جماعة، ~~فكأنما قام الليل كله" (¬2). # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "حتى تدفن"، وفي رواية في "صحيح البخاري ~~ومسلم": "حتى يفرغ من دفنها" (¬3) دليل على أن القيراط الثاني لا يحصل إلا ~~لمن دام معها من حين صلى إلى أن فرغ من دفنها، وهذا الصحيح عند أصحاب ~~الشافعي، وقال بعض أصحابه: يحصل القيراط الثاني إذا ستر الميت في القبر ~~باللبن، وإن لم يلق عليه التراب، وفي وجه لهم: أنه يحصل بمجرد الوضع في ~~اللحد، وإن لم يلق عليه التراب، والله أعلم. # وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من شهد الجنازة حتى يصلى عليها" ما ~~يؤذن بما ورد في PageV02P792 # بعض الروايات، وهو اتباعها من عند أهلها، وأن المراد: شهودها حتى يصلى ~~عليها، ولا شك أن من صلى عليها مجردا، حصل له قيراط، لكن قيراط من شهدها من ~~عند أهلها حتى صلي عليها أكمل، وكذلك قيراط من تبعها حتى يفرغ من دفنها ~~أكمل ممن حضر الدفن والفراغ منه دون الاتباع، والله أعلم. # وفي هذا الحديث: استحباب شهود الميت من حين غسله وتكفينه واتباعه، ~~والصلاة عليه إلى حين يفرغ من دفنه، ولا شك أن النفوس لما كانت لاهية ~~بالحياة الدنيا وزينتها، شرع لها ما يلهيها عن ذلك بشهود الجنائز، ورغبت في ~~ذلك بالأجور والثواب؛ ليكون أتقى لها وأزكى، وأبعد لها عما اشتغلت به، ~~فينبغي أن تستعمل في ذلك كله ms0519 الآداب الشرعية؛ من السكينة والوقار، وعدم ~~الجبرية والاستكبار، والحديث فيما يلهي عن ذلك من المحظورات والمباحات شرعا ~~في ظاهره وباطنه، ولا يغفل عما يجب عليه في ذلك كله، والله أعلم. # وفيه: وجوب الصلاة على الميت، ودفنه. # وفيه: التحضيض على الاجتماع لهما. # وفيه: التنبيه على عظيم فضل الله تعالى فيما شرعه للنفوس، وما رتبه من ~~الأجور على ما شرعه لها لمصلحتها الدنيوية والأخروية. # وفيه: أداء حقوق الموتى بالصلاة والتشييع وحضور الدفن. # وفيه: التنبيه على ما الإنسان صائر إليه ومشاهدته؛ ليعلم أنه راجع إلى ~~الله تعالى، ومتصرف فيه، لا يملك لنفسه موتا ولا حياة ولا نشورا، فلا تكثر ~~التبعات عليه، ويأخذ نفسه بالعزائم وعدم الراحات؛ ليجدها يوم فقره وفاقته، ~~فالكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، ~~وتمنى على الله، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. # * * * PageV02P793 ### || CHECK [باب] ### | AUTO كتاب الزكاة ### ||| AUTO الحديث الأول # عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لمعاذ بن جبل -رضي الله عنه- حين بعثه إلى اليمن: "إنك ستأتي ~~قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن ~~محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس ~~صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض ~~عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، ~~فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" (¬1). # أما ابن عباس ومعاذ - رضي الله عنهما -، فمضى الكلام عليهما. # وأما الزكاة: فهي في اللغة: النماء والتطهير: # فمن الأول: قولهم: نما الزرع، فالمال ينمى بإخراج الزكاة من حيث لا يرى. # ومن الثاني: قوله تعالى: {وتزكيهم بها} [التوبة: 103]. # وسمي هذا الحق زكاة بالاعتبارين، فمن الأول قوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"ما نقص مال من PageV02P795 # صدقة" (¬1)، أو بمعنى أن متعلقها الأموال ذات النماء، وسميت بالنماء ~~لتعلقها به، أو بمعنى ms0520 تضعيف أجورها، كما ثبت أن الله تعالى يربي الصدقة حتى ~~تكون كالجبل، وأما بالاعتبار الثاني، وهو التطهير، فلأنها طهرة للنفس من ~~رذيلة البخل، أو لأنها تطهر من الذنوب. # وقيل: سميت زكاة؛ لأنها تزكي صاحبها، وتشهد بصحة إيمانه، ولهذا قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: "والصدقة برهان" (¬2)، وسميت -أيضا- صدقة؛ ~~لأنها دليل لتصديق صاحبها، وصحة إيمانه بظاهره وباطنه، وأثبت الشارع هذا ~~الحق في المال لمصلحة الدافع والآخذ، فمصلحة الدافع تطهيره وتضعيف أجوره، ~~ومصلحة الآخذ سد خلته، وقد أفهم الشرع أن الزكاة وجبت للمواساة، وأنها لا ~~تكون إلا في مال له بال، وهو النصاب، ثم جعلها في الأموال النامية، وهي ~~العين والزرع والماشية، وأجمعوا على وجوب الزكاة في هذه الأنواع، واختلفوا ~~فيما سواها؛ كالعروض، فالجمهور يوجبون الزكاة فيها، وداود يمنعها؛ تعلقا ~~بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة" ~~(¬3)، وحمله الجمهور على ما كان للقنية. # وحدد الشرع نصاب كل جنس بما يحتمل المواساة، فنصاب الفضة: خمس أواق، وهي ~~مئتا درهم بنص الحديث والإجماع، وأما الذهب: فعشرون مثقالا، والمعول فيه ~~على الإجماع والحديث، وأما الزروع والثمار والماشية: فنصبها معلومة، ورتب ~~الشرع مقدار الواجب بحسب المؤونة والتعب في المال، فأعلاها وأقلها تعبا ~~الركاز: وفيه الخمس؛ لعدم التعب فيه، ويليه الزرع والثمر؛ PageV02P796 # فإن سقي بماء السماء ونحوه، ففيه العشر، وإلا فنصفه، ويليه الذهب والفضة ~~والتجارة فيها ربع العشر؛ لأنه يحتاج إلى العمل فيه جميع السنة، ويليه ~~الماشية؛ فإنه يدخلها الأوقاص، بخلاف الأنواع السابقة، والله أعلم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ: "إنك ستأتي قوما أهل كتاب" هو ~~كالتوطئة والتمهيد بالوصية؛ لاستجماع همته على الدعاء لهم إلى ما ذكر في ~~الحديث؛ لأن أهل الكتاب أهل علم، ومخاطبتهم لا تكون كمخاطبة جهال المشركين ~~وعبدة الأوثان في العناية بها. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإذا جئتهم فادعهم إلى شهادة أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول الله" البدأة في الدعاء إلى الشهادتين والمطالبة ~~بهما لأنهما أصل الدين الذي لا يصح شيء من ms0521 فروعه إلا بهما، فمن كان منهم ~~غير موحد على التحقيق؛ كالنصارى، فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من ~~الشهادتين عينا، ومن كان موحدا كاليهود، فالمطالبة له بالجمع بين ما أقر به ~~من التوحيد، وبين الإقرار بالرسالة، وإن كان اليهود الذين كانوا باليمن ~~عندهم ما يقتضي الإشراك، ولو باللزوم، تكون مطالبتهم بالتوحيد؛ لنفي ما ~~يلزم من عقائدهم. # وقد ذكر الفقهاء أن كل من كان كافرا بشيء ومؤمنا بغيره دخل في الإسلام ~~بالإيمان بما كفر به، وهذا ليس على إطلاقه، بل قال أصحاب الشافعي ~~العراقيون: لا يدخل في الإسلام إلا بالتلفظ بالشهادتين، وقال الخراسانيون ~~منهم القاضي حسين: كل من أقر بما هو معروف من دين الإسلام أنه حق، صار به ~~مسلما، وإن لم يتلفظ بالشهادتين، ولا شك أن العالم بالشيء قد يكون عارفا ~~به، وقد يكون غير عارف، فاليهود والنصارى، وإن كانوا عالمين بالله، لكنهم ~~غير عارفين به، ولهذا ثبت في رواية في "صحيح مسلم" في هذا الحديث: "فليكن ~~أول ما تدعوهم إليه عبادة الله تعالى، فإذا عرفوا الله، فأخبرهم" (¬1) إلى PageV02P797 # آخره؛ لأنهم في علمهم بالله معتمدون على دلالة السمع عندهم، وإن كان ~~الفعل عندهم لا يمنع أن يعرف الله تعالى من كذب رسولا. # قال القاضي عياض - رحمه الله -: ما عرف الله تعالى من شبهه وجسمه من ~~اليهود، أو أجاز عليه البداء، أو أضاف إليه الولد منهم، أو أضاف إليه ~~الصاحبة والولد، وأجاز الحلول عليه والانتقال والامتزاج من النصارى، أو ~~وصفه بما لا يليق به، أو أضاف إليه الشريك والمعاند في خلقه من المجوس ~~والثنوية، فمعبودهم الذي عبدوه ليس هو الله، وإن سموه به؛ إذ ليس موصوفا ~~بصفات الإله الواجبة له، فإذا ما عرفوا الله سبحانه، فتحقق هذه النكتة، ~~واعتمد عليها، وقد رأيت معناها لمتقدمي أشياخنا، وبها قطع الكلام أبو عمران ~~الفارسي من عامة أهل القيروان عند تنازعهم في هذه المسألة. هذا آخر كلام ~~القاضي - رحمه الله - والله أعلم (¬1). # قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله ~~فرض ms0522 عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة". # اعلم أن طاعتهم بالإيمان بالنطق بالشهادتين كما تقدم، وأما طاعتهم ~~بالصلاة، فتحتمل أمرين: # أحدهما: إقرارهم بوجوبها، واعتقاد فرضيتها، والتزامهم بها. # الثاني: طاعتهم بالفعل، وأداؤها، ويحتمل أن المراد مجموع ذلك، وهو ~~الظاهر، لكن رجح الأول بأمر معاذ بإخبارهم بالفرضية، فتعود الإشارة إليها، ~~ورجح الثاني بأنهم لو بادروا إلى الامتثال بالفعل، لكفى، ولم يشترط بلفظهم ~~بالإقرار للوجوب، وكذلك في الزكاة، لو بادروا بأدائها من غير لفظ بالإقرار، ~~لكفى، فالشرط عدم الإنكار للوجوب، لا التلفظ بالإقرار، وإنما كان كذلك؛ لأن ~~المبادرة إلى الفعل متضمن الامتثال والإقرار بالوجوب، فهو أبلغ في ذلك ~~جميعه، لا أنه المطلوب فقط ظاهرا، بل مطلوب الشرع وجود الامتثال للأمر PageV02P798 # بسوابقه ولواحقه، لكن هل يستفاد ذلك من صيغة الأمر بالمطلوب، أم من أمر ~~خارج؟ فيه كلام في أصول الفقه. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله ~~تعالى قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم" الضمير في ~~فقرائهم وأغنيائهم عائد إلى المسلمين، أم إلى كل ناحية منهم؟ فإن نظرنا إلى ~~عموم الحكم، جعلنا الضمير عائدا إلى جميع المسلمين، وإن نظرنا إلى خصوصية ~~المبعوث إليهم أهل اليمن، رددناه إلى الناحية، فيختص الحكم بهم، لكن أعيان ~~الأشخاص في قواعد الشرع الكلية غير معتبر، ولولا المناسبة الموجودة في باب ~~الزكاة، لقطعنا بعدم اعتبار خصوصية الناحية، كما هي غير معتبرة في الصلاة ~~قطعا في الحكم، وتظهر فائدة هذا الكلام في جواز نقل الزكاة وعدمه عن بلد ~~المال، وفيه اختلاف. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم ~~أموالهم" الكرائم: جمع كريمة، وهي جامعة الكمال في حقها؛ من غزارة لبن، ~~وجمال صورة، أو كثرة اللحم، أو الصوف، والرواية: "وإياك وكرائم" بالواو في ~~"وكرائم"، قال ابن قتيبة: ولا يجوز إياك كرائم، بحذفها (¬1)، قال الفقهاء: ~~والكرائم؛ كالأكولة، والربى، وهي التي تربي ولدها، والماخض، وهي الحامل، ~~وفحل الغنم، وحرزات المال، وهي التي تحرز بالعين وترمق؛ لشرفها عند أهلها. # والحكمة ms0523 في منع الساعي من أخذ ذلك: أن الزكاة وجبت مواساة للفقراء من مال ~~الأغنياء، فلا يناسب ذلك الإجحاف بأرباب الأموال، فسامحهم الشرع بما يضنون ~~به، [ونهى] الساعي عن أخذه. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين ~~الله حجاب" هذا تنبيه على الامتناع من جميع أنواع الظلم، وذكر ذلك عقب أخذ ~~كرائم الأموال؛ حيث إن أخذها ظلم، وعلل اتقاء دعوة المظلوم بعدم الحجاب ~~بينها وبين الله؛ تأكيدا PageV02P799 # لتحريم الظلم، وتنبيها على سرعة عقوبة فاعله، لكن دعوة المظلوم مسموعة لا ~~ترد، وهذا معنى عدم حجاب بينها وبين الله تعالى. # وفي هذا الحديث دليل على أحكام: # منها: أن الكفار غير مخاطبين بفروع الشرع؛ حيث دعوا أولا إلى الإيمان ~~فقط، ودعوا إلى الفروع بعد إجابتهم إلى الإيمان، وضعف هذا بأن الترتيب في ~~الدعاء لا يلزم منه ولا بد الترتيب في الوجوب؛ بدليل أن الصلاة والزكاة لا ~~ترتيب بينهما في الوجوب، وقد قدمت في الذكر، وأخرت الزكاة، مع تساويهما في ~~الخطاب؛ للوجوب في الدنيا، ولا تتعلق المطالبة به في الدنيا إلا بعد ~~الإسلام، وليس المراد ألا يزاد عذابهم بسببها في الآخرة، كيف وهو - صلى ~~الله عليه وسلم - رتب ذلك في الدعاء إلى الإسلام، وبدأ بالأهم فالأهم؟. # وقد اختلف العلماء في أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة المأمور بها ~~والمنهي عنها على ثلاثة أقوال: # الصحيح المختار: أنهم مخاطبون بها جميعها. # والثاني: أنهم غير مخاطبين بها جميعها. # والثالث: أنهم مخاطبون بالمنهي دون المأمور. # ومنها: قبول خبر الواحد، ووجوب العمل به. # ومنها: أن الوتر ليس بواجب، وكذلك ركعتا الفجر ليستا واجبتين، فإن بعث ~~معاذ إلى اليمن كان قبل وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بقليل بعد الأمر ~~بالوتر وركعتي الفجر، وقد قال بوجوب الوتر أبو حنيفة، وبوجوب ركعتي الفجر ~~الحسن البصري. # ومنها: أن السنة أن الكفار يدعون إلى التوحيد قبل القتال، ولم يذكر في ~~هذا الحديث كل دعائم الإسلام، بل ذكر بعضها، قال الإمام أبو عمرو بن ~~الصلاح: هو تقصير من الراوي. # ومنها: أن ms0524 الكافر لا يحكم بإسلامه إلا بالنطق بالشهادتين، وهو مذهب أهل ~~السنة. PageV02P800 # ومنها: أن الصلوات الخمس تجب في كل يوم وليلة. # ومنها: وجوب الزكاة. # ومنها: أن الإمام يبعث سعاة عدولا أمناء ثقات علماء يأخذون الزكاة نيابة ~~عن الفقراء. # ومنها: توصية الإمام نوابه بما يحتاجون إليه في عملهم من العمل بالأحكام؛ ~~أمرها ونهيها، خصوصا ما يتعلق بأمر الرعية. # ومنها: أنه يحرم على الساعي أخذ كرائم الأموال في الزكاة، بل يأخذ الوسط، ~~ويحرم على رب المال إخراج شر المال. # ومنها: تحريم دفع الزكاة إلى كافر. # ومنها: أنها لا تدفع إلى غني من نصيب الفقراء، ومقتضى مذهب الشافعي أن ~~الغني والفقير في ذلك معتبر برتبة الشخص، وقد اختلف العلماء في الغني الذي ~~يحرم عليه أخذ الزكاة، فقيل: هو من ملك نصابا، وهو مذهب أبي حنيفة، وبعض ~~أصحاب مالك؛ من حيث إنه - صلى الله عليه وسلم - جعله في الحديث غنيا، ~~وقابله بالفقير، وقد ورد في الحديث: أن الغني من ملك أوقية. # ومنها: اهتمام الإمام بأمر الفقراء في الزكاة. # ومنها: أن صاحب المال إذا امتنع من دفعها، أخذت منه بغير اختياره؛ حيث ~~قال: "تؤخذ من أموالهم"، وهذا الحكم لا خلاف فيه، لكن هل تبرأ ذمته وتجزئه ~~في الباطن؟ فيه خلاف للشافعية، وقد استدل به الخطابي وغيره من أصحاب ~~الشافعي على أن الزكاة لا يجوز نقلها عن بلد المال، وفيه نظر كما تقدم، وفي ~~هذه المسألة وجهان لأصحاب الشافعي: أصحهما عند جمهورهم: لا يجوز النقل، ~~ومأخذ الخلاف عود الضمير في فقرائهم، وتقدم ذكر ذلك، وإرادة فقراء الناحية ~~الموجودين أظهر، والله أعلم. # ومنها: وجوب بيان تحريم الظلم على الإمام وغيره من العلماء، والأمر PageV02P801 # باجتنابه، وبتقوى الله تعالى، والمبالغة في ذلك، وتعريف قبح عاقبته، ~~والله أعلم. # ومنها: تحريم جميع أنواع الظلم، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "ليس فيما دون خمس أواق صدقة، ولا فيما دون خمس ذود صدقة، ولا فيما ~~دون خمس أوسق صدقة" ms0525 (¬1). # أما أبو سعيد الخدري، فتقدم الكلام على اسمه ونسبه ونسبته وما يتعلق به. # وأما الأواق: فجمع أوقية -بتشديد الياء-، ويقال: وفي كل جمع إذا كان ~~مفرده مشددا بتشديد الياء وتخفيفها، كالأواقي والتخابي والعلالي والكراسي، ~~وما أشبه ذلك، وممن ذكر هذه القاعدة فيما واحده مشدد أنه يجوز في جمعه ~~الوجهان: ابن السكيت في "إصلاحه"، (¬2) والجوهري في "صحاحه"، (¬3) وقد ثبت ~~في هذا الحديث في الجمع حذف الياء، فتصير في الجمع للأوقية ثلاث لغات: ~~التشديد، والتخفيف، والحذف، والأوقية بضم الهمزة، ولا يجوز عند جمهور أهل ~~اللغة، وفيه تحذف الهمزة، وحكى اللحياني الجواز -بفتح الواو وتشديد الياء-، ~~وجمعها وقايا. # وأجمع العلماء من المحدثين والفقهاء واللغويين على أن المراد بالأوقية ~~الشرعية أربعون درهما، وهي أوقية الحجاز. # وقال القاضي عياض - رحمه الله -: ولا يصح أن تكون الأوقية والدراهم PageV02P802 # مجهولة في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو يوجب الزكاة في ~~أعداد منها، ويقع بها البياعات والأنكحة كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، قال: ~~وهذا يبين أن قول من زعم أن الدراهم لم تكن معلومة إلى زمن عبد الملك بن ~~مروان، وأنه جمعها برأي العلماء، وجعل كل عشرة وزن سبعة مثاقيل، ووزن ~~الدرهم ستة دوانق، قول باطل، وإنما معنى ما نقل من ذلك أنه لم يكن منها شيء ~~من ضرب الإسلام، وعلى صفة لا تختلف، بل كانت مجموعات من ضرب فارس والروم، ~~وصغارا وكبارا، وقطع فضة غير مضروبة ولا منقوشة، ويمنية ومغربية، فرأوا ~~صرفها إلى ضرب الإسلام ونقشه، وتصييرها وزنا واحدا لا يختلف، وأعيانا ~~يستغنى فيها عن الموازين، فجمعوا أكبرها وأصغرها، وضربوه على وزنهم، قال ~~القاضي: ولا شك أن الدراهم كانت حينئذ معلومة، وإلا فكيف كان يتعلق بها ~~حقوق الله تعالى في الزكاة وغيرها وحقوق العباد؛ وهذا كما كانت الأوقية ~~معلومة. # وقال العلماء من الشافعية: أجمع أهل العصر الأول على التقدير بهذا الوزن ~~المعروف، وهو أن الدرهم ستة دوانق، وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، ولم يتغير ~~المثقال في الجاهلية ولا الإسلام (¬1). # واعلم أن الدراهم كانت في الجاهلية ms0526 تضرب على نوعين مختلفين: # فمنها: ما ينسب إلى ملك يقال له: رأس البغل، وهي السود مما نسب إليه ~~منها، يقال لها: بغلية، وكل درهم منها ثمانية دوانق. # ومنها: ما ينسب إلى طبرية الشام، يقال لما يضرب فيها: طبرية، وزن كل منها ~~أربعة دوانق، وهي العتق، فقدر الشرع في الإسلام الدرهم ستة دوانق؛ جمعا ~~بينهما، ووقع الإجماع عليه من غير ضرب، وكانوا يتعاملون بهذا التقدير، ~~الشطر من هذه والشطر من هذه لدى الإطلاق ما لم يعينوا بالنص أحد النوعين، ~~وكذلك كانوا يؤدون الزكاة مئة من هذه، ومئة من هذه؛ اعتبارا في أول ~~الإسلام، PageV02P803 # هكذا قاله أبو عبيد وغيره، وهي الخمس الأواقي المذكورة في الحديث، ولم ~~يخالف في ذلك أحد إلا ابن حبيب الأندلسي؛ فإنه زعم أن كل بلد يتعاملون ~~بعرفهم في الدراهم، وهو خلاف قول الجمهور، ويعضد قولهم ما ثبت أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: "الوزن على وزن أهل مكة" (¬1)، وهذا المقدار هو ~~الذي كان أهل مكة يتعاملون به في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما ~~تمكن الإسلام، واتسع، ضربت الدراهم على التقدير الإسلامي تحريا لمعاملاتهم ~~الإطلاقية، فنسب التقدير إلى من ضربت في زمنه ابتداء، وليس كذلك، بل كان ~~ذلك إظهارا للضرب، لا ابتداء تقدير، والله أعلم. # واختلف في زمن من ابتدأ الإظهار بالضرب للتقدير المذكور؟ فقيل: في زمن ~~عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وقيل: في زمن بني أمية، ولا يصح قول من ~~جعل التقدير في زمن أحدهما، والله أعلم. # وأما الصدقة واحدة الصدقات، فتفتح الصاد والدال، وأما ما هو اسم من أسماء ~~الصداق -بفتح الصاد وكسرها-، فيقال فيه: صدقة -بفتح الصاد وضم الدال-، ~~وصدقة -بضم الصاد وإسكان الدال- أربع لغات مشهورات، والله أعلم (¬2). # وأما الذود: فاصله من ذاد يذود ذودا: إذا دفع شيئا، فهو مصدر، فكان من ~~كان عنده دفع عن نفسه معرة الفقر وشدة الفاقة والحاجة، وهو عند أهل اللغة ~~من الثلاثة إلى العشرة من الإبل، لا واحد له من لفظه، قالوا: ويقال في ~~الواحد: بعير، ms0527 قالوا: وكذلك البقر. # والرهط والقوم والنساء وأشباه هذه الألفاظ لا واحد لها من لفظها، قالوا: ~~وقولهم: خمس ذود؛ كقولهم: خمسة أبعرة، وخمسة جمال، وخمس نوق، PageV02P804 # وخمس نسوة، وقال سيبويه: يقال: ثلاث ذود؛ لأن الذود مؤنث، وليس باسم كسر ~~عليه مذكره، قال أبو عبيد: الذود مما بين ثنتين إلى تسع، وقوله مخالف لقول ~~جمهور أهل اللغة، قال: هو مختص بالإناث، وأنكر ابن قتيبة أن يقال: خمس ذود؛ ~~كما لا يقال: خمس ثوب، وغلطه العلماء، بل هذا اللفظ شائع مسموع من العرب، ~~معروف في كتب اللغة، وهو ثابت في الأحاديث الصحيحة، وليس هو جمعا لمفرد، ~~بخلاف الأثواب، قال أبو حاتم السجستاني: تركوا القياس في الجمع، فقالوا: ~~خمس ذود لخمس من الإبل، وثلاث ذود لثلاث من الإبل، وأربع ذود، وعشر ذود، ~~على غير قياس، كما قالوا: ثلاث مئة، وأربع مئة، والقياس مئين ومئات، ولا ~~يكادون يقولونه. # وقد ضبطه الجمهور: خمس ذود، في الحديث، ورواه بعضهم: خمسة ذود، وكلاهما ~~لرواة مسلم، لكن الأول أشهر، وهما صحيحان في اللغة، فإثبات الهاء لانطلاقه ~~على المذكر والمؤنث، ومن حذفها قال: أراد الواحدة منه فريضة، ولا شك أن ~~الذود واحد في لفظه كما قال السجستاني، والمشهور الذي قاله المتقدمون أنه ~~لا يقال على الواحد، والله أعلم (¬1). # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولا فيما دون خمسة أوسق صدقة"، فمعنى دون ~~في مواضع هذا الحديث أقل؛ أي: ليس في أقل خمس صدقة، لا أنه نفى عن غير ~~الخمس الصدقة كما زعم بعضهم في قوله: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة أنها ~~بمعنى غير، والله أعلم. # والأوسق جمع وسق -بفتح الواو وكسرها- كما حكاهما صاحب "المحكم" وغيره، ~~والأشهر فتح الواو، وهو جمع قلة، ويقال في الجمع -أيضا-: وسوق وأوساق، قال ~~الهروي: وكل شيء جمعته فقد وسقته، وقال غيره: وسقت الشيء: ضممت بعضه إلى ~~بعض، وأصل الوسق في اللغة الحمل، والمراد به PageV02P805 # ستون صاعا، والصاع أربعة أمداد، والمد رطل وثلث بالعراقي، وفي رطل العراق ~~أقوال، أظهرها: أنه مئة درهم وثمانية وعشرون درهما وأربعة ms0528 أسباع درهم، ~~وقيل: مئة وثمانية وعشرون بلا أسباع، وقيل: مئة وثلاثون، فالأوسق الخمسة: ~~ألف وست مئة رطل بالبغدادي (¬1)، وهل هذا التقدير بالأرطال تقريب أم تحديد؟ ~~وجهان لأصحاب الشافعي: # أصحهما: تقريب، فإذا نقص عن ذلك يسيرا، وجبت الزكاة، لكن ظاهر الحديث أن ~~النقصان مطلقا مؤثر في عدم الوجوب، لكنه غير مؤثر عرفا، لعدم منعه إطلاق ~~الاسم بنقص اليسير. # والثاني: تحديد، فمتى نقص شيئا، وإن قل، لم تجب الزكاة. # وفي هذا الحديث فائدتان: # إحداهما: وجوب الزكاة في هذه المحدودات من الدراهم والإبل والحبوب. # والثانية: عدم الزكاة فيما دون المحدود، ولا خلاف بين العلماء في ذلك، ~~إلا ما قاله أبو حنيفة وبعض السلف: أنه تجب الزكاة في قليل الحب وكثيره، ~~واستدل له بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فيما سقت السماء العشر، وما سقي ~~بنضح أو دالية، ففيه نصف العشر" (¬2)، وهذا عام في القليل والكثير، والجواب ~~عن ذلك بأن المقصود من الحديث بيان قدر المخرج، لا قدر المخرج منه، ولا شك ~~أن هذا يرجع إلى قاعدة أصولية، وهي: أن الألفاظ العامة ترد بوضع اللغة على ~~ثلاثة أنحاء: # أحدها: ما يظهر فيها قصد التعميم؛ بأن يرد مستنده على سبب لقصد تأسيس ~~القواعد. PageV02P806 # والثاني: ما يظهر فيه قصد التخصيص. # والثالث: ما لم يظهر فيها قرينة لقصد التعميم لا عدمه، ولا يحتاج ذلك إلى ~~دليل، بل يعرف ذلك من السياق، لا يقام عليه دليل بالاتفاق، ولذلك لو فهم ~~المقصود من الكلام، وطولب بالدليل، لعسر إقامته، لكن الناظر يرجع إلى ذوقه ~~ودينه وإنصافه، ولذلك لا خلاف أنه لا تجب الزكاة فيما نقص عن الأواقي ~~الخمسة المحدودة، وهي مئتا درهم، لكن مالكا - رحمه الله - تسامح في النقص ~~اليسير جدا الذي يروج معه الدراهم والدنانير رواج الكامل، واختلف أصحابه في ~~مقداره، فقبل: ما لا يشاح فيه في العادة، وقيل: بأنه المقدار الذي يختلف ~~فيه في الموازين، وحكي عن عمر بن عبد العزيز أن نقص ثلاثة دراهم وثلث دينار ~~من نصابهما لا يسقط الزكاة، والظاهر مع الحنفية، والمعنى مع المالكية. # وليس ms0529 في هذا الحديث تعرض للذهب، ولا تحديده بالأواقي، وقد أجمع العلماء ~~على وجوب الزكاة في عشرين مثقالا منه، وحكي عن الحسن البصري والزهري: أنهما ~~قالا: لا تجب في أقل من أربعين مثقالا، لكن الأشهر عنهما الوجوب في عشرين؛ ~~لقول العلماء، وحكى القاضي عياض عن بعض السلف وجوب الزكاة في الذهب إذا ~~بلغت قيمته مئتي درهم، وإن كان دون عشرين مثقالا، وقال هذا القائل: ولا ~~زكاة في العشرين حتى تكون قيمتها مئتي درهم. # واختلف العلماء فيما إذا ملك بعض نصاب من الذهب، وبعض نصاب من الفضة، هل ~~يضم بعضه إلى بعض بالقيمة؛ فقال مالك والجمهور: يضمان في إكمال النصاب، لكن ~~مالكا يراعي الوزن، ويضم الأجزاء، لا على القيم، بل على الوزن؛ حيث إن ~~مذهبه كل دينار لعشرة دراهم على الصرف الأول، وقال الأوزاعي والثوري وأبو ~~حنيفة والثوري يضم على القيم في وقت الزكاة، وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور ~~وداود: لا تضم مطلقا. PageV02P807 # واعلم أنه لم يتعرض في الحديث للقدر الزائد على المحدود من المذكورات ~~فيه، وقد أجمع العلماء على وجوب الزكاة فيما زاد على خمسة أوسق من الحب ~~والثمر بحسابه، وأنه لا أوقاص فيها، واختلفوا فيما زاد على نصاب الذهب ~~والفضة، قليلا كان أو كثيرا، هل فيه ربع العشر ولا وقص فيه؟ فقال مالك، ~~والليث، والثوري، والشافعي، وابن أبي ليلى، ويوسف، ومحمد، وأكثر أصحاب أبي ~~حنيفة، وجملة أهل الحديث: لا وقص فيه، وفيه ربع العشر، وهو يروى عن علي، ~~وابن عمر، وقال أبو حنيفة، وبعض السلف: لا شيء فيما زاد على مئتي درهم حتى ~~يبلغ أربعين درهما، ولا فيما زاد على عشرين دينارا حتى يبلغ أربعة دنانير، ~~فإن زادت ففي كل أربعين درهما درهم، وفي كل أربعة دنانير درهم، فجعل لها ~~وقصا كالماشية، واحتج الجمهور بما روى البخاري في "صحيحه" أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "في الرقة ربع العشر" (¬1) وهذا عام في النصاب وما فوقه، ~~وبالقياس على الحبوب، ولأبي حنيفة في المسألة حديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به. # واعلم أن ms0530 المراد بالأواقي الخمسة الدراهم الخالصة من العين حقيقة دونها ~~دراهم منقوشة، بل السبائك وغيرها حكمها، فلو كانت مغشوشة، لم يجب فيها شيء ~~حتى يبلغ من الخالص مئتي درهم، وفي الحديث حجة لذلك، وفيه رد على المالكية؛ ~~حيث أوجبوا الزكاة فيما نقص من المئتين فيه أو نحوها، وحجة مذهب الشافعي ~~وموافقيه على عدم الوجوب في ذلك فإنه صرف لها دون خمس أواق، ثم قدر الدراهم ~~منها خمسون حبة وخمسا حبة؛ لأن كل درهم ستة دوانق، ووزن كل دانق ثماني حبات ~~وثلث حبة، وثلث خمس حبة من الشعير المطلق، والله أعلم. # * * * PageV02P808 ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة" (¬1). وفي لفظ: "إلا زكاة ~~الفطر في الرقيق" (¬2). # قوله: "وفي لفظ: إلا زكاة الفطر في الرقيق" ليس هو مما اتفق عليه البخاري ~~ومسلم، بل مما انفرد به مسلم فيما أعلم، والله أعلم. # وفي هذا الحديث أصل في أن الأموال القنية لا تجب فيها الزكاة، لكن قال ~~العلماء: لا يصير المال للقنية إلا بالنية، ولا يصير للتجارة إلا بالنية ~~-أيضا-، وزكاته متعلقة بقيمته، لا بعينه، فعند عدم النية لهما، وعدم النص ~~بعدم وجوبها يقتضي أن تجب الزكاة فيه، أو يكون مسكوتا عنه، والحديث دال ~~بصريحه على عدم وجوبها في غير الخيل والرقيق، وهو مذهب العلماء كافة من ~~السلف والخلف، إلا أبا حنيفة وشيخه حماد بن أبي سليمان، وزفر؛ فإنهم ~~أوجبوها في الخيل إذا كانت ذكورا أو إناثا، قولا واحدا، وإن انفردت الذكور ~~والإناث، فعن أبي حنيفة في ذلك روايتان؛ من حيث إن النماء بالنسل لا يحصل ~~إلا باجتماع الذكور والإناث، وإذا وجبت الزكاة، فهو مخير بين أن يخرج عن كل ~~فرس دينارا، أو يقوم ويخرج عن كل مئتين خمسة دراهم، فحينئذ وقع الإجماع على ~~عدم وجوبها في عينها، بل بسببها، فيخرج من غيرها، وإنما احترزنا بقولنا: ~~غير الخيل والرقيق عن وجوبها في قيمتها إذا كانت للتجارة، وهذا الحديث ms0531 صريح ~~في الرد عليهم؛ فإنه يقتضي عدم وجوبها في فرس المسلم مطلقا، وفي عين ~~العبيد، وقد استدل به الظاهرية على عدم وجوب زكاة التجارة، وقيل: إنه قول PageV02P809 # قديم للشافعي - رحمه الله - من حيث إن الحديث يقتضي عدم وجوب الزكاة في ~~الخيل والعبيد مطلقا، وأجاب الجمهور عن استدلالهم بوجهين: # أحدهما: القول بالموجب؛ فإن زكاة التجارة متعلقها القيمة لا العين، ~~فالحديث يدل على عدم تعلقها؛ فإنه لو تعلقت بالعين منها، لبقيت ما بقيت ~~العين، وليس كذلك؛ فإنه لو نوى القنية، لانتفت الزكاة، والعين باقية، وإنما ~~متعلق الزكاة فيهما القيمة بشرط نية التجارة وغيرها من الشروط. # والثاني: أن الحديث عام في عدم وجوبها في الخيل والعبيد، فإذا أقاموا ~~الدليل على وجوب زكاة التجارة، كان هذا الدليل أخص من ذلك العام، فيقدم ~~عليه، نعم يحتاج إلى تحقيق إقامة الدليل على وجوب زكاة التجارة، والمقصود ~~ها هنا بيان كيفية النظر بالنسبة إلى هذا الحديث. # وفي الحديث دليل صريح على وجوب صدقة الفطر على السيد عن عبيده، سواء ~~كانوا للقنية أو للتجارة، وهو مذهب مالك، والشافعي، والجمهور، وقال أهل ~~الكوفة: لا تجب في عبيد التجارة، وحكي عن داود: أنها لا تجب على السيد، بل ~~تجب على العبد، ويلزم السيد تمكينه من الكسب ليؤديها، وحكاه القاضي عياض عن ~~أبي ثور -أيضا-. # وقد يستدل به لمن قال من أصحاب الشافعي: إن فطرة المكاتب على سيده؛ بدليل ~~قوله - صلى الله عليه وسلم -: "المكاتب عبد ما بقي عليه درهم" (¬1)، وقد ~~اختلف في وجوبها وعدمه عليه، فقال الشافعي وجمهور العلماء: لا تجب فطرة ~~المكاتب عليه، ولا على سيده، وعن عطاء، ومالك، وأبي ثور: وجوبها على السيد؛ ~~كالوجه المستدل له عن بعض الشافعية، وعندهم وجه: أنها تجب على المكاتب؛ ~~لأنه كالحر في كثير من الأحكام، والله أعلم. PageV02P810 ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس" (¬1). # قال المصنف: الجبار: الهدر الذي لا شيء فيه، والعجماء: ms0532 الحيوان البهيم. # أما العجماء، فسميت بذلك لأنها لا تتكلم، ومنه: الدواب العجم؛ تنبيها على ~~أنها لا تتكلم، ومنه: الأعجمي الذي لا يفصح. # وأصل التسمية بالجبار أن العرب تسمي السيل جبارا؛ للمعنى الذي ذكره ~~المصنف؛ أي: لا طلب فيه، ولا قود ولا دية. # وأما البئر، فاشتقاقه من بأرت: إذا حفرت، والبؤرة: الحفرة، وهو يهمز ~~أصلا، ولا يهمز تسهيلا، وجمعه: بئار وآبار وأبآر، والمراد به ما حفره ~~الإنسان حيث يجوز له، فما هلك فيها، فهو هدر، وقيل: المراد به البئر ~~القديمة. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "والمعدن جبار"؛ أي: من يهدر عليه من ~~الفعلة في المعدن، فلا شيء على المستأجر، وجمع المعدن: معادن، ومعادن ~~الأرض: أصولها وبيوتها، ومعدن الشيء: أصله، ومنه: معادن الذهب وغيره، وأصل ~~المعدن: الثبوت والإقامة، ومنه سمي المعدن؛ لثبوت ما فيه، وقيل: لإقامة ~~الناس عليه لاستخراجه. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وفي الركاز الخمس" الكنز من دفين ~~الجاهلية عند جمهور العلماء وعند أهل العراق هي المعادن؛ لأنها ركزت في ~~الأرض؛ أي: ثبتت، وسمي ركازا؛ لأنه ركز في الأرض؛ أي: أقر؛ كما يقال: ركزت ~~الرمح، يقال: ركزه يركزه -بضم الكاف-، والخمس -بضم الميم وإسكانها-، ويقال ~~فيه: الخميس، ثلاث لغات، ومنه سمي الجيش خميسا؛ لأنه ينقسم على خمسة PageV02P811 # أقسام: مقدمة، وساقة، وميمنة، وميسرة، وقلب، وكذلك في النصف إلى العشر، ~~يقال ثلاث لغات: الضم والإسكان، ووزن فعيل، إلا القلب؛ فإنه لم يسمع فيه ~~التثليث، فمن تكلم به فيه، فقد أخطأ، والله أعلم. # وفي هذا الحديث فوائد: # منها: أن الحيوان إذا أتلف شيئا من الأبدان أو الأموال، فهو غير مضمون ~~بنص الحديث، وهو محمول على ما إذا أتلف شيئا بالنهار، أو انفلت بالليل من ~~غير تفريط من مالكه، وأتلف، ولم يكن معه أحد، لكن الحديث محتمل لإرادة ~~الجناية على الأبدان فقط، وهو أقرب إلى حقيقة الجرح، فإنه قد ثبت في بعض ~~طرقه في مسلم وغيره: "العجماء جرحها جبار" (¬1)، ومعلوم أن الجرح لا يكون ~~إلا على الأبدان، وعلى كل تقدير، فلم يقولوا بالعموم في ms0533 إهدار كل متلف من ~~بدن أو مال، والمراد بجرح العجماء: إتلافها، سواء كان بجرح أو غيره. # قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن جناية البهائم بالنهار لا ضمان ~~فيها إذا لم يكن معها أحد، فإن كان معها راكب أو سائق أو قائد، فجمهور ~~العلماء على ضمان ما أتلفته. # وقال داود وأهل الظاهر: لا ضمان بكل حال، إلا أن يحملها الذي هو معها على ~~ذلك، أو بقصده. # قال أصحاب الشافعي: وسواء كان إتلافها بيدها أو رجلها أو فمها ونحوه، ~~فإنه يجب ضمانه في ضمان الذي هو معها، سواء كان مالكها، أو مستأجرا، أو ~~مستعيرا، أو غاصبا، أو مودعا، أو وكيلا، أو غيره، إلا أن يتلف آدميا، فتجب ~~ديته على عاقلة الذي معها، والكفارة في ماله، أما إذا أتلفت بالنهار، وكانت ~~معروفة بالإفساد، ولم يكن معها أحد، فإن مالكها يضمن؛ لأن عليه ربطها ~~والحالة هذه (¬2). PageV02P812 # وأما جنايتها بالليل، فقال مالك - رحمه الله -: يضمن صاحبها ما أتلفته، ~~وقال الشافعي وأصحابه: إن فرط في حفظها، ضمن، وإلا، فلا، وقال أبو حنيفة: ~~لا ضمان فيما رعته نهارا، وقال الليث وسحنون: يضمن. # وقد ورد حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في إتلافها بالليل دون ~~النهار في المزارع، وأنه يضمن كما قاله مالك. # ومنها: أن المعدن إذا حفره رجل في ملكه، أو موات، أو مر به مار، أو ~~استاجر أجراء يعملون فيها، فيقع عليهم، فيموتون، فلا ضمان في هذه الصور ~~كلها، وكذلك البئر إذا حفرها في ملكه، أو موات، فوقع فيها إنسان أو غيره، ~~أو استأجره لحفرها، فوقعت عليه، فلا ضمان عليه في ذلك كله، أما إذا حفرها ~~في طريق المسلمين، أو في ملك غيره بغير إذنه، فتلف فيها إنسان، وجب ضمانه ~~على عاقلة حافرها، والكفارة في مال الحافر، وإن تلف بها غير الآدمي، وجب ~~ضمانه في مال الحافر. # ومنها: وجوب الخمس في الركاز، وهو زكاة عند الشافعية على أحد الوجهين ~~يصرف إلى أهل الزكاة، واختار المزني أنه يصرف إلى أهل الفيء. # ومنها: أن الركاز غير ms0534 المعدن؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - فرق بينهما في ~~اللفظ والحكم، وعطف أحدهما على الآخر، وذلك يقتضي المغايرة دون الترادف. # ومنها: أن الركاز لا يختص بالذهب والفضة؛ لعموم الحديث، وللشافعي قولان ~~في ذلك: الأصح الجديد: اختصاصه بهما، والثاني: جريان الركاز في غيرهما. # ومنها: أنه لا فرق في الركاز بين القليل والكثير في وجوب التخميس؛ لعموم ~~الحديث، واعتبر بعضهم فيه النصاب. # ومنها: عدم اعتبار الحول في إخراج زكاة الركاز، ولا خلاف فيه عند ~~الشافعية؛ كالغنيمة والمعشرات، ولهم في المعدن اختلاف في اعتبار الحول؛ إذ ~~الفرق بينهما أن النماء يحصل في الركاز متكاملا من غير كد، فلم يعتبر فيه PageV02P813 # الحول؛ لأنه معتبر لتحصيل النماء، بخلاف المعدن؛ فإنه يحصل شيئا فشيئا ~~بكد وتعب، فأشبه أرباح التجارة، فاعتبر فيها الحول. # ومنها: إطلاق اعتبار الخمس في الركاز من غير اعتبار الأراضي، لكن الفقهاء ~~جعلوا الحكم يختلف باختلافها، فإن أرادوا اعتبار الأراضي في بعض الصور، فهو ~~قريب من الحديث، فعند الشافعية أن الأرض إن كانت مملوكة لمالك محترم مسلم ~~أو ذمي، فليس بركاز، فإن ادعاه، فهو له، وإن نازعه منازع، فالقول قوله، وإن ~~لم يدعه لنفسه، عرض على البائع، ثم على بائع البيع حتى ينتهي الأمر إلى من ~~عمر الموضع، فإن لم يعرف، فظاهر المذهب أنه يجعله لقطة، وقيل: ليس بلقطة، ~~بل مال ضائع، يسلم إلى الإمام، فيجعله في بيت المال، وإن وجد الركاز في أرض ~~عامرة لحربي، فهو كسائر أموال الحربي إذا حصلت في أيدي المسلمين، وإن وجد ~~في موات دار الحرب، فهو كموات دار الإسلام عند الشافعية، أربعة أخماسه ~~للواجد، والله أعلم # * * * ### ||| AUTO الحديث الخامس # عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- عمر - رضي الله عنه - على الصدقة، فقيل: منع ابن جميل، وخالد بن الوليد، ~~والعباس عم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيرا فأغناه الله، وأما خالد، فإنكم ~~تظلمون خالدا، وقد احتبس أدرعه ms0535 وأعتاده في سبيل الله، وأما العباس، فهي علي ~~ومثلها"، ثم قال: "يا عمر! أما علمت أن عم الرجل صنو أبيه" (¬1). # أما أبو هريرة، وعمر - رضي الله عنهما -، فتقدم ذكرهما. PageV02P814 # وأما ابن جميل، فهو -بفتح الجيم وكسر الميم وبالياء آخر الحروف، وباللام- ~~فلا يعرف اسمه، وروى عنه أبو هريرة، وقال المهلب: كان ابن جميل منافقا ~~أولا، فمنع الزكاة، فأنزل الله تعالى: {وما نقموا إلا أن أغناهم الله ~~ورسوله من فضله} [التوبة: 74]، قال: فاستتابه به الله، فتاب، وصلحت حاله (¬1). # وأما خالد بن الوليد، فكنيته: أبو سليمان بن الوليد بن المغيرة بن عبد ~~الله بن عمر بن مخزوم بن نقطة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، القرشي ~~المخزومي، سيف الله، سماه بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة ~~مؤتة لما حضرها، وشهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمله بها بالمدينة، ~~فمن يومئذ سماه: سيف الله، وروى له البخاري حديثا موقوفا، وهو أن خالدا - ~~رضي الله عنه - قال: لقد اندق في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما ثبت في يدي ~~إلا صفيحة يمانية (¬2). # أمه لبابة الصغرى بنت الحارث أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. # أسلم خالد قبل الفتح بعد الحديبية، وشهد خيبر والفتح وحنينا ومؤتة كما ~~ذكرنا، روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمانية عشر حديثا، ~~اتفقا على حديث، وللبخاري الحديث الموقوف الذي ذكرناه، وروى عنه: قيس بن ~~أبي حازم، وأبو وائل شقيق بن سلمة. # مات بحمص من الشام سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر، ودفن على ميل منها، ~~وقيل: مات بالمدينة، رواه أبو زرعة الدمشقي عن عبد الرحمن بن إبراهيم ~~الدمشقي دحيم. # قال أبو حاتم بن حبان - رحمه الله -: مات في عهد عمر بحمص سنة إحدى ~~وعشرين، وأوصى إلى عمر، وكان إسلامه سنة ثمان من الهجرة، وكان في أيام بدر ~~وأحد والخندق مع المشركين، ثم هداه الله بعد. PageV02P815 # قلت: وكلامه هذا يدل على أنه لم يشهد خيبر صريحا؛ لأنها كانت سنة سبع، ms0536 ~~والله أعلم. # وروى بإسناده الصحيح إلى قيس -يعني: ابن أبي حازم- قال: قال خالد بن ~~الوليد - رضي الله عنه -: ما ليلة يهدى إلي منها عروس أنا لها محب، أو أبشر ~~بغلام أحب إلي من ليلة شديدة الجليد في سرية من المهاجرين، أصبح فيها العدو ~~(¬1)، والله أعلم (¬2). # وأما العباس: فهو عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يكنى: أبا الفضل، ~~وهو: ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، الهاشمي القرشي، وكان أسن من ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسنتين أو ثلاثة. # قال أبو حاتم بن حبان: ولد قبل الفيل بثلاث سنين، شهد بدرا مع رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - مع المشركين، وأسر يومئذ، وأسلم بعد ذلك، وقيل: ~~أسلم قبل بدر، وكان يكتم إسلامه، وأراد القدوم إلى المدينة، فأمره رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بالمقام ب "مكة"، وقال له: "إن مقامك ب "مكة" ~~خير"، وكان يكتب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بأخبار المشركين، وكان ~~المسلمون يتقوون به، فلذلك أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمقام ب "مكة". # ومناقبه - رضي الله عنه - كثيرة جدا، وقد صنف العلماء فيها كتبا كثيرة، ~~منهم: ابن أبي الدنيا، وغيره، وملكت مصنفا في مناقبه مجلدا كبيرا لا أعلم ~~من PageV02P816 # صنفه، ثم ذهب مع كتب لي في وقعة غاران بحمص، والله خير مخلف، وهو خير ~~الرازقين. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمسة وثلاثون حديثا، اتفقا ~~على حديث واحد، وللبخاري حديث، ولمسلم ثلاثة، روى عنه: ابناه: عبد الله، ~~وكثير، وجابر بن عبد الله، والأحنف بن قيس، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، ~~وإسحاق بن عبد الله بن نوفل، وعامر بن سعد بن أبي وقاص، وغيرهم، ومات ~~بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان بن عفان، وهو ابن ثمان وثمانين ~~سنة، وصلى عليه عثمان - رضي الله عنه -، ودفن بالبقيع، وزرت قبره غير مرة ~~بالبقيع في قبة عثمان - رضي الله عنهما -، وقيل: مات سنة أربع وثلاثين، ~~والله أعلم (¬1). # وأما ألفاظه: فقوله: "ما ينقم ابن ms0537 جميل" هو -بكسر القاف، والماضي منه ~~بفتحها-، وهي لغة القرآن: {وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله} ~~[التوبة: 74]، {وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد} ~~[البروج: 8] ويقال: بفتحها في المضارع، وكسرها في الماضي، ومعناه: أنكر؛ ~~أي: إذا لم يكن موجب المنع من الصدقة إلا أن كان فقيرا فأغناه الله، وهذا ~~ليس بموجب لمنعها، والعرب كثيرا تقصد مثل هذا في النفي على سبيل المبالغة ~~بالإثبات، كقول الشاعر (¬2): # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب # أي: إذا لم يكن فيهم عيب إلا هذا، فليس بعيب، فلا عيب فيهم، فكذلك PageV02P817 # هذا، إذا لم ينكر ابن جميل إلا كون الله تعالى أغناه بعد فقره، فلم ينكر ~~منكرا أصلا، ويقال: نقم منه الإحسان: إذا جعله مؤديا إلى كفر النعمة، فيكون ~~معناه: أن غناه أداه إلى كفر نعمة الله تعالى بمنع الزكاة، فما ينقم؛ أي: ~~ما ينكر ويكره إلا أن يكفر النعمة. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإنكم تظلمون خالدا" هو خطاب للعمال على ~~الصدقة؛ حيث لم يحتسبوا له بما أنفق في الجهاد من الخيل والعدة؛ لأنهم ~~طلبوا منه زكاة أعتاده، ظنا منهم أنها للتجارة، وأن الزكاة فيها واجبة، ~~فقال لهم: لا زكاة لكم علي، فقالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إن خالدا ~~منع الزكاة، فقال: إنكم تظلمون خالدا؛ لأنه حبسها ووقفها في سبيل الله، قبل ~~الحول عليها، فلا زكاة فيها. # ويحتمل أن يكون المراد: لو وجبت عليه زكاة، لأعطاها، ولم يشح بها؛ لأنه ~~قد وقف أمواله لله تعالى متبرعا، فكيف يشح بواجب عليه؟ # ويحتمل أنه لم يقفها، بل رفع يده عنها، وخلى بين الناس وبينها في سبيل ~~الله؛ لأنه احتبسها وقفا على التأبيد؛ لأنه صرفها مصرفها؛ حيث تعينت ~~للجهاد، وقد جعل الله تعالى له حظا من الزكاة، فرأى صرفها فيه، فاشترى بها ~~ما يصلح له كما يفعله الإمام، فلما تحقق النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك، ~~قال: "إنكم تظلمون خالدا"؛ فإنه قد صرفها مصرفها، وأجاز له ذلك. ms0538 # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله" ~~احتبس بمعنى: وقف، ويحتمل أن يكون بمعنى: إبانة اليد عن الملك لله تعالى؛ ~~كما ينقل المهدي لبيت الله تعالى فيها بالتخلية بينها وبين مستحقها، ~~والأدراع: جمع درع، ويكون من الحديد وغيره، وأعتاده: هذه اللفظة رويت على أوجه: # أحدها: أعتاده كما ذكره المصنف، وأنكرها بعضهم، وهي ثابتة في "صحيح مسلم". # الثاني: أعتدة -بالتاء ثالث الحروف-، وهي والأعتاد جمع قلة لعتد -بفتح ~~العين والتاء-، وهو الفرس الصلب، وهو قيل: المعد للركوب، وقيل: السريع PageV02P818 # الوثب، وصححه بعضهم، وقال: يعني: خيله، وقيل: هو كل هو ما أعده الرجل من ~~سلاح وآلة ومركوب للجهاد. # الثالث: عتاده، ويجمع على أعتدة -بكسر التاء وضمها-. # الرابع: أعبده -بالباء الموحدة- جمع قلة للعبد، وهو الحيوان العاقل، ~~وقيل: إنه جمع صفة من قولهم: فرس عبد؛ أي: صلب. # وروي: فقد احتبس رقيقه ودوابه. # وروي: عقاره -بالقاف والراء-، والعقار: الأرض والضياع والنخل ومتاع البيت. # وقد اختلف في معنى ذلك كله، فقيل: إنه طولب بالزكاة عن أثمان الأدراع ~~والعتاد على أنها كانت عنده للتجارة، فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه لا زكاة عليه فيها؛ إذ قد جعلها حبسا في سبيل الله. # وقيل: اعتذر ودافع عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ كان خالد قد ~~احتسبها في سبيل الله تقربا إليه - سبحانه وتعالى -، فكيف يجوز عليه منع ~~الصدقة الواجبة عليه، وهو يتقرب إلى الله تعالى لنفل المندوب المستحب ومنع ~~الواجب؟ # وقيل: يجوز أن يكون احتسب - صلى الله عليه وسلم - لخالد ذلك من الزكاة؛ ~~لأنه في سبيل الله، لكن الأحاديث الصحيحة تدل على أنها الصدقة الواجبة، ~~وتعريفها بالألف واللام يدل عليه، وهي التي جرى البعث والاستعمال عليها، ~~وفي حديث آخر: منع صدقته، وجعل بعضهم هذه الصدقة صدقة تطوع؛ لحديث عبد ~~الرزاق في ذلك، وقال فيه: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - ندب الناس إلى ~~الصدقة، وذكر الحديث (¬1)، قال بعضهم: وهذا أليق بالقصة، ولا تظن بأحد منهم ~~منع الواجب، فيكون عذر خالد واضحا؛ ms0539 لأنه إذا أخرج أكثر ماله، وحبسه، لا ~~يحتمل صدقة التطوع، فعذره رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويكون ابن ~~جميل شح في التطوع، فعتبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، PageV02P819 # وأخبر أن العباس سمح ما طلبه منه، ومثله معه، وأنه ممن لا يمتنع مما ~~التزمه النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل هذه كاللازم. # قال شيخنا الحافظ أبو زكريا النواوي - رحمه الله -: الصحيح المشهور أن ~~هذا كان في الزكاة، لا في صدقة التطوع، وهو الذي قاله أصحاب الشافعي وغيرهم (¬1). # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فهي علي ومثلها معها" هذا لفظ مسلم وأبي ~~داود، ومعناه: إني سلفت منه صدقة سنتين، فصار دينا علي. # وقيل معناه: أنا أؤديها عنه، والذي قال بهذا لا يجوز تعجيل الزكاة، وقد ~~جاء في حديث آخر في غير "صحيح مسلم" رواه الدارقطني: "إنا تعجلنا منه صدقة ~~عامين (¬2) "، وقيل: يكون - صلى الله عليه وسلم - قد قبض منه صدقة عامين: ~~العام الذي شكي فيه، إنها لدي من زكاة فيه العامل، وتعجل صدقة عام ثان، ~~فقال: هي علي، وبمثلها معها. # وقد يكون - صلى الله عليه وسلم - قد تحمل الصدقة، وضمن أداءها عنه ~~لسنتين، ولذلك قال: "إن عم الرجل صنو أبيه"، وصوب بعضهم الأول، ولفظ ~~البخاري والنسائي: "فهي عليه صدقة ومثلها معها" (¬3)، قال البيهقي: يبعد أن ~~يكون محفوظا؛ لأن العباس كان من جملة بني هاشم تحرم عليه الصدقة (¬4)، وقال ~~غيره: إلا أن يقال: لعل ذلك قبل تحريم الصدقة على آل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، ورأى - صلى الله عليه وسلم - إسقاط الزكاة عامين لوجه رآه، وحكى ~~البخاري عن ابن إسحاق: هي عليه ومثلها معها، قيل: يحتمل أن يكون - صلى الله ~~عليه وسلم - أخرها عنه عامين لحاجة كانت بالعباس إليها، وللإمام تأخير ذلك PageV02P820 # إذا أداه اجتهاده إليه؛ كما فعل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عام ~~الرمادة إلى أن جبى من الناس العام المقبل، فأخذ منهم زكاة عامين. # ورواه موسى بن عقبة، فقال: "هي له ومثلها معها" (¬1)، قيل: إن (له) بمعنى ~~عليه، قال ms0540 الله تعالى: {ولهم اللعنة} [غافر: 52]، وقال تعالى: {وإن أسأتم ~~فلها} [الإسراء: 7]. # قال بعضهم: والأشبه عندي احتمال النبي - صلى الله عليه وسلم - لها على ما ~~تقدم، وإخراجها عنه برأيه، وهي له، ويعضده رواية: فهي له، وصدقة عليه، لا ~~على أنه أحل له الصدقة، ولكنه تركها له، فأخرج الصدقة عنه من مال نفسه. # قوله - صلى الله عليه وسلم -: "عم الرجل صنو أبيه"؛ أي: يرجع مع أبيه إلى ~~أصل واحد، ومنه قوله تعالى: {صنوان وغير صنوان} [الرعد: 4]، وأصله في ~~النخلتين والنخلات التي ترجع إلى أصل واحد، والصنوان جمع صنو؛ كقنوان وقنو، ~~وتجمع أصناء؛ كأسماء، فإذا كثرت قلت: الصني والصنى. # وذكر - صلى الله عليه وسلم - ذلك لعمر تعظيما لحق العم، وهو مقتض ومناسب ~~لأن يحمل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "هي علي" على أنه يحملها عنه ~~احتراما له ومبرة وإكراما حتى لا يتعرض له بطلبها أحد؛ إذ يحملها عنه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. # وفي هذا الحديث أحكام أصلية ومتفرعة على التأويلات فيه: # فمن الأصلية: # بعث الإمام العمال لجباية الزكوات. # ومنها: أن يكونوا أمناء فيها، ثقات، عارفين؛ حيث بعث - صلى الله عليه ~~وسلم - عليها عمر - رضي الله عنه -. # ومنها: تعريف الإمام بمانعيها؛ ليعينهم على أخذها منهم، أو يبين لهم وجوه ~~أعذارهم في منعها. PageV02P821 # ومنها: تعريف الفقير نعمة الله تعالى عليه في المعنى؛ ليقوم بحق الله ~~تعالى فيه الواجب، أو المندوب. # ومنها: البيان للعمال ما يظلمون فيه من غيره. # ومنها: تحمل الإمام عن بعض رعيته وأتباعه وأقاربه ما وجب عليه، أو ندب إليه. # ومنها: بيان فضل العباس عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والتنبيه ~~على فضل العم، وقد نبه - صلى الله عليه وسلم - في حديث آخر على فضل الخالة، ~~فقال: "الخالة بمنزلة الأم" (¬1). # وأما الأحكام المتفرعة على تأويلات الحديث: # فمنها: أنه يجوز للإمام، ويستحب له أن يتأول لمن شكي إليه من رعيته في ~~منع الحق التأويلات المحتملة، وإن كانت خلاف الظاهر. # ومنها: وجوب الزكاة في الأموال المرصدة للتجارة، وقد حكى ابن المنذر فيه ms0541 ~~الإجماع، وزعم بعض المتأخرين من الظاهرية أنه لا زكاة فيها، وهو مسبوق ~~بالإجماع. # ومنها: جواز تحبيس الخيل والإبل والسلاح من الدروع والسيوف والحجف وغيرها ~~من المركوبات والمنقولات. # ومنها: جواز أخذ القيم في الزكاة، وقد أدخل البخاري هذا الحديث في باب ~~أخذ العوض في الزكاة، فيدل على أنه ذهب إلى تأويل الحديث عن الصدقة ~~الواجبة. # ومنها: عتب الإمام على من منع الخير، وإن كان منعه مندوبا، في غيبته ~~وحضوره. # ومنها: جواز تعجيل الزكاة قبل وقت وجوبها، وهو مذهب أبي حنيفة، PageV02P822 # والأوزاعي، والشافعي، وفقهاء المحدثين، ومن هؤلاء من يجيز تقديم زكاة ~~عامين؛ أخذا بهذا الحديث، ومنع ذلك مالك والليث، وهو قول عائشة، وابن ~~سيرين، وقالوا: لا يجوز تقديمها على وقت وجوبها؛ كالصلاة، وعن مالك خلاف ~~فيما قرب، وكأن هؤلاء لم يصح عندهم الحديث، ولا ارتضوا ذلك التأويل، أو ~~جعلوه خاصا بالعباس. # ومنها: جواز دفع الزكاة إلى صنف واحد، وهو قول مالك وجمهور العلماء، ~~خلافا للشافعي وغيره، والاستدلال على ذلك من هذا الحديث ضعيف جدا، وفي بعض ~~هذه الاستدلالات المتفرعة نظر، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث السادس # عن عبد الله بن زئد بن عاصم - رضي الله عنه - قال: لما أفاء الله على ~~رسوله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين، قسم في الناس، وفي المؤلفة قلوبهم، ~~ولم يعط الأنصار شيئا، فكأنهم وجدوا في أنفسهم إذ لم يصبهم ما أصاب الناس، ~~فخطبهم فقال: "يا معشر الأنصار! ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي؟ وكنتم ~~متفرقين، فألفكم الله بي؟ وعالة، فأغناكم الله بي؟ كلما قال شيئا، قالوا: ~~الله ورسوله أمن، قال: "ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -؟، قالوا: الله ورسوله أمن، قال: "لو شئتم لقلتم: جئتنا كذا وكذا، ~~ألا ترضون أن تذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون بالنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - إلى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس وادي ~~أو شعبا، لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار، والناس دثار، إنكم ~~ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض" (¬1). # أما هذا ms0542 الحديث: فلا مدخل له في باب الزكاة، إلا أن يقاس إعطاء المؤلفة PageV02P823 # من الزكاة على إعطائهم من الفيء والخمس. # وأما عبد الله بن زيد بن عاصم المازني، فتقدم الكلام عليه. # وأما قوله: "لما أفاء الله"؛ أي: رد ورجع، والفيء: الرجوع، ومنه سمي الظل ~~بعد الزوال فيئا؛ لأنه رجع من جانب المغرب إلى جانب المشرق، وكان الأموال ~~التي بأيدي الكفار كانت بالأصالة للمؤمنين؛ إذ الإيمان هو الأصل، والكفر ~~طارئ عليه، فغلب الكفار على تلك الأموال، فإذا غنم المسلمون منها شيئا، ~~رجعت إلى نوع من كان يملكها. # وأما حنين: فهو اسم واد قريب من الطائف، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلا، ~~وقال عروة: إلى جنب ذي المجاز، وقال ابن حبان: وهو واد أجوف (¬1)، وكانت ~~غزوته بعد فتح مكة سنة ثمان من الهجرة، وكان فتح مكة في العشرين من شهر ~~رمضان، وكانت حنين بعد فتح مكة، وإقامته فيها خمس عشرة ليلة تقصر الصلاة ~~فيها في العشر الأول من شوال، والله أعلم. # وقوله: "قسم في الناس وفي المؤلفة"، المؤلفة: من التأليف تسميتهم، وهو ~~جمع القلوب. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي؟ " ~~الضلال المشار إليه هو ضلال الإشراك والكفر، والهداية للإيمان، ولا شك أن ~~نعمة الإيمان أعظم النعم؛ حيث لا يوازيها شيء من أمر الدنيا، ثم أتبع ذلك ~~بنعمة الألفة، وهي أعظم من نعمة المال؛ إذ الأموال تبذل في تحصيلها، وكانت ~~الأنصار [في] غاية التباعد والتنافر، وجرت بينهم حروب، منها يوم بعاث ~~-بالعين المهملة والمعجمة، وآخره ثاء مثلثة-: موضع من المدينة على ليلتين، ~~ثم أتبع ذلك بنعمة الغنى والمال، وقد استعمل - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ~~جميعه ما يجب من الأدب مع القرآن العزيز وأتباعه في إضافة الهداية والألفة ~~والإغناء إلى الله تعالى، فإن ذلك PageV02P824 # جميعه خاص به - سبحانه وتعالى - لا يشركه فيه أحد، قال الله تعالى: {ليس ~~عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء} [البقرة: 272]، وقال تعالى: {إنك لا ~~تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} [القصص: ms0543 56]، وفي إضافة الهداية إلى ~~الأسباب؛ حيث أضافها الله تعالى إليه في قوله تعالى: {وإنك لتهدي إلى صراط ~~مستقيم} [الشورى: 52]، فلهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "فهداكم ~~الله بي"، وكذلك الألفة حيث قال تعالى: {هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين ~~(62) وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن ~~الله ألف بينهم} [الأنفال: 62 - 63]، وكذلك الإغناء؛ فإنه -سبحانه وتعالى- ~~المغني، وامتن به في قوله تعالى لقوم نوح - صلى الله عليه وسلم - وعلى ~~لسانه: {ويمددكم بأموال وبنين} [نوح: 12]، والله أعلم. # وقوله: "عالة" هم الفقراء الذين لا مال لهم، والعيلة: الفقر. # ثم في جواب الصحابة - رضي الله عنهم - بما أجابوا به من استعمال الأدب ~~والاعتراف بالحق، والذي كنى به الراوي: كذا وكذا، قد بين مصرحا به في رواية ~~أخرى، فتأدب الراوي بالكناية دون التصريح. # قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار" معناه: ~~أتسمى باسمهم، وأنتسب إليهم كما كانوا يتناسبون بالحلف، لكن خصوصية الهجرة ~~ومرتبتها سبقت، وعلت؛ فهي أعلى وأشرف، فلا تبدل بغيرها، ولا ينتفي منها من ~~حصلت له، وقيل معناه: لكنت منهم في الأحكام والعداد، ولا يجوز أن يكون ~~المراد النسب قطعا. # قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لسلكت وادي الأنصار وشعبها" الوادي: اسم ~~للحفيرة، وقيل: للماء، والأول أشهر، والشعب: اسم لما انفرج بين الجبلين، ~~وقيل: هو الطريق في الجبل، والمراد جبرهم بهذا القول، والتنبيه على ما حصل ~~لهم من الإيمان والنصرة والقناعة والرضا عن الله تعالى ورسوله - صلى الله ~~عليه وسلم -؛ لأن من كان هذا وصفه، فهو حقيق بأن يسلك طريقه، ويتبع حاله؛ ~~لما فيها من الراحة الدنيوية والأخروية، والسلامة فيهما. PageV02P825 # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الأنصار شعار، والناس دثار" الشعار: ~~الثوب الذي يلي الجلد من الجسد، والدثار: الثوب الذي فوقه، واستعمال هذين ~~اللفظين مجاز عن العرب، والاختصاص والتمييز لهم على غيرهم في ذلك؛ حيث إن ~~المطلوب إنما هو في النصرة في الدين، والمواساة عليها، فلما كانت الأنصار ~~أقوم بهذا الوصف من غيرهم، كانوا أقرب ms0544 إليه - صلى الله عليه وسلم - بمنزلة ~~الثوب الذي يلي الجسد، بخلاف غيرهم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنكم ستلقون بعدي أثرة" الأثرة: ~~الاستئثار بالمشترك؛ أي: يستأثر عليكم، ويفضل عليكم غيركم بغير حق، ولا شك ~~أن هذا من أعلام نبوته - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ هو إخبار عن أمر مستقبل ~~وقع على وفق ما أخبر به - صلى الله عليه وسلم - من الاستئثار عليهم ~~بالدنيا، والأثرة: اسم من أثر يؤثر إيثارا، وهو -بفتح الهمزة والثاء، على ~~المشهور-، وقيل: -بضم الهمزة وسكون الثاء- لغتان صحيحتان، ويقال: إثرة: ~~-بكسر الهمزة وسكون الثاء-، وهي قليلة، قال أبو علي القالي: ومعناها: ~~الشدة، وبه كان يتأول الحديث، ولكن التفسير الأول أظهر، وعليه أكثر، وسياق ~~الحديث وسببه يشهد له، وهو إيثارهم المهاجرين على أنفسهم، فأجابهم - صلى ~~الله عليه وسلم - بهذا (¬1)، وفي الحديث: فآثر الأنصار المهاجرين؛ أي: ~~فضلوهم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فاصبروا حتى تلقوني على الحوض" أصل ~~الصبر: الحبس، # ومعناه: حبس النفس عن حظوظها الدنيوية رجاء للحظوظ الأخروية، فأمرهم - ~~صلى الله عليه وسلم - بذلك؛ لرضاه لهم - صلى الله عليه وسلم - بالأخرى على ~~الأولى؛ لعلمه وتحققه أنها خير من الأولى وأبقى؛ كما أخبر به - سبحانه ~~وتعالى - في القرآن العزيز عن صحف إبراهيم وموسى - صلى الله عليه وسلم -، ~~ولا شك أن الصبر من الدين بمنزلة الرأس من الجسد، والجميل منه: الذي لا ~~شكوى فيه ولا جزع، ومن لا يتعاطاه ويوصي به PageV02P826 # ويقبل الوصية به، فهو في خسر؛ كما أخبر الله - سبحانه وتعالى - في سورة: ~~والعصر، والله أعلم. # وفي هذا الحديث أحكام وآداب: # منها: أن للإمام صرف بعض الخمس على ما يراه من تفضيل الناس فيه، وأن يعطي ~~الواحد منه بكثير، وأنه يصرفه في مصالح المسلمين، وله أن يعطي الغني منه ~~لمصلحة. # ومنها: إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام منه. # ومنها: إقامة الحجة عند الحاجة إليها على الخصم. # ومنها: أن المؤمن إذا وجد في نفسه شيئا من فوات الدنيا، وتحدث به، لا ~~ينقصه، ولا يبطل ثوابه. # ومنها: استحباب الخطبة للإمام عند الأمر ms0545 يحدث، سواء كان الأمر خاصا بقوم، ~~أو عاما بالناس. # ومنها: تخصيص المخاطب بالنداء في الخطبة. # ومنها: تذكير العاتب على فوات الدنيا بنعم الله عليه الظاهرة والباطنة، ~~ومن جرت على يديه أو بسببه. # ومنها: الأدب مع الله تعالى في الألفاظ، وتنزيلها منازلها. # ومنها: التحضيض على طلب الهداية والألفة والغنى. # ومنها: أن المنة لله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - على الإطلاق. # ومنها: استعطاف العاتب، وتبيين الحجة لرد عتبه. # ومنها: وجوب مراعاة جانب الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وولاة ~~الأمور العادلين، وتقديمها على مصلحة نفس الإنسان؛ لما فيها من مصالح ~~الدنيا والدين. # ومنها: بيان فضل الأنصار ومرتبتهم على غيرهم من الناس. # ومنها: اتباع آثار أهل الفضل والإحسان والتحضيض عليه. PageV02P827 # ومنها: تقديم جانب الآخرة على جانب الدنيا. # ومنها: علم من إعلام النبوة؛ حيث إن الأنصار لم ينالوا رتبة من رتب ~~الدنيا وولاياتها. # ومنها: الأمر بالصبر عن حظوظ الدنيا وحطامها، وما استؤثر به منها، وادخار ~~ثواب ذلك للدار الآخرة، والله أعلم. # * * * PageV02P828 ### || AUTO باب صدقة الفطر ### ||| AUTO الحديث الأول # عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -، قال: فرض النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - صدقة الفطر -أو قال: رمضان- على الذكر والأنثى، والحر والمملوك: ~~صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، قال: فعدل الناس به نصف صاع من بر، على ~~الصغير والكبير. # وفي لفظ: أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة (¬1). # أما عبد الله بن عمر، فتقدم ذكره. # وأما قوله: "فرض"، فمعناه عند جمهور السلف والخلف من العلماء: أوجب ~~وألزم، وإن كان أصله في اللغة بمعنى قدر، لكنه نقل في عرف الاستعمال إلى ~~الوجوب، فالحمل عليه أولى؛ لأن ما اشتهر في الاستعمال، فالقصد إليه هو ~~الغالب، فحينئذ زكاة الفطر فرض واجب عندهم؛ لدخولها في عموم قوله تعالى: ~~{وءاتوا الزكاة} [البقرة: 43]، ولقوله: "فرض"، وهو غالب في استعمال الشرع ~~بهذا المعنى. # قال إسحاق بن راهويه: إيجاب زكاة الفطر بالإجماع. # وقال بعض أهل العراق، وبعض أصحاب مالك، وبعض أصحاب الشافعي، PageV02P829 # وداود في آخر أمره: إنها سنة ليست ms0546 واجبة؛ لأن فرض بمعنى قدر على سبيل ~~الندب، وقال أبو حنيفة: هي واجبة ليست فرضا، بناء على مذهبه في الفرق بين ~~الواجب والفرض. # قال القاضي عياض: وقال بعضهم: الفطرة منسوخة بالزكاة. # قال شيخنا أبو زكريا النواوي - رحمه الله -: هذا غلط صريح، والصواب أنها ~~فرض واجب (¬1). # وقوله: "صدقة الفطر، أو قال: رمضان" مقتضاه إضافة هذه الزكاة إلى الفطر ~~من رمضان، لا بغير وقت وجوبها؛ لعدم استلزام اللفظ ذلك، بل يقال: بالوجوب ~~من قوله: فرض، ويؤخذ وقت الوجوب من أمر آخر. # وقال ابن قتيبة: معنى صدقة الفطر؛ أي: صدقة النفوس، والفطرة أصل الخلقة ~~(¬2)، وهذا بعيد مردود؛ لقوله في "صحيح مسلم": "فرض النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - صدقة الفطر من رمضان". # واختلف العلماء في وقت وجوبها، فالصحيح من قول الشافعي: أنها تجب بغروب ~~الشمس، ودخول أول جزء من ليلة عيد الفطر، والثاني: تجب بطلوع الفجر ليلة ~~العيد، وقال بعض أصحابه: تجب بالغروب والطلوع معا، فإن ولد مولود بعد ~~الغروب، أو مات قبل الطلوع، لم تجب، وعن مالك روايتان كالقولين، وعند أبي ~~حنيفة: تجب بطلوع الفجر. # وسبب هذا الخلاف أن الشرع قد أضاف هذه الزكاة للفطر، وهل هو الفطر ~~المعتاد في سائر الشهر، فيكون الوجوب من وقت الغروب، أو الفطر المعتاد في ~~كل يوم فيكون من طلوع الشمس، أو المراد أول الفطر المأمور به يوم الفطر، ~~فيكون من طلوع الفجر؟ لكن لم أعلم أحدا قال بوجوبها عند طلوع الشمس يوم ~~الفطر، بل قال أصحاب الشافعي: الأولى أن تخرج يوم الفطر قبل صلاة العيد، PageV02P830 # وكان سبب الإخراج للفطرة أن صوم رمضان عبادة تطول ويشق التحرز فيها من ~~أمور تفوت كمالها، فجعل الشرع فيها كفارة مالية بدل النقص؛ كالهدي في الحج ~~والعمرة، وكذلك الفطرة؛ لما يكون في الصوم من لغو وغيره، وقد جاء في حديث ~~آخر: "أنها طهرة للصائم من اللغو والإثم" (¬1)، فإن قيل: فقد وجبت على من ~~لا إثم عليه ولا ذنب؛ كالصغير، والصالح المحقق الصلاح، والكافر الذي أسلم ~~قبل غروب الشمس بلحظة، قلنا: التعليل ms0547 بالتطهير لغالب الناس، كما أن القصر ~~في السفر جوز للمشقة، فلو وجد من لا مشقة عليه، فله القصر، وهو أفضل، أو هو ~~واجب عند بعضهم. # وأما الصاع: فهو مكيال معروف، وتقدم ذكره وضبطه في أبواب الطهارة، وخالف ~~فيه أبو حنيفة - رحمه الله -، وجعل الصاع ثمانية أرطال، واستدل مالك بنقل ~~الخلف عن السلف بالمدينة، وهو استدلال قوي صحيح في مثل هذا، ولما ناظر أبو ~~يوسف بحضرة الرشيد في هذه المسألة، رجع أبو يوسف إلى قوله لما استدل بما ~~ذكرناه. # وقوله: "فعدل الناس به نصف صاع من بر"، الضمير في (به) عائد على التمر، ~~ومعناه: أن معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه - كلم الناس على المنبر ~~فقال: إني أرى أن مدين من سمراء الشام تعدل صاعا من تمر، فأخذ الناس بذلك، ~~قال أبو سعيد الخدري: أما أنا، فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه أبدا ما عشت ~~(¬2)، وبه قال أبو حنيفة - رحمه الله - أنه يخرج نصف صاع من حنطة أو زبيب، ~~وخالفه الجمهور ومالك والشافعي، فقالوا: الواجب من ذلك صاع أيضا؛ لحديث أبي ~~سعيد الآتي بعد هذا: كنا نخرج زكاة الفطر في زمان PageV02P831 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صاعا من طعام، أو صاعا من شعير، أو ~~صاعا من تمر، أو صاعا من أقط، أو صاعا من زبيب. # والدلالة فيه من وجهين: # أحدهما: أن الطعام في عرف أهل الحجاز اسم للحنطة خاصة، لا سيما وقد قرنه ~~بباقي المذكورات. # الثاني: أنه ذكر أشياء قيمتها مختلفة، وأوجب في كل نوع منها صاعا، فدل ~~على أن المعتبر صاع، ولا نظر إلى قيمته، ووقع في رواية أبي داود: أو صاعا ~~من حنطة، قال: وليس بمحفوظ (¬1)، وليس للقائلين بنصف صاع حجة إلا حديث ~~معاوية، ولا يمكن أن يجعل إجماعا بقول الراوي: فعدل الناس فيه نصف صاع، على ~~هذا الحكم، ويقدم على خبر الواحد في حديث أبي سعيد؛ فإنه ملحق بالمرفوع إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا يخفى مثله عنه، ولا يذكره الراوي في ~~معرض الاحتجاج إلا ms0548 وهو مرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، مع أن ~~الإجماع وقع على إخراج صاع في غير الحنطة والزبيب؛ كيف والمروي عن معاوية ~~قول صحابي قد خالفه أبو سعيد وغيره ممن هو أطول صحبة منه وأعلم بأحوال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ وإذا اختلفت الصحابة به، لم يكن بعضهم أولى ~~من بعض، فيرجع إلى دليل آخر، وظاهر الأحاديث والقياس متفقة على اشتراط ~~الصاع من الحنطة كغيرها، فوجب اعتماده، وقد صرح معاوية بأنه رأي رآه، لا ~~أنه سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولو كان عند أحد من حاضري مجلسه ~~-مع كثرتهم تلك اللحظة- علم في موافقة معاوية عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، لذكره؛ كما جرى لهم في غير هذه القضية. # وقوله: "على الذكر والأنثى، والحر والمملوك"، مقتضى هذا اللفظ وجوب إخراج ~~الفطرة عن هؤلاء المذكورين، وإن كانت لفظة (على) تقتضي الوجوب عليهم نفسهم ~~ظاهرا، وقد اختلف الفقهاء في الذي يخرج عنهم، هل باشرهم الوجوب أولا، ~~والمخرج عندهم بتحمله، أو الوجوب بلا في المخرج أولا؟ PageV02P832 # وهما وجهان أو قولان في مذهب الشافعي، فمن قال بمباشرة الوجوب للمذكورين ~~أولا، أخذ بظاهر الحديث؛ حملا للفظة (على) مقتضاها ومن قال بلا في الوجوب ~~المخرج أولا، تأول لفظة (على) معنى (عن). # ثم قوله: "الذكر والأنثى" إلى آخره، يقتضي عموم الإخراج عن كل غني وفقير، ~~فمن تعلق الوجوب به، وهو كونه من المسلمين كما قيد في الصحيح، خلافا لأبي ~~حنيفة وأصحابه؛ حيث قالوا: لا يلزم من يحل له أخذها، وورد هذا الحديث لبيان ~~مقدار الفطرة، ومن تقدر عليه، ولم يتعرض فيه لبيان من يخرجها عن نفسه ممن ~~يخرجها عن غيره، بل يشمل الجميع؛ إذ قد ذكر فيهم الحر والمملوك، ولم يفرق ~~بين صغير وكبير، فأما الصغير، فلا خلاف عند من يقول: إنها تخرج بسببه أن ~~وليه هو الذي يخاطب بإخراجها؛ إذ الصبي لم يجر عليه بعد قلم التكليف، وأما ~~المملوك، فمذهب الجمهور أنه ليس مخاطبا بها؛ لأنه لا شيء له، ولو كان له ~~مال، فسيده ms0549 قادر على انتزاعه، خلافا لداود؛ فإنه أوجبها على المملوك؛ تمسكا ~~بلفظ المملوك المذكور في الحديث، وقال: على سيده أن يتركه قبل الفطر، ~~فيكتسب ذلك القدر، وليس له منعه من ذلك في تلك المدة، كما لا يمنعه من صلاة الفرض. # ثم إذا تنزلنا على قول في أنه لا يجب عليه شيء، فهل يخاطب السيد بإخراجها ~~عنه، أم لا؟ جمهورهم أيضا على أنه يجب ذلك عليه؛ لأنه يلزمه نفقته ومؤنته، ~~وهذه من جملة المؤن؛ فإن المخاطب بإخراجها المكلف الواجد لها حين الوجوب عن ~~نفسه وعمن تلزمه نفقته؛ بدليل ما رواه الدارقطني من حديث ابن عمر - رضي ~~الله عنهما - قال: أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بزكاة الفطر عن ~~الصغير والكبير، والحر والعبد ممن تمونون (¬1)، والذي في "صحيح مسلم" من ~~حديث PageV02P833 # أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: كنا نخرج إذ كان فينا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - زكاة الفطر عن كل صغير وكبير، حر ومملوك (¬1)، فصرح ~~فيه بأنهم كانوا مخاطبين بإخراج زكاة الفطر عن غيرهم، وذلك الغير لا بد أن ~~يكون بينه وبين المأمور بالإخراج ملابسة، وتلك الملابسة هي تكون مثل ~~الملابسة التي بين الصغير ووليه، والعبد وسيده، وهو القيام بما يحتاج إليه ~~كل واحد منهما من المؤن، والله أعلم. # قال القاضي عياض - رحمه الله -: واختلف في النوع المخرج، فأجمعوا على أنه ~~يجوز البر والزبيب والتمر والشعير، إلا خلافا في البر لا يعتد بخلافه، ~~وخلافا في الزبيب لبعض المتأخرين، وكلاهما مسبوق بالإجماع، مردود قوله به (¬2). # وأما الأقط: فأجازه مالك والجمهور، ومنعه الحسن، واختلف فيه قول الشافعي، ~~وقال أشهب: لا يخرج إلا هذه الخمسة، وقاس مالك على الخمسة كل ما هو عيش أهل ~~بلد من القطاني، وعن مالك قول آخر: أنه لا يجزئ غير المنصوص في الحديث، وما ~~في معناه، ولم يجز عامة العلماء إخراج القيمة، وأجازه أبو حنيفة، وقال ~~الشافعي: جنس الفطرة كل حب وجب فيه العشر، ويجزئ الأقط على الراجح، وهو ~~المذهب. # والأصح: أنه يتعين غالب قوت بلده، والثاني: ms0550 يتعين قوت نفسه، والثالث: ~~يتخير بينهما، فإن عدل عن الواجب إلى أعلى منه، أجزأه، وإن عدل إلى ما ~~دونه، لم يجزئه. # ثم ظاهر الحديث أنها لا تجب إلا على القرى والأمصار والبوادي والشعاب، ~~وكل مسلم حيث كان، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وجماعة ~~العلماء، وعن عطاء، والزهري، وربيعة، والليث: أنها PageV02P834 # لا تجب إلا على الأمصار والقرى دون البوادي. # وفي هذا الحديث فوائد وأحكام: # منها: وجوب صدقة الفطر، وتقدم اختلاف العلماء في وجوبها. # ومنها: جواز قول: رمضان، من غير إضافته إلى (شهر) من غير كراهة، واختلف ~~السلف في كراهته. # ومنها: وجوب الفطرة على الزوجة نفسها، ويلزم إخراجها من مالها؛ حيث قال: ~~على الأنثى، وهو مذهب الكوفيين، وقال مالك والشافعي والجمهور: يلزم الزوج ~~فطرة زوجته؛ لأنها تابعة للنفقة، وأجابوا عن الحديث ما أجابوا لداود في ~~فطرة العبد. # ومنها: من مفهومه لا من منطوقه أنها لا تخرج إلا عن مسلم، فلا تخرج عن ~~عبد وزوجة وولد ووالد كفار فقراء، وإن وجبت نفقتهم حيث يقول به، وهو قول ~~مالك، والشافعي، وجماهير العلماء، وقال الكوفيون، وإسحاق، وبعض السلف: تجب ~~عن العبد الكافر، وتأول الطحاوي قوله في بعض الأحاديث: من المسلمين، على أن ~~المراد به السادة دون العبيد، وهو مردود بظواهر الأحاديث. # ومنها: وجوب إخراج الصاع من كل نوع مخرج، وتقدم الكلام والاختلاف فيه. # ومنها: أنه لا يجوز تأخير الفطرة عن يوم العيد، وهو مذهب الشافعي ~~والجمهور، فلو أخرجها بالنية، وعينها لمستحقها، ولم يتفق له قبضها، جاز؛ ~~لأنها لم تؤخر عن يوم العيد في المعنى، نص على ذلك أصحاب الشافعي. # ومنها: أن الأفضل إخراجها قبل الخروج إلى المصلى، ويجوز إخراجها في جميع ~~رمضان؛ كتقديم الزكاة على الحول، والله أعلم. # ومنها: أن الاجتهاد والعمل به لا ينفذ مع وجود النص أو الظاهر المعمول ~~به؛ فإنه ترك اجتهاد معاوية في تعديل البر، وعمل بالنص، أو الظاهر الموصوف. PageV02P835 # وباقي فوائد الحديث وأحكامه تقدمت في الكلام على ألفاظه ومعانيه، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن أبي سعيد الخدري ms0551 - رضي الله عنه -، قال: كنا نعطيها في زمان رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - صاعا من طعام، أو صاعا من تمر، أو صاعا من أقط، أو ~~صاعا من زبيب، فلما جاء معاوية، وجاءت السمراء، قال: أرى مدا من هذا يعدل ~~مدين، قال أبو سعيد: أما أنا، فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه (¬1). # تقدم الكلام على هذا الحديث في الحديث قبله مبينا واضحا. # والأقط -بفتح الهمزة وكسر القاف، ويجوز إسكان القاف مع فتح الهمزة ~~وكسرها؛ كنظائره-، وهو لبن يابس غير منزوع الزبد. # والسمراء: هي الحنطة المحمولة من الشام. # وفي هذا الحديث دليل صريح في إجزاء الأقط في الفطرة، وإبطال القول من منعه. # وفيه دليل على أن فعل الشيء في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~حجة في فعله وتقريره؛ لأن الظاهر علمه - صلى الله عليه وسلم - به، كيف ~~والوحي كان ينزل؟ فلو كان فعل الشيء ممنوعا منه، لنزل الوحي بمنعه، كيف وما ~~يتعلق بشرع عام دائم؟ # وفيه دليل على أنه لا يجوز لمن علم النص أن يرجع إلى اجتهاد المجتهد من ~~العلماء، بل يجب على المجتهد الإقرار بالرأي، والتسليم للنص؛ كما ثبت من ~~معاوية - رضي الله عنه - في هذه المسألة لما بلغه حديث أبي سعيد هذا، قال: ~~إنه رأي رأيته؛ لأنه سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -. PageV02P836 # وفيه: الثبوت على السنة، والعمل بها، وعدم الرجوع إلى قول من رأى خلافها، ~~وإن طالت المدد، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "عضوا عليها بالنواجذ، ~~وإياكم ومحدثات الأمور" (¬1)، والله أعلم. # * * * PageV02P837 ### || CHECK [باب] ### | AUTO كتاب الصيام # الصيام والصوم في اللغة: الإمساك، وفي الشرع: إمساك مخصوص، في زمن مخصوص، ~~من شخص مخصوص. # واعلم أنه فرض صوم رمضان في السنة الثانية من الهجرة، فإن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - صام تسع رمضانات، وأن أكثرها تسعة وعشرون يوما، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الأول # عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين، إلا ms0552 رجلا كان يصوم صوما فليصمه" (¬1). # الكلام على هذا الحديث من وجوه: # أحدها: الرد على الروافض الذين يرون تقدم الصوم على الرؤية؛ فإن رمضان ~~اسم لما بين الهلالين، فإذا صام قبله يوما، فقد تقدم عليه. # الثاني: فيه تبيين لمعنى الحديث الذي فيه: "صوموا لرؤيته، وأفطروا ~~لرؤيته" (¬2)؛ PageV02P839 # فإن اللام في قوله: "لرؤيته" للتأقيت، لا للتعليل كما زعمت الروافض. # الثالث: فيه عدم النهي عن تقدم يوم أو يومين لرمضان بالصوم لمن له عادة ~~في غير شعبان أن يصوم أواخره، وسواء كانت عادته بنذر، أو تطوع؛ فإنه داخل ~~تحت قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إلا رجلا كان يصوم صوما فليصمه". # الرابع: يدخل تحت النهي صوم يوم الشك، وهو عبارة عن اليوم الذي يتحدث ~~برؤية الهلال من لا يقبل قوله؛ كالصبيان والعبيد، وقد اختلف السلف ممن صامه ~~تطوعا، وأوجب صومه عن رمضان: أحمد، وجماعة؛ بشرط أن يكون هناك غيم. # الخامس: فيه التصريح بالنهي عن إنشاء الصوم قبل رمضان بيوم أو يومين ~~بالتطوع، وهو نهي تحريم بلا شك، وهو الصحيح في مذهب الشافعي - رحمه الله -، ~~وليس قوله: "بيوم ولا يومين" للتخيير، بل هو لتبيين المنع من التقديم عليه ~~بالصوم، وأمد المنع فيه نصف شعبان، وهو مبين فيما رواه أبو داود، والترمذي، ~~والنسائي، وابن ماجه عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "إذا انتصف شعبان، فلا تصوموا"، قال الترمذي: حديث ~~حسن صحيح (¬1)، وهذا الحديث مقيد بالحديث المذكور: "إلا رجلا كان يصوم صوما ~~فليصمه"، وقد ضعف أحمد بن حنبل حديث المنع بعد نصف شعبان من الصوم، وقال: ~~هو منكر، وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث به، ولعل ذلك لتفرد العلاء بن ~~عبد الرحمن بروايته؛ فإن فيه مقالا عند بعض أئمة هذا الشان، لكنه وإن كان ~~كذلك، فقد حدث عنه الإمام مالك، مع شدة انتقاده للرجال، PageV02P840 # وتحريه في ذلك، وقد احتج به مسلم في "صحيحه"، وذكر له أحاديث كثيرة، فهو ~~على شرطه، فيجوز أن يكون ترك لأجل تفرده به، وإن كان ms0553 قد خرج في الصحيح ~~أحاديث تفرد بها رواتها، وكذلك نقل البخاري أيضا أحاديث تفرد بها رواتها، ~~لكن للحفاظ مذاهب في الرجال، كل واحد منهم فعل ما أدى إليه اجتهاده من ~~القبول والرد، وقد ذكر بعضهم في النهي عن تقدم رمضان وبعد نصف شعبان إنما ~~كان لأجل التقوي على صيام رمضان، والاستجمام، وهو بعيد، فإن ذلك إذا أضعف ~~عن رمضان، كان شعبان كله أولى بأن يضعف، وقد أجمع العلماء على جواز صومه ~~كله، بل على استحبابه، وقد روى أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن ~~أم سلمة - رضي الله عنها -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه لم يكن ~~يصوم من السنة شهرا تاما إلا شعبان يصله برمضان، قال الترمذي: حديث حسن ~~(¬1)، وقد ذكر بعضهم أن ظاهر حديث: "لا تقدموا رمضان بيوم ولا يومين" ~~متعارض؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - لرجل: "هل صمت من سرر شعبان شيئا"؟ ~~قال: لا، قال: "فإذا أفطرت، فصم يوما"، وفي رواية: "يومين"، وهو حديث صحيح ~~رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود من رواية عمران بن حصين (¬2)، والمراد بسرر ~~شعبان: آخره؛ لأن الهلال يستسر آخر الشهر ليلة أو ليلتين، وجمع بينهما بأن ~~الرجل كان قد أوجب على نفسه صيام آخر الشهر بنذر، فأمره - صلى الله عليه ~~وسلم - بالوفاء به، أو كان الصوم آخر الشهر عادة له، فتركه لاستقبال رمضان ~~لأجل النهي عن تقدمه، فاستحب له النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقضيه؛ ~~لكونه عادة له، وقال بعضهم: بل قوله: "هل صمت من سرر شعبان؟ " سؤال زجر ~~وإنكار؛ لأنه قد نهى عن تقدم رمضان بيوم أو يومين، فلا يكون بينهما معارضة، ~~والله أعلم. PageV02P841 # قلت: وإن أريد بسرر شهر شعبان أوله، على ما ذكره بعضهم أن سرر الشهر: ~~أوله، فلا تعارض بين الحديثين -أيضا-، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -، قال: سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: "إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم ~~عليكم، فأقدروا له" (¬1). # قوله: "فإن غم ms0554 عليكم" معناه: حال بينكم وبينه غيم، يقال: غم وأغمي وغمي ~~وغمي -بتشديد الميم وتخفيفها، والغين مضمومة فيهما-، ويقال: غبي -بفتح ~~الغين وكسر الباء-، وكلها لغات صحيحة، وقد غامت السماء وغيمت وأغامت وتغيمت ~~وأغتمت (¬2). # وقوله: "فاقدروا له" قال أهل اللغة: يقال: قدرت الشيء أقدره وأقدره ~~وقدرته وأقدرته بمعنى واحد، وهو من التقدير (¬3)، ومنه قوله تعالى: {فقدرنا ~~فنعم القادرون} [المرسلات:23]، واختلف العلماء في معناه في الحديث، فقال ~~مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وجمهور السلف والخلف: معناه: قدروا له تمام ~~العدد ثلاثين يوما، وتؤيده الروايات: "فعدوا ثلاثين"، "فاقدروا ثلاثين"، ~~"فصوموا ثلاثين يوما"، "فأكملوا العدد"، كل ذلك في "صحيح مسلم" (¬4)، وفي ~~رواية PageV02P842 # للبخاري: "فأكملوا عدة شعبان ثلاثين" (¬1)، وقال أحمد بن حنبل وطائفة: ~~معناه: ضيقوا له؛ أي: قدروه تحت السحاب، ولهذا جوز صوم ليلة الغيم عن رمضان. # لكن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فصوموا ثلاثين، وأكملوا عدة شعبان ~~ثلاثين" يدلان على عدم التقدير لشعبان دون رمضان، ولا عكسه، بل لهما، ~~فالتخصيص بأحدهما من غير مخصص خلف. # وقال ابن مطرف بن عبد الله، وابن سريج، وابن قتيبة، وآخرون من المالكية ~~وغيرهم: معناه: قدروه بحساب المنازل الذي يراه المنجمون، وهو ضعيف جدا؛ لأن ~~الناس لو كلفوا به، ضاق عليهم؛ فإن ذلك لا يعرفه إلا أفراد الناس، والشرع ~~إنما يعرف إليهم بما يعرفه جماهيرهم. # قال شيخنا القاضي أبو الفتح بن دقيق العيد - رحمه الله - لا يجوز أن ~~يعتمد عليه في الصوم بمفارقة القمر للشمس على ما يراه المنجمون من تقدم ~~الشهر بالحساب على الشهر بالرؤية بيوم أو يومين؛ فإن ذلك إحداث لسبب لم ~~يشرعه الله تعالى، وأما إذا دل الحساب على أن الهلال قد طلع من الأفق على ~~وجه يرى لولا وجود المانع؛ كالغيم مثلا، فهذا يقتضي الوجوب؛ لوجود السبب ~~الشرعي، وليس حقيقة الرؤيا مشترطة في اللزوم؛ فإن الاتفاق على أن المحبوس ~~في المطمورة إذا علم أن اليوم من رمضان، وجب عليه الصوم، وإن لم ير الهلال، ~~ولا أخبره من رآه، هذا آخر كلامه، والله أعلم (¬2). # وفي هذا الحديث ms0555 فوائد: # منها: دلالة على تعليق الحكم بالرؤية، ولا يراد بها رؤية كل فرد من ~~الأفراد، بل مطلق الرؤية، أما في أول شهر رمضان، فتكفي رؤية عدل -على PageV02P843 # أصح الوجهين- لجميع الناس، وأما في الفطر، فلا بد من رؤية عدلين، عند ~~جميع العلماء، وقال أبو ثور: يجوز الفطر برؤية عدل -أيضا-. # ومنها: وجوب الصوم والفطر على منفرد رأى الهلال في رمضان أو شوال، لكن ~~قال العلماء: يفطر سرا؛ لئلا يساء الظن به. # ومنها: أنه لا يجوز صوم الشك، ولا صوم يوم الثلاثين من شعبان عن رمضان ~~إذا كانت ليلة الثلاثين ليلة غيم، وقد روى أبو داود بإسناد كل رجاله محتج ~~بهم في "الصحيحين" على الاتفاق والانفراد عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ~~كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ~~ثم يصومه لرؤية رمضان، فإن غم عليه، عد ثلاثين يوما، ثم صام، ورواه ~~الدارقطني، وقال: هذا إسناد صحيح (¬1). # ومنها: أنه قد يستدل به على أن حكم الرؤية ببلد لا يتعدى إلى بلد آخر؛ ~~لأنه إذا فرض أنه رئي الهلال ببلد في ليلة، ولم ير في تلك الليلة بآخر، ~~فيكمل ثلاثين يوما لرؤية الأولى، ولم ير بالبلد الآخر، فهل يفطرون أم لا؟ ~~فمن قال: يتعدى الحكم على أحد الوجهين في المسألة، لم يجز لهم الإفطار، وقد ~~وقعت المسألة في زمان ابن عباس، وقال: لا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين، أو ~~نراه، وقال: هكذا أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويمكن أنه أراد ~~بذلك هذا الحديث العام، وهو قوله: "أفطروا لرؤيته"، أو لأنه شهادة واحد لم ~~يثبت به إلا حديثا خاصا بهذه المسألة، وهو الظاهر، والله أعلم. # ومنها: أنه استدل لمن قال بالعمل بالحساب في الصوم بقوله: "فاقدروا له"؛ ~~حيث إنه أمر يقتضي التقدير، وتأوله غيرهم بأن المراد كمال العدد ثلاثين كما ~~بيناه، والله أعلم. PageV02P844 ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "تسحروا؛ فإن في ms0556 السحور بركة" (¬1). # أما السحور: فرووه بفتح السين وضمها، فالمفتوح: اسم للمأكول، والمضموم: ~~اسم للفعل، واختار بعضهم أن يكون اسما للفعل بالوجهين (¬2). # والبركة: النماء والزيادة، والتي في السحور يجوز أن تكون راجعة إلى أمور ~~أخروية؛ من متابعة السنة في الفعل، وقد يحصل له بسببه ذكر ودعاء ووضوء ~~وصلاة واستغفار في وقت شريف تنزل فيه الرحمة، ويستجاب الدعاء، وقد يدوم ذلك ~~حتى يطلع الفجر، وكل ذلك سبب لمزيد الأجور، ويجوز أن تكون راجعة إلى أمور ~~دنيوية؛ من التقوية على الصيام، والتنشيط له، ويحصل له بسببه الرغبة في ~~الازدياد من الصوم؛ لخفة المشقة على فاعله، فيجوز أن يضاف إلى كل واحد من ~~الفعل والمتسحر به معا، ومما أوجب الأمر به المخالفة لأهل الكتاب؛ فإن ~~السحور عندهم ممتنع، وذلك أحد الوجوه المقتضية للزيادة في الأمور الأخروية، ~~وقد أجمع العلماء على استحباب السحور، وأنه ليس بواجب، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن أنس بن مالك، عن زيد بن ثابت - رضي الله عنهما - قال: تسحرنا مع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم قام إلى الصلاة، قال أنس: قلت لزيد: كم ~~كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية (¬3). PageV02P845 # أما زيد بن ثابت، وأنس، فتقدم الكلام عليهما. # الظاهر أن المراد بالأذان هنا: الأذان الثاني، ولو فرض الأول، لما كان ~~بينهما زمن طويل كما تقدم في باب الأذان من حديث ابن عمر مرفوعا: "إن بلالا ~~يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم" (¬1)، وثبت في الصحيح أنه ~~لم يكن بين أذان بلال وابن أم مكتوم في الصوم إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا ~~(¬2)، ومعلوم أن الصعود والنزول زمنه يسير، وإنما أخروا السحور؛ لأنه أقرب ~~إلى حصول المقصود من التقوي، وأبلغ في مخالفة أهل الكتاب، وقد تكلم ~~المتصوفون وأهل الباطن على معنى ما ذكرنا من تأخير السحور بكلام لا تحل ~~حكايته إلا لبيان بطلانه، وهو: أن معنى الصوم وحكمته إنما هو كسر شهوة ~~البطن والفرج، فمن لم تتغير عليه عادته في مقدار أكله، لا يحصل له بالسحور ms0557 ~~المقصود من الصوم، وهو كسر الشهوتين، فلا يفعل، والصواب: أن ذلك يختلف ~~باختلاف أحوال الناس ومقاصدهم ومقدار ما يتعلمونه من السحور، فما زاد في ~~المقدار على مقصود الشرع وحكمته حتى يعدم كل واحد منهما بالكلية؛ كعادة ~~المترفين في التأنق في المأكل والاستعداد بهما، فلا يستحب، وما لا يزيد فيه ~~عليهما، فهو مستحب، وقد يحصل لبعض الناس بسببه إذا خالفوا مقصود الشرع تخمة ~~وجشاء منتن وكسل وتخبيث نفس، وما ذلك إلا للجهل بالشرع ومقصوده وحكمته، ~~ومجاوزة الحد فيه، والله أعلم. # وقوله: "قال: قدر خمسين آية"، معناه: بينهما قدر قراءة خمسين آية، أو أن ~~يقرأ خمسين، والله أعلم. # وفي هذا الحديث دليل على استحباب السحور، وتأخيره إلى قبل طلوع الفجر ~~الثاني. PageV02P846 # وفيه دليل على تتبع السنن، ومعرفة أوقاتها، والمحافظة عليها. # وفيه دليل على أن أفعاله - صلى الله عليه وسلم - سنن عامة؛ كأقواله، ~~وأنها شرع، ويحرم تقديم الأذان الثاني في رمضان على طلوع الفجر الثاني؛ لما ~~يلزم منه من تحريم الأكل المحلل المشروع على الناس، وما كان وسيلة إلى ~~الحرام، فهو حرام، بل إن اعتقد معتقد حل تقديمه إذا أوهم طلوع الفجر الثاني ~~وتحريم السحور لا لمقصود شرعي، فهو كفر، والله أعلم، ولو فعل ذلك احتياطا ~~للصوم مع الاجتهاد التام في تحرير معرفة طلوعه، وخشي طلوعه من غير علمه ~~لغيم أو تقصير فيه، فلا بأس به إذا لم يفحش، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الخامس # عن عائشة وأم سلمة - رضي الله عنهما -: أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم (¬1). # تقدم الكلام على عائشة وأم سلمة - رضي الله عنهما -. # المقصود من ذكر هذا الحديث: الدلالة على صحة صوم الجنب، سواء كان من ~~احتلام، أو جماع، وكان فيه اختلاف بين الصحابة والتابعين، فذهب أبو هريرة ~~إلى أنه: من أدركه الصبح جنبا، فلا يصم، ورواه عن الفضل بن عباس، وأسامة بن ~~زيد، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ورواه مالك، وقال: أفطر، فلما بلغه ~~حديث عائشة وأم ms0558 سلمة، رجع إليه، وترك حديث الفضل، ورآه منسوخا؛ لأنه في أول ~~الأمر حين كان الجماع محرما في الليل بعد النوم، كما كان الطعام والشراب ~~محرما، ثم نسخ ذلك، ولم يعلمه أبو هريرة، فكان يفتي بما علمه حتى بلغه ~~الناسخ، فرجع إليه، وهذا أحسن ما قيل فيه، ولذلك يقال جوابا عمن قال به بعد ~~أن بلغهم ورجعوا، قال طاوس، وعروة، والنخعي: إن علم بجنابته، لم يصح، PageV02P847 # وإلا، فيصح، وحكي مثله عن أبي هريرة، وحكي أيضا عن الحسن البصري والنخعي: ~~أنه يجزئه في صوم التطوع دون الفرض، وحكي عن سالم بن عبد الله، والحسين بن ~~صالح: أنه يصومه ويقضيه، ثم ارتفع الخلاف، ووقع الإجماع على صحة صوم الجنب، ~~مع أنه قد قيل: إن أبا هريرة لم يرجع عن قوله بعدم صحة صوم الجنب، لكن ~~الصحيح رجوعه، كيف والحديث بصحة صوم الجنب موافق للقرآن العزيز؛ فإن الله ~~تعالى أباح الأكل والمباشرة إلى طلوع الفجر، قال الله تعالى: {فالآن ~~باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض ~~من الخيط الأسود من الفجر} [البقرة: 187]، والمراد بالمباشرة: الجماع ~~إجماعا، ولهذا قال تعالى: {وابتغوا ما كتب الله لكم} [البقرة:187]، فاقتضى ~~ذلك جواز الجماع إلى طلوع الفجر، ولزم منه أن يصبح جنبا، ويصح صومه؛ لقوله ~~تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187]، فلما أتم الصوم، وأبيح ~~الجماع في ليلة الصوم مطلقا إلى الوقت المقارن لطلوع الفجر، لزم الإصباح ~~جنبا، وإذا دل القرآن وفعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - على جواز الصوم ~~لمن أصبح جنبا، وجب المصير إليه، وصار ناسخا لما قبله. # وقد أجيب عن حديث الفضل وأسامة على تقدير عدم نسخه بأنه إرشاد إلى الأفضل ~~أنه يغتسل قبل الفجر، ولو خالف، جاز، وهذا جواب أصحاب الشافعي عن الحديث، ~~ومذهبهم في حكم المسألة، فإن قيل: كيف يكون الاغتسال أفضل، وهذا الحديث ~~الصحيح على خلافه؟ فالجواب أنه - صلى الله عليه وسلم - فعله لبيان الجواز، ~~وفعله - صلى الله عليه وسلم - الشيء بيانا لجوازه أفضل في حقه؛ ms0559 حيث إنه ~~مأمور بالبيان؛ كما توضأ - صلى الله عليه وسلم - مرة مرة، وطاف على البعير، ~~مع أن الوضوء ثلاثا والطواف ماشيا أفضل؛ لأنه المتكرر من فعله - صلى الله ~~عليه وسلم -، ونظائر ذلك كثيرة. # وهذا الكلام راجع إلى مسألة أصولية، وهي أن الوجوب إذا نسخ هل ببقى ~~الاستحباب؟ الصحيح بقاؤه، فالاغتسال قبل الفجر في الصوم للجنب كان واجبا، ~~فلما نسخ، بقي استحبابه. والله أعلم. PageV02P848 # ومنهم من حمل حديث الفضل وأسامة على من أدركه الفجر مجامعا، فاستدام بعده ~~عالما، فإنه يفطر، ولا صوم له، وهو بعيد من حيث تسمية المجامع حال جماعه ~~عرفا جنبا، والله أعلم. # وقولهما: "من أهله" فيه حذف لمضاف تقديره: من جماع أهله، وإنما ذكرتا ذلك ~~لإزالة اللبس وزيادة الإيضاح؛ حيث يقع في الذهن احتمال الاحتلام في النوم؛ ~~فإنه على غير اختيار من الجنب، فيكون سببا للرخصة، بخلاف جنابة المجامع، ~~ففي ذلك دليل على جواز الاحتلام من الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم -، ~~ولا يلزم من الاحتلام أن يكون في حقهم من تلاعب الشيطان؛ حيث يكون فيضا ~~مجردا، أو في محل حلال؛ فإن الأنبياء - صلى الله عليهم وسلم - منزهون من ~~تلاعب الشيطان، والله أعلم. # وهذا المذكور في الحديث حكم الجنب، سواء كان رجلا أو امرأة، وأما الحائض ~~والنفساء إذا انقطع دمهما في الليل، ثم طلع الفجر قبل اغتسالهما، صح ~~صومهما، ووجب عليهما إتمامه، سواء تركتا الغسل عمدا، أو سهوا، بعذر، أو ~~غيره؛ كالجنب، وهذا مذهب العلماء كافة، وفي مذهب مالك في وجوب القضاء ~~عليهما قولان، فعلى أحد قوليه، في وجوب القضاء: يلزم عنه عدم صحة صومهما؛ ~~لأن القضاء فعل الشيء خارج الوقت لنوع من الخلل الواقع في الوقت، ولم يكن ~~ثم خلل إلا عدم اغتسالهما قبل طلوع الفجر، وهذا قول ضعيف مخالف لقول ~~العلماء، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث السادس # عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: ~~"من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه" (¬1). PageV02P849 # اختلف الفقهاء في أكل الناسي ms0560 للصوم وشربه: هل يفطر به، أم لا؟ فقال ~~الشافعي، وأبو حنيفة، وداود، وآخرون: لا يفطر، ويصح صومه، وذهب ربيعة، ~~ومالك: إلى فساد الصوم، وإيجاب القضاء، ولا كفارة، وهو القياس؛ حيث فات ركن ~~الصوم، وهو من باب المأمورات، لكن هذا الحديث وما في معناه يدل على عدم ~~وجوب القضاء؛ فإنه أمر بالإتمام، ولا يسمى متما إلا من صام شرعا لا صورة، ~~فالإتمام متفق عليه، لكن هل يوجب عدم القضاء أم لا؟ وهو راجع إلى أن اللفظ ~~إذا دار بين حمله على المعنى اللغوي أو الشرعي، فحمله على الشرعي أولى، إلا ~~أن يكون دليل خارج يقوى به اللغوي، فيعمل به، ومما يدل على صحة حمل اللفظ ~~على المعنى الشرعي قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإنما أطعمه الله وسقاه"؛ ~~فإن فيه إشعارا بصحة الصوم؛ حيث إن الأكل والشرب وما في معناهما ناسيا فعل ~~صادر من فاعله، مسلوب الإضافة إليه، والحكم بالفطر يلزمه الإضافة إليه، ~~أجاب الذين قالوا بالإفطار: بأن المراد بالحديث عدم الإثم في الفعل ~~والمؤاخذة به، وتعليق الحكم بالأكل والشرب لا يقتضي من حيث هو مخالفة غيره ~~له؛ فإنه تعليق للحكم باللقب، فلا يدل على نفي الحكم [عما] عداه، أو لأنه ~~تعليق للحكم بالغالب؛ فإن نسيان الجماع نادر بالنسبة إليه، والتخصيص ~~بالغالب لا يقتضي مفهوما. # وأما الجماع في الصوم ناسيا: فحكمه حكم الأكل والشرب ناسيا: أنه لا يفطر، ~~والخلاف فيه كالخلاف فيهما، لكنه لا كفارة فيه عند من قال بإفساد الصوم به، ~~وقال عطاء، والأوزاعي، والليث: يجب القضاء في الجماع دون الأكل، وقال أحمد: ~~يجب في الجماع القضاء والكفارة، ولا شيء في الأكل والشرب. # والكلام في الجماع في الصوم ناسيا مفرع على أن أكل الناسي لا يوجب ~~القضاء، مع اتفاقهم على أنه لا يوجب الكفارة، أما من قال بإفساد جماع ~~الناسي PageV02P850 # له، فإنهم اختلفوا في وجوب الكفارة، ومدار جميعهم في دليلهم على الإفساد ~~والكفارة قصور حالة المجامع ناسيا عن غيره فيما يتعلق بالعذر بالنسيان، فمن ~~أراد إلحاق المجامع بالمنصوص عليه، فإنما طريقه ms0561 القياس، والقياس مع الفارق ~~متعذر، إلا إذا بين القائس أن الوصف الفارق ملغى. # ثم إن أصحاب الشافعي - رحمهم الله تعالى - اتفقوا على أن الأكل والشرب ~~القليل ناسيا لا يفطر، واختلفوا في الكثير على وجهين: أصحهما عند الأكثرين ~~منهم: لا يفطر؛ لإطلاق قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من أكل أو شرب ناسيا ~~من غير تقييد بكثرة أو قلة، وقياسا على الجاهل بكون الأكل مفطرا؛ بأن كان ~~قريب عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية، وكان يجهل مثل هذا؛ فإن صومه لا يبطل ~~اتفاقا، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث السابع # عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال: بينما نحن جلوس عند النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله! هلكت، قال: "ما لك؟ "، ~~قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم -وفي رواية: أصبت أهلي في رمضان-، فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "هل تجد رقبة تعتقها؟ "، قال: لا، قال: ~~"فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ "، قال: لا، قال: "فهل تجد إطعام ستين ~~مسكينا؟ "، قال: لا، فمكث النبي - صلى الله عليه وسلم -، فبينما نحن على ~~ذلك، أتي النبي - صلى الله عليه وسلم - بعرق فيه تمر، والعرق: المكتل، فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أين السائل؟ "، قال: أنا، قال: "خذ هذا ~~فتصدق به"، فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟! فوالله ما بين ~~لابتيها -يريد: الحرتين- أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - حتى بدت أنيابه، ثم قال: "أطعمه أهلك" (¬1). PageV02P851 # أما الرجل المجامع، فهو مبهم في الروايات كلها، لا أعلم تسميته في رواية ~~ولا نقل. # وقوله: "يا رسول الله! هلكت"؛ أي: وقعت في الإثم والمخالفة بفعل ما حرم ~~علي فعله في الصوم، وهو الجماع فيه، وفي لفظ لمسلم: "وطئت امرأتي في رمضان ~~نهارا"، ورواه مسلم، وأبو داود في "سننه": أنه قال: "يا رسول الله! احترقت" ~~(¬1)، وروي في بعض طرق الحديث الضعيفة: "هلكت وأهلكت" (¬2)، واستدل بها ~~بعضهم على مشاركة المرأة إياه في الجناية، واتفق الحفاظ على ضعفها، وأنها ~~غير ms0562 محفوظة، وبينوا من رواها ومن دخلت عليه، وضعفوه، والله أعلم. # قوله: "أتي النبي - صلى الله عليه وسلم - بعرق فيه تمر"، العرق -بفتح ~~العين والراء- في الرواية واللغة، وروي بإسكان الراء، وهو غلط أو ضعيف، وقد ~~فسره في الحديث: المكتل، وهو: بكسر الميم وفتح التاء المثناة فوق-، ويقال ~~للعرق: الزبيل -بفتح الزاي من غير نون-، والزنبيل -بكسر الزاي وزيادة نون-، ~~قال ابن دريد: سمي زبيلا؛ لأنه يحمل فيه الزبل، ويقال له: القفة، والسفيفة ~~-بفتح السين المهملة وبالفاءين-، والفرق عند الفقهاء: ما يسع خمسة عشر ~~صاعا، وهي ستون مدا، لستين مسكينا، لكل مسكين مد (¬3). # قوله: "فوالله ما بين لابتيها"، اللابتان: الحرتان، والمدينة بين حرتين، ~~والحرة: الأرض الملبسة حجارة سوداء إذا كانت بين جبلين، ويقال: لابة، PageV02P852 # ولوبة، ونوبة، حكاهن أبو عبيد، والجوهري، ومن لا يحصى من أهل اللغة، ~~قالوا: ومنه قيل للأسود: لوبي، ونوبي -باللام والنون-، قالوا: وجمع اللابة: ~~لوب، ولاب، ولابات، وهي غير مهموزة (¬1). # قوله: "أهل بيت أفقر من أهل بيتي"، أفقر مرفوع نعت لأهل بيت. # وقوله: "حتى بدت أنيابه"، الأنباب: جمع ناب، وهي الأسنان التي خلف ~~الرباعية، وضحكه - صلى الله عليه وسلم - يحتمل التعجب من حال السائل ~~وتبيانه؛ حيث كان أولا محترقا، هالكا، متلهفا، حاكما على نفسه بذلك، ثم ~~انتقل إلى طلب الطعام لنفسه وعياله، ويحتمل أنه من رحمته - صلى الله عليه ~~وسلم - به، وشفقته عليه، وإطعامه هذا الطعام بعد أن أمره بإخراجه، وإحلاله له. # وفي هذا الحديث أحكام كثيرة: # منها: وجوب السؤال عن علم ما يفعله الإنسان مخالفا للشريعة. # ومنها: الخوف من سوء عاقبته. # ومنها: جواز إظهار المعصية لمن يرجو منه تخليصه من إثمها وعاقبتها. # ومنها: عدم تعزيره عليها مع وجوب الكفارة إذا فعلها جاهلا، وكانت لا حد ~~فيها، خصوصا إذا جاء مستفتيا؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعاقبه، ~~مع اعترافه بالمعصية، لكنه باعترافه بها يقتضي أن يكون فعله إياها كان وهو ~~عالم بأنها معصية، لا جاهل؛ فإن مجيئه مستفتيا معترفا بالهلاك يقتضي العلم ~~والندم والتوبة، والتعزير استصلاح، ولا ms0563 استصلاح مع الصلاح؛ فإنه لو عزرنا ~~كل من جاء يستفتي عن مخالفة، أدى ذلك إلى ترك الاستفتاء من الناس عند ~~وقوعهم في المخالفات والخروج منها، وذلك مفسدة عظيمة يجب دفعها، كيف ~~والمفتي في زماننا لم تكن إليه إقامة التعزيرات، مع أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كان هو الحاكم والإمام PageV02P853 # والمفتي والمشرع، ولم يقم عليه التعزير بقول ولا فعل. # قال البغوي في "شرح السنة" (¬1): وأجمعت الأمة على أن [من] جامع متعمدا ~~في نهار رمضان يفسد صومه، وعليه القضاء، ويعزر على سوء صنعه. # قال بعض أصحاب الشافعي: ومن جامع امرأته حائضا، وقلنا: يكفر، عزر بلا ~~خلاف، وقد ذكر بعض أصحاب الشافعي فيما يجب التعزير فيه مع وجوب الكفارة، ~~قال: وفي المجامع في رمضان، وفي الظهار والقبل وجهان: أحدهما: لا يجب؛ لما ~~ذكرنا، وأرجحهما عندهم: الوجوب، قالوا: لأن الكفارة إنما وجبت لانتهاك حرمة ~~الوقت، ولقول الزور، وفوات الروح، والتعزير يجب لحق الله تعالى في الرحم ~~والمخالفة، والله أعلم. # ومنها: استعمال الكنايات فيما يستقبح ظهوره بصريح لفظه؛ كالمواقعة ~~والإصابة ونحوهما عن النكاح النيك. # ومنها: وجوب الكفارة بإفطار المجامع عامدا، وهو مذهب جميع العلماء سوى من ~~شذ منهم، وقالوا: لا تجب، وهو قول للشافعي ضعيف، قال: لأنها لو وجبت، لما ~~سقطت بالإعسار، قلنا: قولكم: سقطت بالإعسار يقتضي تقدم وجوب حتى يقتضى ~~السقوط، وإلا لما صح السقوط الذي هو بمعنى الخروج، كيف والأصل والقياس ~~الوجوب، والمسبب لا يبطل السبب؛ فإن الإعسار مسبب، والوطء في رمضان سبب، ~~والوجوب إنما يسقط للاستحالة أو المشقة، ولا استحالة ولا مشقة؛ فإن ~~المطالبة بالكفارة إنما يكون عند القدرة، ومع الإعسار لا قدرة، فحينئذ لا ~~يرفع الإعسار الوجوب من غير معارض سائغ. # فإن قيل: سقطت بمقارنة الإعسار؛ لأنها لم تؤد، ولا أعلم النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنها تبقى في الذمة، فإنها لو بقيت، لأعلم به - صلى الله عليه ~~وسلم -، كيف والبيان واجب عليه - صلى الله عليه وسلم -؟ # فالجواب: أن الحديث دل على استقرار الكفارة؛ بدليل إخبار السائل بالعجز ~~عن العتق ms0564 والصيام والإطعام، ومجيء العرق وإعطائه إياه؛ ليخرجه كفارة، فلو PageV02P854 # لم تجب، لما أمره بإخراجها، ولو سقطت بالعجز، لم يكن عليه شيء، فدل على ~~ثبوتها في ذمته، وإذنه له بإطعام عياله للاضطرار وإزالته تجب على الفور، ~~والكفارة لا تجب على الفور، بل على التراخي، خصوصا في هذا الحال، وهي صدقة، ~~وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى" (¬1)، فلم ~~يكن له أن يتصدق على غيره، وتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز عند جماهير ~~الأصوليين، والله أعلم. # ولو جامع ناسيا، فهل يفطر، وتجب عليه الكفارة، أم لا يفطر، ولا تجب، أم ~~يجب القضاء والإمساك ولا كفارة؛ ثلاثة مذاهب تقدم ذكرها في الحديث قبله، ~~والصحيح عند الشافعي: أنه لا يفطر، ولا كفارة؛ كالأكل ناسيا، واحتج من قال ~~بوجوبها بأنه حكم ورد على جواب سؤال من غير استفصال عن عمد أو نسيان، فنزل ~~منزلة العموم؛ لأن الحكم من الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذا ورد عقب ذكر ~~واقعة محتملة لأحوال مختلفة الحكم، كان حمله على العموم أولى؛ حملا على ~~الفوائد المتكثرة، والجواب عن ذلك: بأن حالة النسيان في حق هذا السائل ~~بعيدة جدا بالنسبة إلى الجماع، ومحاولة مقدماته، وطول زمانه، وعدم اعتياده ~~في كل وقت، فلم يحتج إلى الاستفصال بناء على الظاهر، وقد قال: هلكت، فإنه ~~يشعر بتعمده ظاهرا، ومعرفته بالتحريم، والله أعلم. # ومنها: جريان وجوب العتق ثم الصوم ثم الإطعام مرتبا لا مخيرا، وهو قول ~~جميع العلماء، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" (¬2)، ولا يعرف عن مالك في ~~ذلك غير الإطعام وعدم جريان العتق والصوم في كفارة المفطر. # قال شيخنا الإمام أبو الفتح بن دقيق العيد - رحمه الله -: وهي معضلة زبآء ~~ذات وبر، يهتدى إلى ترويجها مع مصادمتها الحديث. PageV02P855 # غير أن بعض المحققين من أصحابه حمل هذا اللفظ وتأوله على الاستحباب في ~~تقديم الطعام على غيره من الخصال، وذكروا وجوها في ترجيح الطعام على غيره، ~~منها: أن الله تعالى ذكره في القرآن رخصة للقادر؛ يعني: في قوله تعالى: ms0565 ~~{وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} [البقرة: 184]، ونسخ هذا الحكم لا ~~يلزم منه نسخ الفضيلة بالذكر والتعيين للإطعام لاختيار الله تعالى له في حق الفطر. # ومنها: جريان حكمه في حق من أخر قضاء رمضان حتى دخل رمضان ثان. # ومنها: مناسبة إيجاب الإطعام لجبر فوات الصوم الذي هو إمساك عن الطعام ~~والشراب، وهذه الوجوه لا تقاوم ما دل عليه الحديث من البداءة بالعتق ثم ~~الصوم، ثم بالإطعام، فإن هذه البداءة إن لم تقتض وجوب الترتيب، فلا أقل من ~~أن تقتضي استحبابه، وقد وافق بعض أصحاب مالك على استحباب الترتيب على ما ~~جاء في الحديث، وبعضهم قال: إن الكفارة تختلف باختلاف الأوقات، ففي وقت ~~الشدائد تكون بالإطعام، وبعضهم فرق بين الإفطار بالجماع والإفطار بغيره: ~~يكفر بالإطعام لا غير، وهذا أقرب مخالفة للنص من الأول. # أما ترتيبها والتخيير فيها، فقد اختلف فيه مالك والشافعي، فقال مالك: ~~إنها على التخيير، ومذهب الشافعي أنها على الترتيب، وبه قال أصحاب مالك، ~~واستدل على الترتيب في الوجوب بالترتيب في السؤال بأن قوله أولا: "هل تجد ~~رقبة تعتقها؟ "، ثم رتب الصوم بعد العتق، ثم الإطعام بعده. # ونازع القاضي عياض في ظهور دلالة الترتيب في السؤال على ذلك، وقال: مثل ~~هذا قد يستعمل في التخيير، وقال: فيدل على الأولوية مع التخيير، وهو غير ~~مسلم؛ فإن ذكر هذه الأشياء الثلاثة مرتبة في معرض البيان والسؤال بمنزلة ~~الشرط للحكم، ومقتضى ذلك الترتيب لا التخيير، والله أعلم. # ومنها: أن إطلاق الرقبة يدل على جواز إعتاق الرقبة الكافرة في الكفارة، ~~وهو قول أبي حنيفة وغيره، وقال الشافعي: لا يجوز إلا رقبة مؤمنة؛ حملا PageV02P856 # للمطلق على المقيد، وأبو حنيفة يحمل المقيد على المطلق، فمن يشترط ~~الإيمان فيها، يقيد الإطلاق هاهنا بالتعيين به في كفارة القتل. # وهذا الحكم مبني على أن السبب إذا اختلف واتحد الحكم، هل يتقيد المطلق أم ~~لا؟ وإذا قيد، فهل هو بالقياس أم لا؟ والمسألة مشهورة في أصول الفقه، لكن ~~الأقرب أنه قيد بالقياس، والله أعلم. # ثم شرط الرقبة أن تكون ms0566 سليمة من العيوب التي تضر بالعمل إضرارا بينا. # ومنها: أنه ينتقل من الصوم إلى الإطعام عند عدم استطاعته، وفي بعض طرق ~~الحديث: أن الرجل قال: وهل أتيت إلا من الصوم؛ فاقتضى ذلك عدم استطاعته ~~بسبب شدة الشبق وعدم الصبر في الصوم عن الوقاع، لكنها رواية ضعيفة، ونشأ ~~منه انظر للشافعية في أن هذا هل يكون عذرا مرخصا في الانتقال إلى الإطعام ~~في حق من هو شديد الشبق؟ فقال به بعضهم. # ومنها: أنه إذا قدر على الإطعام دون غيره، وجب إطعامه العدد المذكور في ~~الحديث، وهو ستون مسكينا، فلو ضاق عليه الإطعام الذي هو مصدر أطعم إلى ~~ستين، لا يكون ذلك موجودا في حق من أطعم عشرين مسكينا ثلاثة أيام، ولو قيل ~~بإجزاء ذلك، كان عملا بعلة مستنبطة تعود على ظاهر النص بالإبطال، وهو غير ~~جائز في أصول الفقه. # وقد أجمع العلماء في الأعصار المتأخرة على اشتراط إطعام ستين مسكينا، ~~وحكي عن الحسن البصري: أنه إطعام أربعين مسكينا عشرين صاعا، ثم جمهور ~~المشترطين ستين قالوا: لكل مسكين مد، وهو ربع صاع، وقال أبو حنيفة والثوري: ~~لكل مسكين نصف صاع. # ومنها: أنه إذا عجز عن الإطعام، ودفع إليه ما يكفر به طعاما، وكان محتاجا ~~إليه هو وعياله، فصرفه في ذلك، هل يقع كفارة، وتبرأ به ذمته، ويلزم من ذلك ~~سقوطها عن المعسر، أو بقاؤها في ذمته إلى أن يوسر، وقرن سقوطها عنه بصدقة ~~الفطر؛ حيث يسقط للإعسار المقارن لاستهلال الهلال، وتقدم الكلام عليه ~~قريبا. PageV02P857 # وقد ادعى بعضهم أن هذا الحكم خاص بهذا الرجل، وادعى غيره أنه منسوخ، وهما ~~ضعيفان؛ إذ لا دليل على التخصيص، ولا على النسخ؛ فإن قوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "أطعمه أهلك" عطية لا عن جهة الكفارة مقدمة في هذا الحال على ~~الكفارة، مع استقرار وجوبها أولا، وعدم رفعه بالحاجة التي هي واجبة مترتبة ~~في الذمة لثبوته أول الحديث، والسكوت عن بيان بقائه لتقدم العلم به إما لأن ~~ما ثبت في الذمة يتأخر بالإعسار، ولا يسقط؛ للقاعدة الكلية والنظائر؛ ms0567 ~~كالمفلس، أو الدليل يدل عليه أقوى من السكوت. # ومنها: وجوب القضاء على مفسد الصوم بالجماع، وبه قال جمهور الأئمة، وقال ~~الأوزاعي: إن كفر بالعتق، أو الإطعام، صام يوما مكانه، وإن يكفر بالشهرين، ~~أجزأه عنه، وذهب بعضهم إلى عدم وجوب القضاء؛ لسكوته - صلى الله عليه وسلم ~~-، والصحيح: وجوبه، والسكوت عليه لتقريره وظهوره، وقد روى أبو داود في بعض ~~طرق هذا الحديث من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة: أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال للرجل: "كله أنت وأهل بيتك، وصم يوما" (¬1)، وروي ~~القضاء في غير أبي داود، من حديث عمرو بن شعيب، وسعيد بن المسيب، وهذا ~~الخلاف في وجوب القضاء موجود في مذهب الشافعي ثلاثة أوجه لأصحابه، كالمذاهب ~~الثلاثة، وفي حق الرجل، أما المرأة، فيجب عليها القضاء بلا خلاف. # ومنها: أن ما ثبت في حق الرجل من الكفارة إذا مكنت، ثبت في حق المرأة؛ ~~لأنه ما ثبت في حق واحد ثبت في حق جميع الناس؛ لاستوائهم في الحكم، كيف إذا ~~كانت المرأة ممكنة، فالتحريم منسوب إليها -أيضا- بالتمكين، وهي آثمة به، ~~مرتكبة كبيرة من الكبائر كما في الرجل، وقد أضيف اسم الزنا إليها في كتاب ~~الله تعالى، ومدار الوجوب على هذا المعنى، وقد اختلف العلماء في ذلك، فذهب ~~مالك، وأبو حنيفة، وأحمد في أصح الروايتين PageV02P858 # عنه، والشافعي في أحد قوليه: إلى أنها إذا مكنت طائعة، ووطئها الزوج، ~~وجبت عليها كفارة -أيضا-، وللشافعي قول آخر: أنه لا تجب عليها، بل يختص ~~الوجوب بالزوج، وهو الراجح المنصوص عند أصحابه. # ثم اختلفوا هل هي واجبة على الزوج لا تلاقي المرأة وهي كفارة واحدة تقع ~~عنهما جميعا؟ وفيه قولان مخرجان من كلام الشافعي - رحمه الله -، واحتج لعدم ~~الوجوب عليها بأمور لا تتعلق بالحديث، وأمور تتعلق به، وهي: استدلالهم بأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلم المرأة بوجوب الكفارة عليها، مع الحاجة ~~إلى الإعلام، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وقد أمر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنيسا أن يغدو على امرأة ms0568 العسيف، فإن اعترفت، رجمها، فلو ~~وجبت عليها، لأعلمها - صلى الله عليه وسلم - بذلك كما في حديث أنيس، والذين ~~أوجبوا الكفارة عليها، أجابوا بوجوه: # أحدها: أنا لا نسلم الحاجة إلى إعلامها، فإنها لم تعترف بسبب الكفارة، ~~وإقرار الرجل لا يوجب عليها حكما، وإنما تمس الحاجة إلى إعلامها إذا ثبت ~~الوجوب في حقها، ولا يثبت على ما بينا. # وثانيها: أنها قضية حال يتطرق إليه الاحتمال لا عموم لها، كيف وهذه ~~المرأة يجوز أن تكون ممن لا تجب عليها الكفارة بهذا الوطء؛ إما لصغرها، أو ~~جنونها، أو كفرها، أو حيضها، أو طهارتها من الحيض في أثناء اليوم؟ واعترض ~~على هذا بأن علم النبي - صلى الله عليه وسلم - بحيض امرأة الأعرابي أو عدمه ~~عسر، ولو كان علمه، ولم يخبره به الأعرابي، ولم يسأله النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كان مستحيلا، وباقي الأعذار المذكورة من الصغر والجنون وغيرها ~~تنافي التحريم على المرأة، وينافيها قوله فيما روي في الحديث، وإن كان ~~ضعيفا: "هلكت وأهلكت" (¬1)، فعلى المعترض بيان صحة هذه الرواية وجودة هذا ~~الاعتراض. # وثالثها: أنا لا نسلم عدم بيان الحكم بأن بيانه في حق الرجل بيان في حق ~~المرأة؛ لاستوائهما في تحريم الفطر، وانتهاك الحرمة، مع العلم بأن إيجاب PageV02P859 # الكفارة هو ذاتي، والتنصيص على الحكم في حق بعض المكلفين كاف عن ذكره في ~~حق الباقين، وهذا كما أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يذكر إيجاب الكفارة ~~على سائر الناس غير الأعرابي؛ لعلمه بالاستواء في الحكم، وهذا وجه قوي، ~~والذي حاولوه في التعلل عليه بأن يبنوا في المرأة معنى يمكن أن يظن به ~~اختلاف حكمها مع حكم الرجل، بخلاف غير الأعرابي من الناس؛ فإنه لا معنى ~~يوجب اختلاف حكمهم مع حكمه، وذلك المعنى الذي أيدوه في حق المرأة هو أن مؤن ~~النكاح لازمة على الزوج؛ كالمهر، وثمن ماء الغسل، فيمكن أن يكون هذا منه، - ~~وأيضا - فجعلوا الزوج في باب الوطء هو الفاعل المنسوب إليه الفعل، والمرأة ~~محل، فيمكن أن يقال: الحكم مضاف إلى من ينسب إليه القول، ms0569 فيقال: للواطئ: ~~واطئ ومواقع، ولا يقال للمرأة ذلك، وليس هذا أمر بين، فإن المرأة يحرم ~~عليها التمكين، وهي آثمة به، مرتكبة كبيرة كالرجل، كما ذكرنا أولا، والله أعلم. # ومنها: وجوب التتابع في صوم الشهرين، وهو مذهب الجمهور، وأجمع عليه أئمة ~~الفتوى، ونقل عن ابن أبي ليلى: أنه لا يلزم فيها التتابع. # ومنها: أنه لا مدخل لغير هذه الخصال الثلاث في الكفارة، ونقل عن بعض ~~المتقدمين فيها دخول البدنة بعد الرقبة إذا تعذرت، رواه عطاء عن سعيد، ~~وقيل: إن سعيدا أنكره، والله أعلم (¬1). # * * * PageV02P860 ### || AUTO باب الصوم في السفر وغيره ### ||| AUTO الحديث الأول # عن عائشة - رضي الله عنها -: أن حمزة بن عمرو الأسلمي - رضي الله عنه - ~~قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: أصوم في السفر؟ -وكان كثير الصيام- قال: ~~"إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر" (¬1). # أما حمزة بن عمرو: فكنيته أبو صالح، ويقال: أبو محمد بن عمرو بن عويمر بن ~~الحارث بن الأعرج بن سعيد بن رزاح، بن عدي بن سهم بن مازن بن سلامان بن ~~الحارث بن أسلم بن أفصى بن حارثة، مدني، روي له عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - تسعة أحاديث، روى له مسلم حديثا واحدا من رواية أبي مرواح ~~الغفاري عنه، وقد أخرجا ذكره في هذا الحديث. وقد حدث عن أبي بكر الصديق، ~~وعمر بن الخطاب - رضي الله عنهما -، روى عنه ابنه محمد بن حمزة، وعائشة ~~الصديقة، وسليمان بن يسار، وعروة بن الزبير، وغيرهم، مات في ولاية يزيد بن ~~معاوية سنة إحدى وستين، وهو ابن إحدى وسبعين سنة (¬2). PageV02P861 # وأما الأسلمي، فبفتح الهمزة وسكون السين المهملة وفتح اللام وكسر الميم، ~~ثم ياء النسب، فنسبة إلى جد من أجداده المذكورين أسلم بن أفصى بن حارثة، ~~وإليه ينسب أيضا من الصحابة - رضي الله عنهم - أبو برزة الأسلمي، والله أعلم. # واعلم أن حديث حمزة بن عمرو هذا قد حمله بعضهم على مطلق الصوم، وقيده ~~بعضهم بصوم رمضان، مستدلا بما رواه مسلم وغيره في حديث حمزة بن عمرو هذا، ~~قال: قلت: يا رسول ms0570 الله! إني صاحب ظهر أعالجه، أسافر عليه، وأكريه، وإنه ~~ربما صادفني هذا الشهر -يعني: رمضان- وأنا أجد القوة وأنا شاب، فأجد أن ~~أصوم يا رسول الله أهون علي بأن أؤخره، فيكون دينا، أفأصوم يا رسول الله ~~أعظم لأجري أو أفطر؟ قال: "أي ذلك شئت يا حمزة" (¬1). # وقد روى البخاري ومسلم الإطلاق من غير تقييد برمضان، وفيه: إني رجل أسرد ~~الصوم في السفر ... أفأصوم؟ كما في حديث الكتاب، وإذا ثبت ذلك، فإما أن ~~يحمل المطلق على المقيد، فلا يكون فيه دليل على صوم التطوع، قال: أبو ~~العباس القرطبي: لوجهين: # أحدهما: قوله في بعض روايات الحديث قال: "هي رخصة من الله تعالى، فمن أخذ ~~بها، فحسن، ومن أحب أن يصوم، فلا جناح عليه" (¬2)، ولا يقال في التطوع مثل هذا. # والوجه الثاني: إن [في] الحديث التقييد برمضان، فهو نص في الفرض دون ~~التطوع (¬3)، أو يحمل المقيد على المطلق، فيدخل فيه صوم التطوع، أو يكون PageV02P862 # من باب العبرة بعموم اللفظ في قوله: إني رجل أسرد الصوم في السفر، وخيره ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الصوم وتركه، من غير نظر إلى فرض أو ~~نفل، أو يعتبر خصوص السبب في كونه شابا، ويجد قوة، ويكري ظهره، ويعالجه في ~~سفره، ويرى أن الصوم أهون عليه من الإفطار؛ لكون الصوم يبقى دينا، فخيره، ~~ويكون السبب كالمعاد في التخيير، وهو الجواب ينظر في ذلك كله. # وإذا حملناه على الفرض والنفل، فيحتاج الجواب عن مذهب الشافعي - رحمه ~~الله -، وأحمد، في كون النفل لا يبقى دينا على من أفطره، والله أعلم. # أما من حمله على مطلق الصوم، فاستدل بقوله: إني رجل أسرد الصوم، أفأصوم ~~في السفر؟ الحديث، فقال: ظاهره أن ذلك لا يستعمل إلا في التطوع، وإلا لما ~~حسن السؤال عن صوم الفرض، فاستدل به للشافعي وموافقيه في أن صوم الدهر ~~وسرده غير مكروه لمن لا يخاف منه ضررا، ولا يفوت به حقا، بشرط فطر يومي ~~العيد والتشريق؛ لأنه أخبر بسرده، ولم ينكر عليه، بل أقره عليه، وأذن له ~~فيه ms0571 في السفر، ففي الحضر أولى، فحينئذ يحتاج الجواب عن حديث عبد الله بن ~~عمرو بن العاص - رضي الله عنه - في إنكار النبي - صلى الله عليه وسلم - صوم ~~الدهر، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: في صوم يوم وفطر يوم: "لا أفضل من ~~ذلك" (¬1). # والجواب عن الإنكار: أنه - صلى الله عليه وسلم - علم منه أنه سيضعف عنه، ~~وهكذا جرى، فإنه ضعف في آخر عمره، وكان يقول: يا ليتني قبلت رخصة رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -، وكان - صلى الله عليه وسلم - يحب الدائم وإن قل، ~~ويحثهم عليه، وعن قوله: "لا أفضل من ذلك" إما بالنسبة إلى عبد الله فقط، ~~وإما بالنسبة إلى الإطلاق، وليس بينه وبين المدعى منافاة؛ فإن المدعى ~~الجواز وعدم الكراهة، أو أنه مسنون بشروطه المذكورة لا الأفضلية، والله أعلم. # وقد كان جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - يسردون الصوم متقربين به، PageV02P863 # فلو لم يكن راجحا بالنسبة إليهم على يوم ويوم، لما فعلوه، فدل على أن ذلك ~~يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، والله أعلم. # وفي الحديث دليل على السؤال عن العلم في كل ما يعرض للإنسان من جوازه ~~وأفضليته. # وفيه دليل على أن المستفتي يذكر للمفتي حاله وما يعرض له، ولا يكتمه شيئا ~~مما يتعلق بسؤاله. # وفيه دليل على إثبات الخيار للمسافر بين الصوم والإفطار. # وفيه دليل على جواز صوم الفرض للمسافر إذا صامه، وهو قول أهل عامة العلم. # وروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وأبي هريرة، وابن عمر، وابن ~~عباس - رضي الله عنهم -: إن صام في السفر لم يجزئه، وعليه أن يصوم في ~~الحضر، وبهذا قال أهل الظاهر، وقد صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~التخيير في الصيام في السفر والفطر من رواية جماعة من الصحابة، والحجة في ~~السنة، وهذا إن ثبت ما ذكر عمن قدمنا. # واختلف أهل العلم في أفضل الأمرين منهما: وقد ساق الإمام أبو داود - رحمه ~~الله - في "سننه" (¬1) ما فيه مستند لمذاهبهم، فقالت طائفة: الفطر أفضل، ~~وقالت طائفة: الصوم أفضل، وقالت طائفة: ms0572 أفضل الأمرين أيسرهما على المرء؛ ~~لقوله عز وجل: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185]، ~~فإن كان الصوم أيسر عليه، صام، وإن كان الفطر أيسر، فليفطر. # وقيل: الصوم والفطر سواء، والصواب في مذهب الشافعي وأصحابه الذي لا ~~اختلاف فيه بينهم: أن الأفضل الفطر لمسافر يضره الصوم، والله أعلم. # * * * PageV02P864 ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: "كنا نسافر مع النبي، فلم يعب ~~الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم" (¬1). # لما تقرر عند أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الأخذ برخص الله ~~تعالى في عزائمه أفضل وأحب إليه - سبحانه وتعالى - ظن قوم أن الأخذ ~~بالعزيمة في الصوم عيب، فقال أنس - رضي الله عنه -: كنا نسافر مع النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - الحديث، فأفهم بذلك جواز صوم رمضان في السفر؛ حيث ~~تعرض لعيبه، وأنه محظور ممنوع منه؛ بخلاف الصوم المرسل؛ فإنه لا يعاب ~~بشرطه، ولا يحتاج إلى رفع وهم فيه. # ولا شك أن الرخصة متوجهة إلى جميع المكلفين، كما أن الخطاب بالصوم متوجه ~~لجميع المسافرين وغيرهم. # وبيان ذلك: أن الرخصة حاصلها راجع إلى تخلف الحكم مع تحقق سببه لأمر خارج ~~عن ذلك السبب، كما تقوله في إباحة الميتة عند الضرورة، وبهذا يتحقق بطلان ~~قول من قال: إن صوم المسافر لا ينعقد، والله أعلم. # وزعم بعض أهل العلم أنه إذا أنشأ السفر في رمضان، لم يجز له أن يفطر، ~~محتجا بقوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185]، وقال غيره: ~~وهذا غلط؛ لهذا الحديث وغيره. # ومعنى الآية الكريمة: شهد الشهر كله، ومن شهد الشهر كله، فإنه لم يشهد بعضه. # وفي حديث أنس هذا دليل على رفعه؛ حيث قال: كنا نسافر مع PageV02P865 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السفر؛ حيث إن الحديث لم يكن فيه ~~ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا أنه كان يشاهدهم في حالهم هذا؛ ~~فإنه - صلى الله عليه وسلم - كان يشاهدهم في كثير من غيبهم، إما بإلهام، ~~وإما بنزول وحي، فما ms0573 ظنك بهذه الحال، وهم مسافرون معه - صلى الله عليه وسلم -؟! # وفيه دليل على أن الأشياء من الأحكام وغيرها، لم تتغير عن وضعها بنظر ولا ~~اجتهاد، وأن من اختص بحال في نفسه، لا يلزم في أحكام الشرع وعموم الناس، ~~والله سبحانه أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، في شهر رمضان، في حر شديد، حتى إن كان أحدنا ليضع يده على ~~رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وعبد الله بن رواحة - رضي الله عنه - (¬1). # أما أبو الدرداء: فاسمه: عويمر بن زيد بن قيس، ويقال: عويمر بن عامر، ~~ويقال: عويمر بن مالك بن عبد الله بن قيس بن عائشة بن أمية بن مالك بن عامر ~~بن عدي بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الأنصاري، ويقال: اسمه عامر ~~بن مالك، وعويمر لقب له، وأمه مجيبة بنت واقد بن عمرو، وتأخر إسلامه قليلا، ~~كان آخر أهل داره إسلاما، وحسن إسلامه، وآخى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بينه وبين سلمان الفارسي - رضي الله عنهما -، وكان فقيها عالما ~~حكيما، شهد ما بعد أحد من المشاهد، واختلف في شهوده أحدا، وولي قضاء دمشق ~~في خلافة عثمان. # وروي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مئة حديث وتسعة وسبعون ~~حديثا، اتفق البخاري ومسلم على حديثين، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم ~~بثمانية. # روى عنه: ابن عباس، وابن عمر، وأنس، وفضالة بن عبيد، وأبو أمامة، PageV02P866 # وخالد بن معدان، ومعدان بن أبي طلحة، ويوسف بن عبد الله بن سلام، وابنه ~~بلال، وزوجته أم الدرداء هجيمة بنت حيي، وخلق سواهم، وروى له أصحاب السنن ~~والمساند. مات بالشام سنة إحدى، وقيل: اثنتين أو ثلاث وثلاثين، وقيل: بعد ~~صفين، وليس بصحيح، وقبره وقبر زوجته بدمشق (¬1). # وأما عبد الله بن رواحة المذكور في المتن، فكنيته: أبو محمد بن رواحة بن ~~ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس الأكبر بن مالك ms0574 الأغر بن ثعلبة ~~بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الأنصاري، أحد النقباء ليلة العقبة، ~~وشهد بدرا وأحدا والمشاهد إلا الفتح وما بعدها؛ لأنه قتل يوم مؤتة، وكانت ~~في أوائل السنة الثامنة من الهجرة، وكان أحد الأمراء فيها، وشجع الناس قبل ~~وقعتها، وقال: يا قوم! والله إن التي تكرهون للتي خرجتم من أجلها: الشهادة، ~~وما نقاتل الناس بعدة ولا قوة، إنما نقاتلهم بهذا الدين، الذي أكرمنا الله ~~به، فانطلقوا، إنما هو إحدى الحسنيين: إما ظهور، وإما شهادة، فقالوا: صدق ~~ابن رواحة (¬2). # وهو أحد الشعراء المحسنين، الذين كانوا يردون الأذى عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -. # أخرج له في "صحيح البخاري" حديث، من رواية النعمان بن بشير عنه، وروي له ~~هذا الحديث في "الصحيحين". # وكان هذا الصوم من النبي - صلى الله عليه وسلم - وابن رواحة في غزوة بدر ~~-فيما يغلب على الظن-؛ لأن أسفاره - صلى الله عليه وسلم - فيما بين بدر ~~ومؤتة، لم يكن شيء منها في رمضان غير PageV02P867 # بدر؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - لم يسافر إلا في غزو أو حج بعد هجرته - ~~صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، فإن كان له سفر في شهر رمضان في ستة ~~أعوام، من بدر إلى مؤتة فليفد، والله أعلم. # وروى النسائي عن أحمد بن أبي عبيد الله، عن عمر بن علي، عن إسماعيل بن ~~أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عبد الله بن رواحة - رضي الله عنه -: أنه ~~كان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مسير له، فقال له: "يا بن ~~رواحة! انزل فحرك بالركاب" (¬1) الحديث، لكن قيسا لم يدرك ابن رواحة، ~~والأشبه أنه من رواية عمر - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال لابن رواحة، رواه عبد الله بن إدريس عن إسماعيل، عن قيس، عنه، ~~والله أعلم. # وروى عنه من الصحابة: ابن عباس، وأبو هريرة، وروى يحيى بن سعيد قال: كان ~~عبد الله بن رواحة - رضي الله عنه - أول خارج إلى الغزو، ms0575 وآخر قافل. # وقال عروة: لما ودع المسلمون عبد الله بن رواحة في خروجه إلى مؤته، دعوا ~~له ومن معه أن يردهم سالمين، فقال ابن رواحة - رضي الله عنه -: # لكنني أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات قرع تقذف الزبدا # أو طعنة بيدي حران مجهزة ... بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا # حتى يقولوا إذا مروا على جدثي ... يا أرشد الله من غاز، وقد رشدا (¬2) # وقال هشام بن عروة: سمعت أبي عروة يقول: سمعت أبي -يعني: الزبير- يقول: ~~ما سمعت أحدا أجرى ولا أسرع شعرا من ابن رواحة، سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول له يوما: "قل شعرا تقتضيه الساعة، وأنا أنظر إليك"، ~~فانبعث مكانه يقول: # إني تفرست فيك الخير أعرفه ... والله يعلم أن ما خانني البصر PageV02P868 # أنت النبي ومن يحرم شفاعته ... يوم الحساب لقد أزرى به القدر # فثبت الله ما آتاك من حسن ... تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا # فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وأنت فثبتك الله يا بن رواحة" (¬1). # قلت: زرت قبر عبد الله بن رواحة - رضي الله عنه - بمؤتة، وقبور الشهداء ~~بها؛ كجعفر بن أبي طالب - رضي الله عنهما - في العشر الآخر من شوال، سنة ~~ثلاث وسبعين وست مئة - رضي الله عنهم أجمعين - (¬2). # وهذا الحديث: دليل صريح بأن هذا الصوم وقع في شهر رمضان في السفر، وأنه ~~صحيح، وهو مذهب الفقهاء. # وخالفت الظاهرية به، أو بعضهم في صحته، بناء على ظاهر لفظ القرآن في قوله ~~- عز وجل -: {فعدة من أيام أخر} [البقرة: 184]، من غير اعتبار إضمار فيه، ~~وتقدم اختلاف العلماء في أن الأفضل الصوم أو الفطر. # والذي ذهب إليه أبو حنيفة والشافعي والأكثرون: أن الصوم أفضل لمن أطاقه ~~بلا مشقة ظاهرة ولا ضرر، فإن تضرر به، فالفطر أفضل، واحتجوا بهذا الحديث ~~وغيره من الأحاديث، فلأنه يحصل به براءة الذمة في الحال، وقال سعيد بن ~~المسيب، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم: الفطر أفضل مطلقا، وحكاه بعض ~~أصحاب الشافعي قولان، وهو غريب، واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن ~~الفطر رخصة من الله، فمن ms0576 أخذ بها، فحسن، ومن أحب أن PageV02P869 # يصوم، فلا جناح عليه" (¬1)، وظاهره: ترجيح الفطر، وأجاب الأكثرون بأن هذا ~~فيمن يخاف ضررا، أو يجد مشقة، والله أعلم. # وفي هذا الحديث دليل على جواز السفر في رمضان، خصوصا إذا كان في طاعة. # وفيه دليل على الاقتداء به - صلى الله عليه وسلم - في أفعاله وأحواله - ~~صلى الله عليه وسلم -. # وفيه دليل على شرعية حكاية الحال، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في سفر، فرأى زحاما، ورجلا قد ظلل عليه، فقال: "ما هذا؟ " ~~قالوا: صائم، قال: "ليس من البر الصوم في السفر" (¬2). ولمسلم: "عليكم ~~برخصة الله التي رخص لكم" (¬3). # أما الرجل المبهم الذي ظلل عليه، فلا أعلمه بعد الكشف عليه. # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس من البر الصوم في السفر"، وروي ~~في بعض الروايات: "ليس البر" (¬4) بغير "من"، فمن أثبتها، فهي "من" الزائدة ~~المرادة لتأكيد النفي، وقد ذهب بعض الناس إلى أنها مبعضة هنا، وليس بشيء، ~~وروى أهل الأدب: PageV02P870 # ليس من امبر امصيام في السفر، فابدلوا من اللام ميما، وهي لغة قوم من ~~العرب، وهي قليلة، والله أعلم. # وقد أخذ من هذا الحديث: أن كراهة الصوم في السفر لمن هو في مثل هذا ~~الحال، ممن يجهده الصوم ويشق عليه، أو يؤدي به إلى ترك ما هو أولى من ~~القربات، ويكون قوله: "ليس من البر الصوم في السفر" منزلا على هذه الحال، ~~لكن المانعون من الصوم في السفر يقولون: اللفظ عام، والعبرة بعموم اللفظ، ~~لا بخصوص السبب، وينبغي أن تتفطن لقاعدة كبيرة، وهي النظر في اللفظ العام ~~المجرد، الجاري على سبب، وفي دلالة السياق والقرائن التي تخصص العام وتدل ~~على مراد المتكلم، ولا يجري كل ذلك مجرى واحدا؛ فإن مجرد ورود العام على ~~السبب لا يقتضي التخصيص؛ كقوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ~~جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم (38)} [المائدة: 38] {والسارق ~~والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة:38]؛ فإنها ms0577 نزلت بسبب سرقة رداء صفوان، ~~وذلك لا يقتضي التخصيص بالضرورة والإجماع، وأما السياق والقرائن، فإنها ~~الدالة على مراد المتكلم من كلامه، وهي المرشدة إلى بيان المحتملات، فاضبط ~~هذه القاعدة، فإنها نفيسة مفيدة لمواضع لا تحصى جارية منها، فانظر في قوله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "ليس من البر الصوم في السفر"، مع حكاية حال الرجل ~~المظلل عليه من أي القبيلين هو، فنزله عليه. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "عليكم برخصة الله التي رخص لكم" دليل على ~~استحباب التمسك بالرخصة والعمل بها، إذا دعت الحاجة إليها، ولا تترك على ~~وجه التشديد على النفس والتنطع والتعمق، والله أعلم. # وفي الحديث دليل على شرعية السؤال عن أمور الناس وأحوالهم، في اجتماعهم ~~وافتراقهم لولاة الأمور والعلماء؛ ليرشدوهم إلى الصواب والعمل به، وأن ذلك ~~ليس مما لا يعني. # وفيه دليل على أن البر ليس مطلقا، بل مقيد بالشرع، PageV02P871 # وفيه دليل على الأخذ بالرخصة، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله ~~يحب أن تؤتى رخصه، كما تؤتى عزائمه" (¬1). # وقد قال الفقهاء: الرخصة إذا وقعت، عمت، لكن عمومها إنما هو في المحل ~~الذي وقعت من أجله، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الخامس # عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- في السفر، فمنا الصائم، ومنا المفطر، قال: فنزلنا منزلا في يوم حار، ~~وأكثرنا ظلا صاحب الكساء، فمنا من يتقي الشمس بيده، قال: فسقط الصوام، وقام ~~المفطرون، فضربوا الأبنية، وسقوا الركاب، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "ذهب المفطرون اليوم بالأجر" (¬2). # أما الأبنية، فجمع بناء، وهي البيوت التي تسكنها العرب في الصحراء، فمنها ~~الطراف، والخباء، والبناء، والقبة، والمضرب، وقد تكرر ذكره مفردا ومجموعا ~~في الحديث. # والركتاب: الإبل، وتجمع ركائب. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ذهب المفطرون اليوم بالأجر"، والأجر وجهان: # أحدهما: الأجر الخاص المرتب على الأفعال التي فعلوها، والمصالح التي جرت ~~على أيديهم، لا مطلق الأجر على سبيل العموم. # والثاني: أن يكون أجر المفطرين قد بلغ في الكثرة بالنسبة إلى أجر ms0578 الصوم ~~مبلغا ينغمر فيه أجر الصوام، فتحصل المبالغة بسبب ذلك، وتجعل كأن الأجر PageV02P872 # كله للمفطرين، ويقرب هذا مما تقوله بعض الناس في إحباط بعض الأعمال ~~الصالحة ببعض الكبائر، وأن ثوابها ينغمر في الكبائر وعقابها، فتصير كأنها ~~محبطة لثوابها، وإن كان الصوم هنا ليس من المحبطات، ولكن المقصود المبالغة ~~في أن الثواب -وإن قل جدا- أنه كالمعدوم، وهذا قد يوجد مثله في التصرفات ~~الوجودية وأعمال الناس في مقابلتهم حسنات، من يفعل منها شيئا بسيئاته، ~~فإنهم يجعلون اليسير جدا كالمعدوم بالنسبة إلى الإحسان والإساءة؛ كحجامة ~~الأب لولده، وإيجار الأم لولدها الوجور [الكريه] لدفع الأمر الأعظم منه؛ ~~كالمرض وغيره؛ فإن كلا منهما يعد محسنا مطلقا، ولا يعد مسيئا بالنسبة إلى ~~الإيلام بالحجامة والمرارة لستارة ذلك الألم بالنسبة إلى دفع الأمر الشديد ~~من المرض وغيره، والله أعلم. # وفي هذا الحديث دليل على ما كانت الصحابة عليه؛ من الزهادة في الدنيا، ~~والصبر على المؤلمات في طاعة الله تعالى. # وفيه: جواز حكاية مثل ذلك للقدوة والتأسي. # وفيه: جواز اتخاذ الأبنية ونحوها في الأسفار للاستظلال. # وفيه: اتقاء الشمس وحرها عن البصر والبدن باليد ونحوها. # وفيه: وجوب القيام بمصالح الدواب من الإبل وغيرها بالسقي وغيره. # وفيه: التنبيه على فعل الرخصة بكثرة الأجر فيه إذا كان في تركها مشقة. # وفيه: أن اطلاع النبي - صلى الله عليه وسلم - على الشيء وتقريره إياه من ~~غير نكير شرع؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - أقرهم على الصوم والفطر. # وفيه: أنه إذا تعارضت المصالح، قدم أولاها وأقواها، والله أعلم. # * * * PageV02P873 ### ||| AUTO الحديث السادس # عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان يكون علي الصوم من رمضان، فما ~~أستطيع أن أقضي إلا في شعبان (¬1). # اعلم أنه قد بينت عائشة - رضي الله عنها - سبب تأخر قضائها الصوم من ~~رمضان إلى شعبان في حديث آخر صحيح في "صحيح مسلم" وغيره، وهو قولها: الشغل ~~برسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬2)، ولا شك أن قضاء الصوم الواجب، وحق ~~الزوج، واجبان، فيقدم حق الزوج؛ حيث إنه على الفور، على قضاء الصوم، وحيث ~~إن ms0579 وجوبه موسع، والحق على الفور مقدم على الحق على التراخي، ولا شك أن نساء ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - كن يهيئن أنفسهن لرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، يترصدن لاستمتاعه في جميع أوقاتهن إن أراد ذلك، ولا تدري كل واحدة ~~منهن متى يريد حاجته - صلى الله عليه وسلم - منها، ولم تستأذنه في الصوم ~~مخافة أن يأذن، فتكون له حاجة فيها، فتفوتها عليه، وهذا من الأدب. # وقد اتفق العلماء على أن المرأة لا يحل لها صوم التطوع وزوجها حاضر إلا ~~بإذنه؛ للحديث الصحيح في ذلك عن أبي هريرة - رضي الله عنه - (¬3). # وقد اختلف شيوخ المالكية في صوم المرأة القضاء وزوجها حاضر إلا بإذنه، ~~فقال بعضهم: لا تصومه إلا لإذنه، إلا أن تخاف الفوات، فيتعين، PageV02P874 # وترتفع التوسعة، وقال بعض شيوخهم: لها أن تصوم القضاء بغير إذنه؛ لأنه واجب. # وإنما يحمل الحديث المقتضي لنهيها عن الصوم إلا بإذنه على التطوع، فأما ~~الواجباب: فلا يحتاج فيها إلى إذن أحد، فحينئذ يكون فعل عائشة - رضي الله ~~عنها - لحقه - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، وخصوصيته - صلى الله عليه وسلم ~~- به دون غيره، وإنما كانت تصومه في شعبان؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - ~~كان يصوم معظم شعبان، فلا حاجة له في النساء في النهار، ولأنه في شعبان ~~يتضيق قضاء رمضان، فإنه لا يجوز تأخيره عنه. # فإن قيل: وكيف لا تقدر على الصوم لحقه فيها، وقد كان له تسع نسوة، وكان ~~يقسم بينهن، فلا تصل النوبة لإحداهن إلا بعد ثمان، فكان يمكنها أن تصوم في ~~هذه الأيام التي يكون فيها عند غيرها؟ # والجواب: إن القسم لم يكن عليه واجبا لهن، وإنما كان يفعله بحكم تطييب ~~قلوبهن، ودفعا لما يتوقع من الشرور، وفساد القلوب، ألا ترى قول الله -عز ~~وجل-: {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح ~~عليك} [الأحزاب: 51]، فلما علم نساؤه، أو من سألته منهن، كن يتهيأن له ~~دائما، ويتوقعن حاجته إليهن في أكثر الأوقات، والله أعلم. # ثم من أفطر ms0580 بغير عذر؛ كحيض، ومرض، وسفر، وجب القضاء عليه على الفور ~~مطلقا، ومن أفطر بهذه الأعذار ونحوها، فقد قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، ~~وأحمد، وجماهير العلماء من السلف والخلف: يجب على التراخي، ولا تشترط ~~المبادرة به في أول الإمكان، لكن قالوا: لا يجوز تأخيره عن شعبان الآتي؛ ~~لأنه يؤخر حينئذ إلى زمان لا يقبله، وهو رمضان الآتي، فصار كمن أخره إلى ~~الموت، وقال داود: يجب المبادرة به في أول يوم بعد العيد من شوال، وحديث ~~عائشة هذا يرد عليه. # وقال جمهور العلماء: تستحب المبادرة به للاحتياط فيه؛ فإن أخره، فالصحيح ~~عند المحققين من الفقهاء وأهل الأصول: أنه يجب العزم على فعله، PageV02P875 # وكذلك القول في جميع الواجب الموسع، إنما جوز تأخيره بشرط العزم على ~~فعله، حتى لو أخره بلا عزم، عصى. # وأجمع العلماء على أنه لو مات قبل خروج شعبان، لزمه الفدية في تركته عن ~~كل يوم بمد من طعام، وهذا إذا تمكن من القضاء، فلم يقض، فأما من أفطر في ~~رمضان بعذر، ثم اتصل عجزه، فلم يتمكن من الصوم حتى مات، فلا صوم عليه، ولا ~~يطعم عنه، ولا يصام عنه. # ثم إن قضاء رمضان يندب مرتبا متواليا، فلو قضاه غير مرتب، أو مفرقا، جاز ~~عند الشافعي وجمهور العلماء؛ لأن الصوم اسم يقع على الجميع، وقال جماعة من ~~الصحابة والتابعين وأهل الظاهر: يجب تتابعه، كما يجب الأداء، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث السابع # عن عائشة - رضي الله عنها -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"من مات وعليه صيام، صام عنه وليه" (¬1)، وأخرجه أبو داود، وقال: هذا في ~~النذر، وهو قول الإمام أحمد بن حنبل (¬2). # ذكر شيخنا أبو الفتح بن دقيق العيد - رحمه الله -: أن هذا الحديث ليس مما ~~اتفقا عليه، وذكر أبو محمد عبد العظيم المنذري: أن البخاري ومسلما أخرجاه ~~في "مختصر سنن أبي داود"، وهو موافق لما ذكره المصنف. # والولي أصله من الولي -بسكون اللام-، وهو القرب، وقال الفراء: والمولى ~~والولي واحد (¬3). PageV02P876 # وقد اختلف العلماء في المراد به في هذا ms0581 الحديث: # فالمختار عند العلماء من المحققين وغيرهم: أنه مطلق القرابة، سواء كان ~~القريب وارثا، وغيره. # ومنهم من اشترط فيه العصوبة أو الإرث، وتوقف في ذلك إمام الحرمين، وقال: ~~لا نقل عندي في ذلك، وقال: بعض الفضلاء المتأخرين: وأنت إذا فحصت عن ~~نظائره، وجدت الأشبه اعتبار الإرث. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: العموم في الصوم الذي يصام عن الميت من غير تخصيص بنذر، وقد ورد في ~~بعض الأحاديث ما يقتضي الإذن في الصوم عمن مات وعليه نذر لصوم، وليس ذلك ~~بمقتض لتخصيص صورة النذر. # ومنها: دليل بعمومه على أن الولي يصوم عن المئت، وأن النيابة تدخل في ~~الصوم، سواء كان الصوم عن رمضان، أو قضاء، أو نذرا، أو غيره، وهو المختار ~~الذي عليه المحققون من الشافعيين الجامعون بين الفقه والحديث، وهو أحد قولي ~~الشافعي: أنه يستحب لوليه أن يصوم عنه، ولا يجب، ويصح صومه عنه، وتبرأ ذمة ~~الميت، ولا يحتاج إلى إطعام عنه؛ لعموم هذا الحديث، والأحاديث الصحيحة ~~الثابتة فيه. # قال: البيهقي - رحمه الله -: لو وقف الشافعي - رحمه الله - على جميع ~~طرقها، ونظائرها، لم يخالفها - إن شاء الله تعالى - (¬1). # وقال غيره: كيف وقد قال الشافعي - رحمه الله -: إذا صح الحديث، فهو مذهبي ~~(¬2)، وقد صح في الصيام عن الميت أحاديث، وقال الشافعي في المريض لا يصح من ~~مرضه حتى يموت: فلا صوم عليه ولا كفارة، وقد تقدم أن من أفطر في رمضان ~~بعذر، ثم اتصل عجزه، فلم يتمكن من الصوم حتى مات: أنه PageV02P877 # لا صوم عليه ولا إطعام، ولا يصام عنه، والحديث الوارد: "من مات وعليه صوم ~~أطعم عنه" ليس بثابت، ولو ثبت، أمكن الجمع بينه وبين الأحاديث الواردة في ~~جواز الصوم بأن يحمل على جواز الأمرين؛ فإن من يقول بالصيام، يجوز عنده ~~الإطعام، فيثبت أن الصواب المتعين تجويزهما، والولي مخير بينهما. # وتقدم الكلام على المراد بالولي واشتقاقه، فلو صام عنه أجنبي بإذن الولي، ~~صح، وإن كان بغير إذن الولي، ففيه وجهان؛ أظهرهما المنع. # ويقول الشافعي: هذا وعمل بهذا الحديث: طاوس، والحسن ms0582 البصري، والزهري، ~~وقتادة، وأبو ثور، وأهل الظاهر، وإسحاق، وممن قال به في النذر خاصة مع ~~أحمد: الليث، وأبو عبيد، وإسحاق في رواية عنه. # والمشهور من قولي الشافعي، وإليه ذهب الجمهور: أنه لا يصام عن ميت، لا ~~نذر ولا غيره، وهو الجديد من مذهبه، وإليه ذهب الجمهور، وحكاه ابن المنذر ~~عن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة - رضي الله عنهم -، ورواية عن الحسن، ~~والزهري، وبه قال مالك، وأبو حنيفة. # أما الأجنبي، فلا يصوم؛ لأجل التخصيص في مناسبة الولاية لذلك، أو لأن ~~الأصل عدم جواز النيابة في الصوم؛ لكونها عبادة بدنية لا تدخلها النيابة في ~~الحياة، فلا تدخلها بعد الموت؛ كالصلاة، وإذا كان الأصل عدم جواز النيابة، ~~وجب أن تقتضي فيه على ما ورد في الحديث. # وأما غيره من القرابة، أو العصبة، أو الولاية؛ فيجري على القياس، لكن قال ~~أصحاب الشافعي: لو أمر الولي أجنبيا بأن يصوم عنه بأجرة أو بغير أجرة، جاز؛ ~~كما في الحج، وهذا إنما يكون على قول للشافعي: إنه يصام عنه. # أما على قول المنع، فلا يتجه ذلك، قال القاضي عياض - رحمه الله -: منع ~~الصوم عن الميت هو قول جمهور العلماء، وتأولوا حديث هذا الباب على أنه يطعم ~~عنه وليه، وهو تأويل ضعيف باطل، لا ضرورة إليه أم أي مانع يمنع من العمل به ~~مع تظاهر الأحاديث، وعدم المعارض لها، قال القاضي، وأصحاب PageV02P878 # الشافعي: وأجمعوا على أنه لا يصلى عن الميت صلاة فائتة، وعلى أنه لا يصام ~~عن أحد في حياته، وإنما الخلاف في الميت، والله أعلم (¬1). # ومنها: أن الأجنبي لا يصوم عن الميت، على ما تقدم تقريره وبيانه. # ومنها: أن غير الصوم لا يلحق به، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثامن # عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قال: جاء رجل إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله! إن أمي ماتت، وعليها صوم شهر، ~~أفأقضيه عنها؟ فقال: "لو كان على أمك دين، أكنت قاضيه عنها؟ "، قال: نعم، ~~قال: "فدين الله أحق أن يقضى" (¬2). # وفي رواية: ms0583 جاءت امرأة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: يا ~~رسول الله! إن أمي ماتت، وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟، فقال: "أرأيت لو ~~كان على أمك دين فقضيتيه، أكان يؤدي ذلك عنها؟ "، قالت: نعم، قال: "فصومي ~~عن أمك" (¬3). # أما ابن عباس، فتقدم الكلام عليه. # وأما الرجل والمرأة وأمهما، فلا أعلم أسماءهم بعد الكشف والتعب، فمن علم ~~ذلك، فليفد. # وقد اقتضى حديث ابن عباس عدم تخصيص جواز النيابة بصوم النذر؛ فإنه قد ~~أطلق القول فيه بموت أمه، وعليها صوم شهر، من غير تقييد بنذر، وهو منصوص ~~الشافعي في القديم، وهو الراجح كما تقدم بيانه، خلافا لما قاله أحمد من أنه ~~يصوم عنه في النذر، ويطعم عنه في قضاء رمضان. PageV02P879 # ووجه الدلالة من هذا الحديث من وجهين: # أحدهما: أنه - صلى الله عليه وسلم - ذكر الحكم غير مقيد بعد سؤال السائل ~~مطلقا عن واقعة، يحتمل أن يكون وجوب الصوم فيها عن نذر، ويحتمل أن يكون عن ~~غيره، لكن ذلك يرجع إلى قاعدة في أصول الفقه متفق عليها، وهي أن الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - إذا أجاب بلفظ غير مقيد عن سؤال وقع عن صورة محتملة ~~أن يكون الحكم فيها مختلفا: أنه يكون الحكم شاملا للأمور كلها، وهو الذي ~~نقل عن الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى -، وغيره. وعن أئمة أصول الفقه: ~~ترك الاستفصال عن قضايا الأحوال، مع قيام الاحتمال، ينزل منزلة العموم في ~~المقال. # وقد استدل الشافعي بمثل هذا، وجعله كالعموم. # الوجه الثاني: أنه - صلى الله عليه وسلم - علل قضاء الصوم بعلة؛ للنذر ~~وغيره، وبينه بالقياس على الدين، وذلك لا يختص بالنذر في كونه حقا واجبا، ~~والحكم يعم بعموم علته، وقد استدل القائلون بالقياس في الشريعة، بهذا ~~الحديث؛ من حيث إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاس وجوب أداء حق الله ~~تعالى، على وجوب حق العباد، وجعله من طريق الأحق، ويجوز لغيره القياس بقوله ~~تعالى: {فاتبعوه} لا سيما وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أرأيت" إرشاد ~~وتنبيه على العلة التي هي والحكم كشيء واحد ms0584 مستقر في نفس المخاطب، وأما ~~الرواية الثابتة، ففيها ما في الأولى؛ من دخول النيابة في الصوم، والقياس ~~على حقوق الآدميين، إلا أنه ورد التخصيص فيها بالنذر، وقد يتمسك بها من يرى ~~التخصيص بصوم النذر، إما بأن يدل الدليل على أن الحديث واحد، فيتبين من بعض ~~الروايات أن الواقعة المسؤول عنها واقعة واحدة، وهي النذر، فيسقط الوجه ~~الأول؛ وهو الاستدلال بعدم الاستفصال، إذا تبين عين الواقعة، إلا أنه قد ~~يتعدى هذا التباين بين الروايتين؛ فإن في إحداهما: أن السائل رجل، وفي ~~الثانية امرأة، وقد تقرر في علم الحديث: أنه يعرف كون الحديث واحدا باتحاد ~~سنده ومخرجه، وتقارب ألفاظه، وعلى كل حال، فيبقى الاستدلال بعموم العلة، ~~وتقديمه على عموم الحكم، كيف ومعنى عموم آخر، PageV02P880 # وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من مات وعليه صيام، صام عنه وليه"؟! ~~فيكون التنصيص على مسألة صوم النذر مع ذلك العموم راجعا إلى مسألة أصولية، وهو: # أن التنصيص على بعض صور العام، لا يقتضي التخصيص، وهو المختار في علم ~~الأصول. # وقد نسب بعض الشافعية المتأخرين إلى أنه قاس الاعتكاف والصلاة على الصوم ~~في النيابة، وربما حكاه بعضهم وجها في الصلاة، فإن صح، فقد يستدل بعموم ~~التعليل. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: جواز صوم القريب عن الميت -كما تقدم-، واعتذر القاضي عياض - رحمه ~~الله - عن مخالفة مذهبهم لهذه الأحاديث في الصوم عن الميت والحج، بأنها ~~مضطربة، وهو عذر باطل، بدليل صحتها بالاتفاق. # ومنها: جواز سماع كلام المرأة الأجنبية ونحوها في الاستفتاء ونحوه من ~~مواضع الحاجة. # ومنها: صحة القياس؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فدين الله أحق ~~بالقضاء". # ومنها: قضاء الدين عن الميت، وقد أجمعت الأمة عليه، ولا فرق بين أن يقضيه ~~عنه وارث أو غيره، فيبرأ به بلا خلاف. # ومنها: تقديم دين الله - عز وجل - على دين الآدمي إذا تزاحما؛ كدين ~~الزكاة، ودين الآدمي، ولم يمكن الجمع بينهما لضيق التركة عن الوفاء لكل منهما. # وقد يستدل لتقديم الزكاة بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فدين الله أحق ~~بالقضاء"، وفي ms0585 هذه المسألة ثلاثة أقوال للشافعي: # أصحها: تقديم دين الله تعالى. # والثاني: تقديم دين الآدمي؛ لأنه مبني على الشح والمضايقة. PageV02P881 # والثالث: هما سواء، فيقسم بينهما سواء. # ومنها: أنه يستحب للمفتي أن ينبه على وجه الدليل إذا كان مختصرا واضحا ~~وبالسائل إليه حاجة، أو يترتب عليه مصلحة؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - قاس ~~على دين الآدمي تنبيها على وجه الدليل. # ومنها: استحباب الجواب بنعم إذا كان حقا. # ومنها تقريب العلم إلى أذهان السائلين، بعبارة مفهومة عندهم؛ ليكون أقرب ~~إلى سرعة فهمهم للمسؤول عنه، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث التاسع # عن سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر" (¬1). # أما سهل بن سعد الساعدي: فتقدم ذكره في أول باب الجمعة. # أما تعجيل الفطر والحض عليه، فلأمرين: # أحدهما: منصوص عليه في "سنن أبي داود"، والنسائي، وابن ماجه، من حديث أبي ~~هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يزال ~~الدين ظاهرا ما عجل الناس الفطر؛ لأن اليهود والنصارى يؤخرون"، (¬2) فجعل - ~~صلى الله عليه وسلم - العلة في التعجيل مخالفة أهل الكتاب في التأخير. # الأمر الثاني: مستنبط، وهو أنه - صلى الله عليه وسلم - إنما حض على ~~التعجيل للفطر؛ لئلا يزاد في النهار ساعة من الليل، فتكون زيادة في فروض ~~الله تعالى، ولأن ذلك أرفق PageV02P882 # بالصائم، وأقوى على الصيام، والله أعلم. # وأما كون الناس بفعله بخير، وأن الدين لم يزل ظاهرا بتعجيله؛ فلما فيه من ~~إظهار السنة؛ فإن الخير كله في متابعتها، والشر كله في مخالفتها، وفعلها ~~كالعلم على صلاح الدين والأمور كلها، وتركها كالعلم على فساد الدين والأمور ~~كلها، حتى إن الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا إذا خذلوا في أمر، فتشوا على ~~ما تركوا من السنة، فإذا وجدوه، علموا أن الخذلان إنما وقع بترك تلك السنة، ~~فلا يزال أمر الأمة منتظما، وهم بخير، ما داموا محافظين على سنة تعجيل ~~الفطر، وإذا أخروه، كان علامة على فساد يقعون فيه. # وفي ms0586 الحديث دليل على استحباب تعجيل الفطر، بعد تحقق غروب الشمس، وقد اتفق ~~العلماء عليه. # وفيه: الرد على المتشيعة الذين يؤخرون الفطر إلى ظهور النجم، ولعل المراد ~~بالحديث الرد عليهم. # وفيه: الحث على اتباع السنة، وترك مخالفتها، وأن فساد الأمر بتركها، ~~والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث العاشر # عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، فقد أفطر ~~الصائم" (¬1). # وتقدم الكلام على عمر أول الكتاب. # أما إقبال الليل وإدبار النهار، فهما متلازمان في الوجود، وقد ينفكان في ~~الحس في بعض المواضع؛ بأن يكون في جهة المغرب ما يستر البصر عن PageV02P883 # الغروب، ويكون بالمشرق ظاهرا بارزا؛ بأن يكون في واد؛ بحيث لا يشاهد غروب ~~الشمس، فيعتبر إقبال الظلام، وإدبار الضياء. # وجاء في رواية في هذا الحديث: "وغابت الشمس" (¬1)، وهي ملازمة للإقبال ~~والإدبار، لكنها مخرجة على ما ذكرنا فيهما. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فقد أفطر الصائم"، معناه: فقد انقضى صومه ~~وتم، وصار في حكم المفطر، وإن لم يأكل، ويكون المعنى: فقد حل له الفطر بعد ~~أن كان حراما، أو يكون المراد: فقد دخل في الفطر، وإن لم يأكل، كما يقال: ~~أصبح، إذا دخل في وقت الصبح، وأمسى، وأظهر كذلك، ويكون مفطرا شرعا، لا حسا؛ ~~كالعيدين والتشريق، وتكون الفائدة فيه: أن الليل غير قابل للصوم، وأنه بنفس ~~دخوله خرج الصائم من الصوم. # وعلى المعنى الأول: يكون دخول الليل علامة لجواز الفطر، وعلى الثاني: ~~يكون فيه بيان امتناع الوصال، بمعنى الصوم الشرعي. # فلا يكون من أمسك حسا صائما شرعا، بل هو مفطر شرعا، وفي ضمن ذلك إبطال ~~فائدة الوصال شرعا؛ إذ لا يحصل به ثواب الصوم. # وقال بعضهم: لا يجوز الإمساك بعد الغروب، وهو كإمساك يوم الفطر، ويوم ~~النحر، وقال بعضهم: هو جائز، وله أجر الصائم، واحتجوا بأن الأحاديث الواردة ~~في الوصال فيها ما يدل على النهي عن الوصال تخفيفا ورفقا، وفي بعضها نهاهم ~~عن الوصال رحمة لهم. # وفي هذا ms0587 الحديث فوائد: # بيان وقت الصوم وتحديده. # ومنها: الرد على أهل الكتاب وغيرهم من المتشيعة الذين قالوا: لا يفطر حتى ~~تظهر النجوم. PageV02P884 # ومنها: أن الأمر الشرعي أبلغ من الحسي، وأن العقل لا يقضي على الشرع، بل ~~الشرع قاض عليه؛ حيث جعل دخول الليل فطرا شرعا. # ومنها: البيان بذكر اللازم والملزوم جميعا؛ فإن اللازم يلزم منه وجود ~~اللزوم، ولا ينعكس؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - ذكر إقبال الليل، وهو ~~لازم، وإدبار النهار، وهو ملزوم الفطر، للإيضاح والبيان، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الحادي عشر # عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: نهى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن الوصال، قالوا: إنك تواصل، قال: "إني لست مثلكم، إني أطعم ~~وأسقى" رواه أبو هريرة، وعائشة، وأنس (¬1). # ولمسلم عن أبي سعيد الخدري: "فأيكم أراد أن يواصل، فليواصل إلى السحر" (¬2). # أما ابن عمر ومن ذكر من الصحابة - رضي الله عنهم -، فتقدم ذكرهم. PageV02P885 # وأما قوله: "رواه أبو هريرة" إلى آخره، فيحتمل أنه ذكر روايتهم لتقرير ~~النهي وتأكيده؛ حيث إن كلا منهم متأخر التحمل عنه - صلى الله عليه وسلم -، ~~والرواية، وذلك دليل على استقرار حكم النهي وعمومه. # وأما الوصال، فحقيقته: أن يتصل صوم اليوم الأول باليوم الثاني من غير فطر ~~بينهما، فلا يتناول ذلك الفطر وقت السحر، ولا يكون ذلك وصالا، لكنه - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "فأيكم أراد أن يواصل، فليواصل إلى السحر"، وذلك ~~يقتضي تسميته وصالا، فيكون صورة لا معنى. # والحكمة في النهي عنه الملل المترتب عليه، والتعرض للتقصير في بعض وظائف ~~الدين؛ من إتمام الصلاة، ووظائفها، وغيرها من وظائف العبادات المشروعة، في ~~ليله ونهاره، أو ترك الصوم بالكلية، أو إبطاله، ولهذا المعنى نهى في الصوم ~~عن الفصد والحجامة، ومنع من القبلة ونحوها فيه؛ حيث إن ذلك يؤدي إلى إبطاله ~~وإفساده، وما أدى إلى الفساد، فهو فاسد. # ثم الشيء قد يكون مأمورا به بأصل الشرع؛ كالصوم، إما واجبا، إما ندبا، ~~وقد يكون مأمورا به، مترتبا على إيجاب الشخص على نفسه؛ كالنذر، فإنه منهي ~~عنه ms0588 بأصل الشرع، واجب الإتيان به، والحديث يعم النهي عن الوصال في ذلك جميعه. # فإن كان في الواجب بأصل الشرع، كان تركه واجبا، وإن كان في المندوب على ~~قول من يوجب إتمامه من الفقهاء، فكذلك، وعلى قول من يستحبه، كان تركه ~~مستحبا، وفعله مكروها. # وأما النذر: فهو متردد بين كون أصله منهيا عنه، ويين ترتيب الوجوب عليه، ~~لكن رتبته في المنع من الوصال أعلى من رتبة الصوم المندوب، وأدنى من رتبة ~~الصوم الواجب بأصل، وفيه نظر، فيحتمل استواؤهما؛ لاستوائهما في الوجوب، ~~ويحتمل افتراقهما؛ لاختلافهما في الإيجاب بأصل الشرع، أو بإيجاب الشخص دون ~~الشرع. لكن الوجوب في النذر؛ إنما هو للوفاء بما التزمه PageV02P886 # العبد لله تعالى، وألا يدخل فيمن يقول ما لا يفعل. # وهذا بمفرده لا يقتضي استواءهما في المصالح، مع ما ثبت عنه - صلى الله ~~عليه وسلم - من النهي عن النذر مع وجوب الوفاء بالمنذور. # فلو كان مطلق الوجوب مما يقتضي مساواة المنذور بغيره من الواجبات، لكان ~~فعل الطاعة بعد النذر أفضل من فعلها قبل النذر، مع أن فعل الطاعة قبل النذر ~~داخل في قوله تعالى، فيما ثبت في الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فيما رواه عن ربه - سبحانه وتعالى -: "وما تقرب عبدي إلي بمثل أداء ما ~~افترضت عليه" (¬1)، فيحمل النهي عن الوصال والبحث المذكور على أداء ما ~~افترض بأصل الشرع؛ لأنه إذا حمل على العموم، كان النذر وسيلة إلى تحصيل ~~الأفضل من الوصال وغيره، فكان يجب أن يكون مستحبا، ولم يقل أحد به، بل ~~اتفقوا على كراهته. # ثم إن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فأيكم أراد أن يواصل، فليواصل إلى ~~السحر"، محمول # على مواصلة ترك الفطر وعدم تعجيله، لا على مواصلة الصوم المنهي عنه؛ فإن # الليل غير قابل إجماعا، وهذه الإباحة، بشرط ألا يفوت بها حقا مستحبا # ولا واجبا. # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إني لست مثلكم، إني أطعم وأسقى" ~~معناه: الكناية عن القوة التي جعلها الله تعالى له، وإن لم يطعم ويسقى، بل ~~يكون كمن ms0589 أطعم وأسقي. # وقيل: يخلق الله تعالى فيه من الشبع والري ما يغنيه عن الطعام والشراب. ~~وقيل: يطعم ويسقى حقيقة من طعام الجنة؛ كرامة له - صلى الله عليه وسلم -. # والصحيح: الأول؛ لأنه لو كان حقيقة، لم يكن مواصلا، ومما يوضح معنى أنه ~~كناية عن القوة التي تكون فيمن أطعم وأسقي، ويقطع كل تأويل، ما رواه مسلم ~~في رواية "صحيحه": أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إني أظل ~~يطعمني ربي ويسقيني" (¬2). PageV02P887 # ولفظة: أظل، لا تستعمل إلا في النهار؛ فلو كان يأكل ويشرب حقيقة، لما جاز ~~إجماعا، فدل على أن المراد: الكناية عن القوة ونحوها، والله أعلم. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: المنع من الوصال لغير النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد اختلف ~~السلف من الصحابة - رضي الله عنهم - وغيرهم من العلماء فيه، فمنهم من قال: ~~إن قدر عليه ولا حرج في فعله، مستدلا بقوله في "صحيح مسلم"، في بعض طرقه: ~~نهاهم عن الوصال رحمة لهم (¬1)، وهذا لا يمنع النهي عنه، وكونه مرجوحا ~~فعله؛ حيث إن الشرع سد باب الذرائع، ولما كان الوصال يؤدي غالبا إلى المشقة ~~وترك الواجب، منع منه؛ لئلا يتكلفوا ما يشق عليهم؛ ولهذا قال - صلى الله ~~عليه وسلم -: "لست مثلكم". # ومنهم من أجازه وفعله، فممن فعله من الصحابة: عبد الله بن الزبير، وابنه ~~عامر بن عبد الله، حتى روي أن عبد الله بن الزبير - رضي الله عنه - كان ~~يواصل سبعة أيام، حتى تتبين أمعاؤه، فإذا كان اليوم السابع، أتي بسمن وصبر ~~فيتحساه (¬2) حتى يفتق الأمعاء مخافة أن تنشق بدخول الطعام فجأة فيها. # ومنهم من قال: لا يجوز الوصال، وهو قول الجمهور، ونص الشافعي - رحمه الله ~~- عليه وأصحابه، ولهم في المنع منه وجهان: # أحدهما: منع كراهة، وأصحهما: منع تحريم؛ لأنه لا معنى للنهي إلا التحريم ~~مع قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أقبل الليل من هاهنا، فقد أفطر ~~الصائم"، فأي وصال بقي؟ # ومنهم من قال: يواصل إلى السحر، وبه قال ابن وهب، وأحمد بن حنبل، وإسحاق ~~بن راهويه؛ ms0590 لحديث أبي سعيد، وقد تقدم الكلام عليه، والمراد منه، والله ~~أعلم. PageV02P888 # أما النبي - صلى الله عليه وسلم -، فالوصال من خصائصه التي أبيحت له، وهو ~~محرم على أمته، قاله العلماء؛ كالخطابي وغيره من الشافعية، لا اختلاف فيه، ~~لكنه من باب الإكرام له، والتخفيف عنه، وليس من باب التشديد والتثقيل عليه ~~- صلى الله عليه وسلم -، والله أعلم. # ومنها: أن الأتباع إذا رأوا من متبوعهم شيئا مخالفا لما أمرهم به، أو ~~نهاهم عنه، سألوه عنه. # ومنها: أن [المتبوع] يبينه لهم، ويذكر لهم علته. # ومنها: ما اختص الله تعالى به نبيه محمدا - صلى الله عليه وسلم - من ~~الأحكام دون غيره؛ تكريما له، وتشريفا ولطفا، وتعريفا لقدره - صلى الله ~~عليه وسلم -، وتبيينا لعظيم رتبته عند ربه - سبحانه وتعالى -. # ومنها: بيان قدرة الله تعالى على إيجاد المسببات العاديات من غير سبب ~~ظاهر للخلق؛ لأنه لو كان السبب في وصاله - صلى الله عليه وسلم - ظاهرا، لما ~~سألوه عنه، ولما احتاج إلى البيان لهم، والله أعلم. # ولا شك أن الله تعالى أجرى الأشياء كلها على الأسباب، لكن بعضها يكون ~~ظاهرا لكل أحد، وبعضها يكون خفيا لا يعلمه إلا الخواص، فيتوهم أنه جرى على ~~غير سبب، فليعلم ذلك! # والحكمة في ذلك جميعه: تعريف قدرة الله -عز وجل- في الأسباب والمسببات، ~~وأنه - سبحانه وتعالى - واحد في ذاته وصفاته ومخلوقاته، ألا له الخلق ~~والأمر، تبارك الله رب العالمين. # * * * PageV02P889 ### || AUTO باب أفضل الصيام وغيره # فيه أحاديث. ### ||| AUTO الحديث الأول # عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال: أخبر رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أني أقول: والله لأصومن النهار، ولأقومن الليل ما ~~عشت، فقلت له: قد قلته بأبي أنت وأمي، فقال: "فإنك لا تستطيع ذلك"، قال: ~~"فصم وأفطر، ونم وقم، وصم من الشهر ثلاثة أيام؛ فإن الحسنة بعشر أمثالها، ~~وذلك مثل صيام الدهر"، قلت: إني أطيق أفضل من ذلك، قال: "فصم يوما وأفطر ~~يومين"، قلت: إني أطيق أفضل من ذلك، قال: "فصم يوما وأفطر يوما، فذلك صيام ~~داود - صلى الله ms0591 عليه وسلم -، وهو أفضل الصيام"، فقال: إني أطيق أفضل من ~~ذلك، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أفضل من ذلك (¬1). # وفي رواية: "لا صوم فوق صوم داود، شطر الدهر، صم يوما وأفطر يوما (¬2). PageV02P890 # تقدم الكلام على عبد الله بن عمرو بن العاص. # أما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإنك لا تستطيع ذلك"؛ عدم الاستطاعة ~~تطلق بمعنيين: أحدهما: المتعذر مطلقا، الذي لا يمكن، والثاني: الشاق على ~~الفاعل. # والحديث محمول على الثاني، وحمل بعضهم على الأول: قوله تعالى {ولا تحملنا ~~ما لا طاقة لنا به} [البقرة: 286]، حمله على المستحيل، حتى أخذ منه جواز ~~تكليف ما لا يطاق، وحمل بعضهم الآية على ما يشق، وهو الأقرب، ويمكن أن يحمل ~~الحديث على المتعذر الممتنع، إما لكبر السن، وأعلم النبي وأنه سيصير إلى سن ~~لا يستطيع فعل ما التزمه، وإما لاستحقاق الزمن الذي التزم فيه ما التزمه ~~أمورا يتعذر فعل ذلك فيها؛ حيث إنه - صلى الله عليه وسلم - علم أنه لا ~~يستطيع ذلك مع القيام ببقية المصالح المرعية شرعا. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وذلك مثل صيام الدهر" اعلم أن المثلية ~~ترد في الأحاديث كثيرا، والمراد بها القول الحسي الواقع في الخارج؛ للحث ~~على فعل المذكور من غير تضعيف الحسنات فيها؛ كالممثل به؛ حيث إن المقدر لا ~~يكون كالمحقق؛ فإن القواعد اقتضت ذلك؛ فالحسنات تتفاوت بحسب تفاوت المصالح ~~بالمشقة بالفعل وغيره؛ فكيف تستوي من فعل الشيء بمن قدرته؛ لكن المراد في ~~نظر الشارع في التقدير؛ الفعل المرتب عليه التضعيف في التحقيق. # ومن هاهنا استدل على جواز صوم الدهر استحبابا؛ من حيث إن صوم ثلاثة أيام ~~من الشهر مرغب فيها؛ كترغيب صوم الدهر. # ولا يجوز أن تكون جهة الترغيب هي جهة النهي، وسبيل الجواب في النهي عن ~~صوم الدهر -عند من قال به- متعلق بالفعل الحقيقي، وهو في كل الأوقات الجائز ~~الصوم فيها، والمنهي عنه فيها، وجهة الثواب ها هنا حصوله على الوجه ~~التقديري، وهو غير الحقيقي، فاختلف جهة الترغيب والنهي فإن صوم الدهر حسا، ~~غير صومه ms0592 شرعا، والذين قالوا باستحبابه قالوا: بشرط ألا يعطل عن حق شرعي، ~~فإن عطل، كان مكروها، وعليه نزل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صام من ~~صام PageV02P891 # الأبد" (¬1)، مع أن الأبد لا يقتضي دخول الأيام المنهي عنها فيه. وهذا ~~الاشتراط لا بأس به، لكن الدليل الدال على كراهة صوم الدهر أقوى منه دلالة، ~~فالعمل بالأقوى أولى وأوجب، والذين أجازوا صومه، حملوا النهي على من عجز ~~عنه، أو اقترن به لزوم تعطيل مصالح راجحة عليه، أو متعلقة بحق الغير؛ ~~كالزوجة مثلا. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: أن الكبير العالم إذا بلغه عن بعض أصحابه أمر يخالف الأولى في حقه، ~~أو مطلقا، أن ينبهه عليه، [ويبينه] له. # ومنها: أن التزام الطاعات الشاقات التي لا يستطاع القيام بها، أو الدوام ~~عليها، غير لازمة. # ومنها: أن الإنسان إذا سئل عما نقل عنه، يجيب بالواقع، ولا يوري؛ خصوصا ~~فيما يتعلق بالعبادات. # ومنها: التفدية بالآباء والأمهات لكبار العلماء، وصدقهم، وجوابهم بأحسن ~~العبارات. # ومنها: أن الشخص لا يعمل إلا ما يستطيع الدوام عليه، ويراعي في ذلك حق ~~الله - عز وجل -، وحق نفسه، وحق غيره. # ومنها: بذل الوسع في الاجتهاد في العبادات على حسب الطاقة، وأداء غيرها ~~من الطاعات. # ومنها: جواز صوم الدهر، غير الأيام الخمسة المنهي عنها، وهو مذهب ~~الجمهور. # وقد سرد الصوم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قبل موته بسنتين، وسرده PageV02P892 # أبو الدرداء، وأبو أمامة الباهلي، وعبد الله بن عمرو، وحمزة بن عمرو، ~~وعائشة، وأم سلمة - رضي الله عنهم - زوجا رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، وأسماء بنت أبي بكر، وجماعة من التابعين. # وقال الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى -: فإن قوي على صوم الدهر، إذا ~~أفطر الأيام التي نهى عنها الشرع، فحسن، ومنع أهل الظاهر صيام الدهر؛ لقوله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "لا صام من صام الأبد" (¬1)، أو: "ما صام ولا ~~أفطر" (¬2)، وتأوله مخالفوهم على من صام الدهر بالأيام المنهي عنها، وهو ~~جواب عائشة - رضي الله عنها -، وهو حقيقة صوم الأبد كما ذكرناه، فمن صام ~~هذه ms0593 الأيام مع غيرها، فهو صائم الأبد، ومن أفطرها، لم يصم الأبد. # إلا أن في هذا خروجا عن الحقيقة الشرعية في مدلول لفظة "صام"؛ حيث إنها ~~غير قابلة للصوم شرعا، فإن وقعت المحافظة على حقيقة الأبد، فقد وقع الإخلال ~~بحقيقة لفظ: "صام الأبد" شرعا، فيجب أن يحملوا ذلك على الصوم اللغوي، وإذا ~~دار اللفظ بين حمله على مدلول اللغة، ومدلول صاحب الشرع في ألفاظه، حمل على ~~الحقيقة الشرعية، مع أن تعليق الحكم بصوم الأبد يقتضي ظاهره أن الأبد متعلق ~~الحكم من حيث هو أمد، وإذا وقع الصوم في هذه الأيام، فعلته وقوعه في الوقت ~~المنهي عنه، فعلته ترتب الحكم، ويبقى ترتيبه على مسمى الأبد غير واقع؛ فإنه ~~إذا صام هذه الأيام، تعلق به النهي، سواء صام غيرها، أو أفطر، فلا يبقى ~~متعلق النهي، وعلته: صوم الأبد، بل صوم هذه الأيام، إلا أنه لما كان صوم ~~الأبد يلزم منه صوم هذه الأيام، تعلق به النهي؛ لكونه ملزوما للنهي عنه، ~~فمن هنا نظر المؤولون لهذا التأويل، وتركوا التعليل بخصوص صوم الأبد. # تأويل ثان: أنه محمول على من تضرر به، أو فوت حقا، كما ذكرنا. PageV02P893 # تأويل ثالث: أن معنى "لا صام من صام الأبد": أنه لا يجد من مشقته ما ~~يجدها غيره ممن صام وأفطر، فيكون "لا صام الأبد" خبرا، لا دعاء، مع أن نهي ~~عبد الله بن عمرو وخطابه بذلك كان لعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - بعجزه ~~آخر عمره، فعجز وندم على كونه لم يقبل الرخصة، فنهيه عنه لعلمه بأنه سيعجز، ~~وإقراره لحمزة بن عمرو؛ لعلمه بقدرته بلا ضرورة. # وقد اختلف الفقهاء في الأفضل من صوم يوم ويوم، أو صوم الدهر غير الأيام ~~المنهي عنها، مع اتفاقهم على جواز الأمرين إذا لم يتضرر بواحد منهما، ولم ~~يفوت حقا، فاستدل من قال بأفضلية صوم يوم ويوم بهذا الحديث، وهو قوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "وهو أفضل الصيام"، وفي رواية: "أحب الصيام إلى الله"، ~~وهو أقوى الصيام في ذلك. # واستدل من قال بأفضلية صوم ms0594 الدهر بالشرط المذكور بأن العمل كلما كان ~~أكثر، كان الأجر أوفر، وهذا هو الأصل، فيحتاج إلى تأويل قول من قال بأفضلية ~~يوم ويوم، ودليلهم. # فقيل: إنه أفضل بالنسبة إلى حال من حاله مثل عبد الله بن عمرو ممن يتعذر ~~عليه الصوم الأكثر وبين القيام بالحقوق. # وقال شيخنا الإمام أبو الفتح - رحمه الله - (¬1): والأقرب عندي أن يجري ~~على ظاهر الحديث في تفضيل صيام داود - صلى الله عليه وسلم -، والسبب فيه؛ ~~أن الأقوال متعارضة المصالح والمفاسد، وليس ذلك معلوما لنا، ولا منحصرا، ~~فإذا تعارضت المصالح والمفاسد، فمقدار كل واحد منهما في الحث والمنع غير ~~محقق لنا، فالطريق حينئذ؛ أن يفوض الحكم إلى صاحب الشرع، ويجري على ما دل ~~عليه ظاهر اللفظ مع قوة الظاهر هاهنا. # وأما زيادة العمل، واقتضاء القاعدة زيادة الأجر بسببه، فيعارضه اقتضاء PageV02P894 # العادة والجبلة والتقصير في حقوق يعارضها الصوم الدائم، ومقادير ذلك ~~بالفائت مع مقادير الحاصل من الصوم، غير معلوم لنا. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صوم فوق صوم داود"؛ يحمل على أنه لا ~~فوق في الفضيلة المسؤول عنها. # قلت: والذي تقتضيه الأدلة كلها، وفعل الصحابة - رضي الله عنهم - وغيرهم، ~~وتقرير حمزة بن عمرو وغيره، وأمره - صلى الله عليه وسلم - بإكثار الصوم لمن ~~لا يستمع التزوج، وسرده - صلى الله عليه وسلم - الصوم في بعض الشهور ~~والإفطار في بعضها، وتخفيف المشقة في الصوم سردا، والمشقة في تفريقه يوما ~~يوما: أن الأفضلية تختلف باختلاف الأشخاص، على حسب حاجتهم إليه، والقيام ~~بحقوق الله -عز وجل-، وفي غيره لا [يتقدر] بصوم يوم يوم، ولا بالسرد؛ جمعا ~~بين الأدلة، والثواب وكثرته وقلته راجع إلى ما ذكرته، لا إلى كثرة العمل ~~وقلته، بل إلى الإخلاص فيه والمقاصد، فرب عمل قليل أفضل من كثير، والذي ذكر ~~من الترجيحات، إنما هو بالنسبة إلى الظاهر، والله سبحانه أعلم. # ومنها: استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وقد اختلف العلماء في تعيينها ~~اختلافا كثيرا، وهو اختلاف في تعيين الأحسن، والأفضل لا غير. # وليس في هذا الحديث شيء مما ms0595 يدل على تعيين شيء، بل فيه تعليله بأن الحسنة ~~تضاعف بعشر أمثالها. # وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، ~~ولم يكن يبالي من أي الشهر كان يصوم، وقد أمر - صلى الله عليه وسلم - ~~بالصوم من سرة الشهر، ومن سرر الشهر، ولا شك أن سرة الشهر وسطه، فيكون ~~المراد بالثلاثة: الأيام البيض؛ وهي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، ~~وجاءت مبينة في حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الترمذي، وغيره (¬1). # ولعل النبي - صلى الله عليه وسلم - نبه بسرة الشهر، وبحديث الترمذي في ~~أيام البيض، على PageV02P895 # أفضليتها، لا على كونها ثلاثا من كل شهر، كما نبه على صوم الاثنين ~~والخميس، ومعلوم أنهما متكرران في كل شهر، وسرر الشهر أوله، وقيل: آخره، ~~وقيل: وسطه، وخياره وأفضله لغة. # وقد وقع الأمر بصوم الثلاث أول الشهر، وقد وقع آخره، وكل ذلك يبين أنه لا ~~حرج في ذلك، وأن الاختلاف إنما هو في الأحسن الأفضل. # ومنها: كراهة قيام كل الليل، ونقلت الكراهة عن جماعة، ودليلهم: رد النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - ذلك على من أراده، ولما يتعلق بفعله من الإجحاف ~~بوظائف من الدين وغيره عديدة، وقال أصحاب الشافعي - رحمهم الله -: يكره ~~قيام كل الليل دائما لكل واحد، وفرقوا بينه وبين صوم الدهر في حق من لا ~~يتضرر به، ولا يفوت حقا؛ بأن صلاة الليل كله لا بد فيها من الإضرار بنفسه، ~~وتفويت بعض الحقوق؛ لأنه إن لم ينم بالنهار، فهو ضرر ظاهر، وإن نام نوما ~~ينجبر فيه سهره، فوت بعض الحقوق، بخلاف من يصلي بعض الليل؛ فإئه يستغني ~~بنوم باقيه، وإن نام معه شيئا في النهار، كان يسيرا لا يفوت به حق، وكذا من ~~قام ليلة كاملة، كليلة العيد أو غيرها، لا دائما؛ فإنه لا كراهة في ذلك؛ ~~لعدم الضرر فيه، والله أعلم. # وتأول جماعة من المتعبدين من السلف وغيرهم رد النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قيام كل الليل والنهي عنه على الرفق بالمكلف فقط، لا على ms0596 الكراهة ~~الشرعية، والله أعلم. # ومنها: استدراج الشيخ المربي أتباعه في عبادات الصوم والصلاة وغيرها من ~~الأخف إلى الأثقل؛ لتتمرن نفوسهم عليها من غير كراهة ولا ملل يؤدي إلى ~~الترك بالكلية، وهذه سنة الله - عز وجل - في وحيه وتنزيله، ورسله - صلى ~~الله عليهم وسلم -. # ومنها: مراعاته - صلى الله عليه وسلم - للأنبياء - صلى الله عليهم وسلم - ~~في الاتباع؛ حيث ذكرهم الله - عز وجل - في كتابه العزيز، وأمره - صلى الله ~~عليه وسلم - بالاقتداء بهم في قوله تعالى: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم ~~اقتده} [الأنعام: 90] الذين من جملتهم في الذكر داود - صلى الله عليه وسلم ~~-. PageV02P896 # ومنها: بيان كرم الله تعالى في تضعيف الحسنة بعشر أمثالها، وأما السيئات، ~~فلا تضاعف، بل جزاء السيئة مثلها، إن لم يقترن بفعلها انتهاك حرمة شخص، أو ~~مكان أو زمان، فإن اقترن بفعلها شيء من ذلك، كانت مضاعفة؛ كالمعاصي من ~~أقارب الأولياء والعلماء والصالحين، أو منهم، وفي الأشهر الحرم والأزمنة ~~الفاضلة، وفي الحرم والمساجد، والمواضع الفاضلة الشريفة، وبجوار الأولياء ~~والصالحين، والله أعلم. # ومنها: الشفقة على الأتباع، والتخفيف عنهم، وأمرهم بإعطاء النفس حقها من ~~الراحة وغيرها؛ من الأكل والنوم، خصوصا إذا نوى بذلك امتثال الأمر؛ فإن ~~جميعه يكون طاعات وعبادات من الآمر والمأمور، والله أعلم. # ومنها: أن الشخص إذا نوى فعل طاعات لا يستطيع القيام بها، لا تلزمه، لكنه ~~يثاب على نيته إن لم يكن في الفعل طاعة محظورة. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن عبد الله بن عمرو -أيضا- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"إن أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود؛ كان ~~ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يوما، ويفطر يوما" (¬1). # تقدم الكلام على الصوم في الحديث قبله مبسوطا، وتقدم الكلام على قيام ~~الليل كله. # أما قيام بعض الليل، فهو سنة ثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وأفضل قيام الليل في النصف الأخير منه، وأي وقت قام فيه منه، كان إتيانا ~~بالسنة، وكان فاعله ممن يتجافى جنبه عن المضاجع، ms0597 حتى وردت السنة بذلك في حق ~~من قام بين المغرب PageV02P897 # والعشاء، لكن القيام بين المغرب والعشاء لا يسمى تهجدا، بل التهجد في عرف ~~الشرع: من قام بين فعل العشاء ونومه وطلوع الفجر، ووسط الليل أفضل من الأول ~~والأخير، وإن كانت الصلاة آخر الليل مشهودة؛ لما فيه من نوم الناس وغفلتهم ~~عنها، وقد ورد في حديث حسن: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"ذاكر الله في الغافلين كشجرة خضراء بين أشجار يابسة" (¬1). # والمراد بالوسط: ما في حديث ابن عمرو من فعل داود - صلى الله عليه وسلم - ~~هذا، وهو الثلث الذي بين النصف الأول والسدس الأخير، وإن كان في عبارة أبي ~~إسحاق الشيرازي في "التنبيه" (¬2) ما يخالف ظاهره ذلك بقوله: والثلث الأوسط ~~أفضل من الأول والأخير، لكن المراد به هذا الذي ذكرناه. وإنما كان ذلك ~~أفضل؛ لما فيه من مصلحة الإبقاء على النفس، واستقبال صلاة الصبح وأذكار ~~النهار بالنشاط، والذي يقدر في الصوم من المعارض وارد هنا من أن زيادة ~~العمل تقتضي زيادة الفضيلة، والكلام فيه كالكلام في الصوم من تفويض مقابلة ~~المصالح والمفاسد إلى صاحب الشرع، ومن مصالح القيام على ما في هذا الحديث ~~أنه أقرب إلى عدم الرياء في العمل؛ فإن من نام السدس الأخير، فإن نفسه تكون ~~مجموعة غير منهوكة، لا يظهر عليها أثر العمل عند من يراه، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: أوصاني خليلي - صلى الله عليه وسلم - ~~بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام ~~(¬3). PageV02P898 # أما قول أبي هريرة - رضي الله عنه - وغيره:: "خليلي" يصفون النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بذلك، ويضيفون خلته - صلى الله عليه وسلم - إلى نفوسهم؛ ~~تشرفا بها، فهذا جائز لا بأس به، وقد وقع من جماعة من الصحابة - رضي الله ~~عنهم - غير أبي هريرة، من غير نكير، بل ذلك مستعمل إلى الآن، لكنه بالمعنى ~~الذي ذكرناه. # أما إضافتها إليه - صلى الله عليه وسلم - بمعنى أنه اتخذهم، أو أحدا ms0598 منهم ~~خليلا، فهذا لا يجوز؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - نفاها عنهم، وأثبتها ~~لنفسه، وأضافها إلى الله تعالى. # وأما مخاللة الإيمان والإسلام، فهذا جائز بالاتفاق، فإن الله - عز وجل -، ~~ورسوله - صلى الله عليه وسلم - قد أثبتاها في الكتاب والسنة، فقال الله ~~تعالى: {إنما المؤمنون إخوة} [الحجرات: 10]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ~~"المسلم أخو المسلم" (¬1)، ومعنى الأخوة: المخاللة بهذا الوصف، والله أعلم. # وأما إيصاؤه - صلى الله عليه وسلم - بهذه الثلاث، فلما في المحافظة عليها ~~من الخيرات الدنيوية والأخروية، منها: التمرين للنفس على النوافل [المعينة] ~~من الصوم والصلاة؛ لكي تدخل في الواجب منهما بانشراح واسترواح، ولينجبر بها ~~مع ما يقع فيه من نقص، ولإذهاب السيئات؛ فإن الحسنات يذهبن السيئات، ~~ولتضعيف الحسنات؛ كما علل - صلى الله عليه وسلم - صوم ثلاثة أيام من الشهر ~~في الحديث قبله، بقوله: "فإن الحسنة بعشرة أمثالها"، وكان صومها يعدل صيام ~~الشهر، ولعل الحكمة فيه تحصيل العلم بالفرق بين أن يصوم الشهر تقديرا ~~وتخفيفا. # وأما صلاة الضحى، فلأن الركعتين منها تجزى عن الصدقات التي تصبح في كل ~~يوم على مفاصل ابن آدم، وهي ثلاث مئة مفصل وستون، وقد ورد في السنة الحث ~~على فعلها، وصنف الحاكم أبو عبد الله الحافظ فيها كتابا مستقلا، وفيه فوائد ~~جمة، وذكر فيه حديثا أنه يقرأ في الركعة الأولى منها بعد سورة الفاتحة: PageV02P899 # والشمس وضحاها، وفي الثانية: سورة: والضحى. # لكن الحديث ضعيف، وهو حسن العمل به فيهما، مناسب لها، والله أعلم. # ولا شك أن عدد ركعات صلاة الضحى له أكثر وأقل وأوسط، فبلغ الحاكم في ~~كتابه المذكور بأكثرها إلى اثنتي عشرة ركعة، وهذا الحديث بيان لأقلها، وهو ~~ركعتان، والوسط ما بينهما، وله درجات، وهي سنة مستحبة محثوث عليها بلا شك، ~~وعدم مواظبته - صلى الله عليه وسلم - عليها لا يدل على عدم استحبابها؛ فإن ~~الاستحباب يقوم بدلالة القول، وليس من شرط الحكم أن تتظافر عليه الأدلة، بل ~~ما واظب عليه - صلى الله عليه وسلم - وتترجح مرتبته على هذا، وعلى ما لم ~~يواظب عليه ظاهرا. # وأما ms0599 النوم على الوتر، فتقدم الكلام عليه في الحديث الثاني من باب الوتر، ~~في تقديمه وتأخيره، ورد فيه حديث يقتضي الفرق بين من يثق بنفسه القيام آخر ~~الليل، وبين من لم يثق، فعلى هذا تكون وصيته - صلى الله عليه وسلم - هذه ~~مخصوصة بمن حاله كحال أبي هريرة - رضي الله عنه - ومن وافقه، والله أعلم. # وفي هذا الحديث: استحباب وصية العالم أصحابه بالمندوبات وفعلها. # وفيه: استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر. # وفيه: استحباب ركعتين من الضحى كل يوم. # وفيه: شرعية الوتر، وأنه يفعل قبل النوم، على ما بيناه، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن محمد بن جعفر قال: سألت جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما -: أنهى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صوم يوم الجمعة؟ قال: نعم، وزاد مسلم: ورب ~~الكعبة! (¬1). # أما محمد بن عبد الله بن جعفر؛ فهو تابعي قرشي مخزومي مكي، ثقة، قليل PageV02P900 # الحديث، وثقه أبو زرعة وابن معين، وقال ابن سعد: كان ثقة، وقال ابن معين: ~~مشهور، وقال أبو حاتم: لا بأس بحديثه. # روى له البخاري ومسلم وغيرهما، واسم أبي جده جعفر: رفاعة بن أمية بن عابد ~~-بالباء الموحدة- بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وأمه زينب بنت عبد الله بن ~~السائب بن أبي السائب المخزومي، وسمع أيضا عبد الله بن عمر، وأبا هريرة، ~~وعبد الله بن عمرو بن العاص، وغيرهم، وروى عنه جماعة (¬1). # وأما جابر، فتقدم ذكره. # وهذا الحديث نص صريح في النهي عن صوم يوم الجمعة بمفرده، كيف وقد أقسم ~~جابر في جوابه عن نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صومه برب الكعبة، ~~وأما بمفرده جمعا بينه وبين الأحاديث الصحيحة الثابتة في عدم كراهة صومه، ~~إذا صام يوما قبله أو بعده، أو كان صوم يصومه عادة بنذر أو غيره، وأما إذا ~~لم يكن من ذلك، فهو مكروه، وبه قال من الصحابة - رضي الله عنهم -: أبو ~~هريرة، وسلمان، وهو مذهب الشافعي - رحمه الله -، وأصحابه، وقال مالك: لم ~~أسمع أحدا من أهل العلم والفقه ومن يقتدى ms0600 به ينهى عن صيام يوم الجمعة، ~~وصيامه حسن، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه، وأراه كان يتحراه (¬2)، وقد ~~قيل: إن الذي كان يتحرى صومه: محمد بن المنكدر، وهو الذي رىه مالك، وقد رأى ~~غيره خلاف ما رأى هو، والسنة مقدمة على ما رآه هو وغيره، والنهي ثابت من ~~غير نسخ له، فتعين القول به. # ومالك - رحمه الله - معذور؛ حيث لم تبلغه هذه السنة، ولو بلغته، لقال ~~بها، كيف وهو - رحمه الله تعالى - يقول: كل أحد مأخوذ من قوله ومتروك، إلا PageV02P901 # صاحب هذا القبر -يشير إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬1)؟! # قال الداودي -وكان من أصحاب مالك-: لم يبلغ مالكا هذا الحديث، ولو بلغه، ~~لم يخالفه (¬2). # واختلف العلماء في علة النهي عن صوم يوم الجمعة، والحكمة، فروي عن علي بن ~~أبي طالب - كرم الله وجهه -، وأبي ذر - رضي الله عنهما -: أنهما قالا: إنه ~~يوم عيد وطعام وشراب، فلا ينبغي صيامه، وبه قال أحمد، وإسحاق، وأورد ~~الطحاوي في ذلك حديثا مسندا، غير أن في سنده مقالا، وبينه بعضهم، ولفظه أنه ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تصوموا يوم الجمعة" فإنه يوم عيد، إلا أن ~~تصلوه بأيام" (¬3)، يريد به: بعض الأيام. # وقال بعضهم: يوم الجمعة يوم دعاء وذكر وعبادة؛ من الغسل، والتبكير إلى ~~الصلاة، وانتظارها، واستماع الخطبة، وإكثار الذكر بعدها؛ لقول الله - عز ~~وجل -: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا ~~الله كثيرا} [الجمعة: 10]، وغير ذلك من العبادات في يومها، ويستحب الفطر ~~فيه؛ ليكون أعون له على هذه الوظائف، وأدائها بنشاط وانشراح لها، والتذاذ ~~بها من غير ملل ولا سآمة، وهو نظير صوم الحاج يوم عرفة بعرفة؛ فإن السنة ~~فيه الفطر؛ لهذه الحكمة. # فإن قيل: لو كان الأمر كما ذكرتم من العلة والحكمة، لم يزل النهي ~~والكراهة بصوم قبله أو بعده؛ لبقاء هذا المعنى، والجواب أنه يحصل له بفضيلة ~~الصوم الذي قبله أو بعده ما يجبر ما قد يحصل من فتور أو تقصير في [وظائف] ~~يوم الجمعة بسبب صومه، ms0601 فهذا هو المعتمد في الحكمة في النهي عن إفراد صوم PageV02P902 # الجمعة، وقال بعضهم: سببه خشية أن يستمر على صومه، فيعتقد فرضه، وهذا ~~منتقض بصوم الأيام التي حض الشرع على صيامها؛ فإنها مشروعة الصيام ~~والمواظبة عليها من غير كراهة، ولم تترك لخوف اعتقاد وجوبها، كيف وهو - صلى ~~الله عليه وسلم - لم يبين هذا المعنى هنا كما بينه في قيام رمضان؟! ولما ~~زال المعنى، اتفق الصحابة - رضي الله عنهم - على قيامه. # وأجمع المسلمون على فعله من غير اعتقاد وجوبه، وبين ذلك عمر - رضي الله ~~عنه -، وهو مستمر إلى الآن من غير نكير. # وقيل: خشية أن يعظم بالصوم، كما عظمت اليهود والنصارى السبت والأحد من ~~ترك العمل، وهذا باطل؛ فإن تعظيم يوم الجمعة ثابت مبين في الكتاب والسنة ~~بأمور كثيرة، ولا يلزم من تعظيمه بالصوم لو كان مشروعا التشبه بالسبتية ~~والأحدية، فإنهم لا يعظمونه بذلك، لم يكن نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن ~~صومه ملزوما بالتشبه بهم، ولا لازما، بل لأمر اطلع عليه - صلى الله عليه ~~وسلم -، كيف وهم يعظمون سبتهم وأحدهم بالأكل والشرب؛ فقد روى أبو حاتم بن ~~حبان في "صحيحه" عن أم سلمة - رضي الله عنها -: أن رسول الله أكثر ما كان ~~يصوم من الأيام، يوم السبت والأحد، وكان يقول: "إنهما عيدان للمشركين، وأنا ~~أريد أن أخالفهم" (¬1). # ومعلوم أن يوم العيد يوم أكل وشرب، ويترك العمل والسعي في مصالحهم، وقد ~~كانوا أمروا بيوم الجمعة كما أمرنا به، فخالفوا وبدلوا، فجعل عليهم غضبا ~~وتغليظا، وتعظيم يوم الجمعة معروت عندهم، لكنهم غيروا وبدلوا. # والذي يقع التشبه بهم فيه ترك العمل، كما يفعله المصريون في هذه الأزمنة؛ ~~فإنهم تشبهوا فيه بسبت اليهود، وكان - صلى الله عليه وسلم - يزور قباء كل ~~سبت، والله أعلم. # وفي الحديث دليل على جواز الحلف من غير استحلاف؛ لتحقق الأمر. PageV02P903 # وفيه: إضافة الربوبية إلى المخلوقات المعظمة تشريفا لها وتفخيما. # وفيه: السؤال عن العلم للعلماء. # وفيه: جواب المفتي بنعم، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الخامس # عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: ms0602 سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: "لا يصومن أحدكم يوم الجمعة، إلا أن يصوم يوما قبله، أو يوما بعده" (¬1). # حديث أبي هريرة هذا يبين المطلق في الحديث قبله، وقد تقدمت الحكمة في ~~النهي عن صومه مستوفاة، والحكمة في زوال الكراهة بصوم يوم قبله أو بعده؛ ~~بأنه جبر لما وقع من التقصير بصومه، وترك شيء من الوظائف، أو أكمليتها بسببه. # وقد ذكر بعضهم أن الحكمة في رفع الكراهة بصوم يوم قبله تمرنه به، فيخف ~~عليه مشقته لو كان مفردا. # أما صوم يوم بعده، فلا يتأتى فيه هذا، مع أنه ورد في صوم يوم السبت مع ~~الأحد، وأنه سنة حديث حسن أو صحيح عن أم سلمة كما ذكرناه في الكلام على ~~الحديث قبله قريبا، وورد النهي عن صوم السبت وحده في حديث صحيح أو حسن؛ أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض ~~عليكم، ولو لم يجد أحدكم إلا لحاء شجرة فليفطر عليه" (¬2). PageV02P904 # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إلا أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده، لا ~~يقتضي لغة إتباعهما ليوم الجمعة، وإن اقتضاه عرفا؛ فإن القبلية والبعدية ~~تصدق، وإن لم يكونا تباعا له، خصوصا على الحكمة في كونهما جبرا لما وقع من ~~التقصير فيه، أما من علل بتخفيف المشقة، فلا يتاتى ذلك. # قال أصحاب الشافعي: يكره إفراد يوم السبت بالصوم؛ لهذا الحديث، وقد أخرجه ~~أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه"، وحسنه ~~الترمذي، وقال النسائي: أحاديثه مضطربة، فيقتضي ذلك ضعفه عنده. # وقال أبو داود بعد روايته له: هذا الحديث منسوخ، ولعل نسخه عنده بصوم ~~السبت والأحد؛ لكونهما عيدين للمشركين. والمدعى إفراده بالصوم، فإذا صام ~~الجمعة والسبت، زالت الكراهة فيهما، وكذا إذا صام السبت والأحد، زالت ~~الكراهة اتفاقا، والله أعلم. # وقد يقتضي هذا الحديث أن العلة في النهي عن صوم الجمعة إفراده به بالقصد، ~~ولا شك أن ذلك عام بالنسبة إلى كل الأمة، وليس فيه دليل على جماعة غيره من ~~الصوم وتخصيصه ms0603 به، بل فيه دليل على جواز صوم غيره معه، إما تباعا، أو مفردا ~~على ما ذكرناه، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث السادس # عن أبي عبيد - مولى ابن أزهر - واسمه سعد بن عبيد، قال: شهدت العيد مع ~~عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، فقال: هذان يومان نهى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - عن صيامهما؛ يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون ~~فيه من نسككم (¬1). # أما أبو عبيد: فهو تابعي مدني ثقة، زهري، مولى عبد الرحمن بن أزهر بن PageV02P905 # عبد عوف، ويقال: مولى عبد الرحمن بن عوف، وهو ابن عمه، فإن أزهر وعوفا ~~أخوان، وهما ابنا عبد عوف، وسمع عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبا هريرة. # روى عنه الزهري، وسعد بن خالد القارطي، قال الزهري: كان من القدماء وأهل ~~الفقه، توفي بالمدينة سنة ثمان وتسعين، وروى له البخاري ومسلم، وغيرهما (¬1). # قوله: "يوم فطركم" مرفوع، إما على أنه بدل من يومان، وإما على أنه خبر ~~مبتدأ تقديره: أحدهما، ووصفهما بالفطر والنسك؛ لتبيين العلة لفطرهما، وهو ~~الفصل من الصوم واشتهار تمامه، وحده يفطر ما بعده، والآخر لأجل النسك ~~المتقرب بها فيه ليؤكل منها، ولو كان يوم صوم، لم يؤكل منها فيه ذلك اليوم، ~~فلم يكن لنحره فيه معنى. # قيل: فطرهما شرع غير معلل. # والنسك هنا عبارة عن الذبيحة المتقرب بها إلى الله - عز وجل -، وفرق بعض ~~الفقهاء بين الهدي والنسك، وأجاز الأكل، إلا من فدية الآدمي، ونذر ~~المساكين، وهدي التطوع إذا عطب قبل محله. # وجعل الهدي جزاء الصيد، وما وجب لنقص في حج أو عمرة. # وفي هذا الحديث دليل على تحريم الصوم يومي العيد بكل حال، سواء صامهما عن ~~نذر، أو تطوع، أو كفارة، أو غير ذلك؛ من قضاء فرض، أو متمتع، وهذا كله ~~إجماع من الأئمة لا نزاع فيه. # ولو نذر ناذر صيام يوم بعينه، فوافق ذلك يوم فطر أو أضحى، فأجمعوا أنه لا ~~يصومهما، وهل يلزم قضاؤهما؛ فيه خلاف للعلماء، وهو قولان للشافعي: PageV02P906 # أصحهما: لا يجب القضاء؛ لأن النهي يقتضي ms0604 التحريم، والتحريم العائد على ~~الوصف للشيء وذاته يقتضي الفساد، وإذا اقتضى ذلك لم يقتض القضاء؛ إذ القضاء ~~لا يجب إلا بأمر محدد، وهو الراجح عند الأصوليين. # أما إذا نذر صومهما معتمدا لعينهما، فقال الشافعي والجمهور: لا ينعقد ~~نذره، ولا يلزمه قضاؤهما. # وقال أبو حنيفة: ينعقد قضاؤهما. قال: فإن صامهما، أجزأه، وخالف الناس ~~كلهم في ذلك. ولا شك أن الحنفية قالوا: إذا نذر صوم العيد وأيام التشريق، ~~صح نذره، وخرج عن العهد بصوم ذلك، وطريقهم فيه: أن الصوم له جهة عموم وجهة ~~خصوص، فهو من حيث إنه صوم يقع الامتثال به، ومن أحيث، إنه يوم عيد يتعلق به ~~النهي، والخروج عن العهدة يحصل جهة كونه صوما. # ولا شك أن البحث في هذه المسألة يرجع إلى أمرين: # أحدهما: انفكاك النهي من هذا الصوم المنذور، فلا يصح أن يكون قربة، فلا ~~يصح نذره، فيتعلق النهي بصومه عن العيد، فلا يصح مطلقا. وهذا بخلاف الصلاة ~~في الدار المغصوبة عند من يقول بصحتها؛ فإن إيقاعها في مكان مغصوب ليس ~~مأمورا به في الشريعة، والأمر فيها وجه الأمر إلى مطلق الصلاة، والنهي إلى ~~مطلق الغصب، وتلازمهما واجتماعهما إنما هو في فعل المكلف المتعلق بالأمر ~~والنهي الشرعي، فلم يتعلق النهي شرعا بخصوص الصلاة فيها، بخلاف صوم العيد؛ ~~فإن النهي ورد عن خصوصية، فتلازمت فيه جهة العموم والخصوص في الشريعة، ~~وتعلق النهي بعين ما وقع به النذر، فلا يكون قربة. # الأمر الثاني: أن النهي يدل على عدم الصحة، وإذا دل على ذلك، اقتضى ~~الفساد من كل الوجوه. # ونقل عن محمد بن الحسن: أن النهي لا بد فيه من إمكان المنهي عنه، فيدل ~~على صحته؛ إذ لا يقال للأعمى: لا تبصر، وللإنسان لا تنطق، فإذا هذا المنهي PageV02P907 # عنه صوم يوم العيد ممكن، وإذا أمكن، ثبتت الصحة، وهو ضعيف؛ لأن الصحة ~~معتبر فيها التصور الشرعي، وهو ممتنع، لا التصور العقلي أو العادي، وكان ~~محمد بن الحسن يصرف اللفظ في المنهي عنه إلى المعنى الشرعي. # وفيه دليل: على أن الخطيب يذكر ms0605 في خطبته ما يتعلق بوقته من الأحكام، فإن ~~عمر - رضي الله عنه - ذكر في خطبته نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ~~صوم يوم العيد؛ لمسيس حاجة الناس إلى ذلك. # وفيه: الإيماء والتنبيه على علل الأحكام، إما بالتسمية اللازمة للوصف ~~الشرعي، وإما بما يلازمه من فعل أو حال. # وفيه دليل: على جواز الأكل من النسك. # وفيه دليل: على أن من سمع علما يجوز له روايته، وإن لم يأذن له المسموع ~~منه في ذلك، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث السابع # عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عن صوم يومين: الفطر والنحر، وعن الصماء، وأن يحتبي الرجل في ثوب ~~واحد، وعن الصلاة بعد الصبح والعصر. أخرجه مسلم بتمامه، وأخرج البخاري ~~الصوم [منه] فقط (¬1). # أما أبو سعيد ونسبته، فتقدم الكلام عليهما، وتقدم الكلام على يومي الفطر ~~والنحر. # وأما قوله: "وعن الصماء"، فالمراد به: اشتمال الصماء، على حذف PageV02P908 # المضاف، وقد ثبت في لفظ آخر، وهو الالتفاف في ثوب واحد من رأسه إلى ~~قدميه، يجلل به جسده، وتسمى الشملة الصمة أيضا، سميت بذلك؛ لشدها وضمها ~~جميع الجسد، ومنه الحديث. والثاني كالأزرة صماء؛ أي: مكتنزة لا تخلل فيها، ~~ومنها صمام القارورة، قال صاحب "المطالع": هذا قول أهل اللغة (¬1). # فأما مالك وجماعة من الفقهاء، فهو عندهم الالتحاف بثوب واحد، ويرفع جانبه ~~على كتفه وهو بغير إزار، فيفضي ذلك إلى كشف عورته. # قلت: ولفظ الحديث مطابق لقول أهل اللغة، ولا يشعر تفسير مالك وغيره من ~~الفقهاء به من لفظ الصماء، والنهي عنه يحتمل خوف الدفع إلى حالة شاذة ~~لمتنفسه فيهلك عما إذا لم يكن فيه فرجة، ويحتمل أنه إن أصابه شيء، أو نابه ~~مؤذ، ولا يمكنه أن يتقيه بيديه؛ لإدخاله إياهما تحت الثوب الذي اشتمل به، ~~والله أعلم. # قوله: "وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد"، الاحتباء: هو أن يضم الإنسان رجليه ~~إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره، ويشده عليهما، وقد يكون الاحتباء ~~باليدين عوض الثوب، وإنما نهى عنه؛ لأنه ms0606 إذا لم يكن عليه إلا ثوب واحد، ~~ربما تحرك أزوال الثوب، فتبدو عورته، ومنها: "الاحتباء حيطان العرب" (¬2)؛ ~~أي: ليس في البوادي حيطان، فإذا أرادوا أن يستندوا، احتبوا؛ لأن الاحتباء ~~يمنعهم من السقوط؛ ويصير لهم كالجدار، يقال: احتبى يحتبي احتباء، والاسم ~~الحبوة والحبية -بالواو والياء- وتضم الحاء وتكسر، والجمع حباء وحباء، ~~والله أعلم (¬3). PageV02P909 # وفي الحديث أحكام: # منها: تحريم صوم يوم الفطر والأضحى. # ومنها: كراهة اشتمال الصماء. # ومنها: كراهة الاحتباء في ثوب واحد، وأما الاحتباء بنصب الساقين ~~وإلصاقهما بالإليتين، ووضع يده اليمنى على اليسرى عوضا عن الثوب، فهو جائز، ~~بل مستحب، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجلس محتبيا، وأما ~~الجلوس كذلك، ووضع اليدين على الأرض، فمنهي عنه؛ لما فيه من التشبه ~~بالكلاب. # وأما نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الحبوة يوم الجمعة، والإمام يخطب؛ ~~فلأن الاحتباء يجلب النوم، فلا يسمع الخطبة، ويعرض طهارته للانتقاض. # ومنها: كراهة صلاة النفل المطلق بعد صلاة الصبح وصلاة العصر، وهذا متفق ~~عليه، وأما صلاة ذات السبب؛ من قضاء فائتة، وتحية مسجد، ونحوهما، فلا يكره، ~~وكراهة المطلق كراهة تحريم على أصح الوجهين في مذهب الشافعي، فلا ينعقد، ~~وتقدم الكلام على ذلك في باب المواقيت. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثامن # عن أبي سعيد الخدري أيضا - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "من صام يوما في سبيل الله، بعد الله وجهه عن النار سبعين ~~خريفا" (¬1). # اعلم أن سبيل الله - عز وجل - في الأكثر من العرف هو الجهاد، وأكثر ~~استعماله في لفظ الشارع فيه، فإذا حمل عليه، كانت الفضيلة فيه؛ لاجتماع ~~فضيلة عبادتي الصوم والجهاد. PageV02P910 # ويحتمل أن يراد بسبيل الله: طاعته، كيف كانت، ويعبر بذلك عن صحة القصد، ~~والنية فيه، لكن الأول أقرب إلى العرف. # وقد ورد في بعض الأحاديث جعل الحج وسفره من سبيل الله، وفي الكتاب ~~العزيز: {ومن يهاجر في سبيل الله} [النساء: 100]. # قال شيخنا أبو الفتح القاضي - رحمه الله - (¬1): وهذا استعمال وضعي. # والخريف هنا: السنة، واحدة السنين، يريد به سبعين سنة، وقد يعبر ms0607 بالسنة ~~عن الفصل المعروف، الذي هو وقت اختراف الثمار؛ لأنه إذا مر الخريف، فقد مضت ~~السنة؛ حيث لا يوجد في السنة إلا خريف واحد، وقد يعبر عن السنة ببعض ~~فصولها، كالربيع والمصيف والمشتى؛ إذ ليس في العام إلا فصل واحد منها، لكن ~~قال بعضهم: تسميته بالخريف أولى؛ لأن فيه نهاية ما بدا في الفصول قبله؛ فإن ~~الأزهار تبدو في الربيع، وتتشكل في صورها في الصيف، وفيه يبدو وينضج ~~أكثرها، ووقت الانتفاع بها أكلا وتحصيلا وادخارا هو الخريف، وهو معظم ~~المقصود من السنة، فكأنه المقصود بالذكر عن السنة دون غيره، والله أعلم. # ثم المراد بالوجه: جملة الشخص الصائم في سبيل الله، وعبر به عن الجملة؛ ~~لأنه أشرف ما فيه. # ثم قوله: "يوما" إن أريد به واحد الأيام، كان دليلا على استحباب صومه، ~~سواء أردنا بسبيل الله: الجهاد، والطاعة؛ حيث لا يحصل به ضعف المجاهد عن ~~جهاده ولا طاعته، وإن أردنا به: جنس الصوم، وأنه لا يتقيد بعدد، فينبغي أن ~~يكون بحيث لا يضعف به عن مقصوده من عمله في الجهاد أو الطاعة، والله أعلم. # وأما المباعدة عن النار في هذا الحديث، فهي بحيث لا يحس بها، ولا يجد PageV02P911 # ألمها، وعبر بالسبعين خريفا عن ذلك؛ مبالغة في المباعدة عنها، والله أعلم. # وفي الحديث: الحث على الصوم المطلق في كل موطن، حتى في الجهاد وغيره، على ~~ما بيناه. # وفيه: الحث على اجتماع الفضل في الطاعات، وأنه إذا أمكن الجمع فيها، كان ~~أفضل؛ تكثيرا للأجور. # وفيه: جواز التعبير عن الكل بالجزء إذا كان له وجه فضيلة وشرف، والله أعلم. # * * * PageV02P912 ### || AUTO باب ليلة القدر ### ||| AUTO الحديث الأول # عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -: أن رجالا من أصحاب النبي أروا ~~ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها، ~~فليتحرها في السبع الأواخر" (¬1). # أما ليلة القدر: فإنما سميت بذلك؛ لما يكتب الله فيها للملائكة من ~~الأقدار والأرزاق والآجال التي ms0608 تكون في تلك السنة، لقوله تعالى: {فيها يفرق ~~كل أمر حكيم} [الدخان: 4]، وقوله - عز وجل -: {تنزل الملائكة والروح فيها ~~بإذن ربهم من كل أمر (4)} [القدر: 4]. # ومعناه: يظهر للملائكة ما سيكون فيها، ويأمرهم بفعل ما هو من وظيفتهم، ~~وكل ذلك مما سبق علم الله تعالى به، وتقديره له. # وقيل: سميت ليلة القدر؛ لعظم قدرها وشرفها. # وأجمع من يعتد به من العلماء على دوامها ووجودها إلى آخر الدهر، وشذ قوم ~~فقالوا: رفعت؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "حتى تلاحى الرجلان، فرفعت" ~~(¬2). PageV02P913 # قال القاضي عياض - رحمه الله - (¬1): وهذا غلط من هؤلاء الشاذين؛ لأن آخر ~~الحديث يرد عليهم، فإنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "فرفعت، وعسى أن يكون ~~خيرا لكم، التمسوها في السبع، والتسع" (¬2)، هكذا هو في أول "صحيح ~~البخاري"، وفيه تصريح بأن المراد برفعها رفع بيان علم عينها، ولو كان ~~المراد رفع وجودها، لم يأمر بالتماسها، والله أعلم. # واختلف العلماء في انتقالها وتعيينها، فقال قوم: هي منتقلة تكون في سنة ~~في ليلة، وفي سنة أخرى في ليلة أخرى، وهكذا أبدا، وهؤلاء قالوا: إنما تنتقل ~~في شهر رمضان، وجمهورهم قالوا: تنتقل في العشر الأواخر منه. # قالوا: وبهذا نجمع بين الأحاديث. ويقال: في كل حديث جاء في أحد أوقاتها، ~~ولا تعارض فيها، وهذا نحو قول مالك، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور ~~وغيرهم. # وقال قوم: هي معينة، لا تنتقل أبدا، بل هي ليلة معينة في جميع السنين، لا ~~تفارقها، وهؤلاء اختلفوا، فقال قوم: هي في السنة كلها، وممن قال به: ابن ~~مسعود، وأبو حنيفة وصاحباه، وقال قوم: هي في شهر رمضان كله، وهو قول ابن ~~عمر - رضي الله عنهما -، وجماعة من الصحابة - رضي الله عنهم -، وقيل: بل في ~~العشر الأوسط والأواخر، وقيل: في العشر الأواخر. # وقيل: تختص بأوتار العشر، وقيل: بأشفاعها، وقيل: بل في ثلاث وعشرين، أو ~~سبع وعشرين، وهو قول ابن عباس، وقيل: تطلب في ليلة سبع عشرة، أو إحدى ~~وعشرين، أو ثلاث وعشرين، وحكي عن علي وابن مسعود، وقيل: ليلة ثلاث وعشرين، ~~وهو قول ms0609 كثير من الصحابة وغيرهم، وقيل: ليلة أربع وعشرين، وهو محكي عن ~~بلال، وابن عباس، والحسن، وقتادة، وقيل: PageV02P914 # ليلة سبع وعشرين، وهو قول جماعة من الصحابة، وقيل: سبع عشرة، وهو محكي عن ~~زيد بن أرقم، وابن مسعود -أيضا-، وقيل: تسع عشرة، وحكي عن ابن مسعود ~~-أيضا-، وحكي عن علي -أيضا-، وقيل: آخر ليلة من الشهر. # ولا شك أن ليلة القدر موجودة، وأنها ترى، ويتحققها من شاء الله تعالى من ~~بني آدم كل سنة في رمضان، والأحاديث الثابتة الصحيحة تدل على ذلك، وإخبار ~~الصالحين بها، ورؤيتهم لها أكثر من أن تحصر. # ومنع المهلب بن أبي صفرة إمكان رؤيتها حقيقة، وغلطه العلماء، وحكوه عنه؛ ~~للتنبيه على غلطه؛ لئلا يغتر به، قالوا: وإنما أخفي بيان علم عينها عن ~~الناس؛ لأجل الاجتهاد في العبادة، وعدم الكسل؛ لأنهم لو علموا عينها، حملهم ~~ذلك على تركها إلى ليلتها، واستغنوا بالاجتهاد فيها عن باقي الليالي، والله أعلم. # قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أرى رؤياكم قد تواطأت"؛ أي: توافقت ~~وتواطأت، مكتوب في النسخ كلها جميعها، بطاء ثم تاء، وهو مهموز بغير ألف ~~بينهما، وينبغي أن يكتب بالألف بين الطاء والتاء صورة للهمزة، ولا بد من ~~قراءته مهموزا، قال الله - عز وجل -: {ليواطئوا عدة ما حرم الله} [التوبة: 37]. # قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فمن كان متحريها، فليتحرها في السبع ~~الأواخر" التحري: الاجتهاد وطلب الأحرى، ومعناه: فليجتهد في طلبها يطلب ~~حينها وزمانها. # وفي الحديث دليل على عظم الرؤيا، والاستناد إليها في الاستدلال على ~~الأمور الوجوديات، وعلى ما لا يخالف القواعد الكلية من غيرها، فلو رأى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في الرؤيا، وأمره بأمر سهل، يلزمه ذلك، وقيل: ~~إن فيه أن ذلك إما أن يكون مخالفا لما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - ~~الأحكام في اليقظة، أو لا، فإن كان مخالفا، عمل بما ثبت في اليقظة؛ لأنا، ~~وإن قلنا بأن من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - على الوجه المنقول من ~~صفته، فرؤياه حق، وهذا من باب تعارض الدليلين، والعمل بأرجحهما، ms0610 وما ثبت في ~~اليقظة، فهو أرجح، وإن كان غير مخالف لما ثبت في اليقظة، ففيه خلاف. PageV02P915 # وقد ذكر الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني في كتاب "أدب الجدل" له (¬1)، ~~قال: لو أن رجلا رأى النبي في المنام على الهيئة التي نقلت في صفاته، فسأله ~~عن مذهبه، فأفتى بخلاف ما هو مذهبه، ولكن لم يكن مخالفا لنص ولا إجماع، هل ~~يأخذ بفتياه، أو يأخذ بمذهبه الذي يستند إلى الدليل؟ فيه وجهان: # أحدهما: يأخذ بقوله؛ لأن قوله مقدم على القياس، وهذا مأخوذ من قوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "من رآني في المنام، فقد رآني؛ فإن الشيطان لا يتمثل بي" ~~(¬2)، فصار كقوله في حياته. # وفي الوجه الثاني: الأخذ بالقياس أولى؛ لأنه دليل شرعي، والأحلام لا ~~تعويل عليها، فلا يترك لأجلها الشرعي، والله أعلم. # لكن الاستناد إلى الرؤيا هاهنا أمر ثبت استحبابه مطلقا في طلب ليلة ~~القدر، وإنما يرجح السبع الأواخر بسبب المرائي الدالة على كونها في السبع ~~الأواخر، وهو استدلال على أمر وجودي لزمه استحباب أمر شرعي بالتأكيد ~~بالنسبة إلى هذه الليالي، مع كونه غير مناف للقاعدة الكلية الثابتة من ~~استحباب قيام ليلة القدر، وقد قالوا: تستحب في جميع الشهر. # وفيه دليل على أن ليلة القدر في شهر رمضان، وهو مذهب الجمهور، وقيل: إنها ~~في جميع السنة كما تقدم. # قال الفقهاء: لو قال في رمضان لزوجته: أنت طالق ليلة القدر، لم تطلق حتى ~~تأتي عليها سنة؛ لأن كونها مخصوصة برمضان مظنون، وصحة النكاح PageV02P916 # معلومة، فلا يزال مرور ليلة القدر إلا بتعين، وهو مضي سنة. # قال شيخنا أبو الفتح الإمام - رحمه الله -: وفي هذ انظر؛ لأنه إذا دلت ~~الأحاديث على اختصاصها بالعشر الأواخر، كان إزالة النكاح بناء على مستند ~~شرعي، وهو الأحاديث الدالة على ذلك، والأحكام المقتضية لوقوع الطلاق يجوز ~~أن تبنى على [أن] أخبار الآحاد يرفع بها النكاح، ولا يشترط في رفع النكاح ~~وأحكامه أن يكون مستندا إلى خبر متواتر، أو أمر مقطوع به اتفاقا، نعم ينبغي ~~أن ينظر إلى دلالة ألفاظ الأحاديث الدالة على ms0611 اختصاصها بالعشر الأواخر، ~~ومرتبتها في الظهور والاحتمال، فإن ضعفت دلالتها، فللذي قيل وجه، هذا آخر ~~كلامه - رحمه الله - (¬1). # والأشهر في مذهب الشافعي - رحمه الله - أن ليلة القدر منحصرة في العشر ~~الأواخر من شهر رمضان، وأنها ليلة معينة لا تنتقل، بل تكون كل سنة في تلك ~~الليلة. والمختار: أنها تنتقل، فتكون في بعض السنين في ليلة، وفي بعضها في ~~ليلة أخرى، ولكن إنما تنتقل في العشر الأواخر، حتى قال أصحاب الشافعي أو ~~جماعة منهم: لو قال لزوجته صبيحة اليوم الحادي والعشرين من شهر رمضان: أنت ~~طالق ليلة القدر، لم تطلق إلا صبيحته من السنة المستقبلة؛ لجواز أن تكون ~~وقعت تلك الليلة التي حلف صبيحتها. # وبالمختار في انتقالها يجمع بين الأحاديث الصحيحة والمختلفة فيها، وممن ~~قال به من أئمة أصحاب الشافعي: أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني، وصاحبه ~~إمام الأئمة أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة - رحمهما الله تعالى -. # وفيه دليل: لمن رجح في ليلة القدر غير ليلة الحادي والعشرين، والثالث ~~والعشرين. # وفيه دليل: على العمل بقول الأكثر، أو الكثير؛ في الرؤيا وغيرها من PageV02P917 # الأحكام، بشرط ألا تخالف نصا ولا إجماعا ولا قياسا جليا، على ما تقدم، ~~والله أعلم. # وفيه: الأمر بطلب الأحرى والصواب لمن أراده، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن عائشة -رضي الله عنها-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"تحروا ليلة القدر في ليالي الوتر من العشر الأواخر" (¬1). # في الحديث: دليل على طلب ليلة القدر في ليالي الوتر من العشر الأواخر، مع ~~دلالته على ترجيح انحصارها فيه. # وفيه: الأمر بالاجتهاد في طلبها. # وفيه: الإرشاد من غير استرشاد. # وفيه: عدم اختصاص ليلة القدر بالسبع الأواخر، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- كان يعتكف في العشر الأوسط من رمضان، فاعتكف عاما، حتى إذا كانت ليلة ~~إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه، قال: "من اعتكف ~~معي، فليعتكف العشر الأواخر، فقد أريت هذه ms0612 الليلة، ثم أنسيتها، وقد رأيتني ~~أسجد في ماء وطين من صبيحتها، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل ~~وتر"، فمطرت السماء تلك الليلة، وكان المسجد على عريش، فوكف المسجد، PageV02P918 # فأبصرت عيناي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على وجهه أثر الماء ~~والطين من صبح إحدى وعشرين (¬1). # أما قوله: "كان يعتكف العشر الأوسط"، هكذا هو في جميع الروايات: الأوسط، ~~والمشهور في الاستعمال تأنيث العشر، باعتبار الليالي، كما قال في أكثر ~~الأحاديث: العشر الأواخر، وتذكيره أيضا لغة صحيحة باعتبار الأيام، أو ~~الزمان، أو الوقت، ويكفي في صحتها ثبوت استعمالها في الأحاديث الصحيحة. # وقوله: "فمطرت السماء"، يقال: مطرت السماء، وأمطرت، لغتان صحيحتان في ~~المطر، وتقدم ذلك في باب الاستسقاء. # قوله: "وكان المسجد على عريش"، العريش: سقف البيت، وكذلك عرشه، وكل ما ~~يستظل به يقال له: عرش، وعريش، والمراد في: "كان بسقف بيت المسجد" وكان سقف ~~المسجد على عريش - على حذف المضاف -. # قوله: "فوكف المسجد"؛ أي: قطر ماء المطر من سقفه. يقال: وكف البيت يكف ~~وكفا ووكوفا: إذا قطر، ووكف الدمع وكيفا ووكفانا ووكفا: بمعنى قطر (¬2). # وفي هذا الحديث: دليل على جواز قول: رمضان، من غير إضافة شهر إليه. # وفيه: دليل على أن الأولى إذا كان ذاكرا الشيء ثم نسيه، أن يقول: أنسيته، ~~ولا يقول نسيته. # وفيه: دليل على استحباب الاعتكاف في رمضان، وأن العشر الأوسط منه ~~الاعتكاف فيه أفضل من الأول، وفي الآخر أفضل من الأوسط. PageV02P919 # وفيه: دليل لمن رجح ليلة إحدى وعشرين في طلب ليلة القدر. # ومن ذهب إلى أن ليلة القدر تنتقل في الليالي، فله أن يقول: كانت في تلك ~~السنة ليلة إحدى وعشرين. # ولا يلزم من ذلك أن تترجح هذه الليلة مطلقا، والقول بتنقلها حسن، لأن فيه ~~جمعا بين الأحاديث، وحثا على إحياء تلك الليالي والأيام، وإنما رجح تسمية ~~العشر بالليالي؛ لأن وضعه كذلك، فيكون وضعها جمعا لإبقائها. # وقد ورد في بعض الروايات ما يدل على أن اعتكافه - صلى الله عليه وسلم - ~~في العشر الأوسط كان لطلب ليلة القدر قبل ms0613 أن يعلم أنها في العشر الأواخر. # وفيه: دليل على أن الليلة إذا أطلقت، قد يراد بها الماضية التي اليوم ~~بعدها، وقد يراد بها الآتية، وإذا أريد أحدهما، قيد، كما فعل رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بقوله: "وهي التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه"، ولكن ~~المشهور في استعمال الشرع واللغة أنها تستعمل عند الإطلاق في الماضية، ~~واستعملها بعض الظاهرية من أهل الحديث في الآتية. # وفيه: دليل على أن السنة للمصلي ألا يمسح جبهته في الصلاة، وهو متفق على ~~استحبابه عند العلماء. # وقد يستدل بهذا الحديث بعض الحنفية على أن مباشرة الجبهة بالمصلى في ~~السجود غير واجبة، وهو من يقول: بأنه لو سجد على كور العمامة، كالطاقة ~~والطاقتين صح، ووجه الاستدلال أنه إذا سجد في الماء والطين، ففي السجود ~~الأول يتعلق الطين بالجبهة، فإذا سجد السجود الثاني، كان الطين الذي تعلق ~~بالجبهة في السجود الأول حائلا في السجود الثاني عن مباشرة الجبهة بالأرض. # والجواب عن هذا الاستدلال من وجهين: # أحدهما: أن يكون مسح ما تعلق بالجبهة أولا قبل السجود الثاني، لو كان، ~~كيف ولفظ الحديث: "فأبصرت عيناي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعلى ~~وجهه أثر الماء والطين" وأثر الشيء غيره. PageV02P920 # والثاني: أنه محمول -لو سلم أنه طين- على شيء يسير لا يمنع مباشرة بشرة ~~الجبهة. # كيف والذي ورد في بعض روايات الحديث: "وجبينه ممتلئا طينا" (¬1) لا يخالف ~~ما تأولناه، وأن الجبين غير الجبهة، فالجبينان يكتنفان الجبهة، ولا يلزم من ~~امتلاء الجبين امتلاء الجبهة، والله أعلم. # ومذهب الشافعي وموافقيه: منع السجود على حائل متصل بالجبهة. # وفيه: دليل على أن العالم الذي له أتباع، إذا اطلع على علم، وعمل به، ~~وأراد موافقة أتباعه له، أن يرشدهم إليه بصيغة عموم وأمر عام، لا خاص ~~وخصوصية لمعين؛ كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من كان اعتكف معي، فليعتكف ~~العشر الأواخر". # وفيه: دليل على أن العالم إذا كان عنده علم من شيء، ثم نسيه، أن يعرف ~~أصحابه بنسيانه، ويقر به، والله أعلم. # * * * PageV02P921 ### || AUTO باب الاعتكاف ### ||| AUTO الحديث ms0614 الأول # عن عائشة - رضي الله عنها -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله - عز وجل -، ثم اعتكف أزواجه ~~بعده (¬1). # وفي لفظ: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتكف في كل رمضان، فإذا ~~صلى الغداة، جاء مكانه الذي اعتكف فيه (¬2). # أما الاعتكاف في اللغة: فهو الاحتباس واللزوم للشيء كيف كان، وفي الشرع: ~~لزوم المسجد من شخص مخصوص بصفة مخصوصة، ويسمى: جوارا -أيضا-، ومنه حديث ~~عائشة - رضي الله عنها - في "صحيح البخاري": كان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يصغي إلي رأسه وهو مجاور إلى المسجد، فأرجله وأنا حائض (¬3). # وهو كسائر الأسماء الشرعية في الكلام فيها. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: استح ### || AUTO باب الاعتكاف # وتأكده؛ حيث واظب عليه - صلى الله عليه وسلم - حتى توفاه الله PageV02P922 # - عز وجل -، وقد أجمع المسلمون على استحبابه، وأنه ليس بواجب، وأنه متأكد ~~في العشر الأواخر من رمضان، وقد أشعر تأكيد استحبابه بقولها: ثم اعتكف ~~أزواجه بعده، وبقولها: في كل رمضان. # ومنها: استواء الرجل والمرأة في شرعية الاعتكاف. # ومنها: أن الاعتكاف لا يصح إلا في المسجد، وأن كونه فيه شرط لصحته؛ حيث ~~اعتكف - صلى الله عليه وسلم - وأزواجه فيه مع المشقة في ملازمته، ومخالفة ~~العادة في الاختلاط بالناس، لا سيما النساء، فلو جاز الاعتكاف في البيوت، ~~لما خولف المقتضى لعدم الاختلاط بالناس في المسجد وتحمل المشقة في الخروج ~~لعوارض الخلقة، وهذا مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وداود، والجمهور، وقال ~~أبو حنيفة: يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها، وهو الموضع المهيأ من بيتها ~~لصلاتها، قال: ولا يجوز للرجل في مسجد بيته. # ومذهب أبي حنيفة قول قديم للشافعي، ضعيف عند أصحابه، وجوزه بعض أصحاب ~~مالك والشافعي للرجل والمرأة في مسجد بيتهما. # واختلف المشترطون المسجد العام، فقال مالك والشافعي وجمهورهم: يصح ~~الاعتكاف في كل مسجد، وقال أحمد: يختص في المسجد الذي تقام فيه الجماعة ~~الراتبة، وقال: أبو حنيفة: يختص بمسجد تصلى فيه الصلوات كلها، وقال الزهري: ~~يختص بالجامع الذي تقام فيه الجمعة، ms0615 ونقلوا عن حذيفة بن اليمان الصحابي - ~~رضي الله عنه - اختصاصه بالمساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، ~~والأقصى. # ومنها: أن الاعتكاف لا يكره في وقت من الأوقات، وأجمع العلماء على أنه لا ~~حد لأكثره، واختلفوا في أقله، فقال الشافعي وأصحابه وموافقوهم: أقله لحظة ~~واحدة، وضابطه عندهم: أنه مكث يزيد على طمانينة الركوع أدنى زيادة. # وفي المذهب وجه شاذ: أنه يصح اعتكاف المار في المسجد من غير لبث، فينبغي ~~لكل جالس في المسجد؛ لانتظار صلاة، أو لشغل أجر من آخرة أو دنيا، PageV02P923 # أن ينوي الاعتكاف، فيحسب له، ويثاب عليه ما لم يخرج من المسجد، فإذا خرج ~~ثم دخل، جدد نية أخرى. # وليس للاعتكاف ذكر مخصوص، ولا فعل آخر سوى اللبث في المسجد بنية ~~الاعتكاف، ولو تكلم بكلام دنيا، أو عمل صنعة من خياطة أو غيرها، لم يبطل ~~اعتكافه. # ومنها: أنه ينبغي أن يكون الاعتكاف مصحوبا بصوم، واشترطه مالك، وأبو ~~حنيفة، والأكثرون، وقالوا: لا يصح اعتكاف مفطر، وقال الشافعي وأصحابه: لا ~~يشترط، احتج من اشترطه بهذا الحديث، واحتج الشافعي - رحمه الله - باعتكاف ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في العشر الأول من شوال، رواه البخاري ومسلم، ~~وبحديث عمر - رضي الله عنه - قال: يا رسول الله! إني نذرت أن أعتكف ليلة في ~~الجاهلية، فقال: "أوف بنذرك" (¬1)، روياه -أيضا-، ومعلوم أن الليل ليس محلا ~~للصوم، فدل على أنه ليس بشرط لصحة الاعتكاف. # ومنها: إطلاق لفظ الغداة على صلاة الصبح، وكرهه بعضهم، وهذا الحديث وغيره ~~يرد عليه. # ومنها: أن السنة إذا كان معتكفا، وصلى الصبح في مكان من المسجد غير محل ~~معتكفه: أنه لا يجلس في مصلاه إلى طلوع الشمس، بل يرجع بعد فراغه منها ~~إليه؛ لقولها: فإذا صلى الغداة، جاء مكانه الذي اعتكف فيه، وقد استدل به ~~الأوزاعي، والثوري، والليث في أحد قوليه، على ابتداء الاعتكاف والدخول فيه ~~من أول النهار، وليس فيه دليل؛ فإن اعتكافه - صلى الله عليه وسلم - يحتمل ~~أن يكون قبل ذلك، بل هو الظاهر. ومجيئه - صلى الله عليه وسلم - إلى مكانه ~~بعد ms0616 صلاة الغداة؛ للانفراد من الناس بعد الاجتماع بهم في الصلاة، لا أنه ~~ابتداء دخول المعتكف، ويكون المراد بمكانه PageV02P924 # الذي اعتكف فيه، الموضع الذي خصه بالاعتكاف من المسجد وأعده له، كيف ~~ولفظه يشعر بذلك، وهو قولها: اعتكف فيه، بصيغة الماضي، والحديث الآخر: فضرب ~~أزواجه الأخبية، وهذا ظاهر فيما قلناه، وهو قول مالك. # وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد: أنه يدخل فيه قبل غروب الشمس، إذا أراد ~~اعتكاف شهر أو عشر، وتأولوا الحديث على ما ذكرناه، والله أعلم. # ومنها: استحباب الاعتكاف في كل رمضان لمن قدر عليه، بقولها: كان يعتكف في ~~كل رمضان. # ومنها: استحباب الانفراد عن الناس والأهل وغيرهم في الاعتكاف، إلا فيما ~~لا بد منه من اجتماع على صلاة، أو ضرورة، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن عائشة - رضي الله عنها -: أنها كانت ترجل النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- وهي حائض، وهو معتكف في المسجد، وهي في الحجرة يناولها رأسه (¬1). # وفي رواية: وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان (¬2). # وفي رواية: أن عائشة - رضي الله عنها - قالت: إن كنت لأدخل البيت للحاجة، ~~والمريض فيه، فلا أسأل عنه إلا وأنا مارة (¬3). # الترجيل: تسريح الشعر، وحاجة الإنسان هنا: البول والغائط. # وفي الحديث أحكام: # منها: أن خروج رأس المعتكف من المسجد لا يبطل اعتكافه. PageV02P925 # ومنها: أنه لو حلف شخص لا يدخل بيتا، فأدخل رأسه فيه، وسائر بدنه خارج، ~~لم يحنث، وكذلك الحلف على الخروج منه؛ فإنه موازن الدخول، وحكم بعض البدن ~~في ذلك حكم الرأس. # ومنها: جواز ترجيل المعتكف رأسه، وفي معناه حلق شعره، وتقليم أظفاره، ~~وتنظيف بدنه من الشعث. # ومنها: طهارة الحائض. # ومنها: منع الحائض من المسجد. # ومنها: جواز ملامسة الحائض للمعتكف وغيره. # ومنها: أن الخروج من المعتكف للحاجة الضرورية التي لا يمكن فعلها في ~~المسجد جائز، وهذا الحديث بعمومه يدل على ذلك، وأنه ممنوع من الخروج لغير ~~الحاجة الضرورية؛ حيث إن الضرورة دعت إليه، والمسجد مانع منه. # وكل ما ذكره الفقهاء من الجواز في ذلك، واختلفوا فيه، فهذا الحديث يدل ~~على عدم الخروج ms0617 له كما ذكرنا. # ولا بد أن يضم إلى الحاجة المجوزة للخروج قيام الداعي الشرعي في بعضه. # وهذا كله إنما يقول به على سبيل الاستحباب وتأكده؛ إذ الاعتكاف سنة ~~مؤكدة، ومعلوم أن من دخل في تطوع، لا يلزمه إتمامه؛ إلا إذا التزمه بالنذر، ~~إلا أن يقول قائل بأن دخل في الاعتكاف استحبابا بما يلزمه إتمامه؛ كمذهب ~~مالك، وأبي حنيفة في منع الخروج من صلاة التطوع وصيامه، فيتقيد الخروج لغير ~~الحاجة للتحريم لا الكراهة. # وقد ذكروا في عيادة المريض، وصلاة الجنازة وشبههما، المنع، إلا إذا خرج ~~للضرورة، فسأل عن المريض من غير لبث وتعريج، فإنه يجوز، كما فعلته عائشة - ~~رضي الله عنها -، وفي فعلها إشعار بالمنع من العيادة على غير الوجه الذي ~~ذكرناه، والله أعلم. # ومنها: استقرار المرأة في بيت الزوج، وإن لم يكن له حاجة في الدخول PageV02P926 # إليه، أو له مانع ضروري شرعي، أو غيره؛ من دخوله لسفر واعتكاف، والله أعلم. # وقد ذكرنا جواز اعتكاف المرأة كالرجل، لكن إن كانت مزوجة، فلا يجوز إلا ~~بإذن الزوج، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، فلو أذن لها، ثم منعها، فهل له ~~ذلك؟ فيه خلاف للعلماء: # قال الشافعي، وأحمد، وداود: له ذلك في زوجته ومملوكته في اعتكاف التطوع، ~~وإخراجهما منه، ومنعهما مالك، وجوز أبو حنيفة إخراج المملوكة دون الزوجة، ~~والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: قلت: يا رسول الله! إني كنت نذرت ~~في الجاهلية أن أعتكف ليلة، -وفي رواية: يوما- في المسجد الحرام، قال: ~~"فأوف بنذرك" (¬1). # ولم يذكر بعض الرواة: يوما ولا ليلة. # أما النذر، فهو واحد النذور، يقال: نذرت أنذر وأنذر بكسر الذال وضمها. # وأما الجاهلية، فهي ما قبل الإسلام، سموا بذلك لكثرة جهالاتهم، وتطلق ~~الجاهلية على كل من فعل ما يخالف الإسلام والشرع. # وأما المسجد الحرام، فكان فناء حول الكعبة وفضاء للطائفين، ولم يكن له ~~على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر [جدار] يحيط به، وكانت ~~الدور محدقة به، وبين الدور أبواب يدخل ms0618 الناس من كل ناحية منها، فلما ~~استخلف عمر - رضي الله عنه -، وكثر الناس، وسع المسجد، واشترى دورا وهدمها ~~وزادها PageV02P927 # فيه، واتخذ للمسجد جدارا قصيرا دون القامة، وكانت المصابيح توضع عليه. ~~وكان عمر - رضي الله عنه - أؤل من اتخذ الجدار للمسجد الحرام، ثم تتابع ~~الناس على عمارته وتوسيعه؛ كعثمان، وابن الزبير - رضي الله عنهم -، ثم عبد ~~الملك بن مروان، ثم ابنه الوليد، ثم المنصور، ثم المهدي، واستقر بناؤه على ~~ذلك إلى وقتنا. # ويجوز الطواف في جميع ذلك، وكذلك الاعتكاف. # ولو وسع المسجد شيئا آخر، جاز الطواف والاعتكاف في جميعه. # واعلم أن المسجد الحرام يطلق، ويراد به هذا المسجد، وهذا هو الغالب، وقد ~~يراد به الحرم، وقد يراد به مكة، وقيل هذان الأمران في قول الله - عز وجل ~~-: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} [البقرة: 196]، والله أعلم. # وفي هذا الحديث أحكام: # فنها: لزوم النذر للقربة، وقد يستدل بعمومه للزوم الوفاء بكل منذور. # ومنها: صحة النذر من الكافر، وهو وجه في مذهب الشافعي، والأشهر: لا يصح؛ ~~لأن النذر قربة، والكافر ليس من أهل القرب، فعلى هذا؛ يحتاج إلى تأويل هذا ~~الحديث -في أمره بالوفاء بالنذر- على أن المراد به نية فعل الاعتكاف في ~~الجاهلية، فأطلق عليه أنه منذور؛ لشبهه به، وقيامه مقامه في فعل ما نواه من ~~الطاعة. # وعلى هذا؛ يكون قوله: "أوف بنذرك" من مجاز الحذف، أو من مجاز التشابه، ~~لكن ظاهر الحديث خلافه، فإن دل دليل أقوى من هذا الظاهر على أنه لا يصح ~~اعتكاف الكافر، احتيج إلى هذا الدليل، وإلا فلا، وقد حمل من قال: النذر لا ~~يصح من الكافر الأمر في حديث عمر - رضي الله عنه - على الاستحباب، فظاهر ~~الأمر يقتضي الوجوب، كيف ونص الشافعي - رحمه الله - على كراهة الابتداء ~~بالنذر، ووجوب الوفاء به، بلاخلاف، وأنه لا يصح بالنية، PageV02P928 # بل لا بد فيه من القول مع النية، مستدلا للكراهة بقوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لا تنذروا" (¬1)، وبنهيه عنه. # ومنها: عدم اشتراط الصوم في الاعتكاف؛ لأن الليلة ليست محلا ms0619 للصوم. # وقد أمر عمر بالوفاء بالنذر للاعتكاف من غير صوم -وهو مذهب الشافعي- كما ~~تقدم تقريره والخلاف فيه عن مالك، وأبي حنيفة، وغيرهما باشتراط الصوم فيه، ~~وتأولوا قوله: "ليلة" بيوم؛ فإن الليلة: تغلب في لسان العرب على اليوم، ~~يقولون: صمنا خمسا، والخمس منطلق على الليالي، ولو انطلق على الأيام، لقيل: ~~خمسة، فاطلقت الليالي وأرادت الأيام. # أو يقال: المراد ليلة بيومها، ويدل على ذلك: أنها قد وردت في بعض ~~الروايات بلفظ اليوم. # ومنها: سؤال العلماء عما يجهله من العلم. # ومنها: سؤالهم عما كان من السائل في حال كفره. # ومنها: وجوب البيان على من سئل عن علم علمه، وعدم كتمانه. # * * * ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن صفية بنت حيي - رضي الله عنها - قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - معتكفا، فأتيته أزوره ليلا، ثم قمت لأنقلب، فقام معي ليقلبني -وكان ~~مسكنها في دار أسامة بن زيد-، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي، ~~أسرعا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "على رسلكما، إنها صفية بنت ~~حيي"، فقالا: سبحان الله يا رسول الله!، فقال: "إن الشيطان يجري من ابن آدم ~~مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف الشيطان في قلوبكما شرا، أو قال: شيئا" (¬2). PageV02P929 # وفي رواية: أنها جاءت تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من ~~رمضان، فتحدثت عنده ساعة، ثم قامت تنقلب، فقام النبي معها يقلبها، حتى إذا ~~بلغ باب المسجد عند باب أم سلمة، ثم ذكره بمعناه (¬1). # أما صفية - رضي الله عنها -، فهي أم المؤمنين، أم يحيى بنت حيي -بضم ~~الحاء وكسرها- بن أخطب بن سعنة بن عبيد بن الخزرج بن أبي حبيب بن النضر بن ~~النحام، النضرية من بني إسرائيل، من بنات هارون بن عمران أخي موسى بن عمران ~~- صلى الله عليهما وسلم -، وهما من سبط لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ~~خليل الرحمن، سباها النبي - صلى الله عليه وسلم - عام خيبر، في شهر رمضان ~~سنة سبع من الهجرة، ثم أعتقها وتزوجها، وجعل عتقها صداقها، وأمها: برة بنت ~~شمول، وكانت صفية عند ms0620 سلام -بتخفيف اللام- بن أشكم -شاعر- ثم خلف عليها ~~كنانة بن أبي الحقيق -وهو شاعر- فقتل يوم خيبر. # قال أبو عمر: واصطفاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وصارت في سهمه، ~~وجعل عتقها صداقها، لا يختلفون في ذلك، وهو خصوص عند أكثر الفقهاء له؛ إذ ~~كان حكمه في النساء مخالفا لحكم أمته. # قال: ويروى: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل على صفية وهي تبكي، ~~فقال لها: "ما يبكيك؟ "، قالت: بلغني أن عائشة وحفصة تنالان مني، وتقولان: ~~نحن خير من صفية، نحن بنات عم رسول الله وأزواجه، قال: "ألا قلت لهن: كيف ~~تكن خيرا مني، وأبي هارون، وعمي موسى، وزوجي محمد -صلوات الله وسلامه ~~عليهم-؟! " (¬2)، قال: وكانت صفية حليمة عاقلة، فاضلة، قال: روينا أن جارية PageV02P930 # أتت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، فقالت: إن صفية تحب السبت، وتصل ~~اليهود، فبعث إليها عمر بن الخطاب، فسألها، فقالت: أما السبت، فإني لم أحبه ~~منذ أبدلني الله بيوم الجمعة، وأما اليهود، فإن لي منهم رحما، فانا أصلها، ~~قال: ثم قالت للجارية: ما حملك على ما صنعت؟ قالت: الشيطان، قالت: اذهبي ~~فأنت حرة. # وروي لها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشرة أحاديث، اتفق البخاري ~~ومسلم على هذا الحديث. وروى عنها: علي بن الحسين بن علي - رضي الله عنهم -، ~~وروى لها: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وماتت في رمضان زمن ~~معاوية، سنة خمس، وقيل: في خلافة علي سنة ست وثلاثين (¬1). # وأما الرجلان المبهمان فقيل: إنهما أسيد بن حضير، وعباد بن بشر، صاحبا ~~المصباحين، والله أعلم. # قولها: "فقام معي ليقلبني" -هو بفتح الياء- أي: يصرفني إلى منزلي، يقال: ~~قلبه، يقلبه، وانقلب: إذا انصرف، قال الله - عز وجل -: {وإليه تقلبون} ~~[العنكبوت: 21]، كان أبو هريرة يقول لمعلم الصبيان: اقلبهم؛ أي: اصرفهم إلى ~~منازلهم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "على رسلكما"، هو بكسر الراء وفتحها، قيل: ~~هما بمعنى، من التؤدة وترك العجلة؛ أي: اثبتا ولا تعجلا. وقيل: هو بالكسر: ~~التؤدة، وبالفتح: من اللين والرفق، وأصله: السير اللين، والمعنى متقارب. PageV02P931 # وقولهما: ms0621 "سبحان الله! " هو تنزيه لله، ومعناه في هذا الموضع بالذكر ~~استعظام الأمر وتهويله. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "يجري من ابن آدم مجرى الدم"، قيل: هو على ~~ظاهره، وأن الله - تعالى عز وجل - جعل له قوة وقدرة في الجري في باطن ~~الإنسان مجاري دمه، وقيل: هو على الاستعارة؛ لكثرة إغوائه، ووسوسته، فكأنه ~~لا يفارق الإنسان، كما لا يفارقه دمه. # وقوله في الرواية الثانية: "عند باب أم سلمة": هي زوج رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، وتقدم اسمها. # وفي هذا الحديث دليل على جواز زيارة المرأة المعتكف. # وفيه: جواز التحدث معه. # وفيه: جواز اشتغال المعتكف بالأمر يحدث له، سواء كان مندوبا أو مباحا. # وفيه: استحباب المشي مع الزائر إلى باب مكان المزور، خصوصا إذا كان فيه ~~تأنيس، وإزالة وحشة بالليل ونحوه. # واستدل به بعضهم على جواز خروج المعتكف من المسجد، في ما لا غنى به، وليس ~~فيه دليل؛ فإنه قد بين في الرواية الثانية الغاية في مشيه - صلى الله عليه ~~وسلم - مع صفية إلى باب المسجد فقط، وإن كان الخروج من المسجد للمعتكف ~~للحاجة الشرعية جائزا بلا خلاف. # وفيه دليل: على التحرز مما يقع في الوهم، ونسبة الإنسان إليه مما لا ~~ينبغي، حسب طاقته، وأنه ينبغي للإنسان ألا يؤثم الناس بسببه، فإن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أكرم الخلق على الله تعالى في خير قرن وأشرف أمة، ~~وأفضل زمان ومكان، في أفضل عبادة، ومع هذا كله خشي على الرجلين وسوسة ~~الشيطان بقذف شيء، في قلوبهما يكون مؤديا إلى الكفر، أو هو كفر. # قال بعض العلماء: ولو وقع ببالهما شيء، لكفرا. # وقال سفيان بن عيينة للشافعي: ما فقه هذا الحديث؟ فقال الشافعي: إن كان PageV02P932 # القوم اتهموا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كانوا بتهمتهم إياه ~~كفارا، لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - أدب من بعده من أمته، فقال: إذا ~~كنتم هكذا، فافعلوا هكذا؛ لئلا يظن بكم ظن السوء، فقال سفيان بن عيينة: ~~جزاك الله خيرا، ما يجيئنا منك إلا كما نحب، ms0622 هذا آخر كلامه (¬1). # وهذا متأكد في حق العلماء ومن يقتدى به، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلا ~~يوجب ظن السوء بهم، وإن كان لهم فيه مخلص؛ لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع ~~بعلمهم. # قال العلماء: وينبغي للحاكم أن يبين وجه الحكم للمحكوم عليه إذا خفي، ~~وذلك من باب نفي التهمة بالنسبة إلى الجور في الحكم، أو من باب وجوب البيان ~~وإزالة اللبس. # وفيه دليل: على هجوم خواطر الشيطان على النفس، وما كان من ذلك غير مقدور ~~على رفعه، لا يؤاخذ به؛ لقوله عز وجل: {ولا نكلف نفسا إلا وسعها} ~~[المؤمنون: 62]، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - في الوسوسة التي يتعاظم ~~الإنسان أن يتكلم به: "ذلك محض الإيمان" (¬2)، فجعل - صلى الله عليه وسلم - ~~تعاظمه للتكلم بالوسوسة محض الإيمان، لا الوسوسة. فالكراهة لذلك، وترك ~~استقراره في الخاطر، وترك العمل عليه، كل واحد منهما من محض الإيمان، وقد ~~أخطأ من جعل الوسوسة نفسها دليلا على خير الإنسان والعناية به، وإنما الخير ~~والعناية تقع بدفعها واستقرارها والعمل عليها. # فهجوم الخاطر لا يؤاخذ به؛ حيث إنه لا قدرة له فيه، واستقراره، والعمل ~~عليه، والإصرار يؤاخذ به. PageV02P933 # وعلى ذلك معنى قوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر ~~والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا} [الإسراء: 36]، وهذا بيان واضح جلي، ~~فافهمه، ونسأل الله التوفيق، والله أعلم. # وفيه: كمال شفقته بأمته - صلى الله عليه وسلم -؛ حيث إنه لما خشي عليهما ~~شر الشيطان، بادر إلى دفعه عنهما باليقين. # وفيه: جواز التعجب بسبحان الله! والتعجب بها يقع على أوجه: # منها: تعظيم الأمر وتهويله. # ومنها: للحياء من ذكره. # ومنها: لكون المحل ليس قابلا للأمر، ومن تتبع ذلك في الأحاديث النبوية، ~~وجده، والله أعلم. # وفيه: الأمر بالتؤدة وترك العجلة في الأمور، إذا لم تدع ضرورة. # وفيه: جواز خطاب الرجال الأجانب، إذا كان مع المخاطب زوجه، أو أحد من ~~محارمه، خصوصا إذا دعت إلى المخاطبة حاجة شرعية؛ من بيان حكم، أو دفع شر، ~~ونحوهما، وإن كان ذلك، لا يكون نقصا ms0623 من المروءة، والله سبحانه أعلم. # * * * PageV02P934 ### | AUTO كتاب الحج # الحج -بفتح الحاء-: هو المصدر، وبالفتح والكسر جميعا هو الاسم منه، وأصله ~~القصد، ويطلق على العمل -أيضا-، وعلى الإتيان به مرة بعد أخرى. # قال الأزهري: هو مأخوذ من قولك: حججته: إذا أتيته مرة بعد أخرى (¬1). # وفي الشرع: هو قصد مخصوص، من شخص مخصوص، إلى محل مخصوص، على وجه مخصوص. # * * * PageV02P935 ### || AUTO باب المواقيت ### ||| AUTO الحديث الأول # عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما -: أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وقت لأهل المدينة: ذا الحليفة، ولأهل الشام: الجحفة، ولأهل نجد: قرن ~~المنازل، ولأهل اليمن: يلملم، هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن؛ ممن ~~أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك، فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة (¬1). # أما قوله: "وقت"، التوقيت: ذكر الوقت في الأصل، ثم استعمل في تعليق الحكم ~~بالوقت، فيصير التحديد من لوازم التوقيت، فيطلق عليه: توقيت. # وتوقيته - صلى الله عليه وسلم - هذه المواقيت للإحرام يحتمل أنه أراد به ~~تحديد هذه المواضع للإحرام، ويحتمل أنه أراد به تعليق الحكم -وهو الإحرام- ~~بوقت الوصول إليهما بشرط إرادة الحج والعمرة. # ومعنى توقيت هذه الأماكن للإحرام: أنها لا يجوز مجاوزتها من حيث هي ~~مواقيت، وذلك تصريح بالوجوب، وقد ورد في بعض الروايات التصريح بصيغة الأمر بذلك. # أما المدينة: فهي اسم لمدينة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولها أسماء ~~أخر، الدار، وطابة، PageV02P936 # وطيبة، والعذراء، وجابرة، والمجبورة، والمحبة، والمحبوبة، والقاصمة؛ ~~لأنها قصمت الجبابرة، وكره بعض العلماء تسميتها يثرب، وكثرة الأسماء تدل ~~على شرف المسمى، ولم تزل عزيزة في الجاهلية، تمنعت على الملوك السالفة، ~~وغيرهم، أعزها الله - عز وجل - برسوله - صلى الله عليه وسلم -. # وأما ذو الحليفة، فهو بضم الحاء المهملة، وفتح اللام وبالفاء: موضع بقرب ~~المدينة، عند قرية على ستة أميال منها، أو سبعة، وقيل: أربعة، وهو من مكة ~~نحو عشر مراحل، وهو ماء من مياه بني جشم، بينهم وبين بني خفاجة العقيليين. # وأما ذو الحليفة الذي في حديث رافع بن خديج، فهو موضع ms0624 من تهامة نحو ذات ~~عرق، وليس بالمهمل (¬1). # وأما الشام: فتقدم ذكره في الطهارة. # وأما الجحفة: فهو بجيم مضمومة، ثم حاء مهملة ساكنة، فهي قرية جامعة بمنبر ~~على طريق المدينة من مكة، على سبع مراحل أو ثمان من المدينة، وثلاث من مكة، ~~كان اسمها مهيعة -بفتح الميم وسكون الهاء-، وقيدها بعضهم بكسر الهاء، مثل ~~جميلة، فأجحفها السيل بأهلها، فسميت الجحفة، وهي على ستة أميال من البحر، ~~وهي ميقات أهل الشام ومصر، إذا لم يمروا بميقات المدينة (¬2). # وأما نجد: فهي بفتح النون، وهي ما بين جرش إلى سواد الكوفة، وحده من ~~الغرب الحجاز، قال صاحب "المطالع": ونجد كلها من عمل اليمامة (¬3). # وأما قرن المنازل: فهو بفتح القاف وسكون الراء، بلا خلاف، ويقال له PageV02P937 # -أيضا-: قرن الثعالب. وروي في "الصحيح" غير مضاف، وهو موضع تلقاء مكة، ~~على يوم وليلة منها، وهو أقرب المواقيت إليها، ورواه بعضهم بفتح الراء، وهو ~~غلط، وقيل: من قال بالإسكان، أراد الجبل المشرف على الموضع، ومن قال ~~بالفتح، أراد الطريق الذي يفترق منه، فإئه موضع فيه طريق مفترقة. # وأما قول الجوهري في "صحاحه" (¬1): والقرن: موضع، وهو ميقات أهل نجد، ~~ومنه أويس القرني، فغلط من أوجه: # أحدها: جعله بالفتح موضعا، وهو بالإسكان. # الثاني: نسبة أويس القرني إليه، وهو منسوب إلى بطن من مراد يقال له: قرن، ~~بالفتح. # والثالث: جعله ميقات أهل نجد، والميقات بالإسكان بلا خلاف، كما بيناه، ~~فالمكان بالإسكان، والقبيلة بالفتح، والنسبة إليها بالفتح بلا خلاف. # وممن ذكر ذلك على الصواب: الدارقطني، والسمعاني، وابن حبيب، في "المختلف ~~والمؤتلف في أسماء قبائل العرب"، والله أعلم (¬2). # وأما اليمن: فهو الإقليم المعروف، سمي يمنا؛ لأنه عن يمين الحجر الأسود، ~~والشام عن شماله، والحجر الأسود مستقبل مطلع الشمس. # قال صاحب "المطالع" (¬3): اليمن: كل ما كان عن يمين الكعبة من بلاد ~~الغور، واليمامة: مدينة اليمن، على يومين من الطائف، وعلى أربعة من مكة، ~~ولها عمائر، وأعدتها حجر اليمامة، وهي من عداد أرض نجد، وتسمى: العروض، ~~بفتح العين، هذا آخر كلامه. # وقال السمعاني في "أنسابه" ms0625 (¬4): اليمني: نسبة إلى اليمن، وبلاد اليمن ~~بلاد PageV02P938 # عريضة كبيرة، وقد ورد في فضائلها أحاديث عدة، قد ذكرتها في "النزاع إلى ~~الأوطان"، وإنما قيل لها اليمن؛ لأنها يمين الأرض، كما أن الشام شمال ~~الأرض. هذا آخر كلامه، والله أعلم. # وأما يلملم: فهو بفتح الياء واللأمين، والميم ساكنة بينهما، ويقال فيه: ~~ألملم؛ وهو الأصل، والياء بدل منها، وهو على مرحلتين من مكة. وقال ابن ~~السيد: يلملم، ويرمرم، باللام والراء المكررتين (¬1). # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "هن لهن": الضمير في "هن لهن" عائد ~~إلى المواضع والأقطار المذكورات، وهي: المدينة، والشام، واليمن، ونجد؛ أي: ~~هذه المواقيت لهذه الأقطار، والمراد: أهلها. # وقد ورد ذكر الأهل في بعض الروايات، وحذفه من باب حذف المضاف، وإقامة ~~المضاف إليه مقامه. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولمن أتى عليهن من غير أهلهن" يقتضي أنه ~~إذا مر بهن من ليس هن ميقاته: أن يحرم منهن ولم يجاوزهن غير محرم؛ كالشامي ~~يمر بميقات المدينة ذي الحليفة، فيلزمه الإحرام منها، ولا يتجاوزها إلى ~~الجحفة التي هي ميقاته، وكذا الباقي، وهذا لا خلاف فيه عند الشافعية، وأما ~~المالكية، فإنهم نصوا على أن له مجاوزته إلى الجحفة، ومن أطلق من الشافعية ~~أنه لا خلاف فيه، فمراده: في مذهبه. # ولا شك أن قوله: "ولمن أتى عليهن من غير أهلهن" عام فيمن أتى عليهن، PageV02P939 # سواء كان ميقات بلده، أو غيره؛ كأهل الشام والجحفة إذا مروا بين يدي هذه ~~المواقيت، ومن لم يمر بين يديها، فإنه عام بالنسبة إلى من يمر بميقات آخر أيضا. # فإن عملنا بالعموم الأول، دخل تحته هذا الشامي الذي مر بذي الحليفة، فلزم ~~أن يحرم منها، وإن عملنا بالعموم الثاني، وهو أن لأهل الشام الجحفة، دخل ~~تحته هذا المار أيضا بذي الحليفة، فيكون له التجاوز إليها، فلكل واحد منهما ~~عموم من وجه، فكما يحتمل أن يقال: "ولمن أتى عليهن من أهلهن" مخصوص بمن ليس ~~ميقاته بين يديه، يحتمل أن يقال: "ولأهل الشام الجحفة"، مخصوص بمن لم يمر ~~بشيء من هذه المواقيت. # وقوله: ms0626 "ممن أراد الحج والعمرة": يقتضي تخصيص هذا الحكم بالمريد لأحدهما، ~~أو لهما، وأنه إذا لم يرد واحدا منهما، لا يلزمه الإحرام، وله التجاوز غير محرم. # واستدل به على أنه لا يلزمه الإحرام لمجرد دخول مكة، وهو أحد قولي ~~الشافعي، فمن لا يريد حجا ولا عمرة، أنه لا يلزمه الإحرام لدخول مكة، وهو ~~الراجح عند أصحابه. # وهذا الاستدلال أولا: يتعلق بأن المفهوم له عموم؛ من حيث إن مفهومه ألا ~~يريد حجا ولا عمرة ولا دخول مكة، ومن لا يريد حجا ولا عمرة، ويريد دخول ~~مكة. وفي عموم المفهوم نظر في الأصول، وعلى تقدير أن يكون له عموم، فإذا دل ~~الدليل على دخول مكة، وعلى وجود الإحرام لدخول مكة، وكان ظاهر الدلالة ~~لفظا، قدم على هذا المفهوم؛ لأن المقصود بالكلام حكم الإحرام بالنسبة إلى ~~هذه الأماكن، ولم يقصد به بيان حكم الداخل إلى مكة، والعموم إذا لم يقصد به ~~[...]، فدلالته ليست بتلك القوة، إذا ظهر من السياق المذكور المقصود من اللفظ. # واستدل على أن الحج ليس على الفور؛ لأن من مر بهذه المواقيت لا يريد PageV02P940 # الحج والعمرة، يدخل تحته من لم يحج، فيقتضي اللفظ أنه لا يلزمه الإحرام ~~من حيث المفهوم، ولو وجب على الفور، للزمه، أراد الحج أولم يرده، وفيه من ~~الكلام ما في المسألة قبلها. # وقد اختلف العلماء في الحج، هل يجب على الفور، أو التراخي؟ # فقال الشافعي، وأبو يوسف، وطائفة: هو على التراخي، إلا أن ينتهي إلى حال ~~يظن فواته لو أخره عنها، واستدلوا على قولهم بأن فريضة الحج كانت سنة خمس ~~أو ست أو ثمان من الهجرة -على أقوال في ذلك-، ولم يحج رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إلا في سنة عشر، فلو كان واجبا على الفور، لم يؤخره - صلى الله ~~عليه وسلم -. # وقال مالك، وأبو حنيفة، وآخرون: هو على الفور، والله أعلم. # قوله: "ومن كان دون ذلك، فمن حيث أنشأ" يقتضي أن من منزله بين مكة ~~والميقات إذا أنشأ السفر للحج أو العمرة، فميقاته منزله، ولا ms0627 يلزمه المسير ~~إلى الميقات المنصوص عليه من هذه المواقيت. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "حتى أهل مكة من مكة": يقتضي أن أهل مكة ~~يحرمون منها، وهو مخصوص بالإحرام بالحج، فمن كان من أهل مكة، أو واردا ~~إليها، وأراد الإحرام بالحج، فميقاته نفس مكة، ولا يجوز له ترك مكة ~~والإحرام بالحج من خارجها، سواء الحرم والحل. # وهذا هو الصحيح في مذهب الشافعي، وفيه وجه: أنه يجوز أن يحرم به من ~~الحرم، كما يجوز من مكة؛ لأن حكم الحرم حكم مكة، ويجوز أن يحرم من جميع ~~نواحي مكة؛ بحيث لا يخرج عن نفس المدينة وسورها. # وفي الأفضل، قولان للشافعية؛ أصحهما: من باب داره، والثاني: من المسجد ~~الحرام، تحت الميزاب. # أما الإحرام بالعمرة، فإنه من أدنى الحل، والله أعلم. # وأجمع العلماء على أن هذه المواقيت مشروعة، تحرم مجاوزتها، فلو PageV02P941 # جاوزها، أثم، ولزمه دم، وصح حجه عند مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، ~~والجمهور. # وقال عطاء والنخعي: لا شيء عليه. # وقال سعيد بن جبير: لا يصح حجه. # وفائدة الإحرام من هذه المواقيت تحرم مجاوزتها بغير إحرام، وأنه يلزمه ~~الدم، فلو عاد إلى الميقات قبل التلبس بنسك، سقط عنه الدم، وفي المراد بهذا ~~النسك خلاف منتشر. # أما من لا يريد حجا ولا عمرة، فلا يلزمه الإحرام لدخول مكة على الصحيح ~~كما تقدم، سواء دخل لحاجة تتكرر؛ كحطاب، وحشاش، وصياد، ونحوهم، أم لا؛ ~~كتجارة وزيارة ونحوهما. # وأما من مر بالميقات غير مريد دخول الحرم، بل لحاجة دونه، ثم بدا له أن ~~يحرم، فيحرم من موضعه الذي بدا له فيه، فإن جاوزه بلا إحرام، ثم أحرم، أثم، ~~ولزمه دم. # وإن أحرم من الموضع الذي بدا له، أجزأه، ولا دم عليه، ولا يكلف الرجوع ~~إلى الميقات. هذا هو مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال أحمد وإسحاق: يلزمه الرجوع ~~إلى الميقات، والله أعلم. # وفي هذا الحديث: # دليل على فضيلة مكة، والحرم، والحج والعمرة؛ حيث إن الله - عز وجل - شرع ~~هذه المواقيت، والإحرام لمن أراد دخولهما؛ تشريفا وتعظيما، أو التلبس بهما، ~~أو بأحدهما، ms0628 والله أعلم. # وفيه دليل: على أن هذه الأربعة المنصوص عليها مواقيت لأهلها المذكورين، ~~بنص النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأما من عداهم؛ كأهل العراق، ومن في ~~معناهم على خطهم، فقد اختلف العلماء فيهم: PageV02P942 # هل ميقاتهم بنص منه - صلى الله عليه وسلم -، أم باجتهاد من عمر بن الخطاب ~~- رضي الله عنه -؟ # وهو وجهان لأصحاب الشافعي - رحمه الله -؛ أصحهما، وهو نص الشافعي في ~~"الأم" (¬1): أنه اجتهاد من عمر، وهو في "صحيح البخاري" (¬2). # ومن قال منهم: إنه بنص، استدل بحديث ضعيف عن جابر، غير مجزوم برفعه: أن ~~ميقاتهم ذات عرق، وقد ضعفه الدارقطني (¬3) بما ذكرناه، وهو صحيح، وبأن ~~العراق لم تكن فتحت في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو فاسد؛ لأنه ~~غير ممتنع أن يخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بميقات ناحية قبل فتحها، ~~ويكون إخباره من معجزات نبوته - صلى الله عليه وسلم -، وإخباره بالمغيبات ~~المستقبلات؛ كتوقيته لأهل الشام الجحفة، ومعلوم أنه لم يكن فتح حينئذ. # وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة: أنه أخبر بفتح الشام واليمن والعراق، وأنهم ~~يأتون إليها بتشوق، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، وأنه - صلى الله ~~عليه وسلم - أخبر بأنه زويت PageV02P943 # له مشارق الأرض ومغاربها (¬1)، وقال: "سيبلغ ملكي ما زوي لي منها" (¬2)، ~~وأنهم سيفتحون مصر، وهي أرض يذكر فيها القيراط (¬3)، وأن عيسى - صلى الله ~~عليه وسلم - ينزل على المنارة البيضاء شرقي دمشق، (¬4) إلى غير ذلك مما ~~يطول ذكره، والله أعلم. # وفيه دليل: على جواز إطلاق الميقات على الأمكنة، وإن كان أصله في ~~الأزمنة، ولهذا قال الفقهاء: للحج والعمرة ميقاتان: زماني، ومكاني، وسواء ~~كل واحد منهما، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -: أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل ~~نجد من قرن". # قال عبد الله: وبلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ويهل ~~أهل اليمن من يلملم" (¬5). # إنما أخر حديث ابن عمر عن حديث ابن عباس - رضي الله عنهم ms0629 - وإن كان ابن ~~عمر أحفظ وأضبط لأحاديث المواقيت والمناسك؛ حيث حج مع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، PageV02P944 # وضبط أماكن نزوله وصلاته فيها، وتتبعها - رضي الله عنه - بعده - صلى الله ~~عليه وسلم -، وصلى فيها اقتداء وتبركا؛ لأن في حديث ابن عباس - رضي الله ~~عنهما - الجزم بتوقيت النبي - صلى الله عليه وسلم - لميقات أهل اليمن، ولم ~~يذكر ذلك في حديث ابن عمر، بل ذكره بغير صيغة سماعه من النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، فقال: وبلغني، فلهذا أخره، وأتى بصيغة الخبر في الإهلال، ~~والمراد به الأمر به؛ حيث إنه أبلغ فيه من صيغة الأمر؛ إذ الخبر من حيث ~~موضعه لا يتصور فيه الحلف، بخلاف الأمر، فيكون ذكره له بصيغة الخبر توكيدا، ~~والله أعلم. # * * * PageV02P945 ### || AUTO باب ما يلبس المحرم من الثياب ### ||| AUTO الحديث الأول # عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -: أن رجلا قال: يا رسول الله! ما ~~يلبس المحرم من الثياب؟ قال: "لا يلبس القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ~~ولا البرانس، ولا الخفاف، إلا أحد لا يجد نعلين، فليلبس الخفين، وليقطعهما ~~أسفل من الكعبين، ولا يلبس من الثياب شيئا مسه زعفران أو ورس" (¬1). # وللبخاري: "ولا تنتقب المرأة، ولا تلبس القفازين" (¬2). # أما ابن عمر، فقد تقدم ذكره والكلام عليه. # وأما الرجل المبهم: فلا أعلم له ذكرا فيما اطلعت عليه من نوعه. # وأما القمص: فجمع قميص، وهو معروف، يقال: تقمصت القميص: إذا لبسته، ~~وتقمصت الأمر استعارة: إذا دخلت فيه. # وأما العمائم: فجمع عمامة، وهو ما يلف به الرأس، سميت بذلك لأنها تعم ~~جميع الرأس بالتغطية. PageV02P946 # وأما السراويلات: فهي جمع سراويل، وهي مؤنثة عند الجمهور، وقيل: مذكر، ~~والجمهور: على أنها أعجمية معربة، وقيل: عربية، والجمهور على أنها مفردة، ~~وجمعها: سراويلات، وقيل: سراويل جمع سروالة، ويقال فيها: سراوين، بالنون، ~~وبعض الأعراب تقول: سروال -بالسين المهملة-، وبعضهم: بالشين المعجمة، ~~ويقال: سرولته فتسرول؛ أي: ألبسته السراويل، والأكثرون على أنه لا ينصرف ~~إذا كان نكرة، وقيل: ينصرف (¬1). # وأما البرانس: فجمع برنس، -بضم الباء والنون-، وهو كل ثوب رأسه ملتزق ms0630 به ~~ذراعه، كان أو جبة أو غيرهما، وقال ابن دريد: البرنس -بضم الباء-: نوع من ~~الطيالسة يلبسه العباد، وأهل الخير، قاله ابن قرقول في: "المطالع". # وقال الجوهري: هو قلنسوة طويلة كان النساك يلبسونها في صدر الإسلام، وهو ~~من البرس -بضم الباء-، وهو القطن، والنون زائدة. وقيل: إنه غير عربي (¬2). # وأما الخفاف: فجمع خف، ويجمع على أخفاف أيضا، ذكره صاحب "المطالع"، وهو ~~معروف (¬3). # أما الزعفران: فهو نبت يكون باليمن، وورد ذكره في الحديث كثيرا. # وأما الورس: فهو نبت باليمن، أصفر، تصبغ به الثياب، والخبر معروف. # وفي الحديث: ثياب ورسية، وملحفة وريسة؛ أي: مصبوغة به. # وقال أبو بكر بن العربي - رحمه الله - (¬4): الورس نبات يزرع باليمن ~~زرعا، ولا يكون بغير اليمن، ولا يكون قويا، نباته مثل السمسم، فإذا جف، ~~تفتتت PageV02P947 # خرائطه، فينتفض منه الورس أحمر، يزرع سنة، فيقيم في الأرض عشر سنين، ينبت ~~ويثمر، وأجوده حديثه. يقال: أورس فهو وارس، وتورس لغة ضعيفة. # وأما القفاز: فهو بضم القاف، وتشديد الفاء، وهو شيء تلبسه نساء العرب في ~~أيديهن، يغطي الأصابع والكف والساعد من البرد، يحشى بقطن، ويكون له أزرار ~~يزر على الساعدين، وهما قفازان، وقيل: هو ضرب من الحلي تتخذه المرأة ~~ليديها. # وقوله: "ولا تنتقب المرأة": يعني: المحرمة؛ أي: لا تستر وجهها بذلك، ~~والنقاب: شد الخمار على الأنف، وقيل: على المحجر. # أما الحكمة في تحريم هذه المذكورات على المحرم؛ فلما فيها من الترفه ~~والتزين؛ ليتصف بصفة الخاشع الذليل، وليتذكر أنه محرم في كل وقت، فيكون ~~أقرب إلى كثرة أذكاره، وأبلغ في مراقبته وصيانته لعبادته، وامتناعه من ~~ارتكاب المحظورات، وليتذكر به الموت ولباس الأكفان، وليتذكر البعث يوم ~~القيامة حفاة عراة مهطعين إلى الداعي. # ونبه - صلى الله عليه وسلم - بكل واحد من المذكورات على ما في معناه، ~~فنبه بالقميص والسراويل على كل مخيط، أو مخيط معمول على قدر البدن، أو عضو ~~منه؛ كالجوشن والران والتبان وغيرها. # ونبه بالعمائم والبرانس على كل ساتر للرأس، مخيطا كان أو غيره، حتى ~~العصابة، فإنها حرام، فإن احتاج إليها لصداع ms0631 أو شجة ونحوها، شدها، ولزمته ~~الفدية. # ونبه بالخفاف على كل ساتر للرجل من مداس وجمجم، وجورب وغيرها. # ونبه بالورس والزعفران على كل طيب، فيحرم على كل محرم، رجلا كان أو ~~امرأة، جميع أنواع الطيب الذي يقصد له، أما ما لا يقصد له؛ كالأترج ~~والتفاح، وأزهار البراري؛ كالقيصوم ونحوه، فليس بحرام؛ لأنه لا يقصد للطيب. PageV02P948 # أما المرأة: فإنه يباح لها ستر جميع بدنها بكل ساتر، إلا ستر وجهها ~~وكفيها بغير القفازين، وفي ستر يديها به خلاف للعلماء، وهما قولان للشافعي: ~~أصحهما: تحريمه؛ للحديث، والله أعلم. # فإن قيل: سؤال الرجل للنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما هو عما يلبس ~~المحرم، والجواب وقع عما لا يلبس! فالجواب: أن هذا من باب بديع الكلام ~~وجزله، وهو أنه إذا كان المسؤول عنه غير منحصر، وغيره منحصر: أنه يجاب ~~بالمنحصر؛ لينضبط المسؤول عنه للسائل، فينتهي عن المنحصر، ويلبس ما سواه؛ ~~تنبيها على أمرين: # أحدهما: أن الإباحة هي الأصل فيه. # والثاني: أنه لا ينبغي أن يعتبر أن يتغير في الجواب المطابقة للسؤال، بل ~~المعتبر ما يحصل المقصود، وكيف كان، ولو بتغير، أو زيادة، ولا تشترط ~~المطابقة، وذلك لأن مطلوب الشرع البيان والتقريب إلى الأفهام، وبأي نوع كان ~~يرجح الإتيان به على غيره. # وبهذا شرف اللسان العربي على غيره من الألسنة، حتى جعله الله - عز وجل - ~~لسان أهل الجنة ولغتهم، والله أعلم. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: تحريم ما ذكر على المحرم في الحديث، وهو إجماع واتفاق من العلماء. ~~وعداه القياسون إلى ما رواه في معناه على ما ذكرناه. # ومنها: أن المحرم هو من دخل في الحج أو العمرة معا، أو أحدهما، والإحرام: ~~الدخول في أحد النسكين، والتشاغل بأعمالهما، قاله شيخنا أبو الفتح القاضي - ~~رحمه الله -. # وقد كان شيخنا العلامة أبو محمد بن عبد السلام يستشكل معرفة حقيقة ~~الإحرام جدا، ويبحث فيه كثيرا، وإذا قيل: إنه النية، اعترض عليه بأن النية ~~شرط الحج الذي الإحرام ركنه، وشرط الشيء غيره، ويعترض عليه أن التلبية، ~~بأنها PageV02P949 # ليست بركن، والإحرام ركن ms0632 هذا أو قريب منه، وكان يحوم على فعل تتعلق به ~~النية من الابتداء (¬1). # ومنها: التنبيه على عظم عبادة الحج والعمرة؛ باعتبار ما فيهما مشروع من ~~شرائطهما وأركانهما وواجباتهما وسننهما وآدابهما، والخروج عن العادات ~~المألوفات. # ومنها: جمع لهم ما من تلبس بهما لمقاصد الآخرة، والإعراض عن مقاصد الدنيا ~~وملاذها وترفها. # ومنها: اغتفار ما منع الشرع من إتلافه بسببهما، وهو قطع الخف من أسفل ~~الكعبين، إذا لم يجد نعلين، مع نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعة المال. # وجوزت الحنابلة جواز لبس الخفين للمحرم من غير قطعهما، وقالوا: روى ابن ~~عباس وجابر مرفوعا: "من لم يجد نعلين فليلبس خفين" (¬2)، ولم يذكر قطعهما، ~~فكأنهم يزعمون نسخ حديث ابن عمر المصرح بقطعهما بذلك، ويزعمون أن قطعهما ~~إضاعة مال، والذي قاله مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وجماهير العلماء: أنه ~~لا يجوز لبسهما إلا بعد قطعهما أسفل من الكعبين. # والنسخ لا يصار إليه إلا بتعين تاريخ متأخر، كيف وحديث ابن عباس وجابر ~~مطلق، وحديث ابن عمر مقيد، والمطلق يحمل على المقيد، والزيادة من الثقة ~~مقبولة. # وقولهم: إنه إضاعة مال، غير مقبول؛ فإن الإضاعة إنما تكون فيما نهى PageV02P950 # الشرع عنه، لا فيما أذن فيه وأمر به؛ فإن قطعهما عند عدم النعلين، وعدم ~~الخفاف حق يجب الإذعان له، والله أعلم. # ثم لابس الخفين لعدم النعلين من غير قطع، يجب عليه الفدية، عند أبي حنيفة ~~وأصحابه؛ كما إذا حلق ولبس، فإنه يفدي، وقال مالك، والشافعي، ومن وافقهما: ~~لا شيء عليه؛ لأنه لو وجبت فدية، لبينها - صلى الله عليه وسلم -. # ومنها: تحريم لباس الثياب المورسة والمزعفرة وما في معناهما مما هو مطيب، ~~على المحرم، سواء كان مخيطا، أو محيطا، أو غيرهما. # والحكمة في تحريم ذلك: أنه داعية إلى الجماع، وأنه ينافي حال الحاج؛ فإنه ~~أشعث أغبر. # وسواء في تحريم ذلك الرجل والمرأة، فلو لبس مخيطا مطيبا، قاصدا للبس ~~والتطيب، عامدا، لزمه فديتان بلا خلاف، وإن كان ناسيا: فلا فدية عند ~~الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأوجبها أبو حنيفة، ومالك. # أما اللباس المعصفر، ms0633 فلا يحرم على المحرم، عند مالك والشافعي، وحرمه ~~الثوري، وأبوحنيفة، وجعلاه طيبا، وأوجبا فيه الفدية، ويكره للمحرم لبس ~~الثياب المصبوغة بغير طيب، ولا يحرم، والله أعلم. # ومنها: تحريم لبس السراويل على المحرم مطلقا، وبه قال مالك، وجوزه ~~الشافعي، وأحمد، والجمهور للمحرم إذا لم يجد إزارا من غير قطعه؛ لحديثي ابن ~~عباس وجابر -رضي الله عنهم- في إباحته، عند عدم الإزار، وكونه لم يذكر ذلك ~~في حديث ابن عمر هذا؛ لأنه ذكر حالة وجود الإزار، فلا منافاة بين الحديثين ~~حينئذ، والله أعلم. # ومنها: تحريم لباس القفازين على المحرمة، وهو الصحيح من قولي الشافعي كما ~~تقدم، والله أعلم. # * * * PageV02P951 ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يخطب بعرفات: "من لم يجد نعلين، فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزارا، فليلبس ~~السراويل" للمحرم (¬1). # هذا الحديث مع حديث ابن عمر قبله، يرجعان إلى قاعدة مجمع عليها، وهي أنه ~~مهما أمكن إعمال الأحاديث، وحمل بعضها على بعض، كان أولى من إلغاء بعضها، ~~أو نسخه عند عدم تحقق النسخ، إذا ثبت هذا، فقد استدل بهذا الحديث من لا ~~يشترط القطع من الخفين عند عدم النعلين، فإنه مطلق بالنسبة إلى القطع ~~وعدمه، وحمل المطلق هاهنا على المقيد أولى؛ فإن حديث ابن عمر المتقدم، مقيد ~~فيه القطع، كيف ولفظه بصيغة الأمر، وذلك أمر زائد على الصيغة المطلقة، فإن ~~لم يعمل بها، وأجزنا مطلق الخفين، كنا قد تركنا ما دل عليه الأمر بالقطع، ~~وهو غير شائع، وهذا خلاف ما لو كان المطلق والمقيد من جانب الإباحة؛ فإن ~~إباحة المطلق حينئذ ينتفي بزيادة ما دل عليه إباحة المقيد، فإذا أخذنا ~~بالزيادة، كان أولى؛ إذ لا معارضة بين إباحة المقيد وإباحة ما زاد عليه، ~~فلبس السراويل إذا لم يجد إزارا، يدل هذا الحديث على جوازه من غير قطع، وهو ~~قوي جدا إذا لم يرد بقطعه ما ورد في الخفين، فانتظم إعمال الحديثين من غير ~~نسخ، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن عبد الله بن عمر ms0634 -رضي الله عنهما-: أن تلبية رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك ~~والملك، لا شريك لك". PageV02P952 # قال: وكان عبد الله بن عمر يزيد فيها: "لبيك وسعديك، والخير بيديك، ~~والرغباء إليك والعمل" (¬1). # اعلم: أن التلبية هي الإجابة، وهي مثناة للتكثير والمبالغة، ومعناها: ~~إجابة بعد إجابة، ولزوما لطاعتك، فتثنى للتوكيد. # واختلف أهل اللغة في أن لفظ التلبية مثنى أم مفرد؟ فقال سيبويه: مثنى؛ ~~بدليل قلب ألفه ياء مع الظهور، وأكثر الناس على قول سيبويه، وقال يونس بن ~~حبيب البصري: لبيك: اسم مفرد لا مثنى، وألفه إنما انقلبت ياء لاتصالها ~~بالضمير؛ كلدي، وعلي، وهو مأخوذ من ألب بالمكان، ولب: إذا أقام به؛ أي: أنا ~~مقيم على طاعتك، وقيل: من لب الشيء، وهو خالصه؛ أي: إخلاصي لك. قيل: معناه: ~~الخضوع، وقيل: المحبة، وقيل: القرب، فكأنه أجاب بكل واحد من هذه المعاني، ~~قال القاضي عياض - رحمه الله -: قيل: هي الإجابة؛ لقوله تعالى لإبراهيم - ~~صلى الله عليه وسلم -: {وأذن في الناس بالحج} [الحج: 27]، والله أعلم (¬2). # وقوله: "إن الحمد والنعمة لك": أما "إن"، فتروى بكسر الهمزة؛ لأنه يدل ~~على أن الحمد لله على كل حال، وهو أجود في المعنى وأشهر نقلا واختيارا، ~~ويروى بفتحها؛ لأنه يدل على التعليل، كأنه يقول: لهذا السبب لبيتك. # وأما "النعمة لك"، فالأشهر فيها النصب عطفا على الحمد، ويجوز الرفع على ~~الابتداء، والخبر محذوف، وقال ابن الأنباري: وإن شئت جعلت خبر إن محذوفا، ~~تقديره: إن الحمد لك، والنعمة مستقرة لك. # وقوله: "وسعديك" هي في إعرابها وتبيينها؛ كلبيك، ومعناه: مساعدة لطاعتك ~~بعد مساعدة. PageV02P953 # وقوله: "والخير كله بيديك"؛ أي: ابتداؤه وانتهاؤه، والتوفيق له من فضلك، ~~وهو من باب صلاح الخطاب، كما في قوله -عز وجل-: {وإذا مرضت فهو يشفين} ~~[الشعراء: 80]. # وقوله: "والرغباء إليك والعمل" أما الرغباء: فتروى بفتح الراء وبالمد، ~~وبضم الراء والقصر، كالنعماء والنعمى، فمن فتح، مد، ومن ضم، قصر، قال ~~القاضي عياض - رحمه الله -: وحكى أبو علي فيه -أيضا- الفتح مع القصر، مثل ms0635 ~~سكرى، ومعناه هنا: الطلب والمسألة لمن بيده الخير، وهو المقصود بالعمل ~~المستحق للعبادة، والعمل فيه محذوف تقديره: العمل والقصد إليك، والانتهاء؛ ~~لتجازي عليه، ويحتمل أن يقدر: والعمل لك، والله أعلم. # هذا ما يتعلق بألفاظ التلبية ومعانيها. # أما أحكامها: فهي مشروعة إجماعا، واختلف العلماء، هل هي سنة، أم واجبة، ~~أم شرط لصحة الحج؟ فقال الشافعي - رحمه الله - وآخرون: هي سنة، لو تركها، ~~صح حجه، ولا دم عليه، وفاته الفضيلة. # وقال مالك - رحمه الله -: ليست بواجبة، لكن لو تركها، لزمه دم، وصح حجه. # وقال بعض أصحاب الشافعي: هي واجبة، تجبر بالدم، ويصح الحج بدونها. # وقال بعضهم: هي شرط لصحة الإحرام، فلا يصح هو ولا الحج إلا بها. # والصحيح الأول. # وينعقد الحج بالنية بالقلب من غير لفظ، كما ينعقد الصوم بها فقط عند مالك ~~والشافعي. # وقال أبو حنيفة: لا ينعقد إلا بانضمام التلبية أو سوق الهدي إلى النية، ~~ويجزي عنده عن التلبية ما في معناها؛ من التسبيح والتهليل وسائر الأذكار، ~~كما PageV02P954 # قال في تكبيرة الصلاة: إنه لا يتعين لفظه، بل يجوز بكل لفظ غيره، من ~~التعظيم والإجلال، والله أعلم. # ويستحب رفع الصوت بالتلبية؛ بحيث لا يشق على الملبي، ولا تؤدي به إلى ضرر ~~في بدن، والله أعلم. # ولا ترفع المرأة صوتها؛ لأنه يخاف الفتنة بصوتها غالبا. # ويستحب الإكثار منها عند تغاير الأحوال، كإقبال الليل والنهار، والصعود ~~والهبوط، واجتماع الرفاق، والقيام والقعود، والركوب والنزول، وأدبار ~~الصلوات، وفي المساجد كلها، والأصح أنه لا يلبي في الطواف والسعي؛ لأن لهما ~~أذكارا مخصوصة. # ويستحب أن يكرر التلبية في كل كرة ثلاث مرات فأكثر، ويواليها ولا يقطعها ~~بكلام، فإن سلم عليه، رد السلام باللفظ، ويكره السلام عليه في هذه الحال، ~~وإذا لبى، صلى على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وسأل الله -عز وجل- ما ~~شاء لنفسه ولمن أحبه وللمسلمين، فأفضله سؤال الرضوان والجنة والاستعاذة من ~~النار، وإذا رأى شيئا يعجبه قال: لبيك إن العيش عيش الآخرة. # ولا تزال التلبية مستحبة للحاج حتى يشرع في رمي جمرة العقبة يوم النحر، ms0636 ~~وفي طواف الإفاضة إن قدمه عليها، أو الحلق عند من يقول: الحلق نسك، وهو ~~الصحيح، وتستحب للمعتمر حتى يشرع في الطواف. # وتستحب التلبية للمحرم مطلقا، سواء الرجل والمرأة، والمحدث، والجنب، ~~والحائض؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة - رضي الله عنها -: "اصنعي ~~ما يصنع الحاج، غير أن لا تطوفي" (¬1). # * * * PageV02P955 ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا ~~يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا ومعها حرمة". # وفي لفظ للبخاري: "تسافر مسيرة يوم، إلا مع ذي محرم" (¬1). # اعلم أن هذا الحديث روي في "الصحيح" على أوجه، منها: "لا تسافر المرأة ~~ثلاثا إلا ومعها ذو محرم"، وفي رواية: "فوق ثلاث"، وفي رواية: "ثلاثة"، وفي ~~رواية: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، تسافر مسيرة ثلاث ليال، ~~إلا ومعها ذو محرم"، وفي رواية: "لا تسافر المرأة يومين من الدهر إلا ومعها ~~ذو محرم منها، أو زوجها"، وفي رواية: نهى أن تسافر المرأة مسيرة يومين، وفي ~~رواية: "لا يحل لا مرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة إلا ومعها ذو حرمة منها"، ~~وفي رواية: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، تسافر مسيرة يوم، إلا ~~مع ذي محرم"، وفي رواية: "مسيرة يوم وليلة"، وفي رواية: "لا تسافر امرأة ~~إلا مع ذي محرم". # هذه روايات مسلم، وفي رواية لأبي داود: "لا تسافر بريدا"، والبريد: مسيرة ~~نصف يوم (¬2). # قال العلماء: اختلاف هذه الألفاظ؛ لاختلاف السائلين، واختلاف PageV02P956 # المواطن، وليس في النهي عن الثلاثة تصريح بإباحة اليوم أو الليلة أو ~~البريد. # قال البيهقي: كأنه - صلى الله عليه وسلم - سئل عن المرأة، تسافر ثلاثا ~~بغير محرم، فقال: "لا"، وعن يومين، فقال: "لا"، وعن يوم، فقال: "لا"، وكذلك ~~البريد، فأدى كل منهم ما سمعه (¬1)، وما جاء منها مختلفا، عن راو واحد، ~~فسمعه في مواطن، يروي تارة هذا، وتارة هذا، وكله صحيح، وليس في هذا كله ~~تحديد لأقل ما يقع عليه اسم السفر، ولم يرد - صلى الله عليه وسلم - تحديد ~~أقل ms0637 ما يسمى سفرا، فالحاصل: أن كل ما يسمى سفرا تنتهي عنه المرأة بغير زوج ~~أو محرم، سواء كان ثلاثة أيام، أو يومين، أو يوما، أو بريدا، أو غير ذلك؛ ~~لرواية ابن عباس - رضي الله عنهما - المطلقة، وهي آخر روايات مسلم السابقة: ~~"لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم"، وهذا يتناول جميع ما يسمى سفرا، والله أعلم. # واعلم: أنه لا بد من تبيين المحرم، ومعرفة حده، وحقيقته: # قال العلماء من الشافعية: المحرم من النساء التي يجوز النظر إليها ~~والخلوة بها، والمسافرة بها: كل من حرم نكاحها على التأبيد بسبب مباح؛ ~~لحرمتها، فقولنا: على التأبيد احتراز من أخت المرأة، وعمتها وخالتها ~~ونحوهن. # وقوله: بسبب مباح: احتراز من أم الموطوءة بشبهة، وبنتها، فإنهما يحرمان ~~على التأبيد وليستا محرمتين؛ لأن وطء الشبهة لا يوصف بالإباحة؛ حيث إنه ليس ~~بفعل مكلف. # وقولنا: لحرمتها، احتراز من الملاعنة؛ فإنها محرمة على التأبيد بسبب ~~مباح، وليست محرما؛ لأن تحريمها ليس لحرمتها، بل عقوبة وتغليظا، والله أعلم. # أما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يحل لامرأة"، فهو عام في كل امرأة، ~~سواء الشابة والعجوز. # وحكى القاضي عياض عن الباجي من المالكية: أنه قال: هذا عندي في PageV02P957 # الشابة، فأما الكبيرة غير الشابة، فتسافر كيف شاءت كل الأسفار بلا زوج ~~ولا محرم. # قال شيخنا أبو زكريا النووي، -قدس الله روحه-: وهذا الذي قاله الباجي لا ~~يوافق عليه؛ لأن المرأة مظنة الطمع فيها والشهوة، ولو كانت كبيرة، وقد ~~قالوا: لكل ساقطة لاقطة، ويجتمع في الأسفار من سفهاء الناس وسقطتهم ما لا ~~يرتفع عن الفاحشة بالعجوز وغيرها؛ لغلبة شهوته، وقلة دينه ومروءته، وكثرة ~~خيانته، ونحو ذلك، والله أعلم (¬1). # قال شيخنا أبو الفتح القاضي - رحمه الله -: والذي قال الباجي تخصيص ~~للعموم بالنظر إلى المعنى، وخالفه بعض الشافعية المتأخرين، قال: وقد اختار ~~هذا الشافعي: أن المرأة تسافر بالأمر ولا تحتاج إلى أحد، بل تسير وحدها من ~~جملة القافلة، وتكون آمنة. وهذا مخالف لظاهر الحديث، والله أعلم (¬2). # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "تؤمن بالله واليوم الآخر". ms0638 # تنبيه: يوصف الإيمان بالله، واليوم الآخر على العمل بأحكام الشرع، ~~والوقوف مع حدوده، في الظاهر والباطن، وأن الحامل على ذلك إنما هو الإيمان ~~لا غير، فإن من علم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب وأنه محاسب عليه يوم ~~القيامة، حمله ذلك على التقيد بفعل المأمور، وترك المنهي، وذلك هو المطلوب، ~~والله أعلم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أن تسافر" هو مطلق في كل سفر، طويلا كان ~~أم قصيرا، كما بيناه في الكلام على روايات الحديث. # وهل هو عام في سفر كل طاعة، أم مخصص؟ # أما سفر الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام، فاتفق العلماء على وجوبه، ~~وإن لم يكن معها أحد من محارمها. PageV02P958 # وأما سفر الحج أو العمرة، فإن كانا واجبين، وهي مستطيعة كالرجل، فهل ~~يشترط لاستطاعتها وجود محرم لها في سفرها لهما؟ فمذهب الشافعي في المشهور ~~عنه: لا يشترط المحرم، بل يشترط الأمن على نفسها، وبه قال عطاء، وسعيد بن ~~جبير، وابن سيرين، ومالك، والأوزاعي. # قال أصحاب الشافعي: ويحصل الأمن بزوج أو محرم أو نسوة ثقات، ولا يلزمها ~~الحج إلا بأحد هذه الأشياء. # واشترط أبو حنيفة المحرم لوجوب الحج عليها، إلا أن يكون بينها وبين مكة ~~دون ثلاث مراحل، ووافقه جماعة من أصحاب الحديث، وأصحاب الرأي، وحكي أيضا عن ~~الحسن البصري والنخعي. # وإن كانا تطوعا، أو سفر زيارة، أو تجارة، ونحوها من الأسفار التي ليست ~~واجبة، فقال الجمهور: لا يجوز إلا مع زوج أو محرم، وقال بعضهم: يجوز لها ~~الخروج فيها مع نسوة ثقات، كحجة الإسلام. # قال القاضي عياض - رحمه الله -: واتفق العلماء على أنه ليس لها أن تخرج ~~في غير الحج والعمرة، إلا مع ذي محرم، إلا الهجرة من دار الحرب، كما ذكرنا، ~~قال: والفرق بينهما: أن إقامتها في دار الكفر حرام إذا لم تستطع إظهار ~~الدين، وتخشى على دينها ونفسها، وليس كذلك التأخر عن الحج، كيف وهو مختلف ~~في أنه على الفور، أم التراخي (¬1)، فالذين اشترطوا المحرم لوجوب الحج، ~~استدلوا بهذا الحديث، فإن سفرها للحج ms0639 من جملة الأسفار الداخلة تحته، فيمتنع ~~إلا مع المحرم، والذين لم يشترطوه قالوا: المشترط الأمن على نفسها مع رفقة ~~مأمونين، رجالا أو نساء، كما تقدم. ولا شك أن هذه المسألة تتعلق بالعامين ~~إذا تعارضا، وكان كل واحد منهما عاما من وجه، خاصا من وجه: بيانه: أن قوله ~~-عز وجل-: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] ~~يدخل تحته الرجال والنساء، فيقتضي ذلك أنه إذا وجدت PageV02P959 # الاستطاعة المتفق عليها، أن يجب عليها الحج، وقوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "لا يحل لامرأة" الحديث خاص بالنساء، عام في الأسفار، فإذا قيل: وأخرج ~~عنه سفر الحج بقوله: {ولله على الناس حج البيت} [آل عمران: 97]، قال ~~المخالف: ويعمل بقوله: {ولله على الناس حج البيت} [آل عمران: 97]، فتدخل ~~المرأة فيه، ويخرج سفر الحج عن النهي، فيقوم في كل واحد من الحديثين عموم ~~وخصوص، ويحتاج إلى الترجيح من خارج. # وذكر بعض الظاهرية: أنه يذهب إلى دليل من خارج، وهو قوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" (¬1)، ولا يتجه ذلك؛ لكونه عاما ~~في المساجد، ويمكن أن يخرج عنه المسجد الذي يحتاج إلى السفر في الخروج ~~إليه؛ لحديث النهي. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مسيرة يوم وليلة، إلا ومعها حرمة" ~~وللبخاري: "مسيرة يوم إلا مع ذي محرم" تقدم الكلام على اختلاف الروايات، في ~~مسيرة السفر، والمراد منها كلها، وعلى حقيقة المحرم. # ولا شك أن ذا المحرم عام في محرم النسب؛ كأبيها، وأخيها، وابن أخيها، ~~وخالها، وعمها، ومحرم الرضاع، ومحرم المصاهرة؛ كأبي زوجها، وابن زوجها، ~~واستثنى بعضهم ابن زوجها، وقال: يكره السفر معه؛ لغلبة الفساد في الناس بعد ~~العصر الأول؛ ولأن كثيرا من الناس لا ينزل زوجة الأب في النفرة عنها منزلة ~~محارم النسب، والمرأة فتنة، إلا فيما جبل الله النفوس عليه في النفرة عن ~~محارم النسب. # والحديث عام، فإن كانت الكراهة للتحريم إلا مع محرمية، لزم الزوج، وهو ~~بعيد مخالف لظاهر الحديث، وإن كان للتنزيه للمعنى المذكور، فهو أقرب تشوقا ~~إليه، ms0640 ويقويه استثناء السفر مع المحرم، فيصير التقدير: إلا مع ذي محرم، ~~فيحل. PageV02P960 # ويبقى النظر في قولنا: يحل، فهو يتناول المكروه، أم لا؛ بناء على أن لفظ ~~يحل يقتضي الإباحة المستوية الطرفين، فإن قلنا: لا يتناول المكروه، فهو ~~قريب جدا في التخصيص، وإن قلنا: يتناوله، فهو مشكل، والله أعلم. # ثم الحرمة في إحدى الروايتين بمعنى: ذي المحرم، وإن استعمل استعمالا ~~لغويا فيما يقتضي الإحرام، فيدخل فيه الزوج لفظا، فيلحق في الحكم بالمحرم ~~في جواز السفر معه، وأولى بالجواز، والله أعلم. # هذا حكم السفر وما يتعلق به، والخلوة ملحقة بحكمه. # أما إذا خلا الأجنبي بالأجنبية من غير ثالث معهما، فهو حرام باتفاق ~~العلماء، وكذلك لو كان معهما من لا يستحيا منه؛ لصغره؛ كابن سنتين وثلاث، ~~ونحو ذلك، فإن وجوده كالعدم، وكذا لو اجتمع رجال بامرأة أجنبية، فهو حرام، ~~بخلاف ما لو اجتمع رجل بنسوة أجانب؛ فإن الصحيح جوازه؛ لتواطؤ الرجال على ~~المرأة، وعدم مواطأة النساء على الرجل الواحد. # والمختار: أن الخلوة بالأمرد الأجنبي الحسن كالمرأة، فتحرم الخلوة به، ~~حيث حرمت بالمرأة إلا إذا كان في جمع من الرجال المصونين، قال أصحاب ~~الشافعي: ولا فرق في تحريم الخلوة بحيث حرمناها بين الخلوة في صلاة أو غيرها. # ويستثنى من هذا كله مواضع الضرورة، بأن يجد امرأة منقطعة في الطريق، أو ~~نحو ذلك، فيباح له استصحابها، بل يلزمه ذلك إذا خاف عليها لو تركها، وهذا ~~لا خلاف فيه، ويدل عليه حديث عائشة - رضي الله عنها - في قصة الإفك، والله أعلم. # * * * PageV02P961 ### || AUTO باب الفدية # عن عبد الله بن معقل قال: جلست إلى كعب بن عجرة، فسألته عن الفدية، فقال: ~~نزلت في خاصة، وهي لكم عامة، حملت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~والقمل يتناثر على وجهي، فقال: "ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى، أو: ما ~~كنت أرى الجهد بلغ منك ما أرى، أتجد شاة؟ "، فقلت: لا، قال: "فصم ثلاثة ~~أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع" (¬1). # وفي رواية: فأمره رسول الله ms0641 - صلى الله عليه وسلم - أن يطعم فرقا بين ~~ستة، أو يهدي شاة، أو يصوم ثلاثة أيام (¬2). # أما عبد الله بن معقل: فهو تابعي، كوفي، ثقة، من خيار التابعين، كنيته: ~~أبو الوليد، روى عن عبد الله بن مسعود، وثابت بن الضحاك، وكعب بن عجرة، ~~وعدي بن ثابت، وروى عن علي بن أبي طالب، وروى له البخاري ومسلم وغيرهما. # وأما أبوه معقل: فهو -بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف- ابن PageV02P962 # مقرن -بضم الميم وفتح القاف وكسر الراء المشددة- مزني، كوفي، له صحبة، ~~قاله أحمد بن عبد الله العجلي. # قال الحافظ عبد القادر الرهاوي في كتابه "الأربعين": ليس لعبد الله بن ~~معقل هذا في "الصحيحين" غير حديث: "اتقوا النار ولو بشق تمرة" (¬1)، قال: ~~ويشاركه في اسمه واسم أبيه، عبد الله بن معقل المحاربي الكوفي، يروي عن ~~عائشة، يروي عنه أشعث بن سليم وعبد بن حنين. # قال شيخنا أبو زكريا النووي الحافظ - رحمه الله -: وهذا الذي ادعاه عبد ~~القادر غلط، ففي "صحيح البخاري" في كتاب: الحج، في باب: إطعام المحصر في ~~الفدية نصف صاع، عن عبد الله بن معقل المزني هذا، عن كعب بن عجرة، حديث، ~~والله أعلم. # وهو كما قال، بل الحديث في "صحيح مسلم" أيضا كما ذكره المصنف - رحمه الله ~~- (¬2). # وأما كعب بن عجرة: فكنيته: أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو ~~إسحاق، وهو أنصاري من بني سالم بن عوف، ويقال: من بلي بن الحاف بن قضاعة، ~~وقيل غير ذلك، وقيل: هو حليف لبني عوف بن الخزرج، وهم القواقلة، وقيل: حليف ~~لبني سالم من الأنصار. # وأبوه عجرة -بضم العين المهملة، وسكون الجيم-، وقيل: هو عجرة بن أمية بن ~~عدي بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن عوف بن غنم بن سواد. PageV02P963 # شهد كعب هذا بيعة الرضوان، وقال ابن الأثير: تأخر إسلامه، روي له عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - سبعة وأربعون حديثا، اتفق البخاري ومسلم على ~~حديثين، وانفرد مسلم بآخرين، وروى عنه بنوه: إسحاق، وعبد الملك، ومحمد، ~~والربيع، ومن الصحابة العبادلة: ms0642 ابن عمر، وابن عباس، وابن عمرو بن العاص، ~~وجابر بن عبد الله -رضي الله عنهم-، وخلق من التابعين، وروى له أصحاب السنن ~~والمساند. # مات بالمدينة سنة إحدى، وقيل: اثنتين، وقيل: ثلاث وخمسين، وله خمس وسبعون ~~سنة (¬1). # وأما قوله: "فسألته عن الفدية، فقال: نزلت في خاصة، وهي لكم عامة" السائل ~~هو عبد الله بن معقل، والمسؤول: هو كعب بن عجرة، وهو الذي نزلت فيه خاصة ~~-يعني: الفدية- ويريد بقوله: خاصة: اختصاص السبب الذي نزلت به، ويريد ~~بقوله: "لكم عامة": عموم اللفظ في الآية بقوله: {فمن كان منكم مريضا أو به ~~أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} [البقرة: 196]، وهذه صيغة عموم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما كنت أرى" بضم الهمزة؛ أي: أظن. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الوجع أو الجهد بلغ بك ما أرى" هو شك من ~~الراوي، هل قال: الوجع، أو الجهد؟. # والجهد: بفتح الجيم؛ هو المشقة، وبالضم: الطاقة، ولا معنى لها هنا، إلا ~~أن يكون الفتح والضم لغتين في المشقة. و "ما أرى": هو بفتح الهمزة؛ هو من ~~رؤية العين؛ أي: ما أشاهد ببصري. # وقوله: "فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يطعم فرقا بين ستة": ~~الفرق -بفتح الراء، PageV02P964 # وقد تسكن-، وهي ثلاثة آصع، وهو مفسر في الروايتين بقوله في الأولى: "لكل ~~مسكين نصف صاع"، وفي الثانية هذه بقوله: "بين ستة". # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أتجد شاة؟ " قال: لا، وفي الثانية: "أو ~~يهدي شاة" هذا هو النسك المجمل في الآية الكريمة في قوله تعالى: {ففدية من ~~صيام أو صدقة أو نسك} [البقرة: 196]، وليس المراد بقوله: أتجد شاة؟ قال: ~~لا، فأمره بالصوم أو الإطعام: أن كل واحد منهما لا يجزئ إلا عند عدم الهدي، ~~بل هو محمول على أن سؤاله عن وجدانه، فإن أخبره به، أخبره - صلى الله عليه ~~وسلم - بأنه مخير بينه وبين الصيام والإطعام، وإن عدمه، فهو مخير بين ~~الصيام والإطعام. # ولا شك أن لفظ الآية والحديث معا، يقتضي التخيير بين الخصال الثلاث ms0643 ~~المذكورة؛ فالصيام والصدقة والنسك مجملات في الآية الكريمة، مبينة في ~~الحديث، فالصيام مبين بثلاثة أيام، وأبعد من قال من المتقدمين: إن الصوم ~~عشرة أيام؛ فإنه مخالف للآية والحديث. # والصدقة: ثلاثة آصع؛ لكل مسكين نصف صاع. # والنسك: واحدته نسيكة؛ وهي الذبيحة، وأعلاها بدنة، وأوسطها بقرة، وأدناها ~~شاة، أيما شاء ذبح، فهذه الفدية على التخيير، والتقدير: يتخير بين الثلاثة ~~المذكورات. # وكل هدي أو إطعام يلزم المحرم، يكون بمكة، ويتصدق به على مساكين الحرم، ~~إلا الهدي الذي يلزم المحصر؛ فإنه يذبحه حيث أحصر. # وأما الصوم: فإنه يصوم حيث شاء، وقد اتفق العلماء على القول بظاهر هذا ~~الحديث، لكن وقع الخلاف على الإطعام، هل يتعين من الحنطة مقدارا وعينا؟ # فحكي عن أبي حنيفة والثوري: أن نصف الصاع لكل مسكين، إنما هو في الحنطة، ~~فأما التمر وغيره، فيجب صاع لكل مسكين. وهذا خلاف نصه في الحديث، في "صحيح ~~مسلم": "ثلاثة آصع كان تمر" (¬1)، وعن أحمد بن حنبل PageV02P965 # - رحمه الله - رواية: "لكل مسكين مد حنطة، أو نصف صاع من غيره"، وعن ~~الحسن البصري، وبعض السلف: أنه يجب إطعام عشرة مساكين، أو صوم عشرة أيام، ~~وكل هذا ضعيف مردود منابد للسنة. # وفي الحديث دليل: على جواز حلق الرأس للمحرم من أذى القمل، وقاسوا عليه ~~ما في معناه من الضرر؛ كالمرض. # وفيه دليل: على أن السنة مبينة للمجمل في الكتاب. # وفيه دليل: على أن التفسير المتعلق بسبب النزول من الصحابي، مرفوع إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذا لم يضفه إليه - صلى الله عليه وسلم -؛ ~~بقول كعب - رضي الله عنه -: "نزلت في خاصة، وهي لكم عامة". # وفيه دليل: على أنه يشرع لكبير القوم أو عالمهم، إذا رأى ببعض أتباعه ~~ضررا، أن يسأله عنه، وأن يرشده إلى المخرج منه إن كان عنده مخرج. # وفيه دليل: على أن تحريم الحلق من غير ضرر للمحرم. # وفيه دليل: على الله إذا حلق لغير ضرر، أنه يلزمه الفدية من باب التنبيه؛ ~~لأنه إذا وجبت في الضرر بالخروج منه، فلأن يجب في الترفه به ms0644 من طريق ~~الأولى، لكنه في إزالة الضرر يجب الفدية، ولا يكون إثما، وفي الترفه به ~~يجب، ويكون إثما، والله أعلم. # * * * PageV02P966 ### || AUTO باب حرمة مكة ### ||| AUTO الحديث الأول # عن أبي شريح خويلد بن عمرو الخزاعي العدوي -رضي الله عنه-: أنه قال لعمرو ~~بن سعيد بن العاص، وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لي أيها الأمير أن أحدثك ~~قولا قام به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الغد من يوم الفتح، فسمعته ~~أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم به، أنه حمد الله، وأثنى عليه، ~~ثم قال: "إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله ~~واليوم الآخر أن يسفك بها دما، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، فقولوا: إن الله أذن لرسوله - صلى الله عليه ~~وسلم -، ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم؛ ~~كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب"، فقيل لأبي شريح: ما قيل لك؟ قال: ~~أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح! إن الحرم لا يعيذ عاصيا، ولا فارا بدم، ولا ~~فارا بخربة" (¬1). # الخربة -بالخاء المعجمة، والراء المهملة- قيل: الخيانة، وقيل: البلية، ~~وقيل: التهمة، وأصلها في سرقة الإبل، قال الشاعر (¬2): # والخارب اللص يحب الخاربا PageV02P967 # أما أبو شريح، فهو -بضم الشين المعجمة، وفتح الراء، وسكون الياء، وبالحاء ~~المهملة- خويلد، -مصغر خالد- بن عمرو، وقيل: عمرو بن خويلد، وقيل: هانئ بن ~~عمرو، ويقال: عبد الرحمن بن عمرو بن صخر بن عبد العزى بن معاوية بن ~~المحترمن عمرو بن رمان بن عدي بن عمرو بن ربيعة، أسلم قبل فتح مكة، وكان ~~يحمل أحد ألوية بني كعب من خزاعة الثلاثة يوم فتح مكة. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشرون حديثا، اتفق له ~~البخاري ومسلم على حديثين، وانفرد البخاري بحديث. # روى عنه: نافع بن جبير بن مطعم، وسعيد بن أبي سعيد المقبري، وروى له ~~أصحاب السنن والمساند، مات بالمدينة سنة ثمان وستين (¬1). # وأما الخزاعي: فبضم الخاء المعحمة، وفتح ms0645 الزاي، ثم الألف، ثم العين ~~المهملة، ثم ياء النسب، نسبة إلى خزاعة. # والعدوي: بفتح العين والدال المهملتين، ثم الواو، ثم ياء النسب، نسبة إلى ~~عدي خزاعة، وهي نسبة إلى قبائل خمسة أحدها هذه. # ويقال له: الكعبي، نسبة إلى كعب خزاعة، وهي نسبة إلى قبائل أربعة، أحدها هذه. # وأما عمرو بن سعيد بن العاص: فكنيته، أبو أمية الأموي، قيل: له رواية، ~~ولم يثبت، واسم أبي جده: العاص بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي، وهو ~~المعروف بالأشدق؛ لقب به لأنه كان عظيم الشدقين، وقيل: لقبه به معاوية؛ ~~لكلام جرى بينه وبينه، وهو مشهور. PageV02P968 # وأبوه سعيد صحابي، كنيته أبو عثمان، ويقال: أبو عبد الرحمن. # سمع عمرو هذا أباه، وروى عنه شبابة بن عاصم، روى له الترمذي حديثا من ~~رواية عامر وأيوب بن موسى بن عمرو بن سعيد بن العاص. وقال عقبة: حديثه ~~غريب، لا نعرفه إلا من حديث عامر، وأيوب بن موسى، رواه عن أبيه عن جده قال: ~~وهذا عندي مرسل، قال غير واحد من المؤرخين: قتله عبد الملك بن مروان بيده، ~~والله أعلم (¬1). # وأما ألفاظه: # فقوله: "وهو يبعث البعوث": هي جمع بعث بمعنى المبعوث، وهو من باب تسمية ~~المفعول بالمصدر، والمراد بالبعوث: القوم المرسلون للقتال، ونحوه. # وقوله: "إلى مكة" اعلم أن مكة وبكة -بالميم والباء-، لغتان عند جماعة ~~العرب، والعرب تعاقب بين الميم والباء، فتقول: سبد رأسه، وسمد. # واختلف في معناهما، فقيل: بكة: [موضع البيت، ومكة: اسم البلد. حكاهما ~~المارودي عن النخعي وغيره] (¬2)، وقيل: بكة: موضع البيت والمطاف، ومكة: ~~البلد كله. وقيل: بكة: المسجد خاصة، ومكة: الحرم كله، حكاه أيضا عن زيد بن ~~أسلم والزهري. # فحينئذ مكة أعم من بكة؛ لكونها اسما للحرم كله، أو للبلد كله، وبكة إما ~~للبيت فقط، أو مع المطاف، وإما لجميع المسجد. # وسميت مكة؛ لقلة مائها، من قول العرب: مك الفصيل ضرع أمه، وامتكه: إذا ~~امتص جميع ما فيه من اللبن، وقيل: لأنها تمك الذنوب؛ أي: تذهب بها. # وسميت بكة؛ لازدحام الناس بها، يبك بعضهم بعضا؛ ms0646 أي: يدفع في زحمة PageV02P969 # الطواف، وقال الليث: لأنها تبك أعناق الجبابرة؛ أي تدقها، والبك: الدق. # ويقال لمكة -أيضا-: أم القرى، والبلد الأمين، وأم رحم، بضم الراء وسكون ~~الحاء المهملة؛ لأن الرحمة تنزل بها، وصلاح -بفتح الصاد وكسر الحاء مبني ~~على الكسر كقطام-، ونظائرها، والباسة -بالباء-؛ لأنها تبس الظالم؛ أي: ~~تحطمه، والناسة -بالنون-، والنساسة؛ لأنها تنس الملحد فيها؛ أي: تطرده. ~~وقيل: لقلة مائها، وهو اليبس؛ حكاه الجوهري عن الأصمعي، والحاطمة، والرأس، ~~وكوثى -بضم الكاف وبفتح المثلثة-، والعرش، والقادسة، والمقدسة، فهذه ستة ~~عشر اسما (¬1). # وكثرة الأسماء؛ لشرف المسمى، ولهذا كثرت أسماء الله -عز وجل- ورسوله - ~~صلى الله عليه وسلم -. # وهي أفضل البقاع، عند الشافعي والجمهور، وقال مالك وطائفة: المدينة أفضل، ~~وقال القاضي عياض - رحمه الله -: الخلاف إنما هو فيما عدا مدفن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، أما مدفنه، فهو أفضل بقاع الأرض مطلقا، ونقل الإجماع ~~عليه، والله أعلم (¬2). # قوله: "ائذن لي أيها الأمير أن أحدثك": إنما استأذنه في تحديثه؛ ليكون ~~أدعى إلى قبول حديثه، وتحصيل الغرض منه؛ فإن الغلط عليه قد يكون سببا ~~لإثارة نفسه، ومعاندة من يخاطبه. # وقوله: "أحدثك قولا قام به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، سمعته ~~أذناي، ووعاه قلبي" إنما قال ذلك تخفيفا لما يريد أن يخبره به. # وقوله: "سمعته أذناي" نفي لتوهم أن يكون رواه عن غيره. # وقوله: "ووعاه قلبي" تحقيق لفهمه، والتثبت في تعقل معناه. PageV02P970 # وقوله: "وأبصرته عيناي حين تكلم به، أنه حمد الله وأثنى عليه" زيادة في ~~تحقيق السماع منه والفهم عنه بالقرب والرؤية، وأن سماعه منه ليس هو اعتمادا ~~على الصوت دون حجاب، بل على الرؤية والمشاهدة، وأنه بدأ بما ينبغي أن يبدأ ~~به في الكلام وغيره. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله حرم مكة، ولم يحرمها الناس" ~~معناه: تفهيم المخاطبين تعظيم قدر مكة، بتحريم الله تعالى إياها، ونفي ما ~~تعتقده الجاهلية، وغيرهم؛ من أنهم يحرموا أو يحللوا، وإذا كان الأمر كذلك، ~~فلا يحل لامريء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما؛ لأنه ms0647 من آمن ~~بالله، لزمه طاعته، ومن آمن باليوم الآخر، لزمه القيام بما وجب عليه، ~~واجتناب ما نهي عنه مخلصا خوف الحساب عليه. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر ~~أن يسفك بها دما" يسفك -بكسر الفاء، وحكي ضمها- ومعناه: يسيله. # "ولا يعضد بها شجرة"، والعضد: القطع، يقال: عضد بفتح الضاد، يعضد بكسرها، ~~وهذا الخطاب عند علماء البيان، من باب خطاب التهييج، ومقتضاه: أن استحلال ~~هذا المنهي عنه لا يليق بمن يؤمن بالله واليوم الآخر، بل ينافيه، فهذا هو ~~المقتضي لذكر هذا الوصف، ولو قيل: لم يحل لأحد مطلقا، لم يحصل فيه هذا الغرض. # ومن خطاب التهييج قوله -عز وجل-: {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} ~~[المائدة:23]، وغير ذلك مما يناسبه من الآيات. # وقد توهم بعض أصحاب الأصول: أن هذا الحديث في قوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "لا يحل" إلى آخره، يدل على نفي الكفار، وأنهم ليسوا مخاطبين بفروع ~~الشرع، والصحيح عند الأصوليين أنهم مخاطبون. # والجواب عن هذا التوهم: أن ذكر وصف الإيمان بالله واليوم الآخر للشخص، هو ~~المحصل للإيمان له، والمؤمن هو الذي ينقاد لأحكام الشرع، PageV02P971 # وينزجر عن محرماته، ويستثمر الأحكام منه، فجعل الكلام فيه، لا أن غيره من ~~الكفار ليس مخاطبا بالفروع، كيف وخطابه بهذه الكيفية؛ إنما هو للتهييج إلى ~~عدم استحلال المحرم وتحريم المحلل، واستقباح ذلك من المؤمن، والله أعلم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإن أحد ترخص بقتال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -" إلى آخره يقتضي هو وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من دخل دار ~~أبي سفيان فهو آمن" (¬1) وجود قتال منه - صلى الله عليه وسلم -، وأن مكة ~~فتحت عنوة، وهو مذهب أبي حنيفة، والكثيرين، أو الأكثرين. # وقال الشافعي - رحمه الله -، وغيره: فتحت صلحا، وتأولوا الحديث على أن ~~القتال كان جائزا له - صلى الله عليه وسلم - فيها لو احتاج إليه، لكنه ما ~~احتاج إليه، ولو احتاج إليه، لفعله، وضعف ذلك، واستبعده جماعة بما ذكرنا أولا. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وليبلغ الشاهد ms0648 الغائب": كل من حضر شيئا، ~~وعاينه، فقد شهده، وقيل له: شاهد. والغائب: من غاب عنه. وهذا اللفظ جاءت به ~~أحاديث كثيرة، وقد أمر الله -عز وجل- نبيه - صلى الله عليه وسلم - في كتابه ~~بالتبليغ، وحث عليه في غير آية؛ من النصيحة لله ورسوله، وإقامة الكتاب: ~~قوله تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} [المائدة: 67]، وفي ~~قوله -عز وجل-: {إذا نصحوا لله ورسوله} [التوبة: 9]، وقوله تعالى: {ولو ~~أنهم إذ ظلموا أنفسهم} [النساء: 64]، {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ~~وما أنزل إليهم من ربهم} [المائدة: 66]، ومن جملة ذلك كله البلاغ، والله ~~تعالى أعلم. # وقول عمرو لأبي شريح: "أنا أعلم بذلك منك" إلى آخره: هو كلامه، ولم يسنده ~~إلى رواية. # وقوله: "لا يعيذ عاصيا"؛ أي: لا يعصمه. # وقوله: "ولا فارا بخربة"، الخربة -بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء، ويقال ~~بضم الخاء- وأصلها: سرقة الإبل؛ كما قال المصنف، وقد فسرها بالبلية والتهمة ~~على وجهين: PageV02P972 # الأول: في "صحيح البخاري": ويطلق على كل خيانة، سواء كانت في الإبل أو ~~غيرها. وقال الخليل: هي بالضم: الفساد في الدين، من الخارب؛ وهو اللص ~~المفسد في الأرض، وقيل: هي العيب، والله أعلم. # وفي هذا الحديث أحكام كثيرة: # منها: حسن الأدب في مخاطبة الكبار، لا سيما الملوك والأمراء، لا سيما ~~فيما يخالف مقصودهم. # ومنها: التنبيه على قبول علم الإنسان بحفظه ووعيه ومعاينته ممن أخذه منه؛ ~~ليكون أدعى إلى قبوله والتمسك به محققا. # ومنها: أن الإيمان بالله واليوم الآخر يقتضي امتثال أمر الله تعالى، ~~واجتناب نهيه، وخوف الحساب على ذلك، ورجاء الثواب عليه. # ومنها: أن الرجوع في كل حالة دنيوية وأخروية إلى الشرع، وأن ذلك لا يعرف ~~إلا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبيانه وتقريره. # ومنها: النصيحة لولاة الأمور ومناصحتهم، وعدم الغش لهم، والإغلاظ عليهم. # ومنها: الخطبة للأمور المهمة والأحكام العامة. # ومنها: وجوب حمد الله تعالى والثناء عليه في الخطبة. # ومنها: عظم قدر مكة. # [ومنها: أن التحريم والتحليل إنما هو من عند الله تعالى، وأن الناس ليس ~~لهم فيه مدخل] ms0649 (¬1). # ومنها: تحريم مكة، واختلف العلماء في ابتداء تحريمها، فقال الأكثرون: لم ~~تزل محرمة من يوم خلق الله السموات والأرض. # وقيل: ما زالت حلالا إلى زمن إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - كغيرها، ثم ~~ثبت لها التحريم من PageV02P973 # زمن إبراهيم، واستدل للقول الأول بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن هذا ~~البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض" (¬1)، واستدل للقول الثاني بقوله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "إن إبراهيم حرم مكة" (¬2). # وأجاب الأكثرون عن هذا الثاني: بأن تحريمها كان ثابتا يوم خلق الله ~~السموات والأرض، ثم خفي تحريمها، ثم أظهره إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - ~~وأشاعه؛ لا أنه ابتدأه. # وأجاب من قال بالقول الثاني عن الأول: بأن معناه: أن الله تعالى كتب في ~~اللوح المحفوظ أو غيره يوم خلق الله السموات والأرض: أن إبراهيم سيحرم مكة ~~بأمر الله تعالى، والله أعلم. # ومنها: ما أكرم الله تعالى به رسوله - صلى الله عليه وسلم - من تحليل ~~القتال له بمكة ساعة من نهار، وأنه استمر تحريمها إلى يوم القيامة. # ومنها: تحريم القتال بمكة. # قال أبو الحسن الماوردي، صاحب كتاب "الحاوي" في كتابه "الأحكام ~~السلطانية" (¬3): من خصائص حرم مكة: أن لا يحارب أهله، فلو بغى أهله على ~~أهل العدل، فإن أمكن ردهم عن البغي بغير قتال، لم يجز قتالهم، وإن لم يمكن ~~ردهم عن البغي إلا بالقتال، فقال جمهور الفقهاء: يقاتلون؛ لأن قتال البغاة ~~من حقوق الله -عز وجل- التي لا يجوز إضاعتها، فحفظها في الحرم أولى من ~~إضاعتها، وهذا هو الصواب الذي نص عليه الشافعي في "الأم"، في: اختلاف ~~الحديث، منه، وفي "سير الواقدي" منه. # وقال بعض الفقهاء: يحرم قتالهم، ويضيق عليهم حتى يرجعوا إلى الطاعة، PageV02P974 # ويدخلوا في أحكام أهل العدل، قال القفال: في "شرح التلخيص" في أول كتاب: ~~النكاح، في ذكر الخصائص: لا يجوز القتال بمكة، قال: حتى لو تحصن جماعة من ~~الكفار بمكة، لم يجز، فإنه يحرم بها قتالهم فيها. وهذا غلط ينبغي أن يعرف، ~~ولا يغتر به (¬1). # وأجاب الشافعي - رحمه الله - في "سير الواقدي" عن ms0650 الأحاديث بأن معناها: ~~تحريم نصب القتال عليهم وقتالهم بما يعم؛؛ كالمنجنيق وغيره، إذا أمكن إصلاح ~~الحال بدون ذلك، بخلاف ما إذا تحصن الكفار ببلد آخر، فإنه يجوز قتالهم على ~~كل وجه، وبكل شيء، والله أعلم. # قال شيخنا أبو الفتح بن دقيق العيد القاضي - رحمه الله - (¬2): وأقول: ~~هذا التأويل على خلاف الظاهر القوي، الذي دل عليه عموم النكرة في سياق ~~النفي، في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم ~~الآخر، أن يسفك بها دما"، وأيضا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - بين ~~خصوصية إحلالها له ساعة من نهار بأن قال: "فإن أحد ترخص بقتال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم"، فأبان ~~بهذا اللفظ أن المأذون للرسول فيه لم يؤذن فيه لغيره، والذي أذن للرسول - ~~عليه السلام - فيه إنما هو مطلق القتال، ولم يكن قتال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لأهل مكة بمنجنيق وغيره مما يعم؛ كما حمل عليه الحديث في هذا ~~التأويل. و -أيضا- فالحديث وسياقه يدل على أن هذا التحريم لإظهار حرمة ~~البقعة بتحريم مطلق القتال فيها، وسفك الدم، وذلك لا يختص بما يستأصل، ~~وأيضا فتخصيص الحديث بما يستأصل ليس لنا دليل على تعيين هذا الوجه بعينه ~~لأن يحمل عليه الحديث، فلو أن قائلا أبدى معنى آخر، وخص به الحديث، لم يكن ~~بأولى من هذا. هذا آخر كلامه، والله أعلم. # ومنها: أن الملتجئ إلى الحرم، إذا وجب عليه قتل، لا يقتل به، وبه قال PageV02P975 # أبو حنيفة وأحمد؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يحل لامرئ أن يسفك ~~بها دما"، وهذا عام، تدخل فيه صور النزاع، قال أبو حنيفة: بل يلجأ إلى أن ~~يخرج من الحرم، فيقتل خارجه، وذلك بالتضييق عليه. # ومنها: تحريم قطع شجر الحرم، واتفق العلماء عليه فيما لا يستنبته ~~الآدميون في العادة، سواء كان له شوك يؤذي، أم لا، وسواء الكلأ، وغيره، ~~وقال جمهور أصحاب الشافعي: لا يحرم قطع الشوك؛ لأنه مؤذ، فأشبه الفواسق ~~الخمس، ويخصون الحديث ms0651 بالقياس، واختار المتولي من الشافعية التحريم مطلقا، ~~وهو الصحيح. # وأما ما يستنبته الآدميون، ففيه خلاف للفقهاء، فلو قطع ما يحرم قطعه، هل ~~يضمنه؟ قال مالك: يأثم، ولا فدية عليه، وقال الشافعي، وأبو حنيفة: عليه ~~الفدية، واختلفا فيها، فقال الشافعي: في الشجرة الكبيرة بقرة، وفي الصغيرة ~~شاة، وكذا جاء عن ابن عباس، وابن الزبير، وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: ~~الواجب في الجميع: القيمة، قال الشافعي: ويضمن الخلا بالقيمة. # ويجوز عند الشافعي ومن وافقه رعي البهائم في كلأ الحرم، وقال أبو حنيفة، ~~وأحمد، ومحمد: لا يجوز، والله أعلم. # ومنها: أن مكة فتحت عنوة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وإنما أذن لي ~~ساعة من نهار"، وقال الشافعي وغيره: فتحت صلحا، وتقدم ذلك وتأويله. # ومنها: التصريح بوجوب نقل العلم وإشاعته، خصوصا الأحكام والسنن، وهذا ~~مجمع عليه. # ومنها: أن الاعتصام إنما هو بالشرع واتباعه، وأن الأماكن الشريفة ونحوها ~~من الأنساب والخلفاء لا يمنع من حق أوجبه الله -عز وجل-، ولا يعيذ من حدوده ~~وعقابه. # * * * PageV02P976 ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يوم فتح مكة: "لا هجرة، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم ~~فانفروا". # وقال يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو ~~حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم ~~يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد ~~شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاه"، فقال ~~العباس: يا رسول الله! إلا الإذخر؛ فإنه لقينهم وبيوتهم، فقال: "إلا ~~الإذخر" (¬1). # القين: الحداد. # فتحت مكة سنة ثمان من الهجرة، في رمضان في اليوم العشرين منه، وهو يوم الفتح. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا هجرة": هو نفي لوجوب الهجرة من مكة ~~إلى المدينة؛ فإن الهجرة واجبة من دار الكفر إلى بلاد الإسلام، وقد صارت ~~مكة دار إسلام بالفتح، وإن لم يكن النفي من ms0652 هذه الجهة، فيكون حكما ورد لرفع ~~وجوب هجرة أخرى، بغير هذا السبب، ولا شك أن الهجرة اليوم واجبة من بلاد ~~الكفر إلى بلاد الإسلام، لمن قدر على ذلك. # وقد ورود أن الهجرة وردت على خمسة أقسام، في الكلام على حديث الأعمال ~~بالنيات، أول الكتاب، وفي ضمن هذا الحديث، الإخبار بأن مكة تصير دار إسلام ~~أبدا، والله أعلم. # وقيل: معناه: لا هجرة بعد الفتح، فضلها بعده كفضلها قبله؛ كما قال -عز ~~وجل-: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل} [الحديد: 10] الآية. PageV02P977 # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولكن جهاد ونية"؛ أي: جهاد مع نية خالصة؛ ~~إذ العمل مع غير النية الخالصة لا يعتد به، ولا يكون صحيحا، ويحتمل أن يكون ~~معناه: ولكن جهاد بالعمل لمن قدر عليه، أو نية لمن لم يقدر عليه، بمعنى: لو ~~قدر لفعل؛ كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من مات ولم يجاهد، ولم يحدث نفسه ~~بالجهاد، مات على شعبة من النفاق" (¬1). # ويحتمل أن يكون معناه: ولكن جهاد خاص، أو مطلق، ونية مطلقة في كل نوع من ~~الخير، والله أعلم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وإذا استنفرتم فانفروا"، معناه: إذا ~~دعاكم ولي الأمر، أو من يقوم مقامه من نائب وغيره، إلى الغزو، فاذهبوا فيما ~~دعاكم إليه، فإن كان الغزو فرض عين، وجب الذهاب إليه عاما، وإن كان فرض ~~كفاية، وجب على من يقوم به من المسلمين، ويتعين على من دعي إليه بأمر ~~الإمام أو نائبه. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق الله ~~السموات والأرض"، تقدم الكلام عليه في أحكام الحديث قبله، والجمع بين ~~اختلاف ظواهر الأحاديث فيه بمعنى التحريم في اللوح المحفوظ، وإظهار إبراهيم ~~- صلى الله عليه وسلم - له للناس في زمنه، والله أعلم. وقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال ~~فيه لأحد"، معناه: تحريم القتال فيه، وأن تحريم القتال فيه ثابت لا ينسخ، ~~وتقدم الكلام على ذلك في الحديث قبله، وكذلك ms0653 على قوله: "لا يعضد شوكه"، وأن ~~الشوك هل يحرم قطعه نفسه، أو يباح لكونه مؤذيا. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولا ينفر صيده"؛ معنى لا ينفر: لا يزعج ~~من مكانه. ونبه - صلى الله عليه وسلم - بالنهي عن الإزعاج من مكانه وتنحيته ~~عنه، على الإتلاف، وسائر أنواع الأذى؛ تنبيها بالأدنى على الأعلى؛ فإنه إذا ~~حرم الإزعاج والتنحية، فغيره أولى. PageV02P978 # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها": اللقطة؛ ~~الشيء الملقوط، وهو بفتح القاف على المشهور الذي سمع من العرب، أجمع عليه ~~أهل اللغة، ويقال: بإسكانها، نقله الأزهري عن الخليل، وقاله الأصمعي، ~~والفراء، وابن الأعرابي. ويقال لها: لقاطة، بضم اللام، ولقط: بفتحها وفتح ~~القاف بلا هاء، نقلهما شيخنا العلامة أبو عبد الله بن مالك الجياني، ونظم ~~اللغات الأربع في بيت (¬1): # لقاطة، ولقطة، ولقطه ... ولقط ما لاقط قد لقطه # ومعنى الحديث: لا تحل لقطة حرم مكة إلا لمن يريد أن يعرفها أبدا من غير ~~توقيت بسنة، ثم يملكها كغيرها من البلاد. # وقد ثبت في "صحيح مسلم" وغيره: "لا تحل لقطتها إلا لمنشد" (¬2)؛ وهو ~~المعرف مطلقا. وأما ناشدها: فهو طالبها. وأصل النشيد والإنشاد: رفع الصوت. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولا يختلى خلاه": الخلا: بفتح الخاء ~~المعجمة مقصور، وهو الرطب من الكلأ. قال أهل اللغة: الخلا والعشب: اسم ~~للرطب منه، والحشيش والهشيم: اسم لليابس منه. والكلأ، مهموز مقصور، يقع على ~~الرطب واليابس، قال ابن مكي، وغيره من أهل اللغة: مما يلحن العوام فيه، ~~إطلاقهم الحشيش على الرطب، وهو مختص باليابس. # ومعنى اختلائه: قطعه. فالخلا يحرم قطعه وقلعه، والحشيش يحرم قلعه ولا ~~يحرم قطعه، والله أعلم (¬3). # وقوله: "فقال العباس: يا رسول الله! إلا الإذخر" العباس: هو عم PageV02P979 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، تقدم ذكره. والإذخر -بكسر الهمزة ~~والخاء المعجمة-: نبت معروف، طيب الرائحة. # قوله: "فإنه لقينهم وبيوتهم": القين: الحداد، كما ذكره المصنف، وإنما ذكر ~~القين؛ لأنه يحتاج إليه في عمل النار، وفي معناه الصائغ، وقد ورد ذكره في ~~بعض الأحاديث، والبيوت: ms0654 لما يحتاج إليه من التسقيف فوق الخشب. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إلا الإذخر" إجابته - صلى الله عليه وسلم ~~- للعباس على الفور، يحتمل أنه أجابه باجتهاد منه - صلى الله عليه وسلم -، ~~أو بتفويض الحكم إليه من الله -عز وجل-، وهو قول بعض أهل الأصول. # ومن منع ذلك منهم قال: يجوز أن تكون إجابته بوحي من الله تعالى في الحال، ~~أنه يستثنى تحريمه من الخلا في زمن يسير؛ فإن الوحي إلقاء في الروع بواسطة ~~ملك، أو إلهام، وقد تظهر أماراته، وقد لا تظهر، فالذي بواسطة الملك، خاص ~~بالأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم-. # والذي بالإلهام يقع للأولياء -رحمة الله عليهم- في قوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إن من أمتي ملهمين، وإنك منهم يا عمر" (¬1). # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: رفع وجوب الهجرة عن الصحابة وغيرهم -رضي الله عنهم- من مكة إلى ~~المدينة بعد فتح مكة. # ومنها: أن حكم الهجرة من بلاد الكفر إلى دار الإسلام، بالوجوب أو الندب، ~~باق إلى يوم القيامة. # ومنها: أن الجهاد بقصد الإخلاص لله -عز وجل- والطاعة له مطلوبان إلى يوم ~~القيامة. PageV02P980 # ومنها: وجوب النفير مع كل إمام، بر وفاجر. # ومنها: تحريم مكة، وحرمتها بتحريم الله تعالى إلى يوم القيامة. # ومنها: تحريم القتال فيها. # ومنها: أن التحليل والتحريم لا يعلمان إلا بالشرع. # ومنها: تحريم قطع شجر الحرم، وتقدم الكلام عليه في الحديث قبله. # ومنها: تحريم تنفير صيده، وتنحيته من موضعه، فإن نفره، عصى، سواء تلف أم ~~لا، لكن إن تلف في نفاره قبل سكونه منه، ضمنه المنفر، وإلا، فلا ضمان. # ومنها: تحريم لقطته إلا بقصد التعريف دائما، وعدم تملكها، وبه قال ~~الشافعي، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبو عبيد، وغيرهم. # وقال مالك: يجوز تملكها بعد تعريفها سنة، كما في سائر البلاد، وبه قال ~~بعض أصحاب الشافعي. # وتأويلات الحديث ضعيفة لا يستوي ذكرها. # ومنها: تحريم قطع الرطب من الخلا وقلعه منها. # ومنها: أن الإذخر من الخلا. # ومنها: جواز تخصيص العام. # ومنها: جواز تعليل الحكم من السائل ليقع الجواب على تقدير الحكم والعلة. # ومنها: ms0655 الجواب على الفور، إذا كان عالما به، من غير تأن، خصوصا إذا ~~اقتضته المصلحة. # ومنها: مراعاة المصالح العامة والتنبيه عليها من الأئمة والكبار. # ومنها: المبادرة إليها، خصوصا في المجامع والمشاهد وابتداء الأمر. # ومنها: أن تحريم الله -عز وجل- وتحليله يطلقان بمعنى ما في اللوح ~~المحفوظ، وبمعنى الظهرر، وأن الإطلاق جائز لمن علمه، والله أعلم. # * * * PageV02P981 ### || AUTO باب ما يجوز قتله # عن عائشة -رضي الله عنها-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"خمس من الدواب، كلهن فواسق، يقتلن في الحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، ~~والفأرة، والكلب العقور" (¬1). # ولمسلم: "يقتل خمس فواسق في الحل والحرم" (¬2). # اعلم: أن مسلما - رحمه الله - زاد في بعض روايات هذا الحديث: الحية، ولم ~~يذكر العقرب، وذكر في بعضها: العقرب بدل الحية، فيصير المنصوص عليه منها ستا. # ووصفت بالفسق؛ [لخروجها جميعا بالإيذاء والفساد عن طريق معظم الدواب] ~~(¬3)، وقيل: لخروجها عن حكم سائر الحيوان في تحريم قتله في الحرم والإحرام ~~بجوازه، وأصل الفسق في كلام العرب: الخروج، وسمي الرجل الفاسق فاسقا؛ ~~لخروجه عن أمر الله -عز وجل- وطاعته، وأكد فسقهن بكل، PageV02P982 # ووصفهن به تنبيها على إيذائهن، وعدم حرمتهن، وإباحة قتلهن في مواضع تحريم ~~قتل غيرهن من الدواب. # والمراد بالحرم؛ ما أطاف بمكة -شرفها الله تعالى-، وأحاط بها من جوانبها، ~~جعل الله -عز وجل- له حكمها في الحرمة تشريفا لها، وهو محدود معروف عليه ~~علامات من جوانبه كلها، ومنصوب عليه أنصاب. # وذكر الأزرقي في "تاريخ مكة" (¬1)، بأسانيده، وغيره: أن إبراهيم الخليل - ~~صلى الله عليه وسلم - عملها، وجبريل - صلى الله عليه وسلم - يريه مواضعها، ~~ثم أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بتحديدها، ثم عمر، ثم عثمان، ثم ~~معاوية -رضي الله عنهم-، وهي إلى الآن بيته، ولله الحمد. # والمراد بالحل: ما عدا ذلك، وقد ثبت في إباحة قتلهن في الإحرام أيضا ~~رواية في "صحيح مسلم"، والله أعلم. # وقوله في رواية مسلم: "يقتل خمس فواسق"، هو بإضافة خمس، لا بتنوينه، وقد ~~روى مسلم أيضا: "خمس فواسق يقتلن"، ففي خمس هنا وجهان: أحدهما، وهو ~~المشهور: تنوينه، وفواسق ms0656 صفة له، والثاني: إضافته إلى فواسق من غير تنوين. # والرواية الأولى في الكتاب تدل للمشهور من رواية التنوين، من غير إضافة ~~إلى فواسق؛ فإنه أخبر عن خمس بقوله: كلهن فواسق، وذلك يقتضي أن ينون خمس، ~~وينون فواسق أيضا، وبين التنوين والإضافة في هذا فرق دقيق، وهو: أن التنوين ~~يقتضي مداخلة الفسق لهن، فيصير كأنه جملتهن، بخلاف الإضافة؛ فإنها قد تقتضي ~~ذلك، وقد لا تقتضيه. # وقد مثلوا ذلك في قولهم: رجل عدل وصوم، بالتنوين والإضافة. وقالوا: ~~التنوين أبلغ، والله أعلم. # وأما الغراب: فهو مفرد، وله جموع، نظمها شيخنا أبو عبد الله بن مالك ~~الجياني -رحمة الله عليه- في بيت: PageV02P983 # بالغرب اجمع غرابا ثم أغربة ... وأغرب وغرابين وغربان (¬1) # وفي "صحيح مسلم": "الغراب الأبقع"، وهو الذي في ظهره وبطنه بياض. # وأما العقرب: فهي مؤنثة. ويقال -أيضا-: عقربة، وعقرباء، وللذكر عقربان، ~~بضم العين والراء. # وأما الحدأة: فهي بكسر الحاء المهملة، مقصورة، وبالهاء، وجمعها حدأ، ~~كذلك، بغير هاء كعنبة وعنب. وفي رواية في مسلم: "الحديا" (¬2) بضم الحاء، ~~مقصور مشدد الياء. # وأما الفأرة: فهي مهموزة، ويجوز تسهيلها، معروفة. # وأما الكلب العقور: فالمراد به هذا المعروف، وحمله زفر على الذئب وحده، ~~وعداه الجمهور إلى كل عاد مفترس غالبا، ومعنى العقور: العاقر الخارج. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: جواز قتل هذه المذكورات الست، في الحل والحرم والإحرام، واتفق على ~~ذلك جماهير العلماء. # ونقل عن مجاهد: أنه لا يقتل الغراب، ولكن يرمى، وروي عن علي، وليس بصحيح. # واختلف العلماء في معنى جواز قتلهن، مع اتفاقهم على أنه يجوز للمحرم أن ~~يقتل ما في معناهن، فقال الشافعي: المعنى فيه كونهن غير مأكولات؛ فكل ما لا ~~يؤكل، ولا هو متولد من مأكول وغيره، فقتله جائز للمحرم، ولا فدية عليه. # وقال مالك: المعنى فيهن: كونهن مؤذيات، فكل مؤذ يجوز للمحرم قتله، PageV02P984 # وما لا، فلا، ومقتضى المذهبين المذكورين: التعدية عن المذكورات، وفي كتب ~~الحنفية الاقتصار عليهن وعدم التعدية. # ونقل عن غير واحد من المخالفين لأبي حنيفة عنه: أنه ألحق الذئب بها، ~~وعدوا ذلك من ms0657 مناقضاته. # قال شيخنا القاضي أبو الفتح بن دقيق العيد - رحمه الله - (¬1): وهذا عندي ~~فيه نظر؛ فإن جواز القتل غير جواز الاصطياد، وإنما يرى الشافعي جواز ~~الاصطياد وعدم وجوب الجزاء بالقتل بغير المأكول. وأما جواز الإقدام على قتل ~~كل ما لا يؤكل مما ليس فيه ضرر، فغير هذا، ومقتضى مذهب أبي حنيفة - رحمه ~~الله - الذي حكيناه: أنه لا يجوز اصطياد الأسد والنمر وما في معناهما من ~~بقية السباع العادية. # وأصحاب الشافعي يردون هذا؛ بظهور المعنى في المنصوص عليه من الخمس، وهو ~~الأذى الطبيعي، والعدوان المركب في هذه الحيوانات. وإذا ظهر المعنى في ~~المنصوص عليه، عداه القائسون إلى كل ما وجد منه المعنى في ذلك الحكم كما في ~~الأشياء الستة التي في باب الربا. # وقد وافق أبو حنيفة في التعدية فيها، وإن اختلف هو والشافعي في المعنى ~~الذي يعدى به، قال: وأقول: المذكور ثم هو تعليق الحكم بالألقاب، وهو لا ~~يقتضي مفهوما عند الجمهور. # فالتعدية لا تنافي مقتضى اللفظ، والمذكور هنا مفهوم عدد، وقد قال به ~~جماعة، فيكون اللفظ مقتضيا للتخصيص، وإلا بطلت فائدة التخصيص بالعدد، وعلى ~~هذا عول مصنفو الحنفية في التخصيص بالخمس المذكورات -أعني: مفهوم العدد-، ~~وذكر غير ذلك مع هذا -أيضا-. # واعلم: أن التعدية بمعنى الأذى في كل مؤذ قوي، بالإضافة إلى تصرف ~~القائسين؛ فإنه ظاهر من جهة الإيماء بالتعليل بالفسق؛ وهو الخروج عن الحد. PageV02P985 # وأما التعليل بجهة الأكل: ففيه إبطال ما دل عليه إيماء النص من التعليل ~~بالفسق؛ لأن مقتضى العلة أن يتقيد الحكم بها وجودا وعدما. فإذا لم يتقيد، ~~وثبت الحكم حيث يعدم؛ بطل تأثيرها بخصوصيتها في الحكم؛ حيث ثبت الحكم مع ~~انتفائها، وذلك خلاف ما دل عليه النص من التعليل بها. # ومنها على مذهب من قال بالتعدية: جواز قتل كل مشارك للمذكورات في الأذى، ~~سواء كان المشارك يلسع أم لا؛ كالبرغوث، أم ينقب، أو يعرض بالأذى؛ كابن ~~عرس، أو يخطف؛ كالصقر والبازي، أم عاد بطبعه؛ كالأسد والفهد والنمر. # وتكون الدلالة على المذكورات من باب التنبيه على ms0658 أنواع الأذى، وهو مختلف؛ ~~فأذى الحية والعقرب باللسع، والفأرة بالفساد، والغراب والحدأة بالاختطاف، ~~والكلب العقور بالاعتداء بالطبع. # والذي قاله بالتعدية إلى كل ما لا يؤكل، أحال التخصيص في ذكر المذكورات ~~في الحديث، دون غيرها؛ للغلبة في الملابسة للناس، والمخالطة في الدور؛ بحيث ~~إنه يعم أذاها، وذلك كله سبب للتخصيص، والتخصيص بالغلبة ليس له مفهوم على ~~ما عرف في الأصول، إلا أن خصومهم جعلوا هذا المعنى معترضا عليهم في تعديته ~~الحكم إلى بقية السباع المؤذية، وتقريره: أن إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق ~~قياسا، شرطه مساواة الفرع للأصل، أو رجحانه، أما إذا تعذر الأصل بزيادة ~~يمكن أن تعتبر، فلا إلحاق. # ولما كانت هذه الأشياء عامة الأذى، كما ذكرتم، ثم أمكن أن يكون ذلك سببا ~~لإباحة قتلها؛ لعموم ضررها، وهذا المعنى معدوم فيما لا يعم ضرره؛ مما لا ~~يخالط في المنازل، فلا تدعو الحاجة إلى إباحة قتلها، كما دعت إلى إباحة قتل ~~ما يخالط من المؤذيات، فلا يلحق به، وأجاب الأولون عن هذا بوجهين: # أحدهما: أن الكلب العقور أذاه نادر، وقد أبيح قتله. # والثاني: معارضة الندرة في غير هذه الأشياء بزيادة قوة الضرر. PageV02P986 # ألا ترى أن تأثير الفأرة بالفساد مثلا، والحدأة بالخطف، شيء يسير لا ~~يساوي ما في الأسد والفهد من إتلاف الأنفس، فكان إباحة القتل أولى، وهذا ~~كله يرجع إلى دلالة التنبيه، وهو بالأدنى على الأعلى جائز اتفاقا، وبالأعلى ~~على الأدنى جوازه مرجوح، والله أعلم. # قال أصحاب الشافعي -رحمهم الله-: للمحرم تنحية القمل من بدنه وثيابه، ولا ~~كراهة في ذلك، وله قتله، ولا شيء عليه، بل يستحب للمحرم قتله، كما يستحب ~~لغيره. قالوا: ويكره للمحرم أن يفلي رأسه ولحيته، فإن فعل، فأخرج منها قملة ~~وقتلها، تصدق، ولو بقملة، نص عليه الشافعي. # واختلف الأصحاب في هذا التصدق على وجهين: # أرجحهما: أنه مستحب. # والثاني: واجب؛ لما فيه من إزالة الأذى عن الرأس واللحية، وكان هذا الوجه ~~يحتج إلى منع التعدية، في جواز قتل ما سوى الست المذكورات في الحديث، ولعل ~~الشافعي إنما أمر بالتصدق استحبابا، ms0659 خروجا من الخلاف، لا وجوبا، والله أعلم. # ومنها: جواز قتل الكلب العقور، واختلف العلماء في المراد به كما تقدم، ~~جمهور العلماء على أن المراد به: كل عاد مفترس، واستدلوا على ذلك؛ بأن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لما دعا على عتبة بن أبي لهب بأن يسلط عليه ~~كلب من كلابه (¬1)، افترسه سبع، فدل على تسميته بالكلب. # ورجح من قال: إن المراد به الكلب الإنسي المتخذ بأن يسميه غيره به، خلاف ~~العرف، وإذا نقل اللفظ من المعنى اللغوي إلى المعنى العرفي، كان حمله عليه ~~أولى، لكن هذا عند الإطلاق من غير نظر إلى قرينة تقوي أحدهما، أما إذا عقلت ~~القرينة، كان ما اقترنت به أولى، سواء اقترنت باللغوي أو العرفي، والله ~~أعلم. PageV02P987 # ومنها: جواز قتل صغار هذه المذكورات؛ لعموم الحديث. # وقد اختلف المالكية في قتل صغار الغراب والحدأة على قولين: أشهرهما: ~~القتل، فأما من منع قتلها، فاعتبر الصفة التي علل القتل بها، وهي الفسق، ~~على ما شهد به إبهام اللفظ، وهو معدوم في الصغار حقيقة، والحكم يزول بزوال ~~علته؛ وكذلك عندهم في صغار الكلب قولان أيضا، لكن عدم القتل فيه أولى؛ لأنه ~~أبيح قتله في حالة تتقيد الإباحة بها، وهي كونه عقورا، وهي مفقودة في ~~الصغر، غير معلومة الوجود في حالة الكبر على تقدير البقاء؛ بخلاف غيره من ~~المذكورات؛ فإنه ينتهي بطبعه عند الكبر إلى الأذى قطعا، وأما صغار باقي ~~المذكورات، فيقتل، وظاهر اللفظ والإطلاق يقتضيه. # ومنها: جواز قتل من لجأ إلى الحرم وقد وجب عليه قتل بقصاص، أو رجم ~~بالزنا، أو قتل بالمحاربة، وغير ذلك، وأنه يجوز إقامة الحدود فيه، سواء كان ~~موجب ذلك في الحرم أو خارجه، ثم لجا إليه، وهو مذهب مالك والشافعي وآخرين. # وقال أبو حنيفة: ما ارتكبه من ذلك في الحرم، يقام عليه، وما فعله خارجه، ~~ثم لجأ إليه، إن كان إتلاف نفس، لم يقم عليه في الحرم، بل يضيق عليه، ولا ~~يكلم، ولا يجالس، ولا يبايع، حتى يضطر إلى الخروج منه خارجه، فيقام عليه. ms0660 ~~وما كان دون النفس، يقام فيه، وبه قال طائفة، وحجتهم: قول الله -عز وجل-: ~~{ومن دخله كان آمنا} [آل عمران: 97]. # وحجتنا عليهم: مشاركة فاعل هذه المذكورات في اسم الفسق، فيعمه، بل فسقه ~~أفحش؛ لكونه مكلفا، بخلاف المذكورات؛ فإن فسقها طبيعي، ولا تكليف عليها، ~~والمكلف المرتكب للفسق هاتك حرمة نفسه، فهو أولى، ولأن التضييق الذي ذكره ~~لا يبقى لصاحبه أمان، فخالفوا ظاهر ما فسروا به الآية. # قال القاضي عياض - رحمه الله -: ومعنى الآية عندنا وعند أكثر المفسرين: ~~أنه إخبار عما كان قبل الإسلام، وعطف على ما قبله من الآيات، وقيل: أمن PageV02P988 # بالنار. وقالت طائفة: يخرج منه، ويقام عليه الحد مطلقا، وهو قول ابن ~~الزبير، والحسن، ومجاهد، وحماد، والله أعلم (¬1). # ومنها: جواز قتل الفأرة، وحكي عن النخعي أنه لا يجوز للمحرم قتل الفأرة، ~~والله أعلم. # * * * PageV02P989 ### || AUTO باب دخول مكة وغيره ### ||| AUTO الحديث الأول # عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل ~~مكة، وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه، جاء رجل فقال له: ابن خطل متعلق بأستار ~~الكعبة، قال: "اقتلوه" (¬1). # ابن خطل: اسمه: عبد العزى، وقيل: غالب بن عبد الله بن عبد مناف بن أسعد ~~بن جابر بن كثير بن تيم بن غالب، قاله ابن الكلبي، وقال ابن إسحاق: اسمه ~~عبد الله، وقيل: سعيد بن حريث، وخطل: بخاء معجمة وطاء مهملة مفتوحتين. # وأما المغفر: فهو ما يلبسه الدارع على رأسه من الزرد ونحوه، وقد رأيته، ~~وهو شيء يشبه التحنك للنساء، يغطي الرأس وبعض الوجه والقفا، من الزرد، ~~والله أعلم. # وأما أستار الكعبة: فهو ما يكساه من القباطي وغيرها. # قال ابن جريح: كان أول من كسا البيت كسوة كاملة: تبع؛ فقد أري في المنام ~~أن يكسوها، فكساها الأنطاع، ثم أري أن يكسوها الوصائل، وهي ثياب PageV02P990 # حبرة من عصب اليمن (¬1)، ثم كساها الناس بعده في الجاهلية، وكساها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ومعاوية وابن ~~زياد الديباج. # وكانت تكسى يوم عاشوراء، ثم ms0661 كساها ابن الزبير ومعاوية في السنة مرتين، ثم ~~كان المأمون يكسوها ثلاث مرات، فيكسوها الديباج الأحمر يوم التروية، وهو ~~اليوم الثامن من ذي الحجة، والقباطي يوم هلال رجب، والديباج الأبيض يوم سبع ~~وعشرين من رمضان. # وهذا الأبيض، ابتدأه المأمون سنة ست ومئتين، حين قالوا له: الديباج ~~الأحمر يتخرق قبل الكسوة الثانية، فسأل عن أحسن ما تكون فيه الكعبة؟ فقيل: ~~الديباج الأبيض، ففعله، والله أعلم. # وقد تقدم تاريخ دخول النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة يوم الفتح، وثبت ~~عن ابن شهاب - رحمه الله -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن محرما ~~ذلك اليوم، وظاهر كون المغفر على رأسه - صلى الله عليه وسلم - يقتضي ذلك، ~~وكان أمره - صلى الله عليه وسلم - بقتل ابن خطل؛ لأنه كان قد ارتد عن ~~الإسلام، وقتل مسلما كان يخدمه، وكان يهجو النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~ويسبه، وكان له قينتان تغنيان بهجاء المسلمين. # فإن قيل: ففي الحديث الآخر: "من دخل المسجد فهو آمن" (¬2)، فكيف قتله وهو ~~متعلق بالأستار؟ فالجواب: أنه لم يدخل في الأمان، بل استثناه هو وابن أبي ~~سرح والقينتين، وأمر بقتله، وإن وجد متعلقا بأستار الكعبة، والله أعلم. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: أن المريد لدخول مكة، إذا كان محاربا، يباح له دخولها بغير إحرام، ~~لحاجة المحارب إلى التستر بما يقيه وقع السلاح. PageV02P991 # وقد اختلف قول الشافعي فيمن أراد دخول مكة بغير إحرام، فقال مرة: يجوز، ~~سواء كان دخوله لحاجة تتكرر؛ كالحطاب، والحشاش، والسقاء، والصياد، وغيرهم، ~~أو لا تتكرر؛ كالتاجر والزائر، وغيرهما، وسواء كان آمنا أم خائفا، وهذا أصح ~~القولين، وبه يفتي أصحابنا. # والقول الثاني له: أنه لا يجوز دخولها بغير إحرام، إن كانت حاجته لا ~~تتكرر، إلا أن يكون مقاتلا، أو خائفا من قتال، أو خائفا من ظالم لو ظهر، ~~وهذا قول أكثر العلماء. # ومنها: إباحة قتل الملتجئ إلى الحرم، وتقدم اختلاف العلماء فيه، وفي ~~التمسك من الحديث لذلك نظر؛ فإن جواز قتل ابن خطل وغيره محمول على الخصوصية ~~التي دل عليها قوله ms0662 - صلى الله عليه وسلم -: "ولم تحل لأحد قبلي، ولا تحل ~~لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار" (¬1). # مع أن أصحاب الشافعي - رحمه الله - تأولوا قتل ابن خطل بعد الساعة التي ~~أبيحت له، لا في الساعة التي أبيحت له. # ومنها: جواز إقامة الحدود في الحرم، وهو قول مالك والشافعي، وموافقيهما. # وقال أبو حنيفة: لا يجوز، وتأول هذا الحديث في قتله على الساعة التي ~~أبيحت له، وقيل: إنما قتله؛ لأنه لم يترك القتال، ولم يف بالشرط، بل قاتل ~~بعد ذلك، والله أعلم. # ومنها: استحباب لبس المغفر ونحوه من السلاح حال الخوف من العدو، أو ~~لإرهابهم. # ومنها: شرعية ستر الكعبة بالأستار؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أقرها على الستر، وسترها بكسوة بعد ذلك. PageV02P992 # ومنها: رفع أخبار المرتدين والمنافقين إلى ولاة الأمور، وليس ذلك من ~~الرفع المنهي عنه. # ومنها: تحتيم قتل من سب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، من غير قبول ~~توبته واستعاذته وتعلقه بأستار الكعبة ونحوها، أو غيرها من المخلوقين، ~~والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- دخل مكة من كداء، من الثنية العليا التي بالبطحاء، وخرج من الثنية السفلى (¬1). # أما كداء: فبفتح الكاف وبالمد، هكذا ضبطه الجمهور، وضبطه بعضهم بفتح ~~الكاف والقصر، وكذا بضم الكاف وبالقصر، بأسفل مكة؛ هي الثنية السفلى. # وأما كدي -بضم الكاف وتشديد الياء-، فهو في طريق الخارج إلى اليمن، وليس ~~من هذين الطريقين في شيء، والله أعلم (¬2). # وأما: "الثنية العليا التي بالبطحاء": فالثنية: الطريق بين جبلين، ~~والبطحاء بالمد، ويقال لها: الأبطح، وهي بجنب المحصب، وهذه الثنية تنحدر ~~منها إلى مقابر مكة. # وإنما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه المخالفة داخلا وخارجا ~~في طريقه؛ تفاؤلا بتغير الحال إلى أكمل منه، كما فعل في العيد، وليشهد له ~~الطريقان، وليتبرك أهلهما. PageV02P993 # وفي الحديث دليل على استحباب دخول مكة من الثنية العليا، سواء كان طريق ~~الداخل إلى مكة من وطنه إليها، أم لا، كالشامي ms0663 والمدني واليمني والعراقي، ~~فيستحب لكل واحد قصدها لدخول مكة منها. # وقال بعض أصحاب الشافعي: لا يستحب الدخول منها إلا لمن كانت على طريقه؛ ~~كأهل المدينة، وغيرهم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما دخل منها ~~لأنها على طريقه، وهذا ضعيف؛ لأن الطريق إلى مكة من غير هذه الثنية لأهل ~~المدينة ونحوهم أقصد وأوسع، فدل على أن الدخول منها مقصود بالنسك والعبادة ~~لكل أهل ناحية، وإن كان فيه مشقة، والله أعلم. # وفيه دليل: على استحباب الخروج من مكة من الثنية السفلى إلى بلده، وكذا ~~يستحب للخارج من بلده والداخل إليه أن يخرج من طريق، ويرجع من آخر. # وفيه: اقتفاء آثار رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، خصوصا في مناسك ~~الحج؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بذلك، فقال: "خذوا عني مناسككم" ~~(¬1)، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: دخل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - البيت، وأسامة بن زيد، وبلال، وعثمان بن طلحة، فأغلقوا عليهم الباب، ~~فلما فتحوا، كنت أول من ولج، فلقيت بلالا، فسألته: هل صلى فيه رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: نعم، بين العمودين اليمانيين (¬2). # أما ابن عمر وبلال، فتقدم ذكرهما. # وأما أسامة بن زيد، فهو الحب بن الحب، كنيته: أبو محمد، وقيل: أبو PageV02P994 # زيد، وقيل: أبو حارثة، وقيل: أبو يزيد، واسم جده شراحيل بن كعب بن عبد ~~العزى بن زيد بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ود بن زيد ~~بن اللات بن رفيدة بن وبرة بن [كعب بن وبرة] (¬1) بن الحاف بن قضاعة، وهو ~~مولى رسول الله، أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على جيش فيهم أبو ~~بكر وعمر، ومات رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو أمير ذلك الجيش، ~~وكان عمره يومئذ عشرين سنة، وقيل: تسع عشرة، وقيل: ثماني عشرة، وكان نازلا ~~بوادي القرى لما قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كان نقش خاتمه: حب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وأمه: ms0664 أم أيمن، واسمها بركة، حاضنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ~~وذكر الله -عز وجل- أباه زيدا باسمه في سورة الأحزاب: {فلما قضى زيد منها ~~وطرا} [الأحزاب:37]، ورد بذكر زيد في القرآن على من قال: كل من ذكر باسمه ~~فيه من المؤمنين فهو نبي كريم، والخضر، وذي القرنين، ولقمان، فإن زيدا ~~صحابي بالإجماع، واستشهد يوم مؤتة سنة ثمان في جمادى الأولى، مع أنه اختلف ~~في بعض من ذكر من هؤلاء، هل هو نبي، أم ولي؟ والله أعلم. # روي لأسامة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مئة حديث، وثمانية ~~وعشرون حديثا، اتفقا منها على خمسة عشر، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم ~~بحديثين. روى عنه عبد الله بن عباس، وجماعة من كبار التابعين، وغيرهم، وروى ~~له أصحاب السنن والمساند. # مات بالمدينة، وقيل: بوادي القرى سنة أربعين، بعد قتل علي - رضي الله عنه ~~- بقليل، وقيل: سنة أربع وخمسين. قال الحافظ أبو محمد عبد الغني المقدسي - ~~رحمه الله -: وهذا أصح (¬2). PageV02P995 # وأما عثمان بن طلحة، فوقع في بعض نسخ "صحيح مسلم" هكذا: عثمان بن طلحة، ~~كرواية الجمهور، ووقع في بعضها: عثمان بن أبي طلحة، وكلاهما صحيح؛ فالرواية ~~الأولى نسبة إلى أبيه، والثانية نسبة إلى جده، وهو عثمان بن طلحة بن أبي ~~طلحة، عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب بن مرة ~~العبدري القرشي الحجبي، أسلم مع خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، في هدنة ~~الحديبية، وشهد فتح مكة، ودفع إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - مفتاح ~~الكعبة، وإلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، وقال: "خذوها يا بني طلحة خالدة ~~تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم" (¬1). # ثم نزل بالمدينة، فأقام بها إلى وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~ثم تحول إلى مكة، وسكنها إلى أن مات بها سنة اثنتين وأربعين، في أول خلافة ~~معاوية. وقيل: إنه استشهد يوم أجنادين -بفتح الدال وكسرها-، وهي موضع بقرب ~~بيت المقدس، وكانت وقعته في أوائل خلافة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ms0665 -. # روى له أبو داود، وحديثه عند امرأة من بني سليم (¬2). وثبت في "الصحيح" ~~قوله - صلى الله عليه وسلم -: "كل مأثرة كانت في الجاهلية، فهي تحت قدمي، ~~إلا سقاية الحاج وسدانة البيت" (¬3). PageV02P996 # قال القاضي عياض - رحمه الله -: قال العلماء: لا يجوز لأحد أن ينزعها ~~منهم، قالوا: وهي ولاية لهم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليها، ~~فتبقى دائمة لهم ولذرياتهم أبدا، ولا ينازعون فيها، ولا يشاركون، ما داموا ~~موحدين صالحين لذلك، والله أعلم (¬1). # وأما قوله: "فأغلقوا عليهم الباب"؛ إنما أغلقوه؛ ليكون أسكن لقلوبهم، ~~وأجمع لخشوعهم، ولئلا يجتمع الناس ويدخلوه، أو يزدحموا فينالهم ضرر ويتشوش ~~عليهم الحال بسبب لغطهم. # قوله: "فكنت أول من ولج"؛ أي: دخل. والولوج: الدخول، يقال: ولج: بفتح ~~اللام، يلج: بكسرها، وأولج غيره، وإنما كان ابن عمر أول من ولج؛ لحرصه على ~~اقتفاء آثار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المناسك وغيرها ليعمل ~~بها، وليبلغها، وذلك هو مقصود العلم لا غير، والله أعلم. # وقوله: "قال: نعم، بين العمودين اليمانيين" يعني: قال بلال: نعم، لابن ~~عمر ذلك حين سأله: هل صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في البيت؟ # ولا شك أن بلالا أثبت صلاته - صلى الله عليه وسلم - في الكعبة، وأن أسامة نفاها. # وأجمع أهل الحديث على الأخذ برواية بلال؛ لأنه مثبت، فمعه زيادة علم، ~~فوجب ترجيحه، والمراد بالصلاة: ذات الركوع والسجود المعهود، لا مجرد ~~الدعاء، ولهذا قال ابن عمر في بعض الروايات: ونسيت أن أسأله كم صلى؟ (¬2) # وأما نفي أسامة الصلاة، وإثباته الدعاء؛ فلأنهم لما دخلوا، أغلقوا الباب، ~~واشتغل كل واحد من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبلال، وأسامة، وعثمان ~~بالدعاء في نواحي البيت، فرأى أسامة النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو، ~~واشتغل أسامة بالدعاء في ناحية من نواحي PageV02P997 # البيت، والنبي - صلى الله عليه وسلم - في ناحية أخرى، وبلال قريب منه، ثم ~~صلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فرآه بلال؛ لقربه، ولم يره أسامة؛ لبعده ~~واشتغاله، وكانت صلاته خفيفة، فلم يرها أسامة لإغلاق الباب مع بعده ms0666 ~~واشتغاله بالدعاء، وجاز له نفيها عملا بظنه، وأما بلال، فتحققها، فأخبر ~~بها، والله أعلم. # مع أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى بين العمودين، فقد يكون أسامة في ~~ناحية من البيت حجبه عن رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - العمود بينه ~~وبينه، والظلمة الحاصلة بغلق الباب، بخلاف بلال، فإنه كان قريبا منه - صلى ~~الله عليه وسلم -، وفي سنه، وأسامة كان عمره إذ ذاك، إما خمس عشرة سنة، ~~وإما ست عشرة سنة، وإما سبع عشرة سنة، على اختلاف فيه. # وإن دخوله - صلى الله عليه وسلم - الكعبة وصلاته فيها كان يوم الفتح، بلا ~~خلاف، لا في حجة الوداع، والله أعلم. # واعلم: أن البيت على أعمدة في داخله، ففي رواية الكتاب: "أنه صلى بين ~~العمودين اليمانيين"، وفي "صحيح مسلم": "جعل عمودين عن يساره، وعمودا عن ~~يمينه" (¬1)، وفي رواية للبخاري: "عمودين عن يمينه، وعمودا عن يساره"، ~~وكذلك هو في رواية "الموطأ"!، وأبي داود (¬2)، وفي رواية للبخاري أيضا: ~~"عمودا عن يمينه، وعمودا عن يساره" (¬3). ويمكن الجمع بينهما، إن ثبت أنه ~~صلى أكثر من ركعتين، أو أنه انتقل في الركعتين من مكان إلى مكان بحيث لا ~~تبطل صلاته به، والله أعلم. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: استحباب دخول الكعبة والصلاة فيها. PageV02P998 # ومنها: جواز الاستئثار بذلك إذا أمكن، والله أعلم. # ومنها: اقتفاء آثاره - صلى الله عليه وسلم - في كل موطن وحالة. # ومنها: السؤال عن العلم. # ومنها: جواب المسؤول في الفتيا وغيرها ب: نعم. # ومنها: جواز سؤال المفضول مع وجود الفاضل. # ومنها: منقبة ظاهرة لابن عمر - رضي الله عنه -، وحرصه على تعلم المناسك، ~~واقتفاء آثار رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # ومنها: الحرص على طلب العلم، وجواز ذكر الحرص للمصلحة من الاقتداء ~~والوثوق بما يؤخذ من علم الحريص. # ومنها: جواز صلاة النفل المطلق فيها. # وقال محمد بن جرير، وأصبغ المالكي، وبعض أهل الظاهر: لا تصح صلاة فيها ~~أبدا، وحكي عن ابن عباس - رضي الله عنهما -. # وقال مالك: يصح فيها النفل المطلق دون الفرض والوتر، وركعتي الوتر، ~~وركعتي الطواف. # وقال ms0667 الشافعي، والثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، والجمهور: تصح فيها صلاة ~~النفل والفرض، ودليلهم في النفل حديث بلال، وإذا صحت النافلة، صحت الفريضة؛ ~~لأنهما من الوضع والنزول سواء في استقبال خارجها، فكذلك داخلها، وإنما ~~تختلفان فيه حال السير في السفر، والله أعلم. # ومنها: إجزاء استقبال جزء من الكعبة لمن صلى داخلها، ولا يشترط استقبال ~~جميعها، وكذلك لو استقبل بابها، وهو مردود، أو عتبة بابها، وهو منفتح مرتفع ~~قدر ثلثي ذراع ونحوه. # ومنها: جواز الصلاة بين الأساطين والأعمدة، سواء كان بينها حقيقة، أو في ~~مسامتها، وإن احتمل أنه يكون - صلى الله عليه وسلم - صلى في الجهة بينها. PageV02P999 # وقد ورد في المنع من الصلاة بينها حديث، وإن لم يصح سنده، وهذا الحديث ~~مقدم عليه؛ فإن حقيقة قوله: "بين العمودين" يقتضي جوازه من غير كراهة، ~~والله أعلم. # وإن صح سنده، أول بالصلاة في مسامتها فيما بينها، لا بينها حقيقة، وإن ~~كان أثرا عن السلف، قدم هذا الحديث المسند عليه، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن عمر -رضي الله عنه-: أنه جاء إلى الحجر الأسود، فقبله، وقال: إني ~~لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقبلك ما قبلتك (¬1). # هذا الحديث أصل أصيل، وقاعدة عظيمة في اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- واقتفاء آثاره، وترك ما كانت عليه الجاهلية من تعظيم الأصنام والأحجار، ~~وتبين أن: النفع والضر بيد الله تعالى، وأنه -سبحانه وتعالى- هو النافع ~~والضار، وأن الأحجار لا تنفع من حيث هي هي، كما كانت الجاهلية تعتقده في ~~الأصنام، وأراد عمر - رضي الله عنه - بذلك إزالة الوهم الذي يقع في أذهان ~~الناس من ذلك جميعه. # وفي هذا الحديث دليل: على استحباب تقبيل الحجر الأسود. # وفيه دليل: على أنه ينبغي للإمام العالم أن يبين للناس السنن بقوله وفعله. # وفيه دليل: على أن المرجع في ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~دون غيره. # وفيه دليل: على أن الإمام العالم والمقتدى به إذا خاف على الناس فعل ~~محذور أو ms0668 اعتقاده، أو انجرار المشروع إلى ذلك، أن يبينه ويوضحه للناس في ~~المجامع والمواسم، ويشهره بالإيضاح والبيان؛ ليكون سببا لإبلاغه في البلدان PageV02P1000 # والأقطار، وليحفظه أهل المواسم المختلفو الأوطان. # واعلم: أنه لا يشرع التقبيل إلا للحجر الأسود، وللمصحف، ولأيدي الصالحين ~~من العلماء وغيرهم، وفي شفاه القادمين من السفر، بشرط ألا يكون أمرد ولا ~~امرأة محرمة، وبين عيني الموتى الصالحين وشفاههم، وفي شفة من نطق بعلم أو ~~حكمة ينتفع بهما، وكل ذلك ثابت في الأحاديث الصحيحة، وفعل السلف. # فأما تقبيل الأحجار، والقبور، والجدران، والستور، وأيدي الظلمة والفسقة، ~~واستلام ذلك جميعه، فلا يجوز، ولو كانت أحجار الكعبة، أو قبر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، أو جدار حجرته، أو ستورهما، أو صخرة بيت المقدس، فإن ~~الاستلام والتقبيل ونحوهما تعظيم، والتعظيم خاص بالله تعالى، فلا يجوز إلا ~~فيما أذن فيه. # * * * ### ||| AUTO الحديث الخامس # عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: قدم رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وأصحابه مكة، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم، وقد وهنتهم حمى ~~يثرب، فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن ~~يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعهم أن يرملوا الأشواط كلها، إلا الإبقاء ~~عليهم (¬1). # اعلم: أن قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا وأصحابه كان في عمرة ~~القضاء، سنة سبع قبل فتح مكة، وكان في المسلمين ضعف في أبدانهم، وإنما ~~رملوا إظهارا للقوة، واحتاجوا إلى ذلك في غير ما بين الركنين اليمانيين؛ ~~لأن المشركين كانوا جلوسا في الحجر لا يرونهم بين هذين الركنين، ويرونهم ~~فيما سوى ذلك، فلما حج PageV02P1001 # النبي - صلى الله عليه وسلم - حجة الوداع سنة عشر، رمل من الحجر إلى ~~الحجر، وذلك متأخر، فوجب الأخذ به ونسخ ترك الرمل، وتبين بذلك أن المشي بين ~~الركنين اليمانيين في الأشواط الثلاثة منسوخ، والله أعلم. # وأما الرمل: فهو إسراع المشي، مع تقارب الخطا، ولا يثب وثوبا، يقال: رمل، ~~يرمل: بضم الميم، رملا: بفتح الراء وسكون الميم، ورملانا. # وقوله: "وهنتهم حمى يثرب"؛ هو بتخفيف الهاء؛ أي: أضعفتهم، قال الفراء ms0669 ~~وغيره: يقال: وهنته الحمى وغيرها، وأوهنته، لغتان. # وأما يثرب: فهو الاسم الذي كان للمدينة في الجاهلية، وسميت في الإسلام: ~~المدينة، وطيبة، وطابة، قال الله تعالى: {ما كان لأهل المدينة} ~~[التوبة:120]، {ومن أهل المدينة} [التوبة: 101]، {يقولون لئن رجعنا إلى ~~المدينة} [المنافقون: 8]. # وقد كره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسميتها يثرب، في حديث رواه ~~الإمام أحمد في "مسنده"، وفي "صحيح مسلم": "يقولون يثرب، وهي المدينة" ~~(¬1)، يعني: إن بعض المنافقين وغيرهم يسميها يثرب، قال عيسى بن دينار: من ~~سماها يثرب، كتبت عليه خطيئة (¬2)، وسبب الكراهة أن يثرب مأخوذ من التثريب، ~~وهو التوبيخ والملامة. # وسميت طابة، وطيبة؛ من الطيب؛ لحسن لفظهما، وكان - صلى الله عليه وسلم - ~~يحب الاسم الحسن، ويكره الاسم القبيح، وتسميتها في القرآن يثرب، حكاية عن ~~قول المنافقين والذين في قلوبهم مرض. # وقوله: "ولم يمنعهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم": أما PageV02P1002 # الأشواط: فهي الطوفات راملا، ويسمى الطواف كله، والطوفة الواحدة دورا. # وأما قوله: "إلا الإبقاء عليهم": فهو بكسر الهمزة وسكون الباء الموحدة ~~وبالمد؛ أي: الرفق بهم. # واعلم: أن الرمل شرع لحكمة إظهار القوة للمؤمنين، [و] إرغاما للمشركين، ~~أو، لإظهار التوحيد للرب -سبحانه وتعالى- وأما أمره بحضرتهم. # وقد زالت الحكمة التي شرع لأجلها، وحكمه باق إلى يوم القيامة عند جميع ~~العلماء، إلا ابن عباس - رضي الله عنهما -؛ فإنه قال باستحبابه في ذلك ~~الوقت، وزال بزوال علته، ففعله حينئذ تأسيا واقتداء بما فعل في زمن الرسول ~~- صلى الله عليه وسلم -، كما وقع التأسي بكثير من أفعال الحج تعبدا؛ كالسعي ~~ورمي الجمار؛ فإن السعي سبب التعبد به قصة هاجر مع ابنها إسماعيل، وتركهما ~~إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - في ذلك المكان الموحش منفردين منقطعي أسباب ~~الحياة بالكلية، مع ما أظهر الله -سبحانه- من الكرامة والآية في إخراج ~~الماء لهما حين سعت هاجر بين الصفا والمروة؛ لئلا ترى الألم بإسماعيل - ~~عليه السلام - عند موضع زمزم، وتركها له هناك، وكذلك سبب التعبد برمي ~~الجمار: أن إبليس اللعين سعى بالجمار في هذه المواضع، عند إرادة إبراهيم ~~ذبح ms0670 ابنه امتثالا لأمر الله تعالى. # وفي شرعية ذلك جميعه من الفوائد المتكثرة ما يزيد أولي الألباب تبصرا ~~وتذكرا: # فمنها: تذكر وقائع السلف الكرام للمتأخرين، إذ في تذكرها مصالح دينية في ~~أشياء كثيرة. # ومنها: ما كانوا عليه من امتثال أمر الله تعالى، والمبادرة إليه، وبذل ~~النفس في ذلك جميعه. # ومنها: تعظيمهم باحتمال مشاق امتثال الأوامر، والصبر عليه، ووجود عدم ~~المعين عليها والمفند عنها؛ فإن ذلك جميعه باعث لنا على التأسي والتعظيم. # وكل ما ذكرنا معنى معقول تبين في أشياء كثيرة، والله أعلم. PageV02P1003 # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: استحباب الرمل، وهو سنة ثابتة مطلوبة على تكرر السنين، وهو مذهب ~~جميع العلماء من الصحابة -رضي الله عنهم-، والتابعين، ومن بعدهم، وخالفهم ~~ابن عباس - رضي الله عنهما -، وقال: إنما سنة سنه في تلك السنة؛ لإظهار ~~القوة عند الكفار، وقد زال ذلك المعنى، وقد بينا الحكمة والسر فيه. # وأجمع من قال باستحبابه على أنه في الطوفات [الثلاث الأول من السبع، إلا ~~عبد الله بن الزبير، فإنه قال: يسن في الطوفات السبع] (¬1)، فإن تركه، فقد ~~ترك سنة، وفاتته الفضيلة، ويصح طوافه، ولا دم عليه، وقال الحسن البصري، ~~والثوري، وعبد الملك بن الماجشون المالكي: إذا ترك الرمل، لزمه دم، وكان ~~مالك - رحمه الله - يقول به، ثم رجع عنه. # ولا يسن الرمل إلا في طواف العمرة، وفي طواف واحد في الحج، ولا يستحب إلا ~~في طواف يعقبه سعي، سواء كان السعي بعد طواف القدوم، أو بعد طواف الإفاضة، ~~وهذا قول جماعة من العلماء، وهو أصح قولي الشافعي، وفي القول الثاني له: ~~يستحب بعد طواف القدوم مطلقا، أو بعد طواف الإفاضة، وهذا قول جماعة من ~~العلماء، سواء أراد السعي بعده أم لا. # قال أصحاب الشافعي: ولا يتصور الرمل في طواف الوداع؛ لأن شرط جواز طواف ~~الوداع: أن يكون قد طاف للإفاضة، والرمل إما يسن فعله بعد القدوم مطلقا، ~~وإما بعد طواف يعقبه سعي، ولا يكون السعي إلا بعد أحدهما، لكن فعله مستحب ~~بعد طواف القدوم، قالوا: ولو ترك الرمل ms0671 في الثلاث الأول من السبع، لم يأت ~~به في الأربع الأواخر؛ لأن السنة فيها المشي على العادة، فلا يغيره. # ولو لم يمكن الرمل للزحمة، أشار في هيئة مشيه إلى صفة الرامل، ولو لم ~~يمكنه الرمل بقرب الكعبة للزحمة، وأمكنه إذا تباعد عنها، فالأولى: أن ~~يتباعد PageV02P1004 # ويرمل؛ لأن فضيلة الرمل هيئة للعبادة في نفسها، والقرب من الكعبة هيئة في ~~موضع العبادة لا في نفسها، فكان تقدم ما تعلق بنفسها أولى. # واتفق العلماء على أن الرمل لا يشرع للنساء، كما لا يشرع لهن شدة السعي ~~بين الصفا والمروة، والله أعلم. # ومنها: أن الرمل لا يشرع بين الركن اليماني والأسود، وإنما يشرع المشي، ~~وقد بينا أن ذلك منسوخ، واستقرار استحبابه حول البيت والحجر. # ومنها: إظهار قوة الدين والإسلام بحضرة أعدائه، وإن كان الضعف حاصلا. # ومنها: أن ما شرع لمعنى يستحب المداومة على فعله؛ تذكرا لنعم الله تعالى ~~وتأسيا. # ومنها: جواز تسمية الطواف: شوطا، ونقل عن مجاهد والشافعي كراهته، وكراهة ~~تسميته: دورا، وإنما سمي طوفة، والصحيح أنه لا كراهة فيه؛ لظاهر هذا ~~الحديث. # ومنها: رفق الإمام بالناس فيما يأمرهم به من الطاعات للمصالح العامات، ~~وألا يتجاوز بما يأمرهم به من ذلك إلى حد المشقة عليهم. # ومنها: كراهة تسمية المدينة: يثرب، على ما بيناه، وكذلك حكم التشبه ~~بالمشركين في تسمياتهم وعباراتهم، وغير ذلك، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث السادس # عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: رأيت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - حين يقدم مكة، إذا استلم الركن الأسود، أول ما يطوف يخب ثلاثة ~~أشواط (¬1). PageV02P1005 # الخب والرمل، بمعنى واحد، واستلام الركن الذي فيه الحجر الأسود مشروع ~~لفضيلتين: # إحداهما: لكونه فيه الحجر الأسود. # والثانية: لكونه مبنيا على قواعد ابراهيم - صلى الله عليه وسلم - فقط، ~~وقد استدل للقاضي أبي الطيب من الشافعية بهذا الحديث، على استحباب استلام ~~الركن الأسود مع الحجر، فيجمع بينهما في استلامه؛ للاتفاق على استحباب ~~استلام الحجر أول قدومه، من غير تعرض للركن الذي هو فيه. # وليس في هذا الحديث لاستلامه ذكر، بل ms0672 للركن الذي هو فيه، وقد يعبر عن ~~الركن بالحجر؛ لشرفه، ولكونه بعضه، كما إذا قيل: استلم الركن، فإنما يريد ~~بعضه، ومعنى الاستلام: مسح اليد عليه، مأخوذ من السلام، وهو التحية، أو ~~السلام بكسر السين، وهي الحجارة. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: استحباب البدأة باستلام الحجر الأسود، أول قدومه. # ومنها: البدأة بطواف القدوم عند وصوله إلى مكة. # ومنها: استحباب الرمل فيه. # ومنها: أن استحبابه إنما هو في الطوفات الثلاث الأول. # ومنها: جواز تسميتها: أشواطا. # ومنها: الاقتداء بأفعاله - صلى الله عليه وسلم - في مناسك الحج، وقد قال ~~- صلى الله عليه وسلم -: "لتأخذوا عني مناسككم" (¬1)، والله أعلم. # * * * PageV02P1006 ### ||| AUTO الحديث السابع # عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: طاف النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن (¬1). # إنما سميت حجة الوداع؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ودع الناس فيها، ~~ولم يحج بعد الهجرة غيرها، وكانت سنة عشر من الهجرة، وكره بعض العلماء أن ~~يقال لها: حجة الوداع، وهذا غلط، والصواب جوازه؛ لهذا الحديث، وغيره من ~~الأحاديث، ولم يزل السلف والخلف على جوازه واستعماله، والله أعلم. # وأما المحجن: فهو بكسر الميم، وسكون الحاء، وفتح الجيم، وهي عصا محنية ~~الرأس، يتناول بها الراكب ما سقط له، ويحرك بها بعيره للمشي. # والعلة في طوافه - صلى الله عليه وسلم - راكبا؛ لكي يراه الناس مشرفا؛ ~~ليسألوه وليتعلموا أفعاله؛ ليتقيدوا بها، وليتبين الجواز في الطواف راكبا. # وروى أبو داود في "سننه": أنه - صلى الله عليه وسلم - كان في طوافه هذا ~~مريضا (¬2)، وإلى هذا أشار البخاري في "صحيحه"، وترجم عليه "باب: المريض ~~يطوف راكبا" (¬3)، فيحتمل أنه - صلى الله عليه وسلم - طاف راكبا؛ لما ذكر ~~جميعه، والله أعلم. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: جواز الطواف راكبا. # ومنها: جواز استلام الحجر بعود ونحوه، إذا عجز عن استلامه بيده، وليس في ~~الحديث تعرض لتقبيله وعدمه. PageV02P1007 # ومنها: جواز قول: حجة الوداع. # ومنها: طهارة البعير ونحوه، وعرقه، وهو مجمع عليه. # ومنها: جواز إدخاله المسجد للحاجة إلى ذلك، وقد استدل ms0673 أصحاب مالك، وأحمد، ~~على طهارة بول ما يؤكل لحمه، وروثه، قالوا: لأنه لا يؤمن البول والروث منه، ~~فلو كان نجسا، لما عرض المسجد له، ومذهب الشافعي، وأبي حنيفة: نجاسته. # وليس في هذا الحديث دلالة على هذا الاستدلال؛ لأنه لا يلزم من دخوله أن ~~يبول أو يروث في حال الطواف، وإنما هو محتمل، وعلى تقدير حصوله، ينظف ~~المسجد منه، وقد أقر - صلى الله عليه وسلم - دخول الصبيان ونحوهم المساجد، ~~ومعلوم أنه لا يؤمن من بولهم وغائطهم فيها، ولو كان ذلك محققا، لنزه المسجد ~~من دخولهم إليه، سواء كان ما يؤذى به المسجد من الأقذار طاهرا أو نجسا. # ومنها: أن المصالح والمفاسد وتوهمها، إذا تعارضت، قدم أرجحهما مصلحة، ~~وأخفهما مفسدة إذا تحقق أو غلب على الظن وجوده، على حسب القرائن ~~والمناسبات، وأنه إذا زالت المفاسد، رجع إلى الأصلح اتفاقا، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثامن # عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: لم أر رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين (¬1). # اليمانيين: بتخفيف الياء على اللغة الفصيحة المشهورة. وحكى سيبويه ~~والجوهري، وغيرهما فيها لغة أخرى بالتشديد، فمن خفف قال: هي نسبة إلى PageV02P1008 # اليمن، فالألف فيه عوض من إحدى ياءي النسب، فتبقى الياء الأخرى مخففة، ~~ولو شددناها، كان جمعا بين العوض والمعوض، وذلك ممتنع، ومن شدد قال: الألف ~~في اليماني زائدة، وأصله اليمني، فتبقى الياء مشددة، وتكون الألف زائدة، ~~كما زيدت النون في صنعاني ورقباني ونظائرهما. # والركنان اليمانيان هما: الركن الأسود، والركن اليماني، وإنما قيل لهما: ~~اليمانيان؛ للتغليب، كما قيل في الأب والأم: الأبوان، وفي الشمس والقمر: ~~القمران، وفي أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -: العمران، وفي الماء والتمر: ~~الأسودان، والله أعلم. # [واعلم أن للبيت أربعة أركان: الركن الأسود، والركن اليماني] (¬1)، ويقال ~~لهما: اليمانيان، كما في هذا الحديث. وأما الركنان الآخران، فيقال لهما: ~~الشاميان، ويقال لهما: الغربيان؛ فالركن الأسود يستلم ويقتل؛ لكونه مخصوصا ~~بفضيلتي: الحجر الأسود، وبنائه على قواعد إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -، ~~والركن اليماني يستلم ولا يقبل؛ لاختصاصه ms0674 بفضيلة بنائه على قواعد إبراهيم - ~~صلى الله عليه وسلم - فقط. # وأما الركنان الآخران، فليس فيهما شيء من هاتين الفضيلتين، فلا يقبلان، ~~ولا يستلمان، وأجمعت الأمة على استحباب استلام الركنين اليمانيين. # ونقل القاضي أبو الطيب إجماع أئمة الأمصار والفقهاء على أن الشاميين لا ~~يستلمان، ونقل غيره ذلك عن جمهور العلماء. قال: واستحبه بعض السلف، ومن كان ~~يقول باستلامهما: الحسن والحسين ابنا علي -رضي الله عنهم-، وابن الزبير، ~~وأبو الشعثاء جابر بن زيد -رضي الله عنهم-. # قال القاضي أبو الطيب: كان فيه خلاف لبعض السلف من الصحابة والتابعين، ~~وانقرض الخلاف، ثم أجمعوا على عدم استلامهما، والله أعلم. # وليس في هذا الحديث دليل على نفي استلامهما، ولا إثباته، وإنما ثبت نفيه ~~باستقرار الإجماع عليه، قال أصحاب الشافعي: لو عجز عن استلام اليماني، PageV02P1009 # أشار إليه بيده، ولا يقبلها، ولو عجز عن استلام الأسود، أشار إليه بيده، ~~وقبلها؛ لأن الحجر الأسود يشرع استلامه وتقبيله، فإذا عجز عنه، أتى ببدله، ~~وهو الإشارة، وتقبيل ما أشار به؛ يده، أو غيرها، والله أعلم. # ولا شك أن تعليل استلام اليمانيين بكونهما على قواعد إبراهيم - صلى الله ~~عليه وسلم - مناسب، وهو ظن ابن عمر وتعليله، وقال بعض أصحابه: ليس شيء من ~~البيت مهجورا، لكن اتباع ما دل عليه الحديث أولى؛ إذ العبادات الغالب عليها ~~الاتباع، لا سيما إذا وقع التخصيص مع توهم الاشتراك في العفة؛ فإن التوهم ~~أمر زائد، وإظهار معنى التخصيص غير موجود فيما ترك فيه الاستلام. # * * * PageV02P1010 ### || AUTO باب التمتع ### ||| AUTO الحديث الأول # عن أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي، قال: سألت ابن عباس -رضي الله عنهما- ~~عن المتعة، فأمرني بها، وسألته عن الهدي، فقال: فيها جزور أو بقرة أو شاة ~~أو شرك في دم، قال: وكأن ناسا كرهوها، فرأيت في المنام كأن إنسانا ينادي: ~~حج مبرور، ومتعة متقبلة، فأتيت ابن عباس، فحدثته، فقال: الله أكبر! سنة أبي ~~القاسم - صلى الله عليه وسلم - (¬1). # أما أبو جمرة، فهو بالجيم والراء، وليس في الكنى بهذه الضيغة غيره مطلقا. # وإذا أطلقه شعبة في ms0675 الرواية عنه من غير تسمية، فهو بالجيم والزاء، فإنه ~~يروي عن شعبة عن ابن عباس: بالحاء والزاي، إلا أبا جمرة هذا، والسنة لا ~~يذكرهم إلا معرفين بشيء. # وأبو جمرة هذا، اسمه نصر -بالصاد المهملة- بن عمران، واختلف في صحبة أبيه ~~عمران، وممن ذكر الاختلاف فيه: ابن منده، وأبو نعيم، وابن عبد البر. # وكان عمران هذا قاضيا على البصرة - رحمه الله -، وعمران هذا هو ابن PageV02P1011 # عصام، وقيل: عاصم بن واسع، وأبو جمرة هذا تابعي بصري، متفق على توثيقه، ~~والرواية له في "الصحيحين" والسنن والمساند، وروى عن عبد الله بن عمر، وأنس ~~بن مالك وغيرهما، ومات سنة ثمان وعشرين ومئة. وذكر مسلم بن الحجاج موته ~~بسرخس في آخر كتاب الجنائز، في حديث القطيفة التي فرشت تحت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في قبره، من "صحيحه" (¬1). وحكى موته بسرخس -أيضا- الحاكم ~~أبو عبد الله، عن مسلم بن الحجاج وغيره، والله أعلم. # وأما الضبعي: -بالضاد المعجمة المضمومة، ثم الباء الموحدة المفتوحة، ثم ~~العين المهملة، ثم ياء النسب-، فنسبة إلى ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة ~~بن بكر بن وائل بن قاسط. وتشتبه هذه النسبة [بالضبغي: بالصاد المهملة ~~المكسورة، وسكون الباء الموحدة، وبالعين المعجمة، ثم ياء النسب] (¬2)، ~~وبالصنعي -بالصاد المهملة المفتوحة وسكون النون، وبالعين المهملة، ثم ياء ~~النسب- (¬3). # قوله: "سألت ابن عباس عن المتعة، فأمرني بها" اعلم أن المتعة تطلق في ~~الشرع بمعان: منها: نكاح المرأة إلى أجل، وليس هذا مرادا بسؤال ابن عباس ~~وجوابه اتفاقا؛ فإن المتعة بنكاح المرأة مؤجلا كان مباحا، ثم نسخ يوم خيبر، ~~ثم أبيح يوم الفتح، ثم نسخ في أيام الفتح، واستمر تحريمه إلى الآن وإلى يوم ~~القيامة. وقد كان فيه خلاف في العصر الأول، ثم ارتفع، وأجمعوا على تحريمه. # وأما المتعة المرادة بسؤال ابن عباس وأمره بها، فالظاهر أنها الإحرام ~~بالعمرة PageV02P1012 # إلى الحج في أشهر الحج قبل الحج، ثم الحج من عامه، وهو المراد بقوله ~~تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي} [البقرة: 196]، ~~قال ابن عبد البر: لا ms0676 خلاف في ذلك بين العلماء (¬1). # وقال ابن الزبير، وعلقمة، وإبراهيم، وسعيد بن جبير: معنى التمتع في ~~الآية: المحصر يفوته الحج، فيتحلل بعمل عمرة، ثم يحج في العام المقبل، ~~فيكون متمتعا بما بينهما في العامين، وقد نقل عن ابن عمر وعثمان النهي عن ~~ذلك، وهو نهي أولوية، لا نهي تحريم وكراهة؛ للترغيب في الإفراد؛ فإنه أفضل؛ ~~لكونه أكثر عملا، ولا يجبر بدم ولا غيره. # وقد انعقد الإجماع بعد ذلك على جواز الإفراد والتمتع والقران من غير ~~كراهة. واختلف العلماء من الأفضل في الثلاثة. # وقوله: "فأمرني بها" يدل على جوازها من غير كراهة. # وقوله: "وكان ناس كرهوها"، الكراهة منقولة عن عمر وعثمان - رضي الله ~~عنهما -، وقد قام عمر بذلك فقال: إن الله تعالى يحل لرسوله ما شاء بما شاء، ~~وإن القرآن قد نزل منازله، فأتموا الحج والعمرة كما أمركم الله، وأبقوا ~~نكاح هذه النساء، فلن أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة (¬2). # قال المازري: وقد اختلف في المتعة التي نهى عنها عمر في الحج: فقيل: هي ~~فسخ الحج إلى العمرة، وقيل: هي العمرة في أشهر الحج، ثم الحج من عامه (¬3). # وعلى هذا، إنما نهى عنها ترغيبا في الإفراد -الذي هو أفضل- لا أنه يعتقد ~~بطلانها أو تحريمها. PageV02P1013 # قال القاضي عياض: الظاهر أن المتعة المكروهة إنما هي فسخ الحج إلى ~~العمرة، ولهذا كان عمر - رضي الله عنه - يضرب الناس عليها، ولا يضربهم على ~~مجرد التمتع في أشهر الحج، وإنما ضربهم على ما اعتقده هو وسائر الصحابة ~~-رضي الله عنهم- أن فسخ الحج إلى العمرة كان خصوصا في تلك السنة؛ للحكمة ~~التي اقتضته، والله أعلم (¬1). # وقوله: "وسألته عن الهدي، فقال: فيها جزور أو بقرة أو شاة أو شرك في دم". # أما الهدي: فهو ما يهدى إلى الحرم من حيوان وغيره، لكن المراد به في ~~الآية والحديث؛ ما يجزئ في الأضحية من الإبل والبقر والغنم، ويقال: هدي ~~وهدي، بإسكان الدال وتخفيف الياء، وبكسرها وتشديد الياء، ذكرهما الأزهري ~~وغيره، قال الأزهري: أصله التشديد، والواحدة هدية وهدية، ms0677 وتقول: أهديت ~~الهدي (¬2). # وأما الجزور: فلفظها مؤنث، نقول: هذه الجزور، والمراد بها البعير، ذكرا ~~كان أو أنثى، وجمعها جزر وجزار (¬3). # والبقرة: فهي الواحدة من البقر، وهو اسم جنس للذكر والأنثى، ويقال في ~~الواحدة -أيضا-: باقورة، والبيقور، والبقير، والبقرات، كلها بمعنى البقر، ~~مشتقة من بقرت الشيء: إذا شققته؛ لأنها تبقر الأرض بالحراثة، ومنه قيل ~~لمحمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب -رضي الله عنهم-: الباقر؛ لأنه ~~بقر العلم، فدخل فيه مدخلا بليغا (¬4). PageV02P1014 # والشاة: الواحد من الغنم، تقع على الذكر والأنثى من الضأن والمعز، ~~وأصلها: شوهة، ولهذا إذا صغرت عادت الهاء فقيل: شويهة، والجمع شياه بالهاء ~~في الوقف والدرج (¬1). # وقوله: "أو شرك في دم"؛ أي: ما يجزي ذبحه في الأضحية عن سبعة؛ كالبدنة ~~ونحوها. # وقوله: "فيها" الضمير فيها عائد إلى المتعة؛ أي: الواجب على من تمتع ~~بالتحلل بين العمرة والحج بما كان محرما عليه في إحرامه، إما في عام أو ~~عامين، دم صفته ما ذكر، والله أعلم. # واعلم: أن لوجوب الدم للمتمتع عند الجمهور من العلماء أربع شرائط: # أحدها: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج. # والثاني: أن يحج بعد الفراغ من العمرة في هذه السنة. # والثالث: أن يحرم بالحج في مكة، ولا يعود إلى الميقات لإحرامه. # والرابع: ألا يكون من حاضري المسجد الحرام. # فمن وجدت فيه هذه الشرائط، فعليه ما استيسر من الهدي، وهو دم شاة أو ~~نحوه، يذبحه يوم النحر، فلو ذبح قبله بعدما أحرم بالحج، فذهب بعض أهل العلم ~~إلى جوازه؛ كدماء الجبرانات، وذهب بعضهم إلى عدم الجواز قبل يوم النحر؛ كدم ~~الأضحية، والله أعلم. # وقوله: "رأيت في المنام كأن إنسانا ينادي: حج مبرور، وعمرة متقبلة" الى ~~آخره: الحج المبرور: هو الذي لا يخالطه إثم. # واعلم أن الاستئناس بالرؤيا فيما يقوم عليه الدليل الشرعي، ليس من باب ~~التقوية له، وإنما هو للتنبيه على عظم قدر الرؤيا، وأنها جزء من ستة ~~وأربعين جزءا من النبوة، وهذا الاستئناس والترجيح ليس منافيا للأصول. PageV02P1015 # وتكبير ابن عباس - رضي الله عنه - وقوله: ms0678 "سنة أبي القاسم - صلى الله ~~عليه وسلم -: يدل على أنه تأيد بالرؤيا واستبشر بها. # وفي ذلك دليل على ما قلناه من الاستئناس والتنبيه على عظم قدر الرؤيا في ~~الشرع، والله أعلم. # وفي الحديث: دليل على السؤال عن العلم. # وفيه دليل: على جواز المتعة. # وفيه دليل: على وجوب الدم فيها، بشروطه. # وفيه دليل: على أن للرؤيا مدخلا في الأحكام الشرعية، إذا لم تنافها. # وفيه: عرض الرؤيا على الكبار والعلماء. # وفيه: التكبير عند استعظام الأمر والاستبشار به. # وفيه: التنبيه على عظم قدر الرؤيا. # وفيه: التنبيه على الخلاف في العلم ليجتنب ويعمل بالوفاق. # [وفيه: العمل بالأدلة الظاهرة والباطنة في الأحكام] (¬1). # وفيه: أن المقصود من العبادة موافقة العلم، والإخلاص، والصبر، وطلب ~~القبول، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: تمتع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في حجة الوداع، بالعمرة إلى الحج، وأهدى، فساق معه الهدي من ذي ~~الحليفة، وبدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأهل بالعمرة إلى الحج، ~~فكان في الناس من أهدى من ذي الحليفة، ومنهم ممن لم يهد، فلما قدم النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال للناس: "من كان منكم أهدى، فإنه لا يحل من شيء ~~حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن أهدى، PageV02P1016 # فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر، وليحلل، ثم ليهل بالحج وليهد، فمن ~~لم يجد هديا، فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله". فطاف رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - حين قدم مكة، واستلم الركن أول شيء، ثم خب ~~ثلاثة أطواف من السبع، ومشى أربعة، وركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ~~ركعتين، ثم سلم فانصرف، فأتى الصفا، فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف، ثم لم ~~يحل من شيء حرم منه حتى قضى حجه، ونحر هديه يوم النحر، وأفاض، فطاف بالبيت، ~~ثم حل من كل شيء حرم منه، وفعل مثل ما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- من أهدى فساق الهدي من الناس (¬1). # أما قول ابن عمر: "تمتع ms0679 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ": فهو محمول ~~على التمتع اللغوي، وهو الانتفاع بإسقاط عمل العمرة والخروج إلى ميقاتها؛ ~~فإنه - صلى الله عليه وسلم - كان قارنا آخرا؛ فإن ابن عمر روى أنه أحرم ~~أولا مفردا، فتعين أن قوله: "تمتع" على أنه كان قارنا، وأدخل العمرة على ~~الحج؛ لأجل سوق الهدي معه؛ فإن من ساق الهدي لا يتحلل حتى يبلغ الهدي محله؛ ~~لقوله تعالى: {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة: 196]. # وإنما لم يفسخ الحج إلى العمرة؛ كما أمر غيره؛ لأجل ما كانت الجاهلية ~~تعتقده من عدم جواز العمرة في أشهر الحج، فأراد - صلى الله عليه وسلم - ~~إبطال ما كانوا عليه بفعله وقوله، وترفه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~باتخاذ الميقات بإدخال العمرة على الحج والفعل. # وقوله: "في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج"؛ أي: بإدخال العمرة على الحج، ~~وإنما قال: في حجة الوداع؛ لينفي تمتع الإحصار، وليدل بتعين ذلك فيها ~~باستقرار حكم إدخال العمرة على الحج؛ حيث إنه الآخر من فعله - صلى الله ~~عليه وسلم - في حجة الوداع. # وقوله: "وأهدى فساق الهدي معه من ذي الحليفة" هو بيان للمكان الذي ابتدأ PageV02P1017 # سوق الهدي منه، وهو ميقات أهل المدينة ومن مر بها من غير أهلها، ليبين أن ~~ذلك سنة مؤكدة ينبغي لكل أحد فعلها ممن قدر على سوقه عند إحرامه وميقاته. # وقوله: "وبدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأهل بالعمرة الى الحج؛ ~~فهو بيان وتفسير لقوله: تمتع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، على ما ~~شرحناه. # وقوله: "وكان من الناس من أهدى فساق الهدي من ذي الحليفة، ومنهم من لم ~~يهد": هو بيان لسوق الهدي، وأنه ليس بحتم، بل هو سنة، من شاء فعله، ومن لم ~~يفعله لم يأثم. # ثم قوله: فلما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للناس: "من كان منكم ~~أهدى، فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه" إلى آخره، في هذه الجملة ~~دليل على أن فسخ الحج إلى العمرة لمن لم يسق ms0680 الهدي جائز، لبيان مخالفة ~~الجاهلية في منعهم العمرة في أشهر الحج. # واختلف العلماء في ذلك، هل كان خاصا للصحابة -رضي الله عنهم- تلك السنة ~~خاصة، أم هو باق لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة؟ # فقال أحمد وطائفة من أهل الظاهر: ليس خاصا، بل هو باق إلى يوم القيامة، ~~فيجوز لكل من أحرم بحج، وليس معه هدي، أن يقلب إحرامه عمرة، ويتحلل ~~بأعمالها، وقال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وجماهير العلماء من السلف ~~والخلف: هو مختص بهم في تلك السنة؛ لمخالفة الجاهلية في تحريم العمرة في ~~أشهر الحج، ودليلهم في ذلك ما رواه مسلم في "صحيحه" من حديث أبي ذر - رضي ~~الله عنه - قال: كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~خاصة (¬1)؛ يعني: فسخ الحج إلى العمرة، وما رواه النسائي في "سننه" عن ~~الحارث بن بلال عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله! فسخ لنا الحج خاصة، أم ~~للناس عامة؟ فقال: "بل لنا خاصة" (¬2). PageV02P1018 # وأما حديث سراقة بن مالك بن جعشم: يا رسول الله! ألعامنا هذا أم لأبد؟ ~~قال: "لأبد" (¬1)، فمعناه: جواز الاعتمار في أشهر الحج، أو القران، فالعمرة ~~في أشهر الحج إلى يوم القيامة، كذلك القران، وفسخ الحج إلى العمرة مختص ~~بتلك السنة، والله أعلم. # وقوله: "ومن لم يكن أهدى، فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر وليحلل، ~~ثم ليهل بالحج" في هذه الجملة بيان؛ لأن من ساق الهدي لا يتحلل، وهذا متفق ~~عليه، ومن لم يسق الهدي، يجوز له إدخال العمرة على الحج قبل الطواف، ويتحلل منها. # وإن أفعال العمرة هي: الطواف، والسعي، والتقصير أو الحلق، وإنما أمره ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتقصير ليبقى على رأسه ما يحلقه في ~~الحج؛ فإن الحلق في الحج أفضل منه في العمرة، ولا شك أنهما جائزان في الحج ~~والعمرة، والحلق أفضل؛ لدعائه - صلى الله عليه وسلم - للمحلقين بالمغفرة ~~مرتين، وللمقصرين مرة، وكل منهما نسك. # ومعنى قوله: "وليحلل"؛ أي: يصير حلالا، بمعنى أنه يحتاج بعد ذلك إلى ~~تجديد عمرة، أو فعل آخر، قال شيخنا ms0681 أبو الفتح بن دقيق العيد القاضي - رحمه ~~الله -: ويحتمل عندي أن يكون المراد بالأمر بالإحلال: هو فعل ما كان حراما ~~عليه في حال الإحرام؛ من جهة الإحرام، ويكون الأمر للإباحة، والله أعلم (¬2). # وقوله: "ثم ليهل بالحج" معناه: يحرم به في وقت الخروج إلى عرفات، لا أنه ~~يهل عقب تحلل العمرة بالحج؛ بدليل أنه - صلى الله عليه وسلم - أتى ب: "ثم"، ~~التي هي للمهلة والتراخي. PageV02P1019 # وقوله: "وليهد" المراد به: هدي التمتع، وهو واجب بشروط متفق عليها عند ~~الشافعية، تقدم ذكرها في الحديث قبله قريبا، واختلفوا في ثلاثة شروط أخر: # أحدها: نية التمتع. # والثاني: كون الحج والعمرة في سنة واحدة وشهر واحد. # والثالث: كونهما عن شخص واحد. # والأصح عدم اشتراط هذه الثلاثة، والله أعلم. # وقوله: "فمن لم يجد هديا" عدم وجدان الهدي يكون بذاته، وبعدم ثمنه، ~~وبكونه يباع بأكثر من ثمن مثله، وبامتناع صاحبه من بيعه، فمتى وجد شيء من ~~هذه الصور، انتقل المتمتع إلى الصوم، سواء كان واجدا لثمنه في بلده أم لا. # وقوله: "فمن لم يجد الهدي، فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى ~~أهله": هذا موافق لنص كتاب الله تعالى، وقد تعلق وجوب الصوم بعدم وجدان ~~الهدي، وإن كان قادرا عليه في بلده، أو بأكثر من ثمن مثله، على ما بيناه؛ ~~لأن صيامه ثلاثة أيام في الحج إذا عدم الهدي لا يقتضي الاكتفاء بهذا البلد ~~في الحال ثلاثة أيام في الحج، وهي محصورة، فلا يمكن أن يصوم في الحج إلا ~~إذا كان قادرا عليه في الحال، عاجزا عن الهدي في الحال، وهو المراد. # واعلم أن أيام الحج سبعة؛ أولها السابع من ذي الحجة، وآخرها الثالث عشر ~~منه، ولما بعد السابع منها أسماء، فالثامن: يوم التروية؛ لأن الناس يتروون ~~فيه للذهاب إلى عرفة، والتاسع: يوم عرفة؛ لوقوفهم بها، والعاشر: يوم النحر؛ ~~لنحرهم الذبائح بمنى، والحادي عشر: يوم القر؛ لاستقرارهم بمنى، والثاني ~~عشر: يوم النفر الأول؛ لجواز نفرهم منها لمن أراد التعجل، والثالث عشر: يوم ~~النفر الثاني، فمن كان ms0682 متمتعا، وصام الأيام الثلاثة الأول من السبعة، فقد ~~أتى بما وجب عليه، وإن كان أولى ترك صوم يوم عرفة، وصوم يوم قبل السبعة، ~~ولا يجوز صوم يوم النحر بالإجماع؛ للنهي عن صومه، فإن لم يصمها قبله، وأراد ~~صومها في أيام التشريق، اختلف قول الشافعي؛ في صحته، ومقتضى PageV02P1020 # الأحاديث الصحيحة جوازه وصحته، والأشهر عنه: عدم الصحة، ويرجع ذلك إلى ~~مقدمة، وهي أن أيام التشريق والمقام بمنى لأجل أفعال الحج الباقية، هل هي ~~من أيام الحج، ووقتها من وقت الحج؟ # ولا شك أن أيام الحج تنطلق عليها، ولا شك أن سبب وجوبها التمتع بالعمرة ~~إلى الحج وعدم الهدي، فلا يجوز تقديم صومها على التمتع، ويجوز صومها بعد ~~الفراغ من العمرة، وقبل الإحرام بالحج، والأفضل ألا يصومها حتى يحرم بالحج، ~~فلو صامها قبل الفراغ من العمرة، لم يجز، وبه قال مالك، وجوزه الثوري، وأبو ~~حنيفة، ولو ترك صيامها حتى مضى العيد والتشريق، لزمه قضاؤها عند الشافعية، ~~وقال أبو حنيفة: يفوت صيامها، ويلزمه الهدي إذا استطاعه، والمراد بالرجوع: ~~انتهاؤه، وهو وصوله إلى وطنه وأهله، وقيل: ابتداؤه؛ وهو فراغه من الحج ~~بمنى، ورجوعه إلى مكة من منى، وهما قولان للشافعي ومالك، وبالثاني قال أبو ~~حنيفة، ولو لم يصم الثلاثة ولا السبعة حتى عاد إلى وطنه، لزمه صوم عشرة أيام. # وفي اشتراط التفريق بين الثلاثة والسبعة إذا أراد صومها خلاف: # قيل: لا يجب؛ لأنه أمر به تخفيفا على المتمتع، وقد زال ذلك. # والصحيح: وجوبه، ليحكي القضاء الأداء، فيجب التفريق بقدر الواقع في ~~الأداء، وهو بأربعة أيام، ومسافة الطريق بين مكة ووطنه، والله أعلم. # وقوله: "وطاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قدم مكة" هذا بيان ~~لطواف المتمتع بتقديم العمرة على الحج، فيكون طوافه - صلى الله عليه وسلم - ~~للقدوم، وهو مستحب لا واجب، والسنة فيه البداءة به أول قدومه قبل فعل كل ~~شيء، وهو تحية المسجد الحرام؛ بخلاف باقي المساجد، فإن تحيته ركعتان. # وقوله: "واستلم الركن أول شيء" يعني: مسحه بيده، والسنة لمن دخل المسجد ~~الحرام ms0683 أن يبتدئ قبل طوافه باستلام الحجر الأسود، وهو المراد بقوله: واستلم ~~الركن. والسر في البداءة به قبل الطواف؛ أنه يمين الله تعالى في الأرض، PageV02P1021 # ونزل من الجنة، وهو أشد بياضا من الثلج، وإنما اسود بخطايا بني آدم؛ ~~لأنهم يأتونه للزيارة متلوثين بالخطايا، فيتقون منها باستلامهم إياه، ~~فيكسبه السواد، ويلبسهم النقاء من الذنوب، والله أعلم. # وقوله: "ثم خب ثلاثة أطواف من السبع"؛ أي: رمل، وتقدم بيانه. # ويحبب بعد استلام الحجر الأسود وتقبيله والسجود عليه ثلاثا، أن يجاوزه ~~بجميع بدنه، ويجعله على يمينه وهو مستقبل الكعبة، سواء كان قريبا منها، أو ~~بعيدا، بشرط كونه داخل المسجد الحرام، ثم يبتدئ الطواف، ويمر بجميع بدنه ~~على الحجر الأسود وركنه خارجا عنهما، ويستلمه، ويقبله ثانيا، ويثبت قدميه ~~عند ذلك، ويرفع رأسه من تقبيله، ويده من استلامه؛ لئلا يمر عليه بزحمة ~~الناس أو عجلة نفسه ويده أو رأسه متصلة به، فيكون قد طاف وبعضه في جزء من ~~البيت، فلا يكون طائفا به، بل فيه، والذي أمر الله تعالى الطواف بالبيت لا ~~فيه، ثم يخب ثلاثة أطواف خارج البيت والحجر من المكان الذي ذكرنا إليه. # وإنما ذكرنا هذه الكيفية؛ لأن في أساس البيت شيئا خارجه عن بنائه يسمى: ~~شاذروانا، وهو من البيت، فيجب الطواف خارجه، والله أعلم. # وقوله: "ومشى أربعا" يعني: ومشى الأربعة الباقية من السبع، فلو لم يرمل ~~في الثلاثة الأول، لم يرمل فيها؛ لأن السنة فيها المشي. # وقوله: "وركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين، ثم سلم". # اعلم: أن ركعتي الطواف سنة مؤكدة؛ لهذا الحديث، وليستا ركنا، ولا شرطا ~~لصحة الطواف، بل يصح بدونهما، ولا يجبر تأخيرهما ولا تركهما بدم ولا غيره. ~~لكن قال الشافعي - رحمه الله -: يستحب إذا أخرهما أن يريق دما. وتمتاز هذه ~~الصلاة عن غيرها بشيء، وهو أنها تدخلها النيابة، فإن الأجير يصليها عن ~~المستأجر، على أصح الوجهين عند الشافعية، والوجه الآخر: أنها تقع عن الأجير نفسه. # وقوله: "عند المقام"؛ يعني: خلفه، فيجعله بينه وبين الكعبة، لا أمامه، PageV02P1022 # ولا عن يمينه، ms0684 ولا شماله، قال أصحاب الشافعي: فلو لم يصلهما خلفه لزحمة ~~الناس أو لغيرها، صلاهما في الحجر، فإن لم يفعل، ففي المسجد، وإلا، ففي ~~الحرم، وإلا، فخارجه، ولا يتعين لهما زمان ولا مكان، بل يجوز أن يصليهما ~~بعد رجوعه إلى وطنه وفي غيره، ولا يفوتان ما دام حيا. # قالوا: ويستحب أن يقرأ في الركعة الأولى منهما بعد الفاتحة: {قل يا أيها ~~الكافرون} [الكافرون]، وفي الثانية: {قل هو الله أحد} [الإخلاص]، ثبت ذلك ~~في "صحيح مسلم" من رواية جابر (¬1)، ويجهر بالقراءة إن صلاهما ليلا، ويسر ~~إن كان نهارا. # وقوله: "فانصرف، فأتى الصفا، فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف": في هذه ~~الجملة دليل على شرعية السعي عقب الطواف للقدوم وركعتيه، ويجب أن يكون ~~السعي بعد طواف صحيح، وهو إما طواف القدوم، أو الزيارة، ولا يتصور وقوعه ~~بعد طواف الوداع؛ لأنه يؤتى به بعد فراغ المناسك، فإذا بقي السعي، استحال ~~أن يكون طواف وداع، وقد اشترط بعض الفقهاء أن يكون السعي عقب طواف واجب، ~~ولا شك أن هذا الطواف وقع واجبا على ما قررناه: أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان أولا مفردا، ثم أدخل عليه العمرة، فصار متمتعا، قارنا؛ لأجل سوق ~~الهدي، وليتبين جواز العمرة في أشهر الحج. # ومن العلماء من لم يجعله واجبا، بل هو طواف قدوم؛ كمفرد الحج، وهو مستحب. # وقوله: "فانصرف فأتى الصفا" بفاء التعقيب في الانصراف وإتيان الصفا عقب ~~قوله: "ثم سلم من ركعتي الطواف" يقتضي ألا يكون بين ذلك فعل شيء آخر؛ حيث ~~إن التعقيب بالفاء يقتضي عدم المهلة، ولا شك أنه ثبت في "صحيح مسلم" رجوعه ~~بعد سلامه من ركعتي الطواف إلى الحجر الأسود فاستلمه، ثم خرج من باب الصفا. PageV02P1023 # وذكر الماوردي في "الحاوي": أنه إذا استلم الحجر، استحب أن يأتي الملتزم؛ ~~وهو ما بين الركن وباب الكعبة، ويدعو فيه، ويدخل الحجر، ويدعو تحت الميزاب (¬1). # وذكر محمد بن جرير الطبري: أنه يطوف، ثم يصلي ركعتيه، ثم يأتي الملتزم، ~~ثم يعود إلى الحجر الأسود، فيستلمه، ثم يخرج إلى الصفا ms0685 للسعي. # وذكر الغزالي - رحمه الله -: أنه يأتي الملتزم إذا فرغ من الطواف، قبل ~~ركعتيه، ثم يصليهما. # وليس في حديث الكتاب ولا في حديث "صحيح مسلم" الذي ذكرناه شيء مما ذكر ~~هؤلاء، سوى استلام الركن بعد ركعتي الطواف، فالأولى اتباعه، وترك ما عداه، ~~إلا أن يرد شيء مما ذكروه في سنة فيتبع، والله أعلم. # والبداءة بالصفا في السعي واجب في المرة الأولى من السبع، وبالمروة في ~~المرة الثانية منه، وبختم السبع بالمروة، وهذا ثابت في الأحاديث الصحيحة: ~~أنه - صلى الله عليه وسلم - بدأ بالصفا، وختم بالمروة، وهو الصحيح من مذاهب ~~جماهير العلماء والشافعية وغيرهم، وعليه عمل الناس في الأزمنة المتقدمة ~~والمتأخرة. # وقال ثلاثة من الشافعية: إنه يحسب الذهاب من الصفا إلى المروة والعود ~~منها إليه مرة واحدة، وهو أبو عبد الرحمن ابن بنت الشافعي، وأبو حفص بن ~~الوكيل، وأبو بكر الصيرفي، قال شيخنا أبو زكريا النووي -رحمه الله تعالى-: ~~وهذا قول فاسد، لا اعتداد به، ولا نظر إليه؛ إنما ذكرته للتنبيه على ضعفه؛ ~~لئلا يغتر به من وقف عليه، والله أعلم (¬2). # وقد سمي -في حديث الكتاب، وفي غيره من الأحاديث- السعي طوافا، وهو جائز ~~بلا كراهة، والله أعلم. # وقوله: "ثم لم يحلل من شيء حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم PageV02P1024 # النحر، وأفاض وطاف بالبيت، ثم حل من كل شيء حرم منه" إلى آخر الحديث، ~~إنما لم يحل من عمرته من أجل سوق الهدي؛ لقوله تعالى: {ولا تحلقوا رءوسكم ~~حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة: 196] وفي ذلك دليل على أن ذلك حكم القارن. # وفي قوله: "وفعل مثل ما فعل من ساق الهدي"؛ بيان عدم خصوصه - صلى الله ~~عليه وسلم - بحكم سوق الهدي وعدم تحلله بسببه، وأنه عام له ولغيره ممن ~~ساقه، وفي حديث آخر: فإنه - صلى الله عليه وسلم - لم يحل حتى حل منهما جميعا. # وفي هذا الحديث جمل من أحكام مناسك الحج: # منها: جواز إدخال العمرة على الحج. # ومنها: استحباب سوق الهدي من الميقات. # ومنها: أن من تركه لا إثم عليه، ms0686 لكن فاته الفضل. # ومنها: أن من ساق الهدي لا يتحلل من عمرته، ومن لم يسقه يتحلل منها، ~~ويتمتع فيما بينها وبين إحرامه بالحج من مكة. # ومنها: وجوب الصوم على المتمتع بشروطه المتقدمة. # ومنها: وجوب الصوم على من لم يجد الهدي. # ومنها: أن الصوم عشرة أيام. # ومنها: وجوب التفريق بين الثلاثة والسبعة، وبماذا يفرق؟ فيه خلاف وتفصيل ~~تقدم ذكره. # ومنها: وجوب الطواف على المتمتع والقارن حين قدومه مكة. # ومنها: استحباب استلام الحجر الأسود حين قدومه قبل طوافه. # ومنها: استحباب الرمل فيه، بشرط استعقابه السعي. # ومنها: استحباب مشي الأربعة الباقية. # ومنها: استحباب ركعتين بعد الطواف خلف المقام. # ومنها: شرعية السعي بعد فعل الركعتين. PageV02P1025 # ومنها: وجوب البدأة بالصفا في السعي وختمه بالمروة. # ومنها: جواز تسمية السعي طوافا. # ومنها: أن يحل الدماء للهدايا والجبرانات المتعلقة بالحج، قرانا كان، أو ~~تمتعا، ونحوها يوم النحر بمنى. # ومنها: استحباب فعل طواف الإفاضة يوم النحر. # ومنها: أنه يتحلل من كل شيء حرم عليه بالإحرام بالطواف للإفاضة. # ومنها: الاقتداء به - صلى الله عليه وسلم - في مناسك الحج، فعلا وقولا ~~وتقريرا، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن حفصة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -رضي الله عنها-: أنها قالت: يا ~~رسول الله! ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك؟ قال: "إني ~~لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر" (¬1). # أما حفصة: فتقدم ذكرها في باب: فضل الجماعة ووجوبها. # قولها: "ما شأن الناس حلوا من العمرة" ولم تحل أنت من عمرتك؟ "، معناه: ~~العمرة المضمومة إلى الحج، وقد كان الناس حلوا من العمرة هذا الإحلال، وهو ~~الذي وقع للصحابة -رضي الله عنهم- في فسخ الحج إلى العمرة، فأمرهم النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - بالتحلل منها، لأجل سوق الهدي، فيكون قارنا، وتكون ~~"من" بمعني "مع"؛ أي: مع عمرتك، وقيل: "من" بمعني "الباء"؛ أي: بعمرتك؛ بأن ~~تفسخ حجتك الي عمرة كما فعل غيرك. # وكون "من" بمعني "مع" أو "الباء" ضعيفان، كيف وإضافة العمرة إليه - صلى ~~الله عليه وسلم - تقتضي تقرير عمرة ms0687 له، والعمرة التي يقع بها التحلل لم تكن ~~مقررة ولا موجودة؟ PageV02P1026 # وقيل: أرادت بالعمرة: الزيارة؛ لاشتراكها هي والحج في الوضع اللغوي، وهو ~~الزيارة، وهو ضعيف -أيضا-؛ لأن الاسم إذا انتقل إلى حقيقة عرفية، كانت ~~اللغوية مهجورة في الاستعمال. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إني لبدت رأسي"؛ التلبيد: أن يجعل في ~~الشعر ما يسكنه ويمنعه من الانتفاش؛ كالصبر أو الصمغ أو ما أشبههما، وفعل ~~ذلك سنة بالاتفاق. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر"؛ التقليد: ~~أن تقلد الهدي قلادة في عنقه من خيوط ونحوها، وتعلق فيها نعل، أو قربة، أو ~~جلد، ونحو ذلك بعراها؛ ليكون ذلك علامة على أنه هدي لله تعالى، فيجتنب عما ~~يجتنب غيره من الأذى وغيره، وإن ضل، رد، وإن اختلط بغيره تميزه، ولما فيه ~~من إظهار الشعار وتنبيه الغير على فعل مثل هذا جميعه، وهو سنة بالاتفاق في ~~الإبل، وأما في الغنم، فاستحبه جمهور العلماء، ومنعه مالك، وأما في البقر، ~~فهو عند الشافعي والعلماء جميعهم مستحب، والله أعلم. # وقوله: "فلا أحل حتى أنحر"؛ هو اتباع لقوله: {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ ~~الهدي محله} [البقرة: 196]، فمن ساق الهدي لا يحل [له] التحلل من عمرته حتى ~~ينحر يوم النحر بمنى. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: جواز سؤال المرأة زوجها الكبير المقتدى به عما وقع من مخالفة الناس ~~له فيما فعله. # ومنها: الجواب بذكر السبب في مخالفتهم له. # [ومنها: جواز تسمية القارن معتمرا، وإن لم يحل من عمرته] (¬1). # ومنها: استحباب تلبيد شعر المحرم عند إحرامه. PageV02P1027 # ومنها: أن من لبد رأسه لم يكفه إلا الحلق يوم النحر. # ومنها: أن من ساق الهدي لم يحل حتى يحلق يوم النحر. # ومنها: أن القارن لا يتحلل بالطواف والسعي، بل لا بد في تحلله من الوقوف ~~بعرفات، والرمي والحلق والطواف، كما في الحاج المفرد. # ومنها: أن سوق الهدي سنة مؤكدة، وكذا تقليده، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن عمران بن حصين -رضي الله عنهما- قال: أنزلت آية المتعة في كتاب الله ~~تعالى، ms0688 ففعلناها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم ينزل قرآن ~~يحرمه، ولم ينه عنها حتى مات، قال رجل برأيه ما شاء. قال البخاري: يقال: ~~إنه عمر (¬1). # ولمسلم: نزلت آيه المتعة، يعني: متعة الحج، وأمرنا بها رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، ثم لم تنزل آية تنسخ اية منعة الحج، ولم ينه عنها حتى ~~مات (¬2): # ولهما: بمعناه. # أما عمران بن حصين: فهو وأبوه صحابيان، وتقدم ذكره أول باب: التيمم. # ومن مناقب عمران - رضي الله عنه -: أن الملائكة كانت تسلم عليه؛ لبواسير ~~كانت به، فكان يصبر على ألمها، ثم اكتوى، فانقطع سلامهم عليه، ثم ترك الكي، ~~فعاد سلامهم عليه (¬3)، ثم إن عمران - رضي الله عنه - لم يخبر بذلك الأمر ~~إلا في مرضه الذي توفي فيه، وأمر بكتمان التحدث به إلا بعد موته؛ خوف ~~التعرض للفتنة في الحياة، بخلاف ما بعد الموت. PageV02P1028 # أما المراد بآية المتعة؛ فقوله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما ~~استيسر من الهدي} [البقرة: 196]. والمتعة التي نهى عنها، ليست متعة النساء، ~~ولا متعة فسخ الحج إلى العمرة؛ لأن شيئا منهما لم ينزل القرآن بجوازه، بل ~~هي متعة الحج، وهي الإحرام بالمتعة في أشهر الحج، ثم الحج من عامه، وهو نهي ~~تنزيه بيانا للأولى والأفضل، وحذرا من فعله بترك إفراد الحج والتتابع عليه ~~طلبا للتخفيف على أنفسهم. # وفي هذا الحديث دليل على جواز العمرة في أشهر الحج، ثم الحج. # وفيه إشارة إلى جواز نسخ القرآن بالسنة؛ إذ لو لم تكن كذلك، لما كان ~~لقوله: "ولم ينه عنها" فائدة؛ حيث إن النهي يقتضي رفع الحكم الثابت ~~بالقرآن، فلو لم يكن الرفع ممكنا، لما احتاج إلى قوله: "ولم ينه عنها"؛ إذ ~~لا طريق لرفعه إلا جواز نسخه، وورود السنة بالنهي. # وقد يوجد من ذلك أن الإجماع لا ينسخ؛ إذ لو نسخ، لقال: ولم يتفق على ~~المنع منها؛ لأن الاتفاق يكون سببا لرفع الحكم، وكان يحتاج إلى نفيه، كما ~~نفى نزول القرآن بالنسخ وورود السنة بالنفي. # [و] فيه دليل: على وجوب بيان ms0689 اللفظ المشترك بإضافته إلى المعنى المقصود منه. # وفيه دليل على جواز نسخ القرآن بالقرآن. # * * * PageV02P1029 ### || AUTO باب الهدي ### ||| AUTO الحديث الأول # عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: فتلت قلائد هدي النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، ثم أشعرها وقلدها، أو قلدتها، ثم بعث بها إلى البيت، وأقام ~~بالمدينة، فما حرم عليه شيء كان له حل (¬1). # أما الإشعار: فهو شق صفحة السنام بحديدة ونحوها طولا، وسلت الدم عنه، ~~وأصله من الإعلام والعلامة، وإشعار الهدي؛ لكونه علامة له (¬2). # واختلف الفقهاء، هل يكون في الصفحة اليمنى أو اليسرى؟ فمذهب الشافعي: في ~~اليمنى. # وأما التقليد: فتقدم ذكره في الحديث الذي قبل الحديث الذي قبل هذا. # وفي الحديث أحكام: # منها: استحباب فتل القلائد للهدي، ويكون من جلود أو خيوط ونحوهما. PageV02P1030 # ومنها: استحباب الإشعار والتقليد، أما التقليد: فتقدم تفاصيل محله من ~~الإبل والبقر والغنم، وأما الإشعار: فاتفق العلماء على أن الغنم لا تشعر؛ ~~لضعفها عن الجرح، ولأنه يستر بالصوف، وأما البقر: فيستحب إشعاره كالإبل. # والإشعار مشروع سنة عند جمهور العلماء من السلف والخلف، وقال أبو حنيفة - ~~رحمه الله -: الإشعار بدعة؛ لأنه مثلة، وذلك مخالف للأحاديث الصحيحة ~~المشهورة، بل لا يسلم أنه مثلة، بل هو كالفصد والحجامة والختان والوشم. # ومنها: استحباب بعث الهدي من البلاد، وان لم يكن معه صاحبه. # ومنها: استحباب إشعاره عند بعثه، بخلاف ما إذا سافر صاحبه؛ فإنه لا يستحب ~~إشعاره إلا عند الإحرام. # ومنها: أنه لا يحرم على من بعث الهدي شيء من محظورات الإحرام، ونقل فيه ~~خلاف عن بعض المتقدمين، وهو مشهور عن ابن عباس - رضي الله عنهما -. # ومنها: استحباب إعانة أهل الطاعات بما أمكن من المعونات، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: أهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - مرة ~~غنما (¬1). # في الحديث دليل على إهداء الغنم، وهو جائز بالاتفاق، وتقدم استحباب ~~تقليده، وعدم إشعاره. # وفيه: تتبع آثاره - صلى الله عليه وسلم -، ونقلها إلى أمته، وروايتها، ~~والعمل بها. # وفيه: قبول خبر المرأة، وهو متفق عليه عند العلماء، والله أعلم. PageV02P1031 ### ||| AUTO الحديث ms0690 الثالث # عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - رأى ~~رجلا يسوق بدنة، فقال: "اركبها"، قال: إنها بدنة! قال: "اركبها"، فرأيته ~~راكبها يساير النبي - صلى الله عليه وسلم -. وفي لفظ: قال في الثانية أو في ~~الثالثة: "اركبها، ويلك، أو: ويحك! " (¬1). # أما الرجل المبهم: فلا أعلمه مسمى. # وأما البدنة: فهي هنا من الإبل، وتستعمل في البقر والغنم لغة، وتطلق على ~~الذكر والأنثى، وجمعها: بدن، بإسكان الدال وضمها، وبالإسكان جاء القرآن، ~~وسميت بدنة؛ لعظمها وسمنها؛ لأنهم كانوا يسمنونها للإهداء (¬2). # وقوله: "ويلك! ": قال الجوهري (¬3): الويل: كلمة عذاب، وهو منصوب بفعل ~~مضمر، وكذلك: ويحك، وتستعمل ويلك في المخاطبة للتغليظ على المخاطب، واستحق ~~المخاطبة به لتأخره عن امتثال الأمر حتى روجع مرة أو مرتين، وقد يخاطب بها ~~من غير قصد إلى معناها وموضعها على عادة العرب في ذلك؛ كقولهم: ويحه، ~~وويله، وقد ورد نحو هذا في الحديث، في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "تربت ~~يداك" (¬4)، وأفلح وأبيه (¬5). # وقوله: " أو: ويحك": هو شك من الراوي، هل قال: ويلك، أو: ويحك، قال الحسن ~~البصري - رحمه الله -: ويح كلمة رحمة (¬6)، وقال أبو الفرج بن PageV02P1032 # الجوزي: ويح كلمة تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها، يرثي له (¬1). # وإنما أمره - صلى الله عليه وسلم - بركوبها مخالفة لسيرة الجاهلية في ~~مجانبة الانتفاع بالسائبة والوصيلة والحامي، وإهمالها بلا انتفاع بها، حتى ~~نقل عن بعض العلماء وجوب ركوبها؛ لهذا المعنى، ولمطلق الأمر. # وفي هذا الحديث دليل على جواز ركوب البدنة المهداة، وقد اختلف العلماء ~~فيه على مذاهب، مع الاتفاق على تحريم الإضرار بها، فقال الشافعي - رحمه ~~الله -، وابن المنذر، وجماعة، ورواية عن مالك: يجوز ركوبها لحاجة، ولا يجوز ~~من غير حاجة، وقال مالك في الرواية الأخرى، وأحمد، وإسحاق: له ركوبها من ~~غير حاجة، وهو قول عروة بن الزبير من التابعين، وأهل الظاهر، وقال أبو ~~حنيفة: لا يركبها إلا ألا يجد منه بدا. # وتقدم نقل وجوب الركوب عن بعض العلماء، والدليل على عدم الوجوب: أن النبي ~~- صلى الله عليه ms0691 وسلم - أهدى، ولم يركب هديه، ولم يأمر الناس بركوب ~~الهدايا. وفي رواية في "صحيح مسلم"، عن جابر - رضي الله عنه -: أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال له: "اركبها بالمعروف، إذا ألجئت إليها، حتى تجد ~~ظهرا" (¬2)، وهي رد على عروة بن الزبير وموافقيه، والله أعلم. # وفيه دليل: على أن الكبير القدوة، إذا رأى ما فيه مصلحة تتعلق ببعض ~~أتباعه، أن يأمره بها. # وفيه: المبادرة إلى قبول الأمر. # وفيه: أنه إذا لم يبادر إلى قبوله، زجر بالكلام الغليظ بعد تنبيهه على ~~الأمر ثانيا وثالثا. # وفيه: جواز مسايرة الكبار في الركوب في السفر ونحوه، والله أعلم. PageV02P1033 ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: أمرني النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أن أقوم على بدنه، وأن أتصدق بلحومها وجلودها، وأجلتها، وألا أعطي ~~الجزار منها شيئا، وقال: "نحن نعطيه من عندنا" (¬1). # تقدم الكلام على علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -. # وأما بدنه: فتقدم الكلام أنها بإسكان الدال وضمها، جمع بدنة، ومعنى ~~القيام عليها: إصلاح شأنها في علفها ورعيتها وسقيها، وسوقها، وإزالة الضرر ~~عنها، والعمل فيها بما يجب ويشرع ويحذر. # وأما الأجلة؛ فهي جمع جلال، وهو ما يتخذ من الثياب تشق على الأسنمة، إذا ~~كانت قليلة الثمن، لئلا تسقط، وتعقد أطراف الجلال على أذنابها، ويكون ذلك ~~بعد إشعارها لئلا يتلطخ بالدم. والأجلة مختصة الاستحباب بالإبل عند ~~العلماء، قال القاضي عياض - رحمه الله -: وفي شق الجلال على الأسنمة، فائدة ~~أخرى، وهي إظهار الإشعار لئلا تستر تحتها (¬2). # والجزار معروف، وهو الذي يتولى سلخها وتقطيع اللحم، وتفصيل أعضاء الحيوان ~~المهدى، والله أعلم. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: جواز الإشعار به في سوق الهدايا، والقيام عليها وذبحها، وفي التصدق بها. # ومنها: استحباب التصدق بجميع لحومها وجلودها وجلالها، ولا شك أنه أفضل، ~~وواجب في بعض الدماء. PageV02P1034 # ومنها: أن الجلود تجري مجرى اللحم في التصدق؛ لأنها من جملة ما يتصدق به، ~~فحكمها حكمه. # ومنها: استحباب تجليل الهدايا، وهو سنة ثابتة تختص بالإبل، وهو مما اشتهر ~~فعله من ms0692 عمل السلف، ورآه مالك، والشافعي، وأبو ثور، وإسحاق، قال العلماء: ~~ويستحب أن تكون قيمة الجلال ونفاسته بحسب حال المهدي، وكان بعض السلف يجلل ~~بالوشي، وبعضهم بالحبرة، وبعضهم بالقباطي والملاحف والأزر. # قال مالك - رحمه الله -: وتشق على الأسنمة إن كانت قليلة الثمن، لئلا ~~تسقط، قال: وما علمت من ترك ذلك إلا ابن عمر - رضي الله عنهما -؛ استبقاء ~~للثياب؛ لأنه كان يجلل الجلال المرتفعة من الأنماط والبرود والحبر. # قال: وكان لا يجلل حتى يغدو من منى إلى عرفات. # قال: وروي عنه أنه كان يجلل من ذي الحليفة، وكان يعقد أطراف الجلال على ~~أذنابها، فإذا مشى ليلة عرفة، نزعها؛ فإذا كان يوم عرفة، جللها، فإذا كان ~~عند النحر، نزعها؛ لئلا يصيبها الدم. # قال مالك: أما الجلال، فتنزع بالليل، لئلا يخرقها الشوك، قال: وأستحب إن ~~كانت الجلال مرتفعة أن يترك شقها، وألا يجللها حتى يغدو إلى عرفات، فإن ~~كانت بثمن يسير، فمن حين يحرم يشق ويجلل. # وكان ابن عمر أولا يكسو الجلال الكعبة، فلما كسيت، تصدق بها على الفقراء، ~~والله أعلم. # ومنها: عدم إعطاء الجزار منها شيئا مطلقا بكل وجه، وهو ظاهر الحديث، ولا ~~شك في امتناعه إذا كان إعطاؤه أجرة للذبح؛ لأنه معاوضة ببعض الهدي، وهي في ~~الأجرة كالبيع، وهو لا يجوز، أما إذا كان ما يعطيه منها خارجا عن الأجرة ~~زائدا عليها، فالقياس جوازه، ولكن السنة منعته؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "نحن نعطيه من عندنا"، فأطلق المنع من غير تقييد، والذي يخشى من إعطائه ~~منها أن يقع PageV02P1035 # مسامحة في الأجرة؛ لأجل ما يأخذه الجزار من اللحم، فيعود إلى المعاوضة في ~~نفس الأمر، فمن يميل إلى سد الذرائع، يتمسك بهذا الحديث؛ خشية من مثل هذا. # ومنها: جواز الاستئجار على النحر ونحوه. # ومنها: تحريم بيع جلد الهدي والأضحية وسائر أجزائهما بعوض من الأعواض، ~~سواء كان ينتفع به في البيت وغيره؛ أم لا، وسواء كانا تطوعا أو واجبين، لكن ~~إن كانا تطوعا، فله الانتفاع بالجلد ونحوه للبس وغيره، وبذلك قال الشافعية ~~والمالكية والحنابلة، وحكوه ms0693 عن أئمتهم، وبه قال عطاء، والنخعي، وإسحاق، ~~وحكى ابن المنذر، عن ابن عمر، وأحمد، وإسحاق: أنه لا بأس ببيع جلد هديه، ~~ويتصدق بثمنه، قال: ورخص في بيعه أبو ثور، وقال النخعي، والأوزاعي: لا باس ~~أن يشتري به الغربال والمنخل والفأس والميزان ونحوها، وجوز الحسن البصري ~~إعطاء الجزار جلدها، وهو منابذ للسنة، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الخامس # عن زياد بن جبير قال: رأيت ابن عمر -رضي الله عنهما- أتى على رجل قد أناخ ~~بدنته فنحرها، فقال: ابعثها قياما مقيدة؛ سنه محمد - صلى الله عليه وسلم - (¬1). # أما زياد بن جبير؛ فهو تابعي ثقفي بصري، ثقة، قال الإمام أحمد بن حنبل - ~~رحمه الله -: هو من الثقات، وفي رواية: رجل معروف. وروى له البخاري ومسلم. # أما أبوه جبير؛ فهو بضم الجيم وفتح الباء الموحدة ثم الياء المثناة ~~الساكنة، PageV02P1036 # ثم الراء، ابن حية -بفتح الحاء وبالياء المثناة المشددة-، وهو تابعي ~~جليل، روى له الأئمة والبخاري، ولجبير في "المؤتلف والمختلف" مشابه ستة، ~~والله أعلم (¬1). # وأما قوله: "ابعثها قياما مقيدة"؛ فمعناه: انحرها قائمة معقولة اليد ~~اليسرى، وهو قيدها. # وصح في "سنن أبي داوود" بإسناد على شرط مسلم، عن جابر: أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وأصحابه، كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى (¬2)، قائمة ~~على ما بقي من قوائمها. # والمراد بالبدنة هنا؛ البعير ونحوه من الإبل، وأما البقر والغنم، فليس ~~هذا حكمها، بل يستحب ذبحها مضطجعة على جنبها الأيسر، وتترك رجلها اليمنى، ~~وتشد قوائمها الثلاث، وهذا الذي قاله ابن عمر - رضي الله عنه - للرجل هو ~~المشار إليه في قوله تعالى: {فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت ~~جنوبها} [الحج: 36]؛ أي سقطت بعد النحر، فوقعت جنوبها على الأرض، وأصل ~~الوجوب: الوقوع. قال مجاهد - رحمه الله -: الصواف: إذا علقت رجلها اليسرى، ~~وقامت على ثلاث قوائم (¬3). # وفي الحديث أحكام: # منها: تعليم الجاهل. # ومنها: عدم السكوت على مخالفة السنة. # ومنها: استحباب نحر الإبل معقولة من قيام على الصفة المذكورة، وهو PageV02P1037 # مذهب الشافعي، ومالك، وأحمد، والجمهور، وقال أبو حنيفة، والثوري: يستوي ~~نحرها قائمة وباركة في ms0694 الفضيلة، وحكى القاضي عياض - رحمه الله - عن عطاء: ~~أن نحرها باركة أفضل، والمذهبان مخالفان للسنة، واتباعها أولى، والله أعلم. # ومنها: ما كانت الصحابة -رضي الله عنهم- عليه من التقيد بالسنة، قولا ~~وعملا واعتقادا، والله -سبحانه- أعلم. # * * * PageV02P1038 ### || AUTO باب الغسل للمحرم # عن عبد الله بن حنين: أن عبد الله بن عباس، والمسور بن مخرمة، اختلفا ~~بالأبواء، فقال ابن عباس: يغسل المحرم رأسه، وقال المسور: لا يغسل المحرم ~~رأسه، قال: فأرسلني ابن عباس إلى أبي أيوب الأنصاري، فوجدته يغتسل بين ~~القرنين، وهو يستتر بثوب، فسلمت عليه، فقال: من هذا؟ قلت: أنا عبد الله بن ~~حنين أرسلني اليك ابن عباس، يسألك: كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يغسل رأسه وهو محرم؟ فوضع أبو أيوب يده على الثوب، فطأطاه حتى بدا لي ~~رأسه، ثم قال لإنسان يصب عليه الماء: اصبب، فصب على رأسه، ثم حرك رأسه ~~بيديه، فأقبل بهما وأدبر، ثم قال: هكذا رأيته - صلى الله عليه وسلم - يفعل (¬1). # وفي رواية: قال المسور لابن عباس: لا أماريك أبدا (¬2). # القرنان: العمودان اللذان تشد فيهما الخشبة التي تعلق عليها البكرة. # أما عبد الله بن حنين، فهو قرشي هاشمي، مولاهم، المشهور أنه مولى عبد ~~الله بن عباس، -رضي الله عنهم-، ويقال: مولى علي بن أبي طالب، وهو تابعي ~~ثقة، روى له البخاري ومسلم، وكان قليل الحديث. # وأما أبوه حنين: فهو بضم الحاء المهملة، وفتح النون، وياء مثناة تحت PageV02P1039 # ساكنة ثم نون، قيل: إنه مولى مثقب، ومثقب مولى مسحل، ومسحل مولى شماس، ~~وشماس مولى ابن عباس (¬1). # وأما ابن عباس وأبو أيوب الأنصاري، فتقدم ذكرهما. # وأما المسور: فهو بكسر الميم وسكون السين المهملة، وفتح الواو المخففة، ~~ثم راء، وأبوه مخرمة بميمين مفتوحتين بينهما خاء معجمة ساكنة، ثم راء ~~مفتوحة، وآخره تاء تأنيث. # ويشتبه مسور -بكسر الميم- بمسور -بضمها وفتح السين المهملة المخففة، ~~وتشديد الواو المفتوحة، ثم الراء-، ويشتبه مخرمة بمخرفة -بالفاء بدل الميم ~~الثانية-، والمسور بن مخرمة وأبوه صحابيان. # أما المسور: فكنيته: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو عثمان بن مخرمة ms0695 بن نوفل ~~بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري، وأمه الشيقاء بنت عوف، ~~أخت عبد الرحمن بن عوف، ولد بمكة بعد الهجرة بسنتين، وقدم به المدينة في ~~عقب ذي الحجة سنة ثمان عام الفتح، وهو ابن ست سنين، وتوفي رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وهو ابن ثمان سنين، وسمع من النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، وصح سماعه منه، وفي سنة مولده ولد مروان بن الحكم. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اثنان وعشرون حديثا، اتفقا ~~على حديثين، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بحديث، روى عنه: أبو أمامة أسعد ~~بن سهل بن حنيف، وخلق من التابعين الكبار، وغيرهم. # أصابه المنجنيق وهو يصلي في الحجر بمكة، في فتنة ابن الزبير، سنة ثلاث ~~وسبعين، فمكث خمسة أيام، ثم مات في ربيع الآخر، وصلى عليه ابن الزبير، ودفن ~~بالحجون، ثم قتل ابن الزبير بعده يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت من جمادى ~~الأولى، وقيل: في جمادى الآخرة، فكان سن المسور وابن الزبير اثنتين PageV02P1040 # وسبعين سنة؛ لأنهما ولدا في عام واحد، المسور بمكة، وابن الزبير ~~بالمدينة، وقتلا بمكة في عام واحد. # وروى للمسور أصحاب السنن والمساند (¬1). # وأما أبو مخرمة: فكنيته أبو صفوان، وهو الأكثر، وقيل: أبو المسور، وهو ~~ابن عم سعد بن أبي وقاص بن أهيب، أحد العشرة. وكان من مسلمة الفتح، ومن ~~المؤلفة قلوبهم، وحسن إسلامه، وكان له سن وعلم بأيام الناس، وبقريش خاصة، ~~وكان يؤخذ عنه النسب، وعاش مئة وخمس عشرة سنة، وعمي في آخر عمره، وتوفي ~~بالمدينة سنة أربع وخمسين، وشهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~حنينا، وهو أحد من أقام أنصاب الحرم في خلافة عمر - رضي الله عنه -، أرسله ~~عمر، وأرسل معه أزهر بن عبد عوف، وسعيد بن يربوع، وحويطب بن عبد العزى، ~~فجددوها، والله أعلم (¬2). # وأما الأبواء: فهو بفتح الهمزة، وسكون الباء الموحدة، وفتح الواو، وبمد ~~الألف بعدها، وهو اسم قرية من عمل الفرع من المدينة، بينها وبين الجحفة مما ~~يلي المدينة ms0696 ثمانية وعشرون ميلا، قال صاحب "المطالع": قال بعضهم: سميت بذلك ~~لما فيها من الوباء. ولو كان كما قال، لقيل: الأوباء، أو يكون مقلوبا PageV02P1041 # منه. والصحيح: أنها سميت بذلك لتبواء السيول بها، وبه توفيت أم رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - (¬1). # وقد فسر المصنف - رحمه الله - القرنين؛ وهما تثنية قرن، ولا ينحصر ~~تفسيرهما بعمودين، بل لو كان عوضهما بناء، سميا قرنين، والله أعلم. # وفي هذا الحديث فوائد: # منها: جواز التناظر في مسائل الاجتهاد والاختلاف فيها، إذا غلب على ظن كل ~~واحد من المتناظرين حكم. # ومنها: الرجوع إلى من يظن أن عنده علما فيما اختلف فيه. # ومنها: وصول خبر الواحد، وأن العمل به سائغ شائع بين الصحابة -رضي الله ~~عنهم-؛ لأن ابن عباس أرسل إلى أبي أيوب عند اختلافه هو والمسور؛ ليستعلم ~~منه حكم المسألة برسول واحد، وهو ابن حنين، ومن ضرورته قبول خبره عن أبي ~~أيوب فيما أرسل فيه. # ومنها: أخذ الصحابي عن الصحابي بواسطة التابعي. # ومنها: وجوب الرجوع إلى النص عند الاجتهاد، والأخذ به. # ومنها: ترك الاجتهاد والقياس عند وجود النص، وهذا لا خلاف فيه عند أحد من ~~العلماء. # ومنها: التستر عند الغسل. # ومنها: جواز الاستعانة للمتطهر بمن يستره، أو يصب عليه، وقد ثبت في ~~الاستعانة أحاديث صحيحة، وما ورد في تركها لا يقابلها في الصحة، فيحمل على ~~أن تركها أولى. # ومنها: جواز الكلام حال الطهارة. PageV02P1042 # ومنها: جواز السلام على المتطهر في الوضوء والغسل للحاجة، بخلاف الجالس ~~على الحدث. # ومنها: جواز تحريك اليد على الرأس حال الغسل للمحرم، إذا لم يؤد إلى نتف الشعر. # ومنها: أن الإنسان إذا كان عنده علم من الشيء، ووقع فيه اختلاف، لا بأس ~~أن يراجع غيره فيه ممن عنده علم به؛ لأن سؤال ابن عباس - رضي الله عنه - عن ~~كيفية غسل النبي - صلى الله عليه وسلم -، يشعر بأنه كان عنده علم به؛ إذ لا ~~يحسن السؤال عن كيفية الشيء إلا بعد العلم بأصله. # ومنها: أن غسل البدن كان مقرر الجواز عنده في الإحرام؛ إذ لم ms0697 يسأل عنه، ~~وإنما سأل عن كيفية غسل الرأس، ويحتمل أن يكون ذلك لكونه موضع الإشكال في ~~المسألة؛ لأن تحريك اليد على ما الشعر عليه، يخاف منه: الانتتاف. # ومنها: جواز اغتسال المحرم في رأسه وجسده، وهو مجمع عليه إذا كان الغسل ~~واجبا من جنابة أو حيض ونحوهما، وأما إذا كان لمجرد التبرد، فمذهب الشافعي، ~~والجمهور: جوازه، وجوز أصحاب الشافعي الغسل بالسدر والخطمي بحيث لا ينتف ~~شعرا، ولا فدية عليه، وقال مالك وأبو حنيفة: هو حرام، وعليه الفدية؛ لأنه ترفه. # قال شيخنا أبو الفتح القاضي - رحمه الله -: فإن استدل بالحديث على هذا ~~المختلف فيه، فلا يقوى؛ لأنه حكاية حال لا عموم فيه، وحكاية الحال يحتمل ~~المختلف فيه، ويحتمل غيره، ومع الاحتمال لا تقوم الحجة، والله أعلم (¬1). # * * * PageV02P1043 ### || AUTO باب فسخ الحج إلى العمرة ### ||| AUTO الحديث الأول # عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: أهل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وأصحابه بالحج، وليس مع أحد منهم هدي غير النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وطلحة، وقدم علي من اليمن، فقال: أهللت بما أهل به النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن يجعلوها عمرة، ~~فيطوفوا ثم يقصروا ويحلوا، إلا من كان معه الهدي، فقالوا: ننطلق إلى منى، ~~وذكر أحدنا يقطر! فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "لو ~~استقبلت من أمري ما استدبرت، ما أهديت، ولولا أن معي الهدي، لأحللت"، وحاضت ~~عائشة، فنسكت المناسك كلها، غير أنها لم تطف بالبيت، فلما طهرت، طافت ~~بالبيت، قالت: يا رسول الله! تنطلقون بحج وعمرة، وأنطلق بحج! فأمر عبد ~~الرحمن بن أبي بكر أن يخرج معها إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحج (¬1). # أما جابر وعائشة، فتقدم ذكرهما، وكذلك عبد الرحمن بن أبي بكر تقدم ذكره ~~في باب: السواك. # أما قوله: "أهل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بالحج"؛ أصل ~~الإهلال: رفع الصوت، ثم استعمل في التلبية استعمالا شائعا، ويعبر به عن ~~الإحرام، قال القاضي عياض - رحمه الله -: هذا مما يدل على أنهم كلهم ms0698 أحرموا ~~بالحج؛ حيث أحرم به PageV02P1044 # النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه مفردا، ويؤيده توقفهم على التحلل ~~بالعمرة ما لم يتحلل، حتى أغضبوه واعتذر إليهم بسبب سوق الهدي، ومثله تعليق ~~علي وأبي موسى إحرامهما على إحرام النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬1). # وقوله: "وليس مع أحد منهم هدي غير النبي - صلى الله عليه وسلم - وطلحة"؛ ~~هذا الكلام كالمقدمة لما أمروا به من فسخ الحج إلى العمرة إذا لم يكن هدي، ~~وتقدم ذكر الهدي. # وأما طلحة: فهو أحد العشرة -رضي الله عنهم- المشهود لهم بالجنة، وكنيته ~~أبو محمد، ولقبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطلحة الخير يوم أحد، ~~وطلحة الفياض، وطلحة الجود يوم حنين، وهو ابن عبيد الله بن عثمان بن عمرو ~~بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي التيمي، يلتقي مع النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - في الأب السابع، أمه: الصعبة بنة الحضرمي -واسمه: ~~عبد الله- أخت العلاء بن الحضرمي، أسلمت - رضي الله عنها -، وآخى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - بينه وبين كعب بن مالك - رضي الله عنهما -. # لم يشهد بدرا، لكن ضرب له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسهمه منها، ~~وشهد أحدا وما بعدها من المشاهد، وهو من المهاجرين الأولين، وهو أحد ~~الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، والخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر - ~~رضي الله عنه -، والستة أصحاب الشورى، الذين توفي رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وهو عنهم راض، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حقه ~~قبل أن يقتل: "طلحة ممن قضى نحبه وما بدلوا تبديلا" (¬2). # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمانية وثلاثون حديثا، اتفق ~~البخاري ومسلم على PageV02P1045 # حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بثلاثة، روى عنه السائب بن يزيد، ~~وجمع كثير من كبار التابعين، وأولاده: موسى، ويحيى، وعيسى، وغيرهم، وروى له ~~أصحاب السنن والمساند. # قتل - رضي الله عنه - يوم الجمل يوم الخميس، وقيل: يوم الجمعة لعشر خلون ~~من جمادى الآخرة، وقيل: في رجب سنة ست وثلاثين، ms0699 ودفن بالبصرة وهو ابن أربع، ~~وقيل: اثنتين وستين سنة، وقيل: ثمان وخمسين، وقيل: ستين، وقيل غير ذلك، ~~قتله مروان بن الحكم (¬1). # وقول علي - رضي الله عنه -: "أهللت بما أهل به النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - "، اعلم أنه ثبت أن عليا وأبا موسى الأشعري - رضي الله عنهما- أحرم ~~كل واحد منهما إحراما معلقا؛ وهو أن يحرم إحراما كإحرام فلان، فينعقد ~~إحرامه، ويصير محرما بما أحرم به فلان، وهذا النوع أحد وجوه الإحرام ~~الجائزة؛ وهي خمسة: الإفراد، والتمتع، والقران، والإطلاق، والتعليق، ولا شك ~~أنه اختلف آخر إحرام أبي موسى وعلي في التحلل، فأمر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - عليا بالبقاء على إحرامه من غير تحلل؛ لأنه علق إحرامه بإحرام النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -، وكان معه - صلى الله عليه وسلم - الهدي، فشاركه ~~علي في الهدي وعدم التحلل؛ بسبب الهدي، وصار قارنا، وأما أبو موسى، فلم يكن ~~معه هدي، فصار له حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - لو لم يكن معه، وقد ~~قال: "لولا الهدي لجعلتها عمرة وتحللت" فأمر أبا موسى بذلك، فاعتمر وتحلل ~~لعدم الهدي، والله أعلم. # وفي إحرام علي وأبي موسى دليل لمذهب الشافعي وموافقيه: أنه يصح PageV02P1046 # الإحرام معلقا بإحرام الغير، وانعقاد إحرام المعلق بما أحرم به الآخر، ~~فإن كان إحرام الغير بحج، كان هذا بحج، وإن كان بعمرة، فبعمرة، وإن كان ~~بهما، فبهما، وإن كان مطلقا، كان مطلقا، ويصرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة، ~~ولا يلزمه موافقة الغير في الصرف. # ومن العلماء من خص التعليق بصورة غير ما ذكره الشافعية، ومنعه غيره، ومن ~~أبي التعليق قال: الحج مخصوص بأحكام ليست في غيره، ويجعل محل الخلاف منها، ~~والله أعلم. # قوله: "فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن يجعلوها عمرة"؛ فيه ~~عموم لجميع أصحابه، وهو مخصوص بأصحابه الذين لم يكن معهم هدي، وهو مبين في ~~حديث آخر، وفسخ الحج إلى العمرة كان جائزا بهذا الحديث؛ حسما لمادة ~~الجاهلية في أن الاعتمار في أشهر الحج من أفجر الفجور. # وقد اختلف الناس ms0700 -فيما بعد هذه الواقعة- هل يجوز فسخ الحج إلى العمرة؛ ~~كما في هذه الواقعة، أم لا؟ فمنهم من جوزه، ومنهم من منعه، وجعله مخصوصا ~~بالصحابة، وروى فيه حديثا عن أبي ذر - رضي الله عنه -، وعن الحارث بن بلال ~~عن أبيه -أيضا-، وتقدم ذلك، والله أعلم. # قوله: "فليطوفوا ثم يقصروا" يحتمل أن يريد بالأمر بالطواف: الطواف ~~بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة؛ حيث إن العمرة لا بد فيها من السعي، ~~ويحتمل أنه استعمل الطواف فيهما؛ حيث إن السعي يسمى طوافا، قال الله تعالى: ~~{إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن ~~يطوف بهما ومن تطوع خيرا} [البقرة: 158]. # وقوله "فقالوا: ننطلق إلى منى وذكر أحدنا يقطر! "؛ المراد بقولهم هذا: ~~المبالغة في الكلام، لا حقيقة الإمذاء أو الإنزال؛ لأنهم إذا حلوا من ~~العمرة، وواقعوا النساء، كان ذلك قريبا من إحرامهم بالحج؛ لقرب الزمان بين ~~الإحرام والمواقعة والإنزال، فقيل مبالغة: "وذكر أحدنا يقطر" إشارة إلى ~~اعتبار المعنى PageV02P1047 # في الحج، وهو الشعث وترك الترفه، وطول زمن الإحرام يحصل هذا المقصود، ~~وقصره يضعفه بعدم الشعث ووجود الترفه، وكأنهم استنكروا زوال المقصود وضعفه ~~لقرب إحرامهم من تحللهم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما ~~أهديت"؛ اعترض على ذلك بقوله: "إن لو تفتح عمل الشيطان"، والجمع بينهما: أن ~~المنع من قول: لو أني فعلت كذا، لكان كذا، ولو كان كذا وكذا، لما وقع كذا ~~وكذا، إنما هو لما فيه من صورة عدم التوكل، ولنسبة الأفعال إلى القضاء ~~والقدر فقط. # أما إذا استعملت "لو" في معنى تمني القربات؛ كما في قوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لو استقبلت من أمري" في هذا الحديث، فلا كراهة فيه، ولا منع، ~~ويلزم من ذلك أن يكون ما تمناه - صلى الله عليه وسلم - أفضل، وهو التمتع لو ~~وقع، الجواب: أن الشيء قد يكون أفضل لذاته، وقد يكون أفضل لما يقترن به من ~~مصلحة لا لذاته، فالتمتع مقصود للترفه ولجبره بالدم، لكنه لما اقترن به ms0701 قصد ~~موافقة الصحابة -رضي الله عنهم- في فسخ الحج إلى العمرة لما شق ذلك عليهم، ~~وهو أمر زائد على مجرد التمتع، اقتضى ذلك أفضليته من هذا الوجه خاصة، لا من ~~حيث هو هو، ولا يلزم من ذلك أن يكون التمتع بمجرده أفضل، فاقتضى ترجيحه ~~لذلك، لا لذاته. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لولا أن معي الهدي لأحللت" هذا معلل ~~بقوله تعالى: {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة: 196]؛ فإن ~~فسخ الحج إلى العمرة يقتضي التحلل بالحلق عند الفراغ من العمرة، ولو تحلل ~~بالحلق عند فراغه منها، لحصل الحلق قبل بلوغ الهدي محله. وفي معنى الحلق ~~التقصير، فيمتنع كما يمتنع الحلق قبل بلوغ الهدي محله، وحينئذ يؤخذ من هذا: ~~التمسك بالقياس، مع أن النص لم يرد إلا في الحلق، فلو وجب الاقتصار على ~~النص، لم يمتنع فسخ الحج إلى العمرة لأجل هذه العلة؛ فإنه حينئذ كان يمكن ~~التحلل من العمرة بالتقصير، ويبقى النص معمولا به في منع الحلق حتى يبلغ ~~الهدي محله، فحيث حكم بامتناع التحلل من العمرة، علل بهذه العلة، دل ذلك ~~على أنه أجرى PageV02P1048 # التقصير مجرى الحلق في امتناعه قبل بلوغ الهدي محله، مع أن النص لم يدل ~~عليه بلفظه، وإنما ألحق به بالمعنى. # وقوله: "وحاضت عائشة -رضي الله عنها- فنسكت المناسك كلها، غير أنها لم ~~تطف بالبيت"؛ اعلم: أن ابتداء حيض عائشة - رضي الله عنها - هذا، كان يوم ~~السبت لثلاث خلون من ذي الحجة سنة عشر، وطهرها كان يوم السبت في يوم النحر ~~عام حجة الوداع، ذكره ابن حزم في كتابه "حجة الوداع" (¬1)، وإنما لم تطف ~~الحائض بالبيت، إما لذات الحيض، أو لملازمته لدخول المسجد. # وثبت في رواية أخرى صحيحة أنها بعد أن طهرت طافت وسعت، وأخذ من ذلك أن ~~السعي لا يصح إلا بعد طواف صحيح، فإنه لو صح، لما لزم من تأخير الطواف ~~بالبيت تأخير السعي؛ لأنها قد فعلت المناسك كلها غير الطواف بالبيت؛ فلولا ~~اشتراط تقدم الطواف على السعي، لفعلت في السعي ما فعلت في غيره ms0702 من المناسك. # وحينئذ يكون في رواية الكتاب: "فلما طهرت طافت بالبيت"، حذف تقديره: ~~وسعت، تبينه هذه الرواية في طوافها وسعيها بعد طهارتها، وكون السعي لا يكون ~~إلا بعد طواف صحيح إما واجب وإما مندوب، هو مذهب مالك، والشافعي، واتفق ~~عليه أصحابهما. # غير أن المالكية زادوا قولا واحدا آخر: أن السعي لا بد أن يكون بعد طواف ~~واجب، وإنما صححوه بعد طواف القدوم؛ لأنه عند القائل بصحة السعي بعده واجب، ~~لا مندوب، والله أعلم. # وقولها: "تنطلقون بحج وعمرة"؛ تريد: العمرة التي فسخوا الحج إليها، والحج ~~الذي أنشؤوه من مكة. # وقولها: "وأنطلق بحج"؛ هذا مشعر بأن عائشة - رضي الله عنها - لم تحصل لها ~~العمرة؛ إما لأنها لم تتحلل بفسخ حجها الأول إلى العمرة، وإما بأنها فسخته PageV02P1049 # ثم حاضت، فتعذر عليها إتمام العمرة والتحلل منها، وإدراك الحج، فأحرمت ~~به، فصارت مدخلة للحج على العمرة،، وقارنة، فالأول ظاهر قولها: "وأنطلق ~~بحجة"، لكنه لما ثبت في روايات أخر صحيحة اقتضت أن عائشة اعتمرت، حيث أمرها ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بترك عمرتها ونقض رأسها وامتشاطها، ~~وبالإهلال بالحج لما حاضت لامتناع التحلل من العمرة بوجوه: منها: الحيض، ~~ومنها: مزاحمة وقت الحج، ومنها: امتناع إتمام أعمال العمرة وهو الطواف ~~ودخول المسجد، ولم يمكن: رفض العمرة، فأهلت بالحج مع بقاء العمرة، فصارت ~~قارنة، فأشكل قولها: "تنطلقون بحج وعمرة، وأنطلق بحج"، إذ هي على التقدير ~~الثاني، قد حصل لها حج وعمرة، فهي قارنة، فاحتاج العلماء إلى تأويل ما أشكل ~~على أن قولها: "تنطلقون بحج وعمرة وأنطلق بحجة"؛ أن المراد منه تنطلقون بحج ~~مفرد عن عمرة، وعمرة مفردة عن حجة، وأنطلق بحجة غير مفردة عن عمرة، فأمرها ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعمرة؛ ليحصل لها قصدها في عمرة مفردة عن ~~حجة، وحجة مفردة عن عمرة. # وهذا حاصل ما قيل في هذا الإشكال وجوابه، مع أن الظاهر خلافه بالنسبة إلى ~~هذا الحديث، لكن الجمع بين روايات الحديث ألجأ العلماء إلى ذلك، وفيه جميعه ~~دلالة على الرد على من يقول: القران ms0703 أفضل، والله أعلم. # وقوله: "فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر - رضي الله عنهما - أن يخرج معها إلى ~~التنعيم، فاعتمرت بعد الحج"؛ يعني: أخا عائشة لأبويها، وكان أكبر أولاد أبي ~~بكر، كما تقدم. # والتنعيم: مكان عند طرف الحرم من جهة المدينة على ثلاثة أميال -وقيل: ~~أربعة- من مكة، سمي بذلك؛ لأن عن يمينه جبلا يقال له: نعيم، وعن شماله جبل ~~يقال له: ناعم، والوادي نعمان. # والعلة في الإحرام بالعمرة من الحل؛ لقصد الجمع بين الحل والحرم في ~~العمرة، كما وقع في الحج من الجمع بينهما؛ فإن عرفة من الحل خارج الحرم، PageV02P1050 # والوقوف بها من أركان الحج، حتى لو أحرم بالعمرة من مكة، أو في الحرم، هل ~~ينعقد ويكون صحيحا ويلزمه دم، أو يكون باطلا؟ # وللشافعي في ذلك قولان، وقال مالك: لا يصح، وشذ بعضهم فشرط الخروج إلى ~~التنعيم بعينه، دون الخروج إلى مطلق الحل، وليس بشيء؛ بل المفهوم منه ~~الخروج إلى مطلق الحل، وإنما أمر عائشة - رضي الله عنها - بالخروج مع أخيها ~~للعمرة إلى التنعيم؛ لقربه من الحرم؛ فإنه أقرب جهات الحل من الحرم، لا ~~لعينه، والله أعلم. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: استحباب التلبية ورفع الصوت بها. # ومنها: وجوب الإحرام على من أراد الحج أو العمرة أو أرادهما. # ومنها: أن السنة سوق الهدي من الميقات. # ومنها: أن الأفضل: الإحرام بالحج مفردا. # ومنها: جواز إدخال العمرة على الحج ويصير قارنا. # ومنها: أن من ساق الهدي لا يجوز له التحلل من العمرة. # ومنها: مخالفة الجاهلية وجواز الاعتمار في أشهر الحج. # ومنها: أن [على] العالم إذا حاول إحياء شرع أو سنة، أن يتلطف في ذلك ~~بالاستدراج دون البغتة. # ومنها: جواز مخالفة الأفضل لمصلحة أهم منه. # ومنها: وجوب المبالغة ومخالفة العقول والطباع والعادات من أجلها. # ومنها: جواز المباحثة وذكر العلل لطلب الحق والرجوع إليه والعمل به. # ومنها: أن الحكم الخاص بزمن أو شخص لعلة يصير عاما، وإن لم توجد العلة. # ومنها: الاعتذار لمخالفة العادة. PageV02P1051 # ومنها: جواز تسمية السعي طوافا. # ومنها: جواز المبالغة في الكلام، وإن ms0704 لم يكن حقيقة لمقصود شرعي. # ومنها: أن من عقل شيئا من معاني الأحكام أن يذكرها بها للعلماء؛ ليقروه ~~عليها، أو يردوه عنها. # ومنها: جواز تمني الأمور الأخروية. # ومنها: جواز استعمال "لو" فيها من غير كراهة، ولا يكون هذا تركا للتوكل، ~~ولا مخالفة للقضاء والقدر. # ومنها: ترك فعل الراجح مراعاة لموافقة الأصحاب، إذا لم يكن محذورا. # ومنها: أن الحائض يصح منها جميع أفعال الحج غير الطواف بالبيت. # ومنها: أن المحرم لا يحل له حلق رأسه أو تقصيره حتى يشرع في أسباب التحلل بمحله. # ومنها: تحريم المسجد على الحائض، والطواف، وغيره من الصلاة والاعتكاف، ~~وسواء خافت تلويثه أم لا، وسواء المرور فيه وغيره. # ومنها: طلب الأفضل والأكمل في العبادة. # ومنها: جواز الخلوة بالمحارم، وأنه لا يجوز سفر المرأة إلا مع ذي محرم، ~~وسواء كان السفر قصيرا أو طويلا، وتقييد السفر بيوم أو ليلة أو بهما -في ~~بعض الأحاديث- خرج على الغالب. # ومنها: الجمع بين الحل والحرم في الإحرام بالعمرة. # ومنها: أن الأفضل أن يحرم بها من الحل. # ومنها: أن من جملة جهات الحل للإحرام بها التنعيم، وليس في الحديث دليل ~~على أنه أفضل الجهات للإحرام بها. # ومنها: أن العمرة المستقبلة لمن أفرد الحج، وأراد فعلها، لا يجوز إلا بعد ~~الفراغ من الحج. PageV02P1052 # واختلف العلماء في جواز فعلها في أيام التشريق لمن تعجل في يومين: فحرمه ~~مالك وطائفة، وجوزه الشافعي وطائفة مع الكراهة، إما للخروج من اختلاف ~~العلماء، وإما لخصوصية وجود أيام التشريق، وجواز الذبح والتضحية فيها، ~~والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن جابر -رضي الله عنه- قال: قدمنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ونحن نقول: لبيك بالحج، فأمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجعلناها ~~عمرة (¬1). # إنما أمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بجعل ما أحرموا به من الحج ~~عمرة؛ لمخالفة الجاهلية فيما قرروه في النفوس من أن العمرة في أشهر الحج من ~~أفجر الفجور، فأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - بمخالفتهم، وتقرير جوازها ~~في أشهر الحج، وكونه يفسخ الحج إليها ms0705 أبلغ في تقرير جوازها في أشهر الحج. # وقول جابر: "ونحن نقول: لبيك بالحج"، ليس المراد به كل أصحابه -رضي الله ~~عنهم-، بل المراد بعضهم، كما ورد في حديث آخر عن جابر: "فمنا من أهل بحجة، ~~ومنا من أهل بعمرة" (¬2). # وفي الحديث استحباب ذكر ما أحرم به من حج أو غيره في التلبية. # وفيه دليل على جواز فسخ الحج إلى العمرة. # وفيه دليل على جواز فعل العمرة في أشهر الحج. # وفيه دليل على وجوب الرجوع في بيان الأحكام إطلاقا وتقييدا وعزيمة ورخصة ~~إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. PageV02P1053 # وفيه دليل على المبادرة إليه - صلى الله عليه وسلم - في ذلك جميعه، ~~بقوله: فجعلناها عمرة، فأتى بفاء التعقيب الدالة على عدم التراخي من غير ~~مهلة، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: قدم رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وأصحابه، صبيحة رابعة، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فقالوا: يا ~~رسول الله! أي الحل؟ قال: "الحل كله" (¬1). # قوله: "قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه صبيحة رابعة"، ~~يعني؛ قدم مكة في حجه صبيحة ليلة رابعة، وكان ذلك يوم الأحد من ذي الحجة ~~حيث كان يوم الجمعة بعد يوم عرفة، وهو التاسع. # وقول الصحابة -رضي الله عنهم-: "أي الحل" هو استفسار منهم؛ لأنهم ~~استبعدوا جواز جميع أنواع الحل من الجماع المفسد للإحرام، فأجابهم - صلى ~~الله عليه وسلم - بما يقتضي التحلل المطلق، والذي يدل على هذا قولهم في ~~الحديث قبله: "ننطلق إلى منى، وذكر أحدنا يقطر"؛ فإن ذلك يشعر باستبعادهم ~~التحلل المبيح للجماع، والله أعلم. # وفي الحديث دليل على فسخ الحج إلى العمرة. # وفيه دليل على أن التحلل بالعمرة تحلل مطلق بالنسبة إلى جميع محظورات ~~الإحرام. # وفيه دليل على أن التابع إذا وقع في ذهنه التخصص في لوازم المأمور به أن ~~يسأل عنه مجملا. # وفيه: البيان بالعموم من غير ذكر المراد، والله أعلم. PageV02P1054 ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن عروة بن الزبير -رضي الله عنه- قال: سئل أسامة بن زيد وأنا جالس: كيف ms0706 ~~كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين دفع؟ قال: كان يسير العنق، فإذا ~~وجد فجوة، نص (¬1). # أما عروة بن الزبير؛ فكنيته: أبو عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد ~~بن أسد بن عبد العزى بن قصي، القرشي، الأسدي، المدني، التابعي، أحد فقهاء ~~المدينة السبعة، سمع أباه، وأخاه عبد الله، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، ~~وخالته عائشة الصديقة، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وحكيم بن حزام، وابنه ~~هشام بن حكيم، وباقي العبادلة المشهورين، وغيرهم من الصحابة والتابعين. # روى عنه خلق كثير من التابعين، وبنوه: هشام، ومحمد، ويحيى، وعبد الله، ~~وعثمان، ويتيمة أبو الأسود، ومحمد بن عبد الرحمن، وغيرهم، وروى له البخاري، ~~ومسلم، وأصحاب السنن والمساند. # قال ابن شهاب: كان عروة بحرا لا تكدره الدلاء (¬2)، وقال أيضا: استخرته ~~مع غيره فوجدته بحرا لا ينزف (¬3)، وقال سفيان بن عيينة: كان أعلم الناس ~~بحديث عائشة ثلاثة: القاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وعمرة بنت عبد الرحمن ~~(¬4)، وقال محمد بن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، فقيها، عالما، مأمونا، ~~ثبتا، توفي في سنة أربع وتسعين، وقال البخاري: سنة تسع وتسعين، PageV02P1055 # وقال يحيى بن بكير: مات سنة أربع أو خمس وتسعين (¬1). # وأما أسامة بن زيد؛ فتقدم ذكره قريبا في باب: دخول مكة وغيره، في الحديث ~~الثالث منه. # أما إدخال هذا الحديث في باب فسخ الحج بالعمرة، فلا تعلق له [به]، وقد ~~أدخله المصنف فيه، ويحتمل أن تعلقه به لما ساق رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - الهدي من ميقات المدينة، وأدخل العمرة على الحج، ولم يتحلل منها ~~بسبب سوق الهدي في مسافة سيره التي من جملتها: حين دفع من عرفات إلى ~~مزدلفة، ومنها إلى منى، كان حكم سوق الهدي المانع من التحلل في تلك ~~المسافة، حكم سيره بنفسه إذا سيرته، فوجد القائم عليه فجوة، نص، وإذا لم ~~يجد، سار العنق به، وهذه مناسبة تسوغ إدخال الحديث في الباب، والله أعلم. # وأما العنق؛ فهو انبساط السير، وهو بفتح العين المهملة والنون. # والنص: بفتح ms0707 النون وتشديد الصاد، وهما نوعان من إسراع المشي، لكن العنق ~~أرفقهما، والفجوة: بفتح الفاء: المكان المتسع، وهو الفجوة في "الصحيحين"، ~~وفي بعض نسخ "الموطأ": فرجة -بضم الفاء وفتحها، وبالراء قبل الجيم-، وهو ~~بمعنى الفجوة (¬2). # وفي الحديث أحكام: # منها: السؤال عن العلم، والتفتيش عن حال النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~للتأسي به. PageV02P1056 # ومنها: استعمال الرفق وترك العجلة في السير عند الازدحام؛ لعدم التأذي ~~والإيذاء. # ومنها: استحباب الإسراع عند ترك الزحمة، وخلو الطريق؛ للمبادرة إلى مقصده ~~من المناسك وغيرها، ولاتساع الوقت له في ذلك. # ومنها: جواز الرواية والتحمل لمن سمع شيئا، وإن لم يسأل عنه، ولا قصد ~~المجيب ترويته إياه. # ومنها: أن الإسراع في موضعه، والمشي في موضعه من مناسك الحج، وقد كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في سيره لأصحابه: "عليكم السكينة، ~~لتستعملوها في موضعها" (¬1)، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الخامس # عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وقف في حجة الوداع، فجعلوا يسألونه، فسأل رجل: فحلقت قبل أن أذبح، فقال: ~~"اذبح ولا حرج"، وجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، فقال: "ارم ولا ~~حرج"، فما سئل عن شيء يومئذ قدم ولا أخر إلا قال: "افعل ولا حرج" (¬2). # هذا الوقوف كان بمنى يوم النحر، وكان بعد صلاة الظهر، وقف على راحلته ~~للخطبة، وهي إحدى خطب الحج المشروعة الأربعة، وهي الثالثة منها، والله أعلم. # وقوله: "لم أشعر"؛ أصل الشعور: العلم، وهو مأخوذ من المشاعر، وهو PageV02P1057 # الحواس، فكأنه يستند إلى الحواس في عدم العلم. # واعلم: أن النحر ما يكون في اللبة، والذبح ما يكون في الحلق. # والوظائف يوم النحر أربعة: رمي جمرة العقبة، ثم الذبح، ثم الحلق أو ~~التقصير، ثم طواف الإفاضة، والسنة ترتيبها هكذا، فلو خالف وقدم بعضها على ~~بعض، جاز، ولا فدية عليه، وعلى ذلك دل قوله: "فما سئل عن شيء قدم ولا أخر، ~~إلا قال: افعل ولا حرج". # ومعنى قوله: "لا حرج": لا شيء عليك مطلقا، لا إثم ولا ms0708 فدية، والله أعلم. # وقوله: "فحلقت قبل أن أذبح، فقال: اذبح ولا حرج"، إلى آخر الحديث؛ معناه: ~~افعل ما بقي عليك، وقد أجزأك ما فعلته، ولا حرج عليك في التقديم والتأخير. # واعلم: أن نفي الحرج يستعمل لغة في نفي الضيق، وهو معنى قوله تعالى: {وما ~~جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78]؛أي: من ضيق، وقد استعمل كثيرا عرفا ~~وشرعا في نفي الإثم، فاستعماله في عدم الفدية فيه نظر، فهو خلاف الظاهر، ~~لكن وجوب الفدية ضيق، وتركه إثم، على تقدير الوجوب، فحسن تفسير قوله: "ولا ~~حرج" بنفيهما -أعني: الإثم والفدية-. # واعلم: أنه قد يشعر التقييد كثيرا في الأحاديث، بإضافة حجته - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى الوداع؛ حيث أشعرت بانتقاله أنه يحج غيرها. ولم يحج - صلى ~~الله عليه وسلم - بعد الهجرة إلا حجة واحدة، وهي حجة الوداع، وقد نقل ابن ~~إسحاق: أنه حج أخرى -يعني: قبل الهجرة- من مكة، وروي في حديث في غير ~~"الصحيح": أنه - صلى الله عليه وسلم - حج قبل الهجرة حجتين، والله أعلم. # وفي الحديث هذا فوائد: # منها: وجوب اتباع أفعال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحج؛ حيث ~~إنهم سألوه عن تقديم بعض الأفعال الأربعة المذكورة على بعض، لما فعلها على ~~صفة الترتيب PageV02P1058 # من تقديم الرمي ثم الذبح ثم الحلق ثم الطواف للإفاضة؛ لأنه - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "خذوا عني مناسككم" (¬1). # ومنها: وجوب السؤال عما وقعت المخالفة فيه؛ ليعلم جوازه أو أفضليته. # ومنها: وجوب البيان على المسؤول إذا علم الحكم في المسؤول عنه. # ومنها: أن السنة ترتيب الأفعال الأربعة على ما ذكرنا، وأنه لو خالف وقدم ~~بعضها على بعض، جاز، ولا فدية عليه، وبهذا قال جماعة من السلف، وهو مذهب ~~الشافعي، وله قول ضعيف: أنه إذا قدم الحلق على الرمي والطواف، لزمه الدم، ~~بناء على قوله الضعيف: إن الحلق ليس بنسك. وبهذا القول -هنا- قال أبو ~~حنيفة، ومالك. وعن سعيد بن جبير، والحسن البصري، والنخعي، وقتادة، ورواية ~~شاذة عن ابن عباس: أن من قدم بعضها على بعضى لزمه ms0709 دم، وهم محجوجون بهذه ~~الأحاديث، فإن تأولوها على أن المراد نفي الإثم، وادعوا أن تأخير البيان ~~لوجوب الدم يجوز، قلنا: ظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا حرج" يخالف ~~هذا التأويل؛ حيث معناه: أنه لا شيء عليك مطلقا. # وقد صرح في بعض الأحاديث في "صحيح مسلم" بتقديم الحلق على الرمي، وأجمعوا ~~على أنه لو نحر قبل الرمي، لا شيء عليه، واتفقوا على أنه لا فرق بين العامد ~~والساهي في ذلك؛ في وجوب الفدية وعدمها، وإنما يختلفان في الإثم عند من ~~يمنع التقديم، والله أعلم. # نعم، ليس في الحديث المذكور -من السؤال والجواب- ما يدل على أن تقديمهم ~~وتأخيرهم بعض الأفعال الأربعة على بعض كان عمدا، ولا غيره، بل هو مطلق ~~بالنسبة إلى حال السؤال والجواب، والمطلق لا يدل على أحد الخاصين بعينه، ~~فلا يكون حجة في حال العمد. # ولا شك أن عدم الشعور وصف مناسب لعدم التكليف والمؤاخذة، والحكم علق به، ~~فلا يمكن اطراحه وإلحاق العمد به؛ إذ لا يساويه، والله أعلم. PageV02P1059 # ومنها: أنه لا فرق في عدم وجوب شيء عليه -في تقديم بعض الأفعال على # بعض- بين الجاهل والعالم، والناسي والعامد؛ حيث أطلق - صلى الله عليه ~~وسلم - الجواب من غير # استفسار عن السؤال، ونقل عن الإمام أحمد: أن ذلك في الناسي والجاهل، أما ~~العالم العامد: ففيه روايتان، والوجوب: الفدية على العامد دون الجاهل ~~والناسي قوي؛ من جهة أن الدليل دل على وجوب اتباع الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - في قوله: "خذوا عني مناسككم" (¬1). # وهذه الأحاديث المرخصة في جواز التقديم مقيدة في السؤال بعدم الشعور من ~~السائل، فيختص الحكم بهذه الحالة، وتبقى حالة العمد على أصل الوجوب لاتباع ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - في اتباع الحج. ومن قال بوجوب الدم في العمد ~~والنسيان عند تقديم الحلق الرمي، حمل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا ~~حرج" على نفي الإثم دون نفي وجوب الدم، وتقدم الكلام على ذلك، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث السادس # عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي: أنه حج مع ابن مسعود ms0710 -رضي الله عنه-، فرآه ~~يرمي الجمرة الكبرى سبع حصيات، فجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ثم ~~قال: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة - صلى الله عليه وسلم - (¬2). # تقدم الكلام على ابن مسعود. # وأما عبد الرحمن بن يزيد؛ فكنيته أبو بكر بن يزيد بن قيس، تابعي، كوفي، ~~ثقة، روى له البخاري ومسلم، وهو أخو الأسود بن يزيد، سمع عثمان بن عفان من ~~العشرة، وعائشة من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -، وسلمان الفارسي من ~~موالي PageV02P1060 # النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأخاه الأسود، وعلقمة بن قيس، وغيرهم. ~~وروى عنه جمع كثير من التابعين الصغار وغيرهم. # وأما النخعي -بفتح النون والخاء المعجمة، وبالعين المهملة، ثم ياء ~~النسب-، فنسبة إلى النخع: قبيلة من العرب، نزلت الكوفة، واسم النخع: جسر ~~-بفتح الجيم- بن عمرو بن علة -بضم العين وفتح اللام المخففة ثم هاء ~~التأنيث- بن خالد بن مالك بن أدد، سمي بالنخع؛ لأنه ذهب عن قومه. ومن هذه ~~القبيلة خلق كثير من الفضلاء العلماء، العباد، الزهاد، الشجعان، التابعين ~~وغيرهم (¬1). # وأما الجمرة الكبرى؛ فهي جمرة العقبة. # وأما قول عبد الله بن مسعود: "هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة"؛ ~~فإنما خص سورة البقرة بالذكر؛ لأن معظم أحكام المناسك فيها، فكأنه قال: هذا ~~مقام من أنزلت عليه أحكام المناسك، وأخذ عنه الشرع، وبين الأحكام، ~~فاعتمدوه!. وأراد بذلك التنبيه على أن أفعال الحج توقيفية، ليس للاجتهاد ~~فيها مدخل، فلا يفعل أحد شيئا من المناسك برأيه، والله أعلم. # وفي الحديث أحكام: # منها: إثبات رمي جمرة العقبة يوم النحر، وهو مجمع عليه، وهو الذي عليه ~~جمهور العلماء أنه واجب يجبر تركه بدم، فلو تركه، فحجه صحيح، وعليه دم، وهو ~~قول الشافعي وغيره، وقال بعض أصحاب مالك: وهو ركن لا يصح الحج إلا به. # وحكي عن ابن جرير الطبري، عن بعض الناس: أن رمي الجمار إنما يشرع PageV02P1061 # حفظا للتكبير، فلو تركه وكبر، أجزأه حجه. وروي نحوه عن عائشة - رضي الله ~~عنها -، والصحيح ما ذكرناه أولا. # والرمي يوم النحر أحد أسباب التحلل، ms0711 وهي ثلاثة: رمي جمرة العقبة، وطواف ~~الإفاضة مع سعيه إن لم يكن سعى، والثالث: الحلق عند من يقول: إنه نسك، وهو ~~الصحيح، والله أعلم. # ومنها: كون رمي جمرة العقبة بسبع حصيات، وهو مجمع عليه. # ومنها: استحباب هذه الكيفية في الوقوف بجمرة العقبة لرميها، فيجعل مكة عن ~~يساره، ومنى عن يمينه، ويستقبل العقبة والجمرة، ويرميها بالحصيات السبع، ~~وهذا هو الصحيح في مذهب الشافعي، وهو قول جمهور العلماء. وقال بعض أصحاب ~~الشافعي: يستحب أن يقف مستقبل الجمرة مستدبرا مكة، وقال بعضهم: يستحب أن ~~يقف مستقبل الكعبة، وتكون الجمرة عن يمينه. # وأجمع العلماء على أنه إذا رماها على أي حال من حيث رماها، جاز، سواء ~~فوقها أو تحتها، وجعلها عن يمينه أو يساره، أو وقف في وسطها ورماها، والله أعلم. # ومنها: جواز قول: سورة البقرة، وآل عمران، ونحو ذلك، وبلا كراهة، ونقل عن ~~بعضهم: أنه لا يقال ذلك، بل يقال: السورة التي يذكر فيها كذا، وهذا الحديث ~~وغيره من الأحاديث الصحيحة يرد عليه، والله أعلم. # ومنها: التنبيه على التأسي به - صلى الله عليه وسلم - في جميع الحالات في ~~المناسك وغيرها، ونقل ذلك وتبليغه. # ومنها: التعلم بالرؤية للفعل من غير قول، والأخذ به من غير قول، وتبليغه، ~~والله أعلم. # * * * PageV02P1062 ### ||| AUTO الحديث السابع # عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: "اللهم ارحم المحلقين" قالوا: يا رسول الله! والمقصرين، قال: "اللهم ~~ارحم المحلقين"، قالوا: يا رسول الله! والمقصرين، قال: "والمقصرين" (¬1). # هذا الدعاء للمحلقين مكررا، دون المقصرين، قد وردت روايات في "صحيح مسلم" ~~عن أم الحصين - رضي الله عنها -: أنه كان في حجة الوداع (¬2)، وروي في ~~غيره: أنه كان يوم الحديبية من رواية ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: ~~قالت: حلق رجل يوم الحديبية، وقصر آخرون، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "اللهم ارحم المحلقين" ثلاثا، قيل: يا رسول الله! ما بال المحلقين ~~ظاهرت لهم بالرحم؟ قال: "لأنهم لم يشكوا" (¬3). # قال ابن عبد البر: وكونه في الحديبية ms0712 هو المحفوظ (¬4)، قال القاضي عياض ~~-رحمه الله تعالى-: ولا يبعد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاله في ~~الموضعين (¬5). # وتكرير النبي - صلى الله عليه وسلم - الدعاء للمحلقين؛ لأنهم بادروا إلى ~~امتثال الأمر، وأتموا فعل ما أمروا به من الحلق. وقد صرح بهذا المعنى في ~~بعض روايات الحديث المروية عن ابن عباس - رضي الله عنه - حيث قال: "لأنهم ~~لم يشكوا". # واعلم: أن معنى فضيلة الحلق على التقصير؛ أنه أبلغ في العبادة، وأدل على ~~صدق النية في التذلل لله تعالى؛ لأن المقصر مبق على نفسه الشعر الذي هو PageV02P1063 # زينة، والحاج مأمور بترك الزينة، بل هو أشعث أغبر. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: الدعاء بالمغفرة لمن فعل ما شرع له. # ومناسبة الدعاء بالمغفرة للمحلقين والمقصرين؛ حيث إن كل واحد من الحلق ~~والتقصير والمغفرة إزالة في الصورة والمعنى، فالحلق والتقصير إزالة للشعث ~~في الصورة، وهما سببان لغفر الذنب بإزالته أو ستره. # ومنها: تكرار الدعاء لمن فعل الراجح من الفعلين الجائزين. # ومنها: التنبيه بالدعاء وتكريره على ترجيح الراجح. # ومنها: سؤال الدعاء لمن فعل الجائز المرجوح. # ومنها: أن جميع وصف الذكورة لا يدخل فيه الإناث؛ حيث إنهن لا يشرع لهن ~~الحلق، بل المشروع لهن التقصير، قال أصحاب الشافعي - رحمه الله -: ويكره ~~لهن الحلق، فلو حلقن، حصل النسك. # ومنها: جواز الاقتصار على أحد الأمرين؛ من الحلق أو التقصير. # ومنها: تفضيل الحلق على التقصير في حق الرجال، وقد نقل إجماع العلماء على ذلك. # وحكى ابن المنذر عن الحسن البصري: أنه قال: يلزمه الحلق أول حجه، ولا ~~يجزئه التقصير، فإن صح عنه، رد بالنصوص، وإجماع من قبله. # ومذهب الشافعي في المشهور عنه: أن الحلق أو التقصير نسك من مناسك الحج ~~والعمرة، ركن من أركانهما، لا يحصل كل واحد منهما إلا به، وبهذا قال ~~العلماء كافة، وللشافعي قول ضعيف: أنه استباحة محظور؛ كالطيب واللباس، وليس ~~بنسك، وهو شاذ، وسواء -في الاستحباب الحلق وترجيحه على التقصير- كان المحرم ~~لبد رأسه أم لا، ولا يلزمه حلقه. وقال جمهور العلماء: يلزمه حلقه إذا لبد ms0713 ~~رأسه، واتفق العلماء على أن الأفضل -في الحلق أو التقصير- أن يكون بعد رمي ~~جمرة العقبة، وبعد ذبح الهدي، وقبل طواف PageV02P1064 # الإفاضة، وسواء كان قارنا أو مفردا، وقال ابن الجهم المالكي: لا يحلق ~~القارن حتى يطوف ويسعى؛ لأنه يرى أن حجه وعمرته قد تداخلا، والعمرة باقية ~~في حقه، وهي لا يجوز الحلق فيها قبل الطواف. # وقد أشار إلى هذا قوله - صلى الله عليه وسلم - في القارن: "حتى يحل منهما ~~جميعا" (¬1)؛ فإنه يقتضي أن الإحلال منهما يكون في وقت واحد، فإذا حلق قبل ~~الطواف، فالعمرة قائمة؛ بهذا الحديث، فيقع الحلق فيها قبل الطواف، ورد عليه ~~شيخنا أبو زكريا النووي -رحمه الله تعالى-، وقال: هذا باطل بالنصوص وإجماع ~~من قبله، وقد ثبت الأحاديث؛ بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حلق قبل طواف ~~الإفاضة، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قارنا في آخر مرة (¬2)، ~~قال شيخنا أبو الفتح بن دقيق العيد - رحمه الله -: وهذا إنما ثبت بأمر ~~استدلالي لا نصي؛ أعني: كونه - صلى الله عليه وسلم - كان قارنا في آخر أمره. # وابن الجهم على مذهب مالك والشافعي، حيث قالا: إن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان مفردا أولا. وأما الإجماع، فبعيد الثبوت إن أراد الإجماع النقلي ~~القولي، وإن أراد السكوتي، ففيه نظر، وقد ينازع فيه -أيضا-، والله أعلم (¬3). # * * * ### ||| AUTO الحديث الثامن # عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: حججنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فأفضنا يوم النحر، فحاضت صفية، فأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يريد ~~الرجل من أهله، فقلت: يا رسول الله! إنها حائض، قال: "أحابستنا هي؟ "، ~~قالوا: يا رسول الله! أفاضت يوم النحر، قال: "اخرجوا" (¬4). PageV02P1065 # وفي لفظ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "عقرى حلقى، أفاضت يوم النحر؟ ~~"، قيل: نعم، قال: "فانفري" (¬1). # تقدم الكلام على عائشة وصفية. - رضي الله عنهما -. # وأما قولها: "فأفضنا يوم النحر"؛ فمعناه إلى مكة لطواف الإفاضة. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "عقرى حلقى"؛ هذان اللفظان بفتح أولهما، ~~وآخرهما ألف تأنيث مقصورة، وتكتب بالياء من غير تنوين، وهو ms0714 رواية المحدثين ~~جميعهم، ونقله جماعات من أئمة اللغة وغيرهم، وهو صحيح فصيح، وقال بعضهم: ~~عقرا حلقا -بالتنوين-؛ لأنه موضع دعاء أشعر به، فأجرى مجراه بألفاظ ~~المصادر، فإنها منونة، كقولهم: سقيا ورعيا وجدعا، ومن رواه مقصورا؛ أي: إن ~~ألف التأنيث فيهما نعت، لا دعاء. # ومعنى عقرى: عقرها الله، وقيل: عقر قومها، وقيل: جعلها عاقرا لا تلد. # ومعنى حلقى: حلق شعرها، أو أصابها وجع في حلقها، وبمعنى: يحلق قومها شؤمها. # وهذا اللفظان لا يراد بهما أصل موضوعهما، بل كثر استعمالهما، فجريا على ~~ألسنتهم من غير إرادة معناهما؛ كقولهم: تربت يداه، وقاتله الله ما أشجعه! ~~وما أشعره! وأفلح وأبيه! إلى غير ذلك، والله أعلم (¬2). # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: أن طواف الإفاضة لا بد منه. # ومنها: فعله في يوم النحر، وهو السنة. # ومنها: إباحة الجماع للأهل بعد الإتيان بأسباب التحلل في الحج. PageV02P1066 # ومنها: الإخبار بالأعذار المانعة من الإجابة إلى ما تجب المبادرة إلى ~~فعله ممن توجه الوجوب إليه ومن غيره. # ومنها: أن الحائض لا تدخل المسجد. # ومنها: سقوط طواف الوداع عن الحائض. # ومنها: عدم سقوط طواف الإفاضة عنها؛ حيث قال - صلى الله عليه وسلم -: ~~"أحابستنا هي؟ "، فقيل: إنها أفاضت، إلى آخره. # ومنها: عدم وجوب الدم بترك طواف الوداع من الحائض؛ حيث قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لما أخبر بأنها طافت للإفاضة، قال: "فانفري" من غير ذكر ~~دم ولا غيره. وهذا قول كافة العلماء، وحكى القاضي عياض عن بعض السلف وجوب ~~دم، وهو شاذ مردود، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث التاسع # عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم ~~بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض (¬1). # هذا حكمه حكم المرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - عند العلماء من ~~الفقهاء والمحدثين وأصحاب الأصول. # وفي هذا الحديث دليل: على أن طواف الوداع واجب؛ لظاهر الأمر. # وفيه دليل: على سقوطه عن الحائض، ولم يتعرض في الحديث إلى وجوب الدم ~~بتركه ولا عدمه. وأما وجوبه بالنسبة [إلى] غير الحائض، فقال به ms0715 الشافعي، ~~[و] منعه مالك؛ لعدم وجوب طواف الوداع عنده. وأما عدم وجوبه بالنسبة إلى ~~الحائض، فقال به الشافعي، ومالك، وأحمد، والعلماء كافة، وحكى ابن PageV02P1067 # المنذر عن عمر، وابن عمر، وزيد بن ثابت -رضي الله عنهم- وجوبه؛ حيث إنهم ~~أمروها بالمقام لطواف الوداع. # وهذا الحديث مع حديث صفية حجة على رد ذلك، وهو مقتضى التخفيف عنها، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث العاشر # عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: استأذن العباس بن عبد المطلب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، ~~فأذن له (¬1). # أما العباس عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فتقدم ذكره، وكانت ~~السقاية له في الجاهلية، فأقره - صلى الله عليه وسلم -، وهي له ولعقبه إلى ~~يوم القيامة. # والسقاية: إعداد الماء للشاربين بمكة، يذهب أهلها القائمون بها ليلا ~~ليستقوا الماء من زمزم، ويجعلوه في الحياض مسبلا للشاربين وغيرهم. # وفي الحديث أحكام: # منها: استئذان الكبار والعلماء فيما يطرأ من المصالح والأحكام. # ومنها: أن المبيت ليالي منى نسك من مناسك الحج وواجباته؛ حيث أذن - صلى ~~الله عليه وسلم - في ترك المبيت بمنى للعباس من أجل سقايته، فاقتضى ذلك ~~الإذن لأجل هذه العلة المخصوصة، وأن الإذن لم يتعد إلى غيرها. # واختلف العلماء في مبيت ليالي منى، هل هو واجب أم سنة؟ وللشافعي قولان: # أحدهما: واجب، وبه قال مالك، وأحمد. # والثاني: سنة، وبه قال ابن عباس، والحسن، وأبو حنيفة. PageV02P1068 # ووجوب الدم وبتركه وسببه مرتب على القولين؛ إن قلنا: إن المبيت واجب، كان ~~الدم واجبا، وإن قلنا: سنة، فسنة. # وفي قدر المبيت قولان للشافعي: أصحهما: معظم الليل، والثاني: ساعة. # ومنها: ترك المبيت لأجل السقاية، ومدلول الحديث تخصيص الترك للمبيت ~~بالسقاية، ويجوز لكل واحد ممن يتولى السقاية ترك المبيت لأجلها، وبه قال ~~الشافعي، وكذا لو أحدثت سقاية أخرى، كان للقائم بشأنها ترك المبيت، وهو ~~الأقرب؛ لاتباع المعنى في إعداد الماء للشاربين، ومنهم من منع ترك المبيت ~~لسقاية أخرى، لكن الصحيح ما ذكرناه أولا. # ومنها: اختصاص السقاية بالعباس، واتفق العلماء ms0716 على أن الحكم في ترك ~~المبيت لا يختص به، واختلفوا في اختصاصها بآل العباس بعده، أم ببني هاشم من ~~آل العباس وغيرهم؟ على وجهين: والصحيح: اختصاص ولاية السقاية بآل العباس ~~بعده، وأن الرخصة في ترك المبيت لا تختص بهم، والله أعلم. # ومنها: أنه ينبغي للكبير أو العالم إذا استؤذن في مصلحة، أن يبادر إلى ~~الإذن فيها من غير توقف، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الحادي عشر # وعنه قال: جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين المغرب والعشاء بجمع، ~~لكل واحدة منهما بإقامة، ولم يسبح بينهما، ولا على إثر واحدة منهما (¬1). # أما "جمع"؛ فهو بفتح الجيم وسكون الميم، وهو اسم للمزدلفة، سميت جمعا؛ ~~لاجتماع الناس بها، وأيام جمع: أيام منى، ويوم الجمع: يوم القيامة. # وقوله: "ولم يسبح بينهما، ولا على إثر واحدة" إلى آخره، معناه: لم يصل PageV02P1069 # بينهما نافلة، ولا بعدهما. ومنه قوله في الحديث: "كنت أسبح، وأقضي سبحتي" ~~(¬1)، و"اجعلوا صلاتكم معه سبحة" (¬2)؛ أي: نافلة، وسميت الصلاة سبحة ~~وتسبيحا؛ لما فيها من تعظيم الله تعالى، وتنزيهه، قال تعالى: {فلولا أنه ~~كان من المسبحين} [الصافات: 143]؛ أي: المصلين. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: جواز جمع التأخير بمزدلفة، وهو جمع؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - ~~كان وقت المغرب بعرفة، فما جمع بينهما بمزدلفة إلا وقد أخر المغرب، وهذا ~~الجمع مجمع عليه، لكن اختلفوا في سببه، هل هو النسك أو السفر؟ # وفائدة الخلاف: أن من ليس مسافرا سفرا يجمع فيه، هل يجمع بين هاتين ~~الصلاتين، أم لا؟ # فذهب أبو حنيفة إلى أن الجمع هنا بعذر النسك، وظاهر مذهب الشافعي أنه ~~بعذر السفر، ولبعض أصحابه وجه كمذهب أبي حنيفة، ولم ينقل صريحا أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - كان يجمع بين الصلاتين في طول سفره ذلك، بل نقل من ~~قول ابن عمر - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا جد ~~به السير، جمع بين المغرب والعشاء (¬3)، وهو ظاهر في جمع التقديم، محتمل في ~~غيره من الجمع الصوري لا الشرعي المعروف، وإن كان خلاف ms0717 الظاهر، فإن كان في ~~نفس الأمر، لم يجمع، فيقوى أن الجمع هنا بسبب النسك، أو لأنه حكم متجدد، ~~لأمر متجدد، فاقتضى إضافة الحكم إليه، وإن كان محمولا على ما روى ابن عمر ~~ظاهرا في السفر، فقد اجتمع في هذا الجمع سببان؛ النسك، والسفر. PageV02P1070 # فيرجح النظر بترجيح الإضافة إلى أحدهما، مع أن الاستدلال بحديث ابن عمر ~~للجمع بمزدلفة بعيد؛ حيث إنه علق الجمع فيه على الجد في السير، وهو هنا لم ~~يكن في ابتداء السير مجدا، بل كان نازلا عند دخول وقت صلاة المغرب بعرفة، ~~وإنشاء الحركة للسير كان بعد ذلك. وقد كان يمكن أن تقام المغرب بعرفة، ولا ~~يحصل جد السير بالنسبة إليها، فالحديث إنما تناول الجد والسير [و] وجودهما ~~عند دخول وقتها، وهذا أمر محتمل. # وقد اختلف العلماء في جواز الجمع بغير مزدلفة، كما لو جمع في الطريق أو ~~بعرفة جمع تقديم، والأحاديث الصحيحة تدل صريحا على جوازه بعرفة، والخلاف ~~فيه هل هو بسبب النسك، أو السفر؟ ومن منعه، فالأحاديث الصحيحة حجة عليه، ~~ومن جوزه في السفر مطلقا، جوزه هنا. # ومن علله بالنسك قال: لا يجمع إلا بالمكان الذي جمع فيه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -؛ إقامة لوظيفة النسك على الوجه الذي فعله رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -. # ومنها: شرعية الإقامة لكل واحدة من الصلاتين المجموعتين. ولم يتعرض ~~للأذان لهما في هذا الحديث. وفي رواية في "صحيح مسلم": أنه - صلى الله عليه ~~وسلم - صلاهما بإقامة واحدة" (¬1). وفي صفة حجة النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- في "صحيح مسلم": أنه - صلى الله عليه وسلم - صلاهما بأذان واحد وإقامتين ~~(¬2)، وهذا مقدم على رواية الكتاب، ورواية صلاتهما بإقامة واحدة؛ لأنها ~~رواية معها زيادة علم، فهي مقدمة على غيرها إذا كانت من ثقة مقبولة، ولأن ~~جابرا - رضي الله عنه - اعتنى بنقل حجة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~وضبطها أكثر من غيره، فكان أولى بالاعتماد والقبول، وتحمل رواية صلاتهما ~~بإقامة واحدة على كل واحدة منهما؛ أنه صلاها بإقامة؛ جمعا بين الروايات، ~~ونفيا للاختلاف. ms0718 # ومذهب الشافعي الصحيح أنه يؤذن للأولى منهما، ويقيم لكل واحدة إقامة، ~~فيصليهما بأذان وإقامتين، ودلالة حديث الكتاب على عدم الأذان دلالة سكوت. PageV02P1071 # ومنها: عدم التنفل بين الصلاتين المجموعتين، ويعبر عن ذلك بوجوب الموالاة ~~بينهما. # وفي ذلك تفضيل مذهب الشافعي؛ فإن جمع في وقت الأولى، لم يجز إلا بثلاثة شروط: # تقديم الأولى، فإن قدم الثانية، بطل. # وعدم الفصل بينهما، فإن فصل فصلا طويلا لم يتعلق بمصلحة الصلاة؛ كالتيمم ~~والإقامة والأذان، على وجه ضعيف للشافعية، وقول في مذهب مالك، بطل الجمع، ~~ولم تصح الثانية إلا في وقتها. # ونية الجمع قبل فراغ من الأولى أو عند الإحرام بها. # وإن جمع في وقت الثانية، استحب عدم الفصل، ولم يشترط، فقوله: "لم يسبح ~~بينهما ولا على إثر واحدة منهما" ليس فيه دليل على عدم الفصل، بل على عدم ~~صلاة النفل بينهما فقط، ولا يلزم منه عدم الفصل؛ بدليل الرواية في "صحيح ~~مسلم" أنه قال: "أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في ~~منزله، ثم أقيمت العشاء، فصلاها، ولم يصل بينهما شيئا" (¬1). # ومنها: عدم صلاة النفل في السفر، لكنها دلالة بعدم الفعل، وهي بمجردها لا ~~تدل على عدم الاستحباب، بل تدل على تأخير فعل النفل في ذلك الوقت. # ومذهب الشافعي - رحمه الله - استحباب السنن الراتبة، لكنه يفعل التي قبل ~~الصلاة قبلها، ولا يفعل بينهما شيئا، بل يفعل الذي بعدها، وقبل الثانية ~~بعدهما؛ بدليل صلاة النفل في السفر في حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -، ~~وهو صحيح، والله أعلم. # * * * PageV02P1072 ### || AUTO باب المحرم يأكل من صيد الحلال ### ||| AUTO الحديث الأول # عن أبي قتادة الأنصاري -رضي الله عنه-: أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - خرج حاجا فخرجوا معه، فصرف طائفة منهم، فيهم أبو قتادة، وقال: "خذوا ~~بساحل البحر [حتى نلتقي"، فأخذوا بساحل البحر، فلما انصرفوا، أحرموا كلهم ~~إلا أبا قتادة لم يحرم] (¬1)، فبينما هم يسيرون، إذ رأوا حمر وحش، فحمل أبو ~~قتادة على الحمر، فعقر منها أتانا، فنزلنا فأكلنا من لحمها، ثم قلنا: أنأكل ~~لحم صيد ms0719 ونحن محرمون؟! فحملنا ما بقي من لحمها، فأدركنا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، فسألناه عن ذلك، فقال: "ما منكم أحد أمره أن يحمل عليها ~~أو أشار إليها؟ "، قالوا: لا، قال: "فكلوا ما بقي من لحمها" (¬2). # وفي رواية: فقال: "هل معكم منه من شيء؟ "، فقلت: نعم، فناولته العضد، ~~فأكلها (¬3). # أما أبو قتادة؛ فتقدم الكلام عليه وعلى اسمه ونسبه. # وأما الأتان؛ فهي الأنثى من الحمر. PageV02P1073 # فإن قيل: كيف ترك أبو قتادة الإحرام مع كونه خرج للحج ومر بالميقات، ولا ~~يجوز لمن أراد الحج أو العمرة أن يجاوز الميقات غير محرم؟ # فالجواب عن ذلك بوجوه: # أحدها: أن المواقيت لم تكن وقتت بعد. # الثاني: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث أبا قتادة ورفقته لكشف ~~عدو لهم بجهة الساحل؛ كما أشار إليه في هذا الحديث، وكان الالتقاء المأمور ~~به بعد مضي مكان الميقات. # الثالث: أنه لم يكن مريدا الحج والعمرة، وهو ضعيف. # الرابع: أنه لم يخرج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - من المدينة، وإنما ~~بعثه أهلها فيما بعد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليعلموه أن بعض ~~العرب يقصدون الإغارة عليها، فأرسله النبي - صلى الله عليه وسلم - في طائفة ~~إلى ساحل البحر، والله أعلم. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: أن الإمام وأصحابه إذا خرجوا في طاعة من حج أو غيره، وعرض لهم أمر ~~يقتضي تفريقهم، فرقهم طلبا للمصلحة؛ فإن السنة عدم تفرق الرفقة في السفر. # [ومنها: جواز اصطياد الحلال الصيد. # ومنها: أن عقر الصيد ذكاته. # ومنها: عدم الإقدام على الشيء حتى يعرف حكمه أو شرط حله] (¬1). # ومنها: جواز الاجتهاد من النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث أكلوا بعضه ~~باجتهاد. # ومنها: الرجوع إلى النصوص عند تعارض الأدلة بالاشتباه أو الاحتمال. # ومنها: إذا كان للمحرم سبب في اصطياد الصيد بإشارة، أو إعانة: إنه يمتنع ~~من أكله، وإن لم يكن شيء من ذلك، حل له أكله. PageV02P1074 # ومنها: جواز هدية الحلال للمحرم من لحم الصيد. # ومنها: تحريم لحم الصيد على المحرم إذا صاده هو، أو ms0720 كان له في اصطياده ~~تعلق؛ من دلالة عليه أو إعانة، واتفق العلماء على تحريم الاصطياد عليه. # وقال الشافعي وآخرون: يحرم عليه تملك الصيد بالبيع والهبة ونحوهما؛ وفي ~~ملكه إياه بالإرث خلاف، وأما ما اصطاده الحلال من غير إعانة المحرم: فجمهور ~~العلماء على حل أكله للمحرم بالهدية، وهو قول الشافعي، ومالك، وأحمد، ~~وداود، وقال أبو حنيفة: لا يحرم عليه لحم ما صيد له بغير إعانة منه، وقالت ~~طائفة: لا يحل له لحم الصيد أصلا، بل هو حرام عليه مطلقا، وهو محكي عن علي، ~~وابن عمر، وابن عباس -رضي الله عنهم-؛ لقوله تعالى: {وحرم عليكم صيد البر ~~ما دمتم حرما} [المائدة: 96]. # قالوا: والمراد بالصيد: المصيد؛ ولرد النبي - صلى الله عليه وسلم - لحم ~~الصيد في حديث الصعب بن جثامة الآتي عليه، وعلله بأنه محرم، دون شيء آخر؛ ~~من قصد له - صلى الله عليه وسلم - به، ولا غيره، وحديث أبي قتادة هذا يرد ~~على هذا المذهب؛ حيث قال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: "فكلوه"، وفي ~~رواية في "صحيح مسلم": "هو حلال، فكلوه"، وفي "سنن" أبي داوود والترمذي ~~والنسائي عن جابر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه ~~قال: "صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم" (¬1). # والرواية فيه: يصاد -بالألف-، والقاعدة حذفها، لكن إثباتها جائز في لغة، ~~ومنه قول الشاعر (¬2): # ألم يأتيك والأنباء تنمي # والجمع بين الأحاديث وتأليفها أولى من اختلافها، وإبطال بعضها، وهي PageV02P1075 # ظاهرة في الدلالة لمذهب الشافعي - رحمه الله - ومتابعيه، والرد على أهل ~~المذهبين الآخرين، ويكون حديث أبي قتادة هذا محمولا على عدم قصدهم ~~باصطياده، وحديث الصعب على قصدهم به، والآية الكريمة محمولة على تحريم ~~الاصطياد عليه، وعلى أكل لحم ما صيد له؛ للأحاديث المبينة للمراد منها، ولا ~~يحرم لحم ما صيد لأحد إلا بشرط كون كل واحد من الصائد والمصيد له محرما، ~~فبين في حديث الصعب الشرط الذي يحرم به، والله أعلم. # ومنها: تبسط الإنسان في صاحبه بطلب ما يؤكل، وأكله. # ومنها: تطييب قلوب الأتباع ms0721 بأكل ما شكوا في أكله، أو كان عندهم وقفة فيه، ~~إذا كان عندهم علم من جوازه وحله، وموافقتهم في الأكل. # وقد تقدم مثل هذا في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لو استقبلت من أمري ~~ما استدبرت لما سقت الهدي" إشارة إلى موافقتهم في الحلق، وتطييب قلوبهم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن الصعب بن جثامة الليثي -رضي الله عنه-: أنه أهدى إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - حمارا وحشيا، وهو بالأبواء، أو بودان، فرده عليه، فلما رأى ما ~~في وجهه، قال: "إننا لم نرده عليك إلا أنا حرم" (¬1). # وفي لفظ لمسلم: رجل حمار، وفي لفظ: شق حمار، وفي لفظ: عجز حمار (¬2). # وجه هذا الحديث أنه ظن أنه صيد لأجله، والمحرم لا يأكل ما صيد لأجله. # أما الصعب؛ فهو -بفتح الصاد وسكون العين المهملتين، وبالباء PageV02P1076 # الموحدة-، وأما أبوه جثامة، فهو -بفتح الجيم، وتشديد الثاء المثلثة، ثم ~~ألف، ثم ميم مخففة مفتوحة، ثم هاء التأنيث- ابن قيس بن عبد الله بن يعمر ~~-وهو الشداخ، وإنما قيل له ذلك؛ لأنه شدخ الدماء بين بني أسد بن خزيمة، ~~وبين خزاعة؛ يعني: أهدرها- بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث، الحجازي، أخو ~~محلم بن جثامة. # هاجر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، عداده في أهل الطائف، روي له عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ستة عشر حديثا، اتفق البخاري ومسلم على ~~حديث واحد، وتفرق هذا الحديث ثلاثة أحاديث. # روى عنه: عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما -، وشريح بن عبيد الحضرمي، ~~وكان ينزل ودان من أرض الحجاز، روى له: أصحاب السنن والمساند، مات في خلافة ~~أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، وقال ابن حبان: مات في خلافة عمر في ~~آخرها، والمشهور الأول. # وأما الليثي -بفتح اللام المشددة، والياء المثناة تحت، ثم الثاء المثلثة، ~~ثم ياء النسب-، فنسبة إلى الليث، جد من أجداد المنتسب، والمراد به: ليث بن ~~يكر، والله أعلم (¬1). # وأما الأبواء؛ فهي -بفتح الهمزة، وسكون الباء الموحدة؛ والمد-، وهي قرية ~~جامعة من عمل الفرع من المدينة، ms0722 بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة ~~وعشرون ميلا، سميت بذلك لتبوء السيول بها، وقيل غيره، وبها توفيت آمنة أم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، ودفنت، والله أعلم (¬2). # أما ودان -بفتح الواو والدال المهملة المشددة، ثم ألف، ثم نون-، فهي PageV02P1077 # قرية جامعة من عمل الفرع، بينها وبين هرشى نحو من ستة أميال، وبينها وبين ~~الأبواء نحو من ثمانية أميال، قريبة من الجحفة، وهي والأبواء بين مكة ~~والمدينة، والله أعلم (¬1). # وقد تقدم الكلام عليه، وعلى حديث أبي قتادة، والجمع بينهما قبله. # وقوله: "أهدى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "؛ الأصل أن أهدى ~~يتعدى بإلى، كما في هذا الحديث، وقد ثبت تعديه باللام في بعض الروايات، ~~فيكون اللام بمعنى إلى، ويحتمل أن يكون بمعنى أجل، وهو ضعيف. # وقوله: "حمارا وحشيا"؛ ظاهره أنه أهداه بجملته، وحمل على بعضه، وعلى ذلك ~~دل تبويب البخاري، وقيل: إنه تأويل مالك، وعلى مقتضى هذا يستدل بالحديث على ~~منع وضع المحرم يده على الصيد بطريق التملك بالهبة، ويقاس عليها ما في ~~معناها من البيع وغيره، ورد هذا بالروايات المذكورة في الكتاب عن مسلم - ~~رحمه الله - من قوله: عجز حمار، وشق، أو رجل حمار؛ فإنها مصرحة بالبعض دون ~~الجملة، وبكونه مذبوحا، فيحمل قوله: حمارا وحشيا على المجاز من باب تسمية ~~البعض بالكل، أو على حذف المضاف، ولا تبقى فيه دلالة على منع تملك بعض ~~الصيد بالهبة، بل فيه دلالة على منعه من وجه آخر على هذا التقدير؛ لأنه إذا ~~منع من تملك بعض الصيد بالهبة، فلأن يحرم الكل بطريق الأولى، ويكون من باب ~~التنبيه بالأقل على الأكثر. # والبحث في هذا راجع إلى معرفة حقيقة الهدية والهبة، فالهدية ما حملت إلى ~~المهدى لقصد التودد وثواب الآخرة، بخلاف الهبة، فإن حقيقتها العطية مطلقا، ~~سواء حملت إلى الموهوب له، أم لا، وهي لا تقتضي التودد عرفا، بل تقتضي طلب ~~المكافأة والثواب الدنيوي عليها. # فالاستيلاء على الصيد لغير المحرم بشرطه بطريق الهدية جائز، وبطريق الهبة ~~غير جائز؛ لكونه صيدا يقتضي عوضا دنيويا ms0723 عرفا وتمنعا، والإحرام ينافي ذلك PageV02P1078 # جميعه، ألا ترى أنه يحرم عقد النكاح على المحرم والمحرمة والولي، ولا ~~ينعقد؛ لكونها حالة تنافي الإحرام؟ والله أعلم. # وقوله: "إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم"؛ فهمزة "إنا" الأولى مكسورة؛ ~~لكونها ابتدائية، وهمزة "أنا" الثانية مفتوحة؛ لأنها تعليلية بحذف لام ~~التعليل منها، والأصل: إلا لأنا، والدال في قوله: "نرده عليك" مفتوحة عند ~~الأكثرين، وهو المشهور عند المحدثين، وهو مخالف لمذهب المحققين من النحاة؛ ~~كسيبويه وغيره، فإن عندهم أنها مضمومة، وذلك في كل مضاعف مجزوم اتصل به هاء ~~ضمير المذكر، وهو معلل عندهم بأن الهاء حرف خفي، فكأن الواو تالية للدال؛ ~~لعدم الاعتداد بالهاء، وما قبل الواو يضم، وعبروا عن ضمها بالإتباع لما ~~بعدها، وكذا الخلاف في ضمير المؤنث إذا اتصل بالمضاعف المشدد، فإنه يصح ~~باتفاق، وحكي في الأول لغتان أخريان: إحداهما: الفتح كما يقوله المحدثون، ~~والثانية: الكسر، وأنشدوا فيه: # قال أبو ليلى بحبل مده ... حتى إذا مددته فشده # إن أبا ليلى نسيج وحده (¬1) # وحرم: جمع حرام، وتعليله بذلك - صلى الله عليه وسلم - يقتضي منع أكل ~~المحرم الصيد مطلقا؛ حيث علل به مجردا، والذين أباحوا أكله لا يكون مجرد ~~الإحرام علة عندهم، بل العلة عندهم كونه صيد لأجله؛ جمعا بينه وبين حديث ~~أبي قتادة كما تقدم. # قوله: "فلما رأى ما في وجهه" يريد: من التغير بسبب الكراهة، وقد صرح بذلك ~~في بعض الروايات: "فلما رأى ما في وجهه من الكراهة". # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: جواز الهدية وقبولها إذا لم يكن مانع يقتضي ردها. PageV02P1079 # ومنها: منع وضع اليد على الصيد للمحرم بالبيع والهبة بشرطه السابق. # ومنها: الاعتذار إلى المهدي إذا لم يقبل هديته، ويطيب قلبه بتبيين العذر. # ومنها: جواز الاصطياد لغير المحرم. # ومنها: حل أكل حمار الوحش لغير المحرم، وحله للمحرم إذا صاده الحلال، ولم ~~يكن للمحرم في صيده إعانة ولا تسبب. # ومنها: مراعاة جانب الشرع، وتقديمه على جانب الخلق وحظوظ النفوس. # ومنها: تبيين الأحكام الشرعية وإيضاحها. # ومنها: أن جميع أجزاء الصيد حرام على المحرم: ms0724 رجله، وشقه، وجانبه، وعجزه، ~~وغيرها، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. # * * * PageV02P1080 ### || CHECK [باب] ### | AUTO كتاب البيوع # قال ابن قتيبة: بعت الشيء: اشتريته، وبعته، وشريت الشيء: اشتريته وبعته. ~~قال الأزهري: العرب تقول: بعت، بمعنى بعت ما كنت ملكته، وبعت بمعنى اشتريت، ~~قال: وكذلك شريت بالمعنيين، قال: وكل واحد بيع وبائع؛ لأن الثمن والمثمن كل ~~منهما مبيع، وكذا قال غيرهما من أهل اللغة، قالوا: ويقال: بعته أبيعه، فهو ~~مبيع ومبيوع، قال الجوهري: كمخيط ومخيوط، قال الخليل: المحذوف من مبيع واو ~~مفعول؛ لأنها زيادة، فهي أولى بالحذف، وقال الأخفش: المحذوف عين الكلمة، ~~قال المازني: كلاهما حسن، وقول الأخفش أقيس. والابتياع: الاشتراء، وتبايعنا ~~وبايعته، واستبعته: سألته أن يبيعني، وأبعته: عرضته للبيع، وبيع الشيء ~~-بكسر الباء وضمها إشماما-، وبوع لغة فيه، وكذلك القول في: كيل وقيل، وحكى ~~الزجاج عن أبي عبيدة: أباع؛ بمعنى: باع، وهو غريب وشاذ (¬1). # * * * PageV02P1081 ### ||| AUTO الحديث الأول # عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: أنه قال: "إذا تبايع الرجلان، فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا ~~وكانا جميعا، أو يخير أحدهما الآخر، فإن خير أحدهما الآخر، فتبايعا على ~~ذلك، فقد وجب البيع" (¬1). # أما معنى قوله: "أو يخير أحدهما الآخر"؛ أي: يقول له: اختر إمضاء البيع، ~~فإذا اختار، أوجب البيع؛ أي: لزم وانبرم، فإن خير آحدهما الآخر، فسكت، لم ~~ينقطع خيار الساكت، وفي انقضاء خيار القائل وجهان لأصحاب الشافعي: أصحهما: ~~الانقطاع؛ لظاهر لفظ الحديث. # وفي الحديث دليل لثبوت خيار المجلس لكل واحد من المتبايعين بعد انعقاد ~~البيع حتى يتفرقا من ذلك المجلس بأبدانهما، وبه قال جماهير العلماء من ~~الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الفقهاء والمحدثين وغيرهم. وبه قال ~~البخاري، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وابن حبيب من المالكية، ونفاه مالك، ~~وأبو حنيفة، وبه قال ربيعة، وحكي عن النخعي، وهي رواية عن الثوري، ~~والأحاديث الصحيحة ترد عليهم، وليس لهم عنها جواب صحيح، والله أعلم. # والذين نفوه اختلفوا في وجه العذر عن الحديث على أقوال: # أحدها: أنه حديث ms0725 خالفه راويه، ولم يقل به، فاقتضى ضعف الحديث عنده. # قلنا: لأن مخالفته له إما أن تكون عن علم بصحته من غير معارض، وهو يقتضي ~~القدح في الراوى، أو عن غير علم بصحة الحديث مع المعارض، وذلك يقتضي رجحان ~~نفي الحكم، أو مع العلم بالصحة ووجود المعارض، فحينئذ تقع PageV02P1082 # الترجيحات والرجوع إلى أصول الأدلة، ولا يلزم من ذلك القدح في الراوي ولا ~~تقليده، إلا أنه لا يترك العمل بالحديث الصحيح لمجرد التوهم والاحتمال، مع ~~أن المحدثين وغيرهم قالوا: إن مخالفة الراوي لروايته أو متابعتها بالعمل ~~بها لا يدلان على صحة الحديث عنده، ولا ضعفه، ولا يلزم من بطلان مأخذ معنى ~~بطلان الحكم في نفس الأمر، وهذا كله إذا ثبت أن حديث ثبوت خيار المجلس لم ~~يرو إلا من جهة مالك - رحمه الله -، أما إذا ثبت أنه روي من جهة أخرى، فإنه ~~لا يحتاج إلى اعتذار، ولا سماعه، بل يجب المصير إليه، خصوصا عند عدالة ~~النقلة وثبوتها، والله أعلم. # الثاني من العذر عن الحديث: # أنه خبر واحد فيما تعم به البلوى، وهو غير مقبول. # قلنا: لأن البياعات تتكرر من غير إحصاء، فالبلوى بمعرفة حكمه تعم، وبكون ~~حكمه معلوما عند الكافة، فانفراد الواحد به على خلاف العادة، فيرد. # والجواب: كما أن ثبوت الخيار في البيع تعم به البلوى، فكذلك البيع تعم به ~~البلوى. # والحديث دل على إثبات خيار الفسخ، وليس الفسخ مما تعم به البلوى في ~~البياعات؛ فإن الظاهر الرغبة من كل واحد من المتعاقدين بإقدامه على البيع ~~فيما صار إليه، فالحاجة إلى الفسخ غير عامة. # والمعتمد في الرواية على رواية الراوي، وجزمه بها، وقد وجد، وعدم نقل ~~غيره لا يصح معارضا لجواز عدم سماعه للحكم؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يبلغ الأحكام للآحاد والجماعة، فلا يلزم تبليغ الحكم لجميع ~~المكلفين؛ لتعذر سماعهم، فجاز عروض العذر لغير هذا الراوي، وإنما يكون ~~الخفاء على أهل النقل في الأحكام الجزئية، وهذا منها. # أما الأمور الكلية: فالعادة تقتضي عدم إخفائها؛ لتوفر الدواعي على ms0726 ~~الاطلاع عليها. PageV02P1083 # الثالث من العذر: أنه حديث مخالف للقياس الجلي، والأصول القياسية المقطوع ~~بها إذا وجدت تمنع العمل به. # قلنا: لأن مخالفة الأصول القياسية إنما تكون بما ثبت الحكم في أصله قطعا، ~~ويكون الفرع في معنى النصوص، والمخالفة لا تكون إلا فيما علم عراؤه عن ~~مصلحة تصلح أن تكون مقصودة بشرع الحكم، وهاهنا كذلك؛ فإن منع الغير عن ~~إبطال حق الغير ثابت بعد التفرق قطعا، وما قبل التفرق في معناه، ولم يتفرقا ~~إلا فيما يقطع بتعريه عن المصلحة، والقاطع مقدم على المظنون لا محالة، وخبر ~~الواحد مظنون. # والجواب: عدم افتراق الفرع من الأصل إلا فيما يعتبر من المصالح، فإن ~~البيع يقع بغتة من غير ترو، وقد يحصل الندم بعد الشروع فيه، فإثبات خيار ~~المجلس لكل واحد من المتعاقدين مناسب؛ دفعا لضرر الندم؛ فيما لعله يتكرر ~~وقوعه، ولم يكن إثباته مطلقا فيما بعد التفرق وقبله؛ فإنه رفع بحكمه العقد، ~~فجعل التفرق حزيما لاتباع هذه المصلحة، وهو معنى معتبر لا يستوي فيه ما قبل ~~التفرق وبعده، ولا ينظر إلى القياس المخالف للأصول، ويرد؛ فإن الأصول تثبت ~~بالنصوص، وهي ثابتة في الفروع المعينة، وغاية ما فيه أن يكون الفرع آخر ~~الجزئيات من الكليات لمصلحة خصها، أو تعبدا، فيجب اتباعه. # الرابع من العذر عن الحديث: # بمعارضة إجماع أهل المدينة على مخالفته قولا وعملا، فيقدم عليه العمل. # قال مالك - رحمه الله - عقب روايته: وليس لهذا عندنا فقه معلوم، ولا أمر ~~معمول به فيه، وقد اختص أهل المدينة بالسكنى في محل مهبط الوحي، ووفاة ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرهم، ومعرفتهم بالناسخ والمنسوخ، ~~فمخالفتهم لبعض الأخبار يقتضي علمهم بما يوجب ترك العمل به من ناسخ، أو ~~تأويل راجح، ولا تهمة تلحقهم، فتعين اتباعهم، وكان ذلك أرجح من خبر الواحد ~~المخالف لعلمهم. PageV02P1084 # والجواب عن ذلك: أنه ليس في لفظ مالك - رحمه الله - ما يقتضي التصريح بأن ~~المسألة في ترك العمل به إجماع من أهل المدينة، والإجماع متردد بين إجماع ~~سابق أو لاحق، والسابق باطل بقول ابن ms0727 عمر - رضي الله عنهما -، وهو رأس ~~المفتين في وقته بالمدينة بثبوت خيار المجلس، واللاحق مردود؛ فإن ابن أبي ~~ذؤيب - رحمه الله - من أقران مالك ومعاصريه، وقد أغلظ على مالك لما بلغه ~~مخالفة هذا الحديث، فامتنع إجماع أهل المدينة على ترك العمل بخبر الواحد، ~~مع أن إجماعهم ليس مانعا من العمل بخبر الواحد؛ لأن الدليل العاصم للأمة من ~~الخطأ في الاجتهاد لا يتناول بعضهم، ولا مستند للعصمة سواه، فلا يكون ~~إجماعهم حجة فيما طريقه النظر والاجتهاد، وكيف يمكن أن يقال: بأن من كان في ~~المدينة من الصحابة -رضوان الله عليهم- يقبل خلافه ما دام مقيما بها، فإذا ~~خرج عنها، لم يقبل خلافه؟! فإن هذا محال؛ فإن قبول خلافه باعتبار صفات ~~قائمة به حيث حل، فيفرض المسألة فيما اختلف فيه أهل المدينة مع بعض من خرج ~~عنها من الصحابة بعد استقرار الوحي وموت الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ~~فكل ما قيل من ترجيح أقوال علماء المدينة، وما اجتمع لهم من الأوصاف، قد ~~كان حاصلا لهذا الصحابي، ولم يزل عنه بخروجه، وقد خرج من المدينة أفضل أهل ~~زمانه في ذلك الوقت بالإجماع من أهل السنة، وهو علي بن أبي طالب - رضي الله ~~عنه -، وقال أقوالا بالعراق، وكيف يمكن أن تهدر إذا خالفها أهل المدينة، ~~وهو كان رأسهم؟! وكذلك ابن مسعود، ومحله من العلم معروف، وغيرهما، قد خرجوا ~~وقالوا أقوالا، على أن بعض الناس يقول: إن المسائل المختلف فيها خارج ~~المدينة مختلف فيها بالمدينة، وادعى العموم في ذلك. # الخامس من العذر عن الحديث: # أنه ورد في بعض طرقه: "ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله"، وذلك يدل ~~على عدم ثبوت خيار المجلس؛ لأنه لولا أن العقد لازم، لما احتاج إلى ~~الاستقالة، ولا طلب الفرار منها. PageV02P1085 # والجواب: أن المراد من الاستقالة: فسخ البيع بحكم الخيار، وغاية ما في ~~الباب: استعمال المجاز في لفظ الاستقالة، وجاز المصير إليه إذا دل الدليل ~~عليه؛ من حيث إنه علقه على التفرق، فإذا حملناه على خيار الفسخ، صح تعليقه ~~على ms0728 التفرق؛ لأن الخيار يتفرع بالتفريق، وإذا حملناه على الاستقالة، وهي لا ~~تتوقف على التفرق، فلا اختصاص لها بالمحل، ومن حيث إنا إذا حملناه على خيار ~~الفسخ، فالتفرق مبطل له قهرا، فيناسب المنع من التفرق المبطل للخيار على ~~صاحبه، أما إذا حملناه على الإقالة الحقيقية، فمعلوم أنه لا يحرم على الرجل ~~أن يفارق صاحبه خوف الإقالة. # السادس من العذر عن الحديث: # تأويله يحمل المتبايعين على المتساومين؛ لمصير حالهما إلى البيع، وحمل ~~الخيار على خيار القبول. # والجواب: أن تسمية المتبايعين بالمتساومين لمصير حالهما إلى البيع مجاز، ~~واعترض عليه بأن تسميتهما متبايعين بعد الفراغ من البيع مجاز أيضا، فلم ~~قلتم: إن الحمل على هذا المجاز أولى؟. # وأجيب عنه: بأنه إذا صدر البيع، فقد وجدت الحقيقة، فصار هذا المجاز أقرب ~~إليها من مجاز لم يوجد حقيقته أصلا عند إطلاقه، وهو المتساومان. # السابع من العذر عن الحديث: # حمل التفرق بالأقوال، وقد عهد ذلك شرعا في النكاح في قوله تعالى: {وإن ~~يتفرقا يغن الله كلا من سعته} [النساء: 130]. # وأجيب عنه: بأنه خلاف الظاهر؛ فإن السابق إلى الفهم التفرق عن المكان، و ~~-أيضا- فقد ورد في رواية قد ذكرها المصنف وغيره: "ما لم يتفرقا عن ~~مكانهما"، وذلك صريح في المقصود، وربما اعترض على الأول: بأن حقيقة التفرق ~~لا تختص بالمكان، بل هي عائدة الى ما كان الاجتماع فيه، وإذا كان PageV02P1086 # الاجتماع في الأقوال، كان التفرق فيها، وإن كان في غيرها، كان التفرق عنه ~~بأن حمله على غير المكان بقرينة، فتكون مجازا. # الثامن من العذر عن الحديث: # ما ذكره بعضهم من استحالة العمل بظاهره؛ لأنه أثبت الخيار لكل واحد من ~~المتبايعين على صاحبه، فلا يخلو إما أن يتفقا على الاختيار، أو يختلفا، فإن ~~اتفقا: لم يثبت لواحد منهما على صاحبه خيار، وإن اختلفا؛ بأن اختار أحدهما ~~الفسخ، والآخر الإمضاء: فقد استحال أن يثبت لكل واحد منهما على صاحبه ~~الخيار؛ إذ الجمع بين الفسخ والإمضاء مستحيل، فيلزم تأويل الحديث، ولا ~~يحتاج إليه، ويكفينا صدكم عن الاستدلال بالظاهر. # والجواب عنه: بأن ms0729 النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يثبت مطلق الخيار، بل ~~أثبت الخيار، وسكت عما فيه الخيار، فنحن نحمله على خيار الفسخ، فيثبت لكل ~~واحد منهما خيار الفسخ على صاحبه، وإن أبى صاحبه ذلك. # التاسع من العذر عن الحديث: # بأنه منسوخ، وذلك بطريقين: إما بأن إجماع أهل المدينة على خلافه، وهو ~~يقتضي النسخ، وإما بحديث اختلاف المتبايعين؛ حيث إنه يقتضي الحاجة إلى ~~اليمين، وذلك يقتضي لزوم العقد؛ فإنه لو ثبت الخيار، لكان كافيا في رفع ~~العقد عند الاختلاف، وكل ضعيف جدا. # وتقدم الكلام على ضعف القول بأن إجماع أهل المدينة حجة، واحتمال حجيته لا ~~ينسخ غيره، كيف والإجماع المجمع على القول بحجيته لا ينسخ ولا ينسخ، وإنما ~~يدل على وجود ناسخ؟! وأما مجرد المخالفة، فلا يلزم منه الفسخ؛ لجواز دليل ~~آخر متقدم راجح في الظاهر عند تعارض الأدلة عندهم. # وأما حديث اختلاف المتبايعين، فالاستدلال به ضعيف جدا؛ لأنه مطلق بالنسبة ~~إلى زمن التفرق وزمن المحل، فيحمل على ما بعد التفرق، ولا حاجة إلى النسخ، ~~والنسخ لا يصار إليه إلا عند الضرورة. PageV02P1087 # العاشر من العذر عن الحديث: # حمل الخيار على خيار الشراء، وخيار إلحاق الزيادة بالثمن أو المثمن، وإذا ~~تردد، لم يتعين حمله على ما ذكرتموه. # والجواب: بأن حمله على خيار الفسخ معهود استعماله في زمن الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم -؛ كما في حديث حيان بن منقذ؛ فإن المراد به خيار الفسخ، ~~فيحمل الخيار في هذا الحديث عليه؛ لأنه لما كان معهودا في زمن الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم -، كان أظهر في الإرادة، وتمتنع إرادة كل واحد من الخيارين ~~المذكورين؛ فإن خيار الشراء أعم في ثبوته ممن صدر منه العقد منهما، وبعد ~~صدور العقد منهما لا يكون لهما خيار الشراء، فضلا من أن يكون لهما ذلك إلى ~~أوان التفرق، وخيار إلحاق الزيادة بالثمن أو المثمن، فلا يمكن الحمل عليه؛ ~~لأنه إن لم يكن لهما، فإنه يكون لهما إلى أوان التفرق، وإن كان، فيبقى بعد ~~التفرق عن المحل، فكيفما كان لا يكون هذا ms0730 الخيار لهما ثابتا معينا إلى غاية ~~التفرق، وهو خيار الفسخ به؟! ثم الدليل على أن المراد من الخيار هذا ومن ~~المتبايعين ما ذكر: أن مالكا -رحمه الله تعالى- نسب إلى مخالفة الحديث، ~~وذلك لا يصح إلا إذا حمل الخيار والمتبايعان والافتراق على ما ذكر، وضعف ~~ذلك بأن نسبة مالك ليست من كل الأمة ولا أكثرهم. # أما الأول: فمسلم. # وأما الثاني: فممنوع، فإن القائلين بثبوت خيار المجلس أكثر علماء الأمة ~~أهل الفتوى، والله أعلم. # وفيه دليل: على أن خيار المجلس ينقطع بالتخاير منهما، أو من أحدهما. # وفيه دليل: على أنهما إذا تبايعا بشرط الخيار، ووقع التبايع عليه: أن ~~البيع لازم من غير خيار مجلس، هذا ظاهر لفظ هذا الحديث؛ حيث عقب التخيير ~~بالتبايع، وجعله أمرا موجبا للبيع، ولا معنى لوجوبه إلا عدم ثبوت خيار ~~المجلس، فكان البيع لا بد فيه من ثبوت خيار، إما بأصل الشرع وبالاشتراط من PageV02P1088 # المتبايعين، أو أحدهما، لكن الفقهاء فسروا انقطاع خيار المجلس بالتخاير، ~~إما لإمضاء البيع، أو فسخه، ولم يذكروا أنه إذا شرط أنه يكون مسقطا لخيار ~~المجلس، بل قالوا: خيار المجلس ثابت بأصل الشرع، لا يسقطه شيء، حتى قالوا: ~~لو تبايعا، وشرطا عدم الخيار مطلقا، أن فيه ثلاثة أوجه للشافعي: # أحدها: عدم صحة البيع، وهو الأصح عندهم. # والثاني: صحة البيع، وثبوت الشرط؛ حيث إن ثبوته من جهة الشرع. # والثالث: صحة البيع، وينتفي الشرط؛ حيث إن ثبوت الخيار إنما هو لحق ~~المتبايعين، فإذا أسقطاه، سقط، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن حكيم بن حزام -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو قال: حتى يتفرقا، فإن صدقا وبينا، ~~بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا، محقت بركة بيعهما" (¬1). # أما حكيم: فهو -بفتح الحاء المهملة وكسر الكاف-، ويشتبه بحكيم -بضم الحاء ~~المهملة وفتح الكاف-. # وأما حزام: فهو -بكسر الحاء المهملة، وبالزاي المفتوحة-، ويشتبه بحرام ~~-بفتح الحاء المهملة وبالراء-، والله أعلم. # وهو حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد ms0731 العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن ~~كعب بن لؤي بن غالب، كنيته: أبو خالد، أسلم عام الفتح، وشهد بدرا مشركا، ~~وكان إذا اجتهد في يمينه يقول: والذي نجاني أن أكون قتيلا يوم بدر (¬2)! ~~وروي عنه أنه قال: ولدت قبل قدوم أصحاب الفيل بثلاث عشرة سنة، وأنا أعقل PageV02P1089 # حين أراد عبد المطلب أن يذبح ابنه عبد الله حين وقع نذره، وذلك قبل مولد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخمس سنين (¬1). # وولد حكيم في جوف الكعبة، ولا يعرف من ولد فيها غيره، وروي أن علي بن أبي ~~طالب - رضي الله عنه - ولد فيها، وهو ضعيف لا يصح، وممن نص على ضعفه الحافظ ~~أبو الفرج بن الجوزي في "مثير الغرام الساكن" (¬2). وعاش مئة وعشرين سنة: ~~ستين في الجاهلية، وستين في الإسلام، والمراد بالإسلام: من حين ظهر النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ظهورا فاشيا، واشتهرت دعوته إلى الإسلام دعاء ظاهرا، ~~وبالجاهلية ما قبل ذلك، ولم يرد من حين أسلم حكيم؛ لأنه مات بالمدينة سنة ~~أربع وخمسين، فلو أراد من حين أسلم، لكان عاش في الإسلام ستا وأربعين سنة، ~~لا ستين، ولو أراد من حين مبعثه - صلى الله عليه وسلم -، لكان سبعا وستين ~~سنة، ولو أراد من الهجرة، لكان أربعا وخمسين سنة، فتعين ما ذكرناه، والله أعلم. # روي له عن رسول - صلى الله عليه وسلم - أربعون حديثا، اتفق البخاري ومسلم ~~على أربعة منها، وروى عنه سعيد بن المسيب، وجماعة من التابعين، وروى عنه ~~أصحاب السنن والمساند (¬3). # وتقدم في الحديث قبله الكلام على ثبوت خيار المجلس وما يتعلق به. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما"؛ ~~أي: بين كل واحد منهما لصاحبه ما يحتاج إلى بيانه، من عيب ونحوه في السلعة ~~والثمن، وصدق في ذلك، وفي الإخبار بالثمن وما يتعلق بالعوضين، فالصدق يهدي ~~إلى البر، والبر يهدي إلى PageV02P1090 # الجنة، ومعنى "بورك لهما في بيعهما"؛ أي: حصل النماء والزيادة. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وإن كتما وكذبا، محقت بركة ms0732 بيعهما"؛ أي: ~~ذهبت بركته، وهي الزيادة والنماء، وقد روي مرفوعا: "التاجر الصدوق مع ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين" (¬1)، وقد تكلم العلماء على حقيقة ~~الصدق وأقله ودرجاته، فحقيقته: السعي عن مطالعة النفس بحيث لا يحصل لها ~~إعجاب بالعمل، وأقله ما قاله القشيري -رحمه الله تعالى-: استواء السر ~~والعلانية (¬2)، وقال سهل التستري - رحمه الله -. لا يشم رائحة الصدق، عبد ~~داهن نفسه أو غيره (¬3)، ودرجاته غير منحصرة. # وبعد ذلك كله: فالصادق مسؤول عن صدقه، قال الله تعالى: {ليسأل الصادقين ~~عن صدقهم} [الأحزاب: 8]. # وفي الحديث دليل: على ثبوت خيار المجلس. # وفيه دليل: على وجوب الصدق في البيوع؛ بذكر مقدار أصل الثمن في الإخبار، ~~وما في الثمن أو السلعة من عيب وغيره. # وفيه دليل: على تحريم الكذب في ذلك. # وفيه: الحث على تعاطي الصدق، وعلى منع تعاطي الكذب. # وفيه: أن الصدق سبب البركة، والكذب سبب لمحقها. # وفيه دليل: على ذكر الصدق، وإن ضر ظاهرا، وعلى ترك الكذب، وإن زاد ظاهرا؛ ~~فإنه يضر باطنا وظاهرا، والله أعلم. # * * * PageV02P1091 ### || AUTO باب ما نهي عنه من البيوع ### ||| AUTO الحديث الأول # عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: إن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - نهى عن المنابذة، وهي طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى رجل -قبل أن يقلبه ~~أو ينظر إليه-، ونهى عن الملامسة، والملامسة: لمس الثوب لا ينظر إليه" (¬1). # تقدم الكلام على أبي سعيد الخدري ونسبته. # أما المنابذة: فقد فسرها في الحديث: بعدم تقليبه ورؤيته، وفيه تأويلات ~~ثلاثة أخر: # أحدها: أن يجعل نفس النبذ بيعا، وهو تأويل الشافعي - رحمه الله -. # والثاني: أن تقول: بعتك، فإذا نبذته إليك، انقطع الخيار، ولزم البيع. # والثالث: المراد به نبذ الحصاة، فيجعل ما وقعت عليه مبيعا، أو غاية ~~للمساحة ما وقعت عليه من الأرض المبيعة، أو تعليق مدة الخيار المشروط على ~~نبذها، والله أعلم. # والملامسة: قد فسرها في الحديث بلمس الثوب لا ينظر إليه، وفيه أوجه أخر: PageV02P1092 # أحدها: جعل نفس اللمس بيعا، بأن تقول: إذا لمست ثوبي، فهو بيع منك بكذا ~~وكذا، وهو باطل للتعلق ms0733 في الصيغة، وعدوله عن الصيغة الموضوعة للبيع شرعا، ~~وقد قيل: إن هذا من صور المعاطاة. # والثاني: أن يبيعه على أنه إذا لمس الثوب، فقد وجب البيع، وانقطع الخيار، ~~وهو فاسد أيضا بالشرط الفاسد. # والثالث: هو تفسير الشافعي - رحمه الله -: بأن يأتي بثوب مطوي، أو في ~~ظلمة، فيلمسه الراغب، فيقول صاحبه: بعتكه بكذا بشرط أن يقوم لمسك مقام ~~نظرك، ولا خيار لك إذا رأيته، وهذا فاسد إن أبطلنا بيع الغائب، وكذا إن ~~صححناه؛ لإقامة اللمس مقام النظر، وقيل: يتخرج على شرط الخيار، وهذان ~~البيعان فاسدان على جميع التأويلات. # واللفظ الذي ذكره المصنف في الكتاب يقتضي أن يكون الفساد من جهة عدم ~~النظر والتقليب، فإن كان هذا التفسير من جهة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~فهو مرفوع حجة يتعين المصير إليه دون غيره، وكذا إن كان من الصحابي يقتضي ~~أن يكون راجحا على غيره من تفسير التابعي وغيره، وحينئذ يستدل به من يمنع ~~بيع الأعيان الغائبة عملا بالعلة، ومن يشترط الصفة في بيع الأعيان الغائبة، ~~لا يكون الحديث دليلا عليه؛ لأنه لم يذكر فيه وصفا، ثم في كل موضع مما ~~ذكرناه يحتاج إلى الفرق بين المعاطاة وبين هاتين الصورتين، فإذا علل بعدم ~~الرؤية المشروطة، فالفرق ظاهر، وإذا فسرنا بأمر لا يعود إلى ذلك، احتيج إلى ~~الفرق بينه وبين مسألة المعاطاة، عند من يجيزها، والله أعلم. # * * * PageV02P1093 ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"لا تلقوا الركبان، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضر ~~لباد، ولا تصروا الغنم، ومن ابتاعها، فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن ~~رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعا من تمر" (¬1). وفي لفظ: "وهو بالخيار ~~ثلاثا" (¬2). # أما تلقي الركبان: فهو أن يتلقى طائفة يحملون متاعا، فيشتريه منهم قبل أن ~~يقدموا البلد ويعرفوا الأسعار، وهو من البيوع المنهي عنها للتحريم. # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولا يبع بعضكم على بيع بعض"؛ فهو ~~مفسر عند الشافعية بأن ms0734 تقول لمن اشترى شيئا في مدة الخيار: افسخ هذا البيع، ~~وأنا أبيعك مثله بأرخص من ثمنه، أو أجود منه بثمنه، ونحو ذلك، وهو حرام. # وكذا الشراء على شراء أخيه، وهو أن يقول للبائع: افسخ البيع، وأنا اشتريه ~~منك بأكثر من هذا الثمن، ونحو ذلك. # وإنما كان تفسير البيع على بيع أخيه في مدة الخيار دون ما بعده حيث يتصور ~~فسخ البيع يكون الخيار لهما أو لأحدهما، فيكون عقد البيع جائزا، فيكون ~~الفعل حراما. # والعقد صحيح عند من يرى: أن النهي الخارج عن ذات الشيء لا يقتضي فساده، ~~أما إذا كان بعد انقضاء مدة الخيار، فالعقد لازم، والفعل حرام، ولا يصح ~~البيع إجماعا. # وخصص بعض الفقهاء هذا بما إذا لم يكن في البيع غبن فاحش، أما إذا كان ~~المشتري مغبونا غبنا فاحشا، فله أن يعلمه ليفسخ ويبيع منه بأرخص، وفي معناه PageV02P1094 # ما إذا كان البائع مغبونا، فيدعوه إلى الفسخ، فيشتريه منه بأكثر. # ومن الفقهاء من فسر البيع على البيع بالسوم على السوم، وهو: أن يتفق مالك ~~السلعة والراغب فيها على البيع، ولم يعقداه، أو يكون المبيع في العرض عند ~~المشتري بعد تقرير الثمن وقبل العقد، فيقول آخر للبائع: أنا اشتريته. # وكل هذا حرام بعد استقرار الثمن، فلو لم يستقر الثمن، وكانت السلعة تباع ~~فيمن يزيد، فليس بحرام، وبعد الرضا بين المتساومين صريحا، فلو وجد ما يدل ~~على الرضا من غير تصريح، فوجهان، وليس السكوت من دلائل الرضا عند الأكثرين ~~من الشافعية. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تناجشوا"؛ النجش: بفتح النون وسكون ~~الجيم وبالشين المعجمة، وتناجشوا: تفاعلوا النجش، وهو عند الفقهاء: أن يزيد ~~في ثمن السلعة، لا لرغبة فيها، بل ليخدع غيره ويغره؛ ليزيد ويشتريها، وأصل ~~النجش: الاستثارة، ومنه نجشت الصيد أنجشه -بضم الجيم- نجشا: إذا استثرته، ~~وسمي الناجش في السلعة ناجشا؛ لأنه يثير الرغبة فيها، ويرفع ثمنها. # وقال ابن قتيبة: أصل النجش: الختل؛ وهو الخداع، ومنه قيل للصائد: ناجش؛ ~~لأنه يختل الصيد ويحتال له، وكل من استثار شيئا فهو ناجش. # وقال ms0735 الهروي: قال أبو بكر: النجش: المدح والإطراء، وعلى هذا معنى الحديث: ~~لا يمدح أحدكم السلعة ويزيد في ثمنها بلا رغبة، والصحيح الأول (¬1). # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولا يبع حاضر لباد"؛ الحاضر: المقيم ~~بالبلد، والبادي: المقيم بالبادية، وفي معناه القروي: وهو المقيم بالقرى ~~المضافة إلى البلاد. PageV02P1095 # وصورة بيع الحاضر للبادي المنهي عنه: أن يحمل البدوي أو القروي متاعه إلى ~~البلد ليبيعه بسعر يومه، فيأتيه البلدي فيقول: ضعه عندي؛ لأبيعه على ~~التدريج بزيادة سعر، وذلك إضرار بأهل البلد، وحرام إن علم بالنهي. # وتصرف الفقهاء من الشافعية في ذلك، وقيدوا عدم التحريم بشروط: # منها: ألا يكون المتاع المجلوب إلى البلد محتاجا إليه في البلد، ولا يؤثر ~~فيه لقلة ذلك المجلوب. # ومنها: عدم علم البلدي بالنهي. # ومنها: ألا يكون المتاع مما تعم به الحاجة إليه في البلد، دون ما لا ~~يحتاج إليه إلا نادرا. # ومنها: ألا يدعو البدوي البلدي إلى تأخير بيعه عند حاجة أهل البلد، فلو ~~دعا البلدي البدوي، أو كان المجلوب مما بأهل البلد حاجة إليه في ذلك الوقت، ~~أو كان عالما بتحريمه، أو كانت الحاجة إليه غالبة، أو كان المجلوب يؤثر في ~~دفع ضرورة أهل البلد إليه لقلته، كان حراما، وإلا فلا يحرم. # واعلم: أن المعنى في تحريم بيع الحاضر للبادي وسببه: الرفق بأهل البلد، ~~واحتمل فيه غبن البادي، ومنع من تلقيه، نظرا إلى المصلحة العامة للناس، ~~واغتفار عدم مفسدة مصلحة واحد على الجماعة، فلما كان البادي إذا باع بنفسه ~~انتفع ببيعه جميع أهل السوق، واشتروا رخيصا، فانتفع به جميع سكان البلد، ~~قدم الشرع مصلحتهم على مصلحته، ولما كان المتلقي ينتفع هو خاصة دون الناس، ~~حرم عليه التلقي، ومنع منه؛ نظرا لمصلحة الناس عليه، فكل من البادي ~~والمتلقي متفق في الحكمة والمصلحة، والله أعلم. # واعلم: أن أكثر الأحكام تدور بين اعتبار المعنى، واتباع اللفظ، وينبغي أن ~~ينظر في المعنى إلى ظهوره وخفائه، فإن ظهر ظهورا كثيرا، فلا بأس باتباعه، ~~وتخصيص النص به، أو تعميمه على قواعد القياسيين، وإن خفي ولم ms0736 يظهر ظهورا ~~قويا، فاتباع اللفظ أولى. PageV02P1096 # قال شيخنا أبو الفتح بن دقيق العيد القاضي - رحمه الله - (¬1): فأما ما ~~ذكر من اشتراط أن يلتمس البلدي ذلك، فلا يقوى؛ لعدم دلالة اللفظ عليه، وعدم ~~ظهور المعنى فيه؛ فإن الضرر المذكور الذي علل به النهي لا يفترق الحال فيه ~~بين سؤال البلدي وعدمه ظاهرا، وأما اشتراط أن يكون الطعام مما تدعو الحاجة ~~إليه، فمتوسط في الظهور وعدمه؛ لاحتمال أن يراعى مجرد ربح الناس في هذا ~~الحكم على ما أشعر به التعليل من قوله - صلى الله عليه وسلم -: "دعوا الناس ~~يرزق الله بعضهم من بعض" (¬2). وأما اشتراط أن يظهر لذلك المتاع المجلوب ~~سعة في البلد، فكذلك -أيضا- هو متوسط في الظهور؛ لما ذكرناه من احتمال أن ~~يكون المقصود مجرد تفويت الربح والرزق على أهل البلد. # وهذه الشروط منها ما يقوم الدليل الشرعي عليه؛ كشرطنا العلم بالنهي ~~والإشكال فيه، ومنها ما يوجد باستنباط المعنى، فيخرج على قاعدة أصولية، ~~وهي: أن النص إذا استنبط منه معنى يوعد عليه بالتخصيص، هل يصح أو لا؟ يظهر ~~لك هذا باعتبار ما ذكرناه من الشروط، هذا آخر كلامه، والله أعلم. # قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولا تصروا الغنم"؛ الذي عليه أهل التحقيق ~~من الرواية وأهل اللغة والغريب في ضبط "تصروا" أنه بضم التاء وفتح الصاد ~~ونصب لفظة الغنم، مأخوذ من التصرية، وهي الجمع، يقال: صرى يصري تصرية، ~~وصراها يصريها تصرية، فهي مصراة؛ كغشاها يغشيها تغشية فهي مغشاة، وزكاها ~~يزكيها تزكية فهي مزكاة، وروي في غير الصحيح: "تصروا" -بفتح التاء وضم ~~الصاد- من الصرة، ورواه بعضهم "تصر" بضم التاء من غير واو الجمع بعد الراء، ~~وبرفع الغنم، على ما لم يسم؛ فاعله من الصر -أيضا-، وهذا لا يصح رفعه مع ~~اتصال الفاعل، وإنما يصح مع اتصال الفعل، ولا يعلم رواية حذف فيها هذا ~~الضمير. PageV02P1097 # والصواب المشهور في ضبطه هو الأول؛ ومعناه: لا تجمعوا اللبن في ضرعها عند ~~إرادة بيعها حتى يعظم ضرعها، فيظن المشتري أن كثرة لبنها عادة لها مستمرة، ~~ومنه قول العرب: ms0737 صريت الماء [في] الحوض، وصريته -بالتشديد والتخفيف-؛ أي: ~~جمعته، وصرى الماء في ظهره؛ أي: حبسه فلم يتزوج. # وقال الشافعي - رحمه الله -: التصرية: ربط أخلافها اليومين والثلاثة لجمع ~~لبنها؛ ليزيد المشتري في ثمنها بسبب ذلك؛ لظنه أنه عادة لها. # وقال أبو عبيد: هو من صرى اللبن في ضرعها: إذا حبسه، وأصل التصرية: حبس ~~الماء، قال أبو عبيد: ولو كانت من الربط، لكانت مصرورة، أو مصررة. # قال الخطابي: وقول أبي عبيد حسن، وقول الشافعي صحيح، قال: والعرب تصر ~~ضروع المحلوبات، واستدل لصحة قول الشافعي بقول العرب: العبد لا يحسن الكر، ~~إنما يحسن الحلب والصر، وبقول مالك بن نويرة: # فقلت لقومي هذه صدقاتكم ... مصررة أخلافها لم تجرد # قال: واحتمل أن أصل المصراة: مصررة، أبدلت إحدى الراءين ألفا؛ كقوله ~~تعالى: {خاب من دساها} [الشمس: 10]؛ أي. دسسها، كرهوا اجتماع ثلاثة أحرف من ~~جنس، والله أعلم. وإنما كرهوا اجتماع ثلاثة أحرف، وإن كانت في الصورة ~~حرفين؛ لكون الحرف المشدد عندهم بحرفين في اللفظ (¬1). # وهذا الحديث الذي ذكره المصنف في تصرية الغنم خاصة، وفي "الصحيح" ذكر ~~الإبل والغنم، ولا شك أن كلا من الإبل والغنم محل للتصرية، فثبت بهما ~~الخيار، وهل يتعدى ثبوته إلى باقي النعم خاصة، وهي البقر، أو إلى كل حيوان ~~مأكول اللحم؟ PageV02P1098 # فيه وجهان لأصحاب الشافعي: # أحدهما: لا يتعدى؛ جمودا على ما ذكر في الحديث. # والثاني: يتعدى إلى باقي النعم، وإلى كل مأكول اللحم؛ نظرا إلى المعنى؛ ~~فإن مأكول اللحم يقصد لبنه، فيفوت بالتصرية المقصود الذي ظنه المشتري ~~بالخديعة، فثبت له الخيار. # ومن أصحاب الشافعي - رحمه الله - من عداه إلى ما لا يؤكل لحمه؛ كالأتان، ~~وقال: فيه وجهان: # أحدهما: لا يتعدى. # والثاني: يتعدى. # من قال: يتعدى، نظر إلى أنه مقصود لزينة الجحش، فمن اعتبر هذا المعنى، ~~صحح هذا الوجه، ومن قال: لا يتعدى، نظر إلى [أن] لبن الأتان غير مقصود لشرب ~~الآدمي، لكن الأمر المقصود لا يتعين لشرب ولا غيره، بل هو المعنى عام في كل ~~مقصود غير ممنوع شرعا. # وكذلك ذكروا الخلاف في ms0738 لبن الآدميات لو حفلها، وإذا ثبت الخيار في ~~الأتان، فالظاهر أنه لا يرد لأجل لبنها شيئا، وهذا يبين أن الأتان لا يقاس ~~على المنصوص عليه في الحديث، وهو الإبل والغنم؛ إذ شرط القياس اتحاد الحكم، ~~فينبغي أن يكون إثبات الخيار فيها من القياس على قاعدة أخرى، وفي رد شيء ~~لأجل لبن الآدمية خلاف. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من ابتاعها، فهو بخير النظرين بعد أن ~~يحلبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها" هذا الحديث مطلق في الحلبات، ~~لكنها مقيدة في الرواية التي ذكرها في الكتاب بالخيار إلى ثلاثة أيام، سواء ~~حلبها مرة أو مرات، واتفق أصحاب مالك على أنه: إذا حلبها مرة ثانية: أن له ~~الرد إن أراده، واختلفوا في حلبها الثالثة، هل يكون رضي بمنع الرد، أم لا ~~يمنع الرد؟ ورجحوه؛ لإطلاق الحديث، ولأن التصرية لا تتحقق إلا بثلات حلبات؛ ~~لجواز PageV02P1099 # أن يكون نقص الحلبة الثانية لاختلاف المرعى، أو لأمر غير التصرية، فلا ~~يتحقق إلا بعد الحلبة الثالثة، وإذا كانت لفظة "حلبها" مطلقة، فلا دلالة ~~لها على الثانية والثالثة، وإنما يوجد ذلك من حديث آخر. # ولك أن تقول: ثبوت الخيار في ذلك ثلاثة أيام، يدل على إثبات الخيار بعد ~~ثلاث حلبات؛ لأن الغالب أن الحيوان يحلب في كل يوم مرة، فجعل أمد الخيار ~~ثلاثة أيام لأجل تبين التصرية بالحلب ثلاثا في ثلاثة أيام. # وقد تمسك العلماء بقوله: "وإن سخطها ردها" على ثبوت الخيار بعيب التصرية، ~~لكن اختلف أصحاب الشافعي، هل هو على الفور؛ قياسا على خيار الرد بالعيب، ~~ويتأول الحديث على تبين الحلبات في الأيام الثلاثة، أم تمتد إلى ثلاثة ~~أيام؛ لظاهر الحديث، أو نصه في ثبوت الخيار ثلاثة أيام في التصرية؟ ولا شك ~~أن الظاهر أو النص مقدم على القياس، خصوصا إذا خولف القياس في أصل الحكم ~~لأجل النص، فليتبع ذلك في جميع موارده. # فإن قيل: الخيار ثابت بعد الحلب؛ للحديث في قوله: "بعد أن يحلبها"، ~~والخيار ثابت قبله بوجود التصرية قبل الحلب إذا علمت. # والجواب: ثبوت الخيار ms0739 والرد بالتصرية، أو الإمساك باختيار المشتري عدم ~~الرد، وبعدمها لا يتحقق ثبوت ذلك إلا بعد الحلب؛ لتوقف الرد والإمساك عليه، ~~والصاع عوض اللبن الذي من ضرورة، العوض عنه الحلب. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ردها وصاعا من تمر"؛ صريح في جواز الرد، ~~ورد صاعا من تمر معها، ومنع بعض المالكية ذلك؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "الخراج بالضمان" (¬1)؛ لأن الغلة لمن استوفاها بعقد أو شبهة يكون له ~~بضمانه، فاللبن المحلوب إذا فات PageV02P1100 # عليه، فليكن للمشتري، ولا يرد له بدلا، لكن الصواب الرد؛ للحديث؛ إذ هو ~~خاص لمعنى أن اللبن بعض المبيع، وليس من الغلة الحاصلة في يد المشتري، بل ~~كان موجودا عند البائع، وفي حال العقد، ووقع العقد عليه وعلى الشاة جميعا، ~~فهما مبيعان بثمن واحد، وتعذر اللبن؛ لاختلاطه بما حدث في ملك المشتري، ~~فوجب رد عوضه، ثم لو سلم أن اللبن غلة، لكان الخراج بالضمان عاما، والخاص ~~يقضي على العام؛ على ما تقرر في أصول الفقه وغيره، والله أعلم. # ورد الصاع من التمر مع الشاة يقتضي تصريحه ذلك، لكن يلزم منه عدم رد ~~اللبن، سواء كان باقيا أو تالفا، لكن قال أصحاب الشافعي: لو كان اللبن ~~باقيا، وأراد أن يرده على البائع، هل يلزمه قبوله؟ وجهان: # أحدهما: نعم؛ لأنه أقرب إلى مستحقه. # والثاني: لا؛ لأن طراوته ذهبت، فلا يلزمه قبولها، لكن اتباع لفظ الحديث ~~أولى في تعيين الرد فيما نص عليه. # وزاد المالكية على ما قاله الشافعية، فقالوا: لو رضي البائع باللبن، هل ~~يجوز له ذلك؟ فيه قولان، ووجهوا المنع؛ بأنه بيع للطعام قبل قبضه؛ من حيث ~~إنه وجب له الصاع بمقتضى الحديث، فكأنه باعه اللبن قبل قبضه، وهو لا يجوز، ~~ووجهوا الجواز بأنه بدل ليس بيعا، بناء على عادتهم في اتباع المعاني دون ~~اعتبار الألفاظ، ثم جنس التمر في المردود، و [هو] معتبر دون غيره من ~~الأقوات، وهو الصواب؛ للنص عليه، كيف وقد ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "وصاعا من تمر لا سمراء"، وهي الحنطة، ومن ms0740 العلماء من عداه إلى سائر ~~الأقوات، ومنهم من عداه إلى غالب قوت البلد، والحديث راد عليهما، خصوصا إن ~~كانت السمراء غالب قوت أهل المدينة، دال على فساد قولهما، ثم تعيين الصاع ~~مقدرا في رده مطلقا، سواء قل اللبن أو كثر، ولأصحاب الشافعي في ذلك وجهان: # أحدهما: هذا؛ لظاهر الخبر. PageV02P1101 # والثاني: بتعذر تقدر اللبن؛ اتباعا لقياس الغرامات، وهو ضعيف. # واعلم أن السنة إذا ثبتت، لم يعترض عليها بالمعقول، والفرق بين أهل السنة ~~والبدعة: أن أهل السنة إذا سمعوها، علموا أنها حق، وإن قصرت عقولهم عن ~~فهمها، ينسبون القصور عن فهمها إلى عقولهم، ويسعون في الوصول إلى فهمها بكل ~~طريق إلى أن يصلوا إليه، بخلاف أهل البدعة؛ فإنهم: إذا سمعوا سنة تخالف ~~عقولهم، بادروا إلى ردها، والطعن فيها من غير تدبر ولا سعي في فهم شيء مما ~~يخالف عقولهم، والإجماع منعقد على أنه متى وجد نص في حكم من كتاب أو سنة، ~~وجب المصير إليه، ولا تحل معارضته بالقياس، ولا الرجوع إليه إلا عند عدم ~~النص، والله أعلم. # إذا علمت هذا، فاعلم أن الحكمة فيما يقدره الشارع على خلاف ما يظهر لك ~~مخالفته للأصول العقلية رفع النزاع والخصام بين الناس، والمنع من كل ما ~~سبيله ذلك، فلما كانت المصراة يقع بيعها في المواضع التي لا يوجد فيها من ~~يعرف القيمة، ولا من يعتمد قوله فيها، واللبن قد يتلف، وقد يتنازع في قلته ~~وكثرته وفي عينه، فجعل الشارع لهم ضابطا لا نزاع معه، وهو صاع التمر، ونظير ~~ذلك الدية؛ فإنها مئة بعير، ولا تختلف باختلاف حال القتيل في شرفه وعدمه في ~~الدين والدنيا، ومثله الغرة في الجناية على الجنين، سواء كان ذكرا أو أنثى، ~~تام الخلق أو ناقصه، جميلا أو قبيحا، ومنه مسألة الجبران في الزكاة بين ~~السنين، جعله الشارع بشاتين، أو عشرين درهما؛ قطعا للنزاع، سواء كان ~~التفاوت بينهما قليلا أو كثيرا، والله أعلم. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: تحريم تلقي الركبان بشرطين قالهما الفقهاء: # أحدهما: أن يكون المتلقي قاصدا له. # والثاني: ms0741 أن يكون عالما بالتحريم، فلو خرج لشغل، فوجد الركبان مقبلين، ~~فاشترى، ففي تأثيمه للشافعية وجهان: أظهرهما عندهم: التأثيم؛ لعموم النهي، PageV02P1102 # ولو لم يعلم التحريم، لا يكون آثما، لكن ينبغي أن يكون في ذلك تفصيل: فإن ~~كان يمكنه تعلم ذلك؛ بأن كان في بلد فيه العلماء، ولم يتعلم حكم ذلك، كان ~~آثما، وإلا فلا، ثم لو تلقى وباع، هل يكون البيع صحيحا، والفعل حراما، أم ~~يكون البيع فاسدا من أصله؟ # ينبني ذلك على أن النهي يدل على الفساد أم لا. # فمذهب الشافعي في بيع الركبان أنه صحيح، وإن كان الإثم فيه، وعند غيره من ~~العلماء أن النهي للفساد، ومستند الشافعي أن النهي لا يرجع إلى نفس العقد، ~~ولا يخل هذا الفعل بشيء من أركانه وشرائطه، وإنما النهي لأجل الإضرار ~~بالركبان، وذلك لا يقدح في نفس البيع. # واعلم أن النهي الذي يقتضي التحريم في الشرع على ثلاثة أضرب: # أحدها: يقتضي تحريم عين المنهي عنه بنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن ~~الميتة، فذلك يقتضي: تحريم العين، وفساد العقد عليها. # الثاني: يقتضي تحريم وصف في المنهي داخل في ذات المنهي عنه؛ كنهيه - صلى ~~الله عليه وسلم - عن الزنا، فذلك يقتضي: تحريم العقد، وفساده، ولا يقتضي ~~تحريم المعقود عليه، بل يرجع كل واحد من المتعاقدين إلى أصل ماله. # الثالث: يقتضي تحريم وصف في المنهي عنه خارج عن ذات المنهي عنه، إما لأجل ~~البائع، أو المشتري، ونحوهما، وإما لأجل وصف في الآلة المستعملة؛ كالذهب ~~والفضة إذا كانت آنية، والحرير إذا كان ملبوسا لمن لا يجوز له لبسه، فتوضأ ~~من الآنية، أو صلى في الحرير، وكبيع الركبان وما شاكله من العقود. # فهل يقتضي ذلك الصحة في الفعل والعقد، والتحريم بمعنى الإثم أو بمعنى ~~فساد الفعل والعقد؟ اختلف العلماء في ذلك: # فمنهم: من حمل مطلق النهي على الفساد والتحريم. PageV02P1103 # ومنهم: من حمله على التحريم فقط، وقال: يصح الفعل والعقد، ويكون آثما ~~بفعله وعقده. # ومنهم: من فضل، فقال: إن كان الوصف لأجل ذات المنهي عنه؛ كالذهب والفضة ~~والحرير، اقتضى ms0742 التحريم، وفساد الفعل؛ لأن التحريم فيها للسرف والخيلاء، ~~وما فيها من تغير الحكمة في الذهب والفضة عما وضعت له، وهو كونهما نقدا ~~قيما للأشياء، ومن تغير الحكمة في الحرير بجعله للإناث دون ذكورهم؛ حيث إن ~~لبسه للرجال يورث الإتراف والخنوثة والكسل، وذلك جميعه مناف لصفة الرجال، ~~وإن كان الوصف لأمر خارج عن المنهي عنه؛ كبيع الركبان، والبيع وقت النداء، ~~اقتضى التحريم وصحة العقد، والله أعلم. # واعلم: أنه إذا قلنا بصحة بيع الركبان وعدم الإثم؛ حيث لعلها لا عذر ~~للركبان؛ بأن كانوا عالمين بالسعر، فلا خيار لهم، وإن لم يكونوا عالمين، ~~واشترى منهم بأرخص من السعر في البلد، سواء أخبرهم به كاذبا أم لم يخبرهم، ~~فلهم الخيار، وإن اشترى منهم مثل سعر البلد أو أكثر، ففي ثبوت الخيار لهم ~~وجهان في مذهب الشافعي: منهم من نظر إلى انتفاء العذر لهم والضرر، وهو معنى ~~عدم النهي، فلم يثبت الخيار، ومنهم من نظر إلى عموم حديث ورد في ثبوت ~~الخيار، فجرى على ظاهره، ولم يلتفت إلى المعنى، وحيث أثبتا الخيار، فهل ~~يكون على الفور، أم يمتد إلى ثلاثة أيام؟ وجهان للشافعية، أظهرهما: الأول. # ومنها: تحريم البيع على بيع أخيه، وتقدم شرطه ومعناه وما يتعلق بذلك. # ومنها: تحريم النجش، وتقدم اشتقاقه ومعناه. # وأما إثبات الخيار للمشتري الذي غر بالنجش؛ فإن لم يكن عن مواطأة من ~~البائع، فلا خيار عند أصحاب الشافعي، وإن كان عن مواطأة منه، فالفعل حرام ~~من البائع والناجش؛ لما فيه من الخديعة، ويثبت للمشتري الخيار، ومن الفقهاء ~~من قال: إن البيع باطل مطلقا، وقال الشافعي: صحيح. PageV02P1104 # ومنها: تحريم بيع الحاضر للبادي، وتقدم الكلام على تفسيره وما يتعلق به ~~مبسوطا. # ومنها: تحريم التصرية، وتقدم جميع ما يتعلق بها. # واعلم أن أبا حنيفة لم يقل بحديث المصراة، وروي عن مالك قول -أيضا- بعدم ~~القول به، ورأيت جماعة اعتذروا عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - بأنه لم ~~يبلغه حديث المصراة، ومقتضى مباحث الحنفية وكلامهم بلوغ الحديث إياه، حتى ~~إن بعضهم طعن في حديث المصراة، وقال: ms0743 أبو هريرة الذي روى هذا الحديث غير مقبول. # روى السمعاني في "مذيله على تاريخ بغداد" عن أبي المعمر المبارك بن أحمد ~~بن عبد العزيز الأزجي من لفظه، عن الفقيه الإمام أبي القاسم يوسف بن علي ~~الزنجاني -رحمه الله- قال: سمعت شيخنا الإمام أبا إسحاق الشيرازي يقول: ~~سمعت القاضي أبا الطيب طاهر بن عبد الله الطبري -رحمه الله- يقول: كنا في ~~حلقة النظر بجامع المنصور، فجاء شاب خراساني، فسأل عن مسألة المصراة، وطالب ~~بالدليل، فاحتج المستدل بحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - الوارد فيها، ~~فقال الشاب -وكان حنفيا-: أبو هريرة غير مقبول الحديث، قال القاضي: فما ~~استتم كلامه حتى سقطت عليه حية عظيمة من سقف الجامع، فوثب الناس من أجلها، ~~وهرب الشاب من يدها وهي تتبعه، فقيل له: تب، فقال: تبت! فغابت الحية، فلم ~~ير لها أثرا، وهذا إسناد جليل صحيح، رواته كلهم أئمة جلة مبرزون حفاظ علماء ~~متقنون (¬1). # ولا شك أن كلام الحنفية عن إمامهم متناقض في العمل بخبر الواحد، والقياس ~~عند تعارضهما، فرجح بعضهم العمل بالقياس الجلي على خبر الواحد، إذا كان ~~الخبر مخالفا لقياس الأصول المعلومة، فإن ما كان كذلك، لم يلزم PageV02P1105 # العمل به عندهم، ورجح بعضهم العمل بالحديث المرسل، مع أن العلماء اختلفوا ~~في قبوله على القياس، وذلك مناقضة ظاهرة، فلينظر فيها نظر عارف منصف خال من ~~الهوى والتعصب للمذاهب، ووجه ترجيحهم القياس على خبر الواحد في هذه المسألة ~~من وجوه: # أحدها: أن المعلوم من الأصول أن ضمان المتلفات بالمثل، وضمان المتقومات ~~بالقيمة من النقدين، وها هنا إن كان اللبن متلفا، كان ينبغي على ما ذكروه ~~ضمانة بمثله لبنا، وإن كان متقوما، ضمن بمثله من النقدين، وقد وقع هنا ~~مضمونا بالتمر، فهو خارج عن الأصلين جميعا. # الثاني: أن القواعد الكلية تقتضي ضمان المضمون بقدر التلف، والمضمون هنا ~~مختلف مقدر الضمان بمقدار واحد، وهو الصاع مطلقا، فخرج عن القياس الكلي في ~~اختلاف ضمان المتلفات باختلاف قدرها وصفتها. # الثالث: إن كان موجودا عند العقد، فقد ذهب جزء من المعقود عليه من ms0744 أصل ~~الخلقة، وذلك مانع من الرد؛ كما لو أذهب بعض أعضاء المبيع، ثم ظهر على عيب، ~~فإنه يمتنع الرد، وإن كان حادثا بعد الشراء، فقد حدث على ملك المشتري، فلا ~~يضمنه، وإن كان مختلطا، فما كان منه موجودا عند العقد، منع الرد، وما كان ~~حادثا، لم يجز ضمانه. # الرابع: إثبات الخيار ثلاثا من غير شرط مخالف للأصول؛ فإن الخيار الثابت ~~بأصل الشرع من غير شرط لا يتقدر بالثلاث؛ لخيار العيب، وخيار الرؤية عند من ~~يثبته، وخيار المجلس عند من يقول به. # الخامس: يلزم من القول بظاهره الجمع بين الثمن والمثمن للبائع في بعض ~~الصور، وهو ما إذا كانت قيمة الشاة صاعا من تمر، فإنها ترجع إليه مع الصاع ~~الذي هو مقدار ثمنها. # السادس: أنه مخالف لقاعدة الربا في بعض الصور، وهو ما إذا اشترى شاة ~~بصاع، فإذا استرد معها صاعا من تمر، فقد استرجع الصاع الذي هو الثمن، PageV02P1106 # فيكون قد باع شاة وصاعا بصاع، وذلك خلاف قاعدة الربا عندكم، فإنكم تمنعون ~~مثل ذلك. # السابع: إذا كان اللبن باقيا، لم يكلف رده عندكم، فإذا أمسكه، فالحكم كما ~~لو تلف، فيرد الصاع، وفي ذلك ضمان الأعيان مع بقائها، والأعيان لا تضمن ~~بالبدل إلا مع فواتها؛ كالغصوب وسائر الضمونات. # الثامن: قال بعضهم: إذا ثبت الرد من غير عيب ولا شرط، فإن نقصان اللبن لو ~~كان عيبا، لثبت به الرد من غير تصرية، ولا يثبت في الشرع إلا بعيب أو شرط. # وجه آخر من ترجيحهم القياس على خبر الواحد: وهو أن ما كان من أخبار ~~الآحاد مخالفا لقياس الأصول المعلومة، لم يجب العمل به؛ لأن الأصول ~~المعلومة مقطوع بها من الشرع، وخبر الواحد مظنون، والمظنون لا يعارض ~~المعلوم، أجاب القائلون بظاهر الحديث بالطعن في الوجهين جميعا؛ أعني: أنه ~~مخالف للأصول به، وأنه إذا خالف الأصول، لم يجب العمل به: # أما الوجه الأول: وهو أنه مخالف للأصول، فقد فرق بعضهم بين مخالفة الأصول ~~ومخالفة قياس الأصول، وخص الرد بخبر الواحد بالمخالفة في الأصول، لا ~~بمخالفة ms0745 قياس الأصول، وهذا الخبر إنما يخالف قياس الأصول، وسلك آخرون تخريج ~~هذه الاعتراضات، والجواب عنها: # أما الاعتراض الأول: فلا نسلم أن جميع الأصول تقتضي الضمان بأحد الأمرين ~~على ما ذكرتموه؛ فإن الحر يضمن بالإبل، وليست بمثل له ولا قيمة، والجنين ~~يضمن بالغرة، وليست بمثل له ولا قيمة، و -أيضا- فقد يضمن المثل بالقيمة إذا ~~تعذرت المماثلة، وهاهنا تعذرت. # أما الأول: فمن أتلف شاة لبونا، كان عليه قيمتها مع اللبن، ولا يجعل ~~بإزاء لبنها لبنا آخر؛ لتعذر المماثلة، وتعذرها؛ لأن ما يرده من اللبن عوضا ~~عن التالف لا تتحقق مماثلته له في المقدار؛ لجواز أن يكون حال رده وعند ~~العقد أكثر من اللبن الموجود أو أقل. PageV02P1107 # وأما الاعتراض الثاني: فقيل في جوابه: إن بعض الأصول لا تتقدر بما ~~ذكرتموه؛ كالموضحة، فإن أرشها مقدر مع اختلافها بالكبر والصغر، والجنين ~~مقدر، فأرشه لا يختص بالذكورة والأنوثة، واختلاف الصفات، والحر ديته مقدرة، ~~وإن اختلفت بالصغر والكبر وسائر الصفات، والحكمة فيه إن ما يقع التشاجر فيه ~~والتنازع بقصد قطع النزاع فيه بتقدير شيء معين، وتقدم هذه المصلحة في مثل ~~هذا المكان على تلك القاعدة، وتقدم معنى ذلك. # وأما الاعتراض الثالث: فجوابه أن يقال: متى يمتنع الرد بالنقص إذا كان ~~لاستعلام العيب، وإذا لم يكن، والأول ممنوع، والثاني مسلم، وهذا النقص ~~لاستعلام العيب، فلا يمتنع الرد. # وأما الاعتراض الرابع: فإنما يكون الشيء مخالفا لغيره إذا كان مماثلا له، ~~وخولف في حكمه، وهذه الصورة هاهنا مندفعة عن غيرها؛ بأن الغالب أن هذه ~~المدة هي التي تبين بها أن اللبن المجتمع بأصل الخلقة جبلة، واللبن المجتمع ~~بالتدليس، فهي مدة يتوقف علم الغيب عليها غالبا، بخلاف خيار الرؤية والعيب؛ ~~فإنه يحصل المقصود من غير هذه المدة فيهما، وخيار المجلس ليس للاستعلام. # وأما الاعتراض الخامس: فقيل فيه: إن الخبر وارد على العادة، والعادة ألا ~~تباع شاة بصاع، وفيه ضعف، وقيل: إن صاع التمر بدل عن اللبن، لا عن الشاة، ~~فلا يلزم الجمع بين العوض والمعوض. # وأما الاعتراض السادس: فقيل في الجواب ms0746 عنه: إن الربا إنما يعتبر في ~~العقود، لا في هذا الفسوخ؛ بدليل أنهما لو تبايعا ذهبا بفضة، لم يجز أن ~~يفترقا قبل القبض، ولو تقابلا في هذا العقد، جاز أن يفترقا قبل القبض. # وأما الاعتراض السابع: فقيل في جوابه: إن اللبن الذي كان في الضرع حال ~~العقد يتعذر رده؛ لاختلاطه باللبن الحادث بعد العقد، وأحدهما للبائع، ~~والآخر للمشتري، وتعذر الرد لا يمنع من الضمان مع بقاء العين، كما لو غصب ~~عبدا PageV02P1108 # فأبق، فإنه يضمن قيمته مع بقاء عينه؛ لتعذر الرد. # وأما الاعتراض الثامن: فقيل فيه: إن الخيار يثبت بالتدليس، كما لو باع ~~رحا دائرة بماء قد جمعه لها، ولم يعلم به المشتري. # الوجه الثاني: في تقديم قياس الأصول لا تقديم الأصول على خبر الواحد، وهو ~~أن خبر الواحد بنفسه يجب اعتباره؛ لأن الذي أوجب اعتبار الأصول نص صاحب ~~الشرع عليها، وهو موجود في خبر الواحد، فيجب اعتباره. # أما تقديم القياس على الأصول باعتبار القطع، وكون خبر الواحد مظنونا ~~يتناول الأصل لمحل خبر الواحد غير المقطوع به؛ لجواز استثناء محل الخبر عن ~~ذلك الأصل. # قال شيخنا أبو الفتح بن دقيق العيد الإمام -رحمه الله تعالى-: وعندي أن ~~التمسك بهذا الكلام أقوى من التمسك بالاعتذارات عن الأول، ومن الناس من سلك ~~طريقة أخرى في الاعتذار عن الحديث، وهي ادعاء النسخ، وأنه يجوز أن يكون ذلك ~~حيث كانت العقوبة بالمال جائزة، وهو ضعيف؛ فإنه إثبات نسخ بالاحتمال ~~والتقدير، وهو غير سائغ، ومنهم من قال: يحمل الحديث على ما إذا اشترى شاة ~~بشرط أنها تحلب خمسة أرطال مثلا، وشرطا الخيار، فالشرط فاسد، فإن اتفقا على ~~إسقاطه في مدة الخيار، صح العقد، وإن لم يتفقا، بطل. # وأما فلأنه كان قيمة اللبن في ذلك الوقت: وأجيب عنه: بأن الحديث يقتضي ~~تعليق الحكم بالتصرية، وأما ما ذكر يقتضي تعليقه بفساد الشرط، سواء وجدت ~~التصرية أم لا (¬1). # ومنها: ثبوت الخيار للمشتري بالتصرية. # ومنها: أن ثبوت الرد بها لا يكون إلا بعد حلبها إن اختاره المشتري. # ومنها: أن البدل ms0747 عن لبن المصراة مقدر من الشرع بصاع تمر، سواء كان اللبن PageV02P1109 # قليلا أو كثيرا، وسواء كانت المصراة ناقة أو شاة أو بقرة، وهو قول ~~الشافعي، وبه قال مالك، والليث، وابن أبي ليلى، وأبو يوسف، وأبو ثور، ~~وفقهاء المحدثين، وهو الصحيح الموافق للسنة، وقد تقدم الكلام على ذلك، ومن ~~خالف فيه. # ومنها: أن الخيار في الرد بالتصرية يمتد إلى ثلاثة أيام، وتقدم الكلام ~~على ذلك وتأويله، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- نهى عن بيع حبل الحبلة؛ وكان جميعا يبتاعه أهل الجاهلية؛ كان الرجل يبتاع ~~الجزور الى أن تنتج الناقة، ثم تنتج التي في بطنها" (¬1). # قيل: إنه كان يبيع الشارف، وهي الكبيرة المسنة بنتاج الجنين الذي في بطن ناقته. # أما حبل الحبلة؛ فهو بفتح الحاء والباء في الحبل والحبلة، ونقل القاضي ~~عياض -رحمه الله- أن بعضهم روى قوله: "حبل" بإسكان الباء، قال: وهو غلط، ~~والصواب الفتح، قال أهل اللغة: الحبلة هنا: جمع حابل؛ كظالم وظلمة، وفاجر ~~وفجرة، وكاتب وكتبة، قال الأخفش: يقال: حبلت المرأة فهي حابل، والجمع نسوة ~~حبلة، وقال ابن الأنباري: الهاء في الحبلة للمبالغة، ووافقه بعضهم، واتفق ~~أهل اللغة على أن الحبل مختص بالآدميات، ويقال في غيرهن: الحمل، يقال: حملت ~~المرأة ولدا، وحبلت بولد، وحملت الشاة سخلة، ولا يقال: حبلت، قال أبو ~~عبيدة: لا يقال لشيء من الحيوان حبل إلا ما جاء في هذا الحديث (¬2). PageV02P1110 # واختلف العلماء في المراد بالنهي عن بيع حبل الحبلة: فقال جماعة: هو ~~البيع بثمن مؤجل إلى أن يلد الناقة وتلد ولدها، وهذا التفسير نقله مسلم في ~~"صحيحه" في هذا الحديث عن ابن عمر - رضي الله عنهما -، وبه قال مالك، ~~والشافعي، ومن تابعهم، وقال آخرون: هو بيع ولد ولد الناقة الحابل في الحال، ~~وهذا تفسير أبي عبيدة معمر بن المثنى، وصاحبه أبي عبيد القاسم بن سلام، ~~وآخرين من أهل اللغة، وبه قال أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، هذا أقرب ~~إلى اللغة، ms0748 لكن تفسير الراوي مقدم عند الشافعي ومحققي الأصوليين إذا لم ~~يخالف الظاهر؛ لأن الراوي هو ابن عمر، وقد فسره بالتفسير الأول، وهو أعرف، ~~والبيع باطل على تفسير المصنف وغيره من التفاسير، أما تفسير المصنف، وهو ~~تفسير ابن عمر، فلأنه بيع إلى أجل مجهول. # وأما الثاني: فهو بيع نتاج النتاج، وهو معدوم ومجهول، وغير مملوك للبائع؛ ~~وغير مقدور على تسليمه، وهذا البيع كانت الجاهلية تتبايعه، فأبطله الشارع؛ ~~للمفسدة المتعلقة به، وللعلل التي ذكرناها، وكان السر فيه أنه يفضي إلى أكل ~~المال بالباطل، والتشاجر، أو التنازع المنافي للمصلحة الكلية، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمشتري (¬1). PageV02P1111 # أما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "حتى يبدو صلاحها"؛ فمعنى يبدو: يظهر ~~-بفتح الواو غير مهموز، وليس بعد الواو ألف-، ووجدت الألف في كثير من كتب ~~المحدثين وغيرهم، وهو خطأ، والصواب حذفها في مثل هذا الموضع للناصب، وهو ~~"حتى"، ويقع مثله في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "حتى يزهو" (¬1)، ~~واختلفوا في إثبات الألف فيها إذا لم يكن ناصب، مثل: زيد يبدو ويزهو. ~~والمختار حذفها أيضا (¬2)، وقد ثبت تفسير بدو الصلاح بأن تحمر أو تصفر. # وقوله: "نهى البائع والمشتري"؛ تأكيد لبيان المنع، وهو أنه ليس المراعى ~~في المنهي حق الآدمي، وهو المشتري مثلا؛ بحيث إذا سقط حقه، جاز ما نهى عنه؛ ~~لأن الحق له، وقد أسقطه، بل حق الشرع في المنهي عنه، سواء أسقطه صاحبه أم ~~لا؛ بحيث لا يرتكب النهي، ألا ترى أن المنع في بيع الثمار قبل بدو صلاحها ~~إنما هو في المعنى لأجل مصلحة المشتري؛ حيث إن الثمار قبل الصلاح معرضة ~~للعاهات، فإذا حصل عليها شيء منها، أجحف بالمشتري في الثمن الذي بذله، ~~ولهذا ورد في بعض الأحاديث الصحيحة: "بم يأكل أحدكم مال أخيه؟! "، وسيأتي ~~في الحديث بعده عن أنس - رضي الله عنه -، فلذلك وقع المنع منه للبائع ~~والمشتري؛ لأجل منع ms0749 الشرع، وكأنه لقطع النزاع والتخاصم، والله أعلم. # أما النهي في الحديث، فأكثر الأمة على أنه للتحريم، ولو باع الثمرة قبل ~~بدو صلاحها بشرط القطع، صح بالإجماع، قال الفقهاء من الشافعية: ولو شرط ~~القطع، ثم لم يقطع، فالبيع صحيح، ويلزمه للبائع بالقطع، فإن تراضيا على ~~إبقائه، جاز، وإن باعها بشرط التبقية، فالبيع باطل بالإجماع؛ لأنه ربما ~~تلفت الثمرة قبل إدراكها، فيكون البائع قد أكل مال أخيه بالباطل، فإذا شرط ~~القطع، فقد انتفى هذا الضرر. PageV02P1112 # واختلف العلماء في بيعها مطلقا من غير شرط قطع ولا إبقاء: فمذهب مالك، ~~والشافعي، وجمهور العلماء: المنع منه؛ استدلالا بعموم هذا الحديث وإطلاقه؛ ~~فإنه إذا خرج عن العموم بيعها بشرط القطع، دخل باقي الصور التي من جملتها ~~الإطلاق، ولأن العادة إذا بيعت الثمرة بعد بدو الصلاح الإبقاء، فصارت ~~العادة كالمشروط، فجاز بيعها حينئذ مطلقا، وبشرط القطع، وبشرط التبقية. وما ~~بعد الغاية يخالف ما قبلها إذا لم يكن من جنسها، والغالب السلامة في بيعها ~~بعد بدو صلاحها؛ بخلاف ما قبله، ثم إذا بيعت بعد بدو صلاحها بشرط التبقية، ~~أو مطلقا، لزم البيع بتبقيتها إلى أوان الجداد، وحيث هو العادة من غير ~~منازعة ولا خصام، وبه قال مالك، والشافعي -رحمه الله تعالى-، وقال أبو ~~حنيفة -رحمهم الله تعالى-: يجب بشرط القطع، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الخامس # عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى ~~عن بيع الثمار حتى تزهي، قيل: وما تزهي؟ قال: "تحمر"، قال:: "أرأيت إذا منع ~~الله الثمرة، بم يستحل أحدكم مال أخيه؟! " (¬1). # أما قوله: "حتى تزهي" فقد أنكر بعض أهل اللغة ذلك، وقال: لا يقال أزهت ~~الثمرة تزهي، وهذه الرواية ترد عليه، وورد في "صحيح مسلم": "حتى تزهو" من: ~~زهت تزهو، وأنكرها بعضهم، وقال: لا يقال: زهت تزهو، وإذا يقال زهت تزهي، ~~والصواب جوازه؛ لما ثبت في "صحيح مسلم"، فيكون حينئذ فيها لغتان: زهت ~~وأزهت، قال ابن الأعرابي: يقال: زها النخل يزهو: إذا ظهرت ثمرته، وأزهى ~~يزهي: إذا احمر ms0750 أو اصفر، وقال الأصمعي: لا يقال في PageV02P1113 # النخل: أزهى، إنما يقال: زهى، وقال الخليل: أزهى النخل: بدا صلاحه، ~~وحكاهما أبو زيد لغتين، وقال الخطابي: يروى: حتى يزهو، والصواب في العربية: ~~حتى تزهي، والإزهاء في الثمر أن يحمر أو يصفر، وذلك علامة الصلاح فيها، ~~ودليل صلاحها من الآفة، وقال الجوهري: الزهو بفتح الزاي، وأهل الحجاز ~~يقولون بضمها، وهو البسر الملون، يقال: إذا ظهرت الحمرة أو الصفرة في ~~النخل، فقد ظهر فيه الزهو، وقد زها النخل زهوا، وأزهى لغة، فالزيادة من ~~الثقة مقبولة في الرواية والنقل، ومن نقل شيئا لم يعرفه غيره، قبلناه إذا ~~كان ثقة (¬1). # ولا شك أن الإزهاء يغير لون الثمرة إلى حال الطيب، والعلة في منع بيع ~~الثمار قبل الازهاء يعرضها للجوائح، وقد أشار إلى ذلك في هذا الحديث بقوله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "أرأيت إذا منع الله الثمرة، بم يستحل أحدكم مال ~~أخيه؟! ". # وفي هذا الحديث دليل: على منع بيع الثمرة قبل الإزهاء، وقد تقدم الكلام ~~عليه مفصلا في الحديث قبله. # وفيه دليل: على أنه يكتفى بمسمى الإزهاء وابتدائه من غير اشتراط مكاملة؛ ~~لأنه جعل مسمى الإزهاء غاية للنهي، وبأوله يحصل المسمى. # وفيه دليل: على أن زهو بعض الثمرة كاف في جواز البيع من حيث ينطلق عليها ~~أنها أزهت بإزهاء بعضها مع حصول المعنى، وهو الأمن من العاهة غالبا، ولولا ~~وجود المعنى، كان تسميتها مزهية بإزهاء بعضها قد لا يكتفى به؛ لكونه مجازا. # وفيه دليل: على أن مال الغير لا يحل ولا يستحل إلا بالوجوه الشرعية لا ~~بالحلية، ولا ببعض شروط الحل دون بعض. PageV02P1114 # وفيه دليل: على وضع الجوائح بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أرأيت ان منع ~~الله الثمرة" إلى آخره، وهو ثابت في حديث آخر. # وفيه دليل: على السؤال على معنى اللفظ الغريب، والجواب عنه بتفسيره وعلته ~~وحكمته، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث السادس # عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: نهى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أن تتلقى الركبان، وأن يبيع حاضر لباد، قال: فقلت ms0751 لابن عباس: ~~ما قوله: حاضر لباد؟ قال: لا يكون له سمسارا" (¬1). # السمسار: الدلال، وأصله القيم بالأمر الحافظ له، ثم استعمل في متولي ~~البيوع والشراء لغيره، ويقال لجماعة السمسار: السماسرة، وسماهم النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - التجار، والسمسرة: البيع والشراء، وتقدم الكلام على تحريم ~~تلقي الركبان، وبيع الحاضر للبادي، وما يتعلق به في هذا الباب. # وفي هذا الحديث دليل: على تحريم تعاطي أسباب الشيء المنهي عنه؛ لأن ~~الدلال لما كان سببا لتعاطي هذا البيع المحرم، حرم عليه الكلام فيه، ~~والدخول فيه، وكما يحرم عليه السمسرة فيه، كذلك يحرم عليه أن يكون وكيلا في ~~بيعه تبعا لسمسرة الحاضر له. # وفيه: السؤال عما يجهله الإنسان. # وفيه دليل: على الجواب عنه بمقتضى ما يعلمه المجيب، والله أعلم. # * * * PageV02P1115 ### ||| AUTO الحديث السابع # عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عن المزابنة: أن يبيع ثمرة حائطه إن كان نخلا بتمر كيلا، وإن كان ~~كرما أن يبيعه بزبيب كيلا، أو كان زرعا أن يبيعه بكيل طعام، نهى عن ذلك كله (¬1). # أما المزابنة، فقد فسرها في الحديث، وهذا البيع على ما ذكر أصله، من ~~الزبن، وهو الدفع، وحقيقته: بيع معلوم بمجهول من جنسه، وكان كل واحد من ~~المتبايعين يزبن صاحبه عن حقه بما يزداد منه، فوقع النهي؛ لما يقع فيه من ~~الغبن والجهالة، وذكر في الحديث أمثلة للمزابنة من بيع الرطب بالتمر، ومن ~~بيع العنب بالزبيب، ومن بيع الزرع بمكيال طعام. # وفي الحديث دليل: على تحريم ذلك، وقد اتفق العلماء على تحريم بيع الرطب ~~بالتمر في غير العرايا، على ما سيأتي في الباب بعده، واتفقوا على أنه ربا، ~~وأجمعوا على تحريم بيع العنب بالزبيب، وأجمعوا -أيضا- على تحريم بيع الحنطة ~~في سنبلها بحنطة صافية، وهي المحاقلة، مأخوذ من الحقل: وهو الحرث، وموضع ~~الزرع، وسواء عند جمهورهم كان الرطب والعنب على الشجر، أو مقطوعا، وقال أبو ~~حنيفة: إن كان مقطوعا، جاز بيعه بمثله من اليابس، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثامن # عن جابر بن ms0752 عبد الله -رضي الله عنهما- قال: نهى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - عن المخابرة والمحاقلة، وعن المزابنة، وعن بيع الثمرة حتى يبدو ~~صلاحها، وألا يباع إلا بالدينار والدرهم إلا العرايا" (¬2). PageV02P1116 # المحاقلة: بيع الحنطة في سنبلها بحنطة. # تقدم الكلام على بيع المحاقلة والمزابنة والثمرة قبل بدو صلاحها. # وأما المخابرة، فهي والمزارعة متقاربتان في المعنى، وهما المعاملة على ~~الأرض ببعض ما يخرج منها من الزرع؛ كالثلث والربع، وغير ذلك من الأجزاء ~~المعلومة، لكن في المزارعة يكون البذر من مالك الأرض، وفي المخابرة يكون ~~البذر من العامل، هكذا قاله جمهور الشافعية، وهو ظاهر نص الشافعي -رحمه ~~الله-، وقال بعض الشافعية وجماعة من أهل اللغة وغيرهم: هما بمعنى، ~~والمخابرة مشتقة من الخبير، وهو الأكار؛ أي: الفلاح، وهذا قول الجمهور، ~~وقيل: مشتقة من الخبار: وهي الأرض اللينة، وقيل: من الخبرة، وهي النصيب، ~~وهي بضم الخاء، قال الجوهري: قال أبو عبيد: هي النصيب من سمك أو لحم، يقال: ~~تخبروا خبرة: إذا اشتروا شاة فذبحوها واقتسموا لحمها، وقال ابن الأعرابي: ~~مأخوذ من خيبر؛ لأن أول هذه كان فيها، والله أعلم (1). # أما حكم المخابرة: وهي كراء الأرض بجزء مما يخرج منها؛ كالثلث والربع، ~~فقد اختلف العلماء فيه، وفي كراء الأرض مطلقا، فقال الشافعي، وأبو حنيفة، ~~وكثيرون: تجوز إجارتها بالذهب والفضة، وبالطعام والثياب، وسائر الأشياء، ~~سواء كان بجنس ما يزرع فيها، أم من غيره، ولكن لا تجوز إجارتها بجزء مما ~~يخرج منها؛ كالثلث والربع، ولا يجوز أن يشترط له زرع قطعة معينة، وقال ~~ربيعة: يجوز بالذهب والفضة فقط، وقال مالك: يجوز بالذهب والفضة وغيرهما، ~~إلا الطعام، وقال أحمد، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وجماعة من المالكية، ~~وآخرون: تجوز إجارتها بالذهب والفضة، وتجوز المزارعة بالثلث والربع ~~وغيرهما، وبهذا قال ابن شريح، وابن خزيمة، والخطابي، وغيرهم من محققي ~~الشافعية، وهو الراجح المختار عند جماعة من المتأخرين، وقال PageV02P1117 # طاوس، والحسن البصري: لا يجوز بكل حال، سواء كراها بطعام أو ذهب أو فضة، ~~أو بجزء من زرعها؛ لإطلاق النهي عن كراء الأرض، إلا أن ms0753 يمنحها أخاه، واعتمد ~~الشافعي ومن وافقه صريح رواية رافع بن خديج، وثابت بن الضحاك، وسيأتي في ~~جواز الإجارة بالذهب والفضة ونحوهما، وتأولوا حديث النهي تأويلين: # أحدهما: حمله على الإجارة بها على الماذيانات والجداول، أو على الإجارة ~~بزرع قطعة معينة، أو بالثلث والربع ونحو ذلك كما فسره الرواة في الأحاديث. # والثاني: حمله على كراهة التنزيه والإرشاد إلى عمارتها؛ كالنهي عن بيع ~~الهر، فإنه محمول على التنزيه؛ حيث إن العادة أن الناس يتواهبونه، والله ~~أعلم، وهذان لا بد منهما؛ جمعا بين الأحاديث؛ فإنه أولى من إلغاء بعضها، ~~وليس ثم دليل على نسخ بعضها، فتعين المصير إلى التأويل، لكن التأويل الثاني ~~نقل معناه عن ابن عباس - رضي الله عنهما -، وأشار إليه البخاري وغيره، ~~والله أعلم. # وفي الحديث دليل: على منع المخابرة والمحاقلة والمزابنة. # وعلى منع بيع الثمرة قبل بدو صلاحها. # وعلى منع بيعها بجنسها يابسا، إلا في الرطب والعنب. # وعلى جواز بيعها بعد بدو صلاحها بالذهب والفضة مطلقا، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث التاسع # عن أبي مسعود الأنصاري -رضي الله عنه-: أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - نهى عن ثمن الكلب، وعن مهر البغي، وحلوان الكاهن (¬1). # تقدم الكلام على أبي مسعود واسمه ونسبته ونسبه وما يتعلق به. PageV02P1118 # أما نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن ثمن الكلب: فمقتضاه تحريم بيعه، ~~والعموم في كل كلب، سواء المعلم وغيره، وسواء ما يجوز اقتناؤه وغيره، وهو ~~صريح في أنه لا يحل ثمنه، ويلزم من ذلك أنه لا قيمة على متلفه، وقد ورد في ~~بعض الأحاديث النهي عن ثمن الكلب: "إلا كلب صيد" (¬1)، وفي رواية: "إلا ~~كلبا ضاريا" (¬2)، وأن عثمان - رضي الله عنه -: غرم إنسانا ثمن كلب قتله ~~عشرين بعيرا (¬3)، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما -: أن ~~التغريم فيما أتلفه، وكلها ضعيفة باتفاق أئمة الحديث، والعلة في منع ثمنه ~~عند الشافعي نجاسته مطلقا، وهي قائمة في المعلم وغيره، ومن يرى طهارته ~~اختلف قوله في المعلم منه، وعلة المنع غير عامة عنده. # وأما نهيه - صلى ms0754 الله عليه وسلم - مهر البغي: فهو ما تعاطاه على الزنا، ~~وسمي مهرا على سبيل المجاز، إما مجاز التشبيه صورة، وإما المجاز اللغوي إن ~~كان وضعه فيها ذلك، وإلا كان للتشبيه إن لم يكن في الموضع ما يقابل به ~~النكاح، والإجماع قائم في تحريم ذلك؛ لما فيه من مقابلة الزنا بالعوض. # وأما "حلوان الكاهن"؛ فهو ما يعطاه على كهانته، وهو حرام؛ لما فيه من أخذ ~~العوض على أمر باطل، وفي معنى ذلك ما يمنع منه الشرع من الرجم بالغيب. # والحلوان: مصدر حلوته حلوانا: إذا أعطيته، قال الهروي وغيره: أصله من ~~الحلاوة، شبه بالشيء الحلو؛ من حيث إنه يأخذه سهلا بلا كلفة، ولا في مقابلة ~~مشقة، يقال: حلوته: إذا أطعمته؛ كما يقال: عسلته: إذا أطعمته العسل، قال ~~أبو عبيد: ويطلق الحلوان -أيضا- على غير هذا، وهو أن يأخذ الرجل مهر ابنته PageV02P1119 # لنفسه، وذلك عيب عند النساء، قالت امرأة تمدح زوجها: # لا يأخذ الحلوان عن بناتنا. # ونقل البغوي، والقاضي عياض إجماع المسلمين على تحريم حلوان الكاهن؛ لأنه ~~عوض عن محرم، ولأنه أكل مال بالباطل، وكذلك أجمعوا على تحريم أجرة المغنية ~~للغناء، والنائحة للنوح، وما ثبت في "صحيح مسلم" من النهي عن كسب الإماء، ~~فالمراد به كسبهن بالزنا وشبهه، لا بالغزل والخياطة ونحوهما، قال الخطابي: ~~قال ابن الأعرابي: ويقال لحلوان الكاهن: الشنع والصهميم (¬1). # قال الخطابي: وحلوان العراف أيضا حرام، قال: والفرق بين الكاهن والعراف: ~~أن الكاهن إنما يتعاطى الأخبار عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة ~~الأسرار، والعراف: هو الذي يدعي معرفة الشيء المسروق، ومكان الضالة، ~~ونحوهما من الأمور، هذا آخر كلامه في كتاب البيوع من "معالم السنن". # ثم ذكره في آخر الكتاب أبسط من هذا، فقال: الكاهن: هو الذي يدعي مطالعة ~~علم الغيب، ويخبر الناس عن الكوائن، قال: وكان في العرب كهنة يدعون أنهم ~~يعرفون كثيرا من الأمور، فمنهم من كان يزعم أنه له رئيا من الجن، وتابعه ~~يلقي إليه الأخبار، ومنهم من كان يدعي أنه يستدرك الأمور بفهمه الذي أعطيه، ~~وكان منهم من ms0755 يسمى عرافا، وهو الذي يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب ~~يستدل بها على مواقعها؛ كالشيء يسرق، فيعرف المظنون به السرقة، ويتهم ~~المرأة بالزنية؛ فيعرف من صاحبها، ونحو ذلك من الأمور، ومنهم من كان يسمي ~~المنجم: كاهنا، قال: وحديث النهي عن إتيان الكهان يشتمل على PageV02P1120 # النهي عن هؤلاء كلهم، وعلى النهي عن تصديقهم والرجوع إلى قولهم، ومنهم من ~~كان يدعو الطبيب: كاهنا، وربما سموه: عرافا، فهذا غير داخل بالنهي، هذا آخر ~~كلام الخطابي -رحمه الله تعالى- (¬1). # قلت: وكما أن الطب والطبيب لا يسمى كهانة ولا عرافا، ولا يدخل في النهي، ~~فكذلك أولياء الله تعالى الذين جعل لهم نورا وفراسة بطريق شرعية ظاهرة ~~وباطنة، يخبرون بها أهلها غير مريدين بها الشهرة والكثرة والظهور والرفعة، ~~قاصدين التحدث بنعم الله تعالى، أو حجة أو حاجة شرعية، لا يسمى هذا كهانة، ~~ولا يسمى صاحبه عرافا، ولا يدخل في النهي. # وليحذر كل الحذر من إلباس الكاهن والعراف بالولي، والشيطان بالملك، ~~والصادق بالكاذب، ويعرف صاحب الحق من الباطل في ذلك بقرائن متابعة الكتاب ~~والسنة في ظاهره وباطنه، وظهور محبته على قلوب خلق الله تعالى من أهل العلم ~~والمعرفة، دون أهل الضلالة والفسق والحسدة، ومن استبرأ لدينه وعرضه في جميع ~~ما ذكرنا، عرف ذلك، والله يعلم المفسد من المصلح، والمحق من المبطل، ~~والموضح من الملبس، وهو سبحانه أعلم بكل شيء، ولا يعلم الغيب أحد إلا الله، ~~ومن علمه من خلقه، فبإعلام الله -سبحانه وتعالى-. # قال الإمام أبو الحسن الماوردي من الشافعية، في كتابه "الأحكام ~~السلطانية" (¬2): ويمنع المحتسب من يكسب بالكهانة واللهو، ويؤدب عليه الآخذ ~~والمعطي، والله أعلم. PageV02P1121 # وفي الحديث دليل: على تحريم ثمن الكلب، وهو قول جمهور العلماء، وبه قال ~~أبو هريرة، والحسن البصري، وربيعة، والأوزاعي، والحكم، وحماد، والشافعي، ~~وأحمد، وداود، وابن المنذر، وغيرهم، وقال أبو حنيفة: يصح بيع الكلاب التي ~~فيها منفعة، وتجب القيمة على متلفها، وحكى ابن المنذر عن جابر، وعطاء، ~~والنخعي: جواز بيع كلب الصيد دون غيره، وعن مالك روايات: # أحدها: لا يجوز بيعه، لكن تجب ms0756 القيمة على متلفه. # والثاني: يصح بيعه، وتجب القيمة. # والثالث: لا يصح، ولا تجب القيمة على متلفه. # دليل الجمهور: هذا الحديث وغيره، وتقدم ما يتعلق به غير ذلك. # وفيه دليل: على تحريم مهر البغي، وتقدم ذكر الإجماع عليه. # وفيه دليل: على تحريم حلوان الكاهن، وما في معناه على ما أوضحناه، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث العاشر # عن رافع بن خديج -رضي الله عنه-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث، وكسب الحجام خبيث" (¬1). # أما رافع بن خديج؛ فكنيته أبو عبد الله، ويقال: أبو رافع بن خديج -بفتح ~~الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة، وسكون الياء المثناة تحت ثم الجيم-، ~~ويشتبه بحديج، -بضم الحاء المهملة وبفتح الدال المهملة- في الأسماء وأسماء PageV02P1122 # الآباء، واسم جد رافع بن خديج هذا: رافع بن عدي بن تزيد -بالتاء المثناة ~~فوق وكسر الزاي- بن جشم بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن ~~الأوس، الأنصاري، الحارثي، شهد أحدا والخندق، روي له عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ثمانية وسبعون حديثا، اتفق البخاري ومسلم على خمسة ~~أحاديث، وانفرد مسلم بثلاثة، روى عنه: عبد الله بن عمر، والسائب بن يزيد من ~~الصحابة، وغيرهم من التابعين، مات بالمدينة سنة أربع وسبعين، وهو ابن ست ~~وثمانين سنة، وروى له أصحاب السنن والمساند (¬1). # وأما الخبيث؛ فهو الردي من كل شيء، والمراد به في هذا الحديث: الحرام. # وتقدم الكلام على ثمن الكلب، ومهر البغي في الحديث قبله، فهذا الحديث ~~يقتضي تعميم تحريم ثمن الكلب في كل كلب، وإطلاقه فيه، وقد يقتضي تخصيصه في ~~بعض ما أطلق عليه أنه خبيث بدليل أو قرينة؛ ككسب الحجام؛ فإنه عند جمهور ~~العلماء محمول على كراهة التنزيه في حق الحر والعبد، وقالوا: لا يحرم كسب ~~الحجام، ولا يحرم أكله مطلقا، وبذلك قال أحمد بن حنبل في المشهور عنه، وقال ~~في رواية عنه -وبها قال فقهاء المحدثين-: يحرم على الحر دون العبد؛ احتجاجا ~~بحديث ابن عباس - رضي الله عنهما - في "الصحيحين": أن ms0757 النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - احتجم، وأعطى الحجام أجره (¬2)، قال ابن عباس -رضي الله عنه-: ~~ولو كان حراما، لم يعطه (¬3)، فإذا ثبت أن لقظة الخبيث ظاهرة PageV02P1123 # في الحرام، كان خروجها في كسب الحجام عن الظاهر بدليل، لا يلزم منه ~~خروجها في غيره بغير دليل، وحمل العلماء الأحاديث الواردة فيه على منع ~~التنزيه، والارتفاع عن دنيء الاكتساب، والحث على مكارم الأخلاق ومعالي ~~الأمور، ولو كان حراما، لم يفرق فيه بين الحر والعبد؛ فإنه لا يجوز للرجل ~~أن يطعم عبده ما لا يحل، والله أعلم. # وأما الكلب، فلو قيل بثبوت حديث يدل على جواز بيع كلب الصيد دون غيره، ~~لكان دليلا على طهارته، وليس يدل النهي عن بيعه على نجاسته؛ لأن علة المنع ~~من البيع متعددة لا تنحصر في النجاسة، بخلاف غيره من الكلاب، والله أعلم. # وفي الحديث دليل: على تحريم ثمن الكلب، وعلى تحريم مهر البغي. # وفيه دليل: على الامتناع من كل كسب الحخام على ما بين وفصل، لكن إذا وصف ~~بالخبيث، وحمل على كراهة التنزيه في العبد، أو مطلقا، يكون من باب عطف ~~المكروه على المحرم، وهو سائغ في القرآن والسنة، والله أعلم بالصواب. # * * * PageV02P1124 ### || AUTO باب العرايا وغير ذلك # العرايا: جمع عرية؛ سميت بذلك؛ لأنها عريت من حكم باقي البستان، قال ~~الأزهري: هي فعيلة بمعنى فاعلة، وقال الهروي: هي فعيلة بمعنى مفعولة، من ~~عراه يعروه: إذا أتاه وتردد إليه؛ لأن صاحبها يتردد إليها، وقيل: سميت ~~عرية؛ لتخلي صاحبها الأول عنها من بين سائر نخله. والعرية -بتشديد الياء- ~~كمطية ومطايا، وضحية وضحايا، مشتقة من التعري، وهو التجرد، والله أعلم (¬1). # * * * ### ||| AUTO الحديث الأول # عن زيد بن ثابت -رضي الله عنه-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رخص ~~لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها (¬2). ولمسلم: بخرصها تمرا يأكلونها رطبا (¬3). # تقدم الكلام على زيد بن ثابت في كتاب: الصلاة. # وأما العرية، فاختلف العلماء في تفسيرها، فقال الشافعي -رحمه الله-: هي PageV02P1125 # بيع الرطب على رؤوس النخل بقدر كيله من التمر خرصا، فيما دون خمسة أوسق، ~~وبهذا ms0758 قال أحمد وآخرون، وقال مالك -رحمه الله-: هي أن يعري الرجل؛ أي: يهب ~~ثمرة نخلة أو نخلات، ثم يتضرر بمداخلة الموهوب له، فيشتريها منه بخرصها ~~تمرا، فلا يجوز ذلك لغير رب البستان. # ويشهد لتأويل مالك شهرة تفسيرها بما قاله بين أهل المدينة وتداوله بينهم ~~بذلك، وقد نقله مالك عنهم، وإن قوله في الحديث: "رخص لصاحب العرية" يشعر ~~باختصاصه بصفة يتميز بها عن غيره، وهي الهبة الواقعة، وقد أنشدوا في تفسير ~~العرايا بالهبة: # ليست بسنهاء ولا رجبية ... ولكن عرايا في السنين الجوائح (¬1) # وتأولها أبو حنيفة على غير هذا، وظواهر الأحاديث ترده. # وقد تقدم في البيوع المنهي عنها تحريم بيع المزابنة، وتفسيرها، وأن ~~العرايا مستثناة من بيع المزابنة رخصة لحكمة حاجة الناس إلى ذلك، ولما كان ~~التمر والزبيب مضبوطين بالكيل، والرطب والعنب بالخرص، فربين إلى الضبط وعدم ~~الخطأ في مقداره غالبا، ورخص فيه لضرورة الناس إليه، وصورته: أن يخرص ~~الخارص ما على النخلة أو النخلات من الرطب إذا يبس، فيقول: هذا الرطب الذي ~~عليها إذا يبس يجني منه ثلاثة أوسق من التمر مثلا، ويبيعه صاحبه لإنسان ~~بثلاثة أوسق تمر، ويتقابضان في المجلس، فيسلم المشتري التمر، ويسلم بائع ~~الرطب بالتخلية. # وفي هذا الحديث دليل: على وقوع الرخصة في المزابنة في الرطب والعنب ~~بالتمر والزبيب، وأنه لا يتعدى إلى غيرهما من الثمار، وللشافعي -رحمه الله ~~تعالى- قول: إن الرخصة تتعدى إلى غيرهما، حيث إن العلة فيهما الحاجة، وهي ~~موجودة في غيرهما، لكن الأصل عدم الجواز شرعا، ووقت PageV02P1126 # الرخصة في نوع خاص، فيبقى فيما عداه على الأصل، وهو عدم الجواز، والله أعلم. # وفيه دليل: على أن الرخصة عامة لجميع الناس؛ الأغنياء والفقراء؛ حيث أطلق ~~الرخصة من غير تقييد بأحد، وهو الصحيح عند الشافعية، ولهم وجه أو قول: أنها ~~تختص بالفقراء؛ لحديث ورد عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه -: أن رجالا من ~~الأنصار محتاجين شكوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الفاقة، ولا ~~نقد في أيديهم يتبايعون به رطبا يأكلونه مع الناس، وعندهم فضول قوتهم ms0759 من ~~التمر، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر (¬1). # وفيه دليل: على جواز بيع الرطب على النخيل بالرطب على النخيل خرصا فيها، ~~أو بالرطب على وجه الأرض كيلا؛ حيث قال في الرواية الأولى: "رخص لصاحب ~~العرية أن يبيعها بخرصها"؛ فإنه مطلق فيما ذكرنا، لكن رواية مسلم بعدها ~~مقيدة بجواز خرصها تمرا يأكلونه رطبا، فدل على أنه لا يجوز بيع العرية ~~بالرطب على الشجر ولا على الأرض، وفي المسألة ثلاثة أوجه لأصحاب الشافعي: # أحدها: لا يجوز بيع الرطب على الشجر بالرطب على الشجر ولا على الأرض، وهو ~~الأصح؛ لأن الرخصة وردت للحاجة إلى تحصيل الرطب، وهذه الحاجة مفقودة في حق ~~صاحب الرطب. # والثاني: يجوز؛ نظرا إلى عموم الحاجة إلى أنواع الرطب كأصله. # والثالث: إن اختلف النوعان، جاز، وإلا فلا، ولو باع الرطب على وجه الأرض ~~بالرطب على وجه الأرض، لم يجز، وجها واحدا؛ لأن أحد المعاني في الرخصة كل ~~الرطب على التدريج طريا، وذلك لا يحصل بما على وجه الأرض. # وفيه دليل: على نظر الإمام للمحاويج وغيرهم، والفكر في مصالحهم، وما ~~يحتاجون إليه من أمور دنياهم على وجه الشرع، والله أعلم. PageV02P1127 ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رخص في بيع العرايا في خمسة أوسق، أو دون ~~خمسة أوسق (¬1). # في حديث أبي هريرة هذا بيان مقدار ما تجوز فيه الرخصة في العرية من بيع ~~المزابنة، ولا شك في جوازه فيما دون خمسة أوسق بلا خلاف عند الشافعية، من ~~غير اختلاف عندهم في نص الشافعي عليه، ولم يختلفوا في عدم الجواز فيما زاد ~~على خمسة أوسق، وفي جوازه في الخمسة أوسق قولان للشافعي، أصحهما: لا يجوز؛ ~~لأن الأصل في ذلك التحريم، وجاءت العرايا رخصة، وشك الراوي في الخمسة ~~الأوسق أو دونها، فوجب الأخذ باليقين، وهو دونها، وبقي ما زاد على التحريم ~~والاعتبار فيما يجوز من قدر الرخصة في العرية إذا كان العقد عليه في ms0760 صفقة ~~واحدة، فالزائد عليه في الصفقة لم يجز، والناقص عنه جائز، فلو كانت أكثر من ~~خمسة أوسق في صفقات متعددة، فلا منع منه بلا خلاف، فلو باع في صفقة واحدة ~~من رجلين القدر الجائز لكل واحد منهما، جاز، ولو باع رجلان من واحد، فكذلك ~~الحكم في أصح الوجهين؛ لأن الصفقة تعددها بتعدد البائع أظهر من تعددها ~~بتعدد المشتري. # وفيه وجه آخر: أنه لا تجوز الزيادة على خمسة أوسق في هذه الصورة؛ نظرا ~~إلى الربويات، فلا ينبغي أن يدخل في ملكه فوق القدر المجوز دفعة واحدة، ~~والظاهر من الحديث أنه محمول على صفقة واحدة من غير تعدد بائع ومشتر؛ جريا ~~على العادة والغالب. # * * * PageV02P1128 ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: "من باع نخلا قد أبرت، فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع" (¬1). # ولمسلم: "ومن ابتاع عبدا، فماله للذي باعه، إلا أن يشترط المبتاع" (¬2). # أما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من باع نخلا قد أبرت"؛ فمعنى أبرت؛ ~~شققت، والتأبير: التلقيح، وهو تشقيق الكمام عنه، ويقال له: الإبار، سواء ~~تشقق بحط ذكر شيء من ذكر طلع النخل فيها، أم بنفسها، لكن يسمى وضع الذكر ~~فيها: تلقيحا. # قال أهل اللغة: أبرت النخل -بتخفيف الباء الموحدة المفتوحة- آبره -بمد ~~الهمزة وضم الباء- أبرا، كأكلته آكله أكلا، وأبرته -بالتشديد- أؤبره ~~تأبيرا، كعلمته أعلمه تعليما (¬3). # واعلم أنه لا يلقح جميع النخل، بل يؤبر البعض، ويتشقق الباقي بانبثاث ريح ~~الفحول إليه الذي يحصل به تشقيق الطلع. # إذا باع الشجر بعد التأبير، فالثمر للبائع في صورة الإطلاق، وقيل: تبقى ~~الثمرة له مطلقا، سواء أبرت أم لا، أما إذا شرط البائع أو المشتري، فالشرط متبع. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ومن ابتاع عبدا، فماله للذي باعه الا أن ~~يشترط المبتاع": هكذا روى البخاري ومسلم هذه الزيادة التي أضافها المصنف ~~إلى مسلم خاصة، لكن روايتها لها من رواية سالم عن أبيه ابن عمر، ولم تقع ~~هذه الزيادة في حديث PageV02P1129 # نافع عن ابن عمر، ms0761 ولا يضر ذلك؛ لأن سالما ثقة، وهو أجل من نافع، فزيادته ~~مقبولة، وقد أشار النسائي والدارقطني إلى ترجيح رواية نافع، وهي إشارة ~~مردودة، فحينئذ المصنف معذور؛ من حيث إنه روى الحديث عن عبد الله بن عمر - ~~رضي الله عنهما -، والزيادة عنه -أيضا-، والذي خرجاه في "صحيحيهما" ~~روايتهما له عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، فجعلاها من مسند عمر، لا من مسند ابنه، والله أعلم. # وفي الحديث أحكام: # منها: جواز الإبار للنخل وغيره، وقد أجمع العلماء على ذلك، أما في النخل، ~~فللحديث، وأما ما في باقي الثمار، فإنه في معناه. # ومنها: اعتبار التأبير في المبيع حقيقة، وهذا معتبر إذا كان في بستان ~~واحد، واتحد النوع، وباعها صفقة واحدة، فأجرى تأبير البعض مجرى تأبير ~~الجميع، وجعل ذلك كالنخلة الواحدة، فلو اختلف النوع، ففيه وجهان لأصحاب ~~الشافعي، الأصح: أن الثمر يبقى للبائع؛ كما لو اتحد النوع؛ دفعا لضرر ~~اختلاف [الأيدي] وسواء المشاركة. # ومنها: أنه إذا باع ما لم يؤبر مفردا بالعقد بعد تأبير غيره من البستان: ~~أنه يكون للمشتري؛ لأنه ليس في المبيع شيء مؤبر، فيقتضي مفهوم الحديث أنه ~~ليس للبائع، وهو أصح الوجهين للشافعية، وكأنه قال: إذا لم يعتبر عدم ~~التأبير إذا بيع مع المؤبر، فيجعل بيعا، وفي هذه الصورة ليس فيها شيء مؤبر ~~يجعل غيره بيعا له، وأدخل في هذه الصورة في الحديث ما إذا كان التأبير ~~وعدمه في بستانين مختلفين، والأصح هاهنا: أن كل واحد منهما يفرد بحكمه. أما ~~صحة بيعه مفردا، ويكون للمشتري، فلظاهر الحديث، وأما إذا كانا في بستانين ~~يفرد كل واحد منهما بحكمه؛ فلأن لاختلاف البقاع تأثيرا في التأبير، ولأن في ~~البستان الواحد يلزم ضرر اختلاف الأيدي وسواء المشاركة. # ومنها: أن الشرط الذي لا ينافي مقتضى العقد جائز. PageV02P1130 # ومنها: جواز بيع النخل المؤبر بعد التأبير وقبله، وهل تدخل الثمرة فيها ~~عند إطلاق بيع النخل من غير تعرض للثمرة بنفي ولا إثبات؟ قال مالك، ~~والشافعي، والليث، والأكثرون: إن باع النخلة بعد ms0762 التأبير، فثمرتها للبائع، ~~إلا أن يشترطها المشتري؛ بأن يقول: اشتريت النخلة بثمرتها هذه، وإن باعها ~~قبل التأبير، فثمرتها للمشتري، فإن شرطها البائع لنفسه، جاز عند الشافعي ~~والأكثرين، وقال مالك: لا يجوز شرطها للبائع، وقال أبو حنيفة: هي للبائع ~~قبل التأبير وبعده عند الإطلاق، وقال ابن أبي ليلى: هي للمشتري قبل التأبير ~~وبعده، فأما الشافعي، ومالك، والأكثرون: فأخذوا في المؤبرة بمنطوق الحديث، ~~وفي غيرها بمفهومه، وهو دليل الخطاب، وهو حجة عندهم، وأما أبو حنيفة: فأخذ ~~بمنطوقه في المؤبرة، وهو لا يقول بدليل الخطاب، فألحق غير المؤبرة ~~بالمؤبرة، واعترضوا عليه بأن الظاهر يخالف المستتر في حكم التبعية، كما أن ~~الجنين يتبع الأم في البيع، ولا يتبعها الولد المنفصل، وأما ابن أبي ليلى: ~~فقوله باطل، منابذ لصريح السنة، ولعله لم يبلغه الحديث، والله أعلم. # ومنها: جواز بيع العبد ومن في معناه. # ومنها: أن العبد إذا ملكه السيد مالا، ملكه، وهو قول مالك، والشافعي في ~~القديم، لكنه إذا باعه بعد ذلك، كان ماله للبائع، إلا أن يشترطه المشتري؛ ~~لظاهر الحديث، وقال الشافعي في الجديد، وأبو حنيفة: لا يملك العبد شيئا ~~أصلا، وتأولا الحديث على أن يكون في يد العبد شيء من مال السيد، فأضيف ذلك ~~المال إلى العبد للاختصاص والانتفاع، لا للملك، كما يقال: جل الدابة وسرج ~~الفرس، قالا: فإذا باع السيد العبد، فذلك المال للبائع؛ لأنه ملكه، إلا أن ~~يشترطه المبتاع، فيصح؛ لأنه يكون باع شيئين: العبد والمال الذي في يده، ~~وبثمن واحد، وذلك جائز في الأول. قالا: ويشترط الاحتراز من الربا، وقال ~~الشافعي: فإن كان المال دراهم لم يجز بيع العبد وتلك الدراهم بدراهم، وكذا ~~إن كان دنانير، لم يجز بيعهما بحنطة، وقال مالك - رحمه الله -: يجوز أن PageV02P1131 # يشترطه المشتري، فإن كان دراهم، والثمن دراهم، وكذلك في جميع الصور؛ ~~لإطلاق الحديث، قال: وكأنه لا حصة للمال من الثمن. # ومنها: أنه إذا باع عبدا، أو جارية وعليها ثياب، لا تدخل في البيع مطلقا، ~~بل تكون للبائع إلا أن يشترطها المبتاع؛ لأنه مال في ms0763 الجملة، وفي ذلك أوجه ~~لأصحاب الشافعي: # أصحها: ما ذكرناه؛ لهذا الحديث؛ فإنه ظاهر في ذلك، ولأن اسم العبد لا ~~يتناول الثياب. # والثاني: يدخل. # والثالث: يدخل ساتر العورة دون غيره، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: "من ابتاع طعاما، فلا يبعه حتى يستوفيه" (¬1). وفي لفظ: "حتى يقبضه" ~~(¬2)، وعن ابن عباس - رضي الله عنه - مثله (¬3). # أجمع العلماء على بطلان بيع الطعام قبل قبضه؛ بأن يشتري رجل طعاما، ولم ~~يقبضه، ولا استوفاه، فيبيعه لآخر، نقل الإجماع على ذلك أكثر العلماء، ونقل ~~المازني، ثم القاضي عياض -رحمهما الله تعالى- عن عثمان الليثي: جواز مبيع ~~كل مبيع قبل قبضه، ونقل عن أبي حنيفة جواز ذلك في كل شيء إلا العقار، PageV02P1132 # وقال مالك: لا يجوز في الطعام، ويجوز في كل ما سواه، وقال الشافعي -رحمه ~~الله-: لا يصح بيع المبيع قبل قبضه مطلقا، سواء كان طعاما، أو عقارا، أو ~~منقولا، أو نقدا، وغير ذلك، فحينئذ مذهب أبي حنيفة والبتي مخالف للإجماع ~~المستند إلى الأحاديث الصحيحة، ويعتذر عن أبي حنيفة والبتي بأن الأحاديث لم ~~تبلغهما، والله أعلم. # وكان ولاة الأمر من السلف -رحمهم الله تعالى- يضربون من بيع الطعام قبل قبضه. # وقد روى مسلم في "صحيحه" عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: أنهم كانوا ~~يضربون على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا اشتروا طعاما جزافا ~~أن يبيعوه في مكانه حتى يحولوه (¬1)، وفي رواية عنه: رأيت الناس في عهد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ابتاعوا الطعام جزافا، يضربون أن ~~يبيعوه في مكانهم ذلك حتى يؤووه إلى رحالهم (¬2). # ومقتضى ذلك جميعه: أنه لا يجوز بيع الطعام قبل قبضه، إما بكيله، وإما ~~بنقله من موضعه، سواء كان شراؤه جزافا، أو اشترى قدرا معلوما، فإن كان ~~جزافا، اشترط في جواز بيعه نقله من مكانه، وذلك قبضه واستيفاؤه، وإن كان ~~قدرا معلوما من الصبرة، اشترط كيله، وذلك قبضه واستيفاؤه. # ثم إن الحديث يقتضي المنع من ms0764 البيع قبل القبض، إذا كان مملوكا بجهة ~~البيع، وأن يكون المنع من التصرف فيه هو البيع قبل القبض، فلو كان مملوكا ~~بغير البيع، كالصدقة والهبة، وهي بيع الصك قبل قبضه؛ بأن يكون دين لإنسان ~~مكتوب في ورقة، فيهبه، أو يتصدق به على شخص، أو يأمر ولي الأمر لمستحق برزق ~~من طعام أو غيره معين، فكتب له في صك؛ وهو الورقة المكتوبة به، فيبيعه ~~صاحبه لإنسان قبل قبضه، وقد اختلف العلماء في ذلك، وللشافعية فيه وجهان: PageV02P1133 # أصحهما عندهم: جواز بيع ذلك. # والثاني: منعه، مستدلا له بما رواه مسلم في "صحيحه": أن أبا هريرة - رضي ~~الله عنه - قال لمروان: أحللت بيع الصكاك، وقد منع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن بيع الطعام حتى يستوفى؟! فخطب مروان في الناس، فنهى عن ~~بيعها (¬1)، ومن قال بالأصح منهم، تأول قصة أبي هريرة على أن المشتري هو ~~الذي اشتراه ممن خرج له الصك، وباعه هذا المشتري لثالث قبل أن يقبضه، فكان ~~البيع المنهي عنه البيع الثاني لا الأول؛ لأن الذي خرج له الصك برزق، أو ~~كان له دين في صك، ونحوهما مالك ملكا مستقرا، أو وليس هو بمشتر، فلا يمنع ~~بيعه قبل القبض؛ كما لا يمنع بيع ما ورثه قبل قبضه. # قال القاضي عياض -رحمه الله-: وكانوا يتبايعون ذلك، ثم يبيعه المشتري، ~~فنهوا عن ذلك، قال: وكذا جاء الحديث مفسرا في "الموطأ": أن صكوكا خرجت ~~للناس في زمن مروان بطعام، فتبايع الناس تلك قبل أن يستوفوها (¬2). # وفي "الموطأ" ما هو أبين من هذا، وهو أن حكيم بن حزام ابتاع طعاما أمر به ~~عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، فباع حكيم الطعام الذي اشتراه قبل قبضه ~~(¬3)، والله أعلم (¬4). # وقد تكلم الشافعية في جواز التصرف قبل القبض في عقود: # منها: العتق قبل القبض، وفيه وجهان: # أصحهما: يعود إن أدى المشتري الثمن، فلم يكن للبائع حق حبسه، فلو كان ~~الثمن مؤجلا، فهل للبائع حق الحبس؟ فيه وجهان؛ كعتق الراهن؛ فإن للمرتهن حق ~~الحبس، والصحيح: أنه لا فرق. PageV02P1134 # وكذلك ms0765 اختلفوا في الهبة والرهن قبل القبض، والأصح عند الشافعي -رحمه الله ~~تعالى-: المنع، ولا يجوز عندهم التولية والشركة قبل القبض، وأجازهما مالك، ~~ومنع الإقالة. # ولا شك أن الشركة والتولية بيع، فيدخلان تحت الحديث، واستثنى مالك ذلك ~~على خلاف القياس، وقد ذكر أصحابه في ذلك حديثا يقتضي الرخصة فيه، واختلف ~~الشافعية في تزويج الجارية المبيعة قبل قبضها على وجهين: والأصح عندهم: ~~جوازه، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الخامس # عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-: أنه سمع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول عام الفتح: "إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة ~~والخنزير والأصنام"، فقيل: يا رسول الله! أرأيت شحوم الميتة؛ فإنه يطلى بها ~~السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: "لا، هو حرام"، ثم قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند ذلك: "قاتل الله اليهود! إن الله لما ~~حرم شحومها، جملوه، ثم باعوه فأكلوا ثمنه" (¬1). # تقدم الكلام على جابر وأبيه أوائل هذا الشرح. # وأما قوله: (عام الفتح): فالمراد بالفتح: فتح مكة -زادها الله شرفا-، ~~وكان في أواخر رمضان، سنة ثمان من الهجرة، وإنما يذكر الصحابة -رضي الله ~~عنهم- قوله - صلى الله عليه وسلم - مقيدا بعام الفتح؛ لأنه كان في آخر أمره ~~ومدة نبوته - صلى الله عليه وسلم -؛ تنبيها على ما كانوا يعتمدونه في ~~الأحكام من الأخذ [بالآخر فالآخر] منها، فما كان آخرا، كان ناسخا لما قبله ~~مما كان مخالفا للأحدث، وذلك باب كبير من العلم، والله أعلم. PageV02P1135 # وقوله: "جملوه" يقال: أجمل الشحم وجمله، رباعي وثلاثي: إذا أذابه. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا، هو حرام" معناه: لا تبيعوا الشحوم؛ ~~فإن بيعها حرام، فالضمير في "هو" يعود إلى البيع، لا إلى الانتفاع بها، ~~فكأنه - صلى الله عليه وسلم - أعاد تحريم البيع بعدما بين القائل له - صلى ~~الله عليه وسلم -: أن فيه منفعة، إهدارا لتلك المصالح والمنافع التي ذكرت. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "قاتل الله اليهود" إلى آخره؛ هو تنبيه ~~على تحريم هذه الأشياء، وأن العلة تحريمها فقط؛ حيث ms0766 وجه - صلى الله عليه ~~وسلم - اللوم على اليهود في تحريم أكل الثمن بتحريم أكل الشحوم. # حتى استدل المالكية بذلك على تحريم الذرائع؛ حيث إن اليهود توجه عليهم ~~اللوم بتحريم أكل الثمن من جهة تحريم أكل الأصل، وأكل الثمن ليس هو أكل ~~الأصل بعينه، لكنه لما كان سببا إلى كل الأصل بطريق المعنى، استحقوا اللوم به. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: تحريم بيع الخمر، وهو مجمع عليه، وذلك دليل تحريم شربها، وقد لعن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشرة بسببها، وقال: "من شربها، لم تقبل ~~له صلاة أربعين صباحا، (¬1) ومدمن شربها كعابد وثن (¬2)، ومن شربها في ~~الدنيا، لم يشربها في PageV02P1136 # الآخرة (¬1)، ومن شربها في الدنيا، ولم يتب منها، سقاه الله من طينة ~~الخبال، وهو صديد أهل النار وعصارتهم" (¬2). # ولا فرق في ذلك في التحريم والإثم والحد بين القليل والكثير منها، وكذلك ~~اللعن، ولا فرق بين أن تكون ممزوجة بماء، أو صرفا، ولا يجوز قياس الممزوج ~~منها بالماء على الحرير إذا خلط بكتان أو قطن، ونسج ولبس إذا كان مثله ~~وأقل؛ لأن قليل الخمر وكثيرها منصوص على تحريمه من جهة الشارع؛ بخلاف ~~الحرير؛ فإن الرخصة ثبتت من جهته - صلى الله عليه وسلم - أنه أرخص في ~~أصبعين وثلاث وأربع من الحرير في "صحيح مسلم" (¬3). # وأرخص فيه [للحكة] (¬4)، وكان [سجف جبته]- صلى الله عليه وسلم - حريرا، ~~ولم يثبت شيء من ذلك في الخمر. # وليس تحريم الخمر في معنى تحريم الحرير؛ فإن المعنى في تحريم الخمر ~~الإسكار، والمعنى في تحريم الحرير التنعم والتزين الخاص بالإناث دون ~~الذكور، فاغتفر القليل منه؛ حيث لا يجر إلى مفسدة عظيمة؛ بخلاف الخمر؛ فإن ~~المفسدة فيه عظيمة؛ حيث إنه يغطي العقل الذي به مدرك كل خير من الإيمان ~~والتوحيد، ويترتب على تعاطيه من المفاسد التي ذكرها الله تعالى في كتابه ~~العزيز، وغيرها مما هو مشاهد ما لا يحصى، والله أعلم. PageV02P1137 # ومنها: تحريم بيع الميتة، وأخذ من تحريم بيعها نجاستها، وكذلك أخذ من بيع ~~الخمر والخنزير نجاستهما، وعدوا العلة فيهما بالنجاسة ms0767 إلى تحريم بيع كل ~~نجس؛ فإن الانتفاع بها لم يعدم، أما في الميتة والخنزير، فإنه ينتفع بهما ~~في إطعام الجوارح، وأكل المضطرين إذا أشرفوا على الهلاك، وشرب الغاص بلقمة ~~خمرا يسيغها بها إذا لم يجد غيرها، وكل ذلك جائز، ومع هذا يحرم بيعها، فدل ~~على أن العلة في تحريم بيعهما النجاسة. # وقد نقل ابن المنذر في كتابه "الإجماع" (¬1) إجماع العلماء على نجاسة ~~الخنزير، وعن بعض المالكية فيه وفي الكلاب خلاف. # وقال الرافعي -رحمه الله- في "الشرح الكبير"، وعن مالك -رحمه الله-: إن ~~الكلب والخنزير طاهران، ويغسل من ولوغهما تعبدا، وأخذ العلماء من تحريم بيع ~~الميتة تحريم بيع جثة الكافر إذا [قتلناه]، وطلب الكفار شراءه أو دفع عوض عنه. # وقد روى الترمذي حديثا في منع بيع جثة الكافر (¬2)، وجاء في الحديث: أن ~~نوفل بن عبد الله المخزومي قتله المسلمون يوم الخندق، فبذل الكفار في ~~[جسده] عشرة آلاف درهم للنبي - صلى الله عليه وسلم -: فلم يأخذها، ودفعه ~~إليهم (¬3). # ومنها: تحريم بيع الخنزير، وتقدم الكلام عليه قريبا. # ومنها: تحريم بيع الأصنام، والعلة في ذلك كونها ليس فيها منفعة مباحة، ~~وذلك يمنع صحة البيع، وقد يكون منع بيعها مبالغة في التنفير عنها. # قال أصحاب الشافعي -رحمه الله-: فلو كانت الأصنام بحيث إذا كسرت PageV02P1138 # ينتفع برضاضها، ففي صحة بيعها وجهان، وكذلك بيع آلات اللهو إذا كان ينتفع ~~بها إذا كسرت وفصلت، فيه وجهان: الراجح: المنع؛ لظاهر النهي وإطلاقه في ~~بيعها، ومنهم من جوزه اعتمادا على الانتفاع بأجزائها، وتأول الحديث على ما ~~لا ينتفع بمفصله، أو على كراهة [التنزيه] في الأصنام خاصة. # ومنها: أن ما لا يحل كله والانتفاع به، لا يجوز بيعه، ولا يحل أكل ثمنه؛ ~~كما في الشحوم المذكورة في الحديث. # واعترض بعض اليهود والملاحدة بأن الابن إذا ورث من أبيه جارية كان وطئها ~~الأب، فإنها تحرم على الابن، ويحل له بيعها بالإجماع، ويأكل ثمنها، وهذا ~~تمويه منهم على من لا علم عنده؛ لأن جارية الأب لا تحرم على الابن منها غير ~~الاستمتاع على هذا ms0768 الولد دون غيره من الناس، ويحل لهذا الابن الانتفاع بها ~~في جميع الأشياء سوى الاستمتاع، ويحل لغيره الاستمتاع وغيره، بخلاف الشحوم؛ ~~فإنها محرمة، [و] المقصود منها وهو الأكل منها على جميع اليهود، وكذلك شحوم ~~الميتة محرمة الأكل على كل أحد، فكان ما عدا الأكل تابعا؛ بخلاف موطوءة الأب. # ومذهب الشافعي -رحمه الله- الصحيح عند أصحابه: أنه يجوز الانتفاع بشحوم ~~الميتة في طلي السفن، والاستصباح بها، وغير ذلك ما لم يؤكل، ولا يستعمل في ~~بدن آدمي، وبذلك قال عطاء بن أبي رباح، ومحمد بن جرير الطبري، وقال ~~الجمهور: لا يجوز الانتفاع به في شيء أصلا؛ لعموم النهي في الانتفاع ~~بالميتة إلا ما خص بدليل، وهو الانتفاع بجلد الميتة المدبوغ. # وأما الزيت والسمن وغيرهما من الأدهان التي أصابها نجاسة، فهل يجوز ~~استعمالها [بالاستصباح] وغيره في غير الأكل، وغير البدن، أو بجعل الزيت ~~النجس صابونا، أو يطعم العسل المتنجس للنحل، أو يطعم الميتة لكلابه، أو ~~يطعم الطعام النجس لدوابه، وكل ذلك فيه وجهان لأصحاب الشافعي، [الصحيح ~~عندهم: جواز جميع ذلك، ونقل فيه خلاف السلف -أيضا-، ونقله PageV02P1139 # القاضي عياض عن مالك، وكثير من أصحابه، والشافعي] (¬1)، والثوري، وأبي ~~حنيفة وأصحابه، والليث بن سعد، قال: وروي نحوه عن علي، وابن عمر، وأبي ~~موسى، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، قال: وأجاز أبو حنيفة، ~~وأصحابه، والليث، وغيرهم بيع الزيت النجس إذا بينه. # وقال عبد الملك، وأحمد بن حنبل، وأحمد بن صالح: لا يجوز الانتفاع بشيء من ~~ذلك كله في شيء من الأشياء، وقد استدل بهذا الحديث في قوله - صلى الله عليه ~~وسلم - لما سئل عن طلاء السفن ودهن الجلود والاستصباح بها: "لا، هو حرام" ~~على منع ذلك كله، وقد بينا أن الضمير في "هو" عائد على البيع، لا على ~~الانتفاع، والله أعلم. # ومنها: جواز الدعاء على من فعل المحرم أو استباحه، أو تحيل على فعله؛ ~~فإنه - صلى الله عليه وسلم - دعا على اليهود بالمقاتلة، لما حرمت عليهم ~~الشحوم، فجملوها فباعوها فأكلوا ثمنها، وليس من تحيل ms0769 على الخلاص من ~~[المحرم] والخروج منه داخلا في جواز الدعاء عليه وذمه؛ حيث تحيل على الخلاص ~~منه، وقد ثبتت الحيل وفعلها في الكتاب العزيز والسنة النبوية -على قائلها ~~أفضل الصلاة والتسليم-، ومنها: أمر أيوب - صلى الله عليه وسلم - بالضرب ~~بشمراخ النخل -وهو الضغث- لما حلف على الضرب مئة سوط، وأقر ذلك النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، ومنها: الأمر بوضع اليد على الأنف عند الخروج من الصلاة ~~بالحدث الخارج من المصلي إيهاما للرعاف والخلوص من الخجل بخروج الحدث ~~الخارج من المصلي، بل من فعل ذلك وأشباهه يدعى له؛ حيث وفق للوقوف عند رخص الشرع. # وقد فعل العلماء ذلك، وقالوا به، ومدحوا فاعله؛ بخلاف المحرم والحيلة ~~عليه؛ فإن ذلك حرام إجماعا، فإن الوسيلة إلى المحرم محرم. # وقد ذكر العلماء بابا آخر من هذا، وهو إذا تعارض مفسدتان في الشرع، ولم ~~يمكن دفعهما، روعي أخفهما. PageV02P1140 # وقد فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك في ترك هدم الكعبة وخفضها إلى ~~الأرض وجعل بابين لها، أحدهما للدخول، والآخر للخروج منها؛ مراعاة للرجوع ~~عن الإيمان إلى الكفر، أو تزلزل القلوب عنه، أو لتأليف القلوب عليه والدوام ~~عليه، وقد فعل الإمام أحمد -رحمه الله- ذلك في جواز الاستمناء باليد، وسمي ~~عندهم الخضخصة، عند خوف الوقوع في المحرم من ذلك، وغلبة النفس عليه، مع ~~قوله تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون (5) إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم} [المؤمنون: 5، 6]. # والاستمناء باليد غيرهما، ولعن ناكح يده، وأنها تأتي يوم القيامة حبلى، ~~في أحاديث رويت في ذلك، وما ذاك إلا مراعاة لأخف المفسدتين على أثقلهما، ~~إلا أنه جائز بأصل الشرع، وقد فعل الإمام الشافعي -رحمه الله- ذلك في جواز ~~الحيلة في التزويج يزوج عند وقوع الطلاق الثلاث، وعدم جواز تزويج المطلقة ~~بمطلقها إلا بزوج غيره، إذا لم يشترط ذلك في العقد؛ بأنه إذا أحلها، طلقها، ~~وكره ذلك كراهة شديدة عنده، وصح العقد، وحلت للأول بشرطه، مع لعن المحلل ~~والمحلل له في حديث، وذلك مراعاة للأخف من المفسدتين على الأشد منهما، لا ~~بأصل الشرع، وإن ms0770 كان ثبت في الصحيح ما هو قريب من هذا، إلا أنه غير مقصود ~~به الدوام بعد العقد في قصة عبد الرحمن بن الزبير -بفتح الزاي- وامرأته: ~~"أتحبين أن ترجعي إلى رفاعة؟ " -زوجها الأول-، وقوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته" (¬1). # قال العلماء: يحرم أن يتبع الإنسان رخص المذاهب؛ فإنه يؤدي ذلك إلى ~~الانحلال في الدين، بل ينبغي له إذا اضطر إلى أمر محرم، أن يجاهد نفسه على ~~تركه، ويتوجه إلى الله تعالى في دفعه، ويستعين به على دفعه بالمنذرات PageV02P1141 # والمبشرات في فعله وتركه، والأسباب الحاملة على تركه، ويأخذ ذلك من ~~العلماء الربانيين؛ فإنه لا تتخلف عنه الإعانة على تركه، وعلى ما فيه من ~~التوفيق والتسديد، ويحصل له من الأعمال أفضلها لا مكروهاتها، وهذا مع ~~المداومة يتيح له منه الخير الكثير والدرجات العالية الرفيعة إلى ما لا ~~يحصى، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "يا مقلب القلوب! ~~ثبت قلبي على دينك" (¬1)، "يا مصرف القلوب! صرف قلبي على طاعتك" (¬2)، ~~والله أعلم. # ومنها: أن المحرم إذا حرم، حرم عليه جميع ما يتعلق به مما هو سبب إلى ~~تحليله؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - دعا على اليهود؛ حيث أذابوا الشحوم، ~~وباعوها، وأكلوا ثمنها؛ لأن تحريم الشحوم عليهم لذات الشحوم، لا لوصفها؛ ~~فإن التحريم للوصف يزول بزواله. # ألا ترى أنه - صلى الله عليه وسلم - لما قال لعاثشة - رضي الله عنها -: ~~"هل عندك من شيء؟ " قالت: ما عندي إلا لحم تصدق به على بريرة، وأنت لا تأكل ~~الصدقة؛ حيث هي محرمة عليك، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "هو عليها صدقة، ~~ولنا هدية" (¬3)، لما تغير الوصف من الصدقة إلى الهدية، صار حلالا؛ بخلاف ~~المحرم لعينه، والله أعلم. # * * * PageV02P1142 ### || AUTO باب السلم # السلم: اسم مصدر لسلم وأسلم، قال أهل اللغة: يقال: السلم والسلف، وأسلم ~~وسلم، وأسلف وسلف، ويكون السلف قرضا -أيضا-، ويقال: استسلف، قال أصحاب ~~الشافعي: ويشترك السلم والقرض في أن كلا منهما إثبات مال في الذمة بمبذول ~~في الحال، وذكروا في حد السلم ms0771 عبارات كثيرة، أجودها: أنه عقد على موصوف في ~~الذمة ببدل يعطى عاجلا، وسمي سلما؛ لتسليم رأس المال في المجلس، وسمي سلفا؛ ~~لتقديم رأس المال (¬1). # * * * ### ||| AUTO الحديث الأول # عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: قدم رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - المدينه وهم يسلفون في الثمار السنتين والثلاث، فقال: "من أسلف ~~في شيء، فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم" (¬2). # أما السلم: فقد أجمع المسلمون عليه، لكنه بالشروط المعتبرة في الأحاديث PageV02P1143 # الصحيحة، وهي: أن يكون قدر المسلم فيه معلوما بالكيل إن كان مكيلا، ~~والوزن إن كان موزونا، أو غيرهما مما يضبط به، وتكون الواو في قوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" بمعنى ~~(أو)، ولو أخذنا على ظاهرها من معناها -وهو الجمع-، لزم أن نجمع في الشيء ~~الواحد بين السلم فيه مكيلا وموزونا، وذلك يفضي التي عزة الوجود، وهو مانع ~~من صحة السلم، فتعين حمل الحديث على ما ذكرناه من التفصيل من جوازه في ~~الكيل مكيلا، وفي الموزون موزونا، وكذلك المعنى في قوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إلى أجل معلوم" أنه إن أسلم إلى أجل، فليكن معلوما لا مجهولا، وإن ~~أطلق السلم، حمل على الحلول؛ لأنه إذا جاز مع الأجل المعلوم، وفيه الغرر ~~البين، فمع الحال أولى؛ لأنه أبعد من الغرر، وليس ذكر الكيل والوزن في ~~الحديث دليلا على الحصر؛ لجواز السلم في المكيل أو الموزون، دون المذروع ~~والمعدود مما يضبطه قدر السلم فيه، بل ذلك جميعه جائز بلا خلاف بين ~~العلماء. # وفي الحديث أحكام: # منها: جواز السلم المؤجل، وهو مجمع عليه. # وأما الحال: فجوزه الشافعي وآخرون، ومنعه مالك، وأبو حنيفة، وآخرون، ~~مستدلين بتوجه الأمر في الحديث في قوله: "فليسلم إلى الأجل والعلم معا". ~~ودليل الشافعي وغيره: ما تقدم، وأجمعوا على اشتراط وصفه بما يضبط به. # ومنها: جواز السلم المؤجل -وهو مجمع عليه- السنتين والثلاث إذا لم ينقطع ~~المسلم فيه في أثنائها؛ بأن كانت الثمرة موجودة تلك المدة رطبة، فإن لم ms0772 ~~يوجد، لم يجز، بل يجوز في مدة يؤخذ منها. # ومنها: جواز السلم في الكيل وزنا؛ حيث إنه أضبط، وهو جائز بلا خلاف. # وفي جواز السلم في الموزون كيلا وجهان للشافعية، أصحهما عندهم: جوازه؛ ~~كعكسه. PageV02P1144 # واعلم أنه يلزم الشافعية ومن قال بقولهم في جواز السلم الحال جواز بيع ~~العين الغائبة إذا وصفت بأوصاف السلم، وقد منعها الشافعي في قوله الجديد، ~~ولهذا اختار المحققون من أصحابه جواز بيعها مع ثبوت خيار للمشتري إذا رأى ~~ذلك، والله أعلم. # * * * PageV02P1145 ### || AUTO باب الشروط في البيع ### ||| AUTO الحديث الأول # عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: جاءتني بريرة فقالت: كاتبت أهلي على تسع ~~أواق، في كل عام أوقية، فأعينيني، فقلت: إن أحب أهلك أن أعدها لهم، ويكون ~~ولاؤك لي، فعلت، فذهبت بريرة إلى أهلها، فقالت لهم، فأبوا عليها، فجاءت من ~~عندهم، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس، فقالت: إني عرضت ذلك ~~عليهم، فأبوا إلا أن يكون لهم الولاء، فأخبرت عائشة النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، فقال: "خذيها، واشترطي لهم الولاء؛ فإنما الولاء لمن أعتق"، ففعلت ~~عائشة، ثم قام النبي - صلى الله عليه وسلم - في الناس، فحمد الله وأثنى ~~عليه، ثم قال: "أما بعد: ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟! ما ~~كان من شرط ليس في كتاب الله -عز وجل-، فهو باطل، وإن كان مئة شرط، قضاء ~~الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق" (¬1). # اعلم أن حديث بريرة هذا حديث كثير الفوائد، قد كثر الناس من الكلام عليه، ~~وذكروا فيه إشكالات على مواضع منه يقتضي ظاهرها -على مقتضى القواعد ~~ومفاهيمهم- المخالفة له، وأجاب العلماء عنها، وبينوها أحسن بيان، PageV02P1146 # وبلغوا بأحكامه عددا كثيرا، وقد صنف ابن جرير الطبري، وابن حزم الظاهري ~~فيه تصنيفين كبيرين، وأنا أذكر -إن شاء الله تعالى- ما حضرني فيه، والله أعلم. # أما بريرة: فهي مولاة عائشة - رضي الله عنها - كانت لعتبة بن أبي لهب، ~~وقد روى النسائي بإسناده إلى يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، عن بريرة - ~~رضي الله عنها -: أنها ms0773 قالت: كان في ثلاث سنين، قال النسائي: حديث يزيد بن ~~رومان خطأ، وقال أبو عمر بن عبد البر: كانت -يعني: بريرة- مولاة لبعض بني ~~هلال، فكاتبوها، ثم باعوها من عائشة، وجاء الحديث في شأنها؛ بأن الولاء لمن ~~أعتق، وعتقت تحت زوج، فخيرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكانت سنة (¬1). # واختلف في زوجها، هل كان عبدا أو حرا؟ قال: روى عبد الخالق بن زيد بن ~~واقد قال: حدثني أبي، قال: أبو عمر زيد بن واقد -يعني: أباه- هذا ثقة من ~~ثقات الشاميين، لقي واثلة بن الأسقع، قال أبوه: إن عبد الملك بن مروان ~~حدثه، قال: كنت أجالس بريرة بالمدينة قبل أن ألي هذا الأمر، فكانت تقول لي: ~~يا عبد الملك! إني أرى فيك خصالا، وإنك لخليق أن تلي هذا الأمر، فإن وليته، ~~فاحذر الدماء؛ فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن الرجل ~~ليدفع عن باب الجنة بعد أن ينظر إليها بملء محجمه من دم يريقه من مسلم بغير ~~حق" (¬2). # وأما قولها: "كاتبت"، فهو على فاعلت؛ من الكتابة؛ وهو العقد المشهور بين ~~السيد وعبده، فإما أن يكون مأخوذا من كتابة الخط التي لا تلازم هذا العقد ~~فيما بين السيد وعبده، وإما أن يكون مأخوذا من معنى الإلزام؛ كقوله تعالى: ~~{إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} [النساء: 103]. PageV02P1147 # كأن السيد ألزم نفسه عتق العبد عند الأداء، وكان العبد ألزم نفسه الأداء ~~للمال الذي كاتبا عليه. # وأما الأواق والأوقية: فتقدم الكلام عليها في الزكاة، ومقدار التسع ~~الأواقي ثلاث مئة وستون درهما شرعا. # وأما الإشكالات على الحديث، ففي مواضع: # الأول: أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر عائشة بأخذ بريرة من مواليها، ~~واشتراط الولاء لهم، وجهه: أن يقال: كيف أذن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في البيع على شرط فاسد؟ وكيف يأذن لهم في وقوع البيع على هذا الشرط، ويدخل ~~البائع عليه، ثم يبطل اشتراطه؟ وفي ذلك نوع خداع من عائشة لهم في ذلك، ~~ولذلك أنكر بعض العلماء هذا الحديث، وهو منقول عن يحيى ms0774 بن أكثم؛ فإنه أنكر ~~لفظة قوله - صلى الله عليه وسلم -: "اشترطي لهم الولاء"، وجعلها ساقطة من ~~الحديث، ونقل عن الشافعي -رحمه الله تعالى- أنه قال: هذه اللفظة تفرد ~~بروايتها هشام بن عروة، عن أبيه دون غيره من الثقات الأثبات، فإنهم لم ~~يثبتوها، والذي قاله الأكثرون من الفقهاء والمحدثين: قبول مثل هذا، وإثبات ~~هذه اللفظة، ثم تأولوها، [و] خرجوها على وجوه كثيرة صحيحة، وبعضها فيه ضعف: # أحدها: أن قوله: "اشترطي لهم"؛ أي: عليهم؛ كقوله تعالى: {ولهم اللعنة} ~~[غافر: 52] بمعنى: عليهم، وقوله تعالى: {وإن أسأتم فلها} [الإسراء: 7]؛ أي: ~~فعليها، ونقل ذلك عن الشافعي، والمزني، وغيرهما، وهو ضعيف؛ حيث أنكر رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - عليهم الاشتراط، وأقر عائشة - رضي الله عنها - ~~على فعلها، وقال: "إنما الولاء لمن أعتق"، ولأن اللام لا تدل بوضعها على ~~الاختصاص النافع، بل على مطلق الاختصاص، وإذا دلت على المطلق، لم يبق فيها ~~دليل عليه، ولا على غيره؛ لأنه قد يكون، وقد لا يكون. # الثاني: أن يكون الاشتراط المذكور بمعنى ترك المخالفة لما شرطه البائعون، ~~وعدم إظهار النزاع فيما دعوا إليه؛ مراعاة لمصلحة الشرع في العتق. PageV02P1148 # وقد يعبر عن التخلية والترك بصيغة تدل على الفعل، ألا ترى أنه أطلق لفظ ~~الإذن من الله تعالى على التمكن من الفعل، والتخلية بين العبد وبينه ~~-سبحانه وتعالى-، وإن كان ظاهر اللفظ يقتضي الإباحة والتجويز؟ وذلك موجود ~~في كلام الله -سبحانه وتعالى- على ما قاله المفسرون في قوله تعالى: {وما هم ~~بضارين به من أحد إلا بإذن الله} [البقرة: 102]، وليس المراد بالإذن إباحة ~~الله تعالى للإضرار بالسحر، ولكنه لما خلى بينهم وبين ذلك الإضرار، أطلق ~~عليه لفظ الإذن مجازا، وهذا -وإن كان محتملا- إلا أنه خارج عن الحقيقة من ~~غير دلالة ظاهرة على المجاز من حيث اللفظ. # الثالث: أن لفظة الاشتراط والشرط وما تصرف منها، يدل على الإعلام ~~والإظهار، ومنه أشراط الساعة، والشرط اللغوي والشرعي، ومنه قول أوس بن حجر ~~-بفتح الحاء والجيم-: فاشترط فيها نفسه؛ أي: أعلمها وأظهرها، وإذا كان كما ~~ذكرنا: حمل ms0775 "اشترطي" على معنى: أظهري حكم الولاء، وبينيه، واعلمي أنه لمن ~~أعتق، على عكس ما أورده السائل وفهمه من الحديث. # الرابع: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قد أخبرهم بأن الولاء لمن ~~أعتق، ثم أقدموا على اشتراط ما يخالف هذا الحكم الذي علموه، فورد هذا اللفظ ~~على سبيل الزجر والتوبيخ والتنكيل لمخالفتهم الحكم الشرعي الذي علموه، ~~وغاية ما في هذا: أنه أخرج لفظة الأمر عن ظاهرها. # وفي القرآن العزيز خروجها عن ظاهرها في غير موضع، وامتناع إجرائها عليه ~~كقوله تعالى: {اعملوا ما شئتم} [فصلت: 40]، و {فمن شاء فليؤمن ومن شاء ~~فليكفر} [الكهف: 29]، ومعلوم أنه ليس المراد إطلاق المشيئة منهم في عملهم ~~وكفرهم، وعلى هذا لا يبقى في أمره - صلى الله عليه وسلم - غرر. # الخامس: أن يكون إبطال الشرط عقوبة؛ لمخالفتهم حكم الشرع؛ فإن إبطال ~~الشرط يقتضي تغريم ما قوبل به الشرط من المالية المسامح بها لأجل الشرط، ~~ويكون هذا من باب العقوبة بالمال؛ كحرمان القاتل الميراث. PageV02P1149 # السادس: أن ذلك خاص بهذه القضية، لا عام في سائر الصور، وسبب التخصيص ~~إبطال هذا الشرط مبالغة في الزجر عن اشتراطه؛ لمخالفته الشرع، كما أن فسخ ~~الحج إلى العمرة كان خاصا بتلك الواقعة مبالغة في إزالة ما كانوا عليه من ~~منع العمرة في أشهر الحج، صحح هذا ورجحه شيخنا أبو زكريا النواوي -رحمه ~~الله- في تأويل الحديث، قال: وقد تحتمل المفسدة اليسيرة لتحصيل مصلحة أرجح ~~منها عظيمة، والله أعلم (¬1). # الثاني من مواضع الإشكالات: # قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الولاء لمن أعتق"، وهو يدل على أن ~~كلمة "إنما" تقتضي الحصر؛ لأنها لو لم تكن له، لما لزم من إثبات الولاء لمن ~~أعتق نفيه عمن لم يعتق، وذكرت في الحديث لبيان نفيه عمن لم يعتق، فدل على ~~أن مقتضاه الحصر. # وقد أثبت العلماء الولاء في صور بغير العتق، لكنها في معناه؛ وهي: أنه لو ~~باعه نفسه، أو أعتقه على مال، ثبت له عليه الولاء، وكذا لو كاتبه، أو ~~استولدها وعتقت بموته، ثبت الولاء، لا نعلم في ms0776 ذلك جميعه خلافا، ويثبت ~~الولاء للمسلم على الكافر وعكسه، وإن كانا لا يتوارثان في الحال؛ لعموم ~~الحديث. # وقد ذكروا صورا مختلفة في إثبات الولاء بها، واستدلوا على إبطاله بالحصر ~~في الحديث، مع اتفاقهم على إثباته للمعتق، حتى اختلفوا فيمن أعتق، وشرط أن ~~لا ولاء له، وهو المسمى بالسائبة، ومذهب الشافعي وموافقيه: ثبوت الولاء، ~~وأن الشرط لاغ؛ لثبوت الولاء بالشرع، فإذا شرطه، لغا؛ كالميراث، ولا شك في ~~حصر الولاء للمعتق في الحديث، ويستلزم ذلك الحصر في السبيية، فيقتضي ذلك أن ~~لا ولاء بالحلف والموالاة، ولا بالإسلام؛ وهو بأن يسلم الرجل على يدي ~~الرجل، ولا بالتقاطه للقيط، وكل هذه الصور فيها خلاف بين العلماء، وسيأتي ~~في الأحكام. PageV02P1150 # الثالث من مواضع الإشكالات: # قوله - صلى الله عليه وسلم - في خطبته: "ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست ~~في كتاب الله؟ ما كان من شرط ليس في كتاب الله، فهو باطل، وإن كان مئه ~~شرط"؛ مقتضاه: أن كل شرط ليس في كتاب الله أنه باطل "ولو كان مائة شرط" ~~مبالغة في إبطال جميع الشروط التي ليست في كتاب الله، ولا شك أن من الشروط ~~ما هو صحيح، ومنها ما هو باطل، وكل شرط اقتضاه إطلاق العقد من غير شرط إذا ~~شرطه، كان صحيحا، وكذا ما كان للشارع طلب له وحث عليه وترغيب فيه إذا شرطه، ~~وكذا ما كان فيه مصلحة تدعو إليه الحاجة؛ كاشتراط الرهن والضمين والخيار ~~وتأجيل الثمن، وكل ذلك صحيح. # ومعلوم أن ذلك جميعه ليس في كتاب الله، وظاهر لفظ الحديث يقتضي بطلانه، ~~فحينئذ يجب تعريف قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ليست في كتاب الله"، فذكر ~~العلماء في ذلك احتمالين: # أحدهما: أن المراد بكتاب الله: حكم الله، وهو أعم من أن يكون في كتاب ~~الله أو مستنبطا منه. # والثاني: أن المراد به: ما بينه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~سننه، أو استنبطه العلماء منها، فيكون المراد بالحديث: نفي كونها في كتاب ~~الله بواسطة أو بغيرها؛ حيث إن الشريعة كلها في كتاب الله، ms0777 فالذي في كتاب ~~الله تعالى هو المنصوص عليه فيه من الأحكام بغير واسطة، والذي هو بواسطة؛ ~~كقوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7]، ~~وقوله تعالى: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول} [التغابن:12] وقوله تعالي: ~~{وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى ~~أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء: 83]، والله أعلم. # أما ما كان من الشروط منافيا لمقتضى العقد؛ كشرط استثناء منفعة المبيع أو ~~بيعه، أو إجارته، أو أن يبيعه شيئا آخر، ونحو ذلك، فكل ذلك باطل مبطل PageV02P1151 # للعقد، فمتى قارن شرط واحد منها للعقد، أبطله عند جمهور العلماء، وقال ~~الإمام أحمد - رحمه الله -: لا يبطله شرط واحد، وإنما يبطله شرطان، والله أعلم. # وفي هذا الحديث أحكام كثيرة: # الأول: جواز الاستعانة على نجوم الكتابة بأهل الخير والفضل. # الثاني: إعانة المكاتب في كتابته. # الثالث: جواز حكاية ما يقع من ذلك، خصوصا إذا قصد به تعريف الأحكام. # الرابع: جواز تصرف المرأة في مالها بالشراء والاعتاق وغيرهما إذا كانت رشيدة. # الخامس: أن الكتابة تكون على نجوم؛ حيث إن كتابتها كانت على تسع أواق، في ~~كل عام أوقية. # ومذهب الشافعي - رحمه الله - وغيره: أن الكتابة لا تجوز على نجم واحد، بل ~~لا بد من نجمين فصاعدا، وقال مالك والجمهور: يجوز على نجم، ويجوز على نجوم. # وليس في هذا الحديث دليل على اشتراط تعداد النجوم؛ حيث إنه ورد من بريرة ~~على حكاية الحال، لا على تقرير حكم، ولا عدمه ممن لا يعتبر فعله. # السادس: جواز الكتابة واستحبابها. # السابع: المبادرة إلى إجابة السائل، وعرض ما يفعل من الخير معه عليه وعلى ~~من يتعلق به إمضاء ذلك الخير. # الثامن: جواز فسخ الكتابة إذا عجز المكاتب نفسه. # التاسع: جواز بيع المكاتب، وقد اختلف العلماء فيه على ثلاثة مذاهب: # أحدها: جوازه، وهو قول عطاء، والنخعي، وأحمد، ومالك في رواية عنه؛ PageV02P1152 # حيث إن بريرة كانت مكاتبة، وباعها الموالي، واشترتها عائشة - رضي الله ~~عنها -، وأقر النبي - صلى الله عليه وسلم - بيعها. # والثاني: ms0778 منعه، وهو قول ابن مسعود، وربيعة، وأبي حنيفة، والشافعي، وبعض ~~المالكية، ومالك في رواية عنه، وحملوا الحديث على أن بريرة عجزت نفسها، ~~وفسخوا الكتابة لعجزها وضعفها عن الأداء والكسب، ومنهم من حمل الحديث على ~~أن عائشة اشترت الكتابة لا الرقبة، مستدلا على ذلك بقول عائشة - رضي الله ~~عنها - في بعض الروايات: "فإن أحب أهلك أن أقضي عنك كتابتك" (¬1)، وذلك ~~يشعر بأن المشترى هو الكتابة لا الرقبة. # والثالث: جوازه للعتق دون الاستخدام؛ لموافقة الحديث، فلا إشكال عنده؛ ~~لأنه يقول: أنا أجيز بيعه للعتق. # العاشر: جواز اكتساب المكاتب بالسؤال. # الحادي عشر: احتمال أخف المفسدتين لدفع أعظمهما، واحتمال مفسدة يسيرة ~~لتحصيل مصلحة عظيمة؛ على ما تقدم بيانه. # الثاني عشر: جواز بيع العبد بشرط العتق، وقد اختلف العلماء فيه، وللشافعي ~~فيه قولان: # أحدهما: أنه باطل، كما لو باعه بشرط ألا يبيعه ولا يهبه، وهو باطل. # والثاني: -وهو الصحيح-: أن العقد صحيح، والحديث يدل عليه، ومن منعه، منع ~~أن تكون عائشة مشترية للرقبة، ويحمل الحديث على قضاء الكتابة عنها، أو على ~~شرائها خاصة، ويضعف حمله على قضاء الكتابة؛ بقوله - صلى الله عليه وسلم - ~~في بعض الروايات لعائشة: "ابتاعي" (¬2)، وهو ظاهر في الشراء دون القضاء ~~فقط، ويحتاج من حمله على شرائها خاصة، أن يكون قد قيل بمنع البيع بشرط ~~العتق، PageV02P1153 # مع جواز بيع الكتابة، ويكون قد ذهب إلى الجمع بين هذين ذاهب واحد معين. # الثالث عشر: صحة شرط العتق في البيع، ولا يفسد الشرط، إلا إذا قلنا بصحة ~~البيع، وفيه قولان للشافعي؛ أصحهما: الصحة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- لم ينكر إلا اشتراط الولاء، ولم يقع الانكار إلا للثاني، وهو عدم الولاء ~~لمن أعتق، فينبغي أن يكون اشتراط العتق صحيحا؛ لكونه مقررا عليه، أو يكون ~~مأخوذا من لفظ الحديث؛ فإن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "اشترطي لهم ~~الولاء" من اشتراط الولاء من ضرورته اشتراط العتق، فيكون من لوازم اللفظ، ~~لا من مجرد التقرير، ومعنى صحة العتق: أنه يلزم الوفاء به من جهة المشتري، ~~فإن امتنع، ms0779 فهل يجبر عليه؟ فيه وجهان لأصحاب الشافعي، وإذا قلنا: لا يجبر، ~~أثبتنا الخيار للبائع. # الرابع عشر: صحة اشتراط الولاء للبائع، وهو ظاهر الحديث في قوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "واشترطي لهم الولاء"، ولا يأذن - صلى الله عليه وسلم - ~~في عقد باطل، وإذا صح العقد، فهل يفسد الشرط؟ فيه اختلاف في مذهب الشافعي، ~~والقول ببطلانه موافق لألفاظ الحديث وسياقه، وموافق -أيضا- للقياس من وجه، ~~وهو أن القياس يقتضي أن الأثر مختص بمن صدر منه السبب، والولاء من آثار ~~العتق، فيختص بمن صدر منه، وهو المشتري المعتق، وتقدم الكلام على الاشكال ~~في الأمر باشتراط الولاء مع عدم إمضاء حكمه إلا لمن أعتق، والله أعلم. # قال العلماء: الشرط في البيع ونحوه أقسام: # أحدها: شرط يقتضيه العقد عند إطلاقه؛ كتسليم المبيع إلى المشتري، أو ~~تبقية الثمرة على الشجر إلى أوان الجداد، أو الرد بالعيب. # الثاني: شرط فيه مصلحة، وتدعو إليه حاجة؛ كاشتراط الرهن، والضمين، ~~والخيار، وتأجيل الثمن، ونحو ذلك، فهذان القسمان جائزان، ولا يؤثران في صحة ~~العقد، بلا خلاف. # الثالث: اشتراط العتق في العبد المبيع أو الأمة، وهو جائز عند الجمهور؛ ~~لهذا الحديث، وترغيبا في العتق لقوته وشرايته. PageV02P1154 # الرابع: ما سوى ذلك؛ كاشتراط ما ينافي مقتضى العقد من عدم قبضه والتصرف ~~فيه، ونحو ذلك، فهذا باطل، والله أعلم. # الخامس عشر: ثبوت الولاء للمعتق، وقد أجمع المسلمون عليه، سواء كان عبدا ~~أو أمة، إذا أعتقه عن نفسه، وأجمعوا على أنه يرث به، وأما العتيق، فلا يرث ~~سيده عند الجماهير، وقال جماعة من التابعين: يرث به؛ كعكسه. # السادس عشر: لا ولاء لمن أسلم على يديه رجل، ولا لملتقط لقيطة، ولا لمن ~~خلف إنسانا على المناصرة، وبهذا كله قال مالك، والأوزاعي، والثوري، ~~والشافعي، وأحمد، وداود، وجماهير العلماء، قالوا: وإذا لم يكن لأحد من ~~هؤلاء المذكورين وارث، فماله لبيت المال، قال المحققون من الشافعية وغيرهم: ~~بشرط أن يكون مصرف بيت المال مستقيما، والمتصرف فيه عادلا، وقال ربيعة، ~~والليث، وأبو حنيفة، وأصحابه: من أسلم على يديه رجل، فولاؤه له، وقال ms0780 ~~إسحاق: يثبت للملتقط الولاء على اللقيط، وقال أبو حنيفة: يثبت الولاء ~~بالحلف، ويتوارثان به. # والحديث يدل للجمهور على أن لا ولاء لأحد من هؤلاء؛ حيث قال: "إنما ~~الولاء لمن أعتق"، وتقدم ما يتعلق بذلك في الكلام على الإشكالات، والله أعلم. # السابع عشر: ثبوت الولاء للمسلم على الكافر وعكسه؛ لعموم الحديث في كل من أعتق. # الثامن عشر: ائتمار المأمور بأمر الآمر القدوة، والمبادرة إليه. # التاسع عشر: شرعية الخطب للأئمة والكبار، للأمر يحدث من وقوع بدعة أو ~~مخالفة للشرع؛ ليتبين ذلك للناس صوابه من خطئه منكرا على ما يخالف الشرع. # العشرون: استعمال الأدب في الخطبة وحسن العشرة، وجميل الموعظة؛ كقوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟! " ~~ولم يواجه صاحب الشرط المخالف بعينه؛ حيث إن المقصود يحصل له ولغيره من غير ~~فضيحة وشناعة عليه. PageV02P1155 # الحادي والعشرون: تبدأ الخطب بحمد الله تعالى، والثناء عليه. # الثاني والعشرون: شرعية قول: "أما بعد" في الخطب بعد حمد الله والثناء ~~عليه، والصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وذلك سنة ثابتة عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد تكرر ذكرها في الأحاديث الصحيحة، ~~وقد قيل: إنها فصل الخطاب الذي أوتيه داود - صلى الله عليه وسلم - في قوله ~~تعالى: {وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب} [ص: 20]، وقد أهملها الخطباء في هذه ~~الأزمان وغيرها، فينبغي أن يتفطن لها، ويعمل بها. # الثالث والعشرون: التغليظ في إزالة المنكر، والمبالغة في تقبيحه. # الرابع والعشرون: جواز السجع في الكلام غير المتكلف له؛ لقوله - صلى الله ~~عليه وسلم - "كتاب الله أوثق، وشرط الله أحق"، ومعنى "كتاب الله أوثق، وشرط ~~الله أحق"؛ أي: أحق بالاتباع من الشروط المخالفة لحكم الشرع، ومعنى "وشرط ~~الله أوثق"؛ أي: باتباع حدوده، والوقوف عندها، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-: أنه كان يسير على جمل، فأعيا، ~~فأراد أن يسيبه، فلحقني النبي - صلى الله عليه وسلم -، ودعا لي، وضربه، ~~فسار سيرا لم يسر مثله، قال: "بعنيه بأوقية"، قال: ms0781 لا، ثم قال: "بعنبه"، ~~فبعته بأوقية، واستثنبت حملانه إلى أهلي، فلما بلغت، أتينه بالجمل، فنقدني، ~~ثم رجعت، فأرسل في إثري، فقال: "أتراني ماكستك لآخذ جملك؟ خذ جملك ودراهمك، ~~فهو لك" (¬1). # أما جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - فتقدم الكلام عليهما. # وأما حديثه هذا: فقد وقع في لفظه اختلاف كثير في مقدار ما اشتراه به، وفي PageV02P1156 # اشتراط ركوبه إلى المدينة وعدمه، وجعل بعض الناس ذلك مانعا من الاحتجاج به. # وجمع القاضي عياض - رحمه الله - بينها، وذكر سبب اختلاف الرواة له، وبين ~~ذلك أحسن بيان، فمن أراد ذلك، فليأخذه من كتابه "إكمال المعلم لشرح مسلم"، ~~أو ممن نقله عنه. # وكانت قصة جابر وبيع جمله -في المحقق- غزوة ذات الرقاع، سنة خمس من ~~الهجرة. # قال شيخنا أبو الفتح بن دقيق العيد المحقق المدقق - رحمه الله -: إذا ~~اختلفت الروايات، وكانت الحجة ببعضها دون بعض، توقف الاحتجاج، قال: وهذا ~~صحيح بشرط تكافؤ الروايات وتقاربها، أما إذا كان الترجيج واقعا لبعضها؛ إما ~~لأنه رواه أكثر أو أحفظ، فينبغي العمل بها؛ إذ الأضعف لا يكون مانعا من ~~العمل بالأقوى، والمرجوح لا يمنع التمسك بالراجح، فتمسك بهذا الأصل؛ فإنه ~~واقع في مواضع عديدة: # منها: أن المحدثين يعللون الحديث بالاضطراب، ويجمعون الروايات العديدة، ~~فيقوم في الذهن منها صورة توجب التضعيف، والواجب أن ينظر إلى تلك الطرق، ~~فما كان منها ضعيفا، أسقط عن درجة الاعتبار، ولم يجعل مانعا من التمسك ~~بالصحيح القوي، قال: ولتمام هذا مواضع أخر. هذا آخر كلامه، وهو نفيس، والله ~~أعلم (¬1). # أما قوله: "بعنيه بوقية"؛ فهكذا هو ثابت في الروايات في هذا الحديث ~~وغيره، وهي لغة صحيحة سبق ذكرها، ويقال: أوقية، كما قاله جابر في هذا ~~الحديث، وهي أشهر في اللفظة. # قوله: "واستثنيت حملانه" -بضم الحاء- أي: الحمل عليه. # قوله: "فأرسل في إثري"؛ -هو بكسر الهمزة وسكون الثاء وبفتحهما-: لغتان. # قوله: "أتراني ماكستك؟ "؛ قال أهل اللغة: المماكسة: المكالمة في النقص PageV02P1157 # من الثمن، وأصلها: النقص، ومنه: مكس الظالم، وهو ما ينتقصه ويأخذه من ~~أموال الناس (¬1). # وفي هذا الحديث علم ms0782 من أعلام النبوة، ومعجزة من معجزات الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - حيث إن جمل جابر لما أعيا، دعا له النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، وضربه، فسار أسرع ما كان بعد الإعياء. # وفيه: تفقد الأمير والكبير والعالم أحوال أصحابه، وسؤالهم عن أحوالهم، ~~وإعانتهم عليها بما تيسر من حال أو مال، أو دعاء في السفر والحضر. # وفيه: استعمال مكارم الأخلاق في ذلك؛ بأن يجعل ما يفعله من الإعانة على ~~سبيل المعاوضة، ليطيب خاطر من يفعل ذلك معه، ويكون قصده بذلك ثواب الآخرة؛ ~~كما فعل - صلى الله عليه وسلم - مع جابر في جمله، وإعطائه إياه وثمنه. # وفيه: جواز المحاورة في البيع وثمنه، والمناقصة حال المساومة، وأما بعد ~~العقد واستقرار الثمن والمثمن، فلا تجوز المماكسة، وهي حرام بلا خلاف. # وفيه: جواز طلب البيع ممن لم يعرض سلعته للبيع. # وفيه: المبادرة إلى الوفاء، وإن كان وجب على سبيل المكارمة باطنا. # وفيه: تربية الأصحاب والأتباع بحسن المعاملة، وتنبيههم على ذلك بالقول في ~~حسن فعله. # وفيه: حجة لأحمد، ومن قال بقوله في جواز بيع الدابة بشرط ركوب البائع ~~إياها بنفسه، وقد اختلف العلماء في ذلك، فقال مالك: يجوز ذلك إذا كانت ~~مسافة الركوب قريبة، وحمل هذا الحديث على ذلك، وقال الشافعي، وأبو حنيفة، ~~وآخرون: لا يجوز ذلك، سواء قلت المسافة [أو] كثرت، ولا ينعقد البيع، ~~واحتجوا بنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثنيا (¬2)، وعن بيع PageV02P1158 # وشرط (¬1)، وأجابوا عن حديث جابر هذا: بأنه قضية عين تتطرق إليها ~~الاحتمالات، قالوا: ولأنه - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يعطيه الثمن، ولم ~~يرد حقيقة البيع، قالوا: ويحتمل أن الشرط لم يكن في نفس العقد، والذي يضر ~~من الشروط ما هو في نفس العقد، ولعل الشرط كان سابقا، فلم يؤثر، ثم تبرع - ~~صلى الله عليه وسلم - بإركابه. # ومن أصحاب الشافعي - رحمه الله - من قال بالجواز؛ تفريعا على جواز بيع ~~الدار المستأجرة؛ فإن المنفعة فيها تكون مستثناة، ومذهب الشافعي هو الأول. # وفيه: المبادرة إلى تسليم المبيع إلى البائع وقت تسليمه، ونقد المشتري ms0783 ~~الثمن عقب تسليمه. # وفيه: أن الهبة لا تقع إلا على الأعيان بعد قبضها [و] تسليمها. # وفيه: أن لفظ "خذ" صريح في الهبة. # وفيه: أن إضافة الجمل والدراهم إلى جابر - رضي الله عنه - إضافة إحسان ~~وتكرم؛ بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فهو لك"، وذلك يحتمل سببين: ~~أحدهما: إما الإخبار عما كان في ضميره - صلى الله عليه وسلم -، واما إنشاء ~~التمليك له، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أن يبيع حاضر لباد، ولا تناجشوا، ولا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب ~~على خطبة أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها (¬2). # تقدم الكلام على بيع الحاضر للبادي، والنجش، والبيع على بيع أخيه. PageV02P1159 # أما الخطبة؛ فهي بكسر الخاء، وأما الخطبة في الجمعة، والعيد، والحج، وغير ~~ذلك، وبين عقد النكاح، فبضمها. # وتصرف الفقهاء في معنى التحريم للخطبة ووقته، ومن تحرم الخطبة عليه. # أما التحريم، فلا يكون إلا بعد التراكن والتوافق بين الخاطب والمخطوب إليه. # وأما المعنى الذي حرم لأجله الخطبة، فهو: وقوع العداوة والبغضاء المانعين ~~من التقوى، الحاملين على القطيعة، وعدم المواصلة التي لا تقوم مصلحة الدين ~~والدنيا إلا بها. # وأما وقته: فهو بعد التراكن الذي ذكرنا، ولا يمتنع قبله؛ نظرا إلى المعنى ~~الذي لأجله حرمت الخطبة. # وأما ما تحرم عليه الخطبة؛ فخصصه الخطابي بالمسلم، وقال: هو ظاهر الحديث، ~~فإن كان كافرا، فلا تحريم، وبه قال الأوزاعي. # وقال جمهور العلماء: تحرم الخطبة على تحريم خطبة الكافر -أيضا-، ولهم أن ~~يجيبوا عن الحديث بأن التقييد بأخيه خرج على الغالب، فلا يكون له مفهوم ~~يعمل به، كما في قوله تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق} [الأنعام: ~~151]، وقوله تعالى: {وربائبكم اللاتي في حجوركم} [النساء: 23]، ونظائره. # وأما الفاسق فظواهر الأحاديث وإطلاقها، ومفهوم قول جمهور العلماء في ~~تحريم الخطبة على خطبة الكافر: أنه تحرم الخطبة على خطبته، وقال ابن القاسم ~~المالكي: تجوز الخطبة على خطبة الفاسق، فلو كان الخاطب الأول فاسقا، ~~والثاني صالحا، ms0784 لم يندرج تحت النهي. # واعلم أن مذهب الشافعي - رحمه الله -، وغيره من العلماء: أنه إذا ارتكب ~~النهي، وخطب على خطبة أخيه، لم يفسد العقد، ولم يفسخ؛ لأن النهي مجانب لأجل ~~العداوة والبغضاه، وذلك لا يعود على أركان العقد وشروطه بالاختلال، PageV02P1160 # ومثل هذا لا يقتضي فساد العقد، والله أعلم. # وأما نهي المرأة عن سؤال طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها؛ قال أهل اللغة: ~~يقال: كفات الإناء: إذا قلبته وفرغته، فلم يبق فيه شيء، واستعمل الشرع ذلك ~~في سؤال طلاق المرأة أختها بعد عقد النكاح عليها مجازا، وتشبيها لتفريغ ~~الصحفة بعد امتلائها (¬1)، وفيه معنى آخر: وهو الإشارة إلى الرزق الذي ~~يوجبه النكاح من النفقة؛ لأن الصحفة وامتلاءها من باب الأرزاق، فكان ~~إكفاؤها وقلبها بمنزلة منعها ما وصل أختها من الخير بسؤالها طلاقها، والله أعلم. # وفي هذا الحديث أحكام، تقدم بعضها وبقي بعضها: # فمنها: تحريم الخطبة على الوجه المذكور، وهو مجمع عليه إذا صرح بالإجابة، ~~فلو خطب محرما، وتزوج، صح النكاح، وكان عاصيا، ولم يفسخ، كما تقدم. # وبذلك قال جمهور العلماء، وقال داود: يفسخ النكاح، وعن مالك: روايتان؛ ~~كالمذهبين، وقال جماعة من المالكية: يفسخ قبل الدخول لا بعده، فلو عرض له ~~الإجابة من غير تصريح: ففي تحريم الخطبة على خطبته قولان للشافعي: أصحهما: ~~لا يحرم، وقال بعض أصحاب مالك: لا يحرم حتى يرضوا بالزوج، ويسمى المهر، ~~واستدلوا على ذلك: وهو أن التحريم، إنما هو متعلق بالتصريح بالإجابة دون ~~التعريض بها؛ لحديث فاطمة بنت قيس؛ حيث قالت: خطبني أبو جهم ومعاوية (¬2)، ~~فلم ينكر النبي - صلى الله عليه وسلم - خطبة بعضهم على بعض، بل خطبها ~~لأسامة، وقد يعترض على هذا الدليل فيقال: لعل الثاني لم يعلم بخطبة الأول، ~~وأما النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأشار بأسامة، لا أنه خطب لها. PageV02P1161 # ومنها: تحريم السعي في التفريق بين المرأة وزوجها بالطلاق وغيره مما هو ~~في معناه، أو أشد منه، إذا كان لمقصود دنيوي، سواء كان الساعي رجلا أو ~~امرأة، فإن كان لمقصود ديني، كان مشروعا. # ومنها: الإشارة ms0785 إلى تحريم الحسد للناس، والنظر إلى ما في أيديهم؛ ~~للاستئثار به عنهم، أو زواله مطلقا. # ومنها: الإشارة إلى الرضا بالمقسوم، وإذا ابتلي بالطلب لما يجوز طلبه ~~وعدم الرضا، فليسأل الله تعالى دون غيره، وإن كان لا بد سائلا، فليسأل ~~الصالحين. # ومنها: الإشارة إلى النظر إلى من هو دونك في الدنيا، وقد أمر به - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال: "انظر إلى من هو دونك" (¬1)، والله أعلم. # * * * PageV02P1162 ### || AUTO باب الربا والصرف ### ||| AUTO الحديث الأول # عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - "الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، ~~والشعير بالشعير ربا إلا" (¬1). # وتقدم الكلام على عمر أول الكتاب. # أما الذهب: فله أسماء، نظمها شيخنا، حجة العرب، أبو عبد الله بن مالك ~~الجياني - رحمه الله - في بيتين، وهما: # نضر نضير نضار زبرجد ... سيرا عسجد عقيان الذهب # والتبر ما لم يذن وأشركوا ... ذهبا وفضة في نسيك هكذا العرب (¬2) # وأما الورق: فهو بفتح الواو وكسر الراء، ويجوز إسكان الراء مع فتح الواو ~~وكسرها، قال الأكثرون من أهل اللغة: وهو مختص بالدراهم المضروبة، وقال ~~جماعة منهم: تطلق على كل الفضة، وإن لم تكن مضروبة، والمراد بالحديث جميع ~~صنوفها، وكل مقدار منها (¬3). PageV02P1163 # وأما البر: فهو اسم من أسماء القمح، ويقال له: الحنطة، والسمراء. # وأما الشعير: فهو بفتح الشين على المشهور، ويقال بكسرها، وقال ابن مكي ~~الصقلي -رحمه الله تعالى-: يقال في كل ما كان وزنه على فعيل، وكان وسطه حرف ~~حلق مكسورا: بكسر أوله، وهي لغة لبني تميم، ثم قال: وزعم الليث أن قوما من ~~العرب يقولون في كل ما كان على فعيل مفتوح أوله: فعيل بكسره، وإن يكن حرف ~~حلق، فيقولون: كثير، وجليل، وكريم، بكسر أولها، وما أشبه ذلك، والله أعلم (¬1). # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ربا": الربا؛ مقصور يكتب بالألف؛ لأنه من ~~ربا يربو، وتثنيته: [ربوان]، وأجاز الكوفيون كتبه وتثنيته بالياء، بسبب ~~الكسرة في أوله، وغلطهم البصريون، قال أهل اللغة: ويقال في الربا: ms0786 الرما؛ ~~بالميم والمد. والربية -بالضم والتخفيف-: لغة في الربا. # وأصل الربا: الزيادة، يقال: ربا الشيء يربو: زاد، وأربى الرجل وأرمى: ~~عامل بالربا، وهو في الشرع: وجوب الحلول، وتحريم النساء، والتفاضل إذا كان ~~في جنس واحد، فلو كان في غير جنسه، لكنه من نوعه؛ كالذهب والفضة، والحنطة ~~والشعير، لم يعتبر إلا الحلول وتحريم النساء، دون التفاضل (¬2). # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إلا هاء وهاء"؛ فيه لغتان: المد والقصر، ~~والمد أفصح وأشهر، وأصله: هاك، فأبدلت مدة من الكاف، ومعناه: خذ هذا، ويقول ~~صاحبه مثله، وغلط الخطابي وغيره المحدثين في رواية القصر، وقالوا: الصواب ~~المد والفتح، وليست بغلط، بل هي صحيحة، وإن كانت قليلة، لكن أكثر أهل اللغة ~~ينكرون القصر فيها، ويقال في لغة: بالمد وكسر الهمزة للذكر، والأنثى (هائي) PageV02P1164 # بزيادة ياء، قال القاضي عياض - رحمه الله -: وفيه لغة أخرى: هاءك، بالمد ~~وبالكاف، واللفظة موضوعة للتقابض، والله أعلم (¬1). # واعلم أن الربا محرم في الجملة، وقد أجمع المسلمون عليه، وإن اختلفوا في ~~ضابطه وتفاريعه، قال الله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} [البقرة: 275]. # وبينت السنة النبوية -على قائلها أفضل الصلاة والسلام- المحل الذي يجري ~~فيه الربا، فذكر في هذا الحديث منها أربعة أشياء، وقد ذكر في "صحيح مسلم" ~~شيئان: فصارت ستة منصوصا عليها، فالأربعة: الذهب، والفضة، والبر، والشعير، ~~والشيئان: التمر، والملح. # فأما أهل الظاهر، فجمدوا على تحريم هذه الستة، وقالوا: لا ربا في سواها؛ ~~بناء على أصلهم في نفي القياس، وقال جميع العلماء سواهم: يتعدى التحريم إلى ~~غير الستة مما في معناها، وهو ما يشاركها في العلة. # واختلفوا في العلة التي هي سبب التحريم في الستة، فقال الشافعي: العلة في ~~الذهب والفضة: كونهما جنس الأثمان، فلا يتعدى منهما الربا إلى غيرهما من ~~الموزونات وغيرها؛ لعدم المشاركة، قال: والعلة في الأربعة الباقية: كونها ~~مطعومة، فيتعدى الربا منها إلى كل مطعوم. # وقال مالك في الذهب والفضة كقول الشافعي، وقال في الأربعة: العلة فيها ~~كونها تدخر للقوت وتصلح له، فعداه إلى الزبيب؛ لأنه كالتمر، وإلى القطينة؛ ~~لأنها في ms0787 معنى البر والشعير، وقال أبو حنيفة: العلة في الذهب والفضة: ~~الوزن، وفي الأربعة: الكيل، فيتعدى إلى كل موزون من نحاس، وحديد، وغيرهما، ~~وإلى كل مكيل؛ كالجص والأشنان وغيرهما. # وقال أحمد، والشافعي في القديم -وهو قول سعيد بن المسيب من التابعين-: ~~العلة في الأربعة: كونها مطعومة وموزونة، أو مكيلة، فشرطوا PageV02P1165 # الأمرين، فعلى هذا: لا ربا في البطيخ والسفرجل ونحوه، مما لا يكال ولا يوزن. # وأجمع المسلمون في جواز بيع الربوي بالربوي الذي لا يشاركه في العلة ~~متفاضلا ومؤجلا؛ كبيع الذهب بالحنطة، وبيع الفضة بالشعير وغيره من المكيل، ~~وأجمعوا على أنه لا يجوز بيع الربوي بجنسه وأحدهما مؤجل، وعلى أنه لا يجوز ~~التفاضل إذا بيع بجنسه حالا؛ كالذهب بالذهب، وعلى أنه لا يجوز التفرق قبل ~~التقابض إذا باعه بجنسه أو بغير جنسه مما يشاركه في العلة؛ كالذهب بالفضة، ~~والحنطة بالشعير، وعلى أنه لا يجوز التفاضل عند اختلاف الجنس، إذا كان يدا ~~بيد؛ كصاع حنطة بصاعي شعير، ولا خلاف بين العلماء في شيء من هذا، إلا ما ~~يروى عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في تخصيص الربا في النسيئة. # قال العلماء: إذا بيع الذهب بذهب، أو الفضة بفضة، سميت: مراطلة، وإذا ~~بيعت الفضة بذهب، سمي: صرفا، وإنما سمي صرفا؛ لصرفه عن مقتضى البياعات، من ~~جواز التفاضل وعدم التفرق قبل القبض والتأجيل، وقيل: من صريفهما، وهو ~~تصويتهما في الميزان، والله أعلم. # وتقدم أن: التحيل على الخلاص من المحرم، والوقوع فيه، مطلوب للشرع، وقد ~~حصلت تصرفات ليست من الربا في شيء، التبسها الجهال بعلم الشريعة، وجعلوها ~~من المعاملات الربويات؛ تنطعا وجهلا، فإن قصد بها التحيل على الوقوع فيه، ~~من غير أن تكون صورته صورة العقود المحرمة في الربا، فقد اختلف العلماء في ~~ذلك وصحته، مع اتفاقهم على كراهة التنزيه فيه الشديدة؛ لأجل ما قصد به، ~~فقال جماعة: وهو صحيح، وبالغ بعضهم فقال: هو مثاب عليه لأجل التنفيس عن ~~الناس بإعانتهم بهذه الطريق، وهذا لو تجرد عن قصد التحيل على الربا، كان ~~صحيحا؛ لأن المقاصد الأخروية ms0788 غير مقابلة بشيء من أمور الدنيا الجائزة ~~وغيرها، بل هي مقابلة بثواب الآخرة شرعا. # وهذا بالنسبة إلى ما يتعلق بأحكام المكلفين، وأما بالنسبة إلى أفعال الله PageV02P1166 # تعالى، فلا؛ لأنه سبحانه يثيب من يشاء كيف يشاء في الدنيا والآخرة؛ حيث ~~إنه -سبحانه وتعالى- يقضي ويحكم ويفعل ما يشاء، ولا يقضى ولا يحكم عليه، ~~ولا يلزمه شيء، ولا يجب عليه شيء إلا بإيجابه، ولا يلزمه إلا بوعده، فهو ~~سبحانه الحق، وقوله حق، وحكمه حق، وقضاؤه ووعده حق، لا يسأل عما يفعل وهم ~~يسألون، نسأله المجازوة واللطف والعفو والرأف، تبارك وتعالى عما يقول ~~الظالمون والجاحدون علوا كبيرا. # وفي هذا الحديث دليل: على تحريم الربا في الجملة على ما ذكرنا. # وفيه: اشتراط التقابض في بيع الربوي بالربوي، إذا اتفقا في علة الربا، ~~سواء اتفق جنسهما؛ كذهب بذهب، أم اختلف؛ كذهب بفضة؛ فإنه - صلى الله عليه ~~وسلم - نبه في هذا الحديث بمختلف الجنس على متفقه؛ حيث قال: "الذهب بالورق ~~ربا"، واستدل المالكية بذلك على اشتراط التقابض عقب العقد، حتى لو أخره عن ~~العقد، وقبض في المجلس، لا يصح عندهم، والمعتبر عند الشافعي - رحمه الله - ~~وأصحابه: الحلول والتقابض في المجلس، وإن طال الزمان يوما أو أياما لم ~~يتفرقا، وبه قال أبو حنيفة، وآخرون. # ولا دليل للمالكية في الحديث على ما ادعوه؛ حيث لم يتعرض فيه على طول ~~المجلس وقصره، وما ذكره مسلم فيه: من أن طلحة بن عبيد الله -رضي الله عنه- ~~أراد أن يصارف صاحب الذهب، ويؤخر دفع الدراهم إلى مجيء الخادم، فإنما قاله ~~ظنا اجتهاديا للجواز كسائر البياعات؛ حيث لم يبلغه حكم المسألة، فلما أبلغه ~~عمر - رضي الله عنه - الحكم، ترك المصارفة. # ولا شك أن مأخذ الشافعي أقرب إلى حقيقة اللفظ، ومأخذ المالكية أدخل في ~~المجاز. # وقد جمع الحديث مختلف الجنس ومتفقه بالذهب والفضة، وبالبر بالبر، ~~وبالشعير بالشعير، فاقتضى ذلك تحريم النساء، لكنه لا يسمى نساء، إلا إذا ~~تفرقا عن المجلس من غير قبض، والله أعلم. PageV02P1167 # وفيه دليل: على أن البر والشعير صنفان من المطعومات، وبه ms0789 قال الشافعي، ~~وأبو حنيفة، والثوري، وفقهاء المحدثين، وآخرون. # وقال مالك، والليث، والأوزاعي، ومعظم علماء المدينة والشام من المتقدمين: ~~إنهما صنف واحد، وهو محكي عن عمر، وسعد، وغيرهما من السلف -رضي الله عنهم-. # وقال الليث بن سعد، وابن وهب: الدخن والأرز والشعير صنف واحد. # واتفق العلماء غيرهما على أن كل واحد من الأرز والدخن والشعير صنف واحد، ~~والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "لا تبايعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ~~ولا تبيعوا منها غائبا بناجز" (¬1). وفي لفظ: "إلا يدا بيد" (¬2). وفي لفظ: ~~"إلا وزنا بوزن، مثلا بمثل، سواء بسواء" (¬3). # تقدم الكلام على أبي سعيد واسمه ونسبته وما يتعلق به، أوائل الكتاب. # وأما قوله: "ولا تشفوا"؛ هو بضم التاء وكسر الشين المعجمة وتشديد الفاء؛ ~~أي: لا تفضلوا، والشف -بكسر الشين-: الربا، ويطلق -أيضا- على النقصان، فهو ~~من الأضداد، يقال: شف الدرهم -بفتح الشين- يشف -بكسرها-: إذا زاد وإذا نقص، ~~وأشفه غيره يشفه (¬4). PageV02P1168 # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولا تبيعوا منها غائبا بناجز"؛ الغائب: ~~المؤجل، والناجز: الحاضر، ومعناه: لا تبيعوا مؤجلا بحاضر من الذهب بالذهب، ~~ولا من الذهب بالفضة. # وقد أجمع العلماء على تحريم ذلك، وكذلك حكم الحنطة بالحنطة أو بالشعير، ~~وكذلك كل شيئين اشتركا في علة الربا. # أما إذا باع دينارا بدينار كلاهما في الذمة، ثم أخرج كل واحد الدينار، أو ~~بعث من أحضر له دينارا من بيته، وتقابضا في المجلس، فيجوز عند الشافعية بلا ~~خلاف؛ حيث إن الشرط عندهم: ألا يتفرقا بلا قبض، وقد حصل وتقدم هذا في ~~الحديث قبله؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في اللفظ بعده: "إلا ~~يدا بيد" بعد قوله: "لا تبيعوا غائبا بناجز". # وأما قول القاضي عياض - رحمه الله -: اتفق العلماء على أنه لا يجوز بيع ~~أحدها بالآخر مؤجلا أو غائبا عن المجلس، فليس كما قال؛ لما ذكرنا من قول ~~الشافعي فيه، واتفاق أصحابه من جواز ذلك، والله ms0790 أعلم (¬1). # وقوله في الرواية الثالثة: "إلا وزنا بوزن" إلى آخره؛ هذه الألفاظ: التي ~~هي: الوزن، والمثل، والسواء، يحتمل الجمع بينها: التوكيد والمبالغة ~~للإيضاح، والمراد: اعتبار التساوي وتوكيده من الشرع، واعتبره الفقهاء ~~بمعيار الشرع وزنا وكيلا في الموزون والمكيول، وكذلك في المعدودات ~~المتماثلات، والمذروعات، فيحتمل أن يكون الجمع بينها محمولا على الكيل ~~والعد فيما عدا الموزون، والله أعلم. # وفي هذا الحديث: تحريم بيع جميع أنواع الذهب بعضها ببعض متفاضلا. # وفيه: تحريم بيع الغائب منها بالحاضر إذا تفرقا من غير قبض، كما ذكرنا. # وفيه: اشتراط القبض في المجلس، وتقدم مذهب مالك في القبض عقيب PageV02P1169 # العقد، وإن طال المجلس، ووجد القبض فيه، وما ادعاه القاضي عياض في ذلك من ~~اتفاق العلماء، وجوز إسماعيل بن علية التفريق عند اختلاف الجنس، بأن أراد ~~بذلك اختلاف الجنس بالنسبة إلى النقدين وغيرهما من المطعومات، فهو موافق ~~للجماعة، وإلا، فهو محجوج بالحديث والاجماع، والله أعلم. # وفيه: الحث على التساوي في الربويات، بكل ما يمكن من الوزن أو الكيل أو العد. # وإن حملنا الحديث على التوكيد والمبالغة، فتكون الدلالة على غير الموزون ~~من باب التنبيه، لا من باب المراد، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثالث # عنه، قال: جاء بلال إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتمر برني، ~~فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من أين هذا؟ "، قال بلال: كان ~~عندنا تمر رديء، فبعت منه صاعين بصاع لمطعم النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - عند ذلك: "أوه! عين الربا، لا تفعل! ~~ولكن إذا أردت أن تشتري، فبع التمر ببيع آخر، ثم اشتر به" (¬1). # تقدم الكلام على بلال وأبي سعيد. # وأما التمر البرني؛ فهو ضرب من التمر، أصفر مدور، واحدته برنية، وهو أجود ~~التمر، قاله صاحب "المحكم"، وقال أبو حنيفة الدينوري: أصله فارسي. # وأما قول الشيخ أبي إسحاق الشيرازي صاحب "التنبيه" فيه: إن المعقلي أجود ~~من البرني، وليس كما قال: بل الصواب المشهور ما قاله صاحب "المحكم" (¬2). PageV02P1170 # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أوه! عين الربا"، ms0791 أما أوه: فقال أهل ~~اللغة: هي كلمة توجع وتحزن، وأما: "عين الربا"؛ وتكرارها مرتين: فمعناه: ~~أنه حقيقة الربا المحرم، وأكده بالتكرار. # وفي أوه لغات: أفصحهن: فتح الهمزة والواو المشددة والهاء ساكنة، ويقال ~~بالهاء منصوبة منونة، ويقال أوه: بإسكان الواو وكسر الهاء منونة وغير ~~منونة، ويقال: أو: بتشديد الواو مكسورة منونة بلا هاء، ويقال: آه، بمد ~~الهمزة وتنوين الهاء مكسورة من غير واو (¬1). # وروى مسلم في "صحيحه"من حديث أبي سعيد: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال لمن اشترى صاعا بصاعين: "هذا الربا فردوه" (¬2)، وفي حديث الكتاب هذا: ~~أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر بلالا برده، بل نهاه عن فعله، وأمره أن ~~يبيع التمر ببيع آخر، ثم يشتري به، فيحتمل أنهما واقعتان، أمر فيهما ~~بأمرين، وليس بظاهر، بل الظاهر أنها واقعة واحدة، أمر فيها برده، فبعض ~~الرواة حفظ الرد، وبعضهم لم يحفظه، والزيادة من الثقة مقبولة. # وليس في حديث بلال في الكتاب ما ينافي الرد، بل مقتضى نهيه - صلى الله ~~عليه وسلم - عن فعله، يلزم منه الرد؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - لما أمره ~~ببيع التمر ببيع آخر، ثم اشترائه، لزم منه رده على بائعه، واسترداد ثمنه، ~~وهي الصاعان من الرديء، ثم اشتراء التمر من البائع أو غيره ببيع آخر، إما ~~في الذمة، وإما بتقويم الرديء بثمن غير ربوي، ثم اشترائه به، ولم يكن شيء ~~من ذلك، ولم تثبت رواية الرد، فيحمل حديث بلال هذا على أنه جهل بائعه، ولا ~~يمكن معرفته، فصار مالا ضائعا لمن عليه دين بقيمته، وهو التمر الرديء الذي ~~قبضه عوضا عن الصاعين الرديئين، وحينئذ لا يبقى فيه إشكال ولا معارضة، ~~والله أعلم. PageV02P1171 # وقوله: "فبع التمر ببيع آخر"؛ الألف واللام في "التمر" للعهد في الرديء. # وقوله: "ثم اشتر به"؛ يعني "به": الصاع الجيد، ويكون المعنى: بعه على ~~صفقة أخرى، وتكون الباء زائدة، كأنه قال: بعه بيعا آخر، وعود المعنيين إلى ~~محلين أولى من عودهما إلى محل، خصوصا إذا استقام المعنى به، والله أعلم. # وفي هذا الحديث ms0792 أحكام جليلة: # منها: النص على تحريم ربا الفضل في التمر، والأمة كلها عليه، إلا ابن ~~عمر، وابن عباس - رضي الله عنهما -؛ فإنهما قالا بجوازه إذا كانا يدا بيد ~~في جميع الربويات المتجانسة في أول أمرهما، فلما بلغهما حديث أبي سعيد، ~~رجعا عن قولهما بإباحته إلى منعه، وذكر الراوي عنهما الإباحة الرجوع عنها ~~لأبي سعيد. # ومنها: اهتمام التابع بمتبوعه في أكله وجميع أموره، وطعامه الجيد الطيب ~~دون الرديء. # ومنها: السؤال عن تصرف المتبوع له عن كيفيته ليعلمه إياها، وليجتنبه ~~المتبوع. # ومنها: تعليم العلم، وتقبيح المحرم والمكروه لمن يعلمه؛ ليجتنبه ويعلمه غيره. # ومنها: تعريف التابع للمتبوع اهتمامه به في المطعم، وعدم الرضا بالرديء ~~له، إما لقصد دعاء المتبوع له، وإما لإقباله عليه، إما بظاهره، أو بباطنه، ~~أو بمجموعهما. # ومنها: ما احتج به أصحاب الشافعي ومن وافقهم على استعمال الحيل في ~~البياعات في مسألة العينة كما يفعله بعض الناس، توصلا إلى مقصود الربا، بأن ~~يريد أن يعطيه مئة بمئتين، فيبيعه ثوبا بمئتين، ثم يشتريه منه بمئة. # وموضع الدلالة من هذا الحديث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: ~~"بعه واشتره ببيع آخر"، ولم يقصد بذلك سوى الخلاص من العقد الممنوع منه في ~~الشرع، وهو PageV02P1172 # عدم التماثل في الربويات من التمر، لا كثرة ولا غيرها، لا من البائع ~~الأول ولا من غيره، وذلك يعم كل الربويات، وهذه الصورة وغيرها ليست بحرام ~~عند الشافعي وغيره وآخرين، وقال مالك، وأحمد، وغيرهما: كل ذلك حرام، ~~والحديث مطلق عندهم يصدق في صورة واحدة، فلا تعم، والله أعلم. # ومنها: أن التفاضل في الصفات لا اعتبار به في تجويز الزيادة. # ومنها: أن قوما أخذوا من الحديث تجويز الذرائع؛ من حيث قوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "بع التمر ببيع آخر ثم اشتر به"؛ فإنه أجاز بيعه وشراءه على ~~الإطلاق، ولم يفصل بين أن يبيعه ممن باعه، أو من غيره، ولا بين أن القصد ~~والتوصل إلى شري الأكثر أولا، والمانعون من الذرائع يجيبون: بأنه مطلق لا ~~عام، فيحمل على بيعه من ms0793 غير البائع، أو على غير الصورة التي يمنعونها؛ فإن ~~المطلق يكتفى في العمل به بصورة واحدة، وقد بينا أن قوله: "فبع التمر" عائد ~~على الرديء، لا على الجيد، وقوله: "ثم اشتر به" عائد على الجيد؛ تصحيحا ~~للمعنى فيهما، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن أبي المنهال قال: سألت البراء بن عازب، وزيد بن أرقم -رضي الله عنهما- ~~عن الصرف، فكل واحد منهما يقول: هذا خير مني، وكلاهما تقول: نهى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - عن بيع الذهب بالورق دينا (¬1). # أما أبو المنهال، فهو سيار بن سلامة، وتقدم ذكره في أثناء باب: المواقيت، ~~من كتاب: الصلاة، وأما البراء، وزيد بن أرقم، فتقدما في الصلاة. # وقوله: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الذهب بالورق ~~دينا": يعني مؤجلا، أما إذا باعه في الذمة حالا، فإنه يجوز كما تقدم، وشرطه ~~التقابض في المجلس. PageV02P1173 # وفي الحديث دليل: على السؤال عن العلم من أهله. # وفيه دليل: على التورع عن الفتيا إذا وجد من يقوم بها. # وفيه دليل: على الاعتراف لأهل الفضل بفضلهم، والتواضع لهم، إذا لم يترتب ~~عليه مفسدة دينية. # وفيه دليل: على موافقة أهل الحق ومعاضدتهم. # وفيه دليل: نصا: على تحريم الربا نساء في الذهب والفضة؛ لاجتماعهما في ~~علة واحدة، وهي النقدية، وكذلك في الأجناس الباقية، من البر والشعير والتمر ~~وغيرها، باجتماعها في علة أخرى، فلا يباع بعضها ببعض نسيئة، والواجب فيما ~~يمتنع فيه النساء أمران: # أحدهما: التناجز؛ بحيث لا يكون مؤجلا. # والثاني: التقابض في المجلس، وهو الذي يؤخذ من قوله: "يدا بيد". # * * * ### ||| AUTO الحديث الخامس # عن أبي بكرة -رضي الله عنه- قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عن الفضة بالفضة، والذهب بالذهب إلا سواء بسواء، وأمر أن نشتري الفضة ~~بالذهب كيف شئنا، قال: فسأله رجل فقال: "يدا بيد"، فقال: هكذا سمعت (¬1). # تقدم الكلام على أبي بكرة، وأن اسمه نفيع بن الحارث. # قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إلا سواء بسواء": يعني في عدم التفاضل، ~~وفي وجود التساوي في الوزن، وعدم التفريق قبل ms0794 القبض، وفي وجود الحلول في ~~المجلس. # وقوله: "أن نشتري الذهب بالفضة، كيف شئنا"؛ يعني: بالنسبة إلى التفاضل ~~والتساوي، لا بالنسبة إلى الحلول والتأجيل، وقد ثبت ذلك في "الصحيح" في PageV02P1174 # قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإذا اختلفت هذ الأجناس، فبيعوا كيف شئتم، ~~إذا كان يدا بيد" (¬1). # وفي الحديث دليل: على وجوب التساوي في الربويات، إذا كانت من جنس واحد. # وفيه دليل: على جواز التفاضل، إذا اختلفت أجناسها، إذا كانت مقبوضة في ~~المجلس. # وفيه دليل: على أن الفتيا في التوقيفيات، والتعبديات؛ كالربويات ونحوها، ~~موقوفة على السماع، والله أعلم. # * * * PageV03P1180 ### || AUTO باب الرهن وغيره # الرهن في اللغة: الثبوت، يقال: رهن بالمقام؛ أي: أقام به، وثبت فيه. # وفي الشرع: جعل عين مال وثيقة بدين؛ ليستوفى منها عند تعذر استيفائه ممن عليه. # وجمع الرهن: رهان، كحبل وحبال، ويقال: رهن -بضم الهاء-. # واختلفوا في رهن، هل هو جمع رهن، أم جمع رهان، فيكون جمع الجمع؟ # قال الأكثرون: جمع رهان، وقال أبو عمرو بن العلاء: جمع رهن، كسقف وسقف. # ويقال: رهنت الشيء، وهو الأفصح المشهور، وأرهنته، رباعيا، ومنهم من منعه، ~~وأرهنته إياه، والراهن: دافع الرهن، والمرتهن: آخذه، والشيء: رهن، ورهين، ~~والأنثى: رهينة (¬1). # * * * ### ||| AUTO الحديث الأول # عن عائشة -رضي الله عنها-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اشترى من ~~يهودي طعاما، ورهنه درعا من حديد (¬2). PageV03P1181 # أما اليهودي المرهون عنده درع النبي - صلى الله عليه وسلم - على طعام؛ ~~فقد ذكر الخطيب البغدادي في "المبهمات" من رواية أنس حديثه، وقال: ويقال ~~له: أبو الشحم (¬1). # وقد نطق الكتاب العزيز بجواز الرهن في قوله تعالى: {وإن كنتم على سفر ولم ~~تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة} [البقرة: 283]. # وفي الحديث أحكام: # منها: جواز معاملة الكفار، وعدم اعتبار الجواز في معاملاتهم. # ومنها: جواز الرهن في الحضر، وقد وقع التصريح به في غير هذه الرواية. # واتفق العلماء على جواز الرهن في السفر عند عدم الكاتب، وقال مجاهد بن ~~جبر التابعي: لا يجوز إلا في هذه الصورة؛ لظاهر الآية، وجوزه الباقون في ~~الحضر والسفر، وقالوا: الآية خرج الكلام ms0795 فيها على الأعم الأغلب، لا على ~~سبيل الشرط، والحديث يدل بمجموع طرقه على جوازه مطلقا من غير سفر، ولا عند ~~عدم كاتب، والله أعلم. # ومنها: جواز الشراء بالثمن المؤجل المؤخر قبضه؛ لأن الرهن إنما يحتاج ~~إليه حيث يكون الثمن مؤجلا، أو حيث لا يتأتى إقباضه في الحال غالبا. # ومنها: جواز رهن السلاح. # ومنها: جواز رهنه عند الكفار من أهل الذمة والمعاهدين. # ومنها: ما كان عليه - صلى الله عليه وسلم - من الفقر والحاجة والتقلل من ~~الدنيا، والزهد فيها، مع تمكينه - صلى الله عليه وسلم - منها وعرضها عليه، ~~وإعراضه عنها، والله أعلم. # * * * PageV03P1182 ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "مطل الغني ظلم، فإذا أتبع [أحدكم] على مليء، فليتبع" (¬1). # المطل في اللغة: مصدر مطله يمطله -بضم الطاء- مطلا، وماطله مماطلة، فهو ~~مماطل، وهو مشتق من مطلت الحديدة: إذا ضربتها ومددتها لتطول، وكل ممدود ~~ممطول (¬2). # وهو في الشرع: منع أداء ما استحق أداؤه، فكأنه منع أداء الحق، فمطل الغني ~~ظلم وحرام، ومطل غير الغني ليس بظلم ولاحرام؛ لمفهوم هذا الحديث؛ حيث إنه ~~معذور؛ فلو كان غنيا، ولكنه ليس متمكنا من الأداء؛ لغيبة المال، أو لغير ~~ذلك، جاز له التأخير إلى الإمكان، وهذا مخصوص من مطل الغني، أو يقال: ~~المراد بالغني: المتمكن من الأداء، فلا يدخل غير المتمكن في الحديث، والله أعلم. # والغني عند الفقهاء: من لا تحل له الزكاة، واختلف فيه، فقيل: من ملك نصاب ~~فضة، وقيل: من ملك أوقية خالصة منها، وهي أربعون درهما. # وفيه حديث في "سنن أبي داود" (¬3): وقد نفى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في "الصحيح" الغنى PageV03P1183 # بكثرة العرض، ووصفه بغنى النفس، فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "ليس ~~الغنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس" (¬1) وقال - صلى الله عليه ~~وسلم -: "من أصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فقد ملك ~~الدنيا بحذافيرها" (¬2)، والله أعلم. # والظلم: مجاوزة الحد، وقيل: التصرف في غير ملك، وكل منهما مستحيل في ms0796 حق ~~الله تعالى؛ فإنه -سبحانه وتعالى- محيط بكل شيء، ولا يحيط به شيء، ومالك كل ~~شيء، ولا يملكه شيء، وقال تعالى: {وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون} [آل ~~عمران: 117]، {وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين} [الزخرف: 43]. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع"؛ هو ~~بإسكان التاء في "أتبع" وفي "فليتبع" مثل: أخرج، فليخرج، هذا هو الصواب ~~المشهور في الروايات، والمعروف في اللغة وغريب الحديث، ونقل القاضي عياض - ~~رحمه الله - عن بعض المحدثين في الكلمة الثانية: أنه يشددها، وليس بصواب، ~~وهو مأخوذ من قولنا: أتبعت فلانا، إذا جعلته تابعا للغير، والمراد هاهنا: ~~تبعته في طلب الحق بالحوالة، ومعناه: إذا أحيل بالدين الذي له على موسر، ~~فليحتل. # يقال منه: تبعت الرجل بحقي، أتبعه تباعة، فأنا تبيع: إذا طلبته، قال الله ~~تعالى: {ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا} (¬3) [الإسراء: 69]. # ثم الأمر بقبول الحوالة على المليء معلل بكون مطل الغني ظلما لصاحب الحق ~~بالحوالة على المحال عليه، ولعل السبب فيه بعد تقدير كون المطل ظلما من ~~الغني، والمسلم الكامل يحترز عن الظلم، فيكون الأمر سببا لقبول الحوالة PageV03P1184 # على الملي؛ لحصول المقصود من غير ضرر المطل، ويحتمل أن تكون العلة عدم ~~الترافع إلى الحاكم عند المطل من الغني والأخذ منه قهرا؛ لئلا يترتب على ~~ذلك الحقد والعداوة، اللذان هما سبب للقطيعة والوقيعة، ولهذا قال عمر - رضي ~~الله عنه -: عليكم بالصلح بين الخصوم، وإياكم وفصل الحكم بينهم؛ فإن الصلح ~~أذهب للعداوة والأحقاد. # ولما كان فيه قبول الحوالة على الملي يدفع مفسدة تأخير الحق من الغني عن ~~مستحقه، أمره - صلى الله عليه وسلم - بقبوله، وهذا الاحتمال ظاهر، والأول ~~قوي؛ لما فيه من بقاء معنى التعليل بكون المطل ظلما، والله أعلم. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: ما ذكره بعضهم: أن المعسر لا يحل حبسه ولا ملازمته ولا مطالبته في ~~الحال، حتى يوسر، وهذا مذهب مالك، والشافعي، والجمهور. # وينبغي لمن عليه دين ألا يضار صاحب الدين بتعاطي أصحاب أسباب الإعسار، ~~وألا يؤلمه بكلام، ولا أذى؛ ms0797 فإن لصاحب الحق مقالا، وليس لمن عليه الحق ~~مقال، بل معاملته للناس بالإيلام والأذى سبب لقطع التنفيس والإحسان إليهم ~~وإليه غالبا، وما كل أحد ينظر إلى أن الأذى المترتب عليه بسبب إحسانه ~~وتنفيسه حسنة. # وقد اختلف أصحاب مالك وغيرهم في عدم قبول شهادة المماطل، وفسقه بها بمرة ~~واحدة، أم لا ترد شهادته، ويفسق حتى يتكرر المطل منه؟ # ومقتضى مذهب الشافعي: اشتراط التكرر، وكان من رد الشهادة، وأثبت الفسق ~~بمرة واحدة، والظلم ذنب من الكبائر، فاقتضى الفسق. # ومن شرط التكرر في المطل، رأى أنه ذنب صغير، والصغائر لا بد في التفسيق ~~بها من الإصرار، وهو لا يعلم إلا بالتكرار. # وفي الحديث، في السنن وغيرها -وهو حديث حسن-: أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: PageV03P1185 # "لي الواجد يحل عرضه وعقوبته" (¬1)، واللي -بفتح اللام وتشديد الياء-: ~~المطل، والواجد -بالجيم-: الموسر، وإحلال عرضه: بأن يقول: ظلمني، مطلني، ~~وعقوبته: تعزيره وحبسه. # ومنها: تحريم مطل الغني وغيره، ممن عليه حق، وهو قادر على القيام به؛ ~~كالزوجين فيما يتعلق بكل واحد منهما من الحق الذي عليه. # وقد قال العلماء: يجب على كل واحد من الزوجين بذل ما يجب عليه، من غير ~~مطل، ولا إظهار كراهة، وكذلك الأولاد والوالدون، وكذلك السادات والعبيد، ~~وكذلك الرعاة والرعايا، وكذلك الحكام والمتحاكمون، وكذلك النظار والمنظور ~~عليهم، وكذلك المقدمون والمقدم عليهم، وكذلك كل من له سلطنة على شيء، ومن ~~هم مسلطن عليهم، والله أعلم. # ومنها: جواز الحوالة، وكل أمر فيه تنفيس وعدم شغب، بل ذلك جميعه مستحب، ~~ومذهب الشافعي والجمهور: استحباب قبول الحوالة، إذا أحيل على مليء، وحملوا ~~الحديث على الندب، وقال بعض العلماء: هو مباح لا مندوب، وقال بعضهم: هو ~~واجب؛ لظاهر الأمر، وإليه ذهب داود الظاهري وغيره، والله أعلم. # ومنها: ترك أسباب المقاطعات والوقيعات، وتعاطي أسباب المواصلات، وعدم ~~القطيعات. # ومنها: استعمال الأمور السهلة بالنسبة إلى نظر الشرع، لا بما يلائم ~~النفوس وحظوظها المذمومة، والله أعلم. # * * * PageV03P1186 ### ||| AUTO الحديث الثالث # عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو قال: سمعت النبي ms0798 - ~~صلى الله عليه وسلم - يقول: "من أدرك ماله بعينه عند رجل أو إنسان قد أفلس، ~~فهو أحق به من غيره" (¬1). # أما قوله: "قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو قال: سمعت النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - "، فهذا شك من الراوي عن أبي هريرة، وفيه مسألتان: # إحداهما: اختلف في تغيير: "قال رسول الله" إلى "قال النبي"، وعكسه؛ هل ~~يجوز؟ على مذهبين: قال الأكثرون: يجوز، وهو مذهب أحمد بن حنبل، وحماد بن ~~سلمة، والخطيب، وقال أبو عمرو بن الصلاح - رحمه الله -: الظاهر أنه لا ~~يجوز، وإن جازت الرواية بالمعنى؛ لاختلافه (¬2)، واختار شيخنا أبو زكريا ~~النووي - رحمه الله - الجواز، قال: لأنه لا يختلف به هنا معنى، ولما وقع ~~الخلاف في هذه المسألة، ساغ للراوي التحري في أي اللفظين سمع؛ ليرويه به (¬3). # الثانية: أرفع عبارات الرواية: (سمعت) عند جماهير المحدثين، ثم (حدثنا)، ~~ثم (حدثني)، وأما: (قال) ممن عرف لقاؤه؛ كالصحابي بالنسبة إلى رسول - صلى ~~الله عليه وسلم -، فهي محمولة على السماع، لكنها دون (سمعت) في الرتبة، ~~فلهذا حسن تحري الراوي عن أبي هريرة في أي اللفظين قال، والله أعلم. # وكذلك الشك في قوله: عند رجل أو إنسان، لما كان بينهما تغاير في المعنى، ~~أو في اللفظ، حسن التحري فيه، وروايته على الشك عند عدم التحقق لما سمعه من ~~اللفظين، والله أعلم. PageV03P1187 # قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس"، قال ~~الأزهري: أفلس الرجل: إذا عدم، وتفالس: ادعى الإفلاس، وهو مأخوذ من الفلوس ~~التي هي أحسن الأموال؛ كأنه إذا حجر عليه، منع التصرف في ماله، إلا في شيء ~~تافه؛ فإنه لا يعيش إلا به، وهو مؤنته ومؤنة عياله. # وقيل: لأنه صار ماله كالفلوس؛ لقلته بالنسبة إلى الديون، وقال صاحب ~~الحاوي؛ هو باب الفلس والتفليس، وكره بعض الشافعية أن يقال: باب الإفلاس؛ ~~لأنه مستعمل في الإعسار بعد يسار، والتفليس في حجر الحاكم على المديون (¬1). # وفي الحديث أحكام: # منها: رجوع البائع إلى عين ماله عند تعذر الثمن بالفلس فقط، ولا تأويل ms0799 ~~لخلافه، حتى قال أبو سعيد الإصطخري من الشافعية: لو قضى القاضي بخلافه، نقض ~~حكمه، وقد اختلف العلماء في المسألة على ثلاثة مذاهب: # أحدها: مذهب الشافعي - رحمه الله -: أن البائع يرجع إلى عين ماله عند ~~تعذر الثمن بالفلس والموت. # الثاني: مذهب أبي حنيفة: أنه لا يرجع إليه إلا في الموت، ولا في الفلس، ~~وتأول الحديث على وجهين ضعيفين: # أحدهما: حمل الحديث على الغصب والوديعة، وهو فاسد؛ حيث إن الحمل على ذلك ~~يبطل فائدة تعليق الحكم بالفلس. # والثاني: حمله على ما قبل القبض، وهو مستضعف بقوله: "أدرك ماله" أو وجد ~~متاعه"؛ فإن ذلك يقتضي إمكان العقد بعد خروج السلعة من يده. # المذهب الثالث: قول مالك: يرجع في الفلس دون الموت، ويكون في الموت أسوة ~~الغرماء، والحديث حجة له، قوي فيه جدا. PageV03P1188 # ومنها: رجوع المقرض إلى عين ماله، إذا كان باقيا لم يتصرف فيه المستقرض، ~~وأفلس بعد قبضه؛ لأن لفظ الحديث أعم من أن يكون المال أو المتاع لبائع ~~أولمقرض، وإن كان الفقهاء قاسوا القرض في ذلك على البيع. # لكن التمسك بعموم اللفظ من حيث وضعه أولى، ولا حاجة إلى القياس؛ لاندراجه ~~تحته، وقد يقال: على الحكم دليلان: # أحدهما: عموم اللفظ. # والآخر: القياس، وهو مملوك ببدل بعذر تحصيله، فأشبه البيع. # ومنها: الحجر على المفلس، ولا بد في الحديث من إضمار أمور [تحمل] عليه، ~~مثل: كون السلعة مقبوضة موجودة عند المشتري دون غيره، والثمن غير مقبوض، ~~ومال المفلس لا يفي بالديون، أو كان مساويا، وقلنا: يحجر عليه في صورة ~~التساوي. # ومنها: أجرة الدار ونحوها من الدواب وغيرها، إذا أفلس المستأجر قبل تسليم ~~الأجرة ومضي المدة، فللمؤجر الفسخ، على الصحيح من مذهب الشافعي. # ولا شك أن عقد الإجارة لا يتناول العين المأجورة، إنما يتناول منافعها، ~~وإطلاق اسم المال على المنافع قوي، وهو أقوى من إطلاقه على المتاع؛ من حيث ~~إنها مقابلة بعوض، وهي مقدرة الوجود عند العقد تصحيحا له، واغتفر ذلك لحاجة ~~الناس إلى الإجارات، فأشبه الأعيان، فحينئذ تكون الأجرة مندرجة تحت لفظ ~~الحديث، موزعة ms0800 على المدة؛ من حيث إن صاحب المال أحق به من سائر الغرماء، ~~فيكون ذلك من لوازم الرجوع في المنافع، لا بطريق الأصالة. # ومنها: لو ألزم ذمته نقل متاع من مكان إلى مكان بطريق الإجارة، ثم أفلس، ~~والأجرة في يده قائمة، ثبت حق الفسخ والرجوع إلى الأجرة. # والحكم مندرج تحت لفظ الحديث ظاهرا إن أخذنا به، ولم نخصص الحكم PageV03P1189 # بالبائع، وإن خصصناه به، ثبت الحكم بالقياس، لا بالحديث. # ومنها: إمكان الاستدلال بالحديث على حلول الديون المؤجلة بالحجر؛ من حيث ~~إن صاحب الدين كأنه أدرك متاعه، فيكون أحق به، ولو لم يحل الدين بالحجر، لم ~~يستحق المطالبة به قبل الحلول، فتكون الدلالة على حلوله بطريق اللزوم. # ومنها: أن الغرماء لو قدموا البائع بالثمن، لم يسقط حقه من الرجوع بعين ~~ماله؛ لاندراجه تحت لفظ الحديث، والفقهاء عللوا عدم السقوط وقبول التقديم ~~بالثمن بالمنة. # ومنها: الاستبداد برجوع صاحب المتاع بعين ماله عند الفلس من غير حاكم؛ ~~فإن الشرع أثبت له الأحقية مطلقا بالمتاع، من غير تعرض لكيفية أخذه، لكن ~~قال بعض الفقهاء: لا بد من الحاكم، ولعله الراجح عندهم. # ومنها: أنه قد يؤخذ من الحديث الرجوع بامتناع المشتري من التسليم مع ~~اليسار، أو هربه، أو امتناع الوارث من التسليم بعد موته بطريق المفهوم في ~~مثله، وقد ينفي هذا الحكم بدلالة المفهوم من لفظ الحديث؛ حيث إن الحكم معلق ~~بالفلس، ولا يتناول غيره، ومن أثبت من الفقهاء الرجوع فيما ذكرنا، إنما ~~يثبته بالقياس على العكس. # ومنها: أنه لا يرجع البائع مع هلاك العين، بل يرجع مع بقائها بعد الفلس؛ ~~لأنه - صلى الله عليه وسلم - شرط إدراك العين في الأحقية، وبعد الهلاك يفوت ~~الشرط، وهذا ظاهر في الهلاك الحسي. # وقد ترك الفقهاء تصرفات شرعية منزلة الهلاك الحسي؛ كالبيع، والهبة، ~~والوقف، ولم ينقضوا بهذه التصرفات الهلاك الحسي، بل ألحقوا به تصرفات ~~الشفيع، فإذا بين أنها كالهالكة شرعا، دخلت تحت اللفظ؛ فإن البائع حينئذ لا ~~يكون مدركا لماله. # واختلفوا فيما إذا وجد متاعه عند المشتري بعد أن خرج ms0801 عنه، ثم رجع إليه PageV03P1190 # بغير عوض، فقيل: يرجع فيه؛ لأنه وجد ماله بعينه، فيدخل تحت اللفظ، وقيل: ~~لا يرجع؛ لأن هذا المال يتلقى من غيره؛ لأنه تحللت حالة، لو صادفها الإفلاس ~~والحجر لما رجع، فيستصحب حكمها، وهذا تصرف في اللفظ بالتخصيص بسبب معنى ~~مفهوم منه، وهو الرجوع إلى العين؛ لتعذر العوض من تلك الجهة، كما يفهم ما ~~قدمنا ذكره، أو يخصص بالمعنى، وإن سلم اقتضاء اللفظ له. # ومنها: لو باع عبدين مثلا، فتلف أحدهما، ووجد الثاني بعينه، رجع به عند ~~الشافعي، والمذهب: أنه يرجع بحصته من الثمن، ويضارب بحصته ثمن التالف، ~~وقيل: يرجع في الباقي بكل الثمن، فأما رجوعه في الباقي، فقد يدرج تحت قوله: ~~"فوجد متاعه"؛ فإن الباقي متاعه، وأما كيفية الرجوع، فلا تعلق للفظ فيه. # ومنها: لو تغير المبيع في صفته بحدوث عيب: فأثبت الشافعي الرجوع، إن شاءه ~~البائع بغير شيء يأخذه، وإن شاء ضارب بالثمن، وهذا يمكن دخوله تحت اللفظ؛ ~~فإنه وجد بعينه، والتغير حادث في الصفة لا في العين. # ومنها: لو قبض البائع بعض الثمن، رجع بالعين؛ لإطلاق الحديث، وللشافعي ~~قول قديم: أنه لا يرجع؛ لحديث ورد فيه. # ومنها: رجوع البائع في متاعه بعينه، ومفهوم الحديث: أنه لا يرجع في غير ~~متاعه، والزوائد المنفصلة الحادثة على ملك المشتري ليست بمتاع للبائع، فلا ~~رجوع له فيها. # ومنها: أنه لا يثبت الرجوع إلا إذا تقدم سبب لزوم الثمن على الفلس، ويؤخذ ~~ذلك من لفظة الأحقية على الفلس، مع الشرط بصيغته أو بعقيبه؛ فإن من ضرورة ~~ذلك تقدم سبب لزوم الثمن على الفلس، والله أعلم. # * * * PageV03P1191 ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: جعل (¬1) -وفي لفظ: قضى- ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، ~~وصرفت الطرق، فلا شفعة (¬2). # الشفعة: مأخوذة من شفعت الشيء: إذا ضممته وثبته. ومنه: شفع الأذان، وسميت ~~شفعة؛ لضم نصيب إلى نصيب (¬3). # ووقع في بعض روايات الحديث: "إنما الشفعة فيما لم يقسم" (¬4)، و"إنما" ~~دالة على الحصر بالوضع، ms0802 فتكون دلالتها أقوى من دلالة مفهوم الحديث؛ حيث ~~مقتضاه: أن جعل الشفعة فيما لم يقسم يقتضي أن الشفعة فيما قسم. # ولا شك أن الحكمة في ثبوت الشفعة إزالة الضرر عن الشريك، والضرر تارة ~~يتعلق بجواز المجاورة، وتارة يتعلق بشركته. # أما الأول: فقد نبه - صلى الله عليه وسلم - في حديث صحيح بالاستعاذة؛ ~~بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار ~~المقامة" (¬5)؛ حيث إنه في دار المقامة # أشد منه في دار الترحال؛ فإن الضرر فيها يزول سريعا؛ بخلاف دار الإقامة؛ يدوم. # وأما الثاني: وهو تعلق الضرر بالمشاركة، وهو في العقار أكثر، فلهذا خص PageV03P1192 # الشارع ثبوته فيه دون غيره، ما لم يقسم، ونفاها عند وقوع الحدود، وتصريف ~~الطرق، والله أعلم. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: ثبوت الشفعة للشريك في العقار ما لم يقسم، وهذا مجمع عليه عند ~~العلماء. # ومنها: عدم ثبوتها في الحيوان والثياب والأمتعة وسائر المنقول، وهذا متفق ~~عليه عند العلماء. # قال القاضي عياض: وشذ بعض الناس، فأثبت الشفعة في العروض، وهي رواية عن ~~عطاء، قال: يثبت في كل شيء حتى في الثوب، وحكى ذلك رواية عنه ابن المنذر ~~-أيضا-، وعن الإمام أحمد رواية: أنها تثبت في الحيوان، والبناء المفرد (¬1). # ولا شك أن ذكر وقوع الحدود وتصريف الطرق يقتضي تخصيص ثبوتها بالعقار دون ~~غيره؛ حيث إن ذلك لا يكون إلا في العقار، مع أنه ثبت التصريح بثبوتها في ~~الحوائط والربوع، وهي العقار، فصدر الحديث المذكور يقتضي ثبوته في ~~المنقولات وغيرها، وسياقه يقتضي عدم ثبوته فيها. # ومنها: أن ثبوتها فيما ذكرنا إنما يثبت فيما يكون قابلا للقسمة؛ لأن قوله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "في كل ما لم يقسم" يشعر بأنه لا بد أن يكون قائلا ~~لها مع رواية: "إنما الشفعة فيما لم يقسم" المقتضية للحصر، وإن دلالة ~~المفهوم مرجوحة بالنسبة إليها. # ومنها: سقوط الشفعة بمجرد الجوار، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، ~~وجمهور العلماء، وقال به من الصحابة -رضي الله عنهم-: عمر بن الخطاب، ~~وعثمان بن عفان، ومن ms0803 التابعين: سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعمر بن ~~عبد العزيز، والزهري، ويحيى الأنصاري، وأبو الزناد، ومن PageV03P1193 # غيرهم: ربيعة، والأوزاعي، والمغيرة بن عبد الرحمن، وإسحاق، وأبو ثور، ~~وقال أبو حنيفة والثوري: تثبت بالجوار؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- نفى سقوطها، ورتبه على أمرين: وقوع الحدود، وتصريف الطرق، وكل منهما ~~يلزمه الجوار، وإن قسم. # ومنها: ثبوت الشفعة بشرطها لكل أحد؛ من مسلم، وذمي، ومقيم حضري، وغائب ~~بدوي؛ حيث أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنما الشفعة في كل ما لم يقسم" ~~من غير بيان من تثبت له، فدل على ثبوتها لمن ذكر، وثبوتها للذمي على المسلم كعكسه. # قاله الشافعي، ومالك، وأبو حنيفة، والجمهور. # وقال الشعبي، والحسن، وأحمد: لا شفعة للذمي على المسلم، وثبوتها للأعرابي ~~على المقيم في البلد. # قال الشافعي، والثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، ~~والجمهور. # وقال الشافعي: لا شفعة لمن لا يسكن المصر، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الخامس # عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: أصاب عمر أرضا بخيبر، فأتى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله! إني أصبت ~~مالا بخيبر، لم أصب مالا هو أنفس عندي منه؛ فما تأمرني به؟ قال: "إن شئت ~~حبست أصلها، وتصدقت بها"، قال: فتصدق بها، غير أنه لا يباع أصلها، ولا ~~يورث، ولا يوهب، قال: فتصدق به عمر في الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، ~~وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف، ولا جناح على من وليها أن يأكل منها ~~بالمعروف، أو يطعم صديقا، غير متمول فيه، وفي لفظ: غير متأثل (¬1). PageV03P1194 # أما قول عمر - رضي الله عنه -: "هو أنفس"؛ فمعناه: أجود، والنفيس: الجيد، ~~وقد نفس -بفتح النون وضم الفاء- نفاسة. # واسم المال المذكور الذي وقفه عمر - رضي الله عنه -: (ثمغ) -بثاء مثلثة ~~مفتوحة، ثم ميم ساكنة، ثم غين معجمة-. # وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها"، قال ~~الأزهري: يقال: حبست الأرض، ووقفتها، وحبست أكثر استعمالا (¬1)، وقال ~~الشافعي - رحمه الله -: لم يحبس أهل الجاهلية ms0804 فيما علمته دارا ولا أرضا ~~تبررا، قال: وإنما حبس أهل الإسلام (¬2). # قال العلماء من الشافعية وغيرهم: الوقف: تحبيس مال يمكن الانتفاع به، مع ~~بقاء عينه؛ بقطع تصرف الواقف، وغيره في رقبته، يصرف في جهة خير؛ تقربا إلى ~~الله تعالى. # وأما قوله: "وتصدقت بها"، يحتمل أن يكون راجعا إلى أصل المال المحبس، وهو ~~ظاهر اللفظ، ويحتمل أن يكون راجعا إلى الثمرة، على حذف المضاف؛ أي: وتصدقت ~~بثمرتها أو ريعها. # وقوله: "فتصدق بها، غير أنه لا يباع أصلها، ولا يورث، ولا يوهب". # لا شك أن أسباب الدخول في الملك ثلاثة أنواع: # أحدها: ما يدخل بعوض دنيوي؛ كالبيع. # الثاني: ما يدخل في الملك قهرا؛ كالإرث. # والثالث: ما يدخل بغير عوض ولا قهر؛ كالهبة. # ولما كان الوقف خارجا عن هذه الأسباب في رقبته، منع الشرع منه؛ حيث PageV03P1195 # إنه منتقل في أصله عن الواقف، تقربا إلى الله تعالى بلفظ يدل عليه؛ كلفظ ~~التحبيس المذكور في الحديث. # وأما قوله: "فتصدق بها"، فهو راجع إلى الاحتمالين المذكورين، إن جعلناه ~~بيانا للتحبيس، وخبرا عن معنى الوقف، فلا يحتاج إلى قرينة، ولا إلى نية، بل ~~يكون بمجرده؛ كالتحبيس والتسبيل، وإن لم يجعله كذلك، احتاج إلى لفظ يقترن ~~به، يدل عليه؛ كقولنا: صدقة مؤبدة محرمة، أو لا تباع ولا توهب، لكن الفقهاء ~~قالوا: لما كان لفظ الصدقة يحتمل الوقف، ويحتمل صدقة التطوع، قالوا: لا بد ~~من نية أو لفظ يدل عليه، ويكون قوله: "لا يباع" إلى آخره إرشادا إلى شرطه ~~في الوقف، فيكون ثبوته بالشرط لا بالشرع. # وقوله: "قال: فتصدق بها عمر -رضي الله عنه- في الفقراء" إلى آخره؛ ~~المصارف التي ذكرها: مصارف خير وقربة، فهي جهة الأقارب، فلا بد أن يكون ~~معناها معلوما، فلا يوقف على ما ليس بقربة من جهات العامة، ولا ما يكون ~~مصرفه مجهولا غير معلوم. # والمراد "بالقربى": قربى عمر - رضي الله عنه - ظاهرا. # "وفي الرقاب": إما الكتابة، وإما العتق، على ما هو مذكور في الزكاة. # "وفي سبيل الله": الجهاد عند الأكثرين، ومنهم من عداه إلى الحج ms0805 وكل قربة. # "وابن السبيل": المسافر، والقرينة تقتضي اشتراط حاجته. # "والضيف": من نزل بقوم، والمراد: قراه، ولا تقتضي القرينة تخصصه ~~بالفقراء. # وقوله: "غير متأثل" معناه: جامع، وكل شيء له أصل قديم أو جمع حتى يصير له ~~أصل فهو مؤثل، ومنه: مجد موثل؛ أي: قديم، وأثلة الشيء: أصله، والله أعلم. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: صحة أصل الوقف، وقد أجمع المسلمون على صحة وقف المساجد PageV03P1196 # والسقايات؛ وكذلك الوقف على جهات القربات، وهو مشهور متداول خلفا عن سلف. # ومنها: التقرب إلى الله تعالى بأنفس الأموال وأطيبها، وعليه عمل أكابر ~~الصالحين من السلف والخلف؛ كعمر، وغيره -رضي الله عنهم-. # ومنها: استئمار العلماء فيما يعرض للإنسان من مقصد صالح وعمل وقول؛ ليكون ~~ذلك جميعه على مقتضى العلم، والحكم الشرعي. # ومنها: أن ذكر ذلك ليس من باب إظهار العمل للرياء والتسمع. # ومنها: أن التحبيس صريح في ألفاظ الوقف. # ومنها: أن لفظ الصدقة في الوقف لا بد فيها من نية أو قرينة تدل عليه. # ومنها: أن أصل الوقف ينتقل إلى الله تعالى قربة، بحيث يمتنع بيعه وإرثه، ~~وهبته، إذا كان في الصحة، وجواز التصرف. # ومنها: أن الوقف مخالف لشوائب الجاهلية؛ حيث إن المقصود منه التبرر، فلو ~~قصد به مضارة أحد، أو منع حق، لم يصح باطنا، ولا ثواب فيه، وربما كان ملحقا ~~بشوائب الجاهلية في التحريم. # ومنها: صحة شروط الواقفين المطابقة للكتاب والسنة. # [ومنها: فضيلة الوقف على الصدقة الجارية] (¬1). # ومنها: فضيلة الوقف على الفقراء، وذوي القربى، والرقاب، وسبيل الله، وابن ~~السبيل، والضيف، وما شاكل ذلك من الأمور العامة. # ومنها: جواز الوقف على الأغنياء؛ حيث إن بعض المذكورين في الحديث غير ~~مقيد بالفقر، بل هو مطلق لذوي القربى والضيف. # ومنها: وجوب اتباع شروط الواقفين المطابقة للشرع. # ومنها: تحريم أخذ العمال، وغيرهم ممن يليها أكثر ما يستحقه شرعا، وهو PageV03P1197 # معنى الأكل على القيام بمصالح الأوقاف بالمعروف، وهو غير منضبط من جهة ~~الشرع على التقدير، فيقدره الحاكم بطريقة؛ بعلمه أو ببينة. # ومنها: جواز أكل الضيفان منها بالمعروف؛ بحيث لا يعكر ms0806 أكلهم على تعطيل ~~مقصود الشرع، وشرط الواقف. # ومنها: كراهة التكثر و [التأثل] من مال الأوقاف، بل يأكل ما يعتاد شرعا، ~~ولا يتجاوزه. # ومنها: فضيلة صلة الأرحام، وغيرهم من المحتاجين، والوقف عليهم. # ومنها: منقبة وفضيلة ظاهرة لعمر - رضي الله عنه -. # ومنها: قبول شور المشاور، والمبادرة إلى ما أشار به. # ومنها: أن خيبر فتحت عنوة. # ومنها: أن الغانمين ملكوها واقتسموها، واستقرت أملاكهم على حصصهم، ونفذت ~~تصرفاتهم فيها. # ومنها: استحباب المبادرة إلى فعل الخيرات المتعدية، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث السادس # عن عمر -رضي الله عنه- قال: حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه الذي كان ~~عنده، فأردت أن أشتريه، وظننت أنه يبيعه برخص، فسألت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، فقال: "لا تشتره، ولا تعد في صدقتك، وإن أعطاكه بدرهم؛ فإن العائد ~~في هبته كالعائد في قيئه" (¬1). وفي لفظ: "فإن الذي يعود في صدقته كالكلب ~~يعود في قيئه" (¬2). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "العائد في هبته كالعائد في قيئه" (¬3). PageV03P1198 # قوله: "حملت على فرس في سبيل الله"؛ هذا الحمل: حمل تمليك لمن أعطي ~~الفرس، ويكون معنى كونه في سبيل الله، كون الرجل الذي أعطاه عمر - رضي الله ~~عنه - كان غازيا، فآل الأمر بتمليكه إياه إلى أنه في سبيل الله، أو نعته ~~بذلك باعتبار المقصود؛ حيث إن المقصود من تمليك الفرس استعماله فيما العادة ~~أن يستعمله فيه. # وإنما قلنا ذلك؛ لأن الذي كان عنده، أضاعه ببيعه، ولم ينكر عليه ذلك، ~~فإنه لو كان حمل تحبيس، لامتنع بيعه، إلا أن ينتهي إلى حالة لا ينتفع به ~~فيما حبس عليه، وليس في اللفظ ما يشعر بذلك، ولو ثبت أنه حمل تحبيس، لكان ~~متعلقا بمسألة وقف الحيوان، ويدل على أنه حمل تمليك قوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "ولا تعد في صدقتك"، وسمي شراؤه برخص عودا في الصدقة؛ حيث إن العوض ~~فيها ثواب الآخرة، فإذا اشتراها برخص، فكأنه اختار عوض الدنيا على الآخرة، ~~مع أن العادة تقتضي بيع مثل ذلك برخص لغير المتصدق، ms0807 فكيف بالمتصدق أو ~~المملك، بسبب تقدم إحسانه بذلك، فيصير راجعا في ذلك المقدار الذي سومح به. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تشتره ولا تعد في صدقتك"؛ حمل أكثر ~~العلماء هذا النهي على كراهة التنزيه، وحمله بعضهم على كراهة التحريم، ~~وسيأتي إيضاحه في أحكام الحديث. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وإن أعطاكه بدرهم"؛ هو مبالغة في رخصه ~~الحامل على شرائه؛ حيث إن ثواب الله تعالى عظيم، فلا يضيع بشيء من الدنيا، ~~قل أو كثر. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإن العائد في هبته كالعائد في قيئه"، ~~"فإن الذي يعود في صدقته كالكلب يعود في قيئه"، ذكر الكلب وعوده في القيء؛ ~~ليكون ذلك مبالغة في التنفير عن العود في الهبة والصدقة، ولا شك في شدة ~~كراهة ذلك، وهي من وجهين: PageV03P1199 # أحدهما: وقوع التشبيه في الراجع في الهبة بالكلب. # والثاني: تشبيه المرجوع فيه بالقيء، وكل منهما قذر نجس محرم، ثم وقوع ~~التشبيه بالكلب -وهو غير مكلف- يقتضي عدم تشبيه العود بالهبة بالحرمة، ~~فيكون التشبيه وقع بأمر مكروه في الطبيعة؛ لتثبت به الكراهة في الشريعة، ~~وبذلك تمسك أبو حنيفة في جواز رجوع الأجنبي في الهبة. # وفي الحديث أحكام: # منها: الإعانة على الغزو بكل شيء، حتى بتملك فرس. # ومنها: أنه يملكه من أعطيه. # ومنها: جواز بيع الفرس ممن أعطيه، والانتفاع بثمنه. # ومنها: منع من تصدق بشيء، أو أخرجه في زكاة أو كفارة أو نذر، ونحو ذلك من ~~القربات، أن يشتريه ممن تصدق به عليه، أو يتهبه، أو يتملكه باختياره منه، ~~فلو ورثه منه، فلا منع منه، ولا كراهة فيه، وكذا التمليك لو انتقل إلى ~~ثالث، ثم اشتراه منه المتصدق، فلا كراهة، وهذا مذهب الشافعي وجمهور ~~العلماء؛ أن المنع للتنزيه، وقال جماعة من العلماء: النهي عن ذلك للتحريم. # ومنها: تحريم الرجوع في الهبة، وفي معناه الرجوع في الصدقة، وإنما يحرم ~~الرجوع فيهما بعد [إقباضهما]، والحديث عام في كل هبة، لكنه مخصوص بجواز ~~رجوع هبة الوالد لولده، وأن ينتقل؛ لحديث النعمان بن بشير - رضي الله عنهما ~~- الآتي، ms0808 ولا رجوع في هبة الإخوة والأعمام وغيرهم من ذوي الأرحام، وكل هذا ~~مذهب الشافعي، ومالك، والأوزاعي، وقال أبو حنيفة وآخرون: يرجع كل واهب في ~~هبة الأجنبي، إلا الوالد، وكل ذي رحم محرم، والله أعلم، واتفقوا على كراهية ~~الرجوع مطلقا، تنزيها، لا تحريما. # * * * PageV03P1200 ### ||| AUTO الحديث السابع # عن النعمان بن بشير - رضي الله عنهما- قال: تصدق علي أبي ببعض ماله، ~~فقالت أمي -عمرة بنت رواحة-: لا أرضى حتى يشهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، فانطلق أبي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليشهده على ~~صدقتي، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أفعلت هذا بولدك كلهم؟ ~~"، قال: لا، قال: "اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم"، فرجع أبي، فرد تلك ~~الصدقة (¬1). وفي لفظ قال: "فلا تشهدني إذن؛ فإني لا أشهد على جور" (¬2). ~~وفي لفظ: "فأشهد على هذا غيري" (¬3). # تقدم الكلام على النعمان بن بشير، في باب: الصفوف. # وأما عمرة بنت رواحة؛ فهي أخت عبد الله بن رواحة، وزوجة بشير بن سعد ~~الأنصاري، وأم النعمان بن بشير -رضي الله عنهم-، لما ولدت النعمان، حملته ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فدعا بتمرة، فمضغها، ثم ألقاها في ~~فيه، فحنكه بها، فقالت: يا رسول الله! ادع الله له أن يكثر ماله وولده، ~~فقال: "أما ترضين أن يعيش كما عاش خاله حميدا، وقتل شهيدا، ودخل الجنة؟ " ~~(¬4)، ومن حديثها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "وجب الخروج ~~-يعني: في الجهاد- على كل ذات نطاق" (¬5). PageV03P1201 # وأما الجور لغة: فهو الميل عن السواء والاعتدال، فكل ما خرج عن ذلك، فهو ~~جور، سواء كان حراما، أو مكروها (¬1)، وقد يكون في الشرع للحرام، وقد يكون ~~للمكروه، وقد استعمل فيه بمعنى الضلال، وبمعنى الظلم، وكلاهما محرمان. # وفي الحديث أحكام: # منها: جواز تسمية الهبة صدقة. # ومنها: شرعية الإشهاد عليها. # ومنها: أن للأم كلاما في مصلحة الولد وماله بحضرة أبيه، وأنه مسموع. # ومنها: أن المفتي والشاهد لا يفتي ولا يشهد إلا بما يسوغ في الشرع. # ومنها: وجوب الرجوع في الأقوال والأعمال في ms0809 المعاملات وغيرها إلى ~~العلماء. # ومنها: سؤال العالم والمفتي والشاهد عن شرط الحكم، وما يسوغ فعله، سواء ~~كان الشرط واجبا أو مندوبا. # ومنها: أمر مخالف ذلك بتقوى الله، والعدل بين الأولاد. # ومنها: المبادرة إلى قبول قول الحق من غير تأخير، ولا حرج في النفس. # ومنها: التسوية بين الأولاد في العطية من غير تفضيل، وقد ذكرت الحكمة PageV03P1202 # من الشارع في ذلك؛ بمحبة الوالدان أن يكون برهم له على السواء، فكذلك ~~عطيته لهم على السواء. # ولما كان التفضيل يؤدي إلى الأنجاش، والتباغض؛ بعدم بر الولد لوالده؛ ~~لكونه فضل غيره عليه في العطية، منع الشارع منه، وأمر بالتسوية بينهم. # واختلف العلماء في هذه التسوية: هل يسلك بها مسلك الميراث في أن للذكر ~~مثل حظ الأنثيين؟ أم يسوي بين الذكر والأنثى من غير تفضيل؟ # وظاهر الحديث يقتضي التسوية، وهو المشهور في مذهب الشافعي وغيره، فلو فضل ~~بعضهم، أو وهب بعضهم دون بعض، فقد اختلف الفقهاء فيه، هل هو محرم أو مكروه؟ ~~فقال طاوس، وعروة، ومجاهد، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وداود: هو حرام؛ ~~لتسميته - صلى الله عليه وسلم - ذلك جورا، ورجوع الواهب فيها، مع أن العائد ~~في هبته كالعائد في قيئه، لا سيما وقد سماها صدقة عليه، والصدقة على الولد ~~لا يجوز الرجوع فيها، فالرجوع حينئذ هنا يقتضي أنها وقعت غير الموقع ~~الشرعي؛ فلهذا نقضت بعد لزومها. # وقال الشافعي، ومالك، وأبو حنيفة: هو مكروه كراهة تنزيه، وقد استدل على ~~ذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فأشهد على هذا غيري"؛ فإنه يقتضي إباحة ~~إشهاد الغير، ولا يباح ذلك إلا في أمر جائز، ويكون امتناع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - من الشهادة على وجه التنزيه. # قال شيخنا أبو الفتح بن دقيق العيد - رحمه الله -: وليس هذا بالقوي عندي؛ ~~لأن الصيغة، وإن كان ظاهرها الإذن، إلا أنها مشعرة بالتنفير الشديد عن ذلك ~~الفعل؛ حيث امتنع الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن المباشرة لهذه الشاهدة؛ ~~معللا بأنها جور، فتخرج الصيغة عن ظاهرها في الإذن بهذه القرائن، وقد ~~يستعمل مثل هذا اللفظ ms0810 في مقصود التنفير، ومما يستدل به عن المنع أيضا قوله ~~عمر: "اتقوا الله"؛ فإنه يؤذن بأن خلاف التسوية ليس بتقوى الله، وأن ~~التسوية تقوى، هذا آخر كلامه (¬1). PageV03P1203 # وقال شيخنا أبو زكريا النووي - رحمه الله -: فإن قيل: قاله تهديدا، قلنا: ~~الأصل في كلام الشارع غير هذا، ويحمل عند إطلاقه صيغة (افعل) على الوجوب، ~~أو الندب، فإن تعذر ذلك، فعلى الإباحة. # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا أشهد على جور"؛ فليس فيه أنه ~~حرام؛ لأن الجور هو: الميل عن الاستواء والاعتدال، فكل ما خرج عن الاعتدال، ~~فهو جور، سواء كان حراما، أو مكروها، وقد وضح ما قدمناه: أن قوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "أشهد على هذا غيري": دليل على أنه ليس بحرام، فيجب ~~تأويل الجور على أنه مكروه كراهة تنزيه، هذا آخر كلامه (¬1)، لكن الكلام ~~الأول أمتن، والله أعلم. # ومنها: بداءة المشهود عليه الشاهد، بسؤال الشهادة عليه. # ومنها: نهي الشاهد المشهود عليه، إذا كان مخالفا لقواعد الشرع. # ومنها: أنه إذا كان في إشهاد المشهود عليه وجه يجوز إشهاده مع مخالفة ~~الأولى، فلا بأس أن يقول الشاهد: أشهد على هذا غيري، إلا أن يكون الشاهد ~~يعتقد التحريم، فلا يقول ذلك، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثامن # عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها، من ثمر أو زرع (¬2). # أما خيبر؛ فهي اسم لحصون كانت لليهود، بينها وبين المدينة نحو أربع ~~مراحل، والسلوك إليها من وراء أحد، غزاها رسول - صلى الله عليه وسلم - في ~~أواخر المحرم سنة سبع من الهجرة، ومررت بطرفها راجعا من المدينة -على ~~ساكنها أفضل الصلاة والسلام- في أواخر ذي الحجة سنة خمس وسبعين وست مئة. PageV03P1204 # ولما غزاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فتح الله -عز وجل- عليه من ~~حصونهم: حصن ناعم، والقموص، والشق، ونطاة، والكتيبة، فحاز أموالهم، واشتد ~~الحصار على حصنين، وهما: الوطيح والسلالم، حتى أيقنوا بالهلكة، وسألوا أن ~~يسترهم ويحقن دماءهم، ويحلوا له الأموال، ثم سألوا أن ms0811 يعاملهم في الأموال ~~على النصف، فعاملهم على ذلك، على أنه متى شاء، أخرجهم، ولما بلغ ذلك أهل ~~فدك، أرسلوا يسألونه في ذلك، وكانت هذه الحصون فيئا للمسلمين، وكانت فدك ~~خالصة له - صلى الله عليه وسلم -، واستمر اليهود على هذه المعاملة، إلى أن ~~مضى صدر من خلافة عمر - رضي الله عنه -، فبلغه ما قاله النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في وجعه: "لا يجتمعن في جزيرة العرب دينان" (¬1)، فجلاهم عنها. # قال القاضي عياض - رحمه الله -: وقد اختلفوا في خيبر، هل فتحت صلحا أو ~~عنوة، أو بجلاء أهلها عنها بغير قتال، أو بعضها صلحا، وبعضها عنوة؟ وبعضها ~~جلا عنه أهله، أو بعضها صلحا وبعضها عنوة؟ وهذا أصح الأقوال، وهي رواية ~~مالك ومن تابعه، وبه قال ابن عيينة، قال: وفي كل قول أثر مروي. # وفي رواية لمسلم: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما ظهر على خيبر، ~~أراد إخراج اليهود منها، وكانت الأرض -حين ظهر عليها- لله، ولرسوله - صلى ~~الله عليه وسلم -، وللمسلمين، وهذا دليل على أنها فتحت عنوة؛ إذ حق ~~المسلمين إنما هو في العنوة، وظاهر قول من قال: صلحا: أنهم صولحوا على كون ~~الأرض للمسلمين، والله أعلم (¬2). # وأما معاملته - صلى الله عليه وسلم - أهل خيبر؛ فحمله بعضهم على أنها ~~كانت مساقاة على النخل، وأن البياض المتخلل بين النخيل كان يسيرا، فنفع ~~للزراعة تبعا للمساقاة، وذهب غيره إلى أن صورة هذه صورة المساقاة، وليست ~~لها حقيقتها، وأن الأراضي كانت قد ملكت بالاغتنام، والقوم صاروا عبيدا، ~~فالأموال كلها PageV03P1205 # للنبي - صلى الله عليه وسلم -، والذي جعل لهم صرفا بعض ماله لينتفعوا به ~~على أنه على حقيقة المعاملة، وهذا يتوقف على أن أهل خيبر استرقوا؛ فإنه ليس ~~بمجرد الاستيلاء يحصل الاسترقاق للبالغين. # وفي هذا الحديث دليل: على جواز المساقاة في الجملة، واختلفوا فيما يجوز ~~من الأشجار، فقال داود: يجوز على النخل خاصة، وكأنه رأى المساقاة رخصة، فلم ~~يتعدها إلى غير المنصوص عليه، وقال الشافعي: يجوز على النخل والعنب، فوافق ~~داود في الرخصة، لكن قال: حكم العنب ms0812 حكم النخيل في معظم الأبواب، وقال مالك ~~- رحمه الله -: سبب الجواز الحاجة والمصلحة، وهذا يشمل جميع الأشجار، فيقاس ~~عليها، والله أعلم. # وفيه دليل: على وجوب بيان الجزء المساقى عليه؛ من نصف وربع وغيرهما من ~~الأجزاء المعلومة، فلا يجوز على مجهول؛ كقوله: "على أن لك بعض الثمرة"؛ فإن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عاملهم على الشطر، والشطر معلوم، إما بالنصف، ~~وإما بالجزء المعلوم، واتفق المجوزون للمساقاة على جوازها بما اتفق ~~المتعاقدان عليه من قليل أو كثير. # وفيه دليل: على جواز المزارعة، تبعا للمساقاة، وهو مذهب الشافعي ~~والأكثرين؛ كقوله: "من ثمر أو زرع"، فإن كانت المزارعة عندهم لا تجوز ~~منفردة، فتجوز تبعا للمساقاة، فيساقيه على النخيل، ويزارعه على الأرض كما ~~جرى في خيبر. # وقال مالك: لا تجوز المزارعة، لا منفردة، ولا تبعا، إلا ما كان من الأرض ~~بين الشجر. # وقال أبو حنيفة وزفر: المزارعة والمساقاة فاسدتان، سواء جمعهما، أو ~~فرقهما، ولو عقدتا، فسختا. # وقال ابن أبي ليلى، وأبو يوسف، ومحمد، وسائر الكوفيين، وفقهاء المحدثين، ~~وأحمد، وابن خزيمة، وابن شريح، وآخرون: تجوز المساقاة PageV03P1206 # والمزارعة مجتمعتين، وتجوز كل واحدة منها منفردة، وهذا هو الظاهر المختار ~~لهذا الحديث. # ولا يقبل كون المزارعة في خيبر إنما جازت تبعا للمساقاة، بل جازت مستقلة، ~~ولأن المعنى المجوز للمساقاة موجود في المزارعة؛ قياسا على القراض؛ فإنه ~~جائز بالإجماع، وهو كالمزارعة في كل شيء، ولأن المسلمين في جميع الأمصار ~~والأعصار مستمرون على العمل بالمزارعة. # وأما حديث النهي عن المخابرة، فتقدم الكلام عليه في آخر باب: ما نهي عنه ~~من البيوع، وقد صنف ابن خزيمة وغيره كتبا في جواز المزارعة، واستقصوا ~~وأجادوا، وأجابوا عن أحاديث النهي، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث التاسع # عن رافع بن خديج -رضي الله عنه- قال: كنا أكثر الأنصار حقلا؛ فكنا نكري ~~الأرض على أن لنا هذه، ولهم هذه، فربما أخرجت هذه، ولم تخرج هذه، فنهانا عن ~~ذلك، فأما الورق، فلم ينهنا عنه (¬1). # ولمسلم عن حنظلة بن قيس، قال: سألت رأى بن خديج عن كراء الأرض بالذهب ~~والورق، فقال: ms0813 لا بأس به (¬2). # إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما ~~على الماذيانات، وأقبال الجداول، وأشياء من الزرع، فيهلك هذا، ويسلم هذا، ~~ويسلم هذا ويهلك هذا، ولم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه، فأما شيء ~~معلوم مضمون، فلا بأس به. # الماذيانات: الأنهار الكبار، والجداول: النهر الصغير. PageV03P1207 # تقدم الكلام على رافع بن خديج قريبا. # وأما حنظلة بن قيس؛ فهو زرقي، أنصاري، مدني، تابعي، ثقة، وكان قليل ~~الحديث، روي له البخاري ومسلم وغيرهما، واسم جده: عمرو بن حصن بن خلدة بن ~~مخلد، -بضم الميم- بن عامر بن زريق، وروى حنظلة عن: عمر، وعثمان، وعبد الله ~~بن الزبير، وأبي هريرة، ورافع بن خديج، وعبد الله بن عامر بن كريز، وروى ~~عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وعثمان بن محمد ~~الأخنسي، والزهري، وقال: ما رأيت رجلا أحزم ولا أجود رأيا من حنظلة بن قيس، ~~كأنه رجل من قيس (¬1)، والله أعلم (¬2). # وأما الحقل: فهو الأرض التي تزرع، ويسميه أهل العراق: القراح، وجمع ~~الحقل: محاقل، وواحدها محقلة، من الحقل، وهو الزرع، والمبقلة من البقل، ~~وتقدم تفسير المحاقلة في باب: ما ينهى عنه من البيوع. # وأما الكراء: فهو ممدود؛ وهو الإيجار. # والماذيانات: بذال معجمة مكسورة، ثم ياء مثناة تحت، ثم ألف، ثم نون، ثم ~~ألف، ثم، مثناة فوق، وحكى القاضي عياض عن بعض الرواة في غير مسلم: فتح ~~الدال، وهو غريب، وهذه اللفظة معربة؛ ليست عربية، معناها: مسايل المياه، ~~وقيل: ما ينبت على حافتي مسيل، وقيل: ما ينبت حول السواقي، وقد فسرها ~~المصنف بالأنهار الكبار (¬3). # وأما قوله: وأقبال الجداول؛ فأقبال: بفتح الهمزة، ثم القاف، وهي أوائلها PageV03P1208 # ورؤوسها، والجداول: جمع جدول، وقد فسره المصنف بالنهر الصغير، وهو ~~كالساقية الكبيرة. # ومعنى ذلك: أنهم كانوا يدفعون الأرض إلى من يزرعها ببذر من عنده، على أن ~~يكون لمالك الأرض ما ينبت على الماذيانات وأقبال الجداول، أو هذه القطعة، ~~والباقي للعامل، فنهوا عن ذلك؛ لما فيه من الغرر؛ فربما هلك هذا دون ms0814 ذلك، ~~وعكسه، والله أعلم. # وأما أحكام الحديث: # ففيه دليل: على جواز كراء الأرض بالذهب والفضة، ورد على من منعه مطلقا، ~~والأحاديث المطلقة بالنهي عن كرائها تفسر هذا الحديث؛ أن المراد: بما عدا ~~الذهب والفضة، وتقدم اختلاف العلماء في هذه المسألة، في آخر باب: ما ينهى ~~عنه من البيوع، والجواب عن اختلاف الأحاديث فيها، والله أعلم. # وفيه دليل: على أنه لا يجوز أن تكون الأجرة شيئا غير معلوم المقدار عند ~~العقد؛ لمنعه ذلك على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والزجر عنه ~~بالإجارة، فدل على أن الجهالة فيها لم تغتفر. # وفيه دليل: على جواز كرائها بشيء معلوم مضمون في الذمة من الطعام؛ لقوله ~~في الحديث: "فأما شيء معلوم مضمون، فلا بأس به"، وجواز ذلك هو مذهب ~~الشافعي، ومنعه هو مذهب مالك، وقد أشعر بعض روايات الصحيح بالجواز؛ بقوله: ~~نهى عن كراء الأرض بكذا، إلى قوله: أو بطعام يسمى. # وفيه دليل: على أن فعل الصحابة -رضي الله عنهم- وقولهم بالأمر في عهده - ~~صلى الله عليه وسلم - مرفوع حجة، يجب العمل به، والرجوع إليه. # وفيه دليل: على وجوب الرجوع إلى ذلك بإخبار واحد ونحوه عنهم، وأنه لا ~~يشترط المتواتر في ذلك. # وفيه دليل: على وجوب الرجوع إلى الحق والعمل به من غير توقف ولا مناظرة، ~~والله أعلم. PageV03P1209 ### ||| AUTO الحديث العاشر # عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: قضى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -[بالعمرى] لمن وهبت له (¬1)، وفي لفظ: "من أعمر عمرى له ولعقبه، ~~فإنها للذي أعطيها، لا ترجع إلى الذي أعطاها؛ لأنه أعطى عطاء وقعت فيه ~~المواريث" (¬2). # وقال جابر: إنما العمرى التي أجاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يقول: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عشت، فإنها ترجع إلى صاحبها" ~~(¬3). وفي لفظ: "أمسكوا عليكم أموالكم، ولا تفسدوها؛ فإنه من أعمر عمرى، ~~فهي للذي أعمرها حيا وميتا، ولعقبه" (¬4). # أما العمرى: فهي مأخوذة من العمر، كالرقبى من المراقبة، كأن كل واحد ~~منهما يراقب عمر صاحبه بموته، وفي العمر ms0815 ثلاث لغات: ضم العين والميم، وضمها ~~وإسكان الميم، وفتحها وإسكان الميم. # ومعنى العمرى: تمليك المنافع وإباحتها مدة العمر، لقوله: جعلت لك هذه ~~الدار عمرك، أو حياتك، أو ما عشت، أو حييت، أو بقيت، أو أعمرتكها، أو ما ~~يفيد هذا المعنى (¬5). # وقوله: "ولعقبك"؛ فالعقب: أولاد الإنسان ما تناسلوا، وهو بفتح العين وكسر ~~القاف وإسكانها. # وقوله: "لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث"؛ يريد أنها التي شرط فيها له ~~ولعقبه. # ولفظ الحديث يدل على التقييد بذلك، قال بعضهم: ويحتمل أن يكون PageV03P1210 # المراد صورة الإطلاق من غير تقييد بذكر العقب، ويؤخذ كونه وقعت فيه ~~المواريث من دليل آخر، لكنه بعيد من تنصيص الحديث؛ بقوله: "من أعمر عمرى له ~~ولعقبه" إلى آخره. # وقول جابر - رضي الله عنه -: "إنما العمرى التي أجاز رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - "؛ أي: التي أمضى، وجعلها للعقب، لا تعود، ولا ترجع إلى ~~صاحبها، وقد نص على أنه إذا أطلق بمدة العمر، أنها ترجع، وهو تأويل منه، ~~ويجوز أن يكون رواه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حيث اللفظ، فإن ~~كان مرويا، فلا إشكال في العمل به، وإن لم يكن مرويا، فهو يرجع إلى تأويل ~~الصحابي الراوي، هل يكون مقدما؛ من حيث إنه يقع له قرائن تورثه العلم ~~بالمراد، لا يمكن تغييره عنها، والله أعلم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها" إلى ~~آخره؛ المراد به: إعلامهم أن العمرى فيه صحيحة ماضية يملكها الموهوب له ~~ملكا تاما، لا يعود إلى الواهب أبدا، فإذا علموا ذلك، فمن شاء أعمر ودخل ~~على بصيرة، ومن شاء ترك؛ لأنهم كانوا يتوهمون أنها كالعارية، يرجع فيها. # واعلم أن العمرى تقع على وجوه: # أحدها: أن يصرح بأنها للمعمر، فلورثته من بعده، فهذه هبة محققة يأخذها ~~الوارث بعد موته، ولا تعود إلى الواهب المعمر أصلا، بل إن لم يكن لمن ~~أعمرها وارث، كانت لبيت المال. # وثانيها: أن يعمرها مدة حياته، ولا يشترط الرجوع إليه، ولا التأبيد، بل ~~يطلق، وفي صحتها خلاف للعلماء، وهو ms0816 قولان للشافعي: # الجديد: صحته، وهو الصحيح عند أصحابه. # والثاني: وهو القديم: أنه باطل. # وقال بعض أصحاب الشافعي: القديم: أن يكون للمعمر حياته، فإذا مات عادت ~~إلى الواهب، أو ورثته؛ لأنه خصه بها حياته فقط، وقال بعضهم: القديم: أنها ~~عارية يستردها الواهب متى شاء، فإذا مات، عادت إلى ورثته. PageV03P1211 # ولا شك أن الصحة في هذه المطلقة أولى من المقيدة بعودها إليه بعد عود ~~الموهوب له، أو إلى ورثته؛ لعدم اشتراط شرط يخالف مقتضى العقد، والذي ذكر ~~في الحديث؛ من قوله: قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعمرى، يحتمل ~~حمله على هذه الصورة من الإطلاق، وهو أقرب؛ إذ ليس في اللفظ تقييد، ويحتمل ~~على أن يحمل على ما أعمره مدة حياته مقيدا، برجوعها إليه بعد موته، وهو ~~مبين بالكلام في الرواية الأخرى، ويحتمل أن يحمل على جميع الصور المطلقة ~~والمقيدة، إذا قيل: إن مثل هذه الصيغة من الراوي تقتضي العموم، وفي ذلك ~~خلاف بين الأصوليين. # وثالثها: أن يعمرها ويشترط الرجوع إليه بعد موت المعمر، وفي صحتها خلاف ~~عند أصحاب الشافعي: الأصح عندهم: الصحة؛ لإطلاق الأحاديث في العمرى من غير ~~تقييد، وعدلوا بذلك عن قياس الشروط الفاسدة؛ تقديما اقتضى الحديث على ~~القياس، وإنما جرى الخلاف في هذه الصورة؛ لما فيها من تغيير وضع الهبة. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: صحة العمرى مطلقا. # ومنها: أن الموهوب له يملكها ملكا تاما، يتصرف فيها بالبيع وغيره من ~~التصرفات، وبصحتها وملكها قال الشافعي وأصحابه، وقال أحمد: تصح العمرى ~~المطلقة دون المؤقتة، وقال أبو حنيفة: بنحو مذهب الشافعي، وهو قول الثوري، ~~والحسن بن صالح، وأبي عبيد، وقال مالك في أشهر الروايات عنه: العمرى في ~~جميع الأحوال تمليك لمنافع الشيء المعمور دون رقبته؛ كمنافع الدار مثلا، ~~دون رقبتها. # ومنها: الأمر بإصلاح الأموال باتباع الشرع في التصرف فيها قبضا وصرفا. # ومنها: النهي عن إفسادها بمخالفة الشرع قبضا وصرفا. # ومنها: أن الهبة يملكها الموهوب له مدة حياته، وتورث بعده، ولا يرجع فيها ~~الواهب، لا في حياته، ولا بعد موت من ms0817 وهبت له. PageV03P1212 # ومنها: أن الموت والإرث يقطع جميع الأملاك. # ومنها: أن الحيل المحرمة والمكروهة مفسدة للأموال، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الحادي عشر # عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبة في جداره"، ثم يقول أبو هريرة - رضي الله ~~عنه -: ما لي أراكم عنها معرضين؟! والله لأرمين بها بين أكتافكم (¬1). # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "خشبة"؛ فروي بالإفراد، والجمع؛ أما ~~رواية الإفراد: فقال الطحاوي، عن روح بن الفرج: سألت أبا زيد، والحارث بن ~~مسكين، ويونس بن عبد الأعلى عنه، فقالوا كلهم: "خشبة" بالتنوين على ~~الإفراد، وقال عبد الغني بن سعيد: كل الناس يقولونه بالجمع، إلا الطحاوي، ~~وقال القاضي عياض - رحمه الله -: روينا قوله: "خشبة" في "صحيح مسلم" وغيره ~~من الأصول والمصنفات: "خشبة" بالإفراد، و: "خشبه" بالجمع (¬2). # وقوله: "لأرمين بها بين أكتافكم"، الضمير في "بها" وبعده في "عنها"، عائد ~~إلى غير مذكور لفظا، بل معنى، وهو السنة، أو الخصلة، أو الموعظة، أو ~~الكلمات، وفي "سنن أبي داود": فنكسوا رؤوسهم، فقال: ما لي أراكم أعرضتم؟! (¬3). # وقوله: "أكتافكم": روي بالتاء المثناة فوق، وقال القاضي عياض - رحمه الله ~~-: ورواه بعض رواة "الموطأ": أكنافكم -بالنون-؛ ومعناه: بينكم، والكنف: ~~أيضا الجانب، ومعنى رواية التاء المثناة فوق؛ أني أصرح بها بينكم، PageV03P1213 # وأوجعكم بالتقريع بها، كما يضرب الإنسان بالشيء بين كتفيه (¬1). # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: مراعاة حق الجار في كل شيء، حتى في دخول الضرر عليه في ملكه. # ومنها: تقديم حق الشرع على حظ النفس في الأملاك. # ومنها: قبول حكم الشرع، وإن كرهته النفس، والانشراح له من غير إعراض عنه. # ومنها: عدم منع الجار من وضع خشبة على حائط جاره عارية، بشرط إلا يؤدي ~~وضعها على الحائط إلى هدمه، فإن أدى وضعها عليه إلى هدمه، وجب منعه إجماعا؛ ~~لأنه ليس احتمال أحد الضررين بأولى من الآخر. # واختلف العلماء في المنع، إذا لم يكن ضرر، هل هو للتحريم، أم للكراهة؟ # وفيه قولان للشافعي: # أحدهما: وهو ms0818 نصه في "القديم"، وفي "البويطي" -وهو من كتب الشافعية ~~الجديدة-: التحريم، قال البويطي في باب اختلاف مالك والشافعي: وقال مالك: ~~للجار أن يمنع جاره أن يغرز خشبة في جداره، وقال الشافعي: ليس له أن يمنعه. # والثاني: وهو نصه في الجديد: أنه لا يجب عليه تمكينه من وضعها على حائطه، ~~بل الأمر بوضعها عليه للندب، وحمل الحديث إذا كان بصيغة النهي على كراهة ~~التنزيه، أو الاستحباب، إذا كان بصيغة الأمر. # ونقل الخلاف في مذهب مالك -أيضا-، ورجح أصحابه الندب أو الكراهة، وهو قول ~~أبي حنيفة، والكوفيين، وبالوجوب قال أحمد بن حنبل، وأبو ثور، وأصحاب ~~الحديث؛ لظاهر قول أبي هريرة، وإشعاره بالوجوب، فقوله: "ما لي أراكم عنها ~~معرضين؟! والله لأرمين بها بين أكتافكم"، وهو يقتضي التشديد، ولحوق المشقة ~~والكراهة لهم؛ لأنهم فهموا الندب من الحديث، لا الإيجاب، PageV03P1214 # فقال لهم أبو هريرة - رضي الله عنه - ذلك ردا لما فهموه من أن الأمر ~~للندب لا للإيجاب، والله أعلم. # ومنها: المبادرة إلى العمل بالسنة ندبا كانت أو وجوبا. # ومنها: وجوب إظهار العلم والتكلم به، سواء عمل به، أو لم يعمل به؛ فإن ~~المطلوب منه إبلاغه، والعمل به، فإذا فات العمل، لم يفت الإبلاغ. # ومنها: أن العالم إذا فهم من أصحابه الإعراض عن السنة والعمل بها، أن ~~يعلمهم بما فهمه منهم، ويغلظ عليهم في القول، سواء كان الإعراض بالفعل، أو ~~القول، أو بالحال. # ومنها: إقامة الحجة على المخالفين، وإظهارها لهم؛ لبراءة الذمة منها، ~~والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني عشر # عن عائشة -رضي الله عنها-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من ~~ظلم قيد شبر من الأرض، طوقه الله من سبع أرضين" (¬1). # أما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من ظلم قيد شبر"؛ فالقيد: بكسر القاف ~~وإسكان الياء؛ أي: قدر شبر، يقال: قيد وقاد وقيس وقاس، بمعنى واحد، وقيده ~~بالشبر؛ للمبالغة والتنبيه على ما زاد عليه؛ فإنه أولى منه (¬2). # وقوله: "طوقه"؛ أي: جعل له طوقا في عنقه، كالغل، كما قال -سبحانه ~~وتعالى-: {سيطوقون ما بخلوا به ms0819 يوم القيامة} [آل عمران: 180]، وقيل: معناه: ~~أنه يطوق إثم ذلك، ويلزمه كلزوم الطوق في العنق، فعلى المعنى الأول، PageV03P1215 # يطول الله في عنقه، كما جاء في غلظ جلد الكافر وعظم ضرسه. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من سبع أرضين"؛ الأرضون: بفتح الراء، ~~ويجوز إسكانها في لغة حكاها الجوهري وغيره، وهذا الحديث مصرح بأن الأرضين ~~سبع طبقات (¬1)، وهو موافق لقول الله تعالى: {الله الذي خلق سبع سماوات ومن ~~الأرض مثلهن} [الطلاق: 12]. # وأما تأويل المثلية على الهيئة والشكل، فخلاف الظاهر، وكذا قول من قال: ~~المراد بالحديث: سبع أرضين من سبع أقاليم؛ لا أن الأرضين سبع طبقات، وهو ~~تأويل باطل أبطله العلماء بأنه لو كان كذلك، لم يطوق الظالم الشبر من هذا ~~الإقليم شيئا من إقليم آخر؛ بخلاف طباق الأرض؛ فإنها تابعة لهذا الشبر في ~~الملك، فمن ملك شيئا من هذه الأرض، ملكه وما تحته من الطباق. # قال القاضي عياض - رحمه الله -: وقد جاء في غلظ الأرضين وطباقهن وما ~~بينهن حديث ليس بثابت، والله أعلم (¬2). # وفي هذا الحديث دليل: على تحريم الظلم والغصب وتغليظ عقوبته. # وفيه دليل: على إمكان غصب الأرض، وهو مذهب الشافعي وجمهور العلماء، وقال ~~أبو حنيفة: لا يتصور غصب الأرض. # وفيه تنبيه: على أن من ملك أرضا يملكها إلى قرارها، وهذا لا خلاف فيه، ~~كما يملك الهواء تبعا للملك. # وفيه دليل: على أن بعض العقوبات تكون من جنس المعاصي في الصورة، أو أزيد؛ ~~للتنفير عن المعصية، وهذه العقوبة مقيدة بعدم التوبة من هذه المعصية، فأما ~~من تاب منها بشروطها، ورد الظلامة، أو التحلل من أربابها منها، فلا تطويق ~~عليه، والله أعلم. # * * * PageV03P1216 ### || AUTO باب اللقطة # عن زيد بن خالد الجهني قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ~~اللقطة من الذهب أو الورق؟ فقال: "اعرف وكاءها وعفاصها، ثم عرفها سنة، فإن ~~لم تعرف، فاستنفقها، ولتكن وديعة عندك، فإذا جاء صاحبها يوما من الدهر، ~~فأدها إليه"، وسأله عن ضالة الإبل، فقال: "ما لك ولها؟! دعها؛ فإن معها ~~حذاءها وسقاءها، ترد الماء، وتأكل ms0820 الشجر، حتى يجدها ربها"، وسأله عن ضالة ~~الشاة، فقال: "خذها؛ فإنما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب" (¬1). # أما زيد بن خالد الجهني: فهو من جهينة، ابن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن ~~إلحاف بن قضاعة، يكنى: أبا عبد الرحمن، ويقال: أبو طلحة. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحد وثمانون حديثا، اتفقا ~~على خمسة أحاديث، وانفرد مسلم بثلاثة أحاديث، روى عنه جماعة من التابعين، ~~مات بالمدينة، وقيل: بالكوفة سنة ثمان وستين، وقيل: سنة ثمان وسبعين، وهو ~~ابن خمس وثمانين سنة، ورى له أصحاب السنن والمساند (¬2). PageV03P1217 # وأما اللقطة: فتقدمت لغاتها في كتاب الحج. # وأما الأمر بمعرفة وكائها وعفاصها: ليعلم صدق واصفها من كذبه؛ لتكون ~~معرفته وسيلة إلى ذلك بذكر المالك لما عرفه الملتقط، وسمي الملتقط لقطة ~~-بفتح القاف-، وقياسه أن يكون لمن يكثر منه الالتقاط؛ كالهزأة والضحكة ~~وأمثاله. # والوكاء: بالمد وكسر الواو، وهو ما يربط به الشيء، من صرة وغيرها، بخيط ونحوه. # والعفاص: أصله: الجلد الذي يلبس رأس القارورة، ثم استعمل في الوعاء، فغلب فيه. # وقوله: "فإن لم تعرف، فاستنفقها"، الأمر باستنفاقها أمر إباحة لا وجوب، ~~بلا خلاف. # وقوله: "ولتكن وديعة عندك"، لفظ الوديعة مع الاستنفاق مجاز؛ فإن الوديعة ~~تدل على الأعيان، وإذا استنفقت اللقطة، خرجت عن كونها عينا، ويجوز ذكرها مع ~~الاستنفاق بلفظ الوديعة؛ من حيث إنه إذا جاء ربها وطلبها، وجب ردها إليه ~~كما يجب رد سائر الأمانات. # ويحتمل أن تكون الواو في قوله: "ولتكن وديعة"؛ بمعنى "أو" فيكون حكمها ~~حكم الودائع والأمانات إذا لم يتملكها؛ فإنها تكون أمانة عنده كالوديعة. # وقوله: "فإن جاء صاحبها يوما من الدهر، فأدها إليه"؛ يعني: إذا تحقق صدق ~~صاحبها أنها له، إما بوصفه لها، أو بأمارة، وإما ببينة -على اختلاف بين ~~الفقهاء في ذلك-، فإنه يجب ردها إليه بعد تعريف الملتقط إياها. # وقوله: "وسأله عن ضالة الإبل، فقال: ما لك ولها! دعها؛ فإن معها حذاءها ~~وسقاءها، ترد الماء وتأكل الشجر، حتى يجدها ربها"؛ لا تقع الضالة إلا على ms0821 PageV03P1218 # الحيوان، يقال: ضل البعير، والإنسان، وغيرهما من الحيوان، وهي الضوال، ~~وأما الأمتعة، فتسمى لقطة، ولا تسمى ضالة، قاله الأزهري (¬1). # ولما كانت الإبل مستغنية عن الحافظ والمتعهد والنفقة عليها؛ بما ركب في ~~طبعها من الجلادة على العطش والحفاء، عبر عنهما بالحذاء والسقاء مجازان؛ ~~كأنها استغنت بقوتها عن الماء والحذاء، فلا حاجة إلى التقاطها؛ لعدم الجور عليها. # وقوله: "وسأله عن الشاة، فقال: خذها؛ فإنما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب"؛ ~~يريد: الشاة الضالة، ولما كانت الشاة عاجزة عن القيام بنفسها بغير حافظ ~~ومتعهد، وخيف عليها الضياع إن لم يلتقطها أحد، وفي ذلك إتلاف لماليتها على ~~مالكها، أو التساوي بين السائل عنها، وبين غيره من الناس إذا وجدها، اقتضى ~~الإذن في التقاطها بأخذها؛ لأنه لا بد منه، إما لهذا الوجه، أو لغيره مما ~~ذكر، والله أعلم. # وفي الحديث أحكام: # منها: جواز أخذ اللقطة، وهل هو مستحب أو واجب؟ فيه خلاف وتفصيل. # ومنها: وجوب التعريف سنة، وظاهر الحديث: أنه لا فرق بين القليل والكثير ~~في وجوب التعريف وفي مدته، وقد اختلف أصحاب الشافعي فيه، والمختار عند ~~الأكثرين منهم: أنه يكفي تعريف القليل زمنا يظن أن فاقده يعرض عنه غالبا، ~~وأن هذا حد القليل. # ومنها: إباحة استنفاقها بعد تملكها. # ومنها: أن الملتقط أولى بذلك من غيره. # ومنها: وجوب ردها إلى صاحبها بعينها، أو بما يقوم مقامه بعد تعريفها، ~~وبعد استنفاقها أو تملكها إذا تحقق صدقه بطريقه، وقال الكرابيسي من ~~الشافعية: PageV03P1219 # لا يلزمه ردها ولا رد بدلها، وهذا منابذ للحديث، ليس بمذهب. # ومنها: امتناع التقاط ضالة الإبل، إذا امتنعت بقوتها عن حفظها، وقال أبو ~~حنيفة: يجوز التقاطها بكل حال. # ومنها: التقاط ضالة الشاة، إذا خيف إتلاف ماليتها على مالكها. # ومنها: أن الضالة لا يزول اسم ملك صاحبها عنها بضلالها، وأنه متى وجدها أخذها. # * * * PageV03P1220 ### || AUTO باب الوصايا # الوصايا: جمع وصية؛ كهدية وهدايا، وقضية وقضايا، وهي مشتقة من وصيت الشيء ~~أصيه إذا وصلته. وسميت وصية؛ لأنه وصل ما كان في حياته بما بعده، ويقال: ~~وصى وأوصى -أيضا-، والاسم: ms0822 الوصية والوصايا (¬1). # * * * ### ||| AUTO الحديث الأول # عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: "ما حق امرى مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين، إلا ووصيته مكتوبة ~~عنده" (¬2). زاد مسلم: قال ابن عمر: ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقول ذلك، إلا وعندي وصيتي (¬3). # أعلم أن لفظ الحديث دال على الحث على الوصية لمن له شيء يوصي فيه، أما من ~~عليه حقوق مالية، وله مال، ولم يبق له وقت في الحياة ما يسع وفاه بنفسه، ~~ولا بغيره؛ فإن الوصية بذلك واجبة حتما متعينة، ولا يدخل ذلك في PageV03P1221 # لفظ الحديث، إلا أن يتناول لفظة: "له شيء يوصي فيه" بمعنى: عليه، ويكون ~~"فيه" بمعنى "به". # وقد أجمع المسلمون على الأمر بالوصية، لكن مذهب الشافعي، وجمهور العلماء: ~~أن الأمر بها للندب، لا للوجوب، وقال داود، وغيره من الظاهرية وغيرهم: هو ~~للوجوب؛ للحديث، ولا دلالة فيه لهم؛ لعدم التصريح به. # وأما تأكيد الأمر بها، والحث عليها، فهو ظاهر فيه، إلا أن يحمل على من ~~عليه دين، أو عنده وديعة ونحوه، فإنه يجب الإيصاء بذلك قطعا، قال الشافعي ~~-رحمه الله تعالى-: معنى الحديث: ما الحزم والاحتياط للمسلم، إلا أن تكون ~~وصيته مكتوبة عنده، فيستحب تعجيلها، وأن يكتبها في صحته، ويشهد عليها، ~~ويكتب فيها ما يحتاج إليه، فإن تجدد له أمر يحتاج إلى الوصية به، ألحقه، ~~والله أعلم. # قال العلماء: ولا يكلف أن يكتب كل يوم محقرات المعاملات، وجزئيات الأمور ~~المتكررة؛ كالشيء الذي جرت العادة بتداينه ورده على قرب، وكأنهم راعوا في ~~ذلك المشقة. # أما الوصية بالتطوعات في القربات، فإن ذلك مستحب الوصية به قطعا، فكأن ~~الحديث يحمل على الوصية بالواجبات، ورخص في الليلتين أو الثلاث ليال في ~~رواية في "صحيح مسلم"؛ دفعا للحرج والعسر فيها. # وفي الحديث أحكام: # منها: الحث على الوصية. # ومنها: أنها لا تشرع لمن ليس له شيء يوصي فيه، ولا به. # ومنها: جواز العمل بالكتابة فيها، وبه قال الإمام ms0823 محمد بن نصر المروزي من ~~أصحاب الشافعي - رحمه الله - قال: يكفي الكتاب فيها من غير إشهاد؛ لظاهر ~~الحديث، وقال الشافعي - رضي الله عنه -، وجمهور العلماء: يشترط الإشهاد ~~عليها؛ لئلا ترد ولا يعمل بها، فإن أرادوا بالاشتراط لحق الشرع، PageV03P1222 # فممنوع، وإن أرادوا به لخوف فوات العمل بها، وعدم نفوذها عند نزاع الورثة ~~وغيرهم، فمسلم، وعلي ذلك ينزل الخلاف، والله أعلم. # ومنها: منقبة ظاهرة لابن عمر - رضي الله عنهما -، وفضيلته؛ لمبادرته إلى ~~امتثال أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ومواظبته عليه. # ومنها: جواز ذكر الإنسان عمله بالسنة، ومواظبته عليها؛ ليقتدى به في ذلك، ~~والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: جاءني رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يعودني عام حجة الوداع، من وجع اشتد بي، فقلت: يا رسول الله! قد بلغ ~~بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ ~~قال: "لا"، قلت: فالشطر يا رسول الله؟ قال: "لا"، قلت: فالثلث؟ قال: ~~"الثلث، والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء، خير من أن تذرهم عالة ~~يتكففون الناس؛ فإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله، إلا أجرت بها، حتى ~~ما تجعل في في امرأتك"، قال: فقلت: يا رسول الله! أخلف بعد أصحابي؟ قال: ~~"إنك لن تخلف فتعمل عملا تبتغي به وجه الله، إلا ازددت به درجة ورفعة، ~~ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام، ويضر بك آخرون، اللهم أمض لأصحابي ~~هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة"؛ يرثي له رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أن مات بمكة (¬1). # أما سعد بن أبي وقاص؛ فكنيته: أبو إسحاق، واسم أبيه: مالك بن أهيب بن عبد ~~مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، القرشي، الزهري، يلتقي ~~مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند الأب الخامس، وهو كلاب بن مرة. PageV03P1223 # أسلم قديما، وهاجر إلى المدينة قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وكان سابع ms0824 سبعة في إسلامه، أسلم بعد ستة، وروي عنه أنه قال: أسلمت وأنا ابن ~~تسع عشرة سنة، وروي عنه أنه قال: أسلمت قبل أن تفرض الصلوات، وشهد بدرا ~~والمشاهد كلها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو أحد الستة الذين ~~جعل عمر - رضي الله عنه - الشورى بينهم، وأخبر أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - توفي وهو عنهم راض، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وكان مجاب ~~الدعوة، مشهورا بذلك، تخاف دعوته وترجى؛ لاشتهار إجابتها عندهم؛ وذلك لأن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "اللهم سدد سهمه، وأجب دعوته" (¬1). # وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله تعالى، وذلك في سرية عبيدة بن الحارث، ~~ويروى أنه قال في معنى ذلك: # ألا هل جاء رسول الله أني ... حميت صحابتي بصدور نبلي # أذود بها عدوهم ذيادا ... بكل حزونة وبكل سهل # فما يعتد رام من معد ... بسهم مع رسول الله قبلي (¬2) # وجمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له وللزبير أبويه، فقال لكل واحد ~~منهما: "ارم فداك أبي وأمي"، ولم يفعل ذلك لغيرهما، فيما يقولون. # وروي أنه أقبل على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال له: "أنت ~~خالي" (¬3)، وكان يقال له: فارس الإسلام، وكان أحد الفرسان الشجعان في قريش ~~الذين يحرسون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مغازيه، وهو الذي كوف ~~الكوفة، ونفى الأعاجم، وتولى قتال PageV03P1224 # فارس، أمره عمر - رضي الله عنه - على ذلك، ففتح الله على يديه أكثر فارس، ~~وله كان فتح القادسية وغيرها، وكان أميرا على الكوفة، فشكاه أهلها، ورموه ~~بالباطل، فدعا على الذي واجهه بالكذب عليه دعوة ظهرت إجابتها، وعزله عمر ~~حين شكاه أهل الكوفة في سنة إحدى وعشرين، وولى عمار بن ياسر الصلاة، وعبد ~~الله بن مسعود بيت المال، وعثمان بن حنيف مساحة الأرضين، ثم عزل عمارا، ~~وأعاد سعدا على الكوفة ثانية، ثم عزله، وولى جبير بن مطعم، ثم عزله قبل أن ~~يخرج إليها، وولى المغيرة بن شعبة، فلم يزل عليها حتى قتل عمر، فأقره عثمان ms0825 ~~يسيرا، ثم عزله، وولى سعدا، ثم عزله، وولى الوليد بن عقبة. # وقيل: إن عمر لما أراد أن يعيد سعدا - رضي الله عنه - على الكوفة، أبي ~~عليه، وقال: أتأمرني أن أعود إلى قوم يزعمون أني لا أحسن أصلي؟! فتركه، ~~فلما طعن عمر - رضي الله عنه -، وجعله أحد أصحاب الشورى، قال: إن وليها ~~سعد، فذاك؛ وإلا فليستعن به الوالي؛ فإني لم أعزله عن عجز، ولا خيانة. # وكان سعد ممن قعد ولزم بيته في الفتنة، وأمر أهله ألا يخبروه من أخبار ~~الناس بشيء حتى تجتمع الأمة على إمام، وسئل علي بن أبي طالب - رضي الله عنه ~~- عن الذين قعدوا عن بيعته، فقال: أولئك قوم خذلوا الحق، ولم يبصروا ~~الباطل. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مئتا حديث، وسبعون حديثا، ~~اتفقا على خمسة عشر منها، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بثمانية عشر، وروى ~~عنه من الصحابة: ابن عمرو، وابن عباس، وجابر بن سمرة، والسائب بن يزيد، ~~وعائشة أم المؤمنين -رضي الله عنهم-، ومن التابعين: أولاده: محمد، ~~وإبراهيم، وعامر، ومصعب، وابن المسيب، وأبو عثمان النهدي، وإبراهيم بن عبد ~~الرحمن بن عوف، وخلق كثير سواهم، ورى له أصحاب السنن والمساند، مات بقصره ~~بالعقيق، على عشرة أميال من المدينة، وحمل على أعناق الرجال إلى المدينة، ~~ودفن بالبقيع، وصلى عليه مروان بن الحكم. PageV03P1225 # واختلف في تاريخ وفاته، فالأصح أنه: سنة خمس وخمسين، وقيل: سنة إحدى، ~~وقيل: سنة ست، وقيل: سبع، وقيل: ثمان وخمسين، وله ثلاث سبعون سنة، وقيل: ~~أربع وسبعون، وقيل: اثنتان وثمانون سنة، وقيل: ثلاث وثمانون سنة، وكان ~~يقول: يوم بدر أنا ابن تسع عشرة سنة، ويقال: ابن أربع وعشرين، والله أعلم (¬1). # وأما تفدية النبي - صلى الله عليه وسلم - له بأبويه، فهو ثابت في ~~"الصحيحين" من رواية علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: ما سمعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - جمع أبويه لأحد إلا لسعد (¬2)، وأما تفديته - ~~صلى الله عليه وسلم - للزبير، وجمعهما له، فذكرها الحافظ أبو عمر بن عبد ~~البر في ms0826 "استيعابه" (¬3)، والله أعلم، ولا يلزم من عدم سماع علي - رضي الله ~~عنه - جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - أبويه لغير سعد، ألا يكون جمعهما ~~لغيره، والله أعلم. # في الصحابة من اسمه سعد بن مالك، غيره: أبو سعيد الخدري، اسمه سعد بن ~~مالك بن سنان، وسعد بن مالك بن خلد من بني ساعدة من الأنصار، وهو والد سهل ~~بن سعد الساعدي، وسعد بن مالك العذري، قدم في وفد عذرة على النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -. # وأما سعد بن خولة، فقال ابن عبد البر: من بني عامر بن لؤي، من أنفسهم PageV03P1226 # عند بعضهم، وقيل: هو حليف لهم، وقيل: مولى ابن أبي رهم بن عبد العزى ~~العامري، وقيل: هو من اليمن، حليف لبني عامر بن لؤي، وقيل: كان من عجم ~~الفرس، وكان من مهاجرة الحبشة الهجرة الثانية، وذكر البخاري: أنه هاجر، ~~وشهد بدرا، ثم انصرف إلى مكة ومات بها، وممن عده في البدريين: ابن عقبة، ~~وقد ثبت في "الصحيحين" عن سبيعة: أنها كانت تحت سعد بن خولة، وهي في بني ~~عامر بن لؤي، وكان ممن شهد بدرا، فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، ذكره ~~المصنف في باب العدة، وقيل: لم تهاجر من مكة حتى مات، وقال ابن هشام: إنه ~~هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وشهد بدرا وغيرها، توفي بمكة سنة عشر، ~~وقيل: توفى بها سنة سبع في الهدنة، خرج مختارا من المدينة إلى أرض مكة، ~~فعلى هذا سبب بؤسه موته بمكة، على أي حال كان، وإن لم يكن باختياره؛ لما ~~فاته من الأجر والثواب الكامل بالموت في دار هجرته، والغربة عن وطنه، الذي ~~هجره لله تعالى (¬1). # قال القاضي عياض - رحمه الله -: وقد روي في هذا الحديث: أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - خلف مع سعد بن أبي وقاص رجلا، وقال له: "إن توفي بمكة، ~~فلا تدفنه بها" (¬2)، وذكر مسلم في رواية في "صحيحه": أنه كان يكره أن يموت ~~في الأرض التي هاجر منها (¬3)، وفي رواية أخرى لمسلم: قال سعد بن أبي وقاص: ms0827 ~~خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها (¬4)، كما مات سعد بن خولة، وسعد هذا، ~~هو زوج سبيعة الأسلمية، والله أعلم (¬5). PageV03P1227 # وقوله: "ولا يرثني إلا ابنة": قال شيخنا الإمام أبو زكريا النووي - رحمه ~~الله -: هذه البنت اسمها عائشة، ولم يكن لسعد ذلك الوقت ولد إلا هذه البنت، ~~ثم عوفي من ذلك المرض، ورزق أولادا كثيرين، ومعناه: لا يرثني من الولد، ~~وخواص الورثة، وإلا فقد كان له عصبة، وقيل معناه: لا يرثني من أصحاب الفروض (¬1). # وقوله: "الثلث، والثلث كثير"؛ أما الثلث الأول: فقال القاضي عياض: يجوز ~~نصبه ورفعه، فالنصب على الإغراء، وعلي تقدير فعل؛ أي: أعط الثلث، وأما ~~الرفع: فعلى أنه فاعل؛ أي: يكفيك الثلث، أو على أنه مبتدأ خبره محذوف، أو ~~خبر محذوف الابتداء (¬2). # وأما قوله: "كثير"؛ فوقع في بعض الروايات بالمثلثة، وفي بعضها بالموحدة، ~~وكلاهما صحيح. # وقوله: "أفأتصدق بثلثي مالي؟ " يحتمل أنه أراد بالصدقة: الوصية، ويحتمل ~~أنه أراد الصدقة المنجزة، وهما عند العلماء كافة سواء، لا ينفذ ما زاد على ~~الثلث، إلا برضاء الوارث. وخالف أهل الظاهر، فقالوا: للمريض مرض الموت أن ~~يتصدق بكل ماله، ويتبرع به؛ كالصحيح، لكنه مرجوح بظاهر قوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "الثلث، والثلث كثير"، مع حديث الذي أعتق في مرضه ستة أعبد؛ ~~فأعتق - صلى الله عليه وسلم - اثنين، وأرق أربعة (¬3). # قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنك أن تذر ورثتك أغنياء، خير من أن تذرهم ~~عالة يتكففون الناس". # أما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من أن تذر ورثتك"؛ فهو بفتح الهمزة ~~وكسرها، وكلاهما PageV03P1228 # صحيح، و "العالة": الفقراء. و "يتكففون"؛ أي: يسألون الناس في كلهم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله ~~إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في في امرأتك": النفقات على ضربين؛ واجبة، ~~ومندوبة، وكلا النفقتين لا بد من الأجر عليهما؛ من قصد الطاعة، وابتغاء ~~الثواب عند الله تعالى، وهو بمعنى الاحتساب، ثم الثواب من الله تعالى قد ~~يكون جزاء على العمل، وقد يكون ابتداء فضل منه -سبحانه وتعالى-، ms0828 وكلاهما لا ~~ينتقصان ثواب الله تعالى في الآخرة، إلا أن يقصد به حظوظ النفوس الدنيوية، ~~فينقصانه في الآخرة، أو يذهبانه. # فإذا قصد بالأعمال المباحة نوع من الطاعات؛ كالإحسان والمؤالفة، أو تقوية ~~على طاعة حث الشرع عليها، ونحو ذلك، صارت عبادة وطاعة، مثاله: الأكل والشرب ~~والنوم والجماع؛ فإن هذه كلها من حيث وجودها مباحة، فإذا قصد بفعلها امتثال ~~الأمر، أو ما يحصل بفعلها من الخير، ارتفعت بالقصد المذكور من الإباحة إلى ~~الوجوب أو الندب على حسب محلهما من الفعل. # وكل هذا راجع إلى قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الأعمال بالنيات" ~~(¬1)، وأن العمل يثاب عليه بالنية، وقد نبه - صلى الله عليه وسلم - على ما ~~ذكرته بقوله: "حتى اللقمة تضعها في في امرأتك"؛ حيث إن الإنسان لا يضع ~~اللقمة في في امرأته؛ إلا عند ملاعبتها وملاطفتها والتلذذ بالمباح، كيف ~~والمرأة من أخص حظوظ الإنسان الدنيوية، وشهواته وملاذه المباحة؟ فيتحقق أن ~~هذه الحالة أبعد الأشياء عن الطاعة وأمور الآخرة، ومع ذلك، فقد أخبر - صلى ~~الله عليه وسلم -: أنه إذا قصد باللقمة ونحوها وجه الله تعالى، حصل له ~~الأجر بذلك، فغيره من الحالات أولى بحصوله إذا أراد به وجه الله تعالى، مع ~~أنه ثبت في الصحيح: أن الصحابة -رضي الله عنهم- قالوا: يا رسول الله! أيأتي ~~أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان عليه ~~وزر؟! فكذلك إذا وضعها في الحلال، كان له أجر" لما PageV03P1229 # سمعوا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وفي بضع أحدكم صدقة" (¬1)؛ فإن ذلك ~~عند الإطلاق يقتضي حصول الأجر بمجرد إتيانه شهوته من غير قصد إلى شيء مما ~~ذكر، لكنه لما ثبت في الصحيح ذكر النفقة على الأهل والعيال يحتسبها، احتجنا ~~إلى تقييدها بالنية؛ حيث إن الاحتساب لا يحصل إلا بالنية، والله أعلم. # قوله: "فقلت: يا رسول الله! أخلف بعد أصحابي، قال: إنك لن تخلف فتعمل ~~عملا تبتغي به وجه الله تعالى إلا ازددت به درجة ورفعة"؛ معناه: أخلف بعد ~~أصحابي بمكة، وإنما قال ذلك؛ إشفاقا من ms0829 موته بمكة؛ لكونه هاجر منها وتركها ~~لله تعالى؛ خشية أن يقدح تخلفه بعذر المرض في هجرته، أو في ثوابه عليها، أو ~~خشية بقائه بمكة بعد انصراف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه إلى ~~المدينة، وتخلفه عنهم بسبب المرض؛ فإنهم كانوا يكرهون الرجوع فيما تركوه ~~لله تعالى، وقد جاء في رواية أخرى: "أخلف عن هجرتي؟ " (¬2)، قال القاضي ~~عياض - رحمه الله -: قيل: كان حكم الهجرة باقيا بعد الفتح؛ لهذا الحديث، ~~وقيل: إنما كان ذلك لمن كان هاجر قبل الفتح، فأما من هاجر بعده، فلا (¬3). # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولعلك أن نخلف حتى يتنفع بك أقوام، أو ~~يضر بك آخرون"؛ المراد بالتخلف الذي ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~طول العمر والبقاء في الحياة بعد جماعات من الصحابة، وكان كذلك، فعاش - رضي ~~الله عنه -، وفتح العراق، وغيره، وانتفع به أقوام في دينهم ودنياهم، وتضرر ~~به الكفار في دينهم ودنياهم؛ فإنهم قتلوا على الكفر، وحكم لهم بالنار، ~~وسبيت نساؤهم وأولادهم، وغنمت أموالهم وديارهم، وولي العراق، فاهتدى على ~~يديه خلائق، [و] تضرر به خلائق بإقامته الحق فيهم، وقد قال بعض العلماء من ~~أهل المعرفة: لعل معناها: PageV03P1230 # الترجي، إلا إذا وردت عن الله تعالى ورسله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وأوليائه -رضي الله عنهم-؛ فإن معناها التحقيق. # وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولعلك أن تخلف" إلى آخره، إشارة إلى ~~ذلك، معجزة ظاهرة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # ثم تخلف المهاجر بمكة، هل يحبط عمله إذا مات بها، سواء كان باختياره أم ~~مطلقا؟ قال القاضي عياض - رحمه الله -: لا يحبط أجره إلا إذا كان باختياره ~~من غير ضرورة. # قال: وقال قوم: موت المهاجر بمكة يحبط هجرته كيفما كان، قال: وقيل: إن لم ~~تفرض الهجرة إلا على أهل مكة خاصة (¬1). # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على ~~أعقابهم"؛ دعاؤه - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه بإمضاء هجرتهم، دعاء عام، ~~ومعنى إمضاء هجرتهم: إتمامها لهم من غير إبطال، ومعنى "لا تردهم على ~~أعقابهم"؛ ms0830 أي: تترك هجرتهم ورجوعهم عن مستقيم حالهم المرضية، وليس في ذلك ~~دليل على أن بقاء المهاجر بمكة قادح فيه كيف كان؛ فإن اللفظ لا يقتضيه. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لكن البائس سعد بن خولة" البائس: الذي ~~عليه أثر البؤس، وهو الفقر والعلة. # وقوله: "يرثي له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن مات بمكة"؛ هذا ~~كلام الراوي لهذا الحديث، وتفسير لمعنى بؤسه وتوجعه - صلى الله عليه وسلم - ~~له، وترفقه عليه، جميع ذلك؛ لكونه مات بمكة. # واختلف في كلام من هو من الرواة؟ فقيل: من كلام سعد بن أبي وقاص، وقد جاء ~~مفسرا في بعض الروايات، وقيل: من كلام الزهري، قال القاضي عياض: وأكثر ما ~~جاء: أنه من كلام الزهري، والله أعلم (¬2). PageV03P1231 # وقد نقل أبو عمر بن عبد البر قولا، وغلطه، وبين الغلط فيه؛ وهو أن سعد بن ~~خولة مات قبل أن يهاجر، وقال: لأن ابن خولة لم يشهد بدرا إلا بعد هجرته، ~~وهذا ما لا يشك ذو لب فيه، والله أعلم (¬1). # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: استحباب عيادة المريض، واستحباب عيادة الإمام أصحابه، وأنها مستحبة ~~في السفر كالحضر، وأولى. # ومنها: جواز ذكر المريض ما يجده من شدة المرض، لا في معرض التسخط ~~والشكوى، فإن ذكره رجاء دعاء العابد، أو ليصف له ما يتداوى به، كان مستحبا، ~~ولم يكن ذلك قادحا في صبره، وأجر مرضه. # ومنها: إباحة جمع المال؛ لقوله: "وأنا ذو مال"؛ لأن هذه الصيغة لا تستعمل ~~في العرف إلا لمال كثير. # ومنها: استحباب الصدقة لذوي الأموال. # ومنها: العدل بين الورثة، ومراعاتهم في الوصية. # ومنها: تخصيص جواز الوصية بالثلث، لكن قال العلماء: إن كان الورثة ~~أغنياء، استحب أن يوصي بالثلث تبرعا، وإن كانوا فقراء، استحب أن ينقص من الثلث. # ومنها: أن الثلث في باب الوصية في حد الكثرة، وقد اختلف المالكية فيه في ~~مسائل، ففي بعضها جعلوه داخلا في حد الكثرة بالوصية؛ لقوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "والثلث كثير"، وهذا يحتاج إلى عدم اعتبار دلالة السياق الذي يقتضي ~~تخصيص ms0831 كثرة الثلث بالوصية، بل يوجد لفظا عاما، وإلى دلالة دليل على اعتبار ~~ممر الكثرة في الحكم، والثلث المذكور، فيحصل المقصود. # ويقال: الكثرة معتبرة في هذا الحكم، والثلث كثير، فهو معتبر، ومتى لم PageV03P1232 # يلمح كل واحد من هاتين المقدمتين، لم يحصل المقصود، وقد مثلوا ذلك بما ~~ذهب إليه بعض المالكية أنه إذا مسح ثلث رأسه في الوضوء، أجزأه؛ لأنه كثير؛ ~~للحديث، فيقال له: لم قلت: إن مسمى الكثرة معتبر في المسح؟ فإذا أثبته، لم ~~قلت: إن مطلق الثلث كثير، وكل ثلث فهو كثير بالنسبة إلى كل حكم، وعلي هذا ~~فقس سائر المسائل، فيطلب منها تصحيح كل واحدة من المقدمتين. # وقد أجمع العلماء في الأعصار المتأخرة: على أن من له وارث، لا ينفذ وصيته ~~بزيادة على الثلث إلا بإجازته، وأجمعوا على نفوذ الزيادة في باقي المال ~~بإجازته، وأما من لا وارث له، فمذهبنا ومذهب الجمهور: لا تصح وصيته فيما ~~زاد على الثلث، وجوزه أبو حنيفة، وأحمد وأصحابه، وأحمد في إحدى الروايتين ~~عنه، وإسحاق، وروي عن علي، وابن مسعود - رضي الله عنهما -. # ومنها: أن طلب الغني للورثة الذين يكفهم عن السؤال والتطلع إلى ما في ~~أيدي الناس، راجح على تركهم فقراء عبادة يتكففون الناس، ومن هذا أخذ بعضهم ~~ترجح الغني عن الفقير، واستحباب الغض من الثلث، وقيل: ينظر إلى قدر المال ~~في الكثرة والقلة، فتكون الوصية بذلك اتباعا للمعنى المذكور في الحديث من ~~ترك الورثة أغنياء. # ومنها: الحث على صلة الأرحام، والإحسان إلى الأقارب، والشفقة على الورثة. # ومنها: أن صلة القريب الأقرب والإحسان إليه أفضل من الأبعد. # ومنها: أن الثواب في الإنفاق مشروط بصحة النية في ابتغاء وجه الله - عز ~~وجل -، وهذا عسر دقيق إذا عارضه مقتضى الطبع والشهوة؛ فإن ذلك لا يحصل ~~الغرض من الثواب، حتى يبتغي به وجه الله، وشق تخليص هذا المقصود مما يشوبه ~~من مقتضى الطبع والشهوة. # ومنها: استحباب الإنفاق في وجوه الخير. # ومنها: أن الأعمال الواجبة، أو المندوبة، أو المباحة، يزداد الأجر في ~~فعلها PageV03P1233 # بقصد الطاعة، وأن المباح ms0832 بالنية يصير طاعة يثاب عليه؛ فإن قوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "حتى ما تجعل في في امرأتك"؛ يقتضي المبالغة في تحصيل ~~الأجر، لا تخصيص الثواب بالواجب والمندوب، كما يقال: جاء الحاج حتى المشاة، ~~ومات الناس حتى الأنبياء. # ولا شك أن الكلام في ذلك راجع إلى قاعدة كلية، وهي: أن النية هل تحتاج ~~إليها في الجزئيات بالنسبة إلى كل جزء، أم يكتفى بنية عامة؟ # وقد ذكر الحارث بن أسد المحاسبي - رحمه الله - في ذلك مذهبين للسلف، ~~وقال: الراجح عند أكثرهم الاكتفاء بنية عامة؛ لما في الإتيان بها في كل جزء ~~من الحرج والمشقة، مع أن الشرع حث على الاكتفاء بأصل النية، وعمومها في باب ~~الجهاد والحج؛ حيث قال - صلى الله عليه وسلم -: "إنه لو من أحدكم بنهر جار، ~~وهو لا يريد أن يسقي دوابه، فشربت، كان له أجر". # فيمكن أن يعدى هذا إلى سائر الأشياء، ويكتفى بنية مجملة أو عامة، ولا ~~يحتاج إلى الجزئيات في ذلك؛ حيث إن قصد طاعة الله تعالى تشمل جميع ذلك، وقد ~~توهمت زينب الثقفية الاحتياج إلى ذلك في الجزئيات لما أرادت الإنفاق على من ~~عندها، وقالت: لست بتاركتهم، فتوهمت أن ترك النية وحث الطبع مما يمنع ~~الصدقة عليهم، فأزيل ذلك عنها برفع الوهم فيه، وأمرت بالإنفاق من غير نية ~~وتقدير الأجر. # ومنها: تسلية من كره حالة يخالف ظاهرها الشرع، ولا سبب له فيها؛ فإن سعدا ~~- رضي الله عنه - خاف فوت مقام الهجرة، وموته بالأرض التي هاجر منها بسبب ~~المرض الذي وقع فيه. # ومنها: أن الإنسان قد يكون له مقاصد دينية حث الشرع عليها، فيقع في مكاره ~~تمنعه عن مقاصده، فينبغي له -في هذه الحالة- رجاء المصلحة من الله تعالى ~~فيما يفعله. # ومنها: سؤال الله تعالى في إتمام العمل الذي قصده الإنسان على وجه PageV03P1234 # لا يدخله نقص، ولا نقص لما ابتدئ به؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم". # ومنها: تعظيم أمر الهجرة، وتفخيمها؛ فإن قوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"ولا تردهم ms0833 على أعقابهم" يدل على ذلك. # ومنها: فضيلة طول العمر؛ للازدياد من العمل الصالح، ولا شك أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: "لن يزيد المؤمن عمره إلا خيرا، إن كان محسنا، ~~فيزداد خيرا، وإن كان مسيئا، فيستعتب" (¬1)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ~~"لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد فاعلا، فليقل: اللهم ~~أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي" (¬2). # وقد سأل جماعة من السلف -رحمهم الله تعالى- النقلة إلى الله تعالى، ~~واختار جماعة منهم الحياة وطولها، وجماعة منهم لم يكن لهم اختيار مع الله ~~-عز وجل-، والأمر فيما نقل عنهم منزل على خوفهم على دينهم ورجائهم فضل الله ~~في طول العمر بكثرة الطاعة، والتفويض إليه -سبحانه وتعالى- من غير اختيار. # ومنها: الحث على إرادة وجه الله تعالى بالأعمال. PageV03P1235 # ومنها: معجزات كثيرة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ في قوله لسعد؛ ~~من طول عمره، وفتح البلاد، وانتفاع أقوام به، وتضرر آخرين بحياته، ودعائه ~~لهم وعليهم. # ومنها: منقبة ظاهرة لسعد - رضي الله عنه -، وفضائل عديدة. # ومنها: كمال شفقته - صلى الله عليه وسلم - على جميع خلق الله تعالى؛ ~~الأحياء منهم والأموات، على حسب مراتبهم، وتقيدها بالشرع، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع؛ ~~فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "الثلث، والثلث كثير" (¬1). # أما قول ابن عباس: "غضوا"، فهو بالغين والضاد المعجمتين؛ أي: نقصوا. # وقوله: "لو أن الناس عضوا"، هي صيغة فيها ضعف ما بالنسبة إلى طلب الغض ~~إلى ما دون الثلث. # وقد تقدم الكلام على قوله: "الثلث، والثلث كثير" في حديث سعد بن أبي وقاص قبله. # وفي الحديث دليل: على استحباب النقص عن الثلث مطلقا، وتقدم ذكرنا لمذهب ~~الشافعي: أنه إذا كان ورثته أغنياء، استحب الإيصاء بالثلث، وإلا، فيستحب النقص. # ومذهب جمهور العلماء: استحباب النقص مطلقا، وعن أبي بكر الصديق - رضي ~~الله عنه -: أنه أوصى بالخمس، وعن علي - رضي الله عنه - نحوه، ms0834 وعن ابن عمر ~~وإسحاق: بالربع، وقال آخرون: بالسدس، وآخرون بدونه، وقال PageV03P1236 # آخرون: بالعشر، وقال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون الوصية بمثل نصيب أحد ~~الورثة (¬1). # وروي عن علي، وابن عباس، وعائشة وغيرهم -رضي الله عنهم-: أنه يستحب لمن ~~له ورثة وماله قليل، ترك الوصية، والله أعلم. # * * * PageV03P1237 ### | AUTO كتاب الفرائض ### || AUTO الحديث الأول # عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر" (¬1). وفي رواية: ~~"اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله، فما تركت الفرائض، فلأولى ~~رجل ذكر" (¬2). # أما الفرائض: فهي جمع فريضة، مأخوذة من الفرض، وهو التقدير، والمراد هنا: ~~الأنصباء المقدرة في كتاب الله تعالى؛ فإن سهمان أهلها تولى الله -سبحانه ~~وتعالى- فرضها دون غيره من بيان الأنبياء والمرسلين؛ وهي النصف، ونصفه: وهو ~~الربع، ونصف نصفه: وهو الثمن، والثلثان، ونصفهما، وهو الثلث، وثلث نصفهما، ~~وهو السدس. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فما بقي فهو لأولى رجل ذكر"؛ المراد ~~"بأولى رجل ذكر": أقرب رجل، وهو مأخوذ من الولي؛ وهو القرب، والولي: بإسكان ~~اللام على وزن الرمي، وليس المراد بأولى هنا: أحق، بخلاف قولهم: الرجل أولى ~~مسألة؛ حيث إنه لو حمل هنا على أحق، لخلا عن الفائدة؛ لأنا لا ندري من هو ~~الأحق. PageV03P1239 # وقوله: "رجل ذكر"؛ وصف الرجل بأنه ذكر تنبيه على سبب استحقاقه، وهو ~~الذكورية، التي هي سبب العصوبة، وسبب الترجيح في الأثر، ولهذا جعل للذكر ~~مثل حظ الأنثيين، وحكمته: أن الرجال يلحقهم مؤن كثيرة بالقيام بالعيال ~~والضيفان وإرفاد القاصدين، ومواساة السائلين، وتحمل الغرامات، وغير ذلك، ~~وقد أورد على ذلك إشكال، وهو أن الأخوات عصبة مع البنات، والحديث يقتضي ~~اشتراط الذكورية في العصبة؛ لاستحقاق باقي التركة! # والجواب: أن ما ذكر، وهو ما ذكر من طريق المفهوم، وأقصى درجاته أن يكون ~~له عموم، فيختص بالحديث الدال على الحكم المذكور؛ من كون الأخوات مع البنات ~~عصبة، والله أعلم. # وفي الحديث دليل: على البداءة في قسمة التركات بالفرائض بين أهل الفرض. # وفيه ms0835 دليل: على أن العصبات لا يرثون إلا بعد استيفاء أهل الفرائض ~~فرائضهم. # وفيه دليل: على توريث العصبات، وتقدم الأقرب فالأقرب منهم، فلا يرث عاصب ~~بعيد مع وجود قريب، فإذا خلف بنتا وأخا وعما، فللبنت النصف فرضا، والباقي ~~للأخ، ولا شيء للعم. # وفيه دليل: على الرجوع في قسمة الفرائض وأنصبائها إلى كتاب الله تعالى؛ ~~حيث تولى الله تعالى قسمتها تنبيها على شدة أمر الأموال وصعوبته، وقد أكد ~~-سبحانه وتعالى- ذلك بقوله: {فريضة من الله والله عليم حكيم} [التوبة: 60]، ~~وكذا القول في أموال الصدقات؛ حيث قال: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} ~~-إلى قوله تعالى-: {فريضة من الله والله عليم حكيم} [التوبة: 60]. # وقد تولى الله -سبحانه وتعالى- قسمة أموال الغنيمة في سورة الأنفال، ~~وأموال الفيء في سورة الحشر، وكل ذلك دليل على شدة تعظيم الأموال وحرمتها، ~~وقطع المنازعة بسببها، والله أعلم. PageV03P1240 # وأعلم أن العصبة ثلاثة أقسام: # عصبة بنفسه؛ كالابن وابن الابن، والأخ وابنه، والعم وابنه، وعم الأب ~~والجد وابنهما، ونحوهم، وقد يكون الأب والجد عصبة، وقد يكون لهما فرض، فمتى ~~كان للميت ابن أو ابن ابن، لم يرث الأب إلا السدس فرضا، ومتى لم يكن له ولد ~~ولا ولد ابن، ورث بالتعصيب فقط، ومتى كان [له] بنت، أو بنت ابن، أو بنتان، ~~أو بنتا ابن، أخذ البنات فرضهن، وللأب من الباقي السدس فرضا، والباقي ~~بالتعصيب، والله أعلم. # القسم الثاني: عصبة بغيره؛ وهو البنات بالبنين، وبنات الابن ببنتي الابن، ~~والأخوات بالإخوة. # والثالث: عصبة مع غيره، وهو الأخوات للأبوين أو للأب مع البنات وبنات ~~الابن، فإذا خلف بنتا وأختا لأبوين أو لأب، فللبنت النصف فرضا، والباقي ~~للأخت بالتعصيب، وإن خلف بنتا وبنت ابن وأختا لأبوين، أو أختا لأب، فللبنت ~~النصف، ولبنت الابن السدس، والباقي للأخت، وإن خلف بنتين وبنتي ابن، وأختا ~~لأبوين أو لأب، فللبنتين الثلثان، والباقي للأخت، ولا شيء لبنتي الابن؛ ~~لأنه لم يبق شيء من فرض جنس البنات، وهو الثلثان. # وأعلم أنه حيث أطلق العصبة، فالمراد به العصبة بنفسه؛ وهو كل ذكر يدلي ~~بنفسه بالقرابة ليس ms0836 بينه وبين الميت أنثى، ومتى انفرد العصبة، أخذ جميع ~~المال، ومتى كان مع أصحاب فروض مستغرقة، فلا شيء، وإن لم يستغرقوا، كان له ~~الباقي بعد فروضهم، وأقرب العصبات البنون، ثم بنوهم، ثم الأب، ثم الجد إن ~~لم يكن أخ، والأخ إن لم يكن جد، فإن كان له أخ وجد، ففيهما خلاف مشهور، ~~وهما قولان للشافعي: # أحدهما: يقدم الأخ؛ لإدلائه بالأبوة بوصف البنوة، والبنوة أقوى من جهة ~~العصبة. # والثاني: يقسم بينهما؛ لتعارض الإدلاء بالأبوة بوصف الأبوة والبنوة، ~~فالجد PageV03P1241 # أبو الأب، والأخ ابن الأب، ثم بنو الإخوة، ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم ~~الأعمام، ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم أعمام الأب، ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم أعمام ~~الجد، ثم بنوهم، ثم أعمام جد الأب، ثم بنوهم، وهكذا. # ومن أدلى بالأبوين: يقدم على من يدلي بأب؛ فيقدم أخ من أبوين على أخ من ~~أب، ويقدم ابن أخ من أبوين على ابن أخ من أب، ويقدم عم لأبوين على عم لأب، ~~وكذا الباقي، ويقدم الأخ من الأب على ابن الأخ من الأبوين: لأن جهة الأخوة ~~أقوى وأقرب، ويقدم ابن الأخ لأب على عم لأبوين، ويقدم عم لأب على ابن عم ~~لأبوين، وكذا الباقي، وإنما ذكرنا هذه الفروع لدخولها جميعها تحت قوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "فما بقي: فهو لأولى رجل ذكر، أو لأولى عصبة ذكر" ~~(¬1) كما ذكر في بعض الروايات، والله أعلم. # وفيه دليل لمذهب ابن عباس - رضي الله عنهما - في أنه لو خلف بنتا وأختا ~~لأبوين وأخا لأب: أن للبنت النصف، والباقي للأخ دون الأخت؛ لقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "ألحقوا الفرائض بأهلها، [فما] بقي فلأولى رجل ذكر"، ولم ~~يكن رجل ذكر بعد البنت، إلا الأخ من الأب. # فلم يكن للأخت من الأبوين شيء، لكن الله -سبحانه وتعالى- فرض للأخت من ~~الأبوين النصف، كما فرض للبنت النصف بقوله تعالى: {إن امرؤ هلك ليس له ولد ~~وله أخت فلها نصف ما ترك} [النساء: 176]. وبقوله تعالى في البنت: {وإن كانت ~~واحدة فلها النصف} [النساء: 11]، فلم يبق بعد ms0837 إلحاق الفرائض بأهلها شيء؛ ~~فلم يكن للأخ شيء، وهذا مذهب الشافعي، وجمهور العلماء، والله أعلم. PageV03P1242 ### || AUTO الحديث الثاني # عن أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- قال: قلت: يا رسول الله! أتنزل غدا في ~~دارك بمكة؟ قال: "وهل ترك لنا عقيل من رباع؟! "، ثم قال: "لا يرث الكافر ~~المسلم، ولا المسلم الكافر" (¬1). # أما أسامة بن زيد؛ فهو الحب وابن الحب، وتقدم ذكرهما. # وأما عقيل؛ فهو بفتح العين وكسر القاف، فهو ابن عم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، وكان بنو أبي طالب أربعة: طالب، وعقيل، وجعفر، وعلي -رضي الله ~~عنهم-، ومات طالب كافرا، وكان عقيل أسن من جعفر بعشر سنين، وكان طالب أسن ~~من عقيل بعشر سنين، وجعفر أسن من علي بعشر سنين. # وكان عقيل من أنسب قريش، وأعلمهم بآبائها، كنيته: أبو زيد، وقيل: أبو ~~عيسى بن أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب، شهد بدرا مع المشركين، وأسر ~~يومئذ مكرها، ثم أسلم قبل الحديبية، وشهد غزوة مؤتة، ومات بعدما عمي في ~~خلافة معاوية. # وروى عنه الحسن بن أبي الحسن، وابنه محمد، وابن ابنه عبد الله، وموسى بن ~~طلحة، وغيرهم، ورى له النسائي وابن ماجه (¬2). PageV03P1243 # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وهل ترك لنا عقيل من رباع؟ "؛ فسببه؛ ~~أن أبا طالب لما مات، لم يرثه علي ولا جعفر، وورثه عقيل وطالب؛ لأن عليا ~~وجعفرا كانا مسلمين حينئذ، لم يرثا أبا طالب. # والرباع: جمع ربع، وهو المنزل ودار الإقامة، وربع القوم: محلتهم. # وقول أسامة: "يا رسول الله! أتنزل غدا في دارك بمكة"؛ يحتمل إضافة الدار ~~إليه - صلى الله عليه وسلم - لسكناه إياها، لا لأنها ملكه - صلى الله عليه ~~وسلم -؛ فإن أصلها كان لأبي طالب؛ لأنه الذي كفله - صلى الله عليه وسلم -؛ ~~حيث كان أكبر ولد عبد المطلب، فاحتوى عليها وعلي غيرها من أملاك عبد ~~المطلب، وحازها وحده؛ لسنه، على عادة الجاهلية، ويحتمل أن الدار كان له - ~~صلى الله عليه وسلم - نصيب، فأخرجها عقيل عن أملاك بني عبد المطلب كما فعل ~~أبو سفيان وغيره بدور ms0838 من هاجر من المؤمنين، وقد قال الداودي: فباع عقيل ما ~~كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولمن هاجر من بني عبد المطلب. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: جواز سؤال الكبار والعلماء عن نزولهم أين يكون إذا قدموا بلدا أو ~~غيره؛ لسؤال أسامة - رضي الله عنه - عن ذلك، وتقرير سؤاله - صلى الله عليه ~~وسلم - من غير نكير منه. # ومنها: الجواب بأمر يلزم منه الامتناع مما سئل عنه من النزول أو غيره. # ومنها: الدلالة لمذهب الشافعي ومن قال بقوله: إن مكة فتحت صلحا، ودورها ~~ورباعها مملوكة لأهلها، لها حكم سائر البلدان في ذلك، فتورث عنهم، ويجوز ~~لهم بيعها، وإجارتها ورهنها وهبتها والوصية بها، وسائر التصرفات، وقال ~~مالك، وأبو حنيفة، والأوزاعي، وآخرون: فتحت عنوة، فلا يجوز شيء من هذه ~~التصرفات. # ومنها: أن الكافر لا يرث المسلم، وهو مجمع عليه. # ومنها: أن المسلم لا يرث الكافر، وهو قول جمهور العلماء من الصحابة ~~والتابعين ومن بعدهم، وقالت طائفة: يرث المسلم الكافر، منهم: معاذ بن PageV03P1244 # جبل، ومعاوية، وسعيد بن المسيب، وروي عن إسحاق بن راهويه، وروي خلاف فيه ~~عن أبي الدرداء، والشعبي، والزهري، والصحيح عن هؤلاء يقول الجمهور، واحتج ~~من قال بإرثه من الكافر بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الإسلام يعلو ولا ~~[يعلى] عليه" (¬1). ومن علوه إرث المسلم من الكافر دون عكسه، وكأنهم لما ~~رأوا أن الشرع جوز نكاح المسلم الكافرة الكتابية، قالوا بجواز إرثه من ~~الكافر. # وتأوله الجمهور على مجرد فضل الإسلام على غيره من الأديان دون غيره من ~~الأحكام؛ كإرث وغيره؛ لوجود التصريح في الحديث -نصا- بعدم إرث المسلم من ~~الكافر، فتعين المصير إلى التأويل، كيف ومن قال بإرثه لعله لم يبلغه ~~الحديث، والقياس لا يعارض النص، والله أعلم. # وهذا الذي ذكرناه في الكافر الأصلي، أما المرتد: فلا يرث المسلم إجماعا، ~~وهل يرثه المسلم؟ قال الإمام الشافعي، وربيعة، ومالك، وابن أبي ليلى، ~~وغيرهم: لا يرثه، بل يكون ماله فيئا للمسلمين، وقال أبو حنيفة، والكوفيون، ~~والأوزاعي، وإسحاق: يرثه ورثته من المسلمين، وروي ذلك عن علي، وابن ms0839 مسعود، ~~وجماعة من السلف، لكن قال الثوري وأبو حنيفة: ما كسبه في ردته فهو ~~للمسلمين، وقال آخرون: الجميع لورثته المسلمين. # أما توريث الكفار بعضهم من بعض؛ كاليهودي من النصراني، وعكسه، والمجوسي ~~منهما، وهما منه، فقال الشافعي، وأبو حنيفة، وآخرون: يرث بعضهم من بعض، لكن ~~قال الشافعي: لا يرث حربي من ذمي، ولا ذمي من حربي، ومنع إرث بعضهم من بعض ~~مطلقا مالك، وقال أصحاب الشافعي: لو كانا حربيين في بلدين متجاورين، لم ~~يرثا، والله أعلم. # * * * PageV03P1245 ### || AUTO الحديث الثالث # عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~نهى عن بيع الولاء وهبته (¬1). # الولاء؛ بفتح الواو وبالمد، وحقيقته: حق يثبت بوصف؛ وهو الإعتاق، فلا ~~يقبل النقل إلى الغير بوجه من الوجوه؛ لأن ما ثبت بوصف يدوم بدوامه، ولا ~~يستحقه إلا من قام به ذلك الوصف. # وقد شبه النبي - صلى الله عليه وسلم - الولاء بالنسب، فقال - صلى الله ~~عليه وسلم -: "الولاء لحمة كلحمة النسب" (¬2)، فكما لا يقبل النسب النقل ~~بالبيع والهبة، فكذلك الولاء. # وفي الحديث دليل: على تحريم بيع الولاء، وفي معناه كل تصرف يقبل النقل، ~~فلو باعه أو وهبه، لم يصح، ولا ينتقل عن مستحقه، وبهذا قال جماهير العلماء ~~من السلف والخلف، واختار بعض السلف نقله، ولعله لم يبلغهم الحديث، والله أعلم. # ولعن النبي - صلى الله عليه وسلم - من تولى غير مواليه، ونهيه أن يتولى ~~العتيق غير مواليه يدل ذلك جميعه على تأكيد التحريم في ذلك، سواء رضي ~~الموالي بذلك، أم لم يرضوا؛ لأنه حق أثبته الشرع، فيحرم تضييعه؛ كالنسبة، ~~وتقييده - صلى الله عليه وسلم - في بعض الأحاديث من تولى قوما بغير إذن ~~مواليه، هو تقييد خرج على الغالب؛ لأن التولي إلى غير الموالي غالبا إنما ~~يكون بغير إذنهم، فلا يكون له مفهوم يعمل به، وفي الكتاب العزيز من ذلك؛ ~~لقوله تعالى: {وربائبكم اللاتي في حجوركم} [النساء: 23]، وقوله: {ولا ~~تقتلوا أولادكم خشية إملاق} [الإسراء: 31]، PageV03P1246 # وغير ذلك من الآيات التي قيد فيها بالغالب، وليس لها مفهوم يعمل ms0840 به، ~~والله أعلم. # * * * ### || AUTO الحديث الرابع # عن عائشة -رضي الله عنها-: أنها قالت: كانت في بريرة ثلاث سنن: خيرت على ~~زوجها حين عتقت، وأهدي لها لحم، فدخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~والبرمة على النار، فدعا بطعام، فأتي بخبز وأدم من أدم البيت، فقال: "ألم ~~أر البرمة على النار فيها لحم"، فقالوا: بلى يا رسول الله، ذلك لحم تصدق به ~~على بريرة، فكرهنا أن نطعمك منه، فقال: "هو عليها صدقة، وهو منها لنا ~~هدية"، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها: "إنما الولاء لمن أعتق" (¬1). # تقدم الكلام على بريرة وحديثها، والكلام عليه وعلي أحكامه في أول حديث في ~~باب الشرط في البيع. # وكذلك تقدم الكلام على قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الولاء لمن أعتق". # وفي هذا الحديث دليل: على أن من عتقت تحت عبد: أنه يثبت لها الخيار. # وفيه دليل: على أن الفقير إذا ملك شيئا على وجه الصدقة، فأهداه إلى غيره ~~ممن لا تحل له الصدقة، جاز له أخذه وأكله، سواء كان الذي لا تحل له الصدقة ~~فقيرا إلى الهدية، أو غنيا عنها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خبر بأن ~~اللحم المتصدق به على بريرة بأنه صدقة عليها، وله ولأهل بيته هدية منها، مع ~~كونه - صلى الله عليه وسلم - أتي من البيت بخبز وأدم، فكان غنيا بذلك عن ~~اللحم، ووصفه حينئذ بالهدية، فدل على جواز قبوله، مع الغني عنه. # وفيه دليل: على أن الشيء المحرم لو وصف، يزول تحريمه بزوال وصفه، PageV03P1247 # ويثبت بثبوته، وأن الأيدي واستيلاءها على الشيء بطريق يبيحه الشرع يغير ~~حكمه، فيخرجه من تحريمه على ما كان حراما عليه، إلى إباحته له. # وفيه دليل: على جواز الحيل المباحة والمستحبة بطريق الشرع. # وفيه دليل: على جواز توسط الإنسان بالسؤال عما رآه في بيته، وعهده فيه، ~~أو غير ذلك من أحواله؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - سأل أهله عن البرمة، ~~واللحم فيها على النار. # وفيه: حسن الجواب بالصدق والخطاب. # وفيه: استعمال الورع الذي لا يؤدي ms0841 إلى مخالفة الشرع من الزوجة للزوج، ~~وكذلك لكل متبوع من تابعه. # وفيه: أنه إذا رأى العالم أن بتابعه حاجة إلى تعليم علم أو معرفة حكم، أن ~~يذكره له مبتدئا من غير سؤال. # وفيه دليل: على حصر الولاء للمعتق، وتقدم الكلام عليه في الشرط في البيع. # وفيه دليل: على أن أحكام الشرع تسمى سننا. # وفيه دليل: على فضل عائشة - رضي الله عنها -، وفقهها، وضبطها للأحكام ~~والشرائع، ونقلها إلى الناس، وتعليمها إياهم، وإرشادهم إليها، والله أعلم. # * * * PageV03P1248 ### || CHECK [باب] ### | AUTO كتاب النكاح # النكاح في اللغة: الضم، ويطلق على العقد، وعلي الوطء، فالأول ضم في ~~المعنى، والثاني: ضم في الصورة. # واختلف في أصله لغة: فقال الأزهري: الوطء، وقال غيره: التزوج؛ لأنه سبب ~~الوطء، ويقال: نكح المطر في الأرض، ونكح النعاس عينه: أصابها، وموضع نكح في ~~كلام العرب الصحيح: للزوم الشيء في الشيء راكبا عليه. # ومن العرب من فرق بين العقد والوطء بفرق لطيف؛ فإذا قالوا: نكح فلانة، أو ~~بنت فلان، أو أخته، أرادوا: عقد عليها، وإذا قالوا: نكح امرأته، أو زوجه، ~~لم يريدوا إلا الوطء؛ لأن بذكر امرأته أو زوجه يستغني عن ذكر العقد. # ثم العرب تقول: نكح المرأة -بضم النون وسكون الكاف- يريدون البضع؛ وهو ~~كناية عن الفرج، فإذا قالوا: نكحها، أرادوا: أصاب نكحها، وهو فرجها، وقلما ~~يقال: ناكحها، كما يقال: باضعها، ويقال: نكحتها، ونكحت هي؛ أي: تزوجت، ~~وأنكحته زوجته، وهي ناكح؛ أي: ذات زوج، واستنكحها: تزوجها، هذا كلام أهل ~~اللغة فيه. # وحقيقته عند الفقهاء ومجازه، على أوجه ثلاثة: # أحدها: حقيقة في العقد، مجاز في الوطء، وقطع به قاطعون، وبه جاء القرآن ~~العزيز في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} [الأحزاب: 49]، وفي السنة النبوية كذلك. PageV03P1249 # والثاني: عكسه؛ حقيقة في الوطء، مجاز في العقد، وبه قال أبو حنيفة. # والثالث: أنه حقيقة فيهما بالاشتراك، والله أعلم (¬1). # * * * ### ||| AUTO الحديث الأول # عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال لنا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "يا معشر ms0842 الشباب! من استطاع منكم الباءة، فليتزوج؛ فإنه أغض ~~للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع، فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء" (¬2). # أما المعشر، فقال أهل اللغة: هم الطائفة الذين يشملهم وصف الشباب؛ ~~فالشباب معشر، والأنبياء معشر، والشيوخ معشر، والنساء معشر، وكذا ما أشبه ذلك. # فالشباب: جمع شاب، ويجمع على شبان، وشببة (¬3). # والشاب عند الفقهاء من الشافعية: من بلغ ولم يجاوز ثلاثين سنة. # وأما الباءة؛ فأصلها في اللغة: الجماع، وهي مشتقة من المباءة، وهي ~~المنزل، ومن مباءة الإبل، وهي مواطنها، ثم قيل لعقد النكاح: باءة؛ لأن من ~~تزوج امرأة، بوأها منزلا. # وفي الباءة، أربع لغات: الفصيحة المشهورة: الباءة: بالمد والهاء، PageV03P1250 # والثانية: الباءة، بلا مد، والثالثة: الباء، بالمد بلا هاء، والرابعة: ~~الباهة، بهاءين بلا مد. # ومعناها لغة: الجماع (¬1)، وتقديره: من استطاع منكم الجماع؛ لقدرته على ~~مؤنه المتعلقة بالنكاح، فليتزوج، ومن لم يستطع؛ لعجزه عن مؤنه، فعليه ~~بالصوم؛ ليدفع شهوته، ويقطع شر منيه، كما يقطعه الوجاء. # ووقع الخطاب للشباب؛ لكونهم مظنة شهوة النساء، فلا ينفكون عنها غالبا؛ ~~بخلاف الشيوخ ولكن المعنى معتبرا، إذا وجد فيهم وفي الكهول، وقيل معناها: ~~المؤن؛ تسمية لها باسم ما يلازمها، فيكون معنى الحديث: من استطاع مؤن ~~النكاح، فليتزوج، ومن لم يستطعها، فليصم؛ ليدفع شهوته؛ لأنه قال في الحديث: ~~"ومن لم يستطع، فعليه بالصوم"، والعاجز عن الجماع لا يحتاج إلى الصوم لدفع ~~الشهوة، فوجب تأويل الباءة على المؤن. # وأما الوجاء: فهو بكسر الواو وبالمد، وهو رض الخصيتين. # والمراد بالحديث: أن الصوم يقطع الشهوة وشر المني، كما يفعله الوجاء وأحصن. # وأما تعليله - صلى الله عليه وسلم - الأمر للمستطيع بالتزويج بقوله: فإنه ~~أغض للبصر، وأحصن للفرج"؛ فيحتمل أن يكون قوله: "أغض" و "أحصن" استعمل لغير ~~المبالغة، بل إخبار عن الواقع، ويحتمل أن يكون: (أفعل) على بابها؛ فإن ~~التقوي بالتزويج سبب لغض البصر، وتحصين للفرج، وهو أبلغ من غضه وتحصينه ~~بمجرد الصوم؛ فإن الداعي إلى النكاح مع وجوده وتقيده يضعف؛ فإنه قبلهما ~~معارض بوجود الشهوة والداعي إلى النكاح، وإذا لم يستطع القيام بما يلزمه ms0843 ~~بسببه، أحيل على الصوم؛ لما فيه من كسر الشهو؛ حيث إن شهوة النكاح تابعة ~~لشهوه الأكل؛ يقوى بقوتها، ويضعف بضعفها؛ بخلاف التزوج ووجود النكاح؛ فإن ~~الشهوة PageV03P1251 # تزول به أو تضعف، فيكون (أفعل) فيهما على بابها، ووجود كثرتها في بعض ~~الأشخاص بمباشرة الفعل نادر، والأحكام تناط بالغالب. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فعليه بالصوم"؛ اختلف النحاة في جواز ~~الإغراء بالغائب، فمنعه بعضهم، وهذا الحديث حجة عليهم. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: مراعاة الشهوات وحظوظ النفوس؛ بحيث لا تقدم على أحكام الشرع، بل ~~تكون مقيدة بها، غير مطلقة. # ومنها: الأمر بالنكاح لمن استطاعه وتاقت إليه نفسه، أما من لم يستطعه ولم ~~تتق إليه نفسه، فهو مكروه في حقه، وظاهر الأمر للمستطيع الوجوب. # وقد قسم بعض الفقهاء النكاح إلى أحكام الشرع الخمسة؛ وهي: الوجوب، ~~والندب، والتحريم، والكراهة، والإباحة، وجعل الوجوب فيما إذا خاف العنت، ~~وقدر على النكاح، وكلامه محمول على تعذر التسري؛ فإن النكاح حينئذ يتعين ~~وجوبه؛ للتعذر، لا بأصل الشرع. # والأمر بالنكاح مجمع عليه، لكنه عند الشافعية وجمهور العلماء أمر ندب لا ~~إيجاب، فلا يلزم عندهم التزوج ولا التسري، سواء خاف العنت أم لا، وأوجبه ~~داود الظاهري، ومن وافقه من الظاهرية، والإمام أحمد في رواية عنه؛ فإنهم ~~قالوا: يلزمه إذا خاف العنت: أن يتزوج أو يتسرى، وقالوا: لا يلزمه في العمر ~~إلا مرة واحدة. # وقال أهل الظاهر: يلزمه التزوج فقط، ولا يلزمه الوطء، ولم يشترط بعض من ~~قال بوجوبه خوف العنت، وتمسكوا بظاهر الأمر به في هذا الحديث وغيره من ~~الأحاديث، مع قوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: 3]، ~~وغير ذلك من الآيات، لكن تخييره - سبحانه وتعالى - في آخر الآية بقوله: {أو ~~ما ملكت أيمانكم} [النساء: 3]؛ فإنه دال على التخيير بين النكاح والتسري، ~~والتسري غير واجب بالاتفاق. PageV03P1252 # والتخيير لا يكون بين واجب وغيره، ولا يصح عند جميع الأصوليين؛ حيث يؤدي ~~إلى إبطال حقيقة الواجب؛ وأن تاركه لا يكون آثما، وكان من أوجبه مطلقا، ~~جعله تعبدا من الشرع لحكمة التنزيه له ms0844 - سبحانه وتعالى - بالانفراد ~~بالوحدانية، وعدم اتخاذ الصاحبة والولد - تبارك الله وتعالى عما يقول ~~الظالمون والجاحدون علوا كبيرا -، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لكني ~~آتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" (¬1)، وقد حمله الجمهور على الرغبة ~~عن السنة إعراضا عنها وعدم اعتقاد لما هي عليه، أما من أعرض عنها لمعارض ~~لها من السنة أرجح منها، فلا، وقد فعل ذلك - صلى الله عليه وسلم - في عدم ~~هدم الكعبة، وجعل بابين لها متواطئين؛ مراعاة لمعارض أرجح منه في نظره - ~~صلى الله عليه وسلم -. # وقسمه أصحاب الشافعي - رحمهم الله - في فعله وتركه، أيهما أفضل؟ إلى ~~أربعة أقسام: # أحدها: من تتوق إليه نفسه، ويجد مؤنته، فيستحب له فعله. # الثاني: عكسه: لا تتوق إليه، ولا يجد مؤنته، فيكره له. # الثالث: لا تتوق، ويجد المؤن؛ فقال الشافعي، وجمهور أصحابه: ترك النكاح ~~والتخلي للعبادة له أفضل، ولا يقال: النكاح له مكروه، بل تركه أفضل، وقال ~~أبو حنيفة وبعض الشافعية والمالكية: النكاح له أفضل. # الرابع: عكسه: تتوق إليه نفسه، ولا يجد المؤن، فيكره له، ويؤمر بالصوم؛ ~~لتوقانه إليه. # وقد استدل بعض العلماء من قوله تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون (5) إلا ~~على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (6)} [المؤمنون: 5 - 6] ~~على أن ترك النكاح أفضل مطلقا. # قال: لأنه لا يقال لمن تزوج أو تسرى بعد وصفه - سبحانه وتعالى - المؤمنين ~~الحافظين فروجهم بالفلاح: غير ملومين؛ لرجحان التزوج أو التسري؛ PageV03P1253 # فإن الأفضل راجح على الفاضل، فكيف بما دونه؟ لكن السنة بينت الأفضلية. # واستدل الشافعي - رحمه الله - بهذه الآية على تحريم الاستمناء؛ حيث إنه ~~غير داخل في الاستثناء من المحافظين لفروجهم؛ فإنه تعالى لم يستثن إلا ~~الأزواج والسراري، دون خضخضة بيد وغيرها، والله أعلم. # ومنها: الأمر بالصوم للعاجز عن القيام بمأمورت النكاح. # ومنها: شرعية تعليل الحكم؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - علل الحكمة في ~~الأمر بالصوم له: فإنه له وجاء"؛ أي: قاطع لمشقة المكابدة لشهوة النكاح. # ومنها: الحث على غض البصر، وقد أمر الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه ~~وسلم ms0845 - فقال تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم}، {وقل ~~للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} [النور: 30 - 31]، وقال - صلى الله عليه وسلم ~~-: "غضوا أبصاركم واحفظوا فروجكم" (¬1). # ومنها: الحث على تحصين الفرج بكل طريق أمر الشرع به. # ومنها: عدم التكليف بغير المستطاع، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: أن نفرا من أصحاب النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - سألوا أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - رضي الله عنهن - عن ~~عمله في السر، فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، ~~وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم -، فحمد ~~الله وأثنى عليه، وقال: "ما بال أقوام قالوا: كذا؟! لكني أصلي وأنام، وأصوم ~~وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي، فليس مني" (¬2). PageV03P1254 # لما تحقق الصحابة - رضي الله عنهم - أمر الله - سبحانه وتعالى - لهم ~~بالرجوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - سرا وجهرا، وكانوا قد عملوا ~~أعماله الجهرية مدة صحبته، سألوا أزواجه عن عمله في السر؛ ليقتفوا آثاره ~~السرية كما اقتفوا ما أمكنهم من الجهرية، ثم ظنوا أن ترك التزوج، وأكل ~~اللحم، والنوم على الفراش من آثاره - صلى الله عليه وسلم -، فبلغ ذلك النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -، فخطب الناس [من] غير مواجهة لمن قال ذلك بالإنكار ~~عليه؛ ليحصل الجمع بين مصلحتي بيان أحكام الله تعالى، وإبلاغها من غير ~~تعيين من خالفها، وقال ما قاله جهلا؛ ليرجع إلى الحق من غير تأنيب له ~~بالتعيين لحصول المقصود، والله أعلم. # وفي الحديث أحكام: # منها: وجوب تتبع آثاره - صلى الله عليه وسلم - في الجملة، فما كان منها ~~واجبا، فعل على الوجوب، وما كان منها مندوبا، فعل على الندب، وقد يكون ~~واجبا عليه - صلى الله عليه وسلم -، مندوبا في حقنا، وقد يكون عكسه. # ومنها: التوصل إلى العلم والخير بكل أحد من النساء والعبيد، إذا تعذر ~~أخذه من أصل محله. # ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يذكر ما اعتاده من الأعمال الشاقة التي يظن ~~أنها طاعة؛ ليتبين أمرها، ويرجع ms0846 عنها إلى السنة فيها. # ومنها: البيان بأفعال العلماء وأقوالهم، وأحوالهم. # ومنها: أن ملاذ النفس والبدن، إذا فعلها لامتثال الشرع؛ فيما امتن به ~~وأباحه؛ تصير طاعات مثابا عليها. # ومنها: تحريم فعل الشيء الجائز أو الامتناع عنه رغبة عن السنة، بل إن ~~فعله بغير مقصود شرعي عنادا لمقصود الشرع، اقتضى أن يكون كفرا، وقد تقدم ~~تأويل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من رغب عن سنتي فليس مني" في الحديث ~~قبله، وإن كان PageV03P1255 # جماعة من السلف قالوا: يجرى كما ورد من غير تأويل؛ حيث إنه أبلغ في الردع ~~عن مخالفة السنة. # وقد استدل بالحديث من رجح النكاح على التخلي لنوافل العبادات؛ حيث إن ~~النفر الذين قالوا هذه الأقوال في الحديث من عدم التزوج، وأكل اللحم، ~~والنوم على الفرش، وقصدوها، ورد ذلك عليهم - صلى الله عليه وسلم - وأكده ~~بأن خلافه رغبة عن السنة، ويحتمل أن يكون من باب كراهة التنطع والغلو في ~~الدين، ويختلف ذلك باختلاف المقاصد؛ فمن ترك اللحم لمقصود شرعي محمود، ~~متورع عن أكله لشبهة شرعية في عينه أو وصفه في ذلك الوقت؛ لاختلاط الحلال ~~بالحرام، أو مقصود عادي صحيح؛ لخوف ضرر في بدن، أو زيادة مرض، لم يكن ذلك ~~ممنوعا، ومن تركه للغلو والتنطع والدخول في الرهبانية؛ لكونه من ذوات ~~الأرواح في أصله، وغير ذلك، فهو ممنوع مخالف للشرع. # لكن ظاهر الحديث تقديم النكاح؛ كما يقوله أبو حنيفة ومن وافقه. # ولا شك أن الترجيح يتبع المصالح، ولم يستحضر أعدادها غالبا، فالأولى ~~اتباع اللفظ الوارد في الشيء. # ومنها: التنبيه على قاعدة عظيمة في باب التوحيد والتنزيه؛ وهي: أن الدوام ~~وعدم الزوال ثابت لله، والتغيير وعدم الديمومة ثابت لما سواه. # فلما كان الأمر كذلك، أجرى - سبحانه وتعالى - الموجودات كلها على وصفها، ~~وشرع الشرائع على ذلك رحمة بنا؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: "لكني ~~أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي، فليس مني"؛ ~~تنبيها على ما ذكرنا، ولله أعلم. # ومنها: استحباب الخطب لأمور المسلمين الحادثة العامة النفع. # ومنها: استحباب الثناء ms0847 على الله تعالى فيها. # ومنها: عدم تعيين من هو مقصود بالوعظ والتذكير والزجر؛ فإنه ينبغي أن ~~يقول في ذلك: ما بال أقوام قالوا كذا، وفعلوا كذا؟ PageV03P1256 # ومنها: الحث على متابعة السنة، والتحذير من مخالفتها، والله أعلم. # وقد يستدل به على قبول خبر الواحد؛ لأنه ما عدا المتواتر. ولم يثبت في ~~الحديث أن النفر السائلين، وأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - المسؤولات ~~بلغوا حد التواتر، فلو لم يكن مقبولا عند الصحابة، لما حسن سؤالهم لهن، ~~ولما سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبارهن عنهم، مع أن العلماء ~~اختلفوا في حد التواتر، والمختار عند الأصوليين أن حده: خبر أقوام بلغوا في ~~الكثرة إلى حيث حصل العلم بقولهم، وأن العدد في المخبرين غير محصور ~~للتواتر، لكن قال القاضي أبو بكر: اعلم أن قول الأربعة لا يفيد العلم أصلا، ~~وأتوقف في الخمسة (¬1)، واختلف غيره على ستة أقوال: اثنا عشر، وعشرون، ~~وأربعون، وسبعون، وثلاث مئة وبضعة عشر، وعدد بيعة الرضوان، وقيل: يشترط ~~فيهم ألا يحصيهم عدد، ولا يحويهم بلد، وقيل: لا يكونوا من نسب ولا من بلد ~~واحد، وشرط بعض من لا يجوز اعتماده اشتمالهم على المعصوم، وهذا في التواتر ~~في الأخبار. # وأما التواتر في المعاني؛ كالكرم والشجاعة والبخل والجبن والفسق ~~والعدالة، فإذا وقع الاتفاق عليها، مع وجود الاختلاف في كميتها وكيفيتها، ~~لا يقدح فيه؛ فإن راوي الجزئي مطابقة راو للكلي المشترك فيه تضمنا، ولأن ~~امتناع الكذب عليهم يوجب صدق واحد منهم جزما، وهو المطلوب. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال: رد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له، لاختصينا (¬2). PageV03P1257 # أما سعد بن أبي وقاص؛ فتقدم ذكره قريبا في باب: الوصايا، مستوفى. # وأما عثمان بن مظعون؛ فهو قرشي، جمحي، كنيته: أبو السائب، وكان من فضلاء ~~الصحابة - رضي الله عنهم -، وعبادهم ومجتهديهم، أسلم - رضي الله عنه - بعد ~~ثلاثة عشر رجلا، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرا، لا خلاف في ذلك. # قال ابن عبد البر - رحمه ms0848 الله -: قد كان علي بن أبي طالب - رضي الله عنه ~~-، وعثمان بن مظعون، وأبو ذر، هموا أن يختصوا ويتبتلوا، فنهاهم رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، ونزلت فيهم: {ليس على الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات جناح فيما طعموا} الآية [المائدة: 93]. # وكان أحد من حرم الخمر في الجاهلية، وقال: لا أشرب شرابا يذهب عقلي، ~~ويضحك بي من هو أدنى مني، ويحملني على أن أنكح كريمتي، فلما حرمت الخمر، ~~أتي وهو بالعوالي، فقيل: يا عثمان! قد حرمت الخمر، فقال: تبا لها، قد كان ~~بصري فيها ثاقبا (¬1). # ولا شك أن تحريم الخمر عند الأكثرين بعد أحد، وهذا إنما يتجه على قول من ~~قال: إن عثمان بن مظعون توفي بعد ثلاثين شهرا بعد شهوده بدرا، فيكون تحريم ~~الخمر، والقول له بتحريمها بعد أحد؛ لأن أحدا كانت في السنة الثالثة من ~~الهجرة، ووفاته على هذا القول بعد ثلاثة أشهر من أول السنة الخامسة من ~~الهجرة، والله أعلم. # وكان عثمان بن مظعون أول من مات من المهاجرين بالمدينة، بعد رجوعه من ~~بدر، وأول من تبعه إبراهيم بن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقبل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - عثمان بعدما مات، فلما غسل وكفن، قبل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بين عينيه، فلما دفن قال: "نعم السلف هو لنا ~~عثمان بن مظعون" (¬2)، ولما توفي إبراهيم بن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال PageV03P1258 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الحق بالسلف الصالح عثمان بن مظعون" ~~(¬1)، ولما توفيت زينب بنت النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الحقي ~~بسلفنا الصالح الخير، عثمان بن مظعون"، وأعلم قبره بحجر، وكان يزوره، ووضع ~~الحجر عند رأسه، وقال: هذا قبر فرطنا (¬2)، وكان أول من دفن بالبقيع في قول ~~مصعب الزبيري. # ولما مات أكب النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه، وجرت دموعه، وقال: ~~"اذهب أبا السائب، فقد خرجت منها -يعني: الدنيا- ولم تلتبس منها بشيء" ~~(¬3)، واستأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الخصاء لمشقة العزوبة في ~~المغازي، فقال: "لا، ولكن عليك يا ms0849 بن مظعون بالصيام، فإنه مجفر" (¬4) وروي ~~[مجفرة] (¬5). # ولما مات، قالت امرأته: هنيئا لك الجنة عثمان بن مظعون، فنظر إليها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - نظرة غضب، وقال: "ما يدريك"؟!، قالت: يا رسول ~~الله! فارسك وصاحبك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إني رسول ~~الله، وما أدري ما يفعل بي"، فأشفق الناس على عثمان، فلما ماتت زينب بنت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"الحقي بسلف الخير عثمان بن مظعون"، فبكى النساء (¬6). # واختلف في تاريخ وفاته، مع اتفاقهم على شهوده بدرا، فقيل: سنة ثلاث من ~~الهجرة، وقيل: بعد اثنين وعشرين شهرا من مقدمه - صلى الله عليه وسلم - ~~المدينة، وقيل: على رأس ثلاثين شهرا من الهجرة بالمدينة، ورثته امرأته، ~~وقالت: PageV03P1259 # يا عين جودي بدمع غير ممنون ... على رزية عثمان بن مظعون # على امرئ بات في رضوان خالقه ... طوبى له من مقيد الشخص مدفون # طاب البقيع له سكنى وغرقده ... وأشرقت أرضه من غير تعيين # وأورث القلب حزنا لا انقطاع له ... حتى الممات فما ترقى له شوني (¬1) # وأما التبتل: فهو ترك النكاح انقطاعا إلى عبادة الله تعالى. # وأصل التبتل: القطع، ومنه قيل لمريم: البتول، ولفاطمة - عليها السلام -: ~~البتول؛ لانقطاعهما عن نساء زمانهما؛ دينا وفضلا ورغبة في الآخرة، ومنه: ~~صدقة بتلة؛ أي: منقطعة عن تصرف مالكها. # وقال الطبري: التبتل: هو ترك لذات الدنيا وشهواتها، والانقطاع إلى الله ~~تعالى، بالتفرغ لعبادته، ومعنى رد عليه التبتل: نهاه (¬2). # ولا شك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما رده عليه؛ لأمور زائدة ~~على مجرد التخلي للعبادة مما هو داخل في باب التنطع والتشبيه بالرهبانية؛ ~~لا أن ظاهر الحديث، يقتضي تعليق الحكم بمسمى التبتل؛ فإن التبتل القاطع عن ~~الحقوق الواجبة؛ من حق زوجة وغيرها، أو المضر بالشخص، فإنه ممنوع. # وأما التبتل الحامل على الأغراض من الشهوات واللذات من غير إضرار بنفسه، ~~ولا تفويت حق لزوجة، ولا غيرها، ففضيلة لا منع منه، بل هو مأمور به، وهو ~~معنى قوله تعالى: {واذكر ms0850 اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا} [المزمل: 8]؛ أي: PageV03P1260 # انقطع إليه انقطاعا حسنا على وفق أمرنا ونهينا. # وبهذا يحصل الجمع بين الآية والحديث، فيكون المقصود: الإشارة إلى كثرة ~~العبادات غير الشاقة، وملازمتها؛ لدلالة السياق في الآية؛ من الأمر بقيام ~~الليل وترتيل القرآن والذكر، لا ترك النكاح والأمر بتركه؛ فإنه كان موجودا ~~مع الأمر بما ذكرنا في الآية الكريمة؛ لما في ترك النكاح والاختصاء من ~~الغلو في الدين، والتشديد على النفوس، والإجحاف بها؛ كما يفعله كثير من ~~جهال المتزهدين وعباد المتنطعين. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: عدم الإقدام على ما تحدثه النفوس من غير سؤال العلماء عنه. # ومنها: ترك التنطع وتعاطي الأمور الشاقة على النفس. # ومنها: أن العلماء لا يأخذون الناس إلا بالشرع السهل، ورد المشاق عليهم. # ومنها: أن الإنسان قد يجتهد في أمور دينية، فلا يجوز له العمل باجتهاده ~~من غير استناد إلى دليل شرعي، لكنه غير مأثوم في الاجتهاد، إذا كان مقصده ~~صحيحا، ويكون مخطئا إذا خالف الشرع، مثابا عليه إذا لم يجد فيه نصا، ولا من ~~يرشده إلى الصواب. # واعلم أن الإخصاء في الآدمي حرام قطعا، سواء كان صغيرا أو كبيرا، وكذا ~~يحرم خصاء كل حيوان غير مأكول، وأما المأكول: فيجوز خصاؤه في صغره، ويحرم ~~في كبره؛ لعدم طلب اللحم في خصاء الكبير، ووجوده في الصغير. # ومنها: عدم المنع من ملاذ الدنيا، خصوصا إذا قصد بها وجه الله تعالى؛ من ~~تلذذ بنعم الله تعالى، أو تعرف لذة ما وعد الله تعالى به في الدار الآخرة، ~~أو تعريف النفس افتقارها وحاجتها إلى غيرها، أو الوقوف مع امتثال أمر الله ~~تعالى، واجتناب نهيه، أو غير ذلك، والله أعلم. # * * * PageV03P1261 ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن أم حبيبة بنت أبي سفيان: أنها قالت: يا رسول الله! انكح أختي ابنة أبي ~~سفيان، فقال: "أو تحبين ذلك؟ "، فقلت: نعم، لست لك بمخلية، وأحب من شاركني ~~في خير أختي، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن ذلك لا يحل لي"، ~~قالت: فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي ms0851 سلمة، قال: "بنت أم سلمة؟! "، ~~قلت: نعم، قال: "إنها لو لم يكن ربيبتي في حجري، لما حلت لي، إنها لابنه ~~أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تعرضن علي بناتكن ولا ~~أخواتكن". قال عروة: ثويبة مولاة لأبي لهب، كان أبو لهب أعتقها، فأرضعت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما مات أبو لهب، أريه بعض أهله بشر حيبة، ~~قال له: ماذا لقيت؟ قال أبو لهب: لم ألق بعدكم خيرا، غير أني سقيت في هذه ~~بعتاقتي ثويبة (¬1). # الحيبة: الحالة، بكسر الحاء. # أما أم حبيبة: فاسمها رملة، وقيل: هند بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية، ~~أم المؤمنين، الأموية، هاجرت مع زوجها عبد الله بن جحش إلى أرض الحبشة، ~~فتوفي عنها، فتزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي هناك، وكان ~~تزوجه بها سنة ست، وقيل: سبع، وكنيت: أم حبيبة بابنتها حبيبة بنت عبد الله ~~بن جحش، وكانت من السابقين إلى الإسلام. # روي لها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمسة وستون حديثا، اتفق ~~البخاري ومسلم على حديثين، وانفرد مسلم بحديثين، روى عنها: أخواها: معاوية، ~~وعتبة، وابن أخيها عبد الله بن عتبة بن أبي سفيان، وعروة بن الزبير، وأبو ~~المليح عامر بن أسامة الهذلي، وزينب بنت أبي سلمة، وغيرهم. PageV03P1262 # توفيت أم حبيبة سنة أربع وأربعين، وقبل موت معاوية بسنة، وكانت وفاة ~~معاوية في رجب سنة ستين، وروى لها أصحاب السنن والمساند (¬1). # وأما أختها المذكورة في الحديث: فاسمها في الحديث: عزة -بفتح العين ~~المهملة وبالزاي المشددة-، وهي مسماة في رواية في "صحيح مسلم"، والله أعلم. # وأما بنت أم سلمة؛ فاسمها: درة، واحدة الدر، بنت أبي سلمة بن عبد الأسد، ~~القرشية المخزومية، ربيبة النبي - صلى الله عليه وسلم -، بنت امرأته أم ~~سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبناتها ربائب له - صلى الله عليه ~~وسلم -، وكذا الذكور من أولادها، وضبط بعض رواة مسلم اسمها: ذرة -بفتح ~~الذال المعجمة وتشديد الراء- واحدة الذر، وهو تصحيف لا شك له. # وأما أبو سلمة؛ فاسمه: عبد الله ms0852 بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر ~~بن مخزوم المخزومي، كان أخا للنبي - صلى الله عليه وسلم - من الرضاعة، ~~أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب بن عبد المطلب، أرضعت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أياما، قبل أن تأخذه حليمة السعدية - رضي الله عنها - مع ابن لها ~~يقال له: مسروح، وأرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب، وأرضعت بعده أبا سلمة هذا. # وأم أبي سلمة برة بنت عبد المطلب بن هاشم. كان ممن هاجر بامرأته أم سلمة ~~إلى أرض الحبشة، ثم شهد بدرا بعد أن هاجر الهجرتين، وجرح يوم بدر جرحا ~~اندمل ثم انتقض، فمات منه، وذلك لثلاث مضين من جمادى الآخرة، سنة ثلاث من ~~الهجرة، وتزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - امرأته أم سلمة. PageV03P1263 # أما أبو لهب، فاسمه: عبد العزى بن عبد المطلب، عم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، كان يكنى بأبي لهب؛ لحسنه وإشراق وجهه، ويقال: لهب، بفتح الهاء، ~~وإسكانها، وهي قراءتان: ابن كثير: بالإسكان، والباقون: بالفتح، مثل نهر ~~ونهر، لغتان، مع اتفاق القراء على أن: {ذات لهب} [المسد: 3] ذات لهب مفتوحة ~~الهاء؛ لوفاق الفواصل. # وثويبة: -بثاء مثلثة مضمومة، ثم واو مفتوحة، ثم ياء التصغير، ثم باء ~~موحدة، ثم هاء-. # والخير الذي لقيه أبو لهب من سقيه بعد موته، لعتاقته ثويبة؛ لكونها أرضعت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - تلك الأيام القلائل، قيل: إنها ثلاثة أيام؛ ~~جزاء له لرضاع النبي - صلى الله عليه وسلم - منها، كما جوزي أبو طالب بذبه ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أن جعل في ضحضاح من نار؛ إكراما للنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في إرضاعه، وتربيته، والذب عنه، واختلف في إسلامها، ~~والله أعلم. # وقول أم حبيبة: "لست لك بمخلية"؛ هي بضم الميم وإسكان الخاء المعجمة، ~~وكسر اللام؛ أي: لست أخلي لك بغير ضرة، ولا منفردة بدوام الخلوة بك، يقال: ~~خلوت به، إذا انفردت به. # وقولها: "وأحب من شاركني في خير"، وفي رواية في "صحيح مسلم": "شركني" ~~(¬1) -بفتح الشين وكسر الراء-؛ معناه: شاركني في ms0853 صحبتك والانتفاع بك في ~~مصالح الدنيا، وذلك هو الخير لا يقابله خير. # وسؤالها النبي - صلى الله عليه وسلم - نكاح أختها؛ لاعتقادها خصوصية ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - بإباحة هذا النكاح، لا لعدم علمها بما دلت ~~عليه الآية؛ حيث إنه - صلى الله عليه وسلم - أبيح له في باب النكاح خصوصيات ~~لم تبح لغيره؛ فاعتقدت أن نكاح أختها من ذلك؛ لكمال رتبته - صلى الله عليه ~~وسلم -، ولهذا اعترضت بنكاح درة بنت أبي سلمة، فكأنها تقول: كما جاز نكاح ~~درة، ثم PageV03P1264 # تناول الآية لها، فليجز نكاح الأخت مع تناول الآية لها؛ للاجتماع في ~~الخصوصية، وذلك مناسب. # وكونها غير عالمة بمدلول الآية؛ لاشتراكهما في أمر أخص، وهو التحريم ~~العام، واعتقاد التحليل الخاص؛ فإن إخبارها من جهة الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - بتحريم نكاح الأخت على الأخت، لا يلزم منه أن يرد عليه تجويز نكاح ~~الربيبة لزوما ظاهرا؛ لأنهما إنما يشتركان حينئذ في أمر أهم من المراد، وهو ~~قطع الرحم الذي أمر بوصله، وحرم قطعه، ومن قطعه قطعه الله، ومن وصله وصله الله. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "بنت أم سلمة؟! قلت: نعم"؛ يحتمل أن يكون ~~سؤال استثبات ونفي إرادة غيرها، ويحتمل أن يكون لإظهار حجة الإنكار عليها، ~~أو على من قال ذلك. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنا لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت ~~لي"؛ الربيبة: بنت الزوجة مشتقة من الرب، وهو الإصلاح؛ لأنه يربها ويقوم ~~بأمورها وإصلاح حالها، ومن ظن من الفقهاء أنه مشتق من التربية، فقد غلط؛ ~~لأن شرط الاشتقاق الاتفاق في الحروف الأصلية، والاشتراك؛ فإن آخر (رب) باء ~~موحدة، وآخر (ربي) ياء مثناة من تحت (¬1). # والحجر: بفتح الحاء وكسرها، والفتح أفصح. # وقوله: "بشر حيبة"؛ قد ضبطها المصنف بكسر الحاء المهملة؛ وفسرها بالحالة، ~~فكأنه قال: بشر حال، والحيبة والحوبة: الهم والحزن، والحيبة -أيضا-: الحاجة ~~والمسكنة. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن" هذا ~~إشارة إلى أم حبيبة وبنت أم سلمة وأخت أم حبيبة عزة، ولما استندت ms0854 أم حبيبة ~~إلى اجتهادها دون PageV03P1265 # ما صرحت به الآية من تحريم نكاح الأخت على الأخت، ونكاح الربيبة، قال - ~~صلى الله عليه وسلم -: "إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري، ما حلت لي، إنها ~~لابنه أخي من الرضاعة"؛ ومعناه: أنها حرام علي بسببين: كونها ربيبة، وكونها ~~بنت أخ، فلو فقد أحد السببين، حرمت بالآخر. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: تحريم نكاح الأختين في عقد واحد، وعلى الترتيب، وهو محرم باتفاق ~~العلماء، وأما بملك اليمين، فهو كذلك عند علماء الأمصار. # ونقل عن بعض الناس فيه خلاف، وقع الإجماع بعده على خلافه من أهل السنة، ~~غير أن تحريم الجمع بينهما، إنما هو في وطئهما، لا في ملكهما؛ فإن ملكهما ~~غير ممتنع اتفاقا، قال الفقهاء: فإذا وطئ إحداهما، لم يطأ الأخرى حتى تحرم ~~الأولى ببيع أو عتق أو كتابة؛ لئلا يكون مستبيحا لفرجيهما معا. # ومنها: تحريم نكاح الربيبة، وهو منصوص عليه في كتاب الله تعالى، لكن ~~يحتمل أمر أم حبيبة في سؤالها نكاح أختها معها: أنها لم يبلغها هذا الحكم ~~من أمر نكاح الربيبة؛ حيث إن لفظ الرسول - صلى الله عليه وسلم - يشعر بتقدم ~~نزول الآية "لو لم تكن ربيبتي في حجري، ما حلت لي". # وقد يحتج بذلك من يرى اختصاص الربيبة، بكونها في الحجر، وهو داود ~~الظاهري؛ قال: فإن لم تكن في حجره أمها، فهي حلال له، وذلك موافق لظاهر ~~قوله تعالى: {وربائبكم اللاتي في حجوركم} [النساء: 23]، ومذهب العلماء كافة ~~سواه على التحريم مطلقا، سواء كانت في حجر أم لا، وحملوا التخصيص على أنه ~~خرج مخرج الغالب، وإذا كان كذلك، لم يبق له مفهوم يعمل به، فلا يقصر الحكم عليه. # قال العلماء: ونظيره قوله تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق} ~~[الأنعام: 151] ومعلوم أنه يحرم قتلهم مطلقا؛ لكنه قيد بالإملاق لأنه ~~الغالب، ومثله قوله: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا} ~~[النور: 33]، ومعلوم تحريم PageV03P1266 # إكراههن عليه مطلقا، سواء أردنه أم لا، لكنه لما كان الغالب أن البغاء لا ~~يحصل إلا بالإكراه، قيد به. ms0855 # قال شيخنا الحافظ المدقق أبو الفتح بن دقيق العيد: وعندي نظر في أن ~~الجواب المذكور في الآية، هل يرد في لفظ الحديث أو لا؟ (¬1) # ومنها: أن تحريم الجمع بين الأختين شامل لصفة الجمع في عقد واحد، ولصفة ~~الترتيب فيه. # ومنها: أن الزوجة وغيرها من الألزام يجوز لها الفكر والنظر في مصلحة ~~نفسها ومن يتعلق بها من أقاربها، ولا يجوز لها ولا لغيرها العمل به ~~واعتقاده، إلا بعد عرضه على العلم والعلماء، كما جرى لأم حبيبة وأختها. # ومنها: وجوب البيان على العلماء، إذا سئلوا عنه. # ومنها: أن المنع مما سئلوا عنه، لو كان بوجه غير المسؤول عنه، وجب ذكره ~~وبيانه. # ومنها: جواب المفتي أو المستشار أو من عرض عليه أمر، فكان ممتنعا في ~~الشرع، بأنه لا يحل لي أو لك، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الخامس # عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها" (¬2). # اعلم أن الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها، محرم بالإجماع، ~~ولا فرق بين أن تكون خالة أو عمة حقيقية أو مجازية؛ فالحقيقية كأخت الأم، PageV03P1267 # وأخت الأب، والمجازية: كأخت أبي الأب، أو أب الجد وإن علا، وأخت أم الأم، ~~وأم الجدة من جهتي الأم والأب وإن علت، فكلهن يحرم نكاحهن بصفة الجمع، ~~بإجماع العلماء، وجوزه جماعة من الخوارج والشيعة. # ولا شك أن تحريم هذا الجمع مما أخذ من السنة؛ إذ هي مبينة للكتاب؛ لقوله ~~تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44]. # وإطلاق الكتاب العزيز، يقتضي إباحته؛ لقوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ~~ذلكم} [النساء: 24] بعد تحريمه تعالى نكاح الأختين جمعا؛ بقوله تعالى: {وأن ~~تجمعوا بين الأختين} [النساء: 23] ما يقتضي ذلك الإباحة مجردا عن بيان السنة. # لكن الأمة خصت عموم الكتاب بخبر الواحد، وهو قول جمهور الأصوليين، ثم إن ~~ظاهر الحديث يقتضي التسوية بين الجمع بينهما على صفة المعية، والجمع على ~~صفة الترتيب. # لكن النهي إذا ورد، كان وروده على مسمى ms0856 الجمع، مع حمله على الفساد، ~~فيقتضي أنه إذا نكحهما معا: أن النكاح باطل؛ حيث إنه حصل فيه الجمع المنهي ~~عنه، فيفسد، وإن حصل الترتيب، فالثاني هو الباطل؛ لأن مسمى الجمع حصل به, ~~كيف وقد روى أبو داود في "سننه" صحيحة: "ولا تنكح الكبرى على الصغرى، ولا ~~الصغرى على الكبرى" (¬1)، وذلك مصرح بجمع الترتيب، والعلة في النهي عنه ما ~~يقع بسببه المضارة من التباغض والتنافر، فيؤدي ذلك إلى قطيعة الرحم، وقد ~~ورد إشعار بهذه العلة. # وأما الجمع بينهما بملك اليمين، فهو حرام عند العلماء كافة، ومباح عند PageV03P1268 # الشيعة، وقالوا: وتحريم الجمع في الأختين في الآية الكريمة، إنما هو في ~~النكاح. وقاس العلماء الجمع بينهما بملك اليمين على النكاح، وقاسوا الجمع ~~بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها بملك اليمين على الأختين. # واختصاص الجمع بين المذكورات كلهن بالنكاح غير مقبول، بل جميع المذكورات ~~في الآية الكريمة محرمات بالنكاح وبملك اليمين جميعا، ويدل على ذلك قوله ~~تعالى: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24]؛ فإن ~~المراد بالمحصنات: المزوجات، وبملك اليمين: كل ملك حصل ببيع أو شراء أو ~~بسبي ونحو ذلك، فإنه لا يجوز وطؤهن بالنكاح، بل بملك اليمين، بعد ~~الاستبراء. # فلو أراد وطأهن بالنكاح، لم يجز إلا بعد عتقهن، أو مع عدم طول حرة، وألا ~~يكون مزوجا بحرة، والاستثناء بقوله تعالى عائد إلى المحصنات، لا إلى جميع ~~من ذكر في الآية من المحرمات إجماعا، فدل على تحريم الجمع بينهما بملك ~~اليمين، قياسا وعموما من الحديث، وإجماعا من العلماء، فلا التفات إلى من ~~أباحه، والله أعلم. # وأما الجمع بين باقي الأقارب؛ كابنتي العم، أو ابنتي الخالة، ونحوهما، ~~فجوزه العلماء كافة، إلا ما حكي عن بعض السلف أنه حرمه، وكأنه نظر إلى ~~المعنى في المنع من الجمع بين الأختين؛ في قطيعة الرحم، واستدل العلماء ~~بعموم قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24]، وأما الجمع بين ~~زوجة الرجل وابنته من غيرها، فجوزه مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، والجمهور، ~~وقال الحسن، وعكرمة، وابن أبي ليلى: لا يجوز ms0857 ذلك، واستدل الجمهور بقوله ~~تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24]. والله أعلم. # ومن حرمنا الجمع بينهما - ممن ذكرنا - إنما هو في العقد عليهما بالنكاح، ~~والوطء، لا في مجرد الملك كما تقدم ذكره في الأختين، فلو عقد النكاح على ~~إحداهما بعد الأخرى، كان الأول صحيحا، والثاني باطلا، والله أعلم. PageV03P1269 ### ||| AUTO الحديث السادس # عن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إن أحق الشروط أن توفوا به: ما استحللتم به الفروج" (¬1). # أما عقبة بن عامر؛ فاختلف في كنيته على أقوال، أشهرها: أبو حماد، ويقال: ~~أبو سعاد، ويقال: أبو أسد، ويقال: أبو عامر، ويقال: أبو عمرو، ويقال: أبو ~~الأسود، ويقال: أبو عبس، وهو عقبة بن عامر بن عبس بن عمرو بن عدي بن عمرو ~~بن رفاعة بن مودوعة بن عدي بن غنم بن الربعة بن رشدان بن قيس بن جهينة. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمسة وخمسون حديثا، اتفقا ~~على تسعة، وللبخاري حديث، ولمسلم تسعة، روى عنه من الصحابة: جابر، وابن ~~عباس، وأبو أمامة، ومسلمة بن مخلد، وجماعة من التابعين كثر، وروى له أصحاب ~~السنن والمساند، وكان يقال له: عقبة بن عامر الجهني، وكان واليا بمصر من ~~قبل معاوية بن أبي سفيان، ثم عزله بمسلمة بن مخلد، وكان من الرماة، وكان ~~يخضب بالسواد، ويقول: نسود أعلاها، وتأبى أصولها (¬2). وابتنى بمصر دارا، ~~وكان له بدمشق دار بناحية قنطرة سنان من باب توما، ومات بمصر في آخر خلافة ~~معاوية، سنة ثمان وخمسين، ودفن بمقبرتها العظمى، وقبره مشهور بها، وزرته في ~~سنة سبع مئة (¬3). PageV03P1270 # وأما ما حكاه الحافظ أبو عمر بن عبد البر - رحمه الله - في "استيعابه" عن ~~خليفة بن خياط: أنه قال: قتل عقبة بن عامر يوم النهروان شهيدا، سنة ثمان ~~وثلاثين، فقال: وهذا غلط منه، وفي كتابه بعد: وفي سنة ثمان وخمسين توفي، ~~وقوله - رحمه الله - موافق للحفاظ، وتغليطه لخليفة، وكتابه صحيح. والله أعلم. # وأخذ بظاهر هذا الحديث: الإمام أحمد، وجماعة، وألزموا ms0858 الوفاء بالشروط، ~~وإن لم يكن مقتضى العقد؛ كأن لا يتزوج عليها، ولا يتسرى، ولا يخرجها من ~~البلد، ولا يسكن بها إلا في بيت معين، ولا يقسم لها، ولا ينفق عليها، ونحو ذلك. # وحمل الإمام الشافعي وأكثر العلماء هذا الحديث على شروط لا تنافي مقتضى ~~النكاح ومقاصده؛ كاشتراط العشرة بالمعروف، والإنفاق عليها، وكسوتها، ~~وسكناها بالمعروف، وأنه لا يقصر في شيء من حقوقها، ويقسم لها كغيرها، وأنها ~~لا تخرج من بيته إلا بإذنه، ولا تنشز عليه، ولا تصوم تطوعا بغير إذنه، ولا ~~تأذن في بيته إلا بإذنه، ولا تتصرف في متاعه إلا برضاه، ونحو ذلك. # فأما شرط ينافي مقتضاه؛ كشرط ألا يقسم لها، أو لا يتسرى عليها، أو لا ~~ينفق عليها، فلا يجب الوفاء به، ويلغو الشرط، ويصح النكاح بمهر المثل؛ ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" (¬1). # قال شيخنا أبو الفتح الإمام - رحمه الله -: وفي حمل الحديث على ما هو من ~~مقتضيات العقد، ضعف، قال: لأنها أمور لا تؤثر الشروط في إيجابها، فلا تستند ~~الحاجة إلى تعليق الحكم بالاشتراط فيها، ومقتضى الحديث: أن لفظ: PageV03P1271 # "أحق الشروط" يقتضي أن تكون بعض الشروط تقتضي الوفاء، وبعضها أشد اقتضاء ~~له. والشروط التي تقتضيها العقود مستوية في وجوب الوفاء، وتترجح عليها ~~الشروط المتعلقة بالنكاح، من جهة حرمة الأبضاع، وتأكيد استحلالها. هذا آخر ~~كلامه (¬1). # فحينئذ، كأنه - رحمه الله تعالى - يجعل الشروط، نفس استحلال الفروج ~~بالعقد عليها، بعد أن كانت محرمة لا غير، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث السابع # عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -: أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - نهى عن الشغار. # والشغار؛ أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه ابنته، وليس بينهما صداق (¬2). # هذا التفسير للشغار مدرج في الحديث، وليس هو مذكورا في بعض الروايات، وقد ~~بين في بعضها: أنه من كلام نافع. # وأما الشغار؛ فهو -بكسر الشين، وبالغين المعجمتين-، واختلف أهل اللغة في ~~أصله، فقال ثعلب: هو مأخوذ من شغر الكلب برجله: إذا رفعها فبال. ms0859 كأن العاقد ~~يقول: لا ترفع رجل ابنتي حتى أرفع رجل ابنتك، وقيل: هو مأخوذ من شغر البلد: ~~إذا خلا؛ كأنه سمي بذلك للشغور من الصداق، وقيل: الشغار: البعد، وكأنه بعد ~~عن طريق الحق، ويقال: شغرت المرأة: رفعت رجلها عند الجماع. قال ابن قتيبة: ~~كل واحد منهما يشغر عند الجماع (¬3). PageV03P1272 # وكان الشغار من نكاح الجاهلية، ولا شك أن الحديث صريح في النهي عنه. # وأجمع العلماء على أن غير البنات من الأخوات، وبنات الأخ، والعمات، وبنات ~~الأعمام، والإماء، كالبنات في هذا. # وصورة العقد عليه الواضحة: زوجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك، وبضع كل ~~واحدة صداق الأخرى، فيقول: قبلت. # وتفسير الشغار من الراوي، يشعر بأن جهة الفساد فيه [من] وجوه: # أحدها: تعليق العقد. # الثاني: التشريك في البضع. # الثالث: اشتراط العرو عن الصداق، وهو مفسد عند مالك، وتفسير نافع يشعر ~~به، لكنه لملازمته لجهة الفساد، لا أن عدم ذكر الصداق يقتضي بمجرده فساد ~~العقد، فلا يكون له حينئذ مدخل في النهي. # وأجمع العلماء على النهي عن نكاح الشغار، فلو عقد، فهل يكون باطلا أم ~~صحيحا، ويجب به مهر المثل؟ # فذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد: إلى أن النهي يقتضي إبطاله، ~~وقال مالك: يفسخ قبل الدخول، وبعده، والفسخ يقتضي صحته، وفي رواية عنه: ~~يفسخ قبله، لا بعده. # وقال شيخنا أبو الفتح الإمام - رحمه الله -: وعند مالك فيه تقسيم؛ ففي ~~بعض صور: العقد باطل عنده، وفي بعض صور: العقد يفسخ قبل الدخول، ويثبت ~~بعده؛ وهو: ما إذا سمى الصداق في العقد؛ بأن يقول: زوجتك ابنتي بكذا، على ~~أن تزوجني ابنتك بكذا، فاستحق ملك هذا؛ لذكر الصداق. والله أعلم (¬1). # وقال أبو حنيفة: يصح بمهر المثل، وهو محكي عن عطاء، والزهري، PageV03P1273 # والليث، وهو رواية عن أحمد، وإسحاق، وبه قال أبو ثور، وابن جرير. والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثامن # عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الأهلية (¬1). # أما علي بن أبي طالب - رضي ms0860 الله عنه - فتقدم الكلام عليه. # وأما نكاح المتعة؛ فهو أن يتزوج إلى مدة مؤقتا، لا مطلقا، ولا شك أنه إن ~~كان جائزا في أول الإسلام، وروى إباحته من الصحابة - رضي الله عنهم -: ابن ~~مسعود، وابن عباس، وجابر، وسلمة بن الأكوع، وسبرة بن معبد الجهني - رضي ~~الله عنهم -، لكنهم لم يذكروا في رواياتهم إباحته في الحضر، وإنما كان في ~~أسفارهم في الغزو عند ضرورتهم إليه؛ لعدم وجود نسائهم معهم، وبلادهم حارة، ~~وصبرهم عنهن قليل. # وقد ذكر مسلم في حديث ابن عمر: أنها كانت رخصة في أول الإسلام لمن اضطر ~~إليها؛ كالميتة (¬2)، وعن ابن عباس نحوه، ثم حرمت تحريم تأبيد لا تحريم ~~تأقيت، بعد أن أبيحت ثم حرمت. # ولا شك أن الإجماع منعقد على تحريمه، ولم يخالف فيه إلا طائفة من ~~المبتدعة، وروي عن ابن جريج؛ فإنهم قالوا بجوازه، وتعلقوا بأحاديث الإباحة، ~~وبقوله تعالى: {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن} [النساء: 24]، وروي في ~~قراءة ابن مسعود: (إلى أجل)، وهي شاذة لا يحتج بها قرآنا ولا خبرا، ولا ~~يلزم العمل بها. PageV03P1274 # وما نقل عن ابن عباس من القول بجوازه، رجع عنه إلى منعه. # ونقل عن زفر من الحنفية أنه قال: من نكح نكاح متعة، تأبد نكاحه، وكأنه ~~جعل ذكر التأجيل من باب الشروط الفاسدة في النكاح؛ فإنها تلغى، ويصح العقد، ~~وما نقل بعض الحنفية عن مالك من جوازه، فهو خطأ قطعا، وأكثر الفقهاء على ~~الاقتصار في التحريم على العقد المؤقت، وعداه مالك بالمعنى إلى توقيت الحل، ~~وإن لم يكن في عقد، كما إذا علق طلاق امرأته بوقت لا بد من مجيئه، وقع عليه ~~الطلاق الآن، وعلله أصحابه: بأن ذلك ثابت للحل، وجعلوه في معنى نكاح ~~المتعة. # وأما تقييد النهي عنها في الحديث بيوم خيبر؛ فهكذا هو في "الصحيحين" من ~~رواية علي - رضي الله عنه -، وهو الصحيح. # وذكر مسلم من رواية سلمة بن الأكوع إباحتها يوم أوطاس (¬1)، ومن رواية ~~سبرة بن معبد إباحتها يوم الفتح (¬2)، وهما واحد. ثم حرمت يومئذ، وفي حديث ~~الكتاب تحريمهما ms0861 يوم خيبر، وهو قبل الفتح. # وروي في غير الصحيح عن علي - رضي الله عنه - رواية شاذة: أن النهي كان في ~~غزوة تبوك، وهو غلط ممن رواه عن الزهري -وهو إسحاق بن راشد-؛ لأن مالكا - ~~رحمه الله - رواه في "الموطأ" (¬3)، وسفيان بن عيينة، والعمري، ويونس، ~~وغيرهم، كلهم رووه عن الزهري، وفيه: يوم خيبر، وقد روى أبو داود النهي عنها ~~من حديث سبرة في حجة الوداع، قال أبو داود: وهذا أصح. وقد روى عن سبرة ~~-أيضا-، إباحتها في حجة الوداع، ثم نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عنها ~~حينئذ، إلى يوم القيامة (¬4). PageV03P1275 # وروى عن الحسن البصري: أنها ما حلت قط إلا في عمرة القضاء، وروي هذا عن ~~سبرة -أيضا-، ولم يذكر مسلم من روايات حديث سبرة تعيين وقت، أما في رواية ~~محمد بن سعيد الدارمي، وإسحاق بن إبراهيم، ويحيى بن يحيى، فإنه ذكر فيها ~~يوم فتح مكة (¬1). # قال العلماء: ذكر الرواية بإباحتها يوم حجة الوداع خطأ؛ لأنه لم يكن ~~يومئذ ضرورة ولا عزوبة، بل أكثرهم حجوا بنسائهم، والصحيح أن النهي عنها كان ~~في حجة الوداع مجردا عن الحاجة إلى المتعة؛ كما جاء في غير رواية. # ويكون تجديده يومئذ النهي عنها؛ لاجتماع الناس فيه؛ ليشتهر في الأقطار ~~بتبليغ الشاهد الغائب، ولتمام الدين وتقرير الشريعة، كما قرر - صلى الله ~~عليه وسلم - غير أمر من قواعد الدين، وبين الحلال والحر أم، وبت حينئذ ~~تحريم المتعة إلى يوم القيامة. # قال بعض العلماء: نسخ الله تعالى القبلة مرتين، ونكاح المتعة مرتين، ~~وتحريم لحوم الحمر الأهلية مرتين، قال: ولا أحفظ رابعا. # وقال آخرون: إنما نسخت المتعة مرة واحدة يوم خيبر، وتحريمها في الفتح كان ~~إشاعة لما تقدم من التحريم وشهرا له، وكذلك تحريمها في حجة الوداع لهذا ~~المعنى، وفي هذا نظر؛ من حيث إنه صح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أذن فيها يوم الفتح، ثم حرمها بعد ذلك، وكان سفيان بن عيينة يزعم أن تاريخ ~~خيبر في حديث إنما هو في النهي عن لحوم الحمر الأهلية، ms0862 لا نكاح المتعة. # ولا شك أن الرخصة فيه وقعت بعد خيبر لسبب؛ وهو ما ثبت في "الصحيحين"، من ~~رواية ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال: كنا نغزو مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ليس معنا نساء، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص PageV03P1276 # لنا أن ننكح المرأة بالثوب، إلى أجل (¬1)، ولولا معرفة علي بن أبي طالب ~~بذلك، وأن النهي وقع بعد الرخصة آخرا؛ لما أنكر الإباحة على ابن عباس. # وقد جمع القاضي عياض - رحمه الله - بين الروايات، في الإباحة والتحريم، ~~فقال: يحمل ما جاء من تحريم المتعة يوم خيبر، وفي عمرة القضاء، ويوم الفتح، ~~ويوم أوطاس: أنه جدد النهي عنها في هذه المواطن؛ لأن حديث تحريمها يوم خيبر ~~صحيح لا مطعن فيه، بل هو ثابت من رواية الثقات الأثبات، لكن في رواية سفيان ~~بن عيينة: أنه نهى عن المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، فتكون ~~الإباحة لها بعده للضرورة بعد التحريم، ثم حرمت تحريما مؤبدا، ويكون ~~تحريمها يوم حجة الوداع تأكيدا وإشاعة له، لا تحريم نسخ؛ لضرورة الإباحة ~~يوم فتح مكة؛ فإنه صح أنه أباحها فيه، ثم حرمها. # وتكون رواية إباحتها يوم حجة الوداع ساقطة؛ لما ذكرنا من عدم الاحتياج ~~إليها؛ حيث إن أكثرهم كان معهم نساؤهم، وقول الحسن: إنها كانت في عمرة ~~القضاء، لا قبلها ولا بعدها، مردود؛ بالأحاديث الثابتة في الكتاب وغيره، من ~~تحريمها يوم خيبر، وهي قبل عمرة القضاء. # وما روي من الإباحة يوم فتح مكة ويوم أوطاس، فهي مختلفة عن راو واحد، وهو ~~سبرة بن معبد، فيترك ما خالف الصحيح منها، ويثبت ما وافقه. وهذا بعض معنى ~~كلام القاضي، وقال أيضا: وقد قال بعضهم: هذا مما تداوله التحريم والإباحة ~~والنسخ مرتين. # وقال شيخنا الإمام أبو زكريا النووي - قدس الله روحه -: والصواب المختار: ~~أن التحريم والإباحة كانا مرتين: فكانت حلالا قبل خيبر، ثم حرمت يوم خيبر، ~~ثم أبيحت يوم فتح مكة، وهو يوم أوطاس؛ لاتصالهما، ثم حرمت يومئذ بعد ثلاثة ~~أيام تحريما مؤبدا إلى ms0863 يوم القيامة، واستمر التحريم، ولا يجوز PageV03P1277 # أن يقال: الإباحة مختصة بما قبل خيبر، والتحريم يوم خيبر للتأبيد، وأن ~~الذي كان يوم الفتح مجرد توكيد التحريم، من غير تقدم إباحة يوم الفتح؛ لأن ~~الروايات التي ذكرها مسلم في الإباحة صريحة في ذلك، فلا يجوز إسقاطها، فلا ~~مانع يمنع تكرير الإباحة. والله أعلم (¬1). # قال القاضي عياض: واتفق العلماء على أن هذه المتعة كانت نكاحا إلى أجل لا ~~ميراث فيه، وفراقها يحصل بانقضاء الأجل من غير طلاق، ووقع الإجماع بعد ذلك ~~على تحريمها من جميع العلماء إلا الروافض، قال: وأجمعوا على أنه متى وقع ~~نكاح المتعة الآن، حكم ببطلانه، سواء كان قبل الدخول، أو بعده، إلا ما حكي ~~أولا عن زفر. # واختلف أصحاب مالك، هل يحد الواطئ فيه؟ # ومذهب الشافعي - رحمه الله - أنه لا يحد الواطئ فيه؛ لشبهة العقد، ~~والخلاف فيه، ومأخذ الخلاف: اختلاف الأصوليين في أن الإجماع بعد الخلاف هل ~~يرفع الخلاف، وتصير المسألة مجمعا عليها؟ # والأصح عند الشافعية أنه لا يرفعه، بل يدوم الخلاف، ولا تصير المسألة ~~مجمعا عليها أبدا، وبه قال القاضي أبو بكر بن الباقلاني. # قال القاضي عياض - رحمه الله -: وأجمعوا على أن من نكح نكاحا مطلقا، ~~ونيته ألا يمكث معها إلا مدة نواها، فنكاحه صحيح حلال، ليس نكاح متعة، ~~وإنما نكاح المتعة ما وقع بالشرط المذكور، ولكن قال مالك: ليس هذا من أخلاق ~~الناس. وشذ الأوزاعي، وقال: هو نكاح متعة، ولا خير فيه. والله أعلم (¬2). # وفي الحديث: تحريم لحوم الحمر الأهلية، وهو مذهب الشافعي، والعلماء كافة، ~~إلا طائفة يسيرة من السلف، فروي إباحته وتحريمه عن ابن عباس، وعائشة، وبعض ~~السلف، وروى مالك كراهته وتحريمه، والله أعلم. PageV03P1278 ### ||| AUTO الحديث التاسع # عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن"، قالوا: يا ~~رسول الله! فكيف إذنها؟ قال: "أن تسكت" (¬1). # المراد بالأيم هنا: الثيب، فكأنه أطلق بإزائه، وقد فسرته في الروايات ~~الصحيحة؛ وهو استعمال أكثر أهل ms0864 اللغة، ولهذا جعلت مقابلة للبكر، وهو قول ~~علماء الحجاز والفقهاء كافة، وينطلق على امرأة لا زوج لها، صغيرة كانت أو ~~كبيرة، بكرا أو ثيبا، باتفاق أهل اللغة. # والأيمة في اللغة: العزوبة، ورجل أيم وامرأة أيم. وحكى أبو عبيد: أيمة ~~أيضا، وقال الكوفيون من الفقهاء، وزفر: الأيم: كل امرأة لا زوج لها، بكرا ~~كانت أو ثيبا، كما هو مقتضاه في اللغة (¬2). # قالوا: فكل امرأة بلغت، فهي أحق بنفسها من وليها، وعقدها على نفسها ~~النكاح صحيح، وبه قال الشعبي والزهري، قالوا: وليس الولي من أركان صحة ~~النكاح، بل هو من تمامه، وقال الأوزاعي، وأبو يوسف، ومحمد: يتوقف صحة ~~النكاح على إجازة الولي. # وقوله: "حتى تستأمر"؛ أي: يطلب الأمر منها، وأصل الاستئمار: طلب الأمر. # وقوله: "وكيف إذنها؟ "؛ هو راجع إلى البكر. PageV03P1279 # وقوله في البكر: "حتى تستأذن"؛ أي: يطلب الإذن منها، وأصل الاستئذان: طلب الإذن. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أن تسكت"؛ إنما جعل السكوت إذنا؛ لأنها ~~قد تستحيي أن تفصح بالإذن، وأن تظهر الرغبة في النكاح، فيستدل بسكوتها على ~~سلامتها من آفة تمنع الجماع، أو سبب لا يصلح معه النكاح، لا يعلمه غيرها. # واعلم أن لفظ النهي في الأيم والبكر في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا ~~تنكح"؛ إما أن يحمل على التحريم، أو على الكراهة، فإن حمل على التحريم، ~~تعين أحد أمرين في البكر: # أما اليتيمة، إذ لا يجب على الأب استئذان كل بكر؛ لتمكنه من إجبار ~~الصغيرة والبالغة مع البكارة عند الشافعي. # وأما البكر الصغيرة، فلا تجبر عند أبي حنيفة، وتمسكه بالحديث قوي؛ لأنه ~~أقرب إلى العموم في لفظ البكر. # وربما يزاد على ذلك بأن يقال: الاستئذان إنما يكون في حق من له إذن، ولا ~~إذن للصغيرة، فلا تكون داخلة تحت الإرادة، ويختص الحديث بالبوالغ، فيكون ~~أقرب إلى التناول. # وفي الحديث دليل: على اشتراط استئمار الثيب في نكاحها، ولا يعرف أمرها في ~~ذلك إلا بالنطق بالإذن، بخلاف البكر، وتعين ذلك؛ لما صح أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "لا نكاح إلا ms0865 بولي" (¬1)، وهو يقتضي نفي الصحة، والنطق في ~~الثيب واجب بلا خلاف، سواء كان الولي أبا، أو غيره؛ لأنه زال كمال حيائها ~~بممارسة الرجال، وسواء زالت بكارتها بنكاح صحيح أو فاسد، أو بوطء شبهة، أو ~~بزنا، PageV03P1280 # فلو زالت بوثبه، أو بإصبع، أو بطول التعنيس، أو وطئت في دبرها؛ فلها حكم ~~الثيب على أصح الوجهين عند الشافعية، نظرا إلى الثيوبة، وقيل: حكمها حكم ~~البكر، فيكون إذنها السكوت؛ نظرا إلى العلة في وجوب النطق في الثيب، وهي ~~ممارسة الرجال، وهذه لم تمارسهم. نعم، من وطئت في دبرها، فقد وجدت هذه ~~الممارسة في غير محل الثيوبة، وزوال حيائها به، أكثر من وقوعه في محله، ~~فينبغي أن يكون اشتراط نطقها بالإذن راجحا بحثا ونقلا. # وفيه دليل: على شرعية استئذان البكر، سواء كان الولي أبا أو جدا أو ~~غيرهما؛ فإن الحديث عام بالنسبة إلى لفظ البكر، وهو عام -أيضا- بالنسبة إلى ~~كل ولي، وهذا هو الصحيح عند الشافعية. # وقال بعضهم: إن كان الولي أبا أو جدا، فاستئذانه إياها مستحب، وإن كان ~~غيرهما، فلا بد من النطق؛ لأنها تستحيي من الأب والجد أكثر من غيرهما. # وفيه دليل: على أن السكوت في البكر كاف في الإذن لجميع الأولياء؛ لعموم ~~الحديث، ولوجود الحياء، سواء قلنا باستحبابه؛ أو وجوبه. وفيه وجه: أنه كاف ~~في الأب والجد دون غيرهما. # واختلف قول الشافعي - رحمه الله - في اليتيمة: هل يكتفى فيها بالسكوت؟ # والحديث يقتضي الاكتفاء به، وقد ورد مصرحا به في حديث آخر، ومال إلى ~~ترجيح هذا القول: من يميل إلى الحديث من أصحابه، وقيل: لا بد من النطق، ~~ورجحه أهل الفقه منهم؛ أعني: أصحاب الشافعي، ومذهب الشافعي والجمهور أنه لا ~~يشترط إعلام البكر بأن سكوتها إذن، وشرطه بعض المالكية، واتفق أصحاب مالك ~~على استحبابه. # واختلف العلماء في اشتراط الولي في صحة النكاح: فقال مالك والشافعي: ~~يشترط، ولا يصح نكاح إلا بولي، وقال أبو حنيفة: لا يشترط في الثيب، ولا في ~~البكر البالغ، بل لها أن تزوج نفسها بغير إذن وليها، وقال أبو ثور: ms0866 يجوز أن PageV03P1281 # تزوج نفسها بإذن وليها، ولا يجوز بغير إذنه، وقال داود: يشترط الولي في ~~تزويج البكر، دون الثيب. # احتج مالك والشافعي بحديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "أيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها، فنكاحها باطل" ~~ثلاث مرات، أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن ~~(¬1)، وبحديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: # "لا نكاح إلا بولي" أخرجه أبو داود والترمذي، وقال: هو عندي حسن (¬2)، ~~وصححه ابن المديني، وقبله البخاري، وإن روي مرسلا، وقال: الزيادة من الثقة ~~مقبولة، وكل ذلك يقتضي نفي الصحة. # واحتج داود بحديث في "صحيح مسلم"، في الفرق بين البكر والثيب، وأن الثيب ~~أحق بنفسها، والبكر تستأذن (¬3)، وأجاب أصحاب الشافعي عنه: بأنها أحق، ~~بمعنى شركها في الحق؛ بمعنى عدم إجبارها عليه، وأنها أحق في تعيين الزوج، ~~واحتج أبو حنيفة بالقياس على البيع وغيره؛ فإنها تستقل فيه بلا ولي، وحمل ~~الأحاديث الواردة في اشتراط الولي على الأمة الصغيرة، وخص عمومها بهذا ~~القياس، وتخصيص العموم بالقياس جائز عند كثيرين من أهل الأصول. # واحتج أبو ثور بالحديث الذي ذكرناه عن عائشة - رضي الله عنها -: "أيما ~~امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل"؛ ولأن الولي إنما يراد ليختار ~~كفؤا، ولدفع العار، وذلك يحصل بإذنه. PageV03P1282 # وأما داود، فقال العلماء: ناقض داود مذهبه في شرطه الولي في البكر دون ~~الثيب؛ لأنه إحداث قول في مسألة مختلف فيها، لم يسبق إليه؛ ومذهبه: أنه لا ~~يجوز إحداث مثل هذا. # * * * ### ||| AUTO الحديث العاشر # عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: جاءت امرأة أبي رفاعة القرظي إلى النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -، فقالت: كنت عند رفاعة، فطلقني، فبت طلاقي، فتزوجت ~~بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإنما معه مثل هدبة الثوب، فتبسم رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، وقال: "تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟! لا، حتى تذوقي ~~عسيلته ويذوق عسيلتك"، قالت: وأبو بكر عنده، وخالد بن سعيد بالباب ينتظر أن ~~يؤذن له، فنادى: ms0867 يا أبا بكر! ألا تسمع هذه وما تجهر به عند رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -؟! (¬1). # أما عائشة؛ فتقدم الكلام عليها. # أما امرأة أبي رفاعة؛ فهي صحابية، واختلف في اسمها على أربعة أقوال، ~~والمشهور: أنها تميمة -بفتح التاء-، والثاني: تميمة -بضمها-، والثالث: ~~سهيمة، والرابع: عائشة. # ذكر القول الأول والثالث: الخطيب البغدادي في "مبهماته"، وقال: بنت وهب ~~بن عبيدة، وذكر الثاني، والرابع: شيخنا الحافظ أبو زكريا النووي، ولم يذكر ~~ابن بشكوال في "مبهماته" غير الثاني، وهي تميمة، -بضم التاء-، وقال: بنت ~~وهب، كذا في "الموطأ". # وقال أبو عمر النمري الحافظ: تميمة بنت وهب، لا أعلم لها غير قصتها مع ~~رفاعة بن شموال؛ حديث العسيلة من رواية مالك في "الموطأ" (¬2). PageV03P1283 # وأما رفاعة القرظي: فهو صحابي، وهو ابن شموال، ويقال: ابن رفاعة، من بني ~~قريظة، روي عنه أنه قال: نزلت هذه الآية: {ولقد وصلنا لهم القول} الآية ~~[القصص: 51] في عشرة، أنا أحدهم، وهو مذكور في الحديث (¬1). # وأما القرظي: بضم القاف وفتح الراء وبالظاء المعجمة، ثم ياء النسب، فهي ~~نسبة إلى قريظة، وهي اسم رجل ترك أولاده قلعة حصينة بقرب المدينة، فنسبت ~~إليهم، وقريظة والنضير أخوان من ولد هارون النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~والله أعلم (¬2). # وأما عبد الرحمن بن الزبير، فهو صحابي، وأبوه الزبير: بفتح الزاي، وكسر ~~الباء، بلا خلاف، قتل كافرا يهوديا في غزوة بني قريظة. والزبير هو ابن ~~باطا، وقال ابن عبد البر: ابن باطيا، وهو الذي قالت فيه امرأته تميمة: إنما ~~معه مثل هدبة الثوب، وكان تزوجها بعد رفاعة بن شموال، وأعرض عنها، ولم ~~يستطع أن يمسها، فشكته في الحديث. # كذا ذكره غيره من المحققين، وذكر عبد الرحمن بن الزبير: ابن منده، وأبو ~~نعيم الأصبهاني في كتابيهما "معرفة الصحابة"، وقالا: إنما هو عبد الرحمن بن ~~الزبير بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن ~~الأوس، قال شيخنا الحافظ أبو زكريا النووي - رحمه الله -: والصواب: الأول ~~(¬3). PageV03P1284 # وأما خالد بن سعيد؛ فكنيته: أبو ms0868 سعيد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد ~~شمس بن عبد مناف بن قصي، القرشي، الأموي، أسلم قديما بعد أبي بكر الصديق. ~~وقال ضمرة بن ربيعة: كان إسلام خالد مع إسلام الصديق، وقيل: كان ثالثا أو ~~رابعا، وقيل: خامسا، قالت أم خالد: تقدمه ابن [أبي] قحافة، وعلي بن أبي ~~طالب، وزيد بن حارثة، وسعد بن أبي وقاص. # وقال ابن حبان: وقد قيل: إنه أسلم قبل أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -؛ ~~لرؤيا رآها في رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وأمه من خزاعة، هاجر إلى أرض الحبشة هو وأخوه عمرو بن سعيد، وأقام خالد ~~بها بضع عشرة سنة، وقدم على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكلم المسلمين، ~~فأسهموا له ولمن معه، ثم رجعوا معه - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، ~~وأقاموا بها، وشهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القضية، وفتح مكة، ~~وحنينا، والطائف، وتبوك، وبعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على صدقات ~~اليمن، فتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو باليمن، وكان قدومه من ~~أرض الحبشة مع جعفر بن أبي طالب، واستعمله رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- على صدقات مذحج، وعلى صنعاء اليمن. # وقال ابن حبان: واستعمله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على صدقات بني ~~زبيد، وهو أول من كتب: بسم الله الرحمن الرحيم، وكان سبب إسلامه أنه رأى في ~~النوم: أنه وقف به على شفير النار، فذكر من سعتها ما الله أعلم به، وكان ~~أباه يدفعه فيها، ورأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آخذ بحقويه لا يقع ~~فيها، ففزع، وقال: أحلف بالله! إنها لرؤيا، ولقي أبا بكر بن أبي قحافة، ~~فذكر ذلك له، فقال أبو بكر: أريد بك خير، هذا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فاتبعه، وإنك ستتبعه في الإسلام الذي يحجزك أن تقع فيها، وأبوك واقع ~~فيها، فلقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بأجناد، فقال: يا محمد! ~~إلى من تدعو؟ قال: "أدعوك إلى الله وحده لا شريك ms0869 له، وأن محمدا عبده ~~ورسوله، PageV03P1285 # وتخلع ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع ولا يبصر، ولا يضر ولا ينفع، ولا ~~يدري من عبده ممن لم يعبده"، قال خالد: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، ~~وأشهد أنك رسول الله، فسر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإسلامه، في ~~قصة جرت له مع أبيه، وتغيب عنه، والله أعلم. # قتل خالد بأجنادين، قبل وفاة أبي بكر - رضي الله عنه - بأربع وعشرين ~~ليلة، سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وقيل: قتل بمرج الصفر، في خلافة عمر، سنة ~~أربع عشرة شهيدا (¬1). # وأجنادين: بفتح الهمزة, وقيل: بكسرها، والله أعلم. # قولها: "فطلقني فبت طلاقي"؛ معناه طلقني ثلاثا، ويحتمل من حيث اللفظ أن ~~يكون قولها: فبت طلاقي: أن يكون بانقطاع آخر طلقة، ويحتمل أن يكون بإرسال ~~الطلقات الثلاث، ويحتمل أن يكون بإحدى الكنايات التي تحمل على البينونة عند ~~جماعة من الفقهاء، وليس في اللفظ عموم، ولا إشعار بأخذ هذه المعاني، وإنما ~~يؤخذ ذلك من أحاديث أخر تبين المراد. # ومن احتج بهذا الحديث على شيء من هذه الاحتمالات، لم يصب؛ لأنه إنما دل ~~على مطلق البت، والدليل على المطلق لا يدل على أحد قيديه بعينه، لكن سياق ~~الحديث يدل على أنه طلقها ثلاثا؛ بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أتحبين أن ~~ترجعي إلى رفاعة؟! لا، حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك" الحديث. # وقولها: "إنما معه مثل هدبة الثوب"؛ الهدبة -بضم الهاء، وإسكان الدال-، ~~وهو طرفه الذي لم ينسج، شبهوا الهدبة بهدب العين، وهو شعر جفنها. PageV03P1286 # وقال شيخنا الإمام أبو الفتح بن دقيق العيد - رحمه الله -: فيه وجهان: # أحدهما: أن تكون شبهته بذلك لصغره. # والثاني: أن تكون شبهته لاسترخائه وعدم انتشاره، والله أعلم (¬1). # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أتحبين أن ترجعي إلى رفاعة؟ " لما ذكرت ~~زوجها عبد الرحمن بن الزبير، وما يتعلق به من هدبة الثوب، فهم عنها إرادة ~~فراقه؛ حيث إن المرأة ذكرت بالكناية بما يمنعها من الدوام معه، والرجوع إلى ~~رفاعة، فقال - صلى الله عليه وسلم - "لا"؛ أي: ذلك ms0870 لا يحصل لك، على تقدير ~~أن يكون الأمر كما ذكرت. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك"؛ في ~~تأنيث العسيلة أربعة أقوال: أحدها أن العسل يذكر ويؤنث، فمن أنثه قال في ~~تصغيره: عسيلة. وقيل: أنث على معنى النطفة، أو على نية اللذة، أو أراد قطعة ~~من العسل، واستعمال لفظ العسيلة فيما ذكرنا مجاز، إما من اللذة، وإما من ~~مظنتها، وهو الإيلاج على مذهب جمهور الفقهاء، الذين يكتفون بتغييب الحشفة. # وأضعف الأقوال قول من قال: العسيلة على أنها أنثت على معنى النطفة؛ حيث ~~إن الإنزال لا يشترط (¬2). # وتبسمه - صلى الله عليه وسلم - تعجب من جهرها وتصريحها بأمر تستحيي ~~النساء من ذكره في العادة، أو لرغبتها في زوجها الأول، وكراهة الثاني. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: أن المبتوتة بالطلاق الثلاث لا تحل لمطلقها حتى تنكح زوجا غيره، ~~وهو صريح القرآن العزيز. PageV03P1287 # ومنها: أن المراد بنكاح الثاني: العقد والوطء، هذا قول جميع العلماء من ~~الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وانفرد سعيد بن المسيب، فلم يشترط الوطء، كما ~~حمل قوله تعالى: {حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230]، على العقد دون الوطء، ~~وكما حمل قوله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} [النساء: 22] ~~على العقد؛ وقال: النكاح حقيقة في العقد، وتقدم اختلاف الفقهاء في ذلك في ~~أول كتاب النكاح، وهذا الحديث حجة عليه، ومخصص بعموم الآية، ومبين للمراد ~~بها، ولعل سعيدا لم يبلغه الحديث، فأخذ بظاهر القرآن، وشذ في ذلك. # ولم يقل أحد من العلماء بقوله، إلا طائفة من الخوارج. كما شذ الحسن في ~~قوله: لا يحلها إلا وطء فيه إنزال التفاتا إلى معنى العسيلة. # ومنها: أنه قد يستدل به على أن إحلال الزوج الثاني يتوقف مع الوطء في ~~شرطه على الانتشار؛ فإن قولها: وإنما معه مثل هدبة الثوب: يدل على ~~الاسترخاء وعدم الانتشار أن يكون العضو قد بلغ في الصغر إلى حد لا تغيب فيه ~~الحشفة، أو مقدارها الذي يحصل به، وقد اتفق العلماء على أن تغييب ذلك في ~~ذلك كاف في ms0871 ذلك، من غير إنزال المني، إلا ما حكيناه في شذوذ عن الحسن ~~البصري في اشتراطه، ولو وطئها في نكاح فاسد، لم تحل للأول؛ لأنه ليس بزوج، ~~ولا بد في حلها للأول من انقضاء عدتها من الثاني، ولا يحل للثاني نكاحها ~~حتى تنقضي عدتها من الأول. والله أعلم. # ومنها: إظهار ما في النفس مما يخالف الشرع والعادة، ولا يستحيا من ذكره؛ ~~لتعرف حكم الله تعالى وما يجب منه. والأصل في ذلك قوله تعالى لنبيه - صلى ~~الله عليه وسلم -: {وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن ~~تخشاه} [الأحزاب: 37]، ولو كان الله - سبحانه وتعالى - كاتما شيئا على أحد، ~~لكتم هذا، ولم يبين حكمه، بل جعله قرآنا يتلى إلى يوم القيامة. # وقد تمسك العلماء بهذا وأمثاله؛ على أن الشرع ليس له باطن يخالف ظاهره، ~~ولا ظاهر يخالف باطنه، بل باطنه وظاهره سواء في حكم الله تعالى، PageV03P1288 # ويجب تقريبه والوصول إليه بكل طريق ممكن، والحكمة في كونه كذلك؛ لأجل ~~معرفة الدرجات، وما يترتب عليها من الثواب والعقاب، وهذا كله بالنسبة إلى ~~حكم الشرع مجردا. # وأما العمل به للثبوت عند الحكام، وترتيب الحكم عندهم بالثبوت بالأقارير ~~والبينات، فإن علموا ما ثبت مخالفا لحكم الله تعالى، حرم عليهم ثبوته ~~وترتيب حكمهم عليه، وإن لم يعلموا ذلك، ولم يحصل في قلوبهم ريبة فيه، شاع ~~لهم الثبوت والحكم بالطلب الصحيح من غير أولي الرتب. # واعلم أن الله تعالى لما أرسل الرسل، وأنزل الكتب عليهم، وأمر الأمم ~~بطاعتهم، واتباع ما في الكتب، ضلت اليهود، وغيرت وكتمت وبدلت، وقالت: لم ~~نكلف إلا ما ظهر لنا منها، ولم نكلف بما يظن منها، وكفروا بذلك، {وضربت ~~عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله} [البقرة: 61]. # ولما تكرر ذلك منهم، بعث الله تعالى عيسى - صلى الله عليه وسلم - ~~بالإنجيل؛ مصدقا للتوراة، وحكما ومواعظ وأحكاما قلبية ملينة للقلوب، وأمرهم ~~بالعمل بالتوراة، فضلت النصارى، واعتمدت على العمل بالقلوب دون الجوارح، ~~وهو المراد بقول العلماء: علم الباطن، وأهملوا أحكام الظواهر، وكفروا بذلك، ~~فبعث الله ms0872 محمدا - صلى الله عليه وسلم - بالقرآن العظيم، تبيانا لكل شيء، ~~وجعل - سبحانه وتعالى - إليه - صلى الله عليه وسلم - البيان ظاهرا وباطنا، ~~وأمره - سبحانه وتعالى - وأمته بالاستقامة، فقال تعالى: {فاستقم كما أمرت} ~~[هود: 112]، وقال - صلى الله عليه وسلم - لرجل قال له: يا رسول الله! قل لي ~~في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك، قال: "قل آمنت بالله ثم استقم" ~~(¬1)؛ أي: استقم على أمر الله ظاهرا وباطنا. # فقول الفقهاء: يشترط ثبوت العدالة في الظاهر والباطن، ويقول: نفذ الحكم ~~في الظاهر دون الباطن، وعكسه، ومن أنكر وجوب أمر الله تعالى في الظاهر أو PageV03P1289 # في الباطن، كفر، والله يعلم المفسد من المصلح، وهو - سبحانه وتعالى - ~~أعلم بكل شيء. # ومنها: التبسم؛ تعجبا أو فرحا بمن سأل عن أحكام الشرع، وأظهر ما في نفسه ~~مما يخالف العادة في إظهاره، خصوصا النساء؛ فإنهن محل الحياء، فالتعجب منهن ~~في ذلك أكثر من الرجال؛ لشهامتهم، وجبنهن. # ومنها: ملازمة أبي بكر الصديق - صلى الله عليه وسلم -؛ ليعرف الأحكام ~~وسماع العلم، وهذه منقبة له - رضي الله عنه -؛ فإنه كان أكثر الصحابة - رضي ~~الله عنهم - مواظبة ليلا ونهارا، سفرا وحضرا. # ومنها: حياء أهل مكة ونسائهم من الجهر بمثل ما ذكرته امرأة رفاعة. # ولا شك أن الحياء في مثل ذلك مذموم، أو غير محمود؛ ولهذا قال - صلى الله ~~عليه وسلم -: "نعم النساء، نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في ~~الدين" (¬1). # وكان خالد بن سعيد مكيا، ولهذا أنكر رفع صوتها بما ذكرته من أمرها وأمر ~~رفاعة وعبد الرحمن بن الزبير، وقال بالنداء لأبي بكر: ألا تسمع هذه وما ~~تجهر به عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟! # ومنها: الأدب مع العلماء والحكام بعدم رفع الصوت بين أيديهم، وعند ~~سؤالهم، خصوصا من النساء؛ فإن رفع الصوت أقبح منهن من الرجال، ولهذا أنكر ~~خالد بن سعيد جهرها، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الحادي عشر # عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: من السنة إذا تزوج البكر على ~~الثيب، أقام عندها سبعا، وقسم، وإذا تزوج ms0873 الثيب، أقام عندها ثلاثا، ثم قسم. # قال أبو قلابة: فلو شئت لقلت: إن أنسا رفعه إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - (¬2). PageV03P1290 # تقدم الكلام على أنس وأبي قلابة. # واعلم أن قول الصحابي: من السنة كذا، حكمه حكم المرفوع إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، وهذا اختيار أكثر الأصوليين والفقهاء والمحدثين؛ ~~قالوا: لأن الظاهر أنه ينصرف إلى سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وإن كان يحتمل أن ذلك قاله عن اجتهاد رأي؛ ولهذا جعله بعضهم موقوفا، ولكن ~~الأظهر خلافه. # أما قول أبي قلابة: "ولو شئت لقلت: إن أنسا رفعه" إلى آخره، يحتمل قول ~~أبي قلابة أمرين: # أحدهما: أن يكون ظن ذلك مرفوعا لفظا من أنس، فتحرز عن ذلك تورعا. # والثاني: أن يكون ظن قول أنس: من السنة، في حكم المرفوع، فلو شاء لعبر ~~عنه بأنه مرفوع على حسب اعتقاده أنه في حكم المرفوع. # قال شيخنا أبو الفتح بن دقيق العيد - رحمه الله -: والأول أقرب؛ لأن ~~قوله: من السنة، يقتضي أن يكون مرفوعا بطريق اجتهادي محتمل. وقوله: إنه ~~رفعه، نص في رفعه، وليس للراوي أن ينقل ما هو ظاهر محتمل، إلى ما هو نص غير ~~محتمل (¬1). # وقال شيخنا أبو زكريا النواوي - رحمه الله تعالى -: معنى قوله: من السنة ~~كذا: التصريح بالرفع؛ فلو شئت أن أقوله بناء على الرواية بالمعنى، لقلته، ~~ولو قلته، كنت صادقا. والله أعلم (¬2). # فحينئذ؛ يرجع عدم تصريحه بالرفع إلى التورع. # وأما قول شيخنا أبي الفتح: إنه يقتضي أن يكون مرفوعا بطريق اجتهادي ~~محتمل، فهو صحيح إذا لم يكن اصطلاحهم في قولهم: من السنة كذا، صريحا PageV03P1291 # في الرفع، وأنه بمنزلة قوله: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذا، ~~أو فعله، أما إذا كان اصطلاحهم كذلك، وصرحوا به، فلا ينفي لاحتمال اقتضاء ~~الرفع، والاجتهاد فيه وجه. والله أعلم. # والحديث يقتضي أن هذا الحق في البكر والثيب، إنما هو إذا كانا متجددين ~~على نكاح امرأة قبلها. ولا يقتضي أنه ثابت لكل متجددة، وإن لم يكن قبلها ~~غيرها، وكذا استمر عمل ms0874 الناس على هذا، وإن لم يكن قبلها امرأة في النكاح، ~~والحديث لا يقتضيه. # واختلف العلماء في الحق للجديدة هل هو للزوج أو للزوجة؟ # فمذهب الشافعي، والجمهور: أنه حق للمرأة على الزوج؛ لأجل إيناسها، وإزالة ~~الحشمة عنها؛ لتجددها، وقال بعض المالكية: هو حق للزوج على جميع نسائه، ~~وقال ابن عبد البر: جمهور العلماء على أن ذلك حق للمرأة بسبب الزفاف، سواء ~~كان عنده زوجة أم لا؛ لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا تزوج البكر، ~~أقام عندها سبعا، وإذا تزوج الثيب، أقام عندها ثلاثا"، ولم يخص من لم يكن ~~له زوجة. # وقالت طائفة: الحديث إنما هو فيمن له زوجة أو زوجات غير هذه؛ لأن من لا ~~زوجة له، هو مقيم عندها كل دهره، مؤنس لها، متمتع بها، مستمتعة به، فلا ~~قاطع، بخلاف من له زوجات؛ فإنه جعلت هذه الأيام للجديدة تأنيسا لها متصلا ~~لتستقر عشرتها وتذهب حشمتها منه ووحشتها، ويقضي كل واحد لذته من صاحبه، ولا ~~ينقطع الدوران على غيرها، ورجح القاضي عياض هذا القول. # وقال البغوي من الشافعية في "فتاويه": وهذا الحق إنما يثبت للجديدة؛ إذا ~~كان عنده أخرى يبيت عندها، فإن لم يكن له أخرى، أو كان لا يبيت عندها، لم ~~يثبت للجديدة حق الزفاف، كما لا يلزمه أن يبيت عند زوجاته ابتداء. # قال شيخنا أبو زكريا النووي - رحمه الله تعالى -: والأول أقوى؛ لعموم ~~الحديث (¬1). PageV03P1292 # قال شيخنا أبو الفتح بن دقيق العيد القاضي - رحمه الله تعالى -: وأفرط ~~بعض الفقهاء المالكية؛ فجعل مقامه عندها عذرا في ترك الجمعة، إذا جاءت في ~~أثناء المدة. قال: وهذا ساقط، مناف للقواعد؛ فإن مثل هذا من الآداب والسنن، ~~لا، يترك له الواجب. # ولما شعر بهذا بعض المتأخرين، وأنه لا يصلح أن يكون عذرا، توهم أن قائله ~~يرى الجمعة فرض كفاية، وهو فاسد جدا؛ لأن قول هذا القائل متردد محتمل أن ~~يكون جعله عذرا. وأخطأ في ذلك، وتخطئته في هذا أولى من تخطئته فيما دلت ~~عليه النصوص؛ من وجوب الجمعة على الأعيان. هذا آخر كلامه ms0875 (¬1). # قلت: والكلام في أن مقامه عندها عذر في ترك الجمعة، ينبني على أن المقام ~~عند البكر والثيب إذا كان له زوجة أخرى واجب أم مستحب؟ # ومذهب الشافعي - رحمه الله تعالى - وأصحابه وموافقيهم: أنه واجب، وهي ~~رواية ابن القاسم عن مالك. وروى عنه ابن عبد الحكم: أنه على الاستحباب، ~~فإذا قلنا: إنه واجب، وإنه حق للزوجة على الزوج، اقتضى ذلك أن يكون عذرا في ~~ترك الجمعة، كما يعذر في تركها من له قريب يخاف موته، ونحو ذلك. # كيف والجمعة في وجودها وحكمها إذا فاتت تصلى ظهرا، كيف وحقوق الآدميين ~~إذا تعارضت مع حق الله تعالى قدمت عليه، عند جماعة من العلماء. # وربما هو الراجح عند بعضهم، وإن أدى إلى ترك حق الله تعالى بالكلية؛ حيث ~~إن حقه - سبحانه وتعالى - مبني على المسامحة، وحق الآدمي مبني على المشاحة، ~~وينبغي أن يكون المقام عندها عذرا في ترك الجمعة، إذا لم ترض بترك حقها، ~~فأما إذا رضيت بتركه، فلا يكون عذرا في تركها قطعا. # وقد أخرج مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، معنى ترك الواجب PageV03P1293 # عينا، لأجل حدثان، بأن العهد بالعرس في حديث قتل الحية بالرمح، من رجل هو ~~ابن عم أبي سعيد الخدري، وأنه كان أسرع موتا من الحية، وأنه - صلى الله ~~عليه وسلم - أمر بتحذيرها ثلاثا، ثم إن بدا لكم بعد أن تقتلوه فاقتلوه بعد ~~الثلاث. # وقالوا فيه: إن أبا السائب مولى هشام بن زهرة أتى أبا سعيد الخدري، ووجد ~~حية تتحرك تحت سريره، وإن أبا سعيد قال: إن ابن عم لي كان في هذا البيت، ~~فلما كان يوم الأحزاب، استأذن إلى أهله، وكان حديث عهد بعرس، فأذن له رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، وذكر الحديث (¬1)، ولا شك أن الجهاد كان في ~~زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - فرض عين، خصوصا يوم الأحزاب مع مصابرة ~~الكفار لقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بظهر المدينة، ومصابرته ~~لهم، ومع هذا أذن له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تركه لأجل أهله، ~~وكونه ms0876 حديث عهد بعرس، فلو لم يكن ذلك راجحا على جهاد فرض العين، لما أذن ~~له، فالجمعة أمرها أخف من ذلك، والله أعلم. # وفي هذا الحديث: العدل بين الزوجات. # وفيه: أن حق الزفاف بالإقامة عند المزفوفة ثابت، وأنها تقدم به على غيرها. # وفيه: أنها إذا كانت بكرا، كان لها سبع ليالي بأيامها بلا قضاء، وإن كانت ~~ثيبا؛ كان لها الخيار، إن شاءت سبعا، ويقضي السبع لباقي النساء، وإن شاءت ~~ثلاثا، ولا يقضي، وهذا مذهب الشافعي وموافقيه، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وأبي ~~ثور، وابن جرير، وجمهور العلماء. # وقال أبو حنيفة، والحكم، وحماد: يجب قضاء الجميع في الثيب والبكر، ~~واستدلوا بالظواهر الواردة في العدل بين الزوجات. # وحجة الشافعي: هذا الحديث، مع غيره من الأحاديث، وهي مخصصة للظواهر ~~العامة. والله أعلم. PageV03P1294 ### ||| AUTO الحديث الثاني عشر # عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله، قال: باسم الله، اللهم جنبنا ~~الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك، لم يضره ~~الشيطان أبدا" (¬1). # أما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لم يضره الشيطان أبدا"؛ فقال القاضي ~~عياض - رحمه الله تعالى -: لم يحمل أخذ الحديث في نفي ضرره على العموم في ~~نفي جميعه، من الوسوسة والإغراء (¬2)، قال: وقيل المراد: ب "لم يضره ~~الشيطان": أنه لا يصرعه، وقيل: لا يطعن فيه عند ولادته، بخلاف غيره. هذا ~~معنى كلامه. # فالحديث يحتمل أن يؤخذ عاما يدخل تحته الضرر الديني، ويحتمل أن يؤخذ خاصا ~~بالنسبة إلى الضرر البدني، بمعنى: أن الشيطان لا يتخبطه، ولا يداخله فيما ~~يضر عقله أو بدنه، هذا أقرب، وإن كان التخصيص على خلاف الأصل؛ لأنا إذا ~~حملناه على العموم، اقتضى ذلك أن يكون الولد معصوما من المعاصي كلها، وقد ~~لا يتفق ذلك، ويعز وجوده، ولا بد من وقوع ما أخبر عنه - صلى الله عليه وسلم -. # أما إذا حملناه على الضرر في العقل أو البدن، فلا يمنع ذلك، ولا يدل دليل ~~على وجود خلافه، ms0877 والله أعلم. # وفي الحديث دليل: على استحباب التسمية والدعاء المذكور في ابتداء الجماع. # وفيه: الاعتصام بذكر الله تعالى ودعائه من الشيطان. # وفيه: الحث على المحافظة على تسميته ودعائه في حال لم ينه الشرع عنه، PageV03P1295 # حتى في حال شهوات الإنسان وألذها، والله أعلم. # وفيه: إشارة على ملازمة الشيطان لابن آدم، من حين خروجه من ظهر أبيه إلى ~~رحم أمه إلى حين يموت، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثالث عشر # عن عقبة بن عامر - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"إياكم والدخول على النساء"، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله! أفرأيت ~~الحمو؟ قال: "الحمو: الموت" (¬1). # ولمسلم عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، قال: سمعت الليث يقول: الحمو: أخو ~~الزوج، وما أشبهه من أقارب الزوج، ابن العم ونحوه (¬2). # تقدم الكلام على عقبة بن عامر قريبا. # وأما الرجل المبهم من الأنصار، فلا أعلم اسمه. # وأما أبو الطاهر، فاسمه: أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السرح، ~~قرشي، أموي، مولاهم مضري، مولى نهيك، مولى عتبة بن أبي سفيان، وروى عنه ~~جماعة من الأئمة وغيرهم. # روى عنه مسلم دون البخاري، وروى عنه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وأبو ~~زرعة، وأبو حاتم، ويعقوب بن سفيان وغيرهم من الأئمة، قال أبو حاتم: لا بأس ~~به. وتوفي في سنة تسع وأربعين ومئتين (¬3). PageV03P1296 # وأما ابن وهب؛ فاسمه عبد الله بن وهب بن مسلم، وكنيته أبو محمد: مصري، ~~قرشي، فهري، مولى يزيد بن رمانة، مولى أبي عبد الرحمن بن يزيد بن أنيس ~~الفهري. # سمع الأئمة الأعلام، وحفاظ الإسلام وغيرهم. وسمع منه الليث بن سعد، أحد ~~شيوخه، وخلق سواه. وكتب إليه مالك كتابا، وعنونه نعتا له بالفقيه، ولم يكتب ~~بذلك معنونا بالفقيه إلا إليه، وهو في طبقة مالك في الفقه، اتفقوا على علمه ~~وتوثيقه، وورعه وعبادته. ومات بمصر سنة سبع وتسعين ومئة، روى له البخاري ~~ومسلم (¬1). # وأما الليث؛ فكنيته: أبو الحارث بن سعد بن عبد الرحمن: مصري، فهمي، مولى ~~عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، وقيل: ms0878 مولى خالد بن ثابت بن طاعن الفهمي. ~~وأهل بيته يقولون: نحن من الفرس، من أهل أصبهان، قال ابن يونس: وليس لما ~~قالوه من ذلك عندنا صحة، والمشهور أنه فهمي، وفهم من قيس عيلان. # سمع جماعة من التابعين وخلقا من أتباعهم، وروى عنه من شيوخه: محمد بن ~~عجلان، وهشام بن سعد، وخلق سواهم. # قال الشافعي: كان الليث أفقه من مالك، إلا أنه ضيعه أصحابه، واستقل ~~بالفتوى بمصر، اتفقوا على علمه وورعه وتوثيقه ونبله وسخائه، ولد سنة ثلاث ~~أو أربع وتسعين، ومات في شعبان سنة خمس وستين ومئة. وقيل: ست أو سبع وسبعين ~~ومئة، وقيل: سنة خمس وسبعين ومئة، وقد استكمل إحدى وثمانين سنة. روى له ~~البخاري ومسلم (¬2). PageV03P1297 # وقد فسر الليث بن سعد "الحمو"، وقال أهل اللغة: الأحماء: أقارب الزوج، ~~والأختان: أقارب الزوجة، والأصهار: يعمها، والحمو: أحد الأحماء، وفيه أربع ~~لغات: حما مثل قفا، وحمو مثل أبو، وحم مثل أب، وحمء بإسكان الميم مهموز، ~~وأصله: حمو: بفتح الحاء والميم. وحماة المرأة: أم زوجها، قال الجوهري: لا ~~لغة فيها غيرها. # والمعنى في ذلك: أنه إذا كان رأيه هذا في أب الزوج، وهو محرم، فكيف ~~الغريب؟ أي: فليمت ولا يفعلن، فهذه الكلمة تقولها العرب، كما تقول: الأسد ~~الموت، والسلطان النار؛ أي: لقاؤهما مثل الموت والنار؛ يعني: أن خلوة الحمو ~~معها أشد من خلوة غيره من الغرباء؛ لأنه ربما حسن لها أشياء، وحملها على ~~أمور تثقل على الزوج من التماس ما ليس في وسعه، أو سوء عشرة، أو غير ذلك، ~~ولأن الزوج لا يؤثر أن يطلع الحمو على باطن حاله بدخول بيته. # ولما كان الحمو يستعمل عند الناس في أب الزوج، وهو محرم من المرأة، ويمنع ~~دخوله عليها، فسره الليث بما يزيل هذا الإشكال، وحمله على من ليس بمحرم؛ ~~فإنه لا يجوز له الخلوة بالمرأة (¬1). # والحديث دال على تحريم الخلوة بالأجانب، فحينئذ تأويل قوله: "الحمو ~~الموت" يختلف بحسب اختلاف الحمو؛ فإن حمل على محرم المرأة: كأبي زوجها، ~~احتمل قوله: "الحمو المؤت" أن يكون بمعنى: أنه ms0879 لا بد من إباحة دخوله كما ~~أنه لا بد من الموت، وإن حمل على من ليس بمحرم، احتمل على أن PageV03P1298 # يكون هذا الكلام خرج مخرج التغليظ والدعاء، أو كراهته لدخول؛ حيث فهم من ~~قائله طلب الترخيص، فغلظ عليه بوصفه بالموت، أو الدعاء بأن من قصد ذلك، ~~فليكن الموت في دخوله عوضا من دخول الحمو الذي قصد دخوله، أو تشبيه كراهة ~~دخوله بكراهة دخول الموت. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إياكم والدخول على النساء"؛ مخصوص بغير ~~المحارم، وعام بالنسبة إلى غيرهن، ولا بد من اعتبار أمر آخر، وهو: أن يكون ~~الدخول لأجل الخلوة، أما إذا لم يقتض ذلك، فلا يمتنع؛ كالدخول للتطبيب ~~والتعليم ونحوهما. # وفي الحديث: تحريم الدخول على النساء لغير حاجة شرعية، والخلوة بهن، وفي ~~معنى ذلك: الخلوة بالأمرد الحسن الذي يفتتن به، وكل من في الخلوة به إفساد ~~على زوج أو أب أو ولي لليتيم، أو مالك، فإن الخلوة بالزوجة والولد واليتيم ~~والمملوك وإفسادهم على من ذكر حرام؛ لحقهم، بخلاف المرأة غير المحرم، ~~والأمرد الحسن؛ لأن التحريم فيهما لأجل من خلا بهما، ويتضمن ذلك الإفساد ~~عليهما وعلى وليهما، والله أعلم. # وفيه: السؤال عما يلزم أن يكون داخلا في عموم الكلام؛ فإن قوله: "إياكم ~~والدخول على النساء" يعم الحمو وغيره، فسأل عنه. # وفيه: الجواب بأمر يلزم منه التغليظ في النهي، والتحذير من ارتكابه، ~~والله أعلم. # * * * PageV03P1299 ### || AUTO باب الصداق # الصداق -بفتح الصاد وكسرها-: مهر المثل، وكذلك الصدقة -بفتح الصاد وضم ~~الدال-، ومنه قوله تعالى: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} [النساء: 4]، ~~والصدقة: -بضم الصاد وتسكين الدال-، أربع لغات مشهورات، وأصدقت المرأة، ~~سميت لها صداقا. # وللصداق أسماء: المهر، والنحلة، والفريضة، والأجر، والغليقة، والعقر (¬1). # * * * ### ||| AUTO الحديث الأول # عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها (¬2). # أما صفية؛ فتقدم الكلام عليها في باب الاعتكاف. # اعلم أن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خصائص في النكاح ليست لغيره، ~~خصوصا في النكاح بلا عوض؛ بقوله تعالى {وامرأة ms0880 مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي ~~إن أراد النبي أن PageV03P1300 # يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين} [الأحزاب: 50]. # ولما كان العتق قربة محضة إلى الله تعالى، وأن القربة لا يجوز جعلها عوضا ~~من أعواض الدنيا، فإن الصداق مقابل بالعقد، مجردا مع الموت أو بالاستمتاع ~~بالعقد. # استشكل العلماء حديث صفية: "وجعل عتقها صداقها"، وقالوا: إنما سمي العتق ~~صداقا على سبيل المجاز، وتزوجها - صلى الله عليه وسلم - بغير صداق على سبيل ~~الخصوصية؛ حيث إن العتق قام مقام الصداق إن لم يكن ثم عوض غيره، وقيل: ~~أعتقها وتزوجها على قيمتها، وكانت مجهولة، وكان ذلك من خصائصه - صلى الله ~~عليه وسلم -، وقيل: معناه أنه شرط عليها أن يعتقها ويتزوجها، فقبلت، فلزمها ~~الوفاء به؛ لأن العقد وقع على النكاح، والعتق، ولا شك أن ظاهر الحديث يقتضي ~~لزوم العقد على شرط ذلك، وصحة الصداق، وإن كان شرطه لا يجوز؛ لتشوف الشارع ~~إلى العتق، فيصح العتق لأجله، ولا يجوز شرطه لمخالفته. وهو قول جماعة: ~~منهم: الزهري، والثوري، ونقل عن أحمد، وإسحاق -أيضا-، قالوا: لا يجوز أن ~~يعتقها على أن تتزوج به، ويكون عتقها صداقها، لكنه يلزمها ذلك، ويصح ~~الصداق. # لكن القياس يمنع ذلك؛ فحينئذ يتردد الحال بين ظن العمل بظاهر الحديث أو ~~احتمال الخصوصية في الواقعة، وإن كانت على خلاف الأصل، ويتأنس في ذلك بما ~~ذكرنا أولا من كثرة خصائصه - صلى الله عليه وسلم - في النكاح، والله أعلم. # واختلف الفقهاء فيمن أعتق أمته على أن يتزوجها، ويكون عتقها صداقها، فقال ~~الجمهور، منهم: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة: لا يلزمها أن تتزوج به، وهو ~~إبطال للشرط. # قال الشافعي: فإن أعتقها على هذا الشرط، فقبلت، عتقت، ولا يلزمها الوفاء ~~بأن تتزوجه، بل عليها قيمتها؛ لأنه لم يرض بعتقها مجازا، وصار ذلك كسائر ~~الشروط الباطلة، وما يلزم من الأعواض، لمن لم يرض بالمجاز، فإن PageV03P1301 # تزوجته على مهر يتفقان عليه، كان لها ذلك المسمى، وعليها قيمتها للسيد، ~~وإن تزوجها على قيمتها، فإن كانت القيمة معلومة له ولها، صح الصداق، ولا ~~يبقى له عليها قيمة، ms0881 ولا لها عليه صداق، وإن كانت مجهولة، فالأصح وجهان ~~للشافعية: أنه لا يصح الصداق، ويجب مهر المثل، والنكاح صحيح. # ومنهم من صحح الصداق بالقيمة المجهولة، على ضرب من الاستحسان، وأن هذا ~~العقد فيه ضرب من المسامحة والتخفيف. وتقدم مذهب الزهري، والثوري، وما نقل ~~عن أحمد، وإسحاق من لزوم ذلك بالنسبة إليها دون جواز شرطه. # وظاهر الحديث مع هؤلاء، والقياس مع الأولين، ويؤولون الحديث على أن عتقها ~~قائم مقام الصداق، وأنه سماه باسمه، كما تقدم، والله أعلم. # وقد يؤخذ من الحديث: استحباب عتق الأمة وتزوجها، وقد جاء التصريح به ~~والحث عليه في حديث آخر في الصحيح، لكنها إذا كانت موطوءة له بالملك، ~~وأعتقها وتزوجها، هل يحتاج إلى استبراء؟ # فيه وجهان للشافعية: # أصحهما عندهم: لا يحتاج إليه؛ لعدم المحذور من اختلاط المياه. # والثاني: يحتاج إليه تعبدا، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه-: أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - جاءته امرأة فقالت: إني وهبت نفسي لك، فقامت طويلا، فقال رجل: يا ~~رسول الله! زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة، فقال: "هل عندك من شيء تصدقها؟ ~~"، فقال: ما عندي إلا إزاري هذا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"إزارك إن أعطيتها إياه، جلست ولا إزار لك، فالتمس شيئا"، فقال: ما أجد، ~~قال: "فالتمس ولو خاتما PageV03P1302 # من حديد"، فالتمس فلم يجد شبها، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"زوجتكها بما معك من القرآن" (¬1). # تقدم الكلام على سهل بن سعد أول باب الجمعة. # وأما المرأة الواهبة نفسها؛ فاختلف العلماء في اسمها: فقال أبو القاسم ~~خلف بن بشكوال - رحمه الله -: قيل: إنها خولة بنت حكيم، كذا في "صحيح ~~البخاري"، وقيل: أم شريك، وقيل: ميمونة، حكى ذلك إسماعيل القاضي. # هذا آخر كلامه (¬2). # وقال شيخنا الحافظ أبو زكريا النووي -رحمه الله تعالى-: قال الأكثرون: هي ~~أم شريك، واسمها غزية، وقيل: غريلة بنت دودان، وقيل: بنت حبار، وقيل: اسمها ~~خولة بنت حكيم، هذا آخر كلامه (¬3). # وقال أبو محمد البغوي ms0882 في "معالم التنزيل": واختلفوا في التي وهبت نفسها ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم -، هل كانت امرأة منهن، يعني: أزواجه؟ # فقال عبد الله بن عباس، ومجاهد: لم تكن عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~امرأة وهبت نفسها منه، ولم يكن عنده امرأة إلا بعقد نكاح أو ملك يمين. # وقوله تعالى: {إن وهبت نفسها} [الأحزاب: 50] على طريق الشرط والجزاء، ~~قال: وقال آخرون: بل كان عنده موهوبة، واختلفوا فيها، فقال الشعبي: هي زينب ~~بنت خزيمة الأنصارية، يقال لها: أم المساكين، وقال قتادة: هي ميمونة بنت ~~الحارث، وقال علي بن الحسين، ومقاتل: هي أم شريك بنت حارثة من بني أسد، ~~وقال عروة بن الزبير: هي خولة بنت حكيم، من بني سليم. هذا آخر كلامه، والله ~~أعلم (¬4). PageV03P1303 # وليس في هذا الحديث ما يدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - كان عنده ~~موهوبة ولا عدمه، بل يدل على أن امرأة وهبت نفسها منه، وأن رجلا سأله ~~تزويجها إياه، إن لم تكن له إليها حاجة، وأنه زوجها إياه. # وأما الرجل الذي سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يزوجها منه، ~~فلم أظفر به، ولا علمته، والله أعلم. # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "زوجتكها بما معك من القرآن"؛ اختلفت ~~الروايات في لفظة: "زوجتكها"، فالذي رواه الأكثرون منهم البخاري ومسلم: ~~"زوجتكها". # قال القاضي عياض، عن رواية الأكثرين لمسلم: قال الدارقطني: والصواب رواية ~~من روى: "زوجتكها"، قال: وهم أكثر وأحفظ. ورويت في "صحيح مسلم": ملكتها ~~-بضم الميم وكسر اللام المشددة، على ما لم يسم فاعله-، وكذا هي في معظم ~~النسخ منه. ونقلها القاضي عياض عن رواية الأكثر لمسلم، قال: وفي بعض النسخ ~~"ملكتكها" بكافين. وكذا رويت في البخاري. قال: وقال الدارقطني: رواية من ~~روى "ملكتها" وهم. # قال شيخنا الحافظ أبو زكريا النووي -رحمه الله تعالى-: ويحتمل صحة ~~اللفظين، ويكون جرى لفظ التزويج أولا، فملكها، ثم قال له: اذهب فقد ملكتها ~~بالتزويج السابق. والله أعلم (¬1). # قال شيخنا الإمام أبو الفتح بن دقيق العيد -رحمه الله تعالى-: وهذا قد ~~يعكسه ms0883 الخصم على قائله، ويقول: جرى أولا لفظ التمليك، فحصل به التزويج، ثم ~~عبر عن هذا التزويج آخرا بقوله: فقد زوجتكها. قال: هذا بعيد أولا؛ فإن سياق ~~الحديث يقتضي تعيين موضع هذه اللفظة التي اختلف فيها، وإنها التي انعقد بها ~~النكاح، وما ذكره يقتضي وقوع أمر آخر يعقد به النكاح، واختلاف كل واحدة من ~~اللفظتين، وهو بعيد جدا. # و-أيضا- فلخصمه أن يعكس الأمر ويقول: كان انعقاد النكاح بلفظ PageV03P1304 # التمليك، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "زوجتكها" إخبار عما مضى بمعناه، ~~فإن ذلك التمليك هو تمليك نكاح. و -أيضا- فإن رواية من روى: "ملكتها" التي ~~لم يتعرض لتأويلها، ويبعد فيها ذلك إلا على سبيل الإخبار عن الماضي، وهو ~~بمعناه، ولخصمه أن يعكسه. وإنما الصواب في مثل هذا أن ينظر إلى الترجيح، ~~والله أعلم (¬1). # قلت: إنما قصد شيخنا أبو زكريا النووي -رحمه الله تعالى- بما ذكره من ~~الاحتمال: الائتلاف بين الروايات؛ حيث إنه أولى من الاختلاف إذا أمكن، فأما ~~إذا لم يمكن، فإن الترجيح متعين، والله أعلم. # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "بما معك من القرآن"؛ فقد اختلف في ~~الباء في "بما"، فمنهم # من يرى أنها التي تقتضي المقابلة في العقود؛ كقولك: بعتك كذا بكذا، ~~وزوجتك بكذا، ومنهم من يراها جاء السببية؛ أي: بسبب ما معك من القرآن، إما ~~بأن يخلي النكاح عن العوض، على سبيل التخصيص بهذا الحكم بهذه الواقعة، وإما ~~بأن يخلي عن ذكره فقط، ويثبت فيه حكم الشرع في أمر الصداق، والروايات ~~مختلفة في لفظ هذا، أعني: "بما معك"، ويتسارع إلى تأويله. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح، الذي ترجى بركته. # ومنها: جواز هبة المرأة نفسها للنبي - صلى الله عليه وسلم -، ونكاحها له؛ ~~كما في الآية الكريمة في قوله تعالى: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن ~~أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين} [الأحزاب: 50]. # فإذا تزوجها على ذلك، صح النكاح من غير صداق، لا في الحال، ولا في المآل، ~~ولا بالدخول، ولا بالوفاة. وهذا هو ms0884 موضع الخصوصية له - صلى الله عليه وسلم ~~- من الآية، والحديث؛ بخلاف غيره؛ فإنه لا بد من المهر في نكاحه، إما مسمى، ~~وإما مهر المثل. # ومنها: استدلال بعض الشافعية به على انعقاد نكاحه - صلى الله عليه وسلم - ~~بلفظ الهبة، ومنهم PageV03P1305 # من منعه إلا بلفظ الإنكاح أو التزويج؛ كغيره - صلى الله عليه وسلم -، ~~وجعل الخصوصية في عدم لزوم المهر فقط. # واختلف العلماء في انعقاد النكاح لكل أحد بلفظ التمليك على التأبيد، أم ~~لا بد من لفظ التزويج والإنكاح؟ فقال أبو حنيفة بانعقاده بلفظ التمليك، وعن ~~مالك -رحمه الله تعالى- رواية: أنه ينعقد بلفظ الهبة والصدقة والبيع، إذا ~~قصد به النكاح، سواء ذكر الصداق أم لا. # وقال الشافعي، والثوري، وأبو ثور، وكثيرون من أصحاب مالك، وغيرهم، ومالك ~~في إحدى الروايتين عنه: لا ينعقد إلا بلفظ التزويج أو الإنكاح، ولا يصح ~~النكاح بلفظ الرهن والإجارة والوصية، ومن أصحاب مالك من صححه بلفظ الإحلال ~~والإباحة، حكاه القاضي عياض -رحمه الله تعالى-. # ومنها: جواز طلب الصداق في النكاح، وتسميته فيه. # ومنها: إرشاد كبير القوم رعيته إلى المصالح، والرفق بهم؛ لقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "إزارك هذا إن أعطيتها [إياه]، جلست ولا إزار لك". # ومنها: استحباب أن لا يخلى العقد من ذكر الصداق؛ حيث إنه أقطع للنزاع، ~~وأنفع للمرأة؛ فإنه لو حصل الطلاق قبل الدخول، وجب لها نصف المسمى، فلو لم ~~يكن تسمية، لم يجب صداق، بل تجب المتعة، فلو عقد بلا صداق، صح؛ لقوله ~~تعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة} ~~[البقرة: 236]، فهذا تصريح بصحة النكاح والطلاق من غير مهر. # ثم يجب لها المهر، وهل يجب بالعقد أم بالدخول؟ فيه خلاف مشهور للشافعي ~~وغيره، وهما قولان: أصحهما: بالدخول، وهو ظاهر الآية. # ومنها: جواز نكاح المرأة من غير أن تسأل، هل هي في عدة أم لا؟ حملا على ~~ظاهر الحال، قاله الخطابي، قال: وعادة الحكام يبحثون عن ذلك احتياطا (¬1). PageV03P1306 # قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: لا يزوج القاضي من جاءته تطلب الزواج، ms0885 ~~حتى يشهد عدلان أنه ليس لها ولي حاضر، وليست في زوجية، ولا عدة (¬1)؛ فمن ~~أصحابه من قال: هذا شرط واجب، والأصح عندهم: أنه استحباب واحتياط، وليس بشرط. # ومنها: جواز الصداق، بما قل أو كثر مما يتمول إذا تراضى به الزوجان، ~~وكانا ممن يجوز تصرفهما؛ حيث إن خاتم الحديد في نهاية من القلة، وهذا هو ~~مذهب الشافعي، وجماهير السلف والخلف؛ منهم: ربيعة، وأبو الزناد، وابن أبي ~~ذئب، ويحيى بن سعيد، والليث بن سعد، والثوري والأوزاعي، ومسلم بن خالد ~~الزنجي، وابن أبي ليلى، وداود، وفقهاء أهل الحديث، وابن وهب من أصحاب مالك، ~~وهو مذهب العلماء كافة من الحجازيين، والبصريين، والكوفيين، والشاميين، ~~وغيرهم، قالوا: يجوز ما تراضى به الزوجان، من قليل وكثير؛ كالسوط والنعل ~~وخاتم الحديد، ونحوه، وقال مالك: أقله ربع دينار؛ كنصاب السرقة. قال القاضي ~~عياض -رحمه الله تعالى-: وهذا مما تفرد به مالك (¬2). # وقال أبو حنيفة وأصحابه: أقله عشرة دراهم، وقال ابن شبرمة: أقله خمسة ~~دراهم؛ اعتبارا بنصاب السرقة عندهما، وكره النخعي أن يتزوج بأقل من أربعين ~~درهما. وقال مرة: عشرة. # وكل هذه المذاهب مخالفة للسنة، وأهلها محجوجون بهذا الحديث الصحيح ~~الصريح. # ومنها: جواز اتخاذ خاتم الحديد، وفيه خلاف للسلف، وللشافعية فيه وجهان: # أصحهما عندهم: عدم الكراهة، قالوا: والحديث في النهي عنه ضعيف. PageV03P1307 # والثاني: الكراهة؛ لكون الحديد من لباس أهل النار، فكأن هذا الوجه يقول: ~~يجوز اتخاذه، ويكره لبسه، والله أعلم. # ومنها: جواز كون تعليم القرآن صداقا، ويلزم منه: جواز الاستئجار لتعليم ~~القرآن، وكل منهما جائز عند الشافعي، وبه قال عطاء، والحسن، وابن أبي صالح، ~~ومالك، وإسحاق وغيرهم، ومنعه جماعة، منهم: الزهري، وأبو حنيفة، وهذا الحديث ~~مع الحديث الصحيح: "إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله" (¬1) يرد قول من ~~منع ذلك. # ونقل القاضي عياض جواز الاستئجار لتعليم القرآن عن العلماء كافة، سوى أبي ~~حنيفة، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى ~~عبد الرحمن بن عوف، وعليه ردع ms0886 زعفران، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: "مهيم؟ "، فقال: يا رسول الله! تزوجت امرأة، فقال: "ما أصدقتها؟ "، قال: ~~"وزن نواة من ذهب"، قال: "فبارك الله لك، أولم ولو بشاة" (¬2). # تقدم الكلام على أنس غير مرة، وتكلمنا عليه. # وأما عبد الرحمن بن عوف؛ فكنيته: أبو محمد بن عوف بن عبد عوف بن عبد ~~الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي الزهري. كان PageV03P1308 # اسمه في الجاهلية: عبد عمرو، وقيل: عبد الكعبة، فسماه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: عبد الرحمن. # ولد بعد الفيل بعشر سنين، وأسلم قبل أن يدخل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - دار الأرقم على يد أبي بكر الصديق، وكان من المهاجرين الأولين. # جمع بين الهجرتين جميعا، هاجر إلى أرض الحبشة، ثم قدم قبل الهجرة، وهاجر ~~إلى المدينة، وآخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينه وبين سعد بن ~~الربيع. # وذكر ابن أبي خيثمة من حديث زيد بن أبي أوفى: أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - آخى بين عثمان، وعبد الرحمن بن عوف. وهذا الإخاء كان بمكة، ~~والأول بالمدينة. # وشهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وثبت معه ~~يوم أحد، وبعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى دومة الجندل، وعممه ~~بيده، وأسدلها بين كتفيه، وقال له: "سر باسم الله"، وأوصاه بوصاياه لأمراء ~~سراياه، وقال له: "إن فتح الله عليك فتزوج بنت ملكهم"، أو قال له: "شريفهم" ~~وكان الأصبغ بن ثعلبة بن ضمضم الكلبي شريفهم، فتزوج بنته تماضر بنت الأصبغ؛ ~~فهي أم ابنه أبي سلمة الفقيه (¬1). # وكان عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، ~~وأحد الستة الذين جعل عمر فيهم الشورى، وأحد الذين مات رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وهو عنهم راض، وصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~خلفه في سفره في غزوة تبوك، وأتم ما فاته، وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "عبد الرحمن بن عوف سيد من سادات ms0887 المسلمين"، وأنه قال: "عبد الرحمن بن ~~عوف أمين في السماء، وأمين في الأرض" (¬2)، وكان أمين رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - على نسائه، وجرح يوم أحد إحدى وعشرين جراحة، وجرح في رجله، ~~فكان يعرج منها، وكان كثير المال، كان PageV03P1309 # تاجرا، وكان له ألف بعير، وثلاثة آلاف شاة، ومئة فرس ترعى بالنقيع، وكان ~~يزرع بالجرف على عشرين ناضحا، وكان يدخر من ذلك قوت أهله سنته. # وقال صالح بن إبرهيم بن عبد الرحمن بن عوف: صالحنا امرأة عبد الرحمن بن ~~عوف التي طلقها في مرضه، من ثلث الثمن بثلاثة وثمانين ألفا. وروي عن غيره: ~~أنها صولحت بذلك عن ربع الثمن من ميراثه، وروي عنه: أنه كان يدعو وهو يطوف ~~بالبيت: يقول: اللهم قني شح نفسي (¬1). وروي عنه أنه أعتق في يوم واحد ~~ثلاثين عبدا. # ولما حضرته الوفاة، بكى بكاء شديدا، فسئل عن بكائه، فقال: مات مصعب بن ~~عمير على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان خيرا مني، ولم يكن له ~~ما يكفن فيه، وإن حمزة بن عبد المطلب كان خيرا مني، ولم نجد له كفنا، وإني ~~أخشى أن أكون ممن عجلت له طيباته في حياته الدنيا (¬2)، وأخشى أن أحبس عن ~~أصحابي بكثرة مالي، وتزوج نساء كثيرة، وكان له من البنين يوم مات عشرة سوى ~~بنات كن له، وهم: محمد، وإبراهيم، وحميد، وزيد، وأبو سلمة، ومصعب، وسهل، ~~وعثمان، وعمرو، والمسور. # وروى عنه من الصحابة: ابن عمر، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأنس، ~~وجبير بن مطعم، والمسور بن مخرمة، وعبد الله بن عامر بن ربيعة. ومن ~~التابعين: بنوه: إبراهيم، وحميد، ومصعب، وغيرهم. وروي له عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - خمسة وستون حديثا، اتفق البخاري ومسلم على حديثين، ~~وانفرد البخاري بخمسة، وروى له أصحاب السنن والمساند. # ومات بالمدينة، ودفن بالمدينة، وصلى عليه عثمان بن عفان - رضي الله عنه ~~-، أوصى عبد الرحمن بذلك، واختلف في تاريخ وفاته: فقال ابن حبان الحافظ: ~~مات لست بقين من خلافة عثمان، وهو ابن خمس وسبعين ms0888 سنة، وقال PageV03P1310 # الحافظ أبو عمر بن عبد البر: توفي سنة إحدى وثلاثين، وقيل: سنة اثنتين ~~وثلاثين، وهو ابن خمس وسبعين، وقيل: ابن اثنتين وسبعين سنة. قال: وقال ابن ~~سعد: كان سن عبد الرحمن بن عوف ثمانيا وسبعين سنة (¬1). # وأما المرأة التي تزوجها، فلا أعلمها مسماة، والله أعلم. # وأما قوله: "ردع من زعفران"؛ فالردع -براء ودال وعين مهملات-، وهو أثر ~~لونه، ومعناه: أنه تعلق به أثر من الزعفران وغيره من طيب العروس لم يقصده، ~~ولا تعمد التزعفر، وإنما كان معناه ما ذكرناه؛ حيث ثبت النهي عن التزعفر ~~للرجال، وكذا -أيضا- نهي الرجال عن الخلوق؛ لأنه شعار النساء، وقد نهي ~~الرجال عن التشبه بالنساء، فهذا اختيار المحققين في معناه، وقد قيل: إنه ~~يرخص فيه للرجل العروس. # وقد ذكر أبو عبيد أثرا: أنهم كانوا يرخصون فيه للشاب أيام عرسه. قال: ~~وقيل: لعله كان يسيرا فلم ينكر، وقيل: كان في أول الإسلام من تزوج لبس ثوبا ~~مصبوغا علامة لسروره وزواجه، قال: وهذا غير معروف، وقيل: يحتمل أنه كان في ~~ثيابه دون بدنه (¬2). # ومذهب مالك وأصحابه: جواز لبس الثياب المزعفرة، وحكاه مالك عن علماء ~~المدينة، وهو مذهب ابن عمر وغيره. وقال الشافعي، وأبو حنيفة: لا يجوز ذلك. PageV03P1311 # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مهيم؟ "؛ هذه كلمة يمانية، ومعناها: ما ~~أمرك وما شأنك؟ وقيل: يحتمل أنها مركبة. # قوله: "تزوجت امرأة، فقال: ما أصدقتها؟ قال: وزن نواة من ذهب": النواة: ~~اسم لمقدار معروف عندهم، وفسرها أكثر العلماء: بخمسة دراهم من ذهب، وقال ~~أحمد بن حنبل: هي ثلاثة دراهم وثلث. ومنهم من قال: المراد نواة التمر؛ أي: ~~وزنها من ذهب، وقال بعض المالكية: النواة: ربع دينار عند أهل المدينة. # وظاهر كلام أبي عبيد أنه دفع خمسة دراهم. قال: ولم يكن هناك ذهب، إنما هي ~~خمسة دراهم تسمى نواة، كما تسمى: الأربعون: أوقية. # وقول من قال: نواة التمر مرجوح، ولا يتحرر الوزن به؛ لاختلاف نوى التمر ~~في المقدار، والذي قال: إنها من ذهب، يجعله متعلقا بوزن، ومن قال: إنها ~~فضة، يجعلها ms0889 متعلقة بنواة. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أولم ولو بشاة"؛ الوليمة: مشتقة من ~~الولم، وهو الجمع؛ لأن الزوجين يجتمعان، قاله الأزهري، وغيره، قال ابن ~~الأعرابي: أصلها: تمام الشيء واجتماعه، والفعل منها: أولم، وهي الطعام ~~المتخذ للعرس. # قال الشافعية وغيرهم: الضيافات ثمانية أنواع؛ الوليمة: للعرس، والخرس ~~-بضم الخاء وبالسين المهملة، ويقال بالصاد-: للولادة، والإعذار: بكسر ~~الهمزة وبالعين المهملة والدال المعجمة: للختان، والوكيرة: للبناء، ~~والنقيعة: لقدوم المسافر، مأخوذة من النقع، وهو الغبار، ثم قيل: إن المسافر ~~يصنع الطعام، وقيل: يصنعه غيره له، والعقيقة: يوم سابع الولادة، والوضيمة: ~~بفتح الواو وكسر الضاد المعجمة: للطعام عند المصيبة، والمأدبة -بضم الدال ~~وفتحها-: الطعام المتخذ ضيافة بلا سبب (¬1). PageV03P1312 # ولما كان شهر النكاح مطلوبا للشرع؛ مخالفة للسفاح؛ شرع إعلانه بسبب ~~الوليمة وجمع الناس لها، وكذلك ضرب الدف له، والله أعلم. # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولو بشاة"؛ فإنه يفيد معنى التعليل، ~~و (لو) هذه، ليست التي تقتضي امتناع الشيء لوجود غيره، وقيل: هي التي تقتضي ~~معنى التمني، والله أعلم. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: أنه يستحب للإمام والفاضل تفقد حال أصحابه، والسؤال عما يختلف منها. # ومنها: استحباب تسمية الصداق، إما قبل العقد على ما تقتضيه العادة، أو في ~~نفس عقد للنكاح؛ حيث إنه - صلى الله عليه وسلم - سأله عما أصدقها بما يقتضي ~~أن يكون أصل الصداق متقررا، وإلا لما احتاج إلى السؤال عنه، بخلاف السؤال ~~ب: (هل). # ومنها: ما كانت الصحابة -رضي الله عنهم- عليه من عدم التغالي في صدق ~~النساء، مع أن عبد الرحمن بن عوف كان من مياسير الصحابة وأغنيائهم، وعمل ~~بالسنة في قلة المهر، ولهذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ "خير ~~النكاح أيسره" (¬1)، وفي حديث آخر: "خير النساء أيسرهن مهرا" (¬2). # ومنها: استحباب الدعاء للمتزوج، ويقول: بارك الله لك، أو نحوه. # ومنها: شرعية الوليمة للعرس، واختلف العلماء هل الأمر بها للوجوب أم ~~للاستحباب؟ # والأصح عند الشافعية: أنه سنة مستحبة، وحملوا الأمر على الندب، وهو PageV03P1313 # قول مالك وغيره، وأوجبها داود وغيره، واختلف في وقت ms0890 فعلها عند المالكية، ~~والأصح عند مالك وغيره: أنه يستحب فعلها بعد الدخول، وعند جماعة من ~~المالكية: استحبابها عند العقد، وعن ابن حبيب المالكي استحبابها عند العقد ~~وعند الدخول. # ومنها: أنه يستحب للموسر ألا يولم بأقل من شاة، ونقل القاضي عياض، ~~الإجماع على أنه لا حد لقدرها المجزي، بل بأي شيء أولم من الطعام حصلت ~~الوليمة. # وقد ثبت في: "صحيح مسلما": أن وليمة عرس صفية كانت بغير لحم، ووليمة ~~زينب: أشبعنا خبزا ولحما (¬1)، وهذا كله جائز تحصل الوليمة به، لكن يستحب ~~أن يكون على قدر حال الزوج. # واختلف السلف في تكرارها أكثر من يومين، وكرهه طائفة، ولم تكرهه طائفة، ~~واستحب أصحاب مالك -رحمه الله تعالى- أن تكون أسبوعا للموسر، والله أعلم. # * * * PageV03P1314 ### || CHECK [باب] ### | AUTO كتاب الطلاق # الطلاق مشتق من الإطلاق، وهو الإرسال والترك، ومنه: طلقت البلاد؛ أي: ~~تركتها. ويقال: طلقت المرأة، وطلقت، -بفتح اللام وضمها-، والفتح أفضل (¬1). # * * * ### ||| AUTO الحديث الأول # عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -: أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ~~ذلك عمر - رضي الله عنه - لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فتغيظ فيه ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال: "ليراجعها، ثم ليمسكها حتى ~~تطهر، ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها، فليطلقها قبل أن يمسها، فتلك ~~العدة، كما أمر الله -عز وجل-" (¬2). # وفي لفظ: "حتى تحيض حيضة مستقبلة سوى حيضتها التي طلقها فيها" (¬3). # وفي لفظ: فحسبت من طلاقها، وراجعها عبد الله كما أمر رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - (¬4). PageV03P1315 # أما ذكر عمر - رضي الله عنه - طلاق ابنه عبد الله امرأته وهي حائض، ~~فالظاهر أنه لمعرفة الحكم فيه. # وأما تغيظه - صلى الله عليه وسلم - فيه؛ فيحتمل أمرين: # أحدهما: لكونه فعل ما يقتضي المنع ظاهرا من غير تثبت. # والثاني: لتركه المشاورة له - صلى الله عليه وسلم - في فعله ذلك إذا عزم عليه. # وقوله - صلى الله عليه وسلم - لعمر: "ليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم ~~تحيض فتطهر"؛ ظاهره الأمر بالمراجعة لمن طلق امرأته في الحيض، وأن امتداد ~~المنع ms0891 من الطلاق إلى أن تطهر من الحيضة الثانية؛ لأن صيغة (حتى) للغاية. # ولا شك أن الأمر بالرجعة في ذلك ليس هو لأجل الطلاق في الحيض، إنما هو ~~لأجل استمرار استباحة وطئها؛ حيث إن دوام المعاشرة لها في الحيض سبب للوطء ~~في الطهر بعده، فبالدوام على حكم الطلاق يمتنع الوطء فيه، والتلذذ بها ~~قبله، إما بالمباشرة في غير الفرج، أو فيما فوق الإزار، وإما بغيره، فتكون ~~الرجعة سببا لدوام العشرة وعدم الطلاق، فنبه - صلى الله عليه وسلم - بالأمر ~~بالمراجعة، على أنها ليست لغرض الطلاق، بل لظهور فائدتها. # ومن العلماء من أجاب بأن فائدتها: العقوبة له؛ ليكون سببا لتوبته من ~~معصيته، واستدراك خيانته، لكن ما ذكرناه أولا أظهر؛ لأن ابن عمر - رضي الله ~~عنهما - كان جاهلا بحكم الطلاق في الحيض؛ ولهذا سأل أبوه عمر - رضي الله ~~عنه -. ومعلوم أنه ليس من فعل معصية جاهلا كمن فعلها عالما، خصوصا قبل حكم ~~الشرع. مع أن نظر الشرع دائر بين موافقة الأمر ودوام النكاح وحسن العشرة، ~~فالمراجعة بعد الطلاق في الحيض، أقرب مما ذكر، والله أعلم. # ثم من العلماء من علل امتناع الطلاق في الحيض؛ بتطويل العدة، فإن الحيضة ~~التي طلقت فيها لا تحسب من العدة، فيطول زمان التربص، ومنهم من علله بوجود ~~الحيض فقط وصورته، وبنوا على العلتين مسألتين: # إحداهما: إذا طلقها في الحيض وهي حامل، وقلنا: إن الحامل تحيض، PageV03P1316 # فمن علل بتطويل العدة، لم يحرم؛ لأن انقضاءها هنا بوضع الحمل على كل حال. ~~ومن علل بالحيض، وأراد الحكم عليه، حرم الطلاق فيه، وهو الظاهر من إطلاق ~~الحديث؛ حيث إنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بالمراجعة من غير استفصال ولا ~~سؤال عن حال المرأة في الحملى والحيال، وترك الاستفصال في مثل هذا ينزل ~~منزلة عموم المقال عند جميع أرباب الأصول. # المسألة الثانية: إذا سألت المرأة الطلاق في الحيض: فإن عللنا بتطويل ~~العدة عليها، لم يقتض تحريمه فيه؛ لأنها رضيت بإدخال الضرر عليها بسؤالها ~~الطلاق فيه، وإن عللنا بصورة الحيض ووجوده، حرمه، والعمل بظاهر الحديث ms0892 أولى ~~في ذلك؛ لترك الاستفصال فيه. # وقد يجاب في المسألتين بالأصل؛ فإن الأصل عدم السؤال وعدم الحمل. # واعلم أن الأمة أجمعت على تحريم الطلاق في الحيض بغير رضا الزوجة، فلو ~~طلقها، أثم، ووقع طلاقه، ويؤمر بالرجعة، وإن شذ بعض أهل الظاهر، وقال: لا ~~يقع طلاقه؛ لأنه غير مأذون له فيه، فأشبه طلاق الأجنبية، وذلك باطل؛ للأمر ~~بمراجعتها؛ لأنه لو لم يقع، لم يكن رجعة، فإن قيل: المراد بالمراجعة في ~~الحديث: الرجعة اللغوية، وهي الرد إلى حالها الأول، من غير احتساب طلقة، ~~قلنا: هذا غلط؛ حيث إن الحقيقة الشرعية مقدمة على اللغوية باتفاق أهل أصول الفقه. # كيف وابن عمر قد صرح بأنها حسبت من طلاقها، وراجعها كما أمر رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -؟ # واعلم أن الطلاق يقع في الشرع على أربعة أقسام: حرام، ومكروه، وواجب، ~~ومندوب، ولا يكون مباحا مستوي الطرفين. # فأما الواجب: ففي صورتين: # إحداهما: في الشقاق بين الزوجين، إذا ترافعا إلى الحاكم وبعثهما إلى ~~حكمين، ورأيا المصلحة في الطلاق، وجب عليهما الطلاق. PageV03P1317 # الثانية: في المؤلي إذا مضت عليه أربعة أشهر، وطالبته المرأة بحقها، ~~فامتنع من الفيئة والطلاق، فإن الصحيح من القولين للشافعي: أنه يجب على ~~القاضي أن يطلق عليه طلقة رجعية. # وأما المكروه: فإن يكون الحال مستقيما بينهما، فيطلق بلا سبب، وعليه يحمل ~~قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق " رواه ~~أبو داود، وغيره (¬1). # وأما الحرام؛ ففي ثلاث صور: # إحداها: في الحيض بلا عوض منها، ولا سؤالها. # والثانية: في طهر جامعها فيه قبل بيان الحمل. # والثالثة: إذا كان عنده زوجات، فقسم لهن، فطلق واحدة منهن قبل أن يوفيها قسمها. # وأما المندوب: فهو ألا تكون المرأة عفيفة، أو يخافا، أو أحدهما ألا يقيما ~~حدود الله، أو نحو ذلك، والله أعلم. # وأما جمع الطلقات الثلاث دفعة، فليس بحرام عند الشافعية، لكن الأولى ~~تفريقها، وبه قال أحمد، وأبو ثور. # وقال مالك، والأوزاعي، وأبو حنيفة، والليث: هو بدعة. # وهذا كله فيما إذا طلق من غير أن يجعله يمينا ms0893 يمتنع به ويمنع به؛ فإنه ~~مكروه قطعا، ولو قيل: إنه حرام، لم يمتنع، والله أعلم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ليراجعها" وفي لفظ مسلم: "مره ~~فليراجعها"؛ يتعلق بذلك مسألة أصولية، وهي: أن الأمر بالأمر بالشيء، هل هو ~~أمر بذلك الشيء، أم لا؟ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعمر: "مره ~~فليراجعها"، وفي لفظ الكتاب: "ليراجعها"، PageV03P1318 # فالأمر لعبد الله كان من عمر بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعلى كل ~~حال، فلا ينبغي أن ينظر في الأحكام المتعلقة بالأمر أنها أمر أم لا. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "قبل أن يمسها"؛ معناه: قبل أن يطأها. # وإنما كان الطلاق في الطهر الذي جامعها فيه بدعيا حراما؛ لخوف الندم، حيث ~~إن المسيس سبب الحمل، وحدوث الولد، وذلك سبب للندامة على الطلاق، بخلاف ما ~~إذا تبين الحمل، وطلقها بعد ذلك؛ فإنه يكون من أمره على تصبره، فلا يندم؛ ~~فلا يحرم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فتلك العدة كما أمر الله"؛ بعد قوله: "ثم ~~ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها، فليطلقها" تصريح ~~بأن الأقراء المذكورة في القرآن هي الأطهار؛ حيث قال - صلى الله عليه وسلم ~~-: "فإن بدا له أن يطلقها، فليطلقها" بعد قوله: "ثم تحيض فتطهر" مع أن الله ~~تعالى لم يأمر بطلاقهن في الحيض بل حرمه، فدل ذلك جميعه على أن الأقراء: ~~الأطهار، وأن الإشارة بقوله به - صلى الله عليه وسلم -: "فتلك العدة" ~~إليها، فإن قيل: الضمير في قوله: "فتلك" يعود إلى الحيضة، قلنا: هذا فاسد؛ ~~حيث إن الطلاق في الحيض غير مأمور به، بل محرم، وإنما الإشارة بها عائد إلى ~~الحالة المذكورة، وهي في حالة الطهر، أو إلى العدة. # وأجمع العلماء من أهل الفقه والأصول واللغة، على أن: القرء في اللغة يطلق ~~على الحيض وعلى الطهر. # واختلفوا في الأقراء المذكورة في القرآن في قوله تعالى: {والمطلقات ~~يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228]، وفيما تنقضي به العدة، فقال ~~مالك، والشافعي، وآخرون: هي الأطهار، وقال أبو حنيفة، والأوزاعي، وآخرون: ~~هي ms0894 الحيض، وهو مروي عن عمر، وعلي، وابن مسعود -رضي الله عنهم-، وبه قال ~~الثوري، وزفر، وإسحاق، وآخرون من السلف، وهو أصح الروايتين عن أحمد؛ قالوا: ~~لأن من قال بالأطهار، يجعلها قرأين وبعض الثالث، وظاهر القرآن: أنها ثلاثة. PageV03P1319 # والقائل بالحيض يجعلها شرطا، فيكون ثلاث حيضات كوامل، فيكون أقرب إلى ~~موافقة القرآن، ولهذا الاعتراض صار ابن شهاب الزهري إلى أن الأقراء هي: ~~الأطهار، قال: ولكن لا تنقضي العدة إلا بثلاثة أطهار كاملة، ولا تنقضي إلا ~~بطهرين وبعض الثالث، وهو مذهب تفرد به، بل القائلون بالأطهار اتفقوا على ~~أنها تنقضي بقرأين وبعض الثالث، حتى لو طلقها، وقد بقى من الطهر لحظة ~~يسيرة، حسب ذلك قرءا، ويكفيها طهران بعده. # وأجابوا عن الاعتراض بأن الشيئين وبعض الثالث، يطلق عليهما اسم الجمع في ~~قوله تعالى: {الحج أشهر معلومات} [البقرة: 197]، ومعلوم أنها شهران وبعض ~~الثالث، وفي قوله تعالى: {فمن تعجل في يومين} [البقرة: 203] المراد: في يوم ~~وبعض الثاني. # واختلف القائلون بالأطهار، متى تنقضي عدتها؟ # فالأصح عند الشافعية: أنه بمجرد رؤية الدم بعد الطهر الثالث، وفي قول: لا ~~تنقضي حتى يمضي يوم وليلة. والخلاف في مذهب مالك كهو عند الشافعية. # واختلف القائلون بالحيض -أيضا-، فقال أبو حنيفة وأصحابه: حتى تغتسل من ~~الحيضة الثالثة، أو يذهب وقت صلاة، وقال عمر، وعلي، وابن مسعود، والثوري , ~~وزفر، وإسحاق، وأبو عبيد: حتى تغتسل من الحيضة الثالثة، وقال الأوزاعي ~~وآخرون: حتى تنقضي بنفس انقطاع الدم. # وعن أبي إسحاق رواية: أنه إذا انقطع الدم، انقطعت الرجعة، ولكن لا تحل ~~للأزواج حتى تغتسل؛ احتياطا وخروجا من الخلاف، والله أعلم. # وقوله: "فحسبت من طلاقها"؛ يعني: أن الطلقة الواقعة في الحيض منقصة لعدد ~~الطلاق، محسوبة منه. # وفي الحديث أحكام: # منها: تحريم الطلاق في الحيض. # ومنها: أنه إذا طلق فيه، وقع. PageV03P1320 # ومنها: الأمر بمراجعة المطلقة الحائض، واختلف فيه، فقال الشافعي، ~~والأوزاعي، وأبو حنيفة، وسائر الكوفيين، وأحمد، وفقهاء المحدثين، وآخرون: ~~الأمر بها للاستحباب، وقال مالك وأصحابه: للوجوب، ويجبر الزوج على الرجعة ~~إذا طلق في الحيض. # ومنها: تحريم الطلاق في ms0895 الطهر الذي جامعها فيه. # ومنها: أن الطلاق في غير زمن الحيض لا إثم فيه؛ وكذلك في الطهر الذي ~~يجامعها فيه، لكنه مكروه؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أبغض الحلال إلى ~~الله تعالى الطلاق" (¬1) فيكون حديث ابن عمر هذا لبيان عدم التحريم، وهذا ~~الحديث لبيان كراهة التنزيه. # ومنها: أن الرجعة لا تفتقر إلى رضا المرأة، ولا وليها، ولا تجديد عقد. # ومنها: أن الأقراء في العدة هي الأطهار، وتقدم اختلاف العلماء فيه ~~وتقريره والاعتراض عليه والجواب عنه. # ومنها: الاعتداد بالطلقة الواقعة في زمن الحيض من عدد الطلاق، وهو مذهب ~~الجمهور. # ومنها: الأمر بإمساك المرأة المراجعة بسبب الطلاق في الحيض, بعده. # ومنها: أن الأمر المعلق على شرط عدم عند عدم الشرط؛ فإنه - صلى الله عليه ~~وسلم - أذن في الطلاق قبل مسيسها، وقيده به، وفي ذلك دليل على امتناعه في ~~الطهر الذي مسها فيه؛ لأنه شرط في الإذن عدم المسيس لها. # ومنها: عدم الإقدام على شيء قبل مراجعة الشرع فيه. # ومنها: الغيظ لأجل المخالفة، وعدم المراجعة للكبار والمقتدى بهم، خصوصا ~~الأقرباء والأصحاب. # ومنها: التثبت في الأمور لأجل مراعاة مصالحها ودفع مفاسدها. PageV03P1321 # ومنها: السؤال عن العلم بغيره، خصوصا إذا كان المسؤول من أجله ولدا أو قريبا. # ومنها: مراعاة كتاب الله تعالى في الأحكام الشرعية، والرجوع إليه. # ومنها: المبادرة إلى امتثال أمره، واجتناب نهيه. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن فاطمة بنت قيس: أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة، وهو غائب، وفي رواية: ~~طلقها ثلاثا، فأرسل إليها وكيله بشعير، فسخطته، فقال: والله ما لك علينا من ~~شيء، فجاءت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فذكرت ذلك له، فقال: "ليس لك ~~عليه نفقة". وفي لفظ: "ولا سكنى"، فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: ~~"تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكتوم؛ فإنه رجل أعمى، تضعين ~~ثيابك، فإذا حللت فآذنيني"، قالت: فلما حللت، ذكرت ذلك له، وأن معاوية بن ~~أبي سفيان، وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أما ~~أبو جهم، فلا ms0896 يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية، فصعلوك لا مال له، انكحي ~~أسامة بن زيد"، فكرهته، ثم قال: "انكحي أسامة بن زيد"، فنكحته، فجعل الله ~~فيه خيرا، واغتبطت به (¬1). # أما فاطمة بنت قيس؛ فهي أخت الضحاك بن قيس بن خالد الأكبر بن وهب بن ~~ثعلبة بن وائلة بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهو بن مالك بن النضر بن ~~كنانة، القرشية، الفهرية، وكانت أكبر من أخيها هذا بعشر سنين فيما قيل، ~~وكانت من المهاجرات الأول، لها عقل وكمال، وفي بيتها اجتمع أصحاب الشورى ~~عند قتل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وخطبوا خطبتهم المشهورة المأثورة. PageV03P1322 # قال الزبير: وكانت امرأة نجودا، أو: النجود النبيلة، وقدمت الكوفة على ~~أخيها الضحاك، وكان أميرا، روي لها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أربعة وثلاثون حديثا، اتفق البخاري ومسلم على حديث لها في مسند عائشة - رضي ~~الله عنها -، ولمسلم ثلاثة أحاديث، وروى عنها جماعة من التابعين، منهم: ~~عروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ~~وسليمان بن يسار، وعبد الله بن عبد الله بن عتبة، والشعبي، وكل هؤلاء ~~فقهاء، وروى لها أصحاب السنن والمساند (¬1). # وأما عمرو بن حفص؛ فالأكثرون على أنه أبو عمرو بن حفص، ويقال: أبو حفص بن ~~عمرو، وقيل: أبو حفص بن المغيرة، ويقال: أبو عمرو بن حفص بن عمر بن المغيرة ~~بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، القرشي المخزومي، واختلف في اسمه، فقيل: عبد ~~الحميد، وقيل: أحمد، وقيل: بل اسمه كنيته، وذكره البخاري فيمن لا يعرف ~~اسمه. بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع علي بن أبي طالب - كرم ~~الله وجهه - إلى اليمن حين بعثه، فطلق امرأته هناك، فاطمة بنت قيس، وبعث ~~إليها بطلاقها، ثم مات هناك. # وأبو عمرو هذا الذي كلم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مواجهة في عزل ~~خالد بن الوليد - رضي الله عنه -، فاعتذر عمر يوم الجابية، وقال: أعتذر ~~إليكم من خالد؛ فإني أمرته أن يحبس هذا المال على ms0897 ضعفة المهاجرين، فأعطاه ~~ذا البأس وذا اليسار وذا الشرف، ونزعه، وأثبت أبا عبيدة بن الجراح، فقال ~~أبو عمرو بن حفص بن المغيرة: والله! لقد نزعت غلاما -أو قال: عاملا- ~~استعمله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأغمدت سيفا سله الله، ووضعت ~~لواء نصبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، PageV03P1323 # ولقد قطعت الرحم، وحسدت ابن العم! فقال عمر - رضي الله عنه -: أما إنك ~~قريب القرابة، حديث السن، تغضب لابن عمك، أخرجه النسائي عن إبراهيم بن ~~يعقوب الجوزجاني (¬1)، عن وهب بن زمعة، عن عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن ~~يزيد، سمع الحارث بن يزيد يحدث عن علي بن رباح عن ناشرة بن سمي اليزني، ~~قال: سمعت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول يوم الجابية، فذكره، وهو ~~إسناد صحيح مليح (¬2)، والله أعلم (¬3). # وأما أم شريك هذه، فقيل: إنها التي وهبت نفسها للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، وتقدم ذكرها قريبا في الحديث الثاني من باب الصداق. # قال أبو عمر بن عبد البر الحافظ -رحمه الله تعالى-: أم شريك القرشية ~~العامرية، اسمها غزية بنت دودان بن عوف بن عمرو بن عامر بن رواحة بن حجر ~~-ويقال: حجير- بن عبد معيص بن عامر بن لؤي. وقيل في نسبها: أم شريك بنت عوف ~~بن جابر بن ضباب بن حجير بن عبد معيص بن عامر بن لؤي. يقال إنها: التي وهبت ~~نفسها للنبي - صلى الله عليه وسلم -، واختلف في ذلك، وقيل في جماعة سواها ذلك. # روى عنها سعيد بن المسيب: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بقتل ~~الأوزاغ. وقد روى عنها جابر بن عبد الله، يقال: إنها المذكورة في حديث ~~فاطمة بنت قيس. # قوله - صلى الله عليه وسلم -: "اعتدي في بيت أم شريك"، وقد قيل في اسم أم ~~شريك: أم غزيلة. وقد ذكرها بعضهم في أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~ولا يصح من ذلك شيء؛ لكثرة PageV03P1324 # الاضطراب فيه. ومن زعم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نكحها، قال: ~~كان ذلك بمكة، وكانت عند أبي العكر ms0898 بن سمي بن الحارث الأزدي، فولدت له ~~شريكا. وقيل: إن أم شريك هذه كانت تحت الطفيل بن الحارث، فولدت له شريكا. ~~والأول أصح. وقيل: أم شريك الأنصارية، تزوجها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، ولم يدخل بها؛ لأنه كره غيرة الأنصار. هذا كلامه بحروفه، والله ~~أعلم (¬1). # اتفق البخاري ومسلم لها على حديث واحد، وروى لها مسلم حديثا آخر. # وروى لها جماعة من أصحاب السنن والمساند. # وأما ابن أم مكتوم، فتقدم ذكره في الأذان. # وأما معاوية وأسامة؛ فتقدما أيضا. # وأما أبو الجهم هذا؛ فقال شيخنا أبو زكريا النواوي الحافظ - رحمه الله -: ~~واعلم أن أبا الجهم هذا -بفتح الجيم، مكبر-، وهو أبو الجهم المذكور في حديث ~~الأنبجانية، وهو غير أبي الجهم المذكور في التيمم، وفي المرور بين يدي ~~المصلي؛ فإن ذلك -بضم الجيم، مصغر-، والله أعلم (¬2). # وقد بسطت الكلام في هذا، في أول باب: المرور بين يدي المصلي من هذا ~~الكتاب، والله أعلم. # وأما قوله: "إنه طلقها البتة": يحتمل أنه طلقها ثلاثا، ويحتمل أنه طلقها ~~آخر ثلاث تطليقات، وكل منهما يصدق عليه أنه طلقها البتة، وروي في "الصحيح"، ~~لكنه ظاهر في أنه كان طلقها قبل هذا طلقتين، ثم طلقها طلقة كانت بقيت من ~~عدد الثلاث، وروي هذا في "الصحيح" -أيضا-، وروي في "صحيح مسلم" رواية في ~~حديث الجساسة (¬3) يوهم أنه مات عنها، وهي ليست على ظاهرها، بل قال ~~العلماء: إنها وهم، أو مؤولة، والله أعلم. PageV03P1325 # وقوله: "وهو غائب"؛ قد ذكرنا في ترجمته أنه كان غائبا مع علي - رضي الله ~~عنه - باليمن، وذكرنا: أنه مات هناك، وأنه واجه عمر - رضي الله عنه - بكلام ~~في حق خالد بن الوليد، لما عزله بالجابية، ويلزم من ذلك رجوعه من اليمن، ~~فلعله رجع إليه، ومات به، والله أعلم. # وقوله: "فأرسل إليها وكيله بشعير"؛ وكيله: مرفوع على أنه هو المرسل، ~~ويحتمل أن يكون منصوبا، ويكون الضمير في (وكيله) عائدا على أبي عمر بن حفص، ~~ويكون: (وكيله) مرسلا من جهته بالشعير إليها. # وقوله: "فسخطته"، معناه: كرهته ولم ترض به. ms0899 # وقوله: "فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك"، ثم قال: "تلك امرأة يغشاها ~~أصحابي"؛ معناه: أن الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا يزورون أم شريك، ويكثرون ~~التردد إليها؛ لكثرة صلاحها، فرأى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن على ~~فاطمة من الاعتداد عندها حرجا؛ من حيث إنه يلزمها التحفظ من نظرهم إليها، ~~ونظرها إليهم، وانكشاف شيء منها. وفي التحفظ من هذا مع كثرة دخولهم وترددهم ~~مشقة ظاهرة، فأمرها بالاعتداد عند ابن أم مكتوم؛ لأنه لا يبصرها، ولا يتردد ~~إلى بيته من يتردد إلى بيت أم شريك، ولا يلزم من إذنه لها - صلى الله عليه ~~وسلم - بالاعتداد في بيته، الإذن لها في النظر إليه، بل فيه: أنها تأمن ~~عنده من نظر غيره إليها، وهي مأمورة بغض بصرها، فيمكنها الاحتراز عن النظر ~~بلا مشقة؛ بخلاف مكثها في بيت أم شريك. # قال شيخنا أبو الفتح بن دقيق العيد -رحمه الله تعالى-: وهذا القول إعراض ~~عن التعليل بعمى ابن أم مكتوم، وكان يقوى لو تجرد الأمر بالاعتداد عنده عن ~~التعليل بعماه، وما ذكر من المشقة موجود في نظرها إليه، مع مخالطتها له في ~~البيت، ويمكن أن يقال: إنه إنما علل بالعمى، كونها تضع ثيابها من غير رؤيته ~~لها، فحينئذ يخرج التعليل عن الحكم باعتدادها عنده، والله أعلم (¬1). PageV03P1326 # قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإذا حللت فآذنيني"؛ معناه: إذا انقضت ~~العدة من الطلاق، فأعلميني، وآذنيني -بهمزة ممدودة -. # قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أما أبو جهم، فلا يضع العصا عن عاتقه"؛ ~~العاتق: ما بين العنق والمنكب، وفي معناه تأويلان: # أظهرهما: أنه كثير الضرب للنساء؛ بدليل رواية في "صحيح مسلم" قال فيها: ~~إنه ضراب للنساء (¬1). # والثاني: أنه كثير الأسفار. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وأما معاوية، فصعلوك"؛ هو بضم الصاد؛ أي: ~~فقير، يعجز عن القيام بحقوق الزوجة. # قولها: "واغتبطت"؛ معناه: أنها لما امتثلت أمر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في نكاح أسامة - رضي الله عنه -، اغتبطت به، وقد ضبطوا (اغتبطت) ~~بفتح التاء والباء، ووقع في بعض روايات مسلم لفظه به، ms0900 ولم يقع في أكثرها. ~~والغبطة: تمني مثل حال المغبوط من غير إرادة زوالها عنه، وليس هو بحسد عند ~~أهل اللغة، قالوا: يقال: غبطته بما نال، أغبطه، -بكسر الباء- غبطا وغبطة، ~~فاغتبط، وهو كمنعته فامتنع، وحبسته فاحتبس (¬2). # وأما إشارته - صلى الله عليه وسلم - عليها بنكاح أسامة؛ فلما علمه من ~~دينه وفضله وحسن طرائقه، وكرم شمائله، فنصحها بذلك، فكرهته لكونه مولى، ~~ولكونه كان أسود جدا، فكرر عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - الحث على ~~زواجه لما علم من مصلحتها في ذلك، فكان كذلك، ولهذا قالت: "فجعل الله لي ~~فيه خيرا، واغتبطت"، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم - في رواية في "صحيح ~~مسلم ": "طاعة الله وطاعة رسوله خير لك" (¬3). PageV03P1327 # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: جواز إيقاع الطلاق الثلاث دفعة؛ لعدم إنكار النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في رواية: طلقها ثلاثا. وفيه الاحتمال الظاهر في كونه أوقع عليها ~~طلقة، هي آخر الثلاث كما تقدم. # ومنها: أنه لا نفقة للمطلقة البائن الحائل، ولا سكنى. # وقد اختلف العلماء في ذلك، فقال ابن عباس - رضي الله عنهما -، وأحمد بن ~~حنبل بظاهر هذا الحديث، وأوجب النفقة والسكنى: عمر بن الخطاب، وأبو حنيفة، ~~وأوجب مالك، والشافعي، وآخرون السكنى دون النفقة؛ لقوله تعالى: {أسكنوهن من ~~حيث سكنتم من وجدكم} [الطلاق: 6]. # وأما سقوط النفقة، فأخذوه من المفهوم في قوله تعالى: {وإن كن أولات حمل ~~فأنفقوا عليهن} [الطلاق: 6]، فمفهومه: أنه إذا لم يكن حوامل، لا ينفق عليهن. # وقد تورعوا في تأول الآية للبائن، في قوله تعالى: {أسكنوهن من حيث سكنتم} ~~[الطلاق: 6] ويحتاج من قال: لها السكنى إلى الاعتذار عن حديث فاطمة هذا، ~~فمنهم من اعتذر بما حكي عن سعيد بن المسيب وغيره: أنها كانت امرأة لسنة، ~~واستطالت على أحمائها، فأمرها بالانتقال، وقيل: لأنها خافت في ذلك المنزل، ~~وقد روى مسلم في "صحيحه": أنها قالت: أخاف أن يقتحم علي (¬1)، وساق الحديث ~~على خلاف هذين التأويلين، فإنه يقتضي أن سبب اختلافها مع الوكيل، وسخطها ~~الشعير، وذكر الوكيل أن لا نفقة لها، حتى حملها ذلك على ms0901 سؤال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، وجوابه لها بعدم النفقة عليه: أن ذلك ~~الاختلاف سبب لبيان عدم وجوب النفقة، لا ما ذكر من الاعتذار، فإن قام دليل ~~أقوى من هذا وأرجح، عمل به، وأما عمر - رضي الله عنه -، فقال: لا ندع كتاب ~~ربنا وسنة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، بقول امرأة جهلت أو نسيت ~~(¬2). PageV03P1328 # قال العلماء: الذي في كتاب ربنا إنما هو إثبات السكنى، قال الدارقطني: ~~قوله: وسنة نبينا - صلى الله عليه وسلم - هذه زيادة غير محفوظة، لم يذكرها ~~جماعة من الثقات، واحتج من لم يوجبها بهذا الحديث (¬1). # وأما البائن الحامل: فتجب لها النفقة والسكنى. # وأما الرجعية: فتجبان لها بالإجماع. # وأما المتوفى عنها: فلا نفقة لها بالإجماع، والأصح عند الشافعية وجوب ~~السكنى لها، فلو كانت حاملا؛ فالمشهور أنه لا نفقة لها كما لو كانت حائلا، ~~وقال بعض أصحاب الشافعي: تجب، وغلطوه، والله أعلم. # ومنها: وقوع الطلاق في غيبة المرأة. # ومنها: جواز الوكالة في أداء الحقوق، وقد أجمع العلماء على هذين الحكمين. # ومنها: جواز زيارة الرجال المرأة الصالحة، إذا لم تؤد إلى فتنتهم ~~وفتنتها. # ومنها: تحريم نظر المرأة الأجنبية إلى الرجل الأجنبي، وتحريم نظره إليها، ~~وقد احتج بحديث فاطمة على جواز نظرها إلى الأجنبي، والذي عليه جمهور ~~العلماء، وأكثر الشافعية: تحريم نظرها إلى الأجنبي؛ كما يحرم نظره إليها. # وقد علل جواز اعتدادها في بيت ابن أم مكتوم؛ بأنه رجل أعمى، وهو مقتض ~~لعدم رؤيته لها، لا لعدم رؤيتها. # وقد استدل من قال بالتحريم بقوله تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} ~~[النور: 30]، {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} [النور: 31]، ولأن الفتنة ~~مشتركة؛ فكما يخاف الافتتان بها، يخاف افتتانها به، ويدل على ذلك ما رواه ~~أبو داود، والترمذي، وغيرهما بإسناد حسن، من حديث نبهان مولى أم سلمة، عن ~~أم سلمة: أنها كانت هي وميمونة عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، فدخل ابن ~~أم PageV03P1329 # مكتوم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "احتجبا منه"، فقالتا: إنه ~~أعمى لا يبصرنا، فقال النبي - صلى ms0902 الله عليه وسلم -: "أفعمياوان أنتما؟! ~~ألستما تبصرانه؟! "، قال الترمذي: حديث حسن (¬1). ولا يلتفت إلى قدح من قدح ~~فيه بغير حجة معتمدة. # قال شيخنا أبو الفتح القاضي -رحمه الله تعالى-: وفي الاستدلال بالآية ~~للتحريم نظر؛ لأن لفظة (من) للتبعيض، ولا خلاف أنها إذا خافت الفتنة، حرم ~~النظر عليها، فإذا هذه حالة يجب فيها الغض، فيمكن حمل الآية عليها، ولا يدل ~~حينئذ على وجوب الغض مطلقا، أو في غير هذه الحالة. وهذا وإن لم يكن ظاهر ~~الآية، فهو محتمل له احتمالا جيدا، يتوقف معه الاستدلال على محل الخلاف (¬2). # ومنها: جواز التعريض بخطبة البائن، وفيه خلاف عند الشافعية. # ومنها: جواز ذكر الإنسان بما فيه عند النصيحة، ولا يكون من الغيبة ~~المحرمة، وقد ذكر العلماء ما يباح من الغيبة في ستة مواضع، الاستنصاح من ~~جملتها. # ومنها: جواز استعمال المجاز للمبالغة، وجواز إطلاق مثل هذه العبارة؛ فإن ~~أبا جهم لا بد وأن يضع عصاه حالة نومه، أو أكله، وكذلك معاوية، لا بد وأن ~~يكون له ثوب يلبسه مثلا، لكن اعتبر حال الغلبة، وهجر النادر اليسير. # والمجاز في أبي جهم أظهر منه -فيما قيل- في معاوية؛ لأن لنا أن نقول: إن ~~لفظة المال انتقلت في العرف عن موضوعها الأصلي إلى ما له قدر من PageV03P1330 # المملوكات، وذلك مجاز شائع، يتنزل منزلة النقل، فلا يتناول الشيء اليسير ~~جدا، بخلاف ما قيل في أبي جهم. # ومنها: التصريح بأن أحد الخاطبين: معاوية بن أبي سفيان، خلافا لما قيل: ~~إنه معاوية غيره، وهو غلط. # ومنها: أن الحق في الكفاءة في النكاح حق للزوجة والأولياء، خاص بهم. # ومنها: أن كفاءة الدين والعلم والفضل لا يعارضها غيره من المال والنسب. # ومنها: جواز نكاح القرشية للمولى، بلا كراهة شرعية. # ومنها: نصيحة الكبار أتباعهم، وتكريرها عليهم، ورجوع الأتباع إلى قولهم، ~~وتركهم حظوظهم العادية، والله أعلم. # ومنها: جواز خروج المعتدة من بيت زوجها للحاجة من الاستفتاء وغيره. # ومنها: جواز سماع كلام المرأة الأجنبية للحاجة. # ومنها: جواز الخطبة على خطبة الغير، إذا لم تحصل للأول إجابة؛ لأنها ذكرت ms0903 ~~أن معاوية وأبا الجهم خطباها، ولم تجبهما، وذكر لها النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أسامة بعد خطبتهما، وقبل إجابتها لهما. # ومنها: إرشاد الإنسان إلى مصلحته وإن كرهها، وتكرير ذلك عليه. # ومنها: الحرص على مصاحبة أهل التقوى والفضل، وإن دنت أنسابهم، والله أعلم. # * * * PageV03P1331 ### || AUTO باب العدة ### ||| AUTO الحديث الأول # عن سبيعة الأسلمية -رضي الله عنها-: أنها كانت تحت سعد بن خولة، وهو في ~~بني عامر بن لؤي، وكان ممن شهد بدرا، فتوفي في حجة الوداع وهي حامل، فلم ~~تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته. فلما تعلت من نفاسها، تجملت للخطاب، فدخل ~~عليها أبو السنابل بن بعكك [-رجل من بني عبد الدار-] (¬1)، فقال لها: ما لي ~~أراك متجملة؟ لعلك تريدين النكاح، والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة ~~أشهر وعشر. قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك، جمعت علي ثيابي حين أمسيت، فأتيت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت ~~حين وضعت حملي، وأمرني بالتزوج إن بدا لي. # قال ابن شهاب: ولا أرى بأسا أن تتزوج حين وضعت، إن كانت في دمها، غير أنه ~~لا تقربها زوجها حتى تطهر (¬2). # أما سبيعة، فهي بضم السين المهملة، وفتح الباء الموحدة. وهي بنت الحارث ~~الأسلمية. PageV03P1332 # روي لها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اثنا عشر حديثا. روى عنها ~~عمر بن عبد الله بن الأرقم. # قال أبو عمر بن عبد البر: روى عنها فقهاء أهل المدينة، وفقهاء أهل الكوفة ~~من التابعين حديثها هذا؛ يعني: حديثها هذا المذكور: أنها كانت تحت سعد بن خولة. # قال: وروى عنها عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -: أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "من استطاع منكم أن يموت بالمدينة، فليمت؛ فإنه لا ~~يموت بها أحد؛ إلا كتب له شهيدا، أو شفيعا يوم القيامة" (¬1). # قال: وزعم العقيلي أن سبيعة التي روى عنها عبد الله بن عمر - رضي الله ~~عنهما - هي غير الأولى، ولا يصح ذلك عندي. هذا آخر كلامه. # روى لها البخاري ms0904 ومسلم، وجماعة من أصحاب السنن والمساند، ولم يرو لها ~~الترمذي، والله أعلم. # وأما وضعها حملها، فكان بعد وفاة زوجها بليال؛ قيل: إنها شهر، وقيل: خمس ~~وعشرون ليلة، وقيل دون ذلك، والله أعلم (¬2). # وأما سعد بن خولة؛ فتقدم ذكره في باب الوصية. # وأما أبو السنابل -بفتح السين-، فاسمه لبيد، ربه، سئل يحيى بن معين عن ~~اسمه، فقال: بغيض سئل عن بغيض لبيد ربه، وقيل: اسمه عمرو، وقيل: حبه ~~-بالباء الموحدة، وقيل: بالنون- ابن بعكك -بفتح الموحدة وسكون العين ~~المهملة ثم كافين، الأولى مفتوحة- بن الحجاج بن الحارث بن السباق بن PageV03P1333 # عبد الدار بن قصي، القرشي العبدري. أسلم يوم الفتح، وقيل: إنه سكن ~~الكوفة، روى عنه الأسود بن يزيد النخعي. # قال الترمذي: لا نعرف للأسود سماعا من أبي السنابل. وسمعت محمدا -يعني: ~~البخاري- لا أعرف أن أبا السنابل عاش بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -. ~~وذكر ابن سعد أنه بقي بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وروى له الترمذي، والنسائي، وابن ماجه. # وقال ابن عبد البر الحافظ: كان شاعرا، ومات بمكة (¬1). # وأما ابن شهاب؛ فهو منسوب إلى جد جده، وهو أبو بكر، محمد بن مسلم بن عبيد ~~الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن ~~كعب القرشي الزهري المدني، سكن الشام، سمع أنسا، وسهل بن سعد، وأبا الطفيل ~~عامر بن واثلة، والسائب بن يزيد، وسنينا أبا جميلة، وعبد الرحمن بن أزهر، ~~وربيعة بن عباد الديلي، ومحمود بن الربيع، ورجلا مزيلي صحبة. ورأى عبد الله ~~بن عمر، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وعبد الله بن ثعلبة بن صغير، وأبا ~~أمامة بن سهل بن حنيف، وخلقا كثيرا من التابعين وغيرهم. # قال عراك بن مالك: أعلمهم جميعا -يعني: ابن المسيب، وعروة، وعبيد الله بن ~~عبد الله- عندي: محمد بن شهاب؛ لأنه جمع علمهم إلى علمه، وكان إماما جليلا ~~فقيها فاضلا، ناشرا للعلم باذلا له، مات ليلة الثلاثاء، لسبع عشرة خلت من ~~شهر رمضان، سنة أربع وعشرين ومئة في ms0905 ناحية الشام، وهو ابن اثنتين وسبعين ~~سنة، وأوصى أن يدفن على قارعة الطريق بضيعة له، يقال لها: PageV03P1334 # شغب، وبدا، وشغب: بفتح الشين وسكون الغين المعجمتين، وبدا: بالباء ~~الموحدة والدال المهملة. # وروى له البخاري ومسلم وأصحاب السنن والمساند (¬1). # أما ما ذكر [عن] سعد بن خولة: وهو في بني عامر بن لؤي، فهو هكذا في جميع ~~النسخ: في بني عامر، وهو صحيح، ومعناه: ونسبه في بني عامر؛ أي: هو منهم. # وذكر الحافظ أبو القاسم بن بشكوال: أن زوج سبيعة كان أبا البداح بن عاصم ~~بن عدي الأنصاري. قال: حكى ذلك أبو عمر النمري عن ابن جريح والخطاب: كهل، ~~وشاب، فالكهل: أبو السنابل، والشاب: أبو اليسر، والله أعلم (¬2). # وقوله: "فلم تنشب"؛ أي: لم تمكث. # "فلما تعلت من نفاسها"؛ معناه: طهرت من نفاسها. # وفي الحديث أحكام: # منها: أن عدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملا، بوضع الحمل، حتى لو ~~وضعت بعد موت زوجها بلحظة قبل غسله، انقضت عدتها، وحلت في الحال للأزواج. ~~وهذا مذهب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد، والعلماء كافة، إلا رواية عن ~~علي، وابن عباس، وسحنون المالكي: أن عدتها بأقصى الأجلين؛ فإن تقدم وضع ~~الحمل على تمام أربعة أشهر وعشر، انتظرت وضع الحمل. وروي عن ابن عباس ~~الرجوع عنه. وتصحيح ذلك: أن أكابر أصحابه PageV03P1335 # يقولون يقول العلماء: حتى لو وضعت بعد موته بساعة، انقضت؛ كعطاء، وعكرمة، ~~وجابر بن زيد. # وسبب هذا الخلاف تعارض عموم قوله تعالى: {والذين يتوفون منكم} الآية ~~[البقرة: 234] مع قوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} ~~[الطلاق: 4]؛ فإن كل واحد من الاثنين: عام من وجه، خاص من وجه. # فعموم الأولى، وهو المتوفى عنها زوجها، سواء كانت حاملا أم لا. # والثانية وهي: {وأولات الأحمال} [الطلاق: 4] سواء كانت المرأة متوفى عنها ~~زوجها أم لا. # فلعل هذا التعارض، هو السبب لاختيار من اختار أقصى الأجلين؛ لعدم ترجيح ~~أحدهما على الآخر عنده، وذلك يوجب ألا يرفع تحريم العدة السابق إلا بيقين ~~الحل، وذلك بأقصى الأجلين. لكن فقهاء الأمصار اعتمدوا على هذا الحديث؛ ms0906 فإنه ~~مخصص لعموم قوله تعالى: {والذين يتوفون منكم} [البقرة: 234]، مع ظهور ~~المعنى في حصول المراد بوضع الحمل. # ومنها: أن المعتدة تنقضي عدتها بوضع الحمل، إن لم تطهر من النفاس؛ كما ~~صرح به الزهري، وهو مقتضى قولها: فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي. # وقال الشعبي، والحسن، وحماد، وإبراهيم النخعي -فيما روي عنهم-: لا يصح ~~زواجها حتى تطهر من تفاسها؛ متعلقين بقوله: "فلما تعلت من نفاسها"؛ أي: ~~طهرت، قال لها: قد طهرت، انكحي من شئت. # رتب الحل على التعلي، فتكون علة له، وهو ضعيف؛ لتصريح الرواية بأنه ~~أفتاها بالحل بوضع الحمل على أي وجه كان؛ من مضغة أو علقة، أو استبان فيه ~~الخلق أم لا؛ حيث رتب الحل على وضع الحمل من غير استفصال، وترك الاستفصال ~~في قضايا الأحوال ينزل منزلة العموم في المقال. # قال شيخنا الإمام أبو الفتح بن دقيق العيد -رحمه الله تعالى-: وهذا -ها ~~هنا- ضعيف؛ لأن الغالب هو الحمل التام المتخلق، ووضع المضغة والعلقة PageV03P1336 # نادر، وحمل الجواب على الغالب ظاهر، وإنما يقوي تلك القاعدة؛ حيث لا ~~يترجح بعض الاحتمالات على بعض، ويختلف الحكم باختلافها (¬1). # قلت: والقائلون بانقضاء العدة بوضع الحمل لم يختلفوا في انقضائها بوضع ~~الحمل، سواء كان كاملا، أم ناقص الخلق، أم مضغة، أو علقة، أو كان فيه صورة ~~خلق آدمي، سواء كانت خفية تختص النساء بمعرفتها، أم جلية يعرفها كل أحد، ~~بخلاف القطعة من اللحم إذا لم يتصور فيها خلق آدمي؛ ففيها خلاف، والله أعلم. # وقول ابن شهاب: "غير أنه لا يطؤها زوجها حتى تطهر"؛ معناه: أن زواجها بعد ~~وضع الحمل صحيح، وأن وطأها حال النفاس حرام؛ كغيرها، وهو مجمع عليه، والله أعلم. # ومنها: جواز تجمل المرأة للخطاب، بشرط ألا يكون فيه زور في ملبس أو خلق؛ ~~من تفليج سن، أو وصل شعر، أو تحمير وجنة، أو كثرة مال، أو غير ذلك مما يرغب ~~في نكاحها عادة؛ فإنه كذب وغش، والله أعلم. # ومنها: أن النكاح لا يجب على المرأة؛ لأمره - صلى الله عليه وسلم - ~~لسبيعة به ms0907 إن بدا لها، فلو كان محتما من جهة الشرع، لم يقيده باختيارها. # ومنها: التوقف عن الأمر حتى تراجع الشرع والأمر به. # ومنها: الفتيا في العلم، وأنها واجبة إذا تعينت. # ومنها: أن الإنسان إذا رأى من غيره ما يخالف العادة، وكان في ظنه أنه لا ~~يجوز، لا بأس أن يتكلم بما في ظنه، وإن كان الشرع على خلافه؛ حيث إنه قصد خيرا. # ومنها: أن المرأة تخرج في حاجتها ليلا ونهارا، إذا لم يكن لها من يقوم ~~مقامها فيها، وأن الليل أولى لذلك إن لم يترتب عليه مفسدة، والله أعلم. # * * * PageV03P1337 ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن زينب بنت أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: توفي حميم لأم حبيبة، فدعت ~~بصفرة، فمسحته بذراعيها، وقالت: إنما أصنع هذا؛ لأني سمعت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ~~ثلاث، إلا على زوج، أربعة أشهر وعشرا" (¬1). # الحميم: القرابة. # أما زينب بنت أم سلمة، فهي ربيبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وأبوها أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن ~~مخزوم، القرشية المخزومية. ولدت بأرض الحبشة، وكان اسمها برة، فسماها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: زينب. # روى لها البخاري حديثا، ومسلم آخر، وقد رويا لها عن أمها وغيرها. # روى عنها من التابعين من فقهاء المدينة وغيرهم. # وروى لها: أبو داود، والترمذي، والنسائي (¬2). # وأما أم حبيبة؛ فتقدم ذكرها. # وأما الحميم المتوفى؛ فلا أعرفه مسمى في "المبهم"، ولا غيره. # ومعنى الحميم في الأصل: الماء الحار. ويقال لحامة الإنسان وخاصته ومن ~~يقرب منه: حميم -أيضا-، وكأنه لما كان القرب من الشخص حاملا على حرارة ~~الحمية له، والشفقة عليه، سمي: حميما؛ لمشابهة الماء الحار في المعنى. PageV03P1338 # قولها: "فدعت بصفرة"؛ الصفرة: خلوق -بفتح الخاء-: طيب مخلوط. # وإنما دعت به؛ لتدفع صورة الإحداد بمسحها به بذراعيها، وفي مسلم: ~~بعارضيها. # أما الذراعان، فهما عظما المرفقين إلى الرصغ من اليدين. # وأما العارضان، فهما جانبا الوجه فوق الذقن إلى ما ms0908 دون الأذن، فيحتمل ~~أنها مسحت بعارضيها وذراعيها؛ لكون ذلك أظهر ما في بدن الإنسان؛ ليكون أبلغ ~~في ظهور العمل بالشرع في ترك الإحداد على الميت غير الزوج. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر ~~أن تحد فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا". # قال أهل اللغة والغريب: يقال: أحدت المرأة، تحد إحدادا -رباعيا-، وحدت ~~تحد -بضم الحاء وكسرها- حدا -بكسر الحاء-. هكذا قاله الجمهور: أنه يقال: ~~أحدت، وحدت -رباعيا وثلاثيا-. # وقال الأصمعي: لا يقال إلا رباعيا. ويقال: امرأة حاد، ولا يقال: حادة. # ومعنى ذلك في اللغة: الحزن، ولبس ثيابه، وترك الزينة، وهو عند الفقهاء: ~~ترك الطيب والزينة (¬1). # والحكمة في شرعية الإحداد في عدة الوفاة دون الطلاق: أن الطيب والزينة ~~يدعوان إلى النكاح، ويوقعان فيه، فنهيت عن ذلك؛ ليكون الامتناع منه زاجرا ~~عن النكاح؛ لكون الزوج ميتا لا يمنع معتدته عن النكاح، ولا يراعيه ناكحها، ~~ولا يخاف منه، بخلاف المطلق الحي؛ فإنه يستغني بوجوده عن زاجر آخر. # ولهذه العلة وجبت العدة على كل متوفى عنها زوجها، وإن لم يكن مدخولا بها، ~~بخلاف الطلاق، فاستظهر للميت وجوب العدة، وجعلت أربعة أشهر PageV03P1339 # وعشرا؛ لأن الأربعة فيها ينفخ الروح في الولد، إن كان، والعشر احتياط، ~~وفي هذه المدة يتحرك الولد في البطن. # قال العلماء: ولم يوكل ذلك إلى أمانة النساء، ويجعل بالأقراء كالطلاق؛ ~~لما ذكرناه من الاحتياط للميت. # ولما كانت الصغيرة من الزوجات نادرة، ألحقت بالغالب في حكم وجوب العدة ~~والإحداد، والله أعلم. # وأما تقييده - صلى الله عليه وسلم - تحديد تحريم الإحداد على غير الزوج ~~بما فوق الثلاث، فليس فيه الإذن بفعله في الثلاث وما دونها، وإنما هو تقييد ~~خرج مخرج العادة للنفوس، وغلبة طبعها؛ كما جعل في الهجرة بين المسلمين فوق ~~ثلاث، لكن مفهومه في الثلاث: الإباحة؛ لأجل حظ النفوس ومراعاتها؛ ولهذا دعت ~~أم حبيبة - رضي الله عنها - بالخلوق، وتمسحت به؛ لعلمها بأن الشارع لم يأذن ~~في الإحداد على غير الزوج مطلقا، من غير أن يفعل ذلك بعد ms0909 الثلاث؛ حيث علمت ~~أن قوله - صلى الله عليه وسلم - مقيدا بالثلاث إنما هو مراعاة للعادة في حظ ~~النفوس، لا لأجل الإذن في الإحداد في الثلاث، والله أعلم. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: وجوب الإحداد على المعتدة من وفاة زوجها، ولا خلاف فيه في الجملة؛ ~~وإن اختلفوا في التفاصيل. # ومنها: وجوبه على كل زوجة، سواء كانت مدخولا بها، أو قبله؛ لقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "إلا على زوج". # ومنها: وجوبه على كل امرأة، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، حرة أو أمة، مسلمة ~~أو كافرة، وهذا مذهب الشافعي والجمهور؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا ~~يحل لامرأة"، وهو عام في جميع النساء، يدخل فيه جميع من ذكرناه، لكن في ~~دخول الصغيرة تحت لفظ المرأة نظر، فإن وجب من غير دخوله تحته، فبدليل آخر. # قال أبو حنيفة، وغيره من الكوفيين، وأبو ثور، وبعض المالكية: لا يجب PageV03P1340 # على الزوجة الكتابية؛ حيث لا مدخل له في اللفظ، من وصف المرأة بالإيمان ~~بالله واليوم الآخر، فيختص بالمسلمة دونها. لكن الوصف الذي له سبب مخصوص ~~لفائدة غير اختلاف الحكم، لم يدل على اختلاف الحكم. # فالتقييد بالإيمان بالله واليوم الآخر ليس كتقييد الحكم به، بل لتأكيده، ~~مثل قوله تعالى: {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} [المائدة: 23]؛ فإنه ~~يقتضي توكيدا من التوكل بربطه بالإيمان. # فكذلك المسلمة لما كانت هي التي تستثمر خطاب الشارع، وتنتفع به، وتنقاد ~~له، قيد الحكم به؛ للتوكيد، لا للإثبات، فكما يقال: إن كنت ولدي، فافعل ~~كذا، لذلك يكون المعنى: التقييد بالإيمان؛ لتأكيد التحريم؛ لما يقتضيه ~~سياقه ومفهومه، والله أعلم. # وقال أبو حنيفة: لا إحداد على الصغيرة، ولا على الزوجة الأمة. # وأجمعوا على أنه لا إحداد على أم الولد، ولا على الأمة، إذا توفي عنهما ~~سيدهما، ولا على الزوجة الرجعية. # وقد يؤخذ ذلك من الحديث؛ حيث إن المستولدة والأمة ليستا بزوجتين، والحكم ~~متعلق بالزوجية. # والرجعية: متضمنة لمن لم يمت عندها زوجها، والحكم مقيد بمن مات. # واختلف العلماء في المطلقة ثلاثا: # فقال عطاء، وربيعة، ومالك، والليث، وابن ms0910 المنذر: لا إحداد عليها. # وقال الحكم، وأبو حنيفة، والكوفيون، وأبو ثور، وأبو عبيد: عليها الإحداد، ~~وهو قول ضعيف للشافعي. # وحكى القاضي عياض قولا شاذا غريبا عن الحسن البصري: أنه لا يجب الإحداد ~~على المطلقة، ولا على المتوفى عنها زوجها، وأنه استدل من قال: لا إحداد على ~~المطلقة ثلاثا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إلا على ميت"، فخص الإحداد ~~بالميت بعد تحريمه في غيره. مع اتفاق العلماء على وجوبه على من توفي عنها ~~زوجها. PageV03P1341 # وليس في لفظ الحديث ما يدل على وجوبه على المطلقة ثلاثا، والله أعلم. # ومنها: أن مدة العدة للمتوفى عنها: أربعة أشهر وعشرة أيام بلياليها. ~~وبهذا قال كافة العلماء. وحكي عن يحيى بن أبي كثير، والأوزاعي: أنها أربعة ~~أشهر وعشر ليال، وأنها تحل في اليوم العاشر. # والذي عليه العلماء -غير من ذكرنا-: أنها لا تحل حتى تدخل ليلة الحادي ~~عشر، ثم التقييد بالمدة المذكورة خرج على غالب المعتدات: أنهن يعتددن ~~بالأشهر. # أما الحامل: فعدتها بالحمل، ويلزمها الإحداد في جميع المدة حتى تضع، سواء ~~قصرت المدة، أم طالت، فإذا وضعت، فلا إحداد بعده. # وقال بعض العلماء: فلا إحداد عليها بعد أربعة أشهر وعشر، وإن لم تضع ~~الحمل، والله أعلم. # ومنها: منقبة لأم حبيبة - رضي الله عنها -؛ حيث بادرت إلى امتثال أمر ~~الشرع بترك الإحداد، وفعل ما ينافيه من الطيب وغيره، وترك عادة الناس في ~~ذلك، والرياء والتسميع، وغير ذلك، والله أعلم. # ومنها: ذكر الدليل للفعل المخالف لعادة الناس، وأن أمر الشارع فوق كل ~~أمر، وأنه يجب متابعته، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن أم عطية -رضي الله عنها-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج، أربعة أشهر وعشرا، ولا تلبس ~~ثوبا مصبوغا، إلا ثوب عصب، ولا تكتحل، ولا تمس طيبا، إلا إذا طهرت؛ نبذة من ~~قسط، أو أظفار" (¬1). PageV03P1342 # العصب: ثياب من اليمن، فيها بياض وسواد. # تقدم الكلام على أم عطية، وتقدم الكلام على الإحداد وحكمه وجملته وحد آخر ms0911 ~~وقته في الحديث قبله. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولا تلبس ثوبا مصبوغا، إلا ثوب عصب"؛ أما ~~المصبوغ: فالمراد به: الثوب المصبوغ للزينة. وأما الثوب العصب: فهو -بفتح ~~العين وسكون الصاد المهملتين-، وهو نوع من برود اليمن، يعصب غزلها، ثم يصبغ ~~معصوبا، ثم ينسج، وقد فسره المصنف بغير هذا، ومر. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولا تكتحل"؛ هو نهي للحادة عن الاكتحال. # وفي "الموطأ" من حديث أم سلمة: الإذن فيه بالليل، ومنعه ومسحه بالنهار (¬1). # وحمله العلماء على أنها كانت محتاجة إليه، فأذن لها في الليل، ومنعه ~~بالنهار؛ بيانا لجوازه عند الحاجة ليلا، مع أن الأولى تركه، فإن فعلته، ~~مسحته بالنهار. # فحديث الإذن فيه؛ لبيان أنه غير حرام بالليل؛ للحاجة. وحديث النهي محمول ~~على عدم الحاجة. # وأما حديث التي اشتكت عينها، فنهاها، فهو في "صحيح مسلم" (¬2)، وهو محمول ~~على أنه نهي تنزيه، وتأوله بعضهم على أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يتحقق ~~الخوف على عينها. # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولا تمس طيبا إلا إذا طهرت نبذة من ~~قسط أو أظفار". # النبذة -بضم النون-: القطعة والشيء اليسير. # والقسط؛ بضم القاف، ويقال فيه: كست -بكاف مضمومة بدل القاف، PageV03P1343 # وبتاء بدل من الطاء-: الأظفار، وهو والأظفار: نوعان معروفان من البخور، ~~وليسا من مقصود الطيب (¬1). وخص فيه للمغتسلة من الحيض لإزالة الرائحة ~~الكريهة من المحل، تتبع به أثر الدم، لا للتطيب، والله أعلم. # وفي الحديث أحكام: # منها: نهي الحادة عن لبس المصبوغ للزينة، وفي معناها المعصفرة، وهذان ~~مجمع عليهما، فلو صبغ بسواد، فرخص فيه عروة بن الزبير، ومالك، والشافعي، ~~وكرهه الزهري. # فمن كرهه: علل بكونه مصبوغا، ومن رخص فيه، وهو الجمهور، قال: لأنه غير ~~مراد للزينة. # ومنها: جواز لبس الثوب العصب للحادة، وهو مذهب الزهري، وقال مالك: يجوز ~~الغليظ منه فقط، واختلف أصحاب الشافعي فيه على وجهين؛ أصحهما عندهم: ~~التحريم مطلقا، والحديث حجة عليهم. # قال ابن المنذر: ورخص جميع العلماء في الثياب البيض، وقد يؤخذ من مفهوم ~~الحديث، ومنع بعض متأخري المالكية جيد ms0912 البياض والسواد الذي يتزين به. # قال أصحاب الشافعي: ويجوز للحادة لبس ما صبغ، ولا يقصد منه الزينة. # وهل يجوز لها لبس الحرير؟ فيه وجهان؛ أصحهما عندهم: الجواز. # قالوا: ويحرم عليها حلي الذهب والفضة، وكذا اللؤلؤ. وفي وجه: يجوز ~~اللؤلؤ. # ومنها: تحريم الاكتحال على الحادة للزينة. # وقد اختلف العلماء فيه، مع اتفاقهم على تحريمه لغير الحاجة لقصد الزينة. # فقال سالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، ومالك في رواية عنه: يجوز إذا ~~خافت على عينها بكحل لا طيب فيه. PageV03P1344 # وجوزه بعضهم عند الحاجة، وإن كان فيه طيب. # ومذهب الشافعي: جوازه ليلا عند الحاجة بما لا طيب فيه. # ومنها: جواز تطييب محل الحيض للحادة عند انقطاع الدم بالقسط والأظفار؛ ~~لإزالة الرائحة الكريهة، لا لقصد التطيب، وهو من باب الرخص، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: جاءت امرأة إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، فقالت: يا رسول الله! إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت ~~عينها، أفتكحلها؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا"، مرتين أو ~~ثلاثا، كل ذلك يقول: "لا"، ثم قال: "إنما هي أربعة أشهر وعشر ليال، وقد ~~كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول". # فقالت زينب: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها، دخلت حفشا، ولبست شر ~~ثيابها، ولم تمس طيبا، ولا شيئا حتى تمر بها سنة، ثم تؤتى بدابة؛ حمار أو ~~شاة أو طير، فتفتض به، فقلما تفتض بشيء إلا مات، ثم تخرج فتعطى بعرة، فترمي ~~بها، ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره (¬1). # الحفش: البيت الصغير، وتفتض: تدلك به جسدها. # أما أم سلمة، فتقدم ذكرها، وأما المرأة المبهمة وزوجها، فقد سماهما ~~الحافظ أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال في كتابه "الأسماء المبهمة"، ~~وقال: المرأة السائلة للنبي - صلى الله عليه وسلم -: عاتكة بنت عبد الله بن ~~نعيم PageV03P1345 # العدوي، والمتوفى -رحمه الله تعالى- هو المغيرة المخزومي، كذا في "موطأ ~~ابن وهب" (¬1). # وقوله: "فقالت زينب"؛ القائل: فقالت زينب، هو حميد ms0913 بن نافع، الراوي عن زينب. # وزينب: هي بنت أبي سلمة، وهي راوية هذا الحديث عن أمها أم سلمة، والله أعلم. # قولها: "وقد اشتكت عينها"، ضبطنا عينها -برفع النون ونصبها- عن أبي محمد ~~المنذري وغيره، فالرفع على الفاعلية: بأن تكون العين هي المشتكية، وهو ~~المجزوم به عند شيخنا الحافظ أبي زكريا النووي - رحمه الله تعالى - (¬2). # وأما النصب، فعلى أن تكون في اشتكت ضمير الفاعل، وهي ابنة المرأة. # ورجح هذا الحافظ المنذري -رحمه الله تعالى-، لكنه وقع في بعض روايات ~~مسلم: عيناها، فيقتضي ترجيح الرفع (¬3). # قولها: "أفتكحلها؟ فقال: لا" أما أفتكحلها: فهو بضم الحاء. # وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا": وجهان؛ أحدهما: أنه منع تنزيه. ~~والثاني: تأويل النهي المذكور على أنه لا يتحقق الخوف على عينها. # وقد ذكرنا في الحديث قبله الجمع بين الروايات فيه، واختلاف العلماء، ~~والله أعلم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما هي أربعة أشهر وعشر"؛ وهو تعليل ~~للمدة، وتهوين للصبر عما منعت منه، وهو الاكتحال في العدة، بعد أن كانت ~~المدة سنة. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي ~~بالبعرة على رأس الحول"؛ قد فسرته زينب بنت أم سلمة في الحديث، ولم يدرج ~~فيه. PageV03P1346 # واختلف العلماء في الإشارة به إلى ماذا؟ فقيل: هو إشارة إلى العدة، كأنها ~~رمت بها بعد انقضائها؛ كرميها بالبعرة المذكورة، وانفصالها منها. # وقيل: هو إشارة فعلها في السنة التي كانت تعتد بها، من دخولها الحفش، ~~ولبسها شر ثيابها، وصبرها على ذلك، وعلى ترك الطيب، كأنه يقول: إن ترك ~~إحداكن الاكتحال في مدة أربعة أشهر وعشر، هين بالنسبة إلى حق الزوج وما ~~يستحقه من المراعاة، كما يهون الرمي بالبعرة. # وقولها: "دخلت حفشا"؛ الحفش: بكسر الحاء المهملة، وسكون الفاء، وبالشين ~~المعجمة؛ أي: دخلت بيتا صغيرا حقيرا قريب السمك، وجمعه أحفاش، والتحفش: ~~الانضمام والانجماع. قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: هو البيت الذليل الشعث ~~البناء، القريب السمك. # وقال مالك -رحمه الله تعالى-: هو الصغير الخرب. # وقيل: والحفش يشبه القفة يصنع من خوص تجمع فيه ms0914 المرأة غزلها وسقطها ~~كالدرج، فشبه به البيت الصغير (¬1). # وقولها: "ثم تؤتى بدابة؛ حمار أو شاة"، هو بدل من دابة. # قولها: "فتفتض به": هو -بفتح التاء ثالث الحروف، وسكون الفاء، وبعدها تاء ~~مثناة فوق، ثم ضاد معجمة-، ومعناه: أن المعتدة كانت لا تغتسل، ولا تمس ماء، ~~ولا تقدم ظفرا، ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر، ثم تفتض؛ أي: تكسر ما هي فيه ~~من العدة، بطائر تمسح به قبلها، وتنبذه، فلا يكاد يعيش، هكذا قاله القتيبي: ~~عن الحجازيين فيما سألهم عنه. # وقال غيره: فتموت؛ لقبح ريحها وقذارتها، وسمي فعلها ذلك تتفرج به مما PageV03P1347 # كانت فيه، وتزيله عنها، أو تزول بذلك من مكانها وحفشها الذي اعتدت فيه. # والفض: التفرق، ومنه: {لانفضوا من حولك} [آل عمران: 159]، و {انفضوا ~~إليها} [الجمعة: 11]. # وقال مالك: تمسح به جلدها كالنشرة. وقال ابن وهب: تمسح بيدها عليه أو على ظهره. # وقيل: هو مشتق من الفضة؛ كأنها تتنظف بما تفعله بذلك مما كانت فيه، ~~وتغتسل بعده، وتتنقى من درنها حتى تفسير كالفضة. والافتضاض: الاغتسال ~~بالماء العذب للإنقاء وإزالة الوسخ. # قال الأزهري: وروى الشافعي -رحمه الله تعالى- هذه اللفظة بالقاف والباء ~~الموحدة والصاد المهملة. وفسره غيره بأنها: تأخذه بأطراف أصابعها. # وقرأ الحسن: فقبصت قبصة. # وفسره آخر: بأنها تغدو بسرعة نحو منزل أبويها؛ لأنها كالمستحية من قبح ~~منظرها. # وقال الأخفش: معناه: تتنظف، وتتنقى من الدرن؛ تشبيها لها بالفضة في ~~نقائها وبياضها (¬1). # وفي هذا الحديث دليل صريح: على نسخ الاعتداد بسنة المذكور في الآية ~~الثانية من سورة البقرة. ولا شك أن عدة الوفاة كانت في ابتداء الإسلام ~~حولا، وكان يحرم على الوارث إخراجها من البيت قبل تمام الحول، وكان نفقتها ~~وسكناها واجبة في مال زوجها تلك السنة، ما لم تخرج، ولم يكن لها الميراث، ~~فإن خرجت من بيت زوجها، سقطت نفقتها، وكان على الرجل أن يوصي بها. PageV03P1348 # وكان كذلك حتى نزلت آية الميراث، فنسخ الله نفقة الحول بالربع والثمن، ~~ونسخ عدة الحول بأربعة أشهر وعشر. # وفيه: السؤال عن العلم من المرأة لغيرها، خصوصا إذا ms0915 كانت ممن ليست له ~~عادة في الخروج من البيت، أو كان اللبث في البيت واجبا عليه. # وفيه: المنع من الاكتحال للحادة مطلقا، وتقدم الكلام عليه ودليله الجمع ~~بين الأحاديث فيه، واختلاف العلماء في الحديث قبله. # وفيه: تكرير الجواب في الفتوى بلا؛ تأكيدا للمنع. # وفيه: تخفيف العمل على السائل والمسؤول له بذكر ما كلفه في الجاهلية من ~~المشقة. # وفيه: حصر عدة الوفاة في أربعة أشهر وعشر لغير الحامل؛ حيث لم تذكر حملا ~~في السؤال، وأطلق الجواب بالحصر بإنما، فلما لم تذكره، دل على أنها كانت ~~غير حامل؛ بدليل بيان حديث سبيعة الأسلمية في الحمل، وانقضاء عدة المتوفى ~~به، والله أعلم. # * * * PageV03P1349 ### | AUTO كتاب اللعان # اللعن والملاعنة والتلاعن: ملاعنة الرجل امرأته، يقال: تلاعنا، والتعنا، ~~ولاعن القاضي بينهما، وسمي لعانا؛ لقول الزوج: وعلي لعنة الله إن كنت من ~~الكاذبين. # وإنما اختير لفظ اللعن على الغضب، وإن كانا موجودين في الآية الكريمة في ~~صورة اللعان؛ حيث إنه متقدم في التلاعن في الآية عليه، ولأن جانب الرجل فيه ~~أقوى من جانبها؛ لأنه قادر على الابتداء باللعان دونها، ولأنه قد ينفك ~~لعانه عن لعانها، ولا ينعكس. # وسمي لعانا؛ من اللعن، وهو: الطرد والإبعاد؛ لأن كلا منهما يبعد عن ~~صاحبه، ويحرم النكاح بينهما على التأبيد، بخلاف المطلق وغيره. # واللعان عند جمهور أصحاب الشافعي يمين. وقيل: شهادة. وقيل: يمين فيها ~~ثبوت شهادة. وقيل: عكسه. # قال العلماء: وليس من الأيمان شيء متعدد إلا اللعان والقسامة، ولا يمين ~~في جانب المدعي إلا فيهما، والحكمة لتجويزه: لحفظ الأنساب، ودفع المعرة عن ~~الأزواج (¬1). PageV03P1351 ### || AUTO الحديث الأول # عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن فلان بن فلان قال: يا رسول ~~الله! أرأيت أن لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة، كيف يصنع؟ إن تكلم، تكلم ~~بأمر عظيم، وإن سكت، سكت على مثل ذلك! قال: فسكت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فلم يجبه. فلما كان بعد ذلك، أتاه فقال: إن الذي سألتك عنه قد ~~ابتليت به، فأنزل الله -عز وجل- هؤلاء الآيات في سورة النور: ms0916 {والذين يرمون ~~أزواجهم} [النور:6]، فتلاهن عليه، ووعظه، وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من ~~عذاب الآخرة، فقال: لا والذي بعثك بالحق! ما كذبت عليها. ثم دعاها، فوعظها، ~~وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة. # قالت: لا والذي بعثك بالحق! إنه لكاذب. فبدأ بالرجل، فشهد أربع شهادات ~~بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ~~ثم ثنى بالمرأة، فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن ~~غضب الله عليها إن كان من الصادقين. ثم فرق بينهما. ثم قال: "الله يعلم أن ~~أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ ثلاثا" (¬1). وفي لفظ: قال: "لا سبيل لك ~~عليها". قال: يا رسول الله! مالي. قال: "لا مال لك، إن كنت صدقت عليها، فهو ~~بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها، فهو أبعد لك منها" (¬2). # اعلم أن قصة اللعان هذه كانت في شعبان سنة تسع من الهجرة. ومن نقل ذلك: ~~القاضي عياض - رحمه الله - عن ابن جرير الطبري، والحافظ أبو حاتم بن حبان ~~البستي قال: سنة تسع من الهجرة (¬3). ثم قال: ثم لاعن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بين PageV03P1352 # عويمر بن الحارث بن عجلان -وهو الذي يقال له: عاصم- وبين امرأته، بعد ~~العصر، في مسجده في شعبان. # قال: وذلك أنه أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله! ~~لو أن أحدنا، وساق الحديث بكماله. # وقد اختلف العلماء في سبب نزول هذه الآيات في اللعان، هل هي بسبب عويمر ~~العجلاني، أو بسبب هلال بن أمية؟ وكل من القولين ثابت في "الصحيح". # لكن: قال جمهور العلماء: إنها نزلت بسبب هلال بن أمية، وقد ثبت التصريح ~~بذلك في "صحيح مسلم"، قال: وكان أول رجل لاعن في الإسلام. # قال الماوردي في كتابه "الحاوي" من الشافعية: الأكثرون قالوا: قصة هلال ~~بن أمية أسبق من قصة العجلاني. قال: والنقل فيهما مشتبه مختلف (¬1). # وقال ابن الصباغ من الشافعية في كتابه "الشامل" (¬2): قصة هلال تبين أن ~~الآية نزلت فيه أولا. # قال: وأما قوله - صلى الله ms0917 عليه وسلم - لعويمر: إن الله أنزل فيك وفي ~~صاحبتك، فمعناه ما نزل في قصة هلال؛ لأن ذلك حكم عام لجميع الناس. # قال شيخنا الحافظ أبو زكريا النووي -رحمه الله تعالى-: ويحتمل أنها نزلت ~~فيهما جميعا؛ فلعلهما سألا في وقتين متقاربين، فنزلت الآية فيهما، وسبق ~~هلال باللعان، فيصدق أنها نزلت في ذا وفي ذاك، وأن هلالا أول من لاعن (¬3). # واعلم أن الخطيب أبا بكر البغدادي الحافظ -رحمه الله تعالى- قد بين في ~~كتابه "المبهمات" اسم الملاعن لهذه المرأة، والذي رميت به، فقال: الرجل ~~الملاعن لهذه المرأة: هلال بن أمية بن عامر بن قيس بن عبد الأعلى، شهد PageV03P1353 # بدرا. والرجل الذي رميت به: شريك بن السحماء، والسحماء أمه، وهي -أيضا-، ~~أم البراء بن مالك. وأما هو: فشريك بن عبدة بن معتب بن الجد بن عجلان، شهد ~~أبوه بدرا، ثم روى الخطيب القصة، ثم قال: وقد روينا لعويمر العجلاني قريبا ~~من هذه القصة في اللعان. وإسناد كل واحدة من القصتين صحيح، فلعل القصتين ~~اتفق كونهما معا في وقت واحد، أو في ميقاتين، ونزلت آية اللعان في تلك ~~الحال، لا سيما وفي حديث عويمر: كره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~المسائل، يدل على أنه كان سبق بالمسألة، وأن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - سئل عن ذلك غير مرة. # فهذا يصحح القصتين معا، مع ما رويناه عن جابر، قال: ما نزلت آية اللعان ~~إلا لكثرة السؤال. هذا آخر كلام الخطيب. # وأما المرأة؛ فاسمها خولة بنت قيس بن محصن. # وأما عاصم؛ الذي قال ابن حبان: في عويمر الذي يقال له: عاصم، فليس هو، بل ~~هو ابن عمه، وهو عاصم بن عدي، وشريك، وخولة، وعويمر كلهم بنو عم عاصم، ~~والله أعلم. # وقال الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي في كتابه ~~"التعريف مما أبهم في القرآن" (¬1) قوله تعالى: {والذين يرمون أزواجهم} ~~الآية [النور: 6] نزلت في هلال بن أمية الواقفي، قذف امرأته بشريك بن سحماء. # وقيل: نزلت في عويمر العجلاني، وأنه هو القاذف لامرأته. # والحديث ms0918 في كل واحد منهم صحيح، فيحتمل أن تكونا قصتين نزل القرآن في ~~إحداهما، وحكم في الأخرى بما حكم في الأولى. # وقال المهلب: إنما الصحيح أنه عويمر بن أبيض العجلاني. ويقال فيه: ابن أشقر. # وذكر هلال في هذا الحديث غلط، والله أعلم. هذا آخر كلامه. PageV03P1354 # قوله: "أرأيت أن لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة"؛ المراد بالفاحشة ~~والفحشاء: الزنا. وكل ما في القرآن العزيز من الفاحشة والفحشاء، فالمراد به ~~الزنا، إلا في موضع واحد، في قوله تعالى: {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم ~~بالفحشاء} [البقرة: 268]، فالمراد به: البخل ومنع الزكاة. # قال الكلبي: كل فحشاء في القرآن فهو الزنا، إلا هذا، والله أعلم. # وأما سؤاله: فيحتمل أن يكون سؤالا عن أمر لم يقع، ويحتمل أنه وقع، لكن ~~أراد إبهامه استحياء من إظهاره، ويتعرف المخرج من إعضاله. # وقول الراوي: "فلما كان بعد ذلك أتاه فقال: إن الذي سألتك عنه قد ابتليت ~~به"؛ يحتمل أن الحكم المسؤول عنه إنما تأخر جوابه - صلى الله عليه وسلم - ~~أولا عنه؛ ليتبين ضرورة السائل إلى معرفة الحكم عند وقوعه؛ حيث إن الجواب ~~لا يجب عليه بيانه إلا عند الحاجة إليه. # ويحتمل أنه إنما أخره؛ لأنه لم يكن عنده - صلى الله عليه وسلم - علم منه، ~~فتثبت في الجواب عنه حتى نزل القرآن، فتلاه عليه؛ لتعريف الحكم، والعمل ~~بمقتضاه، ويكون قوله: قد ابتليت به: إخبارا عما كان وقع وقت سؤاله أولا، ~~والله أعلم. # وأما بدأته - صلى الله عليه وسلم - بوعظه، وتذكيره قبلها؛ فتأسيا بالقرآن ~~العزيز، في ذكر حكم الرجل قبل المرأة في اللعان، فيناسب وعظه وتذكيره قبلها. # ويحتمل أن الوعظ كان عاما، وقع الخطاب به لهما متكررا. # ولا شك أن كلا من الرجل والمرأة متعرض للعذاب، لكن عذاب الرجل في الدنيا ~~أخف؛ لأن عذابه فيها: حد القذف. وعذاب المرأة فيها أشد؛ لأنه فيها الرجم، ~~والله أعلم. # ثم ظاهر لفظ الحديث والكتاب العزيز يقتضي تعيين لفظ الشهادة في لعانهما ~~ولا تبدل بغيرها، وأخر لعان المرأة عن الرجل؛ حيث إن مقتضاه: درء العذاب ~~عنها، ولا ms0919 يشرع لها للدرء، إلا بعد وجود سببه، وهو لعان الزوج. # واختصت بلفظ الغضب؛ لعظم الذنب بالنسبة إليها على تقدير وقوعه؛ لما PageV03P1355 # فيه من تلويث الفراش، والتعرض لإلحاق نسب بالزوج لم يكن، وهو أمر عظيم، ~~يترتب عليه مفاسد كثيرة؛ كانتشار المحرمية وثبوت الولاية على الإناث، ~~واستحقاق الأموال بالتوارث، فاختصت به؛ لأنه أشد من اللعنة، وكذلك لو بدلت ~~لفظه باللعنة، لم يكتف به. # وأما عرضه - صلى الله عليه وسلم - التوبة عليهما بقوله: "فهل منكما ~~تائب"؟ يحتمل أنه إرشاد إلى التوبة بينهما وبين الله تعالى؛ حيث لم يحصل ~~اعتراف منهما أو من أحدهما. # ويحتمل أنه إرشاد للزوج؛ حيث إنه لو رجع، وكذب نفسه، كان توبة. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا سبيل لك عليها" يحتمل أن يكون راجعا ~~إلى التفرق بعد اللعان؛ لعموم دخوله في عدم السبيل. # ويحتمل أن يكون راجعا إلى المال. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: كراهة السؤال عما لم يقع، وقد وقع في "صحيح مسلم" في هذا الحديث: ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كره المسائل وعابها، وعدم جوابه ~~السائل في هذا الحديث على الفور يحتمل ذلك؛ من حيث إن القضية لم تقع، ولم ~~يحتج إليها، ولو وقعت، لكان فيها هتك ستر مسلم أو مسلمة، أو إشاعة فاحشة، ~~أو شناعة على أمر الشرع يستره، مع ما فيه في ذلك الوقت من الشناعة على ~~المسلمين والمسلمات، وتسليط اليهود والمنافقين، ونحوهم على الكلام في أعراض ~~المسلمين وفي الإسلام؛ ولأن من المسائل ما يقتضي جوابه تضييقا. # وفي الحديث "أعظم الناس جرما من سأل عما لم يحرم فحرم من أجل مسألته" ~~(¬1)؛ ولهذا كان من السلف من يكره الحديث في الشيء قبل أن يقع، ويراه من ~~ناحية التكلف. PageV03P1356 # وسياق هذا الحديث يقتضي أن جوابه - صلى الله عليه وسلم - للسائل إنما كان ~~بعد وقوع الواقعة، دون ما قبلها، ومن حمل الحديث على احتمال وقوع المسؤول ~~عنه: أخذ منه جواز مثل ذلك، والاستعداد للوقائع بعلم أحكامها قبل أن تقع، ~~وعليه استمر عمل الفقهاء، فيما فرعوه وقرروه ms0920 من النوازل قبل وقوعها، والله أعلم. # وأما ما كان من المسائل ما تدعو الحاجة إليه لأمر الدين، وقصد بالسؤال ~~عنه التبيين والتعلم؛ فلا بأس به؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يسأل عن ~~الأحكام، فلا يكره ذلك؛ بحيث لا يكثر السؤال، ولهذا نهى - صلى الله عليه ~~وسلم - عن كثرة السؤال، إما سدا لباب سؤال الجهلة والمنافقين وأهل الكتاب، ~~أو لما يخشى منه من التضييق عليهم في الأحكام التي لو سكتوا عنها، لم ~~يلزموها. # ويحتمل أن النهي عن كثرة السؤال؛ لعدم ضبط السائل عما سأل بسببها؛ لأن ~~المقصود إنما هو الضبط والفهم، ومع الكثرة لا يحصل ذلك. # وقد نبه الله -سبحانه وتعالى- على هذا المعنى في حكايته على الكفار في ~~قوله تعالى: {وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت ~~به فؤادك ورتلناه ترتيلا} [الفرقان: 32]، فكل ما قل وفهم كان خيرا مما كثر ~~ونسي أو لم يفهم، والله أعلم. # ومنها: أنه ينبغي للإنسان إذا وقع له خاطر في أمر معضل، ألا يتكلم به، ~~وأن يصرفه عن خاطره، فإن استمر ولم ينصرف، أنزله بالله تعالى أولا، ثم سأل ~~عنه العلماء بالله تعالى وبأحكامه، ولا يبادر بالتكلم به وإبرازه؛ فإن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أعرض عنه بالسكوت وعدم الجواب. # ومنها: الرجوع إلى الله تعالى، ورسوله في الأمور المعضلة، ولا يجتهد في ~~أحكامها؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجتهد في حكم سؤاله، بل صبر ~~حتى نزل القرآن به. # ومنها: التثبت في أحكام الشرع، ولا يعمل بالاجتهاد فيها حتى يفقد النص، ~~فإذا فقد، عمل بالاجتهاد، ولا يجوز الإقدام على العمل إلا بعد ذلك؛ حيث إن ~~الله تعالى جعل في كل واقعة حكما. PageV03P1357 # ومنها: وعظ المستفتي والمدعي، وذكر الدليل له، وتذكيره بالله تعالى، ~~وبالآخرة وعذابها، وتفخيم أمر الآخرة، وكذلك المستفتى عليه والمدعى عليه ~~يعمل به. # ومنها: إجراء الأحكام على الظاهر. # ومنها: عرض التوبة على المذنبين. # ومنها: أن الزوج لو أكذب نفسه، كان توبة؛ لجوابه النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لا والذي ms0921 بعثك بالحق! ما كذبت عليها، بعد وعظه وتذكيره إياه، ~~وإرشادهما إلى التوبة بعد تلاعنهما، وهي لا تحصل بإكذابه نفسه عند الحاكم، ~~وعند الله بباقي الشروط من الندم والإقلاع وعدم العود إلى الذنب. # ومنها: البداءة بالزوج في اللعان؛ حيث إن الله تعالى بدأ به، ولأنه يسقط ~~عن نفسه حد قذفها، وينفي النسب إن كان. # والبداءة بلعانه؛ مجمع عليه، ونقله القاضي عياض وغيره، فلو لاعنت المرأة ~~قبله، لم يصح لعانها. وصححه أبو حنيفة وطائفة. # ومنها: أن ألفاظ اللعان هي التي ذكرها الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه ~~وسلم -، وهي مجمع عليها. # ومنها: أن لفظة أحد، يجوز استعمالها في الإثبات، وأنها تقع موقع واحد، ~~وهو مذهب المبرد؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن أحدكما كاذب"، ويؤيده ~~قوله تعالى: {فشهادة أحدهم} [النور:6]، وذلك رد على [من] (¬1) منع ذلك ~~جميعه، وقال: لا تستعمل إلا في النفي. ومنهم من قال: لا تستعمل إلا في ~~الوصف، ولا تقع موقع واحد؛ فإنها قد وقعت في هذا الحديث في غير نفي ولا ~~وصف، ووقعت موقع واحد. # ومنها: أن الخصمين المتكاذبين، لا يعاقب واحد منهما حدا ولا تعزيرا، وإن ~~علمنا كذب أحدهما على الإبهام. PageV03P1358 # ومنها: أن اللعان يكون بحضرة الإمام أو القاضي، وأنه يلاعن بينهما. # ومنها: وقوع الفرقة بينهما بعد لعانهما. # ومنها: أن التفرقة بينهما لا تقع بنفس التلاعن، بل لا بد من تفريق الحاكم ~~بينهما؛ لقوله: ثم فرق بينهما، وبه قال أبو حنيفة. # وقال مالك، والشافعي، والجمهور: تقع الفرقة بينهما بنفس التلاعن، وتحرم ~~على التأبيد، لكن قال الشافعي وبعض المالكية: تحصل الفرقة بلعان الزوج ~~وحده، ولا يتوقف على لعان الزوجة، وقال بعض المالكية: يتوقف على لعانها. ~~قالوا: ولا تفتقر إلى قضاء القاضي؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - في ~~الرواية الأخرى: "لا سبيل لك عليها"، وفي رواية في "صحيح مسلم": "ففارقها"، ~~وقال الليث (¬1): لا أثر للعان في الفرقة، ولا يقع به فراق أصلا، وهو مخالف ~~لكافة العلماء. # ثم فرقة اللعان فرقة فسخ عند كثير من أهل العلم، وهي متأبدة كما ms0922 ذكرنا، ~~حتى لو أكذب الزوج نفسه قبل ذلك، فيما عليه دون ما له، لزمه الحد، ولحقه ~~الولد، ولكن لا يرتفع تحريم التأبيد. # وعند أبي حنيفة: فرقة اللعان فرقة طلاق، فإذا كذب الزوج نفسه، جاز له أن ~~ينكحها. # ومنها: أن الفرقة لا تقع بلعانهما، إلا بالإيتان بجميع ألفاظه المذكورة ~~في الحديث، ولو أتى ببعضها، لا يتعلق به حكم اللعان، وهو مذهب العلماء كافة. # وقال أبو حنيفة: إذا أتى بأكثر كلمات اللعان، قام مقام الكل في تعليق ~~الحكم به. # ومنها: أن اللعان لا يجوز إلا بين مسلمين حرين غير محدودين، فلو كان ~~الزوجان أو أحدهما رقيقا، أو ذميا، أو محدودا في قذف، فلا لعان بينهما؛ حيث ~~إن اللعان الذي كان بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كان بين ~~مسلمين حرين غير PageV03P1359 # محدودين، وبه قال الزهري، والأوزاعي، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، لكن ~~ظاهر القرآن حجة لجمهور العلماء في صحة اللعان بين الأحرار والعبيد ~~والمسلمين وأهل الذمة، وجريانه بينهم؛ لأن الله تعالى قال: {والذين يرمون ~~أزواجهم} [النور:6]، ولم يفصل بين الحر والعبد، والمحدود وغيره؛ كما قال: ~~{والذين يظاهرون من نسائهم} [المجادلة: 3]؛ فإنه يستوي فيه الحر والعبد. # وممن قال بجريان اللعان بين من ذكرنا: سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، ~~والحسن، وربيعة، ومالك، والشافعي، وأكثر أهل العلم. # ومنها: ثبوت مهر الملاعنة المدخول بها. # ومنها: استقرار المهر جميعه بالدخول، وكل من المسألتين في المهر مجمع ~~عليه؛ لنصه - صلى الله عليه وسلم - على ثبوته، ولتعليله في مهر الملاعنة ~~بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فهو بما استحللت من فرجها". # ومنها: أن الملاعنة لو أكذبت نفسها، لا يسقط شيء من مهرها؛ لوجود العلة، ~~والله أعلم. # * * * ### || AUTO الحديث الثاني # عن ابن عمر أيضا -رضي الله عنهما-: أن رجلا رمى امرأته، وانتفى من ولدها ~~في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأمرها رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، فتلاعنا كما قال الله -عز وجل-، ثم قضى بالولد للمرأة، وفرق ~~بين المتلاعنين (¬1). # هذا الحديث مرفوع إلى النبي - صلى ms0923 الله عليه وسلم -؛ حيث أضاف ابن عمر ~~الصحابي القضية إلى زمنه - صلى الله عليه وسلم -، وقضائه وأمره. وهذا لا ~~خلاف فيه بين العلماء، وإنما الخلاف فيما يذكره الصحابي مضافا إليه، أو إلى ~~غيره، وإضافته إلى زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، PageV03P1360 # والصحيح أنه مرفوع، أما ما لم يضفه إلى زمنه - صلى الله عليه وسلم -، فهو موقوف. # وقوله: "فتلاعنا كما قال الله تعالى" دلالة كتاب الله تعالى تقتضي أن ~~يشهد إنه لمن الصادقين، وهو راجع إلى ما لاعنا عليه، وهو مشتمل على نفي ~~الولد، فلا يشعر ذلك بعدم ذكر نفي الولد في اللعان. # وقوله: "وفرق بين المتلاعنين" يقتضي أن اللعان موجب للفرقة ظاهرا، وتقدم ~~الاختلاف فيه، وأن التفريق لا يحتاج إلى إذن الحاكم عند الجمهور، وأن أبا ~~حنيفة قال: لا تحصل الفرقة إلا بقضاء القاضي. # وفي الحديث أحكام زائدة على الحديث قبله: # منها: نفي الولد. # ومنها: إلحاقه بالمرأة. # ومنها: أنه يرثها بالبنوة، وتثبت أحكامها بالنسبة إلى المرأة. # ومنها: اقتضاء انقطاع النسب إلى الأب مطلقا؛ لمفهوم إلحاقه بالمرأة، وعدم ~~ذكر حكم الملاعن فيه في مقام التبيين. # وتردد العلماء فيما لو كانت الملاعنة ثيبا، هل يحل للملاعن تزوجها؟ # ومنها: جواز لعان الحامل. # ومنها: أنه إذا لاعنها، ونفي عنه بسبب الحمل، انتفى عنه. # وأما صفة إرثه من الأم وإرثها منه؛ فإنها ترث ما فرض الله تعالى للأم، ~~وهو الثلث إن لم يكن له ولد، ولا ولد ابن، ولا اثنان من الإخوة أو الأخوات، ~~وإن كان شيء من ذلك، فلها السدس. # وقد أجمع العلماء على حرمان التوارث بينه وبين أمه، وبينه وبين أصحاب ~~الفروض من جهة أمه، وهو وإخوته وأخواته من أمه وجداته من أمه. ثم إذا دفع ~~إلى أمه فرضها، أو إلى أصحاب الفروض، وتبقى شيء، فهو لموالي أمه، إن كان ~~عليها ولاء، ولم يكن هو عليه ولاء، بمباشرة إعتاقه، فإن لم يكن لها موال، PageV03P1361 # فهو لبيت المال. هذا تفصيل مذهب الشافعي، وبه قال الزهري، ومالك، وأبو ثور. # وقال الحكم، وحماد: يرثه ورثة أمه. ms0924 # وقال آخرون: عصبته عصبة أمه، وروي هذا عن علي، وابن مسعود، وأحمد بن حنبل. # قال أحمد: فإن انفردت الأم، أخذت جميع ماله بالعصوبة. # وبه قال أبو حنيفة: إذا انفردت، أخذت الجميع، لكن الثلث بالفرض، والباقي ~~بالرد؛ على قاعدة مذهبه في إثبات الرد، والله أعلم. # * * * ### || AUTO الحديث الثالث # عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: جاء رجل من بني فزارة إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، فقال: إن امرأتي ولدت غلاما أسود، فقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: "هل لك إبل؟ "، قال: نعم، قال: "فما ألوانها؟ "، قال: حمر، ~~قال: "فهل فيها من أورق؟ "، قال: إن فيها لورقا، قال: "فأنى أتاها ذلك؟ "، ~~قال: عسى أن يكون نزعه عرق، قال: "وهذا عسى أن يكون نزعه عرق" (¬1). # أما الرجل المبهم الذي أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: إن امرأتي ~~ولدت غلاما أسود، فاسمه ضمضم بن قتادة، قال ابن بشكوال: ذكره عبد الغني، ~~والله أعلم (¬2). # وأما امرأته والغلام الأسود؛ فلا أعرف اسميهما، والله أعلم. # وأما الأورق: فهو الذي فيه سواد ليس بصاف، ومنه قيل للرماد: أورق، ~~وللحمامة: ورقاء، وجمعه ورق -بضم الواو وإسكان الراء-؛ كأحمر وحمر (¬3). PageV03P1362 # والمراد بالعرق هنا: الأصل من النسب، تشبيها بعرق التمر. # ومنه قولهم: فلان معرق في الحسب والنسب، وفي اللؤم، والكرم. # ومعنى نزعه: أشبهه واجتذبه إليه، وأظهر لونه عليه، وأصل النزع: الجذب، ~~فكأنه جذبه إليه؛ لشبهه. يقال منه: نزع الولد لأبيه، وإلى أبيه، ونزعه ~~أبوه، ونزعه إليه (¬1). # وفي الحديث أحكام: # منها: التعريض بنفي الولد في محل الاستفتاء والضرورة لا توجب حدا ولا ~~تعزيرا؛ حيث إن الضرورة داعية إلى ذكره، وإلى عدم ترتيبهما على المستفتين. # ومنها: أن الولد يلحق بأبيه، وإن خالف لونه لونه، سواء كانت المخالفة من ~~سواد إلى بياض، أو عكسه، في الزوجين، أو أحدهما؛ لعموم احتمال أنه نزعه عرق ~~من أسلافه. # ومنها: الاحتياط للأنساب وإلحاقها بمجرد الإمكان والاحتمال. # ومنها: إثبات القياس والاعتبار بالأشباه، وضرب الأمثال؛ فإن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - حصل منه التشبيه لولد هذا الرجل المخالف للونه، ms0925 بولد ~~الإبل، المخالف لألوانها، وذكر العلة الجامعة، وهي نزوع العرق، لا أنه ~~تشبيه في أمر وجودي، وأقر - صلى الله عليه وسلم - العمل به في الشرعيات. # ومنها: استفسار المفتى من المستفتي ما يقرب به الحكم الشرعي إلى ذهنه؛ ~~بحيث يدفع عنه الشك والريبة فيما سأل عنه، وهذا معنى قولهم: تعليل المقدمات ~~مطلوب للشارع. # ولهذا المعنى امتن وامتدح النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه اختصر له ~~الكلام اختصارا؛ تنبيها على تحصيل المعاني الكثيرة بالألفاظ اليسيرة ~~العذبة. PageV03P1363 # حتى إنه - صلى الله عليه وسلم - جعل عي اللسان لا عي القلب من الإيمان، ~~وجعل عكسه من النفاق، أما عيهما، فإنه من البيان الذي امتن الله تعالى به، ~~ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: "البيان من الله، والعي من الشيطان، ليس ~~البيان كثرة الكلام، ولكن البيان الفصل في الحق، وليس العي قلة الكلام، ~~ولكن من سفه الحق" حديث صحيح، أخرجه ابن حبان عن أحمد بن عمير بن يوسف، ~~يعني: ابن حوصا، قال: وكان أحفظ من رأيت بالشام، عن موسى بن سهل الرملي، عن ~~عتبة بن السكن، عن الأوزاعي، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن أم الدرداء، عن ~~أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول، فذكره (¬1)، ~~والله أعلم. # * * * ### || AUTO الحديث الرابع # عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: اختصم سعد بن أبي وقاص، وعبد ابن زمعة في ~~غلام، فقال سعد: يا رسول الله! هذا ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أنه ~~ابنه، انظر إلى شبهه، وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله! ولد على ~~فراش أبي من وليدته. فنظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى شبهه، فرأى ~~شبها بينا بعتبة، فقال: "هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش، وللعاهر ~~الحجر، واحتجبي منه يا سودة"، فلم تره سودة قط (¬2). # تقدم الكلام على سودة وسعد. # وأما عبد بن زمعة: فهو قرشي عامري؛ وأبوه زمعة -بإسكان الميم، وهو ~~الأكثر، وبفتحها- بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن نضر بن مالك بن ms0926 حسل بن ~~عامر بن لؤي بن غالب. PageV03P1364 # كان عبد شريفا سيدا من سادات الصحابة، وهو أخو سودة زوج النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لأبيها، وأخوه لأبيه: عبد الرحمن بن زمعة بن وليدة أبيه زمعة ~~المبهم في هذا الحديث، وأخوه لأمه: قرظة بن عمرو بن نوفل بن عبد مناف (¬1). # وأما سودة بنت زمعة: فهي أخت عبد لأبيه؛ تزوجها رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بعد موت خديجة. كنيتها: أم الأسود، وهي أم المؤمنين. # واختلفوا هل تزوجها قبل العقد على عائشة أو بعده؟ والأكثرون على أنه ~~تزوجها قبله، وكانت قبل تحت ابن عم لها كان مسلما يقال له: السكران بن عمرو ~~أخو سهيل بن عمرو من بني عامر بن لؤي. # وكانت امرأة ثقيلة ثبطة، وأسنت عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~فهم بطلاقها، فقالت له: لا تطلقني، وأنت في حل من شأني، فإنما أريد أن أحشر ~~في أزواجك؛ فإني قد وهبت يومي لعائشة، وإني لا أريد ما تريد النساء، ~~فأمسكها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى توفي عنها مع سائر من توفي ~~عنهن من أزواجه. # وفي سودة نزلت: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح ~~عليهما أن يصلحا بينهما صلحا} الآية [النساء: 128]. # وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ما من الناس أحد أحب إلي أن أكون في ~~مسلاخه من سودة بنت زمعة، إلا أن بها حدة (¬2). # أسلمت سودة قديما، وبايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأسلم زوجها ~~السكران، وخرجا جميعا مهاجرين إلى الحبشة في الهجرة الثانية، وتزوجها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - في رمضان سنة عشر من النبوة، ودخل بها بمكة. # وقال أبو عمر النمري: قال أحمد بن زهير: توفيت سودة بنت زمعة في آخر زمن ~~عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. PageV03P1365 # وقال الواقدي: ماتت في شوال سنة أربع وخمسين بالمدينة، في خلافة معاوية ~~بن أبي سفيان، وذكرها بقي بن مخلد فيمن روى خمسة أحاديث. # روى لها البخاري حديثا واحدا. وروى عنها عبد الله بن ms0927 عباس - رضي الله ~~عنهما -. وروى لها أبو داود والنسائي (¬1). # وأما تخاصم سعد وعبد؛ فقال القاضي عياض - رحمه الله -: كانت عادة ~~الجاهلية إلحاق النسب بالزنا، وكانوا يستأجرون الإماء للزنا، فمن اعترفت ~~أنه له، ألحقوه به، فجاء الإسلام بإبطال ذلك، وبإلحاق الولد بالفراش ~~الشرعي. # فلما تخاصم عبد بن زمعة، وسعد بن أبي وقاص، وقام سعد بما عهد إليه أخوه ~~عتبة، من سيرة الجاهلية، إما لعدم الدعوى، وإما لكون الأم لم تعترف به ~~لعتبة. واحتج عبد بن زمعة: أنه ولد على فراش أبيه، فحكم له به النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -. هذا آخر كلام القاضي (¬2). # واعلم أن حديث عبد بن زمعة محمول على ثبوت مصير أمة أبيه زمعة أبيه فراشا ~~له؛ لإثباته - صلى الله عليه وسلم - الفراش، إما بعلمه - صلى الله عليه ~~وسلم - ذلك، وإما ببينة على إقرار عتبة بن أبي وقاص بذلك في حياته. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "هو لك يا عبد بن زمعة"، الصفة إذا كانت ~~لاسم علم منادى، جاز فيها الرفع والنصب، فالرفع على النعت، والنصب على ~~الموضع. فيجوز في [ابن] زمعة: الوجهان. # والمراد بقوله: "هو لك"؛ الأخ؛ أي: بطريق الأخوة، لا الملك. ومعناه: PageV03P1366 # بالطريق الذي ادعيت به، وهو كونه ولد على فراش أبيه من وليدته، ونحو ذلك. # "الولد للفراش"؛ أي: تابع أو محكوم به للفراش. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وللعاهر الحجر"؛ العاهر: الزاني. وعهر: ~~زنى، وعهرت: زنت. # ومعنى له الحجر: له الخيبة، ولا حق له في الولد. وعادة العرب أن تقول: له ~~الحجر، وبفيه الأثلب، وهو التراب؛ كما جاء في الحديث: "وإن جاء يطلب ثمن ~~الكلب، فاملأ كفيه ترابا" (¬1) تعبيرا بذلك عن خيبته وعدم استحقاقه لثمن الكلب. # وإنما لم يجروا اللفظ على ظاهره، ويجعلوا الحجر -هاهنا- عبارة عن الرجم ~~المستحق في حق الزاني؛ لأنه ليس كل عاهر يستحق الرجم، وإنما يستحقه المحصن، ~~فلا يجرى لفظ العاهر على ظاهره في العموم. فإذا حملناه على الخيبة، كان ~~عاما في حق كل زان، والأصل العمل بالعموم فيما تقتضيه صيغته، كيف والحديث ms0928 ~~إنما ورد في نفي الولد عنه، لا في رجمه، والله أعلم. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: إلحاق الولد بالفراض، سواء كان الفراش بطريق الزوجية، أو الملكية؛ ~~فإن الولد يلحق بصاحب الفراش بشرط إمكانه منه، ويجري بينهما التوارث، وغيره ~~من الأحكام، سواء كان موافقا له في الشبه، أم مخالفا، ومدة الإمكان ستة ~~أشهر من حين أمكن اجتماعهما، فالزوجة تصير فراشا بالعقد، بالإجماع، وإلحاق ~~الولد بصاحبه مشروط بإمكان الوطء بعد ثبوت الفراض، عند كافة العلماء، إلا ~~أبا حنيفة؛ فإنه اكتفى بمجرد العقد. قال: حتى لو طلق عقب العقد من غير ~~إمكان وطء، فولدت لستة أشهر من العقد، لحقه الولد. PageV03P1367 # وقال مالك، والشافعي، وجمهور العلماء: لو نكح المغربي مشرقية، ولم يفارق ~~واحد منهما وطنه، ثم أتت بولد لستة أشهر أو أكثر، لم يلحقه؛ لعدم إمكان ~~كونه منه. # قالوا: وما قاله أبو حنيفة ضعيف ظاهر الفساد؛ لأنه خرج على الغالب في ~~إطلاق الحديث، وهو حصول الإمكان بالوطء، لا وجود سبب الإمكان، وهو العقد، ~~هذا حكم الزوجة. # وأما الأمة، فتصير فراشا بالوطء، لا بمجرد الملك، حتى لو بقيت في ملكه ~~سنين، وأتت باولاد، ولم يطأها، ولم يقر بوطئها، لا يلحقه أحد منهم، فإذا ~~وطئها، صارت فراشا، فإذا أتت بعد الوطء بولد، أو أولاد لمدة الإمكان؛ ~~لحقوه. وبهذا قال مالك والشافعي. # وقال أبو حنيفة: لا تصير فراشا إلا إذا ولدت ولدا، واستلحقه، فما تأتي به ~~بعد ذلك، يلحقه، إلا أن ينفيه. قال: لأنها لو صارت فراشا بالوطء، لصارت ~~بعقد الملك كالزوجة. # قال أصحاب الشافعي: والفرق بين الزوجة والأمة: أن الزوجة تراد للوطء ~~خاصة، فجعل الشرع العقد عليها كالوطء، لما كان هو المقصود، بخلاف الأمة؛ ~~فإنها تراد لملك الرقبة وأنواع المنافع غير الوطء. # ولهذا يجوز أن يملك أختين وأمها وبنتها، ولا يجوز جمعهما بعقد النكاح، ~~فلم تصر الأمة بنفس العقد عليها فراشا، فإذا حصل الوطء، صارت كالحرة، فصارت ~~فراشا، والله أعلم. # ومنها: استدلال بعض المالكية به على قاعدة من قواعد أصول مذهبهم، وهو ~~الحكم بين حكمين، بأن ms0929 يكون فرع قد أخذ مشابهة من أصول متعددة؛ فتعطى أحكاما ~~مختلفة، ولا تمحص لأحد الأصول، وبيانه من الحديث: أن الفراش مقتض لإلحاق ~~الولد بزمعة، والشبه البين مقتض لإلحاقه بعتبة، فأعطى النسب حكمه لمقتضى ~~الفراش، وألحق بزمعة، وروعي أمر الشبه بأمر سودة PageV03P1368 # بالاحتجاب منه، فأعطى الفرع حكما بين حكمين، ولم يمحص أمر الفراش، فثبتت ~~المحرمية بينه وبين سودة، ولم يراع أمر الشبه مطلقا، فيلحق بعتبة. # قالوا: وهذا أولى التقديرات؛ فإن الفرع إذا كان بين أصلين، فألحق بأحدهما ~~مطلقا، فقد أبطل شبهه الثاني من كل وجه. وكذلك إذا فعل بالثاني، ومحض ~~إلحاقه به، كان إبطالا لحكم شبهه بالأول، فإذا ألحق بكل واحد منهما من وجه، ~~كان أولى من إلغاء أحدهما من كل وجه. # قال شيخنا العلامة أبو الفتح -رحمه الله تعالى-: ويعترض على هذا بأن صورة ~~النزاع ما إذا ذكر الفرع بين أصلين شرعيين يقتضي الشرع إلحاقه بكل واحد ~~منهما؛ من حيث النظر إليه، وها هنا لا يقتضي الشرع إلا إلحاق هذا الولد ~~بالفراش (¬1). # والشبه هاهنا غير مقتض للإلحاق شرعا، فيحمل قوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"احتجبي منه يا سودة" على سبيل الاحتياط والإرشاد لمصلحة وجودية، لا على ~~سبيل بيان وجوب حكم شرعي. ويؤكده أنه لو وجدنا شبها في ولد بغير صاحب ~~الفراش، لم يثبت لذلك حكما. وليس في الاحتجاب هاهنا إلا ترك أمر مباح على ~~تقدير ثبوت المحرمية، وهو قريب. # ومنها: جواز استلحاق النسب بشروط: # أحدها: أن يكون المستلحق حائزا للإرث، أو كل الورثة. # الثاني: إمكان كون الولد المستلحق من الميت. # الثالث: ألا يكون معروف النسب من غيره. # الرابع: تصديق الولد المستلحق إن كان بالغا عاقلا. # وكل هذه الشروط موجودة في الولد المختصم فيه، وقد ألحقه - صلى الله عليه ~~وسلم - بزمعة حين استلحقه ابنه عبد، وحينئذ إما أن يكون عبدا تفرد بإرثه؛ ~~لكون زمعة مات PageV03P1369 # كافرا، وكانت سودة حين موته مسلمة، أو يكون استلحقه عبد، ووافقته سودة في ~~استلحاقه، حتى يكون كل الورثة مستلحقين. # وبجواز استلحاق النسب قال الشافعي وموافقوه، وبمنعه ms0930 قال مالك وموافقوه. # ومنها: استعمال الورع في الأمر الثابت في ظاهر الشرع، والأمر به ~~للاحتياط؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - أمرها بالاحتجاب من ولد أبيها الذي ~~حكم بإلحاقه به لما رأى الشبه البين بعتبة بن أبي وقاص، وخشي أن يكون من ~~مائه، ويكون أجنبيا منها باطنا، فحكم بظاهر الشرع في إلحاق النسب، وبالورع ~~في الاحتجاب. # وزعم بعض الحنفية أن أمرها بالاحتجاب منه، حيث جاء في رواية "واحتجبي ~~منه؛ فإنه ليس بأخ لك"، وهي رواية باطلة مردودة (¬1). # بل الثابت: الأمر بالاحتجاب دون التعليل بأنه ليس بأخ لك، والله أعلم. # ومنها: أن الشبه وحكم القافة لا يجوز استعماله والعمل به، إلا عند عدم ما ~~هو أقوى منه؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يرجع إليه، والعمل بحكم ~~القافة مع وجود حكم الفراش؛ إلا لكونه أقوى منه، ولذلك لم يحكم بالشبه في ~~قصة المتلاعنين، مع أنه جاء على الشبه المكروه. # ومنها: أن حكم الحاكم بالظاهر لا يحل الأمر في الباطن عما هو عليه، وإذا ~~حكم بشهادة شاهدي زور، أو نحو ذلك من الأسباب الظاهرة، لم يحل المحكوم به ~~للمحكوم له؛ حيث إنه - صلى الله عليه وسلم - حكم به لعبد بن زمعة، وأنه أخ ~~لسودة، واحتمل بسبب الشبه أن يكون من عتبة. # فلو كان الحكم يحيل الباطن، لما أمرها بالاحتجاب. # واحتج بعض الحنفية وموافقيهم بهذا الحديث على أن الوطء بالزنا (¬2) له ~~حكم الوطء بالنكاح، في حرمة المصاهرة، وبذلك قال أبو حنيفة، والأوزاعي، ~~والثوري، وأحمد. PageV03P1370 # وقال مالك، والشافعي، وأبو ثور، وغيرهم: لا أثر لوطء الزنا، بل للزاني أن ~~يتزوج أم المزني بها وبنتها. بل زاد الشافعي: يجوز نكاح البنت المتولدة من ~~مائه بالزنا؛ نظرا إلى حكم الشرع في إثبات ذلك ونفيه، لا إلى الأمر الصوري فيه. # قالوا: ووجه الاحتجاج به من الحديث: أن سودة أمرت بالاحتجاب، وهو احتجاج ~~باطل، وعجب ممن ذكره؛ فإنه على تقدير كونه من الزنا، يكون أجنبيا من سودة ~~لا يحل الظهور له، سواء لحق بالزاني أم لا، فلا تعلق له ms0931 بالمسألة المذكورة، ~~والله أعلم. # * * * ### || AUTO الحديث الخامس # عن عائشة -رضي الله عنها-: أنها قالت: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- دخل علي مسرورا تبرق أسارير وجهه، فقال: "ألم تري أن مجززا نظر آنفا إلى ~~زيد بن حارثة وأسامة بن زيد، فقال: إن بعض هذه الأقدام لمن بعض؟! " (¬1). ~~وفي لفظ: "كان مجزز قائفا" (¬2). # أما أسامة وأبو أسامة، فتقدم ذكرهما. # وأما مجزز: فبميم مضمومة، ثم جيم مفتوحة، ثم زاي مشددة مكسورة، ثم زاي ~~أخرى، هذا هو الصحيح المشهور في ضبطه. # وحكى القاضي عياض عن الدارقطني وعبد الغني: أنهما حكيا عن ابن جريج: أنه ~~بفتح الزاي الأولى، وعن ابن عبد البر، وأبي علي الغساني: أن ابن جريج قال: ~~إنه محرز -بإسكان الحاء المهملة، وبعدها راء-. PageV03P1371 # والصواب الأول، وهو مجزز المدلجي القائف، من بني مدلج، وكانت القيافة ~~فيهم، وفي بني أسد، تعترف لهم العرب بذلك (¬1). # وكانت الجاهلية تقدح في نسب أسامة؛ لكونه أسود شديد السواد، وكان زيد ~~أبيض، كذا قاله أبو داود عن أحمد بن صالح، وقال غير أحمد بن صالح: كان زيد ~~أزهر اللون. # قال النمري: كان أسامة وأبوه زيد نائمين في المسجد قد تغطيا، ولم يبد ~~منهما غير أقدامهما، ولم تر وجوههما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، ~~فاستحسن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوله، ودخل على عائشة - رضي الله ~~عنها - مسرورا. # قال مصعب الزبيري: إنما سمي مجززا؛ لأنه كان إذا أخذ أسيرا، جز ناصيته، ~~ولم يكن اسمه مجززا (¬2). # قال المازري: لما قضى مجزز إلحاق نسبه مع اختلاف اللون، وكانت الجاهلية ~~تعتمد قول القائف، فرح النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لكونه زاجرا لهم عن ~~الطعن في النسب. # وأم أسامة: هي أم أيمن، واسمها بركة، وكانت حبشية سوداء، وهي بركة بنت ~~محصن بن ثعلبة بن عمر بن حصن بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان، والله أعلم. # قولها "تبرق" -بفتح التاء، وضم الراء-؛ أي: تضيء وتستنير من السرور ~~والفرح. # والأسارير: هي الخطوط التي في الجبهة، واحدها سرير، وسرر، وجمعه ms0932 أسرار، ~~وجمع الجمع أسارير، وقال الأصمعي: الخطوط التي تكون في الكف مثلها (¬3). PageV03P1372 # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "نظر آنفا"؛ أي: قريبا، وهو بمد الهمزة ~~على المشهور، ويجوز قصرها، وقرئ بهما في السبع، وقد ترك في هذه الرواية ذكر ~~تغطية أسامة وزيد رؤوسهما وظهور أقدامهما، وهي زيادة مفيدة؛ لما فيها من ~~الدلالة على صدق القيافة. # وكان يقال: من علوم العرب ثلاثة: السيافة والعيافة والقيافة. # فأما السيافة، فهي شم تراب الأرض؛ ليعلم بها الاستقامة على الطريق، أو ~~الخروج منها. # قال المعري: # أودى فليت الحادثات كفاف .... مال المسيف وعنبر المستاف (¬1) # المستفاف: هو القاص. # وأما العيافة: فهو زجر الطير، والتفاؤل بها، وما قارب ذلك. # وأما السانح والبارح: في الوحش. # وفي الحديث: "العافية والطيرة والطرق من الجبت". # وأما القيافة: فهي ما نحن فيه، وهو اعتبار الأشباه بإلحاق الأنساب. # وفي الحديث دليل على العمل بالقيافة. # يقول القائف بالشبه في إلحاق الولد باحد الرجلين، ولا يكون ذلك إلا فيما ~~أشكل من واطئين محترمين؛ كالمشترى والبائع، يطأان الجارية المبيعة في طهر، ~~قبل الاستبراء من الأول، فتأتي بولد لستة أشهر فصاعدا من وطء الثاني، ولدون ~~أربع سنين من وطء الأول، وأثبت العمل بها: الشافعي، وفقهاء الحجاز، وجماهير ~~العلماء، ونفاه أبو حنيفة وأصحابه، والثوري، وإسحق. # والمشهور عن مالك: إثباته في الإماء، ونفيه في الحرائر، وفي رواية عنه: ~~إثباته فيهما. PageV03P1373 # ووجه الدلالة من الحديث: أنه - صلى الله عليه وسلم - سر بذلك، ولكون في ~~أمته من يميز الأنساب عند الاشتباه. # قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: ولا يسر - صلى الله عليه وسلم - بباطل. # واعتذر أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- ومن قال بقوله عن الحديث: بأنه لم ~~يقع فيه إلحاق متنازع فيه، ولا هو وارد في محل النزاع؛ فإن أسامة كان لاحقا ~~بفراش زيد من غير منازع له فيه، وإنما كان الكفار يطعنون في نسبه؛ للتباين ~~بين لونه ولون أبيه في السواد والبياض، فلما غطيا رؤوسهما، وبدت أقدامهما، ~~وألحق مجزز أسامة بزيد، كان ذلك إبطالا لقول الكفار بسبب اعترافهم بحكم ~~القيافة، وإبطال طعنهم في حق ms0933 لم يثبته النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا ~~بحق، والأولون يجيبون بأنه، وإن كان ذلك واردا في صورة خاصة، إلا أن له جهة ~~عامة، وهي دلالة الأشباه على الأنساب، فنأخذ هذه الجهة من الحديث، ونعمل بها. # وهذا معنى قول أصحاب أصول الفقه: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. # واتفق القائلون بالعمل بالقائف على اشتراط عدالته، واختلف أصحاب الشافعي ~~في اشتراط العدد فيه، أم يكفي قول واحد من غير عدد؟ والراجح عندهم: ~~الاكتفاء بواحد، وكأنهم يلتفتون إلى أن القيافة منزلة منزلة الحكم أم ~~الشهادة؟ فإن كان حكما، اكتفي بواحد؛ وإن كان شهادة، فلا بد من اثنين. # وأما اكتفاء النبي - صلى الله عليه وسلم - بمجزز في ذلك منفردا يدل ~~للراجح، وأنه قائم مقام الحكم لا الشهادة، والله أعلم. # وقال مالك: لا بد فيها من اثنين، وبالراجح قال ابن القاسم من المالكية. # واختلف أصحاب الشافعي في اختصاص القيافة ببني مدلج، والأصح: عندهم ~~الاختصاص. # واتفق العلماء القائلون بها على أنه يشترط خبيرا بها مجربا، ثم إذا رجعنا ~~إلى قوله، فألحقه بأحدهما، لحق به، فإن أشكل عليه، أو نفاه عنهما، ترك ~~الولد PageV03P1374 # حتى يبلغ، فينتسب إلى من تميل إليه نفسه منهما، وإن ألحقه بهما، فمذهب ~~عمر بن الخطاب، ومالك، والشافعي: أنه يترك حتى يبلغ، فينتسب إلى من يميل ~~إليه منهما، وقال أبو ثور، وسحنون: يكون ابنا لهما. وقال الماجشون ومحمد بن ~~مسلمة المالكيان: يلحق بأكثرهما له شبها. قال ابن مسلمة: إلا أن يعلم ~~الأول، فيلحق به. # واختلف النافون للقائف في الولد المتنازع فيه، فقال أبو حنيفة: يلحق ~~بالرجلين المتنازعين فيه، ولو تنازع فيه امرأتان، لحق بهما، وقال أبو يوسف، ~~ومحمد: يلحق بالرجلين، ولا يلحق إلا بامرأة واحدة، وقال إسحاق: يقرع بينهم، ~~والله أعلم. # * * * ### || AUTO الحديث السادس # عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: ذكر العزل لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، فقال: "ولم يفعل ذلك أحدكم؟ "، ولم يقل: فلا يفعل ذلك أحدكم؛ ~~"فإنه ليست نفس مخلوقة إلا الله خالقها" (¬1). # اعلم أن العزل أن يجامع، فإذا ms0934 قارب الإنزال، نزع، وأنزل خارج الفرج، ~~وتتأذى المرأة به. # والحكمة في إنكار فعله؛ كونه قطع للنسل، ويلزم من فعله الأذى المتعدي إلى ~~من أمرنا بعشرته بالمعروف، وفعل الأذى ليس بمعروف. # وقد سماه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الوأد الخفي؛ حيث إنه قطع ~~طريق الولادة، كما يقتل المولود بالوأد. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإنه ليست نفس مخلوقة إلا الله خالقها"؛ ~~معناه: أن ترك العزل PageV03P1375 # ليس فيه ضرر كما يتوهمون من عدم إرادة الولد؛ فإن الله تعالى قدر خلقه، ~~سواء عزلتم أم لا، وما لم يقدر الله خلقه، لم يقع، سواء عزلتم أم لا، فلا ~~فائدة في عزلكم، سواء قطع النسل، أو إيصال الأذى إلى غير محله؛ فإن الله ~~تعالى إذا قدر شيئا، هيأ أسبابه، فإذا قدر خلق نفس، سبقكم الماء إلى محله، ~~فلم ينفع حرصكم في منع الخلق اللازم عنه قصد الإيذاء، والله أعلم. # وفي هذا الحديث: دليل على منع العزل مطلقا، أما التحريم، فلم يقل به أحد، ~~إلا في صورة على وجه لبعض أصحاب الشافعي، وهو العزل عن الحرة بغير إذنها؛ ~~فإن فيه وجهين: الأصح: عدم التحريم، وللسلف خلاف؛ كنحو ذلك، وإن أذنت، لم ~~يحرم؛ لأنه إذا جاز ترك أصل وطئها بغير رضاها، فلأن يجوز العزل برضاها ~~أولى. ولو كانت أمة، لم يحرم، بلا خلاف. # أما في المملوكة: فلما عليه من الضرر [في التعريض] (¬1) من إتلاف ماليتها ~~بالإنزال في صيرورتها أم ولد، وامتناع بيعها عليه. # وأما في الزوجة الرقيقة، فيضمن ولده رقيقا تبعا لأمه. # لكن اختلف العلماء في الأحاديث الواردة في النهي عنه، هل هي محمولة على ~~كراهة التنزيه، دون الحمل على أصل النهي، مع الإباحة جمعا؛ بين أحاديث ~~النهي والإذن؟ # ولا شك أن ذلك يرجع إلى أصل، وهو أن الحق في وجود الولد هل يرجع إلى ~~الواطئ والموطوءة مع عدم معارض له شرعي؛ أو يرجع إلى الله تعالى؟ # فإن عللنا بأنه حق لهما، فإذا لم تأذن الحرة، امتنع. # وإن عللناه بأنه حق لله تعالى، فينبغي أن يمتنع ms0935 أيضا. # لكن حق الله تعالى في ذلك لا يعرف إلا بطريق الشرع من طلب الولد ومنعه. # وقد وردت أحاديث في الصحيح في طلبه ومنعه، وهي محمولة على طلبه، لحظ ديني ~~أو دنيوي. PageV03P1376 # فإن الولد الذكر موصوف هو والمال بأنهما زينة الحياة الدنيا، وبأنهما زين ~~حبهما للناس في القرآن العزيز في سياق التنفير منهما لطلب ما هو أولى منهما. # فإن عارض ذلك في طلبهما مقصد صالح، هل يرجح على ذلك؟ فيه نظر، فإن لم ~~يعارضه مقصد صالح، فينبغي المنع من طلبه، والإذن في تعاطي أسبابه، مع ~~اعتقاد نفوذ قضاء الله تعالى وقدره في كل شيء، والله أعلم. # واعلم أن الوطء بطريقه الشرعي مجردا عن قصد ولد، قد يكون عبادة لقصد غض ~~البصر، وكسر الشهوة لهما. وقد يكون مجرد شهوة، فهو مباح شرعا، لكنه موصوف ~~بأنه عمل بهيمي، ولهذا قالوا: الأعمال البهيمية ما عملت بغير نية. # لكن ظاهر السنة يقتضي أن الوطء في الفرج الحلال بمجرده مأجور عليه؛ بسؤال ~~الصحابة -رضي الله عنهم-؛ حيث قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ~~ويكون له فيها أجر؟ قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان عليه وزر؟ فكذلك ~~إذا وضعها في الحلال كان له أجر" (¬1). # فرتب - صلى الله عليه وسلم - الأجر والوزر على مجرد الوضع، من غير قصد ~~شيء آخر، فيكون فعله بمجرده في محله نية، والله أعلم. # وفيه: إشارة إلى إلحاق الولد، وإن وقع العزل، وهو قول أكثر الفقهاء. # وفيه: إشارة إلى أنه لا حكم قبل وجود وقوع الشرع، وهو قول أكثر العلماء. # وفيه: إرشاد إلى الإيمان بالقدر، وسكون النفس إليه، والله أعلم. # * * * PageV03P1377 ### || AUTO الحديث السابع # عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: كنا نعزل، والقرآن ينزل، ولو ~~كان شيئا ينهى عنه، لنهانا عنه القرآن (¬1). # هذا الحديث: دليل لقاعدة عظيمة، نبه عليها جابر - رضي الله عنه -، وهي ~~أنه إذا حدث أمر في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وعلمه الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم -، أو لم يعلمه، فإنه يجوز فعله؛ حيث إن الله ms0936 تعالى لم ~~ينزل فيه شيئا، وأقره. لكن علم الصحابة بالنزول لا يعلم إلا من جهة الرسول ~~- صلى الله عليه وسلم -. # ولهذا استغرب استدلال جابر جواز العزل مطلقا بتقرير الله تعالى دون ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم -، لكنه لما كان علم النزول وعدمه لازما لعلمه ~~- صلى الله عليه وسلم -، لم يبق فيه غرابة. # وقد أنزل الله تعالى حكم المجادلة لزوجها، وأخبر -سبحانه وتعالى- أنه سمع ~~مجادلتها في زوجها، إلى غيرها من الوقائع. # وذلك جميعه دليل لما قاله جابر - رضي الله عنه -؛ فإنه يقتضي الاستدلال ~~بتقرير الله تعالى اللازم علمه عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولهذا ~~كان تقرير الله تعالى بالنسبة إلينا مشروطا عند العلماء بتقريره - صلى الله ~~عليه وسلم -، والكتاب العزيز دال على ذلك في التبيين، والتقييد، والنسخ، ~~وغير ذلك، والله أعلم. # وفي الحديث: دليل بمجرده على جواز العزل مطلقا، فلعل جابرا - رضي الله ~~عنه - لم يعلم بأحاديث النهي والإذن، وأخبر عما علمه هو، وأخبر عما كان قبلها. # وفيه دليل: لما كانت الصحابة -رضي الله عنهم- عليه من التمسك بكتاب الله ~~تعالى في كل شيء، حتى في العزل عن النساء؛ حيث علموا أن الله تعالى ورسوله ~~- صلى الله عليه وسلم - حث عليه؛ وعلى استخراج الأحكام منه، والله أعلم. PageV03P1378 ### || AUTO الحديث الثامن # عن أبي ذر -رضي الله عنه-: أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: "ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعى ما ليس له، ~~فليس منا، وليتبوأ مقعده من النار، ومن دعا رجلا بالكفر، أو قال: عدو الله، ~~وليس كذلك، إلا حار عليه" (¬1). # كذا عند مسلم والبخاري، [وورد عن الترمذي نحوه] (¬2). # تقدم الكلام على أبي ذر. # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه ~~إلا كفر"؛ أما "من": فهي زائدة في المعنى، والتقييد بالرجل: خرج مخرج ~~الغالب، وإلا فالمرأة كذلك. ولا شك أن الانتفاء من النسب المعروف والاعتزاء ~~إلى نسب غيره كبيرة؛ لما يتعلق به من المفاسد العظيمة. وقد ms0937 تقدم ذكر بعضها قريبا. # وشرطه - صلى الله عليه وسلم -: العلم؛ لأن الأنساب قد تتراخى فيها مدد ~~الآباء والأجداد، ويتعذر العلم بحقيقتها، وقد يقع إخلال في النسب في الباطن ~~من جهة النساء، فلا يشعر به. فشرط العلم لذلك؛ حيث إن الإثم إنما يكون في ~~حق العالم بالشيء، والكفر هنا متروك الظاهر عند الجمهور، فيحتاجون إلى ~~تأويله، وقد يؤول بكفر الإحسان والنعمة، أو بأنه قارب الكفر؛ لعظم الذنب ~~فيه؛ تسمية للشيء باسم ما قاربه، أو يقال بتأويله على فاعل ذلك مستحلا له. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ومن ادعى ما ليس له": يدخل فيه الدعاوى ~~الباطلة كلها من المال والعلم والنسب وغير ذلك. # وقد نفى - صلى الله عليه وسلم - عنه ذلك بأنه ليس منا، وجعل الوعيد عليه ~~بالنار؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لما PageV03P1379 # قال: "فليتبوأ مقعده من النار"، اقتضى ذلك تعيين دخوله النار. # ويدخل تحته أيضا: ما ذكره بعض الفقهاء في الدعاوى؛ من نصب مسخر يدعي في ~~بعض الصور، حفظا لتمام الدعوى. # والجواب: وهذا المسخر يدعي ما يعلم أنه ليس له، والقاضي الذي يقيمه عالم ~~بذلك أيضا، وليس حفظ ذلك من المنصوصات في الشرع حتى يختص بها هذا العموم. # والمقصود في القضاء: إيصال الحق إلى مستحقه. # فالحرام هذه المراسيم الحكيمة مع تحصيل مقصود القضاء، وعدم تنصيص صاحب ~~الشرع على وجوبها أولى من مخالفة هذا الحديث، والدخول تحت الوعيد العظيم ~~الذي دل عليه. # ولا شك أن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فليس منا" أخف مما مضى من ~~الادعاء إلى غير أبيه؛ فإنه أخف مفسدة، إذا كانت الدعوى بالمال مثلا، فإنه ~~ليس فيه أكثر من الزيادة على الدعوى بأخذ المال المدعى به مثلا، يدخل تحته ~~-أيضا- الدعاوي الباطلة في المعلوم، خصوصا إذا ترتب عليها مفاسد. # وقد تأوله بعض المتقدمين على أنه معناه: ليس مثلنا، أو على هدينا؛ فرارا ~~من القول بكفره. # ومنهم من قال: إبهام معناه أولى من تأويله؛ حيث إنه أبلغ في الزجر عن ~~الأمر المخرج له عنه - صلى الله عليه وسلم -. # وهذا ms0938 كما يقول الأب لولده إذا أنكر منه أخلاقا أو أعمالا: لست مني. # وكأنه من باب نفي الشيء لانتفاء ثمرته؛ فإن المقصود المطلوب أن يكون ~~الابن مساويا للأب فيما يريده من الأخلاق الحميدة، فلما انتفت هذه الثمرة، ~~انتفت البنوة مبالغة. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ومن دعا رجلا بالكفر، أو قال عدو الله، ~~وليس كذلك، إلا حار عليه". PageV03P1380 # ويجوز في "عدو الله": الرفع والنصب، ورجحوا النصب على النداء. # تقديره: يا عدو الله، والرفع: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو عدو الله. # وفي "إلا" وجهان: # أحدهما: أنها واقعة على المعنى؛ أي: ما يدعوه أحد إلا حار عليه. # والثاني: على اللفظ في قوله "ليس من رجل". # و"حار عليه" هو بالحاء المهملة؛ أي: رجع عليه الكفر، وحار ورجع بمعنى ~~واحد. قال الله تعالى: {إنه ظن أن لن يحور} [الانشقاق: 14]؛ أي: يرجع حيا. # وهذا وعيد عظيم لمن أكفر أحدا من المسلمين وليس كذلك، وهي ورطة عظيمة وقع ~~فيها خلق كثير من المتكلمين ومن المنسوبين إلى السنة وأهل الحديث لما ~~اختلفوا في العقائد، فغلظوا على مخالفيهم، وحكموا بكفرهم، وخرق حجاب الهيبة ~~في ذلك جماعة مما ذكرنا. # وهذا الوعيد لاحق بهم، إذا لم يكن خصومهم كذلك. # وقد اختلف الناس في التكفير وسببه، حتى صنف بعضهم فيه كتابا مفردا، ولا ~~شك أن ذلك راجع إلى قاعدة كبيرة وهي: أن لازم الشيء الذهني اللاحقي ليس ~~بلازم، ويسمى هذا عندهم: القول بالمآل، وهو أن لازم المذهب هل هو مذهب أم لا؟ # والذي نعتقده، وقال به أكثر العلماء، وهو الراجح عند المحققين: إنه ليس ~~بمذهب، وهذا الذي يسميه أهل الكلام: المعنى الساذج؛ يعني: المقتصر على مجرد ~~معناه المطابق له من غير إلزام، وأما اللازم السابقي، وهو المسمى بالتضمن، ~~فهو لازم قطعا. # إذا عرف هذا، فاعلم أن كلا منهم في العقائد يقال: هي إثبات مطلق في ~~مقابلة نفي مطلق. # فيلزم أهل النفي المطلق أهل الإثبات المطلق الذي يفهمونه على وفق PageV03P1381 # مواجيدهم بالتجسيم، ويجعلونهم كفارا؛ حيث إنهم عبدوا جسما، وهو غير الله ~~تعالى، ومن ms0939 عبد غير الله، كفر؛ حيث إنهم ألزموهم بأذهانهم غير ما يلزم ~~تسمية ولا معنى، ولا مرادا لقائله، ويقابلهم هؤلاء بإلزامهم في النفي ~~المطلق مثلما ألزموهم بالتعطيل العاري عن الوجود، ويكفرونهم بذلك؛ للزومه ~~في الذهن عندهم. # ويقولون لهم: قد اعترفتم بأحكام الصفات، وأنكرتم الصفات، ويلزم من إنكار ~~الصفات إنكار أحكامها، ومن أنكر أحكامها، فقد كفر، فيكفرونهم بطريق المآل ~~الذي كفروهم به أهل الإثبات المطلق. # والحق أن الكلام في ذلك إثبات مقيد بالتنزيه عن مشابهة المخلوقين، فلا ~~يسمى إثباته تجسيما، ولا يسمى نفيه عن مشابهة المخلوقين تعطيلا. # فلا يكفر أحدا من أهل القبلة إلا بإنكار متواتر من الشريعة عن صاحبها، ~~فكأنه حينئذ يكون مكذبا للشرع، ولم يؤاخذه بالتكفير بنفي مأخذ القواطع، ~~وإنما يؤاخذه به بنفي أحكام القطعيات السمعيات طريقا. # ودلالة مثاله من أنكر الطريق إثبات الشرع لم يكن كمن أنكر الإجماع، ومن ~~أنكر الشرع بعد الاعتراف بطريقه كفر؛ لأنه مكذب له، وقد نقل عن بعض ~~المتكلمين أنه قال: لا أكفر إلا من كفرني. # ولما خفي ما ذكرته على بعض الناس، كان ذلك سببا لتكفير بعضهم بعضا، ~~واحتاج كل من الفريقين إلى حمل ما يذكره على غير محمل صحيح، ويتأوله ~~بتأويلات مخالفة لما ينبغي أن يحمل عليه هذا الحديث، الذي يقتضي أن من دعا ~~رجلا بالكفر، وليس كذلك، رجع عليه الكفر. # ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: "من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها ~~أحدهما" (¬1). PageV03P1382 # ونهى - صلى الله عليه وسلم - أصحابه -رضي الله عنهم- عن الرجوع بعده إلى ~~الكفر، فقال: "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" (¬1)، إلى غير ~~ذلك من الأحاديث ورعا عن التكفير. # وكأن المتكلم في تأويل الحديث في رجوع الكفر إلى الكفر، يقول: الحديث دل ~~على تحصيل الكفر لأحد الشخصين، إما المكفر أو المكفر، فإذا كفرني بعض ~~الناس، فالكفر واقع بأحدنا قطعا، وأنا قاطع بأني لست بكافر، فالكفر راجع إليه. # أما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وليتبوأ مقعده من النار"؛ فمعناه: ~~فليترك منزله منهما، أو فليتخذ منزلا بها، وهو ms0940 دعاء أو خبر بلفظ الأمر؛ ~~ليكون أبلغ في الزجر. ومعناه: هذا جزاؤه، فقد يجازى، وقد يعفى عنه، وقد ~~يوفق للتوبة فيسقط عنه ذلك. # وفي الحديث دليل: على تحريم الادعاء في الأنساب إلى غير الآباء. # وفيه: أنه لا يأثم بالانتساب إلى غير أبيه إلا إذا كان عالما بأبيه أو ~~بتحريمه، فأما الجاهل، فلا يأثم، ويجب عليه التعرف والتعلم. # وفيه: دليل على جواز إطلاق الكفر على أصحاب المعاصي والبدع؛ لقصد الزجر، ~~لا لأنه كفر حقيقة؛ إلا أن تعلم اعتقاده تحليل المحرم أو تحريم المحلل، ~~فيجوز إطلاقه عليه حقيقة. # وفيه: تحريم دعوى ما ليس له في كل شيء، سواء تعلق به حق لغيره، أم لا. # وفيه: أنه لا يحل له أن يأخذ ما حكم له به الحاكم، إذا كان لا يستحقه. # وفيه: تحريم دعاء المسلم بالكفر. وفي ظاهره: أن من دعاه بالكفر أنه يكفر ~~بمجرد دعائه به. # وقد ذكر صاحب "التتمة" في المسألة وجهين: أصحهما: هذا، والثاني: PageV03P1383 # لا يكفر، ويتأول على كفر النعمة، أو الاستحلال له. # لكن ظاهر الحديث يقتضي أنه لا يكفر إلا بشرط أن يكون الكفر كما دعاه به ~~فيرجع ما دعاه به إليه، والله أعلم. # ويدخل تحت معنى الحديث: من انتسب في علم، أو صلاح، أو نعمة، ونحو ذلك، من ~~تولي غير مواليه، أو وصف من الأوصاف المحمودة إلى غير من أخذه عنه، أو ~~انتفع به، فإن ذلك كله محذور، منهي عنه. # وقد ثبت اللعن على فاعل بعض ذلك، وإن كان البعض الباقي يدخل تحت معناه في ~~جواز لعنه، والله أعلم. # * * * PageV03P1384 ### | AUTO كتاب الرضاع ### || AUTO الحديث الأول # عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~في بنت حمزة: لا تحل لي، يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وهي ابنه أخي من ~~الرضاعة" (¬1). # أما ابنة حمزة، فلم يحضرني اسمها، ولم أره في أسماء المبهمات (¬2). # وسبب هذا الحديث: أن ابنة العم من النسب حلال، وحمزة هو عم الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم -، فعرضت عليه - صلى الله ms0941 عليه وسلم - ابنته، فقال: "إنها ~~لا تحل لي"؛ حيث إن حمزة عمه من النسب، أخ له - صلى الله عليه وسلم - من ~~الرضاعة، أرضعتهما ثويبة؛ فإنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. # وتقدم ذكر بعض ذلك أوائل كتاب النكاح. # وأما الرضاع؛ فهو -بفتح الراء وكسرها-، والرضاعة فيها اللغتان. وقد PageV03P1385 # رضع الصبي أمه، -بكسر الضاد في الماضي- يرضعها -بفتحها- رضاعا، قال ~~الجوهري: وأهل نجد تقول: رضع يرضع -بفتح الضاد في الماضي، وكسرها في ~~المضارع- رضعا؛ كضرب يضرب ضربا، وأرضعته أمه، وامرأة مرضع؛ أي: لها ولد ~~ترضعه، فإن وصفتهما بإرضاعه، قلت: مرضعة -بالهاء-، والله أعلم (¬1). # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب"؛ نكاح ~~المحرمات بالنسب سبع: # الأمهات، والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات ~~الأخت، فيحرمن بالرضاعة كما حرمن بالنسب. # فأمك: كل من أرضعتك، أو أرضعت من أرضعتك، أو أرضعت من ولدتك بواسطة، أو ~~بغير واسطة، وكذلك كل امرأة ولدت المرضعة والفحل. # وكل امرأة أرضعت بلبنك، أو أرضعتها امرأة ولدتها، أو أرضعت بلبن من ~~ولدته، فهي بنتك، وكذلك بناتها من النسب والرضاع. # وكل امرأة أرضعتها أمك، وأرضعت بلبن أبيك، فهي أختك. # وكذلك كل امرأة ولدتها المرضعة أو الفحل وأخوات الفحل، وأخوات من ولدهما ~~من النسب والرضاع، عماتك وخالاتك. # وكذلك كل امرأة أرضعتها واحدة من جداتك، أو أرضعت بلبن واحد من أجدادك من ~~النسب أو الرضاع. وبنات أولاد المرضعة والفحل في الرضاع والنسب، بنات أخيك وأختك. # وكذلك كل أنثى أرضعتها أختك أو أرضعت بلبن أخيك، وبناتها وبنات أولادها ~~من الرضاع والنسب، بنات أخيك. # وبنات كل ذكر أرضعته أمك، أو ارتضع بلبن أخيك، وبنات أولادهن من PageV03P1386 # الرضاع والنسب، بنات أخيك وبنات كل امرأة أرضعتها أمك، أو أرضعت بلبن ~~أبيك، وبنات أولادها من النسب والرضاع أولاد أخيك. # وقد استثنى الفقهاء من عموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "يحرم من ~~الرضاع ما يحرم من النسب" أربع نسوة يحرمن من النسب، وقد لا يحرمن من ~~(الرضاع): # الأولى: أم أخيك وأم أختك من النسب هي: أمك ms0942 أو زوجة أبيك، وكلاهما حرام، ~~ولو أرضعت أجنبية أخاك أو أختك، لم تحرم. # الثانية: أم نافلتك، إما بنتك أو زوجة أبيك، وهما حرامان. # وفي الرضاع قد لا تكون بنتك، ولا زوجة أبيك؛ بأن ترضع أجنبية نافلتك. # الثالثة: جدة ولدك من النسب: إما أمك، أو أم زوجتك، وهما حرامان، وفي ~~الرضاع قد لا تكون أما ولا أم زوجة؛ كما إذا أرضعت أجنبية ولدك,؛ فإنها جدة ~~ولدك، وليست بأمك ولا أم زوجتك. # الرابعة: أخت ولدك في النسب حرام؛4 لأنها إما بنتك أو ربيبتك. # ولو أرضعت أجنبية ولدك، فبنتها أخت ولدك، وليست ببنت ولا بربيبة. # فهذه الأربعة، مستثنيات من عموم الحديث: "يحرم من الرضاع ما يحرم من ~~النسب". # وأما أخت الأخ، فلا تحرم، لا من النسب، ولا من الرضاعة، وصورته: أن يكون ~~لك أخ من أب، وأخت من أم، فيجوز لأخيك من الأب نكاح أختك من الأم، وهي أخت أخيه. # وصورته من الرضاع: أرضعتك وأرضعت صغيرة أجنبية منك، يجوز لأخيك نكاحها، ~~وهي أختك، وفي معنى هذا الحديث، حديث عائشة - رضي الله عنها - الذي بعده، ~~وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الرضاعة تحرم ما يحرم من الولادة" ~~(¬1). PageV03P1387 # واعلم أن الأمة اجتمعت على ثبوت الحرمة بين الرضيع والمرضعة، وأنه يصير ~~ابنها، يحرم عليه نكاحها أبدا، ويحل له النظر إليها والخلوة بها، ~~والمسافرة، ولا يترتب عليها أحكام الأمومة من كل وجه، ولا يتوارثان، ولا ~~يجب على كل واحد منهما نفقة الآخر، ولا تعتق عليه بالملك، ولا ترد شهادته ~~لها، ولا يعقل عنها، ولا يسقط عنها القصاص بقتله؛ فهما كالأجنبيين في هذه ~~الأحكام. # وأجمع العلماء على انتشار الحرمة بين المرضعة وأولاد الرضيع، وبين الرضيع ~~وأولاد المرضعة، وأنه في النكاح كولدها من النسب. وأما الرجل المنسوب ذلك ~~الابن إليه؛ لكونه زوج المرضعة، أو وطئها بملك أو شبهة، فمذهب الشافعي ~~والعلماء كافة: ثبوت حرمة الرضاع بينه وبين الرضيع، ويصير ولدا له، وأولاد ~~الرجل إخوة الرضيع وأخواته، ويكون إخوة الرجل أعمام الرضيع، وأخواته عماته، ~~ويكون أولاد الرضيع أولادا للرجل. ms0943 ولم يخالف في هذا إلا أهل الظاهر، وابن ~~علية، فقالوا: لا تثبت حرمة الرضاع بين الرجل والرضيع. # ونقله المازري عن ابن عمر وعائشة -رضي الله عنهم-، واحتجوا بقوله تعالى: ~~{وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة} [النساء: 23]، ولم يذكر ~~البنت والعمة كما ذكرها في النسب، واحتج الجمهور بالأحاديث الآتية وغيرها ~~من الأحاديث الصحيحة في عم عائشة وعم حفصة، وقوله - صلى الله عليه وسلم - ~~مع إذنه فيه: "إنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة". # وأجابوا عما احتجوا به من الآية: أنه ليس له فيها نص بإباحة البنت والعمة ~~ونحوهما؛ لأن ذكر الشيء لا يدل على سقوط الحكم عما سواه، ولم يعارضه دليل ~~آخر، كيف ومع هذه الأحاديث الصحيحة؟ والله أعلم. # * * * PageV03P1388 ### || AUTO الحديث الثاني # عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"إن الرضاعة تحرم ما يحرم من الولادة" (¬1). وعنها: أن أفلح أخا أبي ~~القعيس، استأذن علي بعدما أنزل الحجاب، فقلت: والله لا آذن له، حتى أستأذن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فإن أبا القعيس ليس هو أرضعني، ولكن ~~أرضعتني امرأة أبي القعيس، فدخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~فقلت: يا رسول الله! إن الرجل ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأته، قال: ~~"إئذني له؛ فإنه عمك، تربت يمينك". # قال عروة: فبذلك كانت عائشة تقول: حرموا من الرضاعة ما يحرم من النسب (¬2). # وفي لفظ: استأذن علي أفلح، فلم آذن له، فقال: أتحتجبين مني وأنا عمك؟ ~~فقلت: وكيف ذلك؟ قال: أرضعتك امرأة أخي بلبن أخي، قال: فسألت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال: "صدق أفلح، ائذني له" (¬3). # أما أفلح عم عائشة - رضي الله عنها -؛ فكنيته أبو الجعد، وهو أخو أبي ~~القعيس -بضم القاف وفتح العين المهملة، ثم المثناة تحت ساكنة، ثم السين ~~المهملة-، واسمه: وائل بن أفلح. رواه الدارقطني، وأبو عمر النمري الحافظان. # وحكى أبو عمران: أفلح أخو أبي القعيس، من الأشعريين. قال: وقد قيل: PageV03P1389 # إن أبا القعيس اسمه الجعد، ويقال: أفلح، يكنى: أبا ms0944 الجعد. # وقيل: اسم أبي الجعد وائل بن أفلح. قال: وأفلح ابن أبي القعيس. # ويقال: أخو أبي القعيس، لا أعلم له خبرا ولا ذكرا إلا في حديث عائشة - ~~رضي الله عنها - في الرضاع. # وقد اختلف فيه، فقيل: أبو القعيس، وقيل: أخو أبي القعيس، وقيل: ابن أبي ~~القعيس، وأصحها: ما قاله مالك ومن تابعه عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: ~~جاء أفلح أخو أبي القعيس، هذا كلام أبي عمر النمري. وظاهر أول هذا الحديث ~~المذكور في الكتاب وغيره من الأحاديث الصحيحة أن أفلح وأبا القعيس كانا ~~أخوين لأبي بكر الصديق - رضي الله عنه - من الرضاعة، فيكونان عمين لعائشة - ~~رضي الله عنها - كانا صحابيين، ذكرهما في الصحابة أبو عمر بن عبد البر في ~~"الاستيعاب"، ويقتضي ذلك أن يكون أبو بكر ارتضع من أمهما. # لكن ظاهر آخر هذا الحديث: أن أبا القعيس أبو عائشة من الرضاع، وأفلح ~~عمها، فيكون عما واحدا لعائشة، لا عمين. وهو الصواب، والله أعلم (¬1). # وقولها: "استأذن علي بعدما أنزل الحجاب"؛ لا شك أن الحجاب نزل سنة خمس من ~~الهجرة في أواخرها؛ فإن أفلح استأذن على عائشة بعد ذلك، وكان حيا. # وذكر القاضي عياض - رحمه الله -: أن أبا القعيس كان ميتا (¬2)، فيبعد ما ~~قاله بعضهم: إن أبا القعيس كان عما لعائشة موجودا وقت الاستئذان عليها، ~~ولأنه لو كان هو المسؤول عنه، لكانت اكتفت بمعرفتها تحريم الدخول لغير العم ~~من الأحاديث في النسب والرضاع عليها، والظهور عليه، فلم تحتج إلى السؤال ~~عنه، لكن لما سألت، دل على أنه أفلح، وأنه غير أبي القعيس. PageV03P1390 # وذلك جميعه دليل على أن أفلح عمها، وأبا القعيس أبوها، وأن أمه أرضعت ~~عائشة - رضي الله عنها -، وأنهما لم يكونا أخوين لأبي بكر من الرضاع. # وذكر بعضهم: أن عم أبيك من الرضاع عمك. # قلنا: صحيح لو لم تذكر عائشة عن أفلح: ليس هو أرضعني، وإنما أرضعتني ~~امرأة أبي القعيس، فدل على صحة ما ذكرناه، والله أعلم. # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "تربت يمينك"؛ فمعناه: افتقرت، والعرب ~~تدعو ms0945 على الرجل؛ ولا تريد وقوع الأمر به. يقال: ترب الرجل: إذا افتقر، ~~وأترب: إذا استغنى (¬1). # في الحديث دليل: على ثبوت حكم الرضاع بين الرضيع وبين الرجل المنسوب إليه ~~ذلك اللبن، وأن الحرمة تنتشر إلى أولاده وإخوته وأخواته، فيصير أولاد الرجل ~~إخوة الرضيع، وإخوته وأخواته أعمامه وعماته، وتكون الدلالة من باب التنبيه ~~بالأبعد على الأدنى؛ فإن الإخوة أبعد من الأولاد، فإذا كان الأبعد أذن له ~~في الدخول، وحرم عليه النكاح، فالأقرب بطريق الأولى، وتقدم الاختلاف فيه. # وهذا مذهب العلماء كافة، إلا اليسير منهم؛ كعائشة، وابن عمر، وابن ~~الزبير، وأهل الظاهر، وابن بنت الشافعي. وقيل: لم يصح عن عائشة. # قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: نشر الحرمة إلى الفحل خارج عن القياس؛ ~~فإن اللبن ليس ينفصل منه، وإنما ينفصل منها؛ للحديث، والله أعلم. # وفيه دليل: على أن من ادعى رضاعا، وصدقه الرضيع، ثبت حكم الرضاع بينهما ~~من غير إقامة بنية؛ لأن أفلح ادعاه، وصدقته عائشة - رضي الله عنها -، وأذن ~~له النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك. # وفيه دليل: على أن من جهل شيئا من حكم الشرع، لا يفعل شيئا من تلبس PageV03P1391 # شيء ولا ضده، حتى يسأل العلماء عنه، ويفعل ما يفتونه به؛ فإن عائشة - رضي ~~الله عنها - جهلت الحكم، وعللته بإرضاع المرأة دون الرجل، وأعطت ذلك حكمه ~~من الاحتجاب وغيره، وسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، وأبدت ~~مستندها في المنع، فعرفها - صلى الله عليه وسلم - الحكم، فعملت به. # وفيه دليل: على أن العالم إذا سئل عن مسألة قد قال فيها بعض أصحابه ما هو ~~الصواب، أن يصدقه؛ ويقر قوله. # وفيه دليل: على جواز قول: تربت يمينك، أو يداك، لا بقصد الدعاء ولا غيره. # وفيه دليل: على وجوب احتجاب المرأة من الرجال الأجانب، وأنه كان مباحا ~~أول الإسلام. # وفيه دليل: على شرعية استئذان الرجال المحارم على محارمهم، والله أعلم. # * * * ### || AUTO الحديث الثالث # عن عائشة -رضي الله عنها- أيضا، قالت: دخل علي النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، وعندي رجل، فقال: "يا عائشة! من هذا؟ ms0946 " قلت: أخي من الرضاعة، فقال: ~~"يا عائشة! انظرن من إخوانكن، إنما الرضاعة من المجاعة" (¬1). # الرجل المبهم الذي هو أخو عائشة، لا أعلم اسمه. # واعلم! أن معنى هذا الحديث: أن الرضاعة التي تقع بها الحرمة هي ما كان في ~~زمن الصغر، والرضيع طفل يقوته اللبن ويسد جوعه، أما ما كان منه بعد ذلك، في ~~الحال الذي لا يسد جوعه اللبن، ولا يشبعه إلا الخبز واللحم، وما في PageV03P1392 # معناهما، فلا حرمة له، ولهذا قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: لا رضاع ~~إلا ما شد العظم وأنبت اللحم (¬1). # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "انظرن من إخوانكن" تنبيه على الزمن الذي ~~يثبت للمرضع فيه حكم الرضاع، وتترتب أحكامه عليه خشية أن تكون رضاعة ذلك ~~الشخص وقعت في حالة الكبر، فلا تترتب عليه أحكامه. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: جواز دخول من اعترفت المرأة بالرضاع معه عليها، وأنه يصير أخا لها. # ومنها: أن الزوج إذا رأى من تتكشف عليه امرأته بعدم الحجاب، أن يسألها عنه. # ومنها: الأمر بالاحتياط في ذلك، والنظر فيه، وفيما يبيح عدم الاحتجاب. # ومنها: قبول قول المرأة، ومن اعترفت برضاعه مجردا، والإرشاد إلى الاحتياط لذلك. # ومنها: أن الرضاع المحرم: هو ما كان بلبن المرأة، في زمن يستقل الرضيع به ~~دون غيره من الأغذية به، وهو حولان، فما دونهما. # ومنها: أن كلمة "إنما": للحصر؛ لأن المقصود حصر الرضاعة المحرمة من ~~المجاعة، لا بمجرد إثبات الرضاعة في زمن المجاعة، والله أعلم. # * * * PageV03P1393 ### || AUTO الحديث الرابع # عن عقبة بن الحارث بن الحارث -رضي الله عنه- قال: تزوجت أم يحيى بنت أبي ~~الحارث إهاب، فجاءتني أمة سوداء، فقالت: قد أرضعتكما، فذكرت ذلك للنبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، فأعرض عني، قال: فتنحيت، فذكرت ذلك له، قال: "وكيف ~~زعمت أن قد أرضعتكما؟ " (¬1). # أما عقبة بن الحارث؛ فكنيته أبو سروعة -بكسر السين المهملة-. قال أبو عمر ~~النمري: قال الزبير -يعني: ابن بكار-: وهو قول أهل الحديث. # وأما أهل النسب، فإنهم يقولون: إن عقبة هذا هو أخو أبي سروعة، وإنهما ~~أسلما جميعا ms0947 يوم الفتح. قال ابن الأثير: وهو أصح. # قال النمري: عقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قصي، قرشي ~~نوفلي، وهو حجازي مكي، له حديث واحد، ما أحفظ له غيره في شهادة امرأة على ~~الرضاع. قال: وقيل: بل كان أبو سروعة أخاه لأمه، وهو أثبت عند مصعب. # وأصح من هذا كله ما رواه سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار: أنه سمع جابر ~~بن عبد الله يقول: الذي قتل خبيبا: أبو سروعة عقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل. # وقال أبو محمد عبد الغني المقدسي الحافظ: روى له البخاري ثلاثة أحاديث، ~~وروى له أبو داود، والترمذي، والنسائي. # وقال أبو حاتم بن حبان البستي الحافظ: وكان أبوه -يعني: الحارث- أحد ~~المطعمين يوم بدر مع المشركين، وأمه درة بنت أبي لهب بن عبد المطلب، والله ~~أعلم (¬2). PageV03P1394 # وأما التي تزوجها أم يحيى بنت أبي إهاب؛ فاسمها غنية بنت أبي إهاب بن ~~عزيز بن قيس بن سويد بن ربيعة بن زيد بن عبد الله بن دارم، قاله أبو القاسم ~~خلف بن بشكوال الحافظ. وقال: حكى ذلك في "المؤتلف والمختلف" الدارقطني عن ~~الزبير بن بكار (¬1). # وأما الأمة السوداء؛ فلا أعلم اسمها، والله أعلم. # أما إعراضه - صلى الله عليه وسلم - عن عقبة لما ذكر ما قالت المرأة ~~السوداء له؛ فلأنه حكاية مجردة تهوش عليه نكاحه من غير تثبت، فلما ذكرت له ~~المرأة السوداء أنها قد أرضعتهما، قوي ما حكاه قوة توجب التوقف عن النكاح، ~~والأخذ بالاحتياط له؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: "كيف وقد زعمت أن ~~قد أرضعتكما". # وفي هذا الحديث دليل: على سؤال أهل العلم عن الوقائع الحادثة. # وفيه: دليل على التثبت فيها، والإعراض عن السائل عنها أول وهلة. # وفيه دليل: على الأخذ بالورع والإرشاد إليه. # وفيه دليل: على الاحتياط للأعراض من الأقوال التي لم تتثبت. # وقد تمسك به بعض الناس على قبول شهادة المرضعة وحدها على الرضاع، ويحتاج ~~ذلك إلى قبول شهادة الأمة في ذلك وجوازه. والعلماء يحملون الأمر في ذلك ms0948 على ~~الورع والاحتياط للأبضاع دون التحريم؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "كيف ~~وقد قيل" (¬2). # * * * PageV03P1395 ### || AUTO الحديث الخامس # عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -يعني: من مكة-، فتبعته ابنة حمزة تنادي: يا عم! فتناولها علي، فأخذ ~~بيدها، وقال لفاطمة: دونك ابنة عمك، فاحتملها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر، ~~فقال علي: أنا أحق بها، وهي ابنة عمي، وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي، ~~وقال زيد: بنت أخي، فقضى بها النبي - صلى الله عليه وسلم - لخالتها، وقال: ~~"الخالة بمنزلة الأم"، وقال لعلي: "أنت مني وأنا منك"، وقال لجعفر: "أشبهت ~~خلقي وخلقي"، وقال لزيد: "أنت أخونا ومولانا" (¬1). # أما البراء بن عازب؛ فتقدم ذكره. # وأما ابنة حمزة هذه؛ فيحتمل أنها عرضت على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، وقال: "إنها لا تحل لي؛ إنها ابنة أخي من الرضاعة"، ولهذا إذا كان ~~نداؤها النبي - صلى الله عليه وسلم -: يا عم! لأخوة النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لأبيها حمزة من الرضاعة. # وكان خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - من مكة بعد موت أبيها واستشهاده ~~في غزوة أحد، إما في عام الحديبية، وإما في عمرة القضاء، والله أعلم. # واعلم أن هذا الحديث أصل في باب الحضانة؛ وهو القيام بحفظ من لا يميز ولا ~~يستقل بأمره وتربيته بما يصلحه، وبوقايته عما يهلكه. وهي نوع ولاية وسلطنة، ~~لكنها بالإناث أليق؛ لأنهن أشفق، وأهدى إلى التربية، وأصبر على القيام بها، ~~وأشد ملازمة للأطفال، والله أعلم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الخالة بمنزلة الأم"؛ معناه: أنها بمنزلة ~~الأم في الحضانة؛ لأن سياق الحديث يدل على ذلك؛ حيث إنه طريق إلى بيان ~~المجملات، وتعيين المحتملات، وتنزيل الكلام على المقصود منه. PageV03P1396 # وفي الحديث دليل على أحكام: # منها: صلة الأرحام والحث عليها وإلزامها. # ومنها: الاختصام في طلب صلتها، والقيام بها إلى الحكام وأهل الفتوى. # ومنها: القضاء بالحق، وتبيين الحكم للخصوم؛ وذكر علته، وقد قال الإمام ~~أبو حنيفة -رحمه الله تعالى-: ينبغي للحاكم أن يعلل الحكم للخصوم؛ لأنه ms0949 ~~أبعد عن الشحناء بينهم ودوام العداوة، والله أعلم. # فلا التفات إلى من منع ذلك. # وقال: ينبغي له الجزم بالحكم من غير تعليل؛ لئلا يؤدي ذلك إلى استدلال ~~الحاكم، والطمع فيه؛ فإن ترك ذلك يؤدي إلى ما ذكر، مع مخالفة الكتاب والسنة ~~في الأمر في البيان المطلوب من الشرع، والله أعلم. # ومنها: إدلاء كل واحد من المستفتين والخصوم للمفتي والحكم بحجته؛ لينظر ~~في الصواب منها. # ومنها: أن للخالة حقا في الحضانة. # ومنها: أنها إذا كانت متزوجة بمن له حق في الحضانة، ولا تسقط حضانتها؛ ~~كبنت العم عند عصبتها؛ فإن لهم حقا في الحضانة، إذا لم يكن محظور شرعي من ~~خلوة ونحوها يسقطها. وكذا حكم كل مستحقة للحضانة إذا نكحت من له حق في ~~الحضانة، أو كانت في نكاح مثله. # ومنها: ما استدل بإطلاق قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الخالة بمنزلة ~~الأم" على أنها ترث عند عدم الوارثين. # من يرى مذهب أهل التنزيل، فينزلها منزلة الأم في الإرث. # وقد نبهنا على أن دلالة السياق تنفي ذلك، والله أعلم. # واعلم أن دلالة السياق، قد نبه عليها بعض المتأخرين من أهل أصول الفقه، ~~وهي قاعدة عظيمة، لكنها ذات شعب على المناظر، والله أعلم. PageV03P1397 # ومنها: استعمال مكارم الأخلاق للحاكم والمفتي ونحوهما، وتطييب قلوب ~~المستفتين والمتحاكمين؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لكل واحد؛ من ~~علي، وزيد، وجعفر، ما يطيب قلبه من الكلام. # ولا شك في مناسبة ذلك، بالنسبة إلى علي وزيد، حيث حرما مرادهما؛ فإنه ~~مناسب جبرهما وتطييب قلوبهما. # أما جعفر، فإنه أخذ الصبية، وحصل له مراده، فكيف ناسب خبره بما قيل له؟ # وأجيب عن ذلك: بأن الصبية لم تحصل له حضانتها، وإنما حصلت لمستحقها، وهي ~~الخالة، فناسب ذلك جبره بما قيل له، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع ~~والمآب. # * * * PageV03P1398 ### | AUTO كتاب القصاص # القصاص: بكسر القاف، قاله الأزهري، القصاص: المماثلة، وهو مأخوذ من القص، ~~وهو القطع، وقال الواحدي وغيره من المحققين: هو من اقتصاص الأثر، وهو ~~تتبعه؛ لأن المقتص يتبع جناية الجاني، فيأخذ مثلها. # يقال: ms0950 اقتص من غريمه، وأقص السلطان فلانا من فلان؛ أي: أخذ له قصاصه. ~~ويقال: استقص فلان فلانا: طلب منه قصاصه (¬1). # * * * ### || AUTO الحديث الأول # عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لا يحل دم امرى مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؛ إلا ~~بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" (¬2). # أما ابن مسعود؛ فتقدم الكلام عليه. # وأما هؤلاء الثلاثة؛ فإنهم مباحو الدم بالنص. PageV03P1399 # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله" ~~هو كالتفسير لقوله: "امرئ مسلم". # واعلم أن الإسلام لا يصح إلا بالتلفظ بهما، مع اعتقاد صحتهما ومعناهما، ~~ومن قام بذلك، كان مؤمنا مسلما، فكل مؤمن مسلم، وكل مسلم مؤمن، وإنما ~~يختلفان باختلاف معناهما في لفظهما، وباختلاف تعلقهما. # فالإسلام في اللغة: الانقياد، وفي الشرع: انقياد مخصوص على وجه مخصوص. # والإيمان: التصديق في وضعه. وفي الشرع: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، ~~وعمل بالجوارح والأركان. # ومتعلق الإسلام والإيمان بالظاهر والباطن، لمن آمن بلسانه، وصدق بقلبه، ~~فهو مؤمن مسلم، ومن صدق بقلبه ولم يؤمن بلسانه، فإن كان لعذر، نفعه ذلك في ~~عدم الخلود في النار، ولهذا يقال يوم القيامة: "أخرجوا من في قلبه أدنى ~~أدنى ذرة من إيمان" على ما ثبت في الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - (¬1). # وإن أكره على ترك الإسلام بعد وجوده، مع اطمئنان قلبه به، لم يضره ذلك في ~~الدنيا والآخرة. ومن صدق بلسانه، ولم يؤمن بقلبه، جرى عليه حكم الإسلام في ~~الدنيا؛ من عصمة دمه وماله وحريمه، وكان في الآخرة في الدرك الأسفل من ~~النار، كما أخبر الله -سبحانه وتعالى- عن المنافقين. # وجميع ما ذكرناه من ذلك في كتاب الله تعالى، وسنة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، شهدت به العقول، وبصرت به القلوب، والله أعلم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الثيب الزاني"؛ معناه: المحصن إذا زنى، ~~وهو من وطئ في نكاح صحيح، وهو حر بالغ عاقل. PageV03P1400 # والإحصان: أصله: المنع. وله ms0951 معان: # أحدها: الموجب رجم الزاني، ولا ذكر له في القرآن، إلا في قوله تعالى: ~~{محصنين غير مسافحين} [النساء: 24]؛ أي: مصيبين بالنكاح لا بالزنا. # ويطلق بمعنى: العفة والحرية والتزوج والإسلام، وكلها مذكورة في كتاب الله تعالى. # والجامع لأنواع الإحصان: المنع، فكل واحد ممن ذكرنا يمنع مما ينافيه، ~~والله أعلم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "المفارق للجماعة"؛ هو كالتفسير له ~~ولقوله: "التارك لدينه". # وكل من فارق جماعة من المسلمين، في قول أو عمل أو اعتقاد، فهو تارك ~~لدينه، لكن تختلف صفات الترك المفارقة. # فكل مرتد عن الإسلام بأي ردة كانت، وجب قتله، وكل خارج عن الجماعة ببدعة ~~أو بغي، أو كان من الخوارج، قوتل حتى يرجع إلى الجماعة، وليس بكافر، ويمكن ~~أن يكون خروجه كفرا. # والمراد بفراق الجماعة: المخالفة لأهل الإجماع. # وهذا الحديث عام، وقد خص بعضهم الصائل؛ حيث يباح قتله للدفع، ولم يذكر في ~~الثلاثة، وهو داخل فيمن فارق الجماعة. # ويحتمل أن يحمل الحديث على من يحل تعمد قتله قصدا من الثلاثة المذكورين، ~~دون غيرهم، والله أعلم. # وفي الحديث أحكام: # منها: أن المسلم لا يصير مسلما إلا بالتلفظ بالشهادتين؛ فإنه - صلى الله ~~عليه وسلم - جعلهما كالتفسير والوصف للمسلم، وذلك لا يعرف إلا بالتلفظ، ~~والاتصاف. # ومنها: عصمة دم المسلم، إلا فيما ذكر. # ومنها: وجوب القصاص في النفس بشرطه. PageV03P1401 # ومنها: إباحة دم الزاني المحصن بصفته المعروفة في الأحاديث الصحيحة, وهو ~~الرجم بالحجارة. # ومنها: إباحة دم المرتد بشرطه في الرجل، واختلف في المرأة، فالجمهور على ~~أنها تقتل بالردة كالرجل، وقال أبو حنيفة: لا تقتل. # ومنها: استدلال أصحاب أبي حنيفة على أن المسلم يقتل بالذمي، ويقتل الحر ~~بالعبد؛ لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "والنفس بالنفس"، وجمهور ~~العلماء على خلافه، منهم: مالك، والشافعي، والليث، وأحمد. # ومنها: أن مخالف الإجماع يكفر، فيقتل، وهو قول العلماء المتقدمين. # ومعناه: إذا خالفه معتقدا جواز مخالفته. # ولا شك أن التكفير ليس بالهين، وقد تقدم التكفير وطريقه في المسائل ~~الإجماعية قريبا من هذا الكتاب، ويزيده وضوحا. # ولا شك أن المسائل الإجماعية، ms0952 قد يصحبها التواتر بالنقل من صاحب الشرع، ~~كوجوب الصلاة مثلا، وقد لا يصحبها. فالأول: يكون جاحده مخالفا للتواتر، لا ~~مخالفا للإجماع؛ لعدم انعقاده على تكفير تاركها، غير جاحد وجوبها. # وقد ظن بعض من يميل إلى الفلسفة، ويدعي الحذق في المعقولات: أن المخالف ~~في حدوث العالم من قبيل مخالفة الإجماع، وأخذ من قول من قال: لا يكفر مخالف ~~الإجماع: ألا يكفر هذا المخالف في هذه المسألة. # قال شيخنا الإمام أبو الفتح -رحمه الله-: وهذا كلام ساقط بمره إما عن عمى ~~في البصيرة، أو تعام؛ لأن حدوث العالم من قبيل ما اجتمع فيه الإجماع ~~والتواتر بالنقل عن صاحب الشريعة، فيكفر المخالف بسبب مخالفة النقل ~~المتواتر، لا بسبب مخالفة الإجماع. # ومنها: ما استدل به شيخ والد شيخنا الإمام أبي الفتح الإمام الحافظ، أبو ~~الحسن علي بن الفضل المقدسي -رحمه الله تعالى-: على أن تارك الصلاة، PageV03P1402 # لا يقتل بتركها، في قصيدة له نظمها استخراجا من هذا الحديث؛ من حيث إنه - ~~صلى الله عليه وسلم - حصر حل دم المرء المسلم في هذه الثلاثة؛ وهي زنا ~~المحصن، وقتل النفس، والردة بلفظ النفي العام والاستثناء منه لهذه الثلاثة. ~~ومن جمله القصيدة أبيات، وهي: # خسر الذي ترك الصلاة وخابا ... وأبى معادا صالحا ومآبا # إن كان يجحدها فحسبك أنه ... أمسى بربك كافرا مرتابا # أو كان يتركها لنوع تكاسل ... غشى على وجه الصواب حجابا # فالشافعي ومالك رأيا له ... إن لم يتب حد الحسام عقابا # وأبو حنيفة قال يترك مرة ... هملا ويحبس مرة إيجابا # والظاهر المشهور من أقواله ... تعزيره زجرا له وعذابا # إلى أن قال: # والرأي عندي أن يؤدبه ... الإمام بكل تأديب يراه صوابا # ويكف عنه القتل دون حياته ... حتى يلاقي في المآب حسابا # فالأصل عصمته إلى أن يمتطي ... أحد الثلاث إلى الهلاك ركابا # الكفر أو قتل المكافئ عامدا ... أو محصن طلب الزنا فأصابا # فأبو الحسن علي بن الفضل المقدسي في قصيدته هذه، قد اختار خلاف مذهب مالك ~~في ترك قتله، وهو من المنسوبين إلى أتباع مالك (¬1). # واستشكل إمام الحرمين أبو ms0953 المعالي الجويني قتله من مذهب الشافعي أيضا. # وقوى بعض المتأخرين إزالة الإشكال في عدم قتله؛ بقوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول ~~الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة" (¬2). PageV03P1403 # فرتب - صلى الله عليه وسلم - الأمر بالقتال على أشياء بالغاية على وجودها ~~جميعا، وذلك يثبت بحصول مجموعها, ولا ينتفي إلا بانتفائها جميعها. # فإن قصد بها الاستدلال من الحديث المذكور الدلالة المنطوقية، وهي الأمر ~~بالقتال إلى هذه الغاية، فقد وهل وسها؛ فإن المقاتلة تقتضي المفاعلة من ~~الجانبين، ولا يلزم من ذلك إباحة القتل على ترك الصلاة، إذا لم يقاتل. ولا ~~إشكال بأن قوما لو تركوا الصلاة وقاتلوا عليها، قوتلوا، بدليل مناظرة عمر ~~والصديق - رضي الله عنهما - في قتال مانعي الزكاة، وقول الصديق لعمر - رضي ~~الله عنهما -: أرأيت لو تركوا الصلاة، أكنت تقاتلهم؟ فقال: نعم، فقال أبو ~~بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. قال عمر: فوالله ما هو إلا ~~أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق، فقاتلهم (¬1). # وإن قصد به الدلالة المفهومية في ترتيب القتال على فعل المعصية الواحدة ~~منها دون المجموع، فالخلاف في دلالة المفهوم معروف. وبعض من ينازع في هذه ~~المسألة لا يقول بها, ولو قال بها، رجح عليها دلالة المنطوق في هذا الحديث. # واعلم أن قتل تارك الصلاة كسلا، وعدمه: مبني على تكفيره، وقد ثبت في كفره ~~ثلاثة أحاديث: # الأول: ما رواه مسلم في "صحيحه" عن جابر - رضي الله عنه -، قال: سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن بين الرجل وبين الشرك والكفر، ~~ترك الصلاة" (¬2). # الثاني: عن بريدة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"العهد الذي بيننا PageV03P1404 # وبينهم الصلاة، فمن تركها، فقد كفر" رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح (¬1). # الثالث: عن شقيق بن عبد الله التابعي، المتفق على جلالته -رحمه الله ~~تعالى- قال: كان أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - لا يرون شيئا من ~~الأعمال، تركه كفر، غير الصلاة. ms0954 رواه الترمذي في كتاب "الإيمان" بإسناد ~~صحيح (¬2). # فهذه الأحاديث ظاهرها تكفير تارك الصلاة، بوصفه بالكفر. وهو في الشرع: ~~الخروج من الإسلام، ويؤيد ذلك ما رواه أبو حاتم بن حبان في "صحيحه"، عن عبد ~~الله بن عمر - رضي الله عنهما -، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنه ~~ذكر الصلاة يوما، فقال: "من حافظ عليها، كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم ~~القيامة، ومن لم يحافظ عليها, لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم ~~القيامة مع قارون وهامان وفرعون، وأبي بن خلف" (¬3). # ولا شك أن ترك المحافظة عليها يدل على عدم جحد وجوبها، وأنه يقتضي ~~التهاون والكسل عنها, ولا يحشر يوم القيامة مع صناديد الكفر، الذين أخبر ~~الله عنهم بالخلود في النار إلا كافر. # وبكفره، قال المحدثون، ومنصور الفقيه من الشافعية في كتابه "المستعمل" ~~(¬4)، وأحمد في المشهور عنه، وبعض أصحاب مالك، وقالوا: PageV03P1405 # يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل كفرا، وقال الشافعي ومالك: يقتل حدا. # وحمل الشافعي الكفر في الأحاديث، على كفر النعمة، دون الكفر المطلق ~~المخرج من الإسلام. واستدل لذلك بما رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، ~~بإسناد صحيح ثابت، عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن ~~جاء بهن، ولم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن، كان له عند الله عهد، أن ~~يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن، فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء ~~أدخله الجنة" (¬1). # فلما كان من ترك الصلاة غير مستحل لتركها, ولا مستخفا بها، داخلا تحت ~~المشيئة، دل على عدم كفره المطلق، فلا يكون قتله كفرا، بل حدا. # واستدل على قتله حدا؛ بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "نهيت عن قتل ~~المصلين" (¬2) وهو حديث ضعيف عند المحدثين، وبتقدير ثبوته، لا دلالة له فيه ~~لقتلهم إذا تركوها؛ لأنه دلالة مفهوم العكس، وهو ضعيف عند أرباب أصول ~~الفقه، والله أعلم. # * * * ### || AUTO الحديث الثاني # عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أيضا ms0955 قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "أول ما يقضي الله بين الناس يوم القيامة في الدماء" (¬3). PageV03P1406 # لا شك أن أمر الدماء عظيم، وخطرها كبير، والبداءة إنما تكون بالأهم ~~فالأهم، وهي حقيقة بذلك؛ فإن الذنوب تعظم بحسب المفسدة الواقعة بها، أو ~~بحسب ذوات المصالح المتعلقة بعدمها. # وعدم البنية الإنسانية من أعظم المفاسد، ولا ينبغي أن يكون بعد الكفر ~~بالله تعالى أعظم منه. # ولهذا نص الشافعي -رحمه الله تعالى- على أن أكبر الكبائر بعد الشرك ~~القتل. وهذا إذا تجرد عن اعتقاد حله في غير محله. # وقد ثبت في حديث صحيح في "السنن" عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~أنه قال: "أول ما يحاسب عليه العبد صلاته" (¬1)، فيحتمل الأولية في حديث ~~الدماء: أنها بما يقع فيه الحكم بين الناس فيما بينهم. # ويحتمل أن تكون عامة في أولية ما يقضى فيه مطلقا. لكن الاحتمال الأول ~~أقوى، ويكون حديث المحاسبة على الصلاة محمولا على الأولية؛ فيما بين العبد ~~وبين الله تعالى. # وفي الحديث: التنبيه على غلظ تحريم الدماء. # وفيه علم النبي - صلى الله عليه وسلم - بأمور الآخرة كما يعلم أحكام ~~الدنيا, ولا شك أن الأمر كذلك؛ فإن الله -سبحانه وتعالى- أطلعه على ما كان ~~[وما يكون] (¬2) وما هو كائن، ولم يكتم - صلى الله عليه وسلم - شيئا من ذلك. # وفيه: القضاء بين الناس يوم القيامة، وأوليته، والله أعلم. # * * * PageV03P1407 ### || AUTO الحديث الثالث # عن سهل بن أبي حثمة قال: انطلق عبد الله بن سهل، ومحيصة بن مسعود إلى ~~خيبر وهي يومئذ صلح فتفرقا، فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل، وهو يتشحط في ~~دمه قتيلا، فدفنه، ثم أتى المدينة، فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة ~~ابنا مسعود إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فذهب عبد الرحمن يتكلم، ~~فقال: "كبر كبر! "، وهو أحدث القوم، فسكت، فتكلما، فقال: "أتحلفون وتستحقون ~~قاتلكم أو صاحبكم؟ " قالوا: وكيف نحلف ولم نشهد ولم نر؟ قال: "فتبرئكم يهود ~~بخمسين يمينا؟ "، فقالوا: كيف نأخذ بأيمان قوم كفار؟ فعقله النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - من ms0956 عنده (¬1). # وفي حديث حماد بن زيد: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يقسم ~~خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته؟ " قالوا: أمر لم نشهده، كيف نحلف؟ ~~قال: "فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم؟ " قالوا: يا رسول الله! قوم كفار (¬2). # وفي حديث سعيد بن عبيد: فكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبطل ~~دمه، فوداه بمئة من إبل الصدقة (¬3). # الكلام على أسماء هذا الحديث: # أما سهل بن أبي حثمة؛ فتقدم ذكره في باب صلاة الخوف. # وأما عبد الله بن سهل؛ فهو أنصاري حارثي، أخو عبد الرحمن، وابن أخي حويصة ~~ومحيصة. PageV03P1408 # قال النمري: هو المقتول بخيبر الذي وردت في قصته القسامة (¬1). # وأما محيصة؛ فهو -بضم الميم وفتح الحاء المهملة، وبالياء المثناة تحت، ~~المشددة المكسورة والمخففة ساكنة- لغتان مشهورتان، ذكرهما القاضي عياض ~~-رحمه الله تعالى-، أشهرهما التشديد (¬2). # وحويصة؛ -بضم الحاء المهملة وفتح الواو، وفي الياء اللغتان؛ التشديد ~~والتخفيف-. # وكنية محيصة: أبو سعد بن مسعود بن كعب بن عامر بن عدي بن مجدعة بن حارثة ~~بن الحارث بن الخزرج، أنصاري حارثي، يعد في أهل المدينة. وكان إسلامه قبل ~~الهجرة، وبعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أهل فدك، يدعوهم إلى ~~الإسلام. وشهد أحدا والخندق وما بعدهما من المشاهد، وهو أخو حويصة بن ~~مسعود، وكان حويصة أكبر منه، وكان محيصة أنجب وأفضل. # وكان سبب إسلام محيصة: ما ذكره ابن إسحاق في "المغازي" عن ثور بن زيد عن ~~عكرمة، عن ابن عباس في قصة كعب بن الأشرف اليهودي الذي كان يؤذي رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - بشعره وسعيه، ويحرض عليه العرب، وهو رجل من بني ~~نبهان من طيئ، فلما قتل كعب، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من ~~ظفرتم به من رجال يهود، فاقتلوه"، فوثب محيصة بن مسعود على ابن سنينة -رجل ~~من تجار يهود كان يلابسهم ويبايعهم-، فقتله. وكان حويصة بن مسعود إذ ذاك لم ~~يسلم، وكان أسن من محيصة، فلما قتله، جعل حويصة يضربه ويقول: أي عدو الله! ~~قتلته! أما والله ms0957 لرب شحم في بطنك من ماله. قال محيصة: فقلت له: أما والله ~~لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك، لضربت عنقك. قال: الله لو أمرك بقتلي ~~لقتلتني؟! قلت: نعم، والله لو أمرني بقتلك لقتلتك. قال: والله إن دينا بلغ ~~بك هذا لعجب، فأسلم حويصة. PageV03P1409 # وكان ذلك أول إسلامه. فقال محيصة: # يلوم ابن أمي لو أمرت بقتله ... لطبقت ذفراه بأبيض قاضب # حسام كلون الملح أخلص صقله ... متى ما أصوبه فليس بكاذب # وما سرني أني قتلتك طائعا ... وأن لنا ما بين بصرى ومارب # وروى محيصة في كسب الحجام؛ روى عن ابن سعد بن محيصة، وابن أبيه حرام بن ~~سعد بن محيصة، ومحمد بن سهل بن أبي حثمة، ومحمد بن زياد. # روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. # وحويصة يكنى: أبا سعد -أيضا-. وهو أخو محيصة لأبيه وأمه. وفي حقه قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عبد الله بن سهل المقتول لأخيه عبد ~~الرحمن لما أراد أن يتكلم: "كبر كبر"؛ لمكانه من أخيه محيصة. # شهد حويصة أحدا، والخندق، وسائر المشاهد مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. وروى عنه محمد بن سهل بن أبي خثمة، وحرام بن سعد بن محيصة (¬1). # وأما حماد بن زيد؛ فكنيته: أبو إسماعيل، واسم جده: درهم، ويقال # لحماد: الأزرق، وهو أزدي، جهضمي، بصري، مولى جرير بن حازم. سمع خلقا من ~~التابعين وغيرهم. وروى عنه خلائق من الأئمة والعلماء. # قال ابن مهدي: أئمة الناس في زمانهم أربعة: سفيان الثوري بالكوفة، ومالك ~~بالحجاز، والأوزاعي بالشام، وحماد بن زيد بالبصرة. PageV03P1410 # وفي حماد أنشد ابن المبارك -رحمة الله تعالى عليه-: # أيها الطالب علما ... ائت حماد بن زيد # فخذ العلم بحلم ... ثم قيده بقيد # ودع البدعة من ... أشعار عمرو بن عبيد # وقال عبيد الله بن الحسن: إنما هما الحمادان، فإذا طلبتم العلم، فاطلبوه ~~من الحمادين. # فقال ابن معين: ليس أحد أثبت من حماد بن زيد. # وقال أبو زرعة: هو أثبت من حماد بن سلمة بكثير، وأصح حديثا وأتقن. # وقال يزيد بن ms0958 زريع: هو أثبت من ابن سلمة، وكان ابن سلمة رجلا صالحا. # وقال يحيى بن يحيى: ما رأيت أحدا من الشيوخ أحفظ من حماد بن زيد. # وقال ابن سعد: كان ثقة، ثبتا، حجة، كثير الحديث. # ولد حماد بن زيد سنة ثمان وتسعين، وتوفي في رمضان سنة تسع وتسعين ومئة، ~~ابن إحدى وثمانين سنة، وصلى عليه إسحاق بن سليمان بن علي الهاشمي، وهو ~~يومئذ وال على البصرة. # روى له البخاري، ومسلم، وأصحاب السنن والمساند (¬1). # وأما سعيد بن عبيد؛ فكنيته: أبو الهذيل، طائي كوفي. روى عن بشير بن يسار، ~~وعلي بن ربيعة الوالبي. وروى عنه: الثوري، وابن المبارك، ووكيع، ويحيى بن ~~سعيد، وغيرهم. # وقال ابن حنبل وابن معين: ثقة. PageV03P1411 # وقال يحيى القطان: ليس به بأس. # وروى له البخاري، ومسلم، وغيرهما (¬1). # أما قوله: فذهب عبد الرحمن يتكلم، فقال: "كبر كبر"؛ فاعلم أن عبد الرحمن ~~هذا هو أخو عبد الله المقتول بخيبر، كما ذكرناه. وهو ابن سهل، كان له علم ~~وفهم. ويقال: إنه شهد بدرا، وهو الذي قال لأبي بكر الصديق - رضي الله عنه - ~~لما جاءته جدتان أم أم، وأم أب، فأعطى السدس أم الأم دون أم الأب، فقال له ~~عبد الرحمن بن سهل -رجل من الأنصار من بني حارثة، قد شهد بدرا-: يا خليفة ~~رسول الله! أعطيته التي لو ماتت له لم يرثها، وتركت التي لو ماتت ورثها! ~~فجعله أبو بكر بينهما (¬2). # وروى عنه محمد بن كعب القرطبي عنه: أنه غزا، فمرت به روايا تحمل خمرا، ~~فشقها برمحه، وقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهانا أن ندخل ~~الخمر بيوتنا وأسقيتنا (¬3). # وأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له بقوله: "كبر كبر"؛ معناه: ~~ليتكلم الأكبر، وأكده بالتكرير؟ تنبيها على شرف السن. # فإن قيل: الحق في المطالبة بالدم لعبد الرحمن؟ فإن المقتول أخوه، ومحيصة ~~وحويصة ابنا عم لا حق لهما في المطالبة به مع وجوده، وقد أمر برد الكلام ~~إليهما، فالجواب: أن كلام عبد الرحمن لم يكن حقيقة دعوى يترتب عليها الحكم، ~~وإنما هو ms0959 بيان وشرح للواقعة، والأكبر أفقه وأعلم بذلك، خصوصا في مخاطبة ~~الكبار. PageV03P1412 # أو يقال: إن عبد الرحمن وكل الأكبر المتكلم في الدعوى والمساعدة له؛ حيث ~~أمر بالتفويض في المطالبة إلى الأكبر، ولذلك يقال في عرض اليمين عليهم ~~بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أتحلفون وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم؟ "، مع ~~أن المستحق الوارث للحق في القتيل عبد الرحمن دونهما. # والجواب: أن الخطاب وقع لهم، والمراد من يختص باليمين والاستحقاق، وذلك ~~مغتفر؛ للعلم به. وإنما اغتفر؛ حيث إن الكلام وسماعه كان من الجميع ثلاثتهم ~~في صورة القتل، وكيفية ما جرى فيه، وإن كانت حقيقته [الدعوى] (¬1) واليمين، ~~إنما يتصوران من الوارث أو وكيله فيما يجوز التوكيل فيه، والله أعلم. # ومعناه: ثبت حقكم على من حلفتم عليه. # قوله: "فتبرئكم يهود"؛ يهود مرفوع لا ينصرف؛ لأنه اسم للقبيلة والطائفة، ~~ففيه التأنيث والعلمية. # قوله - صلى الله عليه وسلم -: "يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع ~~برمته؟ "؛ الرمة: بضم الراء وتشديد الميم المفتوحة؟ ومعناه: تسليم القاتل ~~بجملته إلى ولي القتيل للقتل، وأصل الرمة: الحبل الذي يكون في عنق البعير؛ ~~ليسلم به إلى من يقوده به، شبه به القاتل في تسليمه للقتل، والله أعلم (¬2). # وهذا الحديث أصل في القسامة وأحكامها، والقسامة -بفتح القاف وتخفيف ~~السين- مشتقة من القسم أو الأقسام؛ وهي اليمين التي يحلف بها المدعي للدم ~~عند اللوث، وقيل: إنها اسم للأولياء عند أهل اللغة، وعند الفقهاء: اسم ~~للأيمان. وقد نقل عن جماعة من أهل اللغة، وهو الصحيح. # ثم اعلم أن موضع جريان القسامة: أن يوجد قتيل لا يعرف قاتله، ولا تقوم ~~عليه بينة، ويدعي أهل القتيل قتله على واحد أو جماعة مع قرينة الحال، بما PageV03P1413 # يشعر به صدق الولي. ويقال له: اللوث، فيحلف على ما يدعيه. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: إثبات القسامة، وهو أصل من أصول الشرع، وقاعدة من قواعد الأحكام، ~~وركن من أركان مصالح العباد، وبه أخذ العلماء كافة من الصحابة والتابعين، ~~ومن بعدهم من علماء الأمصار الحجازيين والشاميين والكوفيين وغيرهم، وإن ~~اختلفوا في كيفية الأخذ به. ms0960 # وأبطل القسامة جماعة، وقالوا: لا حكم لها, ولا عمل بها، منهم: سالم بن ~~عبد الله، وسليمان بن يسار، والحكم بن عتيبة، وقتادة، وأبو قلابة، ومسلم بن ~~خالد، وابن علية، والبخاري، وغيرهم. # وعن عمر بن عبد العزيز روايتان كالمذهبين، والله أعلم. # ومنها: ما ذكرنا أن القسامة إنما تكون عند اللوث، وله صور: # إحداها: وجدان القتيل في محلة أو قرية، بينه وبين أهلها عداوة ظاهرة، ~~ووصف بعضهم القرية هنا: أن تكون صغيرة، واشترط ألا يكون معهم ساكن غيرهم؛ ~~لاحتمال القتل من غيرهم حينئذ. # الثانية: ثبوته من غير بينة على معاينة القتل، وهو قول مالك، والليث، ~~والشافعي. # ومن اللوث: شهادة العدل وحده. وكذا قول جماعة ليسوا عدولا. # الثالثة: لا يشترط في ثبوته قول المقتول في حياته: دمي عند فلان، وهو ~~قتلني، أو ضربني، وإن لم يكن به أثر، وفعل بي هذا من إنفاذ مقاتلي، أو ~~جرحني. ولا يشترط ذكر القتل عمدا عند فقهاء الأمصار جميعهم، والعلماء كافة. # واشترط ذلك جميعه: الليث، ومالك؛ وادعى مالك: أنه مما أجمع عليه الأئمة ~~قديما وحديثا. PageV03P1414 # ورد ذلك القاضي عياض، وقال: لم يقل بهذا أحد غيرهما, ولا روي إلا عنهما, ~~ولم ير أحد غيرهما فيه قسامة (¬1). # الرابعة: لا يشترط وجود الدم ولا جراحة عند الشافعي وأصحابه. قالوا: لأن ~~القتل قد يحصل بالخنق، وعصر الخصية، والقبض على مجرى النفس، فيقوم أثرها ~~مقام الجراحة. # واشترط بعض المالكية وجود الأثر والجرح فيه، واحتج مالك بقصة بني إسرائيل ~~على عدم الاشتراط في قوله تعالى: {فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحي الله ~~الموتى} [البقرة: 73] قالوا: فأحيي الرجل، فأخبر بقاتله، فلو اشترط ذلك، لم ~~يحتج إلى قوله: وإحيائه. # والجواب عن هذا من وجهين: # أحدهما: أن هذا شرع من قبلنا، ورد شرعنا بحكم غيره. # الثاني: أن ذلك أجراه الله تعالى آية لهم؛ لما ادارؤوا في قتل النفس؛ ~~للحجة عليهم، لا لبيان الحكم الشرعي. # وقال أبو حنيفة: إن لم يكن جراحة ولا دم، فلا قسامة، وإن وجدت الجراحة، ~~ثبتت القسامة، وإن وجد الدم دون الجراحة: فإن خرج ms0961 من أنفه، فلا قسامة، وإن ~~خرج من الأنف والأذن، ثبتت القسامة، هكذا حكي عنه. # الخامسة: إذا شهد عدلان بالجرح، فعاش بعده أياما، ثم مات قبل أن يفيق ~~منه، لا يكون قسامة، بل يجب القصاص في ذلك عند الشافعي، وأبي حنيفة. # وقال مالك، والليث: هو لوث. # السادسة: إذا وجد المتهم عند المقتول، أو قريبا منه، أو آتيا من جهته، ~~ومعه آلة القتل، وعليه أثره؛ من لطخ دم وغيره، وليس هناك سبع ولا غيره مما ~~يمكن إحالة القتل عليه، أو تفرق جماعة عن قتيل، فهذا لوث موجب للقسامة PageV03P1415 # عند مالك، والشافعي. وكذا لو اقتتل طائفتان، فوجد بينهما قتيل، ففيه ~~القسامة عند مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. # وعن مالك رواية: أنه لا قسامة، بل فيه دية على الطائفة الأخرى، إن كان من ~~الطائفتين، وإن كان من غيرهما، فعلى الطائفتين ديته، فلو وجد الميت في زحمة ~~الناس، قال الشافعي: تثبت فيه القسامة، وتجب بها الدية. وقال مالك: هو هدر. ~~وقال الثوري، وإسحاق: تجب ديته في بيت المال. وروي مثله عن عمر وعلي - رضي ~~الله عنهما -. # ولو وجد في محلة أقوم، أو قبيلتهم، أو مسجدهم، فقال مالك، والليث، ~~والشافعي، وأحمد، وداود، وغيرهم: لا تثبت بمجرد هذا قسامة، بل القتيل هدر؛ ~~لأنه قد يقتل الرجل الرجل، ويلقيه في محلة طائفة؛ لينسب إليهم. # قال الشافعي: إلا أن يكون في محلة أعدائه، لا يخالطهم غيرهم، فيكون ~~كالقضية التي جرت بخيبر، فحكم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقسامة لورثة ~~القتيل؛ لما كان بين الأنصار وبين اليهود من العداوة، ولم يكن هناك سواهم. ~~وعند أحمد نحو قول الشافعي. # وقال أبو حنيفة، والثوري، ومعظم الكوفيين: وجود القتيل في المحلة ~~والقرية، توجب القسامة، ولا تجب القسامة في شيء من الصور عندهم إلا هنا؛ ~~لأنها عندهم هي الصورة التي حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها ~~بالقسامة. ولا قسامة عندهم إلا إذا وجد القتيل وبه أثر. # قالوا: فإن وجد القتيل في مسجد، خلف أهل المحلة، وجبت الدية في بيت ~~المال، وذلك إذا ادعوا على ms0962 أهل المحلة. # وقال الأوزاعي: وجود القتيل في المحلة يوجب القسامة، وإن لم يكن عليه ~~أثر، ونحوه عن داود، والله أعلم. # ومنها: اشتراط وجود الدم في إيجاب القسامة صريحا، والجراحة ظاهرا. # وقد ذكرنا الاختلاف فيه، وأن الشافعية لا يقولون بذلك، وأن غيرهم يقولون ~~به؛ PageV03P1416 # لوجود عبد الله بن سهل يتشحط في دمه قتيلا، والحكم بالقسامة بسببه. # ومنها: فضيلة السن عند التساوي في الفضائل. وله نظائر؛ تقدم بها في ~~الإمامة، وفي ولاية النكاح ندبا، وغير ذلك. # ومنها: البداءة في القسامة بيمين المدعي، وهو مذهب أهل الحجاز، ونقل عن ~~أبي حنيفة خلافه. وهو مخالف لما اقتضاه الحديث. # وقدم المدعي هنا باليمين خلافا لسائر الخصومات؛ فإنه - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" (¬1)؛ لما انضاف إلى ~~دعواه من شهادة اللوث مع عظم قدر الدماء. وكل واحد من هذين المعنيين جزء ~~علة لا علة مستقلة. # ومنها: أن الأيمان في القسامة المستحقة خمسون يمينا. # والحكمة في تعددها: أن تصديق المدعي على خلاف الظاهر بالعدد؛ ولتعظيم شأن ~~الدم، فلو كانت الدعوى في غير محل اللوث، وتوجهت اليمين على المدعى عليه، ~~فهل تجب خمسين يمينا؟ # فيه قولان للشافعي -رحمه الله-. # ومنها: أن المدعي في محل القسامة، إذا نكل، غلظت اليمين بالتعداد على ~~المدعى عليه؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فتبرئكم يهود بخمسين يمينا؟ ". # وفي هذه المسألة طريقان للشافعي: # أحدهما: إجراء قولين؛ لأن نكوله يبطل اللوث، وكأنه لا لوث. # والطريق الثاني، وهو الأصح: القطع بالتعدد؛ للحديث؛ فإنه جعل أيمان ~~المدعى عليهم كأيمان المدعين. PageV03P1417 # ومنها: صحة يمين الكافر والفاسق. # ومنها: أن القسامة يثبت بها القصاص؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"أتحلفون وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم؟ ". # وفي رواية في "الصحيح": "دم صاحبكم" (¬1) وهو قول الشافعي في القديم، وهو ~~مذهب مالك وأصحابه، والليث، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وداود، ~~وبه قال الزهري، وربيعة، وأبو الزناد. # وروي عن أبي الزبير، وعمر بن عبد العزيز، قال أبو الزناد: قبلنا ~~بالقسامة، وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متوافرون، إني ms0963 لأرى ~~أنهم ألف رجل، فما اختلف منهم اثنان (¬2). # والذي قال بهذا، جعل له شرطين: # أحدهما: ما يقتضي القصاص في الدعوى. # والثاني: المكافأة في القتل، وشبهوا القتل بها باليمين المردودة في ~~استحقاق ما ادعى به. # وقال الشافعي في الجديد من قوليه، والكوفيون: لا يجب بها القصاص، وإنما ~~تجب الدية. # وروي عن أبي بكر، وعمر، وابن عباس، ومعاوية -رضي الله عنهم-، وهو مروي عن ~~الحسن البصري، والشعبي، والنخعي، وعثمان البتي، والحسن بن صالح، واستدل ~~[لذلك] (¬3) من الحديث الصحيح بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إما أن تدوا PageV03P1418 # صاحبكم، وإما أن تؤذنوا بحرب"؛ فإنه يدل على أن المستحق دية لا قود؛ ~~ولأنه لم يتعرض للقصاص، لكن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فبدفع برمته" ~~أقوى من قوله: "وتستحقون دم صاحبكم"؛ لأن قولنا: "يدفع برمته" مستعمل في ~~دفع القاتل للأولياء للقتل، أو لأن الواجب الدية، ويبعد استعمال هذا اللفظ ~~فيها، وهو أظهر في استعماله في تسليم القاتل. # والاستدلال بقوله: "دم صاحبكم" أظهر من الاستدلال بقوله: "وتستحقون ~~قاتلكم أو صاحبكم" احتمالا ظاهرا، لكن بعد التصريح بالدم، يحتاج إلى تأويل ~~لفظه، بإضمار بدل دم صاحبكم، والإضمار على خلاف الأصل، ولو احتيج إلى ~~الإضمار، لكان أقرب إلى اقتضاء حمله على إراقة الدم. # وأشار بعض المخالفين إلى احتمال أن يكون المراد بقوله: "دم صاحبكم" هو ~~القتيل، لا القاتل، ورد ذلك قوله: "دم صاحبكم أو قاتلكم". # ومنها: أن القسامة إنما تكون على واحد؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"يقسم خمسون منكم على رجل منهم"، وبهذا قال مالك وأحمد، وقال أشهب وغيره: ~~يحلف الأولياء على ما شاؤوا, ولا يقتلون إلا واحدا، وقال الشافعي: إن ادعوا ~~على جماعة، حلفوا عليهم، وتثبت عليهم الدية، على الصحيح عند الشافعي. # وعلى قول: يجب القصاص عليهم، وهو قول المغيرة بن عبد الرحمن من أصحاب ~~مالك، فإنه لو قتل أكثر من واحد، لم يتعين أن يقسم على واحد منهم، قال: وإن ~~حلفوا على واحد، استحقوا عليه وحده. # ومنها: أن لو تعدد المدعون في محل القسامة، حلف كل واحد ms0964 منهم خمسين ~~يمينا؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "يقسم خمسون منكم على رجل منهم"؛ ~~ومعناه: يقسم كل واحد من الخمسين القسم المشروع في ذلك، وهو خمسون يمينا. # وقد نقل عن الشافعي -رحمه الله تعالى- في كيفية أيمانهم قولان: # أحدهما: ما ذكرنا. # والثاني: أن الجميع يحلفون خمسين يمينا، وتوزع الأيمان عليهم، وإن وقع PageV03P1419 # كسر، تمم؛ فلو كان الوارث اثنين مثلا، حلف كل واحد خمسة وعشرين يمينا، ~~وإن اقتضى التوزيع كسرا في صورة أخرى؛ كما إذا كانوا ثلاثة، كملنا الكسر، ~~فيحلف كل واحد سبعة عشر يمينا. # ثم الحالفون: هم ورثة الدم، فلا يحلف غيرهم من الأقارب، سواء كان ~~الوارثون ذكورا أو إناثا، وسواء كان القتل عمدا أو خطأ، وهذا هو مذهب ~~الشافعي، وبه قال أبو ثور، وابن المنذر، ووافق مالك فيما إذا كان القتل ~~خطأ، أما إذا كان عمدا، فقال: فيحلف الأقارب خمسين يمينا، فلو كان المدعون ~~أكثر من خمسين، لم يحلف منهم إلا خمسون، وهو ظاهر الحديث. # قال مالك: ولا يحلف النساء ولا الصبيان، ووافقه ربيعة، والليث، ~~والأوزاعي، وأحمد، وداود، وأهل الظاهر. # واحتج الشافعي بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أتحلفون خمسين يمينا، ~~فتستحقون صاحبكم"؛ فجعل الحالف هو المستحق للدية أو القصاص، ومعلوم أن غير ~~الوارث لا يستحق شيئا، فدل على أن المراد حلف من يستحق الدية. # ومنها: أن القسامة إنما تجري في قتل الحر، فلو كان المقتول عبدا، فهل ~~تجري فيه القسامة؟ # فيه قولان للشافعي: مأخذهما شرف الحرية أو الدماء، فمن نظر إلى شرف ~~الحرية، لم يعده إلى العبد، ومن نظر إلى الاحتياط للدماء، عداه؛ حيث إنه ~~يشمل الحر والعبد. # ومنها: أن القسامة تجري في قتل النفس الكاملة؛ لظاهر الحديث. # وهل تجري فيما دون النفس من الأطراف والجراحات؟ # قال المالكية: لا، وعند الشافعية قولان، منشؤهما: أن وصف كونها نفسا، له ~~أثر أم لا؟ وكون الحكم بالقسامة على خلاف القياس يقوي الاقتصار على مورده. PageV03P1420 # ومنها: جواز الحكم على الغائب، وسماع الدعوى في الدماء من غير حضور الخصم. # ومنها: جواز اليمين بالظن الراجح، وإن ms0965 لم يوجد القطع اليقيني. # ومنها: أن الحكم بين المسلم والكافر، يكون بحكم الإسلام. # ومنها: نظر الإمام في المصالح العامة، والاهتمام بإصلاح ذات البين، والله أعلم. # ومنها: جواز دفع الدية إلى أولياء المقتول من بيت المال، ويجعل قول ~~الراوي: "فوداه من عنده" محمولا على بيت المال المعد لمصالح المسلمين، مع ~~احتمال أنها من خالص ماله - صلى الله عليه وسلم -. # واستدل به الإمام أبو إسحاق المروزي من الشافعية على جواز صرفها من إبل ~~الزكاة. # وجعل بعض العلماء ذكر إبل الصدقة غلطا من الرواة؛ حيث إنها مستحقه لأصناف ~~الزكاة، وحمله جمهور الشافعية على أنه اشتراها من أصل الصدقات، بعد أن ~~ملكوها، والله أعلم. # * * * ### || AUTO الحديث الرابع # عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: أن جارية وجد رأسها مرضوخا بين حجرين، ~~فقيل: من فعل هذا بك؟ فلان، فلان، حتى ذكر يهودي، فأومأت برأسها، فأخذ ~~اليهودي، فاعترف، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرض رأسه بين ~~حجرين (¬1). PageV03P1421 # ولمسلم والنسائي عن أنس - رضي الله عنه -: أن يهوديا قتل جارية على ~~أوضاح، فأقاده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬1) الجارية المرضوض ~~رأسها، وقاتلها اليهودي لا يعرف اسمه، والله أعلم. # أما الأوضاح -بالضاد المعجمة- فهي قطع فضة، والمراد: قطع فضة، وقال ~~الجوهري: الأوضاح: حلي من الدراهم الصحاح والعين. قتلها اليهودي؛ ليأخذ ذلك ~~منها (¬2). # والرض: الرضخ. # ومعنى "بين حجرين"؛ أي: وضع رأسها على حجر، ورمى بحجر آخر. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: قتل الرجل بالمرأة، وهو إجماع من يعتد به. # ومنها: وجوب قتل الذمي بالمسلم. # ومنها: جواز سؤال الجريح: من جرحك؟ لفائدة تعرف الجارح من بين المتهمين؛ ~~ليطالب، فإن أقر، ثبت عليه القتل؛ كما جرى لليهودي من أخذه واعترافه، فلو ~~أنكر، فالقول قوله مع يمينه، ولا يلزمه شيء بمجرد قول المجروح، وهو قول ~~جمهور العلماء. # وقال مالك: يثبت القتل بمجرد قول المجروح على المتهم؛ تعلقا بهذا الحديث، ~~وهو تعلق باطل؛ فإن اليهودي لم يقتل إلا باعترافه، لا بمجرد قول المجروح. # ومنها: التوصل إلى معرفة القاتل بتعديد الأشخاص عليه؛ ms0966 لقصد معرفة الحق، ~~ودفع الريبة فيه. PageV03P1422 # ومنها: أن الإشارة بالرأس ونحوه في ذلك قائمة مقام النطق. # ومنها: وجوب القصاص بالقتل بالمثقل عمدا، وهو ظاهر من الحديث، وقوي في ~~المعنى؛ حيث إنه صيانة للدماء من الإهدار، وهو مطلوب الشرع. # والقتل بالمثقل كالقتل بالمحدد في إزهاق الأرواح؛ فلو لم يجب القصاص ~~بالقتل بالمثقل، لأدى ذلك إلى إيجاد القتل به ذريعة إلى إهدار القصاص، وهو ~~خلاف المقصود من حفظ الدماء، وبهذا قال مالك، والشافعي، وأحمد، وجمهور ~~العلماء. # وقال أبو حنيفة: لا قصاص إلا في القتل بمحدد؛ من حديد أو حجر أو خشب، أو ~~كان معروفا بقتل الناس؛ كالمنجنيق، والإلقاء في النار، واختلفت الرواية عنه ~~في مثقل الحديد؛ كالدبوس. واعتذر الحنفيون عن الحديث بأعذار ضعيفة: # منها: أن قتل اليهودي إنما كان سياسة لا قصاصا، قالوا: فإن اليهودي كان ~~ساعيا في الأرض فسادا، وكان من عادته قتل الصغار بذلك، وهذا كله مردود يقول ~~أنس - رضي الله عنه - في رواية مسلم والنسائي في الكتاب: فأقاده رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -. # ومعلوم أن الإقادة لا تقال في القتل سياسة، فإن كانت الجناية شبه عمد؛ ~~بأن قتل بما لا يقصد به القتل غالبا، فتعمد القتل به، كالعصا والسوط ~~واللطمة والقضيب والبندقة ونحو ذلك، فقال جماهير العلماء من الصحابة ~~والتابعين فمن بعدهم من أئمة المذاهب وغيرهم؛ كالشافعي، وأبي حنيفة، ~~والأوزاعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور: لا قصاص فيه، وقال مالك، ~~والليث: يجب فيها القود. # ومنها: اعتبار المماثلة في استيفاء القصاص بالقتل بالمثقل؛ فيقتل على ~~الصفة التي قتل، فإن قتل بالسيف، قتل هو بسيف، وإن قتل بحجر أو خشب، أو ~~نحوهما، قتل بمثله؛ لأن اليهودي رضخها، فرضخ هو، وهذا هو مذهب PageV03P1423 # الشافعي، ومالك، فإن اختار الوالي العدول إلى السيف، فله ذلك. # وقال أبو حنيفة: لا قود إلا في القتل بالسيف، والحديث يرد عليه، وهو دليل ~~لمالك والشافعي؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - رض رأس اليهودي بين ~~حجرين كما فعل هو بالجارية، فلو كان الذي وقع به القتل محرما؛ ms0967 كالسحر، فإنه ~~لا يقتل به. # واختلف أصحاب الشافعي فيما لو قتل باللواط، وبإيجار الخمر، فمنهم من أسقط ~~المماثلة؛ حيث إنها محرمة كالسحر، ومنهم من قال: تدس فيه خشبة مثل الذكر، ~~ويوجر الماء بدل الخمر. # والقتل بالسيف في هذه الصورة، قيل: هو أشد من فعله، والخنق يغيب الحس، ~~فهو أسهل من فعله، والله أعلم. # * * * ### || AUTO الحديث الخامس # عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: لما فتح الله على رسوله - صلى الله ~~عليه وسلم - مكة، قتلت هذيل رجلا من بني ليث بقتيل كان لهم في الجاهلية، ~~فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "إن الله -عز وجل- قد حبس عن مكة ~~الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لا تحل لأحد كان قبلي، وإنها لا ~~تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وإنها ساعتي هذه حرام، لا يعضد ~~شجرها، ولا يختلى شوكها، ولا يلتقط ساقطتها إلا لمنشد، ومن قتل له قتيل، ~~فهو بخير النظرين؛ إما أن يقتل، وإما أن يفدى"، فقام رجل من أهل اليمن يقال ~~له: أبو شاه، فقال: يا رسول الله! اكتبوا لي، فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "اكتبوا لأبي شاه"، ثم قام العباس فقال: يا رسول الله! إلا ~~الإذخر؛ فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إلا الإذخر" (¬1). PageV03P1424 # تقدم الكلام على فتح مكة وتاريخه، ومعظم ما يتعلق بهذا الحديث من ~~المعاني، وشرح الألفاظ والأحكام في باب: حرمة مكة، من كتاب: الحج، ونتكلم ~~الآن على ما يتعلق بهذا الحديث بما زاد علي ذلك، والله أعلم. # أما هذيل؛ فهي قبيلة كبيرة، والنسبة إليها: هذلي -بضم الهاء وفتح الذال ~~المعجمة-، وهي هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، ~~تفرقت في البلاد، وأكثر أهل نخلة -قرية على ستة فراسخ من مكة، على طريق ~~الحاج- من هذيل، والله أعلم (¬1). # وأما بنو ليث، فهو ليث بن كنانة، حليف بني زهرة، وليث بن بكر بن عبد مناة ~~بن كنانة (¬2)، ولا أدري المقتول من أيهما، والله ms0968 أعلم. # قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله -عز وجل- حبس عن مكة الليل، وسلط ~~عليها رسوله والمؤمنين". # أما الفيل: فهو بالفاء والياء آخر الحروف، وشك بعض الرواة فيه، فقال: ~~القيل، أو القتل: بالقاف والتاء المثناة فوق (¬3). وقد قابل التسليط الذي ~~وقع له - صلى الله عليه وسلم - بالحبس الذي وقع للفيل، وهو الحبس عن ~~القتال، وقصة الفيل وحبسه عن مكة مشهورة في كتب التفاسير والتواريخ. # وقد اختلفوا في تاريخ عام الفيل، فقال مقاتل: كان قبل مولد النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بأربعين سنة، وقال الكلبي بثلاث وعشرين سنة، والأكثرون ~~على أنه كان في العام الذي ولد فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬4). # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ومن قتل له قتيل، فهو بخير النظرين: إما ~~أن يقتل، وإما أن يفدى"؛ معناه: أن ولي المقتول بالخيار، إن شاء قتل ~~القاتل، وإن شاء أخذ فداءه، وهي الدية. PageV03P1425 # وقوله: "فقام رجل من أهل اليمن، يقال له: أبو شاه، فقال: يا رسول الله! ~~اكتبوا لي": # أما أبو شاه: فهو بهاء تكون هاء في الوقف والدرج، ولا يقال بالتاء، وصحفه ~~بعض الفضلاء والمتأخرين، فقاله: وبالهاء المنطوق بها تاء وقفا ووصلا؛ كشاة ~~الغنم، وأنكر عليه. قال العلماء بالكنى: ولا يعرف اسم أبي شاه هذا، وإنما ~~يعرف بكنيته (¬1). # والذي أراد أبو شاه كتابته: هو خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم ~~فتح مكة بمكة. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: تذكير الناس في المجامع والفتوحات بأيام الله تعالى، وما من به ~~فيها من الآيات البينات، وتعليمهم الأحكام الشرعيات. # ومنها: استدلال بعضهم بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وسلط عليها رسوله ~~والمؤمنين" على أن فتح مكة كان عنوة، وقد تقدم ذلك، والكلام عليه. # ومنها: أن ولي القتيل بالخيار بين أخذ الدية وبين القتل، وأن له إجبار ~~الجاني على أي الأمرين شاء ولي القتيل، وبه قال سعيد بن المسيب، وابن ~~سيرين، والشافعي وأصحابه، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. # وقال مالك: ليس للولي إلا القتل أو العفو، وليس له الدية إلا برضا ~~الجاني، ms0969 وهو خلاف نص هذا الحديث. # ومنها: أن القاتل عمدا يجب عليه أحد الأمرين من القصاص أو الدية؛ وهو أحد ~~القولين للشافعي، والثاني: أن الواجب القصاص لا غير، وإنما تجب الدية ~~بالاختيار، فليس للولي أخذها بغير رضا القاتل، وتظهر فائدة الخلاف في ~~صورتين: # منها: عفو الولي عن القصاص، إن قلنا: إن الواجب أحد الأمرين، يسقط PageV03P1426 # القصاص، وتثبت الدية، وإن قلنا: الواجب القصاص بعينه، لم يجب قصاص ولا ~~دية، ويحمل الحديث على قتل العمد؛ حيث إنه لا يجب القصاص في غير العمد. # الصورة الثانية: موت القاتل، فعلى قول التخيير: يأخذ الدية، أو على قول ~~التعيين: تسقط الدية. # ومنها: الإذن في كتابة العلم غير القرآن. وقد ورد في الصحيح حديث علي - ~~رضي الله عنه -: "ما عندنا إلا ما في هذه الصحيفة" (¬1)، وحديث أبي هريرة - ~~رضي الله عنه -: كان عبد الله بن عمرو يكتب ولا أكتب (¬2). # وجاءت أحاديث في النهي عن كتابة غير القرآن، عمل بها السلف، وأكثرهم على ~~جوازها، ثم وقع بعد ذلك إجماع الأمة على استحبابها. # وأجابوا عن حديث النهي بجوابين: # أحدهما: أنها منسوخة؛ لأن النهي كان خوفا من اختلاط غير القرآن به، فلما ~~اشتهر، وأمنت مفسدة الاختلاط، وقع الإذن فيها. # والثاني: أنه نهي تنزيه، لمن وثق بحفظه وخيف اتكاله على الكتابة. # فأما من لم يشق بحفظه؛ فإنه تستحب له الكتابة، والإذن محمول عليه، والله أعلم. # * * * ### || AUTO الحديث السادس # عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: أنه استشار الناس في إملاص المرأة، ~~فقال المغيرة: شهدت النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى فيه بغرة عبد أو أمة، ~~فقال: لتأتين بمن يشهد معك، فشهد معه محمد بن مسلمة (¬3). PageV03P1427 # أما عمر والمغيرة، فتقدم ذكرهما. # وأما محمد بن مسلمة: فهو حارثي أنصاري أوسي، كنيته: أبو عبد الله، ويقال: ~~أبو عبد الرحمن، ويقال له: أبو سعيد، وهو حليف بني عبد الأشهل، واسم أبي ~~أبيه: سلمة بن مالك بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو، ~~وهو النبيت بن مالك بن الأوس. # شهد محمد ms0970 بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقيل: ~~إنه استخلفه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المدينة عام تبوك. # وروى عنه من الصحابة: جابر بن عبد الله، والمغيرة بن شعبة، والمسور بن ~~مخرمة، وسهل بن أبي حثمة، وغيرهم، وجماعة من التابعين. # وروى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، ~~ومات بالمدينة، وصلى عليه مروان بن الحكم، وهو أمير المدينة، في صفر سنة ~~ثلاث وأربعين، وقيل: سنة سبع وأربعين، وهو ابن سبع وسبعين سنة، والله أعلم (¬1). # وأما الإملاص؛ وهي -بكسر الهمزة-، وهو جنين المرأة، يقال: أملصت به، ~~وأزلقت به، وأمهلت به، وكله بمعنى، وهو إذا وضعته قبل أوانه، وكل ما زلق من ~~اليد، فقد ملص -بفتح الميم وكسر اللام- ملصا -بفتحهما-، وأملص -أيضا-، ~~لغتان، وأملصته أنا، هذا كلام أهل اللغة، ووقع في "صحيح مسلم": ملاص ~~المرأة، وهو صحيح على لغة ملص، مثل: لزم لزاما، يقال: PageV03P1428 # ملص الشيء: إذا أفلت، والمراد به الجنين (¬1). # وقول المغيرة: "قضى فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - بغرة عبد أو أمة"، ~~وفي "صحيح البخاري" عن المغيرة بن شعبة، قال: قضى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بالغرة عبد أو أمة. # أصل الغرة: بياض في الوجه، قال أبو عمرو: والمراد بالغرة: الأبيض خاصة، ~~فلا يجزئ الأسود، قال: ولولا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أراد ~~بالغرة معنى زائدا على شخص العبد والأمة، لما ذكرها, ولاقتصر على قوله: ~~"عبد أو أمة"، هذا قول ابن عمر، وهو خلاف ما اتفق عليه الفقهاء: أنه يجزئ ~~فيها البيضاء والسوداء، ولا تتعين البيضاء. # قال الجوهري: كأنه عبر بالغرة عن الجسم كله، كما قالوا: عتق رقبة. # وغرة -منون-، وعبد أو أمة بدل منه، وهو هكذا عند جميع الرواة وأهل الفقه ~~من المصنفين وغيرهم. # قال القاضي عياض -رحمه الله تعالى-: ورواه بعضهم بالإضافة، والأول أوجه وأقيس. # وقال صاحب "المطالع": والصواب رواية التنوين، وفيما يؤيد ذلك رواية ~~البخاري: بالغرة عبد أو أمة، و"أو" في قوله: "أو أمة" للتقسيم، لا للشك، ~~والمراد ms0971 بالغرة: عبد أو أمة، وهو اسم لكل واحد منهما. # قال أهل اللغة: الغرة عند العرب أنفس الشيء، وأطلقت هنا على الإنسان؛ لأن ~~الله -عز وجل- خلقه في أحسن تقويم (¬2). PageV03P1429 # وجاء في رواية في غير الصحيح: "بغرة عبد أو أمة، أو فرس أو بغل" (¬1) وهي ~~رواية باطلة قد أحدثها بعض السلف، وسيأتي ذكرهم في الأحكام. # وللفقهاء تصرف في سن العبد بالتقييد، وليس ذلك من مقتضى الحديث، والله أعلم. # وقول عمر - رضي الله عنه - للمغيرة: "لتأتين بمن يشهد معك"؛ وهذا كان في ~~أول الأمر يفعله عمر - رضي الله عنه - للاحتياط في ضبط الشريعة؛ لئلا ~~يتساهل في رواية الأحاديث، ويدخل في الشريعة ما ليس منها، خصوصا في الأمور ~~الجزئية؛ مثل هذا الحكم، فكيف بالأمر الكلي؟ وإلا فخبر الواحد مقبول معمول ~~به عند الصحابة والتابعين وهلم جرا، خصوصا عند استقرار القواعد ومعرفة ~~الأحكام، وتقرير الأدلة. # ولا شك أنه لما مات النبي - صلى الله عليه وسلم -، واستخلف أبو بكر، ~~وارتد من ارتد، وتفرقت الصحابة -رضي الله عنهم- في البلاد، واشتغلوا بالغزو ~~وفتح البلاد، وكان عمر - رضي الله عنه - حزورا خشي من التبديل في الشرع ~~والتحريف؛ فشدد في ذلك؛ لينضبط الناس في البلاغ والتكلم في العلم إلا ببينة ~~وتثبت؛ خوفا من أن يدخل في الشرع ما ليس فيه، والله أعلم. # وقد فعل ذلك عمر مع أبي موسى - رضي الله عنهما - في حديث الاستئذان، وصرح ~~عمر - رضي الله عنه - فيه: بأنه أراد الاستثبات لأمر أوجبه من استبعاد عدم ~~العلم به، أو شكه فيه؛ أو لزيادة الاستظهار، أو للتثبت في الأشياء، واتخاذ ~~ذلك عادة، ونحو ذلك، والله أعلم. PageV03P1430 # وفي الحديث أحكام: # منها: استشارة الإمام في الأحكام إذا لم تكن معلومة له. # ومنها: أن العلم الخاص معفو عنه عن الأئمة والكبار تعلمه، فيتعلمونه ممن ~~دونهم؛ فالحكمة ضالة المؤمن حيث وجدها التقطها. # ومنها: الرد على من يغلو من المقلدين في أنه إذا استدل عليه بحديث، ~~فيقول: لو كان صحيحا، لعلمه فلان مثلا؛ فإن ذلك إذا خفي على أكابر الصحابة، ~~وجاز عليهم، فهو ms0972 على غيرهم أجوز. # ومنها: ما تمسك به بعض من اعتبر العدد في الرواية, وهو مذهب غير صحيح؛ ~~فإنه قد ثبت قبول خبر الواحد العدل، وهو قاطع بعدم اعتبار العدد فيها. وأما ~~طلب العدد في حديث جزئي لا يدل على اعتباره أمر كلي، فلا مانع منه؛ لجواز ~~أن يحال المانع في العام على مانع خاص بتلك الصورة، فيقع الشك فيها، فيحتاج ~~إلى الاستظهار بزيادة العدد فيها، خصوصا إذا قامت قرينة ظاهرة؛ مثل: عدم ~~علم عمر - رضي الله عنه - بهذا الحكم. # ومنها: أن دية الجنين غرة عبد أو أمة، وهو إذا ألقته ميتا بسبب الجناية، ~~وهذا الحديث أصل في إثباتها، واعتبر الفقهاء أن تكون قيمتها عشر دية الحر، ~~أو نصف عشر دية الأب، ولا يشترط فيها أن تكون بيضاء ولا سوداء، بل أيهما ~~دفع أجزأ، ولا يجزئ غيرهما من الحيوانات. # وحكي عن طاوس وعطاء ومجاهد: أنها تكون فرسا، وقال داود: كل ما وقع عليه ~~اسم الغرة يجزئ، وهذا المذهبان مخالفان لصريح الحديث في العبد والأمة. # واتفق العلماء على أن دية الجنين هي الغرة، سواء كان الجنين ذكرا أو ~~أنثى، والحكمة في ذلك أنه قد يخفى، فيكثر النزاع فيه، فيضبطه - صلى الله ~~عليه وسلم - بضابط يقطع النزاع. # ثم لا فرق بين أن يكون الجنين كامل الأعضاء أم ناقصها، أو كان مضغة تصور ~~فيها خلق آدمي، ففي كل ذلك الغرة بالإجماع. PageV03P1431 # ثم الغرة تكون لورثة الجنين على مواريثهم الشرعية، وهذا شخص يورث ولا ~~يرث، ولا يعرف له نظير إلا من بعضه حر وبعضه رقيق؛ فإنه لا يرث عند ~~الشافعية. # وهل يورث؟ فيه قولان للشافعي: أصحهما: يورث، وهو مذهب جماهير العلماء. # وحكى القاضي عياض عن بعض العلماء: أن الجنين كعضو من أعضاء الأم، فتكون ~~ديته لها خاصة، فلو انفصل الجنين حيا ثم مات، وجب فيه كمال الدية، فإن كان ~~ذكرا، وجب فيه مئة بعير، وإن كان أنثى، فخمسون، وهذا مجمع عليه، وسواء في ~~هذا الخطأ والعمد. # ومتى وجبت الغرة، فهي على العاقلة، لا على الجاني، ms0973 وهذا مذهب الشافعي، ~~وأبي حنيفة، وسائر الكوفيين، وقال مالك والبصريون: تجب على الجاني، قال ~~الشافعي وآخرون: يلزم الجاني الكفارة، وقال بعضهم: لا كفارة عليه، وهو مذهب ~~مالك وأبي حنيفة، والله أعلم. # * * * ### || AUTO الحديث السابع # عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت ~~إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن دية جنينها: ~~غرة: عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورثها ولدها ومن معهم، ~~فقام حمل بن النابغة الهذلي فقال: يا رسول الله! كيف أغرم من لا أكل ولا ~~شرب، ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك يطل؟! فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إنما هو من إخوان الكفان"؛ من أجل سجعه الذي سجع (¬1). PageV03P1432 # أما المرأتان؛ فالضاربة، يقال لها: أم عفيف بنت مسروح. واسم المرأة ذات ~~الجنين مليكة بنت عويمر، ذكر ذلك الحافظ أبو القاسم خلف بن بشكوال، وقال: ~~ذكر ذلك عبد الغني، وفي حديثه: فقال العلاء بن مسروح: يا رسول الله! أنغرم ~~من لا شرب ولا أكل، الحديث. # وقيل: إن المتكلم بذلك حمل بن مالك بن النابغة، وأنه كان له امرأتان؛ ~~مليكة وأم عفيف، كذا في "مسند" الحارث بن أبي أسامة، وكذا في "المنتقى" ~~لابن الجارود: أن المتكلم حمل المذكور، هذا آخر كلام ابن بشكوال (¬1). # وكون المتكلم حمل بن النابغة: هو الصحيح؛ لثبوته في "الصحيحين"، كما ذكره ~~المصنف، والله أعلم. # وأما حمل: فهو بفتح الحاء المهملة والميم، وهو في غالب كتب المحدثين ~~منسوب إلى جده دون أبيه؛ فإن النابغة جده، واسم أبيه: مالك، وهو هذلي من ~~هذيل بن مدركة بن إلياس، نزل البصرة، وله بها دار، وذكره مسلم فيمن روى عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - من المدينة، وغيره يعده في البصريين لكن مخرج ~~حديثه في الجنين عند المدنيين، وهو عند البصريين -أيضا-. # وكنيته: أبو نضلة، ويقال في اسمه: حملة -بزيادة هاء-، ذكره النمري في ~~"الاستيعاب"، وهو غريب. # روى ms0974 له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (¬2). # وقوله: "اقتتلت امرأتان من هذيل"، وفي روايات في "الصحيح" وغيره: من بني ~~لحيان (¬3). PageV03P1433 # قد يظن من لا معرفة له أنهما متناقضتان، وأن أحدهما غلط، وليس كذلك، ~~فإنهما صحيحتان. # ولحيان -بكسر اللام، وقيل بفتحها-: بطن من هذيل. # وقد روي في "الصحيح": أن إحداهما كانت ضرة الأخرى (¬1)، والضرتان: زوجتا ~~الرجل، سميت كل واحدة ضرة؛ لحصول المضارة بينهما، وتضرر كل واحدة بالأخرى عادة. # والعاقلة: جمع عاقل، وجمع الجمع: عواقل. والمعاقل: الديات، والعقل: ~~الدية، سمي بذلك؛ لأن مؤديها يعقلها بفناء أولياء المقتول. يقال: عقلت ~~فلانا: إذا أعطيت ديته، وعقلت عن فلان: إذا غرمت عنه دية جنايته، ويقال ~~لدافع الدية: عاقل؛ لعقله الإبل بالعقل، وهي الحبال التي تثنى بها أيدي ~~الإبل إلى ركبها فتشد بها. وعقلت البعير أعقله -بكسر القاف- عقلا (¬2). # والعاقلة عند الفقهاء: العصبات ما عدا الآباء والأبناء، والله أعلم. # وقوله: "فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتها وما في بطنها"، معناه: رمتها ~~بحجر صغير لا يقصد به القتل غالبا، فيكون شبه عمد تجب فيه الدية على ~~العاقلة، ولا يجب فيه قصاص ولا دية على الجاني، وبذلك قال الشافعية وجمهور ~~العلماء. # وليس في الحديث المذكور ما يشعر بانفصال ما في بطنها, ولا يفهم من لفظه؛ ~~بخلاف حديث عمر الماضي في إملاص المرأة، فإنه مصرح فيه بالانفصال، وهو ~~مشروط عند الشافعية في وجوب الغرة كما تقدم أنه ينفصل ميتا بسبب الجناية. PageV03P1434 # وفي "صحيح مسلم" في بعض طرق هذا الحديث: قضى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في جنين امرأة من بني لحيان، سقط ميتا: بغرة: عبد أو أمة (¬1)، فدل ~~على انفصال الجنين، فهو موافق لحديث عمر، والله أعلم. # فلو ماتت الأم، ولم ينفصل جنين، لم يجب شيء؛ قالوا: لأن المقصود المعتبر ~~نفس الانفصال، فلو لم يحصل الانفصال، فهل يشترط أن ينكشف، أو أن يتحقق حصول ~~الجنين؟ فيه وجهان: أصحهما: الثاني، وينبني على هذا ما إذا قدت بنصفين، ~~وشوهد الجنين في بطنها, ولم ينفصل، وما إذا خرج رأس الجنين بعدما ضرب وماتت ~~الأم ms0975 لذلك، ولم ينفصل، وبمقتضى هذا يحتاجون إلى تأويل هذه الرواية, وحملها ~~على أنه انفصل، وإن لم يكن في اللفظ ما يدل عليه، وقد ذكرناه عن "صحيح ~~مسلم"، وقد علق الحكم في الحديث بلفظ الجنين. # فالشافعية فسروه بما ظهر فيه صورة الآدمي؛ من يد أو إصبع أو غيرهما, ولو ~~لم يظهر شيء من ذلك، وشهدت البينة بأن الصورة خفية يختص أهل الخبرة ~~بمعرفتها، وجبت الغرة -أيضا-، وإن قالت البينة: ليست فيها صورة خفية، ولكنه ~~أصل الآدمي، ففيه اختلاف. # والظاهر عند الشافعية: أنه لا تجب الغرة. # وإن شكت البينة في كونه أصل الآدمي، لم تجب، بلا خلاف. # وحظ هذا الحديث أن الحكم مرتب على اسم الجنين مما تخلق، فهو داخل فيه، ~~وما كان دون ذلك، فلا يدخل تحته إلا من حيث الوضع اللغوي؛ فإن الجنين مأخوذ ~~من الاجتنان، وهو الاختفاء، فإن خالفه العرف العام، فهو أولى منه، وإلا ~~اعتبر الوضع. # وقوله: "فقام حمل بن النابغة الهذلي، فقال: يا رسول الله! كيف أغرم من PageV03P1435 # لا أكل ولا شرب ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك يطل؟ ": # استهل: رفع الصوت بالصياح ونحوه. # وأما يطل؛ فمعناه: يهدر؛ أي: يلغى، قال أهل اللغة: يقال: طل دمه -بضم ~~الطاء-، وأطل؛ أي: أهدر، وأطله الحاكم، وطله: أهدره، وجوز بعضهم: طل دمه: ~~بفتح الطاء في اللازم، وأباها الأكثرون. # واختلف في ضبط الياء من يطل، على وجهين: # أحدهما: بالياء المثناة المضمومة وتشديد اللام؛ أي: لا يضمن. # والثاني: بطل، بفتح الباء الموحدة، وتخفيف اللام، فعل ماض من البطلان، ~~وهو بمعنى الأول، والأكثرون على ضبطه بالمثناة، وقال القاضي عياض: جمهور ~~رواة "صحيح مسلم" ضبطوه بالموحدة (¬1). # قوله: "فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنما هو من إخوان الكهان؛ ~~من أجل سجعه الذي سجع": # الكهان: جمع كاهن، وهو تخيل كالسحر، وكلاهما من الجبت، واله أعلم. # والسجع في الكلام: الذي يأتي في أواخره على نسق واحد، وأصله: القصد ~~المستوي على نسق واحد في كل شيء، وإنما ذم سجعه؛ لما فيه من التكلف لإبطال ~~حق أو ms0976 تحقيق باطل، أو لمجرد التكلف. # ولا شك أن كل واحد مما ذكرنا مذموم تحقيق، وأما مطلق السجع الذي ليس ~~كذلك، فليس بمذموم، بل ممدوح، خصوصا إذا كان أدعى إلى قبول الحق أو فهمه أو ~~حفظ لفظه؛ لوروده في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفي كلام السلف؛ ~~حيث إنه لا يعارض به حق، ولا يتكلف؛ ولهذا شبه - صلى الله عليه وسلم - سجع ~~حمل بسجع الكهان؛ PageV03P1436 # حيث إنهم كانوا يروجون أقاويلهم الباطلة بأسجاع تروق للسامعين، فيستميلون ~~إليها القلوب، ويستصغون إليها الأسماع، والله أعلم. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: وقوع الجنايات والخصام فيها إلى الحكام، خصوصا من الضرائر ~~والألزام. # ومنها: وجوب الغرة بالجناية على الجنين وانفصاله ميتا. # ومنها: أنه لا فرق في الغرة بين الذكر والأنثى، وأن مستحقها يجبر على ~~قبولها من أي نوع كان الرقيق المخرج فيها, لكن يشترط فيه السلامة من العيوب ~~المبينة في الرد بالعيب في البيع، ويمكن الاستدلال على سلامتها من العيوب ~~بمعنى لفظها، وهو الخيار، والمعيب ليس من الخيار. # ومنها: أن في إطلاق الحديث: أنه لا يتقدر للغرة -عبدا كان أو أمة- قيمة، ~~وهو وجه للشافعية، وتقدم تقديرها على الأظهر عندهم، هو بنصف عشر دية الأب ~~(¬1)، وهو خمس من الإبل. # ومنها: أن الغرة إذا وجدت بصفاتها المعتبرة، لا يلزم المستحق قبول غيرها؛ ~~لتعينها في الحديث دون شيء آخر، فلو عدمت، هل يلزمه خمس من الإبل أو ~~القيمة؟ فيه خلاف، وليس في الحديث ما يدل على ذلك. # ومنها: أن في إطلاق الحديث ما يقتضي عدم تخصيص سن من دون سن بالغرة، ~~وأصحاب الشافعي قالوا: لا يجبر على قبول من لم يبلغ سبع سنين؛ لحاجته إلى ~~التعهد وعدم استقلاله بنفسه. # وجعل بعضهم: أن الغلام لا يؤخذ بعد خمس عشرة سنة، ولا الجارية بعد عشرين ~~سنة، وجعل بعضهم الحد فيها عشرين سنة. # والأظهر: أنهما يؤخذان، وإن جاوزا السنين، ما لم يضعفا ويعجزا عن PageV03P1437 # الاستقلال بالهرم؛ لأن من أتى بما دل عليه الحديث ومسماه، فقد أتى بما ~~وجب، ولزم قبوله، إلا أن ms0977 يدل دليل على خلافه، كيف والحديث بالإطلاق ليس فيه ~~تقييد بسن، ولا يقتضيه لفظه؟ # ومنها: أن وجوب الغرة مقيد بالجناية على جنين الحرة دون الأمة، بخلاف ~~حديث إملاص المرأة؛ فإنه ليس فيه التقييد بالحرة ولا الأمة؛ حيث إن المرأة ~~تطلق عليهما, وليس تقييده بالحرة من عموم لفظ الحديث، بل هو حكم وارد في ~~حكم جنين الحرة لا يدخل تحته جنين الأمة، فيؤخذ حكمه من محل آخر. # وعند الشافعي -رحمه الله تعالى-: أن الواجب في الجناية على جنين الأمة: ~~عشر قيمة الأم، ذكرا كان أو أنثى، لكن الحديث وارد في جنين محكوم بإسلامه، ~~غير متعرض فيه للحكم عليه باليهودية ولا النصرانية تبعا، وبنى الفقهاء على ~~ذلك القيمة في جنين الأمة تبعا، وذلك مأخوذ من القياس لا من الحديث. # ومنها: أن دية المرأة الميتة من ضرب شبه عمد على عاقلتها؛ إجراء حكمها ~~مجرى القتل غير العمد، لا من الحديث. # ومنها: ذم الكهان وسجعهم والتشبه بهم. # ومنها: بيان الأحكام في المنطق وغيره من الأعمال. # ومنها: أن العقل والكلام بالذهن لا مدخل له في الأحكام الشرعية، بل هو ~~مركزها وقالب لها ولفهمها. # ومنها: أنه لا حكم إلا للشرع. # ومنها: جواز السجع غير المتكلف، لا لإبطال حق، ولا لترويج باطل، وإباحة ~~غير ذلك منه، والله أعلم. # * * * PageV03P1438 ### || AUTO الحديث الثامن # عن عمران بن حصين -رضي الله عنهما-: أن رجلا عض يد رجل، فنزع يده من فمه، ~~فوقعت ثنيتاه، فاختصموا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "يعض ~~أحدكم أخاه كما يعض الفحل؟ لا دية لك" (¬1). # أما الرجل العاض والمعضوض؟ ففي رواية في "صحيح مسلم": أن المعضوض هو: ~~يعلى بن منية، أو أمية. # وفي روايتين فيه: أنه أجير يعلى، لا يعلى (¬2)، وهو الصحيح المعروف عند ~~الحفاظ. # قال شيخنا أبو زكريا النووي -رحمه الله تعالى- الحافظ: ويحتمل أنهما ~~قضيتان جرتا ليعلى ولأجيره في وقت أو وقتين (¬3). # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "كما يعض الفحل"؛ فهو بالحاء المهملة؛ ~~أي: الفحل من الإبل وغيرها. # وفي الحديث: إشارة إلى تحريم العض. ms0978 # وفيه دليل: على أنه ترتب بسبب العض جناية بسقوط سن؛ لتخليص نفسه من عض ~~العاض، فلا ضمان على المعضوض، وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة وغيرهما، ~~وينبغي أن يكون ذلك بشرط ألا يمكنه تخليص يده بغير ذلك PageV03P1439 # من ضرب في شدقيه، أو فك في لحييه؛ ليرسلها، فلو أمكن تخليصها بأيسر ما ~~يقدر عليه، فينبغي أنه يضمن. # وخالف مالك في ذلك، وقال: يجب الضمان في السن مطلقا، والحديث صريح لمذهب ~~الشافعي ومن قال بقوله. # والتقييد بعدم الإمكان لغير هذا الطريق، مأخوذ من القواعد الكلية. # فلو لم يمكن التخليص إلا بضرب عضو آخر، كبعج البطن، وعصر الأنثيين، فقد ~~قيل: له ذلك، وقيل: ليس له قصد غير الفم. # وإذا كان القياس وجوب الضمان، فقد يقال: إن النص ورد في صورة التلف ~~بالنزع من اليد، فلا يقيس عليه غيره، لكن إذا دلت القواعد على اعتبار ~~الإمكان في الضمان، وعدم الإمكان في غير الضمان، وفرضنا أنه لم يكن الدفع ~~إلا بالقصد إلى غير الفم، قوي بعد هذه القاعدة، أن يسوى بين الفم وغيره. # وفيه دليل على: الاختصام إلى الحكام عند وقوع الحوادث. # وفيه: تشبيه فعل الآدمي بفعل الحيوان الذي لا يعقل؛ للتنفير عن مثل فعله. # وفيه: أن المتعدي بالجناية، إذا ترتب عليه جناية بسبب جنايته توجب ضمانا ~~بمجردها: أنه لا يجب له ضمان تلك الجناية بدية ولا قيمة. # * * * ### || AUTO الحديث التاسع # عن الحسن بن أبي الحسن البصري قال: حدثنا جندب في هذا المسجد، وما نسينا ~~منه حديثا، وما يخشى أن يكون جندب كذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كان فيمن كان قبلكم رجل به ~~جرح، فجرح، وأحد سكينا، فحز بها يده، فما رقأ الدم حتى مات، قال الله -عز ~~وجل-: عبدي بادرني بنفسه، فحرمت عليه الجنة" (¬1). PageV03P1440 # أما الحسن: فكنيته: أبو سعيد بن أبي الحسن يسار البصري -بفتح الياء ~~وكسرها-، نسبة إلى البصرة البلدة المعروفة، -بفتح الباء، وكسرها، وضمها- ~~الأنصاري، مولاهم، مولى زيد بن ثابت، وقيل: غيره. # ويقال: ms0979 إنه من سبي ميسان، وقع إلى المدينة، فاشترته الربيع بنت النضر، ~~عمة أنس بن مالك، فأعتقته، ويقال غيره. # وهو تابعي من سادات المسلمين وأكابر التابعين، ومشاهير العلماء والزهاد ~~والمذكرين ذوي الحكم والفصاحة والآراء السديدة والملاحة. # ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. # ورأى طلحة بن عبيد الله وعائشة أم المؤمنين، ولم يصح له سماع منهما، وسمع ~~خلقا من الصحابة والتابعين. # قال هشام بن حسان: أدرك الحسن ثلاثين ومئة من أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، ولم يصح له سماع من بعضهم إلا القليل، بل رؤية، ومرسلاته صحيحة. # قال أبو زرعة: كل شيء قال الحسن: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وجدت له أصلا ثابتا، ما كان ما خلا أربعة أحاديث. # وقال ابن أبي حاتم: ولا يصح له السماع من جندب. # وقد قال في هذا الحديث الثابت: حدثنا جندب في هذا المسجد، وهو صريح في ~~السماع، فهو أولى من قول ابن أبي حاتم، قاله المصنف في "الكمال في أسماء ~~الرجال"، والله أعلم. # قال أيوب -يعني: السختياني-: كان الرجل يجلس إلى الحسن ثلاث سنين، فلا ~~يسأله عن شيء؛ هيبة له. # وقال أبو قتادة العدوي: ما رأيت رجلا أشبه رأيا بعمر بن الخطاب من الحسن ~~بن أبي الحسن. PageV03P1441 # وتوفي سنة عشر ومئة، وتوفي بعده ابن سيرين بمئة يوم. # وروى له البخاري ومسلم، وأصحاب السنن (¬1). # وأما جندب؛ فهو -بضم الدال وفتحها- ابن عبد الله بن سفيان البجلي العلقي ~~-بفتح العين واللام-، وكنيته: أبو عبد الله، وكان بالكوفة، ثم صار إلى ~~البصرة، وعلقة: حي من بجيلة، صحب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وينسب تارة ~~إلى أبيه، وتارة إلى جده. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة وأربعون حديثا، اتفقا ~~منها على سبعة، وانفرد مسلم بخمسة. # وروى عنه جماعة من التابعين، مات سنة أربع وستين، وروى له أصحاب السنن ~~والمساند (¬2). # وقوله: "فحز بها يده": فقطعها، أو بعضها؛ وتقدمت لغات السكين، وأنه يجوز ~~فيها التذكير والتأنيث، ويقال في لغته: ms0980 سكينة -بالهاء-، ويقال فيها: الدية ~~-بضم الميم وفتحها، وكسرها-، ست لغات. # وقوله: "فما رقأ الدم حتى مات": رقأ، -بفتح الراء والقاف وبالهمز-: ارتفع ~~وانقطع. PageV03P1442 # وقوله: "بادرني عبدي بنفسه": فيه إشكال أصولي، يتعلق بالآجال، ولا شك أن ~~أجل كل شيء حينه ووقته، يقال: بلغ أجله؛ أي: تم أمده، وجاء حينه، وليس كل ~~وقت أجلا، ولا يموت أحد بأي سبب كان إلا بأجله، وقد علم الله أنه يموت ~~بالسبب المذكور، وأما علمه، فلا يتغير. # فعلى هذا: يبقى قوله: "بادرني عبدي بنفسه" محتاجا إلى التأويل؛ فإنه قد ~~يوهم أن الأجل كان متأخرا عن ذلك الوقت، فقدم عليه. # واعلم أن الكلام في هذا المحل على ضربين: # أحدهما: ما يتعلق بعلم الله تعالى، وعلم الله لا يتصور أن يقع الأمر فيه ~~على خلاف ما وقع به علمه -سبحانه وتعالى-. # والثاني: ما يقع بحكمه الطلبي مما وقع به علمه -سبحانه وتعالى-، وهو ألا ~~يكون وقوعه بسبب فعلي من العبد على خلاف حكمه الطلبي، فعلى هذا يتأول قوله: ~~"بادرني عبدي بنفسه"، فيكون لله -عز وجل - فيه علمان؛ علم سابق، وعلم حادث، ~~فالمبادرة وقعت لعلمه الحادث، لا لعلمه السابق، وأن كل واحد منهما معلوم ~~عنده -سبحانه وتعالى- والله أعلم. # وقوله: "حرمت عليه الجنة": قد يستشكل ذلك؛ من حيث إن تحريم دخول الجنة ~~يقتضي تحريم الأبد، فيتعلق به من يرى وعيد الأبد. # وجوابه: أنه يؤول عند غيرهم: على تحريم الجنة بزمان مخصوص، كما يقال: لا ~~يدخلها مع السابقين، أو بحالة مخصوصة، بأن يكون فعل ذلك مستحلا له، فيكفر ~~به، فيكون مخلدا بكفره، لا بقتله نفسه. # وفي الحديث أحكام: # منها: تحريم قتل النفس، سواء كانت نفس الإنسان أو غيره؛ فإن نفس الإنسان ~~ليست ملكه؛ فيتصرف فيها على حسب ما يراه، بل على حسب الأمر والنهي ~~الشرعيين. # ومنها: بيان صفة التحديث بصيغته ومكانه، وحال المحدث في ضبطه وعدم PageV03P1443 # نسيانه، والمحدث عنه؛ فإن الحسن البصري ذكر الرواية بلفظ: "حدثنا"، و"في ~~مسجد البصرة"، وعدم نسيانه لما رواه، وعدم كذب المحدث عنه. # ومنها: التحديث عن ms0981 الأمم الماضية؛ كاليهود والنصارى وغيرهما؛ للاعتبار ~~وتقرير الأحكام. # ومنها: الصبر على البلاء من المؤلمات والجراحات، وعدم الجزع عليها، بل من ~~ابتلي بشيء منها، يلزمه الصبر والرضا، وعدم الجزع عليها، وسؤال الله تعالى ~~العافية، والحمد له في البأساء والضراء، والشدة والرخاء، فسبحان من لا يحمد ~~على المكروه سواه، ولا يعرف في جميع الحالات إلا هو. # ومنها: تحريم الأسباب المؤدية إلى إزهاق روح الإنسان. # ومنها: رحمة الله تعالى لخلقه؛ حيث حرم قتل النفوس وأسبابه. # ومنها: الوقوف عند حدوده؛ بحيث لا يقدم أمرا قبل وقته المحدود في علمه، ~~بتعاطي نفسه وجزعها، والله أعلم. # * * * PageV03P1444 ### || CHECK [باب] ### | AUTO كتاب الحدود ### ||| AUTO الحديث الأول # عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قدم ناس من عكل أو عرينة فاجتووا ~~المدينة، فأمر لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بلقاح، وأمرهم أن يشربوا ~~من أبوالها وألبانها، فانطلقوا، فلما صحوا، قتلوا راعي النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، واستاقوا النعم، فجاء الخبر في أول النهار، فبعث في آثارهم، ~~فلما ارتفع النهار، جيء بهم، فأمر بقطع أيديهم وأرجلهم، وسمرت أعينهم، ~~وتركوا في الحرة يستسقون فلا يسقون، قال أبو قلابة: فهولاء سرقوا وقتلوا ~~وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله (¬1). # اعلم أن قصة العرنيين كانت في شوال سنة ست من الهجرة. # أما أبو قلابة؛ فاسمه: عبد الله بن زيد الجرمي، تابعي بصري ثقة، روى له ~~البخاري ومسلم، وقلابة: بقاف مكسورة ولام ألف مفتوحة وبعدها باء موحدة وتاء ~~تأنيث (¬2). # وأما عكل؛ فهي بضم العين المهملة وسكون الكاف وبعدها لام: قبيلة نسبت إلى ~~عكل: امرأة حضنت ولد عوف بن إياس بن قيس بن عوف بن عبد مناة بن PageV03P1445 # أد بن طابخة، فغلبت عليهم، ونسبوا إليها (¬1). # وأما عرينة؛ فهي بضم العين المهملة وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف، ~~وبعدها نون مفتوحة، وتاء تأنيث: بطن من بجيلة (¬2). # "واجتووا المدينة"؛ بالجيم والمثناة فوق؛ ومعناه: استوخموها كما جاء ~~مفسرا في رواية أخرى في الصحيح، واجتوى مشتق من الجوى، وهو داء الجوف إذا ~~تطاول، فكأنهم كرهوها واستوبؤوها؛ للمرض الذي أصابهم بها. ms0982 # ومنهم من فرق بين اجتووا واستوبؤوا، فجعل اجتووا: كرهوا الموضع وإن وافق، ~~واستوبؤوا: إذا لم يوافقهم، وإن اجتووه (¬3). # وأما اللقاح؛ فهي ذوات الألبان من الإبل، واحدها لقحة، بكسر اللام ~~وفتحها، وقيل: إنما يقال: لقحة بعد شهر أو شهرين أو ثلاثة بقرب ولادتها، ثم ~~هي بعد ذلك لبون. # وفي "صحيح مسلم" في بعض طرق هذا الحديث: أنها إبل الصدقة (¬4)، وفي ~~"الصحيحين": أنها لقاح النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬5)، وكلاهما صحيح، ~~فكان بعضها للصدقة، وبعضها للنبي - صلى الله عليه وسلم -. # وقوله: "فلما صحوا، قتلوا راعي النبي - صلى الله عليه وسلم - "؛ أما ~~العرنيون الذين قتلوا الراعي، فكان عددهم ثمانية، رويناه في "مسند أبي يعلى ~~الموصلي، بإسنادنا PageV03P1446 # إليه (¬1)، وهم ناس من بني سليم وبني عكل وعرينة كما في الحديث. # وأما الراعي؛ فاسمه: يسار، وهو مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وكان نوبيا، وقيل: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصابه في غزوة ~~محارب وبني ثعلبة، فجعله في لقاح له ترعى ناحية الحمى (¬2). # وكانت قصة العرنيين سنة ست من الهجرة. # وقوله: "واستاقوا النعم": النعم -بالنون والعين المهملة المفتوحتين-: ~~الإبل خاصة، والأنعام: الإبل والبقر والغنم، وقيل: هما لفظان بمعنى واحد ~~يطلق على الجميع. # وقوله: "فأمر بقطع أيديهم وأرجلهم، وسمرت أعينهم"؟ سمرت -بالميم المخففة، ~~وقيدها بعضهم بالتشديد، والأول أوجه- يعني: كحلت بمسامير محماة. # وروي في "الصحيح": وسمل -باللام مخففة الميم-، فقيل: هما بمعنى واحد، ~~والراء تبدل من اللام، وقيل: باللام: فقأها بشوك أو غيره، وأذهب ما فيها، ~~وقيل: بحديدة محماة تدنى من العين حتى يذهب ضوءها. وعلى هذا يتفق مع رواية ~~من قال بالراء، وقد تكون هذه الحديدة مسمارا، وأيضا -فقد يكون فقأها ~~بالمسمار، وسملها؛ به كما يفعل ذلك بالشوك (¬3). # وإنما فعل ذلك جميعه بهم؛ لأنهم فعلوا بالرعاة كذلك، كما ثبت في "صحيح ~~مسلم" في بعض طرق الحديث. PageV03P1447 # ورواه -أيضا- ابن إسحاق وموسى بن عقبة، وأهل السير، والترمذي، فيكون قصاصا. # وقال بعض السلف: كان هذا قبل نزول الحدود وآية المحاربة والنهي عن ~~المثلة، فهو منسوخ، وقيل: ليس ms0983 بمنسوخ. # وفي قصة العرنيين نزلت آية المحاربة، وهي قوله - عز وجل -: {إنما جزاء ~~الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو ~~تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض} [المائدة: 33]. # وقال بعضهم: النهي عن المثلة نهي تنزيه ليس بحرام. # وقوله: "وتركوا في الحرة"؛ الحرة: كل أرض ذات حجارة سود بين جبلين. # وأما قوله: "يستسقون فلا يسقون"؛ فهو إخبار عن الواقع، لا يقتضي نهيا عن ~~سقيهم ولا غيره. # وقد نقل القاضي عياض -رحمه الله تعالى- إجماع المسلمين على أن: من وجب ~~عليه القتل، فاستسقى الماء: أنه لا يمنع منه؛ لئلا يجتمع عليه عذابان. # وقد روي في بعض طرق هذا الحديث الصحيح في "سنن أبي داود والنسائي" من ~~رواية ابن عمر - رضي الله عنهما -: أنهم قتلوا الرعاة، وارتدوا عن الإسلام ~~(¬1)، وحينئذ لا يبقى لهم حرمة في سقي الماء ولا غيره. # وقد اتفق أصحاب الشافعي -رحمهم الله أجمعين- على أنه لا يجوز لمن معه ماء ~~يحتاج إليه للطهارة أن يسقيه لمرتد يخاف الموت من العطش، ويتيمم، ولو كان ~~ذميا أو بهيمة، وجب سقيه، ولم يجز الوضوء به حينئذ، والله أعلم. PageV03P1448 # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: قدوم القبائل والغرباء على العلماء والكبار. # ومنها: نظر الإمام في مصالح الوافدين عليه، وأمره لهم بما يناسب حالهم في ~~إنزالهم مكانا، وإصلاحهم أبدانا. # ومنها: دلالة لمالك وأحمد في أن بول ما يؤكل وروثه طاهران، وأجاب ~~المخالفون من الشافعية وغيرهم القائلون بنجاستها: بأن شربهم الأبوال كان ~~للتداوي، وهو جائز بكل النجاسات، سوى شرب الخمر والمسكرات. # واعترض عليهم بأنها لو كانت نجسة محرمة للشرب، ما جاز التداوي بها؛ لأن ~~الله - عز وجل - لم يجعل شفاء هذه الأمة فيما حرم عليها. # ومنها: ثبوت أحكام المحاربة في الصحراء؛ حيث إن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بعث في طلب العرنيين لما بلغه فعلهم بالرعاء. # واختلف العلماء في ثبوت أحكامها في الأمصار: # فقال مالك والشافعي: تثبت، وقال أبو حنيفة: لا تثبت. # ومنها: شرعية المماثلة في القصاص، ونهيه - صلى الله عليه ms0984 وسلم - عن ~~المثلة في غير القصاص مع شرعية عدم المماثلة فيه استحبابا. # ومنها: أن فعل الإمام بالمحاربين وأهل الفساد ما يفعله في المثلة والقطع ~~وسمر الأعين ونحو ذلك، ليس هو من عدم الرحمة؛ لما فيه من كف العادية عن ~~الخلق، فيكون فعله حينئذ رحمة بهذا الاعتبار، ولا شك أن من صفة الأئمة ~~الرحمة برعاياهم، فإذا فعلوا مثل ذلك، فلا يظن أنه مخالف لوصف الرحمة الذي ~~هو مشروط في حقهم على الرعايا، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: "إن لي على ~~قريش حقا، ولقريش عليكم حقا، ما إذا حكموا فعدلوا، وائتمنوا فأدوا، ~~واسترحموا فرحموا" (¬1). PageV03P1449 # ومنها: عقوبة المحاربين، وهو موافق للآية الكريمة. # واختلف العلماء في المراد من الآية الكريمة في القتل والصلب وقطع الأيدي ~~والأرجل من خلاف: هل هو للتخيير أو للتقسيم؟ وهو راجع إلى الاختلاف في ~~"أو"، فقال مالك: هي على التخيير، فيتخير الإمام بين الأمور الثلاثة ~~المذكورة، إلا أن يكون المحارب قد قتل، فيتحتم قتله، وقال أبو حنيفة، وأبو ~~مصعب المالكي: الإمام بالخيار، وإن قتلوا، وقال بعض الحنفية: هذا النقل عن ~~بعض الحنفية غلط؛ لأن مذهبه فيمن أخذ المال، وقتل: أن الإمام بالخيار، إن ~~شاء قطعه وقتله أو صلبه، وإن شاء قتله ابتداء أو صلبه. # وقال الشافعي وآخرون: هي على التقسيم، فإن قتلوا, ولم يأخذوا المال، ~~قتلوا، وإن قتلوا وأخذوا، قتلوا وصلبوا، وإن أخذوا المال ولم يقتلوا، قطعت ~~أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن أخافوا السبيل، ولم يأخذوا شيئا، ولم يقتلوا، ~~طلبوا حتى يعزروا، وهو المراد بالنفي عند الشافعية. # وقالوا: لأن ضرر هذه الأفعال مختلف، فكانت عقوباتها مختلفة، فلم تكن ~~للتخيير، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبي هريرة، وزيد بن خالد ~~الجهني -رضي الله عنهما-: أنهما قالا: إن رجلا من الأعراب أتى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله! أنشدك الله، إلا قضيت بيننا ~~بكتاب الله، وائذن لي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "قل"، قال: ms0985 ~~إن ابني كان عسيفا على هذا، فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم، ~~فافتديت منه بمئة شاة ووليدة، فسألت PageV03P1450 # أهل العلم فأخبروني: أنما على ابني جلد مئة وتغريب عام، وأن على امرأة ~~هذا الرجم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "والذي نفسي بيده! ~~لأقضين بينكما بكتاب الله: الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مئه وتغريب ~~عام، واغد يا أنيس -لرجل من أسلم- إلى امرأة هذا، فإن اعترفت، فارجمها"، ~~فغدا عليها، فاعترفت، فأمر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فرجمت (¬1). # العسيف: الأجير. # أما عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود؛ فكنيته: أبو عبد الله، ~~الفقيه الأعمى، هذلي مدني تابعي، أحد فقهاء المدينة السبعة، سمع عبد الله ~~بن عباس، وعبد الله بن عمر، وأبا سعيد الخدري، وأبا واقد الليثي، وزيد بن ~~خالد الجهني، والنعمان بن بشير، وعائشة أم المؤمنين، وفاطمة بنت قيس، وأم ~~قيس بنت محصن، وروى عن أبي طلح، وسهيل بن حنيف. # وروى عنه جماعة من التابعين، اتفقوا على توثيقه وإمامته وجلالته وأمانته ~~وكثرة علمه وفقهه وحديثه وصلاحه، وكان معلم عمر بن عبد العزيز. # قال الزهري: ما جالست أحدا من العلماء، إلا وأرى أني قد أتيت على ما ~~عنده، ما خلا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، فإني لم آته إلا وجدت عنده ~~علما طريفا. # وروى له: البخاري، ومسلم، وأصحاب السنن والمساند. # مات سنة تسع، وقيل: سنة ثمان، وقيل: خمس أو أربع وتسعين، والله أعلم ~~(¬2). PageV03P1451 # وأما أبو هريرة، وزيد بن خالد الجهني؛ فتقدم ذكرهما. # وأنيس هذا صحابي مشهور، وهو أنيس بن الضحاك الأسلمي، معدود في الشاميين، ~~وقال ابن عبد البر: أنيس بن مرثد، والأول: هو الصحيح المشهور (¬1)، والمرأة ~~شامية -أيضا-، والله أعلم. # وأما الرجل الأعرابي وابنه، والمرأة المزني بها وزوجها؛ فلا أعرف لهم ~~ذكرا في الأسماء المبهمات. # وقوله: "أنشدك الله إلا قضيت بيننا بكتاب الله"؛ معنى أنشدك: أسألك رافعا ~~نشيدي، وهو صوتي، وأنشدك: بفتح الهمزة وضم الشين. # وقوله: "إلا قضيت بيننا بكتاب الله"؛ ينطلق ذلك على ms0986 القرآن خاصة، وقد ~~ينطلق كتاب الله على حكم الله مطلقا، والأولى حمله على ذلك؛ لأنه ذكر في ~~الحديث الحكم بالتغريب، وليس هو منصوصا في القرآن إلا بواسطة أمر الله -عز ~~وجل- باتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - وطاعته. # وقوله: "إن ابني كان عسيفا على هذا"، هو بالعين والسين المهملتين؛ أي: ~~أجيرا، وجمعه عسفاء، كأجير وأجراء، وفقيه وفقهاء. # وقوله: "فافتديت منه"؛ أي: من الرجم. # وقوله: "لأقضين بينكما بكتاب الله"؛ يحتمل أن المراد: بحكم الله، وقيل: ~~هو إشارة إلى قوله تعالى: {أو يجعل الله لهن سبيلا (15)} [النساء: 15]. # وفسر النبي - صلى الله عليه وسلم - السبيل بالرجم في حق المحصن. # وقيل: هو إشارة إلى آية: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما)، وهي مما ~~نسخت تلاوته وبقي حكمه، فعلى هذا، يكون الجلد قد أخذه من قوله تعالى: ~~{الزانية والزاني} [النور: 2]. PageV03P1452 # وقيل: المراد: نقض صلحهما الباطل على الغنم والوليدة. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الوليدة والغنم رد"؛ أي: مردودة، ومعناه: ~~يجب ردها إليك. # وأطلق المصدر على اسم المفعول. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وعلى ابنك جلد مئة وتغربب عام"؛ هذا ~~متضمن: أن ابنه كان بكرا، وعلى أن ابنه اعترف بالزنا؛ فإن إقرار الأب عليه ~~لا يقبل إلا أن يكون هذا من باب الفتوى، فيكون معناه: إن كان ابنك زنى وهو ~~بكر، فحده ذلك. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "واغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت، ~~فارجمها، فغدا عليها، فاعترفت، فأمر بها فرجمت"؛ معناه عند العلماء: إعلام ~~المرأة بأن هذا الرجل قذفها بابنه؛ لتعلم أن لها حد القذف، ويجب عليها حد ~~الزنا، وهو الرجم؛ لأنها محصنة. فذهب أنيس، واعترفت بالزنا، فأمر النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - برجمها، فرجمت، ولا بد من هذا التأويل؛ لأن ظاهره أنه ~~بعث لطلب إقامة حد الزنا، وهو غير مراد؛ لأنه لا يحتاط له بالتجسس والتنقير ~~عنه، بل لو أقر به مقر، استحب أن يلقن الرجوع عنه، فتعين التأويل، والله أعلم. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: استحباب صبر الحاكم والمفتي ونحوهما على جفاة الناس ms0987 من الخصوم ~~والمستفتين، إذا قالوا: احكم بيننا بالحق، وأفتنا بالحق. # ومنها: حسن المخاطبة للحكام والمفتين؛ حيث وصف الخصم الآخر بأنه أفقه من ~~الأول؛ لأنه أتى بالقضية على وجهها، واستأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في الكلام؛ حذرا من وقوعه في النهي في قوله -عز وجل-: {لا تقدموا بين يدي ~~الله ورسوله} - صلى الله عليه وسلم -[الحجرات: 1]؛ بخلاف خطاب الأول. # ومنها: جواز استفتاء غير النبي - صلى الله عليه وسلم - في زمنه؛ فإنه - ~~صلى الله عليه وسلم - لم ينكر ذلك عليه لما قال: فسألت أهل العلم. # ومنها: جواز الاستفتاء المفضول مع وجود أفضل منه. # ومنها: أن الصلح الفاسد يرد. PageV03P1453 # ومنها: أن أخذ المال فيه باطل، يجب رده. # ومنها: أن الحدود لا تقبل الفداء. # ومنها: شرعية التغريب مع الجلد، والحنفية يخالفون فيه؛ بناء على أن ~~التغريب ليس مذكورا في القرآن، وأن الزيادة على النص نسخ، ونسخ القرآن بخبر ~~الواحد غير جائز عندهم، وغيرهم يخالفهم في تلك المقدمة، وهي أن الزيادة على ~~النص نسخ، والمسألة مقررة في علم الأصول، وقد أجمع العلماء على وجوب جلد ~~الزاني البكر مئة، ورجم المحصن، وهو الثيب، ولم يخالف فيه أحد من أهل ~~القبلة، إلا الخوارج وبعض المعتزلة، والنظام وأصحابه، فإنهم لم يقولوا ~~بالرجم. # واختلف العلماء في جلد الثيب مع الرجم: فقال علي بن أبي طالب - كرم الله ~~وجهه-، والحسن البصري، وابن راهويه، وداود، وأهل الظاهر، وبعض الشافعية: ~~يجلد، ثم يرجم، وقال جمهور العلماء: الواجب الرجم. # ومن أهل الحديث من فصل فقال: يجمع بينهما إن كان شيخا ثيبا، فإن كان شابا ~~ثيبا، اقتصر على الرجم، وهو مذهب باطل مردود لا أصل له بالأحاديث الصحيحة، ~~ومنها: قصة ماعز والغامدية، وحديث الكتاب: "واغد يا أنيس"، وحديث الجمع بين ~~الجلد والرجم منسوخ؛ فإنه كان في أول الإسلام، والله أعلم. # ومنها: الرجوع إلى العلماء عند اشتباه الأحكام والشك فيها. # ومنها: استصحاب الحال والحكم بالأصل في استمرار الأحكام الثابتة، وإن كان ~~يمكن زوالها في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنسخ. # ومنها: أن المتعاوضين ms0988 بالعقد الفاسد إذا أذن كل واحد للآخر في التصرف ~~[في] ملكه لم ينفذ ذلك؛ حيث إنه - صلى الله عليه وسلم - جعل الوليدة والغنم ~~مردودا. # ومنها: أن ما يوجب الحد والتعزير من الألفاظ في محل الاستفتاء يسامح به، ~~لكنه إذا تضمن وجوب حد على الغير، وجب إعلامه به؛ ليقر، أو يطلب إقامة الحد ~~على من تلفظ بما يوجبه، أو يعفو عنه. PageV03P1454 # ومنها: عدم الجمع بين الجلد والرجم، وتصريح بحكم الرجم؛ فإنه - صلى الله ~~عليه وسلم - لم يعرف أنيسا عدم الجمع بين الجلد والرجم، بل أمره بالرجم بعد ~~الاعتراف بالزنا. # ومنها: استنابة الإمام في إقامة الحدود. # ومنها: الاكتفاء بالاعتراف بما يوجب الحد مرة واحدة؛ فإنه - صلى الله ~~عليه وسلم - رتب رجمها على مجرد اعترافها، ولم يقيده بعدد. # ومنها: أن الحاكم إذا قذف إنسان معين في مجلسه، وجب عليه أن يبعث إليه ~~ليعرفه بحقه من القذف، وقد اختلف أصحاب الشافعي -رحمه الله تعالى- في وجوب ~~ذلك على الحاكم على وجهين؛ والأصح عندهم: الوجوب. # ومنها: أن المحصن يرجم ولا يجلد مع الرجم. # ومنها: جواز إيجار الآدمي نفسه واستئجاره. # ومنها: الرجوع إلى كتاب الله -عز وجل- في الأحكام، إما بالنص، وإما ~~بالاعتبار والاستنباط، ونحو ذلك؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لأقضين ~~بينكما بكتاب الله". # ومنها: القسم على الأمر بفعله تفخيما له وتعظيما، وقد كثر في الأحاديث ~~قسمه - صلى الله عليه وسلم - بالذي نفسي بيده؛ تنبيها على تعظيم الرب ~~-سبحانه وتعالى-، وأن العبد متصرف فيه، لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، ولا ~~موتا ولا حياة ولا نشورا، والله أعلم. ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن عبيد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني -رضي ~~الله عنهما- قالا: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الأمة إذا زنت ~~ولم تحصن، قال: "إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ~~ثم بيعوها ولو بظفير". قال ابن شهاب: ما أدري بعد الثالثة أو الرابعة (¬1)، ~~والظفير: الحبل. PageV03P1455 # تقدم الكلام على عبيد الله في الحديث قبله. # الظفير: ms0989 فعيل بمعنى مفعول. والحكمة في بيعها وكونه بثمن حقير: تنفيرها ~~وكسر نفسها عن الفاحشة، والتنفير عن مثل فعلها بعدم مخالطتها، والله أعلم. # وقوله: "ولم تحصن"، ذكر الطحاوي: أن لفظة "ولم تحصن"، تفرد بها مالك، ~~إشارة إلى تضعيفها، وأنكر ذلك الحفاظ عليه، وقالوا: بل روى هذه اللفظة: ابن ~~عيينة، ويحيى بن سعيد عن ابن شهاب، كما قال مالك: تحصل صحة هذه اللفظة، ~~وليس في ثبوتها حكم مخالف؛ فإن الأمة تجلد على النصف من الحرة، سواء كانت ~~الأمة محصنة بالتزويج، أم لا (¬1). # لكن فيه بيان من لم يحصن، وقول الله -عز وجل-: {فإذا أحصن فإن أتين ~~بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} [النساء: 25]، فيه بيان من ~~أحصنت، فحصل من الآية الكريمة. # والحديث بيان أن الأمة المحصنة بالتزويج وغير المحصنة تجلد، وهو معنى ما ~~ثبت في "صحيح مسلم": أن عليا - رضي الله عنه - خطب، فقال: يا أيها الناس! ~~أقيموا على أرقائكم الحد؛ من أحصن منهم ومن لم يحصن (¬2). # فإن قيل: فما الحكمة في التقييد في قوله تعالى: {فإذا أحصن}، مع أن عليها ~~نصف جلد الحرة، سواء كانت الأمة محصنة أم لا؟ # فالجواب: أن الآية نبهت إلى أن الأمة المزوجة، لا يجب عليها إلا نصف جلد ~~الحرة؛ لأنه الذي يتنصف، وأما الرجم فلا يتنصف، ولا هو مراد في الآية؛ ~~لإجماعهم على عدم رجمها، وإن كانت متزوجة، وإنما الواجب نصف جلد الحرة؛ ~~لهذا الحديث وغيره من الأحاديث المطلقة: "إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها"، وهو ~~يتناول المزوجة وغيرها. PageV03P1456 # وبوجوب نصف الجلد عليها، قاله مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، ~~وجماهير علماء الأمة. # وقال جماعة من علماء السلف: لا حد على من لم تكن مزوجة من النساء ~~والعبيد، منهم: ابن عباس، وطاوس، وعطاء، وابن جريج، وأبو عبيد، وهو مفهوم ~~الكتاب العزيز، وهو قوله -عز وجل-: {فإذا أحصن} الآية. # لكن مذهب الجمهور راجح؛ حيث إن هذا الحديث نص في إيجاب الحد على من تحصن، ~~وهو مقدم على المفهوم. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: أن الزنا عيب في ms0990 الرقيق، يرد به؛ ولذلك حط من قيمته، في الأمر ~~ببيعه ولو بظفير. # قال أصحاب الشافعي: لو زنى مرة واحدة، ثم تاب وصار رجلا صالحا، وباعه، ~~ثبت الرد به. ولا أعلم فيه خلافا عندهم. # ومنها: أن الزاني إذا حد، ثم زنى ثانيا، يلزمه حد آخر، وهكذا كلما زنى ~~وحد ثم زنى يلزمه حد آخر. فلو زنى مرات، ولم يحد لواحدة منهن، حد حدا واحدا ~~للجميع. # ومنها: ترك مخالطة الفساق وأهل المعاصي وفراقهم. # ومنها: الأمر ببيع الأمة الزانية، وفي معناها العبد الزاني بعد المرة ~~الثالثة، لكن اختلف العلماء فيه، هل هو أمر ندب أو إيجاب؟ # ذهب الشافعي، والجمهور إلى الندب، وذهب داود، وأهل الظاهر إلى الوجوب. # ومنها: الأمر بحدها في كل مرة، وهو للوجوب. # فإن قيل: كيف يكون الأمر في الحد للوجوب، والأمر بالبيع للندب عند ~~الجمهور، والأصل في المعطوف على الشيء ب (ثم) أو (بالواو) أن يعطى حكمه ~~وصفته ما لم يدل دليل على مخالفته فيه؟؛! PageV03P1457 # قلنا: قد عطف غير المندوب على المندوب في قوله تعالى: {كلوا من ثمره إذا ~~أثمر وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141]، وفي قوله -عز وجل-: {فكاتبوهم ~~إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} [النور: 33]، فالإيتاء ~~في الآيتين واجب، وهو معطوف على غير واجب من الأكل والكتابة، وإذا جاز ذلك، ~~جاز خلافه؛ وهو عطف غير الواجب على الوجوب؛ حيث إن الوجوب أشد وأقوى، فليكن ~~عطف الضعيف، وهو الندب، على الأقوى، وهو الوجوب، أولى، وهذا من باب ~~المناسبات، لا من باب الأدلة الظاهرات. # ومنها: جواز بيع الشيء الثمين بثمن حقير، إذا كان البائع عالما به، وهو ~~مجمع عليه. فلو كان جاهلا به، فكذلك عند الشافعية وجمهور العلماء، ولأصحاب ~~مالك فيه خلاف. # واعلم أنه يجب على البائع إذا علم بالمبيع عيبا خلقيا أو وصفيا أن يبينه ~~للمشتري، فيجب على بائع الجارية أو العبد الزانيين أن يبين زناهما للمشتري. # وقد يقال: كيف يكره شيئا ويحبه أو يرتضيه لأخيه المسلم، وقد قال - صلى ~~الله عليه وسلم -: "لا يؤمن ms0991 أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (¬1)؟ # والجواب: أن الحرج في ذلك يزول بإعلام البائع للمشتري بزناها، فلعلها ~~تستعف عند المشتري؛ بأن يعفها بنفسه، أو يصونها؛ لهيبته، أو بالإحسان إليها ~~والتوسعة عليها، أو يزوجها، أو غير ذلك. # ومنها: أنه لا يجب عليها تعزير ولا تأديب مع الحد؛ لأن - صلى الله عليه ~~وسلم - أمر بالجلد دون غيره، فدل على عدم وجوبه وشرعيته. # ومنها: أن السيد يقيم الحد على عبده أو أمته؛ لأمره - صلى الله عليه وسلم ~~- للسادات بفعله بعد ما يوجبه؛ بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا زنت أمة ~~أحدكم فتبين زناها، فليجلدها الحد، PageV03P1458 # ولا يثرب عليها"، رواه مسلم في "صحيحه" (¬1)، وبقوله - صلى الله عليه ~~وسلم - في حديث الكتاب "إن زنت فاجلدوها". # وهذا مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين ~~فمن بعدهم. # وقال أبو حنيفة في طائفة: ليس له ذلك في هذه الأحاديث، وغيرها يصرح بخلاف قوله. # ومنها: أنه لا فرق في إيجاب الحد بين أن تكون الأمة أو العبد مزوجين، أم ~~لا؛ لإطلاقه - صلى الله عليه وسلم - بجلدها من غير تفصيل. وتقدم الكلام ~~عليه قبل ذكر الأحكام في هذا الحديث، والله أعلم. # ومنها: أن من ارتكب معصية من زنا وغيره، أن يقام عليه الحد إن كان في ~~معصيته حد، وألا يفارق ببيع وهجران ونحوهما إلا بعد تكرار ذلك منه ثلاث ~~مرات، أو مرتين، والله أعلم. ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: أتى رجل من المسلمين رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وهو في المسجد، فناداه: يا رسول الله! إني زنيت، فأعرض ~~عنه، فتنحى تلقاء وجهه فقال: يا رسول الله! إني زنيت، فأعرض عنه، حتى ثنى ~~ذلك عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال: "أبك جنون؟ "، قال: لا، قال: "فهل أحصنت؟ "، قال: ~~نعم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اذهبوا به فارجموه"، قال ابن ~~شهاب فأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن: سمع PageV03P1459 # جابر بن عبد ms0992 الله يقول: كنت فيمن رجمه، فرجمناه بالمصلى، فلما أذلقته ~~الحجارة، هرب، فأدركناه بالحرة، فرجمناه (¬1). # الرجل هو: ماعز بن مالك. وروى قصته: جابر بن سمرة، وعبد الله بن عباس، ~~وأبو سعيد الخدري، وبريدة بن الحصيب الأسلمي -رضي الله عنهم-. # تقدم الكلام على كل رجاله من الصحابة والتابعين، خلا ماعز بن مالك؛ وجابر ~~بن سمرة، وأبا سلمة بن عبد الرحمن. # أما ماعز بن مالك، فهو أسلمي معدود في المدنيين، كتب له رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - كتابا بإسلام قومه، وهو الذي اعترف بالزنا على نفسه، وكان ~~محصنا، وجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تائبا منيبا، فرجم -رحمه الله-. # وروى عنه ابنه عبد الله بن ماعز حديثا واحدا (¬2). # وأما جابر بن سمرة؛ فكنيته: أبو عبد الله، ويقال: أبو خالد، واختلف في ~~اسم جده، فقيل: جنادة بن جندب، وقيل: عمرو بن جندب بن حجير بن رباب بن حبيب ~~بن سواءة بن عامر بن صعصعة بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن ~~قيس عيلان بن مضر السوائي، وهو ابن أخت سعد بن أبي وقاص، واسمها خلدة بنت ~~أبي وقاص. # ونزل جابر بن سمرة الكوفة، وابتنى بها دارا في بني سواءة. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مئة وسبعة وأربعون حديثا، ~~اتفق البخاري ومسلم على حديثين، وانفرد مسلم بثلاثة وعشرين. PageV03P1460 # روى عنه جماعة من التابعين، ومات سنة ست وستين أيام المختار، وروى له ~~أصحاب السنن والمساند (¬1). # ومن الأحاديث التي رواها في غير "الصحيحين" قوله: رأيت النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في ليلة مقمرة، وعليه حلة حمراء، فجعلت أنظر إليه وإلى القمر، ~~فلهو في عيني أحسن من القمر (¬2)، ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"المستشار مؤتمن" (¬3). # وأما أبو سلمة بن عبد الرحمن؛ فاسمه: عبد الله، ويقال: إسماعيل، ويقال: ~~لا يعرف له اسم، وهو تابعي قرشي زهري مدني، متفق على توثيقه وأمانته وفقهه ~~وكثرة حديثه. # وروى عن جماعة من الصحابة، منهم؛ أبوه عبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت. ms0993 ~~وقيل: سمع حسان بن ثابت، وسمع جماعة من الصحابة غيره، وسمع خلقا من ~~التابعين. وروى عنه جماعة منهم، ومات بالمدينة سنة أربع وتسعين، في خلافة ~~الوليد، ابن اثنتين وسبعين سنة. # وحديثه مخرج في "الصحيحين"وغيرهما. وكان رجلا صبيحا، كأن وجهه دينار ~~هرقلي -رحمه الله تعالى- (¬4). # قوله: "حتى ثنى ذلك عليه أربع مرات"، هو بتخفيف النون؛ أي: كرره أربع ~~مرات. PageV03P1461 # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أبك جنون؟ "؛ إنما قاله تحقيقا لحالة ~~تبيين العقل؛ فإن الإنسان -غالبا-، لا يصر على الإقرار بما يقتضي قتله من ~~غير سؤال، مع أن له طريقا إلى سقوط الإثم بالتوبة. # وفي رواية في "صحيح مسلم": أنه سأل قومه عنه، فقالوا: ما نعلم به بأسا، ~~وكل ذلك مبالغة في تحقيق حاله، وفي صيانة دم المسلم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فهل أحصنت؟ "؛ أي: تزوجت. وإنما سأله عن ~~ذلك؛ حيث إن حد الزاني متردد بين الجلد والرجم، ولا يمكن الإقدام عليهما ~~إلا بعد تبين سببه. # وقد يسأل هنا سؤال فيقال: إن إقرار المجنون غير معتبر، فلو كان مجنونا لم ~~يفد قوله: إنه ليس به جنون. فأوجه الحكمة في سؤاله عن سؤاله، لو لم يرد ~~سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - لغيره عنه؛ فإن سؤال غيره عنه مؤثر كما ~~ذكرناه عن "صحيح مسلم". # والحكمة في ذلك: أنه يتبين بسؤاله - صلى الله عليه وسلم - له ثبوت عقله ~~ودينه، فينبني الأمر عليه، لا على مجرد إقراره بعدم الجنون. # وقوله: "فلما أذلقته الحجارة"؛ هو بالذال المعجمة وبالقاف؛ أي: أصابته ~~بحدها فأوجعته، فبلغ به الجهد، وأوجعته وأوهنته. # وفي الحديث أحكام: # منها: جواز الإقرار بالزنا عند الحكام؛ لإقامة الحد عليه. # ومنها: أن الحدود إذا وصلت إلى الإمام، إما بإقرار المقر على سببها، وإما ~~ببينة، لا يتركها، بل يقيمها، إما بنفسه، أو بنائبه. # ومنها: جواز الإقرار والاعتراف بالحقوق عند الحكام في المساجد، بخلاف ~~الخصومات ورفع الأصوات فيها وارتكاب المحذورات، وشغل المصلين وأهل الطاعات ~~عما هم بصدده فيها؛ فإن ذلك محرم، ولا يجوز فعله فيها، والكتاب العزيز ~~والسنة النبوية ms0994 ناطقان بمنع ذلك، والتحذير منه عموما وخصوصا. ومن PageV03P1462 # علم ما يجب لله -عز وجل- من التعظيم والخشية، عرف عظمة ما يضاف إليه ~~-سبحانه وتعالى- من بيت أو علم أو اتصاف وغير ذلك. والشيء قد يضاف إلى بعض ~~أهل الدنيا الحسيبين، فيعظم عادة مجردة عن مقصود شرعي، فما ظنك بما أضيف ~~إليه -سبحانه وتعالى- إضافة خاصة تشريفية للعباد مجردة؟!. # فينبغي للفقيه أن ينصف من نفسه، ويعرض عن حظها ومغالبتها؛ بعدم اتباع ~~المباحث اللفظية والبقابق الكلامية المذمومة عند علماء الإسلام والفاهمين ~~عن الله تعالى، ورسوله - صلى الله عليه وسلم - من بين الأنام، إلى الحق ~~وأهله، ولا يخرجه حظ النفس عن سلوك سبله إلى اتباع بطله. # ومنها: نداء الكبار من العلماء وأهل الدين بأعلى نعوتهم التي شرفهم الله ~~تعالى بها؛ فإن الرجل نادى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول ~~الله! وهي أعظم نعوته - صلى الله عليه وسلم -، وأقره - صلى الله عليه وسلم ~~- على ذلك، وهي أحد ركني الإسلام، فإن ركنيه: الإقرار بالوحدانية له ~~-سبحانه وتعالى-، وبرسالته - صلى الله عليه وسلم -، وحكم وراثه - صلى الله ~~عليه وسلم - من أهل الدين والعلم في تعظيمهم وتوقيرهم، وحكمه على قدر ~~مرتبتهم من ذلك. # ومنها: إعراض الإمام عمن أقر بما يوجب عليه حدا؛ ليرجع عن إقراره، أو ~~يثبت على إقراره. # ومنها: وجوب استثبات الحاكم الواقعة وشروطها الوجوبية أو الحكمية؛ ليرتب ~~الحكم عليها؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل أولا عن الجنون، ثم عن ~~الإحصان اللذين هما ركنا وجوب الحد. # ومنها: أن إقرار المجنون باطل، وأن الحدود لا تجب عليه، وأنه يحتاط ~~للدماء أكثر من غيرها، وكل ذلك مجمع عليه. # ومنها: التعريض للمقر بالزنا بأن يرجع، فيقبل رجوعه بلا خلاف بين ~~العلماء. # ومنها: مؤاخذة الإنسان بإقراره، إذا لم يكن ملجأ ولا مكرها. # ومنها: دليل لأبي حنيفة، والكوفيين، وأحمد، أنه: يشترط لوجوب إقامة PageV03P1463 # الحد بالإقرار بالزنا: تكراره أربع مرات؛ قالوا: لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إنما أخر إقامة الحد إلى تمام الأربع مرات؛ لكونه لم يجب قبل ~~ذلك؛ لأنه ms0995 لو وجب قبله، لما أخره - صلى الله عليه وسلم -، فدل على أنه لا ~~يجب إلا بعدها، ويقوى ذلك بقول الراوي: "فلما شهد على نفسه أربع شهادات، ~~دعاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"، إلى آخره، ففيه إشعار بأن الشهادة ~~أربعا هي العلة في الحكم. # وقال مالك، والشافعي، وموافقوهما، وآخرون: يثبت الإقرار به بمرة واحدة، ~~ويرجم قياسا على سائر الحقوق. وكأنهم رأوا تأخر الحد إلى تمام الإقرار ~~أربعا ليس للوجوب كما ذكره الحنفية، بل للاستثبات والتحقيق لوجوب السبب؛ ~~حيث إن الحد مبني على الاحتياط في تركه ودرئه بالشبهات. واحتجوا أيضا بقوله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "واغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت ~~فارجمها"، فلم يشرط عددا، وحديث الغامدية، ليس فيه إقرارها أربع مرات، ~~واشترط ابن أبي ليلى وغيره من العلماء إقراره أربع مرات في أربعة مجالس. # ومنها: تفويض الإمام الرجم إلى غيره؛ فإن قوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"اذهبوا فارجموه" إشعار بعدم حضوره إياه، فيؤخذ منه عدم حضور الإمام الرجم، ~~وإن كان الفقهاء استحبوا بداءة الإمام بالرجم، إذا ثبت الزنا بالإقرار، ~~وبداءة الشهود به، إذا ثبت بالبينة. # وكأن الإمام، لما كان عليه التثبت والاحتياط، أمر بالبداءة؛ ليكون ذلك ~~زاجرا عن التساهل في الحكم بالحدود، وداعيا إلى غاية التثبت. وأما في ~~الشهود، فظاهر؛ لأن قتله بقولهم. # ومنها: عدم الحفر للمرجوم؛ حيث إنه هرب لما أذلقته الحجارة، ولو كان له ~~حفيرة، لم يتمكن من الهرب. # وقد اختلف العلماء في الزاني المحصن إذا أقر بالزنا، فشرعوا في رجمه، ثم ~~هرب، هل يترك، أم يتبع فيقام عليه الحد؟ # فقال الشافعي، وأحمد وغيرهما: يترك ولا يتبع، لكن يقال له بعد ذلك: PageV03P1464 # ارجع، فإن رجع عن الإقرار، ترك، وإن عاد، رجم. # وقال مالك في رواية، وغيره: يتبع ويرجم. # واحتج الشافعي ومن وافقه بما جاء في رواية في "سنن أبي داود": أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: "ألا تركتموه حتى أنظر في شأنه؟ " (¬1)، وفي ~~رواية: "هلا تركتموه، فلعله يتوب، فيتوب الله عليه" (¬2). # واحتج الآخرون؛ بأن النبي ms0996 - صلى الله عليه وسلم - لم يلزمهم ديته، مع ~~أنهم قتلوه بعد هربه، وأجاب الشافعي -رحمه الله- وموافقوه عن هذا، بأنه لم ~~يصرح بالرجوع، وقد ثبت إقراره، فلا نتركه حتى يصرح بالرجوع، قالوا: وإنما ~~قلنا: لا يتبع في هربه، لعله يريد الرجوع، ولم نقل: إنه يسقط الرجم بمجرد ~~الهرب، والله أعلم. # ومنها: ما استدل به البخاري وغيره من العلماء، على أن مصلى الجنائز ~~والأعياد إذا لم يكن قد وقف مسجدا، لا يثبت له حكم المسجد؛ إذ لو كان له ~~حكم المسجد، لجنب الرجم فيه وتلطخه بالدماء والميتة. # قالوا: والمراد بالمصلى في الحديث: مصلى الجنائز، ولهذا قال في رواية ~~"صحيح مسلم": من بقيع الفرقد، وهو موضع الجنائز بالمدينة. # وذكر أبو الفرج الدارمي من الشافعية: أن المصلى الذي للعيد ولغيره إذا لم ~~يكن مسجدا، هل يثبت له حكم المسجد؛ فيه وجهان: أصحهما: ليس له حكم المسجد، ~~والله أعلم. # وقاعدة مذهب الحنفية وغيرهم تأبى جعله غير مسجد؛ فإن مذهبهم بمجرد الإذن ~~للناس في الصلاة في مكان يصير مسجدا، سواء قصد جعله مسجدا، أم لا، والله ~~أعلم. PageV03P1465 ### ||| AUTO الحديث الخامس # عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، فذكروا له أن امرأة منهم ورجلا زنيا، فقال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ "، فقالوا: ~~نفضحهم، ويجلدون، قال عبد الله بن سلام: كذبتم، إن فيها الرجم، فأتوا ~~بالتوراة، فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما فيها وما بعدها، ~~فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم، فقال: ~~صدقت يا محمد، فأمر بهما النبي - صلى الله عليه وسلم -، فرجما، قال: فرأيت ~~الرجل يجنأ على المرأة يقيها الحجارة (¬1). # الذي وضع يده على آية الرجم: عبد الله بن صوريا. # أما عبد الله بن عمر، فتقدم الكلام عليه. # وأما عبد الله بن سلام -بتخفيف اللام-، فكنيته: أبو يوسف، واسم جده: عبد ~~الله بن الحارث، وهو من بني ms0997 إسرائيل من ولد يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن ~~إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -، وهو أنصاري، حليف القواقلة من بني عوف بن ~~الخزرج، وكان اسمه في الجاهلية حصينا، فلما أسلم، سماه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: عبد الله بن سلام، وكان إسلامه عند قدوم النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - المدينة. # قال عبد الله بن سلام: خرجت في جماعة من أهل المدينة لننظر إلى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - حين دخوله المدينة، فنظرت إليه وتأملت وجهه، فعلمت ~~أنه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعته منه: "يا أيها الناس! أفشوا السلام، ~~وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة ~~بسلام" (¬2). شهد له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجنة، عن معاذ بن ~~جبل - رضي الله عنه - PageV03P1466 # قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لعبد الله بن سلام: إنه ~~عاشر عشرة في الجنة (¬1). # قال أبو عمر النمري: حديث حسن الإسناد صحيح. # وعن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال: ما سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول لأحد يمشي على الأرض: إنه من أهل الجنة، إلا لعبد الله بن ~~سلام (¬2)، قال النمري: وهذا حديث صحيح ثابت لا مقال فيه لأحد. # وأنزل الله -عز وجل- فيه: {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن ~~واستكبرتم} [الأحقاف: 10]، وكذلك قوله تعالى: {قل كفى بالله شهيدا بيني ~~وبينكم ومن عنده علم الكتاب} [الرعد: 43]، وأنكر ذلك بعض المفسرين، مستندا ~~إلى أن كل واحدة من سورتي الرعد والأحقاف مكية، وإسلام عبد الله بن سلام ~~كان بعد ذلك بالمدينة، لكن وإن كانت السورتان مكيتين، فقد شهد لمعنى ~~الآيتين في الرعد والأحقاف بالاعتبار، قوله تعالى: {فاسأل الذين يقرءون ~~الكتاب من قبلك} [يونس: 94]، وقد تكون السورة مدنية وفيها آيات مكية مدنية، ~~كالأنعام وغيرها. # وقد رجعت الصحابة إلى معرفة عبد الله بن سلام في معرفة أشياء ماضيات ~~مستقبلات؛ واعتمادا على علمه ومعرفته. # وروى عنه من الصحابة: أبو هريرة، وأنس بن مالك، وعبد الله بن معفل ms0998 ~~المزني، وعبد الله بن حنظلة بن الراهب، وابناه: محمد، ويوسف، وجماعة من PageV03P1467 # كبار التابعين، وشهد مع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فتح بيت المقدس ~~والجابية، وروى له البخاري، ومسلم، وأهل السنن والمساند. # وروي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمسة وعشرون حديثا، اتفقا ~~على حديث واحد، وانفرد البخاري بآخر، ومات بالمدينة سنة ثلاث وأربعين في ~~خلافة معاوية (¬1). # وأما الرجل الزاني من اليهود؛ فلا أعلم اسمه. # وأما المرأة الزانية؛ فاسمها: بسرة، فيما نقله الحافظ أبو القاسم عبد ~~الرحمن بن عبد الله السهيلي في "أعلام المبهم" عن شيخه الإمام أبي بكر بن ~~العربي في "أحكام القرآن" له، فيما أخبره به. # وأما اليهود؛ فسموا أنفسهم بذلك، نسبة إلى يهود بن يعقوب، انتسبوا إليه ~~عند بعض الملوك، ثم عربته العرب بالدال، وقيل: سموا به لقولهم: {إنا هدنا ~~إليك} [الأعراف: 156]؛ أي: ملنا إليك، وقيل: لأنهم هادوا؛ أي: تابوا عن ~~عبادة العجل، وقيل: لأنهم مالوا عن الإسلام وعن دين موسى - صلى الله عليه ~~وسلم -، وقيل: لأنهم يتهودون؛ أي: يتحركون عند قراءة التوراة، ويقولون: إن ~~السماوات والأرض تحركت حين آتى الله موسى التوراة. # وأما عبد الله بن صوريا؛ فيقال له: ابن صوري، بحذف الألف، وكان أعور، ~~والله أعلم. PageV03P1468 # وقوله: "فقالوا: نفضحهم"؛ أي: نكشف مساوئهم. والاسم: الفضيحة والفضيح. # وقوله: "فرأيت الرجل يجنأ عليها"؛ القائل الرائي: هو عبد الله بن عمر - ~~رضي الله عنهما -. ويجنأ: رويت هذه اللفظة على أوجه في "الصحيحين" وغيرهما: # الأول: يجنأ -بفتح الياء المثناة تحت وسكون الجيم وبعدها نون مفتوحة ~~وهمزة- يقال: جنأ الرجل على الشيء، وجانأ عليه، وتجانأ عليه: إذا أكب عليه. # والثاني: يجني -بضم الياء أوله، وبالجيم الساكنة وكسر النون، وبالياء-، ~~يقال: أجنى يجني إجناء: إذا كب عليه يقيه شيئا. # الثالث: يجانئ عليها، مفاعلة من جانأ يجانئ. # الرابع: يحني -بفتح الياء المثناة تحت، وسكون الحاء المهملة-؛ أي: يكب عليها. # الخامس: يجبأ -بفتح الياء وسكون الجيم وبالباء الموحدة وبالهمزة-؛ أي: ~~يركع عليها. # السادس: يحني عليها -بضم الياء وفتح الحاء المهملة وتشديد النون ms0999 مكسورة ~~ثم الياء-. # ومعناها كلها: وقايتها الحجارة، كما فسره ابن عمر - رضي الله عنه -، ~~والله أعلم. # والرواية الأولى هي المشهورة الراجحة (¬1). # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: علو الإسلام على غيره من الأديان؛ حيث إن الله -عز وجل- جعل PageV03P1469 # جميعهم يرجعون إليه في وقائعهم، ويتحاكمون إلى حاكمهم، ويلتزمون بها، ~~وتنفذ عليهم، وذلك من أعظم الآيات الباهرات له - صلى الله عليه وسلم -. # ومنها: منقبة ظاهرة لعبد الله بن سلام، وحث على إظهار العلم وبيانه، ~~وتحريم كتمانه، وتوبيخ مبدليه ومحرفيه. # ومنها: الرجوع إلى النصوص قبل الاجتهاد. # ومنها: إقامة الدليل على الخصم من قبل نفسه. # ومنها: المبادرة إلى قبول الحق وتصديقه. # ومنها: وجوب إقامة حد الزنا على الكافر، وأنه يصح نكاحه؛ لأنه لا يجب ~~الرجم إلا على محصن؛ فلو لو يصح نكاحه، لم يثبت إحصانه، ولم يرجم. # ومنها: أن الكفار مخاطبون بفروع الشرع، وهو الصحيح، وقيل: لا يخاطبون، ~~وقيل: يخاطبون بالنهي دون الأمر. # ومنها: أن الكفار إذا تحاكموا إلينا، حكم القاضي بينهم بحكم شرعنا؛ لأنه ~~- صلى الله عليه وسلم - رجمهما. # وقد اختلف العلماء في أن الإسلام، هل هو شرط في الإحصان، أم لا؟ # فمذهب الشافعي وأصحابه: أنه ليس بشرط، فإذا حكم الحاكم علي الذمي المحصن، ~~رجمه، ومذهب أبي حنيفة: أن الإسلام شرط في الإحصان، وقال مالك: لا يصح ~~إحصان الكافر. # واستدل الشافعية بهذا الحديث برجم النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~اليهوديين. # واعتذر الحنفية عنه؛ بمن قالوا: رجمهما بحكم التوراة؛ فإنه - صلى الله ~~عليه وسلم - سألهم عن ذلك عند قدومه المدينة، وادعوا أن آية حد الزنا نزلت ~~بعد ذلك، فكان ذلك الحديث منسوخا. # وهذا الذي ذكروه من النسخ يحتاج إلى تحقيق للتاريخ. PageV03P1470 # وادعى مالك -رحمه الله تعالى-: أن رجمهما لكونهما أنهما ليسا أهل ذمة، ~~وهو تأويل باطل؛ لأنهما كانا أهل عهد؛ فإنه رجم المرأة، والنساء لا يجوز ~~قتلهن مطلقا. # وسؤاله - صلى الله عليه وسلم - اليهود بحضور ابن سلام ليس ليعرف الحكم ~~منهم، ولا ليقلدهم فيه، وإنما هو لإلزامهم ما يعتقدونه في كتابهم الموافق ~~لحكم الإسلام؛ تركيبا ms1000 للحجة عليهم، وإظهارا لما كتموه وغيروه وبدلوه منه، ~~إما بوحي من الله -عز وجل- إليه؛ في أنه موجود فيما بأيديهم من التوراة لم ~~يغير كما غير أشياء، وإما بإخبار من أسلم منهم، ولهذا يخف ذلك عليه - صلى ~~الله عليه وسلم - حين كتموه. # وقد يقال: كيف رجمهما - صلى الله عليه وسلم -، أببينة أم بإقرار؟ # فإن كان ببينة، فلا يخلو إما أن يكون الشهود كفارا أو مسلمين، فإن كانوا ~~كفارا، فلا اعتبار بشهادتهم، وإن كانوا مسلمين، فهو ظاهر. # وقد جاء في "سنن أبي داود" وغيره أنه شهد عليها أربعة بالزنا، وأنهم رأوا ~~ذكره في فرجها (¬1). # فإن صح هذا، حمل على أن الشهود كانوا مسلمين، وإلا يتعين أنهما أقرا ~~بالزنا، اللهم إلا أن يكون قبول شهادتهم بعضهم على بعض مذهبا، كما نقل عن ~~رواية عن الإمام أحمد بن حنبل، فيحمل الحديث عليه إن صح، ولا يكون رجمهما ~~بإقرارهما؛ لصحة الحديث، والله أعلم. # ويكون ترك بيان صفة الشهود بالإسلام أو الكفر من باب ترك الاستفصال في ~~حكاية الأحوال، فإنه ينزل منزلة العموم في المقال، والله أعلم. # * * * PageV03P1471 ### ||| AUTO الحديث السادس # عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن، فحذفته بحصاة، ففقأت عينه، ما كان عليك ~~جناح" (¬1). # اعلم أن دفع الصائل جائز بالإجماع مطلقا، ويجب عن الحريم بالإجماع، بخلاف ~~النفس والمال؛ فإن العلماء اختلفوا في جواز الاستسلام في النفس، واختلفوا ~~في أن الأفضل الاستسلام فيهما، أم تركه، أم يحرم، أم يفرق بين من للمسلمين ~~به نفع؟ # على أوجه للشافعية -رحمهم الله تعالى-. # وأما المال، فلا يجب الدفع عنه إجماعا، لكن يجوز. # إذا ثبت هذا، فاعلم أن لفظ الحديث شامل للاطلاع عليك في بيتك، وهو يقتضي ~~أن يكون فيه أنت أو حريمك غير المحارم، على المطلع عليك. # وقد أخذ الشافعي -رحمه الله تعالى- بظاهر الحديث، وحكمته الاحتياط للحريم ~~والعورات بالستر وعدم الاطلاع عليها، لكن في قوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"فحذفته بحصاة" ما يقتضي أنه لا ms1001 يعدل إلى الدفع بالأشد مع وجود الدفع ~~بالأخف من غير إنذار ونهي. # ومنعت المالكية ذلك، وقالوا: لا يجوز قصد عينه ولا غيرها؛ حتى قيل عندهم: ~~إنه يجب القود فيه، وهو مخالف للحديث، وقالوا في تعليل المنع: المعصية لا ~~تدفع بالمعصية. # وهو ضعيف جدا، فإنه والحالة هذه لا تكون معصية، ويلحق بدفع الصائل، فإن ~~أرادوا مجرد المعصية بالتعدي بالحذف مع قطع النظر عن النظر في بيته بغير ~~إذن، فهو صحيح، لكنه لا يفيدهم، والله أعلم. PageV03P1472 # وقد أوجب الشارع بسبب الحريم أحكاما وتكاليف لم توجد في غيرهن من متعلقات ~~المتكلفين: # منها: الدفع عنهن بالقتال وغيره. # ومنها: فقء العين بالنظر في بيوتهن. # ومنها: الإنفاق عليهن، وإسكانهن، وكسوتهن، ومعاشرتهن بالمعروف، والوصية ~~بهن، إلى غير ذلك. # وما ذاك كله إلا لعظم حقهن؛ لما يترتب من مصالحهن الدنيوية والأخروية، من ~~جزيل الثواب ورفع الدرجات في المآب. # وقد تصرف الفقهاء في حكم هذا الحديث بأنواع من التصرفات، وذكروا فيها ~~أحكاما كثيرة: # منها: أنه لا يجوز النظر إلى حريم الناس، سواء كان الناظر واقفا في ~~الشارع، أو في ملك المنظور إليه، أو في سكة منسدة الطريق. # ويجوز فقء عين من فعل ذلك برميه بشيء؛ لإشعار الحديث به. # ولأصحاب الشافعي وجه: أنه لا يقصد فقء العين بالنظر، إلا لمن وقف في ملك ~~المنظور إليه. # ومنها: أنه يجوز رميه قبل نهيه وإنذاره؛ لإطلاق الحديث، وللشافعية في ذلك وجهان: # أحدهما: يشترط نهيه وإنذاره قبل رميه. # والثاني: لا يشترط. # وقد ثبت في "الصحيح" ما يدل على عدم الاشتراط، وأقوى من إطلاق هذا ~~الحديث: وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في يده مدرى، ورجل ينظر ~~في بيته، فقال النبي عنه: "لو أعلم أنك تنظر نجنا لفقأت به عينك" (¬1)، ~~وذلك دليل على عدم PageV03P1473 # اشتراط الإنذار، ويدل على اشتراط النظر لقصد مفسدة. # ومنها: أنه لا يلحق غير النظر بحكمه، كالتسمع، وفيه خلاف. # ومنها: أنه لا يرمى الناظر إلا بشيء خفيف؛ كمدرى، وبندقة، وحصاة، ولفظ ~~الحديث يشعر بذلك؛ حيث قال النبي - صلى الله عليه ms1002 وسلم -: "فخذفته"، والخذف ~~لا يكون إلا بشيء خفيف، فلو رماه بحجر ثقيل، أو رشقه بنشاب فقتله، تعلق ~~برميه القصاص أو الدية. # ومنها: أن الناظر لو كان له في الدار محرم أو زوجة أو متاع، لم يجز قصد ~~عينه؛ لأن له شبهة في النظر. # وقيل: لا يمتنع قصد عينه إلا إذا كان جميع من في الدار محارمه. # ومنها: أنه لو كان في الدار صاحبها فقط، وهو مكشوف العورة، فنظر إليه، ~~فهل يلحق الحكم فيه بالنظر إلى المحارم؛ وجهان للشافعية؛ أظهرهما: أنه لا ~~يجوز رميه. # ومنها: أن المحارم لو كن في الدار مستترات، أو في بيت منها، لم يجز قصد ~~عينه بالرمي في وجه؛ لأنه لا يطلع على شيء. # والأظهر عند جماعة من الفقهاء الجواز؛ لإطلاق الأحاديث، ولأن أوقات ~~التستر والكشف لا تنضبط، فالاحتياط حسم الباب. # ومنها: اشتراط عدم تقصير صاحب الدار في كف نظر الناظر، فإن جعل بابه ~~مفتوحا، أو كانت كوة واسعة في الدار، أو ثلمة مفتوحة لم يسدهما، والناظر ~~مجتاز، فإنه لا يجوز قصد رميه، فلو تعمد النظر، ووقف له، ففيه وجهان: # أحدهما: لا يجوز قصده بالرمي؛ لتفريط صاحب الدار بفتح الباب وتوسع الكوة. # والثاني: يجوز؛ لتعديه بالنظر. PageV03P1474 # وأجري هذا الخلاف فيما لو نظر من سطح نفسه، أو نظر المؤذن من المئذنة. # والأظهر هنا: جواز الرمي؛ لأنه لا تقصير من صاحب الدار. # وهذه الأحكام كلها، إن كانت داخلة تحت إطلاق الأحاديث، كانت مأخوذة منها، ~~وإن لم تكن داخلة، كان بعضها مأخوذا من فهم المعنى المقصود بالأحاديث، ~~وبعضها مأخوذا بالقياس، وهو قليل فيها، والله أعلم. # * * * PageV03P1475 ### || AUTO باب حد السرقة ### ||| AUTO الحديث الأول # عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قطع في مجن قيمته -وفي لفظ: ثمنه- ثلاثة دراهم (¬1). # اعلم أن الله -عز وجل- صان الأموال بإيجاب قطع السارق؛ حرمة لها، ولم ~~يجعل ذلك في غير السرقة؛ كالاختلاس والانتهاب والغصب؛ لأن ذلك قليل بالنسبة ~~إلى السرقة؛ ولأنه يمكن استرجاع ذلك بالاستعداء إلى ولاة الأمور، وتسهل ~~إقامة ms1003 البينة عليه، بخلاف السرقة؛ فإنه يندر إقامة البينة عليها، فعظم ~~أمرها، واشتدت عقوبتها؛ لتكون أبلغ في الزجر عنها. # وقد أجمع المسلمون على قطع السارق في الجملة، وإن اختلفوا في فروع منه. # أما المجن -بكسر الميم وفتح الجيم وبالنون-، فهو: الترس، مفعل من ~~الاجتنان، وهو الاستتار والاختفاء ونحو ذلك. ومنه: الجن. وكسرت ميم المجن؛ ~~لأنه آلة من الاجتنان، كأن صاحبه يستتر به عما يحاذره (¬2). PageV03P1476 # قال الشاعر (¬1): # فكان مجني دون من كنت أتقي ... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر # وأما القيمة والثمن؛ فلأنهما مختلفان في الحقيقة، لكن المعتبر: القيمة، ~~وذكر الثمن في بعض روايات الحديث، إما لتساويهما عند الناس في ذلك الوقت، ~~أو في ظن الراوي، أو باعتبار الغلبة، وإلا فلو اختلفت القيمة والثمن الذي ~~اشتراه به مالكه، لم تعتبر إلا القيمة، وتقدم الإجماع على قطع السارق، ~~واختلف العلماء في اشتراط النصاب وقدره، فالجمهور على اشتراط النصاب في القطع. # وقال أهل الظاهر، وابن بنت الشافعي من الشافعية، وحكي عن الحسن البصري ~~والخوارج: لا يشترط النصاب، بل يقطع في القليل والكثير. # والاستدلال لاشتراطه بهذا الحديث فيه ضعف؛ فإنه حكاية فعل لا يلزم به ~~وجوب القطع في هذا المقدار، فضلا عما دونه نطقا. # وأما قدر النصاب: فقال الشافعي: النصاب ربع دينار، أو ما قيمته ربع ~~دينار، سواء كانت قيمته ثلاثة دراهم، أو أقل أو أكثر، ولا تقطع في أقل منه. # وهو قول كثير من العلماء والصحابة والتابعين وغيرهم، منهم: عائشة، وعمر ~~بن عبد العزيز، والأوزاعي، والليث، وأبو ثور، وإسحاق، وروي عن داود. ~~ودليلهم حديث عائشة - رضي الله عنها - الآتي، ويقوم ما عدا الذهب بالذهب. # وقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، وإسحاق في رواية عنه: يقطع في ربع دينار ~~من الذهب، أو ثلاثة دراهم، أو ما قيمته أحدهما، ولا قطع فيما دون ذلك. # وجعل هؤلاء كل واحد قدر من الذهب والفضة المذكورين أصلا لوجوب PageV03P1477 # القطع، زاد أبو حنيفة وقال: يقوم ما عداهما بالدراهم، وكلا حديثي الكتاب ~~وعائشة يدلان على خلاف ذلك. # أما حديث الكتاب، فقال الشافعي -رحمه الله-: ms1004 بين أنه لا يخالف حديث ~~عائشة؛ فإن الدينار كان اثني عشر درهما، وربعه ثلاثة دراهم مصروفاتها، وبها ~~قومت الدية اثني عشر ألفا من الورق بألف دينار من الذهب. # وبهذا الحديث استدل المالكية على أن الفضة أصل في التقويم دون الذهب، ~~قالوا: فإن المسروق لما كان غير الذهب والفضة، وقوم بالفضة دون الذهب، ~~قالوا: دل على أنها أصل في التقويم، وإلا كان الرجوع إلى الذهب الذي هو أصل ~~التقويم أولى وأوجب عند من يرى التقويم به. # والحنفية ومن قال بقولهم، قالوا في هذا الحديث وحديث عائشة: إن القطع في ~~ربع دينار فعلا، تأولوه على أن التقويم أمر ظني تخميني، فيجوز أن تكون ~~قيمته عند عائشة - رضي الله عنها - ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، ويكون عند ~~غيرها أكثر. # وضعف هذا التأويل غيرهم؛ بأن عائشة - رضي الله عنها - لم تكن لتخبر بما ~~يدل على مقدار ما يقطع فيه إلا عن تحقيق؛ لعظم أمر القطع. # وقال سليمان بن يسار، وابن شبرمة، وابن أبي ليلى، والحسن في رواية عنه: ~~لا يقطع إلا في خمسة دراهم. وهو مروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. # وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا قطع إلا في عشرة دراهم، أو ما قيمته ذلك، ~~وحكى القاضي عياض عن بعض الصحابة: أن النصاب أربعة دراهم، وعن النخعي: ~~أربعون درهما، أو أربعة دنانير. # وحديث عائشة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تقطع يد السارق ~~إلا في ربع دينار فصاعدا" (¬1). PageV03P1478 # الصحيح ما قاله الشافعي وموافقوه؛ حيث إنه - صلى الله عليه وسلم - حصر ~~عدم القطع إلا في ربع دينار. وحديث المجن الذي قيمته أو ثمنه ثلاثة دراهم ~~محمول على ربع دينار كما ذكرنا. وهي قضية عين لا عموم لها، فلا يجوز ترك ~~صريح لفظه - صلى الله عليه وسلم - في تحديد النصاب لهذه الرواية المحتملة، ~~بل يجب حملها على موافقة لفظه - صلى الله عليه وسلم -. # وانظر إلى كرم الله تعالى على المكلفين من عباده، ونوعهم؛ حيث جعل في قطع ~~اليد إذا لم يقتص منها ms1005 نصف الدية؛ تعظيما لقدرها، وجعل للسارق قدر ربع ~~دينار، أو ربع دينار بقطع يده؛ تحقيرا لها بسبب المعصية المتعلقة بحق الله ~~تعالى في المخالفة وحق المسلم في ماله، والله أعلم. # والروايات المروية في التقديرات الزائدة على ربع دينار أو ما قيمته ربع ~~دينار، كلها ضعيفة لا يعمل بها، لو انفردت، كيف وهي مخالفة لصريح الأحاديث ~~الصحيحة، مع أنه يمكن تأويلها عليها؛ بأن ما زاد على التقديرين المذكورين، ~~كان قيمة لهما، والله أعلم. ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن عائشة -رضي الله عنها-: أنها سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا" (¬1). # أما ما تقطع فيه اليد من المال المسروق، فقد ذكرناه في الحديث قبله، لكن ~~يشترط أن تكون السرقة من حرز، عند جميع العلماء، إلا داود الظاهري، فلم ~~يشترطه. PageV03P1479 # والمعتبر في الحرز الذي يقطع بالسرقة منه: ما عده أهل العرف حرزا لذلك الشيء. # ويشترط للقطع -أيضا-، ألا يكون للسارق شبهة في المسروق؛ فإن كانت شبهة، ~~لم يقطع. # ويشترط -أيضا- مطالبة المسروق منه بالمال. # واعلم أن هذا الحديث هو اعتماد الشافعي في مقدار النصاب، وقد ثبت ذلك من ~~فعله؛ لأنه لا يلزم من قطع السارق في مقدار معين وقع على سبيل الاتفاق ألا ~~يقطع فيما دونه، بخلاف القول، فإنه دال على اعتبار معين في القطع، وذلك يدل ~~على عدم اعتبار ما زاد عليه في إباحة القطع. # ولو اعتبر في الزيادة عليه، لاعتبر فيما دونه، و -أيضا- فإن دلالة الفعل ~~هي باب الظن في المقصود، فأشبهت المتقومات، والله أعلم. # وهذا الحديث قوي في الدلالة على أصحاب أبي حنيفة؛ فإنه صريح بمقتضاه في ~~القطع في هذا المقدار الذي لا يقولون بجواز القطع به. # وأما دلالته على الظاهرية ومن قال بقولهم؛ في أنه يقطع في كل قليل وكثير، ~~فليست من حيث النطق، بل من حيث المفهوم، وهو داخل في مفهوم العدد، ومرتبته ~~أقوى من مفهوم اللقب. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "تقطع اليد"؛ المراد بها: القطع من الرسغ؛ ~~وهو المفصل بين # الكف ms1006 والذراع، وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، ومالك، وأحمد، وجماهير ~~العلماء، وقال بعض السلف: تقطع اليد من المرفق، وقال بعضهم: من المنكب؛ ~~والمراد به اليد اليمنى، وكذلك هو في قوله تعالى: {والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38]؛ أي: أيمانهما، وهو موجود في مصحف ابن ~~مسعود - رضي الله عنه -. # * * * PageV03P1480 ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن عائشة -رضي الله عنها-: أن قريشا أهمهم شأن المخزومية التي سرقت، ~~فقالوا: من يكلم فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قالوا: ومن يجترى ~~عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فكلمه أسامة، ~~فقال: "أتشفع في حد من حدود الله؟ "، ثم قام فاختطب فقال: "إنما أهلك الذين ~~من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف، تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف، ~~أقاموا عليه الحد. وايم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" (¬1). # وفي لفظ: كانت امرأة [مخزومية] تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بقطع يدها (¬2). # أما المرأة المخزومية السارقة؛ فاسمها فاطمة بنت أبي الأسد بن عبد الأسد، ~~بنت أخي أبي سلمة زوج أم سلمة المخزومية. # وكانت سرقتها هذه في غزوة الفتح، على ما ذكره ابن وهب في "موطئه" عن ~~مالك، عن عروة بن الزبير، عن عائشة - رضي الله عنها -. # وقال أبو القاسم بن بشكوال: وقيل: هي أم عمرو بنت أبي الأسد بن عبد ~~الأسد. وذكر ذلك عن عبد الرزاق عن ابن جريج، والله أعلم (¬3). # وأما المخزومية، فنسبة إلى بني مخزوم بن يقظة بن مرة -يقظة وتيم وكلاب ~~إخوة- بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة. PageV03P1481 # وأما قريش فهم أولاد النضر بن كنانة، على المشهور، وقيل: أولاد فهو، ~~والله أعلم (¬1). # وأما ما أهمهم من شأنها؛ فلما خافوا من لحوق العار الجاهلي في قطع يدها، ~~وافتضاحهم بين القبائل به، وظنوا أن الشفاعة والسعي في إسقاط الحدود يفيدان ~~فيه، فلما أقسم النبي - صلى الله عليه وسلم - على أنه لو سرقت ابنته فاطمة ~~لقطع يدها، علموا أن ذلك حتم ms1007 لا مندوحة عنه، والله أعلم. # وأما قوله في الرواية الثانية: أنها "كانت تستعير المتاع وتجحده" وأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بقطع يدها؛ فلا شك أن سياقها عقب هذا ~~الحديث الذي فيه أنها سرقت، يقتضي أن المعبر عنه بالسرقة وجحد المتاع بعد ~~الاستعارة، امرأة واحدة، لكن لا يقتضي أن العارية وجحدها تسمى سرقة موجبة ~~لقطع اليد؛ فإن الإعارة مخرجة لوضع اليد على العين عن السرقة والغصب. ومن ~~جحد شيئا، لا يجب به القطع. # وقد روى مسعود بن الأسود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحو هذا الخبر ~~فيما قاله أبو داود، قال: سرقت قطيفة من بيت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، وهذا التعليق قد أخرجه ابن ماجه في "سننه" بإسناد فيه محمد بن ~~إسحاق، وهو متكلم فيه (¬2). # وروي من حديث جابر: أن امرأة سرقت، فعاذت بزينب بنت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - (¬3). PageV03P1482 # وروى مسلم والنسائي عن جابر -أيضا-، قال: فعاذت بأم سلمة زوج النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - (¬1). # فهذا كله يدل على أن هذه المرأة كان لها عادات في التحيل على أخذ أموال ~~الناس، وأنها كانت تسرقها مرة، وتستعيرها مرة وتجحدها، وأنها كانت تعوذ ~~ببنت النبي - صلى الله عليه وسلم - تارة، وتارة بزوجته، وأن الرواة كان ~~أحدهم يذكر حالة من حالاتها في أخذ الأموال والتوصل إلى دفع العقوبة فيها. # وقد تأول العلماء رواية استعارة المتاع وجحده على أن ذلك إنما ذكر لتعريف ~~المرأة، ووصفها بما ذكر، لا بكونها سببا للقطع؛ لأن سببه السرقة لا ~~الاستعارة والجحد؛ حيث إن الأحاديث في معظم طرقها مصرحة بالسرقة، وأنها سبب القطع. # قالوا: فتعين حمل هذه الرواية عليها؛ جمعا بين الروايات؛ حيث إن القضية ~~في المرأة وقطع يدها واحدة. ومن أئمة الحديث من جعلها شاذة مخالفة لجماهير ~~الرواة، والشاذ لا يعمل به. # قال بعض العلماء: وإنما لم تذكر السرقة فيها؛ حيث إن المقصود عند الراوي: ~~ذكر منع الشفاعة في الحدود، لا الإخبار عن السرقة. # ولا شك أن الحديث واحد اختلف فيه، هل ms1008 كانت المرأة المذكورة فيه سارقة أو جاحدة؟ # وقد أوجب أحمد وإسحاق القطع في صورة جحود العارية؛ عملا بهذه الرواية، ~~وهذا يقتضي أنها عندهما غير شاذة ولا مخالفة، لكن قول جمهور العلماء وفقهاء ~~الأمصار: في أنه لا قطع في جحود العارية؛ لما بينا. # فإن أخذناها بما ذكرنا من العمل الصناعي لأهل الحديث من الشذوذ، ضعفت ~~الدلالة منها على مسألة الجحود لمن أوجب القطع فيه قليلا؛ حيث إنه PageV03P1483 # اختلاف في واقعة واحدة، فلا يثبت الحكم في الجحود حتى يتبين ترجيح رواية ~~من روى أنها كانت سارقة، وقد تبين، والله أعلم. # وقد يقال: كيف يكون الحديث واحدا، ويعبر عنه تارة بالسرقة، وتارة ~~بالجحود؟! وكيف يجوز للراوي التعبير بأحدهما عن الآخر؟ # قلنا: قد استعمل مثل هذا في قطع النبي - صلى الله عليه وسلم - في ربع ~~دينار فعلا، واعتمادا على قطعه فيه قولا، لكن يخرج عنه صورة التقويم به، ~~ويكون اختلاف الحديث في اللفظ، لا في المعنى، ويتأول أحد اللفظين على ~~الآخر، فكذلك في حديث سرقة المتاع، واستعارته، وجحوده -كما ذكرنا- يتنزل ~~على ذلك، والله أعلم. # وقولهم: "ومن يجترى عليه إلا أسامة حب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ ~~"؛ الاجتراء: التجاسر بطريق الإدلال، والحب -بكسر الحاء-؛ هو المحبوب. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وايم الله"؛ اعلم! أن ايم الله معناها: ~~القسم، ولا تستعمل إلا مضافة إلى الله -عز وجل-. # وفيها لغات: ايم الله -بفتح الهمزة، وكسرها-، وايمن الله -بفتح الهمزة، ~~وكسرها أيضا- وزيادة نون في آخرها، وإم الله -بكسر الهمزة وحذف الياء ~~والنون-، وم الله -بحذف الهمزة والياء والنون-، وأومن الله -بضم الهمزة ~~وسكون الواو وضم الميم والنون-، وأيمن الله -بفتح الهمزة وسكون الياء وضم ~~الميم والنون- (¬1). # فهذه ثمان لغات فيها كتبناها عن شيخنا العلامة: أبي عبد الله محمد بن عبد ~~الله بن عبد الله بن مالك الطائي الجياني -رحمه الله تعالى-، وأجاز لنا ~~روايته، وقد نظمها في بيتين من أبيات له في "لغات الألفاظ": # همز أيم وأيمن فافتح واكسر ... وإم قل أو قل م أو من بالتثليث ms1009 قد شكلا # وأيمن اختم به والله كلا أضف ... إليه في قسم تبلغ به الأملا PageV03P1484 # وفي الحديث أحكام: # منها: قطع السارق، رجلا كان أو امرأة، وتمسك أحمد وإسحاق بالرواية في ~~الكتاب بقطع مجحد المتاع، وقد بسطنا القول فيها أتم بسط. # ومنها: منقبة ظاهرة لأسامة - رضي الله عنه -. # ومنها: جواز الحلف من غير استحلاف، وهو مستحب إذا كان فيه تفخيم لأمر ~~مطلوب، وقد اختلف العلماء في جواز الحلف به، وهذا الحديث دليل لجوازه. # ومنها: المنع من الشفاعة في الحدود، وهو مجمع عليه بعد بلوغه إلى ~~السلطان، فأما قبل بلوغه إليه، فقد أجاز الشفاعة فيه أكثر العلماء إذا لم ~~يكن المشفوع فيه صاحب شر وأذى للناس، فإن كان، لم يشفع فيه، أما المعاصي ~~التي لا حد فيها، فواجبها التعزير، فتجوز الشفاعة والشفيع فيها، سواء بلغت ~~الإمام أم لا؛ لأنها أهون. ثم الشفاعة فيها مستحبة إذا لم يكن المشفوع فيه ~~صاحب أذى ونحوه. # ومنها: أنه يحرم التشفيع في صاحب الحد. # ومنها: تعظيم أمر المحاباة للأشراف في حقوق الله -عز وجل- وحدوده، وأنها ~~سبب للهلاك، وقد نبه - صلى الله عليه وسلم - على ذلك بهلاك من قبلنا من ~~الأمم بذلك بالحصر ب "إنما"، والظاهر أنها ليست هنا للحصر المطلق، مع ~~احتماله؛ فإن بني إسرائيل كانت فيهم أمور كثيرة تقتضي الإهلاك، فيحمل ذلك ~~على حصر مخصوص، وهو الإهلاك بسبب المحاباة في حدود الله -عز وجل-، فينحصر ~~ذلك في هذا الحد المخصوص ب "لو". # ومنها: جواز تعليق القول ب "لو" بتقدير أمر آخر لا يمتنع، خصوصا إذا كان ~~فيه تنبيه على أمر شرعي، والتنفير عن مخالفته، وقد شدد قوم في المنع من ~~قول: "لو"، وأنها تفتح عمل الشيطان، وليس المنع على إطلاقه، بل: هو منزل ~~على فعل أمر قد فات، أو فعل محذور ونحوه، والله أعلم. PageV03P1485 # ومنها: مساواة الشريف والمشروف في أحكام الله -عز وجل- وحدوده. # ومنها: أن من راعى الشريف فيها مذموم يخشى عليه الهلاك. # ومنها: عدم مراعاة الأهل والأقارب والأصحاب في مخالفة الدين. وقد أمر ~~الله تعالى المؤمنين ms1010 بالكون والحث على ذلك في قوله تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين ~~والأقربين} [النساء: 135]، وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين ~~لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب ~~للتقوى} [المائدة: 8] وقال تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم ~~وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها ~~أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره} ~~[التوبة: 24] وقال -عز وجل-: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو ~~عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن ~~حزب الله هم المفلحون} [المجادلة: 22]. # * * * PageV03P1486 ### || AUTO باب حد الخمر ### ||| AUTO الحديث الأول # عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتي ~~برجل قد شرب الخمر، فجلده بجريد نحو أربعين. # قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عمر، استشار الناس، فقال عبد الرحمن: أخف ~~الحدود؛ ثمانين، فأمر به عمر (¬1). # أما الرجل المجلود في الخمر، فلا أعلم اسمه. # وأما "جلده بجريد نحو أربعين"؛ فهكذا هو في الكتاب: بجريد نحو أربعين، ~~وفي "صحيح مسلم": جلده بجريدتين نحو أربعين. # وفي رواية: جلد النبي - صلى الله عليه وسلم - في الخمر بالجريد والنعال (¬2). # وفي رواية: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يضرب في الخمر بالنعال ~~والجريد أربعين (¬3). # وهذه الرواية الأخيرة مبينة للروايات كلها من أن الأربعين هو حد الخمر من ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، خلافا لمن تأول ضربه بالجريدتين على ~~أنهما كانتا مفردتين، وأنه PageV03P1487 # جلد بكل واحدة أربعون، أو أقل أو أكثر حتى كمل مبلغهما ضربا ثمانين. # والأحاديث الصحيحة مصرحة بخلاف هذا التأويل، وظاهر رواية الكتاب: أن ~~الأربعين للتقريب، حتى لو كانت تسعة وثلاثين، جاز بقوله: نحو أربعين، فإن ~~مقتضاه: التقريب لا التحديد، ms1011 وهو خلاف الإجماع؛ فإن الحدود والتقديرات ~~الشرعية كلها للتحديد، فحينئذ لا بد من تأويل قوله: نحو أربعين على عدم ~~التساوي في الضرب والآلة المضروب بها، والله أعلم. # وقوله: "فلما كان عمر، استشار الناس، فقال عبد الرحمن: أخف الحدود ~~ثمانين". # أما عبد الرحمن؛ فهو ابن عوف، أحد العشرة -رضي الله عنهم-، وهكذا هو في ~~الصحيح: أنه الذي أشار على عمر بالثمانين، ووقع في "الموطأ": أن الذي أشار ~~بها علي بن أبي طالب- كرم الله وجهه - (¬1)، والجمع بينهما صحيح ممكن، ~~فلعلهما أشارا به، والذي بدر بالمشورة أولا عبد الرحمن، فنسبت إليه؛ لسبقه ~~بها، ونسبت في رواية إلى علي - رضي الله عنه -؛ لفضيلته وكثرة علمه ورجحانه ~~على عبد الرحمن - رضي الله عنهما -. # لكن رواية من قال: إنه علي منقطعة؛ فإنها من رواية ثور بن زيد الديلي عن ~~عمر، وثور لم يدرك عمر، والله أعلم. # وقوله: "أخف الحدود"، هو منصوب بفعل محذوف تقديره: فقال عبد الرحمن: ~~اجلده، أو: حده أخف الحدود المنصوص عليها في القرآن؛ فإن الحدود في القرآن: ~~حد السرقة بالقطع، وحد الزنا بمئة جلدة، وحد القذف بثمانين جلدة، فاجعل حد ~~الخمر ثمانين كأخف الحدود. # وإنما استشار عمر الناس في ذلك؛ لأن في زمنه - رضي الله عنه - فتح الشام ~~والعراق، وسكن الناس في مواضع الخصب وسعة العيش وكثرة الأعناب والثمار، ~~وأكثروا من شرب الخمر، فزاد عمر - رضي الله عنه - في حدها؛ زجرا PageV03P1488 # لشاربيها، وتغليظا عليهم، وكان ذلك سنة ماضية؛ فإنه موافق للعمل بقوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدييين، ~~عضوا عليها بالنواجذ" (¬1) وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "اقتدوا باللذين ~~من بعدي: أبي بكر وعمر" (¬2)؛ أي: بكل واحد منهما. # ولهذا عمل عثمان - رضي الله عنه - بفعل كل واحد منهما، فجلده مرة ثمانين، ~~ومرة أربعين. # وقال علي - رضي الله عنه -: كل سنة (¬3)؛ حيث إن الأربعين فعل النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، وأبي بكر، والثمانين فعل عمر بإجماع الصحابة -رضي ~~الله عنهم-، وإن اعتقاده - رضي الله عنه - أنهما كانا خليفتين، وأن فعلهما ~~سنة، ms1012 وأمرهما حق، خلاف ما يكذب عليه - رضي الله عنه -. # وروي عن علي - رضي الله عنه -: أنه ضرب في الخمر ثمانين، وهو المعروف من ~~مذهبه، والله أعلم. # واعلم أنه وقع في لفظ الكتاب: أن الضرب كان بالجريد فقط، وفي غيره: ~~بالجريد والنعال كما ذكرنا. # وفي رواية الزهري عن عبد الرحمن بن أزهر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: "اضربوه" فضربوه بالأيدي والنعال وأطراف الثياب (¬4). # وفي حديث قال: فلما كان أبو بكر، سأل عن ذلك من حضر ذلك المضروب، فقومه ~~أربعين، فضرب أبو بكر في الخمر أربعين (¬5)، ففسر بعضهم PageV03P1489 # التقويم بالتقدير؛ أي: قدر الضرب الذي ضربه بالأيدي والنعال وأطراف ~~الثياب، فبلغ قدره أربعين عصا. # وهو بعيد؛ لقوله: كان - صلى الله عليه وسلم - يجلد في الخمر أربعين؛ فإنه ~~لا ينطلق على عدد كثير من الضرب بالأيدي والنعال وأطراف الثياب، لا على ~~التقويم بمعنى التقدير؛ فإن قوله: أربعين أقرب صدقا حقيقة من التقدير الذي ~~هو معنى التقويم. ولهذا قال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانين، وجعل بعضهم: أن ~~رواية قول عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانون، على أنه مبتدأ وخبر، فيكونان ~~مرفوعين، وما أعلمه منقولا رواية، والله أعلم. # وفي الحديث أحكام: # منها: تحريم شرب الخمر، وهو إجماع المسلمين، والحد لا يكون إلا على محرم كبيرة. # ومنها: وجوب الحد على شاربها، سواء شرب قليلا أو كثيرا. # وأجمع العلماء على أنه لا يقتل بشربها، وإن تكرر منه، وممن حكى الإجماع ~~على ذلك: الترمذي في "جامعه"، وخلائق من العلماء. # وحكى القاضي عياض عن طائفة شاذة: أنهم قالوا: يقتل بعد جلده أربع مرات؛ ~~للأحاديث الواردة في ذلك، وهو قول باطل مخالف لإجماع الصحابة فمن بعدهم في ~~أنه لا يقتل، وإن تكرر منه أربع مرات، والأحاديث المروية في قتله منسوخة؛ ~~بدلالة الإجماع على نسخها؛ حيث إن الإجماع إنما استقر بعد وفاته - صلى الله ~~عليه وسلم -، فلا يكون بذاته ناسخا ولا منسوخا. # ومنهم من قال: هي منسوخة بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يحل دم امرى ~~مسلم إلا بإحدى ثلاث؛ النفس ms1013 بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق ~~للجماعة" (¬1). # وأجمع العلماء على أن شارب الخمر يجلد، سواء سكر أم لا. PageV03P1490 # واختلف العلماء على أن شارب النبيذ، وهو ما سوى عصير العنب من الأنبذة ~~المسكرة، فقال الشافعي، ومالك، وأحمد، وجماهير العلماء من السلف والخلف: هو ~~حرام، يجلد فيه كجلد شارب الخمر الذي هو عصير العنب، سواء كان يعتقد إباحته ~~أو تحريمه. # وقال أبو حنيفة والكوفيون: لا يحرم، ولا يحد شاربه. # وهذا الذي قاله أبو حنيفة وموافقوه، إن أرادوا عدم تحريم الأنبذة؛ لكونها ~~غير مسكرة، فمسلم، وإن أرادوا به لكونها مسكرة، فممنوع؛ فإن جماعة من ~~العلماء نقلوا الإجماع على أن المسكر حرام؛ بأي شيء كان، من عصير عنب، أو ~~نبيذ زبيب، أو تمر، أو مزر؛ وهو ما يعمل مسكرا من لبن الخيل، مع أن لبن ~~الخيل حرام عندهم مطلقا، سواء إن أسكر أم لا؛ حيث إنه عندهم تبع للحم الخيل ~~في تحريمه؛ فلبن الخيل كلحمه في الحل والحرمة. # وقال أبو ثور: النبيذ المسكر حرام، يجلد بشربه من يعتقد تحريمه دون من ~~يعتقد إباحته، والله أعلم. # ومنها: أن قدر حد الخمر أربعون، وبه قال الشافعي، وأبو ثور، وداود، وأهل ~~الظاهر، وغيرهم. # وقال الشافعي -رحمه الله-: وللإمام أن يبلغ به ثمانين؛ لفعل عمر والصحابة ~~-رضي الله عنهم-. # قال: والزيادة على الأربعين تقريرات على تسببه في إزالة عقله، وفي تعرضه ~~للقذف والقتل وأنواع الإيذاء، وترك الصلاة، وغير ذلك. # وقال القاضي عياض -رحمه الله-، وجمهور العلماء والفقهاء من السلف والخلف، ~~منهم: مالك، وأبو حنيفة، والأوزاعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق: أنهم قالوا: ~~حده ثمانون، واحتجوا بأنه الذي استقر عليه إجماع الصحابة -رضي الله عنهم-، ~~وفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن للتحديد، ولهذا قال في الرواية ~~التي في الكتاب: نحو أربعين. PageV03P1491 # وحجة الشافعي -رحمه الله-: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جلد أربعين؛ ~~كما صرح به في "صحيح مسلم" وغيره. وزيادة عمر تعزيرات، والتعزير إلى رأي ~~الإمام، إن شاء فعله، وإن شاء تركه؛ بحسب المصلحة في فعله وتركه، فرآه ms1014 عمر، ~~ففعله، ولم يره أبو بكر ولا علي - رضي الله عنهما -، فتركاه، ولو كانت ~~الزيادة حدا، لم يتركها النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا أبو بكر، ولا ~~تركها علي بعد فعل عمر، ولهذا قال علي: وكل سنة؛ أي: الاقتصار على الأربعين ~~والبلوغ إلى الثمانين. # وهذا الحد هو حد الحر، وأما العبد، فهو على النصف من الحر في الخمر ~~والزنا والقذف. والله أعلم (¬1). # ومنها: حصول الحد في الخمر بالجلد بالجريد والنعال وأطراف الثياب، وهو ~~مجمع عليه، لكنه بحيث يسمى ضربا، فلا يكتفى بالوضع المجرد، بل برفع ذراعه ~~رفعا معتدلا، ولا يبالغ في الضرب؛ بأن يرفع يده فوق رأسه. # قال الشافعية: إذا ضربه بالسوط، فليكن متوسطا معتدلا في الحجم بين القضيب ~~والعصا، فإن ضربه بجريدة، فلتكن خفيفة بين اليابسة والرطبة، واختلفوا في ~~جوازه بالسوط على وجهين؛ أصحهما: الجواز، وهما مذهبان للعلماء. # وشذ بعض الشافعية، فشرط فيه السوط، وقال: لا يجوز فيه الضرب بالثياب ~~والنعال، وهو غلط فاحش مردود على قائله؛ لمنابذته صريح الأحاديث الصحيحة، ~~ومخالفتها، والله أعلم. # ومنها: مشاورة الإمام والقاضي والمفتي أصحابه وحاضري مجلسه في الأحكام. # ومنها: أن قول العلماء بالاجتهاد يجوز إطلاق السنة عليه، وأنه يجب العمل به. # ومنها: جواز القياس والعمل به، وبالاستحسان عند الحاجة إليه. والله أعلم. PageV03P1492 ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن أبي بردة، هانئ بن نيار البلوي -رضي الله عنه-: أنه سمع رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود ~~الله" (¬1). # أما أبو بردة هذا؛ فهو ممن غلبت عليه كنيته. واختلف في اسمه على أقوال؛ ~~أصحها ما ذكره في الكتاب: هانئ بن نيار بن عمرو بن عبيد، وقيل: الحارث بن ~~عمرو، ويقال: مالك بن هبيرة بن عبيد، وهو حليف للأنصار، مدني، كان حليفا ~~لبني حارثة بن الحارث بن الخزرج، وهو خال البراء بن عازب. # شهد العقبة وبدرا والمشاهد كلها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وكانت معه راية بني حارثة في غزوة الفتح. # اتفق البخاري ومسلم على الرواية ms1015 له، رويا له حديثا واحدا، وروى له أصحاب ~~السنن والمساند. # وروى عنه جابر بن عبد الله، وجماعة من التابعين. # وتوفي أوائل خلافة معاوية سنة خمس، وقيل: إحدى، وقيل: اثنتين وأربعين، لا ~~عقب له بعد شهوده مع علي -كرم الله وجهه- حروبه كلها. # وأما البلوي، بفتح الباء الموحدة واللام وكسر الواو ثم ياء النسب، فلم ~~يختلفوا أنه نسبة إلى بلي بن عمرو بن حلوان بن إلحاف بن قضاعة. # قال أبو عمر النمري: يقولون: أبو بردة هانئ بن نيار بن عبيد بن كلاب بن ~~غنيم بن هبيرة بن ذهل بن هانئ بن بلي بن عمرو بن حلوان بن إلحاف بن قضاعة. PageV03P1493 # قلت: وكون اسمه هانئ بن نيار، هو قول أهل الحديث، وقيل فيه: هانئ بن ~~عمرو، وهذا قول ابن إسحاق. # وذكر النمري الأقوال التي ذكرناها فيه، وأضافها إلى قائلها، والله أعلم (¬1). # واعلم أن حديث أبي بردة هذا، رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، ~~والنسائي، وابن ماجه من رواية عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، عن أبي بردة (¬2). # أما البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، فذكروا رواية ~~عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله عن أبي بردة. # وأما البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، فذكروا روايته عن أبيه عن أبي ~~بردة، فيدخل في رواية المزيد في متصل الأسانيد؛ لزيادة جابر بن عبد الله ~~بين أبيه عبد الرحمن، وأبي بردة، ويحتمل أن عبد الرحمن سمعه من أبي بردة، ~~ثم سمعه من أبيه عن أبيه، ويحتمل عكسه، فيكون متصلا، ولا يكون منقطعا في ~~إحدى الروايتين. # وإنما ذكرت هذا؛ لأن ابن المتذر قال: إن في إسناد هذا الحديث مقالا، وقال ~~الأصيلي: اضطرب إسناد حديث عبد الرحمن بن جابر، فوجب تركه؛ لاضطرابه. # وقول ابن المنذر يرجع إلى ما ذكره الأصيلي من الاضطراب؛ فإن رجال إسناد ~~هذا الحديث ثقات. # كيف وقد رواه البخاري ومسلم والأئمة؟ والاضطراب الذي ذكره الأصيلي PageV03P1494 # هو ما ذكرناه من زيادة رواية جابر بن عبد الله بين أبيه عبد الرحمن، وأبي ~~بردة، وروي -أيضا- عن عبد ms1016 الرحمن بن جابر عمن سمع عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، ولا يضر ذلك جميعه كما بيناه، ولا تضر جهالة الصحابي. # كيف وقد ذكر الصحابي في بعض طرقه، وكلها في "الصحيحين" على الاتفاق ~~والانفراد؟ # وروي -أيضا- عن عبد الرحمن بن جابر، عن رجل من الأنصار، عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -. # وهذا الاختلاف لم يؤثر عند البخاري ومسلم؛ لما بيناه أولا من احتمال أن ~~يكون من نوع المزيد في متصل الأسانيد، واحتمال سماعه من كل واحد منهما، ~~ويكون الذي سمع النبي - صلى الله عليه وسلم -، والرجل من الأنصار واحدا، ~~وهو أبو بردة؛ فإنه وإن كان قضاعيا، فإنه أنصاري بالحلف، فنسب إليهم، وهو ~~مشهور بذلك. # وذكر الحافظ أبو الحسن الدارقطني: أن حديث عمر بن الحارث المقري الذي قال ~~فيه: عن أبيه، صحيح؛ لأنه ثقة، وقد زاد رجلا، وتابعه أسامة بن زيد. فهذا ~~الدارقطني قد صحح الحديث بعد وقوعه على الاختلاف، وجنح إلى ما جنح إليه ~~صاحبا الصحيح -رحمهما الله- والله أعلم (¬1). # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إلا في حد من حدود الله -عز وجل-"؛ الحد ~~في اللغة: المنع مطلقا. # وسميت الحدود المقدرة في الشرع بذلك؛ لأنه يمنع من معاودة معاصيها؛ ولأنه ~~مقدر محدود. # واختلف في تفسيره في هذا الحديث: # فقيل: المراد به حق من حقوقه، وإن لم يكن من المعاصي المقدرة وحدودها؛ ~~لأن المحرمات كلها من حدود الله تعالى، وهذا أولا: خروج عن العرف في لفظ ~~الحد، وثانيا: أن ما ليس بمحرم يقتضي جواز الزيادة على العشرة PageV03P1495 # أسواط، وأن الزيادة مختصة به؛ إذ لم يبق لنا شيء غيره مما تجوز فيه ~~الزيادة، وأصل التعزير ممنوع فيه، ولا تبقى لخصوصية منع الزيادة معنى، ~~والذي تقتضيه الأدلة: أن المراد به فعل الماضي الذي لا حد فيها ولا كفارة. # وقد قال بظاهر هذا الحديث في عدد الزيادة على العشرة الأسواط: أحمد بن ~~حنبل، وإسحاق بن راهويه، وإليه ذهب من الشافعية صاحب "التقريب"، وأشهب من ~~المالكية؛ فإن الحديث متعرض للمنع من الزيادة عليها، وما دونها لا تعارض ms1017 ~~للمنع فيه. # وفي هذا الحديث دليل: على إثبات التعزير، ومعناه في اللغة: التأديب، وأما ~~في الشرع، فقال الماوردي: هو تأديب على ذنب ليس فيه حد (¬1)، فتوافق الحد ~~في أنه زجر وتأديب للصلاح، يختلف بحسب الذنب، ويخالفه من ثلاثة أوجه: # أحدها: أن تعزير أهل الهيبات أخف من تعزير غيرهم، ويستوون في الحد. # والثاني: تجوز الشفاعة في التعزير والعفو عنه، دون الحد. # والثالث: لو تلف من التعزير، ضمن، ولو تلف من الحد، فهدر. # وفيه: تقدير الضرب فيه بعدم الزيادة على العشرة، وأما بالنقص عنها، فلا. ~~وقد ذكرنا من قال به قريبا. # وقد اختلف العلماء فيه، فالمنقول عن مالك -رحمه الله-: أنه لا يتقدر ~~بعشرة ولا غيرها، ويجيز العقوبات فوق العشرة وفوق الحدود على قدر الجريمة ~~وصاحبها، ويجعل ذلك موكولا إلى رأي الإمام واجتهاده، فحينئذ يحتاج من قال ~~بجواز الزيادة على العشرة، وإن لم تبلغ أدنى الحدود، إلى العذر عن الحديث، ~~فبعضهم طعن فيه بما ذكرنا، وقد بينا بطلانه، وبعضهم ادعى نسخه بعمل الصحابة ~~-رضي الله عنهم- على خلافه، وأن عمر - رضي الله عنه - ضرب PageV03P1496 # صبيغا، -بفتح الصاد المهملة وكسر الموحدة وسكون المثناة تحت، وبالعين ~~المعجمة آخره- أكثر من الحد، أو من مئة. وفعل بعضهم أو فتواه لا يدل على ~~النسخ، إلا أن يقع الإجماع عليه، فيدل على وجود ناسخ، فيكون نسخا، ولا إجماع. # وتأوله بعض المالكية على أنه مقصور على زمن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-؛ لأنه كان يكفي الجاني منهم هذا القدر، وهذا ضعيف جدا؛ لأنه ترك للعموم ~~بغير دليل شرعي على الخصوص والمناسبة التي ذكرها ضعيفة -أيضا-؛ لأنها لا ~~تصلح لإثبات التخصيص. # واعلم أن العلماء حيث جعلوا التخيير إلى رأي للإمام؛ في شيء من الأشياء، ~~ليس المراد به تخيير نسبة، بل لا بد عليه من الاجتهاد الشرعي. # وقد نقل عن بعض المالكية: أن مؤدب الصبيان لا يزيد على ثلاثة أسواط، فإن ~~زاد، اقتص منه. وهذا -أيضا- بعيد بتعدد إقامة الدليل عليه، ولعله أخذه من ~~أن الثلاث اعتبرت في مواضع كثيرة من الشرع، وأنها ms1018 حد الكثرة، وهو ضعيف. # وظاهر مذهب الشافعي -رحمه الله- جواز الزيادة على العشرة، إلا أنه لا ~~يبلغ بالتعزير الحد. وقال بعض الشافعية: الأظهر جواز الزيادة على العشرة. # واختلف أصحابه على هذا في المعتبر على وجهين: # أدنى الحدود في حق المعزر، فلا يزاد في تعزير الحر على تسع وثلاثين ضربة؛ ~~ليكون دون حد الأحرار، ولا في تعزير العبد على تسعة عشر سوطا. # الثاني: يعتبر أدنى الحدود على الإطلاق، فلا يزاد في تعزير الحر -أيضا- ~~على تسعة عشر سوطا -أيضا-. # وفيه وجه ثالث: أن الاعتبار فيه بعد الأحرار مطلقا، فيجوز أن يزاد تعزير ~~العبد على عشرين. PageV03P1497 # ولا شك أن التعزيرات فرع الحدود؛ ولهذا سماها غير واحد: حدودا؛ كما أن ~~نوافل الصلاة فرع فرائضها، وهي تبع لها في أحكامها وهيئاتها، وقد جعلها ~~الشارع - عليه السلام - جوابر لما نقص من الفرائض، وكذلك التعزيرات مع ~~الحدود، لكنها لا ترتفع عليها، وكذلك الكرامات مع المعجزات فرعها، فلا ~~ترتفع عليها، والله أعلم. # * * * PageV03P1498 ### || CHECK [باب] ### | AUTO كتاب الأيمان والنذور ### ||| AUTO الحديث الأول # عن عبد الرحمن بن سمرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "يا عبد الرحمن بن سمرة! لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أعطيتها عن ~~مسألة، وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة، أعنت عليها، وإذا حلفت على ~~يمين، فرأيت غيرها خيرا منها، فكفر عن يمينك، وائت الذي هو خير" (¬1). # أما عبد الرحمن بن سمرة؛ فكنيته: أبو سعيد بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس بن ~~عبد مناف، قرشي عبشمي، أسلم يوم الفتح، وصحب النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~وروى عنه، ثم غزا خراسان في زمن عثمان بن عفان - رضي الله عنه -، وهو الذي ~~افتتح سجستان، وكابل، وكان اسمه: عبد كلاب، فسماه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: عبد الرحمن. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعة عشر حديثا، اتفق ~~البخاري ومسلم على هذا الحديث، وانفرد مسلم بحديثين. # روى عنه: عبد الله بن عباس، والحسن، ومحمد بن سيرين، وسعيد بن PageV03P1499 # المسيب، وجماعة من ms1019 التابعين، ومات بالبصرة سنة خمسين، وقيل: إحدى وخمسين. # وقال الحاكم أبو عبد الله حكاية عن بعضهم: إنه توفي، ودفن بمرو، وإنه أول ~~من توفي من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بمرو. وروى له أصحاب السنن ~~والمساند (¬1). # أما "الإمارة"؛ فهي تعم كل ولاية عامة أو خاصة. # والحكمة في ألا يولاها من سألها، أنه يوكل إليها، ولا تكون له من الله ~~إعانة، وإذا كان كذلك، لا يكون كفؤا، وغير الكفؤ لا يولى، وإنما تحصل ~~الإعانة لمن أعطيها عن غير مسألة؛ لأنه لا يسأل عن الولاية إلا من أجمعت ~~القلوب على أهليته، واعترفت بالعجز عن القيام برتبته، فصار ذلك باعثا لهم ~~على تسديده وإعانته، ويلزم من حاله وعدم تعرضه إليها اعترافه بالعجز ~~والتقصير، وذلك سبب حامل على الاجتهاد والتشمير، بخلاف من سألها؛ فإنه لا ~~يفعل ذلك إلا وقد حدثته نفسه بالأهلية والرجحان، وذلك سبب لعدم الإعانة ~~والنقصان؛ فإن النفوس مجبولة بطبعها على عدم إعانة من هذا وصفه، وإيكاله ~~إلى نفسه وولايته؛ لنقصه عندهم، فاعتماده على حديث نفسه، ولهذا قال - صلى ~~الله عليه وسلم -: "لا نولي عملنا من طلبه أو حرص عليه" (¬2)؛ حيث إن ~~التهمة متطرقة إلى الطالب الحريص، والله أعلم. PageV03P1500 # وقوله: "وكلت إليها"؛ هو بالواو؛ ومعناه: أسلمت إليها، ولم يكن معك ~~إعانة، بخلاف ما إذا حصلت بغير مسألة. # ووقعت الرواية في "صحيح مسلم" للفظة: أوكلت -بالهمزة والواو-، [وجهان، ~~قال القاضي عياض: هو في أكثرها بالهمزة، والصواب بالواو] (¬1)، والله أعلم (¬2). # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: أن من تعاطى أمرا، وسولت له نفسه أنه أهل له، قائم به: أنه يغلب ~~فيه في أغلب الأحوال؛ لأن من سال الإمارة لم يسألها إلا وهو يرى نفسه أهلا ~~لها (¬3)، فيوكل إليها؛ حيث إنه تعاطاها، والمتعاطي أبدا مخذول، بخلاف من ~~لم يحدث نفسه بشيء من ذلك؛ فإنه لم يسأله لرؤيته نفسه بالعجز والتقصير عنه؛ ~~حيث إنه تواضع، واعترف بوصفه، وهو النقصان أبدا، ومن تواضع لله، رفعه الله. # ومنها: كراهة طلب الولاية مطلقا، وقد ثبتت أحاديث في المنع، منها ms1020 قوله - ~~صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر: "لا تأمرن على اثنين" (¬4)، ومنها: قوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "الولاية حسرة وندامة" (¬5)، ومنها: حديث الكتاب: ~~"لا تسأل الإمارة". # وقد تصرف الفقهاء في هذه المسألة بالقواعد الكلية، والذي تقتضيه الأدلة ~~من الأحاديث الصحيحة وفعل الصحابة -رضي الله عنهم-: أنه من تعين عليه أمر ~~من الأمور، وعلم من نفسه القيام به على ما يقدر عليه من الاستطاعة فيه، أو PageV03P1501 # كان يرتزق به، أو علم تضييع القائم بها حقوقها، أو حصولها في غير ~~مستوجبها، ونيته إقامة الحق فيها، جاز له الدخول فيها، ووجب عليه قبولها ~~إذا عرضت عليه، وطلبها إن لم تعرض؛ لأنه فرض كفاية لا يتادى إلا به، فتعين ~~عليه القيام به. وكذا إن لم يتعين عليه، وكان أفضل من غيره. # ومنعنا ولاية المفضول مع وجود الأفضل، وإن كان غيره أفضل منه، ولم يمنع ~~تولية المفضول مع وجود الفاضل، فهاهنا يكره له الدخول في الولاية، وأن ~~يسألها. # وجوز بعضهم الطلب، وكره للإمام أن يوليه، وقال: إن ولاه، انعقدت ولايته، ~~وقد خطئ في ذلك؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من ولى رجلا من عصابة، وفي ~~تلك العصابة من هو لله أرضى منه، فقد خان الله، وخان رسوله، وخان ~~المؤمنين"، ورواه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (¬1). # وكره بعض العلماء تولية القضاء مطلقا؛ لأحاديث وردت فيه؛ منها: قوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "القضاة ثلاثة؛ واحد في الجنة، واثنان في النار" ~~(¬2) ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من ولي القضاء، فقد ذبح بغير ~~سكين" (¬3). مع أن بعض العلماء تأوله على المدح، وقال: لاجتهاده في طلب ~~الحق، وبعضهم على الذم؛ لعجزه غالبا عن القيام به، وعدم المعين له على ~~الحق. PageV03P1502 # ولا شك أن معظم السلف في الصدر الأول لم يمتنعوا منه، وإنما كان ذلك ~~لعلمهم يقينا أو ظنا بالقيام به، ووجود المعين للحق في الحق. # ومعظم السلف من الصدر الثاني والثالث امتنعوا منه، وتحيلوا على الامتناع ~~منه، حتى بأسباب توهم الجنون أو قلة المروءة؛ لما علموا في توليته من ms1021 الخطر ~~العظيم، وعدم براءة الذمة فيه، فارتكبوا أمرا مباحا، وخلاف الأولى؛ للخلاص ~~من المحرم أو المكروه. # وقد اعتمد الفقهاء مثل ذلك في أحكام كثيرة في أبواب من العلم يطول ذكرها، ~~والله أعلم. # والسلامة لا يعدلها شيء في الدنيا والآخرة، وثنيات الطرق لا تسلك، فإنها ~~مفضية إلى الهلاك حسا، والله أعلم. # ومنها: لطف الله -عز وجل- بالعبد فيما قضاه وقدره وأوجبه عليه بالإعانة ~~على إصابة الصواب في فعله وقوله: لطفا وتفضلا زائدا على مجرد التكليف ~~والهداية، وتحديد ذلك له. # فإنه لما كان خطر الولايات عظيما بسبب أمور خارجة عنه، كان طلبها تكلفا ~~ودخولا في غرر عظيم، فهو جدير بعدم العون. # ولما كانت إذا أتت عن غير مسألة، ولم يكن فيها تكلف، كانت جديرة بالعون ~~على أعبائها وأثقالها، دل ذلك جميعه على لطف الله تعالى بالعبد وفضله عليه ~~في كل أمره، والله أعلم. # فهذا ما يتعلق به الحديث من ذلك، وهذا الكلام داخل في علم الأصول، ويكفي ~~ما أشرنا إليه فيه. # واعلم أن من نظر إلى ما تعلق به من أوامر الشرع ونواهيه في الولاية ~~وغيرها، وعلم أنه مسؤول عن الفتيل، والكثير والقليل، وأنه يؤتى يوم القيامة ~~بمثقال حبة من خردل، علم أن ترك الولاية وقطع العلائق أولى به، واقتصر على ~~ما لا بد منه ضرورة. PageV03P1503 # ودخول السادات من الصدر الأول في الولايات إنما كان دينا محضا، لا يشوبه ~~شيء من الحظوظ. # ولهذا كان الولاة منهم أفضلهم وأقواهم دينا لذلك، ومع هذا كان خوفهم ~~شديدا، حتى نقل عن عمر -رضي الله عنه-: أنه قال: ليت أم عمر لم تلده (¬1). # وأقوال السلف في ذلك كثيرة؛ ومنها: أن من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرا ~~منها، من فعل أو ترك؛ بأن كان التمادي على اليمين مرجوحا في نظر الشرع، ~~والحنث خير منه: أنه يستحب له الحنث، وتجب الكفارة، وقد يكون الحنث واجبا، ~~وهذا متفق عليه. # وأجمعوا على أنه لا تجب عليه كفارة قبل الحنث، وعلى أنه يجوز تأخيرها عن ~~الحنث، وعلى أنه لا يجوز تقديمها ms1022 قبل اليمين. # ولا شك أن قوله لجمنم في هذا الحديث: "فكفر عن يمينك وائت الذي هو خير" ~~ما يقتضي تقديم التكفير على الحنث؛ من حيث الاهتمام بذكره. # وقد اختلف العلماء في جواز ذلك، فقال مالك والشافعي: يجوز، ونقل عن أربعة ~~عشر صحابيا، وجماعات من التابعين، وبه قال الأوزاعي، والثوري، وجماهير ~~العلماء، لكن قالوا: يستحب كونها بعد الحنث. # واستثنى الشافعي التكفير بالصوم، فقال: لا يجوز قبل الحنث؛ لأنه عبادة ~~بدنية، فلا يجوز تقديمها على وقتها؛ كالصلاة وصوم رمضان، وأما التكفير ~~بالمال، فيجوز تقديمه، كما يجوز تعجيل الزكاة. # واستثنى بعض أصحابه حنث المعصية، فقال: لا يجوز تقديمه على كفارته؛ لأن ~~فيه إعانة على المعصية، والجمهور على إجزائها لغير المعصية. PageV03P1504 # وقال أبو حنيفة وأصحابه، وأشهب المالكي: لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث ~~بكل حال. # وتعلق من قال بالبداءة بالتكفير قبل الحنث بهذا الحديث؛ حيث قدمه عليه، ~~وهو ضعيف من حيث إن الواولا تقتضي الترتيب، والمعطوف والمعطوف عليه بها ~~كالجملة الواحدة، وليس بالجيد طريقة من يقول في مثل هذا: إن الفاء تقتضي ~~الترتيب والتعقيب، فيقتضي ذلك أن يكون التكفير مستعقبا؛ لرواية الخبر في ~~الحنث، وإذا استعقبه التكفير، تأخر الحنث ضرورة. # وإنما قيل: ليس بجيد؛ لما بين في حكم الواو، فلا فرق بين قولنا: فكفر عن ~~يمينك وائت الذي هو خير، وبين قولنا: فافعل هذين، ولو قال كذلك، ولم يقتض ~~ترتيبا ولا تقديما، فكذلك إذا أتى بالواو. # وقد ذكرت هذه الطريقة عن بعض الفقهاء في اشتراط الترتيب في الوضوء، وقال: ~~إن هذه الآية تقتضي تقديم غسل الوجه بسبب الفاء، وإذا وجب غسل الوجه، وجب ~~الترتيب في بقية الأعضاء اتفاقا، وهو ضعيف لما بين. # ومنها: أنه إذا لم هي الحنث خيرا، اقتضى تأخير مصلحة الوفاء بمقتضى ~~اليمين؛ فإن الحديث علق الحنث على رؤية غيرها خيرا منها، وذلك مطلوب. # والآية الكريمة في قوله -عز وجل-: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن ~~تبروا} [البقرة: 224] تأبى التأخير عن مصلحة الوفاء، وقد حملها بعضهم على ~~ما دل عليه الحديث، فقال: ms1023 {عرضة لأيمانكم}؛ أي: مانعا، و {أن تبروا} ~~بتقدير: من {أن تبروا}. # ومنها: بيان كرم الله تعالى على عبادة في عدم الوقوف عند الأيمان، وبأنه ~~يحنث فيها؛ لئلا يؤدي ذلك إلى المنع من الخير وترك البر، والله أعلم. # * * * PageV03P1505 ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرا منها، إلا أتيت ~~الذي هو خير وتحللتها" (¬1). # تقدم الكلام على أبي موسى، وأنه عبد الله بن قيس الأشعري. # وهذا الحديث ورد على سبب، وهو أنه - صلى الله عليه وسلم - الحملان، فحلف ~~ألا يحملهم، ثم حملهم، فكرهوا تحلل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وخافوا عقوبة ذلك، فقال ذلك، ولا شك أن معناه ما تقدم في الحديث قبله. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إني والله إن شاء الله"؛ تنبيه على تأكيد ~~ما يخبر به الإنسان عن نفسه في المستقبل بالقسم، وبالاستثناء ب "إن شاء ~~الله"، تبركا وأدبا؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا أحلف على يمين"، ~~وذلك لا يكون إلا مستقبلا. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وتحللتها"؛ يعني: تحللتها بالتكفير عنها، ~~ويحتمل أنه إتيان ما يقتضي الحنث؛ فإن التحلل يقتضي العقد، والعقد هو ما ~~دلت عليه اليمين من موافقة مقتضاها، فيكون التحلل الإتيان بخلاف مقتضاها، ~~وهذا مستفاد من قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إلا أتيت الذي هو خير"؛ ~~يعني: ما كان خلاف مقتضى اليمين، فلا يبقى لهذا الاحتمال فائدة زائدة عليه ~~من حيث مقتضاه، اللهم إلا أن تكون الفائدة بقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"وتحللتها"، التنصيص والتصريح بما يناسب الجواز والحل صريحا؛ فإنه أبلغ مما ~~إذا أتى به بطريق الاستلزام. # كيف وقد أكد - صلى الله عليه وسلم - الحكم المذكور باليمين بالله تعالى ~~عليه، وهو يقتضي المبالغة في ترجيح الحنث على الوفاء بما حلف عليه، وذلك ~~يرجع إلى مصالح PageV03P1506 # الحنث المتعلقة بالمفعول المحلوف على تركه مثلا، وسبب الحديث الذي ذكرناه ~~يبينه، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثالث ms1024 # عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم". # ولمسلم: "فمن كان حالفا، فليحلف بالله أو ليصمت" (¬1). # وفي رواية: قال عمر: فوالله ما حلفت بها مذ سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - نهى عنها ذاكرا ولا آثرا (¬2)؛ يعني: حاكيا عن غيري أنه حلف بها. # واعلم أن سبب النهي: أن قريشا كانت تحلف بآبائها، وأدرك - صلى الله عليه ~~وسلم - عمر -رضي الله عنه- في ركب وهو يحلف بأبيه، فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "إن الله ينهاكم"، الحديث. # والحكمة في النهي عن الحلف بغير الله تعالى: أن الحلف يقتضي تعظيم ~~المحلوف به، وحقيقة العظمة لله تعالى، لا يشاركه فيها أحد، ولهذا قال ~~-سبحانه وتعالى- في الأحاديث الصحيحة المروية عنه -سبحانه-: "العظمة إزاري، ~~والكبرياء ردائي، فمن نازعني فيها، عذبته" (¬3)، وإذا كان كذلك، فلا يضاهى ~~بالتعظيم غيره -سبحانه وتعالى-. # وقد جاء عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: لأن أحلف بالله مئة مرة ~~فآثم، خير من أن أحلف بغيره فأبر (¬4). PageV03P1507 # ولا شك أن الله -سبحانه وتعالى- له أن يقسم بما شاء من مخلوقاته؛ تنبيها ~~على شرفها، فقد أقسم الله -سبحانه وتعالى- بعمر النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- في قوله تعالى: {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون} [الحجر: 72]، وأقسم ~~بالعصر، وبالشمس وضحاها، وبالقمر، وبغير ذلك مما في الكتاب العزيز؛ وذلك ~~لأنه -سبحانه وتعالى- العظيم المطلق، يحكم ولا يحكم عليه، فله أن يقسم بما ~~شاء، والعباد متصرف فيهم مقيدون، فلا يقسمون إلا بما أذن لهم فيه، وهو ~~الحلف بأسماء الذات والصفات العلية كما قاله العلماء. # فإن قيل: هذا الحديث مخالف لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أفلح وأبيه" ~~(¬1) فقد أقسم بأبيه. # والجواب: أن هذه كلمة تجري على اللسان لا يقصد بها اليمين. # وأما معنى قول عمر -رضي الله عنه-: فوالله ما حلفت بها بعد النهي ذاكرا؛ ~~أي: قائلا لها من قبل نفسي، ولا آثرا -بمد الهمزة-؛ أي: أروي عن غيري أنه فعله. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فمن كان ms1025 حالفا، فليحلف بالله أو ليصمت"؛ ~~معناه: أن الحلف لا يكون إلا بالله، فمن أقسم، فليقسم به -سبحانه وتعالى-، ~~وإلا فليصمت. # وظاهر الأمر بالصمات: الوجوب، ومخالفته التحريم، ويؤيد ذلك ما رواه ~~الترمذي وغيره: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: قال: "من حلف بغير الله ~~فقد أشرك" (¬2)، لكن قال أصحاب الشافعي وغيره: هو مكروه، ليس بحرام، وقال ~~غيرهم: هو حرام، والخلاف في ذلك موجود عند المالكية، والله أعلم. PageV03P1508 # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: المنع من الحلف بغير الله -عز وجل-، واليمين منعقدة عند الفقهاء ~~باسم الذات والصفات العلية. # ومنها: إباحة الحلف بالله تعالى. # قال العلماء: إلا أن يقترن به مقصود شرعي؛ من تفخيم لأمر، أو تنبيه عليه ~~بفهم أو معرفة رتبة، أو نحو ذلك، فيكون مستحبا، وعلى هذا ينزل ما ثبت في ~~الأحاديث الصحيحة من الحلف، والله أعلم. # ومنها: منع الحلف بغير أسماء الله تعالى وصفاته، وكل مجمع عليه، والله أعلم. # واعلم أن الأقسام ثلاثة أنواع: # الأول: ما يباح به اليمين من أسماء الله -عز وجل- وصفاته، كما ذكرنا. # الثاني: ما يحرم به اليمين بالاتفاق؛ كالأنصاب، والأزلام، واللات، ~~والعزى، وكذلك الحلف بنعمة السلطان، وحياتك، وتربة الشهيد، وكذلك إذا حلف ~~بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، والكعبة، قاصدا بذلك التعظيم، كله حرام. # وقال بعض المالكية في اللات والعزى والأنصاب والأزلام: إن قصد تعظيمها، ~~فهو كفر، وإلا فحرام، ولا شك أن القسم بالشيء تعظيم له، وسيأتي حديث يدل ~~على إطلاقه على الكفر، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من حلف على يمين ~~بملة غير الإسلام كاذبا متعمدا، فهو كما قال" (¬1). # وقد روى مسلم في "صحيحه": أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من حلف ~~فقال في حلفه: باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله" (¬2). PageV03P1509 # وإنما أمر بقوله: إلا إله إلا الله"؛ لأنه تعاطى بحلفه صورة تعظيم ~~الأصنام حتى حلف بها. # قال أصحاب الشافعي: إذا حلف باللات والعزى، أو غيرها من الأصنام، أو قال: ~~إن فعلت كذا، فأنا يهودي أو نصراني، أو بريء من الإسلام، أو بريء ms1026 من النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -، أو نحو ذلك، لم تنعقد يمينه، بل عليه أن يستغفر ~~الله تعالى، ويقول: لا إله إلا الله، ولا كفارة عليه، سواء فعله أم لا. # وبعدم الكفارة في ذلك قال الشافعي ومالك وجماهير العلماء، وقال أبو ~~حنيفة: تجب الكفارة في كل ذلك، إلا في قوله: أنا مبتدع، أو بريء من النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، أو حلف باليهودية. # واحتج بأن الله -عز وجل-أوجب على المظاهر الكفارة؛ لأنه منكر من القول ~~وزور، والحلف بهذه الأشياء منكر وزور. # واحتج الشافعية والجمهور بقوله - صلى الله عليه وسلم - الحديث: "فليقل: ~~لا إله إلا الله"، ولم يذكر كفارة، والأصل عدمها حتى يثبت بها شرع. # وأما قياسه على الظاهر، فهو منتقض بما استثناه من قوله: أنا مبتدع، أو ~~أنا بريء من النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو حلف باليهودية، فإنه لم توجب ~~فيها كفارة، والله أعلم. # النوع الثالث: ما يختلف فيه التحريم والكراهة، وهو ما عدا ذلك؛ مما لا ~~يقتضي تعظيمه كفرا، والله أعلم. # ومنها: المبالغة في الاحتياط في الكلام، بألا يحكي قول الغير الذي منع ~~الشرع منه؛ لئلا يجري على اللسان ما صورته صورة الممنوع شرعا، ومن هذا ~~حكاية المذاهب الباطلة من غير ذكر الدليل على بطلانها، وتقبيح قولها ~~واعتقادها، خصوصا إذا هجرت ونسيت وماتت، فلا تحكى؛ فإنها تنبه أهل الباطل ~~على مضاهاتهم لأهل الحق، وأن لهم صورة ومقابلة، فليتفطن لما نبهت عليه؛ ~~فإنه جليل عزيز. # ومن عرف الأشياء وأضدادها، وما يترتب عليها من الفساد، ودخول الشبه PageV03P1510 # والتشعيبات والتشغيبات، تحقق ما ذكرته! واتضح بما نبه عليه أمير المؤمنين ~~-رضي الله عنه- فيما أوضحته، والله يرشدنا إلى الصواب في القول والعمل، ~~ويحمينا من الخطأ والزلل. # * * * ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"قال سليمان بن داود -عليهما السلام-: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تلد ~~كل امرأة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله، فقيل له: قل: إن شاء الله، فلم ~~يقل، فطاف بهن، ms1027 فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان"، قال: فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: "لو قال: إن شاء الله، لم يحنث، وكان دركا ~~لحاجته" (¬1). # قوله: "قيل له: قل: إن شاء الله" يعني: قال له الملك. # أما سليمان - عليه السلام -؛ فهو أحد المؤمنين اللذين ملكهما الله تعالى ~~الدنيا كلها -فيما نقل-. # قال الشيخ أبو عبد الله الحسين بن خالويه -رحمه الله-: وقد قيل: إن ~~الدنيا ملكها الله -عز وجل- أربعة؛ مؤمنان وكافران، فالمؤمنان: سليمان بن ~~داود، وذو القرنين، والكافران: نمرود، وبخت نصر. والله أعلم. # وقال أبو عبد الله بن محمد بن سلامة بن جعفر القضاعي -رحمه الله تعالى-: ~~إن سليمان بن داود -عليه ما السلام - ملك بعد أبيه، وله اثنتا عشرة سنة من ~~عمره، وسخر الله تعالى معه الجن والإنس والطير والرياح، وآتاه النبوة، وكان ~~إذا جلس في مجلسه، عكفت عليه الطير، وقام له الإنس والجن، وكان إذا أراد ~~سفرا لغزو، أمر، فنصب له خشب، وحمل عليه ما يريد PageV03P1511 # من الناس والدواب وآلة الحرب، ثم يأمر العاصف من الريح، فيدخل تحت ذلك ~~الخشب، فتحمله، فهذا استقل، أمر الرخاء فمدته شهرا في غدوة، وشهرا في روحة ~~إلى حيث شاء. # ولما مضى من ملكه أربع سنين، بدأ ببناء بيت المقدس، وفرغ منه في سبع ~~سنين، ولما مضى من ملكه خمس وعشرون سنة، جاءته ملكة سبأ، وهي بلقيس، وكان ~~من قصته معها ما قصه الله -عز وجل- في كتابه. # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أنه قال: إن سليمان - عليه السلام ~~- تزوجها. # وقال وهب: زوجها ذا تبع ملك همذان، وردها إلى اليمن، وسلط زوجها على اليمن. # قال السدي: إن الشيطان أخذ خاتم سليمان، وجلس على كرسيه أربعين صباحا، ~~وخرج سليمان هاربا على وجهه يستطعم الناس، فكانت هذه فتنته التي ذكرها الله ~~-عز وجل-، ثم إن الشيطان هرب وطرح الخاتم في البحر، وتصدق على سليمان بحوت، ~~فشق بطنه، فوجد الخاتم فيه، فرده الله إلى ملكه (¬1). # وروى ابن عباس - رضي الله عنهما -، عن النبي - صلى ms1028 الله عليه وسلم - ~~وقال: "بينما سليمان يصلي ذات يوم، رأى شجرة، فقال: ما اسمك؟ فقالت: ~~الخروب، فقال: لأي شيء أنت؟ قالت: لخراب هذا البيت، فقال سليمان: اللهم عم ~~على الجن موتي، حتى تعلم الإنس أنهم لا يعلمون الغيب، ونحت من الخروب عصا، ~~وتوكأ عليها حولا وهو ميت، والجن لا تعلم، فأكلتها الأرضة، فسقط" (¬2)، ~~وكان جميع عمره اثنين وخمسين سنة، وملك بعده ابنه رخيعم سبع عشرة سنة، ثم ~~افترقت ممالك بني إسرائيل، فملك بعده ابنه إيثائر بعض بني إسرائيل ثلاث PageV03P1512 # سنين، وملك بعده ابنه امنا إحدى وأربعين سنة، وكان رجلا صالحا، وكان أعرج ~~من عرق النساء، ولم يزل الملك في ولده إلى صاحب شعيا، واسمه صديقة، فيما ~~قاله ابن إسحاق، وقال غيره: حزقيا (¬1). # وأما أبوه داود - عليه السلام -؛ فهو ابن آشي بن عويد من ولد يهوذ ابن ~~يعقوب - عليه السلام -. # قال وهب بن منبه: كان قصيرا أزرق قليل الشعر، طاهر القلب، نقيه، ورثه ~~الله -عز وجل- ملك طالوت، ونبوة شموئيل، وأطاعه بنو إسرائيل، وفتح لهم ~~الفتوحات الكثيرة، وأنزل الله عليه الزبور، وعلمه صنعة الحديد، وأمر الجبال ~~والطير أن يسبحن معه إذا سبح، وأعطاه من حسن الصوت ما لم يعطه أحدا من ~~خلقه، وكان له تسعة وتسعون زوجة، ولما بلغ ثمانيا وخمسين سنة من عمره، ~~ابتلي بقصة أوريا، وتزوج زوجة أوريا وولدت له سليمان، وبكى على خطيئته ~~أربعين صباحا حتى نبت العشب من دموع عينيه، فتاب الله عليه. # وقيل: إنه أخذ في عدة بناء بيت المقدس، ومات ولم يبنه، وقيل: إنه شرع في ~~بعض بنائه، ومات ولم يتم، وكان عمره مئة سنة. # ويزعم أهل الكتاب أنه عاش سبعا وسبعين سنة، وقيل: سبعين سنة، ويقال: إن ~~جنازته شيعها أربعون ألف واهب، وأن ملكه كان أربعين سنة (¬2). # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لأطوفن الليلة"، فهكذا هو في ~~الروايات كلها "لأطوفن"، ووقع في بعض نسخ "صحيح مسلم": "لأطيفن الليلة"، ~~وهما لغتان فصيحتان. # يقال: طاف بالشيء، وأطاف به: إذا دار حوله، وتكرر عليه، فهو طائف ومطيف. ms1029 ~~وهو هنا كناية عن الجماع (¬3). PageV03P1513 # واللام في قوله: "لأطوفن" يحتمل أن تكون جوابا لقسم تقديره: والله ~~لأطوفن، وهو الظاهر؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لو قال: إن شاء الله ~~لم يحنث"؛ لأن عدم الحنث ووجوده لا يكون إلا عن قسم. # ويحتمل أن يكون حكاية عن قول سليمان من غير قسم، فتكون اللام ابتدائية، ~~وهو خلاف الظاهر. # وقوله: "على سبعين امرأة" وقد روى مسلم: كان لسليمان ستون امرأة (¬1)، ~~وفي رواية: له سبعون (¬2)، وفي رواية: تسعون (¬3)، وفي غير "صحيح مسلم": ~~تسع وتسعون، وفي رواية: مئة (¬4). # وكل ذلك ليس بمتعارض؛ لأنه ليس في ذكر القليل نفي الكثير، كيف وهو من ~~مفهوم العدد، وهو غير معمول به عند جماهير الأصوليين (¬5)؟ # قوله: "تلد كل امرأة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله"؛ هذا إنما قاله على ~~سبيل التمني للخير، وقصد به الآخرة، والجهاد في سبيل الله تعالى، لا لعرض ~~الدنيا، ولا يجوز أن يكون قاله عن وحي، وإلا لوجب وقوع مخبره، والله ~~-سبحانه- أعلم. # وقوله: "فقيل له: قل: إن شاء الله"؛ وقال المصنف: يعني: قال له الملك؛ ~~فهكذا هو الظاهر على ما رواه مسلم في ""صحيحه" مرفوعا: "فقال له صاحبه أو ~~الملك"، وقيل: المراد به: القرين، وقيل: المراد: صاحب له آدمي. PageV03P1514 # وقوله: "فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان"؛ قيل: هو الجسد الذي ~~ذكره الله -عز وجل- أنه ألقي على كرسيه. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لو قال: إن شاء الله، لم يحنث، وكان دركا ~~لحاجته"؛ هذا محمول على أن النبي - صلى الله عليه وسلم -أوحي إليه بذلك في ~~حق سليمان - عليه السلام -؛ لا أن كل من فعل هذا يحصل له هذا. # وقوله: "وكان دركا لحاجته"؛ هو بفتح الراء: اسم من الإدراك؛ أي: لحاقا، ~~قال الله تعالى: {لا تخاف دركا ولا تخشى} [طه:77] والمعنى: أنه كان يحصل له ~~ما أراد. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: قصد للخيرات وأسبابها. # ومنها: أن السنة لمن قال: سأفعل كذا، أن يقول: إن شاء الله، والكتاب ~~العزيز يدل على ذلك، -أيضا - في ms1030 قوله -عز وجل-: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ~~ذلك غدا (23) إلا أن يشاء الله} [الكهف:23 - 24]. # ومنها: ما خص به الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- من القوة على إطاقة ~~هذا في ليلة واحدة، وكان نبينا - صلى الله عليه وسلم - يطوف على إحدى عشرة ~~في الساعة الواحدة، كما ثبت في "الصحيح" (¬1)، وهذا كله من زيادة القوة. # ومنها: أن إتباع المشيئة لليمين بالله يرفع حكمها؛ لقوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لم يحنث". # قال القاضي عياض -رحمه الله-: أجمع المسلمون على أن "إن شاء الله" تمنع ~~انعقاد اليمين؛ بشرط كونه متصلا، قال: ولو جاز منفصلا كما روي عن بعض ~~السلف، لم يحنث أحد قط في يمين، ولم يحتج إلى كفارة، قال: واختلفوا في ~~الاتصال: فقال مالك، والأوزاعي، والشافعي، والجمهور: هو أن PageV03P1515 # يكون قوله: "إن شاء الله" متصلا باليمين من غير سكوت بينهما، ولا تضر ~~سكتة التنفس (¬1). # وشرط أصحاب الشافعي مع الاتصال نية قول المشيئة قبل الفراغ من اليمين، ~~وبعضهم شرط أن ينوي قولها من أول اليمين، وما أعلم وجههما؛ من حيث إن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - لم يقيد قولها بنية ولا غيرها، بل لولا المعنى في ~~انفصالها عن اليمين ولو بعد مدة أنه يوجب عدم عقد الأيمان ووجوب الكفارة، ~~وإلا لما كان اتصالها بها يشترط من حيث الحديث؛ فإنه لم يقيده بالاتصال ~~لفظا -أيضا-. # وقد تمسك به من قال بجواز تأخير المشيئة أبدا، ومن قال: ما لم يقم من ~~المجلس، ومن قال: أربعة أشهر، لكنها مذاهب مرجوحة، والله أعلم. # واعلم أن المشيئة ترد على أحوال: # الأول: أن ترد إلى الفعل المحلوف عليه؛ كقوله مثلا: لأدخلن الدار إن شاء ~~الله، وأراد تعليق المشيئة بالدخول؛ أي: إن شاء الله دخولها، فهذا الذي ~~ينفعه الاستثناء بالمشيئة، ولا يحنث إن لم يفعل. # الثاني: أن يرد الاستثناء بالمشيئة إلى نفس اليمين، ولا ينفعه؛ لوقوع ~~اليمين، وتبين مشيئة الله تعالى. # الثالث: أن يذكر على سبيل الأدب في تفويض الأمور إلى مشيئة الله -عز ~~وجل-، وامتثالا لقوله تعالى: {ولا تقولن لشيء ms1031 إني فاعل ذلك غدا (23) إلا أن ~~يشاء الله} [الكهف:23 - 24]، لا على قصد معنى التعليق، وهذا لا يرفع حكم ~~اليمين، ولا تعلق للحديث بتعليق الطلاق بالمشيئة. # والفقهاء مختلفون فيه، قالوا: فلو قال: أنت طالق إن شاء الله، أو: أنت حر ~~إن شاء الله، أو: أنت علي كظهر أمي إن شاء الله، أو: لزيد في ذمتي ألف درهم ~~إن شاء الله، أو: إن شفى الله مريضي، فلله علي صوم شهر إن شاء الله، أو ما ~~أشبه ذلك، فمذهب الشافعي، والكوفيين، وأبي ثور، وغيرهم: صحة PageV03P1516 # الاستثناء في جميع الأشياء، كما أجمعوا عليها في اليمين بالله -عز وجل-، ~~فلا يحنث في طلاق ولا عتق، ولا ينعقد ظهاره ولا نذره ولا إقراره، ولا غير ~~ذلك فيما يتصل به قوله: إن شاء الله تعالى، وهو مشكل جدا. # وقال مالك والأوزاعي: لا يصح الاستثناء في شيء من ذلك إلا باليمين بالله ~~تعالى، واختلف السلف في أن الاستثناء بالمشيئة في اليمين بالله، هل يشترط ~~اتصاله أم لا؟ # ومن قال: لا يشترط اتصاله، اختلفوا في المدة التي يجوز انفصاله إليها؛ ~~فعن ابن عباس - رضي الله عنهما -: له الاستثناء أبدا متى تذكره، وعن بعضهم: ~~له الاستثناء سنة أو سنتين، وروي عن مجاهد، وعن سعيد بن جبير: يجوز بعد ~~أربعة أشهر، وعن طاوس، والحسن، وجماعة من التابعين: له الاستثناء ما لم يقم ~~من مجلسه، وقال قتادة: ما لم يقم أو يتكلم، وقال عطاء: قدر حلبه ناقة. # وهذه المذاهب كلها مرجوحة متأولة على جواز التبرك باستحباب قول: إن شاء ~~الله، لمن حلف على فعل مستقبل؛ لقوله -عز وجل-: {واذكر ربك إذا نسيت} ~~[الكهف: 24] ولم يريدوا به حل اليمين ومنع الحنث. # ومنها: أن الاستثناء لا يكون إلا باللفظ، ولا يكفي فيه النية؛ لقوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "لو قال: إن شاء الله، لم يحنث"، وبهذا قال مالك، ~~والشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، والعلماء كافة. # وحكي عن بعض المالكية أن قياس قول مالك صحة الاستثناء بالنية من غير لفظ. # ومنها: أن الكناية في اليمين مع ms1032 النية، كالصريح في حكم اليمين؛ لأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - حكى عن سليمان - - عليه السلام - -: أنه قال: ~~"لأطوفن"، وليس فيه التصريح باسم الله -عز وجل-، ولكنه مقدر لأجل اللام ~~التي دخلت على قوله "لأطوفن"، فإن كان قد قيل بذلك، وأن اليمين تنعقد ~~بمثله، فالحديث حجة لمن قاله، وإن لم يكن، فيحتاج إلى تأويله، وتقدير ~~التلفظ باسم الله -عز وجل- في المحكي، وإن كان ساقطا في الحكاية. PageV03P1517 # وهذا ليس بمستبشع فيها؛ فإن من قال: والله لأطوفن، فقد قال: لأطوفن؛ فإن ~~اللافظ بالمركب لافظ بالمفرد. # ومنها: جواز الإخبار عن الشيء ووقوعه في المستقبل بناء على الظن؛ فإن ~~إخبار سليمان - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "تلد كل امرأة منهن غلاما" لا ~~يجوز أن يكون عن وحي، وإلا لوجب وقوع مخبره. والله أعلم. # وأجاز بعض فقهاء الشافعية الحلف على الظن الماضي، وقالوا: يجوز أن يحلف ~~على خط أبيه، وجوزوا العمل به واعتماده، في أصح الوجهين عندهم، وجوز بعضهم ~~العمل بالقرينة وإن كانت ضعيفة. # وذكر بعض المالكية ذلك احتمالا، وترددوا في نقل خلاف في اليمين على الظن، ~~وهو محتمل لوجهين. # وقد يتمسك بالحديث على أن الاستثناء إذا اتصل باليمين في اللفظ: أنه يثبت ~~حكمه، وإن لم ينو من أول لفظ اليمين؛ حيث إن الملك قال له: "قل إن شاء ~~الله" بعد فراغه من اليمين، فلو لم يثبت حكمه، لما أفاد قوله. # لكن يمكن جعل قوله تأدبا، لا لرفع اليمين، فلا يكون حجة. ومتى وجد ~~الاحتمال، سقط الاستدلال، والله أعلم. # ومنها: جواز استعمال "لو" و"لولا"؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لو ~~قال: إن شاء الله، لم يحنث" إلى آخره. # وقد ترجم البخاري عليه فقال: باب ما يجوز من اللو، وأدخل فيه قول لوط - ~~عليه السلام -: {لو أن لي بكم قوة} [هود: 80]، وقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لو كنت راجما بغير بينة، لرجمت هذه" و"لو مد لي الشهر لواصلت"، ~~"ولولا حدثان قومك بالكفر، لأتممت البيت على قواعد إبراهيم" و"لولا الهجرة، ~~لكنت امرأ من الأنصار"، وأمثال هذا ms1033 (¬1). PageV03P1518 # قال القاضي عياض -رحمه الله-: والذي ينفهم من ترجمة البخاري وما ذكره في ~~الباب من القرآن والآثار: أنه يجوز استعمال لو ولولا فيما يكون من ~~الاستقبال مما امتنع من فعله لا متناع غيره، وفيما هو من باب الممتنع فعله ~~لوجود غيره، وهو من باب لولا؛ لأنه لم يدخل في الباب سوى ما هو للاستقبال، ~~أو ما هو حق صحيح مستيقن؛ كحديث: "لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار" (¬1)، ~~دون الماضي والمنقضي، أو ما فيه اعتراض على الغيب والقدر السابق (¬2). # وقد ثبت في الحديث الصحيح قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولو أصابك شيء ~~فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل" (¬3). # قال القاضي: قال بعض العلماء: هذا إذا قاله على جهة الحتم والقطع بالغيب، ~~أنه لو كان كذا، لكان كذا من ذكر مشيئة الله تعالى، والنظر إلى سابق قدره، ~~وخفي علمه علينا، فأما إذا قاله على التسليم، ورد الأمر إلى المشيئة، فلا ~~كراهة فيه. # قال القاضي: وأشار بعضهم إلى أن (لولا) بخلاف (لو)، قال القاضي: والذي ~~عندي أنهما سواء إذا استعملتا فيما لم يحط به الإنسان علما، ولا هو داخل ~~تحت مقدور قائلهما؛ مما هو يحكم على الغيب، أو اعتراض على القدر؛ كما نبه ~~عليه في الحديث. ومثل قول المنافقين: {لو أطاعونا ما قتلوا} [آل عمران: ~~168] و {لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا} [آل عمران: 156]، و {لو كان ~~لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل} [آل عمران: 154]، فرد الله عليهم ~~باطلهم، فقال: {فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين} [آل عمران:168]، ~~فمثل هذا هو المنهي عنه، أما هذا الذي نحن فيه، فإنما أخبر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فيه عن يقين نفسه: أن PageV03P1519 # سليمان لو قال: "إن شاء الله"، لم يحنث، ولجاهدوا؛ إذ ليس فيه مما يدرك ~~بالظن والاجتهاد، وإنما أخبر عن حقيقة أعلمه الله تعالى بها، وهو نحو قوله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم، ولولا حواء لم ms1034 ~~تخن أنثى زوجها" (¬1)، فلا معارضة بين هذا وبين حديث النهي عن (لو). # وقد قال الله -عز وجل-: {لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل ~~إلى مضاجعهم وليبتلي} [آل عمران: 154]، {ولو ردوا لعادوا لما نهوا} ~~[الأنعام:28] وكذا ما جاء من (لولا)؛ لقوله تعالى: {لولا كتاب من الله سبق ~~لمسكم فيما أخذتم} [الأنفال: 68]، {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا ~~لمن يكفر بالرحمن} [الزخرف: 33]، {فلولا أنه كان من المسبحين (143) للبث في ~~بطنه} [الصافات: 143 - 144]؛ لأن الله تعالى مخبر في كل ذلك عما مضى، أو ~~يأتي عن علم خبرا قطعيا، فكل ما يكون من (لو) و (لولا) ما يخبر به الإنسان ~~عن علمه امتناعه من فعله، مما يكون فعله في قدرته، فلا كراهة فيه؛ لأنه ~~إخبار حقيقة عن امتناع شيء لسبب شيء، أو حصول شيء لامتناع شيء. # وتأتي (لولا) غالبا لبيان السبب الموجب، أو النافي، فلا كراهة في كل ما ~~كان من هذا الأمر، إلا أن يكون كاذبا في ذلك؛ كقول المنافقين: {لو نعلم ~~قتالا لاتبعناكم} [آل عمران: 167]، والله أعلم (¬2). # * * * ### ||| AUTO الحديث الخامس # عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امري مسلم هو فيها فاجر، لقي ~~الله وهو عليه PageV03P1520 # غضبان"، ونزلت: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا} [آل ~~عمران: 77] إلى آخر الآية (¬1). # أما اليمين الصبر؛ فهي التي يحبس الحالف نفسه عن اليمين بها كاذبة غير ~~مبال بها، وكأنه يحبس نفسه على أمر عظيم، وهي اليمين الحانثة، ويقال ~~لمثلها: اليمين الغموس -أيضا-. # وأما الآية الكريمة؛ فاختلف في سبب نزولها على روايات، أشهرها: ما ذكره ~~المفسرون: أنها نزلت في رؤوس اليهود لما كتموا ما عهد الله إليهم في ~~التوراة في شأن محمد - صلى الله عليه وسلم -، وبدلوه، وكتبوا بأيديهم غيره، ~~وحلفوا أنه من عند الله؛ لئلا يفوتهم المأكل والدعوة والرشا التي كانت ~~عليهم من أتباعهم، وهذا قول عطاء. # ولما كان من حلف على مال الغير، ms1035 وأكله بالباطل ظلما وعدوانا، واستخفافا ~~بحرمة اليمين بالله تعالى، كان ذلك أبلغ في الوعيد الشديد لفاعله. # وهذا الحديث بهذا المعنى يترجح به قول من ذهب من المفسرين إلى نزول الآية فيه. # ولا شك أن بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني الكتاب العزيز، وهو أمر ~~يحصل للصحابة -رضي الله عنهم- بقرائن تختلف بالقضايا، حتى قال بعض العلماء: ~~تفسير الصحابي مرفوع مطلقا؛ لأنهم أعلم بتنزيل الوحي ومواقعه وأسبابه. # والصحيح: أن ما كان متعلقا من التفسير بسبب نزول آية، أو تقديم حكم أو ~~تأخيره، فهو مرفوع، وغيره موقوف، والله أعلم. # وفي هذا الحديث: تعظيم المنع من اليمين الكاذبة والفجور بها، والوعيد ~~الشديد لفاعلها. # وفيه: تعظيم حرمة مال المسلم وإن قل، وعصمته. PageV03P1521 # وفيه: تفخيم حرمة المسلم؛ فإن أعراضه إذا كانت بهذه المثابة، فما ظنك ~~بحرمة بدنه ودينه وغير ذلك؟! # وفيه: تعظيم للقسم بالله مطلقا، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث السادس # عن الأشعث بن قيس -رضي الله عنه- قال: كان بيني وبين رجل خصومة في بئر، ~~فاختصمنا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "شاهداك أو يمينه"، قلت: إذا يحلف ولا يبالي، فقال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "من حلف على يمين صبر ليقتطع بها مال امريء مسلم، ~~هو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان" (¬1). # [أما] الأشعث بن قيس؛ فكنيته أبو محمد بن قيس بن معدي كرب بن معاوية بن ~~جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية بن الحارث الأصغر بن الحارث الأكبر بن ~~معاوية بن ثور بن مربع بن معاوية بن ثور بن غفير بن عدي بن مرة بن أدد بن ~~زيد الكندي. وكندة هم ولد ثور بن غفير. # قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنة عشر في وفد كندة في ستين ~~راكبا من كندة، وكان رئيسهم، فأسلم وأسلموا، وكان في الجاهلية رئيسا مطاعا ~~في كندة، وكان في الإسلام وجيها في قومه. # وروى سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: شهدت جنازة فيها ms1036 جرير ~~والأشعث، فقدم الأشعث جريرا، وقال: إني ارتددت ولم يرتد، وتزوج أم فروة بنة ~~أبي قحافة أخت أبي بكر الصديق، وهي أم محمد بن الأشعث الذي كني به، وكان ~~سبب تزوجه بها، أنه لما مات النبي - صلى الله عليه وسلم -، ارتد عن ~~الإسلام، ثم راجعه PageV03P1522 # في خلافة أبي بكر الصديق، وأتى به أبو بكر أسيرا في الحديد، وهو يكلمه، ~~وهو يقول له: فعلت وفعلت، وآخر ما قال الأشعث لأبي بكر: استبقني لحربك، ~~وزوجني أختك، ففعل أبو بكر، وكان من خبره لما قدم هو وقومه على رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: أنهم قالوا: يا رسول الله! نحن بنو آكل المراد، وأنت ~~ابن آكل المراد، فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال: "نحن بنو ~~النضر بن كنانة لا نقفو أمنا، ولا ننتفي من أبينا" (¬1). # وخرج إلى العراق في خلافة عمر مع سعد، وشهد القادسية والمدائن وجلولاء ~~ونهاوند، واختط بالكوفة دارا في كندة، ونزلها، وشهد تحكيم الحكمين، وكان ~~آخر شهود الكتاب. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسعة أحاديث، اتفق البخاري ~~ومسلم على هذا الحديث. # وروى عنه: أبو وائل شقيق بن سلمة، وقيس بن أبي حازم، والشعبي، وجمع من ~~التابعين. # وروى له: أصحاب السنن والمساند. # ومات بالكوفة بعد مقتل علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- بأربعين ليلة سنة ~~أربعين، وقيل: مات قبل قتل علي بيسير، وقيل: مات سنة اثنتين وأربعين، ودفن ~~بداره بالكوفة. # قال الهيثم بن عدي: صلى عليه الحسن بن علي -رضي الله عنه - (¬2). PageV03P1523 # وأما الرجل الذي بينه وبينه خصومة؛ فاسمه: الجفشيش، بالجيم، وقيل: بالحاء ~~المهملة، وقيل: بالخاء المعجمة، ثم بالفاء ثم بالشينين المعجمتين بينهما ~~ياء مثناة تحت، وبفتح أوله على الأوجه كلها. # وهو صحابي فيما ذكره الطبراني (¬1)، وكنيته أبو الخير، فيما ذكره أبو ~~حاتم الرازي (¬2). # وتقدم الكلام في الحديث قبله على ما يتعلق به. # وفي الحديث هذا قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "شاهداك أو يمينه"، ~~ولا شك أنه يقتضي حصرا أنه ليس للمدعي على ms1037 المدعى عليه من الإنكار إلا ~~اليمين، ولا يستحق عليه بعدها شيئا إلا ببينة يقيمها المدعي، فكأنه - صلى ~~الله عليه وسلم - نفى أن يكون لإثبات الحق طريق غير البينة أو اليمين، ~~فاقتضى حصر الحجة فيهما، إلا أن قوله: "شاهداك أو يمينه" يقتضي ذكرهما بأو ~~أن أحد السببين هو المثبت على الانفراد، لا على الاجتماع بالنسبة إلى كل ~~واحد من الخصمين. # وهذا الكلام قليل النفع بالنسبة إلى المناظرة، وفهم مقاصد الكلام قاعدة ~~صحيحة نافعة للناظر في نفسه، غير أن المناظر جدلا قد ينازع في المفهوم، ~~ويعسر تقريره عليه. # وقد تعلق بهذا الكلام مسألتان: # إحداهما: ترك العمل بالشاهد واليمين، وهو مذهب أبي حنيفة ومن وافقه. # وخالفهم الشافعي ومن قال بقوله. # الثانية: إذا ادعى على غريمه شيئا، فأنكره، وأحلفه، ثم أراد إقامة البينة ~~بعد الإحلاف، فله ذلك عند الشافعية، وعند المالكية؛ ليس له ذلك إلا أن يأتي ~~بعذر في ترك إقامة البينة يتوجه له، متمسكين بقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"شاهداك أو يمينه"، وفي PageV03P1524 # حديث آخر: "ليس له إلا ذلك، أو يمينه"، وهو راجع إلى ما ذكرناه. # وفي الحديث دليل؛ على أن الخصم إذا قال في خصمه كلاما يلزم منه عدم ~~مبالاته بالقسم بالله للحاكم، أنه لا يعزر، وإنما يذكر له عقوبة من فعل ما ~~قاله له في الآخرة من غضب الرب -سبحانه وتعالى-. # وفيه دليل: على أن أحكام الدنيا المتنازع فيها متعلقها الظاهر، دون ~~بواطنها، والله أعلم. # وفي دليل: على أن الحاكم أو المفتي إذا ذكر حكما من أحكام الشرع الدنيوية ~~والأخروية، أن يستوفي شرائط الحكم بذكرها؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال أمريء مسلم، هو فيها فاجر، لقي الله ~~وهو عليه غضبان"، فذكر - صلى الله عليه وسلم - في الشروط الاقتطاع بغير حق، ~~وكونه مال معصوم، وكون الحالف فاجرا في يمينه، ثم ذكر الحكم، وهو غضب الله ~~تعالى، يعني: عليه، نعوذ بالله من غضب الله. # وهذا الحكم مشروط بعدم التوبة الشرعية، أما إذا تاب بشروطها؛ من ms1038 الندم، ~~والإقلاع، والعزم على عدم العود إلى المعصية، والاستحلال منها إن كان ~~صاحبها موجودا، والكفارة إن كان لها كفارة، فإن ذلك كله سبب لرضا الرب ~~-سبحانه وتعالى-، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث السابع # عن ثابت بن الضحاك الأنصاري -رضي الله عنه-: أنه بايع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - تحت الشجرة، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبا متعمدا، فهو كما قال، ومن قتل ~~نفسه بشيء، عذب به يوم القيامة، وليس على رجل نذر فيما لا يملكه (¬1). PageV03P1525 # وفي رواية: "ولعن المؤمن كقتله" (¬1). # وفي رواية: "من ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها، لم يزده الله بها إلا قلة" (¬2). # أما ثابت بن الضحاك؛ فكنيته: أبو زيد، اتفقوا على أنه أنصاري من الخزرج، ~~واختلف في نسبه إليهم، فقال أبو عمر النمري في "استيعابه": ثابت بن الضحاك ~~بن أمية بن ثعلبة بن خيثم بن مالك بن سالم بن عمرو بن عوف بن الخزرج. # وقال أبو حاتم بن حبان: ثابت بن الضحاك بن خليفة بن ثعلبة بن عدي بن كعب ~~بن عبد الأشهل بن خيثم بن حارثة بن الحارث بن الخزرج. # وقد ذكر أبو عمر ما ذكره ابن حبان، صحابيا آخر، فكأنه التبس على ابن ~~حبان؛ لأنهما اتفقا على أنه أخو أبي جبيرة بن الضحاك، وأنه من أصحاب ~~الشجرة. # قال أبو عمر: وكان ممن بايع تحت الشجرة بيعة الرضوان وهو صغير، وأردفه ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الخندق، وكان دليله إلى حمراء الأسد، ~~هذا آخر كلامه. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعة عشر حديثا، اتفقا على ~~حديث واحد، ولمسلم آخر، روى عنه أبو قلابة الجرمي، وعبد الله بن معقل بن ~~مقرن المزني، وكان ممن سكن البصرة، وروى عنه أهلها. # روى له أصحاب السنن والمساند، ومات سنة خمس وأربعين، وقيل: مات في فتنة ~~ابن الزبير، وقال الحاكم أبو أحمد: إنه قتل بمرج راهط في الفتنة، سنة أربع ~~وستين (¬3). PageV03P1526 # أما حقيقة الحلف، فهي القسم ms1039 بالشيء بإدخال بعض حروف القسم عليه؛ كقوله: ~~والرحمن، والله أعلم. # وقد أطلق الفقهاء اليمين على التعليق بالشيء؛ كقولهم: حلف بالطلاق على ~~كذا، ومرادهم: تعليق الطلاق به، وهو مجاز؛ لشبهة اليمين في اقتضاء الحنث أو ~~المنع، فلما كان التعليق باليمين مقتضيا ذلك، أطلق عليه قوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبا متعمدا فهو كما قال". # فقوله: "بملة غير الإسلام" يحتمل الإنشاء؛ كقوله: واليهودية، والنصرانية! ~~ويحتمل التعليق؛ كقوله: إن فعلت كذا، فأنا يهودي أو نصراني، وهو الظاهر؛ ~~لقوله: "كاذبا متعمدا"؛ إذ الكذب يدخل تحته القضية الإخبارية التي قد يقع ~~مقتضاها وقد لا يقع. وأما الإنشائية؛ كقوله: والله!، وما أشبهه، فلا يتعلق ~~بها كذب سوى تعظيم اليهودية أو النصرانية مثلا بإنشاء الحلف بهما. # وتقدم الكلام على ذلك في الحديث الثالث من هذا الباب في النهي عن الحلف ~~بالآباء مفصلا، والله أعلم. # قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ومن قتل نفسه بشيء، عذب به يوم القيامة". # أعلم أن الله -عز وجل- لا تقاس أفعال العباد على أفعاله، ولا أحكامهم على ~~أحكامه الخاصة به -سبحانه وتعالى-، والله -عز وجل- له حكمان: # أحدهما: تعلق العباد بذلك الحكم أمرا ونهيا، طلبا ومنعا. # والثاني: إيجادا وتوقيفا وقضاء وقدرا. # فالأول متعلق بالمكلفين. والثاني: خاص برب المكلفين. # إذا ثبت هذا، فالخاص بالله لا مدخل لأحد فيه، والمتعلق بالمكلفين لا مدخل ~~لهم فيه سوى الوقوف عنده. PageV03P1527 # ثم المتعلق بالمكلفين الذي يجب الوقوف عنده من الأمر والنهي، إنما تعلقه ~~بهم في الدنيا، لا مدخل له في الآخرة سوى الجزاء عليه والمقابلة به، أو ~~العفو عنه. # وقد يسمى المتعلق بالدنيا دينا بالنسبة إلى وجوده فيها، بالنسبة إلى كونه ~~غير طاعة، ولا يثاب عليه، وهو الذي قال فيه الصحابة -رضي الله عنهم- في حق ~~أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- لما ارتضوه من الخلافة: من ارتضاه رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - لديننا، وهو التقديم في الصلاة، أحرى أن نرتضيه ~~لدنيانا، وهو الخلافة والقيام بأعباء الأمة وسياستها. # وقد يسمى المتعلق بالدنيا دينا أخرويا ms1040 بالنسبة إلى كونه طاعة مثابا عليه صاحبه. # فهذا النوع تقاس عليه أمور الدنيا كما فعل الصحابة -رضي الله عنهم- في ~~استخلاف الصديق؛ قياسا على التقديم في الصلاة. # أما ما كان من أمور الآخرة محضا؛ كالعذاب والثواب، والمقابلة والعفو، ~~ونحو ذلك، فلا مدخل للقياس فيه، وإنما يجب الوقوف عنده على مورد النصوص ~~والتوقيف. # إذا عرفت ذلك جميعه، فقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ومن قتل نفسه بشيء ~~عذب به يوم القيامة" هو من باب مجانسة العقوبات الأخروية للجنايات ~~الدنيوية، لا من باب القياس للأمور الأخروية على الدنيوية؛ لأن أفعال الله ~~تعالى المتعلقة بأحكامه في الأخرى تباين أفعالنا المتعلقة بأحكامه في ~~الدنيا، فلا تشرع لنا في الدنيا أن نفعلها في الدنيا؛ كالتحريق بالنيران، ~~والعذاب بالسباع والعقارب والحيات، وسقي الحميم المقطع للأمعاء، والذي يشرع ~~لنا في الدنيا، إنما هو بطريق النصوص التي تدل عليها أحكامها، أو القياس ~~على النصوص عند العلماء بالقياس الذي من شرطه أن يكون حكما مقيسا عليه ~~أصلا، أما ما كان فعلا لله -عز وجل- في الدنيا، فلا يباح لنا، فإن لله ~~تعالى أن يفعل ما يشاء بعبادة، PageV03P1528 # ولا يحكم عليه، وليس لنا أن نفعل بهم إلا ما أذن لنا فيه بواسطة، أو بغير ~~واسطة، والله أعلم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وليس على رجل نذر فيما لا يملك": عدم ~~الملك تارة يكون لعدم تصور (¬1) دخوله في الملك شرعا، وتارة يكون لعدم تصور ~~دخوله في الملك الآن حسا. # فالأول: لا يتعلق به النذر اتفاقا؛ لأن الملك لا يتصرف فيه في وقت من ~~الأوقات، ولا في حال من الحالات. # والثاني: مختلف فيه؛ نظرا إلى وجود النذر وعدم الملك في تعلق النذر به وعدمه. # مثال الأول: لله علي أن أتصدق بثمن خمر أو ميتة بيده، أو ما ربحته بسبب ~~الربا، ونحو ذلك، فهذا لا يصح نذره، ولا يتعلق بالمنذور به وجوب؛ حيث نفى ~~الشارع أن يكون على الرجل نذر فيما لا يملك، فيحمل النفي على عدم الصحة في ~~النذر؛ لكونه لا يملك؛ ذلك لعدم دخوله ms1041 في الملك شرعا. # ومثال الثاني: في التصرفات الواقعة قبل الملك: كما لو نذر نذرا متعلقا ~~بما لا يملكه في الحال، كما لو نذر عتق عبد غيره، أو باعه مثلا قبل ملكه، ~~فهذا لاغ بالاتفاق. # وحكي عن بعض العلماء أنه يصح في العتق إذا كان موسرا، ويقوم عليه، ويعتق ~~عليه، وقيل: إنه رجع عنه. # وبنى العلماء على هذه التصرفات المتعلقة بالملك؛ كتعليق الطلاق بالنكاح ~~مثلا قبل وجود النكاح، فالشافعي يلغي ذلك كالأول، ومالك وأبو حنيفة ~~يعتبرانه. # وقد يستدل للشافعي بهذا الحديث وما يقاربه، ومخالفوه يحملونه على PageV03P1529 # التخيير، أو يقولون بموجب الحديث؛ فإن التقييد إنما يقع بعد الملك، ~~فالطلاق -مثلا- لم يقع قبل الملك، فمن ها هنا يجيء القول بالموجب. # ولا شك أن الوفاء بالنذر قربة يجب الوفاء به عند وجود المعلق عليه، وهو ~~الشرط؛ بخلاف الطلاق المعلق بالنكاح، وغير المعلق؛ فإنه في أصله غير قربة، ~~بل هو مكروه، وتعليقه قبل النكاح أشد كراهة، ولهذا قال - صلى الله عليه ~~وسلم -: "أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق" (¬1)، والله أعلم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولعن المؤمن كقتله" اللعن: هو دعاء ~~بالقطع عن رحمة الله تعالى، والقتل: هو موت وقطع عن التصرفات، فقوله: ~~"كقتله"، إما أن يراد به في أحكام الدنيا؛ من حيث إن القتل يوجب القصاص، ~~وليس الأمر في لعنه المؤمن موجبا للقصاص، فيحمل على أنه كقتله في الإثم، ~~وهو من أحكام الآخرة، فإن أريد به التساوي في الإثم أو العقوبة، لم يتجه؛ ~~لأن الإثم يتفاوت بتفاوت مفسدة الفعل، وليس إذهاب الروح في المفسدة كمفسدة ~~الأذى باللعنة، وكذلك العقاب بحسب الجرائم. قال الله -عز وجل-: {فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره (7) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره (8)} [الزلزلة:7 - 8]، ~~وذلك دليل على التفاوت في العقاب والثواب، بحسب التفاوت في المصالح ~~والمفاسد، فالخيور مصالح، والشرور مفاسد. # وإن أريد باللعن قطع منافعه الأخروية عنه، وبعده منها بإجابة لعنته، فهو ~~مثل من قتل في الدنيا وقطعت عنه منافعه فيها، وإن أريد استواء اللعن بالقتل ~~في أصل التحريم والإثم، ms1042 [فهو يحتاج إلى تلخيص ونظر. ولا شك أن التحريم ~~والإثم] (¬2) متقاربان في المعنى؛ من حيث إن الإثم مترتب على فعل التحريم، ~~فإن أريد الاستواء في أصل التحريم والإثم، فكل معصية قلت أو عظمت، مستوية ~~مع القتل فيه. PageV03P1530 # لكن المفهوم من الحديث تعظيم أمر اللعنة؛ بتشبيهها بالقتل؛ للزجر عنها، ~~وإن أريد الاستواء في المقدار، فقد تبين امتناعه؛ بدليل التفاوت في العقاب ~~والثواب. # واعلم أن اللعنة قد تطلق على نفس الإبعاد، الذي هو فعل الله -عز وجل-، ~~وهو الذي تقع به السبة، وقد يطلق على فعل اللاعن، وهو طلبه لإبعاد الله -عز ~~وجل- للشخص المسلم بقوله: لعنه الله -مثلا-، أو بوصفه له بالإبعاد، بقوله: ~~لعنه الله -مثلا-، أو فلان ملعون. # وكل هذا ليس يقطع عن الرحمة بنفسه ما لم تتصل به الإجابة، فتكون تسببا ~~إلى قطع التصرف، فيكون نظير التسبب إلى القتل، فمباشرة القتل بالسبب ~~الغامض؛ كالحز وغيره من مقدمات القتل، مفض إلى القتل بمطرد العادة، فلو كان ~~مباشرة اللعن مفضيا إلى الإبعاد الذي هو اللعن دائما، لا يستوي اللعن مع ~~مباشرة مقدمات القتل، أو زاد عليه، وليس كذلك، فافترقا. # وقد يقتضي اللعن له قصده إخراجه عن جماعة المسلمين؛ فإن الجماعة رحمة؛ ~~كما لو قتله، فإن قصده إخراجه لا يستلزم إخراجه كما تستلزم مقدمات القتل، ~~وذلك يقتضي قطع منافعه الأخروية عنه بإجابة دعوته؛ فإن ذلك لا يحصل إلا ~~بها، وقد لا يجاب في كثير من الأوقات، فلا يحصل انقطاعه عن منافعه كما يحصل ~~بها، ولا يستوي القصد إلى القطع بطلب الإجابة مع مباشرة مقدمات القتل ~~المفضية إليه في مطرد العادة، لكن الممكن في تقرير الحديث ظاهرا واستوائهما ~~في الإثم: أن مجرد أذاه باللعنة مع قصد إجابة الدعاء فيه؛ بموافقة ساعة ~~الإجابة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا ~~على أموالكم، ولا تدعوا على أولادكم، لا توافقوا ساعة" (¬1) الحديث هو ~~المساوي للقتل أو أعظم منه؛ لأن القتل تفويت الحياة الفانية قطعا، والإبعاد ~~من رحمة الله PageV03P1531 # تعالى أعظم ضررا بما لا ms1043 يحصى، وقد يكون أعظم الضررين -على سبيل الاحتمال- ~~مساويا أو مقاربا لأخفهما على -سبيل التحقيق-، ومقادير المصالح والمفاسد، ~~وأعدادهما أمر لا سبيل إلى البشر إلى الاطلاع على حقائقه. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده ~~الله إلا قلة": # أعلم أن الادعاء لغير حاجة دينية صادقا لا يفعل؛ لأنه عبث لا مصلحة فيه، ~~ويؤدي إلى التكثر، وهو ممنوع شرعا؛ لأن التكثر لا يشرع إلا على الكفار ~~والمنافقين والمعاندين بالحق أو للحق، وما شاكل ذلك، فإن كان كاذبا في ~~دعواه متكثرا، كان إثمه حراما شديد التحريم، وإثمه أشد، وكان مع ذلك سببا ~~لقلة فاعله، مراغمة لقصده وكذبه وتكثره، وقد تكون القلة لمجرد الإثم الحاصل ~~له بسبب دعواه كذبا وتكثرا، وقد يكون أمرا زائدا على ذلك؛ حيث إن النفس ~~حقيرة مزدولة مقامها ذلك، فهذا قصدت ضد ذلك، حصل لها الإثم المترتب على ~~التحريم بالكذب والتكثر الموجبين للقلة الشرعية، وحصلت الزيادة عليها في ~~القلة بقصد ذلك، والله أعلم. # وفي الحديث أحكام: # منها: تحريم الحلف بملة غير الإسلام؛ كاليهودية والنصرانية ونحوهما ~~مطلقا، وكذلك تعليق الحلف بهما. # وتقدم ذكر الكفارة فيه وعدمها، وسواء في التعليق بهما تعليقه بالمستقبل ~~أو الماضي في التحريم. # وأما الكفارة، فإن كان مستقبلا، لم تتعلق به كفارة عند المالكية ~~والشافعية، ويتعلق به عند الحنفية. # وأما في الكفر، فإن قصد الحلف بها تعظيما، فهو كفر عندهم؛ حيث أقدم على ~~الحلف بها، وذلك متضمن الرضا بالكفر فيكون كفرا. # وقد اختلف الحنفية في الكفر بالحلف معلقا على الماضي، فقيل: لا يكفر PageV03P1532 # اعتبارا بالمستقبل، وقيل: يكفر؛ لأنه يتخير معنى، فصار كما لو قال: هو ~~يهودي أو نصراني. # والصحيح عندهم: أنه لا يكفر فيما قاله بعضهم فيهما: إن كان يعلم أنه ~~يمين، وإن كان عنده أنه يكفر بالحلف به، كفر فيهما؛ لأنه رضي بالكفر؛ حيث ~~أقدم على الفعل، والله أعلم. # ومنها: تحريم الجناية على نفسه بالقتل، وأنه يأثم بذلك؛ حيث إنها ليست ~~ملكا [له] وإنما هي ملك لله -عز وجل- لا يتصرف فيها ms1044 إلا بما أذن له فيه. # وقد تعلق المالكية بهذا الحديث على المماثلة في القصاص، فيقتل بما قتل ~~به، محددا كان أو غيره، خلافا للحنفية، اقتداء بعقاب الله تعالى يوم ~~القيامة لقاتل نفسه. وقد تقدم تقرير ما يتعلق بذلك قريبا. # ومنها: منع النذر فيما لا يملك، لكن هل تجب عليه فيه كفارة يمين؛ فيه ~~خلاف للعلماء: # قال الشافعي، ومالك، وأبو حنيفة، وداود، وجمهور العلماء: لا تلزمه كفارة ~~يمين ولا غيرها. # وقد روى مسلم في "صحيحه": أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا وفاء ~~لنذر في معصية، # ولا فيما لا يملك العبد" (¬1)، وهو محمول على ما إذا أضاف النذر إلى معين ~~ولا يملكه، بأن قال: [إن] شفى الله مريضي، فلله علي أن أعتق عبد فلان، أو ~~أتصدق بثوبه، أو بداره، أو نحو ذلك. # فأما إذا التزم في الذمة شيئا لا يملكه، فيصح نذره، بأن قال: [إن] شفى ~~الله مريضي، فلله علي عتق رقبة، وهو في ذلك الحال لا يملك رقبة ولا قيمتها، ~~فيصح نذره، وإذا شفى مريضه، ثبت العتق في ذمته. # وقال أحمد: يجب في النذر في المعصية ونحوها كفارة يمين؛ لحديث روي PageV03P1533 # عن عمران بن الحصين وعائشة -رضي الله عنهم- عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: أنه قال: "لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين" (¬1)، وهو حديث ~~ضعيف باتفاق المحدثين، وتقدم عدم الملك في النذر، والكلام عليه قريبا، ~~والله أعلم. # وفي "صحيح مسلم": أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: قال: "كفارة النذر ~~كفارة اليمين" (¬2). وهذا مطلق في كل نذر، ولم يقل به أحد فيما روي عنه، ~~وهو محمول عنده، وعند بعض أصحاب الشافعي على نذر المعصية. # وحمله جمهور الشافعية على نذر اللجاج، وهو أن يقول: إن كلمت زيدا -مثلا- ~~فلله على كذا، فيكلمه، فهو بالخيار بين كفارة يمين، وبين ما التزمه. # وحمله مالك وكثيرون أو أكثرون، وجماعة من فقهاء أصحاب الحديث على النذر ~~المطلق، فيدخل فيه جميع أنواع النذر، وقالوا: هو غير في جميع المنذورات بين ~~الوفاء بما التزمه، ويين كفارة يمين، ms1045 وهذا هو الراجح المختار، والله أعلم. # ومنها: تغليظ التحريم في لعن المؤمن ووجوب احترامه ورعايته؛ حيث إن ~~الأيمان سبب للقرب من الله تعالى، وتقريب المؤمن هو سبب إيمانه، فمن قصد ~~بعده من الله -عز وجل-، أو دعا به عليه، فقد راغم ما جعله الله تعالى سببا ~~لقربه. ومن راغم جعل الله -عز وجل-، فأقل درجاته أن يكون فعله محرما، وإن ~~لم يكن كفرا مطلقا، فهو مقيد، والله أعلم. # ومنها: تحريم الدعوى تكثرا كاذبا، وذم التكثر والكذب، وتحريم تعاطي أسباب ~~القلة المعنوية؛ حيث إن من لم يفعل ذلك، يزيده الله بسبب فعله القلة؛ ~~مراغمة لقصده الكثرة غير المأذون فيها، والله أعلم. PageV03P1534 ### || AUTO باب النذر # النذر: واحد النذور، يقال: نذرت أنذر وأنذر -بكسر الذال وضمها - (¬1). # * * * ### ||| AUTO الحديث الأول # عن عمر -رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول الله! إني كنت نذرت في الجاهلية ~~أن أعتكف ليلة -وفي رواية: يوما- في المسجد الحرام، قال: "فأوف بنذرك" (¬2). # تقدم أن الجاهلية ما قبل الإسلام. # وقوله: "نذرت ليلة، وفي رواية: يوما" لا اختلاف بينهما، فإن العرب تعبر ~~بالليلة عن اليوم، لا سيما وقد ثبت التعبير بها في هذه الرواية. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أوف بنذرك"؛ استدل به على صحة نذر ~~الكافر، وهو قول في مذهب الشافعي، والمشهور: أنه لا يصح؛ لأن الكافر ليس من ~~أهل التزام القربة. ويتأول هذا القائل الحديث على أنه إنما أمره أن يأتي ~~بعبادة مشابهة لما لزم في الصورة، وهو اعتكاف يوم، فأطلق عليها وفاء النذر؛ ~~لمشابهتها إياه، ولأن المقصود قد حصل، وهو الإتيان بهذه العبادة. PageV03P1535 # وفي هذا التأويل نظر؛ من حيث إن لفظ الشارع يحمل على الحقيقة الشرعية، لا ~~على ما يشبهها في الصورة؛ فإن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أوف بنذرك"؛ ~~المراد به: نذرك السابق، والوفاء أن يكون فيما شرع أو لزم. # وتقدم الكلام على هذا الحديث وتأويله وأحكامه وما يتعلق به في الاعتكاف ~~مبسوطا واضحا. # واعلم أن أبا داود، والنسائي رويا في هذا الحديث الأمر بالاعتكاف والصوم ~~(¬1)، وذكر الصوم فيه ms1046 ضعيف باتفاق الحفاظ والأئمة. # قال الدارقطني: تفرد به عبد الله بن بديل، وهو ضعيف الحديث، وقال: سمعت ~~أبا بكر النيسابوري يقول: هذا حديث منكر؛ لأن الثقات لم يذكروا الصوم، وابن ~~بديل ضعيف (¬2). # ويدل على صحة هذا الذي قالوه واتفقوا عليه: أن البخاري ومسلما روياه في ~~"صحيحيهما"، وليس فيه: وصوم، والله أعلم. # وفي الحديث: الوفاء بالنذر. # واعلم أن النذر على ثلاثة أقسام: # أحدها: ما علق على وجود نعمة أو دفع نقمة، فوجد ذلك، فيلزم الوفاء به. # والثاني: ما علق على شيء لقصد المنع أو الحث؛ كقوله: إن دخلت الدار، فعلي كذا. # وقد اختلفوا فيه، والشافعي يقول: إنه غير بين الوفاء بما نذر، وبين كفارة ~~يمين، وهذا الذي يسمى: نذر اللجاج والغضب. # الثالث: ما ينذر من الطاعة من غير تعليق بشيء؛ كقوله: علي كذا، فالمشهور: ~~وجوب الوفاء به، وهو المراد بقولهم: النذر المطلق، كقوله: لله PageV03P1536 # علي نذر، وهو الذي يقول فيه مالك وكثيرون وبعض الفقهاء المحدثين: إنه ~~مخير بين الوفاء بما يعينه، وبين كفارة يمين. # وفيه دليل على: أن الاعتكاف قربة تلزم بالنذر، وفقهاء الشافعية تصرفوا ~~فيما يلزم بالنذر المطلق من العبادات، وليس كل ما هو عبادة مثاب عليه، ~~لازما بالنذر عندهم، ففائدة هذا الحديث من هذا الوجه: أن الاعتكاف من القسم ~~الذي يلزم بالنذر. # وفيه دليل على: عدم اشتراط الصوم في الاعتكاف؛ حيث قال: نذرت أن أعتكف ليلة. # وقد تقدم أنه مذهب الشافعي، وأن مالكا وأبا حنيفة خالفاه فيه، وقالا ~~باشتراطه، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~أنه نهى عن النذر، وقال: "إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل" (¬1). # نص الشافعي -رحمه الله- على كراهة ابتداء النذر في الطاعة، وعلى وجوب ~~الوفاء به. # أما كراهته؛ فللنهي عنه في هذا الحديث وغيره، وهو مذهب المالكية أيضا؛ ~~لعموم النهي، ولأن النذر التزام إيجاب على نفسه من غير إيجاب الشرع، فكره؛ ~~حيث إنه لا إيجاب إلا بالشرع، ولا التزام إلا ms1047 به، فالالتزام نهى الشرع عنه، ~~والوفاء وجب بالشرع؛ حيث قال - صلى الله عليه وسلم -: "من نذر أن يطيع الله ~~فليطعه" (¬2). PageV03P1537 # وحمل بعضهم النهي على نذر يقصد به تحصيل غرض، أو دفع مكروه؛ حيث إنه قال ~~- صلى الله عليه وسلم - في سياق الحديث: "وإنما يستخرج به من البخيل"؛ نظرا ~~إلى أن المنذورات ودفعها إلى مواضعها إنما يكون لقصد ابتداء الشرع بها، وفي ~~إخراجها، لا لما للناذر فيه حظ؛ فإن الذي يستخرج منه الشيء لإلزامه نفسه ~~إياه بسبب هو أنشأه ليس هو كمن كان ابتداؤه وانتهاؤه أمر الشرع. # ولا شك أن القواعد التي ذكرها العلماء تشكل على هذا؛ حيث قالوا: إن وسيلة ~~الطاعة طاعة، ووسيلة المعصية معصية، ويعظم قبح الوسيلة بحسب عظم المفسدة، ~~وكذلك تعظم فضيلة الوسيلة بحسب عظم المصلحة. # ولما كان النذر وسيلة إلى التزام قربة، اقتضى أن يكون قربة، إلا أن ~~الحديث دل على خلافه، لكن لما دلت القواعد على أن الوسائل تعطى حكم ~~المقاصد، اقتضى النهي في الحديث أن يكون مكروها لا محرما؛ لأنه إذا اجتمع ~~في الوسائل والمقاصد الطاعة المحضة، اقتضى الطلب المحض؛ إما للوجوب، وإما ~~للندب؛ على حسب موارد الشرع فيه، وإذا كان في الوسائل منع، وفي المقاصد ~~طلب، اقتضى الكراهة في الوسائل دون المقاصد، وإذا كان فيها كلها المنع، ~~اقتضى التحريم، فلا إشكال في القواعد، ولا في الحديث. # وفي الشرع كذلك نظائر في المناهي التي يترتب عليها الوجوب من الكفارات ~~والغرامات، ونحو ذلك، وقد كان - صلى الله عليه وسلم - إذا عمل عملا، أثبته؛ ~~حيث إن عمله كان بالشرع لا بالالتزام؛ لأن ما كان لله تعالى، ثبت، وشرع ~~ثبوته، وما كان للحظ والنفس، لم يثبت، ولم يشرع ثبوته، وما كان بعضه بالحظ ~~الشرعي، وبعضه بالنفس، كان مطلوبا من حيث الحظ الشرعي، ممنوعا من حيث ~~النفس، فافهم ما حققته لك تجد ثمرته -إن شاء الله تعالى-، والله أعلم. # وقد ذكر المازري في سبب النهي عن النذر احتمالين: # أحدهما: كون الناذر يصير ملتزما له، فيأتي به على سبيل التكلف ms1048 من غير ~~نشاط. PageV03P1538 # الثاني: إتيانه به على سبيل المعاوضة، لا على سبيل القربة، فينتقص أجره ~~للأمر الذي طلبه؛ فإن العبادة شأنها أن تكون لله -عز وجل- متمحضة. # وذكر القاضي عياض احتمالا ثالثا؛ من حيث إن بعض الجهلة قد يظن أن النذر ~~يرد القدر، ويمنع من حصول المقدر، فنهى عنه؛ خوفا من اعتقاد جاهل ذلك، وهذا ~~يؤيده سياق الحديث الذي في "صحيح مسلم" في بعض طرقه: أنه - صلى الله عليه ~~وسلم - نهى عن النذر، وقال: "إنه لا يرد من القدر شيئا"، وفي رواية: "فإن ~~النذر لا يغني من القدر، وإنما يستخرج به من البخيل" (¬1)، والله أعلم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أنه لا يأتي بخير"؛ الباء في قوله: ~~"بخير،: يحتمل أن تكون باء السببية؛ كأنه قال: لا يأتي بسبب خير في نفس ~~الناذر وطبعه؛ فإن طلب القربة والطاعة من غير عوض، يحصل له وإن ترتب عليه ~~خير، وهو فعل الطاعة التي نذرها، لكن سبب ذلك الخير: حصول غرضه. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما يستخرج به من البخيل"، معناه: أنه ~~لا يأتي بهذه القربة التي هي الوفاء بالنذر تطوعا محضا مبتدأ به، وإنما ~~يأتي به في مقابلة ما قصده؛ من طلب حاجته مما علق النذر عليها، وهذه صفة ~~البخلاء أنهم لا يعوضون إلا في مقابلة معوض دنيوي، بخلاف الكرماء: فإنهم لا ~~يفعلون أمرا من إعطاء ومنع، إلا لمعوض أخروي، وقد جعل الشارع مقام ذلك ~~الصدقات أمام الحاجات، والاستشفاء بالصدقات والرقى والدعوات، ومعلوم أن ذلك ~~لا يكون معاوضة لله -عز وجل- على مطلوب فاعله، وإنما يكون تقربا بطريقة في ~~طلب حاجته، نعم يجوز التعويض للآدميين في الرقى المشروعة ونحوها، وليس هذا ~~من النذر في شيء، والله أعلم. # وفي هذا الحديث دليل: على كراهة النذور، وأنها للتنزيه. # وفيه دليل: على إخلاص العمل وأسبابه لله تعالى، سواء كان بدنيا أو ماليا. PageV03P1539 # وفيه دليل: على أن العمل الذي ليس بمخلص لله تعالى لا يأتي بخير مطلقا، ~~لا في الدنيا، ولا في الآخرة. # وفيه دليل: على ذم البخل ms1049 والبخلاء. # وفيه دليل: على أن من توقف مع الشرع في أعماله ونياته لا يسمى بخيلا، بل ~~هو الكريم حقيقة وشريعة، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله ~~الحرام حافية، فأمرتني أن أستفتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~فاستفتيته، فقال: "لتمش ولتركب" (¬1). # أما عقبة بن عامر؛ فتقدم ذكره. # وأما أخته؛ فهي: أم حبان -بكسر الحاء المهملة-، بنت عامر بن نابي، وأسلمت ~~وبايعت، ذكر ذلك الأمير أبو نصر علي بن ماكولا في "المختلف والمؤتلف" عن ~~محمد بن سعد، وحكاه عنه أبو القاسم بن بشكوال في "مبهماته"، قال: ولم ~~يذكرها أبو عمر بن عبد البر في الصحابة، وهي من شرطه، والله أعلم (¬2). # أما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لتمش ولتركب"؛ فمعناه: تمشي في وقت ~~قدرتها على المشي، وتركب إذا عجزت عن المشي، ولحقتها مشقة ظاهرة، فتركب، ~~وعليها دم، وقد روى أبو داود في "سننه" من رواية عكرمة عن ابن عباس: أن أخت PageV03P1540 # عقبة بن عامر -رضي الله عنهم- نذرت أن تمشي إلى البيت، فأمرها النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أن تركب وتهدي هديا (¬1). # وفي رواية في "سنن أبي داود" -أيضا-، عن عقبة بن عامر قال: إن أختي نذرت ~~أن تحج ماشية، وأنها لا تطيق ذلك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"إن الله لغني عن مشي أختك، فلتركب ولتهد بدنة" (¬2). # وفي الحديث أحكام: # منها: صحة النذر إلى الذهاب إلى بيت الله -عز وجل- الحرام، فإن نذره ~~ماشيا، لزمه الذهاب ماشيا، لكن هل يلزمه الذهاب ماشيا من المكان الذي نذر ~~منه، أو من الميقات؛ فيه وجهان: # أحدهما: من المكان الذي نذر منه، إذا كان أبعد من الميقات؛ لأنه من نذر ~~الذهاب إليه، لزمه قصده بحج أو عمرة بلا خلاف، فيلزمه الإحرام من ميقاته. # والثاني: يلزمه الذهاب ماشيا من الميقات، إن لم يحرم قبله، وهو الأصح، ~~فيحرم -أيضا- منه، إما بحج أو عمرة، ولا يجوز -على الوجهين- أن يترك المشي ~~إلى أن يرمي في الحج ms1050 ويفرغ من العمرة. # ومذهب مالك: أن نذر المشي إلى بيت الله الحرام لازم، سواء أطلقه أو علقه، ~~فيحتاج إلى تأويل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولتركب"، فيمكن أن يحمل ~~على حالة العجز عن المشي؛ فإنها تركب، فلو ركب من غير عذر، فقد أساء، وعليه ~~دم، لأن كان لعذر، جاز. # وهل يلزمه دم؟ فيه قولان: أصحهما: يلزمه، والثاني: لا يلزمه، بل يستحب ~~الدم. PageV03P1541 # وأما نذر المشي إلى مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو إلى ~~المسجد الأقصى، فلا ينعقد على أصح القولين في مذهب الشافعي. # ولو نذر المشي إلى ما سواهما من المساجد، لم يلزمه، بلا خلاف. # وأما المشي حافيا، فلا يصح نذره، ولا يلزم، اتفاقا؛ حيث لم يقع التعبد ~~به، والله أعلم. # ومنها: جواز النيابة والاستنابة في الاستفتاء، خصوصا إذا كان المستنيب ~~معذورا؛ لعدم بروزه للناس، أو مخالطته لهم، ونحو ذلك. # ومنها: أن من نذر الحج ماشيا، فلم يطقه في بعض الأحوال: أنه يركب، وعليه ~~دم؛ للحديث الذي ذكرناه عن أبي داود. # وأما البدنة؛ فإنها تطلق في اللغة على البعير والبقرة والواحد من الغنم، ~~ولهذا؛ لو نذر أن يهدي شيئا، لزمه ما يجزئ في الأضحية. # أما إذا نذر المشي إلى بيت الله، ولم يقل: الحرام، فإنه لا يلزمه المشي ~~على المذهب، وقيل: يلزمه، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-: أنه قال: استفتى سعد بن عبادة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نذر كان على أمه، توفيت قبل أن تقضيه، ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "فاقضه عنها" (¬1). # أما أم سعد بن عبادة؛ فاسمها: عمرة بنت مسعود بن قيس بن عمرو بن زيد مناة ~~بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، وكانت من المبايعات، توفيت PageV03P1542 # - رضي الله عنها - في سنة خمس من الهجرة (¬1). # وأما ابنها سعد بن عبادة؛ فكنيته: أبو ثابت، وقيل: أبو قيس، ويقال: أبو ~~الحباب: أنصاري خزرجي ساعدي، وهو سيد بني الخزرج، ويقال له: سعد الخزرج، ~~ابن عبادة ms1051 -بضم العين وتخفيف الباء- ابن دليم -بضم الدال المهملة وفتح ~~اللام ثم ياء مثناة تحت ساكنة ثم ميم- بن حارثة- بالحاء المهملة والثاء ~~المثلثة- بن أبي حزيمة -بفتح الحاء المهملة وكسر الزاي-، ويقال: أبي حليمة ~~-باللام بدل الزاي- بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج أكبر. # كان -رضي الله عنه- عفيفا تقيا سيدا جوادا، وكان في الأنصار مقدما وجيها ~~ذا سيادة ورئاسة، يعترف قومه له بها، ولم يكن في الخزرج والأوس أربعة ~~مطعمون متوالدون يتوارثون في بيت واحد إلا قيس بن سعد بن عبادة بن دليم. # شهد سعد العقبة وبدرا في قول الأكثرين، وقيل: لم يشهدها، وشهد المشاهد ~~كلها، وكان صاحب راية الأنصار في مشاهده كلها، وكان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يزوره، ويدعو له، ويأكل طعامه. # روى عنه من الصحابة -رضي الله عنهم-: ابنه قيس، وعبد الله بن عباس، وابنه ~~سعيد -على قول من جعله صحابيا، وهو المشهور-، وأبو أمامة أسعد بن سهل بن ~~حنيف، ومن التابعين: سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وروايتهما عنه منقطعة؛ ~~لتقدم وفاته، وتأخر مولدهما. # وروى له: الإمام أحمد في "مسنده"، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. # وأجمعوا على أنه مات بالشام بحوران، واختلفوا في تاريخ وفاته: # فالمشهور: أنه مات سنة أربع عشرة، وقيل: خمس عشرة، وقيل: إحدى PageV03P1543 # عشرة من الهجرة، في خلافة الصديق -رضي الله عنه-، وأجمع أهل دمشق الآن ~~على أن قبره بغوطة دمشق بقرية يقال لها: المنيحة، وزرته مرارا لقصد زيارة ~~الموتى من الصحابة -رضي الله عنهم- اقتداء بزيارة قبر الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - لأصحابه المدفونين ببقيع الغرقد وأحد، ولم يعرف أحد بحوران ~~قبرا لسعد بن عبادة، فيحتمل أنه مات بحوران، ودفن في المنيحة المذكورة، ~~ويحتمل أن المنيحة كانت قديما داخلة في حدود حوران، ثم هجرت تلك الحدود، ~~وصارت اليوم هذه الناحية مسماة بالغوطة؛ كالجولان والسواد من أرض حوران (¬1). # وذكر لي شيخنا العارف القدوة: أبو إسحاق إبراهيم بن الشيخ العارف أبي ~~إبراهيم بن عبد الله المعروف والده بابن الأرمني -رحمهما الله تعالى-: ms1052 أنه ~~زار سعدا مرارا، وأنه اختلج في نفسه بعض المرات: هل هذا قبر سعد أم لا؟ ~~فأخذته سنة، فإذا القبر قد انشق من أعلاه، وإذا برجل طوال بدوي ملثم على ~~كتفه رمح، قد طلع من أعلاه وهو يقول: أنا سعد، قال: فأفقت، وعلمت أنه قبره، ~~فقرأت شيئا من القرآن العظيم، ودعوت وانصرفت، والله أعلم. # قوله: "في نذر كان على أمه"؛ هو نكرة في الإثبات، وهو لا يعم، ولم يبين ~~في هذه الرواية ما كان النذر؟ ولا شك أن العبادات مالية وبدنية؛ فالمالية؛ ~~كالزكاة والكفارة والنذر، والبدنية؛ كالصلاة والصوم، ومشترك بين البدنية ~~والمالية؛ كالحج والجهاد، فاعلم أن المالية يجب قضاؤها من مال الميت، ~~وتدخلها النيابة إجماعا، وأما البدنية، ففيها خلاف، وهو مشكل دخول النيابة ~~فيها. PageV03P1544 # قال القاضي عياض -رحمه الله-: واختلفوا في نذر أم سعد هذا، فقيل: كان ~~نذرا مطلقا، وقيل: كان صوما، وقيل: كان عتقا، وقيل: صدقة، واستدل كل قائل ~~بأحاديث جاءت في قصة أم سعد، قال: والأظهر أنه كان نذرا في المال، أو نذرا ~~مبهما، ويعضده ما رواه الدارقطني من حديث مالك، فقال له: -يعني النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: "اسق عنها الماء" (¬1). # وحديث الصوم معلل بالاختلاف في سنده ومتنه وكثرة اضطرابه، وذلك موجب ~~ضعفه، وحديث من روى: "فاعتق عنها" (¬2) موافق -أيضا -؛ لأن العتق من ~~الأموال ليس فيه قطع بأنه كان عليها عتق، والله أعلم. # ووقع الإجماع على صحة النذر ووجوب الوفاء به إذا كان الملتزم طاعة، فإن ~~نذر معصية، أو مباحا؛ كدخول السوق، لم ينعقد نذره، ولا كفارة عليه، وعند ~~الشافعي وجمهور العلماء كما تقدم. وقال أحمد وطائفة: فيه كفارة يمين. # وفي هذا الحديث دليل لقضاء الحقوق الواجبة عن الميت، فإن كانت مالية، ~~وجبت بلا خلاف عند الشافعية وطائفة. وتقدم ذلك، سواء أوصى بها أم لا؛ كديون ~~الآدمي، وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابه: لا يجب قضاء شيء من ذلك، إلا أن ~~يوصي به، ولأصحاب مالك خلاف في الزكاة إذا لم يوص بها، والله أعلم. # واستدل أهل الظاهر بحديث ms1053 سعد هذا: على أن الوارث يلزمه قضاء النذر ~~والواجب على الميت إذا كان غير مالي، وإذا كان ماليا، ولم يخلف تركة. # ومذهب الشافعي وجمهور العلماء: أنه لا يلزمه ذلك، لكن يستحب، وأن الوارث ~~لا يلزمه ذلك إلا بالتزامه، وحديث سعد محتمل لقضائه به متبرعا، أو من PageV03P1545 # تركتها، أو على طريق الاستحباب في برها، وليس فيه تصريح بالتزامه ذلك، ~~فلا يبقى فيه دليل للوجوب، والله أعلم. # وفيه دليل: على بر الوالدين والأقارب بعد وفاتهم، والتوصل إلى إبراء ذممهم. # وفيه دليل: على سؤال أهل العلم عما يجهله الإنسان، أو لا يجهله، فيسأل ~~للاستثبات، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الخامس # عن كعب بن مالك -رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول الله! إن من توبتي أن ~~أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك" (¬1). # أما كعب بن مالك؛ فكنيته: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو عبد الله، وقيل: أبو ~~محمد، ويقال: أبو بشير بن مالك بن أبي كعب عمرو بن القين بن كعب بن سواد بن ~~غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري السلمي، أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم، ~~وأنزل فيهم: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} [التوبة: 118]. # شهد العقبة، واختلف في شهوده بدرا، والصحيح: أنه لم يشهدها، وشهد أحدا ~~والمشاهد كلها، حاشا تبوك؛ فإنه تخلف عنها، ولما قدم رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - المدينة، آخى بينه وبين طلحة بن عبيد الله حين آخى بين ~~المهاجرين والأنصار، وكان أحد شعراء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~الذين يردون الأذى عنه، وكان مجودا مطبوعا، قد غلب عليه في الجاهلية أمر ~~الشعر، وعرف به، ثم أسلم، وهو معدود في المدنيين. PageV03P1546 # ولما قال كعب بن مالك -رضي الله عنه-: # جاءت سخينة كي تغالب ربها ... ليغلبن مغالب الغلاب # قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لقد شكرك الله يا كعب على قولك" (¬1). # وكان شعراء المسلمين ثلاثة: حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن ~~مالك، وكان ms1054 كعب يخوف الكفار الحرب، وعبد الله يعيرهم بالكفر، وكان حسان ~~يقبل على الأنساب، فيما روي عن ابن سيرين، قال ابن سيرين: وأما شعراء ~~المشركين، فعمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبعرى، وأبو سفيان بن الحارث. # وروي لكعب عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثمانون حديثا، اتفق البخاري ~~ومسلم على ثلاثة أحاديث، وللبخاري حديث واحد، ولمسلم حديثان، روى عنه من ~~الصحابة: عبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبو أمامة الباهلي، وروى ~~عنه: بنوه: عبد الله، وعبيد الله، وعبد الرحمن، ومحمد؛ بنو كعب، وجماعة من ~~التابعين، وروى له أصحاب السنن والمساند، وكان قد عمي في آخر عمره، مات ~~بالمدينة في خلافة معاوية سنة خمسين، وقيل: سنة ثلاث وخمسين، وهو ابن سبعين ~~سنة، وقيل: ابن سبع وسبعين، وقيل: مات قبل الأربعين، والله أعلم (¬2). # أعلم أن هذا الحديث مختصر من قصة كعب بن مالك في تخلفه عن غزوة PageV03P1547 # تبوك وتوبة الله عليه، وأنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك، وهذا ~~القول من كعب إخبار عن نية قصد سيفعله ولم يقع بعد، فمنعه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - من ذلك قبل إيقاع ما عزم عليه بإمساك بعض ماله مبهما، على ~~ما ثبت في "الصحيحين" في الكتاب وغيره، وروى أبو داود في "سننه" تعيين ذلك ~~البعض بالثلث (¬1)، لكن في إسناده محمد بن إسحاق، وهو متكلم فيه، والأكثرون ~~على ضعفه. # ولا شك أن الصدقة برهان لصاحبها في الوثوق بالله -عز وجل-، والتقرب إليه، ~~والتعين بالحلف، ويترتب عليها هو الذنوب، ولهذا شرعت الكفارات المالية؛ لما ~~فيها من صلاحية هو الذنوب، ويترتب عليها الثواب الحاصل بسببها، وقد تحصل ~~الموازنة بامتحاء أثر الذنب، ودعاء من يتصدق عليه؛ فقد يكون دعاؤه سببا ~~لمحو الذنب. # ثم اعلم أن المأثور في الصدقات بالأموال على أنحاء: أقر كل واحد من ~~الصحابة -رضي الله عنهم- على نحو قدر صبره ووثوقه بما يطلبه ويتعلق به، ~~فكان الصديق -رضي الله عنه- يأتي بجميع ماله، فيقبل منه، ولا يمنع من ذلك، ~~وكان الفاروق -رضي الله عنه- يؤمر ms1055 بإمساك بعض ماله وإخراج بعضه، وكذلك كعب ~~بن مالك فيما عزم عليه وقصده، وكذلك صاحب الحديقة والسحابة، اسق حديقة ~~فلان، وأنه كان يتصدق بثلث ما يخرج منها، وينفق ثلثا على نفسه وعياله، ويرد ~~ثلثا في أرضه، وقد فعل سعيد بن المسيب ذلك فيما كان يأخذه من عطائه، لكنه ~~قال في الثلث الثالث: وهذا أحفظ به مروءتي، أقامه مقام الثلث الذي رده صاحب ~~الحديقة في أرضه، وكان رسول الله-صلى الله عليه وسلم- لا يدخر لغد شيئا، ~~فلما كثر العيال، ادخر لهم قوت سنة طمأنينة لهم وسكونا لقلوبهم، وما ذاك ~~جميعه إلا لاختلاف الأحوال والمقاصد في الإنفاق والإمساك، والله أعلم. PageV03P1548 # وفي هذا الحديث دليل لقصد الخيرات والتصدق بجميع المال. # وفيه دليل: على المشاورة في النيات والمقاصد لأهل العلم والدين، والشفقة. # وفيه دليل: على أن التقريب إلى الله -عز وجل- بمتابعة الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - تجوز إضافته إليهما، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {من يطع الرسول فقد ~~أطاع الله} [النساء: 80] وقوله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} ~~[النساء: 59]. # وفي الحديث: "من يطع الله ورسوله فقد رشد" (¬1)، وقول كعب في هذا الحديث: ~~إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله. # وفيه دليل: على أن إمساك ما يحتاج إليه من ماله أولى من إخراجه كله في ~~الصدقة، وقد قسم العلماء ذلك بحسب اختلاف حال الإنسان في صبره، وما يجب ~~عليه من نفقة العيال وغيرهم فيه، فإن كان لا يصبر على الإضاقة، كره له أن ~~يتصدق بكل ماله، وإن كان ممن يصبر، لم يكره، وكذلك إن كان له عيال أو غيرهم ~~ممن تجب نفقتهم، حرم عليه الصدقة بجميع ماله وإضاعتهم، وإلا فلا يحرم. # وفيه دليل: على أن الصدقة محبوبة في محو الذنوب، وقد كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يأمر بعض أصحاب الذنوب التي لا حد فيها ولا كفارة ~~بالصدقة، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "والصدقة تطفى الخطيئة كما يطفى ~~الماء النار" (¬2). # واستدل بعض المالكية بهذا الحديث على أن من نذر التصدق بكل ماله: ms1056 أنه ~~يكتفى منه بالثلث، والاستدلال به على هذا صعب؛ حيث إن اللفظ الذي أتى به PageV03P1549 # كعب ليس فيه نذر، ولا تقييد لما يخرجه بثلث ولا غيره، بل قاله له - صلى ~~الله عليه وسلم -: "أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك"، ومجرد القصد إلى فعل ~~الخير لا يوجب شيئا، ولا يصير نذرا، ولا هو تنجيز صدقة ولا إطلاق لحكم، ولا ~~تعليق على أمر، كيف والتقيد بالثلث في الإذن في الحديث الذي ذكرناه ضعيف؛ ~~كما بيناه؟ والله أعلم. # * * * PageV03P1550 ### || AUTO باب القضاء # القضاء في أصل اللغة: إحكام الشيء، والفراغ منه. ويكون القضاء إمضاء ~~الحكم، ومنه قوله -عز وجل-: {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب} [الإسراء: ~~4]. وسمي الحاكم: قاضيا؛ لأنه يمضي الأحكام ويحكمها، ويكون قضى بمعنى: ~~أوجب، فيجوز أن يكون سمي قاضيا؛ لإيجابه الحكم على من يجب عليه، وسمي ~~حاكما؛ لمنعه الظلماء من الظلم. # والقضاء -بالمد-: الولاية المعروفة، وجمعه أقضية؛ كغطاء وأغطية، واستقضي ~~فلان: جعل قاضيا، وقضى السلطان قاضيا؛ أي: ولاه؛ كما يقال: أمر أميرا (¬1). # * * * ### ||| AUTO الحديث الأول # من عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد" (¬2). PageV03P1551 # وفي لفظ: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا، فهو رد" (¬1). # اعلم أن هذا الحديث رواه البخاري ومسلم. # وأما قوله: وفي لفظ: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"؛ فظاهره أنه ~~للبخاري ومسلم -أيضا-، وقد أضافه شيخنا الحافظ أبو زكريا النواوي -رحمه ~~الله- في "الأربعين" له إلى مسلم خاصة، وأنكر عليه بعض المتأخرين ذلك، ~~وقال: بل رواه -أيضا- البخاري. # ولا شك أن البخاري ذكره في "صحيحه" معلقا، والمعلق لا يطلق عليه رواية ~~للبخاري؛ لأن الرواية لا تطلق إلا على المتصل، ولهذا قال شيخنا أبو زكريا ~~-رحمه الله تعالى-: وفي رواية لمسلم، ولم يقل: وفي لفظ، ونحوه من العبارات ~~التي تشعر بوجوده فيه من غير رواية متصلة؛ فإن ذكر اللفظ في الشيء غير ذكر ~~الرواية فيه، فصح ما ذكره تحقيقا, ولا يصح الإنكار، وعبارة الكتاب محررة في ms1057 ~~ذلك، لكنها غير مبينة للمراد على إصطلاح المحدثين؛ حيث ان المقصود من ذكره ~~لها: الدلالة لإثبات الروايات، والله أعلم. # وهذا الحديث أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، أو هو نصف الإسلام، ~~أو ثلثه على ما ذكر فيه؛ لكثرة ما يدخل تحته من الأحكام التي لا تنحصر. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فهو رد"؛ هو بمعنى المردود؛ إطلاقا ~~للمصدر على اسم المفعول؛ كأنه قال: فهو باطل غير معتد به. # وفي اللفظ الثاني: "من عمل عملا" زيادة على مدلول الأول؛ فإنه يشتمل ~~صريحا على أن إحداث جميع البدع والمخترعات مردود، وهو من جوامع كلمه - صلى ~~الله عليه وسلم -، فإذا عاند بعض المعاندين بفعل بدعة سبق إليها, لم يكن ~~إثمه كإثم PageV03P1552 # من أحدثها، وإن كانا اشتركا في الإثم؛ لأن إثم الأول بالإحداث من غير ذكر ~~عمل، وإثم الثاني بالعمل من غير إحداث؛ حيث إن قوله: أنا ما أحدثت شيئا، ~~صحيح، فيحتج عليه باللفظ الثاني الذي فيه التصريح برد كل المحدثات، سواء ~~أحدثها الفاعل، أو سبق بإحداثها. والله أعلم. # وفي الحديث دليل: على إبطال جميع العقود الممنوعة، وعدم وجود ثمراتها. # وفيه دليل لمن يقول من أهل أصول الفقه: إن النهي يقتضي الفساد، ومن قال ~~منهم: ليس فيه دلالة على ذلك، قال: لأنه خبر واحد، فلا يكفي في إثبات هذه ~~القاعدة المهمة، وهو قول فاسد، نعم، قد يقع الغلط في بعض المواضع لبعض ~~الناس فيما يقتضيه الحديث من الرد؛ فإنه قد يتعارض أمران، فينتقل من أحدهما ~~إلى الآخر، فيكون العمل بالحديث في أحدهما كافيا، ويقع الحكم به في الآخر ~~في محل النزاع، فللخصم أن يمنع دلالته عليه، فينبغي أن يتنبه لذلك، والله أعلم. # وإنما أدخل المصنف هذا الحديث في باب القضاء؛ حيث إن القضاء في المحاكمات ~~لا ينضبط ولا ينحصر، وهي مردودة إلى الشرع، وفي العادة والغالب لا يجري على ~~مقتضاه، ذنبه بذكره الحديث على أن كل ما يجري منها على هذا النحو مردود، ~~إحداثا وعملا، والله أعلم. # وفيه دليل: على التمسك بشريعته - صلى الله ms1058 عليه وسلم - وسنته؛ حيث إن ذلك ~~أمره الذي جاء به، وقام به، وما عداه ليس هو أمره، فهو مردود. # وفيه دليل: على رد الأعمال الباطلة، وإن لم يقصد فعلها, ولا علم حكمها، ~~والله أعلم. # * * * PageV03P1553 ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن عائشة -رضي الله عنها- أيضا، قالت: دخلت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان ~~على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: يا رسول الله! إن أبا سفيان ~~رجل شحيح، لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني، إلا ما أخذت من ماله ~~بغير علمه، فهل علي في ذلك من جناح؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك" (¬1). # أما هند بنت عتبة؛ فهي أم معاوية، أسلمت عام الفتح بعد إسلام زوجها أبي ~~سفيان بن حرب، فأقرهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على نكاحهما. # وهي هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، وكانت امرأة لها ذكر ~~ونفس وأنفة، شهدت أحدا كافرة مع زوجها أبي سفيان، ثم ختم الله لها ~~بالإسلام، فأسلمت يوم الفتح، فلما أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~البيعة على النساء -ومن الشرط فيها: ألا يسرقن ولا يزنين-، قالت له هند بنت ~~عتبة: وهل تزني الحرة وتسرق يا رسول الله؟ فلما قال: "ولا تقتلن أولادكن"، ~~قالت: قد ربيناهم صغارا، وقتلتهم أنت ببدر كبارا، أو نحو هذا من القول ~~(¬2)، وشكت حينئذ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن زوجها أبا سفيان ~~... الحديث. # توفيت - رضي الله عنها - في خلافة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في ~~اليوم الذي مات فيه أبو قحافة والد أبي بكر الصديق، ومات أبو قحافة في ~~المحرم سنة أربع عشرة، والله أعلم (¬3). PageV03P1554 # وأما أبو سفيان؛ فاسمه: صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ~~الأموي، القرشي، والد معاوية ويزيد وعتبة وإخوتهم، ولد قبل الفيل بعشر ~~سنين، وكان من أشراف قريش في الجاهلية، وكان تاجرا يجهز التجار بماله ~~وأموال قريش إلى الشام وغيرها من ms1059 أرض العجم، وكان يخرج أحيانا بنفسه، وكانت ~~إليه راية الرؤساء المعروفة بالعقاب، وكانت لا يحبسها إلا رئيس، فإذا حميت ~~الحرب، اجتمعت قريش فوضعت تلك الراية بيد الرئيس، ويقال: أفضل قريش في ~~الجاهلية ثلاثة: عتبة، وأبو جهل، وأبو سفيان، فلما أتى الله بالإسلام، ~~أدبروا في الرأي، وكان أبو سفيان صديق العباس ونديمه في الجاهلية. # أسلم أبو سفيان يوم الفتح، وشهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~حنينا، وأعطاه من غنائمها مئة بعير وأربعين أوقية وزنها له بلال، وأعطى ~~ابنيه يزيد ومعاوية، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح: "من ~~دخل دار أبي سفيان فهو آمن" (¬1). # مات أبو سفيان في خلافة عثمان - رضي الله عنه - سنة ثلاث وثلاثين، وقيل: ~~سنة اثنتين، وقيل: إحدى، وقيل: أربع وثلاثين، وصلى عليه ابنه معاوية، وقيل: ~~بل صلى عليه عثمان بموضع الجنائز، ودفن بالبقيع وهو ابن ثمان وثمانين سنة، ~~وقيل: ابن بضع وتسعين سنة، وممن قتل من أولاده يوم بدر كافرا: ابنه أبو ~~حنظلة، وبه كانت كنيته كنية ثانية، والله أعلم (¬2). PageV03P1555 # قولها: "إن أبا سفيان رجل شحيح" شحيح؛ فعيل: مبالغة في الشح، وهو أشد ~~البخل، وقيل: الشح والبخل سواء. # وفي الحديث أحكام: # منها: وجوب نفقة الزوجة. # ومنها: وجوب نفقة الأولاد الصغار. # ومنها: أن النفقة مقدرة بالكفاية لا بالأمداد. # وقال أصحاب الشافعي: نفقة القريب مقدرة بالكفاية كما في هذا الحديث، ~~ونفقة الزوجة مقدرة بالأمداد على الموسر، كل يوم مدان، وعلى المعسر مد، ~~والمتوسط: مد ونصف. وهذا الحديث يرد عليهم. # ومنها: جواز سماع كلام الأجنبية عند الإفتاء والحكم، وكذا ما في معنى ذلك. # ومنها: ذكر الإنسان بما يكرهه إذا كان للاستفتاء والشكوى ونحوهما، وهذا ~~مستثنى من المنع من الغيبة. # ومنها: أن من له على غيره حق، وهو عاجز عن استيفائه، يجوز له أن يأخذ من ~~ماله قدر حقه بغير إذنه، وهذا مذهب الشافعي وأصحابه، ومنع ذلك أبو حنيفة ومالك. # ومنها: جواز إطلاق الفتوى من غير تعليق بثبوت؛ كما أطلق النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، ولا يحتاج ms1060 في فتواه أن يقول المفتي: إن ثبت، كان الحكم كذا ~~وكذا, ولو قاله، فلا بأس، والتحرير: أن يقول: الحكم كذا وكذا، وحكم الحاكم ~~به لصاحبه يتعلق بالثبوت. # وقد اختلف أصحاب الشافعي في إذن النبي - صلى الله عليه وسلم - لهند امرأة ~~أبي سفيان هذه هل كان إفتاء أم قضاء؟ PageV03P1556 # والأصح: أنه كان إفتاء، وأن هذا يجري في كل امرأة أشبهتها، فيجوز. # والثاني: كان قضاء، فلا يجوز لغيرها إلا بإذن القاضي، وطريق الثبوت ~~البينة أو الإقرار، أو علم الحاكم به على قول من يرى الحكم بالعلم. # ومنها: أن للمرأة مدخلا في كفالة أولادها والإنفاق عليهم من مال أبيهم. # قال أصحاب الشافعي: إذا امتنع الأب من الإنفاق على الولد الصغير, أو كان ~~غائبا، أذن القاضي لأمه في الأخذ من مال الأب أو الاستقراض عليه، والإنفاق ~~على الصغير بشرط أهليتها، وهل لها الاستقلال بالأخذ من ماله بغير إذن ~~القاضي؟ # فيه وجهان مبنيان على الوجهين اللذين ذكرناهما آنفا في أمر هند امرأة أبي ~~سفيان، هل كان إفتاء أم قضاء؟ # ومنها: جواز اعتماد العرف في الأمور التي ليس فيها تحديد شرعي. # ومنها: جواز خروج المرأة المزوجة من بيتها لحاجتها من المحاكمة ~~والاستفتاء وغير ذلك. # ومنها: أن ما يذكر في الاستفتاء لأجل ضرورة معرفة الحكم، إذا تعلق به أذى ~~الغير، لا يوجب تعزيرا، وقد استدل به جماعة من أصحاب الشافعي على جواز ~~القضاء على الغائب، وفيه ضعف، وربما لا يصح الاستدلال به لذلك؛ من حيث إن ~~القضية كانت بمكة، وكان أبو سفيان حاضرا بها، وكان السؤال على سبيل الفتوى ~~لا في معرض الدعوى، ولا يقضى على الغائب الحاضر في البلد مع إمكان إحضاره ~~وسماعه للدعوى عليه إلا في وجه ضعيف، فلو كان مستترا لا يقدر عليه، أو ~~متعززا، جاز القضاء عليه، وأبو سفيان لم يوجد في قصته هذه شيء من ذلك. # وقد أخذ من الحديث الاستدلال على مسألة الظفر بالحق وأخذه من غير مراجعة ~~من عليه، وليس في الحديث تعرض لجواز الأخذ من الجنس أو من غير ms1061 الجنس، ومن ~~يستدل بالإطلاق في مثل هذا، يجعله حجة في الجميع، والله أعلم. PageV03P1557 ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن أم سلمة -رضي الله عنها-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سمع ~~جلبة خصم بباب حجرته، فخرج إليهم فقال: "ألا إنما أنا بشر، وإنما يأتيني ~~الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فيحسب أنه صادق، فأقضي له، فمن ~~قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار، فليحملها أو يذرها" (¬1). # أما أم سلمة؛ فتقدم ذكرها. # قولها: "سمع جلبة خصم بباب حجرته"؛ الجلبة -بفتح الجيم واللام-، وفي ~~رواية في "صحيح مسلم": لجبة (¬2) -بتقديم اللام على الجيم مع فتحهما-، وهما ~~لغتان صحيحتان، ومعناهما: اختلاط الأصوات. والخصم هنا: الجماعة، وهو من ~~الألفاظ التي تقع على الواحد والجمع (¬3). # وهذه الحجرة، هي بيت أم سلمة - رضي الله عنها -كما ثبت في "صحيح مسلم": ~~بباب أم سلمة. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ألا إنما أنا بشر"؛ معناه: التنبيه على ~~حالة البشرية، وأن البشر لا يعلمون من الغيب وبواطن الأمور شيئا، إلا أن ~~يطلعهم الله على شيء من ذلك، وأنه - صلى الله عليه وسلم - يجوز عليه في ~~أمور الأحكام ما يجوز عليهم، وأنه إنما يحكم بين الناس بما ظهر، والله ~~تعالى متولي السرائر، فيحكم بالبينة وباليمين ونحو ذلك من أحكام الظاهر، مع ~~إمكان كونه في الباطن خلاف ذلك. # لكنه - صلى الله عليه وسلم - إنما كلف بالظاهر، وهذا نحو قوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا ~~قالوها، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا PageV03P1558 # بحقها، وحسابهم على الله تعالى" (¬1)، وقوله - صلى الله عليه وسلم - في ~~حديث المتلاعنين: "لولا الأيمان، لكان لي ولها شأن" (¬2). # ولو شاء الله لأطلعه - صلى الله عليه وسلم - على باطن أمر الخصمين، فحكم ~~بيقين نفسه، من غير حاجة إلى شهادة ويمين، ولكن لما أمر الله تعالى أمته ~~باتباعه، والاقتداء بأقواله وأفعاله وأحكامه، أجرى له - صلى الله عليه وسلم ~~- حكمهم في عدم الاطلاع على باطن الأمور؛ ليكون حكم الأمة في ms1062 ذلك حكمه، ~~فأجرى الله تعالى أحكامه على الظاهر الذي يستوي هو وغيره فيه؛ ليصح ~~الاقتداء به، وتطيب نفوس العباد للانقياد للأحكام الظاهرة من غير نظر إلى ~~الباطن. # فإن قيل: هذا الحديث ظاهره أنه يقع منه - صلى الله عليه وسلم - حكم في ~~الظاهر مخالف للباطن، وقد اتفق الأصوليون على أنه - صلى الله عليه وسلم - ~~لا يقر على خطأ في الأحكام. # فالجواب: أنه لا تعارض بين الحديث وقاعدة الأصوليين؛ لأن مرادهم أنه لا ~~يقر على خطأ فيما حكم فيه باجتهاده، ولهذا اختلفوا: هل يجوز أن يقع منه - ~~صلى الله عليه وسلم - خطأ فيه؟ فالأكثرون على جوازه، لكن قالوا: لا يقر على ~~إمضائه، بل يعلمه الله -عز وجل- به، فيتداركه، ومنهم من منع وقوعه. # وأما الذي في الحديث، فالمراد به الحكم بغير الاجتهاد بطريق البينة ~~واليمين إذا وقع فيه ما يخالف باطنه ظاهره، أو عكسه؛ فإن ذلك لا يسمى الحكم ~~به خطأ، بل هو صحيح بناء على ما استقر به التكليف، وهو وجوب العمل بشاهدين ~~مثلا، وإن كانا شاهدي زور ونحو ذلك، فالتقصير منهما، أو من الحاكم؛ حيث لم ~~يحتط في أمرهما، أو ممن ساعدهما، بخلاف ما إذا أخطأ في الاجتهاد؛ فإن الحكم ~~بالخطأ ليس هو حكم الشرع، وإن كان يثاب عليه ويؤجر أجرا واحدا لا أجرين، ~~والله أعلم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فمن قضيت له بحق مسلم": التقييد بحق ~~المسلم خرج على PageV03P1559 # الغالب، وليس المراد الاحتراز من الكافر؛ فإن مال الذمي والمعاهد والمرتد ~~في هذا كمال المسلم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإنما هي قطعة من النار"؛ الضمير في ~~قوله: "هي" عائد إلى القضية، أو الحالة، وفي "صحيح مسلم": "فإنما أقطع له ~~قطعة من النار"؛ معناه: من قضيت له بظاهر يخالف الباطن، فهو حرام يؤول به ~~إلى النار. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فليحملها أو يذرها"؛ التخيير هنا للتهديد ~~والوعيد والإنذار؛ كقوله تعالى: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} [الكهف: ~~29] و {فاصبروا أو لا تصبروا} [الطور: 16] وكقوله تعالى فيما صيغته للأمر ~~ومعناه ms1063 التهديد: {اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون} [فصلت: 40] ونظائره في ~~الكتاب والسنة كثير، وليس المراد التخيير في الفعل والترك؛ لإن حمل الشيء ~~والإعراض عنه لا يستعمل في ذلك. # وفي الحديث دليل: على أن حكم الحاكم لا يحيل الباطن ولا يحل حراما، فهذا ~~شهد شاهدا زور لإنسان بمال، فحكم به الحاكم، لم يحل للمحكوم له ذلك المال، ~~ولو شهدا عليه بقتل، لم يحل للولي قتله مع علمه بكذبهما، وإن شهدا بالزور ~~أن زيدا طلق امرأته، لم يحل لمن علم كذبهما أن يتزوجها بعد حكم القاضي ~~بالطلاق، وقال أبو حنيفة: يحل حكم الحاكم الفروج دون الأموال، فقال: يحل ~~نكاح المذكورة. # قال صاحب "شرح المختار" للفتوى، على مذهب الإمام أبي حنيفة -رحمه الله- ~~(¬1): والقضاء بشهادة الزور ينفذ ظاهرا وباطنا في العقود والفسوخ؛ كالنكاح ~~والطلاق والبيع، وكذلك الهبة والإرث، وقالا: لا ينفذ باطنا؛ يعني: محمدا، ~~وأبا يوسف -رحمهما الله تعالى-. # قال: وصورته: شهد شاهدان بالزور بنكاح امرأة لرجل، فقضى بها القاضي، نفذ ~~عنده -يعني: أبا حنيفة- حتى حل للزوج وطؤها؛ خلافا لهما، ولو شهدا بالزور ~~على رجل أنه طلق امرأته ثانيا، فقضى القاضي بالفرقة، ثم PageV03P1560 # تزوجها آخر، جاز، وعندهما: إن جهل الزوج الثاني ذلك، حل له وطؤها اتباعا ~~للظاهر؛ لأنه لا يكلف علم الباطن، وإن علم بأن كان أحد الشاهدين لا يحل، ~~ولو وطئها الزوج الأول، كان زانيا ويحد. # وقال محمد: يحل له وطؤها، وقال أبو يوسف: لا يحل له وطؤها؛ لأن قول أبي ~~حينفة أورث شبهة، فيحرم الوطء احتياطا, ولا ينفذ في معتدة الغير ومنكوحته ~~بالإجماع؛ لأنه لا يمكنه تقديم النكاح على القضاء، وفي الأجنبية أمكن ذلك، ~~فيقدم تصحيحا له؛ قطعا للمنازعة. # وينفذ بيع الأمة عنده، حتى يحل للمشتري وطؤها، وينفذ في الهبة والإرث، ~~حتى يحل للمشهود له أكل الهبة والميراث، وروي عنه -يعني: أبا حنيفة-: أنه ~~لا ينفذ فيهما لهما. # قال: وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن ~~يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أنا بشر" الحديث، وأنه عام، فيعم ms1064 جميع ~~العقود والفسوخ وغير ذلك، فينبغي أن يكون الحكم في الباطن كهو عند الله، ~~أما الظاهر، فالحكم لازم على ما أنفذه القاضي. # قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أنا أقضي بالظاهر، والله ~~يتولى السرائر" (¬1)، قال: وله -يعني: أبا حنيفة- ما روي أن رجلا خطب ~~امرأة، وهو دونها في الحسب، فأبت أن تتزوجه، فادعى أنه تزوجها، وأقام ~~شاهدين عند علي -كرم الله وجهه-، فحكم عليها بالنكاح، فقالت: إني لم ~~أتزوجه، وإنهم شهود زور، فزوجني منه، فقال علي -كرم الله وجهه-: شاهداك ~~زوجاك، وأمضى عليها النكاح، وأنه قضى بأمر الله تعالى بحجة شرعية فيما له ~~ولاية الإنشاء؛ فيجعل PageV03P1561 # إنشاء تحرزا عن الحرام، وحديثهما صريح في المال، قال: ونحن نقول به؛ فإن ~~قضاء القاضي في الأملاك المرسلة لا ينفذ بشهادة الزور؛ بهذا الحديث، ولقوله ~~-عز وجل-: {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [النساء: 29] , وروي أنها ~~نزلت فيه؛ ولأن القاضي لا يملك إثبات الملك بدون السبب، فإنه لا يملك دفع ~~مال زيد إلى عمرو، وأما العقود والفسوخ، فإنه يملك إنشاءها، فإنه يملك بيع ~~أمة زيد وغيرها من عمرو حال غيبته، وخوف الهلاك؛ فإنه يبيعه للحفظ، وكذلك ~~لو مات ولا وصي له، ويملك إنشاء النكاح على الصغير, وعلى الصغيرة، والفرقة ~~في العنين، وغير ذلك، فثبت أن له ولاية الإنشاء في العقود والفسوخ، فيجعل ~~القضاء إنشاء؛ احترازا عن الحرام، ولا يملك ذلك في الأملاك المرسلة بغير ~~أسباب، فتعذر جعله إنشاء، فبطل. # ثم نقول: لو لم ينفذ باطنا، فلو قضى القاضي بالطلاق، لبقيت حلالا للزوج ~~الأول باطنا, وللثاني ظاهرا، ولو ابتلي الثاني بمثل ما ابتلي الأول به، حلت ~~للثالث -أيضا-، وهكذا رابع وخامس، فتحل للكل في زمان واحد، وفيه من الفحش ~~ما لا يخفى. # ولو قلنا بنفاذه باطنا، لا تحل إلا لواحد، ولا فحش فيه. هذا آخر كلام ~~صاحب "شرح المختارا للفتوى في مذهب أبي حنيفة -رحمه الله تعالى-. # ولا شك أن قول أبي حنيفة مخالف؛ لهذا الحديث الصحيح، ولإجماع من قبله، ~~ولقاعدة وافق هو وغيره عليها، ms1065 وهي: أن الأبضاع أولى بالاحتياط من الأموال، ~~والقول بأن حكم الحاكم لا يحيل الباطن، ولا يحل حراما، وهو مذهب الشافعي، ~~ومالك، وأحمد، وجماهير علماء الإسلام وفقهاء الأمصار من الصحابة والتابعين ~~فمن بعدهم، والله أعلم. # وفيه دليل: على إجراء الأحكام على الظاهر. # وفيه دليل: على إعلام الناس بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحكم ~~بالظاهر كغيره، وإن كان يفترق مع الغير في اطلاعه على ما يطلعه الله عليه ~~من الغيوب الباطنة، وذلك PageV03P1562 # في أمور مخصوصة، لا في الأحكام العامة. وعلى هذا دل قوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إنما أنا بشر"، ولا شك أن الحصر يكون عاما وخاصا، وهذا من الخاص ~~الذي يتعلق بالحكم بالنسبة إلى الحجج الظاهرة. # وفيه: أن الحاكم لا يحكم إلا بالظاهر؛ مما طريقه الثبوت بالبينة أو ~~الإقرار، ولا يحكم بما يعلمه في الباطن مخالفا لما ثبت في الظاهر، ولا ~~عكسه، وقد نقل الإجماع فيه، فلو علم شيئا بطريقه الشرعي خبرا يقينا أو ظنا ~~راجحا، أو شاهده من غير بينة، أو إقراره في حال الدعوى أو قبلها، فهل يحكم بعلمه؟ # فيه أوجه في مذهب الشافعي: رجح مرجحون أنه يحكم بعلمه في غير حدود الله ~~دونها، وقيل: يحكم، ورجح آخرون: أنه لا يحكم بعلمه أصلا، وهذا مما عمل فيه ~~بالظن مع وجود القطع فيه، وله نظائر؛ منها: إن كان معه ماء طاهر بيقين، ~~ومعه إناء [فيه ماء نجس]، إن اشتبه الطاهر بالنجس منهما، جاز له الاجتهاد، ~~والطهارة بما أدى إليه اجتهاده، وهو ظني مع وجود الطاهر بيقين توسعة، إلا ~~أن حكم الحاكم بعلمه مفسدة زائدة، وهي بطريق الظنون الفاسدة إلى غرضه، وقد ~~تنجر المفسدة إلى تشبيه غير المتيقن به، وكلاهما تطلع الشرع إلى تركها، ~~فلهذا جوز الحكم بالظن مع وجود القطع، بخلاف ما إذا كان الظن مخالفا للعلم، ~~فإنه لا يحكم إجماعا، والله أعلم. # واعلم أن لله -عز وجل- أحكاما شرعية في ظاهرك، وأحكاما شرعية في باطنك، ~~وأحكاما مشتركة في ظاهرك وباطنك. فاليهود نفت الأحكام الباطنة، فضلوا، ~~والنصارى نفت الأحكام ms1066 الظاهرة، فضلوا، والمسلمون أثبتوا الأحكام كلها جمعا ~~وإفرادا، فاهتدوا، فما كان في ظاهرك أثبتوه في محله، وما كان في باطنك ~~أثبتوه في محله، وما كان فيهما أثبتوه فيهما. # مثاله: العدالة لا تثبت إلا ظاهرا وباطنا، فلا يكون عدلا إلا من اتصف بها ~~ظاهرا وباطنا، فمن اتصف بها في ظاهره دون باطنه، وعكسه، لا يكون عدلا، وقد ~~نبه - صلى الله عليه وسلم - على هذه القاعدة بقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صادق فأقضي له" إلى آخره. PageV03P1563 # ومثال الأحكام في الباطن: المأمور بها والمنهي عنها وجوبا وندبا وتحريما ~~وكراهة: النيات والعرفان والاعتقادات والإيمان والكفر والطغيان والكبر ~~والعجب والحسد ونحو ذلك. # ومثال الأحكام في الظاهر: آثار الأحكام الباطنة، وما يتعلق ببصرك ومنطقك، ~~وبطشك وفعلك بيدك ورجلك وفرجك منها، والله أعلم. # وقد ذكر أصحاب الشافعي: أن القاضي الحنفي إذا حكم بشفعة الجار: أنه ينفذ ~~في الظاهر، واختلفوا في نفوذه وحكمه في الباطن على وجهين. # وهذا الحديث عام بالنسبة إلى سائر الحقوق، والذي اتفق عليه أصحاب ~~الشافعي: أن الحجج إذا كانت باطلة في نفس الأمر؛ بحيث لو اطلع عليها القاضي ~~لم يجز له الحكم بها: أن ذلك لا يؤثر في منع الحكم بها، بخلاف الأمور ~~الاجتهادية، إذا خالف اعتقاد القاضي اعتقاد المحكوم له؛ كما في شفعة الجار، ~~والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن عبد الرحمن بن أبي بكرة -رضي الله عنه- قال: كتب إلي، وكتبت له -إلى ~~ابنه عبيد الله بن أبي بكرة، وهو قاض بسجستان-: أن لا تحكم بين اثنين وأنت ~~غضبان؛ فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا يحكم أحد بين ~~اثنين وهو غضبان". وفي رواية: "لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان" (¬1). # أما عبد الرحمن بن أبي بكرة؛ فكنيته: أبو عمرو بن نفيع بن الحارث، ثقفي ~~بصري تابعي ثقة، وهو أول مولود في الإسلام بالبصرة، وله إخوة خمسة: عبيد ~~الله، ومسلم، ووزاد، ويزيد، وعبد العزيز. PageV03P1564 # سمع أباه، وعلي بن أبي طالب، وعبد ms1067 الله بن عمرو بن العاص. # وروى عنه جماعة من التابعين وغيرهم، وروى له البخاري ومسلم وأصحاب السنن ~~والمساند (¬1). # وأما أخوه عبيد الله؛ فكنيته: أبو حاتم، تابعي، وثقه أحمد بن عبد الله، ~~كان أحد الكرام المذكورين، والسمحاء المشهورين، وكان قليل الحديث، وكان عبد ~~الرحمن أكبر منه، وولي القضاء بالبصرة، وإمرة سجستان، روى عن أبيه، وعن علي ~~بن أبي طالب. # روى عنه: ابنه زياد بن عبيد الله، ومحمد بن سيرين، وغيرهما، ومات في سنة ~~سبع وسبعين (¬2). # وأما أبوهما؛ فاسمه: نفيع بن الحارث بن كلدة، ويقال: نفيع بن مسروح، ~~وقيل: كان ابن عبد الحارث بن كلدة، وإنما بني أبا بكرة؛ لأنه تدلى إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ببكرة، فكني بها، وأعتقه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، وكان من الفضلاء الصالحين، وما زال على كثرة العبادة حتى ~~مات - رضي الله عنه -، وكانت أولاده أشرافا بالبصرة؛ في كثرة الصلة والمال ~~والولايات. # قال الحسن البصري: لم يسكن البصرة من الصحابة -رضي الله عنهم- أفضل من ~~عمران بن حصين، وأبي بكرة. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مئة حديث، واثنان وثلاثون ~~حديثا، اتفقا على ثمانية، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بحديث، روى عنه: ~~ابناه: PageV03P1565 # عبد الرحمن، ومسلم، والحسن البصري، وغيره، وروى له أصحاب السنن والمساند. # كان ممن اعتزل يوم الجمل، ولم يقاتل مع واحد من الفريقين، مات بالبصرة ~~سنة إحدى، وقيل: اثنتين وخمسين، وصلى عليه أبو برزة الأسلمي (¬1). # وأما سجستان؛ فهي بفتح السين المهملة، قاله "صاحب المطالع" (¬2)، وقال ~~السمعاني في "أنسابه" (¬3): بكسر السين والجيم وسكون السين الأخرى بعدها ~~تاء مثناة فوق مفتوحة: إحدى البلاد المعروفة بكابل، كان بها ومنها جماعة ~~كثيرة من العلماء والمحدثين، والله أعلم. # وهذا الحديث نص في المنع من القضاء حالة الغضب؛ وذلك لما يحصل للنفس ~~بسببه من التشويش الموجب لاختلال النظر، وعدم حصوله على الوجه المطلوب، ~~وعداه الفقهاء بهذا المعنى إلى كل حال يخرج الحاكم فيها عن سداد النظر ~~واستقامة الحال؛ كالشبع المفرط، والجوع المقلق، والهم والفرح البالغ، ~~ومدافعة الحدث، ms1068 وتعلق القلب بأمر، ونحو ذلك، فكل واحد مما ذكر مشوش للذهن، ~~حامل على الغلط، ولو قضى مع واحد من الجوع والغضب، نفذ إذا ساق الحق، وكان ~~مكروها؛ للنهي. # وقد قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شراج الحرة، وقال في اللقطة ~~في ضالة الإبل: "ما لك ولها؟ " (¬4) في حال الغضب، وكأنه - صلى الله عليه ~~وسلم - إنما خص الغضب بالنهي عن PageV03P1566 # القضاء فيه؛ لشدة استيلائه على النفس وصعوبة مقاومته. # وفيه دليل: على العمل بالكتابة. # وفيه دليل: على أن الكتابة بالحديث؛ كالسماع من الشيخ؛ في وجوب العمل، ~~وأما في الرواية, فقد اختلفوا فيه. # والصواب الذي عليه المحققون، وقاله المتقنون: أنه يجوز إذا أداه في ~~الرواية بعبارة مطابقة للواقع؛ كقوله: كتب إلى فلان بكذا وكذا، وأخبرني ~~مكاتبة أو كتابة، ونحو ذلك. # وفيه: نشر العلم للعمل به والابتداء به من غير سؤال. # وفيه: ذكر الحكم مع دليله في الفتوى والتعليم. # وفيه: تعدية الحكم إلى ما في معناه، وأنه معمول به، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الخامس # عن أبي بكرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ " ثلاثا، قلنا: بلى يا رسول الله! قال: ~~"الإشراك بالله، وعقوق الوالدين"، وكان متكئا فجلس، فقال: "ألا وقول الزور ~~وشهادة الزور" فما زال يكررها؛ حتى قلنا: ليته سكت (¬1). # تقدم الكلام على أبي بكرة آنفا، في الحديث قبله. # قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثا"؛ معناه: ~~أنه - صلى الله عليه وسلم - قال هذا الكلام ثلاث مرات؛ تنبيها للسامعين على ~~حضور قلوبهم وأفهامهم، لما يخبرهم به مما استفتحه - صلى الله عليه وسلم - ~~لهم من التعليم والبيان؛ لئلا يغفلوا عن ذلك، فيهلكوا؛ لتشبههم في ذلك ~~بالكفار والمنافقين، أو اللائمين واللاعنين. PageV03P1567 # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "بأكبر الكبائر"؛ فهو قال على عظم ~~الذنوب، وأنها تنقسم في ذلك إلى كبير وأكبر، ويلزم من ذلك انقسامها إلى ~~صغائر وكبائر؛ فإن (أفعل) التفضيل يدل على وجود مفضول غالبا، وهو قسمان؛ ~~فعيل، وفعيل يدل على ما ms1069 دونه، وهو الصغائر، وهو القسم الثاني، ويدل على ذلك ~~قوله - عز وجل -: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} ~~[النساء: 31]. # ولا شك أن الكلام في ذلك على نوعين: # أحدهما: في درجاتها. # والثاني: في انحصارها في أعدادها وعدم قسيم لها. # أما الأول، فلا شك في وجوده في السنة، وقد ذكره العلماء. # قالوا: أكبر المعاصي: الشرك بالله تعالى، ويليه: قتل النفس بغير حق، ~~ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يزال ابن آدم في فسحة من دينه، ما ~~لم يصب دما حراما" (¬1). # قال الشافعي -رحمه الله- في "مختصر المزني": أكبر الكبائر بعد الشرك: ~~القتل، واتفق أصحابه على ذلك، وأما ما سواها من الزنا واللواط وعقوق ~~الوالدين، والسحر، وقذف المحصنات، والفرار يوم الزحف، وأكل الربا، وغير ذلك ~~من الكبائر، فلها تفاصيل وأحكام تعرف بها مراتبها، ويختلف أمرها باختلاف ~~الأحوال والمفاسد المترتبة عليها. وعلى هذا، يقال في كل واحدة منها: هي من ~~أكبر الكبائر، وإن جاء في موضع: هي أكبر الكبائر؛ كقوله في هذا الحديث: ~~"وعقوق الوالدين"، كأن المراد: من أكبر الكبائر؛ كما يقال في أفضل الأعمال (¬2). # وقد جاء عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كل ما نهى الله - عز وجل - ~~عنه، فهو كبيرة (¬3). PageV03P1568 # وبهذا قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني الإمام في علم الأصول والفقه وغيره. # وحكى القاضي عياض -رحمه الله- هذا المذهب عن المحققين، واحتج القائلون ~~بهذا؛ فإن كل مخالفة، فهي بالنسبة إلى جلال الله تعالى كبيرة، ولهذا قال ~~السلف -رحمهم الله-: لا تنظر إلى الذنب، ولكن انظر إلى من عصيت، وهذا كله ~~يدل على عدم قسيم الكبائر من الصغائر، وقد بينا دليل وجودها: وأما الثاني: ~~فهو انحصارها في عدد. # ولا شك أنه ثبت في الصحيح: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"الكبائر سبع" (¬1)، وهذه الصيغة، وإن كانت تقتضي الحصر، فهو غير مراد بلا ~~شك. وإنما وقع الاقتصار على السبع في هذا الحديث، وفي رواية في "صحيح ~~مسلم": أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الكبائر ثلاث"، وفي أخرى: ~~"أربع" (¬2)؛ لكونها ms1070 من أفحش الكبائر مع كثرة وقوعها, لا سيما فيما كانت ~~عليه الجاهلية، ولم يذكر في بعضها ما ذكر في الأخرى، وذلك يدل على أن ~~المراد: البعض، ويكون التقدير: من الكبائر. # ولهذا ثبت في الصحيح: "من الكبائر شتم الرجل والديه"، وثبت في عدم ~~الاستبراء من البول، وفي النميمة: أنهما من الكبائر. وجاء في غير الصحيح من ~~الكبائر: اليمين الغموس، واستحلال بيت الله الحرام. # وتقدم مذهب ابن عباس وأبي إسحاق وغيرهما: أن الكبائر كل ما نهى الله عنه. # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أنه سئل عن الكبائر، أسبع هي؟ ~~فقال: هي إلى ~~............................................................. PageV03P1569 # السبعين (¬1)، ويروى: إلى سبع مئة أقرب (¬2)، والله أعلم. # [وقد بين - صلى الله عليه وسلم - الحكمة في كونه لا يعطى بمجرد دعواه: ~~أنه لو أعطي بها، لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، واستبيح ذلك، ولا يمكن ~~للمدعى عليه أن يصون ماله ودمه، وأما المدعي؛ فيمكنه صيانتها بالبنية. # وفي هذا الحديث دليل لمذهب الشافعي وجمهور العلماء من سلف الأمة وخلفها: ~~أن اليمين على المدعي] (¬3). إذا ثبت هذا، فاعلم أنه لا بد من معرفة ~~الكبيرة وتمييزها, ولا بد من ذكر الفرق بين الكبيرة والصغيرة. # أما تعريف الكبيرة؛ فروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أنه قال: ~~الكبائر: كل ذنب ختمه الله بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب (¬4)، ونحو هذا ~~عن الحسن البصري، وقال آخرون: هي ما أوعد الله - عز وجل - عليه بنار، أو حد ~~في الدنيا. # وقال أبو حامد الغزالي -رحمه الله- في "البسيط": والضابط الشامل المعنوي ~~في ضبط الكبيرة: أن كل معصية يقدم المرء عليها من غير استشعار خوف وحذار ~~ندم، كالمتهاون بارتكابها، والمستجرئ عليها اعتيادا، فما أشعر بهذا ~~الاستخفاف والتهاون فهو كبيرة، وما يحمل على فلتات النفس وفترة مراقبة ~~التقوى، ولا ينفك عن تندم يمتزج به تنغيص التلذذ بالمعصية، فهذا لا يمنع ~~العدالة، وليس هو بكبيرة. # وقال الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح -رحمه الله- في "فتاويه": الكبيرة ~~كل ذنب كبر وعظم عظما يصح معه أن يطلق اسم الكبيرة، ووصف بكونه ms1071 عظيما على ~~الإطلاق، قال: فهذا حد الكبيرة (¬5). PageV03P1570 # ثم لها أمارات: # منها: إيجاب الحد. # ومنها: الإيعاد عليها بالعذاب بالنار ونحوها في الكتاب والسنة. # ومنها: وصف فاعلها بالفسق. # ومنها: اللعن؛ كلعن الله من غير منار الأرض، وقال غيره: تغيير منار الأرض ~~كبيرة؛ لاقتران اللعن به، وكذا قتل المؤمن؛ لاقتران الوعيد به، والمحاربة، ~~والزنا، والسرقة، والقذف كبائر؛ لاقتران الحدود بها، واللعنة ببعضها، فهذا ~~ما يتعلق بتعريف الكبيرة وحدها. # وأما الفرق بينها وبين الصغيرة: فقال الغزالي في "البسيط" في المذهب: ~~إنكار الفرق بين الكبيرة والصغيرة لا يليق بالفقه، وقد فهما من مدارك الشرع. # قال شيخنا أبو زكريا النووي -رحمه الله-: وهذا الذي قاله أبو حامد قد ~~قاله غيره بمعناه، ولا شك في كون المخالفة قبيحة جدا بالنسبة إلى جلال الله ~~تعالى، ولكن بعضها أعظم من بعض، وتنقسم باعتبار ذلك إلى ما تكفره الصلوات ~~الخمس أو صوم رمضان، أو الحج، أو العمرة، أو الوضوء، أو صوم عرفة، أو صوم ~~عاشوراء، أو فعل الحسنة، أو غير ذلك مما جاءت به الأحاديث الصحيحة, إلى ما ~~لا يكفره ذلك، كما ثبت في الصحيح، في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما لم ~~تغش كبيرة" (¬1). # فسمى الشرع ما تكفره الصلاة ونحوها: صغائر، وما لا تكفره: كبائر، ولا شك ~~في حسن هذا, ولا يخرجها هذا عن كونها قبيحة بالنسبة إلى جلال الله تعالى، ~~فإنها صغيرة بالنسبة إلى ما فوقها, لكنها أقل قبحا, ولكونها متيسرة ~~التكفير، والله أعلم، هذا آخر كلامه (¬2). PageV03P1571 # فإن قيل: اجتناب الكبائر مكفر للصغائر في قوله - عز وجل -: {إن تجتنبوا ~~كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما (31)} [النساء: ~~31]، فإن اجتنبت الكبائر، وكفرت الصغائر، فما تكفر الصلوات الخمس ورمضان ~~والحج والعمرة والوضوء وغير ذلك مما ذكر؟ # قلنا: إنما جعلت مكفرة إن وجدت ما تكفره، فإذا لم تجد ما تكفره، كانت رفع ~~درجات لصاحبها، والله أعلم. # وقال الشيخ الإمام أبو محمد بن عبد السلام -رحمه الله- في كتابه ~~"القواعد": إذا أردت معرفة الفرق بين الصغيرة والكبيرة، فأعرض مفسدة الذنب ms1072 ~~على مفاسد الكبائر المنصوص عليها، فإن نقصت عن أقل مفاسد الكبائر، فهي ~~صغيرة من الصغائر، وإن ساوت أدنى مفاسد الكبائر، أو ربت عليه، فهي من ~~الكبائر، فمن شتم الرب -سبحانه وتعالى-، أو رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ~~أو استهان بالرسل، أو كذب واحدا منهم، أو ضمخ الكعبة بالعذرة، أو ألقى ~~المصحف في القاذورات، فهي من أكبر الكبائر، ولم يصرح الشرع بأنه كبيرة (¬1). # قال شيخنا أبو الفتح بن دقيق العيد القاضي -رحمه الله-: وهذا الذي قاله ~~عندي داخل فيما نص عليه الشرع بالكفر، إن جعلنا المراد بالاشراك بالله ~~تعالى مطلق الكفر على ما سنبينه عليه، ولا بد مع هذا من أمرين: # أحدهما: أن المفسدة لا تؤخذ مجردة عما يقترن بها من أمر آخر، فإنه قد يقع ~~الغلط في ذلك، ألا ترى أن السابق إلى الذهن: أن مفسدة الخمر السكر وتشويش ~~العقل؟ فإن أخذنا هذا بمجرده، لزم منه ألا يكون شرب القطرة الواحدة كبيرة؛ ~~لخلائها عن المفسدة المذكورة، لكنها كبيرة؛ لأنها، وإن خلت عن المفسدة ~~المذكورة، إلا أنه تقترن بها مفسدة التجرؤ على شرب الخمر الكثير الموقع في ~~المفسدة، فبهذا الاقتران يصير كبيرة. # الثاني: أنا إذا سلكنا هذا المسلك، فقد تكون مفسدة بعض الوسائل إلى PageV03P1572 # بعض الكبائر، مساويا لبعض الكبائر، أو زائدا عليها، فإن من أمسك امرأة ~~محصنة لمن يزني بها، أو مسلما معصوما لمن يقتله، فهو كبيرة أعظم مفسدة من ~~أكل مال اليتيم، وأكل مال اليتيم منصوص عليه، وكذلك لو دل على عورة من ~~عورات المسلمين تفضي إلى قتلهم وسبي ذراريهم وأخذ أموالهم، كان ذلك أعظم من ~~فراره من الزحف، والفرار من الزحف منصوص عليه دون هذه. # وكذلك يفعل على ذلك القول الذي حكيناه، من أن الكبيرة: ما رتب عليه اللعن ~~أو الحد أو الوعيد، فتعتبر المفاسد بالنسبة إلى ما رتب عليه شيء من ذلك، ~~فما ساوى أقلها، فهو كبيرة، وما نقص عن ذلك، فليس بكبيرة. هذا آخر كلامه، ~~والله أعلم (¬1). # قال أبو محمد بن عبد السلام -رحمه الله-: أما إذا ms1073 كذب عليه كذبا يوجد منه ~~بسببه ثمرة، فليس كذبه من الكبائر، قال: وقد نص الشرع على أن شهادة الزور ~~وأكل مال اليتيم من الكبائر؛ فإن وقعا في مال خطير، فهذا ظاهر، وإن وقعا في ~~حقير، فيجوز أن يجعلا من الكبائر؛ فطاما عن هذه المفاسد؛ كما جعل شرب قطرة ~~من خمر من الكبائر، وإن لم تتحقق المفسدة، ويجوز أن يضبط ذلك بنصاب السرقة. # قال: والحكم بغير الحق كبيرة؛ فإن شاهد الزور متسبب، والحاكم مباشر، فهذا ~~جعل السبب كبيرة، فالمباشرة أولى. # قال: وقد ضبط بعض العلماء الكبائر: بأنها كل ذنب قرن به وعيد أو حد أو ~~لعن، فعلى هذا، كل ذنب علم أن مفسدته كمفسدة ما قرن به الوعيد أو الحد أو ~~اللعن، أو أكبر من مفسدته، فهو كبيرة، ثم قال: الأولى أن تضبط الكبيرة بما ~~يشعر بتهاون مرتكبها في ذنبه إشعار أصغر الكبائر المنصوص عليها، والله أعلم ~~(¬2). PageV03P1573 # وقال الإمام أبو الحسن الواحدي المفسر، وغيره: الصحيح: أن حد الكبيرة غير ~~معروف، بل ورد الشرع بوصف أنواع من المعاصي بأنها كبائر، وأنواع بأنها ~~صغائر، وأنواع لم توصف، وهي مشتملة على كبائر وصغائر. # والحكمة في عدم بيانها: أن يكون العبد ممتنعا من جميعها؛ مخافة أن تكون ~~من الكبائر. # قال العلماء: وهذا شبيه بإخفاء ليلة القدر، وساعة يوم الجمعة، وساعة ~~إجابة الدعاء في الليل، واسم الله الأعظم، ونحو ذلك مما أخفي، والله أعلم. # قالوا: والإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة (¬1). # وروي عن عمر، وابن عباس، وغيرهما -رضي الله عنهم-: لا كبيرة مع استغفار، ~~ولا صغيرة مع إصرار (¬2)؛ ومعناه: أن الكبيرة تمحى بالاستغفار، والصغيرة ~~تصير كبيرة بالإصرار. # قال أبو محمد بن عبد السلام -رحمه الله-: الإصرار هو أن تتكرر منه ~~الصغيرة تكررا يشعر بقلة مبالاته بذنبه إشعار ارتكاب الكبيرة بذلك. قال: ~~وكذلك إذا اجتمعت صغائر مختلفة الأنواع؛ بحيث يشعر مجموعها ما تشعر به أصغر ~~الكبائر (¬3). # وقال أبو عمرو بن الصلاح -رحمه الله تعالى-: المصر: من تلبس من أضداد ~~التوبة باستمرار العزم على المعاودة، أو باستدامة الفعل؛ بحيث ms1074 يدخل به ذنبه ~~في حيز ما يطلق عليه الوصف، بصيرورته كبيرا عظيما, وليس لزمان ذلك وعدده ~~حصر، والله أعلم (¬4). PageV03P1574 # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الإشراك بالله"؛ يحتمل أن يراد به مطلق ~~الكفر، وخصص الإشراك بالذكر؛ لغلبته في الوجود، لا سيما في بلاد العرب؛ ~~تنبيها على غيره، ويحتمل أن يراد به: خصوصية الإشراك، لكنه بعيد؛ لكون بعض ~~الكفر أعظم قبحا من الإشراك؛ كالكفر بالتعطيل؛ فإنه نفي مطلق، والإشراك ~~إثبات مقيد، فهو أخف قبحا من التعطيل، فحينئذ يكون ذكر الإشراك على ~~الاحتمال الثاني من باب التنبيه بالقبيح على الأقبح، والله أعلم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وعقوق الوالدين"؛ العقوق مأخوذ من العق، ~~وهو القطع، وذكر الأزهري: أنه يقال: عن والده يعقه -بضم العين- عقا، ~~وعقوقا: إذا قطعه، ولم يصل رحمه، وجمع العاق: عققة -بفتح الحروف كلها-، ~~وعقق -بضم العين والقاف-. # وقال صاحب "المحكم": رجل عقق وعقق وعق وعاق: بمعنى واحد، وهو الذي شق عصا ~~الطاعة لوالده، هذا قول أهل اللغة (¬1). # ولا شك أن حق الوالدين عظيم، فعقوقهما عظيم، ورتبة مختلفة، لكن ضبط ~~المحرم والواجب من الطاعة لهما فيه عسر؛ ولا يجب على الولد طاعتهما في كل ~~ما يأمران به، ولا في كل ما ينهيان عنه، باتفاق العلماء، بل طاعتهما تبع ~~لطاعة الشرع، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا طاعة لمخلوق في معصية ~~الخالق" (¬2)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الطاعة في المعروف" ~~(¬3). وقد حرم على الولد السفر الذي لا يتعين شرعا PageV03P1575 # إذا توقع فيه قتله أو هلاكه، أو قطع عضو من أعضائه؛ لشدة تفجعهما عليه، ~~إلا إذا أذنا فيه. # وقد ساوى الوالدان الرقيق في النفقة والكسوة والسكنى بشرطها. # قال بعض المتأخرين: ولم أقف في عقوق الوالدين، ولا فيما يختصان به من ~~الحقوق على ضابط أعتمد عليه، لكن ما يحرم في حق الأجانب، فهو أشد تحريما في ~~حقهما، وما يجب للأجانب، فهو أشد وجوبا لهما. # وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح -رحمه الله- في "فتاويه": العقوق المحرم: ~~كل فعل يتأذى به الوالد أو نحوه، ms1075 تأذيا ليس بالهين، مع كونه ليس من الأفعال ~~الواجبة، قال: وربما قيل: طاعة الوالدين في كل ما ليس بمعصية واجب، ومخالفة ~~أمرهما في ذلك عقوق، وقد أوجب كثير من العلماء طاعتهما في الشبهات، قال: ~~وليس قول من قال من علمائنا: يجوز له السفر في طلب العلم وفي التجارة بغير ~~إذنهما، مخالفا لما ذكرته؛ فإن هذا كلام مطلق، وفيما ذكرته بيان لتقييد ذلك ~~المطلق، والله أعلم (¬1). # وقال شيخنا الإمام أبو الفتح بن دقيق العيد -رحمه الله-: والفقهاء قد ~~ذكروا صورا جزئية، وتكلموا فيها منثورة لا يحصل منها ضابط كلي، فليس يبعد ~~أن يسلك في ذلك من أن تقاس المصالح في طرق الثبوت بالمصالح التي وجبت ~~لأجلها، والمفاسد في طرق العلم بالمفاسد التي حرمت لأجلها. هذا آخر كلامه، ~~والله أعلم (¬2). # وقوله: وكان متكئا فجلس فقال: "ألا وقول الزور" إلى آخره: # أما جلوسه - صلى الله عليه وسلم -؛ فللاهتمام بهذا الأمر، وهو يفيد تأكيد ~~تحريم شهادة الزور وعظم قبحها، وقبح كل قول زور. PageV03P1576 # وأما قولهم: "ليته سكت"؛ فإنما قالوه وتمنوه شفقة على رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، وكراهة لما يزعجه ويغضبه، والله أعلم. # وأما اهتمامه - صلى الله عليه وسلم - بقول الزور وشهادة الزور؛ فلأن ~~وقوعهما على الناس أسهل، والتهاون بهما أكثر، والحوامل على فعلهما كثيرة؛ ~~من العداوة والبغضاء والحسد وغيرها، فاحتيج إلى الاهتمام بها لذلك، وتعظيم ~~أمرهما، بخلاف الإشراك بالله - عز وجل -؛ فإنه لا يقع فيه مسلم، وعقوق ~~الوالدين؛ فإن الطبع صارف عنه، وليس العقوق وقول الزور مساويا للإشراك ~~بالله قطعا، إلا إذا فعل ذلك معتقدا حله، فإنه يصير كافرا، ومعلوم أن ~~الكافر شاهد بالزور وقائل به، وقد تقدم حمل ذلك على أنه من أكبر الكبائر لا ~~أكبرها، وهو الظاهر، وضعف غيره من التأويلات، وقد تقدم أن المراد بشهادة ~~الزور: إنما هو في الحقوق الكبيرة والعظيمة والحقيرة، لا فرق بينهما؛ ~~لانجرار الشهادة بالحقير إلى العظيم؛ كما في تحريم الخمر، ونقلنا الاحتمال ~~فيه عن أبي محمد بن عبد السلام في كل ثمرة من مال ms1076 يتيم، والله أعلم. # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وقول الزور وشهادة الزور"؛ فيحتمل أو ~~يحمل قول الزور على شهادة الزور؛ حيث إنه لو حمل على الإطلاق في كل قول ~~زور، لكان كبيرة، وليس كذلك؛ فإن الفقهاء نصوا على أن الكذبة الواحدة وما ~~يقاربها لا تسقط العدالة، ولو كانت كبيرة، لأسقطت، وقد نص الله - عز وجل - ~~على عظم بعض الكذب، فقال: {ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد ~~احتمل بهتانا وإثما مبينا (112)} [النساء: 112]. # وعظم الكذب ومراتبه تتفاوت بحسب تفاوت مفاسده، وقد نص في الحديث على أن ~~الغيبة بالقذف كبيرة؛ لإيجابها الحد، ولا تساويها الغيبة بقبح الخلقة مثلا، ~~أو قبح بعض الهيئة في الناس مثلا، والله أعلم. # وفي الحديث: إثبات الكبائر، وأن منها ما هو كفر، ومنها ما ليس بكفر. # وفيه: تحريم الإشراك بالله - عز وجل -، وهو كفر بالإجماع. PageV03P1577 # وفيه: تحريم عقوق الوالدين في محاله. # وفيه: الاهتمام بذكر الشيء للتنبيه على وعيه ومنعه. # وفيه: تحريم شهادة الزور، وفي معناها كل ما كان زورا؛ من لبس وتبع وتعاطي ~~أمر ليس هو له أهلا. # وفيه: الشفقة على الكبار من أهل العلم والدين، وتمني عدم غضبهم وتعبهم. # وفيه: التحريض على مجانبة الذنوب، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث السادس # عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "ولو يعطى الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين ~~على المدعى عليه" (¬1). # هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد أحكام الشرع، وهو حديث مرفوع إلى النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - كما جاء في الكتاب، وهكذا ذكره أصحاب كتب السنن, ~~وقال بعضهم: لا يصح مرفوعا، إنما هو قول ابن عباس، والصحيح أنه مرفوع. # وروى البيهقي وغيره بإسناد حسن أو صحيح زيادة عن ابن عباس، عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: "لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى قوم دماء قوم ~~وأموالهم، لكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر" (¬2)، وهذا الحديث ~~يدل على أن الحكم لا يجوز إلا بالقانون الشرعي ms1077 الذي رتب من الدعوى، وإقامه ~~بينة، أو PageV03P1578 # تصديق المدعى عليه. وإن طلب يمين المدعى عليه، فله ذلك، وإن غلب على الظن ~~صدق المدعي، وقد بين - صلى الله عليه وسلم - الحكمة في كونه لا يعطى بمجرد ~~دعواه أنه لو أعطي بها, لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، واستبيح ذلك، ولا ~~يمكن المدعى عليه أن يصون ماله ودمه، وأما المدعي: فيمكنه صيانتها بالبينة. # وفي هذا الحديث دليل لمذهب الشافعي وجمهور العلماء من سلف الأمة وخلفها ~~أن اليمين على المدعى عليه مطلقا في كل حق، سواء كان بينه وبين المدعي ~~اختلاط، أم لا. # وقال مالك وجمهور أصحابه وفقهاء المدينة السبعة: إن اليمين لا تتوجه إلا ~~على من بينه وبينه خلطة؛ لئلا يبتذل السفهاء أهل الفضل بتحليفهم إياهم ~~مرارا في اليوم الواحد، فاشترطت الخلطة؛ دفعا لهذه المفسدة. # واختلفوا في تفسير الخلطة؛ فقيل: هي معرفته بمعاملته ومداينته بشاهد أو ~~بشاهدين، وقيل: تكفي التشبهة، وقيل: هي أن تليق به الدعوى أن يعامله بمثلها ~~على مثله، وقيل: أن تليق به أن يعامله بمثلها. # وهذا كله من التصرفات بالتخصيصات لعموم الحديث، ولا أصل لاشترطها في كتاب ~~ولا سنة ولا إجماع. ومن تصرفاتهم أيضا: أن من ادعى شيئا من أسباب القصاص، ~~لم تجب به اليمين إلا أن يقيم على ذلك شاهدا، فيجب اليمين. # ومنها: إذا ادعى الرجل على امرأته نكاحا، لم يجب له عليها اليمين في ذلك. # ومنها: أن بعض الأمناء ممن يجعل القول قوله، لا يوجبون عليه يمينا. # ومنها: دعوى المرأة الطلاق على الزوج لا تجب عليه اليمين، وكل من خالفهم ~~في شيء من ذلك يستدل عليهم بعموم هذا الحديث، والله أعلم. # * * * PageV03P1579 ### || CHECK [باب] ### | AUTO كتاب الأطعمة ### ||| AUTO الحديث الأول # عن النعمان بن بشير - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول -وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أذنيه-: "إن الحلال بين، وإن ~~الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى ~~الشبهات، استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات، وقع في الحرام، كالراعي ms1078 ~~يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله ~~محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت، صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد ~~الجسد كله، ألا وهي القلب" (¬1). # تقدم الكلام على النعمان بن بشير. # قوله: "سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: -وأهوى النعمان ~~بإصبعيه إلى أذنيه-" إنما قال ذلك ردا على من لم يصحح سماع النعمان من ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - من أهل المدينة؛ حيث إنه كان صغيرا، ولا شك ~~أن عمره يوم مات النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ثماني سنين، ومن كان في ~~هذا السن كان مميزا صحيح السماع. وكذا من هو أصغر سنا منه، ولهذا صرح ~~بالسماع من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأكده بإشارته بإصبعيه إلى ~~أذنيه، وهو مذهب أهل العراق وجماهير العلماء، وهو الصواب. PageV03P1581 # وحكاية القول عن أهل المدينة بعدم صحة سماعه من النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ضعيفة أو باطلة، والله أعلم. # وهذا الحديث عظيم الموقع كثير الفوائد، وهو أحد الأحاديث التي عليها مدار ~~الإسلام، وقد وصفه العلماء بأنه ثلث الإسلام أو ربعه، ويمتاز عليها بأنه ~~أصل كبير في الورع وترك المتشابهات. # وللشبهات مثارات؛ منها: الاشتباه في الدليل الدال على التحامل أو التحريم ~~وتعارض الإمارات والحجج؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يعلمها ~~كثير من الناس" إشارة إلى ما ذكرنا، مع أنه يحتمل أنه لا يعلم عينها، وإن ~~علم حكمها أصلا في التحليل والتحريم، وهذا -أيضا- من مثار الشبهات. # وقد نبه - صلى الله عليه وسلم - على صلاح المطعم والمشرب والملبس وغيرها، ~~وأنها ينبغي أن تكون حلالا، وأرشد إلى معرفة الحلال، وأنه ينبغي ترك ~~الشبهات؛ فإنه سبب لحماية دينه وعرضه، وحذر من مواقعة الشبهات، وأوضح ذلك ~~بضرب المثل بالحمى، ثم بين أهم الأمور، وهو مراعاة القلب؛ فقال - صلى الله ~~عليه وسلم -: "ألا وإن في الجسد مضغة ... " إلى آخره، فتبين أن بصلاح القلب ~~يصلح باقي الجسد، وبفساده يفسد باقيه. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الحلال بين"؛ ms1079 معناه: "بين حله في عينه ~~ووصفه، واضح لا يخفى على أحد؛ كالمأكولات من الفواكله والحبوب والزيت ~~والعسل والأسمان والألبان من مأكول اللحم والبيض وغير ذلك، وكالكلام والنظر ~~والمشي والتصرفات الحلال التي لا شك فيها، وكالأكساب بالعقود الصحيحة ~~الواضحة شرعا، وبالتبرعات المأذون فيها شرعا، ونحو ذلك. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وإن الحرام بين"؛ يعني: في عينه ووصفه ~~بين واضح؛ كالخمر والميتة والخنزير والبول والدم المسفوح، وكذلك المأخوذ ~~بعقد نهى الشرع عنه على عينه، وكذلك الزنا والكذب والغيبة والنميمة والنظر ~~إلى الأجنبية، وشبه ذلك. PageV03P1582 # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من ~~الناس" معناه: ليست بواضحة الحل ولا الحرمة، لا يعلم كثير من الناس حكمها، ~~وأما العلماء، فيعرفون حكمها بنص أو قياس أو استصحاب ونحو ذلك، فإذا تردد ~~الشيء بين الحل والحرمة، ولم يكن فيه نص ولا إجماع، اجتهد فيه المجتهد، ~~فألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي، فإذا ألحقه بأحدهما، صار حلالا. وقد يكون ~~دليله غير خال عن الاحتمال البين، فيكون الورع تركه، فيكون داخلا في قوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "فمن اتقى الشبهات، فقد استبرأ لدينه وعرضه"، وما لم ~~يظهر للمجتهد فيه شيء؛ فهو مشتبه، فهل يوجد بحل هذا أم بحرمته أم يتوقف ~~فيه؛ فيه ثلاثة مذاهب حكاها القاضي عياض -رحمه الله-، وغيره. # قال شيخنا الإمام أبو زكريا النووي -رحمه الله-: والظاهر، أنها مخرجة على ~~الخلاف المعروف في حكم الأشياء قبل ورود الشرع، وفيه أربعة مذاهب: # الأصح: أنه لا حكم بحل ولا حرمة ولا إباحة ولا غيرها؛ لأن التكليف عند ~~أهل الحق لا يثبت إلا بالشرع. # والثاني: أن حكمها التحريم. # والثالث: الإباحة. # والرابع: التوقف، والله أعلم (¬1). # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه ~~وعرضه"؛ ويعني: اتقى الشبهات على الوصف الذي ذكرنا من التوقف عن الأشياء ~~حتى يعلم حلها وحرمتها، فيعمل بها، أو يمسك عنها، فقد صان نفسه عن الذم ~~الشرعي المتعلق بدينه في أولاه وعقباه، وعرضه عن كلام الناس فيه من دنياه. # وقوله - صلى ms1080 الله عليه وسلم -: "ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله ~~محارمه" معناه: أن الملوك من العرب وغيرهم يكون لكل منهم حمى يحميه عن ~~الناس، ويمنعهم دخوله، فمن دخله منهم، أوقع به العقوبة، ومن احتاط لنفسه، ~~لا يقارب ذلك PageV03P1583 # الحمى؛ خوفا من الوقوع في عقوبته، فكذلك لله تعالى حمى، وهو محارمه التي ~~حرمها، التي هي المعاصي؛ كالقتل والزنا والسرقة والقذف والخمر والكذب ~~والغيبة والنميمة، وأكل المال بالباطل، وأشباه هذا، فكل هذا حمى الله ~~تعالى، من دخله باعتقاد حله، أو ارتكابه من غير اعتقاد حله، استحق العقوبة، ~~ومن قارب، أوشك أن يقع فيه. ومن احتاط لنفسه بعدم المقاربة لشيء من ~~الاعتقاد أو أسباب المعصية، لم يدخل في شيء من الشبهات، ويسمى هذا العدم: ~~عدم الاستدراج. # ولا شك أن النفس مركز الشيطان وميدان الأحزان، فتستدرج الإنسان من ~~المباحات إلى المكروهات، ومن المكروهات إلى المحرمات، استدراجا لطيفا على ~~حسب قوة الإنسان وضعفه في إيمانه ويقينه وشهوته، فينبغي للعبد أن يراقب ~~ذلك، ويقطع الأسباب الحاملة عليه، ونسأل الله تعالى التوفيق والتسديد ~~والإعانة، ولا بد في ذلك جميعه من توقف تقي يؤمن بالله واليوم الآخر، وهذا ~~معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ومن وقع في الشبهات، وقع في الحرام". # وقد ذكروا فيه احتمالين، وهما وجهان ذكرهما العلماء: # أحدهما: أنه من كثر تعاطيه الشبهات، فإنه يصادف الوقوع في الحرام، وإن لم ~~يتعمده، وقد يأثم بذلك إذا نسب إلى تقصير في المراقبة للخلاص منه. # والثاني: أنه من كثر تعاطيه الشبهات، اعتاد التساهل، وتمرن عليه، فيجسر ~~بفعل الشبهة على فعل شبهة أغلظ منها، ثم أخرى أغلظ، وهكذا حتى يقع في ~~الحرام عمدا، وهذا نحو قول السلف: المعاصي بريد الكفر؛ أي: تسوق إليه، ~~عافانا الله أجمعين من الشر. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "يوشك أن يرتع فيه"؛ يقال: أوشك يوشك -بضم ~~الياء وكسر الشين-؛ أي: يشرع ويقرب. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "كالراعي يرعى حول الحمى"؛ هذا من باب ~~التمثيل والتشبيه. # والحمى: المحمي: أطلق المصدر على اسم المفعول، ms1081 والمحارم تطلق على PageV03P1584 # المبهمات قصدا، وعلى ترك المأمورات استلزاما، وإطلاقها على الأول أشهر. # قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ألا إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد ~~كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب"؛ المضغة: القطعة من اللحم، ~~سميت بذلك؛ لأنها تمضع في الفم لصغرها، والمراد: تصغير جرم القلب بالنسبة ~~إلى باقي الجسد، مع أن صلاح الجسد وفساده تابعان للقلب، وقد عظم الشارع أمر ~~القلب؛ لصدور الأفعال الاختيارية عنه، وعما يقوم به من الاعتقادات والعلوم، ~~ورتب الأمر فيه على المضغة، والمراد: المتعلق بها، فلا شك أن صلاح الأعمال ~~باعتبار العلم والاعتقاد بالمفاسد، فيتعين حماية مركزهما من الفساد ~~وإصلاحه، وهو القلب. # وقد اختلف العلماء من المتكلمين وغيرهم في العقل، هل هو في القلب، أو في ~~الرأس؟ مذهب الشافعي وجماهير المتكلمين أنه في القلب، ومذهب أبي حنيفة: أنه ~~في الدماغ، وقد يقال: في الرأس، والأول محكي عن الفلاسفة، والثاني: عن ~~الأطباء. # واستدل القائلون بأنه في القلب بقوله تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون ~~لهم قلوب يعقلون بها} [الحج: 46]، وقوله تعالى: {إن في ذلك لذكرى لمن كان ~~له قلب} [ق: 37]. # وبهذا الحديث، فإنه - صلى الله عليه وسلم - جعل صلاح الجسد وفساده تابعين ~~للقلب، مع أن الدماغ من جملة الجسد، فيكون صلاحه وفساده تابعا للقلب، فعلم ~~أنه ليس محلا للعقل. # واحتج القائلون بأنه في الدماغ بأنه إذا فسد الدماغ، فسد العقل، ويكون من ~~فساد الدماغ الصرع في زعمهم، ولا حجة لهم في ذلك؛ لأن الله -سبحانه- أجرى ~~العادة بفساد العقل عند فساد الدماغ، مع أن العقل ليس فيه، ولا امتناع من ~~ذلك، لا سيما على أصولهم في الاشتراك الذي بين الدماغ والقلب، وهم يجعلون ~~بين رأس المعدة والدماغ اشتراكا، والله أعلم. PageV03P1585 # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: الحث على الحلال وتبينه. # ومنها: الحث على اجتناب الحرام وتبينه. # ومنها: الإمساك عن الشبهات. # ومنها: الاحتياط للدين والعرض، وعدم تعاطي الأمور الموجبة لسوء الظن ~~بالإنسان؛ لما فيها من تأذية وجر الأذى إلى الناس بوقوعهم فيه بسبب عدم ms1082 ~~احتياطه لنفسه. # ومنها: الأخذ بالورع والعمل به، وهذا الحديث أصل فيه. # وقد روى الترمذي حديثا حسنا من رواية عائذ بن عمرو الصحابي - رضي الله ~~عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يبلغ أحد أن يكون من ~~المتقين حتى يدع ما لا بأس به، حذرا لما به بأس" (¬1). # وهذا الحديث -أيضا- أصل أصيل في الورع وترك الشبهات، قال شيخنا الإمام ~~أبو الفتح بن دقيق العيد -رحمه الله تعالى-: وكان في عصر شيوخنا بينهم ~~اختلاف في هذه المسألة، وصنفوا فيها تصانيف، وكان بعضهم سلك طريقا من ~~الورع، فخالفهم بعض أهل عصره، وقال: إن كان هذا الشيء مباحا؛ والمباح ما ~~استوى طرفاه، فلا ورع فيه؛ فإن الورع ترجيح لجانب الترك، والترجيح لأحد ~~الجانبين مع التساوي محال، وجمع بين المتناقضين، وبنى ذلك تصنيفا. # قال: والجواب عندي من وجهين: # أحدهما: أن المباح قد يطلق على ما لا حرج في فعله، وإن لم يتساو طرفاه، ~~وهذا أعم من المباح المتساوي الطرفين، فهذا الذي رد فيه القول. وقال: إما ~~أن يكون مباحا أو لا؛ فإن كان مباحا، فهو مستوي الطرفين، فنمنعه؛ فإن ~~المباح قد PageV03P1586 # صار مطلقا على ما هو أعم من المتساوي الطرفين، فلا بد أن اللفظين على غير ~~التساوي؛ إذ الدال على العام لا يدل على الخاص بعينه. # الثاني: أنه قد يكون متساوي الطرفين باعتبار أنه لا يتناقض حينئذ ~~الحكمان، وعلى الجملة، فلا يخلو هذا الموضع من نظر؛ فإنه إن لم يكن فعل هذا ~~المشتبه موجبا لضرر ما في الآخرة، وإلا فيتعين ترجيح تركه، إلا أن يقال: إن ~~تركه محصل لثواب، أو زيادة درجات، وهو على خلاف ما نفهم من أفعال الورعين؛ ~~فإنهم يتركون ذلك تحرجا وتخوفا، وبه يشعر لفظ الحديث، والله أعلم (¬1). # ومنها: ضرب الأمثال للمعاني الشرعية العلمية. # ومنها: التنبيه على عظمة الله -سبحانه وتعالى-، واجتناب محارمه التي ~~مصالحها ونفعها عائد علينا؛ لأنه الغني المطلق، ولهذا قال -سبحانه وتعالى-: ~~{إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم} ~~[الزمر: ms1083 7]. # ومنها: التنبيه بما يشاهده العبد على ما غاب عنه لتقريب المعاني إلى ذهنه. # ومنها: التنبيه على مرتبة العلم والعلماء وشرفهما. # ومنها: إلحاق المشتبه بالممنوع منه، إلى أن يستبين أمره. # ومنها: أن ارتكابه سبب للوقوع في الممنوع منه. # ومنها: تبيين مرتبة القلب من الجسد، وأن بصلاحه يصلح الجسد، وبفساده ~~يفسد؛ فهو كالملك إذا صلح صلحت الرعية، وإذا فسد فسدت الرعية. # ومنها: أن الأعمال القلبية أفضل من الأعمال البدنية، وأنها لا تصلح ~~الأعمال البدنية إلا بالقلبية. # ومنها: أنه لا يجوز الاقتصار على أحدهما دون الآخر، فيما كان العمل مقيدا ~~بهما؛ فإنه قد يختص بأحدهما أحكام دون الآخر، وقد يلزم عن أحدهما أعمال ~~بسبب الآخر، والله أعلم. PageV03P1587 ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: أنفجنا أرنبا بمر الظهران، فسعى ~~القوم فلغبوا، وأدركتها فأخذتها، فأتيت بها أبا طلحة، فذبحها، وبعث إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بوركها وفخذها، فقبلها (¬1). # أما أبو طلحة؛ فاسمه: زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة ~~ابن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، أحد النقباء، شهد العقبة وبدرا وأحدا ~~والمشاهد كلها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو نقيب، روي له عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اثنان وتسعون حديثا، اتفقا منها على ~~حديثين، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بآخر. # وروى عنه: عبد الله بن عباس، وأنس بن مالك، وزيد بن خالد الجهني -رضي ~~الله عنهم-، وابنه عبد الله بن أبي طلحة، وابن ابنه إسحاق بن عبد الله بن ~~أبي طلحة، وسعيد بن يسار أبو الحباب. # مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: أربع وثلاثين، وصلى عليه عثمان ~~بن عفان - رضي الله عنه -، وهو ابن سبعين سنة، وقيل: توفي بالشام، وغزا ~~البحر، فمات فيه، وعاش بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعين سنة ~~يسرد الصوم، وروى له أصحاب السنن والمساند. # وأبو طلحة هذا، هو القائل: # أنا أبو طلحة، واسمي زيد ... في كل يوم في سلاحي صيد # وهو ربيب أنس ms1084 بن مالك، خلف بعد أبيه مالك بن النضر على أمه أم سليم بنت ~~ملحان، فولد له منها عبد الله بن أبي طلحة والد إسحاق وإخوته، والله أعلم ~~(¬2). PageV03P1588 # ومر الظهران -بفتح الميم وتشديد الراء-، والظهران: -بفتح الظاء المعجمة؛ ~~مثل تثنية الظهر-، ويقال له: مر ظهران، ويقال له: الظهران من غير إضافة مر ~~إليه: اسم موضع على بريدين من مكة، وقيل: على إحدى وعشرين ميلا، وقيل: على ~~ستة عشر ميلا (¬1). # وقوله: "أنفجنا أرنبا"؛ يقال: أنفجت الأرنب -بفتح الهمزة وسكون النون، ~~وبفتح الفاء وسكون الجيم-، فنفج؛ أي: أثرته فثار، كأنه يقول: أثرناه، ~~ودعوناه، فعدا (¬2). # والأرنب؛ حيوان معروف. # وقوله: "فسعوا عليه فلغبوا"؛ معناه: عدوا عليه وطلبوه فأعيوا, ولغبوا؛ ~~بفتح الغين المعجمة على المشهور الفصيح من اللغتين، وحكى الجوهري وغيره ~~كسرها، وهي ضعيفة. # وفي الحديث: جواز إثارة الصيد والعدو في طلبه. # وفيه: أنه يملك بأخذه ووضع اليد عليه. # وفيه: هدية الصيد وقبوله. # وفيه: جواز أكل الأرنب وحله؛ حيث إنه ذبح وأهدي، ولو لم يكن حلالا، لما ~~ذبح، وقيل: هو مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، والعلماء كافة، إلا ~~ما حكي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وابن أبي ليلى: أنهما كرهاها. # ودليل الجمهور هذا الحديث مع أحاديث مثله، ولم يثبت في النهي عنها شيء، ~~والله أعلم. PageV03P1589 ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهما- قالت: نحرنا على عهد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فرسا، فأكلناه (¬1). وفي رواية: ونحن بالمدينة (¬2). # أما أسماء بنت أبي بكر؛ فهي أم عبد الله بن الزبير بن العوام، وهي أخت ~~عائشة - رضي الله عنهما - أم المؤمنين لأبيها، وهي أسن من عائشة، وكان عبد ~~الله بن أبي بكر أخا أسماء شقيقها، وأمهما قتلة -بفتح القاف وسكون التاء ~~المثناة فوق-، وربما قيل: قتيلة بنت عبد العزى بن عبد أسعد بن نضر بن مالك ~~بن حسل بن عامر بن لؤي، وتقدم نسبها في مواضعه. # أما في ذكر أبيها، أو أخيها عبد الرحمن، أو أختها، فلا حاجة إلى إعادته. # واختلف في ms1085 إسلام أمها، وأكثر الروايات أنها ماتت مشركة. # أسلمت أسماء قديما بمكة، وقيل: كان إسلامها بعد إسلام سبعة عشر إنسانا، ~~وهاجرت إلى المدينة، وقيل: كانت حاملا بابنها عبد الله بن الزبير، فوضعته ~~بقباء. وقيل غير ذلك. # وكانت تسمى: ذات النطاقين، وإنما قيل لها ذلك؛ لأنها صنعت للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - سفرة حين أراد الهجرة إلى المدينة، فعسر عليها ما تشدها ~~به، فشقت خمارها، وشدت السفرة بنصفه، وانتطقت النصف الثاني، فسماها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: ذات النطاقين، وقيل: لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال لها: "أبدلك الله بنطاقك هذا نطاقين في الجنة" (¬3). # روي لها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ستة وخمسون حديثا، اتفق ~~البخاري ومسلم على أربعة عشر حديثا، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بمثلها. PageV03P1590 # وروى عنها: عبد الله بن عباس، وابناها عبد الله، وعروة، وغيرهم من ~~أنسالها وأقاربها وغيرهم. # وتوفيت بمكة بعد ابنها عبد الله بيسير، واختلف في تعيينه، وذلك في جمادى ~~الأولى سنة ثلاث وسبعين، وبلغت من العمر مئة سنة لم يسقط لها سن، ولم ينكر ~~من عقلها شيء، والله أعلم (¬1). # وأما قولها: "نحرنا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"، وفي ~~رواية للبخاري: ذبحنا فرسا (¬2). فقد اختلف في ذلك، فمنهم من حمل الروايتين ~~على قضيتين، فمرة نحروها، ومرة ذبحوها، وهو الصحيح المرجح عندهم؛ حيث إنه ~~حملهما على الحقيقة فيهما مع فائدة جواز نحر المذبوح وذبح المنحور، وهو ~~مجمع عليه، وإن كان فاعله مخالفا للأفضل، ومنهم من حمل النحر على الذبح؛ ~~جمعا بين الحقيقة والمجاز. # والفرس تطلق على الذكر والأنثى بالاتفاق. # وقولها: "ونحن بالمدينة"، إشارة إلى أن النحر كان آخر الأمر لا في أوله، ~~لئلا يدعي المخالف أن هذا كان في أول الأمر، وأنه منسوخ، فذكر المدينة ~~إزالة للشك؛ لأن ما كان فيها كان آخر أمره - صلى الله عليه وسلم -، والله أعلم. # وفي هذا الحديث دليل: على إباحة نحر الخيل، وأكل لحمها، وهو مذهب ~~الشافعي، وأحمد، وجمهور السلف والخلف، لا كراهة فيه، وبه قال ms1086 جماعة من ~~الصحابة والتابعين وجماهير الفقهاء والمحدثين، منهم: عبد الله بن الزبير، PageV03P1591 # وفضالة بن عبيد، وأنس بن مالك، وأسماء بنت أبي بكر، وسويد بن غفلة، ~~وعلقمة، والأسود، وعطاء، وشريح، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، وإبراهيم ~~النخعي، وحماد بن أبي سليمان، وإسحاق وأبو يوسف، ومحمد، وداود، وغيرهم، ~~وكره ذلك ابن عباس، والحكم، ومالك، وأبو حنيفة، واختلف عن أبي حنيفة، فقال ~~في رواية عنه: يأثم, ولا يسمى حراما، وقال بعض أصحابه: هو مكروه كراهة ~~تنزيه، والصحيح عندهم: أنها كراهة تحريم. # واعتذر بعضهم عن هذا الحديث بأن قال: فعل الصحابة في زمن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لا يكون حجة إلا إذا علمه - صلى الله عليه وسلم -، وهذا ~~مشكوك فيه، مع أنه معارض برواية رواها أبو داود، والنسائي، وابن ماجه من ~~رواية صالح بن يحيى بن المقدام عن أبيه، عن جده المقدام بن معدي كرب، عن ~~خالد بن الوليد - رضي الله عنهما -: أنه غزا مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - خيبر، وأن اليهود شكوا أن الناس قد انتزعوا حظائرهم، وأنه - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "ألا لا تحل أموال المعاهدين إلا بحقها، وحرم الله ~~عليهم لحوم حمر الأهلية وخيلها وبغالها، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب ~~من الطير" (¬1). # وهذا الاعتذار ضعيف أو باطل؛ إذ يبعد فعل مثل هذا في زمنه - صلى الله ~~عليه وسلم - وهو ممنوع ولم يعلم به، إما بإخبار الصحابة - رضي الله عنه -، ~~وإما بوحي من الله تعالى، مع أنهم توقفوا عن أكل أشياء دون هذا هي حلال في ~~الشرع، حتى سألوه - صلى الله عليه وسلم - عنها، أو أذن لهم فيها. وقد نزل ~~الوحي في أشياء دون هذا بالإذن أو المنع. # كيف والحديث الآتي من رواية جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - مصرح ~~بالإذن فيها وفي خيبر بالأكل من لحوم الخيل؟ PageV03P1592 # كيف وحديث خالد بن الوليد ضعيف منكر باتفاقهم؛ وبتقدير صحته يكون منسوخا، ~~وقال الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-: هو حديث منكر، وقال الحافظ أبو داود ms1087 ~~في "سننه": هذا منسوخ، وقال النسائي: حديث جابر: أنه - صلى الله عليه وسلم ~~- أذن في لحوم الخيل أصح من هذا الحديث، قال: ويشبه -إن كان هذا صحيحا-، أن ~~يكون منسوخا؛ لأن قوله: أذن - صلى الله عليه وسلم - في لحوم الخيل دليل على ~~ذلك. وقال أيضا: لا أعلمه رواه غير بقية بن الوليد. # وقال البخاري: صالح بن يحيى بن المقدام بن معدي كرب الكندي الشامي عن ~~أبيه، فيه نظر. # وقال الخطابي: حديث جابر إسناده جيد، قال: وأما حديث خالد بن الوليد، ففي ~~إسناده نظر، وصالح بن يحيى بن المقدام عن أبيه عن جده، لا يعرف سماع بعضهم ~~من بعض. # وقال الحافظ موسى بن هارون: لا يعرف صالح بن يحيى ولا أبوه إلا بجده. # وقال الدارقطني: هذا حديث ضعيف، وقال أيضا: وهذا إسناد مضطرب. # وقال الواقدي: لا يصح هذا؛ لأن خالدا أسلم بعد فتح خيبر، وقال البخاري: ~~خالد لم يشهد خيبر. # وقال الإمام أحمد بن حنبل: لم يشهد خيبرا، إنما أسلم بعد الفتح. # وقال أبو عمر النمري: ولا يصح لخالد بن الوليد مشهد مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قبل الفتح. # وقال البيهقي: إسناده مضطرب؛ ومع اضطرابه مخالف لحديث الثقات (¬1). # وحديث جابر سيأتي في الكتاب بعد هذا الحديث، ولفظ البخاري: ورخص في لحوم ~~الخيل، والله أعلم. PageV03P1593 # قال شيخنا أبو الفتح بن دقيق العيد -رحمه الله-: ثم لو سلم -يعني: ~~الاعتذار الذي ذكروه- عن المعارض، ولكن لا يصح التعلق به في مقابلة دلالة ~~النص، وهذا إشارة إلى ثلاثة أجوبة: # أما الأول: فإنما يرد على هذه الرواية والرواية الأخرى لجابر، وأما ~~الرواية التي فيها: وأذن في لحوم الخيل، فلا يرد عليها. # وأما الثاني: وهو المعارضة بحديث التحريم، فإنما نعرفه بلفظ النهي، لا ~~بلفظ التحريم؛ من حديث خالد بن الوليد، وفي ذلك الحديث كلام ينقص عن هذا ~~الحديث عند بعضهم. # قلت: وقد ذكره أبو داود وغيره بلفظ التحريم كما ذكرناه وبينا ضعفه من ~~جميع وجوهه عن جميع الحفاظ المتقنين الذين إليهم المرجع في هذا الشأن، ms1088 ~~والله أعلم. # قال: وأما الثالث: فإنه أراد؛ يعني: الإشار إلى دلالة الكتاب العزيز قوله ~~-تعالي-: {والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة} [النحل: 8]. # ووجه الاستدلال: أن الآية خرجت مخرج الامتنان بذكر النعم على ما دل سياق ~~الآيات التي في سورة النحل؛ فذكر الله -سبحانه وتعالى- الامتنان بنعمة ~~الركوب والزينة في الخيل والحمير، وترك الامتنان بنعمة الأكل كما ذكر في ~~الأنعام، ولو كان الأكل ثابتا، لما ترك الامتنان به؛ لأن نعمة الأكل في ~~جنسها فوق نعمة الركوب والزينة؛ فإنه يتعلق بها البقاء بغير واسطة، ويحسن ~~ترك الامتنان بأعلى النعمتين، وذكر الامتنان بأدناهما بدل الامتنان بترك ~~الأكل على الامتناع منه، لا سيما وقد ذكرت نعمة الأكل في نظائرها من ~~الأنعام. # وهذا، وإن كان استدلالا حسنا، إلا أنه يجاب عنه من وجهين: # أحدهما: ترجيح دلالة الحديث على الإباحة على هذا الوجه من الاستدلال من ~~حيث قوته بالنسبة إلى تلك الدلالة. # الثاني: أن يطالب بوجه الدلالة على غير التحريم، فإنما يشعر به ترك ~~الأكل، PageV03P1594 # وهو أعم من كونه متروكا على سبيل الحرمة، أو على سبيل الكراهة. هذا آخر ~~كلامه، والله أعلم (¬1). # وقال شيخنا الإمام أبو زكريا النووي -رحمه الله تعالى- بعد أن ذكر الكلام ~~على تضعيف حديث تحريم لحوم الخيل، ونسخه، واحتجاجهم بالآية الكريمة في قوله ~~تعالى: {والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة}: وأما الآية، فأجابوا ~~عنها: بأن ذكر الركوب والزينة لا يدل على أن منفعتها مختصة بذلك؛ وإنما خص ~~هذان بالذكر؛ لأنهما معظم المقصود من الخيل؛ كقوله تعالى: {حرمت عليكم ~~الميتة والدم ولحم الخنزير} [المائدة: 3] فذكر اللحم؛ لأنه معظم المقصود، ~~وقد أجمع المسلمون على تحريم شحمه ودمه وسائر أجزائه، قالوا: ولهذا سكت عن ~~ذكر حمل الأثقال على الخيل مع قوله تعالى في الأنعام: {وتحمل أثقالكم} ~~[النحل: 7]، ولم يلزم من هذا تحريم الأثقال على الخيل. هذا آخر كلامه، ~~والله أعلم (¬2). # * * * ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-: أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - نهى عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل (¬3). ولمسلم وحده ms1089 ~~قال: أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش، ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~عن الحمار الأهلي (¬4). # أما نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر؛ فلأنها ~~كانت مباحة في أول الأمر، ثم حرمت في آخره. PageV03P1595 # وخيبر كانت في السنة السابعة من الهجرة. # وقال بعضهم: نسخ الله تعالى القبلة مرتين، ونكاح المتعة مرتين، وتحريم ~~الحمر الأهلية مرتين، ولا أحفظ رابعا. # وقوله: "أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش"؛ هو تنبيه على ما كانت قريش ~~تفعله في الجاهلية من ذبح الخيل وأكلها، فقرر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ذلك بعد أن كان منعه، على ما ذكر نحو هذا الكلام الإمام الحافظ أبو ~~داود سليمان بن الأشعث، ونبه بذكر حمر الوحش وأكلها على منع الحمر الأهلية ~~بطريق المفهوم. # وأما حكم لحوم الخيل والكلام عليه، فتقدم في الحديث قبله. # والخيل؛ اسم جنس لا واحد له من لفظه، كالقوم، والنفر، والرهط، والنساء، ~~وواحده من غير لفظه: فرس، يطلق على الذكر والأنثى. # وحكى أبو البقاء في "البيان" قولا شاذا: أن واحده خائل؛ كطائر وطير، ~~قالوا: والخيل مؤنثة، جمعها خيول، قال السجستاني: تصغيرها: خييل، قال ~~الواحدي: سميت خيلا؛ لاختيالها في مشيها بطول أذنابها (¬1). # وفي الحديث دليل على تحليل حمر الوحش. # وفيه: دليل على تحريم لحوم الحمر الأهلية، وهو مذهب الجماهير من الصحابة ~~-رضي الله عنهم-، والتابعين ومن بعدهم، وقال ابن عباس: ليست بحرام. # وعن مالك: ثلاث روايات: # أشهرها: أنها مكروهة كراهة تنزيه شديدة. # والثانية: حرام. # والثالثة: مباحة. PageV03P1596 # والصواب: التحريم كما قاله الجمهور. # وأما الحديث في إباحته، الذي رواه أبو داود عن غالب بن أبجر، قال: ~~أصابتنا سنة، فلم يكن لي في مالي شيء أطعم أهلي إلا شيء من حمر، وقد كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرم لحوم الحمر الأهلية، فأتيت النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، فقلت: يا رسول الله! أصابتنا السنة، ولم يكن لي في ~~مالي ما أطعم أهلي إلا سمان حمر، وإنك حرمت لحوم الحمر الأهلية، فقال: ~~"أطعم أهلك من سمين ms1090 حمرك، فإنما حرمتها من أجل جوال القرية" (¬1). يعني ~~بالجوال: التي تأكل الجلة: وهي العذرة، فهو حديث اختلف في إسناده اختلافا كبيرا. # قال البيهقي: إسناده مضطرب، ثم لو صح، لكان محمولا على حال الاضطرار، ~~والأكل منها للمضطر جائز بالاتفاق، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الخامس # عن عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله عنه- قال: أصابتنا مجاعة ليالي خيبر، ~~فلما كان يوم خيبر، وقعنا في الحمر الأهلية، فنحرناها، فلما غلت بها ~~القدور، نادى منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن: اكفؤوا القدور، ~~ولا تأكلوا من لحوم الحمر شيئا (¬2). # أما عبد الله بن أبي أوفى؛ فهو أسلمي، كنيته: أبو إبراهيم، وقيل: أبو ~~محمد، وقيل: أبو معاوية بن أبي أوفى، علقمة بن خالد بن الحارث بن أبي PageV03P1597 # أسيد -بفتح الألف- بن رفاعة بن ثعلبة بن هوازن بن أسلم بن أفصى بن حارثة ~~بن عمرو بن عامر، وهو أخو زيد بن أبي أوفى. # شهد الحديبية، وهي بيعة الرضوان، وخيبر، وما بعدها من المشاهد، ولم يزل ~~بالمدينة حتى قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم تحول إلى الكوفة، ~~وابتنى بها دارا في أسلم. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمسة وتسعون حديثا، اتفق ~~البخاري ومسلم على عشرة، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بحديث. وروى عنه: ~~طلحة بن مصرف، وغير واحد، وروى له أصحاب السنن والمساند. # ومات بالكوفة سنة ست، وقيل: سنة سبع وثمانين، وهو آخر من مات من الصحابة ~~-رضي الله عنهم- بالكوفة، وكان قد كف بصره، والله أعلم (¬1). # وأما قوله: "نادى منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن: اكفؤوا ~~القدور"؛ ضبطوا: اكفؤوا بألف وصل، وفتح الفاء، من كفأت، ثلاثي، ومعناه: ~~اقلبوا وكبوا وفرغوا ما فيه، ويصح في اللغة أن يقال بهمزة قطع وكسر الفاء، ~~من أكفأت، رباعي، وهو لغتان بمعنى، عند كثير من أهل اللغة، منهم الخليل، ~~والكسائي، وابن السكيت، وابن قتيبة، وغيرهم، وقال الأصمعي: يقال: كفأت، ولا ~~يقال: أكفأت (¬2). # وهذه الرواية تشتمل على لفظ التحريم، وهو أبلغ من لفظ النهي. # وأمره - صلى ms1091 الله عليه وسلم - بإكفاء القدور محمول على أنه سبب التحريم ~~لأكل لحومها عند PageV03P1598 # جماعة، وهو المشهور السابق إلى الفهم، وقد ورد فيه علتان أخريان: # إحداهما: لأنها أخذت قبل المقاسم. # والثانية: لأجل كونها من جوال القرية. # فإن صحت الروايات عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك، تعين الرجوع ~~إليه، والله أعلم. # وفي الحديث دليل: على جواز ذبح الحيوان أو نحوه للمجاعة بشرط جواز أكله. # وفيه دليل: على أنه ينبغي لأمير الجيش إذا فعل فيه شيء على خلاف الشرع، ~~أن يأمر مناديه أن ينادي بإتلافه والمنع من تعاطيه، وقد كانت للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في مثل ذلك حالتان: # إحداهما: الأمر بالنداء كما ذكرنا. # والثانية: جمع الناس يخطبهم، ويذكر ما يحتاجون إليه من حكم الله تعالى في ~~ذلك، والله أعلم. # وفيه دليل: على تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية قليلا كان أو كثيرا. # وفيه دليل: على إكفاء القدور المطبوخة فيها. # وقد روى مسلم في "صحيحه" في رواية: الأمر بإهراقها وكسرها، وأن رجلا قال: ~~أو نهريقها ونغسلها؟ قال: "أو ذاك" (¬1)، وهذا تصريح بنجاستها وتحريمها، ~~وتؤيده الرواية الأخرى في مسلم: "فإنها رجس" (¬2). وفي أخرى: "ركس أو نجس" ~~(¬3). PageV03P1599 # وتقدم حكم غسل النجاسة وتكرارها في الطهارة. # وأمره - صلى الله عليه وسلم - أولا بكسرها، ويحتمل أنه كان بوحي أو ~~باجتهاد، ثم نسخ وتعين الغسل، ولا يجوز اليوم الكسر؛ لأنه إتلاف مال. # وهذه الروايات تدل على أنه إذا غسل الإناء النجس, فلا بأس باستعماله، ~~والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث السادس # عن أبي ثعلبة -رضي الله عنه- قال: حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لحوم الحمر الأهلية (¬1). # أما أبو ثعلبة، فسيأتي ذكره في أول باب الصيد، وفيه: التصريح بتحريم لحوم ~~الحمر الأهلية. # * * * ### ||| AUTO الحديث السابع # عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: دخلت أنا وخالد بن الوليد مع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيت ميمونة، فأتي بضب محنوذ، فأهوى إليه ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالت بعض النسوة اللاتي في بيت ميمونة: ~~أخبروا رسول الله - صلى الله عليه ms1092 وسلم - بما يريد أن يأكل، فرفع رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يده، فقلت: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: "لا، ولكنه ~~لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه" فقال خالد: فاجتررته فأكلته، والنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ينظر (¬2). PageV03P1600 # المحنوذ: المشوي بالرضف، وهي الحجارة المحماة. # أما عباس وميمونة، فتقدم ذكرهما، وتقدم ذكر خالد بن الوليد في الزكاة. # والذي أتى بالضب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هي أم حفيد -بضم ~~الحاء وفتح الفاء-، ويقال: أم حميد -بالميم بدل الفاء-، ويقال: أم حميدة ~~-بزيادة هاء بعد الدال-، ويقال: أم حفيرة، ويقال: أم عفير. # والأصوب الأشهر: الأول، واسمها: هزيلة، وهي صحابية (¬1). # وميمونة، وأم خالد لبابة الصغرى، وأم ابن عباس لبابة الكبرى، وأم حفيد، ~~كلهن أخوات، وأبوهم الحارث. # وميمونة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ابن عباس وخالد بن الوليد، ~~والله أعلم. # وقوله: "فأجدني أعافه": قال أهل اللغة: معنى أعافه: أكرهه تقذرا. # والضب: دويبة تشبه الحرذون، لكنه كبير القد، يقال: ضب وأضب؛ مثل: كف وأكف. # ورأيته في الحجاز، وأكلته ضرورة في المحرم سنة ست وسبعين وست مئة. # وأكل خالد له، والنبي - صلى الله عليه وسلم - ينظر من غير استئذان، هو من ~~باب الإدلال، والأكل من بيت القريب والصديق الذي لا يكره ذلك؛ فإن خالدا ~~أكله في بيت خالته، وبيت نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وصديقه، فلا يحتاج ~~إلى الاستئذان، لا سيما والمهدية خالته أم حفيد، ولعله أراد جبر قلبها؛ حيث ~~إن النبي - صلى الله عليه وسلم - عافه ولم يأكله. # وقد فسر المصنف المحنوذ. # وفي هذا الحديث دليل على أن: الضب حلال ليس بمكروه، إلا ما حكي عن أصحاب ~~أبي حنيفة من كراهته، وإلا ما حكى القاضي عياض عن قوم: أنهم قالوا: هو ~~حرام. PageV03P1601 # وما أظن أنه يصح عن أحد، فإن صح عن أحد، فمحجوج بالنصوص وإجماع من قبله. # وقد قرر النبي - صلى الله عليه وسلم - على أكله مع العلم به، وتقريره - ~~صلى الله عليه وسلم - أحد الطرق الشرعية، وهي: فعله - صلى الله عليه ms1093 وسلم ~~-، وقوله، وتقريره مع العلم. # وفيه دليل: على الإعلام بما يشك في أمره؛ ليتضح الحال فيه؛ لأنهم قصدوا ~~ذلك؛ ليكونوا على يقين من إباحته، إن أكله، أو أقر عليه. # وفيه دليل: على أن مطلق النفرة وعدم الاستطابة دليل على التحريم أو أخص منه. # وفيه دليل: على جواز دخول أقارب الزوجة بيتها، وتبسطهم فيه، إذا علموا أن ~~الزوج لا يكره ذلك، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثامن # عن عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله عنه- قال: غزونا مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - سبع غزوات نأكل الجراد (¬1). # تقدم الكلام على عبد الله بن أبي أوفى قريبا. # وفي الحديث دليل: على إباحة أكل الجراد، ونقل الإجماع على إباحته. # لكن قال الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، والجماهير: يحل، سواء مات بذكاة، أو ~~باصطياد مسلم أو مجوسي، أو مات حتف أنفه، سواء قطع بعضه، أو أحدث فيه سبب. # وقال مالك في المشهور عنه، وأحمد في رواية: لا يحل إلا إذا مات بسبب، PageV03P1602 # بأن يقطع بعضه، أو يسلق، أو يلقى في النار حيا، أو يشوى، فإن مات حتف ~~أنفه، أو في وعاء، لم يحل. # وليس في هذا الحديث ما يدل على اشتراط شيء من ذلك ولا عدمه، ولا صيغة ~~للعموم فيه، ولا بيان كيفية أكلهم. # وفيه دليل: على جواز ذكر طاعات الإنسان في معرض بيان الأحكام والتأسي، ~~والله -عز وجل- أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث التاسع # عن زهدم بن مضرب الجرمي، قال: كنا عند أبي موسى، فدعا بمائدته، وعليها ~~لحم دجاج، فدخل رجل من بني تيم الله، أحمر، شبيه بالموالي، فقال: هلم، ~~فتلكأ، فقال له: هلم؛ فإني قد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأكل ~~منه (¬1). # تقدم الكلام على أبي موسى، وهو الأشعري، وعلى الجرمي، وأنها نسبة إلى ~~جرم، في الصلاة. # أما زهدم -بفتح الزاي، وسكون الهاء، وفتح الدال المهملة ثم الميم- بن ~~مضرب -بضم الميم وفتح الضاد المعجمة، وكسر الراء المشددة ثم الباء ~~الموحدة-، فكنيته: أبو مسلم، تابعي، جرمي أزدي بصري، ثقة. رويا له في ~~"الصحيحين". # سمع ابن ms1094 عباس، وأبا موسى، وعمران بن حصين -رضي الله عنهم-. # روى عنه جماعة من التابعين وغيرهم (¬2). # وأما الرجل المبهم، فلا أعرف اسمه. PageV03P1603 # وقوله: "هلم": معناه: تعال، وهو استدعاء، وأصله: ثم؛ أي: ثم بنا، والهاء ~~في أوله هي: هاء التنبيه، وحذفت الألف منها للتركيب طلبا للتخفيف. # وتستعمل للواحد والجماعة والذكر بصيغة واحدة. # وقوله: "فتلكأ": معناه: تردد وتوقف، والدجاج يقع على الذكر والأنثى، وهو ~~بفتح الدال وكسرها، والفتح أفصح باتفاقهم، الواحد دجاجة. # وفي الحديث دليل: على استحباب الدعاء بالمائدة للضيفان والأصحاب. # وفيه دليل: على إباحة أكل الدجاج، وكرهه جماعة، وهذا الحديث يرد عليهم. # وفيه دليل: على أن المرجع في الأحكام كلها، الظاهرة والباطنة، إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. # وفيه دليل: على البناء على الأصل؛ لأن الرجل المذكور الداخل؛ إما أن تكون ~~علة تأخره؛ لأنه رآهم يأكلون شيئا، فقذره بناء على الأصل في أن ما يستقذر ~~يكون مكروها، فيكون الدجاج الذي يأكل القذر مكروها. # ويحتمل أن يكون دليلا: على أنه لا اعتبار بأكل النجاسة، لكنه قد جاء ~~النهي عن أكل الجلالة. وقد كره الفقهاء أكل لحم الجلالة إذا تغير لحمها ~~بأكل النجاسة، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث العاشر # عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"إذا أكل أحدكم طعاما، فلا يمسح يده حتى يلعقها أو يلعقها" (¬1). # أما يلعقها الأول، فهو -بفتح الياء- فعل لازم، وأما الثاني، فهو -بضم ~~الياء- فعل متعد. PageV03P1604 # وهو معلل في الحديث الصحيح: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "فإنه لا ~~يدري في أي طعامه البركة" (¬1). # وقد علله بعضهم بأنه زيادة تلويث لما يمسح يده به قبل اللعق مع الاستغناء ~~عنه بالريق. # وإذا صح الحديث بتعليل شيء، لم يعدل عنه. # وفي الحديث دليل: على استعمال التواضع. # وفيه دليل: على استحباب لعق الأصابع بعد الأكل قبل مسحها أو غسلها. # وفيه دليل: على استعمال السنة، والأمر بها في كل شيء حتى ما يعده الناس ~~في العرف دناءة. # وفبه دليل: على عدم إهمال شيء من فضل الله تعالى مأكولا ms1095 أو مشروبا كان أو ~~غيرهما، وإن كان تافها حقيرا في العرف، والله أعلم. # * * * PageV03P1605 ### || AUTO باب الصيد ### ||| AUTO الحديث الأول # عن أبي ثعلبة الخشني -رضي الله عنه- قال: أتيت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، فقلت: يا رسول الله! إنا بأرض قوم أهل كتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ وفي ~~أرض أصيد بقوسي وبكلبي الذي ليس بمعلم، وبكلبي المعلم، فما يصلح لي؟ قال: ~~"أما ما ذكرت -يعني: من آنية أهل الكتاب-، فإن وجدتم غيرها، فلا تأكلوا ~~فيها، فإن لم تجدوا، فاغسلوها وكلوا فيها، وما صدت بقوسك، فذكرت اسم الله ~~عليه، فكل، وما صدت بكلبك المعلم، فذكرت اسم الله عليه، فكل، وما صدت بكلبك ~~غير المعلم، فأدركت ذكاته، فكل" (¬1). # أما أبو ثعلبة: فاختلف في اسمه وفي اسم أبيه اختلافا كبيرا، فقيك: اسمه ~~جرثوم، وقيل: جرهم، وقيل: جرثومة، وقيل: عمرو، وقيل: لاشر، وقيل: الأشق، ~~وقيل غير ذلك. # وأما أبوه، فقيل: اسمه ناشر، وقيل: اسمه ناشب، وقيل: ناشم، وقيل: لاشر، ~~وقيل: جرثوم، وقيل: جرهم، وقيل: ناشج، وقيل: جرثومة، لم يختلف في صحبته. PageV03P1606 # وهو ممن غلبت عليه كنيته، وكان ممن بايع تحت الشجرة، ثم نزل الشام ومات ~~أيام معاوية، وقيل: إنه توفي سنة خمس وسبعين، ومات في ولاية عبد الملك بن مروان. # قال ابن الكلبي: بايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيعة الرضوان، ~~وضرب له بسهم يوم حنين، وأرسله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى قومه ~~فأسلموا، وأخوه عمرو بن جرهم أسلم على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~وهما من ولد ليوان بن مر بن خشين بن النمر بن وبرة. # وروى عنه: أبو إدريس الخولاني، ومسلم بن مشكم. # وروى له: البخاري، ومسلم، وأصحاب السنن والمساند. # وأما الخشني -بضم الخاء وفتح الشين المعجمتين، ثم النون ثم ياء النسب-، ~~فنسبة إلى خشين: بطن من قضاعة. # قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: لم يختلفوا في نسبه إلى خشين، وهو وائل ~~بن النمر بن وبرة بن ثعلب بن خلوان بن عمران بن الحارث بن قضاعة. # وهكذا ذكر نسبته ms1096 إلى خشين: بطن من قضاعة: البيهقي، وعبد الغني بن سعيد، ~~وابن ماكولا، والسمعاني، والحازمي، وغيرهم. # وقال البيهقي: روي عن ابن عمر: أن نفرا من خشين قدموا على النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بمكة. # وقال غيره: إن نفرا من خيشان، في رواية جابر بن عبد الله. هذا آخر كلام ~~البيهقي. # وذكر نحوه السمعاني، وقال: قال ابن حبيب: في قضاعة: خشين بن النمر بن ~~وبرة، وفي فزارة: خشين بن عصيم ابن لأبي شمخ بن فزارة. # وذكر ابن الأثير الجزري في كتابه "معرفة الصحابة" -رضي الله عنهم- في حرف ~~الجيم منه: جرثوم بن ناشب، وقيل: ناشم: أبو ثعلبة الخشني منسوب إلى خشين ~~بطن من قضاعة، كما ذكره الحفاظ. # وقال في آخر الكتاب في الكنى منه: لم يختلفوا في نسبه إلى خشينة. PageV03P1607 # قال: واسمه وائل بن النمر بن وبرة بن ثعلب. # وهذا مناقض لما ذكره هو في أول كتابه في الأسماء، ومخالف لما ذكره الأئمة ~~والحفاظ في الأنساب الذين قدمنا ذكرهم. # وإنما بسطت الكلام في ذلك، واعتنيت به؛ لأن شيخنا الحافظ أبا زكريا ~~النووي -رحمه الله- ذكره في آخر "كتاب الأربعين" له في: مباني الإسلام، ~~وقال: هو منسوب إلى خشينة؛ كجهينة، وهم قبيلة من قضاعة. # وكان -رحمه الله- أذن لي في إصلاح ما أجده في مصنفاته، فأصلحته على ~~الصواب على ما ذكره الجماعة وابن الأثير في "الأسماء". # والذي ذكره الشيخ -رحمه الله- أخذه من كلام الشيخ أبي عمرو بن الصلاح ~~-رحمه الله-. # ونقله أبو عمرو عن الحافظ أبي محمد بن عطاء الإبراهيمي، قال: وقال: ~~وخشينة: بطن من قضاعة، وكذا نقله الحاكم أبو أحمد في "الأسماء والكنى". # لكن لا يقاوم ذلك قول من ذكرنا من الأئمة والحفاظ، والله أعلم (¬1). # وأما قوله: "يا رسول الله! إنا بأرض قوم أهل كتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ ". # أما أهل كتاب: فقد يراد بهم: كل من دان بدين الله بكتاب منزل على نبي من ~~الأنبياء -صلوات الله وسلامه- عليهم، وقد يراد بهم: اليهود أو النصارى، أو ~~هما فقط، وهو الظاهر. # وأما الآنية: جمع إناء؛ كسقاء وأسقية، ms1097 ورداء وأردية. وجمع الآنية: PageV03P1608 # الأواني، ولا يصح إطلاق الآنية على المفرد، وإطلاقه ليس بصحيح. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإن وجدتم غيرها، فلا تأكلوا فيها، فإن ~~لم تجدوا غيرها، فاغسلوها، وكلوا فيها"؛ اعلم أن الفقهاء أطلقوا القول ~~بجواز استعمال أواني المشركين إذا غسلت، ولا كراهة فيها بعد الغسل، سواء ~~وجد غيرها أم لا، وسواء كانوا يتدينون باستعمال النجاسة أم لا. # وللشافعي قول: إنه لا يجوز استعمال أوانيهم إذا كانوا ممن يتدين ~~باستعمالها من المشركين، وأهل الكتاب كذلك؛ فإن منهم من يتدين باستعمال الخمر. # ومن النصارى من لا يجتنب النجاسات، ومنهم من يتدين بملابستها؛ كالرهبان، ~~فحينئذ لا وجه للتفرقة بين من يتدين بها ومن لا يتدين. # وهذا الحديث يقتضي التعطيل في استعمالها وكراهته بين أن يجد غيرها وبين ~~أن لا يجده، ويغسلها ويستعملها إذا لم يجد غيرها. # ولا منافاة بين قول الفقهاء والحديث؛ فإن الاستعمال قد يكون كراهية في ~~الأكل فيها خاصة؛ لأجل الاستقذار والعيافة لا للنجاسة. وقد صرح بذلك في ~~رواية أبي داود قال: وإنما نهى عن الأكل فيها بعد الغسل؛ للاستقذار، وكونها ~~معتادة للنجاسة. # وقد قال الفقهاء: يكره الأكل في المحجمة المغسولة. وقد تكون كراهته لكون ~~الآنية مضافة إلى الكفار من غير استعمال منهم لها قبل غسلها، لكن إذا غسلت، ~~فلا يكره استعمالها؛ لأنها طاهرة، وليس فيها استقذار. # ولم يرد الفقهاء نفي الكراهة عن آنيتهم المستعملة في الخنزير وغيره من ~~النجاسات، ولا شك أن آنيتهم قد تعارض فيها الأصل والغالب. # والحديث جار على مقتضى غلبة الظن؛ فإن الظن المستفاد من الغالب راجح على ~~الظن المستفاد من الأصل. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وما صدت بقوسك، فذكرت اسم الله، فكل، وما ~~صدت بكلبك المعلم، فذكرت اسم الله، فكل". PageV03P1609 # قد ساوى بين الاصطياد بالقوس والكلب المعلم، من غير تبيين التعليم ~~المشترط في هذا الحديث ولا غيره. # وقد تكلم الفقهاء في معرفة الكلب المعلم من غيره، فقالوا: المعلم: ما ~~ينزجر بالانزجار، وينبعث بالإشلاء، وإذا أخذ الصيد، أمسكه على صاحبه، وخلى ~~بينه وبينه. ms1098 # وقد يستنبط ما ذكروه أو بعضه من ألفاظ هذا الحديث، إذا جمعت ألفاظه. # والقاعدة تقتضي أن ما رتب عليه الشارع حكما، ولم يجد فيه حدا: أن يحتاط ~~فيه، خصوصا المأكولات بالتذكية ونحوها، والله أعلم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وما صدت بكلبك غير المعلم، فأدركت ذكاته، ~~فكل" قد شرط - صلى الله عليه وسلم - في الكلب غير المعلم إذا صاد أن يدرك ~~ذكاة الصيد. # وهذا الإدراك يتعلق بأمرين: # أحدهما: الزمن الذي فيه الذبح، فإن أدركه ولم يمكن ذبحه، فهو ميتة. ولو ~~كان كذلك لأجل عجزه عما يذبحه به، لم يكن ذلك عذرا في إباحته. # والثاني: أن يكون فيه حياة مستقرة، فلو أدركه ولم يبق فيه حياة مستقرة؛ ~~بأن أخرج حشوته، أو أصاب نابه مقتلا، ونحو ذلك، فلا اعتبار بالذكاة حينئذ، ~~هكذا قاله الفقهاء. والله أعلم. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: السؤال عما يحتاج إليه من الأمور المستقبلة. # ومنها: جمع المسائل والسؤال عنها دفعة واحدة. # ومنها: تفصيل الجواب بأما وما. # وفي الكتاب العزيز: في قصة ذي القرنين في آخر الكهف قوله تعالى: {قال أما ~~من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا (87) وأما من آمن وعمل ~~صالحا فله جزاء الحسنى} [الكهف: 87 - 88] الآية. PageV03P1610 # وقد تفصل الجواب بأما وما، كما في الحديث. # ومنها: كراهة الأكل من آنية أهل الكتاب من غير غسل، وجواز استعمالها مع ~~الغسل، وإن كان الأولى تركها عند عدم الضرورة إلى استعمالها. # ومنها: إباحة الاصطياد بالقوس، والكلب المعلم، وهو مجمع عليه، ودل الكتاب ~~العزيز عليه أيضا إذا اصطاد للاكتساب والحاجة، والانتفاع به بالأكل وثمنه. # واختلف العلماء فيمن اصطاد للهو واللعب، لكن قصد تذكيته والانتفاع. # فقال مالك: يكره، وأجاز ذلك ابن عبد الحكم. # قال مالك: فإن فعله بغير نية التذكية، فهو حرام؛ لأنه فساد في الأرض، ~~وإتلاف نفس عبثا. # قال القفال المروزي من الشافعية: والحكمة في تحريم الصيد البري على ~~المحرم دون البحري: أن الصيد البري إنما يفعل غالبا للتنزه والتفرج، فحرم ~~في حالة الإحرام صيده، وتعاطيه؛ لأن ms1099 الإحرام حالة تنافي ذلك، بخلاف صيد ~~البحر؛ فإنه يصطاد غالبا للاضطرار والمسكنة، فأحل مطلقا. # ومنها: الأمر بالتسمية عند إرسال السهم والكلب المعلم، وفي معناه عند ~~إرسال الجوارح من الطير، وقد أجمع المسلمون على التسمية عند الإرسال على ~~الصيد وعند الذبح والنحر. # واختلف العلماء في أنها واجبة أم سنة. # فمذهب الشافعي، وطائفة، ورواية عن أحمد، ومالك: أنها سنة، لو تركها سهوا ~~أو عمدا، حل الصيد والذبيحة. # وقال أهل الظاهر: إن تركها عمدا أو سهوا، لم يحل، وهو الصحيح عند أحمد في ~~صيد الجوارح، وهو مروي عن ابن سيرين، وأبي ثور، قالوا: لأنها علق وصف ~~الجواز للأكل عليها، والمعلق بالوصف ينتفي عند انتفائه، عند القائلين ~~بالمفهوم. PageV03P1611 # وفيه هاهنا زيادة على كونه مفهوما مجردا، وهو أن الأصل تحريم أكل الميتة ~~وما أخرج الإذن فيها إلا ما هو موصوف بكونه مسمى عليه، فغير المسمى عليه ~~يبقى على أصل التحريم داخلا تحت النص المحرم للميتة. # وقال أبو حنيفة، ومالك، والثوري، وجماهير العلماء: إن تركها سهوا، حلت ~~الذبيحة والصيد، وإن تركها عمدا، فلا. # قال الشافعية: إن تركها عمدا، ففيه ثلاثة أوجه: يكره، وهو الصحيح، ولا ~~يكره، والثالث: خلاف الأولى. # واحتج من أوجبها بقوله تعالى: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ~~وإنه لفسق} [الأنعام: 121]، وبهذا الحديث وأمثاله. # واحتج الشافعية ومن وافقهم بقوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} إلى قوله ~~تعالى: {وما أكل السبع إلا ما ذكيتم} [المائدة: 3]، فأباح ذلك بالتذكية من ~~غير اشتراط التسمية، ولا وجوبها، فإن قيل: التذكية لا تكون إلا بالتسمية، ~~قلنا: التذكبة في اللغة: الفتح والشق. # وقد أحل الله تعالى طعام الذين أوتوا الكتاب بقوله تعالى: {وطعام الذين ~~أوتوا الكتاب حل لكم} [المائدة: 5]، وهم لا يسمون، وثبت في "صحيح البخاري" ~~من حديث عائشة - رضي الله عنها -: أنهم قالوا: يا رسول الله! إن قوما حديث ~~عهد بالجاهلية يأتون بلحمان، لا ندري أذكروا اسم الله، أم لم يذكروا، ~~أفنأكل منها؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "سموا وكلوا" (¬1). # فهذه التسمية هي المأمور بها عند ms1100 أكل الطعام والشرب، لا التسمية عند ~~التذكية والإرسال. # وأجابوا عن قوله تعالى: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} ~~[الأنعام: 121]: أن المراد به ما ذبح للأصنام؛ كقوله تعالى: {وما أهل لغير ~~الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ~~ذكيتم وما ذبح على النصب} [المائدة: 3]؛ PageV03P1612 # لأن الله تعالى قال فيه: {وإنه لفسق} [الأنعام: 121]. # وقد أجمع المسلمون على أن من أكل متروك التسمية ليس بفاسق، فوجب حملها ~~على ما ذكرناه؛ ليجمع بينها وبين الآيات السابقات وحديث عائشة. # وحملها بعض الشافعية على كراهة التنزيه، وأجابوا عن أحاديث التسمية بأنها ~~للاستحباب. # ومنها: إباحة الاصطياد بجميع الكلاب المعلمة من الأسود وغيره، وبه قال ~~مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وجماهير العلماء. # وقال الحسن البصري، والنخعي، وقتادة، وأحمد، وإسحاق: لا يحل صيد الكلب ~~الأسود؛ لأنه شيطان. # ومنها: اشتراط كون الكلب الذي يصطاد به أن يكون معلما؛ ليحل أكل ما صاده، ~~وإنه شرط في إرساله أيضا، فلو أرسل غير معلم، أو استرسل المعلم بلا إرسال، ~~لم يحل ما قتله، وهذا مجمع عليه. # أما المعلم إذا استرسل من غير إرسال، فلا يحل أكل ما قتله عند جميع ~~العلماء؛ إلا ما حكي عن الأصم من إباحته، وإلا ما حكاه ابن المنذر عن عطاء، ~~والأوزاعي: أنه يحل إن كان صاحبه أخرجه للاصطياد. # ومنها: حل ما اصطاده بالكلب المعلم من غير ذكاة؛ حيث إنه - صلى الله عليه ~~وسلم - فرق في إدراك الذكاة بين غير المعلم والمعلم، فإذا قتل الصيد بظفره ~~أو نابه، حل، وإن قتله بثقله، ففيه قولان للشافعي: أصحهما: أنه حلال، وقد ~~يؤخذ ذلك من إطلاق الحديث بقوله؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "وما ~~صدت بكلبك المعلم"، ولم يذكر كيفية من قتل بظفر أو ناب أو ثقل. # وقيل: في الاستدلال بلفظ الحديث على هذا الحكم ضعف. # ومنها: حل ما أدرك ذكاته إذا كان الكلب غير معلم، وهذا مجمع عليه، وما ~~نقل مخالفا لذلك عن الحسن، والنخعي، فباطل، وما أظنه يصح عنهما. PageV03P1613 ### ||| AUTO الحديث الثاني # عن همام ms1101 بن الحارث، عن عدي بن حاتم -رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول ~~الله! إني أرسل الكلاب المعلمة، فيمسكن علي، وأذكر اسم الله، فقال: "إذا ~~أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله، فكل ما أمسك عليك"، قلت: وإن قتلن؟ ~~قال: "وإن قتلن، ما لم يشركها كلب ليس منها"، قلت له: فإني أرمي بالمعراض ~~الصيد، فأصيب، فقال: "إذا رميت بالمعراض، فخزق، فكله، وإن أصابه بعرض، فلا ~~تأكله" (¬1). # وحديث الشعبي عن عدي نحوه، وفيه: "إلا أن يأكل الكلب، فإن أكل، فلا تأكل؛ ~~فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه، وإن خالطها كلاب من غيرها، فلا ~~تأكل؛ فإنما سميت على كلبك، ولم تسم على غيره" (¬2). # وفيه: "إذا أرسلت كلبك المكلب، فاذكر اسم الله، فإن أمسك عليك، فأدركته ~~حيا، فاذبحه، وإن أدركته قد قتل، ولم يأكل منه، فكله، فإن أخذ الكلب ذكاته" (¬3). # وفيه أيضا: "إذا رميت بسهمك، فاذكر اسم الله" (¬4). # وفيه أيضا: "وإن غاب عنك يوما أو يومين"، وفي رواية: "اليومين والثلاثة، ~~فلم تجد فيه إلا أثر سهمك، فكل إن شئت، فإن وجدته غريقا في الماء، فلا ~~تأكل؛ فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك" (¬5). PageV03P1614 # أما همام بن الحارث، فهو تابعي نخعي كوفي، ثقة، وثقه ابن معين، وروى له: ~~البخاري، ومسلم، وأصحاب السنن والمساند. # سمع: عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وعبد الله بن مسعود، والمقداد بن ~~الأسود، وعمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وعائشة أم المؤمنين -رضي الله عنهم-. # روى عنه: سليمان بن يسار، وإبراهيم النخعي، وغيرهما (¬1). # وأما عدي بن حاتم: فكنيته أبو طريف بن حاتم بن عبد الله الطائي، مهاجري، ~~وهو منسوب إلى طييء بن أدد بن زيد بن كهلان، ويختلفون في بعض الأسماء من ~~جده عبد الله إلى طيئ، فيما بينهما. # قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - في شعبان سنة سبع من الهجرة، وقيل: ~~في شعبان سنة عشر. # قال أبو عمر بن عبد البر: وخبره في قدومه على النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- في شعبان خبر عجيب، وهو حسن صحيح من ms1102 رواية قتادة عن ابن سيرين. # ثم قدم على أبي بكر بصدقات قومه في حين الردة، ومنع قومه وطائفة معهم من ~~الردة بثبوته على الإسلام وحسن رأيه. # وكان سريا شريفا في قومه، خطيبا، حاضر الجواب، فاضلا، كريما. # روي عنه أنه قال: ما دخل وقت صلاة قط، إلا وأنا أشتاق إليها (¬2). # وقال: ما دخلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - قط إلا وسع لي أو تحرك، ~~ودخلت عليه يوما PageV03P1615 # في بيته، وقد امتلأ من أصحابه، فوسع لي حتى جلست إلى جنبه (¬1). # وقال له عمر - رضي الله عنه - لما قدم عليه: ما أظنك تعرفني، أعرفك آمنت ~~إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا (¬2). # ونزل عدي الكوفة وسكنها، وشهد مع على يوم الجمل، وفقئت عينه يومئذ، ثم ~~شهد معه صفين والنهروان. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ستة وستون حديثا، اتفق ~~البخاري ومسلم على ثلاثة أحاديث، وانفرد مسلم بحديثين، وروى له جماعة من ~~كبار التابعين. # ومات بالكوفة زمن المختار سنة تسع، وقيل: ثمان وستين، وقيل: سنة سبع ~~وستين، وهو ابن مئة وعشرين سنة، وروى له أصحاب السنن والمساند (¬3). # وأما الشعبي -بفتح الشين المعجمة وسكون العين المهملة وباء موحدة، ثم ياء ~~النسب-، فنسبة إلى شعب همذان، واشتهر بها، واسمه عامر بن شراحيل، وقيل: ابن ~~عبد الله بن شراحيل، وقيل: ابن شراحيل بن عبد بن أخي قيس بن عبد، أبو عمرو، ~~تابعي، كوفي، ثقة، جليل، فقيه، عالم. # روى عن علي بن أبي طالب، وابنيه: الحسن والحسين، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد ~~بن زيد بن عمرو بن نفيل، وعبد الله بن جعفر، والعبادلة، وخلق كثير من ~~الصحابة -رضي الله عنهم-. PageV03P1616 # روي عنه أنه قال: أدركت خمس مئة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يقولون: علي وطلحة والزبير في الجنة (¬1). # وقال أحمد بن عبد الله العجلي: سمع الشعبي من ثمانية وأربعين من أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومرسله صحيح، لا يكاد يرسل إلا صحيحا. # وروى عنه خلق من التابعين وغيرهم، ms1103 وكان كثير العلم والحفظ والفقه، في ~~أعلى طبقة من ذلك جميعه. # وقال الحسن -أعني: البصري- لما نعاه: وكان والله كثير العلم، عظيم الحلم، ~~قديم السلم، من الإسلام بمكان (¬2). # وقال ابن عمر - رضي الله عنهما - وقد مر علي الشعبي: هو أعلم بالمغازي ~~وأحفظ لها. # ووثقه أبو زرعة، وابن معين، وغيرهما، وروى له البخاري، ومسلم، والأئمة. # وولد لست سنين مضين من خلافة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، ومات بعد ~~المئة بثلاث سنين، وقيل: بأربع، وقيل: بخمس، وقيل: بست، وقال بعضهم: بلغ ~~اثنتين وثمانين سنة (¬3). # وأما المعراض -بكسر الميم، وسكون العين المهملة، وبالراء ثم الضاد PageV03P1617 # المعجمة بعد الألف-، فهو عصا محدد رأسها بحديدة، وقد يكون بغير حديدة، ~~هذا هو الصحيح المشهور في تفسيره. # وقال الهروي: هو سهم لا ريش فيه ولا نصل. # وقال ابن دريد: هو سهم طويل، له أربع قذذ رقاق، فإذا رمي به، اعترض، وهو ~~منقول عن الخليل ونحوه عن الأصمعي. # وقيل: هو عود رقيق الطرفين، غليظ الوسط، إذا رمي به، ذهب مستويا (¬1). # وقوله: "فخزق": هو بالخاء المعجمة، والزاي، ومعناه: نفذ. # وتقدم الكلام في الحديث قبله على اشتراط التسمية، والخلاف في وجوبها، لكن ~~هذا الحديث أقوى في الدلالة على اشتراطها من الأول؛ حيث إنه مفهوم وصف، ~~ودلالته على حل مصيد الكلب إذا قتل صريحة، بخلاف الحديث الماضي؛ فإنه إنما ~~يؤخذ هذا الحكم منه بطريق المفهوم، وكذلك دلالته على أكل ما قتله الجارح ~~بثقله؛ فإنه أصرح دلالة من الأول. # وفي هذا الحديث [من] (¬2) جميع طرقه أحكام: # منها: أنه لا يحل كل ما شاركه كلب آخر في اصطياده إذا استرسل بنفسه، أو ~~أرسله من ليس هو من أهل الذكاة، أو شككنا في ذلك، فإن تحققنا أنه إنما ~~شاركه كلب، أو أرسله من هو من أهل الذكاة على ذلك الصيد، حل. # وذلك معلل في الرواية التي في بعض طرق هذا الحديث التي في الكتاب، وهو ~~قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإنما سميت على كلبك، ولم تسم على غيره"، ~~وهو ظاهر في اشتراط التسمية. # ومنها: ms1104 أنه إذا اصطاد بالمعراض، فقتل الصيد بحده، حل؛ لأنه كالسهم، وإن ~~قتله بعرضه، لم يحل، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وجماهير ~~العلماء. PageV03P1618 # وقد علل ما قتل بعرضه بأنه وقيذ في الحديث الصحيح، وذلك لأنه ليس في معنى ~~السهم، بل هو في معنى الحجر وغيره من المثقلات. # وقال الأوزاعي، ومكحول، وغيرهما من فقهاء الشام: يحل مطلقا، حتى قالا ~~وابن أبي ليلى: يحل ما قتله بالبندقة، وهو محكي عن سعيد بن المسيب. # وجمهور العلماء على أنه لا يحل صيد البندقة مطلقا؛ لحديث المعراض هذا؛ ~~لأنه كله رض ووقذ، وهو معنى قوله: "فإنه وقيذ"؛ أي: مقتول بغير محدد. # والموقوذة: المقتولة بالعصا ونحوها، وأصله من الكسر والرض. # ومنها: تحريم أكل الصيد الذي أكل الكلب المعلم منه؛ لتصريح المنع منه في ~~هذا الحديث، وتعليله بخوف الإمساك على نفسه بأكله منه. # وبهذا قال أكثر العلماء، منهم: ابن عباس، وأبو هريرة، وعطاء، وسعيد بن ~~جبير، والحسن، والشعبي، والنخعي، وعكرمة، وقتادة، وأبو حنيفة وأصحابه، ~~وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وداود، وبه قال الشافعي في أصح ~~قوليه، محتجين بحديث عدي هذا، وبقوله تعالى: {فكلوا مما أمسكن عليكم} ~~[المائدة: 4]، وهذا لم يمسك علينا، بل على نفسه. # وقال سعد بن أبي وقاص، وسلمان الفارسي، وابن عمر، ومالك: يحل، وهو قول ~~ضعيف للشافعي، واحتجوا برواية في "سنن أبي داود" وحسنه، عن أبي ثعلبة ~~الخشني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: "كل وإن أكل الكلب" (¬1). # وحملوا حديث عدي على كراهة التنزيه، وربما عللوه على أنه كان من ~~المياسير. فاختير له الحمل على التنزيه، بخلاف أبي ثعلبة؛ فإنه كان بخلاف ~~ذلك، فأخذ له بالرخصة، وذلك ضعيف؛ فإنه قد علل في الحديث بأنه إنما أمسك ~~على نفسه، وهي علة تناسب التحريم، لكنه قد قيده بخوف الإمساك لا بحقيقته. PageV03P1619 # والجواب: أن الأصل التحريم فيه، وقد شككنا في السبب المبيح له، فيرجع إلى الأصل. # وتأولوا حديث أبي ثعلبة على ما إذا أكل منه بعد أن قتله وخلاه، وفارقه، ~~ثم عاد فأكل منه، ms1105 فهذا لا يضر. # وأما جوارح الطير إذا أكلت مما صادته، فالأصح عند الشافعية من قولين ~~للشافعي -رحمه الله-: تحريمه، وقال سائر العلماء بإباحته؛ لأنه لا يمكن ~~تعليمها ذلك، بخلاف السباع، وأصحاب الشافعي يمنعون هذا الدليل. # ومنها: أن أخذ الكلب الصيد وقتله إياه ذكاة شرعية، بمنزلة ذبح الحيوان ~~الإنسي، وهذا مجمع عليه. ولو لم يقتله الكلب، ولكن تركه، ولم يبق فيه حياة ~~مستقرة، أو بقيت ولم يبق زمان يمكن صاحبه لحاقه وذبحه، فمات، حل؛ لهذا ~~الحديث: "فإن أخذ الكلب ذكاته". # ومنها: إذا جرحه بالسهم، فغاب عنه فوجده ميتا، وليس فيه أثر غير سهمه، ~~حل؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإذا غاب عنك يوما أو يومين، فلم تجد ~~فيه إلا أثر سهمك، فكل إن شئت". # وفي هذه اختلاف مذهب مالك والشافعي في أحد الأقوال: أنه يحل في الصيد ~~والسهم، وهو أقوى وأقرب إلى الأحاديث الصحيحة، وما ورد من الأحاديث ~~المخالفة لها الآثار، فكلها ضعيفة ومحمولة على كراهة التنزيه. # ومنها: التنبيه على قاعدة مهمة، وهي: أنه إذا حصل الشك في الذكاة المبيحة ~~للحيوان، لم يحل؛ لأن الأصل تحريمه، وهذا لا خلاف فيه؛ فإن قوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "وإن قتلن، ما لم يشركها كلب ليس منها" ما يدل على ذلك، وقد ~~ثبت في "صحيح مسلم" زيادة على هذا: "فلا تأكل؛ فإنك لا تدري أيهما قتله". # وفي ذلك تنبيه أيضا على أنه لو وجده حيا وفيه حياة مستقرة، فذكاه، حل، ~~ولا يضر كونه اشترك في إمساكه كلبه وكلب غيره، ولأن الاعتماد حينئذ في ~~الإباحة على تذكية الآدمي، لا على إمساك الكلب، وإنما تقع الإباحة بإمساك ~~الكلب إذا قتله. PageV03P1620 # ومنها: أن لحوم الصيود وغيرها من اللحوم والأطعمة إذا بقيت يوما أو يومين ~~أو ثلاثة يحل أكلها. # وقد ثبت في "صحيح مسلم!: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا رميت ~~بسهمك فغاب # عنك فأدركته ما لم ينتن" (¬1). # وفي رواية تقييد الأكل بعد الثلاث ما لم ينتن، فرواية الكتاب مطلقة في ~~الأكل إذا وجد أثر سهمه ms1106 وشاء أكله بعد الثلاث من غير تقييد. # فحمل الشافعيون التقيد بعدم النتن على التنزيه لا على التحريم، وقالوا: ~~يجوز أكل جميع اللحوم المذكاة والأطعمة المنتنة، ولا يحرم إلا أن يخاف منها ~~الضرر خوفا معتمدا. # وقال بعض أصحاب الشافعي: يحرم اللحم المنتن، وهو ضعيف عندهم. # ومنها: أنه إذا وجد الصيد غريقا، أو كان طائرا وخبط على الأرض، وجوز أن ~~يكون غرقه أو تردي الصيد من جبل وموته من سبب آخر، لم يحل أكله، فإنه لا ~~يدري ما مات بسببه من التردي والغرق أو بالاصطياد، ومتى لم يتحقق سبب ~~الإباحة، فإنه يحرم. # وهذا داخل تحت القاعدة المستنبطة من الحديث، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الثالث # عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه -رضي الله عنهم- قال: سمعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من اقتنى كلبا إلا كلب صيد، أو ماشية، ~~فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان". # قال سالم: وكان أبو هريرة يقول: أو كلب حرث، وكان صاحب حرث (¬2). PageV03P1621 # أما سالم: فكنيته: أبو عمر، ويقال: أبو عبد الله بن عبد الله بن عمر بن ~~الخطاب، القرشي العدوي، المدني، التابعي، الجليل، المتفق على علمه وصلاحه ~~وزهده وفضله وورعه. # سمع: أباه، وأبا هريرة، وأبا أيوب الأنصاري، ورافع بن خديج، وعائشة زوج ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، وغيرهم من التابعين. وروى عنه جماعة منهم ~~ومن أتباعهم. وكان أشبه ولد عبد الله به. # وقال مالك بن أنس: ولم يكن أحد في زمان سالم أشبه بمن مضى من الصالحين في ~~الزهد والفضل والعيش منه، كان يلبس الثوب بدرهمين (¬1). # ووثقه الإمام أحمد بن حنبل، وقال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: أصح الأسانيد ~~كلها: الزهري عن سالم عن أبيه. # وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث، عال من الرجال، ورع، مات سنة خمس، وقيل: ~~ست، وقيل: ثمان ومئة. # روى له: البخاري، ومسلم، وأصحاب السنن والمساند (¬2). # وتقدم الكلام على أبيه أوائل الكتاب. # وأما قول سالم: "وكان أبو هريرة يقول: أو كلب حرث، وكان صاحب حرث"؛ فليس ~~معناه أنه قاله بالاجتهاد ms1107 والرأي، ولكنه لما؛ من صاحب حرث وزرع، اعتنى بذلك ~~وحفظه وأتقنه، ورواه؛ حيث إن العادة أن المبتلى بشيء PageV03P1622 # يتقنه ما لا يتقنه غيره، ويتعرف من أحكامه ما لا يعرفه غيره. # قال العلماء: وليس قول سالم توهينا لرواية أبي هريرة، ولا شكا فيها. # وقد ذكر مسلم -رحمه الله- هذه الرواية من اتخاذ الكلب للزرع، من رواية ~~غيره من الصحابة -رضي الله عنهم- من رواية ابن المغفل وسفيان بن أبي زهير ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ورواها أيضا في "صحيحه" من رواية أبي ~~الحكم، واسمه: عبد الرحمن بن أبي نعيم البجلي، عن ابن عمر، فيحتمل أن سالما ~~سمعها من أبي هريرة، وتحققها عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ورواها عنه ~~بعد ذلك، وزادها في حديثه الذي كان يرويه بدونها، ويحتمل أنه تذكر في وقت ~~أنه سمعها من النبي - صلى الله عليه وسلم -، فرواها، ونسيها في وقت، ~~فتركها، فحصل مما ذكرنا جميعه: أن أبا هريرة ليس منفردا بهذه الرواية، بل ~~وافقه غيره من الصحابة في روايتها عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولو ~~انفرد بها، كانت مقبولة، مرضية، مكرمة. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية"، ~~فاعلم أن الكلاب في أصل الشرع ممنوعة الاقتناء، ولهذا أمر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بقتلها أولا كلها، ثم نسخ ذلك، ونهى عن قتلها إلا الأسود ~~البهيم. # ثم استقر الشرع على النهي عن قتل جميع الكلاب التي لا ضرر فيها، سواء ~~الأسود وغيره. # وهذا الذي ذكرته ثبت في الصحيح من رواية ابن المغفل، قال: أمر رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - بقتل الكلاب، ثم قال: "ما بالهم وبال الكلاب؟ "، ثم ~~رخص في كلب الصيد، وكلب الغنم (¬1). # وأجمع العلماء: على قتل الكلب الكلب، والكلب العقور، ثم اختلفوا فيما ~~عداها، فقال القاضي عياض -رحمه الله-: ذهب كثير من العلماء إلى الأخذ ~~بالحديث في قتل الكلاب، إلا ما استثني من كلب الصيد وغيره. PageV03P1623 # قال: وهذا مذهب مالك وأصحابه، قال: واختلف القائلون بهذا في كلب الصيد ms1108 ~~[من] وجوه: هل هو منسوخ من العموم الأول في الحكم بقتل الكلاب؟ وأن القتل ~~كان عاما في الجميع، أم كان مخصوصا بما سوى ذلك؟ # قال: وذهب آخرون إلى جواز اتخاذ جميعها، ونسخ الأمر بقتلها، والنهي عن ~~اقتنائها إلا الأسود البهيم. # قال القاضي عياض: وعندي أن النهي أولا كان نهيا عاما عن اقتناء جميعها، ~~وأنه أمر بقتلها جميعها، ثم نهى عن قتل ما سوى الأسود، ومنع الاقتناء في ~~جميعها إلا كلب الصيد أو الزرع أو الماشية (¬1). # وهذا الذي ذكره القاضي هو ظاهر الأحاديث الصحيحة، ويخص حديث ابن المغفل ~~الذي ذكرته بما سوى الأسود؛ فإنه عام، فيخص بالحديث الآخر لما نهى عن ~~قتلها. قال: "عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين؛ فإنه شيطان" (¬2). # إذا ثبت ما ذكرناه، فاعلم أن سبب المنع من اقتنائها غير المذكور في ~~الأحاديث من الصيد والماشية والحرث، هو ما فيها من الترويع، وإيذاء المار، ~~ومجانبة الملائكة لمحلها. # ولا شك أن مجانبتهم أمر شديد؛ لما في مخالطتهم من البركات من الإلهام إلى ~~الخير والدعاء إليه. # ولهذا حذر الشارع من كل حالة يلابسها الشيطان من الأمكنة والأزمنة ~~والأفعال والأقوال؛ لما فيها من مجانبة الملائكة وبركتهم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان"؛ أما ~~النقصان: فذى الروياني في في "البحر": أنهم اختلفوا في المراد بما ينقص ~~منه، قال: فقيل: ينقص مما مضى من عمله. وقيل: من مستقبله. وقال: واختلفوا ~~في محل نقص PageV03P1624 # القيراطين، فقيل: ينقص قيراط من عمل النهار، وقيراط من عمل الليل. # وقيل: قيراط من عمل الفرض، وقيراط من عمل النفل، والله أعلم (¬1). # واعلم أنه ثبت في الصحيح في روايات: "نقص من عمله كل يوم قيراطان" كما في ~~الكتاب. وفي روايات: "قيراط" (¬2). # ولا شك أن المراد من النقصان نقصان الأجر، لا نقصان نفس العمل؛ فإنه وجد ~~واستقر، ويحتمل أنه يعاقب بعدم التوفيق للعمل بمقدار قيراط مما كان يعمل من ~~الخير، فيكون النقص من العمل على حقيقته، ويلزم من تركه ترك الأجر الذي ~~عليه، والله أعلم. # وأما اختلاف ms1109 الروايات في قيراطين وقيراط، فيحتمل أنه يختلف باختلاف ~~اقتناء الكلاب من شدة الأذى وخفته. # ويحتمل أنه يختلف باختلاف البقاع وفضلها، فيكون اقتناؤها في المدينة خاصة ~~يوجب نقص قيراطين، وفي غيره قيراط، والقيراطين في المدن ونحوها من القرى، ~~والقيراط في البوادي. أو يكون ذكر ذلك في زمنين، فذكر القيراط أولا، ثم زاد ~~التغليظ، فذكر القيراطين، والله أعلم. # واعلم أن سبب نقص الأجر أو العمل: إنما هو عقوبة لمن اقتناها، إما ~~لارتكابه المنهي عنه وعصيانه به، أولما يبتلى به من ولوغها في غفلة صاحبها، ~~وعدم غسل ما ولغت فيه بالماء والتراب، والله أعلم. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: تحريم اقتناء الكلب لغير حاجة. # ومنها: جواز اقتنائه للصيد والزرع والماشية. PageV03P1625 # وهل: يقاس عليها غرض حراسة الدروب ونحوها؟ اختلف أصحاب الشافعي في ذلك ~~على وجهين: # أحدهما: المنع؛ حيث إن الأصل فيها المنع، ورفعت الرخصة في المذكورات، فلا يتعدى. # وأصحهما: الإذن؛ حيث إن العلة في الرخصة معقولة، فتعدى. ولهذا قال ~~العلماء: الرخصة إذا عرفت، عمت، وإذا وقعت، عمت، فعمومها يكون في حكمها ~~ومعناها، والله أعلم. # ومنها: جواز اقتناء جرو الكلاب المذكورات وتربيته لها، ويكون القصد لذلك ~~قائما مقام وجود المنفعة بها لها؛ كبيع ما لا ينتفع به في الحال للانتفاع ~~به في المآل. # وقد اختلف أصحاب الشافعي -رحمه الله- في هذه المسألة على وجهين: # أصحهما: الجواز؛ لدخوله تحت اسم الكلب، فإنه يقال: كلب كبير وكلب صغير، ~~وإن كان مخصوصا باسم الجرو، والله أعلم. # واستدل المالكية بجواز اتخاذه للمذكورات على طهارته، قالوا: فإن ملابسته ~~مع الاحتراز منه وعن شيء منه شاق، والإذن في الشيء إذن في مكملات مقصوده، ~~كما أن المنع من لوازمه مناسب للمنع منه. # وقد يستدل بإطلاق لفظ الكلب على أن الأسود كغيره في الرخصة. وبه قال ~~مالك، والشافعي، وجماهير العلماء، قالوا: لأنه غير خارج عن جنس الكلاب، ولو ~~ولغ في إناء وغيره، وجب غسله؛ كما يغسل من ولوغ غيره من الكلاب؛ كالأبيض وغيره. # وقال أحمد، وبعض أصحاب الشافعي: لا يحل صيده، ولا يحل أكله ms1110 إذا قتله؛ ~~لأنه شيطان، وإنما أحل صيد الكلب، والله أعلم. # ومنها: الحث على تكثير الأعمال والتحذير من تنقيصها، والتنبيه على أسباب ~~الزيادة والنقص؛ لتجتنب أو لترتكب لأجل زيادتها، والله أعلم. PageV03P1626 # ومنها: بيان لطف الله تعالى بخلقه في ترخيصه لهم ما منعهم منه لحاجتهم ~~إليه في أموالهم ومواشيهم ومنافعهم، والله أعلم. # * * * ### ||| AUTO الحديث الرابع # عن رافع بن خديج -رضي الله عنه- قال: كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- بذي الحليفة من تهامة، فأصاب الناس جوع، فأصابوا إبلا وغنما، وكان النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - في أخريات القوم، فعجلوا وذبحوا ونصبوا القدور، ~~فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فأكفئت، ثم قسم، فعدل عشرة من الغنم ~~ببعير، فند منها بعير، فطلبوه فأعياهم، وكان في القوم خيل يسيرة، فأهوى رجل ~~منهم بسهم، فحبسه الله؛ فقال: "إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما ~~غلبكم منها، فاصنعوا به هكذا"، قال: قلت: يا رسول الله! إنا لاقو العدو ~~غدا، وليست معنا مدى، أفنذبح بالقصب؟ # قال: "ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكلوه، ليس السن والظفر، ~~وسأحدثكم عن ذلك: أما السن، فعظم، وأما الظفر، فمدى الحبشة" (¬1). # أوابد: التي قد توحشت ونفرت من الإنس. يقال: قد أبدت تأبد أبودا. # أما رافع بن خديج؛ فتقدم الكلام عليه في أثناء البيوع. # وأما قوله: "كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بذي الحليفة من تهامة": # أما ذو الحليفة هذه: وهي بضم الحاء المهملة وفتح اللام، وبالفاء بعد ~~الياء المثناة تحت، ثم هاء التأنيث، قال الداودي: هذه ليست المهل الذي بقرب ~~بالمدينة. وقال الحازمي في كتابه "المؤتلف في أسماء الأماكن": الحليفة: ~~مكان من تهامة بين حاذة وذات عرق، وليست بذي الحليفة التي هي ميقات أهل PageV03P1627 # المدينة، وذكرها بغير لفظة "ذي" الذي في "صحيح البخاري ومسلم". # وذكره صاحب الكتاب عنهما بذي الحليفة، فكأنه يقال بالوجهين، والله أعلم (¬1). # وقوله: "فأصاب الناس جوع، فأصابوا إبلا وغنما، وكان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في أخريات القوم، فعجلوا وذبحوا ونصبوا القدور، فأمر النبي - ~~صلى الله عليه وسلم ms1111 - بالقدور فأكفئت": # معنى أكفئت؛ أي: قلبت وأريق ما فيها. # واختلف في سبب الأمر بإكفاء القدور: فالذي قاله الجمهور: لأنهم كانوا قد ~~انتهوا إلى دار الإسلام، والمحل الذي لا يجوز فيه الأكل من مال الغنيمة ~~المشتركة؛ حيث إن الأكل من الغنائم قبل القسمة إنما يباح لهم في دار الحرب. # وقال المهلب بن أبي صفرة المالكي: إنما أمروا بإكفائها عقوبة لهم ~~لاستعجالهم في السير وتركهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في أخريات القوم ~~متعرضا لمن يقصده من عدو ونحوه. وهذا ليس بظاهر، ولا يقتضيه سياق الحديث، ~~بل الصحيح والصواب: الأول. # ثم إن المأمور به من إكفاء القدور إنما هو إتلاف لنفس المرق، عقوبة لهم ~~في استعجالهم أخذ المال المشترك بين الغنائم. # ومن جملة من يستحق من الغنيمة أصحاب الخمس، ومن الغانمين من لم يطبخ، ~~وأما نفس اللحم، فلم يتلفوه، بل يجب حمل الحديث على أنهم جمعوه وردوه إلى ~~المغنم، ولا يظن أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بإتلافه؛ لما ذكرنا. # فإن قيل: فلم ينقل أنهم حملوا اللحم إلى المغنم، قلنا: ولا نقول: إنهم ~~أحرقوه وأتلفوه، وإذا لم يأت فيه نقل صريح، وجب تأويله على وفق القواعد ~~الشرعية، وهو ما ذكرناه. PageV03P1628 # وهذا بخلاف إكفاء قدور لحم الحمر الأهلية يوم خيبر، فإنها أتلف ما فيها ~~من لحوم ومرق؛ لأنها صارت نجسة، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم - فيها: ~~"وإنها رجس أو نجس" كما سبق في بابه. وأما هذه اللحوم، فكانت طاهرة منتفعة ~~بها بلا شك، ولا يظن إتلافها. كيف وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- عن إضاعة المال؟ مع أن الجناية بطبخ اللحم لم تقع من جميع مستحقي الغنيمة ~~كما ذكرنا، والله أعلم. # قوله: "ثم قسم فعدل عشرة من الغنم ببعير" لا شك أن الشرع عدل في باب ~~الأضحية كل سبعة من الغنم ببدنة، بعيرا كان أو غيره، وهاهنا جاء التعديل ~~عشرة من الغنم ببعير، فلا بد من حمله على معنى يليق به: وهو أن الإبل كانت ~~نفيسة دون الغنم؛ بحيث كانت ms1112 قيمة البعير عشر شياه في هذه الواقعة، فتكون ~~قضية عين؛ بخلاف الغالب فيها في نظر الشرع؛ فإنه السبع ببعير. # وقوله: "فند منها بعير"؛ أي: شرد وذهب نافرا. # وقد ذكر المصنف -رحمه الله- الأوابد، ونزيد الكلام عليها، ولا شك أن ~~معناها النفور والتوحش، وهي جمع آبدة بالمد وكسر الباء المخففة، يقال منه: ~~أبدت بفتح الباء تأبد بضمها، وتأبد بكسرها، وتأبدت، معناه: نفرت من الإنس ~~وتوحشت، ويقال: جاء فلان بأبدة؛ أي: بكلمة، أو بخصلة منفرة للنفوس عنها. ~~والكلمة لازمة، وقد تأتي فاعلة بمعنى مفعولة (¬1). # قوله: "قلت: يا رسول الله! إنا لاقو العدو غدا، وليست معنا مدى، أفنذبح ~~بالقصب؟ ". # وفي رواية مسلم: "فنذكي بالليط" باللام المكسورة، والياء المثناة تحت ~~الساكنة ثم الطاء المهملة، وهي قشور القصب. وليط كل شيء: قشوره، والواحدة ~~ليطة؛ وهي معنى: أفنذبح بالقصب؛ على تقدير حذف المضاف في اللفظ. PageV03P1629 # وفي رواية "سنن أبي داود" وغيره: "أفنذبح بالمروة؟ " (¬1). # وهذه الروايات محمولة على أنهم قالوا هذا وهذا وهذا، فأجابهم - صلى الله ~~عليه وسلم - بجواب جامع لما سألوه كله ولغيره نفيا وإثباتا، فقال: "كل ما ~~أنهر الدم وذكر اسم الله عليه، ليس السن والظفر". # والمدى -بضم الميم وفتح الدال المهملة-: جمع مدية -بضم الميم وكسرها ~~وفتحها، ثلاث لغات-؛ وهي السكين، وهي مشتقة من المدى، وهو الغاية؛ لأن بها ~~مدى الأجل (¬2). # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه، ~~ليس السن والظفر". # أما "أنهر" فمعناه: أسال وصب بكثرة، وهو مشبه بجري الماء في النهر. # يقال: نهر الدم أو أنهرته. # ونقل القاضي عياض عن بعضهم: أن أنهز -بالزاي-، والنهز: بمعنى الدفع. # قال: وهو غريب. والمشهور الذي ذكره العلماء كافة، منهم الحربي: أنه ~~بالراء، والله أعلم (¬3). # والحكمة في إنهار الدم في الذبح تمييز حلال اللحم والشحم من حرامهما. # أما السنن والظفر؛ فهما منصوبان بالاستثناء ب (ليس). # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أما السن، فعظم"؛ أي: فهو عظم، وهو زاد ~~إخوانكم من الجن، وقد نهيتم عن الاستنجاء بالعظام لذلك؛ لئلا يتنجس ~~بالاستنجاء، فلذلك ms1113 ينجس بدم المذبوح، فلا تذبحوا به. PageV03P1630 # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وأما الظفر، فمدى الحبشة"؛ فمعناه: أن ~~الذبح بالظفر شعار لهم، وهم كفار، وقد نهيتم عن التشبه بالكفار. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: تحريم التصرف في الأموال المشتركة؛ كالغنيمة وغيرها من غير إذن ~~أربابها، وإن قلت، ووقع الاحتياج إليها. # ومنها: بيان مرتبة الصحابة -رضي الله عنهم-، وما كانوا عليه من الرجوع ~~إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وتقيدهم بأمره وقبوله في كل حالة، حتى في ~~ترك مصالحهم؛ تقربا إلى الله تعالى. # ومنها: أن للإمام عقوبة الرعية بما فيه مضرتهم؛ من إتلاف منفعة ونحوها، ~~إذا كان فيه مصلحة شرعية. # ومنها: أن قسمة الغنيمة لا يشترط فيها قسمة كل نوع على حدة. # ومنها: مقابلة كل عشرة من الغنم ببعير في قسمة الغنيمة وغيرها تعديلا ~~بالقيمة، وأنه لا يلزم الرجوع في ذلك إلى تعديل الشرع كما في البدنة أنها ~~عن سبعة. # ومن الناس من أوجب حمله على ذلك، وهذا الحديث يرد عليه. # ومنها: أن ما توحش من المستأنس يكون حكمه حكم الوحش، كما أن ما تأنس من ~~الوحش حكمه حكم المستأنس. # ومنها: جواز الذبح بكل ما يحصل به المقصود من غير توقف على كونه حديدا ~~بعد أن يكون محددا. # ومنها: اشتراط التسمية في ذلك أيضا؛ حيث إنه - صلى الله عليه وسلم - علق ~~الإذن بمجموع أمرين: إنهار الدم، والتسمية، والمعلق على شيئين ينتفي ~~بانتفاء أحدهما. # ومنها: جواز عقر الحيوان الناد إذا عجز عن ذبحه ونحوه. # قال أصحاب الشافعي وغيرهم: الحيوان المأكول الذي لا تحل ميتته ضربان: ~~مقدور على ذبحه، ومتوحش. PageV03P1631 # فالمقدور عليه: لا يحل إلا بالذبح في الحلق واللبة، وهذا مجمع عليه، ~~وسواء فيه الإنسي والوحشي إذا قدر على ذبحه؛ بأن أمسك الصيد، أو كان ~~مستأنسا. # وأما الوحشي؛ كالصيود والناد من الإنسي، فجميع أجزائها مذبح ما دامت ~~متوحشة، فإذا رماها بسهم، أو أرسل عليها جارحة فأصاب شيئا منها ومات، حل ~~بالإجماع، وكذا لو تردى منها شيء في بئر، ولم يكن قطع حلقومه ومريه، فهو ms1114 ~~كالناد في حله بالرمي بلا خلاف في مذهب الشافعي. # وفي حله بإرسال الكلب وجهان: أصحهما: لا يحل. # واعلم أنه ليس المراد بالتوحش مجرد الإفلات، بل تيسر لحوقه بعدو، أو ~~استعانة بمن يمسكه، ونحو ذلك. فإذا كان كذلك، جاز رميه. ولا يكلف الصبر على ~~القدرة عليه، سواء كانت الجراحة في فخذه، أو خاصرته، أو أي موضع كان من بدنه. # وممن قال بجواز عقر الناد: علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه-، وابن مسعود، ~~وابن عمر، والحكم، وحماد، والنخعي، والثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، ~~وأبو ثور، والمزني، وداود، والجمهور. # وقال سعيد بن المسيب، وربيعة، والليث، ومالك: لا يحل إلا بذكاته في حلقه؛ ~~كغيره، وحديث رافع حجة عليهم، والله أعلم. # ومنها: جواز ذبح المنحور ونحر المذبوح، وقد منعه داود، وعن مالك ثلاث ~~روايات: يكره، ويحرم، ويجوز ذبح المنحور دون نحر المذبوح. # وأجمع العلماء على أن السنة في الإبل النحر، وفي الغنم الذبح، وفي البقر ~~كالغنم عندنا وعند الجمهور، وقيل: يتخير بين ذبحها ونحرها. # ومنها: التنبيه على أن تحريم الميتة إنما هو لبقاء دمها. # ومنها: التصريح بمنع الذبح بالسن والظفر مطلقا، ويجوز الذبح بكل ما له حد ~~يقطع غيرهما؛ كالسيف والسكين والسنان والحجر والخشب والزجاج PageV03P1632 # والخزف والنحاس، وسائر الأشياء المحددة. # ولا يجوز بظفر الآدمي وغيره من الحيوانات، سواء المتصل والمنفصل، والطاهر ~~والنجس. # وكذلك لا يجوز بسن الآدمي وغيره الطاهر والنجس والمتصل والمنفصل. # وقد نبه - صلى الله عليه وسلم - على العلة فيهما وبينهما، فكل ما صدق ~~عليه اسمهما لا تجوز الذكاة به. # وبهذا قال جمهور العلماء، وبه قال فقهاء الحديث، وهو مذهب الشافعي ~~وأصحابه، وهو قول النخعي، والحسن بن صالح، والليث، وأحمد، وإسحاق، وأبي ~~ثور، وداود. # وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يجوز بالسن والعظم المتصلين، ويجوز ~~بالمنفصلين. # وعن مالك روايات: # أشهرها: جوازه بالعظم دون السنن كيف كانا. # والثانية: كمذهب الجمهور. # والثالثة: كمذهب أبي حنيفة. # والرابعة: حكاها عنه ابن المنذر: يجوز بكل شيء حتى بالسن والظفر. # وعن ابن جريح، جواز الذكاة بعظم الحمار دون القرد، وهذا ms1115 مع ما قبله ~~باطلان منابذان للسنة. # واعلم أن الذكاة في المذبوح لا تحصل إلا بقطع الحلقوم والمريء بكمالهما، ~~ويستحب قطع الودجين، ولا يشترط، وهذا أصح الروايتين عن أحمد. # قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنه إذا قطع الحلقوم والمريء والودجين، ~~وأسال الدم، حصلت الذكاة. قال: واختلفوا في قطع بعض هذا، PageV03P1633 # فقال الشافعي: يشترط قطع الحلقوم والمريء، ويستحب الودجان، وقال الليث، ~~وأبو ثور، وداود، وابن المنذر: يشترط الجميع. # وقال أبو حنيفة: إذا قطع ثلاثة من هذه الأربعة، أجزأه. # وقال مالك: يجب قطع الحلقوم والودجين، ولا يشترط المريء، وهذه رواية عن ~~الليث أيضا، وعن مالك رواية: أنه يكفي قطع الودجين، وعنه: اشتراط قطع ~~الأربعة، كما قال الليث، وأبو ثور. # وعن أبي يوسف ثلاث روايات: # إحداها: كأبي حنيفة. # والثانية: إن قطع الحلقوم واثنين من الثلاثة الباقية، حلت، وإلا فلا. # والثالثة: يشترط قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين. # وقال محمد بن الحسن: إن قطع من كل واحد من الأربعة أكثره، حل، وإلا فلا. # وكل هذه المذاهب داخلة تحت قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما أنهر الدم ~~فكل"، والله أعلم. # ومنها: التصريح بأنه يشترط في الذكاة ما يقطع ويجري الدم، ولا يكفي رضها ~~ولا دمغها بما لا يجري الدم. # * * * PageV03P1634 ### || AUTO باب الأضاحي # هو جمع أضحية -بضم الهمزة وكسرها-، لغتان. ويقال لها: ضحية -بلا همز-، ~~وجمعها: ضحايا، ويقال: أضحاة؛ وجمعها أضحى؛ كأرطاة وأرطى. ففي المفرد أربع ~~لغات، وفي الجمع ثلاث لغات على لغات المفرد. وباللغة الثالثة من الجمع سمي ~~يوم الأضحى (¬1). # * * * # عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: ضحى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بكبشبن أملحين أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما (¬2). # الأملح: الأغبر، وهو الذي فيه سواد وبياض. # هذا الذي ذكره المصنف -رحمه الله- في تفسير الأملح هو قول الكسائي، إلا ~~أنه زاد فيه: والبياض أكثر، وزاد المصنف فيه على قول الكسائي: الأغبر، ولم ~~أره لغيره. # وقال ابن الأعرابي وغيره: الأملح: هو الأبيض الخالص البياض. PageV03P1635 # وقال الأصمعي: هو الأبيض، ويشوبه شيء من السواد. # وهذا ms1116 الذي قاله كأنه معنى قول المصنف: الأغبر. # وقال أبو حاتم: هو الذي يعلو بياضه حمرة. # وقال بعضهم: هو الأسود تعلوه حمرة. # وقال الخطابي: هو الأبيض الذي في خلل صوفه طبقات سود. # قال الداودي: هو المتغير الشعر ببياض وسواد (¬1). # وكأن المعنى في الأضحية الجامع لها: أن تكون مليحة في المنظر، وطيب ~~اللحم، وكثرته. # وقوله: "أقرنين"؛ أي: لكل واحد منهما قرنان حسنان. # وقوله: "ووضع رجله على صفاحهما"؛ أي: صفحة عنق كل واحد منهما، وهي جانبه. # وإنما فعل هذا؛ ليكون أثبت له وأمكن؛ لئلا تضطرب الذبيحة برأسها، فتمنعه ~~من إكمال الذبح، أو تؤذيه. # وورد النهي في بعض الأحاديث عن هذا، لكن حديث الكتاب أصح منه، والعمل عليه. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: شرعية الضحية، ولا خلاف أنها من شرائع الدين، وهي سنة مؤكدة، وهي ~~مذهب الشافعي وأصحابه، وبه قال أحمد، وأبو يوسف، ومحمد. # وقال أبو حنيفة: هي واجبة على المقيمين من أهل الأمصار، ويعتبر في وجوبها ~~النصاب، وهو قول مالك، والثوري، ولم يعتبر مالك الإقامة. PageV03P1636 # والمالكية يقدمون فيها الغنم على الإبل، بخلاف الهدايا؛ فإن الإبل فيها ~~مقدمة. والشافعية تقدم الإبل فيها. # وقد يستدل المالكية باختيار النبي - صلى الله عليه وسلم - للغنم في ~~الأضاحي، وباختيار الله تعالى الغنم في فداء الذبيح. # ومنها: استحباب تعداد الأضحية؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - ضحى بكبشين. # ومنها: استحباب التضحية بالأقرن، وأجمع العلماء على جوازها بالأجم الذي ~~لم يخلق له قرنان. # واختلفوا في مكسور القرن: فجوزه الشافعي، وأبو حنيفة، والجمهور، سواء كان ~~يدمى أم لا. وكرهه مالك إذا كان يدمى، وجعله عيبا. # ومنها: استحباب أحسنها وأكملها، واختيار ذلك لها، وهو مجمع عليه، وعلى ~~عدم إجزاء المعيبة منها بالعيوب الأربعة الثابتة في الحديث الصحيح في "سنن ~~أبي داود"، والترمذي، والنسائي، وغيرهم من حديث البراء -رضي الله عنه-، ~~وهي: المرض، والعجف، والعور والعرج البينان (¬1)، وكذا ما كان في معناها. # ومنها: استحباب استحسان لون الأضحية، وهو مجمع عليه. وقد [قال] أصحاب ~~الشافعي -رحمهم الله تعالى-: وأفضلها البيضاء، ثم الصفراء، ثم الغبراء: وهي ms1117 ~~غير الصافية البياض، ثم البلقاء، وهي ما كان بعضها أبيض، وبعضها أسود، ثم ~~السوداء. # وقوله - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح في وصف الكبش المضحى به: "يطأ في ~~سواد ويبرك PageV03P1637 # في سواد، وينظر في سواد" (¬1)؛ معناه: أن قوائمه وبطنه وما حول عينيه أسود. # ومنها: استحباب أن يتولى الإنسان ذبح أضحيته بنفسه، ولا يوكل فيها إلا ~~لعذر، وحينئذ يستحب أن يشهد ذبحها. # وإن استناب فيها مسلما، جاز بلا خلاف، وإن استناب كتابيا، كره كراهة ~~تنزيه، وأجزأه، ووقعت التضحية عن الموكل. # وبهذا قال الشافعي والعلماء كافة، إلا مالكا في إحدى الروايتين عنه، فإنه ~~لم يجوزها، ويجوز أن يستنيب صبيا، وامرأة حائضا، لكن يكره توكيل الصبي. # وفي كراهة توكيل الحائض وجهان، لكنها أولى من الصبي، والصبي أولى من ~~الكتابي. # والأفضل أن يوكل مسلما فقيها بباب الذبائح والضحايا؛ لأنه أعرف بشروطها ~~وسننها. # ومنها: شرعية التسمية عليها، وكذا على سائر الذبائح، وهو مجمع عليه، لكن ~~الخلاف وقع في أنها شرط أم مستحبة، وتقدم ذلك ودليله في الصيد. # ومنها: استحباب التكبير مع التسمية عند الذبح، فيقول: باسم الله والله أكبر. # ومنها: استحباب وضع الرجل على صفحة عنق الأضحية اليمنى (¬2). # واتفق العلماء وعمل المسلمين على أن إضجاعها يكون على جانبها الأيسر، ~~وإذا كان كذلك، كان وضع الرجل على الجانب الأيمن. قالوا: لأنه أسهل على ~~الذابح في أخذ السكين وإمساك رأسها باليسار. # ويستحب للإنسان أن يضحي عن نفسه وعن أهل بيته، وإشراكهم معه في الثواب. PageV03P1638 # وبهذا قال الشافعي، وجمهور العلماء، وكرهه الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه. # وزعم الطحاوي أن الحديث المروي في جواز الإشراك في النية فيها منسوخ أو مخصوص. # وغلطه العلماء في ذلك، وقالوا: إن النسخ والتخصيص لا يثبتان بمجرد ~~الدعوى، والله أعلم. # * * * PageV03P1639 ### | AUTO كتاب الأشربة ### || AUTO الحديث الأول # عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ~~قال على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أما بعد: أيها الناس! إنه ~~نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة؛ من العنب والتمر والعسل والحنطة ms1118 والشعير، ~~والخمر: ما خامر العقل، وثلاث -أيها الناس-، وددت أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - كان عهد إلينا فيهن عهدا ننتهي إليه: الجد، والكلالة، وأبواب ~~من أبواب الربا (¬1). # اعلم أن الخمر نزل تحريمها بعد نزول سورة الأحزاب، في سورة المائدة. # ولما قدم الدارميون من لخم عشرة أنفس في ربيع الأول سنة تسع من الهجرة: ~~هانئ بن حبيب، والفاكه بن النعمان، وجبلة بن مالك، والوهيد بن برة، وأخوه ~~الطيب بن برة، وتميم بن أوس، ونعيم بن أوس، وزيد بن قيس، وعروة بن مالك، ~~وأخوه برة بن مالك، وأهدوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - راوية ~~خمر، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله قد حرم الخمر"، ~~فأمروا ببيعها، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الذي حرم شربها حرم ~~بيعها" (¬2). PageV03P1641 # ولما نزل قوله تعالى: {يسألونك عن الخمر والميسر} الآية [البقرة: 219]، ~~وكان سبب نزولها سؤال عمر بن الخطاب، ومعاذ بن جبل، وجماعة من الأنصار أتوا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقالوا: يا رسول الله! أفتنا في الخمر ~~والميسر، فإنها مذهبة للعقل، مسلبة للمال، أنزل الله تعالى: {يسألونك} ~~الآية (¬1). # قال المفسرون: أنزل الله تعالى في الخمر أربع آيات نزلت بمكة: {ومن ثمرات ~~النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا} [النحل: 67]، فكان المسلمون يشربونها وهي ~~لهم حلال يومئذ. # ثم نزلت في مسألة عمر ومعاذ - رضي الله عنهما -: {يسألونك عن الخمر ~~والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس} [البقرة: 219] الآية، فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله يقدم في تحريم الخمر" (¬2)، فتركها ~~قوم لقوله تعالى: {إثم كبير}، وشربها قوم لقوله تعالى: {ومنافع للناس}. # إلى أن صنع عبد الرحمن بن عوف طعاما، فدعا ناسا من أصحاب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، وأتاهم بخمر، فشربوا وسكروا، فحضرت صلاة المغرب، فقدموا ~~بعضهم ليصلي بهم، فقرأ: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون. .، هكذا إلى ~~آخر السورة، بحذف "لا"، فأنزل الله تعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ~~حتى تعلموا ما تقولون} [النساء: 43]، فحرم ms1119 المسكر في أوقات الصلاة، فلما ~~نزلت هذه الآية، تركها قوم وقالوا: لا خير في شيء يحول بيننا وبين الصلاة ~~(¬3)، فتركها قوم في أوقات الصلاة، وشربوها في غير حين الصلاة، حتى كان ~~الرجل يشرب بعد صلاة العشاء، فيصبح وقد زال منه السكر، ويشرب بعد الصبح، ~~فيصحو إذا جاءت الظهر. # واتخذ عينان بن مالك ضيفا، ودعا له رجالا من المسلمين فيهم سعد بن أبي PageV03P1642 # وقاص، وكان قد شوى لهم رأس بعير، فأكلوا منه وشربوا الخمر حتى أخذت منهم، ~~ثم إنهم افتخروا عند ذلك وانتسبوا، وتناشدوا الأشعار، وأنشد سعد قصيدة فيها ~~هجاء للأنصار، وفخر لقومه، فأخذ رجل من الأنصار لحي البعير فضرب بها رأس ~~سعد، فشجه موضحة، فانطلق به سعد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وشكا إليه الأنصاري، فقال عمر؛ اللهم بين لنا رأيك في الخمر بيانا شافيا، ~~فأنزل الله تعالى تحريم الخمر في سورة المائدة: {يا أيها الذين آمنوا إنما ~~الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه} إلى قوله: ~~{فهل أنتم منتهون (91)} [المائدة: 90 - 91]، وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيام، ~~فقال عمر: انتهينا يا رب (¬1). # قال أنس: حرمت الخمر، ولم يكن للعرب عيش أعجب منها، وما حرم عليهم شيء ~~أشد من الخمر، والله أعلم. # واعلم أن الآية في تحريمها فيها عشرة أوجه من الأدلة على تحريمها: # الأول: وصفها بأنها رجس من عمل الشيطان. # الثاني: ضمها إلى الميسر والأنصاب والأزلام. # الثالث: ترجي الفلاح لمجتنبها. # الرابع: إرادة الشيطان إيقاع العداوة بين المؤمنين بسببها. # الخامس: إرادته إيقاع البغضاء فيها. # السادس: صدها عن ذكر الله تعالى. # السابع: صدها عن الصلاة. # الثامن: كونها من عمل الشيطان. # التاسع: إرادة الشيطان لما يترتب عليها بمجرده يقتضي تحريمها. # العاشر: استفهام الانتهاء عنها بهل، يقتضي أمرين: # أحدهما: البلاغة في النهي. PageV03P1643 # الثاني: اللطف في طلب النهي، ويتضمن ذلك فضل ربنا علينا من جميع الوجوه، ~~اللهم أوزعنا شكر نعمتك، ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك ~~رحمة إنك أنت الوهاب، والله أعلم. # قوله: "نزل تحريم الخمر وهي ms1120 من خمسة؛ من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، ~~والشعير"؛ هذا إشارة من عمر - رضي الله عنه - إلى أن القرآن نزل أمره ونهيه ~~على وفق اصطلاح الناس فيما يفعلونه ويجتنبونه؛ فإن الخمر كانت حينئذ من هذه ~~الأشياء، فلا يحملونها على واحد متخذ من هذه الخمسة، بل منها ومن غيرها، ~~ولهذا قال عمر - رضي الله عنه -: والخمر: ما خامر العقل، وقال ذلك في خطبته ~~بمشهد من الصحابة -رضي الله عنهم- وغيرهم، ولم يرد ذلك عليه أحد، بل أقروه، ~~ونقلوه، وعملوا به، وصار ذلك إجماعا. # وإنما حمل عمر - رضي الله عنه - على ذلك، وقوله في الخطبة: فإن أهل ~~الحجاز قالوا: الخمر ما اعتصر من العنب فقط، وخصوه به، فأراد -رضي الله ~~عنه- أن يعرفهم أن القرآن إنما نزل على وفق العادة فيما يتخذ منه، لا ~~بالنسبة إلى لغتكم يا أهل الحجاز. # وقوله: "وهي من خمسة"، وذكرها، هي جملة في موضع الحال. # وقوله: "والخمر: ما خامر العقل" ثلاث مجاز تشبيه، وهو من باب تشبيه ~~المعنى بالمحسوس. # واعلم أن العقل معنى قائم بإدراك الموجودات، وهو في الإنسان قائم ببدنه ~~ونفسه وروحه، فإذا سكر واحد من هذه الثلاثة، سكر الباقيان، وزال العقل ~~المدرك. # والإدراك هو مطلوب لله تعالى من العباد؛ ليقوموا بسببه بالعبودية، وإذا ~~كان ذلك كذلك، كان فقد العقل سببا لفقد الإدراك المطلوب، فلذلك حرم ما ~~خامره مخامرة محاله؛ وهي البدن والنفس والروح، فجميع المشروبات المسكرات ~~تخامر بدن الإنسان، فتخامر نفسه وروحه، وجميع الشهوات؛ كالعشق واللهو PageV03P1644 # والطرب وغيرها تخامر النفس، فتخامر البدن والروح، وجميع النغمات تخامر ~~الروح، فتخامر النفس والبدن. # فإن كان مأذونا فيها؛ كطيب الصوت بالقرآن والذكر، والنظم الذي فيه معنى ~~يناسبهما، كان [ذلك] (¬1) سببا لإنعاش العقل ومزيد إدراكه، وإن كان غير ~~مأذون فيه؛ كالشعر بغير الحكمة، وبالهجاء والغزل ووصف المحرمات والشهوات ~~والملهيات؛ حيث إنه - صلى الله عليه وسلم - قال في الشعر: "إنه نفث ~~الشيطان" (¬2)، كان سببا لإنعاش الروح والنفس، لكنه بسبب غير مأذون فيه، ~~فتسكر الروح به، وتستلذ به، فيحصل لها السكون، فيظن أن ذلك السكون ms1121 هو ~~المشاهدات والمكاشفات، فتسكن إليه إلى ظنها، فيفوتها المقصود، وذلك عين ~~الجنون، فلذلك جميعه حرم الشرع جميع أنواع السكر. # ومن هاهنا رحل الشيطان على المتقفرة والمتصوفة؛ حيث سكنت أرواحهم ونفوسهم ~~إلى طيب الأنغام المضافة إلى المعاني الشعرية، فاشتغلت به عن المعاني ~~الذكرية والحكمية بواسطة الملاهي والمطربات، والله أعلم. # وقوله - رضي الله عنه -: "ثلاث وددت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عهد إلينا فيهن عهدا ننتهي إليه": إنما ود ذلك؛ حيث إنه أبعد عن الشبهة ~~بالاجتهاد وعدم الإصابة، وإن كان مأجورا عليه أجرا واحدا، بخلاف النص فيه؛ ~~فإنه إصابة محضة لا مدخل للاجتهاد فيه، بل هو عبودية محضة، وانقياد، وعدم ~~تقلد، بل هو تقليد، والله أعلم. # وقوله: "الجد" يريد: ميراثه؛ وقد كان للسلف المتقدمين فيه خلاف كثير، ~~ومذهب أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -: أنه بمنزلة الأب عند عدم الأب. # وقوله: "والكلالة"؛ هي من لا أب له ولا ولد له عند الجمهور، وآية الكلالة PageV03P1645 # نزلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في طريق مكة في حجة الوداع، ~~وتسمى: آية الصيف. # وقوله: "وأبواب من أبواب الربا"؛ حيث إن تفاصيله كثيرة، والاشتباه يقع ~~بينه وبين البيع كثير، فيحتاج العالم والحاكم في النظر والفصل بينهما إلى ~~تعب وكلفة. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: أن الخطب مشروعة لتبيين الأحكام للناس، خصوصا إذا وقع الاشتباه ~~والاختلاف فيها من الإمام والعالم ونحوهما. # ومنها: استحباب قول: "أما بعد" في الخطبة بعد الثناء على الله تعالى، ~~والصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقبل الكلام في المقصود. # ومنها: التنبيه للناس بالنداء، وأيها. # ومنها: ذكر الدليل على المقصود فيها. # ومنها: تحريم الخمر. # ومنها: التصريح بتحريم جميع الأنبذة المسكرة، وأنها كلها تسمى خمرا، ~~وسواء في ذلك نبيذ التمر والزبيب والعسل والحبوب وأنواع ذلك جميعه مما ~~ينبذ، فكلها محرمة، وتسمى خمرا. # وهذا مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وجماهير العلماء من السلف والخلف. # وقال قوم من أهل البصرة: إنما يحرم عصير العنب ونقيع الزبيب النيء، فأما ~~المطبوخ منهما، والنيء، والمطبوخ مما ms1122 سواهما، فحلال، ما لم يشرب ويسكر. # وقال أبو حنيفة: إنما يحرم عصير ثمرات النخل والعنب، قال: فسلاقة العنب ~~يحرم قليلها وكثيرها إلا أن تطبخ حتى ينقص ثلثاها. # قال: وأما نقيع التمر، فقال: يحل مطبوخها، وإن مسته النار شيئا من غير PageV03P1646 # اعتبار لحد، كما اعتبر في سلاقة العنب. قال: والنيء منه حرام، قال: ولكن ~~لا يحد شاربه. # هذا كله ما لم يشرب ويسكر، فإن سكر، فهو حرام بإجماع المسلمين. # واحتج الجمهور بالقرآن والسنة. # أما القرآن: فهو أن الله تعالى نبه على أن علة تحريم الخمر كونها تصد عن ~~ذكر الله، وعن الصلاة، وهذه العلة موجودة في جميع المسكرات البدنية ~~والنفسية والروحية، فوجب طرد الحكم في الجميع من المسكر في جميع محاله. # فإن قيل: إنما يحصل هذا المعنى في الإسكار، وهو مجمع عليه. # قلنا: وقد أجمعوا على تحريم عصير العنب وإن لم يسكر، وقد علل تحريمه بما ~~سبق، فإذا كان ما سواه في معناه، وجب طرد الحكم في الجميع، ويكون التحريم ~~للجنس المسكر، وعلل بما يحصل من الجنس في العادة. # وهذا إنما يقع التحريم فيه إذا عصر لقصد الخمرية، أما إذا عصر لقصد ~~الخلية، فالتحريم فيه حال كونه خمرا، أما في حال عصره، فلا يحرم؛ حيث لم ~~يسكر، ولم يقصد بعصره الخمرية، وأما في حال كونه يصير خلا؛ فلأنه قصد بعصره ~~له دون الخمرية. وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "نعم الإدام الخل"، ولو ~~كان حراما، لم يقل ذلك؛ حيث إنه لا يتصور وجود خل إلا بعد تخميره. # ولما كان الأمر كما ذكرنا، وأن كان الأحكام تتبدل بحسب الصفات والمقاصد، ~~قام ذلك مقام التصريح بالنطق وأبلغ، وجب أن يجعل الإسكار هو علة التحريم. # وأما السنة: فهذا الحديث في خطبة عمر - رضي الله عنه -، والحديث الآتي: ~~"كل شراب أسكر فهو حرام" (¬1)، وقوله - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح: ~~"كل مسكر حرام" (¬2)، PageV03P1647 # ونهيه عن كل مسكر، وكل مسكر حرام، "وكل مسكر خمر" (¬1)، وقوله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن كل مسكر أسكر عن الصلاة (¬2)، والله ms1123 أعلم. # ومنها: التنبيه على شرف العقل وفضله. # ومنها: استحباب أن يود الإنسان الخير وعدم الاشتباه، والبيان الواضح؛ ~~لعدم وقوع الاختلاف، ولإرادة الوفاق. # ومنها: إبراز ذلك وإيضاحه للناس. # ومنها: أن المعتبر في الأحكام الشرعية مفاهيم الصحابة -رضوان الله عليهم- ~~ولغاتهم وحالهم؛ حيث إن القرآن العزيز نزل عليهم بلغتهم وفهمهم، والله أعلم. # * * * ### || AUTO الحديث الثاني # عن عائشة -رضي الله عنها-، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه سئل عن ~~البتع، فقال: "كل شراب أسكر، فهو حرام" (¬3). # البتع: نبيذ العسل. # البتع -بكسر الباء الموحدة بلا خلاف، وسكون التاء المثناة فوق، ويقال ~~بفتحها أيضا؛ كقمع وقمع-. وقد فسره المصنف بنبيذ العسل، وكذا قاله غيره. PageV03P1648 # وقال غيره: هو شراب العسل، وهو خمر أهل اليمن (¬1). # وفي الحديث دليل: على تحريمه، وتحريم كل مسكر. # وأهل الحجاز يرون أن المراد بالشراب: الجنس والعين، والكوفيون يحملونه ~~على القدر المسكر. # وعلى قول الأكثرين الأولين؛ يكون المراد بكونه أنه مسكر بالقوة؛ أي: فيه ~~صلاحية ذلك، والله أعلم. # * * * ### || AUTO الحديث الثالث # عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-، قال: بلغ عمر -رضي الله عنه-: أن ~~فلانا باع خمرا، فقال: قاتل الله فلانا! ألم يعلم أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "قاتل الله اليهود! حرمت عليهم الشحوم، فجملوها فباعوها" (¬2). # جملوها: أذابوها. # فلان المبهم في هذا الحديث الذي باع الخمر، وقال عمر - رضي الله عنه -: ~~قاتله الله؛ هو: سمرة بن جندب. قاله الخطيب البغدادي في "مبهماته"، وابن ~~بشكوال، والله أعلم (¬3). # وتقدم الكلام على الشحوم وأحكامها وما يتعلق بذلك من الأدهان في آخر باب: ~~العرايا، من كتاب: البيوع. PageV03P1649 # وفي الحديث دليل: على تحريم الخمر وبيعها. # وفيه دليل: على تحريم بيع ما حرمت عينه مطلقا. # وفيه دليل: على استعمال الصحابة -رضي الله عنهم- القياس في الأمور من غير ~~نكير؛ لأن عمر - رضي الله عنه - قاس بيع الخمر عند تحريم عينها على بيع ~~الشحوم عند تحريمها، وهو قياس من غير شك. # وفيه دليل: على تأكيد جواز استعمال القياس؛ حيث دعا عمر -رضي الله عنه- ~~على من خالفه ms1124 فباعها بقوله: قاتل الله فلانا. # وفيه دليل على تحريم الحيل المحرمة، والدعاء على فاعلها، والله أعلم. # * * * PageV03P1650 ### | AUTO كتاب اللباس ### || AUTO الحديث الأول # عن عمر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا ~~تلبسوا الحرير؛ فإن من لبسه في الدنيا، لم يلبسه في الآخرة" (¬1). # أما الحرير؛ فهو اسم جنس، واحدته هريرة، ذكره الجوهري. # وقال أبو هلال العسكري: ويقال له: الدمقس، والسرق، والسيراء. [وقيل: ~~السيراء] (¬2): ضرب من البرود مسير مخطط، وهو عربي، وقيل: فارسي معرب، وهو ~~ضعيف. وإنما سمي حريرا؛ لأنه من خالص الإبريسم. وأصل هذه الكلمة الخلوص، ~~ومنه قولهم: طين حر؛ لأنه لم يخالطه رمل أو حمأة. وقيل للحر خلاف العبد: ~~حر؛ لأنه خالص لنفسه، وحررت الكتاب: خلصته من التسويد. هذا آخر كلامه، ~~والله أعلم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تلبسوا الحرير"؛ هذا خطاب للذكور، فلا ~~يدخل فيه الإناث، كما قال عبد الله بن الزبير في خطبته: لا تلبسوا نساءكم ~~الحرير، مستدلا بهذا الحديث على تحريمه عليهن، وهو مذهبه. PageV03P1651 # لكنه وقع الإجماع على إباحته لهن، وخطاب الذكور لا يتناول النساء عند ~~الإطلاق عند محققي الأصوليين، والأحاديث الصحيحة في "صحيح مسلم" مصرحة ~~بإباحته لهن؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر عليا وأسامة أن يكسوا ~~الحرير نساءهما، والحديث مشهور أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في ~~الحرير والذهب: "إن هذين حرام على ذكور أمتي، حل لإناثها" (¬1)، والله أعلم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإنه من لبسه في الدنيا، لم يلبسه في ~~الآخرة"؛ هذا علة منه - صلى الله عليه وسلم - للمنع من لبسه، وكأنه إشارة ~~إلى ما فيه من التنعم والتزيين، فقوبل من لبسه في الدنيا بمنعه إياه في ~~الآخرة؛ كما منع من شرب الخمر في الدنيا، [بمنعه] (¬2) شربها في الآخرة، ~~وكذلك من طرب في الدنيا بغير مأذون فيه صورة ومعنى، لم يطرب في الآخرة؛ ~~فالطرب في الشرع: هو عبارة عن فكر يطرأ عند التدبر فيما يسمعه، والمأذون ~~فيه: هو القرآن، والحديث النبوي، وغيرهما من الأحكام والحكم ms1125 والمواعظ، نثرا ~~ونظما، فمن طرب بغير ذلك بغير صورة الطرب شرعا، لم يطرب في الآخرة. # ولفظ هذا الحديث بذكر هذه العلة، عام في الرجال والنساء، لكنه مخصوص في ~~النساء بأحاديث الإذن لهن في لبسه، فيبقى على منعه في الرجال. # ولا نقول: إن عموم هذا الحديث ناسخ؛ لخصوص الإذن في النساء؛ لعدم معرفة ~~التاريخ، والمتقدم منها والمتأخر. # نعم، لو قيل بكراهته لهن، لم يبعد، لكني لا أعلم من قال به الآن، فإنهم ~~قالوا: هو مباح لهن بالإجماع، وهو مستوي الطرفين، والكراهة ترجيح جانب PageV03P1652 # المنع على الإباحة، لكنه قد يكون الشيء مكروها بالنسبة إلى تنقيص الثواب ~~في الآخرة، لا للإذن فيه في الدنيا. # ومثل هذا في أحكام الدنيا امتناع الملائكة من دخول البيت الذي فيه صورة، ~~مع الإذن في جواز افتراش الذي فيه الصورة؛ جلوسا ونوما وحذاء. # وكذلك من يجوز شرب الخمر للتداوي؛ فإن مقتضى الحديث منع من شربها في ~~الآخرة مطلقا، له ولغيره. # وبالجملة، فالكراهة لهن غير بعيدة، ولو لم تكن لشيء إلا لكون الخلاف قد ~~حكي في تحريمه عليهن قبل الإباحة. # كيف وقد روى النسائي بإسناد حسن عن عقبة بن عامر - رضي الله عنه -: أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يمنع أهله الحلية والحرير، ويقول: ~~"إن كنتم تحبون حلية الجنة وحريرها، فلا تلبسوها في الدنيا" (¬1). # وهذا يقوي ما فهمه ابن الزبير من المنع، والإجماع مع الأحاديث الصحيحة ~~يمنع التحريم عليهن، فيحملى حديث عقبة بن عامر، ومنع ابن الزبير وغيره: على ~~كراهة التنزيه؛ جمعا بين الأدلة، والله أعلم. # وفي هذا الحديث دليل: على تحريم مطلق الحرير، وهو محمول عند جمهور ~~العلماء على الخالص منه في حق الرجال، والنهي عندهم للتحريم. # والممتزج بغيره اختلف الفقهاء فيه اختلافا كثيرا: # فمنهم: من منعه مطلقا للرجال؛ لأجل مسمى الحرير، إلا فيما خرج عنه ~~بالإجماع، فيحل، ويبقى فيما عداه على التحريم. # ومنهم: من اعتبر في التحريم الغلبة، فمنهم من اعتبرها بالظهور وفي ~~الرؤية؛ كالعتابي؛ فإن الظهور فيه أغلب من الوزن، والله أعلم. PageV03P1653 ### || AUTO الحديث ms1126 الثاني # عن حذيفة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: "لا تلبسوا الحرير، ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ~~ولا تأكلوا في صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة" (¬1). # تقدم الكلام على حذيفة. # وأما الديباج؛ فهو بكسر الدال وفتحها عجمي معرب، جمعه ديابيج ودبابيج؛ ~~وهو ما غلظ وثخن من ثياب الحرير. # وذكره بعد الحرير، وإن كان نوعا منه، هو من باب ذكر الخاص بعد العام. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولا تأكلوا في صحافها". الصحاف: جمع ~~صحفة، وهي دون القصعة، قال الجوهري: قال الكسائي: أعظم القصاع الجفنة، ثم ~~القصعة تليها تشبع العشرة، ثم الصحفة تشبع الخمسة، ثم المكيلة تشبع الرجلين ~~والثلاثة، ثم الصحيفة تشبع الرجل (¬2). # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإنها لهم في الدنيا"؛ أي: للكفار، ~~ومعناه: أن الكفار إنما يحصل لهم ذلك في الدنيا، وأما الآخرة، فما لهم فيها ~~من نصيب، وأما المسلمون، فلهم في الجنة الحرير والذهب، وما لا عين رأت، ولا ~~أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. # وليس في الحديث حجة لمن يقول: الكفار غير مخاطبين بفروع الشرع؛ لأنه لم ~~يصرح بإباحتها لهم، وإنما أخبر عن الواقع في العادة أنهم هم الذين ~~يستعملونه في الدنيا، وإن كان حراما عليهم كما هو حرام على المسلمين، وإنما PageV03P1654 # ذكر ذلك تنبيها على تحريم التشبه بهم فيما يعانونه من أمور الدنيا؛ ~~تأكيدا للمنع منه. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولكم في الآخرة"؛ أي: يوم القيامة، وإنما ~~ذكر ذلك؛ لئلا يظن أنه يحصل ذلك بمجرد الموت، وأنه يصير في أحكام الآخرة في ~~هذا الإكرام، فبين - صلى الله عليه وسلم - أنما ذلك في يوم القيامة وبعده ~~في الجنة أبدا، فتكون لهم يوم القيامة حكما، وتستمر في الجنة أبدا، والله أعلم. # وفي هذا الحديث دليل: على تحريم لبس الحرير والديباج مطلقا. # وذكر أصحاب الشافعي أنه يجوز لبس الديباج الثخين الذي لا يقوم غيره مقامه ~~في دفع السلاح حالة القتال، وكأنهم يجعلون ذلك من الأمور المحتاج ms1127 إليها ~~أنها كإذنه - صلى الله عليه وسلم - في لبس الحرير للحكة، والله أعلم. # وفيه دليل: على تحريم استعمال أواني الذهب والفضة مطلقا، وتخصيص الشرب ~~والأكل بالنهي دون غيرهما من الحالات؛ لكونهما الغالب في الاستعمال، لا ~~لتقييده بهما. # وللشافعي قول ضعيف: أن المنع منهما للتنزيه، وهو متفق على ضعفه. # واختلف في تعليل المنع منهما، فقيل: للسرف والخيلاء. وقيل: لتعليل ~~النقدين؛ حيث إن الحكمة اقتضت الانتفاع بهما في المعاملات، فلا يضيق على ~~الناس في ذلك؛ بجعلهما في غيره، والله أعلم. # وفيه: التنبيه على منع التشبه بالكفار. # وفيه: التحضيض على الصبر عن ذلك احتسابا لنيله في الآخرة؛ حيث إنها ~~الباقية، وما عداها فان، والتعلق بالباقي خير من التعلق بالزائل الفاني، ~~والله أعلم. # * * * PageV03P1655 ### || AUTO الحديث الثالث # عن البراء بن عازب -رضي الله عنهما- قال: ما رأيت من ذي لمة، في حلة ~~حمراء، أحسن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، له شعر يضرب منكبيه، ~~بعيد ما بين المنكبين، ليس بالقصير ولا بالطويل (¬1). # تقدم الكلام على البراء بن عازب. # وأما اللمة -بكسر اللام وتشديد الميم وتاء التأنيث المكتوبة هاء-، وهي من ~~شعر الرأس دون الجمة، سميت بذلك؛ لأنها ألمت بالمنكبين، فإذا زادت، فهي ~~الجمة (¬2). # وأما الحلة؛ فهي ثوبان غير لفقين، رداء وإزار، سميا بذلك حلة؛ لأن كل ~~واحد منهما يحل على الآخر، والحلة واحد الحلل. # قال الخليل: ولا يقال حلة لثوب واحد، وقال أبو عبيد: الحلل: برود اليمن، ~~وقال بعضهم: ولا يقال لها حلة حتى تكون جديدة؛ لحلها عن طيها (¬3). # وفي الحديث: أنه رأى رجلا عليه حلة؛ اتزر بأحدهما، وارتدى بالأخرى (¬4)، ~~وهذا يدل على أنهما ثوبان. # وقوله: "وله شعر يضرب منكبيه"؛ المنكب: ما بين الكتف والعنق، والمراد: أن ~~شعره - صلى الله عليه وسلم - مسترسل غير مضفور ولا مكفوف. # وفي الحديث دليل: على جواز لبس الأحمر. PageV03P1656 # وأما الأحاديث الواردة في المنع من الثياب الحمر للرجال في "سنن أبي ~~داود" وغيره (¬1)، ففي أسانيدها مقال، ولو ثبتت، لكانت محمولة على خلاف ~~الأولى، والله أعلم. # وفيه دليل: على اعتناء الصحابة ms1128 -رضي الله عنهم- بضبط أحواله - صلى الله ~~عليه وسلم - وهيئاته، ونقلها إلى الناس تبركا وتأسيا. # وفيه: استحباب إرسال شعر الرأس للرجل. وكان لشعر رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - حالان؛ أحدهما: إلى المنكبين إذا طال. والثاني: إلى شحمة أذنيه ~~إذا قصره، والله أعلم. # ويستحب الاقتداء به في هيئاته، وأموره الخلقية، وما كان منها ضروريا لم ~~يتعلق به استحباب على وضعه. والله أعلم. # * * * ### || AUTO الحديث الرابع # عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- أيضا، قال: أمرنا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بسبع، ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، ~~وتشميت العاطس، وإبرار القسم أو المقسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، ~~وإفشاء السلام، ونهانا عن خواتيم أو تختم بالذهب، وعن الشرب بالفضة، وعن ~~المياثر، وعن القسي، ولبس الحرير والإستبرق والديباج (¬2). # قوله: "وعن المياثر"؛ هي جمع مئثرة بكسر الميم، والمياثر بكسر الثاء PageV03P1657 # المثلثة، قبل الراء، وهي أوطية كانت النساء تضعها لأزواجهن على السرج، ~~وكانت من مراكب المعجم، وتتخذ من الحرير ومن الصوف وغيرهما. # وقيل: هي أغشية للسروج تتخذ من الحرير، وقيل: هي سروج من الديباج. # وقيل: هي شيء كالفراش الصغير تتخذ من حرير يحشى بقطن أو صوف، ويجعلها ~~الراكب تحته فوق الرجل. # والمئثرة، مهموزة، وهي مفعلة من الوثارة. ويقال: وثر: بضم الثاء، وثارة ~~بفتح الواو، فهو وثير؛ أي: وطيء لين. وأصلها: مؤثرة، فقلبت الواو ياء ~~للكسرة قبلها، كما في ميزان وميقات وميعاد؛ من الوزن، والوقت، والوعد، ~~وأصله: موزان، وموقات، وموعاد (¬1). # فالمئثرة إن كانت من الحرير؛ كما هو الغالب فيما كان من عادتهم، فهي ~~حرام؛ لأنه جلوس على حرير، والجلوس على الحرير حرام على الرجال. # وفي "صحيح البخاري" عن يزيد بن رومان: أن المراد بالمئثرة: جلود السباع ~~(¬2)، وهو قول باطل مخالف لما أطبق عليه أهل اللغة والحديث وسائر العلماء ~~(¬3)، والله أعلم. # وأما القسي؛ فهو بفتح القاف وكسر السين المهملة المشددة، قال أبو عبيد: ~~أهل الحديث يكسرون القاف، وأهل مصر يفتحونها. وهذا الذكره قاله هو قول بعض ~~أهل الحديث. والصحيح المشهور فتحها. PageV03P1658 # واختلف في تفسيره: # فقال ms1129 مسلم بن الحجاج: فأما القسط، فثياب مضلعة يؤتى بها من مصر والشام ~~فيها شبه. # وقال البخاري: فيها حرير أمثال الأترج. # وقال أهل اللغة وغريب الحديث: هي ثياب مضلعة بالحرير تعمل بالقس، -بفتح ~~القاف- وهي قرية على ساحل البحر قريبة من "تنيس". # وقيل: هي ثياب كتان مخلوط بحرير. # وقيل: هي ثياب من القز، وأصله القزي بالزاي، منسوب إلى القز، وهي رديء ~~الحرير، فأبدل من الزاي سين (¬1). # وهذا القسي، إن كان حريره أكثر من الكتان، فالنهي عنه للتحريم، وإلا ~~فلكراهة التنزيه. # وأما الإستبرق؛ فغليظ الديباج. وتقدم ذكر الديباج في الحديث الثاني من ~~هذا الباب. # والإستبرق والديباج حرام؛ لأنهما من الحرير. وذكر الديباج بعد الإستبرق، ~~إما من باب ذكر العام بعد الخاص؛ ليستفاد بذكر الخاص: فائدة التنصيص، ومن ~~ذكر العام: زيادة إثبات الحكم في النوع الآخر، أو يكون ذكر الديباج من باب ~~التعبير بالعام عن الخاص، ويراد به: ما رق من الديباج ليقابل ما غلظ وهو ~~الإستبرق. # وقد قيل: الإستبرق لغة فارسية، انتقلت إلى لغة العرب، وذلك الانتقال لضرب ~~من التعبير، كما العادة عند التعريب. PageV03P1659 # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: شرعية عيادة المريض، وهي سنة بالإجماع، وسواء فيه من تعرفه ومن لا ~~تعرفه، والقريب والأجنبي. # واختلف العلماء في الأوكد والأفضل منهما. # وقد تجب العيادة؛ حيث يضطر المريض إلى من يتعاهده، وإن لم يعد، ضاع. # وأوجبها الظاهرية من غير هذا القيد؛ لظاهر الأمر. # واختلف الأصوليون في الاعتذار يقول داود الظاهري وأتباعه في الإجماع ~~والخلاف. # والمحققون يقولون: لا يعتد به؛ لإخلالهم بالقياس، وهو أحد شروط المجتهد ~~الذي يعتد به، والله أعلم. # ومنها: شرعية اتباع الجنائز، وهي سنة بالإجماع، وسواء فيه من يعرفه ~~وقريبه وغيرهما. # ويحتمل أن يراد به: اتباعها للصلاة عليها، فإن كان ذلك هو المراد، فهو من ~~فروض الكفايات عند الجمهور، ويكون التعبير بالاتباع عن الصلاة من باب مجاز ~~الملازمة في الغالب؛ لأنه ليس من الغالب أن يصلى على الميت ويدفن في محل موته. # ويحتمل أن يراد به: الرواح إلى محل الدفن لمواراته، والمواراة -أيضا- من ms1130 ~~فروض الكفايات عند الجمهور لا تسقط إلا بمن تتأدى به. # ومنها: شرعية تشميت العاطس؛ وهو قول سامع العاطس: "يرحمك الله"؛ بشرط حمد ~~العاطس الله تعالى، وإسماعه المشمت حمده، وكونه مسلما. # والتشميت بالشين المهملة والمعجمة لغتان. # قال الليث: ومعناه: ذكر الله تعالى على كل شيء، ومنه قولك للعاطس: يرحمك ~~الله. PageV03P1660 # وقال: ثعلب: يقال: سمت العاطس، وشمته: إذا دعوت له بالهدى والطريق ~~المستقيم. # قال: والأصل فيه: السين المهملة، فقلبت شينا معجمة. # وقال صاحب "المحكم": تشميت العاطس معناه: هداك الله إلى السمت، قال: وذلك ~~لما في العطاس من الانزعاج والقلق. # وقال أبو عبيدة وغيره: الشين المعجمة أعلى اللغتين. # وقال ابن الأنباري: يقال: منه شمته، وسمت عليه: إذا دعوت له بخير، وكل ~~داع بخير فهو مشمت، ومسمت (¬1). # قال العلماء من الشافعية وغيرهم: تشميت العاطس سنة على الكفاية، إذا فعله ~~بعض الحاضرين، سقط الأمر عن الباقين. # قالوا: ولكن الأفضل أن يشمته كل واحد من الحاضرين؛ لظاهر قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - في الحديث الصحيح: "كان حقا على كل مسلم سمعه أن يقول له: ~~يرحمك الله" (¬2). # وأوجب ذلك على كل من سمعه: ابن مزين من المالكية. وأجازه ابن العربي ~~المالكي، وهو ظاهر الحديث، والله أعلم. # ومنها: شرعية إبرار القسم والمقسم؛ ومعناه: إبراره بالوفاء بمقتضاه وعدم ~~التحنيث فيه. # فالمقسم بضم الميم وكسر السين، فيكون في الكلام حذف مضاف تقديره: وإبرار ~~يمين المقسم، والقسم بفتح القاف والسين، فيكون قوله: القسم أو المقسم شكا ~~من الراوي، ويحتمل أن يكون المقسم بفتح الميم والسين بمعنى، PageV03P1661 # القسم، فيكون اللفظان بمعنى كرر لتغاير الألفاظ، فلا تكون "الواو" للشك، ~~وهو سنة مؤكدة، إذا لم يكن على المقسم عليه ضرر ولا مفسدة في دين ولا دنيا، ~~فإن كان شيء من ذلك، لم يبر قسمه. # كما ثبت أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - لما عبر الرؤيا بحضرة النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أصبت بعضا ~~وأخطأت بعضا"، فقال: أقسمت عليك يا رسول الله لتخبرني، فقال: "لا تقسم" ولم ms1131 ~~يخبره (¬1). # ثم القسم يكون تارة على سبيل اليمين؛ كقوله: "والله لتفعلن كذا"، فهو آكد ~~من غيره في إبراره القسم، وتارة يكون على سبيل التحليف؛ كقوله: "بالله افعل ~~كذا"، فهو دون الأول في تأكيد الإبرار للقسم؛ لأن فيه إيجاب الكفارة على ~~المقسم، وهي تغريم المال، وذلك إضرار به، بخلاف الثاني، فإنه عار عن ذلك، ~~والله أعلم. # ومنها: شرعية نصر المظلوم، وهو من الفروض اللازمة لمن علم ظلم المظلوم ~~وقدر على نصره، ولم يخف ضررا؛ لما فيه من فعل المعروف معه، وإزالة المنكر ~~عن ظالمه. # وقد ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "انصر أخاك ظالما أو ~~مظلوما"، قيل: يا رسول الله! أنصره مظلوما، فكيف أنصره ظالما؛! قال: "تمنعه ~~من الظلم، فذاك نصرك إياه" (¬2)، وذلك دفع الضرر عن المظلوم في الدنيا، ~~والظالم في الآخرة، والله أعلم. # ومنها: شرعية إجابة الداعي؛ وهي عامة، والاستحباب شامل، ما لم يقم مانع. PageV03P1662 # وقد توسع الفقهاء من الشافعية وغيرهم في الأعذار المرخصة لتركها، وعدم ~~الإجابة، وجعل بعضها مخصصا لهذا العموم في إجابة الداعي. # ولا شك أن منها ما يجب أن يكون عذرا، ومنها ما لا ينبغي أن يكون عذرا؛ ~~كقولهم: لا تجب إجابة من لا يليق بالمدعو مجالسته؛ لما فيه من نقص مرتبته ~~وتبذله بإجابته؛ لفضله، وهذا إن نقص فضله وعدم قبوله، فالأمر كما قالوه، ~~وإن نقص مجرد الرتبة عادة، لكنه حصل خير وتواضع ومزيد خير أخروي للداعي من ~~غير نقص أخروي أو ضرر دنيوي للمدعو، فلا شك أن هذا مشروع مسنون مؤكد، ولا ~~يكون ذلك عذرا في عدم الإجابة، ولا مخصصا للعموم، والله أعلم. # وتقدم الاختلاف في وجوب وليمة العرس، وعدد الولائم الإسلامية في النكاح. # ومنها: إفشاء السلام، وهو إشاعته وبذله والإعلان به لكل مسلم. وقد قال - ~~صلى الله عليه وسلم - في الصحيح: "وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" ~~(¬1)، وتعلقت بذلك مصلحة المودة المطلوبة للشرع في إشارته - صلى الله عليه ~~وسلم - في الصحيح في قوله: "أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ ms1132 أفشوا ~~السلام بينكم" (¬2). # والإفشاء يكون: في الابتداء بالسلام ورده، فالابتداء به سنة بالإجماع، ~~والرد فرض بالإجماع، فإن كان المسلم عليه واحدا، تعين عليه الرد، وإن كانوا ~~جماعة، كان فرض كفاية في حقهم، إذا رد أحدهم، سقط الحرج عن الباقين. # واعلم أنه قد وقع الأمر بهذه الأمور السبعة بصيغة واحدة، وبعضها للإيجاب ~~وبعضها للندب. PageV03P1663 # ولا شك أن أصل الأمر للإيجاب، وهو حقيقة فيه. # فإذا حملنا بعضه على الندب، وبعضه على الإيجاب، كنا قد استعلمنا اللفظة ~~الواحدة في الحقيقة الواحدة والمجاز معا، وذلك ممنوع على مذهب من يمنع ذلك، ~~لكنه وقع في الكتاب العزيز عطف الواجب على غير الواجب في غير موضع بصيغتين ~~مختلفتين في لفظهما ومعناهما، وهاهنا اتفق لفظ الأمر، واختلف معنى المأمور ~~به، فتكون الصيغة في الأمر موضوعة للقدر المشترك بين الوجوب والندب من ~~رجحان الفعل، ومطلق الطلب، ولا يكون دالا على أحد الخاصتين؛ الوجوب والندب، ~~فتكون اللفظة مستعملة في معنى واحد، والله أعلم. # ومنها: تحريم التختم بالذهب على الرجال، وهو مجمع عليه، وكذا لو كان بعضه ~~ذهبا وبعضه فضة، فإنه حرام. # قال أصحاب الشافعي -رحمهم الله-: ولو كان سن الخاتم ذهبا، أو كان مموها ~~بذهب يسير، فهو حرام؛ لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الآخر ~~في الحرير والذهب: "إن هذين حرام على ذكور أمتي" (¬1). # وقد روى الإمام أحمد -رحمه الله- في "مسنده": أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "من # تحلى ذهبا، أو حلى ولده مثل خربصيصة، لم يدخل الجنة" (¬2). # والخربصيصة: هي الجنة التي تتراءى في الرمل، لها بصيص كأنها عين جرادة. ~~ومنه الحديث: "إن نعم الدنيا أقل وأصغر عند الله من خربصيصة" (¬3). PageV03P1664 # ومنها: تحريم الشرب في إناء الفضة، ولا فرق بين الأكل والشرب وسائر ~~الاستعمال في التحريم، ولا فرق بين الرجال والنساء في ذلك. وأجمع المسلمون ~~على ذلك، إلا ما حكاه بعض أصحاب الشافعي العراقيين عند قول قديم للشافعي: ~~أنه يكره ولا يحرم، إلا ما حكي عن داود الظاهري من تحريم الشرب دون غيره، ~~وهما نقلان باطلان؛ ms1133 لمخالفتهما الأحاديث الصحيحة في النهي عن ذلك جميعه، ~~وللوعيد عليه بالنار كما بيناه، ولمخالفتهما الإجماع. # وداود الظاهري لا تعد مخالفته خارقة للإجماع عند المحققين من الأصوليين ~~كما قدمنا ذكره. # والقول القديم للشافعي مرجوع عنه، إذا خالفه قوله الجديد، فلا يكون قولا ~~له، ولا تحل نسبته إليه إلا للبيان. كيف ولم يثبت عنه هذا قولا قديما؟ # قال صاحب "التقريب"-وهو من متقدمي الشافعية، وهو أتقنهم لنقل نصوصهم-: ~~سياق كلام الشافعي في القديم يدل على أنه أراد نفس الذهب والفضة الذي اتخذ ~~منه الإناء، وأنه ليس حراما، ولهذا لم يحرم الحلي على المرأة. هذا آخر ~~كلامه (¬1). # والمجتهد لو قال قولا صريحا، ثم رجع عنه، لم تحل نسبته إليه، ولا يبقى ~~قولا له، وإنما يذكر وينسب إليه مجازا باسم ما كان عليه، لا أنه قول له ~~الآن، فثبت انعقاد الإجماع على تحريم استعمال إناء الذهب والفضة في الأكل ~~والشرب وسائر الاستعمالات، حتى يحرم الأكل بملعقة من أحدهما، والتجمر ~~بمجمرة PageV03P1665 # منهما، والبول في إناء منهما، والمكحلة، والميل، وظرف الغالية، وغير ذلك، ~~وسواء فيه الإناء الكبير والصغير. # ويستوي في التحريم الرجل والمرأة بلا خلاف، وإنما يفترقان في التحلي ~~للمرأة؛ لما يقصد منها؛ مثل التزين للزوج والسيد؛ حيث إن الزينة لها أدعى ~~إلى النكاح المطلوب للشرع. # ويحرم استعمال ماء الورد والادهان من قارورة الذهب والفضة. # فلو ابتلي بطعام في إناء منهما، أو من أحدهما، فليخرج الطعام إلى شيء ~~آخر، ويأكل منه، ولو ابتلي بدهن في قارورة من فضة، فليصبه يزيده اليسرى، ثم ~~يصبه من اليسرى في اليمنى ويستعمله. # ويحرم تزيين الحوانيت والبيوت والمجالس والقبور والمدارس بأواني الذهب ~~والفضة، وقناديلهما، ويحرم الاغتسال والوضوء منهما، ولو فعلهما، عصى، وصح ~~وضوءه واغتساله عند مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، والعلماء كافة، إلا رواية ~~عن أحمد، وقال بها داود: لا يصح وضوءه واغتساله. # والصواب: صحتهما، وكذلك: لو أكل أو شرب منهما، عصى بالفعل، ولا يكون ~~المأكول والمشروب حراما، وهذا كله في حال الاختيار. # أما إذا اضطر إلى استعمال إناء منهما، ولم يجد غيره، ms1134 فله استعماله ~~للضرورة؛ بلا خلاف؛ كما يباح أكل الميتة للضرورة. # ويصح بيع إناء الذهب والفضة؛ لأنه عين طاهرة يمكن الانتفاع به بالسبك، ~~ويحرم اتخاذ أواني الذهب والفضة على الأصح من مذهب الشافعي. # ومنهم من قال: يكره، فيستحق صانعه الأجرة، ويجب على كاسره أرش النقص. # ولا يحرم الإناء من الزجاج النفيس بالإجماع. # وفي الياقوت، والزمرد، والفيروزج وغيرها وجهان: PageV03P1666 # أصحهما: يجوز استعمالها. # والثاني: يحرم. # ومنها: تحريم مياثر الحرير على الرجال، سواء كانت على رحل أو سرج أو ~~غيرهما، وإن كانت من غيرهما، فليست بحرام. # ومذهب الشافعي وغيره: لا كراهة فيها، سواء كانت حمراء أم لا؛ فإن الثوب ~~الأحمر لا كراهة فيه، وقد ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - لبس حلة حمراء. # وحكى القاضي عن بعض العلماء كراهتها؛ لئلا يظنه الرائي من بعيد حريرا. # ومنها: تحريم استعمال القسي إن كان حريرا، أو أكثر [ه] حريرا، وإلا كان ~~مكروها كراهة تنزيه. # ومنها: تحريم الإستبرق والديباج، وسائر أنواع ثياب الحرير على الرجال. # والله أعلم. # * * * ### || AUTO الحديث الخامس # عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- اصطنع خاتما من ذهب، وكان يجعل فصه في باطن كفه إذا لبسه، فصنع الناس، ثم ~~إنه جلس فنزعه وقال: "إني كنت ألبس هذا الخاتم، وأجعل فصه من داخل"، فرمى ~~به، ثم قال: "والله لا ألبسه أبدا"، فنبذ الناس خواتيمهم (¬1). وفي لفظ: ~~جعله في يده اليمنى (¬2). # أما الخاتم؛ ففيه أربع لغات: فتح التاء، وكسرها، وخيتام، وخاتام. PageV03P1667 # وأما الفص؛ فبفتح الفاء وكسرها. # وجعل فص الخاتم مما يلي كفه؛ لأنه أصون لفصه، وأسلم له، وأبعد من الزهو ~~والإعجاب. # وقد عمل السلف بالوجهين في خاتم الفضة، فيمن اتخذه في ظاهر الكف: ابن ~~عباس - رضي الله عنهما -، قالوا: ولكن الباطن أفضل؛ اقتداء به - صلى الله ~~عليه وسلم -. # وفي الحديث دليل: على تحريم لبس خاتم الذهب على الرجال، وهو مجمع عليه، ~~وقد كان مباحا في أول الإسلام. # وحكي عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أنه أباحه ms1135 للرجال، وعن بعضهم: ~~أنه مكروه لا حرام. # وهما نقلان باطلان، ولو صحا، لكان قائلهما محجوجا بالأحاديث الصحيحة، مع ~~إجماع من قبله على تحريمه على الرجال. # وأجمع المسلمون على إباحته للنساء. # وأما خاتم الفضة؛ فأجمع المسلمون على جواز لبسه للرجال. # وكره بعض العلماء المتقدمين من أهل الشام لبسه لغير ذي سلطان، ورووا فيه ~~أثرا، وهذا شاذ مردود. # قال الخطابي: ويكره للنساء خاتم الفضة؛ لأنه من شعار الرجال. قال: فإن لم ~~تجد خاتم ذهب، فلتصفره بزعفران وشبهه. # قال شيخنا الإمام أبو زكريا النووي -رحمه الله-: وهذا الذي قاله ضعيف، أو ~~باطل لا أصل له، والصواب أنه لا كراهة في لبسها خاتم الفضة (¬1). # قلت: إلا أن يصير في العادة لبسهن إياه تشبها بالرجال، فينبغي أن يكون ~~حراما، والله أعلم. # وفيه دليل: على إطلاق لفظة اللبس على التحريم. PageV03P1668 # وفيه دليل: على مسألة التأسي بأفعاله - صلى الله عليه وسلم - كما يقوله ~~الأصوليون؛ فإن الناس نبذوا خواتيمهم لما رأوه - صلى الله عليه وسلم - نبذ خاتمه. # قال شيخنا القاضي أبو الفتح بن دقيق العيد -رحمه الله-: وهذا عندي لا ~~يقوى في جميع الصور التي تمكن في هذه المسألة؛ فإن الأفعال التي يطلب فيها ~~التأسي على قسمين: # أحدهما: ما كان الأصل أن يمنع لولا التأسي؛ لقيام المانع فيه، فهذا يقوي ~~الاستدلال به في محله. # والثاني: ما لا يمتنع فعله لولا التأسي كما نحن فيه. # فإن أقصى ما في الباب: أن يكون لبسه حراما على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - دون الأمة، ولا يمتنع حينئذ أن يطرحه من أبيح له لبسه، فمن أراد أن ~~يستدل بهذا على التأسي، فيما الأصل منعه لولا التأسي لو لم يفعل، لم يكن ~~جيدا؛ لما ذكرته من الفرق، والله أعلم (¬1). # وفيه دليل: على التختم في اليد اليمنى، ولا يقال: إنه منسوخ؛ لكونه - صلى ~~الله عليه وسلم - رمى به؛ لأن الرمي نسخ لجواز لبسه لكونه ذهبا، لا لكون ~~التختم في اليمين بغير الذهب لا يسوغ، فالمنسوخ: الحكم، لا وصف الحكم، وقد ~~ثبت في "صحيح ms1136 مسلم": أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تختم في اليمين ~~واليسار في الخنصر، ونهى عن التختم في الوسطى والتي تليها. وفي غير "مسلم": ~~السبابة والوسطى. # وأجمع المسلمون على أن السنة جعل خاتم الرجل في الخنصر؛ وأما المرأة ~~فينها تتخذ خواتيم في أصابع. # قال العلماء: والحكمة في كونه في الخنصر: أنه أبعد من الامتهان فيما ~~يتعاطى باليد؛ لكونه طرفا، ولأنه لا يشغل اليد عما تتناوله من أشغالها، ~~بخلاف غير الخنصر، ويكره للرجل جعله في الوسطى والتي تليها كراهة تنزيه ~~(¬2). PageV03P1669 # قلت: وينبغي أن يقال: إن غلب في العادة التشبه بالنساء في ذلك أن يكون ~~حراما، والله أعلم. # وأما جعله في اليد اليمنى، فمجمع عليه، وعلى جواز جعله في اليسار، ولا ~~كراهة في واحدة منهما. # واختلف السلف في أيتهما أفضل؟ ففعله كثيرون منهم في اليمين، وكثيرون في ~~اليسار، واستحب مالك -رحمه الله- اليسار، وكره اليمين. # ولأصحاب الشافعي في ذلك وجهان؛ الصحيح: أن اليمين أفضل؛ لأنه زينة، ~~واليمين أشرف وأحق بالزينة والإكرام، والله أعلم. # * * * ### || AUTO الحديث السادس # عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~نهى عن لبوس الحرير، إلا هكذا، ورفع لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إصبعيه: السبابة والوسطى (¬1). # ولمسلم: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن لبس الحرير، إلا موضع ~~إصبعين أو ثلاث أو أربع (¬2). # وهذا الحديث جمع فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - النهي عن لبس ~~الحرير، وما رخص منه، ومقداره، وفيه: الرد على من توسع فيه بالزيادة على ~~أربع أصابع. # والمراد بالأصابع: أصابع الآدمي، لا أصابع الذراع القاسمي؛ بدليل إشارته ~~- صلى الله عليه وسلم - برفعه إصبعيه: السبابة والوسطى. PageV03P1670 # ولا شك أن الرخصة بالإصبعين والثلاث والأربع من الحرير، أعم من كونها سدى ~~ولحمة، أو بعضها من هذا حريرا، ومن الآخر غيره مما يصدق عليه اسم الحرير. # وقد توسع الفقهاء فيه باعتباره بالوزن أو الظهور، إذا كانا مختلطين، ونسج ~~منهما، ويحتاجون إلى الاعتذار عن هذا الحديث، إما بتأويل وبعدم معارض. # ويدخل في الإباحة ms1137 العلم في الثوب والعمامة وغيرهما، إذا لم يزد على أربع ~~أصابع، وهو مذهب الشافعي وجمهور العلماء. # وعن مالك رواية بمنعه، وعن بعض أصحابه رواية بإباحة العلم بلا تقدير أربع ~~أصابع، بل قالوا: يجوز وإن عظم. # وهما قولان مردودان بصراحة هذا الحديث، والله أعلم. # ويدخل في النهي عن لبوس الحرير: جميع الملبوسات من القبع والكلوتة ~~والقباء والجبة والدراعة والفرجية، وسائر وجوه استعماله، إلا فيما استثناه ~~الشرع في محاله وضروراته ورخصه. # وقد ذكرت ذلك جميعه مع أحكام الذهب في كتاب، "الإيضاح"، وبينته أحسن ~~بيان، فمن أراد معرفة شيء من ذلك، فليطلبه منه، والله أعلم بالصواب. # * * * PageV03P1671 ### | AUTO كتاب الجهاد ### || AUTO الحديث الأول # عن عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله عنه-: أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في بعض أيامه التي لقي فيها العدو، انتظر، حتى إذا مالت الشمس، قام ~~فيهم فقال: "أيها الناس! لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا ~~لقيتموهم، فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف"، ثم قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: "اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب! ~~اهزمهم، وانصرنا عليهم" (¬1). # أما عبد الله بن أبي أوفى؛ فتقدم الكلام عليه قريبا. # وأما انتظاره - صلى الله عليه وسلم - حتى مالت الشمس، وأنه قام فيهم، ~~فقال: "يا أيها الناس ... " وفي رواية في غير هذا الحديث: أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - كان إذا لم يقاتل أول النهار، انتظر حتى تزول الشمس (¬2). # فقال العلماء: سببه أنه أمكن للقتال؛ فإنه وقت هبوب الرياح ونشاط النفوس، ~~وكلما طال ازدادوا نشاطا وإقداما على عدوهم. وفي "صحيح PageV03P1673 # البخاري": آخر: حتى تهب الأرواح وتحضر الصلوات (¬1)، وذلك لفضيلة أوقات ~~الصلاة والدعاء عندها. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله ~~العافية"؛ إنما نهى عن ذلك؛ خشية ألا تكون الأمور المقدرة في النفس، ~~كالأمور المحققة عند التحقيق، فكره تمني لقاء العدو لذلك، ونهى عنه خوفا من ~~إعجاب النفس والاتكال عليها والوثوق بالقوة، وهو نوع بغي؛ وقد ضمن الله ~~تعالى لمن بغي عليه أن ينصره، ms1138 ولأنه يتضمن قلة الاهتمام بالعدو واحتقاره، ~~وهذا كله يخالف الاحتياط والحزم. # وقد ثبت في الصحيح النهي عن تمني الموت؛ فإن قوله المطلع شديد، وفي ~~الجهاد زيادة على مطلق الموت، وتأول بعضهم النهي عن التمني على صورة خاصة، ~~وهي: إذا شك في المصلحة فيه، وحصول ضرر، وإلا فالقتال كله فضيلة وطاعة. # والصحيح: الأول؛ ولهذا نبه - صلى الله عليه وسلم - عقب نهيه عن التمني ~~بسؤال العافية؛ فينها لا يعدلها شيء، والسلامة الدنيوية والأخروية مطلوبة ~~للشرع، ولهذا حذر من الفتن والاختلاف ومواضعها ومواقعها؛ طلبا للسلامة. # فالتمني منهي عنه؛ لما يخشى فيه من عدم الثبات والافتتان. وطلب النصر ~~والشهادة مأمور بهما؛ لما فيهما من إعزاز الدين، وإعلاء كلمة الله تعالى، ~~والجزاء عليهما. وسؤال العافية مطلوب من الألفاظ العامة المتناولة لدفع ~~جميع المكروهات في الظاهر والباطن، في البدن والدين، والدنيا والآخرة. # وقد سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العافية في ذلك جميعه، والله أعلم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإذا لقيتموهم فاصبروا"؛ لما كان ملاقاة ~~العدو محلا للتزلزل، وعدم الثبات على المطلوب، أمر الشرع فيه بالصبر؛ وهو ~~كظم ما يؤلم. والصبر PageV03P1674 # المأمور به أن يكون جميلا، فلا يكون فيه شكوى ولا جزع. وهذا أحد أركان ~~القتال. # وقد جمع الله تعالى آداب القتال في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا ~~لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (45) وأطيعوا الله ~~ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين (46) ~~ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله} ~~[الأنفال: 45 - 47]. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف"؛ ~~معناه: أن السبب الموصل إلى الجنة ورفع درجاتها: هو الضرب بالسيوف في سبيل ~~الله، مع المشي إلى الجهاد في سبيل الله تعالى، فينبغي لكم أن تحضروا فيه ~~بصدق، وتثبتوا. # وهذا اللفظ الذي قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، هو من باب ~~البلاغة وحسن المجاز، فيكون من باب التشبيه مع حذف المضاف؛ فإن الظل لما ~~كان ملازما ms1139 للشيء القائم، جعل ثواب الجنة واستحقاقها عن الجهاد وإعمال ~~السيوف لازما لذلك؛ كما يلزم الظل. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم ~~الأحزاب! اهزمهم وانصرنا عليهم!؛ هذا الدعاء إشارة إلى ثلاثة أسباب تطلب ~~بها الإجابة؛ وهي: الإنزال، والقدرة بالإجراء، والهزم، وفي كل شيء سبب معنى ~~يصلح السؤال به، فكأنه طلب النصر للكتاب المنزل بقوله: "منزل الكتاب"، فكما ~~أنزلته، فانصره وأعله، وطلب بالقدرة على إجراء السحاب وهزم الأحزاب هزم ~~الأعداء والنصر عليهم، وذلك إشارة إلى تفرده -سبحانه وتعالى- بالفعل، ~~وتجريد التوكل واطراح الأسباب، واعتقاد أن الله -عز وجل- هو الفاعل، وهذه ~~الأسباب توسل بالنعمة السابقة إلى نعمه اللاحقة، وقد ضمن الله ذلك في كتابه ~~العزيز حكاية عن يحيى - صلى الله عليه وسلم - في قوله تعالى: {ولم أكن ~~بدعائك رب شقيا} [مريم: 4]، وعن إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - قوله ~~تعالى: {سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا (47)} [مريم: 47]. PageV03P1675 # وقال الشاعر: # لقد أحسن الله فيما مضى ... كذلك يحسن فيما بقي (¬1) # وقال آخر: # لا والذي قد من بالإسلام ... يثلج في فؤادي # ما كان يختم بالإساءة ... وهو بالإحسان بادي # وفي هذا الحديث دليل: على كراهة تمني الموت [و] لقاء العدو. # وفيه دليل: على الصبر عند اللقاء. # وفيه: استحباب القتال بعد زوال الشمس، واستحباب أن الإمام يعلم الناس ما ~~يحتاجون إليه وقت حاجتهم. # وفيه: سؤال الله تعالى العافية. # وفيه: التنبيه على أسباب الجنة بالضرب بالسيوف. # وفيه: التحريض على القتال. # وفيه: سؤال الله تعالى بنعمته السابقة؛ لطلب نعمته اللاحقة. # وفيه: استحباب الدعاء عند القتال والاستنصار عند اللقاء. # وفيه: مراعاة انشراح النفوس وانبساطها لفعل الطاعات، والله أعلم. # * * * ### || AUTO الحديث الثاني # عن سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه-: أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "رباط يوم في سبيل الله، خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط ~~أحدكم في الجنة، خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سببل ~~الله أو الغدوة، خير من الدنيا وما عليها" (¬2). PageV03P1676 # أما الرباط؛ فهو المقام في الثغور المتاخمة ms1140 لبلاد العدو، وهي في الأصل: ~~الإقامة على جهاد العدو بالحرب وارتباط الخيل وإعدادها، وقد يطلق الرباط ~~على كل مقيم على طاعة؛ كالطهارة والصلاة وغيرهما من العبادات. ومنه قوله - ~~صلى الله عليه وسلم - في إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى ~~المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة: "فذلكم الرباط فذلكم الرباط". # والرباط؛ مصدر رابطت؛ أي: لازمت. # وقيل: هو اسم لما يربط به الشيء؛ أي: يشد. # فكأن المرابط في الثغور وغيرها، ربط نفسه عن الاشتغال بغيرها من ~~المخالفات، وحظوظ النفس. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "رباط يوم في سبيل الله"؛ السبيل في ~~الأصل: الطريق، وتؤنث وتذكر، والتأنيث فيها أغلب، وسبيل الله يقع على كل ~~عمل خالص سلك به طريق التقريب إلى الله تعالى بأداء الفرائض والنوافل ~~وأنواع التطوعات، وإذا أطلق، فهو في الغالب واقع على الجهاد حتى صار لكثرة ~~الاستعمال كأنه مقصور عليه. والله أعلم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خير من الدنيا وما فيها"؛ هذا تنزيل ~~للمغيب منزلة المحسوس المحقق، تحقيقا وتثبيتا في النفوس؛ فإن نعم الدنيا ~~وملكها ولذاتها محسوسة مستعظمة في طباع النفوس، محقق عندها: أن ثواب اليوم ~~الواحد في الرباط -وهو من المغيبات- خير من المحسوسات التي عهدتموها من ~~لذات الدنيا. # وقد استبعد بعضهم أن يوازى شيء من نعيم الآخرة بالدنيا كلها، فحمل الحديث ~~على الثواب المرتب على اليوم في الرباط في سبيل الله خير من الدنيا وما ~~فيها موازنة بين ثوابين أخرويين؛ لاستحقاره الدنيا في مقابلة شيء من ~~الأخرى، ولو على سبيل التفضيل. PageV03P1677 # قال شيخنا الإمام أبو الفتح بن دقيق العيد -رحمه الله-: والأول عندي أوجب ~~وأظهر، والله أعلم (¬1). # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وموضع سوط أحدكم في الجنة، خير من الدنيا ~~وما عليها"؛ لما كان جزاء أعمال الناس الصالحة في الدنيا الجنة ونعيمها، ~~نبه - صلى الله عليه وسلم - أن موضع السوط وقلة مساحته مما عقلتموه في ~~الدنيا، أنه قليل جدا، ومع هذا؛ فهو من الجنة خير من الدنيا وما فيها؛ ~~تنبيها على عظم الجنة التي هي ثواب الله تعالى، ms1141 وحقارة الدنيا وخساستها ~~واجتناب حظوظها ولذاتها، وعدم الاغترار بها؛ فإن كل عاقل يقدم الباقي الآجل ~~على الفاني العاجل، والله أعلم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "والروحة يروحها العبد في سبيل الله، أو ~~الغدوة، خير من الدنيا وما عليها": # الروحة بفتح الراء: المرة من الرواح؛ أي وقت كان. والمراد به هاهنا: مرة ~~في وقت الزوال إلى غروب الشمس. # والغدوة بفتح الغين: المرة من الغدو، وهو: من أول النهار إلى الزوال. # و"أو" للتقسيم لا للشك. # ويقع الفعل من الغدو والرواح على اليسير والكثير من الفعل الواقع في ~~الوقتين من أول النهار إلى الزوال، ومنه إلى غروب الشمس. وفي ذلك زيادة ~~ترغيب وفضل وتعظيم، والله أعلم. # ولا تختص الغدوة والروحة بالذهاب من بلدته، بل يحصل الثواب المذكور بكل ~~واحدة منهما في طريقه إلى الغزو، وفي موضع القتال؛ لأن الجميع يسمى غدوة ~~وروحة في سبيل الله. # وفي هذا الحديث: حث على الرباط في سبيل الله، وتنبيه على فضله. # وفيه: تنبيه على فضل الله تعالى، وما أعده للطائعين في الجهاد وغيره في ~~الجنة وإن قل. PageV03P1678 # وفيه: حث على الغدو والرواح في سبيل الله. # وفيه: التصريح بحقارة الدنيا ونعيمها وما فيها. # وفيه: التنبيه على فناء الدنيا وزوالها، وبقاء الآخرة ودوامها، والله أعلم. # * * * ### || AUTO الحديث الثالث # عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"انتدب الله" (¬1)، ولمسلم: "تضمن الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا ~~جهاد في سبيلي، وإيمان بي وتصديق رسولي، فهو علي ضامن أن أدخله الجنة، أو ~~أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة" (¬2). # ولمسلم: "مثل المجاهد في سبيل الله -والله أعلم بمن يجاهد في سبيله- كمثل ~~الصائم القائم، وتوكل الله للمجاهد في سبيله بأن توفاه أن يدخله الجنة، أو ~~يرجعه سالما مع أجر أو غنيمة" (¬3). # قوله - صلى الله عليه وسلم -: "انتدب الله لمن خرج في سبيله"؛ معناه: ~~سارع بثوابه وحسن جزائه، وقيل: أجاب. وقيل: تكفل. # وقوله - صلى الله عليه وسلم - عن الله تعالى: ms1142 "لا يخرجه إلا جهاد في ~~سبيلي وإيمان بي وتصديق رسولي"؛ معناه: حصر حصول الثواب المسارع به فيمن ~~صحت نيته وخلصت من شوائب الأغراض الدنيوية؛ فإنه ذكر بصيغة النفي والإثبات ~~المقتضية للحصر، كأنه قال: لا يخرجه إلا محض الإيمان والإخلاص لله تعالى ~~وتصديق PageV03P1679 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما أخبر عن الله تعالى في الحث على ~~الجهاد والإخلاص، والجزاء على ذلك، والله أعلم. # وقوله تعالى: "فهو علي ضامن"؛ فيه وجهان: # أحدهما: أنه فاعل بمعنى مفعول؛ أي: مضمون؛ كماء دافق؛ أي: مدفوق، وعيشة ~~راضية، أي: مرضية. # والثاني: أنه بمعنى ذو؛ أي: صاحب ضمان. كلابن وتامر؛ أي: صاحب لبن وتمر. ~~ويكون الضمان ليس منه، وإنما نسب إليه؛ لتعلقه به؛ والعرب تضيف بأدنى ~~ملابسة. # واعلم أن الضمان والكفالة هاهنا عبارة عن تحقيق هذا الموعود من الله ~~-سبحانه وتعالى-؛ فإن الضمان والكفالة والوكالة مؤكدة لما تضمن وتكفل وتوكل ~~به، وتحقيق ذلك من لوازمها. # وقوله تعالى: "أن أدخله الجنة، أو أرجعه"، أما قوله: "أن أدخله الجنة"، ~~فهو موافق لقوله تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن ~~لهم الجنة} الآية [التوبة: 111]، ويحتمل إدخاله الجنة عند موته، كما قال ~~تعالى في الشهداء: {أحياء عند ربهم يرزقون} [آل عمران: 169]. وفي الحديث: ~~"أرواح الشهداء في الجنة" (¬1)، ويحتمل أن يكون المراد: دخوله الجنة عند ~~دخول السابقين والمقربين بلا حساب ولا عذاب ولا مؤاخذة بذنب، وبكون الشهادة ~~مكفرة لذنوبه، كما صرح [به] (¬2) في الحديث الصحيح. # وأما قوله: "أرجعه"؛ فهو بفتح الهمزة وكسر الجيم، من رجع ثلاثيا متعديا، PageV03P1680 # ولازمه ومتعديه واحد، قال الله تعالى {فإن رجعك الله إلى طائفة منهم} ~~[التوبة: 83]. # وقوله: "إلى مسكنه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة"؛ أما المسكن؛ فهو بفتح ~~الكاف وكسرها. # وأما قوله: "نائلا ما نال"؛ فهو اسم فاعل من نال. والنيل: العطاء. وقد ~~فسره في الحديث بالأجر والغنيمة. # وأما قوله: "من أجر أو غنيمة"؛ "أو" هنا للتقسيم بالنسبة إلى الغنيمة ~~وعدمها، فيكون معناه: أنه يرجع إلى مسكنه مع نيل الأجر إن لم يغنموا، ms1143 أو ~~معه إن غنموا. # وقيل: "أو" هنا بمعنى الواو؛ أي: مع أجر وغنيمة. وقد روى مسلم في "كتابه" ~~من رواية يحيى بن يحيى، وأبو داود في "سننه": بالواو دون أو (¬1). # ومعنى الحديث: أن الخارج للجهاد ينال خيرا بكل حال؛ فإما أن يستشهد فيدخل ~~الجنة، وإما أن يرجع بأجر، وإما بأجر وغنيمة. # وقد عورض هذا الحديث بحديث آخر، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: وإما ~~من غازية أو سرية تغزو فتغنم وتسلم، إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجرهم"، و"ما ~~من غازية أو سرية تخفق أو تصاب، إلا تم لهم أجرهم" (¬2). والإخفاق: أن يغزو ~~فلا يغنم شيئا. # قال شيخنا الإمام أبو الفتح بن دقيق العيد -رحمه الله-: وهذه [المعارضة] ~~(¬3) ذكر القاضي -يعني به: عياضا- معناها عن غير واحد، وعندي: PageV03P1681 # أنه أقرب إلى موافقته منه إلى معارضته، ويبعد جدا أن يقال بتعارضهما. # نعم كلاهما مشكل؛ أما ذلك الحديث، فلتصريحه بنقصان الأجر بسبب الغنيمة. # وأما هذا، فلأن "أو" تقتضي أحد الشيئين، لا مجموعهما، فيقتضي إما حصول ~~الأجر، أو الغنيمة. # وقد قالوا: لا يصح أن تنقص الغنيمة من أجر أهل بدر، وكانوا أفضل ~~المجاهدين، وأفضلهم غنيمة. # ويؤكد هذا، تتابع فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة من بعده على ~~أخذ الغنيمة وعدم التوقف عنها. # وقد اختلفوا بسبب هذا الإشكال في الجواب: فمنهم من جنح إلى الطعن في ذلك ~~الحديث، وقال: إنه لا يصح، وزعم أن بعض رواته ليس بمشهور. وهذا ضعيف؛ لأن ~~مسلما أخرجه في "كتابه". # ومنهم من قال: إن الذي يعجل من أجره بالغنيمة: هو في غنيمة أخذت على غير وجهها. # قال بعضهم: وهذا بعيد لا يحتمله الحديث. # وقد قيل: إن هذا الحديث -أعني: الذي نحن في شرحه- شرط فيه: ما لا يقتضي ~~الإخلاص. والحديث في نقصان الأجر يحمل على من قصد مع الجهاد طلب المغنم، ~~فهذا شرك بما لا يجوز له التشريك فيه، وانقسمت نيته بين الوجهين، فنقص ~~أجره، والأول أخلص، فكمل أجره. # قال القاضي: وأوجه من هذا عندي في استعمال الحديثين على وجههما أيضا: ms1144 أن ~~نقص أجر الغانم بما فتح الله -عز وجل- عليه من الدنيا، وحساب ذلك عليه ~~بتمتعه من الدنيا، وذهاب شظف عيشه في غزوه وبعده إذا قوبل بمن أخفق ولم يصب ~~منها شيئا، وبقي على شظف، وصبر على حاله في غزوه وجد أجر هذا أبدا في ذلك ~~وافيا مطردا، بخلاف الأول. ومثله قوله في الحديث PageV03P1682 # الآخر: فمنا من مات ولم يأكل من أجره شيئا، ومنا من أينعت له ثمرته، فهو ~~يهديها (¬1). # وأقول: أما التعارض بين الحديثين، فقد نبهنا على بعده، وأما الإشكال في ~~الحديث الثاني، فظاهره جار على القياس؛ لأن الأجور قد تتفاوت بحسب زيادة ~~المشقات، لا سيما ما كان أجره بحسب مشقته، أو بمشقته دخل في الأجر، وإنما ~~يشكل عليه العمل المتصل يأخذ الغنائم. # فلعل هذا من باب تقديم بعض المصالح على بعض؛ فإن ذلك الزمان كان الإسلام ~~فيه غريبا -أعني: ابتداء زمن النبوة-، وكان أخذ الغنائم عونا على علو الدين ~~وقوة للمسلمين وضعفاء المهاجرين. وهذه مصلحة عظمى قد يغتفر بها النقص في ~~الأجر من حيث هو هو. # وأما ما قيل في أهل بدر، فقد يفهم منه أن النقصان بالنسبة إلى الغير، ~~وليس ينبغي أن يكون كذلك، بل ينبغي أن يكون التقابل بين كمال أجر الغازي ~~نفسه إذا لم يغنم، وأجره إذا غنم؛ فيقتضي هذا أن يكون حالهم عند عدم ~~الغنيمة أفضل من حالهم عند وجودها، لا أفضل من حال غيرهم، وإن كان أفضل من ~~حال غيرهم قطعا من وجه آخر. # لكن لا بد مع هذا من اعتبار المعارض الذي ذكرناه، فلعله مع اعتذاره لا ~~يكون ناقصا، ويستثنى حالهم من العموم الذي في الحد الثاني، أو حال من ~~يفارقهم في المعنى. # وأما هذا الحديث الذي نحن فيه، [فإشكاله من كلمة "أو" أقوى من ذلك ~~الحديث] (¬2)؛ فإنه يشعر بأن الحاصل إما أجر، وإما غنيمة، فيقتضي أنه إذا ~~حصلت الغنيمة يكتفى بها له، وليس كذلك. # وقيل في الجواب عن هذا: بأن "أو" بمعنى الواو، وكأن التقدير: بأجر ~~وغنيمة. PageV03P1683 # وهذا وإن كان فيه ضعف ms1145 من جهة العربية، ففيه إشكال؛ من حيث إنه إذا كان ~~المعنى يقتضي اجتماع الأمرين، كان ذلك داخلا في الضمان، فيقتضي: أنه لا بد ~~من حصول أمرين لهذا المجاهد، إذا رجع مع رجوعه، وقد لا يتفق ذلك بتلف ما ~~حصل من الغنيمة، اللهم إلا أن يجوز في لفظه الرجوع إلى الأهل. # ومنهم من أجاب: بأن التقدير: أو يرجعه إلى أهله مع ما نال من أجر وحده، ~~أو غنيمة وأجر، فحذف الأجر من الثاني. هذا آخر كلامه بحروفه، والله أعلم (¬1). # وفي هذا الحديث دليل: على فضل الجهاد والحث عليه. # وفيه دليل: على الإخلاص فيه. # وفيه: بيان وجوه الإخلاص فيه. # وفيه دليل: على أن الجهاد يعدل درجة الصيام والقيام. # وفيه: بيان تولي الله -سبحانه وتعالى- جزاءه كيف شاء. # وفيه: إشارة إلى أن الإخلاص في الجهاد وغيره، هو قصد امتثال أمر الله ~~تعالى فيه، وتصديق ما وعد به عليه على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم - من ~~غير قصد شيء آخر، والله أعلم. # * * * ### || AUTO الحديث الرابع # وعنه -رضي الله عنه- أيضا، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"ما من مكلوم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وكلمه يدمى، اللون لون ~~دم، والريح ريح مسك" (¬2). # أما المكلوم؛ فهو المجروح. والكلم: الجرح، وهو بفتح الكاف وإسكان اللام. ~~ويكلم بإسكان الكاف؛ أي: يجرح. PageV03P1684 # ومجيئه يوم القيامة وهو يدمى؛ ليشهد على ظالمه بالقتل، وليظهر شرفه لأهل ~~المشهد والموقف بما فيه من رائحة المسك المشاهدة بالطيب. # وفي هذا الحديث دليل: على فضل الجراحة في سبيل الله. # وفيه دليل: على أن الشهيد لا يزال عنه الدم بغسل ولا غيره؛ للحكمة التي ~~ذكرناها. # وفيه دليل: على أن أحكام القيامة وصفاتها، غير أحكام الدنيا وذواتها؛ فإن ~~الدم في الآخرة يتغير حكمه من النجاسة والرائحة الخبيثة التي في الدنيا، ~~إلى الطهارة والرائحة الطيبة يوم القيامة، وبذلك يقع الإكرام له والتشريف. # ولا يلزم من قوله - صلى الله عليه وسلم -: "اللون لون دم" أن يكون دما ~~نجسا حقيقة، كما لا يلزم من كون ms1146 ريحه ريح مسك أن يكون مسكا حقيقة، بل يجعله ~~الله تعالى شيئا يشبه هذا، ويشبه هذا، ناشئا عما فارق الدنيا عليه، كما أن ~~إعادة الأجسام مما كانت عليه في الدنيا، وإن اتصفت بصفات أخر من البقاء ~~والدوام بعد أن كانت غير دائمة ولا باقية، ولهذا يأتون طولا واحدا، وسنا ~~واحدا، جردا مردا غير مختونين. فعلمنا أن الإعادة حق مما انتقلت عليه، وإن ~~اكتسب أوصافا لم تكن، فكذلك دم الشهيد يعاد للحكمة التي ذكرناها، وإن ~~اكتسبت أوصافا لم تكن، ليس حكمه حكمها، ولا فضله فضلها. # وكذلك أهل الوضوء، يبعثون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء؛ إكراما ~~لهم، وشهادة لهم في الموقف لأهل المشهد بما كان يعمل في الدنيا من التطهر ~~في تلك الأعضاء، والله أعلم. # وقد يستنبط منه: أن الماء المتغير بالنجاسة وغيرها، إذا زال تغيره بنفسه، ~~انتقل من حكمه حال تغيره إلى حكمه حال زواله، فينتقل من القذارة إلى الطيب، ~~ومن النجاسة إلى الطهارة، وحكم له بحكم المسك والطيب للشهيد، بخلاف ما إذا ~~زال بغيره بوضع شيء ومعالجة، والله أعلم. # * * * PageV03P1685 ### || AUTO الحديث الخامس # عن أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "غدوة في سبيل الله أو روحة خير مما طلعت عليه الشمس وغربت". أخرجه ~~مسلم (¬1). # * * * ### || AUTO الحديث السادس # عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "غدوة في سبيل الله أو روحة، خير من الدنيا وما فيها". أخرجه البخاري (¬2). # تقدم الكلام على معنى هذين الحديثين في الحديث الثاني من كتاب الجهاد هذا. # * * * ### || AUTO الحديث السابع # عن أبي قتادة الأنصاري -رضي الله عنه- قال: خرجنا مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إلى حنين، وذكر قصة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "من قتل قتيلا له عليه بينة، فله سلبه" قالها ثلاثا (¬3). # أما أبو قتادة؛ فتقدم الكلام عليه، وأن اسمه الحارث بن ربعي. # واعلم أن هذا الحديث قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد فراغه من ~~غزوة حنين، ms1147 وهو واد قريب من الطائف، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلا، وكانت ~~بينها وبين فتح مكة خمس عشرة ليلة، تقصر الصلاة فيها، وكانت في خامس شوال ~~سنة ثمان من PageV03P1686 # الهجرة؛ لأن الفتح كان في اليوم العشرين من شهر رمضان، والله أعلم. # وروى مسلم في "صحيحه" تصريحا بأن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من قتل ~~قتيلا له عليه بينة فله سلبه"، كان بعد الفراغ من القتال واجتماع الغنائم، ~~والله أعلم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "له عليه بينة"؛ البينة في الأصل: ~~العلامة. والمراد هنا: علامة توضح أنه القاتل؛ إما إخبار واحد، أو ظن راجح ~~برؤية سهم القاتل أو سيفه، أو معرفة ضربه في القتل، أو نحو ذلك يرجح جانبه ~~فيما يدعيه من استحقاق السلب، والله أعلم. # واعلم أن السلب منسوب إلى جميع الجيش، فلا يقبل إقرار من هو في يده أنه ~~للقاتل على الباقين إلا إذا كان مختصا به، فيؤاخذ بإقراره، والله أعلم. # واعلم أن تصرفات الرسول - صلى الله عليه وسلم - في مثل هذه الواقعة، هل ~~هي من باب التشريع، أو من باب تصرفات الإمام؛ نظرا لقوله - صلى الله عليه ~~وسلم - بعدما أمر أن يعطى السلب قائلا: "يا خالد! لا تعطه إياه" بسبب كلام ~~جرى بين القاتل وبين خالد؟ (¬1) # والأغلب: حمله على التشريع العام، ويكون إعطاؤه ذلك في ذلك الوقت لغير ~~القاتل لمصلحة أو شرط فائت اقتضى منع القاتل إياه، ونفله خالدا؛ عقوبة ~~للقاتل، ويكون واقعة عين لا تقتضي العموم. والله أعلم. # وفي هذا الحديث فوائد: # منها: أن السلب للقاتل؛ لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من قتل ~~قتيلا، فله سلبه"، ولا ينفي هذا أن يكون السلب للجيش أولا، ثم أعلم - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه للقاتل تنفيلا. # واختلف العلماء فيه: فقال الشافعي، والأوزاعي، والليث، والثوري، وأبو ~~ثور، وأحمد، وإسحاق، وابن جرير، وغيرهم: يستحق القاتل سلب القتيل في جميع ~~الحروب، سواء قال أمير الجيش قبل ذلك: من قتل قتيلا فله سلبه، أم لم يقل ~~ذلك. PageV03P1687 # قالوا: وهذا الحديث فتوى من النبي ms1148 - صلى الله عليه وسلم -، وإخبار عن حكم ~~الشرع، فلا يتوقف على قول واحد. # وقال أبو حنيفة، ومالك، ومن تابعهما: لا يستحق القاتل ذلك بمجرد القتل، ~~بل هو لجميع الغانمين كسائر الغنيمة، إلا أن يقول قبل القتال: من قتل ~~قتيلا، فله سلبه، وحملوا الحديث على هذا، وقد بينا ضعفه آنفا. # واشترط الشافعي في استحقاق السلب للقاتل: أن يغرر بنفسه في قتل كافر ~~ممتنع في حال القتال، حتى لو كان الكافر ممن رضخ، فلا سهم له؛ كالمرأة ~~والصبي والعبد، استحق السلب في الأصح. # وقال مالك: لا يستحقه إلا المقاتل، وقال الأوزاعي والشاميون: لا يستحق ~~السلب إلا في قتل قتله قبل التحام الحرب، فأما من قتل في حال التحام الحرب، ~~فلا يستحقه. # واختلف العلماء في تخميس السلب: # فقال الشافعي في الصحيح من قوليه، وأحمد، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وآخرون: لا يخمس. # وقال مكحول، ومالك، والأوزاعي، والشافعي في أضعف قوليه: يخمس. # وقال عمر بن الخطاب، وإسحاق بن راهويه: يخمس إذا كثر. # وعن مالك رواية اختارها إسماعيل القاضي: أن الإمام بالخيار إن شاء خمسه، ~~وألا يخمس. # ومنها: أن السلب لا يعطى إلا لمن بينه بأنه قتل، ولا يقبل قوله بغير بينة. # وهو مذهب الشافعي، والليث، ومن وافقهما من المالكية وغيرهم. # وقال مالك والأوزاعي: يعطاه بقوله بلا بينة، قالا: لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أعطى السلب بقول واحد في بعض روايات هذا الحديث، ولم يحلفه، ~~والجواب: أن هذا محمول على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم أنه القاتل ~~بطريق من الطرق، وقد صرح بالبينة، فلا تلغى. PageV03P1688 # وقد يقول من يعطى السلب بغير بينة: إن هذا مفهوم لا حجة فيه. # وقد يجاب عنه: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سماها بينة، وعمل بها في ~~السلب، مع قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لو يعطى الناس بدعواهم، لكن ~~البينة على المدعي" الحديث (¬1). والله أعلم. # ومنها: استحباب إعادة المفتي أو العالم قوله ثلاثا؛ لقصد البيان ~~والإبلاغ، وتأكيد القول وفهمه عنه، والله أعلم. # ومنها: جواز تقطيع الحديث الواحد من ms1149 العارف باللفظ والمعنى، إذا لم يكن ~~للجملة المقطوعة تعلق بما قبلها، واستقل الفهم بها في مدلولها. # وقد فعل هذا البخاري وغيره من العلماء المحققين، والله أعلم. # ومنها: التنبيه على اختصار تلك الجملة من الحديث بلفظ يدل عليه؛ كقوله: ~~وذكر قصة، أو حديثا قال فيه كذا، ونحو ذلك، فيجمع بين الاختصار والتنبيه ~~على أنه بعض حديث، والله أعلم. # * * * ### || AUTO الحديث الثامن # عن سلمة بن الأكوع -رضي الله عنه- قال: أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~عين من المشركين، وهو في سفر، فجلس عند أصحابه يتحدث، ثم انتقل، فقال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: "اطلبوه واقتلوه"، فقتلته، فنفلني رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - سلبه (¬2). وفي رواية فقال: "من قتل الرجل؟ "، فقالوا: ~~ابن الأكوع، فقال: "له سلبه أجمع" (¬3). # أما سلمة بن الأكوع؛ فتقدم الكلام عليه في الصلاة، وهو سلمة بن عمرو بن ~~الأكوع، منسوب إلى جده، وتقدم. PageV03P1689 # وأما العين؛ فهو الجاسوس ونحوه. # والسلب؛ هو الشيء المسلوب، سمي به؛ لأنه يسلب كالخيطة بمعنى المخيوط. # وأما التنفيل؛ فهو مصدر نفل. والأنفال: العطايا من الغنيمة، غير السهم ~~المستحق بالقسمة، واحدها نفل؛ بفتح الفاء على المشهور، وحكي إسكانها (¬1). # وفي الحديث أحكام: # منها: أنه يستحب للإمام الجلوس عند أصحابه لإيناسهم بالحديث وتعليم ~~العلم، خصوصا في الأسفار، ووقت الحاجة إلى ذلك. # ومنها: الأمر بطلب الجاسوس الكافر الحربي وقتله. وأجمع المسلمون على ذلك. # واختلف العلماء في الجاسوس المعاهد والذمي، هل ينتقض عهده ويقتل؟ # فقال مالك، والأوزاعي: يصير ناقضا للعهد، فإن رأى الإمام استرقاقه، أرقه، ~~ويجوز قتله. # وقال جماهير العلماء: لا ينتقض عهده بذلك، وقال أصحاب الشافعي: إلا أن ~~يكون قد شرط عليه انتقاض العهد بذلك. # أما الجاسوس المسلم، فقال الشافعي، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وبعض ~~المالكية، وجماهير العلماء: يعزره الإمام بما يراه من ضرب وحبس ونحوهما، ~~ولا يجوز قتله. # وقال مالك: يجتهد فيه الإمام، ولم يفسر الاجتهاد. # قال القاضي عياض -رحمه الله-: قال كبار أصحابه: يقتل. قال: واختلفوا PageV03P1690 # في تركه بالتوبة. وقال الماجشون: إن عرف بذلك، قتل، وإلا، عزر (¬1). # ومنها: دلالة ms1150 ظاهرة لمذهب الشافعي وموافقيه: أن القاتل يستحق السلب، وأنه ~~لا يخمس، وتقدم ذلك، والكلام عليه. # ومنها: استحباب سؤال الإمام عمن فعل فعلا جميلا؛ ليثني عليه، ويعطيه ما ~~يستحق عليه. # ومنها: استحباب مجانسة الكلام، إذا لم يكن فيه تكلف ولا فوات مصلحة، ~~والله أعلم. # * * * ### || AUTO الحديث التاسع # عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - سرية إلى نجد، فخرجت فيها، فأصبنا إبلا وغنما، فبلغت سهماننا اثني ~~عشر بعيرا، ونفلنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعيرا بعيرا (¬2). # أما نجد؛ فهو ما بين جرش إلى سواد الكوفة، وحده مما يلي المغرب: الحجاز، ~~وعن يسار الكعبة: اليمن. ونجد كلها من عمل اليمامة، هكذا ذكره صاحب "مطالع ~~الأنوار". # وقال ابن الأثير الجزري في "الغريب": والنجد: ما ارتفع من الأرض، وهو اسم ~~خاص لما دون الحجاز مما يلي العراق (¬3). # قلت: والمراد به في هذا الحديث: مكان من هذه الناحية معين، والله أعلم. PageV03P1691 # ولا شك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بعث جيشا فيهم عبد الله بن ~~عمر قبل نجد، وانبعثت سرية من ذلك الجيش إلى جهة أخرى، فكان التنفيل لتلك ~~السرية قبل قدومهم جميعهم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من جميع ~~الغنيمة، هكذا جاء مبينا في روايات أبي داود لهذا الحديث (¬1)، وأن الذي ~~أصاب كل واحد من السرية المنبعثة من الجيش المبعوث ثلاثة عشر بعيرا: بعير ~~نفلا، واثنا عشر مع قسم عامة الجيش من أصل الغنيمة، والله أعلم. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: أنه إذا فعل أمير الجيش شيئا من المصالح التي تتعلق بالجيش من نفل؛ ~~غنيمة ونحوها، أن يمضيه الإمام ولا يغيره، بل يزيده إن أمكنه ذلك. # ومنها: أن السرية إذا انفصلت من الجيش، فجاءت بغنيمة، فإنها تكون مشتركة ~~بينها وبين الجيش؛ لأنهم ردء لهم. # ومنها: إثبات النفل، وهو مجمع عليه. # واختلف العلماء في هذه الزيادة التي هي النفل أين محلها من الغنيمة؟ فقال ~~سعيد بن المسيب: إنما أعطاهم النبي - صلى الله عليه وسلم ms1151 - إياها من الخمس ~~من سهمه من الغنيمة، وهو خمس الخمس منها. وهو قول أبي عبيد، ومالك، وأبي ~~حنيفة، والطبري وآخرين، وهو أصح أقوال الشافعي -رحمه الله-. # وقيل: إنما كان ينفلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - من أصل الغنيمة التي ~~يغنمونها كما نفل القاتل السلب من جملة الغنيمة، وهو قول الشافعي، وبه قال ~~الحسن البصري، وأبو ثور، وآخرون، وهي رواية عن الأوزاعي، وأحمد. # قال أصحاب الشافعي: ولو نفلهم الإمام من أموال بيت المال العتيدة دون ~~الغنيمة، جاز. # وقيل: هي من أربعة أخماس، وهو مذهب الأوزاعي، والشاميين، وأحمد، وإسحاق. ~~وهو أيضا قول للشافعي. PageV03P1692 # وأجاز النخعي وبعض العلماء أن تنفل السرية جميع ما غنمت دون باقي الجيش، ~~وهو مخالف لما قاله كافة العلماء. # وقال بعضهم: يحتمل أن جميع الغنيمة كانت اثني عشر. وهو بعيد جدا؛ لأنه لو ~~كان هذا جملة السهام غير الخمس، كان خمسها ثلاثة أبعرة. وقد قال في الحديث: ~~ونفلنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعيرا بعيرا. فيأتي من هذا ~~الاحتمال أن السرية من الجيش كانت ثلاثة بعد استيفاء الخمس في النفل. وهذا ~~بعيد أن تكون سرية النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى نجد هذا العدد. # وقد قال في بعض طرق الحديث: فأصبنا إبلا كثيرة، ولا يقال في خمسة عشر: ~~كثيرة، وأيضا: فإن هذه السرية إنما توجهت من جيش، وإنما كانت الاثنا عشر ~~بعيرا سهما لكل واحد من أهل الجيش، ونفل أصحاب السرية بعيرا بعيرا كما ~~بيناه، والله أعلم. # واعلم أن التنفيل إنما يكون لمن صنع صنعا جميلا في دار الحرب انفرد به، ~~ولهذا قال ابن عمر - رضي الله عنهما - في بعض طرق الحديث: فأصاب كل رجل منا ~~اثني عشر بعيرا، بعد الخمس، وما حاسبنا ببعير النفل، فيكون النفل لسرية ~~الجيش، لا لكل واحد من الجيش كما بيناه آنفا، والله أعلم. # ومنها: استحباب بعث السرايا من الجيوش المرسلة للجهاد، ومشاركة الجيش لها ~~فيما غنمت. أما إذا كان الجيش في البلد، فتختص الغنمية بالسرية، ولا ~~يشاركها الجيش فيها. # ومنها: إثبات التنفيل ms1152 للترغيب في تحصيل مصالح القتال، وبعدم ذكر الإجماع ~~فيه آنفا، ثم الجمهور على أن التنفيل يكون في كل غنيمة، سواء كانت أول ~~غنيمة، أو غيرها، وسواء كانت الغنيمة ذهبا أو فضة، أو غيرهما. # وقال الأوزاعي: لا تنفيل في أول غنيمة، ولا في ذهب ولا فضة. # ومنها: وجوب القسمة في الغنائم، وهو إجماع، والله أعلم. # * * * PageV03P1693 ### || AUTO الحديث العاشر # عن ابن عمر أيضا، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا جمع الله ~~الأولين والآخرين، يرفع لكل غادر لواء , فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان" (¬1). # أما اللواء؛ فهو الراية العظيمة لا يمسكها إلا صاحب جيش الحرب، أو صاحب ~~دعوة الجيش، ويكون الناس تبعا. # ومعنى: "يرفع لكل غادر لواء، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان"؛ أي: تجعل ~~علامة يشهر بها في الناس يوم القيامة في مجمع يظهر ذلك فيه للأولين ~~والآخرين؛ مقابلة للذنب بما يناسب ضده في العقوبة؛ حيث إن الغادر أخفى جهة ~~غدره ومكره، فعوقب بنقيضه، وهو شهرته على رؤوس الأشهاد. # وعبر برفع اللواء؛ حيث إن موضوعه لشهرة مكان الرئيس علامة. وكانت العرب ~~تنصب الألوية في الأسواق الحفلة (¬2) لغدرة الغادر؛ لتشهره بذلك، فعومل ~~الغادر في الآخرة بمثل معاملة العرب الغادر في الدنيا، والله أعلم. # وأما الغادر؛ فهو الذي يواعد على أمر ولا يفي به. يقال: غدر يغدر: بكسر ~~الدال في المضارع. # وهذا الحديث ونحوه، وارد في نهي الإمام عن الغدر في عهوده لرعيته، أو ~~للكفار وغيرهم، أو غدره للأمانة التي قلدها لرعيته، والتزم القيام بها ~~والمحافظة عليها؛ حيث أنزل الله تعالى في حق الإمام وغيره من ولاة الأمور: ~~{إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن ~~تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا (58)} ~~[النساء: 58]. # فمتى خانهم، أو ترك الشفقة عليهم، أو الرفق بهم، فقد غدر بعهده، ولم PageV03P1694 # يؤد الأمانة المأمور بها؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم - في "صحيح ~~مسلم" في رواية من هذا الحديث: "ولا غادر أعظم غدرا من أمير عامة" ms1153 (¬1). # ويحتمل أنه ورد في نهي الرعية عن الغدر بالإمام، فلا يشقوا عليه العصا، ~~ولا يتعرضوا لما يخاف حصول فتنة بسببه، وإذا صدر من الأئمة والولاة ما يشق ~~عليهم، صبروا عليهم ما أقاموا الصلاة فيهم، كما ثبت في الصحيح. ولهذا قال ~~الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله ~~واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا (59)} [النساء: 59]، والله أعلم. # وفي الحديث دليل: على غلظ تحريم الغدر من صاحب الولاية العامة وغيره؛ ~~لأنه غدره يتعدى ضرره إلى خلق كثير، ولأنه غير مضطر إلى الغدر؛ لقدرته على ~~الوفاء، كما ثبت في الحديث الصحيح: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "ثلاثة ~~لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: ملك كذاب، وشيخ ~~زان، وعائل مستكبر" (¬2). # ولا شك أن الغدر في الحروب والاغتيال فيها وغيرها، ممنوع شرعا، خصوصا إن ~~تقدم ذلك عهد أو أمان، وقلنا: إن الدعوة إلى الإسلام واجبة قبل القتال، ~~وذلك كله متعلق بالإمام. # ولفظ الحديث عام في الإمام وغيره، لكن غدر الإمام أعظم، ولهذا عوقب ~~الغادر بالفضيحة العظمى. # وفيه دليل: على شهر الناس، والتعريف بهم في القيامة، لكنه بالنسبة إلى ~~أمهاتهم. PageV03P1695 # وفيه: تنبيه على اجتناب الأخف خوفا من الأشد؛ فإن فضيحة القيامة أشد ~~فضيحة من فضيحة الدنيا؛ حيث إن الأمر يشهده الأولون والآخرون فيها، والله أعلم. # * * * ### || AUTO الحديث الحادي عشر # عنه أيضا: أن امرأة وجدت في بعض مغازي النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~مقتولة، فأنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - قتل النساء والصبيان (¬1). # أعلم أن النساء جمع لا واحد له من لفظه، وكذلك النسوان والنسوة. # وأما الصبيان؛ فبكسر الصاد وضمها؛ جمع صبي، ومثل الصبيان في اللفظ: قضيب ~~وقضبان، ورغيف ورغفان. وفيهما اللغتان. # ولا شك أن النساء والصبيان ليس في نفوسهم من إحداث الضرر والميل إليه ما ~~في نفوس الرجال المقاتلين، والأصل عدم إتلاف النفوس، إنما أبيح من إتلافها ~~ما يقتضيه رفع المفسدة، والغالب عدم ms1154 القتال من النساء والصبيان، فرفع عنهم ~~القتل؛ لعدم مفسدة المقاتلة في الحال الحاضر، ورجاء هدايتهم عند بقائهم، ~~ولعدم ميل نفوسهم إلى التشبث الشديد بما يكون عليه الرجال كثيرا وغالبا من ~~المنع والممانعة حال المقاتلة، والله أعلم. # وأجمع العلماء على العمل بهذا الحديث، وتحريم قتل النساء والصبيان إذا لم ~~يقاتلوا، فلو قاتلوا، قال جماهير العلماء: يقتلون. # وأما شيوخ الكفار؛ فإن كان فيهم رأي، قتلوا، وإلا، ففيهم وفي الرهبان ~~خلاف: PageV03P1696 # والأصح عند الشافعية: قتلهم؛ لما رواه أبو داود وغيره: أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "اقتلوا شيوخ المشركين واستبقوا شرخهم" (¬1). # وقال مالك وأبو حنيفة: لا يقتلون، والله أعلم. # * * * ### || AUTO الحديث الثاني عشر # عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: أن عبد الرحمن بن عوف، والزبير بن ~~العوام، شكيا القمل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزاة لهما، ~~فرخص لهما في قمص الحرير، ورأيته عليهما (¬2). # أعلم أن الرخصة في الشيء تدل على المنع منه، ولا شك أن الأصل في الشرع ~~تحريم الحرير على الرجال؛ كما تقدم في كتاب اللباس، وثبتت الرخصة في إصبعين ~~منه وثلاث وأربع. وجوز العلماء لبس الديباج الثخين الذي لا يقوم غيره مقامه ~~في دفع السلاح. # وهذا الحديث يدل على الرخصة فيه؛ لدفع القمل، وثبتت الرخصة فيه أيضا لابن ~~عوف، والزبير؛ للحكة -بكسر الحاء المهملة وتشديد الكاف-؛ وهي: الجرب أو ~~نحوه. وكذلك يجوز لبسه لمن خاف من حر أو برد، ولم يجد غيره، وكذلك يجوز لمن ~~فاجأته الحرب ولم يجد غيره. # أما لبسه للقمل والحكة؛ فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة، وبه قال الشافعي ~~وموافقوه. PageV03P1697 # والحكمة في جوازه: ما فيه من البرودة، والبرودة تدفع القمل، وتمنع من ~~الحكة، فالرخصة وقعت للمداواة؛ بخلاف غيرهما؛ فإنها وقعت للضرورة. # وقال مالك: لا يجوز لبسه للحكة والقمل، والأحاديث في الكتاب وغيره حجة ~~عليه، حتى عدوها إلى غيرهما. # ولا شك أن الراوي سمى لبس الحرير رخصة في هذا الحال مع قيام دليل الحظر. # واختلف أصحاب الشافعي في جواز لبس الحرير للحكة ونحوها في ms1155 السفر والحضر ~~جميعا، وعدم جوازه، فجمهورهم على الجواز، وقال بعضهم: يختص بالسفر، وهو ~~ضعيف؛ حيث إن الرخصة معقولة متعدية عند العلماء، وصادف السؤال عنها ~~والترخيص في السفر والغزو, لا لتقييدها بهما، والله أعلم. # * * * ### || AUTO الحديث الثالث عشر # عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء ~~الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم -، مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ~~ولا ركاب، وكانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالصا، فكان رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يعزل نفقة أهله سنة، ثم يجعل ما بقي في الكراع ~~والسلاح عدة في سبيل الله - عز وجل - (¬1). # كانت غزوة بني النضير في سنة أربع من الهجرة. # وقريظة والنضير: قبيلتان من اليهود، وكان صاحب عهد بني قريظة كعب بن أسد، ~~وكان حيي بن أخطب من سادات بني النضير، ونقض العهد مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، فكبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسلمون، وقال: ~~"حاربت يهود" في قصة طويلة (¬2). PageV03P1698 # وقوله: "مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب"؛ الإيجاف: الإسراع. ~~يقال: وجف الفرس والبعير، بجف وجيفا: أسرع. وأوجفه صاحبه: إذا حمله على ~~السير (¬1). # والركاب: الإبل خاصة. # وقوله: "وكانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالصا"؛ معناه: أن ~~أموال بني النضير كان معظمها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لا كلها؛ ~~حيث إن له - صلى الله عليه وسلم - مما أفاء الله عليه أربعة أخماسه، وخمس ~~الخمس الباقي، فيكون له أحد وعشرون سهما من خمسة وعشرين سهما، والأربعة ~~الباقية لذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. # وقوله: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعزل نفقة أهله سنة"؛ يعني ~~أنه - صلى الله عليه وسلم - لما كانت أموال بني النضير له خالصا، واتسع ~~عليه الحال، ادخر لعياله قوت سنة، أو نفقة سنة؛ تطييبا لقلوبهم، ولاتساع ~~الحال عليه وعلى المسلمين في سنة أربع من الهجرة. وإلا فقد كان حاله - صلى ~~الله عليه وسلم - قبل ذلك أنه لا يدخر لغد شيئا؛ ثقة بالله -عز وجل-، ms1156 ~~وتوكلا عليه، ولضيق الحال عليه وعلى المسلمين. # وهذا كله دليل على مراقبته - صلى الله عليه وسلم - لأمر ربه -سبحانه ~~وتعالى- في خلقه، من العيال الأقارب والأتباع الأجانب. # وكان حال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الغنى الصوري المعنوي، وكان ~~صابرا لأحكام الله تعالى غنيا به - صلى الله عليه وسلم -سبحانه وتعالى-، ~~[شاكرا] (¬2) حامدا له على البأساء والضراء، والشدة والرخاء، ولهذا كان ~~يحمد ربه -سبحانه وتعالى- على كل حال، لما علم أنه ملطوف به مختار له ~~مربوب، وأن اختيار الحق له - صلى الله عليه وسلم - خير من اختياره لنفسه، ~~مع أنه - صلى الله عليه وسلم - عرضت عليه كنوز الأرض فأباها، فكان فقره - ~~صلى الله عليه وسلم - اختيارا لا اضطرارا أصليا، بل اضطرار عن اختيار. PageV03P1699 # وهذا هو الغنى الذي وصفه - صلى الله عليه وسلم -، وأثبته في الصحيح؛ حيث ~~قال - صلى الله عليه وسلم -: "ليس الغنى عن كثرة العرض؛ إنما الغنى غنى ~~النفس" (¬1). # فافهم ما تحقق في هذه المسألة من الشرع الصحيح والتحقيق المليح، ودع عنك ~~ترهات التحقيق، وتعويجات الطريق! والله أعلم. # وقوله: "ثم يجعل ما بقي في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله -عز وجل-": # الكراع بضم الكاف، والأكارع من ذوات الظلف خاصة؛ كالأوظفة من الخيل ~~والإبل، ثم أكثر ذلك استعمالا، حتى سميت الخيل كراعا. # قال صاحب "المجرد": والكراع: اسم لجميع الخيل، إذا قلت: الكراع والسلاح، ~~وقال غيره: ثم استعمل ذلك في الخيل خاصة (¬2). # وأما السلاح؛ فقال الجوهري: هو مذكر، ويجوز تأنيثه، وقال غيره: هو ما ~~أعددته من السلاح للحرب؛ من آلة الحديد مما يقاتل به، والسيف وحده يسمى ~~سلاحا (¬3). # والعدة في سبيل اله تعالى: إعداد الشيء بقصد الطاعة لله تعالى في قوله ~~تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل} [الأنفال: 60]. # فكأنه - صلى الله عليه وسلم - جعل ما فضل مما كان خالصا به من الفيء في ~~الخيل والسلاح؛ إعدادا للجهاد في سبيل الله تعالى، والله أعلم. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: ما أكرم الله تعالى به نبيه - صلى الله عليه وسلم ms1157 - من خصائص ~~الدنيا والآخرة، وتقديمه - صلى الله عليه وسلم -. بها في جميع الخلق. PageV03P1700 # ومنها: أن حكم أموال الفيء كان خاصا به - صلى الله عليه وسلم - في حياته، ~~يضعه حيث شاء، وكان ينفق منه على أهله نفقة سنتهم، ويجعل ما بقي في سبيل ~~الله تعالى إلى أن توفي - صلى الله عليه وسلم -. # واختلف العلماء في مصرف الفيء بعده - صلى الله عليه وسلم -: # فقال قوم: هو للأئمة بعده. # واختلف قول الشافعي على قولين: # أحدهما: للمقاتلة. # والثاني: لمصالح المسلمين، ويبدأ بالمقاتلة، ثم بالأهم فالأهم من ~~المصالح. # وهل يخمس كالغنيمة؟ فيه خلاف: والأكثرون: أنه لا يخمس، بل مصرف جميعه ~~واحد، ولجميع المسلمين فيه حق، والله أعلم. # ومنها: جواز الادخار للنفس والعيال قوت سنة؛ فإن ذلك غير قادح في التوكل، ~~وفعله - صلى الله عليه وسلم - ذلك لم يكن لنفسه، بل كان للعيال؛ تطييبا ~~لقلوبهم وسكونها، وجمعها على ما هم بصدده، حتى إنه لم يدم ما يدخره عنده ~~سنة، بل كان ينفد قبل انقضائها؛ بصرفه في وجوه الخيرات، ولهذا توفي - صلى ~~الله عليه وسلم - ودرعه مرهونة على شعير استدانه لأهله، ولم يشبع ثلاثة ~~أيام تباعا. وقد ثبت في "الصحيحين" كثرة جوعه - صلى الله عليه وسلم - وجوع عياله. # وأجمع العلماء على جواز ادخار ما يستغله الإنسان من أرضه وزراعته مما لم ~~يشتره من السوق، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يستغله من ~~مزارعه. # واختلفوا في ادخار قوت سنة من السوق: فأجازه قوم، واحتجوا بهذا الحديث، ~~ولا حجة فيه، ومنعه الأكثر، إلا على قدر ما لا يضر بالسعر. # وهذا الاختلاف إذا كان وقت السعة، أما في وقت ضيق الطعام على المسلمين؛ ~~فتتعين المواساة في الادخار وغيره، بيعا وشراء وإباحة، والله أعلم. PageV03P1701 # ومنها: مراقبة الله تعالى في الأموال أخذا وصرفا، منعا وعطاء. # ومنها: البداءة بالإنفاق على العيال والتوسعة عليهم، وما فضل يصرف في ~~الأهم من المصالح العامة. # وأما الإنفاق على النفس، فيجوز تقديمها بالنفقة المتوسطة على العيال ~~وغيرهم، ثم يصرف ما بقي على العيال وما ذكرنا، لكن ms1158 الأفضل، إن كانت ممن ~~تصبر وتحتسب أن تؤثر وتحتسب، وإن كانت لا تصبر، فالأفضل تقديمها. وأما حال ~~الاضطرار المفضي إلى الهلاك، فيتعين تقديم النفس، والله أعلم. # ومنها: إعداد الأئمة والسلاطين والأمراء والأجناد، وكل من شرع له الغزو، ~~وكان له سعة، الخيل والسلاح، وتأكيد ذلك بقصد الطاعة وعدم الرياء، وذلك ~~سبيل الله تعالى، والله - عز وجل - أعلم. # * * * ### || AUTO الحديث الرابع عشر # عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: أجرى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ما ضمر من الخيل من الحفياء إلى ثنية الوداع، وأجرى ما لم يضمر من ~~الثنية إلى مسجد بني زريق. قال ابن عمر: وكنت فيمن أجرى. # قال سفيان: من الحفياء إلى ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة، ومن ثنية ~~الوداع إلى مسجد بني زريق ميل (¬1). # قوله: "أجرى النبي - صلى الله عليه وسلم - ما ضمر من الخيل". # معنى أجرى: سابق؛ كما ثبت في روايات في الصحيح. والمجاراة في العلم: ~~المناظرة والجدال؛ ليظهر علمه للناس رياء وسمعة. وتتجارى بهم PageV03P1702 # الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه: أي: يتداعون في الأهواء الفاسدة يسببها ~~مجرى الفرس. # وضمر: معناه تقليل علفها مدة، وإدخالها بيتا كنينا، وتجلل فيه لتعرق ويجف ~~عرقها، فيخف لحمها، وتقوى على الجري. # وقال بعضهم: وتعلف الحب والقضيم حتى تسمن وتقوى، ثم تدخل بيتا كنينا ~~وتجلل فيه لتعرق ويجف عرقها، فيصلب ويخف لحمها، ثم ترد إلى القوت، فلا تعلف ~~إلا قوتا، وذلك في أربعين يوما، وهذه المدة تسمى: المضمار. # والموضع الذي تضمر فيه الخيل أيضا: مضمار، ومن العرب من يطعمها اللحم ~~واللبن في أيام التضمير. # وقيل: تضميرها: أن تشد عليها سروجها وتجلل بالأجلة، حتى تعرق تحتها، ~~فيذهب رهلها، ويشتد لحمها. # ويقال: ضمر بالتشديد، وأضمر بالهمزة والتخفيف، والضمر بسكون الميم وضمها؛ ~~مثل العشر، والعشر: خفة اللحم والهزال. وقد ضمر الفرس بفتح الميم يضمر ~~ضمورا، وضمر بالضم لغة فيه. ويقال: ضمرت الفرس، وأضمرته (¬1). # والحفياء؛ بفتح الحاء المهملة، وسكون الفاء، وتمد، وتقصر، الأشهر: المد، ~~والحاء مفتوحة بلا خلاف، قال صاحب "المطالع": وضبطه بعضهم بضمها. ms1159 قال: وهو خطأ. # قال الحازمي في "المختلف والمؤتلف": ويقال -أيضا-: الحيفاء بتقديم، الياء ~~على الفاء، والمشهور في كتب الحديث وغيرها: الحفياء. # وقوله: "قال سفيان -يعني: ابن عيينة - وبين الحفياء والثنية خمسة أميال ~~أو ستة". PageV03P1703 # هذا قول الأكثرين. وقال عقبة: ستة أميال أو سبعة (¬1). # والثنية: الطريق في الجبل. وسميت ثنية الوداع؛ لأنها موضع وداع المسافرين ~~من المدينة، يودعهم مشيعوهم بها. # وقيل: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ودع بها بعض من خلفه على المدينة ~~في إحدى خرجاته. # وقيل: بعض سراياه المبعوثة. # والصحيح: الأول؛ فإنه اسم قديم جاهلي لهذه الثنية. # وقد قال نساء الأنصار حين قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة: ~~طلع البدر علينا من ثنيات الوداع (¬2). # وقوله: "من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق ميل"، زريق -بتقديم الزاي ~~وضمها، وبعدها راء-: بطن من الأنصار من الخزرج، نسب إليه جماعة من الصحابة ~~- رضي الله عنهم - وغيرهم. # والميل؛ حيث أطلق المراد به في المسافات: ألف باع، والباع: أربعة أذرع، ~~والذراع أربعة وعشرون إصبعا، والأصبع ست شعيرات، بطن حبة إلى ظهر أخرى، ~~والشعيرة ست شعرات من شعر البغل، أو ما قام مقامه، والله أعلم. # وفي الحديث أحكام: # منها: جواز المسابقة بين الخيل. # ومنها: تضميرها. # وهذان الحكمان، لا خلاف فيهما. # واختلف الناس في المسابقة بين الخيل، فقيل: هي سنة، وقيل: من باب المباح، ~~والله أعلم. PageV03P1704 # ومنها: جواز تجويع البهائم على وجه الصلاح عند الحاجة إلى ذلك، وليس هو ~~من باب تعذيب البهائم، بل هو من باب تدريبها للحرب، وإعدادها لحاجتها للطلب وللكر. # ومنها: بيان الغاية التي يسابق إليها، ومقدار أمدها. # ومنها: إطلاق الفعل على الأمر به والمسوغ له. # وليس في الحديث دلالة على العوض في المسابقة، ولا على جوازها على غير ~~الخيل، ولا على غير ذلك من الشروط التي اشترطت في عقد المسابقة؛ فإنه لم ~~يصرح فيه بشيء من ذلك. # وقد أجمع العلماء على جواز المسابقة بغير عوض بين جميع أنواع الخيل، ~~قويها مع ضعيفها، وسابقها مع غيره، سواء كان معها ثالث أم ms1160 لا. # فأما المسابقة بعوض، فجائزة بالإجماع، لكن بشرط أن يكون العوض من غير ~~المتسابقين، أو يكون منهما، ويكون معهما محلل، وهو ثالث على فرس مكافئ ~~لفرسيهما، ولا يخرج المحلل من عنده شيئا؛ ليخرج هذا العقد عن صورة القمار. # ومنها: جواز إضافة المساجد إلى البانين لها، والمصلين فيها. # وفي ذلك جواز إضافة أعمال البر إلى أربابها، وليس في ذلك تزكية لهم. # وليست إضافة المسجد إلى بني زريق إضافة تمليك، وإنما هي إضافة تمييز. # وقد ترجم البخاري لهذه المسألة، قال: باب: جواز قول: مسجد بني فلان (¬1). # وروي عن إبراهيم النخعي: أنه كان يكره أن يقال: مسجد بني فلان، ولا نرى ~~بأسا أن يقال: مصلى بني فلان. # وهذا الحديث يرد قوله، ولا فرق بين مصلى ومسجد، ولكن قد يقع الفرق PageV03P1705 # بينهما من حيث إطلاق الكتاب العزيز في قوله تعالى: {وأن المساجد لله} ~~[الجن: 18]، فقد أضافها إليه - سبحانه وتعالى -، فلا ينبغي أن تضاف إلى ~~غيره، إلا على جهة التعريف، والله أعلم. # * * * ### || AUTO الحديث الخامس عشر # عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: عرضت على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة، فلم يجزني، وعرضت عليه يوم ~~الخندق، وأنا ابن خمس عشرة، فأجازني (¬1). # اعلم أن غزوة أحد كانت في يوم السبت النصف من شوال سنة ثلاث من الهجرة، ~~وغزوة الخندق كانت في شوال، وقيل: في جمادى الآخرة، وقيل: في ذي القعدة سنة ~~خمس، وهو يوم الأحزاب، ومقتضى هذا: أن يكون ابن عمر في الخندق ابن ست عشرة سنة. # وهذا الحديث في "الصحيحين" مصرح بأنه ابن خمس عشرة، فإما أن تكون الخندق ~~في السنة الرابعة من الهجرة، فيكون ذلك صحيحا، أو تكون في الخامسة كما ذكره ~~أصحاب المغازي وغيرهم، فيحتمل أن ابن عمر كان في يوم أحد ابن ثلاث عشرة سنة ~~وأشهر، فعبر عنها بأربع عشرة، وكان في الخندق ابن خمس عشرة سنة وأشهر، فعبر ~~عنها بخمس عشرة، والله أعلم. # قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر النمري في كتابه ms1161 "الدرر في سيرة النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ": الذين ردهم النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد: ~~عبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وأسامة بن زيد، والبراء بن عازب، وأسيد بن ~~ظهير، وعرابة بن أوس، وزيد بن أرقم، وأبو سعيد الخدري. PageV03P1706 # قال: وأجازهم يوم الخندق. # قال: وقد قيل: إن بعض هؤلاء إنما رده يوم بدر، وأجازه يوم أحد، وإنما رد ~~من لم يبلغ خمس عشرة، وأجاز من بلغها. هذا آخر كلامه (¬1). # قلت: وممن رد يوم أحد عقيب بن عمرو، [وأخوه] (¬2) سهيل بن عمرو، وزيد بن ~~حارثة الأنصاري، وسعد بن حبتة، استصغروا يوم أحد. # وسعد بن حبتة: هو جد أبي يوسف القاضي، واسمه يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن ~~خنيس بن سعد بن حبتة، أنصاري، وحبتة: أم سعد، وهي بفتح الحاء المهملة وسكون ~~الباء الموحدة وفتح التاء المثناة فوق، ثم هاء التأنيث، والله أعلم. # وقوله: "لم يجزني، وأجازني" معناه: جعلني يوم الخندق رجلا لي حكم الرجال ~~المقاتلين. # وفي الحديث دليل: على أن البلوغ بالسن محدد بخمس عشرة سنة، وهو مذهب ~~الشافعي، والأوزاعي، وابن وهب، وأحمد، وغيرهم. # قالوا: وباستكمال خمس عشرة سنة يصير مكلفا، وإن لم يحتلم، فتجري عليه ~~الأحكام؛ من وجوب العبادات، وغيرها، ويستحق سهم الرجل من الغنيمة، ويقتل إن ~~كان من أهل الحرب. # وقال بعضهم: لا يحكم ببلوغه بالسن إلا بعد سبع عشرة سنة، وقيل: بعد ثمان ~~عشرة سنة. # واعتذر عن هذا الحديث بأن الإجازة في القتال حكم منوط بإطاقته والقدرة ~~عليه؛ فأجازه النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن عمر في الخمس عشرة؛ لأنه ~~رآه مطيقا للقتال، ولم يكن ميقاتا؛ لأنه أراد الحكم على البلوغ وعدمه. PageV03P1707 # وكان عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - لما بلغه هذا الحديث جعله حدا، ~~وكان يجعل من دون الخمس عشرة في الذرية، وعمل به الصحابة والتابعون وهلم جرا. # قال شيخنا الإمام أبو زكريا النووي - رحمه الله -: وفيه دليل على أن ~~الخندق كانت سنة أربع من الهجرة، وهو الصحيح، قال: وجماعة من أهل السير ~~والتواريخ ms1162 يقولون: كانت سنة خمس، وهذا الحديث يرده؛ لأنهم أجمعوا على أن ~~أحدا كانت سنة ثلاث، فتكون الخندق سنة أربع؛ لأنه جعلها في هذا الحديث ~~بعدها بسنة. هذا آخر كلامه (¬1). # وقد ذكرنا الاحتمال فيه على ما قاله أهل السير والمغازي آنفا، والله أعلم. # وفيه دليل: على أنه ينبغي للإمام استعراض الجيش قبل الحرب، فمن وجده ~~أهلا، أجازه، ومن وجده غير أهل، رده، كما كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يفعل، والله أعلم. # * * * ### || AUTO الحديث السادس عشر # وعنه أيضا: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسم في النفل للفرس ~~سهمين، وللراجل سهما" (¬2). # أما النفل -بفتح النون والفاء معا-، فيطلق، ويراد به الغنيمة، وهو المراد ~~هنا، وقد يراد به الزيادة والعطية غير الغنيمة، لكن لما كانت الغنيمة عطية ~~من الله تعالى؛ حيث أحلها - سبحانه وتعالى - لهذه الأمة دون غيرها، سميت: ~~نفلا، وعلى ذلك حمل قوله - تعالى -: {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله ~~والرسول} [الأنفال:1]، وقد يراد به ما ينفله الإمام لسرية أو لبعض الغزاة ~~خارجا عن السهام PageV03P1708 # المقسومة، إما من أصل الغنيمة، أو من الخمس، على الاختلاف بين الناس كما ~~قدمناه في حديث ابن عمر في سرية نجد، وإن سهامهم كانت اثني عشر بعيرا، ~~ونفلوا بعيرا بعيرا. # قوله: "قسم للفرس سهمين، وللراجل سهما" معناه: أنه أسهم للرجل وفرسه ~~ثلاثة أسهم: سهم له، وسهمان لفرسه. # وقد روي هذا من حديثين؛ أحدهما: ما رواه مسلم في بعض طرقه: "للفرس سهمان، ~~وللرجل سهم". من غير ألف في الراجل. # واللام في قوله: للفرس؛ للتعليل، لا للملك أو الاختصاص؛ أي: أعطى الرجل ~~سهمين لأجل فرسه؛ أي: لكونه ذا فرس، وللرجل سهما مطلقا، وهذا معنى متعين ~~الحمل عليه؛ للموافقة، والجمع بين الروايتين. # وقد روي مفسرا في غير رواية ابن عمر - رضي الله عنهما -، من رواية أبي ~~معاوية، وعبد الله بن نمير، وأبي أسامة، وغيرهم، بإسنادهم عنه: أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم: سهم له، وسهمان ~~لفرسه (¬1). # ومثله من رواية ابن عباس، ms1163 وأبي عمرة الأنصاري، والله أعلم. # فقوله: أسهم، دليل على أنه ليس خارجا عن السهمان، وقوله: ثلاثة أسهم، ~~صريح في العدد المخصوص. # وهذا الحديث صحيح الإسناد؛ فإنه مروي عن أبي معاوية، عن عبيد الله، عن ~~نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسهم، فذكره. # لكنه قد اختلف فيه على عبيد الله بن عمر؛ ففي رواية بعضهم عنه كرواية ~~الكتاب، وقيل: إن هذا الراوي عنه ذلك وهم فيه. # ولحديث أبي معاوية هذا عاضد من غيره ومعارض له لا يساويه في الإسناد: # أما المعاضد: فرواية المسعودي: حدثني أبو عمرة عن أبيه، قال: أتينا PageV03P1709 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعة نفر، ومعنا فرس، فأعطى كل إنسان ~~منا سهما، وأعطى الفرس سهمين (¬1). # لكن المسعودي، وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، فيه مقال، ~~وقد استشهد به البخاري. # وعن رجل من آل أبي عمرة عن أبي عمرة بمعناه، إلا أنه قال: ثلاثة نفر. ~~زاد: فكان للفارس ثلاثة أسهم (¬2). # وأبو عمرة صحابي، واختلف في اسمه، فقيل: بشير بن عمرو، وقيل: ثعلبة بن ~~عمرو، وقيل: عمرو بن محصن، وقيل غيره. رواهما أبو داود. # وفي لفظ للبخاري: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل للفرس سهمين، ~~ولصاحبه سهما (¬3). # وفي لفظ آخر: قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم خيبر للفرس ~~سهمين، وللراجل سهما. # قال: فسره نافع فقال: إذا كان مع الرجل فرس، فله ثلاثة أسهم، فإن لم يكن ~~له فرس، فله سهم (¬4). # ولفظ ابن ماجه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أسهم يوم خيبر للفارس ~~ثلاثة أسهم؛ للفرس سهمان، وللرجل سهم (¬5)، والله أعلم. # وأما المعارض الذي لا يساويه في الإسناد، فمنه ما روى عبد الله بن عمر، PageV03P1710 # وهو أخو عبيد الله الذي قدمنا ذكره، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قسم يوم خيبر، فذكر الحديث الذي ذكرنا آنفا عن البخاري، ~~وفسره نافع. # قال الشافعي - رحمه الله -: وليس يشك أحد من أهل العلم في تقدمة ms1164 عبيد ~~الله بن عمر على أخيه في الحفظ. # وقال في التقديم: فإنه سمع نافعا يقول: للفرس سهمين، وللرجل سهما (¬1). # ولا شك في تقدمة عبيد الله على عبد الله عند أهل العلم. # وهما ابنا عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب. # وقد عضد رواية عبيد الله ما رواه أبو داود في "سننه" من حديث مجمع بن ~~يعقوب بن مجمع، عن عمه مجمع بن حارثة الأنصاري - رضي الله عنه -، وكان أحد ~~القراء الذين قرؤوا القرآن، فذكر شهوده الحديبية مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، وأنه أوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنه - صلى ~~الله عليه وسلم - قرأ على الناس: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} [الفتح: 1]، ~~وأنه - صلى الله عليه وسلم - قسم خيبر على أهل الحديبية على ثمانية عشر ~~سهما؛ وأن الجيش كان ألفا وخمس مئة؛ فيهم ثلاث مئة فارس, فأعطى للفارس ~~سهمين، وللراجل سهما (¬2). # قال أبو داود: وحديث أبي معاوية أصح، والعمل عليه، والوهم في حديث مجمع ~~ممن قال: ثلاث مئة فارس، وكانوا مئتي فارس، قال الشافعي - رحمه الله -: ~~مجمع بن يعقوب شيخ لا يعرف. قال: فأخذنا في ذلك بحديث عبيد الله، ولم نر له ~~خبرا مثله يعارضه، ولا يجوز رد خبر إلا بخبر مثله (¬3). PageV03P1711 # وقال البيهقي: والذي رواه مجمع بن يعقوب بإسناده في عدد الجيش وعدد ~~الفرسان قد خولف فيه، ففي رواية جابر وأهل المغازي: أنهم كانوا ألفا وأربع ~~مئة، وهم أهل الحديبية. وفي رواية ابن عباس، وصالح بن كيسان، وبشير بن ~~يسار: أن الخيل مئتا فارس، وكان للفرس سهمان، ولصاحبه سهم، ولكل راجل سهم، ~~والله أعلم (¬1). # واعلم أنه إذا كان الجيش فرسانا كلهم، أو رجالة كلهم، قسمت الغنيمة بينهم ~~بالتسوية؛ فإن كان بعضهم فرسانا، وبعضهم رجالة، جعل للراجل سهم، وللفارس ~~ثلاثة أسهم: سهمان بسبب فرسه، وسهم بسبب نفسه، وبهذا قال عامة العلماء من ~~الصحابة والتابعين وغيرهم؛ منهم: ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، ~~وعمر بن عبد العزيز، ومالك، والأوزاعي، والثوري، والليث، والشافعي، وأبو ~~يوسف، ومحمد، ms1165 وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وابن جرير، وآخرون. # وقال أبو حنيفة: للفارس سهمان فقط: سهم لها، وسهم له. # وحكي عنه أنه قال: لا أفضل بهيمة على مسلم. # وقال بعضهم: لم يتابع أحد أبا حنيفة على قوله إلا شيئا روي عن علي وأبي ~~موسى - رضي الله عنهما -. # والجواب عن قوله: لا أفضل بهيمة على مسلم، أن يقال له: فلا تساو بينهما، ~~وقد قيل: إن السهم مستحق بما يلزم من المؤنة والتأثير في القتال، PageV03P1712 # ومؤنة الفرس أكثر من مؤنة الفارس، وتأثيره في القتال أكثر، ولو حضر ~~بأفراس، لم يسهم إلا لفرس واحد. # هذا مذهب الجمهور؛ منهم: الحسن، ومالك، وأبو حنيفة، والشافعي، ومحمد بن الحسن. # وقال الأوزاعي، والثوري، والليث، وأبو يوسف: يسهم لفرسين. # وروي مثله -أيضا- عن الحسن، ومكحول، ويحيى الأنصاري، وابن وهب، وغيره من ~~المالكيين. قالوا: ولم يقل أحد: إنه يسهم لأكثر من فرسين إلا شيئا روي عن ~~سليمان بن موسى: أنه يسهم، والله أعلم. # * * * ### || AUTO الحديث السابع عشر # وعنه أيضا: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ينفل بعض من يبعث من ~~السرايا لأنفسهم خاصة سوى قسم عامة الجيش (¬1). # اعلم أن للإمام نظرا ومدخلا في المصالح المتعلقة بالمال، أصلا وتقديرا، ~~على حسب المصلحة، لا بحسب التشهي، والله أعلم. # وحيث أطلق العلماء النظر للإمام أو نائبه أو غيرهما، إنما يعنى به هذا، ~~لا التشهي، والله أعلم. # وقد تقدم ذكر النفل بمعنى إعطاء الإمام لسرية أو لبعض الجيش خارجا عن ~~السهمان، وهو المراد في هذا الحديث. لكنه ليس مبينا أنه من رأس الغنيمة أو ~~من الخمس؛ فإن اللفظ محتمل لهما جميعا، والناس مختلفون في ذلك. وقد تقدم ~~ذلك وذكر قائله، ومذاهبهم فيه في الحديث التاسع من كتاب الجهاد هذا. # وقد وردت أحاديث تدل على أن هذا النفل من أصل الغنيمة، رواها أبو داود PageV03P1713 # وغيره، وأحاديث تدل على أنه بعد إخراج الخمس منها. وترجم عليها أبو داود ~~أيضا، فقال: باب فيمن قال: الخمس قبل النفل (¬1)، وتأوله بعضهم على أنه بعد ~~إقرار الخمس، لا إخراجه، فيبقى ms1166 محتملا له ولغيره. # وبالجملة: فالتنفيل له تعلق بمسلك الإخلاص في الأعمال؛ حيث إن التنفيل ~~للترغيب في زيادة العمل؛ من المخاطرة والمجاهدة، فينبغي أن يتفطن لما يضر ~~من المقاصد الداخلة فيها، وما لا يضر، وهو موضع صعب دقيق المأخذ. # ولا شك أن التنفيل له مداخله في قضاء الجهاد لله تعالى، ولكن لا يضر قطعا ~~بفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك لهم. وذلك دليل على أن بعض ~~المقاصد الخارجة عن محضر التعبد لا تقدح في الإخلاص، لكن المشكل ضبط ~~قانونها، وتمييز ما تضر مداخلته من المقاصد، وتقتضي الشركة فيه المنافاة ~~للإخلاص، وما لا تقتضيه، ويكون تبعا لا أثر له، وتتفرع عنه غير ما مسألة. # والضابط الكلي لهذا المسلك: مراعاة أمر الله تعالى الطلبي، مع مراعاة ~~المشقة المحصلة للمصلحة الموافقة للأمر في اجتهاده مع الصبر والاحتساب، فكل ~~ما كان أقرب إلى ذلك، وحصل بسببه نقل من غير قصده بالوضع الأول، كان مخلصا ~~فيه غير قادح في إخلاصه، ولا تنقيص أجره، ويكون نظر الإمام في تكثير ~~التنفيل وتنقيصه على هذا النمط، وهذا هو النظر بحسب المصلحة الشرعية، لا ~~بحسب التشهي، ومراعاة عمر - رضي الله عنه - في ابنه عبد الله وغيره في ~~العطاء يبين ذلك، والله أعلم. # واختلف العلماء في حد النفل، فقال الشافعي: ليس فيه حد لا يتجاوز، وإنما ~~هو لاجتهاد الإمام. # وقال مكحول، والأوزاعي: لا يتجاوز به الثلث؛ حيث إن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - كان ينفل الربع بعد الخمس، والثلث بعد الخمس إذا قفل، والله أعلم. # واعلم أن الأنفال لله والرسول؛ حيث سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عن شيء منها، PageV03P1714 # فأنزل الله تعالى: {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول} ~~[الأنفال:1]، ثم أنزل الله تعالى حكم الغنائم. # واختلف العلماء في آية الأنفال: # فقيل: هي منسوخة بآية الغنائم: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} ~~الآية [الأنفال: 41]، وأن مقتضى آية الأنفال والمراد بها: أن الغنائم كانت ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة كلها، ثم جعل أربعة أخماسها ms1167 للغانمين ~~بالآية الأخرى. وهذا قول ابن عباس وجماعة. # وقيل: هي محكمة، وأن التنفيل من الخمس. # وقيل: محكمة وأن للإمام أن ينفل ما شاء لمن شاء بحسب ما يراه. # وقيل: محكمة مخصوصة، والمراد: إنفال السرايا، ولعل هذا الحديث يدل عليه، ~~والله أعلم. # * * * ### || AUTO الحديث الثامن عشر # عن أبي موسى عبد الله بن قيس - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "من حمل علينا السلاح، فليس منا" (¬1). # تقدم الكلام على أبي موسى، هو الأشعري. # واعلم أن حمل السلاح في دار الإسلام؛ لإرهابهم عن غير قصد القتل به، ~~مكروه ممنوع منه؛ فإن أمن المسلمين مطلوب للشرع؛ حيث إنهم استسلموا لله ~~تعالى، وانقادوا لأمره، وحمل السلاح مناف لذلك. وقد نبه - صلى الله عليه ~~وسلم - على هذا المعنى بقوله: "من حمل علينا السلاح فليس منا"، فإذا حمله ~~لإرعاب المفسدين PageV03P1715 # والمخالفين بإذن الإمام، لم يكن حمله عليهم، بل لهم. # ثم إن الحمل للسلاح بين المسلمين، إن كان لمقصود شرعي؛ من إظهار قوة ~~الإسلام؛ لإرهاب العدو وإعلامهم بقوتهم واهتمامهم بقتالهم، فهذا مندوب لا ~~شك فيه. وإن كان لعبا ولهوا وبطرا، وتخييلا وجردا، فهو محذور من وجوه ~~يعلمها أهل المعرفة والبصائر، والله أعلم. # وقد يعبر بحمله عن مقصود السلاح، وهو القتل؛ لملازمته بالحمل له غالبا، ~~وعليه تدل قرينة قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من حمل علينا السلاح"، وقد ~~يعبر به عن الحمل حال القتال والقصد للضرب بالسيف على كل حال للمسلمين، ~~وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فليس منا"، وقد ثبت مثله: "من غش فليس منا" ~~(¬1)، و"ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب .. " (¬2) في أحاديث كثيرة من ذلك. # والمراد: ليس مثلنا، أو ليس على طريقنا أو هدينا، وما شابه ذلك. # وإن كان المراد به الخروج عن المسلمين ودينهم، احتجنا إلى تأويله ~~بالاستحلال لحمله على المسلمين بالمعنى الممنوع منه ونحوه، أو غيرهم ممن ~~منع الشرع حمل السلاح عليه. # وقد نقل عن السلف - رحمهم الله تعالى -: أنهم قالوا في مثل هذا الحديث ~~وأشباهه: أن الأولى إطلاق لفظه، كما ms1168 أطلقه رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- من غير بيان ولا تأويل. # قالوا: لأن إطلاقه أبلغ في الزجر، وأوقع في النفوس من التأويل والبيان، ~~والله أعلم. # وفي هذا الحديث دليل: على تحريم قتال المسلمين، وتغليظ الأمر فيه. # وفيه دليل: على كراهة حمل السلاح لغير مصلحة شرعية. PageV03P1716 # وقد نهى الشرع عن تعاطي السيف مسلولا، وأمر بالإمساك على النصال، ومنع من ~~الإشارة بالحديد ونحوه، خوف نزغ الشيطان من يده إلى أخيه المسلم، وكل ذلك ~~دليل على احترام المسلمين، وتحريم تعاطي الأسباب الحاملة على أذاهم؛ ~~لكرامتهم عند الله تعالى، وتعريف مقامهم، والله أعلم. # * * * ### || AUTO الحديث التاسع عشر # وعنه أيضا، قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يقاتل ~~شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل ~~الله - عز وجل - " (¬1). # أما الشجاعة؛ فهي ضد الجبن. # ثم القتال للشجاعة على أنواع: # أحدها: أن يقصد به المقاتل إظهار الشجاعة، فيكون في الحديث إضمار تقديره: ~~قاتل لإظهار الشجاعة، على حذف المضاف، وهذا مناف لسبيل الله. # والثاني: أن يكون قتاله شجاعة، علة لقتاله من غير قصد لشيء بالقتال، فهذا ~~بمجرده، من حيث هو هو، لا يجوز أن يكون مرادا؛ حيث إن الشجاع المجاهد في ~~سبيل الله تعالى إنما قاتل لكونه شجاعا، لا لقصد إظهار الشجاعة، ولا لكونه ~~علة له. وهذا كما يقال: أعطى لكرمه، ومنع لبخله، وآذى لسوء خلقه؛ فكأنه ~~قاتل لشجاعته، وهذا غير مناف لسبيل الله. # الثالث: أن يكون قتاله للشجاعة فقط، وهو غير المعنى الذي قبله؛ حيث إن ~~الأحوال ثلاثة: حال يقصد بها إظهار الشجاعة، وحال يقصد بها إعلاء كلمة الله ~~تعالى: وحال يقاتل فيها لأنه شجاع، لا يقصد إعلاء كلمة الله تعالى، ولا ~~يقصد PageV03P1717 # إظهار الشجاعة، وهذا ممكن؛ فإن الشجاع الذي دهمته الحرب وطبيعته مسارعة ~~إلى القتال، يبدأ بالقتال لطبيعته، وقد يستحضر أنه لغير الله، أو لإعلاء ~~كلمة الله، وقد لا يستحضرهما، ولا واحدا ms1169 منهما. # ويوضح الفرق بينهما أن يقال: قاتل لإعلاء كلمة الله لأنه شجاع، فلا ينافي ~~ذلك وجود الشجاعة، ويقال: قاتل للرياء، ولأنه شجاع؛ حيث إن الجبن مناف ~~للقتال مع كل فرض يقصد بخلاف المعنى في إيجاده في القتال بقيد التجرد عن ~~غيره، فإنه مناف للقصد. # ومفهوم الحديث: أنه في سبيل الله، إذا قاتل في سبيل الله لتكون كلمة الله ~~هي العليا، وليس في سبيل الله إذا لم يقاتل لذلك. # فعلى الوجه الأول: تكون فائدته بيان أن القتال لهذه الأغراض: مانع. # وعلى الوجه الآخر: أن تكون فائدته أن القتال لأجل إعلاء كلمة الله: شرط. # والفرق بينهما بين، ومفهوم الحديث يقتضي الاشتراط، لكن لا ينبغي أن يضيق ~~بحيث يشترط مقارنته لوقت شروعه في القتال، بل يكون أوسع من هذا، وينبغي ~~وجوده بالقصد العام؛ لتوجهه إلى القتال، وقصده بالخروج إليه لإعلاء كلمة ~~الله تعالى. # ويشهد لذلك: الحديث الصحيح: أنه يكتب للمجاهد استنان فرسه وشربها في ~~النهر (¬1) من غير قصد لذلك، لما كان القصد الأول واقعا على الجهاد، لم ~~يشترط كونه في الجزئيات، بل لا يشترط اقتران القصد بأول الفعل المخصوص، بعد ~~كون القصد صحيحا في الجهاد لإعلاء كلمة الله تعالى؛ دفعا للحرج والمشقة، ~~فإن حالة الفزع حالة دهش، وقد تأتي غفلة، فالتزام خطور أو حضور النيات في ~~ذلك الوقت حرج ومشقة، والله أعلم. PageV03P1718 # وأما الحمية؛ فهي الأنفة والغيرة عن عشيرته، وهي من فعل القلوب، ولا ~~تقتضي أن يكون القتال لها مقصودا للفاعل، إما مطلقا، وإما في مراد الحديث ~~مما فسرت به إلا بالقصد، ودلالة السياق حينئذ تقتضي أن يكون قد جاء للقتال ~~في سبيل الله، إما لانصرافه إلى هذا الغرض وخروجه عن القتال لإعلاء كلمة ~~الله، وإما لمشاركته المشاركة القادحة في الإخلاص. # والمراد بالحمية: الحمية لغير دين الله تعالى، وبهذا يظهر ضعف الظاهرية ~~في مواضع كثيرة. # وأما الرياء؛ فهو ضد الإخلاص، وحقيقته: ترك العمل المطلوب لأجل الناس، ~~وهو يقتضي بداية العمل لأجل الناس، وهو مستحيل أن يجتمع العمل لأجل الله ~~تعالى ولأجل الناس، فيكون ms1170 القتال بعينه مخلصا وغير مخلص في حال واحدة، وهذا ~~محال، بل يقتضي ذلك أن يكون شركا في القتال وغيره؛ ولهذا قال الفضيل بن ~~عياض - رحمه الله -: ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك، ~~والإخلاص أن يعافيك الله منهما (¬1). # وقال غيره: لا يعمل للناس شيئا، ولا يترك لهم شيئا. # قال شيخنا الإمام أبو الفتح بن دقيق العيد - رحمه الله -: فإن قلت: فإذا ~~حملت قوله: قاتل للشجاعة؛ أي: لإظهار الشجاعة، فما الفائدة في قوله بعده: ~~ويقاتل رياء؟ قلت: يحتمل أن يراد بالرياء: إظهار قصده للرغبة في ثواب الله ~~تعالى، والمسارعة للقربات، وبذل النفس في مرضاة الله تعالى، والمقاتل ~~لإظهار الشجاعة مقاتل لغرض دنيوي، وهو تحصيل المحمدة من الناس، والثناء ~~عليه بالشجاعة، والمقصدان مختلفان. # ألا ترى أن العرب في جاهليتها كانت تقاتل للحمية وإظهار الشجاعة، ولم يكن ~~لها في المراءاة بإظهار الرغبة في ثواب الله تعالى والدار الآخرة؟ فافترق ~~القصدان. PageV03P1719 # ولذلك القتال حمية مخالف للقتال شجاعة، والقتال للرياء؛ فإن الأول قتال ~~للمحمدة مخلق الشجاعة وصفتها، وأنها قائمة بالمقاتل، وسجية له. والقتال ~~للحمية قد لا يكون لذلك، وقد يقاتل الجبان حمية لكفره، أو لحريمه مكره لئلا ~~يطل، والله أعلم (¬1). # وفي هذا الحديث دليل: على وجوب الإخلاص في الجهاد. # وفيه: تصريح بأن القتال للشجاعة والحمية والرياء خارج عن الإخلاص لله تعالى. # وفيه دليل على أن الإخلاص لله تعالى هو العمل لأجل امتثال أمره، واجتناب ~~نهيه؛ حيث قال - صلى الله عليه وسلم -: "من قاتل لتكون كلمة الله هي ~~العليا، فهو في سبيل الله"، وكلمة الله تعالى هي أمره ونهيه. # وفيه دليل: على أن المجاهد في سبيل الله تعالى مؤمن، فلو قاتل لطلب ثواب ~~الله تعالى، أو للنعيم المقيم، كان في سبيل الله تعالى أيضا، ويشهد له فعل ~~الصحابي الذي سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "قوموا إلى جنة ~~عرضها السموات والأرض"، فألقى تمرات كن في يده، وقاتل حتى قتل (¬2) - رحمه ~~الله تعالى -، وظاهر هذا أنه قاتل لثواب الجنة. # والشريعة كلها طافحة بأن ms1171 الأعمال لأجل الجنة أعمال صحيحة غير معلولة؛ لأن ~~الله تعالى ذكر صفة الجنة، وما أعد فيها للعاملين؛ ترغيبا للناس في العمل، ~~ومحال أن يرغبهم في العمل للثواب، ويكون ذلك معلولا مدخولا، اللهم إلا أن ~~يدعي أن غير هذا المقام أعلى منه، فهذا قد يسامح فيه. # وأما أن يكون علة في العمل، فلا، إذا ثبت أن كلمة الله أمر الله ونهيه، ~~وأن المطلوب إعلاؤها بالامتثال أو الانتهاء، وأن الموعود عليها حثا على ~~الامتثال PageV03P1720 # والانتهاء حق، كان المقاتل للموعود به على الفعل أو الترك مقاتلا في سبيل ~~الله تعالى، ولا يكون المقاتل لثواب الله تعالى والجنة منافيا للقتال ~~لإعلاء كلمة الله؛ لأن طلب الفعل وتركه والجزاء عليه والترغيب على الفعل، ~~والترهيب من الترك كله ثبت بكلمة الله، فمن قاتل لواحد منهما، فقد قاتل ~~لإعلاء كلمة الله تعالى، وهو في سبيل الله، فيكون القتال لإعلاء كلمة الله ~~تعالى؛ التي هي الأمر بالقتال وطلبه والمقصود منه في سبيل الله لا على سبيل ~~الحصر، فلا يكون القتال لغيره من الثواب والجزاء، خارجا عن سبيل الله؛ حيث ~~إنه ثابت بوعد الله تعالى، والحث على القتال به. # فلا يضاد ذلك الإخلاص لله تعالى، بل يكون من فعل فعلا لطلب ثواب الله ~~تعالى، أو تركه خوفا من عقاب الله تعالى، مخلصا له - سبحانه وتعالى -؛ حيث ~~إن الثواب والعقاب من المضاف إلى الله تعالى، إيجادا وحكما وجزاء، والله أعلم. # وفيه دليل: على تحريم الفخر بالشجاعة على الناس، فإن فخر بها لكونها فضلا ~~من الله تعالى، فليس بحرام؛ فإن التحدث بنعم الله تعالى مطلوب، وهو شكر لها. # وفيه دليل: على تحريم الحمية غير الدينية؛ فإن الحمية للدين مطلوبة شرعا، ~~وتسمى الحرقة على الدين والخير، وذلك مجمع عليه، وهو من أفضل القربات، وبه ~~امتاز أهل العنايات على غيرهم من أهل الطاعات. # وفيه دليل: على تحريم الرياء، وقد ثبت في الصحيح: "من راءى، راءى الله ~~به" (¬1). PageV03P1721 # وفيه: السؤال عن الأعمال القلبية والقصد إليها. # وفيه: وجوب الجواب عنها لمن عنده علم على الفور. ms1172 # واعلم أن الرياء لا يدخل في الأعمال القلبية إلا بالإصرار على إرادته، ~~وكذلك لا يدخل في الأعمال المأمور بإظهارها؛ كالجمعة والجماعات، وأداء ~~الزكوات الواجبات، ونحو ذلك، إلا أن يقصده ويصر عليه، فيكون بقصده له ~~وإصراره عليه مرائيا فيما بينه وبين الله تعالى، فإن أظهر قصده للناس ~~وإصراره، كان مرائيا فيما بينه وبينهم، ولا يتصور الرياء فيما أمر بإظهاره ~~بمجرده، والله أعلم. # * * * PageV03P1722 ### | AUTO كتاب العتق # العتق: الحرية. # قال صاحب "المحكم": يقال: عتق يعتق عتقا وعتقا -بكسر العين وفتحها-، ~~وعتاقا وعتاقة، فهو عتيق، وهم عتقاء وأعتقة، فهو معتق وعتيق، وهم عتقاء، ~~وأمة عتيق وعتيقة، وإماء عتائق، وحلف بالعتاق؛ أي: الإعتاق. # وزاد الجوهري، فقال: عتق؛ فهو عتيق وعاتق. # قال الأزهري: هو مشتق من قولهم: عتق الفرس: إذا سبق ونجا، وعتق الفرخ: ~~طار واستقل، والعبد بالعتق يتخلص ويذهب حيث شاء (¬1). # * * * ### || AUTO الحديث الأول # عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -: أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "من أعتق شركا له في عبد، فكان له مال يبلغ ثمن العبد، قوم ~~عليه قيمة عدل، فأعطي شركاؤه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما ~~عتق" (¬2). PageV03P1723 # اعلم أن صيغة "من" للعموم في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من أعتق ~~شركا"، فتقتضي دخول أصناف المعتقين في الحكم والشرك. # والشقيص: الشريك. فقال: هو شركي وشقيصي: أي شريكي في شقص من الأرض، والله أعلم. # ومما يدخل في عموم المعتقين: المريض. وقد اختلف في عتقه شقصا من عبد: # فالشافعية يرون أنه [إذا] (¬1) خرج من الثلث جميع العبد، قوم عليه نصيب ~~الشريك، وعتق عليه؛ لأن تصرف المريض في ثلثه كتصرف الصحيح في كله. # ونقل عن أحمد - رحمه الله -: أنه لا يقوم في حال المرض. # وذكر أبو الوليد بن رشيد قاضي الجماعة عن الماجشون من المالكية فيمن أعتق ~~حصة من عبد بينه وبين شريكه في المرض: أنه لا يقوم عليه نصيب شريكه، إلا من ~~رأس ماله، إن صح، وإن لم يصح، لم يقوم في الثلث على كل حال، وعتق ms1173 في حصته وحده. # والعموم -كما ذكرنا- يقتضي التقويم، وتخصيصه بما يحمله الثلث مأخوذ من ~~الدليل الدال على اختصاص تصرف المريض في التبرعات. # ومما يدخل في عموم المعتقين: المسلم والكافر. # وللمالكية في ذلك تصرف؛ فإن كان الشريكان والعبد كفارا، لم يلزموا ~~بالتقويم، وإن كان أحدهما مسلما والآخر كافرا، فإن أعتق المسلم، حمل عليه، ~~مسلما كان العبد أو ذميا. # وإن أعتق الكافر، فقد اختلفوا في التقويم على ثلاثة مذاهب: الإثبات، ~~والنفي، والفرق بين أن يكون العبد مسلما، فيلزمه التقويم، وبين أن يكون ~~ذميا، فلا يلزم. # وإن كانا كافرين والعبد مسلما؛ فروايتان. PageV03P1724 # وللحنابلة أيضا وجهان فيما إذا عتق الكافر نصيبه من مسلم وهو مسلم، هل ~~يسري إلى باقيه؟ # وهذا التفصيل يقتضي تخصيص صور من هذا العموم: # أحدها: إذا كان الجميع كفارا، وسببه ما دل عندهم على عدم التعرض للكفار ~~في خصوص الأحكام الفرعية. # وثانيها: إذا كان المعتق هو الكافر على مذهب من يرى ألا يقوم، أو لا يقوم ~~إذا كان العبد كافرا. # فأما الأول: فرأى أن المحكوم عليه بالتقويم هو الكافر، ولا إلزام له ~~بفروع الأحكام الإسلامية. # وأما الثاني: فرأى أن التقويم إذا كان العبد مسلما؛ لتعلق حق المعتق بمسلم. # وثالثها: إذا كانا كافرين والعبد مسلما على قول، وسببه ما ذكرناه من تعلق ~~حق المسلم بالعتق. # وهذه التخصصات إن أخذت من قاعدة كلية لا يستند فيها إلى نص معين، فيحتاج ~~إلى الاتفاق عليها، وإن استندت إلى نص معين، فلا بد من النظر في دلالته مع ~~دلالة هذا العموم. # ووجه الجمع بينهما والتعارض قوله: "شركاء": الشرك في الأصل: مصدر لا يقبل ~~العتق، وأطلق على متعلقه، وهو المشترك، فلا بد من إضمار جزء وما يقاربه؛ ~~حيث إن المشترك في الحقيقة هو جملة العين، أو الجزء المعين منها إذا أفرد ~~بالتعيين؛ كاليد والرجل مثلا، وأما النصيب المعين، فلا اشتراك فيه. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "قوم عليه قيمة عدل"؛ هو بفتح العين؛ أي: ~~لا زيادة ولا نقص. # وقوله: "وإلا فقد عتق منه ما عتق"؛ اختلف في هذا، ms1174 هل هو من كلام النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، أم من كلام الراوي عن ابن عمر -وهو نافع-؟ PageV03P1725 # والذي رواه مالك وغيره من المحققين والحفاظ الضابطين: أنه من كلام النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -؛ فإن مالكا وعبيد الله العمري، روياه ووصلاه بكلام ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، وجعلاه منه من غير بيان لكونه مدرجا من كلام ~~غيره، مع شدة تحريهما وبسطتهما. وهذا هو الظاهر. # ورواه أيوب عن نافع، فقال: قال نافع: وإلا فقد عتق منه ما عتق، ففصله من ~~الحديث، وجعله من قول نافع. # قال القاضي عياض - رحمه الله -: وما قاله مالك، وعبيد الله العمري، أولى، ~~وقد جوداه، وهما في نافع أثبت من أيوب عند أهل هذا الشأن. كيف وقد قال أيوب ~~مرة: لا أدري هو من الحديث، أم هو شيء قاله نافع؟ فقد شك فيه. # وقد رواه يحيى بن سعيد عن نافع، وقال في هذا الموضع: وإلا فقد جاز ما ~~صنع، فأتى به على المعنى، قال: وهذا كله يرد قول من قال بالاستسعاء، والله ~~أعلم (¬1). # وفي هذا الحديث أحكام مستنبطة، وأحكام مصرح بها: # أما المصرح بها؛ فمنها: أن من أعتق نصيبه من عبد مشترك، قوم عليه باقيه ~~إذا كان موسرا بقيمة باقيه، سواء كان العبد مسلما أو كافرا، وسواء كان ~~الشريك مسلما أو كافرا، وسواء كان العتيق عبدا أو أمة، ولا خيار للشريك في ~~هذا، ولا للعبد، ولا للمعتق، بل ينفذ هذا الحكم وإن كرهوه كلهم؛ مراعاة لحق ~~الله تعالى في الحرية. # وأجمع العلماء على أن نصيب المعتق يعتق بنفس الإعتاق، إلا ما حكي عن ~~ربيعة أنه قال: لا يعتق نصيب المعتق، موسرا كان أو معسرا، وهذا قول باطل ~~مخالف للأحاديث الصحيحة كلها، وللإجماع. PageV03P1726 # وأما نصيب الشريك، فاختلف العلماء في حكمه إذا كان المعتق موسرا على ستة مذاهب: # أحدها: وهو الصحيح في مذهب الشافعي، وبه قال ابن شبرمة، والأوزاعي، ~~والثوري، وابن أبي ليلى، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وأحمد بن حنبل، ~~وإسحاق، وبعض المالكية: أنه عتق بنفس الإعتاق، ويقوم ms1175 عليه نصيب شريكه ~~بقيمته يوم الإعتاق، ويكون ولاء جميعه للمعتق، وحكمه من حين الإعتاق حكم ~~الأحرار في الميراث وغيره من الأحكام، وليس للشريك إلا المطالبة بقيمة ~~نصيبه كما لو قبله. # قال هؤلاء: ولو أعسر المعتق بعد ذلك، استمر نفوذ العتق، وكانت القيمة ~~دينا في ذمته، ولو مات، أخذت من تركته، فإن لم تكن له تركة، ضاعت القيمة، ~~واستمر عتق جميعه. # قالوا: فلو أعتق الشريك نصيبه بعد إعتاق الأول نصيبه، كان إعتاقه لغوا؛ ~~لأنه قد صار كله حرا. # المذهب الثاني: أنه لا يعتق إلا بدفع القيمة، وهو المشهور من مذهب مالك، ~~وبه قال أهل الظاهر، وهو قول الشافعي. # والمذهب الثالث: أن الشريك بالخيار، إن شاء استسعى العبد في نصف قيمته، ~~وإن شاء أعتق نصيبه، والولاء بينهما، وإن شاء قوم نصيبه على شريكه المعتق، ~~ثم يرجع المعتق بما دفع إلى شريكه على العبد يستسعيه في ذلك، والولاء كله ~~للمعتق، والعبد في مدة السعاية بمنزلة المكاتب في كل أحكامه، هذا مذهب أبي حنيفة. # المذهب الرابع: مذهب عثمان البتي: لا شيء على المعتق، إلا أن تكون جارية ~~رابعة تراد للوطء، فيضمن ما أدخل على شريكه فيها من الضرر. # الخامس: حكاه ابن سيرين: أن القيمة في بيت المال. # السادس: محكي عن إسحاق بن راهويه: أن هذا الحكم للعبيد دون الإماء. PageV03P1727 # وهذا القول شاذ مخالف للعلماء كافة، والأقوال الثلاثة قبله فاسدة مخالفة ~~لصريح الأحاديث، فهي مردودة على قائلها. # هذا كله إذا كان المعتق لنصيبه موسرا، فأما إذا كان معسرا حال الإعتاق، ~~ففيه أربعة مذاهب: # أحدها: مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي عبيد، وموافقيهم: ينفذ العتق في ~~نصيب المعتق فقط، ولا يطالب المعتق بشيء، ولا يستسعى العبد، بل يبقى نصيب ~~الشريك رقيقا كما كان، وبهذا قال جمهور العلماء علماء الحجاز؛ للحديث. # المذهب الثاني: مذهب ابن شبرمة، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وابن أبي ليلى، ~~وسائر الكوفيين، وإسحاق: يستسعى العبد في حصة الشريك. # واختلف هؤلاء في رجوع العبد بما أدى العبد في سعايته على معتقه: # فقال ابن أبي ليلى: يرجع عليه، ms1176 وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يرجع، ثم هو ~~عند أبي حنيفة في مدة السعاية بمنزلة المكاتب، وعند الآخرين هو حر ~~بالسراية. # المذهب الثالث: مذهب زفر، وبعض البصريين: أنه يقوم على المعتق، ويؤدي ~~القيمة إذا أيسر. # الرابع: حكاه القاضي عياض عن بعض العلماء: أنه إن كان المعتق معسرا، بطل ~~عتقه في نصيبه أيضا، فيبقى العبد كله رقيقا كما كان، وهذا مذهب باطل. # أما إذا ملك الإنسان عبدا بكماله، فأعتق بعضه، فيعتق كله في الحال بغير ~~استسعاء، وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد، والعلماء كافة. # وانفرد أبو حنيفة فقال: يستسعى في نفسه لمولاه. # وخالفه أصحابه في ذلك، فقالوا بقول الجمهور. # وحكى القاضي أنه روي عن طاوس، وربيعة، وحماد، ورواية عن الحسن كقول أبي ~~حنيفة، وقاله أهل الظاهر. PageV03P1728 # وعن الشعبي، وعبيد الله، عن الحسن العنبري: أن للرجل أن يعتق من عبده ما ~~شاء، والله أعلم (¬1). # فلو كان نصيب الشريك مرهونا، فهل يمنع الرهن سراية العتق إلى نصيب شريكه؟ ~~فيه وجهان لأصحاب الشافعي - رحمهم الله -، وظاهر عموم الحديث يقتضي عدم ~~المنع من السراية، وكأنه يؤدي إلى تعارض حق الله تعالى في عتق المرهون، وحق ~~المرتهن في الوثيقة؛ حيث إن ملك الشريك لم يزل عن نصيبه المرهون، كيف وحق ~~المرتهن غير متعين في المرهون، فإنه يرجع إلى قيمته، فلا يمنع سراية العتق، ~~فيقوى العمل بعموم اللفظ، ويلغى المانع من إعماله. # وأجمع العلماء على أن الراهن لو أراد أن يوفي من غير العين المرهونة، كان ~~له ذلك، ولا يتعين الوفاء منها، والله أعلم. # ولو كاتبا عبدا، ثم أعتق أحدهما نصيبه، فقد تعارض عموم لفظ الحديث ~~والتخصيص بعدم المانع، وهو: صيانة الكتابة عن الإبطال. وغاية ما في تنجيز ~~عتقه بالسراية إلى نصيب الشريك المكاتب، إبطال حق الولاء له في نصيبه. # لكن لفظ الحديث يتناوله؛ من حيث إنه عبد، والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، ~~فيتناول لفظ عموم الحديث إليه أقرب، فيسري العتق إلى نصيب الشريك المكاتب، ~~ويعتق؛ لما فيه من تنجيز العتق في الحال على تأخر العتق بالكتابة، ms1177 والشارع ~~متشوف إلى العتق بوصف التنجيز. # وكذلك لو كان العبد مدبرا، فأعتق أحدهما نصيبه فيه، فإن كان الحكم فيه ~~كالكتابة وأولى، وتناول لفظ العموم هاهنا أقوى من الكتابة؛ حيث إنه يجوز ~~بيع المدبر. # ولهذا الأصح من قولي الشافعي عند أصحابه: أنه يقوم على المعتق نصيب ~~الشريك. # وغاية ما في هذا المدبر: أن العتق وسرايته وإليه أبطل حقه من قربه، وهي PageV03P1729 # تدبير النصيب الذي له، والذي يجوز له إبطاله بالبيع، والله أعلم. # فلو أعتق نصيبه من جارية، ثبت الاستيلاد في نصيب شريكه منها، فمنع ~~السراية هنا قوي؛ لأنها تتضمن نقل الملك، وأم الولد لا تقبل نقل الملك من ~~مالك إلى مالك عند من يمنع بيعها، وهو أصح الوجهين عند الشافعية - رحمهم ~~الله -. # ومن يجري عموم لفظ الحديث يلغي هذا المانع بأن الإعتاق وسرايته كالإتلاف، ~~وإتلاف أم الولد يوجب قيمتها، والتقويم سبيله سبيل غرامة المتلفات، وذلك ~~يقتضي تخصيص العموم لصدور أمر جعل إتلافا، والله أعلم. # ومنها: أنه يشترط في المعتق أن يكون مختارا للعتق في العبد المشترك؛ ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من أعتق شركا له"؛ فإنه يقتضي صدور العتق ~~منه، واختياره له، فيثبت الحكم حيث كان مختارا، وينتفي حيث لا اختيار، إما ~~من حيث المفهوم، وإما لأن السراية على خلاف القياس، فيختص بمورد النص، وإما ~~لإبداء معنى مناسب يقتضي التخصيص بالاختيار. # ولا شك أن إصدار العتق بصيغة مقتضية له بنفسها داخلة في مدلول الحديث. # فلو ورث بعض قريبه، عتق عليه ذلك البعض من غير اختيار، ولا يسري إلى ~~باقيه، ولا يقوم عليه عند الشافعية، ونص عليه بعض المالكية؛ لعدم اختيار ~~العتق وسببه معا. # وعن أحمد - رحمه الله - رواية: أنه يعتق عليه نصيب الشريك إذا كان موسرا، ~~وكأنه يجعل العتق الشرعي الناشئ عن الملك القهري قائما مقام الملك والعتق ~~الاختياريين. # ومن أمثلة إرث بعض قريبه وعتقه عليه: إذا عجز المكاتب نفسه بعد أن اشترى ~~شقصا يعتق على سيده، فإن الملك والعتق يحصلان بعد اختيار السيد، فهو ~~كالإرث، فلو وجد سبب العتق باختياره ms1178 كقبوله بيع بعض قريبه أو هبته أو ~~الوصية له به. PageV03P1730 # وقد نزل ذلك الشافعي منزلة المباشرة، ونص عليه بعض المالكية في الشراء ~~والهبة، فيسري إلى باقيه. # ومن ذلك: لو عجز السيد مكاتبه، بعد أن اشترى شقصا ممن يعتق على سيده، ~~فانتقل إليه الملك بالتعجيز الذي هو سبب العتق لما أجازه، فهو كاختياره ~~بسبب العتق بالشراء وغيره. # وفيه اختلاف لأصحاب الشافعي - رحمهم الله -، ويضعف هذا عن الأول؛ لأنه لم ~~يقصد التمليك، وإنما قصد التعجيز، فحصل العتق ضمنا بخلاف الأول؛ فإنه منزل ~~منزلة المباشرة باختيار التمليك بالقبول، فهو أقوى من التعجيز الذي حصل ~~العتق فيه ضمنا، والله أعلم. # ولا فرق بين الاختيار في الملك وبين الاختيار في سببه، فلو أكره على ~~العتق بحق حكم عليه به شرعا، نفذ مكان ذلك خارجا عن حكم الإكراه، ولم يدخل ~~تحت اختياره سبب العتق، ففرق بين اختياره ما يوجب العتق في نفس الأمر، وهو ~~سبب العتق، وبين اختياره ما يوجبه ظاهرا. # فعلى هذا، إذا قال أحد الشريكين لصاحبه: قد أعتقت نصيبك، وهما معسران عند ~~هذا القول، ثم اشترى أحدهما نصيب صاحبه، فإنه يحكم بعتق النصيب المشترى ~~عنده؛ مؤاخذة للمشتري بإقراره، فهل يسري إلى نصيبه بمقتضى ما قررناه؟ إنه ~~لا يسري؛ لأنه لم يختر ما يوجب العتق في نفس الأمر وإنما اختار ما يوجب ~~الحكم به ظاهرا. # وقال بعض القدماء من الحنابلة: يعتق جميعه، وهو ضعيف، والله أعلم. # ومنها: لو علق عتق نصيبه من العبد المشترك على صفة، فوجدت الصفة، عتق، ~~وكان ذلك قائما مقام العتق المنجز في السراية والتقويم. # وأما العتق إلى أجل، فاختلف المالكية فيه: # والمنقول عن مالك وابن القاسم - رحمهم الله -: أنه يقوم عليه الآن، فيعتق ~~إلى أجل، وقال سحنون: إن شاء الممسك، قومه الساعة، فكان عتقه إلى سنة PageV03P1731 # مثلا جزاء، وإن شاء تماسك، وليس يبيعه قبل السنة إلا من شريكه، وإن أتت ~~السنة، قوم على مبتداء التقويم. # ومنها: أن الشريك المعتق لو كان نصيبه قليلا أو كثيرا، عتق، وتعلق به حكم ~~السراية بشرطه؛ ms1179 حيث إن الشرك منكر، وهو واقع في سياق الشرط؛ فيقع على كل ~~قليل وكثير. # فلو أعتق عضوا معينا؛ كاليد أو الرجل مثلا، اقتضى الحديث ثبوت الحكم فيه. # وخلاف أبي حنيفة في الطلاق جار هاهنا، وتناول لفظ الحديث لهذه الصورة ~~أقوى من تناولها للجزء المشاع؛ لما قيدناه؛ لأن الجزء الذي تفرد بالتعيين ~~مشترك حقيقة، فلو أعتق نصيبه، اقتضى الحديث مصادقته لنصيبه. # فعلى هذا، لو قال: أعتقت نصيب شريكي، لم يؤثر في نصيبه، ولا في نصيب ~~الشريك، على المذهبين، فلو قال للعبد الذي يملك نصفه: نصفك حر، وأعتقت ~~نصفك، فهل يحمل على النصف المختص به، أو يحمل على النصف شائعا؟ فيه اختلاف ~~لأصحاب الشافعي. # وعلى كل حال، فقد عتق، إما كل نصيبه، أو بعضه، فهو داخل تحت الحديث. # ومنها: ثبوت الحكم في العبد المشترك، وهو مقتضى الحديث، والأمة مثله، وهو ~~قياس بالنسبة إلى هذا الأصل، وفي معناه الذي لا ينبغي أن ينكره منصف، غير ~~أنه ورد ما يقتضي دخول الأمة في اللفظ. # فقد روى البيهقي عن مالك عن نافع، عن ابن عمر: "من أعتق شركا له في ~~مملوك"، وروى أيوب عن نافع مثله (¬1)، وروى بشر بن المفضل عن عبيد الله: PageV03P1732 # "في عبد"، وهو لفظ الكتاب، وفي بعض هذه الروايات عموم. # وجاء في رواية موسى بن عقبة عن نافع، عن ابن عمر ما هو أقوى من ذلك: أنه ~~كان يرى في العبد والأمة تكون بين الشركاء، فيعتق أحدهم نصيبه منه، يقول: ~~قد وجب عليه عتقه كله. # وفي آخر الحديث يخبر بذلك ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬1). # وكذلك جاء في رواية صخر بن جويرية عن نافع، يذكر العبد والأمة قريبا مما ~~ذكرناه من رواية موسى، وفي آخره رفع الحديث إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. # ومنها: اعتبار يسار المعتق في وقت العتق؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "فكان له مال يبلغ ثمن العبد" بالفاء، سواء اقتضى ذلك اليسار وقت ~~العتق، أو حاله، فلو كان معسرا لم يسر. # وتقدم الاختلاف في ms1180 المذاهب فيه قريبا. # وبه قال الشافعية - رحمهم الله -، قالوا: إذا أوصى أحد الشريكين بعتق ~~نصيبه بعد موته، فلا سراية، وإن خرج كله من الثلث؛ لأن المال ينتقل بالموت ~~إلى الوارث، ويبقى الميت لا مال له، فلا يقوم على من لا يملك شيئا وقت نفوذ ~~العتق في نصيبه، وكذلك لو كان يملك كل العبد، فأوصى بعتق جزء منه، فأعتق ~~منه جزءا، لم يسر. وكذلك لو دبر أحد الشريكين نصيبه فقال: إذا مت فنصيبي ~~منك حر، فكله جار على ما ذكرناه عند من قال به (¬2). # وظاهر مذهب المالكية في هذه المسألة في التدبير: أنه لا يسري، وقيل: إنه ~~يقوم في ثلثه، وجعله موسرا بعد الموت. # ومنها: أن قيمة الشيء تسمى ثمنا؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "فكان ~~له مال يبلغ ثمن العبد"، والمراد بالثمن: قيمة العبد؛ فإن الثمن ما اشتريت ~~به العين، وإنما تلزم PageV03P1733 # السراية بوجود القيمة، لا بالثمن، وقد تبين المراد بقوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "قوم عليه قيمة عدل". # وفي رواية عمرو بن دينار عن سالم، عن أبيه: "أيما عبد كان بين اثنين، ~~فأعتق أحدهما، فإن كان موسرا، فإنه يقوم عليه بأعلى القيمة"، أو قال: "قيمة ~~لا وكس ولا شطط" (¬1). # وفي رواية أيوب: "وكان له من المال ما يبلغ ثمنه بقيمة العدل" (¬2)، وفي ~~هذا كله ما يبين أن المراد بالثمن: القيمة، فلو كان المال لا يبلغ كمال ~~القيمة، ولكن قيمة بعض النصيب، فمقتضى الحديث تعليق الحكم بمال يبلغ ثمن العبد. # وقد ذكر أصحاب الشافعي - رحمهم الله - في السراية بذلك وجهين. # فيمكن استدلال من لا يرى السراية بمفهوم لفظ الحديث، ويعضده أن في ~~السراية تبعيض ملك الشريك عليه، والأصح عندهم السراية إلى القدر الذي هو ~~موسر به تحصيلا للحرية بقدر الإمكان، والمفهوم في هذا ضعيف؛ فلو كان عليه ~~دين يساوي القيمة، أو يزيد عليها، فهل يمنع السراية والتقويم؟ # فيه الخلاف في منع المدين الزكاة؛ حيث اشترك هو والعتق في كونهما حقا لله ~~- تعالى - تعلق بآدمي، والمالكية يرون أن من عليه ms1181 دين بقدر ماله، فهو معسر، ~~فيقضى هنا على أصلهم منع السراية. # وظاهر الحديث أن الدين لا يكون مانعا هاهنا؛ تخصيصا لهذه الصورة بالمانع ~~الذي يقيمه في العتق والزكاة، فلو ملك ما بقي بنصيب شريكه، ولم يملك غيره، ~~فهل يقوم عليه مقتضى الحديث التقويم؟ # والشافعية أخرجوا قوت يومه، وقوت من تلزمه نفقته، ودست ثوب، وسكنى يوم. PageV03P1734 # والمالكية اختلفوا: فقيل باعتبار قرب الأيام، وكسوة ظهره؛ كما في الديون ~~التي عليه، ويباع منزله الذي يسكن فيه، وسوار بيته. قالوا: وإنما يترك له ~~ما يواريه لصلاته. # واختلف العلماء في وقت حصول العتق عند وجود شرائط السراية إلى الباقي: # وللشافعي - رحمه الله - ثلاثة أقوال: # أحدها -وهو الأصح عند أصحابه-: أنه يحصل بنفس الإعتاق، وهي رواية عن مالك ~~- رحمه الله -. # الثاني: أن العتق لا يحصل إلا إذا أدي نصيب الشريك، وهو ظاهر مذهب مالك. # والثالث: التوقف، فإن أدى القيمة، بان حصول العتق من وقت الإعتاق، وإلا، ~~بان أنه لم يعتق. # وألفاظ الأحاديث في ذلك مختلفة عند الرواة، فبعضها يدل على الإعتاق بعد ~~التقويم والإعطاء، فيكون عتق الباقي للتقويم مرتبا، وذلك يدل على ترتيب في ~~الوجود أو في المرتبة، وهو باطل؛ حيث إن عتق النصيب الباقي على قول السراية ~~بنفس إعتاق الأول، إما معه، أو عقبه. # واعلم أن التقويم إن أريد به تقويم الحاكم، فهو متأخر في الوجود عن عتق ~~النصيب والسراية معا، ولا يكون عتق الشريك مرتبا على التقويم مع ما فيه من ~~المجاز، فالتقويم بهذا التفسير مع العتق الأول يتقدم على الإعطاء وعتق ~~الباقي، فلا يكون عتق الباقي متأخرا عن التقويم على هذا التفسير، لكنه ~~متأخر على ما دل عليه ظاهر اللفظ. # وإذا بطل الثاني، تعين الأول؛ وهو أن يكون عتق الباقي راجعا إلى الترتيب ~~في الوجود؛ أي: يقع أولا التقويم، ثم الإعطاء وعتق الباقي، وهو مقتضى مذهب ~~مالك - رحمه الله -. PageV03P1735 # إلا أنه يبقى على هذا احتمال أن يكون "وعتق عليه العبد" معطوفا على "قوم ~~قيمة عدل"، لا على "أعطي شركاؤه حصصهم"، فلا يلزم تأخر ms1182 عتق الباقي عن ~~الإعطاء، ولا كونه معه في درجة واحدة تعليل بالنظر في راجح الاحتمالات؛ من ~~حيث عطفه على "أعطي" أو على "قوم". # وأقوى منه رواية عمرو بن دينار عن سالم، عن أبيه؛ إذ فيها: "فكان موسرا؛ ~~فإنه يقوم عليه بأعلى القيمة، أو قال: قيمة لا وكس ولا شطط، ثم يقوم لصاحبه ~~حصته، ثم يعتق" (¬1)، فجاء بلفظة (ثم) المقتضية لترتيب العتق على الإعطاء ~~والتقويم. # وأما ما يدل ظاهره للشافعي؛ فرواية حماد بن زيد عن أيوب، عن نافع، عن ابن ~~عمر - رضي الله عنهما -: "من أعتق نصيبا له في عبد، فكان له من المال ما ~~يبلغ ثمنه بقيمة العدل، فهو عتيق" (¬2). # وأما في رواية بشر بن المفضل عن عبيد الله، مما جاء فيها: "من أعتق شركا ~~له في عبد، فقد عتق كله، إن كان الذي عتق نصيبه من المال ما يبلغ ثمنه، ~~يقوم عليه قيمة عدل، فيدفع إلى شركائه أنصباءهم، ويخلي سبيله" (¬3)؛ فإن في ~~أوله ما يستدل لمذهب الشافعي - رحمه الله - بقوله: "فقد عتق كله"؛ فإن ~~ظاهره يقتضي تعقيب عتق كله، لا عتق النصيب. وفي آخره ما يشهد لمذهب مالك - ~~رحمه الله -؛ فإنه قال: يقوم قيمة عدل، فيدفع إلى الشركاء النصيب بعد إعتاق ~~النصيب للتقويم، ودفع القيمة عقب التقويم إلى الشركاء، وذكر تخلية السبيل ~~بعد ذلك بالواو. # قال شيخنا الإمام أبو الفتح بن دقيق العيد - رحمه الله -: والذي يظهر في ~~هذا أن ينظر إلى هذه الطرق ومخارجها، فإذا اختلفت الروايات في مخرج واحد، PageV03P1736 # أخذنا بالأكثر، أو بالأحفظ فالأحفظ، ثم نظرنا في أقربها دلالة على ~~المقصود، فيعمل بها. # وأقوى ما ذكرناه لمذهب مالك لفظة "ثم". # وأقوى ما ذكرناه لمذهب الشافعي - رحمه الله - رواية حماد، وهي قوله: "من ~~أعتق نصيبا له في عبد" إلى قوله: "فهو عتيق". # لكنه يحتمل أن يكون المراد أن مآله العتق، أو أن العتق قد وجب له وتحقق. # وأما قضية وجوبه بالنسبة إلى تعجيل السراية أو توقفها على الأداء، ~~فمحتمل. # فإذا آل الأمر إلى هذا، فالواجب النظر في أقوى ms1183 الدلالتين وأظهرهما دلالة ~~"ثم" على تراخي العتق عن التقويم والإعطاء. # ودلالة لفظة "فهو عتيق": على تنجيز العتق هذا بعد أن يجري ما ذكرناه من ~~اختلاف الطرق، أو إبقائها على مدلولها، والله أعلم (¬1). # وقد يستدل بالحديث من يرى السراية بنفس الإعتاق، على عكس ما قررناه في ~~الوجه قبله، وطريقه أن يقال: لو لم تحصل السراية بنفس الإعتاق، لما تعينت ~~القيمة جزاء للإعتاق، لكن تعينت، فالسراية حاصلة بالإعتاق، بيان الملازمة: ~~أنه إذا تأخرت السراية عن الإعتاق، وتوقفت على التقويم، عتق الشريك نصيبه، ~~ونفذ، وإذا نفذ، فلا تقويم، فلو تأخرت السراية، لم يتعين التقويم، لكنها ~~متعينة بالحديث. # واختلف الحنفية في مجرد الإعتاق، بعد اتفاقهم على عدم تجزيء العتق؛ فأبو ~~حنيفة: يرى بالتجزيء في الإعتاق، وصاحباه لا يريانه. وأثبتا على مذهب أبي ~~حنيفة - رحمه الله - أن للسالب أن يعتق؛ إبقاء للملك، ويضمن لشريكه؛ لأنه ~~جنى على ملكه بالإفساد واستسعاء العبد؛ لأنه ملكه رجاء يسار المعتق، فلو ~~كان في حال إعساره، سقط التضمين، ونفي الأمران الآخران. PageV03P1737 # وعند أبي يوسف، ومحمد: لما لم يتجزأ الإعتاق، عتق كله، ولا يملك إعتاقه. # ولهما أن يستدلا بالحديث من جهة ما ذكرناه من تعيين القيمة فيه، ومع ~~تجزيء الإعتاق لا تتعين القيمة. # ومنها: وجوب قيمة نصيب الشريك على المعتق نصيبه؛ للحديث: "أنه يقوم عليه ~~قيمة العدل"، فيدفع لشركائه حصصهم، فإن دلالة سياقه لا شك فيها على هذا ~~الحكم، وذلك يرد مذهب من يرى أن باقي العبد يعتق من بيت مال المسلمين، وهو ~~مروي عن ابن سيرين - رحمه الله تعالى -، ومقتضاه التقويم على الموسر. # وذكر بعضهم قولا آخر: أنه ينفذ عتق من أعتق، ويبقى من لم يعتق على نصيبه ~~يفعل فيه ما يشاء. # وروي في ذلك عن عبد الرحمن بن زيد قال: كان بيني وبين الأسود غلام شهد ~~القادسية، وأبلى فيها، أرادوا عتقه، وكنت صغيرا، فذكر ذلك الأسود لعمر - ~~رضي الله عنه -، فقال: أعتقوا أنتم، ويكون عبد الرحمن على نصيبه حتى يرغب ~~في مثل ما رغبتم فيه، أو يأخذ نصيبه (¬1). # وفي ms1184 رواية عن الأسود قال: كان لي ولإخوتي غلام أبلى يوم القادسية، فأردت ~~عتقه، فذكرت ذلك لعمر، فقال: أتفسد عليهم نصيبهم حتى يبيعوا؟! فإن رغبوا ~~فيما رغبت فيه، وإلا لم يفسد عليهم نصيبهم، فقال بعضهم: لو رأى التضمين، لم ~~يكن ذلك إفسادا لنصيبهم (¬2). # قال شيخنا الإمام أبو الفتح بن دقيق العيد - رحمه الله -: والإسناد صحيح، PageV03P1738 # غير أن في إثبات قوله بعدم التضمين عند اليسار بهذا نظر، أما على كل ~~تقدير، فالحديث يدل على التقويم عند اليسار المذكور فيه، والله أعلم (¬1). # ومنها: العمل بالظنون في باب القيم، وهو متفق عليه؛ لامتناع النص على ~~الجزئيات من القيم في مدة الزمان، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "قوم عليه ~~قيمة عدل" يدل على ذلك. # ومنها: أن ضمان المتلفات التي ليست من ذوات الأمثال بالقيمة، لا بالمثل صورة. # ومنها: اعتبار الصفات التي تختلف بها القيم عرفا عند الناس، واشتراط قيمة ~~العدل في الحديث تدل على ذلك. # ومنها: الرد على ربيعة؛ حيث قال: إذا أعتق أحدهما نصيبه من العبد، فإنه ~~مردود، وصريح الحديث والإجماع يرد عليه، وقد حمل قوله على منع عتق المشاع. # ومنها: تعليق العتق بإعطاء الشركاء حصصهم؛ حيث رتب على العتق التقويم ~~بالفاء، ثم على التقويم بالفاء للإعطاء والعتق، وعلى قولنا: إنه يسري بنفس ~~العتق لا بتوقف العتق على التقويم والإعطاء، وقد تقدم ذكر ثلاثة أقوال في ~~ذلك، ثالثها: أنه موقوف، فإن أعطى القيمة، ثبتت السراية وقت العتق، ولا ~~ينافي هذا القول لفظ الحديث. # ومنها: عتق نصيب الموسر جميعه؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وإلا فقد ~~عتق منه ما عتق": فيقتضي أنه إذا كان معسرا، لا يعتق نصيب الشريك، ويبقى ~~على الرق، أو يستسعى العبد. # وفي ذلك نظر، ويؤخذ حكمه من حديث آخر، وسيأتي - إن شاء الله تعالى -، ~~والله أعلم. # * * * PageV03P1739 ### || AUTO الحديث الثاني # عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"من أعتق شقصا من مملوك، فعليه خلاصه في ماله، فإن لم يكن له مال؛ قوم ~~المملوك قيمة عدل، ثم ms1185 استسعى غير مشقوق عليه" (¬1). # اعلم أن هذا الحديث قد روياه في "الصحيحين"، لكن في لفظ الاستسعاء خلاف ~~بين الرواة، فمنهم من فصله من الحديث، وجعله من رأي قتادة. # قال الدارقطني: روى هذا الحديث شعبة، وهشام عن قتادة، وهما أثبت، فلم ~~يذكر فيه الاستسعاء، ووافقهما همام، ففصل الاستسعاء من الحديث، فجعله من ~~رأي قتادة، قال: وعلى هذا أخرجه البخاري، وهو الصواب (¬2)! # قال الدارقطني: وسمعت أبا بكر النيسابوري يقول: ما أحسن ما رواه همام ~~وضبطه! ففصل قول قتادة عن الحديث (¬3). # وقال القاضي عياض - رحمه الله -: قال الأصيلي، وابن القصار، وغيرهما: من ~~أسقط السعاية من الحديث، أولى ممن ذكرها، ولأنها ليست في الأحاديث الأخر من ~~رواية ابن عمر (¬4). # وقال ابن عبد البر: الذين لم يذكروا السعاية أثبت ممن ذكرها (¬5). PageV03P1740 # وقال غيره: وقد اختلف فيها عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، فتارة ذكرها، ~~وتارة لم يذكرها. # فدل على أنها ليست عنده من متن الحديث، كما قال غيره، والله أعلم. # أما معنى الاستسعاء في هذا الحديث، فالذي عليه جمهور القائلين بجواز ~~الاستسعاء: أن العبد يكلف الاكتساب والطلب حتى يحصل قيمة نصيب الشريك ~~الآخر، فإذا دفعها إليه، عتق، وقال بعضهم: هو أن يخدم سيده الذي لم يعتق ~~بقدر ما له من الرق، فتتفق الأحاديث على هذا. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "غير مشقوق عليه": أي: لا يكلف المملوك ما ~~يشق عليه في السعاية. # وأما الشقص: فهو النصيب، قليلا كان أو كثيرا، ويقال له: الشقيص أيضا ~~بزيادة ياء، ويقال له: الشرك -أيضا- بكسر الشين، وتقدم بعض ذلك. # وأما لفظ المملوك: فيتناول الذكر والأنثى معا، وتعسف بعضهم وقال: لا يطلق ~~على الأنثى، بل يقال لها: مملوكة. وأما لفظ العبد: فلا يطلق إلا على الذكر، ~~وادعى بعضهم أنه يتناول الذكر والأنثى، وعبد وعبدة، والله أعلم. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فعليه خلاصه": هذا اللفظ يشعر باستقبال ~~خلاصه، وقد يقدر فيه محذوف؛ أي: فعليه عوض خلاصه ونحوه، وقد يشعر بعدم ~~السراية بنفس العتق إلى نصيب الشريك، والمراد: فعليه خلاص كله ms1186 يعتق تتمته. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "في ماله": رد على من قال: إنه يعتق من ~~بيت مال المسلمين، وهو ابن سيرين؛ فإن إضافة المال إلى السيد المعتق ينافي ~~بيت مال المسلمين. # وقد يستدل به لمن يقول: إن الشريك الذي لم يعتق أولا، ليس له أن يعتق بعد ~~الأول، إذا كان الأول موسرا؛ لأنه لو أعتق، ونفذ، لم يحصل الوفاء بكون ~~خلاصه من ماله. # لكنه رد عليه الحديث قبله، فإنه من لوازم عدم صحة عتق الثاني: أنه يسري ~~بعتق الأول عليه بفراغه من لفظه؛ فيكون دليلا على السراية بنفس العتق. PageV03P1741 # ويبقى الترجيح بين هذه الدلالة وبين غيرها، من قوله: "قوم عليه، وأعطي ~~شركاؤه حصصهم وعتق عليه العبد"؛ حيث إن ظاهره يرتب العتق على إعطاء القيمة، ~~فأي الدليلين كان أظهر، عمل به. # ثم قوله: "فعليه خلاصه من ماله": يقتضي عدم استسعاء العبد عند يسار ~~المعتق. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإن لم يكن له مال": يقتضي ظاهره النفي ~~العام للمال، والمراد به: المال الذي يؤدي إلى خلاص المملوك. # وفي هذا الحديث أحكام: # منها: جواز عتق العبد المملوك المشترك من بعض الشركاء. # ومنها: أنه إذا كان له مال أنه يلزمه خلاص باقيه من ماله. # ومنها: أنه إذا لم يكن له مال، واستسعى العبد فيما يفك به رقبته: أنه لا ~~يكون سعيا شاقا على العبد، بل يعمل فيه بالاجتهاد، والظن الراجح؛ كما قلنا ~~في القيمة. # ومنها: تعظيم حق العتق، وأنه مطلوب مؤكد للشرع. # ومنها: استسعاء العبد عند عسر المعتق نصيبه، وتقدم الاختلاف فيه في ~~الحديث قبله، والمخالفون في الاستسعاء يعارضونهم بقوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "وإلا فقد عتق منه ما عتق". # قال شيخنا الإمام أبو الفتح - رحمه الله -: والنظر المنحصر في تقديم أحد ~~الدلالتين على الأخرى، في قوله: "فقد عتق منه ما عتق" على رق الباقي، ~~ودلالة الاستسعاء على لزومه في هذه الحالة، قال: والظاهر ترجيح هذه الدلالة ~~على الأولى، والله أعلم (¬1). # قلت: إنما حمل الشيخ - رحمه الله - ترجيح دلالة الاستسعاء على دلالة ms1187 PageV03P1742 # قوله: "فقد عتق منه ما عتق"؛ حيث إنها ثابتة في الحديث عنده، ولم ينظر ~~فيما عللها به الأئمة الذين ذكرناهم، وإنها من قول قتادة، لا من الحديث، ~~بخلاف قوله: "وإلا فقد عتق منه ما عتق"؛ فإنها ثابتة عند المحققين من ~~الحفاظ، وإن كان بعضهم عللها وجعلها من قول نافع، لكنه قول مرجوح كما بيناه ~~في الحديث قبله، فتعين ترجيح دلالة "فقد عتق منه ما عتق" على الاستسعاء، ~~وأنه ضعيف، والله أعلم [بالصواب، وإليه المرجع والمآب] (¬1). # * * * ### || AUTO الحديث الثالث # وقد بوب عليه بعضهم: باب المدبر، وليس هو في معظم نسخ الكتاب. # عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: دبر رجل من الأنصار غلاما ~~(¬2)، وفي لفظ: بلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - أن رجلا من أصحابه أعتق ~~غلاما له عن دبر، ولم يكن له مال غيره، فباعه بثمان مئة درهم، ثم أرسل ثمنه ~~إليه (¬3). # أما الرجل المعتق عن دبر؛ فهو أبو مذكور، والغلام المعتق اسمه: يعقوب، ~~والذي اشتراه نعيم بن عبد الله النحام، ذكر ذلك الخطيب البغدادي. # وذكر المعتق والغلام فقط ابن بشكوال، وقال: والمعتق اسمه يعقوب (¬4)، كذا ~~في "صحيح مسلم" (¬5)، وفي "النسائي" أيضا (¬6) اسم المعتق. # وقد روى الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - عن إسماعيل بن إبراهيم عن ~~أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر - رضي الله عنه -: أن رجلا من الأنصار يقال PageV03P1743 # له: أبو مذكور أعتق غلاما له يقال له: يعقوب، عن دبر، لم يكن له مال ~~غيره، فدعا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "من يشتريه؟ " ~~فاشتراه نعيم بن عبد الله النحام بثمان مئة درهم، فدفعها إليه، وقال: "إذا ~~كان أحدكم فقيرا، فليبدأ بنفسه، فإن كان فيها فضل، فعلى عياله، فإن كان ~~فضل، فعلى ذي قرابته، أو ذي رحمه" (¬1). وهكذا رواه جماعة عن أبي الزبير، ~~عن جابر؛ منهم: الليث بن سعد، وحماد بن سلمة، وابن جريح، وغيرهم، والله أعلم. # وفي رواية النسائي والدارقطني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما دفع ~~إليه ثمن الدبر، قال له: ms1188 "اقض به دينك" (¬2)، والله أعلم. # وقوله: "دبر، وأعتق غلاما له عن دبر"؛ معناه: أعتقه بعد موته؛ أي: قال: ~~أنت حر بعد موتي، فكأنه علق عتقه بموته، والموت دبر الحياة، وبه سمي ~~التدبير. # ولا يقال التدبير في غير الرقيق؛ كالخيل وغيرها، مما يوصي به. # قال الإمام أبو القاسم الرافعي - رحمه الله -: وقيل: سمي تدبيرا؛ لأنه ~~دبر أمر دنياه، باستخدامه واسترقاقه، وأمر آخرته بإعتاقه، قال: وهذا مردود ~~إلى الأول -أيضا-؛ لأن التدبير في الأمر مأخوذ من لفظ الدبر أيضا؛ لأنه نظر ~~في عواقب الأمر وإدباره، والله أعلم (¬3). # وفي الحديث أحكام: # منها: جواز التدبير وصحته، وقد أجمع المسلمون عليه. PageV03P1744 # ثم مذهب الشافعي - رحمه الله -، ومالك، والجمهور: أنه يحسب عتقه من ~~الثلث، وقال الليث، وزفر: هو من رأس المال. # ومنها: جواز بيع المدبر قبل موت سيده؛ لهذا الحديث، وقياسا على بيع ~~الموصي بعتقه؛ فإنه جائز بالإجماع، وهو مذهب الشافعي وأصحابه، وممن جوزه: ~~عائشة، وطاوس، وعطاء، والحسن، ومجاهد، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود. # وكما يجوز بيع المدبر، تجوز هبته والوصية به، وغيرها من التصرفات المزيلة ~~للملك، سواء كان التدبير مطلقا، أو مقيدا، خلافا لأبي حنيفة في المطلق، ~~ولمالك في المطلق والمقيد معا. # وعن أحمد روايتان؛ إحداهما: كمذهبنا، والأخرى: أنه له بيعه للدين فقط، ~~ويمنع بيع المدبر. # قال جمهور العلماء والسلف من الحجازيين، والشاميين، والكوفيين: وتأولوا ~~بيعه على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما باعه في دين كان على سيده، ~~كما رواه النسائي والدارقطني، وروي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - باعه، ~~وقضى منه دينه، ودفع الفضل إليه. # وروي عن عائشة - رضي الله عنها -: أنها باعت مدبرة لها سحرتها (¬1). ولم ~~ينكر ذلك أحد من الصحابة - رضي الله عنهم -، ولا خالفها، وهذا يدل على جواز ~~بيعه مطلقا. # قالوا: ولا تعليق للعتق بصفة انفرد السيد بها فيتمكن من بيعه كالمعلق ~~عتقه بدخول الدار، وتأوله بعض المالكية على أنه لم يكن له مال غيره، فرد تصرفه. # قال هذا القائل: وكذلك يرد تصرف كل من تصدق بكل ماله، وهذا ms1189 ضعيف باطل، ~~والصواب نفاذ تصرف من تصدق بكل ماله. PageV03P1745 # ومنهم من يقول: أنا أقول بجواز بيعه في صورة كذا، والواقعة واقعة حال لا ~~عموم لها، فيجوز أن تكون في الصورة التي أقول بجواز بيعه فيها، فلا تقوم ~~علي الحجة في المنع من بيعه في غيرها، كما يقول مالك - رحمه الله - في جواز ~~بيعه في الدين، على التفصيل المذكور في مذهبه، والله أعلم. # قال القاضي عياض - رحمه الله -: والأشبه عندي أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فعل ذلك نظرا له؛ إذ لم يترك لنفسه مالا. # والصحيح: ما قاله أصحاب الشافعي ومن وافقهم: أن الحديث على ظاهره، وأنه ~~يجوز بيع المدبر بكل حال ما لم يمت السيد، والله أعلم (¬1). # ومنها: نظر الإمام في مصالح رعيته، وأمره إياهم بما فيه الرفق بهم، ~~وبإبطالهم من تصرفاتهم التي يمكن نسخها، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع ~~والمآب. # وقد يسر الله تعالى في تأليف هذا الشرح المسمى ب "العدة في شرح العمدة"، ~~ما تقر به عيون الطالبين، وتنشرح له صدور العلماء العارفين، وتستنير له ~~قلوب الألباء الفطنين؛ لما احتوى عليه من العلوم الباهرة، والفنون الزاهرة؛ ~~من علوم الحديث، واللغة، والفقه، والأحكام، وأسماء الصحابة والتابعين ~~ورواياتهم، وما تيسر من مناقبهم وآثارهم، وتبيين المبهم من الأسماء، ~~والتنبيه على دقائق واضحة، وجليات رائقة فائحة، وتفسير آيات محكمات، وإيضاح ~~معان مشكلات، وذكر أصول ثابتات، وفروع نضرة نيرات. # فله الحمد على ما يسر وهدى، وأنعم وأولى، وجاد وأعطى، وأسأل الله تعالى ~~أن يجعله خالصا، ويعم النفع به كل طالب حارصا، وأن يعصمنا أجمعين من الزيغ ~~والزلل، وأن يوفق من وجد عيبا لسد الخلل، والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما ~~كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى، ~~والحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وصلواته وسلامه PageV03P1746 # على سيدنا محمد خاتم النبيين، وإمام المتقين، المرسل رحمة للعالمين، وعلى ~~آله وأزواجه وذريته وصحابته الطاهرين، وعلى سائر الخلق من الملائكة ~~والأنبياء والمرسلين وآل كل والصالحين من سكان السموات والأرضين، ms1190 وحسبي ~~الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم العزيز الحكيم. # قال مؤلفه - رحمه الله -: فرغت من تأليفه صبيحة يوم السبت، السابع عشر من ~~شهر ربيع الآخر، سنة ثلاث عشر وسبع مئة، [والحمد لله على نعمه التي لا ~~تحصى] (¬1). # نسخ العبد الفقير إلى الله تعالى: موسى بن إبراهيم النابلسي مولدا، ~~الأشعري معتقدا، الشافعي مذهبا، الأندلسي والدا، عفا الله عنه وعن والديه، ~~ومستنسخه، والناظر فيه، ومن كان السبب فيه، وجميع المسلمين، آمين. # وكان الفراغ منه: اليوم الثاني من مستهل جمادى الآخرة سنة ستين وسبع مئة، ~~أحسن الله تقضيها بمنه وكرمه، آمين، وصلى الله على سيدنا محمد كلما ذكره ~~الذاكرون، وكلما غفل عن ذكره الغافلون. # * * * ms1191