######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_010773 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن عذاري المراكشي #META# 010.AuthorNAME :: ابن عذاري المراكشي ، محمد بن محمد (المتوفى : نحو 695هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 695 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: البيان المغرب في أخبار الأندلس و المغرب #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: تواريخ البلدان والعوائل :: كتب التاريخ #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: البيان المغرب في أخبار الأندلس و المغرب #META# 030.LibURI :: JK_010773 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه # الحمد الله مصرف الأقدار ومحيي الآثار والمتعالي عن الأشباه والأنظار، ~~المتنزه عن تمثيل الأوهام وتكييف الأذكار الذي احتجب بحجاب عزته وقدرته فلا ~~تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار الذي خضعت لهيبته وعظمته رقاب الأكاسرة ~~والجبابرة والأشرار، العالم بالكونين على اختلافها والحوادث مع تشتيت ~~أوصافها، وكل شيء عنده بمقدار، مكور الليل على النهار، والنهار على الليل ~~ما جرى الفلك الدوار وجعلهما آيتين بينتين للمتفكر في العظة والاعتبار وخص ~~الإنسان بفضل النظر والاستبصار فقال جل وتعالى " فاعتبروا يا أولي الأبصار ~~" وعلمه ما لم يكن يعلم وكرر عليه ما لم يلحق من انباء القرون الماضية في ~~الأزمان والأعصار وأراه متقلبهم في هذه الدنيا الفنية التي جعلها لهم دار ~~انتقال، ومفر وزوال، وجعل الأيام بينهم دولا والأقوام بعضهم من بعض بدلا ~~ذلك تقدير العزيز القهار نحمده على ما نعم به علينا من الهداية للنظر في ~~مواقع الأدلة بأن هو الله الملك الغفار ونشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا ~~شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله المصطفى المختار، الذي اختار لرسالته وختم ~~به الرسل الكرام الأبرار، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وصحبه الأكرمين ~~الأخيار، وسلم كثيرا. # وبعد جعلنا الله ممن نظر فاعتبره، ووعظ فازدجره فإن خير ما شغلت به ~~الأذكار والأفكار، وتحدثت معه الليل والنهار، حفظ ما فاد من العلوم ~~والأخبار وأن أولى ما ريضنا به النفوس البشرية مجالسة العلماء والأخيار، ~~ومذاكرة الأدباء ذوي الهمم وعلو المقدار، ففي مجاسلتهم ومذاكرتهم ما يسحر ~~الذهن وينور الأفكار فان فقدت مجالستهم فلا عوض منها غير كتاب يتخذه جليسه ~~ويجده في كل وقت أنيسه ويتنسمه روضا يانع الأزهار وإذا نظر اللهيب بفطنته ~~إلى أصناف العباد ومختلف الآباد أغناه ذلك عن المشاهدة وقام له الاستماع ~~مقام المعاينة والاستخبار. # قال المؤلف: ولما كنت كلفت بأخبار الخلفاء والأئمة والأمراء بالبلاد ~~الشرقية والمغربية وما والاهما من الأقطار، وولعت بالمناظرة في ذلك مع ~~الفضلاء والأخلاء ذوي الأقدار والأخطار، طلب بعضهم إلي، ممن ms001 يجب إكرامه ~~على، أن أجمع له كتابا مفردا في أخبار ملوك البلاد الغربية على سبيل ~~الإيجاز والاختصار، ولازمني في طلبه مرارا، فلم يمكنني التوقف في ذلك ولا ~~الاعتذار وحملني على جمعه وتأليفه حمل اضطرار لا اختيار، فجمعت له في هذا ~~الكتاب نبذا ولمعا من عيون التواريخ والأخبار، مما جرى الله به تصاريف ~~الأقدار فيما مر من الأزمنة والأعصار في بلاد المغرب وما والاهما من ~~الأقطار: جمعت ذلك من الكتب الجليلة مقتضيا من غير إسهاب ولا إكثار فاقتطفت ~~عيونها واقتضبت فنونها ووصلت الحديث بالقديم والقديم بالحديث لأنه إذا اتصل ~~يستظرف ويستحلى كما قال بعضهم: # وسئت كل مآربي ... فكأن أطيبها خبيث # إلا الحديث فأنه ... عند اسمه ابدأ حديث # فنقلت والله ولي التوفيق من تاريخ الطبري والبكري والرقيق والقضاعي ومن ~~كتاب )الذيل( لابن شرف ومن كتاب ابن أبي الصلت ومن )المجموع المفترق( ومن ~~كتاب )بهجة النفس وروضة الأنس( ومن كتاب )المقباس( و)القبس( ومن مختصري ~~عريب وابن حبيب ومن )درر القلائد وغرر الفوائد( ومن )القلائد( و)المطمح( ~~لابن خاقان ومن كتاب ابن حزم )ذخيرة( ابن سام ومن )أخبار الدولة العامرية( ~~لابن حيان، ومن كتاب )تقصي الأنباء في سياسة الرؤساء( ومن كتاب )الأنوار ~~الجلية في الدولة المرابطية( ومن )نظم الجمان في أخبار الزمان( لابن ~~القطان، ومن كتابي )الاشيري( و)البيذق( وكتاب يوسف الكاتب وكتاب بن صاحب ~~الصلاة أبي مروان، ومن كتاب بن رشيق ومن كتاب وجدته أو تعليق، ومن شيوخ ~~أخذت الأخبار الوقتية عنهم بتحقيق والله الهادي إلى سواء الطريق. ~~PageV01P001 ولما كمل ما قيدته وجردته على ثلاثة أجزاء: كل جزء كتاب قائم ~~بنفسه ليكون لمطالعه أوضح البيان وأسهل مرام لدى العيان وسميته بالبيان ~~المغرب في اختصار أخبار ملوك الأندلس والمغرب. أما الجزء الأول فاختصرت فيه ~~أخبار أفريقية من حين الفتح الأول في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان - ~~رضي الله عنه - ، ثم أخبار أمرائها من ولاة الخلفاء الأمويين ومن دخل الغرب ~~منهم ومن قام بأفريقية من الصفرية والاباضية ثم قام فيها بالدولة العباسية ~~ومن ملكها من بني ms002 الأغلب وأخبار بني عبيد الشيعة وأخبار زناته والصهاجيين ~~وغيرهم وكل ما اشتهر من أمرهم إلى حين انتقال العبيدية إلى البلاد المصرية ~~واستخلافهم صهاجة على أفريقية ثم خلع صهاجة لهم واستيلائهم على أفريقية ~~ونذكر فتنة العرب وأسبابها ودخولهم إلى القيروان وخرابها وتنقل أمراء صهاجة ~~إلى المهدية ومن ملكها منهم وما اشتهر في ذلك من الأخبار عنهم من ملوك ~~المناديين والحماديين إلى حين ظهور الموحدين ولخصت في ذلك كله أخبار أمراء ~~البلاد الغربية ومن دخلها من أخبار الدولة العبيدية وذكرت أخبار المدراريين ~~السجلماسيين والأمراء الإدريسيين وأخبار البرغواطيين والزناتيين ومن ملك ~~فاسا من زناتة المغراويين ومن ولاء الخلفاء الأمويين الأندلسيين على أن ~~أخبار المغرب الأقصى أكثر من أن تحصى لكني نسقتها نسق الأسلاك وسقت من كان ~~فيه على الولاء من الأملاك من حين فتحه الأول إلى حين ابتداء الدولة ~~اللمتونية المرابطية. # والجزء الثاني اختصرت فيه أخبار جزيرة الأندلس وأملاكها الغابرين الدرس ~~من حين الفتح الأول ثم من وليها من الأمراء للخلفاء الأمويين بالمشرق ثم من ~~قام بها من العرب الفهريين إلى حين دخول الخلفاء الأمويين في ابتداء أمرهم ~~ومن قام عليهم من الثوار الأندلسيين وذكرت بعض أخبارهم وآثارهم في غزواتهم ~~وحركاتهم إلى انقضاء مدتهم بعد ذكر حجابهم العامريين ومآثرهم إلى حين ~~انقضاء الدولة العامرية وقيام الفتنة البربرية وذكرت فيه أخبار ملوك ~~الطوائف بعد انقضاء دول الخلائف من الحموديين والهوديين والجهوريين ~~والعباديين وفتيان العامريين والصمادحيين والزناتيين والبكريين والافطسيين ~~والصهاجيين وغيرهم من الرؤساء الأندلسيين وكل ذلك إلى حين دخول لمتونة إلى ~~الأندلس سنة 478. # والجزء الثالث: اختصرت فيه أخبار الدولة المرابطية اللمتونية وخروجهم من ~~صحرائهم في ابتداء أمرهم واستيلائهم على مملكة أمراء المغرب والأندلس ~~وخلعهم لجميعهم وتغلبهم على مملكة كل منهم وما تسنى لهم فيها من الفتوحات ~~والمنوحات إلى حين ابتداء دولة الموحدين وظهورهم ونبذ من أحوالهم وأمورهم ~~ثم ما كان بين أمراء الدولتين من مقاتلات ومنازلات وحصر من حصر ونصر من نصر ~~- سمه الله لهم - وذلك إلى حين انقضاء الدولة المرابطية وابتداء دولة ~~الموحدية ثم ms003 ما تخلل ذلك للموحدين من النصر والتأييد ومن فتوح ومنوح وصنع ~~عجيب في البلاد الأفريقية والأندلسية إلى حين انقراض دولتهم وذلك بسبب ~~أحداث حدثت عليهم وأحوال نسبت إليهم وذكرت الدولة الحفصية الموحدية ~~الهتاتية في البلاد الأفريقية والدولة الهودية المتوكلية والنصرية الاحمرية ~~في البلاد الأندلسية والدولة السعيدة المرينية في البلاد الغربية اختصرت في ~~ذلك كله ما اشتهر أمره وأمكنني ذكره وذكرت بعض البيعات والرسائل السلطانيات ~~وما تعلق بها وكان بسببها من الوقائع المذكورات والأمور المشهورات وذلك إلى ~~انقضاء الدولة الموحدية واستيلاء الإمارة اليوسفية المرينية على حضرتهم ~~المراكشية وذلك على مرور السنين إلى عام 667. # قال المؤلف - سمح الله له - فإن كنت اقتصرت فيما اقتصرت فعذرا فيما ظهر ~~من تقصير وباع قصير فان الذهن كليل والقلب شغيل وكنت قد نسخت نسخة من هذا ~~الكتاب وربما زدت في هذه الثانية أو نقصت إذا كان الأولى بي والأحرى إلا ~~القدم الأولى ولا أؤخر الأخرى ولكني ولا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا وحسبي ~~الاعتراف فهو سبيل الإنصاف نسأل الله الإرشاد إلى سواء فهو حسبي ونعم ~~الوكيل. # ذكر حد المغرب وأفريقية # وما اتصل بهما وعد معهما PageV01P002 قال أبو مروان في كتاب )المقباس( ~~وابن حمادة في كتاب )القبس( وغيرهما من المؤرخين لأخباره المعتنين بآثاره: ~~إن حد المغرب هو من ضفة النيل بالإسكندرية التي تلي بلاد المغرب إلى آخر ~~بلاد المغرب وحده مدينة سلاء وينقسم أقساما: فقسم من الإسكندرية إلى طرابلس ~~وهو أكبرها وأقلها عمارة وقسم من طرابلس وهي بلاد الجريد ويقال أيضا بلاد ~~الزاب الأعلى ويلي هذه البلاد بلاد الزاب الأسفل وحدها إلى مدينة تيهرت ~~ويليها بلاد المغرب وهي بلاد طنجة وحدها مدينة سلا وهي آخر المغرب وإذا جزت ~~سلا وأخذت إلى ناحية الجنوب تركت مغرب الشمس يمنة وأخذت منها قافلا إلى ~~قبلة فتسمى تلك البلاد تامسنا ويقال لها أيضا بلاد السوس الأدنى وحدها إلى ~~جبل درن وإذا جزت هذا الجبل فعن يمينك بلاد السوس الأقصى ويقال لها بلاد ~~ماسة ويتصل السوس الأقصى ببلاد الصحراء إلى السودان وهي ms004 بلاد الزهج وبلاد ~~الأندلس أيضا من المغرب وداخلة فيه لاتصالها به ويليها المجاز الأعظم الذي ~~يسمى بحر الزقاق وفيه مصب البحر الكبير الذي يسمى المحبط ويقال له بحر ~~الظلمات وهذا البحر لا يعلم له ساحل غير الذي عليه بلاد السودان وبلاد ~~الكجوس الذين يلون بلاد الأندلس ويصب ماء الزقاق في البحر الرومي ويقال له ~~أيضا البحر الشامي وهو يتصل إلى البلاد الشام إلى ناحية القسطنطينية وبينه ~~وبين بحر الزقاق الخليج الذي منه وذكر بن حمادة أن حد المغرب من بحر ~~القلزوم وهو الهابط من اليمن إلى عدن إلى عيداب إلى القلزوم وإلى مصر قبلة ~~وشرقا وحد المغرب من الجوف البحر الشامي وهو بحر الإسكندرية وهو المتفرغ في ~~بحر الزقاق من جزيرة طريف وعلامته صنم قادس وحد المغرب من الغرب البحر ~~المحيط المسمى الابلاية وصار المغرب كالجزيرة دخل فيه بعض أعمال مصر ~~وأفريقية كلها والزاب والقيروان والسوس الأدنى والسوس الأقصى وبلاد الحبشة ~~ومنه يتفرع نيل مصر. # ذكر فضل المغرب # وما ورد من الأخبار والآثار # روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال )لا تزال طائفة من أمتي ~~بالمغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة( ومن ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه ~~عن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال )لا يزال أهل ~~المغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة( وذكر البخاري، عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: لا يضرهم من خالفهم، حتى يروا قياما فيقولون: غشيتم ~~فيغشون سرعان خيلهم، فيرجعون إليهم فيقولون: الجبال سيرت فيخرون سجدا ~~فتنقبض أرواحهم( وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول )خير ~~الأرض مغاربها وأعوذ بالله من فتنة المغرب( وذكر خالد بن سعيد أن محمد بن ~~عمر بن لبلاة كان يروى عن عبيد الله بن خالد عمن حدثه عن أبي زيد المصري ~~يرفع الحديث عن أبي عباس - رضي الله عنه - عن أبي أيوب الأنصاري قال: بينما ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واقف إذ توجه تلقاء ms005 المغرب فسلم وأشار ~~بيده فقلت )على من تسلم يا رسول الله( قال )على رجال من أمتي يكونون في هذا ~~المغرب بجزيرة يقال لها الأندلس حيهم مرابط وميثهم شديد وهم ممن استثنى ~~الله من كتابه " فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله " ( وصح ~~وعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن الإسلام سيبلغ مشارق الأرض ~~ومغاربها فكان الأمر كما وعد وقال الحميدي في قول رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - )لا يزال أهل الغرض ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة( هذا وإن ~~كان عاما فللأندلس منه حظ وافر بدخولها في الإسلام وتحققها من الغرب وإنها ~~عن آخر المعمور فيه وبعض ساحلها الغربي والبحر محيط بجميع جهاتها فصارت بين ~~البحر والروم وروى الرفيق عن عبد الله بن وهب يرفع الحديث إلى النبي انه ~~بعث سرية في سبيل الله فلما رجعوا ذكروا شدة البرد الذي أصابهم فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - )لكن أفريقية أشد بردا وأعظم أجرا( وعن سفيان ~~بن عيينة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال )الشر عشرة أجزاء، فتسعة في ~~المشرق، وواحد في سائر البلدان(. PageV01P003 ويقال بأن أفريقية ساحلا يقال ~~له المنستيد وهو باب من أبواب الجنة وبها جبل يقال له المطمور: باب من ~~أبواب جهنم. وفي الحديث أن أفريقية يحشر منها سبعون ألف شهيد ووجوههم ~~كالقمر ليلة البدر وعن سفيان بن عيينة قال يروي ان المغرب باب المنوبة ~~مفتوحا مسيرة أربعين خريفا لا يغلغه الله حتى تطلع منه الشمس. ودخل أفريقية ~~من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المهاجرين الأولين ناس كثير ~~ودخل الأندلس من التابعين قوم فأول من دخل أفريقية غازيا في زمن عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه - عمرو بن العاص وكان استفتح مصر سنة 20 من الهجرة ~~ووجه منها عقبة بن نافع الفهري إلى لوبية وأفريقية فافتتحهما ثم توجه عمرو ~~بنفسه إلى برقة فصالح أهلها إلى الجزية: دينار على كل حالم وتوجه منها إلى ~~طرابلس فافتتحهما بعد استغاثة ms006 أهلها بقبيل من البربر يقال لهم نفوسة إذا ~~كانوا دخلوا معهم في دين النصرانية. # ابتداء التاريخ # سنة إحدى وعشرين من الهجرة # فيها افتتح عمرو بن العاص مدينة الإسكندرية وفي سنة 22 بعدها افتتح بلاد ~~طرابلس وكتب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يخبره بما ~~أفاءه الله عليه من النصر والفتح وأن ليس أمامه إلا بلاد أفريقية وملوكها ~~كثير وأهلها في عدد عظيم وأكثر ركوبهم الخيل فأمره بالانصراف عنها فأمر ~~عمرو العسكر بالرحيل قافلا إلى مصر ثم استشهد عمرو - رضي الله عنه - فلما ~~ولي عثمان الخلافة عزل عمرو بن العاص عن مصر وولاها عبد الله بن أبي سرح ~~سنة 25 من الهجرة. # وفي سنة 27 من الهجرة أمر أمير المؤمنين عثمان عبد الله بن سعد بن أبي ~~سرح العامري بغزو أفريقية. # فتح أفريقية للإسلام # ندب عثمان - رضي الله عنه - الناس إلى غزوهم فخرج المسلمون في جيش عظيم ~~فيهم مروان بن الحكم وجمع كثير من بني أمية وبشر كبير من بني أسد بن عبد ~~العزى وعن عبد الله بن الزبير بن العوام في عدة من قومه وعبد الرحمن بن أبي ~~بكر - رضي الله عنه - وعن عبد الله بن عمر بن العاص والمطلب بن سائب وبشر ~~ابن أرطأة وغير هؤلاء من المهاجرين وأعان عثمان المسلمين في هذه الغزوة ~~بألف بعير يحمل عليها ضعفاء الناس وفتح بيوت السلاح التي كانت للمسلمين ~~فلما توافى الناس جدوا السير وذلك في المحرم من هذه السنة وأمر الناس ~~فعسكروا وقام فيها خطيبا فوعظهم وذكرهم وحرضهم على الجهاد ثم قال )وقد عهدت ~~إلى عبد الله بن سعد أن يحسن صحبتكم ويرفق بكم وقد استعملت عليكم الحارث بن ~~الحكم إلى أن تقدموا على ابن أبي سرح فيكون الأمر له(. # بعض أخبار عبد الله بن سعد وإمرته PageV01P004 نسبه: هو عبد الله بن سعد ~~بن أبي سرح العامري وكان يكتب الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ثم ارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين بمكة وكان معاوية بن أبي ms007 سفيان بمكة قد ~~أسلم وحسن إسلامه فاتخذه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كاتبا للوحي بعد ~~ابن أبي سرح فلما فتح النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة استجار ابن أبي سرح ~~فأخذ له عثمان الأمان من النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان ابن أبي سرح ~~أخا لعثمان من الرضاعة فحسن إسلامه من ذلك الوقت فلما أفضت الخلافة إلى ~~عثمان - رضي الله عنه - ولاه ملك مصر وجندها فكان يبعث المسلمين في جرائد ~~الخيل يغيرون على أطراف أفريقية فيصيبون كثيرا من الأنفس والأموال فكتب إلى ~~عثمان بذلك فكان السبب في توجيه الجيش إليه وتقديمه عليه وأمر له بالدخول ~~لغزو أفريقية فخرج عبد الله من مصر في عشرين ألف إلى أفريقية وصاحبها بطريق ~~يقال له جرجير وكان سلطانه من طرابلس إلى طنجة فبعث عبد الله السرايا في ~~آفاق أفريقية فغنموا في كل وجه والتقى عبد الله مع البطريق ضحى النهار في ~~موضع يعرف بسبيطلة وكان جرجير في مائة وعشرين ألفا فضاق المسلمون في أمرهم ~~واختلفوا على لين سعد في الرأي فدخل فسطاطه مفكرا في الأمر فلما رأى جرجير ~~خيل العرب اشتد رعبه وأهمته نفسه فأخرج ديدبانه وصد فيه يشرف على العساكر ~~ويرى القتال وأمر ابنته فصعدت الديدبان وسفرت عن وجهها وكان عدة خدمها ~~اللائي صعدن الديدبان أربعين جارية في الحلي والحلل من أجمل ما يكون ثم قدم ~~كراديسه كردوسا كردوسا وهو تحت الديدبان ثم قال لهم )أتتعرفون هذه( فقالوا ~~)نعم هذه سيدتنا، ابنة الملك وهؤلاء خدمها( فقال لهم )وحق المسيح ودين ~~النصرانية لئن قتل رجل منكم أمير العرب عبد الله بن سعد لأزوجه ابنتي هذه ~~وأعطيه ما معها من الجواري والنعمة وأنزله المنزلة التي لا يطمع فيها أحد ~~عندي( وما زال ذلك من قوله حتى مر على المسامع خيله ورجله فحرض بذلك تحريضا ~~شديدا. # وإن عبد الله بن سعد لما انتهى إليه ما فعل جرجير وما كان من قوله نادى ~~في عسكره فاجتمعوا فأخبرهم بالذي كان من جرجير ثم قال )وحق النبي محمد ms008 - ~~صلى الله عليه وسلم - لا قتل أحد منكم جرجير إلا نفلته ابنته ومن معها( ثم ~~زحف المسلمين فالتقى الجمعان واستحر القتال واشتعلت نار الحرب والمسلمون ~~قليل والمشركين في عشرين ومائة ألف وأشكل الأمر على ابن سعد ودخل فسطاطه ~~مفكرا في الأمر. # ذكر قتل عبد الله بن الزبير لجرجير # ملك أفريقية والمغرب كله # قال عبد الله بن الزبير: فرأيت عورة من جرجير والناس على مصافهم رأيته ~~على برذون أشهب خلف أصحابه منقطعا عنهم معه جاريتان له تظلانه من الشمس ~~بريش الطواويس فأتيت فسطاط عبد الله بن سعد فطلبت الإذن عليه فقال له حاجبه ~~)دعه فإنه يفكر في شأنكم ولو اتجه له رأي لدعا بالناس( فقلت )أني محتاج إلى ~~مذكراته( فقال له )أمر في أن أحبس الناس عنه، حتى يدعوني( قال فدرت حتى كنت ~~من وراء الفسطاط فرأى وجهي فأومأ إلي أن تعال فدخلت عليه وهو مستلق على ~~فراشه فقال )ما جاء بك؟ يا بن الزبير( فقلت )رأيت عورة من عدونا. فرجوت أن ~~تكون فرصة هيأها الله لنا، وخشيت الفوت( فقام من فوره وخرج حتى رأى ما رأيت ~~فقال )أيها الناس انتدبوا مع ابن الزبير إلى عدوكم( فتسرع إلي جماعة اخترت ~~منها ثلاثين فارسا فقلت )إني حامل فاصرفوا عن ظهري من أرادني فأني سأكفيكم ~~ما أمامي إن شاء الله( قال عبد الله: فحملت في الوجه الذي هو فيه وذب عني ~~الناس الذين انتدبوا معي واتبعوني حتى خرقت صفوفهم إلى أرض خالية فضاء بيني ~~وبينهم فوالله ما حسب إلا أني رسول إليه حتى رأى ما بي من أثر السلاح فقدر ~~أني هارب إليه فلما أدركته، طعنته، فسقط: فرميت نفسي عليه وألقت جارياته ~~عليه أنفسهما فقطعت يد إحداهما، وأجهزت عليه ورفعت رأسه على رمحي وحال ~~أصحابه وحمل المسلمون في ناحيتي وكبروا فانهزم الروم وقتلهم المسلمون كيف ~~شاءوا وثارت الكمائن من كل جهة ومكان وسبقت خيول المسلمين ورجالهم إلى حضن ~~سبيطلة فمنعوهم من دخوله. وركبهم المسلمون يمينا وشمالا في السهل والوعر ~~فقتلوا أنجادهم وفرسانهم وأكثروا ms009 فيهم الأسرى حتى لقد كنت أرى في موضع واحد ~~أكثر من ألف أسير. PageV01P005 وذكر أشياخ من أهل أفريقية أن ابنة جرجير ~~لما قتل أبوها تنازع الناس في قتله وهي ناظرة إليهم فقالت )قد رأيت الذي ~~أدرك أبي، فقتله(. فقال لها الأمير بن ابن أبي سرح )هل تعرفينه؟( فقالت ~~)إذا رأيته، عرفته( قال فمر الناس بين يديها حتى مر عبد الله بن الزبير ~~فقالت )هذا والمسيح قتل أبي( فقال له ابن أبي سرح )لم كتمتنا قتلك إياه(؟ ~~فقال عبد الله )علمه الذي قتلته من أجله( فقال الأمير )إذا والله أنفلك ~~ابنته( فنفله ابن أبي سرح ابنة الملك جرجير فيقال إنه اتخذها أم ولد ولما ~~انهزمت جيوش جرجير سار عبد الله بن أبي سرح حتى نزل باب مدينته العظمى ~~قرطاجنة، فحصرها من كان معه من المسلمين حصارا شديدا أتى فتحت فأصاب فيها ~~من السبي والأموال ما لم يحيط به الوصف وكان أكثر أموالهم الذهب والفضة ~~فكانت توضع بين أيديه أكوام الفضة والذهب لأنه افترع أفريقية مبكرا فعجب هو ~~والمسلمون من كثرة ذلك فقال للأفارقة: )من أين لكم هذا؟( فجعل الرجل منهم ~~يلتمس شيئا من الأرض حتى بنواة زيتون، فقال: )من هذا أصبنا الأموال لأن أهل ~~البحر والجزر ليس لهم زيت فكانوا يمتارونه من هنا( فكان سهم الفارس ثلاثة ~~آلاف دينارا عينا وسهم الراجل ألف دينار وقسم ابن أبي سرح السرايا والغارات ~~من مدينة سيبطلة فبلغت جيوشه بقصر قفصة فسبوا كثير وغنموا فأذلت هذه الوقعة ~~الروم بأفريقية ورعبوا رعبا شديدا فجاءوا إلى الحصون والمعاقل ثم طلبوا من ~~عبد الله بن سعد أن يقبض منهم ثلاثمائة قنطار من الذهب في السنة جزية على ~~أن يكف عنهم ويخرج من بلادهم فقبل ذلك منهم وقبض المال وكان في شرط صلحهم ~~أن ما أصاب المسلمون قبل الصلح فهو لهم وما أصابوه بعد الصلح ردوه عليهم ~~ودعا الأمير عبد الله بن سعد عبد الله بن الزبير فقال له )ما أحد أحق ~~بالبشارة منك فامض فبشر أمير المؤمنين عثمان ms010 - رضي الله عنه - بالمدينة، ~~بما أفاء الله على المسلمين( فتوجه عبد الله بن الزبير من سبيطلة فقيل إنه ~~وافى المدينة في أربعة وعشرين يوما وكانت إقامته بأفريقية سنة وشهرين ثم ~~وصل فيء أفريقية إلى المدينة فبيع المغنم فطفق مروان بن الحكم على الخمس ~~فأخذ منه خمسين ألف دينار فسلم له من ذلك عثمان - رضي الله عنه - فكان ذلك ~~مما انتقد عليه. # وفيه وفي رد الحكم أبيه بعد أن نفاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول عبد الرحمن أخو كندة: # سأحلف بالله جهد اليمين ... ما ترك الله شيئا سدى # ولاكن خلقت لنا فتنة ... لكي نبتلي بك وتبتلى # دعوت اللعين فأدنيته ... خلافا لسنة من قد مضى # وأعطيت مروان خمس العباد ... ظلما لهم وحميت الحمى # وقال مروان بن الحكم يوما في مجلس معاوية )ثلاث لم أدخل فيهن حراما قط: ~~داري بالمدينة، ومالي بذي خشب، وصدقات نسائي( فنظر معاوية إلى عبد الله بن ~~الزبير وكان حاضرا فقال له )ما تقول؟ فإنك طعان( فقال )مهلا أبا عبد الملك ~~خرجنا مع ابن أبي سرح إلى غزو أفريقية فوالله ما كان مروان أحسننا وجهها ~~ولا أكثرنا نفقة، ولا أعظمنا في العدو نكاية فطفق على خمس أفريقية بم تعلم ~~وتحابى له من تعلم فنى منه الدار واتخذ منه المال وتزوج منه النساء( فقال ~~له مروان )أتطعن على أمير المؤمنين عثمان؟( فقال له معاوية )دعه وخذ مني ~~غير هذا فإنك صحة ما أقول( قال الطبري )كان عثمان - رحمه الله - قال لعبد ~~الله بن سعد: إن فتح الله عليك أفريقية فلك مما أفاء الله على المسلمين خمس ~~الخمس نفلا( فلما فتح أفريقية في هذه السنة وهي سنة 27 قسم عبد الله الفيء ~~على المسلمين فأبقى الخمس لنفسه وبعث بأربعة أخماسه إلى عثمان وضرب فسطاطه ~~في أرض القيروان فوفد وفد على عثمان يشكون بابن أبي سرح فيما أخذ من الخمس ~~فقال لهم عثمان )أنا نفلته إياه وذلك الآن إليكم فإن رضيتم فقد جاز وإن ~~غضبتم فهو رد( قالوا: )فإنا نسخط( ms011 فكتب عثمان إلى ابن سعد برد ذلك قالوا ~~)فأعزله عنا أنا لا نريد أن تأمر علينا وقد وقع ما وقع فكتب إليه أن استخلف ~~على أفريقية رجلا ترضاه ويرضونه واقسم خمس الخمس الذي كنت نفلتك في سبيل ~~الأخماس فإنهم قد سخطوا النفل( PageV01P006 ففعل ذلك عبد الله ورجع إلى مصر ~~وقد فتح الله أفريقية فما زالوا من أسمع أهل الأقاليم وأطوعهم إلى زمن هشام ~~بن عبد الملك ثم ورد الخمس على أمير المؤمنين عثمان فكان من أمر مروان بن ~~الحكم فيما تقدم ذكره. # وفي سنة 28 غزا حبيب بن مسلمة قورية من أرض الروم ذكر ذلك الطبري وغيره. # وفي سنة 29 هجرة افتتح عبد الله بن عامر أرض فارس. وفي سنة 30 سقط الخاتم ~~من يد عثمان - رضي الله عنه - في بئر اريس وقد ذكرنا خبر سقوطه في كتابنا ~~المسمى )البيان المشرق في أخبار المشرق( وفي سنة 31 كانت غزة ذات الصواري ~~وغزة ذات الاساورة في قول الواقدي وفي سنة 32 توفي عبد الرحمن بن عوف - رضي ~~الله عنه - وهو ابن خمس وسبعين سنة، وفيها مات عبد الله بن زيد بن عمرو بن ~~نفيل وفيها مات أبو طلحة وأبو ذر - رضي الله عنهما - وبها توفي عبد الله بن ~~مسعود فدفن بالبقيع. # وفي سنة 33 كانت غزوة عبد الله ابن أبي سرح أفريقية مرة ثانية حين نقض ~~أهلها العهد هكذا ذكره عريب في مختصره وقد تقدم خبر ابن أبي سرح على الجملة ~~دون تعيين سنة. # وفي سنة 34 مات عبادة بن الصامت في قول الواقدي وهو ابن اثنين وتسعين سنة ~~ودفن بالرملة وفيها غزا معاوية بن حديج أفريقية وهي أول غزواته إلى المغرب ~~ثم اشتغل الناس بعد ذلك بأمر عثمان - رضي الله عنه - وبوقائع الجمل وصفين ~~وغيرهما إلى أن اعتدلت الخلافة إلى معاوية ابن أبي سفيان وفي سنة 35 استشهد ~~عثمان - رضي الله عنه - واستخلفه أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - ~~فنازعه معاوية ولم يبايعه. وفي سنة 36 عزل علي - رضي الله ms012 عنه - ابن أبي ~~سرح عن مصر وأقام عليها قيس بن عبادة الأنصاري. وفي سنة 37 كان العامل على ~~مصر محمد ابن أبي بكر الصديق وفي سنة 38 قتل محمد ابن أبي بكر الصديق بمصر ~~قتله معاوية ابن أبي حديج بأمر معاوية بن أبي سفيان وقد ذكرنا شرح مقتله في ~~)البيان المشرق في أخبار المشرق( وفي سنة 40 كانت مهادنة بين علي - رضي ~~الله عنه - وبين معاوية إلى أن توفي علي - رضي الله عنه - وفيها دعي معاوية ~~بأمير المؤمنين وكان قبل ذلك يدعى الأمير. وفي سنة 40 المذكورة توفي أمير ~~المؤمنين أبو الحسن علي ابن أبي طالب - رضي الله عنه - وبويع بالخلافة ابنه ~~الحسن - رضي الله عنهما - وفي سنة 41 كان تسليم الحسن - رضي الله عنه - ~~الأمر لمعاوية واستوسقت المملكة له وفيها غزا معاوية بن حديج أفريقية المرة ~~الثانية قال عريب في مختصره: ذكر أهل العلم بأخبار أفريقية أن معاوية بن ~~حديج نزل جبلا فيها، فأصابه فيها مطر شديد فقال )إن جبلنا هذا لممطورا( ~~فسمي البلاد ممطورا إلى الآن. وقال )اذهبوا بنا إلى ذلك القرن( فسمي ذلك ~~الموقع قرنا وكانت لمعاوية هذا إلى أفريقية ثلاث غزوات. وفي سنة 43 ولد ~~الحجاج بن يوسف الثقفي وولى معاوية مروان بن الحكم المدينة وفيها غزا عقبة ~~بن نافع أفريقية، قال عريب في مختصره للطبري: فيها غزا بن نافع المغرب ~~وافتتح غدامس فقتل فيها وسبى. وفي سنة 43 مات عمرو بن العاص بمصر يوم الفطر ~~فذكر إنه عمل فيها لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أربع سنين ولعثمان - ~~رضي الله عنه - أربع سنين ولمعاوية سنتين إلا شهرا PageV01P007 وفي سنة 44 ~~عمل مروان بن الحكم المقصورة بمسجد المدينة - كرمها الله - وعملها أيضا ~~معاوية في الشام. وفي سنة 45 غزا معاوية بن حديج الكندي أفريقية وكانت حربا ~~كلها قال الطبري: وذلك أن حبابة الرومي قدم على معاوية بن أبي سفيان فسأله ~~أن يبعث معه جيشا إلى أفريقية فوجه معاوية بن حديج في عشرة آلاف مقاتل فسار ~~حتى ms013 انتهى إلى الإسكندرية فاستعمل عليها حبابة الرومي ومضى ابن حديج حتى ~~دخل أفريقية وكان معه عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه وعن أبيه - ~~وعن عبد الله ابن الزبير - رضي الله عنه وعن أبيه وعبد الملك بن مروان ~~ويحيح ابن الحكم بن المعاصي وغيرهم من أشراف قريش فبعث ملك الروم إلى ~~أفريقية بطريقا يقال له نجفورا في ثلاثين ألف مقاتل فنزل الساحل فخرج إليه ~~معاوية بن حديج عبد الله بن الزبير في خيل كثيفة فسار حتى نزل على شرف عال ~~ينظر منه إلى البحر بينه وبين مدينة سوسة اثني عشر ميلا فلما بلغ ذلك ~~نجفورا اقلع في البحر منهزما من غير قتال فأقبل بن الزبير حتى نزل على باب ~~سوسة فوقف على البحر وصلى بالمسلمين صلاة العصر والروم يتعجبون من جرأته ~~فأجروا له خيلا وابن الزبير مقبلا على صلاته لا يهوله خبرها حتى قضى الصلاة ~~ثم ركب وخمل على الروم بمن معه فانكشفوا منهزمين ورجع ابن الزبير إلى ~~معاوية ابن حديج وهو بجبل القرن. ثم وجه ابن حديج عبد الملك ابن مروان في ~~ألف فارس إلى مدينة جلولاء فحاصرها وقتل من أهلها عددا كثيرا حتى فتحها ~~عنوة فقتل المقاتلة وسبى الذرية وأخذ جميع ما كان في المدينة وحمل ذلك كله ~~إلى معاوية بن حديج فقسمه على المسلمين فيقال أنه أصاب كل رجل منهم مائتي ~~مثقال وأغزى معاوية بن حديج جيشا في البحر إلى صقلية في مائتي راكب فسبوا ~~وغنموا شهرا ثم انصرفوا إلى أفريقية بغنائم كثيرة ورقيق وأصنام منظومة ~~بالجوهر فاقتسموا فيهم وبعث ابن حديج بالخمس إلى معاوية ابن أبي سفيان هكذا ~~نص عريب في مختصره للطبري. # أخبار معاوية بن حديج الكندي بأفريقية # ذكر الرقيق في كتابه قال: كان هرقل ملك القسطنطينية العظمى ورومة يؤدي ~~إليه كل نصراني في بر وبحر جزيته منهم المقوقس صاحب الإسكندرية وبرقة ومنهم ~~صاحب طرابلس وصبرة ومنهم صاحب صقلية وروم أفريقية والأندلس فلما بلغه ما ~~صالح عليه أهل أفريقية عبد الله ابن أبي ms014 سرح بعث إلى أفريقية بطريقا يقال ~~له اوليمة وأمره أن يأخذ ثلاثمائة قنطار من الذهب كما اخذ ابن أبي سرح فنزل ~~قرطاجنة واخبرهم بذلك فأبوا عليه وقالوا )إن الذي كان بأيدينا من الأموال ~~فدينا به أنفسنا من العرب وأما الملك فهو سيدنا فيأخذ عادته منا( وكان ~~القائم بأمرهم رجلا يقال له حبابة فطردوا وليمة الواصل إليهم واجتمع رأيهم ~~على تقديم الاطربون وصار حبابة إلى الشام فقدم على معاوية فوصف له حال ~~أفريقية فسأله أن يبعث معه جيشا من العرب فوجه معه معاوية بن حديج في جيش ~~كثيف وذلك سنة 45 فسار ابن حديج حتى وصل أفريقية وقد صارت نارا وكان معه ~~جماعة وقد تقدم أكثرهم وبعث ملك الروم البطريق المتقدم ذكره في ثلاثين ألفا ~~فبعث ابن حديج إليه عبد الله ابن الزبير فقاتله فأقلع منهزما في البحر ~~وحاصر ابن حديج جلولا فكان يقاتلهم وسط النهار وينصرف إلى عسكره فلما انصرف ~~ذات يوم نسى عبد الملك ابن مروان قوسا له معلقا بشجرة فأنصرف إليها فإذا ~~بجانب من سور المدينة قد انهدم فصاح في أثر الناس فرجعوا فكان بينهم قتال ~~شديد حتى دخلت المدينة عنوة واحتوى المسلمون على جميع ما فيها كما تقدم ~~ذكره وكان بين معاوية ابن حديج وعبد الملك بن مروان تنازع في ذلك لان عبد ~~الملك أراد محاباة إخوانه وأصحابه لأنه كان سبب فتح المدينة فقال حنش ~~الصنعاني يوما لعبد الملك: )ما شأنك؟ فوالله لتلين الخلافة ويصير ذلك الأمر ~~إليك فلا تغتم( فلما أفضت الخلافة إلى عبد الملك بعث الحجاج بن يوسف لقتال ~~عبد الله بن الزبير فأخذ حنش الصنعاني أسيرا وبعث إلى عبد الملك ابن مروان ~~فلما وقف بين يديه: )ألست أنت الذي بشرتني بالخلافة يوم جلولاء؟( قال: ~~)نعم( قال: )فلما ملت عني إلى ابن الزبير؟( فقال: )رأيته يريد الله ورأيتك ~~تريد الدنيا فلذلك ملت إليك( فقال: )قد عفوت عنك(. PageV01P008 وفي سنة 46 ~~قال البلاذري: أول من غزا صقلية معاوية بن حديج بعث إليها عبد الله بن قيس ms015 ~~ففتحها وأصاب فيها أصناما من الذهب والفضة مكللة بجوهر فحملت إلى معاوية ~~ابن أبي سفيان فبعث بها إلى الهند فأخذ ثمنها فأنكر الناس عليه ذلك إنكارا ~~كليا وكان العامل على بلاد أفريقية من قبل معاوية ابن أبي سفيان معاوية بن ~~حديج الكندي. # وفي سنة 47 عزل معاوية ابن أبي سفيان عبد الله بن عمرو بن العاص عن مصر ~~وولاها معاوية بن حديج الكندي وكان عثمانيا فسار متوجها إليها من أفريقيا ~~وكان قد قتل محمد ابن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فلقية عبد الرحمن ~~ابن أبي بكر فقال له )يا معاوية قد أخذت أجره من معاوية ابن أبي سفيان حين ~~قتلت محمد ابن أبي بكر الصديق ليوليك مصر فقد ولاكها( فقال )ما قتلت محمد ~~ابن أبي بكر لولاية وإنما قتلته لما فعل بعثمان - رضي الله عنه - وفي سنة ~~48 كان العامل على مصر وأفريقية لمعاوية ابن أبي سفيان معاوية ابن حديج. # وفي سنة 49 غزا عقبة بن نافع الفهري الروم في البحر بأهل مصر وفيها عزل ~~معاوية مروان بن الحكم عن المدينة وأمر عليها سعيد بن العاص وكانت ولاية ~~مروان المدينة لمعاوية ثماني سنين وشهرين. وفي سنة 50 من الهجرة عزل معاوية ~~بن سفيان معاوية بن حديج عن أفريقية وافره على ولاية مصر ووجه إلى أفريقية ~~عقبة بن نافع الفهري. # ذكر ولاية عقبة بن نافع أفريقية # وغزواته فيها واختطاطه مدينة القيروان PageV01P009 نسبه هو عقبة بن نافع ~~بن عبد قبس بن لقبط بن عامر بن أمية بن طرف بن الحارث بن فهر ومن فهر بن ~~مالك تفرقت القبائل وقال ابن أبي الفياض أن عقبة ولد قبل وفاة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بسنة واحدة قال إبراهيم بن القاسم: ووصل عقبة بن نافع ~~الفهري إلى أفريقية في عشرة آلاف من المسلمين فافتتحها ودخلها ووضع السيف ~~في أهلها فإنني من بها من النصارى ثم قال )إن أفريقية إذا دخلها إمام ~~أجابوه إلى الإسلام فإذا خرج منها رجع من كان أجاب منهم لدين ms016 الله إلى ~~الكفر فأرى لكم يا معشر المسلمين أن تتخذوا بها مدينة تكون غزا للإسلام إلى ~~آخر الدهر( فاتفق الناس على ذلك وأن يكون أهلها مرابطين وقالوا )نقرب من ~~البحر ليتم لنا الجهاد والرباط( فقال عقبة )إني أخاف أن يطرقها صاحب ~~القسطنطينية بغتة فيملكها ولكن اجعلوا بينها وبين البحر ما لا يدركه صاحب ~~البحر إلا وقد علم به( وإذا كان بينها وبين البحر ما يوجب فيه التقصير ~~للصلاة فهم مرابطون فلما اتفق رأيهم على ذلك قال )قربوها من السبخة فإن ~~دوابكم الإبل وهي التي تحمل أثقالكم فإذا فرغنا منها لم يكن لنا بد من ~~الغزو والجهاد حتى يفتتح الله لنا منها الأول فالأول وتكون إبلنا على باب ~~قصرنا في مراعيها آمنة من عادية البربر والنصارى( قال الاشبيلي في مسالكه ~~)إن البربر حين دخلوا المغرب وجدوا الإفرنج قد سبقوهم إليه فأخلوهم حتى ~~اصطلحوا على أن يسكن البربر الجبال وتسكن الإفرنج الاوطئة فبنوا المدائن ~~بها. ) رجع الخبر( وفي سنة 51 شرع عقبة - رضي الله عنه - في ابتداء بناء ~~مدينة القيروان وأجابه العري إلى ذلك ثم قالوا )إنك أمرتنا ببناء في شعاري ~~وغياض لا ترام ونحن نخاف من السباع والحيات وغير ذلك( وكان في عسكره ثمانية ~~عشر رجلا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسائرهم من التابعين. ~~فدعا الله سبحانه وأصحابه يؤمنون على دعائه ومضى إلى السبخة وواديها ونادى ~~)أيتها الحيات والسباع نحن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فارحلوا ~~عنا فأنا نازلون ومن وجدناه بعد هذا قتلناه( فنظر الناس بعد ذلك إلى أمر ~~معجب من أن السباع تخرج من الشعرى وهي تحمل أشبالها سمعا وطاعة والذئب يحمل ~~جروه والحية تحمل أولادها. ونادى في الناس )كفوا عنهم حتى يرحلوا عنها( ~~فلما خرج ما فيها من الوحش والسباع والهوام والناس ينظرون إليها حتى أوجعهم ~~حر الشمس فلما لم يروا منها شيئا دخلوا فأمرهم أن يقطعوا الشجر فأقام أهل ~~أفريقية بعد ذلك أربعين عاما لا يرون فيها حيا أو عقربا ولا سبعا ms017 فاختط ~~عقبة أولا دار الإمارة ثم أتى إلى موضع المسجد الأعظم فاختطه ولم يحدث فيها ~~بناء فكان يصلي فيه وهو كذلك فاختلف عليه الناس في القبلة وقالوا )إن جميع ~~أهل المغرب يضعون قبلتهم على قبلة هذا المسجد فأجهد نفسك في تقويمها( ~~فأقاموا أياما ينظرون إلى مطالع الشتاء والصيف من النجوم ومشارق الشمس فلما ~~رأى أمرهم قد اختلف بات مغموما فدعا الله - عز وجل - أن يفرج عنهم فأتاه آت ~~في منامه فقال له )إذا أصبحت فخذ اللواء في يدك واجعله على عنقك فإنك تسمع ~~بين يديك تكبيرا ولا يسمعه أحد من المسلمين غيرك فانظر الموضع الذي ينقطع ~~عنك فيه التكبير: فهو قبلتك ومحرابك وقد رضي الله لك أمر هذا العسكر وهذا ~~المسجد وهذه المدينة وسوف يعز الله بها دينه ويذل بها من كفر به( فاستيقظ ~~من منامه وهو جزع فتوضأ للصلاة وأخذ يصلي وهو في المسجد ومعه أشراف الناس ~~فلما أفجر الصبح وصلى ركعتي الصبح بالمسلمين إذا بالتكبير بين يديه فقال ~~لمن حوله )أتسمعون ما أسمع؟( فقالوا )لا( فعلم أن الأمر من عند الله فأخذ ~~اللواء فوضعه على عنقه وأقبل يتبع التكبير حتى وصل إلى موضع المحراب فانقطع ~~التكبير فركز لواءه وقال )هذا محرابكم( فاقتدى به سائر مساجد المدينة ثم ~~أخذ الناس في بناء الدور والمساكن والمساجد وعمرت وشد الناس إليها المطايا ~~من كل أفق وعظم قدره وكان دورها ثلاثة عشر ألف ذراع وستمائة ذراع حتى كمل ~~أمرها. وكان عقبة خير وال خير أمير مستجاب الدعوة. وفي سنة 55 استعمل ~~معاوية ابن أبي سفيان على مصر وأفريقية مسلمة بن مخلد الأنصاري وعزل معاوية ~~بن حدريج عن مصر وعزل عقبة بن نافع عن أفريقية فكانت ولايته عليها أربعة ~~أعوام وكان معاوية قد ولى مسلمة مصر فلما ولي مسلمة الآن أفريقية عزل منها ~~PageV01P010 عقبة وولى عليها مولاه أبا المهاجر دينارا وبقي هو صاحب مصر ~~جمع ذلك كله معاوية له من أطراف إقليم مصر إلى طنجة وهو أول من جمع له ~~المغرب كله فلم ms018 يزل واليا عليه حتى هلك معاوية # ولاية أبي المهاجر أفريقية وعزل عقبة # لما جمع معاوية ولاية المغرب لمسلمة بن مخلد استعمل عليه مولاه دينارا ~~ويكنى أبا المهاجر وعزل عقبة عن أفريقية فقيل لمسلمة بن مخلد والي مصر لو ~~استعملت عقبة وأقررته على أفريقية؟ فإن له فضلا وسابقا وهو الذي بنى ~~القيروان فقال مسلمة )إن أبي المهاجر كأحدنا صبر علينا في غير ولاية ولا ~~كبير نيل فنحن نحب أن نكافئه ونصطنعه( فقدم أبي المهاجر أفريقية فأساء عزل ~~عقبة ونزل خارجا عن المدينة وكره أن ينزل الموضع الذي اختطه عقبة ومضى حتى ~~خلفه بميلين مما يلي طريق تونس فاختط بها المدينة وأراد أن يكون له ذكرها ~~ويفسد عمل عقبة فبنى مدينة وأخذ في عمرانها وأمر الناس أن تحرق القيروان ~~ويعمروا مدينته فخرج عقبة منصرفا وأدركه الخير في الطريق فتوجه إلى المشرق ~~آسفا على أبي المهاجر ودعا الله عليه أن يمكنه منه فبلغت أبي المهاجر دعوته ~~فقال )هو عبد لا ترد دعوته( ولم يزل أبي المهاجر خائفا منه نادما على ما ~~فعل معه ولما قدم عقبة على معاوية قال له )فتحت البلاد ودانت لي وبنيت ~~المنازل واتخذت مسجدا للجماعة وسكنت الناس ثم أرسلت عبد الأنصار فأساء ~~عزلي( فاعتذر له معاوية وقال له )قد عرفت مكان مسلمة بن مخلد من الإمام ~~عثمان وبذله مهجته صابرا محتسبا طع من أطاعه من قومه ومواليه وأنا أرددك ~~إلى عملك( وتراخى الأمر حتى توفي معاوية وأفضى الأمر إلى يزيد ابنه فلما ~~علم حال عقبة قال )أدركها قبل أن تفسد( فرده واليا على أفريقية وقطعها على ~~مسلمة بن مخلد والي مصر. وفي سنة 56 من الهجرة دعا معاوية بن أبي سفيان إلى ~~بيعة يزيد وجعله ولي عهده من بعده فانقاد له الناس كلهم إلا خمس نفر ~~)الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر وعبد الرحمن ابن أبي ~~بكر الصديق وعبد الله بن عباس - رضي الله عنهم - (. وفي سنة 57 عزل معاوية ~~مروان عن المدينة واستعمل ms019 الوليد بن عقبة وكان العامل على مصر وأفريقية ~~مسلمة بن مخلد وولى مسلمة على أفريقية أبو المهاجر وبقى الحال على ذلك إلى ~~وفاة معاوية. وفي سنة 60 توفي معاوية بن أبي سفيان يوم الجمعة منتصف رجب ~~وهو ابن اثنين وثمانين سنة وتولى الخلافة من بعده يزيد ابنه وتلقب ~~بالمستنصر بالله في بعض الأقوال وكنيته أبو خالد وقد ذكرنا أخباره في تأليف ~~وفي سنة 61 كان مقتل الحسين بن علي - رضي الله عنهما - وفيها أظهر عبد الله ~~بن الزبير الخلافة بمكة وخلع طاعة يزيد بن معاوية وخبرهما. وفي سنة 62 ولى ~~يزيد بن معاوية على بلاد أفريقية والمغرب كله عقبة ابن نافع الفهري وهي ~~ولايته الثانية على أفريقية. # ذكر فتح المغرب الأقصى على يد عقبة وغزواته # فرحل عقبة من الشام ومعه خمسة وعشرون رجلا من أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فلما مر على مسلمة بن مخلد صاحب مصر خرج إليه واعتذر من فعل ~~أبي المهاجر وأقسم له إنه خالفه فيما صنع وإنه كان قد أوصاه بتقوى الله ~~وحسن السيرة وأن يحسن عشرة عقبة فقبل منه عقبة ومضى خنقا على أبي المهاجر ~~حتى قدم أفريقية فأوثق أبي المهاجر في الحديد وأمر بتخريب مدينته التي ~~بناها ورد الناس إلى القيروان وركب في وجوه العسكر ومن معه من الصحابة ~~والتابعين فدار بهم حول مدينة القيروان وهو يدعو لها ويقول )يا رب املأها ~~عابدين واملأها بالمطيعين لك واجعلها عزا لدينك وذلا على من كفر بك( ثم عزم ~~- رضي الله عنه - على الغزو في سبيل الله وترك بها جندا من المسلمين ~~واستخلف عليهم زهير بن قبس البلوي وكان رجلا صالحا ودعا عقبة أولاده فقال ~~لهم إني قد بعت نفسي من الله - عز وجل - وعزمت على من كفر به حتى أقتل فيه ~~وألحق به ولست أدري أتروني بعد يومي هذا(. PageV01P011 وفي سنة 76 كان حدوث ~~السكة في الإسلام وأمر أمير المؤمنين عبد الملك بضرب الدنانير والدراهم ~~بنقش الإسلام. وفي سنة 77 ثار المطرف بن المغيرة ms020 بن شعبة على عبد الملك بن ~~مروان فكايده عبد الملك واحتال عليه إلى أن قتل وفيها كان قتل رؤساء ~~الخوارج. # ولاية حسان بن النعمان أفريقية والمغرب # وفي سنة 78 قدم حسان بن النعمان أفريقية اختاره لها عبد الملك بن مروان ~~وقدمه على عسكر فيه أربعون ألف أقامه أولا في مصر بالعسكر عدة لما يحدث ثم ~~كتب إليه يأمره بالنهوض إلى أفريقية ويقول له )أني قد أطلقت يدك في أموال ~~مصر فأعط من معك ومن ورد عليك وأعط الناس واخرج إلى بلاد أفريقية على بركة ~~الله وعونه(. # بعض أخبار حسان بن النعمان # نسبه: هو حسان بن النعمان بن عدي بن بكر بن مغيث بن عمرو بن مزيقيا بن ~~عامر بن الازد قدم أفريقية في عسكر عظيم فلم يدخل المسلمون قط أفريقية بمثل ~~ما دخلها حسان بن نعمان فلما حصل القيروان سأل أهل أفريقية )من اعظم ملوك ~~بها قدرا؟( فقالوا )صاحب قرطاجنة دار ملك أفريقية فسار نعمان حتى نزل عليها ~~وكان بها من الروم خلق لا يحصى كثرة فخرجوا إليه مع ملكهم فقاتلهم حسان بن ~~نعمان حتى هزمه وقتل أكثرهم ثم نازلها حتى افتتحها وهي كانت دار الملك ~~بأفريقية. ذكر قرطاجنة أفريقية ويسميها أهل تونس اليوم بالمعلقة وكانت ~~قرطاجنة مدينة عظيمة تضرب أمواج البحر سورها وهي من مدينة تونس على اثني ~~عشر ميلا وكان بينهما قرى متصلة عامرة وكان البحر لم يخرق إلى تونس وإنما ~~انخرق بعد ذلك وفي هذه المدينة آثار عظيمة وأبنية ضخمة وأعمدة ثابتة غليظة ~~تدل علة عظم قدرة الأمم الدائرة وأهل تونس إلى الآن لا يزالون يطلعون في ~~خرابها على أعاجيب ومصانع لا تنقطع بطول الأزمان لمتأمل. فلما قدم حسان ~~إليها وقتل فرسانها ورجالها اجتمع رأي من بقي بها على الفرار منها وكانت ~~لهم مراكب كثيرة فمنهم من مضى إلى صقلية ومنهم مضى إلى الأندلس فلما انصرف ~~عنها حسان وعلم أهل بواديها وأقاليمها هروب الملك عنها بادروا إليها ~~فدخلوها فرحل إليها حسان ونزل عليها فحاصرها حصارا شديدا حتى ms021 دخلها بالسيف ~~فقتلهم قتلا ذريعا وسباهم ونهيهم وأرسل لمن حواليها فاجتمعوا إليه مسارعين ~~خوفا من عظيم سطوته وشدة بأسه فلما أتوه ولم يبق منهم أحد أمرهم بتخريب ~~قرطاجنة وهدمها فخربوها حتى صارت كأمس الغابر ثم بلغه أن النصارى اجتمعوا ~~وأمدهم البربر بعسكر عظيم في بلاد صطفورة فرحل إليهم حسان حتى لقيهم ~~وقاتلهم حتى هزمهم وقتل الروم والبربر قتلا ذريعا وحمل عليهم أعنة خيله فما ~~ترك في بلادهم موضعا إلا وطئه ولجأ الروم هاربين خائفين باجة فتحصنوا بها ~~وهرب البربر إلى إقليم بونة وانصرف حسان إلى القيروان. # خبر حسان مع الملكة الكاهنة وهزيمتها له PageV01P012 لما دخل حسان ~~القيروان أراح بها أياما ثم سأل أهلها عمن بقي من أعظم ملوك أفريقية ليسير ~~إليه فيبيده أو يسلم فدلوه على امرأة بجبل أوراس يقال لها الكاهنة وجميع من ~~بأفريقية من الروم منها خائفون وجميع البربر لها مطيعون )فإن قتلتها دان لك ~~المغرب كله ولم يبق لك مضاد ولا معاندا( فدخل بجيوشه إليها وبلغ الكاهنة ~~خبره فرحلت من الجبل في عدد لا يحصى ولا يبلغ بالاستقصاء وسبقته إلى مدينة ~~باغاية فأخرجت منها الروم وهدمتها وظنت أن حسان يريد مدينة ليتحصن بها فبلغ ~~خبرها حسانا فنزل بوادي مسكيانة فرجلت الكاهنة حتى نزلت على الوادي المذكور ~~فكان هو يشرب من أعلى الوادي وهي من اسله فلما توافت الخيل دنا بعضهم من ~~بعض فأبى حسان أن يقاتلها آخر النهار فبات الفريقان ليلتهم على سروجهم فلما ~~أصبح الصباح التقى الجمعان فقاتلوا قتالا لم يسمع بمثله وصبر الفريقان صبرا ~~لم ينته أحد إليه إلى أن انهزم حسان بن النعمان ومن معه من المسلمين وقتلت ~~الكاهنة العرب قتلا ذريعا وأسرت ثمانين رجلا من أعيان أصحابه وسمي ذلك ~~الوادي وادي العذارى واتبعته الكاهنة حتى خرج من عمل قابس فكتب حسان إلى ~~أمير المؤمنين عبد الملك يخبره بذلك وإن أمم الغرب ليس لها غاية ولا يقف ~~أحد منها على نهاية كلما بادت أمة خلفتها أمم وهي من الجهل والكثرة كسائمة ~~النعم فعاد له ms022 جواب أمير المؤمنين يأمره أن يقيم حيثما وافاه الجواب فورد ~~عليه في عمل برقة فأقام بها وبنى هنالك قصورا تسمى إلى الآن بقصور حسان. # وملكت الكاهنة المغرب كله بعد حسان خمس سنين فلما رأت إبطاء العرب عنها ~~قالت للبربر إن العرب إنما يطلبون من أفريقية المدائن والذهب والفضة ونحن ~~إنما نريد منها المزارع والمراعي فلا نرى لكم إلا خراب بلاد أفريقية كلها ~~حتى ييئس منها العرب فلا يكون لهم رجوع إليها إلى آخر الدهر فوجهت قومها ~~إلى كل ناحية يقطعون الشجر ويهدمون الحصون فذكروا أن أفريقية كانت ظلا ~~واحدا من طرابلس إلى طنجة وقرى متصلة ومدائن منظمة حتى لم يكن في أقاليم ~~الدنيا أكثر خيرات ولا أوصل بركات ولا أكثر مدائن حصونا من إقليم أفريقيا ~~والمغرب مسيرة ألف ميل في مثله فخربت الكاهنة ذلك كله وخرج يومئذ من ~~النصارى والأفارقة خلق كثير يستغيثون بما نزل بهم من الكاهنة فتفرقوا على ~~الأندلس وسائر الجزر البحرية. وكانت الكاهنة لما أسرت ثمانين رجلا من أصحاب ~~حسان أحسنت إليهم وأرسلت بهم إلى حسان وحبست عندها خالد بن يزيد فقالت له ~~يوما: )ما رأيت في الرجال أجمل منك ولا أشجع وأنا أريد أن أرضعك فتكون أخا ~~لولدي( وكان له ابنان أحدهما بربري والآخر يوناني وقالت له )نحن جماعة ~~البربر لنا رضاع: إذا فعلناه نتوارث به( فعمدت إلى دقيق الشعير فلثته بزيت ~~وجعلته على ثديها ودعت ولديها وقالت )كلا معه على ثديي( ففعلا فقالت )قد ~~صرتم اخوة(. # ذكر مقتل الكاهنة الملكة PageV01P013 ثم إن حسان توافت عليه فرسان العرب ~~ورجالها من قبل أمير المؤمنين عبد الملك فدعا حسان عند ذلك برجل يشق به ~~وبعثه إلى خالد بن يزيد بكتاب. فقراه وكتب في ظهره )أن البربر متفرقون لا ~~نظام لهم ولا رأى عندهم فأطو المراحل وجدوا في السير( وجعل الكتاب في خبزة ~~وجعلها زادا للرجل ووجهه بها إلى الأمير حسان فلم يغب عن خالد بن زيد إلا ~~يسيرا حتى خرجت الكاهنة ناثرة شعرها تضرب صدرها وتقول )يا ويلكم ms023 يا معشر ~~البربر ذهب ملككم فيما يأكله الناس( فافترقوا يمينا وشمالا يطلبون الرجل ~~فساره الله تعالى حتى وصل حسانا فكسر الخبزة وقرأ الكتاب الذي كتب إليه ~~خالد فوجده قد أفسدته النار فقال له حسان: )ارجع إليه( فقال الرجل: )إن ~~المرأة كاهنة: لا يخفى عليها شيء من هذا( فرحل حسان بجنوده إليه وبلغ ~~الكاهنة خبره فرحلت من جبل أوراس في خلق عظيم ورحل إليها حسان فلما كان في ~~الليل قالت لبنيها: )إني مقتولة( وأعلمتهم أن رأسها مقطوع موضوعا بين يدي ~~ملك العرب الأعظم الذي بعث حسانا فقال لها خالد: )فارحلي بنا وخلي له عن ~~البلاد( فامتنعت ورأته عارا لقومها فقال لها خالد وأولادها )فما نحن صانعون ~~بعدك؟( فقالت: )أما أنت يا خالد فستدرك ملكا عظيما عند الملك الأعظم وأما ~~أولادي فيدركون سلطانا مع هذا الرجل الذي يقتلني ويعقدون للبربر غرائم( ثم ~~قالت: )اركبوا واستأمنوا إليه( فركب خالد وأولادها في الليل وتوجهوا إلى ~~حسان فأخبرها خالد بخبرها وإنها عملت قتلها، وقد وجهت إليك بأولادها فوكل ~~بهما من يحفظهما وقدم خالد على أعنة الخيل وخرجت الكاهنة ناشرة شعرها فقالت ~~انظروا ما دهمكم فأني مقتولة ثم التحم القتال واشتد الحرب والنزال فانهزمت ~~الكاهنة واتبعها حسان حتى قتلها. وكان مع حسان جماعة من البربر استأمنوا ~~إليه فلم يقبل أمانهم إلا أن يعطوه من قبائلهم اثني عشر ألفا يجاهدون مع ~~العرب فأجابوه وأسلموا على يديه فعقد لولدي الكاهنة لكل واحد منهما على ستة ~~آلاف فارس وأخرجهم مع العرب يجولون في المغرب يقاتلون الروم ومن كفر من ~~البربر وانصرف حسان إلى مدينة القيروان بعد ما حسن إسلام البربر وطاعتهم ~~وذلك في شهر رمضان سنة 83 وفي هذه السنة استقامت بلاد أفريقية لحسان بن ~~النعمان فدون الدواوين وصالح على الخراج وكتبه على عجم أفريقية وعلى من ~~أقام معهم على دين النصرانية. وأقام حسان بعد قتل الكاهنة لا يغزو أحدا ولا ~~ينازعه أحدا ثم عزله عبد العزيز بن مروان الوالي على مصر وكان الوالي على ~~مصر يولي على أفريقية ms024 فعزل حسانا وأمره بالقدوم عليه فعلم حسان ما أراد عبد ~~العزيز بن مروان أخو عبد الملك فعمد إلى الجوهر والذهب والفضة فجعله في قرب ~~الماء وأظهر ما سوى ذلك من الأمتعة وأنواع الدواب والرقيق وسائر أنواع ~~الأموال فلما قدم على أمير مصر عبد العزيز بن مروان أهدى إليه مائتي جارية ~~من بنات ملوك الروم والبربر فسلبه عبد العزيز جميع ما كان معه من الخيل ~~والأحمال والأمتعة والوصائف والوصفان ورحل حسان بالأثقال التي بقيت له حتى ~~قدم على الوليد فشكا له ما صنع به عبد العزيز فغضب الوليد على عمه عبد ~~العزيز ثم قال لحسان لمن معه: )ائتوني بقرب الماء( ففرغ منها من الذهب ~~والفضة والجوهر والياقوت ما استعظمه الوليد وعجب من أمر حسان فقال له ~~الوليد )جزاك الله خيرا يا حسان( فقال )يا أمير المؤمنين إنما خرجت مجاهدا ~~في سبيل الله وليس مثلى يخون الله والخليفة( فقال له الوليد: )أنا أردك إلى ~~عملك وأحسن إليك وأثق بك( فحلف حسان )لا أولي لبني أمية أبدا( فغضب الوليد ~~بن عبد الملك على عمه عبد العزيز. وكان حسان يسمى الشيخ الأمين وغزوات حسان ~~لم تنضبط بتاريخ محقق ولا فتحه لمدينة قرطاجنة وتونس ولا قتله للكاهنة وذكر ~~ابن قطان أن عزل حسان وولاية موسى بن نصير كان من قبل عبد العزيز بن مروان ~~دون أمر أخيه عبد الملك ولا مشورته. # ذكر ولاية أبي عبد الرحمن موسى بن نصير # أفريقية والمغرب وبعض أخباره رحمة الله عليه PageV01P014 نسبه: قيل إنه ~~من لخم وقيل من بكر بن وائل وذكر ابن بشكوال في كتاب )الصلة( له إنه موسى ~~بن نصير بن عبد الرحمن بن زيد وكان موسى على خراج البصرة قدمه عليها عبد ~~الملك بن مروان فاحتجن الأموال على ما ذكره لنفسه فأوصى الحجاج به ألا ~~يفوته فخافه موسى وقصد إلى عبد العزيز بن مروان صاحب مصر لانقطاع كان منه ~~إليه فتوجه عبد العزيز مع موسى إلى الشام فوفدا على عبد الملك فأغرمه عبد ~~الملك مائة ألف دينار ms025 فغرم عنه عبد العزيز نصفها وعاد مع عبد العزيز إلى ~~مصر فولاه منها أفريقية. # فأول فتوحه قلعة غزوان ونواحيها وبينها وبين القيروان مسيرة يوم كامل ~~وبنواحي غزوان قبائل بربر بعث إليهم موسى خمسمائة فارس ففتحها الله فبلغ ~~سببهم عشرة آلاف وهو أول سبي دخل القيروان في ولاية موسى ثم وجه ابنا له ~~اسمه عبد الله إلى بعض نواحي أفريقية فأتى بمائة ألف رأس من السبي ثم وجه ~~ابنه مروان فأتى بمثلها فكان الخمس يومئذ ستين ألفا فكتب موسى إلى عبد ~~العزيز يعلمه بالفتح ويعلمه أن الخمس بلغ ثلاثين ألفا وكان ذلك وهما من ~~الكاتب: كتب ثلاثين ألفا بدلا من ستين ألفا فلما قرأ عبد العزيز بن مروان ~~الكتاب وأن الخمس من السبي ثلاثون ألفا استكثر ذلك ورأى إنه وهم من الكاتب ~~لكثرته فكتب إلى موسى يقول له: )إنه قد بلغني كتابك تذكر أن خمس ما فاء ~~الله عليك ثلاثون ألف رأس فاستكثرت ذلك وظننته وهما من الكاتب فاكتب ~~بالحقيقة( فكتب إليه موسى )قد كان ذلك وهما من الكاتب على ما ظنه الأمير ~~والخمس أيها الأمير ستون ألف رأس ثابتا بلا وهم( فلما بلغه الكتاب عجب كل ~~العجب وامتلئ سرورا وقد كان عبد الملك كتب إلى أخيه عبد العزيز )قد بلغ ~~أمير المؤمنين ما كان من رأيك في عزل حسان وتوليه موسى وقد أمضى لك أمير ~~المؤمنين ما كان من رأيك وولاية من وليت( فكتب عبد العزيز إلى أخيه يعلمه ~~بالفتح وكتاب موسى ثم وجه عبد الملك رجلا إلى موسى ليقبضن ذلك منه على ما ~~ذكر فدفع موسى إليه مثل ذلك وزاد ألفا وكان موسى عند وصوله إلى أفريقية لما ~~صار في الجيش الأول أتى عصفور حتى نزل على صدره فاخذ به موسى وذبحه ولطخ ~~بدمه صدره من فوق الثياب وطرحه على نفسه وقال )هو الفتح ورب الكعبة(. قال ~~ابن قتيبة: فتح موسى بن نصير سجومه وقتل ملوكها وأمر أولاد عقبة: عياضا ~~وعثمان وأبا عبدة أن يأخذوا حقهم من قاتل أبيهم ms026 فقتلوا من أهل سجومه ستمائة ~~رجل من كبارهم ثم قال لهم: )كفوا( فكفوا وذلك سنة 83 )على قول من قال أنه ~~ولي فيها(. ثم فتح موسى هوارة وزناته وكتامه فأغار عليهم وقتلهم وسباهم ~~فبلغ سبيهم خمسة آلاف رأس وكان عليهم رجل يقال له طامون فبعث به موسى إلى ~~عبد العزيز بن مروان فقتله عند البركة التي عند قرية عقبة فسميت بركة طامون ~~إلى اليوم وكانت قد قدمت على موسى فولى عليهم رجلا منهم وأخذ منهم رهائن من ~~خيارهم. وفي سنة 85 توفى عبد العزيز بن مروان صاحب ملك مصر من قبل أخيه عبد ~~الملك بن مروان ووليها عبد الله بن مروان أخو عبد الملك وكان عبد الملك بن ~~مروان أراد أن يخلع أخاه عن مصر في هذه السنة على ما فعل من عزل حسان بن ~~النعمان وفيئه فنهاه قبيصة بن ذويب وقال )لعل الموت يأتيه فنستريح منه( فكف ~~عبد الملك عنه وبقيت نفسه تنازعه أن يخلعه فبينا هو على ذلك وروح بن زنباع ~~الجذامي يقول له يوما: )لو خلعته ما انفطح فيه عنزان( إذ دخل عليهما قبيصة ~~فقال( )آجرك الله يا أمير المؤمنين في أخيك فقال )وهل توفي؟( قال: )نعم( ~~فقال عبد الملك: )كفانا الله يا أبا زرعة ما كنا أجمعنا عليه( وكانت وفاة ~~عبد العزيز في جمادى الأول من السنة المؤرخة. وفي سنة 86 توفي عبد الملك بن ~~مروان أمير المؤمنين فكتب الوليد إلى عمه عبد الله بن مروان بولاية موسى بن ~~نصير أفريقية والمغرب وقطعها عن عمه وكانت أكثر مدن أفريقية خالية باختلاف ~~البرابر عليها. # فتح المغرب الأقصى على يد الأمير أبي عبد الرحمن موسى بن نصير ~~PageV01P015 ثم خرج موسى - رحمه الله - غازيا من أفريقية إلى طنجة فوجد ~~البربر قد هربوا إلى الغرب خوفا من العرب فتبعهم وقتلهم قتلا ذريعا وسبى ~~منهم سبا كثيرا حتى بلغ السوس الأدنى وهو بلاد درعة فلما رأى البربر ما نزل ~~بهم استأمنوا وأطاعوا فولى عليهم واليا واستعمل مولاه طارقا على طنجة وما ms027 ~~والاها في سبعة عشر ألف من العرب واثني عشر ألف من البربر وأمر العرب أن ~~يعلموا البربر القرآن وأن يفقهوهم في الدين ثم مضى موسى قافلا إلى أفريقية. ~~قال ابن القطان: وذكر أن موسى بن نصير بعث أثر بيعته للوليد في هذه السنة ~~المؤرخة زرعة بن أبي مدرك إلى قبائل من البربر فلم يلق حربا منهم فرغبوا في ~~الصلح منه فوجه رؤساءهم إلى موسى بن نصير فقبض رهونهم ثم عقد لعياش بن اخيل ~~على مراكب أفريقية فمشى في البحر إلى صقلية فأصاب مدينة يقال لها سرقوسة ~~فغنمها وجميع ما بها وقفل سالما غانما. ولما حمل أبو مدرك زرعة بن أبي زرعة ~~رهائن المصامدة جمعهم موسى مع رهائن البربر الذين أخذهم إلى أفريقية ~~والمغرب وكانوا على طنجة وجعل عليهم مولاه طارقا ودخل بهم جزيرة الأندلس ~~وترك موسى بن نصير سبعة عشر رجلا من العرب يعلمونهم القرآن وشرائع الإسلام ~~وقد كان عقبة بن نافع ترك فيهم بعض من أصحابه يعلمونهم القرآن والإسلام: ~~منهم شاكر صاحب الرباط وغيره ولم يدخل المغرب الأقصى أحد من ولاة خلفاء بني ~~أمية بالمشرق إلا عقبة بن نافع الفهري ولم يعرف المصامدة غيره وقيل أن ~~أكثرهم أسلموا طوعا على يديه ووصل موسى بن نصير بعده. وفي سنة 93 من الهجرة ~~جاز طارق إلى الأندلس وافتتحها بمن كان معه من العرب والبرابر ورهائنهم ~~الذين ترك موسى عنده والذين أخذهم حسان من المغرب الاوسط قبله. وكانت ولاية ~~طارق على طنجة والمغرب الأقصى في سنة 85 وفي هذا التاريخ تم إسلام أهل ~~المغرب الأقصى وحولوا المساجد التي كان بناها المشركون إلى القبلة وجعلوا ~~المنابر في مساجد الجماعات وفيها صنع مسجد اغمات هيلانة. ونسب طارق: هو ~~طارق بن زياد بن عبد الله بن ولغو بن ورنجوم بن نبرغاسن بن ولهاص بن بطوفت ~~بن نفزاو فهو نفزي ذكر إنه من سبي البربر وكان مولى موسى بن نصير وفي سنة ~~92 جاز موسى بن نصير إلى الأندلس فعبر البحر غاضبا على طارق ومشى على ms028 غير ~~طريقه وفتح فتوحا كثيرة يقع ذكرها إن شاء الله في الجزء الثاني من هذا ~~الكتاب في فتح الأندلس. وفيها ولى عبد الله بن موسى أفريقية عوضا من أبيه ~~حين توجه إلى الأندلس إلى أن وصل أبوه منها متوجها إلى المشرق فقدم مدينة ~~قيروان في أواخر سنة 95. وفي سنة 95 انصرف موسى من الأندلس إلى أفريقية بما ~~أفاء الله عليه فأجاز الأموال من الذهب والفضة والجوهر في المراكب إلى طنجة ~~ثم حملها على العجلات. PageV01P016 قال الرفيق: كانت وسق مائة عجلة وأربع ~~عشرة عجلة وفيها المائدة وكانت من ذهب يشوبه شيء من فضة مطوفة بثلاثة ~~أطواق: طوق ياقوت وطوق زبرجد وطوق جوهر وحملت يوما على بغل عظيم أفره وأقوى ~~ما وجد فما بلغ المرحلة حتى تفسخت قوائمه. قال الليث بن سعد: لم يسمع بمثل ~~سبايا موسى بن نصير في الإسلام. ولما قدم عليه ابنه من السوس خرج للقائه مع ~~وجوه الناس فلما التقيا قال مروان بن موسى لرجاله: )مروا لكل من خرج مع ~~والدي بوصيف أو وصيفة( وقال موسى: )مروا أنتم لهم من عندي بمثل ذلك( فرجع ~~الناس كلهم بوصيف أو وصيفة ومن أخبار موسى بن نصير أيضا - رحمه الله - لما ~~انصرف من الأندلس ولى عليها ابنه عبد العزيز وشخص قافلا إلى أفريقية فقدم ~~القيروان في آخر سنة 95 فلم يدخلها ونزل بقصر الماء ثم قعد في مجلسه وجاءته ~~جيوش العرب من القيروان فمنهم من سافر معه ومنهم مع تخلف مع ابنه عبد الله ~~بأفريقية فقال لأصحابه: )أصبحت اليوم في ثلاث نعم: منها كتاب أمير المؤمنين ~~بالشكر والثناء ثم وصف ما جرى الله على يديه من الفتوحات ثم كتاب ابني عبد ~~العزيز يصف ما فتح الله عليه في الأندلس بحمد الله تعالى. فقاموا إليه ~~فهنئوه وما الثالثة فأنا أريكموها وقام فأمر برفع الستر فإذا فيه جوار ~~مختلفات كأنهن البدور الطوالع من بنات ملوك الروم والبربر عليهن الحلي ~~والحلل( فهنئ أيضا بذلك فقال علي ابن رباح السلمي )أيها الأمير أنا انصح ~~الناس ms029 إليك: ما من شيء انتهى إلا ورجع فارجع قبل أن يرجع إليك( قال: فانكسر ~~موسى وفرق جواريه من حينه على الناس. PageV01P017 ثم رحل إلى المشرق وخلف ~~على أفريقية ابنه عبد الله وعلى الأندلس ابنه عبد العزيز وعلى طنجة ابنه ~~عبد الملك وقال ابن القطان: الأكثرون يقولون أن مستقر طارق قبل محاولة ~~الأندلس كان طنجة ومنهم من يقول كان بموضع سجلماسة وإن سلا وما ورائها من ~~أرض فاس وطنجة وسبتة كانت للنصارى قال: واختلف الناس هل دخل موسى القيروان ~~في هذه الوجهة أم لا. ثم رحل عنها مه بقية أولاده: مروان، وعبد الأعلى ~~وغيرهما ومعه أشراف الناس من قريش والأنصار وسائر العرب ومن وجوه البربر ~~مائة منهم كسيلة بن لمزم وبنو يسور ومزدانة ملك السوس وملك مبورقة ومتورقة ~~ومن أولاد الكاهنة ومائة من وجوه ملوك الأندلسيين وعشرون ملكا من ملوك ~~المدائن التي افتتحها بأفريقية وخرجوا معه بأصناف ما كان في كل بلد من ~~طرفها حتى انتهى إلى مصر فلم يبق بها فقيه ولا شريف إلا وصله وأعطاه ثم خرج ~~من مصر متوجها إلى فلسطين فتلقاه آل روح بن زنباع ونحروا له خمسين بعيرا ثم ~~خرج وترك لهم عندهم بعض أهله وصغار ولده فأعطى آل روح بن زنباع عطاء جزلا ~~ثم وافاه كتاب الخليفة الوليد بن عبد الملك يأمره بشد السير إليه ليدركه في ~~قيد الحياة وكان مريضا ووفاه كتاب من سليمان بن عبد الملك ولي عهد أخيه ~~الوليد يأمره بالتأني والتربص فأسرع موسى ولم ينظر في كتاب سليمان إلى أن ~~وصل إلى الوليد قبل موته بثلاث أيام فقال سليمان: )لئن ظفرت به لأصلبنه( ~~فدفع موسى الأموال والمائدة والدر والياقوت والتيجان والذهب والفضة إلى ~~الوليد بن عبد الملك. وقال المسعودي في كتابه )عجائب البلاد والزمان( قال: ~~لما فتح طارق طليطلة وجد بها بيت الملوك ففتحه فوجد فيه زبور داود - عم - ~~في ورقات الذهب مكتوبا بماء ياقوت محلول من عجيب العمل الذي لم يكد ير مثله ~~ومائدة سليمان - عم - وقد تقدم وصفها ووجد ms030 فيه أربعة وعشرين تاجا منظمة ~~بعدد ملوك القوطيين بالأندلس: إذا توفي أحدهم جعل تاجه بذلك البيت وفعل ~~الملك بعده لنفسه غيره جرت عوائدهم على ذلك ووجد فيه قاعة كبيرة مملوءة ~~بإكسير الكيمياء فحمل ذلك كله إلى الوليد بن عبد الملك. وفي سنة 96 توفى ~~الوليد بن عبد الملك في جمادى الأخير وولي الخلافة سليمان فغضب على موسى ~~غضبا عظيما وأمر عليه فأوقف في يوم شديد الحر في الشمس وكان رجلا بادنا ذا ~~نسمة فوقف حتى سقط مغشيا عليه وقال له سليمان )كتبت إليك فلم تنظر كتابي ~~هلم مائة ألف دينار( قال )يا أمير المؤمنين قد أخذتم ما كان معي من الأموال ~~فمن أين لي مائة ألف دينار؟( قال: )لابد من مائتي ألف( فاعتذر فقال )لا بد ~~من ثلاثمائة ألف دينار( وأمر بتعذيبه وعزم على قتله فاستجار بيزيد ابن ~~المهلب وكانت له حظوة عند سليمان فاستوهبه منه وقال )يؤدي ما عنده( وقيل أن ~~موسى افتدي من سليمان بألف ألف دينار ذكر ذلك بن حبيب وغيره ثم أن يزيد بن ~~المهلب سهر ليلة مع الأمير موسى فقال له: )يا أبا عبد الرحمن في كم كنت ~~تعتد أنت وأهل بيتك من الموالي والخدام؟ أتكونون في ألف؟( فقال )نعم( وألف ~~ألف إلى منقطع النفس قال )فلم ألقيت بنفسك إلى التهلكة؟ أفلا أقمت في قرار ~~عزك وموضع سلطانك؟ والله لو أردت ذلك لما أنالوا من أطرافي شيئا ولكني آثرت ~~الله - عز وجل - ورسوله ولم أر الخروج عن الطاعة( وقيل أن سليمان بن عبد ~~الملك بعد ما افتدي منه موسى دعا يوما بطست من ذهب فرآه موسى ينظر إليه ~~فقال له: )يا أمير المؤمنين إنك لتعجب من غير عجب والله ما أحسب أن فيه ~~عشرة آلاف دينار والله لو بعثت إلى أخيك الوليد بتنور من زبرجد أخضر كان ~~يصب فيه اللبن فيخضر ولقد قوم بمائة ألف دينار ولقد أصبت كذا بكذا( وجعل ~~يكثر عليه في ذلك حتى بهت الأمير من قوله. وكان مولد موسى بن نصير ms031 سنة 19 ~~ووفاته سنة 98 فكان عمره تسعا وسبعين سنة وفي سنة 88 ولي أفريقية فأقام ~~عليها أميرا وعلى الأندلس والمغرب كله نحو ثمان عشر سنة إلى أن مات ومما ~~ذكر في وفاته أنه حج مع سليمان فلما وصلا المدينة قال موسى بن نصير ~~لأصحابه: )ليموتن بعد غد رجل قد ملئ ذكره المشرق والمغرب( فمات موسى في ذلك ~~اليوم. # ولاية محمد بن يزيد أفريقية والمغرب PageV01P018 قال الواقدي: ثم أن أمير ~~المؤمنين سليمان بن عبد الملك قال لرجاء بن حيوة: )أريد رجلا له فضل في ~~نفسه أوليه أفريقية(، فقال له: )نعم( فمكث أياما ثم قال: )قد وجدت رجلا له ~~فضل( قال: )من هو؟( قال: )محمد بن يزيد مولى قريش( فقال: )أدخله علي( ~~فأدخله عليه فقال سليمان: )يا محمد بن يزيد اتق الله وحده لا شريك له وقم ~~فيما وليتك بالحق والعدل وقد وليتك أفريقية والمغرب كله( قال فودعه وانصرف ~~وهو يقول: )ما لي عذر عند الله ما لم أعدل( وفي سنة 97 من الهجرة استقر ~~محمد بن يزيد بأفريقية بأحسن سيرة وأعدلها ثم وصله الأمر بأخذ عبد الله ~~موسى بن نصير وتعذيبه واستئصال أموال بني موسى فسجنه محمد وعذبه ثم قتله ~~بعد ذلك وكان سليمان قد أمره بأخذ أهل موسى وولده وكل من تلبس به واستئصال ~~أموالهم وتعذيبهم حتى يؤدوا ثلاثمائة ألف دينار وتولى قتل عبد الله بن موسى ~~خالد ابن أبي حبيب القرشي وأما عبد العزيز بن موسى فخلع دعوة بني مروان ~~واستبد بأمره لما بلغه ما نزل بأبيه وأخيه وأهل بيته وجاءت الكتب إلى حبيب ~~بن أبي عبده ووجوه العرب من سليمان بن عبد الملك يأمرهم بقتله فقتلوه وحمل ~~رأسه ورأسه أخيه عبد الله حتى وضعا بين يدي أبيهما موسى وهو في عذابه فكان ~~فعل سليمان هذا بموسى وبنيه وقد فعل من الفتح في الإسلام ما فعل من هفوات ~~سليمان التي تزل تنقم عليه. واستعمل محمد بن يزيد على الأندلس الحر بن عبد ~~الرحمن الثقفي وكانت الأندلس إذ ذاك ms032 إلى والى أفريقية كما كان أيضا والي ~~أفريقية من قبل والي مصر وكان محمد بن يزيد يبعث بسرية إلى ثغور أفريقية ~~فما أصابه قسمه عليهم وكانت ولايته سنتين واشهر. وفي سنة 99 توفي سليمان بن ~~عبد الملك واستخلف عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - يوم وفاته فاستعمل ~~على أفريقية إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر مولى بني مخزوم. وفي سنة ~~100 ولي إسماعيل بن أبي المهاجر أفريقية من قبل أمير المؤمنين عمر بن عبد ~~العزيز فكان خير أمير وخير وال وما زال حريصا على دعاء البربر إلى الإسلام ~~حتى اسلم بقية البربر بأفريقية على يده في دولة عمر بن عبد العزيز وهو الذي ~~علم أهل أفريقية الحلال والحرام وبعث معه عمر - رضي الله عنه - عشرة من ~~التابعين أهل علم وفضل منهم عبد الرحمن بن نافع وسعد بن مسعود التجيبي ~~وغيرهما وكانت الخمر بأفريقية حلالا حتى وصل هؤلاء التابعون فبنوا تحريمها ~~- رضي الله عنه - . وفيها استخلف إسماعيل بن أبي المهاجر على الأندلس السمح ~~بن مالك الخولاني فكان حلوله بها في رمضان من السنة. وفي سنة 101 توفي عمر ~~بن عبد العزيز - رضي الله عنه - بدير سمعان لست خلون من شعبان فكانت خلافته ~~سنتين وخمسة أشهر وولي الخلافة بعده يزيد ابن عبد الملك فولى على أفريقية ~~يزيد بن أبي مسلم مولى الحجاج بن يوسف وصاحب شرطته. وفي سنة 102 قدم إلى ~~أفريقية واليا عليها يزيد ابن أبي مسلم وكان ظلوما غشوما وكان البربر ~~يحسنونه فقام على المنبر خطيبا فقال )أني رأيت أن أرسم اسم حرسي في أيديهم ~~كما نصنع ملوك الروم يحرسها فأرسم في يمين الرجل اسمه وفي يساره حرسي ~~ليعرفوا بذلك من بين سائر الناس فإذا وقفوا على أحد أسرع لما أمرت به( فلما ~~سمعوا ذلك منه أعني حرسه اتفقوا على قتله وقالوا: )جعلنا بمنزلة النصارى( ~~فلما خرج من داره إلى المسجد لصلاة المغرب قتلوه في مصلاه فتكلم في رجل ~~يقوم بأمرهم حتى يأتيهم أمر الخليفة فتراضوا بالمغيرة بن ms033 أبي بردة وكان ~~شجاعا كبيرا فقال له ابنه عبد الله: )إن يزيد ابن أبي مسلم قتل بحضرتك فإن ~~قمت بهذا الأمر اتهمت بقتله ولكن الرأي أن نتراضى لمحمد ابن أوس الأنصاري( ~~وكان غازيا بصقلية فلم يلبث يسيرا حتى قدم بغنائم قد أصابها فقلدوه أمر ~~الخليفة فكتب إلى يزيد بن عبد الملك يخبره بما حدث من الأمر فاستعمل على ~~أفريقية بشر بن صفوان. # ولاية بشر بن صفوان أفريقية PageV01P019 هو بشر بن صفوان بن توبل بن بشر ~~بن حنظلة بن علقمة بن شراحبل ابن عزيز ابن خالد ولي أفريقية سنة 103 ~~فاستصفى بقايا آل موسى بن نصير ووفد بعد ذلك إلى يزيد ابن عبد الملك فألفاه ~~قد هلك. وفي سنة 105 هلك يزيد بن عبد الملك في ربيع الأول وولى هشام بن عبد ~~الملك فرد بشر بن صفوان إلى أفريقية فلما قدمها ولي على الأندلس عنبسة بن ~~سحيم الكلبي ثم أن بشر بن صفوان غزا بنفسه صقلية فأصاب بها سبيا كثيرا وقفل ~~إلى القيروان فلما حضرته الوفاة قالت جاريته: )وا شماتة الأعداء( فقال لها: ~~)قولي للأعداء لا يموت( واستخلف العباس بن باضعة الكلبي. وفي سنة 107 ولي ~~بشر بن صفوان على الأندلس يحي بن سلمة الكلبي فقدمها في شوال وفي هذه السنة ~~اختلط أمر ولاة مصر اختلاطا كثيرا وفي سنة 109 توفي بشر بن صفوان والى ~~أفريقية بمدينة القيروان فكانت ولايته سبع سنين وبقى نائبه على القيروان ~~حتى وصل وال من قبل الخليفة هشام بن عبد الملك. # ولاية عبيدة بن عبد الرحمن السلمي أفريقية والمغرب # وهو ابن أخي أبي الأعور السلمي صاحب خيل معاوية بصفين فقدم أفريقية سنة ~~110 في ربيع الأول فدخل القيروان فجأة وذلك يوم الجمعة فألفى خليفة بشر بن ~~صفوان قد تهيأ لشهود الجمعة ولبس ثيابه فقيل له: )هذا عبيدة قد قدم أميرا( ~~فقال: )لا حول ولا قوة إلا بالله هكذا تقوم الساعة بغتة( وألقى بنفسه فما ~~حملته رجلاه ودخل عبيدة فأخذ عمال بشر وأصحابه فحبسهم وأغرمهم وعذب بعضهم. ms034 ~~وفي سنة 110 ولى عبيدة بن عبد الرحمن المذكور عثمان بن أبي نسمة على ~~الأندلس فقدمها في شعبان. وفي سنة 111 قدم إلى الأندلس واليا أيضا من قبل ~~عبيدة بن عبد الرحمن صاحب أفريقية والمغرب كله حذيفة بن الاحوص القيسي ~~وقيل: الاشجعي وذلك في غرة محرم من السنة المذكورة. وفي سنة 112 ولى عبيدة ~~المذكور على الأندلس أيضا الهيثم بن عبيد الكناني فقدمها في محرم أيضا من ~~هذه السنة ثم توفي سنة 114 وكانت ولايته سنتين وأياما ولما أخذ عبيدة عمال ~~بشر وأصحابه وأغرمهم وعذبهم كان فيهم أبو الخطار الحسام بن ضرار الكلبي ~~وكان شريفا في قومه مع صفاحة وبراعة وكان ولي في أفريقية ولايات كبيرة في ~~أيام بشر بن صفوان فعزله عبيدة ونكل به فقال طويل: # أفألم بني مروان فيها دماءنا ... وفي الله إن لم تنصفوا حكم عدل # كأنكم لم تشهدوا مرج راهط ... ولم تعلموا من كان ثم له الفضل # تعاميتم عنا بعين جلية ... وأنتم كذا ما قد علمنا لنا فعل # وبعث بهذه الأبيات إلى الخليفة هشام بن عبد الملك فأمر هشام بعزل عبيدة ~~من أفريقية والمغرب فقفل منه واستخلف عقبة بن قدامة وذلك في شوال سنة 114 ~~فكان ملك عبيدة بأفريقية أربع سنين وستة أشهر وتوجه إلى الشام سنة 114 ~~بهدايا وتحف عظيمة وبقي خليفته على القيروان ستة أشهر. وفي سنة 113 كان ~~عمال أفريقية والأندلس الذين كانوا في السنة قبلها ثم ولي الأندلس عبد ~~الرحمن بن عبد الله الغافقي فغزا الروم واستشهد مع جماعة من عسكره سنة 115 ~~بموضع يعرف ببلاط الشهداء وفيها أصاب الناس مجاعة عظيمة. # ولاية عبيد الله بن الحبحاب أفريقية والمغرب كله # وهو مولى بن سلول وكان رئيسا نبيلا وأميرا جليلا بارعا في الفصاحة ~~والخطابة حافظا لأيام العرب وأشعارها ووقائعها فقدم أفريقية في ربيع الآخر ~~من سنة 116 وهو الذي بنى المسجد الجامع ودار الصناعة بتونس وكان أول الأمر ~~كاتبا ثم تناهت به الحال إلى ولاية مصر وأفريقية والأندلس والمغرب كله ~~فاستخلف على مصر ms035 ابنه القاسم واستعمل على الأندلس عقبة بن الحجاج السلولي ~~واستعمل على طنجة وما والاها من المغرب الأقصى ابنه إسماعيل ثم عمر بن عبد ~~الله المرادي. # وبعث حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري غازيا إلى السوس الأقصى ~~فبلغ أرض السودان ولم يقابله أحد إلا ظهر عليه ولم يدع بالمغرب قبيلة إلا ~~داخلها وأصاب من السبي أمرا عظيما ووجد جاريتين ليس لكل واحدة منهما إلا ~~ثدي واحد ثم رجع سالما ظافرا فغزا صقلية وظفر بأمر لم يره مثله. ~~PageV01P020 ثم أن عمر بن عبد الله المرادي عامل طنجة وما والاها أساء ~~السيرة وتعدى في الصدفات والعشر وأراد تخميس البربر وزعم أنهم فيء المسلمين ~~وذلك ما لم يرتكبه عامل قبلة وإنما كان الولاة يخمسون من لم يجب للإسلام ~~فكان فعله الذميم هذا سببا لنقض البلاد ووقوع الفتن العظيمة المؤدية إلى ~~كثير القتل في العباد نعوذ بالله من الظلم الذي هو وبال على أهله. # فلما علم البربر خروج حبيب بن أبي عبيدة إلى بلاد الروم نقضوا الطاعة ~~لعبيد الله بن الحبحاب بطنجة وأقاليمها وتداعت برابر المغرب بأسره فثارت ~~المغرب بالمغرب الأقصى فكانت أول ثورة فيه وفي أفريقية في الإسلام. # وفي سنة 122 كانت ثورة البربر بالمغرب فخرج ميسرة المدغري وقام على عمر ~~بن عبد الله المرادي بطنجة فقتله وثارت البرابر كلها مع أميرهم ميسرة ~~الحقير ثم خلف ميسرة على طنجة عبد الأعلى بن حديج وزحف إلى إسماعيل بن عبيد ~~الله بن الحبحاب إلى السوس فقتله ثم كانت وقائع كثيرة بين أهل المغرب ~~الأقصى وأهل أفريقية يطول ذكرها وكان المغرب حينئذ قوم ظهرت فيهم دعوة ~~الخوارج ولهم عدد كثير وشوكة كبيرة وهم برغواطة وكان السبب في ثورة البربر ~~وقيام ميسرة إنها أنكرت على عامل ابن الحبحاب سوء سيرته كما ذكرنا وكان ~~الخلفاء بالمشرق يستحبون طرائف المغرب ويبعثون فيها إلى عامل أفريقية ~~فيبعثون لهم البربر السنيات فلما أفضى الأمر إلى ابن الحبحاب مناهم بالكثير ~~وتكلف لهم أو كلفوه اكثر مما كان فأضطر إلى التعسف ms036 وسوء السيرة فحينئذ عدة ~~البرابر على عاملهم فقتلوه وثاروا بأجمعهم على ابن الحبحاب. # وكان لعبيد الله بن الحبحاب أولاد قد أعجبتهم أنفسهم قدم عقبة بن الحجاج ~~عليهم وكان أبو عقبة قد عانق الحبحاب والد عبيد الله فلما دخل عقبة على ~~عبيد الله وأقعده على سريره فلما خرج عقبة من عنده أنكر عليه ذلك أولاده ~~فقال لهم: )ما رأيكم( فقالوا )إن تعطيه شيئا وتصرفه عنا فلا يكسر شرفنا ~~فقال لهم: )نعم( فلما كان في غد أمر الناس فدخلوا عليه ودخل عقبة في جملتهم ~~فقام إليه وأجلسه على سريره ووقف قائما فقال: )أيها الناس إن بني هؤلاء ~~غرتهم غرة الشيطان لعزة السلطان وأرادوا أمرا أخرج به عن الحق وأنكروا ما ~~رأوا من بري بهذا الرجل وإنما أخبركم أنه مولاي وأن أباه أعتق أبي وإن أكره ~~كتمان أمر الله - سبحانه - شهيد به علي( ثم خير عقبة في ولاية ما شاءه من ~~سلطانه فاختار الأندلس فولاه عليها وذلك في سنة 116 وأقام بها إلى سنة 121 ~~وقام عليه عبد الملك بن قطن الفهري فخلعه وقيل: بل هو استخلفه. # رجع الخبر إلى ميسرة المدغري رأس الصفرية أمير الغرب: لما بلغ عبيد الله ~~بن الحبحاب قتل عامله وولده كتب إلى حبيب ابن أبي عبدة يأمره بالرجوع من ~~صقلية ليأخذ في الحركة مع أهل أفريقية إلى ميسرة وولى ابن الحبحاب على عسكر ~~أفريقية وأشرافهم ووجوههم خالد ابن أبي حبيب الفهري فشخص إلى ميسرة ووصل ~~حبيب ابن أبي عبدة في أثره وسار خالد حتى عبر وادي شلف وهو بمقربة تيهرت ثم ~~قدم حبيب فنزل على مجاز الوادي المذكور فلم يبرح منه ومضى خالد من فوره حتى ~~لقي ميسرة بمقربة من طنجة فاقتتل معه قتالا شديدا لم يسمع قط بمثله ثم ~~انصرف ميسرة إلى طنجة فأنكرت البربر عليه سوء سيرته وتغيره عما كانوا ~~بايعوه عليه. # قال الرفيق: وكان ميسرة قد تسمى بالخلافة وبويع عليها فقتلوه وولوا أمرهم ~~بعده خالد بن حميد الزناتي فالتقى خالد بن أبي حبيب بالبربر فكان ms037 بينهم ~~قتال شديد فبينا هم كذلك إذ غشيهم خالد بن حميد الزناتي من خلفهم بعسكر ~~عظيم، فتكاثرت عليهم البربر؛ فانهزم العرب وكره خالد بن أبي حبيب أن يهرب؛ ~~فألقى بنفسه هو وأصحابه إلى الموت أنفة من الفرار. فقتل ابن أبي حبيب ومن ~~معه، حتى لم يبق من أصحابه رجل واحد. فقتل في تلك الوقعة حماة العرب، ~~وفرسانها، وكماتها، وأبطالها؛ فسميت الغزوة غزوة الأشراف؛ فانتفضت البلاد. ~~وبلغ أهل الأندلس ثورة البربر؛ فوثبوا على أميرهم؛ فعزلوه وولوا عبد الملك ~~بن فطن. فاختلت الأمور على ابن الحبحاب؛ فاجتمع الناس عليه وعزلوه. وبلغ ~~ذلك الخليفة هشام بن عبد الملك فقال: )والله لأغضبن لهم غضبة عربية ولأبعثن ~~جيشا أوله عندهم وآخره عندي( ثم كتب إلى ابن الحبحاب بقدومه عليه؛ فخرج في ~~جمادى الأولى من سنة 123. # ولاية كلثوم بن عياض إفريقية PageV01P021 ومقاتلته مع أمير المغرب خالد ~~بن حميد الزناني # لما بلغ هشام بن عبد الملك انتقاض البلاد الغربية والأندلسية، بعث كلثوم ~~بن عياض هذا إلى أفريقية، وعقد له على اثني عشر ألفا من أهل الشام. وكتب ~~إلى والي كل بلد أن يخرج معه بمن معه. فصارت عمال مصر وطرابلس وبرقة معه ~~حتى قدم أفريقية في رمضان سنة 123. فنكب عن القيروان. وكان على طلائعه بلج ~~بن بشر القشيري ابن عمه. فلما وصل بلج قال لأهل أفريقية )لا تغلقوا ~~أبوابكم، حتى يعرف أهل الشام منازلكم( ومع ذلك كلام كثير يغيظهم به. فكتبوا ~~إلى حبيب بن أبي عبدة يعرفونه بمقالة بلج. فكتب إلى كلثوم: )إن ابن عمك ~~السفيه قال كذا وكذا. فارحل بعسكرك عنهم، وإلا حولنا أعنة الخيل إليك!( ~~فكتب كلثوم يعتذر إليه ويأمره أن يقيم بشلف حتى يقدم عليه. فاستخلف كلثوم ~~على القيروان عبد الرحمن بن عقبة الغفاري، وسار حتى عسكر حبيب، فرفضه ~~واستهان به، وسب بلج بن بشر لحبيب وتنقصه وقال: )هذا الذي يحول أعنة الخيل ~~إلينا( فقام إليه عبد الرحمن بن حبيب وقال )يا بلج هذا حبيب! فإذا شئت ~~فاعرض له للمقابلة!( وصاح الناس )السلاح! السلاح!( ms038 فمال أهل أفريقية إلى ~~ناحية. ومعهم أهل مصر. ثم سعى بينهم الصلح. فكان هذا الاختلاف سبب هلاكهم، ~~مع سوء رأي كلثوم وبلج. # ولما قدم كلثوم على وادي سنبو، وهو في ثلاثين ألفا، وقال ابن القطان: ~~فيهم عشرة آلاف من صلب بني أمية، وعشرون ألفا من سائر العرب. فتوجه إليهم ~~خالد بن حميد الزناتي الذي تولى الأمر بعد ميسرة. فوجه كلثوم بلجا ليلا ~~ليوقع بالبربر. فسرى ليلته، وأوقع بهم عند الصباح؛ فخرجوا إليه عراة؛ ~~فهزموه ووصلوا إلى كلثوم. فأمر بدبدبان فنصب له، وقعد عليه. ثم نشب القتال، ~~وقعدت البربر تحت الدرق، ونشبت الخيل الخيل العرب خيل البربر؛ ثم انكشفت ~~خيل العرب، وألتفت الرجال بالرجال. فكان صبر وقتال. وخالطت خيل البربر ~~ورجالتهم كلثوم وأصحابه. فقتل كلثوم، وحبيب بن أبي عبدة، وسليمان بن أبي ~~المهاجر. ووجوه العرب. فكانت هزيمة أهل الشام إلى الأندلس، وهزيمة أهل مصر ~~وأفريقية إلى أفريقية. # قال ابن القطان: لما بعث هشام بن عبد الملك كلثوما واليا على أفريقية ~~والمغرب، وأمره بالجد والاجتهاد في أمرها، إذ كانوا بين أمية يجدون في ~~الدريات أن الملك القائمين عليهم لا يجاوز الزاب. فتوهموا إنه زاب مصر، ~~وإنما كان زاب أفريقية. وعهد إليه في سدها وضبطها، وعهد أن حدث بكلثوم حدث ~~أن يكون ابن أخيه بلج مكانه. فدارت بينه وبين البربر حروب، هزموا في بعضها ~~كلثوم بن عياض وقتلوه، وصار أمر العرب بأفريقية إلى بلج بالعهد المذكور. ~~ولجأ فلهم إلى سبتة، وبقوا بها حتى ضاق عليهم الأمر؛ فكاتب بج وأصحابه عبد ~~الملك بن قطن أمير الأندلس، وسألوه إدخالهم الأندلس. فلم يأمنهم عبد الملك، ~~ومطلهم بالميرة والسفن. ثم أضطر إلى إدخالهم الأندلس بعد ذلك، لسبب أشرحه ~~في الجزء الثاني إن شاء الله؛ وهو موضعه في أخبار الأندلس. فكاتبهم، وشرط ~~عليهم إقامة سنة في الأندلس، ثم يخرجون عنها. فرضوا بذلك؛ وكانوا نحو عشرة ~~آلاف من عرب الشام. # ولما دخلوا الأندلس وأقاموا فيها سنة، ترفهوا بها. فأمرهم عبد الملك ~~بالخروج منها، كما أشترط عليهم. فامتنعوا، وقتلوا عبد ms039 الملك بن قطن، ~~واستولى بلج على الأندلس، وبقي بها أحد عشر شهرا، أميرا. وقد شرحنا أمره في ~~أخبار الأندلس في الجزء الثاني وقال الرقيق: لم ينهزم من أهل أفريقية إلا ~~عبد الرحمن بن حبيب؛ فإنه جاز على الأندلس؛ فقال لأميره عبد الملك بن قطن: ~~)هؤلاء أهل الشتم يقلون: ابعث لنا مراكب نجوز فيها، وهم، إن جازوا إليك، لم ~~بأمنهم عليك!( فلما أجازهم إليها، ما لبثوا فيها إلا سنة حتى وثبوا عليه مع ~~بلج. فكانت بينهم اثنتا عشرة وقيعة، وكلها على عبد الملك بن قطن حتى قتله ~~بلج واستولى على الأندلس. # وفي سنة 124، قتل بلج بالأندلس، ووليها ثعلبة بن سلامة العاملي، وأعقده ~~أصحاب بلج مكانه بما عهد به هشام إليهم، وبايعوه. فثار في أيامه بقايا ~~البربر بمادرة؛ فغزاهم ثعلبة، وقتل منهم خلقا كثيرا وأسر منهم نحو الألف، ~~وانصرف إلى قرطبة. فكانت ولايته عشرة أشهر. وفيها كان ابتداء ظهور برغواطة. # ذكر برغواطة وارتدادهم عن الإسلام PageV01P022 قال ابن القطان وغيره: كان ~~طريف من ولد شمعون ابن إسحاق وإن الصفيرة رجعت إلى مدينة القيروان لنهبها ~~استباحتها في ثلث مائة ألف من البربر مع أمير منهم. وكانوا قد اقتسموا بلاد ~~أفريقية وحريمها وأموالها؛ فهزمهم الله تعالى بأهل القيروان، وهم في أثنى ~~عشر ألف مقاتل، نصرهم الله تعالى عليهم؛ وخبرهم طويل، يمنع من إيراده هنا ~~خيفة التطويل،. وكان طريف هذا من جملة قواد هذا العسكر؛ وإليه تنسب جزيرة ~~طريف. فلما هزمهم الله بأهل القيروان، تفرقوا، وقتل من قتل منهم، وتشتت ~~جمعهم، سار طريف إلى تامسنا، وكانت بلاد بعض قبائل البربر. فنظر إلى شدة ~~جهلهم؛ فقام فيهم، ودعا إلى نفسه. فبايعوه وقدموه على أنفسهم. فشرع لهم ما ~~شرع، ومات بعد مدة. وخلف من الولد أربعة. فقدم البربر ابنه صالحا. فأقام ~~فيهم على الشرع الذي شرعه أبوه طريف. وكان قد حضر مع أبيه حرب ميسرة الحقير ~~ومغرور بن طالوت الصفريين. فأدعى إنه أنزل عليهم قرآنهم، الذي كان يقرءونه؛ ~~وقال لهم إنه صالح المؤمنين، الذي ذكره الله في كتابه ms040 العزيز. وعهد صالح ~~إلى ابنه الياس بديانته، وعلمه شرائعه وفقهه من دينه، وأمره ألا يظهر ~~الديانة حتى يظهر أمره، وينتشر خبره، فيقتل حينئذ من خالفه. وأمره، موالاة ~~أمير المؤمنين بالأندلس. وخرج صالح إلى المشرق، ووعده إنه يرجع في الدولة ~~السابع من ملوكهم، وزعم إنه الهدي الذي يكون في أخر الزمان لقتال الدجال ~~وأن عيسى - عم - يكون من رجاله وأنه يصلي خلفه. وذكر في ذلك كلاما نسبه إلى ~~موسى - عم - . # فولى بعد خروجه إلى المشرق ابنه الياس خمسين سنة. فكتم شريعته إلى سنة ~~172. فخرج عن ذلك كله من أمر صالح وابنه أن ابتداءه كان في هذه السنة، أو ~~التي قبلها، وما يأتي بعدها من السنين، إذ خمسون سنة أخرها سنة 172، مبدأها ~~سنة 124 أو نحوها، والله أعلم. # ولاية حنظلة بن صفوان أفريقية والمغرب كله # ولما بلغ أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك قتل كلثوم بن عياض وأصحابه بعث ~~إلى أفريقية والمغرب حنظلة بن صفوان الكلبي. وكان عامله على مصر ولاه عليها ~~سنة 119. فقدمها في شهر ربيع الآخر منها. فبعث إليه أهل الأندلس أن يبعث ~~إليهم عاملا، فوجه إليهم أبا الخطار حسام بن ضرار الكلبي. فسار في البحر من ~~تونس إلى الأندلس، واليا عليها. فقدمها في رحب، وسأذكر خبره في أخبار ~~الأندلس إن شاء الله. # ومن أخبار حنظلة أمير أفريقية مع بعض القبائل الغربية: وذلك لما استقر ~~حنظلة بالقيروان، لم يمكث فيها إلا يسيرا، زحف إليه عكاشة الصفري الخارجي، ~~في جمع عظيم من البربر، وزحف أيضا إلى حنظلة عبد الواحد بن يزيد الهواري في ~~عدد عظيم. وكانا افترقا في الزاب. فأخذ عكاشة على طريق مجانسة. فنزل في ~~القيروان، وأخذ عبد الواحد على طريق الجبال، وعلى مقدمته أبو قرة المغيلي. ~~فرأى حنظلة أن يعجل قتال عكاشة، قبل أن يجتمعا عليه. فزحف إليه بجماعة أهل ~~القيروان. فالتقوا بالقرن، وكان بينهم قتال شديد فهزم الله عكاشة ومن معه، ~~وقتل من البربر ما لا يحصى كثرة، وقيل إن حنظلة لما رأى ما دهمه من البربر ~~قال ms041 لأصحابه: )نستمد أمير المؤمنين!( فقال له شاب جميل الوجه: )بل نخرج إلى ~~عدونا حتى يحكم الله بيننا!( فعزم حنظلة، وخرج فهزم الله عكاشة في خبر ~~طويل. # قال عبد الله بن أبي حسان: فأخرج حنظلة كل ما في الخزائن من السلاح وأحضر ~~الأموال، ونادى في الناس فأول من دخل عليه، رجل من بحصب فقال له: )نصر بن ~~ينعم!( قال: فتبسم حنظلة كالمكذب له وقال له )بالله أصدق!( فقال )والله( ~~مالي أسم غير ما قلت لك فتفاءل به وقال )نصر وفتح( فأعطى الناس وخرج ~~لمقابلة الصفرية وهم بالخوارج. فكان بينه وبينهم حرب يطول ذكرها، فالتحم ~~فيها القتال، وتداعى الأبطال ولزم الرجالة الأرض، فلا تسمع إلا وقع الحديد ~~على الحديد، وتقابض الأيدي بالأيدي. وكانت كسرة على ميسرة العرب، ثم انكسرت ~~ميسرة البربر وقلبهم، ثم كرت العرب على ميمنة البربر، فكانت الهزيمة. وسيق ~~إلى حنظلة رأس عبد الواحد، وأخذ عكاشة أسيرا، فأتى به إلى حنظلة، فقتله وخر ~~لله ساجدا. PageV01P023 وقيل إنه ما علم في الأرض مقتله كانت أعظم منها. ~~أراد حنظلة أن يحصى من قتل، وأمر بعدهم. فما فدر على ذلك. فأمر بقصب فطرح ~~قصبة على كل قتيل. ثم جمعت القصب، وعدت، فكانت القتلى مائة ألف وثمانين ~~ألفا. وكانوا صفرية يستحلون النساء وسفك الدماء. # وكتب بذلك حنظلة إلى أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك. فسر بذلك سرورا ~~عظيما. وكان الليث بن سعد يقول: )ما من غزوة كنت أحب أن أشهدها، بعد غزوة ~~بدر، أحب إلي من غزوة القرن والأصنام(. # وفي سنة 125، توفي أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك بعلة الذبحة. وعماله ~~في هذه السنة هم الذين كانوا في السنة قبلها، ومن جملتهم حفص بن الوليد على ~~مصر، وحنظلة بن صفوان على أفريقية والمغرب، وأبو الخطار على الأندلس. ثم ~~استخلف بعده الوليد بن يزيد، يوم موت هشام بن عبد الملك، وذلك يوم الأربعاء ~~لست خلون من ربيع الأخر. # وفي سنة 126 توفي الوليد بن يزيد مقتولا يوم الخميس لليلتين بقيتا من ~~جمادى الآخرة، قتله يزيد ms042 بن الوليد المسمى بالناقص واستخلف يزيد ولم يكن في ~~أيامه في هذه السنة بأفريقية أمر. وبويع بدمشق وجعل العهد نعده لابنه ~~إبراهيم بن يزيد فأقام نحو شهر ونصف، ثم خلع نفسه لمروان الجعدي. فقيل إنه ~~نبش على يزيد بن الوليد وأخرجه من قبره وصلبه. # انتزاء عبد الرحمن بن حبيب الفهري بإفريقية # وبعض أخباره # كان عبد الرحمن بن حبيب هذا قد هرب إلى الأندلس. عند هزيمته من الوقيعة ~~التي قتل فيها أبوه حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع، مع كلثوم بن عياض. ~~فلم يزل. وهو بالأندلس، يحاول أن يتغلب عليها. فلم يمكنه ما أراد، إلى أن ~~وجهة حنظلة أبا الخطاب إليها، فخاف على نفسه، وخرج مستترا، فركب البحر إلى ~~تونس، فنزل بها، وذلك في جمادى الأولى سنة 127، فدعا الناس إلى نفسه، ~~فأجابوه. وأراد حنظلة الخروج إليه، والزحف لقتاله. ثم كره قتال المسلمين. ~~وكان ذات ورع ودين، فوجه إلى حنظلة جماعه من وجوه أفريقية يدعونه إلى ~~مراجعة الطاعة. فلما قدموا عليه. أوثقهم في الحديد، وأقبل بهم إلى ~~القيروان، وقال )أن رمى أحد من أوليائهم بحجر، قتلتهم( وكانوا وجوههم ~~ورؤساءهم. فلما رأى حنظلة ذلك دعا القاضي والعدول، وفتح بيت المال؛ فأخذ ~~منه ألف دينار، وترك الباقي، وقال: )لا أتلبس منه ألا بقدر ما يكفيني ~~ويبلغني( ثم شخص عن أفريقية في سنة 139 في جمادى الأول. وأقبل عبد الرحمن ~~حتى دخل القيروان، ونادى مناديا: )لا يخرجن أحد مع حنظلة، ولا يشيعه( فرجع ~~عنه الناس خوفا من عبد الرحمن. ولما قفل حنظلة إلى الشرق، دعا على عبد ~~الرحمن وعلى أهل أفريقية، وكان مستجاب الدعوة. فوقع الوباء والطاعون ~~بأفريقية سبع سنين، لا يكاد يرتفع إلا مرة في الشتاء ومرة في الصيف. # وقال بعض المؤرخين أن مروان بن محمد الجعدي بعث إلى عبد الرحمن ابن حبيب ~~بولايته على أفريقية بعد تغلبه عليها. # ولما ولي عبد الرحمن، ثار عليها جماعة من العرب والبربر. ثم ثار عليها ~~عروة بن الوليد الصدفي؛ فستولى على تونس، وثار عليها عرب ms043 الساحل، وقام عليه ~~ابن عطاف الأزدي. وثارت. البربر في الجبال الصنهاجية بباجة؛ فأخذها. فخرج ~~إلها الياس بن حبيب، أخو عبد الرحمن، في ستمائة فارس؛ ولم يظهر إنه خرج ~~إليه، بل أعمل الحيلة مع أخيه في ذلك. ولما وصل الجاسوس، قال: )إن القوم ~~آمنون غافلون( خرج العسكر إليهم؛ فقتل ابن عطاف وأصحابه، وأمعن عبد الرحمن ~~بن حبيب في قتل البربر، وأمتحن الناس بهم، ابتلاهم بقتل الرجال صبرا، يؤتي ~~الأسير من البربر، فيأمر من يتهمه بتحريم دمه بقتله، فيقتله. وكانت ~~بأفريقية حروب ووقائع يطول ذكرها. # وكان عبد الرحمن بن حبيب قد كتب إلى مروان بن محمد، وأهدى إليه الهدايا. ~~فكتب إلى مروان، يأمره بالقدوم عليه. ثم ضعف أمر بني أمية بالمشرق، وأشتغل ~~بحرب المسودة. فأقام عبد الرحمن بالقيروان، حتى كانت سن 135. فغزا تسلمان، ~~وخلف ابنه حبيبا على القيروان؛ فظفر بطوائف من البربر، وعاد إلى القيروان. ~~ثم أغزى صقلية. ثم بعث إلى )سر دانية(؛ فقتل من بها قتلا ذريعا؛ ثم صالحوا ~~على الجزية. وبعث إلى إفرنجة؛ فأتى بسيها؛ ودوخ المغرب كله، وأذل من به من ~~القبائل، لم يهزم له عسكر. ولا ردت له راية. وداخل جميع أهل المغرب الرعب ~~والخوف منه. PageV01P024 وقتل مروان بن محمد بالمشرق، وزالت دولة بني أمية. ~~وبقي عبد الرحمن ابن حبيب أمير أفريقية والمغرب. وهرب جماعة من بين أمية ~~خوفا من بني العباس، ومعهم حرمهم. فتزوج منهم عبد الرحمن وأخواته. وكان ~~فيمن قدم ابنا الوليد بن يزيد، وكانت ابنة عمها عند أليس بن حبيب، فأنزلهما ~~عبد الرحمن في دار؛ ثم أحتال في بعض الليالي؛ فأطلع عليهما من موضع خفي، ~~وهما على نبيذ، ومولاهما يسقياهما، إذ قال أحدهما: )أيظن عبد الرحمن إنه ~~يبقى أميرا معنا، ونحن أولاد الخليفة( فلما سمع هذا منه أنصرف. ثم دعاهما، ~~وأظهر لهما بشرا، حتى أتاهما من أخبرهما أن عبد الرحمن سمع كلامهما. فركبا ~~جملين وهربا فبعث عبد الرحمن الخيل في طلبهما، وأدركا. فآمر بضرب أعناقهما. ~~وكانت ابنة عمهما عند إلياس، فقالت له )قتل أختانك وأنت ms044 صاحب حربه وصاحب ~~سيفه! وجعل العهد من بعد عهده لحبيب ولده! فهذا تهاون بك!( ولم تزل به حتى ~~اجنمع رأي الياس وأخيه عبد الوارث على قتل أخيهما عبد الرحمن. وهاودهما على ~~ذلك جماعة من أهل القيروان على ما يأتي ذكره. # وفي سنة 127 كان دخول عبد الرحمن بن حبيب هذا أفريقية ودعواه لنفسه، كما ~~تقدم. وفيها كان انتزاء ثوابة بن سلامة بالأندلس، وبويع بها. وكان قد هزم ~~أبا الخطار سنة 125. وتم له الأمر في هذه السنة، لكن لا بعهد من بني أمية ~~ولا من بني العباس، بل عنوة بالسيف. وأقام معه الصميل؛ فكان السلطان لثوابه ~~للصميل. # وفي سنة 128، هلك أمير الأندلس ثوابه في شعبان، فكانت دولته نحو سنة، حسب ~~ما أذكر ذلك في أخبار الأندلس، أن شاء الله. فبقيت الأندلس دون أمير أربعة ~~أشهر. فأجتمع الناس على الصميل بن حاتم، فوقع نظره ونظرهم على تقدين يوسف ~~بن عبد الرحمن الفهري. # وفي سنة 129، أستقل يوسف الفهري بولاية الأندلس فكانت ولايته إياها عشر ~~سنين: فما من سنة من هذه السنيين ألا ويمكن أن يكون له فيها غزو، إذا قالوا ~~إنه واصل الجهاد؛ وسيأتي ذكره وخبره في خبر الأندلس إن شاء الله. # وفيها كانت بالأندلس حروب ووقائع وغلاة في الشعر. وقيل أن ولاية يوسف ~~كانت في صفر من هذه السنة، وإنهم كتبوا لعبد الرحمن بن حبيب عامل القيروان؛ ~~فأنفذ إليه عهد بولاية الأندلس. # وفي سنة 130، كان استيلاء أبي مسلم على مرو، وتفريقه كلمة العرب واختياره ~~اليمانية لنصرته، وتشريده المضرية وكان له غزوات ومواقعات؛ وعبد الرحمن بن ~~حبيب أمير أفريقيا كذلك، في حروب ووقائع البربر. # وفي سنة 131 كان استيلاء أبي مسلم على خراسان، وعامل مصر وأفريقيا ~~والأندلس على ما كان عليه قبل ذلك. وفيها بني عبد الرحمن بن حبيب سور مدينة ~~طرابلس، وانتقل الناس إليها من كل مكان. # وفي سنة 132 كانت الوقعة التي هزم فيها الأمويون مع أبي هريرة، وفتح ~~العباسية للكوفة. ثم اتصلت الولايات العباسية والفتوح للبلاد الشرقية ~~وخروجها عن الأموية ms045 واحدا من بعد واحد. فقلت مروان بن محمد الجعدي في هذه ~~السنة، وانقطعت الدولة الأموية. وكانت دولتهم 91 سنة وتسعة أشهر وخمسة أيام ~~وهم أربعة عشر رجلا: منها أيام ابن الزبير تسع سنين واثنان وعشرون يوما. ثم ~~تفرقت بنو أمية في البلاد هربا بأنفسهم، وهرب عبد الرحمن ابن معاوية إلى ~~الأندلس. فبايعه أهلها وتجددت لهم بها دولة استمرت إلى بعد الأربعة ~~والعشرين والأربعمائة. فانقطعت دولتهم ست سنين أو نحوها، من هذه السنة إلى ~~حين دخول عبد الرحمن الأندلس. وجددها في سنة 137. فإن صح أن عهد عبد الرحمن ~~بن حبيب، صاحب القيروان و أفريقية من قبل بني أمية، وصل إلى يوسف بن عبد ~~الرحمن المتغلب على الأندلس، الذي أدخل عبد الرحمن إليها وهو أميرها، فعلى ~~هذا، كانت لهم دولة متصلة بالأندلس. فتأمل هذا فإن إن صح بكته غريبة وفائدة ~~عجيبة قال أبو محمد بن حزم: انقطعت بني أمية. وكانت على علاتها دولة عربية، ~~لم يتخذوا قاعدة ولا قصبة. وإنما كان سكني كل أمير منهم في داره وضعيته ~~التي كانت له قبل خلافته، ولا كلفوا المسلمين أن يخاطبوهم بالعبودية والملك ~~ولا تقبيل يد ولا رجل، وأما كان غرضهم التولية والعزل في أقاصي البلاد؛ ~~فكانت عمالهم وولاتهم في الأندلس، وفي الصين، وفي السند، وفي خراسان، ~~وأرمينية، واليمن، والشام، والعراق، ومصر، والمغرب وسائر البلاد الدنيا، ما ~~عدى الهند. PageV01P025 وانتقل الأمر إلى بني العباس في هذه السنة. قال ابن ~~حزم في جملة كلامه أيضا: فكانت دولتهم أعجمية: سقطت فيها دواوين العرب، ~~وغلب عجم خراسان على الأمر، وعاد الأمر ملكا غضوضا كسرويا، إلا أنهم لم ~~يعلنوا بسبب أحد من الصحابة - رضوان الله عليهم - افترقت في دولة بني العاس ~~دعوة المسلمين وكلمتهم، فتغلبت على البلاد طوائف من الخوارج والشيعة ~~والمعتزلة ومن ولد إدريس وسليمان ابني عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي ~~بن أبي طالب - رضي الله عنهم أجمعين - ظهروا في المغرب الأقصى وتملكوا فيه. ~~ومنهم من ولد معاوية تغلبوا على الأندلس، وكثيرا من غيرهم أيضا. ms046 وفي خلال ~~هذه الأمور تغلبت الكفرة على أكثر بلاد الأندلس وأكثر بلاد السند. وفي سنة ~~132 المذكورة كان المولون للعمال بالبلاد أربعة أمراء: وهم مروان بن محمد ~~وأبو سلمة الخلال، وأبو مسلم، وأبو العباس السفاح. فأما مروان فعزل الوليد ~~بن عروة عن المدينة، وولاها أخاه عيسى، وأما أبو سلمة، فاستعمل محمد بن ~~خالد على الكوفة إلى أن ظهر أبو العباس السفاح ظهورا تاما، وأما أبو مسلم، ~~فهو كان السلطان الأعظم الذي لا يرد أمره، وهو الذي قدم محمد بن الأشعث على ~~فارس، وأمره أن يأخذ عمال أبي سلمة فيضرب أعناقهم، ففعل ذلك، وأما أبو ~~العباس، فوجه بعد ذلك إسماعيل بن علي واليا على فارس، وأخاه أبا جعفر على ~~الجزيرة وأرمينية وأذربيجان، وولى أخاه يحيى بن محمد علي على الموصل، وولى ~~على مصر أبا عون عبد الملك بن يزيد، وولى على أفريقية عبد الرحمن بن حبيب ~~لأنه، لما بلغته بيعة أبي العباس كتب إليه بالسمع والطاعة فأقره. # وفي سنة 133 ولى أبو العباس السفاح عمه سليمان بن علي البصرة وأعمالها ~~والبحرين وغير ذلك، وولى عمه إسماعيل على الأهواز، وولى عمه داود المدينة، ~~وولى عماله سائر البلاد الشرقية، وأفريقية والأندلس على ما كانت عليه. وفي ~~سنة 134 بعث أبو العباس السفاح موسى ين كعب في اثني عشر ألفا لقتال منصور ~~بن جمهور من المنتزين على العباس، فسار إليه حتى لحقه بأرض الهند، فهزمه ~~ومن كان معه، ومضى فمات عطشا في الرمال. # وفيها كان أيضا العزل والولايات بالمشرق. وبقى على مصر أبو عون وعلى ~~أفريقية عبد الرحمن بن حبيب، وعلى الأندلس يوسف الفهري. # وفي سنة 135 كانت غزوة عبد الرحمن بن حبيب صاحب أفريقية صقلية، فسبى ~~وغنم. وغزا أيضا سودانية، وصالحهم على الجزية. وغزا أرض البربر بجهة ~~تلمسان. ومدينة تلمسان قاعدة المغرب الأوسط وهي دار مملكة زناتة. قال ~~البكري: بنو يغمراسن من هوارة يعتدون في ستين ألفا. وتلمسان دار مملكة ~~زناتة على قديم الزمان، ومتوسط بلاد القبائل من زناتة وغيرهم ومقصد النجار، ~~ونزلها ms047 محمد بن سليمان من ذرية علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ومن ذريته ~~أبي العيش عيس بن إدريس بن محمد بن سليمان الذي بنى مدينة جراوة. # ونسب زناتة: قال أبو المجد المغيلى، وعلي بن حزم، وغيرهما: أن زناتة هم ~~أولاد جانا بن يحيى بن صلوات بن ورتناج بن ضرى بن سفكو بن قيدواد بن شعبا ~~بن مادغيس بن هود بن هرسق بن كداد بن مازيغ. وذكروا أن ضرى هو ابن وزجيج بن ~~مادغس بن بر، فولد ابن برنوس. وولد برنوس كتامة ومصمودة واوربة ووزداجة ~~واوزيغة، فولد أوزيغة هوارة، ومن قبيل هوارة بنو كهلان ومليلة، وولد يحيى ~~جذانا وسمجان وورسطيف، وولد جذانا ورسيج وولد ورسيج مرين، وولد مرين نجد ~~ونمالة، وولد ورسطيف وركنة ومكناسة، وولد ضرى أيضا تمزيت، وولد تمزيت ~~مطماطة ومدغرة وصدينة ومغيلة وملزوزة، ومديونة، وولد وزجيج لاوى الكبير، ~~وولد لاوى الكبير لاوى الصغير ومغرواة وأيفرن وولد لارى الصغير نفزاو وولد ~~نفزاو يطوفت وولد لاوى الصغير أيض كطوف وولد كطوف ونبطط، فولد ونبطط سدراتة ~~وكانت سدراتة أخوان بني مغراوة لأمهم، وكان أولاد مغراوة وبني يفرن من أعظم ~~بطون زناتة. # قال رجال من كتابه: كان بنو مرين يسكون وراء تلمسان، وهو من زناتة، من ~~ولد جانا بن يحيى بن ضريس بن لوا بن نفزاو بن بتر بن قيس غيلان بن الياس بن ~~مضر. قال: وبنو مرين من العرب الصريحيون. PageV01P026 وفي سنة 136، كان ~~ابتداء أبي العباس السفاح محاولة الغدر بأبي مسلمة، وضفر أبي مسلم بمن حاول ~~ذلك، وقتله لهم، وذلك في خبر طويل. وقيل: بل كان ابتداء تلك المحولة في 135 ~~قبلها. وقدم أبو مسلم في هذه السنة على أبي العباس مستأذنا في الحج، فهم ~~أبو العباس بقتله ثم انثنى على ذلك وحج أبو مسلم وأبو جعفر. # وفيها توفي أبو العباس السفاح في ذي الحجة، بعد أن ولى العهد لأخيه أبو ~~جعفر المصور، فاستوسقت له الأمور، وبايعه الجمهور. # وفي 137، كان قدوم أبي جعفر المنصور من مكة، وتتميم بيعته، فدخل أبو جعفر ms048 ~~الكوفة وصلى الجمعة، ووافاه كاتب أبي مسلم بالحيرة، ثم شخص أبي مسلم إلى ~~الأنبار. # وفيها انتزى عبد الله بن علي على أخيه وامتنع من بيعته، فبعث إليه أبو ~~جعفر أبى مسلم، فحاربه. وفيها قتل المنصور أبا مسلم. وكيفية ذلك في )تاريخ( ~~أخبار المشرق. # بقية أخبار عبد الرحمن بن حبيب بأفريقية # لما صار الأمر إلى أبي جعفر المنصور، كتب إلى عبد الرحمن يدعوه إلى ~~الطاعة. فأجابه، ودعا له، ووجه إليه بهدية كان فيها بزة وكلاب، وكتب إليه: ~~)أن أفريقية اليوم إسلامية كلها، وقد أنقطع السيئ منها( فغضب أبو جعفر ~~المنصور وكتب إليه يتوعده. فلما وصل إليه الكتاب، غضب غضبا شديدا؛ ثم نادى ~~)الصلاة جامعة( فاجتمع الناس؛ وخرج عبد الرحمن في مطرف خز، فصعد المنبر، ~~فحمد الله وأثنى عليه؛ ثم أخذ في سب أبي جعفر، وقال )أني ظننت هذا الخائن ~~يدعو إلى الحق ويقوم به، حتى تبين لي خلاف ما بايعته عليه من أقامة العدل! ~~وأني خلعته كما خلعت نعلي هذا!( وقذفه من رجله. ثم دعا بخلع السود وأمر ~~بتخريقها وقال: )هذا لباس أهل النار في النار!( قال الرقيق: )كان قد لبسها ~~قبل ذلك، ودعا فيها لأبي جعفر؛ فقطعت قطعا وأحرقت.( وقال ابن القطان: كان ~~عبد الرحمن بن حبيب يظهر الطاعة لأبي جعفر، يدعو له على المنبر، ألا إنه لم ~~يلبس السواد، وقال: )أن هذا لباس أهل النار في النار!( ثم خلعه ونبذ طاعته. ~~وحقق عريب أن خلعه لطاعة أبي جعفر كان في هذه السنة. # مقتل عبد الرحمن # كان عبد الرحمن يوجه أخاه غازيا؛ فإذا ظفر، كتب عبد الرحمن بالفاتح، ~~ويزعم أن ابنه كان يتولى الفتوح وكان قد ولاه عهده، فعمد الياس إلى قتل ~~أخيه عبد الرحمن، وشاور في ذلك أخاه عبد الوارث، فأجابه. ودعوا إلى ذلك ~~قوما من أهل القيروان من العرب على أن يقتلوا عبد الرحمن ويؤمروا الياس بن ~~حبيب، وتكون الطاعة لأبي جعفر. وكان عبد الرحمن ولى أخاه الياس تونس، وودعه ~~للخروج إليها، وعبد الرحمن إذ ذاك مريض. فدخل ms049 عليه، وهو في غلالة ورداء، ~~وابن له صغير في حجرة، فقعد طويلا، وعبد الوارث يغمزه. فلما قام يودعه أكب ~~علية ووضع السكين بين كتفيه حتى وصل إلى صدره ثم ردة يده على السيف فضربه، ~~وخرج هاربا دهشا. فقال له أصحابه: )ما فعلت؟( قال: )قتلته!( قالوا: )أرجع! ~~فهز رأسه!( فرجع وهز. وثارت الصيحة. وأخذ الياس أبواب دار الإمارة، وسمع ~~ابنه حبيب الصيحة، فأخبر بقتل والده، فأختفى، ثم تحامل على وجهه إلى باب ~~تونس أحد أبواب القيروان فخرج منه ومضى إلى عمه عمران بن حبيب، وهو والي ~~تونس لوالده فكانت ولاية عبد الرحمن بن حبيب أفريقية عشر سنين وسبعة أشهر. ~~وكان أول ثائر متغلب على بلاد أفريقية # ولاية الياس بن حبيب أفريقية PageV01P027 ولما قتل أخاه، ولي أمور ~~أفريقية والقيروان، وحبيب عند عمه عمران بتونس. فأخبره بخبر أبيه، ولحق ~~بهما مواليهما وعبيدهما من كل ناحية. فخرج إلياس، وأتاه حبيب وعمران بمن ~~معهما؛ فهموا بالقتال، ثم اصطلحوا على أن يعود عمران إلى ولاية تونس ~~وصطفورة والجزيرة، ويكون حبيب على قفصة وقسطليلة، وألياس لسائر أفريقية ~~والمغرب. ومضى الياس مع أخيه عمران إلى تونس؛ فوثب عليه ألياس، وبعث به إلى ~~الأندلس. وولي على تونس محمد ابن المغيرة، وانصرف إلى القيروان؛ فبلغه عند ~~حبيب أخبار كرهها. فعلم ذلك حبيب؛ فدس له من زين له الخروج إلى الأندلس؛ ~~ففعل؛ ووجه معه شقيقه عبد الوارث ومن أحب من مواليه. فركبوا البحر، وقد ~~تعذرت بهم الريح؛ فكتب حبيب إلى الياس يعلمه بأن الريح ردته، ووقفوا بطية. ~~فكتب الياس إلى عاملة بها يحذره من أمره. فسمع به موالي عبد الرحمن وأهل ~~طاعته؛ فأتوا إليه من كل ناحية، وطرقوا سليمان بن زياد عامل الياس ليلا، ~~وهو في معسكره يحارس حبيبا. فأسروه، وشدوا وثاقه، وركبوا إلى حبيب، فأخرجوه ~~إلى البر. # ذكر قيام حبيب بن عبد الرحمن بن حبيب على عمه # الياس وتغلبه على بلاد أفريقية # لما خرج حبيب هذا إلى البر، واجتمعت عليه أهل طاعة أبيه، ظهر أمره، وشاع ~~ذكره. وتوجه إلى الأربس؛ ms050 فأخذها. وبلغ خبره إلى ألياس؛ فخرج يريده، وأستخلف ~~على القيروان محمد بن خالد القرشي، فلما قرب الياس منه، تحاربا حربا خفيفة. ~~فلما أمس حبيب، أوقد النيران ليضن الناس إنه مقيم. ثم سرى، فأصبح بجلولا. ~~ثم نفذ إلى القيروان، فيتولى عليها. ثم رجع الياس في طلبه، ففسد عليه من ~~كان معه، وتقوى حبيب وخرج إليه في جمع عظيم. فلما التقيا، ناداه حبيب: )لما ~~نقتل صنائعنا وموالينا، وهم لنا حصن! ولكن أبرز أنا وأنت.. فأينا قتل ~~صاحبه، استراح منه!( فناداه الناس.. )قد أنصفك يا الياس( فخرج كل واحد ~~منهما إلى صاحبه، ووقف أهل العسكر ينظرون إليهما، فتطاعنا حتى تكسرت ~~قناتاهما ثم تضاربا بسيوفهما وعجب الناس من صبرهما. ثم ضرب الياس حبيبا ~~ضربة )في ثيابه ودرعه، ووصلت إلى جسده وضرب حبيب عمه الياس ضربة( أسقطته ثم ~~أكب عليه، فحز رأسه وأمر برفعه على رمح وأقبل به على القيروان فدخلها وبين ~~يديه رأس عمه ورؤوس أصحابه، فيهم عم أبيه محمد بن أبي عبدة بن عقبه ورأس ~~محمد بن مغيرة القرشي وغيرهما من وجوه العرب وذلك في عام 138 فكانت ولاية ~~الياس إلى أن قتل نحو سنة وستة أشهر. PageV01P028 وفي سنة 138، قام البربر ~~في أفريقيا على حبيبي بن عبد الرحمن بن حبيب ولما قتل حبيب عمه الياس هرب ~~عبد الوارث بن حبيب ومن كان معه. إلى عسكر الياس أخيه إلى بطن من البربر ~~يقال لهم ورفجومة من نقزة لاجئين إليهم فنزلوا عليهم وأميرهم عاصم بن جميل ~~فكتب إليه حبيب يأمره بتوجيههم إليه فلم يفعل فزحف إليه حبيب ولقيه عاصم ~~ومعه كل من هرب من حبيب فاقتتلوا وانهزم حبيب وكان إذا خرج إليهم استخلف ~~على القيروان أبا كريب القاضي فكتب بعض أهل القيروان إلى عاصم وأشياخ ~~ورفجومة وظنوا أنهم يوفون لهم بالعهد وأظهروا لهم أنهم إنما يريدون أن ~~يدعوا لأبي جعفر فزحف عاصم بن جميل وأخوه مكرم من كان معهم من البربر ومن ~~لجأ إليهم من العرب بعد أن هزموا حبيبا وساروا إلى ناحية قابس، حتى ms051 انتهوا ~~إلى القيروان. فلما دنا بعضهم من بعض، خرج جماعة من عسكر عاصم، فقتلوا منهم ~~أناسا وتفرق الناس عن القاضي أبي كريب ورجعوا إلى القيروان ولم يعلموا ما ~~يحل بهم من البربر وثبت أبي كريب في نحو ألف رجل من أهل الدين، مستسلمين ~~للموت فقاتلوا حتى قتل أبي كريب وأكثر أصحابه ودخل ورفوجمة القيروان، ~~فاستحلوا المحارم، وارتكبوا الكبائر، ونزل عاصم بمصلى روح ثم استخلف عل ~~القيروان عبد الملك ين أبي جعد اليفرني وسار إلى حبيب، وهو بقابس. فانهزم ~~حبيب ولحق بجبل أوراس. فسار إليه عاصم، فهزمه حبيب، وقتله مع جملة من ~~أصحابه. وأقبل حبيب إلى القيروان، فخرج إليه عبد الملك بن أبي الجعد ~~فاقتتلا، فنهزم حبيب وقتل في المحرم ن سنة 140 فكانت ولاية وتاريخ عبد ~~الرحمن بن حبيب نحو 10 سنين وأشهر، وولاية أخيه الياس سنة وستة أشهر )ثم ~~تغلب على أفريقية بعض القبائل الصفرية بعد قتل حبيب وعاصم، فدخل القيروان ~~وربطوا دوابهم في المسجد الجامع، وقتلوا كل من كان من قريش وعذبوا أهلها. ~~وأساءت ورفجومة لأهل القيروان سوء العذاب وندم الذين استدعوهم أشد ندامة. ~~ثم قام أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري وكان ثائرا متغلبا خرج ~~طرابلس بعد ما كان استولى عليها يريد القيروان لقتال ورفجومة. فالتقى معهم ~~وقاتلهما. ثم هزمزهم وتبعهم يقتلهم، ثم انصرف إلى القيروان. فولى عليهم عبد ~~الرحمن بن رستم صاحب تاهرت بعد ذلك ومضى الخطاب إلى طرابلس وكانت مدة هذه ~~الأهوال والفتن التي اختصرناها هنا مجملة في نحو ثلاثة أعوام. # وفي سنة 139، كان الفداء بين أبي جعفر المنصور والروم، فاستنقذ المنصور ~~منهم أسرى المسلمين. ولم تكن بعد ذلك صائفة للمسلمين إلى سنة 146. # وقي سنة 141 كان ابتداء بناء سجلماسة. وفيها كان خروج أبي الخطاب إلى ~~القيروان لقتال ورفجومة، فخرج إليه واليها عبد الملك، فخذله أهل القيروان ~~وانهزموا عنه، فقتل عبد الملك وأصحابه في صفر وكان تغلب ورفجومة على ~~القيروان سنة وشهرين. # وفي سنة 142، أقبل أبي الأحوص اعجلي بالمسودة. فخرج إليه أبي الخطاب. ~~فالتقى ms052 بمقداس على شاطئ البحر، فانهزم أبي الأحوص وأصحابه واحتوى أبي ~~الخطاب على عسكرهم. ورجع أبي الأحوص إلى مصر وانصرف أبو الخطاب طرابلس. ~~وكانت أفريقية في يديه إلى أن وجه المنصور بن الأشعث. # وفي سنة 143 اتصل أبي الخطاب أن أبي الأشعث يريد القيروان. فخرج إليه في ~~زهاء مائتي ألف. فعسكر بهم في أرض سرت واتصل ذلك بمحمد بن الأشعث. # وفي سنة 144، ولي أفريقية محمد بن الأشعث الخزاعي. # ذكر ولاية محمد بن الأشعث الخزاعي أفريقيا PageV01P029 لما غلبت الصفرية ~~على أفريقيا بعد أن قتلت ورفجومة من قتلت من قريش وغيرهم، خرج جماعة من ~~عربها إلى المنصور يستنصرون به على البربر ويصفون له ما نالهم منهم. فولى ~~أبو جعفر بن الأشعث مصر. فوجه أبا الأحوص. فهزمته البربر كما تقدم. فكتب ~~أبو جعفر إلى ابن الأشعث أن يسير بنفسه، فخرج إلى أفريقية في أربعين ألفا، ~~عليها ثمانية وعشرون قائدا. فالتقوا بأبي الخطاب، وكان قد جمع أصحابه في كل ~~ناحبة، ومضوا في عدد عظيم. فضاق ذرع ابن الأشعث بلقاء أبي الخطاب لما بلغه ~~كثرة جيوشه. ثم أن زناتة وهوارة تنازعت فيما بينها، واتهمت زنانة أبا ~~الخطاب في ميله مع هوارة. فارقه جماعة منهم وبلغ ذلك بن الأشعث فسر به ورحل ~~إليه. فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم البربر وقتل أصحاب أبي الخطاب وأبو ~~الخطاب. فظن ابن الأشعث ألا بقية بعد أبي الخطاب. ثم طلع عليهم أبي هريرة ~~الزناتي في ستة عشر ألفا. فتلقاهم أبي الأشعث فهزمهم وقتل بعضهم، وذلك في ~~ربيع الأول من السنة. ووجه أبي الأشعث برأس أبي الخطاب إلى بغداد. ولما ~~انتهى إلى عبد الرحمن ابن رستم قتل أبي الخطاب وولى هاربا إلى موضع تبهرت، ~~فاختطها ونزلها وأخذ أهل القيروان عامله عليها فأوثقوه في الحديد وولوا على ~~أنفسهم عمرو بن عثمان القرشي، إلى أن وفد عليهم أبي الأشعث ودخل القيروان ~~غرة جمادى الأولى من السنة. # وفي هذه السنة وأمر ابن الأشعث بناء سور القيروان في ذي القعدة وكان ~~تمامه في رجب سنة 146. وضبط ابن الأشعث ms053 أفريقية وأعمالهم وأمعن في كل من ~~خالفه من البربر بالقتل فخافوه وأذعنوا له بالطاعة. ثم ثار عليه موسى بن ~~موسى بن عجلان كان أحد جنده، في جماعة من قواده فأخرجوا ابن الأشعث من ~~القيروان من غير قتال. فكان خروج ابن الأشعث من القيروان في ربيع الأول سنة ~~148. فكانت ولايته بها ثلاثة أعوام وعشرة أشهر، في خلافة أبي جعفر المنصور. # وفي سنة 145، اشتغل ابن الأشعث بناء سور القيروان. وأخصبت بلاد أفريقية ~~وكان قد بعث إلى زويلة وودان، فافتتحهما وقتل من بهما من الأباضية وقتل عبد ~~اله بن حيان الأباضي، وكان رأس أهل زويلة. وسكن ابن الأشعث أحوال أهل ~~أفريقية في هذه السنة. فلم تكن بها حركة له وفي سنة 146، استتم ابن الأشعث ~~بناء سور مدينة القيروان. وفيها أيضا استم المنصور بناء بغداد ولازم العمل ~~فيها، وانتقل إلى سكناها في شهر صفر من هذه السنة. # وفي سنة 147، كان الأمير على مصر يزيد بن حاتم، وعلى أفريقية محمد ابن ~~الأشعث الخزاعي، وليس هو محمد ابن الأشعث الكندي ابن أخت عائشة. # وفي سنة 148، ثار الجند على محمد ابن الأشعث بأفريقية وسألوه الخروج ~~عنهم. فخرج في ربيع كما تقدم ذكره. ثم اتفق الجند على تولية عيسى بن موسى ~~الخراساني. # ثورة عيسى بن موسى بالقيروان وببعض بلاد أفريقية # فتغلب عليها بعض العرب والجند من غير عهد من المنصور، ولا رضى منه، ولا ~~تراض من العامة، وذلك في شهر ربيع آخر من عام 148 المذكور. فكانت مدته ~~ثلاثة أشهر. # ولاية الأغلب بن سالم التميمي # لما بلغ المنصور ما كان من أمر قواد الجند المصرية وصرفهم محمد بن الأشعث ~~بعث إلى الأغلب بن سالم بن عقال التميمي عهده بولايته، في آخر جمادى الآخر ~~من السنة المؤرخة فاستقامت له الحال. وكان من أهل الرأي وذوي المشورة، ~~ووصله كتاب المنصور بعد كتاب العهد يأمره بالعدل في الرعية وحسن السيرة في ~~الجند، وتحصين مدينة القيروان وخندقها وترتيب حرسها ومن يترك فبها إذا رحل ~~إلى عدوه، وغير ذل كمن أموره. # وسنة 149، لم ms054 يكن فيها حركة. # وفي سنة 150، ثار الحسن بن حرب الكندي بالقيروان عل الأغلب ين سالم، وسبب ~~ذلك أن أبا قرة الصغرى خرج في جمع كبير من البربر، فسار إليه الأغلب في ~~عامة القواد الذين معه، وخلف على القيروان سالم بن سوادة فلما علم أبوه أن ~~الأغلب قرب منه هرب وتفرق أصحابه. وقدم الأغلب الزاب وعزم على الرحيل منه ~~إلى تلمسان، قاعدة زناتة ثم إلى طنجة. فكر الجند PageV01P030 المسير معه، ~~وقالوا: )قد هرب أبو قرة الذي خرجنا إليه!( وجعلوا يتسللون عنه إلى ~~القيروان. فلم يبقى معه إلا نفر يسير من وجوههم وكأن الحسن بن حرب بيونس ~~فلما خرج الأغلب يريد أبا قرة، كاتب جميع القواد. فلحق به بعضهم وأقبل معهم ~~إلى القيروان فدخلها، وأخذ سالم بن سوادة عاملها، فحبسه. وبلغ الخبر الأغلب ~~فأقبل في عدة يسيرة وكتب إليه، يعرفه بفضل الطاعة، ووبال المعصية. فأعاد ~~الجواب إلى الأغلب، وفي آخره )وافر( # ألا قولوا لأغلب غير سوء ... مغلغلة عن الحسن بن حرب # بأن البغي مرتعه وخيم ... عليك وقربه لك شر قرب # فإن لم تنثني لتنال سلمي ... وعفوى فأذن من طعن وضربي # وأقبل الأغلب يحث السير بعد ما مضى إلى قابس، وقدم رسول المنصور عليه ~~بكتاب منه إليه وإلى الحسن بن حرب يدعوا الحسن إلى الطاعة، فلم قبل فأقبل ~~إليه الأغلب. فاقتتلوا وانهزم الحسن ومضى راجعا إلى تونس، ودخل الأغلب ~~القيروان. ثم حشد الحسن وسار في عدة عظيمة إلى القيروان. ثم أن الأغلب لما ~~بلغه قدوم الحسن إليه، جمع أهل بيته وخاصته، وخرج إليه فأصابه سهما فمات ~~منه في شعبان من السنة المؤرخة. فكانت ولايته سنة واحدة وثمانية أشهر # ولاية عمرو بن حفص بن قبيصة أفريقية # ثم ولي أفريقية عمرو بن حفص بن قبيصة سنة 151. وكان شجاعا بطلا. وسبب ~~ولايته أن أبا جعفر لما بلغه قتل الأغلب ين سالم، وجهه في نحو خمسمائة فارس ~~فأقام بالقيروان ثلاثة سنين وأشهر من ولايته، والأمور له مستقيمة ثم سار ~~إلى الزاب، واستخلف حبيب بن حبيب بن يزيد ms055 بن الهلب فخلت أفريقية من الجند ~~وثار بها البربر فخرج إليهم حبيب والتقى معهم، فهزموه وهزموا عسكر طرابلس ~~معه. فاشتدت الفتنة بأفريقية واشتعل نارها. واتاها أمراء القبائل من كل فج، ~~واجتمعوا في اثني عشر عسكرا وتوجهوا إلى الزاب ولبس مع عمرو بن حفص إلا ~~خمسة عشر ألفا وخمسمائة. وكان أمراء المغرب في ذلك الوقت ورؤسائهم أبو قرة ~~الصفري في أربعين ألفا، وعبد الرحمن بن رستم الأباضي في خمسة عشر ألفا وأبو ~~حاتم في عدد كثير وعاصم السدراني في عدد كثير: قبل في ستة آلاف والمصور ~~الزناتي في عشرة آلاف وعبد الملك بن سكرديد الصنهاجي الصفري في ألفين سوى ~~جماعات. قال الرقيق: لم أذكرهم. # فلما رأى عمرو بن حفص ما أحاط به من العساكر بمدينه طبنة بالزاب، جمع ~~قواده، فاستشارهم، وقال لهم: )إني أريد مناهضة هذا العدو!( فأشاروا عليه ~~ألا يبرح من مدينة طبنة وقالوا له: )أخرج من أردت إلى عدوك ولا تخرج أنت! ~~فإنك، أن أصبت، تلف المغرب وفسد!( فوجه عمرو إلى أبي قرة مالا كثيرا وكسي ~~كثيرة: على أن ينصرف عنه فقال: )لا حاجة لي بذلك!( فانصرف الرسول بذلك إلى ~~أخيه. فدفع له بعض المال والثياب على أن يعمل في صرف أخيه أبي قرة والصفرية ~~إلى بلادهم. فعمل في ليلته تلك، واجتمع بأهل العسكر فلام يعلم أبي قرة حتى ~~انصرف عنه أكثر أهل العسكر فلم يجد بدا من اتباعهم. فلما انصرف الصفرية وجه ~~عمرو إلى أبي رستم عسكرا، وكان تهودا فانهزم ابن رستم، وقتل من أصحابه نحو ~~ثلاثة ألاف. ووصل منهزما إلى تيهرت. # ورجع عمرو بن حفص إلى القيروان؛ فجعل يدخل إليها كل ما يصلحه من الطعام ~~والمرافق وعدة الحصار. ثم أقبل أبو حاتم في جموعه حتى نزل عليه. وكثرت ~~الفتن ببلاد أفريقية. ويقال أن عدة من حاصر القيروان مائة ألف وثلاثون ألف ~~وكان ابن حفص يخرج إليهم في كل يوم فيحاربهم. فلم يزالوا كذلك ضاق أمرهم، ~~وأكلوا دوابهم وكلابهم وسنانيرهم، وماتوا جوعا وانتهى الملح عندهم أوقية ~~بدرهم. واضطرب ms056 علي ابن حفص أمره وساءت خلقه، وبلغ أن يزيد بن حاتم بعث أمير ~~المؤمنين في ستين ألفا لنصرة القيروان. فقال: )لا خير في الحياة بعد أن ~~يقال: يزيد أخرجه من الحصار! إنما هي رقدة وأبعث إلى الحساب!( وخرج، فجعل ~~يطعن ويضرب حتى قتل في النصف من ذي الحجة من سنة 154. ولم يعط الحال تفصيل ~~هذه السنين من سنة 151 إلى 153 بعدها سنة: فاجتملت أمرها هنا أجملا مختصرا ~~يغني عن أعادتها في كل واحدة منها. PageV01P031 ولما قتل عمرو بن حفص، بايع ~~الناس أخاه جميل بن حفص بالقيروان. فلما طال عليه الحصار، دعاه الاضطرار ~~إلى مصالحة أبي حاتم، على أن جميلا وأصحابه لا يخلعون سلطانهم، ولا ينزعون ~~سوادهم. فغضب أبو حاتم، وأحرق أبواب القيروان، وثلم سورها ودخلها. ولما دخل ~~أبو حاتم القيروان، أخرج أكثر أهلها إلى الزاب. ثم بلغ قدوم يزيد بن حاتم؛ ~~فتوجه للقائه نحو طرابلس وأستخلف على القيروان عبد العزيز المعافري. فقام ~~عليها عمر بن عثمان؛ وقتل أصحاب أبي حاتم. فزحف إليهم أبو حاتم إلى ~~القيروان؛ فاقتتل معهم. وتوجه أبو عثمان إلى تونس؛ ورجع أبو حاتم إلى ~~طرابلس، حين بلغه قدوم يزيد ابن حاتم. فقيل إنه كان بين العرب والبربر، من ~~لدن قاتلهم عمرو بن حفص إلى انقضاء أمرهم، ثلاثمائة وخمس وسبعون وقيعة. # وفي سنة 151 ولي المنصور عمرو بن حفص المتقدم الذكر أفريقية. فقدمها في ~~صفر في خمسمائة فارس. وكان قد ولي أفريقية سنة 150، بعد موت الأغلب، ~~المخارق بن غفار الطائي، أستخلفه الأغلب على القيروان؛ واجتمع الناس عليه ~~في رمضان؛ فوجه الخيل في طلب الحسن بن حرب؛ فهرب من تونس إلى كتامة فأقام ~~شهرين، ورجع إلى تونس؛ فخرج إليه من بها من الخيل؛ فقتل الحسن بن حرب. # وفي سنة 152 كان ما تقدم ذكره على الجملة الأفريقية. وفيها عزل المنصور ~~يزيد بن حاتم عن مصر، وولاها محمد بن سعيد. وكان سائر عمالها الذين كانوا ~~في السنة قبلها وفي سنة 153، قال الطبري: قتل عمر بن حفص: قتله حاتم ~~الأياضي ms057 وأبو غادي ومن كان معهما من البربر؛ وكانوا فيما ذكر ثلاث مائة ألف ~~وخمسون ألفا، الخيل منها خمسة وثلاثون ألفا، ومعهم أبو قرة اليقرني أمير ~~تلسمان، في أربعين ألفا. وكان يسلم عليه بالخلافة هكذا ذكر ابن القطان في ~~)نظم الجمان( وقد يقدم أن قتل عمرو بن حفص كان سنة 154. ذكر كذلك الرقيق ~~وابن حماده وغيرهما. # قال الرقيق وعريب: وفي سنة 153 زحف أبو قرة من تسلمان في جمع من كبير من ~~البربر إلى القيروان. فصالحه عمرو بن حفص وانصرف. وفيها ثارت البربر ~~بطرابلس وقدموا أبا حاتم الأباضي: وأسمه يعقوب بن لبيب. # وفي سنة 154، قال عريب: استخلف عمرو بن حفص على طبنة المهنى بن المخارق، ~~وخرج عمرو إلى القيروان، فأقبل إليه أبو حاتم الأباضي إلى أن قتل عمرو كما ~~تقدم ذكره. ولما بلغ المنصور قتل عمرو وبعث إلى أفريقية يزيد بن حاتم، على ~~ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى. # وفي سنة 155، قال الطبري: فيها افتتح يزيد بن حاتم أفريقية، وقتل أبا ~~غادي وأبا حاتم، واستقامت بلاد المغرب، ودخل يزيد بن حاتم القيروان ثم قدم ~~يزيد. # ولاية يزيد بن حاتم أفريقية والمغرب # وهو يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب، وكان يكنى أبا خالد. ولاه أمير ~~المؤمنين أبا جعفر المنصور العباسي وحاله في كرمه. وجوده، وشجاعته، وبعد ~~صيته، ونفاذ رأيه، وتقدمه، معروف غير منكر. وكان كثير الشبه بجده المهلب ~~ابن أبي صفرة في حروبه وكرمه، وكان له أولاد مذكورون بالشجاعة والإقدام. ~~ويقال إنه انتهى ولد المهلب ثلاثمائة ولد من الذكور والإناث، من مات منهم ~~ومن عاش. وكان أبو جعفر المنصور عالما ببلاد أفريقية، وكان لا يبعث إليها ~~إلا خاصته. وكان يزيد هذا حسن السيرة فقدم أفريقية، وأصلحها، ورتب أسوار ~~القيروان، وجعل كل صناعة في مكانها. ولم تزل البلاد هادئة إلى أن ثارت عليه ~~البربر. فزحف لهم وأوقع بهم. وله فيهم ملامح مشهورة. وقيل فيه: )شتان ما ~~بين اليزيدين!( يعني يزيد بن سليم ويزيد بن حاتم. ومن شعر ربيعة فيه. في ~~قصيدة ms058 )طويل(: # حلفت يمينا غير ذي مثنوية ... يمين أمري آلي وليس بآثم # لشاتنا ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد سليم والأغر بن حاتم ~~PageV01P032 وقدم يزيد على أفريقية ومعه كل من جند من الشام والعراق ~~وخراسان، فنزل أولا طرابلس، وسار إليه أبو حاتم، فزحف إليه يزيد، واقتتل ~~معه قتالا شديدا. فانهزم أبو حاتم وقتل هو وكثير من أصحابه. واتبع سائرهم، ~~فقتل من أدرك منهم. واستعمل يزيد على طرابلس سعيد بن شداد، وحينئذ نهض إلى ~~القيروان، فدخلها يوم الاثنين لعشر بقين لجمادى الآخرة من هذه السنة. وفي ~~هذه السنة، أنكرت الصفرية المجتمعة بسلجمانة على أميرهم عيسى بن يزيد ~~أشياء، فشدوه وثاقا ووضعوه على قنة جبل، فلم يزل كذلك حتى مات، وقدموا سمغو ~~بن واسول بن مدلان المكناسي جد مدرار. # وفي سنة 156 بعث يزيد بن حاتم العلاء بن سعيد المهلبي مددا لمخارق بمدينة ~~طبنة بالزاب، وقلعة حبحاب بجبل كتامة، وهرب عبد الرحمن بن حبيب عنها وقتل ~~العلاء جماعة ممن أدرك فيها. ثم انصرف إلى القيروان. # وثار على يزيد بن حاتم أبو يحيى بن قرياس الهواري بناحية طرابلس، واجتمع ~~إليه كثير من البربر. وكان بها عبد الله بن السمط الكندي قائدا ليزيد، ~~فالتقوا على شاطئ البحر، واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم أبو يحيى وقتل عامة ~~أصحابه. وتهدنت أفريقية ليزيد بن حاتم وضبطها. # وفي سنة 157، جدد يزيد يناء المسجد الجامع بالقيروان. وكان غاية في الجود ~~والحسن. وفيها توفي أبو جعفر المنصور، في ذي الحجة من السنة المؤرخة. # وفي سنة 158، ولي الخلافة المهدي، بويع يوم مات أبو جعفر بمكة - شرفها ~~الله - نعهد من أبيه، وذلك يوم السبت لست خلون لذي الحجة. واستقل بالملك ~~والخلافة في هذه السنة. وكان أديبا ن جوادا، محبا لآهل الأدب والشعر. # وقد ذكرنا بعض أشعاره وأخباره في تاريخ المشرق، والغرض هنا أخبار المغرب ~~الأقصى والأوسط وفي سنة 163، توفي أبو خالد عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ~~القاصي بالقيروان، وصلى عليه أمير أفريقيا يزيد بن حاتم، وتمثل بهذا البيت ~~لما رأى ازدحام الناس عليه ms059 )بسيط(. # يا كعب ما راح من قوم ولا أنكروا ... ألا وللموت في آثارهم حادي # وكان مرضه إنه أكل حوتا وشرب عليه لبنا على مائدة يزيد، وكان قد جاوز 90 ~~سنة، فهلك من ليلته. # وفي سنة 163، أمر المهدي يحيى بن خالد بن برمكة أن يكون كاتبا لأبنه ~~هارون، وقال له: )إني اخترتك ووليتك الكتابة( وأمر له بمائة ألف درهم معونة ~~على سفره مع هارون إبنه. # وفي سنة 165، أغزى المهدي ابنه هارون إلى بلاد الروم، في 95 ألفا، بمائة ~~ألف ألف من العين، وبعشين ألف ألف من الورق. فبلغ خليج البحر على ~~القسطنطينية، وأذعن له الروم بالجزية 90 ألف دينار في كل سنة وانصرف بخمسة ~~آلاف من الأسرى والغنائم. # وفي سنة 166، قدم هارون ابن أمير المؤمنين كمنم غزوته هذه، وقدمت الروم ~~بالهدية والجزية. وفيها سخط المهدي على وزيره يعقوب بن داود. وكان قد فوض ~~إليه أمور خاصته!. # وفي سنة 169، توفي المهدي بن المنصور واختلف في سبب موته: فقيل مسموما ~~غلطا وقيل غير ذلك واستخلف ابنه موسى الهادي. # وفي سنة 170، توفي موسى الهادي في ربيع الأول، وهو ابن ستة وعشرين سنة ~~ونصف، فكانت خلافته سنة وشهرين واستخلف هارون بن محمد الرشيد. # وفي سنة 171، توفي أمير أفريقيا يزيد بن حاتم، وكان خاصا بأبي جعفر ~~المنصور، وتولى ولايات كثيرة قبل قدومه المغرب ك منها أرمينية، والسند، ~~ومصر، وأذربيجان، وغير ذلك، وكانت ولايته مصر سنة 144 إلى سنة 153 وكان حسن ~~السيرة بأفريقية، امتدحه كثير من فحول الشعراء، فأجزل لهم العطاء. # قال الزبير بن بكار عمن حدثه من الشعراء، قال: )كنت أمدح يزيد بن حاتم من ~~غير أن أعرفه ولا ألقاه.( فلما ولاه المنصور مصر أخذ على طريق المدينة ~~فألقيه. فأنشده منذ خرج من مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مسجد ~~الشجرة. فأعطاه رزمتي ثياب وعشرة آلاف دينار. هكذا ذكر الرقيق. ومما قيل ~~)كامل(.. # يا واحد العرب الذي دانت له ... قحطان قاطبة وساد نزارا # إني لأرجو إذ بلغتك سالما ... ألا أكابد بعدك الأسفار # وفيه ms060 قيل )طويل(: # شتان ما بين اليزيدين في الندى ... إذا عد في الناس المكارم والمجد ~~PageV01P033 وقوله: )لشتان ما بين اليزيدين( مثل يتمثل به في كل ناحية على ~~لسان كل سائر. وكان على ربيعة الشاعر دية فأعطاه عشرة ديات، ووصله وأحسن ~~إليه وكان سخيا ومن قول يزيد بن حاتم رحمة الله )بسيط( # ما بألف درهم المضروب خرقتنا ... إلا لماما يسيرا ثم ينطلق # يمر مرا عليها وهي تلفظه ... إلى أمرؤ لم يحالف خرقتي الورق # ومن أخباره بأفريقية - رحمه الله - روى إن بعض وكلائه زرع قولا كثيرا في ~~بعض رياضاته. فقال له: )يا بني يابن اللخناء أتريد أن أعبر بالبصرة، فيقال: ~~)يزيد بن حاتم يا فلان( ثم أمر أن يباح للناس، وخرج أيضا يوما في طريقه من ~~القيروان متنزها. فنظر إلى غنم كثيرة كانت لابنه فزجره عليها وأمر بذبحها ~~وأن تباح للناس، فانتهبوها وأكلوها، وجعلوا جلودها في كدية، فهي تعرف من ~~ذلك الوقت بكدية الجلود. وكانت وفاته في رمضان من سنة 171 فكانت ولايته ~~خمسة عشر سنة وثلاثة أشهر في بعض خلافة المنصور وخلافة المهدي كلها وبعض ~~خلافة هارون الرشيد. # ولاية داود بن يزيد بن حاتم أفريقية # استخلفه أبوه في مرضه فأقام واليا بأفريقية تسعة أشهر ونصفا، يحارب أمراء ~~قبائل البربر محاربة عظيمة، وكان بينه وبينهم مواقف كثيرة في جبال باجة ~~وغيرها. وقال عليه نصير بن صالح الأياضي فخرج إليه المهلب ين يزيد فهزموه ~~وقتلوا من أصحابه جماعة. فوجه إليهم داود سليما بن يزيد في عشرة آلاف فهرب ~~البربر أمامهم فتبعهم، وقتل منهم أكثر من عشرة آلاف وأقام داود على أفريقية ~~إلى أن قدم عليه عمه روح بن حاتم أميرا على المغرب. # ذكر ابتداء الدولة الهاشمية بالبلاد الغربية # وهم الأدارسة - رحمهم الله - # اتفق جماعة المؤرخين إن دخول إدريس بن عبد الله - رضي الله عنه - إلى ~~المغرب كان في سنة 170، وهو إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي - ~~رضي الله عنه - وكان دخوله في إمارة يزيد بن حاتم أفريقية وإمارة هشام بن ms061 ~~عبد الرحمن لداخل بقرطبة، وأول ظهور بني مدرار بسلجمانة. وكان نزوله بوادي ~~الزيتون، بموضع يعرف بمدينة البلد وكان وصوله مع مولاه راشد. # وقال البكري في )المجموع المفترق( وكان نزوله بوليلى وهي اسم لطنجة ~~باللسان البربري وذكر محمد بن يوسف أنها كانت على مسافة يوم من موضع فاس ~~الآن. وكانت مدينة أزلبة وبها مات إدريس - رضي الله عنه - وكان سبب وصول ~~إدريس إلى المغرب، على ما ذكر الرقيقي والنوفلي في )المجموع المفترق( ~~وغيرها من المؤرخين، وذلك أن الحسين بن على بن حسن بن حسن بن حسن بن علي بن ~~أبي طالب - رضي الله عنه - كان قد قام بالمدينة أيام موسى الهادي، ثم خرج ~~إلى مكة في ذي الحجة سنة 69 وخرج معه جماعة من إخوانه وبني عنه ومنهم إدريس ~~ويحيى ابنا عبد الله بن حسن وبلغ ذلك الهادي، فولى حربه محمد بن سليمان بن ~~على وكانت الوقعة بفخ، فقتل الحسين بن علي وأكثر أصحابه وأفلت إدريس هذا ~~الداخل إلى المغرب، فهرب إلى مصر وكان على بر يدها واضح، مولى صالح بن ~~المنصور، فحمله على البريد إلى أرض المغرب فوقع بمدينة وليلة من أرض طنجة، ~~فاستجاب له من بها من قبائل البربر ولما ولى الرشيد وبلغه أمره، بعث إلى ~~واضح، فضرب عنقه ودس إلى إدريس الشماخ مولى الهادي، فخرج حتى وصل وليلة، ~~وذكر إنه متطبب من شيعتهم العلوية ودخل إلى إدريس فأنس به واطمئن إليه ثم ~~إنه شكى له علة في أسنانه فأعطاه سنونا مسموما قاتلا وأمر أن يستن به عند ~~طلوع الفجر فأخذه منه. وهرب الشماخ من تحت ليلته. فلما طلع الفجر استن ~~إدريس، وأكثر منه في فمه فسقطت أسنانه ومات من وقته وطلب الشماخ، فلم يظفر ~~به، وقدم على الرشيد، فولاه بريد مصر هكذا ذكر الرقيق في كتابه. # وفي سنة 172، اجتمعت القبائل على إدريس بن عبد الله من كل جهة ومكان، ~~فأعطوه وعظموه وقدموه على أنفسهم، وأقاموا معه مغتبطين بطاعته ومتشرفين ~~بخدمته طول حياته. وكان رجلا صالحا مالكا لشهواته، فاضلا ms062 في ذاته، مؤشرا ~~للعدل مقبلا على أعمال البر وفي سنة 173، كان خروجه بعساكر القبائل الغربية ~~حتى انتهى إلى بلاد السوس الأقصى، ودخل ماسة، فغنم وسبى، ورجع إلى الغرب ~~سالما غانما. # وفي سنة 174، توجه بعسكره إلى رباط تازا لما قفل من حركة السوس. ~~PageV01P034 فوجد في جبلها معدن الذهب. وأجابه جميع القبائل الغربية ~~وأطاعوه وبايعوه في هذه السنة، وكملت له الإمارة فيهم. # ولاية روح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب أفريقية # ولاه عليها أمير المؤمنين هارون بن محمد الرشيد، فقدمها في سنة 171. # وكان له ولايات كثيرة: فحجب المنصور، ثم ولاه البصرة، وولى الكوفة في ~~أيام المهدي، وولي السند وطربستان وفلسطين وغير ذلك. ونظر رجل إلى روح بن ~~حاتم واقفا في الشمس عند باب المنصور، فقال له. )لقد طال وقفك في الشمس!( ~~فقال له: )ليطول بذلك وقفي في الظل( وفى له ابن، فدخل عيه أصحابه وهو ضاحك ~~فتوقفوا عن تعزيته، فعرف ذلك منهم فأنشأ يقول )طويل(. . # وأنا لقوم ما تفيض دموعنا ... على هالك منا وإن قسم الظهر # وقيل إنه بعث لكاتبه ثلاثين ألف درهم ووقع إليه: )إني بعثت إليك بكذا، لا ~~أستقلها لك تكبرا، ولا أستكثرها تمننا، ولا أقطع عنك بها رجاء بعد. ~~والسلام.( وكان روح أكبر سنا من أخيه يزيد واكثر ولاية. وعندما يطول جلوسه ~~بالقيروان، ربما خطر عليه النعاس من الضعف والشاخة وكان بكى أبا خالد توفي ~~ليلة الأحد لسبع بقين من رمضان المعظم من سنة 174، فكانت ولايته ثلاثة سنين ~~وثلاثة أشهر. # ولاية نصر بن حبيب المهلبي أفريقية # وكان صاحب البريد وأبو العنبر القائد قد كتبا! إلى الرشيد، في جملة من ~~كتب إليه من الفؤاد، يعلمانه بضعف روح بن حاتم وكبره وإنهما لا يأمنان موته ~~عن قريب، وأفريقية ثغر كبير لا يصلح بغير سلطان وكان نصر هذا على شرطة يزيد ~~بن حاتم بمصر وأفريقية، وكان محمود السيرة. # فكتب الرشيد عهده وبعثه سرا إليه. فلما مات روح، بويع قبيصة ابنه في ~~المسجد الجامع، وأجمع الناس على بيعته. وكان الفضل بن روح عاملا ms063 في الزاب، ~~فركب أبو العنبر وصاحب البريد بعهد أمير المؤمنين هارون إلى نصر بن حبيب ~~فأوصى إليه وسلما عليه بالإمارة وركبا معه إلى المسجد فيمن معهما، حتى أتيا ~~قبيصة، وهو جالس على الفراش. فأقاموه، وأقعدا نصر بن حبيب وأعلما الناس ~~بأمره. وقرء الكتاب الواصل من أمير المؤمنين هارون إلى نصر بن حبيب على ~~الناس، فاستمعوا وأطاعوا. وكان ذلك في العشر الأواخر لرمضان المعظم من عام ~~174. فحسنت سيرته، وعدل في أحكامه فولا سنتين وثلاثة أشهر. # وفي سنة 175، عقد الرشيد لابنه محمد بمدينة السلام ولاية عهد المسلمين من ~~بعده، وأخذ عليه بيعة القواد والجند وسماه بالأمين، وله يومئذ خمسين سنة. # وفي سنة 176، ظهر يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب ~~بالتسلم، واشتدت شوكته وقوي أمره، فاغتم الرشيد لذلك ولم يكن في تلك الأيام ~~يشرب النبيذ، فصرف إليه الفضل بن يحيى في خمسين ألف رجل، فانهزم يحيى بن ~~عبد الله. # وفي سنة 177، ولي أفريقية الفضل بن روح بن حاتم، ولاه أمير المؤمنين ~~الرشيد عليها، وكتب بعزله نصر بن حبيب، وأن يقوم بأمر الناس المهلب بن يزيد ~~إلى أن يقدم الفضل. فكان قدومه في محرم من هذه السنة. ولما قدم الفضل ولى ~~ابن أخيه المغيرة تونس، وكان غير ذي تجربة ولا سياسة للجمهور فستخف بالجند ~~وسار بهم سيرة قبيحة، فاجتمعوا وكتبوا كتابا لعمة الفضل يخبرونه بما صنع ~~المغيرة فيهم وقبح سيرته، فتثاقل الفضل عن جوابهم فقالوا )كل جماعة لا رأس ~~لها لا ينجح سعيهم ولا مطالبهم( فقال بعضهم: )أشير عليكم بعبد الله بن عبد ~~ربه بن الجارود فانطلقوا إليه وقالوا له: )قد رأيت ما فعل بنا المغيرة، وقد ~~خاطبنا عمه، فلم يصلنا جوابه وأنت المنظور إليه، والمعمول في الأمور عليه، ~~ونحن نصير أمرنا إليك، ونعتمد فيه عليك.( فقال لهم: )ليس لي من الجواب ألا ~~النصيحة لي ولكم، وأنا أخاف على نفسي وأقنع بالعافية؛ وإن كان أمر، وكنت ~~فيه كأحدكم( فقالوا له: )وما لك من هذا بد!( فقال لهم ms064 )أعطوني من بيعكم ما ~~أثق به( فبايعوه وأطاعوه. PageV01P035 وفي سنة 178 ثار الجند على أمير ~~أفريقية الفصل بن روح بن حاتم، وقدموا ابن الجارود بتونس. ثم ساروا إلى ~~المغيرة، وهو بدار الإمارة؛ فقالوا له: )الحق بصاحبك أنت ومن معك!( وكتب ~~للفضل بن روح: )من عبد الله بن الجارود. أما بعد، فأنا لم نخرج المغيرة ~~خروجا عن الطاعة، ولكن لأحداث أحداثها فينا، ظهر فيها فساد الدولة. فعجل ~~لنا من ترضاه يقوم بأمرنا؛ وإلا نظرنا لأنفسنا!( وكتب الفضل إلى عبد الله ~~بن الجارود: )أما بعد، فإن الله يجري فضاءه على ما أحب الناس أو كرهوا، ~~وليس اختياري أن أولى عليكم! فاختاروا لأنفسكم! ولكن أوجه إليكم عاملا.( ~~فوجه عبد الله ابن محمد إلى تونس. فلما وصل إليها، قال لهم ابن الجارود: ~~)كيف تصنعون ذلك، وأنتم قد أخرجتم ابن اخيه وشتمتموه؟ والله! ما بعث إليكم ~~إلا ليطيبكم حتى ترجعوا عن رأيكم؛ فإذا اطمأننتم أخذتم واحد بعد واحد!( ~~قالوا له: )فما رأيك؟( قال: )الذي ذكرت لكم( فخرجوا حتى التقوا بالعسكر ~~الواصل مع العامل من قبل الفضل أمير أفريقية والقيروان بموضع الزيتون، ~~فدفعوه عن أنفسهم، وجرى بين الجند كلام كثير يطول ذكره، إلى أن وقعت الحرب ~~بين ابن الجارود وعسكر الفضل، فهزمهم ابن الجارود واتبعهم إلى القيروان، ~~فنزل عليها. فاجتمع الفضل مع بني عمه وخاصته وتساور معهم في أمره، فاضطرب ~~الآمر عليه، ولم يصح له أمر. فلما أصبح أقبل عبد الله بن عبد ربه بن ~~الجارود في عسكره، والفضل في دار الإمارة مع أصحابه. وكان بعض القواد على ~~الأبواب، فلما قرب ابن عبد ربه منها فتحوها له، فدخل أصحابه، لا يدافعهم ~~أحد، ونزل ابن عبد ربه خارج المدينة، ثم دخل دار الإمارة، فأمن الفضل ~~وأصحابه، ثم أمرهم بالخروج إلى قابس وقال لهم: )إني لا آمن أصحابي عليكم، ~~ولكن أوجه معكم من يوصلكم إلى قابس.( فوجه إليهم أبا الهيثم في جماعة، وأخذ ~~عليه الإيمان ألا يسلم الفضل. فخرج الفضل معه، مع ثلاثة من بني عمه وبعض ~~أصحابه ms065 من باب آخر. فقال لهم البواب: )اخرجوا يا كلاب النار! لا رحمكم ~~الله!( فقال الفضل عند ذلك: )لا غله إلا اله! لم يبق أحد إلا صار علينا حتى ~~من أعتقناه!( وسار ليلته ونهاره حتى دنا الغروب، فسمع طبلا، فقال: )فلان ~~جاء بمائة فارس، بعثه ابن الجارود إليك لأنه خاف عليك الجند!( ثم سمع طبلا ~~آخر، فإذا هوم منصور بن هاشم. فقال له: )ما جاء بك؟( فقال )كذا وكذا( م سمع ~~طبلا آخر، فإذا هو صاحب شرطة ابن عبد ربه بن الجارود، فقيل للفضل: )إذا جاء ~~ليردك!( وذلك إنه أشار على ابن الجارود جماعة من أصحابه أن: ))لن( تتركوا ~~الفضل يدخل طرابلس لئلا يقوم الناس معه ويرجع القيروان، فنادى مناديه )من ~~كان من طاعة ابن الجارود فلينعزل!( فانعزل الناس ولم يبق مع الفضل أحد ~~فردوه إلى القيروان، بعدما خلو عن المهلب وجميع الناس الذين كانوا مع الفضل ~~إلا محمد بن هشام والفضل بن يزيد، فانطلقوا بهما حتى جعلوا في الدار معه. ~~ثم قتل الفضل بن روح في شعبان من سنة 178، فكانت ولايته سنة واحدة وخمسة ~~أشهر، فكانت دولة المهالبة بأفريقية ثلاثا وعشرين سنة، وثار بن الجارود في ~~جمادى الآخرة من سنة 178، فكانت له مع البربر وقائع عظيمة، ثم أمنه الرشيد، ~~فأجاب إلى الطاعة. # وفي سنة 179، كتب ابن الجارود المتغلب على أفريقية إلى يحيى بن موسى وهو ~~بطرابلس، أن: )أقدم القيروان: فإني مسلم لك سلطانها!( فخرج يحيى بن موسى ~~بمن معه، في محرم، فلما بلغ قابس، تلقاه بها عامة الجند من القيروان، ومعهم ~~النظر بن حفص، وعمرو بن معاوية، فخرج ابن الجارود من القيروان، واستخلف ~~عليها المفرج بن عبد الملك، فكانت أيلم ابن الجارود سبعة أسهر. # وأقبل يحيى بن موسى والعلاء بن سعيد متسابقين إلى القيروان، فسبقه العلاء ~~إليها فقتل بها جماعة من أصحاب ابن الجارود، فبعث إليه يحيى بن موسى أن ~~يفرق جموعه إن كان في الطاعة. فأمر من كان معه أن ينصرفوا إلى مواضعهم. ~~ورحل العلاء إلى طرابلس، وكان ابن ms066 الجارود قد وصل إليها قبل وصول العلاء، ~~فلقي بها يقطين بن موسى، فخرج معه سائرا إلى المشرق فلقوا هرثمة بن أعين قد ~~وصل بولاية أفريقية. وقد كان العلاء كتب إلى هرثمة يعلمه بأنه هو الذي أخرج ~~ابن الجارود من أفريقية فأجازه بجائزة سنية، وكان يحيى بن موسى قدمه هرثمة ~~ابن الجارود، سيره إلى أمير المؤمنين الرشيد. PageV01P036 ولاية هرثمة بن ~~أعين أفريقية # ولاه عليها أمير المؤمنين هارون الرشيد، فقدم القيروان غرة ربيع الآخر، ~~فأنس الناس وسكنهم، وأحسن إليهم قال ابن حمادة: وصل هرثمة في جيش كثيف حتى ~~نزل تبهرت، فخرج إليه بن الجارود واقتتل معه فهزم ابن الجارود، وطاعت ~~البربر لهرثمة، وانصرف راجعا إلى القيروان وهو الذي بنى القصر الكبير ~~المعروف بالمنستير. قاله الرقيق. # وفي سنة 180 كانت الزلزلة العظمى بأرض مصر وسقط رأس منار الإسكندرية. # قال الرقيق: لما رأى هرثمة بن أعين ما رأى من الخلاف بأفريقية وسوء طاعة ~~أهلها، طلب الاستعفاء فكتب إليه الرشيد بالقدوم عليه فرجع إلى المشرق وهو ~~الذي بنى سور طرابلس. # ولاية محمد بن مقاتل العكي أفريقية # وفي سنة 181 ولى أمير المؤمنين الرشيد على أفريقية محمد بن مقاتل بن حكيم ~~العكي، فقدمها في رمضان. وكان رضيع الرشيد، وكان أبوه من كبار أهل دولته. ~~وكان محمد هذا غير محمود السيرة، فاضطرب أمره واختلف عليه جنده. ولو لم يكن ~~من سوء سيرته، وقبيح ما يؤثر عنه من أخباره، إلا أقدامه على عابد زمانه ~~وورع عصره البهلول. بن راشد فضربه بالسياط ظلما وحبسه، فكان ذلك سبب موته. ~~ومن أخباره إنه اقتطع أرزاق الجند وأساء السيرة فيهم وفي الرعية، فمشى ~~القائد فلاح في أهل خراسان وأهل الشام، فلم يزل بهم حتى اجتمع رأيهم على ~~مخلد بن مرة الأزدي. وخرج على العكي تمام بن تميم التميمي، وكان عامله ~~بتونس. # ثورة تمام بن تميم التميمي على محمد بن مقاتل العكي # وفي سنة 183 زحف تمام من تونس مع جماعة القواد والأجناد من أهل الشام ~~وخراسان متوجها إلى القيروان، في النصف من ms067 رمضان. فخرج إليه العكي فتقاتلا. ~~فأنهزم العكي ورجع إلى القيروان، فتحصن في داره التي بنها وترك دار ~~الإمارة. وأقبل تمام فنزل بعسكره خلف باب أبي الربيع. فلما أصبح تمام فتح ~~له الأبواب فدخل يوم الأربعاء لخمس بقين من رمضان سنة 183، فآمن تمام العكي ~~على دمه وأهله وماله. فكانت ولايته إلى أن أخرجه تمام من القيروان سنتين ~~وعشرة أشهر ثم ولى أفريقيا أبو الجهم بن تميم التميمي. وكان ثائرا متغلبا ~~من غير عهد من الرشيد وهو جد أبي العرب بن تميم صاحب التواليف. فدخل ~~القيروان، وخرج العكي منها بأمانه ومشى لطرابلس ولحق به قوم من خرسان منهم ~~طرحون صاحب شرطته فاجتمع رأيهم على أن يدخلوه فدخلها وأقام تمام ملك ~~القيروان فنهض إليه إبراهيم بن الأغلب من الزاب، وكان أمير عليه. فلما بلغ ~~تمام إقباله إليه سار إلى تونس، فدخل ابن الأغلب القيروان، وأبتدر المسجد ~~الجامع، وصعد المنبر وكان فصيحا بليغا فأعلم الناس إنه ما وصل إلا لنصره ~~العكي محمد بن مقاتل، وأنه أميرهم المودم عليهم من أمير المؤمنين وكتب إلى ~~العكي يخبره بما فعل في حقه ويؤكد عليه في الوصول. فأقبل راجعا حتى دخل هو ~~ومن معه القيروان فمشى يوما في أزقتها فنادته امرأة من طاقها تقول له )أشكر ~~إبراهيم بن الأغلب! فهو الذي رد عليك ملك أفريقيا!( فكبر ذلك عليه وكان ~~تمام بن تميم بتونس. فقال لأصحابه: )أن إبراهيم بن الأغلب رد الملك على ~~العكي والذين مع العكي قد ملئوا رعبا من وقعتنا بهم وإذا بلغهم خروجي من ~~تونس يسلمونه ويصلون ألي! ومع هذا فأن العكي حسود، لا بد أن يخالف إبراهيم ~~بن الأغلب فيما يشير به عليه.( وكان الناس يقولون )استرحنا من العكي، فرد ~~إبراهيم علينا! فلموت خير لنا من الحياة في سلطان العكي!( ففزع الناس إلى ~~تمام بن تميم التميمي. فلما رأى كثرة من معه، طابت نفسه لقتال العكي. فكتب ~~تمام إلى العكي: )أما بعد، فأن إبراهيم بن الأغلب لم يبعث إليك فيردك من ~~كرامتك عليه، ولا للطاعة ms068 التي يظهرها للخليفة؛ ولكن كره ان يبلغ إليك أخذه ~~البلاد فترجع إليه؛ فأن منعك، كان مخالفا لأمير المؤمنين؛ وان دفعها إليك، ~~كان ما فعل لغيره، فبعث إليك لترجع؛ ثم يسلمك إلى القتال. وغدا تعرف ما ~~جربت من وقعتنا لك بالأمس!( وفي آخر كتابه )الطويل(: # وما كان إبراهيم من فضل الطاعة ... يرد عليك الملك لكن لتقتلا # فلو كنت ذا عقل وعلم بكيده ... لما كنت منه يا ابن عك لتقبلا PageV01P037 ~~فلما وصل كتابه إلى محمد بن مقاتل العكي، قرأه ودفعه إلى ابن الأغلب؛ فقراه ~~وضحك، وقال: )قاتله الله! ضعف رأيه!( وكتب إليه ابن العكي: )من محمد بن ~~مقاتل إلى الناكث ابن تميم. أما بعد فقد بلغني كتابك، ودلني على قلة رأيك. ~~وفهمت قولك في إبراهيم؛ فأن كانت نصيحة، فليس من خان الله والخليفة مقبول ~~منه ما نصح به! وإن كانت خديعة، فأقبح الخداع ما فطن له!( وفي آخر كتابه ~~)طويل(: # وإني لأرجو إن لقيت ابن أغلب ... إذا في المنايا أن تفل وتقتلا # تلاقي فتى يستصحب الموت في الوغى ... ويحمي بصدر الرمح عزا موثلا # وأقبل تمام من تونس بعسكر عظيم؛ وأمر ابن العكي من كان معه من أهل الطاعة ~~بالخروج إليه، مع إبراهيم بن الأغلب؛ فتقاتلوا قتالا شديدا؛ فانهزم تمام، ~~ورجع إلى تونس. وانصرف ابن العكي إلى القيروان، وأمر إبراهيم ابن الأغلب ~~بالمسير إلى تونس. # وفي سنة 184 خرج العسكر من القيروان لحصار تونس وقتال تمام؛ وذلك في محرم ~~منها. فلما اقبل تمام إقباله، طلب الأمان منه؛ فأمنه إبراهيم، وأقبل به إلى ~~القيروان، يوم جمعة، لثمان خلون من محرم المذكور # ولاية إبراهيم بن الأغلب بن سالم بن عقال التميمي أفريقية # وصله عهد الرشيد في العشر الوسط لجمادى الأخيرة من سنة 184؛ وقال له فيه: ~~)قد تقدم لكم بأفريقية أمره( وكان الرشيد ولاه على بلاد الزاب، وقي بلاد ~~الجريد، وابن العكي على أفريقية. وكان إبراهيم بن الأغلب فقيها، أدبيا، ~~شاعرا، خطيبا، ذا رأى ونجدة وبأس وحزم وعلم بالحروب ومكايدها، جرى الجنان، ~~طويل اللسان، لم يل ms069 أفريقية أحسن سيرة منه، ولا أحسن سياسة، ولا أرأف ~~برعيته، ولا أوفى بعهد، ولا أرعى لحرمة منه. فطاعت له قبائل البربر، وتمهدت ~~أفريقية في أيامه. وعزل العكي عمها، واستقامت الأحوال بها. # وكان إبراهيم قد سمع من الليث بن سعد، ووهب له جلا جل أم ولده لمكانه منه ~~ولقد قال الليث يومها: )ليكونن لهذا الفتى شأن!( وكان لإبراهيم فضائل جمة ~~ومآثر حسنة. وكان له مع راشد أمير الغرب مولى إدريس الحسنى مواقف ومحاربة؛ ~~وكان راشد قد علا أمره. # ومن قول إبراهيم، وكان قد خلف أهله بمصر )بسيط( # ما سرت ميلا ولا جاوزت مرحلة ... ألا وذكريني دائما عنقي # ولا ذكرتك إلا بت مرتقبا ... أرعى النجوم كان الموت مغتبقي # ولما ملك أفريقية، قمع أهل الشر بها وضبط أمرها. وكان له مع بربرها حروب ~~طويلة ذكرها. وأحسن إلى عرب جيشها. # وفي سنة 185 شرع إبراهيم في بناء مدينة القصر القديم وصار بعد ذلك دار ~~الأمراء. وكان على ثلاثة أميال من القيروان؛ وكان قد اشترى موضعه من بني ~~طالوت؛ فبناه ونقل إليه السلاح والعدد سرا، وسكن حوله عبده وأهل الثقة به ~~من خدمته. وكان حافظا للقران، عالما به وثار عليه الكندي بتونس؛ وكانت له ~~معه وقائع وافقت محاربة المأمون للأمين، بعد موت الرشيد. وفيها، قال ~~الطبري: وقعت بالمسجد الحرام صاعقة، فقتلت رجلين. # وفي سنة 186 حج بالناس هارون الرشيد، وأخرج معه ابنيه محمدا الأمين، وعبد ~~الله المأمون، وقواده، ووزراءه، وقضاته، وولي عهد عبد الله. قال الطبري: ~~وكان الرشيد عقد لأبنه محمد ولاية العهد في شعبان سنة 173، وسماه الأمين، ~~وضم إليه الشام والعراق في سنة 175، ثم بويع لعبد الله المأمون بالرقة في ~~سنة 183؛ وولاه من حد همدان إلى أخر المشرق. ولما قضى مناسكه في هذه السنة، ~~كتب للمأمون كتابين: أحدهما على محمد بما أشترط عليه من الوفاء بما فيه من ~~تسليم وما ولى لعبد الله من الأعمال، وما صير له من الضياع والأموال؛ ~~والأخر نسخة البيعة التي أخذها لعبد الله على محمد وعلى الخاصة والعامة. ~~وأشهد ms070 في ذلك في البيت الحرام، وأمره بقراءة الكتاب على عبد الله ومحمد. ~~وأشهد عليهما جماعة من حضر من بني هاشم وغيرهم. ثم أمر ان يعلق الكتاب في ~~الكعبة. فلما علق، وقع؛ فقيل: )أن هذا لأمر سريع انتفاضه قبل تمامه!( وفي ~~سنة 187 كان قتل الرشيد لجعفر بن يحيى، وإيقاعه بالبرامكة؛ والوالي على ~~أفريقية إبراهيم بن الأغلب كما كان. PageV01P038 وفي سنة 188، كان غزو ~~إبراهيم بن جبريل أرض الروم: وجهه الخليفة هارون، ودخل أرض الروم من درب ~~الصفصاف؛ فخرج للقائه البطريق نقفور، فورد عليه من ورائه أمر صرفه عن ~~لقائه؛ فانصرف ومر بقوم من المسلمين؛ فخرجوا عليه، وأنهزم، وقتل من الروم ~~أربعون ألفا وبسعمائة، واخذ له أربع آلاف دابة. # وفي سنة 189 كان شخوص الرشيد إلى الرى: وبعث حسينا الخادم إلى طبرستان ~~بالأمان لمرزبان صاحب الديلم؛ وقدم عليه؛ فأمنه وأمن غيره. وقال أبو ~~العتاهية في خرجة هارون هذه )سريع( # إن أمين الله في خلقه ... حن به البر إلى مولده # ليصلح الري وأقطارها ... ويمطر الخير بها من يده # وفيها كان الفداء بين المسلمين والروم؛ فلما يبق في أرض الروم مسلم إلا ~~فدى. # وفي سنة 190 فتح الرشيد هرقلة من مدائن الروم. وقال شبيل الترجمان: لما ~~فتح الرشيد هرقلة رأيت على بابها لوح رخام مكتوب فيه بلسانه؛ فجعلت أقراه، ~~والرشيد ينظر إلي، وأنا لا أشعر، فإذا فيه: )يا بن آدم! غافص الفرصة قبل ~~إمكانها وقل الأمور إلى وليها، ولا يحملنك أفرادها السرور على المآثم، ولا ~~تحمل نفسك هم يوم لم يأت! فأنه أن يكن من أجلك وبقية عمرك، ويأت الله فيه ~~برزقه! فلا تكن من المغرورين يجمع المال! فكم قد رأينا جامعا لبعل خليلته، ~~ومقترا على نفسه توفيرا لخزانة غيره!( وفي سنة 191 ولي الرشيد هرمثة بن ~~أعين غزو الصائفة، وضم إليها ثلاثين ألفا من جند خراسان. وفيها امر الرشيد ~~بهدم الكنائس في الثغور. ولم يكن للمسلمين بعد هذه السنة صائفة بالمشرق إلى ~~سنة 215. وفي سنة 193، توفي هارون بن محمد الرشيد - رحمه الله - بطوس ms071 من ~~أرض خراسان، ليلة السبت لثلاث خلون من جمادى الأخير. واستخلف محمد الأمين ~~ابنه. ولما صار المر إلى الأمين، أقر إبراهيم بن الأغلب على أفريقية فبقي ~~بها إلى أن توفي بالقيروان في العشر الأخرى من شوال من سنة 196 وعمره خمس ~~وستون سنة وولايته أفريقية اثنا عشرة سنة واشهر. # ولاية عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب أفريقية # وفي سنة 196 ولي عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب أفريقية. وذلك إنه لما ~~مات إبراهيم بن الأغلب، كان ابنه عبد الله هذا غائبا بمدينة طرابلس؛ فقام ~~له أخوه زيادة الله بالأمر، وأخذ له البيعة على نفسه وعلى أهل بيته وجميع ~~رجاله وخدمته، وبعث إليه بذلك. # وفي سنة 197 قدم أبو العباس عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب من طرابلس؛ ~~فتلقاه أخوه زيادة الله، وسلم الأمر إليه. وحمل عبد الله في إمارته على ~~أخيه زيادة الله حملا شديدا؛ وكان يتنقصه، ويأمر ندماءه بإطلاقه ألسنتهم ~~بسبه، وزيادة الله مع ذلك يظهر له التعظيم والتجبيل والصنع الجميل، ولا ~~يظهر له ثغيرا ولا يظهر عليه منه أثر. وقد كان عبد الله بن إبراهيم أراد أن ~~يحدث جورا عظيما على رعيته فأهلكه الله فبل ذلك. وكان من أجمل الناس وجها، ~~وأقبحهم فعلا، وأعظمهم ظلما، أحدث بأفريقية وجوها من الظلم شنيعة، منها قطع ~~العشر حبا، وجعله ثمانية دنانير للقفيز وأصاب أو لم يصب، وغير ذلك من الظلم ~~والمغارم والمظالم. فأشتد على الناس ذلك. # وفي سنة 198، قتل الأمين بن الرشيد: قتله ابن طاهر عامل أخيه المأمون؛ ~~وذلك لخمس بقين من المحرم. واستخلف أخوه المأمون؛ فأقر عبد الله بن الأغلب ~~على أفريقية. ولما قدم حفص بن حميد الصالح على أفريقية، ومعه قوم صالحون من ~~الجزيرة، قصدوا إليه؛ فوعظوه في أمر الدين ومصالح المسلمين. # فتهاون بهم، فخرجوا مغمورين يريدون القيروان، وكان هو في القصر القديم. ~~فلما وصلوا وادي القصارين، قال لهم حفص بن حميد )قد يئسنا من المخلوق فلا ~~نيئس من الخالق! فاسألوا المولى واضرعوا إليه في زوال ظلمه عن المسلمين! ms072 ~~فإن فتح في الدعاء، فقد أذن في الإجابة( فتوضأ جميعهم وساروا إلى كدية مصلى ~~روح، فصلى بهم حفص ركعتين، ودعوا الله أن يكف عن المسلمين جور أبي العباس، ~~ويريحهم من أيامه. فيقال أن قرحة خرجت له تحت أذنه، فقتلته في السادس من ~~دعاء القوم. وقال من حضر غسله أنه، لما كشف عنه ثيابه، ضن إنه عبد أسود بعد ~~جماله وذلك بسوء فعاله، وكانت وفاته ليلة الجمعة لست خلون من ذي الحجة من ~~سنة 201 فكانت دولته خمسة أعوام وأشهرا. PageV01P039 وفي سنة 201كان تقديم ~~أهل بغداد منصور بن المهدي أميرا عليهم خديما للمأمون، إلى أن يقدم أو يقدم ~~وكانت وقائع قبل ذلك وبعده. وفيها مات ابن الأغلب كما ذكرناه، وولى أخوه ~~زيادة اله ساعة موته. # ذكر ولاية زيادة الله بن الأغلب أفريقية وبعض أخباره # كنيته أبو محمد. وهو أول من أسمه زيادة الله ممن ولى من بني الأغلب بويع ~~يوم الجمعة لسبع بقين من ذي الحجة، فأساء السير في الجند وسفك فيم الدماء ~~وأشتد عليهم في كل وجه. فثار عليه زياد بن الصقلبية بفحص أبي صالح إليه ~~سالم بن سوادة، فهزمه سالم. ثم ثار العامة عليه أيضا وذلك أن زيادة الله ~~كان أغلظ على الجند، وأمعن في سفك دمائهم، والاستخفاف بهم، وحمله على ذلك ~~سوء ضنه بهم لوثوب على الأمراء قبله وخلافهم على أبيه. وكان أكثر سفكه وسوء ~~فعله إذا سكر، وكثر الخوض عليه. وخالفت الجند عليه وغيرهم، فكانت بينه ~~وبينهم حروب ووقائع، حتى خاف على نفسه، فحصن القصر القديم وبقى فيه على ما ~~يأتي ذكره أن شاء الله تعالى. # وفي سنة 202 توجه الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب إلى المشرق، خوفا من أخيه ~~زيادة الله وذلك أن الأغلب كان شقيق أبي العباس عبد الله بن إبراهيم، وكان ~~أبو العباس طول ولايته، يتنقص زيادة الله ويأمر ندماءه بإطلاق ألسنتهم فيه ~~فلما صار الأمر إلى زيادة الله جاءه الأغلب، فأستأذنه في الخروج إلى الحج ~~فأذن له زيادة الله، فخرج الأغلب، وخرجت معه ms073 أبناء أخيه: محمد المكنى بأبي ~~فهر، وإبراهيم المكنى بأبي الأغلب وهما إذ ذاك صغيران، فحج وأقام بالمشرق. ~~وكان وزير زيادة الله والقائم بأمره الأغلب بن عبد الله المعروف بغلبون وفي ~~سنة 203، كانت ولاية أبي عبد الله أسد بن فرات بن سنان مولى بن سليم قضاء ~~القيروان، وهو ممن سمع من مالك بن أنس. فلما ولى أسد القضاء ضاق أبو محرز ~~القاضي إذ تشرك معه، ولم يعلم قبلهما قاضيان في وقت واحد؟. # وفي سنة 204 لم يكن فيها ولا في التي بعدها خبر يجتلب. # وفي سنة 206 غزا المسلمون جزيرة سردانية، وعليهم محمد بن عبد الله ألت ~~ميمي فأصابوا وأصيب منهم، قفلوا. # وفي سنة 207 ثار زياد بن سهل على زيادة الله بن الأغلب، وزحف إلى حرب ~~باجة، فحاصرهما أياما. فأخرج إليه زيادة الله العساكر فهزموا زيادا، وقتلوا ~~من وجدوا معه على الخلاف وغنموا الأموال. وكانت فيها وفات اليسع بن أبي ~~القاسم صاحب سلجماسة، وتقديم أهلها على أنفسهم أخاه الياس المنتصر بن أبي ~~القاسم الذي كانوا خلعوه. # وفي سنة 208 ثار عمرو بن معاوية القيسي على زيادة الله بن إبراهيم ~~بالقصرين وتغلب على تلك الناحية وكان عاملا لزيادة الله. وكان له ولدان، ~~يقال لأحدهما حباب وللأخر سجمان، فقال له ابنه حباب: )إنك دخلت في أمر عظيم ~~وعرضت نفسك للهلاك، ولست من رجال هذا الأمر ولا ينفعك عدد ولا عدة! فراجع ~~أمرك، واتق الله في نفسك!( فضربه مائتي سوط وتمادى على الخلاف. فأخرج إليه ~~زيادة الله جيشا كثيفا حاصره أياما، ثم نزل هو وولداه على أمان، وجئ بهم ~~إلي زيادة الله، فألفى على شراب مع قوم من وجوه أهل بيته، فأمر بحبسهم حتى ~~يرى فيهم رأيه، ودخل إثر ذلك مضحك له يقال له أبو عمار فقال له زيادة الله: ~~)ما يقول الناس يا أبا عمار؟( فقال )يقولون إنما منعك أن تقتل عمرو بن ~~معاوية مخافة أن تشب القيسية على عمك بمصر( فوقع كلامه بقلب زيادة الله، ثم ~~شرب ساعة والتفت غبلون وزيره، ms074 فقال )أنقل نرو بن معاوية وولديه من حبسك إلى ~~حبسي!( ففعل فلما كان في نصف الليل أقبل زيادة الله إلى السجن وبيده السيف ~~فقتل عمرو بن معاوية ثم رجع إلى قصره فعاد حباب وسجمان ابني عمرو. فأمر ~~بحباب أن يقتل، فقال )أيها الأمير( إني مظلوم وقد بلغتك نصيحتي لأبي فيك ~~حتى ضربني بالسياط. فقال أجل قد كان ذلك! ولكني أعلم أنك لا تخلص لي وأمر ~~بضرب عنقه واستبقى الأصغر، وهو سجمان فلما أصبح دعا بترس، فوضع فيه الرأسين ~~ودعا بسجمان، فقال )أتعرف هذين الرأسين( فقال: أعرفهما! ولا خير في الحياة ~~بعدهما فأمر زيادة الله بضرب عنقه وجعل رؤوسهم في ترس وشرب عليها ذلك اليوم ~~مع أهل منادمته. PageV01P040 وفي سنة 209 ثار منصور الطنبذي بتونس فأخرج ~~زيادة الله محمد ابن حمزة في ثلاثمائة فارس مسلحين وأوصاه بكتمان حركته حتى ~~يبغت منصورا بتونس، فيقبض عليه ويأتي به مصفدا. فسار ابن حمزة إلى تونس، ~~فألفى منصورا غائبا في قصره بطنبذة. فنزل دار الصناعة ووجه إليه شجرة بن ~~عيسى القاضي في أربعين شيخا من أشياخ تونس يناشده الله ويرغبه في الطاعة ~~ويعرفه بما له في ذب لك من الحظ من دينه ودنياه فتوجه شجرة بن عيسى مع ~~المشايخ إلى منصور فدعوه إلى الطاعة فقال منصور )ما خاعت يدا ولا أحدثت ~~حدثا! وأنا سائر معكم إلى زيادة اله، ولك أقيموا علي يومي هذا حتى أعد لكم ~~ما يصلحكم، فأقاموا معه، ووجه إلى ابن حمزة والذين معه ببقر وغنم وعلف ~~وأحمال قهوة وكتب إليه )إني قادم عليك بالغداة. القاضي شجرة( فركن ابن حمزة ~~لقوله وذبح البقر والغنم وأكل هو والناس الذين معه وشربوا. قلما أمسى ~~منصور، أخذ القاضي والذين معه فحبسهم في قصره وأخذ دوابهم فجعل عليها ~~أصحابه، وجمع خيله وأشياعه، وزحف إلى تونس، وأمر أصحابه ألا يسمع لهم حس ~~ولا حركة حتى يصيروا إلى دار الصناعة. وسار حتى إذا كان بالقرب من دار ~~الصناعة، أمر بالطبول، فضربت وأمر أصحابه فكبروا، فوثب ابن حمزة ومن كان ms075 ~~معه، والتحم القتال على الليل. وكثر الناس عليهم، فقتل من كان مع ابن حمزة، ~~ولم يسلم منهم إلا سبح البحر، وذلك يم الاثنين لخمس بقين من صفر. # وأصبح منصور، فاجتمع إليه الجند وقالوا )نحن لا نثق بك، نأمن أن يستنزلك ~~السلطان بدنياه وماله فتميل له ولكن إن أحب أن نقوم بنصرك، فأخضب يدك في ~~دماء أصحاب السلطان وأهل بيته! فوجه حينئذ عن عامل زيادة الله على تونس، ~~وهو إسماعيل بن سالم بن سفيان وعن ولده محمد فأمر بقتلهما معا. # فلما اتصل الخبر بزيادة الله، وما كان من قتل رجاله وعامله عقد لغلبون ~~وزيره على عسكر جليل وقال: )والله! لئن انهزم واحد منكم، لأجعل عقوبته ما ~~فر وهو السيف( فسار غلبون في العاشر لربيع الأول. وصل إلى سبخة تونس، فخرج ~~إليهم منصور الطنبذي تعبئة عباها لنفسه، فاقتتلوا مليا. ثم حمل منصور حملة ~~كانت فيها هزيمة غلبون وأصحابه لعشر بقين مكن ربيع الأول، وسار منهزما إلي ~~زيادة الله، فاعتذر غلبون عن الهزيمة وحاف أنهم نصحوا واجتهدوا ولكن قضاء ~~الله لا يرد. وتواثب القواد على أعمال أفريقية، كل قائد على بلدة يضبطها، ~~ويمتنع فيها من عقوبة زيادة الله التي توعدهم بها. واضطرمت أفريقيا نارا، ~~ورمى الجند كلهم إلى منصور الطنبذي أزمة أمورهم وولوه على أنفسهم. وقدم ~~غلبون على زيادة اله، فأعلمه بما كان من أمره ونغل الجند فكتب إليهم زيادة ~~اله صكوك أمان، وبعث ربها إليهم، فلم يثقوا بها منه، وخلعوا الطاعة. # ولما ظفر منصور، واجتمع إليه بتونس جميع الجند والحشود والوفود من كل جهة ~~ومكان، فزحف بهم من تونس، فوصل إلى القيروان لخمس خلون من جمادى الأولى. ~~فركب إليه القاضيان أبو محرز وأسد، فكان بينهما وبينه كلام لم يفد. وخندق ~~منصور الطنبذي على نفسه فكانت بينه وبين زيادة الله وقائع كثيرة. ثم رحل ~~منصور من خندقه، ونزل منزلا آخر، وأخذ منصور في إصلاح سور القيروان فوالاه ~~أهل القيروان وحاربوا معه. فدامت الحرب بين منصور وبين عسكر زيادة اله ~~أربعين يوما. ثم زحف ms076 زيادة اله على تعبئة عباها لنفسه قلبا وميمنة. فلما ~~رأى ذلك منصور هاله وراعه. والتقت الفئتان، فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم ~~منصور وولى هاربا وقتل أصحابه قتلا ذريعا، في منتصف جمادى الآخرة، وانتهى ~~زيادة الله إلى القيروان فأمر برفع القتال وتمادى منصور في هزيمته إلى أن ~~دخل قصره بتونس، والناس لا يشعرون. وعفا زيادة اله عن أهل القيروان، وصفح ~~عن جميعهم غير إنه جعل عقوبتهم هدم سور القيروان حتى ألصقه بالأرض. ~~PageV01P041 وفي سنة 210 كانت وقيعة سبيبة، وهي مدينة. وذلك أن الجند الذين ~~تقدم ذكر سيرتهم وتنمعهم لأجل الهزيمة التي طرأت عليهم كان قائدهم عمر بن ~~نافع وأقر زيادة الله على الجيش محمد بن عبد اله بن الأغلب، فالتقوا هنالك ~~لعشر بقين من المحرم فانهزم ابن الأغلب وقتل وتمادت الهزيمة إلى القيروان ~~من ضحى النهار إلى بعد صلاة العشاء، فاغتنم لذلك زيادة الله وأخذ في ضم ~~الرجال وبذل الأموال. وكان عيال الجند بالقيروان، فلم يعرض لهم زيادة الله. ~~ثم أن الجند سألوا منصور أن يحتال في نقل عيالاتهم من القيروان، فزحف بهم ~~منصور إليها ونزل على القصر نحو ستة عشر يوما، فلم يكن بينه وبين زيادة اله ~~فيها قتال، وأخرج الجند حرمهم عن القيروان. ثم انصرف مصور إلى تونس ولم يبق ~~بيد زيادة الله من أفريقية كلها إلا قابس والساحل ونفزاوة وطرابلس، فانهم ~~تمسكوا بطاعته، ولم ينقصوه شيئا من جبايته. وملك منصور جميع عمل زيادة ~~الله، وضرب السكة باسم نفسه. # وكتب الجند إلى زيادة اله )ارحل عن أفريقية ولك الآمان في نفسك ومالك( ~~فشاور زيادة اله أهل بيته وخدمته، وقد ضاق به الأمر فقال له سفيان بن ~~سوادة: )مكني ممن أثق بهم أتقدم بهم إلى نفزاوة( فانتقى له مائة فارس، ~~فأعطاهم وسار بهم إلى نفزاوة فدعا بربرها إلى نصرته. فأجابوه. فأقبل عامر ~~بن نافع في الجند نحو نفزاوة فلما وصل إلى قسطيلية جمع ألف أسود ومعهم ~~الفؤوس والمساحي وخرج بهم إلى نفزاوة فنزل بتقيوس وبلغ ابن سواد قدومه، ~~فخرج إليه وأقتتل ms077 معه، فانهزم الجند وقتل منهم عدد كبير. ورجع عامر إلى ~~قسطيلية فأقام بها ثلاثة أيام يجبي أموالها ليلا ونهارا، حتى كمل له من ذلك ~~ما أراد، وسار نحو القيروان. # وفي سنة 211، قام عامر بن نافع على منصور الطبنذي. وكان حاسدا له لأن ~~منصورا كان يتوعده على الشراب، فعمل عليه عامر مع الجند، فلم يشعر منصور ~~وهو بقصره بطبنذة حتى زحف إليه عامر من تونس، فحاصره. فراسله منصور وطلب ~~منه الآمان، على أن يتوجه في سفينة إلى المشرق. فأجابه إلى ذلك وخرج منصور ~~في أول اليل مستخفيا يريد الأربس. فلما أصبح عامر، قفا أثره وأثر من اكن ~~معه، حتى أدركهم. فاقتتل معهم فانهزم منصور ودخل الأربس، فتحصن بها فحاصره ~~عامر فيها. فلما ضاق الحصار بأهلها، قالوا المنصور )إما أن تخرج عنا وإلا ~~دفعناك إلى عامر!( فرغب منهم أن يمهلوه حتى يعمل في الخلاص لنفسه. فأرسل ~~إلى عبد السلام بن الفرج )وكان من وجوه الجند( يسأله الاجتماع به. فأتاه ~~فقال له منصور من أعلى السور: )بهذا كان جزائي منكم يا معشر الجند! وقد ~~علمتم أن قيامي على القوم إنما كان من أجلكم. فإذا كان قد صار الأمر إلى ما ~~صار إليه فأحب أن تسعى في أماني وخلاصي وأخرج عنكم إلى المشرق( فأجابه عبد ~~السلام إلى ما سأل، واستعطف له عامر بن نافع فأسعفه في ذلك. ثم وجهة عامر ~~منصورا مع خيل وأمر مقدمهم سرا أن يعرجوا به إلى مدينة جربة ويحبسه بها. ~~ففعل ذلك وحبس منصور هنالك. فلكا علم عبد السلام بهذه الغدرة من عامر حقد ~~عليه وكان بباجة مع أصحابه، وكان هاشم أخو عامر واليا عليها، فأخذوه وحبسوه ~~وكتبوا إلى أخيه عامر )أما أن تخلي عن منصور وإلا قتلنا أخاك( فكتب إليهم ~~عامر )إني لست أخلى عن منصور فاصنعوا بهاشم ما شئتم! فستعلمون عاقبة أمركم( ~~فلما جاءهم كتابه، أطلقوا هاشما. وأمر بضرب عنق منصور وأخيه حمدون. ~~واستقامت الأمور لعامر بن نافع. # وفي سنة 212، أغزى زيادة اله صقلية. واجتمع له سبعون مركبا ms078 حمل فيها ~~سبعمائة فرس. وعرض القاضي أسد بن الفرات نفسه على زيادة الله في الخروج ~~للغزو، فولاه على الجيش، وأقره على القضاء مع القيادة، فخرج معه أشراف ~~أفريقية من العرب والجند والبربر و الأندلسيين، وأهل العلم والبصائر، وذلك ~~في حفل عظيم وعدة جليلة في ربيع الأول. فساروا إلى حصون الروم ومدنهم ~~فأصابوا سبيا كثيرا وسائمة كثيرة وكثرت الغنائم عند المسلمين. واحتل القاضي ~~أسد بمن معه على مدينة سرقوسة، وحاصرها برا وبحرا وأحرق مراكبها، وقتل ~~جماعة من أهلها. وجائته الأمداد من أفريقية والأندلس وغيرها. # وفي سنة 213 توفي عامر بن نافع على فراشه. فلما بلغ موته زيادة الله، ~~قال: )اليوم وضعت الحرب أوزارها!( فاستأمن بنوه إلى زيادة اله، فأمنهم. ~~وفيها توفي إدريس بن إدريس الحسني PageV01P042 فقام بأمر فاس والبر بر ابنه ~~محمد، فولى أخاه البصرة وطنجة وما يليهما، وولى سائر اخوته بلاد المغرب. # ذكر مدينة البصرة بالغرب. كانت قبل مدينة كبيرة أزلية، تعرف ببصرة الكتان ~~لأنهم كانوا يتابعون، في بدء أمرها في أكثر تجاراتهم بالكتان. وتعرف أيضا ~~بالحمراء. لأنها حمراء التراب. وكان سورها مبنيا بالحجارة والطوب. ولها ~~عشرة أبواب. ولجامعها سبع بلاطات. وبها حمامان كبيران ومقبرتها الكبرى في ~~شرقيها، والأخرى في غربيها، وهي التي تعرف بمقبرة قضاعة. وماؤها زعاق ~~وشربهم من ماء عذب كبير على باب المدينة، يعرف ببئر أبي ذلفاء. ونساء ~~البصرة مخصوصات بالجمال الفائق والحسن الرائق، ليس بأرض المغرب أجمل منهن، ~~وفيهن يقول أحمد بن فتح التيهرتي في قصيدة مدح بها أبا العيش الحسني ~~)كامل(: # ما حاز كل الحسن إلا قينة ... بصرية في حمرة وبياض # الخمر في لحضاتها والورد في ... وجناتها هيفاء غير مفاض # وأست البصرة في الوقت الذي أسست فيه أصيلا أو قريبا منه. ومنها إلى قصر ~~كتامة وهو قصر عبد الكريم، مرحلة ومنها إلى مدينة جنيارة مرحلة. وقيل أنها ~~كانت قرية على وادي سبو بينها وبين فاس مرحلة ومن مدينة البصرة طريق آخر ~~إلى فاس، فمنها إلى ورغة مرحلة، ثم إلى وادى ماسنة مرحلة وهي مدينة عيسى ms079 بن ~~حسن الحسني المعروف بالحجام ثم إلى مدينة سداك وهي قاعدة خلوف بن محمد ~~المغيلي ثم إلى فاس. فذلك سبع مراحل. وفي هذه السنة توفي أسد بن الفرات في ~~رجب منها وهو محاصر لسرقوسة فلما توفي، هربت رهن الروم التي كانت عنده ووقع ~~الموت في عسكر المسلمين، فاغتنموا لذلك، وولوا على أنفسهم الجراوي. # وفي سنة 214 توفي القاضي أبو محرز الكلابي. وفيها وصل من الأندلس إلى ~~صقلية نحو ثلاثمائة مركب، فيها أصبغ بن وكيل المعروف بفرغلوش. وبلغ ~~المسلمين المحصورين بها خير وصولهم، فاستغاثوا بهم، فودعهم بالغوث. # وفي سنة 215، كان غزو فرغلوش الواصل في المركب إلى صقلية هو والوقاد ~~الذين معه، فأخذا القلاع، وسبقوا، وغنموا في بلاد الروم. ثم سألوا إغاثة من ~~كان من المسلمين بها، فأجابوهم إلى ذلك على أن يكون أمر الناس إلى فرغلوش ~~فساروا إلى ذلك وأخذوا في طريقهم القلاع وأغاروا حتى انتهوا إلى ميناو. ~~فخرج مخنق من كان بها من مسلين، وحرقوا المدينة وهدموها، وانتقلوا عنها. ~~وسار المسلمون إلى غلواليه، فحصروها وتغلبوا عليها. # واعتل جماعة من المسلمين بها وأخذ الوباء ومات فرغلوش وغيره من القواد ~~فرحل المسلمون وركب العدو أثرهم، فقتل منهم خلق كثير في خبر طويل ثم أخذوا ~~في إصلاح مراكبهم قافلين إلى الأندلس. # وفيها ولي سعيد بن إدريس مدينة نكور. # وفي سنة 216 كانت وقيعة بين مطبق السلمي وإسماعيل بن الصمصامة بإفريقيا ~~فتقاتلا بما من معهما فهزم مطبق وقتل ونهزم أصحابه أبو فهر صقلية. # وفي سنة 217 توجه أبو فهر محمد بن عبد الله التميمي من إفريقيا إلى صقلية ~~وهرب عثمان بن عرقب عنها. # وفي سنة 218 قام بمدينة تونس فضل بن أبي العنبر بعد هزيمته لخليل زيادة ~~الله، فضبطها لنفسه. وسار إليه أبو فهر بن عبد الله بن الأغلب في جيش كثيف ~~حتى افتتحها وقتل فيها عباس بن الوليد الفقيه الصالح. # وفي سنة 219 أمن زيادة الله كل من طلب الأمان ممن تلفت من تونس وخرج عنها ~~وقت دخول أبي فهر لها. فأمنهم وسكنت ms080 أحوالهم وكان فيهم عبد الرحمن وعلي ~~ابنا أبي سلمة وأبو العزاف كانوا شعراء فصحاء فأنش عبد الرحمن مديحا له فيه ~~فلما أنقض إنشاده قام يعقوب بن يحيا الشاعر يحرض زيادة الله على بني أبي ~~سلمة وأبي العزاف بهذه الأبيات وأوفر: # تسمع أيها الملك المعان ... قوافي في معانيها البيان # يتم أمان من الخضب العوالي ... وليس لشاعر أبدا أمان # لأن قوافي الأشعار تبقى ... على الأيام ما بقى الزمان # وقد يرجى لجرح السيف برء ... ولا برء لما جرح اللسان # فلم يلتفت زيادة الله إلى قوله وأمضى لهم أمانهم وقال لأبي العزاف: ما ~~منعك أن تستأمن إلينا قبل هذا الوقت؟ قال: أيها الأمير كنت مع قوم حمقى ~~يولون كل يوم واليا ويعزلون آخر. فرجوت أن تكون لي معهم دولة، فضحك زيادة ~~الله وقال: لقد عفوت عنك PageV01P043 وفي سنة 220 ولي أحمد بن أبي محرز ~~قضاء أفريقية وفيها غزى محمد ابن عبد الله بن الأغلب صقلية. فالتقى ~~بالمشركين فانهزموا أمامه. وانصرف بالغنائم إلى بسلوم. وكانت بصقلية في هذه ~~السنة غزوات كثيرة للمسلمين برا وبحرا وكذلك بالأندلس. # وفيها وصل ابن الأغلب إلى بسلوم قاعدة صقلية واليا عليها، في رمضان، بعد ~~أن رأى شدة في البحر وعطبت له مراكب وحطمت له أخرى وأصاب له النصارى حراقة ~~من مراكبه. وجاهدهم محمد بن السندي في حراقات فاتبعهم حتى حال الليل بينهم. # وفي سنة 21 2، توفي قاضي صقلية ابن أبي محرز. وكان قد أوصى أخاه عمران أن ~~يكتكم موته حتى يكفنه ويصلي عليه، خوفا أن يكفنة زيادة الله ويصلي عليه، ~~ففعل عمران ذلك. فلما حمل نعشه وخرج به من داره أقبل خلف الفتى يمسك كثير ~~وأكفان من قبل زيادة الله فقال له عمران: قد كفناه: فذر خلف المسك الذي كان ~~معه عليه وحمل إلى المصلى حضر زيادة اله دفنه وعزى أخاه عنه وقال: يا أهل ~~القيروان لو أراد الله بكم خيرا لما خرج ابن ابي محرز من بين أظهركم. وكان ~~زيادة الله يقول: ما أبالي ما قدمت عليه يوم القيامة ms081 وفي صحيفتي أربع ~~حسنات: بنياني المسجد الجامع بالقيروان وبنياني قنطرة أبي الربيع، وبنياني ~~حصن مدينة سوسة ونوليتي أحمد بن محرز قاضي أفريقية، وولي القضاء بعده ابن ~~أبي الجواد. # وفي هذه السنة، ابتدأت الفتنة بسلجمانة بين ميمون وأخيه ابني المنتصر ابن ~~اليسع. # وفي سنة 222 كانت غزوة صقلية للمسلمين إلى ناحيو جبل النار، فأصابوا ~~وغنموا وقفلوا سالمين غانمين. وفيها فتح المسلمون حصن مدنار ومعاقل كثيرة ~~في غزوة للفضل بن يعقوب، أغزاه أبو الأغلب، وغزوة أخرى لعبد السلام بن عبد ~~الوهاب، أغزاه أيضا إياها أبو الأغلب، فخرج إليه العدو فانهزم المسلمين ~~وأصيب منهم جماعة وأسر عبد السلام حتى فدي بعد ذلك. # وفي سنة 223 توفي زيادة اله بن إبراهيم بن الأغلب صاحب أفريقية، يوم ~~الثلاثاء لربع عشرة ليلة خلت من رجب وهو ابن إحدى وخمسين سنة. فكانت ولايته ~~إحدى وعشرين سنة، وسبعة أشهر وثمانية أيام. # ولاية أبي عقال الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب أفريقية # وهو الملقب بخزر، فلنا ولي أمن الناس وأحسن إليهم و إلى الجند، وغير ~~أحداثا كثيرة كانت قبله وأجرى على العمال أرزاقا واسعة وصلات جزلة وقبض ~~أيديهم عن الغبة، وقطع النبيذ من القيروان، وعاقب على بيعه وشربه. وتوفى في ~~العشر الأواخر لربيع الآخر سنة 226، وهو ابن ثلاثة وخمسين سنة فكانت ولايته ~~سنتين وتسعة أشهر وأياما. # وفي سنة 224، كانت وقعة بأفريقية بين عيسى بن ريعان الآزدي، وقد أخرجه ~~السلطان لذلك، وبين لواته وزاغة ومكناسه فقتلهم عن آخرهم بين قفصة ~~وقسطيلية. ذكر ذلك ابن القطان. # وفيها، قدم أهل سلجماسة ميمون بن مدرار وأخرجوا أخاه. فلما استقر الأمر ~~لميمون أخرج أباه مدرار وأمه إلى بعض قرى سلجمانة. # وفي سنة 225، كانت وفاة أبي جعفر موسى بن معاوية الصمادحي، مولى آل جعفر ~~وكان ممن روى عنه سحنون. # وفي سنة 226، توفي أبو عقال الأغلب ين إبراهيم في ليلة الخميس لسبع بقين ~~من ربيع الآخر، وولاية ابنه أبي العباس يوم موت أبيه # ولاية أبي العباس محمد بن الأغلب بن إبراهيم ابن الأغلب أفريقية # كانت ولايته في ms082 أولها ساكنة، والأمور معتدلة. وقلد أحمد بن الأغلب كثيرا ~~من أموره وكان محمد هذا قليل العلم، ذكر أن رجاء الكاتب كان يوما بين يديه، ~~فكتب محمد )لحم ضبي( بضاد مسقوطة. فلما حفلا المجلس، قال له كاتبه: )أيد ~~الله الأمير الظبي يكتب بضاء مرفوعة( فقال له محمد: )قد علمنا فيها اختلافا ~~فأبو حنيفة يجعله بالظاء ومالك يجعله بالضاد( فعجب الحاضرون من قوله وكان ~~عقيما لا يولد له. وكان مظفرا فيء حروبه. # وفي سنة 227، توفي أبو محمد عبد الله بن أبي حسان اليحصبي فقيه أفريقية، ~~ولقي مالك، وسمع منه. وسأله زيادة اله في النبيذ، فقال له: )كم دية العقل؟( ~~قال: )ألف دينار( قال: )أصلح الله الأمير يعمد الرجل إلى ما قيمته ألف ~~دينار، فيبعه بنصف دسهم فقبل له: )أنه يعود ويرجع( فقال: )أصلح الله ~~الأمير! بعد كشفه سوئته، وإبداءه عورته وضرب هذا وشتم هذا( وفي سنة 228، ~~كانت أفريقية هادئة ساكنة قال عريب وغيره لم يكن في أفريقية هذه السنة خبر ~~يذكر ولا في السنتين بعدها. PageV01P044 وفي سنة 230 توفي بهلول بن عمرو بن ~~صالح الفقيه، سمع من مالك وطبقته. # وفي سنة 231 كانت ثورة أحمد بن الأغلب عل أخيه محمد واستيلائه عليه، وذلك ~~أن أحمد تواعد مع جملة من الموالي إلى موضع، فتوافوا هنالك وقت الظهيرة، ~~فقصدوا إلى مدينة القصر القديم، وقد خلى الباب من الرجال فدخلوا، وأغلقوا ~~الباب، ثم ساروا حتى أغلقوا لأبواب الأخر. ثم هجموا على أبي عبد الله بن ~~علي بن حميد الوزير فأمر أحمد فضربت عنقه ووقع القتال بين رجال محمد بن ~~الأغلب وبين رجال أحمد بن الأغلب وجعل أصحاب أحمد يقولون لأصحاب محمد: )ما ~~لكم تقاتلوننا! نحن في طاعة محمد ابن الأغلب. إنما قمنا على أولاد علي بن ~~حميد الذين أفقروكم واستولوا على أموال مولاكم دونكم وإما نحن في الطاعة( ~~لما سمعوا ذلك، أوقفوا عن القتال، ولما نظر محمد إلى ما دهمه من غير ~~استعداد، قعد في مجلسه الذي يقعد فيه للعامة، وأذن لأخيه أحمد والرجال ~~الذين ms083 معه في الدخول عليه. فدخلوا بسلاحهم. فكانت بينهما معاتبة. ثم حلفا ~~أن لا يغدر أحدهما بصاحبه واصطلحا. واعتدلت الأمور لأحمد بن الأغلب إلا أن ~~أسم الإمارة فقط وقبض أحمد على من شاء، واستصفى من أراد وعذب من أحب وأعطى ~~الرجال وجنى الأموال، واستوزر نصر بن حمزة. # وفي سنة 232، ظفر محمد بن الأغلب بأخيه أحمد، وحبسه، ورجع له سلطانه. ~~وقام معه في ذلك جماعة من بني عمه ومواليه. وسقى البوابين واحتال عليهم حتى ~~دخل المدينة، وحارب أخاه طول الليل وأطلق من كان في حبس أخيه، فاستمد بهم ~~ووصل أهل القيروان حتى أنفذ جميع ما في خزائنه من الأموال والكسي ثم نفى ~~محمد بن الأغلب أخاه إلى المشرق فمات بالعراق. # وفيها عزل عبد الله بن أبي الجواد عن القضاء، فقال سحنون لمحمد بن ~~الأغلب: )أيها الأمير، أحسن الله جزائك! فقد عزلت فرعون هذه الأمة وجبارها ~~وظالمها( وابن أبي الجواد حاضر ولحيته تضطرب على صدره وكان تام اللحية. # وفي سنة 233 ولي سحنون بن سعيد بن حبيب التنوخي الفقيه )واسمه عبد ~~السلام، إنما سمي بسحنون لحدة ذهنه( القصاء بأفريقية بعد أن رجع محمد بن ~~الأغلب في ذلك عاما كاملا، وهو يأبى عليه، حتى حلف له بأيمان المؤكد وأعطاه ~~العهود المغلظة إنه يطلق يديه على أهل بيته وقرابته وخدمه وحاشيته، وينفذ ~~عليهم الحق، أحب أو كرهوا. # وفيها كانت ثورة سالم بن غلبون وقتله، وذلك إنه كان واليا على الزاب ~~فعزاه محمد بن الأغلب. فأقبل سالم يريد القيروان. ثم عدل في بعض طريقه إلى ~~الأربس مظهرا للخلاف، فمنعه أهلها من دخولها فسار إلى باجة فدخلها وضبطها ~~فأخرج إليه ابن الأغلب خفاجة بن سفيان في جيش كثيف فنزل عليه وحاربه أياما، ~~فهرب سالم بن غلبون في الليل، فاتبعه خفاجة فلحقه لما أصبح وقتله، وحمل ~~رأسه إلى محمد بن الأغلب وكان ابنه أزهر محبوسا عنده فأمر بضرب عنقه. # وفي سنة 234، ثار عمر بن سليم النجيبي بتونس، فأخرج إليه ابن الأغلب ~~خفاجة بن سفيان، فأقام عليه بقية هذه ms084 السنة، ثم انصرف عنه من غير ظفر وفيها ~~مات عبد الله بن أبي الجواد في سجن سحنون وكان ورثته ابن القلقاط يطلبونه ~~بخمسمائة دينارا وديعة واستظهروا بخطه. فأنكر الوديعة والخط. فكان سحنون ~~يخرجه كل جمعة، فإذا استمر على الإنكار، ضربه عشرة أسواط. وأرادت زوجته ~~فدائه بمالها، فامتنع سحنون إلا أن يعترف ابن أبي الجواد بأن هذا مال ~~الأيتام أو عوضا عنه. فأبى ابن أبي الجواد. فما زالت تلك حاله إلى أن مرض، ~~فمات. فشنع الناس على سحنون أن قتله. وكان يقول بخلق القرآن. # وفي سنة 235 كانت وقيعة، بمقربة من تونس، بين المنتزي في العام الفارط ~~عمرو بن سليم المعروف بالقوبع، وبين محمد بن موسى المعروف بعريان، الذي ~~استقوده ابن الأغلب لمحاربته، ففزع كثيرا ممن موالي ابن الأغلب إلى القوبع. ~~فوقعت على محمد بن موسى هزيما، وأسر أحد قواده، بعد أن انكسرت رجله، ثم ~~طعنه ولد القوبع طعنة كان في حتفه، وقتل كثير من أصحابه. وأنصرف باقي الجيش ~~إلى ابن الأغلب مفلولين. واشتدت شوكة القوبع. PageV01P045 وفي سنة 236، ~~كانت وقعته بين عمرو بن سليم القوبع المنتزي بتونس وبين خفاجه بن سفيان، ~~قائد جيش قائد بن الأغلب، فاقتتلوا قتالا شديدا، فنهزم القوبع، وقوتل ~~أصحابه مقتلة عظيمة. وأدرك القوبع، فضربت عنقه، وحمل رأسه إلى محمد بن ~~الأغلب، فوصل قاتله، وكساه، وأحسن إليه. ودخل خفاجة مدينة تونس بالسيف، يوم ~~السبت لعشر خلون من ربيع الأول وسبى فيها، وانصرف بالجيش إلى القيروان، ~~فكساه ابن الأغلب. # ولاية العباس بن الفضل جزيرة صقلية # لما توفي صاحب صقلية أبو الأغلب إبراهيم بن عبد الله الأغلب، قدم أهلها ~~على أنفسهم العباس بن الفضل هذا، وكتبوا إلى محمد بن الأغلب بن خبر. فأقر ~~العباس، وكتب إليه بعهده بولاية صقلية. فجاهد كثيرا، وغزا طويلا. وكان له ~~في الروم مواقف أذلهم بها. # وفي سنة 237 ولي حبيب بن نصر التميمي المظالم بالقيروان بتقديم القاضي ~~سحنون إياه عليها. وفي أغزى العباس بصقلية أرض الروم، فغنم غنائم عظيمة، ~~وسبى سبيا كثيرا وأداخ بلاده. # وفي ms085 سنة 238 أغزى العباس بن الفضل صاحب صقلية الروم فقتل الله المشركين. ~~وبعث العباس برؤوسهم إلى مدينة بالرم، وقام ينتسف زروعهم، ويطأ أرضهم، ~~ويسبى من ظفر بهم منهم. ثم قفل إلى صقلية. # وفي سنة 239 كان الجهاد بصقلية في غزوة العباس بن الفضل في الصائفة فأفسد ~~زروع النصارى، وبث السرايا في كل موضع، وغنم وقصر يانة وقطانية وسرقوسة ~~وغيرها، وحاصر مدينة بنيرة ستة أشهر حتى صالحوه على ستة آلاف رأس قيضها ~~منهم. وقفل إلى حضرة بلرم، وفتح مدينة سبرينة. # وفي سنة 240، توفي الفقيه سحنون - رحمه الله - وفيها كان الجهاد أيضا ~~بصقلية: غزا العباس بن الفضل صاحبها بلاد الروم فسبى ونكى وخرب وانتسف وبث ~~السرايا، فغنموا غنائم عظيمة. # وفي سنة 241، غزا العباس بن الفضل أيضا الروم بصقلية، فأفسد زروعهم وبث ~~السرايا في أراضيهم، فغنمت غنائم كثيرة. وأقام في جبل مانع ثلاثة أشهر يضرب ~~كل يوم حول يلنة فيقتل ويصيب، وتتوجه سراياه فتغنم في كل جهة. وأغزى أخاه ~~علي بن الفضل في البحر، فأصاب وغنم وانصرف برؤوس كثيرة. # وفي سنة 242، توفي أبو العباس محمد بن الأغلب صاحب أفريقية ليلتين خلتا ~~من المحرم، فكانت ولايته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر واثنتي عشرة يوما ومات ~~وهو ابن ستة وثلاثين سنة. وولي بعده ابن أخيه. # ولاية أبي إبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب أفريقية # وليها وهو ابن عشرين سنة. وكان حسن السيرة، كريم الأخلاق والأفعال، من ~~أجود الناس وأسمحهم وأرفقهم بالرعبة، مع دين واجتناب للظلم على حداثة سنه ~~وقلة عمره. وكان يركب في ليالي شعبا ورمضان وبين يديه الشمع فيخرج من القصر ~~القديم ويمشي حتى يدخل من باب أبي الربيع ومعه دواب بالدراهم، فكان يعطي ~~الضعفاء والمساكين حتى ينتهي إلى المسجد الجامع بالقيروان فيخرج الناس إليه ~~يدعون له. # وفيها ولي القضاء بأفريقية أبو الربيع سليمان بن عمران بن أبي هاشم ~~الملقب بخروفة. # وفيها كان الجهاد بصقلية. غزا صاحبها العباس بن الفضل الروم بالصائفة ~~فغنم وسبى وانتقل من حصن إلى حصن، ففتح أكثرها، وصالحه بعض أهلها. ms086 # وفي سنة 243، كان الجهاد بصقلية. غزا العباس بن الفضل صاحبها بالصائفة ~~فسبى وغنم، وصالحه أهل قصر الحديد، بعد أن حاصرهم شهرين بخمسة عشر ألف ~~دينار، وصالحه أهل حصن شلفودة على أن يخرجوا منه ويهدمه، ففعل ذلك. # وفي سنة 244 غزا العباس صاحب صقلية أرض الروم، فغنم غنائم كثيرة وخرج ~~أخوه في مراكب في البحر إلى جزيرة إقريطش، فقتل وسبى. وغنم ثم دارت على ~~المسلمين جولة، فقتل منهم، وأخذت لهم عشرون مركبا. # وفي سنة 245، أخرج أبو إبراهيم بن الأغلب صاحب أفريقية مالا كثيرا لحفر ~~المواجل، وبنيان المساجد والقناطر لكلمة كانت منه على سكر. # وفي سنة 246، كان حفر المآجل الكبير على باب تونس. وفيها توفي أبو خلف ~~الزاهد، واسمه مطروح بن قيس. وكان عابدا زاهدا. # وفي سنة 247، كان بالقيروان سيل عظيم كسر القنطرة فأمر صاحب أفريقية ~~بإصلاحها. وفيها توفي عبد الرحمن بن عبد ربه، وكان مستجاب الدعوة. ~~PageV01P046 وفيها توفي العباس بن الفضل صاحب صقلية، في جمادى الأولى لثلاث ~~خلون منها، وولى عمه أحمد صقلية: ولاه أهلها، وكتبوا بذلك إلى صاحب أفريقية ~~أبي إبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب، فجاء كتابه بإثباته. # وفي سنة 248، كمل بناء ماجل باب تونس الكبير وتمت الزيادة في جامع ~~القيروان وكمل إصلاح قنطرة باب أبي الربيع، وفيها كانت غزوة رباح فأصاب ~~وغنم، ثم دارت عليه وقيعة، أخذت فيها طبوله وأعلامه، ثم أسر قوم من أصحابه ~~ثم تراجع وافتتح مدينة جبل أبي مالك، وسبى جميع كما كان فيها وأحرقها وبث ~~سرايا كثيرة فأصابت وغنمت. # وفي سنة 249، توفي أبو إبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب صاحب أفريقية يوم ~~الثلاثاء لثلاث خلت من ذي القعدة، فكانت ولايته سبع سنين وعشرة أشهر ونصفا. ~~وهو ابن ثمان وعشرين سنة. # ولاية زيادة الله بن محمد بن الأغلب # ابن إبراهيم بن الأغلب أفريقية # ولي يوم وفاة أبي إبراهيم، في ذي القعدة، فكتب إلى خفاجة بإمضاء ولايته ~~وخلع عليه. وكان أبو محمد زيادة الله هذا عاقلا حليما حسن السيرة جميل ~~الأفعال، ذا رأي ونجدة وجود وشجاعة. ms087 وهو الثاني ممن أسمه زيادة اله في بني ~~الأغلب. ول تطل في الملك مدته، فتكون له أخبار تؤثر. وتوفي ليلة السبت لعشر ~~بقين من ذي القعدة من سنة 250 فكانت دولته سنة واحدة وسبعة أيام. # ولاية أبي الغرانيق محمد بن أحمد بن محمد بن الأغلب # ولي سنة 250، وهو ابن أخي زيادة الله المتوفى قبل. ولي يوم السبت لعشر ~~بقين من ذي القعدة، ولقب بأبي الغرانيق لأنه كان يهوى صيدها، حتى بنى قصرا ~~يخرج إليه لصيدها، أنفق فيه ثلاثين ألف مثقال من الذهب. وكان مسرفا في ~~العطاء، مع حسن سيرة في الرعية. ثم غليت عيه اللذات والانشغال بها فلم يزل ~~كذلك طول مدته، ولم تكن له همة في جمع مال. فلما مات لم يجد أخوه في بيتا ~~المال شيئا يذكر، وكانت ولايته حروبا أكثرها على ما يأتي ذكره. # وفي سنة 251 كانت غزوة السرية المعروفة بسرية ألف فارس، وذلك أن خفاجة ~~صاحب صقلية غزا قصر يانة، فأفسد زرعه وسار إلى سرقوسة فقاتل أهلها. ثم رحل ~~عنهم وأخرج ابنه محمدا إليهم في سرية فكمن لهم وقتل منهم ألف فارس، فسميت ~~تلك السرية سرية ألف فارس. # وفي سنة 252، بنى محمد بن حمدون الأندلسي المعافري الجامع الشريف ~~بالقيروان المنسوب إليه: بناه بالآجر والجص والرخام، وبنى فيه جبابا للماء. ~~وغزا خفاجة صاحب صقلية أرض الروم، وافتتح حصونا كثيرة؛ ثم مرض مرضا شديدا، ~~فانصرف في محمل إلى بلرم. # وفي سنة 253 قال ابن القطان: عريت هذه السنة من أخبار أفريقية، فلم يكن ~~فيها خبر مشهورا يجتلب. # وفي سنة 254 غزا خفاجة صاحب صقلية بطريقا وصل من القسطنطينية، في جمع ~~كبير نفي البر والبحر، فأنهزم البطريق بعد قتال شديد، وقتل من أصحابه آلاف ~~كثيرة، وأخذ لهم سلاح وخيل. ودخل خفاجة إلى سرقوسة وغيرها؛ فغنم غنائم ~~كثيرة، ورجع إلى بلرم قاعدة أول يوم من رجب. # وفي سنة 255 خرج خفاجة صاحب صقلية للغزو؛ فلقيه العدو في جمع كبير؛ ~~فاقتتلوا قتالا شديد، فقتل شجاع من شجعان المسلمين؛ فانكسروا لقتله. ms088 فسارة ~~خفاجة إلى سرقوسة فامتنعت منه؛ فأقام عليها، وأفسد زرعها. وفيها توفي ~~خفاجة؛ وذلك أنه؛ لما أكمل غزاته المذكورة، قفل من سرقوسة، يريد بلرم؛ ~~فأدلج ليلا؛ فأغتاله رجل من عسكره، وطعنه طعنه مات منها، وذلك أول يوم من ~~رجب. وهرب الذي طعنه إلى سرقوسة. وحمل خفاجة إلى بلرم؛ فدفن بها. فولى أهل ~~صقلية ولده محمد. وكتبوا بذلك إلى الأمير محمد بن أحمد أ بن الأغلب أبي ~~الغرانيق؛ فكتب إليه بالولاية، وخلع عليه. # وقي سنة 256 توفي محمد بن سحنون التنوخي، وكان فقيها ورعا - رضي الله عنه ~~- ! وفي سنة 257 ولى القضاء بإفريقيا عبد الله بن أحمد بن طالب صارفا ~~سليمان بن عمران. وفيها، توفي صاحب صقلية محمد بن خفاجة قتله خدمة نهار ~~لثلاث خلون من رجب، وكتموا أمره، فلم يعرف قتله ألا بعد يوم لهروب الخدم، ~~فأخذوا وقتل بعضهم. فولى صقلية أحمد بن يعقوب بتقديم ابن الأغلب إياه. وولى ~~على الأرض الكبير عبد الله بن يعقوب، فكانت لهما في هذا العالم غزوة أوقعا ~~فيها بالمشركين. ولم يكن في بإفريقيا في سنة سبع خبر يذكر. PageV01P047 وفي ~~سنة 258، توفي أحمد بن يعقوب صاحب صقلية، وولى ابنه الحسين مكانه. وأوفر ~~صاحب أفريقيا عليها. # وفي سنة 259، ولى سليمان بن عمران قضاء أفريقية، وعزل عبد الله بن أحمد ~~بن طالب التميمي عنه. وفيها عزل صاحب صقلية سرقوسة، فصالحه أهلها على أن ~~يخرجوا إليه من أير المسلمين الذين كانوا عندهم ثلاثمائة وستين أسيرا. # وفي سنة 260 كانت المجاعة العامة بالمشرق والمغرب، والوباء، والطاعون. ~~وفيها توفي محمد بن إبراهيم بن عبدوس الفقيه العالم، الذي دون )المجموعة(، ~~وكان مجاب الدعوة. # وفي سنة 261 توفي أبو الغرانيق محمد بن أحمد بن الأغلب ليلة الأربعاء لست ~~خلون من جمادى الأول من هذه السنة، فكانت ولايته عشر سنين وخمسة أشهر ~~ونصفا، وفي دولة المستعين بالله والمعتز والمهتدي المعتمد في بعض أيامه. # ولاية إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب # وصفة ولايته أن أبى الغرانيق كان عهد لأبنه أبي عقال، وأستخلف أخاه ms089 ~~إبراهيم بن أحمد ألا ينازعه في ملكه بخمسين يمينا. فلما مات أبو الغرانيق، ~~أتى أهل القيروان إلى إبراهيم بن أحمد، وهو إذ ذاك والي على القيروان. ~~فقالوا له )قم، فأدخل القصر، فأنت الأنير!( وكان إبراهيم قد أحسن السيرة ~~فيهم. فقال لهم )قد علمتم أن أخي قد عقد البيعة لابنه، واستحلفني خمسين ~~يمينا ألا أنازع ولده ولا أدخل قصره( فقالوا له )تكون أمير في دارك بالقصر ~~القديم، ولا تنازع ولده! فنحن كارهون ولايته ومبايعون لك! وليس في أعناقنا ~~له بيعة!( فركب من القيروان، ومع أكثر أهلها، فحاربوا أهل القصر حتى دخل ~~إبراهيم داره، فبايعه مشايخ أهل أفريقية ووجوهها، وبايعه جماعة بني الأغلب. # وفي سنة 262 توفي أبو زيد شجر بن عيسى القاضي بتونس، وكان من خيار ~~القضاة، له مناقب كثيرة، وهو ابن تسع وتسعين سنة. وفيها أسست قلعة مدينة ~~تنس، أسسها البحريون من أهل الأندلس. # وفي سنة 263 ابتدأ إبراهيم بن أحمد بن الأغلب ببناء مدينة رقادة. # وفي سنة 264 كمل بناء القصر المعروف بالفتح، وانتقل إليه إبراهيم ابن ~~أحمد. وقتله للموالي بالقصر القيم لأنهم ثاروا عليه. وفيها فتحت سرقوسة يوم ~~الأربعاء لأربعة عشرة ليلة خلت لرمضان، وقتل فيها أكثر من أربعة آلاف علج، ~~وأصيب فيها من الغنائم ما لم يصل بمدينة من مدائن الشرك ولم ينج من رجالهم ~~أحد. وكان مقام المسلمين بصقلية عليها على أن فتحت تسعة أشهر، وقاموا بعد ~~فتحها شهرين، ثم تهدمت. وفيها، قتل صاحب صقلية جعفر ابن محمد. قتله غلمانه ~~مع الأغلب بن محمد بن الأغلب، الملقب بخرج الرعونة، وبي عقال الأغلب بن ~~أحمد، وكانا محبوسين عنده فتولى خرج الرعونة بلرم وضبطها، فوثب أهلها عليه ~~وعلى أبي عقال ومن أتصل بهما، فأخرجوهم من صقلية إلى أفريقية. وولي الحسن ~~بن رباح صقلية. # وفي سنة 265 غزا صاحب صقلية الحسن بن الرياح الصائفة إلى طرمين، ودارت ~~بينه وبين مشركي صقلية حرب قتل فيها من المسلمين، ثم كانت لهم الكرة على ~~المشركين، فهزموهم، وقتلوهم، وقتلوا بطريقتهم. # وفي سنة 266 ms090 كان القحط العظيم والغلاء المفرط بأفريقية. وفيها أغزى صاحب ~~صقلية الروم، فالتقى في البحر بمراكبهم، وهم في نحو مائة وأربعين مركبا، ~~فدارت بينهم حرب شديدة حتى أسلم المسلمون مراكبهم وأخذها الروم وأنصرف من ~~وكان في تلك المراكب إلى بلرم، فأقاموا بها شهورا يبثون السرايا ويغنمون ~~أرض الروم المجاورين لهم. PageV01P048 وفي سنة 267 ولي عبد الله بن أحمد بن ~~طالب التميمي القضاء صارفا لسليمان بن عمران عنه. وفيها ولي الحسن بن ~~العباس جزيرة صقلية. وفيها كانت فتنة ولد ابن طولون، حين أراد التغلب على ~~إفريقية. وهاأنا أذكر قصته إلى أن هزم. وذلك أن العباس بن أحمد بن طولون ~~ولد صاحب مصر، قدم في هذه السنة في ثمانمائة فارس وعشرة آلاف من سودان أبيه ~~على خمسة آلاف جمل إلى مدينة برقة، في ربيع الآخر يريد إفريقيا والتغلب ~~عليها وإخراج بني الأغلب عنها. وحمل مع نفسه من بيت مال مصر ثمانمائة حمل ~~دنانير ذهبا فأعطى أصحابه الأرزاق بها. وقيل أن مبلغ ما حمل من المال ألف ~~ألف دينار ومائتا ألف دينار. ومعه عبد الله أحمد بم محمد الكاتب مكبلا لأنه ~~أظهر الامتناع من الخروج معه، أشار عليه بأن يؤخر التقدم إلى طرابلس حتى ~~يصانع البربر فقال )أخشى أن تقدم العساكر من الشام قبل أحكام هذا الأمر ~~)يعني عساكر أبيه، لأنه كان ثائرا على أبيه( ويكون أيضا في ذلك فسحة ~~لإبراهيم بن أحمد فيتمهل في الاستعداد. ولكني أمضي على فوري هذا، فآتى لبدة ~~وإطرابلس فجأة، ثم أخذ في استمالة البربر بعد ذلك بالعطاء والأفضال وأبعد ~~من مصر، فلا يقوم لأحمد بن طولون )يعني أباه( أمل في مطالبتي لبعدي عنه!( ~~وخرج يريد لبلده فأنصل خبره لإبراهيم بن أحمد فأخرج إليه أحمد بن قهرب في ~~ألف وستمائة فارس، خيلا مجردة لا رجال فيها وأمره بإعداد السير والسرى ~~بالليل حتى دخل لإطرابلس قبل وصول العباس بن أحمد بن طولون إلى لبدة ثم ~~أحشد ابن قهرب من أمكنه من جند إطرابلس وبربرها، ثم بادر إلى لبدة ودخلها ~~وأقبل ms091 العباس ابن طولون وقد صنع له ببرقة خمسة آلاف بند فجعل له كل جملا ~~رجلا ببنده وزحف بثمانمائة فارس وخمسة آلاف رجل فالتقى به أحمد بن قهرب على ~~خمسة عشر ميلا من لبدة وقد تأخرت الجمال بالرجالة أصحاب البنود فلم يكن ~~بينهم ألا مناوشة يسيرة حتى أنهزم أحمد بن قهرب وهو يضن أن من ناوشة من ~~أصاحب ابن طولون كانوا مقمد للجيش. ووصل أحمد بن قرهب إلى إطرابلس منهزما ~~وركب العباس بن طولون أثره حتى نزل إطرابلس منصب عليها المجانيق وناصبهم ~~الحرب. وأقام محاصرا لهم ثلاثة وأربعين يوما فتعدى بعضهم سودانه على بعض ~~حرم البوادي وهتكوا الستر فستغاث أهل إطرابلس بأبي منصور صاحب منقوسة فقام ~~متحسبا وناصرا جيرانه من المسلمين وجحف في اثنا عشرة ألفا من رجال نفوسة ~~إلى العباس بن أحمد بن طولون فناشبوا الحرب فقال العباس لأبي عبد الله ~~الكاتب )ما الرأي؟( فقال له )ببرقة خلفته!( وألح أهل نفوسة في محاربة ابن ~~طولون فأنهزم وخرج إلى برقة بعد انتهاب أهل إطرابلس لجميع عسكره. ول يتلبس ~~النفوسيون منه بشيء بل تورعوا عنه. وكان إبراهيم بن أحمد قد حشد الأجناد ~~وضرب حلى نسائه دنانير ودراهم إذ لم يبق أبو الغرانيق مالا. ثم خرج بنفسه ~~يريد إطرابلس فلقيه خبر هزيمة ابن طولون فبحث ابن الأغلب عن الأموال وأخذ ~~ممن وجت عنده، فكان الرجل من أهل العسكر يبيع مثاقيل ابن طولون سرا بما ~~أمكنه خوفا من أن تأخذ منه وفي سنة 268 كان فتك إبراهيم بن الأغلب بأهل ~~الزاب فقتلهم وقتل أطفالهم وحملوا على العجل إلى الحفر فألقوا فيها وفيها ~~عزل صاحب صقلية الحسين بن عباس ووليها محمد بن الفضل. وفي سنة 269 توفي ~~سليمان بن حفص الفراء، وكان جهميا. وكان يقول بخلق القرآن ودعا الناس إليه ~~فهموا بقتله. # وفي سنة 270 توفي سليمان بن عمران القاضي مفلوجا. وتوفي حسين بن زيد بن ~~علي. وتوفي أبو حاتم هشام بن حاتم الفقيه، وكان مجاب الدعوة. # وفي سنة 271، توفي الحسين بن أحمد صاحب صقلية. ms092 ووليها سواد بن محمد بن ~~خفاجة التميمي. # وفي سنة 272 أغزى سوادة صاحب صقلية سراياه إلى بلاد الروم فغنمت انصرفت. ~~وفيها كانت وقائع بين المسلمين وبين بطريق جاء من القسطنطينية، يقال له ~~نجفور، في عسكر كبير، فدخل مدينة سبريينة، وخرج منها المسلمون بأمان إلى ~~صقلية. # وفي سنة 273 وثب أهل بلرم على سوادة بن محمد صاحب صقلية وعلى أخيه وبعض ~~رجاله فوجهوهم مفيدين إلى أفريقيا. وأجتمع أهل البلد على أبي العباس بن ~~علي، فولوه على أنفسهم. وفي سنة 274 كان وصول أحمد بن عمر بن عبد الله بن ~~إبراهيم بن الأغلب المعروف بحبشي. وفيها توفي أحمد بن حدير بإفريقيا، وله ~~سماع من سحنون. PageV01P049 وفي سنة 275 كان لأهل صقلية على المشركين صولة، ~~فقتل فيها من المشركين أكثر من سبعة آلاف وغرق نحو من خمسة آلف، حتى أخلى ~~الروم كثير من المدن والحصون التي تجاور المسلمون. ووصلت سرايا المسلمين ~~إلى الأرض الكبيرة فسبت وانصرفت. # وكانت بإفريقيا هيجة تعرف بثورة الدراهم. # ثورة الدراهم على إبراهيم بن أحمد # وذلك أن إبراهيم بن أحمد ضرب الدراهم الصحاح، وقطع ما كان يتعامل به من ~~القطع. فأنكرت ذلك العمة وغلقوا الحوانيت، وتألفوا، وصاروا إلى رقادة، ~~وصاحوا على إبراهيم، فحبسهم في الجامع. وتصل ذلك بأهل القيروان فخرجوا إلى ~~الباب وأظهروا المدافع. فوجه إليهم إبراهيم بن أحمد وزيره أبا عبد الله بن ~~أبي إسحاق فرموه بالحجارة وسبوه. فانصرف إلى السلطان إبراهيم بن أحمد، ~~فأعلمه بذلك. فركب إبراهيم إلى القيروان، ومعه حاجبه نصر بن الصمصامة في ~~جماعة من الجند، فناصبه أهل القيروان القتال. فتقدم إبراهيم بن أحمد إلى ~~المصلى، فنزل وجلس وكف أصحابه عن قتاله. فلما اطمأن به مجلسه، وهدأ الناس، ~~خرج إليه الفقيه الزاهد أبو جعفر أحمد بن مغيث، فمان بينهما كلام كثير. ~~ودخل أبو عبد الله بن أبي إسحاق الوزير مدينة القيروان مع أحمد بن مغيث فشق ~~صماطها وسكن أهلها. فرجع إبراهيم بن أحمد إلى رقاده، وأطلق المحبوسين ~~بالجامع. وانقطعت النقود والقطع من أفريقيا إلى اليوم، وضرب ms093 إبراهيم بن ~~أحمد دينارا ودرهما وسماها العاشرية، في كل دينار منها عشرة دراهم. # وفيها، عزل عبد الله بن أحمد بن طالب بن سفيان عن قضاء أفريقيا وحبسهة، ~~ثم أرسل إليه بطعام مسموم وأكله في الحبس، فمات من فوره في رجب، واستقضى ~~إبراهيم بن أحمد محمد بن عبدون بن أبي ثور، وكان جده طحانا، وكان يكتب ~~أسمه: محمد بن عبد الله الرعيني. # وفي سنة 276 كان الجهاد بصقلية في غزوة سوادة بن محمد إلى طرمين، ~~فحاصرها. وفيها حبس إبراهيم بن أحمد كاتبه محمد بن حيون المعروف بابن ~~البريدي فكتب إليه من السجن )بسيط(: # هبني أسأت فأين العفو والكرم # إذ قادني نحوك الإذعان والندم # يا خير من مدت الأيدي إليه أما # ترثي لصب نهاه عبدك القلم # بالغت في السخط فأصفح صفحا مقتدرا # أن الملوك إذا ما استرحموا رحموا # قال: فلما قرا إبراهيم بن أحمد أبياته، قال: )يكتب إلي: )هبني أسأت!( وهو ~~قد أساء! أما إنه لو قال )وافر(: # ونحن الكاتبون وقد أسأنا ... فهبنا للكرم الكاتبينا # لعفوت عنك!( ثم أمر - قبحه الله - به، فجعل في تابوت حتى مات - رحمه الله ~~تعالى! - 277 قتل إبراهيم بن أحمد حاجبه نصر بن الصمصامة بان ضربه خمسمائة ~~صوت، فلم ينطق بكلمة ولا تحرك من موضعه ثم أمر بضرب عنقه. فقال لنن حوله ~~)لا تظنوا أني أجزع من الموت!( ووددهم إنه يفتح يده ويغلقها ثلاث مرات بعد ~~ضرب عنقه ففعل، فأخبر إبراهيم بذلك فتعجب وأمر بشق بطنه شقا لطيفا ويؤتي ~~إليه بقلبه. فنظر منه إلى منظر عجيب وذلك أمه كان فأتى في كبده ووجت فيه ~~شعيرات نابت في أكثر أجزائه. # وفي سنة 278 كانت ولاية أبي العباس أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن الأغلب ~~للمظالم، وولاية محمد بن الفضل صقلية، وعرض ديوان الخراج على سوادة ~~النصراني على أن يسلم، فقال: )ما كنت لأدع ديني على رياسة أنالها!( فقطع ~~بنصفين وصلب. # وفي سنة 279 كانت ولاية محمد بن الفضل صقلية. ودخل حضرة بلرم لليلتين ~~خلتا من صفر. # وفيها، قتل ms094 إبراهيم بن أحمد من أهل أفريقية من قتل بطرا وشهوة فممن قتل ~~في هذه السنة: إسحاق بن عمران المتطبب المعروف بسم ساعة؛ قتله وصلبه، ومنهم ~~حلجبه فتح، ضربه بالسياط حتى مات. وقتل فيها جميع فتيانه؛ وسبب ذلك إنه كان ~~كثير الإصغاء إلى قول المنجمين والكهنة، وكانوا قالوا له إنه يقتله رجل ~~ناقص العقل، وانه يمكن أن يكون فتى، فكان إبراهيم، إذا رأى أحد من فتيانه، ~~فيه حركة ونشاط وجدة، يتقلد سيفا، قال: )هذا هو صاحبي!( فلما قتل منهم ~~جماعة، وقع بقلبه إنه قد استفسد إليهم فضمه الحذر منهم إلى قتل جميعهم، ~~فقتلهم في هذا العام، واستخدم عوضا عنهم السودان. ثم عرض لهم منه ما عرض ~~للفتيان الصقالبة: فقتل السودان أجمعين. PageV01P050 وفي سنة 280 كان ~~الإيقاع برجال بلزمه، وقصتهم ان إبراهيم بن احمد ابن الأغلب كان قد حاربهم ~~وأستقدم منهم إلى مدينة رقادة نحو من سبعمائة رجل من ابطالهم، فأنزلهم ووسع ~~عليهم، وبنى لهم دارا كبيرة تشمل على دور ترجع إلى باب واحد، وأسكنهم فيها. ~~فلما سكنوا واطمأنوا، جمع ثقات رجاله لأخذ أرزاقهم؛ ثم أمرهم بمصابحة ابنه ~~عبد الله لما أمره به. فلما اجتمعوا إليه ركب إلى دار البلزميين في الجند، ~~فقتلهم عن أخرهم، بعد أن دافعوا عن أنفسهم إلى وقت العصر. وكان ذلك من ~~أسباب انقطاع دولة بني الأغلب، إذ كان أهل بلرمة في نحو ألف رجل من أبناء ~~العرب والجند الداخلين إلى أفريقية عند افتتاحها وبعده، وكان أكثرهم من ~~قيس، وكانوا يذلون كتامة. فلما قتلهم إبراهيم، استطالت كثامة، ووجدت السبيل ~~للقيام مع الشيعي على بن الأغلب. # وفيها، كان تمنع البلاد ومخالفتها على السلطان إبراهيم بن أحمد، وانتزاء ~~من انتزى عليه. وذلك أن أهل تونس والجزيرة والأربس وباجة وقمودة خالفوا ~~عليه وقدموا على أنفسهم رجالا من الجند وغيرهم، لأن السلطان إبراهيم بن ~~الأغلب أخذ عبيدهم وخيلهم، وجار عليهم، فصارت أفريقية على نار موقدة، ولم ~~يبق يده من أعمال إلا الساحل والشرق إلى طرابلس. فحفر حفيرا حوالي رقادة، ~~ونصب عليها أبواب ms095 حديد، وجمع إلى نفسه ثقاته، وقرب السودان من قصره، وقد ~~كان جمع منهم خمسة آلاف أسود ز وفيها، وكانت وقائع انجلت عن فتح تونس عندة، ~~قمودة تحركوا لقتال إبراهيم بن الأغلب؛ فأخرج إليهم ميمونا الحبشي. فقاتلهم ~~حتى انهزموا، وقتل جماعة منهم، ثم فعل ذلك أهل تونس، فهزمهم ميمون أيضا، ~~وهزم أهل الجزيرة وصطفورة، وقتل منهم كثيرا، حتى سيق القتلى في العجل إلى ~~القيروان. ثم دخلت تونس بالسيف، لعشر بقين من ذي الحجة، فنهبت الأموال ~~وسبيت الذرية، واستحلت الفروج. ومما كان بأفريقية في هذا العام، دخول أبي ~~عبد الله، داعية الشيعة أفريقية، ونزوله بكتامه منها. فلنذكر الآن مبتدأ ~~أمرا مختصرا، إلى أن استقل بالملك. ثم نرجع ما كنا بصدده. # ابتداء الدولة العبيدية الشيعية PageV01P051 قال الوراق: لم تزل الشيعة ~~منذ مات على ابن أبي طالب - رضي الله عنه - تدعو إلى إمام معصوم، يقوم ~~بالحق، على زعمهم؛ فترسل دعاة إلى سائر النواحي، فلا ينجح لهم سعي. ثم ~~تفاوضوا وتراسلوا على أن يرسلوا داعيا إلى المغرب، يدعو الناس إلى التدين ~~بحب الله البيت، وتكاتبوا من سائر الأفاق. فاختاروا منهم رجلا ذا فهم، ~~وفصاحة وجدال، ومعرفة، يسمى أبا عبد الله الصنعاني، وجمعوا له مالا يتقوى ~~به على سفره. فسار أبو عبد الله هذا إلى موسم الحج ليجتمع به مع من يحج تلك ~~السنة من أهل المغرب، ويذوق أخلاقهم، ويطلع على مذاهبهم، ويتحيل على بيل ~~الملك بضعيف الحيل. فسبحان مقدرة المقدورة، ومحكم الأمور كيف يشاء لا إله ~~إلا هو فلما وصل للموسم، لا للحج لأن الحج ليس من مذهبهم الفاسد، بل تكلف ~~حضوره ليتسبب في مراده، فرأى في الموسم قوما من أهل المغرب، فلصق بهم ~~وخالطهم. وكانوا نحو عشرة رجال من قبيلة كتامة، ملتفين على شيخ منهم. ~~فسألهم عن بلادهم، فأخبروه بصفتها، وسألهم عن مذهبهم، فصدقوه عنه. فتكلم ~~أبو عبد الله الداعي في المذاهب؛ فوجد الشيخ يميل في مذهبه إلى مذهب ~~الأباضية النكارة، فدخل عليه من هذه الثملة ولم يزل يستدرجهم ويخلبهم بما ~~أوتي من فضل ms096 اللسان والعلم بالجدل إلى أن سلبهم عقولهم بسحر بيانه. فلما ~~حان رجوعهم إلى بلادهم سألوه عن أمره وشأنه فقال لهم )أنا رجل من أهل ~~العراق وكنت أخدم السلطان ثم رأيت أن خدمته ليست من أفعال البر فتركتها ~~وصرت أطلب المعيشة من المال الحلال فلما أر لذلك وجها ألا تعليم القرآن ~~للصبيان، فسألت أين يأتي ذلك تأتيا حسنا، فذكر لي بلاد مصر.( )ونحن سائرون ~~إلى مصر وهي طريقنا. فكن في صحبتنا إليها!( ورغبوا منه في ذلك فصحبهم في ~~الطريق. فكان يحدثهم ويميل بهم إلى مذهبه ويلقي إليهم الشيء بعد الشيء إلى ~~أن أشربت قلوبهم محبته فرغبوا منه أن يسر إلى بلادهم ليعلم صبيانهم. فاعتذر ~~لهم بعد الشقة وقال: )أن وجت بمصر حاجتي أقمت بها وألا فربما أصحبكم إلى ~~القيروان.( فلما وصلوا مصر غاب عنهم كأنه يطلب بغيته. ثم أجتمع بهم وسألوه ~~فقال لهم: )لم أجد في هذه البلاد ما أريد.( فرغبوه أن يصحبهم فأنعم لهم ~~بذلك. فكانوا في صحبته حتى وصلوا إلى القيروان فرادوه على أن يصل معهم إلى ~~البلاد وضمنوا لهم ما أراد من تعليم الصبيان فقال لهم )لابد لي المقام ~~بالقيروان حتى أطلب فيها حاجتي. فلما اتفق لي فيها غرضي وإلا نهضت إليكم.( ~~وكان شيخهم أحرصهم عليه وأكرمهم له، فوصف له منزله وموضعه من قبيلة كتامة، ~~فأقام بالقيروان يتعرف أخبار القبائل حتى صح عنده أن ليس في قبائل أفريقية ~~أكثر عددا ولا أشد شوكة ولا أصعب مراما على السلطان، من كتامة. # فلما تقرر ذلك عده، نهض نحو صاحبه الشيخ الكتامي، فاشترى بغلة شهباء ودخل ~~الطريق مع الفقة حتى قرب من موضع الشيخ صاحبه، فعدل إليه، ومر في الطريق ~~بأندر، والبقر فيه تدرس الزرع ورجل كهل من أهل كتامة جالس فيه مع ابنه، ~~فقرب منهما، وسلم عليهما. فقاما إليه ورحبا به، ورغبا منه في النزول ~~عندهما، فأجابهما إلى ذلك، فأنزلوه وأكرموه. فقال الداعي للرجل: )ما اسم ~~ولدك هذا؟( قال: ما اسمك أنت؟ قال: معارك. فقال في نفسه: تم أمرنا أن ms097 شاء ~~الله، لكن بعد معارك. ثم أراد الداعي الانصراف، فصرفوه مع امرأة نتدله على ~~الطريق، لأن الحرب كانت بينهم وبين بني عمهم. فسار حتى نزل في منزل من ~~منازل كتامة. فأتى المسجد، وفيه معلم يعلم الصبيان. فقام إليه المعلم وسلم ~~عليه، وهو راكب على بغلته الشهباء فجعل المعلم يطيل النظر إليه، فاستراب ~~لذلك أبو عبد الله، ونزل عن الدابة ودخل المسجد. ثم دعا المعلم فقال له: ~~لقد رأيتك تنظر إلي كثيرا وإلى البغلة. فقال له: ذلك لسبب أنا أقوله لك. ~~وذلك إنه كان فيهما تقدم رجل من كتامة كاهن، يقال له فيلق، وكان إذ رأى ~~تفاتنهم يقول لهم: إنما ترون الحرب إذا جاءكم الرجل الشرقي صاحب البغلة ~~الشهباء. فلما رأيتك، تذكرت قوله. فلما وقر ذلك في سمعه استبشر. وكان ذلك ~~والذي قبله من الفال تقوية له على أمره، وزيادة إقدام، لو لا هو لم يقدر أن ~~يتجاسر على شيء منه. فسبحان مسبب الأسباب. PageV01P052 فسار عبد الله ~~الداعي حتى وافى منزل الشيخ صاحبه الكتامي، فقصد إلى المسجد ونزل به، وفيه ~~معلم يعلم الصبيان وعنده أبناء الشيخ صاحبه فلما حان وقت الظهر أذن المعلم ~~فسمع الشيخ الأذان فخرج إلى المسجد، فرأى عبد الله فسلم عليه، وعانقه فلما ~~أراد المعلم الدخول للمحراب، أخره عنه الشيخ وقدم عبد اله لداعي، فلما ~~انقضت الصلاة قم معه إلى منزله وبالغ في إكرامه، وتحدث معه إلى أن حانت ~~صلاة العصر، فخرج معه لصلاة. فاستراب معلم الصبيان بذلك فترك ذلك المسجد ~~والتعليم فيه وانصرف. وصار عبد الله في ذلك المسجد يصلي ويعلم الصبيان. ~~واجتهد في تعليم الأولاد فجمعوا له أربعين دينارا، وزاد عليها الشيخ وأتى ~~بها إلى أبي عبد الله، فدفعها له، واعتذر له من ذلك. فتركها أبو عبد الله ~~أمامه ورد يده إلى كيس كان معه، وصب منه خمسمائة دينار أمام الشيخ وقال له: ~~لست بمعلم الصبيان إنما الأمر ما أخبرك به فاسمع إنما نحن أنصار أهل البيت ~~وقد جاءت الرواية فيكم يا أهل كتامة! إنكم أنصارنا، ms098 والمقيمون لدولتنا، وإن ~~الله يظهر بكم دينه، ويعز بكم أهل البيت! وإنه سيكون غمام منهم أنتم أنصاره ~~والباذلون مهجتهم دونه، وإن اله يستفتح بكم الدنيا كلها ويكون لكم أجركم ~~مضاعفا. فيجتمع لكم خير الدنيا والآخرة!. فقال له: الشيخ: أنا أرغب فيما ~~رغبتني فيه وأبذل فيه مهجتي ومالي ومن اتبعني وأنا أطوع إليك من يدك: فمر ~~بما شئت أمتثله!. فقال له: ادع لخاصة من بني عمك الأقرب فالأقرب. فقال: ~~نعم. فنظر الشيخ فيما قاله، وبث دعوته في أقاربه ومن يختص به. # وجاء شهر رمضان. فقال أبو عبد اله للشيخ: إن رمضان قد جاء ومذهبنا أن لا ~~تصلى التراويح لأنها ليست من سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما سنها ~~عمر ونحن نطول القراءة في صلاة العشاء الأخيرة، ونقرأ بالسور الطوال، فيكون ~~ذلك عوضا عن التراويح. فقال له الشيخ: أنا طائع لك فافعل ما تريده. وبلغ ~~خبر هذه الصلاة ولمع من أخبار هذا لداعي إلى بعض من اتصل بمنزل الشيخ ~~وبأخيه. فسار أخو الشيخ إليه وقال له: ما لك ولهذا المشرقي الذي أفسد دينك. ~~وغير مذهبك؟. فلما فرغ من كلامه قال له الشيخ: أنا أدعوك للأمر الذي دخلت ~~فيه، فأما أن تتقلد ما تقلدته وأما أن لا تلقاني بذم من قد بلوت خيره وفضله ~~ودينه!. فانصرف عنه أخوه مغضبا. وانفرد الشيخ مع سائر الجماعة، فوصف لهم ~~أبا عبد اله بكل فضيلة حتى تمكنت محبته في قربهم، ثم أخرجه إليهم وقال له: ~~كلمهم يا أبا عبد الله فكلمهم بلسانه وقال لهم: أنتم أنصار أهل البيت ~~وشيعته! حتى خلب عقولهم بحلاوة لفظه. فلم يبرحوا حتى دخلوا في دعوته. # ثم أن أخا الشيخ توجه إليه، يفخر عليه بمعلم أولاده، ويدعي إنه أعلم من ~~أبي عبد الله ويطلب مناظرتهما. فتواعدوا لذلك. ولنا حان الموعد جاء أخو ~~الشيخ وأبنائه، وبلغ أخاه مجيئه، فأتى بجماعة منت بني عمه ممن دخل في مذهبه ~~وقال لهم: إذا نحن اجتمعنا، اضربوا أنتم على قيطون أخي كأنكم أعدائه! وأمر ~~جماعة أخرى، فكمنت ms099 له في طريقه. فبينما أخو الشيخ مع معلمه وأولاده، إذ ~~صرخت صارخة من نحو قيطونة، فأسرع يركض إلى ناحيته، فخرج عليه الكمين، ~~فخبطوه بأسيافهم، وتركوه عقيرا. وبلغ الشيخ خبر قتل أخيه، فبادر كأنه لا ~~علم عنده من ذلك، وجاء بنو عمه يعزونه في أخيه، فذبحت البقر، وصنع طعاما ~~لبني عمه ونعى لهم أخاه، واحتال على قوم من بني عمه وأخذ عليهم العهود ~~والمواثيق بطاعة الداعي فاجتمع له منهم خلق كثير. PageV01P053 وأقام هذا ~~الشيخ في حرب مع قومه وبني عمه مدة من سبعة أعوام، إلى أن وافاه أجله. فلما ~~حضرته الوفاة، جمع بني عمه وقرابته، وقال لهم: أوصيكم بهذا الرجل ألا ~~تختلفوا عليه! وأوصى عبد اله على أولاده، وقضى نحبه. فالتزمت كتامة الطاعة ~~لأبي عبد الله ودخلت قبائل كثيرة في دعوته. فصير لهم ديوانا، وألزمهم ~~العسكرية، وقال لهم: أن لا أدعوكم لنفسي، وإنما أدعوكم لطاعة الإمام ~~المعصوم من أهل البيت، الذي صفته كذا وكذا. ووصف لهم من كراماته ما تنكره ~~العقول. فكانت تصح عندهم، ويقول لهم: هو صاحب هذا الأمر، وأنا منصرف من بين ~~يديه إذا ظهر! يعني عبيد الله. ولم يكن رآه قط، وإنما يسمع من شيوخ الشيعة، ~~وكان يعتقد ذلك اعتقادا صحيحا لا مرية فيه، إلى أن صفا له أمر البربر، ~~فنازل الحواضر وهزم ملك أفريقية وانتزعها من يديه. # وفى سنة 281، أمر إبراهيم ابن الأغلب صاحب أفريقية ميمونا الحبشي أن يسير ~~إلى تونس، فيقتل بها جماعة من بني تميم وغيرهم، فقتلوا وصلبوا على بابها. ~~فوفد أكابر أهل تونس مع ميمون الحبشي، فكسا السلطان ميمونا الخز والوشي ~~والديباج، وطوقه بالذهب، وحماه على فرس، وصرفه إلى تونس من غده. وفيها خرج ~~السلطان إبراهيم بن الأغلب إلى تونس، لثمان خلون من رجب، فاستوطنها. # وفي سنة 282، انعقد الصلح بين أهل صقلية والروم لأربعين شهرا على إخراج ~~ألف أسير من المسلمين، وعلى أن تكون عندهم رهائن الإسلام في كل ثلاثة اشهر ~~من العرب وثلاثة من البربر وفيها قدم إبراهيم بن الأغلب بنيه على بلاد ms100 ~~أفريقية. # وفي سنة 283، رجع إبراهيم بن أحمد من تونس إلى رقادة. وخرج أبو منصور ~~أحمد بن إبراهيم إلى طرابلس. وخرج أبو بحر بن أدهم إلى مصر. وفيها كانت ~~وقعة نفوسة، وذلك إن إبراهيم بن أحمد اعترضته نفوسة بين قابس وطرابلس ~~ومنعته الجواز، وكانوا في زهاء عشرين ألف رجل لا فارس معهم فناصبهم الحرب ~~وقاتلوهم قتالا شديدا حتى هزموهم وقتلوا أكثرهم. ثم تمادى إلى مدينة ~~طرابلس، فقتلوا بها أبو العباس محمد بن زيادة الله بن الأغلب وكان أديبا ~~ظريفا، له تواليف، وسبب قتله أن المعتضد بالله العباسي كتب إلى إبراهيم بن ~~أحمد يعنفه على جوره وسوء فعله بأهل تونس ويقول له: : إن انتهيت عن أخلاقك ~~هذه، وإلا فسلم العمل الذي بيدك لابن عمك محمد بن زيادة الله! ثم نهض من ~~طرابلس إلى تاورغا: فقتل بها خمسة عشر رجلا، وأمر بطبخ رؤوسهم مظهرا إنه ~~يريد أكلها، هو ومن معه من رجاله فارتاع أهل العسكر منه، وقالوا: )قد خولط( ~~فانفض الناس عنه فلنا رأى ذلك، خشي أن يبقى وحده. فرجع إلى تونس فجعل عقوبة ~~من انفض عنه غرم ثلاثين دينارا، فسمي غرم الهاربين. # وفي سنة 284، كانت وقعة بنفوسة لأبي العباس بن إبراهيم فقتل منهم مقتلة ~~عظيمة، وأسر منهم نحو ثلاثمائة. فلما وصل بهم إلى والده إبراهيم بن أحمد ~~دعا بهم. فقرب إليه الشيخ منهم، فقال له إبراهيم: أتعرف علي بن أبي طالب؟ ~~فقال له: لعنك الله يا إبراهيم على ظلمك وقتلك! فذبح إبراهيم وشق عن قلبه، ~~وأخرجه بيده، وأمر أن يفعل ببقية الأسرى كذلك، حتى أتى على أخرهم. ونظمت ~~قلوبهم في حبال، ونصبت على باب تونس. # قصة ابن الأغلب مع الشيخ الصالح أبي الأحوص # وذلك إن أبا الأحوص أحمد بن عبد اله المكفوف المتعبد، من أهل سوسة كان ~~زاهدا ورعا. فلما أكثر إبراهيم بن أحمد الجور والقتل، دعا برجل من لأهل ~~سوسة، وأملى عليه رسالة إلى إبراهيم، كان في فصل منها: يا فاسق! يا جائر! ~~يا خائن! قد حدت عن شرائع الإسلام! وعن ms101 قريب تعاين مقعدك من جهنم، وسترد ~~فتعلم! وبعث به إليه فلما قرأه، غضب وبعث إلى أبي الأحوص من قال له: عذرناك ~~لفضلك ودينك! ولكن ابعث إلي الذي كتب الكتاب. وبالله لئن لم تفعل، لأقتلن ~~فيه من أهل سوسة كذا وكذا، ويكون إثم ذلك في عنقك! فقال أبو الأحوص للرسول: ~~: قال له لئن قتلت ألفا لا يكون إثمهم إلا عليك! ولو عملت ما عملت ما ~~أعلمتك بالرجل. فتب إلى خالقك، وأرجع عن جورك! فأمسكه الله عنه، ومات أبو ~~الأحوص في هذه السنة. PageV01P054 وفي سنة 275، كانت فتنة بصقلية، بين ~~عربها وبربرها، وفي خلال ذلك، وردت كتب ابن الأغلب يدعوهم إلى الرجوع ~~للطاعة، ويؤمنهم أجمعين، حاشى أبا الحسن بن يزيد وولديه الحضرمي، فتقبض ~~عليه وبعث بهم إلى لأبن الأغلب فأما أبو الحسن فإنه تناول سما فمات من ~~ساعته وصلبت جثته وقتل ولداه. وجعل إبراهيم من يضاحك الحضرمي ويهازله، فقال ~~له: ليس هذا وقت هزل! وأمر به فقتل بالمقارع بين يديه. # وفي سنة 286، سخط إبراهيم ابن الأغلب على جماعة من فتيانه وقتلهم. وفيها ~~كانت وقعة أبي العباس بن إبراهيم بن أحمد بن الأغلب وبين بني بلطيط ببسكرة، ~~ففرق جموعهم وقتل عددا كثيرا منهم وأصلح ما كان التاث هناك. # وفي سنة 287، كانت بصقلية ملحمة كبيرة، وذلك إن أبا العباس عبد الله بن ~~إبراهيم بن أحمد أخرجه أبوه بالأسطول مصلحا لها، فأسرع إلى بلرم يؤمن ~~أهلها. فأتاه قاضيا في جماعة من أهلها، فحسبهم عند نفسه وصرف القاضي. ثم ~~وجه إليهم ثمانية مشايخ من أهل أفريقية، فحسبوهم مكافأة افعله في مشايخهم. ~~ثم زحفوا إليه وحاربوه فانهزموا وقتل منهم عدد كثير ودقت لهم سفن. وتمادت ~~هزيمتهم إلى بلرم. ثم زحف إليهم، فحاربهم على باب بلرم، وقتل منهم عددا ~~كثيرا، وطلبوه بالأمان فأمنهم. ودخلها لعشر بقين من رمضان من السنة. # وفي سنة 288، أخرج إبراهيم بن أحمد ولده أبا عبد الله في جيش كثير إلى ~~الزاب. وفيه أغزى أبو العباس صاحب صقلية، فدخل مدينة رية عنوة وغنم فيها ~~غنائم كثيرة ms102 واستأمنت له حصون وأعطوه الجزية. # وفي سنة 289، أظهر صاحب أفريقية إبراهيم بن احمد التوبة لنا استقام أمر ~~أبي عبد الله الداعي بكتامة. فأراد إبراهيم بن أحمد أن يرضي العامة ويستميل ~~قلوب الخاصة بفعله، فرد المظالم وأسقط القبالات، وأخذ العشر طعاما، ونرك ~~لأهل الضياع خراج السنة، وسماها سنة العدل، وأعتق مماليكه، وأعطى فقهاء ~~القيروان ووجوه أهلها أموالا عظيمة ليفرقوها على الضعفاء والمساكين ~~فاستوكلت وأعطيت من لا يستحقها وأنفقت في اللذات. وصرفت في الشهوات. وقدم ~~ولده أبو العباس من صقلية مستدعي فأسلم إليه أبوه الملك، فولي أبو العباس ~~على الكور من أحب. # أخبار إبراهيم بن أحمد على الجملة ووفاته # كان مولده يوم الأضحى سنة 261، وتوفي يوم الاثنين لثلاث عشر ليلة بقيت من ~~ذي القعدة من هذه السنة المؤرخة بأرض الروم وسيق ميتا إلى جزيرة صقلية، ~~فدفن بها بعد ثلاثة وأربعين يوما من موته. وكان عمره اثنين وخمسين سنة ومدة ~~ولايته ثمانية وعشرين سنة وستة أشهر واثنتي عشرة يوما. وأقام في أول ولايته ~~سبعة أعوام على ما كان أسلافه من حسن السيرة وحميد الأفعال، ثم تغيرت ~~أحواله، وأخذ في جمع الأموال. ثم صار في كل سنة يزداد تغيرا وسوء حال. ثم ~~اشتد نكاده، فأخذ في قتل أصحابه وحجابه حتى إنه قتل ابنه المكنى بأبي ~~الأغلب، وقتل بناته وأتي بأمور لم يأت بها أحد غيره. وكان كثير الملل، شديد ~~الحسد. وكانت له في بدء أمره سيرة حسنة، وأفعال محمودة، ثم غلب عليه خلط ~~سوداوي، فتغير وساءت أخلاقه كما ذكرنا. فقيل إنه افتقد منديلا صغيرا كان ~~يمسح به فمه، وكان سقط من يد بعض جواريه فأصابه خادم له، فقتل بسبه ~~ثلاثمائة خادم. وكان سبب قتله لولده ظن منه به، فضربت رقبته بين يديه صبرا. ~~وقتل أخزته ثمانية: ضربت أعناقهم بين يديه. وكانت أمه إذا ولدت له ابنة ~~أخفتها وربتها، لئلا يقتلها حتى اجتمع عندها منهن ست عشرة جارية، كأنهن ~~البدور، فقالت له يوما وقد رأت منه رقة: يا سيدي قد ربيت لك وصائف ملاحا، ~~وأحب ms103 أن تراهن. قال: نعم. فلما رآهن قالت له: هذه بنتك من فلانة وهذه بنتك ~~من فلانة. حتى عدتهن. فلنا خرج من عند أمه قال لخادم له أسود: امض إليهن ~~وجئني برؤوسهن. فوقف اسيتعضا ما لذلك. فقال له: أمض وإلا قدمتك قبلهن! فلما ~~دخل على أمه، كبر ذلك عليها، وعظم في قلبها وقالت له: راجعه! فقال لها: لا ~~سبيل إلى ذلك! فقتلهن وأخذ برؤوسهن، وجاء بها إليه معلقة بشعورهن، فطرحها ~~بين يديه - قبحه الله - وأدخل كثيرا من فتيانه الحمام وأغلق عليهم باب ~~البيت السخن، فماتوا فيه جميعا. وأخباره كثيرة في هذا المعنى، ذكرها الرقيق ~~وغيره. PageV01P055 وفي سنة 289 المذكورة استرجع أبو العباس بن إبراهيم بن ~~أحمد المال الذي أخرجه أبوه إلى الفقهاء ووجوه الناس ليفرقوه في المساكين، ~~فرجع معظمه وقال لمشايخ أفريقية: اغتنمتم الفرصة في المال لمرض الأمير أبي ~~ومغيبي عنه! وفيها شخص أبو عبد الله الأحول بن أبي العباس إلى مدينة طبنة ~~إلى محاربة الشيعة. وفيها تساقطت النجوم لثمان بقين من ذي القعدة، فسميت ~~السنة سنة النجوم، فلهذه السنة ثلاث أسماء سنة العدل وسنة الجور، )سماها ~~العامة بذلك( وسنة النجوم وفي سنة 290، كتب أبو العباس بن إبراهيم إلى ~~العمال ليأخذوا له البيعة لأن أباه فوض إليه وتخلى له عن الملك واشتغل ~~بالعبادة، وذلك قبل أن يبلغه وفاة أبيه. # ولاية أبي العباس بن إبراهيم بن أحمد وسيرته # وذلك إنه أظهر التقشف، والجلوس على الأرض، وإنصاف المظلوم وجالس أهل ~~العلم وشاورهم. وكان لا يركب إلا إلى الجامع فقال قوم: إن أهل النجوم أمروه ~~بذلك! وقال قوم: به وسوسة! وكتب إلى ابنه زيادة الله يستحثه في القدوم عليه ~~من صقلية لأنه وشي به إليه إنه يريد الانتزاء عليه. فقدم زيادة الله على ~~أبيه لعشر بقين من جمادى الأخيرة، فقبض أبو العباس ما كان معه من الأموال ~~والعدة، وحبس زيادة الله ي بيت داخل داره وحبس ناسا من أصحابه. # مقتل أبي العباس بن إبراهيم بن أحمد # قتل يوم الأربعاء، ليوم بقى من شعبان فكانت ms104 ولايته بعد أبيه تسعة أشهر ~~وأحد عشر يوما، ومن يوم أفضى إليه أبوه الأمر سنة واثنان وخمسون يوما. وكان ~~قتله على ما أصفه: وذلك إنه خرج من الحمام إلى دار خالية واستلقى على سرير ~~الخيزران، ووضع تحت رأسه سيفا ونام بعد أن خرج كل من كان في الدار غير ~~فتيين كان يثق بهما فلما نام تآمرا على قتله وقالا: )هذه فرصة في تقديم ~~اليد عند زيادة الله! فنطلقه من أسره ونستريح من أبيه ويلي مكانه ونفوز ~~بالخطوة عنده.( فأستل السيف الذي كان تحت رأسه وضربه ضربة فقطع عنقه ولحيته ~~حتى نفذ إلى السرير. ومضى الفت الأخر إلى ناحية من الدار فارتقى الحائط ~~ونفذ إلى زيادة الله وأعلمه لأن أباه قتل فظن أنها مكيدة عليه فقال له )أن ~~كنت صادقا فأريني الرأس فانطلق مسرعا ورمى إليه بالرأس فعند ذلك صدقه. # ولاية زيادة الله بن أبي العباس # عبد الله ابن إبراهيم بن أحمد بن الأغلب # وذلك أن زيادة الله لما صح عنده قتل أبيه ورأى الرأس بين يديه كسر قيوده ~~وبادر خوفا أن يشعر بالأمر أحد من أعمامه فيسبقه. فلما صار زيادة الله في ~~الدار أرسل في عبد الله بن الصائغ وفي أبي مسلم منصور بن إسماعيل، )وهما ~~ممن كان سجن معه تهمة،( وفي عبد الله بن أبي طالب. # فلما دخلوا عليه قال لهم: )انظروا لي ولأنفسكم!( فقالوا له: )أرسل في ~~أعمامك في لسان أبيك، وفي جودة الرجال والقواد.( فأرسل فيهم ودفع إليهم ~~الصلات، وأخذ عليهم البيعة وأمر أن ينادي بتونس: )من كان هاهنا من الجند ~~فليوافوا باب الأمير!( فركعوا بأسلحتهم فأمر بإدخالهم واحدا واحدا: يدخل ~~الرجال فيبايع ويعطي خمسين مثقالا ففعل ذلك بالجودة. # أو كتب ذلك كتاب بيعته، فقرأ بتونس على منبر جامعها. وأخذت له البيعة على ~~العامة بها. وكتب إلى العمال )بالبلاد( بأن يأخذوا له البيعة على من قبلهم. ~~فلما قرب العشاء، نودي في الجند )اصبحوا للأخذ عطاياكم( ومطل عمومته ~~بالانصراف )عنه( إلى الليل ثم أكبلهم أجمعين وأخلهم في شيني، ms105 ووكل بهم ~~ثقاته، وأمرهم أن يمضوا بهم إلى جزيرة الكراث، وهي على اثني عشر ميلا من ~~مدينة تونس، فضربت هناك رقابهم ليلة السبت لثلاث خلون لرمضان. وأصبح الجند ~~والموالي من غد ذلك اليوم لأخذ الصلات. فلما مضى صدر من النهار قيل لهم: ~~انصرفوا فإنه يوم شغل! ثم أتوا من الغد فدفعوا. فلم يزالوا يترددون إلى أن ~~بردت قلوبهم وملوا الاختلاف. ولما كمل الأمر لزيادة الله دعا بالفتيين ~~الذين قتلا أباه. فأمر بهما فقطعت أيديهما وأرجلهما وصلبا على باب القيروان ~~وباب الجزيرة من أبواب تونس. وقتل أيضا زيادة الله عمه أبا الأغلب الزاهد ~~الساكن يسوسه وقتل أخاه أبا عبد الله الأحول بعد أن استقدمه من طبنة. ~~PageV01P056 وولى زيادة اله الوزارة والبريد عبد الله بن الصائغ، وولى أبا ~~مسلم منصور بن إسماعيل ديوان الخراج! وولى قضاء القيروان حماس بن مروان ابن ~~سماك الهمداني، وكان ورعا عالما بمذهب مالك وأصحابه، فعدل في أحكامه، ولم ~~يكن يهيب أحدا في ولايته )ونظره. وفيها مات محمد بن مجمد بن الفرج البغدادي ~~مولى بني هاشم، وكانت له عناية وطلب، ومات محمد بن ابن المنهال، وكانت له ~~رياسة بأفريقية. وفيها قتل بن الفياد إذ اتهمه زيادة الله بأنه أشار على ~~أبيه يؤدبه وحبسه. وفيها مات محمد بن سليمان وكان ثقة الحديث والرواية وسمع ~~أبوه من سفيان بن عيينة(. # وفي هذه السنة، أسست مدينة وهران، على يدي محمد بن أبي عون بن عبدون ~~وجماعة من الأندلسيين. # )وفيها مات علي بن الهيثم المحدث، وإبراهيم بن عثمان القرشي التونسي ~~وكانا من أهل الرواية والعلم.( وفي سنة 291 ولي محمد بن زيادة الله العهد، ~~وأخذت البيعة له بذلك. )وفيها قتل هذيل النفطي، صاحب ديوان الخراج، وقتل ~~ابن المنبت الملقب بالعجل، وفيها توفي محمد بن زرزور الفقيه الفارسي وكان ~~على مذهب أبي حنيفة، وكان حافظا لبيبا، ونظر في النجوم والحساب، وخولط في ~~عقله، فكان إذا قيل له: )يا زواغي( يهيج وينشط( وولي على بن أبي الفوارس ~~)التميمي( عمالة القيروان ثم عزل عنها، ووليها ms106 أحمد بن مسرور. وولى إبراهيم ~~بن حبشي التميمي قتال أبي عبد الله الشيعي. # وفيها مات أبو جعفر أحمد بن داود الصواف، مولى ربيعة، وكان فاضلا من رجال ~~سحنون وكان في حداثته يقول الشعر ثم تركه. وفيها خرج الحسن بن حاتم إلى ~~العراق رسولا من عند زيادة الله بهادايا وطرف. وولى الحسن بن أبي العيش بن ~~إدريس بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحسن )أبن الحسن( بن علي بن أبي ~~طالب )رضه( عمل جراوة لوفاة أبيه أبي العيش. ورفع زيادة الله فقهاء إفريقيا ~~إلى مدينة تونس مستظهرا بهم على أبي عبد الله الشيعي فاجتمعوا عند عبد الله ~~بن الصائغ صاحب البريد، وتفاوضا في أمره وقال لهم ابن الصائغ )أن الأمير ~~يقول لكم هذا الصنعاني الخارج علينا مع كتامه يعلن أب بكر وعمر رضنهما ~~ويزعم أن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ارتدوا ويسمى أصحابه: ~~المؤمنين ومن يخالفه في مذهبه: الكافرين ويبيح دم من خالف رأيه( فأظهر ~~الفقهاء لعنه والبراءة منه، وحرضوا الناس على قتله وأفوتهم بمجاهدته. )وأرس ~~زيادة الله هدية للعابس فيها عشرة آلاف مقال في كل مثقال منها عشرة مثاقيل ~~وكتب في كل مثقال هذين البيتين )كامل(: # يا سائرا نحو الخليفة قل له ... أن قد كفاك الله أمرك كله # بزيادة الله بن عبد الله سي ... ف الله من دون الخليفة سله # وفي سنة 239 قد أبو مسلم بن إسماعيل بن يونس لإصلاح مدينة رقادة ورقع ما ~~وهي فيها وإنشاء مركبا على ماجل القيروان وسمى الزلاج. وقدم زيادة الله في ~~تونس في شهر ربيع الأخر فنزل على الماجل الكبير بالقيروان. وفيها ضرب الخال ~~طوف بمدينة القيروان مخسبا على بغل بأكاف. PageV01P057 وفيها، ظهر النجم ذو ~~الذوابة في الجدي بجه الشمال، بقرب بنات نعش وذلك في رجب. وقفيها كانت وقعة ~~على عسكر السلطان وذلك أن أبى عبد الله )الداعي(، لما علم بخروج العسكر ~~إليه وكثرة من معه من وجوه الرجال وأمجاد العرب والموالي، وما معه من العدة ~~وآلات الحرب، وأرتاع لذلك، ms107 وأخذ في حشد كتامة وكان حشده بغير ديوان إنما ~~كان يكتب إلى رؤساء القبائل، فيحشدوا من يليهم، طاعة له ورغبة فيه. وكان لا ~~يزيدهم في كتابه إليهم على أن يقول: )أن الوعد يوم كذا في موضع كذا( ويصرخ ~~صاروخ بين يديه: )حرام على من تخلف( فلا يتخلف عنه أحد من كتامة، فأجتمع ~~منهم ما لا يحصى كثرة. وتأهب لملاقاة إبراهيم بن حبشي، فالتقى مع إبراهيم ~~بن حبشي أمير العسكر بكينونة فكانت بينهما ملحمة عظيمة تطاعنوا فيها ~~بالرماح حتى تحطمت وتجادلوا بالسيوف حتى تقطعت، من أول النهار إلى أخره ثم ~~انهزم إبراهيم ووقع القتل على أصحابه فذهب كثير منهم ونجى باقيهم في ظلمة ~~الليل واشتغلت عنهم كتامة بالغنيمة والأموال والسلاح والسروج واللجم وضروب ~~الأمتعة. وهي أول غنيمة أصابها الشيعي وأصحابه، فلبسوا أثواب الحرير، ~~وتقلدوا السيوف الموحلات، وركبوا بسروج الفضة واللجم الملهبة، وكثر عندهم ~~السلاح، فشرفت أنفسهم، وتحققت آمالهم، وصح عندهم ما كان الشيعي يعدهم به من ~~النصر، ويبسط له الآمال فيه من التأييد لهم والنصر والغلبة لعدوهم. ووقع ~~الوهي على أهل إفريقيا، وداخلهم الوهن والجزع وكتب أبو عبد الله الداعي إلى ~~عبيد الله الشيعي، وهو يومئذ بسجلماسة يعلموا بالفتح ووجه إليه بمال كثير ~~مع قومه من أهل كتامة سرا. # وذكر رجل من بني هاشم بن عبد المطلب يسمى بأحمد بن محمد بن عبد الله بن ~~جعفر بن عبد الله بن علي بن زيد بن ركانة بن عبدون بن هاشم، كان مع عبيد ~~الله بسجلمانة قال: )وصلني عبيد الله بمال كثير من دنانير لا توجد في ذلك ~~البلد، فكثر تعجبي منها. فلما رأى مني ذلك، وعلم مني ما أوجبه ثقته بي ~~واستنامته إلي. قرأ على كتاب أبي عبد الله بالفتحة، وأمرني بكتمان الخبر، ~~وألا أبدل حالتي الأولى، ولا أغير حيلتي وملبسي؛ وقال لي: )عن علينا عيونا ~~ورقابة؛ فلا يطلعوا منا على تبدل الحال، واستفادة مال( وفيها، مات أبو سهل ~~فرات بن محمد العبدي الفقيه، سمع من سحنون، وعبد الله بن بي حسان، ms108 وموسى بن ~~معاوية، وغيرهم بأفريقية، ورحل إلى المشرق فسمع كمن رؤساء أصحاب مالك وله ~~لسان طويل ومعرفة بالأنساب، وكان أعلم الناس بالناي وأوقع الناس في الناس ~~حتى نسب إلى الكذب. وفيها، ولد محمد بن يوسف الوراق بالقيروان. # وفي سنة 293، أخرج زيادة الله بن عبد الله بن الأغلب جيشا إلى الأربس ~~لمحاربة أبي عبد الله الشيعي وولى عليهم مدلج بن زكرياء، وأحمد بن مسرور ~~الخال، فخالفا عليه يوم الاثنين لعشر خلون من جمادى الأخيرة، ووافيا ~~بالعسكر مدينة القيروان يوم الخميس لثلث عشرة ليلة خلت من جمادى الأخيرة، ~~فخرج ألهم الغوغاء من القيروان ودافعوهما. وكبا بمبلج فرسه، فقتل من ساعته ~~وقل مع ابن بربر، وصلب على باب رقادة وقد كان زيادة الله برز لقتال مدلج، ~~حتى أتاه الخبر بقتل العامة له، فكتب بذلك فتحا قرى بالقيروان وأعمالها. ~~وكان سبب خلافه على زيادة الله إنه حكم عليه في منية له كا تعرف بالجليدية، ~~وسجل عليه فيها القاضي حماس بن مروان فأضغن ذلك، وجعل سببا إلى الخلاف ~~عليه. # وفيها، ورد كتاب المكتفي بالله، يحث أهل أفريقيا على نصرة زيادة الله، ~~ومحاربة الشيعي. وقرأ كتابه على الناس. وفيها، كسفت الشمس كلها، وصلى ~~القاضي حماسة بن مروان بالناس صلاة الكسوف في الجامع. وفيها خرج زيادة الله ~~بن عبد الله إلى مدينة الأربس فنزل بغريبها، واجتمعت إليه عساكر كثير، ~~وأعطى بها الأموال جزافا بالمصحاف كيلا بلا وزن، لكل رجل صحفة توضع له في ~~كسائه دنانير ويحمل على فرس، ثم يخرج الرجل، فلا يرى بعدها. فأنفق فيها ~~أموال جسيمة وبذل مجهوده في الإحسان إلى الرجال. والشيعي مع ذلك ازداد ~~ظهورا. ووجه عساكر إلى بدعاية، وشك مدين طبنة وشحنها بالرجال وقد عليها ~~حاجبه أبا المقارع حسن بن أحمد بن نافذ مع سبيب بن أبي شداد القمودي وخفاجة ~~العيسي، وكانوا من أهل البسالة، وأمرهم بشن الغارات على كتامة، فكان بينهم ~~وقائع قتل فيها كثير من الفريقين. PageV01P058 وفيها، ولي قضاء مدينة رقادة ~~محمد بن عبد الله المعروف بابن جيمال، وكان مولى ms109 لبني أمية، ولم يكن عنده ~~علم ولا ورع وإنما عنيت به عبد الله بن الصائغ، وكانت فيه غفلة شديدة وضعف ~~وقيل إنه باع نفسه في حداثته تين أيام الشدة، ثم أثبت بعد ذلك حريته، ~~وأنطلق. وشهدت عنده بينه بأن امرأة وكلت ولدها، فقال لهم: )وكلته وهي ~~بالغة؟( قالوا له )وهو أبنها! أصلحك الله! فكيف لا تكون بالغا!( وضحكوا ~~عليه، فأستحي. # وفيها، قدم أبو يعقوب إسحاق بن سليمان الإسرائيلي المتطبب على زيادة الله ~~من المشرق مع أبي الحسن بن حارث فوصل إليه وهو بالاربس. قال إسحاق: )فدخلت ~~على زيادة الله ساعة وصولي، ورأيت مجلسه قليل الوقار، كثير اللهو. فابتدأني ~~بالكلام ابن حبيش المعروف باليوناني، فقال لي: )تقول أن الملوحة تحلو؟( ~~فقلت له: )نعم( قال )وتقول أن الحلاوة تحلو؟( قلت له: )نعم( فقال لي: ~~)فلحلاوة هي الملوحة والملوحة هي الحلاوة!( فقلت له: )أن الحلاوة تحلو ~~بلطافة وملائمة، والملوحة تحلو بعنف وقوة( فتمادى على المكابرة في ذلك، حتى ~~قلت له )تقول أنك حي والكلب حي؟( قال )نعم( قلت له )فأنت الكلب والكلب أنت( ~~فضحك زيادة الله ضحكا شديدا قال: )فعلمت أن رغبتك في الهزل أكثر من رغبتك ~~في الجد(. # وفي هذه السنة تغلب أبو عبد الله الداعي على مدينة بالرمة وعلى مدينة ~~طبنة، ودخلهما بالأمان في أخر ذي الحجة وبها أبو المقارع حسن بن أحمد والى ~~زيادة الله وعامله عليهما مع صاحبيه المذكورين قبل هذا. وكان بهما جباة على ~~ضروب المغارم، فأتوه بما في أيديهم من الجباية، فقال لأحدهم )من أين جمعتم ~~هذا المال؟( فقالوا له )من العشر( فقال عبد الله: )إنما العشر حبوب وهذا ~~عين( ثم قال لقوم من ثقاة طبنة: )أذهبوا بهذا المال فليرد على كل رجل ما ~~أخذ منه، وأعلموا الناس أنهم إمناء على ما يخرج الله لمن أرضهم، وسنة ~~العشور معروفة في أخذه وتفرقته وعلى ما ينصه كتاب الله عز وجل( ثم قال لأخر ~~)من أين هذا المال الذي بين يدك؟( قال: )جبيته من اليهود والنصارى جزية عن ~~حول ms110 مضى لهم.( فقال )وكيف أخذته عينا، وإنما كان يأخذ رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - من الملأ ثمانية وأربعين درهما، ومن المتوسط أربعة وعشرين ~~درهما ومن الفقير أثنى عشر درهما!( فقال له: )أخذت العين عن الدراهم بالصرف ~~الذي كان يأخذه عمر( فقال أبو عبد الله: )هذا مال طيب( ثم أمر أحد الدعاة ~~بأن يفرقه على أصحابه وقال لمن أتاه بمال الخرج: )هذا ما لا خير فيه ولا ~~قابلة ولا خراج على المسلمين في أموالهم!( ثم أمر ثقاة أهل طبنة برده على ~~أهله وقبض مال الصدقة من الإبل والبقر والغنم، بعد أن قيل له أنها قبضت ~~الأنعام على الإنسان الواجبة في الصدقات، ثم بيعت وجمعت أثمانها. فرضي بذلك ~~وجوزه. فلما نظر أهل طبنة إلى فعله، سروا به وجوا أن يستعمل فيهم الكتاب ~~والسنة. وانتشر فعله في جميع نواحي إفريقيا فتاقت أنفسهم إليه، وكاتبوه ~~ودخلوا في طاعته وبلغ ذلك زيادة الله فأغتنم به غما شديدا )وأخذ في حشد ~~الرجال والاستكثار منهم( وأمر بلعنة الشيعي على المنابر. # )وفيها قدم زيادة الله بن الطبني من بغداد وفيها توفي أبو جعفر محمد بن ~~الحسين المروزي بجزيرة صقلية وكان فقيها وأتهم بالكذب وتوفي فيها محمد بن ~~المنيب الأزدي الفقيه، وكان مذهبه مذهب أهل العراق وكان من أهل الخير، وعرض ~~عليه القضاء فلم يقبله. مات محمد بن نصر المتعبد وكانت له رواية، ومحمد بن ~~أبي الحميد السوسي، وزيدان بن إسماعيل الأزدي وكانا في الثقات في العلم(. ~~PageV01P059 وفي سنة 294، )خرج إبراهيم بن حبشي بن عمر من الأندلس بالعسكر ~~لملاقاة أبي عبد الله الشيعي بمدينة طبنة في النصف من المحرم. وفيها عزل ~~عبد الله ابن محمد بن مفرج المعروف بابن الشاعر عن قضاء قسطيلية، ورفع إلى ~~زيادة الله وهو بالأربس، مخشبا، فأمر بضربه وقيده وحبس بحبس الأربس، وذلك ~~أن وجود قسيلية رفعوا عليه إلى زيادة الله، تظلموا منه، وكتب إلى عامله ~~بعزله وتخشيبه ورفعه إلى بابه فقدم الكتاب والعامل غائب، وتبادر بعض القوم ~~الذين رفعوا عليه إلى مجلس القضاء ms111 الذي كان فيه فسبوه وهموا بالبسط إليه ~~فأمر غلمانه بأخذهم وضربهم وقيدهم وحبسهم، ثم قدم القدم العامل وقد نفذ ~~فيهم كلما أحب، فأوثقه حديدا، وخشبه، ووجه إلى زيادة الله فضربه بالدرة ~~وحبسه، وذلك للنصف من محرم. # وفيها، أنصرف زيادة الله من الأربس إلى رقادة، واستخلف على الجيش بالأربس ~~إبراهيم بن أحمد بن أبي عقال. وبنى زيادة الله سور مدينة رقادة بالطوب ~~والطوابي، والتزم التنزه على البحر وغيره، واتباع اللذات، ومنادمة العيارين ~~والشطار والزمامرة والضراطين. وكان إذا فكر في زوال ملكه وغلبت عدوه على ~~أكثر مواضع عمله، يقول لندمائه )املأ اأسقني! من القرن يكفيني!( وأشتد كلفه ~~بغلام له يسمى بخطاب فكتب اسمه في سكة الدنانير والدراهم، ثم وجد عليه ~~فحبسه وقيده، فغنت له جارية تستعطف على الخطاب )بسيط(: # يا أيها الملك الميمون طائره ... رفقا فأن يد المعشوق فوق يدك # كم ذا التجلد والأحشاء خافقة ... أعيذ كفك أن تسطو على كبدك # فرض عن الخطاب وأعاده إلى منزلته. وكان إذا أظهر الغم بأمره الشيعي أخذوا ~~له في التسلي فغنت جارية له يوم )كامل(: # أصبر لدهر نال م ... نك فهكذا مضت الدهور # فرح وحزن مرة ... ولا الحزن دام ولا السرور # فقال لها )صدقتني!( وأمر لها بصلة. # وفيها، استعفى حماس بن مروان عن القضاء بالقيروان، فعوفي، وولي زيادة ~~الله مكانه محمد بن جيمال، فلم يزل قاضيا إلى أن هرب زيادة الله. وفيه، دخل ~~أبو عبد الله الشيعي مدينة بغاية بالأمان، في شعبا، فعظم غم زيادة الله ~~بذلك، وأستشار ابن الصائغ في أمره، فقال له )ارحل إلى مصر سرا وأستخلف على ~~إفريقيا قائدا تجعل إليه أمر العساكر، وتترك له الأموال( فنظر في ذلك، وأمر ~~بشراء خمسمائة جمل لرحيله. ثم ظهر له خطأ هذا الرأي، وخشي قيام الناس عليه ~~وثورتهم به، فأمسك. وشعر إبراهيم بن حبشي ابن عمر بما كان هم زيادة الله من ~~الهرب فتعرض له حتى أدخله قصر البحر وأراه ما زخرفه له فيه وقال: )يا سيدي! ~~أين البنية من قصر جدك القديم الذي صبر ms112 فيه على الحصار أعوام كثيرة وقد ~~أبغضه جل أهل بلده! وقام عليه رؤساء جنده، فبقى مقيما فيه وضابطا له، حتى ~~أظهره الله عليهم، ومكنه منهم! فكيف بك وقد كثر مالك وأحبك رجالك؟ وأهل ~~إفريقيا معك! وإنما خرج عليك شيخ لا يعرف مكانه في البربر وأنت في حصن ~~منيع! والله يدفع عنك! فدفع ما يقال لك! فإنك الظافر بحول الله وقوته، إن ~~شاء الله( فأصغى زيادة الله غالى قوله، وسر بما سمع منه وجعل يرسل الرجال ~~والأموال إلى الأربس وهو أقصى ثغوره. فكانت خيل أبي عبد الله الشيعي تغير ~~على الأربس من باغاية من الأربس. وفيها قدم حبشي وابن حجر وابن عباس من بلد ~~الروم ومعهم رسول صاحب القسطنطينية. وكساهم زيادة الله وأنزل الرسول في ~~الملعب بقرب رقادة وجمع الناس للمباهاة بهم فكان جمعا عظيما. وفيها ضرب ~~القباب والأخبية حوالي مدينة رقادة وأخذ أهل مدينة القيروان بالعسس حولها ~~والمبيت في الأخبية المضروبة جوارها. وجدد زيادة الله الحشد ورغب الناس ~~بالأموال وفيها توفي محمد بن أبي الهيثم اللؤلؤي الفقيه، ولي قهرب الحجارة ~~في شعبان. PageV01P060 وفي سنة 295، خرج زيادة الله إلى مدينة تونس في شهر ~~محرم )ليحاول أموره فيها.(. )وفيها استسقى القاضي أبو العباس بن جيمال ~~بالناس يوم الاثنين لست خلون من شهر ربيع الآخر. وفيها عزل ابن الوليد عن ~~الصلاة وولى مكانه ابن يزيد للنصف من شهر ربيع الأخر. وفيها توفي أبو الحسن ~~بن حاتم الرسول إلى بغداد، في شوال. وفيها توفي أبو موسى عيسى بن مسكين ~~القاضي فصلى عليه أبو جعفر أحمد بن خالد السهمي في قريته بالساحل. و)فيها( ~~توفي )أبو عياش( أحمد بن موسى بن مخلد )الفقيه وكان يحمي إلى غافق، وكان من ~~أصحاب سحنون بن سعيد(، وكان زاهدا ورعا متعبدا فاضلا )وعالما بما فيه كتبه، ~~كثير لحكاية، سمع منه بشر كثير من أهل القيروان، ودف بباب سلم. وفيها، مات ~~سعيد بن إسحاق الفقيه، مولى كلب وكان من رجال سحنون بن سعيد، وسمع من جماعة ~~من إفريقية وكان كثير الرباط ms113 والرواية والجمع للحديث، وكان مولده سنة 212(. # وفقي سنة 296، وصل خليل )أبي عبد الله الشيعي( )الداعي( إلى قسطيلية، ~~وانهزم أبو مسلم منصور بن إسماعيل، )وشبيب بن أبي الصارم، وانقبضا( إلى ~~مدينة توزر، وانبسطت الخيل )هنالك واحترقت القرى( وأفسدت ما مرت به من ~~النعم. وكان أبو عبد الله قبل ذلك قد أمر أصحابه بالكف عن الغارات وألا ~~يرموا مكانه، فأقاموا نحو شهرين لم تظهر له حركة، حتى قيل فيه نأنه مريض ~~وقيل: بل مات. ولما وصل الخبر بانبساط جيوش أبي عبد الله إلى زيادة الله ~~هالة وراعه، وارتجت الحضارة واضطربت أحوال الجند ويئسوا من البلد وخافوا ~~على ذراريهم وأهاليهم السبي والاسترقاق: وجعل عبد الله بن الصائغ يقول ~~لزيادة الله )هذا ما تضيع الشيخ السوء أبي مسلم ومن سوء نظره!( وكان ابن ~~الصائغ كاتبا لأبي مسلم في أيام إبراهيم بن أحمد، ففسدت الحال بينهما، ولم ~~يزل يرفع على أبي مسلم يومئذ حتى عزل. ثم لما دارت هذه الدائرة بقسطيلية، ~~نسب ذلك ابن الصائغ إليه وأوقد زيادة الله عليه وأغراه به حتى كتب إلى شبيب ~~بن أبي الصارم يأمره بضرب عنق أبي مسلم وصلبه يوما وليلة ثم يدفنه. وبعث ~~إليه من ثقاته من يحضر تنفيذ ذلك فيه فلما وصل الكتاب إلى شبيب اغتنم ولم ~~يجد بلدا من التنفيذ فدفع الكتاب إلى أبي مسلم وهو مع يومئذ بتوزر وقال له: ~~)عز على ما وردني فيك!( فلما قرأه أبو مسلم قال )أنا الله وأنا إليه ~~راجعون! خدع الصبي الأحمق وذهب ملكه( ثم قبض بيده اليسرى على لحيته وصفع ~~باليمنى قفا نفسه صفعات، وقال: )هذا جزاء من عصى الله وأطاع الآدميين، وسفك ~~الدماء المحرمة! أما الله! ولو تركته ولم أشر عليه بقل عمومته وأخوته ~~وشغلتهم بهم ما دار على من قبله ما دار!( ثم قال لشبيب )أمهلني أتوضأ وأصلي ~~ركعتين أختم بهما عملي!( ففعل وصلى ودعا وبكى ثم قدم، فضربت عنقه وصلب ودفن ~~في اليوم الثاني وذلك في النصف من صفر. وفيها توفي أبو العباس بن أبي ms114 خدش ~~صاحب المظالم أيام ابن عبدون. وفيها مات أبو عقال بن خير الفقيه، وكان يذهب ~~مذهب أهل العراق، وكتب لابن عبدون أيامه على القضاء. # ذكر خروج بن الأغلب من أفريقية # وفيها، زحف أبو عبد الله الشيعي إلى الأربس ونازلها، وبها إبراهيم بن أبي ~~الأغلب في عساكر أفريقية وجمهور أجنادها، فقاتلها حتى أخذها عنوة ودخلها ~~بالسيف لست بقين من جمادى الأخيرة. فهرب إبراهيم بن أبي الأغلب وإليها، ~~ونجا في جماعة من القواد والجند. ولجأ أهل الأربس ومن كان اجتمع فيها من ~~فلال العسكر جامعها. وركب بعض الناس بعضا وقتلهم الشيعي )لعنه الله( أجمعين ~~حتى كانت الدماء تسيل من أبواب المسجد كما يسيل الماء من وابل الغيث. وقيل ~~إنه قتل داخل المسجد ثلاثين ألف رجل. وكان قتلهم من بعد الصلاة العصر إلى ~~أخر الليل. فلما أصبح، وقد فرغ من القتل والنهى والسبي، نادى بالرحيل، ~~وانصرف إلى مدينة باغاية، إذ خشي أن يحاشد عليه من أهل أفريقية. # هروب زيادة الله من رقادة PageV01P061 واتصل الخبر بزيادة الله في اليوم ~~الثاني، وهو يوم الأحد لخميس بقين من جمادى الأخيرة، فسقط ما بيده، وعلم ~~إنه خارج عن ملكه. وجعل ابن الصائغ يطفئ الخبر ويكذبه له، ويظهر أن الفتح ~~كان لهم على الشيعي. وبرح على أبواب مدينة رقادة: )من أراد اللحاق وجزيل ~~العطاء، للفارس عشرون دينارا وللراجل عشرة دنانير، فليلحق بقصره الأمير!( ~~فلما سمع الناس ذلك بدر إليهم سوء الظن، وعلموا أن الدائرة كانت على أصحاب ~~زيادة الله، وماجوا فيما بينهم. وجعلت الخاصة وأهل الخدمة يفرون من رقادة. ~~فلما رأى ذلك زيادة الله، أخذ في شد الحمال بما خف من الجوهر والمال، وحرك ~~خاصته للخروج معه. فلما كان وقت صلاة العتمة من ليلة الاثنين لأربع بقين من ~~جمادى الأخير، ركب فرسه، وتقلد سيفه، وقدم الحمال فمر من بين يديه، هاربا ~~أعلى عيون أهله وحرمه وولده. فأخذت جارية من جواريه عودا ووضعته على صدرها، ~~وغنته على حمله معه، فقالت )منسرح(: # لم أنسن من الوداع موقفها ... وجفنها من دموعها ms115 غرق # قولها، والركاب سائرة: ... )تركنا سيدي وتنطلق # أستودع الله ظبية جزعت ... للبين والبين فيه لي حرق( # فدمعت عينا زيادة الله عند سماعها، وشغله سوء الموقف وضيق الحال عن حملها ~~معه. وخرج عن مدينة رقادة متوجها إلى مصر في ثلث الليل الأول. ومعه وجوه ~~رجاله وفتيانه وعبيده، )وأخذ طريق الجادة( حتى لحق بمدينة إطرالبس. وكان ~~عبد بن الصائغ يتقلد جميع أوامره )وينظر على أهل خدمته( فوطأ خزان الأموال ~~على انقطاع ثلاثين حملا من المال، في كل حمل ستة عشر ألف مثقال؛ فواعدهم ~~موضعا يجتمع فيه معهم؛ فأخطئوه في الليل، وخرجوا إلى مدينة سوسة؛ فقبض ~~عليهم ابن الهمداني عاملها، وخزنها في قصر الرباط بسوسة، حتى صارت إلى ~~الشيعة. وأصبح الناس من ليلة خروج زيادة الله هاربا إلى مدينة رقادة، ~~فأنتهبوها وأخذوا من بقايا أموال بني الأغلب ومتاعهم وصنوف الآنية من الذهب ~~والفضة وما لا يحيط به وصف. ورجع القوى يأخذ من الضعيف ما سبق إليه. ~~والهارب أبو مضر زيادة الله بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن الأغلب، ~~المعروف بخزر ابن إبراهيم بن الأغلب بن سالم بن عقال التميمي. وكانت ولايته ~~بأفريقية خمس سنين وأحد عشر شهرا وأربعة أيام. وكانت إمارة بني الأغلب ~~بأفريقية مائة سنة، وإحدى عشرة سنة ن وثلاثة أشهر. # ثم أن إبراهيم بن الأغلب، المنهزم من الأربس، أقبل إلى القيروان فيمن بقى ~~معه من القواد. قفنزل بدار الإمارة. وبعث في وجوه الناس، وجعل يظهر عندهم ~~عتب زيادة الله، ويأخذ في انتقاصه، وأنه أسند أمر المسلمين إلى من كان يسعى ~~في زوال ملكه. وقال للناس: )أن كتامة مفسدون في الأرض ناصحون لله ولهدا ~~الدين، وأمدوني بالرجال والأموال( وحضر صلاة الظهر؛ فسلم على رأس الإمارة؛ ~~ثم أجتمع إليه الناس وقالوا له: )بلدنا لا يعرف الفتن، ونحن لا نقوم ~~بالحرب؛ وأنت لم تستطع دفع كتامة بالعساكر والسلاح والمال! فكيف نقوى نحن ~~على دفعهم بأموال؟( ثم صاح الناس به: )لا طاعة لك علينا، ولا بيعة في ~~أعناقنا! فأخرج عنا!( فركب فرسه، وشهر ms116 سيفه ودف الفرس، ونجا هاربا حتى خرج ~~من باب أبي ربيعة، ولحق بزيادة الله. وركب عبد الله بن الصائغ في البحر ~~يريد المشرق؛ فألقاه البحر بمدينة طرابلس، وبها زيادة الله. فأتى إليه به؛ ~~فقربه وأدناه، وعاتبه في فراره عنه؛ فأعتذر إليه ابن الصائغ بما اخذ من ~~الحيرة والخوف؛ فهم زيادة الله باستيحائه؛ فأشار إليه كل من معه من أهله ~~وقواده بقتله؛ فأمر راشدا الأسود بضرب عبقه؛ فقتله. وكان يحكى علي بن إسحاق ~~بن عمران المتطبب إن عبد الله بن الصائغ كان، إذا رأى راشدا الأسود قبل ~~ذلك، أربد وجهه؛ وإذا ذكر له تنكر سروره، حتى يعرف ذلك كل من حضره. قال: ~~فسألته يوما عن ذلك؛ فقال لي: )تحدثني نفسي أن ملك الموت يقدم علي في صورة ~~راشد الأسود، عبد قبضه لروحي؛ فإذا رأيته، لم املك من البصر شيئا( # ذكر دولة الشيعة PageV01P062 وبلغ أبا عبد الله الشيعي هروب زيادة الله. ~~فتحرك من الأربس يريد القيروان. فهال الناس أمره، وخافوه على أنفسهم. وخرج ~~إليه الفقهاء ووجوه الناس؛ فقطع بهم محبوب بن عبد ربه الهواري بوضع يعرف ~~بحفص باروقس، بين مدينة جلولا وحمام السرادق؛ وذلك يوم الأربعاء لليلتين ~~بقيتا من جمادى الأخير؛ فانصرفوا أقبح انصراف، وكتبوا إلى عبد الله، يذكرون ~~ما دار عليهم، ويعنذرون بذلك إليه، ويسألونه ان يحد لهم موضعا يلقونه، ~~فأجابهم: )موعدكم ساقية ممس يوم السبت.( وبعث أبو هبد الله غروية بن يوسف ~~الملوسي بقطيع من الخيل لضبط مدينة رقادة، وتحصين ما أدرك بها من الأموال؛ ~~فنزل عليها يوم الجمعة لانسلاخ جمادى الأخير؛ فألقى الناس بين داخل وخارج؛ ~~فأمر الخارج ألا يعود، والداخل بالخروج فارغا. ولم يكن منه إلى الناس إلا ~~خير. وفيها أقبل إلى مدينة رقادة في سبعة عساكر، وعدد من فيها، على ما ذكر ~~ثلاثمائة ألف بين فارس وراجل. فوصل إليهم يوم السبت غرة رجب؛ فخرج إليه أهل ~~القيروان من الفقهاء والوجوه وجلة التجار؛ فالتقوا به على ساقية ممس، ~~وأظهروا له الرغبة في دولته، وسألوه الأمان، فأمنه، )وصوب فعلهم(، ms117 ووعدهم ~~بالإحسان والعدل فيهم، وكان قد وعد قبل ذلك قواد كتامة ورجالها بأن يوكلهم ~~القيروان ويسلط أيديهم فيها ويقطعهم جميع أموال أهلها. فلما سمعوا بأمنته ~~للقوم، ساءهم ذلك وكلموه فيه وذكروه ما كان وعدهم به. فتلا عليهم: وأخرى لم ~~تقدروا عليها قد أحاط الله بها( وقال لهم: )هي القيروان( فقلوا قوله وسلموا ~~لأمره ثم تقدم بإنزال عساكره حوالي مدينة رقادة فدخلها وقارئ يقرأ بين ~~يديه: " هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر " ~~)إلى آخر( الآية ويقرأ: " كم تركوا من جنات وعيون " إلى آخر السورة. ونزل ~~بالقصر المعروف بقصر الصحن وبعث غرويه بن يوسف إلى مدينة سوسة فأمن أهلها ~~وأتاه بالثمانية والعشرين الحمل من المال التي كانت مخزونة بقصر الرباط ~~المتقدم ذكرها وأمن من ألفى بالقيروان من بني الأغلب وقوادها الذين تخلفوا ~~عن زيادة الله، وأمر بقتل السودان من موالي بني الأغلب وقتل إبراهيم بن ~~بربر بن يعقوب التميمي المعروف بالقوس، فقتل خنقا إذ كانوا هموا بالوثوب ~~عليه. وقال أبو عبد الله: )ما أمنت بأفريقية حتى قتلت القوس!( وبعث أبو عبد ~~الله الشيعي إلى طرابلس، فأتى منها بأخيه أبو العباس المخطوم، وكان بها ~~محبوسا، وبأبي جعفر الخزري، وبأمن عبيد الله الشيعي، وكانت هنالك مع ~~الخزري، فقدموا عليه. وكان أبو العباس المخطوم عجولا، كثير الكلام، ضعيف ~~العقل فأراد أن ينفى من القيروان كل من يذهب من الفقهاء. مذهب أهل المدينة، ~~فلم يجبه أخوه أبو عبد الله إلى ذلك. وولي أبو عبد الله الشيعي على مدينة ~~القيروان الحسن بن أحمد بن علي بن كليب المعروف بابن أبي خنزير، وأمره بقتل ~~من خرج ليلا أو شرب مسكرا، أو حمله أو وجد عنده. وولي على مدينة القصر ~~القديم خلف بن أحمد بن علي بن كليب، أخاه ابن أبي خنزير، وأمره بمثل ذلك. # وأمره بأن تزداد في الأذان بعد )حي على الصلاة( )حي على خير العمل(، ~~وأسقط من أذان الفجر )الصلاة خير من النوم( وأمره بجمع ما انتهب من الأموال ~~بمدينة ms118 رقادة، وضم عبيد زيادة الله ووقف جواريه وولي النظر في ذلك أحمد بن ~~فروخ الطبين الأحدب. وولى على السكة أبي بكر الفيلسوف المعروف بابن ~~القمودي، ونقش فيها: " الحمد لله رب العالمين " وسميت السيدية. وكان نقش ~~خاتم أبي عبد الله: " فتوكل على الله أنك على الحق المبين " وفي الخاتم ~~الذي يطبع به السجلات: " وتمت كلامات ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو ~~السميع العليم " ووشم في أفخاذ الخيل: )الملك لله( وكتب في بنوده: " سيهزم ~~الجمع ويولون الدبر " و " قل جاء الحق وزهق الباطل أن الباطل كان زهوقا " ~~وآيات كثير من القرآن في هذا المعنى. وأمر الصلاة على علي بن أبي طالب في ~~الخطب بأثر الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى فاطمة، والحسن ~~والحسين وأظهر التشيع في علي وماذة من قدم عليه من أصحاب النبي - عليه ~~السلام - . PageV01P063 وفيها، ولي أبو عبد الله على قضاء مدينة القيروان ~~محمد بن عمر ابن يحيى بن عبد الأعلى المروزي من جند خراسان، يوم الخميس ~~لأثنتا عشرة ليلة بقيت من شعبان، فقعد في الجامع وأمر بإسقاط صلاة الإشفاع ~~في شهر رمضان وأجنح في ذلك على الفقهاء، وأنكر عليهم الاقتداء بفعل عمر بن ~~القيام، وتركهم الاقتداء بفعل علي بن أبي طالب في زيادة )حي على خير العمل( ~~في الأذان، وقال لهم: )أعملوا بمذهب أهل البيت واتركوا الفضول(. فلما كان ~~في أول يوم من شهر رمضان، أقبل المروزي إلى المسجد الجامع، فوجد في حائط ~~المسجد في القبلة، وفي موضع جلوسه، مكتوبا: " ومن أظلم ممن منع مساجد الله ~~أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها " إلى أخر الآية. فلما رآه، سأل القوم هل ~~رأوا من جلس في ذلك الموضع فقالوا: )لا( فأمر بموحه، وأنتقل عن الجلوس بذلك ~~الموضع. ووقف يوم على المروزي رجل محمق خليع، والناس حوله، فقال له: )قد ~~لطفت لنا - أصلح الله - في قطع قيام شهر رمضان فلو احتلت لنا في ترك صيامه، ~~لكفيتنا مئونته كلها( فقال له المروزي: )أذهب عني يا ملعون( وأمر بدفعه. ~~وأمر ms119 عبد الله الشيعي وجوه كتامة بدعوة الناس إلى مذهبهم من التفضيل لآل ~~علي البراءة فدخل في ذلك معهم كثير من الناس فلذ لك سميت دعوته، لأتباعهم ~~رجالا من )أهل( المشرق. # ذكر توجه الداعي إلى سجلمانة # واجتماعه بعبيد الله الشيعي بها # ونظر أبو عبد الله في إقامة الجيوش والاستعداد والغزو إلى سجلمانة. وكان ~~بها عبيد الله الشيعي وابنه أبو القاسم محبوسين. وكان أبو عبد الله الداعي ~~يدعو إلى عبيد الله الشيعي ويزعم إنه إلمام من آل علي. قلما كمل له ما أراد ~~من جوشه وجهازه وعدده وآلات وسفره، أستخلف على إفريقية أخاه أبا العباس ~~وأبا زاكي تمام بن معارك الأجاني. ثم خرج من رقادة يوم الخميس من للنصف شهر ~~رمضان في جموع كالدبي النتشر ومعه وجه رجاله وأهل دعوته وفيهم إبراهيم بن ~~محمد الشيباني المعروف بأبي اليسر الكاتب وزياد بن خلفون المتطبب مولى بن ~~الأغلب. وغزا معه أحمد بن سيرين، الفقيه بمذهب أهل العراق، راجلا يرى إنه ~~محتسب للثواب في طلب الأمام وبهذا السبب ولي قضاء مدين برقة بعد ذلك. فسار ~~ابو عبد الله حتى حل بمدينة تيهرت، فخلها بالأمان وقتل بها من الرستمية ~~يقظان بن أبي يقظان، وجماعة من أهل بيته. وبعث برؤوسهم إلى أخيه أبي العباس ~~وأبي زاكي خليفته برقادة؛ وطوفت بالقيروان، ونصبت على باب مدينة رقادة. ~~وانقضت دولة بني رستم بتيهرت؛ وكان لها مائة وثلاثون سنة. # ثم ولي أبو عبد الله على تيهرت أبا حميد دواس بن صولات اللهيصي، وإبراهيم ~~بن محمد اليماني بالهواري وكان يلقب السيد الصغير. ثم نهضة حتى احتل على ~~مدينة سجلماسة يوم السبت لست خلون من ذي الحجة. فأحاط بها في جموعه وجيوشه، ~~وحاربها يوم الأحد لسبع خلون منه، ففتحها في هذا اليوم، وأخرج منها عبيد ~~الله الشيعي وابنه أبا القاسم، وكانا محبوسين في غرفة عند مريم بنت مدرار. ~~فلما بصر به عبد الله الشيعي ترجل له، وخضع بين يديه، وبكى من إفراط سروره ~~به. ثم مشى أمامه راجلا حتى أنزله في الفازة، وسلم ms120 إليه الأمر، وقال لمن ~~معه: )هذا هو مولاي ومولاكم! قد أنجز الله له وعده، وأعطاه حقه، وأظهر ~~أمره!( وانتهب أبو عبد الله الشيعي ورجاله سجلماسة، وأحرقت. وهرب منها ~~اليسع صاحبها في جماعة من بني عمه ليلا، فطلبه أبو عبد الله الشيعي، فلم ~~يقدر عليه. # وفيها، مات إبراهيم بن عيسى بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن حسن ابن ~~الحسن بن علي بن أبي طالب، ودفن في داره بآرشقول. وفيها، ومات أبو عبد ~~الرحمن بكر بن حمادة بن سهر بن أبي إسماعيل، وهو زناتي، في شوال بقلعة ابن ~~حمة، بجوفي مدينة تيهرت، وبها كان مولده ومنشأه، وصلى عليه موسى بن الفارس ~~الفقيه، وهو يوم مات ابن ست وتسعين سنة، ورحل بكر إلى المشرق في سنة 217، ~~وهو حدث السن، فسمع من الفقهاء وجلة العلماء وكان عالما بالحديث وتميز ~~الرجال، وشاعر مفلقا ومدح المعتصم ووصله بصلات جزيلة، أجتمع بحبيب وصريع ~~ودعبل وعلي بن الجهم وغيرهم من شعراء العراق وله أبيات إلى المعتصم يحرض ~~فيها على دعبل وهي )طويل(: # أيهجو أمير المؤمنين ورهطه ... ويمشي على الأرض العريضة دعبل؟ ~~PageV01P064 أما والذي أرسى ثبيرا مكانه! ... لقد كانت الدنيا لذاك تزلزل # ولكن أمير المؤمنين بفضله ... بهم يعفو أو يقول فيفعل # فعاتبه حبيب فيه وقال له: )قتلته، والله! يا بكر( فقال في قصيدته هذه ~~طويلة # وعاتبني فيه حبيب وقال لي: ... )لسانك محذور وسمك يقتل( # وأني، وأن صرفت في الشعر منطقي ... لأنصف فيما قلت فيه وأعدل # وفيها مات محمد بن الحسن المعروف بابن ورصيد من قسطنطينية، وكانت له رحلة ~~وسماع من الفقهاء، ومات محمد بن يزيد الفارسي من أهل القيروان له سماع من ~~سحنون ومن ابنه محمد. # وفي سنة 297، غدر قوم من البربر يعرفون بني خالد باليسع بن مدرار ~~واستأمنوا به إلى أبي عبد الله الشيعي فأمنهم، وذلك في مستهل المحرم. ~~وفيها، ولي عبيد الله على مدينة سجلماسة إبراهيم بن غالب المزاتي وترك معه ~~خمسمائة فارس من كتانة، ورحل بالعساكر إلى أفريقية. وفيها قتل بالقيروان، ~~في صفر، إبراهيم ms121 بن محمد الضبي المعروف بابن البرذون وأبو بكر بن هذيل ~~الفقيهان، وكانت عندهما رواية، وأدب، وتصرف في فنون منة العلم وكان محمد ~~الكلاعي وأصحابه على مذهب أهل العراق وهو الجائز عند الشيعة لما عنده من ~~الترخيص فسعوا بها إلى أبي العباس المخطوم وذكروا عندهما أنهما يطعفان في ~~الدولة، ويشوبان على علي ابن أبي طالب بأبي بكر وعمر وعثمان، فحبسهما ~~المخطوم ثم أمر ابن أبي خنزير بقتلهما بعد أن يضرب إبراهيم بن الرذون ~~خمسمائة سوط، إذ كان القول فيه أشنع، والسعي عليه أعظم، فغلط ابن أبي خنزير ~~فيهما، وضرب ابن هذيل، ثم قتله وقتل ابن البرذزن بلا أن يضربه، وذلك في ~~صفر، وطيف بهما في سماط القيروان، مجرورين مكشوفين ثم صلبا بعد ذلك. وكتب ~~أبو العباس إلى أخيه بالخبر فعنفه عليه، ولامه فيه، وقال: )قد افسد علينا ~~من أهل البلد وأهله ما كانت بنا حاجة إلى صلاحه(. # وفيها خالف علي أبي عبد الله الشيعي محمد بن خزر بن صيلات الزناتي وأقبل ~~إلى مدينة تيهرت وطمع بأخذها وأخرج دواس بن صولات منها وأن يقطع بابي عبد ~~الله وبمن معه في انصرافهم من سجلماسة. وباطنه على ذلك قوم من أهل تيهرت ~~يعرفون بني دبوس، فاستدعوه فوشى بهم إلى دواس عامل الموضع فحبسهم بحصن ~~برقجانة المعروف بتيهرت القديمة وحارب محمد بن خزر تيهرت وتغلب على بعض ~~أرباضها. فلما رأى ذلك دواس هرب إلى ابن حمة صاحب القلعة، ووثب أهل حصن ~~برقجانة على بني دبوس عندهم، فقتلوهم. ودفع أهل تيهرت محمد بن خزر، وحاربوه ~~حتى قتلوه ثم كاتبوا دواس، فأنصرف إليهم. وولي عبيد الله على مدينة سجلماسة ~~إبراهيم بن غالب المزاتي، وخلف معه ألفي فارس من كتامة. وتوجه عبيد الله ~~وأبو عبد الله نحو أفريقية ومعهم بنو مدرار وأهلهم مكبلين، فلما بلغوا ~~مدينة أربا أتصل بهم خبر محمد بن خزر، فساروا نحوه فهرب، ودخل الرمال. وأمر ~~عبيد الله بقتل اليسع بن مدرار، فقتل، وهو مريض. وفيها ثار أهل سجلماسة ~~بإبراهيم ابن غالب المزاتي عاملها فقتلوه ms122 ومن كان معه من الشيعة، ومن ~~كاتمة، وذلك يوم الاثنين لثلاث خلون من شهر ربيع الأول، وولوا على أنفسهم ~~وأسول ابن الأمير ابن مدرار. # التعريف بأمر سلجماسة # من حين ابتدائها إلى هذه السنة المؤرخة # كان أبو القاسم سمغون بن واسول المكناسي صاحب ماشية كثيرة، ينتجع موضع ~~سلجمانة، ويتردد إليها وكان براجا، يجتمع الناس فيه من قبائل البربر ~~المجاورين له يتسوقون فيه. فاجتمع قوم من الصفرية على أبي القاسم، وسكنوا ~~معه هنالك في خيمات. ثم شرعوا في البناء في حدود الأربعين ومائة. ثم قدموا ~~على أنفسهم عيسى بي يزيد الأسود وولوه أمرهم. ثم أنكروا عليه أشياء فأخذوه ~~وشدوا وثاقه. وربطوه إلى شجرة في رأس جبل، وتركوه حتى مات ثم ولى أبو ~~القاسم سمغون المتقدم ذكره، قيل إنه ابن واسول، وقيل ابن مدلان فلم يزل ~~واليا عليهم إلى أن مات سنة 168. PageV01P065 ثم ولي الياس ابن أبي القاسم، ~~وسمي أبا الوزير، فبقي سنتين، وقام عليه أخوه. ثم ولي أخوه أليسع بن سمغون ~~بن مدلان المكناسي في سنة 170 وسمي بالمنتصر، وكان جبارا عنيدا، فظفر بمنم ~~عانده من قبائل البربر وقهرهم وأذلهم، وأظهر الصفرية، وأخذ خمس معادن ~~درعةة. وعظم قدره في ذلك الوقت. وموضع سلجمانة قد عمر بالديار دون سور. ثم ~~زاد ملك اليسع المذكور، وأمر ببناء السور ن، أسفله بالحجارة، وأعلاه ~~بالطوب. فقيل أ، بناءه من ماله، لم يشاركه فيه أحد. فسكن سلجمانة، وتوفي في ~~سنة 208، فكانت مدته بها نحو أربعة وثلاثين سنة. ثم ولى ابنه مدرار بن ~~اليسع، وهو المنتصر بن سمغون المتقدم ذكره، فلم يزل واليا عليها إلى أن ~~اختلف الأمر بين ولديه ميمون المعروف بابن أروا )وهي أمه بنت عبد الرحمن بن ~~رستم صاحب تبهرت( وابنه المعروف بابن بقية. فتنازعا في الأمر بينهما، ~~وتقاتلا ثلاثة أعوام. فمال مدرار والدهما مع ابنه ميمون بن الرستمية، وأخرج ~~أخاه ابن بقية من سلجمانة. فولى ميمون بن مدرار، وخلع أبوه لنفسه، ثم قام ~~عليه أهل سلجمانة، فجعلوه وأرادوا خلع أبيه وتقديم أخيه ابن بقية، ms123 فأبى أن ~~يتأمر على أبيه، فأعادوا أباه مدرار بعد خلعه، ثم سمع أهل سلجمانة إنه ~~استدعى ابنه ابن الرستمية فيمن أطاعه من درعة، فتوجهوا إلى مدرار وحصروه، ~~ثم خلعوه أيضا وقدموا ابن بقية فولى أمرهم. فلم يزل واليا عليها إلى أن مات ~~سنة 263. وفي دولته مات أيوه مدرار. ثم ولي أليسع بن ميمون بن مدرار بن ~~اليسع بن سمغون بن مدلان المكناسي في صفر سنة 270 وتلقب بالمنتصر على أسم ~~جده وهو الذي سجن عبيد الله بسلجمانة حين عرف عنه إنه قام بدعوته الشيعي. ~~ثم زحف إليه الشيعي من أفريقية، وفر أمامه، وخرج عبيد اله من سلجمانة من ~~سجنه، واستولى على المملكة. ثم ظفر به في سنة 296، فقتله، فكانت مدة اليسع ~~ابن مدرار المذكور بسلجمانة سبعا وعشرين سنة. وانقرضت دولة بني مدرار ~~بسلجمانة وما والاها، فكانت مائة سنة ونحو ستين سنة. فولي عليها الشيعي ~~عامله فوثب عليه أهلها فقتلوه، فكانت مدته بها خمسين يوما. # ذكر وصول عبيد الله الشيعي إلى رقادة # ونبذ من أخباره وما قيل في نسبه # وفيها وصل عبيد الله إلى مدينة رقادة، ومعه ابنه أبو القاسم، )جعفر بن ~~على الحاجب، وأبو الحسن الطيب بن إسماعيل المعروف. بالحاضن( ولقبه الفقهاء ~~ووجوه القيروان، فدعوا له وهنئوه وأظهروا )له( السرور بأيامه، وسألوه تجديد ~~الأمان لهم )أنتم آمنون في نفسكم أو ذراريكم!( ولم يذكر الأموال، فعاوده ~~بعضهم وسألوه التأمين لهم في الأموال، فأعرض عنهم( فخافه أهل العقل من ذلك ~~الوقت. ودخل مدينة رقادة )وعليه ثوب خز أدكن، وعمامة مثله، وتحته فرس ورد، ~~وأبو القاسم ابنه خلفه عليه ثوب خز خلوقي، وعمامة مثله وتحته فرس أشقر، ~~وأبو عبد الله إمام عبيد الله، وعليه ثوب توتي، وظهارة كتان، وعمامة، ~~ومنديل إسكندراني، وتحته فرس كميت وبيده سبنية يمسح بها العرق والغبار عن ~~وجهه، والناس حواليه بين يديه أقواط يسلمون عليه( في القصر المعروف بالصحن، ~~ونزل ابنه بقصر أبي الفتح وتسمى عبيد الله بالمهدي. # واختلف في نسبه فادعى هو إنه عبيد الله بن محمد بن ms124 إسماعيل بن جعفر ابن ~~علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم - وهو مذهب الحكم ~~المستنصر بالله الأموي، وقال سائر الناس إنه ابتسامة للطالبين دعوة باطلة، ~~وذكروا عن أبي القاسم بن طباطبا العلوي إنه قال: والله الذي لا أله إلا هو! ~~ما عبيد اله الشيعي منا، ولا بيننا مبينه نسب! وقال مقاتل: هو عبيد اله بن ~~محمد بن عبد الرحمن البصري. وقد فضح القاضي أبو بكر ابن الطيب الباقلاني ~~نسبه في )كتاب كشف الأسرار، وهتك الأسرار( وذكر أنهم قرامطة، وأن أبا عبد ~~الله الشيعي أحدث لهم هذا المذهب، ونسبهم هذا النسب. وحكي بعض المؤرخين أن ~~جعفر بن علي كانت له جارية، فغشيها رجل من القرامطة، وقيل من اليهود، دفعت ~~له مالا، فكان يهواها وتهواه، وقتلت جعفرا مولاها، فولدت جد عبيد الله هذا. ~~فمن خفيت عليه هذه القصة قال إنه علوي، ومن علمها علم دعوته وكذبه. والله ~~اعلم! هكذا ذكر ابن القطان في نسبه. PageV01P066 ونقش في خاتمه: أفمن ~~المهدي يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدي فما لكم كيف ~~تحكمون! واستحجب أبا الفضل جعفر بن عبي وأبا أحمد جعفر بن عبيد الله، وأبا ~~الحسن طيب بن إسماعيل المعروف بالحاضن، وأبا سعيد عثمان بن سعيد المعروف ~~بمسلم السلجماسي. واستكتب أبا اليسر إبراهيم بن محمد البغدادي الشيباني. ~~وولي على بيت النال أبا جعفر الخزري وعلى ديوان الخراج القاسم بن القديم ~~وعلى السكة بكر الفيلسوف المعروف بابن القمودي وعلى العطاء عبدون بن حباسة ~~وعلى قضاء مدينة رقادة المصلح بن هارون الملوسي. وأقر علي عمالة القيروان ~~الحسن ابن أبي خنزير وعلى القضاء بها المروزي. وأمر أن تقلع من المساجد ~~والمواجل والقصور والقناطر أسماء الذين بنوها، وكتب عليها اسمه. وأظهر عبيد ~~الله التشيع القبيح وسب أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأزواجه حاشى ~~علي بن أبي طالب، والمقداد بن الأسود، وعمار بن ياسر وسلمان الفارسي وأبي ~~ذر الغفاري وزعم أن أصحاب النبي - رضي الله عنهم - ارتدوا بعده غير ms125 هؤلاء ~~الذين سميناهم ومنع المروزي الفقهاء، أن يفتي أحدهم إلا بمذهب زعم إنه مذهب ~~زعم إنه مذهب جعفر بن محمد منه سقوط الحنث عمن طلق بالبته، وإحاطة البنات ~~بالميراث، وأشياء كثيرة يطول ذكرها. ومدحت الشعراء عبيد الله بالكفر، ~~فاستجازه. وكان فيما مدح به شعر لمحمد البديل، كاتب أبي قضاعة، وفيه ~~)بسيط(: # حل برقادة المسيح ... حل بها آدم ونوح # حل بها أحمد المصطفى ... حل بها الكبش والذبيح # حل بها الله ذو المعالي ... وكل شيء سواه ريح # - لعنه الله، وغضب عليه وأخزى القائل والقول فيه! - وكانت أيمان كتامة ~~أول دخول أفريقية: )وحق عالم الغيب والشهادة، مولانا المهدي الذي برقادة( ~~حتى كتب بعض أحداث القيروان هذين البيتين، وتلطفوا في وصولها إلى عبيد اله ~~من حيث لا يعلم، وهي )مجتث(: # الجور قد رضينا ... لا الكفر والحماقة! # يا مدعي الغيوب ... من كاتب البطاقة؟ # فاشتد عليه ذلك لما وصل ليه، وكشف سرا عن كاتب ذلك، فلم يقع له على خبر ~~فيها. خالف بلد كتامة بباب مع قبائل من البربر، واجتمع إليه عدد عظيم، فكتب ~~عبيد الله إلى أن تمسك بطاعته من كتامة، يأمرهم بمحاربتهم. فقتل أكثرهم، ~~وأخذ بباب أسيرا، وقرى كتاب الفتح بمدينة القيروان ورجعت قبيلة زناتة إلى ~~تيهرت، وحاصروا دواس بن صولات فيها فأخرج إليهم عبيد الله قائدا يعرف بشيخ ~~المشايخ فهزم زناتة، وقتل كثيرا منها. وفيها خرج أبو القاسم يوم الفطر إلى ~~المصلى بمدينة رقادة وصلى بالناس وخطبهم وخرج مع أبو عبد الله الشيعي ~~وجماعة قواد كتامة وهو أول عيد صلى فيه بأفريقية، وقرى بذلك كتاب عبيد الله ~~على منبر القيروان وأعمالها. # وفيها خرج أبو عبيد الله الشيعي، مع جماعة من قواد كتامة ودعاتهم إلى أرض ~~المغرب، ولنا ظهر فيه من الالتياث، وفساد الطرق، وقيام القبائل على عمالهم، ~~فافتتح المدن، وقتل وسبى. ووردت له كتب كثيرة بالفتوح، فقرأت بأفريقية. ~~وفيها مات جبلة بن حمود بن جبلة الصدفي مولى الإمام عثمان بن عفان - رضي ~~الله عنه - وكان فقيها زاهدا، من رجال سحنون وممن نبذ الدنيا ms126 وتركها، وكان ~~أبوه من خدمة السلطان وأهل الأموال، فنابذه في حياته، ثم تبرأ من تركته بعد ~~وفاته، وكانت تركته نحو ثمانين مثقال. وفيها مات دعامة ابن محمد الفقيه، ~~وكان من رسحنون، وونلي القضاء بصقلية في أيام بني الأغلب التميمي، وعبد ~~الله بن أبي المنهال. وفيها صلى أبو القاسم يوم الأضحى بالناس، وخطب وقرى ~~بذلك كتاب عبيد الله بالقيروان. وفيها مات محمد بن خالد القيسي المعروف ~~بابن الطرزي وكان من رجال سحنون، ومات أبو السميدع المؤدب النحوي. وفيها ~~قتل في مدينة رقادة أحمد بن يحيى بن طيب المتطبب الفقيه بقول أهل العراق. ~~PageV01P067 وفي هذه السنة وصل أبو عبد الله الشيعي إلى مدينة )تنس( ونزل ~~بالموضع المعروف )بالجوزا( وذلك يوم الجمعة لثلاث بقين من ذي الحجة. فجمع ~~إلى نفسه وجوه كتامة وتكلم معهم في أمر عبيد الله وعمل معهم على خلعه وقال ~~لهم: إن أفعاله قبيحة، ليست تشبه أفعال المهدي الذي كتب أدعو إليه. وأخشى ~~أن أكون قد غلطت فيه وعرض لي ما عرض لإبراهيم الخليل - عم - إذ جن عليه ~~الليل، فرأى كوكبا، فقال )هذا ربي( ويجب علي وعليكم امتحانه وكشفه عن ~~العلامات الموجودة في الإمام المعروفة عند النقباء. وزعم لهم بأن الرواية ~~أتت أن بين كتفي المهدي مكتوبا: المهدي رسول الله، كما بين كتفي نبي الله - ~~صلى الله عليه وسلم - خاتم النبوة. وأن المهدي يأتي بالآيات البينات، ويطبع ~~بخاتمه بالجندل. فعقد مع جماعة كتامة على امتحانه إذا انصرفوا)نحوه( إلى ~~رقادة، ودخل معه في هذا العقد عربة بن يوسف )وتعاهدوا على ذلك(. # وفي سنة 298، تجول أبو عبد الله الشيعي في بلاد البربر وحارب صدينة ~~وزناتة. وقتل الرجال، وأخذ الأموال وسبى الذرية وأحرق بعض المدن بالنار، ~~وكتب بالفتوحات إلى عبيد الله، فقرأت كتبه على الناس. ثم قفل أبو عبد الله ~~إلى مدينة رقادة، بعد أن تجول بالغرب شهورا كثيرة، فلنا توصل أبو عبد اله ~~إلى مدينة رقادة أخبر عروبة بن يوسف عبيد الله الشيعي بما كان من أبي عبد ~~الله في جانبه وقت ms127 وصوله إلى مدينة تنس وما عمل عليه مع جماعة كتامة من ~~خلعه، فالتزم عبيد الله الاحتراس منه في سر أمره، وفيها ولي أبو جعفر ~~البغدادي ديوان الكشف، مشتركا مع عمران بن أبي خالد بن أبي سلام. وفيها مات ~~من الفقهاء المدنيين من أصحاب سحنون، يحيى بن عون بن يوسف وعبد الله بن ~~الوليد المعروف بابن الصدفي، وكان فقيها من أهل الانقباض والخير. وفيها مات ~~أبو اليسر إبراهيم بن محمد الشيباني البغدادي المعروف بالرياضي، يوم الأحد ~~لأربع عشر ة ليلة بقيت من جمادى الأولى، ودفن باب سالم، وكان ظريفا، أديبا، ~~مرسلا، شاعرا، حسن التأليف، وقدم الأندلس على الإمام محمد بن عبد الرحمن. ~~رحمه الله، بكتاب اخترقه إليه على ألسنة أهل الشام فتقبله الإمام محمد ~~وأنزله ووسع عليه ووصله، واطلع على أن الكتاب مخترق مصنوع، فلما أراد أبو ~~اليسر الانصراف، دفع إليه كتاب مختوم جوابا عن كتاب أهل الشام فيما رأى. ~~فلما جاز البحر فك أبو اليسر الكتاب ليقرأه، فإذا هو بياض ليس فيه إلا )بسم ~~الله الرحمن الرحيم( فعلم إنه تمويه لن يجز وأن الذي أعطى وحبى عن تكرم ~~وفضل وعلم في عينه ملوك الأندلس ورجاله، وحدث بما عرض له، وعجب الناس منه ~~وكتب أبو اليسر لبني الأغلب حتى انصرمت أيامهم ثم كتب لعبيد اله حتى مات. ~~وله مؤلفات حسان في فنون من العلم، ومسند في الحديث وكتاب في قرآن سماه ~~)سراج الهدى( وله )كتاب لقيط المرجان( ورسالة )الوحيدة المؤنسة( و)قطب ~~الأدب( وغير ذلك من الأوضاع. وفيها استكتب عبيد الله أبا جعفر محمد بن أحمد ~~بن هارون البغدادي، بعد أبي اليسر وقربه وأدناه، واستعان به على أمر أبي ~~عبد الله وأبي العباس وجماعة كتامة، فكان منه في ذلك رأي جميل ونفع عظيم. ~~وكان أبو جعفر ذا دهاء وفهم حسن ودخل الأندلس في أيام الأمام عبد الله - ~~رحمه الله - فصحب الناس وجالس أهل الأدب وكان بعد ذلك يحافظ من جاز به ~~قاصدا إلى الحج من خلطائه بقرطبة ويكرمهم. # وفيها خالفت هوارة بطرابلس ms128 وقدموا على أنفسهم أبا هارون الهواري، وزحف ~~أيضا جماعة من زناتة ولماية وغيرهم من القبائل إلى مدينة طرابلس محاصرين ~~لأهلها. فأخرج إليهم عبيد اله الشيعي أبا زاك تمام بن معارك الأجاني، وكان ~~يذهب مذهب أبي عبد اله في الغدر بعبيد الله والخلع له. فأراد أن يبعده لما ~~كان يحاوله عبيد الله من قتل عبد الله وجيش مع أبي زاك جيشا عظيما، فحاربهم ~~أبو زاك حتى هزمهم وفرق جموعهم وقتل كثيرا منهم وبعث بؤس كثيرة وآذان مقرطة ~~لمن قتل فنصبت برقادة. # ذكر قتل عبيد الله الشيعي لأبي عبد الله # الشيعي وأبي زاك PageV01P068 وذلك أن عبيد الله كتب إلى )ماقنون بن دبارة ~~الأجاني( عامله بطرابلس يأمره بقتل أبي زاك تمام بن معارك الأجاني على بنية ~~بناها ونية نواها في قتله وقتل أبي عبد الله الشيعي بعده فبعث عامل طرابلس ~~في أبي زاك! وكان عمه، ثم عرض عليه كتاب عبيد الله إليه يأمره يقتله. فلما ~~قرأه أبو زاك قال له: يا عم نفذ ما أمرت به! فقدمه فصرب عنقه، وكتب إلى ~~عبيد الله بخبر قتله مع حمام وصل إلى رقادة من ساعته، وذلك يوم الثلاثاء، ~~غرة ذي الحجة سنة 298. فلما وصل الخبر إلى عبيد الله الشيعي، أمر عروبة ابن ~~يوسف الملوسي وجبر بن مناسب الميلي أن يكمنا خلف قصر الصحن، فإذا مر بهما ~~أبو عبد الله الشيعي وأخوه أبو العباس طعنوهما بالرماح حتى يموتا. فكمنا ~~لهما هناك مع جماعة من كتامة. وبعث عبيد الله في أبي عبد الله وأبي العباس ~~ليحضرا طعاما على جاري عادتهما معه. فلما مرا بالموضع الذي فيه الكمين، خرج ~~عليهما فصاح أبو عبد الله بعروبة: لا تفعل يا ولدي! فقال له: أمرني بقتلك ~~من أمرت الناس بطاعته )وانخلعت له من الملك بعد توطئته ثم طعمه بيده طعنة ~~واحدة خر منها صريعا، ووقعت في أبي العباس تسع عشرة طعنة، وذلك يوم ~~الثلاثاء وقت الزوال، مستهل ذي الحجة. ومكثا صريعين )على صف الحفير المعروف ~~بالبحر( إلى بعد الظهر، ثم أمر عبيد ms129 الله بدفنهما، فدفنا في الجنان، وقال: ~~رحمك الله أبا عبد الله، وجازاك في الآخرة )بقديم سعيك(! ولا رحمك الله أبا ~~العباس، إنك صددته عن السبيل وأوردته موارد الهلاك! ثم قرأ: " ومن يعش عن ~~ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين، وأنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون ~~أنهم مهتدون " ! وكتب إلى الشيعة بالمشرق في أمرهما: أما بعد فقد علمتم محل ~~أبي عبد الله وأبي العباس من السلام. فاستنزلهما الشيطان فطهرتهما بالسيف ~~والسلام! وحدث الثقة أن أبا عبد الله نلام في حضرة أحابه وعنده جماعة من ~~دعاة كتامة فتحرك في نومه فانكشفت سوئته، فنظر بعضهم إلى بعض، ولم يقدموا ~~أن يستروه. فمد عروبة بن يوسف يده إلى الملحفة التي كانت عليه فستره بها ~~وانتبه أبو عبد الله فقال: من سترني إذا انكشفت؟ فقال له عروبة: هو والله ~~قاتلي! فجعل عروبة يبكي بين يديه ويقول له: يا سيدي مر بقتلي! فقال له: لا ~~سبيل إلى ذلك! لكنك والله قاتلي! فكان الأمر كما كان ذكره. # واحتجب عبيد الله عن كتامة أياما كثيرة، ثم أمنهم وأدخلهم على نفسه ~~مفترقين على حذر منهم ثم عمل على جماعة منهم، فقتلهم بأصناف من القتل. ~~وفيها خرج سي بن دوقان ورجاء بن أبي قنة، إلى لواتة في عسكر ضخم. فقتلوهم، ~~وغنموا أموالهم وسبوا ذرياتهم )وقرى بذلك كتاب عبيد الله بالقيروان ~~وأعمالها، وفي سنة 299، أخرج عبيد الله إلى المغرب جماعة من قواده لمحاربة ~~زناتة في عساكر عظيمة، فكانت بينهم وبين زناتة وقعة عظيمة بموضع يعرف بفلك ~~مديك، قتل فيها من زناتة عدد لا يحصى. وفيها فتحت مدينة تبهرت، وكان أهلها ~~قد ثاروا على دواس عاملها وأرادوا قتله فهرب منها إلى تبهرت القديمة وتحصن ~~بها. وقتل فيها أكثر أصحابه، وكانوا في نحو ألف فارس. واستدعوا محمد بن خزر ~~فقدم عليهم وأدخلوه البلد، وولوه، وبرزوا إليه بأم دواس وعياله وأكثر سلاحه ~~ثم خذلوه وخذلهم، فزال عنهم وانصرف إلى موضعه. ثم أخرج عبيد الله العساكر ~~إلى تبهرت في أعداد عظيمة وخلق لا يحصى ms130 كثرة فنزلت عليها يوم الجمعة ~~لانسلاخ المحرم، وحروب أهلها ثلاثة أيام. ثم أخذوا بالكيد ودخلت العساكر ~~تبهرت يوم الثلاثاء لأربع خلون من صفر فقتلوا الرجال وسبوا النساء والذرية ~~وانتهبوا الأموال، وحرقوا المدينة بالنار. وبلغ عدد القتلى بها ثمانية آلاف ~~رجل. ثم ولى عبيد الله تبهرت مصالة بن حبوس بن منازل بن بهلول المكناسي. ~~وانصرف دواس ابن صولات إلى مدينة رقادة. وقتله عبيد الله بعد ذلك. ~~PageV01P069 وفيها كانت بالقيروان زلازل وهدات، وخسف بقرية في الساحل تعرف ~~بالباس. وفيها كانت واقعة كتامة بالقيروان يوم الثلاثاء لعشر بقين من شعبان ~~فقتل منهم في الأزقة والأسواق أكثر من ألف رجل، وذلك أن كتامة كانوا يسألون ~~عبيد الله أن يطلق أيديهم على نهب القيروان وكان يسوفهم في ذلك، ويعلق ~~أطماعهم به، وهم يتحاملون علة أهل القيروان بالتطاول والأذى حتى شرق الناس ~~بهم، فقاموا عليهم في بعض الأيام بسبب استطالة رجل من جند كتامة على رجا من ~~تجار أهل القيروان. فلما دافعوه عنه، شهروا عليهم السلاح وأرادوا نب ~~الحوانيت. فصاح أهل الأسواق )النفير، النفير( فقتل من كتامة أكثر من ألف ~~رجل. وركب احمد بن أبي خنزير صاحب مدينة القيروان، فسكن الناس، وأمر بتغييب ~~القتلى، فطرحوا في المراحيض. ولحق من كان حوالي رقادة من كتامة ببلادهم. ~~فلما حصلوا بها، أظهروا الخلاف على عبيد الله. وقدموا على أنفسهم حدثا يعرف ~~بالمارطي واسمه كادوا بن معارك وجعلوه قبلة يصلون إليه وزعموا انه المهدي ~~المنتظر، وكتبوا كتابا فيه شريعة زعموا أنها نزلت عليه. فتغلب على جميع ~~الزاب، وقوى أمره، واشتدت شوكته. فأخرج إليه عبيد الله قوادا حاربوهم وهرب ~~إليهم أحد القواد وهو صولات بن جندة في نحو مائتي رجل، ثم أخرج عبيد الله ~~أبنه أبا القاسم إلى بلد كتامة لمحاربة المارطي ففصل من رقادة من يوم السبت ~~لخمس بقين من شهر رمضان. فافتح مدينة القسطنطينية من أرض كتامة وغيرها ز ~~وكانت له على المارطي وقائع. وهرب من قواد أبي القاسم إلى المارطي رجال، ثم ~~أمنهم أبي القاسم ولاطفهم حتى انصرفوا ms131 إليه. # وفيها قتل بالقيروان قوما اتهموا بالميل مع أبي عبد الله الشيعي، إذ نوى ~~الغدر بعبيد الله، ومنهم محمد ابن أبي سعيد الميلي صاحب السوق، وعبد الله ~~ابن محمد المعروف بابن القديم، ومحمد ابن أبي رحال الباغائي، وأبو الوهب بن ~~عمرو بن زرارة العبدري، وجماعة من بني الغلب وقوادهم. وقتل أبو إبراهيم ~~المعروف بابن البجاري القرشي الفهري، وهو القائم على إبراهيم بن أحمد بنم ~~الأغلب مع أهل تونس. وفيها ولد أبو الطاهر إسماعيل بن أبي القاسم بن عبيد ~~الله الشيعي وولي أفريقية سبع سنين. وفيها مات زيادة الله بن عبد الله بن ~~إبراهيم بن أحمد بن الأغلب الهارب من أفريقية إلى مصر ودفن ببيت المقدس، ~~)وكان لما فر عن القيروان بعياله وماله وألف سقلبي ترك جارية فغنت له محركة ~~على حمل نفسها )منسرح( # لم انس يوم الوداع موقفها ... وجفنها في دمعها غرق # وقولها والركاب واقفة ... تتركني سيدي وتنطلقوا # قال المظفري فحط حمل مال، وحملها في مكانها. وقال عريب فدمعت عيناه، ~~واشتغل عنها نما هو فيه، فتركها. ووصل إلى مصر فبقية عن عيسى النوسري ~~صاحبها ثمانية أيام، ورحل إلى الرقة، فمنع الدخول إلى بغداد وأمر بالانصراف ~~إلى مصر فسمه بعض عبيده فمات. # وفيها، مات من الفقراء المدنيين، وأهل العلم باللغة والنحو وفصاحة ~~اللسان، عبد الله بن محمد التميمي المعروف بالبيدى، وهو من ولد عباد بن ~~كثير ما ابن سبع وثمانين سنة. PageV01P070 وفي سنة 300، خالف أهل مدينة ~~طرابلس على عبيد الله الشيعي، إذ كان قد استعمل عليهم ماقنون بن دبارة ~~الأجاني؛ فبسط أيدي بني عمه من كتامة على الناس، وتطاولوا إلى الحرم، فتحرك ~~السواد، ومدوا أيديهم إلى من لقوا من كتامة، فقتلوهم، وهرب ماقنون. وأغلق ~~أهل طرابلس أبواب المدينة، وقتلوا من كان داخلها من كتامة، وقدموا على ~~أنفسهم حمد بن إسحاق، المعروف بابن القرلين، ولحق ماقنون بعبيد الله. فأخرج ~~إليهم جيشا، وحاربهم شهورا. وفيها، قفل أبو قاسم الشيعي )من بلد كتامة( إلى ~~رقداة، ومعه المارطي الثائر وأصحابه أسرى فطوفوا بالقيروان على الجمال، ms132 ~~وعليهم القلانس الطوال المشمرة بالقرون والمصافع، فقتلوا بمدينة رقادة. ~~وفيها، خالفت جزيرة صقلية، وثاروا بالحسن وعلى أبني أحمد بن محمد بن أبي ~~الخنزير العاملين عليها، وطاردوهما، وانتهبوا دورهما. وأرادوا أهل صقلية أن ~~يقدموا على أنفسهم أحمد بن زيادة الله بن قرهب، فامتنع عليهم، وهرب منهم ~~وتوارى عنهم في غارة، فاجتمع وجوه أهل البلدة عليه، وأوثقوه من أنفسهم أنهم ~~لا يخذلونه. فتولى أمرهم، وكتب إلى المقتدر ببغداد بأن يكون داعيا له، ~~وقائما بأمره بجزيرة صقلية، فأنفذ المقتدر ذلك له، وبعث إليه بألوية سود، ~~وخلع سود، وطوق ذهب، ووصل ذلك إلى أحمد بن زيادة الله بن قرهب، فسر به، ~~وأظهر الحزم والجد في أمره. # وفيها، خرج أبو القاسم بن عبيد الله لمحاربة طرابلس وفصل من رقادة يوم ~~الأحد لليلتين خلتا من جمادى الأولى. ووجه إليها عبيد الله في البحر خمسة ~~عشر مركبا حربية. فلما وصلت إلى طرابلس أخرجوا إليها مراكبهم فحرقوا ~~الأسطول، وقيلوا من فيه. وسار أبو القاسم في البر نحو طرابلس فأوقع بأهل ~~هوارة، ثم نزل على طرابلس فحاربها وحاصرها حتى أكلوا الميتة فرغبوا إلى أبو ~~القاسم في الأمان، فأمنهم إلى ثلاثة أنفس اشترط التحكم فيهم: وهم محمد بن ~~إسحاق القرشي ومحمد بن نصر ورجل يعرف بالحوحة. فدخل طرابلس وتحكم فيها. ثم ~~قفل بالعسكر إلى رقادة وبين يديه الثلاثة الذين تقدم ذكرهم، فطوفوا ~~بالقيروان على الجمال بالقلانس، ثم قتلوا. # وفيها، قتل أبو القاسم في مدينة طرابلس عند افتتاحه لها، من كان معه من ~~بني الأغلب وقوادهم. # وفيها، خرج عبيد الله من مدينة رقادة إلى تونس وقرطاجنة ونواحي البحر، ~~يرتاد موضعا يتخذه دار مملكته. فوقع اختياره على جزيرة جمة فابتدأ ببنائها، ~~وهي التي تسمى بالهدية. # وفيها، ولي أبو جعفر محمد بن أحمد بن هارون البغدادي ديوان البريد فلم ~~يزل يتولى ذلك إلى أن هلك. وفيها، قتل بالقيروان محمد بن أبي أيوب المعروف ~~بأبي العاهة وكان ممن رفع عليه أنه يحاول القيام على عبيد الله فأختفى، ~~وهدمت بسببه دور، ثم خرج بنصيحة أظهرها ms133 لعبيد الله في أهل القيروان فغفل ~~عنه أيام، ثن قتله. وفيها، قتل من التجار أبناء الأندلسيين بالقيروان أبو ~~جعفر بن خيرون صاحب المسجد الشريف والفنادق المجاورة للسجن بسعي، كان ~~القاضي المروذي عليه وشهادة شهد بها أن قبله وديعة كبيرة فطولب بها وعذب ~~حتى مات PageV01P071 وفي سنة 301 أخرج عبيد الله الشيعي حباسة ابن يوسف ~~بالجيوش إلى المشرق؛ فدخل مدينة سرت بالأمان، وهرب من كان فيها من جند بني ~~العباس، وقرى بذلك كتاب في الجوامع بأفريقية. ودخل حباسة مدينة أجدابية ~~بالأمان أيضا، وهرب من كان فيها لبني العباس. ودخل مدينة برقة. وكان عبيد ~~الله يمد حباسة بن يوسف بالجيوش، فكلما دخل مدينة قتل أهلها، وأخذ أموالهم، ~~وعاث فيهم، وتعلل على أهل العافية منهم، حتى لقد أخذ ببرقة جماعة كانوا ~~يلعبون بالحمام؛ فأضرم لهم النار وأجلسهم حواليها، وأمرهم أن تقطع لحومهم ~~وتشوى، ثم يطعمونها؛ وقذفهم بعد ذلك في النار، وقال: )إن هذه الحمام تأتيهم ~~بالأخبار من قبل بني العباس!( وبرح ببرقة: )من أراد العطاء والرزق الواسع ~~فليأتي!( فأكتب عنده جماعة، وأمر العرفاء من كتامة بأن يعرفوا بأعينهم، ~~ويرقب كل واحد منهم رجلا من أولئك المكتتبين عنده، ثم أمرهم أن يحضروا ~~بالغداة لأخذ الأرزاق، فلما حضروا، قتل جميعهم، وكانوا نحو من ألف رجل، ~~فأمر بجمع جثثهم، ووضع عليها كرسيا، وجلي فوقهم، ثم أدخل وجوه أهل البلد، ~~فنظروا إلى ما هالهم من كثرة القتلى، ومات منهم ثلاث من الخوف والرعب، فلما ~~مثل أهل البلد بين يديه، سبهم، وقال: )أن لم تحضروني غدا مائة ألف مثقال، ~~قتلتكم أجمعين( فأحضروه إياها. ووردت على حباسة عساكر عظيمة من مصر ~~لمحاربتهم؛ فدارت بينهم حرب عظيمة، كانت فيها ردعات على حباسة، ثم انهزمت ~~جيوش مصر، وأتبعهم حباسة، وقتل كثير منهم. # وفيها، قتل حباسة بن يوسف حارثا ونزارا أبني حمال المزتاني، في نفر من ~~أبنائهم وبني عمهم، بمدينة برقة، ، وباع نسائهم، وأخذ جميع أموالهم، إذ كان ~~عبيد الله الشيعي قد خطر بهم في حين قدومه من مصر؛ فأدعى أنهم سرقوا ms134 له حمل ~~مال ومتاع. فلما طلب ذلك عندهم، قام إليه رجل منهم، فشمته ولطمه؛ فكان ذلك ~~سبب قتل حباسة لهم، على ما أمره به عبيد الله وحده له. ثم أن هل برقة كتبوا ~~إلى عبيد الله بما دار عليهم من حباسة، وقتله رجالهم، وسبائه نسائهم، وأخذ ~~أموالهم، فجاوبهم يعتذر إليهم، ويحلف أنه ما أمر بشيء مما ذكروه إلا في ~~النفر الثلاث. وكتب إلى حباسة، يأمره بالرحيل عنهم. فتوجه بالعساكر نحو ~~مصر. فنزل بجبل مقة، وحارب الحصون التي تجاوره حتى أخذها، وقتل أهلها، وأخذ ~~أموالهم وسبى ذراريهم. # خروج أبا القاسم الشيعي لمحاربة مصر # وفيها، خرج أبو القاسم بن عبيد الله من مدينة رقادة، غازيا إلى مصر في ~~حشود عظيمة، وفيها، أحرق محمد بن أحمد بن زيادة الله بن قرهب أسطول عبيد ~~الله الشيعي بمرسى لبطة، وقتل قائده الحسن بن أحمد بن أبي خنزير: قتله محمد ~~بن قرهب ذبحا بيده، وقطع يديه ورجليه، وأسر من أصحابه نحو ست مائة رجل، ~~وأحرق جميع الأسطول. وبلغ عبيد الله ذلك، فبعث جيشا للمدافعة عن الأسطول، ~~إذ ظن أنه لم يحرق. فخرج أصحاب بن قرهب إليهم، وقاتلهم حتى هزموهم، وغنموا ~~ما كان في العسكر. وفيها مات بالقيروان أبو بكر محمد بن عمر بن محمد بن ~~الحسن البصري القرشي وفيها مات بقصر الطوب وهو موضع رباط بجانب سوسة، أبو ~~يونس الزاهد، ونفر أهل القيروان لشهود جنازته PageV01P072 وفي سنة 302، دخل ~~أبو القاسم بن عبيد الله الشيعي مدينة الإسكندرية ومعه حباسة القائد ~~فألفاها خالية، وقد هرب أهلها في البحر بما خف من أموالهم وأسلموا سائر ~~أثقالهم. فاحتوى أبو القاسم وحباسة على جميع ذلك ووصل أبو القاسم إلى ~~الفيوم، فعسكر بها حتى قدم قائد الخليفة مؤنس الفتى من العراق لمحاربته. ثم ~~أن حباسة بن يوسف هرب من مصر إلى أرض المغرب، وكان سبب هربه أن أبا القاسم ~~مبعث إليه من الفيوم أبا فريدن القائد، وأمره أن يستخلفه على الجيوش ويلحق ~~حبالسة به في الفيوم، فأغضبه ذلك، وقال: لما أشرفت على ms135 أخذ البلد، يفوز أبو ~~فريدن بخيره وذكره. فركب حباسة في نحو ثلاثين فارسا من بني عمه، وخرج هاربا ~~إلى جهة المغرب. فكتب أبو القاسم إلى عمال الطريق بخبره وأمرهم بارتصاده ~~وأخذه أن مر بهم. وكتب إلى أبيه عبيد الله بذلك. ونزل مؤنس الفتى مصر يوم ~~الاثنين للنصف من شهر رمضان فرحل أبو القاسم من الفيوم منصرفا إلى أفريقيا ~~بما خف من الأموال والكسي والسلاح. فضربت جيوش مصر في ساقته، فأخذت مضاربه ~~وسلاحا كثيرة وأثاثا. ووصل حباسة إلى حوز برقة، ثم إلى نفزاوة، فعثر عليه ~~وعلى أصحابه فهرب أصحابه. وأخذ حباسة، وقيد، وحمل إلى عبيد الله فحبسه وحبس ~~جميع أهله. وفيها حاول عروبة الهرب من تبهرت، إذ بلغه خبر حباسة وهربه، ~~وقيل أن حباسة كاتبه وإنه كاتبه يرجو اللحاق به والاعتصام بكونه معه. فلما ~~أخذ حباسة، نفر عروبة وخاف فهرب بماله. فظفر به بجبل أوراس، فقتل، وبعث ~~برأسه إلى عبيد الله، فنظر إليها وإلى رأسي حباسة وعروبة، فقال: )ما أعجب ~~أمور الدنيا! هذه الرؤوس ضاق بها المشرق والمغرب، وحملتها هذه القفة!( وأمر ~~بطرحها بجامع الإسكندرية سرا. # وفي هذه السنة، مات سعيد بن محمد بن صبيح الغساني الفقيه، وكان قد صحب ~~سحنون بن سعيد وحمل عنه علمه. وفيها، خالفت مدينة برقة وكان أبو القاسم، ~~لما مر بهم في انصرافه من مصر وقد هنئوه بسلامة، فزعم لهم إنه إنما كان طلب ~~حباسة ليعاقبه على فعله بهم، وأمرهم بنيان ثلم مدينتهم، واستخلف عليهم ~~رجالا من كتامة. فلما ولى عنهم أبا القاسم، وعلموا الحال التي انصرف عليها ~~من مصر بدر الغوغاء إلى من كان خلف عندهم من كتامة، فقتلوهم ووصل أبو ~~القاسم إلى مدينة رقادة من صرفه عن الفيوم يوم الأحد لعشر خلون من ذي ~~القعدة. # وفي سنة 303 مات زيادة الله بن عبد الله بن إبراهين بن الأغلب بالرملة، ~~وترك من المال، في ما ذكر منن كان بحضرته، ألف مثقال من ضرب سكته. وكان ~~بأفريقية وما والها في هذا العام وباء كثير، فمات بها ms136 من قريش القيروان أبو ~~المصعب بن زرارة العبدري. ومات حماس القاضب ابن مروان بن سماك الهمداني، ~~وكان فقيها زاهدا ورعا. ومات محمد بن عبادة السوسي. وما ت خلف بن معمر بم ~~منصور من الفقهاء العراقيين وكان يروى عن أبيه عن أسد بن الفرات، وكان قد ~~تشرق أول دخول الشيعة أفريقية ليعتصم بذلك من مطالبت الشيعة لولده بمال كان ~~غمس يديه فيه عند هرب زيادة الله من رقادة، وكان والده معمر بن منصور قد ~~سمع من ابن فروخ، ومن أسد ابن الفرات، وكان أصح أصحابه سماعا عنه وكان معمر ~~يقول بتحليل المسكر ما لم يسكر منه. وفيها مات القاضي المروذي، وهو محمد بن ~~عمر في العذاب برقادة، ودفن بباب سالم ليلا، وطولب أهل القيروان بماله، ~~فامتحن بذلك جماعة من وجوه أهل القيروان وفضلائهم وتجارهم. # وفيها، أخرج عبيد الله الجيوش إلى مدينة برقة مع أبي مدين بن فروخ ~~اللهيطي. وفيها، ولي عبيد الله )فأفريقية الخراج( أبا معمر عمران بن أحمد ~~ابن عبد الله بن أبي محرز القاضي، فتولى بوظيفة التقسيط على ضياع أفريقية ~~بعد أن وزع جميعها ونظر إلى أوفر مال ارتفع من العشور في سنة وأقله ثم جمع ~~المالين ووظف الشطر على كل ضيعة. PageV01P073 وفيها اضطرب أمر جزيرة صقلية ~~على ابن قرهب، وأجمع بعضهم على خلعه وكاتبوا عبيد الله في أمره، فداراهم ~~ابن قلاهب وذكرهم بأيمانهم له، فلم يلين ذلك حتى صارت بسببه فتنة بصقلية ~~طائفة كانت معه وطائفة كانت عليه. فأراد ابن قرهب جواز البحر إلى الأندلس ~~واكترى مراكب، وشحن فيها متاعا كثيرا فحال أهل صقلية بينه وبين ما أراد، ~~وانتهبوا ما كان له في تلك المراكب، وأسروا ابن قرهب وأبنه وقاضيه المعروف ~~بابن الخامي وقيدوا أجمعين، وبعثوا إلى عبيد الله. وكتب أهل جزيرة صقلية أن ~~يوجه إليهم عاملا وقاضيا وإنهم لا يحتاجون إلى رجال ولا مدد واشترطوا في ~~كتابهم إليه اشتراطا أغضه عليهم، وأغراه بهم، وحرك منهم لمحاصرتهم على ما ~~سيأتي ذكره أن شاء الله تعالى. # وفي سنة 304 ms137 في المحرم منها وصل، وصل ابن قرهب وأصحابه إلى مدينة سوسة ~~مصفدين في الحديد. وكان عبيد الله الشيعي بها. فأوصل ابن قرهب إلى نفسه ~~وقال له: )ما حملك على الخلاف علينا وجحد حقنا؟( فقال له: )أهل صقلية ~~ولوني، وأنا كاره، وخلعوني وأنا كاره!( فأنصرف عبيد الله بهم إلى رقادة ~~وأمر بابن قرهب وأصحابه، فضربوا بالسياط وقطعت أيديهم وأرجلهم على قبر ~~الحسن بن أبي خنزير بباب سالم وصلبوا هناك. وفي شهر ربيع الأول من هذه ~~السنة، كمل سور المهدية ونصبت أبوابها. وفيها، أخرج عبيد الله الجيوش ~~والأساطيل إلى صقلية وقد عليهم أبا سعيد المعروف بالضيف. فحاصرهم شهورا، ~~وقتل منهم جملا، وأجال كتامة على من ألفا في أرباض المدينة من النساء ~~والذرية، فعبث بهم وافترع الجواري الأبكار. وكتب أبو سعيد الضيف إلى عبيد ~~الله بالفتح فيهم، فأمده بمراكب ورجال كثيرة. فلما رأى ذلك أهل صقلية، ~~رغبوا إليه في الأمان على أن يدفعوا عليهم من كان شايع ميما أحدثوه. ~~فأمنهم، وهدم سور المدينة وأخذ سلاحهم وخيلهم ورقيقهم، وفرض عليهم مغرما، ~~وبعث بمن أخذ منهم إلى عبيد الله في مراكب فانكفأ بهم في البحر. وولي أبو ~~سعيد الضيف على جزيرة صقلية سال بن أبي راشد، وأبقى معه جماعة من كتامة ~~وانصرف إلى القيروان. # وفي هذه السنة فتحت مدينة برقة على يد أبي مدين الموجه إليهم بعد أن أفنت ~~الحرب أكثر ألها مدت ثمانية عشر شهرا، وحوصروا فيها، وأحرق قوم منهم ~~بالنار، واستصفى أبو مدين أموالهم، وبعث جماعة منهم إلى عبيد الله، فأمر ~~بقتلهم. وفيها، مات محمد بن اسود بن شعيب القاضي الصديني. وفيها مات ميمون ~~بن عمر الفقيه، ومحمد بن أحمد الصدفي الزاهد. وفيها خرج مصالة ابن حبوس من ~~تبهرت لمحاربة سعيد بن صالح بن سعيد بن إدريس، صاحب نكور، فدارت بينهم حروب ~~كثرة. # وفي سنة 305 أفتتح مصالة بن حبوس، قائد عبيد الله الشيعي مدينة نكور، ~~وقتل بها سعيد بن صالح رئيسها، وذلك يوم الخميس لثلاث خلون من محرم. وانتهب ~~مصالح مدينة نكور ms138 وسبى النساء والذرية، ثم أنصرف إلى تبهرت، وكتب بالفتح ~~إلى عبيد الله وبعث إليه سعيد بن صالح ورؤوس أصحابه، فطوفت بالقيروان. ثم ~~أن بين صالح خرجوا فارين بأنفسهم إلى الأندلس معتصمين بما تناهى إليهم من ~~فضل أمير المؤمنين الناصر وحن مذهبه في كل نازع إليه ومعتصم به، فنزلوا ~~مرسى مالقة، وعهد بإنزالهم والتوسع عليهم، وبعث إليهم بضروب الكسوة وكل ما ~~احتاجوا إليه من المرافق وخيروا في القدوم إلى قرار السلطان أو المقام في ~~ذلك المكان، فاختاروا المقام على بره وحبائه. وكان مصالة قد أستخلف على ~~نكور رجلا يقال له ذلول، وانصرف إلى تبهرت، فافترق عن ذلول من كان معه وبقي ~~في فل من المشارفة. فقصده صالح بن سعيد بن صالح من مرسى مالقة، فقتله، وقتل ~~أصحابه ولزم نكور، وهادي أمير المؤمنين بالخيل والجمال. # تلخيص أخبار أمراء مدينة نكور # من حين بنائها على الجملة إلى هذه السنة المؤرخة PageV01P074 وذلك أن ~~صالح بن منصور، المعروف بالعبد الصالح، كان دخل أرض المغرب في الافتتاح ~~الأول زمن الوليد بن فيد الملك، فنزل في بني تمسمامان وعلى يديه أسلم ~~بربرها، وهم صنهاجة وغمارة. ثم ارتد أكثرهم لما ثقلت عليهم شرائع الإسلام، ~~وقدموا على أنفسهم رجلا يسمى داود ويعرف بالمزيدي وكان من نفزة وأخرجوا ~~صالحا من بينهم. ثم أفاء الله بالإسلام عليهم، وتابوا من شركهم، وقتلوا ~~داود المزيدي، وردوا صالحا. فبقى ذلك إلى ا، مات بتسمامان، وكان له من ~~الولد ثلاثة: المعنصم، وأدريس: أمه صنهاجية وعبد الصمد، فولوا المعتصم، ~~ومكث فيهم يسيرا، ومات. فولوا على أنفسهم إدريس. ثم مات. وولى سعيد ابن ~~إدريس، وهو الذي بنى مدينة نكور. ومنها إلى مدينة زواغة، التي كانت للحسن ~~بن أبي العيش، مسيرة خمسة أيام. وكان لها أربعة أبواب: منها أبواب سليمان، ~~وباب بني ورياغل، وباب المصلى وباب اليهود. وبها جامع كبير. وأكثر خشبهم ~~الأرز. وبها حمامات كثيرة، وأسواق عامرة ممتدة. وهي بين نهرين، أحدهما اسمه ~~نكور، وبه سميت المدينة. ودخلها المجوس سنة 244، وتغلبوا عليها، وانتهبوا ~~من كان فيها إلا ms139 من خلصه الله بالفرار، وأقام المجوس بها ثمانية أيام، ~~وخرجوا منها. وبينها وبين البحر خمسة أميال. وقامت البرانس على سعيد بن ~~إدريس، فأظفره الله عليهم وهزمهم وقتل رئيسهم. ثم رجع من بقى منهمك إلى ~~الطاعة. ومات سعيد بن إدريس بعد أن ملكهم سبعا وثلاثين سنة. # وولي ابنه صالح بن سعيد بن إدريس بن صالح بن منصور. وكان لسعيد من الولد ~~كمنصور وحماد وزيادة الله والرشيد، وعبد الرحمن الشهيد ومعاوية وعثمان وعبد ~~الله وإدريس. وكان عبد الرحمن فقيها بمذهب مالك، وحج أربعا، وعبر البحر إلى ~~الأندلس برسم الجهاد، فقتل الثائر ابن حفصون كل من كان معه، وتخلص هو بنفسه ~~إلى مرسية، وحضر غزوة أبي العباس القائد، واستشهد فيها. وقام علي صالح أخوه ~~إدريس في بني ورياغل وجزناية، فالتقوا بجبل وزناية، وانهب إدريس عسكره، ~~واستمر إلى مدينة نكور ليدخلها، فامتنع أهلها إلى أن أتاهم صالح صاحبها في ~~خاصته، فدخلها في جوف الليل، ولن يعلم أخوه إدريس بذلك، وكان قد نول عليها ~~وطمع فيها. فلما كلن في غد اقبل إدريس على فرسه وهو لا يعلم بأمر أخيه ~~فأدخله المدينة، وأرجله فتيان صالح عن دابته، وأتوا به إلى أخيه، فأمر ~~بحبسه. ثم سار عليه قاسم الوشتاقي بقتله، فأمر فتى من فتيانه يقال له عسلون ~~فقتله، وامتنعت مكناسة على صالح، وحبسوا مغارمهم. فكتب إليهم يتوعدهم، وختم ~~الكتاب، وأدخله في مخلاة، وشدها على حماره! وبعثه مع ثقته، وقال له )إذا ~~توسطت مكناسة، فاترك الحمار بما عليه وانصرف( ففعل فوجد مكناسة حمار صالح، ~~وقرؤوا كتابه فتمادوا على امتناعهم عليه. ثم انصرف رأيهم إلى جمع ما كان ~~عليهم فجمعوه، وجللوا الحمار بملفحة، وأتوا صالحا بالحمار وبمغارمهم ~~واستعفوه فعافاهم. وبقى صالح بن سعيد أميرا إلى أن نوفى بعد أن ملك أزيد من ~~عشرين سنة. PageV01P075 وولى بعد ابنه سعيد بن صالح. فلما توطد الأمر له، ~~دخل عليه عبيدهم الصقالبة، فسألوه العتق فقال لهم: أنتم جندنا وعبيدنا لا ~~تدخلون في ورثنا. فما طلبكم للعتق؟ فألحوا عليه في ذلك وناله جفاء منهم، ms140 ~~وخلعوه وقدموا أخاه عبيد الله وعمه الرضي المكنى بأبي علي وزحفوا بهما إلى ~~القصر فحاربهم سعيد من أعلى القصر بمن كان معه وبالنساء. وقامت عليهم ~~العامة، فأخرجوه من البلد وهزموهم. فتحصنوا بقرية سبعة أيام، ثم ظفر بهم ~~سعيد. وكان عنه الرضى صهره، فحبسه مع أخيه عبيد الله، وقتل من خرج معهما من ~~بني عمه، منهم الأغلب، وأبو الأغلب، فقام سعادة الله بن هارون، وهو ابن عم ~~الأغلب فقال: قتل ابن عني وأبقى عمه وأخاه! فألب عليه بني يصلاتن، وعقد أه ~~معهم، وسعدة الله مع سعيد بمدينة نكور. ثم خذله سعادة الله، وانحاز إلى بني ~~يصلاتن بمن معه فانهزم سعيد، وأخذت بنوده وطبوله، وقتل من مواليه نحو ألف ~~رجل، وأتوا مع سعادة الله حتى حاصروا سعيد بن صالح بنكور. ثم كانت الكرة ~~لسعيد عليهم، فهزمهم، واسر ميمون بن هارون أخا سعادة الله، وسار إلى ~~تمسامان. فأحرق دياره وخربها وانصرف إلى نكور. وخرج سعادة الله بعد ذلك إلى ~~بطوية وبني ورتدي، وزحف بهم إلى زناتة، فحاربهم وهزمهم، وانقادت له جميع ~~تلك البلاد. ثم انصرف إلى مدينة نكور، فأقام بها مصافيا لسعيد المذكور. # ولما تغلب عبيد الله الشيعي، كتب إلى أهل المغرب، يدعوهم إلى الدخول في ~~طاعنته والتدين بإمامته. وكتب بمثل ذلك إلى سعيد بن صالح، وفي أسفله أبياتا ~~كثيرة منها )طويل(. # فإن تستقيموا أستقم لصالحكم ... وأن تعدلوا عني أرى قتلكم عدلا # وأعلو بسيفي قاهر ا لسيوفكم ... وأدخلها عفوا وأملوها قتلا # فأجابه شاعرهم، فقال: )طويل(. # كذبت وبيت الله لا تعرف العدلا ... ولا عرف الرحمن من قولك الفضلا # وما أنت إلا كافر ومنافق ... تميل مع الجهال في السنة المثلا # وهمتنا العليا لدين محمد ... وقد جعل الرحمن همتك السفلا # فكتب عبيد الله الشيعي إلى مصالة قائده على تبهرت، يأمره بالنهوض إلى ~~مدينة نكور، ويأمره بمحاربة سعيد بن صالح المذكور. فخرج مصالة من تبهرت في ~~غرة ذى الحجة من السنة الفارطة عن هذه المؤرخة، فنزل من مدينة نكور على ~~مسيرة يوم. فخرج إليه سعيد، فحاربه ثلاثة ms141 أيام مكافئا له. وكان مع سعيد رجل ~~من أعلام البربر يقال له أحمد بن العباس من بني يطوفت، دعته نفسه إلى أن ~~يقصد محلة مصالة في سبعة فوارس، واقتحم إلى مصالة، فتصايح الناس، وأخذ أحد ~~أسيرا زمن معه، فأمر مصالة بضرب أعناقهم، فقال له أحمد: ليس مثلي يقتل! ~~فقال مصالة: لم؟ قال: لأنك لا تطمع في سعيد إلا بسببي! فاستبقاه وقربه حتى ~~أنس به، ثم أعطاه جيشا فقصد به جانبا كان يعلم الغرة منه، حتى دخل عسكر ~~سعيد من حيث لا يظن به. ففرق جمعه وغشى سعيدا ما لم يتأهب له، وترادفت عليه ~~العساكر، ونظر أمرا لا يستطيع المقام معه، فبعث إلى مدينة نكور، فأخرج كل ~~من كان في قصره وما معهم، وساروا إلى جزيرة في موسى نكور، ومعهم صالح بن ~~سعيد، وإدريس والمعتصم. وقابل سعيد حتى قتل واستبيح عسكره. ودخل مصالة ~~مدينة نكور، فقتل رجالها، وسبى النساء والذراري. وفي ذلك يقول بعض الشعراء ~~)رجز(. # لما طغى الأرذل وابن الأرذل # في عصبة من الطغاة الجهل # قال: نكور دون ربي معقلي # أتاه محتوم القضاء الفيصل # من الإله المتعالي الأعدل # حطم أهل كفرها بالكلكل # وجاء رأس رأسها المبدل # على قنا من الرماح الذبل # ذو لمة شعناء لم تقتل # ولحية غراء لم ترجل PageV01P076 وركب من نجا من ذرية سعيد البحر إلى ~~مقالة، فاستقروا بها لقربها من بلدهم ورجائهم العودة إليه. وبقى مصالبة في ~~نكور نحو ستة أشهر، ثم استخلف عليها ذلول. فكان من أمره ما تقدم ذكره. وذلك ~~أنه لما افترق عن ذلول أصحابه سمع بذلك بنو سعيد بمقالة، فعبروا البحر في ~~مراكب مختلفة، في ليلة واحدة، واتفقوا على أن من وصل غليها قبل فالولاية ~~له، ثقة منهم برعيتهم. وكانوا إدريس والمعتصم وصالح بني سعيد. فوصل صالح من ~~ليلته، فتسامع البربر بقدومه، فتسارعوا إليه، وعقدوا له الأمرة، ولقبوه ~~باليتيم، وزحفوا إلى ذلول وأصحابه فقتلوهم أجمعين. وكتب صالح بالفتح والنصر ~~إلى أمير المؤمنين الناصر فأمر بإمداد صالح بالأخبية والآلات والأسلحة ~~والبنود والطبول، ، فتوطد الملك ms142 بالمغرب لصالح بن سعيد، وبقي أخوته في ~~البحر شهرا يترددون فيه إلى أن وصلوا بعد ذلك إلى نكور. وهي في وقتنا هذا ~~مدينة المزمة أو قريبا منها، وفي هذه السنة تم شأن القاسمية بالقيروان، ~~وانتقل إليها التجار وأهل الصناعات، وذلك في شهر ربيع الأول. وفيها مات أبو ~~جعفر أحمد بن محمد القرشي المعروف بالمغرباني، وكان من أهل الزهد والعبادة، ~~وله سمات كثيرة من سحنون وغيره. وفيها مات القاضي بقفصه، وهو مالك بن عيسى ~~بن نصير، وكانت له رحلتان في طلب بالحديث، أقام فيهما عشرين سنة، وكان به ~~بصيرا، وفي علمه نافذا. وفيها مات بمدينة رقادة من قريش أفريقية أبو الفضل ~~محمد بن عبد السلام بن عبد السلام، من ولد عبد الملك بن مروان، وكان قد ~~تولى جباية طرابلس وتونس لينج مع القوم ويبقى معهم، فتوصل بذلك إلى أخذ ~~نعمته، ومات في عذاب الشيعة. وفيها أخذ أهل الضياع بأعمال أفريقية بمغرم ~~سمى التضيبع. وزعموا أنمه من بقايا التقسيط. # وفي سنة 306، خرج أبو القاسم بن عبيد الله الشيعي إلى مصر في سفرته ~~الثانية وذلك يوم الاثنين مستهل ذي القعدة بعد أن حشد من كتامة جملا كثيرة ~~ومن عرب أفريقية وبربرها وخرج معه خليل بن إسحاق وأبو غانم الكاتب، وغيرهما ~~من رجال أبيه. وعزل عبيد الله عن القيروان من الله بن الحسن بن أبي خنزير، ~~وأخرجه مع ابنه أبي القاسم إلى مصر، وولى عمل القيروان أبا سعيد الضيف، ~~وفيها وقعت النار بالقيروان في سوقها ليلة الأربعاء لثلاث عشرة ليلة من ذي ~~الحجة. # وفيها توفي أبو سعيد محمد بن محمد بن سحنون، وله سماع من ابيه، وغلبت ~~عليه الزهادة والعبادة. وفيها، مات أبو الأسود موسى بن عبد الرحمن ابن جندب ~~المعروف بموسى القطان، وكان من رجال محمد بن سحنون، وولي قضاء مدينة طرابلس ~~في أيلام عيسى بن مسكين، وعزله إبراهيم بن أحمد عن القضاء وحبسه، وله اثني ~~عشر جزءا ألفها في أحكام القران. وفيها مات بمدينة برقة أبو مدين بن فروخ ~~اللهبطي، وكان قائد ms143 الشيعة بها. PageV01P077 وفي سنة 307، كان بأفريقية وما ~~والاها إلى مصر، طاعون شديد وغلاء وغلاء سعر مع الجور الشامل من الشيعة، ~~والتعلل على أموال الناس في كل جهة. وفيها، قدم أبو القاسم بن عبيد الله ~~الشيعي سليمان بن كافي، صاحب مقدمته إلى الإسكندرية في حملة من رجال كتانة ~~وغيرهم، فوجد أهلها غافلين. فلما أحسوا بالخيل، وتلاحق بهم أبو القاسم ~~بجيوشه، أخلوا المدينة وتركوها. فدخلها أبو القاسم الشيعي، وانتهب أموال ~~أهلها وكتب إلى أبيه بالفتح، ثم قدم سليمان بن كافي بالجيوش إلى الفيوم ~~فدخلها بالسيف، وقتل أهلها، وانتهب أموالها وسبى الذرية وجبى الخراج، ~~وأقبلت العساكر من أفريقية يتلوا بعضها بعضا، فاجتمع إلى أبو القاسم عدد ~~يجل عن الإحصاء. فتنقل من محته عن الإسكندرية إلى الفيوم ونزل بالأشمونين ~~في رجب. وألقى الأطعمة في الأنادر لم تخزن، فانتهبها العساكر. وغلت الأسعار ~~بمصر وبالعسكر، ووقع الوباء في الناس وجلا كثيرا منهم. وكانت مصر في ذلك ~~الحين خالية من الجند، فاجتمعوا وتشاوروا في أمرهم، فردوه إلى محمد بن على ~~المادراني وأخيه أبي زنبور، فكتبا إلى أبو القاسم سرا يعرفنه بغيبة الجند ~~وضعف البلد وأظهرا له المسارعة إلى طاعته، وسألاه الاستثناء عليهم لما ~~يتوقعون من العوام، وكان مذهبهما أن يكتف عنهم حتى تأتيهم الرجال من بغداد. ~~وكتب المارداني إلى المقتدر بنزول العساكر عليهم. وفي هذه السنة أقبل ثمل ~~الفتى بالمراكب الشامية، مغيثا لأهل الإسكندرية. فألفى الشيعة بها أسطولا ~~لمحاربة ثمل حتى تغلب على الأسطول بمن فيه، وذلك يوم الأحد لاثنتي عشر ليلة ~~بقيت من شوال، وأسر جملة من رجال كتامة ثم نهض ثمل بالأسرى إلى الفسطاط، ~~فطوفهم على الجمال مشهرين، وفيهم جماعة من رجال الشيعي المشهورين بالبأس. # وفيها مات القاضي محمد بن محفوظ القمودي بإفريقيا، وكان ضعيف الرأي جائر ~~الحكم وولى القضاء بالقيروان إسحاق بن أبي المنهال. وفيها هبت بالقيروان ~~رياح مظلمة صفراء دامت أياما وسدت الأفق حتى كان الرجال لا يرى جليسه، ~~وأتبعها الوباء الذي تقدم ذكره. وفيها مات أحمد بن علي بن دودان الفقيه ~~وكانت ms144 له رحلة سمع فيها من يونس والمزني. ومات محمد بن أحمد بن يحيى بن ~~مهران الفقيه من رجال محمد بن سحنون. ومات أبو سليمان داود بن مسرور ~~الغساني وكان متزهدا فاضلا ومات محمد بن عبد الله ابن القاضي أحمد بن محرز. ~~ومات بمدينة تونس من قريش محمد بن أحمد بن عبد الله بن سعيد بن خالد بن ~~عبيد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان وكان يلقب بالبعرة وكان طرأ على ~~إبراهيم بن أحمد من المدينة، ودخل الأندلس مرتين. # وفي هذه السنة قتل بالقيروان عروس المؤذن بمسجد أبو عياش الفقيه إذ شهد ~~عليه قوم من المشارقة بأنه أذن ولم يقل: )حي على خير العمل( وكان من ~~المتزهدين يطحن بيده، ويعمل الخلفاء، ويتعيش من ذلك. وفيها مات من الفقهاء ~~بالقيروان عبد الله بن محمد بن يحيى الرعيني من أصحاب سحنون، ومحمد بن موسى ~~التميمي من شيوخ العراقيين، وإسحاق بن إبراهيم بن أبي عاصم الفارسي، وأبو ~~جعفر أحمد بن منصور مولى بني تميم وكان يعرف بابن المقرعة الغاسل، وسمع ~~بمكة ومصر. ومات جماعة من التجار ومن خدم السلطان ومن الأطباء ممن يطول ~~الكتاب بذكره. # وفي سنة 308 سار مصالة قائد عبيد الله الشيعي نحو المغرب بالجيوش. فلما ~~بلغ قريبا من نكور خرج صالح بن سعيد عن مدينة نكور وتحصن بجبل هناك يعرف ~~بجبل أبي الحسين. ودخل مصالة المدينة وضبطها ثم سار منها إلى جهة فاس. وكان ~~بها حينئذ يحيى بن إدريس بن عمر بن إدريس في أهله ورجاله. فلما قرب منها، ~~أرادوا مدافعته. فحاربهم أياما حتى هزمهم. ودخل مصالة مدينة فاس وضبطها. ~~وقال شاعرهم وقد عرض بها بسيط: # دخلت فاسا وشوق إلى فاس ... والجبن يأخذ بالعينين والرأس # فلست أخل فاسا ما حييت ولو ... أعطيت فاسا بما فيها من الناس PageV01P078 ~~وفيها قتل أبو سعيد موسى بن أحمد بن موسى بن أحمد بمدينة القيروان زيادة بن ~~خلفون المقطبب مولى بني الأغلب، وكان عالما بالطب، حسن الذهن فيه، وكان ~~عبيد الله قد احتاج إلى زيادة، ms145 وقربه من نفسه وحذره من أبي سعيد، لاختلاف ~~كان قد وقع بينهما، وأمره أن لا يدخل القريوان إذا كان أبو سعيد بها، ~~فالتزم زيادة ذلك إلى ا، بات ليلة بالقيروان، وأبو سعيد برقادة، وكانت له ~~عيون عليه فبعث إليه من دخل عليه داره، وقتله بها. # وفي هذه السنة انتقل عبيد الله الشيعي بعياله وأمواله ونقله إلى المهدية ~~يوم الخميس لثمان خلون من شوال، بعد أن كمل قصره بها، وقصر ولده أبي ~~القاسم، وسور المدينة وبعض دور رجاله، ولم يكمل الكل. وكانت في هذه السنة ~~بالقيروان ورقادة أمطار كثيرة، هدمت المباني، فاضطر عبيد الله إلى استعجال ~~التنقل. فقالت شعراء أفريقية في انتقاله واستيطانه من الشعر ما ذكرنا ~~أبياتا منها ليستدل بما فيها على ما كان يستحله ويجوز عنده من الأشعار ~~)وافر( # ليهنك أيها الملك الهمام ... قدوم فيه الدهر ابتسام # حططت الرحل في بلد كريم ... رعته لك الملائكة الكرام # لئن عظم الحرام وما يليه ... كما عظمت مشاهده العظام # لقد عظيت بأرض الغرب دار ... بها الصلوات تقبل والصيام # هي المهدية الحرم الموقى ... كما بتهامة البلد الحرام # كأن مقام إبراهيم فيه ... ثرى قدميك إن عدم المقام # وإن لئم الحجيج الركن أضحى ... لنا بعراص قصركم التشام # لئن شاب الزمان وشاب منك ... دعائمه إذا عجمت حطام # لملكك أيها المهدي ملك ... غلام والزمان به غلام # لك الدنيا ونسلك حيث كنتم ... فكلكم لها أبدا إمام # وفي هذه السنة قتل بالقيروان من قريش تميم علي بن محمد بن عبد الله ابن ~~عبد الرحمن بن هاشم بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق - رحمه ~~الله - قتله أبو سعيد موسى بن أحمد إذ اتهمه برفع كتاب إلى عبيد الله بأن ~~أهل القيروان عقدوا مع أبي سعيد هذا على الخلاف فحكمه عبيد الله فيه وحبسه، ~~ثم خنق حتى مات. وفيها مات من قواد بني الأغلب أبو جعفر أحمد بن تميم، ومن ~~الفقهاء سعيد بن حكمون، وكان زاهدا. وتوفي إبراهيم ابن تونس المعروف بابن ~~الحساب، مولى موسى بن نصير، وكان ms146 يلقب حارث حسبة، وولي أحكام القيروان ~~وقضاء مدينة رقادة. وتوفي من الفقهاء العراقيين أحمد بن عبد الرحمن اللخمي، ~~سمع كمن محمد بن وهب وغيره. وتوفي منهم أحمد ابن غبدون بن وهب. وتوفي ~~الربيع بن هشام التميمي، وكان من الزهاد المتعففين. # وفي سنة 309 فتح مصالة بن حبوس مدينة سلجمانة، وانتهب أموالها وقتل بها ~~أحمد بن مدرار وولي عليها المعتز بن محمد بن مدرار، وانصرف. وفيها أظهر ~~منيب بن سليمان الكمناسي الداعي التشريق بجانب تبهرت وتحليل المحرمات. وقيل ~~أن عبيد الله وغيره من الأطراف، وأمرهم بإظهار التشريق فإن وجدوا الناس ~~محتملين له ومغضبين عليه، نشروه عند العامة، وأظهروه. فلما كشف منيب بجبل ~~ونشريش ما أمره عبيد الله به وكان الرجل يدخل إلى حليلة جاره، فيطأها ~~وزوجها حاضر ينظر إليه ثم يخرج، فيبصق في وجهه، ويصفع قفاه ويقول له: تصبر ~~فإذا صبر عد كامل الإيمان وسمي من الصابرة. فقام عليهم الناس وقتلوا بعضهم! ~~وفيها، وصل أبو القاسم الشيعي إلى المهدية يوم السبت مستهل رجب منصرفة من ~~الفيوم وكانت سفرته هذه سنتين وثمانية أشهر. PageV01P079 وفيها، أمر عبيد ~~الله بحبس نحو مائتي رجل أظهروا التشريق بالقيروان وباجة تونس، وجاهروا ~~بتحليل المحرم وأكلوا الخنزير وشربوا الخمر في رمضان جهارا. وعلم بذلك ~~الخاص والعام حتى عير به أبو القاسم أيام كونه بالفيوم وكثر القول من الناس ~~في هذا فكتب عبيد الله إلى عماله بهذه المواضع بأن يرفعوهم إليه مقيدين، ثم ~~حبسوا، فمات أكثرهم بالسجن وكلهم مشهور بأفريقية: منهم أحمد البلوي النخاس ~~بالرقيق كان يصلي إلى رقادة أيام كون عبيد الله بها وهي منه في المغرب فلما ~~انتقل عبيد الله إلى المهدية وهي منه في المشرق، صلى إليها وكان يقول: لست ~~ممن يعبد من لا يرى! وكان يتصدى لعبيد الله ويقول له: أرق إلى السماء كم ~~تقيم في الأرض وتمشي في الأسواق! وكان يقول لأهل القيروان في عبيد الله: ~~أنه يعلم سركم ونجواكم! فاقرب إليه يرجلا يوما وهو يقول ذاك فأخذ أذنه ونطق ~~فيها: عبيد الله الذي ms147 نقول زان! ابن الزانية! فإن كان يعلم ما قلت لك، ~~فلينتصر! فصاح صيحة عظيمة وقال: يا مسكين! إنه حليم لا يعجل! ومنهم إبراهيم ~~بن غازي، وكان يأكل في شهر رمضان جهارا ويركب الكبائر وكان في أيام بني ~~الأغلب من المتزهدين المرابطين بقصر الطوب المجاور لسوسة وقد كان أهل سوسة ~~أرادوا تقديمه لصلات الجماعة. وفيها تصدى جماعة من أهل القيروان بالنساء ~~والذرية لأبي القاسم، وشكوا إليه سرا جور أبي سعيد وأصحاب المحارس، ووصفوا ~~إفسادهم وغارتهم على أموالهم فاستأذن لهم على أبيه، فدخلوا كافة، وشكوا ~~غليه بما شكوا به إلى أبي القاسم وأبو سعيد جالس عنده فحلف لهم عبيد الله ~~أنه ما علم بظلمهم، وأمرهم بالانصراف ووعدهن بالإنصاف وأمر أبا سعيد برفع ~~كتابه وقوم من أصحاب المحارس إليه فحسبهم عبيد الله وأطلق كاتبه. # وفيها، أمر عبيد الله بأن يكون طريق الحاج على المهدية، لأداء ما وظف ~~عليهم من المغارم في الشطور، وألا يتعدى هذا الطريق أحد وكان من أمثال أهل ~~القيروان في أيام بني الأغلب عند مطالبة شيء ممتنع: إذا أردت الحج، فخذ على ~~بندون! وبندون هذه قرية في طريق جمة والطريق القصدة إنما هي على مصر. فلما ~~عهد عبيد الله بأن تكون طريقهم على المهدية صار المثل القديم حقا. # وفبه، أمر عبيد اله بقتل أبي علي حسن بن مفرج الفقيه، ومحمد الشذوني ~~الزاهد، إذ رفع عليهما إليه بتفضيل بعض الصحابة على علي وفيها مات بمدينة ~~سوسة أبو الغصن نقش الفقيه، سمع من سحنون زمن عون بن يوسف وغيرهما، وتوفي ~~محمد بن هيثم بن سليمان بن حمدون القيسي الفقيه ومحمد، ومحمد ابنا عبد ~~السلام بن إسماعيل من بني عبد الملك بت مروان، وفي سنة 310، قدم مصالة بن ~~حبوس إلى المهدية على عبيد الله. فأقام بها أياما. ثم صرفه إلى تبهرت. فخرج ~~إليها في شعبان. وفيها، قرى كتاب لعبيد الله الشيعي في جامع القيروان بوقعة ~~كانت بين فلاح بن قمون وبين جند مصر بذات الحمام. وفيها، قتل بجبل أوراس ~~أبو معلوم فحلون الكتامي ms148 من قواد عبيد الله وكان قد أخرجه إلى هذا الجبل، ~~فكلف أهله فوق وسعهم وأمرهم برفع عيالاتهم إلى المهدية، فأظهروا الطاعة له، ~~وشرعوا فيما أمرهم به فلما كان في بعض الليالي، وثبوا عليه وعلى جند كتامة ~~الذين كانوا معه، فقتلوهم أجمعين. # وفيها خالفت نفوسة على عبيد الله، وقدموا على أنفسهم أبا بطة فاجتمع إليه ~~عدد كثير واشتدت شوكته. فأخرج إليهم عبيد الله علي بن سلمان الداعي في جمع ~~كثير فلما قرب منهم بيتوه فقتلوا من أصحابه وانهزم الباقون وتفرقوا عن علي ~~بن سلمان، فسار علي إلى طرابلس، وكتب إلى عبيد اله بذلك فكتب عبيد الله إلى ~~علي بن لقمان عامله على قابس بأن يقتل كل من مر به من المنهزمين فقتل منهم ~~جماعة. وامتد عبيد الله بن سلمان بالجيوش، وأخذ في حصار نفوسة بعزم. وفيها، ~~غزا مسعود الفتى بلد الروم في البحر في عشرين شينيا فافتتح مدينة أغاثي، ~~وسباها وانصرف إلى المهدية وفيها، توفي محمد بن سلام بن سيار البرقي ~~الهمداني وكان متفقها على مذهب الشيعة وتوفي من قريش أحمد بن يحيى بن خالد ~~السهمي، بعد أن جاوز التسعين وكانت له رحلة، وسمع من أبي سنجر مسنده. ~~PageV01P080 وقام حسن بن على الحسني مع البربر فأتى إلى فارس، وبها ريحان ~~الكتاني قائدا عليها من قبل عبيد الله فأخرجه منها واستبد بها ثم غدره حامد ~~بن حمدان وأدخل بن أبي العافية، وكان وكان يتولى لبني أمية، فبقى بها إلى ~~أن أرسل الشيعي قائديه مسرورا وجواهرا. ففر أمامهما. وبقى فيها قائد الشيعي ~~إلى أن أخرجه بنو إدريس ورجع ملكها لهم حتى حاربها عسكر الناصر الأموي صاحب ~~الأندلس وملكها. وفيها، مات أبيو جعفر الطبري. # وفي سنة 311، عزل عبيد الله إسحاق بن أبي المنهال عن قضاء مدينة القيروان ~~يوم السبت لعشر بقين من جمادى الآخرة، وأخرج إليه عبيد الله من قال له: لم ~~نعزلك عن حرجة، وإنما عزلناك للينك ومهانتك! وولى قضاء مدينة القيروان محمد ~~بن عمران النفطي وكان قبل ذلك على قضاء مدينة طرابلس، ms149 فجمع بها أموال كثيرة ~~من الرشى والأحباس ورفعها إلى عبيد الله فكانت له وسيلة إليه. # وفيها، أوقع علي بن أبي سلمان بأهل نفوسة، ودخل حصنهم وهدمه وقتل الرجال، ~~وسبى الذرية، وذلك يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شعبان. وفيها، ضرب ~~محمد بن العباس الهذلي الفقيه بالدرة في الجامع عريانا، وصفع قفاه حتى جرى ~~الدم من رأسه، وبرح عليه في أسواق القيروان إذ شهد عليه قوم من المشارقة ~~بأنه يطعن على السلطان ويفتي بقول مالك، وفيها، دخل مسرور بن سليمان بن ~~كافي الواحات من صعيد مصر وهما حضنان في قفار ورمال، وكان عليها عامل لصاحب ~~مصر يعرف بالبكربازي، فهزمه مسرور وأسر ولده وابن أخيه، واستحوذ على الموضع ~~ثم وقع الطاعون في أصحاب مسرور فأخرب الحصن، وقلع أثمارها، وانصرف إلى ~~برقة. # وفي هذه السنة، مات بالقيروان من العدول وأهل السنة والخير محمد بن شيبة ~~بن حسان وكان شيبة من القواد الداخلين أفريقية مع يزيد بن حاتم وفيها، مات ~~بتونس أبو جعفر محمد بن تميم التميمي وكان من قواد زيادة الله فهرب إلى أبا ~~عبد الله الشيعي ودخل معه أفريقية. وفيها، مات أبو الفضل أحمد بن جعفر بن ~~موسى الصمادحي. # وفي سنة 312، خرج مصالة من تبهرت إلى زناتة فأداخ بلدهم وقتل وسبى وأخرج ~~خيلا إلى بعض ؤنواحي ابن خرز وكان فيها أكثر حماته ووجوه رجاله، وبقى مصالة ~~في نفر من أصحابه. فبلغ ذلك ابن خرز فقصد نحو مصالة، ودارت بين الفريقين ~~حرب عظيمة، قتل فيها مصالة وانهزم أصحابه وذلك يوم الجمعة لعشر بقين من ~~شعبان. وفيها، خرج أبو جعفر ابن عبيد الحاجب في أسطول كبير إلى صقلية يريد ~~غزو الروم فشتى بصقلبة تلك السنة، ولم يلق العدو، وفي هذه السنة، مات ~~بالقيروان القاضي محمد بن عمران النفطي في شهر ربيع الأول، وكان يرتشي على ~~الأحكام، ويستهتر في ضروب من المنكر. فولى عبيد الله القضاء مكانه إسحاق بن ~~أبي المنهال مرة ثانية وكتب في عهده: وإنما كنا عزلناك للينك ومهانتك! ~~ورددناك لدينك وأمانتك! ms150 وفيها، مات محمد بن حفص الفهم، وكان من أهل الفضل ~~والدين، وأم بالناس الإشفاع بجامع القيروان في أيام بني الأغلب قم ولى صلاة ~~جامع رقادة وكان يرتوق في كل شهر عشرة مثاقيل فأحضره المروذي عند نفسه ~~وقال: لا يوم بنا إلا ولى من أولياء أمير المؤمنين. فأدخل إلى بعض الدعاة ~~يأخذ عليك البيعة، وتبقى على خطتك! وإنما أراد أن يتشرق معهم ويدخل في ~~الكفر مدخلهم. فقال له: أنظرني اليوم أشاور نفسي! فأنظره ثم أتاه من الغد ~~وقد كره الدخول معهم في شيء مما هم عليه فعزا عن الصلاة. وفيها، قري كتاب ~~عبيد الله بالقيروان وأعمالها بدخول مسرور بن سليمان بن كافي الواحات، ~~وملكه لها، وتاريخه يوم الخميس لثمان ليال بقين من محرم. PageV01P081 وفي ~~سنة 313، غزا أبو أحمد جعفر بن عبيد الحاجب بلد الروم من صقلية، فافتتح ~~أماكن كثيرة ومنها مدينة واري، وقتل بها ستة آلاف مقاتل، وأخرج منها عشرة ~~آلاف سبية وأسر بها بطريقا صالحه عن نفسه ومدينته بخمسة آلاف مثقال وانصرف ~~إلى صقلية فوصل إليها لأربع بقين من شهر ربيع الآخر، وكتب إلى عبيد الله ~~الشيعي بالفتح، ثم قدم جعفر بعد ذلك إلى المهدية وأوصل جميع الغنائم إلى ~~عبيد الله الشيعي فذكر بعض رجاله أنه دخل عليه وبين يديه جوهر كثير، وديباج ~~سني، وأموال، فقال له: يا مولاي، ما رأيت كاليوم منظر! فقال له عبيد الله: ~~هذه من الغنائم التي أصيبت بوارى! فقال له الرجل: أن من أدى هذا لأمين! ~~وأراد أن يثني بذلك على جعفر الحاجب فقال له عبيد الله مبادرا: والله! ما ~~أعطاني من الجمل إلا أذنيه! وفيها، ولي أحمد بن بحر بن علي بن صالح، ~~المعروف بابن أخي كرام، مظالم القيروان وجلس للنظر يوم السبت لإحدى عشرة ~~ليلة خلت من جمادى الأخيرة، وفيها، مات بمدينة سوسة محمد بن يسطام بن رجاء ~~الضبي الفقيه وكانت له رحلة سمع فيها من ابن عبد الحكم وغيره. ومات عبد ~~العزيز بن شيبة وكانت له رحلة أيضا سمع فيها من بندار ms151 وأبي موسى الزمن، ~~وأبي حفص القلاس، ولم يتخلف هذا المتوفى وارثا، فورثه عبيد الله وكان له ~~مسجد يجاور داره وفندقه، فأغلق الناظر في المواريث لعبيد الله المسجد، ~~ووصله بالدار والفندق. وفيها ابتدأ عبيد الله الشيعي ببناء مدينة المسيلة ~~وسماها المحمدية على بد علي بن حمدون الجذامي المعروف بابن الأندلسي في وسط ~~أرض بني برزال وبني كهلان على قرب من هوارة. وكانت على واد ولها سوران ~~تنيهما ساقية من هذا الوادي. # وفي سنة 314، عزل عبيد اله الشيعي عن عمالة القيروان نسينا فتاه وضمه إلى ~~المهدية، وحبس عند جوذر الفتى، وقبض على أمواله، وكان نسيم سريع الغضب ~~والضرب بالسوط. وولي عبيد الله عمالة القيروان صابر الفتى مولى بن قرهب. ~~وفيها، زحف ابن خزر إلى تبهرت وحاربها فانهزم عنها وأخرج عبيد الله في أثره ~~موسى بن محمد الكتامي في جماعة من القواد فلما صاروا بطبنة، دخل محمد بن ~~خزر الصحراء، وأبقى أخاه عبد الله مع وجوه رجاله بوادي مطماطة، فدا ت بينه ~~وبين رجال الشيعي حرب عظيمة كان الظفر فيها والغلية لابن خزر. ثم أخرج عبيد ~~الله إلي إسحاق بن خليفة وأصحابه وخالفت على الشيعي لماية، وما جاورها من ~~القبائل واستمدوا بابن خزر فكتبوا إلى عبيد الله مستمدين، فأمدهم بجيش كبير ~~فهزموه. وأرسلت هذه القبائل إلى محمد بن جزر، فولى عليهم أخاه عبد الله. ~~ودارت بينه وبين جيوش الشيعي وقائع كثيرة. وفيها، مات مونس البغدادي المغني ~~مولى موسى بن بغل بالمهدية فجأة. # وفي سنة 315، خرج أبو القسم بن عبيد الله الشيعي من المهدية يريد المغرب، ~~يوم الخميس لتسع ليال خلون من صفر. وكانت طريقه على القيروان، ثم نزل ~~الأريس. فأقام بها أياما حتى اجتمعت إليه العساكر. فسار إلى باغاية، ثم إلى ~~كتامة، ونقدم إلى جبل فيه بنو برزال، وقوم من مكلاتة. فامتنعوا عليه، ~~فحاربهم حتى فتح له عليهم ونوجه إلى مدغرة، ثم إلى سوق إبراهيم. فأقام في ~~تلك الجهة أكثر من شهر لكلب الشتاء وكثرة الوحل. فحكى بعض رجال عبيد الله ~~أنه كان ms152 بين يديه، هو وطائفة من خدمه وصحبه، وقد توقفت كتب أبو القاسم عن ~~الورود حتى ساءت الظنون من جهته، فورد كتابه على أبيه بمحضرهم. فلما فتحه ~~وقرأه، بكى، قال: فخفنا أن يكون حدث وأمر وهممنا بالبكاء معه حتى افتتح ~~الكلام، فقال: اللهم أنك تعلم أنني ما أردت إخراجه إلى المغرب إلا رضاك، ~~ونصرة دينك، وإذلال أعدائك! وما يسهل علي أن أفارقه يوما واحدا، قال: ثم ~~التفت إلينا فقال: هذا مولاكم يذكر في كتابه أنه أقام فير مناخ واحد شهرا ~~كاملا، عليه المطر كل يوم بالغدو والآصال، وأنه مشى عقابا كثيرة راجلا، إذ ~~لم يستطع الركوب فيها لوعرها، ويقتات كل يوم ببيضة أو نحوها لكثرة الذباب ~~في العسكر! وفيها، خرج صابر الفتى إلى صقلية لغزو بلد الروم، في أربعة ~~وأربعين مركبا، فأصاب في غزاته هذه وسبى وقتل. # وفيها، قتل برملة المهدية معلى بن محمد الملوسي الداعي، بعثه أبو القاسم ~~من المغرب مقيدا. فأمر عبيد الله بضرب عنقه،. PageV01P082 وفيها، قتل ~~بمصمود الساحل، من أحواز طنجة حاميم المفتري ابن من الله. وكان قد تنبأ ~~بالجبل المنسوب إليه، وأجابه بشر كثير من البربر الجهال، وشهدوا له ~~بالرسالة. وقد كان سن لهم صوم يزم الخميس، فمن أكل فيه، غرم خمسة أثوار، ~~وصوم الاثنين، فمن أكل فيه غرم ثورين، ونحو هذا من الباطل والحماقات. ومما ~~قيل فيه )طويل(. # قالوا افتراء إن حاميم مرسل ... إليهم بدين واضح الحق باهر # فقلت: كذبتم بدد الله شملكم! ... فما هو إلا عاهر وابن عاهر! # فإن كان حاميم رسولا فإنني ... بمرسل حاميم لأول كافر! # رووا عن عجوز ذات إفك بهيمة ... تجاوز في أسحارها كل ساحر # أحاديث إنك حاك إبليس نسجها ... يسرونها والله مبدي السرائر! # وفي هذه السنة، توفي محمد بن سلمون القطان بأفريقية، وله سماع كثير من ~~رجال سحنون. وتوفي من التجار وأهل العدالة حاتم بن عبد الرحمن بن حاتم، سمع ~~من سحنون ورحل إلى العراق. # وفي سنة 316، زحف أبو القاسم الشيعي إلى قبائل البربر بالمغرب، فنزل ~~ببرقاجنة على حصنها المعروف بأغزر ms153 يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة بقيت من ~~المحرم، فقاتلهم، ونقب السور عليهم حتى سقط، وهلك ممن كان تحته وفوقه عدد ~~كثير. فلما نظروا إلى الغلبة، أحرقوا الأمتعة، وعرقبوا الدواب والمواشي، ~~وقاتلوا الشيعة حتى قتلوا، وأسر منهم من استأسر وانتهب ما في الحصن. وأجابت ~~هوارة ولماية إلى طاعة الشيعة، فأمنهم أبو القاسم، ثم سار إلى جهة تبهرت ~~فأقام بها نحو شهر، وتقدم منها إلى تامغلت، فأقام بها شهرين، مناظرا لين ~~خزر، وهو حينئذ بموصع يقال له أورن ثم نكب أبو القاسم إلى مدينة طبنة، ~~وانصرف إلى المهدية دون أن يلقي ابن حزر. وقيل أن سبب انصرافه، إنما كان ~~لكتاب ورده من قبل ابنه قاسم، يعلمه أن الناس تحدثوا بمبايعة عبيد الله ~~لابنه أحمد المكنى بأبي علي وأنه صلى بالناس عيد الفطر وعيد الأضحى. فأقلقه ~~ذلك، وقدم المهدية. # وفيها غزا صابر من صقلية إلى بلد الروم فافتتح موضعا يعرف بالغيران وقلعة ~~الحسب، واحتوى على ما فيهما، وزحف إلى سلير، فصالحه أهلها بمال وديباج. ثم ~~توجه إلى نابل، فصالحوه أيضا بمال وثياب ثم صدر إلى صقلية. وفيها، مات محمد ~~بن أحمد بن أبي زاهر من الفقهاء بالقيروان، وعبد الله المعروف بالعيني وكان ~~من المعبدين. وفيها، ابتدأ غلاء السعر بالقيروان. زفيها كان ابتداء أمر أبي ~~مخلد بن كيداد الزناتي، وهو رجلا أخذ نفسه بمذاهب النكار يحلل دماء ~~المسلمين وفروجهم ويسب علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وكان أول أمره ~~بتقيوس، يعلم الصبيان، ويعتقد الخروج على السلطان ويحتسب على الناس في كثير ~~من أفعالهم، وعلى جباة الأموال. فغير في هذا العام على عامل تقيوس، وأمر ~~بقتله، فقتله أهل نقيوس ففزع أبو يزيد عند ذلك، وخرج إلى الحج. فلما وصل ~~إلى طرابلس، وصل كتاب عبيد الله في طلب قوم من البربر فهرب هو وصاحبه أبو ~~عمار الأعمى، وكان على مذهبه وضلاله. فكرا في تقيوس، فورد كتاب عبيد الله ~~في طبنة فيها زال يقر ويستتر إلى أن ظهر أمره بعد ذلك. PageV01P083 وفي سنة ~~317، كان بالقيروان وأعمالها ms154 وباء عظيم وغلاء سعر فبلغ قفيز قمح بالكيل ~~القرطبي مثقال ذهب. وفيها، تغلب محمد بن خزر على الزاب كله وملكه جملة. ~~وفيها، بنى بنو محمد المدينة المعروفة فجر النسر. وفيها سار موسى بن أبي ~~العافية إلى مدينة نكور وصاحبها يومئذ المؤيد بن عبد البديع ابن إدريس بن ~~صالح بن منصور. فحاصره فيها حتى تغلب عليها واستباحها وغنم ما فيها وقتل ~~المؤيد وهدم أسوارها. ثم سار يريد بني محمد بن سليمان ابن عبد الله، ~~وعميدهم يومئذ الحسن بن عيسى المعروف بابن أبي العيش صاحب جرواة، وهي أشرف ~~مدائن ذلك الجانب. فنزل عليها وحاصر ابن أبي العيش فيها حتى أوفى على ~~أخذها. فلما أحس ابن أبي العيش بالغلبة، وخرج في الليل، هاربا بأهله وولده ~~ومن تبعه، ونجا إلى مربي جروة المعروف بأكاس. فدخل منه البحر وعاذ بجزائر ~~ملوية. ثم سار إلى جزيرة أرشقول، وهي منيعة لا ترام، فتحصن فيها بأهله ~~وولده ومواليه. وجال موسى بن أبي العافية بتلك الجهات وأخذ مدينة تربية ~~ومدينة أرشقول. وهرب كل من في ذلك الجانب من آل محمد بن سليمان، وخلص ~~الموضع لموسى بن أبي العافية وأخلى منه قواد بني خزر وعمالهم وصار في ملكه ~~من أحواز تبهرت إلى السوس الأقصى وفبها، غزا صابر الفتى غزوته الثالثة ~~والتقى في البحر بالسردغوس، وهم في سبعة مراكب، وصابر في أربعة مراكب ~~فانهزم السردغوس. وفتح صابر مدينة نرمولة، وسبى فيها سبيا كثيرا، ثم انصرف ~~إلى المهدية. وفيها مات بالقيروان من الفقهاء أحمد بن نصير بن زياد، سمع من ~~محمد بن سحنون ومن ابن عبدوس ومن يوسف بن يحيى المغامي وكان عالما ~~بالمناظرة مليئا بالشاهد، صحيح المذهب، سليم القلب. قال محمد بن حار: حضرته ~~يوما، وعنده جماعة من المحاظرين في المسألة، حنى دخل عليه محمد بن عبد الله ~~بن مسرة القلاطبي في حين توجهه إلى الحج فسلم، وجلس جانبا وهو يجيل بصره في ~~وجوه المتكلمين. قال: فلم أشك أنه من أهل العلم، ولم أكن عرفته باسمه. فلما ~~أظهر الشيخ أحمد بن ms155 نصر القيام، قال له: )يا شاب جلست منذ يوم. فهل من حاجة ~~تذكرها؟( فجاوبه محمد بن مسرة بكلام حسن بليغ وقال له: )أتيتك مقتبسا من ~~نورك، ومستمدا من علمك( وجاوبه أحمد بن نصر أيضا بجواب حسن. ثم قام وقمنا ~~بأثره. وفيها، مات محمد بن محمد بن خالد القيسي المعروف بالطرزي، وكان ولي ~~المظالم بالقيروان، ولما أراد إبراهيم بن أحمد توليته المظالم، اعتذر إليه ~~بأن فيه حياء ولين جانب وقلة فقه، فقال له إبراهيم: )أما الحياء واللين، ~~فإذا أمرت ونهيت زالا عنك. وأما قلة الفقه فشاور الفقهاء في أحكامكم( وولاه ~~فلم يكن بالقيروان حاكم أشد صرامة منه. # وفي سنة 318 خرج حميد بن يصل من المهدية إلى تبهرت بغير أذن عبيد الله، ~~وبنى قلعة هنالك، ورد حماد بن هاشم إلى بلده، وصاهره وأصلح بينه وبين سيار ~~بن عبد الوهاب. فكتب عبيد الله إلى يصل بن حبوس أن يوجه حميد إلى المهدية، ~~ولا يؤخره ساعة. فرجع حميد إليها، ولم يلق من عبد الله سوءا. وفيها، نزلت ~~الأمطار بالقيروان وصلحت الأحوال، ورخصت الأسعار بعد ضيق شديد كان فيه ~~الناس، وغلاء، ووباء. وفيها مات بالمهدية هشام بن الربيع التميمي وكان من ~~أهل الخير والفضل وناله من عبيد الله الشيعي عقاب، وضربه بسبب ابن القديم. ~~وأوصى ألا يدفن في المهدية فسيق إلى القيروان ودفن بها. # ذكر مدينة جراوة # كانت مدينة جراوة عليها سور مبنى بالطوب. وبخارجها عيون مالحة وداخلها ~~آبار كثير طيبة عذبة، وحولها أرباض من جميع جهاتها، وفيها قصبة مانعة وفيها ~~خمس حمامات، وجامع، له خمس بلاطات أسسها أبو العيش عيسى بن إدريس سنة 257، ~~ووليها بعد ابنه الحسن بن أبي العيش في سنة 291، وخرج منها إلى حصن المنصور ~~في سنة 319، ثم عاد إليها في سنة 323، ثم انتقل إلى تلمسان في سنة 325. ~~وكان لها أربعة أبواب وحولها فحوص للزرع والضرع وحولها قرى مدغرة على ~~البحر. وعلى الجبل بنو يزناتن، ومن جهة الشرق بنو يفرن من زناتة ومن جهة ~~الغرب قبائل زواغة وغيرهم. # ذكر مدينة تيهرت ms156 PageV01P084 وأما مدينة تيهرت، فأسسها عبد الرحمن بن ~~رستم بن بهرام، وكان مولى لعثمان بن عفان وكان خليفة لأبي الخطاب أيام ~~تغلبه على إفريقية ولما دخل ابن الأشعث القيروان، فر عبد الرحمن إلى الغرب ~~بما خلف من أهله وماله فاجتمعت إليه الأباضية، وعزموا على بنيان مدينة ~~تجمعهم، فنزلوا بموضع تيهرت وهي غيضة بين ثلاثة أنهار فبنوا مسجدا من أربع ~~بلاطات، واختطة الناس مساكنهم، وذلك في سنة 161. وكانت في الزمان الخالي ~~مدينة قديمة فأحدثها الآن عبد الرحمن بن رستم وبقى بها إلى أن مات في سنة ~~168 وقد تقدم ذكر ذلك. # ذكر من ملك مدينة تيهرت # من حين ابتدائها من بني رستم وغيرهم # أولهم عبد الرحمن بن رستم: كانت مدته بها سبعة أعوام. ثم وليها ابنه عبد ~~الوارث فكانت مدته بها عشرين سنة وتوفي في سنة 188. ثم وليها ابنه أبو سعيد ~~أفلح بن عبد الوارث، ومات سنة 305، ثم وليها أيضا ابنه أبو بكر بن أفلح بن ~~عبد الوارث بن عبد الرحمن بن رستم، فاختلف عليه الأمر وأخرجه أهلها من ~~تبهرت، ثم أعادوه إلى أن مات فيها. ووليها بعده أخوه أبو اليقظان محمد ابن ~~أفلح، فكانت مدته بها سبة وعشرين سنة، ووفاته في سنة 381، ووليها بعده أبو ~~حاتم يوسف بن أبي اليقظان، فأقام فيها عاما واختلف عليه الناس واضطرب أمره، ~~فخرج إلى حصن لواتة، وقامت بينه وبين أهل تبهرت حروب عظيمة. ووليها بتقديم ~~أهلها يعقوب بن أفلح بن عبد الوارث بن عبد الرحمن بن رستم، فأقام واليا ~~أربعة أعوام ثم خلعوه وقدموا أبا حاتم بن أبي اليقظان، فأقام ستة أعوام إلى ~~أن قتله بنو أخيه سنة 294، ثم وليها يقظان ابن أبي اليقظان، فقتله أبو عبد ~~الله الشيعي، في خبر طويل، مع جماعة من أهل بيته، وذلك في شوال سنة 296، ~~وانقطع ملك بني ستم من تبهرت في هذا التاريخ. # ووليها في أيام الشيعة أبو حميد دواس اللهبصي ولاه أبو عبد الله الداعي ~~حين خروجه منها إلى سلجمانة، فأقام فيها ستة أشهر حتى أتته العساكر ms157 من ~~أفريقية، فافتتحها في سنة 299، ووليها مصالة بن حبوس المكناسي، إلى أن قتله ~~محمد بن خزر الزناتي في شعبان سنة 312 فكانت ولايته بها ثلاث عشرة سنة ~~ووليها بعده أخوه يصل بن حبوس إلى أن توفي سنة 319، ثم وليها أبو مالك بن ~~يغمراس بن أبي شحمة اللهبصي، فقام عليه أهل البلد، وأخرجوه سنة 313، ووليها ~~أبو القاسم الأحدب ابن مصالة بن حبوس، فقدموه على أنفسهم، فأقام عليهم سنة ~~واحدة، فلما انصرف ميسور من أرض المغرب إلى أفريقية، حاربهم حتى ظفر ~~بالبلد، وقتل أبا القاسم بن مصالة المذكور، وولي على تبهرت داود بن إبراهيم ~~العحيسي، فأقام واليا عليها إلى أن أخرجه حميد ابن يصل في جمادى الأخرة من ~~سنة 323، في أيام أبي يزيد مخلد بن كيداد البفرني، وخرج حميد بن يصل من ~~تبهرت في سنة 333 في خبر يطول ذكره وجاز إلى الأندلس، واحتل إسماعيل الشيعي ~~مدينة تبهرت، وولي عليها ميسورا الفتى فاضطرب عليه أهل البلاد لأنه سار ~~فيهم بسيرة غير مرضية، فاستدعوا محمد بن خزر الزناتي، وابنه الخير، ومن ~~معهم من زناتة، فقدموا إلى تبهرت في جمع عظيم، وأظهروا أنهم ناصرون لميسور، ~~فخرج إليهم فغدروه وأسروه. ودخل ينو خزر وزناتة مدينة تبهرت، ونزلوا دار ~~الإمارة ثم اضطرب أمر أهل تبهرت وتغلب عليها يعلي بن محمد اليفرني الزناتي، ~~إلى أن قدم جوهر قائد الشيعة، سنة 349، وكانت حوا تبهرت بساتين من أنواع ~~الثمار، كثيرة الأشجار وهي شديدة البرد كثيرة الأمطار، قيا لبعض الظرفاء من ~~أهلها )كم الشتاء عندكم من شهر في السنة!( قال: )ثلاثة عشر شهرا( وقال بعض ~~الشعراء تبهرت من قصيدة أولها )طويل( # فراغ الهوى شغل ومحيا ومحيا الهوى قتل ... ويوم الهوي حول وبعض الهوى كل # وجود الهوى بخل ورسل الهوى عدى ... وقرب الهوى بعد وسبق الهوى مطل # سقى الله تبهرت المنى وسويقة ... بسياحتها غيثا يطرب بها المحل # كأن لم يكن والدار جامعة لنا ... ولم يجتمع وصل لنا ولا شمل # فلما تمادى العيش وانشقت العصي ... تداعت أهاضيب النوى وهي تنهل # سلام على ms158 من لم نطق يوما بيننا ... سلاما ولكن فارقت وبها ثكل # وما هي آماق يفيض دموعها ... ولكنها الأرواح تجري وتنسل # ومما قيل حين قضى الله بخرابها وانتقال أهلها عنها وأربابها )طويل( ~~PageV01P085 خليل عوجا بالرسوم وسلما ... على طلل أقوى وأصبح أغبرا # ألما على رسم تبهرت دائر ... عفته الغوادي الرائحات فأقفرا # كأن لم تكن تبهرت دارا لمعشر ... فدمرها المقدار فبمن تدمرا # وتبهرت القديمة هذه هي التي خربها الخير بن محمد بن خزر الزناتي، وفيها ~~مات بالقيروان من قريش أبو الحسن المطلبي أحمد بن محمد بن عبد الله بن جعفر ~~بن علي بن زيد بن ركانة بن عبدود بن هاشم بن عبد المطلب يوم الأربعاء لأربع ~~عشر ليلة خلت من جمادى الأول وكان قد صحب عبيد الله بسجلماسة قبل أن يملك ~~القيروان، فنال بها جاها كبيرا في آخر عمره وفيها، مات محمد بن عثمان ~~الخرساني الفقيه، صاحب الوثائق بالقيروان، وكان يذهب مذهب أهل الكوفة، ولم ~~يكن ممن يقول بخلق القرآن وله سماع بمصر من يونس بن عبد الأعلى وفي سنة ~~329، اكتب موسى بن أبي العافية )صاحب الأندلس( )أمير المؤمنين( )عبد ~~الرحمن( الناصر من العدوة )الغريبة( ورغب في موالاته والدخول في طاعته، وأن ~~يستميل له أهواء أهل العدوة المجاورين له فتقبله )أمير المؤمنين( أحسن قبول ~~وأمده بالخلع والأموال وقوى أوده على ما كان يحاوله من حرب ابن أبي العيش ~~وغيره فظهر أمر موسى من ذلك الوقت في العدوة وتجمع إليه كثير من قبائل ~~البربر وتغلب على مدينة جراوة وأخرج عنها الحسن ين أبي العيش بن إدريس ~~العلوي ودارت بينهما محاربات ومواقعات. )وبني الحسن بن أبي العيش حصنا ~~منيعا بجبل بينه وبين جراوة أربعة( أميال وحوله قرى لمدغرة، وبني يفرن ~~وغيرهم من القبائل وكان لأبي العيش أيضا وبنيه مدينة تلمسان وما والاها، ~~يسكنها مثل زواغة ونفزة وغير ذلك، وفي ذلك يقول بكر بن حماد )كامل( # سائل زواغة عن طعان سيوف ... ورماحه في العارض المتهلل # وديار نفرة كيف داس حريمها ... والخيل قمرغ في الوشيج الذلل # غشى مغيلة ms159 بالسيوف مذلة ... وسقى جراوة من نقيع الحنظل # ومن جراوة إلى تيهرت ثلاثة مراحل وإلى حصن تامغلت مرحلتان يسكنه بنو دمر ~~من زناتة. # ذكر مدينة تلمسان # ذكر أن تلمسان قاعدة المغرب الأوسط قاله البكري وصحح قوله كثير مكن ~~الإخباريين، ومن كتاب رجار قال: وبين مدينة تلمسان وتبهرت، يسكن بنو مرين ~~وجميع قبائل زناتة، منهم تجين ومغراوة وبنو راشد، وورنيد، وغيرهم، قال: ~~وأكثرهم فرسان يركبون الخيل ولهم معرفة بارعة وحذق وكياسة، لاسيما بعلم ~~الكتف. وهم منسوبون إلى جانا. قال: وزناتة في أصل مذهبهم عرب صراح وإنما ~~تبربروا بالمجاورة والمحالفة للبربر. وذكر أنهم ينتسبون إلى بر بن قيس بن ~~إلياس بن مضر. # ذكر افتتاح مدينة سبتة بالعدوة # وفي سنة 319، هذه المؤرخة، افتتح الناصر لدين الله الأموي مدينة سبتة ~~بالعدوة )على بحر الزقاق من بر العدوة، التي هي نظام باب المغربين ومفتاح ~~باب المشرقين، وهي على ما قبل مجمع البحرين قاعدة البر والبحر واللؤلؤ ~~الحالة من الدنيا بين السحر والنحر وفي فتحها يقول عبيد الله بن يحيى بن ~~إدريس يخاطب الناصر )طويل( # بسيفك دانت عنوة وأقرت ... بصائر كانت برهة قد تولت # وما قربت أهواؤها إذ تقربت ... ولا حليت بالزي لما تحلت # ولكن أزالت راسيات عقودها ... عزائم لو ترمي بها العصم زلت # ودولة منصور اللواء مؤيد ... تدل بحد الله من شر دولة # فهذا أوان النصر منها وهذه ... بشائره تروي الأنام ببستة PageV01P086 ~~فشكها أمير المؤمنين )الناصر( بالرجال، وأتقنها بالبيان وبرني سورها ~~بالكدان وألزم فيها من رضيه من قواد وأجناد وصارت مفتاحا إلى العدوة قال ~~عريب: وبابا إليها، وثقافا على المراسي في ذلك الجانب وقامت الخطبة فيها ~~باسم أمير المؤمنين الناصر وذلك يوم الجمعة لثلاث خلون من ربيع الأول من ~~العام المؤرخ. وفيها، ورد الخبر على عبيد الله بالمهدية بدخول موسى بن أبي ~~العافية وأهل سبتة في طاعة أمير المؤمنين عبد الرحمن بن محمد الناصر، وأن ~~مركبا نزل زم الأندلس بمرسى جراوة لموسى بن أبي العافية، فهبط إليه الحسن ~~بن أبي العيش واخذ ما كان فيه. فكاتبه ms160 قاضيه ووجوه أهل موضعه وكلموه في ذلك ~~فلم يصرف إليه متاعه، فزحف موسى إلى صاء، فأخرج منها عامر بن أبي العيش ~~وأمن أهلها، ثم زحف إلى زواغة، فخرج إليه ابن أبي العيش فلما رأى كثرة من ~~معه انصرف عنه من غير قتال، وأحرق ابن أبي العافية بسيط جراوة وتجول في ~~البد أياما، ودارت بين أبي العيش وبين ابن أبي العافية مراسلات. ورغب ابن ~~أبي العيش في مصالحته وصرف ما كان أخذ له، واصطلحا. ورجع موسى إلى بلده، ثم ~~زحف ابن أبي العافية إلى أزقور، فاستمد أهل قلوع جارة عليه بابن أبي العيش، ~~فأمدهم بخيل وأغاروا على بعض نواحي ابن أبي العافية، وأخذوا له جمالا ~~كثيرة، وقاسموا الغنيمة ابن أبي العيش. فعادت الحرب بين ابن أبي العافية ~~وبين ابن أبي العيش وكاتب أهل جراوة ابن أبي العافية وضمنوا له دخول ~~المدينة وزحف إليها بمن معه، وأدخله أهلها طائفين. ثم قصد إلى المنصور ~~فدعاهم إلى الأمان فأجابه بعضهم، تغلي على سائرهم وقتل بها جماعة، وقيل أنه ~~أخذ زوجة ابن أبي العيش القرشية، وأولاده وخيله وسلاحه وأحرق المدينة ~~بالنار، وانصرف إلى محلته وبعث زوجة ابن أبي العيش إلى أهلها مع ثقات من ~~أهل حراوة فعظم على الشيعي ما ورد من هذا الأمر، وأقلقه وكتب إلى القبائل ~~في المغرب يحضهم على طاعته ويمنيهم إمداده ونصره، ومدينة سبتة مدينة أزلية ~~على ضفة البحر الرومي وهو بحر الزقاق الداخل في البحر المحيط، وهي في طرف ~~من الأرض والبحر محيط بها من كل ناحية إلا موضعا ضيقا جدا، لو شاء أهلها ان ~~يصلوه بالبحر الأخر لفعلوا فتصير من جزر البحر. ويجلب الماء إلى حماماتها ~~من البحر. وأهلها هرب وبربرولم تزل دار علم. وشرقيها جبل منيف داخل في ~~البحر والبحر محيط به ويلقط في بعض نواحي هذا الجبل ياقوت صغير الجرم، عريق ~~في الجودة، وبحرها يستخرج منها المرجان وهو السبذ. واختلف في تسميتها بستة ~~فقال قوم: سميت بذلك لانقطاعها في البحر تقول العرب: )ست النعل( إذا قطعته. ~~وقال ms161 آخرون أن رجلا من ولد سام بن نوح - عم - اسمه سبت خرج من المشرق ~~لأسباب عرضت له فتوغل في المغرب حتى أتى موضعها فاختط فبها موضعا يعمره. ~~ويذكر أشياخنا الحديث المسند عن وهب بن مسرة الحجري وذلك أن أبا عبد الله ~~محمد بن علي حدثه عام 400 عن وهب بن مسرة عن بن وضاح عن سحنون عن إبراهيم ~~ابن القاسم عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: أن بأقصى المغرب مدينة تسمى سبتة أسسها رجل صالح اسمه سبت من ولد سام ~~بن نوح، واشتق لها اسما من اسمه ودعا لها بالبركة والنصر فما رماها أحد ~~بسوء إلا رد الله بأسه عليه. قال بن حمادة: قال شيخنا العالم أبو الفضل ~~عياض بن موسى وهذا الحديث تشهد بصحته التجربة، فأنها مازالت محمية عند من ~~وليها من الملوك وقل وما أحدث أحد منهم فيها حدث سوء إلا هلك. PageV01P087 ~~قال تاعذري: كان ملك من ملوك القوط بالأندلس يسمى تودوش فجاز البحر إلى ~~سبتة لمحاربة البربر فحاصرهم فيها ثم تألفوا عليه فأمكنته منهم غزة فقتلهم، ~~ولم ينجح منهم ألا القليل. ورجع تودش إلى الأندلس. وبقى البربر فيها إلى أن ~~دخل الروم ثانية، وكان فيها يليان. وكان عقبة بن نافع لما غزا الغرب ودوخه ~~كله وصل إلى سبتة فخرج إليه يليان بهدايا وتحف وأستلطفه وكان ذا عقل وتجربة ~~فأمنه عقبة وأقره على موضعه ثم دخل العرب بعد ذلك بالصلح ثم قام البربر إلى ~~طنجة وزحفوا إليها فأخرجوا من كان فيها وخربوها، وبقيت مسكنا للوحوش مدة ~~طويلة. ثم دخلها رجل من غمارة يسمى ماجكس فعمرها وأسلم ورأس فيها وانضافت ~~له البربر إلى أن هلك ثم وليها بعده أبنه عصام بن ماجكس ثم أبنه مجبر بن ~~عصام ثم وليها الرضى بن عصام وكان يحكم فيها برأي فقهاء الأندلس ثم دخلها ~~قوم من قلشانة فاشتروا فيها أرضا من البربر وبنوا فيها دورا وما تثلم من ~~سورها الذي هو اليوم الستارة وكانوا مع ms162 ذلك يدعون الطاعة لبني إدريس حتى ~~أفتتحها عبد الرحمن الناصر ودخلها قائده فرج بن غفير يوم الجمعة ليلة خلت ~~من شعبان من سنة 319. # ذكرى من ولى سبتة لبني أمية: فوليها من قبل الناصر بن غفير سنة 319 ~~المذكورة. ثم وليها أحمد بن عبد الصمد الغرناطى: ثم وليها محمد بن حزب الله ~~سنة 323 ثم عزل. ووليها محمد بن مسلمة في سنة 236 ثم عزل. ووليها ابن مسلمة ~~أيضا إلى سنة 330 ووليها ابن مقاتل إلى أن أسر في شوال 332 أسره عندهم بنو ~~محمد الأدارسة إلى أن لحقهم قاضيها محمد ابن أبي العباس في رمضان سنة 333، ~~فجنحوا بنو محمد إلى السلم على يد القاضي فأطلقوا ابن مقاتل، وبعثوا ~~رهائنهم إلى أمير المؤمنين الناصر بقرطبة. ولم يزل ولاة الناصر يتداولونها ~~إلى سنة 346. # وفيها مات أحمد بن أحمد بن زياد الفارسي صاحب الوثائق بالقيروان، وكان له ~~سماع ونظر، وتولى كتابة السجلات والأحكام لعيسى بن مسكين، وله كتب في ~~الوثائق والشروط في مواقيت الصلاة. وفيها مات في مدينة نيهرت يصل بن حبوس ~~صاحبها فقدم أهلها على أنفسهم علي بن مصالة وتكبوا إلى عبيد الله بالخير، ~~فولى عليهم حميد بن يصل وأخرجه إليها في جيش كثيف وفصل إليها في ذي الحجة. # وفيها ولد أبو تميم معد بن إسماعيل الشيعي يوم الاثنين لتسع خلون من شهر ~~رمضان بقصر المهدية. # وفي سنة 320 أوقع حميد بن يصل بداود بن مصالة، وسنان وأبي حمليل بن برنو ~~وقتل جماعة من أصحابهم وحصرهم في حصن أبي حمليل ثلاثة أشهر. وقرى بذلك كتاب ~~عبيد الله الشيعي على المنابر تأريخه يوم الخميس لليلتين خلتا من جمادى ~~الأخيرة. وفيها سار موسى بن أبي العافية إلى محمد بن خزر )أمير زناتة( وطوى ~~نحوه المراحل فألقاه على حين غفلة فقاتله وهزمه وقل أصحابه ثم أنصرف إلى ~~جراوة. وكان سبب ذلك بن خزر كتب إلى موسى بن أبي العافية في أمر ابن أبي ~~العيش بما أحفضه، وأظهر أنه مؤيد له عليه. فأنف لذلك موسى وخرج ms163 إليه وواقعه ~~وفيها عزل عبيد الله بن سلمان صاحب الوثائق، وكان في عناية أبي جعفر ~~البغدادي وزن بابنه فرع بذلك عليه خليل الشيعي وقال له: )يا مولاي إنما ~~يعمل البغدادي 6في شتر هذه الدولة الزاهرة وإدخال العيب فيها! وقد ولى على ~~قضاء إطرابلس والوثائق رجلا مستهترا بالمرد!( ورفع إليه قول ابن عامر ~~الفزاري في مرد إفريقية أيام بني الأغلب وفيها ذكر أبو سلمان هذا بقبيح من ~~القول. وأول الأرجوزة: # وروضة تكسو يم الأرض # وشيئا بديعا من نبات غض # منها على الأرواح قاض يقضي # بياض بعض واحمرار بعض # وفيها: # بار ابن سلمان على الغزلان # شبيه بدر فوق غصن بان # ما إن له في حسنه من ثان # كأنما صبغ من العقيان # فلذلك عزله، وولى قضاء مدينة إطرابلس أحمد بن بحر وكان صاحب مظالم ~~القيروان وصلاتها باختبار إسحاق بن أبي المنهل. وفيها أظهر موسى ابن أبي ~~العافية الدعوة لأمير المؤمنين الناصر وقام بها وذلك في شعبان بعد أن تغلب ~~على نكور ودخلها بالسيف وقتل صاحبها المؤيد بن عبد البديع بن صالح بن سعيد ~~بن إدريس وبعد أن حصر بني محمد في الجبل المعروف بحجر النسر حتى صالحوه على ~~شيء أخذه منهم وزال منهم. وفيها مات في تونس أبو حبيب نصر الرومي وله سماع ~~من ابن عبد الله الحكم من أهل الحفظ للمسائل. PageV01P088 وفي سنة 321 ~~سجلماسة أبو المنصور بن معتز بن محمد وهو ابن ثلاثة عشر سنة فمكث في ولايته ~~شهرين وقام عليه ابن عمه محمد ابن الفتح المسمى بالأمين فحاربه وتغلب وتغلب ~~عليه وأخرجه من سجلماسة وتملكها وكان سنيا يظهر العدل إلا أنه تسمى بأمير ~~المؤمنين وتلقب بالشاكر لله وضرب بذلك الدنانير والدراهم وذلك 342 فمكث ~~كذلك إلى أن قربت منه عساكر أبي تميم معد العبيدي. # ذكر من ولي سجلماسة من حين فتحها الشيعي # ولى الشيعي المزاني المتقدم ذكره في سنة 298 فقتله أهل سجلماسة بعد ~~إقامته خمسين يوما ووليها أبو الفتح بن الأمين سنتين وأشهرا. ثم ووليها ~~أحمد بن الأمين سنة ms164 300 وبقي بها إلى أن حاصره مصالة بن حبوس وافتتحها عنوة ~~وقتله في محرم سنة 309 وولي مصالة على سجلماسة المعتز ابن محمد من بني ~~مدرار وبقي بها إلى سنة 321 المورخة وتوفي. فوليها أبو المنصور المذكور. # وفي سنة 322 توفي عبيد الله المهدي ليلة الثلاثاء من ربيع الأول فكانت ~~مدته أربعا وعشرين سنة وعشرة أشهر ونصفا. وكان وصوله إلى مصر في زي التجار ~~سنة 289. وظهر بسجلماسة في ذي الحجة سنة 296 وسلم عليه بالأمانة. وأنفصل ~~إلى رقادة في ربيع الآخر من سنة 297. وبنى المهدية وأستقر بها سنة 308. ~~ولما أنتقل إلى المهدية دخل رقادة الوهن وأنتقل عنها ساكنوها، فلم تزل تخرب ~~شيئا بعد شيء إلى أن ولى معد بن إسماعيل فخرب ما بقى منها. # ذكر رقادة: وكانت رقادة دار ملك بني الأغلب ويذكرون أن من دخلها لم يزل ~~ضاحكا من غير سبب وأن أحد ملوك بني الأغلب شرد عنه النوم فلما وصل إليها ~~نام فسميت رقادة، فاستوطنها إبراهيم بن أحمد وانتقل إليها من القصر القديم، ~~فبنى بها قصورا عجيبة وجامعا وحمامات وغير ذلك. # وكان تأسيسها سنة 263 وتأسيس القصر القديم سنة 184. وكان ابن الأغلب منبع ~~بيع الشراب بالقيروان وأباحه برقادة فقال بعضهم في ذلك منسرح: # يا سيد الناس وأبن سيدهم ... ومن إليه الرقاب منقاد # ما حرم الخمر في مدينتنا ... وهو حلال بأرض رقادة # ذكر المهدية بالقيروان: وأما المهدية فهي منسوبة إلى المهدي عبيد الله ~~الشيعي. فأنه لما تغلب على الملك تلقب بالمهدي وسمى مدينته التي بناها ~~بقلبه وبينها وبين القيروان سنون ميلا وقويت في أيام وأيام أبنه أبي القاسم ~~وحفيده إسماعيل وصدرا من دولة معد بن إسماعيل حتى أنتقل منها معد إلى ~~القاهرة، لما ملك مصر وبنى القاهرة المعزية نسبة إلى لقبه المعز فضعف إذ ~~ذاك المهدية إلى أن أستوطنها المعز بن باديس آخر أيامه لما خرجت القيروان ~~بهزيمة المعز المذكور، إلى أن توفي بها، ووليها بعده ابن تميم بن المعز، ~~وصارت دار ملكه، وولده يحيى بن تميم بعده ووله ms165 علي بن يحيى بعده إلى أن ~~أخرجهم منها عبد المؤمن بن علي بعد المحاصرة. وبقيت للإسلام إلى الآن. وبها ~~دار صنعه الإنشاء المجيبة: يخرج الجفن مغمورا من خلف السور فلا يعلم به حتى ~~يفاجأ العدو القاصد فيحيط به فلا يقربها العدو لآجل. # وأما القيروان، فكانت أعظم مدن المغرب طرأ وأكثرها بشرا، وأيسرها أموالا ~~وأوسعها أحوالا. وكان الغالب على أهلها التمسك بالخير والتخلي عن الشبهات ~~واجتناب المحارم إلى أن تولى الدمار عليها بدخول العرب عليها على ما يأتي ~~ذكره في موضعه، فلم يبقى بها إلا أطلال دراسة، وآثار طامسة. ويذكر أنها ~~ستعود إلى ما كانت عليه. وهي الآن في وقتنا الحاضر وهو آخر المائة السابعة ~~قد ابتدأت بالعمارة. # وملك عبيد الله الشيعي إفريقية، وجمع المغرب، وإطرابلس وبرقة وجزيرة ~~صقلية وكانت عماله على ذلك كله وسير ولده ولي عهده إلى مصر ففتحها وكانت ~~الكتب تنفذ في أيامه باسم ولده. وكان له ستة أولاد: أكبرهم ولي عهده أبو ~~القاسم عبد الرحمن بن عبيد الله الشيعي المتلقب بالمهدي وعمره أعني عبيد ~~الله الشيعي يوم مات ثلاثة وستون سنة. # ذكر ولاية أبي القاسم بن عبيد الله بإفريقية PageV01P089 بويع له يوم مات ~~أبيه منتصف ربيع الأول من سنة 322 المؤرخة وتلقب بالقائم بأمر الله. وتوفي ~~يوم الأحد الثالث عسر من شوال سنة334. فكانت دولته اثنتي عشرة سنة وسبعة ~~أشهر وعمره خمس وخمسون سنة. أولاده الذكور سبعة حاجبه: جعفر بن علي. ومن ~~قضاته ابن أبي النهل. ولم يركب أبو القاسم طول إمارته بمظلة فقام بسيرة ~~أبيه وأظهر من الحزن عليه ما لا يعهد لمثله وواصل الحزن لفقده وأدامه من ~~بعده فما ركب دابة من باب قصره منذ مات أبوه إلى أن قبض سوى مرتين. وافتتحت ~~في أيامه مدائن كثيرة من مدائن الروم بصقلية وثار عليه عدة ثوار فأمكنه ~~الله منهم وممن ثار عليه ابن طالوت القرشي فسار إلى ناحية أطرابلس ليأخذها ~~هو في عدد كثير فقاتلوه وقتلوا جماعة من أصحابه وزعم أنه ابن المهدي فقام ~~معه البربر ms166 واتبعوه. فلما تبين لهم أمره قتلوه وأتوا برأسه إلى القائم بأمر ~~الله. وكان أول ما بدأ به أبو القاسم الشيعي أن أمر عمالة في سائر البلدان ~~بعمل السلاح وجمع الآلات الحربية وأخرج الفتى ميسورا بعدد عظيم إلى الغرب ~~فانتهى إلى فاس وهز ابن أبي العافية، وأخذ أبنه أسيرا. وأخرج يعقوب بن ~~إسحاق في الأسطول إلى بلد الروم فافتتح جنوة وأقر أبا جعفر البغدادي على ~~البريد والكتابة، وفوض إليه كثيرا من أمور المملكة. # وفي سنة 323 بعث القائم بأمر الله عسكرا إلى برقة قود عليه زيدان، وبعث ~~معه عامرا المجنون، وأبا زرارة وجماعة من عساكر برقة الذين بها من كتامة ~~إلى مصر فدخلوا إلى الإسكندرية فأخرج إليه محمد بن الإخديش جيشا فيه خمسة ~~عشر ألفا فأسر منهم خلقا كثير. # وفي هذه السنة مات الفضل بن علي بن ظفر وكان أديب دهره ظريفا عصره، علما ~~وفقها وأدبا ووفاء. # وفي هذه السنة وصل ميسور الصقلبي إلى مدينة فاس، فخرج ألبه صاحبها أحند ~~بن أبي بكر بن أبي سهل الجذامي فغدره وقبض عليه وبعث به إلى المهدية فقدم ~~أهل فاس على أنفسهم حسن بن القاسم اللواتي وحارب أهل فاس ميسورا سبعة أشهر ~~فلم يقدر عليهم ثم حاصر ابن أبي العافية واستعان ببني إدريس عليه واعتنى ~~بهم ووفى لهم حقهم فانجلى ابن أبي العافية أمامهم إلى الصحراء وصار كل ما ~~كان لبني العافية لبني إدريس. وكانت الرياسة فيهم لبني محمد بن القاسم، وهم ~~حسن، وقنون، وإبراهيم المعروف بالرهوني. وقنون اسمه القاسم، وكان يلزم ~~مدينة صخرة النسر. # ذكر أخبار الأدارسة وسبب دخولهم إلى المغرب # وبنائهم مدينة فاس ومن وليها منهم ومن غيرهم إلى هذه السنة # ذكر العذري وغيره أن إدريس وسليمان ابني عبد الله الحسن بن الحسن ابن علي ~~ابن أبي طالب - رضي الله عنهم - فروا من الواقعة التي كانت في أيام جعفر ~~المنصور، وهي وقعة فخ، وكانوا ست أخوة: إدريس، وسليمان، ومحمد، وإبراهيم، ~~وعيسى ويحيى. أما محمد فخرج بالحجاز وقتل. وأما يحيى فقام في الديلم، ms167 في ~~خلافة الرشيد، وهبط على الأمان، ثم سم ومات. وأما إدريس، ففر إلى المغرب؛ ~~ودخل إليه في أيامه من الطالبين أخوه سليمان، فاحتل بتسلمان، وداود بن ~~القاسم بن إسحاق بن عبد الله بن أبي طالب، ثم رجع داود إلى المشرق، وبقيت ~~ذريته بالمغرب. واحتا إدريس بن عبد الله بالمغرب سنة 170، واستوطن وليلى، ~~وكانت أزلية. وكان وصوله مع مولاه راشد؛ ثم نزل على إسحاق ابن عبد الحميد ~~سنة 172؛ فقدمه قبائل البربر وأطاعوه وبلغ خبره هارون الرشيد، فدس إليه من ~~سمه. وكان المدسوس إليه رجل يقال له الشماخ فسمه وهرب إلى المشرق. ومات ~~إدريس في سنة 175، فقام بأمر البربر مولاه راشد. وترك إدريس جارية بربرية ~~اسمها كنزة؛ فولدت له علاما سمي باسم أبيه فولى إدريس بن إدريس سنة 187 وهو ~~ابن أحد عشرة سنة؛ وقيل: أكثر من ذلك، وبايعه جميع القبائل. وكانت عدوة ~~القرويين غياضا، في أطرافها بيوت من زواغة، فأرسلوا إليه، ودبر في البناء ~~عندهم، فكان ابتداء بناء مدينة فاس سنة 193 وذلك عدوة القرويين، غزا إدريس ~~بن إدريس نفرة، ووصل إلى تلمسان، ثم رجع، ووصل إلى وادي نفيس، فاستفتح بلاد ~~المصامدة وتوفي مسموما سنة 213. وأختلف في كيفية موته لا. قال ابن حمادة ~~والبكري وغيرهما: ترك من الولد أثنى عشر، وهم: محمد، و أحمد، وعبد الله، ~~وعيسى، وإدريس، و جعفر، ويحيى، وحمزة، وعبد الله والقاسم، وداود وعنر. ~~PageV01P090 فولي منهم محمد بن إدريس، ففرق البلاد على أخوته بأمر جدته ~~كنزة، فأعطى قاسم طنجة وما يليها، وأعطى عمر صنهاجة الهبط وغمارة، وأعطى ~~داود هوارة تامليت، وولي عيسى ويحيى وعبد الله بلاد أخرى. وبقي الصغار من ~~أخوته فثار عليه عيسى، ونكث طاعته، فكتب الأمير محمد بن إدريس إلى أخيه ~~القاسم، يأمره بمحاربته، فأمتنع، وكتب أيضا إلى أخيه عمر، فأجابه وسارع إلى ~~نصريه، وكان تقدم بين عمر وعيسى تنازع. وتوفي عنر ببلد صنهاجة، ونقل إلى ~~فاس، وهو جد الحموديين. ثم توفي الأمير محمد بن إدريس - رحمه الله - فولي ~~يحيى بن محمد بن إدريس، فولي يحيى ms168 أعمامه وأخواله أعمالا فولي حسينا القبلة ~~من مدينة فاس إلى أغمادت، وولي داود المشرق من مدينة فاس: مكناسة، وهوارة، ~~وصدينة، وولي قاسم غربي فاس: لهاتة وكتامة. وتشاغل يحيى عما كان يحق عليه ~~من سياسة أمره. فملك أخوته أنفسهم، استمالوا القبائل، وقالوا لهم: )إنما ~~نحن أبناء أب واحد، وقد ترون ما صار إليه أخونا يحيى من إضاعة أمره( فقدمهم ~~البربر على أنفسهم تقديما كليا. وكان يحيى منهمكا في الشراب، معجبا ~~بالنساء، وذكر أنه دخل يوما الحمام على امرأة، فتغير عليه أهل فاس، فكان ~~ذلك سبب هلاكه، فهرب إلى عدوة الأندلس، فمات بها، وكانت زوجه بنت علي بن ~~عمر جد الحموديين. ثم ولى علي بن عمر بن إدريس، وذلك أنه، لما هلك يحيى، ~~أتى صهره على هذا، فدخل عدوة القرويين وملكها، وانتقل الأمر عن بني محمد بن ~~إدريس إلى بني عمر بن إدريس. ثم قاد عليه عبد الرزاق الخارجي الصفري من ~~مديونة، فدارت بين علي وعبد الرزاق حروب كثيرة، إلى أن هزمه الخارجي، ~~واستولى على فاس. ومر على أهل أروبة وملك عبد الرزاق عدوة الأندلسيين، ~~وأخرج منها عبد الرزاق في خبر طويل. وطالت أيام يحيى هذا بفاس وما والاها ~~من البلاد والأقطار والقلاع، إلى أن قتله ربيع بن سليمان سنة 292. # ثم ولى يحيى بن إدريس بن عمر بن إدريس بن إدريس وذلك أنه لما مات يحيى بن ~~القاسم تقدم إلى فاس يحيى بن إدريس وملكها. ورجع الأمر إلى بني عمر بن ~~إدريس خمس عشر سنة، إلى أن قدم مصالة بن حبوس في سنة 307، وذلك أن مصالة قد ~~قدم الغرب في حركته الأولى سنة 305، فابتدأ بالإحسان والإكرام لموسى بن أبي ~~العافية، وقدمه على ما استولى عليه من بلاد الغرب. وكان يحيى بن إدريس صاحب ~~فاس يغير عليه ويقطع عنه أمله. فلما رجع مصالة في سنة 307، أقام بالغرب ~~خمسة أعوام، فكان ابن أبي العافية يسعى في ضرار يحيى وحنقه عند مصالة لما ~~تقدم بين موسى ومصالة من المودة ولما كان بين موسى ويحيى بن ms169 إدريس من ~~العداوة فعزم مصالة على القبض على يحيى، فلم يزل يتحيل عليه، حتى أقبل إلى ~~معسكره فغدره، وقبض عليه، وانتزع ما كان بيده وأمره باستجلاب ماله فأحضره ~~وأخرجه من فاس وولي فاسا عامل مصالة. وانفصل مصالة من الغرب، وبقي موسى ابن ~~أبي العافية في الغرب أميرا. # ثم قام حسن بن محمد سنة 310، وهو حسن بن محمد بن القاسم بن إدريس بن ~~إدريس، الملقب بالحجام، فأوقع بموسى بن أبي العافية. وكان بينه وبين رؤساء ~~القبائل وقعة شنيعة، لم يكن بالغرب بعد دخول إدريس الكبير مثلها، قتل فيها ~~من البربر نحو ألفي قتيل، وقتل لموسى في جملتهم ولد يسمى منهل. وملك حين ~~هذا فاسا وما يليها نحو سنتين. ثم قام عليه أهل فاس، وغدروه وقدموا حامد بن ~~حمدان الهمداني، وكان يعرف باللوزي، وهي قرية بإفريقية نسب إليها تسمى ~~لوزة. فأخذ حامد حسن بن محمد، وسجنه وأرسل إلى موسى بن أبي العافية فأتاه ~~بجيوشه ودخل فاسا وتغلب عليها وأراد قتل حسن لأجل أبنه منهل الذي كان السبب ~~في قتله، فدافعه حامد عنه، وكره المجاهرة بقتله ثم سم بعد ذلك، وقيل: أخرجه ~~حامد على السور فسقط عنه وانكسرت رجله ووصل إلى عدوة الأندلسيين فمات بها ~~رحمه الله ؟!. # واستولى موسى بن أبي العافية على ملك فاس وبلاد الغرب بعد موت حسن ~~الحجام. وسمي بذلك لأنه حارب بني عمه فضرب رجلا بحربة صادف بها موضع الحجم، ~~ثم صادف ضربة أخرى لشخص أخر في موضع المحاجم ايضا، وكذلك ثالثة. فقال ابن ~~عمه أحمد: )صار ابن عمي حجاما( فسمي بذلك حجاما. # ومن قوله طويل: # وسميت حجاما ولست بحجام ... ولكن لضربي في مكان المحاجم PageV01P091 ولما ~~استولى ابن أبي العافية على فاس قتل عبد الله بن ثعلبة بن محارب الأزدي ~~وقتل أخاه محمد وهرب والدهما ثعلبة بن محارب إلى قرطبة. وأراد موسى ابن أبي ~~العافية قتل حامد الذي كان السبب في دخول فاس فهرب منه محصل في المهدية. ~~وأجل موسى بن إدريس أجمعين عن مواضعهم وصاروا في مدينة حجر ms170 النسر مقهورين، ~~وهو حصن مانع بناه إبراهيم بن محمد بن القاسم بن إدريس. وعزم موسى على ~~محاصرتهم في هذا الحصن واستئصالهم، فأخذ عليهم في ذلك أكابر أهل المغرب ~~وقالوا له: )قد أجليتم، وأفقرتهم! أتريد أن تقتل بني إدريس أجمعين، وأنت ~~رجل من البربر؟ فأنكسر عن ذلك ولاذ بعسكره وتلف لمراقبتهم قائده أبو قمح ~~فكانت حملته قريبا منهم فضيق عليهم، وأستخلف ابن أبي العافية على أبنه مدين ~~علي فاس فبقى بها حتى قدم حميد بن مصال. ولما وصل محمد إلى بلاد الغرب وولى ~~على فاس حامد بن حمدان. وكان ولد موسى لما سمع بقدوم محمد حامد هرب من فاس. ~~وتظاهرت بنو إدريس على قائد موسى بن أبي العافية فهزموه وغنموا أكثر من ~~عسكره. وذلك سنة 317. ثم قام بفاس أحمد بن بكر بن أبي سهل الجذامي فقتل ~~حامد بن حمدان وبعث برأسه إلى موسى بن أبي العافية، وبرأس ولده فبعث بهما ~~موسى إلى قرطبة مع سعيد الزراد. وكان حميد بن يصال ولما رجع من بلاد الغرب ~~إلى إفريقية ترك موسى بن أبي العافية بغير عهد من أمير إفريقية فكان ذلك ~~سببا لسجنه بإفريقية إلى أن هرب إلى الأندلس وكان موسى يسهل إلى لصاحب ~~قرطبة من أمراء بني أمية. # وفي سنة 324 خرب علي بن حمدون المعروف بابن الأندلسي مدينة المسيلة. وكان ~~بينها وبين طبنة مرحلتين. وكان بقرب المسيلة مدينة للأول تسمى الرومانية، ~~يطل عليها جبل أوراس وهو مسيرة سبعة أيام وفيه قلاع كثيرة يسكنها هوارة وهم ~~على رأي الخوارج وفي هذا الجبل كان مستقر الكاهنة وفيه ظهر أبو يزيد مخلد ~~بن كياد وقام على أبي القاسم الشيعي. # وفي سنة 325 قدم أبو القاسم بن عبيد الله الشيعي على صقلية خليل بن ~~إسحاق، فعمل بها ما لم يعمل بها أحد من قبله ولا بعده من المسلمين أهلكهم ~~قتلا وجوعا حتى فروا إلى بلاد الروم وتنصر كثير منهم وبقى بصقلية أربعة ~~أعوام. ولما قدم منها سنة 329 قال يوما، مفتخرا بظلمه في مجلس حضره ms171 جماعة ~~من محو الناس تكلموا فيه معه في أمور شتى ثم جرى ذكر خروجه إلى صقلية: )أني ~~قتلت ألف ألف: يقوله المكثر والمقلل يقول مائة ألف في تلك السفرة!( ثم قال: ~~)لا والله ألا أكثر!( فقال له أبو عبيد الله المؤدب: )يا أبا العباس! لك في ~~قتل نفس واحدة ما يكفيك!( وكان خليل هذا يكنى أبا العباس، وكان عبيد الله ~~الشيعي يصرفه في الأعمال، وجبايات الأموال ومحاسبة الدواوين والعمال. ثم ~~وقعت فيه أقواله، فكرهه عبيد الله وأبغضه، ولولا أبنه أبو القاسم لأهلكه. ~~ومن قول خليل في عبيد الله الشيعي وتوغله فيه طويل: # أن الإمام أقام سنة جده ... للمسلمين كما حذوت نعالها # أحيى شرائعه وقوم كتابها ... وفروضها وحرامها وحلالها # وكان أبو القاسم بن عبيد الله أمر ببناء مدينة المسيلة سنة 313، وجعل ~~المتولي لبنائها ابن الأندلسي وأستعمله بعد ذلك عليها إلى أن أهلك في فتنة ~~أبي يزيد بن كيداد سنة 326 وبقي ابن جعفر في المسيلة وصار أمير على الزاف ~~كله إلى أن خرج عنها في سنة 360 في فتنة زيري بن مناد والشيعية تسمى ~~المسيلة المحمدية. قال المروذي سريع: # ثم إلى مدينة مرضية ... أست على التقوى محمدية # وأما مدينة مشير فبناها زيري بن مناد الصنهاجي والدليل على ذلك ما أنشده ~~عبد الملك بن عيشون رجز: # يا أيها السائل عن غربنا ... وعن محل الكفر أشير # عن دار فسق ظالم أهلها ... قد شيدت للكفر والزور # أسسها الملعون زيريها ... فلعنة الله على زيري # وخربها يوسف بن حماد الصهناجي واستباح أموالها بعد الأربعين والأربعمائة. # وفي سنة 327 قام بالمغرب الأقصى ويقال له السوس الأذني وهو مرضع تادلا ~~وتامسنا أبو الأنصار بن أبي عفر البرغواطي بعد موت أبيه وكان يفي بالعهد ~~والوعد. وسأذكر بعض أخبارهم إن شاء الله تعالى. # أخبار أبي يزيد مخلد بن كيداد اليفاني الزناتي PageV01P092 هو مخلد بن ~~كيداد بن سعد الله بن مغيث بن كرمان بن مخلد بن عثمان بن ورميت بن تبقراسن ~~بن سميدان بن يفرن هو أبو الكاهنة وتنسب إلى جانا ms172 بن يحيى زناته كلها. قال ~~ابن حماده، كان أبو القاسم الشيعي لما مات أبوه عبيد الله أظهر مذهبه وأمر ~~بسب الغر والعباء وغير ذلك من تكذيب كتاب الله تعالى فمن تكلم عذب، وقتل. ~~وأشتد الأمر على المسلمين. ثم أن أبا يزيد هبط من جبل أوراس، يدعوا إلى ~~الحق يزعمه ولم يعلم الناس مذهبه، فخرجوا فيه الخير والقيام بالسنة، فخرج ~~على الشيعة ودخل إفريقية وخرب مدنها ودوخها وقتل من أهلها ما لا ينحصر. # وفي سنة 332 اشتد امر أبي يزيد بإفريقيو حتى فر أمامه أبو القاسم الشيعي ~~إلى المهدية من رقادة. وكان أبو يزيد أحد أئمة الأباضية النكار بالمغرب. ~~قال الرفيق: وقرأ على عمار الأعمى. وكان يركب الحمار وتسمى شيخ المؤمنين ~~قال ابن سعدون فبعث الله على أبي القاسم الشيعي مخلد ابن كيداد الخارجي ~~فقهره وقتل جنوده وقام المسلمون معه. وخرج الفقهاء والعباد مع أبي يزيد ~~لحربه وسماهم ابن سعدون في كتابه رجلا، رجلا. فركبوا معه ونهضوا إلى ~~القيروان فد خلها في صفر العام وأظهر لأهلها خيرا وترحم على أبي بكر وعمر ~~ودعا الناس إلى جهاد الشيعية وأمرهم بقراءة مذهب مالك. فخرج الفقهاء ~~والصلحاء في الأسواق بالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى أصحابه ~~وأزواجه حتى ركزوا بنودهم عبد الجامع. فلما كان يوم الجمعة اجتمعوا بالمسجد ~~الجامع وركبوا مع أبي يزيد السلاح ومعهم البنود والطبول منها بندان أصفران ~~مكتوب في أحدهما البسملة و)محمد رسول الله( وفي الأخر )نصر من الله وفتح ~~قريب على يد الشيخ أبي يزيد! اللهم! أنصر وليك على من سب أولياءك( وبند أخر ~~مكتوب عليه )قاتلوا أمية الكفر( الآية وبند أخر مكتوب فيه: )قاتلوهم يعذبهم ~~الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم( وبند أخر مكتوب فيه بعد البسملة أيضا ~~)محمد رسول الله أبو بكر الصديق، عمر الفاروق( وبند أخر وهو السابع فيه )لا ~~إله إلا الله! محمد رسول الله! ألا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين ~~كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن ms173 إن الله معنا.( ~~فلما اجتمع الناس وحضر الإمام وطلع على المنبر خطب خطبة أبلغ فيها وحرض ~~الناس على جهاد الشيعية وأعلمهم بما لهم فيه لعن عبيد الله وابنه ثم نزل ~~فخرج وخرج الناس معه لقتال الشيعة الفجار فلم يزل قاهرا لهم غالبا عليهم ~~قاتلا لجنودهم حتى لم يبقى لهم من بلاد إفريقية إلا اليسير. # ولما رأى أبو يزيد أنه استولى على الأمر أو كاد وأن الشيعي قد كاد يبيد ~~أو باد قال لجنوده )إذا التقيتم مع القوم فانكشفوا عن أهل القيروان حتى ~~يتمكن أعدائهم من قتلهم فيكون هم الذين قتلوه لا نحن! فيستريح منهم!( أراد ~~أن يتبرأ من معرة قتلهم عند الناس، وأراد الراحة منهم لأنه فما ظن إذا قتل ~~شيوخ القيروان وأئمة الدين، تمكن من أتباعهم فيدعوهم إلى ما شاء فيتبعونه. ~~فقتل من صلحاء القيروان وفقهائهم من أراد الله بسعادته وشهادته وسقط في ~~أيدي الناس وقالوا: )قتل أولياء الله شهداء( ففارقوه، واشتد بغضهم له أعني ~~لأبي يزيد. وما أبو القاسم الشيعي محصورا. # وفي سنة 333، قتل أبو يزيد ميسرة الفتى قاد أبو القاسم الشيعي وكان بين ~~أبي القاسم وأبي يزيد حروب كثيرة وفيها كانت الواقعة المشهورة بينهما في ~~وادي الملح قتل فيها من أصحاب أبو القاسم عددا لا يحصى. # وفي سنة 334 توفي أبو القاسم بن عبيد الله الشيعي القائم بأمر الله وذلك ~~يوم الأحد لثلاث عشرة خلت من شوال من السنة المذكورة فكانت مدته اثنتا عشرة ~~سنة. # ولاية إسماعيل بن أبي القاسم عبيد الله الشيعي # كنيته: أبو الطاهر. لقبه: المنصور. وكان والده ولاه عهده في رمضان ودعا ~~على المنبر بإفريقية. وكان موالده بالمهدية سنة 302 وولى وسنة اثنان ~~وثلاثون سنة. وكان فصيحا بليغا. # وفي سنة 335 وصل أبو يزيد إلى المهدية ثم نهض إلى سوسة فناوشه أهلها، ~~فقيل فيه: )وافرا(: # ألم بسوسة وبغى عليها ... ولكن الإله لها نصير # مدينة سوسة للغرب ... ثغرة يدين لها المدائن والقصور # لقد لعن الذي بغوا عليها ... كما لعنت قريظة والنضير # أعز الدين خالق كل ms174 شيء ... بسوسة بعدها التوت الأمور PageV01P093 فرفع ~~أبو يزيد عنها، ورجع إلى المهدية، فلما وصل دفع حتى ضرب برمحه في بابها، ~~فدخل راجل القصر على إسماعيل، فوجده يلعب بسلباحة في الصهريج. فقال له: ~~)تلعب، وأبو يزيد يركز رمحه بالباب فقال له )أو قد فعل؟( قال: )نعم( قال: ~~)والله لا عاد إليها أبدا! وقد جاء حتفه! كذا رأينا في كتبنا( ثم أمر في ~~الحين بالركوب والخروج إليه. # وفي سنة 336 من الهجرة، أمر المنصور أبو طاهر ببناء صبرة واختطها، وسماها ~~المنصورية. قال البكري: ولم تزل المهدية دار ملك بني عبيد إلى أن سار منها ~~أبو طاهر إلى القيروان بعد قتله لأبي يزيد، وبنى مدينة صبرة واستوطنها، ~~وخلت أكثر أرباض المهدية وتهدمت. ونقل أبو طاهر سوقة القيروان إلى صبرة. ~~وكان لها أربعة أبواب. وبينها وبين القيروان نحو نصف ميل. وكان من المهدية ~~إلى مدينة سلقطة ثمانية أميال، ومنها زحف أبو يزيد إلى المهدية أيام حصاره. ~~وكانت محلة أبي يزيد بترنوط. وفي كتب الحدثان: )إذا ربط الخارجي خليه ~~بترنوط، لم يبق لأهل السواد محلول ولا مربوط( و )ويل لأهل السواد من محلة ~~أبي كيداد( وامتحن أهل باجة أيام أبي يزيد بالقتل والسبي. وقيل في أبي يزيد ~~رجز: # وبعدها باجة أيضا أفسدا ... وأهلها أخلى ومنها شردا # ولما عزم المنصور عل مقاتلته ومحاربته، أعطى جنوده، وحشد حشوده، وخرج ~~إليه في العساكر. فمرت الهزيمة على أبي يزيد. وأمر إسماعيل الناس باتباعه ~~إلى أن دخل بلاد كتامة. فتعلق بالجبل المعروف بحصن أبي يزيد، وأثخن ~~بالجراح، وقبض عليه حيا، فجعل في قفص من حديد، وجيء به إلى المنصور إلى ~~المهدية، فقتله، وصلبه على باب الذي ضرب فيه برمحه. قال القضاعي: مات أبو ~~يزيد في محرم من سنة 336 المذكورة. قال: وأمر بسلحه وحشي جلده قطنا، وصلبه. ~~وقال أبو حمادة: ولما ظفر بأبي يزيد، نهض إلى القيروان، فدخلها في هذه ~~السنة، فقتل من أهلها خلقا، وعذب آخرين، ولم يزالوا معه في الامتحان إلى أن ~~هلك، قال القضاعي: وكان انتقال المنصور ms175 إلى المنصورية في سنة 337. # وفي سنة 339، تحرك أبو الطاهر المنصور بن أبي القاسم بن عبيد الله الشيعي ~~إلى بلاد المشرق، ورد الحجر الأسود إلى مكانه من الركن من بيت الله الحرام، ~~وذلك بعد خمسة أعوام من دولة المطيع. وكان الذي اقتلعه سليمان ابن الحسن ~~القرمطي - لعنه الله - وفي سنة 317 في أيام المقتدر العباسي - رحمه الله - ~~والذي تولى قلعه بيده بأمر القرمطي جعفر بن أبي علا - لعنه الله - ولما مات ~~القرمطي، وجه إخوته الحجر، فرد إلى موضعه في هذه السنة، ووضعه بيده الحسين ~~بن المروذي الكناني وكان غينه الحجر من يوم قلعه إلى يوم رده اثنين وعشرين ~~سنة أو نحوها. ورأى الحجر الأسود، في أيام ابن الزبير، ناصع البياض إلا وجه ~~الظاهر. وكان اسوداده من لطخ المشركين له بدم القرابين، ولمسهم له بأيديهم، ~~مع طول الدهر. قال الذهبي: حضرت يوم قلعه. يوم رده. # وفي سنة 340، ولي أبو الطاهر إسماعيل العبيدي ولده معدا المكنى بأبي تميم ~~عهده. وخرج أبو الطاهر منتزها إلى جلولا، ورجع منها معتلا، وصلى عيد الفطر ~~مريضا. # وفي سنة 341، توفي أبو الطاهر إسماعيل، الملقب بالمنصور، ابن أبي القاسم، ~~والملقب بالقائم، ابن عبيد الله المهدي، وذلك منسلخ شوال من العام، وله تسع ~~وثلاثون سنة. فكانت ولايته سبع سنين وخمسة عشر يوما. حاجبه جعفر ابن علي. ~~PageV01P094 ثم ولي المملكة معد بن إسماعيل المعز لدين الله العبيدي وهو ~~معد بن إسماعيل بن أبي القاسم بن عبيد الله. كنيته: أبو تميم. لقبه: المعز ~~لدين الله. مولده: بالمهدية في رمضان من سنة 319. وولي، وله اثنان وعشرون ~~سنة. وهو أول من ملك مصر بن عبيد الله، وذلك أنه لما توفي كافور الإخشيدي ~~أمير مصر، بعث المعز لدين الله القائد أبا الحسن جوهرا إلى مصر. وكان جوهر ~~غلام والده إسماعيل، وأصله رومي، جلبه خادم اسمه صابر، ثم انتقل إلى خفيف ~~الخادم، فحمله إلى إسماعيل المنصور، فظهر عنده، فأرسله المعز بالعساكر إلى ~~مصر، فافتتحها يوم الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من شعبان. وهرب أعيان ~~الإخشيدية من ms176 مصر إلى الشام فبل وصول جوهر. وأقيمت الدعوة للمعز، يوم ~~الجمعة الموفى لعشرين لشعبان من سنة 358، في الجامع العتيق، وكان الخطيب ~~أبو محمد الشمشاطي. ودعا له بمكة في موسم هذه السنة، ودعا أبو مسلم العلوي ~~بالمدينة للمعز. وسار جعفر بن فلاح إلى الشام، وقبض على الحسين بن عبد ~~الله، وأنفذه إلى جوهر، فأنفذ جوهر الحسين المذكور مع جماعة من الإخشيدية ~~مع هدية إلى المعز، فوصلت إلى أفريقية مع ولده جعفر في رجب من سنة 359. # وفي سنة 342، فلج خطيب القيروان على المنبر ومات وتمم الخطبة أبو سفيان ~~الفقيه. # وفي سنة 344 ولد للمعز أبي تميم ولد سماه نزارا. # وفي سنة 346 ولي مدينة سبتة وال من قبل الناصر عبد الرجمن، أمير الأندلس، ~~وأمره بتحصينها وبناء سورها، فبناه بالكدان. # وفي سنة 347، دخل جوهر قائد أبي تميم إلى المغرب، واستولى على مدينة فاس. ~~ثم توجه إلى تيطاون، ووصل إلى مضيق سبتة فلم يقدر عليها ورجع عنها وقصد ~~بعساكره إلى سلجمانة، فر أمامه صاحبها محمد بن الأمير الفتح وتحصن في حصن ~~على اثني عشر ميلا من سجلماسة، بأهله وماله وبعض أصحابه. وكان يلقب الشاكر ~~لله، وقد تقدم بعض خبره. واستولى جوهر على سلجمانة، فملكها. وخرج محمد بن ~~الفتح من الحصن في نفر يسير ليتعرف الأخبار، مستترا. فغدره قوم من مدغرة ~~عرفوه، وأتوا به إلى جوهر، فقتله في رجب. وبقى جوهر في الغرب نحو سنة. ~~وتوجه إلى أفريقية. # وفي هذه السنة وصل إلى قرطبة الحسن بن قنون من بني إدريس، فارا بنفسه ~~أمام جوهر قائد أبي تميم المذكور. وكان بنو محمد بن القاسم من بني إدريس بن ~~إدريس أجمعوا على هدم تبطلون، فهدموها، ثم ندموا على ذلك، وشرعوا في ~~بنائها، فضج أهل سبتة لذلك لأن بنائها ضرر بهم فبعث إليهم عبد الرحمن ~~الناصر جيشا برسم محاربة بني محمد، قود على الجيش أحمد بن يعلي. وكتب ~~الناصر إلى حميد بن يصال صاحب تيكياس وتلك الجهات كلها، أن يعين القائد ~~المذكور على بني محمد فتخلى بنو محمد ms177 عن بناء تيطلون لما اجتمع العسكران ~~عليهم، وبعثوا أولادهم مراهن إلى قرطبة. # وفي سنة 348، وصل كتاب صاحب سبتة إلى أمير الأندلس عبد الرحمن الناصر، ~~يعرفه بما فتح عليه في عسكر جوهر قائد الشيعي. # وفي سنة 349، وجه أبو تميم المعز لدين الله القاضي إلى أئمة المساجد ~~والمؤذنين يأمرهم إلا يؤذنوا إلا ويقولوا فيه: )حي على خير العمل( وأن ~~يقرؤوا )بسم الله الرحمن الرحيم( في أول كل سورة، ويسلموا تسليمتين، ~~ويكبروا على الجنائز خمسا ولا يؤخروا العصر، ولا يكبروا بالعشاء الأخيرة ~~ولا تصيح أمرأة وراء جنازة، ولا يقرأ العميان على القبور إلا عند الدفن. # وفي سنة 350، توفي حسين ابن أحمد بن إبراهيم بن محمد بن إدريس والحسني ~~بقرطبة، وكان رهينا بها. وخلف ابنين يسميان محمدا وحسينا، فلم يزلا مستقرين ~~بقرطبة إلى خلافة الحكم، فبعثهما إلى إخوانهما فوصلا في رجب سنة 359 ~~واستقرا ببلاد الغرب. # وفي سنة 351، أخذ الروم مدينة المصيصة ومدينة طرسوس، واستولوا عليهما. # وفي سنة 352، وفد على الحكم المستنصر بالله أبو صالح زمور البرغواطي ~~رسولا من أمير برغواطة أبي منصور بن أبي الأنصار، وذلك في شهر شوال من هذه ~~السنة. وكان المترجم عنه باللسان العربي عيسى بن داود المسطاسي فسأله الحكم ~~عن نسب برغواطة ومذهبهم، فأخبره. # خبر برغواطة PageV01P095 ومن أخبار برغواطة ما خبر زمور أن طريفا كان أبا ~~ملوكهم. وهو من ولد شمعون بن يعقوب بن إسحاق - عليهم السلام - قال: وكان ~~طريف من أصحاب ميسرة ملك المغرب الذي تقدم ذكره، فلما قتل ميسرة، وافترق ~~أصحابه، احتل طريف بلاد تامسنا، فقدمه البربر على أنفسهم، فولى أمرهم وكان ~~على دين الإسلام وإليه تنسب جزيرة طريف، فبقي أميرا عليهم، إلى أن هلك. ~~وترك أربعة أولاد. فولى الأمر من بعده صالح بن طريف، وكلن مولده سنة 110 من ~~لبهجرة، فتنبأ فيهم، وشرع لهم ديانة، وسمى نفسه صالح المؤمنين، وعهد إلى ~~ابنه إلياس بديانته، وأمره ألا يظهر ذلك غلا إذا قوى أمره، وحينئذ يدعوا ~~إلى مذهبه ويقتل من خالفه فيه من قومه. وأمره بموالاة أمير الأندلس. ms178 وخرج ~~صالح إلى المشرق، وزعم أنه يعود إليهم في دولة السابع من ملوكهم، وزعم أنه ~~المهدي الأكبر الذي يخرج في آخر الزمان لقتال الدجال، وأنه يملأ الأرض عدلا ~~كما ملئت جورا، وتكلم لهم في ذلك بكلام كثير نسبه لموسى - عم - ولسطيح ~~الكاهن وغيره. # ثم ولي بعده إلياس بن صالح بن طريف فأظهر ديانة الإسلام والعفاف وبقي ~~أميرا خمسين سنة إلى أن هلك. وترك جمعة من الأولاد. فولى ابنه يونس بن ~~إلياس، وذلك بعد ما وصل من المشرق، وحج ولم يحج أحد من أهل بيته. فتظهر ~~ديانة جده، ودعا إليها وقتل من لم يدخل فبها حتى أخلى ثمانمائة موضع من ~~مواضع البربر، يل أنه قتل منهم سبعة آلاف ونحو سبعمائة. # وهلك بعد أن ملك نحو أربعين سنة، وخرج الأمير عن بينه وقام أبو عفير يحمد ~~بمن معاذ بن اليسع بن صالح بن طريف، فاستولى على ملك تلك البلاد، ودان ~~بديانة آبائه. واشتدت شوكته، وعظم أمره. وكانت له وقائع في البربر مشهورة، ~~منها وقعة تامعزا، أقام القتل فيها ثمانية أيام، ومنها وقعة بهت، عجز ~~الإحصاء عن عد من قتل فيها. وكان لأبي عفير من الزوجات أربع وأربعون، وكان ~~له من الأولاد بعددهن. ومات بعد أن ملك تسعا وعشرين سنة. ثم ولى عبد بن أبي ~~عفير، وهو أبو الأنصار، وذلك عند تمام المائة الثالثة، وكان سخيا ظريفا، ~~يفي بالوعد والعهد، يحفظ الجار ويكافئ على الهدية بأضعافها. وصفته: أفطس، ~~شديد الأدمة في الوجه، ناصع بياض الجسم، طويل التحية وكان يلبس السراويل ~~والملحفة، ولا يلبس االقميص، ولا يعتم إلا في الحرب، ولا يعتم أحد من قومه ~~إلا الغرباء عندهم. وكان في كل عام تحشد ويظهر أنه يغزوا لمن يليه من ~~القبائل، فيهادنوه، فيترك حركته. فملك في دعة نحو اثنين وأربعين سنة. # ثم ولى أبو منصور عيسى بن أبي الأنصار ن الذي بعث زمورا هذا إلى المستنصر ~~بالله الأموي سنة 352، وهو عبس بن أبي الأنصار عبد اله بن أبي عفير محمد بن ~~معاذ1 بن اليسع بن ms179 صالح بن طريف. وكان سنه إذ ولي اثنين وعشرين سنة، فسار ~~بسيرة أبيه ودان بديانته. واشتدت شوكته وعظم سلطانه. وكان أبوه قد وصاه عند ~~موته بموالاة أمير الأندلس، وقال: )أنت سابع الأمراء من أهل بيتك، وأرجو أن ~~يأتيك جدك صالح كما وعد( انتهى ما اختصرته من كلام رموز. # وقال أبو العباس المرجحي أن يونس القائم بدين برغواطة أصله من شذونة، من ~~جهة وادي برباط، وكان قد رحل إلى المشرق في عام 201 مع عباس بن ناصحخ وزيد ~~بن سنا الزناتي صاحب الواصلية، وبرغوث بن سعيد التراري، وجد بني عبد ~~الرزاق، ويعرفون بني وكيل الصفرية، ومناد صاحب القلعة المنادية، قريب من ~~سجلماسة وآخر ذهب عني اسمه. فأربعة منهم فقهوا في الدين. ادعى يونس صاحب ~~برغواطة النبوة. قال: وكان يونس شرب دواء للحفظ، فحفظ كل ما سمعه، وطاب علم ~~النجوم والكهانة، ونظر في الجدال، وانصرف، فنزل بين هؤلاء القوم، فرأى ~~جهلهم. وكان يخبرهم بأشياء قبل كونها، مما يدل عليه التنجيم، فيكون كما ~~قال، أو قريبا منه، فعظم عندهم. فلما رأى ذلك منهم وعلم ضعف عقولهم وكثرة ~~جهلهم أظهر ديانته، ودعا إلى نبوته. وسمى من اتبعه برباطي، ثم أحالوه ~~بألسنتهم، ردوه )برغواطي(. وكان يونس قد قتل خلقا كثيرا من البربر حتىلا ~~أطاعوه وعلى دينه تابعوه. وقال سعيد بن هشام المصمودي في وقعة بهت قصيدة ~~طويلة منها وافر: # قفي قبل التفرق فاخبرينا ... وقولي واخبري خبرا مبينا # هموم برابر خسروا وضلوا ... وخابوا لا سقوا ماء معينا # يقولوا النبي أبو عفير ... فأخزى الله أم الكاذبينا PageV01P096 ألم تسمع ~~ولم تر يوم بهت ... على آثاري خيلهم رنينا # رنين الباكيات بهم ثكالي ... وعاوية ومسقطه جنينا # هنالك يونس وبنو أبيه ... يوالون البوار معظمينا # فليس اليوم ردتكم ولكن ... ليالي كتم مستيسرينا # يعني بقوله مستيرين من المياسرة أصحاب ميسرة. فأما الضلال الذي شرع لهم ~~فأنهم يقرون بنبوة صالح بن طريف وأن الكلام الذي ألف لهم هو وحي من الله ~~تعالى لا يشكون فيه تعالى الله عن قولهم وفرض لهم صوم رجب وأكمل ms180 رمضان وخمس ~~صلوات في اليوم وكذلك في الليلة والضحية اليوم الحادي عشر من المحرم وفي ~~الوضوء غسل السرة والخاصرتين ثم الاستنجاء والمضمضة وغسل الوجه ومسح القفا ~~وغسل الذراعين والمنكبين ومسح الرأس ثلاث مرات ومسح الأذنين كذلك ثم غسل ~~الرجلين من الركبتين وبعض صلاتهم دون سجود وبعضها على كيفية صلاة المسلمين. ~~وهم يسجدون ثلاث سجدات متصلات ووجوههم وأيديهم من الأرض مقدار نصف شبر ~~ويقرءون نصف قراءتهم في وقوفهم ونصفها في ركوعهم ويقولون في سلامهم ~~بكلامهم: )الله فوقنا لا يغيب عنه شيء في الأرض ولا في السماء( ثم يقولون ~~مقر باكش خمسا وعشرين مرة وتفسيره الكبير الله ويقلون أيمن باكش تفسيره بسم ~~الله وغير هذا. ويتزوج الرجل منهم ما استطاع من النساء ويطلق ويرجع ما أحب ~~ويقتل السارق بالإقرار والبينة ويرجم الزاني وينفى الكاذب ويسمونه المغير. ~~والدية عندهم مائة رأس من البقر ورأس كل حيوان عليهم حرام ولا يأكل الحوت ~~عندهم ألا أن يذكى والديك والبيض عندهم حرام والدجاج مكروهة إلا يضطر ~~إليها. وليس عندهم أذان ولا إقامة وهم يكتفون بمعرفة الأوقات بصراخ الديكة ~~ولذلك حرموها. ويتبركون ببصاقة أي بصاق صالح. وكانوا أعلم الناس بالنجوم. ~~وكانوا أجمل الناس رجالا ونساء وقرآنهم الذي وضع لهم صالح ثمانون سورة ~~أكثرها منسوبة إلى أسماء النبيين أولها سورة أيوب وأخرها سورة يونس وغيرها ~~من أسماء الأنبياء - عم - وفيها سورة فرعون الديك وسورة الجراد وسورة الجمل ~~وسورة هاروت وماروت وسورة الحشر وسورة غرائب الدنيا وفيها علم عظيم عندهم ~~ولم ينزل كثير من القبائل على مذهب إلى عام 352. # رجعنا إلى نسق التاريخ: كان الحكم أمير الأندلس ولى الخلافة بها سنة 350. ~~فطاع له المغرب كله وتمم بناء سور سبتة في عام 351. # وفي سنة 353 كتب الحكم المستنصر بالله سجلا إلى أهل سبتة رفع عنهم فيه ~~جميع الوظائف المخزنية والمغارم السلطانية. قال ابن حمادة رأيت هذا السجل ~~عند القاضي عياض رحمه الله مؤخرا بشهر صفر من العام المذكور ذكر فيه: )وما ~~وقع عليها من المؤن السلطانية في التقسيط فهو مضروب ms181 على شرف أشبيلية.(. # وفي سنة 354 توفي أبو الطيب المتنبي وكان موالده بالكوفة سنة 303، وعمر ~~إحدى وخمسون سنة وكان أشهر من أن يذكر. # وفي سنة 357 توفي الأستاذ كافور بمصر. # وفي سنة 358 بعث المعز أبو تميم معد بن المنصور العبيدي أبا الحسن جوهرا ~~إلى مصر لما توفى كافور الخدشي أمير مصر فلما وصلها جور فتحها في شعبان. # وفي سنة 359 أنفذ جوهر إلى المعز لدين الله حدية جميلة صحبه ولده جعفر بن ~~رجب. # وفي سنة 360 وصل الحسن بن أحمد القرمطي إلى دمشق وقتل جعفر ابن فلاح. ~~وتغلبت القرامطة على دمشق وصاروا إلى الرملة. # وفي سنة 361، خرج أبو تميم من المنصورية راحلا إلى المشرق في أواخر شوال ~~لثمان بقين منه وأستخلف على إفريقية أبا الفتوح الصنهاجي. # ابتداء الدولة الصنهاجية بأفريقية # ولاية أبي الفتوح يوسف بن زيري # ابن مناد الصنهاجي بإفريقية # لما خرج أبو تميم من إفريقية إلى المشرق أستخلف يوسف المذكور وأمر الكاتب ~~أن يكتبوا إلى العمال وولاة الأشغال بالسمع والطاعة لأبي الفتوح. ورحل أبو ~~تميم إلى مصر فاحتلها وأمن أهلها وأتخذها دار ملكه وبقى أبو الفتوح أميرا ~~على أفريقية والمغرب كله قال القضاعي لما وصل أبو تميم إلى الإسكندرية توجه ~~إليه من مصر القاضي والشهود وأعيان من أهل البلد منهئين وداعين ومسلمين. ثم ~~أستقر بقصر المعز في السابع لرمضان. # وفي سنة 363 وصل القرمطي إلى الطواحين في جمادى الأول وأنهزم في شعبان في ~~هذه السنة. PageV01P097 وفي سنة 365 توفي أبو تميم المز لدين الله العبيدي ~~في يوم الجمعة الحادي عشر لربيع الأخر، فكانت ولايته ثلاثا وعشرين سنة ~~وخمسة أشهر وأياما منها مقامه بمصر سنتان وسبعة أشهر. # ولاية العزيز بالله نزار # فولي الإمار بمصر العزيز بالله نزار، المكنى بأبي المنصور ابن معد المكنى ~~بأبي تميم. ولد بالمهدية في محرم سنة 344 وولى العهد بمصر في العاشر لربيع ~~الأول سنة 365 وسترت وفاة أبيه وسلم عليه بأمير المؤمنين وقد ذكرنا بعض ~~أخباره في أمراء مصر )أخبار المشرق. ( وفي جمادى الأخيرة ms182 من سنة 365 بعث ~~أبو الفتوح أمير أفريقية إلى العزيز بالله هدية فشيعها وعاد أبو الفتوح إلى ~~رقادة فخرج إليه أهل القيروان فتلقاهم بأحسن قبول وأجملهم أجمل نزول وبعد ~~ذلك عزم أبو الفتوح على الانتقال إلى فحص أبي صالح فخرج لتوديعه القضاة ~~والشيوخ لثلاث بقين من رجب من السنة المؤخرة. # وفي ذي الحجة أمر أبو الفتوح العمل على أفريقية واليه عبد الله بن محمد ~~الكاتب أن يقيم أسطولا بالمهدية معدة من الرجال والسلاح. فخرج عبد الله إلى ~~المهدية وأخذ في حشد البحريين في كل بلدة وأمر أن يأخذ كل من لقي منهم ~~بالقيروان وغيرها وملأ بهم السجون. وأدرك خاصة البلد وعامتها من الخوف ما ~~لزموا له البيوت وأنتها حالهم إلى أنه إذا مات أحد عندهم لا يخرجه إلا ~~النساء. # وفي سنة 366 خرج الأسطول من المهدية في أول محرم، فتعذرت الريح عليها ~~فأقاموا حتى فرغت أزوائهم وعدموا الماء، فهرب جميع من فيها من النواتية ~~والبحرية، وصاروا إلى البر، فنهبوا ما في المراكب من عدة وسلاح وهربوا إلى ~~كل ناحية. فجعل عبد الله الطلب عليهم، فمن ظفر بهم، قتل. # وفي هذه السنة، توفي زيادة الله بن القديم في سجن عبد الله بن محمد ~~الكاتب، وقيل أنه قتل بأنواع من العذاب. وفي هذه السنة، نادى عامل أفريقية ~~والقيروان، وهو عبد الله الكاتب، فاجتمع الناس إليه، فأخذ من أعيانهم نحو ~~الستمائة رجل من أغنيائهم وأغرمهم على الأموال بالتعيين: يأخذ من الرجل ~~الواحد عشرة آلاف دينار، ومن آخر دينار واحدا. فاجتمعت له بالقيروان أموال ~~كثيرة. وعم هذا الغرم سائر أعمال أفريقية ما عدا الفقهاء والصلحاء والأدباء ~~وأولياء السلطان، وكان الذي جبى من القيروان نيفا على أربعمائة ألف دينار ~~عينا. وبقى الأمر كذلك في الطلب، إلى أن وصل الأمر من مصر إلى أبي الفتوح ~~برفع الغرم عن الناس، فأطلقهم عبد الله الكاتب في أواخر شوال. # وفي سنة 367، بعث عبد الله الكاتب عامل أفريقية هذا المال إلى ملك مصر ~~العزيز بالله بأمر أبي الفتوح صاحب أفريقية ms183 من قبل العزيز بالله، وكتب على ~~كل صرة أسم صاحبها. فكان خروج هذا المال من المنصورية لخمس بقين من جمادى ~~الأخير. ولما وصل المال إلى مصر، رد العزيز بالله بعض الصرر لأربابها. # وفي هذه السنة، أنعم العزيز بالله على أبي الفتوح بطرابلس ونواحيها. فقدم ~~عليها أبو الفتوح يحيى بن خليفة الملياني، فأقام بها شهورا، ثم عزله. # وفيها، زحف خزرون بن فلفل بن خزر الزنتاني إلى سجلماسة، في عدد عظيم، ~~فخرج إليه المعتز، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل المعتز، لخمس بقين من رمضان. ~~وملك خزرون سجلماسة، وأخذ فيها أموالا جليلة. وبعث خزرون برأس المعتز إلى ~~الأندلس واستحكم بها ملك زناته وأتباعه. # وفي هذه السنة، وصل أبو الفتوح صاحب أفريقية إلى سبتة، فحاصرها. وبعث ~~إليه ابن أبي عامر برأس جعفر بن علي، أراد أن يرضيه بذلك. وكان ابن أبي ~~عامر قد قتل جعفر بن علي بن حمدون المعروف بابن الأندلسي. ويأتي خبر قتله ~~في أخبار ابن أبي عامر من الأندلس. # وفي سنة 368، خرج العزيز من مصر إلى الشام في عدد عظيم، ونزل بالرملة. ~~وكان بين يديه ألف بند وخمسمائة طبل. وكان جوهر قائده خرج في العام الفارط ~~إلى الشام، فهزمه أفتكين التركي، ورجع إلى مصر مفلولا. فخرج العزيز بالله ~~في هذه السنة بنفسه. فلما نزل الرملة، خرج إلى التركي. فكانت بينهم حروب ~~عظيمة، فانهزم التركي وأخذ أسيرا، فسيق إلى العزيز بالله بحبل في عنقه. ~~ولما وصل إلى مصر، عفا عنه، ومات بعد ذلك. PageV01P098 وهذه السنة، دخل أبو ~~الفتوح صاحب أفريقية من فبل عبد العزيز بالله بلاد الغرب، واستولى عليها، ~~وهدم مدينة البصرة، ومحا رسمها بعد طول مدتها وكثة عمارتها. وكان رحيل أبي ~~الفتوح من أفريقية إلى الغرب يوم الأربعاء لخمس بقين من شعبان من سنة 368، ~~فوصل بجيوشه الضخمة إلى فاس، فاستولى عليها، وملك سجلماسة وبلاد الهبط ~~كلها، وطرد من جميعها عمال بني أمية، ثم رحل إلى ستة في طلب من لجأ إليها ~~من زناتة. فلما أشرف عليها، نأمل الوصول إليها، فرأى من تحصينها ms184 ومنعتها ما ~~لا يستطاع إدراكه إلا بالمراكب البحرية، فرجع عنها، ولم يعوزه من بلاد ~~المغرب غيرها. فرجع يريد البصرة، وكان فيها عمارة عظيمة بالأندلس والبربر. ~~فلما دخلها أمر بهدمها، ونهب ما كان فيها من الأموال والأمتعة وجميع ~~الأسباب. فاستحالت الجيوش والأمم عليها، فصارت كأن لن تغن بالأمس. فلم تكن ~~بصرة بالمغرب إلى الآن، ودثر رسمها. وكانت قديمة أزيلت. وقد تقدم ذكرها. ثم ~~صار منها إلى أصيلا. # ذكر مدينة أصيلا # وأما أصيلا، فهي محدثة وكان سبب بنائها أن المجوس خرجوا بساحلها، وزعموا ~~أن لهم بها أموال وكنوزا، تركها لهم الأوائل الذين كانوا يسكنون السواحل ~~وأخرجهم منها عامة القبائل. فلما نزلوا في البر لأخذ أموالهم، اجتمع البربر ~~لقتالهم فقالوا: )لم نأت لحرب؛ وإنما لكنوز في هذا الموقع. فكونوا ناحية ~~حتى نستخرجها، ونشارككم فيها( فاعتزل البربر عنهم لما سمعوا ذلك منهم. فحفر ~~المجوس مواضعهم، واستخرجوا دخنا كثيرا عفنا. فلما رآه البربر، ظنوه ذهبا. ~~فبدروا إليهم. وهرب الروم إلى مراكبهم. فأصاب البربر الدخن، فندموا ورغبوا ~~إلى المجوس في الرجوع واستخراج المال، فأبوا وقالوا: )قد نقضتم العهد( ~~وساروا إلى الأندلس، فحينئذ خرجوا بأشبيلية على ما يأتي ذكره في أخبار ~~الأندلس. فاتخذ الناس موضع أصيلا رباطا، وانتابوا إليه من جميع الأمصار. ~~فكانت تقوم في سوق جامعة ثلاث مرات في السنة )في رمضان وفي العواشر، وفي ~~عاشوراء(. # ومما قيدته واختصرته من )كتاب المسالك والممالك( لمحمد بن يوسف القروي ~~قال: ومن المدن القديمة على ساحل بحر الغرب أصيلا، وهي في سهلة من الأرض، ~~كانت مدينة للأول. ثم تغلب عليها البحر ثم بنيت بعد ذلك، وكان سبب بنائها، ~~ان المجوس خرجوا من مرساها مرتين، ما الأولى، فأنهم صدقوا إليها، زاعمين أن ~~لهم بها مالا وكنوزا، فاجتمع البربر لقتالهم حسبما ذكرت ذلك، وأما خروجهم ~~الثاني، فأن الريح قذفت بهم إليها وعطبت لهم أجفان كثير عليها، حتى كان ~~يعرف ذلك الموضع بباب المجوس. وكان موضعها ملكا لقبائل لواته. فابتناها قوم ~~من كتام. فأول ما ابتدروا به مسجدا. ثم بنى لواتة مسجدا ms185 ثانيا، وشاع أمرها، ~~فبنى الناس شيئا بعد شيء، فقصدها التجار من الأمصار بضروب المتاجرة في ~~أوقات معلومات لأسواق الغبار. PageV01P099 فأول من قدم عليها من الملوك ~~القاسم بن إدريس، فأنه ملكها، وقامت دعوته بها إلى أن توفي - رحمه الله - ~~ثم وليها أبنه إبراهيم بن القاسم، فجرت بينه وبين عمر بن حفصون الثائر ~~بببشتر من الأندلس مراسلات ومكاتبات في شأن النفاق على الخليفة بقرطبة ~~الأموي، إلى أن هلك. ثم وليها ابنه الحسين ابن إبراهيم بن القاسم، فأضطرب ~~أمره، وضعفت طاعته، وكانت مدته خمسا وعشرين سنة في قبائل لواتة، وكان أخوه ~~أحمد المتولي لأمر كتامة، وكان يعرف بأبي الأذنين. وكان صاحب البصرة حينئذ ~~أخوهما عيسى بن إبراهيم بن القاسم، إلى أن قتله أبو العيش جنون من بني ~~إدريس - رحمه الله - فتزوج أخوه أحمد الملقب بأبي الأذنين زوجته، وملك ~~مكانه، وقيل أن زوجته سمته فقتلته. فصار أمر كتامة وأمر البصرة إلى يحيى بن ~~إبراهيم بن القاسم المعروف بابن برهوية، فأختلفت عليه كتامة، وكان ذلك سبب ~~دخول بني محمد بلد كتامة وهوارة وتلك الناحية، واستجاشوا بحسن بن محمد ~~المعروف بالحجام، فقام بأمره، وهلك القاسم بن حسن بن القاسم بن إدريس صاحب ~~أصيلا. ودخل بنو محمد من بني إدريس مدينة أصيلا، فاستأثر بها حسن الحجام ~~دون بني عمه، فولى عليها رجلا من خاصته يقال له حجام بن يوسف، فأحسن السيرة ~~فيهم، إلى أن هلك، فطلب ولايتها رجل من أهلها يقال له محمد بن عبد الوارث، ~~فعبدوا طوره فيها، ويقال ن أصاب بأصيلا كنزا بداره، ونهى ذلك إلى حسن ~~المعروف بالحجام، فطمع في ذلك المال، وعزله عن أصيلا. # ثم وليها إبراهيم الغل المكناسي، وكان ساكنا بها، بعدما أعطى مال لحسن ~~الحجام. قلما وصل إلى أصلا، سار محمد بن عبد الوارث إلى الحسن بمال كثير ~~فعزل إبراهيم وأعاد ابن الوارث. فسار إبراهيم بهدية إلى الحسن، فعزل مجمدا ~~وولاه عليها. ثم عزا إبراهيم وولى محمد بن عبد الوارث. وكانت عزلتهما ~~وولايتهما نحو سنتين، إلى أن استقر فيهما محمدا هذا، ms186 وسني فار الصهريج، ~~يعنون الكنز الذي أصاب فيه. وتبين لبن عبد الوارث رغبة حسن في ماله، ~~فأعطاه. واستقامت له معه جميع أحواله مدة، ثم عزله، وولى إبراهيم ابن الغل ~~المذكور، فبقى بها إلى ان حصر ابن العافية بني محمد في حجر النسر، فأتاه ~~أهل أصلا، وطلبوا منه واليا من قبله، فولاها سعيد بن الشيخ الإشبيلي. وهرب ~~إبراهيم بن الغل إلى مدين بن موسى بن أبي العافية، فوفد عليه، وهاداه، ~~وانقطع إليه، فولاه أصلا فأحسن السيرة ورفق بالرعية وانصرف إلى تسول، بعدما ~~استخلف على حرب بني محمد رجلا من أصحابه يعرف بأبي قمح، فحاصرهم حصارا ~~شديدا. فلما ضاق عليهم الأمر، هجموا عليه ليلا، فهرب أبو القمح، ومالك بنو ~~محمد محلته. واجتمعت قبائل كتامة بقلعة هناك، فزحف إليهم بنو محمد ~~الأدارسة، فحاربهم حتى دخلوا القلعة، وقتلوا من كان فيها. فكان أول فتح بني ~~محمد بن إدريس الحسني. # وبلغ ذلك إلى أهل أصلا، فكتبوا إلى ابن العافية، وذلك في سنة 322، في حين ~~خروج ميسور إلى أرض المغرب. فجاوبهم موسى بن أبي العافية، وأمرهم أن ~~يتحصنوا في بلدهم، وكتب إلى قبائل كتامة ولواتة وهوارة، وصنهاجة، يأمرهم ~~بمعونتهم على البنيان، فانقسموا على سور المدينة، وبنوه في ستة أشهر. فهرب ~~وجوه القبائل إلى أصلا، واجتمع بها ملأ عظيم منهم، فزحف إليهم بنو محمد ~~الأدارسة بعساكر، فكانت بينهم حرب عظيمة، فاستمدوا ابن أبي العافية، فاعتذر ~~إليهم وقال لهم: اكتبوا إلى أمير المؤمنين! فأنا وانتم رعيته وتحت طاعته! ~~فكتبوا إلى أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر. وكانت مدينة سبتة تحت طاعته. ~~فبعث إليهم الرماة الأنجاد، واتصل ذلك ببني محمد، فحشدوا الأحشاد، وزحفوا ~~إلى أصلا، فحاربهم أربعين يوما. فخاف وجوه أهلها، فجازوا إلى الأندلس. ودخل ~~بنو محمد أصلا، وذلك سنة 326، وملكوها فأمنوا من بقى بها من أهلها. وعاد من ~~جاز إلى الأندلس إليها. # وحواها من القبائل لواتة في القبلة، ومن هوارة قوم يعرفون ببني زياد ~~بينهم ديكة رمل عالية. قال إبراهيم بن محمد الأصلي من قصيدة له )وافر(. # سقى غربي ms187 أرض بنو زياد ... سحائب ما يجف لها غروب # ولا زال النسيم يعلم قوما ... إزائهم من الشرق الكثيب # وحولها من القبائل من جهة الغرب هوارة الساحل. # ذكر من ولى مدينة البصرة PageV01P100 أسست البصرة في الوقت الذي أسست فيه ~~أصلا. وعلى ثمانية أميال منها جبل يقال له صرصر كثير المياه والثمار، يسكنه ~~مصمودة. وأول من ملكها إبراهيم بن القاسم بن إدريس نحو أربعين سنة، ثم ~~وليها ابنه عيسى ابن إبراهيم، ثم أخوه أحمد بن إبراهيم، ثم برهون بن عيسى ~~بن إبراهيم، ثم أحمد بن القاسم بن إدريس، ثم برهون بن عيسى ثانية، ثم سعيد ~~غلام المظفر من قبل مصالة بن حبوس، ثم حسن بن محمد ين الحجام، ثم محمد بن ~~يحيى بن القاسم ولد الجوطي، ثم عيسى بن أحمد المعروف بأبي العيش، ثم أحمد ~~بن القاسم ثانية، ثم وال من قبل ابن أبي العافية، ثم أبو العيش بن أحمد ~~ثالثة، ثم أحمد بن أبي العيش إلى سنة 347. # وكانت مدينة يقال لها كرت في جبل يسمى به إلى وقتنا هذا، خربها بنو محمد، ~~وهي كانت قاعدة أحمد بن القاسم، الذي يقول فيه بكر بن حماد )كامل( # إن السماحة والمروءة والندى ... جمعوا لأحمد بن القاسم # وإذا تفاخرت القبائل وانتمت ... فأفخر بفضل محمد وبفاطم # وبجعفر الطيار في درج العلا ... وعلى العضب الحسام الصارم # لأني لمشتاق إليك وإنما ... يسموا العقاب إذا سمى بقوادم # فأبعث إلي بمركب أسمو به ... على أكون عليك أول قادم # وأعلك أنك لن تنال محبة ... إلا بعض ملابس ودراهم # فبعث إليه بغلة سنية وصلة جزلة. وكان له فيه أمداح كثيرة. # وكان على وادي ورغة حصن كبير يسكنه البربر فسكن عندهم شخص من الحضر فقال ~~في نفسه )طويل(. # الأهل أتى أهل المدينة أنني ... بورغة بين الأعجمين غريب # إذا قلت شيء قيل: ماذا تريد ... لهم بين أحراز الوجوه قطوب # وكان هناك حصن أيضا يعرف بسوق عكاشة، قريب من ورغة، لحمد بن حسن من بني ~~إدريس - رحمهم الله - وجنيارة حصن كبير في جبل يعرف بالجبل الأشهب، ms188 وهي ~~لبني حصين. وفي ذلك الجبل قرى كثيرة. وهو بمقربة من قاس. ومن أصلا إلى ~~مدينة فاس خمسة أيام على طريق البصرة. ويلي أصلا من جهة الشرق مدينة طنجة. ~~وكان صاحب طنجة القاسم بن إدريس. ومن طنجة إلى فاس عدوتان أسست عدوة ~~الأندلسيين سنة 192، من الهجرة، أسسها أهل ربض قرطبة إذ فروا من الحكم ~~الربضي، وأسست عدوة القروين بعدها بسنة. قال: الشاعر )بسيط(. # يا عدوة القرويين التي كرمت ... لا زال جانبك المحبور ممطورا # لا امسك الله عنها صوب نعمته ... أرض تجنبت الآثام والزورا # ولما خرب أبو الفتح يوسف بن زيري الصنهاجي أمير أفريقية مدينة البصرة، ~~رحل بعساكره إلى بلد برغواطة. وكان ملكهم صالح بن عيسى بن أبي الأنصار وكان ~~فصيحا شاعرا، فأطاعوه حتى جعلوه نبيا، وشرع لهم شريعة، فاتبعوه. فضل، ~~وأضلهم. فغزاهم أبو الفتوح، فكانت بينهم حروب لم يجر قبلها مثلها كان الظفر ~~فيها لأبو الفتوح. وقتل الله الكافر ابن عيسى وانهزمت عساكر برغواطة، ~~فقتلوا قتلا ذريعا، وسبى من نسائهم وذرياتهم ما لا يحصى عددهم. وأرسل أبو ~~الفتوح سبيهم إلى أفريقية، فلقيهم عامله عبد الله الكاتب، مع أهل القيروان ~~والمصورية. وملك أبو الفتوح بلاد الغرب. فكانت السجلات ترد عليه من مصر، ~~فتصله على البريد إلى فاس أو غيرها، ثم يرجع بها إلى عامل أفريقية، فتقرأ ~~بعد مدة من تاريخها. وأقام أبو الفتوح في بلاد الغرب، وهو قد ملكها، وأهل ~~سبتة منه خائفون، وزناتة مشردون، وذلك من سنة 368 المؤرخة إلى سنة 373. # وفي سنة 3659، توفي أحمد بن أبي ؤ خالد، الطيب الكبير المعروف بابن ~~الجزار. # وفيها كانت الحمرة التي ظهرت في السماء ليلة الأربعاء لخمس خلون من ربيع ~~الأول، فخرج الناس إلى المساجد للضجيج والتضرع إلى الله تعالى وفي غد تلك ~~الليلة هرب كباب ومغنين ابن زيري بن مناد من قصر أخيهما السلطان أبي الفتوح ~~الذي كان فيه محبوسين وقد لبسا ثياب النساء، وخرجا في نسوة دخلن إليهما ~~لزيارتهما، فوجدا عبيدهما قد أعدوا لهما خيلا وسلاحا، فركبا ومضيا نحو ~~المشرق حتى ms189 وصلا مصر، فأنزلهما العزيز بالله، وخلع عليهما ووصلهما، وبقيا ~~هنالك بقية هذه السنة. PageV01P101 وفي سنة 370، صرف العزيز بالله كبابا ~~ومغنيا أين زيري إلى أبي الفتوح يوسف بن زيري أمير أفريقية وأمر أن يعفوا ~~عنه ويتعرض لهما. ففعل ذلك. وفيها تمكنت حال يعقوب بن يوسف بن كلس مع ~~العزيز بالله، فأدل كتامة وقهرهم، وقدم الترك والإخشيدية، وعزل الوزراء ~~جوهرا وغبرة. . # وفي سنة 371 دخل سبى البرغواطيين إلى المنصورية يوم السبت لثمان خلون من ~~ربيع الأول. فرأى أهل أفريقية من السبي كما لم يره أحد منهم لكثرته. وطيف ~~بهم في المنصورية والقيروان. # وفي هذه السنة وصل باديس بن زيري من مصر برسالة إلى أبو الفتوح يأمره ~~بتخير ألف فارس من أخواته الأبطال صنهاجة منهم حبوس وماكسن وزاوي وحمامة ~~وبنو حمامة بن مناد وزاوي بن مناد، ونظرائهم فكتب إليه من بلاد الغرب يعرف ~~بتغلب بني أمية أمراء الأندلس على البلاد الغرب وأن الدعاء لهم فيه على ~~المنابر وأنه قد خرج لمحاربتهم بهؤلاء الرجال الذين سماهم أمير المؤمنين ~~فأن عزم على بعثهم إليه ترك الغرب وسار بنفسه في جملتهم. فلم يعد إليه ~~جوابا فيهم. # وفي جمادى الأول منم هذه السنة كان بالمهدية زلازل دامت الشهر كله وعشرة ~~أيام بعده تزلزل في كل يوم مرات حتى هرب أكثر أهلها وأسلموا ديارهم وما ~~فيها. # وفي سنة372 قتل أمير صقلية أبو القاسم علي بن حسن في مقابلته مع الإفرنج ~~وكانت ولايته بها إحدى عشر سنة ثم ولى أبنه جابر سنة واحدة. # وفي سنة 373 أشترى عبد الله بن محمد الكاتب عامل إفريقية العبيد السودان ~~وجعل على كل عامل من ثلاثين عبدا إلى ما دون ذلك وكذلك على أصحاب الخراج ~~ووجوه رجاله. فاجتمع له منهم ألوف وأسكنهم بالمنصورية. وفيها عمل عبد الله ~~بيت الحديد وملأه أموالا ثم عمل بيت خشب وملاه أموالا أيضا واستخفاف على ~~المنصورين جعفر بن حبيب وخرج إلى لمهدية على عادته في كل سنة. # ذكر وفاة أبي الفتوح يوسف بن زيري # ابن مناد الصنهاجي # وفي ms190 هذه السنة توفي أبو الفتوح قفوله من قتال برغواطة وقد انفصل سجلماسة ~~فمات بموضع قتال له وأركنفو يوم الأحد لتسع بقين من ذي الحجة. وذلك أن ابن ~~خزرون الزناتي ضرب على سجلماسة فدخلها وأخذ ما كان فيها من الأموال وكان ~~بها عامل أبي الفتوح فأتاه الخبر بذلك، فرحل إليها فاعتل في طريقه بقولنج ~~فمات بالموضع المذكور. فأوصى لأبي زعبل ابن هشام وكان من خاصته فأرسل إلى ~~المنصور يعرف بوفاة والده أبي الفتوح. # ولاية أبي الفتوح المنصور بن أبي الفتوح إفريقية # ولي الإمارة في أوائل سنة 374 أشير وتوفى يوم الخميس لخمس خلون من ربيع ~~الأول من سنة 387 فكانت مدته اثنتي عشر سنة ودفن بالمنصورية وكان كريما سحا ~~جوادا صارما عازما. قال الرفيق: وقد ذكرت سيرته وحروبه وعطاياه في كتاب ~~مفرد لأخبار جده وأبيه وأخباره وكان لقبه عدة العزيز بالله بن يوسف العزيز ~~بالله. PageV01P102 وفي هذه السنة وهي سنة 374 بعث المنصور أخاه يطوفت من ~~مدينة أشير، لما بلغت موت أبيه وأمر أن يطوي المراحل إلى القيروان ~~والمنصورية برسم القبض على عبد الله بن محمد الكاتب وكان بالمهدية، ونائباه ~~على المنصورية جعفر بن حبيب وعلى القيروان برهون العامل فصبحهم يطوفت سحر ~~يوم الثلاثاء منتصف المحرم فنظر يطوف إلى الخزائن مغلقة والى البيت المال ~~مقفلا فأخذ المفاتيح وفتح بيت المال وبيت السلاح وفرق على أصحابه وركب من ~~كان مترجلا من الصنهاجيين بالمنصورية. ثم خرج والتقى مع عبد الله الكاتب في ~~بعض الطريق فوثب عليه وأرجله عن فرسه وانتهت أسبابه وأعتقل بالمنصورية ~~أياما. ثم أمر المنصور بإطلاقه ورفع يده عن البلد ثم عاد الأمر إلى عبد ~~الله فأمره بالقضاء ووجه الناس من شيوخ القيروان وغيرهم وتوجه معهم لرسم ~~التهنئة والتعزية للمنصور فوصلوا إليه وسلموا عليه بمدينة أشير فقال لهم ~~المنصور: )لقد شق على تعبكم في حركتكم غير أن سروري في رؤيتكم.( ثم شكر عبد ~~الله الكاتب وذم فعل أخيه به ثم أمر عبد الله الكاتب أن يدفع للوافدين عليه ~~عشرة آلاف دينار ms191 ضيافة. فدعوا له وانصرفوا. ثم استدعاهم بعد ذلك وقال لهم ~~)أن أبي وجدي اخذ الناس بالسيف قهرا وآنا لا آخذهم ألا بالإحسان. وما أنا ~~في هذا الملك ممن يولى بكتاب ويعزل بكتاب لأني ورثته عن آبائي وأجدادي ~~وورثوه عن آبائهم وأجدادهم حمير!( أو كلاما هذا معناه ثم أمرهم بالانصراف ~~مع عبد الله الكاتب فكانت مدة مسيرتهم ورجوعهم خمسة وثلاثين يوما. # وفي رجب قدم المنصور إلى رقادة فتلقاه عبد الله الكاتب في خلق عظيم من ~~أهل القيروان فأظهر للناس الخير ووعدهم بكل جميل. وأتاه العمال بالهدية ~~والأموال وأعطاه عبد الله هدايا جليلة. ثم أخذ المنصور في جهاز هدية بعثها ~~إلى مصر مع زروال بن نصر. فقيل أن قيمة ما كان فيها من الأمتعة والدواب ~~والطرف ألف ألف دينار عينا. وأقام المنصور برقادة فأمر بعمل سرج مكلل بالدر ~~والياقوت فخرج به إلى العيد في أحسن زي وخرج إليه من القيروان خلق عظيم ~~فصلى بالمصلى وخطب القاضي ابن الكومي وانصرف المنصور إلى قصره وولد سماه ~~باديس بن المنصور ليلة الأحد لثلاث عشرة من ربيع الأول من هذه السنة. # وفيها أعطى المنصور لأخيه يطوفت العساكر ووجهه إلى مدينتي فاس وسجلماسة ~~يطلب ردهما ورد تلك البلاد الغريبة إذ كانت خرجت عن طاعته صنهاجة عند وفاة ~~أبي الفتوح فوصل إلى مدينة فاس. وكان بها زيري بن عطية الزناتي الملقب ~~بالفرطاس فلما أحس بوفادة بن أبي الفتوح عاجل بالخروج إليه والهجوم عليه ~~فقاتله قتالا شديدا حتى انهزم يطوفت وظفرت زناته بصنهاحة فتبعوهم وتتلوا ~~منهم قوما كثير واسروا كثيرا آخرين وهرب الباقون إلى تيهرت وهزم في هذه ~~الوقعة قائدان له اسمهما ابن شعبان وابن عامل فسمر ابن شعبان على باب فاس ~~وقتل ابن عامل شر قتيلة. وبقى زيري بن عطية مالكا لفاس وما حولها. ولما بلغ ~~المنصور هزيمة أخيه، من المنصورية يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي ~~الحجة برسم الغرب. خرج ومعه عبد الله الكاتب، وأستخلف عبد الله على ~~القيروان ابن يوسف ثم رجع عبد الله ms192 بعد ذلك بعمالة أفريقية كلها. وبعث ~~المنصور إلى أخيه يطوفت بجيش أخر فتلقاه بتيهرت ولم يتعرض المنصور بعد ذلك ~~إلى بلاد زناتة. # وفي سنة 375 أمر أبو الفتح المنصور أن يعمل بالقيروان أبواب حديد وأمره ~~ببناء قصره الكبير وكان فيها مولد لأبي علي المنصور )قيل: المنصور( ابن ~~نزار العزيز بالله بمدينة القاهرة في يوم الخميس لسبع بقين من ربيع الأول ~~وفي سنة 376 ظهر أبو الفهم الخراساني الداعي واجتمع إليه خلق كثير من ~~كتامة. وكان يوسف بن عبد الله الكاتب قد أعطاه مالا وخيلا فتوجه إلى لبلد ~~كتامة فدعاهم فأجابوه وتقررت أموره عندهم حتى صار يركب الخيل ويجمع العساكر ~~ويعمل البنود ويضرب السكة فعظم أمره وشاع خبره وفيها جد يوسف بن عبد الله ~~الكاتب في بناء المنصور قصر المنصورية للمنصور أبي الفتح فبلغ إنفاقه فيه ~~قبل تمامه مائة ألف دينار. PageV01P103 وفي سنة 377 وصل المنصور أبو الفتح ~~صاحب أفريقية إلى المنصورية، فنزل في قصره الذي بني له وأتى معه عبد الله ~~الكاتب وجميع عساكره ووجوه بني عمه ورجاله. وفي هذه السنة، كان مقتل عبد ~~الله الكاتب وأبنه يوسف وذلك أن عبد الله بن محمد الكاتب بلغ مع المنصور بن ~~أبي الفتوح ما لم يبلغه أحد من قرابته وأهل بيته ودولته، وانحصرت أموره ~~كلها كانت تخت قبضته فجمع الأموال ورتب الأحوال والأعمال وأعطى السياسة ~~والرياسة حقها فحسنه كبراء أهل الدولة والتقى عنه حسن ابن خالته إلى ~~المنصور أمورا من القدح في دولته وأنه كان السبب في خروج الداعي الثائر أبي ~~الفهم بكتامة وأنه كان يصغر خبره حتى تفاقم أمره وغير ذلك من الأسباب ~~المهلكات. وكان عبد الله الكاتب لثقته بنفسه لا يداري أحد من أولاده زيري ~~ولا أكابر الدولة. فلما أحسوا من المنصور بعض التغير عليه أكثروا من )اعتزل ~~عن عمل أفريقية وأقتصر عن الكتابة وكل من تولى متصرف بين يدك وتحت أمرك!( ~~فكان جوابه أن قال )القتلة ولا العزلة( فلما كان يوم الأحد لإحدى ليلة خلت ~~من رجب غدا إلى ms193 ديوان كان قد بناه فجلس فيه لانتظار ركوب المنصور وبيده جزء ~~من القران يقرأ فيه حتى قيل له )قد ركب( فأطلقه وركب فرسه برسم لقائه، وهو ~~يقول )طويل(. # ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض ... على الماء خانته فروج الأصابع # فلما وصل إليه المنصور، نزل عبد الله إليه سلم عليه ثم وقف، فدار بينهما ~~كلام كثير لم يقف أحد على صحته، ثم طعنه المنصور برمحه، فجعل أكماله على ~~وجهه وقال: على ملة الله وملة رسوله! لم يسمع له غير ذلك. وضربه عبد الله ~~أخو المنصور برمح بين كتفيه فسقط إلى الأرض ميتا. ثم أوتي بابنه يوسف، ~~فرضبه المنصور وماكسن بين زيري، فسقط ميتا. وكان عبد الله لما تنكر له ~~المنصور لا يزال يتمثل بهذا البيت )طويل( # أرى ألف بان لا يقوم لهادم ... فكيف ببان حوله ألف هادم # وكان يتمثل أيضا بقوله )كامل(. # لي مدة لابد أن أبلغها ... حتى إذا قضيتها مت # لو صارعتني الأسد ضارية ... لصرعتها ما لم بج الوقت # ولما مات عبد الله وابنه، دار العسكر على الناس، فانتهبوهم وسلبوهم، ~~وقطعوا الطرق، فأخذوا كل من وجدوا من المسافرين وغيرهم، ومالوا إلى وادي ~~القصارين وإلى باب تونس أحد أبواب القيروان، فنهبوا ما كان عند القصارين، ~~فذهب في ذلك اليوم إلى أموال المسلمين، وقتل خلق ممن دافع عن نفسه ومال. ~~ودفن عبد الله في الإسطبل دون غسل ولا كفن. وولي أعمال أفريقية من قبل أبي ~~الفتح بن أبي محمد وكان عاملا على قفصه فأعطاه البنود والطبول وخلع عليه، ~~وولاه أفريقية مكان عبد الله يوم الخميس لخمس بقين من شعبان من هذه السنة ~~المؤرخة. # وفي سنة 378، تحرك أبو الفتح المنصور بعسكره إلى بلاد كتامة. فمر على ~~ميلة، وأمر بخرابها، وهدم سورها، وأمر أهلها بالمسير منها إلى باغاية، ~~فاجتمعوا وساروا إليها. فلقيهم ماكسن بن زيري بعسكره، فأخذ ما كان معهم من ~~مال وغبره. وكان المنصور في هذه الحركة لا يمر بمنزل ولا قصر ولا دار إلا ~~أمر بهدمه. ولما وصل المنصور إلى كتامة، حاربوه ms194 فظفر بهم وقتلهم واستأصلهم. ~~وهرب الثائر أبو الفهم إلى جبل وعر، فأرسل إليه المنصور من أخذه. فلما صار ~~بين يديه، أمر به، فلطم لطما شديدا، ونتفت لحيته: حتى أشرف على الموت. # مقتل الثائر أبي الفهم # وذلك أنه، لما صار بين يديه، وعمل به ما تقدم ذكره، أمر بخروجه وقد بقيت ~~فيه حشاشة من الروح، فأخذه بعض رجاله، فنحروه وشق بطنه وأخرجت كبده، فشويت ~~وأكلت. وأخذه عبيد المنصور، فشرحوا لحمه وأكلوه، حتى إذا لم يبق إلا عظامه ~~متجردة وذلك يوم الثلاثاء لثلاث خلون من صفر. وقتل بسببه والي ميلة وجماعة ~~من كتامة. ونزل بكتامة الذل والهوان. وبقيت ميلة خرابا. ثم عمرت بعد ذلك. ~~ورحل أبو الفتح المنصور قافلا إلى المنصورية والقيروان، وفي هذه السنة. دخل ~~الوادي إلى المنصورية وهدم دورها. PageV01P104 وفي سنة 379، وصل إلى ~~المنصور سعيد بن خزرون الزناتي من الغرب، فأعطاه وأرضاه وقال له يوما: يا ~~سعيد هل تعرف من هو أكرم مني؟.؟ قال نعم قال: ومن هو؟ قال: أنا! قال له ~~المنصور: ولم ذلك؟ قال: لأنك جدت علي بالمال وجدت أنا عليك بنفسي! فولى ~~سعيدا هذا مدينة طبنة. وقدم عليه بعد ذلك جماعة من الزناتيين، وأكرمهم ~~وأعطاهم، وزوج المنصور ابنته من ورو بن سعيد. # وفي هذه السنة، خالف أبو البهار بن زيري، فزحف إليه المنصور إلى تيهرت، ~~ففر أبو الهار إلى الغرب. ودخل عسكر المنصور تبهرت فنهبوا وقتلوا، ثم أمنهم ~~بعد ذلك. ورجع المنصور عن تبع عمه أبو البهار، وآوى على تبهرت أخاه يطوفت ~~ومضى المنصور إلى مدينة أشير وكتب أبو البهار إلى ابن أبي عامر، يسأله ~~الدخول في طاعته، وأن يكتب له إلى زيري بن عطية الزناتي صاحب فاس أن يكون ~~مواليا ومصافيا لابن أبي عامر، فكتب ابن أبي غامر إلى أبي البهار: أن كنت ~~على نية فيما وصفته عن نفسك، فارسل إلى ابنك، يكون رهينة عندي وأفعل عندك ~~ما أحببته! فوجه إليه ابنه في مركب مع ميمون المعروف بابن الدابة كأبيه، ~~فعطب المركب وماتا جميعا في البحر. ms195 فوجه إليه ولده الآخر، فوصل إليه فوجه ~~ابن أبي عامر لأبي البهار أموالا وكسي وكتب إلى زيري بن عطية في زحفه أن ~~يعاضده وينصره، ويكون معه. فلما بلغ ذلك أبا البهار وصل إلى فاس، واتفق مع ~~زيري بن عطية صاحبها. # وأما العامل على أفريقية، يوسف بن أبي محمد المتقدم الذكر فكان مشتغلا ~~بالأكل والشرب فإذا دخل الورد اصطبح عليه، فلا يظهر حتى يفنى الورد وينقطع. ~~وكان يجلس فيه، وينام عليه، فسمي شيخه الورد. وأسلم الأمور لابن البوني، ~~فكان أهل الحاضرة معه في أمن وعافية، وأهل البادية في عذاب وغرامة. وكان ~~جبارا عنيدا، وسمحا جوادا وكان يخرج في كل سنة فيدور على كور أفريقية، ~~ويجبي الأموال، ويأخذ الهدايا من كل بلد ويرجع. قال الرقيق: كنا إذا درنا ~~مع يوسف بن أبي محمد على البدان، واستطاب موضعا وأعجبه حسنه أقام فيه ~~مصطبحا الشهر والشهرين، وأبو الحسن البوني يجبي الأموال ويقبض الهدايا ~~ويقوم بأمور أخلة يوسف وعسكره. وكان يعطي لخاصة يوسف في كل يوم خمسة آلاف ~~درهم، وينفق على يوسف لمطيته وفاكهته نحو هذا المال المذكور. # وفيها توفي عامل صقلية عبد الله بن محمد بن أبي الحسن، وولى ابنه يوسف، ~~فكان الناس في أيامه على أفضل ما يشتهون واستقامت له الأمور، وأداخ بلاد ~~الروم، وظهر من كرمه وجوده وعدله ملهو معدوم في كثير من البلدان. # وفي سنة 380، توفي المرصدي صاحب خراج القيروان. وأمر أبو الفتح المنصور ~~بولاية محمد بن عبد الطاهر بن خلف الخراج مع سلامة بن عيسى؟ فجلسا معا في ~~ديوان خراج المنصورية. # وفي سنة 381 توفي القائد جوهر بمصر وهو الذي فتحها. فلم يبق شاعر بمصر ~~إلا رثاه، وذكر ما فتحه شرقا وغربا. وفيها وصل المنصور إلى المنصورية ودخل ~~قصره الجديد فخرج إليه أهل القيروان، يتلقون فأدناهم وأثنى عليهم ووعدهم ~~خيرا. ثم رفع له في عبد من عبيده أنه قذف بعض الصحابة، فأمر يقتله وصلب ~~جثته، ونودي على رأسه في مدينة القيروان. PageV01P105 وفي سنة 382، طهر أبو ~~مناد باديس بن أبي الفتح ms196 المصور بقصر والده وأهدى إليه جماعة من الناس على ~~قدر أحوالهم، وفيها ترك المنصور البقايا للرعايا. وفيها قبض على البوني ~~وابنه، وطلب منهم إلا كثيرا فأنكراه وكان المنصور قدر أنه يأخذ منهما ~~أموالا يفتخر بها على أضياف كانوا عنده في يوم طلبها، وقال لهم: لو أن عبدا ~~من عبيدي طلب منه بيوت مال لوجد ذلك عنده! فصادف أنكار البوني ذلك المحل، ~~فأمر بذبح البوني. وعزل يوسف بن أبي محمد عن عمالة أفريقية وولى مكانه محمد ~~بن أبي العرب الكاتب. وفيها وصل سجل من العزيز بالله بولاية العهد لأبي ~~مناد باديس بن المنصور، فسر المنصور بذلك، وجاءته الهدايا من البلدان ومن ~~كمل جهة ومكان، وفيها كان وصول سعيد بن خزرون من مدينة طبنة إلى المنصورية، ~~فلقيه المنصور، وعانقه ثم دخل معه إلى قصره، وأنزله وأجرى عليه الأرزاق ~~الواسعة، فاعتل سعيد بن خزرون أياما، ومات في أول رجب، فكفنه المنصور ~~بسبعين ثوبا، وفي هذه السنة وصلت هدية من بلد السودان فيها زرافة، فخرج ~~المنصور حتى دخلت بين يديه. وفيها وصل إلى المنصور فلفل بن سعيد بن خزرون ~~بعد موت أبيه، فأعطاه ثلاثين حملا من المال، وثمانين تختا من أنواع الكسي ~~وخيلا بسروج محلاة، وعشرة من البنود الجدد المذهبة، ورده إلى مدينة طبنة ~~أميرا عليها. # وفي سنة 383 خرج باديس بن المصور إلى مدينة أشير. وفيها وصل إلى المنصور ~~كتاب أخيه يطوفت، يخبره بوصول عمه أبي بهار إليه فكتب إليه المنصور أن ~~يبعثه فكان أبي البهار إلى المنصورية ليلة الاثنين منتصف شعبان، فأعطاه ~~المنصور كسا وجواري وفرشا وسر به أعظم سرور وأنزله أحسن نزول. # وفي سنة 384، كان دخول أبي مناد باديس بن المنصور إلى المنصورية من جهة ~~الغرب، وهي أول حركة، فتلقاه أبو العساكر وأهل القيروان وغيرهم، وفيها، كان ~~وصول الهدية من مصر مع جعفر بن حبيب ومعه فيل عظيم. # وفي سنة 385، مات الأمير عبد الله بن يوسف بن زيري بم مناد. وفيها، كان ~~خروج القائد يوسف بن أبي محمد عاملا على متيجة. ms197 وفي جمادى الأخيرة، وصل ~~قاسم بن حجاج إلى المنصورية من مصر برؤوس الروم الذين قتلهم مارق الكتامي ~~بحلب. # وفي سنة 386، توفي أبو الفتح المنصور عدة العزيز بالله بن زيري بن مناد ~~الصنهاجي في يوم الخميس لثلاث خلون من ربيع الأول، ودفن بقصره الجديد ~~الخارج عن المنصورية. وكانت أيامه أحسن أيام. # إمارة أبي مناد باديس بن أبي الفتح # ابن أبي الفتوح يوسف بن زيري بن مناد PageV01P106 ولما صارت الأمور إليه، ~~أتاه الناس من كل ناحية بأفريقية للعزاء والتهنئة. وكانوا بنو زيري وبنو ~~حمامة قد هموا بأمور، وخالفوا على ما كان معهم على ما عقدوه، فما تركهم ~~عبيد باديس وعبيد أبيه إلى شيء مما أرادواه. ووصل أبو بيباش يطوفت بن أبي ~~الفتوح إلى لمنصورية للعزاء والتهنئة ثم رجع إلى طبنة وجهة الغرب في أواخر ~~شعبان. وفي هذه السنة توفي أبو المنصور نزار العزيز بالله العبيدي صاحب مصر ~~في حوض الحمام وكانت به علة الحصى، وشرب دواء في الحوض، وأدركه أجله فيه، ~~فمات. وولي مكانه أبو علي ولي عهده الملقب بالحاكم بأمر الله. وكان أبو ~~مناد قد هيأ هدية ليبعثها للعزيز، فبرزت الهدية من المنصورية إلى رقادة مع ~~جعفر بن حبيب لست خلون من رمضان. وكان العزيز بالله قد بعث سجلا إلى أبي ~~مناد يأمره فيه برفع القاضي محمد بن عبد الله بن هاشم إلى مصر، فوصل السجل ~~والقاضي مريض، فأمره أبو مناد بالخروج مع الهدية، فاعتذر بعده، فبعث إلى ~~داره محمد بن أبي العرب وجماعة من رجال الدولة، وذلك لثلاث خلون من ذي ~~القعدة، ووقف العسكر بباب أبي الربيع وظنوا أن أهل القيروان يمنعه منهم ~~ويحولون بينه وبينهم فهجموا عليه، وحملوه ببساطه الذي كان مريض عليه في ~~ثيابه التي يلبسها في داره، لأنهم فاجئوه وخرجوا به محمولا، وقد اجتمع عند ~~داره خلق عظيم ولم ينق أحد منهم، ومشوا به إلى رقادة وخلفه غلام نصراني ~~يمسكه، وأولاده وقرابته يمشون خلفه. واغتم بمسيره سائر الناس وظهر عليهم ~~الحزن والأسف لفقده، وكثر الدعاء له والثناء ms198 عيه. ثم جاءت الأخبار بوفاة ~~العزيز بالله، فأمر أبو مناد برجوعه إلى داره مكرما معظما وفي هذه السنة، ~~مات أبو محمد بن أبي زيد - رحمه الله! - وفي سنة 387، توترت الأخبار بموت ~~العزيز بالله. وفيها رجع القاضي إلى داره، وهو مريض، فازداد مقداره عند ~~الناس وفي صفر، عقد أبو مناد ولاية أشير لحماد ابن أبي الفتوح يوسف بن زيري ~~بن مناد، فخرج عاملا عليها وأعطاه خيلا كثيرة وكسا جليلة، ثم اتسعت عمالته ~~وكثرت عساكره وعظم شأنه، وفي ربيع الأخر وصل القاضي الباهري من مصر إلى ~~المنصورية، فبرز أبو مناد بعساكره عليه، وخرج بجميع رجاله إليه، رأى ما لم ~~ير مثله. ووصل المذكور بسجلين، فقرئا بجامع القيروان والمنصورية: أحدهما ~~بولاية أبي مناد وتلقيبه نصير الدولة، والثاني بوفاة العزيز بالله وخلافة ~~الحاكم بأمر الله والجواب عن وفاة المنصور عدة العزيز بالله. وكان معه سجل ~~ثالث بأخذ العهد على باديس وجماعة بني مناد للحاكم. فجلس أبو مناد ودعا ~~وجوه الصنهاجيين وأخذ عليهم البيعة. ثم رجع القاضي الشريف الباهري إلى مصر، ~~بعد أن وصله أبو مناد بمال جليل. وفي هذه السنة خرج نصير الدولة إلى المصلى ~~بزي جليل وهيئة حسنة وبين يديه الفيل وزرافتان، وجمل أبيض ساطع البياض، لم ~~ير الناس مثله قط. # وفي سنة 388، وصلت إلى نصير الدولة هدية من مصر تشتمل على الجوهر ~~والأعلاق النفيسة، فتلقاها، ودخلت بين يديه إلى المنصورية وفيها، كانت وقعة ~~بمصر بين الترك والكتاميين، وكان الظفر للترك عليهم. . # وفي سنة 389، زحف زيري بن عطية صاحب فاس وما والاها من بلاد الغرب إلى ~~مدينة تيهرت، فنزل عليها وحاصرها. وكانت يطوفت بن يوسف بن زيري صاحبها، ~~فكتب إلى ابن أخيه أمير أفريقية، يستمده، فبعث إليه محمد ابن أبي العرب. # ذكر هزيمة عسكر أفريقية واستيلاء زيري بن عطية عليه # وظهور زناتة على صنهاجة PageV01P107 لما وصل كتاب يطوفت إلى باديس نصير ~~الدولة، أمر نصير الدولة محمد ابن أبي العرب الكاتب بالخروج بالعساكر إلى ~~زناتة، فكان تبريزه في منتصف صفر من هذه السنة، ونهض ms199 بالعساكر حتى بلغ ~~أشير، وبها حماد بن يوسف بن زيري عاملا عليها، ومعه عسكر عظيم، فأقام بها ~~يسيرا، ثم رحل ورحل حماد معه بعسكره، حتى وصلا إلى تيهرت، فاجتمعا بيطوفت، ~~ومعه أيضا عسكر عظيم وكان اجتماعهم بتيهرت غرة جمادى الأولى. وكان بتيهرت ~~زيري بن عطية نازلا بموضع يقال له امسار، على مرحلتين من يتهرت، فزحفوا ~~إليه. فكانت بينهم حرب شديدة وكان معظم عسكر حماد الوتلكاتيين، وكان قد ~~أساء عشرتهم. فلما حمى الوطيس واشتد البأس، ولوا منهزمين، فاتبعهم جميع ~~العساكر الأفريقية. فرام ابن أبي العرب رد الناس فلم يقدر فولت الهزيمة على ~~الجميع، حتى وصلوا إلى أشير وقد أسلموا محلاتهم ومضاربهم، وكل ما فيها من ~~الأموال والسلاح وغير ذلك، فاحتوى زيري بن عطية وإخوانه على جميع ما ذكرنا. ~~وقتل منهم خلق كثير، وأخذ أسرى كثيرة، فوعدهم بجميل، ثم أطلقهم عند وصوله ~~إلى تيهرت، فمضوا حتى وصلوا إلى أشير. وبقى ابن أبي العرب وحماد ويطوفت ~~بأشير وبقى زيري ابن عطية الزناتي على تيهرت. وكانت هذه الوقعة والهزيمة ~~يوم السبت لأربع خلون من جمادى الأولى منن هذه السنة. ووصل الخبر إلى ~~المنصورية لعشر بقين منها، فخرج نصير الدولة صاحب أفريقية من المنصورية ~~للقاء زيري بن عطية يوم السبت لليلتين خلتا من جمادى الآخرة، ورحل حتى وصل ~~إلى طينة، فبعث في طلب فلفل بن سعيد بن خزرون الزناتي، وكان على طبنة، فخاف ~~منه، وبعث يعتذر له، ويسأله أن يكتب له سجلا بولاية طبنة، فكتبه له، وبعث ~~به إليه، ورحل عنه نصير الدولة باديس وتمادى في رحيله. فلما بلغ فلفلا أنه ~~قد أبعد عنه ضرب على جهة من جهاته، فأكل ما حولها ونهب وافسد ومضى إلى ~~باعاية، فحاصرها، وأفسد تلك الجهات كلها، واكل ما والاها، ونصير الدولة في ~~هذا كله متماد على سيره حتى وصل أشير. ولما وصل إلى المسيلة، رحل زيري بن ~~عطية عن تيهرت. فصمم إليه نصير الدولة. ثم وصله الخبر أنه توجه إلى ناحية ~~فاس فعند ذلك رجع نصير الدولة إلى تيهرت ms200 وأشير، واستخلف يطوفت على تيهرت ~~ابنه أيوب في أربعة آلاف فارس. وبلغ نصير الدولة ما فعل فلفل ابن سعيد، ~~فأرسل من أشير عساكر تقدمت إليه، ثم رحل بعدهم ومعه أبو البهار بن زيري حتى ~~وصل إلى المسيلة فعيد بها عيد الفطر. ووصل إلى أبي البهار فيه الخبر بأن ~~أخوته ماكسن وزاوي ومغنين نافقوا بأشير، وأنه قد قبضوا على يطوفت، فرحل أبو ~~البهار هاربا في بنيه ورجاله وعياله. ورحل نصير الدولة ثالث شوال إلى ~~أفريقية. فلما بلغ إلى يلزمة، بلغه أن فلفل بن سعيد تمادى إلى القيروان، ~~فرحل إلى باغاية، فعرفوه ما قاسوه من قتال فلفل وأنه حاصرهم خمسة وأربعين ~~يوما، فرحل من باغاية في طلب فلفل، فاتقى معه لعشر خلون من ذي القعدة، ~~فكانت بينهم حروب لم يسمع بمثلها. وكلن قد اجتمع لفلفل من البربر مل لا ~~يحصى عددا وكثرة، فانهزم فلفل إلى جبل الحناش، حسبما ذكروه، واتبعته صنهاجة ~~والعبيد. فلما رأوه تمادى منهزما، رجعوا عنه ونهبوا محلته. وقتل في ذلك ~~اليوم نحو سبعة آلاف من زناتة. وأرسل نصير الدولة كتاب الفتح إلى مدينة ~~القيروان. # وفي سنة 390، خرج نصير الدولة في طلب فلفل بن سعيد. فلما علم فلفل أنه لا ~~طاقة له بلقائه، هرب إلى الرمال، وافترق جمعه فرجع نصير الدولة إلى ~~أفريقية، ومعه أبو البهار بن زيري وقد أعتذر له مما فعل إخوانه، فقيل عذره. ~~ثم رجع فلفل إلى طرابلس، وتمادى نصير الدولة إلى أن وصى إلى قصر الأفريقي، ~~فبلغه حينئذ أن بني زيري رجعوا إلى الغرب خوفا منه وأنه لم يبقى مع فلفل ~~سوى ماكس وابنه محسن، فرجع نصير الدولة إلى المنصورية حضرته. وفي أول رجب ~~من هذه السنة، خرج نصير الدولة إلى رقادة، متوجها لقتال زيري بن عطية ~~الزناتي أمير الغرب، لما بلغه أنه أتى إلى أشير. ثم جاء الخبر برحيل زيري ~~بن عطية إلى الغرب، فرجع نصير الدولة إلى المنصورية. PageV01P108 وفي سنة ~~391، خرج نصير الدولة في طلب فلفل ثانية، ووصل كتاب يوسف بن عامر عامل ~~قابس، ms201 يذكر فيه أن فلفلا رحل إلى طرابلس من على قابس، لست بقين من رجب، ~~ولما وصل فلفل إلى طرابلس خرج إليه فتوح ابن علي وجماعة أهلها، فقتلوه ~~وأدخلوه البلد، فاستوطنها من ذلك الوقت. وفي هذه السنة، وصل رسول حماد بن ~~يوسف العزيز بالله يذكر أنه زحف إلى عمه ماكسن بن زيري ومن معه، فقتل ماكسن ~~وولداه محسن وباديس بعد حروب شديدة ن وذلك بعد ثلاث خلون لرمضان المعظم. ~~وفيها توفي زيري بن عطية الزناتي، صاحب فاس والغرب كله وذلك في الثاني عشر ~~من رمضان المذكور من السنة المؤرخة، بعد قتل ماكسن بتسعة أيام. # بعض أخبار زناتة ودولتهم بالغرب إلى حين ظهور المرابطين # وذلك أن زناتة كانت تقوم بدعوة الأمويين، لما تقدم لهم من هجرة جدهم خزر ~~بن صولات وإسلامه على يد عثمان بن عفان، وكان صنهاجة تقوم بدعوة العبيديين. ~~ووقع بينهم حروب كثيرة وقام ببلاد الغرب زيري بن عطية الخزري المغراوي، ~~وملك فاسا وغيرها، وصار أمير زناتة كلها في ذلك الوقت. وكان يدعوا لبني ~~أمية في دولة هشام المؤيد، إذ كان المقيم لها ابن أبي عامر حاجبه، وهو ~~يحارب أعدائه وأضداده صنهاجة أمراء أفريقية. قال بن حمادة: وكان قد وصل إلى ~~قرطبة، واجتمع مع ابن أبي عامر سنة 379، وكان بأرض الغرب في خدمته من تلك ~~السنة وموالاته مع سعة ملكه وبعد صيته إلى أن فسد ما بينهما سنة 387، ووقع ~~بينه وبين المظفر حروب يطول ذكرها. # قال ابن حيان: ثم أن زيري بن عطية الراوي نكث على علي ابن أبي عامر بعد ~~الحب الشديد والوفاء الأكيد، وطعن علي بن أبي عامر سلبه الملك هشام وامتعض ~~لهشام المؤيد، وغلية ابن أبي عامر عليه، فانفذ له ابن أبي عامر واضحا فتاه ~~بجيش كثيف، فقاومه بالمغرب. ودارت بينهم حروب عظيمة، ثم أردفه ابن أبي عامر ~~بولده عبد الملك، وهبط هو إلى الجزيرة الخضراء يمدهم بالقواد والأجناد. ~~وبرز عبد الملك من طنجة إلى زيري، ودارت بينهم حروب لم يسمع بمثلها في ~~الحروب الغابرة. أجلت عن ms202 هزيمة زيري واستئصال رجاله وحاله. ونجا هو مثخنا ~~بالجراح. وانبسط ملك عبد الملك بن أبي عامر على الغرب وما والاه إلى ~~سلجماسة، وعلى تلمسان وتيهرت. وقفل إلى الأندلس سنة 389، واستخلف على بلاد ~~الغرب واضحا الغازي، فأقام بفاس مدة وانصرف إلى الأندلس، وخلف على فاس عبد ~~الله بن أبي عامر، ابن أخي المنصور، ثم تلاه إسماعيل بن البوري، ثم تلاه ~~أبو الأحوص معن بن عبد العزيز، وبقي فيها إلى أن توفى محمد بن أبي عامر، ~~فصرفها ابنه عبد الملك المظفر إلى المعز بن زيري بن عطية، وقد استحكمت ثقته ~~به وحسن رأيه فيه فولاه على فاس سنة 397، على أن يعطيه المعز عدة من الخيل ~~والسلاح يحملها كل سنة إلى قرطبة، وقبض على ابنه المسمى معتصر رهينة. ~~فاستقامت طاعة المعز، وأقام ابنه بقرطبة إلى أن نشأت الفتنة وانقرضت الدولة ~~العامرية، فانصرف معتصر إلى أبيه ومضى مع أبوه على رأيه في موالاة من ظهر ~~بالأندلس من المروانية، إلى أن هلك بعد صدر من الفتنة، وأورث ولده حمامة ~~ملك فاس وما والها. PageV01P109 وقد ذكر الوراق ذلك، وشرحه شرحا كافيا ~~وقال: توفي زيري بن عطية في سنة 391، أقام بنو عمه ابنه المعز مكانه. وذكر ~~استجداء المعز للمظفر ابن أبي عامر، وأرسله إليه، وتقليد المظفر له ولاية ~~المغرب على ما تضمنه من خيل وسلاح وغير ذلك، ورهنه المعز ولديه حمامة ~~ومعنصر، وذكر موت المظفر، وتقديم أخيه عبد الرحمن لحجابة هشام المؤيد وبلغ ~~المعز بن زيري ذلك، فاحتفل في هدية عظيمة يهديها له، وذلك سبعمائة من الخيل ~~وأحمال كثيرة من درق اللمط وجملة كبيرة من المال والسلاح، وسائر ما بالمغرب ~~من الطرف، ووصل قرطبة مع هذه الهدية فتيان من بني عمه وجملة من شيوخ ~~القبائل ووجوه فاس، فسر عبد الرحمن بذلك وشكر المعز وسرح ابنيه إليه بعد أن ~~كساهما وأرضاهما وكتب للمعز عهدة بتحديد ولاية الغرب كله إلا مدينة سجلماسة ~~فأنه كان قد عقد ولايتها لواضح الفتى قبل ذلك وولاها واضح وانودين بن خزرون ~~اليفرني وأبن عمه ms203 زيري فلفل على ما ضمناه إليه وعده من الخيل والدرق معلومة ~~وجملة من المال في كل سنة. ورهنه كل واحد منها أبه. فامتثل النعز بين زيري ~~وما أمره بن عبد الرحمن بن أبي عامر. وبقي المعز أمير الغرب إلى أن انقرضت ~~الدولة العامرية ثم انقرضت الدولة المروانية وانشقت عصى الأمة ومرج أمر ~~الناس بالأندلس وصار المسلمون شيعا متفرقون يقتل بعضهم بعضا وينهب. وفعل ~~أهل المغرب مثل ذلك فكثر فيه الشتات وشن الغارات بعضهم على بعض. وأقام ~~المعز بن زيري يدارى أمره إلى أن حانت وفاته سنة 416. وولى مكانه أبنه أبو ~~العطاف حمامة بن المعز بن زيري بن عطية وكان له حظ من المعرفة والأدب وحسن ~~السياسة، فكانت مدينة فاس في أيامه هادئة راخية، وكان الشعراء يقصدونه من ~~الأندلس. وجرت له حروب كثيرة إلى أن حانت وفاته في سنة 433. وولى ابنه ~~دوناس بن حمامة فقام عليه بنو عمه، ولم يزل أمره يضعف، ودولتهم تدبر إلى أن ~~قام بمدينة فاس أميران بالعدوتين وكانت الحرب تدور بينهما. وجرت بين ذلك ~~أمور وخطوب، ولا يحسن ذكرها لشناعتها، إذ للدول، إذا أدبرت كل ما يجري فيها ~~يقبح ذكره، إلى أن شاع خبر خروج لمتونة من الصحراء، واستيلاءهم على بلاد ~~المصامد وخلعهم لملوكهم وناموس عدلهم، ودخل عبد الله بن ياسين مدينة أغمات ~~وما يليها، فخافت زناة وأجفلت عن جهة الشرق حيث مستقرها، ولما قتل عبد الله ~~بن ياسين، رجعت زناة إلى المغرب، وقتلوا كل من اتهموه بالميل إلى أصحاب ~~اللثام، فحاربهم الصحراويون. ووجه أبو بكر بن عمر يوسف بن تاشفين، فحارب ~~رؤساء القبائل، واستفتح بلاد كثيرة. وفي خلال ذلك كان الجوع الشديد الذي ~~يعرف بسنة أو قبة بدرهم من الدراهم الخندوسية، وذلك في سنة 444. ورجع ~~الفتوح بن معنصر الزناتي من المشرق وكسر عسكر مدينة فاس في سنة 454. وفيها ~~كسرة مكناسة ولواة: كسرها قائد أبي بكر بن همر اللمتوني. # وفي سنة 454، وطئ بليجين بن محمد بن حماد الصنهاجي جميع الغرب ودوخه ~~بجيوش عظيمة. PageV01P110 وفي سنة 459، دخل إبراهيم ms204 بن مليح الجزنائي مدينة ~~فاس، وأخرج منها معنصر بن حماد إلى بيت الشرق. ثم رجع إلى فاس، وقتل كل من ~~اتهمه بالميل في الملثمين. ثم رجع يوسف إلى المغرب وهرب معنصر. وقتل يوسف ~~سدراة ودخل مدينة فاس، واستولى عليها وعلى أكثر الغرب. هكذا ذكر أبو مروان ~~عبد الملك بن موسى الوراق في كتابه )المقباس في أخبار فاس(. وأما يوسف ~~الجزنائي، صاحب مكناسة فتولى سنة 412. وأما توالي، فتوفي بالقلعة، وولي ~~ابنه مهدي في هذه السنة. وأما ابن أبي العافية إبراهيم، فتوفي في سنة 450، ~~وولي ابنه عبد الله وكان بنو أبي العافية أصحاب تسول وملوية ونكور، وهي ~~لمزمة، وتوفي عبد الله 460، وولي ابنه محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن موسى ~~بن أبي العافية وأما تلمسان والزاب، فكان فيها يعلى الزناتي، وما في هذا ~~التاريخ أو قريبا منه وقام فيها بنوه. وما وراء الزاب من بلاد الغرب، لم ~~يملكه العباسيون قط، أما تلمسان وأنظارها، فوليها محمد بن سلمان ابن عبد ~~الله بن حسن بن الحسن بن علي - رضي الله عنهم - ومن ولده أبو العيش عيسى بن ~~إدريس بن محمد المذكور. وأما فاس وأنظارها فكان فيها شيعة ثم آل أمرها إلى ~~إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي - رضي الله عنهم - وأما تلمسان، ~~فكان فيها أولاد صالح بن طريف على ضلالتهم. وأما سجلماسة، فنزلها عيسى بن ~~سمغون، رئيس الصفرية. فهذه هي البلاد المتفق عليها، وأما المختلف فيها، ~~بأفريقية: قيل أنه كان فيها عبد الرحمن بن حبيب ثائرا، وبالأندلس يوسف ~~الفهري أميرا. # رجع الخبر إلى نسق التاريخ. وفي سنة 392، توفي أبو طالب شيخ المعتزلة ~~ولسانهم، وله تسع وستون سنة. وفي هذه السنة كان خروج يحبى بن علي بن ~~الأندلسي من مصر بالعسكر، فمان وصوبه إلى طرابلس يوم الجمعة لتسع خلون من ~~ربيع الأول وكان متولي التدبير في الوقت زيدان الصقلي، فاختلفت عليه أمور ~~العسكر مع سوء عقله وضعف تدبيره ووصل إلى فلفل، فاستخلف به، واحتقره. وفيها ~~ن في رمضان المعظم، توفي ms205 المنصور بن أبي العامر على ما يأتي في موضعه. # وفي سنة 393، وصل يحيى بن علي بن الأندلسي، ومعه فلفل بن سعيد وفتوح بن ~~علي إلى مدينة قابس، فحصروا عطية بن جعفر وخرج في تلك الأيام إلى قابس ~~عشرون رجلا من الناشبة، فعرف بهم فلفل فبعث في طلبهم فلما أتى بهم ن ضرب ~~أعناقهم، وكان وصولهم إليها يوم الاثنين لأربع عشرة خلون من شعبان من هذه ~~السنة.. ثم انصرفوا راجعين إلى طرابلس ولما رأى يحيى بن علي اختلال الحال ~~عليه، ولم يجد ما يعطي لرجاله عاد ببقيتهم إلى مصر، بعد ما أخذ فلفل ~~وأصحابه ما أحبوه من خيولهم بين شراء وغصب فلما وصل إلى صاحب مصر الحاكم ~~بأمر الله، أراد الإيقاع به، وبعد ذلك عفا عنه وقبل عذره. # وفي سنة 394، قتل الحاكم بأمر الله منجمه البكري بمصر، وكان ضعيف العقل ~~أحمق وكان له بصر بالقضايا. وفيها قتل الحاكم جماعة كبيرة من وجوه رجاله ~~وأحرقهم بالنار. وفيها، قتل المعروف بابن خريطة. وفيها، قتل ابن الغازي ~~المنجم. # وفي سنة 395، كانت بأفريقية شدة عظيمة أنكشف فيها الستور، وهلك فيها ~~الفقير، وذهب مال الغنى، وغلت الأسعار، وعدم القوات. وجلى أهلها البادية عن ~~أوطانهم وخلت أكثر المنازل فلم يبقى لها وارث وع هذه الشدة وباء طاعون هلك ~~فيه أكثر الناس من غني ومحتاج فلا ترى متصرفا إلا في علاج أو عيادة مريض أو ~~آخذا في جهاز ميت أو تشيع جنازة أو انصرف من دفن. وكان الضعفاء يجمعون إلى ~~باب سالم فتحفر لهم أخاديد ويدفن المائة والأكثر في الأخدود الواحد فمات من ~~طبقات الناس وأهل العلم والتجار والنساء والصبيان ما لا يحصى عددهم إلا ~~خالقهم تعالى وخلت المساجد بمدينة القيروان وتعطلت الأفران والحمامات. وكان ~~الناس يوقدون أبواب بيوتهم وخشب سقوفهم. وجاء خلق من أهل الحاضرة والبادية ~~إلى جزيرة صقلية. وكانت الرمانة بدرهمين للمريض في ذلك الوقت والفروج ~~بثلاثين درهما وقيل أن أهل البادية أكل بعضهم بعضا. كذا ذكر أبو إسحاق ~~الرقيق. PageV01P111 وفي سنة 396، كثر الخصب بأفريقية ورخصت ms206 الأسعار وأرتفع ~~الوباء عن الناس وفيها ثار ببرقة الوليد بن هشام وأدعى أنه من بني أمية من ~~ولد المغيرة وكان ظهوره في العام الفارط عن هذه كان معلما ببرقة فرأى في ~~أهل برقة فرصة فانتسب لهم وعرفهم أم عنده روايات وعلما وأنه هو الذي يملك ~~مصر ويقتل الجبابرة وأعانه على ذلك قوم من لواتة وزناتة فنصبوه إماما ~~واجتمعوا عليه. ثم أقبل البربر من كل ناحية إليه فزحف إلى برقة وحاصرها حتى ~~فتحها وذلك في رجب من العام الفارط ثم قوى أمره في هذه السنة، فأخرج الحاكم ~~إليه جيشا فكان بينهم قتال شديد إلى أن هزم عسكر مصر وقتل قائده. وفيها ~~توفي عامل أفريقية محمد بن أبي العرب. وفيها قتل الحاكم قاضيه وأحرقه ~~بالنار على أكله أموال الأيتام. وفي سنة 397 استحلف أمر الثائر ببرقة ~~الوليد بن هشام وكثرت جموعه وأتباعه فأخذ الحاكم بالحيلة فدعا وجوه رجاله ~~وقواده وأمرهم أم يكاتموه ويعرفوه أنه على مذهبه وهو أن قرب منهم صاروا في ~~جملته. فلما تواتر ذلك عليه وثق به وزحف بكل من معه من قبائل البربر إلى ~~مصر فخرجت إليه عساكر مصر فهزموه ولحق بأراضي السودان. ثم أخذ أسيرا ودخل ~~إلى مصر على جمل فطيف به بثياب مشهورة ثم قتل شر قتلة في النصف من شوال. ~~وفيها ولي العمالة بأفريقية إلى القاسم بن محمد بن أبي العرب بعد موت أبيه ~~فأفر رجاله على مراتبهم واستعان بهم. # وفي سنة 398 توفى صاحب المظالم بأفريقية محمد بن عبد الله وكانت وطأته ~~اشتدت على أهل الريب والفساد بالضرب والقتل وقطع الأيد والأرجل لا تأخذ ~~فيها لومة لائم. # وفي سنة 399، هرب أولاد محمد بن أبي العرب من المنصورية يريدون فلفل بن ~~سعد بن خزرون الزناتي بإطرابلس، فأرسل نصير الدولة إلى صاحب قابس يأمره أن ~~يقطع بهم فلحق بهم المذكور، وأخذ منهم عليا ويوسف فقطع رؤوسهما وتوجه بها ~~المنصورية منسلخة المحرم ووصل القاسم بعد ذلك فعفا عنه. # وفي سنة 400، توفي فلفل بأطرابلس بلة أصابته. وولي أخاه ورو ms207 وأطاعته ~~زناتة وفيها رحل أبو مناد صاحب الدولة بعساكر إلى إطرابلس ليوم الاثنين ~~خلون من شعبان فتلقاه أهلها مسرورين داعين مستبشرين فضربت له فساطيط ~~الديباج والقباب الجليلة ونزل فأخذ الناس ريح عظيمة خرق جميع المضارب ~~ومزقها وذهب بها. ودخل نصير الدولة إلى قصر فلفل. وجاءت رسل ورو بن سعيد ~~أخي فلفل راعية في الأمان والعفو فعفى عنهم وشهد بذلك على نفسه، ثم صدر إلى ~~المنصورية ظافرا. ووصل النعيم بن كنون وطائفة معه إلى المنصورية، فأعطاهم ~~نصير الدولة، وأفضل عليهم أتم الأفضال وأمر للنعيم والبنود والطبول ~~والبراذين والسروج وصرف إلى البلاد التي أعطاه وقاعدتها قصطيلية فأقام بها ~~ملك بالطبول والبنود والجيش. وفي سنة 401، كان موت عزم بن زيري بن مناد ~~بالقيروان. وفيها، توفي القائد جعفر بن حبيب. وفيها أمر الحاكم بأمر الله ~~بن الحسين بن جوهر قائد القواد وصره القاضي على مصر عبد العزيز بن محمد بن ~~النعمان فقتلا جميعا في وقت واحد. وفي شوال من هذه السنة خالف ابن الجراح ~~على الحاكم بأمر الله، وبعث رسالة إلى أمير مكة يستدعيه للخلاف عليه معه ~~فخالفه وتسمى بأمير المؤمنين. وتابعه على ذلك أهل مكة وبنو عمه وغيرهم ~~وتمادى أمرهم على ذلك بقية هذه السنة. وفيها، وجعل أهل مصر ومن كان معهم من ~~المغاربة وغيرهم برسم التوجه إلى مكة - زادها الله تكريما وتشريفا! - وذلك ~~عند وصولهم للقزم بلغهم ما فيعل ابن الجراح وأبو الفتوح أبو الحسن بن جعفر ~~بن محمد فمل يحج منهم أحد، ولم يحج أحد هذه السنة من الشام ولا العراق ولا ~~خراسان ولا سائر الآفاق ألا أهل اليمن ونفر يسير ممن كان بمكة مجاورا. # وفي سنة 302 تقدم المنصورية خزرون بن سعيد بن خزرون الزناتي أخو فلفل ~~المتقدم ذكره. وكان سبب وصوله اختلاف بينه وبين أخيه ورو فقصد إلى نصير ~~الدولة فقبله أحسن قبول وكان معه نحو سبعين فارسا من زناتة فأنزلهم وأحسن ~~إليهم ثم بعد ذلك بأيام أعطاه مديمة، فخرج إليها بالبنود والطبول. ~~PageV01P112 وفي سنة 403 وصل إلى المهدية ms208 مركب فيه هدية جليلة من الحاكم ~~إلى نصير الدولة باديس صاحب أفريقية، وإلى ولده منصور عزيز الدولة فتلقاها ~~المنصور مع أهل القيروان على قصر الماء بالبنود والطبول، ووصلت سجلات منه ~~إلى نصير الدولة بإضافته وأعمال برقة إليه. وفيها توفى أبو الحسن القابسي ~~الفقيه العالم. وفيها، عزل أمير نصير الدولبو يوسف ابن حبوس السنهاجي عن ~~أمر الجيوش وغيرها. وفيها توفى مفرج بن الجراح ببلاد الشام وبقي أولاده ~~مكانه. وفيها، عاد صاحب مكة إلى طاعة الحاكم وهو جعفر بن الحسن المتقدم ~~الذكر الذي قام بها ودعا لنفسه وتسمى بأمير المؤمنين الراشد بالله ثم تاب ~~مما فعل في هذه السنة وصعد المنبر وتبرأ مما كان ادعاه وكتب بذلك إلى ~~الحاكم بأمر الله فقبل منه وأنفذ إليه أموالا عظيمة وأمر الناس أن يسافروا ~~إلى مكة بالطعام وسائر المرافق. # وفي هذه السنة ظهر بأفريقية ثائر أسمه عبد الله بن الوليد بن المغيرة ~~وكان خاملا مشتغلا بالتعليم ثم دعا إلى نفسه فأخذ وسيق إلى القيروان مع ~~صاحب له وحملا على جملين وطيف بهما ثم ضربت أعناقهم ورفعا فصلبا. ووجت عنه ~~خريطة فيها كتاب بخط يده لبعض الأشياخ القبائل يقول فيها: )من عبد الله أبي ~~محمد الناصر لدين الله أمير المؤمنين إلى فلان( ثم يذكر أن تام أمره وظهوره ~~يكون بكتامة ويأمره لأن يتلاقاه في أول صفر من سنة 404 فإنها آخر دولة ~~صنهاجية وبها تنقطع دولتهم. فتمكن منه صنهاجة كما ذكرنا. # وفي سنة 404 وصل سجل من الحاكم إلى نصير الدولة يذكر فيه أنه جعل ولاية ~~العهد في حياته لأبن عمه أبي القاسم عبد الرحمن بن ألياس فقرأ بجامع ~~القيروان والمنصورية وأثبت اسمه مع اسم الحاكم في البنود والسكة. فعظم ذلك ~~عند نصير الدولة وقال: )لولا أن الإمام لا يتعرض على تدبير، لكتبته ألا ~~يصرف هذا الأمر من ولده إلى ابن عمه!( وفي سنة 405 أخرج نصير الدولة هدية ~~جليلة إلى الحاكم وشيعها بالبنود والطبول عن المنصورية فوصلت إلى المهدية ~~وركب بها البحر يعلى بن فرج. ms209 وكان فيها مائة فرس ولها سروج محلاة شدت في ~~ثمانية عشر حملا أقفاصا وكان فيها ثمانية وعشرون حملا من الخزف السمور ~~والمتاع السوسي المذهب النفيس وعشرون وصيفة بارعة الجمال وعشرة من الصقالبة ~~وغير ذلك. ووجهت السيدة أم ملال أخت نصير الدولة إلى أخت السيدة أخت الحاكم ~~هدية أيضا. ولما وصلت تلك الهدايا إلى جهة برقة أخذ العرب وهرب يعلى ابن ~~فرج وأسلمها بجميع ما فيها. # وفيها نادى مناد القيروان بانتقال من كان يسكن فيها من الصنهاجيين إلى ~~المنصورية. ثم نادى مناد آخر بعد ذلك بإغلاق الحوانيت بالقيروان وفنادقها ~~فأغلقت ولم يبق بها إلا بعض حوانيت الأحباس ويبلغ كراء حانوت بالمنصورية ~~مائتي درهم لبيع الكتان وما سمع ذلك بكراء حانوت بالقيروان فكان ذلك أول ~~أسباب خرابها. PageV01P113 وكان الحاكم لقب المنصور بن نصير الدولة بعزيز ~~الدولة وقرى سجله بذلك فأراد نصير الدولة أن يرشح ويضيف فيه أعمالا يستخدم ~~فيها أتباعه وصنائعه. وكان نصير الدولة اتصل به عن إبراهيم بن سيف العزيز ~~بالله هانت إنكاره عليه فأراد اختبارها فكتب كتاب إلى حماد يأمره فيه ~~بتسليم عمل أبي زعبل قصر الإفريقي ومدينة القسطنطينة إلى مستخلف عزيز ~~الدولة وقد كان قد خلع على هاشم بن جعفر وأعطاه البنود والطبول وأمره ~~بالخروج إلى هذا لعمل فخرج بخزائن وعدد جليلة وبعث نصير الدولة إلى إبراهيم ~~بن سيف العزيز بالله يشاوره على من يمضي بكتابه إلى حماد فتسرع إبراهيم إلى ~~المسير بالكتاب نفسه وقال يجد مولانا عبدا من عبيده أنهض بخدمته مني!( ~~وتضمن ذلك وأخذ على نفسه المواثيق أنه لا يقيم في مضيه ألا أقل من عشرين ~~يوما فأسار على نصير الدولة من يقرب منه بأن يعتقل إبراهيم، ولا يدعه لما ~~يرد من السفر حتى يرى ما يكون من طاعة أخيه حماد ومسارعته إلى ما يأمره به ~~نصير الدولة من ذلك وقال لإبراهيم: )امض إلى أخيك حماد. فأن صدقت فيما قلت، ~~ووفيت بما وعت، وإلا فأفعل ما أردتما( وخرج إبراهيم بن يوسف العزيز بالله ~~بماله ورجاله وجميع ذخائره، ms210 ولم يعقه في ذلك من نصير الدولة وإلا فقد ~~بأثقال وجملة رجاله دليلا على ما خالف ما أظهر، وكان خروجه من شوال، وصبحه ~~هاشم بن جعفر، ثم أحس هاشم أنه سيغدره إذا قرب من أخيه، فاعتذر له أن حاجة ~~بقيت له بباجة، وعدل إلى طريقها، ووعده أن يلحقه سريعا. فنجاه الله من ~~غدره. ومضى إبراهيم حتى وصل تامديت، وكتب إلى أخيه، فنهض إليه حماد في ~~عساكر عظيمة، واجتمعت كلماتها، وخلعا أيديهما من الطاعة. # وانتهى ذلك إلى نصي الدولة، فرحل في أواخر من ذي الحجة، ونزل برقادة، ~~ووضع العطاء لعساكره، وأخرج عياله وأثقاله وأخته السيدة أم ملال، وأولاده، ~~وعبيد إلى المهدية، ورحل في السابع منه. وأمر بالقبض على يوسف بن أبي حبوس ~~وأخته، فقبض عليه. وكان نصير الدولة لم يمض له يوم من الأيام إلا جدد عليه ~~كرامة وإحسانا، ولا كان يهدى إليه فرس أو ثوب من ثياب الخلافة إلا أثره ~~بذلك على نفسه، ومع ما حمل له من الضياع والرباع بكل كورة من كور أفريقية. ~~وما زال يرفع من قدره، ويزيد في التنويه بذكره، حتى نال من أعلى المراتب، ~~ما لم ينله بعيد ولا قريب، وسما من رفيع الدرجات ما لم يسم له حميم ولا ~~نسيب. وكان - والله أعلم - تسول له نفس الفتك بالأمير نصير الدولة. وأنه هم ~~بذلك مدة من الزمان، فلم يعنه الله عليه، بل خيب سعيه، ورد في نحره بغيه. ~~فتقرر ذلك عند نصير الدولة، فقبض عليه. وكان في قبضه عليه ما أوهن الله به ~~كيد الأعداء، وخيب آمالهم، وأضل أعمالهم. ورحل نصير الدولة ثاني عيد الأضحى ~~بعسكره لحماد المذكور. # وفي سنة 406، في صدر محرم، وصل عزم وفلفل حنون بن سنون، وماكسن بن بلقين، ~~وعدنان بن معصم في عدة من الفرسان من عسكر حماد. فخلع عليهم، وأحسن إليهم. ~~ومازال نصير الدولة يرحل مرحلة بعد مرحلة إلى أن وصل إلى تامديت. ثم ورد ~~عليه الأخبار بوفاة ولده المنصور عزيز الدولة، وذلك أنه كان في حين حركته ~~إلى المهدية ms211 عرضت له حمى، وظهر به جدري، فأقام سبعة عشر يوما. وتوفى. فكتم ~~من نصير الدولة أمره خوفا أن يبدو من جزع. يكون فيه وهنا على الدولة فيما ~~هو بسبيله من مقابلة عدوه. فبلغ خبره إبراهيم وحمادا، فبعثا إليه، وقالا ~~له: )إن ولدك، الذي طلبت له ما طلبت، قد توفي( فما ضعضعه ذلك، ولا أوهنه، ~~وكتب إلى السيدة يسألها عن ذلك. فورد كتابها بوفاته والتعزية عنه، ونصف ~~سلامة المعتز حسن حاله، فكان من صبر نصير الدولة وحسن عزائه ما كثر التعجب ~~به. وجلس مجلسا عاما للعزاء، فكان لا يرى من أحد جزعا وبكاء إلا سلاه وهون ~~عليه، فزاد ذلك سرورا لأوليائه وكمدا لحسدته وأعدائه. PageV01P114 ثم رحل ~~من تامديت لست خلون من صفر، وتمادى رحيله إلى أن وصل المحمدية، وهي مدينة ~~المسيلة، فتلقاه أهلها داعين شاكرين على ما منحهم من العدل والأمان، وكثف ~~عنهم من الجور والعدوان. فأقام بها ستة أيام. ثم رحل، فعبر وادي شلف، ثم ~~تمادى مشيه حتى قرب من عساكر حماد وحشوده من زناتة وغيرها في العدوة الأخرى ~~في الوادي. فبات على تحفظ واحتراس. ولما كان في غد نزوله، برز في عساكره، ~~ومشى عليها، ورتبها، وأقام كل قائد من قواده في مركزه. وقد تقارب الفريقان، ~~وتراءى الجمعان، فهزم حماد، وانتهب عسكره. فقيل أن الذي انتهب من الدرق ~~عشرة آلاف درقة. وكان اشتغال العساكر النصيرية برفع الغنائم والأموال ~~والأثقال سببا لنجاة حماد المذكور، لتركهم أتباعه. وأخذ الناس من الأموال ~~والغنائم ما لا يحصى عددا وكثرة، ووجد رقعتان فيهما: )أن الذي عند القائد ~~فلان صندوق فيه خمسون ألف دينار وسبعمائة، ومن الورق ألف ألف وخمسمائة ألف ~~درهم، ومن الأمتعة خمسون صندوقا( غير ما كان في بيت حماد وخزائنه. قال أبو ~~إسحاق: وجد رجل بين يديه بغل يسوقه، ففتشه بعض الوصفان بين أيدينا، فوجد في ~~حشو برذعته وصوفها ثماني آلاف دينار، ومثل هذا ما لا يحصى كثرة وعرضت لي ~~أبيات بعد أن صعدنا من الوادي، وقد لقينا به مشقة شديدة، غير أن ms212 حلاوة ~~الظفر والفوز بالسلامة أنسى ذلك، وهي )بسيط(: # لم أبس يوما بشلف راع منظره ... وقد تضايق فيه ملتقى الحدق # والخيل تعبر بالهامات خائضة ... من سافح الدم مجرى قاني الفلق # والبيض في ظلمات النقع بارقة ... مثل النجوم تهاوت في دجي الغسق # وقد بدأ معلما باديس مشتهرا ... كالشمس في الجو لا يخفى عن الحدق # وإن راحته لو فاض نائلها ... وبأسها في الورى أشفوا على الغرق # تجلوا عمامته الحمراء غرته ... كأنه قمر في حمر الشفق # لو صور الموت شخصا ثم قيل له ... )أبو مناد تبدى( مات من فرق # وأصبح نصير الدولة يوم الاثنين لليلتين خلتا من جمادى الأولى، فبعث في ~~طلب حماد بن يوسف العزيز بالله، وقد تحصن في القلعة من أخيه، فأقاما بها ~~ثلاثة أيام حتى استراحا وأراحا دوابهما ومن كان معهما. فعرفه إبراهيم ~~بحاجته إلى الازدياد من الطعام والملح، فخرج حماد في جميع من كان معه ومع ~~أخيه، فسار بهم حتى دخل مدينة دكمة، وقد كان نقد على أهلها، وكان نصير ~~الدولة في أثره، فتصايح أهل الموضع بساقته، فاعترضهم بالسيف، وقتل منهم نحو ~~ثلاثمائة رجل. فخرج إليهم أحمد بن أبي توبة فقيه هذه المدينة وصالحها، ~~فخوفه بالله، ووعظه، وقال له )يا حماد إذا لاقيت الجموع هربت منها أ وأن ~~قاربتك الجيوش فررت عنها!لا وإنما قدرتك وسلطانك على أسير يكون في يديك، ~~ولا ناصر له عليك( فلما سمع كلامه، أمر بضرب عنقه. ووفق إليه شيخ صالح ~~منها، فقال له: )يا حماد أتق الله! فأني حججت حجتين!( فقال له )أنا أزيدك ~~عليهما الشهادة!( وأمر به، فضربت عنقه. ووقف إليه جماعة من التجار ~~المسافرين، فقالوا له: )نحن قوم غرباء، ولا ندري ما جنى أهل هذه المدينة ~~عليك( فقال لهم: )اجتمعوا وأنا أعرفكم( ودخل معهم غيرهم ممن طمع في الخلاص ~~معهم. فلما وصلوا إليه، أمر بهم فضربت رقابهم أجمعين. وأخذ الجميع ما كان ~~بتلك المدينة من طعام وملح، وعاد به إلى قلعته. PageV01P115 وأما نصير ~~الدولة، فيوم هزيمة حماد، أخرج بكار بن جولالة الوتلكاتي، وكان قد ms213 أخذه ~~أسيرا، وكان بكار كثير ما ينطلق به لسانه. وكان يوسف بن أبي حبوس معتقلا ~~أيضا عند نصير الدولة، فأخرج بكار بمحضر يوسف، وحلقت لحيته، ويوسف ينظر ~~إليه، ثم أمر: فحلقت لحية يوسف، فصارا مثلة في العالم. وقال الرقيق: لما ~~عاينا يوسف، وقد حلقت لحيته، تحدثنا سرا بيننا، وقلنا: )وقد كنا نرجو ليوسف ~~الحياة، لأن الملوك تعفو بعد العقوبة! وأما المثلة، فما نرى أن بعدها ~~إبقاء( فلحنا نصير الدولة وقال: )ما خضتما فيه؟( فصدقناه سرا، فقال: )ما ~~ابتعتما( وبعد ثلاث، أمر بإحضاره، فعدد عليه تساوي أفعاله وقبائح أعماله، ~~ثم أمر به، فجذع أنفه، وقطعت أذنه، ورفع من بين يديه. ثم أعيد إليه، فقطعت ~~يداه جميعا. ثم أمر به إلى موضع اعتقاله، فبات مشحطا في دمائه. فحكى بعض ~~الحرس انه سمعه يرغب أخاه أن يذبحه ويرحه خيفة أن يخرج من الغد ويزاد في ~~عذابه أمام أعدائه، فقال له أخوه: )أصبر على قضا الله وقدره( فقال لبعض ~~الحرس )خذ بيدي وأخرج لقضاء الحاجة( فأخذ بيده ووقف، فضربه ضربة عظيمة ~~بجبهته في عمود، فذرت منها عيناه، وجرى دماغه، وخر إلى الأرض ميتا ورحل ~~نصير الدولة من وادي شلف. قال الرقيق: ومن عجيب ما سمعناه عن مناخ وادي شلف ~~أن شيخا كبيرا من البربر حدثنا أنه يعرف بزادي المحن، وأخذ يذكر لنا من هزم ~~فيه ومن قتل فيه من ملوك زناتة. وكنا على ظهر الطريق، فبم نكتب ذلك، إلى أن ~~قال: آخر من مات فيه زيري بن عطية، وآخر من هزم فيه حماد، وبه قتل يوسف بن ~~أبي حبوس، وحمل منه معادلا لأخيه باديتان، ثم أمر به فدفن هناك. # وفي هذه السنة، مات ورد بن سعيد في شوال، فاختلفت كلمة الزناتيين ومالت ~~فرقة مع خليفة بن ورو وفرقة مع خزرون، ابن عمه، وأرفع الله فيهم الشتات ذكر ~~وفاة نصير الدولة باديس بن المنصور أنه لما كان يوم الثلاثاء لليلة بقيت من ~~ذي القعدة، أمر بالتمييز فبرز كل قائد في عسكره. وجلس نصير الدولة في ms214 القبة ~~وأمر أيوب بن يطوفت بالطواف على العسكر وحسابه، وانتظره حتى فرغ من حابها ~~وعدها، فجاءه فعرفه بما سره وأبهجه، وانصرف إلى قصره. ثم ركب عشية هذا ~~اليوم، وهو قد تناهى إقبالا، واستولى حسنا وجمالا. فلعبوا بين يديه. فكلما ~~هز رمحا كسره وأخذ غيره. ثم عاد إلى قصره أفسح ما كان أملا، واشتد سرورا ~~وجذلا، فطعم وشرب مع خاصته وقرابته، فعاينوا من طربه ما لم يعهدوه منه. ~~فلما مضي نحو النصف من ليلة الأربعاء انقضاء ذي القعدة، قضى نحبه رحمه ~~الله! وبعث في الوقت إلى حبيب بن أبي سعيد، وباديس بن حمامة، وأيوب بن ~~يطوفت. فأعلموا بوفاته خاصة من بين جميع صنهاجة وغيرهم، فانصرفوا على أن ~~يكتموا أمره حتى يجتمع رأيهم، وأصبح وجوه العساكر للسلام على عادتهم وليس ~~عندهم خبر وقد عزموا أن يعرفوا أنه أخذ دواء، وتقدموا إلى سائر قواد ~~العساكر أن يحضروا بعدتهم، فقد بلغهم أن حمادا يضرب في المحلة فما شعروا أن ~~خرج الخبر من مدينة المحمدية بوفاة السلطان، وأنهم أغلقوا أبوابهم، وصعدوا ~~على أسوارهم. فظهر ما لم يستطيعوا إخفاءه، فكأنما نودي في الناس بإشاعته، ~~فاضطربت العساكر، وماج بعض في بعض، وخشوا من اختلاف الكلمة، فاجتمع رأيهم ~~على تقديم كرامة، فأخذ عليهم العهود، وأمر بالكتب إلى بعض البلاد. فلما رأى ~~ذلك عبيد نصير الدولة، ومن انضاف إليهم من سائر الحشم، أنكروا ذلك، وقالوا: ~~إنما قدمناه ليحوط الرجال ويحفظ الأموال، حتى يدفع ذلك إلى مستحقه المعز ~~ابن مولانا نصير الدولة! ومشى بعضهم إلى بعض ليلا، وتحالفوا على بيعة المعز ~~فلما تم لهم ما عقدوه أعلنوا به يوم السبت لثلاث خلون من ذي الحجة. وتحالفت ~~العساكر على ذلك طائفة بعد طائفة، واتفقت آراؤهم على خروج كرامة إلى أشير ~~ليحشد قبائل صنهاجة وتلكانة، ويعود بهم إلى المحمدية. ثم رحلت العساكر ~~بتابوت نصير الدولة. # ولاية المعز بن باديس أفريقية PageV01P116 كانت ولايته بالمهدية في يوم ~~السبت المذكور من سنة 406، وسنة ثماني سنين وأربعة أشهر، وولايته بالمهدية ~~بها لتسع بقين من ذي الحجة. ms215 ذلك لما وصل الخبر بوفاة أبيه، والسيدة أم ملال ~~بالمهدية، خرج إليها المنصور بن رشيق، وقاضي القيروان والمنصورية، وشيوخها، ~~ومن كان بها من الصنهاجيين. فعزوها في أخيها. وخرج المعز بالبنود والطبول، ~~فنزل إليه الناس يهنئونه جميعا، وبايعوه وهنئوه وعزوه وابتهلوا بالدعاء له. ~~وعاد إلى قصره. ودخل الناس يهنئون السيدة بولايته، فصرف أهل القيروان ~~والمنصورية. وبقي المعز بالمهدية يركب في كل يوم، ويعود إلى قبة السلام، ~~ويتطعم الناس بين يديه، وينصرف إلى قصره. # وفي يوم السبت بموافقة عيد الأضحى رحلت العساكر من المحمدية بعد أن ~~أضرموا النار في الأبنية والبيوت والزروب، وتقدموا أمام البيود والطبول. ~~فأشرف حماد على العساكر، وهي تمر كالسيل بين يدي التابوت، فقال لأخيه ~~وخاصته: مثل هؤلاء يخدم الملوك! وصلت أنا إلى أفريقية في ثلاثين ألف فارس، ~~ما منهم إلا من أحسنت إليه، وأنعمت عليه. فعدت إلى القلعة وما بقي معي منهم ~~إلا أقل من ستمائة، وأنا بين أظهرهم أرجى! وهذا ميت أطاعه هؤلاء كما كان ~~حيا! وكان وصول العساكر إلى المهدية لثمان بقين من ذي الحجة، وبرزت العساكر ~~على باب المهدية. وركب المعز، فوقف ونزل الناس إليه فوجا فوجا حتى كمل ~~سلامهم. # وفي سنة 407، رحل المعز بن باديس من المهدية فكان دخوله المنصورية يوم ~~الجمعة للنصف من محرم فدخل أجمل دخول، وبين يديه البنود والطبول. واحتل ~~بقصره أفضل حلول، وقد سر به الخاص والعام. # وكان بمدينة القيروان قوم بحومة تعرف بدرب المعلى، يتسترون بمذهب الشيعة، ~~من شرار الأمة، فانصرف العامة إليهم من نورهم، فقتلوا منهم خلقا رجالا ~~ونساء، وانبسطت أيدي العامة على الشيعة، ونهبت دورهم وأموالهم وتفاقم ~~الأمر، وانتهى إلى البلدان، فقتل منهم خلق كثير. وقتل من لم يعرف مذهبه ~~بالشهية لهم. ولجأ من بقى بالمهدية منه إلى المسجد الجامع، فقتلوا به عن ~~آخرهم رجالا ونساء. واجتمعت العامة على أبي البهار بن خلوف لشدته عليهم ~~وقهره لسفهائهم، فلجأ إلى المنصورية، فانتهبوا داره. وبلغ ذلك عساكر ابن ~~أخيه، فركب لينصر عمه أبا البهار، فقتلته العامة ومثلوا به، وقتلوا ms216 كل من ~~كان معه، وزحفوا إلى المنصورية فهدموها. واجتمع بدار محمد بن عبد الرحمن ~~نحو ألف وخمسمائة رجل من الشيعة، فإذا خرج أحد منهم لشراء قوته قتل حتى قتل ~~أكثرهم. ثم أخرجوا إلى قصر السلطان بعيالهم وأطفالهم. فسر المسلمون بما ~~رأوه فيهم، وذلك لما ظهرت الكتب التي وجدت في ديار المسالمة، كان فيها من ~~الكفر والتعطيل للشريعة وإباحة المحارم شيء كثير، فتحصنوا في هذا لقصر ~~أواخر جمادى الأولى وجمادى الثانية. وفي أواخر هذه السنة وصل المعز ابن ~~باديس سجل من الحاكم، خاطبه فيه بشرف الدولة، وركب المعز بالينود والطبول ~~وفي سنة 408، كانت حروب عظيمة بين عساكر شرف الدولة والمعز بن باديس وبين ~~عساكر حماد، وذلك شيء يطول ذكره. # وفي سنة 409، خرجت طائفة من الشيعة نحو مائتي فارس بعيالهم وأطفالهم ~~يريدون المهدية للركوب منها إلى صقلية، وبعث معهم خيل تشيعهم فلما وصلوا ~~إلى قرية كامل، وباتوا بها، تنافر أهل المنازل عليهم، فقتلوهم وفحوا بعض ~~شواب النساء ومن كان منه جمال، ثم قتلوهن. وفيها كان بأفريقية غلاء كثير ~~وحروب كثيرة. # وفي سنة 410، وصل زاويبن زيري الصنهاجي من الأندلس إلى أفريقية في أهله ~~وولده وحشمه بعد أن اغترب بها اثنين وعشرين سنة، وقاسى حروبها وفتنها ~~واحتوى على نعم ملوكها وذخائرهم. فخرج إليه في يوم وصوله شرف الدولة المعز ~~بن باديس بزي عظيم، فترجل له الشيخ زاوي، ونزل شرف الدولة وسلم عليه، وسار ~~معه حتى أنزله بالمنصورية. PageV01P117 وفي سنة 411، ورد على المعز بن ~~باديس أبو القاسم بن اليزيد، رسولا من الحاكم إليه، بسيف مكلل بنفيس ~~الجوهر، وخلعه من لباسه لم ير الناس مثلها، فلقيه المعز في أجمل زي وأكمل ~~هيئة. فقرئ عليه سجل فيه من التشريف ما لم يصل لأحد قبله، فسر بذلك. وفيها ~~ورد أيضا محمد ابن عبد العزيز بن أبي كدية بسجل آخر من الحاكم، جوابا للمعز ~~عما كان فيه من أخبار الأندلس، وانقراض الدولة الأموية منها، وقيام القاسم ~~بن محمد فيها فشكره على ذلك، وبعث إليه خمسة عشر علما منسوجة بالذهب. ms217 وركب ~~المعز بن باديس الأعلام المذكورة بين يديه يوم الأحد لليلتين بقيتا من ربيع ~~الآخر وجاءت سحابة شديدة الرعد، فأمطرت حجرا لم ير أهل أفريقية مثله كبرا ~~وكثرة، ووقعت معه صاعقتان. وفيها وصل الخبر بوفاة الحاكم أمير مصر وولي ~~الظاهر بعده. # وفي سنة 412، توفي باديس بن سيف العزيز بالله، وصلى عليه شرف الدولة، ~~وكان له مشهد عظيم. وفيها توفيت السيدة زوجة نصير الدولة، وكفنت فيما لم ~~يذكر أن ملكا من الملوك كفن في مثله، فحكى من حضره من التجار أن قيمته مائة ~~ألف دينار، وجعلت في تابوت من عود هندي قد رصع بالجوهر. وكانت لها جنازة لم ~~ير مثلها، ودفنت بالمهدية. وكانت مسامير التابوت بألفي دينار. # وفي سنة 413، تعرض المعز شرف الدواة. فكان له عرس ما تهيأ قط لأحد من ~~ملوك الإسلام. وقد شرح الرقيق في كتابه. وتركناه اختصارا. # وفي سنة 414، وردت الأخبار وتتابعت بأفريقية بأن خليفة بن ورو ومن معه ~~رموا في البحر مراكب كثيرة، وأنهم رحلوا من طرابلس في طلب الفتوح بن ~~القائد، وقد كان كاتب شرف الدولة المعز بن باديس في الانحياش إليه والدخول ~~في طاعته، فأعطاه مدينة نفطة من عمل قصطيلية. فخرج شرف الدولة، فاجتاز ~~بسوسة، ثم إلى المهدية، وذلك يوم الخميس لأربع خلون من المحرم. وأمر ~~بالنداء في حشد البحرين وكتب أن يلحق به كل من يتخلف عنه من عساكره ليكون ~~رحيله من المهدية إلى سفاقس، ثم إلى قابس، قاصدا إلى طرابلس. وأمر ~~بالاحتفاز في إصلاح القطائع وعمارة دار الصناعة، وأخذ في إنشاء العدد ~~الحربية، فأنشئ منها في المدة القريبة ما لم يتم مثله في الزمن البعيد. ثم ~~رأى الوصول إلى المنصورية ليأخذ الناس عددهم وما يحتاجون إليه فكان وصوله ~~يوم الاثنين لست بقين من المحرم من العام. ووردت من الأخبار من المشرق، بأن ~~أمير المؤمنين الظاهر لإعزاز دين الله أمر بإحضار سيف الدولة ذي المجدين ~~حسين بن على بن دواس الكتامي. فلما دخل القصر، ولم يكن يدخل قبل ذلك حذرا ~~على نفسه، أخرج من ms218 ساعته مقتولا، فأقام ثلاثة أيام، ومناد ينادي عليه: هذا ~~جزاء من غدر مواليه! ثم دفع إلى عبيده، فدفنوه. # ثم جاء الخبر في الوقت بوفاة السيدة الشريفة بنت العزيز بالله. وصلى ~~عليها الظاهر لإعزار دين الله بمصر. وكانت قد ضبطت الملكة وقومت الأمور ~~بحسن رأي وتدبير. وكان الوزير عمار فوض إليه الأمر في النظر في الدواوين ~~والأموال والكتابة وغير ذلك من خدمة الخلافة، فأمرت بقتله فقتل. وباشرت ~~تدبير المملكة، فلا ينفذ أمر جل أو قل إلا بتوقيع يخرج عنها بخط أبي البيان ~~الصقلي عبدها. # وفي هذه السنة، وصل محمد بن عبد العزيز من قبل الظاهر أمير مصر بتشريف ~~عظيم لشرف الدولة. فقرئت به سجلات ما وصل قبلها مثلها أجل حالا ولا مقالا. ~~وزاده لقبا إلى لقيه، فسماه شرف الدولة وعضدها، وبشره بمولودين ولدا له: ~~أبو الطاهر، وعبد الله أبو محمد، وبعث إليه مع ذلك ثلاثة أفراس من خيل ~~ركوبه بسروج جليلة وخلعة نفيسة من نفيس ثيابه، ومنجوقين منسوجين بالذهب على ~~قصب فضة، ما دخل أفريقية مثلها قط، وعشرين بندا مذهبة ومفضضة. فلقيها شرف ~~الدولة وعضدها أجمل لفاء وأعطاها حقها من الإكرام والاعتناء وقرئت السجلات ~~بين يديه ثم قرئت بجامع القيروان، وأمر بنسخها، وأنفذت إلى الآفاق، فكان ~~لها من السرور ما لم يوصف. وبعد ذلك، في هذه السنة، وصله سجل آخر بزيادة ~~لقب آخر تشريفا لشرف الدولة، وأمر أن يكاتب: من الأمير شرف الدولة وعضدها! ~~ويخاطب بمثل ذلك فلقيه أحسن لقاء، وخلع عليه وحله. وجرت المكاتبة من ذلك ~~الوقت بهذا التشريف الجليل. PageV01P118 وفي هذه السنة، اعتلت السيدة أم ~~ملال بنت عدة العزيز بالله أياما وأمير شرف الدولة يصل إليها في كل يوم ~~عائدا ومتفقدا، فجلس عندها ويأذن لرجاله وعبيده يدخلون إليها، ثم ينصرفون. ~~فلما كان ليلة الخميس منسلخ رجب، قبضها الله. وصلى على جنازتها بالبنود ~~والطبول والعماريات والسيدتان الجليلتان الوالدة والأخت بحال من التشريف ~~لهذه الجنازة، لم ير لملك ولا لسوقة مثلها. # وفوض الأمير شرف الدولة جباية الأموال، وولاية العمال، والنظر في ms219 العساكر ~~وسائر الأشغال لأبي البهار بن خلوف يوم الثلاثاء لخمس بقين من جمادى ~~الأولى، فحسنت الأمور وضبطت الأطراف والثغور. واستقام التدبير ورأى الأمير ~~شرف الدولة من حزمه وعزمه وشهامته، ما لا لم يقم به غيره ولا وجد عند سواه ~~بوجه. # وفي سنة 415، في صفر منه، ولد للأمير شرف الدولة ولد سماه كبابا وفي شهر ~~رجب، تزوجت السيدة أم العلو، بنت نصير الدولة، أخت شرف الدولة. فلما كان ~~يوم الأربعاء غرة شعبان المكرم، زين الإيوان المعظم للسيدة الجليلة أم ~~العلو ن ودخل الناس خاصة وعامة، فنظروا من صنوف الجوهر والأسلاك والأمتعة ~~النفيسة وأواني الذهب والفضة ما لم يعمل مثله، ولا سمع لأحد من الملوك ~~قبله. قال أبو أساق الرقيق، فبهر عيون الخلق حال ما عاينوه، وأبهتهم عظيم ~~ما شاهدوه، وحمل جميع ذلك إلى الموضع الذي ضربت فيه الأبنية والأخبية، وحمل ~~المهر في عشرة أحمال على البغل على كل حمل جارية حسناء، وجملته مائة ألف ~~دينار عينا. وذكر بعض حذاق التجار أنه قوم ما هو لها، فكان زائد على ألف ~~ألف دينار وهذا ما لم ير قط لامرأة قبلها بأفريقية. وزفت العروس في يوم ~~الخميس، ومضى بين يديها عبيد أخيها شرف الدولة وأبيها نصير الدولة وجدها ~~عدة العزيز بالله، ووجوه رجال الدولة، فكان يوما سارت الركبتان بمحاسن ~~آثاره، وامتلأت البلدان بعجائب أخباره. # وفي هذه السنة، وقف شرف الدولة لهدية صندل والي يسكرة، فعرضت عليه، وهي ~~ثلاثمائة حصان، ومائة فرس أثنى وبغلات منها عشرون بسروج محلاة، مائة حمل من ~~المال. فخلع عليه وجدد له الولاية على بسكرة. وفي سنة 416، توفي أيوب بن ~~يطوفت. وحضر جنازته شرف الدولة وعضدها، وهو المعز بن باديس، بالينود ~~والطبول. # وفي سنة 417، ولد للأمير شرف الدولة وعضدها مولود سماه نزارا وكتب إلى ~~سائر عماله بذلك. # ذكر قيام المعز شرف الدولة بالإمارة # وقطعه الدعوة العبيدية الشيعية من أفريقية # كان المعز بن باديس صغيرا إذ ولي، وهو ابن ثمانية أعوام، وقيل ابن سبعة ~~أعوام، ربي في حجر وزيره أبي الحسن بن ms220 أبي الرجال، وكان ورعا زاهدا. وكانت ~~أفريقية كلها والقيروان على مذهب الشيعة وعلى خلاف السنة والجماعة، من وقت ~~نملك عبيد الله المهدي بن أبي الرجال المعز ابن باديس، وأدبه، ودله على ~~مذهب مالك وعلى السنة والجماعة، والشيعة لا يعلمون ذلك، ولا أهل القيروان. ~~فخرج المعز في بعض الأعياد إلى المصلى في زينته وحشوده، وهو غلام فكبا به ~~فرسه، فقال عند ذلك: أبو بكر وعمر! فسمعته الشيعة التي كانت في عسكره، ~~فبادروا إليه ليقتلوه، فجاء عبيده ورجاله ومن كان يكتم السنة من أهل ~~القيروان، ووضع السف في الشيعة، فقتل منهم ما ينيف على ثلاثة آلاف، فسمي ~~ذلك الموضع بركة الدم إلى الآن. قال أبو الصلت: وصاح بهم في ذلك الوقت صائح ~~الموت، فقتلوا في سائر بلاد أفريقية. فوافق ذلك ما قاله الشعراء فيهم على ~~وجه التطهير لهم، كقول القاسم بن مروان )وافر(. # وسوف يقتلون في كل أرض ... كما قتلوا بأرض القيروان # وكقول الآخر )رمل(. # يا معز الدين عش في رفعة ... وسرور واغتباط وجذل # أنت أرضيت النبي المصطفى ... وعتيقا في الملاعين السفل # وجعلت القتل فيهم سنة ... بأقاصي الأرض في كل الدول # وكقول آخر )طويل(. # وكانت لهم بالشرق نار فأطفئت ... فما ملكوا بالكفر شرقا ولا غربا # وحكي في قتل الروافض حكايات كثيرة مما رآه المعز في منامه، وتأويل ذلك ~~وغيره ألغيناه هنا عن ذكره. ولم يزل المعز يعمل فكره في قطع الدعوة لهم إلى ~~أن كانت سنة 440. PageV01P119 وفي سنة 420، وجفت جموع زناتة تريد حضرة ~~القيروان، طمعا منها في الملك. فلما بلغ ذلك المعز، خرج إليهم بجنوده، ~~فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزمت زناتة، وقتل منهم خلق كثير، وفر باقيهم إلى ~~الغرب. # وفي سنة 421، وقعت في القيروان بين الأجناد والعامة فتنة، فقتل من العامة ~~نحو المائتين. # وفي سنة 422، كثر الخصب والرخاء وأمان في أفريقية. # وفي سنة 423، وصلت من ملك السودان إلى المعز هدية جليلة، فيها رقيق كثير ~~وزرافات، وأنواع من الحيوان غريبة. # وفي سنة 425 كانت بأفريقية مجاعة شديدة. وفيها خرج أبو عمران الفاسي إلى ~~الحجاز. ms221 وفيها مات الظاهر بمصر، وولي ابنه المستنصر. # وفي سنة 426، وصلت إلى المعز بن باديس من ملك الروم هدية لم ير مثلها في ~~كثرة ما اشتملت عليه من أمتعة الديباج الفاخر وغير ذلك. وفي سنة 427، زحفت ~~زناتة في جيوش عظيمة وجموع كثيفة تريد المنصورية. فلقيتها جيوش المعز، ~~فظهرت زناتة عليها، فانهزمت، ووصلت إلى ما بين المنصورية والقيروان. ثم ~~تلاقوا في الغد من ذلك اليوم، فثبتت صنهاجة وثبتت زناتة. # وفي سنة 428، كسر المعز زناتة، وهزكهم وقتل منهم خلق ركثيرا. # وفي سنة 429، خرج عسكر المعز من القيروان إلى الزاب، فقتل من البربر خلقا ~~كثيرا. # وفي سنة 430، كثر الخصب ببلاد أفريقية وفيها مات أبو عمران الفاسي بعد ~~عوده من المشرق. وفي سنة 431، دخلت جيوش مالطة جزيرة جربة، ففتحها وقتلت ~~كثيرا من أهلها. # وفي سنة 432 خرج العز إلى قلعة حماد زحاصرها مدة سنتين، وأخذ بمخنق حماد ~~فيها. # وفي سنة 433 أظهر المعز الدولة العباسية. وورد عليه عهد القائم بأمر ~~الله، نكب محمد بن محمود بن السكاك، وكان المتولي لأشغال أم المعز، واستولى ~~على دولته. وفي هذه السنة، وصل الأمير نزار بن المعز إلى الحضرة، قافلا من ~~سفره الذي هزم فيه زناتة، فأنشده بن شرف قصيدته التي أولها )كامل(. # طاعت من الغرب شمس الدين ... بالسعد والإقبال والتمكين # وفي سنة 436، مات الجرجرائي بمصر وكان الحاكم بأمر الله العبيدي قطع يديه ~~جميعا، لجنية جناها، فلم يجزع لما أصابه. فقيل أنه عصب يديه إثر قطعهما، ~~وانصرف من وقته إلى ديوانه، وجلس لخدمته على عادته. فلما تعجب منه قال: إن ~~أمير المؤمنين لم يعزلني، وإنما عاقبني بجنايتي،! فلما بلغ ذلك الحاكم، ~~أقره على عمله. # وفي سنة 437، وردت رسل المعز إلى القيروان، بخبر أنه أوقع بلواتة وقتل ~~منهم عددا، وغنم أموالا فضربت الطبول على ذلك. وفي ذلك يقول ابن شرف من ~~قصيدة أولها )منسرح(: # باليمن والسعد عد وبالظفر ... موفق الورد غانم الصدر # وفيها بني سور المنصورية وفيها، ريح عاصف بأفريقية قصفت ما مرت به من ~~الشجر لقوتها وشدتها. # وفي سنة ms222 438 كانت وفاة نزار بن المعز بن باديس في رجب، وكان عمره إحدى ~~وعشرين سنة وأشهرا. وفيها ولي المعز ولده الآخر أبا القاسم وكناه العزيز ~~بالله وهو إذ ذاك ابن ثمانية أشهر، وتوفي بعد ذلك، وهو ابن سنة واحدة ~~وثلاثة أشهر. # وفي سنة 439، نكب حبوس بن حميد الصنهاجي والي نفطة، وطولب بمال كثير ونيل ~~بالمكروه والهوان. وفيها، نكب أحمد بن حجاج قاضي قفصة، فبادر بعشرة آلاف ~~دينار، وكان متصاوتا. # وفي سنة 440، قطعت الخطبة لصاحب بمصر، وأحرقت بنوده. قال ابن شرف: وأمر ~~المعز بن باديس بأن يدعى على منابر أفريقية للعباس بن عبد المطلب ويقطع ~~دعوة الشيعة العبيديين، فدعا الخطيب للخلفاء الأربعة وللعباس، ولبقية ~~العشرة - رضي الله عنهم - ! ذكر السبب في قطع الدعوة العبيدية مالخطبة ~~بالقيروان وغيرها لما رحل بنز عبيد إلى مصر لم تزل ملوك صنهاجة يخطبون لهم ~~بأفريقية ويذكرون أسمائهم على المنابر. وتمادى الأمر على ذلك حتى قطع أهل ~~القيروان صلاة الجمعة فرارا من دعوتهم، وتبديعا لإقامتها بأسمائهم، فكان ~~بعضهم، إذا بلغ المسجد قال سرا: اللهم أشهد! اللهم أشهد! ثم ينصرف فيصلي ~~ظهرا أربعة، إلى أن تتناهى الحال حتى لم يحضر الجمعة من لأهل القيروان أحد ~~فتعطلت الجمعة دهرا. وأقام ذلك مدة إلى أن رأى المعز بن باديس قطع دعوتهم، ~~فكان بالقيروان لذلك سرور عظيم. PageV01P120 ذكر وقوع التصريح بلعنتهم في ~~الخطب بجميع أفريقية وخلعهم قال بن شرف، وأمر المعز بلعنهم في الخطب ~~وخلعهم. ولمنا كان عيد الأضحى أمر الخطيب أن يسب بني عبيد، فقال: اللهم! ~~والعن الفسقة الكبار المارقين الفجار أعداء الدين وأنصار الشيطان، المخافين ~~لأمرك والناقضين لعهدك، المتبعين غير سبيلك، المبدلين لكتابك! اللهم! ~~والعنهم لعنا وبيلا، واخزهم خزيا عريضا طويلا! اللهم وإن سيدنا أبا تميم ~~المعز ابن باديس بن المنصور القائم لدينك، والناصر لسنة نبيك، والرافع ~~للواء أوليائك، يقول مصدقا لكتابك، وتابعا لأمرك، مدافعا لمن غير الدين ~~وسلك غير سبيل الراشدين المؤمنين: يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون:! ~~هكذا ذكر بإسقاط )قل( وآخرها. قال: وأمر أمير أبو ms223 تميم المعز بن باديس ~~للخطيب أن يسبهم على منبر القيروان بأشنع من هذا السب. فلما كان في الجمعة ~~الأخرى أبلغ في ذلك بما فيه شفاء لنفوس المؤمنين. # وفي سنة 441، تحرك الأمير أبو تميم إلى بلاد المغرب الأقصى، وترك ولده ~~أبا الطاهر نميم بن المعز على حضرة القيروان بالمنصورية، وفيها بنيت المصلى ~~بالمنصورية. وفيها، ضرب الدينار المسمى بالتجاري. وفيها، ركب المعز بن ~~باديس المذكور في أحفل جمع وأحسن زي، وخرج إلى ظاهر مدينة القيروان، وأخرجت ~~السباع بين يديه فأفلت منها سبع فانهزم الناي أمامه ووقع بعضهم فوق بعض، ~~فمات نحو المائتين، ووثب السبع على رجل من كتاب باب الغنم يدعى بالكرامي، ~~فقتله. # ذكر تبديل السكة عن أسماء بني عبيد # قال ابن شرف: وفي هذه السنة، أمر المعز ين باديس بتبديل السكة في شهر ~~شعبان، فنقش على الأزواج في الوجه الواحد: ومن يتبع غير الإسلام دينا فلن ~~يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين. وفي الوجه الثاني: لا إله إلا الله ~~محمد رسول الله. وضرب منها دنانير كثيرة. وأمر أيضا بسك ما كان عنده من ~~الدنانير التي عليها أسماء بني عبيد، فسبكت وكانت أموالا عظيمة. ثم بث في ~~الناس قطع سكتهم. وزوال أسمائهم مكن جميع الدنانير والدراهم بسائر عمله. ~~وقد كان قطع أسمائهم من الرايات والبنود. وكان مبتدأ ضرب السكك بأسماء بني ~~عبيد الله ورسيمها في الرايات والطرز سنة 296، إلى أن قطعها المعز المذكور ~~سنة 441 المذكورة، وذلك مائة سنة وخمسة وأربعين سنة. # وفي شوال من هذه السنة نادى مناد بأمر السلطان أبي تميم: إنه من تصرف ~~بمال عليه أسماء بني عبيد نالته العقوبة الشديدة، فضاقت الحال بالفقراء ~~والضعفاء وغلت الأسعار بالقيروان وكان الدبنا القديم بأربعة دنانير ~~ودرهمين، وكان صرف الدينار الجديد خمسة وثلاثين درهما. وفي هذه السنة، نكب ~~القائد عباد بن مروان الملقب بسيف الملك، وكان من الخاصة، ودفع إلى أعدائه، ~~وأمر باستخراج أمواله، والقبض على جميع من استعمله في أعماله، وبعد ذلك، ~~ألقي في سرداب مظلم حتى مات فيه، وفيها، ms224 وردت الأخبار بالقيروان بموت ~~القائد حماد بقلعته، فقال ابن شرف من قصيدة )خفيف(. # لا جنود إلا جنود السعيد ... مغنيات عن عدة وعديد # وفي سنة 442، اصطلح أهل القيروان وأهل سوسة، وقد كانت جرت بينهم وحشة، ~~فصنع القيروانيون للسوسيين دعوات غسلت فيها الأيدي بماء الورد ومسحت ~~بمناديل الشرب. وفي هذه السنة، ولي الأمير أبو تميم ولده أبا الظاهر بن ~~المعز عهده. # ذكر ولاية العهد لتميم بن المعز بن باديس PageV01P121 قال ابن شرف: وخطب ~~الخطيب يوم الجمعة على جامع القيروان، فدعا للسلطان المعز بن باديس ولولده ~~أبي الطاهر ولى عهده ثم قال: اللهم! أصلح عبدك ووليك أبا الطاهر تميم بن ~~المعز الطاهر من كفر معد بن الظاهر! يعني صاحب مصر وفيها، كان خروج الفقيه ~~الزاهد الواعظ أبي عبد الله بن عبد الصمد من القيروان في شهر رجب، ووكلوا ~~به رجالا وتوجهوا معه إلى مدينة قابس. وكانت الرفقة خارجة من القيروان إلى ~~مصر، فأمر أن ينتظرها بمدينة قابس إلى أن يصحبها. وكوتب عامل قابس بأن لا ~~يترك من يدخل إليه ولا من سلم عليه ولا يخرج من موضع نزوله إلا في يوم ~~سفره، فيخرج وهو غير آمن على نفسيه، ثم قتل في طريقه ذلك، وكان رجلا عظيما ~~يعظ الناس، فيجمعون إليه، ويسمعون كلامه، وكان له لسان وحدة فحذره المعز ~~واجتمع عليه بعض فقراء القيروان واستشيعوا ألفاظا ذكرها، فرفعوا رقاعهم إلى ~~المعز بذلك، فكان سبب نفيه وحتفه. وكان أبوه يعض بجامع مصر في ذلك الوقت، ~~إلى نعى له ابنه هذا، فحج في تلك السنة، فقيل أنه كان يطوف بالكعبة ويصيح ~~ويقول: )يا رب! العز عليك به! يا رب عليك بابن باديس!( فكانت الهزيمة على ~~المعز في اليوم الثاني من دعائه، وكان ذلك سبب لخراب ملكه ودمار القيروان ~~حضرته. فلم يشك أحد في إجابة دعوته. # وفي سنة 443، كان لباس السواد بالقيروان، والدعاء لبني العباس. قال ابن ~~شرف: وفي جمادى الثانية، أمر المعز بن باديس بإحضار جماعة من الصباغين، ~~وأخرج لهم ثيابا بيضاء من فندق الكتان، وأمرهم ms225 أن يصبغوها سودا، فصبغوها ~~بأحلك السواد، وجمع الخياطين، فقطعوها أثوابا، ثم جمع الفقهاء والقضاة إلى ~~قصره، وخطيب القيروان وجميع المؤذنين، وكساهم ذلك السواد ونزلوا بأجمعهم. ~~وركب السلطان بعدهم حتى وصل إلى جامع القيروان، ثم صعد الخطيب المنبر وخطب ~~خطبة أتى فيها على جميع الأمر بأجزل لفظ وأحسن معنى، ثم دعا لأبي جعفر عبد ~~الله القائم بأمر الله العباسي، ودعا للسلطان المعز بن باديس ولولده أبا ~~الطاهر تميم ولي عهده من بعده، ثم أخزى بني عبيد الشيعة ولعنهم. # ذكر ما قيل من أخبار بني زيري # قال أبو عبد الله محمد بن سعدون بن علي في تأليفه في )تعزية أهل القيروان ~~بما جرى على البلدان من هيجان الفتن وتقلب الأزمان( قال: فيه باب أذكر فيه ~~من وضع هذه الدعوة التي شرع فيها عبيد الله وذريته والسبب الذي دعاهم لذلك، ~~وباب أذكر فيه تسييرهم الركبان، بدعوتهم ودعاتهم إلى البلدان، وباب أذكر ~~فيه عبيد الله ونسبه وانتمائه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - كاذبا، ~~وسبب ملكه المغرب كله قتال: وأول من نصب هذه الدعوة، جد عبيد الله وهو عبد ~~الله بن ميمون القداح الأهوازي - لعنه الله - وكان أبوه ميمون تنتسب إليه ~~فرقة من أصحاب أبي الخطاب، تعرف بالميمونية. وذكر من جملة كلامه قال: وكان ~~عبد الله ادعى لنفسه النبوة، فقصد لسفك دمه، فاختفى، ثم هرب من وطنه، وفر ~~على وجهه متنقلا في البلاد، مستترا، يستر اسمه ومذهبه لئلا يقتل إن عرف، ~~إلى أن وافته منيته بأقبح علة في الشام وأراح الله منه. وأخذ جماعة كمن ~~أصحابه، فقتلوا عن آخرهم ثم ذكر داعيتهم، وما كان منهم مع غواتهم، قال: ~~فمنهم رجلان، أحدهما يعرف بالنجار الكوفي فخرجا من الشام، وتغلبا على اليمن ~~فأنزل الله عليه الأكلة، فتقطع قطعا حتى مات وخلف ابنا له، فكان يكتب إلى ~~أصحابه: )من ابن رب العالمين( - تعالى الله عن قوله - فسار إليه ابن نصير ~~فأظفره الله به، فقتله ودخل مدينته فانتهبها وسباها. وأما الكوفي فرماه ~~الله تعالى بداء في جوفه فكانت ms226 تخرج من دبره حتى مات وأما بالسام، فذكر ~~جماعة أبادهم الله تعالى، وكذلك بالبحرين أيضا. ثم قال: وإنما دعاهم لهذا ~~الكفر عبد الله ابن ميمون القداح لأنه صحب قرمطا ودعاه إلى مذهبه، فطاوعه ~~على ذلك وقد اشتهر استخفافهم بالدين، وكثرت به الأخبار وأحاديث وكان ممن ~~أظهر مذهبهم، وأعلن به: أبو عبيد الجنابي، وقت تغلبه على البحرين، فإنه وضع ~~عنهم جميع الفرائض، وأعلن بالزناء واللواط والكذب وشرب الخمر وترك الصلاة ~~وكذلك صنع الأصبهاني وحرم على الغلمان الامتناع ممن أراد أن بفعل بهم وجعل ~~حد من امتنع منهم الذبح - لعنه الله - وكانت له ليلة تسمى الأمامية يجمع ~~فيها نساءه ونسائهم فمن ولد من تلك الليلة يسمى ولد الأخوان. PageV01P122 ~~قال: وقد ادعى الحاكم من بني عبيد الله الربوبية، وجعل رجلا سماه بالهادي ~~يدعوا الناس إلى ذلك، وادعى معد منهم النبوة وجعل من نادى فوق صومعة جامع ~~القيروان: )أشهد أن معد رسول الله!( فارتج البلد لذلك وداخل أهله الرعب، ~~فأرسل من سكن الناس، وكل من كانوا يرسلونه إلى بلد فإنما يأمرونه بإظهار ~~الإسلام والخير حتى ينمكن مما يريد. # وأما نسب عبيد الله الذي تسمى بالمهدي، فإن اسمه سعيد وإنما تسمى بعبيد ~~الله ليخفي أمره، لأنه كان عبيه الطلب من الحسين بن أحمد بن محمد وكان ~~لمحمد هذا ولد يلقب بأبي السلعلع بن عبد الله بن ميمون القداح فبعث بداعيين ~~أخوين إلى المغرب، فنزلا في قبيلة تعرف بكتامة، فدعوا أهلها، فاستجابوا ~~لهما: أحدهما حسين يكنى بأبي عبد الله الشيعي وسموه المعلم، والآخر سموه ~~المحتسب وهو أبو العباس المخطوم المتقدم ذكرهما. فأظهرا من أنفسهما الزهد ~~والورع حتى افتتحا بالكذب والخربة في بلاد أفريقية. وسار أبو عبد الله إلى ~~سلجماسة، فأخرج عبيدا الله من حبسها فلما اجتمع به سلم الأمر إليه وانسلخ ~~الأمر منه، فلم يلبث يسيرا وقتله بنو أخيه. ولما وصل عبيد الله - لعنه الله ~~- إلى رقادة أرسل إلى القيروان من أتاه بأبي إسحاق إبراهيم بن محمد المعروف ~~بابن البرذون وبابن هذيل وكانا من العلماء الخاشعين ms227 لله، فلنا وصلا إليه ~~وجداه على سرير ملكه جالسا، وعن يمينه أبو عبد اله الشيعي الذي ولاه الملك ~~وسلم له فيه، وعن يساره أبو العباس أخوه، فقال لهما أبو عبد الله وأخزه: ~~أشهد أن هذا رسول اله ! فقالا جميعا بلفظ واحد: )والله الذي لا إله إلا هو ~~لو جاءنا هذا والشمس على يمينه والقمر على يساتره، وينطقان فيقولان إنه ~~رسول الله، ما قلنا أنه هو(. فأمر عبيد الله - لعنه الله - عند ذلك بذبحهما ~~وربطهما في أذناب الخيل، وأن يشق بهما سماط القيروان ففعل ذلك بهما - رحمة ~~الله عليهما - وقال أبو عبد الله الشيعي يوما لأبي عثمان سعيد بن الحداد ~~العالم: )القرآن يخبر أن محمدا ليس بخاتم النبيين في قوله: )ولكن رسول الله ~~وخاتم النبيين( فخاتم النبيين غير رسول الله. فقال أبو عثمان: )هذه الواو ~~ليست من واوات الابتداء وإنما هي من واوات العطف مثل قوله تعالى: " هو ~~الأول والآخر والظاهر والباطن " وقال له مرة أخرى: )أن الله أخبر أصحاب ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - يرتدون لقوله: " أفإن مات أو قتل انقلبتم على ~~أعقابكم " فقال أبو عثمان: )هذا إنما على الاستفهام، كقوله سبحانه: " أفإن ~~مت فهم الخالدون " !( ولما تمكن عبيد الله الشيعي من الملك، قتل أبا عبد ~~الله الداعي وأخاه وانتقم الله منهما على يدى من سعيا له وقتلا الخلق ~~بسببه، حتى أخرجاه من حبس سلجماسة، وسلما له في الملك، ولم يقيما معه إلا ~~سنة أو نحوها، ثم سلطه الله على كبار كتامة الذين سعوا في إقامة ملكه، فقتل ~~جميعهم، ثم تمادت دولة أبنائه نحو ثلاثمائة سنة، ملكوا من مضيق سبتة إلى ~~مكة - شرفها الله - لأن عماله كانوا يصلون إلى مضيق سبتة فيعاينوها، ومن ~~هناك يرجعون. وهذا دليل على أن هوان الدنيا على الله وصغر قدرها عنده إذ ~~مكن فيها لهؤلاء الكفرة الفجار يسومون أولياء الله سوء العذاب والعماد ~~والقيامة، والحاكم الله، ! PageV01P123 وخرج في دولة عبيد الله شيخ للسفر، ~~ومعه خيل فباتوا في مسجد بخيولهم فقيل لهم: )كيف تدخلون خيولكم المسجد ms228 ؟( ~~فقال لهم الشيخ وأصحابه: )إن أرواثها وأبوالها طاهرة لأنها خيل المهدي( ~~فقال لهم القيم في المسجد: )إن الذي يخرج من المهدي نجس فكيف الذي يخرج من ~~خيله ؟( فقالوا له: )طعنت على المهدي( وأخذوه وذهبوا به إلى إليه، فأخرجه ~~عشية جمعة فقتله. فلما قرب للموت، دعا عليه فأجاب دعاءه فامتحنه بعلة قبيحة ~~يقال لها حب القرع وهي دود على صورة حب القرع في آخر مخرجه، تأكل أحشائه ~~وما والاها فكان يؤتى بإذناب الكباش العظيمة فيدخلها في نفسه لتشتغل عنه ~~الدود بها، فيجد لذلك بعض راحة لشغلها بالأذناب ثم يخرج الأذناب، وقد ~~هتكتها الدود، يدخل أخرى في دبره، ثم لم تزل الدود تأكل حتى انقطعت مذاكره ~~وهلك، ولما هلك أوتي بابن أخت الغساني المقرئ ليقرأ عند رأسه وكان من أطيب ~~الناس قراءة وحل عبيد الله أبناءه يبكون عليه. فقال البغدادي للغساني: ~~)أقرأ( قال: فطلبت ما أقرأ من القرآن فلم أتذكر منه إلا قوله تعالى: :يقدم ~~قومه يوم القيامة فأوردهم النار " إلى آخر الآية قال: فطلبت غير هذه الآية ~~أقرأه فلم أقدر فكنت أرددها حتى خشيت على نفسي أن يفيقوا من بكائهم ~~فيتأملون قراءتي فيقتلوني، فتسللت وخرجت. # وذكر أن الحجر الأسود أرسله العين الجنابي إلى عبيد اله بالمهدية فلم ~~يلبث إلا أياما وهلك كما ذكرنا. فلما دفن طرحنه الأرض، ثم دفن فطرحته الأرض ~~ثلاثا. فقيل لابنه أبا القاسم )إن هذا لأجل الحجر فأردده حيث كان !( فأمر ~~بإخراجه ورده إلى موضعه، فعند ذلك استقر عبيد الله في قبره. # ثم ولي ولده أبو القاسم من بعده. فلم يزل في شغل وحزن وبعث الله عليه أبا ~~يزيد مخلد بن كيداد فقهره وخرج عليه وقتل جنوده وقام المسلمون معه عليه كما ~~تقدم ذكره. ولما كان يوم الجمعة طلع الإمام على المنبر، وهو أبو إبراهيم ~~أحمد بن محمد بن أبي الوليد فخطب خطبة بليغة، وحرض الناس على جهاد الشيعة ~~ثم قال: )اللهم إن هذا القرمطي الكافر المعروف بعبيد ادعى الربوبية من دون ~~الله جاحدا لنعمتك كافرا بربوييتك! فانصرنا ms229 اللهم عليه وأرحنا منه ومن ~~دولته، واصله جهنم وساءت مصيرا، بعد أن تجعله في دنياه عبرة للسائلين ~~وأحاديث للغابرين، واهلك الهم سيعته وشتت كلمته( ومات أبو القاسم بن عبيد ~~الله محصورا وفي نفسه مقهورا. # ثم ولي بعده ابنه إسماعيل، فأظهر للعامة الجميل. فلما استفحل أمره وقوت ~~شوكته، أراد أن ينتقم من المسلمين فيما تقدم لهم من حربه وحرب أبي القاسم ~~والده، فحال الله - عز وجل - بينه ونبين ما أراد، وأجاب المؤمنين فيه ~~فأهلكه الله بالعطش حتى مات. # ثم ولي ابنه معد فادعى النبوة، وصوت المؤذن بذلك فوق صومعة القيروان ~~بأمره، فضج المسلمون لذلك. فلما بلغه ذلك، داخل الرعب وأرسل إلى الناس ~~يهدنهم، إلى أن خرج إلى مصر، فدخلها بالمنكر والبغي، فابتلاه الله بعلة ~~الاستسقاء، فكان الذي يقعد عند رأسه لا يرى رجليه، وسالت عيناه وسقطت ~~أسنانه، واراه الله العبرة في نفسه. ثم مات. # وولي بعده نزار المكنى بأبي المنصور، فحدث في أيامه في سب الصحابة، ما ~~حدث ثم تشوفت نفسه مع أحواله الدنية إلى أن يستحضر العلماء من أهل ~~القيروان. ثم حدث عليه بالشام ما أشغله، فخرج إليها فلما وصل السبر مات في ~~مرحاض الحمام. PageV01P124 ثم ولي بعده الحاكم، فأظهر أكثر مذهبهم، فكان ~~مما أحدث أنه بنى دارا وجعل لها أبوابا وأطباقا، وجعل فيها قيودا وأغلالا ~~وسماها جهنم، فمن جنى جناية عنده قال )ادخلوه جهنم( وأمر أن يكتب في ~~الشوارع والجوامع بسب الصحابة، أجمعين. ثم أرسل داعيا إلى مكة، فلما طلع ~~المنبر وذكر ما ذكر، اقتحم عليه بنو هذيل فقطع قطعة قطعة وكسر المنبر وفتت ~~حتى لم يجمع منه شيئا. ثم أرسل رجلا خراسانيا من بني عمه، فضرب الحجر ~~الأسود بدبوس، فقتل في حينه وأخذه الناس قطعة قطعة وأحرق بالنار وأرسل - ~~لعنه الله - إلى مدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم - من ينبش القبر المعظم ~~فسمع الناس صائحا يقول: القبر ينبش ! ففتشه الناس فوجدوه وأصحابه فقتلوهم ~~ثم أنه ادعى الربوبية من دون الله، وجعل داعيا يدعوا الناس إلى عبادته، ~~وسماه المهدي. ms230 فكتب داعيه الكتاب، وكان اسمه حمزة، وذلك في سنة 410 وقرئ ~~بحضرة الحاكم - لعنه الله - على أهل مملكته، ذكر فيه - تعالى الله عن إبطال ~~المبطلين علوا كبيرا! - الحمد لمولاي الحاكم وحده باسمك اللهم الحاكم ~~بالحق! ثم تمادى فقال: توكلت على إلهي أمير المؤمنين، جل ذكره وبه نستعين ~~في جميع الأمور ! ثم طول بالكتاب بالتخليط مرة يجعله أمير المؤمنين ومرة ~~يجعله إله، وقال فيه: )وأمرني بإسقاط ما يلزمكم اعتقاده من الأديان الماضية ~~والشرائع الدارسة( وذكر أشياء يطول ذكرها. وكانت له راية حمراء تحت قصره ~~فاجتمع إليه خلق نحو خمسة عشر ألف رجل فيما قيل، ثم إن رجلا من الترك كاتبه ~~حمزة فأظهر الحاكم أنه أمر يقتله. وكان الحاكم كثير التصرف بالليل إلى جبل ~~المقطم على حمار، فخرج ليلا فقتل هو وحماره. # ثم ولي بعده علي الملقب بالظاهر، فكان مشتغلا بالشرب منهمكا فيه يلابس ~~ثياب النساء، حتى يظنه الناس إذا مشى معهن امرأة ثم أصابه الاستسقاء حتى ~~صار كالعدل فمات. # ثم ولي بعد معد الملقب بالمستنصر، فمرة يظهر السب ومرة يكف ويسكن الناس، ~~فإذا مشى في جنوده كان بين يديه الشبابة ومن ينشد الشعر. وذكر أنه أرسل من ~~كتب السب في أستار الكعبة في ليلة ظلماء، فأصبح الناس فوجدوه، فضج المسلمون ~~لذلك، وأكثروا البكاء لسب الصحابة، قال ابن سعدون: وعلى هذا بنو أصل ~~مذهبهم، أنهم يظهرون الدين والخير حتى يتمكنوا قال المؤلف: انتهى ما لخصته ~~من كتاب ابن سعدون. # وذكر ابن القطان عنهم أنهم قوم الرافضة، يدعون النسب إلى علي - رضي الله ~~عنه - وأكثر اعتقاداتهم كفرا، ولما مات المستنصر بن الظاهر ولى بعده ولده ~~الملقب بالمستعلي، وكان أشبه من غيره سياسة لا دينا. فلما توفي هو ووزيره ~~الأفضل، استبد ولده وتسمى بالآمر بحكم الله، وكان جبارا عنيدا ظالما جائرا ~~وكثر في زمانه دعوى الباطل، ونصر الظالم على المظلوم، وأعانته على ظلمه. ~~واستخلص لنفسه فتيين من الفتيان الوضاء الوجوه، اتخذهما للفاحشة، كان رزق ~~كل واحد منهما ألف دينار في كل يوم، وكان يعمل ms231 النزاهة، ويبيح للناس فيها ~~المحضورات، فلا يشاء مؤمن أن يعاين منكرا مباحا إلا عاينه. # ثم ولي بعد عبد المجيد، الملقب بالحافظ لدين الله، ابن المستنصر، بويع في ~~اليوم الذي قتل فيه الآمر، وخطب له على المنابر، وزر له أبو علي أحمد ابن ~~الأفضل أمير الجيوش. أبو علي على الأمر وجملة الحال من سنة 526 إلى سنة ~~532: كانت لهم فيها محاولات شنيعة وأمور فظيعة منها قتل الأمير، وانتنزاء ~~قاتله حرز الملوك، وقتله، واستيلاء ابن الأفضل وقتله، وظهور عبد المجيد، ~~وما كان من الأسقف من النفر، والأمر بعبادة عبد المجيد وقتله ثم استيلاء ~~حسين بن عبد المجيد، والقيام عليه إلى أن قتل نفسه بسم، ورجوع عبد المجيد ~~إلى الولاية. # رجع الخبر، وفي سنة 443 وردت الأخبار أن محمد بن جعفر الكومي ولي القضاء ~~بمصر ولقب قاضي القضاة وداعي الدعاة. قال ابن شرف: فنعوذ بالله من سوء ~~العاقبة! لأن قاضي القوم منهم وعلى مذهبهم يعني الشيعة وفيها وصلت إلى ~~القيروان مكاتبة من الأمير جبارة بن مختار العربي من برقة بالسمع والطاعة ~~للمغز بن باديس، وأخبره أنه وأهل برقة قد أحرقوا المنابر التي كان يدعى ~~عليها للعبيدية، وأحرقوا راياتهم وتبرؤوا منهم ولعنوهم على منابرهم ودعوا ~~للقائم بأمر الله العباسي. # وفي هذه السنة كان أول الفتنة بأفريقية. # ذكر طرف الفتنة العظيمة ودمار القيروان PageV01P125 قال ابن شرف: لما آل ~~الأمر إلى التصريح بلعنة بني عبيد على المنابر وأمر المعز بن باديس بقتل ~~أشياعهم، أباح بنو عبيد للعرب مجاز النيل وكان قبل ذلك ممنوعا، لا يجوزه ~~أحد من العرب. ثم أمر لكل جائز منم بدينار، فجاز منهم خلق عظيم، من غير أن ~~يأمرهم بشيء لعلمهم أنهم لا يحتاجون لوصية. فجازوا أفواجا، ولقاموا بناحية ~~برقة. ومضت الأيام على ذلك مدة. ثم قدموا منهم مونس بن يحيى الرياحي على ~~المعز. وكان المعز كارها لإخوانه صنهاجة، محبا للاستبدال بهم حاقدا عليهم ~~ولم يكن يظهر ذلك لهم. فلطف عنده محل مونس هذا، وكان سيدا في قومه، شجاعا، ~~عاقلا، فشاوره المعز في ms232 اتخاذ بني عمه رياح جندا فأشار عليه بأن لا يفعل ~~ذلك وعرفه بقلة اجتماع القوم على الكلمة وعدم انقيادهم إلى الطاعة، فألح ~~عليه في ذلك، إلى أن قال له المعز: إنما تريد انفرادك، حسدا منك لقومك! ~~فعزم مونس على الخروج إليهم، بعدما قدم العذر وأشهد بعض رجال السلطان. ثم ~~رحل متوجها نحوهم، فنادى في القوم وحشدهم ووعدهم وغبطهم ووصف لهم كرامة ~~السلطان والإحسان لهم، ثم قدم في ركب منهم، لم يعهدوا نعمة. ولا طالعوا ~~حاضرة، فلما انتهوا إلى قرية، تنادوا )هذه القيروان( ونهبوها من حينها. # فلما ورد الخبر على القيروان، عظم الأمر على المعز بن باديس وقال: إنما ~~فعل مونس هذا ليصحح قوله، فأمر بثقاف أولاده وعياله، وختم على داره حتى ~~يعلم ما يكون من أمره. فلما بلغ مونسا ما فعل بأهله وولده اشتدت نكايته، ~~وعظم بلاءه وقال: قدمت النصيحة، فحاق الأمر بي، ونسبت الخطيئة إلي ! فكان ~~أشد إضرارا من القوم. وكان قد علم عورات القيروان. ثم أخرج السلطان إليهم ~~بعض الفقهاء، ومهم مكاتبات وشروط ووصايا، وأعلموهم أن السلطان قد دفع ~~عيالاتهم لهم، ولخذوا عليهم العهود والمواثيق بالرجوع إلى الطاعة، وأرسلوا ~~شيوخا منهم بذلك، ثم بعد ذلك نكثوا على السلطان، واستولوا على الفساد في كل ~~جهة ومكان. # ذكر هزيمة العرب للمعز بن باديس # لما كان ثاني عيد الأضحى من هذه السنة كانت الداهية العظمى والمصيبة ~~الكبرى وذلك أن السلطان عبد بوم الاثنين ومشى صباح هذا اليوم إلى ناحية ~~قرية تعرف بني هلال، فلما كان نصف النهار، أتته الأخبار أن القوم قد قربوا ~~منه بأجمعهم. فأمر بالنزول في أوعار وأودية، فلم يستتم النزول حتى حمل ~~العرب عليهم حماة رجل واحد. فانهزم العسكر، وصبر العز صبرا عظيما، إلى أن ~~وصلت رماح العرب إليه، ومات بين يديه خلق عظيم فدوه بأنفسهم، وأما بنو مناد ~~وجميع صنهاجة وغيرهم من القبائل، فإنهم فروا، وانتهبت العرب معسكر العز ~~السلطان فحازوه، وفيه من الذهب والفضة والأمتعة والأسباب والأثاث والخف ~~والكراع ما ل يعلم عدده إلا اله. وكان ms233 فيه من الأخبية وغيرها ما يتجاوز ~~عشرة آلاف ومن الجمال نحو خمسة عشر ألفا، ومن البغال ما لا يحصيه قول. فما ~~خلص لأحد من الجند عقال فما فوقه، وسلك أكثر الناس الجبل المعروف بحيدران ~~فافترقوا فيه. ثم رجع بعضهم على بعض وليس عند أهل القيروان خبر بذلك إلا ~~أنهم كانوا تحت نوقع وتشوف. فلما كان ثالث العيد، قدم فارسان مع ابن ~~البواب، وهم قد غلبت عليهم الكآبة وكسوف البال، وحالهم تغنى عن السؤال وكثر ~~أيضا سؤال الناس عن السلكان، فذكروا أنه في حيز السلامة، فلم تك إلا ساعة ~~حتى دخل قصره هو وولده. ثم تساقط الناس بعده آحادا وجموعا وتخلف عن الوصول ~~خلق عظيم فمنهم من علم خبره ومنم من لم يعلم. ثم ذكر أن العرب أخذوا خلقا ~~كثيرا من الصنهاجيين وغيرهم. # قال ابن شرف: وكان العسكر المهزوم ثمانين ألف فارس، ومن الرجالة ما يليق ~~بذلك وكان خيل العرب ثلاثة آلاف فارس، ومن الرجالة ما يليق بذلك. وفي ذلك ~~يقول علي بن رزق من قصيدة له في ذلك أولها )طويل(: # لقد زارنا من أميم وهنا خيال ... وأيدي المطايا بالذميل عجال # وفيها: # ثلاثون ألفا منكم هزمتهم ... ثلاث آلاف أن ذا لنكال PageV01P126 ووصل ~~العرب إلى نواحي القيروان، وجل كل من شبق إلى قرية يسمى نفسه لهم ويؤمنهم ~~ويعطيهم قلنسوة أو رقعة يكتبها لهم علامة ليعلم غيره أنه سبقه وبات الناس ~~ليلتين بالقيروان تحت ما لا يعلمه إلا الله تعالى من الخوف لا يدرون ما ~~ينزل بساحتهم. وأقام الناس يومين لا يدخل إليهم داخل ولا خارج، وخيل العرب ~~تسرح حول القيروان في كل جهة ومكان، والناس يرونهم عيانا وبيانا، وخرج ~~السلطان سابع عيد الأضحى بجنوده وخرج عامة القيروان معه، فلم يتعد بهم ~~المصلى ورجع العرب في أمانهم الذي أعطوا أهل البوادي، وانتهبوا جميعا، ~~وانتقل أهلها إلى القيروان. وأمر السلطان كافة الناس بانتهاب الزروعات ~~المحيطة بالقيروان وصبرة، وهي المنصورية، فسر المسلمون بذلك، وحسبوها من ~~أرزاقهم. وكان مصيرها إلى ما قدر الله من فساد واكل ms234 البهائم لها. # وفي السابع عشر لذي حجة ظهرت خيل العرب على ثلاثة أميال من القيروان. ~~فنزل السلطان يمشي فيها ويوصي أهلها بالاحتفاظ والبناء وأخذ الناس في بناء ~~دورهم. وأمر السلطان المعز أن ينتقل عامة أهل صبرة وسوقها إلى القيروان ~~ويخلوا الحوانيت كلها بصبرة وأمر الجميع من بالقيروان من الصنهاجين وغيرهم ~~من العسكر أن ينتقلوا الى صبرة وينزلوا في حوانيتها وأسواقها فأرتج البلد ~~لذلك وعظم الخطب واشتد الكرب. ومد العبيد ورجال صنهاجة أيديهم إلى خشب ~~الحوانيت وسقائفها واقتلعوها. وخربت العمارة العظيمة في ساعة واحدة. وبات ~~الناس على خوف عظيم ثم أصبحوا فعاينوا خيول العرب فأمر السلطان ألا يخرج ~~العسكر على سور صبرة. أين ابن شرف: أخبرني من أثق به، قال: خرجت من ~~القيروان وسرت ليلا، فكنت أكمن النهار، فلم أمر بقرية إلا وقد سحقت وأكلت، ~~أهلها عراة أمام حيطانها من رجل وامرأة وطفل، يبكي جميعهم جوعا وبردا ~~وانقطعت المير عن القيروان، وتعطلت الأسواق، وأمسك العرب جميع من أسوره، ~~فلم يطلقوا أحدا إلا بالفداء مثل أسرى الروم، وأما الضعفاء والمساكين ~~فامسكوهم لخدمتهم # نبذ من وقعة باب تونس أحد أبواب القيروان # وذلك أن العرب دفعت إلى هذا الباب، فخرج إليهم العامة منهم بسلاح، ومنهم ~~من بيده عصا لا يدفع بها أضعف الكلاب، فحملت عليهم فرسان العرب وتمكنت منهم ~~سيوفهم ورماحهم، فتساقطوا على وجوههم وجنوبهم، وسطحوهم من حد أفران الآجر ~~إلى هذا الباب ولم يبق منهم إلا من حصنه أجله، ولم يتركوا على حي ولا ميت ~~خرقه تواريه. وخرج أهل القتلى عند انصراف العرب، فرفعوا قتلاهم، فقامت ~~النوائح والنوادب بكل جهة ومكان من أزقة القيروان، تنصدع لمناظرهم وسماعها ~~الجبال. وبقى خلق من الغرباء في المقتلة، وجرح من الناس خلق كثير، ورأى ~~الناس ما أذهلهم من قبيح تلك الجراحات، فتفتتت الأكباد، وذابت القلوب ~~والأجساد، لبنيات قد سودن وجوههن وحلقن ورؤوسهن على أبنائهن وإخوانهن. فكان ~~هذا يوم مصائب وأنكاد ونوائب. ولم ير الناس مثله في سائر الأمصار، فيما مضى ~~من الأعصار. وبات الناس في هم وغم. ms235 تم كلام ابن شرف مختصرا. # هزيمة صنهاجة أيضا بجبل حيدران # وهزيمة المعز بن باديس من وجه آخر # قال أبو الصلت: ثم برز المعز إلى لقاء العرب الواصلة من المشرق، وجرد ~~عساكره، وقدم عليه أبو سلبون، وزكنون بن واعلان، وزيري الصنهاجي، وعاد هو ~~إلى القيروان. فلما كان عيد النحر، انهزمت صنهاجة، وقتل منها كثير، فخرج هو ~~بنفسه إليهم، وانتشبت الحرب بينه وبين العرب، فهزمته العرب، وثبت المعز ~~طائفة من عبيده، ثم عاد إلى المنصورية. فأحصى من قتل من صنهاجة في هذه ~~الوقعة: فكانوا ثلاثة آلاف وثلاثمائة. ثم أقبلت العرب حتى نزلت على ~~القيروان، ووقعت الحرب هنالك، فقتل بين رقادة والمنصورية خلق كثير. # وفي سنة 444، ذهب المعز بن باديس إلى رفع الحرب بينه وبين العرب، وأباح ~~لهم دخول القيروان لما يحتاجون إليه من بيع وشراء. وبقى هو مستوطنا ~~المنصورية من بقي من عسكره. فلما دخلوها، استطالت العامة عليهم، وأوسعتهم ~~إهانة وشتما، فقتل العرب منهم خلقا كثيرا. وكان عدد العرب الواصلين من ~~المشرق سبعة آلاف فارسا وخمسمائة. وقدر المعز أن العرب عائدون من حيث أتوا ~~فخرج له الأمر بخلاف ظنه. # وفي هذه السنة، بنى المعز سور القيروان، وسور زويلة، وجعل السور مما يلي ~~صبره كالفيل: حائطان متصلان إلى صبره، وبينهما نحو نصف ميل. PageV01P127 ~~وأما القيروان، فهي في بسيط من الأرض، ممدودة في الجوف منها نحو تونس، وفي ~~الشرق نحو سوسة والمهدية وفي القبلة نحو سفاقس، ويقرب منها البحر الشرقي: ~~فبينها وبين البحر مسيرة يوم، وسائر جوانبها أرض طيبة. ولا سبيل الموارد أن ~~تدخل القيروان إلا بعد جوازه على صبرة. وأما صبرة فبناها إسماعيل بن أبي ~~القاسم بن عبيد الله الشيعي المتلقب بالمنصور وسماها المنصورية واستوطنها ~~سنة 337 ثم كانت منزل الولاة بالقيروان إلى حين خرابها. # وفي سنة 445، ولى المعز بن باديس ابنه تميم مدينة المهدية. وفيها، نافق ~~على المعز بن باديس أهل سوسة. وهي مدينة منيعة حاصرها أبو يزيد شهورا ثم ~~انهزم عنها وكان عليها في ثمانين ألفا. وفي ذلك يقول سهل ابن ms236 إبراهيم كامل: # إن الخوارج صدها عن سوسة ... أبدا طعان السمر والإقدام # وفي سنة 446 حاصرت العرب مدينة القيروان وضيقة عليها تضيقا شديدا يطول ~~ذكره. وفيها أخذ مؤنس بن يحيى سلطان العرب مدينة باجة وأطاعه أهلها. # وفي سنة 447 تولى بلقين الصنهاجي قلعة حماد. وفيها نافق ابن أب زمان على ~~المعز بن باديس. وفيها، كانت بأفريقية مجاعة عظيمة وجهد مفرط. # وفي سنة 448، وقع بين عبيد المعز الساكنين بالمهدية وبين عبيد تميم أبنه ~~منازعة أدت إلى الاقتتال والمحاربة فقامة عامة زولية وسائر من كان من ~~البحريين وغيرهم معاضدة لعبيد تميم فهزموهم وأخرجوهم من المهدية وقتلوا ~~منهم عددا كثيرا. وسار الذين بقوا منهم يردون اللحاق بالقيروان، فدس تميم ~~خبرهم إلى العرب، فقتل منهم في الطريق خلق كثير، وسبب هذه المقاتلة قتل ~~تميم عبيد أبيه بالمهدية، ويقال أن الذي قتله منهم سبعمائة. وذكر أن المحرك ~~لقتلهم واستئصالهم قصيد محمد بن حبيب التي أولها )بسيط(: # السيف يسبق قبل الحادث العذلا ... لا تغمد السيف حتى تقتل السفلى # نقل عداتك من دنيا لآخرة ... فكلهم ظن هذا الملك منتقلا # وفي سنة 449، خرج المعز بن باديس من المنصورية منتقلا إلى المهدية، ~~الميلتين بقيتا من شعبان. وفي أول يوم من رمضان، انتهبت العرب مدينة ~~القيروان وخربتها. وكانت من أعظم مدن الدنيا. وذكر أبو عبيد أنه انتهى ما ~~ذبح منها من البقر خاصة في اليوم الواحد سبعمائة رأس وخمسين رأسا. وقال: في ~~سنة 52 بنيت القيروان وأخليت. # وفي سنة 450 خرج بلقين ومعه الأذبج ودعي لحرب زناتة، فكسرها وقتل منها ~~عددا كثيرا. # وفي سنة 451 قتل منصور البرغواطي صاحب سفاقس قتله غدرا حمو ابن ومليل ~~البرغواطي، وولى مكانه وذلك يوم السبت الثاني لشوال. # وفي سنة 452 وقعت بين العرب والقيروان وبين هوارة حرب كان الغلب فيها ~~للعرب. وقتلت هوارة بباب الصوم أحد أبوابها. # وفي سنة 453، قتل أهل تقيوس مائتين وخمسين من العرب. وكان سبب ذلك أن ~~العرب دخلت إلى تقيوس متشوفة، فسمع رجل منهم رجلا من أهل المدينة يذكر ~~المعز بخير، ms237 ويثني عليه، فقتله العربي، وكان مقدما في المدينة، فقام عليه ~~أهل البلد، فغزوهم وقتلوا من العرب العدد المذكور. # وفي سنة 454 ن غدر الناصر بن علناس لبلقين بن محمد الصنهاجي صاحب القلعة، ~~وكان ذلك أول يوم من رجب وولى مكانه. وفيها، توفي المعز ابن باديس. # بعض أخبار المعز بن باديس # كنيته: أبو تميم. ولقبه: أولا شرف الدولة بن أبي مناد باديس نصير الدولة ~~بن أبي الفتح المنصور عبد العزيز بالله بن أبي الفتوح بلقين سيف العزيز ~~بالله بن زيري بن مناد بن منقوش الصنهاجي. وفي هذه الأسماء والكنى يقول ابن ~~شرف )خفيف(: # شرف الدولة المعز بن باديس ... النصير المظفر المقدام # من له في العلا ثلاثة آباء ... نصير وعدة وحسام # وابن زيري أبو الفتوح الذي أعدى ... أعاديه في الورى الإحجام # وأبو الفتح بعده السيد المنصور ... من صوب راحتيه سجام # مولده سنة 399. وللي الملك سنة 407، وسنة سبعة أعوام وشهران. وتوفي سنة ~~455، وعمره ثماني وخمسون سنة. فكانت مملكته سبعا وأربعين سنة. وفي سنه ~~وتاريخ ولايته يقول ابن شرف )رجز(: # لما انقضت من المئين أربع ... وبعدها ست سنين تتبع # وأول العام الشريف السابع ... دار إليها أيمن طوالع # باسم المعز الملك الميمون ... مذل كفر ومعز الدين PageV01P128 فقلد الأمر ~~الشديد المنعة ... منتهضا بحمله ابن سبعه # صفته: أسمر جميل الوجه جهير الصوت حسن الخلق بعيد الغور في الأمور قتل ~~الشيعة وقط دعوتهم من أفريقية، ولغن أمراءهم بني عبيد على سائر منابر ~~أفريقية ووفى كل واحد من الصحابة حقه، وأقام السنة، وكانت متروكة منذ مائة ~~وأربعين سنة. # حكاية في ابتداء دولة صنهاجة # لما تغلب أل عبيد الله على مصر وأراد معد بن إسماعيل الرحيل أليها من ~~إفريقية دعا زيري بن مناد وكان له عشرة أولاد، فقال له: )ادع إلي بنيك. فقد ~~عملت رأي فيهم وفيك( وكان أصغرهم سنا بلقين. فدعا أولاده ما دعاه، والقدر ~~لا يريد سواه. وكانت عند معد بن إسماعيل أثارة من علم الحدثان، قد عرف بها ~~بصائر أحوالها وأهل الغناء من أعيان رجاله. وكانت عنده ms238 لخليفته على أفريقية ~~والمغرب، إذا صار إليه ملك مصر، علامة. فنظر في وجوه بني زيري، فلم يرها، ~~فقال لزيري: )هل غادر من بنيك أحدا؟( فقال له: )غلاما صغيرا( فقال المعز: ~~)لا أراك حتى أراه! فلست أريد سواه!( فلما رآه عرفه، وفوض إليه من حينه، ~~واستخلفه، فاستولى من وقته على الأمور وزاحمت مهابته الأهواء في الصدور، ~~وبعدت أسفاره واشتهرت أخباره، وبلغ بغزاوته سبتة في خبر طويل. ثم أجاب صوت ~~مناديه وخلعها على أعطاف بنيه حتى أنتها أمره إلى المعز بن باديس شرف ~~العشيرة، وآخر ملوكها المشهورة. ومن العجب أنهما راقا في الاسم والكنية، ~~أعني المعز ابنا تميم معد بن إسماعيل العبيدي صاحب الحدثان، والمعز أبا ~~تميم هذا. # فأول ما افتتح به شأنه، وثبت به ما زعم سلطانه قتل الرافضة ومراسلة أمير ~~المؤمنين العباسي يومئذ ببغداد، فكتب إليه بعهده وجاءته الخلعة واللقب من ~~عنده رأيا اغتر ببادئه، وذهل عن عواقبه وبواديه. واتصل ذلك بالعبيدي بمصر، ~~وأمره يومئذ يدور على الجرجرائي، فاسطنعها عليه، وفوق سهام مكروهه إليه. ~~وكان بطون من عامر بن صعصعة: زغبة، وعدي، والأثبج ورياح وغيرهم، تنزل ~~الصعيد لا يسمح بالرحيل ولا بإيجازه النيل، فأجازهم الجرجرائي، وأذن لهن في ~~المعز أمينة طالما تخلت إليهم أطماعهم وعكفت عليها أبصارهم، فغشاه منها سير ~~العرم، ورماه بذلول ابنة الرقم فشغل المعز بعضهم أولا بخدمته، وحملهم أعباء ~~نعمتهم، وهم في خلال ذلك يتمرسون بجهاته وبون إلى حماته، ويطلعون على ~~عوراته، حتى بان لهم شأنه، وهان عليه سلطانه، فجاهروه بالعداوة حتى جرت ~~بينهم تلك الحروب، التي تقدم ذكرها مختصرا فأورثته البوار، وضربت عليه ~~الحصار. # وفي أثناء ذلك، أعطاهم الدنيا، وناشدهم التقية، واشترط المهدية، وزف إلى ~~أحد زعمائهم من بناتهم، فأصبحوا له أصهارا، وقاموا دونه أنصارا. فما استحكم ~~باسمه، وأهمته بنفسه، واستجاش من قبله، وأحتمل أهله وثقله وخلا الملك لمن ~~حماه وحمله، وجاء أصهاره يمنعونه ممن عسى أن يكيده، حتى بلغ المهدية، فأقام ~~بها أسقط من الشمس بالميزان، وأهون من الفقير القيان، ولم يكن أحد في زمانه ms239 ~~أشد بأسا في الملاحم، ولا أطول يدا بالمكارم ولا أعني بالسان العرب ولا ~~أحنى على أخل الأدب ومن مشهور كرمه أنه أعطى المنتصر بن خزرون في دفعة مائة ~~ألف دينار إلي ما وصله من مركب أثيل، وزي حفيل وكان متوقد الذهن حاضر ~~الخاطر حاذقا بطرائف الألحان عالما بالمنثور والمنظوم من الكلام. ومدح كثير ~~من الشعراء، فأجزل لهم العطاء: منهم على بن يوسف التونسي، ويعلا ابن ~~إبراهيم الأركشي، وأبو علي بن رشيق، والقرشي وابن شرف، وغيرهم يطول الكتاب ~~بذكرهم، لا سيما لا ذكرت من نظمهم ونثرهم. وذكر أبو الحسم الخذلاني المعروف ~~بالحداد: اشتملت على الكثير من أيامه ووقائعه وصفت حاله في خروجه من ~~القيروان، وتسليمه للعرب معظم ملكه، في قصيدة أولها )طويل(: # سرت تتهادى بعد ما رحل الركب ... وقد قلدت جيدا الدجا الأنجم الشهب # ومنها # وإن خانني صبري علي به ... فقد خان مولانا العشائر والصحب # ولو شاء تأليف الجنود وجمعها ... لجاءته من أقطارها العجم والعرب # ولكنة أغذى الجفون لعلمه ... بما سطرت فيه الملاحم والكتب. PageV01P129 ~~ولم يمكث بالمهدية إلا نحو سنتين، وانقضت أيامه، ووافاه أجله، وتوفى يوم ~~السبت لخمس بقين من شعبان سنة 454 هكذا ذكر أبو الصلت، وقد تقدم قول ابن ~~شرف أنه توفى في سنة 455. أولاده: تميم، ونزار، وعبد الله، وعلو، وحماد، ~~وبلقين، وحمامة، والمنصور. # دولة الأمير تميم بن المعز # ونبذ من أخبارها # مولده بالمنصورية في رجب سنة 422. و أبرزه والده للناس ابن سنتين وركب، ~~والعسكر وراءه، وطاف مدينتي القيروان والمنصورية، وولي المهدية سنة 445، ~~وعمره ثلاث وعشرون سنة. وأقام بها إلى أن خرج والده من المنصورية متجها ~~نحوها، فلما دنا منها، خرج إليه فيمن معه، وترجل عند رؤيته له، وقبل الأرض ~~بين يديه، ومشى راجلا أمامه، وأظهر من طاعته له ما أبان كذب ما نسب إليه، ~~وزور من النفاق عليه، فدعا له والده، وأمره بالركوب، فركب وسار معه إلى ~~المهدية فنزل المعز القصر وأقام ابنه تميم متكفلا بأمر الدولة. # وفي سنة 455 فتح مدينة سوسة. وكان أهلها قد نافقوا على ms240 أبيه، فعفا عنهم، ~~وفي سنة 456، زحف إلى المهدية حمو بن ومليل البرغواطي الثائر بمدينة سفاقس، ~~بمن استعان بالعرب، فورد خبره على تميم فسار إليه ومعه طائفة كثيرة من زغبة ~~ورياح. وكان مع حمو طائفة من عدي والأثبج، فاقتتل الفريقان. ثم ولت طائفة ~~حمو أدبارها، فأخذتها السيوف، وتولتها الحتوف وفي سنة 457، كسر عسكر الناصر ~~بن حماد وكان قد خرج في عدد كثير من صنهاجة وزناتة وعدي والأثيج، فلقيتهم ~~رياح وزغبة وسليم، فانهزم الناصر وقتل من أصحابه خلق كثير ونهبت أمواله ~~ومضاربه، وقتل أخوه القاسم بن علناس. وكان من أعظم الأسباب في ذلك ما أبرمه ~~تميم في أمره. # وفي 458، جرد تميم عسكرا كبيرا إلى مدينة تونس، فأقام محاصرا لها، آخذا ~~بمخنقها أربعة عشر شهرا، حتى رقع الاتفاق بينه وبين ابن خراسان صاحبها، على ~~ما اقتضاه إقلاع العسكر عنها. # وفي سنة 459 قام بالمغرب، الأقصى محمد بن إدريس بن يحيى بن علي ابن حمود ~~الحسني، المستدعى من ميلية، فعبر إليها، وقال به جماعة بني ورتدي في ميلية ~~ونواحيها. وكان قد خطب له بالخلافة بمالقة، وتسمى بالمستعلي، فأقام بها ~~إلى، تغلب عليه باديس بن حبوس الصنهاجي صاحب غرناطة سنة 447، فانقرضت دولة ~~بني حمود يومئذ بالأندلس، واختفى بالمرية إلى أن استدعي. # وفي سنة 460 حاصر الناصر بن علناس بن حماد مدينة الأربس، وكان معه الأثيج ~~من العرب، وبقي عليها حتى افتتحها وأمن أهلها، وقتل عاملها ابن مكراز. ~~وفيها، وصل الناصر المذكور إلى القيروان مع العرب ودخلها. وفيها، استبد ~~أمير لمتونة على زناتة المستوطنين هنالك. # وفي سنة 461، عاد الناصر بن علناس بن حماد من القيروان إلى قلعته، خوفا ~~من جموع العرب، وفيها، شرع أبو بكر بن عمر اللمتوني في بنا ء مراكش على ما ~~يأتي في موضعه. # وفي سنة 465، وصلت إلى سفاقس مراكب شرقية، فأخرج إليها السلطان تميم بن ~~المعز أسطوله من المهدية، فأفسدها. # وفي سنة 466، وقيل 467 طردت زغبة من أفريقية: طردتهم رياح منها، وباعت ~~القيروان بن الناصر بن علناس بن حماد الصنهاجي صاحب القلعة. ms241 # وفي سنة 468، وصلت إلى أفريقية عرب برقة ونزلت حول القيروان وما والاها. ~~وفي سنة 469، كانت بأفريقية مجاعة عظيمة ووباء عظيم، مات فيه من الناس خلق ~~كثير. # وفي سنة 470 اصطلح تميم بن المعز والناصر ابن عمه وزجه بنته بلارة وجزها ~~إليه من المهدية في عساكر عظيمة ومال وأسباب وذخائر. وفي سنة 474، حاصر ~~تميم مدينة سفاقس. وعاث عسكره في أجنتها المعروفة بالغابة وأفسدها، وولى ~~تميم ابنه مقلدا مدينة طرابلس سنة 470. # وفي سنة 476، حوصرت المهدية، نزل عليها مالك بن علوي في جموع عظيمة من ~~العرب، فخرج إليه السلطان تميم فهزمه، وأقلع عنها منهزما، ودخل اقيروان. # وفي سنة 479، حاصر تميم مدينة قابي وسفاقس معا في زمن واحد، مما لم يسمع ~~مثله. # وفي سنة 480، كسفت الشمس كسوفا كليا. وجرى فيها ما جرى من نزول الروم على ~~المهدية في ثلاثمائة مركبا حربية، على ظهورها ثلاثون ألف مقاتل. # ذكر دخول النصارى مدينة المهدية PageV01P130 وسبب ذلك، مع قدر الله تعالى ~~غيبة عسكر سلطانها عنها ومفاجأة الروم قبل استقدامه إليها وأخذ الأهبة ~~للقائهم، وخلوا كافة الناس من الأسلحة والعدد وقصر الأسوار وتهدمها. وتكذيب ~~تميم بخبرهم وسوء تدبير عبد الله بن منكور متولي أمور الدولة في قصده ~~مخالفة قائد الأسطول في الخروج إليهم للقائهم في الماء ومنعهم من النزول في ~~البر. فكا كل ذلك سبب تغلبهم على المدينتين المهدية وزويلة، ونهبهم أياهما، ~~وقتلهم الناس فيهما، وإحراقهم بالنار ما هو مشهور بالمهدية إلى الآن. وقد ~~استوعب ذلك ابو الحسن الحداد في قصيدته التي أولها )منسرح(. # أنى يلم الخيال أو يقف ... وبين أجفان ثوى الدنف # غزا حمانا العدو في عدد ... هما الدما كثرة أو اللعف # عشرون ألفا ائتلفوا ... من كل أوب وليت ما اتلفوا # جاءوا على غرة إلى نفر ... قد جهلوا في الحروب ما عرفوا # وهي طويلة. # وفي سنة 481، مات الناصر بن علناي بن حناد الصنهاجي، وولي ابنه المنصور. # وفي سنة 482، عزا مالك بن علوي مدينة سوسة، ودخلها في طائفة من أصحابه، ~~ولم يتمكن له شيء من مراده فيها فخرج منها ms242 منهزما، وقتل جماعة من رجاله ~~وأسر بعضهم. # وفي سنة 483، غلت الأسعار في أفريقية، وكانت بها مجاعة شديدة. # وفي سنة 484، صلحت أحوال أفريقية في الخصب والرخاء. # وفي سنة 486، حاصر عسكر تميم مدينة قابس وأقام عليها حتى فتح ربضها. 488، ~~كان ما كان من غدر شاه مالك الغزي ليحيى بن السلطان تميم بن المعز، وسبب ~~ذلك أن تميما خاف الغزي وأوحش منه نفسه ونفس أصحابه لكلام قاله، فأضمر ذلك ~~شاه مالك في نفسه، وكان داهية مكرا، وخرج يحيى بن تميم أثناء ذلك متصيدا، ~~وفي صحبته نفر من أهل مؤانسته ومنادمته. وكان شاه مالك مع كثير من أصحابه، ~~فظفر به وقبض عليه وعلى جماعة من أصحابه. ولما بلغ تميما ذلك، أنفذ الخيل ~~في الغزي فوجدوه قد فات وسار إلى سفاقس ودخلها. فركب صاحبها حمو بن ومليل ~~وتلقى يحيى بم تميم مع الغزي الذي قبض عليه، فأقام عنده أياما، وكتب إلى ~~السلطان تميم يلتمس منه عيال الغز وأولادهم، فأمر تميم بإنفاذهم إليهم، ~~ودعا يحيى وأصحابه إلى المهدية. وفي سنة 489 فتح تميم مدينة قابس، وأخرج ~~منها عمر بن المعز أخاه وقد كان ولاه أهلها، وفي سنة 491، كانت بأفريقية ~~مجاعة شديدة. وفي هذه السنة، فتح تميم مدينة قرنقة ومدينة تونس. وخرج عدى ~~من أفريقية أمام رياح. # وفي سنة 493، فتح تميم مدينة سفاقس وخرج منها حمو بن ومليل هاربا إلى ~~قابس فقبله صاحب مجن بن كامل الدهماني وآواه حتى مات وفي سنة 498 مات ~~المنصور بن ناصر بن علسان، صاحب القلعة والباجية وما والاهما وولى ابنه ~~باديس وأقام قليلا ومات. ثم ولى أخيه العزيز بالله بن المنصور. وفيها وصل ~~المرمانيون إلى المهدية بأجفان كثيرة حربية، تسمى الشزاني ومعهم ثمانية ~~وعشرون مركبا. وكان قصدهم أن يجدوا فرصة كما وجدها الروم المتقدم ذكرها. ~~فقصدوا إلى باب دار الصناعة ليمنعوا أسطول المهدية إليهم فخاب ظنهم وخرجت ~~أسطول المهدية إليهم فهزموا وقتلوا كثيرا منهم. وفي سنة 499 وجه السلطان ~~تميم أبا الحسن النهري إلى جزيرة جربة في عدد جم وأسطول كثير ms243 فوجد أهلها قد ~~أخوا الأهبة له، واستعدوا واستمدوا فلم يتم له شيء من أمرها. # وفي سنة 500 غدرت مدينة باجة وقتل خلق كثير. وفيها رحل المهدي بن تومرت ~~القائم بدعوة من البربر المسمين بالموحدين بجبل هرغة بأقصى المغرب إلى ~~المشرق في طلب العلم فجاز إلى الأندلس وصل قرطبة وسار منها إلى المرية ومها ~~دخل في مركب إلى الشرق وفاب في مركب خمسة عشر عاما. # وفي سنة 501 ظهر في أفق المغرب كوكب عظيم من ذوات الذوائب وأقام ليلي ~~كثيرة. وفيها مات السلطان تميم بن المعز فكانت مدته سبع وأربعين سنة. # بعض أخبار تميم بن المعز # كان رحمه الله شهما شجاعا حازما عازما، يستصغر صعاب الأمور ويستسهل عظام ~~الخطوب ويغلب عليه شدة البطش والمبادرة. وهو أحد فحول شعراء الملوك وذو ~~السبق والتقدم في معانيه وبدائعه حوى فيه الجودة والكثرة. وله ديوان كبير ~~من شعره ؛ فمن قوله )وافر(: # فإما الملك في شرف وعز ... على التاج في أعلى السرير # وأما الموت ببين ظبا العوالي ... فلست بخالد أبدا الدهور PageV01P131 وله ~~في غلام اسمه مدام من قصيدة طويلة )متقارب(: # مدام يطوف بكاس المدام ... فلم أدر أيهما أشرب # فهذا الصديق وهذى الرحيق ... وهذا الهلال وذي الكوكب # وهذا يجود بألحاظه لي ... وهذى بألبابنا تلعب # وما البدر والنجم من ذا وذاك ... ولكنه مثل يضرب # وكان تميم بن المعز جميلا وسيم مدير القامة دري اللون أشم ابلج. وكان ~~يكثر من استغفار بدنه ويرى ذلك أنه تمم صحته. وكان يستعمل كل حار من ~~الأغذية والأدوية ويكثر الاصطلاء بالنار ويدخل الحمام الحر ويكثر الجماع ~~ويشرب الأدوية القوية كالمحمودة وغيرها، ويجاوز في ذلك المقدار حتى جف لحمه ~~وفسدت حركاته الطبيعية. وأقعد ثم مات في منتصف رجب من سنة 501 فكان عمره ~~تسعا وسبعين سنة وولايته من وفاة جاوز عددهم المائة. وقيل أنه كان له من ~~الولد وولد الولد نحو ثلاثمائة. # دولة يحيى بن تميم بن المعز # ونبذ من أخباره وسيرته # مولده بالمهدية سنة 457. وولى سنة 501 وعمره إذ ذاك ثلاثة وأربعون سنة. ms244 ~~وكان حاذقا بتدبير دولته ساهرا في سياسة رعيته كثير المطالعة لكتب السيرة ~~والأخبار أديبا شاعرا ذا حظ في اللغة العربية صالح. وكان حسن الوجه أشهل ~~العينين أهجر الصوت. وتوفى ثاني عيد النحر من سنة 509 فجأة مقتولا في قصره ~~بالمهدية فكانت مدة ملكه ثماني سنين وستة أشهر، وخلف من الأولاد ثلاثين ~~ولدا ذكور. ومما حدث في أيامه من الوقائع ما أذكرها ملخصا، مؤرخة بأوقاته. ~~وفي سنة 503 فتح يحيى بن تميم قلعة أقبلية. قال ابن القطانم كان لتميم بن ~~المعز من الولد ثلاثمائة فنفى يحيى أكبرهم إلى المشرق والمغرب والأندلس. ~~وكانت أيام يحيى هادنه ووادعه. وكان يطلب عمل الكيمياء وجعل لها دارا تردها ~~الطلبة وأجرى عليها الإنفاق ومكنهم من الآلات. # وفي سنة 503 جرد يحيى بن تميم كمن أسطوله خمسة عشر غرابا للغزو في بلاد ~~الروم فأصيب منها ستة وعادة البقية إلى المهدية. # وفي سنة 504 كان بالمغرب زلازل عظيمة دامت شهر شوال كله. # وأمير أفريقية يحيى بن تميم بن المعز. # وفقي سنة 505 وصل سوار صاحب مصر بهدية إلى أمير أفريقية يحيى بن تميم ~~فتلقاه بغاية الإكرام والاهتمام وأقام عنده حتى صرفه وأصحبه من الذخائر ~~والألطاف ما لا يحيط به الوصف. # وفي سنة 507 وصلت أسطول المهدية بسبي كثير من بلاد الروم في ربيع الآخر ~~فسر بذلك يحيى بن تميم والمسلمين. # وفي سنة 508 ولى يحيى ابنه عليا مدينة سفاقس وولى أخاه عيسى مدينة سوسة. ~~وفيها حجم الروم على مدينة ميورقة وهي بيد مبشر الفتى مولى ابن مجاهد ~~ودخلها عنوة وقتلوا رجالها وسبوا ذراريها ونساءها وذلك بعد حصار شديد ثم ~~استرجعها علي بن يوسف من أيدي الروم. # وفي سنة 509 وصل إلى المهدية رجلان أو ثلاثة ذكروا أنهم طلبة المصامدة ~~عارفين بصناعة الكيمياء فأبيح لهما بالدخول إلى دار العمل. فما أحكما ما ~~أرادا استأذنا على السلطان يحيى بن تميم. فقال لهما: )أوقفاني على الطرح ~~وحقيقة السر!( فقال: )على أن لا يحظر إلا أنت ووزيرك!( فحظر هو ووزيره ~~وعبده أبو ms245 خموس فصنعا البوط وألقيا الرصاص وأحميا عليه وجعلا كنهما يخرجان ~~الإكسير. فأخرجا خناجيرهما وقتلا الوزير وأبا خنوس وأكثر في السلطان ~~الجراحات. فبقى يعاني جراحه حتى مات وقالا له حين جرحاه: )أيها الكلب تعجب ~~نحنو أخواك فلان وفلان نفيتنا وبقيت في الملك!( وثارت الصيحة إذ ذاك فدخل ~~العبيد وقتلا الرجلان للحين. # ومات يحيى يوم العيد الأضحى من سنة 509، وكان الأمير يحيى، مدة مرضه إثر ~~هذه النوبة والغدر، ونفي ابنه الفتوح إلى قصر زيادة، وأظهر اتهامه في ~~القضية. فأقام هناك إلى حين وفاة أبيه وولاية على أخيه. ثم نفاه علي أيضا ~~إلى المشرق، فتوفى هنالك. وفي هذه السنة، عقد الأمير يحيى نكاح العزيز ~~بالله بن المنصور، صاحب القلعة وبجاية، على بنته بدر الدجا، وجهزها إليه. # دولة علي بن يحيى بن تميم بن المعز # بالمهدية وبعض بلاد أفريقية PageV01P132 لما توفي الأمير يحيى، أجتمع أهل ~~الدولة على نفاذ كتاب إلى علي على لسان أبيه، وكان علي يلي سفاقس، فكتبه ~~الكاتب، وكتب علامة يحيى كانت: )الحمد لله وحده!( فوصل الخبر إلى علي ليلا، ~~فخرج لوقته، فوصل إلى المهدية ثالث عيد النحر، ودخل الناس إليه معزين ~~ومهنئين، وعمره ثلاثون سنة، فاستأبت له الأمر، واستوسق له الملك. وكان ~~كريما جوادا، يركن إلى الراحة واللذات، واتكل على قوم فوض إليهم تدبير ~~دولته، فعاجلته منيته في ربيع الآخر من سنة 515، فكانت دولته خمس سنين ~~وأربعة أشهر وأثنى عشر يوما. وخلف من الولد الذكور أربعة: الحسن، والعزيز، ~~وباديس، واله )؟(. # وفي سنة 510، أمر بعمارة الأسطول إلى جرية، فحاصرها إلى أن أقر أهلا ~~بالطاعة له، ونزلوا على حكمه. # وفي سنة 511، أرجف العوام بأنه سيكون في رمضان حادث كبير، وأن السلطان ~~يموت فيه. وفشا القول بذلك، وانتشر. فأكذب الله أحاديثهم. وقال الشعراء في ~~ذلك كثيرا. فمنه طوي: # وأشاعوا أباطيل وبثوا زاخارفا ... دعتهم لها آمالهم والمطامع # فلو يستطيع الناس من فرط حبهم ... لضمتك أحشاء لهم وأضالع # ومنها: # أصبح قول المبطلين مكذبا ... ومد لك الرحمن في أمد العمر # فأين الذي حد المنجم كونه ... إذا مر ms246 للصوام عشر من الشهر # وفيها، وصل رسول صاحب مصر بهدية إلى المهدية. وفيها، حاصر علي ابن يحيى ~~مدينة قابس، ودون بعض قبائل العرب، فلما بلغ ذلك رافعا صاحبها، خرج متطارحا ~~على وجوه الجيش، راغبا في الصلح، فلم يجيبه علي إلى ذلك، وفي أثناء ذلك، ~~نزل على المهدية بيوته، ومن ساعده من عشيرته، فخرج من كان بالمهدية، فهجموا ~~على بيوته، فتصايحن نساء العرب، فغارت العرب لذلك، وقعت الحرب بين ~~الفريقين، والأمير على باب زويلة. أن عليا دون على رافع ثلاثة أخماس العرب ~~من جيشه، فصمد رافع نحوهم، والتقى الجمعان. ثم ولى رافع قاصدا إلى ~~القيروان. واجتمعت شيوخ دهمان، واقتسموا البلاد بينهم، فأعطوا رافعا مدينة ~~القيروان. ووصلت العرب المدونة إلى الأمير علي بن يحيى، فوهبها أموالا جمة ~~وأمره بالمسير إلى القيروان. فوقع بينهم وبين رافع قتال شديد، وكان الظهور ~~فيه لحزب علي بن يحيى، في خبر طويل. # وفي سنة 512، وصل إلى الأمير علي بن يحيى، من قبل صاحب صقلية رجار، رسول ~~له يلتمس تجديد العقود، وتأكيد العهود ويطلب أموالا كانت له موقفة بالمهدية ~~وذلك بعنف وغلظة. فرد على رسوله جواب وجبهه بالقول. فتزايدت الوحشة بينه ~~وبين رجال، فأوسع شرا، وحال بعد ذلك مكرا قال ابن القطان: وكان في هذه ~~السنة غلاء عظيم، ووباء، وبلغ ربع الدقيق بتلسمان عشرين درهما. # وفي سنة 513 أغزى إبراهيم بن يوسف أخو علي بن يوسف بن تاشفين ملك الغرب، ~~قورية بالأندلس ففتحها الله عليه. وأمير أفريقية علي ابن يحيى ابن تميم. # وفي سنة 514 كانت وقعة بالأندلس انهزم فيها المسلمون وهي وقعة قتندة، قال ~~ابن القطان: مات فيها نحو عشرين ألفا وفيها، كان حلول ابن تومرت المتلقب ~~بالمهدي بأغمات، محرضا على الخروج على السلطان وتفريق الكلمة المنتظمة. # وفي سنة 515، خرج علي بن يوسف من مراكش إلى الأندلس، فوصلها في ربيع ~~الأول وأخر ابن رشد عن القضاء، وولى أبا القاسم بن حمدين، ثم رجع إلى ~~مراكش. وفيها، توفي أمير أفريقية علي بن يحيى بن تميم. # دولة الأمير الحسن ms247 بن علي # ابن يحيى بن المعز بأفريقية # كان أبوه فوض إليه الأمر في حياته وعمره أثنتا عشرة سنة وتسعة أشهر، ~~ومولده بمدينة سوسة في رجب سنة 502. فلما مات أبوه، دخل الناس أليه مهنئين ~~ومعزين بالملك والوفاة، وانشده الشعراء وتكفل بأمر دولته صندل الخادم، لا ~~لمعرفة ولا سياسة. PageV01P133 وفي سنة 516، غزى أبو عبد الله بن ميمون ~~قائدا علي بن يوسف ن ملك البرين، جزيرة صقلية، فافتتح بها مدينة نقوطرة من ~~عمل رجار صاحب صقلية، وسبى نساءها وأطفالها، وقتل شيوخا، وسلب جميع ما وجد ~~فيها. فلم يشك صاحب صقلية أن المحرك والمسبب له هو أمير أفريقية الحسن بن ~~علي، لما تقدم بينه وبين أبيه من الوحشة العظيمة فاستنفر أهل بلاد الروم ~~قاطبة فالتأم له ما لم يعهد مثله كثرة فعلم بذلك الحسن بن علي، فأمر بتشييد ~~الأسوار واتخاذ الأسلحة وحشد القبائل واستقدام العرب. فجاءت الحشود من كل ~~وجه ومكان والناس متأهبون لما يطرقهم منهم. # وفي سنة 517، في أواخر جمادى الأولى، وصلت أسطول الإفرنج إلى جزيرة ~~الأحاسي، وخرج منهم إلى البر خلق كثير وابسطوا حتى بعدوا عن البحر أميالا. ~~وفي اليوم الثاني، خاء إلى المهدية ثلاثة وعشرين شينيا، فعينوا العساكر ~~والحشود ثم انصرفوا إلى الجزيرة، فوجدوا العرب قد انكشفوا من كان بها من ~~الروم عن مواضعهم، ومزقوا مضاربهم فقويت نفوس المسلمين بذلك. وكان رجار قد ~~أمر أسطوله أن يدخل تلك الجزيرة، ويأخذ قصر الديماس، وأن يسير الخيل ~~والرجال من هنالك على تعبئة في البر إلى المهدية، لليلتين خلتا من جمادى ~~الأولى، في أخر ليلة منه كبر المسلمون ودخلوا الجزيرة فانهزم الروم إلى ~~أجفانهم، بعد ما قتلوا بأيديهم كثيرا من خيولهم. وأخذ المسلمون فيما ~~يحتاجونه إليه نحو أربع مائة فرس، وآلات كثيرة وأسلحة. وأحاطت العساكر بقصر ~~الديماس، تقاتله، وأهل الأسطول في البحر يعاينون ذلك، إلى أن طلب الروم ~~الأمان من السلطان الحسن بن على بن يحيى بن تميم، فلم تساعد العرب على ذلك. ~~وخرجوا من منتصف جمادى الآخرة ن فأخذتهم السيوف، وقتلوا عن أخرهم. ms248 وكان عدد ~~الأجفان نحو ثلاثمائة، وعدد لخيل فيها نحو ألف فارس. # أخبر أبو الصلت قال: أخبرني عبد الرحمن عبد العزيز قال: رأيت على باب ~~رجار بصقلية رجرا من الإفرنجة طويل الحية يتناول طرف لحيته بيده، ويقسم ~~بالإنجيل أنه لا يأخذ منها شعرة حتى يأخذ ثأره من أهل المهدية فسألت عنه، ~~فقيل لي أنه لما انهزم، جذب بها حتى أدمته. إلى أن انتهى كلام ابن الصلت في ~~أخبار المهدية وأميرها الحسن بن علي بن يحيى ابن تميم إلى سنة 517 وبقى ~~الحسن بن علي ملكا للمهدية وبلاد تلك الجهات إلى سنة 543. ثم خرج باستيلاء ~~صاحب صقلية عليها. # وفي سنة 518، استفحل أمر المهدية والموحدين بالمغرب وأمير أفريقية الحسن ~~بن علي بن يحيى. ومات في هذه السنة العزيز بالله صاحب بجاية، وولى ابن ~~يحيى. وكان لبني الناصر بن علناس بن حماد ببجاية والقلعة وتلك البلاد وزراء ~~يعرفون ببني حمدون، وتوارثوا وزرارتهم، منهم ميمون بن حمدون عند يحيى هذا، ~~فنشأ ليحيى ولد ولاه الأمر بعده وفوض الأمور إليه في حياته، فجعل الولد ~~يستنقص الوزير ميمونا، ويقبح أفعاله، ويسميه الشيخ الكذاب. فخاف منه ميمونا ~~على نفسه، وخاطب أبا محمد عبد المؤمن وفي سنة 519، كان أمير أفريقية الحسن ~~بن علي على حاله. وخرج الطاغية ابن ردمير إلى بلاد المسلمين، فدوخها بلدا ~~بلدا، وضيق عليها. # وفي سنة 520 اجتمعت عساكر المسلمين بالأندلس، فتلاقوا مع عدو الله ابن ~~ردمير، وكان قد أذاق المسلمين شرا منذ سنين، فدارت بين الفريقين حرب عظيمة ~~كان الظفر فيها للمسلمين. ثم أخبر الناس أن تميما رجع فارا بنفسه، فانهزم ~~المسلمون، وركبهم النصارى بالقتل واحتووا على المحل بما فيها وسار تميم إلى ~~غرناطة، وانبسطت خيل النصارى على المسلمين يقتلونهم كيف شاءوا وتفرق الناس ~~أيدي سبا ولجئوا إلى المعاقل، وكانت قريبا منهم، فوافاهم الله شرهم. # وفي سنة 521، وقيل في سنة 520 نهض أبو الوليد بن رشد إلى مراكش للاجتماع ~~بعلي بن يوسف في المصالح، وعز تميم عن غرناطة. # وفي سنة 523، أشر ابن رشد ببناء سور ms249 مراكش فبناه علي بن يوسف وأنفق فيه ~~سبعين ألف دينار وفيها، بعث العزيز بالله بن المنصور صاحب بجاية عسكرا إلى ~~المهدية قود عليه ابن المهلب فنزل عليها ثم انصرف ناكصا على عقبه وفيها، ~~وصل مطرف بن علي بن خزرون الزناتي إلى تونس وأخرج منها احمد بن عبد العزيز ~~بن عبد الحق بن خرسان، وقفل إلى الحجاز وبها مات على ما يأتي. وولي تونس في ~~هذه السنة كرامة بن المنصور الصنهاجي من قبل صاحب بجاية. PageV01P134 وفي ~~سنة 523 كان الأمير بأفريقية حسن بن علي على ما كان عليه في السنة قبلها، ~~وصاحب بجاية يحيى بن العزيز بالله، ووزيره ميمون بن حمدون. # وفي سنة 524 قتل أمير مصر الملقب بالأمر، وكان جبارا عنيدا، قتله الغلام ~~الذي أسمه حرز الملوك، وكان الأمر ولي عهده عبد المجيد. # وفي سنة 527، قال الوراق في )مقابسه(: بعث الله قوما تحالفوا على قتل ~~الجبار العنيد بمصر الملقب بالأمر. قيل أنه قصدوا إليه من بلاد الشام ~~احتسابا وكانوا عشرة أناس، فأقاموا بمصر، وعلموا بيوم ركوبه، وكان إذا ركب ~~سدة الحوانيت والديار في ممره ولا يمر في طريقه أحد سواه ويجعل نصف عسكره ~~أمامه، ونصفه ورائه، وفي وسط تلك المسافتين التي أمامه وخلفه فارسان، ~~بينهما وبينه ما بينهما وبين العسكر وحمله أربعة من عبيده فقصد هؤلاء القوم ~~إلى طريقة وفيه فرن، فقصدوا إلى الفران، ومعهم دقيق وقالوا له: )نريد منك ~~أن تخبز لنا هذا الدقيق، فأنا قوم غرباء مسافرون( فاعتذر لهم بالسلطان ~~فرغبوه، وشارط عليهم العجلة، ثم أشغلوه بالحديث إلى أن مر عليه مقدم العسكر ~~الأول فأعنف عليهم في الخروج فلما رأوا ذلك ادخلوه داخل الفرن وسدوا فمه ~~بغطائه وغلقوا باب الفرن عليهم إلى أن سمعوا حوافر فرسه. فأول من خرج من ~~الفرن كلها منهم، فجعل يسجد إلى الأرض، وينادي: )أنا بالله وبعدل مولانا( ~~وسجد مرة بعد أخرى إلى أن ألقى بيده في شكائم الفرس، وأخرج سكينا وضرب بها ~~بطن الفرس فسقط إلى الأرض وخرج أصحابه من الفرن مبادرين، فضربوه ms250 بسكاكينهم ~~إلى أن فرغوا من قتله. وقتلوا في الحين أجمعين وأراح الله من الفاجر الطاغي ~~وهو الذي أكثر في زمانه دعوى الباطل ونصرة الظالم وعمل جهنم يعذب فيها ~~الناس، وأباح المحظورات جهارا في النزهات، وغير ذلك من قبائحهم - لعنهم ~~الله - أعني الشيعة العبيدية. # وفي سنة 528 كان ولاة أفريقية على ما كانوا عليه في السنة قبلها. # وفي سنة 529، صرخ الموحدون بموت المهدي، وسموا عهد المؤمن بأمير ~~المؤمنين، وفيها، ولي القضاة قاضي عبد الحق بن عبد الله بن معيشة، فأراق ~~الخمر وكسر الدنان، وشدد على أهلها، وزاد في الجامع الكبير فكان البناء فيه ~~في أخر هذه السنة. # وفي سنة 530 نزل على حمود على المهدية، بعسكر من قبل صاحب بجاية العزيز ~~بن المنصور ومال برسم العرب فنزل بظاهر زويلة وناشب القتال برا وبحرا، ~~فأخرج إليهم صاحب المهدية أسطوله فأخذوا من أسطول بجاية غرابي أمر بسجن ~~قائدهما، فأما الواحد فمات بسهم أصابه ثم وصلت العرب لنصرة المهدية فرحل ~~عسكر بجاية عن المهدية بعد أقامته سبعين يوما. وأمر الحسن بن علي قائده ~~بقتل القائدين فقتل أحدهما بين يديه ووجد الآخر قد مات من سهم كان أصابه. ~~وفيها جهز رجار صاحب صقلية أسطولا، فقصدوا جزيرة جربة، واستولوا عليها ~~وسبوا أهلها. وفي سنة 533، كان موت عبد المجيد صاحب مصر وكان للشيعة في ~~تولية خليفة عليهم خبر طريف يذكره في موضعه ز وفي سنة 536 توفى أبو عبد ~~الله المازري وأبو الصلت. وفيها أخذ صاحب المهدية المركب الذي أنشأه صاحب ~~بجاية، وبعثة بهدية إلى صاحب مصر، وسبب ذلك أنه كان في الإسكندرية مركب ~~للحسن صاحب المهدية عطله عن السفر صاحب الديوان لأنه سعى في الشتاة بين ~~الحسن وبين صاحب مصر، وقصد المواصدة بين صاحب مصر وصاحب بجاية، فأقلعت ~~المراكب وبقى هو محبوسا. واقلع في جملتها المركب البجائي ببضائع عظيمة لها ~~شأن وأثمان للتجار وهدية إلى صاحب بجاية. فعمل عليه الحسن، وأخذه، وأمر ~~بتفريغه. وبقي المركب فارغا حتى جاءت صدمة أكتوبر، فأنكسر وفي هذه السنة، ~~خرج جرجي ms251 من صقلية في خمسة وعشرين غرابا، وضرب على مرسى المهدية ن فأخذ ~~جميع ما كان فيه من المراكب وفيه مركب جديدا أنشأه الحسن من خشب المركب ~~الذي انكسر لصاحب مصر. # وفي سنة 537، خرج أسطول صاحب صقلية، فضرب على مدينة أطرابلس، فخيبه الله. # وفي سنة 538، دخل مدينة سفاقس ودخلت في عمل رجار صاحب صقلية. PageV01P135 ~~وفي سنة 543، كان تغلب الروم على مدينة المهدية، وخرج منها صاحبها الحسن بن ~~علي بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس بن المنصور بن بسلجين ابن زبرى بن ~~مناد بن منقوش صنهاجي بحملته وحاشيته. وتبعه أهل البلد فارين بإهليهم. وكان ~~قائد رجار صاحب صقلية جرحى بن ميخايل الأنطاكي وكان أبوه علجا من علوج أبيه ~~تميم. فكان هذا اللبعين عارفا بعورات المسلمين بالمهدية وغيرها فلم يزل ~~رجار وقائده جرجا بحيلان على المهدية بحيلهما إلى أن استولوا عليها في هذه ~~السنة. وتعرف هذه الكائنة الشنعاء بكائنة يوم الاثنين فبقيت بأيد الروم حتى ~~أفتتحها الموحدون، على ما أذكر في دولتهم، ولما استولى صاحب صقلية على هذه ~~المدينة كانت بأفريقية مجاعة عظيمة، فخاف أهل تونس من أهل هذه السواحل من ~~النصارى. وكان صاحب صقلية افتتح سفاقس ودخل بونة، وسبى أهلها، فأخذ أهل ~~تونس في الاستعداد والأهبة والوقوف بجماعاتهم وقتا بعد وقت عند باب البحر، ~~بمحضر واليهم معد بن المنصور وهو من الديوان الذي على الباب فخرجوا يوما من ~~أيام عرضهم، فوجوا قاربا يسوق زرعا، فأبكرت العامة خروج الزرع من بلدهم في ~~تلك الشدة إلى موضع تحت مملكة الروم، واجتمعوا على منعهم، وضجت العامة ~~وارتفع صياحهم، فتعرض لهم رجال معد بن المنصور، فوضعوا السلاح فيهم وفي ~~عبيد معد واليهم وقتلوهم قتلة الشيعة وأطلقوا النار تحت برج الديوان، فنزل ~~معد عنه، واستسلم للعامة، فوقفوا عنه، فكانوا يأخذون رجاله وعبيده من تحت ~~ركابه، ويقتلوهم. وبقى معد ذلك بتونس على حال قهر من العامة، وكتب إلى ~~بجاية، فجاءه غراب منها، فطلع فيه مع بنيه، وسار إلى بجاية، ورجع النظر في ~~تونس لقائد من قواد ms252 صنهاجة مدة يسيرة، ثم انصرف، وبقى البلد في حكم العامة، ~~فكانت الفتنة المشهورة فيهم، والقتال بين أهل باب السويقة وأهل باب ~~الجزيرة، ومدبرهم في تلك المدة قاضيهم أبو محمد عبد المنعم بن الأمام أبي ~~الحسن - رحمه الله - ولما اشتد خوف أهل تونس من صاحب صقلية ومما سمعوه من ~~غضب بجاية واستعداده لهم، أخذوا في تمليك محمد بن زياد العربي بإرادة ~~قاضيهم. فلما عزموا على ذلك، ووصل ابن زياد إلى تونس، وخرج القاضي والأشياخ ~~إلى لقائه، صاح رجل من العامة: )لا طاعة لعربي ولا غزي( وقامت الفتنة. فرجع ~~ابن زياد إلى القلعة، وأراد القاضي الرجوع إلى المدينة، فمنعه العامة ~~وأخرجته، فسار مع ابن زياد إلى القلعة، ولأقام بها مدة طويلة، إلى أن مات - ~~رحمه الله - فيقال أنه كان راقدا في الصيف في طلق علو، فوقع منها ومات، ~~ويقال أنه رمي منها، ثم إن العامة وجهوا إلى أبي بكر إسماعيل بن عبد الحق ~~بن خراسان، فوصل إلى تونس بالليل، فرفع قفي قفة من السور وولي تونس، فأقام ~~عليها نحو سبعة أشهر، ثم غدر به عبد اله ابن أخيه عبد العزيز، على ما يأتي، ~~وإذ قد وقع ذكر بني خراسان، ولايتهم تونس على النسق ومن وليها من غيرهم إلى ~~دخول الموحدين إليها، بحول الله تعالى. # ذكر من ولي تونس من الأمراء # من بعد زوال ملك المعز بن باديس منها PageV01P136 لما انتقل المعز من ~~القيروان والمنصورية إلى مدينة المهدية، وأسلمها إلى العرب، واختل ملكه ~~بفتنة العرب الواصلين من المشرق، كما تقدم، واستحوذوا على كثير من حواضر ~~تونس وما يليها من البلدان ما كان، مثل باجة والأربس وما يليها، وكان بنو ~~حماد قد طمعوا في ملك أفريقية، وصارت عمالة القيروان في أيديهم مدة ~~بمداخلتهم العرب وإحسانهم إليهم وانقطع ملك المعز عن توني وغيرها، وضعفت ~~دولتهم بالمهدية عن حمايتها، فمشى أشياخ من أهلها لى الناصر بن علناس، وهو ~~إذ ذاك في القلعة دار ملكهم، وناظمة سلكهم، فاستدعوا منه النظر إلى مدينتهم ~~وتقديم وال من قبله عليهم، ms253 فأمرهم أن يختاروا شيخا منهم، يقوم بأمرهم خلال ~~ما ينظر إليهم، فيقال أنهم راموا تقديم كبير منهم، فاستعفى وتوقف. فوليها ~~من قبل الناصر عبد الحق بن عبد العزيز بن خراسان، فأقام بها إلى أن مات سنة ~~488، ثم وليها بعده ولده عبد العزيز بن عبد الحق، فأقام بها إلى أن، مات في ~~سنة 500، ثم وليها ولده أحمد بن عبد العزيز بن عبد الحق، فبقى واليا عليها ~~اثنين وعشرين سنة، حتى أخرجه عنها مطوف بن علي بن حمدون إلى بجاية، وكان قد ~~بنى قصرا بتونس، سمى قصر بني خراسان، وطالت مدته كما ذكرنا، فاشتدت وطأته، ~~وخرج عن سيرة الأشياخ إلى آثار جبابرة الملوك، وقتل عمه إسماعيل بن عبد ~~الحق، وكان أحق منه بالأمرة. وفر ولده أبو بكر بن إسماعيل إلى بنزرت، ~~فلأقام بها خوفا منه، وأخرج جماعة من لأهل تونس وأشياخها، ونفاهم إلى ~~المهدية وغيرها، واستبد برأيه في أمور تونس، إلى أن وصلت أخباره إلى ~~المنصور صاحب بجاية، فجهز إليه عسكرا قدم عليه مطوف بن علي بن حمدون، فوصل ~~إلى تونس عام 522، فخرج أحمد إليه، واستسلم في يديه، فنقله إلى بجاية من ~~تونس كرامة بن المنصور من بني حماد، إلى لأن مات في سنة كذا وخمسمائة، ثم ~~وليها بعده أخوه أبو الفتوح بن المنصور، إلى أن مات، ثم وليها بعده محمد بن ~~أبي الفتوح، فلم تستحسن سيرته، فأخرج عنها ووليها معد بن المنصور وكان ~~آخرهم فأقام عليها إلى سنة 543 حين استيلاء الروم على المهدية، فخاف أهل ~~تونس منهم، وثاروا على أميرهم معد كما تقدم، وثارت العامة بها، وكانت ~~الفتنة المشهورة فيها. ثم انهم وجهوا إلى بنزرت، وقدموا أبا بكر بن إسماعيل ~~بن عيد الحق، غدره عبد الله ابن أخيه عبد العزيز بعد إقامته في ولايته سبعة ~~أشهر، وأخرجه في قارب في البحر، فرماه البحر ميتا عند قلعة ابن غبوش. ~~فيقال: غرق، ويقال: غرق. فوليها عبد الله المذكور نحو عشر سنين، وهو الذي ~~قتل القاضي أبا الفضل جعفر بن حلوان وقتل معه ms254 ولده وولد أخته ابن الباد، ~~لما خشي أن يجمعوا عليه العرب. وفي أيامه وجه عبد المؤمن عبد الله بن ~~سليمان في قطع من أسطول سبتة وأمره بالكشف عن تونس وقوتها والمجاورين لها ~~من الأعراب، وبعد ذلك بعام وصل السيد أبو محمد عبد الله بن عبد المؤمن إلى ~~تونس، ونازلها وحاصر عبد الله بن خراسان فيها مدة، ثم أقلع عنها إلى بجاية، ~~وذلك في سنة 553، وفي سنة 551، في شوال كان القيام على النصارى بالمهدية ~~وحاصرهم فيها. # وفي سنة 552 استولت الروم على زويلة. # وفي سنة 554، دخل عبد المؤمن أفريقية المرة الثانية، ونازل تونس ثم أقلع ~~عنها وحاصر النصارى بالمهدية، وفي سنة 555، دخل أبو محمد عبد المؤمن مدينة ~~صلحا، واستولى الموحدين عليها في العاشر من شهر محرم. # وفي سنة 558، كانت كائنة يوم السبت بنزول الروم على المهدية، وأخذوا ~~مدينة سوسة ثم خرجوا عنها. # وفي سنة 573، كانت يوم الجمعة بنزول النصارى على المهدية ثم غادرها عبد ~~الكريم في ربيع الآخر منها، ودخلها يحيى بن غانية الميورقي في شعبان من سنة ~~578، فلم يزل بها هو وأصحابه لمتونة، ومسوقة، يغيرون منها على أفريقية، حتى ~~تملكوا بعض بلادها، إلى أن دخلها الناصر مع الموحدين، في جمادى الأولى من ~~علم 602. # ذكر الأمراء والولاة بأفريقية لخلفاء بني أمية PageV01P137 عقبة بن نافع، ~~ثم أبو المهاجر، ثم عقبة ثانية، ثم زهير بن قيس، ثم حسان بن النعمان ~~الغساني ثم موسى بن نصير ثم محمد بن يزيد ثم إسماعيل ابن عبد الله ثم يزيد ~~بن أبي مسلم الثقفي ثم محمد بن أوس الأنصاري ثم بشر بن صفوان ثم عبيدة بن ~~عبد الرحمن السلمي ثم عبد الله الحبحاب ثم كلثوم بن عياض ثم حنظل بن صفوان ~~ثم عبد الرحمن بن حبيب القرشي ثم الياس بن حبيب ثم حبيب بن عبد الرحمن. # فهؤلاء الثمانية عشر هم الولاة عليها من بين أمية. # ووليها للصفوية عاصم الورفجومي، وعبد الملك بن أبي جعد. وكانت مدتهم سنة ~~واحدة وشهرين ووليها للأباضية أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح، ms255 مولى ~~المعافر، وكانت مدته سنتين اثنتين ووليها أبو العباس محمد بن الأشعث ~~الخزاعي. ثم عيسى بن يوسف القيسي. ثم الأعلب بن سالم التميمي ثم الحسن بن ~~حرب الكندي ثم الأغلب. ثم سالم ثاني ثم عمر بن حفص المهلبي. ثم يزيد بن ~~حاتم السلمي ثم داود بن يزيد ثم روح بن حاتم. ثم الفضل بن روح بن حاتم، ثم ~~هرثمة بن أعين، ثم محمد بن مقاتل العكي، ثم تمام بن تميم التميمي، ثم محمد ~~بن مقاتل ثانية. # ووليها من بني الأغلب إبراهيم بن الأغلب وعبد الله بن إبراهيم بن الأغلب. ~~والأغلب بن إبراهيم بن الأغلب. ومحمد بن الأغلب بن إبراهيم وأحمد بن محمد ~~بن الأغلب بن إبراهيم. وزيادة اله بن محمد بن الأغلب ين إبراهيم. ومحمد بن ~~محمد بن الأغلب بن إبراهيم. وإبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب بن ~~إبراهيم. وعبد الله بن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب. وزيادة الله بن ~~عبد الله بن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب. وهو آخر بني الأغلب ~~بإفريقية وكان انقراض دولتهم سنة 296. # ومن الشيعة العبيدية أبو عبد الله الداعي. ثم عبيد اله المهدي. وإليه نسب ~~العبيدية بمصر، ثم ابنه القاسم بن عبد الله، ثم ابنه إسماعيل بن أبي القاسم ~~وهو الذي ملك مصر ورحل إليها في أخر أيامه. # ومن صنهاجة القائمين بدعوة العبيدية ومن ولايتهم بلجين بن زيري. المنصور ~~بن بلجين. باديس المنصور. المعز بن باديس تميم بن باديس. علي بن يحيى. ~~الحسن بن علي. وعليه دخل الروم. # ذكر صفة الأندلس وأوليتها # أما صفة الأندلس، فإنها جزيرة مركنة، ذات ثلاث أركان، قريبة من شكل ~~المثلث: الركن الواحد منها عند صنم قادس، والركن الثاني في بلاد حليقية، ~~وهو مقابل لجزيرة بركانية حيث الصنم المشبه بصنم قادس، والركن الثالث ~~بناحية الشرق، بين مدينة أربونة ومدينة برذيل حيث هو قرب البحر المحيط ~~الغربي من البحر المتوسط الشامي، وكاد البحران هناك أن يجتمعا في ذلك ~~الموضع، فتصير الأندلس في جزيرة أولا يسير ما بقي ms256 منها، وهو مسيرة يوم ~~كامل، وفيه مدخل يقال له الأبواب، وفيه تتصل الأندلس بالأرض الكبيرة. ~~فالأندلس كلها محدقة بالبحر: البحر المحيط الغربي والبحر المتوسط القبلي، ~~ويصعد منه قليل إلى ناحية الشرق؛ فحد الأندلس في الشرق والغرب وبعض الجوف ~~البحر المحيط، وحدها في بعض القبلة والشرق البحر المتوسط، إلا أنه يتوسط ~~الأرض كلها. وقيل إنه قي آخر الأقاليم السبعة. # وقيل إن أول من نزل الأندلس بعد الطوفان قوم يعرفون بالأندلش )بشين ~~معجمة(؛ فسميت بهم الأندلس )بالسين غير معجمة(. وقيل إنهم كانوا مجوسا؛ ~~فأراد الله قلعهم منها؛ فحبس المطر عنهم حتى غاضت مياههم وعيونهم وأنهارهم، ~~وخرجوا منها، وافترقوا في البلاد؛ وأقامت خالية مائة سنة، من حد إفرنجة إلى ~~البحر؛ ثم دخلها بعد ذلك قوم من الأفارقة، أجلاهم صاحب إفريقية من الجوع؛ ~~فلما نزلوا الأندلس، وجدوا أنهارها قد جرت؛ فملكوها نحو مائة وخمسين سنة. ~~وعدد ملوكهم أحد عشر ملكا، ودار ملكهم مدينة طالفة. ثم غلبت عليهم ~~الإسبانية، حتى أخرجوهم عن الملك، وصار الملك إليهم؛ وبهم سميت إشبيلية؛ ~~فبنوها وسكنوها؛ وخربت طالقة. وهجم عجم رومة، فكانوا ملوكا، حتى دخل ~~البشترلقات على الرومانيين، وقد بعث الله المسيح - عليه السلام! - فبعث ~~الحواريين إلى البلدان كلها، وظهر دين النصرانية وغلب. قم كان دخول ~~البشترلقات من رومة. وكانوا يملكون إفرنجة، ويبعثون عمالهم إليها. ودار ~~ملكهم ماردة؛ فكانت عدة ملوكهم سبعة وعشرين ملكا. PageV01P138 ثم ظهر ~~بإشبيلية إشبان؛ وكان رجلا ضعيفا حراثا؛ فوقف به الخضر - عليه السلام! - ~~وهو يحرث؛ فقال له: )إذا غلبت علي إيلياء، فأرفق بأولاد الأنبياء!( فقال ~~له: )كيف يكون هذا، وأنا ضعيف، من غير بيت ملك؟(. فقال له: )يقدر ذلك من ~~قدر في عصاك ما قدر!(. فلما نظر إلى عصاه، إذا بها قد أورقت؛ ففزع. وغاب ~~عنه الخضر. ووقع ذلك نبنفس إشبان؛ فلم يزل يصطنع الرجال حتى علا اسمه، وشاع ~~ذكره، وتغلب على الأندلس؛ فخرج في السفن إلى أيلياء؛ فغنمها وهدمها، وقتل ~~فيها مائة ألف من اليهود، وباع منهم مائة ألف؛ وانتقل رخامها إلى الأندلس. ~~وكان ملكه ms257 نحو عشرين سنة؛ وبعد سنتين من ملكه، غزا إيلياء. ويقال إن إشبان ~~اسمه إصبهان، لأنه ولد بإصبهان؛ فسمى بها، والله أعلم. فعدة ملوكهم خمسة ~~وخمسون ملكا. # ثم دخل القوط الأندلس، وقطع الله ملك رومة منها. وعدة ملوك القوطيين ستة ~~عشر ملكا، آخرهم لذريق، الذي دخل عليه المسلمون. وجعلوا دار ملكهم طليطلة. ~~ووجدت في بعض كتب العجم أن آخر ملوك الأندلس كان يسمى وخشندش، ولم يكن في ~~النصرانية أحكم منه ولا أحسن إصابة لسنتهم؛ وعلى سنته أمضت النصرانية ~~أحكامها، وهي الأربعة الأناجبل. التي يحلفون بها وينتهون إلى ما فيها. ~~وقالوا إن لذريق. الذي دخلت عليه العرب والبربر، وثب علي وخشندش هذا وقتله، ~~وغلب على ملك الأندلس، ودانت له طليطلة وغيرها. # وفي كتب العجم: إن رذريق هذا لم يكن من بيت المملكة. وإنما كان زنيما؛ ~~وكان من عمال الملك بقرطبة؛ وقتل وخشندش بعدما خالف عليه. فغير الحكم، ~~وأفسد سنن الملك، وفتح البيت الذي كان فيه التابوت. وكان إذا مات الملك ~~منهم، يكتب اسمه، وكم ولي، ويوضع في ذلك البيت مع تاجه، ولا سبيل بعد عندهم ~~لفتحه. فلما فتحه رذريق، أنكرت النصرانية ذلك عليه. وجعلوا له مثله ذهبا ~~وفضة، ولا يفتحه؛ فلم يقبل ذلك منهم، وعزم على فتحه؛ ففتحه، ووجد في البيت ~~تيجان الملوك وتابوتا فيه صور العرب متنكبة قسيها، وفي رؤوسها عمائمها، ~~وعليها مكتوب: )إذا فتح هذا البيت، وأخرجت هذه الصور، دخل الأندلس قوم في ~~صورهم، فغلبوا عليها!( فلما دخلت العرب والبربر مع طارق، والتقوا برذريق، ~~أسلمته النصرانية، وانهزمت عنه حتى قتل. وكان دخول طارق بعد سنة من ولاية ~~رذريق؛ فقتله طارق بقرطاجنة من كور الجزيرة؛ وافتتح البلاد حتى انتهى طارق ~~إلى طليطلة؛ فوجد بها مائدة سليمان - على نبينا وعليه الصلاة والسلام! - ~~ووجد فيها صور العرب والبربر على خيولهم، وهي الصور التي وضعت على القطر ~~بقرطبة وقيل أيضا إنها طلسمات، كانت العرب قد نصبتها على مساجد الأندلس؛ ~~فنقلها عبد الرحمن بن معاوية إلى القطر بقرطبة. # وهذا القدر كاف هنا من صفة الأندلس ms258 وذكر ملوكها الأولين. # ذكر دخول المسلمين إلى الأندلس # وانتزاعها من أيدي الكفار # أما دخول المسلمين لها، فذكر فيه أربعة أقوال: أحدها أن الأندلس، أول من ~~دخلها عبد الله بن نافع بن عبد القيس، وعبد الله بن الحصين الفهريان. من ~~جهة البحر، في زمن عثمان - رضي الله عنه - قال الطبري: أتوها من برها ~~وبحرها؛ ففتحها الله تعالى على المسلين هي وإفرنجة، وازداد في سلطان ~~المسلمين مثل إفريقية؛ ولم يزل أمر الأندلس لإفريقية، حتى كان زمن هشام بن ~~عبد الملك؛ فمنع البربر أرضهم، وبقى من في الأندلس على حالهم. هذا نصه. وإن ~~ذلك كان سنة 27 من الهجرة الكريمة. وثانيها أن موسى بن نصير افتتحها عام ~~91. وهو قول الطبري أيضا. فيظهر منه أنه جاز بنفسه، وتولى هذه الغزوة ~~والفتح. وثالثها أن طريقا دخلها وفتحها في عام 91. ورابعها أن طارقا أول من ~~دخلها، سنة 91، ودخل موسى بعده سنة 92. # فهذا الخلاف واضح في هؤلاء الأربعة مواضع: قيل إن أول من دخلها الفهريان؛ ~~ثم ابن نصير؛ ثم طريف؛ ثم طرايق؛ فظهر من هذا إن الفهريين أثرا فيها في زمن ~~عثمان - رضي الله عنه - وغنما من جهة البحر، وطريفا دخلها سنة 91 مغيرا ~~ومخربا، ونسب فعله إلى موسى بن نصير، نسبة فعل المأمور إلى الآمر؛ فصدق ~~عليه إضافته لموسى، فيكون قول الطبري صادقا؛ وصدق عليه أيضا قول الرازي ~~بأخرى وأولى، وطارق دخلها دخول المستفتح لها، المكافح، سنة 92، وموسى دخلها ~~بعد ذلك متمما للفتح. PageV01P139 وقال عريب: إن العلج يليان، صاحب الجزيرة ~~الخضراء، داخل موسى ابن نصير، صاحب إفريقية، عام 91، على يد طارق بن زياد ~~عامل موسى على طنجة وما والاها؛ فراسل يليان موسى، يزين عنده دخول الأندلس، ~~ويقرب له أمرها، وقيل: بل، سار إليه بنفسه في البحر، حتى اجتمع به في ذلك؛ ~~فاستشار موسى الوليد بن عبد الملك، إما مراسلة )وهو الأكثر الأظهر( وإما ~~بأن نهض بنفسه إليه؛ فأشار الوليد بأن يختبرها بالسرايا، ولا يغرر ~~بالمسلمين؛ فبعث موسى بن نصير عند ذلك رجلا من البربر، يسمى طريفا ms259 ويكنى ~~أبا زرعة، في مائة فارس وأربعمائة راجل؛ فجاز في أربعة مراكب، حتى نزل في ~~ساحل البحر بالأندلس، فيما يحاذي طنجة، وهو المعروف اليوم بجزيرة طريف، ~~سميت باسمه لنزوله هنالك؛ فأغار منها على ما يليها إلى جهة الجزيرة ~~الخضراء، وأصاب سبيا ومالا كثيرا، ورجع سالما. وكانت إجازته في شهر رمضان ~~من سنة 91. # وقد اتفق الجميع فيما يظهر على أن متولي كبر فتح الأندلس وجله ومعظمه ~~طارق بن زياد. وقد اختلف في نسبه؛ فالأكثرون على أنه بربري من نفزة، وأنه ~~مولى لموسى بن نصير، من سبى البربر. وقال آخرون إنه فارسي. # قال صالح بن أبي صالح: هو طارق بن زياد بن عبد الله بن رفهو بن ورفجوم بن ~~ينزغاسن بن ولهاص بن يطوفت بن نفزاو، وكأنهم أيضا انفقوا على أن طارقا كان ~~عاملا لموسى، قبل محاولة الأندلس، على المغرب الأقصى، وترك عنده رهائن ~~برابر المغرب في سنة 86 من الهجرة. وقيل أيضا إن طارقا جاز إلى الأندلس ~~برهائن البربر سنة 92. # قال ابن القطان: فالأكثرون يقولون: كان مستقره بطنجة، ومنهم من يقول ~~سجلماسة، وإن سلا وما وراءها من فاس وطنجة وسبتة كانت للنصارى؛ وكانت طنجة ~~ليليان منهم؛ فكان طارق إذا نائبا عن موسى بن نصير. واختلفوا أيضا هنا هل ~~إنما سار إلى الأندلس عن أمر موسى، أو سار إليها لأمر دهمه، لم يمكنه إلا ~~إنفاذه. والقول الأول هو المشهور المتفق عليه. # قال الرازي عن الواقدي: إن الوليد بن عبد الملك استعمل موسى بن نصير على ~~إفريقية، واستعمل موسى بن نصير طارق بن زياد على طنجة. وكان يليان مجاورا ~~له بالجزيرة الخضراء التي تلي طنجة؛ فداخله طارق حتى صار معه إلى الرضى، ~~ووعده يليان بإدخاله الأندلس هو وجنوده. وكان اجتمع لطارق اثنا عشر ألفا من ~~البربر؛ فأجمع طارق على غزو الأندلس، بعد أن أخذ إذن ابن نصير مولاه في ~~ذلك؛ فكان يليان يحتمل أصحاب طارق في مراكب التجار التي تختلف إلى الأندلس: ~~ولا يشعر أهل الأندلس بذلك، ويظنون أن المراكب تختلف بالتجار. فحمل ms260 الناس ~~فوجا بعد فوج إلى الأندلس. فلما لم يبق إلا فوج واحد، ركب طارق ومن معه، ~~حتى أجاز البحر إلى أصحابه وتخلف يليان بالجزيرة الخضراء، ليكون أطيب لنفسه ~~ونفوس أصحابه. فنزل طارق جبلا من جبال الأندلس، يوم الاثنين لخمس خلون من ~~رجب سنة 92، كما تقدم ذكر ذلك. فسمي ذلك الجبل باسمه إلى اليوم. # وذكر عيسى بن محمد من ولد أبي المهاجر، في كتابه السبب في دخول طارق ~~الأندلس، وهو أن طارقا كان واليا لموسى على طنجة؛ وكان يوما جالسا، إذ نظر ~~إلى مراكب قد طلعت في البحر؛ فلما أرست، خرجوا إليها، فنزعوا ارجلها، ~~وأنزلوا أهلها؛ فقالوا: )إليكم جئنا عامدين!( وعظيمهم معهم يقال له يليان. ~~فقال طارق: )ما جاء بك؟( فقال له )إن أبي مات. فوثب على مملكتنا بطريق يقال ~~له لذريق؛ فأهانني، وأذلني؛ وبلغني أمركم؛ فجئت إليكم أدعوكم إلى الأندلس، ~~وأكون دليلا لكم!( فأجابه طارق إلى ذلك، واستقر اثني عشر ألفا من البربر. ~~فحملهم يليان في المراكب فوجا بعد فوج، كما تقدم ذكره. PageV01P140 وذكر ~~غير هؤلاء أن السبب في ذلك أن طنجة وسبتة والخضراء وتلك النواحي كانت في ~~مملكة صاحب الأندلس، على نحو ما كانت السواحل كلها بالعدوة وما قرب منها ~~الروم، يسكنونها، إذ كان البربر يرغبون عن سكنى المدن والقرى، وإنما بغيتهم ~~سكنى الجبال والصحارى، إذ كانوا أصحاب إبل وسائم. وكان النصارى في صلحهم. ~~وكانت السنة في الأندلس في ملوك النصارى أن يستخدموا بني بطارقتهم وكبار ~~رجالهم: فالرجال منهم يخدمون خارجا، والنساء جوار يخدمن داخلا. وها كذا ~~سنتهم إلى اليوم في الرجال خاصة، يخدمون صبيانا يتأدبون بأدبهم. ويتعلمون ~~سنتهم؛ فإذا أدركوا وكبروا، ألحقوا برجالهم وأهليهم. وكان ملك الأندلس من ~~القوطيين يسمى رذريق، قد مد يده إلى ابنة يليان، وكانت عنده؛ فاغتصبها ~~نفسها؛ فأرسلت إلى أبيها، ودست إليه. فلما بلغه ذلك، أحفظه، وكتمه، وارتصد ~~به الأيام، ونصب له الغوائل، حتى كان من دخول العرب المغرب ما كان. وأرسل ~~رذريق إلى يليان في بزاة وطيور وغيرها، فأرسل إليه: )لأوردن عليم طيرا ms261 لم ~~تسمع قط بمثلها(، وهو ينوي الغدر به؛ فحينئذ دعا طارقا إلى ما كان من جواز ~~البحر. # واختلفت الروايات في قتال طارق أهل الأندلس. فقيل إن رذريق زحف إلى طارق ~~بجميع أهل القوة من أهل مملكته بنفسه، وهو على سرير ملكه على بغلين ~~يحملانه، وعليه تاجه وجميع الحلية التي كانت تلبسها الملوك، حتى انتهوا إلى ~~الجبل الذي فيه طارق. فخرج إليهم طارق بجميع أصحابه رجالة، ليس فيهم راكب ~~إلا القليل؛ فاقتتلوا قتالا شديدا حتى ظنوا أنه الفناء. ثم صرف الله وجوه ~~أعدائه؛ فانهزموا؛ وأدرك رذريق؛ فقتل في وادي الطين. ومضى حتى دخل قرطبة. ~~وفتح الله الأندلس على المسلمين. هكذا ذكر عيسى في كتابه. # وذكر الواقدي أنهم اقتتلوا من حين طلعت الشمس إلى أن غربت؛ فلم تكن قط ~~بالمغرب مقتلة أعظم منها، بقيت عظامهم في المعركة دهرا طويلا لم تذهب. # وذكر الواقدي أيضا، عن عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، قال: سمعت رجلا من ~~أهل الأندلس يحدث سعيد بن المسيب ويذكر له قصتهم. فقال: )لم يرفع المسلمون ~~السيف عنهم ثلاثة أيام، حتى أوطئوهم غلبة.( ثم ارتحل المسلمون إلى قرطبة، ~~وهي مدينة الأندلس التي كان بها رذريق؛ وبينها وبين الساحل مسيرة خمسة ~~أيام. وكان سلطان رذريق إلى ازيونة ثغر الأندلس، وهي إذ ذاك أقصى مملكة ~~الأندلس. مما يلي إفرنجة؛ ومن أرثونة إلى قرطبة ألف ميل. وكان الذي أصابه ~~طارق ومن معه من السبي، في أول فتح لهم، عشرة آلاف رأس؛ وكان سهمانهم من ~~الذهب والفضة لكل واحد من الرجال مائتا دينار وخمسون دينارا. # وذكر الرازي أنه، لما بلغ رذريق خبر طارق ومن معه، ومكانهم الذي هم فيه، ~~بعض إليهم الجيوش جيشا بعد جيش؛ وكان قد قود على أحدهم ابن أخت له يسمى ~~بنج، وكان أكبر رجاله؛ فكانوا عند كل لقاء يهزمون ويقتلون؛ وقتل بنج، وهزم ~~عسكره؛ فقوى المسلمون، وركب الرجالة الخيل، وانتشروا بناحيتهم التي جازوا ~~بها؛ ثم زحف رذريق إليهم بجميع عساكره ورجاله وأهل مملكته، وهو على سرير ~~ملكه كما تقدم. فلما ms262 انتهى إلى الموضع الذي فيه طارق، خرج إليه؛ فاقتتلوا ~~على وادي لكه من كورة شذونة يومهم ذلك، وهو يوم الأحد لليلتين بقيتا من ~~رمضان، من حين بزغت الشمس إلى أن توارت بالحجاب؛ ثم أصبحوا يوم الاثنين على ~~الحرب، حتى إلى المساء. وتمادت أيامهم كذلك إلى يوم الأحد الثاني؛ فتمت ~~ثمانية أيام. وقتل الله رذريق ومن معه، وفتح للمسلمين الأندلس، ولم يعرف ~~لرذريق موضع، ولا وجدت له جثة، وإنما وجد له خف مفضض؛ فقالوا إنه غريق، ~~وقالوا إنه قتل؛ والله أعلم. # ثم تحرك طارق إلى مضيق الجزيرة؛ ثم نهض إلى مدينة إسنجة؛ فوجد فيها فل ~~العسكر؛ فقاتلوه فتالا شديدا، حتى كثر القتل والجراح في المسلمين؛ ثم نصرهم ~~الله، وقطع دعوة العجمة، وقذف الله الرعب في قلوب المشركين، إذ تقحم عليهم ~~البلاد؛ فهرب أكثرهم إلى مدينة طليطلة، وتركوا مدائن الأندلس وراءهم قليلة ~~الأهل. # وقدم يليان على طارق من الخضراء مشتقره؛ فقال له: )قد فتحت الأندلس؛ فخذ ~~من أصحابي أدلاء، ففرق معهم جيوشك وسر أنت إلى مدينة طليطلة!( ففرق جيوشه ~~من إسنجة. # ذكر ما افتتح طارق بن زياد من بلاد الأندلس # سنة 92 من الهجرة PageV01P141 أول فتوحاته جبل الفتح المسمى بجبل طارق، ~~وذلك لما جار المسلمون ونزلوا في المرسى، وهم عرب وبربر، حاولوا الطلوع في ~~الجبل، وهو حجارة حرش؛ فوطئوا الدواب بالبراذع وطلعوا عليها؛ فلما حصلوا في ~~الجبل، بنوا سورا على أنفسهم يسمى سور العرب. وقيل إنهم فتحوا من حينهم حصن ~~قرطاجنة، وكان في سفح هذا الجبل من نظر الجزيرة الخضراء. فلما بلغ ذلك ملوك ~~الأندلس، نفروا إلى رذريق، وكان جبارا طاغية؛ فاستقر النصرانية. فقيل إنه ~~بعث إلى المسلمين الجيش بعثا بعد بعث؛ فكانوا عند كل لقاء يهزمون ويقتلون. ~~فقوى المسلمون، وركب رجالهم، وانتشروا في البلاد. وبعد هذا زاحفهم رذريق ~~بنفسه. وقال آخرون بل زاحفهم لأول مرة بنفسه. ثم اختلفوا أيضا كم أيام ~~المزاحفة التي أعقبها الفتج وانهزم آخرها رذريق؛ فقيل: يوم كامل، وقيل: ~~يومان، وقيل: ثلاثة، وقيل: ثمانية؛ واختلفوا هل ظفر برأس ms263 رذريق أم لا؛ ~~فقيل: ظفر به، وقيل: مات غريقا. # فتح قرطبة # بعث طارق مغيثا، مولى عبد الملك بن مروان، من لإسنجة إلى قرطبة في ~~سبعمائة فارس، وهي من مدنهم العظام؛ ولم يكن معه راجل إذ كان الرجال قد ~~ركبوا. فلما بلغ مغيث شقندة وقرية طرسيل، وهي على ثلاثة أميال من قرطبة، ~~بعث الأدلاء كي يلقون من عنده خبر؛ فألقوا راعي غنم، فأتوا به إلى مغيث، ~~وهو في الغيضة؛ فسأله عن قرطبة؛ فقال له: )انتقل. عنها عظماء أهلها، ولم ~~يبق فيها إلا بطريقها في أربعمائة فارس من حماتهم مع ضعفاء أهلها.( ثم سأله ~~عن حصانة سورها؛ فأخبره أنه حصين، إلا أن فيه ثغرة فوق باب الصورة، وهو باب ~~القنطرة، ووصف لهم الثغرة. # فلما جن الليل، تحرك مغيث بمن معه، وعبروا النهر، وقابلوا السور، وراموا ~~التعلق به؛ فتعذر عليهم؛ فرجعوا إلى الراعي، وأتوا به معهم؛ فدلهم على ~~الثغرة؛ فراموا التعلق بها؛ فصعب عليهم، حتى صعد رجل من المسلمين في ~~دروتها، ونزع مغيث عمامته، فناوله طرفها، وارتقوا بها حتى كثروا بالسور؛ ثم ~~جاء مغيث إلى باب القنطرة، وهي يومئذ مهدومة، وأمر أصحابه بالحوم على أحراس ~~السور، فكسروا الأقفال، ودخل مغيث بمن معه. فلما بلغ الملك الذي بها ~~دخولهم. خرج في كماة أصحابه، وهم نحو الأربعمائة؛ فدخلوا كنيسة بغربي ~~المدينة؛ فتحصنوا فيها؛ فحاصرهم مغيث، وكتب إلى طارق بالفتح. وتمادى على ~~حصار العلوج في الكنيسة المذكورة ثلاثة أشهر. فبينا هو ذات يوم جالس إذ قيل ~~له: )خرج العلج - يعني الملك - هاربا وحده، وهو ينوي التحصين في جبل قرطبة، ~~ليلحق به أصحابه!( فأتبعه مغيث وحده دون أحد من أصحابه؛ فلما برز له وأبصره ~~هاربا، وتحته فرس أصفر، وهو يتبعه، خرج من طريقه؛ فأتى خندقا؛ فوثب به ~~الفرس، وسقط في الخندق، واندقت عنقه؛ فأقبل مغيث، والعلج جالس على ترسه ~~مستأسرا؛ فأسره. ولم يؤسر من ملوك الأندلس غيره، لأن منهم من عقد لنفسه ~~أمانا، ومنهم من هرب إلى أقاصي البلاد مثل حليفية وغيرها. ورجع مغيث إلى ~~بقية العلوج؛ ms264 فاستنزلهم أسرا، وضربت أعناقهم صبرا؛ وسميت كنيسة الأسرى. ~~وأبقى العلج صاحب قرطبة، ليقدم به على أمير المؤمنين. # فتح مالقة # بعث إليها طارق من إسنجة جيشا، وقود عليه قائدا، وجعل معه ودليلا من رجال ~~يليان؛ فاستفتحها وجميع أعمال ربه. ولجأ علوجها إلى جبال ربه الشامخة ~~المنيعة. # فتح غرناطة قاعدة البيزة # بعث إليها طارق الجيش من إسنجة؛ فحاصرها حتى افتتحها # فتح مرسية PageV01P142 ثم تقدم هذا الجيش بعد فتح إغرناطة إلى تدمير، وهي ~~مرسية، وإنما سميت تدمير باسم العلج صاحبها؛ وكان اسمها أوربولة، وهي كانت ~~مدينتها القديمة. فقاتل العلج تدمير المسلمين قتالا شديدا؛ وكان في قوضة. ~~ثم انهزم في فحص لا يسترهم شيء؛ فوضع المسلمين فيهم السلاح حتى أفنوهم؛ ~~ولجأ من بقى منهم إلى مدينة أربولة. وكان تدمير بصيرا بأبواب الحرب؛ فلما ~~رأى قلة من معه من أصحابه، أمر النساء؛ فنشرن شعورهن، وأعطاهن القصب، ووقفن ~~على سور المدينة، ووقف معهن بقية الرجال. ثم قصد بنفسه إلى جيش المسلمين ~~كهيئة الرسول، واستأمن؛ فأمن وانعقد له الصلح ولأهل بلده؛ فافتتحت مدينة ~~تدمير صلحا. فلما انعقد الصلح وتم، أبرز لهم نفسه وقال: )أنا تدمير صاحب ~~المدينة.( ثم أدخلهم البلد؛ فلم يروا فيه أحدا عنده مدفع؛ فندم المسلمون ~~وأمضوا على ما أعطوه من الأمان؛ وكتبوا بالفتح إلى الأمير طارق؛ وأقام ~~بتدمير رجال من أهل العسكر، وصاروا مع أهلها؛ وتقدم معظم الجيش إلى طليطلة؛ ~~فلحق بطارق، وهو عليها. # فتح طليطلة # وألقى طارق طليطلة خالية، ليس فيها إلا اليهود في قوم قلة، وفر علجها مع ~~أصحابه، ولحق بمدينة خلف الجبل. وتبعهم طارق، بعد أن ضم اليهود، وخلى معهم ~~بعض رجالة وأصحابه بطليطلة؛ فسلك إلى وادي الحجارة؛ ثم استقبل الجبل؛ فقطعه ~~من فج يسمى به إلى اليوم؛ فبلغ مدينة خلف الجبل، تسمى مدينة المائدة. # ثم فتح مدينة المائدة؛ فوجد فيها مائدة سليمان بن داود - عليهما السلام! ~~وكانت من زبرجدة خضراء، حافاتها وأرجلها منها؛ وأصاب بها مالا وحليا كثيرا؛ ~~ثم انصرف إلى طليطلة. هكذا آثر الناس هذا كله، على أن طارقا ms265 صنعه. وقال ~~آخرون: بل، أقام طارق حيث كانت الوقعة، وجاز إليه موسى. وقيل: بل، وجده ~~بقرطبة. # وفي سنة 92 من الهجرة، دخل موسى بن نصير الأندلس في رمضان، بعد دخول طارق ~~بسنة، ومضى غازيا فيها، مفتتحا لحصونها هذه السنة وسنة أربع وبعض سنة خمس؛ ~~فافتتح جميع حصونها، وهزم جميع من لقيه من أمرائها؛ فلم يلق كيدا من أحد، ~~ولا انهزمت له راية، حتى انتهى إلى مدينة من مدن إفرنجة، يقال لها لوطون، ~~وقد ملك ما سواها ودونها إلى أقصى برسلونة. فلما انتهى إلى مدينة لوطون، ~~ضاق المسلمون، وخافوا أن يحاط بهم؛ فكلموه في ذلك؛ فقفل بهم راجعا. قال ~~مؤلف )كتاب بهجة النفس(: ورأيت في بعض كتب العجم أن المسلمين انتهوا إلى ~~مدينة لوطون قاعدة الإفرنج، ولم يبق لأهل الإسلام شيء لم يتغلبوا عليه مما ~~وراء ذلك، إلا جبال قرقوشة وجبال بنبلونة وصخرة حليقية؛ فأما الصخرة، فلم ~~يبق فيها مع ملك حليقية سوى ثلاثمائة رجل، تلفوا بالموت والجوع والحصار؛ ~~فلما لم يبق منهم إلا ثلاثمائة رجل، ورأى ذلك المرتبون معهم على حصارهم، ~~استقلوهم؛ فتركوهم؛ فلم يزالوا يزدادون حتى كانوا سبب إخراج المسلمين من ~~حليقية، وهي قشتيلة. وأما قرقوشة، فذكر عبد الملك ابن حبيب أنها افتتحت في ~~زمن هشام بن عبد الملك صلحا. وكان الافتتاح كما ذكرته في بقية سنة 92 وبعض ~~سنة 93 من الهجرة. # وكان السبب في جواز موسى بن نصير إلى الأندلس أنه أغرى بطارق عبده. وذكر ~~له ما أفاء الله عليه؛ فكتب له موسى بأقبح السب، وأمره ألا يتجاوز قرطبة، ~~حتى يقدم عليه. قال ابن القطان: قيل: إنما حمله على الجواز للأندلس تعدى ~~طارق ما أمره به ألا يتعدى قرطبة، على قول، أو موضع هزيمة لذريق، على قول. ~~وقيل أيضا: إنما حمله على ذلك الحسد لطارق على ما أصاب من الفتوح والغنائم. ~~وقيل أيضا: إنما جاز باستدعاء طارق اياه؛ فكان جوازه في رمضان، كما تقدم. # قال الرازي: وحدث الواقدي عن موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، قال: ms266 خرج ~~موسى بن نصير في عشرة آلاف من إفريقية، مغضبا على طارق، وتقدم يريد ~~الأندلس؛ فدخلها ونزل الجزيرة. فقيل له: )أسلك طريق طارق!( فقال: )لا، ~~والله، أسلك طريقه!( فقال له الأدلاء من الأعلاج: )نحن ندلك على طريق هي ~~أشرف من طريقه، وعلى مدائن هي أعظم خطرا من مدائنه، لم تفتح، يفتحها الله ~~على يديك إن شاء الله!( فامتلأ موسى سرورا؛ فساروا به إلى مدينة شذونة؛ ~~فافتتحها عنوة؛ وهي أول فتوحاته. # فتح قرمونة PageV01P143 ونهض موسى مع أدلائه من شذونة إلى قرمونة؛ ولم ~~يكن بالأندلس أحصن منها ولا أبعد من أن تنال بحصار أو قتال. فسأل موسى عن ~~أمرها؛ فقيل له: )لا تؤخذ إلا باللطف والحيل!( فقدم إليها علوجا كانوا من ~~أصحاب يليان وغيرهم؛ فأتوهم في هيئة المنهزمين، ومعهم السلاح؛ فأدخلوهم ~~المدينة؛ فلما علم موسى بدخولهم، بعث الخيل إليهم ليلا؛ ففتحوا لهم باب ~~المدينة، وهو الباب المعروف بباب قرطبة؛ فوثبوا على الأحراس؛ فقتلوهم. ودخل ~~المسلمون المدينة عنوة. # فتح إشبيلية # لما فتح موسى قرمونة، تقدم إلى إشبيلية، وهي من أعظم قواعد الأندلس شأنا، ~~وأتقنها بنيانا، وأكثرها آثارا. وكانت دار ملك روم رومة قبل غلبة القوطيين ~~على الأندلس؛ فلما غلب القوطيون عليها، استوطنوا طليطلة، وأقروا بها ملكهم؛ ~~وبقى بمدينة إشبيلية علماء أهل رومة وكتابهم ورؤساؤهم. فاحتل بها موسى بن ~~نصير، وحاصرها أشهرا؛ ففتحها الله عليه، وهرب منها علوجها إلى مدينة باجة. # فتح ماردة # وتقدم موسى إلى مدينة ماردة؛ وكانت دار ملك في سالف الأيام. وكانت فيها ~~آثار عجيبة، وقنطرة، وقصور، وكنائس، تفوق وصف الناظرين؛ وهي إحدى القواعد ~~الأربع بالأندلس التي ابتناها أكتبيان قيصر. وهي قرطبة، وإشبيلية، وماردة، ~~وطليطلة. فخرج أهلها إلى حربه نحو الميل منها؛ فحاربهم حتى صرفهم إلى ~~المدينة. فلما انجلت الحرب، وكف عن القتال، طاف موسى بالمدينة؛ فرأى نقبا ~~كان لمقاطع الصخر؛ فكمن فيه الرجال ليلا. فلما أصبح، زحف إليهم؛ فخرجوا ~~كخروجهم في اليوم قبله؛ فخرج عليهم الكمين وزحف إليهم المسلمون؛ فركبوهم؛ ~~فقتلوا أبرح قتل، ولجأ من بقى منهم إلى المدينة؛ فحاصرهم ms267 أشهرا، حتى عمل ~~دبابة؛ فدب المسلمون تحتها إلى برج من أبراجها؛ فنقبوا صخرة؛ فلما نزعوها، ~~أفضوا إلى صخرة صماء نبت المعاول عنها ويئسوا منها؛ فبينا هم يضربون عليها، ~~إذ استثار العلوج عليهم؛ فاستشهد المسلمون تحت الدبابة. فسمى ذلك البرج برج ~~الشهداء، وبه يعرف إلى اليوم؛ فحميت عند ذلك نفوس العلوج، وثابت إليهم ~~أنفسهم. ثم خرجت إليهم رسل، وتعرضت للصلح؛ فساروا إلى موسى؛ فرأوا رجلا ~~أبيض الرأس واللحية؛ فكلموه بما لم يوافقهم عليه ولم يرضه؛ فرجعوا عنه، ولم ~~يعقدوا شيئا؛ ثم عاودوه يوما آخر؛ فألفوه قد حمر رأسه ولحيته بالحناء؛ ~~فعجبوا منه، وراعهم ما رأوه؛ ولم يتم لهم أمر؛ ثم عاودوا إليه في اليوم ~~الثالث، وذلك يوم عيد الفطر؛ فألقوه قد سود رأسه ولحيته؛ فرجعوا إلى ~~المدينة، وقالوا لمن فيها: )ويحكم! إنها تقاتلون أنبياء يتشببون بعد ~~المشيب! قد عاد ملكهم حدثا بعد أن كان شيخا!( فقالوا!: )اذهبوا إليه وأعطوه ~~ما سألكم!( فوصلوا إليه، وصالحوه، وانعقد أمرهم على أن جميع أموال القتلى ~~يوم الكمين وأموال الغائبين بجليقية وأموال الكنائس، ذلك كله للمسلمين. ثم ~~فتحوا له الباب من يومهم ذلك، وهو مستهل شوال من سنة 94 من الهجرة. # فتح إشبيلية ثانية # وذلك، لما اشتغل موسى بن نصير بحصار ماردة، ثار عجم إشبيلية، وارتدوا، ~~وقاموا على من كان فيها من المسلمين. وتجالب فلهم إليهم من مدينتي ليلة ~~وباجة؛ فقتلوا من المسلمين نحو ثمانين رجلا. وبلغ الخبر بذلك إلى موسى بن ~~نصير؛ فلما استتم فتح ماردة، بعض ابنه عبد العزيز بجيش إلى إشبيلية؛ ~~فافتتحها، وقتل أهلها. # فتح لبلة # لما استتم فتح إشبيلية، تقدم عبد العزيز بن موسى بجيشه إلى لبلة؛ ~~فافتتحها، وانصرف إلى إشبيلية؛ فدخلها أيضا. # ذكر اجتماع الأمير أبي عبد الرحمن موسى بن نصير # مع مولاه طارق بن زياد على طليطلة # اتفق الأكثرون على أن التقاءهما كان على طليطلة. وذكر الطبري أنه كان على ~~قرطبة. وذكر الرازي أن طارقا خرج من طليطلة لما بلغه مسيره إليه، فلقبه ~~بمقربة من طلبيرة. وكان موسى، لما فرغ ms268 من أمر ماردة، نهض يريد طليطلة؛ فخرج ~~إليه طارق معظما له، ومبادرا لطاعته؛ فوبخه موسى، وغضب عليه. وقيل إنه وضع ~~السوط على رأسه؛ وقيل إنه ضربه أسواطا كثيرة وحلق رأسه. ثم سار به إلى ~~طليطلة، وقال له: )ايتني بما أصبت وبالمائدة!( فأتاه بها، وقد اقتلع رجلا ~~من أرجلها؛ فقال له: )أين الرجل؟( فقال له: )هكذا وجدتها!( فأمر موسى؛ فعمل ~~لها رجل من ذهب، وأدخلها في سفط. PageV01P144 واختلفت الروايات لم فعل موسى ~~مع طارق ما فعل من السخط عليه؛ فقيل: إنما فعل ذلك بغيا ونفاسة عليه؛ ~~واستدلوا على ذلك بادعائه خصال طارق وأخذ المائدة عند الخليفة. ومنهم من ~~عذره وقال: إنما فعل ذلك به لتقدمه دون رأيه، وهو مولاه، وعلى توغله ~~بالمسلمين، وتغريره بهم. واتصل بهذا في كتاب الرازي أن الوليد بعث إلى موسى ~~رسولا؛ فأخذ بعنان دابته، وأخرجه من الأ،دلس، ومعه طارق ومغيث. وخلف ابنه ~~على الأندلس، وأبقى معه وزيرا حبيب بن أبي عبدة بن عقبة بن نافع. # ولما التقى موسى بطارق، وجرى له معه ما جرى، تقدم من طليطلة إلى سرقسطة؛ ~~فافتتحها، وافتتح ما حولها من الحصون والمعاقل. وذكروا أن موسى خرج من ~~طليطلة غازيا، بفتح المدائن، حتى دانت له الأندلس. وجاءه أهل حليقية يطلبون ~~الصلح؛ فصالحهم. وفتح بلاد البشكنش، وأوغل في بلادهم حتى أتى قوما ~~كالبهائم. وغزا بلاد الإفرنج. ثم مال حتى انتهى إلى سرقسطة؛ فأصاب فيها ما ~~لا يعرف قدره. وبين سرقسطة وقرطبة مسيرة نحو شهر. وافتتح هنالك حصونا ~~كثيرة. وكانت أساقفة الروم تجد صفة موسى في كتبهم؛ فإذا رأوه، قالوا: )هو، ~~والله!( فأعطوه المعقل. ولم يهزم له جمع قط. # وقال يوسف بن هشام: انتهى موسى إلى صنم؛ فوجد في صدره مكتوبا: )يا بني ~~إسماعيل! فإلى هنا منتهاكم! وإن سألتم إلى ما ذا ترجعون، أخبرناكم: ترجعون ~~إلى اختلاف ذات بينكم، حتى يضرب بعضكم رقاب بعض، وقد فعلتم.( قال الليث: ~~ولقد جاء رجل إلى موسى بن نصير؛ فقال له: )ابعث معي أدلك على كنز!( فبعث ~~معه رجالا؛ فوقف ms269 بهم على موضع؛ فقال: )اكشفوا عن هذا!( فكشفوا؛ فإذا حوض ~~مترع من الياقوت والجوهر والزبرجد ما لم تر عين مثله قط؛ فلما رأوا ذلك، ~~بهتوا وأرسلوا إلى موسى ليحضر. # ذكر ما أفاء الله على فاتحي الأندلس # من ذلك مائدة سليمان - عليه السلام! - قيل إنها كانت من ذهب وفضة خليطين، ~~مطوقة بثلاثة أطواق: طوق لؤلؤ، وطوق ياقوت، وطوق زبرجد، وإنها حملت على بغل ~~عظيم لا بغل أقوى منه؛ فما بلغ بها مرحلة حتى تفتحت قوائمه؛ ومنها ياقوته ~~ذي القرنين وجدها بماردة؛ ومنها البيتان اللتان فتح في طليطلة، وجد في ~~إحداهما أربعة وعشرون تاجا عدد ملوكهم، لا يدري ما قيمة تاج منها، وعلى كل ~~تاج اسم صاحبه ومبلغ سنه؛ وفيه وجدت المائدة؛ وكان السبب في حصولها بطليطلة ~~أن ملك الروم، لما زحف إلى بيت المقدس ليقاتل بني إسرائيل، أخذ بلادهم وسبى ~~ما فيها، ووجد فيها مكارم الأنبياء - عليهم السلام! - منها عصا آدم، ~~والتابوت الذي فيه بقية مما ترك آل موسى وآل هارون، وعصا موسى ونعلاه، ~~ومائدة سليمان، وهي من ذهب، قد كلل أعلاها وأسفلها بالدر والياقوت. فحمل ~~جميع ذلك إلى رومة. فلما مر ملك الروم بمصر، رغب إليه أهلها أن يجعلها ~~عندهم يتبركون بها، وقالوا له: )رومة تبعد عنا!( وكانوا قد أمدوه، وقاتلوا ~~معه بني إسرائيل؛ فطلبوا منه شيئا من تلك المكارم؛ فدفع لهم المائدة؛ ~~فحملتها الأساقفة إلى الإسكندرية. فلما غزا عمرو بن العاصي بمصر، هربوا بها ~~إلى مدينة إطرابلس. فلما نزل عمرو بن العاصي برقة، هربوا بها إلى مدينة ~~قرطاجنة. فلما دخل المسلمون طنجة، هربوا بها إلى مدينة طليطلة، ولم يكن لهم ~~أمتع منها؛ ولا وجدوا حيث يهربون بها بعدها. # قال أبو شبة الصدفي: لقد نظرت إلى رجلين يحملان طنفسة منسوجة بالذهب ~~والفضة واللؤلؤ؛ فلما ثقلت عليهما، أنزلاها؛ ثم حملا عليها الفأس؛ فقطعاها ~~بنصفين؛ فأخذا نصفا، وتركا نصفا. فلقد رأيت الناس يمرون على نصفها؛ فلا ~~يلتفتون إليه اشتغالا بما في أيديهم مما هو أرفع منها. # وحدث عبد الحميد عن أبيه، قال: ms270 قدمت الأندلس امرأة عطارة؛ فخرجت منها ~~خمسمائة رأس من السبي؛ فأما ما خرجت به من الذهب والفضة والجوهر والآنية، ~~فذلك ما لا يحاط بعلمه. قال: وقدم علينا شيخ من المدينة، جيد التجربة ~~واللسان؛ فجعل يحدثنا عن الأندلس؛ فقلت له: )كيف علمت هذا؟( قال: )لأني، ~~والله! كنت ممن اشترى بها بحبات فلفل أقل من القبضة ما يساوي عددا(. ~~PageV01P145 وأقام موسى بالأندلس سنتين وشهرا؛ ثم رجع إلى إفريقية، وتحته ~~بغل أشهب يسمى الكوكب. ولما انصرف عن قرطبة متوجها نحو إفريقية، حول وجهه ~~إلى قرطبة؛ فقال: )واها لك! يا قرطبة! ما أطيب تربتك، وأشرف بقعتك، وأعجب ~~أمرك! ولعنك الله بعد الثلاثمائة سنة!( ثم مضى حتى وصل الخضراء، وأمر ~~بالعجل؛ فحملت الذهب والفضة والجوهر والمتاع وأصناف متاع الأندلس. وكان ~~دخول موسى الأندلس سنة 92، وهو ابن ستين سنة، وأقام واليا بإفريقية ست عشرة ~~سنة، وقفل منها سنة 95. # أخبار الأمير أبي عبد الرحمن موسى بن نصير # رحمه الله تعالى # لما دخل موسى إفريقية، وجدها قد قحطت قحطا شديدا؛ فأمر الناس بالصيام ~~والخروج إلى المصلى، الرجال على حدة، والنساء على حدة، والصبيان على حدة، ~~وكذلك جميع البهائم مع أصنافها. فاجتمعوا في موضع واحد، ودعا الله تعالى، ~~ودعا الناس معه، وبكى، وبكوا، وبكى الصبيان والنساء، وصاحت البقر والعجل ~~والغنم والخرفان وأهل الذمة. فأقاموا كذلك حتى انتصف النهار. ثم خطب الناس؛ ~~فلم يلبث أن سقوا سقا شافيا. # وخرج موسى من إفريقية، واستخلف عليها عبد الله ابنه. وحمل موسى معه من ~~إفريقية من وجوه البربر مائة رجل وعشرين ملكا من ملوك الروم؛ فخرجوا معه ~~بأصناف ما كان في كل بلد من طرائفها وذهبها وفضتها وجوهرها وياقوتها، ما لا ~~يحصى ولا سمع بمثله، حتى انتهى إلى مصر؛ فلم يبق بها شريف، ولا فقيه، ولا ~~عظيم، إلا ودفع إلى سليمان بن عبد الملك عشرة آلاف دينار. ثم خرج من مصر؛ ~~فتوجه إلى فلسطين؛ فتلقاه آل روح بن زنباع الجذامي؛ فنزل بهم؛ فنحروا خمسين ~~جملا. ثم خرج من عندهم، وترك بعض أصحابه وصغار ms271 ولده عندهم، وأفرغ على آل ~~روح بن زنباع كثيرا من الكسي والوصائف والوصفات، وغير ذلك من الأموال. # وكان موسى، قبل خروجه من المغرب، قدم عليه ولده مروان من السوس الأقصى، ~~وهو يجر الدنيا جرا. ولما وصل رسوله إلى أبيه، يعلمه به وبما يأتي به من ~~السبي، خرج إليه في وجوه الناس يتلقاه؛ فلما التقيا، قال مروان بن موسى: ~~)مروا لكل من يلقاني مع أبي بوصيفة وصيفة!( فلما أمر بذلك، سمع موسى صياح ~~الناس وضجيجهم، ورأى حركاتهم؛ فقال: )ما هذا؟( فقالوا: )ابنك مروان أمر ~~للناس بوصيفة وصيفة!( فقال لهم: )مروا لهم انتم بوصيف وصيف!( فانصرفوا ~~الناس كلهم، ومع كل واحد منهم وصيف ووصيفة. PageV01P146 وكان الوليد بن عبد ~~الملك مرض مرضه الذي مات منه. وكتب إلى موسى يأمره بشد السير إليه ليدركه ~~قبل الموت. وكتب إليه سليمان أن يبطؤ في سيره. فعمل موسى بكتاب الوليد، ولم ~~يعمل بكتاب سليمان، وجد في شيره. فغضب عليه سليمان، وقال: )والله! لئن ظفرت ~~به، لأصلبنه!( وكان سبب أمر الوليد لموسى بالعجلة ليحرم سليمان ما جاء به؛ ~~وكان أمر سليمان له بترك الاستعجال ليحرم الوليد وولده ما جاء به. فقدم ~~موسى قبل موت الوليد وأتاه بالطرائف من الدر والياقوت والزبرجد، والوصفاء ~~والوصائف، ومائدة سليمان، والتيجان المكللة لدر والياقوت. فاستغرب الوليد ~~ذلك، وأمر بمائدة سليمان؛ فكسرت، وعمد إلى أرفع ما كان فيها من الجوهر وكل ~~ما كان في التيجان وغيرها؛ فجعله في بيت المال. ثم لم يلبث أن مات وأفضت ~~الخلافة إلى سليمان أخيه؛ فبعث في موسى؛ فعنفه بلسانه، وقال: )والله لأفلن ~~غربك! ولأفرقن جمعك! ولأصغرن من قدرك!( فقال موسى: )أما قولك تفل من غربي ~~وتخفض من قدري، فإن ذلك بيد الله، وإلى الله لا إليك! وبه أستعين عليك!( ~~فأمر به سليمان؛ فوقف في يوم صائف شديد الحر؛ وكان موسى رجلا ضخما، بادنا، ~~ذا نسمة؛ فوقف حتى سقط مغشيا عليه؛ فنظر شليمان إلى عمر ابن عبد العزيز - ~~رضي الله عنه - ؛ فقال له: )يا أبا حفص! ما أراني إلا ms272 وقد بررت في يميني ~~وخرجت عنه!( فقال عمر: )أجل! يا أمير المؤمنين!( فقال سليمان: )من يضمه ~~إليه؟( فقام يزيد بن المهلب؛ فقال )أنا يا أمير المؤمنين أضمه إلي!( قال: ~~)فضمه إليك ولا تضيق عليه!( فانصرف يزيد، وقدم إليه دابة؛ فركبها موسى، ~~وأقام عنده أياما حتى حسن ما بينه وبين سليمان وافتدى منه موسى بمال كثير، ~~قيل: ألف ألف دينار، وقيل غير ذاك. ثم إن يزيد بن المهلب سهر ليلة عند ~~موسى؛ فقال له: )يا أبا عبد الرحمن! في كم كنت تعتد من مواليك وأهل بيتك؟( ~~فقال له موسى: )في كثير!( فقال يزيد: )يكونون ألفا؟( فقال له موسى: )ألف ~~وألف وألف إلى منقطع النفس!( فقال له يزيد: )كنت على ما وصفت، وألقيت بيدك ~~إلى التهلكة! أفلا أقمت في قرار عزك وموضع سلطانك، وامتنعت بما قدمت به؟ ~~فإن أعطيت الرضى، وإلا كنت على عزك وسلطانك!( فقال له: )والله! لو أردت ~~ذلك، لما نالوا من أطرافي طرفا! ولكني آثرت الله ورسوله! ولم أر الخروج عن ~~الطاعة والجماعة!( وذكر أن سليمان قال لموسى: )ما الذي كنت تفزع إليه عند ~~حروبك ومباشرة عدوك؟( قال: )كنت أفزع إلى التضرع والدعاء والصبر عند ~~اللقاء!( قال: )فأي الخيل رأيتها في تلك البلاد أسبق؟( قال: )الشقر!( قال: ~~)فأي الأمم كانوا أشد قتالا؟( قال: )هم أكثر من أن أصفهم!( قال:أخبرني عن ~~الروم!( قال: )أسد في حصونهم، عقبان على خيولهم، نساء في مواكبهم، إن رأوا ~~فرصة انتهزوها، وإن رأوا غلبة، فأوعال تذهب في الجبال، لا يرون الهزيمة ~~عارا.( قال: )فأخبرني عن البربرا( قال: )هم أشبه العجم بالعرب لقاء ونجدة ~~وصبرا وفروسية، غير أنهم أغدر الناس، لا وفاء لهم ولا عهدا!( قال: )فأخبرني ~~عن الأندلس!( قال: )ملوك مترفون، وفرسان لا يخيبون.( قال: فأخبرني عن ~~الإفرنج!( قال: )هناك العدد والعدة، والجلد والشدة، والبأس والنجدة!( قال: ~~)فأخبرني كيف كانت الحرب بينك وبينهم: أكانت لك أو عليك؟( فقال: )أما هذا، ~~فوالله! ما هزمت لي راية قط، ولا بدد جمعي، ولا نكب المسلمون معي، منذ ~~اقتحمت ms273 الأربعين إلى أن بلغت الثمانين!( فضحك سليمان، وعجب من قوله. ثم دعا ~~سليمان بطست من ذهب؛ فجعل يردد بصره فيه؛ فقال له موسى: )إنك لتعجب من غير ~~عجب! واله! ما أحسب أن فيه عشرة آلاف دينار والله! لقد بعثت إلى أخيك ~~الوليد بشنور من زبرجد أخضر، كان يصب فيه اللبن، فيخضر وترى فيه الشعرة ~~البيضاء؛ ولقد قوم بمائة ألف مثقال، وإنه لمن أدنى ما بعثت به إليه! ولقد ~~أصبت كذا وأصبت كذا!( وجعل يعدد ما أصاب من الدر والياقوت والزبرجد، حتى ~~بهت سليمان من قوله. PageV01P147 وخرج سليمان يوما يتصيد، ومعه موسى بن ~~نصير؛ فمر في منية له بذود غنم يكون فيها نحو ألف شاة؛ فالتقت إلى موسى، ~~وقال له: )هل كان لك مثل هذا؟؟ فضحك موسى وقال: )والله! لقد رأيت لأدنى ~~موالي أضعاف هذا! فقال سليمان: )لأدنى مواليك؟( فقال: )نعم والله! نعم ~~والله!( ورددها مرارار؛ ثم قال: )وما هذا فيما أفاء الله على! لقد كانت ~~الألف شاة تباع بعشرة دراهم، كل مائة بدرهم! ولقد كان الناس يمرون بالبقر ~~والغنم؛ فلا يلتفتون إليها! ولقد رأيت الذود من الإبل بدينار! ولقد رأيت ~~العلج الفاره وامرأته وأولاده يباعون بخمسين درهما!( قال: فعجب سليمان. # ثم حج سليمان، وخرج موسى معه؛ وكان موسى من أعلم الناس بالنجوم. فلما ~~احتل بالمدينة، قال لبعض إخوانه: )ليموتن بعد غد رجل قد ملأ ذكره المشرق ~~والمغرب!( فظن الرجل أنه الخليفة؛ فمات موسى في اليوم الثاني. وصلى عليه ~~مسلمة بن عبد الملك. وكان مولد موسى سنة 19، في خلافة عمر بن الخطاب - رضي ~~الله عنه - . قيل إنه من لخم؛ وقيل: من بكر بن وائل. # وقال ابن بشكوال في )كتاب الصلة( له: إنه موسى بن نصير بن عبد الرحمن بن ~~زيد. وقال غيره: كان نصير ولاه معاوية بن أبي سفيان على خيله؛ فلم يقاتل ~~معه عليا؛ فقال له: )ما منعك من الخروج معي على علي؟ وبدى عليك، ولم ~~تكافئني عليها؟( فقال: )لم يمكني أن أشكرك بكفر من هو أولى بشكري!( فقال: ~~)ومن ms274 هو؟( فقال: )الله - عز وجل!( قال: فأطرق معاوية مليا؛ ثم قال: )أستغفر ~~الله!( وعفا عنه. # وقال الليث بن سعد: لما قدم موسى بن نصير إفريقية حين الفتح، أخرج ابنا ~~له يسمى عبد الله إلى بعض نواحيها؛ فأتاه بمائة ألف رأس من السبي، أكثرهن ~~وجوه كالبدور؛ ثم وجه ابنا له يسمى مروان إلى ناحية أخرى؛ فأتاه كذلك؛ ثم ~~خرج هو بنفسه؛ فأتى بنحو ذلك. قال الليث: فبلغ الخمس ستين ألفا. قال: فلم ~~يسمع بمثل سبايا موسى في الإسلام. # وفي سنة 95، كان خروج موسى من الأندلس إلى الشأم، واستخلف ابنه عبد ~~العزيز عليها. # ولاية عبد العزيز بن موسى بن نصير # واستخلف موسى على الأندلس ابنه عبد العزيز، وترك معه حبيب بن أبي عبدة بن ~~عقبة بن نافع وزيرا له، ومعينا. وأقام معهما بالأندلس من أراد سكناها. فلما ~~وصل موسى إلى إشبيلية، أقر فيها ولده؛ فارتضاها قاعدة ملكه؛ وتزوج بعد خروج ~~أبيه أم عاصم امرأة رذريق )واسمها أيله( وسكن معها بإشبيلية. فلما دخل بها، ~~قالت له: )إن الملوك، إذا لم يتوجوا، فلا ملك لهم! فلو عملت لك مما بقى ~~عندي من الجوهر والذهب تاجا؟ فقال لها: )ليس ذلك في ديننا.( فقالت له: )ومن ~~أين يعرف أهل دينك ما أنت فيه في خلوتك؟( فلم تزل به حتى فعل. فبينما هو ~~ذات يوم جالس معها، والتاج على رأسه، إذ دخلت عليه امرأة كان قد تزوجها ~~زياد بن نابغة التميمي، من بنات ملوكهم؛ فعاينته، والتاج على رأسه. فقالت ~~لزياد )ألا أعمل لك تاجا؟( فقال لها: )ليس في ديننا استحلال لباسه!( فقالت ~~له: )ودين المسيح! إنه على رأس ملككم وإمامكم!( فأعلم بذلك زياد حبيب بن ~~أبي عبدة ثم تحدثا بذلك حتى علمه خيار الجند؛ فلم يكن له هم إلا كشف ذلك، ~~حتى رأوه عيانا. فقالوا )قد تنصر!( ثم هجموا عليه، فقتلوه. وأكثر الناس على ~~أن هذه الحكاية لا تصح، وإنما قتلوه بأمر سليمان لهم بذلك إذ نكب والده. # وقال الواقدي: إن التي نكح بعد خروج أبيه هي ms275 ابنة رذريق؛ فجاءته من ~~الدنيا بما لا يوصف. فلما دخلت عليه، قالت له: )ما لي لا أرى أهل مملكتك ~~يعظمونك، ولا يسجدون لك، كما كان أهل مملكة أبي يفعلون له؟( فأمر بباب، ~~فنقب في ناحية قصره، وجعله قصيرا؛ فكان يأذن للناس منه؛ فيدخل الداخل منكسا ~~رأسه قبالته لقصر الباب؛ وقد جعل لها مجلسا، تنظر منه إلى الناس إذا دخلوا ~~عليه من حيث لا يرونها. فلما رأتهم على ذلك، ظنت أنهم يسجدون له. فقالت ~~لعبد العزيز: )الآن قوي ملكك( وبلغ الناس ما أراد بذلك الباب؛ فثار به حبيب ~~بن أبي عبدة الفهري، وزياد بن عذرة البلوي، وزياد بن نابغة التميمي، ومن ~~معهم من الناس، فقتلوه. وقيل أيضا: إنما قتلوه لأنه خلع طاعة سليمان بن عبد ~~الملك، إذ بلغه قتل أخيه وما صنع بأبيه. PageV01P148 قال الرازي: لما قفل ~~موسى بن نصير، استخلف ابنه عبد العزيز على الأندلس؛ فضبط سلطانها، وسد ~~ثغورها، وافتتح مدائن كثيرة. وكان من خير الولاة، إلا أن مدته لم تطل، ~~لوثوب الجند عليه وقتلهم له، لأشياء نقموها عليه. وكان قتله صدر رجب من سنة ~~97، بمدينة إشبيلية، بمسجد رفينة. ولما دخل المحراب، قرأ فاتحة الكتاب؛ ثم ~~قرأ سورة الواقعة؛ فعلاه من خلفه زياد ابن عذرة البلوي بالسيف، وهو يقول: ~~)قد حقت عليك يا ابن الفاعلة؟( فكانت ولايته سنة واحدة وعشرة أشهر. # وذكر أيضا أن سليمان بعث إلى الجند يأمرهم بقتله، عند سخطه على أبيه، ~~وأنهم، لما قتلوه، حزوا رأسه. وقدم به على سليمان حبيب بن أبي عبدة الفهري. ~~فقيل إنه عرض الرأس على والده، وهو في محبسه؛ فتجلد لحر المصيبة، وقال: ~~)هنيئا له الشهادة؟ فتلثم، والله؟ صواما قواما؟( قال الرازي: فكانوا يعدون ~~فعل سليمان هذا بموسى وابنه من كبار زلاته التي لم تزل تنقم عليه. ومكث أهل ~~الأندلس شهورا لا يجمعهم وال، حتى اجتمعوا على أيوب بن حبيب اللخمي، ابن ~~أخت موسى بن نصير. # ذكر ولاية أيوب بن حبيب الأندلس # ثم اجتمع أهل الأندلس على تقديم أيوب هذا، يومهم لصلاتهم؛ ms276 وكان رجلا ~~صالحا. وأقاموا مدة دون أمير، ونقلوا دار السلطان إلى قرطبة. فتقدم أيوب ~~ابن حبيب، واحتل بقصر قرطبة؛ وكان مغيث قد اختطه لنفسه. فذكر أن موسى ابن ~~نصير، حين أقلعه رسول الوليد، رجع في قفوله على طريق طارق ليختبر الأندلس؛ ~~فنزل قرطبة وقال لمغيث: )إن هذا القصر لا يصلح لك. وإنما يصلح للعامل الذي ~~يكون بقرطبة.( فتنحى عنه يومئذ. ونزله بعد ذلك أيوب ابن حبيب. فكانت ولايته ~~ستة أشهر. # ولاية الحر بن عبد الرحمن الثقفي # لما ولي سليمان بن عبد الملك محمد بن يزيد، مولى ابنة الحكم بن العاصي، ~~إفريقية، كانت الأندلس وطنجة إلى صاحب إفريقية. فوجه محمد بن يزيد الحر ابن ~~عبد الرحمن هذا عاملا على الأندلس، في أربعمائة رجل من وجوه إفريقية. فبقى ~~الحر واليا. عليها ثلاث سنين؛ فنقل الحر هذا الإمارة من إشبيلية إلى قرطبة. ~~وكان قدوم الحر الأندلس سنة 99 من الهجرة. # ولاية السمح بن مالك الخولاني # ثم ولى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - السمح بن مالك ~~على الأندلس، وأمره أن يحمل الناس على طريق الحق، ولا يعدل بهم عن منهج ~~الرفيق، وأن بخمس ما غلب عليه من أرضها وعقارها، ويكتب إليه بصفة الأندلس ~~وأنهارها. وكان رأيه نقل المسلمين منها وإخراجهم عنها، لانقطاعهم عن ~~المسلمين واتصالهم بأعداء الله الكفار؛ فقيل له: )إن الناس قد كثروا بها، ~~وانتشروا في أقطارها؛ فأضرب عن ذلك( فقدم السمح الأندلس، وامتثل ما أمره به ~~عمر - رضي الله عنه - من القيام بالحق، وإتباع العدل والصدق؛ فأنفرد السمح ~~بولايتها؛ وعزلها عمر عن ولاية إفريقية، اعتناء بأهلها، وتهمما بشأنها. # وكان المسلمون، إذ فتحوا قرطبة، وجدوا بها آثار قنطرة فوق نهرها، على ~~حنايا وثاق الأركان من تأسيس الأمم الدائرة، قد هدمها مدود النهر على مر ~~الأزمان. فتقدم إلى فضيلة النظر فيها عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - ~~عندما اتصل به خبرها؛ فأمر السمح بابتنائها؛ فصنعت على أثم وأعظم مما بنى ~~عليه جسر من حجارة سور المدينة. # وفي سنة 101، ورد ms277 كتاب أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز على السمح بن ~~مالك بالأندلس، يأمره ببناء القنطرة بصخر السور، وبناء السور باللبن، ~~ويأمره بإخراج خمس. قرطبة. فخرج من الخمس البطحاء المعروفة بالربض. فأمر ~~الخليفة عمر أن يتخذ بها مقبرة للمسلمين؛ فتم ذلك. # وقتل السمح - رحمه الله - بطرسونة، وذلك أنه غزا الروم في سنة 102؛ ~~فاستشهد - رحمه الله - يوم عرفة؛ فكانت ولايته سنتين وأربعة أشهر. وقيل: ~~ثمانية أشهر؛ وقيل: ثلاث سنين. # ولاية عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي الأندلس # ثم ثدم أهل الأندلس على أنفسهم عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي هذا؛ ~~فدخلها في شهر ذي الحجة سنة 102. # ولاية عنبسة بن سحيم الكلبي PageV01P149 ثم ولي يزيد بن أبي مسلم عامل ~~إفريقية على الأندلس عنبسة بن سحيم هذا؛ فدخلها في شهر صفر. فلما قتل يزيد ~~بن أبي مسلم، كان على إفريقية محمد بن يزيد، مولى الأنصار، على ما ذكره ~~الطبري، بتقديم أهل إفريقية، وإقرار يزيد بن عبد الملك إياه. # وفي سنة 103، كان العامل على إفريقية من قبل يزيد بن عبد الملك بشر بن ~~صفوان، أخو حنظلة؛ فأقر عنبسة على الأندلس؛ فكانت ولاية عنبسة كلها أربع ~~سنين وثمانية أشهر؛ وقيل غير ذلك. # وفي سنة 105، خرج عنبسة غازيا للروم بالأندلس، وأهلها يومئذ خيار، فضلاء، ~~أهل نية في الجهاد وحسبة في الثواب؛ فالح على الروم في القتال والحصار، حتى ~~صالحوه. وتوفي عنبسة في شعبان سنة 107؛ فكانت ولايته كما ذكرنا. # ولاية يحيى بن سلمة الكلبي # وذلك أنه، لما توفي عنبسة، قدم أهل الأندلس على أنفسهم رجلا من العرب، ~~يقال له عذرة، إلى أن ورد بعد شهرين يحيى بن سلمة الكلبي واليا من عند أمير ~~المؤمنين هشام بن عبد الملك، في آخر سنة 109؛ فكانت ولايته سنتين وستة ~~أشهر. # ومات بشر بن صفوان بإفريقية؛ فولى هشام بن عبد الملك مكانه عبيدة ابن أبي ~~الأعور السلمي. # ولاية حذيفة بن الأحوص # ثم ولي الأندلس حذيفة بن الأحوص الأشجعي؛ وقيل: القيسي؛ ولاه عليها عبيدة ~~بن عبد الرحمن السلمي عامل إفريقية من قبل هشام بن ms278 عبد الملك، في سنة 110؛ ~~فكانت ولايته ستة أشهر. # ولاية عثمان بن أبي نسعة # ثم ولى عبيدة بن عبد الرحمن بن أبي الأعور السلمي على الأندلس عثمان ابن ~~أبي نسعة الخثعمي؛ فقدمها في شعبان سنة 110، وكانت ولايته خمسة أشهر؛ وقيل: ~~ستة أشهر؛ ثم عزل وانصرف إلى القيروان؛ فمات بها. # ولاية الهيثم بن عبيد الكناني # ثم ولي الأندلس الهيثم بن عبيد الكناني، في صدر سنة 111؛ وكانت ولايته ~~عشرة أشهر؛ وقيل غير ذلك؛ وهو الذي غزا منوسة. وأقام واليا عشرة أشهر، كما ~~ذكرنا؛ وقيل: سنة وشهرين؛ ثم توفي. # ولاية محمد بن عبد الله الأشجعي # ثم قدم أهل الأندلس على أنفسهم محمد بن عبد الله الأشجعي؛ فكانت ولايته ~~شهرين؛ وقيل غير ذلك. # ولاية عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي ثانية # ثم ولي الأندلس عبد الرحمن هذا ثانية؛ فكان دخوله إليها في صفر سنة 112؛ ~~فأقام واليا سنتين وسبعة أشهر؛ وقيل: وثمانية أشهر. واستشهد في أرض العدو ~~في رمضان سنة 114. # ولاية عبد الملك بن قطن # ثم ولى عبد الملك بن قطن بن نفيل بن عبد الله الفهري؛ فدخلها في شهر ~~رمضان المذكور الذي توفي فيه عبد الرحمن الغافقي. فألفاه قد استشهد. وقيل: ~~دخلها في شوال من سنة 114. وكانت ولايته سنتين؛ وقيل غير ذلك. # ولاية عقبة بن الحجاج السلولي PageV01P150 ثم ولي عقبة بن الحجاج السلولي ~~في شوال سنة 116. وقالوا: في ولايته كان عبيد الله بن الحبحاب عامل مصر ~~وإفريقية؛ فقدم عليه عقبة بن الحجاج، وكان مولاه؛ فأكرمه، وبره، ورفع شأنه ~~وقدره، وأنزله في مكانه، وخبره في ولاية ما شاء من سلطانه. وكان الحجاج أبو ~~عقبة قد أعنق الحبحاب أبا عبيد الله؛ فولى هشام بن عبد الملك عبيد الله بن ~~الحبحاب مصر وإفريقية والأندلس؛ فكان له من العريش إلى طنجة إلى السوس ~~الأقصى إلى الأندلس وما بين ذلك؛ وكان أحد بنيه بمصر، والثاني بالسوس ~~وطنجة، والثالث بالأندلس؛ وكان عبيد الله بإفريقية. فلما شرف عبيد الله، ~~وعلت منزلته، وانتشر ذكره، وفد عليه مولاه عقبة؛ فأجلسه معه على فراشه، ~~وأدناه ms279 من نفسه، وقربه، حتى عظمت منزلته في الناس؛ فكان يقصده الطالبون ~~وذوو الحاجات، يتوسلون به إلى عبيد الله. فغص به بنو عبيد الله، وقالوا ~~لوالدهم: )اصرفه عنا لئلا يكسر شرفنا!( فما زاده ذلك عنده إلا تعظيما ~~وتكريما، وخبره في ولاية ما شاء من سلطانه؛ فاختار الأندلس؛ فولاه عليها. ~~وكان يجاهد المشركين في كل عام، ويفتتح المدائن. وهو الذي فتح مدينة ~~أربونة، وافتتح جليقية وبنبلونة، وأسكنها المسلمين. وعمت فتوحاته جليقية ~~كلها غير الصخرة؛ فإنه لجأ إليها ملك جليقية، وكان بها في ثلاثمائة راجل. ~~فما زال المسلمون يضيقون عليهم، حتى صاروا ثلاثين رجلا، وحتى فنيت أزودتهم، ~~ولم يتقوتوا إلا بعسل يجدونه في خروق الصخرة. وأعبى المسلمين أمرهم؛ ~~فتركوهم. وأقام عقبة بالأندلس بأحسن سيرة وأجملها، وأعظم طريقة وأعدلها، ~~إلى أن غزا أرض إفرنجة؛ فلقيته جيوش الأعداء؛ فقتل هو ومن معه ببلاط ~~الشهداء. وذكر عنه أنه كان صاحب بأس ونجدة، ونكاية للعدو وشدة. وكان إذا ~~أسر الأسير، لم يقتله حتى يعرض عليه دين الإسلام، ويفتح له عبادة الأصنام. ~~فيذكر أنه أسلم على يديه بهذا الفعل ألف رجل. وكانت ولايته خمسة أعوام ~~وشهرين. وقيل إن أهل الأندلس شاروا على عقبة بن الحجاج وخدموه. قال ابن ~~القطان: وقيل إن عقبة بن الحجاج، لما حانت وفاته، استخلف عبد الملك بن قطن. ~~قال: وأقام عقبة على الأندلس واليا إلى سنة 121. # ولاية عبد الملك بن قطن الفهري ثانية # وفي سنة 122، ولي عبد الملك بن قطن ثانية، حتى كان من أمر البربر وبلج بن ~~بشر، ابن أخي كلثوم بن عياض عامل إفريقية، ما أذكره. قال ابن القطان: وذلك ~~أن هشام بن عبد الملك كان قد ندب كلثوما لقتال البربر، وولاه إفريقية، وبعث ~~معه ثلاثين ألف فارس: عشرة آلاف من صلب بني أمية؛ وعشرين ألفا من العرب؛ ~~وعهد إليه في سد إفريقية وضبطها، إذ كانوا يجدون في الروايات أن ملكهم ~~يزول، وأن ملك بني العباس لا يجاوز الزاب. فتوحمته بنو أمية زاب مصر، وإنما ~~كان زاب إفريقية. فأمره بالجد في أمر ms280 إفريقية، ليلجؤوا إليها إذا ذهب ~~ملكهم؛ وعهد، إن حدث بكلثوم حدث، أن يكون ابن أخيه يلج مكانه؛ فدارت بينه ~~وبين البربر حروب عظيمة، هزموا في بعضها كلثوما وقتلوه. وصار أمر العرب ~~بإفريقية إلى بلج بالعهد المذكور. # ولجأ فلهم إلى سبتة، حتى ضاق عليهم الأمر ضيقا عظيما؛ فكاتب بلج وأصحابه ~~عبد الملك بن قطن صاحب الأندلس، وسأله إدخاله وإدخال من معه من الجند. ~~وذكروا له ما صروا إليه من الجهد، وأنهم قد أكلوا دوابهم. فأبى عبد الملك ~~من إدخالهم، ولم يأمنهم، ومطلهم بالميرة والسعن. واتفق أن تطاولت البربر ~~أيضا بالأندلس، وفاضحوا العرب، وظهروا على الساكنين منهم بجليقية وغيرها؛ ~~فقتلوهم، وطردوهم. فلما ورد فل العرب على عبد الملك بن قطن، ورأى عادية ~~البربر، اضطر لأجل ذلك إلى إدخال بلج وأصحابه؛ فكاتبهم، وشرط عليهم مقام ~~سنة بالأندلس، ثم يخرجون عنها؛ فرضوا بذلك. فأخذ منهم رهائن أنزلهم بجزيرة ~~أم حكيم، وهي على الخضراء. ثم أدخل بلجا وأصحابه عراة، لا يواريهم إلا ~~دوابهم، وقد بلغ بهم الجهد غايته. وكانوا نحو عشرة آلاف من عرب الشام. فلما ~~دخلوا، كساهم عرب الأندلس على قدر أقدارهم؛ قرب رجل يكسو مائة رجل، وآخر ~~عشرة، وآخر واحدا، إلى ما بين ذلك. PageV01P151 فلما حلوا بالخضراء، اجتمع ~~بهم عبد الملك بن قطن؛ وكان بشذونة جمع من البربر، عليهم رجل زناتي؛ فبدأ ~~عبد الملك يمقاتلتهم في وادي الفتح من شذونة، فلم يكن العرب فيهم إلا نهضة، ~~حتى أبادوهم، وأصابوا أمتعتهم ودوابهم. فاكتسى أصحاب بلج، وانتعشوا، ~~وأصابوا الغنائم. ثم نهضوا مع عبد الملك إلى قرطبة؛ ثم ساروا بأجمعهم إلى ~~جهة طليطلة، وقد اجتمع هنالك معظم البربر؛ فكانت هزيمتهم العظمى هنالك ~~بوادي سليط من حوز طليطلة، بعد أن زحف عبد الملك وبلج إليهم بعرب الأندلس، ~~حاشا عرب سرقسطة وثغورها. وزحف البربر بأجمعهم، فهزمهم العرب، وقتلوا منهم ~~في الهزيمة آلافا. # ذكر ولاية بلج بن يسر القشيري الأندلس # قال من له عناية بالأخبار: دخل بلج الأندلس سنة 123 في ذي القعدة منها، ~~وملكها بعد ذلك؛ وذلك أنه، ms281 لما أباد ابن قطن البربر بالأندلس، بمن كان معه ~~من العرب، وبأصحاب بلج، قال لبلج وأصحابه: )اخرجوا من الأندلس على ما ~~شورطتم عليه!( فقال بلج: )احملنا إلى ساحل البيرة أو ساحل تدمير!( فقال لهم ~~عبد الملك: )ليست لنا مراكب إلا بالجزيرة!( فقالوا له: )إنما تريد أن تردنا ~~إلى البربر ليقتلونا في بلادهم!( فلما ألج عليهم في الخروج، نهضوا إليه؛ ~~فأخرجوه من قصر قرطبة إلى داره بالمدينة. ودخل بلج القصر عشية يوم الأربعاء ~~في صدر ذي قعدة من السنة. وكان بلج، وقت جوازه عن سبتة، قد أعطى رهائن لابن ~~قطن، جعلهم ابن قطن بجزيرة أم حكيم؛ فضاعوا مدة الفتنة بين بلج وابن قطن، ~~والجزيرة المذكورة دون ماء؛ فمات رجل من غسان عطشا، وكان من الرهائن، من ~~أشراف دمشق. # مقتل عبد الملك بن قطن الفهري # لما ملك بلج الأندلس، واستولى عليها، طلب منه الجند أن يعطيهم ابن قطن في ~~الغساني المذكور؛ فتوفق بلج؛ فألح الجند، وثارت اليمن كلها على كلمة واحدة. ~~وكان ابن قطن شيخا هرما، قد بلغ التسعين؛ وكان قد حضر يوم الحرة، ومنها فر ~~إلى إفريقية؛ وكان يومئذ بداره بقرطبة؛ فأخرجه الجند منها، كأنه فرخ نعامة ~~من الكبر، وهم ينادونه: )أفلت من سيوفنا يوم الحرة؛ فطلبنا بثأرنا في أكل ~~الدواب والجلود! ثم أردت إخراجنا إلى القتل!( ثم قتلوه، وصلبوه، وصلبوا ~~خنزيرا عن يمينه، وكلبا عن شماله. # ثم إن أمية وقطنا ابني عبد الملك بن قطن حشدا في جهة سرقسطة. وكانا قد ~~هربا من قرطبة وقت إخراج أبيهما منها، وجاءا إلى بلج طالبين يثأرهما، وهما ~~في نيف على مائة ألف من العرب القدماء والحدث؛ فخرج إليهما بلج، وهو في أقل ~~من خمس عددهما؛ فاقتتلوا قتالا شديدا. ثم انهزم ابنا عبد الملك ومن معهما ~~هزيمة عظيمة؛ وانصرف أصحاب بلج ظافرين، وقد امتلأت أيديهم وأنفسهم غنما ~~ونصرا وسرورا، إلا أن يلجأ أميرهم وفيه من جراحة أصابته في المعركة، ومات ~~بعد أيام. وكانت مدة إمارته اثني عشر شهرا. واختلف في ذلك. فقال أبو عمر ms282 ~~السالمي: إن تلك المعركة انجلت عن أحد عشر ألف قتيل، وإن عبد الرحمن بن ~~علقمة فوق سهما إلى بلج؛ فأصاب مقتله. قال هذا في )كتاب درر القلائد وغرر ~~الفوائد(. وقال في )كتاب بهجة النفس(: إن عبد الرحمن ابن علقمة المذكور ~~قتله بالسيف، وإن ولايته ستة أشهر. والأول أصح. # ولاية ثعلبة بن سلامة العاملي الأندلس # وفي سنة 123، في شوال، ولي الأندلس ثعلبة بن سلامة، ولاه أهل الشام؛ وذلك ~~أن هشام بن عبد الملك كان قد عهد أن يتولى أمر الجيش، إذ جهزه من الشام، ~~كلثوم بن عياض؛ فإن أصيب، فأين أخيه بلج؛ فإن أصيب، فثعلبة. فأقعد أصحابه ~~ثعلبة بن سلامة بما عهد به هشام إليهم، وبايعوه. وثار من بقى من البربر ~~بماردة في أيامه؛ فغزاهم، وقتل منهم خلقا كثيرا وأسر منهم نحو الألف؛ ~~وانصرف إلى قرطبة. فسار بأحسن سيرة. وكانت ولايته عشرة أشهر. هذا مساق ابن ~~القطان. ومن )درر القلائد(: كان يبيع ذراري أهل البلد، ويحملهم أسرى، ~~ويرهقهم من أمرهم عسرا. فكان ثعلبة معهم على هذه الحال، إلى أن ورد أبو ~~الخطار. # ذكر ولاية أبي الخطار # الحسام بن ضرار الكلبي الأندلس PageV01P152 وفي سنة 125، ركب أبو الخطار ~~البحر من ناحية تونس في المحرم، وحل بقرطبة؛ فألقى ثعلبة بن سلامة ~~بالمصارة، ومعه الأسرى والسبي من عرب قرطبة، قد اشتبك في الحبال الولد ~~بالوالد؛ فأمر أبو الخطار باطلاقهم، وحلهم من وثاقهم؛ وجمع الناس بعد ~~افتراقهم، وصرفهم إلى معهود إيقافهم؛ فدانت له جماعتهم، وفرق أهل الشام على ~~الكور، ونظر لسواهم أيضا بأحسن النظر؛ فأنزل أهل دمشق بالبيرة، أهل الأردن ~~برية، وأهل فلسطين بشذونة، وأهل حمص بإشبيلية، وأهل قنسرين بجبان، وأهل مصر ~~بباجة، وبعضهم بتدمير. وكان إنزالهم على أموال العجم من أرض ونعم. ودخل في ~~ذلك الوقت الصميل بن حاتم - وسيأتي ذكره - وتعصب المضربون معه، وأتوا إلى ~~قرطبة، حيث أبو الخطار؛ فخرج إليهم دون عدة؛ فهزمه القوم، وقبضوا عليه، ~~وأثقلوا بالحديد رجليه. ثم إنه أفلت من كبله، ومد ما انقبض من حبله. # ومن )كتاب بهجة النفس(، ms283 قال: )لما هزم ثعلبة البربر، سبي ذراريهم، ولم ~~يكن قبل بلج ولا غيره يتعرض للذرية بسباء. فأقبل إلى قرطبة بعدد من السبي ~~كثير، حتى نزل طرف المصارة من قرطبة، ومعه الأسرى والسبي من عرب البلد ~~والبربر، وهو يبيع السبي في النداء، ويعبث ويبطر؛ فكان يبيع الشيوخ ~~والأشراف ممن ينقص، لا ممن يزيد، وكان فيهم علي بن الحصين، والحارث بن أسد ~~من أهل المدينة، فابتدأ المنادي عليهما بعشرة دنانير؛ فلم يزل ينادي: )من ~~ينقص؟( حتى باع أحدهما بعتود، والآخر بكلب. فبينا هو على هذه الحال من ~~العبث والبغي، وقد أوقف رجالهم، وأبرزهم للقتل، وذلك يوم جمعة، إذ قدم أبو ~~الخطار؛ فألقاهم بهذه الحال. فأمر بإطلاقهم؛ فسمى ذلك العسكر عسكر العافية. ~~وكان أهل الأندلس طلبوا من صاحب إفريقية حنظلة ابن صفوان عاملا يجمع ~~كلمتهم، إذ كانت الكلمة مفترقة، والقتل ذريعا، ولا يأمنون تغلب العدو ~~عليهم؛ فأرسل إليهم أبا الخطار هذا. واجتمع على أبي الخطار أهل الشام وعرب ~~البلد، ودانت له الأندلس. ثم أنه أمن ابني عبد الملك بن قطن، وأنزل أهل ~~الشام في الكور، وتعصب لليمانية، واعتزل قيسا؛ فكان ذلك سبب توثب الصميل بن ~~حاتم عليه مع مضر، بعد أن ولي سنتين؛ وقيل: وتسعة أشهر؛ وقيل: ثلاث سنين. # ذكر الصميل بن حاتم وسبب الفتنة # قال في )كتاب بهجة النفس(: كان الصميل بن حاتم هذا جده شمر قاتل الحسين - ~~رضي الله عنه - وهو من أهل الكوفة؛ فلما قتله، تمكن منه المختار بن أبي ~~عبيد؛ فقتله، وهدم داره؛ فارتحل مع ولده من الكوفة، وصاروا بالجزيرة؛ ثم ~~صاروا في جند قنسرين. فرأس الصميل بالأندلس، وفاق بالنجدة والسخاء. فاغتم ~~أبو الخطار به؛ فدخل عليه يوما، وعنده الجند؛ فأحب كسره؛ فأمر عليه؛ فشتم، ~~ولكز؛ فخرج عنه مغضبا، وأتى داره؛ ثم بعث إلى خيار قومه؛ فشكا إليهم ما ~~لقى؛ فقالوا: )نحن تبع لك!( فقال: )والله ما أحب أن أعرضكم للقضاعية ولا ~~لليمانية! ولاكني سأتلطف، وأدعو إلب مرج راهط، وأدعو لخما وجذاما، وتقدم ~~رجلا يكون له الاسم ولنا الحظ.( ms284 فكتبوا إلى ثوابة بن سلامة الجذامي من أهل ~~فلسطين؛ ثم وفدوا عليه؛ فأجابهم، وأجابتهم لخم وجذام. فبلغ ذلك أبا الخطار؛ ~~فغزاهم؛ فلقيه ثوابة، وأسره. وسار ثوابة حتى دخل قصر قرطبة، وأبو الخطار ~~معه في قيوده. ثم إنه أفلت، كما ذكرنا. # ثم ولي ثوابة سنتين. ولما ولي ثوابة سنة 128، استجاش أبو الخطار ~~اليمانية، ودعاهم للنصرة على المضرية؛ فاجتمع له إذ ذاك حفل وعسكر ضخم، ~~وأقبل إلى قرطبة؛ فخرج ثوابة بن سلامة إلى لقائه. فافترق الناس عن أبي ~~الخطار، ونفروا عن تلقائه. وتوفي إثر ذلك ثوابة في السنة المذكورة؛ وكانت ~~ولايته كما ذكرنا. فلما توفي ثوابة، عادت الحرب إلى ما كانت عليه؛ فأرادت ~~اليمن أن تعيد أبا الخطار؛ فأبت ذلك مضر مع الصميل؛ وتشاكس الفريقان. ~~وأقامت الأندلس أربعة أشهر من غير وال، إلا أنهم قدموا عبد الرحمن بن كثير ~~اللخمي للنظر في الأحكام. وصار أمر الشام وملوكه متغير الحال؛ فقال يزيد ~~الوليد، وصارت إليه أحوال بني مروان. # ولاية يوسف بن عبد الرحمن الفهري الأندلس PageV01P153 لما تفاقم الأمر، ~~وكثر الاختلاف بين أهل الأندلس، تراضوا واتفقوا على تولية يوسف بن عبد ~~الرحمن الفهري، وعلى أن يدعوا ليحيى بن حريث كورة رية؛ فتركت له طعمة. وقد ~~كانت قضاعة اجتمعت قبل ذلك، وقدموا على أنفسهم عبد الرحمن بن نعيم الكلبي؛ ~~فجمع مائتي راجل وأربعين فارسا؛ فبيت القصر بقرطبة، وقاتل الأحراس، وهجم ~~على السجن؛ فأخرج أبا الخطار، وهرب به إلى لبلة؛ فأقام في كلب وقبائل من ~~حمص؛ فاكتنفوه ومنعوه، ولم يحدث شيئا حتى اجتمع الناس على يوسف. فلما ~~استقام له الأمر، غدر يحيى بن حريث، وعزله عن كورة رية؛ فغضب ابن حريث، ~~وكاتب أبا الخطار حينا. فقال أبو الخطار: )أنا الأمير المخلوع! فأنا أقوم ~~بالأمر!( وقال ابن حريث: )بل أنا أقوم به، لأن قومي أكثر من قومك!( فلما ~~رأت جذام ما يدعو إليه ابن حريث، قدموه وأجابوه؛ فأصفقت يمن الأندلس ~~وحميرها وكندتها على تقديمه والطوع له، وانحازت مضر وربيعة إلى يوسف بقرطبة ~~حضرة الملك. وأقبلا حتى نزلا ms285 شقندة. # وكان الصميل مع يوسف الفهري، وهو الذي سأله الناس أن ينظر لهم في وال يلي ~~عليهم، لشغل أمير المؤمنين مروان بن محمد بالمشرق عنهم وبعده عنهم. فاختار ~~لهم يوسف بن عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبدة بن عقبة بن نافع الفهري؛ وكان ~~يومئذ بالبيرة؛ فرضيه الناس كما ذكرنا. ووقع اختلاف بعد ذلك في أمره بين ~~مصر واليمن؛ فانضوت اليمن إلى أبي الخطار، من جميع البلاد والأقطار، وزحف ~~بهم إلى يوسف الفهري بقرطبة؛ فكره يوسف الفتنة، وخاف البغضاء والشحناء. ~~فنزل الصميل بن حاتم بالمحلات، وشك السلاح والآلات؛ وأقبل أبو الخطار بمن ~~معه، ونزل موضعه؛ فالتقت بشقندة الفئتان، وتصادمت الفرقتان؛ فلا تسمع إلا ~~صهيلا وصليلا، ولا ترى إلا قتيلا، حتى تكسرت الخطية وتفللت المشرقية، ~~والتفت الساق بالساق، وانضمت الأعناق إلى الأعناق؛ فلم يعهد حرب مثلها في ~~المسلمين، بعد حرب الجمل وصفين، إلى أن انهزمت اليمانية مع أبي الخطار بعد ~~حين. وهرب أبو الخطار، وركب ظهر الفرار؛ واستتر في رحى للصميل هنالك؛ فظفر ~~به وقتل إذ ذلك. فرأس الصميل بن حائم في الناس، وشهر بالنجدة والبأس؛ وصرف ~~يوسف الفهري إليه الأمور، وأوقف عليه الرياسة والتدبير. فكان ليوسف الاسم، ~~وللصميل الرسم. # مقتل أبي الخطار # ولما أخذ أبو الخطار، وأرادوا قتله، قال: )ليس على فوت! ولاكن دونكم ابن ~~السوداء!( يريد ابن حريث. فدل عليه، وقتلا جميعا. وكان ابن حريث يقول: )لو ~~أن دماء أهل الشام سقيت، لشربتها في قدح!( فلما استخرج من تحت الرحى ليقتل، ~~قال له أبو الخطار: )يا ابن السوداء! هل بقى في قدحك شيء لم تشربه؟( ثم ~~قتلا. وأتى بالأسرى؛ فقعد لهم الصميل، وضرب أعناقهم جميعا. # ثم أتبع الله الأندلس بعد ذلك بالوباء والموت في السنة الثانية، حتى كاد ~~الخلق أن ينقرض منها. # وولي يوسف عن )رضى من( عامة الجند من مضر ويمن والشام؛ فصفت له الأندلس ~~بعد يوم شقندة، وخلصت له القلوب والأنفس. وعاد الصميل بن حاتم قائده ~~الأعلى، وقدحه المعلى، يقرب منه ما شاء، ويدفع عنه ما ساءه، ms286 إلى أن تمكن ~~بالدولة، وتملك رقاب تلك الجملة. فشرق به يوسف وقلق، وخشي من جانبه وأرق؛ ~~فرأى أن يبعده من مكانه، ويوليه بعض سلطانه؛ فولاه سرقسطة وبلادها سنة 133؛ ~~فكان فيها إلى أن قام عليه فيها الحباب بن رواحة من بني زهرة بن كلاب؛ ~~فحاصره مدة من سبعة أشهر. وقعد يوسف عن إغاثته، واعتذر بشدة الأندلس في ذلك ~~الوقت ومجاعته، رغبة في تلافه وهلاكه، وحرصا على الراحة منه لاستحواذه ~~واستملاكه، إلى أن اجتمع قومه بالبيرة وجيان، وساروا إلى نصرته، وتفريج ~~كربته. # وقيل إن الذي قام على يوسف بسرقسطة تميم بن معبد الزهري وعامر العبدري. ~~فغزاها يوسف في سنة 138؛ فكان عليها، إلى أن دخل عبد الرحمن الداخل إلى ~~الأندلس. # وفي سنة 130، كانت وقعة شقندة، واجتمع على يوسف. وكان يوم ولايته ابن خمس ~~وسبعين سنة؛ وملك تسع سنين. وكان قبل ولايته معتزلا في بادية، من أهل ~~الديانة والإظهار للخير. # وفي سنة 131، أمحلت الأندلس، وعم المحل، وتمادى إلى سنة 138 وذلك سنة محل ~~وسنة غيث. وأتصل المحل الشديد سنة أو اثنتين؛ ثم سقى الناس سنة 133، وعادت ~~إلى بعض الصلاح. PageV01P154 وفي سنة 133، ثار أهل جليقية، وترددت الغارات ~~عليها. ثم استحكم الجوع والقحط في سنة أربع وثلاثين وسنة خمس وبعض سنة 136؛ ~~فخرج أكثر الناس إلى طنجة وزويلة وريف البحر في العدوة؛ وكانت إجازتهم من ~~وادي شذونة، وهو المعروف بوادي برباط؛ وبه سميت السنة. # تسمية من ثار على يوسف بن عبد الرحمن الفهري بالأندلس # منهم: عبد الرحمن بن علقمة اللخمي، ثار عليه بأربونة؛ فحاربة، ولم يمكث ~~في حربه إلا يسيرا حتى أمكنه الله منه وثار عليه عروة بباجة؛ فوجه إليه ~~يوسف من هزمه وقتل أصحابه. وثار عليه تميم بن معبد سنة 136. وفي سنة 137، ~~اجتمع تميم بن معبد وعامر بن عمرو بن وهب بسرقسطة؛ فتولى محاربتهما الصميل ~~بن حاتم. وفي سنة 138، خرج يوسف بنفسه إلى تميم بن معبد وعامر ابن عمرو ~~بسرقسطة؛ فحاصرهما؛ ثم ظفر بهما وقتلهما. وفي هذه السنة، انقضت أيام يوسف ~~بن عبد الرحمن الفهري. # جامع ms287 أخبار بني أمية بالمشرق # وذلك أن جميع خلفائهم من لدن معاوية إلى آخرهم أربعة عشر رجلا. وكانت مدة ~~دولتهم، منذ خلص الأمر إلى معاوية إلى أن قتل مروان بن محمد، إحدى وتسعين ~~سنة، وتسعة أشهر، وخمسة أيام، منها أيام ابن الزبير تسع سنين واثنان وعشرون ~~يوما. ثم تفرقت بنو أمية في البلاد هربا بأنفسهم. وهرب عبد الرحمن بن ~~معاوية بن هشام بن عبد الملك إلى الأندلس؛ فبايعه أهلها، وتجددت لهم بها ~~دولة استمرت إلى بعد الأربع والعشرين والأربعمائة. والناس يعتقدون أن ~~دولتهم كانت انقطعت من حين قتل مروان إلى أن جددها عبد الرحمن الداخل سنة ~~136 أو نحوها؛ وقيل إنها كانت متصلة، لم تنقطع من زمن عثمان - رضي الله عنه ~~- إلى زمن المعتد بالله بقرطبة آخر خلفائهم سنة 424. وهذا القول ينبني على ~~ما قاله بعضهم إن عهد عبد الرحمن بن حبيب صاحب إفريقية من قبل بني أمية وصل ~~إلى يوسف بن عبد الرحمن الفهري المتغلب على الأندلس، الذي دخل عبد الرحمن ~~بن معاوية وهو أميرها. فتأمل هذا؛ فإنه، إن صح، نكتة غريبة وفائدة عجيبة. # قال أبو محمد بن حزم: وانقطعت دولة بني مروان بالمشرق بمروان بن محمد ~~الجعدي. وكانت، على علاتها، دولة عربية، لم يتخذ ملوكها قاعدة لأنفسهم، ~~إنما كان سكنى كل أمير منهم في داره وضيعته اللتان كانتا له قبل الخلافة، ~~ولا أكثروا احتجان الأموال، ولا بناء القصور، ولا طلبوا مخاطبة الناس لهم ~~بالتمويل والعبودية والملك، ولا تقبيل أرض، ولا يد، ولا رجل، إنما كان ~~غرضهم الطاعة الصحيحة والتولية والعزل في أقاصي بلاد الدنيا؛ فكانوا يعزلون ~~العمال، ويولون الأخر في السند والهند، وفي خراسان، وفي أرمينية، وفي ~~العراق، وفي اليمن، وفي المغرب الأدنى والأقصى وبلاد السوس وبلاد الأندلس؛ ~~وبعثوا إليها الجيوش، وولوا عليها من ارتضوا من العمال، وملكوا أكثر ~~الدنيا. فلم يملك أحد من ملوك الدنيا ما ملكوه من الأرض، إلى أن تغلب عليهم ~~بنو العباس بالمشرق، وانقطع بها ملكهم. فسار منهم عبد الرحمن بن معاوية إلى ~~الأتدلس، وملكها ms288 هو وبنوه، وقامت بها دولة بني أمية نحو الثلاثمائة سنة. ~~فلم يك في دول الإسلام أنبل منها، ولا أكثر نصرا على أهل الشرك، ولا أجمع ~~لخلال الخير؛ وبهدمها انهدمت الأندلس إلى الآن، وذهب بهاء الدنيا بذهابها. ~~PageV01P155 قال أبو محمد: وانتقل الأمر بالمشرق إلى بني العباس؛ فكانت ~~دولتهم أعجمية: سقطت فيها دواوين العرب، وغلب عجم خراسان على الأمر، وعاد ~~الأمر ملكا عضوضا كسرويا، إلا أنهم لم يعلنوا بسب أحد من الصحابة - رضهم - ~~بخلاف ما كانوا عليه بنو أمية من استعمال ذلك في جانب علي - رضي الله عنه - ~~، وكفاهم ذلك قبحا وباطلا، حاشا عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - ويزيد ~~بن الوليد؛ فإنهما لم يستجيزوا ذلك. وافترقت في دولة بني العباس كلمة ~~المسلمين؛ فتغلبت في البلاد طوائف من الخوارج وشيعة ومعتزلة، ومن ولد إدريس ~~وسليمان ابني عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب - رضهم - ؛ ومنهم من ~~بني أمية تغلبوا على الأندلس، وكثير من غيرهم. وفي خلال هذه الأمور من ~~اختلاف الكلمة، تغلب الكفار على نحو نصف الأندلس، وعلي نحو نصف السند؛ فأما ~~ما لم يملكه العباسيون، فهو ما وراء الزاب من بلاد المغرب وتلمسان ~~وأنظارها، كان فيها شيعة، ثم آل ملكها إلى إدريس؛ وأما تامسنا، ففيها أولاد ~~صالح بن طريف على ضلالتهم؛ وأما سجلماسة، فنزلها رئيس الصفرية. هذه هي ~~البلاد المتفق عليها، وأما المختلف فيها، فإفريقية؛ قيل إنه كان فيها عبد ~~الرحمن بن حبيب ثائرا، وفي الأندلس يوسف بن عبد الرحمن الفهري. # ذكر دخول عبد الرحمن بن معاوية # ابن هشام إلى الأندلس وهروبه من الشام # قال الرازي: وفي سنة 136، ابتدأ عبد الرحمن بن معاوية بمداخلة مواليه من ~~الأمويين بالأندلس. وفي هذه السنة، تفرق ولد معاوية، وولد هشام، وكل من فيه ~~بقية من ولد مروان وأمية. فخرج عبد الرحمن بن معاوية مختفيا من موضع إلى ~~موضع، وهمه الأندلس، لما كان في نفسه من أمرها ومن الأثر المروي عنه فيها. ~~فوصل إلى مصر؛ ثم سار منها إلى برقة؛ فبقى فيها مستترا ms289 مدة. ثم رحل عنها؛ ~~فأوغل في المغرب. قال بدر مولاه: )فأدركته في الطريق، وجهتني إليه أم ~~الأصبغ أخته شقيقته بدنانير وشئ من الجوهر يستعين بها على النفقة والوصول؛ ~~فوصل إلى إفريقية، وصاحبها عبد الرحمن بن حبيب، ومعه يهودي قد خدم مسلمة بن ~~عبد الملك؛ وسمعه يحدث بخبر القرشي الذي يكون من بني أمية يتغلب على ~~الأندلس، اسمه عبد الرحمن، ذو ضفيرتين؛ فنظر إلى عبد الرحمن؛ فوجده ~~بضفرتين؛ فقال لليهودي: )ويحك!( هذا هو المذكور، وأنا قاتله!( فقال له ~~اليهودي: )إن يك ذلك، لم تقتله!( ثم صار ابن حبيب يقتل الواصلين إليه من ~~بني أمية، ويأخذ أموالهم. فهرب عبد الرحمن عن القيروان، ونجا يريد الأندلس، ~~ويشغل نفسه بها لما كان عنده من الروايات في علم الحدثان من قبل مسلمة بن ~~عبد الملك أخي جده وغيره. فسار حتى أتى تادلا من قبائل المغرب؛ فناله عندهم ~~تضييق وأخبار يطول ذكرها. ثم هرب من عندهم حتى أتى نفزة، وهم أخواله؛ فإن ~~أمه كانت من سبيهم. قال بدر: )فجزت إلى الأندلس، واجتمعت بعبيد اله بن ~~عثمان بساحل البيرة، في آخر سنة 136؛ ثم انصرفت في سنة سبع بعدها، وأقمت ~~عنده مدة؛ ثم كررت منصرفا إلى الأندلس في موالي عبد الرحمن. # حدث عبد الرحمن، قال: )دخلت الأندلس، وأنا أضبط جلية مسلمة ابن عبد ~~الملك؛ فإنه أتى جدي هشاما يوما؛ فوجدني عنده صبيا؛ فأمر جدي بتنحيتي عنه؛ ~~فقال له مسلمة: )دعه يا أمير المؤمنين! فإنه صاحب بني أمية ومحيي دولتهم ~~بعد زوالها!( فلم أزل أعرف لي مزية من جدي بعد.( PageV01P156 قال الرازي: ~~وفي سنة 137، ثار الحبحاب بن رواحة بجهة سرقسطة؛ وتظافر معه على ذلك عامر ~~بن عمرو العبدري من بني عبد الدار بن قصي؛ وكان قد هرب من قرطبة خوفا من ~~يسوف؛ وكان عامر هذا أحد رجال مضر، )وقد فشا( بالأندلس نجدة وشرفا وعلما ~~وأدبا؛ وكان يلي المغازي بالصوائف من قبل يوسف الفهري؛ وكان سلطان الفهري ~~يومئذ قد ضعف لأجل المحل المتوالي بالأندلس. وكان الصميل قد لزم الثغر في ms290 ~~تلك الأعوام، لأنه كان أشبه من غيره في الخصب؛ فلما خاف عامر هذا على نفسه ~~من الفهري والصميل، خرج فارا بنفسه، وقصد الحبحاب بن رواحة، واستجاشا. ~~فأجابهما رجال من اليمانية وناس من البربر؛ فحصرا الصميل بسرقسطة حصارا ~~شديدا، حتى يئس من الحياة، وهم بالإلقاء بيده؛ وكتب إلى يوسف يسأله ~~الإمداد؛ فلم يجد في الناس منهضا. فلما أبطأ عليه مدد يوسف، واشتد الحصار، ~~كتب إلى قومه من جند قنسرين ودمشق، يعظم عليهم الخطب، ويناشدهم الرحم؛ فقام ~~له بذلك عبيد بن علي الكلائي؛ وأكثر كلاب وهوازن وغطفان والأزد تقدم رجلا ~~وتؤخر أخرى، ولم يكن لهم رأس يجمعهم. فلما نهض عبيد بن علي ومضى داعيا في ~~الجندين إلى نصر الصميل، تحركت جماعة كلاب ومحارب، إلا كعب بن عامر وعقيل ~~وقشير والحريش؛ فإنهم كانوا منافسين لبني كلاب، لأن الرياسة يومئذ بالأندلس ~~كانت فيهم؛ وكان بلج قشيريا؛ فضمهم الصميل. # ولم يجتمع من هذه القبائل إلا نحو أربعمائة فارس؛ فاستقلوا أنفسهم؛ ثم ~~صمموا، وخف معهم يومئذ قوم من بني أمية في نحو ثلاثين فارسا؛ وخرج معهم أبو ~~عثمان عبيد الله بن عثمان مولاهم، وخرج أيضا معهم عبد الله بن خالد بن أبان ~~بن أسلم، مولى عثمان بن عفان - رضي الله عنه - ؛ وكان عبد الله وعبيد الله ~~يتواليان حمل لواء بني أمية بالأندلس بعد، ويتعاقبان في ذلك. وكان لهما ~~ولبني أمية في هذا المجتمع يومئذ بلاء معروف مشهور، وإنما أراد أن يقدما ~~بذلك يدا عند الصميل، لما كانا بنيا عليه من اطلاعه على أمر عبد الرحمن بن ~~معاوية؛ وكانا واثقين بالصميل، وأنه، إن لم يجبهما، كتم عليهما؛ وكذلك فعل؛ ~~فإنه كتم عليهما كتمانا عجيبا. فكان هذا هو الذي دعاهم إلى إمداد الصميل ~~واستنفاذه لاعتداد اليد عليه؛ ورأسوا على أنفسهم ابن شهاب استئلافا له؛ ~~ومشى الجميع. فلما بلغوا وادي طليطلة، بلغهم أن الحصار اشتد وأضر بالصميل، ~~وأنه على الهلكة؛ فقدموا رسولا من قبلهم، وقالوا له: )ادخل في جملة ~~المحاربين للسور. فإذا قربت منه، ارم بهذه الأحجار!( وفي كل ms291 واحد منها ~~بيتان، وهما )وافر(: # ألا أبشر بالسلامة يا جدار ... أتاك الغوث وانقطع الحصار # أتتك بنات أعوج ملجمات ... عليها الأكرمون وهم نزار # ففعل الرسول ذلك. فلما وقعت الحجارة، أتى بها الصميل أو ببعضها؛ فقرئت ~~عليه؛ وكان أميا. فلما سمع ما فيها، قال: )ابشروا يا قوم! فقد جاءكم الغوث، ~~ورب الكعبة!( ومضى القوم يستحيشون كل من استجاب لهم، ومعهم الأمويون، وفي ~~جملتهم بدر رسول ابن معاوية. وكان عبد الرحمن قد بعث إليهم خاتمة ليكتبوا ~~به عنه إلى كل من رجوا نصره؛ فكتبوا عنه للصميل، يذكرون له أيادي بني أمية ~~عنده، وبعده، ويمنيه. فلما سمع العبدري والعذري بالمدد الواصل إليه، ~~ارتفعوا عنه، وانكشف وجه الصميل؛ فخرج، وتلقى القوم، ووصلهم على أقدارهم، ~~وكساهم، وقفل معهم بماله وحشمه. فلما زال الصميل عن سرقسطة، دخلها الحبحاب ~~وملكها. PageV01P157 ثم أطلع الأمويون الصميل على قصة ابن معاوية، وعرضوا ~~عليه بدرا رسوله؛ فأحسن إليه وقال لهم: )أروى في أمره.( وأقبل قافلا حتى ~~دخل قرطبة. وانصرف الأمويون إلى منازلهم، وبدر معهم. وقد كان الصميل اتفق ~~مع الأمويون على نصرة ابن معاوية، وأن يزوجه من ابنته. ثم رجع في قوله، ~~وقال: )تأملت الأمر؛ فوجدته صعب المرام؛ فبارك الله لكما في رأيكما ~~ومولاكما! فإن أحب غير السلطان، فله عندي أن يواسيه يوسف، ويزوجه ويحبوه! ~~انطلقا راشدين!( فانقطع رجاؤهم يومئذ من ربيعة ومضر، ورجعوا إلى اليمن. قال ~~بدر: فلم نمر بيمني إلا دعوناه؛ فوجدنا قوما قد وغرت صدورهم، يتمنون سبيلا ~~لطلب ثأرهم؛ ثم رجعنا إلى جندنا؛ فابتعنا مركبا، ووجهنا فيه أحد عشر رجلا ~~مع بدر. قال: ومضى يوسف حتى أتى طليطلة، وأمضى بعثين إلى جليقية والبشكنش، ~~وأراد القفول إلى قرطبة؛ فلم يبعد حتى أدركه الرسول بهزيمة الجيش وقتل ~~عامته. فبينما هو ينظر في ذلك، إذ أتاه رجل من عند ولده من قرطبة، يعلمه أن ~~فتى من قريش، من ولد هشام بن عبد الملك، نزل بساحل المنكب؛ فاجتمع إليه ~~موالي القوم والأموية؛ فانتشر الخبر في العسكر، وشمت به الناس لما فعل ~~بالقرشيين؛ فانقض ms292 الناس من العسكر، وتنادوا بمشاعرهم، وتقدموا إلى كورهم. ~~فأصبح يوسف، وليس في عسكره غير قيس والصميل؛ فقال الصميل: )ما الرأي؟( قال: ~~)بادره الساعة، قيل أن يستعجل أمره!( فساروا إلى قرطبة؛ فكلما رجوا أن ~~يجتمع لهم بمن يخرجون لاستئصال شوكة ابن معاوية، لم يتجه لهم عمل. # وفي سنة 138، دخل عبد الرحمن بن معاوية الأندلس في غرة ربيع الأول؛ وهو ~~أبو الملوك. وكان خروجه من المركب بموضع يعرف بالمنكب؛ ثم نزل بقرية طرش من ~~كورة إلبيرة. فأقبل إليه جماعة من الأمويين، وقد أعد للأمير ما يصلحه من ~~المركب والمنزل والملبس. فغلظ أمر ابن معاوية، وأقبل الناس من كل مكان ~~إليه. فكتب يوسف الفهري إلى جماعة الأمويين، يحذرهم ويخوفهم؛ فقالوا له: ~~)إنما أقبل ابن معاوية إلينا وإلى جماعة مواليه، يريد المال، ليس فيما يظن ~~الأمير - أصلحه الله! - ولا فيما رفع إليه.( واعتذروا له بما أمكنهم. وأقبل ~~وجوه الناس إلى ابن معاوية، وقالوا له: )خفنا مكر الصميل، ولم نأمن غائلته؛ ~~فعرفنا الفهري بكذا وكذا.( وكان ابن معاوية ببيت في الجبال. # ومضى يوسف بن بخت إلى جند الأردن؛ فأخذ بيعة جميعهم؛ ومضى عبد الله بن ~~خالد إلى جند حمص؛ ومضى تمام بن علقمة إلى أهل فلسطين؛ وأقبل الناس من كل ~~مكان. فلما ضاقت الأحوال بالفهري، ولم يأته من الأجناد إلا اليسير، أدار له ~~الصميل الرأي، وأمره بالمكر بابن معاوية والمخادعة له، ورجا ذلك منه لحداثة ~~سنه، وقال له: )هو قريب عهد بزوال النعمة؛ فهو يغتنم ما تدعوه إليه؛ ثم أتت ~~بعد ذلك متحكم فيه وفي الذين سعوا له بما تحب!( فأجمع رأيه على تأنيسه بأن ~~يزوجه ابنته ويسكنه في أي الجندين شاء، من دمشق أو الأردن، أو يسكن بينهما، ~~ويصير إليه أمر الكورتين. وبعث إليه بكسوتين ومطيتين وخمسمائة دينار، ووجه ~~إليه كاتبه خالد بن يزيد، وقال له: )اعرف أمره وأي جند عنده، وتأمل أخباره ~~وأخبار من معه!( فخرج في الليل مع أصحابه، وأصبحوا على ابن معاوية بالمال ~~والكسوة والمطيتين. ووجه أيضا إلى بدر فرسا ومائة ms293 دينار وكسوة. فقبل ابن ~~معاوية الهدية، وكره التزويج؛ فتكلم خالد بكلام غليظ لابن معاوية إذ أبى ~~التزويج؛ فأمر به؛ فضم إلى وثاق، ورد غيره إلى يوسف؛ ولم يرد عليه جوابا. # وكان يوسف قد كتب إلى ابن معاوية كتابا. وهذه بعض فصول منه: )أما بعد، ~~فقد انتهى إلينا نزولك بساحل المنكب، وتأبش من تأبش إليك ونزع نحوك من ~~السراق وأهل الختر والغدر ونقض الأيمان المؤكدة، التي كذبوا الله فيها ~~وكذبونا! وبه - جل وعلا! - نستعين عليهم! ولقد كانوا معنا في ذرى كنف ~~ورفاهية غبش، حتى عصموا ذلك، واستبدلوا بالأمن خوفا، وجنحوا إلى النقض! ~~والله من ورائهم محيط! فإن كنت تريد المال وسعة الجناب، فأنا أولى لك ممن ~~لجأت إليه! أكنفك، وأصل رحمك، وأنزلك معي إن أردت وبحيث تريد! ثم لك عهد ~~الله وذمته في ألا أغدر بك، ولا أمكن منك ابن عمي صاحب إفريقية ولا غيره!( ~~في كلام كثير. PageV01P158 قال ابن عيسى: فحدثني تمام بن علقمة أن عبد ~~الرحمن، لما أتاه كتاب الفهري بما فيه وبتزويجه ابنته، أشار عليه كل من ~~أتاه من العرب والأمويين ألا يقبل ذلك منه، إلا أن يعتزل له عن الملك ~~ويبايعه، وإلا حاكمه إلى الله؛ وقالوا له: )إنما يمكر بك، ولا يفي لك بشئ، ~~لأن وزيره ومالك أمره الصميل، وهو غير مأمون!( قال: فلما انكشف أمرنا عنده ~~بما أظهرنا من الإباية ويحبس كاتبه خالد ابن يزيد، رأينا أن تشهر أمرنا. ~~فخرجنا إلى جدار بن عمرو وإلى جند الأردن، واجتمعنا إليه، فأتيناه في ~~ثلاثمائة فارس من جماعة الأمويين، وممن أقبل إليه من وجوه العرب. ثم كاتبنا ~~أهل قنسرين وفلسطين. فلما أقبلت إلينا رسلهم بما أردنا، نهضنا إليهم؛ وكنا ~~قد وطنا على الموت، وعزمنا على أن نقتل دونه، وعقدنا له لواء. وأقمنا معه ~~ستة أشهر، نبرم له أموره، ونكاتب له الناس. وكنا خرجنا إليه في زي حسن عند ~~خروجنا إليه بساحل البحر؛ ثم انتقل من البيرة إلى كورة رية، إلى شذونة، إلى ~~مورور، إلى كورة إشبيلية، والناس يتلقونه بالبشر ms294 والترحيب، ويعطونه من ~~الانقياد والطاعة أوفى نصيب. قال تمام: فدخلنا رية في ستمائة فارس، وخرجنا ~~منها في ألفي فارس؛ وخرجنا من إشبيلية إلى قرطبة في ثلاثة آلاف فارس. فلما ~~اجتمعت لنا الجموع، وبلغنا ما يريد الفهري من الخروج إلينا، كتب الأمير عبد ~~الرحمن الكتائب، وعبا الأجناد، وخرج إليه؛ ودعا برجل من الأنصار؛ فعقد ~~لواءه؛ وارتحل في جنوده، حتى احتل بقرية على نهر قرطبة يوم الاثنين لست ~~خلون من ذي الحجة. # وخرج الفهري إلى المصارة. وأقاما ثلاثة أيام متناطرين، والنهر حاجز ~~بينهما بحمله؛ ثم أصبح النهر يوم الخميس، وقد حسر ماؤه. فعبأ الأمير عبد ~~الرحمن كتائبه، وتهيأ للحرب؛ فقدم على قبائل العرب أحدا من قواده، وعلى ~~البربر كذلك، وهو إبراهيم بن شجرة. وترجل حماة بني أمية؛ فحفوا بالأمير، ~~والأمير على فرسه متنكبا قوسه؛ فجاوز النهر، واقترب من المصارة؛ فتجاوز ~~العسكران، وتقارب المضطربان. وأقاما بقية يومهما في سكون وهدؤ، والرسل ~~تختلف من قبل يوسف، يرجو عقد الصلح. فلما أصبح يوم الجمعة، التقى الجمعان، ~~واستحرت الحرب والقتال. فمشى العلاء بن جابر العقيلي إلى الصميل؛ فقال له: ~~)يا أبا جوشن اتق الله! فوالله! ما أشبه هذا اليوم إلا بيوم المرج! وإن ~~عاره لباق علينا إلى اليوم؛ فإن الأمور يهتدي لها بالأقران والأمثال: أموي ~~وفهري وقيس واليمن! وهذا يوم عيد، ويوم جمعة؛ ويم المرج أيضا يوم جمعة! ~~والأمر، والله! علينا، لا شك في ذلك! فاتق الله، واغتنم لنا الأمر لنكون ~~فيه أعزاء لا أتباعا!( وكان العلاء هذا من وجوه قيس. ثم انهزم الفهري ~~وأصحابه، واستقبل القصر؛ فاعترض له عبد الأعلى بن عوسجة، وحال بينه وبين ~~دخوله، ورده عنه؛ فولى منهزما إلى سفح جبل قرطبة. واستولى الأمير عبد ~~الرحمن يومه ذلك على الملك، وتمت له بيعة العامة بقرطبة. وتمادى يوسف ~~الفهري في الفرار إلى البيرة. # خلافة عبد الرحمن بن معاوية # ابن هشام بن عبد الملك # نسبه: عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن ~~أبي العاصي بن أمية. كنيته: أبو ms295 المطرف. أمه: بربرية من سبى المغرب، تسمى ~~راحا أو رداحا. وفي عبد شمس بن عبد مناف يلتقي نسبه بنسب رسول الله - صلعم ~~- . مولده: بموضع يعرف بدير حسينة من دمشق سنة 113؛ مات أبوه وتركه صغير ~~السن. وتوفي يوم الثلاثاء لست بقين من ربيع الآخر؛ وقيل: لعشر خلون من ~~جمادى الأولى سنة 172؛ ودفن بقصر قرطبة؛ وقد بلغ تسعا وخمسين سنة؛ وقيل: ~~ستين سنة. فكانت مدة خلافته ثلاثا وثلاثين سنة وأربعة أشهر ونصفا؛ ودخل ~~الأندلس وهو ابن خمس وعشرين سنة أو نحوها. بويع له بقرطبة يوم الأضحى من ~~سنة 138. PageV01P159 وزراؤه أربعة: عبد الله بن عثمان، وعيد الله بن خالد، ~~ويوسف بن بخت، وحسان بن مالك. حجابه خمسة: تمام بن علقمة، ويوسف بن بخت، ~~وعبد الكريم بن مهران، وعبد الحميد بن مغيث، ومنصور فتاه. قضاته خمسة: يحيى ~~بن يزيد النجيبي، ومعاوية بن صالح، وعبد الرحمن بن طريف، وعمر بن شراحيل، ~~والمصعب بن عمران. وكان له قاض خامس في صوائفه يسمى جدار ابن مسلمة بن عمرو ~~المذحجي. نقش خاتمه: عبد الرحمن بقضاء الله راضي. صفته: طويل القد، أصهب، ~~أعور، خفيف العارضين، بوجهه خال، له ضفيرتان. وكان يسمى، صقر بني أمية. ~~ولده الذكور أحد عشر، والإناث تسع. # وفي سنة 139، خرج الأمير عبد الرحمن طالبا للفهري والصميل. فلما اتصل ~~بالفهري قصده إليه، لاذ عنه، وزال عن إغرناطة، فاقتفى الأمير عبد الرحمن ~~أثره، حتى إذا أوفى عليه، عاد إلى إغرناطة متحصنا بها؛ ونزل الأمير عبد ~~الرحمن عليه وحاصره. فلما تمادى به الحصار، سأل الفهري الأمان، وأن يعطي ~~ابنته رهنا؛ فأعطاه الأمير الأمان، وقبل منه ذلك، وكذلك الصميل. وانصرفا في ~~جملته إلى قرطبة، على أن يسكن الفهري منزله بالمدينة، والصميل داره بالريض. ~~واستوسق الأمر للأمير عبد الرحمن، وأمر بلعن المسودة وقطع الدعاء لأبي جعفر ~~المنصور. ودخل يوسف الفهري في عسكر الأمير كأحد رجاله؛ فأنزله على ماله، ~~وأطلق له عياله. # وفي هذه السنة ولد هشام بن عبد الرحمن الملقب بالرضي؛ وذلك لأربع خلون من ~~شوال. # وفي سنة 140، تودع الأمير عبد ms296 الرحمن بقرطبة؛ فلم تكن له فيها حركة. ودخل ~~رجال من المشرق ومن بني أمية في هذه السنة؛ فأنزلهم الأمير، وأكرمهم، وأحسن ~~جوائزهم. # وفي سنة 141، هرب الفهري من قرطبة، ناكثا، ناقضا للأيمان بعد توكيدها؛ ~~فاجتمع إليه الناس، وبلغ جمعه عشرين ألفا من البربر وغيرهم. فلما رأى كثرة ~~ما اجتمع له، تحرك من ماردة، يريد الأمير عبد الرحمن. فلما بلغ الأمير ~~خبره، برز من القصر، وتقدم إلى المدور. وكان عبد الملك بن عمر المرواني ~~عاملا بإشبيلية، وابنه بكورة مورور؛ فحشدا من كان قبلهما من أهل الكورتين، ~~وتوافى الحشدان؛ فبرز به. واتصل بالفهري خروج الأمير إلى المدور وتوافى ~~الحشود على عبد الملك؛ فتوقع الفهري التشبك بين العسكرين؛ فصرف راياته إلى ~~عبد الملك؛ فالتقيا، ووقعت بينهما حرب شديدة؛ فانهزم يوسف، وتفرق أصحابه ~~عنه، وأتبعوا بالقتل. واتصل الفتح بعبد الرحمن، وهو بالمدور منتظرا لتوافي ~~الحشود؛ فأغناه عاجل الفتح؛ وفر الفهري بنفسه مختفيا. # وفي سنة 142، كان هلاك يوسف الفهري ومقتله بناحية طليطلة؛ وكان قد نهض ~~إليها، وتردد بناحيتها شهورا؛ فاغتاله بعض أصحابه، وقتله، واحتز رأسه، ~~وتقدم به إلى الأمير عبد الرحمن؛ فشكر الله على موته، وأمر بنصب رأسه على ~~جسر قرطبة، وأمر بقتل ابنه المرتهن، ونصب رأسه مع رأس أبيه. وتوفي الصميل ~~في الحبس؛ وقيل إنه خنق؛ وقيل إن الذي قتل الفهري عبد الله ابن عمرو ~~الأنصاري، لقيه على أميال من طليطلة، بقرية من قراها. فلما عرفه، قال لمن ~~معه: )هذا الفهري! وفي قتله الراحة له ومنه!( فتقدم إليه؛ فقتله، واحتز ~~رأسه، وتقدم به إلى الأمير. فلما قرب من قرطبة، وأعلم الأمير بخبره، أمر أن ~~يتوقف به دون القنطرة، وأمر بقتل ابنه المرتهن، وأخرج رأسه إلى رأس أبيه؛ ~~ووضعا في قناتين، وتقدم بهما إلى باب القصر. # واختلف في أمر يؤسف الفهري؛ فقال بعضهم إنه لم ينكث بغيا، وإنما خوفا؛ ~~فخرج هاربا؛ فأخرج الأمير الخيل في طلبه؛ فأدركته بفحص البلوط؛ ثم أفلت؛ ~~وحشد ولده البربر بالشرق كله، وأقبل في جمع عظيم يريد قرطبة؛ فخرج إليه ~~الأمير؛ فالتقوا ms297 بمخاضة الفتح؛ فكان القتال بينهم حتى كاد الأمير عبد ~~الرحمن أن ينهزم؛ وقيل إنه أنهزم نحو الميل؛ فثبت ابنه سليمان في آخر ~~الناس؛ ثم تراجع الأمير حتى انهزم يوسف، ومضى في طلبه إلى قلعة رباح. ~~PageV01P160 وقال بعضهم: إن يوسف، لما هرب إلى طليطلة، قبض الأمير عبد ~~الرحمن على أبي الأسود ابنه؛ فسجنه. وقام على يوسف موال له؛ فقتلوه، وأتوا ~~به إلى الأمير عبد الرحمن؛ فقال لهم: )عرفتم من هو؟( قالوا: )نعم! هو يوسف ~~الفهري!( قال: )أنتم لم تحفظوا مولاكم؛ فكيف تحفظونني وتنتظمون في طاعتي؟( ~~فأمر بصرب أعناقهم؛ وأمر بأبي الأسود إلى السجن؛ وكان السجن يومئذ يخرج ~~الناس منه إلى النهر لما يكون من الحاجة مع الموكلين بهم؛ فادعى ولد الفهري ~~العمى، وفشا له ذلك؛ فكان يقول: )من يقود الأعمى؟ يرحمه الله!( وكان يختلف ~~إليه مولى اسمه مفرج يقضي حوائجه ويلقاه على النهر تحت القنطرة. فلما اطمئن ~~إليه، ولم يستنكر خروجه، وشاع عليه العمى، قال لمفرج مولاه: )ابتع لي فرسا ~~أنج عليه!( ففعل وأعده له؛ فهرب عليه، ولحق بطليطلة. فغزاه الأمير عبد ~~الرحمن ولقيه مرارا، فكان آخر هزيمته إياه بقسطلونه؛ ومضى إلى ركانة، ولم ~~يزل بها حتى مات. فقام القاسم بن يوسف، أخو أبي الأسود؛ فأعقب على زوجته، ~~وتولى ما كان أبو الأسود يتولاه؛ فخرج إليه الأمير؛ فأجابه على أن يرد إليه ~~أمواله، ويستوثق منه بالعهود؛ ففعل الأمير ذلك، وانصرف معه إلى قرطبة. # وثار على الأمير عبد الرحمن عبد الغافر اليماني بإشبيلية، وتغلب على ما ~~جاور قرطبة؛ فخرج إليه الأمير؛ فخالفه عبد الغافر ونهض يريد قرطبة، رجاء أن ~~يجدها خالية، والإمام عبد الرحمن في الثغر يسد خلله، ويحسم علله؛ فقدم ~~مسرعا حين وافاه الخبر، ولم يلو على ما تعذر، ومحلة عبد الغافر على وادي ~~قيس قد ملأت السهل والوعر. فداخل الإمام عبد الرحمن البربر؛ وكانوا العدد ~~الوافر الأكبر؛ فنزع الأكثر منهم إليه، وصاروا في حزبه ولدبه. ووقعت ~~الهزيمة على عبد الغافر، وأخذ من معه في الفرار والنفار؛ فلم يرفع الإمام ~~عنهم ms298 سيفا، وقتل منهم ثلاثين ألفا. وكانت هزيمة هي مد الدهر مذكورة، ~~والحفرة التي جمعت رؤوسهم بذلك المكان مشهورة. ومن )كتاب بهجة النفس( قال: ~~لما كان في النيل، تسرع عبد القادر إلى ناحية لقنت؛ وأسرع الأمير القتل في ~~جملته. ولم يذكر عددا. # وثار على الأمير عبد الرحمن حبوة من ملامس، وتغلب على إشبيلية وإسنجة ~~وأكثر الغرب، وحشد جموعا؛ فخرج إليه الأمير، وقاتله أياما، حتى هم الأمير ~~بالهزيمة. ثم إن حبوة انهزم ومضى إلى ناحية فريش، وكتب راغبا في العفو. # وفي سنة 146، ثار العلاءبن مغيث الجذامي بباجة، ودعا إلى طاعة أبي جعفر ~~المنصور ونشر الأعلام السود؛ فاتبعه الأجناد، وتطلعه العباد، إلى أن كادت ~~دولة الأمير أن تنصرم، وخلافته أن تنخرم. فخرج إليه من قرطبة، وصار ~~بقرمونة؛ فتحصن بها مع مواليه وثقات رجاله؛ فنازله العلاء بن مغيث منازلة ~~شديدة، وحاصره بها أياما عديدة؛ فلما طال الحصار هنالك، وتخلخل عسكر العلاء ~~لذلك، وعلم عبد الرحمن ما هم عليه من الانزعاج، وأنهم قد هموا بالإلجام ~~والإسراج، أمر بنار، فأوقدت، ثم أمر بأغمدة سيوف أصحابه، فأحرقت؛ وقال لهم: ~~)اخرجوا معي لهذه الجموع، خروج من لا يحدث نفسه بالرجوع!( وكانوا نحو ~~سبعمائة مفحصين إلى أعاديهم. فدارت الحرب بينهم طويلا، إلى أن صنع الله ~~جميلا؛ وزلزل قوم العلاء وأصحابه، فولوا منهزمين، وصار أمرهم آية للعالمين؛ ~~وقتل العلاء فيمن قتل من أولئك الأقوام، وطيف برأسه في ذلك المقام. # وقيل إن أبا جعفر المنصور كان أرسل إلى العلاء بن مغيث بولاية الأندلس. ~~فنشر الأعلام السود، وقام بالدعوة العباسية بالأندلس؛ فانحشر إليه الناس. ~~ولما ظفر به الإمام على ما تقدم، أخذ رأسه، وفرغ وحشي ملحا وصبرا، وجعل معه ~~لواء أبي جعفر المنصور، وأدخل في سفط؛ وبعثه مع رجال، وأمرهم أن يضعوا ~~السفط بمكة؛ فوافقوا المنصور بها حاجا في تلك السنة؛ فجعل السفط عند باب ~~سرادقه. فلما نظر إلى ما فيه، قال: )إنا لله! عرضنا بهذا المسكين للقتل! ~~الحمد لله الذي جعل البحر بيننا وبين هذا الشيطان!( يعني عبد الرحمن. هذا ~~مساق ms299 السالمي في )درر القلائد(. PageV01P161 ومن )بهجة النفس( قال: وكانت ~~ثورة العلاء بموضع يقال له لقنت من عمل باجة. فأظهر سجل المنصور ولواءه، ~~وجمع إلى نفسه من أجابه، ونهض إلى باجة؛ فأخذها، وتغلب منها على جميع ~~الغرب، وخرج يريد الأمير عبد الرحمن؛ فسار حتى انتهى إلى المدور. وكان ~~الأمير يومئذ قد خرج غازيا إلى شرق الأندلس؛ فرجع إذ بلغه أمر العلاء؛ فلما ~~دنا من قرطبة، أمر من كان معه من أهل إشبيلية أن يفروا في المدور، إذ كان ~~قد اتهمهم لميل أهل إشبيلية إلى العلاء؛ ثم نهض، وكتب سرا إلى بدر مولاه ~~يأمره بقتلهم، كان الظفر له أو عليه. ومضى العلاء؛ فالتقى معه. فكانت ~~بينهما حروب وزحوف. ثم قتل العلاء بمقربة من قرمونة، وقضت جموعه. وقتل من ~~أصحابه نحو ستة آلاف. وأمر الأمير بحز رأس العلاء ورؤوس أشراف أصحابه؛ ~~وقرطت فيها صكوك بأسمائهم، وجعلت في أوعية؛ وندب الأمير بها قوما توجهوا ~~بها إلى القيروان؛ فطرحوها في الليل في الأسواق. فتسمع الناس أمرها، وأتصل ~~الأمر بأبي جعفر؛ فانكسرت حدته. وقيل إن الذي هزم العلاء بدر مولى عبد ~~الرحمن بن معاوية، والله أعلم. # وفي سنة 147، وجه الأمير عبد الرحمن بدرا مولاه وتمام بن علقمة في جيش ~~كثيف إلى طليطلة، وبها هشام بن عروة ثائر؛ فحاصراه حتى سئم أهل طليطلة ~~الحصار؛ فكاتبوا بدرا وتماما، وسألوهما الأمان على أن يسلموا لهما ابن عروة ~~وهشام بن حمزة بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب، وحيوة ابن الوليد؛ وكانوا ~~يدا واحدة. فأسلموهم إليهما، وخرج بهم تمام إلى قرطبة؛ فلقيه عاصم بن مسلم؛ ~~فقبض منه الأسرى، وعهد إليه عن الأمير أن يكر إلى طليطلة واليا عليها، ~~ويقبل بدر إلى قرطبة. وأقبل عاصم بالأسرى؛ فلما احتل بقرية حلزة، خرج إليه ~~ابن الطفيل، ومعه حجام وحباب صوف وسلال؛ فحلق رؤوسهم ولحاهم، وألبسهم جباب ~~الصوف، وأدخلهم في السلال، وحملهم على الحمر؛ فأتى على تلك الحال إلى خشب ~~قد أعدت لهم، فصلبوا فيها. وكتب إلى البلدان بفتح طليطلة. # وفي سنة 149، ثار سعيد ms300 البحصي المعروف بالمطري بكورة ليلة؛ واجتمعت ~~اليمانية إليه، ولاذوا بحقوبه. ثم سار إلى إشبيلية، وتغلب عليها قسرا، ولم ~~يجد أهلها في مدافعته نصرا. فكثر عدده، وتأزر عضده؛ وعاد عسكره مهولا، قد ~~أخذ وعورا وسهولا. فسار إليه الأمير عبد الرحمن في جيوش عظيمة المدد، ~~مجهولة العدد، حتى نزل عليه بقلعة زعواق؛ وكان المطري قد تحصن بها، ولاذ ~~بجانبها؛ فحصره فيها حصرا، وأرهقه من أمره عسرا، حتى خرج متعرضا للحرب في ~~جماعة من فرسانه الأكابر، ومن اختصه من أولئك البرابر؛ فلم تنشب الحرب ~~بينهم إلا قليلا، وقتل المطري ومن معه تقتيلا. وجئ برأسه إلى الأمير عبد ~~الرحمن؛ فأمر للحين برفعه في طرف سنان. # وفيها، قتل الأمير عبد الرحمن أبا الصباح بن يحيى البحصبي. وكان قد ولاه ~~إشبيلية، ثم عزله عنها؛ فجمع إليه أهل الخلاف وصار عليه؛ فوجه إليه الأمير ~~مولاه تماما ملاطفا له؛ فقدم معه قرطبة في أربعمائة رجل على غير عهد؛ ~~فأوصله تمام إليه؛ فعاتبه؛ فأغلظ له أبو الصباح في الجواب؛ فأمر بقتله؛ ثم ~~أمر بإخراج رأسه والهتف عليه. # وفي سنة 150، هاجت فتنة البربر بشنت برية. # وفيها، غزا بدر إلى الثغر، وتقدم إلى ألبة؛ فحاربها؛ فأذعنت له، وأدت ~~إليه الجزية. وأمر بامتحان الرجال بتلك الناحية، واختبار بصائرهم؛ فاستقدم ~~منهم من اطلع له على سوء سريرة وشبهة في الثغر. # وفي سنة 152، ثار رجل من البربر، ادعى أنه من ولد الحسن بن علي - رضي ~~الله عنه - ؛ وكان أصله من مكناسة العدوة؛ وكانت أمه تسمى فاطمة؛ فادعى أنه ~~فاطمي؛ وتجمع له الغوغاء. فخرج إليه الأمير من قرطبة، وخلف بها ابنه هشاما؛ ~~فتقحم الجبال أمامه بمن كان معه، وانصرف الأمير إلى قرطبة. فأقبل الفاطمي، ~~وقتل عامل شنت برية؛ وغلظ أمره. فكان الأمير يرسل إلى قتاله بعض الفيالق؛ ~~فيتعلق بالجبال الشواهق. # وفي سنة 152، خرج الأمير عبد الرحمن لغزو الداعي الفاطمي؛ فهرب وركب ~~الوعر؛ فانصرف الأمير. فرجع الفاطمي؛ فغراه بدر بالصائفة؛ فوجده بجهة ~~شبطران؛ فأتبعه رجاء أن يدركه. فدخل المفاوز، وانقطع أثره. ومضى هذا ~~الفاطمي إلى مدلين؛ ms301 وكان عامله أبو زعبل الصدفوري. فتمادت فتنته من سنة 150 ~~إلى سنة 160، إلى أن اغتاله بعض أصحابه؛ فقتله، وعفره هناك وجدله. ~~PageV01P162 وفي سنة 154، تهدن الإمام عبد الرحمن بقرطبة، ولم تكن له بها ~~حركة. # وفي سنة 155، خرج الإمام عبد الرحمن من قرطبة؛ فحل بشنت برية. وقدم عليه ~~هلال من أبناء المديوني؛ فكتب له عهدا على قومه، وأقره على موضعه؛ وكان رأس ~~البربر في شرق الأندلس. وقلده أمر الفاطمي المتقدم الذكر؛ فكان في ذلك ~~الراحة منه، وتفرقت بفعله ذلك كلمة البربر، وانحلت عقدة الفاطمي، وانصرف من ~~شنت برية إلى الجوف. # وفي سنة 156، ثار على الأمير عبد الرحمن عبد الغافر اليحصبي، وخلع طاعته. ~~وكان الأمير بناحية الشرق؛ فكتب إليه بدر من قرطبة؛ فطوى المراحل إليه؛ ثم ~~تقدم إلى إشبيلية؛ فوضع السيف فيه وفي أصحابه؛ فقتلوا قتلا ذريعا. وأفلت ~~عبد الغافر؛ فركب البحر، ونجا إلى المشرق. # وفي سنة 157، خرج الأمير عبد الرحمن إلى ناحية الغرب، واحتل بإشبيلية، ~~وقتل بها خلقا كثيرا ممن كان بسيل عبد القادر، وقطع آثارهم، ووطد الطاعة. ~~ثم انصرف معجلا، لأنه إنما قصد امتحان أهل إشبيلية وتمحيصهم. وقيل: كان ذلك ~~سنة 158. # وفي سنة 159، غزا الإمام عبد الرحمن قورية، وقصد في طريقه ذلك البربر ~~الذين غدروا بأبي زعبل ومكنوه من الفاطمي، فقتله؛ فدوخ بلد البربر، وقتل ~~منهم خلقا كثيرا وأذلهم. وأخذ أبا مزكانة المصمودي، وهو عباس ابن قلعوش. # وفي سنة 160، أخرجت الصائفة إلى الفاطمي؛ وكان في أحواز شنت برية؛ فعورض ~~بالخيل، وقطعت عاديته. # وفي سنة 161، وقيل سنة 162، دخل إلى الأندلس عبد الرحمن بن حبيب الفهري ~~المعروف بالصقلبي؛ فنزل كورة تدمير؛ فاستقر بها، ولم تبد منه في تلك السنة ~~عادية؛ وإنما لقب بالصقلبي لأنه كان طويلا، أشقر، أزرق، أمعر. # وفيها، حمل نهر قرطبة حملا عظيما، حتى سد حنايا القنطرة وهدم بعضها ~~وزلزلها؛ وبقى كذلك يومين. # وفي سنة 163، ثار عبد الرحمن بن حبيب الفهري، المتقدم الذكر في السنة قبل ~~هذه، في ناحية تدمير؛ فغزاه الأمير عبد الرحمن؛ فهرب ابن حبيب وتعلق ~~بالوعر؛ فجال العسكر ms302 في كورة تدمير، وتقدم إلى كورة بلنسية، بعد أن أحرق ~~المراكب بساحل البحر. ثم إن مشكارا البربري فتك بابن حبيب الصقلبي وقتله. # وفيها، ثار ابن شجرة بمورور؛ فخرج إليه بدر يوم الأضحى؛ فألقاه على غرة ~~فقتله، وكتب إلى الإمام بالفتح. وقيل: بل كان ذلك في سنة 162. # وفي سنة 164، غزا الإمام عبد الرحمن الرماحس بن عبد العزيز؛ وكان على شرط ~~مروان بن محمد؛ فلحق بالأندلس؛ فولاه الإمام الجزيرة؛ فخلع طاعته؛ فخرج ~~إليه واحتل بالجزيرة؛ فوجد الرماحس في الحمام؛ فلم يشعر إلا وخيل الإمام ~~تجوس الديار؛ فأعجل الرماحس عن لبس ثيابه، وخرج في ملحفة مصبغة؛ فدخل في ~~قارب، ونجا إلى العدوة. ووجد الأمير عبد الرحمن في سجنه جماعة من الأمويين؛ ~~فأطلقهم. # وفي سنة 165، ثار على الأمير عبد الرحمن الحسين بن يحيى بن سعد بن عيادة ~~الأنصاري بسرقسطة؛ فسار إليه بالجماهير؛ والعسكر الشهير؛ فحاصره بسرقسطة ~~حصارا، وقدم لقتاله أحزابا وأنصارا، إلى أن خرج طائعا إليه، متراميا عليه؛ ~~فقبل إنابته، ولم يحرم إجابته. فلما عفا عنه، وأغضى عما كان منه، أبقاه ~~بسرقسطة واليا. وقفل الأمير إلى قرطبة سامي اللواء، قاهر الأعداء. ثم إن ~~الحسين خفر الذمة، وكفر النعمة، وأعلن بالنفاق إعلانا، وأرسل في الشقاق ~~عنانا؛ فسار إليه الإمام أيضا، ونازله نزالا، وأذاق سرقسطة نكالا، إلى أن ~~فتحها بنقب سورها فتحا شنيعا، وقتل الحسين وأصحابه قتلا ذريعا. وولى عليهم ~~علي بن حمزة، وقفل إلى قرطبة طاهر العزة. # ومن )كتاب بهجة النفس( قال: وفي سنة 167، غزا الإمام سرقسطة إلى حسين بن ~~يحيى؛ فحاصره حتى أخذ المدينة عنوة، وقتل حسينا بالدمغة وجماعة معه؛ وأخرج ~~أهل المدينة عنها إلى قرية على ثلاثة أميال ليمين لزمته فيهم؛ ثم صرفهم ~~إليها بعد أيام، وقفل إلى قرطبة. # وفي سنة 168، أراد المغيرة بن الوليد بن معاوية القيام على الإمام؛ وكان ~~وطنه يومئذ بالرصافة؛ فانكشف له يومئذ أمره من قبل بعض من تعاقد معه؛ ~~فأحضرهم بين يديه، وأقروا؛ فأمر بقتلهم، واستبقى الناضح لهم. وتحول الإمام ~~عبد الرحمن يومئذ من الرصافة إلى قصر قرطبة. ms303 PageV01P163 وفي سنة 169، ثار ~~على الأمير عبد الرحمن محمد بن يوسف الفهري، الذي كان في تعامه وهرب؛ وكان ~~قد تحرك من طليطلة وجهة الشرق بالحشود. وبلغ الإمام خبره؛ فأمر بحشد الكور، ~~والتقى معه في مخاضة الفتح؛ فكان بينهم زحف وقتال أياما؛ ثم انهزم محمد ~~المذكور؛ فقتل رجاله، وأفنى عدده. وكانت هذه الوقعة يوم الأربعاء مستهل ~~ربيع الأول من السنة. قال الرازي قتل فيها أربعة آلاف رجل، سوى من تردى في ~~الوادي، وهلك في المهاوي. وهرب محمد بن يوسف هذا إلى قورية. # وفي سنة 170، خرج الأمير عبد الرحمن إلى محمد بن يوسف الفهري، حتى بلغ ~~قورية. ففر أمامه، وأدركت الخيل عياله وأصحابا له؛ فقتل من أدرك وأحرقت ~~دوره. وانقطع محمد بن يوسف وحده، وانحاش إلى غياض. وأوقع الأمير ببربر ~~نفزة؛ فأذلهم، وأذهب عاديتهم. ثم مات محمد بن يوسف بقرية ركانة من عمل ~~طليطلة. # وفي سنة 171، قام قاسم بن عبد الرحمن الفهري، عم محمد بن يوسف أخو يوسف ~~الفهري، وخلع الطاعة؛ فلما تحرك أمره، وجه إليه الأمير عبد الرحمن الجيوش؛ ~~فأذعن له بالطاعة. # وفي سنة 170 المتقدمة، أمر الأمير عبد الرحمن بتأسيس المسجد الجامع بحضرة ~~قرطبة؛ وكانت بموضعه كنيسة؛ فأنفق فيه مائة ألف بالوازنة. # وفي سنة 172، مات الإمام عبد الرحمن بن معاوية - رحمه الله! - وذلك يوم ~~الثلاثاء لست بقين من ربيع الآخر من السنة المذكورة. # ذكر بعض أخباره على الجملة # كان الإمام عبد الرحمن فصيحا، بليغا، حسن التوقيع، جيد الفصول، مطبوع ~~الشعر. مما أملاه على كاتبه إلى سليمان بن الأعرابي: )أما بعد، فدعني من ~~معاريض المعاذير، والتعسف عن جادة الطريق! لتمدن يدا إلى الطاعة، والاعتصام ~~بحبل الجماعة، أو لألقين بنابها على رضف المعصية نكالا بما قدمت يداك! وما ~~الله بظلام للعبيد!(. # وكتب عنه أمية بن زيد كتابا إلى بعض عماله، يستقصره فيما فرط من عمله؛ ~~فأكثر وأطال الكتاب. فلما لحظه عبد الرحمن بن معاوية، أمر بقطعه، وكتب بخط ~~يده: )أما بعد، فإن يكن التقصير لك مقدما، فعد الاكتفاء أن يكون لك مؤخرا. ~~وقد ms304 علمت بما تقدمت؛ فاعتمد على أيهما أحببت!( وثار عليه ثائر؛ فغزاه وظفر ~~به. فبينا هو في الطريق، إذ نظر إلى الثائر، وهو على بغل في كبوله، وتحت ~~الأمير عبد الرحمن فرس له؛ فلما لحقه، قنع رأسه بالقناة، وقال: )يا بغل! ~~ماذا تحمل من الشقاق والنفاق!( فقال الثائر: )يا فرس! ماذا تحمل من العفو ~~والإشفاق!( فقال: )والله! لا ذقت موتا على يدي!( فأطلقه. # ومن شعره البديع الرائق، ما كتب به إلى بعض من طرأ عليه من قريش؛ وكان قد ~~استقل جرايته، واستطال بقرابته، وسأله الزيادة له والتوسعة؛ فكتب إليه بهذه ~~الأبيات )بسيط(: # سيان من قام ذا امتعاض ... بمنتضى الشفرتين نصلا # فجاب قفرا وشق بحرا ... مساميا لجة ومحلا # فبز ملكا وشاد عزا ... وناثرا للخطاب فصلا # وجند الجند حين أودى ... ومصر المصر حين أجلا # ثم دعا أهله جميعا ... حيث أنتؤوا أن هلم أهلا # فجاء هذا طريد جوع ... شريد سيف أبيد قتلا # فنال أمنا ونال شبعا ... ونال مالا وحاز أهلا PageV01P164 وذكر أن أيا ~~جعفر المنصور قال يوما لبعض جلسائه: )أخبروني: من صقر قريش من الملوك؟( ~~قالوا: )ذاك أمير المؤمنين الذي راض الملوك، وسكن الزلازل، وأباد الأعداء، ~~وحسم الأدواء!( قال: )ما قلتم شيئا!( قالوا: )فمعاوية؟( قال: )لا!( قالوا: ~~)فعبد الملك بن مروان؟( قال: )ما قلتم شيئا!( قالوا: )يا أمير المؤمنين! ~~فمن هو؟( قال: )صقر قريش عبد الرحمن بن معاوية، الذي عبر البحر، وقطع ~~القفر، ودخل بلدا أعجميا، منفردا بنفسه؛ فمصر الأمصار، وجند الأجناد، ودون ~~الدواوين، وأقام ملكا عظيما بعد انقطاعه، بحسن تدبيره، وشدة سكيمته. إن ~~معاوية نهض بمركب حمله عليه عمر وعثمان، وذللا له صعبه؛ وعبد الملك ببيعه ~~أبرم عقدها؛ وأمير المؤمنين يطلب عنزته، واجتماع شيعته. وعبد الرحمن منفرد ~~بنفسه، مؤيد برأيه، مستصحب لعزمه، وطد الخلافة بالأندلس، وافتتح الثغور، ~~وقتل المارقين، وأذل الجبابرة الثائرين!( فقال الجميع: )صدقت، والله، يا ~~أمير المؤمنين!( وكان الإمام عبد الرحمن من أهل العلم، وعلى سيرة جميلة من ~~العدل. ومن قوله رحمه الله!( يتذكر وكنه )خفيف(: # أيها الراكب الميمم أرضي ... اقرأ ms305 بعض السلام عني لبعضي # إن جسمي كما تراه بأرض ... وفؤادي ومالكيه بأرض # قدر البين بيننا فافترقنا ... وطوى البين عن جفوني غمض # قد قضى الله بالبعاد علينا ... فعسى باقترابنا يوف يقضي # وله من الشعر كثير مشهور. وذكر الرازي أن الإمام عبد الرحمن، أول نزوله ~~بمنية الرصافة واتخاذه لها، نظر فيها إلى نخلة؛ فهاجت شجنه، وتذكر وطنه؛ ~~فقال على البديهة )طويل(: # تبدت لنا وسط الرصافة نخلة ... تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل # فقلت شيهي في التغرب والنوى ... وطول التناءي عن بني وعن أهلي # نشأت بأرض أنت فيها غريبة ... فمثلك في الإقصاء والمنتاي مثلي # سقاك غوادي المزن من صوبها الذي ... يسح ويستمري السماكين بالوبل # وكان - رحمه الله! - قد عقد العهد لابنيه هشام وسليمان. فولى بعده هشام، ~~على ما أذكره. # خلافة هشام الرضي بن عبد الرحمن الداخل # كنيته: أبو الوليد. مولده: سنة 139. أمه تسمى جمال. نقش خاتمه: )بالله ~~يثق عبده هشام وبه يعتصم(. صاحب شرطته: عبد الغافر بن أبي عبدة. وزراؤه: ~~ثمانية. كتابه: اثنان: فطيس بن عيسى، وخطاب بن زيد. قاضيه: المصعب بن ~~عمران. صفته: أبيض مشرب بحمرة، بعينيه حول. حاجبه: عبد الرحمن بن مغيث. ~~بنوه: الذكور ستة، والإناث خمس. # بويع يوم الأحد مستهل جمادى الأولى من السنة. وكان عند موت أبيه بمدينة ~~ماردة؛ فوافاه الخبر؛ فطرق، ووصل قرطبة بعد ستة أيام. فبايعه الخاصة ~~والعامة. وكان أخوه بطليطلة؛ وكان أكبر سنا منه فلما اتصل به خبر أبيه، حشد ~~الحشود، وجند الجنود، يريد قرطبة، مخالفا لأخيه. فلما حصل بجيان، خرج إليه ~~هشام في أجناده، والتقى معه بجهة بلج؛ فوقعت بينهم حرب شديدة؛ فانهزم ~~سليمان، وأسلم عسكره، وفر على وجهه. وقفل هشام إلى قرطبة ظافرا في أجناده. # وتوفي هشام ليلة الخميس لثلاث خلون من صفر سنة 180؛ فكان عمره أربعين سنة ~~وأربعة أشهر وأربعة أيام؛ فكانت مدة دولته وخلافته سبع سنين وتسعة أشهر ~~وثمانية أيام. # وقيل إن عبد الرحمن بن معاوية - رحمه الله! - لما حضرته الوفاة، وابنه ~~هشام بماردة، وابنه الآخر سليمان بطليطلة، وكل ابنه عبد الله ms306 المعروف ~~بالبلنسي، وقال له: )من سبق إليك من أخوتك، فأرم إليه بالخاتم والأمر! فإن ~~سبق إليك هشام، فله فضل دينه وعفافه واجتماع الكلمة عليه؛ وإن سبق إليك ~~سليمان، فله فضل سنه ونجدته وحب الشاميين إليه!( فقدم هشام من ماردة قبل ~~سليمان؛ فنزل بالرصافة، وخاف من عبد الله أخيه، إذ صار متمكنا من قرطبة ~~والقصر والأموال، أن يدافعه. فخرج إليه أخوه عبد الله، وسلم عليه بالخلافة، ~~ودفع إليه الخاتم، كما أوصاه أبوه، وأدخله القصر. PageV01P165 قال الرازي: ~~ولما صار الأمر إلى هشام، واتصل ذلك بسليمان أخيه، أخذ بيعة أهل طليطلة وما ~~جاورها لنفسه، وغلب عليها. وشغله أمر أخيه هشام. فثار سعيد بن الحسين ~~الأنصاري بساغنت من إقليم طرطوشة، وأقبل إلى سرقسطة؛ فأخرج منها وإليها، ~~وضرب بين الناس، ودعا إلى نفسه وإلى الفتنة؛ فأرسلها مضرية ويمانية. وحشد ~~موسى بن فرتون إلى سرقسطة؛ فأخذها؛ وكان على دعوة المضرية؛ فالتقى مع ~~اليمنيين. وكانت بينهم حرب؛ فقتل منهم جماعة، ودخل سرقسطة. ثم قدم مطروح بن ~~سليمان بن الأعرابي على دعوة أبيه من برسلونة؛ فتغلب على وشقة وسرقسطة ~~والثغر كله. # وفي سنة 173، طمحت نفس عبد الله البلنسي أخي هشام إلى الإمارة؛ وقد كانت ~~في يده أولا، ولم يرض منه إلا بمشاركته، وذلك بعد سبعة أشهر من وفاة ~~والدهما. وكان هشام يبره، ويترضاه، ويفضله على الكثير من اخوته؛ فلم يقنعه ~~ذلك، وخرج يريد أخاه سليمان بطليطلة. فلما بلغ الأمر إلى هشام، أشفق من ~~ذلك، وأخرج إليه من يرضيه ويرده؛ فلم يدركه. ومضى حتى قدم طليطلة. # وفي هذه السنة، خرج هشام إلى أخيه سليمان بطليطلة. فلما نزل عليه، خرج ~~سليمان مستخفيا، وخلف أخاه عبد الله وابنه داخل المدينة، ونهض يريد انتهاز ~~الفرصة؛ فطوى المراحل، حتى احتل بشقندة. فخرج أهل قرطبة مدافعين له. وبلغ ~~هشاما خبره؛ فلم يكترث لذلك. ووجه ابنه عبد الملك يقفو أثره؛ فلما قرب منه، ~~ولى سليمان منهزما، وقطع إلى غير وجهة حتى خرج متعسفا إلى ناحية ماردة؛ ~~وكان عاملها حدير المعروف بالمذبوح؛ فخرج إليه؛ فهزمه. وتمادى ms307 الأمير هشام ~~في حصار طليطلة شهرين وأياما؛ ثم قفل عنها. # وفي سنة 174، انصرف عبد الله البلنسي إلى أخيه هشام بلا عهد ولا أمان؛ ~~فأنزله الإمام هشام عند ابنه الحكم. # وفيها، أغزى هشام ابنه معاوية إلى تدمير، وقائداه شهيد بن عيسى وتمام ابن ~~علقمة؛ فدوخوا تدمير )وهي مرسية(، وبلغوا البحر. وكان سليمان )يعني أخا ~~هشام( قد حصل في بعض ثغور تدمير؛ فطلب سليمان الأمان؛ فاشترط عليه الأمير ~~هشام الخروج عن الأندلس، ويعطيه ستين ألف دينار؛ فركب سليمان البحر بأهله ~~وولده، واحتل ببلاد البربر. فكفاه الله أمر إخوته. # وفي سنة 175، أغزى هشام بن عبد الرحمن عبيد الله إلى سرقسطة، وبها يومئذ ~~مطروح المذكور؛ فحاصرها عبيد الله؛ ثم احتل بمدينة طرسونة، وألح عليها ~~بالمحاصرة، حتى ضاق ذرع أهل سرقسطة، وضجوا من تمادي الحصار؛ فخرج مطروح في ~~بعض الأيام متصيدا، ومعه عمروس بن يوسف وابن صلتان؛ فلما أرسل بازيه على ~~طائر ونزل على الصيد، تعاوراه بسيوفهما حتى قتلاه، واحتزا رأسه، وتقدما به ~~إلى ابن عثمان، وهو بطرسونة؛ فتحرك إلى سرقسطة؛ فلم يمتنع عليه أحد من ~~أهلها؛ ودخل المدينة؛ فنزلها، وبعث برأس مطروح إلى الأمير هشام. # وفي سنة 176، أغزى الإمام هشام أبا عثمان عبيد الله بن عثمان إلى ألبة ~~والقلاع؛ فلقي بها أعداء الله بجموعهم متوافين؛ فهزمهم الله على يديه، ~~وقتلوا في السهل والوعر؛ وانتهى ما حيز من رؤوسهم إلى تسعة آلاف رأس ونيف. # وفي هذه السنة، غزا يوسف بن بخت إلى جليقية؛ فالتقى ببرمود الكبير، ~~وواضعه الحرب؛ فانهزم عدو الله، وانتهب المسلمون عسكره، وقتل فيهم مقتلة ~~عظيمة، وحز من رؤوسهم عشرة آلاف، سوى من لم يتمكن منه ممن قتل في الوعر. ~~وأتى هذا الفتح قرطبة بعد فتح أبي عثمان. ذكر ذلك الرازي وغيره. # وفي سنة 177، أغزى الإمام هشام عبد الملك بن عبد الواحد بن مغيث بالصائفة ~~إلى أرض الروم، وهي غزوة شهيرة الخبر، جليلة الخطر، انتهى فيها إلى إفرنجة؛ ~~فحاصرها، وثلم بالمجانيق أسوارها، وأشرف على بلاد المجوس؛ وجال في بلاد ~~العدو، وبقى شهورا يحرق ms308 القرى ويخرب الحصون. وأوقع بمدينة أربونة؛ وكان ~~فتحا عظيما، بلغ فيه خمس السبي إلى خمسة وأربعين ألفا من الذهب العين. # وفي سنة 178، هاجت الفتنة بتاكرنا، وخالف بربرها، وغاروا على الناس، ~~وقتلوا وسبوا. فبعث الإمام هشام إليهم الأجناد بعد الإعذار إليهم. فقتل ~~أكثرهم، وفر سائرهم إلى طلبيرة وترجيلة. وأقامت تاكرنا، وهي إقليم رندة، ~~وبلادها خالية قفرا سبع سنين. PageV01P166 وفي سنة 179، أغزى الإمام هشام ~~بن عبد الرحمن عبد الكريم بن مغيث بالصائفة، حتى انتهى إلى مدينة أسترقة ~~داخل جليقية. فبلغه أن إذفونش قد حشد بلاده، واستمد البشكنش وأهل تلك ~~النواحي التي عليه من المجوس وغيرهم، وأنه عسكرهم ما بين حيز جليقية ~~والصخرة، وأنه أذن لسكان السهل بالتفرق في شواهق جبال السواحل. فقدم عبد ~~الكريم فرج بن كنانة في أربعة آلاف فارس؛ ثم رحل في إثره؛ فألقى أعداء ~~الله؛ فواضعهم الحرب حتى هزمهم الله؛ فقتل حماتهم، وأسر جماعة منهم؛ ثم أمر ~~بعد انحلال الحرب بقتلهم، وبث الخيل في القرى؛ فانتسفت جميع ما ألفته من ~~زروعهم، وخربت ما مرت عليه من عمارتهم. وتقدم بعد ذلك إلى واد يقال له ~~كوثية؛ فلقى به غندماره وهو في ثلاثة آلاف فارس فقاتله حتى انهزم عسكره، ~~وأخذ غندماره أسيرا، وقتل من أصحابه عدد كثير. وأصاب العسكر جميع ما في تلك ~~الناحية. وتقدم مستنجزا لإذفونش؛ فلما بلغه قصده إليه، تنحى عن الجبل الذي ~~كان فيه منحازا عنه إلى حصن له، كان قد بناه وأتقنه على وادي نلون؛ فتقرب ~~منه عبد الكريم مقتفيا لأثره، ولا يمر بمنزل فيما بينه وبينه إلا حرقه، ولا ~~بمال إلا أصابه، حتى أطل على الحصن. فانتقل منه إلى حصن ملكه. واحتل عبد ~~الكريم بالحصن الذي انتقل منه؛ فألقى فيه الأطعمة وضروب الذخر، وبعث في ~~اليوم الثاني من حلوله به فرج بن كنانة، في عشرة آلاف فارس، يقفو أثره؛ ~~فلما قرب منه، انهزم عنه وأسلم جميع عدته وذخره؛ فغنم المسلمون جميع ذلك. # وفي سنة 180، توفي الإمام هشام بن عبد الرحمن - رحمة الله عليه! - ودفن ~~بقصر قرطبة؛ ms309 وصلى عليه ابنه الحكم؛ وذلك ليلة الخميس، كما تقدم ذكره. وبايع ~~الناس ابنه الحكم؛ وكان ابنه عبد الملك أسن منه. # ذكر بعض أخباره على الجملة # كان - رحمه الله! بسط البنان، فصيح اللسان، وسبع الجناب، حاكما بالسنة ~~والكتاب؛ قبض الزكوات من طرقها، ووضعها في حقها؛ لم يأخذه في الله لوم ولا ~~تعلق به ظلم. ارتفع أخوه عن مبايعته، وامتنع عن طاعته، واستبد بطليطلة ~~استبدادا، واستنفر للخلاف والنفاق أجنادا؛ فما زال يشتغل بالفتنة بالا، ~~ويذيق الناس وبالا؛ قد عظمت عليه به المحنة، وعدمت منه الهدنة، حتى مات ~~الأمير هشام، وحكمت بخلافة ابنه الحكم الأحكام؛ فحاربه في تلك القطار، إلى ~~أن اختطفته الأسنة والشفار؛ فأمن بعد ذلك الجانب، ولم يكن في ذلك التأريخ ~~هنالك ما جنب. # وكان هشام يبعث إلى الكور قوما عدولا يسألون الناس عن سير العمال، ثم ~~ينصرفون إليه بما عندهم؛ فيقع نظره بهدم ما تكشفه المحنة له منهم. واعترض ~~له يوما متظلم من أحد عماله؛ فبدر إلى الشاكي من رجال العامل من ترخاه شنقة ~~منه على العامل. فبعث إلى الشاكي وقال له: )احلف على كل ما ظلمك فيه؛ فان ~~كان ضربك، فاضربه؛ أو هتك لك سترا، فاهتك ستره؛ أو أخذ لك مالا، فخذ من ~~ماله مثله، إلا أن يكون أصاب منك حدا من حدود الله!( فجعل الرجل لا يحلف ~~على شيء إلا أقيد منه. فكان زجره هكذا العماله، أبلغ فيهم من النكال ~~والأدب. وكان كريما، عادلا، فاضلا، متواضعا، عاقلا، لم تعرف منه هفوة في ~~حداثته، ولا زلة في أيام صباه. )ومن كرمه أنه كان يصر أموالا في صرور، ~~ويخرج بها بين المغرب والعشاء يتفقد المسجد؛ فإذا وجد واحدا يصلي في مسجد ~~أو لا يصلي، وضع بين يديه صرة، حتى كثرت عمارة المساجد وكان - رحمه الله! - ~~قد نظر في بنيان قنطرة قرطبة، وأنفق في إصلاحها أموالا عظيمة. وتولى بناءها ~~بنفسه، وتعطى الأجرة بين يديه. قال ابن وضاح: لما ينى هشام القنطرة، تكلم ~~بعض الناس فيه، وقالوا: )إنما بناها لتصيده ونزهته!( فحلف ms310 حين بلغه ذلك ألا ~~يجوز عليها إلا لغزو أو مصلحة. # قال القاضي أبو معاوية : أدركت صدرا من الناس يحكون أن أيام هشام هذا ~~كانت من الدعة والعافية والهدوء بحيث لم يعلم لها مثل. وكان يحضر الجنائز، ~~ويزاحم فيها، كأنه أحد من الناس، تواضعا. وكان لبعض رجال هشام خصومة في دار ~~عند القاضي مصعب بن عمران؛ فسجل عليه القاضي فيها وأخرجه منها؛ فنهض الرجل ~~إلى هشام، وقال له: )إن القاضي سجل علي في داري التي كنت أسكنها، وأخرجني ~~عنها!( فقال له هشام: )وماذا تريد مني؟ والله لو سجل علي القاضي في مقعدي ~~هذا، لخرجت عنه!( انقيادا منه للحق - رحمة الله عليه!. # قصة الكناني مع هشام بن عبد الرحمن PageV01P167 كان قبل خلافته يقعد في ~~علبة مطلة على النهر، ينظر منها إلى الربض، وتقع عينه على من يخطر. فنظر ~~يوما في الهاجرة إلى رجل من بني كنانة؛ وكان من صنائعه، مقبلا من باديته ~~بجيان؛ وكان أخوه سليمان واليا عليها؛ فدعا فتى له وقال له: )أرى الكناني ~~صنيعنا مقبلا في هذه الظهيرة، وما أحسب ذلك إلا لخطب أقلقه من أبي أيوب ~~أخي. فإذا وصلك، فأدخله على كما هو.( ففعل الفتى ما أمره. وكانت مع هشام ~~جارية له. فلما دنا الكناني، رفع سترا كان أمامه؛ فدخلت الجارية خلفه؛ ثم ~~قال له، بعد أن سلم عليه: )يا كناني، لا أحسبك إلا قد دهمك أمر!( فقال له ~~الكناني: )قتل رجل من بني كنانة رجلا خطاء؛ فحملت الدية على العاقلة؛ فأخذت ~~بنو كنانة عامة، وحيف علي من بينهم خاصة، لما عرف أبو أيوب مكاني منك. فعذت ~~بك من ظلامتي!( فقال له: )يا كناني! ليفرج روعك وليسكن جأشك لا جرم قد تحمل ~~هشام عنك وعن قومك جميع الدية!( ثم مد يده إلى خلف الستر؛ فأخرج عقدا كان ~~على الجارية، ثمنه ثلاثة آلاف دينار؛ فقال له: )خذ هذا العقد؛ فأد من ثمنه ~~عنك وعن قومك، وتوسع في الباقي!( فقال الكناني: )يا سيدي! إنه لم آتك ~~مستجديا ولا ضاق لي مال ms311 عن أداء ما حملته؛ ولكني أتيتك مستجيرا بك لما أصبت ~~بالعدوان والظلم؛ فأحببت أن تظهر على من عز نصرك!( قال له: )فما وجه نصرك؟( ~~قال له: )أن يكتب الأمير - أصلحه الله! - إلى أبي أيوب في الإمساك عن أخذي ~~بما لم يجب علي، وأن يحملني محمل عامة أهلي!( فقال له هشام: )خذ العقد ~~لأهلك ولنفسك، إلى أن ييسر الله فيما ذهبت إليه من أمرك!( ثم أمر هشام ~~بإسراج دابته من فوره، وركب إلى أبيه الأمير عبد الرحمن. فلما مثل بين ~~يديه، قال له: )رجل من بني كنانة، هو لي صنيعة، عدا عليه أبو أيوب بجيان في ~~دبة حملت على العاقلة!( قال الأمير: )فما تحب في أمره؟( قال: )الكتب إليه ~~بالكف عنه، وأن لا يؤخذ بغير ما لزمه!( فقال الأمير: )أو خير من ذلك! يؤدي ~~الدية عنه وعن قومه من بيت المال، إذ هو منك بهذه المنزلة، وإذ أنت له بهذه ~~العناية!( فأكثر هشام الشكر لوالده؛ ثم أمر الإمام بأداء الدية من بيت ~~المال، وبالكتب إلى أبي أيوب بترك التعرض للكناني. ولما حان توديع الكناني ~~لهشام، قال له: )يا سيدي، إني قد بلغت فوق الأمنية، وجاوزت أقصى غاية العز ~~والنصرة! وهذا العقد النفيس قد أغنى الله عنه!( فقال له هشام )يا كناني، ~~إنه لا سبيل إلى رد شئ قد خرج عنا. فخذه مباركا لك فيه!( وهشام هذا هو الذي ~~أكمل سقائف المسجد الجامع بقرطبة، ورفع منارته القديمة، وبنى الميضأة ~~العجيبة، وعقد من الجسر ما كان تثلم بالسيل - رحمه الله! # خلافة الحكم بن هشام بن عبد الرحمن # كنيته! أبو العاصي. أمه: زخرف. مولده: سنة 154. بويع بعد موت أبيه بليلة، ~~يوم الخميس لثمان خلون من صفر سنة 180، وهو ابن ست وعشرين سنة؛ فكانت ~~خلافته ستا وعشرين سنة، وأحد عشر شهرا. كتابه: ثلاثة: فظبس، وخطاب بن زيد، ~~وحجاج العقيلي؛ حاجبه: عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث؛ وزراؤه وقواده: ~~خمسة: إسحاق بن المنذر، والعباس بن عبد الله، وعبد الكريم بن عبد الواحد ~~المذكور، وفطبس بن ms312 سليمان، وسعيد بن حسان. قضاته: مصعب بن عمران، ومحمد بن ~~بشير، والفرج بن كنانة، وبشر بن قطن، وعبيد الله بن موسى، ومحمد بن تليد، ~~وحامد بن محمد بن يحيى. نقش خاتمه: )بالله يثق الحكم وبه يعتصم! صفته: آدم، ~~شديد الأدمة، طويل، أشم، نحيف، لم يخضب. بنوه الذكور: تسعة عشر، والبنات: ~~إحدى وعشرون. توفي لأربع بقين لذي الحجة سنة 206؛ فكان عمره اثنان وخمسون ~~سنة. # ولما بلغ موت هشام الرضى إلى سليمان وعبد الله ابني عبد الرحمن بن ~~معاوية، وهما بالعدوة، تقدم عبد الله؛ فجاز البحر إلى ريف الأندلس. ~~PageV01P168 ولما بويع الحكم بالخلافة، واستوسق له الأمر، وجه عبد الكريم ~~بن عبد الواحد غازيا إلى دار الحرب، في جيش عظيم؛ فاحتل عبد الكريم بالثغر؛ ~~وتوافت عليه الجيوش. ثم تقدم، فاحتل على شاطئ البحر، وقسم الجيش على ثلاثة ~~أقسام، وقدم على كل قسم رئيسا، وأمر كل واحد منهم بأن يغير على الناحية ~~التي قصدها ووجه إليها؛ فمضوا، وأغاروا، واستباحوا، وانصرفوا غانمين ~~ظافرين. ثم عادوا ثانية إلى الإغارة، وجاوزوا خلجا كانت تمد وتحصر؛ وكان ~~أهل تلك النواحي قد تحرزوا بها، ونقلوا إليها العيال والماشية والأموال؛ ~~فأغاروا عليها، واحتووا على جميع ما وجدوا فيها، وانصرفوا سالمين غانمين. # وفي سنة 181، ثار على الأمير الحكم بهلول بن مرزوق المعروف بأبي الحجاج ~~في ناحية الثغر، ودخل سرقسطة، وملكها. وحل به عبد الله بن الأمير عبد ~~الرحمن بن معاوية؛ وكانت وجهته إلى إفرنجة. # وفيها، ثار عبيدة بن حميد بطليطلة؛ فنصب الحكم عمروس بن يوسف لحربه من ~~طلبيرة؛ فكان يتردد لحربهم؛ ثم إن عمروس كاتب رجالا من أهل طليطلة، ~~واستلطفهم حتى مالوا إليه؛ فدعاهم إلى القيام على عبيدة، والفتك به؛ ووعدهم ~~على ذلك بمثوبة جليلة من الأمير؛ فبدروا إليه، وقتلوه، وتوجهوا برأسه إلى ~~عمروس؛ فأنزلهم عند نفسه بطلبيرة. فلما علم بهم بعض بربر طلبيرة، وكانت ~~بينهم دماء، دخلوا عليهم تلك الليلة الدار؛ فقتلوهم. فبعث عمروس برأس عبيدة ~~وبرؤوس المذكورين، وهم بنو مخشي إلى الحكم بقرطبة، وكتب إليه يخبرهم. ثم إن ~~عمروس ms313 أعمل جهده في استجلاب أهل طليطلة بمكاتبتهم، حتى أدخلوه المدينة. ~~فلما تمكن منها، بنى القصر على باب جسرها؛ فأحكمه، وأتقن أمره؛ ثم سعى في ~~قتل رجال طليطلة، وقطع شرهم، وحسم دائهم، توطيدا للمملكة. فأعد للكيد ~~صنيعا، أظهر أنه يذبح فيه البقر، وأمر أن يكون دخول الناس على باب، وخروجهم ~~على باب. فكان كل من دخل وتجاوز الباب قتل، حتى أفنى من أشرافهم سبعمائة. # وفي سنة 182، كان السيل العظيم بقرطبة، ذهب بربض القنطرة؛ ولم يبق فيه ~~دارا إلا هدمها، حاشى غرفة عون العطار. وبلغ السيل شقندة. # وفيها، دخل سليمان بن عبد الرحمن بن معاوية الأندلس من العدوة، وتقدم ~~متعرضا لحرب الحكم، في شوال منها؛ فانهزم سليمان، بعدما دارت بينهما حرب ~~شديدة. وفيها، عاد سليمان ثانيا للقتال؛ والتقى مع الحكم أيضا ببنجبطة؛ ~~فانهزم سليمان. # وفي سنة 183، خرج سليمان، ومعه برابر اجتمعوا إليه، إلى ناحية إستجة؛ ~~فغزاه الحكم، والتقيا بمقربة من إستجة؛ فدارت بينهم حروب شديدة أياما. ثم ~~انهزم سليمان بمن كان معه. ثم التقيا أيضا في هذا العام؛ فانهزم سليمان. # وفي سنة 184، حشد أبو أيوب سليمان بن عبد الرحمن من الشرق، فاحتل بجيان، ~~ثم بإلبيرة. فاتبعه جماعة من الكورتين، والتقى معه الحكم؛ فدام القتال ~~بينهم أياما، حتى هم الحكم بالهزيمة. ثم انهزم سليمان، وأفلت. وقتل في ~~المعترك بشر كثير. وبعث الحكم أصبغ بن عبد الله في طلبه؛ فلحقه بجهة ماردة، ~~وأخذه أسيرا، وأتى به إلى الحكم؛ فأمر بقتله، وبعث برأسه إلى قرطبة. # وفي سنة 186، أخرج الحكم إلى عمه عبد الله البلنسي أمانا؛ وهو أول خروج ~~كان إليه، وأول مكاتبة كانت بين الحكم وبينه بعد حلوله ببلنسية. # وفي سنة 187، انعقد أمان عبد الله البلنسي وصلحه بإجزاء الأرزاق عليه، ~~وذلك ألف دينار لكل شهر، وبإجراء المعارف، وذلك ألف دينار لكل عام. وخرج ~~إليه بهذا الأمان يحيى بن يحيى وابن أبي عامر؛ فعقد الصلح على ذلك وعلى أن ~~يسكن عبد الله بلنسية. وقدم يحيى وابن أبي عامر بولد عبد الله على الحكم؛ ~~فزوجه أخته شقيقته. ms314 # مقتل أهل الربض أولا قبل هيجه ثانية PageV01P169 وفي سنة 189، صلب الإمام ~~الحكم اثنين وسبعين رجلا بقرطبة، منهم أبو كعب بن عبد البر، ويحيى بن مضر، ~~ومسرور الخادم. وكان السبب في ذلك أنهم أرادوا الغدر به، وهموا بالخلاف ~~عليه؛ وطلبوا رئيسا يقومون به. فوقع الخبر علي محمد بن القاسم عم هشام بن ~~حمزة، وأطلعوا على أمرهم، ودعوه للقيام معهم؛ فخذلهم، وأفشى سرهم، وتقرب ~~إلى الحكم بدمائهم. فتثبت الحكم، وسأله تصحيح ما رفع إليه؛ فقال له: )هات ~~أمناءك!( فأخفاهم عنده، ووجه عنهم لميعاده؛ ثم قال لهم: )هذا الذي تدعونني ~~إليه لا أثق بمن سميتم، دون أن أسمع منهم كما سمعت منكم؛ فتطيب نفسي، وأدخل ~~في الأمر على قوة وبصيرة!( فأتوه، وسمه مقالتهم، والأمناء بحيث يرون ~~ويسمعون. فلما صح عند الحكم أمرهم بشهادة الأمناء عليهم، أخذهم وصلبهم ~~جميعا بمردة واحدة. ثم أتقن سور قرطبة وحفر خندقها، وتوجه غازيا إلى بلاد ~~المشركين. # ومن قوله )طويل(: # رأيت صدوع الأرض بالسيف رافعا ... وقدما لأمت الشعث مذ كنت يافعا # فسائل ثغوري هل بها الآن ثغرة ... أبادرها مستنضي السيف دارعا # وشافه على الأرض الفضاء جماجما ... كأقحاف شريان الهبيد لوامعا # تنبئك أني لم أكن عن قراعهم ... بوان وأني كنت بالسيف قارعا # فإني إذا حادوا جزاعا عن الردى ... فلم أك ذا حيد عن الموت جازعا # حميت ذماري وانتهكت ذمارهم ... ومن لا يحامي ظل خزيان ضارعا # ولما تساقينا سجال حروبنا ... سقيتهم سما من الموت نافعا # وهل زدت أن وقيتهم صاع قرضهم ... فوافوا منايا قدرت ومصارعا # فهاك بلادي إنني قد تركتها ... مهادا ولم أترك عليها منازعا # وفي سنة 190، خرج الأمير الحكم غازيا إلى ماردة. فلما وصلها، احتلها ~~وحاصرها )وكان بها أضبغ بن عبد الله بن وانسوس ثائرا( وإذا بالخبر وصله أن ~~سواد أهل قرطبة أعلنوا بالنفاق، وتداعوا إلى صاحب السوق بالسلاح؛ وكتب ~~المخلفون إلى الحكم بما حدث بعده وبما ظهر من ضمائر السفلة؛ فصدر قافلا، ~~وطوى المراحل، وقطع الطريق في ثلاثة أيام، ودخل القصر. فهدأ الناس، وسكنت ~~الأحوال، وصار الناس في هدوء ms315 وسكون من سنة 190 إلى سنة 202، والتزموا الدعة ~~اثني عشر سنة. # وترددت الغزوات سبعة أعوام إلى ماردة، وبها أصبغ بن عبد الله ثائرا ~~متمنعا. وكان سبب ثورته أن عدوا لأصبغ طالبه عند الحكم وأغراه عليه. ثم مشى ~~إلى أصبغ بمثل ذلك، وروعه منه؛ فتوقع العقوبة والسطوة به. فكان ذلك سبب ~~دخوله ماردة وقيامه بها. وتكررت الغارات عليه سبعة أعوام؛ فافتتحت في العام ~~السابع بمحاولة انجلت عن طلب الأمان لأصبغ فأمن، وخرج من ماردة، وصار في ~~مصف الحكم؛ فسكن قرطبة؛ ثم فسح له في الاختلاف إلى ضياعه بماردة حتى التاث ~~أمرها، واضطربت حالها. # وفي سنة 192، خرج رذريق صاحب إفرنجة إلى جهة طرطوشة؛ فأغزى الحكم ابنه ~~عبد الرحمن في جيش كثيف، وكتب إلى عمروس وعبدون عاملي الثغر بالغزو معه ~~بجميع أهل الثغر. فتقدم عبد الرحمن بالجنود، وتوافت عليه الحشود، وحفت به ~~المطوعة. فألفوا الطاغية خارجا إلى بلاد المسلمين. ودارت بينهم حروب شديدة ~~، ثبت الله فيها أقدام المسلمين. فانهزم المشركون؛ وكانت فيهم مقتلة عظيمة؛ ~~ففنى أكثرهم. PageV01P170 وفي سنة 194، غزا الحكم إلى أرض الشرك. وكان ~~السبب في هذه الغزاة أن عباس بن ناصح الشاعر كان بمدينة الفرج )وهي وادي ~~الحجارة(. وكان العدو، بسبب اشتغال الحكم بماردة وتوجيه الصوائف إليها مدة ~~من سبعة أعوام، قد عظمت شوكته، وقى أمره. فشن الغارات في أطراف الثغور، ~~يسبي ويقتل. وسمع عباس بن ناصح امرأة في ناحية وادي الحجارة، وهي تقول: ~~)واغوثاه يا حكم! قد ضيعتنا وأسلمتنا واشتغلت عنا، حتى استأسد العدو ~~علينا!( فلما وفد عباس على الحكم، رفع إليه شعرا يستصرخه فيه، ويذكر قول ~~المرأة واستصراخها به؛ وأنهى إليه عباس ما هو عليه الثغر من الوهن والتياث ~~الحال. فرثى الحكم للمسلمين، وحمى لنصر الدين، وأمر بالاستعداد للجهاد، ~~وخرج غازيا إلى أرض الشرك؛ فأوغل في بلادهم، وافتتح الحصون، وهدم المنازل، ~~وقتل كثيرا، وأسر كذلك، وقفل على الناحية التي كانت فيها المرأة، وأمر لأهل ~~تلك الناحية بمال من الغنائم، يصلحون به أحوالهم ويفدون سباياهم؛ وخص ~~المرأة وآثرها، وأعطاهم عددا من ms316 الأسرى عونا. وأمر بضرب رقاب باقيهم، وقال ~~لأهل تلك الناحية وللمرأة: )هل أغاثكم الحكم؟( قالوا: )شفا والله الصدور، ~~ونكى في العدو، وما غفل عنا إذ بلغه أمرنا! فأغاثه الله وأعز نصره!( وفي ~~سنة 196، غزا الحكم إلى بلاد المشركين، وأوغل فيها، وأوقع بهم، وقفل. ~~وفيها، مات تمام بن علقمة الثقفي. # وفي سنة 199، كانت المجاعة التي عمت الأندلس؛ ومات أكثر الخلق جهدا. # وفي هذه السنة، أغرى الحكم عمه عبد الله البلنسي الغزوة الشنيعة ~~المشهورة، وكانت ببرشلونة: ألفي المشركين قد حلوا بها يوم احتلاله، وكان ~~يوم الخميس؛ فأراد من معه مناشبة الحرب، وتشوقوا للقتال؛ فمنعهم حتى إذا ~~كان في اليوم الثاني، وهو يوم الجمعة وقت الزوال، أمر بتعبئة الكتائب، ونصب ~~الردود؛ وقام، فصلى ركعتين؛ ثم نادى في الناس، وركب هو ومن معه، وناهض أهل ~~الشرك. وما أحسبه فعل ذلك إلا ففها وعلما وتأسيا بحديث النبي صلى الله عليه ~~وسلم حيث أمر بالقتال في تلك الساعة: فإن فيها تهب الأرواح، وتفتح أبواب ~~الجنة، وتستجاب الدعوات، فمنحهم الله أكناف المشركين، وانهزموا. وقتل ~~عامتهم، وفرق جمعهم. فلما أقلع عن القتال وانجلت الحرب، نصب قناة طويلة، ~~فأثبتت في الأرض؛ وأمر بالرؤوس؛ فجمعت وطرحت حواليها حتى غابت القناة فيها ~~)ولم تظهر(. # ذكر دخول الحكم طليطلة حين خالفت عليه # وذلك أنه أظهر الغزو إلى بلاد المشركين، وقصد تدمير، وهو يريد في نفسه ~~طليطلة. فنزل تدمير، واضطرب فيها، ونازل بعض حصونها. وكتب إلى عمال الثغر ~~بنزوله فيها وحربه لها؛ فأمن أهل طليطلة، وانتشروا في بسائطهم، ونظروا في ~~زروعهم، وله عليهم عيون. فلما صح عبده انبساطهم، جعل يتغرب من أحواز تدمير، ~~وأخبار طليطلة ترد عليه. فلما أمكنته الفرصة فيها، جد السير إليها، وطوى ~~المراحل؛ فوصل إليها ليلا، وسبق بقطيع من الحشم. فدخل طليطلة ليلا، ولم ~~يعلم بدخوله، وأهلها في غفلة، وأبوابها مفتحة. وتتابع العسكر عليه بمقدار ~~قوة كل أحد. فملكها، وحال بين أهلها وبينها، وقطع الخروج عمن كان بها إلى ~~من كان بخارجها. فاستوسق له ملكها دون مئونة ولا قتال. فاستنزل ms317 أهلها من ~~الجبال إلى السهل، وحرق ديارها، وسكنهم في الصحراء. ثم ردهم إليها. ~~PageV01P171 وفي سنة 200، أغزى الحكم وزيره عبد الكريم بن مغيث إلى بلاد ~~المشركين؛ فدخلها، وتوسطها، وأهلك معائشها ومرافقها، وحطم زروعها، وهدم ~~منازلها وحصونها، حتى استوفي جميع قرى وادي أرون. فحشدت إليه الطاغية - ~~دمرها الله! - وانجلبت النصرانية من كل مكان، وأقبلت الجموع، ونزلت بعدوة ~~نهر أرون؛ وصار النهر حاجزا بينهم وبين المسلمين. فلما أصبح، نهض عبد ~~الكريم بمن معه إلى مخائض الوادي؛ ونهض أعداء الله إليهم؛ فقاتلوهم على كل ~~مخاضه منها؛ فجالدهم المسلمون عليها مجالدة الصابرين المحتسبين. واقتحم ~~أعداء الله النهر إليهم؛ فاقتتلوا على مخاضته. ثم حمل المسلمون عليهم حملة ~~صادقة؛ فأضغطوهم في المضايق، وأدخلوهم على غير طريق؛ فأخذتهم السيوف والطعن ~~بالرماح والغرق في المياه؛ فقتل من المشركين عدد عظيم لا يحصى كثرة، ومات ~~أكثرهم بالتردي ودرس بعضهم بعضا، وصاروا بعد المطاعنة والمجالدة بالرماح ~~والسيوف إلى القذف بالحجارة؛ وأكثروا الحراس بالمخائض، ووعروها بالخشب، ~~وحفروا الحفائر، وخندقوا الخنادق. ونزلت الأمطار؛ وكان قد فرغ ما كان ~~لأعداء الله من المرافق؛ وضاقت الحال أيضا بالمسلمين؛ فقفل عبد الكريم ~~ظافرا لسبع خلون من ذي القعدة. # ولم يكن في سنة 201 صائفة ولا حركة مشهورة. # ذكر هيج أهل الربض ثانية في سنة 202 # كان من أهل ربض قرطبة في هذه السنة ما نستعيذ بالله من الخذلان في مثله، ~~وذهاب التوفيق. وقد اختلفت الروايات في سبب قيام الناس وهيجهم؛ فمنهم من ~~يقول إن ذلك الهيج كان أصله الأشر والبطر، إذ لم يكن ثم ضرورة من إجحاف في ~~مال، ولا انتهاك لحرمة، ولا تعسف في ملكة، والحال تدل على صحة ذلك: فإنه لم ~~يكن على الناس وظائف، ولا مغارم، ولا سخر، ولا شئ يكون سببا لخروجهم على ~~السلطان، بل كان ذلك أشرا وبطرا، وملالا للعاقبة، وطبعا جافيا، وعقلا غبيا، ~~وسعيا في هلاك أنفسهم - أعاذنا الله من الضلال والخذلان، وأسباب البوار ~~والخسران! ولما اهتاجوا وقاموا على السلطان، ناصبهم الحكم القتال، وواضعهم ~~الحرب. وانحاش إليه حاشيته وجنده، وتألب ms318 من كل وجه رجاله. وقامت الحرب بين ~~الجند وعامة قرطبة على ساق. ثم تكاثرت العامة، وهاجت الدهماء السوداء؛ فلم ~~يزيدوا على أن ظهروا في ذلك الحين ظهروا لم يبلغهم إلى أمل فلما اشتغلوا ~~بالقتال، احتيل عليهم بمثل حيلة يوم الحرة، وهم لا يشعرون لاشتغالهم ~~بالقتال؛ فخرج عبيد الله بن عبد الله البلنسي المعروف بصاحب الصوائف، ~~وإسحاق بن المنذر القرشي إلى باب الجسر، مع من أمكنهما من الفرسان ~~والرجالة، والتقوا مع العامة، وجالدوهم حتى أزاحوهم وأدخلوهم الجسر؛ وفتح ~~باب المدينة عند الجسر، ودخل الذين سمينا على باب الحديد؛ ثم اقتحموا على ~~الزقاق الكبير، وخرجوا على الرملة إلى مخاضة هناك، وجازوا النهر، واجتمعوا ~~مع من توافى عليهم من حشود الكور، إذ كانوا قد أنذروا قبل ذلك بما كان بدا ~~منهم، وظهر من علاماتهم. فلما اجتمعوا، أقبل بعضهم من وراء الربض، وشرع بعض ~~في طرح النار في الدور، ودسوا من أخبر العامة بما نزل بهم في دورهم ~~وذراريهم وعيالهم؛ فلم يبق أحد منهم دون أهله ومنزله، وانصرفوا راجعين ~~نحوها. فأخذتهم السيوف من أمامهم وورائهم؛ فقتلوا قتلا ذريعا، وتتبعوا في ~~الأزقة والطرق، يقتلون؛ ونجا منهم من تأخر أجله، ففر، فلم يلو على أهل ولا ~~ولد. وأخذ منهم ثلاثمائة رجل؛ فصلبوا على الوادي، صفا واحدا من المرج إلى ~~المصارة. PageV01P172 وكان الحكم قد عزم على تتبعهم بالأندلس، وقتلهم حيث ~~وجدوا؛ فكسر عليه بعض أصحابه، وذكره صنع الله له فيهم؛ فارعوى وكف. فخرجوا ~~أفواجا بأهاليهم وأولادهم. ولم يعرض لأحد منهم في شئ من بلاد الأندلس، وهي ~~طاعته وملكه، ولا نالهم ضر بعد وقت المعركة وغليان الحال، كرما وعفوا من ~~الأمير الحكم - رحمه الله! - وعف الحكم عن الأموال والحرم. وتفرق أهل الربض ~~في جميع أقطار الأندلس؛ ومنهم من جاز البحر إلى العدوة بالأهل والواد؛ ~~فاحتلوا بعدوة فاس، فهم عدوة الأندلس منها؛ فصيروها مدينة. ومنهم أهل جزيرة ~~إقربطش؛ فذكر أنه لم يخرج منهم طائفة بناحية من نواح الدنيا إلا وتغلبوا ~~عليها، واستوطنوها على قهر من أهلها. وأكثر من هرب ms319 من أهل العلم والخير ممن ~~اتهم أو خاف على نفسه إلى ناحية طليطلة، ثم أمنهم الحكم، وكتب لهم أمانا ~~على الأنفس والأموال، وأباح لهم التفسح في البلدان حيثما أحبوا من أقطار ~~مملكته، حاشى قرطبة أو ما قرب منها. # وفي سنة 206، اشتد مرض الحكم بن هشام؛ فأخذ البيعة لابنه عبد الرحمن، ثم ~~للمغيرة من بعده. وانعقدت البيعة يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي ~~الحجة من السنة. فبويع له ذلك اليوم في القصر؛ واختلف الناس بعد ذلك اليوم ~~إلى دار عبد الرحمن بن الحكم يبايعونه؛ وبايعوا المغيرة في دار أخيه عبد ~~الرحمن أيضا؛ ثم ركب المغيرة إلى الجامع، ونزل فيه يوما بعد يوم لمبايعة ~~الناس له؛ وكانوا يبايعونه عند المنبر؛ ثم بايعوه في داره. ولما انقضت ~~البيعة لعبد الرحمن والمغيرة بعده، أمر الحكم بن هشام بهدم الفندق الذي كان ~~بالربض؛ وكان متقبله من أهل الإضرار والفسق؛ فهدم. وتوفي الأمير الحكم يوم ~~الخميس لأربع بقين من ذي الحجة من السنة؛ وصلى عليه ابنه عبد الرحمن؛ ودفن ~~بالقصر. # بعض أخباره وسيره # كان الحكم - رحمه الله! - شديد الحزم، ماضي العزم، ذا صولة تتقى. وكان ~~حسن التدبير في سلطانه، وتوليه أهل الفضل والعدل في رعيته؛ وكان مبسوط ~~اليد. وكان له قاض كفاه بورعة وعلمه وزهده؛ فمرض مرضا شديدا؛ فاغتم الحكم ~~لمرضه؛ فذكر بعض خاصته أنه أرق ليلة أرقا شديدا، وجعل يتململ على فراشه؛ ~~فقيل له: )أصلح الله الأمير! ما الذي عرض؟( فقال: )ويحكم! إني سمعت في هذه ~~الليلة نادبة، وقاضينا مريض، وما أراه إلا وقد قضى نحبه. فأين لي بمثله، ~~ومن يقوم بالرعية مقامه؟( فمات القاضي في تلك الليلة، وهو المصعب بن عمران ~~قاضي أبيه. فولى بعده محمد بن بشير. # فكان أقصد الناس إلى حق، وأبعدهم من جور، وأنقذهم بحكم. ورفع إليه رجل من ~~أهل كورة جيان أن عاملا للحكم اغتصبه جارية، وصيرها إلى الحكم؛ فوقعت من ~~قلب الحكم كل موقع؛ فأثبت الرجل أمره عند القاضي، وأتاه بينة تشهد على ~~معرفة ما تظلم منه ms320 ويملكه للجارية وبمعرفتهم بها. فأوجبت السنة أن تحضر ~~الجارية؛ فاستأذن القاضي على الحكم؛ فأذن له؛ فلما دخل عليه، قال له: )أيها ~~الأمير! أنه لا يتم عدل في العامة دون إقامته في الخاصة!( وحكى له أمر ~~الجارية، وخيره بين إبرازها للبينة ليشهد على عينها، أو عزله. فقال له ~~الحكم: )أولا. أدعوك إلى خير من ذلك! تبتاع الجارية من صاحبها بأبلغ ما ~~يطلب فيها.( فقال القاضي: )إن الشهود قد شهدوا من كورة جبان، وأتى الرجل ~~يطلب الحق في مظامه؛ فلما صار ببابك، تصرفه دون إنفاذ الحق له؛ ولعل قائلا ~~يقول: باع ما لا يملك بيع مقور!( فلما رأى عزمه على ذلك، أمر بإخراج ~~الجارية من قصره؛ فشهد الشهود عنده على عينها، وقضى بها لصاحبها. وكان هذا ~~القاضي محمد بن بشير، إذا خرج للمسجد، وجلس للأحكام، جلس في رداء معصفر، ~~وشعر مفرق؛ فإذا طلب ما عنده، وجد أفضل الناس وأورعهم. PageV01P173 وكان ~~الحكم يقول: )ما تحلى الخلفاء بمثل العدل!( وكانت فيه بطالة، إلا أنه كان ~~شجاع النفس، باسط الكف، عظيم العفو. وكان يسلط قضاته وحكامه على نفسه، فضلا ~~عن ولده وخاصته. وكانت للحكم ألف فرس مرتبطة بباب قصره على جانب النهر، ~~عليها عشرة من العرفاء، تحت يد كل عريف مائة فرس؛ فإذا بلغه عن ثائر ثار في ~~أطرافه، عاجله قبل استحكام أمره؛ فلا يشعر حتى يحاط به. وجاءه الخبر يوما ~~أن جاب بن لبيد محاصر لجيان، وهو يلعب بالصولجان في القصر؛ فدعا بعريف من ~~أولئك العرفاء، وأسر إليه أن يخرج بمن تحت يده إلى جابر بن لبيد؛ ثم فعل ~~كذلك مع أصحابه من العرفاء. فلم يشعر ابن لبيد حتى تساقطوا عليه مسربلين في ~~الحديد؛ فلما رأى العدو ذلك، سقط في يده، وظن أن الدنيا قد حشرت إليه؛ فولى ~~بمن معه منهزما. # وكان الحكم فصيحا بليغا شاعرا مجيدا. فمن شعره - رحمه الله! - يتغزل، ~~وذلك أنه كان له خمس جوار قد استخلصهن لنفسه وملكهن أمره؛ فذهب يوما إلى ~~الدخول عليهن؛ فأبين عليه، وأعرضن عنه. وكان لا ms321 يصبر عنهن. فقال )البسيط(: # قضب من الباز ملست فوق كثبان ... أعرضن عني وقد أزمعن هجراني # ناشدتهن بحقي فاعتزمن علي ... الهجران حتى خلا منهن هيماني # ملكنني ملك من ذلت عزيمته ... للحب ذل أسير موثق عاني # من لي بمغتصبات الروح من بدني ... عصبنب في الهوى عزي وسلطاني # ثم إنهن عدن عليه بالوصل؛ فقال )خفيف(: # نلت كل الوصال بعد البعاد ... فكأني ملكت كل العباد # وتناهى السرور إذ نلت ما لم ... يغن فيه تكاشف الأجناد # ومن مليح قوله فيهن - رحمه الله! - )خفيف(: # ظل من فرط حبه مملوكا ... ولقد كان قبل ذاك مليكا # إن بكى أو شكا الهوى زيد ظلما ... وبعادا يدنى حماما وشيكا # تركته جاذر القصر صبا ... مستهاما على الصعيد تريكا # يجعل الخد ماثلا فوق ترب ... وهو لا يرتضي الحرير أريكا # هكذا يحسن التذلل للحر ... إذا كان في الهوى مملوكا # وله - رحمه الله! - أشعار كثيرة في الربضيين القائمين عليه، لا يجاريه ~~فيها حد. وقد تقدم منها ما يستدل به على فضله. ولما دنت وفاته، عتب نفسه ~~فيما تقدم منه عتابا، وتاب إلى الله مثابا، ورجع إلى الطريقة المثلى، وقال: ~~إن الآخرة هي الأبقى والأولى؛ فتزين بالتقوى، واعتصم بالعروة الوثقى؛ وأقر ~~بذنوبه واعترف، وأنس إلى قوله تعالى إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف. وكان من ~~عباد الله المتقين، إلى أن أتاه من ربه اليقين. فتوفي - رحمه الله! - سنة ~~206. # خلافة عبد الرحمن بن الحكم بن هشام # كنيته: أبو المطرف. أمه: تسمى حلاوة. مولده: سنة 76. حاجبه: عبد الكريم ~~بن عبد الواحد. وزراؤه: تسعة؛ رزق كل واحد ثلاثمائة دينار. كتابه: ثلاثة: ~~عبد الكريم المذكور، وسفيان بن عبد ربه، وعيسى بن شهيد. قضاته: أحد عشر؛ ~~منهم: يحيى بن مغمر، وقبله مسرور بن محمد بن بشير، ثم سعيد ابن محمد بن ~~بشير، ثم يحيى المتقدم الذكر، وغير هؤلاء؛ وإنما كثر القضاة في أيامه لأن ~~المشاور في عزلهم وولايتهم يحيى بن يحيى الليثي؛ فكان لا يولى رجلا إلا ~~برأيه؛ فكان يحيى بن يحيى، إذا أنكر من القاضي شيئا، قال له: ms322 )استعف وإلا ~~رفعت بعزلك!( فكان يستعفي أو يشير يحيى بعزله، فيعزل. # نقش خاتمه: )عبد الرحمن بقضاء الله راض.( وكان له قبل ذلك خاتم باسمه؛ ~~فتلف؛ وأمر بطلبه، فلم يوجد؛ فأعاد نقش خاتم جده عبد الرحمن، بعد أن خرج ~~نصر الفتى من عند الأمير هذا بالخاتم للنقش، وبعث في عبد الله بن الشمر ~~الشاعر، وقال له: )إن الأمير أمر بنقش هذا الخاتم؛ فقل ما ينقش فيه!( فقال ~~)رمل(: # خاتم للملك أضحى ... حكمه في الناس ماض # عابد الرحمن فيه ... بقضاء الله راضي # فاستحسن ذلك الأمير عبد الرحمن، وأمر بنقشهما في الخاتم. PageV01P174 ~~صفته: طويل، أسمر، أقنى، أعين، أكحل، عظيم اللحية يخضب بالحناء والكتم. ~~بويع بعد موت أبيه بيوم واحد، وذلك يوم الخميس لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ~~206، وهو ابن ثلاث وعشرين سنة وتسعة أشهر. وتوفي ليلة الخميس لثلاث خلون من ~~شهر ربيع الآخر سنة 238. عمره: اثنان وستون سنة. خلافته: إحدى وثلاثون سنة ~~وثلاثة أشهر وستة أيام. بنوه الذكور: خمسة وأربعون، وبناته: اثنتان ~~وأربعون. # وفي سنة 207، ثارت بتدمير فتنة بين مضر ويمن، ودامت سبع سنين؛ فأغزى ~~إليهم الأمير عبد الرحمن في هذا العام يحيى بن عبد الله بن خلف؛ ثم كان ~~يبعث إليهم المرة بعد المرة بالقواد؛ فيفترقون؛ فإذا قفلوا، عادوا إلى ~~الفتنة. وكانت بينهم وبين يحيى بن عبد الله وقبعة تعرف بوقعة المصارة ~~بلورفة، انتهى مبلغ القتلى فيهم إلى ثلاثة آلاف. # وفيها كان بالأندلس جوع شديد، مات به كثير من الخلق. # وفي سنة 208، كانت الغزاة المعروفة بغزاة ألبة والقلاع، غزاها عبد الكريم ~~ابن عبد الواحد بالصائفة، واحتل بالثغر؛ وتوافت عليه عساكر الإسلام، ~~واختلفوا في الدخول على أي باب يكون إلى دار الشرك؛ ثم اجتمعوا على أن يكون ~~من باب ألبة، إذ كان ذلك الباب أنكى للعدو وأحسم لدائه؛ فاقتحموا من فج ~~يقال له جرنيق؛ وكان وراءه بسيط للعدو، فيه خزائنه وذخره. فوقع أهل العسكر ~~على تلك البسائط، فاستصفوها، وعلى ذخر تلك الخزائن، فانتهبوها؛ واستوعبوا ~~خراب كل ما مروا عليه من العمران والقسرى، ms323 وأقفروها. وانصرف المسلمون ~~غانمين ظافرين. والحمد لله! وفي سنة 209، توفي عبد الكريم بن عبد الواحد؛ ~~وكان قد أخذ في الحركة إلى أرض العدو؛ فاعتل. وعوض منه الأمير عبد الرحمن ~~بن الحكم أمية ابن معاوية بن هشام. فغزا بالصائفة إلى أوريط؛ فاحتل بها، ~~وهي يومئذ للإسلام؛ فأخذ أهل الذنوب والريب، وعفا عن الباقين؛ ثم تقدم إلى ~~شنت برية وتدمير. وكان أبو الشماخ رئيس اليمانية يقوم بدعوة الأمين على ~~المضرية. وكانت بينهم وقعة بمرسية كوقعة يوم المصارة بلورقة، فنى فيها من ~~المسلمين أعم. وكان انبعاث هذه الفتنة وسببها بين المضرية واليمانية على ~~ورقة دالية أخذها مضري من جنان يماني؛ فقتله اليماني؛ فكان ذلك سبب الحروب ~~التي دارت بين الفريقين؛ واتصلت أعواما؛ وكانت الدوائر تدور أكثرها على ~~اليمانية والقتلى منهم، وذلك أحد عجائب الدهر. # وفي سنة 210، أمر الأمير عبد الرحمن ببنيان الجامع بمدينة جيان. وفيها، ~~كتب إلى عامل تدمير أن ينزل بمرسية ويتخذها موطنا؛ فكانت حينئذ موضع نزولهم ~~وموضع قرارهم؛ وأمر بهدم مدينة آله من تدمير، ومنها ثارت الفتنة أولا. ~~وفيها، افتتح فرج بن مسرة في أرض العدو حصن القلعة؛ وكان مسرة عامل جيان. # وفي سنة 211، ثار طوريل بتاكرنا؛ فأخرج إليه الأمير عبد الرحمن معاوية ~~ابن غانم في حشد؛ فظفر به، وقطع عاديته. # وفي سنة 213، غزا عبيد الله بن عبد الله البلنسي بالصائفة إلى دار الحرب؛ ~~فجال في أرض العدو حتى بلغ برشلونة، وتردد في تدريخها وانتسافها ستين يوما. # وفي سنة 213، انقطعت الفتنة بتدمير، واستنزل أبو الشماخ وغيره من القلاع، ~~وانقطعت عاديتهم؛ وصار أبو الشماخ من ولاة الأمير عبد الرحمن ومن ثقاته. # وفي سنة 214، ثار الضراب بطليطلة؛ واسمه هاشم؛ وسمى الضراب لأنه لما أحرق ~~الحكم طليطلة، وأنزل أهلها منها إلى السهل، أخذ رهائنهم. فدخل حينئذ هاشم ~~الضراب قرطبة، وصار يضرب بالمعول في الحدادين أجيرا؛ فعرف بالضراب. ثم خرج ~~من قرطبة إلى طليطلة؛ فاستدعى أهل الشر والفساد، وأليهم؛ فتألب إليه منهم ~~نفر؛ فخرجوا يغيرون على العرب والبربر. وتسامع أهل الشر به؛ فقطعوا إليه، ~~حتى ms324 اجتمع له منهم جمع عظيم وخلق كثير؛ فعلا ذكره، وانتشر صيته. وأوقع ~~بالبربر بشنت برية، ودارت له عليهم دوائر. فأخرج الأمير عبد الرحمن إليه ~~محمد بن رستم، وأمره بحربه؛ فحاربه في هذه السنة. # وفي سنة 216، توافت الجنود لمحمد بن رستم عامل الثغر؛ فناهض هاشما ~~الضراب. وكان قد تغلب على جانب الثغر. وكان عبد الرحمن قد استقصر محمد ابن ~~رستم في حقه، وكتب إليه يعنفه؛ فتقدم ابن رستم، والتقى مع هاشم الضراب؛ ~~فوقعت بينهم حرب شديدة أياما؛ ثم انهزم هاشم، وقتل هو ومن كان معه؛ وكانوا ~~آلافا. PageV01P175 وفي سنة 217، حوصرت ماردة وضيق عليها، حتى فر عنها خلق ~~كثير، وقتل منهم كثير. # وفي سنة 218، كان الكسوف العظيم، الذي توارت معه الشمس، وبدا الظلام؛ ~~وكان ذلك قبل زوال الشمس، في أواخر رمضان. وفيها، استوزر الأمير عبد الرحمن ~~ابن شهيد واستحجبه. وفيها، قامت الزيادة في المسجد الجامع بقرطبة من الأرجل ~~التي بين السواري إلى القبلة. # وفي سنة 219، غزا بالصائفة أمية بن الحكم إلى طليطلة وحاصرها؛ ثم قفل ~~العسكر بعد أن أتلف زروعهم وقطع ثمارهم. وأبقى بقلعة رباح ميسرة الفتى ~~لمحاصرة طليطلة؛ فخرج جمع عظيم من طليطلة يريدون قلعة رباح؛ فبلغه خبرهم؛ ~~فجمع الجموع، وكمن الكمائن. فلما قربوا منها، وفرقوا خيلهم في الغارة، خرجت ~~عليهم الكمائن؛ فقتلوا، وحزت رؤوسهم؛ فجمعت بين يدي ميسرة؛ واجتمع منها ~~جملة عظيمة. فلما رأى ذلك، ارتاع وداخله الندم؛ فلم يلبث بعد ذلك إلا يسيرا ~~حتى مات ندما وأسفا. # وفي سنة 220، غزا الأمير عبد الرحمن؛ فجعل صدر وجهته على طليطلة، وولى ~~أبا الشماخ قلعة رباح، وأبقى عنده خيلا كثيفة ورجلا كثيرة لمناهضة طليطلة، ~~وتقدم هو إلى كور الغرب. وكان سليمان بن مرتين قد تحيل علية يحيى الماردي؛ ~~فأخرجه من ماردة؛ فكان في قنن الجبال حينا؛ فحل عليه الأمير في هذه الغزاة، ~~وحاصره حتى ضاق سليمان بن مرتين في الحصن؛ فخرج ليلا؛ فبينا هو يمشي، إذ ~~وافق صخرة ملساء على وجه الأرض؛ فزلق به الفرس؛ فسقط، ومات. ووجده رجل؛ ~~فاحتز رأسه، وادعى ms325 قتله؛ ثم عرف أمره. # وفي سنة 221، افتتحت طليطلة. وكان السبب في ذلك أن ابن مهاجر خرج عنها، ~~ونزع إلى قلعة رباح، واستدعى القؤاد؛ فخرجوا إليه. فنهض بهم إلى أبواب ~~المدينة، وقطع عنهم مرافقهم. فكان ذلك أقوى الأسباب في افتتاحها. وكان عبد ~~الواحد الإسكندراني بعثه الأمير الأيهم؛ فوجدهم قد بلغ بهم الجهد. ثم أطل ~~عليهم الأمير؛ فافتتحها قهرا، ودخلها على حكمه، وأمر بتجديد القصر الذي كان ~~بناه عمروس في أيام الحكم على باب الجسر. وقيل إن الذي افتتح طليطلة الوليد ~~بن الحكم، وجهه إليها أخوه عبد الرحمن. # وفي سنة 222، افتتحها عنوة، ودخلها في شهر رجب من هذه السنة على حكمه. # وفي سنة 223، أعزى الأمير عبد الرحمن بن الحكم أخاه الوليد بن الحكم إلى ~~جليقية؛ فدخل من باب الغرب مع قطيع من العسكر؛ فدوخها. وكانت له فتوحات ~~كثيرة. # وفي سنة 224، أغزى الإمام عبد الرحمن ابنه الحكم إلى دار الحرب، وأمره ~~بالتجوال في جهات الثغور، ليتعرف أخبارها ومصالحها. وأمر بإصلاح قنطرة ~~سرقسطة. ودخل الحكم بالصائفة إلى دار الحرب؛ فدوخها، وقتل من المشركين ما ~~لا يحصى. واجتمع من رؤوسهم أكداس كالجبال، حتى كان الفارس يقف من ناحية؛ ~~فلا يرى صاحبه من ناحية أخرى من عظمها. # وفيها، كانت رجوم بالنجوم، في جمادى الآخرة؛ وتناثرت الكواكب من قبلة إلى ~~جوف، ومن شرق إلى غرب، بجزيرة الأندلس. # وفي سنة 225 غزا الإمام عبد الرحمن بنفسه أرض جليقية. ففتح حصونها، وجال ~~في أرضها. وطالت غزاته، وتعب كثيرا؛ فأرق في بعض الليالي؛ فلما كان في بعض ~~الليل، حضر عبد الله بن الشمر الشاعر؛ فوصف له أرقه، وأنه تذكر بعض من حن ~~إليه؛ فقال عبد الرحمن بن الشمر )متقارب(: # عداني عنك مزار العدى ... وقودي إليهم لهاما مهيبا # وكم قد تعسفت من سيسب ... وجاوزت بعد دروب دروبا # وادرع النقع حتى لبست ... من بعد نضرة وجهي شحوبا # ألاقي بوجهب سموم الهجير ... وقد كاد منه الحصى أن يذوبا # أنا ابن الهشامين من غالب ... أشب حروبا وأطفي حروبا # وبي أدرك الله دين الهدى ... فأحييته ms326 واصطلمت الصلبا # سموت إلى الشرك في جحفل ... ملأت الحزون به والسهوبا # وفي سنة 226، غزا بالصائفة إلى جليقية من بلاد العدو مطرف بن عبد الرحمن؛ ~~فتوسط بسيطهم، وذهب بنعمتهم؛ وكان القائد عبد الواحد بن يزيد الإسكندراني. ~~PageV01P176 وفي سنة 227، خرج، عبيد الله بن عبد الله صاحب الصوائف؛ فلما ~~حصل بين أربونة وسرطانية، تجالب الأعداء من كل ناحية، وأحاطوا بالعسكر ~~ليلا؛ فقاتلهم المسلمون الليل كله؛ فلما انبلج الضوء، أيد الله المسلمين، ~~وهزم الأعداء. # وفي سنة 228، خرج الأمير عبد الرحمن بنفسه إلى أرض العدو، وخلف في القصر ~~ولده المنذر، وجعل على ميمنته ولده محمدا وعلى الميسرة ولده المطرف. فلقي ~~جيشا كبيرا من المشركين؛ فناشبهم الحرب؛ فأنزل الله نصره على المسلمين، ~~وهزموا المشركين، وأثخنوا فيهم القتل. وأفاء الله على المسلمين من ذراري ~~أهل بنبلونة وخيلهم وأسلحتهم ما عظم به من الله سبحانه المن. وقفل غزيرا في ~~منتصف شوال. وكان خروجه من قرطبة لتسع بقين من شعبان. # وفي سنة 229، خرج الأمير عبد الرحمن لمحاصرة موسى بن موسى بتطيلة؛ فدوخ ~~بلاده، ثم صالحه. ثم تقدم إلى بنبلونة؛ فكانت له بها وقعة عظيمة على ~~المشركين، فني فيها أعداء الله؛ وكان معهم موسى بن موسى؛ فناله ورجاله ما ~~نالهم. # وفيها، ورد كتاب وهب الله بن حزم عامل الأشبونة، يذكر أنه حل بالساحل ~~قبله أربعة وخمسون مركبا من مراكب المجوس، معها أربعة وخمسون قاربا؛ فكتب ~~إليه الأمير عبد الرحمن وإلى عمال السواحل بالتحنظ. # دخول المجوس إشبيلية في سنة 230 # فخرج المجوس في نحو ثمانين مركبا، كأنما ملأت البحر طيرا جونا؛ كما ملأت ~~القلوب شجوا وشجونا. فحلوا بأشبونة؛ ثم أقبلوا إلى قادس، إلى شذونة؛ ثم ~~قدموا على إشبيلية؛ فاحتلوا بها احتلالا، ونازلوها نزالا، إلى أن دخلوها ~~قسرا، واستأصلوا أهلها قتلا وأسرا. فبقوا بها سبعة أيام، يسقون أهلها كأس ~~الحمام. واتصل الخبر بالأمير عبد الرحمن؛ فقدم على الخيل عيسى بن شهيد ~~الحاجب، واتصل المسلمون به اتصال العين بالحاجب. وتوجه بالخيل عبد الله ابن ~~كليب وابن رستم وغيرهما من القواد واحتل بالشرف. وكتب ms327 إلى عمال الكور في ~~استنفار الناس؛ فحلوا بقرطبة، ونفر بهم نصر الفتى. وتوافت للمجوس مراكب على ~~مراكب، وجعلوا يقتلون الرجال، ويسبون النساء، ويأخذون الصبيان، وذلك بطول ~~ثلاثة عشر يوما. ذكر ذلك في )بهجة النفس(. وفي كتاب )درر القلائد(: سبعة ~~أيام، كما تقدم. وكانت بينهم وبين المسلمين ملاحم. ثم نهضوا إلى قبطيل؛ ~~فأقاموا بها ثلاثة أيام، ودخلوا قورة، على اثني عشر ميلا من إشبيلية؛ ~~فقتلوا من المسلمين عددا كثيرا؛ ثم دخلوا إلى طلياطة، على ميلين من ~~إشبيلية؛ فنزلوها ليلا، وظهروا بالغداة بموضع يعرف بالنخارين؛ ثم مضوا ~~بمراكبهم، واعتركوا مع المسلمين. فانهزم المسلمون، وقتل منهم ما لا يحصى. ~~ثم عادوا إلى مراكبهم. ثم نهضوا إلى شذونة، ومنها إلى قادس، وذلك بعد أن ~~وجه الأمير عبد الرحمن قواده؛ فدافعهم ودافعوه؛ ونصبت المجانيق عليهم، ~~وتوافت الأمداد من قرطبة إليهم. فانهزم المجوس وقتل منهم نحو من خمسمائة ~~علج؛ وأصيبت لهم أربعة مراكب بما فيها؛ فأمر ابن رستم بإحراقها وبيع ما ~~فيها من الفيء. ثم كانت الوقعة عليهم بقربة طلياطة يوم الثلاثاء لخمس بقين ~~من صفر من السنة، قتل فيها منهم خلق كثير، وأحرق من مراكبهم ثلاثون مركبا. ~~وعلق من المجوس بإشبيلية عدد كثير، ورفع منهم في جذوع النخل التي كانت بها. ~~وركب سائرهم مراكبهم، وساروا إلى لبلة؛ ثم توجهوا منها إلى الأشنونة؛ ~~فانقطع خبرهم. # )وكان احتلالهم بإشبيلية يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من المحرم من ~~سنة 230(. وكان لبن دخولهم إلى إشبيلية وخروج من بقى منهم وانقطاعهم اثنان ~~وأربعون يوما؛ فقتلهم الله وأبادهم، وبدد عددهم وأعدادهم؛ وقتل أميرهم نقمة ~~من الله وعذابا، وجزاء بما كسبوا وعقابا. ولما قتل الله أميرهم، وأفنى ~~عديدهم، وفتح فيهم، خرجت الكتب إلى الآفاق بخبرهم. وكتب الأمير عبد الرحمن ~~إلى من بطنجة من صنهاجة، يعلمهم بما كان من صنع الله في المجوس، وبما أنزل ~~فيهم من النقمة والهلكة؛ وبعض إليهم برأس أميرهم وبمائتي رأس من أنجادهم. # وفي سنة 231، غزا بالصائفة جليقية محمد ابن الأمير عبد الرحمن؛ فحصرها، ~~وحصر مدينة ليون، ورماها ms328 بالمجانيق. فلما أيقنوا بالهلاك، خرجوا ليلا، ~~ولجئوا إلى الجبال والغياض؛ فأحرق ما فيها، وأراد هدم سورها؛ فوجد سعته ~~ثمان عشرة ذراعا؛ فتركه؛ وأمعن في بلاد الشرك قتلا وسبيا. PageV01P177 وفي ~~سنة 232، قحطت الأندلس قحطا شديدا؛ وكانت فيها مجاعة عظيمة، حتى هلكت ~~المواشي، واحترقت الكروم، وكثر الجراد. # وفي سنة 234، أمر الأمير بتوجيه العساكر إلى أهل جزيرة ميورقة، لنكايتهم، ~~وإذلالهم، ومجاهرتهم بنقضهم العهد، وإضرارهم بمن مر عليهم من مراكب ~~المسلمين. فغرتهم ثلاثمائة مركب؛ فصنع الله للمسلمين جميلا، وأظفرهم بهم، ~~وفتحوا أكثر جزائرهم. # وفي سنة 34 المذكورة، توفي يحيى بن يحيى؛ فاستراح القضاة من همه. # وفي سنة 235، ورد كتاب أهل ميورقة ومنورقة إلى الأمير عبد الرحمن، يذكرون ~~ما نالهم من نكاية المسلمين لهم؛ فكتب إليهم كتابا أذكر هنا فصولا منه، ~~وهو: )أما بعد، فقد بلغنا كتابهم، تذكرون فيه أمركم، وإغارة المسلمين الذين ~~وجهناهم إليكم لجهادكم، وإصابتهم ما أصابوه منكم من ذراريكم وأموالكم، ~~والمبلغ الذي بلغوه منكم، وما أشفيتم عليه من الهلاك. وسألتم التدارك ~~لأمركم، وقبول الجزية منكم، وتجديد عهدكم على الملازمة للطاعة، والنصيحة ~~للمسلمين، والكف عن مكروههم، والوفاء بما وتحملونه عن أنفسكم. ورجونا أن ~~يكون فيما عوقبتم به صلاحكم، وقمعكم عن العود إلى مثل الذي كنتم عليه. وقد ~~أعطيناكم عهد الله وذمته!( وفيها، كان سيل عظيم بجزيرة الأندلس، حمل وادي ~~شيل، وخرب فوسين من حنايا قنطرة إستجة، وخرب الأسداد والأرحاء. وذهب السيل ~~بست عشرة قرية من قرى إشبيلية على النهر الأعظم. وحمل وادي تاجه؛ فأذهب ~~ثمان عشرة قرية؛ وصار عرضة ثلاثين ميلا. # وفي سنة 236، ثار رجل من البربر، يقال له حبيب البرنسي، بجبال الجزيرة؛ ~~وتأبش إليه جماعة من أهل الشر والفساد؛ فأخرج إليه عبد الرحمن الأجناد. ~~فلما وصلوا إليه، ألقوا البربر قد قصدوا حبييا ومن تأبش إليه؛ فتغلبوا على ~~المعقل الذي كان انضوى إليه، وأخرجوه عنه، وقتلوا عدة كثيرة من أصحابه. ~~وافترق بقيتهم عنه، ودخل حبيب في غمار الناس. فكتب الأمير عبد الرحمن إلى ~~عمال الكور بالبحث عنه. # وفي سنة 237، قام رجل من المعلمين ms329 بشرق الأندلس؛ فادعى النبوءة، وتأول ~~القرآن على غير تأويله؛ فاتبعه جماعة من الغوغاء، وقام معه خلق كثير. وكان ~~من بعض شرائعه النهي عن قص الشعر وتقليم الأظفار، ويقول: [لا تغيير لخلق ~~الله!] فبعث إليه يحيى بن خالد؛ فأتى به. فلما دخل عليه، كان أول ما خاطبه ~~به إن دعاه إلى اتباعه والأخذ بما شرع؛ فشاور فيه أهل العلم؛ فأشاروا بأن ~~يستناب فإن تاب، وإلا قتل. فقال: )كيف أتوب من الحق الصحيح!( فأمر بصلبه. ~~فلما رفع في الخشبة، قال: ) أتقتلون رجلا أن يقول: ربي الله!( فصلبه، وكتب ~~إلى الأمير يخبره. # وفي سنة 238، توفي الأمير عبد الرحمن بن الحكم - رحمه الله! - ليلة ~~الخميس لثلاث خلون من ربيع الآخر من السنة. وما زال يقتني المآثر، وبيني ~~المكارم والمفاخر، حتى قبضته شعوب، وأرداه مردى القبائل والشعوب. # ذكر بعض أخباره على الجملة وسيره # لما ولي الأمير عبد الرحمن، بعث في اخوته وأهله ووزرائه؛ فبايعوه، ~~وبايعته العامة. ثم صلى على أبيه الحكم. فلما قضى صلاته وواراه، جلس بالأرض ~~متطأطئا، ليس تحته وطاء، وجلس من كان معه. ثم افتتح القول؛ فقال: )الحمد ~~لله، الذي جعل الموت حتما من قضائه، وعزما من أمره، وأجرى الأمور على ~~مشيته؛ فاستأثر بالملكوت والبقاء، وأذل خلقه بالفناء؛ تبارك اسمه وتعالى ~~جده(! وصلى الله على محمد نبيه ورسوله، وسلم تسليما! وكان مصابنا بالإمام - ~~رحمه الله! - مما جلت به المصيبة، وعظمت به الرزية؛ فعند الله تحتسبه، ~~وإياه نسأل إلهام الصبر، وإليه ترغب في كمال الأجر والذخر! وعهد إلينا فيكم ~~بما فيه صلاح أحوالكم ولسنا ممن يخالف عهده، بل لكم لدينا المزيد إن شاء ~~الله!( ثم قام عنهم، وخرجت لهم الأموال والكسي على قدر أقدارهم. ~~PageV01P178 وكان شاعرا، أديبا، ذا همة عالية. وكانت له غزوات كثيرة، ~~وفتوحات في دار العدو شهيرة، يخرج إليها في العدد الجم، والعسكر الضخم، ~~يخرب ديارهم، ويعفى آثارهم، ويقفل ظاهر الاعتلاء، قاهر الأعداء. لم يلق ~~المسلمون معه بؤسا، ولم يروا في مدته يوما عبوسا. وهو أول من جرى على سنن ~~الخلفاء في ms330 الزينة والشكل، وترتيب الخدمة. وكسى الخلافة أبهة الجلالة )فشيد ~~القصور، وجلب إليها المياه، وبنى الرصيف، وعمل عليه السقائف؛ وبنى المساجد ~~الجوامع بالأندلس؛ وعمل السقاية على الرصيف، وأحدث الطرز، واستنبط عملها؛ ~~واتخذ السكة بقرطبة. وفخم ملكه. وفي أيامه دخل الأندلس نفيس الوطاء وغرائب ~~الأشياء؛ وسبق ذلك إليه من بغداد وغيرها. وعندما قتل محمد الأمين، ابن ~~هارون الرشيد، وانتهب ملكه، سبق إلى الأندلس كل نفيس غريب من جوهر ومتاع. ~~وقصد بالعقد المعروف بعقد الشفاء؛ وكان لزبيدة أم جعفر. # ومن مآثره أنه كان ورد عليه يوما أموال من بلاده، لعطبات أجناده؛ فأدخلت ~~إليه، وجعلت الخرائط بين يديه. وكان بعث فتيانه؛ فخلا مجلسه إذ ذاك، ولم ~~يبق أحد هناك، حاشى فتى كان بين يديه واقفا، وعلى خدمته الخاصة عاكفا؛ ~~فغشيت الأمير عبد الرحمن نعسة، ظنها الفتى تهزة وخلسة؛ فقبض على خريطة من ~~ذلك المال، وأسدل عليها كمة أسبغ إسدال، والأمير يلاحظه بطرف خفي، ويصمت ~~عنه صمت بر حفي؛ ففاز الفتى بماله، وناط به أسباب آماله. فلما رجع الفتيان، ~~أمرهم الأمير عبد الرحمن برفع تلك الخرائط المبسوطة؛ فوجدوا نقصان تلك ~~الخريطة؛ فتدافعوا فيها إذ ذاك، كل يقول لصاحبه: )أنت أخذتها من هناك!( ~~فقال لهم الأمير: )أسكنوا عن هذا! فقد أخذها من لا يردها، وعاينه من لا ~~يقولها!( فكان هذا مما عد من كرمه وفضله. # وكانت له جارية تسمى طروب، كان بها دنفا؛ فصدت عنه يوما، وأبدت هجرانه. ~~فأرسل فيها؛ فامتنعت عليه، وأغلقت على نفسها بيتا. فأمر ببنيان الباب ~~بالخرائط المملؤة من الدراهم، استرضاء لها، واستعطافا لوصلها. فلما فتحت ~~الباب، تساقطت الخرائط من كل جانب؛ فأخذتها؛ فألفت فيها نحوا من عشرين ~~ألفا؛ وأمر لها يعقد قيمته عشرة آلاف دينار؛ فجعل بعض من حضر من وزرائه ~~يعظم الأمر عليه؛ فقال له الأمير عبد الرحمن: )إن لابسه أنفس منه خطرا ~~وأرفع قدرا! ولئن راق من هذه الحصباء منظرها، ورصف في النفس جوهرها، فلقد ~~برأ الله من خلقه جوهرا يغشى الأبصار، ويذهب بالألباب. وهل على وجه الأرض ~~من زبرجدها ms331 وشريف جوهرها أقر لعين، وأجمع لزين، من وجه أكمل الله فيه الحسن ~~ونضرته، وألقى عليه الجمال بهجته؟( ثم قال لعبد الله بن الشمر الشاعر وكان ~~حاضرا: )هل يحضرك شئ في المعنى؟( فأنشد )طويل(: # أتقرن حصباء البواقيت والشذر ... بمن يتعالى عن سنا الشمس والبدر # بمن قد برت قدما يد الله خلقه ... ولم يك شيئا قبله أبدا يبرى # فأكرم به من صنعة الله جوهرا ... تضاءل عنه جوهر البر والبحر # فأعجبت الأمير الأبيات وطرب لها طربا شديدا. وأنشد الأمير مرتجلا )طويل(: # فريضك يا ابن الشمر عني على الشعر ... وجل عن الأوهام والذهن والفكر # إذا شافهته الأذن أدى بسحرها ... إلى القلب إبداعا فجل عن السحر # وهل برأ الرحمن من كل ما برأ ... أقر لعين من منهمة بكر # ترى الورد فوق الياسمين بخدها ... كما فوق الروض المنعم بالزهر # فلو أنني ملكت قلبي وناظري ... نظمتهما منها على الجيد والنحر # ثم أمر لابن الشمر ببدرة فيها خمسمائة دينار؛ فخرج مع الوصيف يحملها له ~~تحت إبطه. فلما تواريا عن الأمير، قال له الوصيف: )أين لذات العمر، يا ابن ~~الشمر؟( فقال: )تحت إبطك يا سيدي!( ودخل عليه الغزال الشاعر يوما؛ فقال ~~الأمير )كامل(: جاء الغزال بحسنة وجماله فقال له الوزير: أجز. ما بدأ به ~~الأمير! فقال الغزال )كامل(: # قال الأمير مداعبا بمقاله ... جاء الغزال بحسنه وجماله # أين الجمال من أمري أربي على ... متعدد السبعين من أحواله PageV01P179 ~~وهل الجمال له؟ الجمال من امرئ ... ألقاه ريب الدهر في أغلاله # وأعاده من بعد جدته بلى ... وأحال رونق وجهه عن حاله # وهي طويلة. # ومن قول الإمام عبد الرحمن - رحمه الله! - يصف حال المعزول، فأبدع ~~)طويل(: # أرى المرء بعد العزل يرجع عقله ... وقد كان في سلطانه لبس بعقل # فتلفيه جهم الوجه ما كان واليا ... ويسهل عنه ذاك ساعة يعزل # وكتب إليه بعض عمناله يسأله عملا رفيعا ليس من شاكلته؛ فوقع له في أسفل ~~كتابه: )من لم يصب وجه مطلبه، كان الحرمان أولى به!( ومثل هذا كثير مما يدل ~~على فضله. # خلافة محمد بن عبد ms332 الرحمن بن الحكم بن هشام # كنيته: أبو عبد الله. أمه: بهير. مولده: في شهر ذي القعدة سنة 207. ~~وزراؤه وقواده: اثنا عشر. حجابه: اثنان، ابن شهيد وابن أبي عبدة. كتابه: ~~ثلاثة، عبد الملك بن أمية، وحامد بن محمد الزجالي، وموسى بن ابان. قضاته: ~~أحمد بن زياد، ثم عمرو بن عبد الله المعروف بالقبعة، ثم سليمان بن أسود ~~الغافقي. نفش خلقه: بالله يثق محمد وبه يعتصم. صفته: أبيض، مشرب بحمرة: ~~ربعة، أوقص، وافر اللحية يخضب بالحناء والكتم. بنوه: ثلاثة وثلاثون. بناته: ~~إحدى وعشرون. بويع يوم الخميس لأربع خلون لربيع الآخر سنة 238، وهو ابن ~~ثلاثين سنة وخمسة أشهر. وتوفي يوم الخميس لليلة بقيت من شهر صفر سنة 273. ~~عمره: خمس وستون سنة وأربعة أشهر. وكانت خلافته أربعا وثلاثين سنة وعشرة ~~أشهر وعشرين يوما. # وفي سنة ولايته، ثار عليه أهل طليطلة، وحبسوا العامل عندهم، حتى أطلقت ~~رهائنهم من قرطبة، وحينئذ أطلقوه. # وفي سنة 239، خرج الحكم ابن الأمير عبد الرحمن إلى طليطلة بالصائفة. ~~وكانت قلعة رباح قد أقفرت، خوفا من أهل طليطلة. فاحتلها الحكم، وأمر ببنيان ~~سورها، واسترجاع من فر من أهلها إليها. # وفيها أخرج الأمير محمد إلى شندلة قاسم بن العباس وتمام بن أبي العطاف ~~صاحب الخيل، ومعهما الحشم. فلما حلا بأندوجر، خرجت عليهم كمائن أهل طليطلة، ~~ووقعت الحرب، وكثر القتل؛ فانهزم قاسم وتمام، وأصيب ما في العسكر. وفي ذلك ~~يقول صفوان بن العباس أخو قاسم المذكور )رمل(: # ضرط القاسم يوما ... ضرطة في القرميط # مات منها كل حوت ... كان في البحر المحيط # وكانت هذه الوقعة في شوال. # وفي سنة 240، خرج الأمير محمد بنفسه إلى طليطلة في المحرم. فلما اتصل ~~بأهلها ذلك، أرسلوا إلى أردن بن إذفونش صاحب جليقية، يعلمونه بحركته ~~ويستمدون به. قبعث إليهم أخاه غثون في جمع عظيم من النصارى. فلما اتصل ذلك ~~بالأمير محمد، وقد كان قارب طليطلة، أعمل الحيلة والكيد، واستشعر الحزم؛ ~~فعبأ الجيوش، وكمن الكمائن بناحية وادي سليط؛ ثم نصب الردود، وطلع في أوائل ~~العسكر في قلة من العدد. فلما رأى ms333 ذلك أهل طليطلة، أعلموا العلج بما عاينوه ~~من قلة المسلمين؛ فتحرك العلج فرحا، وقد طمع في الظفر والغنيمة وانتهاز ~~الفرصة. فلما التقى الجمعان، خرجت الكمائن عن يمين وشمال، وتواترت الخيل ~~أرسالا على أرسال، حتى غشى الأعداء منهم ظلل كالجبال؛ فانهزم المشركون وأهل ~~طليطلة، وأخذتهم السلاح، هذا بالسيوف، وطعنا بالرماح؛ فقتل الله عامتهم، ~~وأباد جماعتهم. وحيز من رؤوسهم مما كان في المعركة وحواليها ثمانية آلاف ~~رأس، وجمعت ورصعت؛ فصار منها جبل علاه المسلمون، يكبرون ويهللون ويحمدون ~~ربهم ويشكرون. وبعث الأمير محمد بأكثرها إلى قرطبة، وإلى سواحل البحر، وإلى ~~العدوة. وانتهى عدد من فقد منهم في هذه الوقعة إلى عشرين ألفا. وكانت في ~~شهر محرم من السنة. # وفي سنة 241، شحن الأمير محمد قلعة رباح وطلبيرة بالحشم، ورتب فيها ~~الفرسان؛ وترك فيها عاملا حارث بن بزيع. # وفيها، جدد الأمير محمد طرز الجامع بقرطبة وأتقن نقوشه. # وفيها، حشد الأمير محمد ودخل إلى ألبة والقلاع، وبلغ إلى أقصاها وافتتح ~~كثيرا من حصون المشركين. PageV01P180 وفي سنة 242، كتب الأمير محمد إلى ~~موسى بن موسى بحشد الثغور والدخول إلى برشلونة؛ فغزا إليها، واحتل بها، ~~وافتتح في هذه الغزاة حصن طراجة، وهي من آخر أحواز برشلونة؛ ومن خمس ذلك ~~الحصن زيدت الزوائد في المسجد الجامع بسرقسطة؛ وكان الذي أسسه ونصب محرابه ~~حنش الصنعاني - رضي الله عنه - وهو من التابعين. # وفيها وجه الأمير محمد ابنه المنذر بالجيوش إلى طليطلة؛ فحاصرها، وأقام ~~عليها ينسف معائشها. # وفي سنة 243، كانت وقعة عظيمة في أهل طليطلة، وذلك أنهم خرجوا إلى ~~طلبيرة؛ فخرج إليهم قائدها مسعود بن عبد الله العريف، بعد أن كمن لهم ~~الكمائن؛ فقتلهم قتلا ذريعا، وبعث إلى قرطبة بسبعمائة رأس من رؤوس أكابرهم. # وفي سنة 244، خرج الأمير محمد بنفسه إلى طليطلة، وعددهم قد قل، وحدهم قد ~~قل، بتواتر الوقائع عليهم، ونزول المصائب بهم؛ فلم تكن لهم حرب إلا ~~بالقنطرة. ثم أمر الأمير بقطع القنطرة، وجمع العرفاء من البنائين ~~والمهندسين، وأداروا الحيلة من حيث لا يشعر أهل طليطلة. ثم نزلوا عنها؛ ~~فبينما هم ms334 مجتمعون بها، إذ اندقت بهم، وتهدمت نواحيها، وانكفأت بمن كان ~~عليها من الحماة والكماة؛ فغرقوا في النهر عن آخرهم. فكان ذلك من أعظم صنع ~~الله فيهم. # وفي سنة 245، دعا أهل طليطلة إلى الأمان؛ فعقدة الأمير لهم؛ وهو الأمان ~~الأول. # وفيها، خرج المجوس أيضا إلى ساحل البحر بالغرب، في اثني وستين مركبا؛ ~~فوجدوا البحر محروسا، ومراكب المسلمين معدة، تجري من حائط إفرنجة إلى حائط ~~جليقية في الغرب الأقصى. فتقدم مركبان من مراكب المجوس؛ فتلاقت بهم المراكب ~~المعدة؛ فوافوا هذين المركبين في بعض كسور باجة؛ فأخذوهما بما كان فيهما من ~~الذهب والفضة والسبي والعدة. ومرت سائر مراكب المجوس في الريف حتى انتهت ~~إلى مصب نهر إشبيلية في البحر؛ فأخرج الأمير الجيوش، ونفر الناس من كل أوب: ~~وكان قائدهم عيسى بن الحسن الحاجب. وتقدمت المراكب من مصب نهر إشبيلية حتى ~~حلت بالجزيرة الخضراء؛ فتغلبوا عليها، وأحرقوا المسجد الجامع بها؛ ثم جازوا ~~إلى العدوة؛ فاستباحوا أريافها؛ ثم عادوا إلى ريف الأندلس، وتوافوا بساحل ~~تدمير؛ ثم انتهوا إلى حصن أوربولة؛ ثم تقدموا إلى إفرنجة؛ فشتوا بها، ~~وأصابوا بها الذراري والأموال، وتغلبوا بها على مدينة سكنوها، فهي منسوبة ~~إليهم إلى اليوم، حتى انصرفوا إلى ريف بحر الأندلس، وقد ذهب من مراكبهم ~~أكثر من أربعين مركبا. ولقيهم مراكب الأمير محمد؛ فأصابوا منها مركبين بريف ~~شذونة، فيها الأموال العظيمة. ومضت بقية مراكب المجوس. # وفي سنة 246، أغزى الأمير محمد بن عبد الرحمن إلى أرض بنبلونة أحد قواده؛ ~~فخرج في هذه الغزوة خروجا لم يخرج قبله مثله جمعا وكثرة، وكمال عدة، وظهور ~~هيبة. وكان غرسية إذ ذاك متظافرا مع أزدون صاحب جليقية؛ فأقام هذا القائد ~~يدوخ أرض بنبلوبة، مترددا فيها اثنين وثلاثين يوما، يخرب المنازل، وينسف ~~الثمار، ويفتح القرى والحصون. وافتتح في الجملة حصن قشتيل، وأخذ فيه قرتون ~~بن غرسية المعروف بالأنفر، وقدم به إلى قرطبة؛ فأقام بها محبوسا نحوا من ~~عشرين سنة؛ ثم رده الأمير إلى بلده، وعمر فرتون مائة وست وعشرون سنة. # وفي سنة 247، قال الرازي: غزا محمد ms335 بن السديم أرض الحرب، وعامل الثغر إذ ~~ذاك عبد الله بن يحيى. وكان كتب موسى بن موسى يذكر ما ناله ونال أهل بلده ~~في إداختهم أرض الجليقيين، وما وصل إليهم من النصب، وسأل أن يكون دخول ~~العسكر على غير ناحيته؛ فأسعف في ذلك، ودخلت العساكر على غير بلده. # وفي سنة 248، تقدم موسى بن موسى لمقاتلة ابن سالم في وادي الحجارة؛ ~~فنالته جراح منعته الركوب بعدها؛ وكانت سببا لهلاكه؛ فتوفي في هذه السنة. ~~PageV01P181 وفي سنة 249، خرج عبد الرحمن ابن الأمير محمد إلى حصون ألبة ~~والقلاع؛ وكان القائد عبد الملك بن العباس؛ فافتتحها، وقتل الرجال، وهدم ~~البنيان؛ وانتقل في بسائطها من موضع إلى موضع يحطم الزروع، ويقطع الثمار. ~~وأخرج أردون بن إذفونش أخاه إلى مضيق الفج ليقطع بالمسلمين، ويتعرضهم فيه؛ ~~فتقدم عبد الملك؛ فقاتلهم على المضيق، حتى هزمهم وقتلهم وبددهم؛ ثم وافنهم ~~بقية العساكر، وأظلتهم الخيل من كل الجهات؛ فصبر أعداء الله صبرا عظيما؛ ثم ~~انهزموا. ومنح الله المسلمين أكتافهم؛ فقتلوا قتلا ذريعا؛ وقتل لهم تسعة ~~عشر قومسا من كبار قوادهم. # وفي سنة 250، كملت مقصورة المسجد الجامع بقرطبة؛ وبنى فيها الأمير محمد ~~بنيانا كثيرا في القصر الكبير والمنى الخارجة عنه. ولم تكن في هذه السنة ~~صائفة، استغنى بالغزوة المتقدمة، وأريح العسكر فيها. # وفي سنة 251، كانت غزوة ألبة والقلاع أيضا )هزيمة المركويز - أخزاه الله! ~~- ( خرج إلى هذه الغزاة عبد الرحمن بن محمد، وتقدم حتى حل على نهر دوبر. - ~~وتوالت عليه العساكر من كل ناحية، فرتبها. ثم تقدم؛ فاحتل بفج برذنش؛ وكانت ~~عليه أربعة حصون؛ فتغلب العسكر عليها، وغنم المسلمون جميع ما فيها وخربوها؛ ~~ثم انتقل من موضع إلى موضع، لا يمر بمسكن إلا خربه، ولا موضع إلا حرقه، حتى ~~اتصل ذلك في جميع بلادهم. ولم يبق لرذريق صاحب القلاع، ولا اردمير صاحب ~~توفة، ولا لعندشلب صاحب برجية، ولا لغومس صاحب مسانقة، حصن من حصونهم إلا ~~وعمه الخراب. ثم قصد الملاحة، وكانت من أجل أعمال رذريق؛ فحطم ما حواليها ~~وعفا آثارها. # ثم تقدم يوم ms336 الخروج على فج المركوبز؛ فصد العسكر عنه، وتقدم رذريق بحشوده ~~وعسكره؛ فحل على الخندق المجاور للمركوبز. وكان رذريق قد عانى توعيره ~~أعواما، وسخر فيه أهل مملكته، وقطعه من جانب الهضبة؛ فارتفع جرفه، وانقطع ~~مسلكه؛ فنزل عبد الرحمن ابن الأمير محمد على وادي إبره بالعسكر، وعبا ~~القائد عبد الملك للقتال؛ وعبا المشركون، وجعلوا الكمائن على ميمنة الدرب ~~وميسرته. وناهض المسلمون جموع المشركين بصدورهم؛ فوقع بينهم جلاد شديد. ~~وصدق المسلمون اللقاء؛ فانكشف الأعداء عن الخندق، وانحازوا إلى هضبة كانت ~~تليه. ثم نزل عبد الرحمن ابن الأمير محمد، ونصب فسطاطه، وأمر الناس بالنزول ~~وضرب أبنيتهم؛ فأقامت المحلة. ثم نهض المسلمون إليهم؛ فصدقوهم القتال، وضرب ~~الله في وجوه المشركين، ومنح المسلمين أكتافهم؛ فقتلوا أبرح قتل؛ وأسر منهم ~~جموع. واستمروا في الهزيمة إلى ناحية الأهزون، وافتحموا نهر إنره باضطرار ~~في غير مخاضه؛ فمات منهم خلق كثير غرقا. وكان القتل والأسر فيهم من ضحى يوم ~~الخميس لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب إلى وقت الظهر. وسلم الله المسلمين ~~ونصرهم على المشركين. وكان قد لجأ منهم إلى الوعر والغياض، عندما أخذتهم ~~السيوف، جموع؛ فتتبعوا وقتلوا؛ ثم هتك الخندق وسوى حتى سهل، وسلكه المسلمون ~~غير خائفين ولا مضغطين. وأعظم الله المنة للمسلمين بالصنع الجميل، والفتح ~~الجليل. والحمد لله رب العالمين. وكان مبلغ ما حيز من رؤوس الأعداء في تلك ~~الوقيعة عشرين ألف رأس وأربعمائة رأس واثنين وسبعين رأسا. # وفي سنة 252، خرج عبد الرحمن ابن الأمير محمد غازيا إلى ألبة والقلاع؛ ~~فحارب أهلها، وأفسد زروعها، وغادرها هشيما. وكان أهل هذا الجانب في ضعف ~~ووهن شديد ألجأهم إلى المنع من التجمع والاحتشاد، لما نالهم في العام ~~الفارط من النهب والقتل الذريع. # وفي سنة 253، خرج الحكم ابن الأمير محمد غازيا إلى جرنيق؛ فجال في أرض ~~الأعداء، وحل على حصن جرنيق، وحاصره حتى فتحه عنوة. # وفيها كانت بالأندلس مجاعة عظيمة متوالية PageV01P182 وفي سنة 254، خرج ~~الأمير محمد إلى ماردة، وأظهر أن استعداده لطليطلة. وكان بماردة قوم من ~~المنتزين. فلما فصل من قرطبة، وتقدم ms337 بالمحلات إلى طريق طليطلة، نكب إلى ~~ماردة؛ فاحتل بهم، وهم في أمن وعلى غفلة. فتحصنوا في المدينة أياما. ثم ~~ناهض القنطرة؛ فوقع القتال، واشتد الحرب حتى غلبوا عليها؛ فأمر الأمير ~~بتخريب رجل منها؛ فكان ذلك سببا إذعان أهل ماردة؛ فطاعوا على أن يخرج ~~فرسانهم، وهم يومئذ عبد الرحمن بن مروان، وابن شاكر، ومكحول، وغير هؤلاء؛ ~~وكانوا أهل بأس ونجدة وبسالة مشهورة. فخرج المذكورون ومن هو مثلهم إلى ~~قرطبة بعيالهم وذراريهم. وولى عليها سعيد ابن عباس القرشي، وأمر بهدم ~~سورها؛ ولم تبق إلا قصبتها لمن برد من العمال. # وفي سنة 255، خرج الحكم ابن الأمير محمد، وقصد مدينة سرية. وكان قد تغلب ~~بها سليمان بن عبدوس، وخالف فيها؛ فبادرته الصائفة، وحلت به العساكر، ~~وأحدقت بالمدينة، ورميت بالمجانيق، حتى هتكت أسوارها. فقام أهلها على ~~سليمان بن عبدوس؛ فطاع، ونزل؛ فقدم به قرطبة؛ فسكنها. # وفي سنة 256، غدر عمروس عامل وشقة وملكها، وظهرت عاديته في الثغر؛ فأخرج ~~الأمير إليه قطيعا من الحشم والعدة، وقصد بها لاردة ابن مجاهد المعروف ~~بالتدميري؛ فلزمها. وحشد عبد الوهاب بن مغيث الحشود، وقدم عليهم عبد الأعلى ~~العريف، وبعثه إلى وشقة. فلما بلغ عمروس خبره، خرج عن وشفة، وأسر بها لب بن ~~زكرياء بن عمروس؛ وكان أحد قتلة عامل السلطان بها موسى بن غلند؛ فقتل لب ~~وعلق من السور. # وفي سنة 257، خرج إلى الثغر عبد الغافر بن عبد العزيز؛ وكان بتطيلة. فقبض ~~على زكريا. بن عمروس وعلى أولاده وجماعة من أهل بيته، ونزل بهم على باب ~~مدينة سرقسطة، وقتلهم بها. وقفل إلى قرطبة بالرؤوس. # وفي سنة 258، كانت في الثغر ثورات وحركات، منها أن مطرفا وإسماعيل ابني ~~لب، ويونس بن زنباط غدروا بعبد الوهاب بن مغيث، عامل تطيلة، وابنه محمد ~~عامل سرقسطة. فتقبضوا عليهما، وملكوا في هذا العام الثغر. وكان توفي مطرف ~~في صفر، ودخل إسماعيل سرقسطة في ربيع الأول. # وفي سنة 259، خرج الأمير محمد بنفسه إلى الثغر، وحل في وجهته بطليطلة، ~~وأخذ رهائنهم، وعقد أمانهم، وقاطعهم على قطيع من العشور يودونه ms338 في كل عام، ~~وهو الأمان الثاني. واختلفت أهواؤهم في عمالهم؛ فطلب قوم منهم تولية مطرف ~~بن عبد الرحمن، وطلب آخرون تولية طربيشة؛ فولى كل واحد منهما جانبا، وتقسما ~~المدينة وأقاليمها على حدود مفهومة معلومة؛ ثم تنازعا، وأراد كل واحد منهما ~~الانفراد بملك طليطلة. ثم غلب الداعون إلى تقديم طربيشة ابن ماسوية، وتأخير ~~مطرف المذكور. وكان الأمير محمد تتلقاه في وجهته هذه، في الارتحال ~~والاحتلال، طلائع الظفر، وبوادر النجح والنصر. وتجول في الثغر محاصرا لبني ~~موسى، ومضيقا عليهم. ثم تقدم إلى بنبلونة؛ فوطئ أرضها، وأذل أهلها، وخربها؛ ~~قم قفل؛ فحل بقرطبة، ومعه جماعة من الثوار الناكثين المفسدين. فلما أخذ ~~راحته، أمر بقتل مطرف بن موسى وبنيه، وأمر بإطلاق كاتبهم، وكان لا ذنب له. ~~فلما أخرج مطرف وبنوه للقتل، وأخرج كاتبهم للإطلاق، وكان يعرف بالأصبحي، ~~قال: )لا خير في العيش بعد هؤلاء!( فقدم للقتل قبلهم، ورفعت رؤوسهم. # وفي سنة 260، خرج المنذر بن الأمير محمد إلى سرقسطة وبنبلونة؛ وكان ~~القائد هاشم بن عبد العزيز. فاحتل سرقسطة، وانتهب زروعها، وأذهب ثمارها ~~وأشجارها، ونقل أطعمتها إلى وشفة، وتقدم إلى بنبلونة؛ فجال في أرضها، وأتلف ~~معايش أهلها. # وفيها، كانت المجاعة التي عمت الأندلس؛ ومات فيها أكثر الخلق. # وفي سنة 261، هرب ابن مروان الجليقي من قرطبة مع رجال ماردة المنزلين ~~منها، واستقروا بقلعة الحنش. فغزاه الأمير محمد، وحاصره حصارا قطعه وضيق ~~عليه مدة من ثلاثة أشهر، ألجأه فيها إلى أكل الدواب؛ وقطع عنه الماء، ورماه ~~بالمجانيق، حتى أذعن، وطلب الأمان، وشكى ثقل الظهر وضيق الحال؛ فأباح له ~~الأمير محمد الرحيل إلى بطليوس والحلول بها؛ وهي يومئذ قرية؛ فخرج إليها، ~~وقفل عنه. PageV01P183 وفي سنة 262، خرج المنذر بن الأمير محمد إلى ابن ~~مروان؛ وكان القائد هاشم بن عبد العزيز؛ وهو الذي كان سبب هروب ابن مروان، ~~لأنه قال له من بين الوزراء: )الكلب خير منك!( وأمر يصفع قفاه، واستبلغ في ~~خزيه؛ فهرب مع أصحابه، وذلك في خبر طويل. وكان ابن مروان قد ابتنى بطليوس ~~حصنا، وجعله موطنا، وأدخل فيه ms339 أهل ماردة وغيرهم من أهل المكانفة له على ~~الشر. فلما انتهى إلى ابن مروان تحرك العسكر إليه، تنقل عن بطليوس، وحل ~~بحصن كركي؛ واجتمع أهل ماردة إليه فيه؛ فنزل العسكر بمقربة من الحصن. وكان ~~هاشم قد يعث إلى منت شلوط خيلا ورجلا لضبطه. وكان سعدون الرماري قد دخل إلى ~~بلاد الشرك مستمدا؛ فجاء بمدد من المشركين، وأظهر أنه في قلة؛ فكتب بذلك ~~عامل حصن منت شلوط إلى هاشم؛ فرأى هاشم أن ذلك فرصة في سعدون؛ فبادر ~~بالخروج من العسكر على غير تعبئة ولا أهبة، في خيل قليلة. وأفحص هاشم، ~~وجاوز الوعر، وأبعد عن العسكر؛ فأخذت المضايق عليه، وناشبوه القتال؛ فأخذته ~~جراح، وقتل من أصحابه جماعة؛ وأسر هاشم المذكور. ولما اتصل خبر هاشم ~~بالأمير محمد، وقع في جانبه، وقال: )هذا أمر جناه على نفسه بطيشه وعجلته!( ~~ثم رد ولده عوضا منه. وحصل هاشم أسيرا بيد ابن مروان الذي صنعه في أسره في ~~قرطبة؛ فبره ابن مروان، وأكرمه، وأحسن إليه، ولم يعاقبه بما فعل معه. # وفي سنة 263، خرج المنذر بن الأمير محمد، وجعل طريقه على ماردة فلما ~~انتهى ذلك إلى ابن مروان، زال عن بطليوس؛ واحتل بها قائد المنذر الوليد بن ~~غانم؛ فخرب ديارها. وتقدم ابن مروان إلى بلاد العدو. # وفي سنة 264، حارب المنذر سرقسطة، وأفسد ما ألقى من زروعها؛ ثم تقدم إلى ~~تطيلة والمواضع التي صار فيها بنو موسى؛ فانتسقها، وأجال العسكر عليها. # وفيها، دخل البراء بن مالك من باب فلنبرية إلى جليقية بحشود الغرب، وتردد ~~هنالك حتى أذهب نعيمهم. # وفيها، أطلق هاشم من الأسر. # وفي سنة 265، ظهرت الفتنة وظهر الشر في جانب كورة ربة والجزيرة وتاكرنا؛ ~~وظهر يحيى المعروف بالجزيري؛ فغزاه هاشم؛ فأذعن له، وقدم به إلى قرطبة. # وفي سنة 266، خرج عبد الله بن الأمير محمد إلى كورة ربة ونواحي الجزيرة، ~~وبنى حصونا في تلك النواحي؛ ثم قفل. # وفيها، أمر الأمير محمد بإنشاء المراكب بقرطبة ليتوجه بها إلى البحر ~~المحيط عبد الحميد الرعبطي المعروف بابن مغيث؛ وكان قد رفع إليه ms340 رافع أن ~~جليقية من ناحية البحر المحيط لا سور لها، وأن أهلها لا يمتنعون من جيش إن ~~غشيهم من تلك الناحية. فلما كملت المراكب بالإنشاء، قدم عبد الحميد بن مغيث ~~عليها. فلما دخل البحر، تقطعت المراكب كلها وتفرقت، ولم يجتمع بعضها إلى ~~بعض. ونجا ابن مغيث. # وفي سنة 267، التاثت الحصون المبتناة برية وتاكرنا وجهة الجزيرة. وفيها، ~~ابتدأ شر اللعين عمر بن حفصون، الذي أعبى الخلفاء أمره، وطالت في الدنيا ~~فتنته، وعظم شره؛ فقام في هذه السنة على الأمير محمد بناحية رية. فتقدم ~~إليه عامر بن عامر؛ فانهزم عامر وأسلم قبته؛ فأخذها ابن حفصون، وهو أول ~~رواق ضريه؛ فاستكن إليه أهل الشر. وعزل الأمير عامرا عن كورة رية، وولاها ~~عبد العزيز بن عباس؛ فهادنه ابن حفصون، وسكنت الحال بينهما. ثم عزل عبد ~~العزيز، وتحرك ابن حفصون، وعاد إلى ما كان عليه من الشر. وخرج هاشم بن عبد ~~العزيز إلى كورة رية يطلب كل من كشف وجهه في الفتنة وأظهر الخلاف، وأخذ ~~رهائن أهل تاكرنا على إعطاء الطاعة. # ومن العجائب في هذا العام، ما ذكره الرازي وغيره. قالا: زلزلت الأرض ~~بقرطبة زلزالا شديدا، وهاجت ريح عند صلاة المغرب؛ فأثارت سحابا فيه ظلمات ~~ورعد وبرق؛ فصعق ستة نفر، وانقلبوا على ظهورهم، مات اثنان؛ وخر جميع الناس ~~سجدا إلا الإمام، فإنه ثبت قائما؛ وكان الرجلان اللذان ماتا أقرب الناس إلى ~~الإمام؛ فاحترق شعر أحدهما واسود وجهه وشقه الأيسر؛ والآخر ظهر بشقه الأيمن ~~سواد؛ والأربعة الصرعى مكثوا حتى فرغ الإمام؛ فسئلوا عما أحسوا؛ فقالوا: ~~)أحسسنا نارا كأنها الموج الثقيل.( ووجد أهل المسجد رائحة النار، ولم يوجد ~~للصاعقة أثر في سقف ولا حائط. واهتزت لهذا الزلزال القصور والجبال، وهرب ~~الناس إلى الصحارى، ضارعين إلى الله تعالى. وعم هذا الزلزال من البحر ~~الشامي إلى آخر الجوف وإلى آخر أرض الشرك، لم يختلف في ذلك مختلف. ~~PageV01P184 وفي سنة 268، خرج المنذر ابن الأمير محمد، والقائد هاشم بن عبد ~~العزيز؛ فقصد الثغر الأقصى، وحطم سرقسطة، وافتح حصن روطة؛ ثم تقدم ms341 إلى ألبة ~~والقلاع، وافتتح حصونا كثيرة، وأخلى حصونا كثيرة، خوفا من مهرة العسكر، ~~وتوقعا من تغلبه. # وفيها، فسد ما بين المنذر وبين الوزير هاشم بن عبد العزيز. # وفي سنة 269، قال الرازي: وفي سنة 269، غزا محمد بن أمية بن شهيد إلى ~~كورة رية وكورة إلبيرة. وكانوا بحال توحش ونفار؛ فسكن أحوال أهلها، وهدن ~~الناس بها، ونظر في استنزال رجال بجبال رية وغيرها من بني رفاعة وغيرهم. # وفي سنة 270، استتم محمد بن أمية بن شهيد استنزال بني رفاعة. وأتاه في ~~هذه الغزاة كتاب الأمير محمد بتولية عبد العزيز بن العباس كورة إلبيرة؛ ~~فولاه، وقفل. # وفيها، غزا هاشم كورة رية، وإستنزل عمر بن حفصون من جبل بربشتر وقدم به ~~قرطبة؛ فأنزله الإمام، وأوسع له في الإكرام. # وفي سنة 271، هرب عمر بن حفصون من قرطبة، ولجأ إلى جبل بربشتر؛ فانتدب ~~الأمير محمد إلى حربه؛ وحوصر في السنة الآتية. # وفي سنة 272، خرج عبد الله ابن الأمير محمد، والقائد هاشم بن عبد العزيز. ~~وقصد الغرب إلى ابن مروان، وهو بجبل اشبرغزة؛ فنازله وحاربه. # قال حيان بن خلف في عمر بن حفصون: هو كبير الثوار بالأندلس ونسبه: عمر بن ~~حفص، المعروف بحفصون، بن عمر بن جعفر بن شتيم بن ذيبان ابن فرغلوش بن ~~إذفونش، من مسالمة الذمة، من كورة تاكرنا من عمل رندة. وكان الذي أسلم منهم ~~جعفر بن شتيم؛ ففشا نسله في الإسلام. وكان له من الولد الذكور عمر وعبد ~~الرحمن؛ فولد عمر بن جعفر حفصا. وولد حفصون هذا عمر هذا الثائر الملعون؛ ~~فعمر هذا هو الذي ثار على الأمير محمد أولا، ثم بلغ بعد ذلك في الشقاق ~~والفتن مبلغا لم يبلغه ثائر بالأندلس. واستوطن لأول نفاقه حصن بربشتر قاعدة ~~وحضرة، وهي أمنع قلاع الأندلس قاطبة، وذلك في هذه السنة، وهو تأريخ صعوده ~~الآخر إليها الذي توطد له ملكه فيه، وخالف على السلطان حتى رضى عنه ~~بالمناركة. واتصلت أيامه في ظهور وعزة حتى قدم فيها ثلاثة من خلفاء ~~المروانيين أئمة الجماعة بالأندلس - رحمهم الله! - أولهم هذا ms342 الأمير محمد؛ ~~وتخلف بعدهم إلى أن هلك على يد الرابع منهم، وهو عبد الرحمن الناصر، على ما ~~يأتي مفسرا. # وفي سنة 273، خرج المنذر بن الأمير محمد إلى كورة رية، والقائد محمد ابن ~~جهور. فقصد مدينة الحامة، وفيها حارث بن حمدون من بني رفاعة؛ وكان مظاهرا ~~لعمر بن حفصون، وكانا قد اجتمعا بالحامة. فنازلهم، وناهضهم، وأحدق بهم من ~~كل ناحية؛ وأقام محاصرا لهم شهرين. فلما وصل إليهم الضيق، برزوا إلى باب ~~المدينة خارجا، مستقبلين للحرب. وقام بها؛ فنالته جراح، وشلت يده؛ ثم انهزم ~~هو وأصحابه، وصاروا بين قتيل وفليل. ودخل باقيهم في الحامة. فبينا المنذر ~~في هذه الحال من السرور، إذ أتاه الخبر بموت أبيه الأمير محمد بن عبد ~~الرحمن، ليلة الخميس لليلة بقيت من شهر صفر من السنة؛ ودفن في القصر. ~~وأدركه المنذر قبل مواراته وصلى عليه. # بعض أخباره وسيره # كان الأمير محمد - رحمه الله! - فصيحا، بليغا، عظيم الأناة، متنزها عن ~~القبح، يؤثر الحق وأهله، لا يسمع من باغ، ولا يلتفت إلى قول زائغ. وكان ~~عاقلا، على أخلاق جميلة ومكارم حميدة، ذا بديهة وروية، يرى كل من باشره ~~وحدثه أن له الفضل المستبين في إدراكه، وفهمه، ودقة ذهنه، ولطيف فطنته، ~~وجزالة رأيه. وكان أعلم الناس بالحساب وطرق الخدمة. وكان متى أعضل منها شئ، ~~رجع إليه فيه؛ وإذا أخل أحد من خزانه وأهل خدمة الحساب بشيء من ذلك، لم يجز ~~عليه بأدنى لحظة أو نظرة. ولقد استدرك على بعض خزانه في صك يشتمل على مائة ~~ألف دينار خمس درهم؛ فرد الصك، وأمر بتصحيحه؛ فتجمع الخدمة والكتاب عليه؛ ~~فلم يقعوا على ذلك النقصان لدقته وخفائه؛ فرجعوا إليه معترفين بالتقصير، ~~وأعلموا الرسول؛ فرد الصك إليه وأعلمه باعترافهم؛ فعلم لهم على موضع ~~الخطاء؛ فإذا هو خمس درهم. # وقال هاشم بن عبد العزيز: كان الأمير محمد - رحمه الله! - أصح الناس ~~عقلا، وأحسنهم تمييزا، وأبصرهم بوجه الرأي. وكان يستشيرنا؛ فنجتهد ونقول ~~ونحصل؛ فإن أصبنا، أمضى ذلك؛ وإن كان في الرأي خلل، قام فيه بالحجة، وأبانه ~~بما ms343 تعجز الأوهام عنه تنقيحا وتهذيبا. PageV01P185 ومما يحفظ عنه أنه قال ~~لهاشم في شئ أنكره عليه من عدم التثبت: )يا هاشم! من آثر السرعة أمضت به ~~إلى الهفوة. ولو أنا أصغينا إلى محو زلاتك، وأصخنا إلى هفواتك، لكنا شركاءك ~~في الزلة، وقسماءك في العجلة! فمهلا عليك، ورويدا بك! فإنك إن يعجل يعجل ~~لك!( وكان، مع تشبثه وأناته، وافيا لمواليه في أنفسهم وأعقابهم، لا يكدح ~~عنده كادح في شئ عن أحدهم، فيسمعه أو يسمعه. # ولقد ولي الكناية عبد الملك بن عبد الله بن أمية اصطناعا له، وعائدة ~~عليه؛ فرد عليه يوما جوابا يقول فيه: )قد فهمنا عنك، ولم نأت ما أتيناه عن ~~جهل بك، لكن اصطناعا لك، وعائدة عليك. وقد أبحنا لك الاستعانة بأهل اليقظة ~~من الكتاب. فتخير منهم من تثق به وتعتمد عليه. ونحن نعينك على أمرك بتفقد ~~كتبك والإصلاح عليك، إلى أن تركب الطريقة وتبصر الخدمة إن شاء الله تعالى!( ~~فحسده على الخطة لشرفها من رأى نفسه أولى بها لاستكمال أدواتها؛ فطولب ~~عليها. وكان أشد الناس في ذلك هاشم بن عبد العزيز، يثير سقطانه، ويتتبع ~~هفواته، ويشنع عليه؛ والأمير محمد بفطنته يتغافل له. فلما طال عليه الصبر، ~~دعا هاشما، وقال له: )قد أكثر أهل خدمتنا وأكثرت في هذا الكاتب: تذكرون ~~جهله وفدامته، وقد ضممنا إليه من الكتاب من يستعين به، ويستظهر على خدمته ~~بمكانه؛ وإنما تقفو بخدمتنا، وننسلك بمراتبنا طريق من ابتدأها وأسسها ووضع ~~أهلها فيها. وإذا كنا لا نخلف آباءكم بكم، ولا نخلفكم بأبنائكم، فعند من ~~نصنع إحساننا ونرب أيادينا؟ أعند أبناء القرانين أو الجزارين أو أمثالهم من ~~الممتهنين(؟ وأنت كنت أحق بالحص على هذا، وتصويب الرأي فيه، لما ترجو من ~~مثله في أولادك وعقبك!( فرجع هاشم إلى الشكر له وتقبيل يده ورجله. # وكان - رحمه الله! - مأمولا محبوبا في جميع البلدان. وكان محمد بن أفلح ~~صاحب ناهرات لا يقدم ولا يؤخر في أموره ومعضلاته إلا عن رأيه وأمره؛ وكذلك ~~بنو مدرار بسجلماسة. وكان قرولش ملك إفرنجة يسترجح عقله؛ فيهاديه ms344 ويتحفه؛ ~~وهو )أعني قرولش( الذي عمل صورة عبسي من ثلاثمائة رطل من ذهب خالص، وصفها ~~بالياقوت والزبرجد، وجعل لها كرسيا من ذهب خالص مفصص بالياقوت والزبرجد ~~أيضا؛ فلما اكمل ذلك، سجد له وأسجد له جميع أهل إفرنجة في ذلك التاريخ؛ ثم ~~دفعه إلى صاحب كنيسة الذهب برومة. # وكان الأمير محمد - رحمه الله! - مهتبلا بأمور رعيته، مراقبا لمصالحها. ~~ووضع عن أهل قرطبة ضريبة الحشود والبعوث. وقال ابن حبان: كانت عدة الفرسان ~~المستنفرين لغزو الصائفة المجردة إلى جليقية في مدة الأمير محمد مع الولد ~~عبد الرحمن ابنه على هذه التسمية المفصلة: من ذلك كورة إلبيرة: ألفان ~~وتسعمائة؛ جيان: ألفان ومائتان؛ قبرة: ألف وثمانمائة؛ باغه: تسعمائة؛ ~~تاكرنا: مائتان وتسعة وتسعون؛ الجزيرة: مائتان وتسعون؛ إسنجة: ألف ومائتان؛ ~~قرمونة: مائة وخمسة وثمانون؛ شذونة: ستة آلاف وسبعمائة وتسعون؛ رية: ألفان ~~وستمائة؛ فحص البلوط: أربعمائة؛ مورور: ألف وأربعمائة؛ تدمير: مائة وستة ~~وخمسون؛ ربينة: مائة وستة؛ قلعة رباح وأوربط: ثلاثمائة وسبعة وثمانون. قال: ~~ونفر من أهل قرطبة لهذه الغزوة عدد لم يوقف على قدره. وكان هذا العدد الذي ~~غزا به بعد أن رفع الضريبة التي كانت على أهل قرطبة وأقاليمها وغيرها من ~~البلاد؛ وقطع عنهم الحشود التي كانوا يؤخذون بتجديدها في كل سنة للصوائف ~~الغازية لدار الحرب، وأسقطها منهم ووكلهم إلى اختيار أنفسهم في الطواعية ~~للجهاد من غير بعث. فحسن موقع ذلك منهم، وتضاعف حمدهم له وشكرهم واغتباطهم ~~بدولته. # وذكر جماعة من المؤرخين، عن بقى بن مخلد، أنه قال: ما كلمت أحدا من ملوك ~~الدنيا أكمل عقلا ولا أبلغ فضلا من الأمير محمد. دخلت عليه يوما في مجلس ~~خلافته؛ فافتتح الكلام بحمد الله والثناء عليه والصلاة على النبي صلى الله ~~عليه وسلم؛ ثم ذكر الخلفاء خليفة خليفة؛ فحلى كل واحد منهم بتحليته، ووصفه ~~بصفته، وذكر مآثره ومناقبه بأفصح لسان وأبلغ بيان، حتى انتهى إلى نفسه؛ ~~فسكت. PageV01P186 وفي صدر دولته سعى ببقى بن مخلد إلى الأمير محمد؛ وذلك ~~أنه لما قدم بقى بن مخلد من المشرق عن رحلته الطويلة ms345 بما جمع من العلوم ~~الواسعة والروايات العالية والاختلافات النقهية، أغاظ ذلك فقهاء قرطبة ~~أصحاب الرأي والتقليد، الزاهدين في الحديث، الفارين عن علوم التحقيق، ~~المقصرين عن التوسع في المعرفة؛ فحسدوه، ووضعوا فيه القول القبيح عند ~~الأمير، حتى ألزموه البدعة، وشنؤوه إلى العامة. وتخطى كثير منهم برميه إلى ~~الإلحاد والزندقة، وتشاهدوا عليه تغليظ الشهادة، داعين إلى سفك دمه؛ ~~وخاطبوا الأمير محمدا في شأنه، يعرفونه بأمره، ويكثرون عليه بكل ما يرجون ~~به الوصول إلى سفك دمه، ويسألونه تعجيل الحكم فيه. فاشتد خوف بقي بن مخلد ~~جدا، واستتر خوفا على دمه، وعمل على الفرار عن الأندلس إن أمكنه ذلك. ~~فأرشده الله إلى التعلق بحبل هاشم بن عبد العزيز، وسؤاله الأخذ بيده؛ وكتب ~~إلى الأمير محمد، ينشده الله في دمه، ويسأله التثبت في أمره، والجمع بينه ~~وبين خصومه، وسماع حجته، فيأتي في ذلك بما يوفقه الله له. فألقى الله في ~~نفس هاشم الإصغاء إلى شكواه، والاعتناء بأمره؛ فشمر له عن ساعده، وأوصل ~~كتابه إلى الأمير محمد يشرح حاله؛ فعطف عليه، وإنهم الساعين به إليه؛ فأمر ~~بتأمين بقي بن مخلد، وإحضاره مع الطالبين له؛ فتناظروا بين يديه؛ فأدلى بقي ~~بحجته، وظهر على خصومه؛ واستبان الأمير محمد حسدهم إياه لتقصيرهم عن مداه. ~~فدفعهم عنه، وتقدم إليه يطأطأه قدمه، ونشر علمه. وأمر بإيصاله إليه في زمرة ~~من الفقهاء، والرفع من منزلته؛ فاعتلى ذروة العلم، ولم يزل عظيم القدر عند ~~الناس وعند الأمير محمد إلى أن مات - رحمه الله! وفي صدر دولته، توفي عالم ~~الأندلس عبد الملك بن حبيب، وذلك في رمضان سنة 239. وهو عبد الملك بن ~~سليمان بن مروان بن جيهلة بن عباس ابن مرداس السلمي، يكنى أبا هارون؛ أوله ~~من كورة إلبيرة، ونقله الأمير محمد إلى قرطبة، بل نقله أبوه عبد الرحمن بن ~~الحكم. وكان محمد بن عمر بن لبابة يقول: عالم الأندلس عبد الملك بن حبيب، ~~وعاقلها يحيى بن يحيى، وفقيهها عيسى بن دينار. قال ابن وضاح وغيره: لم يقدم ~~الأندلس أحد أفقه من سحنون، إلا ms346 أنه قدم علينا من هو أطول لسانا منه، يعني ~~ابن حبيب. وكان ابن حبيب أديبا، نحويا، حافظا، شاعرا، متصرفا في فنون العلم ~~من الأخبار والأنساب والأشعار. وله مؤلفات حسان في الفقه والأدب والتواريخ ~~كثيرة. قال ابن العزبى: بضاعته في الحديث مزجاة. وكانت علته التي مات منها ~~الحصى. وتوفي وسنه أربع وستون سنة. وكتب إلى الأمير عبد الرحمن بن الحكم في ~~ليلة عاشوراء )بسيط(: # لا تنس، لا ينسك الرحمن، عاشورا ... وأذكره لا زلت في الأخبار مذكورا # من بات في ليل عاشوراء ذا سعة ... يسكن بعيشته في الحول محسورا # فأرغب، فديتك، فيما فيه رغبنا ... خير الورى كلهم حيا ومقبورا # وخرج الأمير محمد بن عبد الرحمن إلى الرصافة يوما متنزها، ومعه هاشم ابن ~~عبد العزيز؛ فكان بها صدر نهاره على لذته؛ فلما أمسى، واختلط الظلام انصرف ~~إلى القصر، وبه اختلاط. فأخبر من سمعه وهاشم يقول له : )يا ابن الخلائف! ما ~~أطيب الدنيا لولا الموت!( فقال له الأمير: )يا ابن اللخناء! لحنت في كلامك! ~~وهل ملكنا هذا الملك الذي نحن فيه إلا بالموت؟ فلولا الموت، ما ملكناه ~~أبدا!( وكان الأمير محمد - رحمه الله! - غزاه لأهل الشرك والاختلاف. وربما ~~أوغل في بلاد العدو الستة الأشهر والأكثر، بحرق وبنسف. وله وقعة وادي سليط، ~~وهي من أمهات الوقائع؛ ولم يعرف بالأندلس قبلها مثلها. وفيها يقول عباس بن ~~فرناس، وشعره يكفينا من صفتها؛ وهو )طويل(: # ومختلف الأصوات مؤتلف الزحف ... لهوم الفلا عبل القنابل ملتف # إذا أومضت فيه الصوارم خلتها ... بروقا تراءى في الجهام وتستخفي # كأن ذرى الأعلام في ميلانه ... قراقير في يم عجزن عن القذف # وإن طحنت أرحاؤها كان قطبها ... حجى ملك ندب شمائله عف # سمي ختام الأنبياء محمد ... إذا وصف الأملاك جل عن الوصف PageV01P187 فمن ~~أجله يوم الثلاثاء غدوة ... وقد نفض الإصباح حبل عرى السجف # بكى جبلا وادي سليط فأعولا ... على النفر العبدان والعصبة الغلف # دعاهم صريخ الحين فاجتمعوا له ... كما اجتمع الجعلان للبعر في وقف # فما كان إلا أن رماهم ببعضها ... فولوا على أعقاب مهزولة كشف ms347 # كان مساعير الموالي عليهم ... شواهين جادت للغرانيق بالنسف # بنفسي تنانين الوغى حين صممت ... إلى الجبل المسحون صفا على صف # يقول ابن بولبش لموسى وفدوني: ... أرى الموت قدامي وتحتي ومن خلفي # قتلنا لهم ألفا وألفا ومثلها ... وألفا وألفا بعد ألف إلى ألف # سوى من طواه النهر في مسلحبه ... فأغرق فيه أو تذأذأ من جرف # قال أبو عمر السالمي: كانت أول غزواته إلى بلد العدو، وقد حشد لها وجند، ~~وصوب كيف شاء وصعد، ألقى العدو وقد ضاق بخيله الفضاء الواسع، والمكان ~~الداني والشاسع، وهو متأهب للقائه! متوجه إلى تلقائه. فخامر الأمير محمدا ~~الجزع، وشابه الروع والفزع، وظن أن لا منجاة من الكفار، وأن المسلمين هناك ~~طعن الشفار؛ فرأى من الحزم الأوكد، والنظر الأحمد الأرشد، الرجوع عن تلك ~~الحركة، لقوله تعالى: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة؛ فقام رجل؛ فقال: ~~)أيها الأمير! قال الله تبارك وتعالى: الذين قال لهم الناس إن الناس قد ~~جمعوا لكم فاخشوهم الآية. فقال له الأمير محمد: )والله! ما جبنت نفسي، إلا ~~أنه لا زأى لمن لا يطاع، ولست أستطيع أن أجاهد وحدي!( فقال له العتبي: ~~)والله! ما أراه قذف بها على لسانه إلا ملك! فأستخر الله في ليلك هذا وفي ~~يومك!( فأراه الله في مقابلة العدو الرشاد، وألهمه التوفيق والسداد. فندب ~~الناس إلى لقاء أعداء الله ونصر دينه، وأن يكون كل على حسن ظنه من الظفر ~~ويقينه. فلما انعقدت راياتهم، وتأكدت على المقارعة نياتهم. قدم عليهم ~~الأمير محمد ابنه المنذر، إذ كان مشهورا بالبأس، محبوبا في الناس. فسار ~~المسلمون إلى أن التقى الجمعان، والتف الفريقان فأعقب الله لأوليائه ظفرا ~~ونصرا، وجعل بعد عسر يسرا. قال: ولم يؤذن مؤذن الظهر إلا ومن رؤوس الأعداء ~~جملة آلاف مقطوعة لأعداء الله؛ وذلك من فضل الله. وفي هذا الفتح يقول ~~العنبي، يمدح الأمير محمدا في قصيد طويل أذكر هنا بعضه، وهو )كامل(: # سايل عن الثغر الصوارم تصدق ... واستنطق السمر العوالي تنطق # تركت وقائع في الثغور وقد غدت ... مثلا بكل مغرب ومشرق # وأداخ أرض ms348 المشركين بوقعة ... تركتهم مثل الأشاء المحرق # جادت عليهم حربه بصواعق ... تركتهم مثل الرماد الأزرق # خلافة المنذر بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم كنيته: أبو الحكم. مولده: ~~سنة 229. أمه: تسمى أثل، ولدته لسبعة أشهر. وزراؤه: أحد عشر. كتابه: اثنان: ~~سعيد بن مبشر، وعبد الملك بن عبج الله بن أمية بن شهيد. حاجبه: عبد الرحمن ~~بن أمية بن شهيد. قواده: سبعة. قاضبه: أبو معاوية عامر بن معاوية اللخمي. ~~نقش خاتمه: المنذر بقضاء الله راض. صفته: أسمر، جعد الشعر، بوجهه أثر جدري، ~~يخضب بالحناء والكتم. أولاده الذكور: خمسة، والإناث: ثمان. بويع يوم الأحد ~~لثمان خلون من ربيع الأول سنة 273، وهو ابن أربع وأربعين سنة، وسبعة عشر ~~يوما؛ وتوفي في غزاة له على بربشتر يوم السبت للنصف من صفر سنة 275. عمره: ~~ستة وأربعون سنة. خلافته: سنتان إلا سبعة عشر يوما. ودفن بقصر قرطبة، وصلى ~~عليه أخوه عبد الله، جد الناصر. # واتصل به موت أبيه، وهو على حصن الحامة يقاتل المرتد اللعين عمر ابن ~~حفصون؛ فقفل إلى قرطبة. وتمت له البيعة في اليوم الثاني من وصوله؛ ففرق ~~العطاء في الجند، وتحبب إلى أهل قرطبة والرعايا بأن أسقط عنهم عشر العام ~~وما يلزمهم من جميع المغرم. # وكانت أكثر حصون رية قد حصلت في طوع ابن حفصون؛ فبعث إليها الإمام المنذر ~~الأجناد؛ فانصرفت إلى الطاعة. PageV01P188 ولما بلغ ابن حفصون موت الأمير ~~محمد، وانصرف عنه المنذر على ما تقدم، نهض من فوره؛ فراسل الحصون التي بينه ~~وبين الساحل كلها؛ فأجابته وطاعت له. ونهض إلى باغه وجبل شيبة؛ فأخذ من ~~الأموال ما لا يوصف، كل ذلك منه بلا قوة، ولا كثرة من مال، ولا عدد؛ ولكنه ~~كان عذابا من الله ونقمة انتقم بها من عبيده. وانفق له زمان هرج وقلوب ~~قاسية فاسدة ونفوس خبيثة، متطلعة إلى الشر، مشرئبة إلى الفتنة. فلما ثار، ~~وجد من الناس انقيادا وقبولا للمشاكلة والموافقة؛ فتألبت له الدنيا، ودخل ~~إلى الناس من جهة الألفة، وقال: )طال ما عنف عليكم السلطان، وانتزع ~~أموالكم، وأخرجكم من ms349 عبوديتكم!( فكان ابن حفصون لا يورد هذا على أحد إلا ~~أجابه وشكره. فكانت طاعة أهل الحصون بهذا الوجه. وكان أتباعه شطار الناس ~~وشرارهم. فكان يمنيهم بفتح البلاد، وغنائم الأموال. وكان مع ذلك متحببا ~~لأصحابه، متواضعا لألافه. وكان، مع شره وفسقه، شديد الغيرة، حافظا للحرمة؛ ~~فكان ذلك مما يميل النفوس إليه. ولقد كانت المرأة في أيامه تجئ بالمال ~~والمتاع من بلد إلى بلد منفردة، لا يعترضها أحد من خلق الله. وكانت عقوبته ~~السيف، يصدق المرأة والرجل والصبي أو من كان على من كان، لا يطلب على ذلك ~~شاهدا أكثر من الشكوى. وكان يأخذ الحق من ابنه، ويبر الرجال، ويكرم ~~الشجعان؛ وإذا قدر عليهم، عفا عنهم. وكان يسورهم بأسورة الذهب إذا اختصلوا. ~~فكانت هذه الأشياء كلها عونا له. وانتهى ابن حفصون بعاديته إلى قبرة وما ~~أمامها إلى قرية الجالية، وأغار على القبذيق من إلبيرة، وعلى أحواز جيان، ~~وأسر عبد الله ابن سماعة عامل باغه. # وكان اجتمع إلى حصن آشر من حوز رية وبمقربة من قبرة جمع الشر من أصحاب ~~ابن حفصون. فراع أهل قبرة أمرهم وهابوهم. واتصل بالأمير المنذر خبرهم؛ ~~فأرسل أصبغ بن فطيس في خيل كثيفة إلى حصن آشر؛ فحاصرهم حتى افتتحه، وقتل من ~~كان فيه. وأخرج الأمير المنذر عبد الله بن محمد بن مضر وأبدون الفتى بخيل ~~إلى ناحية لجانة من قبرة؛ وكان بها مسلحة لابن حفصون؛ فنازلوهم وقاتلوهم ~~حتى أفنوهم. # قال الرازي: وفي سنة ولاية الإمام المنذر، غزا محمد بن لب إلى ألبة ~~والقلاع ومعه جموع المسلمين؛ ففتح الله للمسلمين، وقتلوا المشركين قتلا ~~ذريعا. # وفي هذه السنة ، أعني سنة 273، في جمادى الأولى، أمر الأمير المنذر بسجن ~~هاشم بن عبد العزيز وزير أبيه وخاصته، وأمر بقتله في جمادى الأولى؛ وسبب ~~ذلك أن هاشما كان يجسد لمكانه من الأمير محمد وخاصته به؛ فكانوا يسعون به ~~عند المنذر، ويكررون ذلك عليه، حتى تنافرت النفوس. فلما مات الأمير محمد، ~~وولى المنذر، أراد أن يفي له ويتبع فيه فعل أبيه؛ فولاه الحجابة. ثم ~~تمالئوا ms350 عليه، وأمثروا، وحرفوا عليه الكلام، وتأولوا عليه أقبح التأويل، ~~حتى نفذ قضاء الله فيه. وكان مما تأولوا عليه أن هاشما أنشد عند مواراة ~~الأمير محمد - رحمه الله! - )وافر(: # أعزى يا محمد عنك نفسي ... أمين الله ذا المنن الجسام # فهلا مات قوم لم يموتوا ... ودوفع عنك لي كاس الحمام # فتأولوا أنه يريد بقوله )لم يموتوا( المنذر. وكتب هاشم من حبسه إلى ~~جاريته عاج )طويل(: # وإني عداني أن أزورك مطبق ... وباب منيع بالحديد مضبب # فإن تعجبي يا عاج مما أصابني ... ففي ريب هذا الدهر ما يتعجب # تركت رشاد الأمر إذ كنت قادرا ... عليه فلاقيت الذي كنت أرهب # وكم قائل قال: أنج ويحك سالما ... ففي الأرض عنهم مستراد ومذهب # فقلت له: إن الفرار مذلة ... ونفسي على الأسواء أحلى وأطيب # سأرضى بحكم الله فيما ينوبني ... وما من قضاء الله للمرء مهرب # فمن يك أمسى شامنا بي فإنه ... سينهل في كاسي وشيكا ويشرب # ثم بعث فيه الأمير ليلا؛ فقتله، وسجن أولاده وحاشيته، وانتهب ماله، وهدم ~~داره، وألقى أولاده في السجن، وألزمهم غرم مائتي ألف دينار؛ فلم يزالوا في ~~السجن والغرم إلى موت المنذر وولاية أخيه عبد الله؛ ثم أطلقهم عبد الله، ~~وصرف عليهم ضياعهم، وولى أحدهم الوزارة والقيادة. PageV01P189 وفيها، كانت ~~الوقعة على أهل طليطلة وكانوا قد جيشوا البربر المنفيين من ترجيله، فقتل ~~منهم ألوف. # وفي سنة 274، خرج الأمير المنذر بجيوشه إلى عمر بن حفصون؛ فافتتح حصونه ~~برية، والحصون التي بجهة قبرة؛ ثم توجه إلى حضرته بربشتر؛ فحاصره فيها، ~~وأفسد ما حواليه، وضيق عليه؛ ثم انتقل عنه إلى أرجذونة، وبها عيشون؛ فأقام ~~عليها محاصرا لها ومضيقا على أهلها، إلى أن نبذوا عيشونا وأهله، وأسلموه ~~بذنبه؛ فدخلها الأمير المنذر، وقبض على عيشون وأصحابه. وظفر أيضا ببني ~~مطروح، وهم: حرب، وعون، وطالوت، وافتتح حصونهم بجبل باغه، وأتى بهم إلى ~~الأمير أسارى؛ فبعث ببني مطروح إلى قرطبة، وأمر بقتلهم وصلبهم؛ وكانوا ~~اثنين وعشرين رجلا؛ فصلبوا بأجمعهم؛ وصلب مع عيشون في الخشبة خنزير وكلب. ~~وكان السبب في ذلك أن عيشونا ms351 كان يقول: )إذا ظفر بي، فليصلبني وليصلب عن ~~يميني خنزيرا وعن يساري كلبا!( وكان يثق بنفسه في القتال ثقة شديدة، ويأمن ~~من أن يؤخذ لشدته وشجاعته. فلما يئس الأمير منه، دس إلى بعض أهل أرجذونة ~~بأن يتحيل في أخذ عيشون؛ فأجابه، ووعده بأخذه. فلما كان في يعض الأيام، دخل ~~بيت أحدهم بغير سلاح، وقد استعد له بكبل؛ فأوثق به وبعث به إلى الأمير ~~المنذر. # شأن عمر بن حفصون في أيام المنذر - رحمه الله! ولما كان في العام الثاني ~~من ولايته وهي هذه السنة المؤرخة، خرج في عديده الأكثر، وقصد بربشير. فحل ~~عليها أحفل احتلال، وقاتل ابن حفصون بها أشد قتال؛ وانتشرت خيله في تلك ~~الأقطار، واستولت على السهول والأوعار. ثم عطف الأمير إلى مدينة أرجذونة ~~ليتبرها تتبيرا، ويولي أهلها يوما عبوسا قمطريرا، لدخولهم في طاعة ابن ~~حفصون، ونزوعهم إلى ما نزع إليه أهل تلك الحصون، فخرجت رسلهم إلى الأمير؛ ~~فتلقته بالسمع والطاعة، والدخول في جمهور الجماعة؛ فتقبل نزوعهم، وأنس ~~جميعهم. وتغلب على القصبة إثر ذلك؛ وأسر عامل ابن حفصون هنالك. واستمر ~~اللعين ابن حفصون على ضلالته وغيه، ولم يئن عنانا عن عاديته وبغيه. فخرج ~~إليه الأمير ثانية وحاصره حصارا، وقد عدم ابن حفصون أعوانا وأنصارا. فلما ~~رأى الأمير أخذ بمخنقه، وسد أفواه طرقه، أعمل سوانح الفكر، في الخديعة ~~والمكر، ليعتصم بذلك من تلك الجبال المنصوبة، والأشراك المعترضة المضروبة؛ ~~فأظهر الإنابة إلى الطاعة، وشهر النصيحة جهد الاستطاعة، على أن يكون عند ~~الأمير من خاصة جنده، ويسكن قرطبة بأهله وولده، وأن يلحق أبناءه في ~~الموالي، ويتابع الإحسان قبله ويوالي. فأجابه الأمير إلى مطلبه بأكبد ~~الأيمان؛ وكتب له بذلك مبادرا عقد أمان، وقطع لأولاده أرفع الثياب؛ وأوفرت ~~لهم الدواب، بالأموال والأسباب، إسباغا عليهم بالإفضال، وتوسيعا لهم في ~~الأماني والآمال. وسألا اللعين مائة بغل يحمل عليها جملة متاعه وعياله، ~~وجعل طلبها قوة لمكره واحتياله. فأمر الأمير بالبغال أن تحمل إليه، وتوضع ~~بين يديه؛ وقد جعل عليها عشرة من العرفاء بمائة وخمسين فارسا إتماما ~~للإكرام، ms352 وإنعاما على إنعام. فأرسل عمر بن حفصون جميعهم إلى بربشتر حيث ~~أهله وولده، وطريفة من المال ومتلده. وانحل العسكر عن الحصن إذ ذاك، وقفل ~~القاضي والفقهاء عن تمام الصلح من هناك، وظنهم قد غلب أن لا كذب ولا مين، ~~وأن قد نيل من الراحة من شغبه أملا وقرة عين. فلما انفض جمع ذلك العسكر، ~~وانتفض ذلك المعسكر، ودخل الليل، وامتد للفاتك الذبل، هرب عمر بن حفصون من ~~ذلك الحصن، وسار إلى بربشتر في ظل الأمن. فلقي العرفاء؛ فناصبهم القتال، ~~وأخذ تلك البغال، وعاد إلى سيرته الأولى، وقال لشيعته: [أنا ربكم الأعلى!] ~~فأقسم الأمير المنذر أن يقصده ويحل عليه، ولا يقبل منه أو يلقى بيده إليه؛ ~~فأعمل الغزو إلى بربشتر، وجمع لها الجمع الأكبر. فلما احتل عليها، أمر أن ~~يحدق بها، ويحاط بجوانبها، وأن يعتزم لقتالها اعتزاما، ويلتزم محاصرتها ~~التزاما. PageV01P190 فظهر من حزم الأمير المنذر وعزمه ما يئس معه ابن ~~حفصون، من البقاء في تلك الحصون. فبقى الأمير على حصن بربشتر، برومه روما، ~~مدة من ثلاثة وأربعين يوما. وكان قد أصابته علة أكرثت نفسه، وكدرت أنسه؛ ~~فبعث في أخيه عبد الله لينوب منابه، وينتدب في تلك الحال انتدابه. فلما وصل ~~إليه، وحصل في المظلة لديه، خرجت في الحين روحه، وبكاه من كان يغدوه ~~ويروحه. فوقع الخرم في العسكر إثر موته، وتفرق الناس عند فوته. ولم يقدر ~~أخوه عبد الله على ضبطهم، وعقد ما انحل من ربطهم. واستطال عمر بن حفصون في ~~المحلة، وانتهبها بالجملة. وحمل الأمير المنذر على جمل إلى قرطبة؛ فدفن مع ~~أجداده هنالك، وصار عند الناس أهون مفقود وأيسر هالك، إذ كان قد اضطرهم في ~~ذلك المقام، وندبهم إلى الثبات هنالك والمقام. # وفي هذه السنة، كان القحط الشديد بالأندلس؛ فاستسقى الناس. فنزل ثلج كثير ~~في أول يوم من ينير، ولم ينزل غيث. ثم استسقوا مرارا؛ فلم يمطروا؛ فخامر ~~الناس القنط. فلما دخل من فبرير بعض أيام، سقى الناس، وارتفع الناس؛ ~~فاستبشروا بفضل الله، وأعلنوا بشكره. فقال العكي في ذلك، ms353 يمدح الأمير ~~المنذر )كامل(: # نزل الحيا المحيي وطابت أنفس ... إذ كان سوء الظن فيها يهجس # أحيى الإله عباده من بعد ما ... كانت من القنط النفوس توسوس # متلافيا فيه بعائد رحمة ... لولا عوائدها طوتنا الأبؤس # ملك الملوك تقدست أسماؤه ال ... حسنى وعز جلاله المتقدس # ومنها: # بالمنذر الميمون طلب زماننا ... ويطيب دولته تطيب الأنفس # إلى قوله: # خذها أمين الله وابن أمينه ... من شاكر في الشكر ليس يدلس # وفي سنة 275، توفي الأمير المنذر - رحمه الله! - وقد ذكر موته على حصن ~~بربشتر محاصرا للخبيث ابن حفصون. وكانت وفاته منتصف شهر صفر من السنة ~~المذكورة، وهو ابن ست وأربعون سنة. وملك سنتين إلا أياما. # بعض سيره وأخباره # كان الأمير المنذر - رحمه الله! - يحب إخوته، ويكرمهم، ويدنى مجالسهم، ~~ويصلهم، ويحضرهم مجالس أنسه. وكان يجزل العطاء للشعراء؛ فينشدونه غازيا ~~وراجعا. وكان من شعرائه أحمد بن عبد ربه، والعكي، وغيرهما. ولم يكن أحد من ~~الخلفاء قبله مثله شجاعة وصرامة وعزما وحزما. ولقد بلغ في سنة بذلك ما لم ~~يبلغه غيره في الدهر. ولقد كان أبطال الرجال وأنجادهم من أهل الفتنة يذعنون ~~إليه دون محنة، ويرسلون إليه بالطاعة قبل أن يطلبها. وإن الخبر المستفيض عن ~~الشيوخ أنه، لو عاش المنذر عاما واحدا زائدا، لم يبق برية منافق؛ وأخباره ~~تدل على ذلك. وأول أخباره الدالة على ذلك أنه، لما أتاه موت أبيه، لم يمنعه ~~ذلك من التعريج عن القصد واختصار الطريق، ولا شغله أمر مهم ولا أمر جليل عن ~~آخر؛ فجعل طريقه على رية؛ فهذب أمورها، وولى عليها سليمان بن عبد الملك بن ~~أخطل، وعبد الرحمن بن حريش، وأدخل معهما أهل المعاقل من العرب والحشم. ثم ~~جمع في يوم ولحد مبايعته، وإعطاء الجند، والنظر فيما أسقط من الأزمة عن ~~الرعية، وما فعله من الاستحماد إلى أهل قرطبة بإسقاط العشور عنهم، والنظر ~~في الندب وإخراج القائد. وهكذا كان فعله في جميع أسبابه؛ ويحسب ذلك كان ~~انقياد الأشياء له. # خلافة عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم # كنيته: أبو محمد. ms354 مولده: في النصف من ربيع الآخر سنة 229. أمه: تسمى بهار ~~وقيل: عشار. حجابه: اثنان: عبد الرحمن بن شهيد وابن السليم. وزراؤه: ستة ~~وعشرون. كتابه: ثلاثة: عبد الله بن محمد الزجالي، وعبد الله بن محمد بن أبي ~~عبدة، موسى بن زياد. صفته: أبيض، مشرب بحمرة، أصهب، أزرق، أقنى الأنف، ~~ربعة، يخضب بالسواد. بنوه: أحد عشر، أحدهم محمد المفتول، والد عبد الرحمن ~~الناصر. بناته: ثلاث عشرة. بويع في اليوم الذي مات فيه أخوه المنذر في ~~المحلة على بربشتر، وذلك يوم السبت في النصف من شهر صفر سنة 275. ثم قفل ~~إلى قرطبة بأخيه المنذر ميتا؛ فاستتم البيعة بقرطبة، ودفن أخاه بعدها. ~~وتوفي عبد الله سنة 300، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة؛ فكانت خلافته خمسا ~~وعشرين سنة، وخمسة عشر يوما. ومن قول ابن عبد ربه فيه )طويل(: PageV01P191 ~~خلافة عبد الله حج على الورى ... فلا رفث في عصره وفسوق # تجلت دياجي الحيف عن نور عدله ... كما ذر في جنح الظلام شروق # ونثقف شهم الدين بالعدل والتقى ... فهذا له نصل وذلك فوق # وأعلن أسباب الهدى بضميره ... فلبس له إلا بهن علوق # وما عاقه عنها عوائق ملكه ... وأمثالها عن مثلهن تعوق # وأفضت الخلافة إليه، وقد تحيفها النكث، ومزقها الشقاق، وحل عراها النفاق؛ ~~والفتنة مستولية، والدجنة متكاثفة، والقلوب مختلفة، وعصى الجماعة متصدعة، ~~والباطل قد أعلن، والشر قد اشتهر؛ وقد تمالا على أهل الإيمان حزب الشيطان؛ ~~وصار الناس من ذلك في ظلماء ليل داج، لا إشراق لصباحه، ولا أقول لنجومه. ~~وتألب على أهل الإسلام أهل الشرك ومن ضاهاهم من أهل الفتنة، الذين جردوا ~~سيوفهم على أهل الإسلام؛ فصار أهل الإسلام بين قتيل ومحروب ومحصور، يعيش ~~مجهودا، ويموت هزلا؛ قد انقطع الحرث، وكاد ينقطع النسل. فناضل الأمير ~~بجهده، وحمى بجده، وجاهد عدو اله وعدوه. وانقطع الجهاد إلى دار الحرب، ~~وصارت بلاد الإسلام بالأندلس هي الثغر المخوف؛ فكان قتال المنافقين ~~وأشباههم أوكد بالسنة، وألزم بالضرورة. # فأول ما تناوله، ونظر فيه، أن وجه إبراهيم بن خمير لأخذ بيعة ابن حفصون ~~وبيعة من قبله. ms355 فقصد إبراهيم إليه، وطلب طاعته؛ فظهر منه حسن مذهب؛ فأخذ ~~بيعته، وصدر عنه؛ وقدم معه حفص ابنه وجماعة من أصحابه؛ فأخذت عليهم البيعة، ~~وردهم الأمير محبوين بالكرامة والرعاية. فبقى ابن حفصون سامعا مطيعا منتهيا ~~عما نهى عنه، واقفا عندما أمر به. ثم تعدى بعد ذلك حده، ومد يده إلى ما نهى ~~عنه؛ فلم يدع مالا عند من أمكنه، واستحوذ على أهل الكور في أموالهم، وأمضى ~~نفسه على عادته الذميمة من الفساد وقطع السبل، وذلك في سنة ولاية الأمير ~~عبد الله. # وفي سنة 276، خرج الأمير عبد الله بنفسه إلى بربشتر وحصون رية؛ فانتسف ~~معايشها، وقفل عنها، وقد شد تلك الناحية؛ وأبقى بحاضرة رية محمد بن ذنين من ~~أهل قرطبة؛ فخرج ابن حفصون في إثره، وتألف إليه المفسدون؛ فأتوا إلى إسنجة، ~~فاحتلوها، ثم إلى حصن إستبة، فأخذوه؛ فأخرج إليهم الأمير جيشا؛ فنزل ابن ~~حفصون، واعترف بذنبه؛ فعقد له الأمير أمانا. # وفي هذه السنة، ولي محمد ابن الأمير عبد الله كورة إشبيلية؛ فخرج في ~~أيامه بعض عرب إشبيلية إلى قرمونة؛ فضبطوها. # وفيها، ثار أبو يحيى محمد بن عبد الرحمن بن عبد العزيز النجيبي المعروف ~~بالأنقر. # وفيها، نقض ابن حفصون وقصد بيانة؛ فحارب أهلها، ثم أعطاهم العهد؛ فلما ~~نزلوا إليه، غدرهم، وقتلهم، وأخذ أموالهم، وسبى ذراريهم. # وفيها، انتفض أهل جيان، وأخرجوا عاملها عباس بن لقيط، وملكها ابن شاكر. # وفي سنة 277، ولد عبد الرحمن الناصر. # وفيها، غزا القائد ابن أبي عبدة إلى جيان، وفيها ابن شاكر مخالفا؛ ~~فحاربه، وحاصره، وقتل جماعة من أصحابه، وأحرق كثيرا من دور جيان. # وفيها، خرج حفص بن المرة إلى سوار، وكمن له الكمائن، وأغار عليه؛ فلما ~~خرج سوار في طلبه، خرجت عليه الكمائن؛ فقتل: وفيها، قتل ابن شاكر الثائر ~~بجيان. وسبب قتله أن ابن حفصون أزاد أن يراجع طاعة الأمير، وأن يتقرب إليه ~~بقتل ابن شاكر؛ فبعث إليه خيلا يريه أن يمده على عدوه؛ فأقبل المدد إليه؛ ~~فلما خرج إليهم، فتكوا به وقتلوه، وبعثوا برأسه إلى ابن حفصون؛ فبعث به ms356 إلى ~~الأمير عبد الله. وعند ذلك توجه ابن حفصون إلى جيان؛ فأغرم أهلها الأموال ~~الجسيمة. وأقامت جيان وإلبيرة مدة دون عامل من الأمير. PageV01P192 وفي سنة ~~278، خرج الأمير عبد الله إلى بلاي من عمل قبرة، وبها عدو الله ابن حفصون ~~مع جماعة كبيرة من أصحابه أهل الفساد والارتداد. وكانوا قد أضروا بأقاليم ~~قرطبة، وضيقوا عليهم حتى أغاروا على أغنام قرطبة. فخرج إليهم الأمير مستهل ~~صفر، واحتل به؛ فناهضه وصادقه القتال؛ فانهزم هو ومن معه، ولجأ إلى حصنه مع ~~ملأ من أصحابه، وعوجل عشيره عن الدخول معه، واتبعوا؛ فلم يخلص منهم أحد. ~~فبات الأمير قرير عين، والمسلمون كذلك، وقد أخذوا عليه تلك الليلة الباب ~~رجاء أن يأتي الصباح، فيؤخذ داخل الحصن. ثم خرج منه مع بعض أصحابه، ونجا ~~ونجوا. ولما أصبح، أعلم السلطان بخبره؛ فأرسل الخيل في أثره؛ فلم يعلم له ~~خبر. ودخل الأمير الحصن يوما آخر؛ فوجده مترعا بالذخر، ملآن من العدد؛ وكان ~~عدد عسكر الأمير ثمانية عشر ألف فاري. وقيل إن ابن حفصون ألب أهل حصون ~~الأندلس كلها، وأقبل إليه في ثلاثين ألفا. ووقعت الحرب بينهم؛ فانهزم عدو ~~الله، وقتل أكثر من كان معه. ودخلت جملة منهم في محلة الأمير؛ فأمر ~~بالتقاطهم؛ فأتى بألف رجل منهم؛ فقتلوا صبرا بين يديه. هكذا ذكر في )بهجة ~~النفس(. # ثم قصد الأمير إستجة؛ فنازلهم؛ وحاربهم، وقتل لهم عددا كثيرا. فلما أخذهم ~~الجهد، رفعوا الأطفال على الأيدي في الأسوار، مستصرخين، ضارعين، راغبين في ~~العفو؛ فعفا عنهم. # وفي سنة 279، غدر أهل ارجذونة بأحمد بن هاشم. ونقض ابن حفصون ما كان ~~انعقد من السلم والطوع. # وفي سنة 280، توجه المطرف بن الأمير عبد الله بالجيش إلى ابن حفصون ~~ببرنشتر؛ فحاصرها، وهتك جميع ما حواليها. # وفيها، أمر الأمير عبد الله ببنيان حصن لوشة، وأبقى عليه إدريس بن عبيد ~~الله. # وفيها، دخل إذفونش بن أردون مدينة سمورة وبناها؛ وكانت من بنيان عجم ~~طليطلة. # وفي سنة 281، أغزى الأمير عبد الله عبد الملك بن أمية؛ فتقدم إلى حصون ~~ابن مستنة، ونازل حصن ms357 آشر، وحاربه، وقتل من أهله عددا كثيرا، وهدم حصن ~~السهلة. ثم قفل إلى قرطبة. # وفي سنة 282، غزا بالصائفة المطرف ابن الأمير عبد الله. وقاد الصائفة عبد ~~الملك بن أمية. فلما كان بمقربة من إشبيلية، قبض على القائد عبد الملك، ~~وقتله، وقدم على قيادة العسكر أحمد بن هاشم. وأقام العسكر في الموضع أربعة ~~أيام، وكتب أمانا لأهل إشبيلية، وأمانا لأهل شذونة؛ فدانت له، وقبض ~~جبايتها، ودوخ تلك البلاد. ثم رحل إلى إشبيلية؛ فناشبهم الحرب؛ فانهزم أهل ~~إشبيلية، ووقع فيهم القتل إلى سور المدينة. ثم أجاز الوادي؛ فتتبع القرى ~~بالنسف والتغيير. # وفي هذه السنة، ضم المطرف ابن الأمير عبد الله إبراهيم بن حجاج وابن ~~خلدون وابن عبد الملك الشذوني إلى السجن، وأوثقهم في الحديد. وقطع لسان ~~سحنون الكاتب، وضرب ظهره. # وفيها، أتت جباية إشبيلية. وعندما أتت، أطلق ابن حجاج وابن خلدون ~~والشذوني من سجن قرطبة. # ذكر ثورة بني حجاج بإشبيلية PageV01P193 وذلك أن إبراهيم بن حجاج ترك ~~ولده رهينة بقرطبة، ورجع إلى بلده إشبيلية؛ فتوزع كورتها على نصفين: خرج ~~إبراهيم بالنصف، وابن خلدون بالنصف. وبقيا كذلك أعواما. وكان الأمير عبد ~~الله قد أخذ في الضرب بينهما، وبكاتب كل واحد منهما بما يراه من صاحبه. ~~فلما كان في بعض الأيام، كتب إبراهيم بن حجاج وكريب بن خلدون إلى الأمير ~~عبد الله في مصالحهما؛ وكتب معهما خالد بن خلدون أخو كريب كتابا يغري فيه ~~إبراهيم بن حجاج عند الأمير، ويقول إنه في قبضتهم. فكتب له جوابه على نص ~~كتابه. وخرج الحامل بالكتب إليهم؛ فسقط له كتاب خالد الذي كان بعث للأمير؛ ~~فأخذه بعض فتيان القصر؛ فقرأه وعلم ما فيه؛ فدفعه لرسول إبراهيم بن حجاج، ~~وقال له: )اسبق به مولاك!( فلما وصل الرسول والكتاب إلى إبراهيم، علم حقيقة ~~ما يحتوي عليه ابنا خلدون من سوء الباطن. وكان هذا في سنة 286. فعند ذلك، ~~تلطف إبراهيم في طعام، ودعا ابني خلدون؛ فوصلا إليه. فلما استقر المجلس ~~بهم، أخذ إبراهيم في عتاب كريب وأخيه خالد، وأخرج الكتاب الذي بعث ms358 به ~~الأمير إليهما، وأوقفهما عليه، وأبلغ في عتابهما، وأكثر في ذلك عليهما. ~~فأخرج خالد سكينا كانت في كمه؛ فضرب بها رأس إبراهيم بن حجاج؛ فمزق ~~قلنسوته، وضربه في وجهه. فلما صدر منه ذلك، نهض إبراهيم، ودعا من حضر من ~~رجاله؛ فعلوهما بالسيوف، حتى قتلوهما. وألقى رأسيهما إلى أصحابهما ~~ورجالهما؛ فتفرقوا. وتتبعهم إبراهيم بالقتل والنهب، ودفن جسدي ابني خلدون؛ ~~وانقاد له جميع أهل الكور الملاصقة لإشبيلية. وخاطب عند ذلك الأمير عبد ~~الله، يتبرأ له من دمهما، ويقول إنهما كانا يحملانه على النكث، وإنه الآن ~~على الطاعة؛ وطلب منه ولاية إشبيلية. فأجابه الأمير إلى ذلك. وانفرد ~~إبراهيم بولاية إشبيلية؛ فاجتبى الأموال، واصطنع الرجال، وارتقى في ~~الأحوال، وامتدت لفضائله الآمال. وكان له حميد آثار، وجميل أخبار، فاق بها ~~أهل عصره، وحسن في الآفاق طيب ذكره. # ولم يزل بعد ذلك إبراهيم بن حجاج يشتط على الأمير عبد الله، إلى أن سأله ~~إطلاق ولده عبد الرحمن الرهين عنده. فلم يسعفه الأمير عبد الله في ذلك. ~~فنبذ إبراهيم الطاعة عند ذلك، وظاهر ابن حفصون، وأمده بالمال والرجال، ~~نكاية للأمير عبد الله. فقويت شوكة ابن حفصون، وازداد به طماعية؛ وفي خلال ~~ذلك، لم يزل إبراهيم يدسس ويرسل من يشير على الأمير بإطلاق ولده، ويتضمن له ~~عوده إلى الطاعة، حتى وافق السلطان على ذلك؛ فأطلق عبد الرحمن ابن إبراهيم، ~~وأعظم الإحسان إليه، وجدد له التسجيل على بلده إشبيلية. فعاد إبراهيم إلى ~~ما كان أولا عليه من الطاعة، واستقامت أحوال تلك النواحي على يديه. # قال حيان بن خلف: لما ملك إبراهيم بن حجاج إشبيلية وقرمونة وما والاهما، ~~ارتفع ذكره، وبعد صيته، واتخذ لنفسه جندا، ورتب لهم الأرزاق كنعل السلطان؛ ~~فكمل في مصافه خمسمائة فارس. وكان لإبراهيم بن حجاج في بساط السلطان بقرطبة ~~قوم يقفون في حقه، ويعلمونه بما عند السلطان من حاله، وينصحونه في أمره. ~~فعند ذلك، أقلع عما كان عليه من موافقة ابن حفصون، واعترف بحق أمير ~~الجماعة؛ فعامله الأمير بما شهر له من الفضل. وكانت منزلته عنده ms359 أعلى ~~منزلة، إلى أن توفي - رحمه الله! وذكر حيان أيضا قال: كان لإبراهيم بن حجاج ~~في بلده إشبيلية قاض يقوم بالحكم، وصاحب مدينة يقيم الحدود، جرى في ذلك كله ~~مجرى السلطان في حضرته. قال: وكان فظا على أهل الريب، قامعا لأهل الشر؛ ~~وكان منجعا على البر والبحر، مقصودا بالغرائب والطرف. وكانت له بإشبيلية ~~طرز يطرز فيها على اسمه كفعل السلطان إذ ذاك؛ وكانت قرمونة تحت مملكه؛ وهو ~~الذي حصنها وحسن بنيان سورها؛ وفيها كان مربط خيله المتخذة لركوبه؛ وبينها ~~وبين إشبيلية كان ترداده سائر أوقاته. وكان جوادا، ممدحا، يرتاح للثناء، ~~ويعطي الشعراء، ويضاهي في فعله كبار الأمراء، ويتفقد أهل البيوتات والشرف ~~بالعطاء. وكان أهل قرطبة متعرضين لسيبه، فيكرمهم ويصلهم. وقد انتجعه شاعرهم ~~الأكبر أبو عمر أحمد بن عبد ربه من بين جميع ثوار ذلك الوقت بالأندلس؛ فعرف ~~قدره، وأفضل عليه. # ومن قوله فيه، يصف تنقله من إشبيلية إلى قرمونة )طويل(: # ألا أن إبراهيم لجة ساحل ... من الجود أرست فوق لجة ساحل PageV01P194 ~~فإشبيلة الزضهراء تزهى بمجده ... وقرمونة الغراء ذات الفضائل # إذا ما تجلت تلك من نور وجهه ... غدت هذه للناس في زي عاطل # وإن حل هذي فهو يوحس هذه ... فنهدي برسل نحوه ورسائل # وهي طويلة. ومن قوله أيضا من قصيد طويل )وافر(: # كتاب السوق يطويه الفؤاد ... ومن قبض الدثموع له مداد # تخط يد البكاء به سطورا ... على كبدي ويمليها السهاد # وكيف وبي فؤاد مستطير ... لمن لا يستطير له فؤاد # أمن يمن يكون الجود خلوا ... وإبراهيم حاتمها الجواد # زيارته لمن يأتيه حج ... ومدحته رباط أو جهاد # وما لي في التخلف عنه عذر ... ولي في الأرض راحلة وزاد # ولأحمد بن عبد ربه في إبراهيم بن حجاج أشعار كثيرة، ولغيره من الشعراء. ~~وذكر ابن أبي الفياض أن محمد بن يحيى القلقاط الشاعر القرطبي قصد الأمير ~~إبراهيم بن حجاج بمدحه بقصيدة نونية، أولها )خفيف(: # أزفت رحلتي فاهمت جفونا # ثم أخذ في هجاء عشيرته أهل قرطبة،وكبرائها، وعظماء دولتها؛ فأفحش عليهم. ~~فلما أنشد القصيدة إبراهيم بن حجاج، ms360 زها به، وحرمه وأساء ذكره؛ فانصرف ~~خائبا من نواله، جانيا ثمره فعاله ومقاله. فلما وصل قرطبة، أخذ يهجو ~~إبراهيم بن حجاج بقصيدة أولها )كامل(: # لا تنكري للبين طول بكاءي # فلما بلغت إبراهيم، أغضبته؛ فأوصى من قال له عنه يمينا مغلظة: )إنه إن ~~عاد لما وقع فيه، لآمرن بأخذ رأسه بقرطبة على فراشه!( فارتاع القلقاط ~~المذكور لذلك، وكف. فكان هذا الفعل لإبراهيم في حق أهل قرطبة أجل مكرمة، ~~وعد في جملة فضائله. ولأجل هذا ساقه القاضي ابن أبي الفياض - رحمه الله! - ~~وقد قصده العذري من الحجاز؛ فراعى حقه، وأكرم مثواه، وأناله جزيل خيره. ~~ورفع الناس ذكره. # وقد ذكر أبو عامر السالمي في كتابه المسمى ب )درر القلائد وغرر الفوائد( ~~أن الأمير الرئيس الهمام الجواد الحسيب أبا إسحاق إبراهيم بن حجاج سمع ~~بجارية بغدادية اسمها قمر؛ فوجه بأموال عظيمة إلى المشرق في ابتياع هذه ~~الجارية، إلى أن استقرت بدار مملكته إشبيلية؛ وكانت كالبدر المنير، ذات ~~بيان وفصاحة ومعرفة بالألحان والغناء؛ فوجدها قمرا عند اسمها؛ وكان لها شعر ~~يستحلى ويستحسن. فمن قولها ترد على من عاذلها )بسيط(: # قالوا أتت قمر في زي أطمار ... من بعدما هتكت قلبا بأشفار # تمسي على وحل تغدو على سبل ... تشق أمصار أرض بعد أمصار # لا حرة هي من أحرار موضعها ... ولا لها غير ترسيل وأشعار # لو يعقلون لما عابوا غريبتهم ... لله من أمة تزري بأحرار # ما لابن آدم فخر غير همته ... بعد الديانة والإخلاص للباري # دعني من الجهل لا أرضى بصاحبه ... لا يخلص الجهل من سب ومن عار # لو لم تكن جنة إلا لجاهلة ... رضيت من حكم رب الناس بالنار # ولم تزل مدة إبراهيم تتمشى على أحسن حال وأجزله، وأهذب زي وأكمله، تقضت ~~زينا لعصره، وفخرا له بها على أهل مصره، لم يلحقه في ذلك أحد في وقته، ولا ~~قدر على نيل مرتبته، إلى أن وافته منيته فجأة، وذلك عام 288. وولى أبنه عبد ~~الرحمن بن إبراهيم بن حجاج بعد أبيه، وطالت مدته ثلاث عشرة سنة، وتوفي سنة ~~301. وكان ms361 أخوه محمد بن إبراهيم بن حجاج - رحمه الله - صاحب قرمونة في حياة ~~أبيه وبعد موته إلى أن مات أخوه، ولم يستقر بإشبيلية، ولا حكمها. وقيل إنه ~~دس على أخيه عبد الرحمن جارية سمته؛ فمات من ذلك. PageV01P195 قال ابن أبي ~~الفياض: كان محمد بن إبراهيم بن حجاج صاحب قرمونة بعد موت أبيه؛ وكانت له ~~بها دولة حسنة وأيام صالحة، شهر في الفضل ذكره، وانبسط على ألسنة الناس ~~شكره، قصد من الأقطار، ومدح يجيد الأشعار؛ فأنال القاصدين، ومنح المادحين. ~~ولما توفي أبوه، ولي إشبيلية أخوه عبد الرحمن، إذ كان كبيره. وكان محمد ~~يزيد على عبد الرحمن بأشياء من المحامد، خص بها في وقته فحمد، وظهر أثر ~~الإمارة في فعاله فشكر وحسد. وكانت دولته بقرمونة أضخم من دولة أخيه ~~بإشبيلية وأطول، وذلك أربع عشرة سنة بعد موت أبيه. وتوفي عام 302. # قال الرازي: افتتح الناصر لدين الله إشبيلية سنة 301. وكان سبب ذلك موت ~~عبد الرحمن بن إبراهيم بن حجاج المنقزي فيها بعد والده، واجتماع أهلها من ~~بعده على تقديم أحمد بن مسلمة، ودفعهم لأخي عبد الرحمن محمد بن إبراهيم ~~صاحب قرمونة، ومخالفة محمد ومن معه بقرمونة، ولياذه بسلطان الجماعة. فبعث ~~الناصر عسكرا إلى إشبيلية؛ فجرت بينهم حروب عظيمة. ثم بعث الأمير عبد ~~الرحمن الناصر إلى محمد بن إبراهيم بن حجاج، وأمره بالتضيق على أهل ~~إشبيلية، وعقد له على ذلك، وأشرك معه فيه قاسم بن الوليد صاحب شرطته في ذلك ~~الوقت؛ وكان بينه وبين محمد صداقة. فخرجا معا من قرطبة إلى قرمونة، ومنها ~~دنوا إلى إشبيلية. فتردد محمد وقاسم بالجموع على إشبيلية، وملكا أقاليم ~~الشرف، وأقاليم طالقة، وإقليم البر وغيرها، وأخذا بمخنق ابن مسلمة صاحب ~~إشبيلية؛ فاستجاش ابن مسلمة برأس النفاق اللعين ابن حفصون؛ فأتاه بنفسه، ~~وخرج معه من مدينة إشبيلية، وجاز النهر؛ وكان الجيش يحصن قبرة، وفيه محمد ~~بن إبراهيم بن حجاج، وقاسم بن وليد؛ فخرجا إليهما بمن معهما من حشم ~~السلطان؛ فانهزم ابن حفصون، وفر على وجهه، حتى لحق بقلعته. فتأمل ابن مسلمة ms362 ~~منتشبه مع ابن عمه محمد بن حجاج، ودخوله معه في وراثة أبيه، وأنه لا طاقة ~~له به. فأخذ في إصلاح ما بينه وبين السلطان الناصر؛ فراسله بأن يعطيه ~~إشبيلية. فوصله الحاجب بدر، وتملك السلطان إشبيلية دون إراقة دم ولا قتال. ~~فلما استقر الحاجب بإشبيلية، أحضر أهلها، ووعدهم عن السلطان بكل جميل، وأن ~~يجري عليهم عوائدهم مع بني حجاج وزيادة على ذلك؛ فرضى القوم، وتم الأمر ~~للحاجب وابن مسلمة. وأخذ الحاجب في مخاطبة محمد بن حجاج، يعرفه بتملك ~~السلطان إشبيلية، وأن السلطان أمره بالكف عن حصارها. فعند وقوف محمد على ~~الكتاب، ساءه ذلك، وتغير له، وخرج من حصن قبرة الذي كان به مع قاسم بن وليد ~~ناكثا للطاعة؛ وسرى ليلته مع جموعه قاصدا بلده قرمونة؛ فالقى في طريقه ~~أغناما لأهل قرطبة؛ فأغار عليها، وحملها معه إلى قرمونة؛ فدخلها، وأظهر ~~التمتع بها. فأخرج إليه الناصر لدين الله صاحب الحشم؛ فلما وصله وخاطبه بما ~~أمره به السلطان، رد عليه الأغنام بجملتها. # ولما رجع صاحب الحشم إلى قرطبة، خرج محمد بن حجاج من قرمونة بجيشه؛ فوصل ~~إشبيلية عند الصباح؛ فهجم عليها. وكان بعض سورها مهدما؛ فطمع فيها؛ فخرج ~~إليه العامل عليها من قبل السلطان؛ فهزمه عنها؛ فرجع إلى قرمونة. فلما علم ~~الناصر بذلك، وجه عسكرا إلى عامل إشبيلية تقوية له؛ فحصن البلد على نفسه، ~~وأمن من عادية محمد بن حجاج. ولما طال على الناصر تمادي محمد بن حجاج على ~~العناد، بعث إليه صديقه ابن وليد، طالبا منه العودة إلى الطاعة؛ فلم يزل به ~~حتى أظهر الإنابة له؛ فأنفذ محمد بن حجاج خاصته إلى الناصر؛ فوصل إليه؛ ~~فألحقه الناصر بنفسه، وشافهه بما ألقاه إليه محمد، وأعلمه أنه ينعزل عن ~~قرمونة ويسكن قرطبة، على أن يترك بها نائبه. فأجابه الناصر لذلك كله، ووعده ~~بتتميم أغراضه. فلما وصل الرسول إلى محمد بما ألقاه إليه الأمير الناصر، ~~خرج من قرمونة في شهر رمضان المعظم من عام 301، ووصل قرطبة مع وجوه قومه ~~وعدة من رجال. فأمر لهم الناصر بالكسى ms363 ووصلهم على أقدارهم ومنازلهم عند ~~محمد، وأجزل لهم الصلة، وأعطى محمدا العطاء الجزل، وقربه من نفسه، وولاه من ~~حينه خطة الوزارة، منوها، مرفع الذكر. قم خرج الناصر لدين الله غازيا؛ ~~فأغزاه معه وزيرا. PageV01P196 وكان حبيب بن عمر الوالي على قرمونة من قبل ~~السلطان قد امتنع بقرمونة. فحاصر الناصر قرمونة، ومحمد بن حجاج معه وزيرا؛ ~~فسعى به عند السلطان من كان يحسده، وقال له: )إنما نافق ابن عمر مع محمد ~~وبأمره!( فعزله عن الوزارة، وحبسه، وحبس معه ابن وليد صاحب الشرطة. ثم ~~أطلقا بعد ذلك. فلم يلبث محمد بن حجاج بعد ذلك إلا يسيرا، وتوفي في شوال ~~سنة 302. # أخبار عمر بن حفصون في أيام الأمير عبد الله # وعندما ولي عبد الله الخلافة، ووافته الكتب من البلاد؛ واجتمعت على طاعته ~~جميع العباد، رأى عمر بن حفصون على فرط عناده، وتوه في الأرض وفساده، أن ~~يدخل في جماعته، ويلتزم بفروض طاعته. فأرسل ابنه حفصا إلى قرطبة مع جماعة ~~من أصحابه، على أن يعقدوا مع الأمير سلما منتظما، وصلحا مبرما، لا يحيله ~~حال، ولا يلحقه محال، على أن يستقر عمر بن حفصون ببربشتر على الطوع، ويقيم ~~بها على الطاعة والسمع. فقبل الأمير نزاعه، وسمح بإبقائه هنالك، وأصدر ابنه ~~ورسله إصدارا جميلا؛ ومنحهم برا جزيلا، ووجه معهم عبد الوهاب بن عبد الرؤوف ~~واليا على كورة رية، ومشاركا لابن حفصون في عقده وحله، ومساهما له في ~~توليته وعزله. فمكثا شريكين في الأمر والنهي، إلى أن غلب ابن حفصون على عبد ~~الوهاب، وأخرجه من الكورة منبت الأسباب. واشتدت معرته، وتأكدت عاديته ~~ومضرته، حتى همت القرى بالخلاء، والناس بالجلاء. ولم يبق بالقنبانية قرية ~~إلا غشيتها الخيل، وعمتها الذلة والوبل، وقد ملك اللعين إستجة وأرجذونة، ~~وأجتدهمت ثقافا، وصير فيهما من الآلات أصنافا. # فلما رأى الأمير عبد الله ما أحاط بقرطبة من ابن حفصون، ودار عليها من ~~الحرب الزبون، أمر بإخراج السرادق إلى فحص الربض بشقندة. فلما اشتدت ~~أطنابه، ومدت حبائله وأسبابه، بعث ابن حفصون خيلا ترمي على شقندة لعلها ms364 ~~تأخذ السرادق السلطاني وتفوز به، وتهجم على البلد وتحيط بجانبه. فخرجت لهم ~~الخيل إثر ذلك، وطردتهم طرادا من هنالك، ووصلت إلى ابن حفصون؛ فدفعته عن ~~الجهة، ومنعته من تلك الوجهة، وأوى إلى حصن بلبى بقبرة؛ فجمع له الأمير أهل ~~قرطبة، وسار إليه في نحو أربعة عشر ألفا. وحشد ابن حفصون نحو ثلاثين ألفا؛ ~~فصدمه الأمير بمن معه؛ فنثر عقده وفرق جمعه؛ فعملت السيوف في رقابهم، وتبعت ~~سيل أعقابهم، حتى رويت الأرض من دمائهم. ودخل الأمير عبد الله القلاع ~~الثائرة عليه؛ وصارت يومئذ في يديه. # وفي ذلك يقول ابن عبد ربه )كامل(: # رام ابن حفصون النجاة فلم يسر ... والسيف طالبه فليس بناج # في ليلة أسرت به فكأنما ... خيلت نقيضة ليلة المعراج # ما زال يلقح كل حرب حامل ... فالآن أنتجها بشر نتاج # ركبوا الفرار بهضبة قد جربوا ... غب السرى وعواقب الإدلاج # وإذا سألتهم موالي من هم ... قالوا: موالي كل ليل داج # ولما رجع ابن حفصون إلى بربشتر، حشد أعوانه، وجدد للعرض ديوانه، وخرج ~~بجمعه إلى إلبيرة، وأدار بها حربا مبيرة، إلى أن تغلب عليها بأيده، وقبض ~~على عاملها بكيده. فأخرج الأمير عبد الله العسكر إليه، وقدم ابن أبي عبدة ~~عليه. فلما تدانى الفريقان، وتراءى الجمعان، هجمت خيل ابن أبي عبدة على خيل ~~ابن حفصون؛ فعكستهم عسكا، وطمست آثارهم طمسا؛ وأثقل ابن حفصون بالجراح، وآب ~~من النصر صفر الراح، قد ركب الأوعار، واجتمل الخزي والعار؛ ويبلغ حصن ~~بربشتر مفلولا، خاسرا ذليلا. ثم عاد إلى عاده، وسبيل بغيه وفساده. وفي كل ~~ذلك كان الأمير عبد الله يهزم جيشه، ويروع ببأسه جأشه، حتى خمدت نيرانه، ~~وملت أنصاره وأعوانه. فلما توفي الأمير عبد الله، وولى الناصر لدين الله، ~~بادر إلى الطاعة، والدخول في الجماعة. ثم نكث وخان، حتى هلكته الأزمان. # جملة الثوار ببلاد الأندلس في أيام الأمير عبد الله # الخارجين عن الجماعة المضرمين لنار الفتنة PageV01P197 أولهم ابن حفصون؛ ~~وقد تقدم ذكره. وتأتي بقية أخباره بحسب السنين. وثار سوار بن حمدون بحصن ~~منت شاقر؛ فقام إلى جعد ms365 عامل إلبيرة بمن معه؛ فهزم جمعه، وأخذه أسيرا، ~~وأراه يوما عسيرا. ثم أطلقه من عقاله، وعمه بإفضاله، وانصرف إلى إلبيرة ~~بلده، ومقر أهله وولده. وسار سوار إلى غرناطة، وأغار على حصون ابن حفصون؛ ~~فاجتمع أهل إلبيرة في نحو ثلاثة وعشرين ألفا؛ فلقيهم سوار في عدد قليل؛ ~~فلاذوا بالفرار والنفور، وصاروا كالهباء المنثور؛ ونيطت بهم الحتوف كسفا، ~~وقتل منهم على ما ذكر اثنا عشر ألفا، وذلك في سنة 276. وكانت بين سوار هذا ~~وابن حفصون ملاقاة انقلب فيها ابن حفصون مهزوما، وتولى ملوما مذموما، قد ~~أثقل بالجراح، وقتل قواده في ذلك الكفاح. وكان جعد الثائر بالبيرة منفقا مع ~~ابن حفصون على النفاق، منعقدا معه على الفساد في تلك الآفاق؛ فأعمل جعد ~~الحبلة في الغدر بسوار جهده، وأظهر في ذلك نصبه وجهده؛ فأغار على جهته ~~يوما، وقد أكمن هنالك قوما. وخرج هو بنفسه في نفر يسير؛ فاكتسح وأغار، ~~وأنجد في الجهة وغار. وظن سوار أن ليس وراءه أجناد تنجده، ولا أمداد تمده؛ ~~فبز إليه بأهل المكان، وقد أيقن بالظفر والإمكان. فلما انبسط من هنالك ~~كالفرخ الأشر، ثارت الكمائن عليه كالجراد المنتشر، وأحدقت الخيل بسوار؛ ~~فقتل ثقتيلا، وعاد عسكره مهزوما مفلولا. وأرسل جعد صاحب إلبيرة إلى ابن ~~حفصون برأس سوار، وأعلمه بالكبت الشامل لأعدائهم والبوار. # وثار سعيد بن جودي في ذلك التأريخ بالعرب، وعارض ابن حفصون بالحرب ~~والحرب، حتى أغصه بريقه، وضايقه في سبيله هناك وطريقه؛ فرجع ابن حفصون إلى ~~الحيلة فيه والكيد، إذ عجز عنه بالقوة والأيد، حتى قبض عليه، وصار أسيرا ~~لديه، وأقام عنده بببشتر شهورا مكبولا، إلى أن قبل فيه ابن حفصون مالا جزلا ~~قبولا؛ فأطلقه من وثاقه؛ فجد في خلافه على الأمير عبد الله وشقاقه، إلى أن ~~مكر به مكرا، وقتل في دار عشيقة له يهودية غدرا. وتولى أمر العرب بجانب ~~إلبيرة محمد بن أضحى؛ فأمسى على طاعة الأمير عبد الله وأضحى؛ فناصب ابن ~~حفصون الحرب، وعارضه بالطعن والضرب، إلأى أن ظفر به ابن حفصون في تلك ~~المسالك، وصار عنده ms366 أسيرا هنالك؛ ففداه العرب منه بمال جسيم، ومشى من طاعة ~~الأمير على منهاج قويم. # وثار العرب بإشبيلية ثورة، وقبضوا على عاملها عنوة، وانتهبوا طارفه ~~ومشلده، ولم يتركوا إلا أهله وولده، وقتلوا كثيرا من أعوانه، وعانوا ما ~~شأوا في سلطانه؛ فاجتمعت العساكر من قرمونة وسائر الأقطار، وأحاطت بإشبيلية ~~إحاطة الفلك الدوار؛ فغلبوا على القائمين فيها. وقتلوا منهم فرقة؛ فكانت ~~الوقعة المعروفة بالدعقة. # وتغلب إبراهيم بن حجاج على إشبيلية تغلبا، ونصب لأحواز قرطبة منها حربا ~~وحربا؛ وارتبط مع ابن حفصون على العبث التام، والاحتلال بقرطبة في ذلك ~~العام. وتغلبا على الحصون والقلاع، وجدا في الكفاح والقراع، إلى أن انتقض ~~ما بينهما من السلم المنتظم، والعهد المحكم المنبرم. وصالح ابن حجاج الأمير ~~عبد الله؛ فأقره بإشبيلية، وصرف إليه زمامها، وأوقف عليه أعمالها وأحكامها. # وثار دبسم بن إسحاق، وغلب على مدينتي لورقة ومرسية، وما يليهما من كورة ~~تدمير. وكان مودودا من طبقات الناس، رفيقا برعيته، جوادا، منتجعا، له إفضال ~~على الشعراء والأدباء. # وثار عبيد الله بن أمية، وملك كورة جيان، ودخل حصن ابن عمر وغيره. # ومنهم، عبد الرحمن بن مروان المعروف بالجليقي، اقتعد مدينتي بطليوس ~~وماردة؛ ففارق الجماعة، وجاور أهل الشرك، ووالاهم على أهل القبلة. # ومنهم، عبد الملك بن أبي الجواد، اقتعد مدينة باجة وملكها، وتحصن بحصن ~~مارتلة، وله حظ من المنعة تشييدا وعدة. وكان معاقدا لابن مروان، صاحب ~~بطليوس في هذا التأريخ، وابن بكر صاحب أكشونبة؛ فكانوا متأبين على من ~~خالفهم. # وثار ابن السديم، وهو منذر بن إبراهيم بن محمد بن السليم، بمدينة ابن ~~السليم، المنسوبة إلى جده، من كورة شذونة؛ فاقتصد في سيرته، ولم يظهر نبذ ~~الطاعة، إلى أن قتله مملوك له يسمى غلنده. وخلفه وليد بن وليد، وصار إلى ~~الطاعة عند هبوب ريحها بالخليفة عبد الرحمن الناصر. PageV01P198 ومنهم، ~~محمد بن عبد الكريم بن إلياس، امتنع بقلعة ورد من كورة شذونة، وسعى للفتنة ~~سعيه، وتمادى، حتى استنزله الناصر فيمن استنزل من الثوار. ومات بقرطبة. # وثار خير بن شاكر بحصن شوذر من كورة ms367 جيان، زظاهر زعيم الثوار عمر ابن ~~حفصون؛ ففتك بخير المذكور، وأرسل برأسه إلى الأمير عبد الله. # ومنهم، عمر بن مضم الهترولي المعروف بالملاحي؛ وكان جنديا متدونا عند ~~العامل بحضرتها؛ فوثب عليه؛ فغدره، وضبط القصبة. # ومنهم، سعيد بن هذيل. كانت ثورته بحصن المنتلون من كورة جيان؛ فبنى ~~قصبته، وحصنها، وأعلن بالخلاف، حتى استنزله الناصر؛ فلحق بقرطبة إلى أن ~~مات. # وثار سعيد بن مستنة بكورة باغة، واقتعد حصونها؛ فاستفحل أمره وشره، وعم ~~أذاه واصطفى من حصونها التي ظهر عليها أربعة لا مثيل لها في الحصانة ~~والمنعة. # وثار بنو هابل الأربعة: أكبرهم منذر بن حريز بن هايل، وأخوه أبو كرامة ~~هابل بن حريز، وأخوه عامر، وأخوه عمر؛ ثاروا ببعض حصون جيان في أيام الأمير ~~عبد الله، وخلعوا طاعته، وأطلقوا الغارة، وأطلعوا أهل الفساد. ثم استنزلوا؛ ~~فنزلوا على حكم الأمان؛ فحسنت طاعتهم وخدمتهم. # وثار إسحاق بن إبراهيم بن عطاف العقيلي بحصن متتيشة؛ فبناه وحصنه وامتنع ~~به، إلى أن استنزله الخليفة الناصر إلى قرطبة؛ وبها توفي. # ومنهم، سعيد بن سليمان بن جودي؛ أمرته عرب إغرناطة وإلبيرة؛ فضبط أمرهم، ~~حتى دبر عليه كبيران منهم بحيلة؛ فقتلاه بها. فلم ينتظم للعرب هناك أمر ~~بعده. # وثار محمد بن أضحى بن عبد اللطيف الهمداني، من أكابر أبناء العرب بكورة ~~إلبيرة، إلى أن هلك الأمير عبد الله؛ فاستنزله الناصر لدين الله عن حصنه، ~~فيمن استنزله من الثوار. وكان ابن أضحى هذا مع رجوليته أديبا بليغا، يقوم ~~بين أيدي الأمراء في المحافل، فيحسن القول، ويطيب الثناء. وله أخبار ~~معروفة. # وثار بكر بن يحيى بن بكر، واقتعد مدينة شنت مرية من كورة أكشونبة، وبناها ~~حصنا اتخذ عليها أبواب حديد. وكان له ترتيب وأهبة، ورجال شجعان، وعدة ~~موفورة. وكان يتشبه - بزعمه - في سلطانه بإبراهيم بن حجاج. وكان له أصحاب ~~للرأي وكتاب للعمل. وكان له عهد مؤكد إلى جميع من في طاعته بإضافة أبناء ~~السبيل، وقراء النزيل. وحفظ المجتازين؛ فكان السالك بناحيته كالسالك بين ~~أهله وأقاربه. # وثار ابنا مهلب، من وجوه قبائل البربر بكورة ms368 إلبيرة؛ وهما خليل وسعيد؛ ~~ثارا ثورة نظرائهما بجهتهما؛ فأقاما على سبيلهما إلى أن استنزل الناصر ~~أولادهما بعد وفاتهما. # وثار سليمان بن محمد بن عبد الملك الشذوني بشربش شذونة؛ وهو الذي بنى ~~نبريشة وحصنها. # وثار ابنا جرج بحصن بكور؛ ففسدت سيرتهما؛ فأخرجا عن الحصن. فمات عبد ~~الوهاب، ولحق محمد بن عبد الرحمن بن جرج بابن الشالية؛ وكان مصافيا له؛ ~~فتقبله، واستخدمه، وبنى له حصن مورينة من كورة جيان؛ فأقام فيه إلى أن ~~استنزله الناصر ونقله إلى قرطبة. # وثار أبو يحيى النجيبي المعروف بالأنقر بمدينة سرقسطة وأعمالها، وقتل ~~أحمد ابن البراء القرشي عامل الأمير على سرقسطة، واستولى عليها؛ وأظهر ~~التمسك بطاعة الأمير عبد الله، وخاطبه، وهو ينسب ابن البراء إلى الخلاف. ~~فأظهر الأمير تصديقه، وسجل له على سرقسطة. فثبت بها قدمه. # وفي سنة 283، أخرج الأمير عبد الله على العسكر هشام بن عبد الرحمن ابن ~~الحكم إلى كورة تدمير، في أواخر ربيع الأول. وكان القائد معه على الجيش ~~أحمد بن أبي عبدة. ولما احتل بوادي بلون، تقدم قطيع من الخيل؛ فافتتح هنالك ~~حصنا، وغنم ما كان فيه. وتوافت على العسكر حشود أهل الكور. ثم انتقل وطوى ~~المراحل حتى حل بمرسية. ثم انتقل إلى لورقة. فخرج إليه ديسم بن إسحاق؛ ~~فحاربه؛ فهزم ديسم؛ ورجع إلى لورقة وأقام محاصرا حتى فقل عنه العسكر. ثم ~~خرج ديسم بمن معه؛ فضرب في الساقة؛ فرجع إليه؛ فهزم واتبع حتى اشتغاث ~~بالوعر ونجا راجلا، وأخذ فرسه. وقفل العسكر سالما. وفقد في هذه الغزاة ~~الماء، ومات فيها اثنان وثلاثون رجلا عطشا، وهلكت دواب كثيرة. PageV01P199 ~~وفي سنة 284، أخرج الأمير عبد الله ابنه أبان إلى لبلة. وكان ابن خصيب بحصن ~~منت ميور، وكان قد ثار به؛ فحاصره، ونصب عليه المجانيق، ورماهم بها حتى ~~ضجوا ودعوا إلى الطاعة؛ وانعقد أمانهم. وفي خلال ذلك، دخل ابن حفصون إسنجة ~~الدخلة الثانية؛ فورد كتاب الأمير باستعجال القفول بسبب إسنجة؛ فقفل ~~العسكر. وكانت مدة هذه الحركة شهرين ونصفا، وهي أول حركة أبان. # وفي سنة 285، غزا أبان ابن ms369 الأمير عبد الله إلى ابن حفصون، والقائد ابن ~~أبي عبدة. # وفيها أيضا، غزا عباس بن عبد العزيز إلى حصن كركي وجبل البرانس؛ وقتل ابن ~~بامين وابن موجول، وأخذ حصونهما. # وفيها، تقدم لب بن محمد بن طليطلة إلى حيز جيان، ونازل حصن قسكلونة؛ وكان ~~فيها نصارى يحاربون عبيد الله بن أمية المعروف بابن الشالية؛ فأخذ الحصن، ~~وقتل العجم. ووافاه فيه قتل أبيه محمد بن لب في محاصرته لسرقسطة. # وفيها، كانت المجاعة الشديدة التي سميت السنة 285 بها سنة لم أظن. # وفي سنة 286، أظهر ابن حفصون النصرانية؛ وكان قبل ذلك يسرها؛ وانعقد مع ~~أهل الشرك وباطنهم، ونفر عن أهل الإسلام، ونابذهم؛ فتبرأ منه خلق كثير. ~~ونابذه عوسجة بن الخليع، وبنى حصن قنبط، وصار فيه مواليا للأمير عبد الله، ~~محاربا لأبن حفصون. واتصلت عليه المغازي من ذلك الوقت، ورأى جميع المسلمين ~~أن حربه جهاد؛ فتتابعت عليه الغزوات بالصوائف والشواني، ولا بني القواد عنه ~~في الحل والترحال. وفي ذلك قال ابن فلزم للقائد ابن أبي عبدة )متقارب(: # ففي كل صيف وفي كل مشتى ... غزاتان منك على كل حال # فتلك تبيد العدو وهذي ... تفيد الإمام بها بيت مال # وفي سنة 287، كانت الصائفة مشجولة ما بين كورة موزور وكورة شذونة وكورة ~~رية. # وفيها، قتل القائد ابن أبي عبدة طالب بن مولود الموروري. # وفيها، صلب إسحاق وصاحبه؛ وكانا من رجال ابن حفصون؛ وفيهما جرى المثل في ~~الناس: )غررتني يا إسحاق!( وذلك أن أحدهما قال هذه الكلمة لصاحبه، وهو يرفع ~~في الخشبة. # وفي سنة 288، قبضت رهائن ابن حفصون. وتجولت الصائفة بشذونة وغيرها من ~~الكور. # وفيها، عظم السيل بقرطبة، وانهدم رجل من قنطرتها. # وفيها، خرج من قرطبة أحمد بن معاوية ابن الإمام هشام إلى فحص البلوط. ثم ~~تقدم إلى ترجيله؛ فأقام فيها مدة يسيرة. وانحشدت إليه الحشود؛ فدخل إلى ~~سمورة وبها قتل في شهر ربيع الأول. # وفي سنة 291، كان غزو أبان ابن الإمام عبد الله - رحمه الله - إلى رية؛ ~~وقاد الخيل أحمد بن محمد بن أبي عبدة. وفصل يوم ms370 الخميس لخمس خلون من جمادي ~~الآخرة؛ ونهض حتى احتل بوادي نسقانية، واضطرب في هذه المحلة. وخرج إليه عمر ~~بن حفصون؛ ثم التقيا؛ فوقعت بينهما حرب شديدة؛ ثم انكشفت الهزيمة على أصحاب ~~ابن حفصون؛ فقتل منهم عدد كثير؛ ثم أضرم قرى وادي نسقانية وما حواليها ~~نارا. ثم انتقل وحل على وادي بينش المجاور لببشتر، ووقعت الحرب بين أهل ~~العسكر وبين ابن حفصون؛ فانهزم ابن حفصون، وقتل له رجال، وعقرت له خيل. ~~واتصل الحريق في جميع قرى تلك الناحية. ثم انتقل إلى محلة طلجيرة؛ فأقام ~~بها أياما، يحارب فيها ابن حفصون كل يوم، وينال منه. وفي هذه الأيام، أحرقت ~~منية لجعفر بن عمر بن حفصون. وفي هذه الغزاة، حوربت طرش والرجل، وقتل أخو ~~زيني وجماعة من حماة ابن حفصون. ونصب المنجنيق على الرجل؛ فأثر فيه وثلم في ~~سوره. ثم تقدم القائد أحمد بن محمد بن أبي عبدة من حصن لوشة إلى حصن الخشن، ~~في جرائد الخيل، وأبقى أبان ابن الإمام عبد الله - رحمه الله - معسكرا ~~بمحلة لوشة؛ فحارب حصن الخشن، وقتل عددا من أهله، وأسر منهم جماعة، وانصرف ~~بالرؤوس والأسرى إلى لوشة. ثم قفل بالعسكر، ودخل قرطبة يوم الجمعة لخمس ~~بقين لرمضان؛ فكانت هذه الغزاة ثلاثة أشهر وعشرين يوما. # وفيها، خرج لب بن محمد إلى بايش من أحواز آلبة، وذلك في رمضان؛ فافتتح ~~حصن بايش وما يليه، والعلج إذفنش يومئذ على حصن غزنون محاصرا لأهله. فلما ~~بلغه دخول لب بن محمد بحصن بايش، ولى هاربا. # وفيها، ثم في ذي الحجة، خرج لب بن محمد إلى ناحية بليارش؛ فافتتح حصن ~~لحروسه؟، وحصن إيلاس، وحصن قشتيل شنت، وحصن مولة، وقتل بهذه الحصون نحوا من ~~سبعمائة علج، وسبى بها نحوا من ألف سبية. PageV01P200 وفيها، توفي جعفر بن ~~يحيى بن مزين الفقيه من أهل قرطبة؛ وكانت له رواية عن أبيه وغيره. وفيها، ~~توفي أحمد بن هاشم القائد بمدينة غرناطة، ودفن هنالك، وهو ابن أربع وسبعين ~~سنة. وفيها، توفي إسحاق بن عبد الله الطبيب. وفيها، مات عامر ms371 بن موصل ~~الأصبحي بحصن ناجرة(. # وفي سنة 292، كان خروج الصائفة إلى عمر بن حفصون. وتجول العسكر على ~~حصونه؛ فهتك بعضها. وقوطع البعض على وظيف يودونه. وفيها، كانت الوقعة ~~العظيمة على عمر بن حفصون بوادي بلون من جيان. وكان قد توافى إليه أهل ~~الخلاف والخلعان، وخرج مغيرا على المسلمين؛ فهزمه الله، وقتل كثيرا ممن كان ~~معه. وأدبره في شرذمة قليلة، وأفنى أكثر رجاله في ذلك المعترك. # وفيها، خرج لب بن محمد لمحاصرة مدينة سرقسطة، وأخذ في ردم الخندق المجاور ~~لسورها وشرع في البنيان عليها. فلما كمل له ردم الخندق وبنيان ما فيه، رحل ~~عنه وأدخل ندبة فيه من رجاله. # وفيها، توفي عبد الله بن قاسم بن هلال؛ وكانت له رحلة؛ وأدخل الأندلس كتب ~~داوود العباسي وغيره. وفيها، وتوفي الوزير سليمان بن محمد بن وانسوس، وعبد ~~الرحمن بن أمية بن عيسى بن شهيد المعروف بدحيم، وتوفي أخواه عثمان ابن أمية ~~وعيسى بن أمية. # وفي سنة 293، كان خروج الصائفة إلى فهر بن أسد، وهو بحصن تش من كورة ~~جيان؛ فافتتح الحصن، وأخذ فهرا أسيرا، وقدم به إلى قرطبة؛ فأمر الإمام عبد ~~الله - رحمه الله - بصلبه عند القصابين في بيع الآخر. # وفيها، عزل محمد بن أمية بن شهيد عن المدينة؛ ووليها محمد بن غانم؛ فكانت ~~ولايته شهورا؛ ثم عزل، وولى مكانه موسة بن محمد بن حدير. # وفيها، حبس حزمير القومس، وعذب وأدهق حتى مات. # وفي جمادى الآخرة، دخل القائد أحمد بن محمد بن أبي عبدة حصن قنيط من ~~ناكرنا، وندب فيه جيشا، واستنزل من كان فيه من بنى الخليع، وأدخل فيه ~~الحشم. # وفيها، توفي يونس بن هاشم بن عبد العزيز. وفيها، توفي ديسم بن إسحاق صاحب ~~تدمير. وفيها، قتل يحيى بن قسي، ومحمد بن إسماعيل، وأيوب ابن سليمان ~~بطليطلة وفي سنة 294، كان غزو أبان ابن الإمام عبد الله - رحمه الله - ~~الصائفة إلى الجزيرة. وقاد الخيل أحمد بن محمد بن أبي عبدة، وحل بالجزيرة ~~يوم الجمعة لتسع بقين من رجب. ثم تقدم إلى حصن لوزة ms372 يوم السبت لانسلاخ رجب؛ ~~فحارب الحصن وحاصره، وقتل جماعة ممن فبه؛ ثم تقدم إلى حاضرة رية، فيها ~~مساور بن عبد الرحمن؛ فأحرقت أرباض الحاضرة وحوصر من كان فيها؛ فدعا مساور ~~إلى السلم، وبذل الرهائن. فأجيب إلى ذلك، وقبضت رهائنه؛ ثم تقدم القائد إلى ~~الساحل؛ فجال عليه أجمع، وخرج على حصون إلبيرة، وقفل منصرفا إلى قرطبة؛ ~~فدخلها يوم السبت لليلتين خلتا من ذي القعدة. # وفيها، خرج لب بن محمد إلى جانب بنبلونة؛ فبذل في تهوره، وشرع في البنيان ~~بحصن هريز؛ فحشد إليه العلج شانجه جميع أهل بلده، وكايده بالمكامن؛ ثم وجه ~~إليه خيلا يسيره؛ فلما سمع الصيحة، بدر إلى الركوب؛ فلقى بكمين، فهزمه؛ ثم ~~بكمين، فهزمه؛ ثم أحدقت به الكمائن. فقتل وقتل من كان معه، ممن آثر ~~الشهادة؛ وذلك في ذي الحجة لاثنتي عشرة ليلة بقيت منه. فنزل تطيلة أخوه عبد ~~الله بن محمد. وكان لب، يوم قتل، ابن ثمان وثلاثين سنة. # وفيها، ظهر محمد بن عبد الملك الطويل في الثغر، ودخل حصن بربشتر وحصن ~~القصر وحصن بربطانية. # وفي سنة 295، كان غزاة أبان ابن الإمام عبد الله - رحمه الله - بالصائفة ~~إلى جهة رية؛ وقاد الخيل أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي عبدة؛ فقصد ببشتر، ~~وحارب ابن حفصون، ونكاه، وأنزل به، وحارب ما حواليه من الحصون. # وفيها، غدر سعيد بن الوليد المعروف بأبن مستنة، وتخلى عن حصن بلدة إلى ~~عمر بن حفصون، وظافره، وأبدى ما كان بصميره من العصيان. # وفيها، ولي المدينة محمد بن عبيد الله بن أبي عثمان، وذلك يوم خميس؛ ~~فاستعفى عنها؛ فأعفي يوم الجمعة ثاني ولايته، وولى مكانه علي بن محمد ~~المعروف بالباسه؛ وكان عليها ثلاثة أيام. ثم عزل وأعيد إليها موسى بن حدير؛ ~~فكان واليا عليها إلى آخر أيام الإمام عبد الله؛ وأقره أمير المؤمنين - ~~رحمه الله - إلى سنة 303. # وفيها، دخل محمد بن عبد الملك الطويل حصن منتشون ومدينة لاردة في المحرم. # وفيها، دخل محمد بن عبد الرحمن النجيبي مدينة شية. PageV01P201 وفيها، ~~خرج محمد بن عبد الملك ms373 الطويل إلى بربطانية؛ فافتتح حصونا جمة، وسبى سبيا ~~كثيرا. # وفيها، توفي الفقيه يحيى بن عبد العزيز بن الجرار، والفقيه محمد بن غالب ~~ابن الصفار، ومحمد بن يحيى بن أبي غسان صاحب السوق. وولى أحكام السوق يحيى ~~بن سعيد بن حسان. وفيها، توفي موسى بن محمد بن موسى بن قطبس الخازن. # وفي سنة 296، كان غزو أبان ابن الإمام عبد الله بالصائفة إلى حصون رية ~~وغيرها. وقاد الخيل معه أحمد بن محمد بن أبي عبدة؛ فقصد ناحية بهشتر، ونازل ~~ابن حفصون، وحاربه ونكاه، وتحرك عيسى بن أحمد القائد غازيا إلى حصون سعيد ~~بن مستنة؛ فنازله أيضا، حتى قفل القائد أحمد ابن محمد من ببشتر. ثم نازل ~~حصن لك من حصون ابن مستنة؛ فأقام عليه حتى افتتحه. # وفيها، خرج محمد بن عبد الملك الطويل إلى بليارش في شهر رمضان؛ فقتل ~~هنالك مقتلة عظيمة. ووفد عليه رسل أهل حصن روطة، يرغبون الصلح ويسمحون ~~بالرهائن والجزية؛ فلم يجبهم إلى ذلك؛ فخرجوا هاربين من الحصن، وأخلوه. ~~وتقدم إليه؛ فهدمه. وفيها، تغلب على حصن منت بطروش، وهو المعروف بجبل ~~الحجارة. # وفيها، توفي محمد بن سليمان بن تليد المعافري قاضي مدينة وشقة. وفيها، ~~توفي عبيد الله بن محمد بن أبي عبدة؛ وكان حج قبل وفاته بثلاثة أعوام، هو ~~ويحيى بن سعيد بن حسان صاحب السوق. وفيها، توفيت السيدة ابنة مطرف ابن ~~الأمير عبد الرحمن بن الحكم - رحمهما الله - . وفيها، توفي أحمد بن حفص بن ~~رفاع الفقيه المقري. # وفي سنة 297، كان غزو العاصي ابن الإمام عبد الله - رحمه الله - الغزاة ~~المعروفة بغزوة رية وفريرة. وقاد الخيل أحمد بن محمد بن أبي عبدة. وفصل يوم ~~الخميس لتسع بقين من شعبان؛ فتقدم إلى بلدة؛ فحاربها. ثم احتل على نهر ~~طلجيرة؛ فدارت بينه وبين أصحاب ابن حفصون حرب، عقرت فيها خيل السلطان، وقتل ~~عدد من أصحاب ابن حفصون. ثم تقدم إلى حصون إلبيرة؛ فنزل على حصن شبيلش؛ ~~فكانت هنالك حرب شديدة، ونالت بعض حماة العسكر جراح. وتجول في كورة إلبيرة، ~~وحل بمحلة ms374 بجانة؛ ثم قفل على كورة جيان؛ فنازل حصن المنتلون يوم الأربعاء ~~لليلتين بقيتا من ذي القعدة؛ فأقام عليه محاصرا أياما؛ ثم ضحى فيه يوم ~~الأحد، وقفل يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة، ودخل قرطبة يوم ~~الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من ذي الحجة. # وفيها، افتتحت بياسة؛ واستنزل منها محمد بن يحيى بن سعيد بن بزيل. # وفيها، كان سيل عظيم غرقت منه أركان بيت الله الحرام، وفاضت بئر زمزم؛ ~~ولم ير مثل هذا السيل في قديم الأزمان. # وفيها، اجتمع عمر بن حفصون، وسعيد بن مستنة، وسعيد بن هذيل، وضمهم عسكر ~~واحد؛ فضربوا بناحية جيان وأغاروا؛ فأصابوا وغنموا، وانصرفوا إلى حصن ~~جريشة؛ فاتبعهم القائد أحمد بن محمد بن أبي عبدة؛ فلحقهم، وهزمهم، وقتل ~~جماعة منهم، فيهم تسريل العجمي من قواد ابن حفصون. # وفيها، افتتح القائد أحمد بن محمد بن أبي عبدة حصن الزبيب، وابتنى حصن ~~ترضيض تضييقا على ابن هذيل، وحصن قلعة الأشعث، ووضع فيه ندبا من الرجال. ~~وشتى القائد هذه السنة بجبل ارنيش من كورة قبرة. وكانت له في هذه الشتوة ~~حركات بالغت في نكاية أهل النفاق. # وفيها، خرج محمد بن عبد الملك الطويل إلى بار بليارش؛ فافتتح حصن ~~أوربوالة، وأصاب من المشركين ثلاثمائة سبية، وقتل كثيرا منهم، وهدم الحصن ~~وحرقه. وتقدم إلى حصني علتير والغبران؛ فهدمهما. وكان مبلغ الفيء في هذه ~~الغزاة ثلاثة عشر ألفا. # وفيها، قتل إبراهيم بن حجاج ابن عمه أحمد بن سيد بن عمر بن عمير، وهو ابن ~~خمس وأربعين سنة. # وفيها، وذلك يوم الخميس لسبع بقين من ذي الحجة، اعتقل موسى ابن محمد بن ~~حدير صاحب المدينة إبراهيم ومحمدا وسعيدا بني الأمير محمد - رحمه الله - ~~وابن أخيهم محمد بن عبد الملك ابن الأمير محمد - رحمه الله - وحبسهم في دار ~~مطرف ابن الأمير عبد الله. وكان سبب ذلك أن الإمام عبد الله - رحمه الله - ~~عهد إليه ألا يترك أحدا يجوز القنطرة إذا كان له خروج للصيد. وكان يصيد ~~الإمام في تلك الجهة بعدوة النهر. ms375 فخرج الإمام في هذا اليوم متصيدا. وخرج ~~هؤلاء من المدينة متروحين؛ فردهم واعتقلهم. فلما انصرف الأمير - رحمه الله ~~- من صيده، أنهى إليه أمرهم وما فعله فيهم؛ فاستحسن ذلك منه، وشكر له، وعهد ~~إليه بإطلاقهم. PageV01P202 وفي سنة 298، خرج العاصي ابن الإمام عبد الله - ~~رحمه الله - بالصائفة. وقاد الخيل أحمد بن محمد بن أبي عبدة؛ فتقدم إلى حصن ~~ببشتر وغيره من حصون الساحل بكورة رية. ثم تقدم بالعسكر إلى كور إلبيرة؛ ~~فحطم زرعها، وهشم ثمارها. # وفيها، أقام عيسى بن أحمد بن أبي عبدة في طقيع من الخيل بمدينة بيانة؛ ~~فأغار عمر بن حفصون وسعيد بن مستنة في بسيط قبرة وقرى قرطبة. وأخذوا ~~الغنائم؛ فخرج عيسى بن أحمد طالبا لهما؛ فالتقى بهما على نهر ألبة؛ فدارت ~~بينهم حرب شديدة، وإنهزم عمر بن حفصون وابن مستنة؛ فقتل من أصحابهما خلق ~~كثير، وافترقوا أيادي سبا. وبعث عيسى بن أحمد من رؤوسهم عددا كثيرا. # وفيها، غزا الوزير عباس بن عبد العزيز إلى مدينة قلعة رباح؛ وكان أهلها ~~قد خالفوا، وخلعوا الطاعة؛ فافتتحها. وكان فضل بن سلمة، ختن سعيد ابن ~~مستنة، قد خالف بحصن أشر؛ فتقرب أهل حصن أشر بقتله إلى الإمام عبد الله - ~~رحمه الله! - فقدم منهم قوم برأسه إلى باب السدة؛ فشكر لهم ذلك. # وفيها، خرج عباس بن أحمد بن أبي عبدة قائدا على خيل كثيفة إلى المنشلون ~~لحرب سعيد بن هذيل. وفيها، تداعى البربر الطنجيون الذين كانوا غزوا مع ~~القائد أحمد بن محمد بن أبي عبدة إلى النزوع إلى مدينة بلدة إلى ابن حفصون؛ ~~وتداعى الطنجيون الذين كانوا مع عباس بن أحمد على المنتلون إلى النزوع إلى ~~ابن هذيل؛ فخرجوا عن العسكر، ولحقوا بأهل الكفر والخلعان. ثم دارت الدائرة ~~على هؤلاء وهؤلاء في الموضعين جميعا لأمور أحدثوها، واستدرجهم الله - عز ~~وجل - بها؛ فقتلوا ببهشتر والمنتلون. وعاد من بقى منهم إلى الطاعة. وكان ~~صاحب الصائفة العاصي ابن الأمير عبد الله؛ وكان فصوله لهذه الغزاة يوم ~~الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شعبان، وهو يوم النصف ms376 من أبريل. وكانت في ~~هذه الغزاة أمراض ووباء. # وفيها، خرج محمد بن عبد الملك الطويل إلى أرغون يريد بنبلونة وأن يجتمع ~~هنالك مع عبد الله بن محمد بن لب. فانتهى إلى حصن البربر؛ فأحرق ما حواليه، ~~وهدم كنائس تلك المواضع، وذلك في شهر رمضان. وعرج عن ملاقاة ابن لب وعن ~~القصد إلى بنبلونة، وانصرف؛ فاحتل حصنا من حصونه يعرف بشار قشتيله؛ فأنذر ~~بأن ابن شانجه يريد الهجم عليه؛ فخرج في بعض أصحابه متسللا. فلما أيقن أهل ~~العسكر بهروب ابن الطويل، تخاذلوا؛ فكان سببا لانهزام أهل الحصن. فلما بلغ ~~عبد الله بن لب الخبر، وأن ابن الطويل كع عن ملاقاة شانجه، نزل بمن معه من ~~المسلمين على حصن لوازة من حصون شانجه؛ فقتل جماعة منهم وكر راجعا؛ فالتقى ~~ببعض الخيل التي كان فيها شانجه؛ فقتل فيهم وسبى. # وفيها، استشهد ابن أبي الخصيب التطيلي، واسمه نعم الخلف؛ وكان نبيلا ~~أديبا، وفقيها محدثا. # وفيها، مات إبراهيم ابن الإمام محمد - رحمه الله - وفيها، توفي معاوية ~~ابن محمد بن هشام القرشي؛ وعثمان ابن الأمير محمد - رحمه الله - ؛ ومطرف ~~ابن أحمد بن مطرف ابن الأمير عبد الرحمن - رحمه الله - ؛ وأبان بن عبد ~~الملك ابن الأمير عبد الرحمن - رحمه الله - . وفيها، توفي محمد بن أمية بن ~~عيسى بن شهيد الوزير، صاحب المدينة. وفيها، توفي سعيد بن عبد الرحيم ~~السذوني الكاتب؛ وأبو يحيى يزيد بن محمد النجيبي الخازن؛ وموسى بن العاصي ~~بن ثعلبة؛ وأبو مروان عبيد الله بن يحيى بن أبي عيسى؛ وأصبغ بن عيسى بن ~~فطيس؛ وإبراهيم بن حجاج صاحب إشبيلية، وهو ابن ثلاث وستين سنة؛ وعمر بن ~~قومس الكاتب؛ وريان الفتى صاحب الطراز؛ وأفلج الوصيف. # وفي سنة 299، كان غزاة القائد أحمد بن محمد بن أبي عبدة إلى حصن فننجالة ~~من حصون ابن هذيل، بالقرب من جبل المنتلون، وذلك في صدر المحرم؛ فحاصره أشد ~~الحصار، حتى افتتح الحصن. # وفيها، غزا بالصائفة أبان ابن الإمام عبد الله - رحمه الله - وقاد الخيل ~~عباس بن عبد العزيز الوزير. وفصل يوم ms377 الاثنين لتسع بقين من شعبان، وقصد حصن ~~ببشتر، وحارب ابن حفصون، وأوقع به. ثم خرج بإثره أحمد ابن محمد بن أبي ~~عبدة؛ فتولى القيادة مكانه، واستقدم عباس بن عبد العزيز إلى قرطبة؛ فقصد ~~القائد حصون ابن حفصون، وحارب من كان فيها. # وفي هذه السنة، كسفت الشمس جميعا قبل وقت الغروب، وذلك يوم الأربعاء ~~لليلة بقيت من شوال؛ وظهرت النجوم. وبدر أكثر أهل المساجد؛ فأذنوا لصلاة ~~المغرب، وصلوا. ثم انجلى ذلك، وعادت الشمس مضيئة. ثم توارت للمغيب. ~~PageV01P203 وفيها، خرج محمد بن عبد الملك الطويل إلى وادي برشلونة؛ فأغار ~~بوادي طراجة. فخرج عليه العلج شنير؛ فأخذ عليه المضايق. فلما كر عسكر ~~المسلمين، ألفوا أعداء الله على تلك المضايق؛ ففتح الله للمسلمين عليهم، ~~وقتلوا فيهم مقتلة عظيمة. # وفيها، توفي عبد الله بن أبي زيد صاحب الخيل. وفيها، توفي أصبغ بن مالك ~~الزاهد الفقيه. وفيها، هلك العلج إذفنش؛ وكانت مدة أيامه أربعا وأربعين ~~سنة؛ وولى ابنه غرسية مكانه. # شأن ابني الأمير عبد الله محمد ومطرف # كان الأمير عبد الله قد رشح ابنه محمدا لولاية عهده، وأثره بما عنده؛ ~~فعظم الأمر على أخيه مطرف، وبعدما بينهما كل البعد، وقابل الواحد الثاني ~~بالهجران والصد. فوجد مطرف يوما فارسا من فرسان محمد؛ فاغتاله وقتله؛ ثم ~~فرق من أبيه عبد الله وحذر سطوته، ولم يأمن طولته؛ فسار إلى السجن وفتقه، ~~وحل من شده أبوه وأوثقه، وخرج بمن فيه من أهل الذعارة والفساد، ولحق ~~ببربشتر قاعدة أهل الضلال والعناد، وصار عند ابن حفصون، في حرز من الأمن ~~مصون. ثم إن الأمير عبد الله أباه خاطبه بالأمان، وقال: )بئس الاسم الفسوق ~~بعد الإيمان!( فقبل من أبيه، وانصرف إلى أهله وذويه. ولم يزل بعد ذلك مطرف ~~يغري بمحمد إغراء، ويطوي له عداوة وبغضاء، ويزعم أنه يخاطب ابن حفصون ~~ويداخله، ويداهنه على القيام على أبيه ويواصله. فسجن الأمير عبد الله ابنه ~~محمدا في دار البنيقة، وامتحن خلال ذلك عين الحقيقة. فلما واصل في البحث ~~صباحه ومساءه، لم يقرع سمعه من جهته ما ms378 ساءه فأسرع إطلاقه، وحل وثاقه؛ فدخل ~~مطرف إليه، وأجهز في الحين عليه، وتركه متخبطا في دمه، ملقى على وجهه وفمه. ~~فلما علم ذلك الأمير عبد الله، أعظم ذلك منه، وهم بقتله عنه؛ فلم يعدم من ~~كسر عليه لذلك؛ فتركه. وقيل: قتله فيه: والله أعلم. وكان ذلك في سنة 277. # شأن القاسم أخي الأمير عبد الله # كان الأمير عبد الله قد اتهم أخاه بالقيام عليه في الملك، وإيراده موارد ~~الهلك. فلما كثر بذلك الرفع إليه، وتتابع الكلام فيه عليه، رأى بمقتضى ~~الرياسة، وحكم التدبير والسياسة، أن يجبسه في دار البنيقة من القصر، حتى ~~يكشف من هذا الأمر. ثم نقله منها إلى حبس الدويرة؛ فمنع النوم هنالك؛ ~~فأرسلت له أمه مرقدا لذلك، وأمرته أن يقسمه على ثلاثة أيام؛ فشرب الجميع في ~~يوم واحد؛ فأصبح رهن الحمام. # وفي سنة 300، كان وفاة الإمام عبد الله بن محمد - رحمه الله - ليلة ~~الخميس مستهل ربيع الأول، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. وكانت خلافته خمسا ~~وعشرين سنة، وخمسة عشر يوما. ودفن في قصر قرطبة مع أجداده الخلفاء - رضي ~~الله عنه وعنهم! - وصلى عليه أمير المؤمنين عبد الرحمن ابن محمد - رضه. # صفة الإمام عبد الله بن محمد # كان أبيض، أصهب، مشربا بحمرة، أزرق أقنى بخضب بالسواد، ربعة إلى الطول، ~~عظيم الكراديس. # تسمية أولاد الإمام عبد الله: ممن ولد له قبل الخلافة: محمد أبو أمير ~~المؤمنين عبد الرحمن بن محمد - رحمهما الله - ، أمه: در؛ وأحمد، أمه: تمام؛ ~~ومطرف، وسليمان، أمهما: غزلان؛ وأبان، لأم ولد تسمى شأن؛ وعبد الرحمن؛ وعبد ~~الملك؛ والسيدة؛ وعائشة؛ والسيدة أخرى، أمهن: غزلان؛ وهشيمة، أمها: قريش؛ ~~وأسماء؛ أمها قتيان؛ وحكيمة، أمها: ملك؛ والبهاء، أمها: در؛ وفاطمة، وكانت ~~أسن ولده. وممن ولد له بعد الخلافة: العاصي لمستظرف، وعبد الرحمن لخديع، ~~ومحمد الأصغر، أمهما: ملحة، ورقية، وزينب لملحة، وفاطمة لماجن، وزينب ~~لشارق، وفاطمة الصغرى لدر. PageV01P204 ذكر حجابه ووزرائه وكتابه وأصحاب ~~شرطه: ألفي الإمام عبد الله على الحجابة وقت وفاة الإمام المنذر - رحمهما ~~الله - عبد الرحمن بن أمية بن شهيد؛ ms379 فأمضاه عليها؛ ثم عزله، وولي مكانه ~~سعيد بن محمد بن السليم؛ ثم عزله، ولم يول بعده الحجابة أحدا. والوزراء: ~~براء بن مالك القرشي؛ عباس ابن عبد العزيز القرشي؛ سعيد بن محمد بن السليم؛ ~~عبد الملك بن عبد الله ابن أمية. وقاد الخيل بالصوائف عبيد الله بن محمد بن ~~أبي عبدة. وولي الكتابة أحمد بن محمد بن أبي عبدة. وقاد بالصوائف سلمة بن ~~علي بن أبي عبدة؛ عبد الرحمن بن حمدون بن أبي عبدة؛ حفص بن محمد بن بسيل. ~~ولي المدينة مع الوزارة محمد بن وليد بن غانم. ولي المدينة مع الوزارة أصبغ ~~بن عيسى بن فطيس؛ عبد الله بن محمد الزجالي، وكان كاتبا ووزيرا؛ سليمان بن ~~محمد بن وانسوس؛ أحمد بن هاشم. وقاد الخيل جعفر بن عبد الغافر. وقاد الخيل ~~العاصي بن عبد الله بن ثعلبة؛ تمام بن عمرو بن علقمة وكان وزيرا لثلاثة من ~~الخلفاء؛ عبد الله بن حارث بن بزيع؛ إبراهيم بن خمير؛ محمد ابن أمية بن ~~شهيد. وولي المدينة نضر بن سلمة، وولي القضاء موسى بن زياد؛ وولي الكتابة ~~والشرطة والقضاء. ومن أصحاب الشرط موسى بن زياد، ثم ولي مكانه، لما ولي ~~القضاء، يحيى بن زياد عمه؛ ثم مات يحيى بن زياد، وبقيت الشرطة دون وال ~~سنتين؛ ثم وليها قاسم بن وليد الكلبي؛ فبقى عليها حتى توفي الإمام - رحمه ~~الله! ومن كتابه: عبد الله بن محمد الوزير؛ عبيد الله بن محمد بن أبي عبدة؛ ~~موسى بن زياد. ومن قضاته: النضر بن سلمة القيسي؛ ثم موسى بن زياد؛ ثم محمد ~~بن سلمة أخو النضر؛ ثم أعيد النضر بن سلمة ثانية؛ ثم عزل وولي محمد بن ~~سلمة؛ ثم مات، وولي بعده أحمد بن محمد بن زياد اللخمي. # بعض أخبار الأمير عبد الله بن محمد على الجملة PageV01P205 كان الإمام ~~عبد الله مقتصدا، يظهر ذلك في ملبسه وشكله وجميع أحواله. وكان حافظا ~~للقرآن، كثير التلاوة له. وكانت له صدقات كثيرة ونوافل جزيلة. وكان متقدما ~~في ورعه وفضله، محبا للخير وأهله، كثير ms380 الصلاة، دائم الخشوع والذكر الله عز ~~وجل، كثير التواضع، منكرا للسرف ومبعدا لأهله، شديد الوطأة على ذوي الظلم ~~والجور. وكان متفننا في ضروب العلوم، بصيرا بلغات العرب، فصيح اللسان، حسن ~~البيان وكان لا يخلو في أكثر أيامه من مقاعدة وزرائه ووجوه رجاله؛ فإذا ~~انقضى خوضهم في الرأي والتدبير لأسباب مملكته وما كان يحاوله من حسم علق ~~الفتنة، خاض معهم في الأخبار والعلوم. ولم يكن ممن اشتغل بلذة، أو قارف ~~شيئا من الأنبذة في أيام خلافته ولا قبلها. وهو ابتنى الساباط بين القصر ~~والجامع بمدينة قرطبة، رغبة في شهود الجمعة، ومحافظة على الصلوات، وحبا ~~للصالحات. وكان يقعد في الساباط قبل صلاة الجمعة وبعدها؛ فيرى الناس، ويشرف ~~على أخبارهم وحركاتهم، ويسر بجماعاتهم، ويسمع قول المتظلم؛ ولا يخفى عليه ~~شئ من أمور الناس. وكان يقعد أيضا على بعض أبواب قصره في أيام معلومة؛ ~~فترفع إليه فيه الظلامات، وتصل إليه الكتب على باب حديد قد صنع مشرجبا ~~لذلك؛ فلا يتعذر على ضعيف إيصال بطاقة بيده، ولا إنهاء مظلمة على لسانه. ~~وكان أهل المكانات وذوو المنازل والأقدار يتحفظون من كل أمر يوجب الشكوى ~~بهم، وينقبضون عن التحامل على من دونهم، ويهابون عقابه، ويحذرون إنكاره، ~~ويتحرون موافقة مذاهبه. وكانت اللذات مهجورة في أيامه، واللهو غير مقترف من ~~جميع خاصته وعامته، وإعمال الخير وإظهار البر والتقوى فاش في كل طبقة من ~~رجاله ورعيته. وكان - رحمه الله - كثير الاستغفار لله عز وجل، ومتحفظا من ~~اليمين باسمه؛ فإذا حلف له حالف بالله، صدقه؛ وإذا شفع به إليه شافع، شفعه؛ ~~أو خائف، أمنه؛ أو مذنب، صفح عنه. ومآثره كثيره، وفضائله محفوظة مذكورة. ~~وكان قد فتح بابا في القصر، سماه باب العدل. وكان يقعد فيه للناس يوما ~~معلوما في الجمعة، ليباشر أحوال الناس بنفسه، ولا يجعل بينه وبين المظلوم ~~سترا. وكان بصيرا باللغات، حافظا لأشعار العرب وأيامها وسير الخلفاء، راوية ~~للشعر. وكانت اللذات في أيامه مهجورة؛ فأنه لم يشرب قط نبيذا ولا مسكرا. ~~واعتذر إليه يوما بعض مواليه؛ فقال له: )إن ms381 مخايل الأمور لتدل على خلاف ~~قولك وتنبئ عن باطل تنصلك. ولو أقررت بذنبك، واستغفرت لجرمك، لكان أجمل بك، ~~وأسدل لستر العفو عليك! فقال: )قد اشتمل الذنب على، وحاق الخطاء بي! وإنما ~~أنا بشر، وما يقوم لي عذر!( فقال: )مهلا عليك، رويدا بك! تقدمت لك خدمة، ~~وتأخرت لك توبة؛ وما للذنب بينهما مدخل. وقد وسعك الغفران!( وأملى كتابا ~~إلى بعض عماله: )أما بعد، فلو كان نظرك فيما خصصناك به، واهتبالك به على ~~حسب مواترتك بالكتب واشتغالك بذلك عن مهم أمرك، لكنت من أحسن رجالنا عناء، ~~وأتمهم نظرا، وأفضلهم حزما. فأقلل من الكتب فيما لا وجه له ولا نفع فيه، ~~واصرف همتك وفكرتك وعنايتك إلى ما يبدو فيه اكتفاؤك، ويظهر فيه غناؤك، إن ~~شاء الله!( وكتب أحد الوزراء إليه كتابا في أمر. فوقع فيه )خفيف(: # أنت يا نضر آبدة ... لست ترجى لفائده # إنما أنت عدة ... لكنيف ومائده # وكان - رحمه الله - تقيا نقيا. بنى الساباط من القصر إلى الجامع، محافظة ~~منه على الصلوات. والتزم الصلاة مع الجماعة إلى جانب المنبر دائما حتى لقي ~~ربه. وكان - رحمه الله - شاعرا مطبوعا؛ له أشعار حسان. فمن قوله يتغزل في ~~صباه )متسرح(: # ويحي على شادن كحبل ... في مثله يخلع العذار # كأنما وجنتاه ورد ... خالطه النور والبهار # قضيب بان إذا تشنى ... بدير طرفا به احورار # فصفو ودي عليه وقف ... ما اطرد الليل والنهار # ومن قوله أيضا في مثل ذلك - رحمه الله - )رجز(: # يا مهجة المشتاق ما أوجعك ... ويا أسير الحب ما أخضعك # ويا رسول العين من لحظها ... بالرد والتبليغ ما أسرعك # تذهب بالسر فتاتي به ... في مجلس تخفى علي من معك PageV01P206 كم حاجة ~~أنجزت أسرارها ... تبارك الرحمان ما أطوعك # ومن قوله في الزهد )كامل(: # يا من يراوغه الأجل ... حتى م بلهبك الأمل # حتى م لا تخشى الردى ... وكأنه بك قد نزل # أغفلت عن طلب النجاة ... ولا نجاة لمن غفل # هيهات يشغلك المنى ... ولما يدوم لك الشغل # فكأن يومك لم يكن ... وكأن نعيك قد نزل # وله أيضا في الزهد ms382 )وافر(: # أرى الدنيا تصير إلى فناء ... وما فيها لشيء من بقاء # فبادر بالإنابة غير وان ... على شئ يصير إلى فناء # كأنك قد حملت على سرير ... وغيب حسن وجهك في الثراء # فنافس في التقى واجنح إليه ... لعلك ترضين رب السماء # ولم يزل - رحمة الله عليه - يرفع منار الدين، ويسلك سبيل المهتدين، لم ~~تمنعه الفتن عن النظر لنفسه، والعمل ليوم فاقته وحلول رمسه. وكانوا يعدونه ~~من أصلح خلفاء بن أمية بالأندلس، وأمثلهم طريقة، وأتمهم معرفة، وأمتنهم ~~ديانة؛ إلا أنه كان منغص الحال بدوام الفتنة، وتضييق نطاق الخطة، ونقصان ~~مقدار التزكية، حتى كان يتخلله الرياء تحت قناع تقواه، والبخل بطوقه طبيعة ~~ليست له تحط من هواه؛ وغمض دينه لما كان من هوان الدماء عليه، بسبب الفتن ~~الطارئة حتى من ولديه، آخذا لأكبرهما بالظنة. وقد صرح النقية أبو محمد بن ~~حزم بذم هذا الأمير، وقال إنه كان قتالا تهون عليه الدماء مع كثرة إقباله ~~على الخيرات، وإعراجه عن المنكرات؛ فإنه احتال على أخيه المنذر على إيثاره ~~له، وواطأ عليه حجامه بأن سم له المبضع الذي قصده به، وهو نازل بعسكره على ~~ابن حفصون. ثم قتل ولديه معا بالسيف واحدا بعد واحد: قتل محمدا والد الناصر ~~لدين الله، وقتل أخاه المطرف؛ ثم قتل أخوين له معا أيضا: قتل هشاما منهما ~~بالسيف، والقاسم بالسم.( والله أعلم بحقيقة أمره.( # خلافة أمير المؤمنين عبد الرحمن بن محمد # الناصر لدين الله # نسبه: هو عبد الرحمن بن محمد، الذي قتله أخوه مطرف، ابن الأمير عبد الله ~~بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم الربضي بن هشام الرضي بن عبد الرحمن ~~الداخل. كنيته. أبو المطرف. لقبه: الناصر لدين الله. أمه: أم ولد تسمى ~~مزنة. عمره: ثلاث وسبعون سنة وسبعة أشهر. ولي في اليوم الذي توفي فيه جده ~~الأمير عبد الله وبويع فيه، وذلك يوم الخميس مستهل ربيع الأول سنة 300. ~~وتوفي يوم الأربعاء لليلتين خلتا من شهر رمضان المعظم سنة 350؛ فكانت ~~خلافته خمسين سنة وستة أشهر وثلاثة أيام. صفته: أبيض، ربعة، أشهل، ms383 حسن ~~الجسم، جميل، بهي، يخضب بالسواد. # قضاته: أحمد بن محمد بن زياد؛ ثم عزله وولي أسلم بن عبد العزيز بن هاشم؛ ~~ثم أحمد بن محمد بن زياد ثانية؛ ثم أحمد بن بقي؛ ثم منذر بن سعيد البلوطي. # نقش خاتمه: )عبد الرحمن بقضاء الله راض(. وكان أبوه ولي عهد أبيه عبد ~~الله وأكبر بنيه؛ فقتله أخوه مطرف، وقتله أبوه به. وقيل في ذلك كلام كثير. # وكان مولد الناصر قبل قتل أبيه محمد بأحد وعشرين يوما، وذلك يوم الخميس ~~لثمان بقين من رمضان سنة 277. وكان جده الأمير عبد الله يحظيه دون بنيه، ~~ويومئ إليه، ويرشحه لأمره، وربما أقعده في بعض الأيام والأعياد مقعد نفسه ~~لتسليم الجند عليه. فتعلقت آمال أهل الدولة به، ولم يشكوا في مصير الأمر ~~إليه. فلما مات جده، أجلسوه مكانه في الخلافة دون ولده لصلبه، لما أراد ~~الله من ضخامة الملك ونصر الإسلام وإبادة الشرك؛ اتفق له في ذلك ما لم يتفق ~~لملك قبله ولا بعده. وكان يسكن القصر مع جده دونهم؛ فتهيأ إجلاسه دونهم ~~مكانه بغير منازعة. وقيل إن جده رمى بخاتمه إليه إبانة منه لاستخلافه. # فكان أول من بايعه أعمامه أولاد الإمام عبد الله، وهم: أبان، والعاصي، ~~وعبد الرحمن، ومحمد، وأحمد. وتلاهم اخوة جده، وهم: العاضي، وسليمان ، ~~وسعيد، وأحمد. وكان أحمد متكلمهم. فلما بايعه، أقنى عليه بكل جميل. ~~PageV01P207 والناصر هذا هو أول من تسمى منهم بأمير المؤمنين، وتلقب بأحد ~~الألقاب السلطانية، وهو الناصر ثم تسمى منهم من كان بعده من خلفائهم بإمرة ~~المؤمنين وآثر اللقب السلطاني، وذلك حين هاجت الخلافة العباسية، وضعفت، ~~وظهرت الدولة التركية والديلمية؛ فصارت إمرة المؤمنين لائقة بمنصبه، وكلمة ~~باقية في عقبه. فاستهل الخطيب بجامع قرطبة أحمد بن بقي بن مخلد، بذكر هذا ~~الاسم المخلد، يوم الجمعة مستهل ذي الحجة من سنة 316. وفي يوم ولايته يقول ~~أحمد بن عبد ربه من قصيدة )بسيط(: # بدا الهلال جديدا ... والملك غض جديد # يا نعمة الله زيدي ... فما عليك مزيد # وولي، والأندلس جمرة تحتدم، ونار تضطرم شقاقا ونفاقا؛ ms384 فأخمد نيرانها، ~~وسكن زلازلها، وغزا غزوات كثيرة. وكان يشبه بعبد الرحمن الداخل؛ ومن وقت ~~دخوله الأندلس سنة 138 إلى ولاية عبد الرحمن الناصر، مات من بني أمية سبعة ~~خلفاء وعبد الرحمن ثامنهم؛ ومات في المدة المذكورة من بني العباس اثنان ~~وعشرون ملكا. # وفي سنة 300، استخلف الإمام الناصر لبدين الله أمير المؤمنين عبد الرحمن ~~ابن محمد - رحمه الله - يوم الخميس مستهل ربيع الأول سنة 300، وهو ابن ثلاث ~~وعشرون سنة وخمسة أشهر وثلاثة وعشرين يوما. وكنيته: أبو المطرف. وأمه: أم ~~ولد تسمى مزنة. وجلس للبيعة في محراب المجلس الكامل بقصر قرطبة، وتولي ~~أخذها له على الخاصة والعامة بدر بن أحمد مولاه، وموسى بن محمد بن حدير ~~صاحب المدينة. وأحضر أعمامه، وأعمام أبيه، وطبقات قريش، وصنوف الموالي، ~~وعامة الناس؛ فبايعوا مبايعة رضى واغتباط، بوجوه متهللة، وصدور منشرحة، ~~وألبسة داعية شاكرة لله - عز وجل - على ما قلده من أمرهم، وأصاره إليه من ~~رعايتهم، والذب عن حرماتهم؛ قد استبشر جميعهم بيمن نقيبته واعتلاء همته، ~~ورجوا ما قد حققه الله لهم من بركة دولته، وصلاح الأحوال على يديه، وتجرده ~~لاستئصال علق الفتنة، والتمهيد الطاعة. وكان الخلاف قد عم أقطار الأندلس، ~~وطبق القاصي والداني منها، واستولي أهل النفاق على كورها ومعاقلها بفترة ~~طاولتهم، وهمل تراخت أيامه بهم؛ فحسم الله - عز وجل - منه على يديه ما ~~سيأتي الخبر عنه، وتتصل الحاية له. # وعهد - رحمه الله - بالكتاب ببيعته إلى الكور والأطراف. وولي في يوم ~~مبايعته بدرا مولاه الحجابة مع الوزارة وخطة الخيل، إلى ما كان إليه من خطة ~~البرد. وولي موسى بن محمد الوزارة، إلى ما كان إليه من خطة المدينة. وكان ~~على الكتابة عبد الله بن محمد الزجالي؛ فأقره عليها، وأقر أحمد بن محمد ابن ~~أبي عبدة على القيادة؛ وأقر قاسم بن وليد الكلبي على الشرطة العليا؛ وكان ~~مع ذلك خازنا؛ فصرف الخزانة عنه وولاها عبد الملك بن جهور. وولي الخزانة ~~أيضا محمد بن عبيدة بن مبشر، ومحمد بن عبد الله بن أبي عبدة، وعزل عنها ~~عيسى بن ms385 شهيد، وولي مكانه سعيد بن سعيد بن حدير. وولي عمر بن محمد ابن ~~غانم، وعبد الرحمن بن عبد الله الزجالي، ومحمد بن سليمان بن وانسوس خطة ~~العرض. وولي محمد بن عبد الله الخروبي خزانة السلاح مع العقل، وحسين بن ~~أحمد الكاتب خزانة السلاح أيضا، ويحيى بن إسحاق ومسلمة بن عبد القاهر ~~المعرف بابن الشرح. ثم ولي - رضي الله عنه - عيسى بن أحمد بن أبي عبدة ~~الشرطة العيا، وصرف عنها قاسم بن وليد الكلبي، وولي فطيس بن أصبغ خطة ~~البيازرة، وصرفها عن الحاجب بدر بن أحمد، إلى أعمال وخطط ولاها من استحق ~~عنده من مومليه ووجوه مواليه. # وأخرج - رحمه الله - عباس بن عبد العزيز القرشي في قطيع من الجند إلى ~~برابر كركي وجبل البرانس؛ وأخرج القائد أحمد بن أبي عبدة في من ضم إليه من ~~الجند إلى كورة قبرة لمعاجلة من كان في هاتين الجهتين من أهل الشر والفتنة. ~~فالتقى عباس بن عبد العزيز بالفتح بن موسى بن ذي النون بقلعة رباح؛ فهزمه، ~~وقتل كثيرا ممن كان انضوى إليه. وورد كتاب عبيد الله بن فهر عامل قلعة رباح ~~يذكر ظفره بمحمد بن أرذبلش بناحية عمله؛ وكان من العصاة المفسدين؛ فقتله، ~~وبعث برأسه؛ وكان أول رأس رفع لمارق في دولة أمير المؤمنين - رحمه الله - ، ~~وذلك يوم الأحد لعشر خلون من ربيع الآخر. وبدت تباشير الصنع، ودلائل ~~الإقبال على أوائل نظره - رحمه الله PageV01P208 ولثمان بقين من ربيع ~~الآخر، ولي أمير المؤمنين - رضي الله عنه - أحمد بن محمد ابن حدير الوزارة ~~والقيادة؛ وكان قبل ذلك يلي الشرطة الصغرى. وولي هذه الشرطة محمد بن محمد ~~بن أبي زيد. وأجرى الرزق على عبد الرحمن وعبد الله ابني بدر الحاجب، وذلك ~~لكل واحد منهما ثلاثون دينارا وازنة. وولي إسماعيل بن بدر كتابته خاصة، ~~أرتبه لها. وولي - رحمه الله - جهور بن عبد الملك الوزارة وولاها أيضا عبد ~~الله بن مضر. وولي عبد الرحمن بن بدر الخيل، وعبد الله بن محمد بن عبد ~~الخالق بن سوادة قضاء كورة إلبيرة. ms386 وهو أول قاض خرج إلى كورة في أيامه - ~~رحمه الله - ولأربع بقين من ربيع الآخر، عزب أحمد بن محمد بن أبي عبدة عن ~~الوزارة والقيادة، وابنه عيسى بن أحمد عن الشرطة العليا، وصرف إليها قاسم ~~بن وليد الكلبي؛ وعزل محمد بن وليد ابن غانم عن الوزارة، وعمر بن محمد بن ~~وليد عن العرض. # وفي يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولي، افتتحت مدينة ~~إسنجة، ودخلها الحاجب بدر بن أحمد والوزير أحمد بن محمد بن حدير؛ وكان أول ~~موضع افتتح في أيام الناصر - رحمه الله - ؛ وضبطت المدينة، وهدم سورها. ~~وبقى أحمد بن محمد الوزير قائدا بها ومسكنا لأحوال أهلها. وولي عمالتها ~~حمدون بن بسيل. # وفي يوم السبت لسبع بقين من جمادى الأولي منها، ولي الوزارة محمد بن عبد ~~الله بن أمية. # ولست خلون من جمادى الآخرة، طلب رجل من المفسدين، يعرف بمحمد ابن يونس ~~الجياني: كان محبوسا في أيام الإمام عبد الله - رحمه الله - ؛ فأطلقه أمير ~~المؤمنين الناصر رضه - بعد أن عاهد الله ألا يواقع منكرا؛ فنكث، وخرج يبغي ~~الفساد في أيامه - رحمه الله! ولتسع بقين من جمادى الأخرى، عزل أحمد بن ~~محمد بن زياد عن قضاء الجماعة بقرطبة، وعن الصلاة، لأمور أنكرت عليه. وتولي ~~القضاء أسلم بن عبد العزيز، والصلاة محمد بن عمر بن لبابة الفقيه. # وفيها، كانت غزاة أمير المؤمنين - رحمه الله - إلى معاقل جيان، وهي أول ~~غزواته: برز الناصر - رضي الله عنه - من قصر قرطبة يوم الخميس لثلاث عشرة ~~ليلة خلت من شعبان سنة 300، وفصل غازيا إلى كورة حيان يوم السبت لسبع خلون ~~من رمضان بعد بروزه بثلاثة وعشرين يوما. واستخلف في القصر موسى ابن محمد بن ~~حدير الوزير صاحب المدينة، وعبد الرحمن بن بدر، ونهض - رضي الله عنه - في ~~جيوش كثيفة وعدد كاملة. وكان قد نزع إليه قبل فصوله محمد ابن فروة صاحب ~~أبذة في جملة فرسانه؛ فتقبلهم أحسن قبول، وأنزلهم أتم إنزال؛ وصاروا في ~~جملة رجاله ومن يضمه عسكره. وسار - رحمه الله - لوجهه. فلما ms387 احتل بحصن ~~مارتش من عمل جيان، ورده الخبر بمضايقة عمر بن حفصون لأهل حاضرة رية، وأنه ~~أطمع نفسه عند تخاذلهم بانتهاز الفرصة فيهم. فوجه لتلافي ذلك سعيد بن عبد ~~الوارث، في قطيع من الجند، وأمره أن يغذ السير، ويطوي المراحل، حتى يحتل ~~مدينة مالقة، ويقطع بابن حفصون عما كان رامه منها وأطمع نفسه فيها؛ فتوصل ~~القائد إلى الموضع، وضبطه، وحمى تلك الجهة عن ابن حفصون وحزبه. PageV01P209 ~~ونهض أمير المؤمنين - رحمه الله - إلى حصن المنتلون واحتله يوم الأحد للنصف ~~من شهر رمضان؛ وحارب سعيد بن هذيل فيه حتى افتتحه يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ~~ليلة بقيت منه. وأنزل سعيد بن هذيل من الحصن، وأوسعه الأمان. وولي عمله ~~محمد بن عبد الوهاب. ثم تقدم - رحمه الله - إلى حصون شمنتان؛ فاستأمنه عبيد ~~الله بن أمية بن الشالية، وإسحاق بن إبراهيم صاحب منتيشة، وعكاشة بن محصن ~~صاحب وادي بني عبد الله، وسلمة بن عرام صاحب بحيلة، ومنذر بن حريز صاحب ~~بغتويرة، وأفلح بن عروس صاحب بكور، وفحلون ابن عبد الله صاحب سانة؛ ونزلوا ~~عن معاقلهم إليه، وكلهم مذعن بطاعته ومحكم في نفسه؛ فأوسعهم أمير المؤمنين ~~- رحمه الله - فضله، وألبسهم عفوه، وأخلى تلك المواضع منهم، وقدم أولادهم ~~ونساءهم إلى قرطبة. واستعمل في الحصون ثقات رجاله. واستنزل عبد العزيز بن ~~عبد الأعلى من حصن الشارة، ودحثون بن هشام. ثم انتقل - رحمه الله - منها ~~إلى كورة إلبيرة. فلما احتلها، تداعى أهل حصون تاجلة وبسطة ومربيط ~~والبراجلة والأسناد إلى النزول والطوع، وأخلوا حصونهم. فأحكم الناصر - رحمه ~~الله - أمر ذلك الجانب كله، وضبط المعاقل برجاله، وأتقن الجميع بنظره. ثم ~~انتقل - رحمه الله - إلى حصون وادي آش؛ فأخلى أكثرها رهبة له، ونزل على حصن ~~فنيانة يوم الخميس لأربع خلون من شوال؛ وكان فيه من شيعة ابن حفصون من آوى ~~أهله وأضلهم؛ فتمنعوا من النزول، ورجوا أن يعتصموا بوعر الحصن؛ فأحاطت ~~العساكر بهم، وأضرمت أرباضهم نارا؛ فضرعوا في قبول الإنابة، على أن يسلموا ~~من كان عندهم من شيعة ابن حفصون؛ فاجيبوا إلى ms388 ذلك، وتقبض على أصحاب ابن ~~حفصون، وشدوا وثاقا. # ثم انتقل أمير المؤمنين يتقرى تلك المعاقل بجهة بشيرة وأجبلها، حتى توغل ~~بالعساكر في جبل الثلج، وهو ممتنع السلوك؛ فجازه الناس، ويسر الله ذلك ~~عليهم، وسهله لهم. وافتتحت حصون تلك الجهة، ولم يبق بها معقل ممتنه. # واتصل بأمير المؤمنين - رحمه الله - إن ابن حفصون أقبل في جماعة أصحابه ~~إلى حاضرة إلبيرة، طامعا في انتهاز الفرصة فيها. فأخرج عباس بن عبد العزيز ~~قائدا نحوه. فلما قرب من مدينة غرناطة، أقبل ابن حفصون لما كان رجاه وطمع ~~به؛ فخرج أهل إلبيرة واثقين بالمدد الذي وردهم، والقائد المصرح لهم؛ فهزموا ~~ابن حفصون، وقتلوا جماعة من رجاله، وأسروا عمر بن أيوب حفيده. وجرح أحد ~~أولاده جراحا أثخنته. # وتقصى أمير المؤمنين - رحمه الله - ما كان بقي من معاقل تلك الجهة، حتى ~~احتل بحصن شبيلش؛ وكان من أعظم حصون ابن حفصون منعة، وأصعبها مراما، ~~وأوعرها مكانا؛ وإليه كان انضوى كل مشرك تفلت من الحصون المتقدمة الذكر ~~فاحتلت العساكر عليه يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة بقيت من شوال؛ فقطعت ~~ثمارهم، واستهلكت زروعهم ومعايشهم؛ وحوصروا خمسة عشر يوما، حتى نادوا ~~بالطاعة، وضرعوا في قبول الإنابة؛ وأسلموا أصحاب ابن حفصون الذين كانوا ~~عندهم؛ فتلقى ذلك أمير المؤمنين - رحمه الله - بالقبول، وأخرج إليه جميع من ~~كان في الحصن من المشركين؛ فأمر بضرب رقابهم حتى أبيحوا عن آخرهم. # ثم أم - رحمه الله - مدينة شلوبينية، وفعل فيها مثل فعله فيما تقدم ذكره؛ ~~وضبط برجاله كل حصن افتتحه. وانحسم الداء في كورة إلبيرة، وتألفت كلمتهم، ~~واستقامت طاعتهم. وصدر - رحمه الله - قافلا على طريق حصن أشنبين وحصن بنة ~~فراطة؛ وكانا قد أضرا بأهل غرناطة وحاضرة إلبيرة، وهما في غاية الحصانة ~~والمنعة. فنزلت الجيوش عليهما، وأحدقت بهما؛ وحوربوا أشد محاربة وأنكاها ~~عشرين يوما. ثم أخذت عليهم الحصون وشحنت بالرجال. وقفل أمير المؤمنين - ~~رحمه الله - بعد إيعابه النظر في كل ما شخص له من استصلاح أمر كورة جيان ~~وإلبيرة وما والاهما، ودخل القصر بقرطبة يوم الأضحى؛ وقد استتم ms389 في غزاته ~~اثنين وتسعين يوما. # وفي هذه السنة، توفي هشام بن محمد القرشي المعروف بابن الشبانسية. ~~PageV01P210 وفي سنة 301، توفي بإشبيلية عبد الرحمن بن إبراهيم بن حجاج ~~صاحبها، في المحرم؛ فاجتمع أهلها على تقديم أحمد بن مسلمة مكانه؛ وكان من ~~الشجعان فأخرج أمير المؤمنين الناصر - رحمه الله - أحمد بن محمد بن حدير ~~الوزير قائدا نحوها؛ فكان أول من حاربها وأوقع بأهلها. وكان محمد بن ~~إبراهيم بن حجاج عند ذلك بمدينة قرمونة؛ فقصد باب السدة، وعرض نفسه على ~~أمير المؤمنين لمحاربة أهل إشبيلية. فأخرجه لذلك مع قاسم بن وليد الكلبي؛ ~~وحاصراها شهورا. ثم خرج إليها الحاجب بدر بن أحمد؛ فدخلها يوم الاثنين ~~لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولي من هذه السنة، وهدم أسوارها، واستصلح ~~أمور أهلها، وأخرج مع نفسه سعيد بن المنذر عاملا عليها. # وفيها، ولي محمد بن سليمان بن وانسوس الوزارة. ووليها أيضا عيسى بن أحمد ~~بن أبي عبدة. وولي محمد بن عبد الله الخروبي، ومحمد بن أحمد بن حدير، وفند ~~الكبير، ودرى مولي الناصر خطة العرض. وعزل عمر بن أحمد ابن فرج عن السوق، ~~وصرف النظر فيها إلى محمد بن عبد الله الخروبي؛ وذلك في ربيع الآخر. وولي ~~أحمد بن مسلمة الشرطة العليا. واستقدم محمد بن إبراهيم بن حجاج من مدينة ~~قرمونة، وولي الوزارة، وقعد مع الوزراء يوما واحدا. واستقدم سعيد بن المنذر ~~من إشبيلية، ووليها فطيس بن أصبغ في شعبان وأعيد إلى الشرطة العليا قاسم بن ~~وليد الكلبي. وولي خزانة المال موسى بن سليمان الخولاني المعروف بأبي ~~الكوثر، وعبد الملك بن سليمان أخوه خزانة السلاح. # وفي هذه السنة، افتتح أهل الثغر حصن قلهرة؛ وكان بأيدي المشركين؛ وذلك ~~يوم الأربعاء لثمان عشرة ليلة خلت من ذي القعدة. # وفيها، كانت محاصرة لب بن محمد مدينة سرقسطة، وبنيان الردم عليها. وفيها، ~~قتل محمد بن عبد الملك الطويل. # وفيها، خرج الناصر غازيا إلى كورة رية والجزيرة وقرمونة، وهي الثانية من ~~غزواته: برز - رحمه الله - من قصر قرطبة يوم الخميس لثمان خلون من ms390 شهر ~~رمضان، وفصل غازيا لثمان خلون من شوال. وتخلف في القصر موسى بن محمد ابن ~~حدير صاحب المدينة. وكانت الكتب تنفذ إلى هشام الولد - رضي الله عنه - ، ~~وهو ضغير. فكان أول مقصده حصن طرش، بعد أن قدم حاجبه بدر بن أحمد في قطيع ~~من الجند إلى حصن بلدة؛ فألقى أهله غرة، وقتل منهم، وسبى، وأسر جملة كثيرة. ~~واحتل الناصر - رضي الله عنه - بجيوشه على حصن طرش يوم الأربعاء لأربع عشرة ~~ليلة خلت من شوال؛ فحصر من كان فيه، وأقام عليه خمسة أيام، يغاديهم الحرب ~~ويماسيهم، ويقطع ثمارهم، ويحطم معايشهم، ويقتل من تظاهر منهم. ثم أبقى ~~عليها من يحاصرها، وتنقل إلى حصون رية ومعاقل ابن حفصون، يتتبعها معقلا ~~معقلا، وينزل نأسه ومعرة جيوشه بكل ما ينزل به منها. وأوقع بابن حفصون ومن ~~انحشد إليه من النصرانية في حصن طرش وقبعة عظيمة ذهب فيها كثير منهم. وبعث ~~برؤوسهم إلى قرطبة. وألقيت للمشرك عمر بن حفصون مراكب في البحر، كانت نميره ~~من العذرة؛ فأحرق جميعها. وسارع كل من كان بتلك الناحية من أهل شانر، وفج ~~وسيم، وقلبيرة، والقصر، وما انتظم بها من أحواز الجزيرة إلى الدخول في ~~الطاعة والاعتصام بها من الهلكة؛. فقبلهم الناصر - رضي الله عنه - وأمنهم، ~~وسكن أحوالهم. # وتنقل منها إلى حاضرة الجزيرة؛ ثم إلى كورة شذونة؛ ثم إلى كورة مورور، ~~حتى أوفى على مدينة قرمونة؛ فاحتلها يوم الثلاثاء مستهل ذي الحجة. وكان ~~حبيب بن سوادة قد أظهر الخلاف فيها عند قدوم محمد بن إبراهيم بن حجاج ~~قرطبة؛ فنازلته جيوش أمير المؤمنين - رحمه الله - وحوصر بها عشرين يوما، ~~حتى عضته النكاية، وأخذت بمخنقة المحاصرة؛ ثم استأمن؛ فأمن، وسأل أن يمهل ~~لانتقال أهله وثقله إلى قرطبة؛ فأجابه الناصر - رحمه الله - إلى ذلك، ولم ~~يرهقه من أمره عسرا؛ وقفل إلى قرطبة؛ فدخلها يوم الأثنين لليلتين بقيتا من ~~ذي الحجة وقد استتم في غزاته اثنين وثمانين يوما. # وفي هذه الغزاة، بعث في قاسم بن وليد الكلبي صاحب الشرطة، وكان قد خلف ~~قرطبة؛ فسجن وسجن ms391 معه محمد بن إبراهيم بن حجاج، ومحمد بن وهيب، وعبيد الله ~~بن محمد الرهاني، وسكن بن جديدة. وعزل ابن مسلمة عن الشرطة العليا، ووليها ~~عباس بن أحمد بن أبي عبدة. # وفيها، استقود الناصر عيسى بن أحمد بن أبي عبدة، وأعاده إلى كورة ~~إشبيلية. PageV01P211 وفي هذه السنة، توفي عبد الله بن محمد الزجالي الوزير ~~الكاتب، في ربيع الأول؛ فولي رسم الكتابة عبد الله بن بدر؛ وكان سكن بن ~~إبراهيم، وعمر بن ناجيت كاتبي بدر الحاجب يقيمان خدمة الكتابة. # وفيها، توفي العاصي ابن الإمام محمد - رحمه الله - في ربيع الأول، وهو ~~ابن ثلاث وستين سنة. وتوفي عباس بن عبد العزيز القرشي في جمادى الأولي. ~~وتوفي الوزير أبو الحارث سلمة بن علي، ومحمد بن وليد بن غانم الوزير، وأيوب ~~بن سليمان بن صالح الفقيه، وسعيد بن خمير الفقيه. # وفيها، قتل ببرشلونة عبد الملك بن عبد الله بن شبريط. وأغار المشركون ~~بوادي الحامة في الثغر. وكانت ملحمة أرنيط يوم الأحد لعشر بقين من شعبان؛ ~~وهلك فيها غرسية بن إذفنش صاحب حجليقية؛ وصار الأمر إلى أخيه أردون ابن ~~إذفنش. # وفي سنة 302، كانت ولادة أمير المؤمنين الحكم المستنصر بالله - أطال الله ~~بقاءه - ابن أمير المؤمنين عبد الرحمن بن محمد - رضي الله عنه - وذلك يوم ~~الجمعة مستهل رجب وقت أذان الظهر. # وفيها، أغزى أمير المؤمنين الناصر - رحمه الله - في الصائفة عمه أبان ابن ~~الإمام عبد الله؛ ففصل في شوال إلى كورة رية، وتردد بالجيوش فيها، ونازل ~~حصونها، وحطم زروعها، وقطع ثمارها. # وفيها، أمحل الناس، وتوالى القحط وعم. فبرز إلى مصلى الربض محمد بن عمر ~~بن لبابة صاحب الصلاة، واستسقى بالناس خمس مرات في أيام مختلفة؛ فلم تكن ~~سقيا؛ وغلت الأسعار، وقلت الميرة في الأسواق. ثم برز أحمد بن أحمد ابن زياد ~~للاستسقاء بالناس يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال، وهو أول شهر ~~مايه؛ فنزل رذاذ تماسك به بعض الزرع، وذهب الأكثر. وكان القحط عاما شاملا ~~بالأندلس وأطرافها وثغورها؛ وغلت الأسعار في جميع جهاتها. # وفي هذه ms392 السنة، قدم الناصر - رحمه الله - محمد بن عبد الله الخروبي من ~~ولاية السوق إلى ولاية المدينة، وعزل عنها موسى بن محمد بن حدير. وولي ~~السوق أحمد بن حبيب بن بهلول، وذلك يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ~~شوال؛ وفي هذا اليوم عزل عبد الله بن بدر عن الكتابه، ووليها عبد الملك بن ~~جهور؛ وعزل محمد بن محمد بن أبي زيد عن الشرطة الصغرى ووليها يحيى بن ~~إسحاق. # وفيها، عزل عبد الرحمن بن بدر عن خطة الخيل، ووليها عبد الله بن مضر. ~~وفيها، ولي المواريث قند ودرى موليا أمير المؤمنين الناصر. # وفي يوم الأحد مستهل ذي الحجة، قتل عباس بن أحمد بن محمد بن أبي عبدة ~~صاحب الشرطة العليا؛ وكان أمير المؤمنين الناصر - رحمه الله - قد أرتبه على ~~محاصرة منت روبي؛ فواقعته ضربة في حرب باشرها وغرر بنفسه فيها. فولي الناصر ~~أخاه عبد الله بن أحمد بن محمد الشرطة العليا، وولي محمد بن محمد ابن أبي ~~عبدة خزانة المال. # وفيها، توفي مروان بن المنذر ابن الإمام عبد الرحمن بن الحكم - رحمه الله ~~- يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة؛ وكان قد توفي قبله ~~عمر ابن الإمام عبد الرحمن لست بقين من جمادى الأولي. # وفيها، توفي سعيد بن السليم؛ وكان حاجبا في أيام الإمام عبد الله - رحمه ~~الله - وكانت وفاته لأربع خلون من ربيع الآخر. وتوفي النضر بن سلمة، وكان ~~قاضيا في أيام الإمام عبد الله، وذلك يوم الثلاثاء لسبع خلون من جمادى ~~الآخرة. وفيها، توفي عبيد الله بن محمد بن أبي عثمان لثلاث خلون من شهر ~~رمضان. وتوفي حمدون بن بسيل في شعبان، وعبد الله بن محمد بن عبد الخالق ~~الغساني قاضي إشبيلية لست بقين من جمادى الأولي. وتوفي الفقيه خالد بن وهب ~~يوم الأحد لأربع خلون من ربيع الآخر؛ وفيها، توفي محمد بن يحيى النحوي ~~المعروف بالقلفاط في جمادى الآخرة؛ وكان من العلماء الحفاظ والشعراء ~~الفصحاء؛ وكان هجاء للناس، سبابة للأشراف، كثير البذاء والسفه في شعره. ~~PageV01P212 وفي ms393 سنة 303، كانت المجاعة بالأندلس، التي شبهت بمجاعة سنة ~~ستين؛ وبلغت الحاجة بالناس مبلغا لا عهد لهم بمثله؛ وبيع قفيز قمح بكيل سوق ~~قرطبة بثلاثة دنانير دخل أربعين. ووقع الوباء في الناس، وكثر الموتان في ~~أهل الفاقة والحاجة، حتى كاد أن يعجز عن دفنهم. وكثرت صدقات أمير المؤمنين ~~الناصر - رحمه الله - على المساكين في هذا العام، وصدقات أهل الحسبة من ~~رجاله؛ فكان الحاجب بدر بن أحمد أكثرهم صدقة، وأعظمهم بماله مواساة. ولم ~~يمكن في هذا العام، لضيق الأحوال فيه، أن يكون غزاة أو إخراج جيش، غير أن ~~الناصر - رضه - أخذ بالجد والحزم في ضبط أطرافه، والتحفظ بالمسلمين من عادة ~~أهل الخلاف والخلعان، إذ كانوا مع استيلاء الجوع يغاورون من قرب منهم، ~~ويغدرون على من مر بهم من رفاق المسلمين وطالبي المعاش ومستجلبي المير. # وفي هذه السنة، ولي إسحاق بن محمد القرشي الوزارة؛ وكان ذا رأي وعناء. ~~وفيها، ولي محمد بن محمد بن أبي زيد الشرطة العليا؛ وكان يلي الشرطة الصغرى ~~من قبل. # وفي هذه السنة، توفي أبان ابن الإمام عبد الله - رحمه الله - يوم ~~الثلاثاء لليلتين خلتا من جمادى الآخرة. وهو ابن خمس وخمسين سنة؛ ودفن ~~بمقابر قريش في الربض. ومات فيها لأمير المؤمنين الناصر - رضي الله عنه - ~~ولد يسمى هشاما ويكنى بأبي الوليد؛ وكان بكر ولده. # وتوفي فيها أحمد بن هشام ابن الإمام عبد الرحمن بن الحكم - رحمه الله - ~~يوم الجمعة لعشر بقين من شوال؛ والقرشي العثماني الطارئ من المشرق في أيام ~~الإمام عبد الله بن محمد - رحمه الله - وذلك يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة ~~بقيت من رمضان. وتوفي القرشي العبدي لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر شعبان. ~~وتوفي يحيى بن إسحاق بن يحيى بن أبي عيسى الفقيه؛ وكانت له رحلة روى فيها ~~الحديث؛ ولم يكن بالثقة، غير أنه كان نبيلا مفوها. وتوفي فيها الفقيه ~~النميري، واسمه أحمد بن عبد الله بن فرج. وتوفي أحمد بن بيطير الفقيه يوم ~~الخميس لليلتين هلتا من ذي الحجة. وتوفي فيها مفوز بن غريب. ms394 # وفيها، أسر مطرف بن محمد بن لب بن قسي؛ أسره العدو بالثغر. # وفيها، توفي بالثغر عبد الله بن محمد بن لب بن قسي؛ وكان من أهل البأس ~~والشجاعة والنكاية للعدو. وقتل ابنه محمد بن عبد الله عمه مطرفا. ووقعت بين ~~بني لب فتون وحروب، واختلف أمرهم. # ومات في هذا العام بقرطبة جملة من وجوهها وبياض أهلها، يطول الأخبار عنهم ~~والاجتلاب لهم، إلى من مات في الكور والمواضع البعيدة ممن لم يأخذه إحصاء ~~ولا عد. وكانت للعدو مع بني قسي جولات في الثغر هذا العام. # وفي سنة 304، كان إغزاء أمير المؤمنين الناصر لدين الله - رضي الله عنه - ~~أحمد بن محمد بن أبي عبدة القائد إلى أرض الحرب. وفصل يوم السبت لأربع عشرة ~~ليلة بقيت من المحرم، وهو اليوم الثامن عشر من يوليه، وضم إليه من الموالي ~~والأجناد عدد كثيرا. ودخل أرض المشركين؛ فبكى، وغنم، وسبى؛ وخرج من أرض ~~العدو بالمسلمين سالمين غانمين. # وفيها، ولي عبد الحميد بن بسيل الخزانة. وفيها، غزا إسحاق بن محمد القرشي ~~إلى كورة تدمير؛ فافتتح حصن أوربوالة واستصلح أحوال أهل الكورة. وفيها، ولي ~~فطيس بن أصبغ الخزانة ولايته الأولى. # وفيها، غزا الحاجب بدر بن أحمد إلى مدينة لبلة؛ فحاصرها وافتتحها يوم ~~الاثنين لعشر بقين من شهر رمضان. # وفيها، عزل عبد الملك بن جهور عن الكناية، ووليها عبد الحميد بن بسيل؛ ~~ولم يطل أمد ولايته؛ ثم أعيد إليها عبد الملك بن جهور. # وفيها، ولي إسماعيل بن بدر العرض. وفيها، نقل علي بن حسين عن خزانة ~~السلاح إلى خطة العرض، لاثنتي عشرة ليلة خلت من صفر. وفيها، ولي العرض محمد ~~بن عبد الله بن مضر. # وفيها، توفي منذر ابن الإمام المنذر - رحمه الله - سلخ شعبان؛ وكان مولده ~~بعد موت أبيه إلى ستة أشهر؛ وعبد الملك بن حوزة القرشي، يوم الثلاثاء لتسع ~~خلون من ربيع الآخر؛ وأخوه الأحدب، وكان يتنجم، في عقب ربيع الآخر؛ والعارض ~~صاحب المواريث قند مولى أمير المؤمنين الناصر، يوم الثلاثاء لثلاث خلون من ~~رجب؛ فولي مكانه ms395 المواريث إسماعيل بن بدر. # وتوفي المؤدب محمد بن أرقم يوم الجمعة لست خلون من رجب؛ وفيه توفي الولد ~~محمد ابن أمير المؤمنين الناصر - رحمه الله - والولد سليمان الأكبر. ~~PageV01P213 وفي عشر خلون من شوال من هذا العام، ولد الولد أبو مروان عبيد ~~الله شقيق أمير المؤمنين الحكم المستنصر بالله - أيده الله! وفيها، توفي ~~الفقيه الزاهد أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الزراد لأربع خلون من جمادى ~~الأولي؛ مولده سنة 242؛ وكان قد روى علم ابن وضاح. وتوفي الفقيه المحدث ~~طاهر بن عبد العزيز الرعيني. وتوفي أبو القاسم محمد بن عبد السلام بن قلمون ~~ليلة الخميس لثلاث عشرة ليلة بقيت من ربيع الآخر؛ وكان نبيلا، مرسلار، حسن ~~الخط؛ وولي الخزانة؛ وكان له لسان وبيان. # وفي سنة 305، غزا بالصائفة إلى دار الحرب أحمد بن محمد بن أبي عبدة ~~الوزير القائد؛ وفصل يوم الاثنين لعشر خلون من صفر. وخرج معه طبقات الناس ~~من المجاهدين وأهل الديوان؛ وحشد إليه رجال الثغر؛ فدخل أرض العدو في جمع ~~كبير، ونازل حصن قاشتر مورش الأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول. وجد ~~المسلمون في محاربة المشركين حتى كانوا قد أشرفوا على الظفر بمن كان في ~~الحصن؛ فاحتشدت النصرانية من جميع جهاتها ممدين لكفرتهم، ومجلبين على ~~المسلمين بخيلهم ورجلهم. فتداعى بعض أهل المداهنة في الدين من أهل الثغر ~~إلى إظهار الهزيمة وجروها على المسلمين؛ فانهزم كثير منهم. وثبت القائد ~~أحمد بن محمد بنفسه، وأظهر الصبر، ودافع مدافعة الموطن. وقيل إنه كان قد ~~اعتقد مذهبا في طلب الشهادة؛ فاستشهد القائد المذكور الأربع عشرة ليلة خلت ~~من ربيع الأول. واستشهد من المسلمين معه من آثر الشهادة ورغب عن خزي ~~الفرار. ولم يول المشركين دبرا، ولا أراهم نكوصا ولا فرارا. وانعقد سائر ~~أهل الجيش، وصاروا يدا واحدة؛ فسلموا وخرجوا إلى أرض المسلمين بدوابهم ~~وأثقالهم وأبنيتهم. # وفيها، غزا إسحاق بن محمد الوزير إلى مدينة قرمونة؛ فحاصر فيها حبيب بن ~~عمر، وضايقه، وأخذ بمخنقه. ثم خرج إليها الحاجب بدر بن أحمد؛ فتمادى على ~~حصارها ms396 حتى فتحها قسرا، ودخلها يوم الخميس لخمس خلون من ربيع الآخر. # ذكر موت عمر بن حفصون # وفي هذه السنة، هلك عمر بن حفصون، عميد الكافرين، ورأس المنافقين، وموقد ~~شعل الفتنة، وملجأ أهل الخلاف والمعصية. فعد هلاكه من أسباب الإقبال، ~~وتباشير الصنع، وانقطاع علق المكروه. ولما توفي افتتحت أبذة إلبيرة، وهي ~~المعروفة بأبذة فروة؛ وكان فيها سليمان بن عمر بن حفصون؛ فاستنزل عنها، ~~وقدم به قرطبة يحيى بن إسحاق في شوال؛ فأنزل وتوسع له. # وفيها، ولي الوزارة عبد الملك بن جهور يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من ~~شوال. وفيها، توفيت البهاء بنت الإمام عبد الرحمن بن الحكم - رحمه الله - ~~في رجب؛ فلم يتخلف أحد عن جنازتها. وتوفيت للناصر - رضي الله عنه - ابنة ~~تسمى بعائشة. وفيها، توفي سعيد بن عبد الوارث الأيسر؛ وكان من أهل الشجاعة ~~والعناء في الخدمة. وتوفي الفقيه محمد بن إبراهيم المحدث الحجازي. وتوفي ~~عمر بن أحمد بن فرج؛ وكان كاتب الرأي؛ وولي السوق. # وفي هذه السنة، حشد أرذون بن إذفنش، وشائجه بن غرسية صاحب النصرانية، ~~بجليقية وبنبلونة، وخرجها في جموعهم واحتفال من كفرتهم إلى مدينة ناجرة ~~بالثغر الأقصى؛ فنزلا عليها في عقب ذي الحجة، وأقاما عليها ثلاثة أيام. ~~وعانت النصرانية في ذلك الثغر. وأفسدت الزروع؛ ثم تنقلت إلى تطيلة. وبلغ ~~العدو إلى نهر مالس، وجزائر مسقبرة، ووادي طرسونة. وخلف شانجة نهر إبرة، ~~وقاتل حصن بلتبرة، وقهره على أهل الربض، وأحرق المسجد الجامع؛ فكان ذلك مما ~~أحفظ الناصر وحركة لمجاهدتهم والأنصار منهم، على ما سيأتي ذكره. # غزوة مطونية PageV01P214 وفي سنة 306، كان غزاة الحاجب بدر بن أحمد إلى ~~دار الحرب، وهي عزاة مطزنية. وكان أمير المؤمنين الناصر - رضي الله عنه - ~~لما اتصل به تطاول المشركين على من كان بازائهم من أهل الثغور بامتناع ~~الصوائف عن غزوهم، والإيغال في بلادهم بالحرب المتقدم الذكر، أحفظه ذلك، ~~وأذكى عزمه، وأكد بصيرته في مجاهدة أعداء الله وأعداء دينه في هذا العام؛ ~~فأمر بالاحتفال في الحشد وجمع الرجال والتكثير من الأجناد والفرسان ~~الأبطال. وعهد ms397 إلى حاجبه بالغزو بنفسه في الصائفة. ونفذت كتبه إلى أهل ~~الأطراف والثغور بالخروج إلى أعداء الله، والدخول في معسكره، والجد في ~~نكاية أهل الكفر، والإيقاع بهم في أواسط بلادهم، ومجتمع نصرانيتهم. ففصل ~~الحاجب بالجيوش، يوم الثلاثاء لخمس بقين من المحرم؛ وانثالت إليه العساكر ~~من كل جهة في أرب ثغور المسلمين؛ ودخل بهم دار الحرب، وقد انحشد المشركون، ~~وتجمعوا من أقاصي بلادهم، واعتصموا بأمنع أجبلهم؛ فنازلهم الحاجب بدر بن ~~أحمد بأولياء الله وأنصار دينه؛ فكانت له على أعداء الله وقائع اشتفت فيها ~~صدور المسلمين، وانتصروا على أعداء الله المشركين. وقتل في هذه الغزاة من ~~حماتهم، وأبطالهم، وصلاة الحروب منهم، جملة عظيمة لا يأخذها عد، ولا يحيط ~~بها وصف. وكان الفتح يوم الخميس لثلاث خلون من ربيع الأول ويوم السبت لخمس ~~خلون من ربيع الأول، في معارك جليلة، لم يكن أعظم منها صنعا، ولا أكثر من ~~أعداء الله قتيلا وأسيرا. وورد الكتاب بذلك على أمير المؤمنين الناصر - رضي ~~الله عنه - يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول؛ فأكثر من شكر ~~الله عز وجل على ما من به، وفتح فيه. وقرى )كتاب الفتح( في الجوامع وكتب به ~~إلى الأطراف. # وفي يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، في العام المؤرخ، ولد ~~أبو الأصبغ عبد العزيز بن عبد الرحمن، شقيق أمير المؤمنين المستنصر بالله - ~~أيده الله - . # غزاة الناصر لدين الله إلى بلدة # وفي شهر ذي الحجة من هذه السنة، غزا الناصر بنفسه مدينة بلدة من كورة ~~رية؛ فبرز لها يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة؛ وفصل يوم ~~الثلاثاء للنصف من ذي الحجة بعد بروزه بستة وعشرين يوما؛ وتخلف في القصر ~~بقرطبة ابنه وولي عهده وقبلة الآمال من بعده، أمير المؤمنين الحكم المستنصر ~~بالله - أبقاه الله - ومن الوزراء موسى بن محمد بن حدبر. فلما قرب الناصر ~~من مدينة بلدة، قدم من ثقات رجاله، وإخفاء أجناده من يمنحن إمكان زرعها ~~وموضع المضطرب عليها؛ فألقى الزرع متأخرا؛ وأتته الأنباء بإمكان ms398 زروع فحص ~~رعين؛ فرأى التعريج إليه بعد أن أمر بابتناء صخرة فوزان، لتكون موفية على ~~بسيط بلدة. ثم ارتحل إلى حصن دوش امانتش؛ فنازله وحاربه حتى افتتحه. ثم نهض ~~إلى مدينة بلدة؛ فاحتلها يوم الثلاثاء لليلة بقيت من ذي الحجة، وأحاطت ~~العساكر بها؛ فتداعى من كان من المسلمين فيها إلى النزول بأنفسهم وذراريهم؛ ~~وذكروا أنهم كانوا مغلوبين على أمرهم؛ فأمنهم الناصر، وقاتل الكفرة ~~المتغلقين في المدينة، حتى أظفره الله بهم؛ فقتلوا عن آخرهم وملكت المدينة، ~~وتدب فيها الرجال. ثم انتقل إلى حصون رية، يتقراها معقلا معقلا، ويفتتح ما ~~مر به منها. ونزل على جبل ببشتر؛ فحاصر أهله، وقطع ثمراتهم، واستبلغ في ~~نكايتهم؛ فسأله جعفر بن عمر بن حفصون قبض رهائنه، استيثاقا من طاعته، على ~~أن يؤدى من الجباية ما فرض عليه؛ فأجابه الناصر إلى ذلك، وفيضت رهائن جعفر ~~وشيعته، وصارت في قبضته وداخل معسكره. ثم قفل الناصر لدين الله عن جبل ~~ببشتر، ودخل القصر لثلاث بقين من المحرم من سنة 307، وقد استتم في غزاته ~~أربعين يوما. # وفي هذه السنة، عهد الناصر بعمل الفوارة إزاء باب القصر المعروف بباب ~~العدل، وإقامة محراب مصلى المصارة بقرطبة. # وفيها، توفي عبد الله بن كليب بن عبد السلام، لخمس خلون من ربيع الآخر. ~~وفيها، توفي للناصر ابن يسمى بمحمد، ويكنى بأبي القاسم. وفيها، توفيت رقية ~~ابنة الإمام محمد. وتوفي فيها موسى بن أزهر الفقيه الإسنجي لثلاث خلون من ~~ربيع الأول؛ وكان من أهل الفصاحة والبيان والخط الحسن. وتوفي فيها حزب الله ~~بن رباعي بن عبد الله الخشني الزاهد، وكانت له رواية. PageV01P215 وفي سنة ~~307، كان احتلال الناصر أمير المؤمنين بمدينة ببشتر، على ما تقدم ذكره في ~~العام قبله، ودخوله قرطبة قافلا من غزاته في التاريخ المتقدم ذكره. # وفي هذه السنة، افتتح حصن طرش؛ وكان فيه عبد الرحمن بن عمر بن حفصون؛ ~~فأسلم الحصن إلى رجال أمير المؤمنين الناصر لدين الله، ودخل قرطبة؛ فأنزل ~~ووسع عليه. وكان غير داخل في الحرب والفتنة مدخل أبيه؛ وإنما كان صاحب ms399 كتب، ~~وكان حسن الخط ضعيف العقل. قال عريب: وقد صار بعد ذلك وراقا. # وفيها، ولي أمير المؤمنين الناصر محمد بن عبد الله بن محمد الزجالي خزانة ~~المال لتسع خلون من شهر رمضان. # وفيها، توفي محمد بن أحمد بن زياد، يوم السبت لأربع عشرة خلت من رجب؛ ~~وكان جارا لمحمد بن وضاح الفقيه؛ فأوصى أن يصلي عليه؛ فقام له بذلك ذكر. ~~وفيها، مات محمد بن سليمان بن وانسوس الوزير، يوم الجمعة لعشر خلون من شهر ~~رمضان. وفيها، مات حمدون بن بسيل وفيها، أمر الناصر بقتل موسى بن زياد، ~~ليلة السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت من صفر؛ وكان قد ولي الوزارة في أيام ~~الإمام عبد الله، وكثرت مطالبته للناس، ورفعه عليهم، وتحككه بهم؛ وكان ~~يجاهر بكراهة أمير المؤمنين الناصر، ويرفع عليه إلى جده - رحمهما الله - ، ~~ويغري الإمام عبد الله برجاله؛ فحبسه أمير المؤمنين الناصر في يوم بيعته؛ ~~ولم يزل محبوسا إلى أن أمر بقتله؛ وقتل معه حبيب بن عمر بن سوادة، وولداه، ~~ومحمد بن وليد المعروف بالغليلي؛ وكانت لهم ذنوب وجرائم أحردته عليهم. # غزاة مويش # وفي سنة 308، كان غزاة أمير المؤمنين الناصر إلى دار الحرب، وهي غزاة ~~مويش؛ فبرر - رحمه الله - لهذه الغزاة يوم الخميس لثلاث عشرة خلت من ذي ~~الحجة سنة 307؛ ثم فصل غازيا من قصر قرطبة يوم السبت لثلاث عشرة ليلة خلت ~~من المحرم سنة 308، وهو اليوم الثالث من شهر حزيران، ذلك بعد بروزه بثلاثين ~~يوما. وتخلف في القصر ولي عهده الحكم أمير المؤمنين المستنصر بالله - أيده ~~الله - . ومن الوزراء موسى بن محمد بن حدير. فلما كان في اليوم الرابع من ~~فصوله، ونزل بمخاضة الفتح، ورد عليه بها كتاب فتح من قبل عامل مدينة الفرج، ~~يذكر أن المشركين من أهل جليقية أتوهم في جمع كثير؛ فأغاروا على ما لاقوه ~~في بسيطهم من الدواب والسوام، ثم عرجوا على حصن بقربهم، يعرف بالقليعة؛ ~~فأحدقوا به طامعين في التغلب عليه؛ فانحشد إليهم جميع أهل المدينة بفارسهم ~~وراجلهم، وواضعوهم القتال بأثبت بصائرهم؛ فمنحهم الله ms400 - عز وجل - أكتاف ~~الكفرة، وأطال أيديهم عليهم؛ فقتلوا وأسروا كثيرا منهم، واتبعوهم من أول ~~النهار إلى آخره، والسيف يعمل فيهم، وبعثوا بجملة من رؤوسهم؛ فاستبشر ~~الناصر بما ورده وتفأل باسم المحلة التي كان فيها عند ورود الفتح عليه. ~~PageV01P216 ونهض آما لوجهته، والحشود والعساكر تتلاحق به من سائر أقطار ~~الأندلس، وجميع جهاتها. ونزل - رحمه الله - على مدينة طليطلة، وخرج إليه لب ~~بن الطربيشة صاحبها، مبادرا إليه، وغازيا معه؛ وكان يظهر طاعة تحتها معصية. ~~ثم تنقل - رحمه الله - في مناقله، حتى نزل بمدينة الفرج؛ فنظر لأهلها، وعزل ~~بني سالم عنهم، إذ شكوا بهم. واستوزر - رضي الله عنه - في هذه المحلة سعيد ~~بن المنذر، وقدمه قائدا وضابطا لمدينة الفرج، وأغزاه مع نفسه، واستعمل على ~~الموضع ابن غزلان القرشي صهره، واستقصى عليهم محمد بن مسور الفقيه. فصلحت ~~أحوالهم، وعم الرضى جميعهم؛ وخرج للجهاد أكثرهم. ونهض أمير المؤمنين الناصر ~~- رحمه الله - في جيوش تغص بها السبل، ويضيق بها القضاء الأوسع، حتى احتل ~~بثغر مدينة سالم، وأظهر - رحمه الله - التوجه إلى الثغر الأقصى. وقدمت ~~المقدمة نحوه. ثم عرج بالجيوش إلى طريق آلية والقلاع، وطوى من نهاره ثلاث ~~مراحل، حتى احتل بوادي دوبر؛ فاضطربت العساكر فيه، وباتت عليه. ثم أخرج ~~صباح تلك الليلة سعيد بن المنذر الوزير، في جرائد الخيل وسرعان الفرسان، ~~إلى حصن وخشمة؛ فأغد السير حتى قرب من الحصن، وسرح الخيل المغيرة يمنة ~~ويسرة، والمشركون في سكون وغفلة، إذ كان العلج الذي يلي أمورهم قد كاتب ~~أمير المؤمنين - رحمه الله - ، مكايدا له في إزاحته عن بلده بمواعيد وعدها ~~من نفسه؛ فأظهر أمير المؤمنين - رحمه الله - قبول ذلك منهم، وأضمر الكيد ~~بهم؛ فغشيتهم الخيل المغيرة على حين غفلة، وأصابوا نعمهم وسوامهم ودوابهم ~~مسرحة مهملة؛ فاكتسحوا جميع ذلك، وانصرفوا إلى العسكر سالمين غانمين. فلما ~~كان في صباح يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة بقيت من صفر، اندفعت الخيل في ~~أكمل تعبئة، وأهذب ترتيب، وأوكد ضبط، وأبلغ حزم وعزم، إلى حصن وخشمة؛ ففر ~~عنه الكفرة، وأخلوه، ولاذوا بالغياض الأشبة، ms401 والصخور المنقطعة. ودخل ~~المسلمون الحصن، وغنموا جميع ما فيه وأضرموه نارا. وبات أمير المؤمنين - ~~رحمه الله - في محلته على وخشمة ليلة السبت؛ ثم رحل عنها في اليوم الثاني ~~إلى حصن قاشتر مورش، وهي شنت أشتبين، بيضة المفرة، وقاعدتهم، والموضع الذي ~~كانوا تعودوا فيه الاستطالة على من وردهم. فلما رأوا أن أنصار دين الله قد ~~أطلوهم، وأولياءه قد يمدوا نحوهم، أخلوا الحصن وخرجوا هاربين عنه؛ فدخله ~~المسلمون، وغنموا جميع ما فيه؛ وخربوا حصن القبيلة المجاور له، ولم يترك ~~لأعداء الله في تلك الجهة نعمة يأوون إليها. # واضطرب العسكر بشرقي حصن قاشتر مورش. وبات المسلمون ليلة الأحد بأسر ليلة ~~كانوا بها، والحمد لله. ثم انتقل أمير المؤمنين - رضي الله عنه - في صبيحة ~~اليوم الثاني من مكان المضطرب شرقي الحصن إلى غربيه، ولم يكن بين الموضعين ~~إلا قدر ميل؛ فكسر العسكر في ذلك المكان يوم الأحد متقصيا لآثار الكفرة، ~~ومستبيحا لنعمهم. ثم ارتحل إلى مدينة لهم أولية تعرف بقلونية، وكانت من ~~أمهات مدنهم؛ فلم تمر الجيوش إليها إلا على قرى منتظمة وعمارة بسيطة؛ فغنمت ~~جميع ما كان بها، وقتلت من أدركت فيها، حتى أوفت العساكر على المدينة؛ ~~فألقيت خالية، قد شرد عنها أهلها إلى الأجبل المجاورة لهم؛ فغنم المسلمون ~~جميع ما أصابوا فيها، وعملت الأيدي في تخريب ديارها وكنائسها. وكسر الناصر ~~- رحمه الله - عليها ثلاثة أيام، مطاولا لنكاية المشركين، وانتساف نعمهم. ~~ثم ارتحل - رحمه الله - من مدينة قلونية يوم السبت لخمس بقين من صفر إلى ~~ثغر تطيلة، لغياث صريخ المسلمين به، إذ كان العلج شانجه قد ضايقهم، وتردد ~~بكفرته عليهم؛ فأخذ الناصر - رحمه الله - بالرفق في نهوضه، لئلا يعنف على ~~المسلمين بحث السير مع اتصال سفرهم؛ فاستقبل بالجيوش قطع المفاز الأعظم، ~~مسايرا لوادي دوير، وقطع في ذلك خمس محلات، حتى احتل حوز تطيلة؛ ثم قدم ~~الخيل مع محمد ابن لب عاملها إلى حصن قلهرة الذي كان اتخذه شانجه على ~~أهلها. فلما قصدته الخيل، أخلاه من كان فيه، وضبطه المسلمون. PageV01P217 ~~ثم نهض - رحمه الله ms402 - إلى حصن قلهرة. وكان شانجه قد اتخذه معقلا، وتبوأه ~~مسكنا. فلما فجأته العساكر، أخلاه العلج، وزال عنه؛ فغنمه المسلمون بأسره؛ ~~وكسر الناصر - رحمه الله - عليه يومين حتى خرب جميعه، وانتسف كل ما كان ~~حواليه. ثم رحل بالجيوش يوم الأحد لأربع خلون من ربيع الأول إلى دي شره، ~~وأجاز إليها وادي إبره؛ فخرج شائجه من حصن أرنيط في جموعه وكفرته، متعرضا ~~لمن كان في مقدمة العسكر؛ فتبادر إليه شجعان الرجال، تبادر رشق النبال؛ ~~فانهزم الكفرة، وركبتهم الخيل، تقتل وتجرح، حتى تواروا في الجبال، ولاذوا ~~بالشعاب وأيقنوا بالدمار والهلاك. وحيز كثير من رؤوس المشركين؛ فتلقوا بها ~~أمير المؤمنين - رحمه الله - ، ولا علم عنده المعركة التي دارت بينهم وبين ~~أعداء الله. واضطرب العسكر بهذا الموضع، وبات المسلمون ظاهرين على عدوهم، ~~ومنبسطين في قراهم ومزارعهم. # وورد الخبر على الناصر - رحمه الله - باجتماع العلجين أرذون وشانجه، ~~واستمداد بعضهما ببعض، طامعين في اعتراض المقدمة، أو انتهاز فرصة في ~~الساقة. فأمر الناصر - رحمه الله - بتعبئة العساكر، وضبط أطرافها؛ ثم نهض ~~بها موغلا في بلاد الكفرة؛ فتطللوا على كدي مشرفة وأجبل منيعة؛ ثم تعرضوا ~~من كان في أطراف الجيش، وجعلوا يتصابحون، ويولولون ليضعنوا من قلوب ~~المسلمين؛ فعهد الناصر - رحمه الله - بالنزول والاضطراب وإقامة الأبنية. ثم ~~تبادر الناس إلى محاربة الكفرة، وقد أسهلوا من تلك الأجبل؛ فواضعوهم ~~القتال، واقتحم عليهم حشم أمير المؤمنين ورجاله وأبطال الثغر وحماته، ~~ويضعون أسلحتهم فيهم، ويمطرون رماحهم عليهم، حتى انهزم المشركون، لا يلوون ~~على مكان مضطربهم، ولا يهتدون لوجه متقلبهم، والمسلمون على آثارهم، يقتلون ~~من أدركوا منهم، حتى حجز الظلام بينهم. # ولجأ عند الهزيمة أزيد من ألف علج إلى حصن مويش، ورجوا التمتع فيه. فأمر ~~الناصر بتقديم المظل وأبنية العسكر إلى الحصن؛ فأحبط به من جميع جهاته، ~~وحوربوا داخله حتى تغلب عليه، واستخرج جميع العلوج منه، وقدموا إلى الناصر ~~- رحمه الله - ؛ فضربت رقاب جميعهم بين يديه، وأصيب في الحصن والمحلة التي ~~كانت للكفرة بقربه من الأمتعة والأبنية والحلية المتقنة والآنية ما لا يحصى ~~كثرة؛ ms403 وأصيب لهم نحو ألف وثلاثمائة فرس. وكسر أمير المؤمنين - رحمه الله - ~~بهذه المحلة أربعة أيام، يغير جميع ما حواليها من نعم المشركين وثمراتهم ~~ومزارعهم؛ ثم انتقل - رحمه الله - يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع ~~الأول إلى حصن كان أتخذه شانجه على أهل بقيرة؛ فألقاه خاليا، قد فر عنه ~~أهله؛ فعهد بهدمه، ولم يبرح أمير المؤمنين - رحمه الله - من محلته هذه حتى ~~انتقل إلى حصن بقيرة من أطعمة الكفرة ألف مدي تقوية لأهله. # ثم انتقل إلى حصون المسلمين يسكنها وينظر في مصالح أهلها؛ فكلما ألفى ~~بقربها معقلا للمشركين، هدمه وأحرق بسيطه، حتى لقد اتصل الحريق في بلاد ~~المشركين عشرة أميال في مثلها. واجتمع عند الناس من الأطعمة والخيرات ما ~~عجزوا عن حمله، ولم يجدوا لها ثمنا تباع بع؛ وكان القمح في العسكر تبذل ستة ~~أقفزة بدرهم؛ فلا يوجد من يشتريه؛ فجمعت الأطعمة وأدخلت النار إليها حتى ~~أخرجت عن آخرها. وقفل الناصر - رحمه الله - يوم الثلاثاء. لثلاث بقين من ~~ربيع الأول، حتى انتهى إلى مدينة أنتيشة؛ فكسر - رحمه الله - بها يوما، ~~ووصل رجال الثغر، وكساهم، وحملهم، وأذن لهم في الرجوع إلى مواضعهم. وبعث ~~إلى قرطبة من رؤوس الكفرة التي أصيبت في المعارك المذكورة أعدادا عظيمة، ~~حتى لقد عجزت الدواب عن استيفاء حملها. ودخل - رحمه الله - القصر بقرطبة ~~يوم الخميس الثالث عشر من ربيع الآخر، وقد استكمل في غزاته هذه تسعين يوما. # وفي هذه السنة، بعد القفل، عزل الناصر - رحمه الله - محمد بن محمد بن أبي ~~زيد عن الشرطة العليا، وولاها دريا مولاه. # وفي هذه السنة، قتل جعفر بن عمر بن حفصون بجبل ببشتر، قتله أصحابه غيلة، ~~ودخله أخوه سليمان وضبطه. # وفيها، ولي العرض عبد الرحمن بن عبد الله الزجالي. # وفيها، افتتحت المندات بحذر فرطمة من كورة رية، وبنى حصن فاشتره ذكوان، ~~وألزمه الرجال والقوة. PageV01P218 وفي هذه السنة، توفي أبو عمرو سعد بن ~~معاذ بن عثمان بن حسان بن بخامر الشعباني الفقيه بقرطبة في جمادى الأولي؛ ~~وكان معظما في أهل العلم؛ ms404 وفيها، توفي عبد الغافر بن هاشم بن عبد العزيز. # وفي سنة 309، كان غزاة أمير المؤمنين الناصر - رحمه الله - إلى كورة رية، ~~وهي غزاة طرش. وبرز لها - رحمه الله - يوم الخميس لسبع خلون من ذي الحجة ~~سنة 308، وهو اليوم العاشر من أيار. وفصل من قصر قرطبة غازيا يوم السبت ~~لثمان خلون من المحرم سنة 309، وهو اليوم العاشر من حزيران بعد بروزه إلى ~~أحد وثلاثين يوما. وتخلف في النصر ولي عهده أمير المؤمنين المستنصر بالله - ~~أطال الله بقاءه - فسار - رضي الله عنه - في احتفال من جيوشه، وطبقات من ~~رجاله، حتى احتل على حصن طرش؛ وكانت النصرانية قد احتشدت إليه، وتحصنت فيه؛ ~~فأحدقت العساكر به من جميع جهاته، وعهد بمحاربتهم والتضييق عليهم ونصب ~~المجانيق على مرتقى تصل منه حجارته إلى الكفرة. وكانوا في أول المنازلة لهم ~~يبرزون للحرب، ويظهرون المدافعة، حتى مزقتهم الحرب، وقللت عددهم، وقلت ~~حدهم؛ فعاذوا بالاستغلاق في داخل حصنهم. ثم تمادى التضييق عليهم، والحصار ~~لهم، حتى أخذهم الجهد، وأشفوا على الهلاك؛ فخاطبوا أمير المؤمنين ضارعين ~~إليه في تأمينهم، على أن يسلموا الحصن، ويخرجوا عنه؛ فأجابهم إلى ذلك، وقيل ~~إنابتهم؛ ودخل رجاله الحصن، وخرج عنه جميع من كان به من النصرانية داخله. ~~وهدمت قصابه وألقيت أحجارها في النهر؛ وبني في موضع الكنيسة مسجد جامع. ~~ونظر الناصر - رحمه الله - أيام محاصرته لحصن طرش في توجيه القواد والأجناد ~~إلى حصن ببشتر وحصن أقوط وجبل الحجارة، لمحاربة سليمان وحفص ابني عمر بن ~~حفصون، والتضييق عليهم، والانتقاص لعددهم. ثم قفل الناصر - رحمه الله - من ~~محلته على حصن طرش يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، ودخل ~~قصر قرطبة يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة بقيت منه، وقد استتم في غزاته هذه ~~تسعة وستين يوما. # وفي هذا العام، استنزل بنو سعيد بن ناصح بن مستنة من حصون باغه المعروفة ~~بعالية وربرش. واستنزل موسى بن يزيد، أخو حمصي، من الصخرة التي كان بها. ~~واستنزال بنو مهلب من حصونهم المعروفة بقرذبرة وإشبرغيرة وغيرهما، وهدم ~~جميعها. # وفي هذه ms405 السنة، أمر الناصر - رحمه الله - بقتل العاصي ابن الإمام عبد ~~الله، ومحمد بن عبد الجبار ابن الإمام محمد - رحمهما الله - ، إذ شهد كل ~~واحد منهما على صاحبه بمطالبة الخلافة ونقض البيعة، وكثرا في ذلك؛ وكان ~~لهما غليان. فقتلا ليلة الأربعاء لثلاث خلون من رجب. # وفي ليلة الجمعة لست خلون من رجب، مات الحاجب بدر بن أحمد وولي الحجابة ~~موسى بن أحمد بن حدير. # وفيها، مات محمد بن عبد الله بن أمية الوزير؛ وعبد الواحد بن محمد بن عبد ~~الواحد بن يزيد الإسكندراني في شوال؛ وفيها، توفي الفقيه محمد بن أحمد ~~المعروف بابن الزراد، ليلة الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة. ~~PageV01P219 وفي سنة 310، كان غزو أمير المؤمنين الناصر - رحمه الله - إلى ~~كورة إلبيرة، وهي غزاة منت روبي، وبرز لهذه الغزاة يوم الخميس لثلاث خلون ~~من ذي الحجة سنة 309، وهو الرابع من نيسان، وفصل غازيا من قصر قرطبة يوم ~~السبت لعشر خلون من المحرم، وهو اليوم الحادي عشر من أيار، بعد بروزه بسبعة ~~وثلاثين يوما. وتخلف في القصر ولي عهده الحكم المستنصر بالله - أبقاه الله ~~- ، ومن الوزراء أحمد بن محمد بن حدير. وغزا معه في هذه السنة الحاجب موسى ~~بن محمدا؛ فسار - رضي الله عنه - حتى احتل بحصن منت روبي يوم الاثنين لإحدى ~~عشرة ليلة بقيت من المحرم؛ وكان جبلا ممتنعا، بعيد المرام، كثير السكان من ~~عجمة، قد لاذت به، وامتنعت فيه؛ وهو متوسط بين كورة إلبيرة وكورة جيان، ~~وعلى طريق مدينة بجانة. فكان من سلك السبيل من وارد أو صادر لا يسلم من ~~عادية ذلك الحصن. وكانوا يسفكون الدماء، ويسلبون الأموال، ويخيفون السبل. ~~فأقام عليهم أمير المؤمنين - رحمه الله - خمسة وثلاثين يوما محاصرا، حتى ~~أباد كثير منهم، وقطع ثمراتهم، وغير نعمهم. ثم أبقى على الحصن من رجاله ~~وأجناده من استمر على محاصرتهم، حتى كان لا يدخل إليهم داخل، ولا يخرج عنهم ~~خارج. وتقدم عنه إلى حصون كورة إلبيرة؛ فعم جميعها بالنكاية. ثم عرج منها ~~إلى كورة رية، ونزل على ms406 جبل ببشتر يوم السبت لسبع خلون من ربيع الأول؛ ~~فحاربهم أشد محاربة، ونكاهم أبلغ نكاية وقطع ما كان بقي في أسناد الجبل من ~~الثمار، ورتب لمحاصرتهم أكابر القواد. وقصد رحمه الله - كورة تاكرنا؛ ~~فاستصلح أحوال أهلها، واستوثق من طاعتهم ونقل من رأى نقله إلى قرطبة من ~~وجوههم. ثم وصل نظره فيها بالنظر في كورة مورور، وطالع في طريقه كورة ~~إشبيلية وقرمونة، وقفل بعد إحكامه جميع الأمور في تلك الجهات؛ فاحتل قصره ~~يوم السبت لست خلون من ربيع الآخر، وقد استكمل في غزاته هذه خمسة وثمانين ~~يوما. # وفي هذه السنة، ولي الوزارة أبو سعيد عبد الملك بن محمد الشذوني، يوم ~~الأربعاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر. وولي فيها الوزارة أيضا ~~يحيى بن إسحاق؛ وكانت بيده الشرطة الصغرى؛ فوليها مكانه محمد بن محمد بن ~~أبي زيد، وذلك يوم السبت لخمس بقين من شوال. # وفيها، عزل أفلح بن عبد الرحمن عن الخيل، ووليها صاحب المدينة محمد ابن ~~عبد الله الخروبي أياما يسيرة؛ ثم أعيد إليها أفلح. # وفيها، ولي أحمد بن موسى بن حدير، ونمارة بن سليمان الخزانة، في شوال. # وفيها، ولي أحمد بن عبد الله الخروبي العرض. # وفيها، مات سالم بن عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بن أبا الفقيه؛ وعبد ~~الله بن أبي الوليد ابن أخت محمد بن الصفار الفقيه، وكانت له رواية عن ~~سحنون؛ ومحمد بن عبد الحكم؛ وفيها، توفيت علية بنت الإمام عبد الرحمن ابن ~~الحكم - رحمه الله - . PageV01P220 وفي سنة 311، كان غزو أمير المؤمنين ~~الناصر لدين الله - رضي الله عنه - إلى مدينة ببشتر وحصون رية؛ فبرز لغزاته ~~هذه يوم الخميس لست خلون من ذي الحجة سنة 310، وهو اليوم السابع عشرين من ~~أذار؛ وفصل غازيا يوم الاثنين مستهل المحرم، وهو اليوم الثاني عشرين من ~~نيسان، بعد بروزه بخمسة وعشرين يوما؛ فسار - رحمه الله - حتى احتل على حصن ~~ببشتر؛ وبادر سليمان بن عمر بن حفصون بمكاتبته، راجيا لصرف عزمه عنه؛ فأعرض ~~الناصر عن محاربته، وقبول ما تعرض له ms407 من مكايدته، وأخذ بالجد والعزم في ~~محاصرته، وقطع باقي ثمراته وكرماته، واصطلام معائشه. وأقام عليه سبعة أيام، ~~يصل الغدو بالرواح في التغيير والتدمير والنكاية والاستبلاغ؛ وفعل كذلك ~~فيما بقى من حصونه، كحصن قرذارش، وحصن نجارش، وحصن ألجش، وشنت ببطر؛ فخرج ~~إليه حفص بن عمر بن حفصون، وتبرأ من حصن قامرة؛ فأمنه أمير المؤمنين الناصر ~~- رحمه الله - ، وأقره في بعض حصونه، لما رآه من السياسة ووجه المصلحة فيه ~~وفي سليمان أخيه. ثم تقدم إلى مرسى شاط والمنكب، وحصن مشكريل، ونهض بعساكره ~~في وعر لم يقتحمه جيش قبله؛ فاستنزل جميع أهل تلك الحصون، واستصلح تلط ~~الجهات. ثم قصد جبل ببشتر، وقد كان أهله أرادوا الفتك بسليمان بن حفصون، ~~وضبطوا القصبة دونه، وأطلقوا من كان في حبسه، وانتهبوا أكثر أمتعته؛ ثم إنه ~~احتال مع بقية أصحابه، حتى دخلوا المدينة، وفتحوا له بابها؛ فدخل منه ~~متلثما، وأطمع السواد في أموال القائمين عليه؛ فثاروا معه، وبادروا إلى قتل ~~من ظفر به منهم؛ فأفنى أكثرهم؛ وسلط الله بعض الكفرة على بعض، ليمحو ~~آثارهم. وبقى سليمان بجبل ببشتر مشغولا بنفسه، مرتابا ممن حوله؛ فاحتل به ~~أمير المؤمنين مرة ثانية في غزاته هذه، وذلك يوم الأحد لأربع خلون من ربيع ~~الأول؛ فلم يكن لأحد من الكفرة إطلال عند اضطراب العسكر على ما كانوا ~~تعودوا من قبل؛ وأرتب على الجبل أمير المؤمنين من وثق به من رجاله، وألزمهم ~~مواضع في جميع جهاته. ثم قفل، ودخل القصر بقرطبة يوم السبت لعشر خلون من ~~ربيع الأول، وقد استتم في غزاته تسعة وستين يوما. # وفي هذه السنة، كانت وقيعة بقيرة ومحاصرة أهل بنبلونة لعبد الله محمد ابن ~~لب، حتى تغلب عليه وعلى من كان معه، وأسرهم العلج شانجه؛ ثم قتلهم. وكان مع ~~ابن لب في حصن بقيرة مطرف بن موسى بن ذي النون، ومحمد بن محمد ابن عمه، ~~ووجوه رجالهم؛ فذهبوا في هذه الوقيعة بأجمعهم. وشنع الحادث فيها على الناصر ~~- رحمه الله - فأخرج عبد الحميد بن بسيل قائدا إلى الثغر الأقصى، بعد ms408 أن ~~استوزره؛ وكان على خزانة المال؛ فنهض حتى احتل الثغر بجيوش كثيفة، أخرجت ~~معه، وحشدت إليه من الثغر وغيره؛ فدخل مدينة تطيلة وملكها. # وفيها، افتتحت قصبة مورور. # وفيها، ولي محمد بن أحمد بن حدير خطة العرض، وعزل محمد بن محمد ابن أبي ~~زيد عن الشرطة الصغرى، ووليها يحيى بن يونس القبرسي. # وفيها، توفي عبد الرحمن ابن الإمام المنذر - رحمه الله - . وتوفي جهور بن ~~عبد الملك، وهو قائد شذونة. وفيها، قتل عبد الله بن محمد بن مروان الجليقي، ~~صاحب بطليوس، دخل عليه بعض أهل الموضع، فقتلوه. وفيها هلك أرذون بن إذفنش ~~صاحب جليقية، وولي مكانه فلوبرة. # غزاة الناصر إلى بنبلونة PageV01P221 وفي سنة 312، كان غزاة أمير ~~المؤمنين الناصر لدين الله - رضي الله عنه - إلى دار الحرب، وهي الغزوة ~~المعروفة ببنبلونة؛ فبرز - رحمه الله - لهذه الصائفة مبكرا قبل ميقات ~~الصوائف، إذ أحفظه ما دار على بني لب وبنى ذي النون بحصن بقيرة؛ فبرز ~~لغزاته هذه يوم الخميس لليلتين خلتا من ذي الحجة، وهو اليوم الثاني عشر من ~~شباط سنة 311. وفصل من قرطبة يوم السبت لأربع عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة ~~12، وهو اليوم السابع عشرين من نيسان، وذلك بعد بروزه بثلاثة وأربعين يوما. ~~فاحتل لأول خروجه بمحلة بالش، وكسر بها يومين، متلوما على المجاهدين معه من ~~أجناده ورعيته، والمحشودين من أقطار كورة. وتخلف - رحمه الله - بالقصر ~~بقرطبة ولي عهده الحكم المستنصر بالله - أبقاه الله - ، ومن الوزراء أحمد ~~بن محمد بن حدير. وأم الناصر رضه في أول خروجه كورة تدمير وكورة بلنسية، ~~واستصلح أحوال أهلهما، واستنزل عبد الرحمن بن وضاح، ويعقوب بن أبي خالد ~~التوبري، وعامر بن أبي جوشن، وغيرهم، من مواضعهم التي كانوا متأمرين فيها، ~~ومتعاصين عن النزول منها. وأرتب القواد والجيوش على محمد بن عبد الرحمن بن ~~الشيخ، إذ يمنع من النزول إليه والغزو معه؛ وكان يمدينة العسكر من أحواز ~~بلنسية. # ثم نهض أمير المؤمنين الناصر - رحمه الله - في عساكر كعدد الحصى، حتى دخل ~~ثغر تطيلة. وخرج إليه النجيبيون وغيرهم، وتلقاه عمال ms409 الثغر في جنود عظيمة، ~~وعدة كاملة؛ فدخل - رحمه الله - بلاد المشركين يوم السبت لأربع خلون من ~~ربيع الآخر بأنقذ عزم، وأوكد حزم، وأقوى نية في الانتقام لله عز وجل ولدينه ~~من الأرجاس، الكفرة الأنجاس. فحل من أول بلادهم حصن قلهرة؛ وكان العلج ~~شانجه قد أخلاه؛ فأمر بهدمه وإحراق جميع ما فيه وحوله؛ ثم تنقل عنه إلى ~~موضع يعرف ببيطرة التة؛ وكانت حوله حصون مانعة؛ فأخلاها الكفرة، وتخلقوا في ~~بسيطها جميع أمتعتهم وأطعمتهم، إذ عوجلوا عن انتقالها. ولجأ علوج منهم ~~بأهلهم وولدهم إلى ثلاثة غيران في شفير جرف على النهر؛ فلم يزل أهل العسكر ~~يتعلقون إليهم فيها، ويتسورون عليهم من أعاليها، حتى فتح الله تلك الغيران ~~عليهم؛ فقتلوا العلوج وسبوا الذرارى، وغنموا الأمتعة. وكان ذلك أول ما أفاء ~~الله - عز وجل - على أهل العسكر، وغنمهم إياه. وهدمت حصون الكفرة التي كانت ~~في تلك الجهة؛ ولم يبق منها صخرة قائمة. # ثم تنقل - رحمه الله - من هذه المحلة، بعد أن كسر بها يوما، إلى حصن ~~فالجش؛ فأضرمت أرباضه نارا، واستقصيت زروعه ونعمه انتساقا وتغييرا. ثم ~~ارتحل رضه إلى حصن نفالية؛ وكان من حصونهم الشريفة؛ فألقيت الأطعمة به ~~كثيرة، والنعم فيه فائضة؛ فانتهب المسلمون جميع ذلك، ودأبوا في تخريب ~~الديار، وتغيير الآثار. ثم ارتحل منه إلى حصن قرقستال على وادي أرغون؛ ثم ~~استعزم الناصر - رضي الله عنه - على الإيغال في بلدهم، والتوصل إلى موضع ~~قرارهم، ومجتمع كفارهم، ونكايتهم في عقر دارهم، ومكان أمنهم؛ فأخذ في ~~الحزم، وعهد بضبط مجنيات العسكر، وتقدم من فج المركوبر في أمك تعبئة وأهذب ~~ترتيب، وذلك يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر؛ فدخلت الجيوش ~~مواضع لم تدخل قبل ذلك، وأحرقت الحصون، وهدمت الديار، حتى نزل بقرية ~~بشكونشة، التي إليها ينسب العلج، ومنها أصله؛ فهدمت مبانيها، أحرق كل شئ ~~كان فيها. PageV01P222 فجمع العلج شانجه كفرته، واستمد بنصرانيته من كل ~~مكان، طمعا أن بغاث منه حتى توافى له جمع رجا أن يكافح المسلمين به؛ فتطلعت ~~له خيل على تلك ms410 الأجبل المنيفة على العسكر، وذلك ليلة الأربعاء للنصف من ~~شهر ربيع الآخر؛ فأمر الناصر - رحمه الله - بالتعبئة للرجال، وشك العسكر، ~~وإتقان النظر؛ وصابح النهوض والتقدم لوجهته، واثقا بالله - عز وجل - ~~ومتوكلا عليه؛ فسلكت الجيوش بين أجبل شامخة وشواهق منقطعة. ورجا أعداء الله ~~مع ذلك بانتهاز الفرصة والاعتراض للمسلمين في مجنبة أو ساقة؛ فلما توسط ~~الجيش بعض تلك المواضع المتضايقة على واد يعرف بوادي هيغة، هبطت للمشركين ~~خيل من الأجبل؛ فحالت بينهم وبين أهل العسكر مناوشة يسيرة. فعهد أمير ~~المؤمنين - رحمه الله - برفع المظل والتعبئة للحرب، ونهض المسلمون إلى ~~أعدائهم نهوض الأسود؛ فعبروا النهر إليهم، وصمموا بالحملة عليهم، حتى ~~اقتلعوهم عن موضعهم، وهزموهم، ووضعوا سيوفهم ورماحهم فيهم، حتى اضطروهم إلى ~~مرتقى وعر وجبل منقطع؛ فتقحم المسلمون عليهم، وسهل الله وعره لهم؛ فقتلوا ~~جملة منهم، وبسطت الأرض بأجسادهم. واستمرت الخيل المغيرة في بسيطهم؛ فأصابت ~~الغنائم والسوام وضروب النعم، وانصرفوا سالمين، لم يصب منهم غير يعقوب بن ~~أبي خالد التوبري، ونفر يسير من الحشم فازوا بالشهادة، وختم الله لهم ~~بالسعادة. واجتمع من رؤوس المشركين عدد عظيم منع من البعثة بها إلى قرطبة ~~بمنع الطريق وبعد المسافة. # ثم ارتحل أمير المؤمنين رضه إلى محلة لتبيرة؛ ثم إلى محلة لغين؛ والجيوش ~~لا تمر بموضع إلا اصطلمته، وتعلقت زروعه، وهدمت قراه وحصونه، إلى أن بلغ ~~رضه مدينة بنبلونة؛ فوجدها خالية مقفرة؛ فدخلها - رحمه الله - وجال بنفسه ~~عليها، وأمر بهدم جميع بنيانها، وتخريب كنيسة الكفرة بها، التي كانت يبعثهم ~~موضع نسكهم، حتى لقد جعلت قاعا صفصفا. ثم تنقل - رضي الله عنه - منها إلى ~~صخرة قبس؛ وكانت بها كنيسة قد شيدها العلج، وأتقنها، وطاول الأيام بالتأنق ~~فيها، والتحصين لها؛ فلما حلت بها الجيوش وأخذت في هدمها، تطلع الكلب من ~~جبل كان أسد إليه، طامعا في حمايتها؛ فداخله أولياء الله بأسرع من لحظة ~~الطرف. حتى اقتلعوه مهزوما موليا، وصرع من فرسانه ووجوه أصحابه من كان عنه ~~محاميا ودونه مستهلكا؛ وأخربت الكنيسة وما أحاط بها، وعادت القرية نارا ~~موقدة. # ثم ms411 تنقل منها إلى محلة اسارية؛ وكان في ممره إليها فج يقال له هرقلة ضيق ~~المسلك، وعر المجاز؛ فرام الكفرة انتهاز فرصة من المسلمين فيه؛ فأمر الناصر ~~- رحمه الله - بالتعبئة والاحتراس، ونهض على أتم التحفظ والضبط، حتى جاورت ~~العساكر ذلك المضيق، وخرجت عنه وتظاهر أعداء الله لأخل الساقة، متسنمين ~~لأعلى جبل؛ فنهضت الخيل إليهم، وهزمتهم، وقتلت طائفة منهم. وانقشعوا مدبرين ~~لا يلوون ولا يعرجون. وتقدم المسلمون بعزة القهر، وسرور النصر، حتى نزلوا ~~محلة إسارية. ثم ارتحل الناصر - رحمه الله - منها إلى محلته بقرية منيير؛ ~~ثم تنقل إلى محلته بدى شره المجاورة لشنت اشتبين؛ وكان موضع " استركاح " ~~العلج شانجه، ومكان طمأنينته؛ فحلت الجيوش بهذه المحلة يوم الأربعاء لثمان ~~بقين من ربيع الآخر، وتظاهر الكلب على الجبل، قد جمع جموعه، وحشد رجاله، ~~واستجاش بمدود انته من آلبة والقلاع، طامعا في معارضة المسلمين، يقيم بها ~~عذره عند كفرته، وأهل ملته؛ فناشبهم المسلمون الحرب، والتحم بينهم القتال؛ ~~فهزم الله جموع المشركين، وانقبضوا إلى أعلى جبلهم، وتفرقوا في شعراء متصلة ~~بهم. وبات أهل العسكر في مجلتهم. وانبسطت العلاقة في القرى؛ فانتسفت ما ~~فيها. ثم انتقل الناصر إلى محلته بموضع يعرف بربية سرته، وهو يريد فلهرة. ~~وتظاهر العلج بجموعه مرة ثانية في الموضع الذي كان مشرفا فيه، ومعتصما به؛ ~~فتبادر إليه الفرسان؛ فانهزم أقبح انهزام. وقتل له رجال وعقرت له خيل. ~~PageV01P223 وتنقل الناصر - رحمه الله - إلى حصن قلهرة؛ فألقاه خاليا، وأمر ~~بهدمه ثم تنقل إلى حصن بلتميرة، وهو من حصون المسلمين المجاورة للمشركين؛ ~~فعهد بادخار الأطعمة عندهم، وتفريق الأموال فيهم. واحتل بمدينة تطيلة. وكسر ~~بها، وذلك يوم الأثنين لثلاث بقين من ربيع الآخر، ورحل عنها قافلا، وجعل ~~مروره ببني ذي النون؛ وكان يحيى بن موسى قد استراب، وتوقف عن الجهاد، فدارت ~~عليه معرة الجيش، حتى أذعن منقادا، وخرج خائفا وجلا، وتلقى أمير المؤمنين ~~معترفا بذنبه؛ فأوسعه عفوه؛ وفعل مثل ذلك يحيى بن أبي الفتح ابن أخيه، ودخل ~~أمير المؤمنين - رحمه الله - قرطبة يوم الخميس لثمان بقين من ms412 جمادى الأولي، ~~وقد استتم في غزاته هذه أربعة أشهر. # وفي سنة 313، كان غزاة أمير المؤمنين الناصر - رحمه الله - إلى كورة ~~إلبيرة، ومنازلته حصن اشتين، وإستصلاحه الأحوال بكورة جيان وما والاها؛ ~~فبرز - رحمه الله - لهذه الغزاة يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم ~~سنة 313، وهو اليوم السابع من نيسان، وفصل غازيا يوم الخميس لثمان بقين من ~~صفر، وهو اليوم السابع من أيار، وذلك بعد بروزه بإثنتين وأربعين يوما؛ ~~وتخلف في القصر بقرطبة ولي عهده الحكم المستنصر بالله. ومن الوزراء أحمد بن ~~محمد بن حدير، وعلى المدينة محمد بن عبد الله الخروبي؛ واستقدم سعيد بن ~~المنذر الوزير من كورة تدمير، ليغزو معه. وأخرج محمد ابن إسحاق مديلا له؛ ~~فاحتل في طريقه بحصن المنتلون من كورة جيان، وأنزل عنه عبد الله بن سعيد بن ~~هذيل، وعزله عن سائر الحصون التي كانت بيده؛ واستعمل على الجميع عبد العزيز ~~بن مسلمة وعبد الله بن عمرو بن مسلمة؛ وعهد بهدم أكثر حصون جيان وقصابها، ~~إذ كانت مستركحا لأهل الشر والخرف، وضررا على أهل الطاعة والاستقامة؛ وكذلك ~~ما فعل بحصون إلبيرة، حتى احتل بحصن اشنين يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت ~~من ربيع الأول؛ وكان أهله على مكايدة باطنة، وإظهار طاعة تحتها مداهنة؛ ~~فعرض عليهم الناصر النزول عن حصنهم إلى البسيط حوله؛ فاضطربوا في أمرهم، ~~ولاذوا عن رشدهم؛ فاحتلت العساكر بهم، وأخذ بالجد والعزم في محاصرتهم، ~~وأحيط بهم من جميع جهاتهم، وبنيت عليهم ستة حصون يقابل بعضها بعضا، حتى ~~عادوا في مثل حلقة الخاتم ضيقا وحصارا. وبقى الناصر على محاصرتهم خمسة ~~وعشرين يوما، وهو يدأب مع ذلك في استصلاح أمور رعيته، وتأمين سبلهم، وقطع ~~المخاوف عنهم، ويشخص بنفسه إلى مل جهة من جهاتهم. # وفي هذه الغزاة، استجلب الناصر ولي عهده وعماد أنسه الحكم المستنصر بالله ~~من قصر قرطبة إلى معسكره، وهو في ذلك الوقت ابن عشرة أعوام وثمانية أشهر ~~ونصف، إذ استوحش له، وتاقت نفسه الكريمة إليه؛ فقدم عليه - أبقاه الله - ~~بهذه المحلة مع ثقات رجاله ms413 وفتيانه؛ واستخلف له في القصر أخوه عبد العزيز ~~لينفذ الكتب باسمه إلى وقت منصرفه. فأنس - رحمه الله - به، وسر بقربه. وقفل ~~الناصر من هذه الغزاة يوم الجمعة لست خلون من ربيع الآخر، بعد أن أرتب ~~الوزيرين سعيد بن المنذر وعبد الحميد بن بسيل على حصن اشتين، محاصرين لأهله ~~في كثف من الحشم. ودخل القصر بقرطبة يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة خلت من ~~ربيع الآخر، وقد استتم في غزاته خمسين يوما. # وفي هذه السنة، ولي خلف الفتى الكبير الطراز. # وفي شوال منها، ولي يحيى بن يونس القبرسي السوق. إذ اعتل أحمد بن بهلول ~~على أبطلته عن الحركة؛ ثم ولي يحيى بن يونس المواريث في ذي القعدة، وولي ~~عبد الله بن محمد الخروبي خزانة السلاح. # وفيها، صلب على الرصيف بباب قصر قرطبة الرامي المعروف بأبي نصر؛ وكان قد ~~ذهب به الصوت في الرماية والإصابة أيام عمر بن حفصون؛ فصلب؛ ثم رمى بالنبل ~~حتى أصيبت جوارحه ومقاتله؛ وبقي في الجذع أياما؛ ثم أحرق. # وفيها، توفي ابن الناصر يسمى بمحمد. وفيها، مات بن حزم العوفي من أهل ~~سرقسطة، في شهر رمضان؛ وكان كثير الرواية، بصيرا باللغة؛ وله رحلة سمع فيها ~~من بعض الفقهاء بالمشرق. وفيها، هلك فلويرة صاحب جليقية، وولي إذفنش؛ ثم ~~ترهب، وولي أخاه رذمير مكانه في سنة 19. PageV01P224 وفي سنة 314، كان ~~إغزاء الناصر - رحمه الله - قواده بالصوائف؛ ولم يكن له غزو بنفسه في هذا ~~العام لمحل كان فيه، وقحط شديد؛ فأخرج عبد الحميد بن بسيل الوزير إلى الثغر ~~الذي كان به بنو ذي النون؛ فأوقع بهم إذ كانوا قد مرقوا عن الطاعة، وأكثروا ~~الفساد في الأرض، والاستطالة على من جاورهم من المسلمين؛ فقتل منهم من ~~استحق القتل، وافتتحت مدينة سرتة؛ وكان أهلها على خلاف وخلعان للطاعة؛ فدرت ~~جبايتها من ذلك الوقت، وصارت بسيل سائر الكور المستقيمة الأحوال. ثم صدر ~~عبد الحميد بن بسيل من ذلك الثغر، وقد استقامت على يديه أحوال أهله؛ فأخرجه ~~الناصر إلى مدينة ببشتر، محاصرا لسليمان بن حفصون في جملة ms414 القواد المحاصرين ~~له؛ وأخرج - رحمه الله - أفلح صاحب الخيل مولاه إلى سليمان بن حفصون أيضا؛ ~~فنازله وحاصره، وفتح حصن منت روبي؛ وكان من أمنع معاقله. # ذكر قتل سليمان بن حفصون # وفي هذه السنة، قتل سليمان بن عمر بن حفصون؛ وكان قد ركب وخرج عن مدينة ~~ببشتر معارضا لبعض الحشم المغاورين له من العسكر؛ فتبادرت إليه الخيل من ~~الجهة التي كان فيها عبد الحميد الوزير؛ فصرع سليمان عن فرسه؛ فاحتز رأسه ~~سعيد بن بعلي العريف المعروف بالشفة؛ وكانت قد واقعته قبل ذلك طعان على يدي ~~محمد بن يونس العريف وبعض بني مظاهر العجم؛ وقطعت يداه ورجلاه، وذلك يوم ~~الثلاثاء مستهل ذي الحجة من سنة 314. وبعث الوزير عبد الحميد برأسه وجثته ~~ويديه مبعضة مفترقة؛ فرفعت على باب السدة بقرطبة في خشبة عالية؛ وكان الفتح ~~فيه عظيما سارا لجميع المسلمين. # وفيها، ورد الخبر بهلاك العلج شانجه صاحب بنبلونة. # وكان القحط في هذا العام شديدا، والمحل عاما؛ فاستسقى بالناس الخطيب أحمد ~~بن بقى صاحب الصلاة مرارا؛ ونفذت الكتب إلى الكور في الاستسقاء؛ فوافى نزول ~~الغيث مع رفيع جثة سليمان بن حفصون صليبة على باب السدة. فقالت في ذلك ~~الشعراء أشعارا كثيرة، منها )طويل(: # سحاب يمور الغيث وديمة ... دماء العدى تهمي بها وتفلإور # غياثان فينا واكفان من الحبا ... ولكن ذا رجس وذاك طهور # وذاك نجيع ليس يقبله الثرى ... وذا ناجع يسري به وبغور # تدنست الدنيا به فتطهرت ... بطون لها من رجسه وظهور # وفيها، ولي محمد بن عبد الله الزجالي الوزارة يوم السبت للنصف من جمادى ~~الأولي. # وفيها، عزل أسلم بن عبد العزيز عن قضاء الجماعة بقرطبة لعلة أقعدته وولي ~~أحمد بن بقي القضاء مع الصلاة. # وفيها، ولي أحمد بن عبد الوهاب بن عبد الرؤوف خزانة المال. وولي عبيد ~~الله بن عبد الله الزجالي العرض. وولي خزانة السلاح حسين بن محمد بن عاصم، ~~وأحمد بن يحيى بن حسان، وعبد الوهاب بن محمد بن عبد الرؤوف. # وفيها، توفي أصبغ ابن الأمير المنذر، وفيها، توفي محمد بن عمر ms415 بن لبابة ~~الفقيه، ليلة الاثنين لخمس بقين من شعبان؛ وكان مولده مستهل رجب سنة 226؛ ~~وكان عالما بالفتيا، حسن الدين، مستقيم الحال من حداثته إلى وقت وفاته. # وفيها، توفي محمد بن عبد الله الخروبي، صاحب المدينة، مستهل صفر؛ وولي ~~المدينة مكانه عيسى بن أحمد بن أبي عبدة بعد وفاته إلى ثمانية أيام. # وفي سنة 315، كان غزو أمير المؤمنين الناصر - رضي الله عنه - إلى مدينة ~~ببشتر لمحاربة حفص بن عمر بن حفصون؛ فبرز لهذه الغزاة يوم الخميس لثلاث ~~عشرة ليلة خلت من صفر سنة 315، وهو اليوم التاسع عشر من نيسان، وفصل غازيا ~~يوم الاثنين للنصف من شهر ربيع الآخر، وهو اليوم الحادي عشر من أيار، وذلك ~~بعد بروزه باثنين وثلاثين يوما. وأغزى مع نفسه ولي عهده الحكم المستنصر ~~بالله، وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وتسعة أشهر ونصف، وتخلف في القصر عبد ~~العزيز شقيق ولي العهد، ومن الوزراء أحمد بن محمد بن حدير، وعلى المدينة ~~أحمد بن عيسى مخلفا لأبيه عيسى بن أحمد الوزير. فنزل الناصر بجيوشه وخيله ~~وعدده على مدينة ببشتر يوم الثلاثاء لسبع بقين من ربيع الآخر، وزاد عزما في ~~البنيان عليها، والجد في محاصرتها، وأرتب بها من الفؤاد من يلازمها، وتنقل ~~منها إلى مدينة الحنش؛ فاستنزل من كان فيها، وأخلاها من ساكنيها، وأمر بهدم ~~أسوارها وتعفية آثارها؛ وباشر ذلك ولي عهده مع الحاجب موسى بن محمد مولاه. ~~PageV01P225 ثم أم الناصر حصن شنت بيطر وما قرب منه من الحصون؛ فنازلهم(، ~~وقطع ثمارهم وكرومهم، واصطلم معايشهم؛ ثم تنقل بجيوشه إلى مدينة مالقة؛ ~~فنظر بمثل ذلك في الحصون المجاورة لها، وولي مدينة مالقة عبد الملك بن ~~العاصي، وألزم معه جملة من الحشم لمغاورة أهل تلك الحصون، وأمره بحمل السيف ~~على كل داخل إليهم أو خارج عنهم. ثم صدر إلى مدينة ببشتر؛ فاضطرب عليها ~~ثانية من ناحية لماية، ورأى أن البنيان بها من أنكى الأمور للكفرة وأشدها ~~عليهم؛ فأمر ببنيان صخرة للأول تعرف بالمدينة، وقدم لذلك أحمد بن محمد بن ~~إلياس، وصرف إليه كورة ms416 تاكرنا، وما اتصل بها من لماية. وألزم عبد الحميد بن ~~بسيل الوزير مكانا يشرف منه على مجمع الطرق، ويحترس فيه بالمنتشرين من أهل ~~العسكر في العلاقات وطلب المرافق، والمختلفين إليه من كل موضع. وأقام ~~بمحلته هذه سبعة أيام، لم يدع فيها للكفرة مرتفقا ولا معاشا. ثم انتقل إلى ~~محلة طلجيرة؛ فعهد بالبنيان فيها، وأقام بها حتى كمل بها شأن مدينة ألزمها ~~سعيد بن المنذر الوزير. ورأى الناصر صرف ولي عهده إلى قصر قرطبة إيثارا ~~لصيانته ومعاودته إلى تأدبه؛ فوجهه مع ثقات رجاله، وفيهم درى بن عبد ~~الرحمن، صاحب الشرطة العليا، ومحمد بن أحمد بن حدير العارض؛ فبلغوه القصر ~~وانصرفوا عن باب السدة إلى العسكر؛ ولم يتقدم أحد منهم إلى داره، ولا دخل ~~منزله، ولا رأى أحدا من أهله. ثم قفل - رحمه الله - يوم السبت لثلاث عشرة ~~ليلة بقيت من جمادى الآخرة، ودخل قصر قرطبة يوم الثلاثاء لعشر بقين من ~~جمادى الآخرة، وقد استكمل في غزاته هذه خمسة وستين يوما. # وفي هذه السنة، أغزى الناصر دري بن عبد الرحمن، صاحب الشرطة. مولاه، إلى ~~ابن الزيات؛ فلما قرب منه، خرج هاربا؛ وظفر دري في وجهته هذه بهابل، قائد ~~كان لابن حفصون، وبأصحاب له؛ فأسرهم وأوثقهم بالحديد، وقدم بهم قرطبة؛ ~~فصلبوا في المرج الذي بين يدي القصر، وذلك يوم الأحد لسبع خلون من شهر ~~رمضان. # وفيها، ولي فطيس بن أصبغ الوزارة، وعيسى ابنه الخزانة، وعبد الله بن محمد ~~بن عبد الله الخروبي العرض، وعبيد الله بن عبد الله الزجالي المواريث. # ذكر افتتاح مدينة ببشتر # ولما اشتدت المحاصرة على حفص بن عمر بن حفصون بمدينة ببشتر، وأحبط به ~~بالبنيان عليه من كل جانب، ورأى من الجد والعزم في أمره ما علم ألا بقاء ~~لبه معه في الجبل الذي تعلق فيه، كتب إلى أمير المؤمنين الناصر، يسأله ~~تأمينه والصفح عنه، على أن يخرج عن الجبل مستسلما لأمره، راضيا بحكمه. ~~فأخرج إليه الناصر الوزير أحمد بن محمد بن حدير، وتولى هو وسعيد ابن المنذر ~~إنزاله من ms417 مدينة ببشتر. ودخلها رجال أمير المؤمنين الناصر وحشمه، يوم ~~الخميس لسبع بقين من ذي القعدة من السنة. واستنزل حفص والة وجميع النصارى ~~الذين كانوا معه، وقدم بهم أحمد بن محمد الوزير إلى قرطبة مع أهلهم وولدهم. ~~ودخلها حفص في مستهل ذي الحجة؛ وأوسعه أمير المؤمنين صفحة وعفوه، وصار في ~~جملة حشمه وجنده. وبقي الوزير سعيد بن المنذر بمدينة ببشتر ضابطا لها، ~~وبانيا لما عهد إليه من بنيانه وإحكامه منها. # وفيها، مات أحمد ابن الأمير محمد - رحمه الله - بمدينة إستجة. وتوفي ~~الوزير محمد بن عبد الله الزجالي في شعبان، وهو ابن ثلاث وخمسين سنة. وتوفي ~~العارض محمد بن أحمد بن حدير في آخر هذا العام؛ وكان حدثا، قد توجه ذكره، ~~وتمكن محله؛ فعظم أسف الحاجب عمه والوزير أبيه عليه؛ وولي الناصر خطته أخاه ~~موسى بن أحمد بن حدير، وهو صغير، لم يبلغ الحل، تعزية لأبيه وعمه عن ~~المفقود وإحياء لذكره. وفيها، مات أبو سليمان داود بن هذيل ابن منان من أهل ~~طليطلة بقرطبة؛ وكان راوية للنسائي وغيره، وحمل عنه الحديث جماعة من أهل ~~قرطبة. PageV01P226 وفي سنة 316، كان غزاة أمير المؤمنين الناصر إلى مدينة ~~ببشتر، بعد افتتاحها، لتدبير أمرها وإحكام ضبطها؛ ففصل من قرطبة دون بروز، ~~يوم الثلاثاء للنصف من المحرم، وهو السابع من آذار؛ وأغرى مع نفسه ولي عهده ~~الحكم المستنصر بالله؛ وتخلف في القصر ابنه عبد العزيز لتنفذ الكتب إليه، ~~ومن الوزراء أحمد بن محمد بن حدير، وعلى المدينة أحمد بن عيسى مخلفا لأبيه ~~عيسى بن أحمد؛ وكان الحاجب موسى بن محمد عليلا، فلم يغز في هذا العام. ~~وكانت الطريق على مدينة إسنجة، ثم إلى أشونة. واحتل بحصن ببشتر يوم الأحد ~~لعشر بقين من المحرم؛ فدخل المدينة، وجال في أقطارها، وعاين من شرفها ~~وحصانتها، وعلو مرتقاها، وانقطاع جبلها مع جميع جهاته، ما أيقن معه ألا ~~نظير لها في الأرض حصانة ومنعة واتساع قراراة. فأكثر من حمد الله - عز وجل ~~- على ما افتتح له منها، ويسر له فيها؛ والتزم الصوم أيام ms418 مقامه بها. ثم ~~دبر بنيان قصبتها على أحسن ما دبره وأحكمه في غيرها؛ وفرق رجاله على هدم كل ~~حصن كان حواليها وعلى الديارات الخارجة عنها. وأمر بنبش جيفتي عمر بن حفصون ~~وابنه؛ فكشفت قبورهما؛ فألقيا مدفونين على ظهورهما، كما يتدافن النصارى؛ ~~وشهد ذلك عامة الفقهاء الغازين مع الناصر - رحمه الله - ، وأيقن جميع من ~~شهد ذلك بهلاكهما على دين النصرانية؛ فأستخرجا من لحودهما، وأتى بأعطمهما ~~الرجسة إلى باب السدة بقرطبة؛ فرفعت في جدوع عالية إلى جنب الملحد سليمان ~~بن عمر، وصاروا عظة للناظرين، وقرت بهم عيون المسلمين. # وقلد الناصر أمر مدينة ببشتر والضبط لها وإكمال البنيان فيها سعيد بن ~~المنذر. واستنزل أهل حصون شنت بيطر ويمارش وجطرون وغيرها من المعاقل، ~~وهبطوا من أجبلهم، وتفرقوا في بسيطهم، واستقصيت الحصون خرابا ونسفا؛ ولم ~~يبق للنصرانية بتلك الجهة حصن مذكور، ولا معقل معمور. وعادت كورة رية، على ~~كثرة ما كان فيها من الحصون المانعة والمعاقل القائمة، ليس فيها جبل مضبوط، ~~ولا بها عدو محذور. واحتمل على مثل ذلك في حصون تاكرنا وحصون مغيلة، إلا ما ~~وجب التمسك به منها. ونظر في إزعاج من وجب إزعاجه إلى قرطبة، ممن كانت نفسه ~~تائقة إلى الفتنة، ليكون الناس أمة واحدة، ورعية ساكنة وادعة. وقدم عبد ~~الحميد بن بسيل الوزير إلى كورة شذونة، لهدم حصونها، وتبسيط أهلها، وجمعهم ~~إلى مدينة قلسانة، التي هي قاعدة الكورة. وأمر باستنزال بني داود عن الحصون ~~التي كانوا فيها، وولاها من عماله وثقات رجاله من يحسن السيرة في رعية تلك ~~الجهة. وكانت سفرته أيمن سفره، وأجمعها لكل خير وصلاح. والحمد لله! ثم قفل ~~بوم الأحد لخمس خلون من صفر؛ فدخل منية الناعورة يوم السبت لإحدى عشرة ليلة ~~خلت من صفر، وقد استتم في سفرته هذه ستة وعشرين يوما. # وفيها، افتتح أحمد بن إسحاق القائد القرشي مدينة لفنت من تدمير، ومدينة ~~قليوشة؛ واستنزل عنها وعن القصاب التي كانت حواليها بني الشيخ، وقدم بهم ~~إلى قرطبة، يوم السبت لأربع عشرة ليلة بقيت من شعبان. واستنزل ms419 في هذا العام ~~بنو أبي جوشن من معاقل بلنسية، وكانوا في نحو ستين رجلا، وقد أهملوا أنفسهم ~~في الفتنة، وتعرضوا لما نزل بهم من النقمة؛ فأمر الناصر بتمييز أهل الجرائر ~~منهم، والتشريد بهم؛ فقدم من استحق القتل منهم إلى المرج بين يدي قصر ~~قرطبة، وضربت رقابهم فيه يوم دخولهم. # وفي هذه السنة؛ عزل فطيس بن أصبغ عن الوزارة، وولي أحمد بن عبد الوهاب بن ~~عبد الرؤوف المدينة وعزل عنها عيسى بن أحمد بن أبي عبدة؛ وقيل ذلك ما كان ~~عزل جميع خزان المال، وكانوا خمسة، وهم: سعيد بن سعيد بن حدير، وأحمد بن ~~موسى بن حدير، وأحمد بن عبد الوهاب المنقول إلى المدينة، وخالد بن أمية بن ~~شهيد، وعيسى بن فطيس؛ وولي الناصر مكانهم أربعة خزان، وهم: محمد بن جهور، ~~وأحمد بن عيسى بن أبي عبدة، وعبد الرحمن بن عبد الله الزجالي، وأحمد بن ~~محمد بن أبي قابوس. # وفيها، أمر الناصر بإقامة دار السكة داخل مدينة قرطبة، لضرب الدنانير ~~والدراهم؛ وولي الخطة أحمد بن موسى بن حدير يوم الثلاثاء عشرة ليلة بقيت من ~~شهر رمضان؛ وأقام الضرب فيها من هذا التأريخ من خالص الذهب والفضة؛ وصحح في ~~ذلك أحمد بن موسى وتحفظ. وكانت مثاقيله ودراهمه عيارا محضا. PageV01P227 ~~وفيها، خرج أحمد بن إلياس القائد غازيا إلى كور الغرب؛ فافتتح مدينة ماردة، ~~ومدينة شنترين بلا حرب، ونزلوا إليه بالأمان، ووفاهم غاية الإحسان. # وفي هذه السنة، رأى الناصر أن تكون الدعوة له في مخاطباته والمخاطبات له ~~في جميع ما يجري ذكره فيه، بأمير المؤمنين، لما استحقه من هذا الاسم الذي ~~هو له بالحقيقة، ولغيره بالانتحال والاستعارة؛ فهو أبر أمراء المؤمنين ~~والهداة الفاضلين، والأبرار المنقين، من كل منتخب في المشرق والمغرب، وقائم ~~بالحق، وسالك لسبيل الهدى والرشد؛ فعهد إلى أحمد بن بقي القاضي صاحب الصلاة ~~بقرطبة بأن تكون الخطبة يوم الجمعة مستهل ذي الحجة بذلك. ونفذت الكتب إلى ~~العمال فيه، بما اجتلبنا نسخته لما فيها من إيعاب القول، واستبقاء الحجة، ~~وظهور الحقيقة. ونسخة الرسالة ms420 النافذة في ذلك: بسم الله الرحمن الرحيم. أما ~~بعد، فإنا أحق من استوفي حقه، وأجدر من استكمل حظه، ولبس من كرامة الله ما ~~ألبسه، للذي فضلنا الله به، وأظهر أثرتنا فيه، ورفع سلطاننا إليه، ويسر على ~~أيدينا إدراكه، وسهل بدولتنا مرامه، وللذي أشاد في الآفاق من ذكرنا، وعلو ~~أمرنا، وأعلن من رجاء العالمين بنا، وأعاد من انحرافهم إلينا، واستبشارهم ~~بدولتنا. والحمد لله ولي النعمة والإنعام بما أنعم به، وأهل الفضل بما تفضل ~~علينا فيه! وقد رأينا أن تكون الدعوة لنا بأمير المؤمنين، وخروج الكتب عنا ~~وورودها علينا بذلك، إذ كل مدعو بهذا الاسم غيرنا منتحل له، ودخيل فيه، ~~ومتسم بما لا يستحقه. وعلمنا أن التمادي على ترك الواجب لنا من ذلك حق ~~أضعناه، واسم ثابت أسقطناه. فأمر الخطيب بموضعك أن يقول به، وأجر مخاطباتك ~~لنا عليه، إن شاء الله. والله المستعان! وكتب يوم الخميس لليلتين خلتا من ~~ذي الحجة سنة 316. # وفيها، عزل أفلح ودرى موليا الناصر عن الخيل والشرطة. وولي الخيل عبيد ~~الله الزجالي، والشرطة أحمد بن أبي قابوس. ثم أعيد أفلج إلى الخيل، ودري ~~إلى الشرطة بعد شهر. # وفيها، تولي إبراهيم بن محمد بن اللبرقي خطة العقل. # وفيها، عزل غالب بن محمد بن عبد الرؤوف عن خطة الضياع، ووليها محمد بن ~~عبيد الله بن مضر، في انسلاخ جمادى الآخرة. ثم عزل عنها ابن مضر، ووليها ~~خلف بن أيوب بن فرج الكاتب؛ وكان يكتب للحاجب موسى بن محمد، وذلك لإحدى ~~عشرة ليلة خلت من ذي الحجة. # وفيها، توفي محمد ابن الإمام المنذر؛ وتوفي أحمد بن يحيى بن قاسم بن هلال ~~الفقيه؛ وكان منقبضا، خيرا، صالحا، بصيرا بالوثائق وعللها؛ وتوفي سعيد ابن ~~إبراهيم الفقيه، وكان يلبي الصلاة بكورة رية؛ وتوفي محمد بن هشام القرشي ~~المعروف بابن الشبانسية بكورة شذونة، وهو وعاملها. # وفي سنة 317، كان ظهور المحل، واحتباس الغيث، وغلاء الأسعار؛ فعهد الناصر ~~بالاستسقاء بجامع قرطبة يوم الجمعة لليلة بقيت من المحرم، وذلك في شهر ~~آذار. واتصل الاستسقاء في الجامع ومصلى الربض ms421 ومصلى المصارة. PageV01P228 ~~وفيها، كانت غزاة الناصر إلى مدينة بطليوس، لمحاربة أهلها وابن مروان ~~المنتزي عليه فيها؛ فبرز - رحمة الله عليه - لغزاته هذه يوم الخميس لعشر ~~خلون من ربيع الأول، وهو اليوم الثالث عشرين من نيسان؛ وفصل من قصر قرطبة ~~يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر، وهو اليوم الرابع عشرين من ~~أيار، وذلك بعد بروزه بأحد وثلاثين يوما. وأغزى معه ولي عهده الحكم ~~المستنصر بالله، وابنه منذرا، وتخلف في القصر ابنه عبد العزيز لتنفذ الكتب ~~إليه، ومن الوزراء أحمد بن محمد بن حدير، وعلى المدينة أحمد بن عبد الوهاب ~~بن عبد الرؤوف. وكان احتلاله بالجيوش على مدينة بطليوس يوم الخميس لسبع ~~بقين من ربيع الآخر. وواضعهم الحشم القتال في أفنيتهم وعلى أبواب دورهم، ~~وتقحموا عليهم داخل أرباضهم، وقتلوا منهم في ثاني احتلالهم عليهم جملة بعثت ~~رؤوسهم إلى قرطبة. وقطعت ثمارهم، وأحرق ما أخلوه من ديارهم خارج سورهم؛ ~~وبقوا محصورين في المدينة. وأقام عليهم الناصر عشرين يوما؛ ثم أبقى عليهم ~~أحمد بن إسحاق في قطيع من الجند، وانتقل إلى جهة ماردة؛ فأصلح الأحوال بها، ~~وولاها محمد بن إسحاق، وندب معه عدة من الحشم(. ثم عاد - رحمه الله - إلى ~~مدينة بطليوس؛ فاضطربت عساكره عليها من غير الجهة التي كانت اضطربت فيها ~~أولا؛ وتولي من نكايتهم وأليم محاصرتهم، ما أذاقهم به وبال عصيانهم، وعاقبة ~~غيهم، وضلالهم. ثم أرتب عليهم أحمد بن إسحاق قائدا في جيش كثيف، ورجال ~~منتقين، وعدد كاملة، وأمره بالتشدد في حصرهم، والاستبلاغ في مضايقتهم. ~~وانتقل ناهضا إلى مدينة باجة؛ فنزلها يوم الأحد مستهل جمادى الآخرة، ~~واضطربت عساكره عليها، وتقدم بالإعذار إلى عبد الرحمن بن سعيد بن مالك الذي ~~كان بها، ودعاه إلى الطاعة؛ فلاذ والتوى؛ فتصبت المجانيق عليه، وحورب أشد ~~محاربة، وقتل من رجاله عدد كثير. وانحطت بعض أبراج المدينة بمن كان عليها؛ ~~فضربت رقابهم بين يدي المظل؛ فاستأمن عبد الرحمن بن مالك، وأهله، وجميع أهل ~~باجة أمير المؤمنين الناصر، وخضعوا لأمره، ونزلوا على حكمه؛ فأوسعهم أمانه، ~~وأخرجوا ms422 عن المدينة، ونقلوا إلى قرطبة. ودخلها الناصر، وولاها عبد الله بن ~~عمر بن مسلمة، وندب معه فيها قوة، وأكتف له الجمع والعدة، وأمره بابتناء ~~قصبة فيها، ينفرد بها العامل ويسكنها. # وكان مقام الناصر على باجة خمسة عشر يوما. ثم انتقل منها قاصدا إلى مدينة ~~أكشونبة بقرب الساحل الغربي من البحر المحيط؛ فاحتل بها يوم الاثنين لسبع ~~بقين من جمادى الآخرة؛ وكان قد افتتح في طريقه حصن الوقاع، وأصاب فيه لخلف ~~بن بكر صاحب أكشونية أموالا وعدة وسلاحا؛ فغنم ذلك الحشم وأهل العسكر، وصار ~~لهم نقلا. ثم تلقى رسل خلف بن بكر أمير المؤمنين، مظهرا للإنابة، وملتزما ~~للطاعة، ومتوسلا ببعد الدار والقاصية، وأخرج إلى الناصر النزائل، وأقام له ~~الوظائف، والتزم إدرار الجباية الكاملة؛ وأظهر أهل ذلك الجانب فيه رغبة ~~شديدة، ووصفوه بسيرة حميدة، فأقره الناصر عليهم، وفرض عليه من الجباية ما ~~التزم إيراده له في كل عام، وعهد إليه بحسن السيرة، والرفق بالرعية، وألا ~~يقبل نازعا، ولا يكتنف هاربا؛ فالتزم جميع ما أمر به، ووقف عندما حد له. # وقفل الناصر عن مدينة أكشونبة يوم السبت لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة، ~~ودخل القصر بقرطبة يوم الأحد لأربع عشرة ليلة خلت من رجب، وقد استتم في ~~غزاته ثلاثة وتسعين يوما. # مطالعة أمير المؤمنين الناصر لببشتر في الشتاء # وفي هذه السنة، كانت للناصر خرجة من قصر الناعورة، طالعا لببشتر ومعاينا ~~لما قام من البنيان بها، وما تم من ترتيبه فيها. وكان خروجه من منية ~~الناعورة يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال، ونزوله بجبل ببشتر يوم ~~الخميس لعشر بقين منه. فدخل المدينة، وجال فيها، وأحكم ما له قصد من أمرها؛ ~~ثم صدر عنها في اليوم الثاني، ودخل القصر بالناعورة يوم الثلاثاء لأربع ~~بقين من شوال؛ وكانت مدة توجهه وانصرافه ثلاثة عشر يوما. # وترددت الفتوحات في هذا العام بوقائع كانت على أهل بطليوس؛ وبعث أحمد بن ~~إسحاق من أهلها بسبعين أسيرا، وقتلوا صبرا بين يدي قصر قرطبة. PageV01P229 ~~وافتتحت فيه مدينة شاطبة من بلنسية، واستنزل ms423 عنها عامر بن أبي جوشن على يدي ~~دري بن عبد الرحمن صاحب الشرطة؛ واشترط عامر بسكنى شنت برية، حتى يأخذ في ~~انتقال ثقله وعياله إلى قرطبة. # وفي هذه السنة، ولي الناصر عبد الملك بن عمر بن شهيد، وعيسى بن أحمد ابن ~~أبي عبدة الوزارة، وسعيد بن سعيد بن حدير الشرطة الوسطى؛ ولم تكن قبل هذه ~~الخطة؛ وفيها، ولي خالد بن أمية بن شهيد الخزانة ولاية ثانية، وولي عبد ~~الرؤوف بن أحمد بن عبد الوهاب خطة العرض. # وفي سنة 318، كان افتتاح مدينة بطليوس وذلك أن أهلها وابن مروان صاحبها، ~~لما أخذهم الحصار، وطاولتهم الحرب، وفنى رجالهم، واستبيحت نعمهم، وقطعت ~~ثمراتهم، ورأوا عزما لا فترة فيه، وجدا لا بقاء لهم عليه، استأمنوا الناصر، ~~وعاذوا بصفحه؛ فأوسعهم ما أوسع أمثالهم قبلهم. واستنزل ابن مروان الجليقي ~~وأهله، وذوى الشوكة من صحبه، وأسكنهم قرطبة، وألحقهم في الملاحق السنية؛ ~~وملك المدينة وولاها عماله، وصارت بسيل كوره. # وفيها، أخرج الناصر لدين الله أهل الثقة من خدمته، والأمانة والتصحيح من ~~فقهاء مصره إلى أهل طليطلة، معذرا إليهم، داعيا لهم إلى الطاعة والدخول ~~فيما صارت إليه الجماعة، إذ كانوا لا يؤدون جباية، ولا يلتزمون طاعة، ولا ~~يتناهون عن منكر ولا معصية؛ فازوا بمعاذير المخادعة، وجاوبوا الناصر بما لم ~~يضغ إليه من غشهم وتمريضهم؛ فاستعزم على غزوهم، وشمر لمناهضتهم وإنزال بأسه ~~بهم. وبرز للغزو في الصائفة إليهم في صدر ربيع الآخر سنة 318، وفي شهر ~~نيسان من العام المؤرخ. وقدم الوزير سعيد بن المنذر إلى مدينة طليطلة في ~~جيش كثير وعدد جم، وأمره بالاحتلال عليها والمحاصرة لها، حتى يلحق الناصر ~~بجيوشه وصنوف حشمه بها. فخرج إليها الوزير يوم السبت لثمان بقين من ربيع ~~الآخر، وأغذ السير نحوها، حتى نزل بساحتها. وأخذ في ما حد له من محاصرتها ~~بأبلغ عزم وأتم حزم؛ ثم فصل أمير المؤمنين إلى مدينة طليطلة يوم الخميس ~~لليلتين خلتا من جمادى الأولى، وهو التاسع عشرين من أيار؛ وأغزى مع نفسه ~~ولي عهده الحكم المستنصر بالله ومنذرا ابنه؛ وتخلف ms424 في القصر أبنه عبد ~~العزيز لتنفذ الكتب إليه، ومن الوزراء أحمد بن محمد بن حدير، وعلى المدينة ~~أحمد بن عبد الوهاب بن عبد الرؤوف. # فلما احتل - رحمه الله - في طريقه بمحلة الغدر، وقرب من حصن مورة الذي ~~كان اتخذه أهل طليطلة شجا على المسلمين ومسترحا للمفسدين، وقدموا عليه منهم ~~مطرف بن عبد الرحمن بن حبيب، قدم إليه من أنذره وخوفه، وأمره بالخروج عن ~~الحصن وإسلامه. فبدر إلى ذلك بدرا لم يجد منه بدا، ولا في الامتناع طمعا؛ ~~ونزل عن الحصن. وأمر الناصر بضبطه؛ ثم نهض بجيوشه المؤيدة، وعزيمته ~~الماضية، حتى احتل محلة جرنكش بقرب طليطلة، وذلك يوم الثلاثاء لأربع عشرة ~~ليلة خلت من جمادى الأولي. فأشرف من محلته هذه على سهلة طليطلة ونهرها، ~~وأجنتها وكرومها؛ ودبر رأيه في أمكن المواضع من محاصرتها، وأقرب الجهات ~~الآخذة بمخنق أهلها؛ فرأى النزول بمحلة المقبرة على باب المدينة أبلغ في ~~النكاية، وأشد في المضايقة؛ فارتحل إليها في اليوم الثاني، وأخذ في نكاية ~~العصاة، بما لم يجر لهم على ظن(. وأقام بهذه المحلة سبعة وثلاثين يوما، ~~يوالي فيها بنكايتهم، وقطع ثمراتهم، وتخريب قراهم، وانتساف نعمهم، وتحطيم ~~زروعهم. ثم أمر بالبنيان في جبل جرنكش لمدينة سماها بالفتح، وأرتب لبنيانها ~~سعيد بن المنذر الوزير، وأمر بنقل الأسواق إليها، والتمدين لها، لتكثر ~~مرافق أهل العسكر بها؛ وأرتب محمد بن سعيد بن المنذر على باب القنطرة في ~~جمل من الحشم، وعهد إليهما بالاستبلاغ في محاربة القوم. وقدم على الناصر ~~بمحلته على طليطلة صاحب حصن قنيلش وصاحب حصن الفهمين، معتصمين بطاعته؛ فأمر ~~بنقلهما إلى قرطبة، والتوسع عليهما، ومكافأة نزوعهما وقصدهما. ثم قفل ~~الناصر عن مدينة طليطلة يوم الخميس لست بقين من جمادى الآخرة، ودخل القصر ~~بقرطبة يوم الأثنين لأربع خلون من رجب، وقد استتم في غزاته أحدا وستين ~~يوما. # وفي هذه السنة، ولي المواريث طرفة بن عبد الرحمن صاحب المطبخ؛ وولي خزانة ~~السلاح أحمد بن أبان بن هاشم، وحفص بن سعيد بن جابر. PageV01P230 وفيها، ~~مات الناصر ابن يسمى بمحمد. وفيها، ms425 مات أمية بن محمد بن أمية ابن عيسى بن ~~شهيد. وفيها، توفي هاشم بن محمد النجيبي. وفيها، توفي محمد بن إبراهيم بن ~~الجباب الفقيه، صاحب الوثائق، يوم الاثنين لثلاث خلون من شهر رمضان؛ وتوفي ~~صهيب بن منيع قاضي إشبيلية؛ وتوفي أبو غالب مروان بن عبيد الله بن بسيل. # وفي سنة 319، أبرز السرادق والأبنية إلى المضطرب المعروةف بفحص السرادق ~~بجوني النهر الأعظم؛ ثم برز الناصر إلى هذه المحلة لغزاة نواها إلى مدينة ~~طليطلة؛ ولم يتم عزمه عليها إذ استغنى بالقواد المرتبين على المدينة، ~~المحاصرين لأهلها؛ وأكتف للقواد بها الخيل والعدة، وأمدهم بالسلاح، وأكد ~~بصائرهم في الجد والعزم والاستبلاغ في نكاية المفسدين المغترين من أهلها. # وفي سنة 319، كاتب موسى بن أبي العافية، صاحب الغرب، أمير المؤمنين ~~الناصر، ورغب في موالاته، والدخول في طاعته، وأن يستميل له أهواء أهل الغرب ~~المجاورين له؛ فتقبله أحسن قبول، وأمده بالخلع والأموال، وقوى أيده على ما ~~كان يحاوله من حرب ابن أبي العيش وغيره. فظهر أمر موسى من ذلك الوقت في ~~الغرب، وتجمع له كثير من قبائل البربر، وتغلب على مدينة جراوة، وأخرج عنها ~~الحسن بن أبي العيش بن إدريس العلوي؛ وجرت بينهما حروب عظيمة. # وفيها، افتتح الناصر مدينة سبتة؛ فشكها بالرجال، وأتقنها بالبنيان. وبنى ~~سورها بالكذان، وألزم فيها من رضيه من قواده وأجناده؛ وصارت مفتاحا للغرب ~~والعدوة من الأندلس، وباب إليها كما هي الجزيرة وطريف مفتاح الأندلس من ~~العدوة. وقامت الخطبة فيها باسم أمير المؤمنين الناصر، لثلاث خلون لربيع ~~الأول من العام المؤرخ. # وفيها، اتصل بالقواد المحاصرين لطليطلة أن العدو بذلك الجانب عملوا على ~~الخروج لافتراض غرة في بعض ثغور المسلمين؛ فنفر إليهم الوزير أحمد بن محمد ~~بن حدير من قرطبة في جملة من الحشم ومن خف من المسلمين؛ فلما بلغ أعداء ~~الله خروجه، توقفوا عن حركتهم، وقروا في بلادهم؛ وكفى الله المؤمنين ~~معرتهم. فبلغ القائد أحمد بن محمد بن حدير طليطلة، ونازلها مع القواد ~~المرتبين فيها. # وفيها، خرج بالأسطول أحمد بن محمد بن إلياس، ويونس ms426 بن سعيد قائدين في ~~البحر، يوم السبت لليلتين خلتا من جمادى الأولي، في عدة، ومراكب جملة، ~~ورجال كثير، وصنوف من البحريين والمقاتلين؛ فجازا مرسى الجزيرة، واحتلا ~~العدوة، وحاصروا ابن أبي العيش، إذ كان على مخالفة لمن دخل في طاعة أمير ~~المؤمنين من أهلها، ومحاربة لموسى بن أبي العافية وليه ومقيم دعوته والداخل ~~في طاعته؛ ثم حال الشتاء بينهما وبين التمادي على الحصار والمطاولة؛ فقفلا ~~بالأسطول ومن فيه. # وفيها، عزل أحمد بن عبد الوهاب بن عبد الرؤوف عن المدينة، وقدم إلى ~~الوزارة؛ وولي المدينة يحيى بن يونس القبرسي وذلك في غرة جمادى الأولي. ثم ~~عزل يحيى بن يونس عنها، وكانت فيه حدة ومحارجة لأهل الجرم، ووليها عبد ~~الحميد بن بسيل الوزير في شوال. # وفيها، ولي خطة العرض عبد الوهاب بن محمد بن عبد الرؤوف، وولي الضياع ~~محمد بن عبد الله بن مضر، وعبد الله بن معاوية بن بزيل مشتركين. # وفيها، ولي الناصر، من تحت يدي ولي العهد المستنصر بالله، أحمد بن هاشم ~~بن أحمد بن هاشم مولاه عمالة عبلة وفنيانة من إلبيرة. # وفيها، مات أبو الجعد أسلم بن عبد العزيز بن هاشم بن خالد بن عبد الله بن ~~خالد بن عبد الله بن حسين بن جعد بن أسلم بن أبان بن عمرو مولي عثمان بن ~~عفان - رضي الله عنه - ؛ وكان قاضي الجماعة بقرطبة، وله رحلة وسماع؛ وكانت ~~فيه صلابة وإنفاذ للحق على وجوهه؛ وعزل عن القضاء قبل وفاته إذ أخذه الكبر، ~~وضعف عن القعود للأحكام؛ وكانت وفاته يوم الأربعاء لست خلون من شعبان، وهو ~~ابن سبع وثمانين سنة. # ومات في هذا العام فضل بن سلمة الفقيه البجاني، وكان له سماع وتأليف حسن؛ ~~وتوفي محمد بن فطيس الفقيه المحدث بإلبيرة؛ وتوفي أحمد بن حامد الزجالي في ~~جمادى الأولى. PageV01P231 وفيها، ماتت السيدة ابنة الإمام عبد الله لثمان ~~بقين من ذي الحجة؛ وكانت قد نافرت أمير المؤمنين الناصر أيام حداثته وقبل ~~إفضاء الخلافة إليه، وهو حينئذ ولد في القصر بين يدي الإمام عبد الله ms427 جده؛ ~~وطالبته وآذنه عند أبيها عبد الله الإمام؛ فلما ولي الناصر، لم تشك في ~~معاقبته لها، ومجازاته لسوء معاملتها؛ فكان الأمر على خلاف ظنها؛ وقرب ~~الناصر مكانها، ورفع منزلتها، واختصها في جملة من اختص من أهله وبنات ~~أعمامه، حتى صارت أقربهن محلا منه. # وفيها، توفي عبيد الله بن فهر، وكان متصرفا في العمالات والقيادة، وذلك ~~يوم السبت لثمان عشرة ليلة خلت من ذي الحجة. # وفي سنة 320، كان غزو الناصر إلى مدينة طليطلة، غزاته الثانية التي فتحت ~~فيها عليه، فبرز لهذه الغزاة في صدر جمادى الآخرة سنة 320، في شهر حزيران ~~من العام المؤرخ، وفصل يوم السبت لأربع عشرة ليلة خلت من رجب، وهو اليوم ~~الحادي عشر من تموز، مع ولي عهده الحكم المستنصر بالله أمير المؤمنين. ~~وتخلف في القصر ابنه عبد العزيز لتنفذ الكتب إليه؛ ومن الوزراء أحمد بن ~~محمد بن حدير، وعبد الحميد بن بسيل، وكان صاحب المدينة. # وكان أهل طليطلة، لما أخذهم الحصار، واشتد عليهم التضييق، ولازمهم ~~القواد، قد استجاشوا بالمشركين، واستنجدوهم، ورجوا نصرهم لهم؛ فلم يغنوا ~~عنهم فتيلا، ولا كشفوا عنهم عذابا، ولا جلبوا إليهم إلا خزيا وهوانا. وخرج ~~الفؤاد المحاصرون لهم إلى الكفرة؛ فهزموهم، وفرقوا جموعهم، وانصرفوا مولين ~~على أعقابهم، خاذلين لمن انتصر بهم، ورجا الغياث من قبلهم. فلما يئس أهل ~~طليطلة أن ينصرهم أحد من بأس الله الذي عاجلهم، وانتقامه الذي طاولهم، ~~عاذوا بصفح أمير المؤمنين، وسألوه تأمينهم، وضرعوا إليه في اغتفار ذنوبهم؛ ~~فخرج لاستنزال أهل طليطلة، وتوطيد طاعته فيها، وإحكام نظره بها، في التاريخ ~~الذي قدمنا ذكره؛ فنزل عليها بمحلة جرنكش، يوم الأربعاء لخمس بقين من رجب؛ ~~وقد كان بدر إليه ثعلبة بن محمد بن عبد الوارث مقدمها، وتلقاه قبل نزوله ~~بها، معترفا بجهله، ومستقبلا من زلته؛ فعفا عنه الناصر، وعاد عليه بفضله. ~~ثم أمن أهل طليطلة، وخرجوا إلى العسكر، ونالوا المرافق فيه، وابتاعوا ~~المعايش التي طال ما أجهدهم عدمها، ومنعهم الحصار منها؛ فعرفوا غبطة ما ~~صاروا إليه من الأمن بعد الخوف، والسعة إثر الضيق، ms428 والانبساط بعد طول ~~الانقباض. ثم ركب الناصر إلى مدينة طليطلة في اليوم الثاني من نزوله بمحلته ~~عليها، ودخلها، وجال في أقطارها؛ فرأى من حصانتها، وشرف قاعدتها، وانتظام ~~الأجبل داخل مدينتها، وامتناعها من كل الجهات بواديها ووعرها، وطيب هوائها ~~وجوهرها، وكثرة البشر بها، ما أكثر له من شكر الله عز وجل على ما منحه ~~فيها، وسهل له منها؛ وعلم أنه، لولا ما أخذ به من الجد والعزم في أمرها، ~~لما ملكت مع حصانتها ومنعتها مع اتساعها وانفساح أقطارها، ولما اعتاده ~~أهلها من مداخلة المشركين وموالاتهم، والاستمادا على الخلفاء بهم؛ فكم أعيت ~~الملوك، وامتنعت من العساكر، وانصرفت عنها الصوائف بغير نجح؛ ولكن فضل الله ~~عز وجل الذي أعطاه أمير المؤمنين، وصنعه له، وتأييده إياه أجرى افتتاحها ~~على يديه. ثم دب فيها بناء محكما متقنا، ليكون مستقرا للقواد الملازمين ~~فيها، وزماما على ساكنيها؛ وأرتب على البنيان بها دري بن عبد الرحمن قائده، ~~وملأها رجالا وعدة وسلاحا. وركب إليها الناصر، وأمر بهدم ما وجب هدمه في ~~المدينة، وتردد عليها ثمانية أيام حتى أكمل فيها ما دبره، وهذب ما أراده. ~~وفتحت أسوس البنيان الذي أمر به؛ واطمأنت بأهل المدينة الدار، وفتحوا ~~الحوانيت، وانتشروا في الأسواق؛ وانبسطوا في أفنيتهم وأبواب مساجدهم، ~~آمنين، والحمد لله. ثم قفل الناصر عن محلته بطليطلة، يوم السبت لست خلون من ~~شعبان، ودخل القصر بقرطبة يوم السبت لعشر بقين منه، وقد استتم في غزاته ستة ~~وثلاثين يوما. # وفيها، صنع الناصر لضروب رجاله ومواليه وصنوف أجناده وحشمه ممن شاهد فتح ~~طليطلة معه، ووافق ذلك تطهيره لبعض بنيه الأصاغر. PageV01P232 وفيها، عزل ~~عن خزانة المال محمد بن عبد الله بن حدير، وعبد الرحمن ابن عبد الله ~~الزجالي، ونقل أحمد بن عيسى بن أبي عبدة عن الخزانة إلى قيادة بجانة. وأقر ~~من الخزان خالد بن أمية بن شهيد، ومحمد بن جهور بن عبد الملك؛ وولي مكان ~~المعزولين عنها سكن بن إبراهيم، وأحمد بن محمد ابن مستنبر. # وفيها، ولي الخال سعيد بن القاسم خطة العرض. # وفيها، ولي ms429 المدينة فطيس بن أصبغ لإحدى عشرة ليلة هلت من شوال. # وفيها، ولي العرض محمد بن قاسم نبن طملس. وفيها، ولي السكة يحيى بن ~~القرسي، وذلك يوم السبت لأربع خلون من شوال؛ وعزل هذا النهار عنها أحمد بن ~~محمد بن موسى بن حدير. # وفيها، توفي أحمد بن أبي نوفل القرشي، وهو أحمد بن محارب بن قطن ابن عبد ~~الواحد بن قطن بن عصمة بن أنيس بن عبد الله بن جحوان بن عمرو بن حبيب بن ~~عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر، وكان منقبضا متزهدا، وبلغ من السن خمسا ~~وسبعين سنة. # وفيها، مات الحاجب موسى بن محمد بن حدير، للنصف من شهر صفر ليلة الأحد، ~~بعد صلاة المغرب، وبلغ من السن خمسا وستين سنة. وفيها، توفي عبيد الله بن ~~عبد الله الزجالي، وكان على المواريث والبنيان، في رمضان، وهو ابن إحدى ~~وأربعين سنة. وفيها، مات أحمد بن محمد الزجالي، وكان قد تصرف في الخدمة، ~~وله أدوات وحركة؛ وتوفي فيها عمران بن أبي عمر المتطيب، وكان قد كف بصره، ~~وهو من المتظرفين المتطيبين، وصحب الملوك، وخف على أمير المؤمنين الناصر؛ ~~وكان يوصله ويحضره مجالس راحته، وهو أعمى(. # وفي سنة 321، وصل الخبر إلى قرطبة بولاية أبي المنصور بن المعتز مدينة ~~سجلماسة، وهو غلام ابن ثلاث عشرة سنة؛ فمكث في ولايته شهرين، وقام عليه ابن ~~عمه محمد بن الفتح، وأخرجه منها، وتملكها، وتسمى بأمير المؤمنين، وتلقب ~~بالشاكر لله، وذلك بعد مدة نحو من عشرين سنة، وضرب الدنانير الشاكرية. # وفي سنة 322، وصل الخبر إلى قرطبة بوفاة أمير إفريقية عبيد الله الشيعي ~~الملقب بالمهدي، وتقدم ولده أبي القاسم المتلقب القائم بأمر الله. # وفي سنة 323، وصل إلى مدسنة فاس ميسور الصقلي قائد أبي القاسم الشيعي ~~أمير إفريقية؛ فحاربه أهل فاس سبعة أشهر، ولم يقدر عليهم؛ ثم حاصر ابن أبي ~~العافية، واستعان عليه ببني إدريس؛ فانجلى ابن أبي العافية إلى الصحراء، ~~وصار جميع ما كان لابن أبي العافية لبني إدريس؛ وقد تقدم خب بني إدريس. # وفي سنة 324، ظهر ms430 أبو يزيد مخلد بن كيداد بإفريقية على أبي القاسم ~~الشيعي، وذلك في جبل أوراس، وفيه قلاع كثيرة يسكنها هوارة وغيرهم، وهم على ~~رأي الخوارج. # وفي سنة 325، أمر الناصر ببناء مدينة الزهراء؛ وكان يصرف فيها من الصخر ~~المنجور ستة آلاف صخرة في اليوم، سوى التبليط في الأساس، على ما أذكره بعد. # وفي سنة 327، قام بالغرب الأقصى أبو الأنصار بن أبي عقير البرغواطي بعد ~~موت أبيه؛ وكان يفي بالعهد والوعد، وهو الذي بعثه عقير البرغواطي رسولا إلى ~~الحكم المستنصر بالله، ابن أمير المؤمنين الناصر. # وفي سنة 329، استتم القائد أحمد بن محمد بن إلياس مدينة سكتان، وشحنها ~~بالرجال، وأتخذ فيها الأطعمة والأسلحة؛ فأخرج الناصر إليها أحمد بن بعلي ~~قائدا في ضروب من الحشم، ضمهم إليه؛ فنفذ إليها في صفر من هذه السنة؛ فلما ~~كان في غرة جمادى الأولي منها، وافى فتح من قبل أحمد بن بعلي القائد بسكتان ~~الحديثة؛ بدخول كان له منها إلى جهة من عمل الطاغية ردمير؛ فقتل وسبى وأسر، ~~وأرسل مع كتابه إلى قرطبة مائتي علج أسراء؛ وكان هذا أول فتح لابن بعلي أذل ~~به الطاغية ردمير. # وفي سنة 330، في المحرم من هذه السنة، طلع كوكب الزباني في الأفق الغربي ~~بقرطبة إزاء العقرب، منحرفا عنها، يكاد يتصل بالفلكة العليا في رأي العين؛ ~~وكان أول ليلة لاح فيها للأنصار ليلة السبت لثلاث بقين من المحرم منها، وهي ~~ليلة ست عشرة خلت من أكتوبر؛ وتمادى طلوعه مستعليا مكبرا في السماء حتى ~~توارى. # وفي سنة 331، في يوم الخميس لخمس خلون من صفر منها، دخل الوزير القائد ~~أحمد بن إلياس إلى قرطبة قافلا عن غزاته إلى الثغر التي خرج إليها في عقب ~~شوال من سنة 330 قبلها، إلى ثلاثة أشهر ويومين من خروجه عنها؛ ودخل في ~~سفرته هذه كورة تدمير؛ فأزال الالتباث الواقع من أهلها إزالة، وقدم برهائن ~~بعضهم؛ وكان أثره جميلا. PageV01P233 وفيها، كان المد العظيم بنهر قرطبة، ~~الثالم لقنطرتها. # وفي سنة 332، أغزى الناصر لدين الله القائد أحمد بن محمد بن إلياس إلى ~~جليقية؛ ms431 فدخل دار الحرب؛ فغنم، وأحرق جملة من حصونهم هنالك، وقفل راجعا. # وفيها، كانت زلزلة عظيمة بقرطبة، ليلة الأثنين لتسع خلون من ذي القعدة؛ ~~قلم ير قط مثلها ولا سمع من قوتها؛ ووقعت بعد العشاء الآخرة؛ فدامت ساعة؛ ~~ففزع أهل قرطبة لها فزعا شديدا، ولجئوا إلى المساجد فيها، وضجوا بالدعاء ~~إلى الله تعالى في كشفها، حتى أغاثهم وصرفها عنهم. وفي صبح ليلة الزلزلة، ~~هبت ريح عاصف ردفتها أخرى؛ فاقتلعا كثيرا من شجر الزيتون والتين وغيرهما من ~~الأشجار والنخيل، وأطارا كثيرا من قرمد السقف. ونزل إثر ذلك مطر وابل طبق ~~الأرض، وبرد غليظ؛ فقتل كثيرا من الوحش والطير والمواشي، وأتلف ما أصاب من ~~الزرع، وأساء التأثير. # وفي سنة 333، في المحرم، هبت بقرطبة ريح عاصف من ناحية القبلة ونزل برد ~~غليظ. # وفيها، ظهر بأشبونة رجل يزعم أنه من ولد عبد المطلب وأن أمه مريم ابنة ~~فاطمة؛ وادعى مع النسب أنه نبي وأن جبريل ينزل عليه، وسن لاتباعه سننا، ~~وشرع لهم شرائع، منها حلق الرأس وغير ذلك مما لا يعقل؛ ثم وقع عليه البحث، ~~فخفي أثره. # وفيها، أخرج الناصر قاسم بن محمد قائدا إلى عدوة الغرب بحرب بني محمد ~~الأدارسة الحسنيين للذي بدا من خلافهم عليه في هذه السنة، ونقضهم الطاعة، ~~بعد ما قدم الكتب إلى محمد بن الخير عظيم زناته وغيره من ولاته بالغرب، ~~يأمرهم بالاستعداد لذلك والمعونة عليه. وأجاز قاسم البحر إلى سبتة في النصف ~~من ربيع الأول؛ فلما تبين ذلك لكبير بني محمد، وهو أبو العبش بن عمر بن ~~إدريس بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ، أسرع ~~إلى تحقيق الطاعة للناصر؛ فعقد له الأمان على نفسه، وانفذ إليه أبنه محمد ~~بن أبي العبش إلى قرطبة، مؤكدا لطاعته؛ فاحتفل السلطان لدخوله احتفالا ~~عظيما، وركب الوافد محمد مع مستقبله من قبل الناصر القائد أحمد بن يعلى في ~~أهبة راقت العيون وملأت الصدور. ووصل إلى قصر الزهراء، وقعد له الناصر أفخم ~~قعود؛ فأوصله إلى نفسه، وأبلغ في ms432 تكريمه؛ ثم خرج عنه في مثل الهيئة التي ~~دخل عليها. ودخلت بدخول محمد بن أبي العبش في هذا النهار على الناصر رسل ~~لبني عمه الأدارسة أمراء الغرب. وانعقد في هذا النهار كتاب أمان محمد بن ~~إدريس. ودعا الناصر أيضا محمد بن أبي العبش؛ فبالغ في تكريمه، وأقام بقرطبة ~~بقية هذه السنة في تكرمة. وانصرف الوفد المذكور بعد التزامهم للطاعة ~~للناصر، وذلك فيخبر طويل. # وفي عقب شوال، قدم رسول الخير بن محمد بن خزر الزناني أمير الغرب ومعه ~~رسول حميد بن يصل الزناني، يعرفان الناصر بما كان من دخولهما مدينة تاهرت، ~~وأنهما أقاما فيها الدعوة له. # وفي منسلخ شوال، قدم على الناصر رسولان من أبي يزيد مخلد بن كيداد ~~المعروف بصاحب الحمار، القائم بإفريقية على أبي القاسم الشيعي، برسالة منه ~~يخبر بتغلبه على القيروان ورقادة وعملهما، وإيقاعه بأصحاب الشيعي فيها، وما ~~يعتقده من ولاية الناصر، وياوي إليه من اعتقاد إمامته. واتصلت كتب أبي يزيد ~~ورسله على قرطبة من ذلك الوقت إلى حين وفاته. # وفي سنة 334، جلس الناصر لدين الله لوداع رسل أهل القيروان الواردين عليه ~~من قبلهم وقبل أبي يزيد مخلد بن كيداد اليفرني الناجم بأرض إفريقية في ذلك ~~الوقت، محتسبا في جهاد ملوك الشيعة المنتزين على إفريقية من آل عبيد الله ~~الداعي، وكان له في القيام عليهم وقائع شنيعة؛ فوصلوا إلى الناصر في هذا ~~اليوم، وهم ثلاثة نفر، أوجههم تميم بن أبي العرب التميمي؛ فكلمهم بما ~~تقتضيه رسالتهم، ودفع إليهم أجوبة من أرسلهم، وأذن لهم في الانصراف إلى ~~بلدهم، ووصلهم وكساهم؛ فانطلقوا لسبيلهم. PageV01P234 وفيها، وصل إلى قرطبة ~~رسل ملك الروم الأكبر قسطنطين بن ليون صاحب القسطنطينة العظمى، يكتب من ~~ملكهم إلى الناصر؛ فقعد الناصر على سرير الملك بقصر قرطبة لدخولهم عليه، ~~ولمن تكامل بالباب من وفود البلاد، بعد أن أمر باستقبالهم بالعدد والأجناد. ~~واستوى الناصر على سريره؛ وقعد على يمينه ابنه الحكم؛ وقعد سائر أولاده عن ~~يمينه ويساره؛ وقعد الوزراء والحجاب على منازلهم صفوفا. فدخل الرسل، وقد ~~قدموا الهدايا بين ms433 أيديهم، وقد دهشوا لهول ما عاينوه من جلالة الملك ووفور ~~الجمع؛ فصقعوا بين يدي الخليفة؛ فأشار إليهم أن لا؛ فدفعوا إليه كتاب ~~مرسلهم قسطنطين. وكان الكتاب مصبوغا بلون سماءي، مكتوبا بالذهب. # وفيها، كان السيل العظيم بقرطبة؛ وبلغ الماء في البرج المعروف ببرج ~~الأسد؛ فهدم من آخر القنطرة، وثلم الرضيف وغيره. # وفيها، قدم على الناصر محمد بن محمد بن كليب من القيروان؛ فحكى أن أبا ~~القاسم بن عبيد الله الشيعي هلك بالمهدية، وهو محصور من أبي زيد؛ وأن شيعته ~~قدمت ولده إسماعيل مكانه، وأنه فارس شجاع، أبي النفس؛ أقدم على أبي يزيد ~~وجموعه، ولاقاه بمدينة سوسة؛ فانهزم أبو يزيد أمامه إلى القيروان. # وفي عقب صفر منها، ولي خزانة السلاح عبد الأعلى بن هاشم المتوفي في ~~المحرم منها. # وفي سنة 335، كان ابتداء بناء مدينة سالم بالثغر الأوسط. وفي كتاب ابن ~~مسعود: في سنة 335، ابتنى الناصر مدينة سالم القديمة التعطيل بالثغر الأوسط ~~الشرقي، المواجهة لبلد قشتيلة - دمرها الله تعالى - ، وهي يومئذ خالية ~~مقفرة. وأرسل لذلك غالبا مولاه في جيش جرده معه من الحضرة، وأنفذ العهد إلى ~~قواد الثغر بالاجتماع إليه لبنيانها؛ فسارعوا إلى أمره، وبنيت أحسن بناء؛ ~~ونقل إليها البناؤون من بلاد الثغر للاختطاط لديارها والرباط بها؛ فتم ذلك ~~في صفر من هذه السنة. واطمأنت الدار بمن نزلها من المسلمين؛ واكتمل بناؤها ~~وعمرانها على مرور الأيام؛ فنفع الله المسلمين بها، وصيرها شجا في حلوق ~~الكافرين. قال: ووافى في إثر كتاب القائد ابن حدير وابن هاشم كتاب من قبل ~~عامر بن مطرف بن ذي النون إلى الناصر بما فتح الله له في المشركين، وقتله ~~العدد الكثير منهم، وبعثه برؤوسهم؛ فتمت الفتوح، وعمت الفروح، وعز الإسلام، ~~واستبشر الأنام، وطابت الأيام، بحمد ولي الإنعام، الذي منه يرجى التمام، عز ~~وجهه! وفيها، كان القحط الكائن بقرطبة. # وفيها، وصل إلى قرطبة أيوب بن أبي مخلد بن كيداد اليفرني الأباضي رسولا ~~من والده أبي يزيد؛ فقعد له الناصر قعودا؛ فأوصله إلى نفسه، وكرم لقاءه، ~~وأمر بإنزاله في قصر الرصافة؛ ms434 وقد أعد له فيه من الفرش والوطاء والغطاء ~~والآنية والآلة ما يعد لأمثاله؛ فأقام هنالك تحت نزل واسع وكرامة موصولة. # وفي سنة 336، في يوم الجمعة التاسع من المحرم منها، ورد كتاب قند مولى ~~الناصر، القائد يومئذ بطليطلة، بفتح فتحه الله على يده في أعداء الله أهل ~~جليقية؛ فقرئ في المسجد الجامع بقرطبة والزهراء؛ وبعث من ذلك برؤوس وخيل ~~أصيبت لأعداء الله. # وفيها، عزل الناصر عبد الله بن محمد عن السكة، وسخط عليه لتقصير ما كان ~~فيه وأمر بسجنه. وقدم عبد الرحمن بن يحيى بن إدريس الأصم، ونقل السكة من ~~مدينة قرطبة إلى الزهراء. # وفيها، خرج الكاتب جعفر بن عثمان المصحفي إلى ميورقة وذواتها لإصلاح ما ~~فسد من حالها. # وفيها، وصل حميد بن يصل المكناسي إلى قرطبة قاصدا إلى الناصر من بلده من ~~الغرب؛ فاستقبل بالجيش والزينة؛ وكرم الناصر مورده، وأجمل موعده. # وفي سنة 337، في النصف من المحرم، قعد الناصر بقصر الزهراء قعودا بهبا؛ ~~فدخل إليه حميد بن يصل؛ ثم وصل بعده منصور وأبو العبش، ابنا ابن أبي ~~العافية، ودخل معهما حمزة بن إبراهيم، صاحب جزائر بني مزغنا؛ فوصلهم ~~وكساهم، وأذن لهم في الانصراف إلى بلادهم. # وفيها، صلب بقرطبة علي بن عشرة، من أهل أشبونة، بعد أن قطعت يداه ورجلاه؛ ~~وكان من المفسدين في الأرض بقطع السبل. # وفيها، كانت وقيعة أرتقيرة على العدو - دمره الله - . PageV01P235 وفي ~~سنة 338، كان قدوم رسل ملك الروم الأكبر صاحب القسطنطينة على الناصر، راغبا ~~منه إيقاع الموالفة واتصال المكاتبة؛ فتأهب الناصر لورودهم عليه، وأمر ~~بتلقيهم في الجيش والعدة؛ وجلس لهم الناصر الجلوس المشهور الذي ما تهيأ ~~مثله لملك قبله في جلالة الشأن، وعزة السلطان؛ ووصف ذلك يطول. ودفعوا كتاب ~~ملكهم في رق مصبوغ سماءي مكتوب الذهب؛ وكان على الكتاب طابع ذهب، وزنه ~~أربعة مثاقيل، على الوجه الواحد منه صورة المسيح - عليه السلام - ، وعلى ~~الآخر صورة قسطنطين الملك وصورة ولده. # وفيها، أمر الناصر أحمد بن يعلى وحميد بن يصل المكناسي بالخروج إلى بني ~~محمد الأدارسة الحسنيين أمراء الغرب، ms435 ففصلا بمن ضم إليهما من الجيش إلى ~~الخضراء؛ وكان خروجهما من قرطبة للنصف من رجب. وفي عقبه، قدم على الناصر ~~رسول من بعض الحسنيين، يذكر طاعتهم إليه، وانقيادهم لأمره في هدم مدينة ~~تطلون التي أنكر عليهم بناءها؛ فعقد لهم في أول شعبان، وأمر بمحاربتهم؛ ثم ~~وصل محمد بن أبي العبش الحسني إلى الناصر من أبيه أبي العبش؛ فأقبل عليه ~~الناصر، وابلغ في تكرمته؛ ثم ورد الخبر بوفاة أبي العبش، فأوصل الناصر أبنه ~~محمدا إلى نفسه، وعزاه عن والده، وعقد له على عمله، ووصله، وخلع عليه وعلى ~~الوافدين معه، وصرفهم. فخرج محمد مبادرا إلى عمله بالغرب. وكان، عند وفاة ~~أبيه أبي العبش، قصد ابن عمه قنون إلى بلده؛ فاحتوى على ماله وأهله. ولما ~~بلغ البربر إقبال محمد بن أبي العبش إلى بلده من قبل الناصر، رجعوا إلى ~~عيسى بن قنون، وقد خرج عن تبكيساس؛ فقطعوا به، وكسروه، وسلبوه ما كان أخذه ~~لابن عمه، وقتلوا أكثر أصحابه؛ فلم يخلص إلا في سبعة فوارس. # وفيها، وصل إلى قرطبة أحمد بن الاطرابلسي رسول البوري بن موسى بن أبي ~~العافية بكتاب يذكر أنه صح عنده أن الخبر بن محمد بن خزر الزناتي وصل إلى ~~تاهرت، فحاربها؛ فاستنصر أهلها بميسور قائد الشيعي؛ فالتقوا؛ فدارت الدائرة ~~على ابن خزر أول نهارهم، ثم كانت الكرة لوناتة؛ ودخل الخير أميرهم مدينة ~~تاهرت وملكها في غرة ذي القعدة، وأخذ قائد الشيعى أسيرا في عدة من أصحابه؛ ~~ووقع في يده عبد الله بن بكار اليفرني الذي توجه إلى الشيعي برأس أيوب بن ~~أبي يزيد؛ فأرسل به إلى يعلى بن محمد بن صالح اليفرني ليقتله بوالده بعدما ~~كان أخذ كل ما عنده؛ فلم يرض يعلى بذلك، ولا رآه كفوا لعبده، فكيف لوالده؛ ~~ودفعه المذكور إلى رجل من البربر كان قد قتل ابنه، فقتله به. ودخل يعلى بن ~~محمد وهران، فملكها. # وفيها، جرت قصة الولد عبد الله بن الناصر التي أراد الله بها ابتلاء أبيه ~~فيه؛ فعجل الوثوب به وبأصحابه آخر هذه السنة، ms436 عجل عليهم فيها بأفظع العقاب؛ ~~فقتلهم؛ وتأتي بابنه عبد الله مديدة إلى أن طوقه الحسام في آخر سنة 338؛ ~~وكان الحكم أخوه ذكر عنه أنه يريد القيام على أبيه؛ فقبل قوله فيه. وكان ~~عبد الله من أهل العلم والذكاء والنبل. # وفي سنة 339، أخرج الناصر قائده أحمد بن يعلى نحو جليقية، وجاء في انتهاز ~~فرصة من العدو؛ فأعانه الله عليها، واقتحم على غفلة؛ فافتتح ثلاثة حصون، ~~وسبى نحوا من ألف سبية، وانصرف آخر رجب من السنة. # وفيها، ورد الخبر بهلك ردمير بن أردون صاحب جليقية؛ فملكت الجلالقة ابنه ~~أردون، ونازعه أخوه غرسية؛ فجرى بينهم اختلاف أظفر الله بن المسلمين. # وفيها، وصل إلى قرطبة ابنا البوري بن موسى بن أبي العاقبة أمير الغرب. ~~وورد رسول الأمير الخير أمير زناتة وكبير أمراء الغرب إلى الناصر، يذكر ما ~~أتاح الله له من دخول مدينة تاهرت، وظفره بميسور وعبد الله بن بكار اليفرني ~~قواد الشيعي؛ فقرى كتابه بجامعي قرطبة والزهراء. ثم ورد كتاب عبد الرحمن ~~ابن عبد الله الزجالي من جهة شذونة، يذكر أن بني محمد الأدارسة بالغرب ~~زحفوا إلى حميد بن بصل قائد الناصر، ونزلوا عليه، والتقوا به؛ فكانت ~~الدائرة على بني محمد، وانصرفوا مغلوبين. PageV01P236 وفي سنة 340، كانت ~~للمسلمين غزوات على الروم، نصرهم الله فيها. منها فتح على يد قائد بطليوس ~~بجيليقة، هزمهم أقبح هزيمة، قتل جملة من حماتهم ومقاتلتهم، وسبى من نسائهم ~~وذراريهم نيفا على ثلاثمائة رأس؛ ووصل ذلك السبي إلى قرطبة لثلاث خلون من ~~المحرم؛ وفتح آخر على يدي أحمد بن يعلى قائد الناصر؛ وفتح آخر على يدي رشيق ~~قائد الناصر على طلبيرة؛ وفتح آخر على يدي يحيى بن هاشم النجيبي. # وغي غرة جمادى الآخرة، وهو الثامن من أكتوبر، هبت بقرطبة ريح عاصف، ~~وتتابع البرق، واشتد الهول، ونزلت صاعقة في دار أحمد بن هاشم ابن عبد ~~العزيز، فقتلت امرأة، وأبطلت أخرى. # وفي سنة 341، كان للمسلمين غزوة في الروم، نصرهم الله فيه، وفتوحات ~~ومنوحات. # وفي آخر جمادى الأولي، وردت الأخبار بأن زبرى بن مناد ms437 الصنهاجي عامل ~~الشيعي على تاهرت أسر سعيد بن خزر زعيم زناتة وكبيرها. # وفي هذا الوقت، ورد كتاب ابن يعلى قائد الأسطول بقبضة لرهن محمد ابن ~~إدريس الحسني كبير أمراء الأدارسة. # وفي آخر جمادى الآخرة، وصل إلى قرطبة فتوح بن الخير بن محمد بن خزر كبير ~~أمراء زناتة بأرض الغرب، وافدا إلى الحضرة، ومعه وجوه أهل تاهرت ووهران؛ ~~وأدخلت بين يديه الرؤوس التي احتزها للقواد المشارقة ووجوههم من رجال ~~إسماعيل الشيعي العبيدي، يقدمها رأس ميسور الخصي ورأس محمد بن ميمون ~~وغيرهما من رؤوس أعلام الشيعة، وعشرة من بنودهم، أدخلت منكسة، معها عدة من ~~طبولهم؛ فرفعت هذه الرؤوس والبنود والطبول على باب قصر قرطبة، وأقيمت له ~~ولمن جاء معه الكرامات الواسعة. # وفي سنة 342، قدمت رسل هوتو ملك الصقالبة على الناصر. # وفيها، خرج القائد أحمد بن يعلى غازيا إلى جليقية؛ فمنحه الله في الكفار ~~القتل للرجال، والسبي للذرية والعيال، وإحراق القرى، وانتساف النعم؛ فقرى ~~كتابه يوم الجمعة لليلتين بقيتا من ربيع الأول بقرطبة؛ وقرى معه كتاب ~~القائد غالب، يذكر عظيم ما فتح الله عليه ومنحه من نكاية المشركين؛ ثم دخلت ~~الرؤوس إلى قرطبة، ومعها النواقيس والصلبان، فقرت عيون أهل الإسلام. # وفي سنة 343، ولي الناصر مدينة طليطلة القائد أحمد بن يعني، وصرف عنها ~~محمد بن عبد الله بن حدير. # وفيها، فصل القائد حميد بن يصل، المستأمن إلى الناصر، بالجيش الذي ضمه ~~إليه إلى بلاد الغرب، وخرج معه القرشي السليماني المستأمن إلى الناصر أيضا، ~~الذي كان أميرا على مدينتي تنس وأرشقول وما بينهما من أرض إفريقية؛ فأخرجه ~~عنها قواد الشيعي. واسمه علي بن يحيى، ينتسب إلى علي بن أبي طالب - رضي ~~الله عنه - ؛ فكان خروجهما من بين يدي الناصر بعد أن خلع عليهما خلع ~~الوداع، بعد خلع تقدمت له عليهما بيوم قبل وصولهما من دراريع الديباج والخز ~~وعمائم الشرب المذهبة وغير ذلك. ودفع لحميد سبعة عشر ألفا للنفقة على ~~الجند، ومن أحمال الكسوة سبعة أحمال. # وفيها، وصل إلى قرطبة وقد أزداجة من البربر الذين انحاشوا ms438 إلى الطاعة؛ ~~فكساهم الناصر ووصلهم. وورد كتاب فتح من حميد بن يصل قائد الناصر بالعدوة ~~بما فتح الله عليه من مدينة آسلان وانتشار الدعوة الأموية بنواحيها. # وفيها، قدم الحجاج؛ فذكروا أنه وقع بقشطاط مصر حريق عظيم احترق فيه ستة ~~ألفا بين دار ومسكن. # وفي سنة 344، وردت قواد الثغور لسبع خلون من ربيع الآخر على الناصر، ~~وفيهم غالب، ومطرف، ومحمد بن يعلى، وعبيد الله بن أحمد بن يعلى، وهذيل ابن ~~هاشم النجيبي، ومروان بن رزين، وعامر بن مطرف بن ذي النون، يذكرون أنهم ~~دخلوا إلى أرض العدو، وقصدوا حصنا من بلد قشتيلة؛ فتغلبوا على أرباضه، ~~وقتلوا جماعة من أهله، وقفلوا عنه؛ فوافتهم جموع النصرانية؛ فأيد الله ~~المسلمين، وانهزم المشركون أمامهم مقدار عشرة أميال، يقتلونهم كيف شاءوا؛ ~~فأحصى أنه قتل منهم مقدار عشرة آلاف. وكانت هذه الوقيعة بينهم لليلة بقيت ~~من ربيع الآخر منها؛ فقرى كتابهم بهذا الفتح الجليل بقرطبة؛ ثم وردت إلى ~~قرطبة الرؤوس المحتزة في هذه الهزيمة نحو خمسة آلاف رأس؛ فأمر الناصر ~~برفعها على الخشب حوالي سور قرطبة. # ولسبه خلون من جمادى الأولي، كانت بقرطبة زلزلة عظيمة ظاهرة الهزة؛ وعادت ~~زلزلة أخرى مثلها يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت منها، وذلك عند الظهر. ~~PageV01P237 وفيها، ثقف الناصر أمور الخدمة السلطانية، ووزعها بين وزرائه؛ ~~فقلد الوزير جهور بن أبي عبدة النظر في كتب جميع أهل الخدمة؛ وقلد الوزير ~~عيسى ابن فطيس النظر في كتب أهل الثغور والسواهل والأطراف وغير ذلك؛ وقلد ~~الوزير الكاتب عبد الرحمن الزجالي النظر في تنفيذ كل ما يخرجه من العهود ~~والتوقيعات، وينفذ به الأمر أو الرأي وغير ذلك؛ وقلد الوزير محمد بن حدير ~~النظر في مطالب الناس وحوائجهم، وتنجيز التوقيعات لهم. فالتزم القوم ما ~~ألزموا؛ فاعتدل بهم ميزان الخدمة، وسهلت مطالب الرعية. # وفيها، ورد كتاب يعلى بن حميد قائد العدوة من قبل الناصر بما فتح الله ~~عليه في قائد الشيعي معد بن إسماعيل صاحب إفريقية من هزيمته له وقتله من ~~قتل من رجاله وغير ذلك. ووصل إلى ms439 قرطبة ابن عم حميد بن يصل، ومعه ستة ~~وثلاثون من وجوه كتامة وغيرهم من القبائل المستأمنين إليه من عسكر الشيعي؛ ~~فأمر الناصر بانزالهم، وجلس لهم على سريره بقصر الزهراء يوم الثلاثاء ربع ~~خلون منه؛ فوصلوا إليه؛ فرأوا مقاما جليلا، وكلموه، فرد عليهم جميلا، وأحسن ~~موعدهم، وأمر بالخلع عليهم، ووصلوا بصلات جزلات، وأمروا بالرجوع إلى القائد ~~حميد بن يصل. # وفيها، أمر الناصر بإطلاق اللعن على ملوك الشيعة بجميع منابر الأندلس، ~~وإنفاذ كتبه بذلك إلى العمال بسائر الأقطار. # وفي سنة 345، وطئ غالب ، قائد أسطول الناصر، أرض سواحل إفريقية من عمل ~~الشيعي. # وفيها، قدم محمد بن حسين رسولا كان من الناصر إلى الطاغية أردون ابن ~~ردمير ملك جليقية، ومعه حسداي بن شبروط اليهودي، بكتابه إلى الناصر، راغبا ~~منه في الصلح؛ فأسعفه الناصر في ذلك على اختيار ولده الحكم، واشترط على ~~الطاغية شروط؛ وانصرفت رسله بذلك. # وفيها، قتل محمد بن أبي العيش الإدريسي أمير الغرب. # وفيها، خرج قاسم بن عبد الرحمن إلى حميد بن يصل قائد الناصر بالغرب من ~~قرطبة بأحد عشر حملا من المال وأحمال العدة، تقوية على الذب عن الدولة ~~المروانية بالغرب، وذلك لخمس خلون من صفر منها. ولما كان يوم النصف منه، ~~ورد كتاب حميد بدخوله مدينة تلمسان. # وفي سنة 346، قدم إلى الناصر أمراء بني رزين ومن التف إليهم؛ فوصل إلى ~~الناصر كبيرهم مروان بن هذيل بن رزين الثائر بالسهلة المنسوبة إليهم؛ ~~فأدنوا وأكرموا. # وفيها، برز القائد غالب الناصري إلى فحص السرادق غازيا إلى دار الحرب؛ ~~ففتح عليه في بلاد المشركين؛ وفتح الحصون وقتل المقاتلة واكتسح بسيط عدو ~~الله غرسية بن شانجه ملكهم، وخرب قراه، ورجع بالمسلمين ظاهرين. وكذلك برز ~~القائد أحمد بن يعلى للغزو إلى بلد العدو تاليا للقائد غالب؛ فورد كتابه ~~يوم الأحد لخمس بقين من ربيع الآخر بفتح عظيم تهيأ له في غزوة إلى جليقية، ~~وأنه ثخن في قتلهم، وحز من رؤوسهم أربعمائة، واستاق من الماشية والكراع ما ~~فات الإحصاء. # وفي سنة 347، أول المحرم، أمر الناصر صاحب الشرطة ms440 القائد أحمد بن يعلى ~~بالخروج غازيا في الأسطول إلى بلد الشيعي معد بن إسماعيل صاحب إفريقية؛ ~~فبرز ابن يعلى إلى محلة الربض لغزاته هذه يوم الخميس لثمان خلون منه؛ وكان ~~بروزه فخما، خرج إليه من النظارة من أهل قرطبة رجالهم ونسائهم وأبنائهم ~~وولدانهم خلق لا يحصيهم إلا خالقهم؛ فانتشروا بأكناف الربض على عادتهم؛ ~~فأخذ السفلة منهم والغوغاء يتقاذفون بالحجارة حاكين لصفي القتال؛ فدخل في ~~عرضهم قوم من الطنجيين من جند السلطان حشوا الضراب بينهم، حتى حمى وطيسه، ~~وقد تكنف صفيهم من النظارة الرجال والنساء خلق عظيم. فلم يك إلا ساعة، ~~ودارت بينهم جولة ظهر فيها أحد صفيهم؛ فمالوا على مغلوبهم، وانبسطوا عليهم؛ ~~فامتد الطنجيون بغالب شرهم وجهلهم إلى نهب مغلوبهم من الرجال، وتخطوهم إلى ~~من حولهم من النظارة، وانبسطوا على النساء؛ فسلبوهن ثيابهن، وفضحوا كثيرا ~~منهن؛ فجعل المجردات من النساء يتوارين في الزرع المكتل، حياء من الناس، ~~وترقبا لوقت تفرقهم. وشرح ذلك يطول. PageV01P238 وفي جمادى الآخرة منها، ~~ورد كتاب قائد الأسطول أحمد بن يعلى من مدينة آسلان من عمل تلمسان، يذكر أن ~~جوهرا قائد معد بن إسماعيل صاحب إفريقية قتل يعلى بن محمد بن صالح اليفرني ~~صاحب مدينة آفكان غدرا، وأن ابن عمه انتصب مكانه بإقامة من جلة قومه له، ~~ورجع القائد المذكور إلى قرطبة ومعه ولد ابن قرة، ابن عم يعلى بن محمد ~~المتقدم الذكر، المقدم بعده في قومه بني يفرن؛ فبولغ في إكرامه. # وفي سنة 348، في أول ربيع الآخر منها، خرج علي بن يحيى الحسني إلى شرشل ~~مكانه من العدوة قائدا، بمن انضم إليه من الحشم، لمكافحة أصحاب الشيعي صاحب ~~إفريقية. # وفي أول ذي القعدة منها، أوصل الناصر إلى نفسه حريز بن منذر في جماعة من ~~وجوه الموالي والعرفاء ورجال الجند، يأمرهم جميعا بالخروج إلى مدينة مسنة ~~من أرض العدوة، مع بدر الفتى الكبير صاحب السيف، لتنفيذ العدد فيها من أجل ~~جولان جوهر قائد معد الشيعي صاحب القيروان بأرض العدوة؛ فنفذوا لأمره، ~~ومكثوا كذلك إلى أن أمنت الحادثة؛ ms441 فانصرفوا مع القائد بدر، آخر ذي الحجة من ~~السنة. # وفي سنة 349، كان ابتداء علة الناصر، وذلك يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة ~~خلت من صفر، وذلك نصف النهار منه، طرقت أمير المؤمنين الناصر علته الصعبة ~~من الريح الباردة؛ فأرجف به، وخيف عليه، وأكبت الأطباء على معالجته، إلى أن ~~ظهر عليه تجفيف؛ فتجشم القعود لخاصته في العشر الأوائل لجمادى الأولي. فوصل ~~إليه الفتيان الأكابر، وصاحب الطراز، وخواص أكابر العبيد كمظفر وذويه؛ ~~فاستبشر أهل المملكة بما بدا لهم من انحطاط مرضه، وسألوا الله كمال عاقبته؛ ~~والقضاء قد سبق بموته من علته؛ فلم تفارقه، تخف حينا وتثقل حينا، إلى أن ~~قضت عليه في سنة 50 التي بعد هذه. # بعض أخبار الناصر على الجملة # كان الناصر - رحمه الله - ملكا أزال الأواء؛ وحسم الأدواء، وقهر الأعادي، ~~وعدل في الحاضر والبادي؛ قد أسس الأوس؛ وغرس الغروس واتخذ المصانع والقصور، ~~وترك أعلاما باقية إلى النفخ في الصور. فاعتبر بالزهراء كم بها من قصر ~~مشيد، وآثار ملوك صيد؛ قد عادت معاهدها بعدهم دارسة، وآثارها دونهم طامسة؛ ~~تنفي الرياح بجنباتها، وتبكي الغيوم على عرصاتها. ولما ولي الناصر لدين ~~الله، اعتز ركن الدين، واحتمى ذمار المسلمين، وقام الجهاد على ساق، وخمدت ~~نار الخلاف والشقاق، ودخل الناس في طاعته أفواجا، واستنفروا إلى دعوته ~~أفرادا وأزواجا. فناهيك من فضل أعطاهم، وعدل أكنفهم به وغطاهم، وتكرمة ~~أنالهم إياها، ومسرة أبدى لهم محياها؛ قد ملك سبتة وما يليها من الأقطار، ~~وطرد عنها ملوك الأدارسة طرد الليل النهار، وبث عماله وقواده فيها، وطاعت ~~له البرابر في جميع نواحيها، واعتصموا بحبله، ولاذوا بفضله وعدله. وكان ~~اصطفى مولاه بدرا، وجعله شمسا لملكه وبدرا، وقلده خطة الحجاب، وجعل له ~~النفي والإيجاب؛ فشد ملكه بقوة ساعد، وسعج مساعد؛ ثم قدم موسى بن حدير؛ ~~فكمل به الملك واتسق واتفق له من الجد ما اتفق؛ فقاد عسكرا مجرا، وجر ~~الدنيا جرا. # ومن قول ابن عبد ربه فيه )بسيط(: # قد أوضح الله للإسلام منهاجا ... والناس قد دخلوا في الدين أفواجا # وقد تزينت الدنيا ms442 لساكنها ... كأنما ألبست وشيا وديباجا # يا ابن الخلائف إن المزن لو علمت ... نداك ما كان منها الماءنجاجا # والحرب ولو علمت بأسا تصول به ... ما هيجت من حمياك الذي اهتاجا # مات النفاق وأعطى الكفر ذمته ... وذلت الخيل إلجاما وإسراجا # وأصبح النصر معقودا بألوية ... تطوى المراحل تهجيرا وإدلاجا # إن الخلافة لن ترضى ولا رضيت ... حتى عقدت لها في رأسك التاجا # ومن مناقبه، أنه لم يبق في القصر الذي هو من مصانع أجداده ومعالم أولىته ~~بنية إلا وله فيها أثر محدث، إما بتجديد أو بتزييد. ومن مناقبه، كثرة جوده ~~الذي لم يعرف لأحد قبله من أجواد الجاهلية والإسلام، حتى قيل فيه - رحمة ~~الله عليه - )كامل(: # يا ابن الخلائف والعلى للمعتلى ... والمجد يعرف فضله للمفضل # نوهت بالخلفاء بل أخملتهم ... حتى كأن نبيلهم لم ينبل PageV01P239 أذكرت ~~بل أنسيت ما ذكر الورى ... من فعلهم فمأنه لم يفعل # وأتيت آخرهم وشأوك فائت ... للآخرين ومدرك للأول # تأبي فعالك أن تعد لآخر ... منهم وجودك أن يعد لأول # وكم للناصر - رحمه الله - من غزوات مذكورة، وفتوحات مشهورة، يبقى في ~~الأعقاب فخرها، ولا يبلى على مر الأحقاب أثرها. # وقد نظم ابن عبد ربه في غزواته أرجوزة من سنة 301 إلى سنة 322. وقد أطال ~~الشعراء في مدحه، وأطنبوا في شكره؛ ولولا أن الناس مكتفون بما في أيديهم ~~منها، لأعدنا هنا ذكرها أو ذكر بعضها؛ ولكن المذهب هنا الاقتصار والإيجار ~~والاختصار. # حكاية # ومما ذكر من إفضاله، مع بعض عماله، قال حيان بن خلف: كان محمد بن سعيد ~~المعروف بابن السليم قد احتجن أموالا كثيرة بتصرفه في كبار الولايات في ~~المدة الطويلة؛ فعلم ذلك منه الناصر؛ فعرض له مرارا في أن يساهمه فيه عن ~~طيب نفس منه، وهو ملكه، ولو شاء لأخذه منه، ولكن أبى ذلك كرم طبعه. فقال في ~~مجلسه يوما: )ما بال رجال من خاصتنا توسعوا في دنيانا، فطفقوا يحتجون ~~الأموال، ويضيعون تعمدنا، وهم يرون غليظ مئونتنا في الإنفاق على شؤوننا ~~التي بقدرتنا عليها صلاح أحوالهم ورفاهية عيشهم. ويعلمون أن أمير المؤمنين ms443 ~~عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ، قسطاس الموازين، قاسم عماله أرباحهم في ~~تجاراتهم؛ فجعلها في بيت المال، وهو من هو، وهم من هم، والأسوة في فعله!( ~~فسكت ابن السليم عنه وغالطه في تعرضه كأنه يعني غيره. فازداد الناصر حنقا ~~عليه وغيظا؛ فقال له يوما في بعض مجالسه الخاصة معه، وقد أخذ الشراب منه، ~~وشق تفاحة بسكين في يده: )وددت أن أشق هكذا رأس من أعرف له مالا كثيرا غله ~~دوننا، ولم يسهم بيت المال منه!:( فطار عقل ابن السليم، ولم يختلجه الشك في ~~أنه المعني به؛ فقام بين يديه، وقال: )يا أمير المؤمنين! طال ما عرضت بي! ~~فسكت؛ بلى والله! إن عندي مالا كثيرا، وهو دون ظنك فيه، حطته بالتقتير، ~~وأعددته للدهر العثور، ولست والله أعطيك منه درهما، فما فوقه، ورأيك في ~~جميل إلا أن تستحل( )وأعوذ بالله!( أن تمد يدك إليه بغير جناية مني عليك! ~~فإن الأنفس محضرة الشح. قال: فخجل الناصر وأطرق يتلو قول الله تعالى: [إن ~~يسئلكموها فيحفكم أن تبخلوا ويخرج أضغانكم.] ثم أقبل على ابن السليم يونسه ~~ويسكن جأشه، إلى أن اعتدل مجلسه؛ فجعل يمعن في الشرب طلبا للسكر الذي خامره ~~من الذعر. فقال له الناصر: )خفض عليك، يا محمد؛ فلا سبيل إليك!( فلما سكر ~~ابن السليم، تهوع؛ فقذف، وابتدره الوصفاء بالطست والمناديل؛ فأقبل الناصر ~~وأخذ برأسه يمسكه، ويقول له: )استفرغ ما في معدتك وتأن بنفسك!(. فأنكر ابن ~~السليم كلامه بين الخدم، وصرف إليه رأسه، وإذا به الناصر. فما تمالك أن خر ~~إلى رجليه يقبلهما، ويقول: )يا ابن الخلائف! إلى هنا انتهيت من بري!( وجعل ~~يدعو له، ويعظم شكره؛ فقال له الناصر: )ليتني أخرج كفافا من شأني معك ~~الليلة: تأنيسا بإخافة وإلطافا بجفوة(. ثم أمر له بكسوة، وانقلب إلى أهله. ~~فكان هذا مما يعد من كرمه وفضله. فلما مضت أيام، أرسل ابن السليم إلى ~~الناصر بمائة ألف دينار دراهم؛ فقبلها الناصر، وشكر فضله( وعوضه بكبير ~~الولايات، وصحبته منه النعمة العريضة إلى حين وفاته. # حكاية # ومازح الناصر ms444 - رحمه الله - يوما وزيره أبا القاسم لبا؛ فقال له: )يا لب ~~اهج الوزير عبد الملك بن جهور!( فامتنع عليه؛ فقال لابن جهور: )فأهجج أنت، ~~إذ أبى هو من هجوك(. فقال: )يا أمير المؤمنين، أتوقع عرضي منه، وأصون نفسي ~~عنه!( فقال الناصر: )فأنا أهجوه.( فقال )سريع(: # لب أبو القاسم ذو لحية ... طويلة في طولها ميل # ثم قال لابن جهور: )لا بد لك من تذييل هذا البيت؛ فدع الاعتذار.( فقال: # وعرضها ميلان إن كسرت ... والعقل مأفون ومدخول # لو أنه أحتاج إلى غسلها ... لم يكفه في غسلها السيل # فضحك الناصر، وقال للب: ) إنه قد سبب لك القول؛ فقل!( فقال لب: # قال أمين الله في خلقه ... لي لحية أزرى بها الطول # وابن عيير قال قول الذي ... مأكوله القرظيل والفول PageV01P240 لولا ~~حيائي من إمام الهدى ... نخشت بالمنخس )شو قول( # فلما بلغ لب إلى قوله )شو( سكت؛ فقال له الناصر: )قول(. فأتم له على نحو ~~ما أضمر؛ فقال له: )أنت هجوته، يا مولاي!( فضحك الناصر، وأمر له بصلة. # وكان الناصر قد خرج يوما على فرس أبلق في هيئة جليلة والوزراء قد حفوا ~~به؛ فقال ابن عبد ربه في ذلك مرتجلا )سريع(: # بدر بدا من تحته أبلق ... يحسد فيه المغرب المشرق # لو يعلم الأبلق من فوقه ... لاختال من عجب به الأبلق # إمام عدل باسط كفه ... يرزق منها الله من يرزق # عابه الدهر الذي قد مضى ... وجد والله به المخبلق # وكان، لما ترعرع ابنه الحكم بن عبد الرحمن، ولاه العهد من بعده. وكان له ~~أخ اسمه عبد الله؛ فحسده على ذلك، واجتمع عليه قوم وأراد قتل أخيه؛ واتفق ~~مع أصحابه أن يبادروه؛ فافتضحوا وقتلوا جميعا، كما تقدم. وأما الولد عبد ~~الله، فذكر أنه أخرجه أبوه الناصر ثاني يوم عيد الأضحى؛ فذبح بين يديه - ~~رحمه الله - ؛ وكان عالما فاضلا. # وكان الناصر أمر ببناء الصومعة العظيمة في سنة 340، وشرع في بنائها؛ وهي ~~الشهيرة التي لا صومعة تعدلها. وكان الذي دعاه إلى بنائها حدث في القديمة؛ ~~فهدمت إلى قواعدها وبنيت بصخر ms445 الحجارة المنقولة إليها على العجل؛ وجمع لها ~~فجاءت فائقة الصنعة. وقد كانت الأولى ذات مطلع واحد؛ فصير لهذه مطلعين، ~~وفصل بينهما بالبناء؛ فلا يلتقي الراقون فيها إلا بأعلاها. ولكل مطلع منها ~~مائة درج وسبعة أدراج؛ وطولها ثمانون ذراعا بالرشاشي إلى وقوف المؤذن؛ وفي ~~أعلى ذروة المنار ثلاث رمانات تغشى النواظر بشعاعها، وتخطف الأبصار ~~بالتماعها: الأولى مفروغة من الذهب، والوسطى من الفضة، والثالثة من الذهب ~~أيضا؛ وفوقها سوسانة من الذهب المحض مسدسة؛ وفوق السوسانة رمانة صغيرة من ~~الذهب؛ ثم طرف الزج، وفيه تأريخ مكتوب بالذهب. وزنة كل رمانة من الثلاثة ~~المذكورة قنطار واحد فما دونه، ودور كل واحدة ثلاثة أذرع ونصف. وكمل بناء ~~الصومعة في جمادى الأولى؛ فذلك ثلاثة عشر شهرا. # وكان الناصر زاد في المسجد الجامع بقرطبة زيادته المشهورة، المتصلة ~~بزيادة ابنه الحكم بعده، وفيها القبو الكبير الذي يصطف المؤذنون أمامه يوم ~~الجمعة للأذان، وهو من أعجب البنيان. وإذ قد وقع ذكر المسجد الجامع بقرطبة؛ ~~فالواجب أن نذكر أول من أحدثه ومن تولي بناءه من ملوك بني أمية. على سبيل ~~الاختصار؛ فنقول: # ذكر مسجد قرطبة الأعظم # ذكر الرازي عن الفقيه محمد بن عيسى أنه قال: لما افتتح المسلمون الأندلس، ~~استدلوا بما فعل أبو عبيدة وخالد - رضي الله عنهما - عن رأي أمير المؤمنين ~~عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - من مشاطرة الروم في كنائسهم مثل كنيسة دمشق ~~وغيرها مما أخذوه صلحا. فشاطر المسلمون أعاجم قرطبة في كنيستهم العظمى التي ~~كانت بداخلها، وابتنى المسلمون في ذلك الشطر مسجدا جامعا. وبقى الشطر ~~الثاني بأيدي الروم، وهدمت عليهم سائر الكنائس. فلما كثر المسلمون ~~بالأندلس، وعمرت قرطبة ونزلها أمراء العرب بجيوشهم. ضاق عنهم ذلك المسجد، ~~وجعلوا يعلقون منه سقائف؛ فنال الناس من الضيق مشقة عظيمة. فلما دخل عبد ~~الرحمن بن معاوية الأندلس، وسكن قرطبة، نظر في أمر الجامع، وتوسيعه، وإتقان ~~بنائه؛ فأحضر أعاجم قرطبة، وسألهم بيع ما بقي بأيديهم من الكنيسة المذكورة، ~~وأوسع لهم البذل فيه، وفاء بالعهد الذي صولحوا عليه؛ وأباح لهم بناء ~~كنائسهم ms446 التي كانت هدمت عليهم في وقت الفتح بخارج قرطبة. وخرجوا عن الشطر؛ ~~فاتخذه وأدخله في الجامع الأعظم. وكان شروع عبد الرحمن الداخل في هدم ~~الكنيسة وبناء الجامع سنة 169؛ وثم بناؤه، وكملت بلاطاته، واشتملت أسواره ~~في سنة 170؛ فذلك مدة من عام كامل؛ فقيل إن النفقة التي أنفق الإمام عبد ~~الرحمن بطول هذه السنة في بناء الجامع ثمانون ألفا بالوازنة. وفي ذلك يقول ~~البلوي - رحمه الله - )طويل(: # وأبرز في ذات الإله ووجهه ... ثمانين ألفا من لجين وعسجد # فأنفقها في مسجد أسه الشقي ... ومنهجه دين النبي محمد PageV01P241 ثم زاد ~~ابنه هشام صومعة، كان ارتفاعها أربعين ذراعا إلى موضع الأذان وبنى بآخر ~~المسجد سقائف لصلاة النساء؛ وأمر ببناء الميضأة بشرقي الجامع. وأقام الجامع ~~على هيئته تلك إلى أيام عبد الرحمن بن الحكم؛ ثم زاد عبد الرحمن بن الحكم ~~بن هشام بن عبد الرحمن الداخل الزيادة المنتظمة بالأرجل، طولها خمسون ~~ذراعا، وعرضها مائة وخمسون، وعدد سواريها ثمانون سارية؛ وكان الفراغ من هذه ~~الزيادة في جمادى الأولى سنة 234. ثم زاد الأمير محمد بن عبد الرحمن أن أمر ~~بإتقان طرر الجامع، وتنميق نقوشه، وبإقامة المقصورة، وجعل لها ثلاثة أبواب؛ ~~فلما كمل ما أمر به في الجامع، دخله وصلى فيه ركعات خشع فيها. فقال في ذلك ~~موسى بن سعيد )طويل(: # لعمري لقد أبدى الإمام التواضعا ... فأصبح للدنيا وللدين خاشعا # بنى مسجدا لم يبن في الأرض مثله ... وصلى به شكرا لذي العرش راكعا # فطوبى لمن كان الأمير محمد ... له إذ دعا فيه إلى الله شافعا # ثم زاد الأمير المنذر بن محمد البيت المعروف ببيت المال في الجامع؛ فوضع ~~فيه الأموال الموقفة لغياب المسلمين؛ وأمر بتجديد السقاية وإصلاح السقائف. ~~ثم زاد أخوه الأمير عبد الله بن محمد ساباطا معقودا على حنايا، أوصل به ما ~~بين القصر والجامع من جهة الغرب؛ ثم أمر بستارة من آخر هذا الساباط إلى أن ~~أوصلها بالمحراب؛ وفتح إلى المقصورة بابا كان يخرج منه إلى الصلاة؛ وهو أول ~~من اتخذ ذلك من أمراء بني أمية بالأندلس ms447 - رحمهم الله - . # رجع الخبر إلى ذكر الناصر. قيل إنه أنفق في صومعة المسجد وفي تعديل ~~المسجد وبنيان الوجه للبلاطات الأحد عشر بلاطا سبعة أمداد وكيلين ونصف كيل ~~من الدراهم القاسمية. وجملة ما أنفق عبد الرحمن الناصر في بناء مدينة ~~الزهراء وقصورها خمسة وعشرون مدبا من الدراهم القاسمية وستة أقفزة وثلاثة ~~أكيال ونصف. # ذكر بناء مدينة الزهراء بقرطبة # أعادها الله للإسلام بفضله # ابتدئ بنيانها في أيام الناصر من أول سنة 325. وكان يصرف فيها كل يوم من ~~الصخر المنجور ستة آلاف صخرة سوى التبليط في الأسوس؛ وجلب إليها الرخام من ~~قرطاجنة إفريقية ومن تونس؛ وكان الأمناء الذين جلبوه عبد الله بن يونس، ~~وحسن القرطبي، وعلي بن جعفر الإسكندراني؛ وكان الناصر يصلهم على كل رخامة ~~بثلاثة دنانير، وعلى كل سارية بثمانية دنانير سجلماسية. وكان فيها من ~~السواري أربعة آلاف سارية وثلاثمائة سارية وثلاث عشرة سارية، المجلوبة منها ~~من إفريقية ألف سارية وثلاث عشرة سارية. وأهدى إليه ملك الروم مائة وأربعين ~~سارية؛ وسائر ذلك من رخام الأندلس. وأما الحوض الغريب المنقوش المذهب ~~بالتماثيل، فلا قيمة له، جلبه ربيع الأسقف من القسطنطينية من مكان إلى مكان ~~حتى وصل في البحر؛ ووضعه الناصر في بيت المنام في المجلس الشرقي المعروف ~~بالمؤنس؛ وكان عليه اثنا عشر تمثالا من الذهب الأحمر مرصع بالدر النفيس ~~العالي مما صنعه بدار الصنعة بقصر قرطبة. وكان المتولي لهذا البنيان ~~المذكور ابنه الحكم، لم يتكل الناصر فيه على أمين غيره. وكان يخبز في أيامه ~~كل يوم يرسم حيتان البحيرات ثماني مائة خبزة، وهذا من أعظم الأشياء إلى ما ~~فوق ذلك. # وكان الناصر قد قسم الجباية على ثلاثة أثلاث: ثلث للجند، وثلت للبناء، ~~وثلث مدخر. وكانت جباية الأندلس يومئذ من الكور والقرى خمسة آلاف ألف ~~وأربعمائة ألف وثمانين ألف دينار، ومن المستخلص والأسواق سبع مائة ألف ~~دينار وخمسة وستين ألف دينار. PageV01P242 ومما قيل في آثار مدينة قرطبة ~~وعظمها حين تكامل أمرها في مدة بني أمية - رحمهم الله تعالى - إن عدة الدور ~~التي بداخلها للرعية ms448 دون الوزراء وأكاب أهل الخدمة مائة ألف دار وثلاثة عشر ~~ألأف دار؛ ومساجدها ثلاثة آلاف؛ وعدة الدور التي بقصرها الزهراء أربعمائة ~~دار، وذلك لسكنى السلطان وحاشيته وأهل بيته. وعدد الفتيان الصقالبة ثلاثة ~~آلاف وسبع مائة وخمسون. وعدة النساء بقصر الزهراء الكبار والصغار وخدم ~~الخدمة ستة آلاف وثلاثمائة امرأة؛ وكان لهؤلاء من اللحم ثلاثة عشر ألف رطل ~~ينقسم من عشرة أرطال للشخص إلى ما دون ذلك، سوى الدجاج والحجل وصنوف الطير ~~وضروب الحيتان. وعدد حماماتها ثلاثمائة حمام؛ وقيل إنها المبرزة للنساء. ~~وكان عدد أرباض قرطبة - أعادها الله للإسلام - في ذلك الوقت ثمانية وعشرين ~~ربضا، منها مدينتان: الزهراء والزاهرة. وأما اليتيمة التي كانت في المجلس ~~البديع، فإنها كانت من تحف قيصر اليوناني صاحب القسطنطينة، بعض بها للناصر ~~مع تحف كثيرة سنية. فسبحان من لا يبيد ملكه ولا ينقطع عزه!. # وفي سنة 350، توفى الناصر - رحمه الله - ، وذلك في صدر رمضان منها. ووجد ~~بخطه تأريخ قال فيه: )أيام السرور التي صفت لي دون تكدير في مدة سلطاني يوم ~~كذا من شهر كذا من سنة كذا.( فعدت تلك الأيام؛ فوجد فيها أربعة عشر يوما. ~~فأعجب أيها الغافل لهذه الدنيا، وعدم صفائها، وبخلها بكمال الأحوال ~~لأولائها. إن الخليفة الناصر ملك خمسين سنة وسبعة أشهر وثلاثة أيام، ولم ~~يصف له من الدنيا إلا أربعة عشر يوما! فسبحان ذي العزة العالية، والمملكة ~~الباقية، تبارك اسمه وتعالى جده! وممن رثاه، جعفر بن عثمان المصحفي، فقال ~~)طويل(: # ألا إن أياما هفت بإمامها ... لجائرة مشتطة في احتكامها # فلم يولم الدنيا عظام خطوبها ... وأحداثها إلا قلوب عظامها # تأمل فهل من طالع غير آفل ... لهن وهل من قاعد لقامها # وعاين فهل من عائش برضاعها ... من الناس إلا ميت بفطامها # كأن نفوس الناس كانت بنفسه ... فلما توارى أيقنت بحمامها # فطار بها يأس الأسى وتقاصرت ... يد الصبر عن أعوالها واحتدامها # خلافة الحكم بن عبد الرحمن المستنصر بالله # نسبه: الحكم بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن ~~الحكم بن ms449 هشام بن عبد الرحمن الداخل. كنيته: أبو المطرف. أمه: اسمها ~~مهرجان. عمره: ثلاثة وستون سنة وسبعة أشهر. بويع بعد موت أبيه لثلاث خلون ~~لرمضان سنة 350. وتوفى ليلة الأحد لثلاث خلون من صفر من سنة 366؛ فكانت ~~دولته خمس عشرة سنة، وسبعة أشهر، وثلاثة أيام. لقبه: المستنصر بالله. صفته: ~~أبيض مشرب بحمرة، أعين، أقنى، جهير الصوت، قصير الساقين، ضخم الجسم، غليظ ~~العنق، عظيم السواعد، أفقم. # قضاته: منذر بن سعيد البلوطي قاضي أبيه؛ ثم أبو بكر محمد بن السليم. نقش ~~خاتمه: الحكم بقضاء الله راض. # وافتتح خلافته بالنظر في الزيادة في المسجد الجامع بقرطبة؛ وهو أول عهد ~~أنفذه؛ وقلد ذلك حاجبه وسيف دولته جعفر بن عبد الرحمن الصقلي، وذلك لأربع ~~خلون لرمضان من السنة، وهو اليوم الثاني من يوم خلافته. فكان أول ما عهد ~~إليه تقديم النظر في سوق الصخور التي هي أس البنيان؛ فابتدئ بانتقالها في ~~رمضان المذكور. وكان قطر قرطبة قد كثر به الناس؛ فضاق الجامع عن حملهم، ~~ونالهم التعب في ازدحامهم؛ فسارع المستنصر إلى الزيادة فيه؛ فخرج لتقديرها، ~~وتفصيل بنيانها، وأحضر الأشياخ والمهندسين؛ فحدوا هذه الزيادة من قبلة ~~المسجد إلى آخر الفضاء مادا بالطول لأحد عشر بلاطا. وكان طول الزيادة من ~~الشمال إلى الجنوب خمسة وتسعين ذراعا؛ وعرضها من الشرق إلى الغرب مثل عرض ~~الجامع سواء؛ وقطع من هذا ساباط القصر المتخذ لخروج الخليفة إلى الصلاة إلى ~~جانب المنبر بداخل المقصورة؛ فجاءت هذه الويادة من أحسن ما زيد في المسجد ~~قبل وأشده وأتقنه. # ذكر الحبس الذي حبس المستنصر بالله على الجامع بقرطبة PageV01P243 لما ~~كملت زيادته، أحضر الفقهاء والعدول الشهداء وأعيان الناس ووجوههم وقضاتهم ~~وأئمتهم. فحمد الله، وأثنى عليه، وجدد شكره على توفيقه، لإجراء هذه البنية ~~الكريمة على يديه، وأنه تلقى هذه النعمة العظيمة بأن حبس ربع جميع ما جرته ~~إليه الوراثة عن أبيه أمير المؤمنين في جميع كور الأندلس وأقاليمها على ~~ثغور الأندلس كافة تفرق عليهم غلات هذه الضياع عاما بعد عام على ضعفائهم ~~إلا أن تكون بقرطبة مجاعة، فتفرق ms450 فيهم إلى أن يجبرهم الله. وجعل القبض ~~والنظر في هذا الحبس إلى حاجبه وسيف دولته جعفر؛ وجعل دفع ذلك إلى وزيره ~~وكاتبه عيسى بن فطيس. وأشهد الحاضرين على ذلك، وأشهد أيضا بعتق كل مملوك له ~~من الذكران، وخرج غازيا إلى بلاد المشركين. # وفي سنة 351، غزا الحكم المستنصر بالله بلاد الروم؛ ففتح بها حصونا كثيرة ~~ومدنا جليلة، وسبى وغنم، وانصرف غانما ظافرا. # وفيها، وفد عليه أبو صالح زمور البرغواطي رسولا من ملك برغواطة أبي منصور ~~عيسى بن أبي الأنصار؛ فسأله الحكم عن أنساب برغواطة ومذاهبهم؛ فأخبره بما ~~تقدم في الجزء الأول. # وكان الحكم قد أنفذ الكتب في محرم من سنة 351 إلى جميع الولاة والقواد ~~والعمال بأقطار الأندلس، يأمرهم بارتباط الخيل، والقيام عليها، والاستعداد ~~بالعدد والأسلحة والآلات برسم الجهاد في سبيل الله. # وفيها، عزل عبد الله بن بدر عن شرطة المدينة بقرطبة، وولاها محمد بن ~~جهور، وأنفذ له سجلا بذلك بخط يده. # وفيها، استحجب جعفر الصقلبي الفتى الكبير الناصري. # وفيها، وفد على المستنصر بالله أردون بن إذفونش الأحدب، من ملوك ~~الجلالقة، المنازع لابن عمه شانجه بن ردمير سابقه إلى ولاية ملكهم؛ فبالغ ~~في إكرامه في خبر طويل. وكان الفصحاء في ذلك مقامات وأشعار يطول الكتاب ~~بذكرها. فمن قول عبد الملك بن سعيد من قصيدة )كامل(: # ملك الخلافة آية الإقبال ... وسعوده موصولة بتوالي # فالمسلمون بعزة وبرفعة ... والمشركون بذلة وسفال # ألقت بأيديها الأعاجم نحوه ... متوقعين لصولة الرئبال # هذا أميرهم أتاه آخذا ... منه أواصر ذمة وحبال # وفيها، وصل قرطبة إرسال شانجة بن ردمير، منازع الطاغية أردون ابن عمه ملك ~~الجلالقة، ومعهم عبد الرحمن بن جحاف قاضي بلنسية، وأيوب بن الطويل وغيرهما؛ ~~فتوصلوا كلهم إلى المستنصر في ربيع الآخر، وأوصلوا كتاب شانجة بن ردمير ~~بجواب ما خوطب فيه وبيعته التي عقدها على نفسه وجميع أهل مملكته لأمير ~~المؤمنين المستنصر بالله، في خبر طويل. # وفيها، ولد للخليفة الحكم ولد ذكر من حزيته التي سماها جعفرا أم ولده؛ ~~فسماه عبد الرحمن، وسر به سرورا عظيما، إذ كان ms451 لا يولد له. وقالت في ذلك ~~الشعراء والأدباء. فأكثروا. # وفيها، ظهر نكث الجلالقة بكل جهة. # وفيها ، كان المد الطامي بنهر قرطبة. # وفي سنة 352، كانت غزوة شنت أستبن، غزاها الحكم المستنصر بالله. # وفي سنة 353، كانت بقرطبة مجاعة عظيمة؛ فتكفل الحكم بضعفائها ومساكينها ~~بما تقيم أرماقهم، وأجرى نفقاته عليهم بكل ربض من أرباض قرطبة وبالزهراء. # وفيها، قرى بالجامعين: قرطبة والزهراء، فتح ورد من قبل سعد الجعفري مولي ~~الخليفة الحكم، القائد بالجوف، يذكر ما أتاحه الله على يديه في أهل جليقية، ~~وأفاءه على المسلمين بسعد إمامهم الزكي. # وفيها، كان ازدحام الناس بالمسجد الجامع بقرطبة وتضاغطهم حتى كادت النفوس ~~تتلف؛ فأمر المستنصر بالله بتوسعته والزيادة فيه؛ فأتى القاضي منذر ابن ~~سعيد إلى المسجد الجامع، ومعه صاحب الأحباس والفقهاء والعدول بما اجتمع ~~قبله من أموال الأحباس؛ فنظروا في الزيادة فيه. # وفيها، أنفذ المستنصر بالله أحمد بن نصر لبنيان مدينة بثغر طليطلة، ~~وتشييدها، وتوثيق أمورها؛ وجعل بين يديه أحمال أموال. # وفيها، تحرك الحكم من قرطبة إلى المرية توقعا لما يصدر من صاحب إفريقية ~~المحاد لأهل الأندلس، ولمعاينة ما استكمله بها من الحصانة ومطالعة حال ~~رابطة القبطة ومشارفة حال الرعايا بتلك الجهة. # وفيها، كان خبر اللص الذي سرق بيت المال الذي للسبيل بداخل المسجد الجامع ~~بقرطبة في شوال. # وفي سنة 354، نزل الغيث بقرطبة؛ فرويت الأرض، وطاب الحرث، وسرت النفوس. ~~PageV01P244 وفيها، ولد هشام بن الحكم. قال ابن حيان: كان الخليفة الحكم ~~شديد الكلف بطلب الولد لعلو سنه؛ فبشر في بعض خلواته باشتمال أم ولده على ~~حمل؛ فسر به، وبقى يترقبه؛ فأتته به أول خلافته؛ ثم مات طفلا؛ فأحزته. فلما ~~بشر بهذا، فرح به؛ فاستبشر جعفر بن عثمان وزيره ببشراه، وأرسل إليه في ~~التهنئة بذلك أبياتا، وهي )وافر(: # هنيئا للأنام وللإمام ... كريم يستفيد على كرام # مرجى للخلافة وهو ماء ... مأمول لآمال عظام # أضاء على كريمته ضياه ... فلم تعلم بغاشية الظلام # ولم لا يستضاء بجانيها ... وبين ضلوعها بدر التمام # قال: فلما ولدت جاريته جعفر ابنها هشاما الملقب بالمؤيد، بشر الخليفة ms452 ~~الحكم بطلوعه، وجعفر بن عثمان عنده في خلوة؛ فارتاح لارتياحه؛ فقال على ~~البديهة يهنئه )منسرح(: # اطلع البدر من حجابه ... واطرد السيف من قرابه # وجاءنا وارث المعالي ... ليثبت الملك في نصابه # بشرنا سيد البرايا ... بنعمة الله في كتابه # لو كنت أعطي البشير نفسي ... لم أفض حقا لما أتى به # وفيها، كملت القبة المبتناة على المحراب في الزيادة بالمسجد، وذلك في شهر ~~جمادى الآخرة منها. # وفيها، شرع في تنزيل الفسيفساء بالمسجد الجامع؛ وكان ملك الروم بعث بها ~~إلى الخليفة الحكم. وكان الحكم قد كتب له في ذلك، وأمره بتوجيه صانعها ~~إليه، افتداء بما فعله الوليد بن عبد الملك في بنيان مسجد دمشق؛ فرجع وفد ~~الحكم بالصانع، ومعه من الفسيفساء ثلاثمائة وعشرون قنطارا، بعث بها ملك ~~الروم هدية؛ فأمر الحكم بإنزال الصانع، والتوسيع عليه، ورتب معه جملة من ~~مماليكه لتعلم الصناعة؛ فوضعوا أيديهم معه في الفسيفساء المحلوبة، وصاروا ~~يعملون معه؛ فأبدعوا، وأربوا عليه، واستمروا بعد ذلك منفردين دون الصانع ~~القادم، إذ صدر راجعا عند الاستغناء عنه، بعد أن أجزل له المستنصر الصلة ~~والكسوة. وتداعى إلى هذه البنية كل صانع حاذق من أقطار الأرض. وركب الحكم ~~المستنصر بالله في العشر الوسط لشوال من الزهراء إلى الجامع، ودخله، ونظر ~~إلى الزيادة وما تم فيها، وأمر بإقلاع السواري الأربع التي كانت في عضادة ~~المحراب القديم الفائقة التي لا نظير لها، وصيانتها إلى أن توضع في المحراب ~~الجديد عند إتقان إحكامه وإكماله. # وفي سنة 355، في المحرم، أمر بوضع المنبر القديم إلى جانب المحراب، ونصب ~~المقصورة القديمة. ونصب في قبلة هذه الزيادة مقصورة من الخشب، منقوشة ~~الظاهر والباطن، مشرفة الذروة، طولها خمسة وسبعون ذراعا، وعرضها اثنان ~~وعشرون ذراعا، وعلوها إلى الشرفات ثمانية أذرع. وكان الفراغ من هذه الزيادة ~~ونصب المقصورة في رجب من السنة. # وفي يوم الجمعة لثمان خلون منه، قرى كتاب فتح من قبل سعادة الجعيفري، ~~القائد بمدينة الفرج، يذكر ما فتح الله له وأتيح على يديه من أعداء الله ~~المشركين. # وفي يوم الأربعاء لأربع خلون من ms453 ربيع الأول منها، نفذت الكتب إلى عمال ~~الثغر الأدنى والأقصى في ارتباط الخيل، والتكثير منها، وجودة القيام عليها ~~لما يؤمل من الجهاد بعون الله. # وفي يوم الجمعة لثلاث خلون منه، قرى بقرطبة والزهراء كتاب فتح ورد من قبل ~~الوزير يحيى بن هاشم، وكتاب فتح ورد من قبل سعد الجعفري، وكتاب فتح ورد من ~~قبل حريز بن هايل، يذكرون ما منحهم الله وفتح على أيديهم من قبل أعداء الله ~~المشركين، وأن كل واحد منهم نهض إلى ما قبله من بلادهم، فقتل وسبى، واكتسح ~~وأشجى، وانصرف سالما غانما. PageV01P245 وفي أول رجب منها، ورد كتاب من قصر ~~أبي دانس على المستنصر بالله، يذكر فيه ظهور أسطول المجوس ببحر الغرب بقرب ~~من هذا المكان، واضطراب أهل ذلك الساحل كله لذلك، لتقدم عادتهم بطروق ~~الأندلس من قبله فيما سلف؛ وكانوا في ثمانية وعشرين مركبا؛ ثم ترادفت الكتب ~~من تلك السواحل بأخبارهم، وأنهم قد أضروا بها، ووصلوا إلى بسيط أشبونة. ~~فخرج إليهم المسلمون، ودارت بينهم حرب، واستشهد فيها من المسلمين وقتل فيها ~~من الكافرين. وخرجت أسطول إشبيلية؛ فاقتحموا عليهم بوادي شلب، وحطموا عدة ~~من مراكبهم، واستنفذوا من كان فيها من المسلمين، وقتلوا جملة من المشركين، ~~وانهزموا إثر ذلك خاسرين. ولم تزل أخبار المجوس تصل إلى قرطبة في كل وقت من ~~ساحل الغرب، إلى أن صرفهم الله تعالى. # وفيها، أغزى الحكم القائد غالبا؛ ففتح الله له في المشركين، وانصرف سالما ~~غانما. # وفيها، أمر الحكم لابن فطيس بإقامة الأسطول بنهر قرطبة، واتخاذ المراكب ~~فيها على هيئة مراكب المجوس - أهلكهم الله - تأميلا لركوبهم إليها. # وفي سنة 356، عهد الخليفة الحكم بمخاطبة العمال بكور الأندلس، يعنفهم على ~~جرأتهم ويحذرهم من سطوته وعقوبته، إذ اتصل به أن بعضهم قد استزادوا زيادات ~~فاحشات يعاملون بها الرعية ظلما لهم؛ فأنكر ذلك عليهم. وفيها، كانت غزوات ~~للمسلمين انجلت عن هزائم للمشركين. # وفيها، ولي أمير المؤمنين الحكم محمد بن عبد الله بن أبي عامر الذي رأس ~~بعد وتلقب بالمنصور وكالة أبي الوليد هشام بن الحكم، وفوض ms454 إليه في جميع ~~شؤونه؛ فتحركت حاله في الدولة. # وفي النصف من شوال، قعد الخليفة الحكم على السرير بالزهراء قعودا بهيا ~~احتفل فيه، وأوصل إلى نفسه رسولين وصلا من أمراء الغرب الأدارسة؛ فأوصلا ~~كتابهم، يذكرون أنهم على محبة صادقة ومودة مستحكمة مع التزامهم للطاعة ~~واعتقادهم للولاية؛ فأدنى رسوليهم، وألطف جوابيهما. # وفي يوم الجمعة لأربع بقين من شوال، قرى كتاب فتح ورد من قبل القائد ~~غالب، يذكر ما هيا الله له في كفرة قشتيلة من القتل والأسر؛ فسر الخليفة ~~بذلك ودخلت الرؤوس قرطبة. # وفي يوم السبت بعده، أنفذ الخليفة الحكم كتبه إلى القواد والعمال بأقطار ~~مملكته، بإنكار ما اتصل به من أن بعضهم يسفك دماء بعض بلا عهد ولا مشورة، ~~وأن ذلك عظم عنده، وتبرأ إلى الله ممن أقدم عليه. # وفيها، أجرى الماء إلى سقايات الجامع والميضأتين اللتين مع جانبيه: شرقيه ~~وغربيه، ماء عذبا جلبه من عين بجبل قرطبة، خرق له الأرض، وأجراه في قناة من ~~حجر متقنة البناء، محكمة الهندسة، أودع جوفها أنابيب الرصاص لتحفظه من كل ~~دنس. وابتدى جري الماء من يوم الجمعة لعشر خلون لصفر من السنة؛ وفي جري ~~الماء إلى قرطبة يقول محمد بن شخيص في قصيدة له، منها )بسيط(: # وقد خرقت بطون الأرض عن نطف ... من أعذب الماء نحو البيت نجريها # طهر الجسوم إذا زالت طهارتها ... ري القلوب إذا حرت صواديها # قرنت فخرا بأجر قل ما اقترنا ... في أمة أنت راعيها وحاميها # وابتنى بغربي الجامع دار الصدقة، اتخذها معهدا لتفريق صدقاته - رحمه الله ~~تعالى - . ومن مستحسنات أفعاله وطيبات أعماله، اتخاذه المؤدبين يعلمون ~~أولاد الضعفاء والمساكين القرآن حوالي المسجد الجامع وبكل ربض من أرباض ~~قرطبة؛ وأجرى عليهم المرتبات، وعهد إليهم في الاجتهاد والنصح، ابتغاء وجه ~~الله العظيم؛ وعدد هذه المكاتب سبعة وعشرون مكتبا، منها حوالي المسجد ~~الجامع ثلاثة، وباقيها في كل ربض من أرباض المدينة. وفي ذلك يقول ابن شخيص ~~)بسيط(: # وسلحة المسجد الأعلى مكللة ... مكاتبا لليتامى من نواحيها # لو مكنت سور القرآن من كلم ... نادتك يا خبر ms455 تاليها وواعيها # ووجد بخط الخليفة المستنصر بالله: )ابتدى بنيان الجامع - صانه الله - يوم ~~الأحد لأربع خلون من جمادى الآخرة سنة 351، وكمل سنة 355. وبلغت النفقة فيه ~~إلى مائتي ألف وأحد وستين ألفا وخمسمائة وسبعة وثلاثين دينارا ودرهم ونصف ~~)وقع " ونصف " في الأصل المنقول منه هذا. وقال إنه نقله مندرسا، ثم إنه ~~تعرف بعد ذلك صحته من الثقات أنه " ونصف " صحيح؛ وكذلك قال وقع بخط الحكم - ~~رحمه الله - (. PageV01P246 وفي سنة 357، في العشر الآخر من رمضان، احتل ~~الوزيران القائدان غالب بن عبد الرحمن وسعيد بن الحكم الجعفري بجيوش الثغر ~~بالصائفة على حصن قلهرة؛ فأقاما بساحته مدة استظهرا بها على تمكين بنيان ~~الحزام فيه والزيادة في ارتفاع البرج الثامن بذروته فانتهيا من ذلك إلى ~~الإدارة، وقفلا بالعسكر، وقد وثقا للحصن بالأمنة. # وفي سنة 360، في محرم منها، قعد الخليفة المستنصر بالله على السرير بقصر ~~قرطبة على جرى العادة من الاحتفال والزينة؛ فأوصل إلى نفسه عيسى بن محمد ~~ومحمد بن العالي وحسن بن علي رسل بني محمد الحسنين أمراء الغرب؛ فأوصلوا ~~كتاب مرسليهم، وذكروا ما هم عليه من الطاعة، وطلبوا بعثه رماة تقوية لهم ~~لما يتوقعونه من حركة قائد معد الشيعي نحوهم؛ وتقربوا بإهداء خيل وجمال ~~وغير ذلك؛ فقبلت منهم. # وفي صدر رمضان منها، وقع الإرجاف بتحرك المجوس الأردمانيين - لعنهم الله ~~- ، وظهورهم في البحر، ورومهم سواحل الأندلس الغربية على عادتهم؛ فأزعج ~~السلطان قائد البحر بالخروج إلى المرية، والتأهب لركوب الأسطول منها إلى ~~إشبيلية، وجمع الأساطيل كلها للركوب إلى ناحية الغرب. # ذكر مقتل زيري بن مناد، قائد الشيعي على تيهرت، وفي يوم السبت، لاثنتي ~~عشرة ليلة بقيت لشهر رمضان منها، ورد الخبر على المستنصر بالله بقتل زيري ~~بن مناد عامل معد الشيعي وقائده على الغرب، قتله جعفر ويحيى ابنا علي ~~المعروف بابن الأندلسي، المخالفان على معد فيمن استظهرا به عليه من زنانة، ~~وجدوه بناحية الغرب في حرب دارت بينهم شهدها بنو خزر وغيرهم من رؤساء ~~القبائل القائمين على زيري بدعوة الحكم المستنصر بالله؛ ففتح لهم في قتله ms456 ~~أعظم الفتوح. ووصل علي البغدادي كاتب جعفر المذكور بكتابه إلى المستنصر ~~وذكر اهتياج الحرب العظيم بين أهل الدعوتين بالغرب. # ذكر فراق جعفر بن علي المعروف بابن الأندلسي صاحب المسيلة لمعد ابن ~~إسماعيل الشيعي صاحب إفريقي، وتقربه إلى الحكم المستنصر بانضمامه إلى زناتة ~~المنحاشين إلى دعوة بني أمية، وتألب جماعتهم على زيري بن مناد الصنهاجي ~~عامل معد الشيعي على حرب بلاد الغرب وقتلهم لزيري عند انقضاضه عليهم صادا ~~لهم عن طريقهم متقربين بقتله إلى الحكم. وسبق جعفر ويحيى أخوه وذووهما ~~بالعبور إلى الأندلس مهديين رأس زيري، خالعين للدعوة الشيعية، متقلدين ~~للدعوة الأموية الجماعية. فكان لهما في ذلك قبول ورفعة عظيمة من الخليفة. # وقد ذكر محمد بن يوسف الوراق خبرهما؛ قال: وهما أبنا علي بن حمدون؛ ~~وجدهما الأكبر عبد الحميد كان الداخل إلى الأندلس من الشام، ونزل بكورة ~~إلبيرة؛ ثم تنقل حفيده حمدون، جد جعفر هذا، إلى بجاية، وصحب أبا عبد الله ~~الشيعي الداعي، ودخل في مذهبه. فلما تغلب الشيعي على إفريقية، ظهر علي بن ~~حمدون؛ ثم ازداد ظهورا في أيام عبيد الله المهدي وحظوة، وضمه إلى ابنه أبي ~~القاسم ولي عهده؛ فازداد حظوة لديه، وخرج معه إلى أرض الغرب؛ فأمره ببناء ~~مدينة المسيلة، وولاه عليها؛ فبقى بها إلى أن هلك في فتنة أبي يزيد، سقط من ~~جرف عال، فاندقت يداه ورجلاه، سنة 334. وتولى جعفر هذا ابنه المسيلة من ~~بعده؛ فلم يزل متوليا لها، رفيع المنزلة عند سلطانه، إلى أن قتل محمد بن ~~الخير بن حزر الزناتي القائم بدعوة بني أمية زيري بن مناد؛ فخاف جعفر من ~~صاحب إفريقية؛ فبادر إلى الفرار بنفسه مع أخيه يحيى وجميع أهله وماله سنة ~~360؛ فصار عند بني خزر أمراء زناتة؛ فشق جعفر الصحراء معهم قاصدين لزيري؛ ~~فالتقوا معهم، ودارت بينهم حرب صعبة انجلت عن قتل زيري وخلق من رجاله؛ ~~واحتوى الزناتيون فيها على جميع عسكر زيري، وأدركوا ثأرهم منهم. ولما أن تم ~~الأمر لأمراء زناتة وجعفر بن علي على ما أملوه من الفتح في عدوهم زيري ms457 بن ~~مناد، بادر جعفر بمراسلة الحكم إلى الأندلس، ملقيا بنفسه عليه، معتصما ~~بدعوته؛ ثم أرسل إليه أخاه يحيى؛ ثم سار إليه بنفسه، فحظي عنده. ~~PageV01P247 قال ابن حماده: وفي ربيع الآخر من سنة 360، التقى يوسف بن زيري ~~الصنهاجي، المشتهر اسمه ببلقين، مع محمد بن الخير أمير زناتة؛ فهزمه بلقين ~~ابن زيري، وقتل جماعة من أهله ورجاله. فلما أيقن محمد بن الخير أن عدوه قد ~~أحاط به، اتكأ على سيفه، فذبح به نفسه، أنفة من أن يملكه بلقين؛ فأتى بأمر ~~عظيم سار ذكره بأرض الغرب. وملك بلقين بن زيري إثر ذلك الغرب، وقتل زناتة، ~~وهدم مدينة البصرة وغيرها من مدن الغرب، ولم يثن عنانا عن مدينة سبتة؛ ~~ومنها رجع، وإليها كان انتهاؤه؛ وصدر عاجزا عنها. # وفي ذي القعدة منها، خاطب المستنصر بالله قواده وعماله بكور الأندلس في ~~استقدام كبارها وأعلام رجالها لمشاهدة دخول يحيى بن علي بن حمدون وبني خزر ~~أمراء زناتة القادمين برأس زيري بن مناد الصنهاجي قائد معد بن إسماعيل ~~الشيعي وبرؤوس أعيان أصحابه. فلما كان يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من ~~ذي القعدة منها، خرج صاحب السكة والمواريث، وقاضي إشبيلية محمد بن أبي عامر ~~لتلقي جعفر بن علي ويحيى أخيه، ومعه أربعة من عتاق الخيل وبغل أشهب، منتقاة ~~من دواب الخليفة، بسروج الخلافة ولجمها؛ ومعه الأخبية الديباجية وغير ذلك. ~~فاحتل ابن أبي عامر بالمرسى الذي خرج فيه جعفر وبمقربة من مالقة. ثم وصل ~~بعد ذلك للوافدين خيل وبغال من قبل الخليفة، وهوادج وكسوات وعماريات لعيال ~~جعفر؛ ثم قدموا إلى قرطبة ببروز عظيم، واحتفال لدخولهم جسيم، حتى وصلا ~~الخليفة. وقد ذكرت الشعراء شأن فراق جعفر وأخيه يحيى لسلطاتهما معد بن ~~إسماعيل ومسيرهما إلى الخليفة الحكم، واعتافهما بحقه فيما مدحت به الخليفة ~~الحكم وأكثرت في ذلك. وقال يوسف ابن هارون )كامل(: # ولقد عجبت لغفلة المستنصر ... إذ أكتف الجيش اللهام لجعفر # ولوان من أهواه وجهه ... قامت لواحظه مقام العسكر # وفي يوم السبت لليلتين من ذي القعدة منها، جلس الخليفة الحكم فوق ms458 السرير ~~جلوسا بهيا، وأوصل إلى نفسه أجناد الكور ووجوه أهلها، الذين استدعاهم ~~لمشاهدة جعفر بن علي ومن أتى معه من أمراء زناتة، وأمرهم بالانصراف إلى ~~بلادهم؛ فانصرف جند دمشق، وهم أهل إلبيرة، وجند حمص، وهم أهل كورة إشبيلية، ~~وجند فنسرين، وهم أهل جيان، وجند فلسطين، وهم أهل شذونة، وغير هؤلاء. # وفي سنة 361، هاجت بالغرب حروب مع حسن بن قنون الحسني وقواد الحكم ~~المستنصر بالله. PageV01P248 بعض أخبار حسن بن قنون الحسني أمير الغرب مع ~~قواد الأندلس في هذه السنة. كان المستنصر بالله دعا محمد بن قاسم الناظر في ~~الحشم، وأمره بالخروج إلى مدينة سبتة في رمضان من هذه السنة، قائدا على من ~~يضمه إليه من طوائف الأجناد، للذي بدا من نقض حسن بن قنون، وانحرافه إلى ~~دعوة معد صاحب إفريقية واستدعائه من دن منه من أحزابه، مستعينا بهم فيما ~~اعتزم عليه من نفاقه على الحكم، وإعلانه بإيقاع الدعاء الشيعي معد على ~~منابر عمله، فأوصى الحكم قائده محمد بن قاسم باستعماله جده وجهده في مغاورة ~~ابن قنون، وأمره، إن أظهره الله تعالى، أن يأخذ بالعفو والصفح، وإصلاح ~~البلاد، واستصلاح الرعية؛ وأمره أن يستعين بمن دخل في الطاعة الأموية. فكان ~~عبوره البحر إلى سبتة لإحدى عشرة بقيت من شوال منها؛ وتكاملت الجيوش ~~والأساطيل بسبتة. وفي يوم السبت لأربع خلون من ذي القعدة ورد كتاب على ~~المستنصر بالله بفتح طنجة، فتحها قائده على البحر عبد الله بن رماحس، يذكر ~~أنه نازلها بالأسطول غرة ذي قعدة، ودعا أهلها إلى الطاعة والعود إلى ~~الجماعة؛ فاستولوا الرد عليه؛ وكان حسن بن قنون داخلها يشد عزائمهم؛ فلما ~~كان يوم الخميس، خرج حسن لقتال العسكر الخارج إليه من سبتة إلى تلون، وأبرز ~~من طنجة عددا كثيرا من جنده الغربيين وأنصاره؛ فانهزموا أمام جيش الحكم، ~~وولوا مدبرين؛ فلما رأى ذلك حسن، فر هاربا في خاصة من أصحابه، لا يلوى على ~~أحد، ولم يعرج على ما كان له ولأصحابه بطنجة من أموال وأخبية وأمتعه؛ فلما ~~أمعن في فراره، وأسلم أهل طنجة، ms459 خرج شيخهم ابن الفاصل إلى القائد ابن رماحس ~~مع جماعة وجوه طنجة، وهم ينادون )الطاعة لله ولأمير المؤمنين الحكم( ثم ~~تقدم ابن الفاضل إلى القائد رماحس وطلب منه الأمان لأهل بلده؛ فأعطاه إياه، ~~ودخل طنجة، ونهب ما كان بها لحسن بن قنون وأصحابه؛ وأنفذ القائد كتابه ~~بالفتح إلى الخليفة. # وورد كتاب القائد محمد بن قاسم على المستنصر بالله لتسع بقين من ذي ~~القعدة، يذكر أنه التقى مع حسن بن قنون؛ فدارت بينهما حرب شديدة، أجلت عن ~~هزيمته، وقتل كثير من شيعته؛ وفر فيمن بقى معه إلى جبل حصين؛ فتبعه الجند، ~~وانفضوا عليه؛ فدارت بينهم حرب يسيرة؛ ثم انهزم أيضا، وخلف أثقاله، وفر، لا ~~يلوى على شئ؛ فصار الجبل بأيدي الجند، ونهبوا ما فيه؛ ثم نهضوا في اليوم ~~الثاني إلى مدينة دلول؛ ففتحها الله لهم. ولحق بهم القائد محمد بن قاسم في ~~العسكر؛ فقصد مدينة آصيلا، فدخلها؛ ودخل القائد إلى جامعها، فوجد فيه منبرا ~~جديدا موسوما باسم الشيعي معد بن إسماعيل؛ فأمر بإحراقه بالنار، بعد أن خلع ~~من أعلاه اللوح المنقوش فيه اسم معد، وكان فيه من الغلو ما في ذكره أمر ~~كبير؛ فأمر باقتلاعه، وأرسله مع كتاب الفتح إلى المستنصر. وانصرف العسكر ~~إلى مدينة دلول؛ فأمر بهدم أسوارها، وتضريم بيوتها نارا، وتركها عبرة. ~~واستولي العسكر على ما كان بها، واستوسعوا في أطعمتها وما ترك فيها حسن ~~المذكور. # وفي سنة 362، قتل القائد محمد بن قاسم بفحص مهران على يدي حسن ابن قنون، ~~يوم الأحد لسبع بقين من ربيع الأول؛ وقتل في ذلك اليوم جملة من الجند الذين ~~كانوا معه نحو الخمسمائة من الفرسان الأبطال الأندلسيين الأنجاد، ومن ~~رجالتهم نحو الألف. # وفي غرة جمادى الآخرة، دخل إلى قرطبة جمع من مصمودة ممن كان مع حسن بن ~~قنون، وهم سبعون رجلا، نزعوا إلى الطاعة. # وفيها، استدعى المستنصر بالله غالب بن عبد الرحمن، وأمره بحرب حسن ابن ~~قنون الحسني عندما تفاقم أمره، وقتل الجند. وورد على المستنصر بالله كتاب ~~فتح من قبل القواد بمدينة ms460 آصيلا، أنهم التقوا مع حسن بن قنون، فدارت بينهم ~~حرب شديدة انهزم فيها حسن وقتل كثير من حماته. وقدم إلى قرطبة حنون بن ~~إدريس صاحب مدينة العدوة الأندلسية من فاس، ورسول عبد الكريم صاحب مدينة ~~القرويين من فاس، يرغبان في طاعة أمير المؤمنين المستنصر، والقيام بدعوته؛ ~~فكرم رسولهما، وأجمل موعودهما. # وفي شعبان منها، خوطب القائد غالب بأنه بعث إليه بعشرة آلاف دينار لصلات ~~الخارجين إليه من أصحاب حسن بن قنون، يوزعها عليهم بحسب مقاديرهم؛ وقرن بها ~~من فاخر الكسوة والسيوف المحلاة عدد كثير للخلع عليهم. PageV01P249 وفيها، ~~أرسل المستنصر بالله الوزير يحيى بن محمد النجيبي إلى الغرب بعسكر، ممدا ~~للقائد غالب، وجامعا لليد معه على الخالع للطاعة حسن بن قنون؛ فكان ذلك في ~~خبر طويل. # وفي أواخر ذي القعدة، ورد على المستنصر كتاب القائد غالب يذكر صنع الله ~~تعالى في افتتاحه حصن الكوم، وهرب المخذول عنه حسن بن قنون مع صهره صاحب ~~البصرة علي بن خلوف وغيرهما. # وفي منتصف ذي الحجة، ورد كتاب صاحب الشرطة، قاضي القضاة بالغرب محمد بن ~~أبي عامر، يذكر تعييد الناس يوم الخمس، وقيام الخطبة في المصليات هنالك ~~للمستنصر بالله، وسرور المسلمين بذلك، وابتهاجهم به. # وفيها، كانت حروب مع الحسنيين يطول ذكرها، انجلت عن مقتل خلق كثير من ~~أصحاب حسن بن قنون الحسني؛ وحز من رؤوس مشاهيرهم مائة رأس؛ وترك أكثرهم ~~صريعا. وقتل في الهزيمة محمد بن أبي العيش الكتامي وكان من حسن محل أخيه ~~تارة ومحل أبيه تارة أخرى. # وفي سنة 363، افتتح غالب، قائد الحكم المستنصر بالله، مدينة البصرة التي ~~كان انتزى فيها محمد بن حنون الحسني، وذلك أن أهل البلد قاموا عليه، وقتلوا ~~نائبه وخليفته عليهم، وابتدروا لمخاطبة القائد غالب، يستجلبونه إليهم؛ ~~فوصلهم، وملك المدينة، وخاطب الخليفة بخبرها، وأدرج كتاب أهلها طي كتابه. # وفي يوم الخميس منتصف صفر، ورد كتاب غالب على المستنصر، يذكر منصرفه عن ~~بلد البصرة وأخذه رهنهم، ويذكر أنه قد صار إلى الطاعة جميع أهل الغرب وعامة ~~قبائل البربر، ولم يبق فيه ms461 غير الخائن حسن بن قنون، وأنه قد صار من ضيق ~~أمره في غمة. ووصل أهل البصرة إلى قرطبة الدافعين لأميرهم حسن، الداخلين في ~~الطاعة. # وفيها، ورد الخبر السار على المستنصر بالله بإذعان الحسن بن قنون الحسني، ~~ودخوله في طاعته؛ فشهد الخليفة صلاة الجمعة منسلخ جمادى الآخرة؛ فقعد بجامع ~~قرطبة، وأعلم الوزراء بخضوع حسن بن قنون المنتزي عليه بالغرب، وأنه ورد ~~عليه كتاب غالب بذلك، وأنه يوجه إليه ابنه علي بن حسن المذكور، وأن الخطبة ~~قامت بدعوته في قلعة حجر النسر؛ فاستبشر الوزراء وعنؤه، وغبطوه وأعلنوا ~~بالسكر لله تعالى والدعاء للخليفة، وأطالوا في ذلك. # وفي سنة 364، قدم على المستنصر قائده غالب بن عبد الرحمن قافلا من عدوة ~~الغرب، ومعه حسن بن قنون وسيعته بنو إدريس الحسنيون ملوك الغرب، المستنزلون ~~من معاقلهم إلى الأندلس، حافين بشيخهم المشتهر بحنون، واسمه أحمد بن عيسى، ~~صاحب مدينة الأقلام وما ولاها؛ ومعه اخوته وبنو عمه وبنوهم وأهلوهم؛ فأمر ~~باحتمال هؤلاء الأشراف من المحلة، في ظلام ليلة الخميس لأربع خلون من ~~المحرم، إلى الدور التي أخليت لهم بقرطبة؛ فأرسل القوم معهم ثقاتهم من ~~فتيانهم ومواليهم، حتى أدتهم إلى الدور المعدة لهم، بعد أن فرشت مجالسها ~~بشيء يطول ذكره. # وفيها، كان اعتلال الخليفة الحكم، في ربيع الأول؛ واحتجب عن جميع مملكته ~~إلى أن تخلف وصبه، وظهر لخاصته يوم الجمعة لليلة بقيت من ربيع الآخر منها. ~~وفي عقب ربيع المذكور، أعتق الحكم نحوا من مائة رقبة من عبيد، له فيه ~~لبعضهم تدبير، ولباقتهم عتق بتل ومؤجل، خلص به جميعهم من الرق؛ وعقدت بذلك ~~وثائق. فكان أول من أوقع شهادته فيها أبو الوليد هشام بن الحكم، ثم الفقهاء ~~أهل الشورى، ثم العدول. # وفيها، حبس الحكم حوانيت السراجين بقرطبة على المعلمين لأولاد الضعفاء. # وفيها، أسقط الحكم سدس جميع المغارم عن الرعايا بجميع كور الأندلس، شكرا ~~لله على أنظاره له. # وفيها، كان جيشان العدو - خذله الله - ومنازلته بعض حصون المسلمين. # وفيها، كان الظفر بأبي الأحوص معن بن عبد العزيز النجيبي؛ فقبض عليه ms462 ~~رشيق، وبعثه مكبولا إلى قرطبة مع عشرة من أصحابه؛ وكان يظاهر المشركين ~~ويدلهم على عورات المسلمين؛ فأخذه الله. # وفي سنة 365، خرج من قرطبة جعفر ويحيى، ابنا علي بن حمدون بن الأندلس، ~~قائدين إلى الغرب من العدوة، وبين أيديهما الألوية والطبول مديلين للوزير ~~يحيى بن محمد بن هاشم. PageV01P250 وفيها، كان الإعلان ببيعة أبي الوليد ~~هشام بن الحكم، وأن تؤخذ له من الخاصة والعامة بقرطبة وسائر كور الأندلس، ~~وما إلى طاعته من بلاد الغرب. وذكره في الخطبة على المنابر في الجمعة ~~والأعياد، وذلك مستهل جمادى الآخرة: قعد أمير المؤمنين الحكم بقصره، وافتتح ~~الكلام بما عزم عليه من تقليد ابنه عهده الخلافة من بعده؛ فالتزمت بيعته، ~~وأخرجت نظائر من كتب البيعة ليوقع شهادته كل من التزمها؛ وتولي إعطاءها ~~للناس على مراتبهم المنصور محمد بن أبي عامر، وهو يومئذ صاحب الشرطة ~~والمواريث، وميسور الفتى الجعفري الكاتب. # وفيها، خرج الوزير يحيى بن محمد بن هاشم قائدا إلى سرقسطة، وبين يديه ~~الطبول والبنود. # وفيها، نفذ عهد الحكم إلى الوزير صاحب المدينة جعفر بن عثمان المصحفي ~~بإطلاق أبي الأحوص النجيبي من سجن المطبق مع أصحابه؛ فصفح الحكم عنهم. # وفي سنة 366، توفى أبو علي البغدادي، صاحب النوادر، المعروف بالقالي، ~~منسوب إلى قالي قلا من ديار المشرق. # وفيها، مات محمد بن يحيى النحوي، وأبو مروان المرادي، وعبد الملك بن ~~سعيد؛ فكانت تسمى سنة الأدباء. # وكمل بناء المسجد سنة 65؛ كان المنبر الذي صنعه الحكم مدخلا من عود ~~الصندل الأحمر والأصفر والأبنوس والعاج والعود الهندي؛ قام على الحكم - ~~رحمه الله - بخمسة وثلاثين ألف دينار وسبعمائة دينار وخمسة دنانير؛ وكان ~~تمامه في خمسة أعوام. # ووجد بخط المستنصر بالله تأريخ وفاة قاضيه وقاضي أبيه منذر بن سعيد ~~البلوطي، وأنه توفى يوم الخميس لليلتين بقيتا من ذي قعدة من سنة 55؛ وكان ~~مولده سنة 273؛ فكان عمره اثني وثمانين سنة. وكان في هذا القاضي منذر دعابة ~~يعرض بها ويتعرض له بها؛ فكتب إليه قوم من أهل المجانة والظرف )خفيف(: # قل لقاضي الجماعة البلوطي ... ما ترى في ms463 خريدة كالخوط # ناكها للثواب قوم ظراف ... هل ترى سيدي بذا من سقوط # فوقع لهم في كتابهم: )لا منفردة(. فقال له من حضر: )ما هذا؟(. فقال: ~~)أردت لا أرى ذلك(. فقالوا: )لا يفهم عنك إلا غيره(. فقال: )كل يجاوب على ~~معتقده(!. فكان له - رحمه الله - نوادر مستحسنة، وغرائب مستملحة. # ذكر اتصال محمد بن أبي عامر بخدمة الحكم المستنصر # قال بعض المؤرخين: كان اتصال ابن أبي عامر بالحكم، فيما حدثني به ابن ~~حسين الكاتب والأديب أبو إسحاق بن محمد الإفليلي وغيرهما من المشيخة أن ~~الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي، القائم بدولة الحكم، خلا في بعض الأيام ~~بالقاضي محمد بن إسحاق بن السليم؛ فشكا إليه ابن السليم شجوه بمحمد بن أبي ~~عامر ووصف له حاله. فلما طلب الحكم له وكيلا لولده عبد الرحمن الدارج في ~~حياته، ذكر له جعفر ابن أبي عامر بخير، ووصف لأم عبد الرحمن جماعة اختارت ~~منهم ابن أبي عامر، وذلك باختيار جعفر له؛ فنصبه الحكم لخدمتها وخدمة ابنها ~~عبد الرحمن. # فلما مات عبد الرحمن، بقى في خدمة أمه السيدة، وكانت قد ولدت هشام بن ~~الحكم؛ فصرف ابن أبي عامر لوكالته. وكان تقدمه أولا لوكالة الولد عبد ~~الرحمن يوم السبت لتسع خلون من ربيع الأول سنة 356؛ وأجرى عليه في ذلك ~~الوقت خمسة عشر دينارا في الشهر مرتبا بالوازنة. فبدا من نصحه وحسن نظره ما ~~عرف له؛ ثم استأثر الله بعبد الرحمن؛ فصرف إلى وكالة هشام، يوم الأربعاء ~~لأربع خلون لرمضان سنة 359. وكان قد تقدم للنظر في امانة دار السكة يوم ~~السبت لثلاث عشرة ليلة خلت لشوال من سنة 56. كانت ولايته أولا لوكالة، ~~وأضاف له الخزانة؛ ثم قدمه على خطة المواريث يوم الخميس لسبع خلون من ~~المحرم سنة 358. واستقضاه على كورة إشبيلية ولبلة وأعمالها يوم الأربعاء ~~لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة 58 المذكورة. وفي سنة 361، قدم الحكم ~~المستنصر بالله محمد بن أبي عامر على الشرطة الوسطى في جمادى الآخرة، وأهاب ~~به إلى الأمانات بالعدوة؛ فاستصلحها واستمال أهلها؛ وجعله ms464 قاضي القضاة ~~بالغرب من العدوة، وأمر عماله وقواده ألا ينفذوا شيئا دونه، إلا بمشورته؛ ~~ثم أضاف إليه الحكم النظر في الحشم، وهو في علته التي مات فيها بالفالج. ~~PageV01P251 وقيل أيضا إن سبب ظهوره كان خدمته للسيدة صبح البشكنشية، أم ~~عبد الرحمن وهشام؛ فكانت أقوى أسبابه في تنقيل الملك عما قليل إليه؛ فإنه ~~استمال هذه المرأة بحسن الخدمة، وموافقة المسرة، وسعة البذل في باب الإتحاف ~~والمهاداة، حتى استهواها، وغلب على قلبها؛ وكانت الغالبة على مولاها، وابن ~~أبي عامر يجتهد في برها والمثابرة على ملاطفتها؛ فيبدع في ذلك، ويأتيها ~~بأشياء لم يعهد مثلها، حتى لقد صاغ لها قصرا من فضة وقت ولايته السكة، عمل ~~فيه مدة، وأنفق فيه مالا جسيما؛ فجاء بديعا، لم تر العيون أعجب منه؛ وحمل ~~ظاهرا لأعين الناس من ذار ابن أبي عامر، وشاهد الناس منه منظرا بديعا، لم ~~تر العيون أعجب منه؛ فتحدث الناس بشأنه دهرا، ووقع من قلب المرأة موقعا لا ~~شئ فوقه؛ فتزيدت في بره، وتكفلت بشأنه، حتى تحدث الناس بشغفها به. وقال ~~الحكم يوما لبعض ثقاته: )ما الذي استلطف به هذا الفتى حرمنا حتى ملك ~~قلوبهن، مع اجتماع زخرف الدنيا عندهن، حتى صرن لا يصفن إلا هداياه، ولا ~~يرضيهن إلا ما أتاه؟ إنه لساحر عليم، أو خادم لبيب! وإني لخائف على ما ~~بيده!( ثم سعى به إلى الحكم، وقيل عنه إنه قد أسرع في إتلاف مال السكة ~~الموقوف قبله؛ فأمره الحكم بإحضاره ليشاهد سلامته؛ فأظهر الإسراع إلى ذلك، ~~وقد استهلك جملة من الأموال؛ فألقى نفسه في جبرها على الوزير ابن حدير في ~~إسلافه إياها؛ وكان صديقا له؛ فياسره فيه، وةحمل المال إليه من وقته؛ فتمم ~~به ما قبله، وارتفعت الظنة عنه؛ فأكذب الحكم ما رفع إليه عنه، وازداد عجبا ~~به، وأقره على حاله؛ فرد ابن أبي عامر المال لابن حدير من حينه، ولصق ~~بالحكم، وصار في عداد كنفاته. # واشتغل قلب الحكم، آخر أيامه، بأمر العدوة ومن جرده إليها من عساكره لحرب ~~الأدارسة وغيرهم، واغتم لما ms465 خرج من يده في ذلك الوجه من الأموال. فقلد ابن ~~أبي عامر قضاء القضاة بالغرب، وجعله عينا على العسكر، وأوعز إليه في ~~مهماته؛ فسار ابن أبي عامر إلى هنالك؛ فحمدت سيرته، وصحب حينئذ وجوه العسكر ~~وأشياخ القبائل وملوكهم؛ فكانت تلك الحركة أول ظهوره، وبعد رجوعه منها، لم ~~يزل يزداد نبلا، ويرتقى منزلة، وهو مع ذلك كله يغدو إلى دار جعفر بن عثمان ~~المصحفي وزير الدولة ويروح، ويختص به، ويدعى نصيحته. # وفي سنة 366، توفى الحكم المستنصر بالله بعد اتصال علته؛ وجعفر بن عثمان ~~يدير سلطانه إلى حين وفاته، ليلة الأحد لثلاث خلون لرمضان من السنة ~~المؤرخة. # خلافة هشام بن الحكم # ابن عبد الرحمن الناصر والدولة العامرية # نسبه: تقدم في خلافة أبيه وجده. كنيته: أبو الوليد. لقبه: المؤيد بالله. ~~أمه: صبح البشكنشية، أم ولد، وكان سيدها الحكم يسميها بجعفر، وكانت مغنية ~~حظية عنده، وتوفيت في خلافة ابنها هشام. بويع له يوم الاثنين لأربع خلون من ~~صفر سنة 66 بعهد من أبيه، وهو ابن إحدى عشرة سنة وثمانية أشهر؛ وخلع يوم ~~الأربعاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة، سنة 399؛ فكانت خلافته ~~الأولى، إلى أن قامت الفتنة، ثلاثا وثلاثين سنة وأربعة أشهر وعشرة أيام. ~~وفي الخلافة الثانية سنتين وعشرة أشهر؛ الجميع الذي كمل له في المؤتين ستة ~~وثلاثون سنة وشهران وعشرة أيام. صفته: أبيض، أشهل، أعين، خفيف العارضين، ~~لحيته إلى الحمرة، حسن الجسم، قصير الساقين، مائل إلى العبادة والانقباض، ~~مقبل على تلاوة القرآن ودرس العلوم، كثير الصدقات على أهل الستر من الضعفاء ~~والمساكين. # قضاته: محمد بن السليم، ألقاه قاضيا لأبيه فأقره على ولايته؛ ثم أبو بكر ~~ابن زرب؛ ثم محمد بن يحيى التميمي عرف بابن برطال، وغيرهم. # نقش خاتمه: )هشام بن الحكم، بالله يعتصم(. وتولي عقد الشهادة على الناس ~~في البيعة بين يديه وكيله وصاحب شرطته الوسطى والسكة والمواريث أبو عامر ~~محمد بن أبي عامر، بعدما كان قاضي الجماعة محمد بن إسحاق بن السليم يأخذها ~~على من شهد المجلس من الأعمام وأبنائهم والوزراء ms466 وطبقات أهل الخدمة ورجالات ~~قريش وأعلام أهل الحضرة. PageV01P252 فلما كان يوم السبت السادس من جلوس ~~هشام، وهو العاشر لصفر سنة 366، قلد الخليفة هشام حجابته وزير أبيه الأخص ~~أبا الحسن جعفر بن عثمان المصحفي. وفي هذا اليوم، أنهض الخليفة هشام محمد ~~بن أبي عامر إلى خطة الوزارة، نقله إليها عن شرطته الوسطى وأجراه رسيلا ~~لحاجبه جعفر في تدبير دولته؛ فماده محمد شأوا، وجرى إلى غاية برز فيها ~~دونه، سابقا في الحلية، وتخلف جعفر عن مداه. # ومن أخبار جعفر بن عثمان المصحفي: هو أبو الحسن جعفر بن عثمان بن نصر بن ~~فوز بن عبد الله بن كسيلة القيسي. كان لطيف المنزلة من الحكم المستنصر ~~بالله، قديم الصحبة، قريب الخاصة؛ وكان أول سبب ذلك تأديب والده عثمان بن ~~نصر للحكم في صباه، واستخدمه في أيام والده الناصر، واستكتبه، ورقاه إلى ~~خطة الشرطة الوسطى والنظر في عدة من الأعمال والكور. فلما أفضت الخلافة إلى ~~الحكم، قلده، بعد ثلاثة أيام من خلافته، خطة الوزارة، وأمضاه على الكتابة ~~الخاصة؛ ثم جمع له الكتابة العليا بالخاصة، وولي ابنيه الأعمال الكبار. ~~وكان جعفر بن عثمان أحد شعراء الأندلس المحسنين، المتصرفين في أنواع الشعر ~~من المديح والأوصاف والغزل، غاية في كل ذلك في الرقة والإبداع والحسن. وقد ~~تقدم قوله مرتجلا: )هنيا للإمام والأنام( وقوله مرتجلا: )تطلع البدر من ~~حجابه( وغير ذلك. # قال ابن بسام: كان جعفر بن عثمان رجلا بلغ المنتهى، وسوغ برهة من دهره ما ~~اشتهى، دون مجد تفرع من دوحته، ولا فخر نشأ بين مغداه وزوجته. فسما دون ~~سابقة، وارتقى إلى رتبة لم تكن لبينته مطابقة؛ فلم يزل يستقل ويضطلع، ~~وينتقل من مطلع إلى مطلع، حتى التاح في أفق الخلافة، وارتاح إليها بعطفها ~~كنشوان السلافة؛ وحجب الإمام، وانسكب برأيه ذلك الغمام. فأدرك بذلك ما ~~أدرك، ونصب لأمانيه الحبائل والشرك، واقتنى وادخر، وأزرى بمن سواه وسخر. ~~واستعطفه محمد بن أبي عامر، ونجمه غابر لم يلح، وسره مكتوم لم يبح؛ فما ~~أقبل عليه ولا عطف، ولا جنا من روضة ms467 دنياه زهرة أمل ولا قطف؛ وأقام في ~~تدبير الأندلس، وهو يجري من السعد في ميدان رحب، ويكرع من العز في مشرب ~~عذب. وكان له أدب بارع، وخاطر إلى نظم المحاسن مسارع. فمن ذلك ما بعثه عليه ~~إيناس دهره وإسعاده، وقاله حين ألهته سلماه وسعاده )طويل(: # لعينك في قلبي على عيون ... وبين ضلوعي للشجون فنون # لئن كان جسمي مخلقا في يد ألوى ... فحبك غض في الفؤاد مصون # وله، وقد أصبح يوما عاكفا على حمياه، هاتفا بإجابة دنياه، مرتشفا ثغور ~~الأنس متنسما رياه، والملك يغازله بطرف عليل، ويبرم من أنسه كل نحيل، ~~والسعد قد عقد عليه أي إكليلي، يصف لون مدامه، وما يعرف منها دون ندامه؛ ~~فقال )كامل(: # صفراء تبرق في الزجاج فإن سرت ... في الجسم دبت مثل صل لادغ # عبث الزمان بحسنها فتسترت ... عن عينه ثوب نور سابغ # خفيت على شرابها فكأنما ... يجدون ريا في إناء فارغ # واستمر في حجابته، ومر بين سمع الدهر وإجابته، والنفوس العلية من تناهي ~~حاله متغيرة، وفي تكيف سعده متحيرة. ولم يزل لنجاد تلك الخلافة معتقلا، وفي ~~مطالعها متنقلا، إلى أن توفى الحكم؛ فانفصم عنده المحكم، وانبرت إليه ~~النوائب، وتسددت له الخطوب بسهام صوائب؛ واستولي عليه الكسل، وأسرعت إليه ~~الذوابل والأسل، وتعاوره الإدبار، وساوره من المكروه ما فيه اعتبار؛ وانتقل ~~إلى المنصور ذلك الأمر، واختص به كما اختص بيزيد أخوه الغمر، وأناف في تلك ~~الخلافة كما شب قبل اليوم عن طوقه عمرو؛ فاعتقل بتلك النجاد، واستبد به دون ~~أولئك الأمجاد، وانبرى إلى المصحفي بصدر كان قد أوغره، وجد سام طال ما ~~استقصره؛ فأباده ونكبه، وسلب جاهه وانتهبه، وأقنص من تلك الإساءة، وأغص ~~حلقه بكل مساءة، وألهب جوانحه حزنا؛ ونهب له مدخرا ومختزنا، ودمر عليه ما ~~كان حاط، وأحاط به من مكروهه ما أحاط؛ فبقى سنين في مهوى النكبة، وجوى تلك ~~الكربة، ينقله المنصور معه في غزواته، ويعتقله بين أظفار التضييق أو في ~~لهواته، وهو يستعطف ويستميل، فلا يتحقق له رجاء ولا تأميل، إلى أن تكورت ~~شمسه، ms468 وقاضت بين أنياب المحن نفسه؛ فاغتيل في المطبق، ونفذ فيه أمر الله ~~وسبق. PageV01P253 بعض أخبار المنصور محمد بن أبي عامر في ابتدائه # نسبه: هو أبو عامر محمد بن أبي حفص عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عامر ~~بن أبي عامر محمد بن الوليد بن يزيد بن عبد الملك، الداخل إلى الأندلس مع ~~طارق؛ وكان له في فتحها أثر جميل؛ وكان في قومه وسيطا؛ وقد ذكره محمد بن ~~حسين الشاعر العالم بأخبار الأندلس في بعض أمداحه للمنصور هذا، فقال ~~)طويل(: # وكل عدو أنت تهدم عرشه ... وكل فتوح عنك يفتح بابها # وإنك من عبد المليك الذي له ... حلى فضتح قرطاجنة وانتهابها # جباها أبو مروان جدك قابضا ... بكف تليد طعنها وضرابها # فإن سنحت في الشرك من بعد فتحه ... فتوح فمصروف إليك ثوابها # وجده عبد الملك هو الذي دخل مع طارق ونزل الجزيرة الخضراء لأول الفتح؛ ~~فساد أهلها، وكثر عقبه فيها؛ وتكررت فيهم النباهة والوجاهة؛ وجاور الخلفاء ~~منهم بقرطبة جماعة أحدهم أبو عامر محمد بن الوليد، الذي عرف آل عامر طرا ~~به. وساد بعده ولده عامر، وتقدم عند الخلفاء، وولي الأعمال، ومات بقرطبة؛ ~~وباسمه نقش محمد السكك، ورقم الأعلام. وكان عبد الله السكنى بأبي حفص، والد ~~محمد المنصور، من أهل الدين والزهد في الدنيا والقعود عن السلطان؛ سمع ~~الحديث، وأدى الفريضة، ومات منصرفا من حجه بمدينة إطرابلس المغرب؛ وأصهر ~~التميميين المعروفين بقرطبة ببني برطال؛ فنكح بريهة بنت يحيى بن زكريا؛ ~~فولدت له أبا عامر المنصور، وأخاه يحيى. وكانت أم عبد الله، والد المنصور، ~~بنت الوزير يحيى بن إسحاق، وزمر الناصر لدين الله وطبيبه. # وكان محمد هذا حسن النشأة، ظاهر النجابة، تتفرس فيه السيادة؛ سلك سبيل ~~القضاة في أولىته، مقتفيا آثار عمومته وخولته؛ فطلب الحديث في حداثته، وقرأ ~~الأدب، وقيد اللغات على أبي علي البغدادي، وعلى أبي بكر بن القوطية؛ وقرأ ~~الحديث على أبي بكر بن معاوية القرشي، راوية النسائي، وغيره من رؤساء أهل ~~المشرق؛ وبرع بروعا أدناه، مع نوازع سعد وبوادر حظ، ms469 من الحكم المستنصر؛ ~~فقربه وصرفه في مهم الأمانات وأصنافها؛ فاجتهد وبرز في كل ما قلده، واضطلع ~~بجميع ما حمله. # وكان الحكم، لشدة نظره في الحدثان، يتخيل في محمد بن أبي عامر أكثر ~~الصفات المجتمعة إلى النسب والبلدة. وكان يجد القائم عليهم من الجزيرة ~~الخضراء، أصفر الكفين. فيقول لخاصته: )ألا ترون صفرة كفيه؟( فإذا قالوا له: ~~)أرح نفسك منه!( يقول: )لو كانت به شجة، لكانت تكملة صفاته(. فكان من قدر ~~الله أن حدثت الشجة بمحمد بعد موت الحكم بضرية غالب الناصري له، وبها تم ~~الأثر فيه؛ كما أن الحكم قد كان وقف في الأثر على البقعة التي بنيت فيها ~~الزاهرة؛ وكانت ملوك المروانية تتخوف ذلك، وكان ألهجهم بشأنها الخليفة ~~الحكم؛ فنظر في أمرها، وهي البقعة المعروفة بألش )بفتح اللام(، وهي بغربي ~~قرطبة؛ ووجد انتقال الملك إليها؛ فأمر حاجبه جعفرا بالسبق إليها والشروع في ~~بنائها طمعا في مزية سعدها، وأن لا يخرج الأمر عن يد ولده؛ وأنفق عليها ~~مالا عظيما؛ فكان من غريب الأمور أن محمد بن أبي عامر تولي النظر في شأنها ~~مع من نظر فيها، وهو يومئذ في حال النتوة والاحتياج، ولا يعلم يومئذ به. ~~فسبحان من يؤتي ملكه من يشاء. # ثم رفع إلى الحكم أن البقعة بغير ذلك الموضع، وأنها بشرقي مدينة قرطبة؛ ~~فأنفذ ثقته محمد بن نصر بن خالد للوقوف عليها، وانتهى إلى منزل أبي بدر ~~المسمى بألش )مضمومة اللام(، وأصاب هنالك عجوزا مسنة وافقته على حد ~~الارتياد، وقالت له: )سمعنا قديما أن مدينة تبنى هنا، ويكون على هذا البئر ~~نزول ملكها(. فعاد إليه محمد بن نصر بالجلية؛ فلم تطل المدة حتى بناها ابن ~~أبي عامر، وتبوأ أرجاء ذلك البشر قرارة. وكان المنصور على ثقة من سرعة ~~انتقال الملك إليه، لا يشك في ذلك لأنه تمكن من مطالعة ما كان عند الحكم؛ ~~فوقف على الجلية. PageV01P254 ولم يزل الحكم يقدم محمدا ويؤثره، إلى أن ولي ~~العهد ابنه هشام؛ فزاد مقداره لخاصته بولي العهد ومكانه من السيدة والدته؛ ~~فاحتاج الناس ms470 إليه وغشوا بابه؛ فأنساهم من سلف من أصحاب السلطان سعة إشعاف، ~~وكرم لقاء، وسهولة حجاب، وحسن أخلاق؛ فعرض جاهه، وعمر بابه، وأتسع في بناء ~~داره بالرصافة، واتخذ الكتاب الجلة، واستصحب سراة الصحابة. وكانت مائدته ~~موضوعة لمن ينتاب داره، وهمته تترامى إلى وراء ما يناله؛ وهو في هذا كله ~~يغدو إلى دار جعفر بن عثمان المصحفي ويروح، ويصيح ببابه ويختص به. # ثم اتصلت علة الخليفة الحكم من الفالج، وجعفر يدير سلطانه. ووقع إرجاف ~~بموت الحكم؛ فأشار محمد بن أبي عامر على جعفر بن عثمان باستركاب ولي العهد ~~هشام في ذلك اليوم في الجيش، إرهابا لأهل الخلاف؛ ففعل وركب في الناس ركبته ~~المشهورة، ومحمد بن أبي عامر بين يديه، قد كساه الخز، ونقله إلى أكابر أهل ~~الخدمة. وأمر ولي العهد هشام في ذلك اليوم وهو العاشر لصفر من سنة 66 ~~بإسقاط ضريبة الزيتون المأخوذة في الزيت بقرطبة، وكانت إلى الناس مستكرهة؛ ~~فسروا بذلك أعظم سرور، ونشب شأنها إلى محمد بن أبي عامر، وأنه أشار بذلك؛ ~~فأحبوه لذلك. ولم تزل الهمة تحذوه، والجد بحظيه، والقضاء بساعده، والسياسة ~~الحسنة لا تفارقه، حتى قام بتدبير الخلافة، وأقعد من كان له فيها إنافة، ~~وساس الأمور أحسن سياسة، وداس الخطوب بأخشن دياسة، واستشعر اليمن كل فريق. ~~وأسقط جعفرا المصحفي، وعمل فيه ما أراده. # فأول غزوة فصمها من عرى المملكة عزوة الصقالبة الخدم بالقصر موضع ~~الخلافة؛ وكانوا أبهى حلل المملكة، وأخص عددها؛ عنى الخلفاء يجمعهم ~~والاستكثار منهم؛ وكانوا خاصة الناصر والحكم بعده، حتى لقد ظهرت منهم في ~~زمن الحكم أمور قبيحة أغضى عنها مع إيثاره العدل واطرح الجور بالجملة. وكان ~~يقول: )هم أمناؤنا وثقاتنا على الحرم؛ فينبغي للرعية أن تلين لهم، وترفق في ~~معاملتهم؛ فتسلم من معرتهم، إذ ليس يمكننا في كل وقت الإنكار عليهم.( ولما ~~مات الحكم، كان الصقالبة أكثر جمعا وأحد شوكة، يظنون أن لا غالب لهم وأن ~~الملك بأيديهم. وكانوا نيفا على الألف محبوب؛ فحسبك بما يتبعهم؛ وكان رأسهم ~~فائق المعروف بالنظامي، صاحب البرد والطراز؛ ms471 ويليه صاحبه جوذر صاحب الصاغة ~~والبيازرة؛ وإليهما كان أمر الغلمان الفحول بخارج القصر. وكان قد جرى بين ~~فائق وجوذر مع الحاجب جعفر المصحفي إثر موت الحكم ما أذكره: وذلك أنه لما ~~توفى الحكم، خفى موته على وزيره جعفر وسائر أهل المملكة لطول تردده في ~~العلة، وتفرد بعلم ذلك في وقته خادماه الخاصان به: فائق وجوذر؛ فاستظهرا ~~بكتمان ذلك، وتقدما في ضبط الدار، وخلوا للتشاور، وقد عزما على رد الأمر ~~للمغيرة بن الناصر، أخي مولاهما الحكم، خشية من انتثاره على ابنه هشام، ~~لصغر سنه، وإنكار الناس لتقديمه على أن يقر ابن أخيه هشاما على العهد بعده؛ ~~فيمنا على المغيرة بسوق الخلافة إليه، وبقيا لمولاهما بارتقاب كبر ولده، ~~ويكون الملك في أيديهما بحاله؛ وكان رأيا حسنا لو أراد الله به. ~~PageV01P255 فلما اتفقا على ذلك، قال جوذر لفائق: )ينبغي أن نحضر جعفر بن ~~عثمان الحاجب؛ فنضرب عنقه؛ فبذلك يتم أمرنا(. فقال له فائق: )سبحان الله يا ~~أخي! تشير بقتل حاجب مولانا وشيخ من مشيختنا دون ذنب، ولعله لا يخالفنا ~~فيما نريده، مع افتتاحنا الأمر بسفك الدم.( فأرسلا في جعفر بن عثمان؛ فحضر: ~~ونعيا إليه الحكم، وعرضا عليه ما أجمعا عليه من الرأي. فقال لهما جعفر: ~~)هذا، والله! أسد رأي وأوفق عمل؛ والأمر أمركما؛ وأنا وغيري فيه تبع لكما. ~~فاعزما على ما أردتما، واستعينا بمشورة المشيخة؛ فهي أنفى للخلاف، وأنا ~~أسير إلى الباب، فأضبطه بنفسي؛ وأنفذا أمركما إلى بما شئتما.( وخرج عنهما؛ ~~فضبط باب القصر، وتقدم في إحضار أصحاب الهاشمية مثل زياد بن أفلح مولي ~~الحكم، وقاسم بن محمد، ومحمد بن أبي عامر، وهشام بن محمد بن عثمان، ~~وأشباههم؛ واستدعى بني برزال، إذ كانوا بطانته من سائر الجند. واستحضر سائر ~~قواد الأجناد الأحرار؛ فاجتمع له من هذه الطوائف ما شد ركنه وقوى أيده؛ ~~فنعى لهم الخليفة، وعرفهم مذهب الصقالبة في نكث بيعة هشام؛ وأقبل بثبت ~~أصحابه، وقال لهم: )إن جبسنا الدولة على هشام، أمنا على أنفسنا، وصارت ~~الدنيا في أيدينا؛ وإن انتقلت إلى المغيرة ms472 قبل أن يبلغه موت أخيه، فتمكنه ~~الحيلة. فعمل برأيهم؛ فتوافقوا فيما بينهم النهوض إلى قتله؛ فكفوا وجبنوا؛ ~~فبدرهم محمد بن أبي عامر وقال: )يا قوم إني أخاف فساد أمركم، ونحن تبع لهذا ~~الرئيس وأشار إلى جعفر، فينبغي ألا نختلف عليه، وأنا أتحمل ذلك عنكم إن ~~أجذبني إليه؛ فاحفضوا عليكم!( فأعجب جعفرا والجماعة ما كان منه، وولوه ~~شانه، وقالوا له: )أنت أحق بتولي كبره لخاصتك بالخليفة هشام ومحللك من ~~الدولة.( فأرسل جعفر معه طائفة من الجند الأحرار، وثق بهم لذلك. # مقتل المغيرة بن عبد الرحمن الناصر # فركب محمد بن أبي عامر إلى المغيرة من ساعته، وركب معه بدر القائد مولي ~~الناصر في مائة غلام من غلمان السلطان، ووقف لهم خارج باب دار المغيرة، ~~وأحاط سواه من أصحاب محمد بجهاتها، واقتحم محمد عليه؛ فوجده مطمئنا على غير ~~استعداد؛ فنعى إليه أخاه الحكم، وعرفه بجلوس ابنه هشام في الخلافة، وأن ~~الوزراء خشوا خلافه، فأنفذوه لامتحان القصة. فاشتد ذعره؛ ثم استرجع عليه، ~~واستبشر يملك ابن أخيه، وقال: )أعلمهم أني سامع مطيع واف ببيعتي؛ فتوثقوا ~~مني كيف شئتم!( وأقبل يستلطف ابن أبي عامر، ويناشده الله في دمه، ويسأله ~~المراجعة في أمره، حتى رق له محمد، وكتب إلى جعفر يصدقه عنه ويصف له الصورة ~~التي وجده عليها من السلامة والطمأنينة، ويستأذنه في شأنه. فرد عليه جعفر ~~يلومه في التأخير، ويعزم عليه في التصميم، ويقول له: )غررتنا من نفسك؛ ~~فانفذ لشأنك؛ أو فانصرف، نرسل سواك.( فحمى محمد لجوابه، وعرض الرقعة على ~~المغيرة، وجعلها بيده، وزال عن وجهه، وأدخل عليه تلك الطبقة؛ فقتلوه خنقا ~~في مجلسه، وعلقوا جسده في مخدع يتصل بمجلسه، كهيئة المختنق من تلقاء نفسه، ~~وذلك كله بمعاينة حرمه. ثم أشاعوا أنه خنق نفسه، لما أكرهوه على الركوب ~~لابن أخيه؛ فطاح دمه على هذه الصورة. وكان سنه يوم قتل سبعا وعشرين سنة. ثم ~~تقدم محمد بإخفاء ذلك، وأمرهم بدفنه في مجلسه، وأن يسدوا أبوابهم، فيأمنوا ~~بذلك على ولده ونعمته. # وعاد ابن أبي عامر إلى جعفر بالقصة؛ ms473 فطابت نفسه، وصير محمدا إلى جانبه، ~~وشكره. ووصل الحادث على المغيرة إلى جوذر وفائق؛ فدهشا، وسقط في أيديهما. ~~وقال جوذر لفائق: )قد نصحت لك، فلم تسمع مني!( وكان أكمل دهاء منه. فانكفشا ~~إلى جعفر، فأظهرا له السلامة والاستبشار بما أتاه، والاعتذار مما رأياه، ~~وقالا له: )إن الجزع أذهلنا عما أرشدك الله إليه. فجزاك الله عن ابن مورنا ~~خيرا، وعن دولتنا وعن المسلمين!( فأظهر لهما بعض القبول. وانغمس جعفر في ~~الشغل بأمر البيعة أياما، وفي نفسه للصقالبة ما لا تهنيه معه عيشة، وفي ~~أنفسهم له أبرح لوعة. # وأجلس جعفر هشام بن الحكم للبيعة بالخلافة صبيحة يوم الإثنين لأربع خلون ~~من صفر سنة 366؛ ودعا الناس ابن أبي عامر للبيعة؛ فلم يختلف عليه اثنان. ~~فكان لابن أبي عامر في أخذها أثر كبير، تذاكره الناس، وعلا شأنه ومكانه، ~~وبعد في الناس صيته. # بعض أخبار الصقالبة مع ابن أبي عامر PageV01P256 وذلك أنه لما تمكنت ~~الوحشة ما بين جعفر والصقالبة، انحرفوا عنه، وكرهوا ولاية هشام. فأخذ جعفر ~~حذره منهم؛ وأذكى العيون؛ وبلغه أن جوذرا وفائقا يديران على الدولة، ويدسان ~~في ذلك إلى بعض من في قيادتهما من وجوه الغلمان والفحولة؛ وكان الدخول ~~والخروج إليهما على باب الحديد؛ فأمر الحاجب جعفر المصحفي بسده بالحجر، ~~وصير دخول الناس على باب السدة، فحسم شر الصقالبة، وصيرهم تحت الرقبة. ونظر ~~جعفر في غزالة الغلمان الفحولة عن رسم هذين الصقلبيين بمواطاة محمد بن أبي ~~عامر؛ ودس محمدا إلى من طلبهم له؛ فتقدم عليهم محمد بن أبي عامر؛ فكان يطأ ~~عقبه منهم خمسمائة غلام، فاشتد بهم أرزه، وفخم أمره، وقدمهم في الإنزال ~~والعطاء؛ فأحبوه؛ ثم انقلب بنو برزال إلى محمد بن أبي عامر، وصاروا في ~~قيادته. فاعتز بالطائفتين، وقهر عدوه، وتبعه سائر الجند. فهان أمر الصقالبة ~~عنده. # ثم إن جوذرا الفتى استأذن السلطان في الخروج إلى داره مستعفيا من الخدمة، ~~وهو يظن أنه لا يجاب إلى ذلك؛ فأذن له في الخروج؛ فاشتد وعيد أصحابه، وزاد ~~كلامهم؛ وكان أجسرهم على ذلك دري الفتى ms474 الصغير، لما فيه من التمرد ~~والجهالة؛ فحرك جعفر ابن أبي عامر لإزالته والراحة منه، وقال: )حاول عليه!( ~~فدس إلى رعبته ببياسة، وأمرهم بالشكوى به وبعماله، ووعدهم العدوى عليه ~~والإراحة من جوره؛ فسارعوا إلى ذلك. ورفع الحاجب جعفر قصته إلى السلطان، ~~وقد أحكم ابن أبي عامر شأن التدبير عليه؛ فخرج التوقيع بالجمع بين ذري ~~وبينهم، والنظر في مصالحهم؛ فاستدعى دري إلى بيت الوزارة؛ فلما أشرف على ~~الدار، ورأى من أعد فيها، أحسن بالشر؛ فخنس راجعا؛ فمنعه ابن أبي عامر، ~~وقبض عليه؛ فتجاذبا؛ فبطش دري بابن أبي عامر، وقبض على لحيته؛ فصاح محمد بن ~~أبي عامر بمن حضر من الجند؛ فاحتشم الأندلسيون دريا، وأسرع بنو برزال إلى ~~إجابته؛ فتقدموا إلى دري، فأوجعوه ضربا؛ ولحقته ضرية بصفح السيف، أزالت ~~عقله، وحمل للوقت إلى داره؛ فعوجل من ليلته بالقتل. وأمر في الوقت فائقا ~~وجماعة من كبارهم بالخروج إلى ديارهم والتزامها؛ فخرجوا إليها. وانحصدت ~~شوكة الصقالبة حينئذ، وفل حدهم؛ وتجرد ابن أبي عامر لطلبهم، فاستخرج منهم ~~أموالا جمة. وآلت حال فائق إلى أن صير إلى الجزائر الشرقية؛ فمات هنالك. # وفي خروج الصقالبة من القصر، يقول سعيد الشنتريني الشاعر )سريع(: # أخرج من قصر إمام الهدى ... كل فتى منبسط جائر # فمن رأينا منهم قال لا ... مساس فعل الناس بالسامر # فخف ظهر الملك المرتضى ... قد خف من ثقلهم الظاهر # وسال ماء العلم من وجهه ... مذ زال من جهلهم الخاثر # فلازم الإقراء في قصره ... مع الوزير الخير الطاهر # وقلد جعفر المصحفي أمر القصر والحرم، بعد إخراج هاؤلاء الفتيان، سكرا ~~صاحبهم؛ فسكن أنفس الصقالبة، وأجراهم على الطاعة؛ فأصغوا إليه إلى أن ~~استهاجهم جوذر الفتى عظيمهم عند الظهور الذي هم به. # فلما هم لابن أبي عامر تدبيره في الصقالبة، جعل يتوصل إلى تقلد جيش ~~المملكة، والقيام بجهاد العدو دون الجماعة؛ وكان العدو جاس بلاد المسلمين، ~~وطمه في انتهاز الفرصة فيهم؛ فأنف ابن أبي عامر من ذلك، وأشار على الحاجب ~~جعفر بتجهيز الجيش والاعتداد للجهاد، وعرض القيام به على جميع الأكابر؛ ~~فكلهم ms475 كع عنه إلا ابن أبي عامر؛ فإنه بادر إليه على أن يختار من يخرج معه ~~من الرجال، ويتجهز لغزوه بمائة ألف دينار. فاستكثر ذلك بعض من حصر؛ فقال له ~~محمد بن أبي عامر: )خذ ضعفها وامض! وليحسن غناؤك!( فخام المعترض عن ذلك، ~~وسلم الجيش والمال إلى ابن أبي عامر؟ # غزوة محمد بن أبي عامر الأولى # فخرج لثلاث خلون من رجب من سنة 366، ودخل على الثغر الجوفي. فنازل حصن ~~الحامة من جليقية؛ فحاصره، وأخذ ربضه، وغنم وسبى؛ وقفل بالسبي والغنائم إلى ~~قرطبة إلى ثلاثة وخمسين يوما. فعظم السروربه، وأخلص الجند له، لما رأوا من ~~كثرة جوده، وكرم عشرته، وسعة مائدته؛ فأحبوه والتقوا به؛ وكثر إحسانه إليهم ~~وإفضاله عليهم، إلى أن أدرك بهم سولة، وبلغ مأموله. # ذكر نكبة الحاجب جعفر بن عثمان PageV01P257 وذلك أنه، لما سمت الحال ~~بمحمد بن أبي عامر، واستتب أمره، أعمل الحيلة والتدبير في إسقاط جعفر بن ~~عثمان، والانفراد بالدولة؛ فلم يجد لذلك سببا أقوى من مظاهرة الوزير أبي ~~تمام غالب الناصري، صاحب مدينة سالم والثغر الأدنى، شيخ الموالي قاطبة، ~~وفارس الأندلس يومئذ غير مدافع له؛ وكان بينه وبين الحاجب جعفر بن عثمان ~~عداوة ومنافسة. والثاثت حال غالب صدر دولة هشام في سنه ولايته لما ملك جعفر ~~أمرها، وبان تقصير غالب في مدافعة أعداء الله، وخاف أن يصل أمره إلى الخلاف ~~والمعصية؛ فأشار ابن أبي عامر في استصلاحه ورعى ذمامه. ولم يزل ابن أبي ~~عامر يقوم بشأنه، ويخدمه داخل الدار عند السيدة أم هشام وسائر الحرم، حتى ~~تم مراده فيه كي يستعين به على إهلاك المصحفي؛ فأنهض غالبا إلى خطة ~~الوزارتين، وأنفذ إليه كتاب الخليفة بذلك، وأمره بالاجتماع مع ابن أبي عامر ~~على التدبير على الصوائف، على أن يدير ابن أبي عامر جيش الحضرة، ويدير غالب ~~جيش الثغر. # غزوة ابن أبي عامر الثانية # وخرج محمد بن أبي عامر بالصائفة يوم الفطر من سنة 366؛ فاجتمع مع غالب ~~بمدينة مجريط. وأصل معه من التظافر على جعفر ما أصاب به النكتة من ms476 قلبه؛ ~~واتفقا وتوافقا. وخدم ابن أبي عامر غالبا في سفره هذا خدمة ملك بها نفسه؛ ~~فمال إليه غالب بكلمته. واستمرا في غزوهما، وافتتح حصن مولة، وظهرا فيه على ~~سبي كثير، وغنم المسلمون أوسع غنيمة. وكان أكثر الأمر فيها لغالب؛ فتجافى ~~عنه لابن أبي عامر. وسار معه إلى ثغره، ومنه فارقه، بعد أن أبلغ في مواطأة ~~محمد بن أبي عامر على عدوه جعفر بما أراده؛ وقال غالب لابن أبي عامر عند ~~وداعه: )سيظهر لك بهذا الفتح اسم عظيم وذكر جليل، يشغلهم السرور به عن ~~الخوض فيما تحدثه من قصة. فإياك أن تخرج عن الدار حتى تعزل ابن جعفر عن ~~المدينة وتتقلدها دونه!( فاعتقد محمد ذلك. # وخاطب غالب الخليفة هشاما بحسن مناب ابن أبي عامر في هذه الغزوة، ونسب ~~السعي والاجتهاد إليه، وشكره، وشد عضده عند الخليفة؛ وعاد محمد ابن أبي ~~عامر إلى حضرة قرطبة منصرفا بالسبي والغنائم. فاستمال محمد بهذا الفتح قلوب ~~العامة والخاصة، وتعرفوا فيه يمن النقيبة؛ فبعد صيته، وهان عليه أمر جعفر ~~وغيره، وشرع في هدمه. فخرج أمر الخليفة يوم وروده بصرف محمد بن جعفر بن ~~عثمان عن المدينة وتقليدها ابن أبي عامر. فخرج محمد نحو كرسيها في هذا ~~اليوم، والخلع عليه، ولا عند جعفر علم بذلك؛ وكان محمد بن جعفر جالسا في ~~مجلسها في أبهة، إذ صعد ابن أبي عامر نحوه؛ فولي محمد بن جعفر ناكصا على ~~عقبه، وأتبع بدايته. # وملك ابن أبي عامر الباب بولاية الشرطة؛ والجيش يقوده له؛ والدار بعناية ~~الحرم به؛ فملك على جعفر بذلك وجوه الحيلة، وخلاه، وليس في يده من الأمر ~~إلا أقلخ. فضبط محمد المدينة ضبطا أنسى أهل الحضرة من سلف من أفراد الكفاة ~~وأولى السياسة، وقد كانوا قبله في بلاء عظيم، يتحارسون الليل كله، ويكايدون ~~من روعات طراقه ما لا يكابد أهل الثغور من العدو. فكشف الله ذلك عنهم بمحمد ~~بن أبي عامر وكفايته، وتنزهه عما كان ينسب لابن جعفر. فسد باب الشفاعات، ~~وقمع أهل الفسق والذعارات، حتى ارتفع البأس، وأمن ms477 الناس، وأمنت عادية ~~المتجرمين من حاشية السلطان؛ حتى لقد عثر على ابن عم له يعرف بعسقلاجة؛ ~~فاستحضره في مجلس الشرطة وجلده جلدا مبرحا كان فيه حمامه؛ فانقمع الشر في ~~أيامه جملة. واستخلف ابن أبي عامر على المدينة ابن عمه عمرو بن عبد الله بن ~~أبي عامر؛ فسلك في أهل الشر سبيله، بل أربى عليه في ذلك. # وكاتب جعفر غالبا يستخلصه، ويستميله، ويخطب بنته لابنه؛ فتجددت بينهما ~~ألفة، وجرى عقد في المناكحة. وانكشف ذلك لابن أبي عامر؛ فكاتب غالبا ينشده ~~العهد، وألقى أهل الدار عليه في فسخ المصاهرة؛ فكاتبوه في ذلك؛ فانحرف إلى ~~ابن أبي عامر، وحل عقدة جعفر في نكاحه، وأنكح ابن أبي عامر أسماء ابنته؛ ~~فكانت أحظى نسائه. # غزوة ابن أبي عامر الثالثة PageV01P258 فلما تم هذا العقد، خرج إليها؛ ~~فدخل على طليطلة غرة صفر من سنة 367؛ فاجتمع مع صهره غالب؛ فعظمه وجرى إلى ~~موافقته. ونهضا معا؛ فافتتحا حصن المال وحصن زنبق، ودوخا مدينة شلمنقة ~~وأخذا أرباضها. وقفل ابن أبي عامر إلى قرطبة بالسبي والغنائم، وبعدد عظيم ~~من رؤوس المشركين، إلى أربع وثلاثين يوما من خروجه؛ فزاد له السلطان في ~~التنوبه، وأنهضه إلى خطة الوزارتين، سوى فيها بينه وبين غالب، ورفع راتبه ~~إلى ثمانين دينارا في الشهر، وهو راتب الحجابة. واستقدم السلطان غالبا ~~لاستهداء أسماء إلى زوجها محمد؛ فبالغ في إكرامه؛ ووقع زفاف أسماء في مشهد ~~بعد العهد بمثله شهرة وجلالة؛ وزفت إليه ليلة النيروز من قصر الخليفة؛ فهو ~~الذي تولي مع حرمه أمرها. وكانت أسماء هذه توصف بجمال بارع وأدب صالح؛ ~~وحظيت عند ابن أبي عامر؛ فلم يفارقها. وقلده الخليفة خطة الحجابة مع جعفر ~~مشتركا. ثم سخط الخليفة على جعفر بن عثمان المصحفي، وصرفه عن الحجابة يوم ~~الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من شعبان سنة 367؛ وأمر بالقبض عليه وعلى ولده ~~وأسبابه، وعلى ابن أخيه هشام؛ وصرفوا عما كان بأيديهم من الأعمال، وكلبوا ~~بالأموال. فتوصل ابن أبي عامر بمحاسبتهم إلى استصفاء أموالهم، وانتهاك ~~حرمهم، وترديد النكبات عليهم، حتى مزقهم كل ms478 ممزق. وسارع إلى قتل هشام ابن ~~أخي جعفر في المطبق، إذ كان أشد آل عثمان عداوة له؛ وأخرج إلى أهله ميتا. ~~واستمرت النكبة على جعفر سنين عدة، يحبس مرة ويطلق أخرى. ومما حفظ له في ~~ابن أبي عامر، مستعطفا له )متقارب(: # عفا الله عنك ألا رحمة ... تجود بعفوك ان ابعدا # لئن جل ذنب ولم أعتمده ... فأنت أجل وأعلى بدا # ألم تر عبدا عدا طوره ... ومولي عفا ورشيدا هدى # ومفسد أمر تلافيته ... فعاد فأصلح ما أفسدا # أقلني أقالك من لم يزل ... بقيك ويصرف عنك الردى # وكان جعفر بن عثمان في محنته أخور الناس، أرأمهم للذل، وأحبهم في الحياة؛ ~~انتهى به الاستحذاء لمحمد بن أبي عامر، والطمع في الحياة، أن كتب إليه بعرض ~~نفسه عليه لتأديب ابنيه عبد الله وعبد الملك؛ فقال ابن أبي عامر: )أراد أن ~~يستجهلني ويسقطني عند الناس، وقد عهدوا مني ببابه مؤملا؛ ثم يرونه اليوم ~~بدهليزي معلما.( ثم جد ابن أبي عامر في مكروهه، وأدق حسابه، وأمر بإحضاره ~~إلى مجلس الوزراء بقصر الخلافة، ليناظر بين أيديهم فيما ادعى عليه من ~~الخيانة؛ فتردد إلى هذا المجلس مرارا، وأقبل آخر مرة إليه، وواثق الضاغط ~~يزعجه، والبهر والسن قد هاضاه، وقصرا خطاه، والموكل به يحذوه ويستحثه؛ ~~فيقول له جعفر: )يا بني رفقا؛ فستدرك ما تريد! ويا ليت أن الموت بيع، فأغلى ~~الله سومه!( حتى انتهى به إلى المجلس، والوزراء جلوس، فجلس في آخر المجلس ~~دون أن يسلم؛ فأسرع إليه الوزير محمد بن حفص بن جابر، وكان من حزب ابن أبي ~~عامر؛ فعنفه، واستجهله، وأنكر عليه ترك التسليم، وجعفر معرض عنه. فلما أكثر ~~عليه، قال له جعفر: )يا هذا جهلت المبرة، فاستجهلت عالمها وكفرت. اليد، ~~فقصرت بمسديها.( فاضطرب ابن جابر من قوله، وقال: )هذا هو البهت بعينه! وأي ~~أياديك الغراء التي مننت بها؟ أيد كذا أم يد كذا(؛ وعدد أشياء؛ فأنكرها ~~عليه الحاجب، وقال: )هذا لا يعرف؛ والمعروف دفعي عن يمناك القطع، وشفاعتي ~~فيها إلى الماضي - رحمه الله - حين استخونك في مال ms479 كذا!( فأصر ابن جابر على ~~الجحد؛ فقال جعفر: )أنشد الله من له علم بما ذكرت أن يتكلم!( فقال الوزير ~~ابن عياش: )قد كان بعض منا ذكرته؛ وغير هذا أولى بك، يا أبا الحسن!( فقال: ~~)أحرجني الرجل، فقلت.( ثم أقبل الوزير محمد بن جهور على محمد بن جابر، فقال ~~له: )أوما علمت أنه من كان في سخط السلطان، تحامى السلام على أولىائه لأنهم ~~إن ردوا عليه، أسخطوا السلطان لتأمينهم من أخافه؛ وإن تركوا الرد، أسخطوا ~~الله، وتركوا ما أمر به؟ فكان الإمساك أولى! ومثل هذا لا يخفي على أبي ~~الحسن.( فخجل ابن جابر وأسفر وجه جعفر وتهلل. ثم أخذ القوم في مناظرته على ~~المال؛ فقال: )قد والله استنفدت ما عندي من الطارف والتالد، ولا مطمع في في ~~درهم، ولو قطعت إربا إربا!( فصرف إلى محبسه في مطبق الزهراء؛ فكان آخر ~~العهد به. PageV01P259 وله، وقد أودعه المنصور المطبق، والشجون تسرع إليه ~~وتسبق، معزيا لنفسه، ومجتزيا في يومه بإسعاد أمسه؛ فقال )متقارب(: # أجاري الزمان على حاله ... مجاراة نفسي لأنفاسها # إذا نفس صاعد شفها ... توارت به بين جرسها # وإن عكفت نكبة للزمان ... عكفت بصدري على رأسها # ومن بديع ما حفظ له في نكبته، قوله - رحمه الله - يستريح من كربته ~~)طويل(: # صبرت على الأيام لما تولت ... وألزمت نفسي صبرها فاستمرت # فيا عجبا للقلب كيف اصطباره ... وللنفس بعد العز كيف استذلت # وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى ... فإن طمعت تافت وإلا تسلت # وكانت على الأيام نفسي عزيزة ... فلما رأت صبري على الذل ذلت # وقلت لها نفس موتي كريمة ... فقضد كانت الدنيا لنا ثم ولت # وكان من هلاكه في محبسه هذا على يقين؛ وذلك أنه لما أمر به إلى المطبق، ~~ودع أهله وولده ووداع الفرقة، وقال: )هذا وقت إجابة الدعوة! وأنا أرتقبه ~~منذ أربعين ينة!( فسئل عما ذكره؛ فقال: )رفع على فلان أيام الناصر وسعى به ~~إليه؛ فأشرفت على أعماله؛ فآل أمره إلى ضربه وتغير نعمته وإطالة حبسه. ~~فبينا أنا نائم ذات ليلة، إذ أتاني آت؛ فقال ms480 لي: )أطلق فلانا؛ فقد أجيبت ~~دعوته فيك؛ ولهذا أمر أنت لا بد لاقيه!( فانتبهت مذعورا، وأحضرت الرجل، ~~وسألته إحلالي؛ فامتنع علي؛ فاستحلفته على إعلامي بما خصني به من الدعاء؛ ~~فقال: )نعم! دعوت الله أن يميتك في أضيق السجون كما أعمرتنيه حقبة.( فعلمت ~~أنه قد وجبت دعوته، وندمت حيث لا ينفع الندم، وأطلقت الرجل؛ ولم أزل أرتقب ~~ذلك في السجن.( فما لبث في السجن إلا أياما، وأخرج ميتا، وأسلم إلى أهله. ~~فقيل: قتل خنقا في البيت المعروف ببيت البراغيت في المطبق؛ وقيل: دست إليه ~~شربة مسمومة. # قال محمد بن إسماعيل، كاتب المنصور: )سرت مع محمد بن مسلمة إلى الزهراء ~~لتسليم جسد جعفر إلى أهله وولده، والحضور على إنزاله في ملحده؛ فنظرت إليه ~~ولا أثر فيه، وليس عليه شئ يواريه غير كساء خلق لبعض البوابين، ستره به. ~~فدعا له محمد بن مسلمة بغاسل؛ فغسله )والله!( على فرد باب اقتلع من ناحية ~~الدار، وأنا أعتبر من تصرف الأقدار؛ وخرجنا بنعشه إلى قبره، وما معنا إلا ~~إمام المسجد المستدعي للصلاة؛ وما تجاسر أحد على النظر إليه.( ثم قال: )وإن ~~لي في شأنه لخبرا ما سمع بمثله طالب وعظ، ولا وقع في مسمع ولا تصور للحظ؛ ~~وقفت له في طريقه، أيام نهبه وأمره، أروم أن أناوله قصة كانت به مختصة؛ ~~فوالله ما تمكنت من الدنو منه بحيلة، لكثافة موكبه، وكثرة من حف به؛ وأخذ ~~الناس السكك عليه وأفواه الطرق، ينظرون إليه ويسلمون عليه، حتى ناولت قصتي ~~بعض كتابه الذين نصبهم جناحي موكبه لأخذ القصص؛ فانصرفت، وفي نفسي ما فيها ~~من الشرق بحاله والغصص، فلم تطل المدة حتى غضب عليه المنصور، واعتقله، ~~ونقله معه في الغزوات ذليلا وحمله. واتفق أن نزلت بجليقية في بعض المنازل ~~إلى جانب خبائه في ليلة نهى فيها المنصور عن وقد النيران ليخفي على العدو ~~أثره، ولا ينكشف له خبره؛ فرأيت - والله - ابنه عثمان يسفه دقيقا قد خلطه ~~نماء يقيم به أوده، ويمسك به رمقه بضعف حال، وعدم زاد ومال، وسمعته يقول ms481 ~~)طويل(: # تأملت صرف الحادثات فلم أزل ... أراها توافي عند مقدها الحرا # فلله أيام مضت لسيلها ... فإني لا أنسى لها أبدا ذكرا # تجافت بها عنا الحوادث برهة ... وأبدت لنا منها الطلاقة والبشرا # ليالي لم يدر الزمان مكاننا ... ولا نظرت منا حوادثه الشزرا # وما هذه الأيام إلا سحائب ... على كل أرض تمطر الخير والشرا PageV01P260 ~~وكان مما أعين به ابن أبي عامر على جعفر بن عثمان المصحفي ميل حلية الوزراء ~~إليه وإيثارهم له عليه، وسعيهم في ترقيه، وأخذهم بالعصيبة فيه؛ فإنهم، وإن ~~لم تكن لهم حمية أعرابية، فقد كانت سلفية سلطانية، يقتفى القوم فيها آثار ~~سلفهم، ويمنعون بها ابتذال شرفهم؛ غادروها سيرة، وخلفوها عادة أثيرة، تشاح ~~الخلف فيها تشاح أهل الديانة، وصانوا بها مراتبهم أعظم صيانة؛ ورأوا أن ~~أحدا من التوابع لا يدرك فيها غاية، ولا يلحق لها راية. فلما أحظى المستنصر ~~بالله جعفر بن عثمان واصطنعه، ووضعه من أثرته حيث وضعه، حسدوه وذموه، وخصوه ~~بالمطالبة وعموه. وكان أسرع هذه الطائفة إلى مهاودة المنصور عليه، ~~والانحراف عنه إليه، آل أبي عبدي وآل شهيد، وآل جهور، وآل فطيس؛ وكانوا في ~~الوقت أزمة الملك وقوام الخدمة، ومصابيح الأمة؛ فأحظوا محمد بن أبي عامر ~~مشايعه، ولأسباب المصحفي منازعه، وشادوا بناءه، وقادوا إلى عنصره سناءه، ~~حتى بلغ الأمل، والتحف بمناه واشتمل. وعند التيام هذه الأمور لابن أبي ~~عامر، استكان جعفر بن عثمان للحادثة، وأيقن بالنكبة، وزوال المرتبة، وكف عن ~~اعتراض محمد وشركته في التدبير، وانقبض الناس عن الرواح إليه والتبكير. ~~وانثالوا على ابن أبي عامر؛ فخف موكبه، وغار من سماء العزة كوكبه، وتوالى ~~عليه سعي ابن أبي عامر وطلبه حتى محاه، وهتك ظلاله وأضحاه. ومن قوله ~~)كامل(: # لا تأمنن من الزمان تقلبا ... إن الزمان بأهله يتقلب # ولقد أراني واللبوث تهابني ... وأخافني من بعد ذاك الثعلب # حسب الكريم مهانة ومذلة ... ألا يزال إلى لئيم يطلب # وكان قوله هذه الأبيات لما سبق إلى مجلس الوزارة للمحاسبة، وواثق الضاغط ~~يزعجه ويستحثه، وهو يقول له: )رفقا بي، يا واثق، فستدرك ما ms482 تحبه وتشتهيه، ~~وترى ما كنت ترتجيه!( وقد تقدم ذلك. # استبداد ابن أبي عامر بالملك وتغلبه عليه # لما قتل ابن أبي عامر جعفر بن عثمان، انفرد بشأنه، ورمى الغرض الأبعد من ~~ضبط السلطان والحجر عليه والاستبداد بالمملكة وأمور الدولة؛ جرى في ذلك ~~مجرى المتغلبين على سلطان بني العباس بالمشرق من أمراء الديلم، حتى أورث ~~ذلك عقبه. فأخذ ابن أبي عامر في تغيير سير الخلفاء المروانية في استجرار ~~الأمر لنفسه وسبك الدولة على قالبه؛ فأداه ذلك إلى مضادة ما كانوا عليه؛ ~~فعوض باللبن غلظة، وبالسكون حركة، وبالأناة بطشه، بالموادعة محاربي؛ فجعل ~~أهل الرأي من مصادر أموره ومواردها يقصون بخروجها عن حد الصواب وقانون ~~التدبير لها؛ وربما فاوض جلتهم الرأي، فيسيرون عليه من الوجه الذي عرفوه، ~~والقانون الذي حمدوه؛ فيعدل عن ذلك إلى المذهب الذي شرعه، والطريق الذي ~~نهجه، والخطر الذي لايجهل اقتحامه؛ فيبهت القوم من حسن ما يقع له. ~~PageV01P261 قال الفتح بن خاقان: )فرد نابه على من تقدمه، وصرفه واستخدمه؛ ~~فإنه كان أمضاهم سنانا، وأذكاهم جنانا، وأتمهم جلالا، وأعظمهم استقلالا. ~~قال أمره إلى ما آل، وأوهم العقول بذلك المآل؛ فإنه كان آية الله في إتقان ~~سعده، وقربه من الملك بعد بعده؛ بهر برفعه القدر، واستظهر بالأناة وسعة ~~الصدر، وتحرك فلاح نجم الهدو، وتملك فما حقق بأرضه لواء عدو، بعد خمول كابد ~~منه غصصا وشرفا، وتعذر مأمول صارد فيه سهرا وأرقا، حتى أنجز له الموعود، ~~وفر نحسه أمام تلك السعود. فقام بتدبير الخلافة، وأقعد من كان له فيها ~~أنافة؛ وساس الأمور أحسن سياسة، وداس الخطوب بأخشن دياسة؛ فانتظمت له ~~الممالك، واتضحت به المسالك؛ وانتشر الأمن في كل طريق، واستشعر اليمن كل ~~فريق. وملك الأندلس بضعا وعشرين حجة، لم تدحض لسعادتها حجة، ولم تزخر ~~لمكروه بها لجة؛ لبست فيها البهاء والإشراق، وتنفست عن مثل أنفاس العراق. ~~وكانت أيامه أحمد أيام، وسهام بأسه أسد سهام. غزا شاتيا وصائفا، ومضى فيما ~~يروم زاجرا وعائفا؛ فأوغل في تلك الشعاب، وتغلغل حتى راع ليث الغاب، ومشى ~~تحت ألويته ms483 صيد القبائل، واستجرت في ظلها بيض الظبى وسمر الذوابل؛ وهو ~~يقتضي الأرواح بغير سوم، وينقضي الصفاح على كل روم، ويتلف من لا ينساق ~~للخلافة وينقاد، ويختطف منهم كل كوكب وقاد، حتى استبد وانفرد، وأنس إليه من ~~الطاعة ما نفر وشرد. وانتظمت له الأندلس بالعدوة، واجتمعت له اجتماع قريش ~~في دار الندوة؛ ومع هذا، فلم يخلع اسم الحجابة، ولم يدع السمع لخليفته ~~والإجابة، ظاهر يخالفه الباطن، واسم تنافره مواقع الحكم والمواطن. وأذل ~~قبائل الأندلس بإجاوة البربر، وأخمل بهم أولائك الأعلام الأكابر؛ فإنه ~~قاومهم بأضدادهم، واستكثر من أعدادهم، حتى تغلبوا على الجمهور، وسلبوا منهم ~~الظهور، ووثبوا عليهم الوثوب المشهور، الذي أعاد أكثر الأندلس قفرا يبابا، ~~وملأها وحشا وذئابا، وأعراها من الأمان، برهة من الزمان. وعلى هذه الهيئة، ~~فهو وابنه المظفر كانا آخر سعد الأندلس، وحد السرور بها والتأنس. وغزواته ~~فيها شائعة الإثر، رائعة كالسيف ذي الأثر، وحسبه وافر، ونسبه معافر. ولذا ~~قال ينخر )طويل(: # رميت بنفسي هول كل كريهة ... وخاطرت والحر الكريم مخاطر # وما صاحبي إلا جنان مشيع ... وأسمر خطي وأبيض باتر # وإني لزجاء الجيوش إلى الوغى ... أسود تلاقيها أسود خوادر # لسدتث بنفسي أهل كل سيادة ... وكاثرت حتى لم أجد من أكاثر # وما شدت بنيانا ولاكن زيادة ... على ما بنى عبد المليك وعامر # رفعنا المعالي بالعوالي حديثة ... وأورثناها في القديم معافر # وكانت أمه تميمية؛ فحاز الشرف من طرفيه؛ والتحف بمطرفيه. قال القسطلي ~~)طويل(: # تلاقت عليه من تميم ويعرب ... شموس تلألا في العلى وبدور # من الحميريين الذين أكفهم ... سحائب تهمي بالندى وبحور # وتصرف قبل ولايته في شتى الولايات، وجاء من التحدث بمنتهى أمره بابات، ~~حتى صح زجره، وجاء بصبحه فجره، يؤثر عنه في ذلك أخبار، فيها عجب واعتبار. ~~وكان أديبا محسنا. وعالما متفننا. فمن ذلك قوله، يمني نفسه بملك مصر ~~والحجاز، ويستدعي صدور تلك الأعجاز )خفيف(: # مضنضع العين أن تذوق المناما ... حبها أن ترى الصفا والمقاما # لي ديون بالشرق عند أناس ... قد أحلوا بالمشعرين الحراما # إن قضوها نالوا الأماني وإلا ... جعلوا دونها رقابا ms484 وهما # عن قريب ترى خيول هشام ... يبلغ النيل خطوها والشاما PageV01P262 وفي سنة ~~368، أمر المنصور بن أبي عامر ببناء قصره المعروف بالزاهرة، وذلك عندما ~~استفحل أمره، واتقد جمره، وظهر استبداده، وكثر حساده، وخاف على نفسه في ~~الدخول إلى قصر السلطان، وخشي أن يقع في أشطان. فتوثق لنفسه، وكشف له ما ~~ستر عنه في أمسه، من الاعتزاز عليه؛ ورفع الاستناد إليه؛ وسما إلى ما سمت ~~إليه الملوك من اختراع قصر ينزل فيه، ويحله بأهله وذويه، ويضم إليه رياسته، ~~ويتمم به تدبيره وسياسته، ويجمع فيه فتيانه وغلمانه. فارتاد موضع مدينته ~~المعروفة بالزاهرة، الموصوفة بالقصور الباهرة، وأقامها بطرف البلد على نهر ~~قرطبة الأعظم، ونسق فيها كل اقتدار معجز ونظم. وشرع في بنائها في هذه السنة ~~المؤرخة، وحشد إليها الصناع والفعلة، وجلب إليها الآلات الجليلة، وسربلها ~~بهاء يرد العيون كليلة؛ وتوسع في اختطافها، وتولع بانتشارها في البسيطة ~~وانبساطها، وبالغ في رفع أسوارها، وثابر على تسوية أنجادها وأغوارها. ~~فاتسعت هذه المدينة في المدة القريبة، وصار من الأنباء الغريبة. وبنى ~~معظمها في عامين. # وفي سنة 370، انتقل المنصور بن أبي عامر إليها، ونزلها بخاصته وعامته؛ ~~فتبوأها وشحنها بجميع أسلحته، وأمواله وأمتعته، وأتخذ فيها الدواوين ~~والأعمال، وعمل داخلها الأهراء، وأطلق بساحتها الأرجاء. ثم أقطع ما حولها ~~لوزرائه وكتابه، وقواده وحجابه؛ فاقتنوا بأكنافها كبار الدور، وجليلات ~~القصور، واتخذوا خلالها المستغلات المفيدة، والمنازه المشيدة. وقامت بها ~~الأسواق، وكثرت فيها الأرفاق؛ وتنافس الناس في النزول بأكنافها، والحلول ~~بأطرافها، للدنو من صاحب الدولة، وتناهى الغلو في البناء حوله، حتى اتصلت ~~أرباضها بأرباض قرطبة، وكثرت بحوزتها العمارة، واستقرت في بحبوحتها ~~الإمارة. وأفرد الخليفة من كل شئ إلا من الاسم الخلافي، وصير ذلك هو الرسم ~~العافي. ورتب فيها جلوس وزرائه، ورؤوس أمرائه، وندب إليها كل ذي خطة بخطته، ~~ونصب على بابها كرسي شرطته، وأجلس عليه واليا على رسم كرسي الخليفة، وفي ~~صفة تلك الرتبة المنيفة. وكتب إلى الأقطار بالأندلس والعدوة بأن تحمل إلى ~~مدينته تلك الأموال الجبايات، ويقصدها أصحاب الولايات، وينتابها طلاب ~~الحوائج، وحذر أن ms485 يعوج عنها إلى باب الخليفة عائج. فاقتضيت لديها اللبانات ~~والأوطار، وانحشد الناس إليها من جميع الأقطار. وهم لمحمد بن أبي عامر ما ~~أراد، وانتظم بلبة أمانيه المراد؛ وعطل قصر الخليفة من جميعه، وصبره بمعزل ~~من سامعه ومطيعه، وسد باب قصره عليه، وجد في خبر ألا يصل إليه، وجعل فيه ~~ثقة من صنائعه يضبط القصر، ويبسط فيه النهى والأمر، ويشرف منه على كل داخل، ~~ويمنع ما يحذره من الدواخل؛ ورتب عليه الحراس والبوابين، والسمار ~~والمنتابين، يلازمون حراسه من فيه ليلا ونهارا، ويراقبون حركاتهم سرا ~~وجهارا؛ وقد حجر على الخليفة كل تدبير، ومنعه من تملك قبيل أو دبير. وأقام ~~الخليفة هشام مهجور الفناء، محجور الغناء، خفي الذكر، عليل الفكر، مسدود ~~الباب، محجوب الشخص عن الأحباب، لا يراه خاص ولا عام، ولا يخاف له بأس ولا ~~يرجى منه إنعام، ولا يعهد منه إلا الاسم السلطاني في السكة والدعوة، وقد ~~نسخه وليس أبهته، وطمس بهجته. وأغنى الناس عنه، وأزال أطماعهم منه، وصيرهم ~~لا يعرفونه، وأمرهم أنهم لا يذكرونه. # واشتد ملك محمد بن أبي عامر منذ نزل قصر الزاهرة، وتوسع مع الأيام في ~~تشييد أبنيتها، حتى كملت أحسن كمال، وجاءت في نهاية الجمال، نقاوة بناء، ~~وسعة فناء، واعتدال هواء رق أديمه، وصقالة جو اعتل نسيمه، ونضرة بستان، ~~وبجة للنفوس فيها افتنان. وفيها يقول صاعد اللغوي )بسيط(: # يا أيها الملك المنصور من يمن ... والمبتنى نسبا غير الذي انتسبا # بغزوة في قلوب الشرك رلتعة ... بين المنايا تناغى السمر والقضبا # أما ترى العين تجري فوق مرمرها ... زهوا فتجري على أحسائها الطربا # أجريتها فطما الزاهي بجريتها ... كما طموت فسدت العجم والعربا # تخال فيه جنود الماء رافلة ... مستلئمات تربك الدرع والبلبا # تحفها من فنون الأيك زاهرة ... قد أورقت فضة إذ أثمرت ذهبا PageV01P263 ~~بديعة الملك ما ينفك ناظرها ... يتلو على السمع منها آية عجبا # لا يحسن الدهر أن ينشي لها مثلا ... ولضو تعنت فيها نفسه طلبا # ودخل عليه عمرو بن أبي الحباب في بعض قصوره من المنية المعروفة ~~بالعامرية، والروض قد ms486 تفتحت أنواره، وتوشحت بجاده وأغواره، وتصرف فيها ~~الدهر متواضعا، ووقف بها السعد خاضعا؛ فقال )بسيط(: # لا يوم كاليوم في أيامك الأول ... بالعامرية ذات الماء والطلل # هواؤها في جميع الدهر معتضدل ... طيبا وإن حل فصل غير معتدل # ما إن يبالي الذي يحتل ساحتها ... بالسعد ألا تحل الشمس بالحمل # وما زالت هذه المدينة رائقة، والسعود بلبتها متناسقة، تراوحها الفتوح ~~وتغاديها، وتجلب إليها منكسرة أعاديها، ولا تزحف منها راية إلا إلى فتح، ~~ولا يصدر عنها تدبير إلا إلى نجح، إلى أن حان يومها العصيب، وقبض لها من ~~المكروه أوفر نصيب. فتولت فقيدة، وخلت من بهجتها كل عقيدة. # وأشاع ابن أبي عامر أن السلطان فوض إليه النظر في أمر الملك، وتخلى له ~~عنه لعبادة ربه. وانبث ذلك في الرعية حتى اطمأنوا إليه، مع قوة ضبطه وسرعة ~~بطشه. فانتظم له ذلك كله وأكثر منه، بعد أن حصن قصر الخليفة في هذا الوقت ~~بالسور الذي أدار حوله، وعمل الخندق المطيف به من جانبيه، والأبواب الوثيقة ~~بالأحراس والسمار الذين وضعهم بأنقابه. ومنع الخليفة من الظهور، ووكل ~~بأبوابه من يمنع وصول خبر إليه أو أمر من الأمور إلا عن إذنه؛ فإن عثر على ~~أحد من الناس في تجاوز هذا الحد، عاجله ونكل به. والأخبار عنه في هذا ~~المعنى واسعة جدا، غير أن الاختصار في ذلك أن ابن أبي عامر بلغ من ذلك ~~مبلغا لم يبلغه قط متغلب على خليفة، لأنه احتوى على الملك كله، وصير ~~الخليفة قبضة في يده، حتى أنه لم يكن ينفذ له أمر في داره ولا حرمه إلا عن ~~إذنه وعلمه. وجعل متولي قصره من قبله من يثق به، وصيره عينا على السلطان، ~~لا يخفى عليه شئ من حركاته وأخباره. # ولما ترقى ابن أبي عامر إلى هذا القدر، عمل في مكروه القائد الكبير غالب ~~الناصري صهره، والتوطئة لأسباب هدمه. فرأى أن يبني عليه ضدا له من أصحاب ~~السيوف والحرابة المشهورين، لأن غالبا كان يستطيل على ابن أبي عامر بأسباب ~~الفروسية، ويباينه بمعاني الشجاعة، ويعلوه من ms487 هذه الجهة التي لم يتقدم لابن ~~أبي عامر بها معرفة. فلم يجد لذلك مثل جعفر بن علي بن حمدون المعروف بابن ~~الأندلسي شدة بأس، وربط جاش، ونباهة ذكر، وجلالة قدر. فجد في استجلابه، وهو ~~مقيم بالعدوة. وآل علي ممن أطاع الخليفة هشاما من زناتة؛ فبعث ابن أبي عامر ~~إليه، وتواترت كتبه إليه؛ فأسلم العمل إلى أخيه يحيى، وعبر إلى الأندلس ~~بجيشه؛ فنزل قصر العقاب، بعد أن أعد له ما يصلح فيه. فاستوزره أبي عامر؛ ~~فعظم شأنه، وأحله محل الأخ في الثقة، وقدمه على الكفاة؛ فوجد عنده ما أحبه، ~~وفوق ما قدره؛ فاعتدل بالبرابرة أمره، وقوى ظهره، وكانت هذه القطعة من ~~البربر نحو الستمائة. وما زال بعد ذلك يستدعيهم ويتضمن الإحسان إليهم، ~~والتوسعة عليهم، إلى أن أسرعوا إلى الأندلس، وانثالوا على ابن أبي عامر، ~~وما زالوا يتلاحقون، وفرسانهم يتواترون، يجئ الرجل منهم بلباس الخلق على ~~الأعجف، فيبدل له بلباس الخز الطرازي وغيره، ويركب الجواد العتيق، ويسكن ~~قصرا لم يتصور له في منامه مثله، حتى صاروا أكثر أجناد الأندلس. ولم تزل ~~طائفة البربر خاصة ابن أبي عامر وبطانته، وهم أظهر الجند نعمة، وأعلاهم ~~منزلة. # ولما علم غالب بإدناء جعفر، علم الغرض فيه؛ ففسد ما بينهما، ووقع بينهما ~~معارك وفتن كان الظفر فيها لابن أبي عامر على غالب. ومات، وهو يقاتله مع ~~النصارى؛ وكان قد استجلبهم إليه في خبر طويل. فوجد غالب مقتولا في مجال ~~الخيل، وابن أبي عامر كاد أن ينهزم له. فقيل إن قربوس سرجه قتله. وقيل غير ~~ذلك. فكان ذلك أكبر سعد ابن أبي عامر؛ ولم يبق له بعد ذلك من يخاف منه. ~~PageV01P264 ولما فرغ ابن أبي عامر من غالب، دبر الحيلة في حتف جعفر بن ~~علي، الذي أقامه أكبر معين في أمر غالب؛ فواكأ على قتله أبا الأحوص معن بن ~~عبد العزيز النجيبي فارس العرب، في طائفة من أصحابه الأندلسيين؛ فقتلوه ~~غيلة؛ ثم قتل ابن أبي عامر بعد ذلك أبا الأحوص، وانفرد وحده. # وفي سنة 371، تسمى ابن أبي عامر ms488 بالمنصور، ودعى له على المنابر به، ~~استيفاء لرسوم الملوك؛ فكانت الكتب تنفذ عنه: من الحاجب المنصور أبي عامر ~~محمد بن أبي عامر إلأى فلان. وأخذ الوزراء بتقبيل يده؛ ثم تابعهم على ذلك ~~وجوه بني أمية؛ فكان من يدخل عليه من الوزراء وغيرهم يقبلون يده، ويمولونه ~~عند كلامه ومخاطبته. فانقاد لذلك كبيرهم وصغيرهم؛ وإذا بدا لأبصارهم طفل من ~~ولده، قاموا إليه، فاستبقوا ليده تقبيلا، وعموا أطرافه لثما. فساوى محمد بن ~~أبي عامر الخليفة في هذه المراتب، وشاركه في تلك المذاهب. ولم يجعل فرقا ~~بينه وبينه إلا في الاسم وحده في تصدير الكتب عنه، حتى تنامت حاله في ~~الجلالة، وبلغ غاية العز والقدرة. # قال حيان بن خلف: وقرأت في بعض الكتب أن محمد بن أبي عامر، لما حجب هشاما ~~عن الناس واستبد بالأمر دونه، ظهرت فيهم بقرطبة أقوال معرضة أفشوا بينهم ~~فيها أبياتا فاحشة. فمن ذلك ما قيل على لسان هشام الخليفة في شكواه لهم ~~)وافر(: # أليس من العجائب أن ... يرى ما قل ممتنعا عليه # وتملك باسمه الدنيا جميعا ... وما من ذاك شئ في يديه # ومما قيل في تقديم هشام، وهو صغير لم يبلغ الحلم، وفي قاضيه ابن السليم ~~)سريع(: # اقترب الوعد وحان الهلاك ... وكل ما تكرهه قد أتاك # خليفة يحضر في مكتب ... وأمه حبلى وقاض يناك # يريد بذلك شغف أم هشام بابن أبي عامر، لأنها كانت تتهم به، وهي أوصلته ~~إلى حيث وصل من الحال التي لم يتمكن لأحد قبله ولا بعده مثلها؛ فسلب هشاما ~~ملكه وجنده وماله. # وفي سنة 372، قتل جعفر بن علي بن حمدون المعروف بابن الأندلسي؛ وذلك أن ~~المنصور عزم - بزعمه - على إكرام جعفر المذكور ليلة الأحد لثلاث خلون من ~~شعبان من السنة، مكرا منه، وحيلة لقتله؛ فانتخبه ساقي المجلس بكأس؛ فقال له ~~ابن أبي عامر: )اسقها أعز الناس علي(. فأمسك الساقي حيرة لكثرة من ضم ~~المجلس من العلية؛ فزجره ابن أبي عامر وقال: )ناولها الوزير أبا أحمد! عليك ~~لهنة الله!( فقام جعفر؛ فتناولها على قدمه، واستخفه الطرب ms489 حتى قام يرقص؛ ~~فلم يبق أحد بالمجلس إلا فعل كنعله، وأميلت إليه الكؤوس حتى ثقل وانصرف في ~~جوف الليل مع بعض غلمانه؛ فخرج إليه معن وأصحابه؛ فلم يكن فيه امتناع لما ~~كان عليه من السكر؛ فأخذته السيوف حتى برد، وحز رأسه ويده اليمنى، وحملا ~~إلى ابن أبي عامر سرا. فأظهر ابن أبي عامر الحزن عليه. # وفي سنة 375، جهز المنصور جيشا كثيفا، وبعثه إلى العدوة؛ فحاصر حسن ابن ~~قنون الشريف الحسني. وكان حاول الخروج من الدعوة المروانية؛ واجتمع إليه ~~خلق من أهل الغرب، وظهر أمره؛ فوصله الجيش العرمرم؛ فلم يجد ملجأ إلا ~~الاستسلام للأمان. فأمنه قائد الجيش، وحمله إلى قرطبة مرقبا. فلم يمض ابن ~~أبي عامر أمانه، وأمر بقتله ليلا في الطريق بغيا وتعديا، لأن أمان قائده ~~أمانه؛ فقال من شاهد قتله أن هبت عليهم ريح عاصف في تلك الليلة التي قتل ~~فيها غدرا ذلك الشريف، صبتهم على وجوههم، وسلبتهم أثوابهم، واحتملت رداء ~~حسن المقتول؛ فلم يجدوه، وأظلم عليهم الأفق حتى خافوا على أنفسهم. # وفيها تفرق بنو إدريس في البلاد، وملك ابن أبي عامر الغرب، وأخرج منه من ~~كان بقي به من الأدارسة. فقيل في ذلك )كامل(: # فيما أرى عجب لمن يعجب ... جلت مصيبتنا وضاق المذهب # إني لأكذب مقلتي فيما أرى ... حتى أقول غلطت فيما أحسب # أيكون حيا من أمية واحد ... وبسوس صخم الملك هذا الأحدب # تمشي عساكرهم حوالي هودج ... أعواده فيهن قرد أشهب # أبي أمية ابن أقمار الدجى ... منكم وما لوجوهها تتغيب PageV01P265 ثم قام ~~بعد ذلك في الغرب على ابن أبي عامر زيري بن عطية المغراوي، ونكث طاعته بعد ~~الحب الشديد والولاء الأكيد؛ وطعن على ابن أبي عامر تغلبه على هشام وسلبه ~~ملكه. فأنفذ له ابن أبي عامر واضحا الفتى في جيش كثيف؛ فقاومه بالغرب؛ ~~ودارت بينهم حروب عظيمة. ثم أردفه ابن أبي عامر تولده عبد الملك، وهبط ابن ~~أبي عامر إلى الجزيرة الخضراء، يمدهم بالقواد والأجناد، وسار عبد الملك بن ~~أبي عامر من طنجة إلى زيري بن عطية؛ ودارت ms490 بينهم حرب، لم يسمع بمثلها قط. ~~ثم انهزم زيري ومن معه، ونجا مثخنا بالجراح. وملك ابن أبي عامر بلاد الغرب ~~إلى سنة 397. # )وكان أول من ملك سبتة من بني أمية وملك منها الغرب( عبد الرحمن الناصر؛ ~~وسبب ذلك أنه وجه إليها أسطولا. فلما حلت بسبتة، أعلن أهلها بدعوته، ~~وبادروا إلى طاعته، يوم الجمعة صدر ربيع الأول من سنة 319. ثم تتابعت ~~البلاد بالطاعة؛ ثم تكاثر ورود وفودها عليه وعلى الحكم ابنه؛ ثم التاثت ~~طاعتها على ابن أبي عامر؛ فوجه واضحا فتاه؛ فسكن في جبل أبي حبيب عاما في ~~الأخبية؛ ثم وجه بابنه عبد الملك إليها؛ فالتقى بزيري وهزمه، وغدره ابن عمه ~~الخير بن مقاتل؛ فطعنه برمح في قفاه وهرب. ومات بعد ذلك زيري من الجرح ~~بعدما لقي جموع صنهاجة، أصحاب إفريقية، وهزمهم. # وانصرف عبد الملك بعدما استقامت له الطاعة بالغرب؛ فوجد أباه في غزاته ~~بلاد البشاكشة منصرفا عنها. والتقى به بسرقسطة؛ وهي التي تسمى بغزاة ~~البياض، سنة 379. # وفي سنة 379، قتل المنصور بن أبي عامر عبد الرحمن بن مطرف صاحب سرقسطة ~~والثغر الأعلى؛ وسبب ذلك أنه، لما فكر عبد الرحمن في شأن من أتلفه ابن أبي ~~عامر من كبار رجال الدولة، علم أنه لم يبق غيره، وخشي أن يلحقه بالجماعة. ~~فسول له القدر المتاح التدبير على محمد؛ وقرب عليه مأخذه ولده عبد الله بن ~~المنصور. # ذكر تدبير عبد الرحمن بن مطرف # مع عبد الله بن المنصور في القيام عليه # وذلك أن عبد الله بن محمد بن أبي عامر كان مقيما بسرقسطة عند عبد الرحمن، ~~متغير النفس على أبيه لإحظائه عبد الملك أخيه. وكان عبد الله يرى أنه أشجع ~~وأفهم وأرجل وأفرس من أخيه عبد الملك، وأن أباه عين الظالم له في النسوية ~~بعبد الملك؛ فكيف في تقديمه عليه. فكان في قلبه على أبيه سعير نار، أذكاها ~~عبد الرحمن بن مطرف وأضرمها. فتوطئا على الوثوب بالمنصور في أول فرصة، على ~~أن يقسما ملك الأندلس: فالحضرة لعبد الله، والثغر لعبد الرحمن. وشرعا في ~~إحكام ms491 سيل ذلك والتماس وجهه؛ وساعدهما عليه جماعة من وجوه أهل قرطبة من ~~الجند والخدمة وغيرهم، فيهم الوزير عبد الله بن عبد العزيز المرواني صاحب ~~طليطلة. فانبثت أراجيف شنيعة تحقق المنصور صحتها، ولم يشك فيها؛ فاستدعى ~~ابنه عبد الله من سرقسطة، واستأنف له كثيرا من التقديم والمبرة، خديعة ~~ومغالطة؛ وصرف المرواني عن طليطلة صرفا جميلا؛ ثم صرفه عن الوزارة بعد ~~مديدة، وألزمه داره. ثم خرج ابن أبي عامر غازيا إلى قشتيلة؛ فتوافت إليه ~~أمداد الثغور، فيهم عبد الرحمن بن مطرف ورجال سرقسطة؛ فلما صاروا بوادي ~~الحجارة، أطبق أهل الثغور على الشكوى بعبد الرحمن، بدسيسة من ابن أبي عامر ~~لهم في ذلك، حيلة منه؛ وذكروا أنه يحتبس أرزاقهم، ويحتجن لنفسه. فصرفه ~~المنصور عن سرقسطة منسلخ صفر من سنة 79 المذكورة، وقلدها مكانه )ابن أخيه ~~عبد الرحمن بن يحيى( الملقب بسماجة، إطماعا لقومه النجيبيين في المحافظة. ~~ولبث عبد الرحمن في العسكر مترددا إلى أن قبض عليه يوم الثلاثاء لاثنتي ~~عشرة ليلة خلت من ربيع الأول. وسخط عليه المنصور، وأمر بحسابه؛ ثم قتل بعد ~~ذلك بالزاهرة بين يدي المنصور. PageV01P266 واستدعى المنصور ابنه عبد الله ~~إلى عسكره خوف أن يحدث حدثا بأنفته؛ فوافي العسكر؛ فرفق به أبوه، وأمل ~~استصلاحه، وقد تباعد ذلك عليه لسقم سريرته وشدة حقده. ونازل المنصور أثناء ~~ذلك مدينة شنت أشتبين؛ فلما اشتغل المسلمون بالقتال، فر عبد الله بن ~~المنصور من العسكر في ستة نفر من غلمانه؛ فلحق بعدو الله غرسية بن قرذلند ~~صاحب آلبة؛ فقبله وأجازه على أبيه؛ فتحرك المنصور لغزو غرسية ومطالبته ~~بإسلام ابنه إليه، وأقسم له أنه لا يقلع عنه حتى يمكنه من ولده. وأصر غرسية ~~على الامتناع من ذلك؛ فهزم المنصور غرسية، وفض جمعه، واشتق بلد آلبة، ~~وافتتح حصن وخشمة عبوة، أسكنه المسلمين؛ فضرع غرسية في مسالمته على ما شار ~~من شروطه في عبد الله وغيره؛ فعقد له المنصور على ذلك؛ فوكل غرسية بعبد ~~الله جماعة من العلوج؛ وحمل عبد الله وأصحابه على البغال. وخرج سعد الخادم ~~يستقبل ms492 عبد الله؛ فدنا من سعد وهو على بغل فاره، مرتفع الحلية، عليه ثوب ~~عجيب الصنعة، وهو متطلق، قوي الرجاء في الإقالة. فقبل سعد يده، وأنسه، وهون ~~عليه الخطب؛ ثم تخلف عنه بقرب الوادي الجوفي، ووكل به من قتله؛ فحف به ~~الموكلون وأعلموه بموته. # ذكر مقتل عبد الله المنصور # ولما أعلموه بأن حل به ما كان يحذره، أمروه بالنزول؛ فلم يمتنع لهم ~~وترجل، ومشى إلى السيف متطلقا؛ فظهرت منه عند الموت صرامة، عجب لها من ~~شاهده؛ وتقدم إليه ابن خفيف الشرطي؛ فضرب عنقه صبرا عند غروب الشمس من يوم ~~الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة سنة 380. وأنفذ المنصور رأس ~~ابنه إلى الخليفة مع كتاب الفتح؛ ودفن جسده في الموضع الذي قتل فيه. وكان ~~سنه يوم قتل ثلاثا وعشرين سنة، وذلك في غزوته الخامسة والأربعين. ثم إن ابن ~~أبي عامر استثقل سعدا وابن خفيف، ولم يزل حاقدا عليهما، حتى قتلهما بعد ~~الامتحان. وأزداد ابن أبي عامر بما فعله بابنه هيبة، وملئت قلوب الناس منه ~~ذعرا. # ومما حكى في أمر عبد الله المقتول، قال الوزير أبو عمر بن عبد العزيز: ~~لما قتل المنصور ابنه، ارتاع الناس لذلك، وأوحشهم فعله؛ فتكلموا في ذلك ~~كثيرا، ورجموا فيه الظنون، ولم يتوجه لأحد فيه سبب يقضي بقتله. ثم تحرك ~~المنصور إثر ذلك في بعض غزواته، فلما احتل بقلعة رباح؛ قال المخبر: دعينا ~~إلى الطعام، فقال من حضر على لسان واحد: أيد الله المنصور! لقد صرت من قتله ~~في غاية يعدم الصبر في مثلها. فما سبب ذلك؟( قال: )لا أعلم أن أسلو عنه. ~~فابتعتها، متجاوز النهاية في ثمنها، وجعلتها عند قريبة لي. وكنت كل يوم ~~أخطر عليها أتعرف استبراءها؛ فلما أحست بحبي لها، وكلفي بها، توخت رضائي، ~~وذكرت لي أنها قد استبرأت، وهي كاذبة في ذلك، تريد بذلك موافقة مساري ~~واستعجال مرادي؛ فدخلت بها، وهي لم تستبرأ؛ فكنت شاكا فيه.( وكان مولده سنة ~~358. # حكاية زطرزون البربري مع المنصور. - وجرت للمنصور غب ذلك مع رجل من أعيان ms493 ~~البربر اسمه زطرزون بن نزار البرزالي نادرة؛ وذلك أنه قال يوما، وقد بسطه ~~في بعض المجالس: )يا مولاي لم قتلت عبد الله ابنك؟( ووصف شجاعته وخصاله؛ ~~فقال له المنصور: )لا يسوك ذلك! فلو لم أفعل لقتلني. ما كان من ولدي! وبهذا ~~اتهمت أمه وكانت أمه سوء. وقد قالوا إن الأرحام الردية تفسد الذرية(. فقال ~~الجاهل زطرزون: )كذا يا مولاي؟ فحرام أمه وجرم أبيه(؛ فخجل المنصور وقال: ~~)شقينا بهذا الملعون في حياته وبعد موته!( وعلم ما كان عليه زطرزون من ~~الجهالة؛ فأعرض عنه. وصارت كلمته مأثورة في الناس مدة طويلة. PageV01P267 ~~وكان المنصور آية من آيات فاطرة دهاء ومكرا وسياسة: عدا بالمصاحفة على ~~الصقالبة حتى قتلهم وأذلهم؛ ثم عدا بغالب الناصري على المصاحفة حتى قتلهم ~~وأبادهم؛ ثم عدا بجعفر بن الأندلسي على غالب حتى قتله؛ ثم عدا بنفسه على ~~جعفر وقتله؛ ثن أنفرد بنفسه وصار ينادي صروف الدهر: )هل من مبارز؟( فلما لم ~~يجده، حمل الدهر على حكمه؛ فانقاد له وساعده؛ فاستقام أمره، منفردا بمملكة ~~لا سلف له فيها. ومن أوضح الدلائل على سعده أنه لم ينكب قط في حرب شهدها، ~~وما توجهت قط عليه هزيمة، وما انصرف عن موطن إلا قاهرا غالبا، على كثرة ما ~~زاول من الحروب، ومارس من الأعداء، وواجه من الأمم. وإنها لخاصة ما أحسب ~~شركه فيها أحد من الملوك الإسلامية. ومن أعظم ما أعين به، مع قوة سعده، ~~وتمكن جده، سعة جوده وكثرة بذله؛ فقد كان في ذلك أعجوبة الزمان؛ وأول ما ~~اتكأ على أرائك الملك وارتفق، وانتشر عليه لواء السعد وخفق؛ حط صاحبه ~~المصحفي، وأثار له كامن حقده الخفي، حتى أصاره للهموم وخفق، وفي غايات ~~السجون حبيسا؛ فكتب إليه يستعطفه )بسيط(: # هبني أسأت فأين العفو والكرم ... إذ قادني نحوك الإذعان والندم # يا خير من مدت الأيدي إليه أما ... ترقي لشيخ نعاه عندك القلم # بالغت في السخط فأصفح صفح مقتدر ... إن الملوك إذا ما استرحموا رحموا # فما زاده ذلك إلا حنقا وحقدا، ولا أفادته الأبيات إلا تضرما ms494 ووقدا. ~~فراجعه بما أيأسه، وأراه مرمسه، وأطبق عليه محبسه، وضيق تروحه من المحنة ~~وتنفسه(: # الآن يا جاهلا زلت بك القدم ... تبغي التكرم لما فاتك الكرم # أغريت بي ملكا لولا تشبته ... ما جار عنده نطق ولا كلم # فايأس من العيش إذ قد صرت في طبق ... إن الملوك إذا ما استنقموا نقموا # نفسي إذا سخطت ليست براضية ... ولو تشفع فيك العرب والعجم # وكان من أخبار المنصور الداخلة في أبواب البر والقربة، بنيان المسجد ~~الجامع والزيادة فيه سنة 377. وذلك أنه، لما زاد الناس بقرطبة، وانجلب ~~إليها قبائل البربر من العدوة وإفريقية، وتناهى حالها في الجلالة، ضاقت ~~الأرباض وغيرها، وضاق المسجد الجامع عن حمل الناس؛ فشرع المنضور في الزيادة ~~بشرقيه حيث يتمكن الزيادة لاتصال الجانب الغربي بقصر الخلافة. فبدأ ابن أبي ~~عامر هذه الزيادة على بلاطات تمتد طولا من أول المسجد إلى آخره؛ وقصد ابن ~~أبي عامر في هذه الزيادة المبالغة في الإتقان والوثاقة دون الزخرفة، ولم ~~يقصر مع هذا عن سائر الزيادات جودة ما عدا زيادة الحكم. أول ما عمله ابن ~~أبي عامر تطييب نفوس أرباب الدور والمستغلات الذين اشتريت منهم للهدم لهذه ~~الزيادة، بإنصافهم من الثمن أو بمعاوضة. وصنع في صحته الجب العظيم قدره، ~~الواسع فناؤه. وابن أبي عامر رتب إحراق الشمع في المسجد الجامع زيادة ~~للزيت؛ فتطابق بذلك النزران. وكان عدد سواري الجامع، الحاملة لسمائه ~~واللاصقة بمبانيه وقبابه ومناره، ما بين كبيرة وصغيرة، ألف سارية وأربعمائة ~~سارية وسبع عشرة سارية. وعدد ثريات الجامع، ما بين كبيرة وصغيرة، مائتان ~~وثمانون ثرية؛ وعدد الكؤوس سبعة آلاف كأس وأربعمائة كأس وخمس وعشرون كأسا. ~~وزنة مشاكي الرصاص للكؤوس عشرة أرباع أو نحوها؛ وزنة ما يحتاج إليه من ~~الكتان للفتائل في كل شهر رمضان ثلاثة أرباع القنطار؛ وجميع ما يحتاج إليه ~~الجامع من الزيت في السنة خمسمائة ربع أو نحوها؛ يصرف منه في رمضان خاصة ~~نحو نصف العدد. ومما كان يختص برمضان المعظم ثلاثة قناطير من المشع، وثلاثة ~~أرباع القنطار من الكتان المقصر(، لإقامة الشمع المذكور؛ ms495 والكبيرة من الشمع ~~توقد بجانب الإمام يكون وزنها من خمسين إلى ستين رطلا، يحترق بعضها بطول ~~الشهر، ويعم الحرق لجميعها ليلة الختمة. وكان يخدم الجامع المذكور بقرطبة ~~في دولة ابن أبي عامر ويتصرف فيه من أئمة، ومقرئين، وأمناء، ومؤذنين، ~~وسدنة، وموقدين وغيرهم من المتصرفين مائة وتسعة وخمسون شخصا. ويوقد من ~~البخور ليلة الختمة أربع أواق من العنبر الأشهب وثماني أواق من العود ~~الرطب. PageV01P268 ومن ذلك: بنيان قنطرة على نهر قرطبة الأعظم. ابتدأ ~~المنصور بنيانها سنة 387، وفرغ منها في النصف من سنة 89؛ وانتهت النفقة ~~عليها إلى مائة ألف دينار وأربعين ألف دينار؛ فعظمت بها المنفعة، وصارت ~~صدرا في مناقبه الجليلة. وكانت قطعة أرض لشيخ من العامة، ولم يكن للقنطرة ~~عدول عنها؛ فأمر المنصور أمناءه بإرضائه فيها؛ فحضر الشيخ عندهم، وأخذ حذره ~~منهم؛ فساوموه بالقطعة وعرفوه وجه الحاجة إليها، وأن المنصور لا يريد إلا ~~إنصافه فيها. فرماهم الشيخ بالغرض الأقصى عنده فيما ظنه ألا تخرج عنه بأقل ~~من عشرة دنانير ذهبا، كانت عنده أقصى الأمنية، وشرطها صحاحا. فاغتنم ~~الأمناء غفلته، ونقدوه الثمن، وأشهدوا عليه؛ ثم أخبروا المنصور بخبره؛ فضحك ~~من جهالته، وأنف من غبنه، وأمر أن يعطى عشرة أمثال ما سأل، وتدفع له صحاحا ~~كما قال. فقبض الشيخ مائة دينار ذهبا؛ فكاد أن يخرج عن عقله وأن يجن عند ~~قبضها من الفرح؛ وجاء محتفلا في شكر المنصور. وصارت قصته خبرا سائرا. # ومن ذلك أيضا: بنيان قنطرة على نهر إستجة، وهو نهر شنيل؛ فتجشم لها أعظم ~~مؤنة. وسهل الطرق الوعرة والشعاب الصعبة. # ومن ذلك: إنه خط بيده مصحفا كان يحمله معه في أسفاره، يدرس فيه ويتبرك ~~به. ومن قوة رجائه، إنه اعتنى بجمع ما علق بوجهه من الغبار في غزواته ~~ومواطن جهاده؛ فكان الخدم يأخذونه عنه بالمناديل في كل منزل من منازله، حتى ~~اجتمع له منه صرة ضخمة عهد بتصييره في حنوطه عند موته؛ وكان يحمله حيث ما ~~سار مع أكفانه، توقعا لحلول منيته؛ وقد كان اتخذ الأكفان من أطيب مكسبه من ~~الضيعة ms496 الموروثة عن أبيه، وغزل بناته. وكان يسأل الله تعالى أن يتوفاه في ~~طريق الجهاد؛ فكان كذلك. # وكان المنصور متسما بصحة باطنه، واعترافه بذنبه، وخوفه من ربه، وكثرة ~~جهاده. وإذا ذكر الله ذكر، وإذا خوف من عقابه ازدجر، ولم يزل متنزها عن كل ~~ما يفتتن به الملوك سوى الخمر؛ لكنه أقلع عنها قبل موته بسنتين. وكان عدل ~~المنصور في الخاصة والعامة، واطراحه المهاودة، وبسطه الحق على الأقرب ~~فالأقرب من خاصته وحاشيته، أمرا مضروب به المثل. # ومن عدله أنه وقف عليه رجل من العامة يوما بمجلسه؛ فناداه: )يا ناصر ~~الحق! إن لي مظلمة عند ذلك الوصيف الذي على رأسك!( وأشار إلى الفتى صاحب ~~الدرقة، وكان له فضل محل عند ابن أبي عامر؛ ثم قال: )وقد دعوته إلى الحاكم؛ ~~فلم يأت!( فقال المنصور: )أو عبد الرحمن بن فطيس بهذه المنزلة من العجز ~~والمهانة، وكنا نظنه أمضى من ذلك؟ اذكر مظلمتك، يا هذا!( فذكر الرجل معاملة ~~كانت جارية بينهما قطعها من غير نصف؛ فقال المنصور: )ما أعظم بليتنا بهذه ~~الحاشية!( ثم نظر إلى الصقلبي، وهو قد ذهل عقله؛ فقال: )ادفع الدرقة إلى ~~فلان، وانزل صاغرا، وساو خصمك في مقامه حتى يرفعك الحق أو يضعك!( ففعل، ~~ومثل بين يديه؛ ثم قال لصاحب شرطته الخاص به: )خذ بيد هذا الظالم الفاسق، ~~وقدمه مع خصمه إلى صاحب المظالم لينفذ عليه حكمه بأغلظ ما يوجبه الحق من ~~سجن أو غيره!( ففعل ذلك، وعاد الرجل إليه شاكرا؛ فقال له المنصور: )قد ~~انتصفت أنت؛ فاذهب لسبيلك. وبقي انتصافي أنا ممن تهاون بمنزلتي.( فتناول ~~الصقلبي بأنواع من المذلة، وأبعده عن الخدمة. # ومن ذلك، قصة فتاه الكبير المعروف بالميورقى مع التاجر المغربي؛ فإنهما ~~تنازعا في خصومة توجهت فيها اليمين على الفتى المذكور، وهو يومئذ أكبر خدم ~~المنصور، وإليه أمر داره وحرمه؛ فدافع الحاكم، وظن أن جاهه يمنع من إحلافه. ~~فصرخ التاجر بالمنصور في طريقه إلى الجامع متظلما من الفتى؛ فوكل به في ~~الوقت من حمله إلى الحاكم؛ فأنصفه منه، وسخط عليه المنصور، ms497 وقبض نعمته منه ~~ونفاه. PageV01P269 ومن ذلك، قصة محمد، فصاد المنصور وخادمه وأمينه على ~~نفسه؛ فإن المنصور احتاجه يوما إلى القصد، وكان كثير التعهد له؛ فأنفذ ~~رسوله إلى محمد؛ فألفاه الرسول محبوسا في سجن القاضي محمد بن زرب، لحيف ظهر ~~منه على امرأته، قدر أن سبيله من الخدمة يحميه من العقوبة. فلما عاد الرسول ~~إلى المنصور بقصته، أمر بإخراجه من السجن مع رقيب من رقباء السجن، يلزمه ~~إلى أن يفرغ من عمله، ثم يعيده إلى محبسه. ففعل ذلك على ما رسمه، وذهب ~~القاصد إلى شكوى ما ناله؛ فقطع عليه المنصور، وقال له: )يا محمد، إنه ~~القاضي وهو في عدله، ولو أخذني الحق، ما أطقت الامتناع منه! عد إلى محبسك ~~أو اعترف بالحق؛ فهو الذي يطلقك.( فانكسر الحاجم، وزال عنه ريح العناية. ~~وبلغت قصته للقاضي؛ فصالحه مع زوجه، وزاد القاضي شدة في أحكامه. # ومن دهائه، قال ابن حيان: كان جالسا في بعض الليالي، وكانت ليلة شديدة ~~البرد والريح والمطر؛ فدعا بأحد الفرسان، وقال له )انهض إلى فج طليارش، ~~واقم فيه؛ فأول خاطر يخطر عليك، سقه إلي.( قال: فنهض الفارس، وبقى في الفج ~~في البرد والريح والمطر واقفا على فرسه، إذ وقف عليه قرب الفجر شيخ هرم على ~~حمار له، ومعه آلة الحطب؛ فقال له الفارس: )إلى أين تذهب، يا شيخ؟( فقال: ~~)وراء حطب.( فقال الفارس في نفسه: )هذا شيخ مسكين نهض إلى الجبل يسوق حطبا. ~~فما عسى أن يريد المنصور منه؟( قال: فتركته. فسار عني قليلا؛ ثم فكرت في ~~قول المنصور، وخفت سطوته؛ فنهضت إلى الشيخ، وقت له: )ارجع إلى مولانا ~~المنصور.( فقال: وما عسى أن يريد المنصور من شيخ مثلي؟ سألتك بالله أن ~~تتركني لطلب معيشتي!( فقال له الفارس: )لا أفعل( ثم قدم به على المنصور، ~~ومثله بين يديه، وهو جالس، لم ينم ليلته تلك. فقال المنصور للصقالبة: ~~)فتشوه!( ففتش؛ فلم يوجد عنده شئ؛ فقال: )فتشوا برذعة حماره!( فوجدوا ~~داخلها كتابا من نصارى كانوا قد نزعوا إلى المنصور، يحزمون عنده إلى ms498 ~~أصحابهم من النصارى ليقبلوا ويضربوا في إحدى النواحي المعلومة. فلما انبلج ~~الصبح، أمر بإخراج أولئك النصارى إلى باب الزاهرة؛ فضربت أعناقهم، وضربت ~~رقبة الشيخ معهم. PageV01P270 ومن ذلك قصة الجوهري التاجر؛ وذلك أن رجلا ~~جوهريا من تجار المشرق قصد المنصور من مدينة عدن بجوهر كثير، وأحجار نفيسة؛ ~~فأخذ المنصور من ذلك ما استحسنه، ودفع إلى الجوهري التاجر صرته، وكانت قطعة ~~يمانية. فأخذ التاجر في انصرافه طريق الرملة على شط النهر؛ فلما توسطها، ~~واليوم قائظ، وعرقه منصب، دعته نفسه إلى التبرد في النهر؛ فوضع ثيابه وتلك ~~الصرة على الشط؛ فمرت حداة، فاختطفت الصرة، تجسبها لحما، وصاعدت في الأفق ~~بها ذاهبة؛ فقطعت الأفق الذي تنظر إليه عين التاجر؛ فقامت قيامته، وعلم أنه ~~لا يقدر أن يستدفع ذلك بعدوى ولا بحيلة؛ فأسر الحزن في نفسه، ولحقته لأجل ~~ذلك على اضطرب فيها. وحضر الدفع إلى التجار؛ فحضر الرجل لذلك بنفسه؛ ~~فاستبان له ما به من المهانة والكأبة، وفقد ما كان عنده من النشاط وشدة ~~العارضة. فسأله المنصور عن شأنه؛ فأعلمه بقصته؛ فقال له: )هلا أتيت إلينا ~~بحدثان وقوع الأمر؟ فكنا نستظهر على الحيلة؛ فهل هديت إلى الناحية التي أخذ ~~الطائر إليها؟( قال: )مر مشرفا على يمت هذا الجنان الذي يلي قصرك!( يعني ~~الرملة؛ فدعا المنصور شرطيه الخاص به؛ فقال له: )جئني بمشيخة أهل الرملة ~~الساعة(؛ فمضى، وجاء بهم سريعا؛ فأمرهم بالبحث عمن غير حال الإقلاق منهم ~~سريعا، وانتقل عن الإضافة دون تدريج؛ فتناظروا في ذلك، ثم قالوا: )يا ~~مولانا! ما نعلم إلا لأجل من ضعفائنا كان يعمل هو وأولاده بأيديهم، ~~ويتناولون السقى بأقدامهم عجزا عن شراء دابة؛ فابتاع اليوم دابة، واكتسى هو ~~وولده كسوة متوسطة. فأمر بإحضاره من الغد، وأمر التاجر بالغدو إلى الباب؛ ~~فحضر الرجل بعينه بين يدي المنصور؛ فاستدناه، والتاجر حاضر، وقال له: )سبب ~~ضاع منا وسقط إليك: ما فعلت به؟( فقال: )هو ذا يا مولاي؟( وضرب بيده إلى ~~حجزة سراويله، فأخرج الصرة بعينها؛ فصاح التاجر طربا، وكاد يطير فرحا؛ فقال ~~له المنصور: ms499 )صف لي حديثها.( قال: )نعم! بينا أنا أعمل في جناني تحت نخلة، ~~إذ سقطت أمامي؛ فأخذتها، وراقني منظرها؛ فقلت إن الطائر اختلسها من قصرك ~~لقرب الجوار؛ فاحترزت بها، ودعتني فاقتي إلى أخذ عشرة مثاقيل عيونا كانت ~~معها مصرورة، وقلت: أقل ما يكون في كرم مولاي أن يسمح لي بها.( فأعجب ~~المنصور ما كان منه، وقال التاجر: )خذ صرتك، وانظرها، واصدقني عن عددها.( ~~ففعل وقال: )وحق رأسك، يا مولاي، ما ضاع منها شيء سوى الدنانير التي ذكرها، ~~وقد وهبتها له.( فقال له المنصور: )نحن أولى بذلك منك، ولا ننقص عليك ~~فرحتك. ولولا جمعه بين الإفرار والإنكار(، لكان ثوابه موفورا عليه.( ثم أمر ~~للتاجر بعشرة دنانير عوضا من دنانيره، وللجنان بعشرة دنانير ثوابا لتأنيه ~~عن إفساد ما وقع بيده، وقال: )لو بدأنا بالاعتراف قبل البحث، لأوسعناه ~~جزاء!( قال: فأخذ التاجر في الثناء على المنصور، وقد عاوده نشاطه، وقال: ~~)والله لأبثن في الأقطار عظيم ملكيك، ولأبينن أنك تملك طير عملك كما تملك ~~انسها؛ فلا تعتصم منك ولا تؤذي جارك!( فضجك المنصور، وقال: )اقصد في قوله! ~~يغفر الله لك!( فعجب الناس من تلطف المنصور في أمره، وحيلته في تفريج ~~كربته. # وكان المنصور أشد الناس في التغير على من علم عنده شئ من الفلسفة والجدل ~~في الاعتقاد، والتكلم في شئ من قضايا النجوم وأدلتها، والاستخفاف بشيء من ~~أمور الشريعة. وأحرق ما كان في خزائن الحكم من كتب الدهرية والفلاسفة، ~~بمحضر كبار العلماء، منهم الأصيلي وابن ذكوان والزبيدي وغيرهم؛ واستولي على ~~حرق جميعها بيده. # وممن أوقع به المنصور في مثل هذه المعاني المبتكرة: محمد بن أبي جمعة؛ ~~بلغه عنه قول من الأرجاف في القطع على انقراض دولته؛ فقطع لسانه، ثم قتله ~~وصلبه؛ فخرست ألسن جميعهم لذلك؛ وكذلك أيضا عبد العزيز بن الخطيب الشاعر، ~~وكان أرفع أهل هذه الطبقة منزلة؛ وكان مقدما في أصحاب المنصور، حتى فسد ~~ضميره عنده، وبقى مدة يلتمس غرة منه، حتى قال في بعض أبيات من شعر أفرط ~~فيها )كامل(: # ما شئت لا ms500 ما شاءت الأقدار ... فاحكم فأنت الواحد القهار # فكأنما أنت النبي محمد ... وكأنما أنصارك الأنصار # فأمر بضربه خمسمائة سوط، ونودي عليه باستخفافه؛ ثم حبسه، ونفاه بعد عن ~~الأندلس. PageV01P271 وفي سنة 381، رشح المنصور ولده عبد الملك للولاية، ~~وقدم أخاه عبد الرحمن للوزارة. وترك اسم الحجابة، واقتصر على التسمي ~~بالمنصور؛ وأن يكتب: )من المنصور أبي عامر - وفقه الله - إلى فلان.( بحذف ~~اسم الحجابة، ويذكر اسم ولده عبد الملك بخطة الحجابة والقيادة العليا وسائر ~~خطط المنصور، سلم فيها لابنه عبد الملك، وصحت له الحجابة من يومئذ. وبعد ~~هذا، واستبدل المنصور جند الأندلس بالبربر؛ فأقام لنفسه جندا اختصهم ~~باستصناعه، واسترقهم بإحسانه، نسخ بهم في المدة القريبة جند الخليفة الحكم ~~- رحمه الله - ، كما فعله في سائر أموره. # واتفق في ذلك الوقت أن تحرك بلقين بن زيري الصنهاجي إلى المغرب في جموعه، ~~وأوقع بقبائل زناتة طالبا ثأر أبيه زيري؛ فهربوا أمامه كلهم إلى سبتة، ~~وضاقت عليهم أرض العدوة؛ فقيل لابن أبي عامر: )قد أمكنك الله من اصطناع ~~فرسان زناتة، واعتقاد المنة عليهم. فأرسل إليهم، يأتوك سراعا؛ فيجد إحسانك ~~إليهم مكانا!( فعمل ابن أبي عامر على ذلك، وأنفذ كتبه إلى قبائل العدوة ~~يستدعيهم، ويتضمن الإحسان إليهم، والتوسعة عليهم، حتى كثروا بالأندلس؛ ~~فحسنت أحوالهم، وكثرت أموالهم، وما زالوا خاصته وبطانته إلى أن هلك، ~~وانقرضت الدولة العامرية. وقد صار بالأندلس منهم القبائل بأسرها، وكاثروهم ~~حتى نفذ قضاء الله عليهم بأيديهم. # وفي سنة 386، عهد المنصور أن يخص بتسويده من بين سائر الناس كافة في ~~المخاطبات، وأن يرفع ذلك عن سائر أهل الدولة مع الاقتصاد في مراتب الأدعية؛ ~~فنفذ الكتب بذلك، وجرى العمل عليه بقية حياته؛ وخوطب هذا الوقت بالملك ~~الكريم؛ واستبلغ في تكريمه وتعظيمه. # غزوة شنت ياقوب على سبيل الاختصار # وعند تناهي المنصور ابن أبي عامر في هذا الوقت على الاقتدار، والنصر على ~~الملوك الطاغية - دمرها الله - ، سما إلى مدينة شنت ياقوب قاصية غلبسية، ~~وأعظم مشاهد النصارى الكائنة ببلاد الأندلس وما يتصل بها من الأرض الكبيرة. ~~وكانت كنيستها عندهم بمنزلة الكعبة ms501 عندنا؛ فيها يحلفون وإليها يحجون من ~~أقصى بلاد رومة وما وراءها؛ ويزعمون أن القبر المزور فيها قبر ياقوب ~~الحواري أحد الاثني عشر - رحمهم الله - ؛ وكان أخصهم بعيسى - عليه السلام - ~~، وهم يسمونه أخاه للزومه إياه. وقد زعم جماعة منهم أنه ابن يوسف النجار. ~~وشنت ياقوب هي مدفن ياقوب؛ فهم يسمونه أخا الرب - تعالى الله عن قولهم علوا ~~كبيرا - . وياقوب بلسانهم يعقوب؛ وكان أسقفا ببيت المقدس؛ فجعل يستقري ~~الأرضين داعيا لمن فيها؛ فجاز إلى الأندلس حتى انتهى إلى هذه القاصية؛ ثم ~~عاد إلى أرض الشأم؛ فقتل بها، وله مائة وعشرون سنة شمسية. فاحتمل أصحابه ~~رمته، فدفنوها بهذه الكنيسة التي كانت أقصى أثره. ولم يطمع أحد من ملوك ~~الإسلام في قصدها، ولا الوصول إليها، لصعوبة مدخلها وخشونة مكانها، وبعد ~~شقتها. # فخرج المنصور إليها من قرطبة غازيا بالصائفة يوم السبت لست بقين من جمادى ~~الآخرة سنة 387، وهي غزوته الثامنة والأربعون. ودخل على مدينة قورية. فلما ~~وصل المنصور إلى مدينة غليسية، وافاه عدد عظيم من القوامس المتكسطين ~~بالطاعة، في رجالهم، وعلى أتم احتفالهم؛ فصاروا في عسكر المسلمين، وركبوا ~~في المغاورة سبيلهم. وقد كان المنصور تقدم في إنشاء أسطول كبير في الموضع ~~المعروف بقصر أبي دانس من ساحل غرب الأندلس، وجهزه برجاله البحريين وصنوف ~~المترجلين، وحملت الأقوات والأطعمة والعدد والأسلحة، استظهارا على نفوذ ~~العزيمة، إلى أن خرج بموضع برتقال على نهر دويره؛ فدخل في النهر إلى المكان ~~الذي عمل المنصور على العبور منه؛ فعقد هناك من هذا الأسطول جسرا بقرب ~~الحصن الذي هناك. ووزع المنصور ما كان فيه من الميرة على الجند؛ فتوسعوا في ~~التزود منه إلى أرض العدو. PageV01P272 ثم نهض يريد شنت ياقوب؛ فقطع أرضين ~~متباعدة الأقطار، وقطع بالعبور عدة أنهار كبار وخلجان يمدها البحر الأخضر. ~~ثم أفضى العسكر بعد ذلك إلى بسائط جليلة من بلاد فلطارش ومباسيطة والدير ~~وما يتصل بها؛ ثم أفضى إلى جبل شامخ شديد الوعر، لا مسلك فيه، ولا طريق لم ~~تهتد الأدلاء إلى سواه. فقدم المنصور الفعلة بالحديد لتوسعه شعابه ms502 وتسهيل ~~مسالكه؛ فقطعه العسكر وعبروا بعده وادي منية؛ وانبسط المسلمون بعد ذلك في ~~بسائط عريضة وأرضين أريضة، وانتهت مغيرتهم إلى دير قسطان وبسيط بالبنوك على ~~البحر المحيط، وفتحوا حصن شنت بلايه، وغنموه، وعبروا سياخه إلى جزيرة من ~~البحر المحيط لجأ إليها خلق عظيم من أهل تلك النواحي؛ فسبوا من فيها ممن ~~لجأ إليها. وانتهى العسكر إلى جبل مراسية المتصل من أكثر جهاته بالبحر ~~المحيط؛ فتخللوا أقطاره، واستخرجوا من كان فيه، وحازوا غنائمه. ثم أجاز ~~المسلمون بعد هذا خليج لورقى في معبرين أرشد الأدلاء إليهما؛ ثم نهر ايله؛ ~~ثم أفضوا إلى بسائط واسعة العمارة، كثيرة الفائدة، منها بسيط أونبة وقرجيطة ~~ودير شنت برية. ثم انتهوا إلى خليج ايلياء؛ وهو من مشاهد ياقوب أيضا صاحب ~~القبر، تلو مشهد قبره عند النصارى في الفضل، يقصد نساكهم له من قاصي بلادهم ~~ومن بلاد القبط والنوبة وغيرها. فغادره المسلمون قارعا. وكان النزول بعده ~~على مدينة شنت ياقوب البائسة، وذلك يوم الأربعاء لليلتين خلتا من شعبان؛ ~~فوجدها المسلمون خالية من أهلها؛ فحاز المسلمون غنائمها، وهدموا مصانعها ~~وأسوارها وكنيستها، وعفوا آثارها. ووكل المنصور بقبر ياقوب من يحفظه ويدفع ~~الأذى عنه؛ وكانت مصانعها بديعة محكمة؛ فغودرت هشيما، كأن لم تغن بالأمس، ~~وذلك يوم الاثنين أو الثلاثاء بعده. وانتسفت بعوثه بعد ذلك سائر البسائط، ~~وانتهت إلى جزيرة شنت مانكش منقطع هذا الصقع على البحر المحيط، وهي غاية لم ~~يبلغها قبلهم مسلم، ولا وطئها لغير أهلها قدم. فلم يكن بعدها للخيل مجال، ~~ولا وراءها انتقال. # وانكفأ المنصور عن باب شنت ياقوب، وقد بلغ غاية لم يبلغها مسلم قبله. ~~فجعل في طريقه القصد على عمل برمند بن أرذون ليستقر به عائثا ومفسدا، حتى ~~وقع في عمل القوامس المعاهدين الذين في عسكره؛ فأمر بالكف عنها، ومر مجتازا ~~حتى خرج إلى حصن مليقه من افتتاحه. فأجاز هناك القوامس بجملتهم على ~~أقدارهم، وكساهم، وكسا رجالهم، وصرفهم إلى بلادهم. وكتب بالفتح من مليفه. ~~وكان مبلغ من أكساه ابن أبي عامر في غزاته هذه من ملوك ms503 الروم ولمن حسن ~~عناؤه من المسلمين ألفين ومائتين وخمسا وثمانين شقة من صنوف الخز الطرازي، ~~وإحدى وعشرين كساء من صوف البحر، وكسائين عنبريين، وأحد عشر سفلاطونا، وخمس ~~عشرة مريشات، وسبعة أنماط ديباج، وثوبي ديباج رومي، وفروي فنك. ووافى جميع ~~العسكر قافلا إلى قرطبة سالما غانما، وعظمت النعمة والمنة على المسلمين. ~~والحمد لله. # ولم يجد المنصور بشنت ياقوب إلا شيخا من الرهبان جالسا على القبر؛ فسأله ~~عن مقامه؛ فقال: )أوانس يعقوب.( فأمر المنصور بالكف عنه. PageV01P273 قال ~~الفتح من خاقان: وتمرس المنصور ببلاد الشرك أعظم تمرس، ومحا من طواغيتها كل ~~تعجرف وتغطرس؛ وغاردهم صرعى البقاع، وتركهم أذل من وتد بقاع؛ ووالى على ~~بلادهم الوقائع، وسدد إلى أكبادهم سهام الفجائع؛ وأغص بالحمام أرواحهم، ~~ونغص بتلك الآلام بكورهم ورواحهم. ومن أوضح الأمور هنالك؛ وأفصح الأخبار في ~~ذلك، أن أحد رسله كان كثير الانتياب، لذلك الجناب؛ فسار في بعض مسيراته إلى ~~غرسية صاحب البشكش، فصادفه في يوم فصح؛ فوالى في إكرامه، وتناهى في بره ~~واهتمامه؛ فكالبت مدته فلا متنزه إلا مر عليه متفرجا، ولا موضع إلا سار ~~إليه معرجا؛ فحل في ذلك أكثر الكنائس هنالك؛ فبينا هو يجول في ساحتها، ~~ويجيل العين في مساحتها، إذ عرضت له امرأة قديمة الأسر؛ قويمة على طول ~~الكسر؛ فكلمته، وعرفته بنفسها وأعلمته، وقالت له: )أيرضى المنصور أن ينسى ~~بتنعمه بوسها، ويتمتع بلبوس العافية وقد قصت لبوسها؟( وزعمت أن لها عدة من ~~السنين بتلك الكنيسة محبسة، وبكل ذل وصغار ملبسه، وناشدته الله في إنهاء ~~قصتها، وإبراء غصتها، واستحلفته بأغلظ الأيمان، وأخذت عليه في ذلك أوكد ~~مواثيق الرحمان. فلما وصل إلى المنصور، عرفه بما يجب تعريفه به وإعلامه، ~~وهو مصغ إليه حتى نم كلامه. فلما فرغ، قال له المنصور: )هل وقفت هنالك على ~~أمر أنكرته، أم لم تقف على غير ما ذكرته؟( فأعلمه بقصة المرأة، وما خرجت ~~عنه إليه، وبالمواثيق التي أخذت عليه؛ فعتبه ولامه، على أن لم يبدأ بها ~~كلامه؛ ثم أخذ في الجهاد من فوره، وعرض من من الأجناد ms504 في نجده وغوره؛ وأصبح ~~غازيا على سرجه، مباهيا مروان يوم مرجه، حتى وافى ابن شانجه في جمعه؛ فأخذت ~~مهابته ببصره وسمعه؛ فبادر بالكتاب إليه يتعرف ما هي الجنية، ويحلف له ~~بأعظم ألية، ما جنا ذنبا؛ ولا نبا عن مضجع الطاعة جنبا. فعنف أرساله، وقال ~~لهم: )كان قد عاهدني ألا يبقى بأرضه مأسورة ولا مأسور، ولو حملته في ~~حواصلها النسور؛ وقد بلغني بعد مقام فلانة المسلمة( بتلك الكنيسة. ووالله! ~~لا أنتهي عن أرضه حتى أكتسحها!( فأرسل إليه المرأة في اثنتين معها، وأقسم ~~له أنه ما أبصرهن، ولا سمع بهن، وأعلمه أن الكنيسة التي أشار بعلمها، قد ~~بالغ في هدمها، تحقيقا لقوله، وتضرع له في الأخذ بطوله. فاستحيى منه، وصرف ~~الجيوش عنه، وأوصل المرأة إلى نفسه، وألحق توحشها بأنسه، وغير سوء حالها، ~~وعاد بسواكب نعماه على جذبها وإمحالها، وحملها إلى قومها، وكحلها بما كان ~~شرد من نومها. # وحدث شعلة، قال: قلت للمنصور ليلة طال فيها سهره: )قد أفرط مولانا في ~~السهر، وبدنه يحتاج إلى أكثر من هذا النوم؛ وهو يعلم ما يحركه عدم النوم من ~~علة العصي!( فقال لي: )يا شعلة، إن الملك لا ينام إذا نامت الرعية! ولو ~~استوفيت نومي، لما كان في دور هذا البلد العظيم عين نائمة!( وكان المنصور ~~يزرع في كل سنة ألف ألف مدى من الشعير قصيلا لدوابه الخاصة به؛ إذا قدم من ~~كل غزوة من غزواته، لا يحل عن نفسه حتى يدعو صاحب الخيل، فيعلمه ما مات ~~منها وما عاش، وصاحب الأبنية، فيعلمه بما وهي من أسواره ومبانيه وقصوره ~~ودوره. وكان له دخالة في كل يوم اثني عشر ألف رطل من اللحم، حاشى الصيد ~~والطير والحيتان. وكان يصنع في كل عام اثني عشر ألف ترس عامرية لقصري ~~الزاهرة والزهراء. وابتنى المنصور على طريق المباهاة والضخامة مدينة ~~الزاهرة( ذات القصور، والمتنزهات المخترعة كذات الواديين، ومنية السرور، ~~وأرطانية، وغيرها من منشئاته البديعة. PageV01P274 قال ابن حزم: كنا مع ~~المنصور، في يوم صقيل الجو، في الزورق، في النهر الذي بين ms505 يدي الزاهرة، في ~~نفر من وزرائه، ومنظر يفنن بأمامه وورائه، ونحن على مؤانسة قد امتد طنبها، ~~وارتشف بها لعس المسرة وشنبها، وانحشر إليها لهو الدنيا ولعبها؛ وهو يستبدع ~~ذلك النشيد، ويتطلع منها إلى المزخرف والمشيد، ويصوب نظره ويصعده في قصوره ~~المشرقة، ومصانعه المونفة، وقد قيدت الألحاظ جمالا، وجددت في الحياة آمالا. ~~فقال المنصور: )وبها لك! يا زاهرة الحسن. لقد حسن مرءاك، وعبق ثراك، وراق ~~منظرك، وفاق مخبرك، وطاب تربك، وعذب شربك! فليت شعري من المربد الذي يعدمك، ~~يوهن ركنك ويهدمك، ويخلي ميدانك، ويضوي قصبك وأفنانك! فبؤسا له إذ لا يروقه ~~حسنك، فيكف عن تغييرك! ألا تسببه بهجة منظرك، فكيف عن محو أثرك!( قال: ~~فاستعظمنا ذلك منه، وأنكرنا ما صدر عنه، وظننا أن الراح غلبت عليه، وخيلت ~~ذلك عليه؛ فأفرط الكل مما في استنكار ما جاء به، وفاه بأمره وسببه؛ فقال: ~~)والله! كأنكم لا تعلمون ذلك! نعم! سيظهر عليها عدونا في أقرب مدة، فيهدم ~~هذا كله ويعدمه. وكأني بحجارتها في هذا النهر!( فأخذنا به طريق التسكين ~~والتهدين، وعجبنا لما ذكره من ذلك النبأ المبين. # وعند فراغه من ابتناء الزاهرة، غزا غزوة أبعد فيها الإيغال، وغال فيها من ~~عظماء الروم من غال، وحل من أرضهم ما لم يطرق، وراع منهم ما لم يرع قط ولم ~~يفرق، وصدر صدرا أسمى به على كل حسناء عقيلة، وجلا به كل صفحة للحسن صقيلة، ~~ودخل قرطبة دخولا لم يعهد، وشهد له فيه يوم لم يشهد. وكان ابن شهيد متخلفا ~~عن هذه الغزوة لنقرس عداه عائده، وجفاه منتجعه ورائده. # وابن شهيد هذا أحد حجاب الناصر، وله على ابن أبي عامر أياد محكمة ~~الأواصر. وكان كثيرا ما يتحفه، ويصله ويلطفه. فلما صدر المنصور من غزوته ~~هذه، نسى متاحفته، وأغفل ملاطفته؛ فكتب إليه )خفيف(: # أنا شيخ والشيخ يهوى الصبايا ... يا لنفس تقيك صرف الرزايا # ورسول الإله أسهم في الفيء ... لمن لم يخب فيها المطايا # فاجعلني )فديت!( أنكح معر ... وفك وأبعث بها عذاب الثنايا # هو عرف فإن تحول صهرا ... كان ms506 والله آية في البرايا # فبعث إليه بعقيلة من عقائل الروم، يكنفها ثلاث جوار كأنهن نجوم سرار، ~~وكتب )خفيف(: # قد بعثنا بها كشمس النهار ... في ثلاث من المهى أبكار # فاجتهد واتئد فإنك شيخ ... خفي الليل عن بياض النهار # صانك الله عن كلالك فيها ... فمن العار كلة المسمار # فافتضهن جميعا في ليلة واحدة، وكتب إليه )خفيف(: # قد فضضنا ختام ذاك السوار واصطبغنا من النجيع الجاري # ونعمنا في ظل أنعم ليل ... ولهونا بالبدر ثم الدراري # وقضى الشيخ ما قضى بحسام ... ذي مضاء عضب الظبى بتار # فاصطنعني فلست أجزيك كفرا ... واتخذني سيفا على الكفار # قال حيان بن خلف: وجد بالمنصور عزم أزعجه الغزو بعض البروج المهمة؛ فأبرز ~~أموالا عظيمة، وتقدم إلى الناس في البكور للزاهرة؛ فاستبقوا، وقد طرقه في ~~ليلته وجع حماه عن العمض؛ فلم يمنعه من إنفاذ عزيمته، وقعد للنظر في شأنه ~~بأعلى منسته المسماة باللؤلؤة، وقد صح على الكي عزمه، وكان أقرب أبواب ~~الراحة منه؛ فأقبل بوجهه على من تحته، يفري الفري في شانهم؛ وقد ناول ~~الطبيب في خلال ذلك رجليه؛ فحمل عليها عدة كيات، ثم أمال شفه نحوه، وأمكنه ~~من يديه معا واحدة بعد أخرى، وما زوى وجهه، ولا فقد نصحا له كلامه، بل كان ~~يتناول أوامره من وعده ووعيده بأنفذ من الإشفى، ويحملهم من وروده على ~~الأوفى فالأوفى، وإن نتن لحمه المكوي ليبتث فيهم آخذا بخواشيمهم، وهم لا ~~يعلمون. PageV01P275 وفي سنة 392، توفى المنصور ابن أبي عامر - رحمه الله - ~~ليلة الاثنين لثلاث بقين لرمضان المعظم، وهو ابن خمس وستين سنة وعشرة أشهر؛ ~~كان له من الولد الذكور يوم وفاته إثنان، وهما عبد الملك وعبد الرحمن ~~الناصر؛ فكانت مدة قيامه بالدولة منذ تقلد الحجابة إلى أن توفى خمسا وعشرين ~~سنة، وأربعة وأربعين يوما. وترك من الأموال الناضة بالزاهرة أربعة وخمسين ~~بيتا. وكان عدد الفرسان المرتزقين بحضرته ونواحيها، الذين حارب بهم الحروب، ~~عشرة آلاف وخمسمائة، وأجناد الثغور قريبا من ذلك. # ولله در القائل فيه )كامل(: # آثاره تنبيك عن أخباره ... حتى كأنك بالعيون تراه ms507 # تالله ما ملك الجزيرة مثله ... حقا ولا قاد الجيوش سواه # وذكر أن هذين البيتين قد نقشا في رخامة على قبره - رحمه الله - . وكانت ~~عدة غزواته سبعا وخمسين غزوة، باشرها كلها بنفسه، وهو في أكثرها يشكو على ~~النقرس - عفا الله تعالى عنا وعنه! - كمل السفر الأول بحمد الله تعالى وحسن ~~عونه وتوفيقه ويمنه. وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وعبده. PageV01P276 ms508