######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0011782 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: ابن عذاري المراكشي، أبو عبد الله محمد بن محمد (المتوفى: نحو 695هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: NOTGIVEN #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التاريخ #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0011782 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-11782 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/11782 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: ج. س. كولان، إ. ليفي بروفنسال #META# 041.EdNUMBER :: الثالثة، 1983 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الثقافة، بيروت - لبنان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه # الحمد الله مصرف الأقدار ومحيي الآثار والمتعالي عن الأشباه والأنظار، ~~المتنزه عن تمثيل الأوهام وتكييف الأذكار الذي احتجب بحجاب عزته وقدرته فلا ~~تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار الذي خضعت لهيبته وعظمته رقاب الأكاسرة ~~والجبابرة والأشرار، العالم بالكونين على اختلافها والحوادث مع تشتيت ~~أوصافها، وكل شيء عنده بمقدار، مكور الليل على النهار، والنهار على الليل ~~ما جرى الفلك الدوار وجعلهما آيتين بينتين للمتفكر في العظة والاعتبار وخص ~~الإنسان بفضل النظر والاستبصار فقال جل وتعالى " فاعتبروا يا أولي الأبصار ~~" وعلمه ما لم يكن يعلم وكرر عليه ما لم يلحق من انباء القرون الماضية في ~~الأزمان والأعصار وأراه متقلبهم في هذه الدنيا الفنية التي جعلها لهم دار ~~انتقال، ومفر وزوال، وجعل الأيام بينهم دولا والأقوام بعضهم من بعض بدلا ~~ذلك تقدير العزيز القهار نحمده على ما نعم به علينا من الهداية للنظر في ~~مواقع الأدلة بأن هو الله الملك الغفار ونشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا ~~شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله المصطفى المختار، الذي اختار لرسالته وختم ~~به الرسل الكرام الأبرار، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وصحبه الأكرمين ~~الأخيار، وسلم كثيرا. # وبعد جعلنا الله ممن نظر فاعتبره، ووعظ فازدجره فإن خير ما شغلت به ~~الأذكار والأفكار، وتحدثت معه الليل والنهار، حفظ ما فاد من العلوم ~~والأخبار وأن أولى ما ريضنا به النفوس البشرية مجالسة العلماء والأخيار، ~~ومذاكرة الأدباء ذوي الهمم وعلو المقدار، ففي مجالستهم ومذاكرتهم PageV01P001 # ما يسحر الذهن وينور الأفكار فان فقدت مجالستهم فلا عوض منها غير كتاب ~~يتخذه جليسه ويجده في كل وقت أنيسه ويتنسمه روضا يانع الأزهار وإذا نظر ~~اللهيب بفطنته إلى أصناف العباد ومختلف الآباد أغناه ذلك عن المشاهدة وقام ~~له الاستماع مقام المعاينة والاستخبار. # قال المؤلف: ولما كنت كلفت بأخبار الخلفاء والأئمة والأمراء بالبلاد ~~الشرقية والمغربية وما والاهما من الأقطار، وولعت بالمناظرة في ذلك مع ~~الفضلاء والأخلاء ذوي الأقدار والأخطار، طلب بعضهم إلي، ممن ms001 يجب إكرامه ~~على، أن أجمع له كتابا مفردا في أخبار ملوك البلاد الغربية على سبيل ~~الإيجاز والاختصار، ولازمني في طلبه مرارا، فلم يمكنني التوقف في ذلك ولا ~~الاعتذار وحملني على جمعه وتأليفه حمل اضطرار لا اختيار، فجمعت له في هذا ~~الكتاب نبذا ولمعا من عيون التواريخ والأخبار، مما جرى الله به تصاريف ~~الأقدار فيما مر من الأزمنة والأعصار في بلاد المغرب وما والاهما من ~~الأقطار: جمعت ذلك من الكتب الجليلة مقتضيا من غير إسهاب ولا إكثار فاقتطفت ~~عيونها واقتضبت فنونها ووصلت الحديث بالقديم والقديم بالحديث لأنه إذا اتصل ~~يستظرف ويستحلى كما قال بعضهم: # وسئت كل مآربي ... فكأن أطيبها خبيث # إلا الحديث فأنه ... عند اسمه ابدأ حديث # فنقلت والله ولي التوفيق من تاريخ الطبري والبكري والرقيق والقضاعي ومن ~~كتاب (الذيل) لابن شرف ومن كتاب ابن أبي الصلت ومن (المجموع المفترق) ومن ~~كتاب (بهجة النفس وروضة الأنس) ومن كتاب (المقباس) و (القبس) ومن مختصري ~~عريب وابن حبيب ومن (درر القلائد وغرر الفوائد) ومن (القلائد) و (المطمح) ~~لابن خاقان ومن كتاب ابن حزم (ذخيرة) ابن بسام ومن (أخبار PageV01P002 # الدولة العامرية) لابن حيان، ومن كتاب (تقصي الأنباء في سياسة الرؤساء) ~~ومن كتاب (الأنوار الجلية في الدولة المرابطية) ومن (نظم الجمان في أخبار ~~الزمان) لابن القطان، ومن كتابي (الاشيري) و (البيذق) وكتاب يوسف الكاتب ~~وكتاب بن صاحب الصلاة أبي مروان، ومن كتاب بن رشيق ومن كتاب وجدته أو ~~تعليق، ومن شيوخ أخذت الأخبار الوقتية عنهم بتحقيق والله الهادي إلى سواء ~~الطريق. # ولما كمل ما قيدته وجردته على ثلاثة أجزاء: كل جزء كتاب قائم بنفسه ليكون ~~لمطالعه أوضح البيان وأسهل مرام لدى العيان وسميته بالبيان المغرب في ~~اختصار أخبار ملوك الأندلس والمغرب. أما الجزء الأول فاختصرت فيه أخبار ~~أفريقية من حين الفتح الأول في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان - رضي ~~الله عنه -، ثم أخبار أمرائها من ولاة الخلفاء الأمويين ومن دخل الغرب منهم ~~ومن قام بأفريقية من الصفرية والاباضية ثم قام فيها بالدولة العباسية ومن ms002 ~~ملكها من بني الأغلب وأخبار بني عبيد الشيعة وأخبار زناته والصهاجيين ~~وغيرهم وكل ما اشتهر من أمرهم إلى حين انتقال العبيدية إلى البلاد المصرية ~~واستخلافهم صهاجة على أفريقية ثم خلع صهاجة لهم واستيلائهم على أفريقية ~~ونذكر فتنة العرب وأسبابها ودخولهم إلى القيروان وخرابها وتنقل أمراء صهاجة ~~إلى المهدية ومن ملكها منهم وما اشتهر في ذلك من الأخبار عنهم من ملوك ~~المناديين والحماديين إلى حين ظهور الموحدين ولخصت في ذلك كله أخبار أمراء ~~البلاد الغربية ومن دخلها من أخبار الدولة العبيدية وذكرت أخبار المدراريين ~~السجلماسيين والأمراء الإدريسيين وأخبار البرغواطيين والزناتيين ومن ملك ~~فاسا من زناتة المغراويين ومن ولاء الخلفاء الأمويين الأندلسيين PageV01P003 # على أن أخبار المغرب الأقصى أكثر من أن تحصى لكني نسقتها نسق الأسلاك ~~وسقت من كان فيه على الولاء من الأملاك من حين فتحه الأول إلى حين ابتداء ~~الدولة اللمتونية المرابطية. # والجزء الثاني اختصرت فيه أخبار جزيرة الأندلس وأملاكها الغابرين الدرس ~~من حين الفتح الأول ثم من وليها من الأمراء للخلفاء الأمويين بالمشرق ثم من ~~قام بها من العرب الفهريين إلى حين دخول الخلفاء الأمويين في ابتداء أمرهم ~~ومن قام عليهم من الثوار الأندلسيين وذكرت بعض أخبارهم وآثارهم في غزواتهم ~~وحركاتهم إلى انقضاء مدتهم بعد ذكر حجابهم العامريين ومآثرهم إلى حين ~~انقضاء الدولة العامرية وقيام الفتنة البربرية وذكرت فيه أخبار ملوك ~~الطوائف بعد انقضاء دول الخلائف من الحموديين والهوديين والجهوريين ~~والعباديين وفتيان العامريين والصمادحيين والزناتيين والبكريين والافطسيين ~~والصهاجيين وغيرهم من الرؤساء الأندلسيين وكل ذلك إلى حين دخول لمتونة إلى ~~الأندلس سنة 478. # والجزء الثالث: اختصرت فيه أخبار الدولة المرابطية اللمتونية وخروجهم من ~~صحرائهم في ابتداء أمرهم واستيلائهم على مملكة أمراء المغرب والأندلس ~~وخلعهم لجميعهم وتغلبهم على مملكة كل منهم وما تسنى لهم فيها من الفتوحات ~~والمنوحات إلى حين ابتداء دولة الموحدين وظهورهم ونبذ من أحوالهم وأمورهم ~~ثم ما كان بين أمراء الدولتين من مقاتلات ومنازلات وحصر من حصر ونصر من نصر ~~- سمه الله لهم - وذلك إلى حين انقضاء الدولة المرابطية وابتداء ms003 دولة ~~الموحدية ثم ما تخلل ذلك للموحدين من النصر والتأييد ومن فتوح ومنوح وصنع ~~عجيب في البلاد الأفريقية والأندلسية إلى حين انقراض دولتهم وذلك بسبب ~~أحداث حدثت عليهم وأحوال نسبت إليهم وذكرت الدولة الحفصية الموحدية ~~الهتاتية في البلاد الأفريقية والدولة الهودية المتوكلية والنصرية الاحمرية ~~في البلاد الأندلسية والدولة السعيدة PageV01P004 # المرينية في البلاد الغربية اختصرت في ذلك كله ما اشتهر أمره وأمكنني ~~ذكره وذكرت بعض البيعات والرسائل السلطانيات وما تعلق بها وكان بسببها من ~~الوقائع المذكورات والأمور المشهورات وذلك إلى انقضاء الدولة الموحدية ~~واستيلاء الإمارة اليوسفية المرينية على حضرتهم المراكشية وذلك على مرور ~~السنين إلى عام 667. # قال المؤلف - سمح الله له - فإن كنت اقتصرت فيما اقتصرت فعذرا فيما ظهر ~~من تقصير وباع قصير فان الذهن كليل والقلب شغيل وكنت قد نسخت نسخة من هذا ~~الكتاب وربما زدت في هذه الثانية أو نقصت إذا كان الأولى بي والأحرى إلا ~~القدم الأولى ولا أؤخر الأخرى ولكني ولا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا وحسبي ~~الاعتراف فهو سبيل الإنصاف نسأل الله الإرشاد إلى سواء فهو حسبي ونعم ~~الوكيل. ### | ذكر حد المغرب وأفريقية وما اتصل بهما وعد معهما # قال أبو مروان في كتاب (المقباس) وابن حمادة في كتاب (القبس) وغيرهما من ~~المؤرخين لأخباره المعتنين بآثاره: إن حد المغرب هو من ضفة النيل ~~بالإسكندرية التي تلي بلاد المغرب إلى آخر بلاد المغرب وحده مدينة سلاء ~~وينقسم أقساما: فقسم من الإسكندرية إلى طرابلس وهو أكبرها وأقلها عمارة ~~وقسم من طرابلس وهي بلاد الجريد ويقال أيضا بلاد الزاب الأعلى ويلي هذه ~~البلاد بلاد الزاب الأسفل وحدها إلى مدينة تيهرت ويليها بلاد المغرب وهي ~~بلاد طنجة وحدها مدينة سلا وهي آخر المغرب وإذا جزت سلا وأخذت إلى ناحية ~~الجنوب تركت مغرب الشمس يمنة وأخذت منها قافلا إلى قبلة فتسمى تلك البلاد ~~تامسنا ويقال لها أيضا بلاد السوس الأدنى وحدها إلى جبل درن وإذا جزت هذا ~~الجبل فعن يمينك PageV01P005 # بلاد السوس الأقصى ويقال لها بلاد ماسة ويتصل السوس الأقصى ببلاد الصحراء ms004 ~~إلى السودان وهي بلاد الزهج وبلاد الأندلس أيضا من المغرب وداخلة فيه ~~لاتصالها به ويليها المجاز الأعظم الذي يسمى بحر الزقاق وفيه مصب البحر ~~الكبير الذي يسمى المحبط ويقال له بحر الظلمات وهذا البحر لا يعلم له ساحل ~~غير الذي عليه بلاد السودان وبلاد الكجوس الذين يلون بلاد الأندلس ويصب ماء ~~الزقاق في البحر الرومي ويقال له أيضا البحر الشامي وهو يتصل إلى البلاد ~~الشام إلى ناحية القسطنطينية وبينه وبين بحر الزقاق الخليج الذي منه وذكر ~~بن حمادة أن حد المغرب من بحر القلزوم وهو الهابط من اليمن إلى عدن إلى ~~عيداب إلى القلزوم وإلى مصر قبلة وشرقا وحد المغرب من الجوف البحر الشامي ~~وهو بحر الإسكندرية وهو المتفرغ في بحر الزقاق من جزيرة طريف وعلامته صنم ~~قادس وحد المغرب من الغرب البحر المحيط المسمى الابلاية وصار المغرب ~~كالجزيرة دخل فيه بعض أعمال مصر وأفريقية كلها والزاب والقيروان والسوس ~~الأدنى والسوس الأقصى وبلاد الحبشة ومنه يتفرع نيل مصر. ### | ذكر فضل المغرب وما ورد من الأخبار والآثار # روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال (لا تزال طائفة من أمتي ~~بالمغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة) ومن ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه ~~عن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال (لا يزال أهل ~~المغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة) وذكر البخاري، عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: لا يضرهم من خالفهم، حتى يروا قياما فيقولون: غشيتم ~~فيغشون سرعان خيلهم، PageV01P006 # فيرجعون إليهم فيقولون: الجبال سيرت فيخرون سجدا فتنقبض أرواحهم) وروي أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول (خير الأرض مغاربها وأعوذ بالله ~~من فتنة المغرب) وذكر خالد بن سعيد أن محمد بن عمر بن لبلاة كان يروى عن ~~عبيد الله بن خالد عمن حدثه عن أبي زيد المصري يرفع الحديث عن أبي عباس - ~~رضي الله عنه - عن أبي أيوب الأنصاري قال: بينما رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - واقف ms005 إذ توجه تلقاء المغرب فسلم وأشار بيده فقلت (على من تسلم يا ~~رسول الله) قال (على رجال من أمتي يكونون في هذا المغرب بجزيرة يقال لها ~~الأندلس حيهم مرابط وميثهم شديد وهم ممن استثنى الله من كتابه " فصعق من في ~~السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ") وصح وعد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إن الإسلام سيبلغ مشارق الأرض ومغاربها فكان الأمر كما وعد ~~وقال الحميدي في قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (لا يزال أهل الغرض ~~ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة) هذا وإن كان عاما فللأندلس منه حظ وافر ~~بدخولها في الإسلام وتحققها من الغرب وإنها عن آخر المعمور فيه وبعض ساحلها ~~الغربي والبحر محيط بجميع جهاتها فصارت بين البحر والروم وروى الرفيق عن ~~عبد الله بن وهب يرفع الحديث إلى النبي انه بعث سرية في سبيل الله فلما ~~رجعوا ذكروا شدة البرد الذي أصابهم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~(لكن أفريقية أشد بردا وأعظم أجرا) وعن سفيان بن عيينة أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال (الشر عشرة أجزاء، فتسعة في المشرق، وواحد في سائر ~~البلدان) . # ويقال بأن أفريقية ساحلا يقال له المنستيد وهو باب من أبواب الجنة وبها ~~جبل يقال له المطمور: باب من أبواب جهنم. وفي الحديث أن أفريقية يحشر منها ~~سبعون ألف شهيد ووجوههم كالقمر ليلة البدر وعن سفيان بن عيينة قال يروي ان ~~المغرب باب المنوبة مفتوحا مسيرة أربعين خريفا لا يغلغه الله حتى تطلع منه ~~الشمس. PageV01P007 # ودخل أفريقية من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المهاجرين ~~الأولين ناس كثير ودخل الأندلس من التابعين قوم فأول من دخل أفريقية غازيا ~~في زمن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عمرو بن العاص وكان استفتح مصر سنة ~~20 من الهجرة ووجه منها عقبة بن نافع الفهري إلى لوبية وأفريقية فافتتحهما ~~ثم توجه عمرو بنفسه إلى برقة فصالح أهلها إلى الجزية: دينار على كل حالم ~~وتوجه منها إلى طرابلس ms006 فافتتحهما بعد استغاثة أهلها بقبيل من البربر يقال ~~لهم نفوسة إذا كانوا دخلوا معهم في دين النصرانية. ### | ابتداء التاريخ سنة إحدى وعشرين من الهجرة # فيها افتتح عمرو بن العاص مدينة الإسكندرية وفي سنة 22 بعدها افتتح بلاد ~~طرابلس وكتب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يخبره بما ~~أفاءه الله عليه من النصر والفتح وأن ليس أمامه إلا بلاد أفريقية وملوكها ~~كثير وأهلها في عدد عظيم وأكثر ركوبهم الخيل فأمره بالانصراف عنها فأمر ~~عمرو العسكر بالرحيل قافلا إلى مصر ثم استشهد عمرو - رضي الله عنه - فلما ~~ولي عثمان الخلافة عزل عمرو بن العاص عن مصر وولاها عبد الله بن أبي سرح ~~سنة 25 من الهجرة. # وفي سنة 27 من الهجرة أمر أمير المؤمنين عثمان عبد الله بن سعد بن أبي ~~سرح العامري بغزو أفريقية. ### | فتح أفريقية للإسلام # ندب عثمان - رضي الله عنه - الناس إلى غزوهم فخرج المسلمون في جيش عظيم ~~فيهم مروان بن الحكم وجمع كثير من بني أمية وبشر كبير من بني أسد بن عبد PageV01P008 # العزى وعن عبد الله بن الزبير بن العوام في عدة من قومه وعبد الرحمن بن ~~أبي بكر - رضي الله عنه - وعن عبد الله بن عمر بن العاص والمطلب بن سائب ~~وبشر ابن أرطأة وغير هؤلاء من المهاجرين وأعان عثمان المسلمين في هذه ~~الغزوة بألف بعير يحمل عليها ضعفاء الناس وفتح بيوت السلاح التي كانت ~~للمسلمين فلما توافى الناس جدوا السير وذلك في المحرم من هذه السنة وأمر ~~الناس فعسكروا وقام فيها خطيبا فوعظهم وذكرهم وحرضهم على الجهاد ثم قال ~~(وقد عهدت إلى عبد الله بن سعد أن يحسن صحبتكم ويرفق بكم وقد استعملت عليكم ~~الحارث بن الحكم إلى أن تقدموا على ابن أبي سرح فيكون الأمر له) . ### | بعض أخبار عبد الله بن سعد وإمرته # نسبه: هو عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري وكان يكتب الوحي إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين بمكة وكان ms007 ~~معاوية بن أبي سفيان بمكة قد أسلم وحسن إسلامه فاتخذه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - كاتبا للوحي بعد ابن أبي سرح فلما فتح النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - مكة استجار ابن أبي سرح فأخذ له عثمان الأمان من النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وكان ابن أبي سرح أخا لعثمان من الرضاعة فحسن إسلامه من ذلك ~~الوقت فلما أفضت الخلافة إلى عثمان - رضي الله عنه - ولاه ملك مصر وجندها ~~فكان يبعث المسلمين في جرائد الخيل يغيرون على أطراف أفريقية فيصيبون كثيرا ~~من الأنفس والأموال فكتب إلى عثمان بذلك فكان السبب في توجيه الجيش إليه ~~وتقديمه عليه وأمر له بالدخول لغزو أفريقية فخرج عبد الله من مصر في عشرين ~~ألف إلى أفريقية وصاحبها بطريق يقال له جرجير وكان سلطانه من طرابلس إلى ~~طنجة فبعث عبد الله السرايا في آفاق أفريقية فغنموا في كل وجه والتقى عبد ~~الله مع PageV01P009 # البطريق ضحى النهار في موضع يعرف بسبيطلة وكان جرجير في مائة وعشرين ألفا ~~فضاق المسلمون في أمرهم واختلفوا على لين سعد في الرأي فدخل فسطاطه مفكرا ~~في الأمر فلما رأى جرجير خيل العرب اشتد رعبه وأهمته نفسه فأخرج ديدبانه ~~وصد فيه يشرف على العساكر ويرى القتال وأمر ابنته فصعدت الديدبان وسفرت عن ~~وجهها وكان عدة خدمها اللائي صعدن الديدبان أربعين جارية في الحلي والحلل ~~من أجمل ما يكون ثم قدم كراديسه كردوسا كردوسا وهو تحت الديدبان ثم قال لهم ~~(أتتعرفون هذه) فقالوا (نعم هذه سيدتنا، ابنة الملك وهؤلاء خدمها) فقال لهم ~~(وحق المسيح ودين النصرانية لئن قتل رجل منكم أمير العرب عبد الله بن سعد ~~لأزوجه ابنتي هذه وأعطيه ما معها من الجواري والنعمة وأنزله المنزلة التي ~~لا يطمع فيها أحد عندي) وما زال ذلك من قوله حتى مر على المسامع خيله ورجله ~~فحرض بذلك تحريضا شديدا. # وإن عبد الله بن سعد لما انتهى إليه ما فعل جرجير وما كان من قوله نادى ~~في عسكره فاجتمعوا فأخبرهم بالذي كان من جرجير ثم قال ms008 (وحق النبي محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - لا قتل أحد منكم جرجير إلا نفلته ابنته ومن معها) ثم ~~زحف المسلمين فالتقى الجمعان واستحر القتال واشتعلت نار الحرب والمسلمون ~~قليل والمشركين في عشرين ومائة ألف وأشكل الأمر على ابن سعد ودخل فسطاطه ~~مفكرا في الأمر. ### | ذكر قتل عبد الله بن الزبير لجرجير ملك أفريقية والمغرب كله # قال عبد الله بن الزبير: فرأيت عورة من جرجير والناس على مصافهم PageV01P010 # رأيته على برذون أشهب خلف أصحابه منقطعا عنهم معه جاريتان له تظلانه من ~~الشمس بريش الطواويس فأتيت فسطاط عبد الله بن سعد فطلبت الإذن عليه فقال له ~~حاجبه (دعه فإنه يفكر في شأنكم ولو اتجه له رأي لدعا بالناس) فقلت (أني ~~محتاج إلى مذكراته) فقال له (أمر في أن أحبس الناس عنه، حتى يدعوني) قال ~~فدرت حتى كنت من وراء الفسطاط فرأى وجهي فأومأ إلي أن تعال فدخلت عليه وهو ~~مستلق على فراشه فقال (ما جاء بك؟ يا بن الزبير) فقلت (رأيت عورة من عدونا. ~~فرجوت أن تكون فرصة هيأها الله لنا، وخشيت الفوت) فقام من فوره وخرج حتى ~~رأى ما رأيت فقال (أيها الناس انتدبوا مع ابن الزبير إلى عدوكم) فتسرع إلي ~~جماعة اخترت منها ثلاثين فارسا فقلت (إني حامل فاصرفوا عن ظهري من أرادني ~~فأني سأكفيكم ما أمامي إن شاء الله) قال عبد الله: فحملت في الوجه الذي هو ~~فيه وذب عني الناس الذين انتدبوا معي واتبعوني حتى خرقت صفوفهم إلى أرض ~~خالية فضاء بيني وبينهم فوالله ما حسب إلا أني رسول إليه حتى رأى ما بي من ~~أثر السلاح فقدر أني هارب إليه فلما أدركته، طعنته، فسقط: فرميت نفسي عليه ~~وألقت جارياته عليه أنفسهما فقطعت يد إحداهما، وأجهزت عليه ورفعت رأسه على ~~رمحي وحال أصحابه وحمل المسلمون في ناحيتي وكبروا فانهزم الروم وقتلهم ~~المسلمون كيف شاءوا وثارت الكمائن من كل جهة ومكان وسبقت خيول المسلمين ~~ورجالهم إلى حضن سبيطلة فمنعوهم من دخوله. وركبهم المسلمون يمينا وشمالا في ~~السهل والوعر فقتلوا ms009 أنجادهم وفرسانهم وأكثروا فيهم الأسرى حتى لقد كنت أرى ~~في موضع واحد أكثر من ألف أسير. # وذكر أشياخ من أهل أفريقية أن ابنة جرجير لما قتل أبوها تنازع الناس في ~~قتله وهي ناظرة إليهم فقالت (قد رأيت الذي أدرك أبي، فقتله) . PageV01P011 # فقال لها الأمير بن ابن أبي سرح (هل تعرفينه؟) فقالت (إذا رأيته، عرفته) ~~قال فمر الناس بين يديها حتى مر عبد الله بن الزبير فقالت (هذا والمسيح قتل ~~أبي) فقال له ابن أبي سرح (لم كتمتنا قتلك إياه) ؟ فقال عبد الله (علمه ~~الذي قتلته من أجله) فقال الأمير (إذا والله أنفلك ابنته) فنفله ابن أبي ~~سرح ابنة الملك جرجير فيقال إنه اتخذها أم ولد ولما انهزمت جيوش جرجير سار ~~عبد الله بن أبي سرح حتى نزل باب مدينته العظمى قرطاجنة، فحصرها من كان معه ~~من المسلمين حصارا شديدا أتى فتحت فأصاب فيها من السبي والأموال ما لم يحيط ~~به الوصف وكان أكثر أموالهم الذهب والفضة فكانت توضع بين أيديه أكوام الفضة ~~والذهب لأنه افترع أفريقية مبكرا فعجب هو والمسلمون من كثرة ذلك فقال ~~للأفارقة: (من أين لكم هذا؟) فجعل الرجل منهم يلتمس شيئا من الأرض حتى ~~بنواة زيتون، فقال: (من هذا أصبنا الأموال لأن أهل البحر والجزر ليس لهم ~~زيت فكانوا يمتارونه من هنا) فكان سهم الفارس ثلاثة آلاف دينارا عينا وسهم ~~الراجل ألف دينار وقسم ابن أبي سرح السرايا والغارات من مدينة سيبطلة فبلغت ~~جيوشه بقصر قفصة فسبوا كثير وغنموا فأذلت هذه الوقعة الروم بأفريقية ورعبوا ~~رعبا شديدا فجاءوا إلى الحصون والمعاقل ثم طلبوا من عبد الله بن سعد أن ~~يقبض منهم ثلاثمائة قنطار من الذهب في السنة جزية على أن يكف عنهم ويخرج من ~~بلادهم فقبل ذلك منهم وقبض المال وكان في شرط صلحهم أن ما أصاب المسلمون ~~قبل الصلح فهو لهم وما أصابوه بعد الصلح ردوه عليهم ودعا الأمير عبد الله ~~بن سعد عبد الله بن الزبير فقال له (ما أحد أحق بالبشارة منك فامض فبشر ms010 ~~أمير المؤمنين عثمان - رضي الله عنه - بالمدينة، بما أفاء الله على ~~المسلمين) فتوجه عبد الله بن الزبير PageV01P012 # من سبيطلة فقيل إنه وافى المدينة في أربعة وعشرين يوما وكانت إقامته ~~بأفريقية سنة وشهرين ثم وصل فيء أفريقية إلى المدينة فبيع المغنم فطفق ~~مروان بن الحكم على الخمس فأخذ منه خمسين ألف دينار فسلم له من ذلك عثمان - ~~رضي الله عنه - فكان ذلك مما انتقد عليه. # وفيه وفي رد الحكم أبيه بعد أن نفاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول عبد الرحمن أخو كندة: # سأحلف بالله جهد اليمين ... ما ترك الله شيئا سدى # ولاكن خلقت لنا فتنة ... لكي نبتلي بك وتبتلى # دعوت اللعين فأدنيته ... خلافا لسنة من قد مضى # وأعطيت مروان خمس العباد ... ظلما لهم وحميت الحمى # وقال مروان بن الحكم يوما في مجلس معاوية (ثلاث لم أدخل فيهن حراما قط: ~~داري بالمدينة، ومالي بذي خشب، وصدقات نسائي) فنظر معاوية إلى عبد الله بن ~~الزبير وكان حاضرا فقال له (ما تقول؟ فإنك طعان) فقال (مهلا أبا عبد الملك ~~خرجنا مع ابن أبي سرح إلى غزو أفريقية فوالله ما كان مروان أحسننا وجهها ~~ولا أكثرنا نفقة، ولا أعظمنا في العدو نكاية فطفق على خمس أفريقية بم تعلم ~~وتحابى له من تعلم فنى منه الدار واتخذ منه المال وتزوج منه النساء) فقال ~~له مروان (أتطعن على أمير المؤمنين عثمان؟) فقال له معاوية (دعه وخذ مني ~~غير هذا فإنك صحة ما أقول) قال الطبري (كان عثمان - رحمه الله - قال لعبد ~~الله بن سعد: إن فتح الله عليك أفريقية فلك مما أفاء الله على المسلمين خمس ~~الخمس نفلا) فلما فتح أفريقية في هذه السنة وهي سنة 27 قسم عبد الله الفيء ~~على المسلمين فأبقى الخمس لنفسه وبعث بأربعة أخماسه إلى عثمان وضرب فسطاطه ~~في أرض القيروان فوفد وفد على عثمان يشكون بابن أبي سرح فيما أخذ من PageV01P013 # الخمس فقال لهم عثمان (أنا نفلته إياه وذلك الآن إليكم فإن رضيتم فقد جاز ~~وإن غضبتم فهو رد) ms011 قالوا: (فإنا نسخط) فكتب عثمان إلى ابن سعد برد ذلك ~~قالوا (فأعزله عنا أنا لا نريد أن تأمر علينا وقد وقع ما وقع فكتب إليه أن ~~استخلف على أفريقية رجلا ترضاه ويرضونه واقسم خمس الخمس الذي كنت نفلتك في ~~سبيل الأخماس فإنهم قد سخطوا النفل) # ففعل ذلك عبد الله ورجع إلى مصر وقد فتح الله أفريقية فما زالوا من أسمع ~~أهل الأقاليم وأطوعهم إلى زمن هشام بن عبد الملك ثم ورد الخمس على أمير ~~المؤمنين عثمان فكان من أمر مروان بن الحكم فيما تقدم ذكره. # وفي سنة 28 غزا حبيب بن مسلمة قورية من أرض الروم ذكر ذلك الطبري وغيره. # وفي سنة 29 هجرة افتتح عبد الله بن عامر أرض فارس. وفي سنة 30 سقط الخاتم ~~من يد عثمان - رضي الله عنه - في بئر اريس وقد ذكرنا خبر سقوطه في كتابنا ~~المسمى (البيان المشرق في أخبار المشرق) وفي سنة 31 كانت غزة ذات الصواري ~~وغزة ذات الاساورة في قول الواقدي وفي سنة 32 توفي عبد الرحمن بن عوف - رضي ~~الله عنه - وهو ابن خمس وسبعين سنة، وفيها مات عبد الله بن زيد بن عمرو بن ~~نفيل وفيها مات أبو طلحة وأبو ذر - رضي الله عنهما - وبها توفي عبد الله بن ~~مسعود فدفن بالبقيع. # وفي سنة 33 كانت غزوة عبد الله ابن أبي سرح أفريقية مرة ثانية حين نقض ~~أهلها العهد هكذا ذكره عريب في مختصره وقد تقدم خبر ابن أبي سرح على الجملة ~~دون تعيين سنة. # وفي سنة 34 مات عبادة بن الصامت في قول الواقدي وهو ابن اثنين وتسعين سنة ~~ودفن بالرملة وفيها غزا معاوية بن حديج أفريقية وهي أول غزواته إلى المغرب ~~ثم اشتغل الناس بعد ذلك بأمر عثمان - رضي الله عنه - وبوقائع PageV01P014 # الجمل وصفين وغيرهما إلى أن اعتدلت الخلافة إلى معاوية ابن أبي سفيان وفي ~~سنة 35 استشهد عثمان - رضي الله عنه - واستخلفه أمير المؤمنين علي - رضي ~~الله عنه - فنازعه معاوية ولم يبايعه. وفي سنة 36 عزل ms012 علي - رضي الله عنه - ~~ابن أبي سرح عن مصر وأقام عليها قيس بن عبادة الأنصاري. وفي سنة 37 كان ~~العامل على مصر محمد ابن أبي بكر الصديق وفي سنة 38 قتل محمد ابن أبي بكر ~~الصديق بمصر قتله معاوية ابن أبي حديج بأمر معاوية بن أبي سفيان وقد ذكرنا ~~شرح مقتله في (البيان المشرق في أخبار المشرق) وفي سنة 40 كانت مهادنة بين ~~علي - رضي الله عنه - وبين معاوية إلى أن توفي علي - رضي الله عنه - وفيها ~~دعي معاوية بأمير المؤمنين وكان قبل ذلك يدعى الأمير. وفي سنة 40 المذكورة ~~توفي أمير المؤمنين أبو الحسن علي ابن أبي طالب - رضي الله عنه - وبويع ~~بالخلافة ابنه الحسن - رضي الله عنهما - وفي سنة 41 كان تسليم الحسن - رضي ~~الله عنه - الأمر لمعاوية واستوسقت المملكة له وفيها غزا معاوية بن حديج ~~أفريقية المرة الثانية قال عريب في مختصره: ذكر أهل العلم بأخبار أفريقية ~~أن معاوية بن حديج نزل جبلا فيها، فأصابه فيها مطر شديد فقال (إن جبلنا هذا ~~لممطورا) فسمي البلاد ممطورا إلى الآن. وقال (اذهبوا بنا إلى ذلك القرن) ~~فسمي ذلك الموقع قرنا وكانت لمعاوية هذا إلى أفريقية ثلاث غزوات. وفي سنة ~~43 ولد الحجاج بن يوسف الثقفي وولى معاوية مروان بن الحكم المدينة وفيها ~~غزا عقبة بن نافع أفريقية، قال عريب في مختصره للطبري: فيها غزا بن نافع ~~المغرب وافتتح غدامس فقتل فيها وسبى. وفي سنة 43 مات عمرو بن العاص بمصر ~~يوم الفطر فذكر إنه عمل فيها لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أربع سنين ~~ولعثمان - رضي الله عنه - أربع سنين ولمعاوية سنتين إلا شهرا PageV01P015 # وفي سنة 44 عمل مروان بن الحكم المقصورة بمسجد المدينة - كرمها الله - ~~وعملها أيضا معاوية في الشام. وفي سنة 45 غزا معاوية بن حديج الكندي ~~أفريقية وكانت حربا كلها قال الطبري: وذلك أن حبابة الرومي قدم على معاوية ~~بن أبي سفيان فسأله أن يبعث معه جيشا إلى أفريقية فوجه معاوية بن حديج في ~~عشرة آلاف ms013 مقاتل فسار حتى انتهى إلى الإسكندرية فاستعمل عليها حبابة الرومي ~~ومضى ابن حديج حتى دخل أفريقية وكان معه عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي ~~الله عنه وعن أبيه - وعن عبد الله ابن الزبير - رضي الله عنه وعن أبيه وعبد ~~الملك بن مروان ويحيح ابن الحكم بن المعاصي وغيرهم من أشراف قريش فبعث ملك ~~الروم إلى أفريقية بطريقا يقال له نجفورا في ثلاثين ألف مقاتل فنزل الساحل ~~فخرج إليه معاوية بن حديج عبد الله بن الزبير في خيل كثيفة فسار حتى نزل ~~على شرف عال ينظر منه إلى البحر بينه وبين مدينة سوسة اثني عشر ميلا فلما ~~بلغ ذلك نجفورا اقلع في البحر منهزما من غير قتال فأقبل بن الزبير حتى نزل ~~على باب سوسة فوقف على البحر وصلى بالمسلمين صلاة العصر والروم يتعجبون من ~~جرأته فأجروا له خيلا وابن الزبير مقبلا على صلاته لا يهوله خبرها حتى قضى ~~الصلاة ثم ركب وخمل على الروم بمن معه فانكشفوا منهزمين ورجع ابن الزبير ~~إلى معاوية ابن حديج وهو بجبل القرن. ثم وجه ابن حديج عبد الملك ابن مروان ~~في ألف فارس إلى مدينة جلولاء فحاصرها وقتل من أهلها عددا كثيرا حتى فتحها ~~عنوة فقتل المقاتلة وسبى الذرية وأخذ جميع ما كان في المدينة وحمل ذلك كله ~~إلى معاوية بن حديج فقسمه على المسلمين فيقال أنه أصاب كل رجل منهم مائتي ~~مثقال وأغزى معاوية بن حديج جيشا في البحر إلى صقلية في مائتي راكب PageV01P016 # فسبوا وغنموا شهرا ثم انصرفوا إلى أفريقية بغنائم كثيرة ورقيق وأصنام ~~منظومة بالجوهر فاقتسموا فيهم وبعث ابن حديج بالخمس إلى معاوية ابن أبي ~~سفيان هكذا نص عريب في مختصره للطبري. ### | أخبار معاوية بن حديج الكندي بأفريقية # ذكر الرقيق في كتابه قال: كان هرقل ملك القسطنطينية العظمى ورومة يؤدي ~~إليه كل نصراني في بر وبحر جزيته منهم المقوقس صاحب الإسكندرية وبرقة ومنهم ~~صاحب طرابلس وصبرة ومنهم صاحب صقلية وروم أفريقية والأندلس فلما بلغه ما ~~صالح عليه أهل أفريقية عبد ms014 الله ابن أبي سرح بعث إلى أفريقية بطريقا يقال ~~له اوليمة وأمره أن يأخذ ثلاثمائة قنطار من الذهب كما اخذ ابن أبي سرح فنزل ~~قرطاجنة واخبرهم بذلك فأبوا عليه وقالوا (إن الذي كان بأيدينا من الأموال ~~فدينا به أنفسنا من العرب وأما الملك فهو سيدنا فيأخذ عادته منا) وكان ~~القائم بأمرهم رجلا يقال له حبابة فطردوا وليمة الواصل إليهم واجتمع رأيهم ~~على تقديم الاطربون وصار حبابة إلى الشام فقدم على معاوية فوصف له حال ~~أفريقية فسأله أن يبعث معه جيشا من العرب فوجه معه معاوية بن حديج في جيش ~~كثيف وذلك سنة 45 فسار ابن حديج حتى وصل أفريقية وقد صارت نارا وكان معه ~~جماعة وقد تقدم أكثرهم وبعث ملك الروم البطريق المتقدم ذكره في ثلاثين ألفا ~~فبعث ابن حديج إليه عبد الله ابن الزبير فقاتله فأقلع منهزما في البحر ~~وحاصر ابن حديج جلولا فكان يقاتلهم وسط النهار وينصرف إلى عسكره فلما انصرف ~~ذات يوم نسى عبد الملك ابن مروان قوسا له معلقا بشجرة فأنصرف إليها فإذا ~~بجانب من سور المدينة قد انهدم فصاح في أثر الناس فرجعوا فكان بينهم قتال ~~شديد حتى دخلت المدينة عنوة PageV01P017 # واحتوى المسلمون على جميع ما فيها كما تقدم ذكره وكان بين معاوية ابن ~~حديج وعبد الملك بن مروان تنازع في ذلك لان عبد الملك أراد محاباة إخوانه ~~وأصحابه لأنه كان سبب فتح المدينة فقال حنش الصنعاني يوما لعبد الملك: (ما ~~شأنك؟ فوالله لتلين الخلافة ويصير ذلك الأمر إليك فلا تغتم) فلما أفضت ~~الخلافة إلى عبد الملك بعث الحجاج بن يوسف لقتال عبد الله بن الزبير فأخذ ~~حنش الصنعاني أسيرا وبعث إلى عبد الملك ابن مروان فلما وقف بين يديه: (ألست ~~أنت الذي بشرتني بالخلافة يوم جلولاء؟) قال: (نعم) قال: (فلما ملت عني إلى ~~ابن الزبير؟) فقال: (رأيته يريد الله ورأيتك تريد الدنيا فلذلك ملت إليك) ~~فقال: (قد عفوت عنك) . # وفي سنة 46 قال البلاذري: أول من غزا صقلية معاوية بن حديج بعث إليها عبد ms015 ~~الله بن قيس ففتحها وأصاب فيها أصناما من الذهب والفضة مكللة بجوهر فحملت ~~إلى معاوية ابن أبي سفيان فبعث بها إلى الهند فأخذ ثمنها فأنكر الناس عليه ~~ذلك إنكارا كليا وكان العامل على بلاد أفريقية من قبل معاوية ابن أبي سفيان ~~معاوية بن حديج الكندي. # وفي سنة 47 عزل معاوية ابن أبي سفيان عبد الله بن عمرو بن العاص عن مصر ~~وولاها معاوية بن حديج الكندي وكان عثمانيا فسار متوجها إليها من أفريقيا ~~وكان قد قتل محمد ابن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فلقية عبد الرحمن ~~ابن أبي بكر فقال له (يا معاوية قد أخذت أجره من معاوية ابن أبي سفيان حين ~~قتلت محمد ابن أبي بكر الصديق ليوليك مصر فقد ولاكها) فقال (ما قتلت محمد ~~ابن أبي بكر لولاية وإنما قتلته لما فعل بعثمان - رضي الله عنه - وفي سنة ~~48 كان العامل على مصر وأفريقية لمعاوية ابن أبي سفيان معاوية ابن حديج. PageV01P018 # وفي سنة 49 غزا عقبة بن نافع الفهري الروم في البحر بأهل مصر وفيها عزل ~~معاوية مروان بن الحكم عن المدينة وأمر عليها سعيد بن العاص وكانت ولاية ~~مروان المدينة لمعاوية ثماني سنين وشهرين. وفي سنة 50 من الهجرة عزل معاوية ~~بن سفيان معاوية بن حديج عن أفريقية وافره على ولاية مصر ووجه إلى أفريقية ~~عقبة بن نافع الفهري. ### | ذكر ولاية عقبة بن نافع أفريقية وغزواته فيها واختطاطه مدينة القيروان # نسبه هو عقبة بن نافع بن عبد قبس بن لقبط بن عامر بن أمية بن طرف بن ~~الحارث بن فهر ومن فهر بن مالك تفرقت القبائل وقال ابن أبي الفياض أن عقبة ~~ولد قبل وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسنة واحدة قال إبراهيم بن ~~القاسم: ووصل عقبة بن نافع الفهري إلى أفريقية في عشرة آلاف من المسلمين ~~فافتتحها ودخلها ووضع السيف في أهلها فإنني من بها من النصارى ثم قال (إن ~~أفريقية إذا دخلها إمام أجابوه إلى الإسلام فإذا خرج منها رجع من كان ms016 أجاب ~~منهم لدين الله إلى الكفر فأرى لكم يا معشر المسلمين أن تتخذوا بها مدينة ~~تكون غزا للإسلام إلى آخر الدهر) فاتفق الناس على ذلك وأن يكون أهلها ~~مرابطين وقالوا (نقرب من البحر ليتم لنا الجهاد والرباط) فقال عقبة (إني ~~أخاف أن يطرقها صاحب القسطنطينية بغتة فيملكها ولكن اجعلوا بينها وبين ~~البحر ما لا يدركه صاحب البحر إلا وقد علم به) وإذا كان بينها وبين البحر ~~ما يوجب فيه التقصير للصلاة فهم مرابطون فلما اتفق رأيهم على ذلك قال ~~(قربوها من السبخة فإن دوابكم الإبل وهي التي تحمل أثقالكم فإذا فرغنا منها ~~لم يكن لنا بد من PageV01P019 # الغزو والجهاد حتى يفتتح الله لنا منها الأول فالأول وتكون إبلنا على باب ~~قصرنا في مراعيها آمنة من عادية البربر والنصارى) قال الاشبيلي في مسالكه ~~(إن البربر حين دخلوا المغرب وجدوا الإفرنج قد سبقوهم إليه فأخلوهم حتى ~~اصطلحوا على أن يسكن البربر الجبال وتسكن الإفرنج الاوطئة فبنوا المدائن ~~بها. (رجع الخبر) وفي سنة 51 شرع عقبة - رضي الله عنه - في ابتداء بناء ~~مدينة القيروان وأجابه العري إلى ذلك ثم قالوا (إنك أمرتنا ببناء في شعاري ~~وغياض لا ترام ونحن نخاف من السباع والحيات وغير ذلك) وكان في عسكره ثمانية ~~عشر رجلا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسائرهم من التابعين. ~~فدعا الله سبحانه وأصحابه يؤمنون على دعائه ومضى إلى السبخة وواديها ونادى ~~(أيتها الحيات والسباع نحن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فارحلوا ~~عنا فأنا نازلون ومن وجدناه بعد هذا قتلناه) فنظر الناس بعد ذلك إلى أمر ~~معجب من أن السباع تخرج من الشعرى وهي تحمل أشبالها سمعا وطاعة والذئب يحمل ~~جروه والحية تحمل أولادها. ونادى في الناس (كفوا عنهم حتى يرحلوا عنها) ~~فلما خرج ما فيها من الوحش والسباع والهوام والناس ينظرون إليها حتى أوجعهم ~~حر الشمس فلما لم يروا منها شيئا دخلوا فأمرهم أن يقطعوا الشجر فأقام أهل ~~أفريقية بعد ذلك أربعين عاما لا يرون فيها حيا أو ms017 عقربا ولا سبعا فاختط ~~عقبة أولا دار الإمارة ثم أتى إلى موضع المسجد الأعظم فاختطه ولم يحدث فيها ~~بناء فكان يصلي فيه وهو كذلك فاختلف عليه الناس في القبلة وقالوا (إن جميع ~~أهل المغرب يضعون قبلتهم على قبلة هذا المسجد فأجهد نفسك في تقويمها) ~~فأقاموا أياما ينظرون إلى مطالع الشتاء والصيف من النجوم ومشارق الشمس فلما ~~رأى أمرهم قد اختلف بات مغموما فدعا الله - عز وجل - أن يفرج عنهم فأتاه آت ~~في منامه فقال له (إذا أصبحت PageV01P020 # فخذ اللواء في يدك واجعله على عنقك فإنك تسمع بين يديك تكبيرا ولا يسمعه ~~أحد من المسلمين غيرك فانظر الموضع الذي ينقطع عنك فيه التكبير: فهو قبلتك ~~ومحرابك وقد رضي الله لك أمر هذا العسكر وهذا المسجد وهذه المدينة وسوف يعز ~~الله بها دينه ويذل بها من كفر به) فاستيقظ من منامه وهو جزع فتوضأ للصلاة ~~وأخذ يصلي وهو في المسجد ومعه أشراف الناس فلما أفجر الصبح وصلى ركعتي ~~الصبح بالمسلمين إذا بالتكبير بين يديه فقال لمن حوله (أتسمعون ما أسمع؟) ~~فقالوا (لا) فعلم أن الأمر من عند الله فأخذ اللواء فوضعه على عنقه وأقبل ~~يتبع التكبير حتى وصل إلى موضع المحراب فانقطع التكبير فركز لواءه وقال ~~(هذا محرابكم) فاقتدى به سائر مساجد المدينة ثم أخذ الناس في بناء الدور ~~والمساكن والمساجد وعمرت وشد الناس إليها المطايا من كل أفق وعظم قدره وكان ~~دورها ثلاثة عشر ألف ذراع وستمائة ذراع حتى كمل أمرها. وكان عقبة خير وال ~~خير أمير مستجاب الدعوة. وفي سنة 55 استعمل معاوية ابن أبي سفيان على مصر ~~وأفريقية مسلمة بن مخلد الأنصاري وعزل معاوية بن حدريج عن مصر وعزل عقبة بن ~~نافع عن أفريقية فكانت ولايته عليها أربعة أعوام وكان معاوية قد ولى مسلمة ~~مصر فلما ولي مسلمة الآن أفريقية عزل منها # عقبة وولى عليها مولاه أبا المهاجر دينارا وبقي هو صاحب مصر جمع ذلك كله ~~معاوية له من أطراف إقليم مصر إلى طنجة وهو أول من جمع له ms018 المغرب كله فلم ~~يزل واليا عليه حتى هلك معاوية ### | ولاية أبي المهاجر أفريقية وعزل عقبة # لما جمع معاوية ولاية المغرب لمسلمة بن مخلد استعمل عليه مولاه دينارا ~~ويكنى أبا المهاجر وعزل عقبة عن أفريقية فقيل لمسلمة بن مخلد PageV01P021 # والي مصر لو استعملت عقبة وأقررته على أفريقية؟ فإن له فضلا وسابقا وهو ~~الذي بنى القيروان فقال مسلمة (إن أبي المهاجر كأحدنا صبر علينا في غير ~~ولاية ولا كبير نيل فنحن نحب أن نكافئه ونصطنعه) فقدم أبي المهاجر أفريقية ~~فأساء عزل عقبة ونزل خارجا عن المدينة وكره أن ينزل الموضع الذي اختطه عقبة ~~ومضى حتى خلفه بميلين مما يلي طريق تونس فاختط بها المدينة وأراد أن يكون ~~له ذكرها ويفسد عمل عقبة فبنى مدينة وأخذ في عمرانها وأمر الناس أن تحرق ~~القيروان ويعمروا مدينته فخرج عقبة منصرفا وأدركه الخير في الطريق فتوجه ~~إلى المشرق آسفا على أبي المهاجر ودعا الله عليه أن يمكنه منه فبلغت أبي ~~المهاجر دعوته فقال (هو عبد لا ترد دعوته) ولم يزل أبي المهاجر خائفا منه ~~نادما على ما فعل معه ولما قدم عقبة على معاوية قال له (فتحت البلاد ودانت ~~لي وبنيت المنازل واتخذت مسجدا للجماعة وسكنت الناس ثم أرسلت عبد الأنصار ~~فأساء عزلي) فاعتذر له معاوية وقال له (قد عرفت مكان مسلمة بن مخلد من ~~الإمام عثمان وبذله مهجته صابرا محتسبا طع من أطاعه من قومه ومواليه وأنا ~~أرددك إلى عملك) وتراخى الأمر حتى توفي معاوية وأفضى الأمر إلى يزيد ابنه ~~فلما علم حال عقبة قال (أدركها قبل أن تفسد) فرده واليا على أفريقية وقطعها ~~على مسلمة بن مخلد والي مصر. وفي سنة 56 من الهجرة دعا معاوية بن أبي سفيان ~~إلى بيعة يزيد وجعله ولي عهده من بعده فانقاد له الناس كلهم إلا خمس نفر ~~(الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر وعبد الرحمن ابن أبي ~~بكر الصديق وعبد الله بن عباس - رضي الله عنهم -) . وفي سنة 57 عزل معاوية ~~مروان ms019 عن المدينة واستعمل الوليد بن عقبة PageV01P022 # وكان العامل على مصر وأفريقية مسلمة بن مخلد وولى مسلمة على أفريقية أبو ~~المهاجر وبقى الحال على ذلك إلى وفاة معاوية. وفي سنة 60 توفي معاوية بن ~~أبي سفيان يوم الجمعة منتصف رجب وهو ابن اثنين وثمانين سنة وتولى الخلافة ~~من بعده يزيد ابنه وتلقب بالمستنصر بالله في بعض الأقوال وكنيته أبو خالد ~~وقد ذكرنا أخباره في تأليف وفي سنة 61 كان مقتل الحسين بن علي - رضي الله ~~عنهما - وفيها أظهر عبد الله بن الزبير الخلافة بمكة وخلع طاعة يزيد بن ~~معاوية وخبرهما. وفي سنة 62 ولى يزيد بن معاوية على بلاد أفريقية والمغرب ~~كله عقبة ابن نافع الفهري وهي ولايته الثانية على أفريقية. ### | ذكر فتح المغرب الأقصى على يد عقبة وغزواته # فرحل عقبة من الشام ومعه خمسة وعشرون رجلا من أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فلما مر على مسلمة بن مخلد صاحب مصر خرج إليه واعتذر من فعل ~~أبي المهاجر وأقسم له إنه خالفه فيما صنع وإنه كان قد أوصاه بتقوى الله ~~وحسن السيرة وأن يحسن عشرة عقبة فقبل منه عقبة ومضى خنقا على أبي المهاجر ~~حتى قدم أفريقية فأوثق أبي المهاجر في الحديد وأمر بتخريب مدينته التي ~~بناها ورد الناس إلى القيروان وركب في وجوه العسكر ومن معه من الصحابة ~~والتابعين فدار بهم حول مدينة القيروان وهو يدعو لها ويقول (يا رب املأها ~~عابدين واملأها بالمطيعين لك واجعلها عزا لدينك وذلا على من كفر بك) ثم عزم ~~- رضي الله عنه - على الغزو في سبيل الله وترك بها جندا من المسلمين ~~واستخلف عليهم زهير بن قبس البلوي وكان رجلا صالحا ودعا عقبة أولاده فقال ~~لهم إني قد بعت نفسي من الله - عز وجل - وعزمت على من كفر به حتى أقتل فيه ~~وألحق به ولست أدري أتروني بعد يومي هذا) . PageV01P023 # وفي سنة 76 كان حدوث السكة في الإسلام وأمر أمير المؤمنين عبد الملك بضرب ~~الدنانير والدراهم بنقش الإسلام. وفي سنة 77 ثار ms020 المطرف بن المغيرة بن شعبة ~~على عبد الملك بن مروان فكايده عبد الملك واحتال عليه إلى أن قتل وفيها كان ~~قتل رؤساء الخوارج. ### | ولاية حسان بن النعمان أفريقية والمغرب # وفي سنة 78 قدم حسان بن النعمان أفريقية اختاره لها عبد الملك بن مروان ~~وقدمه على عسكر فيه أربعون ألف أقامه أولا في مصر بالعسكر عدة لما يحدث ثم ~~كتب إليه يأمره بالنهوض إلى أفريقية ويقول له (أني قد أطلقت يدك في أموال ~~مصر فأعط من معك ومن ورد عليك وأعط الناس واخرج إلى بلاد أفريقية على بركة ~~الله وعونه) . ### | بعض أخبار حسان بن النعمان # نسبه: هو حسان بن النعمان بن عدي بن بكر بن مغيث بن عمرو بن مزيقيا بن ~~عامر بن الازد قدم أفريقية في عسكر عظيم فلم يدخل المسلمون قط أفريقية بمثل ~~ما دخلها حسان بن نعمان فلما حصل القيروان سأل أهل أفريقية (من اعظم ملوك ~~بها قدرا؟) فقالوا (صاحب قرطاجنة دار ملك أفريقية فسار نعمان حتى نزل عليها ~~وكان بها من الروم خلق لا يحصى كثرة فخرجوا إليه مع ملكهم فقاتلهم حسان بن ~~نعمان حتى هزمه وقتل أكثرهم ثم نازلها حتى افتتحها وهي كانت دار الملك ~~بأفريقية. ذكر قرطاجنة أفريقية ويسميها أهل تونس اليوم بالمعلقة وكانت ~~قرطاجنة مدينة عظيمة تضرب أمواج البحر سورها وهي من مدينة تونس على اثني ~~عشر ميلا وكان بينهما قرى متصلة عامرة وكان البحر لم يخرق إلى PageV01P034 # تونس وإنما انخرق بعد ذلك وفي هذه المدينة آثار عظيمة وأبنية ضخمة وأعمدة ~~ثابتة غليظة تدل علة عظم قدرة الأمم الدائرة وأهل تونس إلى الآن لا يزالون ~~يطلعون في خرابها على أعاجيب ومصانع لا تنقطع بطول الأزمان لمتأمل. فلما ~~قدم حسان إليها وقتل فرسانها ورجالها اجتمع رأي من بقي بها على الفرار منها ~~وكانت لهم مراكب كثيرة فمنهم من مضى إلى صقلية ومنهم مضى إلى الأندلس فلما ~~انصرف عنها حسان وعلم أهل بواديها وأقاليمها هروب الملك عنها بادروا إليها ~~فدخلوها فرحل إليها حسان ونزل عليها فحاصرها ms021 حصارا شديدا حتى دخلها بالسيف ~~فقتلهم قتلا ذريعا وسباهم ونهيهم وأرسل لمن حواليها فاجتمعوا إليه مسارعين ~~خوفا من عظيم سطوته وشدة بأسه فلما أتوه ولم يبق منهم أحد أمرهم بتخريب ~~قرطاجنة وهدمها فخربوها حتى صارت كأمس الغابر ثم بلغه أن النصارى اجتمعوا ~~وأمدهم البربر بعسكر عظيم في بلاد صطفورة فرحل إليهم حسان حتى لقيهم ~~وقاتلهم حتى هزمهم وقتل الروم والبربر قتلا ذريعا وحمل عليهم أعنة خيله فما ~~ترك في بلادهم موضعا إلا وطئه ولجأ الروم هاربين خائفين باجة فتحصنوا بها ~~وهرب البربر إلى إقليم بونة وانصرف حسان إلى القيروان. ### | خبر حسان مع الملكة الكاهنة وهزيمتها له # لما دخل حسان القيروان أراح بها أياما ثم سأل أهلها عمن بقي من أعظم ملوك ~~أفريقية ليسير إليه فيبيده أو يسلم فدلوه على امرأة بجبل أوراس يقال لها ~~الكاهنة وجميع من بأفريقية من الروم منها خائفون وجميع البربر لها مطيعون ~~(فإن قتلتها دان لك المغرب كله ولم يبق لك مضاد ولا معاندا) فدخل بجيوشه ~~إليها وبلغ الكاهنة خبره فرحلت من الجبل في عدد لا يحصى ولا يبلغ ~~بالاستقصاء وسبقته إلى مدينة باغاية فأخرجت منها PageV01P035 # الروم وهدمتها وظنت أن حسان يريد مدينة ليتحصن بها فبلغ خبرها حسانا فنزل ~~بوادي مسكيانة فرجلت الكاهنة حتى نزلت على الوادي المذكور فكان هو يشرب من ~~أعلى الوادي وهي من اسله فلما توافت الخيل دنا بعضهم من بعض فأبى حسان أن ~~يقاتلها آخر النهار فبات الفريقان ليلتهم على سروجهم فلما أصبح الصباح ~~التقى الجمعان فقاتلوا قتالا لم يسمع بمثله وصبر الفريقان صبرا لم ينته أحد ~~إليه إلى أن انهزم حسان بن النعمان ومن معه من المسلمين وقتلت الكاهنة ~~العرب قتلا ذريعا وأسرت ثمانين رجلا من أعيان أصحابه وسمي ذلك الوادي وادي ~~العذارى واتبعته الكاهنة حتى خرج من عمل قابس فكتب حسان إلى أمير المؤمنين ~~عبد الملك يخبره بذلك وإن أمم الغرب ليس لها غاية ولا يقف أحد منها على ~~نهاية كلما بادت أمة خلفتها أمم وهي من الجهل والكثرة كسائمة ms022 النعم فعاد له ~~جواب أمير المؤمنين يأمره أن يقيم حيثما وافاه الجواب فورد عليه في عمل ~~برقة فأقام بها وبنى هنالك قصورا تسمى إلى الآن بقصور حسان. # وملكت الكاهنة المغرب كله بعد حسان خمس سنين فلما رأت إبطاء العرب عنها ~~قالت للبربر إن العرب إنما يطلبون من أفريقية المدائن والذهب والفضة ونحن ~~إنما نريد منها المزارع والمراعي فلا نرى لكم إلا خراب بلاد أفريقية كلها ~~حتى ييئس منها العرب فلا يكون لهم رجوع إليها إلى آخر الدهر فوجهت قومها ~~إلى كل ناحية يقطعون الشجر ويهدمون الحصون فذكروا أن أفريقية كانت ظلا ~~واحدا من طرابلس إلى طنجة وقرى متصلة ومدائن منظمة حتى لم يكن في أقاليم ~~الدنيا أكثر خيرات ولا أوصل بركات ولا أكثر مدائن حصونا من إقليم أفريقيا ~~والمغرب مسيرة ألف ميل في مثله فخربت الكاهنة ذلك كله وخرج يومئذ من ~~النصارى والأفارقة خلق PageV01P036 # كثير يستغيثون بما نزل بهم من الكاهنة فتفرقوا على الأندلس وسائر الجزر ~~البحرية. وكانت الكاهنة لما أسرت ثمانين رجلا من أصحاب حسان أحسنت إليهم ~~وأرسلت بهم إلى حسان وحبست عندها خالد بن يزيد فقالت له يوما: (ما رأيت في ~~الرجال أجمل منك ولا أشجع وأنا أريد أن أرضعك فتكون أخا لولدي) وكان له ~~ابنان أحدهما بربري والآخر يوناني وقالت له (نحن جماعة البربر لنا رضاع: ~~إذا فعلناه نتوارث به) فعمدت إلى دقيق الشعير فلثته بزيت وجعلته على ثديها ~~ودعت ولديها وقالت (كلا معه على ثديي) ففعلا فقالت (قد صرتم اخوة) . ### | ذكر مقتل الكاهنة الملكة # ثم إن حسان توافت عليه فرسان العرب ورجالها من قبل أمير المؤمنين عبد ~~الملك فدعا حسان عند ذلك برجل يشق به وبعثه إلى خالد بن يزيد بكتاب. فقراه ~~وكتب في ظهره (أن البربر متفرقون لا نظام لهم ولا رأى عندهم فأطو المراحل ~~وجدوا في السير) وجعل الكتاب في خبزة وجعلها زادا للرجل ووجهه بها إلى ~~الأمير حسان فلم يغب عن خالد بن زيد إلا يسيرا حتى خرجت الكاهنة ناثرة ~~شعرها تضرب صدرها ms023 وتقول (يا ويلكم يا معشر البربر ذهب ملككم فيما يأكله ~~الناس) فافترقوا يمينا وشمالا يطلبون الرجل فساره الله تعالى حتى وصل حسانا ~~فكسر الخبزة وقرأ الكتاب الذي كتب إليه خالد فوجده قد أفسدته النار فقال له ~~حسان: (ارجع إليه) فقال الرجل: (إن المرأة كاهنة: لا يخفى عليها شيء من ~~هذا) فرحل حسان بجنوده إليه وبلغ الكاهنة خبره فرحلت من جبل أوراس في خلق ~~عظيم ورحل إليها حسان فلما كان في الليل قالت لبنيها: (إني مقتولة) ~~وأعلمتهم أن رأسها مقطوع موضوعا بين يدي ملك العرب PageV01P037 # الأعظم الذي بعث حسانا فقال لها خالد: (فارحلي بنا وخلي له عن البلاد) ~~فامتنعت ورأته عارا لقومها فقال لها خالد وأولادها (فما نحن صانعون بعدك؟) ~~فقالت: (أما أنت يا خالد فستدرك ملكا عظيما عند الملك الأعظم وأما أولادي ~~فيدركون سلطانا مع هذا الرجل الذي يقتلني ويعقدون للبربر غرائم) ثم قالت: ~~(اركبوا واستأمنوا إليه) فركب خالد وأولادها في الليل وتوجهوا إلى حسان ~~فأخبرها خالد بخبرها وإنها عملت قتلها، وقد وجهت إليك بأولادها فوكل بهما ~~من يحفظهما وقدم خالد على أعنة الخيل وخرجت الكاهنة ناشرة شعرها فقالت ~~انظروا ما دهمكم فأني مقتولة ثم التحم القتال واشتد الحرب والنزال فانهزمت ~~الكاهنة واتبعها حسان حتى قتلها. وكان مع حسان جماعة من البربر استأمنوا ~~إليه فلم يقبل أمانهم إلا أن يعطوه من قبائلهم اثني عشر ألفا يجاهدون مع ~~العرب فأجابوه وأسلموا على يديه فعقد لولدي الكاهنة لكل واحد منهما على ستة ~~آلاف فارس وأخرجهم مع العرب يجولون في المغرب يقاتلون الروم ومن كفر من ~~البربر وانصرف حسان إلى مدينة القيروان بعد ما حسن إسلام البربر وطاعتهم ~~وذلك في شهر رمضان سنة 83 وفي هذه السنة استقامت بلاد أفريقية لحسان بن ~~النعمان فدون الدواوين وصالح على الخراج وكتبه على عجم أفريقية وعلى من ~~أقام معهم على دين النصرانية. وأقام حسان بعد قتل الكاهنة لا يغزو أحدا ولا ~~ينازعه أحدا ثم عزله عبد العزيز بن مروان الوالي على مصر وكان الوالي على ~~مصر ms024 يولي على أفريقية فعزل حسانا وأمره بالقدوم عليه فعلم حسان ما أراد عبد ~~العزيز بن مروان أخو عبد الملك فعمد إلى الجوهر والذهب والفضة فجعله في قرب ~~الماء وأظهر ما سوى ذلك من الأمتعة وأنواع الدواب والرقيق PageV01P038 # وسائر أنواع الأموال فلما قدم على أمير مصر عبد العزيز بن مروان أهدى ~~إليه مائتي جارية من بنات ملوك الروم والبربر فسلبه عبد العزيز جميع ما كان ~~معه من الخيل والأحمال والأمتعة والوصائف والوصفان ورحل حسان بالأثقال التي ~~بقيت له حتى قدم على الوليد فشكا له ما صنع به عبد العزيز فغضب الوليد على ~~عمه عبد العزيز ثم قال لحسان لمن معه: (ائتوني بقرب الماء) ففرغ منها من ~~الذهب والفضة والجوهر والياقوت ما استعظمه الوليد وعجب من أمر حسان فقال له ~~الوليد (جزاك الله خيرا يا حسان) فقال (يا أمير المؤمنين إنما خرجت مجاهدا ~~في سبيل الله وليس مثلى يخون الله والخليفة) فقال له الوليد: (أنا أردك إلى ~~عملك وأحسن إليك وأثق بك) فحلف حسان (لا أولي لبني أمية أبدا) فغضب الوليد ~~بن عبد الملك على عمه عبد العزيز. وكان حسان يسمى الشيخ الأمين وغزوات حسان ~~لم تنضبط بتاريخ محقق ولا فتحه لمدينة قرطاجنة وتونس ولا قتله للكاهنة وذكر ~~ابن قطان أن عزل حسان وولاية موسى بن نصير كان من قبل عبد العزيز بن مروان ~~دون أمر أخيه عبد الملك ولا مشورته. ### | ذكر ولاية أبي عبد الرحمن موسى بن نصير أفريقية والمغرب وبعض أخباره رحمة الله عليه # نسبه: قيل إنه من لخم وقيل من بكر بن وائل وذكر ابن بشكوال في كتاب ~~(الصلة) له إنه موسى بن نصير بن عبد الرحمن بن زيد وكان موسى على خراج ~~البصرة قدمه عليها عبد الملك بن مروان فاحتجن الأموال على ما ذكره لنفسه ~~فأوصى الحجاج به ألا يفوته فخافه موسى وقصد إلى عبد PageV01P039 # العزيز بن مروان صاحب مصر لانقطاع كان منه إليه فتوجه عبد العزيز مع موسى ~~إلى الشام فوفدا على عبد الملك فأغرمه عبد الملك ms025 مائة ألف دينار فغرم عنه ~~عبد العزيز نصفها وعاد مع عبد العزيز إلى مصر فولاه منها أفريقية. # فأول فتوحه قلعة غزوان ونواحيها وبينها وبين القيروان مسيرة يوم كامل ~~وبنواحي غزوان قبائل بربر بعث إليهم موسى خمسمائة فارس ففتحها الله فبلغ ~~سببهم عشرة آلاف وهو أول سبي دخل القيروان في ولاية موسى ثم وجه ابنا له ~~اسمه عبد الله إلى بعض نواحي أفريقية فأتى بمائة ألف رأس من السبي ثم وجه ~~ابنه مروان فأتى بمثلها فكان الخمس يومئذ ستين ألفا فكتب موسى إلى عبد ~~العزيز يعلمه بالفتح ويعلمه أن الخمس بلغ ثلاثين ألفا وكان ذلك وهما من ~~الكاتب: كتب ثلاثين ألفا بدلا من ستين ألفا فلما قرأ عبد العزيز بن مروان ~~الكتاب وأن الخمس من السبي ثلاثون ألفا استكثر ذلك ورأى إنه وهم من الكاتب ~~لكثرته فكتب إلى موسى يقول له: (إنه قد بلغني كتابك تذكر أن خمس ما فاء ~~الله عليك ثلاثون ألف رأس فاستكثرت ذلك وظننته وهما من الكاتب فاكتب ~~بالحقيقة) فكتب إليه موسى (قد كان ذلك وهما من الكاتب على ما ظنه الأمير ~~والخمس أيها الأمير ستون ألف رأس ثابتا بلا وهم) فلما بلغه الكتاب عجب كل ~~العجب وامتلئ سرورا وقد كان عبد الملك كتب إلى أخيه عبد العزيز (قد بلغ ~~أمير المؤمنين ما كان من رأيك في عزل حسان وتوليه موسى وقد أمضى لك أمير ~~المؤمنين ما كان من رأيك وولاية من وليت) فكتب عبد العزيز إلى أخيه يعلمه ~~بالفتح وكتاب موسى ثم وجه عبد الملك رجلا إلى موسى ليقبضن ذلك منه على ما ~~ذكر فدفع موسى إليه مثل ذلك وزاد ألفا وكان موسى عند وصوله إلى أفريقية لما ~~صار في الجيش الأول أتى عصفور حتى نزل على صدره فاخذ به موسى وذبحه ولطخ ~~بدمه صدره PageV01P040 # من فوق الثياب وطرحه على نفسه وقال (هو الفتح ورب الكعبة) . قال ابن ~~قتيبة: فتح موسى بن نصير سجومه وقتل ملوكها وأمر أولاد عقبة: عياضا وعثمان ~~وأبا عبدة أن يأخذوا حقهم ms026 من قاتل أبيهم فقتلوا من أهل سجومه ستمائة رجل من ~~كبارهم ثم قال لهم: (كفوا) فكفوا وذلك سنة 83 (على قول من قال أنه ولي ~~فيها) . ثم فتح موسى هوارة وزناته وكتامه فأغار عليهم وقتلهم وسباهم فبلغ ~~سبيهم خمسة آلاف رأس وكان عليهم رجل يقال له طامون فبعث به موسى إلى عبد ~~العزيز بن مروان فقتله عند البركة التي عند قرية عقبة فسميت بركة طامون إلى ~~اليوم وكانت قد قدمت على موسى فولى عليهم رجلا منهم وأخذ منهم رهائن من ~~خيارهم. وفي سنة 85 توفى عبد العزيز بن مروان صاحب ملك مصر من قبل أخيه عبد ~~الملك بن مروان ووليها عبد الله بن مروان أخو عبد الملك وكان عبد الملك بن ~~مروان أراد أن يخلع أخاه عن مصر في هذه السنة على ما فعل من عزل حسان بن ~~النعمان وفيئه فنهاه قبيصة بن ذويب وقال (لعل الموت يأتيه فنستريح منه) فكف ~~عبد الملك عنه وبقيت نفسه تنازعه أن يخلعه فبينا هو على ذلك وروح بن زنباع ~~الجذامي يقول له يوما: (لو خلعته ما انفطح فيه عنزان) إذ دخل عليهما قبيصة ~~فقال) (آجرك الله يا أمير المؤمنين في أخيك فقال (وهل توفي؟) قال: (نعم) ~~فقال عبد الملك: (كفانا الله يا أبا زرعة ما كنا أجمعنا عليه) وكانت وفاة ~~عبد العزيز في جمادى الأول من السنة المؤرخة. وفي سنة 86 توفي عبد الملك بن ~~مروان أمير المؤمنين فكتب الوليد إلى عمه عبد الله بن مروان بولاية موسى بن ~~نصير أفريقية والمغرب وقطعها عن عمه وكانت أكثر مدن أفريقية خالية باختلاف ~~البرابر عليها. PageV01P041 # فتح المغرب الأقصى على يد الأمير أبي عبد الرحمن موسى بن نصير # ثم خرج موسى - رحمه الله - غازيا من أفريقية إلى طنجة فوجد البربر قد ~~هربوا إلى الغرب خوفا من العرب فتبعهم وقتلهم قتلا ذريعا وسبى منهم سبا ~~كثيرا حتى بلغ السوس الأدنى وهو بلاد درعة فلما رأى البربر ما نزل بهم ~~استأمنوا وأطاعوا فولى عليهم واليا واستعمل مولاه طارقا ms027 على طنجة وما ~~والاها في سبعة عشر ألف من العرب واثني عشر ألف من البربر وأمر العرب أن ~~يعلموا البربر القرآن وأن يفقهوهم في الدين ثم مضى موسى قافلا إلى أفريقية. ~~قال ابن القطان: وذكر أن موسى بن نصير بعث أثر بيعته للوليد في هذه السنة ~~المؤرخة زرعة بن أبي مدرك إلى قبائل من البربر فلم يلق حربا منهم فرغبوا في ~~الصلح منه فوجه رؤساءهم إلى موسى بن نصير فقبض رهونهم ثم عقد لعياش بن اخيل ~~على مراكب أفريقية فمشى في البحر إلى صقلية فأصاب مدينة يقال لها سرقوسة ~~فغنمها وجميع ما بها وقفل سالما غانما. ولما حمل أبو مدرك زرعة بن أبي زرعة ~~رهائن المصامدة جمعهم موسى مع رهائن البربر الذين أخذهم إلى أفريقية ~~والمغرب وكانوا على طنجة وجعل عليهم مولاه طارقا ودخل بهم جزيرة الأندلس ~~وترك موسى بن نصير سبعة عشر رجلا من العرب يعلمونهم القرآن وشرائع الإسلام ~~وقد كان عقبة بن نافع ترك فيهم بعض من أصحابه يعلمونهم القرآن والإسلام: ~~منهم شاكر صاحب الرباط وغيره ولم يدخل المغرب الأقصى أحد من ولاة خلفاء بني ~~أمية بالمشرق إلا عقبة بن نافع الفهري ولم يعرف المصامدة غيره وقيل أن ~~أكثرهم أسلموا طوعا على يديه ووصل موسى بن نصير بعده. PageV01P042 # وفي سنة 93 من الهجرة جاز طارق إلى الأندلس وافتتحها بمن كان معه من ~~العرب والبرابر ورهائنهم الذين ترك موسى عنده والذين أخذهم حسان من المغرب ~~الاوسط قبله. وكانت ولاية طارق على طنجة والمغرب الأقصى في سنة 85 وفي هذا ~~التاريخ تم إسلام أهل المغرب الأقصى وحولوا المساجد التي كان بناها ~~المشركون إلى القبلة وجعلوا المنابر في مساجد الجماعات وفيها صنع مسجد ~~اغمات هيلانة. ونسب طارق: هو طارق بن زياد بن عبد الله بن ولغو بن ورنجوم ~~بن نبرغاسن بن ولهاص بن بطوفت بن نفزاو فهو نفزي ذكر إنه من سبي البربر ~~وكان مولى موسى بن نصير وفي سنة 92 جاز موسى بن نصير إلى الأندلس فعبر ~~البحر غاضبا على ms028 طارق ومشى على غير طريقه وفتح فتوحا كثيرة يقع ذكرها إن ~~شاء الله في الجزء الثاني من هذا الكتاب في فتح الأندلس. وفيها ولى عبد ~~الله بن موسى أفريقية عوضا من أبيه حين توجه إلى الأندلس إلى أن وصل أبوه ~~منها متوجها إلى المشرق فقدم مدينة قيروان في أواخر سنة 95. وفي سنة 95 ~~انصرف موسى من الأندلس إلى أفريقية بما أفاء الله عليه فأجاز الأموال من ~~الذهب والفضة والجوهر في المراكب إلى طنجة ثم حملها على العجلات. # قال الرفيق: كانت وسق مائة عجلة وأربع عشرة عجلة وفيها المائدة وكانت من ~~ذهب يشوبه شيء من فضة مطوفة بثلاثة أطواق: طوق ياقوت وطوق زبرجد وطوق جوهر ~~وحملت يوما على بغل عظيم أفره وأقوى ما وجد فما بلغ المرحلة حتى تفسخت ~~قوائمه. قال الليث بن سعد: لم يسمع بمثل سبايا موسى بن نصير في الإسلام. PageV01P043 # ولما قدم عليه ابنه من السوس خرج للقائه مع وجوه الناس فلما التقيا قال ~~مروان بن موسى لرجاله: (مروا لكل من خرج مع والدي بوصيف أو وصيفة) وقال ~~موسى: (مروا أنتم لهم من عندي بمثل ذلك) فرجع الناس كلهم بوصيف أو وصيفة ~~ومن أخبار موسى بن نصير أيضا - رحمه الله - لما انصرف من الأندلس ولى عليها ~~ابنه عبد العزيز وشخص قافلا إلى أفريقية فقدم القيروان في آخر سنة 95 فلم ~~يدخلها ونزل بقصر الماء ثم قعد في مجلسه وجاءته جيوش العرب من القيروان ~~فمنهم من سافر معه ومنهم مع تخلف مع ابنه عبد الله بأفريقية فقال لأصحابه: ~~(أصبحت اليوم في ثلاث نعم: منها كتاب أمير المؤمنين بالشكر والثناء ثم وصف ~~ما جرى الله على يديه من الفتوحات ثم كتاب ابني عبد العزيز يصف ما فتح الله ~~عليه في الأندلس بحمد الله تعالى. فقاموا إليه فهنئوه وما الثالثة فأنا ~~أريكموها وقام فأمر برفع الستر فإذا فيه جوار مختلفات كأنهن البدور الطوالع ~~من بنات ملوك الروم والبربر عليهن الحلي والحلل) فهنئ أيضا بذلك فقال علي ~~ابن رباح السلمي (أيها الأمير ms029 أنا انصح الناس إليك: ما من شيء انتهى إلا ~~ورجع فارجع قبل أن يرجع إليك) قال: فانكسر موسى وفرق جواريه من حينه على ~~الناس. # ثم رحل إلى المشرق وخلف على أفريقية ابنه عبد الله وعلى الأندلس ابنه عبد ~~العزيز وعلى طنجة ابنه عبد الملك وقال ابن القطان: الأكثرون يقولون أن ~~مستقر طارق قبل محاولة الأندلس كان طنجة ومنهم من يقول كان بموضع سجلماسة ~~وإن سلا وما ورائها من أرض فاس وطنجة وسبتة كانت للنصارى قال: واختلف الناس ~~هل دخل موسى القيروان في هذه الوجهة أم لا. ثم رحل عنها مه بقية أولاده: ~~مروان، وعبد الأعلى وغيرهما ومعه أشراف الناس من قريش والأنصار وسائر العرب ~~ومن وجوه البربر مائة PageV01P044 # منهم كسيلة بن لمزم وبنو يسور ومزدانة ملك السوس وملك مبورقة ومتورقة ومن ~~أولاد الكاهنة ومائة من وجوه ملوك الأندلسيين وعشرون ملكا من ملوك المدائن ~~التي افتتحها بأفريقية وخرجوا معه بأصناف ما كان في كل بلد من طرفها حتى ~~انتهى إلى مصر فلم يبق بها فقيه ولا شريف إلا وصله وأعطاه ثم خرج من مصر ~~متوجها إلى فلسطين فتلقاه آل روح بن زنباع ونحروا له خمسين بعيرا ثم خرج ~~وترك لهم عندهم بعض أهله وصغار ولده فأعطى آل روح بن زنباع عطاء جزلا ثم ~~وافاه كتاب الخليفة الوليد بن عبد الملك يأمره بشد السير إليه ليدركه في ~~قيد الحياة وكان مريضا ووفاه كتاب من سليمان بن عبد الملك ولي عهد أخيه ~~الوليد يأمره بالتأني والتربص فأسرع موسى ولم ينظر في كتاب سليمان إلى أن ~~وصل إلى الوليد قبل موته بثلاث أيام فقال سليمان: (لئن ظفرت به لأصلبنه) ~~فدفع موسى الأموال والمائدة والدر والياقوت والتيجان والذهب والفضة إلى ~~الوليد بن عبد الملك. وقال المسعودي في كتابه (عجائب البلاد والزمان) قال: ~~لما فتح طارق طليطلة وجد بها بيت الملوك ففتحه فوجد فيه زبور داود - عم - ~~في ورقات الذهب مكتوبا بماء ياقوت محلول من عجيب العمل الذي لم يكد ير مثله ~~ومائدة سليمان - عم - وقد ms030 تقدم وصفها ووجد فيه أربعة وعشرين تاجا منظمة ~~بعدد ملوك القوطيين بالأندلس: إذا توفي أحدهم جعل تاجه بذلك البيت وفعل ~~الملك بعده لنفسه غيره جرت عوائدهم على ذلك ووجد فيه قاعة كبيرة مملوءة ~~بإكسير الكيمياء فحمل ذلك كله إلى الوليد بن عبد الملك. وفي سنة 96 توفى ~~الوليد بن عبد الملك في جمادى الأخير وولي الخلافة سليمان فغضب على موسى ~~غضبا عظيما وأمر عليه فأوقف في يوم شديد الحر في الشمس وكان رجلا بادنا ذا ~~نسمة فوقف حتى سقط مغشيا PageV01P045 # عليه وقال له سليمان (كتبت إليك فلم تنظر كتابي هلم مائة ألف دينار) قال ~~(يا أمير المؤمنين قد أخذتم ما كان معي من الأموال فمن أين لي مائة ألف ~~دينار؟) قال: (لابد من مائتي ألف) فاعتذر فقال (لا بد من ثلاثمائة ألف ~~دينار) وأمر بتعذيبه وعزم على قتله فاستجار بيزيد ابن المهلب وكانت له حظوة ~~عند سليمان فاستوهبه منه وقال (يؤدي ما عنده) وقيل أن موسى افتدي من سليمان ~~بألف ألف دينار ذكر ذلك بن حبيب وغيره ثم أن يزيد بن المهلب سهر ليلة مع ~~الأمير موسى فقال له: (يا أبا عبد الرحمن في كم كنت تعتد أنت وأهل بيتك من ~~الموالي والخدام؟ أتكونون في ألف؟) فقال (نعم) وألف ألف إلى منقطع النفس ~~قال (فلم ألقيت بنفسك إلى التهلكة؟ أفلا أقمت في قرار عزك وموضع سلطانك؟ ~~والله لو أردت ذلك لما أنالوا من أطرافي شيئا ولكني آثرت الله - عز وجل - ~~ورسوله ولم أر الخروج عن الطاعة) وقيل أن سليمان بن عبد الملك بعد ما افتدي ~~منه موسى دعا يوما بطست من ذهب فرآه موسى ينظر إليه فقال له: (يا أمير ~~المؤمنين إنك لتعجب من غير عجب والله ما أحسب أن فيه عشرة آلاف دينار والله ~~لو بعثت إلى أخيك الوليد بتنور من زبرجد أخضر كان يصب فيه اللبن فيخضر ولقد ~~قوم بمائة ألف دينار ولقد أصبت كذا بكذا) وجعل يكثر عليه في ذلك حتى بهت ~~الأمير من قوله. وكان مولد ms031 موسى بن نصير سنة 19 ووفاته سنة 98 فكان عمره ~~تسعا وسبعين سنة وفي سنة 88 ولي أفريقية فأقام عليها أميرا وعلى الأندلس ~~والمغرب كله نحو ثمان عشر سنة إلى أن مات ومما ذكر في وفاته أنه حج مع ~~سليمان فلما وصلا المدينة قال موسى بن نصير لأصحابه: (ليموتن بعد غد رجل قد ~~ملئ ذكره المشرق والمغرب) فمات موسى في ذلك اليوم. PageV01P046 ### | ولاية محمد بن يزيد أفريقية والمغرب # قال الواقدي: ثم أن أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك قال لرجاء بن ~~حيوة: (أريد رجلا له فضل في نفسه أوليه أفريقية) ، فقال له: (نعم) فمكث ~~أياما ثم قال: (قد وجدت رجلا له فضل) قال: (من هو؟) قال: (محمد بن يزيد ~~مولى قريش) فقال: (أدخله علي) فأدخله عليه فقال سليمان: (يا محمد بن يزيد ~~اتق الله وحده لا شريك له وقم فيما وليتك بالحق والعدل وقد وليتك أفريقية ~~والمغرب كله) قال فودعه وانصرف وهو يقول: (ما لي عذر عند الله ما لم أعدل) ~~وفي سنة 97 من الهجرة استقر محمد بن يزيد بأفريقية بأحسن سيرة وأعدلها ثم ~~وصله الأمر بأخذ عبد الله موسى بن نصير وتعذيبه واستئصال أموال بني موسى ~~فسجنه محمد وعذبه ثم قتله بعد ذلك وكان سليمان قد أمره بأخذ أهل موسى وولده ~~وكل من تلبس به واستئصال أموالهم وتعذيبهم حتى يؤدوا ثلاثمائة ألف دينار ~~وتولى قتل عبد الله بن موسى خالد ابن أبي حبيب القرشي وأما عبد العزيز بن ~~موسى فخلع دعوة بني مروان واستبد بأمره لما بلغه ما نزل بأبيه وأخيه وأهل ~~بيته وجاءت الكتب إلى حبيب بن أبي عبده ووجوه العرب من سليمان بن عبد الملك ~~يأمرهم بقتله فقتلوه وحمل رأسه ورأسه أخيه عبد الله حتى وضعا بين يدي ~~أبيهما موسى وهو في عذابه فكان فعل سليمان هذا بموسى وبنيه وقد فعل من ~~الفتح في الإسلام ما فعل من هفوات سليمان التي تزل تنقم عليه. واستعمل محمد ~~بن يزيد على الأندلس الحر بن عبد الرحمن الثقفي وكانت ms032 الأندلس إذ ذاك إلى ~~والى أفريقية كما كان أيضا والي أفريقية من قبل والي مصر وكان محمد بن يزيد ~~يبعث بسرية إلى ثغور أفريقية فما أصابه قسمه عليهم وكانت ولايته سنتين ~~واشهر. PageV01P047 # وفي سنة 99 توفي سليمان بن عبد الملك واستخلف عمر بن عبد العزيز - رضي ~~الله عنه - يوم وفاته فاستعمل على أفريقية إسماعيل بن عبد الله بن أبي ~~المهاجر مولى بني مخزوم. وفي سنة 100 ولي إسماعيل بن أبي المهاجر أفريقية ~~من قبل أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز فكان خير أمير وخير وال وما زال ~~حريصا على دعاء البربر إلى الإسلام حتى اسلم بقية البربر بأفريقية على يده ~~في دولة عمر بن عبد العزيز وهو الذي علم أهل أفريقية الحلال والحرام وبعث ~~معه عمر - رضي الله عنه - عشرة من التابعين أهل علم وفضل منهم عبد الرحمن ~~بن نافع وسعد بن مسعود التجيبي وغيرهما وكانت الخمر بأفريقية حلالا حتى وصل ~~هؤلاء التابعون فبنوا تحريمها - رضي الله عنه -. وفيها استخلف إسماعيل بن ~~أبي المهاجر على الأندلس السمح بن مالك الخولاني فكان حلوله بها في رمضان ~~من السنة. وفي سنة 101 توفي عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - بدير سمعان ~~لست خلون من شعبان فكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وولي الخلافة بعده يزيد ~~ابن عبد الملك فولى على أفريقية يزيد بن أبي مسلم مولى الحجاج بن يوسف ~~وصاحب شرطته. وفي سنة 102 قدم إلى أفريقية واليا عليها يزيد ابن أبي مسلم ~~وكان ظلوما غشوما وكان البربر يحسنونه فقام على المنبر خطيبا فقال (أني ~~رأيت أن أرسم اسم حرسي في أيديهم كما نصنع ملوك الروم يحرسها فأرسم في يمين ~~الرجل اسمه وفي يساره حرسي ليعرفوا بذلك من بين سائر الناس فإذا وقفوا على ~~أحد أسرع لما أمرت به) فلما سمعوا ذلك منه أعني حرسه اتفقوا على قتله ~~وقالوا: (جعلنا بمنزلة النصارى) فلما خرج من داره إلى المسجد لصلاة المغرب ~~قتلوه في مصلاه فتكلم في رجل PageV01P048 # يقوم بأمرهم حتى يأتيهم أمر الخليفة ms033 فتراضوا بالمغيرة بن أبي بردة وكان ~~شجاعا كبيرا فقال له ابنه عبد الله: (إن يزيد ابن أبي مسلم قتل بحضرتك فإن ~~قمت بهذا الأمر اتهمت بقتله ولكن الرأي أن نتراضى لمحمد ابن أوس الأنصاري) ~~وكان غازيا بصقلية فلم يلبث يسيرا حتى قدم بغنائم قد أصابها فقلدوه أمر ~~الخليفة فكتب إلى يزيد بن عبد الملك يخبره بما حدث من الأمر فاستعمل على ~~أفريقية بشر بن صفوان. ### | ولاية بشر بن صفوان أفريقية # هو بشر بن صفوان بن توبل بن بشر بن حنظلة بن علقمة بن شراحبل ابن عزيز ~~ابن خالد ولي أفريقية سنة 103 فاستصفى بقايا آل موسى بن نصير ووفد بعد ذلك ~~إلى يزيد ابن عبد الملك فألفاه قد هلك. وفي سنة 105 هلك يزيد بن عبد الملك ~~في ربيع الأول وولى هشام بن عبد الملك فرد بشر بن صفوان إلى أفريقية فلما ~~قدمها ولي على الأندلس عنبسة بن سحيم الكلبي ثم أن بشر بن صفوان غزا بنفسه ~~صقلية فأصاب بها سبيا كثيرا وقفل إلى القيروان فلما حضرته الوفاة قالت ~~جاريته: (وا شماتة الأعداء) فقال لها: (قولي للأعداء لا يموت) واستخلف ~~العباس بن باضعة الكلبي. وفي سنة 107 ولي بشر بن صفوان على الأندلس يحي بن ~~سلمة الكلبي فقدمها في شوال وفي هذه السنة اختلط أمر ولاة مصر اختلاطا ~~كثيرا وفي سنة 109 توفي بشر بن صفوان والى أفريقية بمدينة القيروان فكانت ~~ولايته سبع سنين وبقى نائبه على القيروان حتى وصل وال من قبل الخليفة هشام ~~بن عبد الملك. PageV01P049 ### | ولاية عبيدة بن عبد الرحمن السلمي أفريقية والمغرب # وهو ابن أخي أبي الأعور السلمي صاحب خيل معاوية بصفين فقدم أفريقية سنة ~~110 في ربيع الأول فدخل القيروان فجأة وذلك يوم الجمعة فألفى خليفة بشر بن ~~صفوان قد تهيأ لشهود الجمعة ولبس ثيابه فقيل له: (هذا عبيدة قد قدم أميرا) ~~فقال: (لا حول ولا قوة إلا بالله هكذا تقوم الساعة بغتة) وألقى بنفسه فما ~~حملته رجلاه ودخل عبيدة فأخذ عمال بشر وأصحابه فحبسهم ms034 وأغرمهم وعذب بعضهم. ~~وفي سنة 110 ولى عبيدة بن عبد الرحمن المذكور عثمان بن أبي نسمة على ~~الأندلس فقدمها في شعبان. وفي سنة 111 قدم إلى الأندلس واليا أيضا من قبل ~~عبيدة بن عبد الرحمن صاحب أفريقية والمغرب كله حذيفة بن الاحوص القيسي ~~وقيل: الاشجعي وذلك في غرة محرم من السنة المذكورة. وفي سنة 112 ولى عبيدة ~~المذكور على الأندلس أيضا الهيثم بن عبيد الكناني فقدمها في محرم أيضا من ~~هذه السنة ثم توفي سنة 114 وكانت ولايته سنتين وأياما ولما أخذ عبيدة عمال ~~بشر وأصحابه وأغرمهم وعذبهم كان فيهم أبو الخطار الحسام بن ضرار الكلبي ~~وكان شريفا في قومه مع صفاحة وبراعة وكان ولي في أفريقية ولايات كبيرة في ~~أيام بشر بن صفوان فعزله عبيدة ونكل به فقال طويل: # أفألم بني مروان فيها دماءنا ... وفي الله إن لم تنصفوا حكم عدل # كأنكم لم تشهدوا مرج راهط ... ولم تعلموا من كان ثم له الفضل # تعاميتم عنا بعين جلية ... وأنتم كذا ما قد علمنا لنا فعل PageV01P050 # وبعث بهذه الأبيات إلى الخليفة هشام بن عبد الملك فأمر هشام بعزل عبيدة ~~من أفريقية والمغرب فقفل منه واستخلف عقبة بن قدامة وذلك في شوال سنة 114 ~~فكان ملك عبيدة بأفريقية أربع سنين وستة أشهر وتوجه إلى الشام سنة 114 ~~بهدايا وتحف عظيمة وبقي خليفته على القيروان ستة أشهر. وفي سنة 113 كان ~~عمال أفريقية والأندلس الذين كانوا في السنة قبلها ثم ولي الأندلس عبد ~~الرحمن بن عبد الله الغافقي فغزا الروم واستشهد مع جماعة من عسكره سنة 115 ~~بموضع يعرف ببلاط الشهداء وفيها أصاب الناس مجاعة عظيمة. ### | ولاية عبيد الله بن الحبحاب أفريقية والمغرب كله # وهو مولى بن سلول وكان رئيسا نبيلا وأميرا جليلا بارعا في الفصاحة ~~والخطابة حافظا لأيام العرب وأشعارها ووقائعها فقدم أفريقية في ربيع الآخر ~~من سنة 116 وهو الذي بنى المسجد الجامع ودار الصناعة بتونس وكان أول الأمر ~~كاتبا ثم تناهت به الحال إلى ولاية مصر وأفريقية والأندلس والمغرب كله ms035 ~~فاستخلف على مصر ابنه القاسم واستعمل على الأندلس عقبة بن الحجاج السلولي ~~واستعمل على طنجة وما والاها من المغرب الأقصى ابنه إسماعيل ثم عمر بن عبد ~~الله المرادي. # وبعث حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري غازيا إلى السوس الأقصى ~~فبلغ أرض السودان ولم يقابله أحد إلا ظهر عليه ولم يدع بالمغرب قبيلة إلا ~~داخلها وأصاب من السبي أمرا عظيما ووجد جاريتين ليس لكل واحدة منهما إلا ~~ثدي واحد ثم رجع سالما ظافرا فغزا صقلية وظفر بأمر لم يره مثله. # ثم أن عمر بن عبد الله المرادي عامل طنجة وما والاها أساء السيرة PageV01P051 # وتعدى في الصدفات والعشر وأراد تخميس البربر وزعم أنهم فيء المسلمين وذلك ~~ما لم يرتكبه عامل قبلة وإنما كان الولاة يخمسون من لم يجب للإسلام فكان ~~فعله الذميم هذا سببا لنقض البلاد ووقوع الفتن العظيمة المؤدية إلى كثير ~~القتل في العباد نعوذ بالله من الظلم الذي هو وبال على أهله. # فلما علم البربر خروج حبيب بن أبي عبيدة إلى بلاد الروم نقضوا الطاعة ~~لعبيد الله بن الحبحاب بطنجة وأقاليمها وتداعت برابر المغرب بأسره فثارت ~~المغرب بالمغرب الأقصى فكانت أول ثورة فيه وفي أفريقية في الإسلام. # وفي سنة 122 كانت ثورة البربر بالمغرب فخرج ميسرة المدغري وقام على عمر ~~بن عبد الله المرادي بطنجة فقتله وثارت البرابر كلها مع أميرهم ميسرة ~~الحقير ثم خلف ميسرة على طنجة عبد الأعلى بن حديج وزحف إلى إسماعيل بن عبيد ~~الله بن الحبحاب إلى السوس فقتله ثم كانت وقائع كثيرة بين أهل المغرب ~~الأقصى وأهل أفريقية يطول ذكرها وكان المغرب حينئذ قوم ظهرت فيهم دعوة ~~الخوارج ولهم عدد كثير وشوكة كبيرة وهم برغواطة وكان السبب في ثورة البربر ~~وقيام ميسرة إنها أنكرت على عامل ابن الحبحاب سوء سيرته كما ذكرنا وكان ~~الخلفاء بالمشرق يستحبون طرائف المغرب ويبعثون فيها إلى عامل أفريقية ~~فيبعثون لهم البربر السنيات فلما أفضى الأمر إلى ابن الحبحاب مناهم بالكثير ~~وتكلف لهم أو كلفوه اكثر مما كان ms036 فأضطر إلى التعسف وسوء السيرة فحينئذ عدة ~~البرابر على عاملهم فقتلوه وثاروا بأجمعهم على ابن الحبحاب. # وكان لعبيد الله بن الحبحاب أولاد قد أعجبتهم أنفسهم قدم عقبة بن الحجاج ~~عليهم وكان أبو عقبة قد عانق الحبحاب والد عبيد الله فلما دخل PageV01P052 # عقبة على عبيد الله وأقعده على سريره فلما خرج عقبة من عنده أنكر عليه ~~ذلك أولاده فقال لهم: (ما رأيكم) فقالوا (إن تعطيه شيئا وتصرفه عنا فلا ~~يكسر شرفنا فقال لهم: (نعم) فلما كان في غد أمر الناس فدخلوا عليه ودخل ~~عقبة في جملتهم فقام إليه وأجلسه على سريره ووقف قائما فقال: (أيها الناس ~~إن بني هؤلاء غرتهم غرة الشيطان لعزة السلطان وأرادوا أمرا أخرج به عن الحق ~~وأنكروا ما رأوا من بري بهذا الرجل وإنما أخبركم أنه مولاي وأن أباه أعتق ~~أبي وإن أكره كتمان أمر الله - سبحانه - شهيد به علي) ثم خير عقبة في ولاية ~~ما شاءه من سلطانه فاختار الأندلس فولاه عليها وذلك في سنة 116 وأقام بها ~~إلى سنة 121 وقام عليه عبد الملك بن قطن الفهري فخلعه وقيل: بل هو استخلفه. # رجع الخبر إلى ميسرة المدغري رأس الصفرية أمير الغرب: لما بلغ عبيد الله ~~بن الحبحاب قتل عامله وولده كتب إلى حبيب ابن أبي عبدة يأمره بالرجوع من ~~صقلية ليأخذ في الحركة مع أهل أفريقية إلى ميسرة وولى ابن الحبحاب على عسكر ~~أفريقية وأشرافهم ووجوههم خالد ابن أبي حبيب الفهري فشخص إلى ميسرة ووصل ~~حبيب ابن أبي عبدة في أثره وسار خالد حتى عبر وادي شلف وهو بمقربة تيهرت ثم ~~قدم حبيب فنزل على مجاز الوادي المذكور فلم يبرح منه ومضى خالد من فوره حتى ~~لقي ميسرة بمقربة من طنجة فاقتتل معه قتالا شديدا لم يسمع قط بمثله ثم ~~انصرف ميسرة إلى طنجة فأنكرت البربر عليه سوء سيرته وتغيره عما كانوا ~~بايعوه عليه. # قال الرفيق: وكان ميسرة قد تسمى بالخلافة وبويع عليها فقتلوه وولوا أمرهم ~~بعده خالد بن حميد الزناتي فالتقى خالد بن أبي ms037 حبيب بالبربر فكان بينهم ~~قتال شديد فبينا هم كذلك إذ غشيهم خالد بن حميد الزناتي من خلفهم PageV01P053 # بعسكر عظيم، فتكاثرت عليهم البربر؛ فانهزم العرب وكره خالد بن أبي حبيب ~~أن يهرب؛ فألقى بنفسه هو وأصحابه إلى الموت أنفة من الفرار. فقتل ابن أبي ~~حبيب ومن معه، حتى لم يبق من أصحابه رجل واحد. فقتل في تلك الوقعة حماة ~~العرب، وفرسانها، وكماتها، وأبطالها؛ فسميت الغزوة غزوة الأشراف؛ فانتفضت ~~البلاد. وبلغ أهل الأندلس ثورة البربر؛ فوثبوا على أميرهم؛ فعزلوه وولوا ~~عبد الملك بن فطن. فاختلت الأمور على ابن الحبحاب؛ فاجتمع الناس عليه ~~وعزلوه. وبلغ ذلك الخليفة هشام بن عبد الملك فقال: (والله لأغضبن لهم غضبة ~~عربية ولأبعثن جيشا أوله عندهم وآخره عندي) ثم كتب إلى ابن الحبحاب بقدومه ~~عليه؛ فخرج في جمادى الأولى من سنة 123. ### | ولاية كلثوم بن عياض إفريقية ومقاتلته مع أمير المغرب خالد بن حميد الزناني # لما بلغ هشام بن عبد الملك انتقاض البلاد الغربية والأندلسية، بعث كلثوم ~~بن عياض هذا إلى أفريقية، وعقد له على اثني عشر ألفا من أهل الشام. وكتب ~~إلى والي كل بلد أن يخرج معه بمن معه. فصارت عمال مصر وطرابلس وبرقة معه ~~حتى قدم أفريقية في رمضان سنة 123. فنكب عن القيروان. وكان على طلائعه بلج ~~بن بشر القشيري ابن عمه. فلما وصل بلج قال لأهل أفريقية (لا تغلقوا ~~أبوابكم، حتى يعرف أهل الشام منازلكم) ومع ذلك كلام كثير يغيظهم به. فكتبوا ~~إلى حبيب بن أبي عبدة يعرفونه بمقالة بلج. فكتب إلى كلثوم: (إن ابن عمك ~~السفيه قال كذا وكذا. فارحل بعسكرك عنهم، وإلا حولنا أعنة الخيل إليك!) ~~فكتب كلثوم يعتذر إليه ويأمره أن يقيم بشلف حتى يقدم عليه. فاستخلف كلثوم ~~على القيروان عبد الرحمن بن PageV01P054 # عقبة الغفاري، وسار حتى عسكر حبيب، فرفضه واستهان به، وسب بلج بن بشر ~~لحبيب وتنقصه وقال: (هذا الذي يحول أعنة الخيل إلينا) فقام إليه عبد الرحمن ~~بن حبيب وقال (يا بلج هذا حبيب! فإذا شئت فاعرض له للمقابلة!) وصاح ms038 الناس ~~(السلاح! السلاح!) فمال أهل أفريقية إلى ناحية. ومعهم أهل مصر. ثم سعى ~~بينهم الصلح. فكان هذا الاختلاف سبب هلاكهم، مع سوء رأي كلثوم وبلج. # ولما قدم كلثوم على وادي سنبو، وهو في ثلاثين ألفا، وقال ابن القطان: ~~فيهم عشرة آلاف من صلب بني أمية، وعشرون ألفا من سائر العرب. فتوجه إليهم ~~خالد بن حميد الزناتي الذي تولى الأمر بعد ميسرة. فوجه كلثوم بلجا ليلا ~~ليوقع بالبربر. فسرى ليلته، وأوقع بهم عند الصباح؛ فخرجوا إليه عراة؛ ~~فهزموه ووصلوا إلى كلثوم. فأمر بدبدبان فنصب له، وقعد عليه. ثم نشب القتال، ~~وقعدت البربر تحت الدرق، ونشبت الخيل الخيل العرب خيل البربر؛ ثم انكشفت ~~خيل العرب، وألتفت الرجال بالرجال. فكان صبر وقتال. وخالطت خيل البربر ~~ورجالتهم كلثوم وأصحابه. فقتل كلثوم، وحبيب بن أبي عبدة، وسليمان بن أبي ~~المهاجر. ووجوه العرب. فكانت هزيمة أهل الشام إلى الأندلس، وهزيمة أهل مصر ~~وأفريقية إلى أفريقية. # قال ابن القطان: لما بعث هشام بن عبد الملك كلثوما واليا على أفريقية ~~والمغرب، وأمره بالجد والاجتهاد في أمرها، إذ كانوا بين أمية يجدون في ~~الدريات أن الملك القائمين عليهم لا يجاوز الزاب. فتوهموا إنه زاب مصر، ~~وإنما كان زاب أفريقية. وعهد إليه في سدها وضبطها، وعهد أن حدث بكلثوم حدث ~~أن يكون ابن أخيه بلج مكانه. فدارت بينه وبين البربر حروب، هزموا في بعضها ~~كلثوم بن عياض وقتلوه، وصار أمر العرب بأفريقية إلى بلج بالعهد المذكور. ~~ولجأ فلهم إلى سبتة، وبقوا بها حتى ضاق عليهم الأمر؛ فكاتب PageV01P055 # بج وأصحابه عبد الملك بن قطن أمير الأندلس، وسألوه إدخالهم الأندلس. فلم ~~يأمنهم عبد الملك، ومطلهم بالميرة والسفن. ثم أضطر إلى إدخالهم الأندلس بعد ~~ذلك، لسبب أشرحه في الجزء الثاني إن شاء الله؛ وهو موضعه في أخبار الأندلس. ~~فكاتبهم، وشرط عليهم إقامة سنة في الأندلس، ثم يخرجون عنها. فرضوا بذلك؛ ~~وكانوا نحو عشرة آلاف من عرب الشام. # ولما دخلوا الأندلس وأقاموا فيها سنة، ترفهوا بها. فأمرهم عبد الملك ~~بالخروج منها، كما أشترط عليهم. ms039 فامتنعوا، وقتلوا عبد الملك بن قطن، ~~واستولى بلج على الأندلس، وبقي بها أحد عشر شهرا، أميرا. وقد شرحنا أمره في ~~أخبار الأندلس في الجزء الثاني وقال الرقيق: لم ينهزم من أهل أفريقية إلا ~~عبد الرحمن بن حبيب؛ فإنه جاز على الأندلس؛ فقال لأميره عبد الملك بن قطن: ~~(هؤلاء أهل الشتم يقلون: ابعث لنا مراكب نجوز فيها، وهم، إن جازوا إليك، لم ~~بأمنهم عليك!) فلما أجازهم إليها، ما لبثوا فيها إلا سنة حتى وثبوا عليه مع ~~بلج. فكانت بينهم اثنتا عشرة وقيعة، وكلها على عبد الملك بن قطن حتى قتله ~~بلج واستولى على الأندلس. # وفي سنة 124، قتل بلج بالأندلس، ووليها ثعلبة بن سلامة العاملي، وأعقده ~~أصحاب بلج مكانه بما عهد به هشام إليهم، وبايعوه. فثار في أيامه بقايا ~~البربر بمادرة؛ فغزاهم ثعلبة، وقتل منهم خلقا كثيرا وأسر منهم نحو الألف، ~~وانصرف إلى قرطبة. فكانت ولايته عشرة أشهر. وفيها كان ابتداء ظهور برغواطة. ### | ذكر برغواطة وارتدادهم عن الإسلام # قال ابن القطان وغيره: كان طريف من ولد شمعون ابن إسحاق وإن الصفيرة رجعت ~~إلى مدينة القيروان لنهبها استباحتها في ثلث مائة PageV01P056 # ألف من البربر مع أمير منهم. وكانوا قد اقتسموا بلاد أفريقية وحريمها ~~وأموالها؛ فهزمهم الله تعالى بأهل القيروان، وهم في أثنى عشر ألف مقاتل، ~~نصرهم الله تعالى عليهم؛ وخبرهم طويل، يمنع من إيراده هنا خيفة التطويل،. ~~وكان طريف هذا من جملة قواد هذا العسكر؛ وإليه تنسب جزيرة طريف. فلما هزمهم ~~الله بأهل القيروان، تفرقوا، وقتل من قتل منهم، وتشتت جمعهم، سار طريف إلى ~~تامسنا، وكانت بلاد بعض قبائل البربر. فنظر إلى شدة جهلهم؛ فقام فيهم، ودعا ~~إلى نفسه. فبايعوه وقدموه على أنفسهم. فشرع لهم ما شرع، ومات بعد مدة. وخلف ~~من الولد أربعة. فقدم البربر ابنه صالحا. فأقام فيهم على الشرع الذي شرعه ~~أبوه طريف. وكان قد حضر مع أبيه حرب ميسرة الحقير ومغرور بن طالوت ~~الصفريين. فأدعى إنه أنزل عليهم قرآنهم، الذي كان يقرءونه؛ وقال لهم إنه ~~صالح المؤمنين، الذي ذكره ms040 الله في كتابه العزيز. وعهد صالح إلى ابنه الياس ~~بديانته، وعلمه شرائعه وفقهه من دينه، وأمره ألا يظهر الديانة حتى يظهر ~~أمره، وينتشر خبره، فيقتل حينئذ من خالفه. وأمره، موالاة أمير المؤمنين ~~بالأندلس. وخرج صالح إلى المشرق، ووعده إنه يرجع في الدولة السابع من ~~ملوكهم، وزعم إنه الهدي الذي يكون في أخر الزمان لقتال الدجال وأن عيسى - ~~عم - يكون من رجاله وأنه يصلي خلفه. وذكر في ذلك كلاما نسبه إلى موسى - عم ~~-. # فولى بعد خروجه إلى المشرق ابنه الياس خمسين سنة. فكتم شريعته إلى سنة ~~172. فخرج عن ذلك كله من أمر صالح وابنه أن ابتداءه كان في هذه السنة، أو ~~التي قبلها، وما يأتي بعدها من السنين، إذ خمسون سنة أخرها سنة 172، مبدأها ~~سنة 124 أو نحوها، والله أعلم. PageV01P057 ### | ولاية حنظلة بن صفوان أفريقية والمغرب كله # ولما بلغ أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك قتل كلثوم بن عياض وأصحابه بعث ~~إلى أفريقية والمغرب حنظلة بن صفوان الكلبي. وكان عامله على مصر ولاه عليها ~~سنة 119. فقدمها في شهر ربيع الآخر منها. فبعث إليه أهل الأندلس أن يبعث ~~إليهم عاملا، فوجه إليهم أبا الخطار حسام بن ضرار الكلبي. فسار في البحر من ~~تونس إلى الأندلس، واليا عليها. فقدمها في رحب، وسأذكر خبره في أخبار ~~الأندلس إن شاء الله. # ومن أخبار حنظلة أمير أفريقية مع بعض القبائل الغربية: وذلك لما استقر ~~حنظلة بالقيروان، لم يمكث فيها إلا يسيرا، زحف إليه عكاشة الصفري الخارجي، ~~في جمع عظيم من البربر، وزحف أيضا إلى حنظلة عبد الواحد بن يزيد الهواري في ~~عدد عظيم. وكانا افترقا في الزاب. فأخذ عكاشة على طريق مجانسة. فنزل في ~~القيروان، وأخذ عبد الواحد على طريق الجبال، وعلى مقدمته أبو قرة المغيلي. ~~فرأى حنظلة أن يعجل قتال عكاشة، قبل أن يجتمعا عليه. فزحف إليه بجماعة أهل ~~القيروان. فالتقوا بالقرن، وكان بينهم قتال شديد فهزم الله عكاشة ومن معه، ~~وقتل من البربر ما لا يحصى كثرة، وقيل إن حنظلة لما رأى ما دهمه ms041 من البربر ~~قال لأصحابه: (نستمد أمير المؤمنين!) فقال له شاب جميل الوجه: (بل نخرج إلى ~~عدونا حتى يحكم الله بيننا!) فعزم حنظلة، وخرج فهزم الله عكاشة في خبر ~~طويل. # قال عبد الله بن أبي حسان: فأخرج حنظلة كل ما في الخزائن من السلاح وأحضر ~~الأموال، ونادى في الناس فأول من دخل عليه، رجل من بحصب فقال له: (نصر بن ~~ينعم!) قال: فتبسم حنظلة كالمكذب له وقال له (بالله أصدق!) فقال (والله) ~~مالي أسم غير ما قلت لك فتفاءل به وقال (نصر وفتح) فأعطى الناس وخرج PageV01P058 # لمقابلة الصفرية وهم بالخوارج. فكان بينه وبينهم حرب يطول ذكرها، فالتحم ~~فيها القتال، وتداعى الأبطال ولزم الرجالة الأرض، فلا تسمع إلا وقع الحديد ~~على الحديد، وتقابض الأيدي بالأيدي. وكانت كسرة على ميسرة العرب، ثم انكسرت ~~ميسرة البربر وقلبهم، ثم كرت العرب على ميمنة البربر، فكانت الهزيمة. وسيق ~~إلى حنظلة رأس عبد الواحد، وأخذ عكاشة أسيرا، فأتى به إلى حنظلة، فقتله وخر ~~لله ساجدا. # وقيل إنه ما علم في الأرض مقتله كانت أعظم منها. أراد حنظلة أن يحصى من ~~قتل، وأمر بعدهم. فما فدر على ذلك. فأمر بقصب فطرح قصبة على كل قتيل. ثم ~~جمعت القصب، وعدت، فكانت القتلى مائة ألف وثمانين ألفا. وكانوا صفرية ~~يستحلون النساء وسفك الدماء. # وكتب بذلك حنظلة إلى أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك. فسر بذلك سرورا ~~عظيما. وكان الليث بن سعد يقول: (ما من غزوة كنت أحب أن أشهدها، بعد غزوة ~~بدر، أحب إلي من غزوة القرن والأصنام) . # وفي سنة 125، توفي أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك بعلة الذبحة. وعماله ~~في هذه السنة هم الذين كانوا في السنة قبلها، ومن جملتهم حفص بن الوليد على ~~مصر، وحنظلة بن صفوان على أفريقية والمغرب، وأبو الخطار على الأندلس. ثم ~~استخلف بعده الوليد بن يزيد، يوم موت هشام بن عبد الملك، وذلك يوم الأربعاء ~~لست خلون من ربيع الأخر. # وفي سنة 126 توفي الوليد بن يزيد مقتولا يوم الخميس لليلتين بقيتا من ~~جمادى ms042 الآخرة، قتله يزيد بن الوليد المسمى بالناقص واستخلف يزيد ولم يكن في ~~أيامه في هذه السنة بأفريقية أمر. وبويع بدمشق وجعل العهد نعده لابنه ~~إبراهيم بن يزيد فأقام نحو شهر ونصف، ثم خلع نفسه لمروان الجعدي. فقيل إنه ~~نبش على يزيد بن الوليد وأخرجه من قبره وصلبه. PageV01P059 ### | انتزاء عبد الرحمن بن حبيب الفهري بإفريقية وبعض أخباره # كان عبد الرحمن بن حبيب هذا قد هرب إلى الأندلس. عند هزيمته من الوقيعة ~~التي قتل فيها أبوه حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع، مع كلثوم بن عياض. ~~فلم يزل. وهو بالأندلس، يحاول أن يتغلب عليها. فلم يمكنه ما أراد، إلى أن ~~وجهة حنظلة أبا الخطاب إليها، فخاف على نفسه، وخرج مستترا، فركب البحر إلى ~~تونس، فنزل بها، وذلك في جمادى الأولى سنة 127، فدعا الناس إلى نفسه، ~~فأجابوه. وأراد حنظلة الخروج إليه، والزحف لقتاله. ثم كره قتال المسلمين. ~~وكان ذات ورع ودين، فوجه إلى حنظلة جماعه من وجوه أفريقية يدعونه إلى ~~مراجعة الطاعة. فلما قدموا عليه. أوثقهم في الحديد، وأقبل بهم إلى ~~القيروان، وقال (أن رمى أحد من أوليائهم بحجر، قتلتهم) وكانوا وجوههم ~~ورؤساءهم. فلما رأى حنظلة ذلك دعا القاضي والعدول، وفتح بيت المال؛ فأخذ ~~منه ألف دينار، وترك الباقي، وقال: (لا أتلبس منه ألا بقدر ما يكفيني ~~ويبلغني) ثم شخص عن أفريقية في سنة 139 في جمادى الأول. وأقبل عبد الرحمن ~~حتى دخل القيروان، ونادى مناديا: (لا يخرجن أحد مع حنظلة، ولا يشيعه) فرجع ~~عنه الناس خوفا من عبد الرحمن. ولما قفل حنظلة إلى الشرق، دعا على عبد ~~الرحمن وعلى أهل أفريقية، وكان مستجاب الدعوة. فوقع الوباء والطاعون ~~بأفريقية سبع سنين، لا يكاد يرتفع إلا مرة في الشتاء ومرة في الصيف. # وقال بعض المؤرخين أن مروان بن محمد الجعدي بعث إلى عبد الرحمن ابن حبيب ~~بولايته على أفريقية بعد تغلبه عليها. # ولما ولي عبد الرحمن، ثار عليها جماعة من العرب والبربر. ثم ثار عليها PageV01P060 # عروة بن الوليد الصدفي؛ فستولى على تونس، ms043 وثار عليها عرب الساحل، وقام ~~عليه ابن عطاف الأزدي. وثارت. البربر في الجبال الصنهاجية بباجة؛ فأخذها. ~~فخرج إلها الياس بن حبيب، أخو عبد الرحمن، في ستمائة فارس؛ ولم يظهر إنه ~~خرج إليه، بل أعمل الحيلة مع أخيه في ذلك. ولما وصل الجاسوس، قال: (إن ~~القوم آمنون غافلون) خرج العسكر إليهم؛ فقتل ابن عطاف وأصحابه، وأمعن عبد ~~الرحمن بن حبيب في قتل البربر، وأمتحن الناس بهم، ابتلاهم بقتل الرجال ~~صبرا، يؤتي الأسير من البربر، فيأمر من يتهمه بتحريم دمه بقتله، فيقتله. ~~وكانت بأفريقية حروب ووقائع يطول ذكرها. # وكان عبد الرحمن بن حبيب قد كتب إلى مروان بن محمد، وأهدى إليه الهدايا. ~~فكتب إلى مروان، يأمره بالقدوم عليه. ثم ضعف أمر بني أمية بالمشرق، وأشتغل ~~بحرب المسودة. فأقام عبد الرحمن بالقيروان، حتى كانت سن 135. فغزا تسلمان، ~~وخلف ابنه حبيبا على القيروان؛ فظفر بطوائف من البربر، وعاد إلى القيروان. ~~ثم أغزى صقلية. ثم بعث إلى (سر دانية) ؛ فقتل من بها قتلا ذريعا؛ ثم صالحوا ~~على الجزية. وبعث إلى إفرنجة؛ فأتى بسيها؛ ودوخ المغرب كله، وأذل من به من ~~القبائل، لم يهزم له عسكر. ولا ردت له راية. وداخل جميع أهل المغرب الرعب ~~والخوف منه. # وقتل مروان بن محمد بالمشرق، وزالت دولة بني أمية. وبقي عبد الرحمن ابن ~~حبيب أمير أفريقية والمغرب. وهرب جماعة من بين أمية خوفا من بني العباس، ~~ومعهم حرمهم. فتزوج منهم عبد الرحمن وأخواته. وكان فيمن قدم ابنا الوليد بن ~~يزيد، وكانت ابنة عمها عند أليس بن حبيب، فأنزلهما عبد الرحمن في دار؛ ثم ~~أحتال في بعض الليالي؛ فأطلع عليهما من موضع خفي، وهما على نبيذ، ومولاهما ~~يسقياهما، إذ قال أحدهما: (أيظن عبد الرحمن إنه يبقى أميرا معنا، ونحن ~~أولاد الخليفة) فلما سمع هذا منه أنصرف. ثم PageV01P061 # دعاهما، وأظهر لهما بشرا، حتى أتاهما من أخبرهما أن عبد الرحمن سمع ~~كلامهما. فركبا جملين وهربا فبعث عبد الرحمن الخيل في طلبهما، وأدركا. فآمر ~~بضرب أعناقهما. وكانت ابنة عمهما عند إلياس، فقالت له ms044 (قتل أختانك وأنت ~~صاحب حربه وصاحب سيفه! وجعل العهد من بعد عهده لحبيب ولده! فهذا تهاون بك!) ~~ولم تزل به حتى اجنمع رأي الياس وأخيه عبد الوارث على قتل أخيهما عبد ~~الرحمن. وهاودهما على ذلك جماعة من أهل القيروان على ما يأتي ذكره. # وفي سنة 127 كان دخول عبد الرحمن بن حبيب هذا أفريقية ودعواه لنفسه، كما ~~تقدم. وفيها كان انتزاء ثوابة بن سلامة بالأندلس، وبويع بها. وكان قد هزم ~~أبا الخطار سنة 125. وتم له الأمر في هذه السنة، لكن لا بعهد من بني أمية ~~ولا من بني العباس، بل عنوة بالسيف. وأقام معه الصميل؛ فكان السلطان لثوابه ~~للصميل. # وفي سنة 128، هلك أمير الأندلس ثوابه في شعبان، فكانت دولته نحو سنة، حسب ~~ما أذكر ذلك في أخبار الأندلس، أن شاء الله. فبقيت الأندلس دون أمير أربعة ~~أشهر. فأجتمع الناس على الصميل بن حاتم، فوقع نظره ونظرهم على تقدين يوسف ~~بن عبد الرحمن الفهري. # وفي سنة 129، أستقل يوسف الفهري بولاية الأندلس فكانت ولايته إياها عشر ~~سنين: فما من سنة من هذه السنيين ألا ويمكن أن يكون له فيها غزو، إذا قالوا ~~إنه واصل الجهاد؛ وسيأتي ذكره وخبره في خبر الأندلس إن شاء الله. # وفيها كانت بالأندلس حروب ووقائع وغلاة في الشعر. وقيل أن ولاية يوسف ~~كانت في صفر من هذه السنة، وإنهم كتبوا لعبد الرحمن بن حبيب عامل القيروان؛ ~~فأنفذ إليه عهد بولاية الأندلس. # وفي سنة 130، كان استيلاء أبي مسلم على مرو، وتفريقه كلمة العرب PageV01P062 # واختياره اليمانية لنصرته، وتشريده المضرية وكان له غزوات ومواقعات؛ وعبد ~~الرحمن بن حبيب أمير أفريقيا كذلك، في حروب ووقائع البربر. # وفي سنة 131 كان استيلاء أبي مسلم على خراسان، وعامل مصر وأفريقيا ~~والأندلس على ما كان عليه قبل ذلك. وفيها بني عبد الرحمن بن حبيب سور مدينة ~~طرابلس، وانتقل الناس إليها من كل مكان. # وفي سنة 132 كانت الوقعة التي هزم فيها الأمويون مع أبي هريرة، وفتح ~~العباسية للكوفة. ثم اتصلت الولايات العباسية والفتوح للبلاد الشرقية ms045 ~~وخروجها عن الأموية واحدا من بعد واحد. فقلت مروان بن محمد الجعدي في هذه ~~السنة، وانقطعت الدولة الأموية. وكانت دولتهم 91 سنة وتسعة أشهر وخمسة أيام ~~وهم أربعة عشر رجلا: منها أيام ابن الزبير تسع سنين واثنان وعشرون يوما. ثم ~~تفرقت بنو أمية في البلاد هربا بأنفسهم، وهرب عبد الرحمن ابن معاوية إلى ~~الأندلس. فبايعه أهلها وتجددت لهم بها دولة استمرت إلى بعد الأربعة ~~والعشرين والأربعمائة. فانقطعت دولتهم ست سنين أو نحوها، من هذه السنة إلى ~~حين دخول عبد الرحمن الأندلس. وجددها في سنة 137. فإن صح أن عهد عبد الرحمن ~~بن حبيب، صاحب القيروان وأفريقية من قبل بني أمية، وصل إلى يوسف بن عبد ~~الرحمن المتغلب على الأندلس، الذي أدخل عبد الرحمن إليها وهو أميرها، فعلى ~~هذا، كانت لهم دولة متصلة بالأندلس. فتأمل هذا فإن إن صح بكته غريبة وفائدة ~~عجيبة قال أبو محمد بن حزم: انقطعت بني أمية. وكانت على علاتها دولة عربية، ~~لم يتخذوا قاعدة ولا قصبة. وإنما كان سكني كل أمير منهم في داره وضعيته ~~التي كانت له قبل خلافته، ولا كلفوا المسلمين أن يخاطبوهم بالعبودية والملك ~~ولا تقبيل يد ولا رجل، وأما كان غرضهم التولية والعزل في أقاصي البلاد؛ ~~فكانت عمالهم وولاتهم في الأندلس، وفي الصين، وفي PageV01P063 # السند، وفي خراسان، وأرمينية، واليمن، والشام، والعراق، ومصر، والمغرب ~~وسائر البلاد الدنيا، ما عدى الهند. # وانتقل الأمر إلى بني العباس في هذه السنة. قال ابن حزم في جملة كلامه ~~أيضا: فكانت دولتهم أعجمية: سقطت فيها دواوين العرب، وغلب عجم خراسان على ~~الأمر، وعاد الأمر ملكا غضوضا كسرويا، إلا أنهم لم يعلنوا بسبب أحد من ~~الصحابة - رضوان الله عليهم - افترقت في دولة بني العاس دعوة المسلمين ~~وكلمتهم، فتغلبت على البلاد طوائف من الخوارج والشيعة والمعتزلة ومن ولد ~~إدريس وسليمان ابني عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب - رضي ~~الله عنهم أجمعين - ظهروا في المغرب الأقصى وتملكوا فيه. ومنهم من ولد ~~معاوية تغلبوا على الأندلس، وكثيرا من ms046 غيرهم أيضا. وفي خلال هذه الأمور ~~تغلبت الكفرة على أكثر بلاد الأندلس وأكثر بلاد السند. وفي سنة 132 ~~المذكورة كان المولون للعمال بالبلاد أربعة أمراء: وهم مروان بن محمد وأبو ~~سلمة الخلال، وأبو مسلم، وأبو العباس السفاح. فأما مروان فعزل الوليد بن ~~عروة عن المدينة، وولاها أخاه عيسى، وأما أبو سلمة، فاستعمل محمد بن خالد ~~على الكوفة إلى أن ظهر أبو العباس السفاح ظهورا تاما، وأما أبو مسلم، فهو ~~كان السلطان الأعظم الذي لا يرد أمره، وهو الذي قدم محمد بن الأشعث على ~~فارس، وأمره أن يأخذ عمال أبي سلمة فيضرب أعناقهم، ففعل ذلك، وأما أبو ~~العباس، فوجه بعد ذلك إسماعيل بن علي واليا على فارس، وأخاه أبا جعفر على ~~الجزيرة وأرمينية وأذربيجان، وولى أخاه يحيى بن محمد علي على الموصل، وولى ~~على مصر أبا عون عبد الملك بن يزيد، وولى على أفريقية عبد الرحمن بن حبيب ~~لأنه، لما بلغته بيعة أبي العباس كتب إليه بالسمع والطاعة فأقره. PageV01P064 # وفي سنة 133 ولى أبو العباس السفاح عمه سليمان بن علي البصرة وأعمالها ~~والبحرين وغير ذلك، وولى عمه إسماعيل على الأهواز، وولى عمه داود المدينة، ~~وولى عماله سائر البلاد الشرقية، وأفريقية والأندلس على ما كانت عليه. وفي ~~سنة 134 بعث أبو العباس السفاح موسى ين كعب في اثني عشر ألفا لقتال منصور ~~بن جمهور من المنتزين على العباس، فسار إليه حتى لحقه بأرض الهند، فهزمه ~~ومن كان معه، ومضى فمات عطشا في الرمال. # وفيها كان أيضا العزل والولايات بالمشرق. وبقى على مصر أبو عون وعلى ~~أفريقية عبد الرحمن بن حبيب، وعلى الأندلس يوسف الفهري. # وفي سنة 135 كانت غزوة عبد الرحمن بن حبيب صاحب أفريقية صقلية، فسبى ~~وغنم. وغزا أيضا سودانية، وصالحهم على الجزية. وغزا أرض البربر بجهة ~~تلمسان. ومدينة تلمسان قاعدة المغرب الأوسط وهي دار مملكة زناتة. قال ~~البكري: بنو يغمراسن من هوارة يعتدون في ستين ألفا. وتلمسان دار مملكة ~~زناتة على قديم الزمان، ومتوسط بلاد القبائل من زناتة وغيرهم ومقصد ms047 النجار، ~~ونزلها محمد بن سليمان من ذرية علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ومن ذريته ~~أبي العيش عيس بن إدريس بن محمد بن سليمان الذي بنى مدينة جراوة. # ونسب زناتة: قال أبو المجد المغيلى، وعلي بن حزم، وغيرهما: أن زناتة هم ~~أولاد جانا بن يحيى بن صلوات بن ورتناج بن ضرى بن سفكو بن قيدواد بن شعبا ~~بن مادغيس بن هود بن هرسق بن كداد بن مازيغ. وذكروا أن ضرى هو ابن وزجيج بن ~~مادغس بن بر، فولد ابن برنوس. وولد برنوس كتامة ومصمودة واوربة ووزداجة ~~واوزيغة، فولد أوزيغة هوارة، ومن قبيل هوارة بنو كهلان ومليلة، وولد يحيى ~~جذانا وسمجان وورسطيف، وولد جذانا ورسيج وولد ورسيج مرين، وولد مرين نجد ~~ونمالة، وولد ورسطيف PageV01P065 # وركنة ومكناسة، وولد ضرى أيضا تمزيت، وولد تمزيت مطماطة ومدغرة وصدينة ~~ومغيلة وملزوزة، ومديونة، وولد وزجيج لاوى الكبير، وولد لاوى الكبير لاوى ~~الصغير ومغرواة وأيفرن وولد لارى الصغير نفزاو وولد نفزاو يطوفت وولد لاوى ~~الصغير أيض كطوف وولد كطوف ونبطط، فولد ونبطط سدراتة وكانت سدراتة أخوان ~~بني مغراوة لأمهم، وكان أولاد مغراوة وبني يفرن من أعظم بطون زناتة. # قال رجال من كتابه: كان بنو مرين يسكون وراء تلمسان، وهو من زناتة، من ~~ولد جانا بن يحيى بن ضريس بن لوا بن نفزاو بن بتر بن قيس غيلان بن الياس بن ~~مضر. قال: وبنو مرين من العرب الصريحيون. # وفي سنة 136، كان ابتداء أبي العباس السفاح محاولة الغدر بأبي مسلمة، ~~وضفر أبي مسلم بمن حاول ذلك، وقتله لهم، وذلك في خبر طويل. وقيل: بل كان ~~ابتداء تلك المحولة في 135 قبلها. وقدم أبو مسلم في هذه السنة على أبي ~~العباس مستأذنا في الحج، فهم أبو العباس بقتله ثم انثنى على ذلك وحج أبو ~~مسلم وأبو جعفر. # وفيها توفي أبو العباس السفاح في ذي الحجة، بعد أن ولى العهد لأخيه أبو ~~جعفر المصور، فاستوسقت له الأمور، وبايعه الجمهور. # وفي 137، كان قدوم أبي جعفر المنصور من مكة، وتتميم بيعته، فدخل ms048 أبو جعفر ~~الكوفة وصلى الجمعة، ووافاه كاتب أبي مسلم بالحيرة، ثم شخص أبي مسلم إلى ~~الأنبار. # وفيها انتزى عبد الله بن علي على أخيه وامتنع من بيعته، فبعث إليه أبو ~~جعفر أبى مسلم، فحاربه. وفيها قتل المنصور أبا مسلم. وكيفية ذلك في (تاريخ) ~~أخبار المشرق. PageV01P066 ### | بقية أخبار عبد الرحمن بن حبيب بأفريقية # لما صار الأمر إلى أبي جعفر المنصور، كتب إلى عبد الرحمن يدعوه إلى ~~الطاعة. فأجابه، ودعا له، ووجه إليه بهدية كان فيها بزة وكلاب، وكتب إليه: ~~(أن أفريقية اليوم إسلامية كلها، وقد أنقطع السيئ منها) فغضب أبو جعفر ~~المنصور وكتب إليه يتوعده. فلما وصل إليه الكتاب، غضب غضبا شديدا؛ ثم نادى ~~(الصلاة جامعة) فاجتمع الناس؛ وخرج عبد الرحمن في مطرف خز، فصعد المنبر، ~~فحمد الله وأثنى عليه؛ ثم أخذ في سب أبي جعفر، وقال (أني ظننت هذا الخائن ~~يدعو إلى الحق ويقوم به، حتى تبين لي خلاف ما بايعته عليه من أقامة العدل! ~~وأني خلعته كما خلعت نعلي هذا!) وقذفه من رجله. ثم دعا بخلع السود وأمر ~~بتخريقها وقال: (هذا لباس أهل النار في النار!) قال الرقيق: (كان قد لبسها ~~قبل ذلك، ودعا فيها لأبي جعفر؛ فقطعت قطعا وأحرقت.) وقال ابن القطان: كان ~~عبد الرحمن بن حبيب يظهر الطاعة لأبي جعفر، يدعو له على المنبر، ألا إنه لم ~~يلبس السواد، وقال: (أن هذا لباس أهل النار في النار!) ثم خلعه ونبذ طاعته. ~~وحقق عريب أن خلعه لطاعة أبي جعفر كان في هذه السنة. ### | مقتل عبد الرحمن # كان عبد الرحمن يوجه أخاه غازيا؛ فإذا ظفر، كتب عبد الرحمن بالفاتح، ~~ويزعم أن ابنه كان يتولى الفتوح وكان قد ولاه عهده، فعمد الياس إلى قتل ~~أخيه عبد الرحمن، وشاور في ذلك أخاه عبد الوارث، فأجابه. ودعوا إلى ذلك ~~قوما من أهل القيروان من العرب على أن يقتلوا عبد الرحمن ويؤمروا الياس بن ~~حبيب، وتكون الطاعة لأبي جعفر. وكان عبد الرحمن ولى أخاه PageV01P067 # الياس تونس، وودعه للخروج إليها، وعبد الرحمن إذ ذاك ms049 مريض. فدخل عليه، ~~وهو في غلالة ورداء، وابن له صغير في حجرة، فقعد طويلا، وعبد الوارث يغمزه. ~~فلما قام يودعه أكب علية ووضع السكين بين كتفيه حتى وصل إلى صدره ثم ردة ~~يده على السيف فضربه، وخرج هاربا دهشا. فقال له أصحابه: (ما فعلت؟) قال: ~~(قتلته!) قالوا: (أرجع! فهز رأسه!) فرجع وهز. وثارت الصيحة. وأخذ الياس ~~أبواب دار الإمارة، وسمع ابنه حبيب الصيحة، فأخبر بقتل والده، فأختفى، ثم ~~تحامل على وجهه إلى باب تونس أحد أبواب القيروان فخرج منه ومضى إلى عمه ~~عمران بن حبيب، وهو والي تونس لوالده فكانت ولاية عبد الرحمن بن حبيب ~~أفريقية عشر سنين وسبعة أشهر. وكان أول ثائر متغلب على بلاد أفريقية ### | ولاية الياس بن حبيب أفريقية # ولما قتل أخاه، ولي أمور أفريقية والقيروان، وحبيب عند عمه عمران بتونس. ~~فأخبره بخبر أبيه، ولحق بهما مواليهما وعبيدهما من كل ناحية. فخرج إلياس، ~~وأتاه حبيب وعمران بمن معهما؛ فهموا بالقتال، ثم اصطلحوا على أن يعود عمران ~~إلى ولاية تونس وصطفورة والجزيرة، ويكون حبيب على قفصة وقسطليلة، وألياس ~~لسائر أفريقية والمغرب. ومضى الياس مع أخيه عمران إلى تونس؛ فوثب عليه ~~ألياس، وبعث به إلى الأندلس. وولي على تونس محمد ابن المغيرة، وانصرف إلى ~~القيروان؛ فبلغه عند حبيب أخبار كرهها. فعلم ذلك حبيب؛ فدس له من زين له ~~الخروج إلى الأندلس؛ ففعل؛ ووجه معه شقيقه عبد الوارث ومن أحب من مواليه. ~~فركبوا البحر، وقد تعذرت بهم الريح؛ فكتب حبيب إلى الياس يعلمه بأن الريح ~~ردته، ووقفوا بطية. فكتب الياس إلى عاملة بها يحذره من أمره. فسمع به موالي ~~عبد الرحمن وأهل طاعته؛ فأتوا إليه من كل ناحية، وطرقوا سليمان بن زياد ~~عامل الياس ليلا، PageV01P068 # وهو في معسكره يحارس حبيبا. فأسروه، وشدوا وثاقه، وركبوا إلى حبيب، ~~فأخرجوه إلى البر. ### | ذكر قيام حبيب بن عبد الرحمن بن حبيب على عمه الياس وتغلبه على بلاد أفريقية # لما خرج حبيب هذا إلى البر، واجتمعت عليه أهل طاعة أبيه، ظهر أمره، وشاع ~~ذكره. وتوجه ms050 إلى الأربس؛ فأخذها. وبلغ خبره إلى ألياس؛ فخرج يريده، وأستخلف ~~على القيروان محمد بن خالد القرشي، فلما قرب الياس منه، تحاربا حربا خفيفة. ~~فلما أمس حبيب، أوقد النيران ليضن الناس إنه مقيم. ثم سرى، فأصبح بجلولا. ~~ثم نفذ إلى القيروان، فيتولى عليها. ثم رجع الياس في طلبه، ففسد عليه من ~~كان معه، وتقوى حبيب وخرج إليه في جمع عظيم. فلما التقيا، ناداه حبيب: (لما ~~نقتل صنائعنا وموالينا، وهم لنا حصن! ولكن أبرز أنا وأنت.. فأينا قتل ~~صاحبه، استراح منه!) فناداه الناس.. (قد أنصفك يا الياس) فخرج كل واحد ~~منهما إلى صاحبه، ووقف أهل العسكر ينظرون إليهما، فتطاعنا حتى تكسرت ~~قناتاهما ثم تضاربا بسيوفهما وعجب الناس من صبرهما. ثم ضرب الياس حبيبا ~~ضربة (في ثيابه ودرعه، ووصلت إلى جسده وضرب حبيب عمه الياس ضربة) أسقطته ثم ~~أكب عليه، فحز رأسه وأمر برفعه على رمح وأقبل به على القيروان فدخلها وبين ~~يديه رأس عمه ورؤوس أصحابه، فيهم عم أبيه محمد بن أبي عبدة بن عقبه ورأس ~~محمد بن مغيرة القرشي وغيرهما من وجوه العرب وذلك في عام 138 فكانت ولاية ~~الياس إلى أن قتل نحو سنة وستة أشهر. # وفي سنة 138، قام البربر في أفريقيا على حبيبي بن عبد الرحمن بن حبيب ~~ولما قتل حبيب عمه الياس هرب عبد الوارث بن حبيب ومن كان معه. PageV01P069 # إلى عسكر الياس أخيه إلى بطن من البربر يقال لهم ورفجومة من نقزة لاجئين ~~إليهم فنزلوا عليهم وأميرهم عاصم بن جميل فكتب إليه حبيب يأمره بتوجيههم ~~إليه فلم يفعل فزحف إليه حبيب ولقيه عاصم ومعه كل من هرب من حبيب فاقتتلوا ~~وانهزم حبيب وكان إذا خرج إليهم استخلف على القيروان أبا كريب القاضي فكتب ~~بعض أهل القيروان إلى عاصم وأشياخ ورفجومة وظنوا أنهم يوفون لهم بالعهد ~~وأظهروا لهم أنهم إنما يريدون أن يدعوا لأبي جعفر فزحف عاصم بن جميل وأخوه ~~مكرم من كان معهم من البربر ومن لجأ إليهم من العرب بعد أن هزموا حبيبا ~~وساروا إلى ناحية ms051 قابس، حتى انتهوا إلى القيروان. فلما دنا بعضهم من بعض، ~~خرج جماعة من عسكر عاصم، فقتلوا منهم أناسا وتفرق الناس عن القاضي أبي كريب ~~ورجعوا إلى القيروان ولم يعلموا ما يحل بهم من البربر وثبت أبي كريب في نحو ~~ألف رجل من أهل الدين، مستسلمين للموت فقاتلوا حتى قتل أبي كريب وأكثر ~~أصحابه ودخل ورفوجمة القيروان، فاستحلوا المحارم، وارتكبوا الكبائر، ونزل ~~عاصم بمصلى روح ثم استخلف عل القيروان عبد الملك ين أبي جعد اليفرني وسار ~~إلى حبيب، وهو بقابس. فانهزم حبيب ولحق بجبل أوراس. فسار إليه عاصم، فهزمه ~~حبيب، وقتله مع جملة من أصحابه. وأقبل حبيب إلى القيروان، فخرج إليه عبد ~~الملك بن أبي الجعد فاقتتلا، فنهزم حبيب وقتل في المحرم ن سنة 140 فكانت ~~ولاية وتاريخ عبد الرحمن بن حبيب نحو 10 سنين وأشهر، وولاية أخيه الياس سنة ~~وستة أشهر (ثم تغلب على أفريقية بعض القبائل الصفرية بعد قتل حبيب وعاصم، ~~فدخل القيروان وربطوا دوابهم في المسجد الجامع، وقتلوا كل من كان من قريش ~~وعذبوا أهلها. وأساءت ورفجومة لأهل القيروان سوء العذاب وندم الذين ~~استدعوهم أشد ندامة. ثم قام أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح PageV01P070 # المعافري وكان ثائرا متغلبا خرج طرابلس بعد ما كان استولى عليها يريد ~~القيروان لقتال ورفجومة. فالتقى معهم وقاتلهما. ثم هزمزهم وتبعهم يقتلهم، ~~ثم انصرف إلى القيروان. فولى عليهم عبد الرحمن بن رستم صاحب تاهرت بعد ذلك ~~ومضى الخطاب إلى طرابلس وكانت مدة هذه الأهوال والفتن التي اختصرناها هنا ~~مجملة في نحو ثلاثة أعوام. # وفي سنة 139، كان الفداء بين أبي جعفر المنصور والروم، فاستنقذ المنصور ~~منهم أسرى المسلمين. ولم تكن بعد ذلك صائفة للمسلمين إلى سنة 146. # وقي سنة 141 كان ابتداء بناء سجلماسة. وفيها كان خروج أبي الخطاب إلى ~~القيروان لقتال ورفجومة، فخرج إليه واليها عبد الملك، فخذله أهل القيروان ~~وانهزموا عنه، فقتل عبد الملك وأصحابه في صفر وكان تغلب ورفجومة على ~~القيروان سنة وشهرين. # وفي سنة 142، أقبل أبي الأحوص اعجلي بالمسودة. فخرج إليه أبي ms052 الخطاب. ~~فالتقى بمقداس على شاطئ البحر، فانهزم أبي الأحوص وأصحابه واحتوى أبي ~~الخطاب على عسكرهم. ورجع أبي الأحوص إلى مصر وانصرف أبو الخطاب طرابلس. ~~وكانت أفريقية في يديه إلى أن وجه المنصور بن الأشعث. # وفي سنة 143 اتصل أبي الخطاب أن أبي الأشعث يريد القيروان. فخرج إليه في ~~زهاء مائتي ألف. فعسكر بهم في أرض سرت واتصل ذلك بمحمد بن الأشعث. # وفي سنة 144، ولي أفريقية محمد بن الأشعث الخزاعي. PageV01P071 ### | ذكر ولاية محمد بن الأشعث الخزاعي أفريقيا # لما غلبت الصفرية على أفريقيا بعد أن قتلت ورفجومة من قتلت من قريش ~~وغيرهم، خرج جماعة من عربها إلى المنصور يستنصرون به على البربر ويصفون له ~~ما نالهم منهم. فولى أبو جعفر بن الأشعث مصر. فوجه أبا الأحوص. فهزمته ~~البربر كما تقدم. فكتب أبو جعفر إلى ابن الأشعث أن يسير بنفسه، فخرج إلى ~~أفريقية في أربعين ألفا، عليها ثمانية وعشرون قائدا. فالتقوا بأبي الخطاب، ~~وكان قد جمع أصحابه في كل ناحبة، ومضوا في عدد عظيم. فضاق ذرع ابن الأشعث ~~بلقاء أبي الخطاب لما بلغه كثرة جيوشه. ثم أن زناتة وهوارة تنازعت فيما ~~بينها، واتهمت زنانة أبا الخطاب في ميله مع هوارة. فارقه جماعة منهم وبلغ ~~ذلك بن الأشعث فسر به ورحل إليه. فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم البربر وقتل ~~أصحاب أبي الخطاب وأبو الخطاب. فظن ابن الأشعث ألا بقية بعد أبي الخطاب. ثم ~~طلع عليهم أبي هريرة الزناتي في ستة عشر ألفا. فتلقاهم أبي الأشعث فهزمهم ~~وقتل بعضهم، وذلك في ربيع الأول من السنة. ووجه أبي الأشعث برأس أبي الخطاب ~~إلى بغداد. ولما انتهى إلى عبد الرحمن ابن رستم قتل أبي الخطاب وولى هاربا ~~إلى موضع تبهرت، فاختطها ونزلها وأخذ أهل القيروان عامله عليها فأوثقوه في ~~الحديد وولوا على أنفسهم عمرو بن عثمان القرشي، إلى أن وفد عليهم أبي ~~الأشعث ودخل القيروان غرة جمادى الأولى من السنة. # وفي هذه السنة وأمر ابن الأشعث بناء سور القيروان في ذي القعدة وكان ~~تمامه في رجب سنة 146. وضبط ms053 ابن الأشعث أفريقية وأعمالهم وأمعن في كل من ~~خالفه من البربر بالقتل فخافوه وأذعنوا له بالطاعة. ثم ثار عليه موسى بن ~~موسى بن عجلان كان أحد جنده، في جماعة من قواده فأخرجوا ابن PageV01P072 # الأشعث من القيروان من غير قتال. فكان خروج ابن الأشعث من القيروان في ~~ربيع الأول سنة 148. فكانت ولايته بها ثلاثة أعوام وعشرة أشهر، في خلافة ~~أبي جعفر المنصور. # وفي سنة 145، اشتغل ابن الأشعث بناء سور القيروان. وأخصبت بلاد أفريقية ~~وكان قد بعث إلى زويلة وودان، فافتتحهما وقتل من بهما من الأباضية وقتل عبد ~~اله بن حيان الأباضي، وكان رأس أهل زويلة. وسكن ابن الأشعث أحوال أهل ~~أفريقية في هذه السنة. فلم تكن بها حركة له وفي سنة 146، استتم ابن الأشعث ~~بناء سور مدينة القيروان. وفيها أيضا استم المنصور بناء بغداد ولازم العمل ~~فيها، وانتقل إلى سكناها في شهر صفر من هذه السنة. # وفي سنة 147، كان الأمير على مصر يزيد بن حاتم، وعلى أفريقية محمد ابن ~~الأشعث الخزاعي، وليس هو محمد ابن الأشعث الكندي ابن أخت عائشة. # وفي سنة 148، ثار الجند على محمد ابن الأشعث بأفريقية وسألوه الخروج ~~عنهم. فخرج في ربيع كما تقدم ذكره. ثم اتفق الجند على تولية عيسى بن موسى ~~الخراساني. ### | ثورة عيسى بن موسى بالقيروان وببعض بلاد أفريقية # فتغلب عليها بعض العرب والجند من غير عهد من المنصور، ولا رضى منه، ولا ~~تراض من العامة، وذلك في شهر ربيع آخر من عام 148 المذكور. فكانت مدته ~~ثلاثة أشهر. PageV01P073 ### | ولاية الأغلب بن سالم التميمي # لما بلغ المنصور ما كان من أمر قواد الجند المصرية وصرفهم محمد بن الأشعث ~~بعث إلى الأغلب بن سالم بن عقال التميمي عهده بولايته، في آخر جمادى الآخر ~~من السنة المؤرخة فاستقامت له الحال. وكان من أهل الرأي وذوي المشورة، ~~ووصله كتاب المنصور بعد كتاب العهد يأمره بالعدل في الرعية وحسن السيرة في ~~الجند، وتحصين مدينة القيروان وخندقها وترتيب حرسها ومن يترك فبها إذا رحل ~~إلى عدوه، وغير ذل كمن أموره. ms054 # وسنة 149، لم يكن فيها حركة. # وفي سنة 150، ثار الحسن بن حرب الكندي بالقيروان عل الأغلب ين سالم، وسبب ~~ذلك أن أبا قرة الصغرى خرج في جمع كبير من البربر، فسار إليه الأغلب في ~~عامة القواد الذين معه، وخلف على القيروان سالم بن سوادة فلما علم أبوه أن ~~الأغلب قرب منه هرب وتفرق أصحابه. وقدم الأغلب الزاب وعزم على الرحيل منه ~~إلى تلمسان، قاعدة زناتة ثم إلى طنجة. فكر الجند # المسير معه، وقالوا: (قد هرب أبو قرة الذي خرجنا إليه!) وجعلوا يتسللون ~~عنه إلى القيروان. فلم يبقى معه إلا نفر يسير من وجوههم وكأن الحسن بن حرب ~~بيونس فلما خرج الأغلب يريد أبا قرة، كاتب جميع القواد. فلحق به بعضهم ~~وأقبل معهم إلى القيروان فدخلها، وأخذ سالم بن سوادة عاملها، فحبسه. وبلغ ~~الخبر الأغلب فأقبل في عدة يسيرة وكتب إليه، يعرفه بفضل الطاعة، ووبال ~~المعصية. فأعاد الجواب إلى الأغلب، وفي آخره (وافر) # ألا قولوا لأغلب غير سوء ... مغلغلة عن الحسن بن حرب # بأن البغي مرتعه وخيم ... عليك وقربه لك شر قرب # فإن لم تنثني لتنال سلمي ... وعفوى فأذن من طعن وضربي # وأقبل الأغلب يحث السير بعد ما مضى إلى قابس، وقدم رسول المنصور PageV01P074 # عليه بكتاب منه إليه وإلى الحسن بن حرب يدعوا الحسن إلى الطاعة، فلم قبل ~~فأقبل إليه الأغلب. فاقتتلوا وانهزم الحسن ومضى راجعا إلى تونس، ودخل ~~الأغلب القيروان. ثم حشد الحسن وسار في عدة عظيمة إلى القيروان. ثم أن ~~الأغلب لما بلغه قدوم الحسن إليه، جمع أهل بيته وخاصته، وخرج إليه فأصابه ~~سهما فمات منه في شعبان من السنة المؤرخة. فكانت ولايته سنة واحدة وثمانية ~~أشهر ### | ولاية عمرو بن حفص بن قبيصة أفريقية # ثم ولي أفريقية عمرو بن حفص بن قبيصة سنة 151. وكان شجاعا بطلا. وسبب ~~ولايته أن أبا جعفر لما بلغه قتل الأغلب ين سالم، وجهه في نحو خمسمائة فارس ~~فأقام بالقيروان ثلاثة سنين وأشهر من ولايته، والأمور له مستقيمة ثم سار ~~إلى الزاب، واستخلف حبيب بن حبيب ms055 بن يزيد بن الهلب فخلت أفريقية من الجند ~~وثار بها البربر فخرج إليهم حبيب والتقى معهم، فهزموه وهزموا عسكر طرابلس ~~معه. فاشتدت الفتنة بأفريقية واشتعل نارها. واتاها أمراء القبائل من كل فج، ~~واجتمعوا في اثني عشر عسكرا وتوجهوا إلى الزاب ولبس مع عمرو بن حفص إلا ~~خمسة عشر ألفا وخمسمائة. وكان أمراء المغرب في ذلك الوقت ورؤسائهم أبو قرة ~~الصفري في أربعين ألفا، وعبد الرحمن بن رستم الأباضي في خمسة عشر ألفا وأبو ~~حاتم في عدد كثير وعاصم السدراني في عدد كثير: قبل في ستة آلاف والمصور ~~الزناتي في عشرة آلاف وعبد الملك بن سكرديد الصنهاجي الصفري في ألفين سوى ~~جماعات. قال الرقيق: لم أذكرهم. # فلما رأى عمرو بن حفص ما أحاط به من العساكر بمدينه طبنة بالزاب، جمع ~~قواده، فاستشارهم، وقال لهم: (إني أريد مناهضة هذا العدو!) فأشاروا عليه ~~ألا يبرح من مدينة طبنة وقالوا له: (أخرج من أردت إلى PageV01P075 # عدوك ولا تخرج أنت! فإنك، أن أصبت، تلف المغرب وفسد!) فوجه عمرو إلى أبي ~~قرة مالا كثيرا وكسي كثيرة: على أن ينصرف عنه فقال: (لا حاجة لي بذلك!) ~~فانصرف الرسول بذلك إلى أخيه. فدفع له بعض المال والثياب على أن يعمل في ~~صرف أخيه أبي قرة والصفرية إلى بلادهم. فعمل في ليلته تلك، واجتمع بأهل ~~العسكر فلام يعلم أبي قرة حتى انصرف عنه أكثر أهل العسكر فلم يجد بدا من ~~اتباعهم. فلما انصرف الصفرية وجه عمرو إلى أبي رستم عسكرا، وكان تهودا ~~فانهزم ابن رستم، وقتل من أصحابه نحو ثلاثة ألاف. ووصل منهزما إلى تيهرت. # ورجع عمرو بن حفص إلى القيروان؛ فجعل يدخل إليها كل ما يصلحه من الطعام ~~والمرافق وعدة الحصار. ثم أقبل أبو حاتم في جموعه حتى نزل عليه. وكثرت ~~الفتن ببلاد أفريقية. ويقال أن عدة من حاصر القيروان مائة ألف وثلاثون ألف ~~وكان ابن حفص يخرج إليهم في كل يوم فيحاربهم. فلم يزالوا كذلك ضاق أمرهم، ~~وأكلوا دوابهم وكلابهم وسنانيرهم، وماتوا جوعا وانتهى الملح عندهم أوقية ms056 ~~بدرهم. واضطرب علي ابن حفص أمره وساءت خلقه، وبلغ أن يزيد بن حاتم بعث أمير ~~المؤمنين في ستين ألفا لنصرة القيروان. فقال: (لا خير في الحياة بعد أن ~~يقال: يزيد أخرجه من الحصار! إنما هي رقدة وأبعث إلى الحساب!) وخرج، فجعل ~~يطعن ويضرب حتى قتل في النصف من ذي الحجة من سنة 154. ولم يعط الحال تفصيل ~~هذه السنين من سنة 151 إلى 153 بعدها سنة: فاجتملت أمرها هنا أجملا مختصرا ~~يغني عن أعادتها في كل واحدة منها. # ولما قتل عمرو بن حفص، بايع الناس أخاه جميل بن حفص بالقيروان. فلما طال ~~عليه الحصار، دعاه الاضطرار إلى مصالحة أبي حاتم، على أن جميلا وأصحابه لا ~~يخلعون سلطانهم، ولا ينزعون سوادهم. فغضب أبو حاتم، PageV01P076 # وأحرق أبواب القيروان، وثلم سورها ودخلها. ولما دخل أبو حاتم القيروان، ~~أخرج أكثر أهلها إلى الزاب. ثم بلغ قدوم يزيد بن حاتم؛ فتوجه للقائه نحو ~~طرابلس وأستخلف على القيروان عبد العزيز المعافري. فقام عليها عمر بن ~~عثمان؛ وقتل أصحاب أبي حاتم. فزحف إليهم أبو حاتم إلى القيروان؛ فاقتتل ~~معهم. وتوجه أبو عثمان إلى تونس؛ ورجع أبو حاتم إلى طرابلس، حين بلغه قدوم ~~يزيد ابن حاتم. فقيل إنه كان بين العرب والبربر، من لدن قاتلهم عمرو بن حفص ~~إلى انقضاء أمرهم، ثلاثمائة وخمس وسبعون وقيعة. # وفي سنة 151 ولي المنصور عمرو بن حفص المتقدم الذكر أفريقية. فقدمها في ~~صفر في خمسمائة فارس. وكان قد ولي أفريقية سنة 150، بعد موت الأغلب، ~~المخارق بن غفار الطائي، أستخلفه الأغلب على القيروان؛ واجتمع الناس عليه ~~في رمضان؛ فوجه الخيل في طلب الحسن بن حرب؛ فهرب من تونس إلى كتامة فأقام ~~شهرين، ورجع إلى تونس؛ فخرج إليه من بها من الخيل؛ فقتل الحسن بن حرب. # وفي سنة 152 كان ما تقدم ذكره على الجملة الأفريقية. وفيها عزل المنصور ~~يزيد بن حاتم عن مصر، وولاها محمد بن سعيد. وكان سائر عمالها الذين كانوا ~~في السنة قبلها وفي سنة 153، قال الطبري: قتل عمر بن حفص: قتله ms057 حاتم ~~الأياضي وأبو غادي ومن كان معهما من البربر؛ وكانوا فيما ذكر ثلاث مائة ألف ~~وخمسون ألفا، الخيل منها خمسة وثلاثون ألفا، ومعهم أبو قرة اليقرني أمير ~~تلسمان، في أربعين ألفا. وكان يسلم عليه بالخلافة هكذا ذكر ابن القطان في ~~(نظم الجمان) وقد يقدم أن قتل عمرو بن حفص كان سنة 154. ذكر كذلك الرقيق ~~وابن حماده وغيرهما. # قال الرقيق وعريب: وفي سنة 153 زحف أبو قرة من تسلمان في جمع PageV01P077 # من كبير من البربر إلى القيروان. فصالحه عمرو بن حفص وانصرف. وفيها ثارت ~~البربر بطرابلس وقدموا أبا حاتم الأباضي: وأسمه يعقوب بن لبيب. # وفي سنة 154، قال عريب: استخلف عمرو بن حفص على طبنة المهنى بن المخارق، ~~وخرج عمرو إلى القيروان، فأقبل إليه أبو حاتم الأباضي إلى أن قتل عمرو كما ~~تقدم ذكره. ولما بلغ المنصور قتل عمرو وبعث إلى أفريقية يزيد بن حاتم، على ~~ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى. # وفي سنة 155، قال الطبري: فيها افتتح يزيد بن حاتم أفريقية، وقتل أبا ~~غادي وأبا حاتم، واستقامت بلاد المغرب، ودخل يزيد بن حاتم القيروان ثم قدم ~~يزيد. ### | ولاية يزيد بن حاتم أفريقية والمغرب # وهو يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب، وكان يكنى أبا خالد. ولاه أمير ~~المؤمنين أبا جعفر المنصور العباسي وحاله في كرمه. وجوده، وشجاعته، وبعد ~~صيته، ونفاذ رأيه، وتقدمه، معروف غير منكر. وكان كثير الشبه بجده المهلب ~~ابن أبي صفرة في حروبه وكرمه، وكان له أولاد مذكورون بالشجاعة والإقدام. ~~ويقال إنه انتهى ولد المهلب ثلاثمائة ولد من الذكور والإناث، من مات منهم ~~ومن عاش. وكان أبو جعفر المنصور عالما ببلاد أفريقية، وكان لا يبعث إليها ~~إلا خاصته. وكان يزيد هذا حسن السيرة فقدم أفريقية، وأصلحها، ورتب أسوار ~~القيروان، وجعل كل صناعة في مكانها. ولم تزل البلاد هادئة إلى أن ثارت عليه ~~البربر. فزحف لهم وأوقع بهم. وله فيهم ملامح مشهورة. وقيل فيه: (شتان ما ~~بين اليزيدين!) يعني يزيد بن سليم ويزيد بن حاتم. ومن شعر ربيعة فيه. ms058 في ~~قصيدة (طويل) : PageV01P078 # حلفت يمينا غير ذي مثنوية ... يمين أمري آلي وليس بآثم # لشاتنا ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد سليم والأغر بن حاتم # وقدم يزيد على أفريقية ومعه كل من جند من الشام والعراق وخراسان، فنزل ~~أولا طرابلس، وسار إليه أبو حاتم، فزحف إليه يزيد، واقتتل معه قتالا شديدا. ~~فانهزم أبو حاتم وقتل هو وكثير من أصحابه. واتبع سائرهم، فقتل من أدرك ~~منهم. واستعمل يزيد على طرابلس سعيد بن شداد، وحينئذ نهض إلى القيروان، ~~فدخلها يوم الاثنين لعشر بقين لجمادى الآخرة من هذه السنة. وفي هذه السنة، ~~أنكرت الصفرية المجتمعة بسلجمانة على أميرهم عيسى بن يزيد أشياء، فشدوه ~~وثاقا ووضعوه على قنة جبل، فلم يزل كذلك حتى مات، وقدموا سمغو بن واسول بن ~~مدلان المكناسي جد مدرار. # وفي سنة 156 بعث يزيد بن حاتم العلاء بن سعيد المهلبي مددا لمخارق بمدينة ~~طبنة بالزاب، وقلعة حبحاب بجبل كتامة، وهرب عبد الرحمن بن حبيب عنها وقتل ~~العلاء جماعة ممن أدرك فيها. ثم انصرف إلى القيروان. # وثار على يزيد بن حاتم أبو يحيى بن قرياس الهواري بناحية طرابلس، واجتمع ~~إليه كثير من البربر. وكان بها عبد الله بن السمط الكندي قائدا ليزيد، ~~فالتقوا على شاطئ البحر، واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم أبو يحيى وقتل عامة ~~أصحابه. وتهدنت أفريقية ليزيد بن حاتم وضبطها. # وفي سنة 157، جدد يزيد يناء المسجد الجامع بالقيروان. وكان غاية في الجود ~~والحسن. وفيها توفي أبو جعفر المنصور، في ذي الحجة من السنة المؤرخة. # وفي سنة 158، ولي الخلافة المهدي، بويع يوم مات أبو جعفر بمكة - شرفها ~~الله - نعهد من أبيه، وذلك يوم السبت لست خلون لذي الحجة. واستقل بالملك ~~والخلافة في هذه السنة. وكان أديبا ن جوادا، محبا لآهل الأدب والشعر. PageV01P079 # وقد ذكرنا بعض أشعاره وأخباره في تاريخ المشرق، والغرض هنا أخبار المغرب ~~الأقصى والأوسط وفي سنة 163، توفي أبو خالد عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ~~القاصي بالقيروان، وصلى عليه أمير أفريقيا يزيد بن حاتم، وتمثل بهذا البيت ~~لما رأى ازدحام ms059 الناس عليه (بسيط) . # يا كعب ما راح من قوم ولا أنكروا ... ألا وللموت في آثارهم حادي # وكان مرضه إنه أكل حوتا وشرب عليه لبنا على مائدة يزيد، وكان قد جاوز 90 ~~سنة، فهلك من ليلته. # وفي سنة 163، أمر المهدي يحيى بن خالد بن برمكة أن يكون كاتبا لأبنه ~~هارون، وقال له: (إني اخترتك ووليتك الكتابة) وأمر له بمائة ألف درهم معونة ~~على سفره مع هارون إبنه. # وفي سنة 165، أغزى المهدي ابنه هارون إلى بلاد الروم، في 95 ألفا، بمائة ~~ألف ألف من العين، وبعشين ألف ألف من الورق. فبلغ خليج البحر على ~~القسطنطينية، وأذعن له الروم بالجزية 90 ألف دينار في كل سنة وانصرف بخمسة ~~آلاف من الأسرى والغنائم. # وفي سنة 166، قدم هارون ابن أمير المؤمنين كمنم غزوته هذه، وقدمت الروم ~~بالهدية والجزية. وفيها سخط المهدي على وزيره يعقوب بن داود. وكان قد فوض ~~إليه أمور خاصته!. # وفي سنة 169، توفي المهدي بن المنصور واختلف في سبب موته: فقيل مسموما ~~غلطا وقيل غير ذلك واستخلف ابنه موسى الهادي. # وفي سنة 170، توفي موسى الهادي في ربيع الأول، وهو ابن ستة وعشرين سنة ~~ونصف، فكانت خلافته سنة وشهرين واستخلف هارون بن محمد الرشيد. PageV01P080 # وفي سنة 171، توفي أمير أفريقيا يزيد بن حاتم، وكان خاصا بأبي جعفر ~~المنصور، وتولى ولايات كثيرة قبل قدومه المغرب ك منها أرمينية، والسند، ~~ومصر، وأذربيجان، وغير ذلك، وكانت ولايته مصر سنة 144 إلى سنة 153 وكان حسن ~~السيرة بأفريقية، امتدحه كثير من فحول الشعراء، فأجزل لهم العطاء. # قال الزبير بن بكار عمن حدثه من الشعراء، قال: (كنت أمدح يزيد بن حاتم من ~~غير أن أعرفه ولا ألقاه.) فلما ولاه المنصور مصر أخذ على طريق المدينة ~~فألقيه. فأنشده منذ خرج من مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مسجد ~~الشجرة. فأعطاه رزمتي ثياب وعشرة آلاف دينار. هكذا ذكر الرقيق. ومما قيل ~~(كامل) .. # يا واحد العرب الذي دانت له ... قحطان قاطبة وساد نزارا # إني لأرجو إذ بلغتك سالما ... ألا أكابد بعدك ms060 الأسفار # وفيه قيل (طويل) : # شتان ما بين اليزيدين في الندى ... إذا عد في الناس المكارم والمجد # وقوله: (لشتان ما بين اليزيدين) مثل يتمثل به في كل ناحية على لسان كل ~~سائر. وكان على ربيعة الشاعر دية فأعطاه عشرة ديات، ووصله وأحسن إليه وكان ~~سخيا ومن قول يزيد بن حاتم رحمة الله (بسيط) # ما بألف درهم المضروب خرقتنا ... إلا لماما يسيرا ثم ينطلق # يمر مرا عليها وهي تلفظه ... إلى أمرؤ لم يحالف خرقتي الورق # ومن أخباره بأفريقية - رحمه الله - روى إن بعض وكلائه زرع قولا كثيرا في ~~بعض رياضاته. فقال له: (يا بني يابن اللخناء أتريد أن أعبر بالبصرة، PageV01P081 # فيقال: (يزيد بن حاتم يا فلان) ثم أمر أن يباح للناس، وخرج أيضا يوما في ~~طريقه من القيروان متنزها. فنظر إلى غنم كثيرة كانت لابنه فزجره عليها وأمر ~~بذبحها وأن تباح للناس، فانتهبوها وأكلوها، وجعلوا جلودها في كدية، فهي ~~تعرف من ذلك الوقت بكدية الجلود. وكانت وفاته في رمضان من سنة 171 فكانت ~~ولايته خمسة عشر سنة وثلاثة أشهر في بعض خلافة المنصور وخلافة المهدي كلها ~~وبعض خلافة هارون الرشيد. ### | ولاية داود بن يزيد بن حاتم أفريقية # استخلفه أبوه في مرضه فأقام واليا بأفريقية تسعة أشهر ونصفا، يحارب أمراء ~~قبائل البربر محاربة عظيمة، وكان بينه وبينهم مواقف كثيرة في جبال باجة ~~وغيرها. وقال عليه نصير بن صالح الأياضي فخرج إليه المهلب ين يزيد فهزموه ~~وقتلوا من أصحابه جماعة. فوجه إليهم داود سليما بن يزيد في عشرة آلاف فهرب ~~البربر أمامهم فتبعهم، وقتل منهم أكثر من عشرة آلاف وأقام داود على أفريقية ~~إلى أن قدم عليه عمه روح بن حاتم أميرا على المغرب. ### | ذكر ابتداء الدولة الهاشمية بالبلاد الغربية وهم الأدارسة - رحمهم الله # اتفق جماعة المؤرخين إن دخول إدريس بن عبد الله - رضي الله عنه - إلى ~~المغرب كان في سنة 170، وهو إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي - ~~رضي الله عنه - وكان دخوله في إمارة يزيد بن حاتم أفريقية وإمارة ms061 هشام بن ~~عبد الرحمن لداخل بقرطبة، وأول ظهور بني مدرار بسلجمانة. وكان نزوله بوادي ~~الزيتون، بموضع يعرف بمدينة البلد وكان وصوله مع مولاه راشد. PageV01P082 # وقال البكري في (المجموع المفترق) وكان نزوله بوليلى وهي اسم لطنجة ~~باللسان البربري وذكر محمد بن يوسف أنها كانت على مسافة يوم من موضع فاس ~~الآن. وكانت مدينة أزلبة وبها مات إدريس - رضي الله عنه - وكان سبب وصول ~~إدريس إلى المغرب، على ما ذكر الرقيقي والنوفلي في (المجموع المفترق) ~~وغيرها من المؤرخين، وذلك أن الحسين بن على بن حسن بن حسن بن حسن بن علي بن ~~أبي طالب - رضي الله عنه - كان قد قام بالمدينة أيام موسى الهادي، ثم خرج ~~إلى مكة في ذي الحجة سنة 69 وخرج معه جماعة من إخوانه وبني عنه ومنهم إدريس ~~ويحيى ابنا عبد الله بن حسن وبلغ ذلك الهادي، فولى حربه محمد بن سليمان بن ~~على وكانت الوقعة بفخ، فقتل الحسين بن علي وأكثر أصحابه وأفلت إدريس هذا ~~الداخل إلى المغرب، فهرب إلى مصر وكان على بر يدها واضح، مولى صالح بن ~~المنصور، فحمله على البريد إلى أرض المغرب فوقع بمدينة وليلة من أرض طنجة، ~~فاستجاب له من بها من قبائل البربر ولما ولى الرشيد وبلغه أمره، بعث إلى ~~واضح، فضرب عنقه ودس إلى إدريس الشماخ مولى الهادي، فخرج حتى وصل وليلة، ~~وذكر إنه متطبب من شيعتهم العلوية ودخل إلى إدريس فأنس به واطمئن إليه ثم ~~إنه شكى له علة في أسنانه فأعطاه سنونا مسموما قاتلا وأمر أن يستن به عند ~~طلوع الفجر فأخذه منه. وهرب الشماخ من تحت ليلته. فلما طلع الفجر استن ~~إدريس، وأكثر منه في فمه فسقطت أسنانه ومات من وقته وطلب الشماخ، فلم يظفر ~~به، وقدم على الرشيد، فولاه بريد مصر هكذا ذكر الرقيق في كتابه. # وفي سنة 172، اجتمعت القبائل على إدريس بن عبد الله من كل جهة ومكان، ~~فأعطوه وعظموه وقدموه على أنفسهم، وأقاموا معه مغتبطين بطاعته PageV01P083 # ومتشرفين بخدمته طول حياته. وكان رجلا صالحا مالكا ms062 لشهواته، فاضلا في ~~ذاته، مؤشرا للعدل مقبلا على أعمال البر وفي سنة 173، كان خروجه بعساكر ~~القبائل الغربية حتى انتهى إلى بلاد السوس الأقصى، ودخل ماسة، فغنم وسبى، ~~ورجع إلى الغرب سالما غانما. # وفي سنة 174، توجه بعسكره إلى رباط تازا لما قفل من حركة السوس. # فوجد في جبلها معدن الذهب. وأجابه جميع القبائل الغربية وأطاعوه وبايعوه ~~في هذه السنة، وكملت له الإمارة فيهم. ### | ولاية روح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب أفريقية # ولاه عليها أمير المؤمنين هارون بن محمد الرشيد، فقدمها في سنة 171. # وكان له ولايات كثيرة: فحجب المنصور، ثم ولاه البصرة، وولى الكوفة في ~~أيام المهدي، وولي السند وطربستان وفلسطين وغير ذلك. ونظر رجل إلى روح بن ~~حاتم واقفا في الشمس عند باب المنصور، فقال له. (لقد طال وقفك في الشمس!) ~~فقال له: (ليطول بذلك وقفي في الظل) وفى له ابن، فدخل عيه أصحابه وهو ضاحك ~~فتوقفوا عن تعزيته، فعرف ذلك منهم فأنشأ يقول (طويل) . . # وأنا لقوم ما تفيض دموعنا ... على هالك منا وإن قسم الظهر # وقيل إنه بعث لكاتبه ثلاثين ألف درهم ووقع إليه: (إني بعثت إليك بكذا، لا ~~أستقلها لك تكبرا، ولا أستكثرها تمننا، ولا أقطع عنك بها رجاء بعد. ~~والسلام.) وكان روح أكبر سنا من أخيه يزيد واكثر ولاية. وعندما يطول جلوسه ~~بالقيروان، ربما خطر عليه النعاس من الضعف والشاخة وكان بكى أبا خالد PageV01P084 # توفي ليلة الأحد لسبع بقين من رمضان المعظم من سنة 174، فكانت ولايته ~~ثلاثة سنين وثلاثة أشهر. ### | ولاية نصر بن حبيب المهلبي أفريقية # وكان صاحب البريد وأبو العنبر القائد قد كتبا! إلى الرشيد، في جملة من ~~كتب إليه من الفؤاد، يعلمانه بضعف روح بن حاتم وكبره وإنهما لا يأمنان موته ~~عن قريب، وأفريقية ثغر كبير لا يصلح بغير سلطان وكان نصر هذا على شرطة يزيد ~~بن حاتم بمصر وأفريقية، وكان محمود السيرة. # فكتب الرشيد عهده وبعثه سرا إليه. فلما مات روح، بويع قبيصة ابنه في ~~المسجد الجامع، وأجمع الناس على بيعته. وكان الفضل بن ms063 روح عاملا في الزاب، ~~فركب أبو العنبر وصاحب البريد بعهد أمير المؤمنين هارون إلى نصر بن حبيب ~~فأوصى إليه وسلما عليه بالإمارة وركبا معه إلى المسجد فيمن معهما، حتى أتيا ~~قبيصة، وهو جالس على الفراش. فأقاموه، وأقعدا نصر بن حبيب وأعلما الناس ~~بأمره. وقرء الكتاب الواصل من أمير المؤمنين هارون إلى نصر بن حبيب على ~~الناس، فاستمعوا وأطاعوا. وكان ذلك في العشر الأواخر لرمضان المعظم من عام ~~174. فحسنت سيرته، وعدل في أحكامه فولا سنتين وثلاثة أشهر. # وفي سنة 175، عقد الرشيد لابنه محمد بمدينة السلام ولاية عهد المسلمين من ~~بعده، وأخذ عليه بيعة القواد والجند وسماه بالأمين، وله يومئذ خمسين سنة. # وفي سنة 176، ظهر يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب ~~بالتسلم، واشتدت شوكته وقوي أمره، فاغتم الرشيد لذلك ولم PageV01P085 # يكن في تلك الأيام يشرب النبيذ، فصرف إليه الفضل بن يحيى في خمسين ألف ~~رجل، فانهزم يحيى بن عبد الله. # وفي سنة 177، ولي أفريقية الفضل بن روح بن حاتم، ولاه أمير المؤمنين ~~الرشيد عليها، وكتب بعزله نصر بن حبيب، وأن يقوم بأمر الناس المهلب بن يزيد ~~إلى أن يقدم الفضل. فكان قدومه في محرم من هذه السنة. ولما قدم الفضل ولى ~~ابن أخيه المغيرة تونس، وكان غير ذي تجربة ولا سياسة للجمهور فستخف بالجند ~~وسار بهم سيرة قبيحة، فاجتمعوا وكتبوا كتابا لعمة الفضل يخبرونه بما صنع ~~المغيرة فيهم وقبح سيرته، فتثاقل الفضل عن جوابهم فقالوا (كل جماعة لا رأس ~~لها لا ينجح سعيهم ولا مطالبهم) فقال بعضهم: (أشير عليكم بعبد الله بن عبد ~~ربه بن الجارود فانطلقوا إليه وقالوا له: (قد رأيت ما فعل بنا المغيرة، وقد ~~خاطبنا عمه، فلم يصلنا جوابه وأنت المنظور إليه، والمعمول في الأمور عليه، ~~ونحن نصير أمرنا إليك، ونعتمد فيه عليك.) فقال لهم: (ليس لي من الجواب ألا ~~النصيحة لي ولكم، وأنا أخاف على نفسي وأقنع بالعافية؛ وإن كان أمر، وكنت ~~فيه كأحدكم) فقالوا له: (وما لك من هذا بد!) ms064 فقال لهم (أعطوني من بيعكم ما ~~أثق به) فبايعوه وأطاعوه. # وفي سنة 178 ثار الجند على أمير أفريقية الفصل بن روح بن حاتم، وقدموا ~~ابن الجارود بتونس. ثم ساروا إلى المغيرة، وهو بدار الإمارة؛ فقالوا له: ~~(الحق بصاحبك أنت ومن معك!) وكتب للفضل بن روح: (من عبد الله بن الجارود. ~~أما بعد، فأنا لم نخرج المغيرة خروجا عن الطاعة، ولكن لأحداث أحداثها فينا، ~~ظهر فيها فساد الدولة. فعجل لنا من ترضاه يقوم بأمرنا؛ وإلا نظرنا ~~لأنفسنا!) وكتب الفضل إلى عبد الله بن الجارود: (أما بعد، فإن الله يجري ~~فضاءه على ما أحب الناس أو كرهوا، وليس اختياري أن أولى عليكم! فاختاروا ~~لأنفسكم! ولكن أوجه إليكم عاملا.) فوجه عبد الله PageV01P086 # ابن محمد إلى تونس. فلما وصل إليها، قال لهم ابن الجارود: (كيف تصنعون ~~ذلك، وأنتم قد أخرجتم ابن اخيه وشتمتموه؟ والله! ما بعث إليكم إلا ليطيبكم ~~حتى ترجعوا عن رأيكم؛ فإذا اطمأننتم أخذتم واحد بعد واحد!) قالوا له: (فما ~~رأيك؟) قال: (الذي ذكرت لكم) فخرجوا حتى التقوا بالعسكر الواصل مع العامل ~~من قبل الفضل أمير أفريقية والقيروان بموضع الزيتون، فدفعوه عن أنفسهم، ~~وجرى بين الجند كلام كثير يطول ذكره، إلى أن وقعت الحرب بين ابن الجارود ~~وعسكر الفضل، فهزمهم ابن الجارود واتبعهم إلى القيروان، فنزل عليها. فاجتمع ~~الفضل مع بني عمه وخاصته وتساور معهم في أمره، فاضطرب الآمر عليه، ولم يصح ~~له أمر. فلما أصبح أقبل عبد الله بن عبد ربه بن الجارود في عسكره، والفضل ~~في دار الإمارة مع أصحابه. وكان بعض القواد على الأبواب، فلما قرب ابن عبد ~~ربه منها فتحوها له، فدخل أصحابه، لا يدافعهم أحد، ونزل ابن عبد ربه خارج ~~المدينة، ثم دخل دار الإمارة، فأمن الفضل وأصحابه، ثم أمرهم بالخروج إلى ~~قابس وقال لهم: (إني لا آمن أصحابي عليكم، ولكن أوجه معكم من يوصلكم إلى ~~قابس.) فوجه إليهم أبا الهيثم في جماعة، وأخذ عليه الإيمان ألا يسلم الفضل. ~~فخرج الفضل معه، مع ثلاثة من بني عمه ms065 وبعض أصحابه من باب آخر. فقال لهم ~~البواب: (اخرجوا يا كلاب النار! لا رحمكم الله!) فقال الفضل عند ذلك: (لا ~~غله إلا اله! لم يبق أحد إلا صار علينا حتى من أعتقناه!) وسار ليلته ونهاره ~~حتى دنا الغروب، فسمع طبلا، فقال: (فلان جاء بمائة فارس، بعثه ابن الجارود ~~إليك لأنه خاف عليك الجند!) ثم سمع طبلا آخر، فإذا هوم منصور بن هاشم. فقال ~~له: (ما جاء بك؟) فقال (كذا وكذا) م سمع طبلا آخر، فإذا هو صاحب شرطة ابن ~~عبد ربه بن الجارود، فقيل للفضل: (إذا جاء ليردك!) وذلك إنه أشار على ابن PageV01P087 # الجارود جماعة من أصحابه أن: ((لن) تتركوا الفضل يدخل طرابلس لئلا يقوم ~~الناس معه ويرجع القيروان، فنادى مناديه (من كان من طاعة ابن الجارود ~~فلينعزل!) فانعزل الناس ولم يبق مع الفضل أحد فردوه إلى القيروان، بعدما ~~خلو عن المهلب وجميع الناس الذين كانوا مع الفضل إلا محمد بن هشام والفضل ~~بن يزيد، فانطلقوا بهما حتى جعلوا في الدار معه. ثم قتل الفضل بن روح في ~~شعبان من سنة 178، فكانت ولايته سنة واحدة وخمسة أشهر، فكانت دولة المهالبة ~~بأفريقية ثلاثا وعشرين سنة، وثار بن الجارود في جمادى الآخرة من سنة 178، ~~فكانت له مع البربر وقائع عظيمة، ثم أمنه الرشيد، فأجاب إلى الطاعة. # وفي سنة 179، كتب ابن الجارود المتغلب على أفريقية إلى يحيى بن موسى وهو ~~بطرابلس، أن: (أقدم القيروان: فإني مسلم لك سلطانها!) فخرج يحيى بن موسى ~~بمن معه، في محرم، فلما بلغ قابس، تلقاه بها عامة الجند من القيروان، ومعهم ~~النظر بن حفص، وعمرو بن معاوية، فخرج ابن الجارود من القيروان، واستخلف ~~عليها المفرج بن عبد الملك، فكانت أيلم ابن الجارود سبعة أسهر. # وأقبل يحيى بن موسى والعلاء بن سعيد متسابقين إلى القيروان، فسبقه العلاء ~~إليها فقتل بها جماعة من أصحاب ابن الجارود، فبعث إليه يحيى بن موسى أن ~~يفرق جموعه إن كان في الطاعة. فأمر من كان معه أن ينصرفوا إلى مواضعهم. ~~ورحل العلاء إلى طرابلس، ms066 وكان ابن الجارود قد وصل إليها قبل وصول العلاء، ~~فلقي بها يقطين بن موسى، فخرج معه سائرا إلى المشرق فلقوا هرثمة بن أعين قد ~~وصل بولاية أفريقية. وقد كان العلاء كتب إلى هرثمة يعلمه بأنه هو الذي أخرج ~~ابن الجارود من أفريقية فأجازه بجائزة سنية، وكان يحيى بن موسى قدمه هرثمة ~~ابن الجارود، سيره إلى أمير المؤمنين الرشيد. PageV01P088 ### | ولاية هرثمة بن أعين أفريقية # ولاه عليها أمير المؤمنين هارون الرشيد، فقدم القيروان غرة ربيع الآخر، ~~فأنس الناس وسكنهم، وأحسن إليهم قال ابن حمادة: وصل هرثمة في جيش كثيف حتى ~~نزل تبهرت، فخرج إليه بن الجارود واقتتل معه فهزم ابن الجارود، وطاعت ~~البربر لهرثمة، وانصرف راجعا إلى القيروان وهو الذي بنى القصر الكبير ~~المعروف بالمنستير. قاله الرقيق. # وفي سنة 180 كانت الزلزلة العظمى بأرض مصر وسقط رأس منار الإسكندرية. # قال الرقيق: لما رأى هرثمة بن أعين ما رأى من الخلاف بأفريقية وسوء طاعة ~~أهلها، طلب الاستعفاء فكتب إليه الرشيد بالقدوم عليه فرجع إلى المشرق وهو ~~الذي بنى سور طرابلس. ### | ولاية محمد بن مقاتل العكي أفريقية # وفي سنة 181 ولى أمير المؤمنين الرشيد على أفريقية محمد بن مقاتل بن حكيم ~~العكي، فقدمها في رمضان. وكان رضيع الرشيد، وكان أبوه من كبار أهل دولته. ~~وكان محمد هذا غير محمود السيرة، فاضطرب أمره واختلف عليه جنده. ولو لم يكن ~~من سوء سيرته، وقبيح ما يؤثر عنه من أخباره، إلا أقدامه على عابد زمانه ~~وورع عصره البهلول. بن راشد فضربه بالسياط ظلما وحبسه، فكان ذلك سبب موته. ~~ومن أخباره إنه اقتطع أرزاق الجند وأساء السيرة فيهم وفي الرعية، فمشى ~~القائد فلاح في أهل خراسان وأهل الشام، فلم يزل بهم حتى اجتمع رأيهم على ~~مخلد بن مرة الأزدي. وخرج على العكي تمام بن تميم التميمي، وكان عامله ~~بتونس. PageV01P089 ### | ثورة تمام بن تميم التميمي على محمد بن مقاتل العكي # وفي سنة 183 زحف تمام من تونس مع جماعة القواد والأجناد من أهل الشام ~~وخراسان متوجها إلى القيروان، في ms067 النصف من رمضان. فخرج إليه العكي فتقاتلا. ~~فأنهزم العكي ورجع إلى القيروان، فتحصن في داره التي بنها وترك دار ~~الإمارة. وأقبل تمام فنزل بعسكره خلف باب أبي الربيع. فلما أصبح تمام فتح ~~له الأبواب فدخل يوم الأربعاء لخمس بقين من رمضان سنة 183، فآمن تمام العكي ~~على دمه وأهله وماله. فكانت ولايته إلى أن أخرجه تمام من القيروان سنتين ~~وعشرة أشهر ثم ولى أفريقيا أبو الجهم بن تميم التميمي. وكان ثائرا متغلبا ~~من غير عهد من الرشيد وهو جد أبي العرب بن تميم صاحب التواليف. فدخل ~~القيروان، وخرج العكي منها بأمانه ومشى لطرابلس ولحق به قوم من خرسان منهم ~~طرحون صاحب شرطته فاجتمع رأيهم على أن يدخلوه فدخلها وأقام تمام ملك ~~القيروان فنهض إليه إبراهيم بن الأغلب من الزاب، وكان أمير عليه. فلما بلغ ~~تمام إقباله إليه سار إلى تونس، فدخل ابن الأغلب القيروان، وأبتدر المسجد ~~الجامع، وصعد المنبر وكان فصيحا بليغا فأعلم الناس إنه ما وصل إلا لنصره ~~العكي محمد بن مقاتل، وأنه أميرهم المودم عليهم من أمير المؤمنين وكتب إلى ~~العكي يخبره بما فعل في حقه ويؤكد عليه في الوصول. فأقبل راجعا حتى دخل هو ~~ومن معه القيروان فمشى يوما في أزقتها فنادته امرأة من طاقها تقول له (أشكر ~~إبراهيم بن الأغلب! فهو الذي رد عليك ملك أفريقيا!) فكبر ذلك عليه وكان ~~تمام بن تميم بتونس. فقال لأصحابه: (أن إبراهيم بن الأغلب رد الملك على ~~العكي والذين مع العكي قد ملئوا رعبا من وقعتنا بهم وإذا بلغهم خروجي من ~~تونس يسلمونه ويصلون ألي! ومع هذا فأن العكي حسود، لا بد أن يخالف إبراهيم ~~بن الأغلب PageV01P090 # فيما يشير به عليه.) وكان الناس يقولون (استرحنا من العكي، فرد إبراهيم ~~علينا! فلموت خير لنا من الحياة في سلطان العكي!) ففزع الناس إلى تمام بن ~~تميم التميمي. فلما رأى كثرة من معه، طابت نفسه لقتال العكي. فكتب تمام إلى ~~العكي: (أما بعد، فأن إبراهيم بن الأغلب لم يبعث إليك فيردك من كرامتك ~~عليه، ms068 ولا للطاعة التي يظهرها للخليفة؛ ولكن كره ان يبلغ إليك أخذه البلاد ~~فترجع إليه؛ فأن منعك، كان مخالفا لأمير المؤمنين؛ وان دفعها إليك، كان ما ~~فعل لغيره، فبعث إليك لترجع؛ ثم يسلمك إلى القتال. وغدا تعرف ما جربت من ~~وقعتنا لك بالأمس!) وفي آخر كتابه (الطويل) : # وما كان إبراهيم من فضل الطاعة ... يرد عليك الملك لكن لتقتلا # فلو كنت ذا عقل وعلم بكيده ... لما كنت منه يا ابن عك لتقبلا # فلما وصل كتابه إلى محمد بن مقاتل العكي، قرأه ودفعه إلى ابن الأغلب؛ ~~فقراه وضحك، وقال: (قاتله الله! ضعف رأيه!) وكتب إليه ابن العكي: (من محمد ~~بن مقاتل إلى الناكث ابن تميم. أما بعد فقد بلغني كتابك، ودلني على قلة ~~رأيك. وفهمت قولك في إبراهيم؛ فأن كانت نصيحة، فليس من خان الله والخليفة ~~مقبول منه ما نصح به! وإن كانت خديعة، فأقبح الخداع ما فطن له!) وفي آخر ~~كتابه (طويل) : # وإني لأرجو إن لقيت ابن أغلب ... إذا في المنايا أن تفل وتقتلا # تلاقي فتى يستصحب الموت في الوغى ... ويحمي بصدر الرمح عزا موثلا # وأقبل تمام من تونس بعسكر عظيم؛ وأمر ابن العكي من كان معه من أهل الطاعة ~~بالخروج إليه، مع إبراهيم بن الأغلب؛ فتقاتلوا قتالا شديدا؛ فانهزم تمام، ~~ورجع إلى تونس. وانصرف ابن العكي إلى القيروان، وأمر إبراهيم ابن الأغلب ~~بالمسير إلى تونس. # وفي سنة 184 خرج العسكر من القيروان لحصار تونس وقتال تمام؛ PageV01P091 # وذلك في محرم منها. فلما اقبل تمام إقباله، طلب الأمان منه؛ فأمنه ~~إبراهيم، وأقبل به إلى القيروان، يوم جمعة، لثمان خلون من محرم المذكور ### | ولاية إبراهيم بن الأغلب بن سالم بن عقال التميمي أفريقية # وصله عهد الرشيد في العشر الوسط لجمادى الأخيرة من سنة 184؛ وقال له فيه: ~~(قد تقدم لكم بأفريقية أمره) وكان الرشيد ولاه على بلاد الزاب، وقي بلاد ~~الجريد، وابن العكي على أفريقية. وكان إبراهيم بن الأغلب فقيها، أدبيا، ~~شاعرا، خطيبا، ذا رأى ونجدة وبأس وحزم وعلم بالحروب ومكايدها، جرى الجنان، ~~طويل اللسان، ms069 لم يل أفريقية أحسن سيرة منه، ولا أحسن سياسة، ولا أرأف ~~برعيته، ولا أوفى بعهد، ولا أرعى لحرمة منه. فطاعت له قبائل البربر، وتمهدت ~~أفريقية في أيامه. وعزل العكي عمها، واستقامت الأحوال بها. # وكان إبراهيم قد سمع من الليث بن سعد، ووهب له جلا جل أم ولده لمكانه منه ~~ولقد قال الليث يومها: (ليكونن لهذا الفتى شأن!) وكان لإبراهيم فضائل جمة ~~ومآثر حسنة. وكان له مع راشد أمير الغرب مولى إدريس الحسنى مواقف ومحاربة؛ ~~وكان راشد قد علا أمره. # ومن قول إبراهيم، وكان قد خلف أهله بمصر (بسيط) # ما سرت ميلا ولا جاوزت مرحلة ... ألا وذكريني دائما عنقي # ولا ذكرتك إلا بت مرتقبا ... أرعى النجوم كان الموت مغتبقي # ولما ملك أفريقية، قمع أهل الشر بها وضبط أمرها. وكان له مع بربرها حروب ~~طويلة ذكرها. وأحسن إلى عرب جيشها. # وفي سنة 185 شرع إبراهيم في بناء مدينة القصر القديم وصار بعد ذلك دار ~~الأمراء. وكان على ثلاثة أميال من القيروان؛ وكان قد PageV01P092 # اشترى موضعه من بني طالوت؛ فبناه ونقل إليه السلاح والعدد سرا، وسكن حوله ~~عبده وأهل الثقة به من خدمته. وكان حافظا للقران، عالما به وثار عليه ~~الكندي بتونس؛ وكانت له معه وقائع وافقت محاربة المأمون للأمين، بعد موت ~~الرشيد. وفيها، قال الطبري: وقعت بالمسجد الحرام صاعقة، فقتلت رجلين. # وفي سنة 186 حج بالناس هارون الرشيد، وأخرج معه ابنيه محمدا الأمين، وعبد ~~الله المأمون، وقواده، ووزراءه، وقضاته، وولي عهد عبد الله. قال الطبري: ~~وكان الرشيد عقد لأبنه محمد ولاية العهد في شعبان سنة 173، وسماه الأمين، ~~وضم إليه الشام والعراق في سنة 175، ثم بويع لعبد الله المأمون بالرقة في ~~سنة 183؛ وولاه من حد همدان إلى أخر المشرق. ولما قضى مناسكه في هذه السنة، ~~كتب للمأمون كتابين: أحدهما على محمد بما أشترط عليه من الوفاء بما فيه من ~~تسليم وما ولى لعبد الله من الأعمال، وما صير له من الضياع والأموال؛ ~~والأخر نسخة البيعة التي أخذها لعبد الله على محمد وعلى الخاصة ms070 والعامة. ~~وأشهد في ذلك في البيت الحرام، وأمره بقراءة الكتاب على عبد الله ومحمد. ~~وأشهد عليهما جماعة من حضر من بني هاشم وغيرهم. ثم أمر ان يعلق الكتاب في ~~الكعبة. فلما علق، وقع؛ فقيل: (أن هذا لأمر سريع انتفاضه قبل تمامه!) وفي ~~سنة 187 كان قتل الرشيد لجعفر بن يحيى، وإيقاعه بالبرامكة؛ والوالي على ~~أفريقية إبراهيم بن الأغلب كما كان. # وفي سنة 188، كان غزو إبراهيم بن جبريل أرض الروم: وجهه الخليفة هارون، ~~ودخل أرض الروم من درب الصفصاف؛ فخرج للقائه البطريق نقفور، فورد عليه من ~~ورائه أمر صرفه عن لقائه؛ فانصرف ومر بقوم من PageV01P093 # المسلمين؛ فخرجوا عليه، وأنهزم، وقتل من الروم أربعون ألفا وبسعمائة، ~~واخذ له أربع آلاف دابة. # وفي سنة 189 كان شخوص الرشيد إلى الرى: وبعث حسينا الخادم إلى طبرستان ~~بالأمان لمرزبان صاحب الديلم؛ وقدم عليه؛ فأمنه وأمن غيره. وقال أبو ~~العتاهية في خرجة هارون هذه (سريع) # إن أمين الله في خلقه ... حن به البر إلى مولده # ليصلح الري وأقطارها ... ويمطر الخير بها من يده # وفيها كان الفداء بين المسلمين والروم؛ فلما يبق في أرض الروم مسلم إلا ~~فدى. # وفي سنة 190 فتح الرشيد هرقلة من مدائن الروم. وقال شبيل الترجمان: لما ~~فتح الرشيد هرقلة رأيت على بابها لوح رخام مكتوب فيه بلسانه؛ فجعلت أقراه، ~~والرشيد ينظر إلي، وأنا لا أشعر، فإذا فيه: (يا بن آدم! غافص الفرصة قبل ~~إمكانها وقل الأمور إلى وليها، ولا يحملنك أفرادها السرور على المآثم، ولا ~~تحمل نفسك هم يوم لم يأت! فأنه أن يكن من أجلك وبقية عمرك، ويأت الله فيه ~~برزقه! فلا تكن من المغرورين يجمع المال! فكم قد رأينا جامعا لبعل خليلته، ~~ومقترا على نفسه توفيرا لخزانة غيره!) وفي سنة 191 ولي الرشيد هرمثة بن ~~أعين غزو الصائفة، وضم إليها ثلاثين ألفا من جند خراسان. وفيها امر الرشيد ~~بهدم الكنائس في الثغور. ولم يكن للمسلمين بعد هذه السنة صائفة بالمشرق إلى ~~سنة 215. وفي سنة 193، توفي هارون بن محمد الرشيد - رحمه ms071 الله - بطوس من ~~أرض خراسان، ليلة السبت لثلاث خلون من جمادى الأخير. واستخلف محمد الأمين ~~ابنه. ولما صار المر إلى الأمين، أقر إبراهيم بن الأغلب على أفريقية PageV01P094 # فبقي بها إلى أن توفي بالقيروان في العشر الأخرى من شوال من سنة 196 ~~وعمره خمس وستون سنة وولايته أفريقية اثنا عشرة سنة واشهر. ### | ولاية عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب أفريقية # وفي سنة 196 ولي عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب أفريقية. وذلك إنه لما ~~مات إبراهيم بن الأغلب، كان ابنه عبد الله هذا غائبا بمدينة طرابلس؛ فقام ~~له أخوه زيادة الله بالأمر، وأخذ له البيعة على نفسه وعلى أهل بيته وجميع ~~رجاله وخدمته، وبعث إليه بذلك. # وفي سنة 197 قدم أبو العباس عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب من طرابلس؛ ~~فتلقاه أخوه زيادة الله، وسلم الأمر إليه. وحمل عبد الله في إمارته على ~~أخيه زيادة الله حملا شديدا؛ وكان يتنقصه، ويأمر ندماءه بإطلاقه ألسنتهم ~~بسبه، وزيادة الله مع ذلك يظهر له التعظيم والتجبيل والصنع الجميل، ولا ~~يظهر له ثغيرا ولا يظهر عليه منه أثر. وقد كان عبد الله بن إبراهيم أراد أن ~~يحدث جورا عظيما على رعيته فأهلكه الله فبل ذلك. وكان من أجمل الناس وجها، ~~وأقبحهم فعلا، وأعظمهم ظلما، أحدث بأفريقية وجوها من الظلم شنيعة، منها قطع ~~العشر حبا، وجعله ثمانية دنانير للقفيز وأصاب أو لم يصب، وغير ذلك من الظلم ~~والمغارم والمظالم. فأشتد على الناس ذلك. # وفي سنة 198، قتل الأمين بن الرشيد: قتله ابن طاهر عامل أخيه المأمون؛ ~~وذلك لخمس بقين من المحرم. واستخلف أخوه المأمون؛ فأقر عبد الله بن الأغلب ~~على أفريقية. ولما قدم حفص بن حميد الصالح على أفريقية، ومعه قوم صالحون من ~~الجزيرة، قصدوا إليه؛ فوعظوه في أمر الدين ومصالح المسلمين. PageV01P095 # فتهاون بهم، فخرجوا مغمورين يريدون القيروان، وكان هو في القصر القديم. ~~فلما وصلوا وادي القصارين، قال لهم حفص بن حميد (قد يئسنا من المخلوق فلا ~~نيئس من الخالق! فاسألوا المولى واضرعوا إليه في زوال ظلمه ms072 عن المسلمين! ~~فإن فتح في الدعاء، فقد أذن في الإجابة) فتوضأ جميعهم وساروا إلى كدية مصلى ~~روح، فصلى بهم حفص ركعتين، ودعوا الله أن يكف عن المسلمين جور أبي العباس، ~~ويريحهم من أيامه. فيقال أن قرحة خرجت له تحت أذنه، فقتلته في السادس من ~~دعاء القوم. وقال من حضر غسله أنه، لما كشف عنه ثيابه، ضن إنه عبد أسود بعد ~~جماله وذلك بسوء فعاله، وكانت وفاته ليلة الجمعة لست خلون من ذي الحجة من ~~سنة 201 فكانت دولته خمسة أعوام وأشهرا. # وفي سنة 201كان تقديم أهل بغداد منصور بن المهدي أميرا عليهم خديما ~~للمأمون، إلى أن يقدم أو يقدم وكانت وقائع قبل ذلك وبعده. وفيها مات ابن ~~الأغلب كما ذكرناه، وولى أخوه زيادة اله ساعة موته. ### | ذكر ولاية زيادة الله بن الأغلب أفريقية وبعض أخباره # كنيته أبو محمد. وهو أول من أسمه زيادة الله ممن ولى من بني الأغلب بويع ~~يوم الجمعة لسبع بقين من ذي الحجة، فأساء السير في الجند وسفك فيم الدماء ~~وأشتد عليهم في كل وجه. فثار عليه زياد بن الصقلبية بفحص أبي صالح إليه ~~سالم بن سوادة، فهزمه سالم. ثم ثار العامة عليه أيضا وذلك أن زيادة الله ~~كان أغلظ على الجند، وأمعن في سفك دمائهم، والاستخفاف بهم، وحمله على ذلك ~~سوء ضنه بهم لوثوب على الأمراء قبله وخلافهم على أبيه. وكان أكثر سفكه وسوء ~~فعله إذا سكر، وكثر الخوض عليه. وخالفت الجند عليه وغيرهم، فكانت بينه ~~وبينهم حروب ووقائع، حتى خاف على PageV01P096 # نفسه، فحصن القصر القديم وبقى فيه على ما يأتي ذكره أن شاء الله تعالى. # وفي سنة 202 توجه الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب إلى المشرق، خوفا من أخيه ~~زيادة الله وذلك أن الأغلب كان شقيق أبي العباس عبد الله بن إبراهيم، وكان ~~أبو العباس طول ولايته، يتنقص زيادة الله ويأمر ندماءه بإطلاق ألسنتهم فيه ~~فلما صار الأمر إلى زيادة الله جاءه الأغلب، فأستأذنه في الخروج إلى الحج ~~فأذن له زيادة الله، فخرج الأغلب، ms073 وخرجت معه أبناء أخيه: محمد المكنى بأبي ~~فهر، وإبراهيم المكنى بأبي الأغلب وهما إذ ذاك صغيران، فحج وأقام بالمشرق. ~~وكان وزير زيادة الله والقائم بأمره الأغلب بن عبد الله المعروف بغلبون وفي ~~سنة 203، كانت ولاية أبي عبد الله أسد بن فرات بن سنان مولى بن سليم قضاء ~~القيروان، وهو ممن سمع من مالك بن أنس. فلما ولى أسد القضاء ضاق أبو محرز ~~القاضي إذ تشرك معه، ولم يعلم قبلهما قاضيان في وقت واحد؟. # وفي سنة 204 لم يكن فيها ولا في التي بعدها خبر يجتلب. # وفي سنة 206 غزا المسلمون جزيرة سردانية، وعليهم محمد بن عبد الله ألت ~~ميمي فأصابوا وأصيب منهم، قفلوا. # وفي سنة 207 ثار زياد بن سهل على زيادة الله بن الأغلب، وزحف إلى حرب ~~باجة، فحاصرهما أياما. فأخرج إليه زيادة الله العساكر فهزموا زيادا، وقتلوا ~~من وجدوا معه على الخلاف وغنموا الأموال. وكانت فيها وفات اليسع بن أبي ~~القاسم صاحب سلجماسة، وتقديم أهلها على أنفسهم أخاه الياس المنتصر بن أبي ~~القاسم الذي كانوا خلعوه. # وفي سنة 208 ثار عمرو بن معاوية القيسي على زيادة الله بن إبراهيم ~~بالقصرين وتغلب على تلك الناحية وكان عاملا لزيادة الله. وكان له ولدان، PageV01P097 # يقال لأحدهما حباب وللأخر سجمان، فقال له ابنه حباب: (إنك دخلت في أمر ~~عظيم وعرضت نفسك للهلاك، ولست من رجال هذا الأمر ولا ينفعك عدد ولا عدة! ~~فراجع أمرك، واتق الله في نفسك!) فضربه مائتي سوط وتمادى على الخلاف. فأخرج ~~إليه زيادة الله جيشا كثيفا حاصره أياما، ثم نزل هو وولداه على أمان، وجئ ~~بهم إلي زيادة الله، فألفى على شراب مع قوم من وجوه أهل بيته، فأمر بحبسهم ~~حتى يرى فيهم رأيه، ودخل إثر ذلك مضحك له يقال له أبو عمار فقال له زيادة ~~الله: (ما يقول الناس يا أبا عمار؟) فقال (يقولون إنما منعك أن تقتل عمرو ~~بن معاوية مخافة أن تشب القيسية على عمك بمصر) فوقع كلامه بقلب زيادة الله، ~~ثم شرب ساعة والتفت ms074 غبلون وزيره، فقال (أنقل نرو بن معاوية وولديه من حبسك ~~إلى حبسي!) ففعل فلما كان في نصف الليل أقبل زيادة الله إلى السجن وبيده ~~السيف فقتل عمرو بن معاوية ثم رجع إلى قصره فعاد حباب وسجمان ابني عمرو. ~~فأمر بحباب أن يقتل، فقال (أيها الأمير) إني مظلوم وقد بلغتك نصيحتي لأبي ~~فيك حتى ضربني بالسياط. فقال أجل قد كان ذلك! ولكني أعلم أنك لا تخلص لي ~~وأمر بضرب عنقه واستبقى الأصغر، وهو سجمان فلما أصبح دعا بترس، فوضع فيه ~~الرأسين ودعا بسجمان، فقال (أتعرف هذين الرأسين) فقال: أعرفهما! ولا خير في ~~الحياة بعدهما فأمر زيادة الله بضرب عنقه وجعل رؤوسهم في ترس وشرب عليها ~~ذلك اليوم مع أهل منادمته. # وفي سنة 209 ثار منصور الطنبذي بتونس فأخرج زيادة الله محمد ابن حمزة في ~~ثلاثمائة فارس مسلحين وأوصاه بكتمان حركته حتى يبغت منصورا بتونس، فيقبض ~~عليه ويأتي به مصفدا. فسار ابن حمزة إلى تونس، فألفى PageV01P098 # منصورا غائبا في قصره بطنبذة. فنزل دار الصناعة ووجه إليه شجرة بن عيسى ~~القاضي في أربعين شيخا من أشياخ تونس يناشده الله ويرغبه في الطاعة ويعرفه ~~بما له في ذب لك من الحظ من دينه ودنياه فتوجه شجرة بن عيسى مع المشايخ إلى ~~منصور فدعوه إلى الطاعة فقال منصور (ما خاعت يدا ولا أحدثت حدثا! وأنا سائر ~~معكم إلى زيادة اله، ولك أقيموا علي يومي هذا حتى أعد لكم ما يصلحكم، ~~فأقاموا معه، ووجه إلى ابن حمزة والذين معه ببقر وغنم وعلف وأحمال قهوة ~~وكتب إليه (إني قادم عليك بالغداة. القاضي شجرة) فركن ابن حمزة لقوله وذبح ~~البقر والغنم وأكل هو والناس الذين معه وشربوا. قلما أمسى منصور، أخذ ~~القاضي والذين معه فحبسهم في قصره وأخذ دوابهم فجعل عليها أصحابه، وجمع ~~خيله وأشياعه، وزحف إلى تونس، وأمر أصحابه ألا يسمع لهم حس ولا حركة حتى ~~يصيروا إلى دار الصناعة. وسار حتى إذا كان بالقرب من دار الصناعة، أمر ~~بالطبول، فضربت وأمر أصحابه فكبروا، فوثب ابن حمزة ms075 ومن كان معه، والتحم ~~القتال على الليل. وكثر الناس عليهم، فقتل من كان مع ابن حمزة، ولم يسلم ~~منهم إلا سبح البحر، وذلك يم الاثنين لخمس بقين من صفر. # وأصبح منصور، فاجتمع إليه الجند وقالوا (نحن لا نثق بك، نأمن أن يستنزلك ~~السلطان بدنياه وماله فتميل له ولكن إن أحب أن نقوم بنصرك، فأخضب يدك في ~~دماء أصحاب السلطان وأهل بيته! فوجه حينئذ عن عامل زيادة الله على تونس، ~~وهو إسماعيل بن سالم بن سفيان وعن ولده محمد فأمر بقتلهما معا. # فلما اتصل الخبر بزيادة الله، وما كان من قتل رجاله وعامله عقد لغلبون ~~وزيره على عسكر جليل وقال: (والله! لئن انهزم واحد منكم، لأجعل عقوبته ما ~~فر وهو السيف) فسار غلبون في العاشر لربيع الأول. حتى PageV01P099 # وصل إلى سبخة تونس، فخرج إليهم منصور الطنبذي تعبئة عباها لنفسه، ~~فاقتتلوا مليا. ثم حمل منصور حملة كانت فيها هزيمة غلبون وأصحابه لعشر بقين ~~مكن ربيع الأول، وسار منهزما إلي زيادة الله، فاعتذر غلبون عن الهزيمة وحاف ~~أنهم نصحوا واجتهدوا ولكن قضاء الله لا يرد. وتواثب القواد على أعمال ~~أفريقية، كل قائد على بلدة يضبطها، ويمتنع فيها من عقوبة زيادة الله التي ~~توعدهم بها. واضطرمت أفريقيا نارا، ورمى الجند كلهم إلى منصور الطنبذي أزمة ~~أمورهم وولوه على أنفسهم. وقدم غلبون على زيادة اله، فأعلمه بما كان من ~~أمره ونغل الجند فكتب إليهم زيادة اله صكوك أمان، وبعث ربها إليهم، فلم ~~يثقوا بها منه، وخلعوا الطاعة. # ولما ظفر منصور، واجتمع إليه بتونس جميع الجند والحشود والوفود من كل جهة ~~ومكان، فزحف بهم من تونس، فوصل إلى القيروان لخمس خلون من جمادى الأولى. ~~فركب إليه القاضيان أبو محرز وأسد، فكان بينهما وبينه كلام لم يفد. وخندق ~~منصور الطنبذي على نفسه فكانت بينه وبين زيادة الله وقائع كثيرة. ثم رحل ~~منصور من خندقه، ونزل منزلا آخر، وأخذ منصور في إصلاح سور القيروان فوالاه ~~أهل القيروان وحاربوا معه. فدامت الحرب بين منصور وبين عسكر زيادة اله ~~أربعين ms076 يوما. ثم زحف زيادة اله على تعبئة عباها لنفسه قلبا وميمنة. فلما ~~رأى ذلك منصور هاله وراعه. والتقت الفئتان، فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم ~~منصور وولى هاربا وقتل أصحابه قتلا ذريعا، في منتصف جمادى الآخرة، وانتهى ~~زيادة الله إلى القيروان فأمر برفع القتال وتمادى منصور في هزيمته إلى أن ~~دخل قصره بتونس، والناس لا يشعرون. وعفا زيادة اله عن أهل القيروان، وصفح ~~عن جميعهم غير إنه جعل عقوبتهم هدم سور القيروان حتى ألصقه بالأرض. # وفي سنة 210 كانت وقيعة سبيبة، وهي مدينة. وذلك أن الجند الذين تقدم ذكر ~~سيرتهم وتنمعهم لأجل الهزيمة التي طرأت عليهم كان قائدهم عمر بن PageV01P100 # نافع وأقر زيادة الله على الجيش محمد بن عبد اله بن الأغلب، فالتقوا ~~هنالك لعشر بقين من المحرم فانهزم ابن الأغلب وقتل وتمادت الهزيمة إلى ~~القيروان من ضحى النهار إلى بعد صلاة العشاء، فاغتنم لذلك زيادة الله وأخذ ~~في ضم الرجال وبذل الأموال. وكان عيال الجند بالقيروان، فلم يعرض لهم زيادة ~~الله. ثم أن الجند سألوا منصور أن يحتال في نقل عيالاتهم من القيروان، فزحف ~~بهم منصور إليها ونزل على القصر نحو ستة عشر يوما، فلم يكن بينه وبين زيادة ~~اله فيها قتال، وأخرج الجند حرمهم عن القيروان. ثم انصرف مصور إلى تونس ولم ~~يبق بيد زيادة الله من أفريقية كلها إلا قابس والساحل ونفزاوة وطرابلس، ~~فانهم تمسكوا بطاعته، ولم ينقصوه شيئا من جبايته. وملك منصور جميع عمل ~~زيادة الله، وضرب السكة باسم نفسه. # وكتب الجند إلى زيادة اله (ارحل عن أفريقية ولك الآمان في نفسك ومالك) ~~فشاور زيادة اله أهل بيته وخدمته، وقد ضاق به الأمر فقال له سفيان بن ~~سوادة: (مكني ممن أثق بهم أتقدم بهم إلى نفزاوة) فانتقى له مائة فارس، ~~فأعطاهم وسار بهم إلى نفزاوة فدعا بربرها إلى نصرته. فأجابوه. فأقبل عامر ~~بن نافع في الجند نحو نفزاوة فلما وصل إلى قسطيلية جمع ألف أسود ومعهم ~~الفؤوس والمساحي وخرج بهم إلى نفزاوة فنزل بتقيوس وبلغ ابن سواد قدومه، ms077 ~~فخرج إليه وأقتتل معه، فانهزم الجند وقتل منهم عدد كبير. ورجع عامر إلى ~~قسطيلية فأقام بها ثلاثة أيام يجبي أموالها ليلا ونهارا، حتى كمل له من ذلك ~~ما أراد، وسار نحو القيروان. # وفي سنة 211، قام عامر بن نافع على منصور الطبنذي. وكان حاسدا له لأن ~~منصورا كان يتوعده على الشراب، فعمل عليه عامر مع الجند، فلم يشعر منصور ~~وهو بقصره بطبنذة حتى زحف إليه عامر من تونس، فحاصره. فراسله منصور وطلب ~~منه الآمان، على أن يتوجه في سفينة إلى المشرق. فأجابه إلى PageV01P101 # ذلك وخرج منصور في أول اليل مستخفيا يريد الأربس. فلما أصبح عامر، قفا ~~أثره وأثر من اكن معه، حتى أدركهم. فاقتتل معهم فانهزم منصور ودخل الأربس، ~~فتحصن بها فحاصره عامر فيها. فلما ضاق الحصار بأهلها، قالوا المنصور (إما ~~أن تخرج عنا وإلا دفعناك إلى عامر!) فرغب منهم أن يمهلوه حتى يعمل في ~~الخلاص لنفسه. فأرسل إلى عبد السلام بن الفرج (وكان من وجوه الجند) يسأله ~~الاجتماع به. فأتاه فقال له منصور من أعلى السور: (بهذا كان جزائي منكم يا ~~معشر الجند! وقد علمتم أن قيامي على القوم إنما كان من أجلكم. فإذا كان قد ~~صار الأمر إلى ما صار إليه فأحب أن تسعى في أماني وخلاصي وأخرج عنكم إلى ~~المشرق) فأجابه عبد السلام إلى ما سأل، واستعطف له عامر بن نافع فأسعفه في ~~ذلك. ثم وجهة عامر منصورا مع خيل وأمر مقدمهم سرا أن يعرجوا به إلى مدينة ~~جربة ويحبسه بها. ففعل ذلك وحبس منصور هنالك. فلكا علم عبد السلام بهذه ~~الغدرة من عامر حقد عليه وكان بباجة مع أصحابه، وكان هاشم أخو عامر واليا ~~عليها، فأخذوه وحبسوه وكتبوا إلى أخيه عامر (أما أن تخلي عن منصور وإلا ~~قتلنا أخاك) فكتب إليهم عامر (إني لست أخلى عن منصور فاصنعوا بهاشم ما ~~شئتم! فستعلمون عاقبة أمركم) فلما جاءهم كتابه، أطلقوا هاشما. وأمر بضرب ~~عنق منصور وأخيه حمدون. واستقامت الأمور لعامر بن نافع. # وفي سنة 212، أغزى زيادة اله صقلية. واجتمع ms078 له سبعون مركبا حمل فيها ~~سبعمائة فرس. وعرض القاضي أسد بن الفرات نفسه على زيادة الله في الخروج ~~للغزو، فولاه على الجيش، وأقره على القضاء مع القيادة، فخرج معه أشراف ~~أفريقية من العرب والجند والبربر والأندلسيين، وأهل العلم والبصائر، وذلك ~~في حفل عظيم وعدة جليلة في ربيع الأول. فساروا إلى حصون الروم ومدنهم ~~فأصابوا سبيا كثيرا وسائمة كثيرة وكثرت الغنائم عند المسلمين. واحتل القاضي ~~أسد بمن معه على مدينة سرقوسة، وحاصرها PageV01P102 # برا وبحرا وأحرق مراكبها، وقتل جماعة من أهلها. وجائته الأمداد من ~~أفريقية والأندلس وغيرها. # وفي سنة 213 توفي عامر بن نافع على فراشه. فلما بلغ موته زيادة الله، ~~قال: (اليوم وضعت الحرب أوزارها!) فاستأمن بنوه إلى زيادة اله، فأمنهم. ~~وفيها توفي إدريس بن إدريس الحسني # فقام بأمر فاس والبر بر ابنه محمد، فولى أخاه البصرة وطنجة وما يليهما، ~~وولى سائر اخوته بلاد المغرب. # ذكر مدينة البصرة بالغرب. كانت قبل مدينة كبيرة أزلية، تعرف ببصرة الكتان ~~لأنهم كانوا يتابعون، في بدء أمرها في أكثر تجاراتهم بالكتان. وتعرف أيضا ~~بالحمراء. لأنها حمراء التراب. وكان سورها مبنيا بالحجارة والطوب. ولها ~~عشرة أبواب. ولجامعها سبع بلاطات. وبها حمامان كبيران ومقبرتها الكبرى في ~~شرقيها، والأخرى في غربيها، وهي التي تعرف بمقبرة قضاعة. وماؤها زعاق ~~وشربهم من ماء عذب كبير على باب المدينة، يعرف ببئر أبي ذلفاء. ونساء ~~البصرة مخصوصات بالجمال الفائق والحسن الرائق، ليس بأرض المغرب أجمل منهن، ~~وفيهن يقول أحمد بن فتح التيهرتي في قصيدة مدح بها أبا العيش الحسني (كامل) ~~: # ما حاز كل الحسن إلا قينة ... بصرية في حمرة وبياض # الخمر في لحضاتها والورد في ... وجناتها هيفاء غير مفاض # وأست البصرة في الوقت الذي أسست فيه أصيلا أو قريبا منه. ومنها إلى قصر ~~كتامة وهو قصر عبد الكريم، مرحلة ومنها إلى مدينة جنيارة مرحلة. وقيل أنها ~~كانت قرية على وادي سبو بينها وبين فاس مرحلة ومن مدينة البصرة طريق آخر ~~إلى فاس، فمنها إلى ورغة مرحلة، ثم إلى وادى ماسنة مرحلة وهي ms079 مدينة عيسى بن ~~حسن الحسني المعروف بالحجام ثم إلى مدينة PageV01P103 # سداك وهي قاعدة خلوف بن محمد المغيلي ثم إلى فاس. فذلك سبع مراحل. وفي ~~هذه السنة توفي أسد بن الفرات في رجب منها وهو محاصر لسرقوسة فلما توفي، ~~هربت رهن الروم التي كانت عنده ووقع الموت في عسكر المسلمين، فاغتنموا ~~لذلك، وولوا على أنفسهم الجراوي. # وفي سنة 214 توفي القاضي أبو محرز الكلابي. وفيها وصل من الأندلس إلى ~~صقلية نحو ثلاثمائة مركب، فيها أصبغ بن وكيل المعروف بفرغلوش. وبلغ ~~المسلمين المحصورين بها خير وصولهم، فاستغاثوا بهم، فودعهم بالغوث. # وفي سنة 215، كان غزو فرغلوش الواصل في المركب إلى صقلية هو والوقاد ~~الذين معه، فأخذا القلاع، وسبقوا، وغنموا في بلاد الروم. ثم سألوا إغاثة من ~~كان من المسلمين بها، فأجابوهم إلى ذلك على أن يكون أمر الناس إلى فرغلوش ~~فساروا إلى ذلك وأخذوا في طريقهم القلاع وأغاروا حتى انتهوا إلى ميناو. ~~فخرج مخنق من كان بها من مسلين، وحرقوا المدينة وهدموها، وانتقلوا عنها. ~~وسار المسلمون إلى غلواليه، فحصروها وتغلبوا عليها. # واعتل جماعة من المسلمين بها وأخذ الوباء ومات فرغلوش وغيره من القواد ~~فرحل المسلمون وركب العدو أثرهم، فقتل منهم خلق كثير في خبر طويل ثم أخذوا ~~في إصلاح مراكبهم قافلين إلى الأندلس. # وفيها ولي سعيد بن إدريس مدينة نكور. # وفي سنة 216 كانت وقيعة بين مطبق السلمي وإسماعيل بن الصمصامة بإفريقيا ~~فتقاتلا بما من معهما فهزم مطبق وقتل ونهزم أصحابه أبو فهر صقلية. # وفي سنة 217 توجه أبو فهر محمد بن عبد الله التميمي من إفريقيا إلى صقلية ~~وهرب عثمان بن عرقب عنها. PageV01P104 # وفي سنة 218 قام بمدينة تونس فضل بن أبي العنبر بعد هزيمته لخليل زيادة ~~الله، فضبطها لنفسه. وسار إليه أبو فهر بن عبد الله بن الأغلب في جيش كثيف ~~حتى افتتحها وقتل فيها عباس بن الوليد الفقيه الصالح. # وفي سنة 219 أمن زيادة الله كل من طلب الأمان ممن تلفت من تونس وخرج عنها ~~وقت دخول أبي فهر لها. ms080 فأمنهم وسكنت أحوالهم وكان فيهم عبد الرحمن وعلي ~~ابنا أبي سلمة وأبو العزاف كانوا شعراء فصحاء فأنش عبد الرحمن مديحا له فيه ~~فلما أنقض إنشاده قام يعقوب بن يحيا الشاعر يحرض زيادة الله على بني أبي ~~سلمة وأبي العزاف بهذه الأبيات وأوفر: # تسمع أيها الملك المعان ... قوافي في معانيها البيان # يتم أمان من الخضب العوالي ... وليس لشاعر أبدا أمان # لأن قوافي الأشعار تبقى ... على الأيام ما بقى الزمان # وقد يرجى لجرح السيف برء ... ولا برء لما جرح اللسان # فلم يلتفت زيادة الله إلى قوله وأمضى لهم أمانهم وقال لأبي العزاف: ما ~~منعك أن تستأمن إلينا قبل هذا الوقت؟ قال: أيها الأمير كنت مع قوم حمقى ~~يولون كل يوم واليا ويعزلون آخر. فرجوت أن تكون لي معهم دولة، فضحك زيادة ~~الله وقال: لقد عفوت عنك # وفي سنة 220 ولي أحمد بن أبي محرز قضاء أفريقية وفيها غزى محمد ابن عبد ~~الله بن الأغلب صقلية. فالتقى بالمشركين فانهزموا أمامه. وانصرف بالغنائم ~~إلى بسلوم. وكانت بصقلية في هذه السنة غزوات كثيرة للمسلمين برا وبحرا ~~وكذلك بالأندلس. # وفيها وصل ابن الأغلب إلى بسلوم قاعدة صقلية واليا عليها، في رمضان، بعد ~~أن رأى شدة في البحر وعطبت له مراكب وحطمت له أخرى PageV01P105 # وأصاب له النصارى حراقة من مراكبه. وجاهدهم محمد بن السندي في حراقات ~~فاتبعهم حتى حال الليل بينهم. # وفي سنة 21 2، توفي قاضي صقلية ابن أبي محرز. وكان قد أوصى أخاه عمران أن ~~يكتكم موته حتى يكفنه ويصلي عليه، خوفا أن يكفنة زيادة الله ويصلي عليه، ~~ففعل عمران ذلك. فلما حمل نعشه وخرج به من داره أقبل خلف الفتى يمسك كثير ~~وأكفان من قبل زيادة الله فقال له عمران: قد كفناه: فذر خلف المسك الذي كان ~~معه عليه وحمل إلى المصلى حضر زيادة اله دفنه وعزى أخاه عنه وقال: يا أهل ~~القيروان لو أراد الله بكم خيرا لما خرج ابن ابي محرز من بين أظهركم. وكان ~~زيادة الله يقول: ما أبالي ما قدمت عليه ms081 يوم القيامة وفي صحيفتي أربع ~~حسنات: بنياني المسجد الجامع بالقيروان وبنياني قنطرة أبي الربيع، وبنياني ~~حصن مدينة سوسة ونوليتي أحمد بن محرز قاضي أفريقية، وولي القضاء بعده ابن ~~أبي الجواد. # وفي هذه السنة، ابتدأت الفتنة بسلجمانة بين ميمون وأخيه ابني المنتصر ابن ~~اليسع. # وفي سنة 222 كانت غزوة صقلية للمسلمين إلى ناحيو جبل النار، فأصابوا ~~وغنموا وقفلوا سالمين غانمين. وفيها فتح المسلمون حصن مدنار ومعاقل كثيرة ~~في غزوة للفضل بن يعقوب، أغزاه أبو الأغلب، وغزوة أخرى لعبد السلام بن عبد ~~الوهاب، أغزاه أيضا إياها أبو الأغلب، فخرج إليه العدو فانهزم المسلمين ~~وأصيب منهم جماعة وأسر عبد السلام حتى فدي بعد ذلك. # وفي سنة 223 توفي زيادة اله بن إبراهيم بن الأغلب صاحب أفريقية، يوم ~~الثلاثاء لربع عشرة ليلة خلت من رجب وهو ابن إحدى وخمسين سنة. فكانت ولايته ~~إحدى وعشرين سنة، وسبعة أشهر وثمانية أيام. PageV01P106 ### | ولاية أبي عقال الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب أفريقية # وهو الملقب بخزر، فلنا ولي أمن الناس وأحسن إليهم وإلى الجند، وغير ~~أحداثا كثيرة كانت قبله وأجرى على العمال أرزاقا واسعة وصلات جزلة وقبض ~~أيديهم عن الغبة، وقطع النبيذ من القيروان، وعاقب على بيعه وشربه. وتوفى في ~~العشر الأواخر لربيع الآخر سنة 226، وهو ابن ثلاثة وخمسين سنة فكانت ولايته ~~سنتين وتسعة أشهر وأياما. # وفي سنة 224، كانت وقعة بأفريقية بين عيسى بن ريعان الآزدي، وقد أخرجه ~~السلطان لذلك، وبين لواته وزاغة ومكناسه فقتلهم عن آخرهم بين قفصة ~~وقسطيلية. ذكر ذلك ابن القطان. # وفيها، قدم أهل سلجماسة ميمون بن مدرار وأخرجوا أخاه. فلما استقر الأمر ~~لميمون أخرج أباه مدرار وأمه إلى بعض قرى سلجمانة. # وفي سنة 225، كانت وفاة أبي جعفر موسى بن معاوية الصمادحي، مولى آل جعفر ~~وكان ممن روى عنه سحنون. # وفي سنة 226، توفي أبو عقال الأغلب ين إبراهيم في ليلة الخميس لسبع بقين ~~من ربيع الآخر، وولاية ابنه أبي العباس يوم موت أبيه ### | ولاية أبي العباس محمد بن الأغلب بن إبراهيم ابن الأغلب أفريقية # كانت ولايته ms082 في أولها ساكنة، والأمور معتدلة. وقلد أحمد بن الأغلب كثيرا ~~من أموره وكان محمد هذا قليل العلم، ذكر أن رجاء الكاتب كان يوما بين يديه، ~~فكتب محمد (لحم ضبي) بضاد مسقوطة. فلما حفلا المجلس، قال له كاتبه: (أيد ~~الله الأمير الظبي يكتب بضاء مرفوعة) فقال له محمد: (قد PageV01P107 # علمنا فيها اختلافا فأبو حنيفة يجعله بالظاء ومالك يجعله بالضاد) فعجب ~~الحاضرون من قوله وكان عقيما لا يولد له. وكان مظفرا فيء حروبه. # وفي سنة 227، توفي أبو محمد عبد الله بن أبي حسان اليحصبي فقيه أفريقية، ~~ولقي مالك، وسمع منه. وسأله زيادة اله في النبيذ، فقال له: (كم دية العقل؟) ~~قال: (ألف دينار) قال: (أصلح الله الأمير يعمد الرجل إلى ما قيمته ألف ~~دينار، فيبعه بنصف دسهم فقبل له: (أنه يعود ويرجع) فقال: (أصلح الله ~~الأمير! بعد كشفه سوئته، وإبداءه عورته وضرب هذا وشتم هذا) وفي سنة 228، ~~كانت أفريقية هادئة ساكنة قال عريب وغيره لم يكن في أفريقية هذه السنة خبر ~~يذكر ولا في السنتين بعدها. # وفي سنة 230 توفي بهلول بن عمرو بن صالح الفقيه، سمع من مالك وطبقته. # وفي سنة 231 كانت ثورة أحمد بن الأغلب عل أخيه محمد واستيلائه عليه، وذلك ~~أن أحمد تواعد مع جملة من الموالي إلى موضع، فتوافوا هنالك وقت الظهيرة، ~~فقصدوا إلى مدينة القصر القديم، وقد خلى الباب من الرجال فدخلوا، وأغلقوا ~~الباب، ثم ساروا حتى أغلقوا لأبواب الأخر. ثم هجموا على أبي عبد الله بن ~~علي بن حميد الوزير فأمر أحمد فضربت عنقه ووقع القتال بين رجال محمد بن ~~الأغلب وبين رجال أحمد بن الأغلب وجعل أصحاب أحمد يقولون لأصحاب محمد: (ما ~~لكم تقاتلوننا! نحن في طاعة محمد ابن الأغلب. إنما قمنا على أولاد علي بن ~~حميد الذين أفقروكم واستولوا على أموال مولاكم دونكم وإما نحن في الطاعة) ~~لما سمعوا ذلك، أوقفوا عن القتال، ولما نظر محمد إلى ما دهمه من غير ~~استعداد، قعد في مجلسه الذي يقعد فيه للعامة، وأذن لأخيه أحمد والرجال ms083 ~~الذين معه في الدخول عليه. PageV01P108 # فدخلوا بسلاحهم. فكانت بينهما معاتبة. ثم حلفا أن لا يغدر أحدهما بصاحبه ~~واصطلحا. واعتدلت الأمور لأحمد بن الأغلب إلا أن أسم الإمارة فقط وقبض أحمد ~~على من شاء، واستصفى من أراد وعذب من أحب وأعطى الرجال وجنى الأموال، ~~واستوزر نصر بن حمزة. # وفي سنة 232، ظفر محمد بن الأغلب بأخيه أحمد، وحبسه، ورجع له سلطانه. ~~وقام معه في ذلك جماعة من بني عمه ومواليه. وسقى البوابين واحتال عليهم حتى ~~دخل المدينة، وحارب أخاه طول الليل وأطلق من كان في حبس أخيه، فاستمد بهم ~~ووصل أهل القيروان حتى أنفذ جميع ما في خزائنه من الأموال والكسي ثم نفى ~~محمد بن الأغلب أخاه إلى المشرق فمات بالعراق. # وفيها عزل عبد الله بن أبي الجواد عن القضاء، فقال سحنون لمحمد بن ~~الأغلب: (أيها الأمير، أحسن الله جزائك! فقد عزلت فرعون هذه الأمة وجبارها ~~وظالمها) وابن أبي الجواد حاضر ولحيته تضطرب على صدره وكان تام اللحية. # وفي سنة 233 ولي سحنون بن سعيد بن حبيب التنوخي الفقيه (واسمه عبد ~~السلام، إنما سمي بسحنون لحدة ذهنه) القصاء بأفريقية بعد أن رجع محمد بن ~~الأغلب في ذلك عاما كاملا، وهو يأبى عليه، حتى حلف له بأيمان المؤكد وأعطاه ~~العهود المغلظة إنه يطلق يديه على أهل بيته وقرابته وخدمه وحاشيته، وينفذ ~~عليهم الحق، أحب أو كرهوا. # وفيها كانت ثورة سالم بن غلبون وقتله، وذلك إنه كان واليا على الزاب ~~فعزاه محمد بن الأغلب. فأقبل سالم يريد القيروان. ثم عدل في بعض طريقه إلى ~~الأربس مظهرا للخلاف، فمنعه أهلها من دخولها فسار إلى باجة فدخلها وضبطها ~~فأخرج إليه ابن الأغلب خفاجة بن سفيان في جيش كثيف فنزل عليه وحاربه أياما، ~~فهرب سالم بن غلبون في الليل، فاتبعه خفاجة PageV01P109 # فلحقه لما أصبح وقتله، وحمل رأسه إلى محمد بن الأغلب وكان ابنه أزهر ~~محبوسا عنده فأمر بضرب عنقه. # وفي سنة 234، ثار عمر بن سليم النجيبي بتونس، فأخرج إليه ابن الأغلب ~~خفاجة بن سفيان، فأقام عليه بقية ms084 هذه السنة، ثم انصرف عنه من غير ظفر وفيها ~~مات عبد الله بن أبي الجواد في سجن سحنون وكان ورثته ابن القلقاط يطلبونه ~~بخمسمائة دينارا وديعة واستظهروا بخطه. فأنكر الوديعة والخط. فكان سحنون ~~يخرجه كل جمعة، فإذا استمر على الإنكار، ضربه عشرة أسواط. وأرادت زوجته ~~فدائه بمالها، فامتنع سحنون إلا أن يعترف ابن أبي الجواد بأن هذا مال ~~الأيتام أو عوضا عنه. فأبى ابن أبي الجواد. فما زالت تلك حاله إلى أن مرض، ~~فمات. فشنع الناس على سحنون أن قتله. وكان يقول بخلق القرآن. # وفي سنة 235 كانت وقيعة، بمقربة من تونس، بين المنتزي في العام الفارط ~~عمرو بن سليم المعروف بالقوبع، وبين محمد بن موسى المعروف بعريان، الذي ~~استقوده ابن الأغلب لمحاربته، ففزع كثيرا ممن موالي ابن الأغلب إلى القوبع. ~~فوقعت على محمد بن موسى هزيما، وأسر أحد قواده، بعد أن انكسرت رجله، ثم ~~طعنه ولد القوبع طعنة كان في حتفه، وقتل كثير من أصحابه. وأنصرف باقي الجيش ~~إلى ابن الأغلب مفلولين. واشتدت شوكة القوبع. # وفي سنة 236، كانت وقعته بين عمرو بن سليم القوبع المنتزي بتونس وبين ~~خفاجه بن سفيان، قائد جيش قائد بن الأغلب، فاقتتلوا قتالا شديدا، فنهزم ~~القوبع، وقوتل أصحابه مقتلة عظيمة. وأدرك القوبع، فضربت عنقه، وحمل رأسه ~~إلى محمد بن الأغلب، فوصل قاتله، وكساه، وأحسن إليه. ودخل خفاجة مدينة تونس ~~بالسيف، يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول وسبى فيها، وانصرف بالجيش إلى ~~القيروان، فكساه ابن الأغلب. PageV01P110 ### | ولاية العباس بن الفضل جزيرة صقلية # لما توفي صاحب صقلية أبو الأغلب إبراهيم بن عبد الله الأغلب، قدم أهلها ~~على أنفسهم العباس بن الفضل هذا، وكتبوا إلى محمد بن الأغلب بن خبر. فأقر ~~العباس، وكتب إليه بعهده بولاية صقلية. فجاهد كثيرا، وغزا طويلا. وكان له ~~في الروم مواقف أذلهم بها. # وفي سنة 237 ولي حبيب بن نصر التميمي المظالم بالقيروان بتقديم القاضي ~~سحنون إياه عليها. وفي أغزى العباس بصقلية أرض الروم، فغنم غنائم عظيمة، ~~وسبى سبيا كثيرا وأداخ بلاده. ms085 # وفي سنة 238 أغزى العباس بن الفضل صاحب صقلية الروم فقتل الله المشركين. ~~وبعث العباس برؤوسهم إلى مدينة بالرم، وقام ينتسف زروعهم، ويطأ أرضهم، ~~ويسبى من ظفر بهم منهم. ثم قفل إلى صقلية. # وفي سنة 239 كان الجهاد بصقلية في غزوة العباس بن الفضل في الصائفة فأفسد ~~زروع النصارى، وبث السرايا في كل موضع، وغنم وقصر يانة وقطانية وسرقوسة ~~وغيرها، وحاصر مدينة بنيرة ستة أشهر حتى صالحوه على ستة آلاف رأس قيضها ~~منهم. وقفل إلى حضرة بلرم، وفتح مدينة سبرينة. # وفي سنة 240، توفي الفقيه سحنون - رحمه الله - وفيها كان الجهاد أيضا ~~بصقلية: غزا العباس بن الفضل صاحبها بلاد الروم فسبى ونكى وخرب وانتسف وبث ~~السرايا، فغنموا غنائم عظيمة. # وفي سنة 241، غزا العباس بن الفضل أيضا الروم بصقلية، فأفسد زروعهم وبث ~~السرايا في أراضيهم، فغنمت غنائم كثيرة. وأقام في جبل مانع ثلاثة أشهر يضرب ~~كل يوم حول يلنة فيقتل ويصيب، وتتوجه سراياه PageV01P111 # فتغنم في كل جهة. وأغزى أخاه علي بن الفضل في البحر، فأصاب وغنم وانصرف ~~برؤوس كثيرة. # وفي سنة 242، توفي أبو العباس محمد بن الأغلب صاحب أفريقية ليلتين خلتا ~~من المحرم، فكانت ولايته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر واثنتي عشرة يوما ومات ~~وهو ابن ستة وثلاثين سنة. وولي بعده ابن أخيه. ### | ولاية أبي إبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب أفريقية # وليها وهو ابن عشرين سنة. وكان حسن السيرة، كريم الأخلاق والأفعال، من ~~أجود الناس وأسمحهم وأرفقهم بالرعبة، مع دين واجتناب للظلم على حداثة سنه ~~وقلة عمره. وكان يركب في ليالي شعبا ورمضان وبين يديه الشمع فيخرج من القصر ~~القديم ويمشي حتى يدخل من باب أبي الربيع ومعه دواب بالدراهم، فكان يعطي ~~الضعفاء والمساكين حتى ينتهي إلى المسجد الجامع بالقيروان فيخرج الناس إليه ~~يدعون له. # وفيها ولي القضاء بأفريقية أبو الربيع سليمان بن عمران بن أبي هاشم ~~الملقب بخروفة. # وفيها كان الجهاد بصقلية. غزا صاحبها العباس بن الفضل الروم بالصائفة ~~فغنم وسبى وانتقل من حصن إلى حصن، ففتح أكثرها، وصالحه بعض ms086 أهلها. # وفي سنة 243، كان الجهاد بصقلية. غزا العباس بن الفضل صاحبها بالصائفة ~~فسبى وغنم، وصالحه أهل قصر الحديد، بعد أن حاصرهم شهرين بخمسة عشر ألف ~~دينار، وصالحه أهل حصن شلفودة على أن يخرجوا منه ويهدمه، ففعل ذلك. PageV01P112 # وفي سنة 244 غزا العباس صاحب صقلية أرض الروم، فغنم غنائم كثيرة وخرج ~~أخوه في مراكب في البحر إلى جزيرة إقريطش، فقتل وسبى. وغنم ثم دارت على ~~المسلمين جولة، فقتل منهم، وأخذت لهم عشرون مركبا. # وفي سنة 245، أخرج أبو إبراهيم بن الأغلب صاحب أفريقية مالا كثيرا لحفر ~~المواجل، وبنيان المساجد والقناطر لكلمة كانت منه على سكر. # وفي سنة 246، كان حفر المآجل الكبير على باب تونس. وفيها توفي أبو خلف ~~الزاهد، واسمه مطروح بن قيس. وكان عابدا زاهدا. # وفي سنة 247، كان بالقيروان سيل عظيم كسر القنطرة فأمر صاحب أفريقية ~~بإصلاحها. وفيها توفي عبد الرحمن بن عبد ربه، وكان مستجاب الدعوة. # وفيها توفي العباس بن الفضل صاحب صقلية، في جمادى الأولى لثلاث خلون ~~منها، وولى عمه أحمد صقلية: ولاه أهلها، وكتبوا بذلك إلى صاحب أفريقية أبي ~~إبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب، فجاء كتابه بإثباته. # وفي سنة 248، كمل بناء ماجل باب تونس الكبير وتمت الزيادة في جامع ~~القيروان وكمل إصلاح قنطرة باب أبي الربيع، وفيها كانت غزوة رباح فأصاب ~~وغنم، ثم دارت عليه وقيعة، أخذت فيها طبوله وأعلامه، ثم أسر قوم من أصحابه ~~ثم تراجع وافتتح مدينة جبل أبي مالك، وسبى جميع كما كان فيها وأحرقها وبث ~~سرايا كثيرة فأصابت وغنمت. # وفي سنة 249، توفي أبو إبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب صاحب أفريقية يوم ~~الثلاثاء لثلاث خلت من ذي القعدة، فكانت ولايته سبع سنين وعشرة أشهر ونصفا. ~~وهو ابن ثمان وعشرين سنة. ### | ولاية زيادة الله بن محمد بن الأغلب ابن إبراهيم بن الأغلب أفريقية # ولي يوم وفاة أبي إبراهيم، في ذي القعدة، فكتب إلى خفاجة بإمضاء PageV01P113 # ولايته وخلع عليه. وكان أبو محمد زيادة الله هذا عاقلا حليما حسن السيرة ~~جميل الأفعال، ذا رأي ونجدة وجود ms087 وشجاعة. وهو الثاني ممن أسمه زيادة اله في ~~بني الأغلب. ول تطل في الملك مدته، فتكون له أخبار تؤثر. وتوفي ليلة السبت ~~لعشر بقين من ذي القعدة من سنة 250 فكانت دولته سنة واحدة وسبعة أيام. ### | ولاية أبي الغرانيق محمد بن أحمد بن محمد بن الأغلب # ولي سنة 250، وهو ابن أخي زيادة الله المتوفى قبل. ولي يوم السبت لعشر ~~بقين من ذي القعدة، ولقب بأبي الغرانيق لأنه كان يهوى صيدها، حتى بنى قصرا ~~يخرج إليه لصيدها، أنفق فيه ثلاثين ألف مثقال من الذهب. وكان مسرفا في ~~العطاء، مع حسن سيرة في الرعية. ثم غليت عيه اللذات والانشغال بها فلم يزل ~~كذلك طول مدته، ولم تكن له همة في جمع مال. فلما مات لم يجد أخوه في بيتا ~~المال شيئا يذكر، وكانت ولايته حروبا أكثرها على ما يأتي ذكره. # وفي سنة 251 كانت غزوة السرية المعروفة بسرية ألف فارس، وذلك أن خفاجة ~~صاحب صقلية غزا قصر يانة، فأفسد زرعه وسار إلى سرقوسة فقاتل أهلها. ثم رحل ~~عنهم وأخرج ابنه محمدا إليهم في سرية فكمن لهم وقتل منهم ألف فارس، فسميت ~~تلك السرية سرية ألف فارس. # وفي سنة 252، بنى محمد بن حمدون الأندلسي المعافري الجامع الشريف ~~بالقيروان المنسوب إليه: بناه بالآجر والجص والرخام، وبنى فيه جبابا للماء. ~~وغزا خفاجة صاحب صقلية أرض الروم، وافتتح حصونا كثيرة؛ ثم مرض مرضا شديدا، ~~فانصرف في محمل إلى بلرم. PageV01P114 # وفي سنة 253 قال ابن القطان: عريت هذه السنة من أخبار أفريقية، فلم يكن ~~فيها خبر مشهورا يجتلب. # وفي سنة 254 غزا خفاجة صاحب صقلية بطريقا وصل من القسطنطينية، في جمع ~~كبير نفي البر والبحر، فأنهزم البطريق بعد قتال شديد، وقتل من أصحابه آلاف ~~كثيرة، وأخذ لهم سلاح وخيل. ودخل خفاجة إلى سرقوسة وغيرها؛ فغنم غنائم ~~كثيرة، ورجع إلى بلرم قاعدة أول يوم من رجب. # وفي سنة 255 خرج خفاجة صاحب صقلية للغزو؛ فلقيه العدو في جمع كبير؛ ~~فاقتتلوا قتالا شديد، فقتل شجاع من شجعان المسلمين؛ فانكسروا ms088 لقتله. فسارة ~~خفاجة إلى سرقوسة فامتنعت منه؛ فأقام عليها، وأفسد زرعها. وفيها توفي ~~خفاجة؛ وذلك أنه؛ لما أكمل غزاته المذكورة، قفل من سرقوسة، يريد بلرم؛ ~~فأدلج ليلا؛ فأغتاله رجل من عسكره، وطعنه طعنه مات منها، وذلك أول يوم من ~~رجب. وهرب الذي طعنه إلى سرقوسة. وحمل خفاجة إلى بلرم؛ فدفن بها. فولى أهل ~~صقلية ولده محمد. وكتبوا بذلك إلى الأمير محمد بن أحمد أبن الأغلب أبي ~~الغرانيق؛ فكتب إليه بالولاية، وخلع عليه. # وقي سنة 256 توفي محمد بن سحنون التنوخي، وكان فقيها ورعا - رضي الله عنه ~~-! وفي سنة 257 ولى القضاء بإفريقيا عبد الله بن أحمد بن طالب صارفا سليمان ~~بن عمران. وفيها، توفي صاحب صقلية محمد بن خفاجة قتله خدمة نهار لثلاث خلون ~~من رجب، وكتموا أمره، فلم يعرف قتله ألا بعد يوم لهروب الخدم، فأخذوا وقتل ~~بعضهم. فولى صقلية أحمد بن يعقوب بتقديم ابن الأغلب إياه. وولى على الأرض ~~الكبير عبد الله بن يعقوب، فكانت لهما في هذا العالم غزوة أوقعا فيها ~~بالمشركين. ولم يكن في بإفريقيا في سنة سبع خبر يذكر. # وفي سنة 258، توفي أحمد بن يعقوب صاحب صقلية، وولى ابنه الحسين مكانه. ~~وأوفر صاحب أفريقيا عليها. PageV01P115 # وفي سنة 259، ولى سليمان بن عمران قضاء أفريقية، وعزل عبد الله بن أحمد ~~بن طالب التميمي عنه. وفيها عزل صاحب صقلية سرقوسة، فصالحه أهلها على أن ~~يخرجوا إليه من أير المسلمين الذين كانوا عندهم ثلاثمائة وستين أسيرا. # وفي سنة 260 كانت المجاعة العامة بالمشرق والمغرب، والوباء، والطاعون. ~~وفيها توفي محمد بن إبراهيم بن عبدوس الفقيه العالم، الذي دون (المجموعة) ، ~~وكان مجاب الدعوة. # وفي سنة 261 توفي أبو الغرانيق محمد بن أحمد بن الأغلب ليلة الأربعاء لست ~~خلون من جمادى الأول من هذه السنة، فكانت ولايته عشر سنين وخمسة أشهر ~~ونصفا، وفي دولة المستعين بالله والمعتز والمهتدي المعتمد في بعض أيامه. ### | ولاية إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب # وصفة ولايته أن أبى الغرانيق كان عهد لأبنه أبي عقال، وأستخلف أخاه ms089 ~~إبراهيم بن أحمد ألا ينازعه في ملكه بخمسين يمينا. فلما مات أبو الغرانيق، ~~أتى أهل القيروان إلى إبراهيم بن أحمد، وهو إذ ذاك والي على القيروان. ~~فقالوا له (قم، فأدخل القصر، فأنت الأنير!) وكان إبراهيم قد أحسن السيرة ~~فيهم. فقال لهم (قد علمتم أن أخي قد عقد البيعة لابنه، واستحلفني خمسين ~~يمينا ألا أنازع ولده ولا أدخل قصره) فقالوا له (تكون أمير في دارك بالقصر ~~القديم، ولا تنازع ولده! فنحن كارهون ولايته ومبايعون لك! وليس في أعناقنا ~~له بيعة!) فركب من القيروان، ومع أكثر أهلها، فحاربوا أهل القصر حتى دخل ~~إبراهيم داره، فبايعه مشايخ أهل أفريقية ووجوهها، وبايعه جماعة بني الأغلب. # وفي سنة 262 توفي أبو زيد شجر بن عيسى القاضي بتونس، وكان من PageV01P116 # خيار القضاة، له مناقب كثيرة، وهو ابن تسع وتسعين سنة. وفيها أسست قلعة ~~مدينة تنس، أسسها البحريون من أهل الأندلس. # وفي سنة 263 ابتدأ إبراهيم بن أحمد بن الأغلب ببناء مدينة رقادة. # وفي سنة 264 كمل بناء القصر المعروف بالفتح، وانتقل إليه إبراهيم ابن ~~أحمد. وقتله للموالي بالقصر القيم لأنهم ثاروا عليه. وفيها فتحت سرقوسة يوم ~~الأربعاء لأربعة عشرة ليلة خلت لرمضان، وقتل فيها أكثر من أربعة آلاف علج، ~~وأصيب فيها من الغنائم ما لم يصل بمدينة من مدائن الشرك ولم ينج من رجالهم ~~أحد. وكان مقام المسلمين بصقلية عليها على أن فتحت تسعة أشهر، وقاموا بعد ~~فتحها شهرين، ثم تهدمت. وفيها، قتل صاحب صقلية جعفر ابن محمد. قتله غلمانه ~~مع الأغلب بن محمد بن الأغلب، الملقب بخرج الرعونة، وبي عقال الأغلب بن ~~أحمد، وكانا محبوسين عنده فتولى خرج الرعونة بلرم وضبطها، فوثب أهلها عليه ~~وعلى أبي عقال ومن أتصل بهما، فأخرجوهم من صقلية إلى أفريقية. وولي الحسن ~~بن رباح صقلية. # وفي سنة 265 غزا صاحب صقلية الحسن بن الرياح الصائفة إلى طرمين، ودارت ~~بينه وبين مشركي صقلية حرب قتل فيها من المسلمين، ثم كانت لهم الكرة على ~~المشركين، فهزموهم، وقتلوهم، وقتلوا بطريقتهم. # وفي سنة 266 ms090 كان القحط العظيم والغلاء المفرط بأفريقية. وفيها أغزى صاحب ~~صقلية الروم، فالتقى في البحر بمراكبهم، وهم في نحو مائة وأربعين مركبا، ~~فدارت بينهم حرب شديدة حتى أسلم المسلمون مراكبهم وأخذها الروم وأنصرف من ~~وكان في تلك المراكب إلى بلرم، فأقاموا بها شهورا يبثون السرايا ويغنمون ~~أرض الروم المجاورين لهم. # وفي سنة 267 ولي عبد الله بن أحمد بن طالب التميمي القضاء صارفا لسليمان ~~بن عمران عنه. وفيها ولي الحسن بن العباس جزيرة صقلية. وفيها PageV01P117 # كانت فتنة ولد ابن طولون، حين أراد التغلب على إفريقية. وهاأنا أذكر قصته ~~إلى أن هزم. وذلك أن العباس بن أحمد بن طولون ولد صاحب مصر، قدم في هذه ~~السنة في ثمانمائة فارس وعشرة آلاف من سودان أبيه على خمسة آلاف جمل إلى ~~مدينة برقة، في ربيع الآخر يريد إفريقيا والتغلب عليها وإخراج بني الأغلب ~~عنها. وحمل مع نفسه من بيت مال مصر ثمانمائة حمل دنانير ذهبا فأعطى أصحابه ~~الأرزاق بها. وقيل أن مبلغ ما حمل من المال ألف ألف دينار ومائتا ألف ~~دينار. ومعه عبد الله أحمد بم محمد الكاتب مكبلا لأنه أظهر الامتناع من ~~الخروج معه، أشار عليه بأن يؤخر التقدم إلى طرابلس حتى يصانع البربر فقال ~~(أخشى أن تقدم العساكر من الشام قبل أحكام هذا الأمر (يعني عساكر أبيه، ~~لأنه كان ثائرا على أبيه) ويكون أيضا في ذلك فسحة لإبراهيم بن أحمد فيتمهل ~~في الاستعداد. ولكني أمضي على فوري هذا، فآتى لبدة وإطرابلس فجأة، ثم أخذ ~~في استمالة البربر بعد ذلك بالعطاء والأفضال وأبعد من مصر، فلا يقوم لأحمد ~~بن طولون (يعني أباه) أمل في مطالبتي لبعدي عنه!) وخرج يريد لبلده فأنصل ~~خبره لإبراهيم بن أحمد فأخرج إليه أحمد بن قهرب في ألف وستمائة فارس، خيلا ~~مجردة لا رجال فيها وأمره بإعداد السير والسرى بالليل حتى دخل لإطرابلس قبل ~~وصول العباس بن أحمد بن طولون إلى لبدة ثم أحشد ابن قهرب من أمكنه من جند ~~إطرابلس وبربرها، ثم بادر إلى لبدة ودخلها وأقبل ms091 العباس ابن طولون وقد صنع ~~له ببرقة خمسة آلاف بند فجعل له كل جملا رجلا ببنده وزحف بثمانمائة فارس ~~وخمسة آلاف رجل فالتقى به أحمد بن قهرب على خمسة عشر ميلا من لبدة وقد ~~تأخرت الجمال بالرجالة أصحاب البنود فلم يكن بينهم ألا مناوشة يسيرة حتى ~~أنهزم أحمد بن قهرب وهو يضن أن من PageV01P118 # ناوشة من أصاحب ابن طولون كانوا مقمد للجيش. ووصل أحمد بن قرهب إلى ~~إطرابلس منهزما وركب العباس بن طولون أثره حتى نزل إطرابلس منصب عليها ~~المجانيق وناصبهم الحرب. وأقام محاصرا لهم ثلاثة وأربعين يوما فتعدى بعضهم ~~سودانه على بعض حرم البوادي وهتكوا الستر فستغاث أهل إطرابلس بأبي منصور ~~صاحب منقوسة فقام متحسبا وناصرا جيرانه من المسلمين وجحف في اثنا عشرة ألفا ~~من رجال نفوسة إلى العباس بن أحمد بن طولون فناشبوا الحرب فقال العباس لأبي ~~عبد الله الكاتب (ما الرأي؟) فقال له (ببرقة خلفته!) وألح أهل نفوسة في ~~محاربة ابن طولون فأنهزم وخرج إلى برقة بعد انتهاب أهل إطرابلس لجميع ~~عسكره. ول يتلبس النفوسيون منه بشيء بل تورعوا عنه. وكان إبراهيم بن أحمد ~~قد حشد الأجناد وضرب حلى نسائه دنانير ودراهم إذ لم يبق أبو الغرانيق مالا. ~~ثم خرج بنفسه يريد إطرابلس فلقيه خبر هزيمة ابن طولون فبحث ابن الأغلب عن ~~الأموال وأخذ ممن وجت عنده، فكان الرجل من أهل العسكر يبيع مثاقيل ابن ~~طولون سرا بما أمكنه خوفا من أن تأخذ منه وفي سنة 268 كان فتك إبراهيم بن ~~الأغلب بأهل الزاب فقتلهم وقتل أطفالهم وحملوا على العجل إلى الحفر فألقوا ~~فيها وفيها عزل صاحب صقلية الحسين بن عباس ووليها محمد بن الفضل. وفي سنة ~~269 توفي سليمان بن حفص الفراء، وكان جهميا. وكان يقول بخلق القرآن ودعا ~~الناس إليه فهموا بقتله. # وفي سنة 270 توفي سليمان بن عمران القاضي مفلوجا. وتوفي حسين بن زيد بن ~~علي. وتوفي أبو حاتم هشام بن حاتم الفقيه، وكان مجاب الدعوة. # وفي سنة 271، توفي الحسين بن أحمد صاحب صقلية. ms092 ووليها سواد بن محمد بن ~~خفاجة التميمي. PageV01P119 # وفي سنة 272 أغزى سوادة صاحب صقلية سراياه إلى بلاد الروم فغنمت انصرفت. ~~وفيها كانت وقائع بين المسلمين وبين بطريق جاء من القسطنطينية، يقال له ~~نجفور، في عسكر كبير، فدخل مدينة سبريينة، وخرج منها المسلمون بأمان إلى ~~صقلية. # وفي سنة 273 وثب أهل بلرم على سوادة بن محمد صاحب صقلية وعلى أخيه وبعض ~~رجاله فوجهوهم مفيدين إلى أفريقيا. وأجتمع أهل البلد على أبي العباس بن ~~علي، فولوه على أنفسهم. وفي سنة 274 كان وصول أحمد بن عمر بن عبد الله بن ~~إبراهيم بن الأغلب المعروف بحبشي. وفيها توفي أحمد بن حدير بإفريقيا، وله ~~سماع من سحنون. # وفي سنة 275 كان لأهل صقلية على المشركين صولة، فقتل فيها من المشركين ~~أكثر من سبعة آلاف وغرق نحو من خمسة آلف، حتى أخلى الروم كثير من المدن ~~والحصون التي تجاور المسلمون. ووصلت سرايا المسلمين إلى الأرض الكبيرة فسبت ~~وانصرفت. # وكانت بإفريقيا هيجة تعرف بثورة الدراهم. ### | ثورة الدراهم على إبراهيم بن أحمد # وذلك أن إبراهيم بن أحمد ضرب الدراهم الصحاح، وقطع ما كان يتعامل به من ~~القطع. فأنكرت ذلك العمة وغلقوا الحوانيت، وتألفوا، وصاروا إلى رقادة، ~~وصاحوا على إبراهيم، فحبسهم في الجامع. وتصل ذلك بأهل القيروان فخرجوا إلى ~~الباب وأظهروا المدافع. فوجه إليهم إبراهيم بن أحمد وزيره أبا عبد الله بن ~~أبي إسحاق فرموه بالحجارة وسبوه. فانصرف إلى السلطان إبراهيم بن أحمد، ~~فأعلمه بذلك. فركب إبراهيم إلى القيروان، ومعه حاجبه نصر بن PageV01P120 # الصمصامة في جماعة من الجند، فناصبه أهل القيروان القتال. فتقدم إبراهيم ~~بن أحمد إلى المصلى، فنزل وجلس وكف أصحابه عن قتاله. فلما اطمأن به مجلسه، ~~وهدأ الناس، خرج إليه الفقيه الزاهد أبو جعفر أحمد بن مغيث، فمان بينهما ~~كلام كثير. ودخل أبو عبد الله بن أبي إسحاق الوزير مدينة القيروان مع أحمد ~~بن مغيث فشق صماطها وسكن أهلها. فرجع إبراهيم بن أحمد إلى رقاده، وأطلق ~~المحبوسين بالجامع. وانقطعت النقود والقطع من أفريقيا إلى اليوم، وضرب ms093 ~~إبراهيم بن أحمد دينارا ودرهما وسماها العاشرية، في كل دينار منها عشرة ~~دراهم. # وفيها، عزل عبد الله بن أحمد بن طالب بن سفيان عن قضاء أفريقيا وحبسهة، ~~ثم أرسل إليه بطعام مسموم وأكله في الحبس، فمات من فوره في رجب، واستقضى ~~إبراهيم بن أحمد محمد بن عبدون بن أبي ثور، وكان جده طحانا، وكان يكتب ~~أسمه: محمد بن عبد الله الرعيني. # وفي سنة 276 كان الجهاد بصقلية في غزوة سوادة بن محمد إلى طرمين، ~~فحاصرها. وفيها حبس إبراهيم بن أحمد كاتبه محمد بن حيون المعروف بابن ~~البريدي فكتب إليه من السجن (بسيط) : # هبني أسأت فأين العفو والكرم # إذ قادني نحوك الإذعان والندم # يا خير من مدت الأيدي إليه أما # ترثي لصب نهاه عبدك القلم # بالغت في السخط فأصفح صفحا مقتدرا # أن الملوك إذا ما استرحموا رحموا PageV01P121 # قال: فلما قرا إبراهيم بن أحمد أبياته، قال: (يكتب إلي: (هبني أسأت!) وهو ~~قد أساء! أما إنه لو قال (وافر) : # ونحن الكاتبون وقد أسأنا ... فهبنا للكرم الكاتبينا # لعفوت عنك!) ثم أمر - قبحه الله - به، فجعل في تابوت حتى مات - رحمه الله ~~تعالى! - 277 قتل إبراهيم بن أحمد حاجبه نصر بن الصمصامة بان ضربه خمسمائة ~~صوت، فلم ينطق بكلمة ولا تحرك من موضعه ثم أمر بضرب عنقه. فقال لنن حوله ~~(لا تظنوا أني أجزع من الموت!) ووددهم إنه يفتح يده ويغلقها ثلاث مرات بعد ~~ضرب عنقه ففعل، فأخبر إبراهيم بذلك فتعجب وأمر بشق بطنه شقا لطيفا ويؤتي ~~إليه بقلبه. فنظر منه إلى منظر عجيب وذلك أمه كان فأتى في كبده ووجت فيه ~~شعيرات نابت في أكثر أجزائه. # وفي سنة 278 كانت ولاية أبي العباس أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن الأغلب ~~للمظالم، وولاية محمد بن الفضل صقلية، وعرض ديوان الخراج على سوادة ~~النصراني على أن يسلم، فقال: (ما كنت لأدع ديني على رياسة أنالها!) فقطع ~~بنصفين وصلب. # وفي سنة 279 كانت ولاية محمد بن الفضل صقلية. ودخل حضرة بلرم لليلتين ~~خلتا من صفر. # وفيها، قتل ms094 إبراهيم بن أحمد من أهل أفريقية من قتل بطرا وشهوة فممن قتل ~~في هذه السنة: إسحاق بن عمران المتطبب المعروف بسم ساعة؛ قتله وصلبه، ومنهم ~~حلجبه فتح، ضربه بالسياط حتى مات. وقتل فيها جميع فتيانه؛ وسبب ذلك إنه كان ~~كثير الإصغاء إلى قول المنجمين والكهنة، وكانوا قالوا له إنه يقتله رجل ~~ناقص العقل، وانه يمكن أن يكون فتى، فكان إبراهيم، إذا PageV01P122 # رأى أحد من فتيانه، فيه حركة ونشاط وجدة، يتقلد سيفا، قال: (هذا هو ~~صاحبي!) فلما قتل منهم جماعة، وقع بقلبه إنه قد استفسد إليهم فضمه الحذر ~~منهم إلى قتل جميعهم، فقتلهم في هذا العام، واستخدم عوضا عنهم السودان. ثم ~~عرض لهم منه ما عرض للفتيان الصقالبة: فقتل السودان أجمعين. # وفي سنة 280 كان الإيقاع برجال بلزمه، وقصتهم ان إبراهيم بن احمد ابن ~~الأغلب كان قد حاربهم وأستقدم منهم إلى مدينة رقادة نحو من سبعمائة رجل من ~~ابطالهم، فأنزلهم ووسع عليهم، وبنى لهم دارا كبيرة تشمل على دور ترجع إلى ~~باب واحد، وأسكنهم فيها. فلما سكنوا واطمأنوا، جمع ثقات رجاله لأخذ ~~أرزاقهم؛ ثم أمرهم بمصابحة ابنه عبد الله لما أمره به. فلما اجتمعوا إليه ~~ركب إلى دار البلزميين في الجند، فقتلهم عن أخرهم، بعد أن دافعوا عن أنفسهم ~~إلى وقت العصر. وكان ذلك من أسباب انقطاع دولة بني الأغلب، إذ كان أهل ~~بلرمة في نحو ألف رجل من أبناء العرب والجند الداخلين إلى أفريقية عند ~~افتتاحها وبعده، وكان أكثرهم من قيس، وكانوا يذلون كتامة. فلما قتلهم ~~إبراهيم، استطالت كثامة، ووجدت السبيل للقيام مع الشيعي على بن الأغلب. # وفيها، كان تمنع البلاد ومخالفتها على السلطان إبراهيم بن أحمد، وانتزاء ~~من انتزى عليه. وذلك أن أهل تونس والجزيرة والأربس وباجة وقمودة خالفوا ~~عليه وقدموا على أنفسهم رجالا من الجند وغيرهم، لأن السلطان إبراهيم بن ~~الأغلب أخذ عبيدهم وخيلهم، وجار عليهم، فصارت أفريقية على نار موقدة، ولم ~~يبق يده من أعمال إلا الساحل والشرق إلى طرابلس. فحفر حفيرا حوالي رقادة، ~~ونصب عليها أبواب ms095 حديد، وجمع إلى نفسه ثقاته، وقرب السودان من قصره، وقد ~~كان جمع منهم خمسة آلاف أسود ز وفيها، وكانت وقائع انجلت عن فتح تونس عندة، ~~قمودة تحركوا لقتال إبراهيم بن الأغلب؛ فأخرج إليهم ميمونا الحبشي. فقاتلهم ~~حتى PageV01P123 # انهزموا، وقتل جماعة منهم، ثم فعل ذلك أهل تونس، فهزمهم ميمون أيضا، وهزم ~~أهل الجزيرة وصطفورة، وقتل منهم كثيرا، حتى سيق القتلى في العجل إلى ~~القيروان. ثم دخلت تونس بالسيف، لعشر بقين من ذي الحجة، فنهبت الأموال ~~وسبيت الذرية، واستحلت الفروج. ومما كان بأفريقية في هذا العام، دخول أبي ~~عبد الله، داعية الشيعة أفريقية، ونزوله بكتامه منها. فلنذكر الآن مبتدأ ~~أمرا مختصرا، إلى أن استقل بالملك. ثم نرجع ما كنا بصدده. ### | ابتداء الدولة العبيدية الشيعية # قال الوراق: لم تزل الشيعة منذ مات على ابن أبي طالب - رضي الله عنه - ~~تدعو إلى إمام معصوم، يقوم بالحق، على زعمهم؛ فترسل دعاة إلى سائر النواحي، ~~فلا ينجح لهم سعي. ثم تفاوضوا وتراسلوا على أن يرسلوا داعيا إلى المغرب، ~~يدعو الناس إلى التدين بحب الله البيت، وتكاتبوا من سائر الأفاق. فاختاروا ~~منهم رجلا ذا فهم، وفصاحة وجدال، ومعرفة، يسمى أبا عبد الله الصنعاني، ~~وجمعوا له مالا يتقوى به على سفره. فسار أبو عبد الله هذا إلى موسم الحج ~~ليجتمع به مع من يحج تلك السنة من أهل المغرب، ويذوق أخلاقهم، ويطلع على ~~مذاهبهم، ويتحيل على بيل الملك بضعيف الحيل. فسبحان مقدرة المقدورة، ومحكم ~~الأمور كيف يشاء لا إله إلا هو فلما وصل للموسم، لا للحج لأن الحج ليس من ~~مذهبهم الفاسد، بل تكلف حضوره ليتسبب في مراده، فرأى في الموسم قوما من أهل ~~المغرب، فلصق بهم وخالطهم. وكانوا نحو عشرة رجال من قبيلة كتامة، ملتفين ~~على شيخ منهم. فسألهم عن بلادهم، فأخبروه بصفتها، وسألهم عن مذهبهم، فصدقوه ~~عنه. فتكلم أبو عبد الله الداعي في المذاهب؛ فوجد الشيخ يميل في مذهبه إلى ~~مذهب الأباضية النكارة، فدخل PageV01P124 # عليه من هذه الثملة ولم يزل يستدرجهم ويخلبهم بما أوتي من فضل ms096 اللسان ~~والعلم بالجدل إلى أن سلبهم عقولهم بسحر بيانه. فلما حان رجوعهم إلى بلادهم ~~سألوه عن أمره وشأنه فقال لهم (أنا رجل من أهل العراق وكنت أخدم السلطان ثم ~~رأيت أن خدمته ليست من أفعال البر فتركتها وصرت أطلب المعيشة من المال ~~الحلال فلما أر لذلك وجها ألا تعليم القرآن للصبيان، فسألت أين يأتي ذلك ~~تأتيا حسنا، فذكر لي بلاد مصر.) (ونحن سائرون إلى مصر وهي طريقنا. فكن في ~~صحبتنا إليها!) ورغبوا منه في ذلك فصحبهم في الطريق. فكان يحدثهم ويميل بهم ~~إلى مذهبه ويلقي إليهم الشيء بعد الشيء إلى أن أشربت قلوبهم محبته فرغبوا ~~منه أن يسر إلى بلادهم ليعلم صبيانهم. فاعتذر لهم بعد الشقة وقال: (أن وجت ~~بمصر حاجتي أقمت بها وألا فربما أصحبكم إلى القيروان.) فلما وصلوا مصر غاب ~~عنهم كأنه يطلب بغيته. ثم أجتمع بهم وسألوه فقال لهم: (لم أجد في هذه ~~البلاد ما أريد.) فرغبوه أن يصحبهم فأنعم لهم بذلك. فكانوا في صحبته حتى ~~وصلوا إلى القيروان فرادوه على أن يصل معهم إلى البلاد وضمنوا لهم ما أراد ~~من تعليم الصبيان فقال لهم (لابد لي المقام بالقيروان حتى أطلب فيها حاجتي. ~~فلما اتفق لي فيها غرضي وإلا نهضت إليكم.) وكان شيخهم أحرصهم عليه وأكرمهم ~~له، فوصف له منزله وموضعه من قبيلة كتامة، فأقام بالقيروان يتعرف أخبار ~~القبائل حتى صح عنده أن ليس في قبائل أفريقية أكثر عددا ولا أشد شوكة ولا ~~أصعب مراما على السلطان، من كتامة. # فلما تقرر ذلك عده، نهض نحو صاحبه الشيخ الكتامي، فاشترى بغلة شهباء ودخل ~~الطريق مع الفقة حتى قرب من موضع الشيخ صاحبه، فعدل إليه، ومر في الطريق ~~بأندر، والبقر فيه تدرس الزرع ورجل كهل من أهل كتامة جالس فيه مع ابنه، ~~فقرب منهما، وسلم عليهما. فقاما إليه ورحبا به، ورغبا منه في النزول PageV01P125 # عندهما، فأجابهما إلى ذلك، فأنزلوه وأكرموه. فقال الداعي للرجل: (ما اسم ~~ولدك هذا؟) قال: ما اسمك أنت؟ قال: معارك. فقال في نفسه: تم أمرنا أن ms097 شاء ~~الله، لكن بعد معارك. ثم أراد الداعي الانصراف، فصرفوه مع امرأة نتدله على ~~الطريق، لأن الحرب كانت بينهم وبين بني عمهم. فسار حتى نزل في منزل من ~~منازل كتامة. فأتى المسجد، وفيه معلم يعلم الصبيان. فقام إليه المعلم وسلم ~~عليه، وهو راكب على بغلته الشهباء فجعل المعلم يطيل النظر إليه، فاستراب ~~لذلك أبو عبد الله، ونزل عن الدابة ودخل المسجد. ثم دعا المعلم فقال له: ~~لقد رأيتك تنظر إلي كثيرا وإلى البغلة. فقال له: ذلك لسبب أنا أقوله لك. ~~وذلك إنه كان فيهما تقدم رجل من كتامة كاهن، يقال له فيلق، وكان إذ رأى ~~تفاتنهم يقول لهم: إنما ترون الحرب إذا جاءكم الرجل الشرقي صاحب البغلة ~~الشهباء. فلما رأيتك، تذكرت قوله. فلما وقر ذلك في سمعه استبشر. وكان ذلك ~~والذي قبله من الفال تقوية له على أمره، وزيادة إقدام، لولا هو لم يقدر أن ~~يتجاسر على شيء منه. فسبحان مسبب الأسباب. # فسار عبد الله الداعي حتى وافى منزل الشيخ صاحبه الكتامي، فقصد إلى ~~المسجد ونزل به، وفيه معلم يعلم الصبيان وعنده أبناء الشيخ صاحبه فلما حان ~~وقت الظهر أذن المعلم فسمع الشيخ الأذان فخرج إلى المسجد، فرأى عبد الله ~~فسلم عليه، وعانقه فلما أراد المعلم الدخول للمحراب، أخره عنه الشيخ وقدم ~~عبد اله لداعي، فلما انقضت الصلاة قم معه إلى منزله وبالغ في إكرامه، وتحدث ~~معه إلى أن حانت صلاة العصر، فخرج معه لصلاة. فاستراب معلم الصبيان بذلك ~~فترك ذلك المسجد والتعليم فيه وانصرف. وصار عبد الله في ذلك المسجد يصلي ~~ويعلم الصبيان. واجتهد PageV01P126 # في تعليم الأولاد فجمعوا له أربعين دينارا، وزاد عليها الشيخ وأتى بها ~~إلى أبي عبد الله، فدفعها له، واعتذر له من ذلك. فتركها أبو عبد الله أمامه ~~ورد يده إلى كيس كان معه، وصب منه خمسمائة دينار أمام الشيخ وقال له: لست ~~بمعلم الصبيان إنما الأمر ما أخبرك به فاسمع إنما نحن أنصار أهل البيت وقد ~~جاءت الرواية فيكم يا أهل كتامة! إنكم أنصارنا، والمقيمون ms098 لدولتنا، وإن ~~الله يظهر بكم دينه، ويعز بكم أهل البيت! وإنه سيكون غمام منهم أنتم أنصاره ~~والباذلون مهجتهم دونه، وإن اله يستفتح بكم الدنيا كلها ويكون لكم أجركم ~~مضاعفا. فيجتمع لكم خير الدنيا والآخرة!. فقال له: الشيخ: أنا أرغب فيما ~~رغبتني فيه وأبذل فيه مهجتي ومالي ومن اتبعني وأنا أطوع إليك من يدك: فمر ~~بما شئت أمتثله!. فقال له: ادع لخاصة من بني عمك الأقرب فالأقرب. فقال: ~~نعم. فنظر الشيخ فيما قاله، وبث دعوته في أقاربه ومن يختص به. # وجاء شهر رمضان. فقال أبو عبد اله للشيخ: إن رمضان قد جاء ومذهبنا أن لا ~~تصلى التراويح لأنها ليست من سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما سنها ~~عمر ونحن نطول القراءة في صلاة العشاء الأخيرة، ونقرأ بالسور الطوال، فيكون ~~ذلك عوضا عن التراويح. فقال له الشيخ: أنا طائع لك فافعل ما تريده. وبلغ ~~خبر هذه الصلاة ولمع من أخبار هذا لداعي إلى بعض من اتصل بمنزل الشيخ ~~وبأخيه. فسار أخو الشيخ إليه وقال له: ما لك ولهذا المشرقي الذي أفسد دينك. ~~وغير مذهبك؟. فلما فرغ من كلامه قال له الشيخ: أنا أدعوك للأمر الذي دخلت ~~فيه، فأما أن تتقلد ما تقلدته وأما أن لا تلقاني بذم من قد بلوت خيره وفضله ~~ودينه!. فانصرف عنه أخوه مغضبا. وانفرد الشيخ مع سائر الجماعة، فوصف لهم ~~أبا عبد اله بكل فضيلة حتى تمكنت محبته في قربهم، ثم أخرجه إليهم وقال له: ~~كلمهم يا أبا عبد PageV01P127 # الله فكلمهم بلسانه وقال لهم: أنتم أنصار أهل البيت وشيعته! حتى خلب ~~عقولهم بحلاوة لفظه. فلم يبرحوا حتى دخلوا في دعوته. # ثم أن أخا الشيخ توجه إليه، يفخر عليه بمعلم أولاده، ويدعي إنه أعلم من ~~أبي عبد الله ويطلب مناظرتهما. فتواعدوا لذلك. ولنا حان الموعد جاء أخو ~~الشيخ وأبنائه، وبلغ أخاه مجيئه، فأتى بجماعة منت بني عمه ممن دخل في مذهبه ~~وقال لهم: إذا نحن اجتمعنا، اضربوا أنتم على قيطون أخي كأنكم أعدائه! وأمر ~~جماعة أخرى، فكمنت له ms099 في طريقه. فبينما أخو الشيخ مع معلمه وأولاده، إذ ~~صرخت صارخة من نحو قيطونة، فأسرع يركض إلى ناحيته، فخرج عليه الكمين، ~~فخبطوه بأسيافهم، وتركوه عقيرا. وبلغ الشيخ خبر قتل أخيه، فبادر كأنه لا ~~علم عنده من ذلك، وجاء بنو عمه يعزونه في أخيه، فذبحت البقر، وصنع طعاما ~~لبني عمه ونعى لهم أخاه، واحتال على قوم من بني عمه وأخذ عليهم العهود ~~والمواثيق بطاعة الداعي فاجتمع له منهم خلق كثير. # وأقام هذا الشيخ في حرب مع قومه وبني عمه مدة من سبعة أعوام، إلى أن ~~وافاه أجله. فلما حضرته الوفاة، جمع بني عمه وقرابته، وقال لهم: أوصيكم ~~بهذا الرجل ألا تختلفوا عليه! وأوصى عبد اله على أولاده، وقضى نحبه. ~~فالتزمت كتامة الطاعة لأبي عبد الله ودخلت قبائل كثيرة في دعوته. فصير لهم ~~ديوانا، وألزمهم العسكرية، وقال لهم: أن لا أدعوكم لنفسي، وإنما أدعوكم ~~لطاعة الإمام المعصوم من أهل البيت، الذي صفته كذا وكذا. ووصف لهم من ~~كراماته ما تنكره العقول. فكانت تصح عندهم، ويقول لهم: هو صاحب هذا الأمر، ~~وأنا منصرف من بين يديه إذا ظهر! يعني عبيد الله. ولم يكن رآه قط، وإنما ~~يسمع من شيوخ الشيعة، وكان يعتقد ذلك اعتقادا PageV01P128 # صحيحا لا مرية فيه، إلى أن صفا له أمر البربر، فنازل الحواضر وهزم ملك ~~أفريقية وانتزعها من يديه. # وفى سنة 281، أمر إبراهيم ابن الأغلب صاحب أفريقية ميمونا الحبشي أن يسير ~~إلى تونس، فيقتل بها جماعة من بني تميم وغيرهم، فقتلوا وصلبوا على بابها. ~~فوفد أكابر أهل تونس مع ميمون الحبشي، فكسا السلطان ميمونا الخز والوشي ~~والديباج، وطوقه بالذهب، وحماه على فرس، وصرفه إلى تونس من غده. وفيها خرج ~~السلطان إبراهيم بن الأغلب إلى تونس، لثمان خلون من رجب، فاستوطنها. # وفي سنة 282، انعقد الصلح بين أهل صقلية والروم لأربعين شهرا على إخراج ~~ألف أسير من المسلمين، وعلى أن تكون عندهم رهائن الإسلام في كل ثلاثة اشهر ~~من العرب وثلاثة من البربر وفيها قدم إبراهيم بن الأغلب بنيه على بلاد ~~أفريقية. ms100 # وفي سنة 283، رجع إبراهيم بن أحمد من تونس إلى رقادة. وخرج أبو منصور ~~أحمد بن إبراهيم إلى طرابلس. وخرج أبو بحر بن أدهم إلى مصر. وفيها كانت ~~وقعة نفوسة، وذلك إن إبراهيم بن أحمد اعترضته نفوسة بين قابس وطرابلس ~~ومنعته الجواز، وكانوا في زهاء عشرين ألف رجل لا فارس معهم فناصبهم الحرب ~~وقاتلوهم قتالا شديدا حتى هزموهم وقتلوا أكثرهم. ثم تمادى إلى مدينة ~~طرابلس، فقتلوا بها أبو العباس محمد بن زيادة الله بن الأغلب وكان أديبا ~~ظريفا، له تواليف، وسبب قتله أن المعتضد بالله العباسي كتب إلى إبراهيم بن ~~أحمد يعنفه على جوره وسوء فعله بأهل تونس ويقول له:: إن انتهيت عن أخلاقك ~~هذه، وإلا فسلم العمل الذي بيدك لابن عمك محمد بن زيادة الله! ثم نهض من ~~طرابلس إلى تاورغا: فقتل بها خمسة عشر رجلا، وأمر بطبخ رؤوسهم مظهرا إنه ~~يريد أكلها، هو ومن معه من PageV01P129 # رجاله فارتاع أهل العسكر منه، وقالوا: (قد خولط) فانفض الناس عنه فلنا ~~رأى ذلك، خشي أن يبقى وحده. فرجع إلى تونس فجعل عقوبة من انفض عنه غرم ~~ثلاثين دينارا، فسمي غرم الهاربين. # وفي سنة 284، كانت وقعة بنفوسة لأبي العباس بن إبراهيم فقتل منهم مقتلة ~~عظيمة، وأسر منهم نحو ثلاثمائة. فلما وصل بهم إلى والده إبراهيم بن أحمد ~~دعا بهم. فقرب إليه الشيخ منهم، فقال له إبراهيم: أتعرف علي بن أبي طالب؟ ~~فقال له: لعنك الله يا إبراهيم على ظلمك وقتلك! فذبح إبراهيم وشق عن قلبه، ~~وأخرجه بيده، وأمر أن يفعل ببقية الأسرى كذلك، حتى أتى على أخرهم. ونظمت ~~قلوبهم في حبال، ونصبت على باب تونس. ### | قصة ابن الأغلب مع الشيخ الصالح أبي الأحوص # وذلك إن أبا الأحوص أحمد بن عبد اله المكفوف المتعبد، من أهل سوسة كان ~~زاهدا ورعا. فلما أكثر إبراهيم بن أحمد الجور والقتل، دعا برجل من لأهل ~~سوسة، وأملى عليه رسالة إلى إبراهيم، كان في فصل منها: يا فاسق! يا جائر! ~~يا خائن! قد حدت عن شرائع الإسلام! وعن قريب ms101 تعاين مقعدك من جهنم، وسترد ~~فتعلم! وبعث به إليه فلما قرأه، غضب وبعث إلى أبي الأحوص من قال له: عذرناك ~~لفضلك ودينك! ولكن ابعث إلي الذي كتب الكتاب. وبالله لئن لم تفعل، لأقتلن ~~فيه من أهل سوسة كذا وكذا، ويكون إثم ذلك في عنقك! فقال أبو الأحوص ~~للرسول:: قال له لئن قتلت ألفا لا يكون إثمهم إلا عليك! ولو عملت ما عملت ~~ما أعلمتك بالرجل. فتب إلى خالقك، وأرجع عن جورك! فأمسكه الله عنه، ومات ~~أبو الأحوص في هذه السنة. # وفي سنة 275، كانت فتنة بصقلية، بين عربها وبربرها، وفي خلال ذلك، PageV01P130 # وردت كتب ابن الأغلب يدعوهم إلى الرجوع للطاعة، ويؤمنهم أجمعين، حاشى أبا ~~الحسن بن يزيد وولديه الحضرمي، فتقبض عليه وبعث بهم إلى لأبن الأغلب فأما ~~أبو الحسن فإنه تناول سما فمات من ساعته وصلبت جثته وقتل ولداه. وجعل ~~إبراهيم من يضاحك الحضرمي ويهازله، فقال له: ليس هذا وقت هزل! وأمر به فقتل ~~بالمقارع بين يديه. # وفي سنة 286، سخط إبراهيم ابن الأغلب على جماعة من فتيانه وقتلهم. وفيها ~~كانت وقعة أبي العباس بن إبراهيم بن أحمد بن الأغلب وبين بني بلطيط ببسكرة، ~~ففرق جموعهم وقتل عددا كثيرا منهم وأصلح ما كان التاث هناك. # وفي سنة 287، كانت بصقلية ملحمة كبيرة، وذلك إن أبا العباس عبد الله بن ~~إبراهيم بن أحمد أخرجه أبوه بالأسطول مصلحا لها، فأسرع إلى بلرم يؤمن ~~أهلها. فأتاه قاضيا في جماعة من أهلها، فحسبهم عند نفسه وصرف القاضي. ثم ~~وجه إليهم ثمانية مشايخ من أهل أفريقية، فحسبوهم مكافأة افعله في مشايخهم. ~~ثم زحفوا إليه وحاربوه فانهزموا وقتل منهم عدد كثير ودقت لهم سفن. وتمادت ~~هزيمتهم إلى بلرم. ثم زحف إليهم، فحاربهم على باب بلرم، وقتل منهم عددا ~~كثيرا، وطلبوه بالأمان فأمنهم. ودخلها لعشر بقين من رمضان من السنة. # وفي سنة 288، أخرج إبراهيم بن أحمد ولده أبا عبد الله في جيش كثير إلى ~~الزاب. وفيه أغزى أبو العباس صاحب صقلية، فدخل مدينة رية عنوة وغنم فيها ~~غنائم كثيرة واستأمنت ms102 له حصون وأعطوه الجزية. # وفي سنة 289، أظهر صاحب أفريقية إبراهيم بن احمد التوبة لنا استقام أمر ~~أبي عبد الله الداعي بكتامة. فأراد إبراهيم بن أحمد أن يرضي العامة ويستميل ~~قلوب الخاصة بفعله، فرد المظالم وأسقط القبالات، وأخذ العشر طعاما، ونرك ~~لأهل الضياع خراج السنة، وسماها سنة العدل، PageV01P131 # وأعتق مماليكه، وأعطى فقهاء القيروان ووجوه أهلها أموالا عظيمة ليفرقوها ~~على الضعفاء والمساكين فاستوكلت وأعطيت من لا يستحقها وأنفقت في اللذات. ~~وصرفت في الشهوات. وقدم ولده أبو العباس من صقلية مستدعي فأسلم إليه أبوه ~~الملك، فولي أبو العباس على الكور من أحب. ### | أخبار إبراهيم بن أحمد على الجملة ووفاته # كان مولده يوم الأضحى سنة 261، وتوفي يوم الاثنين لثلاث عشر ليلة بقيت من ~~ذي القعدة من هذه السنة المؤرخة بأرض الروم وسيق ميتا إلى جزيرة صقلية، ~~فدفن بها بعد ثلاثة وأربعين يوما من موته. وكان عمره اثنين وخمسين سنة ومدة ~~ولايته ثمانية وعشرين سنة وستة أشهر واثنتي عشرة يوما. وأقام في أول ولايته ~~سبعة أعوام على ما كان أسلافه من حسن السيرة وحميد الأفعال، ثم تغيرت ~~أحواله، وأخذ في جمع الأموال. ثم صار في كل سنة يزداد تغيرا وسوء حال. ثم ~~اشتد نكاده، فأخذ في قتل أصحابه وحجابه حتى إنه قتل ابنه المكنى بأبي ~~الأغلب، وقتل بناته وأتي بأمور لم يأت بها أحد غيره. وكان كثير الملل، شديد ~~الحسد. وكانت له في بدء أمره سيرة حسنة، وأفعال محمودة، ثم غلب عليه خلط ~~سوداوي، فتغير وساءت أخلاقه كما ذكرنا. فقيل إنه افتقد منديلا صغيرا كان ~~يمسح به فمه، وكان سقط من يد بعض جواريه فأصابه خادم له، فقتل بسبه ~~ثلاثمائة خادم. وكان سبب قتله لولده ظن منه به، فضربت رقبته بين يديه صبرا. ~~وقتل أخزته ثمانية: ضربت أعناقهم بين يديه. وكانت أمه إذا ولدت له ابنة ~~أخفتها وربتها، لئلا يقتلها حتى اجتمع عندها منهن ست عشرة جارية، كأنهن ~~البدور، فقالت له PageV01P132 # يوما وقد رأت منه رقة: يا سيدي قد ربيت لك وصائف ملاحا، وأحب أن ms103 تراهن. ~~قال: نعم. فلما رآهن قالت له: هذه بنتك من فلانة وهذه بنتك من فلانة. حتى ~~عدتهن. فلنا خرج من عند أمه قال لخادم له أسود: امض إليهن وجئني برؤوسهن. ~~فوقف اسيتعضا ما لذلك. فقال له: أمض وإلا قدمتك قبلهن! فلما دخل على أمه، ~~كبر ذلك عليها، وعظم في قلبها وقالت له: راجعه! فقال لها: لا سبيل إلى ذلك! ~~فقتلهن وأخذ برؤوسهن، وجاء بها إليه معلقة بشعورهن، فطرحها بين يديه - قبحه ~~الله - وأدخل كثيرا من فتيانه الحمام وأغلق عليهم باب البيت السخن، فماتوا ~~فيه جميعا. وأخباره كثيرة في هذا المعنى، ذكرها الرقيق وغيره. # وفي سنة 289 المذكورة استرجع أبو العباس بن إبراهيم بن أحمد المال الذي ~~أخرجه أبوه إلى الفقهاء ووجوه الناس ليفرقوه في المساكين، فرجع معظمه وقال ~~لمشايخ أفريقية: اغتنمتم الفرصة في المال لمرض الأمير أبي ومغيبي عنه! ~~وفيها شخص أبو عبد الله الأحول بن أبي العباس إلى مدينة طبنة إلى محاربة ~~الشيعة. وفيها تساقطت النجوم لثمان بقين من ذي القعدة، فسميت السنة سنة ~~النجوم، فلهذه السنة ثلاث أسماء سنة العدل وسنة الجور، (سماها العامة بذلك) ~~وسنة النجوم وفي سنة 290، كتب أبو العباس بن إبراهيم إلى العمال ليأخذوا له ~~البيعة لأن أباه فوض إليه وتخلى له عن الملك واشتغل بالعبادة، وذلك قبل أن ~~يبلغه وفاة أبيه. ### | ولاية أبي العباس بن إبراهيم بن أحمد وسيرته # وذلك إنه أظهر التقشف، والجلوس على الأرض، وإنصاف المظلوم وجالس أهل ~~العلم وشاورهم. وكان لا يركب إلا إلى الجامع فقال قوم: إن PageV01P133 # أهل النجوم أمروه بذلك! وقال قوم: به وسوسة! وكتب إلى ابنه زيادة الله ~~يستحثه في القدوم عليه من صقلية لأنه وشي به إليه إنه يريد الانتزاء عليه. ~~فقدم زيادة الله على أبيه لعشر بقين من جمادى الأخيرة، فقبض أبو العباس ما ~~كان معه من الأموال والعدة، وحبس زيادة الله ي بيت داخل داره وحبس ناسا من ~~أصحابه. ### | مقتل أبي العباس بن إبراهيم بن أحمد # قتل يوم الأربعاء، ليوم بقى من شعبان فكانت ولايته ms104 بعد أبيه تسعة أشهر ~~وأحد عشر يوما، ومن يوم أفضى إليه أبوه الأمر سنة واثنان وخمسون يوما. وكان ~~قتله على ما أصفه: وذلك إنه خرج من الحمام إلى دار خالية واستلقى على سرير ~~الخيزران، ووضع تحت رأسه سيفا ونام بعد أن خرج كل من كان في الدار غير ~~فتيين كان يثق بهما فلما نام تآمرا على قتله وقالا: (هذه فرصة في تقديم ~~اليد عند زيادة الله! فنطلقه من أسره ونستريح من أبيه ويلي مكانه ونفوز ~~بالخطوة عنده.) فأستل السيف الذي كان تحت رأسه وضربه ضربة فقطع عنقه ولحيته ~~حتى نفذ إلى السرير. ومضى الفت الأخر إلى ناحية من الدار فارتقى الحائط ~~ونفذ إلى زيادة الله وأعلمه لأن أباه قتل فظن أنها مكيدة عليه فقال له (أن ~~كنت صادقا فأريني الرأس فانطلق مسرعا ورمى إليه بالرأس فعند ذلك صدقه. ### | ولاية زيادة الله بن أبي العباس عبد الله ابن إبراهيم بن أحمد بن الأغلب # وذلك أن زيادة الله لما صح عنده قتل أبيه ورأى الرأس بين يديه PageV01P134 # كسر قيوده وبادر خوفا أن يشعر بالأمر أحد من أعمامه فيسبقه. فلما صار ~~زيادة الله في الدار أرسل في عبد الله بن الصائغ وفي أبي مسلم منصور بن ~~إسماعيل، (وهما ممن كان سجن معه تهمة،) وفي عبد الله بن أبي طالب. # فلما دخلوا عليه قال لهم: (انظروا لي ولأنفسكم!) فقالوا له: (أرسل في ~~أعمامك في لسان أبيك، وفي جودة الرجال والقواد.) فأرسل فيهم ودفع إليهم ~~الصلات، وأخذ عليهم البيعة وأمر أن ينادي بتونس: (من كان هاهنا من الجند ~~فليوافوا باب الأمير!) فركعوا بأسلحتهم فأمر بإدخالهم واحدا واحدا: يدخل ~~الرجال فيبايع ويعطي خمسين مثقالا ففعل ذلك بالجودة. # أو كتب ذلك كتاب بيعته، فقرأ بتونس على منبر جامعها. وأخذت له البيعة على ~~العامة بها. وكتب إلى العمال (بالبلاد) بأن يأخذوا له البيعة على من قبلهم. ~~فلما قرب العشاء، نودي في الجند (اصبحوا للأخذ عطاياكم) ومطل عمومته ~~بالانصراف (عنه) إلى الليل ثم أكبلهم أجمعين وأخلهم في شيني، ووكل ms105 بهم ~~ثقاته، وأمرهم أن يمضوا بهم إلى جزيرة الكراث، وهي على اثني عشر ميلا من ~~مدينة تونس، فضربت هناك رقابهم ليلة السبت لثلاث خلون لرمضان. وأصبح الجند ~~والموالي من غد ذلك اليوم لأخذ الصلات. فلما مضى صدر من النهار قيل لهم: ~~انصرفوا فإنه يوم شغل! ثم أتوا من الغد فدفعوا. فلم يزالوا يترددون إلى أن ~~بردت قلوبهم وملوا الاختلاف. ولما كمل الأمر لزيادة الله دعا بالفتيين ~~الذين قتلا أباه. فأمر بهما فقطعت أيديهما وأرجلهما وصلبا على باب القيروان ~~وباب الجزيرة من PageV01P135 # أبواب تونس. وقتل أيضا زيادة الله عمه أبا الأغلب الزاهد الساكن يسوسه ~~وقتل أخاه أبا عبد الله الأحول بعد أن استقدمه من طبنة. # وولى زيادة اله الوزارة والبريد عبد الله بن الصائغ، وولى أبا مسلم منصور ~~بن إسماعيل ديوان الخراج! وولى قضاء القيروان حماس بن مروان ابن سماك ~~الهمداني، وكان ورعا عالما بمذهب مالك وأصحابه، فعدل في أحكامه، ولم يكن ~~يهيب أحدا في ولايته (ونظره. وفيها مات محمد بن مجمد بن الفرج البغدادي ~~مولى بني هاشم، وكانت له عناية وطلب، ومات محمد بن ابن المنهال، وكانت له ~~رياسة بأفريقية. وفيها قتل بن الفياد إذ اتهمه زيادة الله بأنه أشار على ~~أبيه يؤدبه وحبسه. وفيها مات محمد بن سليمان وكان ثقة الحديث والرواية وسمع ~~أبوه من سفيان بن عيينة) . # وفي هذه السنة، أسست مدينة وهران، على يدي محمد بن أبي عون بن عبدون ~~وجماعة من الأندلسيين. # (وفيها مات علي بن الهيثم المحدث، وإبراهيم بن عثمان القرشي التونسي ~~وكانا من أهل الرواية والعلم.) وفي سنة 291 ولي محمد بن زيادة الله العهد، ~~وأخذت البيعة له بذلك. (وفيها قتل هذيل النفطي، صاحب ديوان الخراج، وقتل ~~ابن المنبت الملقب بالعجل، وفيها توفي محمد بن زرزور الفقيه الفارسي وكان ~~على مذهب أبي حنيفة، وكان حافظا لبيبا، ونظر في النجوم والحساب، وخولط في ~~عقله، فكان إذا قيل له: (يا زواغي) يهيج وينشط) وولي على بن أبي الفوارس PageV01P136 # (التميمي) عمالة القيروان ثم عزل عنها، ووليها أحمد ms106 بن مسرور. وولى ~~إبراهيم بن حبشي التميمي قتال أبي عبد الله الشيعي. # وفيها مات أبو جعفر أحمد بن داود الصواف، مولى ربيعة، وكان فاضلا من رجال ~~سحنون وكان في حداثته يقول الشعر ثم تركه. وفيها خرج الحسن بن حاتم إلى ~~العراق رسولا من عند زيادة الله بهادايا وطرف. وولى الحسن بن أبي العيش بن ~~إدريس بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحسن (أبن الحسن) بن علي بن أبي ~~طالب (رضه) عمل جراوة لوفاة أبيه أبي العيش. ورفع زيادة الله فقهاء إفريقيا ~~إلى مدينة تونس مستظهرا بهم على أبي عبد الله الشيعي فاجتمعوا عند عبد الله ~~بن الصائغ صاحب البريد، وتفاوضا في أمره وقال لهم ابن الصائغ (أن الأمير ~~يقول لكم هذا الصنعاني الخارج علينا مع كتامه يعلن أب بكر وعمر رضنهما ~~ويزعم أن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ارتدوا ويسمى أصحابه: ~~المؤمنين ومن يخالفه في مذهبه: الكافرين ويبيح دم من خالف رأيه) فأظهر ~~الفقهاء لعنه والبراءة منه، وحرضوا الناس على قتله وأفوتهم بمجاهدته. (وأرس ~~زيادة الله هدية للعابس فيها عشرة آلاف مقال في كل مثقال منها عشرة مثاقيل ~~وكتب في كل مثقال هذين البيتين (كامل) : # يا سائرا نحو الخليفة قل له ... أن قد كفاك الله أمرك كله # بزيادة الله بن عبد الله سي ... ف الله من دون الخليفة سله # وفي سنة 239 قد أبو مسلم بن إسماعيل بن يونس لإصلاح PageV01P137 # مدينة رقادة ورقع ما وهي فيها وإنشاء مركبا على ماجل القيروان وسمى ~~الزلاج. وقدم زيادة الله في تونس في شهر ربيع الأخر فنزل على الماجل الكبير ~~بالقيروان. وفيها ضرب الخال طوف بمدينة القيروان مخسبا على بغل بأكاف. # وفيها، ظهر النجم ذو الذوابة في الجدي بجه الشمال، بقرب بنات نعش وذلك في ~~رجب. وقفيها كانت وقعة على عسكر السلطان وذلك أن أبى عبد الله (الداعي) ، ~~لما علم بخروج العسكر إليه وكثرة من معه من وجوه الرجال وأمجاد العرب ~~والموالي، وما معه من العدة وآلات الحرب، وأرتاع لذلك، وأخذ ms107 في حشد كتامة ~~وكان حشده بغير ديوان إنما كان يكتب إلى رؤساء القبائل، فيحشدوا من يليهم، ~~طاعة له ورغبة فيه. وكان لا يزيدهم في كتابه إليهم على أن يقول: (أن الوعد ~~يوم كذا في موضع كذا) ويصرخ صاروخ بين يديه: (حرام على من تخلف) فلا يتخلف ~~عنه أحد من كتامة، فأجتمع منهم ما لا يحصى كثرة. وتأهب لملاقاة إبراهيم بن ~~حبشي، فالتقى مع إبراهيم بن حبشي أمير العسكر بكينونة فكانت بينهما ملحمة ~~عظيمة تطاعنوا فيها بالرماح حتى تحطمت وتجادلوا بالسيوف حتى تقطعت، من أول ~~النهار إلى أخره ثم انهزم إبراهيم ووقع القتل على أصحابه فذهب كثير منهم ~~ونجى باقيهم في ظلمة الليل واشتغلت عنهم كتامة بالغنيمة والأموال والسلاح ~~والسروج واللجم وضروب الأمتعة. وهي أول غنيمة أصابها الشيعي وأصحابه، ~~فلبسوا أثواب الحرير، وتقلدوا السيوف الموحلات، وركبوا بسروج الفضة واللجم ~~الملهبة، وكثر عندهم السلاح، فشرفت أنفسهم، وتحققت آمالهم، وصح عندهم ما ~~كان الشيعي يعدهم به من النصر، ويبسط له الآمال فيه من التأييد لهم والنصر ~~والغلبة لعدوهم. ووقع الوهي على أهل إفريقيا، وداخلهم الوهن والجزع PageV01P138 # وكتب أبو عبد الله الداعي إلى عبيد الله الشيعي، وهو يومئذ بسجلماسة ~~يعلموا بالفتح ووجه إليه بمال كثير مع قومه من أهل كتامة سرا. # وذكر رجل من بني هاشم بن عبد المطلب يسمى بأحمد بن محمد بن عبد الله بن ~~جعفر بن عبد الله بن علي بن زيد بن ركانة بن عبدون بن هاشم، كان مع عبيد ~~الله بسجلمانة قال: (وصلني عبيد الله بمال كثير من دنانير لا توجد في ذلك ~~البلد، فكثر تعجبي منها. فلما رأى مني ذلك، وعلم مني ما أوجبه ثقته بي ~~واستنامته إلي. قرأ على كتاب أبي عبد الله بالفتحة، وأمرني بكتمان الخبر، ~~وألا أبدل حالتي الأولى، ولا أغير حيلتي وملبسي؛ وقال لي: (عن علينا عيونا ~~ورقابة؛ فلا يطلعوا منا على تبدل الحال، واستفادة مال) وفيها، مات أبو سهل ~~فرات بن محمد العبدي الفقيه، سمع من سحنون، وعبد الله بن بي حسان، وموسى ms108 بن ~~معاوية، وغيرهم بأفريقية، ورحل إلى المشرق فسمع كمن رؤساء أصحاب مالك وله ~~لسان طويل ومعرفة بالأنساب، وكان أعلم الناس بالناي وأوقع الناس في الناس ~~حتى نسب إلى الكذب. وفيها، ولد محمد بن يوسف الوراق بالقيروان. # وفي سنة 293، أخرج زيادة الله بن عبد الله بن الأغلب جيشا إلى الأربس ~~لمحاربة أبي عبد الله الشيعي وولى عليهم مدلج بن زكرياء، وأحمد بن مسرور ~~الخال، فخالفا عليه يوم الاثنين لعشر خلون من جمادى الأخيرة، ووافيا ~~بالعسكر مدينة القيروان يوم الخميس لثلث عشرة ليلة خلت من جمادى الأخيرة، ~~فخرج ألهم الغوغاء من القيروان ودافعوهما. وكبا بمبلج فرسه، فقتل من ساعته ~~وقل مع ابن بربر، وصلب على باب رقادة وقد كان زيادة PageV01P139 # الله برز لقتال مدلج، حتى أتاه الخبر بقتل العامة له، فكتب بذلك فتحا قرى ~~بالقيروان وأعمالها. وكان سبب خلافه على زيادة الله إنه حكم عليه في منية ~~له كا تعرف بالجليدية، وسجل عليه فيها القاضي حماس بن مروان فأضغن ذلك، ~~وجعل سببا إلى الخلاف عليه. # وفيها، ورد كتاب المكتفي بالله، يحث أهل أفريقيا على نصرة زيادة الله، ~~ومحاربة الشيعي. وقرأ كتابه على الناس. وفيها، كسفت الشمس كلها، وصلى ~~القاضي حماسة بن مروان بالناس صلاة الكسوف في الجامع. وفيها خرج زيادة الله ~~بن عبد الله إلى مدينة الأربس فنزل بغريبها، واجتمعت إليه عساكر كثير، ~~وأعطى بها الأموال جزافا بالمصحاف كيلا بلا وزن، لكل رجل صحفة توضع له في ~~كسائه دنانير ويحمل على فرس، ثم يخرج الرجل، فلا يرى بعدها. فأنفق فيها ~~أموال جسيمة وبذل مجهوده في الإحسان إلى الرجال. والشيعي مع ذلك ازداد ~~ظهورا. ووجه عساكر إلى بدعاية، وشك مدين طبنة وشحنها بالرجال وقد عليها ~~حاجبه أبا المقارع حسن بن أحمد بن نافذ مع سبيب بن أبي شداد القمودي وخفاجة ~~العيسي، وكانوا من أهل البسالة، وأمرهم بشن الغارات على كتامة، فكان بينهم ~~وقائع قتل فيها كثير من الفريقين. # وفيها، ولي قضاء مدينة رقادة محمد بن عبد الله المعروف بابن جيمال، وكان ~~مولى لبني ms109 أمية، ولم يكن عنده علم ولا ورع وإنما عنيت به عبد الله بن ~~الصائغ، وكانت فيه غفلة شديدة وضعف وقيل إنه باع نفسه في حداثته تين أيام ~~الشدة، ثم أثبت بعد ذلك حريته، وأنطلق. وشهدت عنده بينه بأن امرأة وكلت ~~ولدها، فقال لهم: (وكلته وهي بالغة؟) قالوا له (وهو أبنها! أصلحك الله! ~~فكيف لا تكون بالغا!) وضحكوا عليه، فأستحي. PageV01P140 # وفيها، قدم أبو يعقوب إسحاق بن سليمان الإسرائيلي المتطبب على زيادة الله ~~من المشرق مع أبي الحسن بن حارث فوصل إليه وهو بالاربس. قال إسحاق: (فدخلت ~~على زيادة الله ساعة وصولي، ورأيت مجلسه قليل الوقار، كثير اللهو. فابتدأني ~~بالكلام ابن حبيش المعروف باليوناني، فقال لي: (تقول أن الملوحة تحلو؟) ~~فقلت له: (نعم) قال (وتقول أن الحلاوة تحلو؟) قلت له: (نعم) فقال لي: ~~(فلحلاوة هي الملوحة والملوحة هي الحلاوة!) فقلت له: (أن الحلاوة تحلو ~~بلطافة وملائمة، والملوحة تحلو بعنف وقوة) فتمادى على المكابرة في ذلك، حتى ~~قلت له (تقول أنك حي والكلب حي؟) قال (نعم) قلت له (فأنت الكلب والكلب أنت) ~~فضحك زيادة الله ضحكا شديدا قال: (فعلمت أن رغبتك في الهزل أكثر من رغبتك ~~في الجد) . # وفي هذه السنة تغلب أبو عبد الله الداعي على مدينة بالرمة وعلى مدينة ~~طبنة، ودخلهما بالأمان في أخر ذي الحجة وبها أبو المقارع حسن بن أحمد والى ~~زيادة الله وعامله عليهما مع صاحبيه المذكورين قبل هذا. وكان بهما جباة على ~~ضروب المغارم، فأتوه بما في أيديهم من الجباية، فقال لأحدهم (من أين جمعتم ~~هذا المال؟) فقالوا له (من العشر) فقال عبد الله: (إنما العشر حبوب وهذا ~~عين) ثم قال لقوم من ثقاة طبنة: (أذهبوا بهذا المال فليرد على كل رجل ما ~~أخذ منه، وأعلموا الناس أنهم إمناء على ما يخرج الله لمن أرضهم، وسنة ~~العشور معروفة في أخذه وتفرقته وعلى ما ينصه كتاب الله عز وجل) ثم قال لأخر ~~(من أين هذا المال الذي بين يدك؟) قال: (جبيته من اليهود والنصارى جزية عن ~~حول مضى ms110 لهم.) فقال (وكيف أخذته عينا، وإنما كان يأخذ رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - من الملأ ثمانية وأربعين درهما، ومن المتوسط أربعة وعشرين ~~درهما ومن الفقير أثنى عشر درهما!) فقال له: (أخذت العين عن الدراهم بالصرف ~~الذي كان يأخذه عمر) فقال أبو عبد الله: (هذا مال طيب) ثم أمر أحد الدعاة ~~بأن PageV01P141 # يفرقه على أصحابه وقال لمن أتاه بمال الخرج: (هذا ما لا خير فيه ولا ~~قابلة ولا خراج على المسلمين في أموالهم!) ثم أمر ثقاة أهل طبنة برده على ~~أهله وقبض مال الصدقة من الإبل والبقر والغنم، بعد أن قيل له أنها قبضت ~~الأنعام على الإنسان الواجبة في الصدقات، ثم بيعت وجمعت أثمانها. فرضي بذلك ~~وجوزه. فلما نظر أهل طبنة إلى فعله، سروا به وجوا أن يستعمل فيهم الكتاب ~~والسنة. وانتشر فعله في جميع نواحي إفريقيا فتاقت أنفسهم إليه، وكاتبوه ~~ودخلوا في طاعته وبلغ ذلك زيادة الله فأغتنم به غما شديدا (وأخذ في حشد ~~الرجال والاستكثار منهم) وأمر بلعنة الشيعي على المنابر. # (وفيها قدم زيادة الله بن الطبني من بغداد وفيها توفي أبو جعفر محمد بن ~~الحسين المروزي بجزيرة صقلية وكان فقيها وأتهم بالكذب وتوفي فيها محمد بن ~~المنيب الأزدي الفقيه، وكان مذهبه مذهب أهل العراق وكان من أهل الخير، وعرض ~~عليه القضاء فلم يقبله. مات محمد بن نصر المتعبد وكانت له رواية، ومحمد بن ~~أبي الحميد السوسي، وزيدان بن إسماعيل الأزدي وكانا في الثقات في العلم) . # وفي سنة 294، (خرج إبراهيم بن حبشي بن عمر من الأندلس بالعسكر لملاقاة ~~أبي عبد الله الشيعي بمدينة طبنة في النصف من المحرم. وفيها عزل عبد الله ~~ابن محمد بن مفرج المعروف بابن الشاعر عن قضاء قسطيلية، ورفع إلى زيادة ~~الله وهو بالأربس، مخشبا، فأمر بضربه وقيده وحبس بحبس الأربس، وذلك أن وجود ~~قسيلية رفعوا عليه إلى زيادة الله، تظلموا منه، وكتب إلى عامله بعزله ~~وتخشيبه ورفعه إلى بابه فقدم الكتاب والعامل غائب، وتبادر بعض القوم الذين ~~رفعوا عليه إلى مجلس القضاء الذي ms111 كان فيه فسبوه وهموا بالبسط إليه فأمر ~~غلمانه بأخذهم وضربهم وقيدهم وحبسهم، ثم قدم القدم العامل PageV01P142 # وقد نفذ فيهم كلما أحب، فأوثقه حديدا، وخشبه، ووجه إلى زيادة الله فضربه ~~بالدرة وحبسه، وذلك للنصف من محرم. # وفيها، أنصرف زيادة الله من الأربس إلى رقادة، واستخلف على الجيش بالأربس ~~إبراهيم بن أحمد بن أبي عقال. وبنى زيادة الله سور مدينة رقادة بالطوب ~~والطوابي، والتزم التنزه على البحر وغيره، واتباع اللذات، ومنادمة العيارين ~~والشطار والزمامرة والضراطين. وكان إذا فكر في زوال ملكه وغلبت عدوه على ~~أكثر مواضع عمله، يقول لندمائه (املأ اأسقني! من القرن يكفيني!) وأشتد كلفه ~~بغلام له يسمى بخطاب فكتب اسمه في سكة الدنانير والدراهم، ثم وجد عليه ~~فحبسه وقيده، فغنت له جارية تستعطف على الخطاب (بسيط) : # يا أيها الملك الميمون طائره ... رفقا فأن يد المعشوق فوق يدك # كم ذا التجلد والأحشاء خافقة ... أعيذ كفك أن تسطو على كبدك # فرض عن الخطاب وأعاده إلى منزلته. وكان إذا أظهر الغم بأمره الشيعي أخذوا ~~له في التسلي فغنت جارية له يوم (كامل) : # أصبر لدهر نال م ... نك فهكذا مضت الدهور # فرح وحزن مرة ... ولا الحزن دام ولا السرور # فقال لها (صدقتني!) وأمر لها بصلة. # وفيها، استعفى حماس بن مروان عن القضاء بالقيروان، فعوفي، وولي زيادة ~~الله مكانه محمد بن جيمال، فلم يزل قاضيا إلى أن هرب زيادة الله. وفيه، دخل ~~أبو عبد الله الشيعي مدينة بغاية بالأمان، في شعبا، فعظم غم زيادة الله ~~بذلك، وأستشار ابن الصائغ في أمره، فقال له (ارحل إلى مصر سرا وأستخلف على ~~إفريقيا قائدا تجعل إليه أمر العساكر، وتترك له الأموال) فنظر في ذلك، وأمر ~~بشراء خمسمائة جمل لرحيله. ثم ظهر له خطأ هذا الرأي، وخشي قيام الناس عليه ~~وثورتهم به، فأمسك. وشعر إبراهيم بن حبشي PageV01P143 # ابن عمر بما كان هم زيادة الله من الهرب فتعرض له حتى أدخله قصر البحر ~~وأراه ما زخرفه له فيه وقال: (يا سيدي! أين البنية من قصر جدك القديم الذي ~~صبر فيه ms112 على الحصار أعوام كثيرة وقد أبغضه جل أهل بلده! وقام عليه رؤساء ~~جنده، فبقى مقيما فيه وضابطا له، حتى أظهره الله عليهم، ومكنه منهم! فكيف ~~بك وقد كثر مالك وأحبك رجالك؟ وأهل إفريقيا معك! وإنما خرج عليك شيخ لا ~~يعرف مكانه في البربر وأنت في حصن منيع! والله يدفع عنك! فدفع ما يقال لك! ~~فإنك الظافر بحول الله وقوته، إن شاء الله) فأصغى زيادة الله غالى قوله، ~~وسر بما سمع منه وجعل يرسل الرجال والأموال إلى الأربس وهو أقصى ثغوره. ~~فكانت خيل أبي عبد الله الشيعي تغير على الأربس من باغاية من الأربس. وفيها ~~قدم حبشي وابن حجر وابن عباس من بلد الروم ومعهم رسول صاحب القسطنطينية. ~~وكساهم زيادة الله وأنزل الرسول في الملعب بقرب رقادة وجمع الناس للمباهاة ~~بهم فكان جمعا عظيما. وفيها ضرب القباب والأخبية حوالي مدينة رقادة وأخذ ~~أهل مدينة القيروان بالعسس حولها والمبيت في الأخبية المضروبة جوارها. وجدد ~~زيادة الله الحشد ورغب الناس بالأموال وفيها توفي محمد بن أبي الهيثم ~~اللؤلؤي الفقيه، ولي قهرب الحجارة في شعبان. # وفي سنة 295، خرج زيادة الله إلى مدينة تونس في شهر محرم (ليحاول أموره ~~فيها.) . (وفيها استسقى القاضي أبو العباس بن جيمال بالناس يوم الاثنين لست ~~خلون من شهر ربيع الآخر. وفيها عزل ابن الوليد عن الصلاة وولى PageV01P144 # مكانه ابن يزيد للنصف من شهر ربيع الأخر. وفيها توفي أبو الحسن بن حاتم ~~الرسول إلى بغداد، في شوال. وفيها توفي أبو موسى عيسى بن مسكين القاضي فصلى ~~عليه أبو جعفر أحمد بن خالد السهمي في قريته بالساحل. و (فيها) توفي (أبو ~~عياش) أحمد بن موسى بن مخلد (الفقيه وكان يحمي إلى غافق، وكان من أصحاب ~~سحنون بن سعيد) ، وكان زاهدا ورعا متعبدا فاضلا (وعالما بما فيه كتبه، كثير ~~لحكاية، سمع منه بشر كثير من أهل القيروان، ودف بباب سلم. وفيها، مات سعيد ~~بن إسحاق الفقيه، مولى كلب وكان من رجال سحنون بن سعيد، وسمع من جماعة من ~~إفريقية وكان كثير الرباط ms113 والرواية والجمع للحديث، وكان مولده سنة 212) . # وفقي سنة 296، وصل خليل (أبي عبد الله الشيعي) (الداعي) إلى قسطيلية، ~~وانهزم أبو مسلم منصور بن إسماعيل، (وشبيب بن أبي الصارم، وانقبضا) إلى ~~مدينة توزر، وانبسطت الخيل (هنالك واحترقت القرى) وأفسدت ما مرت به من ~~النعم. وكان أبو عبد الله قبل ذلك قد أمر أصحابه بالكف عن الغارات وألا ~~يرموا مكانه، فأقاموا نحو شهرين لم تظهر له حركة، حتى قيل فيه نأنه مريض ~~وقيل: بل مات. ولما وصل الخبر بانبساط جيوش أبي عبد الله إلى زيادة الله ~~هالة وراعه، وارتجت الحضارة واضطربت أحوال الجند ويئسوا من البلد وخافوا ~~على ذراريهم وأهاليهم السبي والاسترقاق: وجعل عبد الله بن الصائغ يقول ~~لزيادة الله (هذا ما تضيع الشيخ السوء أبي مسلم ومن سوء نظره!) وكان ابن ~~الصائغ كاتبا لأبي مسلم في أيام إبراهيم بن أحمد، ففسدت الحال بينهما، ولم ~~يزل يرفع على أبي مسلم يومئذ حتى عزل. ثم لما دارت هذه الدائرة بقسطيلية، ~~نسب ذلك ابن الصائغ إليه وأوقد زيادة الله عليه وأغراه به حتى كتب إلى شبيب ~~بن أبي الصارم يأمره بضرب عنق أبي مسلم وصلبه يوما وليلة ثم يدفنه. وبعث ~~إليه من ثقاته من يحضر تنفيذ ذلك فيه فلما وصل الكتاب إلى شبيب اغتنم ولم ~~يجد PageV01P145 # بلدا من التنفيذ فدفع الكتاب إلى أبي مسلم وهو مع يومئذ بتوزر وقال له: ~~(عز على ما وردني فيك!) فلما قرأه أبو مسلم قال (أنا الله وأنا إليه ~~راجعون! خدع الصبي الأحمق وذهب ملكه) ثم قبض بيده اليسرى على لحيته وصفع ~~باليمنى قفا نفسه صفعات، وقال: (هذا جزاء من عصى الله وأطاع الآدميين، وسفك ~~الدماء المحرمة! أما الله! ولو تركته ولم أشر عليه بقل عمومته وأخوته ~~وشغلتهم بهم ما دار على من قبله ما دار!) ثم قال لشبيب (أمهلني أتوضأ وأصلي ~~ركعتين أختم بهما عملي!) ففعل وصلى ودعا وبكى ثم قدم، فضربت عنقه وصلب ودفن ~~في اليوم الثاني وذلك في النصف من صفر. وفيها توفي أبو العباس بن أبي ms114 خدش ~~صاحب المظالم أيام ابن عبدون. وفيها مات أبو عقال بن خير الفقيه، وكان يذهب ~~مذهب أهل العراق، وكتب لابن عبدون أيامه على القضاء. ### | ذكر خروج بن الأغلب من أفريقية # وفيها، زحف أبو عبد الله الشيعي إلى الأربس ونازلها، وبها إبراهيم بن أبي ~~الأغلب في عساكر أفريقية وجمهور أجنادها، فقاتلها حتى أخذها عنوة ودخلها ~~بالسيف لست بقين من جمادى الأخيرة. فهرب إبراهيم بن أبي الأغلب وإليها، ~~ونجا في جماعة من القواد والجند. ولجأ أهل الأربس ومن كان اجتمع فيها من ~~فلال العسكر جامعها. وركب بعض الناس بعضا وقتلهم الشيعي (لعنه الله) أجمعين ~~حتى كانت الدماء تسيل من أبواب المسجد كما يسيل الماء من وابل الغيث. وقيل ~~إنه قتل داخل المسجد PageV01P146 # ثلاثين ألف رجل. وكان قتلهم من بعد الصلاة العصر إلى أخر الليل. فلما ~~أصبح، وقد فرغ من القتل والنهى والسبي، نادى بالرحيل، وانصرف إلى مدينة ~~باغاية، إذ خشي أن يحاشد عليه من أهل أفريقية. ### | هروب زيادة الله من رقادة # واتصل الخبر بزيادة الله في اليوم الثاني، وهو يوم الأحد لخميس بقين من ~~جمادى الأخيرة، فسقط ما بيده، وعلم إنه خارج عن ملكه. وجعل ابن الصائغ يطفئ ~~الخبر ويكذبه له، ويظهر أن الفتح كان لهم على الشيعي. وبرح على أبواب مدينة ~~رقادة: (من أراد اللحاق وجزيل العطاء، للفارس عشرون دينارا وللراجل عشرة ~~دنانير، فليلحق بقصره الأمير!) فلما سمع الناس ذلك بدر إليهم سوء الظن، ~~وعلموا أن الدائرة كانت على أصحاب زيادة الله، وماجوا فيما بينهم. وجعلت ~~الخاصة وأهل الخدمة يفرون من رقادة. فلما رأى ذلك زيادة الله، أخذ في شد ~~الحمال بما خف من الجوهر والمال، وحرك خاصته للخروج معه. فلما كان وقت صلاة ~~العتمة من ليلة الاثنين لأربع بقين من جمادى الأخير، ركب فرسه، وتقلد سيفه، ~~وقدم الحمال فمر من بين يديه، هاربا أعلى عيون أهله وحرمه وولده. فأخذت ~~جارية من جواريه عودا ووضعته على صدرها، وغنته على حمله معه، فقالت (منسرح) ~~: # لم أنسن من الوداع موقفها ... وجفنها من دموعها ms115 غرق # قولها، والركاب سائرة: ... (تركنا سيدي وتنطلق # أستودع الله ظبية جزعت ... للبين والبين فيه لي حرق) # فدمعت عينا زيادة الله عند سماعها، وشغله سوء الموقف وضيق الحال عن حملها ~~معه. وخرج عن مدينة رقادة متوجها إلى مصر في ثلث الليل الأول. PageV01P147 # ومعه وجوه رجاله وفتيانه وعبيده، (وأخذ طريق الجادة) حتى لحق بمدينة ~~إطرالبس. وكان عبد بن الصائغ يتقلد جميع أوامره (وينظر على أهل خدمته) فوطأ ~~خزان الأموال على انقطاع ثلاثين حملا من المال، في كل حمل ستة عشر ألف ~~مثقال؛ فواعدهم موضعا يجتمع فيه معهم؛ فأخطئوه في الليل، وخرجوا إلى مدينة ~~سوسة؛ فقبض عليهم ابن الهمداني عاملها، وخزنها في قصر الرباط بسوسة، حتى ~~صارت إلى الشيعة. وأصبح الناس من ليلة خروج زيادة الله هاربا إلى مدينة ~~رقادة، فأنتهبوها وأخذوا من بقايا أموال بني الأغلب ومتاعهم وصنوف الآنية ~~من الذهب والفضة وما لا يحيط به وصف. ورجع القوى يأخذ من الضعيف ما سبق ~~إليه. والهارب أبو مضر زيادة الله بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن الأغلب، ~~المعروف بخزر ابن إبراهيم بن الأغلب بن سالم بن عقال التميمي. وكانت ولايته ~~بأفريقية خمس سنين وأحد عشر شهرا وأربعة أيام. وكانت إمارة بني الأغلب ~~بأفريقية مائة سنة، وإحدى عشرة سنة ن وثلاثة أشهر. # ثم أن إبراهيم بن الأغلب، المنهزم من الأربس، أقبل إلى القيروان فيمن بقى ~~معه من القواد. قفنزل بدار الإمارة. وبعث في وجوه الناس، وجعل يظهر عندهم ~~عتب زيادة الله، ويأخذ في انتقاصه، وأنه أسند أمر المسلمين إلى من كان يسعى ~~في زوال ملكه. وقال للناس: (أن كتامة مفسدون في الأرض ناصحون لله ولهدا ~~الدين، وأمدوني بالرجال والأموال) وحضر صلاة الظهر؛ فسلم على رأس الإمارة؛ ~~ثم أجتمع إليه الناس وقالوا له: (بلدنا لا يعرف الفتن، ونحن لا نقوم ~~بالحرب؛ وأنت لم تستطع دفع كتامة بالعساكر والسلاح والمال! فكيف نقوى نحن ~~على دفعهم بأموال؟) ثم صاح الناس به: (لا طاعة لك علينا، ولا بيعة في ~~أعناقنا! فأخرج عنا!) فركب فرسه، وشهر ms116 سيفه ودف الفرس، ونجا هاربا حتى خرج ~~من باب أبي ربيعة، ولحق بزيادة الله. PageV01P148 # وركب عبد الله بن الصائغ في البحر يريد المشرق؛ فألقاه البحر بمدينة ~~طرابلس، وبها زيادة الله. فأتى إليه به؛ فقربه وأدناه، وعاتبه في فراره ~~عنه؛ فأعتذر إليه ابن الصائغ بما اخذ من الحيرة والخوف؛ فهم زيادة الله ~~باستيحائه؛ فأشار إليه كل من معه من أهله وقواده بقتله؛ فأمر راشدا الأسود ~~بضرب عبقه؛ فقتله. وكان يحكى علي بن إسحاق بن عمران المتطبب إن عبد الله بن ~~الصائغ كان، إذا رأى راشدا الأسود قبل ذلك، أربد وجهه؛ وإذا ذكر له تنكر ~~سروره، حتى يعرف ذلك كل من حضره. قال: فسألته يوما عن ذلك؛ فقال لي: ~~(تحدثني نفسي أن ملك الموت يقدم علي في صورة راشد الأسود، عبد قبضه لروحي؛ ~~فإذا رأيته، لم املك من البصر شيئا) ### | ذكر دولة الشيعة # وبلغ أبا عبد الله الشيعي هروب زيادة الله. فتحرك من الأربس يريد ~~القيروان. فهال الناس أمره، وخافوه على أنفسهم. وخرج إليه الفقهاء ووجوه ~~الناس؛ فقطع بهم محبوب بن عبد ربه الهواري بوضع يعرف بحفص باروقس، بين ~~مدينة جلولا وحمام السرادق؛ وذلك يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى ~~الأخير؛ فانصرفوا أقبح انصراف، وكتبوا إلى عبد الله، يذكرون ما دار عليهم، ~~ويعنذرون بذلك إليه، ويسألونه ان يحد لهم موضعا يلقونه، فأجابهم: (موعدكم ~~ساقية ممس يوم السبت.) وبعث أبو هبد الله غروية بن يوسف الملوسي بقطيع من ~~الخيل لضبط مدينة رقادة، وتحصين ما أدرك بها من الأموال؛ فنزل عليها يوم ~~الجمعة لانسلاخ جمادى الأخير؛ فألقى الناس بين داخل وخارج؛ فأمر الخارج ألا ~~يعود، والداخل بالخروج فارغا. ولم يكن منه إلى الناس إلا خير. وفيها أقبل ~~إلى مدينة رقادة في سبعة عساكر، وعدد من PageV01P149 # فيها، على ما ذكر ثلاثمائة ألف بين فارس وراجل. فوصل إليهم يوم السبت غرة ~~رجب؛ فخرج إليه أهل القيروان من الفقهاء والوجوه وجلة التجار؛ فالتقوا به ~~على ساقية ممس، وأظهروا له الرغبة في دولته، وسألوه الأمان، فأمنه، (وصوب ~~فعلهم) ms117 ، ووعدهم بالإحسان والعدل فيهم، وكان قد وعد قبل ذلك قواد كتامة ~~ورجالها بأن يوكلهم القيروان ويسلط أيديهم فيها ويقطعهم جميع أموال أهلها. ~~فلما سمعوا بأمنته للقوم، ساءهم ذلك وكلموه فيه وذكروه ما كان وعدهم به. ~~فتلا عليهم: وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها) وقال لهم: (هي ~~القيروان) فقلوا قوله وسلموا لأمره ثم تقدم بإنزال عساكره حوالي مدينة ~~رقادة فدخلها وقارئ يقرأ بين يديه: " هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل ~~الكتاب من ديارهم لأول الحشر " (إلى آخر) الآية ويقرأ: " كم تركوا من جنات ~~وعيون " إلى آخر السورة. ونزل بالقصر المعروف بقصر الصحن وبعث غرويه بن ~~يوسف إلى مدينة سوسة فأمن أهلها وأتاه بالثمانية والعشرين الحمل من المال ~~التي كانت مخزونة بقصر الرباط المتقدم ذكرها وأمن من ألفى بالقيروان من بني ~~الأغلب وقوادها الذين تخلفوا عن زيادة الله، وأمر بقتل السودان من موالي ~~بني الأغلب وقتل إبراهيم بن بربر بن يعقوب التميمي المعروف بالقوس، فقتل ~~خنقا إذ كانوا هموا بالوثوب عليه. وقال أبو عبد الله: (ما أمنت بأفريقية ~~حتى قتلت القوس!) وبعث أبو عبد الله الشيعي إلى طرابلس، فأتى منها بأخيه ~~أبو العباس المخطوم، وكان بها محبوسا، وبأبي جعفر الخزري، وبأمن عبيد الله ~~الشيعي، وكانت هنالك مع الخزري، فقدموا عليه. وكان أبو العباس المخطوم ~~عجولا، كثير الكلام، ضعيف العقل فأراد أن ينفى من القيروان PageV01P150 # كل من يذهب من الفقهاء. مذهب أهل المدينة، فلم يجبه أخوه أبو عبد الله ~~إلى ذلك. وولي أبو عبد الله الشيعي على مدينة القيروان الحسن بن أحمد بن ~~علي بن كليب المعروف بابن أبي خنزير، وأمره بقتل من خرج ليلا أو شرب مسكرا، ~~أو حمله أو وجد عنده. وولي على مدينة القصر القديم خلف بن أحمد بن علي بن ~~كليب، أخاه ابن أبي خنزير، وأمره بمثل ذلك. # وأمره بأن تزداد في الأذان بعد (حي على الصلاة) (حي على خير العمل) ، ~~وأسقط من أذان الفجر (الصلاة خير من النوم) وأمره بجمع ما انتهب من الأموال ~~بمدينة ms118 رقادة، وضم عبيد زيادة الله ووقف جواريه وولي النظر في ذلك أحمد بن ~~فروخ الطبين الأحدب. وولى على السكة أبي بكر الفيلسوف المعروف بابن ~~القمودي، ونقش فيها: " الحمد لله رب العالمين " وسميت السيدية. وكان نقش ~~خاتم أبي عبد الله: " فتوكل على الله أنك على الحق المبين " وفي الخاتم ~~الذي يطبع به السجلات: " وتمت كلامات ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو ~~السميع العليم " ووشم في أفخاذ الخيل: (الملك لله) وكتب في بنوده: " سيهزم ~~الجمع ويولون الدبر " و " قل جاء الحق وزهق الباطل أن الباطل كان زهوقا " ~~وآيات كثير من القرآن في هذا المعنى. وأمر الصلاة على علي بن أبي طالب في ~~الخطب بأثر الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى فاطمة، والحسن ~~والحسين وأظهر التشيع في علي وماذة من قدم عليه من أصحاب النبي - عليه ~~السلام -. # وفيها، ولي أبو عبد الله على قضاء مدينة القيروان محمد بن عمر ابن يحيى ~~بن عبد الأعلى المروزي من جند خراسان، يوم الخميس لأثنتا عشرة ليلة بقيت من ~~شعبان، فقعد في الجامع وأمر بإسقاط صلاة الإشفاع في شهر رمضان وأجنح في ذلك ~~على الفقهاء، وأنكر عليهم الاقتداء بفعل PageV01P151 # عمر بن الخطاب في القيام، وتركهم الاقتداء بفعل علي بن أبي طالب في زيادة ~~(حي على خير العمل) في الأذان، وقال لهم: (أعملوا بمذهب أهل البيت واتركوا ~~الفضول) . فلما كان في أول يوم من شهر رمضان، أقبل المروزي إلى المسجد ~~الجامع، فوجد في حائط المسجد في القبلة، وفي موضع جلوسه، مكتوبا: " ومن ~~أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها " إلى أخر ~~الآية. فلما رآه، سأل القوم هل رأوا من جلس في ذلك الموضع فقالوا: (لا) ~~فأمر بموحه، وأنتقل عن الجلوس بذلك الموضع. ووقف يوم على المروزي رجل محمق ~~خليع، والناس حوله، فقال له: (قد لطفت لنا - أصلح الله - في قطع قيام شهر ~~رمضان فلو احتلت لنا في ترك صيامه، لكفيتنا مئونته كلها) فقال له المروزي: ~~(أذهب عني يا ملعون) وأمر ms119 بدفعه. وأمر عبد الله الشيعي وجوه كتامة بدعوة ~~الناس إلى مذهبهم من التفضيل لآل علي البراءة فدخل في ذلك معهم كثير من ~~الناس فلذ لك سميت دعوته، لأتباعهم رجالا من (أهل) المشرق. ### | ذكر توجه الداعي إلى سجلمانة واجتماعه بعبيد الله الشيعي بها # ونظر أبو عبد الله في إقامة الجيوش والاستعداد والغزو إلى سجلمانة. وكان ~~بها عبيد الله الشيعي وابنه أبو القاسم محبوسين. وكان أبو عبد الله الداعي ~~يدعو إلى عبيد الله الشيعي ويزعم إنه إلمام من آل علي. قلما كمل له ما أراد ~~من جوشه وجهازه وعدده وآلات وسفره، أستخلف على إفريقية أخاه أبا العباس ~~وأبا زاكي تمام بن معارك الأجاني. ثم خرج من رقادة يوم الخميس من للنصف شهر ~~رمضان في جموع كالدبي النتشر ومعه وجه رجاله وأهل دعوته وفيهم إبراهيم بن ~~محمد الشيباني المعروف بأبي PageV01P152 # اليسر الكاتب وزياد بن خلفون المتطبب مولى بن الأغلب. وغزا معه أحمد بن ~~سيرين، الفقيه بمذهب أهل العراق، راجلا يرى إنه محتسب للثواب في طلب الأمام ~~وبهذا السبب ولي قضاء مدين برقة بعد ذلك. فسار ابو عبد الله حتى حل بمدينة ~~تيهرت، فخلها بالأمان وقتل بها من الرستمية يقظان بن أبي يقظان، وجماعة من ~~أهل بيته. وبعث برؤوسهم إلى أخيه أبي العباس وأبي زاكي خليفته برقادة؛ ~~وطوفت بالقيروان، ونصبت على باب مدينة رقادة. وانقضت دولة بني رستم بتيهرت؛ ~~وكان لها مائة وثلاثون سنة. # ثم ولي أبو عبد الله على تيهرت أبا حميد دواس بن صولات اللهيصي، وإبراهيم ~~بن محمد اليماني بالهواري وكان يلقب السيد الصغير. ثم نهضة حتى احتل على ~~مدينة سجلماسة يوم السبت لست خلون من ذي الحجة. فأحاط بها في جموعه وجيوشه، ~~وحاربها يوم الأحد لسبع خلون منه، ففتحها في هذا اليوم، وأخرج منها عبيد ~~الله الشيعي وابنه أبا القاسم، وكانا محبوسين في غرفة عند مريم بنت مدرار. ~~فلما بصر به عبد الله الشيعي ترجل له، وخضع بين يديه، وبكى من إفراط سروره ~~به. ثم مشى أمامه راجلا حتى أنزله في ms120 الفازة، وسلم إليه الأمر، وقال لمن ~~معه: (هذا هو مولاي ومولاكم! قد أنجز الله له وعده، وأعطاه حقه، وأظهر ~~أمره!) وانتهب أبو عبد الله الشيعي ورجاله سجلماسة، وأحرقت. وهرب منها ~~اليسع صاحبها في جماعة من بني عمه ليلا، فطلبه أبو عبد الله الشيعي، فلم ~~يقدر عليه. # وفيها، مات إبراهيم بن عيسى بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن حسن ابن ~~الحسن بن علي بن أبي طالب، ودفن في داره بآرشقول. وفيها، ومات أبو عبد ~~الرحمن بكر بن حمادة بن سهر بن أبي إسماعيل، وهو زناتي، في شوال بقلعة ابن ~~حمة، بجوفي مدينة تيهرت، وبها كان مولده ومنشأه، وصلى عليه PageV01P153 # موسى بن الفارس الفقيه، وهو يوم مات ابن ست وتسعين سنة، ورحل بكر إلى ~~المشرق في سنة 217، وهو حدث السن، فسمع من الفقهاء وجلة العلماء وكان عالما ~~بالحديث وتميز الرجال، وشاعر مفلقا ومدح المعتصم ووصله بصلات جزيلة، أجتمع ~~بحبيب وصريع ودعبل وعلي بن الجهم وغيرهم من شعراء العراق وله أبيات إلى ~~المعتصم يحرض فيها على دعبل وهي (طويل) : # أيهجو أمير المؤمنين ورهطه ... ويمشي على الأرض العريضة دعبل؟ # أما والذي أرسى ثبيرا مكانه! ... لقد كانت الدنيا لذاك تزلزل # ولكن أمير المؤمنين بفضله ... بهم يعفو أو يقول فيفعل # فعاتبه حبيب فيه وقال له: (قتلته، والله! يا بكر) فقال في قصيدته هذه ~~طويلة # وعاتبني فيه حبيب وقال لي: ... (لسانك محذور وسمك يقتل) # وأني، وأن صرفت في الشعر منطقي ... لأنصف فيما قلت فيه وأعدل # وفيها مات محمد بن الحسن المعروف بابن ورصيد من قسطنطينية، وكانت له رحلة ~~وسماع من الفقهاء، ومات محمد بن يزيد الفارسي من أهل القيروان له سماع من ~~سحنون ومن ابنه محمد. # وفي سنة 297، غدر قوم من البربر يعرفون بني خالد باليسع بن مدرار ~~واستأمنوا به إلى أبي عبد الله الشيعي فأمنهم، وذلك في مستهل المحرم. ~~وفيها، ولي عبيد الله على مدينة سجلماسة إبراهيم بن غالب المزاتي وترك معه ~~خمسمائة فارس من كتانة، ورحل بالعساكر إلى أفريقية. وفيها قتل بالقيروان، ~~في ms121 صفر، إبراهيم بن محمد الضبي المعروف بابن البرذون وأبو بكر بن هذيل PageV01P154 # الفقيهان، وكانت عندهما رواية، وأدب، وتصرف في فنون منة العلم وكان محمد ~~الكلاعي وأصحابه على مذهب أهل العراق وهو الجائز عند الشيعة لما عنده من ~~الترخيص فسعوا بها إلى أبي العباس المخطوم وذكروا عندهما أنهما يطعفان في ~~الدولة، ويشوبان على علي ابن أبي طالب بأبي بكر وعمر وعثمان، فحبسهما ~~المخطوم ثم أمر ابن أبي خنزير بقتلهما بعد أن يضرب إبراهيم بن الرذون ~~خمسمائة سوط، إذ كان القول فيه أشنع، والسعي عليه أعظم، فغلط ابن أبي خنزير ~~فيهما، وضرب ابن هذيل، ثم قتله وقتل ابن البرذزن بلا أن يضربه، وذلك في ~~صفر، وطيف بهما في سماط القيروان، مجرورين مكشوفين ثم صلبا بعد ذلك. وكتب ~~أبو العباس إلى أخيه بالخبر فعنفه عليه، ولامه فيه، وقال: (قد افسد علينا ~~من أهل البلد وأهله ما كانت بنا حاجة إلى صلاحه) . # وفيها خالف علي أبي عبد الله الشيعي محمد بن خزر بن صيلات الزناتي وأقبل ~~إلى مدينة تيهرت وطمع بأخذها وأخرج دواس بن صولات منها وأن يقطع بابي عبد ~~الله وبمن معه في انصرافهم من سجلماسة. وباطنه على ذلك قوم من أهل تيهرت ~~يعرفون بني دبوس، فاستدعوه فوشى بهم إلى دواس عامل الموضع فحبسهم بحصن ~~برقجانة المعروف بتيهرت القديمة وحارب محمد بن خزر تيهرت وتغلب على بعض ~~أرباضها. فلما رأى ذلك دواس هرب إلى ابن حمة صاحب القلعة، ووثب أهل حصن ~~برقجانة على بني دبوس عندهم، فقتلوهم. ودفع أهل تيهرت محمد بن خزر، وحاربوه ~~حتى قتلوه ثم كاتبوا دواس، فأنصرف إليهم. وولي عبيد الله على مدينة سجلماسة ~~إبراهيم بن غالب المزاتي، وخلف معه ألفي فارس من كتامة. وتوجه عبيد الله ~~وأبو عبد PageV01P155 # الله نحو أفريقية ومعهم بنو مدرار وأهلهم مكبلين، فلما بلغوا مدينة أربا ~~أتصل بهم خبر محمد بن خزر، فساروا نحوه فهرب، ودخل الرمال. وأمر عبيد الله ~~بقتل اليسع بن مدرار، فقتل، وهو مريض. وفيها ثار أهل سجلماسة بإبراهيم ابن ~~غالب المزاتي ms122 عاملها فقتلوه ومن كان معه من الشيعة، ومن كاتمة، وذلك يوم ~~الاثنين لثلاث خلون من شهر ربيع الأول، وولوا على أنفسهم وأسول ابن الأمير ~~ابن مدرار. ### | التعريف بأمر سلجماسة من حين ابتدائها إلى هذه السنة المؤرخة # كان أبو القاسم سمغون بن واسول المكناسي صاحب ماشية كثيرة، ينتجع موضع ~~سلجمانة، ويتردد إليها وكان براجا، يجتمع الناس فيه من قبائل البربر ~~المجاورين له يتسوقون فيه. فاجتمع قوم من الصفرية على أبي القاسم، وسكنوا ~~معه هنالك في خيمات. ثم شرعوا في البناء في حدود الأربعين ومائة. ثم قدموا ~~على أنفسهم عيسى بي يزيد الأسود وولوه أمرهم. ثم أنكروا عليه أشياء فأخذوه ~~وشدوا وثاقه. وربطوه إلى شجرة في رأس جبل، وتركوه حتى مات ثم ولى أبو ~~القاسم سمغون المتقدم ذكره، قيل إنه ابن واسول، وقيل ابن مدلان فلم يزل ~~واليا عليهم إلى أن مات سنة 168. # ثم ولي الياس ابن أبي القاسم، وسمي أبا الوزير، فبقي سنتين، وقام عليه ~~أخوه. ثم ولي أخوه أليسع بن سمغون بن مدلان المكناسي في سنة 170 وسمي PageV01P156 # بالمنتصر، وكان جبارا عنيدا، فظفر بمنم عانده من قبائل البربر وقهرهم ~~وأذلهم، وأظهر الصفرية، وأخذ خمس معادن درعةة. وعظم قدره في ذلك الوقت. ~~وموضع سلجمانة قد عمر بالديار دون سور. ثم زاد ملك اليسع المذكور، وأمر ~~ببناء السور ن، أسفله بالحجارة، وأعلاه بالطوب. فقيل أ، بناءه من ماله، لم ~~يشاركه فيه أحد. فسكن سلجمانة، وتوفي في سنة 208، فكانت مدته بها نحو أربعة ~~وثلاثين سنة. ثم ولى ابنه مدرار بن اليسع، وهو المنتصر بن سمغون المتقدم ~~ذكره، فلم يزل واليا عليها إلى أن اختلف الأمر بين ولديه ميمون المعروف ~~بابن أروا (وهي أمه بنت عبد الرحمن بن رستم صاحب تبهرت) وابنه المعروف بابن ~~بقية. فتنازعا في الأمر بينهما، وتقاتلا ثلاثة أعوام. فمال مدرار والدهما ~~مع ابنه ميمون بن الرستمية، وأخرج أخاه ابن بقية من سلجمانة. فولى ميمون بن ~~مدرار، وخلع أبوه لنفسه، ثم قام عليه أهل سلجمانة، فجعلوه وأرادوا خلع أبيه ~~وتقديم أخيه ms123 ابن بقية، فأبى أن يتأمر على أبيه، فأعادوا أباه مدرار بعد ~~خلعه، ثم سمع أهل سلجمانة إنه استدعى ابنه ابن الرستمية فيمن أطاعه من ~~درعة، فتوجهوا إلى مدرار وحصروه، ثم خلعوه أيضا وقدموا ابن بقية فولى ~~أمرهم. فلم يزل واليا عليها إلى أن مات سنة 263. وفي دولته مات أيوه مدرار. ~~ثم ولي أليسع بن ميمون بن مدرار بن اليسع بن سمغون بن مدلان المكناسي في ~~صفر سنة 270 وتلقب بالمنتصر على أسم جده وهو الذي سجن عبيد الله بسلجمانة ~~حين عرف عنه إنه قام بدعوته الشيعي. ثم زحف إليه الشيعي من أفريقية، وفر ~~أمامه، وخرج عبيد اله من سلجمانة من سجنه، واستولى على المملكة. ثم ظفر به ~~في سنة 296، فقتله، فكانت مدة اليسع ابن مدرار المذكور بسلجمانة سبعا ~~وعشرين سنة. وانقرضت دولة بني مدرار بسلجمانة وما والاها، فكانت مائة سنة ~~ونحو ستين سنة. فولي عليها الشيعي عامله فوثب عليه أهلها فقتلوه، فكانت ~~مدته بها خمسين يوما. PageV01P157 ### | ذكر وصول عبيد الله الشيعي إلى رقادة ونبذ من أخباره وما قيل في نسبه # وفيها وصل عبيد الله إلى مدينة رقادة، ومعه ابنه أبو القاسم، (جعفر بن ~~على الحاجب، وأبو الحسن الطيب بن إسماعيل المعروف. بالحاضن) ولقبه الفقهاء ~~ووجوه القيروان، فدعوا له وهنئوه وأظهروا (له) السرور بأيامه، وسألوه تجديد ~~الأمان لهم (أنتم آمنون في نفسكم أو ذراريكم!) ولم يذكر الأموال، فعاوده ~~بعضهم وسألوه التأمين لهم في الأموال، فأعرض عنهم) فخافه أهل العقل من ذلك ~~الوقت. ودخل مدينة رقادة (وعليه ثوب خز أدكن، وعمامة مثله، وتحته فرس ورد، ~~وأبو القاسم ابنه خلفه عليه ثوب خز خلوقي، وعمامة مثله وتحته فرس أشقر، ~~وأبو عبد الله إمام عبيد الله، وعليه ثوب توتي، وظهارة كتان، وعمامة، ~~ومنديل إسكندراني، وتحته فرس كميت وبيده سبنية يمسح بها العرق والغبار عن ~~وجهه، والناس حواليه بين يديه أقواط يسلمون عليه) في القصر المعروف بالصحن، ~~ونزل ابنه بقصر أبي الفتح وتسمى عبيد الله بالمهدي. # واختلف في نسبه فادعى هو إنه عبيد الله بن ms124 محمد بن إسماعيل بن جعفر ابن ~~علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم - وهو مذهب الحكم ~~المستنصر بالله الأموي، وقال سائر الناس إنه ابتسامة للطالبين دعوة باطلة، ~~وذكروا عن أبي القاسم بن طباطبا العلوي إنه قال: والله الذي لا أله إلا هو! ~~ما عبيد اله الشيعي منا، ولا بيننا مبينه نسب! وقال مقاتل: هو عبيد اله بن ~~محمد بن عبد الرحمن البصري. وقد فضح القاضي أبو بكر ابن الطيب الباقلاني ~~نسبه في (كتاب كشف الأسرار، وهتك الأسرار) وذكر PageV01P158 # أنهم قرامطة، وأن أبا عبد الله الشيعي أحدث لهم هذا المذهب، ونسبهم هذا ~~النسب. وحكي بعض المؤرخين أن جعفر بن علي كانت له جارية، فغشيها رجل من ~~القرامطة، وقيل من اليهود، دفعت له مالا، فكان يهواها وتهواه، وقتلت جعفرا ~~مولاها، فولدت جد عبيد الله هذا. فمن خفيت عليه هذه القصة قال إنه علوي، ~~ومن علمها علم دعوته وكذبه. والله اعلم! هكذا ذكر ابن القطان في نسبه. # ونقش في خاتمه: أفمن المهدي يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا ~~أن يهدي فما لكم كيف تحكمون! واستحجب أبا الفضل جعفر بن عبي وأبا أحمد جعفر ~~بن عبيد الله، وأبا الحسن طيب بن إسماعيل المعروف بالحاضن، وأبا سعيد عثمان ~~بن سعيد المعروف بمسلم السلجماسي. واستكتب أبا اليسر إبراهيم بن محمد ~~البغدادي الشيباني. وولي على بيت النال أبا جعفر الخزري وعلى ديوان الخراج ~~القاسم بن القديم وعلى السكة بكر الفيلسوف المعروف بابن القمودي وعلى ~~العطاء عبدون بن حباسة وعلى قضاء مدينة رقادة المصلح بن هارون الملوسي. ~~وأقر علي عمالة القيروان الحسن ابن أبي خنزير وعلى القضاء بها المروزي. ~~وأمر أن تقلع من المساجد والمواجل والقصور والقناطر أسماء الذين بنوها، ~~وكتب عليها اسمه. وأظهر عبيد الله التشيع القبيح وسب أصحاب النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وأزواجه حاشى علي بن أبي طالب، والمقداد بن الأسود، وعمار ~~بن ياسر وسلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري وزعم أن أصحاب النبي - رضي الله ~~عنهم - ارتدوا ms125 بعده غير هؤلاء الذين سميناهم ومنع المروزي الفقهاء، أن يفتي ~~أحدهم إلا بمذهب زعم إنه مذهب زعم إنه مذهب جعفر بن محمد منه سقوط الحنث ~~عمن طلق بالبته، وإحاطة البنات بالميراث، PageV01P159 # وأشياء كثيرة يطول ذكرها. ومدحت الشعراء عبيد الله بالكفر، فاستجازه. ~~وكان فيما مدح به شعر لمحمد البديل، كاتب أبي قضاعة، وفيه (بسيط) : # حل برقادة المسيح ... حل بها آدم ونوح # حل بها أحمد المصطفى ... حل بها الكبش والذبيح # حل بها الله ذو المعالي ... وكل شيء سواه ريح # - لعنه الله، وغضب عليه وأخزى القائل والقول فيه! - وكانت أيمان كتامة ~~أول دخول أفريقية: (وحق عالم الغيب والشهادة، مولانا المهدي الذي برقادة) ~~حتى كتب بعض أحداث القيروان هذين البيتين، وتلطفوا في وصولها إلى عبيد اله ~~من حيث لا يعلم، وهي (مجتث) : # الجور قد رضينا ... لا الكفر والحماقة! # يا مدعي الغيوب ... من كاتب البطاقة؟ # فاشتد عليه ذلك لما وصل ليه، وكشف سرا عن كاتب ذلك، فلم يقع له على خبر ~~فيها. خالف بلد كتامة بباب مع قبائل من البربر، واجتمع إليه عدد عظيم، فكتب ~~عبيد الله إلى أن تمسك بطاعته من كتامة، يأمرهم بمحاربتهم. فقتل أكثرهم، ~~وأخذ بباب أسيرا، وقرى كتاب الفتح بمدينة القيروان ورجعت قبيلة زناتة إلى ~~تيهرت، وحاصروا دواس بن صولات فيها فأخرج إليهم عبيد الله قائدا يعرف بشيخ ~~المشايخ فهزم زناتة، وقتل كثيرا منها. وفيها خرج أبو القاسم يوم الفطر إلى ~~المصلى بمدينة رقادة وصلى بالناس وخطبهم وخرج مع أبو عبد الله الشيعي ~~وجماعة قواد كتامة وهو أول عيد صلى فيه بأفريقية، وقرى بذلك كتاب عبيد الله ~~على منبر القيروان وأعمالها. # وفيها خرج أبو عبيد الله الشيعي، مع جماعة من قواد كتامة ودعاتهم إلى أرض ~~المغرب، ولنا ظهر فيه من الالتياث، وفساد الطرق، وقيام القبائل على عمالهم، ~~فافتتح المدن، وقتل وسبى. ووردت له كتب كثيرة بالفتوح، PageV01P160 # فقرأت بأفريقية. وفيها مات جبلة بن حمود بن جبلة الصدفي مولى الإمام ~~عثمان بن عفان - رضي الله عنه - وكان فقيها زاهدا، من رجال سحنون وممن ms126 نبذ ~~الدنيا وتركها، وكان أبوه من خدمة السلطان وأهل الأموال، فنابذه في حياته، ~~ثم تبرأ من تركته بعد وفاته، وكانت تركته نحو ثمانين مثقال. وفيها مات ~~دعامة ابن محمد الفقيه، وكان من رسحنون، وونلي القضاء بصقلية في أيام بني ~~الأغلب التميمي، وعبد الله بن أبي المنهال. وفيها صلى أبو القاسم يوم ~~الأضحى بالناس، وخطب وقرى بذلك كتاب عبيد الله بالقيروان. وفيها مات محمد ~~بن خالد القيسي المعروف بابن الطرزي وكان من رجال سحنون، ومات أبو السميدع ~~المؤدب النحوي. وفيها قتل في مدينة رقادة أحمد بن يحيى بن طيب المتطبب ~~الفقيه بقول أهل العراق. # وفي هذه السنة وصل أبو عبد الله الشيعي إلى مدينة (تنس) ونزل بالموضع ~~المعروف (بالجوزا) وذلك يوم الجمعة لثلاث بقين من ذي الحجة. فجمع إلى نفسه ~~وجوه كتامة وتكلم معهم في أمر عبيد الله وعمل معهم على خلعه وقال لهم: إن ~~أفعاله قبيحة، ليست تشبه أفعال المهدي الذي كتب أدعو إليه. وأخشى أن أكون ~~قد غلطت فيه وعرض لي ما عرض لإبراهيم الخليل - عم - إذ جن عليه الليل، فرأى ~~كوكبا، فقال (هذا ربي) ويجب علي وعليكم امتحانه وكشفه عن العلامات الموجودة ~~في الإمام المعروفة عند النقباء. وزعم لهم بأن الرواية أتت أن بين كتفي ~~المهدي مكتوبا: المهدي رسول الله، كما بين كتفي نبي الله - صلى الله عليه ~~وسلم - خاتم النبوة. وأن المهدي يأتي بالآيات البينات، ويطبع بخاتمه ~~بالجندل. فعقد مع جماعة PageV01P161 # كتامة على امتحانه إذا انصرفوا (نحوه) إلى رقادة، ودخل معه في هذا العقد ~~عربة بن يوسف (وتعاهدوا على ذلك) . # وفي سنة 298، تجول أبو عبد الله الشيعي في بلاد البربر وحارب صدينة ~~وزناتة. وقتل الرجال، وأخذ الأموال وسبى الذرية وأحرق بعض المدن بالنار، ~~وكتب بالفتوحات إلى عبيد الله، فقرأت كتبه على الناس. ثم قفل أبو عبد الله ~~إلى مدينة رقادة، بعد أن تجول بالغرب شهورا كثيرة، فلنا توصل أبو عبد اله ~~إلى مدينة رقادة أخبر عروبة بن يوسف عبيد الله الشيعي بما كان من أبي عبد ~~الله ms127 في جانبه وقت وصوله إلى مدينة تنس وما عمل عليه مع جماعة كتامة من ~~خلعه، فالتزم عبيد الله الاحتراس منه في سر أمره، وفيها ولي أبو جعفر ~~البغدادي ديوان الكشف، مشتركا مع عمران بن أبي خالد بن أبي سلام. وفيها مات ~~من الفقهاء المدنيين من أصحاب سحنون، يحيى بن عون بن يوسف وعبد الله بن ~~الوليد المعروف بابن الصدفي، وكان فقيها من أهل الانقباض والخير. وفيها مات ~~أبو اليسر إبراهيم بن محمد الشيباني البغدادي المعروف بالرياضي، يوم الأحد ~~لأربع عشر ة ليلة بقيت من جمادى الأولى، ودفن باب سالم، وكان ظريفا، أديبا، ~~مرسلا، شاعرا، حسن التأليف، وقدم الأندلس على الإمام محمد بن عبد الرحمن. ~~رحمه الله، بكتاب اخترقه إليه على ألسنة أهل الشام فتقبله الإمام محمد ~~وأنزله ووسع عليه ووصله، واطلع على أن الكتاب مخترق مصنوع، فلما أراد أبو ~~اليسر الانصراف، دفع إليه كتاب مختوم جوابا عن كتاب أهل الشام فيما رأى. ~~فلما جاز البحر فك أبو اليسر الكتاب ليقرأه، فإذا هو بياض ليس فيه إلا (بسم PageV01P162 # الله الرحمن الرحيم) فعلم إنه تمويه لن يجز وأن الذي أعطى وحبى عن تكرم ~~وفضل وعلم في عينه ملوك الأندلس ورجاله، وحدث بما عرض له، وعجب الناس منه ~~وكتب أبو اليسر لبني الأغلب حتى انصرمت أيامهم ثم كتب لعبيد اله حتى مات. ~~وله مؤلفات حسان في فنون من العلم، ومسند في الحديث وكتاب في قرآن سماه ~~(سراج الهدى) وله (كتاب لقيط المرجان) ورسالة (الوحيدة المؤنسة) و (قطب ~~الأدب) وغير ذلك من الأوضاع. وفيها استكتب عبيد الله أبا جعفر محمد بن أحمد ~~بن هارون البغدادي، بعد أبي اليسر وقربه وأدناه، واستعان به على أمر أبي ~~عبد الله وأبي العباس وجماعة كتامة، فكان منه في ذلك رأي جميل ونفع عظيم. ~~وكان أبو جعفر ذا دهاء وفهم حسن ودخل الأندلس في أيام الأمام عبد الله - ~~رحمه الله - فصحب الناس وجالس أهل الأدب وكان بعد ذلك يحافظ من جاز به ~~قاصدا إلى الحج من خلطائه بقرطبة ويكرمهم. ms128 # وفيها خالفت هوارة بطرابلس وقدموا على أنفسهم أبا هارون الهواري، وزحف ~~أيضا جماعة من زناتة ولماية وغيرهم من القبائل إلى مدينة طرابلس محاصرين ~~لأهلها. فأخرج إليهم عبيد اله الشيعي أبا زاك تمام بن معارك الأجاني، وكان ~~يذهب مذهب أبي عبد اله في الغدر بعبيد الله والخلع له. فأراد أن يبعده لما ~~كان يحاوله عبيد الله من قتل عبد الله وجيش مع أبي زاك جيشا عظيما، فحاربهم ~~أبو زاك حتى هزمهم وفرق جموعهم وقتل كثيرا منهم وبعث بؤس كثيرة وآذان مقرطة ~~لمن قتل فنصبت برقادة. PageV01P163 ### | ذكر قتل عبيد الله الشيعي لأبي عبد الله الشيعي وأبي زاك # وذلك أن عبيد الله كتب إلى (ماقنون بن دبارة الأجاني) عامله بطرابلس ~~يأمره بقتل أبي زاك تمام بن معارك الأجاني على بنية بناها ونية نواها في ~~قتله وقتل أبي عبد الله الشيعي بعده فبعث عامل طرابلس في أبي زاك! وكان ~~عمه، ثم عرض عليه كتاب عبيد الله إليه يأمره يقتله. فلما قرأه أبو زاك قال ~~له: يا عم نفذ ما أمرت به! فقدمه فصرب عنقه، وكتب إلى عبيد الله بخبر قتله ~~مع حمام وصل إلى رقادة من ساعته، وذلك يوم الثلاثاء، غرة ذي الحجة سنة 298. ~~فلما وصل الخبر إلى عبيد الله الشيعي، أمر عروبة ابن يوسف الملوسي وجبر بن ~~مناسب الميلي أن يكمنا خلف قصر الصحن، فإذا مر بهما أبو عبد الله الشيعي ~~وأخوه أبو العباس طعنوهما بالرماح حتى يموتا. فكمنا لهما هناك مع جماعة من ~~كتامة. وبعث عبيد الله في أبي عبد الله وأبي العباس ليحضرا طعاما على جاري ~~عادتهما معه. فلما مرا بالموضع الذي فيه الكمين، خرج عليهما فصاح أبو عبد ~~الله بعروبة: لا تفعل يا ولدي! فقال له: أمرني بقتلك من أمرت الناس بطاعته ~~(وانخلعت له من الملك بعد توطئته ثم طعمه بيده طعنة واحدة خر منها صريعا، ~~ووقعت في أبي العباس تسع عشرة طعنة، وذلك يوم الثلاثاء وقت الزوال، مستهل ~~ذي الحجة. ومكثا صريعين (على صف الحفير المعروف بالبحر) إلى بعد ms129 الظهر، ثم ~~أمر عبيد الله بدفنهما، فدفنا في الجنان، وقال: رحمك الله أبا عبد الله، ~~وجازاك في الآخرة (بقديم سعيك) ! ولا رحمك الله أبا العباس، إنك صددته عن ~~السبيل وأوردته موارد الهلاك! ثم قرأ: " ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له ~~شيطانا فهو له قرين، وأنهم ليصدونهم عن السبيل PageV01P164 # ويحسبون أنهم مهتدون "! وكتب إلى الشيعة بالمشرق في أمرهما: أما بعد فقد ~~علمتم محل أبي عبد الله وأبي العباس من السلام. فاستنزلهما الشيطان ~~فطهرتهما بالسيف والسلام! وحدث الثقة أن أبا عبد الله نلام في حضرة أحابه ~~وعنده جماعة من دعاة كتامة فتحرك في نومه فانكشفت سوئته، فنظر بعضهم إلى ~~بعض، ولم يقدموا أن يستروه. فمد عروبة بن يوسف يده إلى الملحفة التي كانت ~~عليه فستره بها وانتبه أبو عبد الله فقال: من سترني إذا انكشفت؟ فقال له ~~عروبة: هو والله قاتلي! فجعل عروبة يبكي بين يديه ويقول له: يا سيدي مر ~~بقتلي! فقال له: لا سبيل إلى ذلك! لكنك والله قاتلي! فكان الأمر كما كان ~~ذكره. # واحتجب عبيد الله عن كتامة أياما كثيرة، ثم أمنهم وأدخلهم على نفسه ~~مفترقين على حذر منهم ثم عمل على جماعة منهم، فقتلهم بأصناف من القتل. ~~وفيها خرج سي بن دوقان ورجاء بن أبي قنة، إلى لواتة في عسكر ضخم. فقتلوهم، ~~وغنموا أموالهم وسبوا ذرياتهم (وقرى بذلك كتاب عبيد الله بالقيروان ~~وأعمالها، وفي سنة 299، أخرج عبيد الله إلى المغرب جماعة من قواده لمحاربة ~~زناتة في عساكر عظيمة، فكانت بينهم وبين زناتة وقعة عظيمة بموضع يعرف بفلك ~~مديك، قتل فيها من زناتة عدد لا يحصى. وفيها فتحت مدينة تبهرت، وكان أهلها ~~قد ثاروا على دواس عاملها وأرادوا قتله فهرب منها إلى تبهرت القديمة وتحصن ~~بها. وقتل فيها أكثر أصحابه، وكانوا في نحو ألف فارس. واستدعوا محمد بن خزر ~~فقدم عليهم وأدخلوه البلد، وولوه، وبرزوا PageV01P165 # إليه بأم دواس وعياله وأكثر سلاحه ثم خذلوه وخذلهم، فزال عنهم وانصرف إلى ~~موضعه. ثم أخرج عبيد الله العساكر إلى تبهرت في أعداد ms130 عظيمة وخلق لا يحصى ~~كثرة فنزلت عليها يوم الجمعة لانسلاخ المحرم، وحروب أهلها ثلاثة أيام. ثم ~~أخذوا بالكيد ودخلت العساكر تبهرت يوم الثلاثاء لأربع خلون من صفر فقتلوا ~~الرجال وسبوا النساء والذرية وانتهبوا الأموال، وحرقوا المدينة بالنار. ~~وبلغ عدد القتلى بها ثمانية آلاف رجل. ثم ولى عبيد الله تبهرت مصالة بن ~~حبوس بن منازل بن بهلول المكناسي. وانصرف دواس ابن صولات إلى مدينة رقادة. ~~وقتله عبيد الله بعد ذلك. # وفيها كانت بالقيروان زلازل وهدات، وخسف بقرية في الساحل تعرف بالباس. ~~وفيها كانت واقعة كتامة بالقيروان يوم الثلاثاء لعشر بقين من شعبان فقتل ~~منهم في الأزقة والأسواق أكثر من ألف رجل، وذلك أن كتامة كانوا يسألون عبيد ~~الله أن يطلق أيديهم على نهب القيروان وكان يسوفهم في ذلك، ويعلق أطماعهم ~~به، وهم يتحاملون علة أهل القيروان بالتطاول والأذى حتى شرق الناس بهم، ~~فقاموا عليهم في بعض الأيام بسبب استطالة رجل من جند كتامة على رجا من تجار ~~أهل القيروان. فلما دافعوه عنه، شهروا عليهم السلاح وأرادوا نب الحوانيت. ~~فصاح أهل الأسواق (النفير، النفير) فقتل من كتامة أكثر من ألف رجل. وركب ~~احمد بن أبي خنزير صاحب مدينة القيروان، فسكن الناس، وأمر بتغييب القتلى، ~~فطرحوا في المراحيض. ولحق من كان حوالي رقادة من كتامة ببلادهم. فلما حصلوا ~~بها، أظهروا الخلاف على عبيد الله. وقدموا على أنفسهم حدثا يعرف بالمارطي ~~واسمه كادوا بن معارك وجعلوه قبلة يصلون إليه وزعموا انه المهدي المنتظر، ~~وكتبوا كتابا فيه شريعة زعموا أنها نزلت عليه. فتغلب على جميع PageV01P166 # الزاب، وقوى أمره، واشتدت شوكته. فأخرج إليه عبيد الله قوادا حاربوهم ~~وهرب إليهم أحد القواد وهو صولات بن جندة في نحو مائتي رجل، ثم أخرج عبيد ~~الله أبنه أبا القاسم إلى بلد كتامة لمحاربة المارطي ففصل من رقادة من يوم ~~السبت لخمس بقين من شهر رمضان. فافتح مدينة القسطنطينية من أرض كتامة ~~وغيرها ز وكانت له على المارطي وقائع. وهرب من قواد أبي القاسم إلى المارطي ~~رجال، ثم أمنهم أبي ms131 القاسم ولاطفهم حتى انصرفوا إليه. # وفيها قتل بالقيروان قوما اتهموا بالميل مع أبي عبد الله الشيعي، إذ نوى ~~الغدر بعبيد الله، ومنهم محمد ابن أبي سعيد الميلي صاحب السوق، وعبد الله ~~ابن محمد المعروف بابن القديم، ومحمد ابن أبي رحال الباغائي، وأبو الوهب بن ~~عمرو بن زرارة العبدري، وجماعة من بني الغلب وقوادهم. وقتل أبو إبراهيم ~~المعروف بابن البجاري القرشي الفهري، وهو القائم على إبراهيم بن أحمد بنم ~~الأغلب مع أهل تونس. وفيها ولد أبو الطاهر إسماعيل بن أبي القاسم بن عبيد ~~الله الشيعي وولي أفريقية سبع سنين. وفيها مات زيادة الله بن عبد الله بن ~~إبراهيم بن أحمد بن الأغلب الهارب من أفريقية إلى مصر ودفن ببيت المقدس، ~~(وكان لما فر عن القيروان بعياله وماله وألف سقلبي ترك جارية فغنت له محركة ~~على حمل نفسها (منسرح) # لم انس يوم الوداع موقفها ... وجفنها في دمعها غرق # وقولها والركاب واقفة ... تتركني سيدي وتنطلقوا # قال المظفري فحط حمل مال، وحملها في مكانها. وقال عريب فدمعت عيناه، ~~واشتغل عنها نما هو فيه، فتركها. ووصل إلى مصر فبقية عن عيسى النوسري ~~صاحبها ثمانية أيام، ورحل إلى الرقة، فمنع الدخول إلى بغداد وأمر بالانصراف ~~إلى مصر فسمه بعض عبيده فمات. PageV01P167 # وفيها، مات من الفقراء المدنيين، وأهل العلم باللغة والنحو وفصاحة ~~اللسان، عبد الله بن محمد التميمي المعروف بالبيدى، وهو من ولد عباد بن ~~كثير ما ابن سبع وثمانين سنة. # وفي سنة 300، خالف أهل مدينة طرابلس على عبيد الله الشيعي، إذ كان قد ~~استعمل عليهم ماقنون بن دبارة الأجاني؛ فبسط أيدي بني عمه من كتامة على ~~الناس، وتطاولوا إلى الحرم، فتحرك السواد، ومدوا أيديهم إلى من لقوا من ~~كتامة، فقتلوهم، وهرب ماقنون. وأغلق أهل طرابلس أبواب المدينة، وقتلوا من ~~كان داخلها من كتامة، وقدموا على أنفسهم حمد بن إسحاق، المعروف بابن ~~القرلين، ولحق ماقنون بعبيد الله. فأخرج إليهم جيشا، وحاربهم شهورا. وفيها، ~~قفل أبو قاسم الشيعي (من بلد كتامة) إلى رقداة، ومعه المارطي الثائر ~~وأصحابه أسرى ms132 فطوفوا بالقيروان على الجمال، وعليهم القلانس الطوال المشمرة ~~بالقرون والمصافع، فقتلوا بمدينة رقادة. وفيها، خالفت جزيرة صقلية، وثاروا ~~بالحسن وعلى أبني أحمد بن محمد بن أبي الخنزير العاملين عليها، وطاردوهما، ~~وانتهبوا دورهما. وأرادوا أهل صقلية أن يقدموا على أنفسهم أحمد بن زيادة ~~الله بن قرهب، فامتنع عليهم، وهرب منهم وتوارى عنهم في غارة، فاجتمع وجوه ~~أهل البلدة عليه، وأوثقوه من أنفسهم أنهم لا يخذلونه. فتولى أمرهم، وكتب ~~إلى المقتدر ببغداد بأن يكون داعيا له، وقائما بأمره بجزيرة صقلية، فأنفذ ~~المقتدر ذلك له، وبعث إليه بألوية سود، وخلع سود، وطوق ذهب، ووصل ذلك إلى ~~أحمد بن زيادة الله بن قرهب، فسر به، وأظهر الحزم والجد في أمره. # وفيها، خرج أبو القاسم بن عبيد الله لمحاربة طرابلس وفصل من PageV01P168 # رقادة يوم الأحد لليلتين خلتا من جمادى الأولى. ووجه إليها عبيد الله في ~~البحر خمسة عشر مركبا حربية. فلما وصلت إلى طرابلس أخرجوا إليها مراكبهم ~~فحرقوا الأسطول، وقيلوا من فيه. وسار أبو القاسم في البر نحو طرابلس فأوقع ~~بأهل هوارة، ثم نزل على طرابلس فحاربها وحاصرها حتى أكلوا الميتة فرغبوا ~~إلى أبو القاسم في الأمان، فأمنهم إلى ثلاثة أنفس اشترط التحكم فيهم: وهم ~~محمد بن إسحاق القرشي ومحمد بن نصر ورجل يعرف بالحوحة. فدخل طرابلس وتحكم ~~فيها. ثم قفل بالعسكر إلى رقادة وبين يديه الثلاثة الذين تقدم ذكرهم، ~~فطوفوا بالقيروان على الجمال بالقلانس، ثم قتلوا. # وفيها، قتل أبو القاسم في مدينة طرابلس عند افتتاحه لها، من كان معه من ~~بني الأغلب وقوادهم. # وفيها، خرج عبيد الله من مدينة رقادة إلى تونس وقرطاجنة ونواحي البحر، ~~يرتاد موضعا يتخذه دار مملكته. فوقع اختياره على جزيرة جمة فابتدأ ببنائها، ~~وهي التي تسمى بالهدية. # وفيها، ولي أبو جعفر محمد بن أحمد بن هارون البغدادي ديوان البريد فلم ~~يزل يتولى ذلك إلى أن هلك. وفيها، قتل بالقيروان محمد بن أبي أيوب المعروف ~~بأبي العاهة وكان ممن رفع عليه أنه يحاول القيام على عبيد الله فأختفى، ~~وهدمت بسببه دور، ms133 ثم خرج بنصيحة أظهرها لعبيد الله في أهل القيروان فغفل ~~عنه أيام، ثن قتله. وفيها، قتل من التجار أبناء الأندلسيين بالقيروان أبو ~~جعفر بن خيرون صاحب المسجد الشريف والفنادق المجاورة للسجن بسعي، كان ~~القاضي المروذي عليه وشهادة شهد بها أن قبله وديعة كبيرة فطولب بها وعذب ~~حتى مات PageV01P169 # وفي سنة 301 أخرج عبيد الله الشيعي حباسة ابن يوسف بالجيوش إلى المشرق؛ ~~فدخل مدينة سرت بالأمان، وهرب من كان فيها من جند بني العباس، وقرى بذلك ~~كتاب في الجوامع بأفريقية. ودخل حباسة مدينة أجدابية بالأمان أيضا، وهرب من ~~كان فيها لبني العباس. ودخل مدينة برقة. وكان عبيد الله يمد حباسة بن يوسف ~~بالجيوش، فكلما دخل مدينة قتل أهلها، وأخذ أموالهم، وعاث فيهم، وتعلل على ~~أهل العافية منهم، حتى لقد أخذ ببرقة جماعة كانوا يلعبون بالحمام؛ فأضرم ~~لهم النار وأجلسهم حواليها، وأمرهم أن تقطع لحومهم وتشوى، ثم يطعمونها؛ ~~وقذفهم بعد ذلك في النار، وقال: (إن هذه الحمام تأتيهم بالأخبار من قبل بني ~~العباس!) وبرح ببرقة: (من أراد العطاء والرزق الواسع فليأتي!) فأكتب عنده ~~جماعة، وأمر العرفاء من كتامة بأن يعرفوا بأعينهم، ويرقب كل واحد منهم رجلا ~~من أولئك المكتتبين عنده، ثم أمرهم أن يحضروا بالغداة لأخذ الأرزاق، فلما ~~حضروا، قتل جميعهم، وكانوا نحو من ألف رجل، فأمر بجمع جثثهم، ووضع عليها ~~كرسيا، وجلي فوقهم، ثم أدخل وجوه أهل البلد، فنظروا إلى ما هالهم من كثرة ~~القتلى، ومات منهم ثلاث من الخوف والرعب، فلما مثل أهل البلد بين يديه، ~~سبهم، وقال: (أن لم تحضروني غدا مائة ألف مثقال، قتلتكم أجمعين) فأحضروه ~~إياها. ووردت على حباسة عساكر عظيمة من مصر لمحاربتهم؛ فدارت بينهم حرب ~~عظيمة، كانت فيها ردعات على حباسة، ثم انهزمت جيوش مصر، وأتبعهم حباسة، ~~وقتل كثير منهم. # وفيها، قتل حباسة بن يوسف حارثا ونزارا أبني حمال المزتاني، في نفر من ~~أبنائهم وبني عمهم، بمدينة برقة،، وباع نسائهم، وأخذ جميع أموالهم، إذ كان ~~عبيد الله الشيعي قد خطر بهم في حين قدومه من ms134 مصر؛ فأدعى أنهم سرقوا له حمل ~~مال ومتاع. فلما طلب ذلك عندهم، قام إليه رجل منهم، فشمته ولطمه؛ PageV01P170 # فكان ذلك سبب قتل حباسة لهم، على ما أمره به عبيد الله وحده له. ثم أن هل ~~برقة كتبوا إلى عبيد الله بما دار عليهم من حباسة، وقتله رجالهم، وسبائه ~~نسائهم، وأخذ أموالهم، فجاوبهم يعتذر إليهم، ويحلف أنه ما أمر بشيء مما ~~ذكروه إلا في النفر الثلاث. وكتب إلى حباسة، يأمره بالرحيل عنهم. فتوجه ~~بالعساكر نحو مصر. فنزل بجبل مقة، وحارب الحصون التي تجاوره حتى أخذها، ~~وقتل أهلها، وأخذ أموالهم وسبى ذراريهم. ### | خروج أبا القاسم الشيعي لمحاربة مصر # وفيها، خرج أبو القاسم بن عبيد الله من مدينة رقادة، غازيا إلى مصر في ~~حشود عظيمة، وفيها، أحرق محمد بن أحمد بن زيادة الله بن قرهب أسطول عبيد ~~الله الشيعي بمرسى لبطة، وقتل قائده الحسن بن أحمد بن أبي خنزير: قتله محمد ~~بن قرهب ذبحا بيده، وقطع يديه ورجليه، وأسر من أصحابه نحو ست مائة رجل، ~~وأحرق جميع الأسطول. وبلغ عبيد الله ذلك، فبعث جيشا للمدافعة عن الأسطول، ~~إذ ظن أنه لم يحرق. فخرج أصحاب بن قرهب إليهم، وقاتلهم حتى هزموهم، وغنموا ~~ما كان في العسكر. وفيها مات بالقيروان أبو بكر محمد بن عمر بن محمد بن ~~الحسن البصري القرشي وفيها مات بقصر الطوب وهو موضع رباط بجانب سوسة، أبو ~~يونس الزاهد، ونفر أهل القيروان لشهود جنازته # وفي سنة 302، دخل أبو القاسم بن عبيد الله الشيعي مدينة الإسكندرية ومعه ~~حباسة القائد فألفاها خالية، وقد هرب أهلها في البحر بما خف من أموالهم PageV01P171 # وأسلموا سائر أثقالهم. فاحتوى أبو القاسم وحباسة على جميع ذلك ووصل أبو ~~القاسم إلى الفيوم، فعسكر بها حتى قدم قائد الخليفة مؤنس الفتى من العراق ~~لمحاربته. ثم أن حباسة بن يوسف هرب من مصر إلى أرض المغرب، وكان سبب هربه ~~أن أبا القاسم مبعث إليه من الفيوم أبا فريدن القائد، وأمره أن يستخلفه على ~~الجيوش ويلحق حبالسة به في الفيوم، فأغضبه ذلك، ms135 وقال: لما أشرفت على أخذ ~~البلد، يفوز أبو فريدن بخيره وذكره. فركب حباسة في نحو ثلاثين فارسا من بني ~~عمه، وخرج هاربا إلى جهة المغرب. فكتب أبو القاسم إلى عمال الطريق بخبره ~~وأمرهم بارتصاده وأخذه أن مر بهم. وكتب إلى أبيه عبيد الله بذلك. ونزل مؤنس ~~الفتى مصر يوم الاثنين للنصف من شهر رمضان فرحل أبو القاسم من الفيوم ~~منصرفا إلى أفريقيا بما خف من الأموال والكسي والسلاح. فضربت جيوش مصر في ~~ساقته، فأخذت مضاربه وسلاحا كثيرة وأثاثا. ووصل حباسة إلى حوز برقة، ثم إلى ~~نفزاوة، فعثر عليه وعلى أصحابه فهرب أصحابه. وأخذ حباسة، وقيد، وحمل إلى ~~عبيد الله فحبسه وحبس جميع أهله. وفيها حاول عروبة الهرب من تبهرت، إذ بلغه ~~خبر حباسة وهربه، وقيل أن حباسة كاتبه وإنه كاتبه يرجو اللحاق به والاعتصام ~~بكونه معه. فلما أخذ حباسة، نفر عروبة وخاف فهرب بماله. فظفر به بجبل ~~أوراس، فقتل، وبعث برأسه إلى عبيد الله، فنظر إليها وإلى رأسي حباسة ~~وعروبة، فقال: (ما أعجب أمور الدنيا! هذه الرؤوس ضاق بها المشرق والمغرب، ~~وحملتها هذه القفة!) وأمر بطرحها بجامع الإسكندرية سرا. # وفي هذه السنة، مات سعيد بن محمد بن صبيح الغساني الفقيه، وكان قد صحب ~~سحنون بن سعيد وحمل عنه علمه. وفيها، خالفت مدينة برقة وكان أبو PageV01P172 # القاسم، لما مر بهم في انصرافه من مصر وقد هنئوه بسلامة، فزعم لهم إنه ~~إنما كان طلب حباسة ليعاقبه على فعله بهم، وأمرهم بنيان ثلم مدينتهم، ~~واستخلف عليهم رجالا من كتامة. فلما ولى عنهم أبا القاسم، وعلموا الحال ~~التي انصرف عليها من مصر بدر الغوغاء إلى من كان خلف عندهم من كتامة، ~~فقتلوهم ووصل أبو القاسم إلى مدينة رقادة من صرفه عن الفيوم يوم الأحد لعشر ~~خلون من ذي القعدة. # وفي سنة 303 مات زيادة الله بن عبد الله بن إبراهين بن الأغلب بالرملة، ~~وترك من المال، في ما ذكر منن كان بحضرته، ألف مثقال من ضرب سكته. وكان ~~بأفريقية وما والها في هذا العام ms136 وباء كثير، فمات بها من قريش القيروان أبو ~~المصعب بن زرارة العبدري. ومات حماس القاضب ابن مروان بن سماك الهمداني، ~~وكان فقيها زاهدا ورعا. ومات محمد بن عبادة السوسي. وما ت خلف بن معمر بم ~~منصور من الفقهاء العراقيين وكان يروى عن أبيه عن أسد بن الفرات، وكان قد ~~تشرق أول دخول الشيعة أفريقية ليعتصم بذلك من مطالبت الشيعة لولده بمال كان ~~غمس يديه فيه عند هرب زيادة الله من رقادة، وكان والده معمر بن منصور قد ~~سمع من ابن فروخ، ومن أسد ابن الفرات، وكان أصح أصحابه سماعا عنه وكان معمر ~~يقول بتحليل المسكر ما لم يسكر منه. وفيها مات القاضي المروذي، وهو محمد بن ~~عمر في العذاب برقادة، ودفن بباب سالم ليلا، وطولب أهل القيروان بماله، ~~فامتحن بذلك جماعة من وجوه أهل القيروان وفضلائهم وتجارهم. # وفيها، أخرج عبيد الله الجيوش إلى مدينة برقة مع أبي مدين بن فروخ ~~اللهيطي. وفيها، ولي عبيد الله (فأفريقية الخراج) أبا معمر عمران بن أحمد ~~ابن عبد الله بن أبي محرز القاضي، فتولى بوظيفة التقسيط على ضياع أفريقية ~~بعد أن وزع جميعها ونظر إلى أوفر مال ارتفع من العشور في سنة وأقله ثم جمع ~~المالين ووظف الشطر على كل ضيعة. PageV01P173 # وفيها اضطرب أمر جزيرة صقلية على ابن قرهب، وأجمع بعضهم على خلعه وكاتبوا ~~عبيد الله في أمره، فداراهم ابن قلاهب وذكرهم بأيمانهم له، فلم يلين ذلك ~~حتى صارت بسببه فتنة بصقلية طائفة كانت معه وطائفة كانت عليه. فأراد ابن ~~قرهب جواز البحر إلى الأندلس واكترى مراكب، وشحن فيها متاعا كثيرا فحال أهل ~~صقلية بينه وبين ما أراد، وانتهبوا ما كان له في تلك المراكب، وأسروا ابن ~~قرهب وأبنه وقاضيه المعروف بابن الخامي وقيدوا أجمعين، وبعثوا إلى عبيد ~~الله. وكتب أهل جزيرة صقلية أن يوجه إليهم عاملا وقاضيا وإنهم لا يحتاجون ~~إلى رجال ولا مدد واشترطوا في كتابهم إليه اشتراطا أغضه عليهم، وأغراه بهم، ~~وحرك منهم لمحاصرتهم على ما سيأتي ذكره أن شاء الله ms137 تعالى. # وفي سنة 304 في المحرم منها وصل، وصل ابن قرهب وأصحابه إلى مدينة سوسة ~~مصفدين في الحديد. وكان عبيد الله الشيعي بها. فأوصل ابن قرهب إلى نفسه ~~وقال له: (ما حملك على الخلاف علينا وجحد حقنا؟) فقال له: (أهل صقلية ~~ولوني، وأنا كاره، وخلعوني وأنا كاره!) فأنصرف عبيد الله بهم إلى رقادة ~~وأمر بابن قرهب وأصحابه، فضربوا بالسياط وقطعت أيديهم وأرجلهم على قبر ~~الحسن بن أبي خنزير بباب سالم وصلبوا هناك. وفي شهر ربيع الأول من هذه ~~السنة، كمل سور المهدية ونصبت أبوابها. وفيها، أخرج عبيد الله الجيوش ~~والأساطيل إلى صقلية وقد عليهم أبا سعيد المعروف بالضيف. فحاصرهم شهورا، ~~وقتل منهم جملا، وأجال كتامة على من ألفا في أرباض المدينة من النساء ~~والذرية، فعبث بهم وافترع الجواري الأبكار. وكتب أبو سعيد الضيف إلى عبيد ~~الله بالفتح فيهم، فأمده بمراكب ورجال كثيرة. فلما رأى ذلك أهل صقلية، ~~رغبوا إليه في الأمان على أن يدفعوا عليهم من كان شايع ميما أحدثوه. ~~فأمنهم، وهدم سور المدينة وأخذ سلاحهم وخيلهم ورقيقهم، وفرض عليهم مغرما، ~~وبعث بمن أخذ منهم إلى عبيد الله في مراكب PageV01P174 # فانكفأ بهم في البحر. وولي أبو سعيد الضيف على جزيرة صقلية سال بن أبي ~~راشد، وأبقى معه جماعة من كتامة وانصرف إلى القيروان. # وفي هذه السنة فتحت مدينة برقة على يد أبي مدين الموجه إليهم بعد أن أفنت ~~الحرب أكثر ألها مدت ثمانية عشر شهرا، وحوصروا فيها، وأحرق قوم منهم ~~بالنار، واستصفى أبو مدين أموالهم، وبعث جماعة منهم إلى عبيد الله، فأمر ~~بقتلهم. وفيها، مات محمد بن اسود بن شعيب القاضي الصديني. وفيها مات ميمون ~~بن عمر الفقيه، ومحمد بن أحمد الصدفي الزاهد. وفيها خرج مصالة ابن حبوس من ~~تبهرت لمحاربة سعيد بن صالح بن سعيد بن إدريس، صاحب نكور، فدارت بينهم حروب ~~كثرة. # وفي سنة 305 أفتتح مصالة بن حبوس، قائد عبيد الله الشيعي مدينة نكور، ~~وقتل بها سعيد بن صالح رئيسها، وذلك يوم الخميس لثلاث خلون من محرم. ms138 وانتهب ~~مصالح مدينة نكور وسبى النساء والذرية، ثم أنصرف إلى تبهرت، وكتب بالفتح ~~إلى عبيد الله وبعث إليه سعيد بن صالح ورؤوس أصحابه، فطوفت بالقيروان. ثم ~~أن بين صالح خرجوا فارين بأنفسهم إلى الأندلس معتصمين بما تناهى إليهم من ~~فضل أمير المؤمنين الناصر وحن مذهبه في كل نازع إليه ومعتصم به، فنزلوا ~~مرسى مالقة، وعهد بإنزالهم والتوسع عليهم، وبعث إليهم بضروب الكسوة وكل ما ~~احتاجوا إليه من المرافق وخيروا في القدوم إلى قرار السلطان أو المقام في ~~ذلك المكان، فاختاروا المقام على بره وحبائه. وكان مصالة قد أستخلف على ~~نكور رجلا يقال له ذلول، وانصرف إلى تبهرت، فافترق عن ذلول من كان معه وبقي ~~في فل من المشارفة. فقصده صالح بن سعيد بن صالح من مرسى مالقة، فقتله، وقتل ~~أصحابه ولزم نكور، وهادي أمير المؤمنين بالخيل والجمال. PageV01P175 ### | تلخيص أخبار أمراء مدينة نكور من حين بنائها على الجملة إلى هذه السنة المؤرخة # وذلك أن صالح بن منصور، المعروف بالعبد الصالح، كان دخل أرض المغرب في ~~الافتتاح الأول زمن الوليد بن فيد الملك، فنزل في بني تمسمامان وعلى يديه ~~أسلم بربرها، وهم صنهاجة وغمارة. ثم ارتد أكثرهم لما ثقلت عليهم شرائع ~~الإسلام، وقدموا على أنفسهم رجلا يسمى داود ويعرف بالمزيدي وكان من نفزة ~~وأخرجوا صالحا من بينهم. ثم أفاء الله بالإسلام عليهم، وتابوا من شركهم، ~~وقتلوا داود المزيدي، وردوا صالحا. فبقى ذلك إلى ا، مات بتسمامان، وكان له ~~من الولد ثلاثة: المعنصم، وأدريس: أمه صنهاجية وعبد الصمد، فولوا المعتصم، ~~ومكث فيهم يسيرا، ومات. فولوا على أنفسهم إدريس. ثم مات. وولى سعيد ابن ~~إدريس، وهو الذي بنى مدينة نكور. ومنها إلى مدينة زواغة، التي كانت للحسن ~~بن أبي العيش، مسيرة خمسة أيام. وكان لها أربعة أبواب: منها أبواب سليمان، ~~وباب بني ورياغل، وباب المصلى وباب اليهود. وبها جامع كبير. وأكثر خشبهم ~~الأرز. وبها حمامات كثيرة، وأسواق عامرة ممتدة. وهي بين نهرين، أحدهما اسمه ~~نكور، وبه سميت المدينة. ودخلها المجوس سنة 244، وتغلبوا عليها، وانتهبوا ms139 ~~من كان فيها إلا من خلصه الله بالفرار، وأقام المجوس بها ثمانية أيام، ~~وخرجوا منها. وبينها وبين البحر خمسة أميال. وقامت البرانس على سعيد بن ~~إدريس، فأظفره الله عليهم وهزمهم وقتل رئيسهم. ثم رجع من بقى منهمك إلى ~~الطاعة. ومات سعيد بن إدريس بعد أن ملكهم سبعا وثلاثين سنة. # وولي ابنه صالح بن سعيد بن إدريس بن صالح بن منصور. وكان لسعيد من الولد ~~كمنصور وحماد وزيادة الله والرشيد، وعبد الرحمن PageV01P176 # الشهيد ومعاوية وعثمان وعبد الله وإدريس. وكان عبد الرحمن فقيها بمذهب ~~مالك، وحج أربعا، وعبر البحر إلى الأندلس برسم الجهاد، فقتل الثائر ابن ~~حفصون كل من كان معه، وتخلص هو بنفسه إلى مرسية، وحضر غزوة أبي العباس ~~القائد، واستشهد فيها. وقام علي صالح أخوه إدريس في بني ورياغل وجزناية، ~~فالتقوا بجبل وزناية، وانهب إدريس عسكره، واستمر إلى مدينة نكور ليدخلها، ~~فامتنع أهلها إلى أن أتاهم صالح صاحبها في خاصته، فدخلها في جوف الليل، ولن ~~يعلم أخوه إدريس بذلك، وكان قد نول عليها وطمع فيها. فلما كلن في غد اقبل ~~إدريس على فرسه وهو لا يعلم بأمر أخيه فأدخله المدينة، وأرجله فتيان صالح ~~عن دابته، وأتوا به إلى أخيه، فأمر بحبسه. ثم سار عليه قاسم الوشتاقي ~~بقتله، فأمر فتى من فتيانه يقال له عسلون فقتله، وامتنعت مكناسة على صالح، ~~وحبسوا مغارمهم. فكتب إليهم يتوعدهم، وختم الكتاب، وأدخله في مخلاة، وشدها ~~على حماره! وبعثه مع ثقته، وقال له (إذا توسطت مكناسة، فاترك الحمار بما ~~عليه وانصرف) ففعل فوجد مكناسة حمار صالح، وقرؤوا كتابه فتمادوا على ~~امتناعهم عليه. ثم انصرف رأيهم إلى جمع ما كان عليهم فجمعوه، وجللوا الحمار ~~بملفحة، وأتوا صالحا بالحمار وبمغارمهم واستعفوه فعافاهم. وبقى صالح بن ~~سعيد أميرا إلى أن نوفى بعد أن ملك أزيد من عشرين سنة. # وولى بعد ابنه سعيد بن صالح. فلما توطد الأمر له، دخل عليه عبيدهم ~~الصقالبة، فسألوه العتق فقال لهم: أنتم جندنا وعبيدنا لا تدخلون في ورثنا. ~~فما طلبكم للعتق؟ فألحوا عليه في ms140 ذلك وناله جفاء منهم، وخلعوه وقدموا أخاه ~~عبيد الله وعمه الرضي المكنى بأبي علي وزحفوا بهما إلى القصر فحاربهم سعيد ~~من أعلى القصر بمن كان معه وبالنساء. وقامت عليهم العامة، PageV01P177 # فأخرجوه من البلد وهزموهم. فتحصنوا بقرية سبعة أيام، ثم ظفر بهم سعيد. ~~وكان عنه الرضى صهره، فحبسه مع أخيه عبيد الله، وقتل من خرج معهما من بني ~~عمه، منهم الأغلب، وأبو الأغلب، فقام سعادة الله بن هارون، وهو ابن عم ~~الأغلب فقال: قتل ابن عني وأبقى عمه وأخاه! فألب عليه بني يصلاتن، وعقد أه ~~معهم، وسعدة الله مع سعيد بمدينة نكور. ثم خذله سعادة الله، وانحاز إلى بني ~~يصلاتن بمن معه فانهزم سعيد، وأخذت بنوده وطبوله، وقتل من مواليه نحو ألف ~~رجل، وأتوا مع سعادة الله حتى حاصروا سعيد بن صالح بنكور. ثم كانت الكرة ~~لسعيد عليهم، فهزمهم، واسر ميمون بن هارون أخا سعادة الله، وسار إلى ~~تمسامان. فأحرق دياره وخربها وانصرف إلى نكور. وخرج سعادة الله بعد ذلك إلى ~~بطوية وبني ورتدي، وزحف بهم إلى زناتة، فحاربهم وهزمهم، وانقادت له جميع ~~تلك البلاد. ثم انصرف إلى مدينة نكور، فأقام بها مصافيا لسعيد المذكور. # ولما تغلب عبيد الله الشيعي، كتب إلى أهل المغرب، يدعوهم إلى الدخول في ~~طاعنته والتدين بإمامته. وكتب بمثل ذلك إلى سعيد بن صالح، وفي أسفله أبياتا ~~كثيرة منها (طويل) . # فإن تستقيموا أستقم لصالحكم ... وأن تعدلوا عني أرى قتلكم عدلا # وأعلو بسيفي قاهر السيوفكم ... وأدخلها عفوا وأملوها قتلا # فأجابه شاعرهم، فقال: (طويل) . # كذبت وبيت الله لا تعرف العدلا ... ولا عرف الرحمن من قولك الفضلا # وما أنت إلا كافر ومنافق ... تميل مع الجهال في السنة المثلا # وهمتنا العليا لدين محمد ... وقد جعل الرحمن همتك السفلا PageV01P178 # فكتب عبيد الله الشيعي إلى مصالة قائده على تبهرت، يأمره بالنهوض إلى ~~مدينة نكور، ويأمره بمحاربة سعيد بن صالح المذكور. فخرج مصالة من تبهرت في ~~غرة ذى الحجة من السنة الفارطة عن هذه المؤرخة، فنزل من مدينة نكور على ~~مسيرة يوم. فخرج إليه ms141 سعيد، فحاربه ثلاثة أيام مكافئا له. وكان مع سعيد رجل ~~من أعلام البربر يقال له أحمد بن العباس من بني يطوفت، دعته نفسه إلى أن ~~يقصد محلة مصالة في سبعة فوارس، واقتحم إلى مصالة، فتصايح الناس، وأخذ أحد ~~أسيرا زمن معه، فأمر مصالة بضرب أعناقهم، فقال له أحمد: ليس مثلي يقتل! ~~فقال مصالة: لم؟ قال: لأنك لا تطمع في سعيد إلا بسببي! فاستبقاه وقربه حتى ~~أنس به، ثم أعطاه جيشا فقصد به جانبا كان يعلم الغرة منه، حتى دخل عسكر ~~سعيد من حيث لا يظن به. ففرق جمعه وغشى سعيدا ما لم يتأهب له، وترادفت عليه ~~العساكر، ونظر أمرا لا يستطيع المقام معه، فبعث إلى مدينة نكور، فأخرج كل ~~من كان في قصره وما معهم، وساروا إلى جزيرة في موسى نكور، ومعهم صالح بن ~~سعيد، وإدريس والمعتصم. وقابل سعيد حتى قتل واستبيح عسكره. ودخل مصالة ~~مدينة نكور، فقتل رجالها، وسبى النساء والذراري. وفي ذلك يقول بعض الشعراء ~~(رجز) . # لما طغى الأرذل وابن الأرذل # في عصبة من الطغاة الجهل # قال: نكور دون ربي معقلي # أتاه محتوم القضاء الفيصل # من الإله المتعالي الأعدل # حطم أهل كفرها بالكلكل # وجاء رأس رأسها المبدل PageV01P179 # على قنا من الرماح الذبل # ذو لمة شعناء لم تقتل # ولحية غراء لم ترجل # وركب من نجا من ذرية سعيد البحر إلى مقالة، فاستقروا بها لقربها من بلدهم ~~ورجائهم العودة إليه. وبقى مصالبة في نكور نحو ستة أشهر، ثم استخلف عليها ~~ذلول. فكان من أمره ما تقدم ذكره. وذلك أنه لما افترق عن ذلول أصحابه سمع ~~بذلك بنو سعيد بمقالة، فعبروا البحر في مراكب مختلفة، في ليلة واحدة، ~~واتفقوا على أن من وصل غليها قبل فالولاية له، ثقة منهم برعيتهم. وكانوا ~~إدريس والمعتصم وصالح بني سعيد. فوصل صالح من ليلته، فتسامع البربر بقدومه، ~~فتسارعوا إليه، وعقدوا له الأمرة، ولقبوه باليتيم، وزحفوا إلى ذلول وأصحابه ~~فقتلوهم أجمعين. وكتب صالح بالفتح والنصر إلى أمير المؤمنين الناصر فأمر ~~بإمداد صالح بالأخبية والآلات والأسلحة والبنود ms142 والطبول،، فتوطد الملك ~~بالمغرب لصالح بن سعيد، وبقي أخوته في البحر شهرا يترددون فيه إلى أن وصلوا ~~بعد ذلك إلى نكور. وهي في وقتنا هذا مدينة المزمة أو قريبا منها، وفي هذه ~~السنة تم شأن القاسمية بالقيروان، وانتقل إليها التجار وأهل الصناعات، وذلك ~~في شهر ربيع الأول. وفيها مات أبو جعفر أحمد بن محمد القرشي المعروف ~~بالمغرباني، وكان من أهل الزهد والعبادة، وله سمات كثيرة من سحنون وغيره. ~~وفيها مات القاضي بقفصه، وهو مالك بن عيسى بن نصير، وكانت له رحلتان في طلب ~~بالحديث، أقام فيهما عشرين سنة، وكان به بصيرا، وفي علمه نافذا. وفيها مات ~~بمدينة رقادة من قريش أفريقية أبو الفضل محمد بن عبد السلام بن عبد السلام، ~~من ولد عبد الملك بن مروان، وكان قد تولى جباية طرابلس وتونس لينج مع القوم ~~ويبقى معهم، فتوصل بذلك إلى أخذ نعمته، PageV01P180 # ومات في عذاب الشيعة. وفيها أخذ أهل الضياع بأعمال أفريقية بمغرم سمى ~~التضيبع. وزعموا أنمه من بقايا التقسيط. # وفي سنة 306، خرج أبو القاسم بن عبيد الله الشيعي إلى مصر في سفرته ~~الثانية وذلك يوم الاثنين مستهل ذي القعدة بعد أن حشد من كتامة جملا كثيرة ~~ومن عرب أفريقية وبربرها وخرج معه خليل بن إسحاق وأبو غانم الكاتب، وغيرهما ~~من رجال أبيه. وعزل عبيد الله عن القيروان من الله بن الحسن بن أبي خنزير، ~~وأخرجه مع ابنه أبي القاسم إلى مصر، وولى عمل القيروان أبا سعيد الضيف، ~~وفيها وقعت النار بالقيروان في سوقها ليلة الأربعاء لثلاث عشرة ليلة من ذي ~~الحجة. # وفيها توفي أبو سعيد محمد بن محمد بن سحنون، وله سماع من ابيه، وغلبت ~~عليه الزهادة والعبادة. وفيها، مات أبو الأسود موسى بن عبد الرحمن ابن جندب ~~المعروف بموسى القطان، وكان من رجال محمد بن سحنون، وولي قضاء مدينة طرابلس ~~في أيلام عيسى بن مسكين، وعزله إبراهيم بن أحمد عن القضاء وحبسه، وله اثني ~~عشر جزءا ألفها في أحكام القران. وفيها مات بمدينة برقة أبو مدين بن فروخ ms143 ~~اللهبطي، وكان قائد الشيعة بها. # وفي سنة 307، كان بأفريقية وما والاها إلى مصر، طاعون شديد وغلاء وغلاء ~~سعر مع الجور الشامل من الشيعة، والتعلل على أموال الناس في كل جهة. وفيها، ~~قدم أبو القاسم بن عبيد الله الشيعي سليمان بن كافي، صاحب مقدمته إلى ~~الإسكندرية في حملة من رجال كتانة وغيرهم، فوجد أهلها غافلين. فلما أحسوا ~~بالخيل، وتلاحق بهم أبو القاسم بجيوشه، أخلوا المدينة وتركوها. فدخلها أبو ~~القاسم الشيعي، وانتهب أموال أهلها وكتب إلى أبيه بالفتح، ثم قدم سليمان بن ~~كافي بالجيوش إلى الفيوم فدخلها بالسيف، وقتل أهلها، وانتهب أموالها وسبى ~~الذرية وجبى الخراج، وأقبلت العساكر من أفريقية يتلوا بعضها بعضا، فاجتمع ~~إلى أبو القاسم عدد يجل عن الإحصاء. فتنقل من PageV01P181 # محته عن الإسكندرية إلى الفيوم ونزل بالأشمونين في رجب. وألقى الأطعمة في ~~الأنادر لم تخزن، فانتهبها العساكر. وغلت الأسعار بمصر وبالعسكر، ووقع ~~الوباء في الناس وجلا كثيرا منهم. وكانت مصر في ذلك الحين خالية من الجند، ~~فاجتمعوا وتشاوروا في أمرهم، فردوه إلى محمد بن على المادراني وأخيه أبي ~~زنبور، فكتبا إلى أبو القاسم سرا يعرفنه بغيبة الجند وضعف البلد وأظهرا له ~~المسارعة إلى طاعته، وسألاه الاستثناء عليهم لما يتوقعون من العوام، وكان ~~مذهبهما أن يكتف عنهم حتى تأتيهم الرجال من بغداد. وكتب المارداني إلى ~~المقتدر بنزول العساكر عليهم. وفي هذه السنة أقبل ثمل الفتى بالمراكب ~~الشامية، مغيثا لأهل الإسكندرية. فألفى الشيعة بها أسطولا لمحاربة ثمل حتى ~~تغلب على الأسطول بمن فيه، وذلك يوم الأحد لاثنتي عشر ليلة بقيت من شوال، ~~وأسر جملة من رجال كتامة ثم نهض ثمل بالأسرى إلى الفسطاط، فطوفهم على ~~الجمال مشهرين، وفيهم جماعة من رجال الشيعي المشهورين بالبأس. # وفيها مات القاضي محمد بن محفوظ القمودي بإفريقيا، وكان ضعيف الرأي جائر ~~الحكم وولى القضاء بالقيروان إسحاق بن أبي المنهال. وفيها هبت بالقيروان ~~رياح مظلمة صفراء دامت أياما وسدت الأفق حتى كان الرجال لا يرى جليسه، ~~وأتبعها الوباء الذي تقدم ذكره. وفيها مات أحمد بن علي بن ms144 دودان الفقيه ~~وكانت له رحلة سمع فيها من يونس والمزني. ومات محمد بن أحمد بن يحيى بن ~~مهران الفقيه من رجال محمد بن سحنون. ومات أبو سليمان داود بن مسرور ~~الغساني وكان متزهدا فاضلا ومات محمد بن عبد الله ابن القاضي أحمد بن محرز. ~~ومات بمدينة تونس من قريش محمد بن أحمد بن عبد الله بن سعيد بن خالد بن ~~عبيد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان وكان يلقب بالبعرة وكان طرأ على ~~إبراهيم بن أحمد من المدينة، ودخل الأندلس مرتين. # وفي هذه السنة قتل بالقيروان عروس المؤذن بمسجد أبو عياش PageV01P182 # الفقيه إذ شهد عليه قوم من المشارقة بأنه أذن ولم يقل: (حي على خير ~~العمل) وكان من المتزهدين يطحن بيده، ويعمل الخلفاء، ويتعيش من ذلك. وفيها ~~مات من الفقهاء بالقيروان عبد الله بن محمد بن يحيى الرعيني من أصحاب ~~سحنون، ومحمد بن موسى التميمي من شيوخ العراقيين، وإسحاق بن إبراهيم بن أبي ~~عاصم الفارسي، وأبو جعفر أحمد بن منصور مولى بني تميم وكان يعرف بابن ~~المقرعة الغاسل، وسمع بمكة ومصر. ومات جماعة من التجار ومن خدم السلطان ومن ~~الأطباء ممن يطول الكتاب بذكره. # وفي سنة 308 سار مصالة قائد عبيد الله الشيعي نحو المغرب بالجيوش. فلما ~~بلغ قريبا من نكور خرج صالح بن سعيد عن مدينة نكور وتحصن بجبل هناك يعرف ~~بجبل أبي الحسين. ودخل مصالة المدينة وضبطها ثم سار منها إلى جهة فاس. وكان ~~بها حينئذ يحيى بن إدريس بن عمر بن إدريس في أهله ورجاله. فلما قرب منها، ~~أرادوا مدافعته. فحاربهم أياما حتى هزمهم. ودخل مصالة مدينة فاس وضبطها. ~~وقال شاعرهم وقد عرض بها بسيط: # دخلت فاسا وشوق إلى فاس ... والجبن يأخذ بالعينين والرأس # فلست أخل فاسا ما حييت ولو ... أعطيت فاسا بما فيها من الناس # وفيها قتل أبو سعيد موسى بن أحمد بن موسى بن أحمد بمدينة القيروان زيادة ~~بن خلفون المقطبب مولى بني الأغلب، وكان عالما بالطب، حسن الذهن فيه، وكان ~~عبيد الله قد ms145 احتاج إلى زيادة، وقربه من نفسه وحذره من أبي سعيد، لاختلاف ~~كان قد وقع بينهما، وأمره أن لا يدخل القريوان إذا كان أبو سعيد بها، ~~فالتزم زيادة ذلك إلى ا، بات ليلة بالقيروان، وأبو سعيد برقادة، وكانت له ~~عيون عليه فبعث إليه من دخل عليه داره، وقتله بها. PageV01P183 # وفي هذه السنة انتقل عبيد الله الشيعي بعياله وأمواله ونقله إلى المهدية ~~يوم الخميس لثمان خلون من شوال، بعد أن كمل قصره بها، وقصر ولده أبي ~~القاسم، وسور المدينة وبعض دور رجاله، ولم يكمل الكل. وكانت في هذه السنة ~~بالقيروان ورقادة أمطار كثيرة، هدمت المباني، فاضطر عبيد الله إلى استعجال ~~التنقل. فقالت شعراء أفريقية في انتقاله واستيطانه من الشعر ما ذكرنا ~~أبياتا منها ليستدل بما فيها على ما كان يستحله ويجوز عنده من الأشعار ~~(وافر) # ليهنك أيها الملك الهمام ... قدوم فيه الدهر ابتسام # حططت الرحل في بلد كريم ... رعته لك الملائكة الكرام # لئن عظم الحرام وما يليه ... كما عظمت مشاهده العظام # لقد عظيت بأرض الغرب دار ... بها الصلوات تقبل والصيام # هي المهدية الحرم الموقى ... كما بتهامة البلد الحرام # كأن مقام إبراهيم فيه ... ثرى قدميك إن عدم المقام # وإن لئم الحجيج الركن أضحى ... لنا بعراص قصركم التشام # لئن شاب الزمان وشاب منك ... دعائمه إذا عجمت حطام # لملكك أيها المهدي ملك ... غلام والزمان به غلام # لك الدنيا ونسلك حيث كنتم ... فكلكم لها أبدا إمام # وفي هذه السنة قتل بالقيروان من قريش تميم علي بن محمد بن عبد الله ابن ~~عبد الرحمن بن هاشم بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق - رحمه ~~الله - قتله أبو سعيد موسى بن أحمد إذ اتهمه برفع كتاب إلى عبيد PageV01P184 # الله بأن أهل القيروان عقدوا مع أبي سعيد هذا على الخلاف فحكمه عبيد الله ~~فيه وحبسه، ثم خنق حتى مات. وفيها مات من قواد بني الأغلب أبو جعفر أحمد بن ~~تميم، ومن الفقهاء سعيد بن حكمون، وكان زاهدا. وتوفي إبراهيم ابن تونس ~~المعروف بابن الحساب، مولى موسى ms146 بن نصير، وكان يلقب حارث حسبة، وولي أحكام ~~القيروان وقضاء مدينة رقادة. وتوفي من الفقهاء العراقيين أحمد بن عبد ~~الرحمن اللخمي، سمع كمن محمد بن وهب وغيره. وتوفي منهم أحمد ابن غبدون بن ~~وهب. وتوفي الربيع بن هشام التميمي، وكان من الزهاد المتعففين. # وفي سنة 309 فتح مصالة بن حبوس مدينة سلجمانة، وانتهب أموالها وقتل بها ~~أحمد بن مدرار وولي عليها المعتز بن محمد بن مدرار، وانصرف. وفيها أظهر ~~منيب بن سليمان الكمناسي الداعي التشريق بجانب تبهرت وتحليل المحرمات. وقيل ~~أن عبيد الله وغيره من الأطراف، وأمرهم بإظهار التشريق فإن وجدوا الناس ~~محتملين له ومغضبين عليه، نشروه عند العامة، وأظهروه. فلما كشف منيب بجبل ~~ونشريش ما أمره عبيد الله به وكان الرجل يدخل إلى حليلة جاره، فيطأها ~~وزوجها حاضر ينظر إليه ثم يخرج، فيبصق في وجهه، ويصفع قفاه ويقول له: تصبر ~~فإذا صبر عد كامل الإيمان وسمي من الصابرة. فقام عليهم الناس وقتلوا بعضهم! ~~وفيها، وصل أبو القاسم الشيعي إلى المهدية يوم السبت مستهل رجب منصرفة من ~~الفيوم وكانت سفرته هذه سنتين وثمانية أشهر. # وفيها، أمر عبيد الله بحبس نحو مائتي رجل أظهروا التشريق بالقيروان PageV01P185 # وباجة تونس، وجاهروا بتحليل المحرم وأكلوا الخنزير وشربوا الخمر في رمضان ~~جهارا. وعلم بذلك الخاص والعام حتى عير به أبو القاسم أيام كونه بالفيوم ~~وكثر القول من الناس في هذا فكتب عبيد الله إلى عماله بهذه المواضع بأن ~~يرفعوهم إليه مقيدين، ثم حبسوا، فمات أكثرهم بالسجن وكلهم مشهور بأفريقية: ~~منهم أحمد البلوي النخاس بالرقيق كان يصلي إلى رقادة أيام كون عبيد الله ~~بها وهي منه في المغرب فلما انتقل عبيد الله إلى المهدية وهي منه في ~~المشرق، صلى إليها وكان يقول: لست ممن يعبد من لا يرى! وكان يتصدى لعبيد ~~الله ويقول له: أرق إلى السماء كم تقيم في الأرض وتمشي في الأسواق! وكان ~~يقول لأهل القيروان في عبيد الله: أنه يعلم سركم ونجواكم! فاقرب إليه يرجلا ~~يوما وهو يقول ذاك فأخذ أذنه ونطق فيها: ms147 عبيد الله الذي نقول زان! ابن ~~الزانية! فإن كان يعلم ما قلت لك، فلينتصر! فصاح صيحة عظيمة وقال: يا ~~مسكين! إنه حليم لا يعجل! ومنهم إبراهيم بن غازي، وكان يأكل في شهر رمضان ~~جهارا ويركب الكبائر وكان في أيام بني الأغلب من المتزهدين المرابطين بقصر ~~الطوب المجاور لسوسة وقد كان أهل سوسة أرادوا تقديمه لصلات الجماعة. وفيها ~~تصدى جماعة من أهل القيروان بالنساء والذرية لأبي القاسم، وشكوا إليه سرا ~~جور أبي سعيد وأصحاب المحارس، ووصفوا إفسادهم وغارتهم على أموالهم فاستأذن ~~لهم على أبيه، فدخلوا كافة، وشكوا غليه بما شكوا به إلى أبي القاسم وأبو ~~سعيد جالس عنده فحلف لهم عبيد الله أنه ما علم بظلمهم، وأمرهم بالانصراف ~~ووعدهن بالإنصاف وأمر أبا سعيد برفع كتابه وقوم من أصحاب المحارس إليه ~~فحسبهم عبيد الله وأطلق كاتبه. # وفيها، أمر عبيد الله بأن يكون طريق الحاج على المهدية، لأداء ما وظف ~~عليهم من المغارم في الشطور، وألا يتعدى هذا الطريق أحد وكان PageV01P186 # من أمثال أهل القيروان في أيام بني الأغلب عند مطالبة شيء ممتنع: إذا ~~أردت الحج، فخذ على بندون! وبندون هذه قرية في طريق جمة والطريق القصدة ~~إنما هي على مصر. فلما عهد عبيد الله بأن تكون طريقهم على المهدية صار ~~المثل القديم حقا. # وفبه، أمر عبيد اله بقتل أبي علي حسن بن مفرج الفقيه، ومحمد الشذوني ~~الزاهد، إذ رفع عليهما إليه بتفضيل بعض الصحابة على علي وفيها مات بمدينة ~~سوسة أبو الغصن نقش الفقيه، سمع من سحنون زمن عون بن يوسف وغيرهما، وتوفي ~~محمد بن هيثم بن سليمان بن حمدون القيسي الفقيه ومحمد، ومحمد ابنا عبد ~~السلام بن إسماعيل من بني عبد الملك بت مروان، وفي سنة 310، قدم مصالة بن ~~حبوس إلى المهدية على عبيد الله. فأقام بها أياما. ثم صرفه إلى تبهرت. فخرج ~~إليها في شعبان. وفيها، قرى كتاب لعبيد الله الشيعي في جامع القيروان بوقعة ~~كانت بين فلاح بن قمون وبين جند مصر بذات الحمام. وفيها، قتل بجبل أوراس ~~أبو ms148 معلوم فحلون الكتامي من قواد عبيد الله وكان قد أخرجه إلى هذا الجبل، ~~فكلف أهله فوق وسعهم وأمرهم برفع عيالاتهم إلى المهدية، فأظهروا الطاعة له، ~~وشرعوا فيما أمرهم به فلما كان في بعض الليالي، وثبوا عليه وعلى جند كتامة ~~الذين كانوا معه، فقتلوهم أجمعين. # وفيها خالفت نفوسة على عبيد الله، وقدموا على أنفسهم أبا بطة فاجتمع إليه ~~عدد كثير واشتدت شوكته. فأخرج إليهم عبيد الله علي بن سلمان الداعي في جمع ~~كثير فلما قرب منهم بيتوه فقتلوا من أصحابه وانهزم الباقون وتفرقوا عن علي ~~بن سلمان، فسار علي إلى طرابلس، وكتب إلى عبيد اله بذلك فكتب عبيد الله إلى ~~علي بن لقمان عامله على قابس بأن يقتل كل من مر به من المنهزمين فقتل منهم ~~جماعة. وامتد عبيد الله بن سلمان بالجيوش، وأخذ في حصار نفوسة بعزم. وفيها، ~~غزا مسعود الفتى بلد الروم في البحر في عشرين PageV01P187 # شينيا فافتتح مدينة أغاثي، وسباها وانصرف إلى المهدية وفيها، توفي محمد ~~بن سلام بن سيار البرقي الهمداني وكان متفقها على مذهب الشيعة وتوفي من ~~قريش أحمد بن يحيى بن خالد السهمي، بعد أن جاوز التسعين وكانت له رحلة، ~~وسمع من أبي سنجر مسنده. # وقام حسن بن على الحسني مع البربر فأتى إلى فارس، وبها ريحان الكتاني ~~قائدا عليها من قبل عبيد الله فأخرجه منها واستبد بها ثم غدره حامد بن ~~حمدان وأدخل بن أبي العافية، وكان وكان يتولى لبني أمية، فبقى بها إلى أن ~~أرسل الشيعي قائديه مسرورا وجواهرا. ففر أمامهما. وبقى فيها قائد الشيعي ~~إلى أن أخرجه بنو إدريس ورجع ملكها لهم حتى حاربها عسكر الناصر الأموي صاحب ~~الأندلس وملكها. وفيها، مات أبيو جعفر الطبري. # وفي سنة 311، عزل عبيد الله إسحاق بن أبي المنهال عن قضاء مدينة القيروان ~~يوم السبت لعشر بقين من جمادى الآخرة، وأخرج إليه عبيد الله من قال له: لم ~~نعزلك عن حرجة، وإنما عزلناك للينك ومهانتك! وولى قضاء مدينة القيروان محمد ~~بن عمران النفطي وكان قبل ذلك على ms149 قضاء مدينة طرابلس، فجمع بها أموال كثيرة ~~من الرشى والأحباس ورفعها إلى عبيد الله فكانت له وسيلة إليه. # وفيها، أوقع علي بن أبي سلمان بأهل نفوسة، ودخل حصنهم وهدمه وقتل الرجال، ~~وسبى الذرية، وذلك يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شعبان. وفيها، ضرب ~~محمد بن العباس الهذلي الفقيه بالدرة في الجامع عريانا، وصفع قفاه حتى جرى ~~الدم من رأسه، وبرح عليه في أسواق القيروان إذ شهد عليه قوم من المشارقة ~~بأنه يطعن على السلطان ويفتي بقول مالك، وفيها، دخل مسرور بن سليمان بن ~~كافي الواحات من صعيد مصر وهما حضنان في قفار ورمال، وكان عليها عامل لصاحب ~~مصر يعرف بالبكربازي، فهزمه PageV01P188 # مسرور وأسر ولده وابن أخيه، واستحوذ على الموضع ثم وقع الطاعون في أصحاب ~~مسرور فأخرب الحصن، وقلع أثمارها، وانصرف إلى برقة. # وفي هذه السنة، مات بالقيروان من العدول وأهل السنة والخير محمد بن شيبة ~~بن حسان وكان شيبة من القواد الداخلين أفريقية مع يزيد بن حاتم وفيها، مات ~~بتونس أبو جعفر محمد بن تميم التميمي وكان من قواد زيادة الله فهرب إلى أبا ~~عبد الله الشيعي ودخل معه أفريقية. وفيها، مات أبو الفضل أحمد بن جعفر بن ~~موسى الصمادحي. # وفي سنة 312، خرج مصالة من تبهرت إلى زناتة فأداخ بلدهم وقتل وسبى وأخرج ~~خيلا إلى بعض ؤنواحي ابن خرز وكان فيها أكثر حماته ووجوه رجاله، وبقى مصالة ~~في نفر من أصحابه. فبلغ ذلك ابن خرز فقصد نحو مصالة، ودارت بين الفريقين ~~حرب عظيمة، قتل فيها مصالة وانهزم أصحابه وذلك يوم الجمعة لعشر بقين من ~~شعبان. وفيها، خرج أبو جعفر ابن عبيد الحاجب في أسطول كبير إلى صقلية يريد ~~غزو الروم فشتى بصقلبة تلك السنة، ولم يلق العدو، وفي هذه السنة، مات ~~بالقيروان القاضي محمد بن عمران النفطي في شهر ربيع الأول، وكان يرتشي على ~~الأحكام، ويستهتر في ضروب من المنكر. فولى عبيد الله القضاء مكانه إسحاق بن ~~أبي المنهال مرة ثانية وكتب في عهده: وإنما كنا عزلناك للينك ومهانتك! ms150 ~~ورددناك لدينك وأمانتك! وفيها، مات محمد بن حفص الفهم، وكان من أهل الفضل ~~والدين، وأم بالناس الإشفاع بجامع القيروان في أيام بني الأغلب قم ولى صلاة ~~جامع رقادة وكان يرتوق في كل شهر عشرة مثاقيل فأحضره المروذي عند نفسه ~~وقال: لا يوم بنا إلا ولى من أولياء أمير المؤمنين. فأدخل إلى بعض الدعاة ~~يأخذ عليك البيعة، وتبقى على خطتك! وإنما أراد أن يتشرق معهم ويدخل في ~~الكفر مدخلهم. فقال له: أنظرني اليوم أشاور نفسي! فأنظره ثم أتاه PageV01P189 # من الغد وقد كره الدخول معهم في شيء مما هم عليه فعزا عن الصلاة. وفيها، ~~قري كتاب عبيد الله بالقيروان وأعمالها بدخول مسرور بن سليمان بن كافي ~~الواحات، وملكه لها، وتاريخه يوم الخميس لثمان ليال بقين من محرم. # وفي سنة 313، غزا أبو أحمد جعفر بن عبيد الحاجب بلد الروم من صقلية، ~~فافتتح أماكن كثيرة ومنها مدينة واري، وقتل بها ستة آلاف مقاتل، وأخرج منها ~~عشرة آلاف سبية وأسر بها بطريقا صالحه عن نفسه ومدينته بخمسة آلاف مثقال ~~وانصرف إلى صقلية فوصل إليها لأربع بقين من شهر ربيع الآخر، وكتب إلى عبيد ~~الله الشيعي بالفتح، ثم قدم جعفر بعد ذلك إلى المهدية وأوصل جميع الغنائم ~~إلى عبيد الله الشيعي فذكر بعض رجاله أنه دخل عليه وبين يديه جوهر كثير، ~~وديباج سني، وأموال، فقال له: يا مولاي، ما رأيت كاليوم منظر! فقال له عبيد ~~الله: هذه من الغنائم التي أصيبت بوارى! فقال له الرجل: أن من أدى هذا ~~لأمين! وأراد أن يثني بذلك على جعفر الحاجب فقال له عبيد الله مبادرا: ~~والله! ما أعطاني من الجمل إلا أذنيه! وفيها، ولي أحمد بن بحر بن علي بن ~~صالح، المعروف بابن أخي كرام، مظالم القيروان وجلس للنظر يوم السبت لإحدى ~~عشرة ليلة خلت من جمادى الأخيرة، وفيها، مات بمدينة سوسة محمد بن يسطام بن ~~رجاء الضبي الفقيه وكانت له رحلة سمع فيها من ابن عبد الحكم وغيره. ومات ~~عبد العزيز بن شيبة وكانت له رحلة أيضا سمع ms151 فيها من بندار وأبي موسى الزمن، ~~وأبي حفص القلاس، ولم يتخلف هذا المتوفى وارثا، فورثه عبيد الله وكان له ~~مسجد يجاور داره وفندقه، فأغلق الناظر في المواريث لعبيد الله المسجد، ~~ووصله بالدار والفندق. وفيها ابتدأ عبيد الله الشيعي ببناء مدينة المسيلة ~~وسماها المحمدية على بد علي بن حمدون الجذامي المعروف بابن الأندلسي في وسط ~~أرض بني برزال وبني كهلان على قرب من هوارة. وكانت على واد ولها سوران ~~تنيهما ساقية من هذا الوادي. PageV01P190 # وفي سنة 314، عزل عبيد اله الشيعي عن عمالة القيروان نسينا فتاه وضمه إلى ~~المهدية، وحبس عند جوذر الفتى، وقبض على أمواله، وكان نسيم سريع الغضب ~~والضرب بالسوط. وولي عبيد الله عمالة القيروان صابر الفتى مولى بن قرهب. ~~وفيها، زحف ابن خزر إلى تبهرت وحاربها فانهزم عنها وأخرج عبيد الله في أثره ~~موسى بن محمد الكتامي في جماعة من القواد فلما صاروا بطبنة، دخل محمد بن ~~خزر الصحراء، وأبقى أخاه عبد الله مع وجوه رجاله بوادي مطماطة، فدا ت بينه ~~وبين رجال الشيعي حرب عظيمة كان الظفر فيها والغلية لابن خزر. ثم أخرج عبيد ~~الله إلي إسحاق بن خليفة وأصحابه وخالفت على الشيعي لماية، وما جاورها من ~~القبائل واستمدوا بابن خزر فكتبوا إلى عبيد الله مستمدين، فأمدهم بجيش كبير ~~فهزموه. وأرسلت هذه القبائل إلى محمد بن جزر، فولى عليهم أخاه عبد الله. ~~ودارت بينه وبين جيوش الشيعي وقائع كثيرة. وفيها، مات مونس البغدادي المغني ~~مولى موسى بن بغل بالمهدية فجأة. # وفي سنة 315، خرج أبو القسم بن عبيد الله الشيعي من المهدية يريد المغرب، ~~يوم الخميس لتسع ليال خلون من صفر. وكانت طريقه على القيروان، ثم نزل ~~الأريس. فأقام بها أياما حتى اجتمعت إليه العساكر. فسار إلى باغاية، ثم إلى ~~كتامة، ونقدم إلى جبل فيه بنو برزال، وقوم من مكلاتة. فامتنعوا عليه، ~~فحاربهم حتى فتح له عليهم ونوجه إلى مدغرة، ثم إلى سوق إبراهيم. فأقام في ~~تلك الجهة أكثر من شهر لكلب الشتاء وكثرة الوحل. فحكى بعض رجال عبيد ms152 الله ~~أنه كان بين يديه، هو وطائفة من خدمه وصحبه، وقد توقفت كتب أبو القاسم عن ~~الورود حتى ساءت الظنون من جهته، فورد كتابه على أبيه بمحضرهم. فلما فتحه ~~وقرأه، بكى، قال: فخفنا أن يكون حدث وأمر وهممنا بالبكاء معه حتى افتتح ~~الكلام، فقال: اللهم أنك تعلم أنني ما أردت إخراجه إلى المغرب إلا رضاك، ~~ونصرة دينك، وإذلال أعدائك! وما PageV01P191 # يسهل علي أن أفارقه يوما واحدا، قال: ثم التفت إلينا فقال: هذا مولاكم ~~يذكر في كتابه أنه أقام فير مناخ واحد شهرا كاملا، عليه المطر كل يوم ~~بالغدو والآصال، وأنه مشى عقابا كثيرة راجلا، إذ لم يستطع الركوب فيها ~~لوعرها، ويقتات كل يوم ببيضة أو نحوها لكثرة الذباب في العسكر! وفيها، خرج ~~صابر الفتى إلى صقلية لغزو بلد الروم، في أربعة وأربعين مركبا، فأصاب في ~~غزاته هذه وسبى وقتل. # وفيها، قتل برملة المهدية معلى بن محمد الملوسي الداعي، بعثه أبو القاسم ~~من المغرب مقيدا. فأمر عبيد الله بضرب عنقه،. # وفيها، قتل بمصمود الساحل، من أحواز طنجة حاميم المفتري ابن من الله. ~~وكان قد تنبأ بالجبل المنسوب إليه، وأجابه بشر كثير من البربر الجهال، ~~وشهدوا له بالرسالة. وقد كان سن لهم صوم يزم الخميس، فمن أكل فيه، غرم خمسة ~~أثوار، وصوم الاثنين، فمن أكل فيه غرم ثورين، ونحو هذا من الباطل ~~والحماقات. ومما قيل فيه (طويل) . # قالوا افتراء إن حاميم مرسل ... إليهم بدين واضح الحق باهر # فقلت: كذبتم بدد الله شملكم! ... فما هو إلا عاهر وابن عاهر! # فإن كان حاميم رسولا فإنني ... بمرسل حاميم لأول كافر! # رووا عن عجوز ذات إفك بهيمة ... تجاوز في أسحارها كل ساحر # أحاديث إنك حاك إبليس نسجها ... يسرونها والله مبدي السرائر! # وفي هذه السنة، توفي محمد بن سلمون القطان بأفريقية، وله سماع كثير من ~~رجال سحنون. وتوفي من التجار وأهل العدالة حاتم بن عبد الرحمن بن حاتم، سمع ~~من سحنون ورحل إلى العراق. # وفي سنة 316، زحف أبو القاسم الشيعي إلى قبائل البربر بالمغرب، فنزل PageV01P192 # ببرقاجنة على ms153 حصنها المعروف بأغزر يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة بقيت من ~~المحرم، فقاتلهم، ونقب السور عليهم حتى سقط، وهلك ممن كان تحته وفوقه عدد ~~كثير. فلما نظروا إلى الغلبة، أحرقوا الأمتعة، وعرقبوا الدواب والمواشي، ~~وقاتلوا الشيعة حتى قتلوا، وأسر منهم من استأسر وانتهب ما في الحصن. وأجابت ~~هوارة ولماية إلى طاعة الشيعة، فأمنهم أبو القاسم، ثم سار إلى جهة تبهرت ~~فأقام بها نحو شهر، وتقدم منها إلى تامغلت، فأقام بها شهرين، مناظرا لين ~~خزر، وهو حينئذ بموصع يقال له أورن ثم نكب أبو القاسم إلى مدينة طبنة، ~~وانصرف إلى المهدية دون أن يلقي ابن حزر. وقيل أن سبب انصرافه، إنما كان ~~لكتاب ورده من قبل ابنه قاسم، يعلمه أن الناس تحدثوا بمبايعة عبيد الله ~~لابنه أحمد المكنى بأبي علي وأنه صلى بالناس عيد الفطر وعيد الأضحى. فأقلقه ~~ذلك، وقدم المهدية. # وفيها غزا صابر من صقلية إلى بلد الروم فافتتح موضعا يعرف بالغيران وقلعة ~~الحسب، واحتوى على ما فيهما، وزحف إلى سلير، فصالحه أهلها بمال وديباج. ثم ~~توجه إلى نابل، فصالحوه أيضا بمال وثياب ثم صدر إلى صقلية. وفيها، مات محمد ~~بن أحمد بن أبي زاهر من الفقهاء بالقيروان، وعبد الله المعروف بالعيني وكان ~~من المعبدين. وفيها، ابتدأ غلاء السعر بالقيروان. زفيها كان ابتداء أمر أبي ~~مخلد بن كيداد الزناتي، وهو رجلا أخذ نفسه بمذاهب النكار يحلل دماء ~~المسلمين وفروجهم ويسب علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وكان أول أمره ~~بتقيوس، يعلم الصبيان، ويعتقد الخروج على السلطان ويحتسب على الناس في كثير ~~من أفعالهم، وعلى جباة الأموال. فغير في هذا العام على عامل تقيوس، وأمر ~~بقتله، فقتله أهل نقيوس ففزع أبو يزيد عند ذلك، وخرج إلى الحج. فلما وصل ~~إلى طرابلس، وصل كتاب عبيد الله في طلب قوم من البربر فهرب هو وصاحبه أبو ~~عمار الأعمى، وكان على PageV01P193 # مذهبه وضلاله. فكرا في تقيوس، فورد كتاب عبيد الله في طبنة فيها زال يقر ~~ويستتر إلى أن ظهر أمره بعد ذلك. # وفي سنة ms154 317، كان بالقيروان وأعمالها وباء عظيم وغلاء سعر فبلغ قفيز قمح ~~بالكيل القرطبي مثقال ذهب. وفيها، تغلب محمد بن خزر على الزاب كله وملكه ~~جملة. وفيها، بنى بنو محمد المدينة المعروفة فجر النسر. وفيها سار موسى بن ~~أبي العافية إلى مدينة نكور وصاحبها يومئذ المؤيد بن عبد البديع ابن إدريس ~~بن صالح بن منصور. فحاصره فيها حتى تغلب عليها واستباحها وغنم ما فيها وقتل ~~المؤيد وهدم أسوارها. ثم سار يريد بني محمد بن سليمان ابن عبد الله، ~~وعميدهم يومئذ الحسن بن عيسى المعروف بابن أبي العيش صاحب جرواة، وهي أشرف ~~مدائن ذلك الجانب. فنزل عليها وحاصر ابن أبي العيش فيها حتى أوفى على ~~أخذها. فلما أحس ابن أبي العيش بالغلبة، وخرج في الليل، هاربا بأهله وولده ~~ومن تبعه، ونجا إلى مربي جروة المعروف بأكاس. فدخل منه البحر وعاذ بجزائر ~~ملوية. ثم سار إلى جزيرة أرشقول، وهي منيعة لا ترام، فتحصن فيها بأهله ~~وولده ومواليه. وجال موسى بن أبي العافية بتلك الجهات وأخذ مدينة تربية ~~ومدينة أرشقول. وهرب كل من في ذلك الجانب من آل محمد بن سليمان، وخلص ~~الموضع لموسى بن أبي العافية وأخلى منه قواد بني خزر وعمالهم وصار في ملكه ~~من أحواز تبهرت إلى السوس الأقصى وفبها، غزا صابر الفتى غزوته الثالثة ~~والتقى في البحر بالسردغوس، وهم في سبعة مراكب، وصابر في أربعة مراكب ~~فانهزم السردغوس. وفتح صابر مدينة نرمولة، وسبى فيها سبيا كثيرا، ثم انصرف ~~إلى المهدية. وفيها مات بالقيروان من الفقهاء أحمد بن نصير بن زياد، سمع من ~~محمد بن سحنون ومن ابن عبدوس PageV01P194 # ومن يوسف بن يحيى المغامي وكان عالما بالمناظرة مليئا بالشاهد، صحيح ~~المذهب، سليم القلب. قال محمد بن حار: حضرته يوما، وعنده جماعة من ~~المحاظرين في المسألة، حنى دخل عليه محمد بن عبد الله بن مسرة القلاطبي في ~~حين توجهه إلى الحج فسلم، وجلس جانبا وهو يجيل بصره في وجوه المتكلمين. ~~قال: فلم أشك أنه من أهل العلم، ولم أكن عرفته باسمه. فلما أظهر ms155 الشيخ أحمد ~~بن نصر القيام، قال له: (يا شاب جلست منذ يوم. فهل من حاجة تذكرها؟) فجاوبه ~~محمد بن مسرة بكلام حسن بليغ وقال له: (أتيتك مقتبسا من نورك، ومستمدا من ~~علمك) وجاوبه أحمد بن نصر أيضا بجواب حسن. ثم قام وقمنا بأثره. وفيها، مات ~~محمد بن محمد بن خالد القيسي المعروف بالطرزي، وكان ولي المظالم بالقيروان، ~~ولما أراد إبراهيم بن أحمد توليته المظالم، اعتذر إليه بأن فيه حياء ولين ~~جانب وقلة فقه، فقال له إبراهيم: (أما الحياء واللين، فإذا أمرت ونهيت زالا ~~عنك. وأما قلة الفقه فشاور الفقهاء في أحكامكم) وولاه فلم يكن بالقيروان ~~حاكم أشد صرامة منه. # وفي سنة 318 خرج حميد بن يصل من المهدية إلى تبهرت بغير أذن عبيد الله، ~~وبنى قلعة هنالك، ورد حماد بن هاشم إلى بلده، وصاهره وأصلح بينه وبين سيار ~~بن عبد الوهاب. فكتب عبيد الله إلى يصل بن حبوس أن يوجه حميد إلى المهدية، ~~ولا يؤخره ساعة. فرجع حميد إليها، ولم يلق من عبد الله سوءا. وفيها، نزلت ~~الأمطار بالقيروان وصلحت الأحوال، ورخصت الأسعار بعد ضيق شديد كان فيه ~~الناس، وغلاء، ووباء. وفيها مات بالمهدية هشام بن الربيع التميمي وكان من ~~أهل الخير والفضل وناله من عبيد الله الشيعي عقاب، وضربه بسبب ابن القديم. ~~وأوصى ألا يدفن في المهدية فسيق إلى القيروان ودفن بها. PageV01P195 ### | ذكر مدينة جراوة # كانت مدينة جراوة عليها سور مبنى بالطوب. وبخارجها عيون مالحة وداخلها ~~آبار كثير طيبة عذبة، وحولها أرباض من جميع جهاتها، وفيها قصبة مانعة وفيها ~~خمس حمامات، وجامع، له خمس بلاطات أسسها أبو العيش عيسى بن إدريس سنة 257، ~~ووليها بعد ابنه الحسن بن أبي العيش في سنة 291، وخرج منها إلى حصن المنصور ~~في سنة 319، ثم عاد إليها في سنة 323، ثم انتقل إلى تلمسان في سنة 325. ~~وكان لها أربعة أبواب وحولها فحوص للزرع والضرع وحولها قرى مدغرة على ~~البحر. وعلى الجبل بنو يزناتن، ومن جهة الشرق بنو يفرن من زناتة ومن جهة ~~الغرب قبائل زواغة وغيرهم. ms156 ### | ذكر مدينة تيهرت # وأما مدينة تيهرت، فأسسها عبد الرحمن بن رستم بن بهرام، وكان مولى لعثمان ~~بن عفان وكان خليفة لأبي الخطاب أيام تغلبه على إفريقية ولما دخل ابن ~~الأشعث القيروان، فر عبد الرحمن إلى الغرب بما خلف من أهله وماله فاجتمعت ~~إليه الأباضية، وعزموا على بنيان مدينة تجمعهم، فنزلوا بموضع تيهرت وهي ~~غيضة بين ثلاثة أنهار فبنوا مسجدا من أربع بلاطات، واختطة الناس مساكنهم، ~~وذلك في سنة 161. وكانت في الزمان الخالي مدينة قديمة فأحدثها الآن عبد ~~الرحمن بن رستم وبقى بها إلى أن مات في سنة 168 وقد تقدم ذكر ذلك. PageV01P196 ### | ذكر من ملك مدينة تيهرت من حين ابتدائها من بني رستم وغيرهم # أولهم عبد الرحمن بن رستم: كانت مدته بها سبعة أعوام. ثم وليها ابنه عبد ~~الوارث فكانت مدته بها عشرين سنة وتوفي في سنة 188. ثم وليها ابنه أبو سعيد ~~أفلح بن عبد الوارث، ومات سنة 305، ثم وليها أيضا ابنه أبو بكر بن أفلح بن ~~عبد الوارث بن عبد الرحمن بن رستم، فاختلف عليه الأمر وأخرجه أهلها من ~~تبهرت، ثم أعادوه إلى أن مات فيها. ووليها بعده أخوه أبو اليقظان محمد ابن ~~أفلح، فكانت مدته بها سبة وعشرين سنة، ووفاته في سنة 381، ووليها بعده أبو ~~حاتم يوسف بن أبي اليقظان، فأقام فيها عاما واختلف عليه الناس واضطرب أمره، ~~فخرج إلى حصن لواتة، وقامت بينه وبين أهل تبهرت حروب عظيمة. ووليها بتقديم ~~أهلها يعقوب بن أفلح بن عبد الوارث بن عبد الرحمن بن رستم، فأقام واليا ~~أربعة أعوام ثم خلعوه وقدموا أبا حاتم بن أبي اليقظان، فأقام ستة أعوام إلى ~~أن قتله بنو أخيه سنة 294، ثم وليها يقظان ابن أبي اليقظان، فقتله أبو عبد ~~الله الشيعي، في خبر طويل، مع جماعة من أهل بيته، وذلك في شوال سنة 296، ~~وانقطع ملك بني ستم من تبهرت في هذا التاريخ. # ووليها في أيام الشيعة أبو حميد دواس اللهبصي ولاه أبو عبد الله الداعي ~~حين خروجه منها إلى سلجمانة، فأقام فيها ستة أشهر ms157 حتى أتته العساكر من ~~أفريقية، فافتتحها في سنة 299، ووليها مصالة بن حبوس المكناسي، إلى أن قتله ~~محمد بن خزر الزناتي في شعبان سنة 312 فكانت ولايته بها ثلاث عشرة سنة ~~ووليها بعده أخوه يصل بن حبوس إلى أن توفي سنة 319، ثم وليها PageV01P197 # أبو مالك بن يغمراس بن أبي شحمة اللهبصي، فقام عليه أهل البلد، وأخرجوه ~~سنة 313، ووليها أبو القاسم الأحدب ابن مصالة بن حبوس، فقدموه على أنفسهم، ~~فأقام عليهم سنة واحدة، فلما انصرف ميسور من أرض المغرب إلى أفريقية، ~~حاربهم حتى ظفر بالبلد، وقتل أبا القاسم بن مصالة المذكور، وولي على تبهرت ~~داود بن إبراهيم العحيسي، فأقام واليا عليها إلى أن أخرجه حميد ابن يصل في ~~جمادى الأخرة من سنة 323، في أيام أبي يزيد مخلد بن كيداد البفرني، وخرج ~~حميد بن يصل من تبهرت في سنة 333 في خبر يطول ذكره وجاز إلى الأندلس، واحتل ~~إسماعيل الشيعي مدينة تبهرت، وولي عليها ميسورا الفتى فاضطرب عليه أهل ~~البلاد لأنه سار فيهم بسيرة غير مرضية، فاستدعوا محمد بن خزر الزناتي، ~~وابنه الخير، ومن معهم من زناتة، فقدموا إلى تبهرت في جمع عظيم، وأظهروا ~~أنهم ناصرون لميسور، فخرج إليهم فغدروه وأسروه. ودخل ينو خزر وزناتة مدينة ~~تبهرت، ونزلوا دار الإمارة ثم اضطرب أمر أهل تبهرت وتغلب عليها يعلي بن ~~محمد اليفرني الزناتي، إلى أن قدم جوهر قائد الشيعة، سنة 349، وكانت حوا ~~تبهرت بساتين من أنواع الثمار، كثيرة الأشجار وهي شديدة البرد كثيرة ~~الأمطار، قيا لبعض الظرفاء من أهلها (كم الشتاء عندكم من شهر في السنة!) ~~قال: (ثلاثة عشر شهرا) وقال بعض الشعراء تبهرت من قصيدة أولها (طويل) # فراغ الهوى شغل ومحيا ومحيا الهوى قتل ... ويوم الهوي حول وبعض الهوى كل # وجود الهوى بخل ورسل الهوى عدى ... وقرب الهوى بعد وسبق الهوى مطل # سقى الله تبهرت المنى وسويقة ... بسياحتها غيثا يطرب بها المحل # كأن لم يكن والدار جامعة لنا ... ولم يجتمع وصل لنا ولا شمل PageV01P198 # فلما تمادى العيش وانشقت العصي ... تداعت أهاضيب النوى وهي ms158 تنهل # سلام على من لم نطق يوما بيننا ... سلاما ولكن فارقت وبها ثكل # وما هي آماق يفيض دموعها ... ولكنها الأرواح تجري وتنسل # ومما قيل حين قضى الله بخرابها وانتقال أهلها عنها وأربابها (طويل) # خليل عوجا بالرسوم وسلما ... على طلل أقوى وأصبح أغبرا # ألما على رسم تبهرت دائر ... عفته الغوادي الرائحات فأقفرا # كأن لم تكن تبهرت دارا لمعشر ... فدمرها المقدار فبمن تدمرا # وتبهرت القديمة هذه هي التي خربها الخير بن محمد بن خزر الزناتي، وفيها ~~مات بالقيروان من قريش أبو الحسن المطلبي أحمد بن محمد بن عبد الله بن جعفر ~~بن علي بن زيد بن ركانة بن عبدود بن هاشم بن عبد المطلب يوم الأربعاء لأربع ~~عشر ليلة خلت من جمادى الأول وكان قد صحب عبيد الله بسجلماسة قبل أن يملك ~~القيروان، فنال بها جاها كبيرا في آخر عمره وفيها، مات محمد بن عثمان ~~الخرساني الفقيه، صاحب الوثائق بالقيروان، وكان يذهب مذهب أهل الكوفة، ولم ~~يكن ممن يقول بخلق القرآن وله سماع بمصر من يونس بن عبد الأعلى وفي سنة ~~329، اكتب موسى بن أبي العافية (صاحب الأندلس) (أمير المؤمنين) (عبد ~~الرحمن) الناصر من العدوة (الغريبة) ورغب في موالاته والدخول في طاعته، وأن ~~يستميل له أهواء أهل العدوة المجاورين له فتقبله (أمير المؤمنين) أحسن قبول ~~وأمده بالخلع والأموال وقوى أوده على ما كان يحاوله من حرب ابن أبي العيش ~~وغيره فظهر أمر موسى من ذلك الوقت في العدوة وتجمع إليه كثير من قبائل ~~البربر وتغلب على مدينة جراوة وأخرج عنها الحسن ين أبي العيش بن إدريس ~~العلوي ودارت PageV01P199 # بينهما محاربات ومواقعات. (وبني الحسن بن أبي العيش حصنا منيعا بجبل بينه ~~وبين جراوة أربعة) أميال وحوله قرى لمدغرة، وبني يفرن وغيرهم من القبائل ~~وكان لأبي العيش أيضا وبنيه مدينة تلمسان وما والاها، يسكنها مثل زواغة ~~ونفزة وغير ذلك، وفي ذلك يقول بكر بن حماد (كامل) # سائل زواغة عن طعان سيوف ... ورماحه في العارض المتهلل # وديار نفرة كيف داس حريمها ... والخيل قمرغ في الوشيج ms159 الذلل # غشى مغيلة بالسيوف مذلة ... وسقى جراوة من نقيع الحنظل # ومن جراوة إلى تيهرت ثلاثة مراحل وإلى حصن تامغلت مرحلتان يسكنه بنو دمر ~~من زناتة. ### | ذكر مدينة تلمسان # ذكر أن تلمسان قاعدة المغرب الأوسط قاله البكري وصحح قوله كثير مكن ~~الإخباريين، ومن كتاب رجار قال: وبين مدينة تلمسان وتبهرت، يسكن بنو مرين ~~وجميع قبائل زناتة، منهم تجين ومغراوة وبنو راشد، وورنيد، وغيرهم، قال: ~~وأكثرهم فرسان يركبون الخيل ولهم معرفة بارعة وحذق وكياسة، لاسيما بعلم ~~الكتف. وهم منسوبون إلى جانا. قال: وزناتة في أصل مذهبهم عرب صراح وإنما ~~تبربروا بالمجاورة والمحالفة للبربر. وذكر أنهم ينتسبون إلى بر بن قيس بن ~~إلياس بن مضر. ### | ذكر افتتاح مدينة سبتة بالعدوة # وفي سنة 319، هذه المؤرخة، افتتح الناصر لدين الله الأموي مدينة سبتة ~~بالعدوة (على بحر الزقاق من بر العدوة، التي هي نظام باب المغربين ومفتاح ~~باب المشرقين، وهي على ما قبل مجمع البحرين قاعدة البر والبحر PageV01P200 # واللؤلؤ الحالة من الدنيا بين السحر والنحر وفي فتحها يقول عبيد الله بن ~~يحيى بن إدريس يخاطب الناصر (طويل) # بسيفك دانت عنوة وأقرت ... بصائر كانت برهة قد تولت # وما قربت أهواؤها إذ تقربت ... ولا حليت بالزي لما تحلت # ولكن أزالت راسيات عقودها ... عزائم لو ترمي بها العصم زلت # ودولة منصور اللواء مؤيد ... تدل بحد الله من شر دولة # فهذا أوان النصر منها وهذه ... بشائره تروي الأنام ببستة # فشكها أمير المؤمنين (الناصر) بالرجال، وأتقنها بالبيان وبرني سورها ~~بالكدان وألزم فيها من رضيه من قواد وأجناد وصارت مفتاحا إلى العدوة قال ~~عريب: وبابا إليها، وثقافا على المراسي في ذلك الجانب وقامت الخطبة فيها ~~باسم أمير المؤمنين الناصر وذلك يوم الجمعة لثلاث خلون من ربيع الأول من ~~العام المؤرخ. وفيها، ورد الخبر على عبيد الله بالمهدية بدخول موسى بن أبي ~~العافية وأهل سبتة في طاعة أمير المؤمنين عبد الرحمن بن محمد الناصر، وأن ~~مركبا نزل زم الأندلس بمرسى جراوة لموسى بن أبي العافية، فهبط إليه الحسن ~~بن أبي العيش واخذ ما ms160 كان فيه. فكاتبه قاضيه ووجوه أهل موضعه وكلموه في ذلك ~~فلم يصرف إليه متاعه، فزحف موسى إلى صاء، فأخرج منها عامر بن أبي العيش ~~وأمن أهلها، ثم زحف إلى زواغة، فخرج إليه ابن أبي العيش فلما رأى كثرة من ~~معه انصرف عنه من غير قتال، وأحرق ابن أبي العافية بسيط جراوة وتجول في ~~البد أياما، ودارت بين أبي العيش وبين ابن أبي العافية مراسلات. ورغب ابن ~~أبي العيش في مصالحته وصرف ما كان أخذ له، PageV01P201 # واصطلحا. ورجع موسى إلى بلده، ثم زحف ابن أبي العافية إلى أزقور، فاستمد ~~أهل قلوع جارة عليه بابن أبي العيش، فأمدهم بخيل وأغاروا على بعض نواحي ابن ~~أبي العافية، وأخذوا له جمالا كثيرة، وقاسموا الغنيمة ابن أبي العيش. فعادت ~~الحرب بين ابن أبي العافية وبين ابن أبي العيش وكاتب أهل جراوة ابن أبي ~~العافية وضمنوا له دخول المدينة وزحف إليها بمن معه، وأدخله أهلها طائفين. ~~ثم قصد إلى المنصور فدعاهم إلى الأمان فأجابه بعضهم، تغلي على سائرهم وقتل ~~بها جماعة، وقيل أنه أخذ زوجة ابن أبي العيش القرشية، وأولاده وخيله وسلاحه ~~وأحرق المدينة بالنار، وانصرف إلى محلته وبعث زوجة ابن أبي العيش إلى أهلها ~~مع ثقات من أهل حراوة فعظم على الشيعي ما ورد من هذا الأمر، وأقلقه وكتب ~~إلى القبائل في المغرب يحضهم على طاعته ويمنيهم إمداده ونصره، ومدينة سبتة ~~مدينة أزلية على ضفة البحر الرومي وهو بحر الزقاق الداخل في البحر المحيط، ~~وهي في طرف من الأرض والبحر محيط بها من كل ناحية إلا موضعا ضيقا جدا، لو ~~شاء أهلها ان يصلوه بالبحر الأخر لفعلوا فتصير من جزر البحر. ويجلب الماء ~~إلى حماماتها من البحر. وأهلها هرب وبربرولم تزل دار علم. وشرقيها جبل منيف ~~داخل في البحر والبحر محيط به ويلقط في بعض نواحي هذا الجبل ياقوت صغير ~~الجرم، عريق في الجودة، وبحرها يستخرج منها المرجان وهو السبذ. واختلف في ~~تسميتها بستة فقال قوم: سميت بذلك لانقطاعها في البحر تقول العرب: (ست ~~النعل) ms161 إذا قطعته. وقال آخرون أن رجلا من ولد سام بن نوح - عم - اسمه سبت ~~خرج من المشرق لأسباب عرضت له فتوغل في المغرب حتى أتى موضعها فاختط فبها ~~موضعا يعمره. ويذكر أشياخنا الحديث المسند عن وهب بن PageV01P202 # مسرة الحجري وذلك أن أبا عبد الله محمد بن علي حدثه عام 400 عن وهب بن ~~مسرة عن بن وضاح عن سحنون عن إبراهيم ابن القاسم عن مالك عن نافع عن ابن ~~عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: أن بأقصى المغرب مدينة تسمى سبتة ~~أسسها رجل صالح اسمه سبت من ولد سام بن نوح، واشتق لها اسما من اسمه ودعا ~~لها بالبركة والنصر فما رماها أحد بسوء إلا رد الله بأسه عليه. قال بن ~~حمادة: قال شيخنا العالم أبو الفضل عياض بن موسى وهذا الحديث تشهد بصحته ~~التجربة، فأنها مازالت محمية عند من وليها من الملوك وقل وما أحدث أحد منهم ~~فيها حدث سوء إلا هلك. # قال تاعذري: كان ملك من ملوك القوط بالأندلس يسمى تودوش فجاز البحر إلى ~~سبتة لمحاربة البربر فحاصرهم فيها ثم تألفوا عليه فأمكنته منهم غزة فقتلهم، ~~ولم ينجح منهم ألا القليل. ورجع تودش إلى الأندلس. وبقى البربر فيها إلى أن ~~دخل الروم ثانية، وكان فيها يليان. وكان عقبة بن نافع لما غزا الغرب ودوخه ~~كله وصل إلى سبتة فخرج إليه يليان بهدايا وتحف وأستلطفه وكان ذا عقل وتجربة ~~فأمنه عقبة وأقره على موضعه ثم دخل العرب بعد ذلك بالصلح ثم قام البربر إلى ~~طنجة وزحفوا إليها فأخرجوا من كان فيها وخربوها، وبقيت مسكنا للوحوش مدة ~~طويلة. ثم دخلها رجل من غمارة يسمى ماجكس فعمرها وأسلم ورأس فيها وانضافت ~~له البربر إلى أن هلك ثم وليها بعده أبنه عصام بن ماجكس ثم أبنه مجبر بن ~~عصام ثم وليها الرضى بن عصام وكان يحكم فيها برأي فقهاء الأندلس ثم دخلها ~~قوم من قلشانة فاشتروا فيها أرضا من البربر وبنوا فيها دورا وما تثلم من ~~سورها الذي هو اليوم ms162 الستارة وكانوا مع ذلك يدعون الطاعة لبني إدريس PageV01P203 # حتى أفتتحها عبد الرحمن الناصر ودخلها قائده فرج بن غفير يوم الجمعة ليلة ~~خلت من شعبان من سنة 319. # ذكرى من ولى سبتة لبني أمية: فوليها من قبل الناصر بن غفير سنة 319 ~~المذكورة. ثم وليها أحمد بن عبد الصمد الغرناطى: ثم وليها محمد بن حزب الله ~~سنة 323 ثم عزل. ووليها محمد بن مسلمة في سنة 236 ثم عزل. ووليها ابن مسلمة ~~أيضا إلى سنة 330 ووليها ابن مقاتل إلى أن أسر في شوال 332 أسره عندهم بنو ~~محمد الأدارسة إلى أن لحقهم قاضيها محمد ابن أبي العباس في رمضان سنة 333، ~~فجنحوا بنو محمد إلى السلم على يد القاضي فأطلقوا ابن مقاتل، وبعثوا ~~رهائنهم إلى أمير المؤمنين الناصر بقرطبة. ولم يزل ولاة الناصر يتداولونها ~~إلى سنة 346. # وفيها مات أحمد بن أحمد بن زياد الفارسي صاحب الوثائق بالقيروان، وكان له ~~سماع ونظر، وتولى كتابة السجلات والأحكام لعيسى بن مسكين، وله كتب في ~~الوثائق والشروط في مواقيت الصلاة. وفيها مات في مدينة نيهرت يصل بن حبوس ~~صاحبها فقدم أهلها على أنفسهم علي بن مصالة وتكبوا إلى عبيد الله بالخير، ~~فولى عليهم حميد بن يصل وأخرجه إليها في جيش كثيف وفصل إليها في ذي الحجة. # وفيها ولد أبو تميم معد بن إسماعيل الشيعي يوم الاثنين لتسع خلون من شهر ~~رمضان بقصر المهدية. # وفي سنة 320 أوقع حميد بن يصل بداود بن مصالة، وسنان وأبي حمليل بن برنو ~~وقتل جماعة من أصحابهم وحصرهم في حصن أبي حمليل ثلاثة أشهر. وقرى بذلك كتاب ~~عبيد الله الشيعي على المنابر تأريخه يوم الخميس لليلتين خلتا من جمادى ~~الأخيرة. وفيها سار موسى بن أبي العافية إلى محمد بن خزر (أمير زناتة) وطوى ~~نحوه المراحل فألقاه على حين غفلة فقاتله وهزمه وقل أصحابه ثم أنصرف إلى ~~جراوة. وكان سبب PageV01P204 # ذلك بن خزر كتب إلى موسى بن أبي العافية في أمر ابن أبي العيش بما أحفضه، ~~وأظهر أنه مؤيد له عليه. فأنف ms163 لذلك موسى وخرج إليه وواقعه وفيها عزل عبيد ~~الله بن سلمان صاحب الوثائق، وكان في عناية أبي جعفر البغدادي وزن بابنه ~~فرع بذلك عليه خليل الشيعي وقال له: (يا مولاي إنما يعمل البغدادي 6في شتر ~~هذه الدولة الزاهرة وإدخال العيب فيها! وقد ولى على قضاء إطرابلس والوثائق ~~رجلا مستهترا بالمرد!) ورفع إليه قول ابن عامر الفزاري في مرد إفريقية أيام ~~بني الأغلب وفيها ذكر أبو سلمان هذا بقبيح من القول. وأول الأرجوزة: # وروضة تكسو يم الأرض # وشيئا بديعا من نبات غض # منها على الأرواح قاض يقضي # بياض بعض واحمرار بعض # وفيها: # بار ابن سلمان على الغزلان # شبيه بدر فوق غصن بان # ما إن له في حسنه من ثان # كأنما صبغ من العقيان # فلذلك عزله، وولى قضاء مدينة إطرابلس أحمد بن بحر وكان صاحب مظالم ~~القيروان وصلاتها باختبار إسحاق بن أبي المنهل. وفيها أظهر موسى ابن أبي ~~العافية الدعوة لأمير المؤمنين الناصر وقام بها وذلك في شعبان بعد أن تغلب ~~على نكور ودخلها بالسيف وقتل صاحبها المؤيد بن عبد البديع بن صالح بن سعيد ~~بن إدريس وبعد أن حصر بني محمد في الجبل المعروف بحجر النسر حتى صالحوه على ~~شيء أخذه منهم وزال منهم. PageV01P205 # وفيها مات في تونس أبو حبيب نصر الرومي وله سماع من ابن عبد الله الحكم ~~من أهل الحفظ للمسائل. # وفي سنة 321 سجلماسة أبو المنصور بن معتز بن محمد وهو ابن ثلاثة عشر سنة ~~فمكث في ولايته شهرين وقام عليه ابن عمه محمد ابن الفتح المسمى بالأمين ~~فحاربه وتغلب وتغلب عليه وأخرجه من سجلماسة وتملكها وكان سنيا يظهر العدل ~~إلا أنه تسمى بأمير المؤمنين وتلقب بالشاكر لله وضرب بذلك الدنانير ~~والدراهم وذلك 342 فمكث كذلك إلى أن قربت منه عساكر أبي تميم معد العبيدي. ### | ذكر من ولي سجلماسة من حين فتحها الشيعي # ولى الشيعي المزاني المتقدم ذكره في سنة 298 فقتله أهل سجلماسة بعد ~~إقامته خمسين يوما ووليها أبو الفتح بن الأمين سنتين وأشهرا. ثم ووليها ~~أحمد ms164 بن الأمين سنة 300 وبقي بها إلى أن حاصره مصالة بن حبوس وافتتحها عنوة ~~وقتله في محرم سنة 309 وولي مصالة على سجلماسة المعتز ابن محمد من بني ~~مدرار وبقي بها إلى سنة 321 المورخة وتوفي. فوليها أبو المنصور المذكور. # وفي سنة 322 توفي عبيد الله المهدي ليلة الثلاثاء من ربيع الأول فكانت ~~مدته أربعا وعشرين سنة وعشرة أشهر ونصفا. وكان وصوله إلى مصر في زي التجار ~~سنة 289. وظهر بسجلماسة في ذي الحجة سنة 296 وسلم عليه بالأمانة. وأنفصل ~~إلى رقادة في ربيع الآخر من سنة 297. وبنى المهدية وأستقر بها سنة 308. ~~ولما أنتقل إلى المهدية دخل رقادة الوهن وأنتقل عنها ساكنوها، فلم تزل تخرب ~~شيئا بعد شيء إلى أن ولى معد بن إسماعيل فخرب ما بقى منها. PageV01P206 # ذكر رقادة: وكانت رقادة دار ملك بني الأغلب ويذكرون أن من دخلها لم يزل ~~ضاحكا من غير سبب وأن أحد ملوك بني الأغلب شرد عنه النوم فلما وصل إليها ~~نام فسميت رقادة، فاستوطنها إبراهيم بن أحمد وانتقل إليها من القصر القديم، ~~فبنى بها قصورا عجيبة وجامعا وحمامات وغير ذلك. # وكان تأسيسها سنة 263 وتأسيس القصر القديم سنة 184. وكان ابن الأغلب منبع ~~بيع الشراب بالقيروان وأباحه برقادة فقال بعضهم في ذلك منسرح: # يا سيد الناس وأبن سيدهم ... ومن إليه الرقاب منقاد # ما حرم الخمر في مدينتنا ... وهو حلال بأرض رقادة # ذكر المهدية بالقيروان: وأما المهدية فهي منسوبة إلى المهدي عبيد الله ~~الشيعي. فأنه لما تغلب على الملك تلقب بالمهدي وسمى مدينته التي بناها ~~بقلبه وبينها وبين القيروان سنون ميلا وقويت في أيام وأيام أبنه أبي القاسم ~~وحفيده إسماعيل وصدرا من دولة معد بن إسماعيل حتى أنتقل منها معد إلى ~~القاهرة، لما ملك مصر وبنى القاهرة المعزية نسبة إلى لقبه المعز فضعف إذ ~~ذاك المهدية إلى أن أستوطنها المعز بن باديس آخر أيامه لما خرجت القيروان ~~بهزيمة المعز المذكور، إلى أن توفي بها، ووليها بعده ابن تميم بن المعز، ~~وصارت دار ملكه، وولده يحيى بن ms165 تميم بعده ووله علي بن يحيى بعده إلى أن ~~أخرجهم منها عبد المؤمن بن علي بعد المحاصرة. وبقيت للإسلام إلى الآن. وبها ~~دار صنعه الإنشاء المجيبة: يخرج الجفن مغمورا من خلف السور فلا يعلم به حتى ~~يفاجأ العدو القاصد فيحيط به فلا يقربها العدو لآجل. PageV01P207 # وأما القيروان، فكانت أعظم مدن المغرب طرأ وأكثرها بشرا، وأيسرها أموالا ~~وأوسعها أحوالا. وكان الغالب على أهلها التمسك بالخير والتخلي عن الشبهات ~~واجتناب المحارم إلى أن تولى الدمار عليها بدخول العرب عليها على ما يأتي ~~ذكره في موضعه، فلم يبقى بها إلا أطلال دراسة، وآثار طامسة. ويذكر أنها ~~ستعود إلى ما كانت عليه. وهي الآن في وقتنا الحاضر وهو آخر المائة السابعة ~~قد ابتدأت بالعمارة. # وملك عبيد الله الشيعي إفريقية، وجمع المغرب، وإطرابلس وبرقة وجزيرة ~~صقلية وكانت عماله على ذلك كله وسير ولده ولي عهده إلى مصر ففتحها وكانت ~~الكتب تنفذ في أيامه باسم ولده. وكان له ستة أولاد: أكبرهم ولي عهده أبو ~~القاسم عبد الرحمن بن عبيد الله الشيعي المتلقب بالمهدي وعمره أعني عبيد ~~الله الشيعي يوم مات ثلاثة وستون سنة. ### | ذكر ولاية أبي القاسم بن عبيد الله بإفريقية # بويع له يوم مات أبيه منتصف ربيع الأول من سنة 322 المؤرخة وتلقب بالقائم ~~بأمر الله. وتوفي يوم الأحد الثالث عسر من شوال سنة334. فكانت دولته اثنتي ~~عشرة سنة وسبعة أشهر وعمره خمس وخمسون سنة. أولاده الذكور سبعة حاجبه: جعفر ~~بن علي. ومن قضاته ابن أبي النهل. ولم يركب أبو القاسم طول إمارته بمظلة ~~فقام بسيرة أبيه وأظهر من الحزن عليه ما لا يعهد لمثله وواصل الحزن لفقده ~~وأدامه من بعده فما ركب دابة من باب قصره منذ مات أبوه إلى أن قبض سوى ~~مرتين. وافتتحت في أيامه مدائن كثيرة من PageV01P208 # مدائن الروم بصقلية وثار عليه عدة ثوار فأمكنه الله منهم وممن ثار عليه ~~ابن طالوت القرشي فسار إلى ناحية أطرابلس ليأخذها هو في عدد كثير فقاتلوه ~~وقتلوا جماعة من أصحابه وزعم أنه ابن المهدي ms166 فقام معه البربر واتبعوه. فلما ~~تبين لهم أمره قتلوه وأتوا برأسه إلى القائم بأمر الله. وكان أول ما بدأ به ~~أبو القاسم الشيعي أن أمر عمالة في سائر البلدان بعمل السلاح وجمع الآلات ~~الحربية وأخرج الفتى ميسورا بعدد عظيم إلى الغرب فانتهى إلى فاس وهز ابن ~~أبي العافية، وأخذ أبنه أسيرا. وأخرج يعقوب بن إسحاق في الأسطول إلى بلد ~~الروم فافتتح جنوة وأقر أبا جعفر البغدادي على البريد والكتابة، وفوض إليه ~~كثيرا من أمور المملكة. # وفي سنة 323 بعث القائم بأمر الله عسكرا إلى برقة قود عليه زيدان، وبعث ~~معه عامرا المجنون، وأبا زرارة وجماعة من عساكر برقة الذين بها من كتامة ~~إلى مصر فدخلوا إلى الإسكندرية فأخرج إليه محمد بن الإخديش جيشا فيه خمسة ~~عشر ألفا فأسر منهم خلقا كثير. # وفي هذه السنة مات الفضل بن علي بن ظفر وكان أديب دهره ظريفا عصره، علما ~~وفقها وأدبا ووفاء. # وفي هذه السنة وصل ميسور الصقلبي إلى مدينة فاس، فخرج ألبه صاحبها أحند ~~بن أبي بكر بن أبي سهل الجذامي فغدره وقبض عليه وبعث به إلى المهدية فقدم ~~أهل فاس على أنفسهم حسن بن القاسم اللواتي وحارب أهل فاس ميسورا سبعة أشهر ~~فلم يقدر عليهم ثم حاصر ابن أبي العافية واستعان ببني إدريس عليه واعتنى ~~بهم ووفى لهم حقهم فانجلى ابن أبي العافية أمامهم PageV01P209 # إلى الصحراء وصار كل ما كان لبني العافية لبني إدريس. وكانت الرياسة فيهم ~~لبني محمد بن القاسم، وهم حسن، وقنون، وإبراهيم المعروف بالرهوني. وقنون ~~اسمه القاسم، وكان يلزم مدينة صخرة النسر. ### | ذكر أخبار الأدارسة وسبب دخولهم إلى المغرب وبنائهم مدينة فاس ومن وليها منهم ومن غيرهم إلى هذه السنة # ذكر العذري وغيره أن إدريس وسليمان ابني عبد الله الحسن بن الحسن ابن علي ~~ابن أبي طالب - رضي الله عنهم - فروا من الواقعة التي كانت في أيام جعفر ~~المنصور، وهي وقعة فخ، وكانوا ست أخوة: إدريس، وسليمان، ومحمد، وإبراهيم، ~~وعيسى ويحيى. أما محمد فخرج بالحجاز وقتل. وأما يحيى ms167 فقام في الديلم، في ~~خلافة الرشيد، وهبط على الأمان، ثم سم ومات. وأما إدريس، ففر إلى المغرب؛ ~~ودخل إليه في أيامه من الطالبين أخوه سليمان، فاحتل بتسلمان، وداود بن ~~القاسم بن إسحاق بن عبد الله بن أبي طالب، ثم رجع داود إلى المشرق، وبقيت ~~ذريته بالمغرب. واحتا إدريس بن عبد الله بالمغرب سنة 170، واستوطن وليلى، ~~وكانت أزلية. وكان وصوله مع مولاه راشد؛ ثم نزل على إسحاق ابن عبد الحميد ~~سنة 172؛ فقدمه قبائل البربر وأطاعوه وبلغ خبره هارون الرشيد، فدس إليه من ~~سمه. وكان المدسوس إليه رجل يقال له الشماخ فسمه وهرب إلى المشرق. ومات ~~إدريس في سنة 175، فقام بأمر البربر مولاه راشد. وترك إدريس جارية بربرية ~~اسمها كنزة؛ فولدت له علاما سمي باسم أبيه فولى إدريس بن إدريس سنة 187 وهو ~~ابن أحد عشرة سنة؛ وقيل: PageV01P210 # أكثر من ذلك، وبايعه جميع القبائل. وكانت عدوة القرويين غياضا، في ~~أطرافها بيوت من زواغة، فأرسلوا إليه، ودبر في البناء عندهم، فكان ابتداء ~~بناء مدينة فاس سنة 193 وذلك عدوة القرويين، غزا إدريس بن إدريس نفرة، ووصل ~~إلى تلمسان، ثم رجع، ووصل إلى وادي نفيس، فاستفتح بلاد المصامدة وتوفي ~~مسموما سنة 213. وأختلف في كيفية موته لا. قال ابن حمادة والبكري وغيرهما: ~~ترك من الولد أثنى عشر، وهم: محمد، وأحمد، وعبد الله، وعيسى، وإدريس، ~~وجعفر، ويحيى، وحمزة، وعبد الله والقاسم، وداود وعنر. # فولي منهم محمد بن إدريس، ففرق البلاد على أخوته بأمر جدته كنزة، فأعطى ~~قاسم طنجة وما يليها، وأعطى عمر صنهاجة الهبط وغمارة، وأعطى داود هوارة ~~تامليت، وولي عيسى ويحيى وعبد الله بلاد أخرى. وبقي الصغار من أخوته فثار ~~عليه عيسى، ونكث طاعته، فكتب الأمير محمد بن إدريس إلى أخيه القاسم، يأمره ~~بمحاربته، فأمتنع، وكتب أيضا إلى أخيه عمر، فأجابه وسارع إلى نصريه، وكان ~~تقدم بين عمر وعيسى تنازع. وتوفي عنر ببلد صنهاجة، ونقل إلى فاس، وهو جد ~~الحموديين. ثم توفي الأمير محمد بن إدريس - رحمه الله - فولي يحيى بن محمد ~~بن إدريس، فولي ms168 يحيى أعمامه وأخواله أعمالا فولي حسينا القبلة من مدينة فاس ~~إلى أغمادت، وولي داود المشرق من مدينة فاس: مكناسة، وهوارة، وصدينة، وولي ~~قاسم غربي فاس: لهاتة وكتامة. وتشاغل يحيى عما كان يحق عليه من سياسة أمره. ~~فملك أخوته أنفسهم، استمالوا القبائل، وقالوا لهم: (إنما نحن أبناء أب ~~واحد، وقد ترون ما صار إليه أخونا يحيى من إضاعة أمره) فقدمهم البربر على ~~أنفسهم تقديما كليا. وكان يحيى منهمكا في الشراب، معجبا بالنساء، وذكر أنه ~~دخل يوما PageV01P211 # الحمام على امرأة، فتغير عليه أهل فاس، فكان ذلك سبب هلاكه، فهرب إلى ~~عدوة الأندلس، فمات بها، وكانت زوجه بنت علي بن عمر جد الحموديين. ثم ولى ~~علي بن عمر بن إدريس، وذلك أنه، لما هلك يحيى، أتى صهره على هذا، فدخل عدوة ~~القرويين وملكها، وانتقل الأمر عن بني محمد بن إدريس إلى بني عمر بن إدريس. ~~ثم قاد عليه عبد الرزاق الخارجي الصفري من مديونة، فدارت بين علي وعبد ~~الرزاق حروب كثيرة، إلى أن هزمه الخارجي، واستولى على فاس. ومر على أهل ~~أروبة وملك عبد الرزاق عدوة الأندلسيين، وأخرج منها عبد الرزاق في خبر ~~طويل. وطالت أيام يحيى هذا بفاس وما والاها من البلاد والأقطار والقلاع، ~~إلى أن قتله ربيع بن سليمان سنة 292. # ثم ولى يحيى بن إدريس بن عمر بن إدريس بن إدريس وذلك أنه لما مات يحيى بن ~~القاسم تقدم إلى فاس يحيى بن إدريس وملكها. ورجع الأمر إلى بني عمر بن ~~إدريس خمس عشر سنة، إلى أن قدم مصالة بن حبوس في سنة 307، وذلك أن مصالة قد ~~قدم الغرب في حركته الأولى سنة 305، فابتدأ بالإحسان والإكرام لموسى بن أبي ~~العافية، وقدمه على ما استولى عليه من بلاد الغرب. وكان يحيى بن إدريس صاحب ~~فاس يغير عليه ويقطع عنه أمله. فلما رجع مصالة في سنة 307، أقام بالغرب ~~خمسة أعوام، فكان ابن أبي العافية يسعى في ضرار يحيى وحنقه عند مصالة لما ~~تقدم بين موسى ومصالة من المودة ولما كان بين موسى ويحيى ms169 بن إدريس من ~~العداوة فعزم مصالة على القبض على يحيى، فلم يزل يتحيل عليه، حتى أقبل إلى ~~معسكره فغدره، PageV01P212 # وقبض عليه، وانتزع ما كان بيده وأمره باستجلاب ماله فأحضره وأخرجه من فاس ~~وولي فاسا عامل مصالة. وانفصل مصالة من الغرب، وبقي موسى ابن أبي العافية ~~في الغرب أميرا. # ثم قام حسن بن محمد سنة 310، وهو حسن بن محمد بن القاسم بن إدريس بن ~~إدريس، الملقب بالحجام، فأوقع بموسى بن أبي العافية. وكان بينه وبين رؤساء ~~القبائل وقعة شنيعة، لم يكن بالغرب بعد دخول إدريس الكبير مثلها، قتل فيها ~~من البربر نحو ألفي قتيل، وقتل لموسى في جملتهم ولد يسمى منهل. وملك حين ~~هذا فاسا وما يليها نحو سنتين. ثم قام عليه أهل فاس، وغدروه وقدموا حامد بن ~~حمدان الهمداني، وكان يعرف باللوزي، وهي قرية بإفريقية نسب إليها تسمى ~~لوزة. فأخذ حامد حسن بن محمد، وسجنه وأرسل إلى موسى بن أبي العافية فأتاه ~~بجيوشه ودخل فاسا وتغلب عليها وأراد قتل حسن لأجل أبنه منهل الذي كان السبب ~~في قتله، فدافعه حامد عنه، وكره المجاهرة بقتله ثم سم بعد ذلك، وقيل: أخرجه ~~حامد على السور فسقط عنه وانكسرت رجله ووصل إلى عدوة الأندلسيين فمات بها ~~رحمه الله؟!. # واستولى موسى بن أبي العافية على ملك فاس وبلاد الغرب بعد موت حسن ~~الحجام. وسمي بذلك لأنه حارب بني عمه فضرب رجلا بحربة صادف بها موضع الحجم، ~~ثم صادف ضربة أخرى لشخص أخر في موضع المحاجم ايضا، وكذلك ثالثة. فقال ابن ~~عمه أحمد: (صار ابن عمي حجاما) فسمي بذلك حجاما. # ومن قوله طويل: # وسميت حجاما ولست بحجام ... ولكن لضربي في مكان المحاجم # ولما استولى ابن أبي العافية على فاس قتل عبد الله بن ثعلبة بن محارب PageV01P213 # الأزدي وقتل أخاه محمد وهرب والدهما ثعلبة بن محارب إلى قرطبة. وأراد ~~موسى ابن أبي العافية قتل حامد الذي كان السبب في دخول فاس فهرب منه محصل ~~في المهدية. وأجل موسى بن إدريس أجمعين عن مواضعهم وصاروا في مدينة ms170 حجر ~~النسر مقهورين، وهو حصن مانع بناه إبراهيم بن محمد بن القاسم بن إدريس. ~~وعزم موسى على محاصرتهم في هذا الحصن واستئصالهم، فأخذ عليهم في ذلك أكابر ~~أهل المغرب وقالوا له: (قد أجليتم، وأفقرتهم! أتريد أن تقتل بني إدريس ~~أجمعين، وأنت رجل من البربر؟ فأنكسر عن ذلك ولاذ بعسكره وتلف لمراقبتهم ~~قائده أبو قمح فكانت حملته قريبا منهم فضيق عليهم، وأستخلف ابن أبي العافية ~~على أبنه مدين علي فاس فبقى بها حتى قدم حميد بن مصال. ولما وصل محمد إلى ~~بلاد الغرب وولى على فاس حامد بن حمدان. وكان ولد موسى لما سمع بقدوم محمد ~~حامد هرب من فاس. وتظاهرت بنو إدريس على قائد موسى بن أبي العافية فهزموه ~~وغنموا أكثر من عسكره. وذلك سنة 317. ثم قام بفاس أحمد بن بكر بن أبي سهل ~~الجذامي فقتل حامد بن حمدان وبعث برأسه إلى موسى بن أبي العافية، وبرأس ~~ولده فبعث بهما موسى إلى قرطبة مع سعيد الزراد. وكان حميد بن يصال ولما رجع ~~من بلاد الغرب إلى إفريقية ترك موسى بن أبي العافية بغير عهد من أمير ~~إفريقية فكان ذلك سببا لسجنه بإفريقية إلى أن هرب إلى الأندلس وكان موسى ~~يسهل إلى لصاحب قرطبة من أمراء بني أمية. # وفي سنة 324 خرب علي بن حمدون المعروف بابن الأندلسي مدينة المسيلة. وكان ~~بينها وبين طبنة مرحلتين. وكان بقرب المسيلة مدينة للأول تسمى الرومانية، ~~يطل عليها جبل أوراس وهو مسيرة سبعة أيام وفيه قلاع كثيرة يسكنها هوارة وهم ~~على رأي الخوارج وفي هذا الجبل كان مستقر PageV01P214 # الكاهنة وفيه ظهر أبو يزيد مخلد بن كياد وقام على أبي القاسم الشيعي. # وفي سنة 325 قدم أبو القاسم بن عبيد الله الشيعي على صقلية خليل بن ~~إسحاق، فعمل بها ما لم يعمل بها أحد من قبله ولا بعده من المسلمين أهلكهم ~~قتلا وجوعا حتى فروا إلى بلاد الروم وتنصر كثير منهم وبقى بصقلية أربعة ~~أعوام. ولما قدم منها سنة 329 قال يوما، مفتخرا بظلمه في مجلس ms171 حضره جماعة ~~من محو الناس تكلموا فيه معه في أمور شتى ثم جرى ذكر خروجه إلى صقلية: (أني ~~قتلت ألف ألف: يقوله المكثر والمقلل يقول مائة ألف في تلك السفرة!) ثم قال: ~~(لا والله ألا أكثر!) فقال له أبو عبيد الله المؤدب: (يا أبا العباس! لك في ~~قتل نفس واحدة ما يكفيك!) وكان خليل هذا يكنى أبا العباس، وكان عبيد الله ~~الشيعي يصرفه في الأعمال، وجبايات الأموال ومحاسبة الدواوين والعمال. ثم ~~وقعت فيه أقواله، فكرهه عبيد الله وأبغضه، ولولا أبنه أبو القاسم لأهلكه. ~~ومن قول خليل في عبيد الله الشيعي وتوغله فيه طويل: # أن الإمام أقام سنة جده ... للمسلمين كما حذوت نعالها # أحيى شرائعه وقوم كتابها ... وفروضها وحرامها وحلالها # وكان أبو القاسم بن عبيد الله أمر ببناء مدينة المسيلة سنة 313، وجعل ~~المتولي لبنائها ابن الأندلسي وأستعمله بعد ذلك عليها إلى أن أهلك في فتنة ~~أبي يزيد بن كيداد سنة 326 وبقي ابن جعفر في المسيلة وصار أمير على الزاف ~~كله إلى أن خرج عنها في سنة 360 في فتنة زيري بن مناد والشيعية تسمى ~~المسيلة المحمدية. قال المروذي سريع: # ثم إلى مدينة مرضية ... أست على التقوى محمدية PageV01P215 # وأما مدينة مشير فبناها زيري بن مناد الصنهاجي والدليل على ذلك ما أنشده ~~عبد الملك بن عيشون رجز: # يا أيها السائل عن غربنا ... وعن محل الكفر أشير # عن دار فسق ظالم أهلها ... قد شيدت للكفر والزور # أسسها الملعون زيريها ... فلعنة الله على زيري # وخربها يوسف بن حماد الصهناجي واستباح أموالها بعد الأربعين والأربعمائة. # وفي سنة 327 قام بالمغرب الأقصى ويقال له السوس الأذني وهو مرضع تادلا ~~وتامسنا أبو الأنصار بن أبي عفر البرغواطي بعد موت أبيه وكان يفي بالعهد ~~والوعد. وسأذكر بعض أخبارهم إن شاء الله تعالى. ### | أخبار أبي يزيد مخلد بن كيداد اليفاني الزناتي # هو مخلد بن كيداد بن سعد الله بن مغيث بن كرمان بن مخلد بن عثمان بن ~~ورميت بن تبقراسن بن سميدان بن يفرن هو أبو الكاهنة وتنسب إلى ms172 جانا بن يحيى ~~زناته كلها. قال ابن حماده، كان أبو القاسم الشيعي لما مات أبوه عبيد الله ~~أظهر مذهبه وأمر بسب الغر والعباء وغير ذلك من تكذيب كتاب الله تعالى فمن ~~تكلم عذب، وقتل. وأشتد الأمر على المسلمين. ثم أن أبا يزيد هبط من جبل ~~أوراس، يدعوا إلى الحق يزعمه ولم يعلم الناس مذهبه، فخرجوا فيه الخير ~~والقيام بالسنة، فخرج على الشيعة ودخل إفريقية وخرب مدنها ودوخها وقتل من ~~أهلها ما لا ينحصر. # وفي سنة 332 اشتد امر أبي يزيد بإفريقيو حتى فر أمامه أبو القاسم الشيعي ~~إلى المهدية من رقادة. وكان أبو يزيد أحد أئمة الأباضية النكار PageV01P216 # بالمغرب. قال الرفيق: وقرأ على عمار الأعمى. وكان يركب الحمار وتسمى شيخ ~~المؤمنين قال ابن سعدون فبعث الله على أبي القاسم الشيعي مخلد ابن كيداد ~~الخارجي فقهره وقتل جنوده وقام المسلمون معه. وخرج الفقهاء والعباد مع أبي ~~يزيد لحربه وسماهم ابن سعدون في كتابه رجلا، رجلا. فركبوا معه ونهضوا إلى ~~القيروان فد خلها في صفر العام وأظهر لأهلها خيرا وترحم على أبي بكر وعمر ~~ودعا الناس إلى جهاد الشيعية وأمرهم بقراءة مذهب مالك. فخرج الفقهاء ~~والصلحاء في الأسواق بالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى أصحابه ~~وأزواجه حتى ركزوا بنودهم عبد الجامع. فلما كان يوم الجمعة اجتمعوا بالمسجد ~~الجامع وركبوا مع أبي يزيد السلاح ومعهم البنود والطبول منها بندان أصفران ~~مكتوب في أحدهما البسملة و (محمد رسول الله) وفي الأخر (نصر من الله وفتح ~~قريب على يد الشيخ أبي يزيد! اللهم! أنصر وليك على من سب أولياءك) وبند أخر ~~مكتوب عليه (قاتلوا أمية الكفر) الآية وبند أخر مكتوب فيه: (قاتلوهم يعذبهم ~~الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم) وبند أخر مكتوب فيه بعد البسملة أيضا ~~(محمد رسول الله أبو بكر الصديق، عمر الفاروق) وبند أخر وهو السابع فيه (لا ~~إله إلا الله! محمد رسول الله! ألا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين ~~كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه ms173 لا تحزن إن الله معنا.) ~~فلما اجتمع الناس وحضر الإمام وطلع على المنبر خطب خطبة أبلغ فيها وحرض ~~الناس على جهاد الشيعية وأعلمهم بما لهم فيه لعن عبيد الله وابنه ثم نزل ~~فخرج وخرج الناس معه لقتال الشيعة الفجار PageV01P217 # فلم يزل قاهرا لهم غالبا عليهم قاتلا لجنودهم حتى لم يبقى لهم من بلاد ~~إفريقية إلا اليسير. # ولما رأى أبو يزيد أنه استولى على الأمر أو كاد وأن الشيعي قد كاد يبيد ~~أو باد قال لجنوده (إذا التقيتم مع القوم فانكشفوا عن أهل القيروان حتى ~~يتمكن أعدائهم من قتلهم فيكون هم الذين قتلوه لا نحن! فيستريح منهم!) أراد ~~أن يتبرأ من معرة قتلهم عند الناس، وأراد الراحة منهم لأنه فما ظن إذا قتل ~~شيوخ القيروان وأئمة الدين، تمكن من أتباعهم فيدعوهم إلى ما شاء فيتبعونه. ~~فقتل من صلحاء القيروان وفقهائهم من أراد الله بسعادته وشهادته وسقط في ~~أيدي الناس وقالوا: (قتل أولياء الله شهداء) ففارقوه، واشتد بغضهم له أعني ~~لأبي يزيد. وما أبو القاسم الشيعي محصورا. # وفي سنة 333، قتل أبو يزيد ميسرة الفتى قاد أبو القاسم الشيعي وكان بين ~~أبي القاسم وأبي يزيد حروب كثيرة وفيها كانت الواقعة المشهورة بينهما في ~~وادي الملح قتل فيها من أصحاب أبو القاسم عددا لا يحصى. # وفي سنة 334 توفي أبو القاسم بن عبيد الله الشيعي القائم بأمر الله وذلك ~~يوم الأحد لثلاث عشرة خلت من شوال من السنة المذكورة فكانت مدته اثنتا عشرة ~~سنة. ### | ولاية إسماعيل بن أبي القاسم عبيد الله الشيعي # كنيته: أبو الطاهر. لقبه: المنصور. وكان والده ولاه عهده في رمضان ودعا ~~على المنبر بإفريقية. وكان موالده بالمهدية سنة 302 وولى وسنة اثنان ~~وثلاثون سنة. وكان فصيحا بليغا. PageV01P218 # وفي سنة 335 وصل أبو يزيد إلى المهدية ثم نهض إلى سوسة فناوشه أهلها، ~~فقيل فيه: (وافرا) : # ألم بسوسة وبغى عليها ... ولكن الإله لها نصير # مدينة سوسة للغرب ... ثغرة يدين لها المدائن والقصور # لقد لعن الذي بغوا عليها ... كما لعنت قريظة والنضير # أعز الدين ms174 خالق كل شيء ... بسوسة بعدها التوت الأمور # فرفع أبو يزيد عنها، ورجع إلى المهدية، فلما وصل دفع حتى ضرب برمحه في ~~بابها، فدخل راجل القصر على إسماعيل، فوجده يلعب بسلباحة في الصهريج. فقال ~~له: (تلعب، وأبو يزيد يركز رمحه بالباب فقال له (أو قد فعل؟) قال: (نعم) ~~قال: (والله لا عاد إليها أبدا! وقد جاء حتفه! كذا رأينا في كتبنا) ثم أمر ~~في الحين بالركوب والخروج إليه. # وفي سنة 336 من الهجرة، أمر المنصور أبو طاهر ببناء صبرة واختطها، وسماها ~~المنصورية. قال البكري: ولم تزل المهدية دار ملك بني عبيد إلى أن سار منها ~~أبو طاهر إلى القيروان بعد قتله لأبي يزيد، وبنى مدينة صبرة واستوطنها، ~~وخلت أكثر أرباض المهدية وتهدمت. ونقل أبو طاهر سوقة القيروان إلى صبرة. ~~وكان لها أربعة أبواب. وبينها وبين القيروان نحو نصف ميل. وكان من المهدية ~~إلى مدينة سلقطة ثمانية أميال، ومنها زحف أبو يزيد إلى المهدية أيام حصاره. ~~وكانت محلة أبي يزيد بترنوط. وفي كتب الحدثان: (إذا ربط الخارجي خليه ~~بترنوط، لم يبق لأهل السواد محلول ولا مربوط) و (ويل لأهل السواد من محلة ~~أبي كيداد) وامتحن أهل باجة أيام أبي يزيد بالقتل والسبي. وقيل في أبي يزيد ~~رجز: # وبعدها باجة أيضا أفسدا ... وأهلها أخلى ومنها شردا PageV01P219 # ولما عزم المنصور عل مقاتلته ومحاربته، أعطى جنوده، وحشد حشوده، وخرج ~~إليه في العساكر. فمرت الهزيمة على أبي يزيد. وأمر إسماعيل الناس باتباعه ~~إلى أن دخل بلاد كتامة. فتعلق بالجبل المعروف بحصن أبي يزيد، وأثخن ~~بالجراح، وقبض عليه حيا، فجعل في قفص من حديد، وجيء به إلى المنصور إلى ~~المهدية، فقتله، وصلبه على باب الذي ضرب فيه برمحه. قال القضاعي: مات أبو ~~يزيد في محرم من سنة 336 المذكورة. قال: وأمر بسلحه وحشي جلده قطنا، وصلبه. ~~وقال أبو حمادة: ولما ظفر بأبي يزيد، نهض إلى القيروان، فدخلها في هذه ~~السنة، فقتل من أهلها خلقا، وعذب آخرين، ولم يزالوا معه في الامتحان إلى أن ~~هلك، قال القضاعي: وكان ms175 انتقال المنصور إلى المنصورية في سنة 337. # وفي سنة 339، تحرك أبو الطاهر المنصور بن أبي القاسم بن عبيد الله الشيعي ~~إلى بلاد المشرق، ورد الحجر الأسود إلى مكانه من الركن من بيت الله الحرام، ~~وذلك بعد خمسة أعوام من دولة المطيع. وكان الذي اقتلعه سليمان ابن الحسن ~~القرمطي - لعنه الله - وفي سنة 317 في أيام المقتدر العباسي - رحمه الله - ~~والذي تولى قلعه بيده بأمر القرمطي جعفر بن أبي علا - لعنه الله - ولما مات ~~القرمطي، وجه إخوته الحجر، فرد إلى موضعه في هذه السنة، ووضعه بيده الحسين ~~بن المروذي الكناني وكان غينه الحجر من يوم قلعه إلى يوم رده اثنين وعشرين ~~سنة أو نحوها. ورأى الحجر الأسود، في أيام ابن الزبير، ناصع البياض إلا وجه ~~الظاهر. وكان اسوداده من لطخ المشركين له بدم القرابين، ولمسهم له بأيديهم، ~~مع طول الدهر. قال الذهبي: حضرت يوم قلعه. يوم رده. PageV01P220 # وفي سنة 340، ولي أبو الطاهر إسماعيل العبيدي ولده معدا المكنى بأبي تميم ~~عهده. وخرج أبو الطاهر منتزها إلى جلولا، ورجع منها معتلا، وصلى عيد الفطر ~~مريضا. # وفي سنة 341، توفي أبو الطاهر إسماعيل، الملقب بالمنصور، ابن أبي القاسم، ~~والملقب بالقائم، ابن عبيد الله المهدي، وذلك منسلخ شوال من العام، وله تسع ~~وثلاثون سنة. فكانت ولايته سبع سنين وخمسة عشر يوما. حاجبه جعفر ابن علي. # ثم ولي المملكة معد بن إسماعيل المعز لدين الله العبيدي وهو معد بن ~~إسماعيل بن أبي القاسم بن عبيد الله. كنيته: أبو تميم. لقبه: المعز لدين ~~الله. مولده: بالمهدية في رمضان من سنة 319. وولي، وله اثنان وعشرون سنة. ~~وهو أول من ملك مصر بن عبيد الله، وذلك أنه لما توفي كافور الإخشيدي أمير ~~مصر، بعث المعز لدين الله القائد أبا الحسن جوهرا إلى مصر. وكان جوهر غلام ~~والده إسماعيل، وأصله رومي، جلبه خادم اسمه صابر، ثم انتقل إلى خفيف ~~الخادم، فحمله إلى إسماعيل المنصور، فظهر عنده، فأرسله المعز بالعساكر إلى ~~مصر، فافتتحها يوم الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من شعبان. وهرب أعيان ms176 ~~الإخشيدية من مصر إلى الشام فبل وصول جوهر. وأقيمت الدعوة للمعز، يوم ~~الجمعة الموفى لعشرين لشعبان من سنة 358، في الجامع العتيق، وكان الخطيب ~~أبو محمد الشمشاطي. ودعا له بمكة في موسم هذه السنة، ودعا أبو مسلم العلوي ~~بالمدينة للمعز. وسار جعفر بن فلاح إلى الشام، وقبض على الحسين بن عبد ~~الله، وأنفذه إلى جوهر، فأنفذ جوهر الحسين المذكور مع جماعة من الإخشيدية ~~مع هدية إلى المعز، فوصلت إلى أفريقية مع ولده جعفر في رجب من سنة 359. PageV01P221 # وفي سنة 342، فلج خطيب القيروان على المنبر ومات وتمم الخطبة أبو سفيان ~~الفقيه. # وفي سنة 344 ولد للمعز أبي تميم ولد سماه نزارا. # وفي سنة 346 ولي مدينة سبتة وال من قبل الناصر عبد الرجمن، أمير الأندلس، ~~وأمره بتحصينها وبناء سورها، فبناه بالكدان. # وفي سنة 347، دخل جوهر قائد أبي تميم إلى المغرب، واستولى على مدينة فاس. ~~ثم توجه إلى تيطاون، ووصل إلى مضيق سبتة فلم يقدر عليها ورجع عنها وقصد ~~بعساكره إلى سلجمانة، فر أمامه صاحبها محمد بن الأمير الفتح وتحصن في حصن ~~على اثني عشر ميلا من سجلماسة، بأهله وماله وبعض أصحابه. وكان يلقب الشاكر ~~لله، وقد تقدم بعض خبره. واستولى جوهر على سلجمانة، فملكها. وخرج محمد بن ~~الفتح من الحصن في نفر يسير ليتعرف الأخبار، مستترا. فغدره قوم من مدغرة ~~عرفوه، وأتوا به إلى جوهر، فقتله في رجب. وبقى جوهر في الغرب نحو سنة. ~~وتوجه إلى أفريقية. # وفي هذه السنة وصل إلى قرطبة الحسن بن قنون من بني إدريس، فارا بنفسه ~~أمام جوهر قائد أبي تميم المذكور. وكان بنو محمد بن القاسم من بني إدريس بن ~~إدريس أجمعوا على هدم تبطلون، فهدموها، ثم ندموا على ذلك، وشرعوا في ~~بنائها، فضج أهل سبتة لذلك لأن بنائها ضرر بهم فبعث إليهم عبد الرحمن ~~الناصر جيشا برسم محاربة بني محمد، قود على الجيش أحمد بن يعلي. وكتب ~~الناصر إلى حميد بن يصال صاحب تيكياس وتلك الجهات كلها، أن يعين القائد ~~المذكور على بني محمد فتخلى ms177 بنو محمد عن بناء تيطلون لما اجتمع العسكران ~~عليهم، وبعثوا أولادهم مراهن إلى قرطبة. PageV01P222 # وفي سنة 348، وصل كتاب صاحب سبتة إلى أمير الأندلس عبد الرحمن الناصر، ~~يعرفه بما فتح عليه في عسكر جوهر قائد الشيعي. # وفي سنة 349، وجه أبو تميم المعز لدين الله القاضي إلى أئمة المساجد ~~والمؤذنين يأمرهم إلا يؤذنوا إلا ويقولوا فيه: (حي على خير العمل) وأن ~~يقرؤوا (بسم الله الرحمن الرحيم) في أول كل سورة، ويسلموا تسليمتين، ~~ويكبروا على الجنائز خمسا ولا يؤخروا العصر، ولا يكبروا بالعشاء الأخيرة ~~ولا تصيح أمرأة وراء جنازة، ولا يقرأ العميان على القبور إلا عند الدفن. # وفي سنة 350، توفي حسين ابن أحمد بن إبراهيم بن محمد بن إدريس والحسني ~~بقرطبة، وكان رهينا بها. وخلف ابنين يسميان محمدا وحسينا، فلم يزلا مستقرين ~~بقرطبة إلى خلافة الحكم، فبعثهما إلى إخوانهما فوصلا في رجب سنة 359 ~~واستقرا ببلاد الغرب. # وفي سنة 351، أخذ الروم مدينة المصيصة ومدينة طرسوس، واستولوا عليهما. # وفي سنة 352، وفد على الحكم المستنصر بالله أبو صالح زمور البرغواطي ~~رسولا من أمير برغواطة أبي منصور بن أبي الأنصار، وذلك في شهر شوال من هذه ~~السنة. وكان المترجم عنه باللسان العربي عيسى بن داود المسطاسي فسأله الحكم ~~عن نسب برغواطة ومذهبهم، فأخبره. ### | خبر برغواطة # ومن أخبار برغواطة ما خبر زمور أن طريفا كان أبا ملوكهم. وهو من ولد ~~شمعون بن يعقوب بن إسحاق - عليهم السلام - قال: وكان طريف من أصحاب ميسرة ~~ملك المغرب الذي تقدم ذكره، فلما قتل ميسرة، وافترق أصحابه، احتل طريف بلاد ~~تامسنا، فقدمه البربر على أنفسهم، فولى أمرهم PageV01P223 # وكان على دين الإسلام وإليه تنسب جزيرة طريف، فبقي أميرا عليهم، إلى أن ~~هلك. وترك أربعة أولاد. فولى الأمر من بعده صالح بن طريف، وكلن مولده سنة ~~110 من لبهجرة، فتنبأ فيهم، وشرع لهم ديانة، وسمى نفسه صالح المؤمنين، وعهد ~~إلى ابنه إلياس بديانته، وأمره ألا يظهر ذلك غلا إذا قوى أمره، وحينئذ ~~يدعوا إلى مذهبه ويقتل من خالفه فيه من قومه. وأمره بموالاة ms178 أمير الأندلس. ~~وخرج صالح إلى المشرق، وزعم أنه يعود إليهم في دولة السابع من ملوكهم، وزعم ~~أنه المهدي الأكبر الذي يخرج في آخر الزمان لقتال الدجال، وأنه يملأ الأرض ~~عدلا كما ملئت جورا، وتكلم لهم في ذلك بكلام كثير نسبه لموسى - عم - ولسطيح ~~الكاهن وغيره. # ثم ولي بعده إلياس بن صالح بن طريف فأظهر ديانة الإسلام والعفاف وبقي ~~أميرا خمسين سنة إلى أن هلك. وترك جمعة من الأولاد. فولى ابنه يونس بن ~~إلياس، وذلك بعد ما وصل من المشرق، وحج ولم يحج أحد من أهل بيته. فتظهر ~~ديانة جده، ودعا إليها وقتل من لم يدخل فبها حتى أخلى ثمانمائة موضع من ~~مواضع البربر، يل أنه قتل منهم سبعة آلاف ونحو سبعمائة. # وهلك بعد أن ملك نحو أربعين سنة، وخرج الأمير عن بينه وقام أبو عفير يحمد ~~بمن معاذ بن اليسع بن صالح بن طريف، فاستولى على ملك تلك البلاد، ودان ~~بديانة آبائه. واشتدت شوكته، وعظم أمره. وكانت له وقائع في البربر مشهورة، ~~منها وقعة تامعزا، أقام القتل فيها ثمانية أيام، ومنها وقعة بهت، عجز ~~الإحصاء عن عد من قتل فيها. وكان لأبي عفير من الزوجات أربع وأربعون، وكان ~~له من الأولاد بعددهن. ومات بعد أن ملك تسعا وعشرين سنة. ثم ولى عبد بن أبي ~~عفير، وهو أبو الأنصار، وذلك عند تمام المائة الثالثة، وكان سخيا ظريفا، ~~يفي بالوعد والعهد، يحفظ الجار ويكافئ على الهدية بأضعافها. وصفته: أفطس، ~~شديد الأدمة في الوجه، ناصع بياض الجسم، PageV01P224 # طويل التحية وكان يلبس السراويل والملحفة، ولا يلبس االقميص، ولا يعتم ~~إلا في الحرب، ولا يعتم أحد من قومه إلا الغرباء عندهم. وكان في كل عام ~~تحشد ويظهر أنه يغزوا لمن يليه من القبائل، فيهادنوه، فيترك حركته. فملك في ~~دعة نحو اثنين وأربعين سنة. # ثم ولى أبو منصور عيسى بن أبي الأنصار ن الذي بعث زمورا هذا إلى المستنصر ~~بالله الأموي سنة 352، وهو عبس بن أبي الأنصار عبد اله بن أبي عفير محمد بن ~~معاذ1 بن ms179 اليسع بن صالح بن طريف. وكان سنه إذ ولي اثنين وعشرين سنة، فسار ~~بسيرة أبيه ودان بديانته. واشتدت شوكته وعظم سلطانه. وكان أبوه قد وصاه عند ~~موته بموالاة أمير الأندلس، وقال: (أنت سابع الأمراء من أهل بيتك، وأرجو أن ~~يأتيك جدك صالح كما وعد) انتهى ما اختصرته من كلام رموز. # وقال أبو العباس المرجحي أن يونس القائم بدين برغواطة أصله من شذونة، من ~~جهة وادي برباط، وكان قد رحل إلى المشرق في عام 201 مع عباس بن ناصحخ وزيد ~~بن سنا الزناتي صاحب الواصلية، وبرغوث بن سعيد التراري، وجد بني عبد ~~الرزاق، ويعرفون بني وكيل الصفرية، ومناد صاحب القلعة المنادية، قريب من ~~سجلماسة وآخر ذهب عني اسمه. فأربعة منهم فقهوا في الدين. ادعى يونس صاحب ~~برغواطة النبوة. قال: وكان يونس شرب دواء للحفظ، فحفظ كل ما سمعه، وطاب علم ~~النجوم والكهانة، ونظر في الجدال، وانصرف، فنزل بين هؤلاء القوم، فرأى ~~جهلهم. وكان يخبرهم بأشياء قبل كونها، مما يدل عليه التنجيم، فيكون كما ~~قال، أو قريبا منه، فعظم عندهم. فلما رأى ذلك منهم وعلم ضعف عقولهم وكثرة ~~جهلهم أظهر ديانته، ودعا إلى نبوته. وسمى من اتبعه برباطي، ثم أحالوه ~~بألسنتهم، ردوه PageV01P225 # (برغواطي) . وكان يونس قد قتل خلقا كثيرا من البربر حتىلا أطاعوه وعلى ~~دينه تابعوه. وقال سعيد بن هشام المصمودي في وقعة بهت قصيدة طويلة منها ~~وافر: # قفي قبل التفرق فاخبرينا ... وقولي واخبري خبرا مبينا # هموم برابر خسروا وضلوا ... وخابوا لا سقوا ماء معينا # يقولوا النبي أبو عفير ... فأخزى الله أم الكاذبينا # ألم تسمع ولم تر يوم بهت ... على آثاري خيلهم رنينا # رنين الباكيات بهم ثكالي ... وعاوية ومسقطه جنينا # هنالك يونس وبنو أبيه ... يوالون البوار معظمينا # فليس اليوم ردتكم ولكن ... ليالي كتم مستيسرينا # يعني بقوله مستيرين من المياسرة أصحاب ميسرة. فأما الضلال الذي شرع لهم ~~فأنهم يقرون بنبوة صالح بن طريف وأن الكلام الذي ألف لهم هو وحي من الله ~~تعالى لا يشكون فيه تعالى الله عن قولهم وفرض لهم صوم ms180 رجب وأكمل رمضان وخمس ~~صلوات في اليوم وكذلك في الليلة والضحية اليوم الحادي عشر من المحرم وفي ~~الوضوء غسل السرة والخاصرتين ثم الاستنجاء والمضمضة وغسل الوجه ومسح القفا ~~وغسل الذراعين والمنكبين ومسح الرأس ثلاث مرات ومسح الأذنين كذلك ثم غسل ~~الرجلين من الركبتين وبعض صلاتهم دون سجود وبعضها على كيفية صلاة المسلمين. ~~وهم يسجدون ثلاث سجدات متصلات ووجوههم وأيديهم من الأرض مقدار نصف شبر ~~ويقرءون نصف قراءتهم في وقوفهم ونصفها في ركوعهم ويقولون في سلامهم ~~بكلامهم: (الله فوقنا لا يغيب عنه شيء في الأرض ولا PageV01P226 # في السماء) ثم يقولون مقر باكش خمسا وعشرين مرة وتفسيره الكبير الله ~~ويقلون أيمن باكش تفسيره بسم الله وغير هذا. ويتزوج الرجل منهم ما استطاع ~~من النساء ويطلق ويرجع ما أحب ويقتل السارق بالإقرار والبينة ويرجم الزاني ~~وينفى الكاذب ويسمونه المغير. والدية عندهم مائة رأس من البقر ورأس كل ~~حيوان عليهم حرام ولا يأكل الحوت عندهم ألا أن يذكى والديك والبيض عندهم ~~حرام والدجاج مكروهة إلا يضطر إليها. وليس عندهم أذان ولا إقامة وهم يكتفون ~~بمعرفة الأوقات بصراخ الديكة ولذلك حرموها. ويتبركون ببصاقة أي بصاق صالح. ~~وكانوا أعلم الناس بالنجوم. وكانوا أجمل الناس رجالا ونساء وقرآنهم الذي ~~وضع لهم صالح ثمانون سورة أكثرها منسوبة إلى أسماء النبيين أولها سورة أيوب ~~وأخرها سورة يونس وغيرها من أسماء الأنبياء - عم - وفيها سورة فرعون الديك ~~وسورة الجراد وسورة الجمل وسورة هاروت وماروت وسورة الحشر وسورة غرائب ~~الدنيا وفيها علم عظيم عندهم ولم ينزل كثير من القبائل على مذهب إلى عام ~~352. # رجعنا إلى نسق التاريخ: كان الحكم أمير الأندلس ولى الخلافة بها سنة 350. ~~فطاع له المغرب كله وتمم بناء سور سبتة في عام 351. # وفي سنة 353 كتب الحكم المستنصر بالله سجلا إلى أهل سبتة رفع عنهم فيه ~~جميع الوظائف المخزنية والمغارم السلطانية. قال ابن حمادة رأيت هذا السجل ~~عند القاضي عياض رحمه الله مؤخرا بشهر صفر من العام المذكور ذكر فيه: (وما ~~وقع عليها من المؤن السلطانية في التقسيط ms181 فهو مضروب على شرف أشبيلية.) . PageV01P227 # وفي سنة 354 توفي أبو الطيب المتنبي وكان موالده بالكوفة سنة 303، وعمر ~~إحدى وخمسون سنة وكان أشهر من أن يذكر. # وفي سنة 357 توفي الأستاذ كافور بمصر. # وفي سنة 358 بعث المعز أبو تميم معد بن المنصور العبيدي أبا الحسن جوهرا ~~إلى مصر لما توفى كافور الخدشي أمير مصر فلما وصلها جور فتحها في شعبان. # وفي سنة 359 أنفذ جوهر إلى المعز لدين الله حدية جميلة صحبه ولده جعفر بن ~~رجب. # وفي سنة 360 وصل الحسن بن أحمد القرمطي إلى دمشق وقتل جعفر ابن فلاح. ~~وتغلبت القرامطة على دمشق وصاروا إلى الرملة. # وفي سنة 361، خرج أبو تميم من المنصورية راحلا إلى المشرق في أواخر شوال ~~لثمان بقين منه وأستخلف على إفريقية أبا الفتوح الصنهاجي. ### | ابتداء الدولة الصنهاجية بأفريقية ولاية أبي الفتوح يوسف بن زيري ابن مناد الصنهاجي بإفريقية # لما خرج أبو تميم من إفريقية إلى المشرق أستخلف يوسف المذكور وأمر الكاتب ~~أن يكتبوا إلى العمال وولاة الأشغال بالسمع والطاعة لأبي الفتوح. ورحل أبو ~~تميم إلى مصر فاحتلها وأمن أهلها وأتخذها دار ملكه وبقى أبو الفتوح أميرا ~~على أفريقية والمغرب كله قال القضاعي لما وصل أبو تميم إلى الإسكندرية توجه ~~إليه من مصر القاضي والشهود وأعيان من أهل البلد منهئين وداعين ومسلمين. ثم ~~أستقر بقصر المعز في السابع لرمضان. PageV01P228 # وفي سنة 363 وصل القرمطي إلى الطواحين في جمادى الأول وأنهزم في شعبان في ~~هذه السنة. # وفي سنة 365 توفي أبو تميم المز لدين الله العبيدي في يوم الجمعة الحادي ~~عشر لربيع الأخر، فكانت ولايته ثلاثا وعشرين سنة وخمسة أشهر وأياما منها ~~مقامه بمصر سنتان وسبعة أشهر. ### | ولاية العزيز بالله نزار # فولي الإمار بمصر العزيز بالله نزار، المكنى بأبي المنصور ابن معد المكنى ~~بأبي تميم. ولد بالمهدية في محرم سنة 344 وولى العهد بمصر في العاشر لربيع ~~الأول سنة 365 وسترت وفاة أبيه وسلم عليه بأمير المؤمنين وقد ذكرنا بعض ~~أخباره في أمراء مصر (أخبار المشرق.) وفي ms182 جمادى الأخيرة من سنة 365 بعث أبو ~~الفتوح أمير أفريقية إلى العزيز بالله هدية فشيعها وعاد أبو الفتوح إلى ~~رقادة فخرج إليه أهل القيروان فتلقاهم بأحسن قبول وأجملهم أجمل نزول وبعد ~~ذلك عزم أبو الفتوح على الانتقال إلى فحص أبي صالح فخرج لتوديعه القضاة ~~والشيوخ لثلاث بقين من رجب من السنة المؤخرة. # وفي ذي الحجة أمر أبو الفتوح العمل على أفريقية واليه عبد الله بن محمد ~~الكاتب أن يقيم أسطولا بالمهدية معدة من الرجال والسلاح. فخرج عبد الله إلى ~~المهدية وأخذ في حشد البحريين في كل بلدة وأمر أن يأخذ كل من لقي منهم ~~بالقيروان وغيرها وملأ بهم السجون. وأدرك خاصة البلد وعامتها من الخوف ما ~~لزموا له البيوت وأنتها حالهم إلى أنه إذا مات أحد عندهم لا يخرجه إلا ~~النساء. PageV01P229 # وفي سنة 366 خرج الأسطول من المهدية في أول محرم، فتعذرت الريح عليها ~~فأقاموا حتى فرغت أزوائهم وعدموا الماء، فهرب جميع من فيها من النواتية ~~والبحرية، وصاروا إلى البر، فنهبوا ما في المراكب من عدة وسلاح وهربوا إلى ~~كل ناحية. فجعل عبد الله الطلب عليهم، فمن ظفر بهم، قتل. # وفي هذه السنة، توفي زيادة الله بن القديم في سجن عبد الله بن محمد ~~الكاتب، وقيل أنه قتل بأنواع من العذاب. وفي هذه السنة، نادى عامل أفريقية ~~والقيروان، وهو عبد الله الكاتب، فاجتمع الناس إليه، فأخذ من أعيانهم نحو ~~الستمائة رجل من أغنيائهم وأغرمهم على الأموال بالتعيين: يأخذ من الرجل ~~الواحد عشرة آلاف دينار، ومن آخر دينار واحدا. فاجتمعت له بالقيروان أموال ~~كثيرة. وعم هذا الغرم سائر أعمال أفريقية ما عدا الفقهاء والصلحاء والأدباء ~~وأولياء السلطان، وكان الذي جبى من القيروان نيفا على أربعمائة ألف دينار ~~عينا. وبقى الأمر كذلك في الطلب، إلى أن وصل الأمر من مصر إلى أبي الفتوح ~~برفع الغرم عن الناس، فأطلقهم عبد الله الكاتب في أواخر شوال. # وفي سنة 367، بعث عبد الله الكاتب عامل أفريقية هذا المال إلى ملك مصر ~~العزيز بالله بأمر أبي الفتوح ms183 صاحب أفريقية من قبل العزيز بالله، وكتب على ~~كل صرة أسم صاحبها. فكان خروج هذا المال من المنصورية لخمس بقين من جمادى ~~الأخير. ولما وصل المال إلى مصر، رد العزيز بالله بعض الصرر لأربابها. # وفي هذه السنة، أنعم العزيز بالله على أبي الفتوح بطرابلس ونواحيها. فقدم ~~عليها أبو الفتوح يحيى بن خليفة الملياني، فأقام بها شهورا، ثم عزله. # وفيها، زحف خزرون بن فلفل بن خزر الزنتاني إلى سجلماسة، في عدد عظيم، ~~فخرج إليه المعتز، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل المعتز، لخمس بقين من PageV01P230 # رمضان. وملك خزرون سجلماسة، وأخذ فيها أموالا جليلة. وبعث خزرون برأس ~~المعتز إلى الأندلس واستحكم بها ملك زناته وأتباعه. # وفي هذه السنة، وصل أبو الفتوح صاحب أفريقية إلى سبتة، فحاصرها. وبعث ~~إليه ابن أبي عامر برأس جعفر بن علي، أراد أن يرضيه بذلك. وكان ابن أبي ~~عامر قد قتل جعفر بن علي بن حمدون المعروف بابن الأندلسي. ويأتي خبر قتله ~~في أخبار ابن أبي عامر من الأندلس. # وفي سنة 368، خرج العزيز من مصر إلى الشام في عدد عظيم، ونزل بالرملة. ~~وكان بين يديه ألف بند وخمسمائة طبل. وكان جوهر قائده خرج في العام الفارط ~~إلى الشام، فهزمه أفتكين التركي، ورجع إلى مصر مفلولا. فخرج العزيز بالله ~~في هذه السنة بنفسه. فلما نزل الرملة، خرج إلى التركي. فكانت بينهم حروب ~~عظيمة، فانهزم التركي وأخذ أسيرا، فسيق إلى العزيز بالله بحبل في عنقه. ~~ولما وصل إلى مصر، عفا عنه، ومات بعد ذلك. # وهذه السنة، دخل أبو الفتوح صاحب أفريقية من فبل عبد العزيز بالله بلاد ~~الغرب، واستولى عليها، وهدم مدينة البصرة، ومحا رسمها بعد طول مدتها وكثة ~~عمارتها. وكان رحيل أبي الفتوح من أفريقية إلى الغرب يوم الأربعاء لخمس ~~بقين من شعبان من سنة 368، فوصل بجيوشه الضخمة إلى فاس، فاستولى عليها، ~~وملك سجلماسة وبلاد الهبط كلها، وطرد من جميعها عمال بني أمية، ثم رحل إلى ~~ستة في طلب من لجأ إليها من زناتة. فلما أشرف عليها، نأمل الوصول إليها، ~~فرأى ms184 من تحصينها ومنعتها ما لا يستطاع إدراكه إلا بالمراكب البحرية، فرجع ~~عنها، ولم يعوزه من بلاد المغرب غيرها. فرجع يريد البصرة، وكان فيها عمارة ~~عظيمة بالأندلس والبربر. فلما دخلها أمر بهدمها، ونهب ما كان فيها من ~~الأموال والأمتعة وجميع الأسباب. فاستحالت PageV01P231 # الجيوش والأمم عليها، فصارت كأن لن تغن بالأمس. فلم تكن بصرة بالمغرب إلى ~~الآن، ودثر رسمها. وكانت قديمة أزيلت. وقد تقدم ذكرها. ثم صار منها إلى ~~أصيلا. ### | ذكر مدينة أصيلا # وأما أصيلا، فهي محدثة وكان سبب بنائها أن المجوس خرجوا بساحلها، وزعموا ~~أن لهم بها أموال وكنوزا، تركها لهم الأوائل الذين كانوا يسكنون السواحل ~~وأخرجهم منها عامة القبائل. فلما نزلوا في البر لأخذ أموالهم، اجتمع البربر ~~لقتالهم فقالوا: (لم نأت لحرب؛ وإنما لكنوز في هذا الموقع. فكونوا ناحية ~~حتى نستخرجها، ونشارككم فيها) فاعتزل البربر عنهم لما سمعوا ذلك منهم. فحفر ~~المجوس مواضعهم، واستخرجوا دخنا كثيرا عفنا. فلما رآه البربر، ظنوه ذهبا. ~~فبدروا إليهم. وهرب الروم إلى مراكبهم. فأصاب البربر الدخن، فندموا ورغبوا ~~إلى المجوس في الرجوع واستخراج المال، فأبوا وقالوا: (قد نقضتم العهد) ~~وساروا إلى الأندلس، فحينئذ خرجوا بأشبيلية على ما يأتي ذكره في أخبار ~~الأندلس. فاتخذ الناس موضع أصيلا رباطا، وانتابوا إليه من جميع الأمصار. ~~فكانت تقوم في سوق جامعة ثلاث مرات في السنة (في رمضان وفي العواشر، وفي ~~عاشوراء) . # ومما قيدته واختصرته من (كتاب المسالك والممالك) لمحمد بن يوسف القروي ~~قال: ومن المدن القديمة على ساحل بحر الغرب أصيلا، وهي في سهلة من الأرض، ~~كانت مدينة للأول. ثم تغلب عليها البحر ثم بنيت بعد ذلك، وكان سبب بنائها، ~~ان المجوس خرجوا من مرساها مرتين، ما الأولى، فأنهم صدقوا إليها، زاعمين أن ~~لهم بها مالا وكنوزا، فاجتمع البربر لقتالهم حسبما ذكرت ذلك، وأما خروجهم ~~الثاني، فأن الريح قذفت بهم إليها PageV01P232 # وعطبت لهم أجفان كثير عليها، حتى كان يعرف ذلك الموضع بباب المجوس. وكان ~~موضعها ملكا لقبائل لواته. فابتناها قوم من كتام. فأول ما ابتدروا به ~~مسجدا. ثم بنى ms185 لواتة مسجدا ثانيا، وشاع أمرها، فبنى الناس شيئا بعد شيء، ~~فقصدها التجار من الأمصار بضروب المتاجرة في أوقات معلومات لأسواق الغبار. # فأول من قدم عليها من الملوك القاسم بن إدريس، فأنه ملكها، وقامت دعوته ~~بها إلى أن توفي - رحمه الله - ثم وليها أبنه إبراهيم بن القاسم، فجرت بينه ~~وبين عمر بن حفصون الثائر بببشتر من الأندلس مراسلات ومكاتبات في شأن ~~النفاق على الخليفة بقرطبة الأموي، إلى أن هلك. ثم وليها ابنه الحسين ابن ~~إبراهيم بن القاسم، فأضطرب أمره، وضعفت طاعته، وكانت مدته خمسا وعشرين سنة ~~في قبائل لواتة، وكان أخوه أحمد المتولي لأمر كتامة، وكان يعرف بأبي ~~الأذنين. وكان صاحب البصرة حينئذ أخوهما عيسى بن إبراهيم بن القاسم، إلى أن ~~قتله أبو العيش جنون من بني إدريس - رحمه الله - فتزوج أخوه أحمد الملقب ~~بأبي الأذنين زوجته، وملك مكانه، وقيل أن زوجته سمته فقتلته. فصار أمر ~~كتامة وأمر البصرة إلى يحيى بن إبراهيم بن القاسم المعروف بابن برهوية، ~~فأختلفت عليه كتامة، وكان ذلك سبب دخول بني محمد بلد كتامة وهوارة وتلك ~~الناحية، واستجاشوا بحسن بن محمد المعروف بالحجام، فقام بأمره، وهلك القاسم ~~بن حسن بن القاسم بن إدريس صاحب أصيلا. ودخل بنو محمد من بني إدريس مدينة ~~أصيلا، فاستأثر بها حسن الحجام دون بني عمه، فولى عليها رجلا من خاصته يقال ~~له حجام بن يوسف، فأحسن السيرة فيهم، إلى أن هلك، فطلب ولايتها رجل من ~~أهلها يقال له محمد بن عبد الوارث، فعبدوا طوره فيها، ويقال ن أصاب بأصيلا ~~كنزا بداره، ونهى ذلك إلى حسن المعروف بالحجام، فطمع في ذلك المال، وعزله ~~عن أصيلا. PageV01P233 # ثم وليها إبراهيم الغل المكناسي، وكان ساكنا بها، بعدما أعطى مال لحسن ~~الحجام. قلما وصل إلى أصلا، سار محمد بن عبد الوارث إلى الحسن بمال كثير ~~فعزل إبراهيم وأعاد ابن الوارث. فسار إبراهيم بهدية إلى الحسن، فعزل مجمدا ~~وولاه عليها. ثم عزا إبراهيم وولى محمد بن عبد الوارث. وكانت عزلتهما ~~وولايتهما نحو سنتين، إلى أن استقر فيهما ms186 محمدا هذا، وسني فار الصهريج، ~~يعنون الكنز الذي أصاب فيه. وتبين لبن عبد الوارث رغبة حسن في ماله، ~~فأعطاه. واستقامت له معه جميع أحواله مدة، ثم عزله، وولى إبراهيم ابن الغل ~~المذكور، فبقى بها إلى ان حصر ابن العافية بني محمد في حجر النسر، فأتاه ~~أهل أصلا، وطلبوا منه واليا من قبله، فولاها سعيد بن الشيخ الإشبيلي. وهرب ~~إبراهيم بن الغل إلى مدين بن موسى بن أبي العافية، فوفد عليه، وهاداه، ~~وانقطع إليه، فولاه أصلا فأحسن السيرة ورفق بالرعية وانصرف إلى تسول، بعدما ~~استخلف على حرب بني محمد رجلا من أصحابه يعرف بأبي قمح، فحاصرهم حصارا ~~شديدا. فلما ضاق عليهم الأمر، هجموا عليه ليلا، فهرب أبو القمح، ومالك بنو ~~محمد محلته. واجتمعت قبائل كتامة بقلعة هناك، فزحف إليهم بنو محمد ~~الأدارسة، فحاربهم حتى دخلوا القلعة، وقتلوا من كان فيها. فكان أول فتح بني ~~محمد بن إدريس الحسني. # وبلغ ذلك إلى أهل أصلا، فكتبوا إلى ابن العافية، وذلك في سنة 322، في حين ~~خروج ميسور إلى أرض المغرب. فجاوبهم موسى بن أبي العافية، وأمرهم أن ~~يتحصنوا في بلدهم، وكتب إلى قبائل كتامة ولواتة وهوارة، وصنهاجة، يأمرهم ~~بمعونتهم على البنيان، فانقسموا على سور المدينة، وبنوه في ستة أشهر. فهرب ~~وجوه القبائل إلى أصلا، واجتمع بها ملأ عظيم منهم، فزحف إليهم بنو محمد ~~الأدارسة بعساكر، فكانت بينهم حرب عظيمة، فاستمدوا ابن أبي العافية، فاعتذر ~~إليهم وقال لهم: اكتبوا إلى أمير المؤمنين! فأنا وانتم PageV01P234 # رعيته وتحت طاعته! فكتبوا إلى أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر. وكانت ~~مدينة سبتة تحت طاعته. فبعث إليهم الرماة الأنجاد، واتصل ذلك ببني محمد، ~~فحشدوا الأحشاد، وزحفوا إلى أصلا، فحاربهم أربعين يوما. فخاف وجوه أهلها، ~~فجازوا إلى الأندلس. ودخل بنو محمد أصلا، وذلك سنة 326، وملكوها فأمنوا من ~~بقى بها من أهلها. وعاد من جاز إلى الأندلس إليها. # وحواها من القبائل لواتة في القبلة، ومن هوارة قوم يعرفون ببني زياد ~~بينهم ديكة رمل عالية. قال إبراهيم بن محمد الأصلي من قصيدة له (وافر) ms187 . # سقى غربي أرض بنو زياد ... سحائب ما يجف لها غروب # ولا زال النسيم يعلم قوما ... إزائهم من الشرق الكثيب # وحولها من القبائل من جهة الغرب هوارة الساحل. ### | ذكر من ولى مدينة البصرة # أسست البصرة في الوقت الذي أسست فيه أصلا. وعلى ثمانية أميال منها جبل ~~يقال له صرصر كثير المياه والثمار، يسكنه مصمودة. وأول من ملكها إبراهيم بن ~~القاسم بن إدريس نحو أربعين سنة، ثم وليها ابنه عيسى ابن إبراهيم، ثم أخوه ~~أحمد بن إبراهيم، ثم برهون بن عيسى بن إبراهيم، ثم أحمد بن القاسم بن ~~إدريس، ثم برهون بن عيسى ثانية، ثم سعيد غلام المظفر من قبل مصالة بن حبوس، ~~ثم حسن بن محمد ين الحجام، ثم محمد بن يحيى بن القاسم ولد الجوطي، ثم عيسى ~~بن أحمد المعروف بأبي العيش، ثم أحمد بن القاسم ثانية، ثم وال من قبل ابن ~~أبي العافية، ثم أبو العيش بن أحمد ثالثة، ثم أحمد بن أبي العيش إلى سنة ~~347. PageV01P235 # وكانت مدينة يقال لها كرت في جبل يسمى به إلى وقتنا هذا، خربها بنو محمد، ~~وهي كانت قاعدة أحمد بن القاسم، الذي يقول فيه بكر بن حماد (كامل) # إن السماحة والمروءة والندى ... جمعوا لأحمد بن القاسم # وإذا تفاخرت القبائل وانتمت ... فأفخر بفضل محمد وبفاطم # وبجعفر الطيار في درج العلا ... وعلى العضب الحسام الصارم # لأني لمشتاق إليك وإنما ... يسموا العقاب إذا سمى بقوادم # فأبعث إلي بمركب أسمو به ... على أكون عليك أول قادم # وأعلك أنك لن تنال محبة ... إلا بعض ملابس ودراهم # فبعث إليه بغلة سنية وصلة جزلة. وكان له فيه أمداح كثيرة. # وكان على وادي ورغة حصن كبير يسكنه البربر فسكن عندهم شخص من الحضر فقال ~~في نفسه (طويل) . # الأهل أتى أهل المدينة أنني ... بورغة بين الأعجمين غريب # إذا قلت شيء قيل: ماذا تريد ... لهم بين أحراز الوجوه قطوب # وكان هناك حصن أيضا يعرف بسوق عكاشة، قريب من ورغة، لحمد بن حسن من بني ~~إدريس - رحمهم الله - وجنيارة حصن كبير في جبل يعرف ms188 بالجبل الأشهب، وهي ~~لبني حصين. وفي ذلك الجبل قرى كثيرة. وهو بمقربة من قاس. ومن أصلا إلى ~~مدينة فاس خمسة أيام على طريق البصرة. ويلي أصلا من جهة الشرق مدينة طنجة. ~~وكان صاحب طنجة القاسم بن إدريس. ومن طنجة إلى فاس عدوتان أسست عدوة ~~الأندلسيين سنة 192، من الهجرة، أسسها أهل ربض قرطبة إذ فروا من الحكم ~~الربضي، وأسست عدوة القروين بعدها بسنة. قال: الشاعر (بسيط) . PageV01P236 # يا عدوة القرويين التي كرمت ... لا زال جانبك المحبور ممطورا # لا امسك الله عنها صوب نعمته ... أرض تجنبت الآثام والزورا # ولما خرب أبو الفتح يوسف بن زيري الصنهاجي أمير أفريقية مدينة البصرة، ~~رحل بعساكره إلى بلد برغواطة. وكان ملكهم صالح بن عيسى بن أبي الأنصار وكان ~~فصيحا شاعرا، فأطاعوه حتى جعلوه نبيا، وشرع لهم شريعة، فاتبعوه. فضل، ~~وأضلهم. فغزاهم أبو الفتوح، فكانت بينهم حروب لم يجر قبلها مثلها كان الظفر ~~فيها لأبو الفتوح. وقتل الله الكافر ابن عيسى وانهزمت عساكر برغواطة، ~~فقتلوا قتلا ذريعا، وسبى من نسائهم وذرياتهم ما لا يحصى عددهم. وأرسل أبو ~~الفتوح سبيهم إلى أفريقية، فلقيهم عامله عبد الله الكاتب، مع أهل القيروان ~~والمصورية. وملك أبو الفتوح بلاد الغرب. فكانت السجلات ترد عليه من مصر، ~~فتصله على البريد إلى فاس أو غيرها، ثم يرجع بها إلى عامل أفريقية، فتقرأ ~~بعد مدة من تاريخها. وأقام أبو الفتوح في بلاد الغرب، وهو قد ملكها، وأهل ~~سبتة منه خائفون، وزناتة مشردون، وذلك من سنة 368 المؤرخة إلى سنة 373. # وفي سنة 3659، توفي أحمد بن أبي ؤ خالد، الطيب الكبير المعروف بابن ~~الجزار. # وفيها كانت الحمرة التي ظهرت في السماء ليلة الأربعاء لخمس خلون من ربيع ~~الأول، فخرج الناس إلى المساجد للضجيج والتضرع إلى الله تعالى وفي غد تلك ~~الليلة هرب كباب ومغنين ابن زيري بن مناد من قصر أخيهما السلطان أبي الفتوح ~~الذي كان فيه محبوسين وقد لبسا ثياب النساء، وخرجا في نسوة دخلن إليهما ~~لزيارتهما، فوجدا عبيدهما قد أعدوا لهما خيلا وسلاحا، فركبا ومضيا نحو ms189 ~~المشرق حتى وصلا مصر، فأنزلهما العزيز بالله، وخلع عليهما ووصلهما، وبقيا ~~هنالك بقية هذه السنة. PageV01P237 # وفي سنة 370، صرف العزيز بالله كبابا ومغنيا أين زيري إلى أبي الفتوح ~~يوسف بن زيري أمير أفريقية وأمر أن يعفوا عنه ويتعرض لهما. ففعل ذلك. وفيها ~~تمكنت حال يعقوب بن يوسف بن كلس مع العزيز بالله، فأدل كتامة وقهرهم، وقدم ~~الترك والإخشيدية، وعزل الوزراء جوهرا وغبرة. . # وفي سنة 371 دخل سبى البرغواطيين إلى المنصورية يوم السبت لثمان خلون من ~~ربيع الأول. فرأى أهل أفريقية من السبي كما لم يره أحد منهم لكثرته. وطيف ~~بهم في المنصورية والقيروان. # وفي هذه السنة وصل باديس بن زيري من مصر برسالة إلى أبو الفتوح يأمره ~~بتخير ألف فارس من أخواته الأبطال صنهاجة منهم حبوس وماكسن وزاوي وحمامة ~~وبنو حمامة بن مناد وزاوي بن مناد، ونظرائهم فكتب إليه من بلاد الغرب يعرف ~~بتغلب بني أمية أمراء الأندلس على البلاد الغرب وأن الدعاء لهم فيه على ~~المنابر وأنه قد خرج لمحاربتهم بهؤلاء الرجال الذين سماهم أمير المؤمنين ~~فأن عزم على بعثهم إليه ترك الغرب وسار بنفسه في جملتهم. فلم يعد إليه ~~جوابا فيهم. # وفي جمادى الأول منم هذه السنة كان بالمهدية زلازل دامت الشهر كله وعشرة ~~أيام بعده تزلزل في كل يوم مرات حتى هرب أكثر أهلها وأسلموا ديارهم وما ~~فيها. # وفي سنة372 قتل أمير صقلية أبو القاسم علي بن حسن في مقابلته مع الإفرنج ~~وكانت ولايته بها إحدى عشر سنة ثم ولى أبنه جابر سنة واحدة. # وفي سنة 373 أشترى عبد الله بن محمد الكاتب عامل إفريقية العبيد السودان ~~وجعل على كل عامل من ثلاثين عبدا إلى ما دون ذلك وكذلك على أصحاب الخراج ~~ووجوه رجاله. فاجتمع له منهم ألوف وأسكنهم بالمنصورية. وفيها عمل عبد الله ~~بيت الحديد وملأه أموالا ثم عمل بيت خشب وملاه أموالا أيضا واستخفاف على ~~المنصورين جعفر بن حبيب وخرج إلى لمهدية على عادته في كل سنة. PageV01P238 ### | ذكر وفاة أبي الفتوح يوسف بن زيري ابن مناد ms190 الصنهاجي # وفي هذه السنة توفي أبو الفتوح قفوله من قتال برغواطة وقد انفصل سجلماسة ~~فمات بموضع قتال له وأركنفو يوم الأحد لتسع بقين من ذي الحجة. وذلك أن ابن ~~خزرون الزناتي ضرب على سجلماسة فدخلها وأخذ ما كان فيها من الأموال وكان ~~بها عامل أبي الفتوح فأتاه الخبر بذلك، فرحل إليها فاعتل في طريقه بقولنج ~~فمات بالموضع المذكور. فأوصى لأبي زعبل ابن هشام وكان من خاصته فأرسل إلى ~~المنصور يعرف بوفاة والده أبي الفتوح. ### | ولاية أبي الفتوح المنصور بن أبي الفتوح إفريقية # ولي الإمارة في أوائل سنة 374 أشير وتوفى يوم الخميس لخمس خلون من ربيع ~~الأول من سنة 387 فكانت مدته اثنتي عشر سنة ودفن بالمنصورية وكان كريما سحا ~~جوادا صارما عازما. قال الرفيق: وقد ذكرت سيرته وحروبه وعطاياه في كتاب ~~مفرد لأخبار جده وأبيه وأخباره وكان لقبه عدة العزيز بالله بن يوسف العزيز ~~بالله. # وفي هذه السنة وهي سنة 374 بعث المنصور أخاه يطوفت من مدينة أشير، لما ~~بلغت موت أبيه وأمر أن يطوي المراحل إلى القيروان والمنصورية برسم القبض ~~على عبد الله بن محمد الكاتب وكان بالمهدية، ونائباه على المنصورية جعفر بن ~~حبيب وعلى القيروان برهون العامل فصبحهم يطوفت سحر يوم الثلاثاء منتصف ~~المحرم فنظر يطوف إلى الخزائن مغلقة والى البيت المال مقفلا فأخذ المفاتيح ~~وفتح بيت المال وبيت السلاح وفرق على أصحابه وركب من كان مترجلا من ~~الصنهاجيين بالمنصورية. ثم خرج والتقى مع عبد PageV01P239 # الله الكاتب في بعض الطريق فوثب عليه وأرجله عن فرسه وانتهت أسبابه ~~وأعتقل بالمنصورية أياما. ثم أمر المنصور بإطلاقه ورفع يده عن البلد ثم عاد ~~الأمر إلى عبد الله فأمره بالقضاء ووجه الناس من شيوخ القيروان وغيرهم ~~وتوجه معهم لرسم التهنئة والتعزية للمنصور فوصلوا إليه وسلموا عليه بمدينة ~~أشير فقال لهم المنصور: (لقد شق على تعبكم في حركتكم غير أن سروري في ~~رؤيتكم.) ثم شكر عبد الله الكاتب وذم فعل أخيه به ثم أمر عبد الله الكاتب ~~أن يدفع للوافدين عليه عشرة ms191 آلاف دينار ضيافة. فدعوا له وانصرفوا. ثم ~~استدعاهم بعد ذلك وقال لهم (أن أبي وجدي اخذ الناس بالسيف قهرا وآنا لا ~~آخذهم ألا بالإحسان. وما أنا في هذا الملك ممن يولى بكتاب ويعزل بكتاب لأني ~~ورثته عن آبائي وأجدادي وورثوه عن آبائهم وأجدادهم حمير!) أو كلاما هذا ~~معناه ثم أمرهم بالانصراف مع عبد الله الكاتب فكانت مدة مسيرتهم ورجوعهم ~~خمسة وثلاثين يوما. # وفي رجب قدم المنصور إلى رقادة فتلقاه عبد الله الكاتب في خلق عظيم من ~~أهل القيروان فأظهر للناس الخير ووعدهم بكل جميل. وأتاه العمال بالهدية ~~والأموال وأعطاه عبد الله هدايا جليلة. ثم أخذ المنصور في جهاز هدية بعثها ~~إلى مصر مع زروال بن نصر. فقيل أن قيمة ما كان فيها من الأمتعة والدواب ~~والطرف ألف ألف دينار عينا. وأقام المنصور برقادة فأمر بعمل سرج مكلل بالدر ~~والياقوت فخرج به إلى العيد في أحسن زي وخرج إليه من القيروان خلق عظيم ~~فصلى بالمصلى وخطب القاضي ابن الكومي وانصرف المنصور إلى قصره وولد سماه ~~باديس بن المنصور ليلة الأحد لثلاث عشرة من ربيع الأول من هذه السنة. # وفيها أعطى المنصور لأخيه يطوفت العساكر ووجهه إلى مدينتي فاس PageV01P240 # وسجلماسة يطلب ردهما ورد تلك البلاد الغريبة إذ كانت خرجت عن طاعته ~~صنهاجة عند وفاة أبي الفتوح فوصل إلى مدينة فاس. وكان بها زيري بن عطية ~~الزناتي الملقب بالفرطاس فلما أحس بوفادة بن أبي الفتوح عاجل بالخروج إليه ~~والهجوم عليه فقاتله قتالا شديدا حتى انهزم يطوفت وظفرت زناته بصنهاحة ~~فتبعوهم وتتلوا منهم قوما كثير واسروا كثيرا آخرين وهرب الباقون إلى تيهرت ~~وهزم في هذه الوقعة قائدان له اسمهما ابن شعبان وابن عامل فسمر ابن شعبان ~~على باب فاس وقتل ابن عامل شر قتيلة. وبقى زيري بن عطية مالكا لفاس وما ~~حولها. ولما بلغ المنصور هزيمة أخيه، من المنصورية يوم الأربعاء لثلاث عشرة ~~ليلة خلت من ذي الحجة برسم الغرب. خرج ومعه عبد الله الكاتب، وأستخلف عبد ~~الله على القيروان ابن يوسف ثم رجع ms192 عبد الله بعد ذلك بعمالة أفريقية كلها. ~~وبعث المنصور إلى أخيه يطوفت بجيش أخر فتلقاه بتيهرت ولم يتعرض المنصور بعد ~~ذلك إلى بلاد زناتة. # وفي سنة 375 أمر أبو الفتح المنصور أن يعمل بالقيروان أبواب حديد وأمره ~~ببناء قصره الكبير وكان فيها مولد لأبي علي المنصور (قيل: المنصور) ابن ~~نزار العزيز بالله بمدينة القاهرة في يوم الخميس لسبع بقين من ربيع الأول ~~وفي سنة 376 ظهر أبو الفهم الخراساني الداعي واجتمع إليه خلق كثير من ~~كتامة. وكان يوسف بن عبد الله الكاتب قد أعطاه مالا وخيلا فتوجه إلى لبلد ~~كتامة فدعاهم فأجابوه وتقررت أموره عندهم حتى صار يركب الخيل ويجمع العساكر ~~ويعمل البنود ويضرب السكة فعظم أمره وشاع خبره وفيها جد يوسف بن عبد الله ~~الكاتب في بناء المنصور قصر المنصورية للمنصور أبي الفتح فبلغ إنفاقه فيه ~~قبل تمامه مائة ألف دينار. PageV01P241 # وفي سنة 377 وصل المنصور أبو الفتح صاحب أفريقية إلى المنصورية، فنزل في ~~قصره الذي بني له وأتى معه عبد الله الكاتب وجميع عساكره ووجوه بني عمه ~~ورجاله. وفي هذه السنة، كان مقتل عبد الله الكاتب وأبنه يوسف وذلك أن عبد ~~الله بن محمد الكاتب بلغ مع المنصور بن أبي الفتوح ما لم يبلغه أحد من ~~قرابته وأهل بيته ودولته، وانحصرت أموره كلها كانت تخت قبضته فجمع الأموال ~~ورتب الأحوال والأعمال وأعطى السياسة والرياسة حقها فحسنه كبراء أهل الدولة ~~والتقى عنه حسن ابن خالته إلى المنصور أمورا من القدح في دولته وأنه كان ~~السبب في خروج الداعي الثائر أبي الفهم بكتامة وأنه كان يصغر خبره حتى ~~تفاقم أمره وغير ذلك من الأسباب المهلكات. وكان عبد الله الكاتب لثقته ~~بنفسه لا يداري أحد من أولاده زيري ولا أكابر الدولة. فلما أحسوا من ~~المنصور بعض التغير عليه أكثروا من (اعتزل عن عمل أفريقية وأقتصر عن ~~الكتابة وكل من تولى متصرف بين يدك وتحت أمرك!) فكان جوابه أن قال (القتلة ~~ولا العزلة) فلما كان يوم الأحد لإحدى ليلة خلت من رجب ms193 غدا إلى ديوان كان ~~قد بناه فجلس فيه لانتظار ركوب المنصور وبيده جزء من القران يقرأ فيه حتى ~~قيل له (قد ركب) فأطلقه وركب فرسه برسم لقائه، وهو يقول (طويل) . # ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض ... على الماء خانته فروج الأصابع # فلما وصل إليه المنصور، نزل عبد الله إليه سلم عليه ثم وقف، فدار بينهما ~~كلام كثير لم يقف أحد على صحته، ثم طعنه المنصور برمحه، فجعل أكماله على ~~وجهه وقال: على ملة الله وملة رسوله! لم يسمع له غير ذلك. وضربه عبد الله ~~أخو المنصور برمح بين كتفيه فسقط إلى الأرض ميتا. ثم أوتي بابنه يوسف، ~~فرضبه المنصور وماكسن بين زيري، فسقط ميتا. وكان عبد الله لما تنكر له ~~المنصور لا يزال يتمثل بهذا البيت (طويل) PageV01P242 # أرى ألف بان لا يقوم لهادم ... فكيف ببان حوله ألف هادم # وكان يتمثل أيضا بقوله (كامل) . # لي مدة لابد أن أبلغها ... حتى إذا قضيتها مت # لو صارعتني الأسد ضارية ... لصرعتها ما لم بج الوقت # ولما مات عبد الله وابنه، دار العسكر على الناس، فانتهبوهم وسلبوهم، ~~وقطعوا الطرق، فأخذوا كل من وجدوا من المسافرين وغيرهم، ومالوا إلى وادي ~~القصارين وإلى باب تونس أحد أبواب القيروان، فنهبوا ما كان عند القصارين، ~~فذهب في ذلك اليوم إلى أموال المسلمين، وقتل خلق ممن دافع عن نفسه ومال. ~~ودفن عبد الله في الإسطبل دون غسل ولا كفن. وولي أعمال أفريقية من قبل أبي ~~الفتح بن أبي محمد وكان عاملا على قفصه فأعطاه البنود والطبول وخلع عليه، ~~وولاه أفريقية مكان عبد الله يوم الخميس لخمس بقين من شعبان من هذه السنة ~~المؤرخة. # وفي سنة 378، تحرك أبو الفتح المنصور بعسكره إلى بلاد كتامة. فمر على ~~ميلة، وأمر بخرابها، وهدم سورها، وأمر أهلها بالمسير منها إلى باغاية، ~~فاجتمعوا وساروا إليها. فلقيهم ماكسن بن زيري بعسكره، فأخذ ما كان معهم من ~~مال وغبره. وكان المنصور في هذه الحركة لا يمر بمنزل ولا قصر ولا دار إلا ~~أمر بهدمه. ولما وصل المنصور إلى ms194 كتامة، حاربوه فظفر بهم وقتلهم واستأصلهم. ~~وهرب الثائر أبو الفهم إلى جبل وعر، فأرسل إليه المنصور من أخذه. فلما صار ~~بين يديه، أمر به، فلطم لطما شديدا، ونتفت لحيته: حتى أشرف على الموت. ### | مقتل الثائر أبي الفهم # وذلك أنه، لما صار بين يديه، وعمل به ما تقدم ذكره، أمر بخروجه وقد PageV01P243 # بقيت فيه حشاشة من الروح، فأخذه بعض رجاله، فنحروه وشق بطنه وأخرجت كبده، ~~فشويت وأكلت. وأخذه عبيد المنصور، فشرحوا لحمه وأكلوه، حتى إذا لم يبق إلا ~~عظامه متجردة وذلك يوم الثلاثاء لثلاث خلون من صفر. وقتل بسببه والي ميلة ~~وجماعة من كتامة. ونزل بكتامة الذل والهوان. وبقيت ميلة خرابا. ثم عمرت بعد ~~ذلك. ورحل أبو الفتح المنصور قافلا إلى المنصورية والقيروان، وفي هذه ~~السنة. دخل الوادي إلى المنصورية وهدم دورها. # وفي سنة 379، وصل إلى المنصور سعيد بن خزرون الزناتي من الغرب، فأعطاه ~~وأرضاه وقال له يوما: يا سعيد هل تعرف من هو أكرم مني؟.؟ قال نعم قال: ومن ~~هو؟ قال: أنا! قال له المنصور: ولم ذلك؟ قال: لأنك جدت علي بالمال وجدت أنا ~~عليك بنفسي! فولى سعيدا هذا مدينة طبنة. وقدم عليه بعد ذلك جماعة من ~~الزناتيين، وأكرمهم وأعطاهم، وزوج المنصور ابنته من ورو بن سعيد. # وفي هذه السنة، خالف أبو البهار بن زيري، فزحف إليه المنصور إلى تيهرت، ~~ففر أبو الهار إلى الغرب. ودخل عسكر المنصور تبهرت فنهبوا وقتلوا، ثم أمنهم ~~بعد ذلك. ورجع المنصور عن تبع عمه أبو البهار، وآوى على تبهرت أخاه يطوفت ~~ومضى المنصور إلى مدينة أشير وكتب أبو البهار إلى ابن أبي عامر، يسأله ~~الدخول في طاعته، وأن يكتب له إلى زيري بن عطية الزناتي صاحب فاس أن يكون ~~مواليا ومصافيا لابن أبي عامر، فكتب ابن أبي غامر إلى أبي البهار: أن كنت ~~على نية فيما وصفته عن نفسك، فارسل إلى ابنك، يكون رهينة عندي وأفعل عندك ~~ما أحببته! فوجه إليه ابنه في مركب مع ميمون المعروف بابن الدابة كأبيه، ~~فعطب المركب وماتا جميعا ms195 في البحر. فوجه إليه ولده الآخر، فوصل إليه فوجه ~~ابن أبي عامر PageV01P244 # لأبي البهار أموالا وكسي وكتب إلى زيري بن عطية في زحفه أن يعاضده ~~وينصره، ويكون معه. فلما بلغ ذلك أبا البهار وصل إلى فاس، واتفق مع زيري بن ~~عطية صاحبها. # وأما العامل على أفريقية، يوسف بن أبي محمد المتقدم الذكر فكان مشتغلا ~~بالأكل والشرب فإذا دخل الورد اصطبح عليه، فلا يظهر حتى يفنى الورد وينقطع. ~~وكان يجلس فيه، وينام عليه، فسمي شيخه الورد. وأسلم الأمور لابن البوني، ~~فكان أهل الحاضرة معه في أمن وعافية، وأهل البادية في عذاب وغرامة. وكان ~~جبارا عنيدا، وسمحا جوادا وكان يخرج في كل سنة فيدور على كور أفريقية، ~~ويجبي الأموال، ويأخذ الهدايا من كل بلد ويرجع. قال الرقيق: كنا إذا درنا ~~مع يوسف بن أبي محمد على البدان، واستطاب موضعا وأعجبه حسنه أقام فيه ~~مصطبحا الشهر والشهرين، وأبو الحسن البوني يجبي الأموال ويقبض الهدايا ~~ويقوم بأمور أخلة يوسف وعسكره. وكان يعطي لخاصة يوسف في كل يوم خمسة آلاف ~~درهم، وينفق على يوسف لمطيته وفاكهته نحو هذا المال المذكور. # وفيها توفي عامل صقلية عبد الله بن محمد بن أبي الحسن، وولى ابنه يوسف، ~~فكان الناس في أيامه على أفضل ما يشتهون واستقامت له الأمور، وأداخ بلاد ~~الروم، وظهر من كرمه وجوده وعدله ملهو معدوم في كثير من البلدان. # وفي سنة 380، توفي المرصدي صاحب خراج القيروان. وأمر أبو الفتح المنصور ~~بولاية محمد بن عبد الطاهر بن خلف الخراج مع سلامة بن عيسى؟ فجلسا معا في ~~ديوان خراج المنصورية. # وفي سنة 381 توفي القائد جوهر بمصر وهو الذي فتحها. فلم يبق شاعر بمصر ~~إلا رثاه، وذكر ما فتحه شرقا وغربا. وفيها وصل المنصور إلى PageV01P245 # المنصورية ودخل قصره الجديد فخرج إليه أهل القيروان، يتلقون فأدناهم ~~وأثنى عليهم ووعدهم خيرا. ثم رفع له في عبد من عبيده أنه قذف بعض الصحابة، ~~فأمر يقتله وصلب جثته، ونودي على رأسه في مدينة القيروان. # وفي سنة 382، طهر أبو مناد باديس بن ms196 أبي الفتح المصور بقصر والده وأهدى ~~إليه جماعة من الناس على قدر أحوالهم، وفيها ترك المنصور البقايا للرعايا. ~~وفيها قبض على البوني وابنه، وطلب منهم إلا كثيرا فأنكراه وكان المنصور قدر ~~أنه يأخذ منهما أموالا يفتخر بها على أضياف كانوا عنده في يوم طلبها، وقال ~~لهم: لو أن عبدا من عبيدي طلب منه بيوت مال لوجد ذلك عنده! فصادف أنكار ~~البوني ذلك المحل، فأمر بذبح البوني. وعزل يوسف بن أبي محمد عن عمالة ~~أفريقية وولى مكانه محمد بن أبي العرب الكاتب. وفيها وصل سجل من العزيز ~~بالله بولاية العهد لأبي مناد باديس بن المنصور، فسر المنصور بذلك، وجاءته ~~الهدايا من البلدان ومن كمل جهة ومكان، وفيها كان وصول سعيد بن خزرون من ~~مدينة طبنة إلى المنصورية، فلقيه المنصور، وعانقه ثم دخل معه إلى قصره، ~~وأنزله وأجرى عليه الأرزاق الواسعة، فاعتل سعيد بن خزرون أياما، ومات في ~~أول رجب، فكفنه المنصور بسبعين ثوبا، وفي هذه السنة وصلت هدية من بلد ~~السودان فيها زرافة، فخرج المنصور حتى دخلت بين يديه. وفيها وصل إلى ~~المنصور فلفل بن سعيد بن خزرون بعد موت أبيه، فأعطاه ثلاثين حملا من المال، ~~وثمانين تختا من أنواع الكسي وخيلا بسروج محلاة، وعشرة من البنود الجدد ~~المذهبة، ورده إلى مدينة طبنة أميرا عليها. # وفي سنة 383 خرج باديس بن المصور إلى مدينة أشير. وفيها وصل إلى المنصور ~~كتاب أخيه يطوفت، يخبره بوصول عمه أبي بهار إليه فكتب إليه PageV01P246 # المنصور أن يبعثه فكان أبي البهار إلى المنصورية ليلة الاثنين منتصف ~~شعبان، فأعطاه المنصور كسا وجواري وفرشا وسر به أعظم سرور وأنزله أحسن ~~نزول. # وفي سنة 384، كان دخول أبي مناد باديس بن المنصور إلى المنصورية من جهة ~~الغرب، وهي أول حركة، فتلقاه أبو العساكر وأهل القيروان وغيرهم، وفيها، كان ~~وصول الهدية من مصر مع جعفر بن حبيب ومعه فيل عظيم. # وفي سنة 385، مات الأمير عبد الله بن يوسف بن زيري بم مناد. وفيها، كان ~~خروج القائد يوسف بن أبي محمد عاملا ms197 على متيجة. وفي جمادى الأخيرة، وصل ~~قاسم بن حجاج إلى المنصورية من مصر برؤوس الروم الذين قتلهم مارق الكتامي ~~بحلب. # وفي سنة 386، توفي أبو الفتح المنصور عدة العزيز بالله بن زيري بن مناد ~~الصنهاجي في يوم الخميس لثلاث خلون من ربيع الأول، ودفن بقصره الجديد ~~الخارج عن المنصورية. وكانت أيامه أحسن أيام. ### | إمارة أبي مناد باديس بن أبي الفتح ابن أبي الفتوح يوسف بن زيري بن مناد # ولما صارت الأمور إليه، أتاه الناس من كل ناحية بأفريقية للعزاء ~~والتهنئة. وكانوا بنو زيري وبنو حمامة قد هموا بأمور، وخالفوا على ما كان ~~معهم على ما عقدوه، فما تركهم عبيد باديس وعبيد أبيه إلى شيء مما أرادواه. ~~ووصل أبو بيباش يطوفت بن أبي الفتوح إلى لمنصورية للعزاء والتهنئة ثم رجع ~~إلى طبنة وجهة الغرب في أواخر شعبان. وفي هذه السنة توفي أبو PageV01P247 # المنصور نزار العزيز بالله العبيدي صاحب مصر في حوض الحمام وكانت به علة ~~الحصى، وشرب دواء في الحوض، وأدركه أجله فيه، فمات. وولي مكانه أبو علي ولي ~~عهده الملقب بالحاكم بأمر الله. وكان أبو مناد قد هيأ هدية ليبعثها للعزيز، ~~فبرزت الهدية من المنصورية إلى رقادة مع جعفر بن حبيب لست خلون من رمضان. ~~وكان العزيز بالله قد بعث سجلا إلى أبي مناد يأمره فيه برفع القاضي محمد بن ~~عبد الله بن هاشم إلى مصر، فوصل السجل والقاضي مريض، فأمره أبو مناد ~~بالخروج مع الهدية، فاعتذر بعده، فبعث إلى داره محمد بن أبي العرب وجماعة ~~من رجال الدولة، وذلك لثلاث خلون من ذي القعدة، ووقف العسكر بباب أبي ~~الربيع وظنوا أن أهل القيروان يمنعه منهم ويحولون بينه وبينهم فهجموا عليه، ~~وحملوه ببساطه الذي كان مريض عليه في ثيابه التي يلبسها في داره، لأنهم ~~فاجئوه وخرجوا به محمولا، وقد اجتمع عند داره خلق عظيم ولم ينق أحد منهم، ~~ومشوا به إلى رقادة وخلفه غلام نصراني يمسكه، وأولاده وقرابته يمشون خلفه. ~~واغتم بمسيره سائر الناس وظهر عليهم الحزن والأسف لفقده، وكثر الدعاء ms198 له ~~والثناء عيه. ثم جاءت الأخبار بوفاة العزيز بالله، فأمر أبو مناد برجوعه ~~إلى داره مكرما معظما وفي هذه السنة، مات أبو محمد بن أبي زيد - رحمه الله! ~~- وفي سنة 387، توترت الأخبار بموت العزيز بالله. وفيها رجع القاضي إلى ~~داره، وهو مريض، فازداد مقداره عند الناس وفي صفر، عقد أبو مناد ولاية أشير ~~لحماد ابن أبي الفتوح يوسف بن زيري بن مناد، فخرج عاملا عليها وأعطاه خيلا ~~كثيرة وكسا جليلة، ثم اتسعت عمالته وكثرت عساكره وعظم شأنه، وفي ربيع الأخر ~~وصل القاضي الباهري من مصر إلى المنصورية، فبرز أبو مناد بعساكره عليه، ~~وخرج بجميع رجاله إليه، رأى ما لم ير مثله. ووصل المذكور بسجلين، فقرئا ~~بجامع القيروان والمنصورية: أحدهما بولاية أبي مناد PageV01P248 # وتلقيبه نصير الدولة، والثاني بوفاة العزيز بالله وخلافة الحاكم بأمر ~~الله والجواب عن وفاة المنصور عدة العزيز بالله. وكان معه سجل ثالث بأخذ ~~العهد على باديس وجماعة بني مناد للحاكم. فجلس أبو مناد ودعا وجوه ~~الصنهاجيين وأخذ عليهم البيعة. ثم رجع القاضي الشريف الباهري إلى مصر، بعد ~~أن وصله أبو مناد بمال جليل. وفي هذه السنة خرج نصير الدولة إلى المصلى بزي ~~جليل وهيئة حسنة وبين يديه الفيل وزرافتان، وجمل أبيض ساطع البياض، لم ير ~~الناس مثله قط. # وفي سنة 388، وصلت إلى نصير الدولة هدية من مصر تشتمل على الجوهر ~~والأعلاق النفيسة، فتلقاها، ودخلت بين يديه إلى المنصورية وفيها، كانت وقعة ~~بمصر بين الترك والكتاميين، وكان الظفر للترك عليهم. . # وفي سنة 389، زحف زيري بن عطية صاحب فاس وما والاها من بلاد الغرب إلى ~~مدينة تيهرت، فنزل عليها وحاصرها. وكانت يطوفت بن يوسف بن زيري صاحبها، ~~فكتب إلى ابن أخيه أمير أفريقية، يستمده، فبعث إليه محمد ابن أبي العرب. ### | ذكر هزيمة عسكر أفريقية واستيلاء زيري بن عطية عليه وظهور زناتة على صنهاجة # لما وصل كتاب يطوفت إلى باديس نصير الدولة، أمر نصير الدولة محمد ابن أبي ~~العرب الكاتب بالخروج بالعساكر إلى زناتة، فكان تبريزه في منتصف صفر من هذه ms199 ~~السنة، ونهض بالعساكر حتى بلغ أشير، وبها حماد بن يوسف بن زيري عاملا ~~عليها، ومعه عسكر عظيم، فأقام بها يسيرا، ثم رحل ورحل حماد معه بعسكره، حتى ~~وصلا إلى تيهرت، فاجتمعا بيطوفت، ومعه أيضا عسكر عظيم وكان اجتماعهم بتيهرت ~~غرة جمادى الأولى. وكان بتيهرت زيري بن PageV01P249 # عطية نازلا بموضع يقال له امسار، على مرحلتين من يتهرت، فزحفوا إليه. ~~فكانت بينهم حرب شديدة وكان معظم عسكر حماد الوتلكاتيين، وكان قد أساء ~~عشرتهم. فلما حمى الوطيس واشتد البأس، ولوا منهزمين، فاتبعهم جميع العساكر ~~الأفريقية. فرام ابن أبي العرب رد الناس فلم يقدر فولت الهزيمة على الجميع، ~~حتى وصلوا إلى أشير وقد أسلموا محلاتهم ومضاربهم، وكل ما فيها من الأموال ~~والسلاح وغير ذلك، فاحتوى زيري بن عطية وإخوانه على جميع ما ذكرنا. وقتل ~~منهم خلق كثير، وأخذ أسرى كثيرة، فوعدهم بجميل، ثم أطلقهم عند وصوله إلى ~~تيهرت، فمضوا حتى وصلوا إلى أشير. وبقى ابن أبي العرب وحماد ويطوفت بأشير ~~وبقى زيري ابن عطية الزناتي على تيهرت. وكانت هذه الوقعة والهزيمة يوم ~~السبت لأربع خلون من جمادى الأولى منن هذه السنة. ووصل الخبر إلى المنصورية ~~لعشر بقين منها، فخرج نصير الدولة صاحب أفريقية من المنصورية للقاء زيري بن ~~عطية يوم السبت لليلتين خلتا من جمادى الآخرة، ورحل حتى وصل إلى طينة، فبعث ~~في طلب فلفل بن سعيد بن خزرون الزناتي، وكان على طبنة، فخاف منه، وبعث ~~يعتذر له، ويسأله أن يكتب له سجلا بولاية طبنة، فكتبه له، وبعث به إليه، ~~ورحل عنه نصير الدولة باديس وتمادى في رحيله. فلما بلغ فلفلا أنه قد أبعد ~~عنه ضرب على جهة من جهاته، فأكل ما حولها ونهب وافسد ومضى إلى باعاية، ~~فحاصرها، وأفسد تلك الجهات كلها، واكل ما والاها، ونصير الدولة في هذا كله ~~متماد على سيره حتى وصل أشير. ولما وصل إلى المسيلة، رحل زيري بن عطية عن ~~تيهرت. فصمم إليه نصير الدولة. ثم وصله الخبر أنه توجه إلى ناحية فاس فعند ~~ذلك رجع نصير الدولة ms200 إلى تيهرت وأشير، واستخلف يطوفت على تيهرت ابنه أيوب ~~في أربعة آلاف فارس. وبلغ نصير الدولة ما فعل فلفل ابن سعيد، فأرسل من أشير ~~عساكر تقدمت إليه، ثم رحل بعدهم ومعه أبو PageV01P250 # البهار بن زيري حتى وصل إلى المسيلة فعيد بها عيد الفطر. ووصل إلى أبي ~~البهار فيه الخبر بأن أخوته ماكسن وزاوي ومغنين نافقوا بأشير، وأنه قد ~~قبضوا على يطوفت، فرحل أبو البهار هاربا في بنيه ورجاله وعياله. ورحل نصير ~~الدولة ثالث شوال إلى أفريقية. فلما بلغ إلى يلزمة، بلغه أن فلفل بن سعيد ~~تمادى إلى القيروان، فرحل إلى باغاية، فعرفوه ما قاسوه من قتال فلفل وأنه ~~حاصرهم خمسة وأربعين يوما، فرحل من باغاية في طلب فلفل، فاتقى معه لعشر ~~خلون من ذي القعدة، فكانت بينهم حروب لم يسمع بمثلها. وكلن قد اجتمع لفلفل ~~من البربر مل لا يحصى عددا وكثرة، فانهزم فلفل إلى جبل الحناش، حسبما ~~ذكروه، واتبعته صنهاجة والعبيد. فلما رأوه تمادى منهزما، رجعوا عنه ونهبوا ~~محلته. وقتل في ذلك اليوم نحو سبعة آلاف من زناتة. وأرسل نصير الدولة كتاب ~~الفتح إلى مدينة القيروان. # وفي سنة 390، خرج نصير الدولة في طلب فلفل بن سعيد. فلما علم فلفل أنه لا ~~طاقة له بلقائه، هرب إلى الرمال، وافترق جمعه فرجع نصير الدولة إلى ~~أفريقية، ومعه أبو البهار بن زيري وقد أعتذر له مما فعل إخوانه، فقيل عذره. ~~ثم رجع فلفل إلى طرابلس، وتمادى نصير الدولة إلى أن وصى إلى قصر الأفريقي، ~~فبلغه حينئذ أن بني زيري رجعوا إلى الغرب خوفا منه وأنه لم يبقى مع فلفل ~~سوى ماكس وابنه محسن، فرجع نصير الدولة إلى المنصورية حضرته. وفي أول رجب ~~من هذه السنة، خرج نصير الدولة إلى رقادة، متوجها لقتال زيري بن عطية ~~الزناتي أمير الغرب، لما بلغه أنه أتى إلى أشير. ثم جاء الخبر برحيل زيري ~~بن عطية إلى الغرب، فرجع نصير الدولة إلى المنصورية. # وفي سنة 391، خرج نصير الدولة في طلب فلفل ثانية، ووصل كتاب يوسف بن عامر ms201 ~~عامل قابس، يذكر فيه أن فلفلا رحل إلى طرابلس من على قابس، لست بقين من ~~رجب، ولما وصل فلفل إلى طرابلس خرج إليه فتوح PageV01P251 # ابن علي وجماعة أهلها، فقتلوه وأدخلوه البلد، فاستوطنها من ذلك الوقت. ~~وفي هذه السنة، وصل رسول حماد بن يوسف العزيز بالله يذكر أنه زحف إلى عمه ~~ماكسن بن زيري ومن معه، فقتل ماكسن وولداه محسن وباديس بعد حروب شديدة ن ~~وذلك بعد ثلاث خلون لرمضان المعظم. وفيها توفي زيري بن عطية الزناتي، صاحب ~~فاس والغرب كله وذلك في الثاني عشر من رمضان المذكور من السنة المؤرخة، بعد ~~قتل ماكسن بتسعة أيام. ### | بعض أخبار زناتة ودولتهم بالغرب إلى حين ظهور المرابطين # وذلك أن زناتة كانت تقوم بدعوة الأمويين، لما تقدم لهم من هجرة جدهم خزر ~~بن صولات وإسلامه على يد عثمان بن عفان، وكان صنهاجة تقوم بدعوة العبيديين. ~~ووقع بينهم حروب كثيرة وقام ببلاد الغرب زيري بن عطية الخزري المغراوي، ~~وملك فاسا وغيرها، وصار أمير زناتة كلها في ذلك الوقت. وكان يدعوا لبني ~~أمية في دولة هشام المؤيد، إذ كان المقيم لها ابن أبي عامر حاجبه، وهو ~~يحارب أعدائه وأضداده صنهاجة أمراء أفريقية. قال بن حمادة: وكان قد وصل إلى ~~قرطبة، واجتمع مع ابن أبي عامر سنة 379، وكان بأرض الغرب في خدمته من تلك ~~السنة وموالاته مع سعة ملكه وبعد صيته إلى أن فسد ما بينهما سنة 387، ووقع ~~بينه وبين المظفر حروب يطول ذكرها. # قال ابن حيان: ثم أن زيري بن عطية الراوي نكث على علي ابن أبي عامر بعد ~~الحب الشديد والوفاء الأكيد، وطعن علي بن أبي عامر سلبه الملك هشام وامتعض ~~لهشام المؤيد، وغلية ابن أبي عامر عليه، فانفذ له ابن أبي عامر واضحا فتاه ~~بجيش كثيف، فقاومه بالمغرب. ودارت بينهم حروب عظيمة، ثم أردفه ابن أبي عامر ~~بولده عبد الملك، وهبط هو إلى الجزيرة الخضراء يمدهم بالقواد PageV01P252 # والأجناد. وبرز عبد الملك من طنجة إلى زيري، ودارت بينهم حروب لم يسمع ~~بمثلها في الحروب الغابرة. ms202 أجلت عن هزيمة زيري واستئصال رجاله وحاله. ونجا ~~هو مثخنا بالجراح. وانبسط ملك عبد الملك بن أبي عامر على الغرب وما والاه ~~إلى سلجماسة، وعلى تلمسان وتيهرت. وقفل إلى الأندلس سنة 389، واستخلف على ~~بلاد الغرب واضحا الغازي، فأقام بفاس مدة وانصرف إلى الأندلس، وخلف على فاس ~~عبد الله بن أبي عامر، ابن أخي المنصور، ثم تلاه إسماعيل بن البوري، ثم ~~تلاه أبو الأحوص معن بن عبد العزيز، وبقي فيها إلى أن توفى محمد بن أبي ~~عامر، فصرفها ابنه عبد الملك المظفر إلى المعز بن زيري بن عطية، وقد ~~استحكمت ثقته به وحسن رأيه فيه فولاه على فاس سنة 397، على أن يعطيه المعز ~~عدة من الخيل والسلاح يحملها كل سنة إلى قرطبة، وقبض على ابنه المسمى معتصر ~~رهينة. فاستقامت طاعة المعز، وأقام ابنه بقرطبة إلى أن نشأت الفتنة وانقرضت ~~الدولة العامرية، فانصرف معتصر إلى أبيه ومضى مع أبوه على رأيه في موالاة ~~من ظهر بالأندلس من المروانية، إلى أن هلك بعد صدر من الفتنة، وأورث ولده ~~حمامة ملك فاس وما والها. # وقد ذكر الوراق ذلك، وشرحه شرحا كافيا وقال: توفي زيري بن عطية في سنة ~~391، أقام بنو عمه ابنه المعز مكانه. وذكر استجداء المعز للمظفر ابن أبي ~~عامر، وأرسله إليه، وتقليد المظفر له ولاية المغرب على ما تضمنه من خيل ~~وسلاح وغير ذلك، ورهنه المعز ولديه حمامة ومعنصر، وذكر موت المظفر، وتقديم ~~أخيه عبد الرحمن لحجابة هشام المؤيد وبلغ المعز بن زيري ذلك، فاحتفل في ~~هدية عظيمة يهديها له، وذلك سبعمائة من الخيل وأحمال كثيرة من درق اللمط ~~وجملة كبيرة من المال والسلاح، وسائر ما بالمغرب من الطرف، ووصل قرطبة مع ~~هذه الهدية فتيان من بني عمه وجملة من شيوخ PageV01P253 # القبائل ووجوه فاس، فسر عبد الرحمن بذلك وشكر المعز وسرح ابنيه إليه بعد ~~أن كساهما وأرضاهما وكتب للمعز عهدة بتحديد ولاية الغرب كله إلا مدينة ~~سجلماسة فأنه كان قد عقد ولايتها لواضح الفتى قبل ذلك وولاها واضح وانودين ~~بن خزرون اليفرني ms203 وأبن عمه زيري فلفل على ما ضمناه إليه وعده من الخيل ~~والدرق معلومة وجملة من المال في كل سنة. ورهنه كل واحد منها أبه. فامتثل ~~النعز بين زيري وما أمره بن عبد الرحمن بن أبي عامر. وبقي المعز أمير الغرب ~~إلى أن انقرضت الدولة العامرية ثم انقرضت الدولة المروانية وانشقت عصى ~~الأمة ومرج أمر الناس بالأندلس وصار المسلمون شيعا متفرقون يقتل بعضهم بعضا ~~وينهب. وفعل أهل المغرب مثل ذلك فكثر فيه الشتات وشن الغارات بعضهم على ~~بعض. وأقام المعز بن زيري يدارى أمره إلى أن حانت وفاته سنة 416. وولى ~~مكانه أبنه أبو العطاف حمامة بن المعز بن زيري بن عطية وكان له حظ من ~~المعرفة والأدب وحسن السياسة، فكانت مدينة فاس في أيامه هادئة راخية، وكان ~~الشعراء يقصدونه من الأندلس. وجرت له حروب كثيرة إلى أن حانت وفاته في سنة ~~433. وولى ابنه دوناس بن حمامة فقام عليه بنو عمه، ولم يزل أمره يضعف، ~~ودولتهم تدبر إلى أن قام بمدينة فاس أميران بالعدوتين وكانت الحرب تدور ~~بينهما. وجرت بين ذلك أمور وخطوب، ولا يحسن ذكرها لشناعتها، إذ للدول، إذا ~~أدبرت كل ما يجري فيها يقبح ذكره، إلى أن شاع خبر خروج لمتونة من الصحراء، ~~واستيلاءهم على بلاد المصامد وخلعهم لملوكهم وناموس عدلهم، ودخل عبد الله ~~بن ياسين مدينة أغمات وما يليها، فخافت زناة وأجفلت عن جهة الشرق حيث ~~مستقرها، ولما قتل عبد الله بن ياسين، رجعت زناة إلى المغرب، وقتلوا كل من ~~اتهموه بالميل إلى أصحاب اللثام، فحاربهم الصحراويون. ووجه أبو بكر بن عمر ~~يوسف بن تاشفين، فحارب رؤساء القبائل، واستفتح بلاد كثيرة. PageV01P254 # وفي خلال ذلك كان الجوع الشديد الذي يعرف بسنة أو قبة بدرهم من الدراهم ~~الخندوسية، وذلك في سنة 444. ورجع الفتوح بن معنصر الزناتي من المشرق وكسر ~~عسكر مدينة فاس في سنة 454. وفيها كسرة مكناسة ولواة: كسرها قائد أبي بكر ~~بن همر اللمتوني. # وفي سنة 454، وطئ بليجين بن محمد بن حماد الصنهاجي جميع الغرب ودوخه ~~بجيوش عظيمة. # وفي سنة ms204 459، دخل إبراهيم بن مليح الجزنائي مدينة فاس، وأخرج منها معنصر ~~بن حماد إلى بيت الشرق. ثم رجع إلى فاس، وقتل كل من اتهمه بالميل في ~~الملثمين. ثم رجع يوسف إلى المغرب وهرب معنصر. وقتل يوسف سدراة ودخل مدينة ~~فاس، واستولى عليها وعلى أكثر الغرب. هكذا ذكر أبو مروان عبد الملك بن موسى ~~الوراق في كتابه (المقباس في أخبار فاس) . وأما يوسف الجزنائي، صاحب مكناسة ~~فتولى سنة 412. وأما توالي، فتوفي بالقلعة، وولي ابنه مهدي في هذه السنة. ~~وأما ابن أبي العافية إبراهيم، فتوفي في سنة 450، وولي ابنه عبد الله وكان ~~بنو أبي العافية أصحاب تسول وملوية ونكور، وهي لمزمة، وتوفي عبد الله 460، ~~وولي ابنه محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن موسى بن أبي العافية وأما تلمسان ~~والزاب، فكان فيها يعلى الزناتي، وما في هذا التاريخ أو قريبا منه وقام ~~فيها بنوه. وما وراء الزاب من بلاد الغرب، لم يملكه العباسيون قط، أما ~~تلمسان وأنظارها، فوليها محمد بن سلمان ابن عبد الله بن حسن بن الحسن بن ~~علي - رضي الله عنهم - ومن ولده أبو العيش عيسى بن إدريس بن محمد المذكور. ~~وأما فاس وأنظارها فكان فيها شيعة ثم آل أمرها إلى إدريس بن عبد الله بن ~~حسن بن الحسن بن علي - رضي الله عنهم - وأما تلمسان، فكان فيها أولاد صالح ~~بن طريف على ضلالتهم. وأما سجلماسة، فنزلها عيسى بن سمغون، رئيس الصفرية. ~~فهذه هي البلاد المتفق عليها، وأما المختلف PageV01P255 # فيها، بأفريقية: قيل أنه كان فيها عبد الرحمن بن حبيب ثائرا، وبالأندلس ~~يوسف الفهري أميرا. # رجع الخبر إلى نسق التاريخ. وفي سنة 392، توفي أبو طالب شيخ المعتزلة ~~ولسانهم، وله تسع وستون سنة. وفي هذه السنة كان خروج يحبى بن علي بن ~~الأندلسي من مصر بالعسكر، فمان وصوبه إلى طرابلس يوم الجمعة لتسع خلون من ~~ربيع الأول وكان متولي التدبير في الوقت زيدان الصقلي، فاختلفت عليه أمور ~~العسكر مع سوء عقله وضعف تدبيره ووصل إلى فلفل، فاستخلف به، واحتقره. وفيها ~~ن في رمضان ms205 المعظم، توفي المنصور بن أبي العامر على ما يأتي في موضعه. # وفي سنة 393، وصل يحيى بن علي بن الأندلسي، ومعه فلفل بن سعيد وفتوح بن ~~علي إلى مدينة قابس، فحصروا عطية بن جعفر وخرج في تلك الأيام إلى قابس ~~عشرون رجلا من الناشبة، فعرف بهم فلفل فبعث في طلبهم فلما أتى بهم ن ضرب ~~أعناقهم، وكان وصولهم إليها يوم الاثنين لأربع عشرة خلون من شعبان من هذه ~~السنة.. ثم انصرفوا راجعين إلى طرابلس ولما رأى يحيى بن علي اختلال الحال ~~عليه، ولم يجد ما يعطي لرجاله عاد ببقيتهم إلى مصر، بعد ما أخذ فلفل ~~وأصحابه ما أحبوه من خيولهم بين شراء وغصب فلما وصل إلى صاحب مصر الحاكم ~~بأمر الله، أراد الإيقاع به، وبعد ذلك عفا عنه وقبل عذره. # وفي سنة 394، قتل الحاكم بأمر الله منجمه البكري بمصر، وكان ضعيف العقل ~~أحمق وكان له بصر بالقضايا. وفيها قتل الحاكم جماعة كبيرة من وجوه رجاله ~~وأحرقهم بالنار. وفيها، قتل المعروف بابن خريطة. وفيها، قتل ابن الغازي ~~المنجم. # وفي سنة 395، كانت بأفريقية شدة عظيمة أنكشف فيها الستور، وهلك فيها ~~الفقير، وذهب مال الغنى، وغلت الأسعار، وعدم القوات. وجلى أهلها PageV01P256 # البادية عن أوطانهم وخلت أكثر المنازل فلم يبقى لها وارث وع هذه الشدة ~~وباء طاعون هلك فيه أكثر الناس من غني ومحتاج فلا ترى متصرفا إلا في علاج ~~أو عيادة مريض أو آخذا في جهاز ميت أو تشيع جنازة أو انصرف من دفن. وكان ~~الضعفاء يجمعون إلى باب سالم فتحفر لهم أخاديد ويدفن المائة والأكثر في ~~الأخدود الواحد فمات من طبقات الناس وأهل العلم والتجار والنساء والصبيان ~~ما لا يحصى عددهم إلا خالقهم تعالى وخلت المساجد بمدينة القيروان وتعطلت ~~الأفران والحمامات. وكان الناس يوقدون أبواب بيوتهم وخشب سقوفهم. وجاء خلق ~~من أهل الحاضرة والبادية إلى جزيرة صقلية. وكانت الرمانة بدرهمين للمريض في ~~ذلك الوقت والفروج بثلاثين درهما وقيل أن أهل البادية أكل بعضهم بعضا. كذا ~~ذكر أبو إسحاق الرقيق. # وفي سنة 396، كثر الخصب ms206 بأفريقية ورخصت الأسعار وأرتفع الوباء عن الناس ~~وفيها ثار ببرقة الوليد بن هشام وأدعى أنه من بني أمية من ولد المغيرة وكان ~~ظهوره في العام الفارط عن هذه كان معلما ببرقة فرأى في أهل برقة فرصة ~~فانتسب لهم وعرفهم أم عنده روايات وعلما وأنه هو الذي يملك مصر ويقتل ~~الجبابرة وأعانه على ذلك قوم من لواتة وزناتة فنصبوه إماما واجتمعوا عليه. ~~ثم أقبل البربر من كل ناحية إليه فزحف إلى برقة وحاصرها حتى فتحها وذلك في ~~رجب من العام الفارط ثم قوى أمره في هذه السنة، فأخرج الحاكم إليه جيشا ~~فكان بينهم قتال شديد إلى أن هزم عسكر مصر وقتل قائده. وفيها توفي عامل ~~أفريقية محمد بن أبي العرب. وفيها قتل الحاكم قاضيه وأحرقه بالنار على أكله ~~أموال الأيتام. وفي سنة 397 استحلف أمر الثائر ببرقة الوليد بن هشام وكثرت ~~جموعه PageV01P257 # وأتباعه فأخذ الحاكم بالحيلة فدعا وجوه رجاله وقواده وأمرهم أم يكاتموه ~~ويعرفوه أنه على مذهبه وهو أن قرب منهم صاروا في جملته. فلما تواتر ذلك ~~عليه وثق به وزحف بكل من معه من قبائل البربر إلى مصر فخرجت إليه عساكر مصر ~~فهزموه ولحق بأراضي السودان. ثم أخذ أسيرا ودخل إلى مصر على جمل فطيف به ~~بثياب مشهورة ثم قتل شر قتلة في النصف من شوال. وفيها ولي العمالة بأفريقية ~~إلى القاسم بن محمد بن أبي العرب بعد موت أبيه فأفر رجاله على مراتبهم ~~واستعان بهم. # وفي سنة 398 توفى صاحب المظالم بأفريقية محمد بن عبد الله وكانت وطأته ~~اشتدت على أهل الريب والفساد بالضرب والقتل وقطع الأيد والأرجل لا تأخذ ~~فيها لومة لائم. # وفي سنة 399، هرب أولاد محمد بن أبي العرب من المنصورية يريدون فلفل بن ~~سعد بن خزرون الزناتي بإطرابلس، فأرسل نصير الدولة إلى صاحب قابس يأمره أن ~~يقطع بهم فلحق بهم المذكور، وأخذ منهم عليا ويوسف فقطع رؤوسهما وتوجه بها ~~المنصورية منسلخة المحرم ووصل القاسم بعد ذلك فعفا عنه. # وفي سنة 400، توفي فلفل بأطرابلس بلة أصابته. وولي ms207 أخاه ورو وأطاعته ~~زناتة وفيها رحل أبو مناد صاحب الدولة بعساكر إلى إطرابلس ليوم الاثنين ~~خلون من شعبان فتلقاه أهلها مسرورين داعين مستبشرين فضربت له فساطيط ~~الديباج والقباب الجليلة ونزل فأخذ الناس ريح عظيمة خرق جميع المضارب ~~ومزقها وذهب بها. ودخل نصير الدولة إلى قصر فلفل. وجاءت رسل ورو بن سعيد ~~أخي فلفل راعية في الأمان والعفو فعفى عنهم وشهد بذلك على نفسه، ثم صدر إلى ~~المنصورية ظافرا. ووصل النعيم بن كنون وطائفة PageV01P258 # معه إلى المنصورية، فأعطاهم نصير الدولة، وأفضل عليهم أتم الأفضال وأمر ~~للنعيم والبنود والطبول والبراذين والسروج وصرف إلى البلاد التي أعطاه ~~وقاعدتها قصطيلية فأقام بها ملك بالطبول والبنود والجيش. وفي سنة 401، كان ~~موت عزم بن زيري بن مناد بالقيروان. وفيها، توفي القائد جعفر بن حبيب. ~~وفيها أمر الحاكم بأمر الله بن الحسين بن جوهر قائد القواد وصره القاضي على ~~مصر عبد العزيز بن محمد بن النعمان فقتلا جميعا في وقت واحد. وفي شوال من ~~هذه السنة خالف ابن الجراح على الحاكم بأمر الله، وبعث رسالة إلى أمير مكة ~~يستدعيه للخلاف عليه معه فخالفه وتسمى بأمير المؤمنين. وتابعه على ذلك أهل ~~مكة وبنو عمه وغيرهم وتمادى أمرهم على ذلك بقية هذه السنة. وفيها، وجعل أهل ~~مصر ومن كان معهم من المغاربة وغيرهم برسم التوجه إلى مكة - زادها الله ~~تكريما وتشريفا! - وذلك عند وصولهم للقزم بلغهم ما فيعل ابن الجراح وأبو ~~الفتوح أبو الحسن بن جعفر بن محمد فمل يحج منهم أحد، ولم يحج أحد هذه السنة ~~من الشام ولا العراق ولا خراسان ولا سائر الآفاق ألا أهل اليمن ونفر يسير ~~ممن كان بمكة مجاورا. # وفي سنة 302 تقدم المنصورية خزرون بن سعيد بن خزرون الزناتي أخو فلفل ~~المتقدم ذكره. وكان سبب وصوله اختلاف بينه وبين أخيه ورو فقصد إلى نصير ~~الدولة فقبله أحسن قبول وكان معه نحو سبعين فارسا من زناتة فأنزلهم وأحسن ~~إليهم ثم بعد ذلك بأيام أعطاه مديمة، فخرج إليها بالبنود والطبول. # وفي سنة 403 وصل ms208 إلى المهدية مركب فيه هدية جليلة من الحاكم إلى نصير ~~الدولة باديس صاحب أفريقية، وإلى ولده منصور عزيز الدولة فتلقاها المنصور ~~مع أهل القيروان على قصر الماء بالبنود والطبول، ووصلت سجلات منه إلى نصير ~~الدولة بإضافته وأعمال برقة إليه. وفيها توفى أبو الحسن القابسي PageV01P259 # الفقيه العالم. وفيها، عزل أمير نصير الدولبو يوسف ابن حبوس السنهاجي عن ~~أمر الجيوش وغيرها. وفيها توفى مفرج بن الجراح ببلاد الشام وبقي أولاده ~~مكانه. وفيها، عاد صاحب مكة إلى طاعة الحاكم وهو جعفر بن الحسن المتقدم ~~الذكر الذي قام بها ودعا لنفسه وتسمى بأمير المؤمنين الراشد بالله ثم تاب ~~مما فعل في هذه السنة وصعد المنبر وتبرأ مما كان ادعاه وكتب بذلك إلى ~~الحاكم بأمر الله فقبل منه وأنفذ إليه أموالا عظيمة وأمر الناس أن يسافروا ~~إلى مكة بالطعام وسائر المرافق. # وفي هذه السنة ظهر بأفريقية ثائر أسمه عبد الله بن الوليد بن المغيرة ~~وكان خاملا مشتغلا بالتعليم ثم دعا إلى نفسه فأخذ وسيق إلى القيروان مع ~~صاحب له وحملا على جملين وطيف بهما ثم ضربت أعناقهم ورفعا فصلبا. ووجت عنه ~~خريطة فيها كتاب بخط يده لبعض الأشياخ القبائل يقول فيها: (من عبد الله أبي ~~محمد الناصر لدين الله أمير المؤمنين إلى فلان) ثم يذكر أن تام أمره وظهوره ~~يكون بكتامة ويأمره لأن يتلاقاه في أول صفر من سنة 404 فإنها آخر دولة ~~صنهاجية وبها تنقطع دولتهم. فتمكن منه صنهاجة كما ذكرنا. # وفي سنة 404 وصل سجل من الحاكم إلى نصير الدولة يذكر فيه أنه جعل ولاية ~~العهد في حياته لأبن عمه أبي القاسم عبد الرحمن بن ألياس فقرأ بجامع ~~القيروان والمنصورية وأثبت اسمه مع اسم الحاكم في البنود والسكة. فعظم ذلك ~~عند نصير الدولة وقال: (لولا أن الإمام لا يتعرض على تدبير، لكتبته ألا ~~يصرف هذا الأمر من ولده إلى ابن عمه!) وفي سنة 405 أخرج نصير الدولة هدية ~~جليلة إلى الحاكم وشيعها بالبنود والطبول عن المنصورية فوصلت إلى المهدية ~~وركب بها البحر يعلى ms209 بن فرج. وكان فيها مائة فرس ولها سروج محلاة شدت في ~~ثمانية عشر حملا أقفاصا PageV01P260 # وكان فيها ثمانية وعشرون حملا من الخزف السمور والمتاع السوسي المذهب ~~النفيس وعشرون وصيفة بارعة الجمال وعشرة من الصقالبة وغير ذلك. ووجهت ~~السيدة أم ملال أخت نصير الدولة إلى أخت السيدة أخت الحاكم هدية أيضا. ولما ~~وصلت تلك الهدايا إلى جهة برقة أخذ العرب وهرب يعلى ابن فرج وأسلمها بجميع ~~ما فيها. # وفيها نادى مناد القيروان بانتقال من كان يسكن فيها من الصنهاجيين إلى ~~المنصورية. ثم نادى مناد آخر بعد ذلك بإغلاق الحوانيت بالقيروان وفنادقها ~~فأغلقت ولم يبق بها إلا بعض حوانيت الأحباس ويبلغ كراء حانوت بالمنصورية ~~مائتي درهم لبيع الكتان وما سمع ذلك بكراء حانوت بالقيروان فكان ذلك أول ~~أسباب خرابها. # وكان الحاكم لقب المنصور بن نصير الدولة بعزيز الدولة وقرى سجله بذلك ~~فأراد نصير الدولة أن يرشح ويضيف فيه أعمالا يستخدم فيها أتباعه وصنائعه. ~~وكان نصير الدولة اتصل به عن إبراهيم بن سيف العزيز بالله هانت إنكاره عليه ~~فأراد اختبارها فكتب كتاب إلى حماد يأمره فيه بتسليم عمل أبي زعبل قصر ~~الإفريقي ومدينة القسطنطينة إلى مستخلف عزيز الدولة وقد كان قد خلع على ~~هاشم بن جعفر وأعطاه البنود والطبول وأمره بالخروج إلى هذا لعمل فخرج ~~بخزائن وعدد جليلة وبعث نصير الدولة إلى إبراهيم بن سيف العزيز بالله ~~يشاوره على من يمضي بكتابه إلى حماد فتسرع إبراهيم إلى المسير بالكتاب نفسه ~~وقال يجد مولانا عبدا من عبيده أنهض بخدمته مني!) وتضمن ذلك وأخذ على نفسه ~~المواثيق أنه لا يقيم في مضيه ألا أقل من عشرين يوما فأسار على نصير الدولة ~~من يقرب منه بأن يعتقل إبراهيم، ولا يدعه لما يرد من السفر حتى يرى ما يكون ~~من طاعة أخيه حماد ومسارعته إلى ما يأمره به نصير الدولة من ذلك وقال ~~لإبراهيم: (امض إلى PageV01P261 # أخيك حماد. فأن صدقت فيما قلت، ووفيت بما وعت، وإلا فأفعل ما أردتما) ~~وخرج إبراهيم بن يوسف العزيز بالله بماله ورجاله ms210 وجميع ذخائره، ولم يعقه في ~~ذلك من نصير الدولة وإلا فقد بأثقال وجملة رجاله دليلا على ما خالف ما ~~أظهر، وكان خروجه من شوال، وصبحه هاشم بن جعفر، ثم أحس هاشم أنه سيغدره إذا ~~قرب من أخيه، فاعتذر له أن حاجة بقيت له بباجة، وعدل إلى طريقها، ووعده أن ~~يلحقه سريعا. فنجاه الله من غدره. ومضى إبراهيم حتى وصل تامديت، وكتب إلى ~~أخيه، فنهض إليه حماد في عساكر عظيمة، واجتمعت كلماتها، وخلعا أيديهما من ~~الطاعة. # وانتهى ذلك إلى نصي الدولة، فرحل في أواخر من ذي الحجة، ونزل برقادة، ~~ووضع العطاء لعساكره، وأخرج عياله وأثقاله وأخته السيدة أم ملال، وأولاده، ~~وعبيد إلى المهدية، ورحل في السابع منه. وأمر بالقبض على يوسف بن أبي حبوس ~~وأخته، فقبض عليه. وكان نصير الدولة لم يمض له يوم من الأيام إلا جدد عليه ~~كرامة وإحسانا، ولا كان يهدى إليه فرس أو ثوب من ثياب الخلافة إلا أثره ~~بذلك على نفسه، ومع ما حمل له من الضياع والرباع بكل كورة من كور أفريقية. ~~وما زال يرفع من قدره، ويزيد في التنويه بذكره، حتى نال من أعلى المراتب، ~~ما لم ينله بعيد ولا قريب، وسما من رفيع الدرجات ما لم يسم له حميم ولا ~~نسيب. وكان - والله أعلم - تسول له نفس الفتك بالأمير نصير الدولة. وأنه هم ~~بذلك مدة من الزمان، فلم يعنه الله عليه، بل خيب سعيه، ورد في نحره بغيه. ~~فتقرر ذلك عند نصير الدولة، فقبض عليه. وكان في قبضه عليه ما أوهن الله به ~~كيد الأعداء، وخيب آمالهم، وأضل أعمالهم. ورحل نصير الدولة ثاني عيد الأضحى ~~بعسكره لحماد المذكور. # وفي سنة 406، في صدر محرم، وصل عزم وفلفل حنون بن سنون، PageV01P262 # وماكسن بن بلقين، وعدنان بن معصم في عدة من الفرسان من عسكر حماد. فخلع ~~عليهم، وأحسن إليهم. ومازال نصير الدولة يرحل مرحلة بعد مرحلة إلى أن وصل ~~إلى تامديت. ثم ورد عليه الأخبار بوفاة ولده المنصور عزيز الدولة، وذلك أنه ~~كان في حين حركته ms211 إلى المهدية عرضت له حمى، وظهر به جدري، فأقام سبعة عشر ~~يوما. وتوفى. فكتم من نصير الدولة أمره خوفا أن يبدو من جزع. يكون فيه وهنا ~~على الدولة فيما هو بسبيله من مقابلة عدوه. فبلغ خبره إبراهيم وحمادا، ~~فبعثا إليه، وقالا له: (إن ولدك، الذي طلبت له ما طلبت، قد توفي) فما ضعضعه ~~ذلك، ولا أوهنه، وكتب إلى السيدة يسألها عن ذلك. فورد كتابها بوفاته ~~والتعزية عنه، ونصف سلامة المعتز حسن حاله، فكان من صبر نصير الدولة وحسن ~~عزائه ما كثر التعجب به. وجلس مجلسا عاما للعزاء، فكان لا يرى من أحد جزعا ~~وبكاء إلا سلاه وهون عليه، فزاد ذلك سرورا لأوليائه وكمدا لحسدته وأعدائه. # ثم رحل من تامديت لست خلون من صفر، وتمادى رحيله إلى أن وصل المحمدية، ~~وهي مدينة المسيلة، فتلقاه أهلها داعين شاكرين على ما منحهم من العدل ~~والأمان، وكثف عنهم من الجور والعدوان. فأقام بها ستة أيام. ثم رحل، فعبر ~~وادي شلف، ثم تمادى مشيه حتى قرب من عساكر حماد وحشوده من زناتة وغيرها في ~~العدوة الأخرى في الوادي. فبات على تحفظ واحتراس. ولما كان في غد نزوله، ~~برز في عساكره، ومشى عليها، ورتبها، وأقام كل قائد من قواده في مركزه. وقد ~~تقارب الفريقان، وتراءى الجمعان، فهزم حماد، وانتهب عسكره. فقيل أن الذي ~~انتهب من الدرق عشرة آلاف درقة. وكان اشتغال العساكر النصيرية برفع الغنائم ~~والأموال والأثقال سببا لنجاة حماد المذكور، لتركهم أتباعه. وأخذ الناس من ~~الأموال والغنائم ما لا يحصى عددا وكثرة، ووجد رقعتان فيهما: (أن الذي عند ~~القائد فلان صندوق فيه PageV01P263 # خمسون ألف دينار وسبعمائة، ومن الورق ألف ألف وخمسمائة ألف درهم، ومن ~~الأمتعة خمسون صندوقا) غير ما كان في بيت حماد وخزائنه. قال أبو إسحاق: وجد ~~رجل بين يديه بغل يسوقه، ففتشه بعض الوصفان بين أيدينا، فوجد في حشو برذعته ~~وصوفها ثماني آلاف دينار، ومثل هذا ما لا يحصى كثرة وعرضت لي أبيات بعد أن ~~صعدنا من الوادي، وقد لقينا به مشقة شديدة، ms212 غير أن حلاوة الظفر والفوز ~~بالسلامة أنسى ذلك، وهي (بسيط) : # لم أبس يوما بشلف راع منظره ... وقد تضايق فيه ملتقى الحدق # والخيل تعبر بالهامات خائضة ... من سافح الدم مجرى قاني الفلق # والبيض في ظلمات النقع بارقة ... مثل النجوم تهاوت في دجي الغسق # وقد بدأ معلما باديس مشتهرا ... كالشمس في الجو لا يخفى عن الحدق # وإن راحته لو فاض نائلها ... وبأسها في الورى أشفوا على الغرق # تجلوا عمامته الحمراء غرته ... كأنه قمر في حمر الشفق # لو صور الموت شخصا ثم قيل له ... (أبو مناد تبدى) مات من فرق # وأصبح نصير الدولة يوم الاثنين لليلتين خلتا من جمادى الأولى، فبعث في ~~طلب حماد بن يوسف العزيز بالله، وقد تحصن في القلعة من أخيه، فأقاما بها ~~ثلاثة أيام حتى استراحا وأراحا دوابهما ومن كان معهما. فعرفه إبراهيم ~~بحاجته إلى الازدياد من الطعام والملح، فخرج حماد في جميع من كان معه ومع ~~أخيه، فسار بهم حتى دخل مدينة دكمة، وقد كان نقد على أهلها، وكان نصير ~~الدولة في أثره، فتصايح أهل الموضع بساقته، فاعترضهم بالسيف، وقتل منهم نحو ~~ثلاثمائة رجل. فخرج إليهم أحمد بن أبي توبة فقيه هذه المدينة وصالحها، ~~فخوفه بالله، ووعظه، وقال له (يا حماد إذا لاقيت الجموع هربت منها أوأن ~~قاربتك الجيوش فررت عنها! لا وإنما قدرتك وسلطانك على PageV01P264 # أسير يكون في يديك، ولا ناصر له عليك) فلما سمع كلامه، أمر بضرب عنقه. ~~ووفق إليه شيخ صالح منها، فقال له: (يا حماد أتق الله! فأني حججت حجتين!) ~~فقال له (أنا أزيدك عليهما الشهادة!) وأمر به، فضربت عنقه. ووقف إليه جماعة ~~من التجار المسافرين، فقالوا له: (نحن قوم غرباء، ولا ندري ما جنى أهل هذه ~~المدينة عليك) فقال لهم: (اجتمعوا وأنا أعرفكم) ودخل معهم غيرهم ممن طمع في ~~الخلاص معهم. فلما وصلوا إليه، أمر بهم فضربت رقابهم أجمعين. وأخذ الجميع ~~ما كان بتلك المدينة من طعام وملح، وعاد به إلى قلعته. # وأما نصير الدولة، فيوم هزيمة حماد، أخرج بكار بن جولالة الوتلكاتي، ms213 وكان ~~قد أخذه أسيرا، وكان بكار كثير ما ينطلق به لسانه. وكان يوسف بن أبي حبوس ~~معتقلا أيضا عند نصير الدولة، فأخرج بكار بمحضر يوسف، وحلقت لحيته، ويوسف ~~ينظر إليه، ثم أمر: فحلقت لحية يوسف، فصارا مثلة في العالم. وقال الرقيق: ~~لما عاينا يوسف، وقد حلقت لحيته، تحدثنا سرا بيننا، وقلنا: (وقد كنا نرجو ~~ليوسف الحياة، لأن الملوك تعفو بعد العقوبة! وأما المثلة، فما نرى أن بعدها ~~إبقاء) فلحنا نصير الدولة وقال: (ما خضتما فيه؟) فصدقناه سرا، فقال: (ما ~~ابتعتما) وبعد ثلاث، أمر بإحضاره، فعدد عليه تساوي أفعاله وقبائح أعماله، ~~ثم أمر به، فجذع أنفه، وقطعت أذنه، ورفع من بين يديه. ثم أعيد إليه، فقطعت ~~يداه جميعا. ثم أمر به إلى موضع اعتقاله، فبات مشحطا في دمائه. فحكى بعض ~~الحرس انه سمعه يرغب أخاه أن يذبحه ويرحه خيفة أن يخرج من الغد ويزاد في ~~عذابه أمام أعدائه، فقال له أخوه: (أصبر على قضا الله وقدره) فقال لبعض ~~الحرس (خذ بيدي وأخرج لقضاء الحاجة) فأخذ بيده ووقف، فضربه ضربة عظيمة ~~بجبهته في عمود، فذرت منها عيناه، وجرى دماغه، وخر إلى الأرض ميتا PageV01P265 # ورحل نصير الدولة من وادي شلف. قال الرقيق: ومن عجيب ما سمعناه عن مناخ ~~وادي شلف أن شيخا كبيرا من البربر حدثنا أنه يعرف بزادي المحن، وأخذ يذكر ~~لنا من هزم فيه ومن قتل فيه من ملوك زناتة. وكنا على ظهر الطريق، فبم نكتب ~~ذلك، إلى أن قال: آخر من مات فيه زيري بن عطية، وآخر من هزم فيه حماد، وبه ~~قتل يوسف بن أبي حبوس، وحمل منه معادلا لأخيه باديتان، ثم أمر به فدفن ~~هناك. # وفي هذه السنة، مات ورد بن سعيد في شوال، فاختلفت كلمة الزناتيين ومالت ~~فرقة مع خليفة بن ورو وفرقة مع خزرون، ابن عمه، وأرفع الله فيهم الشتات ### | ذكر وفاة نصير الدولة باديس بن المنصور # أنه لما كان يوم الثلاثاء لليلة بقيت من ~~ذي القعدة، أمر بالتمييز فبرز كل قائد في عسكره. وجلس نصير ms214 الدولة في القبة ~~وأمر أيوب بن يطوفت بالطواف على العسكر وحسابه، وانتظره حتى فرغ من حابها ~~وعدها، فجاءه فعرفه بما سره وأبهجه، وانصرف إلى قصره. ثم ركب عشية هذا ~~اليوم، وهو قد تناهى إقبالا، واستولى حسنا وجمالا. فلعبوا بين يديه. فكلما ~~هز رمحا كسره وأخذ غيره. ثم عاد إلى قصره أفسح ما كان أملا، واشتد سرورا ~~وجذلا، فطعم وشرب مع خاصته وقرابته، فعاينوا من طربه ما لم يعهدوه منه. ~~فلما مضي نحو النصف من ليلة الأربعاء انقضاء ذي القعدة، قضى نحبه رحمه ~~الله! وبعث في الوقت إلى حبيب بن أبي سعيد، وباديس بن حمامة، وأيوب بن ~~يطوفت. فأعلموا بوفاته خاصة من بين جميع صنهاجة وغيرهم، فانصرفوا على أن ~~يكتموا أمره حتى يجتمع رأيهم، وأصبح وجوه العساكر للسلام على عادتهم وليس ~~عندهم خبر وقد عزموا أن يعرفوا أنه أخذ دواء، وتقدموا إلى PageV01P266 # سائر قواد العساكر أن يحضروا بعدتهم، فقد بلغهم أن حمادا يضرب في المحلة ~~فما شعروا أن خرج الخبر من مدينة المحمدية بوفاة السلطان، وأنهم أغلقوا ~~أبوابهم، وصعدوا على أسوارهم. فظهر ما لم يستطيعوا إخفاءه، فكأنما نودي في ~~الناس بإشاعته، فاضطربت العساكر، وماج بعض في بعض، وخشوا من اختلاف الكلمة، ~~فاجتمع رأيهم على تقديم كرامة، فأخذ عليهم العهود، وأمر بالكتب إلى بعض ~~البلاد. فلما رأى ذلك عبيد نصير الدولة، ومن انضاف إليهم من سائر الحشم، ~~أنكروا ذلك، وقالوا: إنما قدمناه ليحوط الرجال ويحفظ الأموال، حتى يدفع ذلك ~~إلى مستحقه المعز ابن مولانا نصير الدولة! ومشى بعضهم إلى بعض ليلا، ~~وتحالفوا على بيعة المعز فلما تم لهم ما عقدوه أعلنوا به يوم السبت لثلاث ~~خلون من ذي الحجة. وتحالفت العساكر على ذلك طائفة بعد طائفة، واتفقت آراؤهم ~~على خروج كرامة إلى أشير ليحشد قبائل صنهاجة وتلكانة، ويعود بهم إلى ~~المحمدية. ثم رحلت العساكر بتابوت نصير الدولة. ### | ولاية المعز بن باديس أفريقية # كانت ولايته بالمهدية في يوم السبت المذكور من سنة 406، وسنة ثماني سنين ~~وأربعة أشهر، وولايته بالمهدية بها لتسع بقين من ms215 ذي الحجة. ذلك لما وصل ~~الخبر بوفاة أبيه، والسيدة أم ملال بالمهدية، خرج إليها المنصور بن رشيق، ~~وقاضي القيروان والمنصورية، وشيوخها، ومن كان بها من الصنهاجيين. فعزوها في ~~أخيها. وخرج المعز بالبنود والطبول، فنزل إليه الناس يهنئونه جميعا، ~~وبايعوه وهنئوه وعزوه وابتهلوا بالدعاء له. وعاد إلى قصره. ودخل الناس ~~يهنئون السيدة بولايته، فصرف أهل القيروان والمنصورية. وبقي المعز بالمهدية ~~يركب في كل يوم، ويعود إلى قبة السلام، ويتطعم الناس بين يديه، وينصرف إلى ~~قصره. PageV01P267 # وفي يوم السبت بموافقة عيد الأضحى رحلت العساكر من المحمدية بعد أن ~~أضرموا النار في الأبنية والبيوت والزروب، وتقدموا أمام البيود والطبول. ~~فأشرف حماد على العساكر، وهي تمر كالسيل بين يدي التابوت، فقال لأخيه ~~وخاصته: مثل هؤلاء يخدم الملوك! وصلت أنا إلى أفريقية في ثلاثين ألف فارس، ~~ما منهم إلا من أحسنت إليه، وأنعمت عليه. فعدت إلى القلعة وما بقي معي منهم ~~إلا أقل من ستمائة، وأنا بين أظهرهم أرجى! وهذا ميت أطاعه هؤلاء كما كان ~~حيا! وكان وصول العساكر إلى المهدية لثمان بقين من ذي الحجة، وبرزت العساكر ~~على باب المهدية. وركب المعز، فوقف ونزل الناس إليه فوجا فوجا حتى كمل ~~سلامهم. # وفي سنة 407، رحل المعز بن باديس من المهدية فكان دخوله المنصورية يوم ~~الجمعة للنصف من محرم فدخل أجمل دخول، وبين يديه البنود والطبول. واحتل ~~بقصره أفضل حلول، وقد سر به الخاص والعام. # وكان بمدينة القيروان قوم بحومة تعرف بدرب المعلى، يتسترون بمذهب الشيعة، ~~من شرار الأمة، فانصرف العامة إليهم من نورهم، فقتلوا منهم خلقا رجالا ~~ونساء، وانبسطت أيدي العامة على الشيعة، ونهبت دورهم وأموالهم وتفاقم ~~الأمر، وانتهى إلى البلدان، فقتل منهم خلق كثير. وقتل من لم يعرف مذهبه ~~بالشهية لهم. ولجأ من بقى بالمهدية منه إلى المسجد الجامع، فقتلوا به عن ~~آخرهم رجالا ونساء. واجتمعت العامة على أبي البهار بن خلوف لشدته عليهم ~~وقهره لسفهائهم، فلجأ إلى المنصورية، فانتهبوا داره. وبلغ ذلك عساكر ابن ~~أخيه، فركب لينصر عمه أبا البهار، فقتلته العامة ومثلوا ms216 به، وقتلوا كل من ~~كان معه، وزحفوا إلى المنصورية فهدموها. واجتمع بدار محمد بن عبد الرحمن ~~نحو ألف وخمسمائة رجل من الشيعة، فإذا خرج أحد منهم لشراء قوته قتل حتى قتل ~~أكثرهم. ثم أخرجوا إلى قصر السلطان بعيالهم وأطفالهم. فسر المسلمون بما ~~رأوه فيهم، وذلك لما ظهرت الكتب التي وجدت في ديار المسالمة، كان PageV01P268 # فيها من الكفر والتعطيل للشريعة وإباحة المحارم شيء كثير، فتحصنوا في هذا ~~لقصر أواخر جمادى الأولى وجمادى الثانية. وفي أواخر هذه السنة وصل المعز ~~ابن باديس سجل من الحاكم، خاطبه فيه بشرف الدولة، وركب المعز بالينود ~~والطبول وفي سنة 408، كانت حروب عظيمة بين عساكر شرف الدولة والمعز بن ~~باديس وبين عساكر حماد، وذلك شيء يطول ذكره. # وفي سنة 409، خرجت طائفة من الشيعة نحو مائتي فارس بعيالهم وأطفالهم ~~يريدون المهدية للركوب منها إلى صقلية، وبعث معهم خيل تشيعهم فلما وصلوا ~~إلى قرية كامل، وباتوا بها، تنافر أهل المنازل عليهم، فقتلوهم وفحوا بعض ~~شواب النساء ومن كان منه جمال، ثم قتلوهن. وفيها كان بأفريقية غلاء كثير ~~وحروب كثيرة. # وفي سنة 410، وصل زاويبن زيري الصنهاجي من الأندلس إلى أفريقية في أهله ~~وولده وحشمه بعد أن اغترب بها اثنين وعشرين سنة، وقاسى حروبها وفتنها ~~واحتوى على نعم ملوكها وذخائرهم. فخرج إليه في يوم وصوله شرف الدولة المعز ~~بن باديس بزي عظيم، فترجل له الشيخ زاوي، ونزل شرف الدولة وسلم عليه، وسار ~~معه حتى أنزله بالمنصورية. # وفي سنة 411، ورد على المعز بن باديس أبو القاسم بن اليزيد، رسولا من ~~الحاكم إليه، بسيف مكلل بنفيس الجوهر، وخلعه من لباسه لم ير الناس مثلها، ~~فلقيه المعز في أجمل زي وأكمل هيئة. فقرئ عليه سجل فيه من التشريف ما لم ~~يصل لأحد قبله، فسر بذلك. وفيها ورد أيضا محمد ابن عبد العزيز بن أبي كدية ~~بسجل آخر من الحاكم، جوابا للمعز عما كان فيه من أخبار الأندلس، وانقراض ~~الدولة الأموية منها، وقيام القاسم بن محمد فيها فشكره على ذلك، وبعث إليه ~~خمسة عشر علما ms217 منسوجة بالذهب. وركب PageV01P269 # المعز بن باديس الأعلام المذكورة بين يديه يوم الأحد لليلتين بقيتا من ~~ربيع الآخر وجاءت سحابة شديدة الرعد، فأمطرت حجرا لم ير أهل أفريقية مثله ~~كبرا وكثرة، ووقعت معه صاعقتان. وفيها وصل الخبر بوفاة الحاكم أمير مصر ~~وولي الظاهر بعده. # وفي سنة 412، توفي باديس بن سيف العزيز بالله، وصلى عليه شرف الدولة، ~~وكان له مشهد عظيم. وفيها توفيت السيدة زوجة نصير الدولة، وكفنت فيما لم ~~يذكر أن ملكا من الملوك كفن في مثله، فحكى من حضره من التجار أن قيمته مائة ~~ألف دينار، وجعلت في تابوت من عود هندي قد رصع بالجوهر. وكانت لها جنازة لم ~~ير مثلها، ودفنت بالمهدية. وكانت مسامير التابوت بألفي دينار. # وفي سنة 413، تعرض المعز شرف الدواة. فكان له عرس ما تهيأ قط لأحد من ~~ملوك الإسلام. وقد شرح الرقيق في كتابه. وتركناه اختصارا. # وفي سنة 414، وردت الأخبار وتتابعت بأفريقية بأن خليفة بن ورو ومن معه ~~رموا في البحر مراكب كثيرة، وأنهم رحلوا من طرابلس في طلب الفتوح بن ~~القائد، وقد كان كاتب شرف الدولة المعز بن باديس في الانحياش إليه والدخول ~~في طاعته، فأعطاه مدينة نفطة من عمل قصطيلية. فخرج شرف الدولة، فاجتاز ~~بسوسة، ثم إلى المهدية، وذلك يوم الخميس لأربع خلون من المحرم. وأمر ~~بالنداء في حشد البحرين وكتب أن يلحق به كل من يتخلف عنه من عساكره ليكون ~~رحيله من المهدية إلى سفاقس، ثم إلى قابس، قاصدا إلى طرابلس. وأمر ~~بالاحتفاز في إصلاح القطائع وعمارة دار الصناعة، وأخذ في إنشاء العدد ~~الحربية، فأنشئ منها في المدة القريبة ما لم يتم مثله في الزمن البعيد. ثم ~~رأى الوصول إلى المنصورية ليأخذ الناس عددهم وما يحتاجون إليه فكان وصوله ~~يوم الاثنين لست بقين من المحرم من العام. PageV01P270 # ووردت من الأخبار من المشرق، بأن أمير المؤمنين الظاهر لإعزاز دين الله ~~أمر بإحضار سيف الدولة ذي المجدين حسين بن على بن دواس الكتامي. فلما دخل ~~القصر، ولم يكن يدخل قبل ذلك حذرا على نفسه، ms218 أخرج من ساعته مقتولا، فأقام ~~ثلاثة أيام، ومناد ينادي عليه: هذا جزاء من غدر مواليه! ثم دفع إلى عبيده، ~~فدفنوه. # ثم جاء الخبر في الوقت بوفاة السيدة الشريفة بنت العزيز بالله. وصلى ~~عليها الظاهر لإعزار دين الله بمصر. وكانت قد ضبطت الملكة وقومت الأمور ~~بحسن رأي وتدبير. وكان الوزير عمار فوض إليه الأمر في النظر في الدواوين ~~والأموال والكتابة وغير ذلك من خدمة الخلافة، فأمرت بقتله فقتل. وباشرت ~~تدبير المملكة، فلا ينفذ أمر جل أو قل إلا بتوقيع يخرج عنها بخط أبي البيان ~~الصقلي عبدها. # وفي هذه السنة، وصل محمد بن عبد العزيز من قبل الظاهر أمير مصر بتشريف ~~عظيم لشرف الدولة. فقرئت به سجلات ما وصل قبلها مثلها أجل حالا ولا مقالا. ~~وزاده لقبا إلى لقيه، فسماه شرف الدولة وعضدها، وبشره بمولودين ولدا له: ~~أبو الطاهر، وعبد الله أبو محمد، وبعث إليه مع ذلك ثلاثة أفراس من خيل ~~ركوبه بسروج جليلة وخلعة نفيسة من نفيس ثيابه، ومنجوقين منسوجين بالذهب على ~~قصب فضة، ما دخل أفريقية مثلها قط، وعشرين بندا مذهبة ومفضضة. فلقيها شرف ~~الدولة وعضدها أجمل لفاء وأعطاها حقها من الإكرام والاعتناء وقرئت السجلات ~~بين يديه ثم قرئت بجامع القيروان، وأمر بنسخها، وأنفذت إلى الآفاق، فكان ~~لها من السرور ما لم يوصف. وبعد ذلك، في هذه السنة، وصله سجل آخر بزيادة ~~لقب آخر PageV01P271 # تشريفا لشرف الدولة، وأمر أن يكاتب: من الأمير شرف الدولة وعضدها! ويخاطب ~~بمثل ذلك فلقيه أحسن لقاء، وخلع عليه وحله. وجرت المكاتبة من ذلك الوقت ~~بهذا التشريف الجليل. # وفي هذه السنة، اعتلت السيدة أم ملال بنت عدة العزيز بالله أياما وأمير ~~شرف الدولة يصل إليها في كل يوم عائدا ومتفقدا، فجلس عندها ويأذن لرجاله ~~وعبيده يدخلون إليها، ثم ينصرفون. فلما كان ليلة الخميس منسلخ رجب، قبضها ~~الله. وصلى على جنازتها بالبنود والطبول والعماريات والسيدتان الجليلتان ~~الوالدة والأخت بحال من التشريف لهذه الجنازة، لم ير لملك ولا لسوقة مثلها. # وفوض الأمير شرف الدولة جباية الأموال، وولاية العمال، ms219 والنظر في العساكر ~~وسائر الأشغال لأبي البهار بن خلوف يوم الثلاثاء لخمس بقين من جمادى ~~الأولى، فحسنت الأمور وضبطت الأطراف والثغور. واستقام التدبير ورأى الأمير ~~شرف الدولة من حزمه وعزمه وشهامته، ما لا لم يقم به غيره ولا وجد عند سواه ~~بوجه. # وفي سنة 415، في صفر منه، ولد للأمير شرف الدولة ولد سماه كبابا وفي شهر ~~رجب، تزوجت السيدة أم العلو، بنت نصير الدولة، أخت شرف الدولة. فلما كان ~~يوم الأربعاء غرة شعبان المكرم، زين الإيوان المعظم للسيدة الجليلة أم ~~العلو ن ودخل الناس خاصة وعامة، فنظروا من صنوف الجوهر والأسلاك والأمتعة ~~النفيسة وأواني الذهب والفضة ما لم يعمل مثله، ولا سمع لأحد من الملوك ~~قبله. قال أبو أساق الرقيق، فبهر عيون الخلق حال ما عاينوه، وأبهتهم عظيم ~~ما شاهدوه، وحمل جميع ذلك إلى الموضع الذي ضربت PageV01P272 # فيه الأبنية والأخبية، وحمل المهر في عشرة أحمال على البغل على كل حمل ~~جارية حسناء، وجملته مائة ألف دينار عينا. وذكر بعض حذاق التجار أنه قوم ما ~~هو لها، فكان زائد على ألف ألف دينار وهذا ما لم ير قط لامرأة قبلها ~~بأفريقية. وزفت العروس في يوم الخميس، ومضى بين يديها عبيد أخيها شرف ~~الدولة وأبيها نصير الدولة وجدها عدة العزيز بالله، ووجوه رجال الدولة، ~~فكان يوما سارت الركبتان بمحاسن آثاره، وامتلأت البلدان بعجائب أخباره. # وفي هذه السنة، وقف شرف الدولة لهدية صندل والي يسكرة، فعرضت عليه، وهي ~~ثلاثمائة حصان، ومائة فرس أثنى وبغلات منها عشرون بسروج محلاة، مائة حمل من ~~المال. فخلع عليه وجدد له الولاية على بسكرة. وفي سنة 416، توفي أيوب بن ~~يطوفت. وحضر جنازته شرف الدولة وعضدها، وهو المعز بن باديس، بالينود ~~والطبول. # وفي سنة 417، ولد للأمير شرف الدولة وعضدها مولود سماه نزارا وكتب إلى ~~سائر عماله بذلك. ### | ذكر قيام المعز شرف الدولة بالإمارة وقطعه الدعوة العبيدية الشيعية من أفريقية # كان المعز بن باديس صغيرا إذ ولي، وهو ابن ثمانية أعوام، وقيل ابن سبعة ~~أعوام، ربي في حجر وزيره أبي ms220 الحسن بن أبي الرجال، وكان ورعا زاهدا. وكانت ~~أفريقية كلها والقيروان على مذهب الشيعة وعلى خلاف السنة والجماعة، من وقت ~~نملك عبيد الله المهدي بن أبي الرجال المعز ابن باديس، وأدبه، ودله على ~~مذهب مالك وعلى السنة والجماعة، والشيعة PageV01P273 # لا يعلمون ذلك، ولا أهل القيروان. فخرج المعز في بعض الأعياد إلى المصلى ~~في زينته وحشوده، وهو غلام فكبا به فرسه، فقال عند ذلك: أبو بكر وعمر! ~~فسمعته الشيعة التي كانت في عسكره، فبادروا إليه ليقتلوه، فجاء عبيده ~~ورجاله ومن كان يكتم السنة من أهل القيروان، ووضع السف في الشيعة، فقتل ~~منهم ما ينيف على ثلاثة آلاف، فسمي ذلك الموضع بركة الدم إلى الآن. قال أبو ~~الصلت: وصاح بهم في ذلك الوقت صائح الموت، فقتلوا في سائر بلاد أفريقية. ~~فوافق ذلك ما قاله الشعراء فيهم على وجه التطهير لهم، كقول القاسم بن مروان ~~(وافر) . # وسوف يقتلون في كل أرض ... كما قتلوا بأرض القيروان # وكقول الآخر (رمل) . # يا معز الدين عش في رفعة ... وسرور واغتباط وجذل # أنت أرضيت النبي المصطفى ... وعتيقا في الملاعين السفل # وجعلت القتل فيهم سنة ... بأقاصي الأرض في كل الدول # وكقول آخر (طويل) . # وكانت لهم بالشرق نار فأطفئت ... فما ملكوا بالكفر شرقا ولا غربا # وحكي في قتل الروافض حكايات كثيرة مما رآه المعز في منامه، وتأويل ذلك ~~وغيره ألغيناه هنا عن ذكره. ولم يزل المعز يعمل فكره في قطع الدعوة لهم إلى ~~أن كانت سنة 440. # وفي سنة 420، وجفت جموع زناتة تريد حضرة القيروان، طمعا منها في الملك. ~~فلما بلغ ذلك المعز، خرج إليهم بجنوده، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزمت ~~زناتة، وقتل منهم خلق كثير، وفر باقيهم إلى الغرب. PageV01P274 # وفي سنة 421، وقعت في القيروان بين الأجناد والعامة فتنة، فقتل من العامة ~~نحو المائتين. # وفي سنة 422، كثر الخصب والرخاء وأمان في أفريقية. # وفي سنة 423، وصلت من ملك السودان إلى المعز هدية جليلة، فيها رقيق كثير ~~وزرافات، وأنواع من الحيوان غريبة. # وفي سنة 425 كانت بأفريقية مجاعة شديدة. وفيها خرج أبو عمران الفاسي ms221 إلى ~~الحجاز. وفيها مات الظاهر بمصر، وولي ابنه المستنصر. # وفي سنة 426، وصلت إلى المعز بن باديس من ملك الروم هدية لم ير مثلها في ~~كثرة ما اشتملت عليه من أمتعة الديباج الفاخر وغير ذلك. وفي سنة 427، زحفت ~~زناتة في جيوش عظيمة وجموع كثيفة تريد المنصورية. فلقيتها جيوش المعز، ~~فظهرت زناتة عليها، فانهزمت، ووصلت إلى ما بين المنصورية والقيروان. ثم ~~تلاقوا في الغد من ذلك اليوم، فثبتت صنهاجة وثبتت زناتة. # وفي سنة 428، كسر المعز زناتة، وهزكهم وقتل منهم خلق ركثيرا. # وفي سنة 429، خرج عسكر المعز من القيروان إلى الزاب، فقتل من البربر خلقا ~~كثيرا. # وفي سنة 430، كثر الخصب ببلاد أفريقية وفيها مات أبو عمران الفاسي بعد ~~عوده من المشرق. وفي سنة 431، دخلت جيوش مالطة جزيرة جربة، ففتحها وقتلت ~~كثيرا من أهلها. # وفي سنة 432 خرج العز إلى قلعة حماد زحاصرها مدة سنتين، وأخذ بمخنق حماد ~~فيها. # وفي سنة 433 أظهر المعز الدولة العباسية. وورد عليه عهد القائم بأمر PageV01P275 # الله، نكب محمد بن محمود بن السكاك، وكان المتولي لأشغال أم المعز، ~~واستولى على دولته. وفي هذه السنة، وصل الأمير نزار بن المعز إلى الحضرة، ~~قافلا من سفره الذي هزم فيه زناتة، فأنشده بن شرف قصيدته التي أولها (كامل) ~~. # طاعت من الغرب شمس الدين ... بالسعد والإقبال والتمكين # وفي سنة 436، مات الجرجرائي بمصر وكان الحاكم بأمر الله العبيدي قطع يديه ~~جميعا، لجنية جناها، فلم يجزع لما أصابه. فقيل أنه عصب يديه إثر قطعهما، ~~وانصرف من وقته إلى ديوانه، وجلس لخدمته على عادته. فلما تعجب منه قال: إن ~~أمير المؤمنين لم يعزلني، وإنما عاقبني بجنايتي،! فلما بلغ ذلك الحاكم، ~~أقره على عمله. # وفي سنة 437، وردت رسل المعز إلى القيروان، بخبر أنه أوقع بلواتة وقتل ~~منهم عددا، وغنم أموالا فضربت الطبول على ذلك. وفي ذلك يقول ابن شرف من ~~قصيدة أولها (منسرح) : # باليمن والسعد عد وبالظفر ... موفق الورد غانم الصدر # وفيها بني سور المنصورية وفيها، ريح عاصف بأفريقية قصفت ما مرت به من ~~الشجر لقوتها وشدتها. ms222 # وفي سنة 438 كانت وفاة نزار بن المعز بن باديس في رجب، وكان عمره إحدى ~~وعشرين سنة وأشهرا. وفيها ولي المعز ولده الآخر أبا القاسم وكناه العزيز ~~بالله وهو إذ ذاك ابن ثمانية أشهر، وتوفي بعد ذلك، وهو ابن سنة واحدة ~~وثلاثة أشهر. # وفي سنة 439، نكب حبوس بن حميد الصنهاجي والي نفطة، وطولب بمال PageV01P276 # كثير ونيل بالمكروه والهوان. وفيها، نكب أحمد بن حجاج قاضي قفصة، فبادر ~~بعشرة آلاف دينار، وكان متصاوتا. # وفي سنة 440، قطعت الخطبة لصاحب بمصر، وأحرقت بنوده. قال ابن شرف: وأمر ~~المعز بن باديس بأن يدعى على منابر أفريقية للعباس بن عبد المطلب ويقطع ~~دعوة الشيعة العبيديين، فدعا الخطيب للخلفاء الأربعة وللعباس، ولبقية ~~العشرة - رضي الله عنهم -! ### | ذكر السبب في قطع الدعوة العبيدية مالخطبة بالقيروان وغيرها # لما رحل بنز عبيد إلى مصر لم تزل ملوك صنهاجة يخطبون لهم ~~بأفريقية ويذكرون أسمائهم على المنابر. وتمادى الأمر على ذلك حتى قطع أهل ~~القيروان صلاة الجمعة فرارا من دعوتهم، وتبديعا لإقامتها بأسمائهم، فكان ~~بعضهم، إذا بلغ المسجد قال سرا: اللهم أشهد! اللهم أشهد! ثم ينصرف فيصلي ~~ظهرا أربعة، إلى أن تتناهى الحال حتى لم يحضر الجمعة من لأهل القيروان أحد ~~فتعطلت الجمعة دهرا. وأقام ذلك مدة إلى أن رأى المعز بن باديس قطع دعوتهم، ~~فكان بالقيروان لذلك سرور عظيم. ### | ذكر وقوع التصريح بلعنتهم في الخطب بجميع أفريقية وخلعهم # قال بن شرف، ~~وأمر المعز بلعنهم في الخطب وخلعهم. ولمنا كان عيد الأضحى أمر الخطيب أن ~~يسب بني عبيد، فقال: اللهم! والعن الفسقة الكبار المارقين الفجار أعداء ~~الدين وأنصار الشيطان، المخافين لأمرك والناقضين لعهدك، المتبعين غير ~~سبيلك، المبدلين لكتابك! اللهم! والعنهم لعنا وبيلا، واخزهم خزيا عريضا ~~طويلا! اللهم وإن سيدنا أبا تميم المعز PageV01P277 # ابن باديس بن المنصور القائم لدينك، والناصر لسنة نبيك، والرافع للواء ~~أوليائك، يقول مصدقا لكتابك، وتابعا لأمرك، مدافعا لمن غير الدين وسلك غير ~~سبيل الراشدين المؤمنين: يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون:! هكذا ذكر ~~بإسقاط (قل) وآخرها. قال: وأمر ms223 أمير أبو تميم المعز بن باديس للخطيب أن ~~يسبهم على منبر القيروان بأشنع من هذا السب. فلما كان في الجمعة الأخرى ~~أبلغ في ذلك بما فيه شفاء لنفوس المؤمنين. # وفي سنة 441، تحرك الأمير أبو تميم إلى بلاد المغرب الأقصى، وترك ولده ~~أبا الطاهر نميم بن المعز على حضرة القيروان بالمنصورية، وفيها بنيت المصلى ~~بالمنصورية. وفيها، ضرب الدينار المسمى بالتجاري. وفيها، ركب المعز بن ~~باديس المذكور في أحفل جمع وأحسن زي، وخرج إلى ظاهر مدينة القيروان، وأخرجت ~~السباع بين يديه فأفلت منها سبع فانهزم الناي أمامه ووقع بعضهم فوق بعض، ~~فمات نحو المائتين، ووثب السبع على رجل من كتاب باب الغنم يدعى بالكرامي، ~~فقتله. ### | ذكر تبديل السكة عن أسماء بني عبيد # قال ابن شرف: وفي هذه السنة، أمر المعز ين باديس بتبديل السكة في شهر ~~شعبان، فنقش على الأزواج في الوجه الواحد: ومن يتبع غير الإسلام دينا فلن ~~يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين. وفي الوجه الثاني: لا إله إلا الله ~~محمد رسول الله. وضرب منها دنانير كثيرة. وأمر أيضا بسك ما كان عنده من ~~الدنانير التي عليها أسماء بني عبيد، فسبكت وكانت أموالا عظيمة. ثم بث في ~~الناس قطع سكتهم. وزوال أسمائهم مكن جميع الدنانير والدراهم بسائر عمله. ~~وقد كان قطع أسمائهم من الرايات والبنود. وكان PageV01P278 # مبتدأ ضرب السكك بأسماء بني عبيد الله ورسيمها في الرايات والطرز سنة ~~296، إلى أن قطعها المعز المذكور سنة 441 المذكورة، وذلك مائة سنة وخمسة ~~وأربعين سنة. # وفي شوال من هذه السنة نادى مناد بأمر السلطان أبي تميم: إنه من تصرف ~~بمال عليه أسماء بني عبيد نالته العقوبة الشديدة، فضاقت الحال بالفقراء ~~والضعفاء وغلت الأسعار بالقيروان وكان الدبنا القديم بأربعة دنانير ~~ودرهمين، وكان صرف الدينار الجديد خمسة وثلاثين درهما. وفي هذه السنة، نكب ~~القائد عباد بن مروان الملقب بسيف الملك، وكان من الخاصة، ودفع إلى أعدائه، ~~وأمر باستخراج أمواله، والقبض على جميع من استعمله في أعماله، وبعد ذلك، ~~ألقي في سرداب مظلم حتى مات ms224 فيه، وفيها، وردت الأخبار بالقيروان بموت ~~القائد حماد بقلعته، فقال ابن شرف من قصيدة (خفيف) . # لا جنود إلا جنود السعيد ... مغنيات عن عدة وعديد # وفي سنة 442، اصطلح أهل القيروان وأهل سوسة، وقد كانت جرت بينهم وحشة، ~~فصنع القيروانيون للسوسيين دعوات غسلت فيها الأيدي بماء الورد ومسحت ~~بمناديل الشرب. وفي هذه السنة، ولي الأمير أبو تميم ولده أبا الظاهر بن ~~المعز عهده. ### | ذكر ولاية العهد لتميم بن المعز بن باديس # قال ابن شرف: وخطب الخطيب يوم الجمعة على جامع القيروان، فدعا للسلطان ~~المعز بن باديس ولولده أبي الطاهر ولى عهده ثم قال: اللهم! أصلح عبدك ووليك ~~أبا الطاهر تميم بن المعز الطاهر من كفر معد بن الظاهر! يعني صاحب مصر ~~وفيها، كان خروج الفقيه الزاهد الواعظ أبي عبد الله بن عبد الصمد من ~~القيروان في شهر رجب، ووكلوا به رجالا وتوجهوا معه إلى PageV01P279 # مدينة قابس. وكانت الرفقة خارجة من القيروان إلى مصر، فأمر أن ينتظرها ~~بمدينة قابس إلى أن يصحبها. وكوتب عامل قابس بأن لا يترك من يدخل إليه ولا ~~من سلم عليه ولا يخرج من موضع نزوله إلا في يوم سفره، فيخرج وهو غير آمن ~~على نفسيه، ثم قتل في طريقه ذلك، وكان رجلا عظيما يعظ الناس، فيجمعون إليه، ~~ويسمعون كلامه، وكان له لسان وحدة فحذره المعز واجتمع عليه بعض فقراء ~~القيروان واستشيعوا ألفاظا ذكرها، فرفعوا رقاعهم إلى المعز بذلك، فكان سبب ~~نفيه وحتفه. وكان أبوه يعض بجامع مصر في ذلك الوقت، إلى نعى له ابنه هذا، ~~فحج في تلك السنة، فقيل أنه كان يطوف بالكعبة ويصيح ويقول: (يا رب! العز ~~عليك به! يا رب عليك بابن باديس!) فكانت الهزيمة على المعز في اليوم الثاني ~~من دعائه، وكان ذلك سبب لخراب ملكه ودمار القيروان حضرته. فلم يشك أحد في ~~إجابة دعوته. # وفي سنة 443، كان لباس السواد بالقيروان، والدعاء لبني العباس. قال ابن ~~شرف: وفي جمادى الثانية، أمر المعز بن باديس بإحضار جماعة من الصباغين، ~~وأخرج لهم ثيابا بيضاء من فندق ms225 الكتان، وأمرهم أن يصبغوها سودا، فصبغوها ~~بأحلك السواد، وجمع الخياطين، فقطعوها أثوابا، ثم جمع الفقهاء والقضاة إلى ~~قصره، وخطيب القيروان وجميع المؤذنين، وكساهم ذلك السواد ونزلوا بأجمعهم. ~~وركب السلطان بعدهم حتى وصل إلى جامع القيروان، ثم صعد الخطيب المنبر وخطب ~~خطبة أتى فيها على جميع الأمر بأجزل لفظ وأحسن معنى، ثم دعا لأبي جعفر عبد ~~الله القائم بأمر الله العباسي، ودعا للسلطان المعز بن باديس ولولده أبا ~~الطاهر تميم ولي عهده من بعده، ثم أخزى بني عبيد الشيعة ولعنهم. PageV01P280 ### | ذكر ما قيل من أخبار بني زيري # قال أبو عبد الله محمد بن سعدون بن علي في تأليفه في (تعزية أهل القيروان ~~بما جرى على البلدان من هيجان الفتن وتقلب الأزمان) قال: فيه باب أذكر فيه ~~من وضع هذه الدعوة التي شرع فيها عبيد الله وذريته والسبب الذي دعاهم لذلك، ~~وباب أذكر فيه تسييرهم الركبان، بدعوتهم ودعاتهم إلى البلدان، وباب أذكر ~~فيه عبيد الله ونسبه وانتمائه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - كاذبا، ~~وسبب ملكه المغرب كله قتال: وأول من نصب هذه الدعوة، جد عبيد الله وهو عبد ~~الله بن ميمون القداح الأهوازي - لعنه الله - وكان أبوه ميمون تنتسب إليه ~~فرقة من أصحاب أبي الخطاب، تعرف بالميمونية. وذكر من جملة كلامه قال: وكان ~~عبد الله ادعى لنفسه النبوة، فقصد لسفك دمه، فاختفى، ثم هرب من وطنه، وفر ~~على وجهه متنقلا في البلاد، مستترا، يستر اسمه ومذهبه لئلا يقتل إن عرف، ~~إلى أن وافته منيته بأقبح علة في الشام وأراح الله منه. وأخذ جماعة كمن ~~أصحابه، فقتلوا عن آخرهم ثم ذكر داعيتهم، وما كان منهم مع غواتهم، قال: ~~فمنهم رجلان، أحدهما يعرف بالنجار الكوفي فخرجا من الشام، وتغلبا على اليمن ~~فأنزل الله عليه الأكلة، فتقطع قطعا حتى مات وخلف ابنا له، فكان يكتب إلى ~~أصحابه: (من ابن رب العالمين) - تعالى الله عن قوله - فسار إليه ابن نصير ~~فأظفره الله به، فقتله ودخل مدينته فانتهبها وسباها. وأما الكوفي فرماه ~~الله تعالى بداء في ms226 جوفه فكانت تخرج من دبره حتى مات وأما بالسام، فذكر ~~جماعة أبادهم الله تعالى، وكذلك بالبحرين أيضا. ثم قال: وإنما دعاهم لهذا ~~الكفر عبد الله ابن ميمون القداح لأنه صحب قرمطا ودعاه إلى مذهبه، فطاوعه ~~على ذلك وقد اشتهر استخفافهم بالدين، وكثرت به الأخبار وأحاديث وكان ممن PageV01P281 # أظهر مذهبهم، وأعلن به: أبو عبيد الجنابي، وقت تغلبه على البحرين، فإنه ~~وضع عنهم جميع الفرائض، وأعلن بالزناء واللواط والكذب وشرب الخمر وترك ~~الصلاة وكذلك صنع الأصبهاني وحرم على الغلمان الامتناع ممن أراد أن بفعل ~~بهم وجعل حد من امتنع منهم الذبح - لعنه الله - وكانت له ليلة تسمى ~~الأمامية يجمع فيها نساءه ونسائهم فمن ولد من تلك الليلة يسمى ولد الأخوان. # قال: وقد ادعى الحاكم من بني عبيد الله الربوبية، وجعل رجلا سماه بالهادي ~~يدعوا الناس إلى ذلك، وادعى معد منهم النبوة وجعل من نادى فوق صومعة جامع ~~القيروان: (أشهد أن معد رسول الله!) فارتج البلد لذلك وداخل أهله الرعب، ~~فأرسل من سكن الناس، وكل من كانوا يرسلونه إلى بلد فإنما يأمرونه بإظهار ~~الإسلام والخير حتى ينمكن مما يريد. # وأما نسب عبيد الله الذي تسمى بالمهدي، فإن اسمه سعيد وإنما تسمى بعبيد ~~الله ليخفي أمره، لأنه كان عبيه الطلب من الحسين بن أحمد بن محمد وكان ~~لمحمد هذا ولد يلقب بأبي السلعلع بن عبد الله بن ميمون القداح فبعث بداعيين ~~أخوين إلى المغرب، فنزلا في قبيلة تعرف بكتامة، فدعوا أهلها، فاستجابوا ~~لهما: أحدهما حسين يكنى بأبي عبد الله الشيعي وسموه المعلم، والآخر سموه ~~المحتسب وهو أبو العباس المخطوم المتقدم ذكرهما. فأظهرا من أنفسهما الزهد ~~والورع حتى افتتحا بالكذب والخربة في بلاد أفريقية. وسار أبو عبد الله إلى ~~سلجماسة، فأخرج عبيدا الله من حبسها فلما اجتمع به سلم الأمر إليه وانسلخ ~~الأمر منه، فلم يلبث يسيرا وقتله بنو أخيه. ولما وصل عبيد الله - لعنه الله ~~- إلى رقادة أرسل إلى القيروان من أتاه بأبي إسحاق إبراهيم بن محمد المعروف ~~بابن البرذون وبابن هذيل وكانا من ms227 PageV01P282 # العلماء الخاشعين لله، فلنا وصلا إليه وجداه على سرير ملكه جالسا، وعن ~~يمينه أبو عبد اله الشيعي الذي ولاه الملك وسلم له فيه، وعن يساره أبو ~~العباس أخوه، فقال لهما أبو عبد الله وأخزه: أشهد أن هذا رسول اله! فقالا ~~جميعا بلفظ واحد: (والله الذي لا إله إلا هو لو جاءنا هذا والشمس على يمينه ~~والقمر على يساتره، وينطقان فيقولان إنه رسول الله، ما قلنا أنه هو) . فأمر ~~عبيد الله - لعنه الله - عند ذلك بذبحهما وربطهما في أذناب الخيل، وأن يشق ~~بهما سماط القيروان ففعل ذلك بهما - رحمة الله عليهما - وقال أبو عبد الله ~~الشيعي يوما لأبي عثمان سعيد بن الحداد العالم: (القرآن يخبر أن محمدا ليس ~~بخاتم النبيين في قوله: (ولكن رسول الله وخاتم النبيين) فخاتم النبيين غير ~~رسول الله. فقال أبو عثمان: (هذه الواو ليست من واوات الابتداء وإنما هي من ~~واوات العطف مثل قوله تعالى: " هو الأول والآخر والظاهر والباطن " وقال له ~~مرة أخرى: (أن الله أخبر أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - يرتدون لقوله: ~~" أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم " فقال أبو عثمان: (هذا إنما على ~~الاستفهام، كقوله سبحانه: " أفإن مت فهم الخالدون "!) ولما تمكن عبيد الله ~~الشيعي من الملك، قتل أبا عبد الله الداعي وأخاه وانتقم الله منهما على يدى ~~من سعيا له وقتلا الخلق بسببه، حتى أخرجاه من حبس سلجماسة، وسلما له في ~~الملك، ولم يقيما معه إلا سنة أو نحوها، ثم سلطه الله على كبار كتامة الذين ~~سعوا في إقامة ملكه، فقتل جميعهم، ثم تمادت دولة أبنائه نحو ثلاثمائة سنة، ~~ملكوا من مضيق سبتة إلى مكة - شرفها الله - لأن عماله كانوا يصلون إلى مضيق ~~سبتة فيعاينوها، ومن هناك يرجعون. وهذا دليل على أن هوان الدنيا على الله ~~وصغر قدرها عنده إذ PageV01P283 # مكن فيها لهؤلاء الكفرة الفجار يسومون أولياء الله سوء العذاب والعماد ~~والقيامة، والحاكم الله،! # وخرج في دولة عبيد الله شيخ للسفر، ومعه خيل فباتوا في مسجد بخيولهم فقيل ~~لهم: (كيف تدخلون ms228 خيولكم المسجد؟) فقال لهم الشيخ وأصحابه: (إن أرواثها ~~وأبوالها طاهرة لأنها خيل المهدي) فقال لهم القيم في المسجد: (إن الذي يخرج ~~من المهدي نجس فكيف الذي يخرج من خيله؟) فقالوا له: (طعنت على المهدي) ~~وأخذوه وذهبوا به إلى إليه، فأخرجه عشية جمعة فقتله. فلما قرب للموت، دعا ~~عليه فأجاب دعاءه فامتحنه بعلة قبيحة يقال لها حب القرع وهي دود على صورة ~~حب القرع في آخر مخرجه، تأكل أحشائه وما والاها فكان يؤتى بإذناب الكباش ~~العظيمة فيدخلها في نفسه لتشتغل عنه الدود بها، فيجد لذلك بعض راحة لشغلها ~~بالأذناب ثم يخرج الأذناب، وقد هتكتها الدود، يدخل أخرى في دبره، ثم لم تزل ~~الدود تأكل حتى انقطعت مذاكره وهلك، ولما هلك أوتي بابن أخت الغساني المقرئ ~~ليقرأ عند رأسه وكان من أطيب الناس قراءة وحل عبيد الله أبناءه يبكون عليه. ~~فقال البغدادي للغساني: (أقرأ) قال: فطلبت ما أقرأ من القرآن فلم أتذكر منه ~~إلا قوله تعالى::يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار " إلى آخر الآية قال: ~~فطلبت غير هذه الآية أقرأه فلم أقدر فكنت أرددها حتى خشيت على نفسي أن ~~يفيقوا من بكائهم فيتأملون قراءتي فيقتلوني، فتسللت وخرجت. # وذكر أن الحجر الأسود أرسله العين الجنابي إلى عبيد اله بالمهدية فلم ~~يلبث إلا أياما وهلك كما ذكرنا. فلما دفن طرحنه الأرض، ثم دفن فطرحته الأرض ~~ثلاثا. فقيل لابنه أبا القاسم (إن هذا لأجل الحجر PageV01P284 # فأردده حيث كان!) فأمر بإخراجه ورده إلى موضعه، فعند ذلك استقر عبيد الله ~~في قبره. # ثم ولي ولده أبو القاسم من بعده. فلم يزل في شغل وحزن وبعث الله عليه أبا ~~يزيد مخلد بن كيداد فقهره وخرج عليه وقتل جنوده وقام المسلمون معه عليه كما ~~تقدم ذكره. ولما كان يوم الجمعة طلع الإمام على المنبر، وهو أبو إبراهيم ~~أحمد بن محمد بن أبي الوليد فخطب خطبة بليغة، وحرض الناس على جهاد الشيعة ~~ثم قال: (اللهم إن هذا القرمطي الكافر المعروف بعبيد ادعى الربوبية من دون ~~الله جاحدا لنعمتك كافرا بربوييتك! ms229 فانصرنا اللهم عليه وأرحنا منه ومن ~~دولته، واصله جهنم وساءت مصيرا، بعد أن تجعله في دنياه عبرة للسائلين ~~وأحاديث للغابرين، واهلك الهم سيعته وشتت كلمته) ومات أبو القاسم بن عبيد ~~الله محصورا وفي نفسه مقهورا. # ثم ولي بعده ابنه إسماعيل، فأظهر للعامة الجميل. فلما استفحل أمره وقوت ~~شوكته، أراد أن ينتقم من المسلمين فيما تقدم لهم من حربه وحرب أبي القاسم ~~والده، فحال الله - عز وجل - بينه ونبين ما أراد، وأجاب المؤمنين فيه ~~فأهلكه الله بالعطش حتى مات. # ثم ولي ابنه معد فادعى النبوة، وصوت المؤذن بذلك فوق صومعة القيروان ~~بأمره، فضج المسلمون لذلك. فلما بلغه ذلك، داخل الرعب وأرسل إلى الناس ~~يهدنهم، إلى أن خرج إلى مصر، فدخلها بالمنكر والبغي، فابتلاه الله بعلة ~~الاستسقاء، فكان الذي يقعد عند رأسه لا يرى رجليه، وسالت عيناه وسقطت ~~أسنانه، واراه الله العبرة في نفسه. ثم مات. # وولي بعده نزار المكنى بأبي المنصور، فحدث في أيامه في سب الصحابة، ما ~~حدث ثم تشوفت نفسه مع أحواله الدنية إلى أن يستحضر PageV01P285 # العلماء من أهل القيروان. ثم حدث عليه بالشام ما أشغله، فخرج إليها فلما ~~وصل السبر مات في مرحاض الحمام. # ثم ولي بعده الحاكم، فأظهر أكثر مذهبهم، فكان مما أحدث أنه بنى دارا وجعل ~~لها أبوابا وأطباقا، وجعل فيها قيودا وأغلالا وسماها جهنم، فمن جنى جناية ~~عنده قال (ادخلوه جهنم) وأمر أن يكتب في الشوارع والجوامع بسب الصحابة، ~~أجمعين. ثم أرسل داعيا إلى مكة، فلما طلع المنبر وذكر ما ذكر، اقتحم عليه ~~بنو هذيل فقطع قطعة قطعة وكسر المنبر وفتت حتى لم يجمع منه شيئا. ثم أرسل ~~رجلا خراسانيا من بني عمه، فضرب الحجر الأسود بدبوس، فقتل في حينه وأخذه ~~الناس قطعة قطعة وأحرق بالنار وأرسل - لعنه الله - إلى مدينة الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - من ينبش القبر المعظم فسمع الناس صائحا يقول: القبر ينبش! ~~ففتشه الناس فوجدوه وأصحابه فقتلوهم ثم أنه ادعى الربوبية من دون الله، ~~وجعل داعيا يدعوا الناس إلى عبادته، وسماه ms230 المهدي. فكتب داعيه الكتاب، وكان ~~اسمه حمزة، وذلك في سنة 410 وقرئ بحضرة الحاكم - لعنه الله - على أهل ~~مملكته، ذكر فيه - تعالى الله عن إبطال المبطلين علوا كبيرا! - الحمد ~~لمولاي الحاكم وحده باسمك اللهم الحاكم بالحق! ثم تمادى فقال: توكلت على ~~إلهي أمير المؤمنين، جل ذكره وبه نستعين في جميع الأمور! ثم طول بالكتاب ~~بالتخليط مرة يجعله أمير المؤمنين ومرة يجعله إله، وقال فيه: (وأمرني ~~بإسقاط ما يلزمكم اعتقاده من الأديان الماضية والشرائع الدارسة) وذكر أشياء ~~يطول ذكرها. وكانت له راية حمراء تحت قصره فاجتمع إليه خلق نحو خمسة عشر ~~ألف رجل فيما قيل، ثم إن رجلا من الترك كاتبه حمزة فأظهر الحاكم أنه أمر ~~يقتله. وكان الحاكم كثير التصرف بالليل إلى جبل المقطم على حمار، فخرج ليلا ~~فقتل هو وحماره. PageV01P286 # ثم ولي بعده علي الملقب بالظاهر، فكان مشتغلا بالشرب منهمكا فيه يلابس ~~ثياب النساء، حتى يظنه الناس إذا مشى معهن امرأة ثم أصابه الاستسقاء حتى ~~صار كالعدل فمات. # ثم ولي بعد معد الملقب بالمستنصر، فمرة يظهر السب ومرة يكف ويسكن الناس، ~~فإذا مشى في جنوده كان بين يديه الشبابة ومن ينشد الشعر. وذكر أنه أرسل من ~~كتب السب في أستار الكعبة في ليلة ظلماء، فأصبح الناس فوجدوه، فضج المسلمون ~~لذلك، وأكثروا البكاء لسب الصحابة، قال ابن سعدون: وعلى هذا بنو أصل ~~مذهبهم، أنهم يظهرون الدين والخير حتى يتمكنوا قال المؤلف: انتهى ما لخصته ~~من كتاب ابن سعدون. # وذكر ابن القطان عنهم أنهم قوم الرافضة، يدعون النسب إلى علي - رضي الله ~~عنه - وأكثر اعتقاداتهم كفرا، ولما مات المستنصر بن الظاهر ولى بعده ولده ~~الملقب بالمستعلي، وكان أشبه من غيره سياسة لا دينا. فلما توفي هو ووزيره ~~الأفضل، استبد ولده وتسمى بالآمر بحكم الله، وكان جبارا عنيدا ظالما جائرا ~~وكثر في زمانه دعوى الباطل، ونصر الظالم على المظلوم، وأعانته على ظلمه. ~~واستخلص لنفسه فتيين من الفتيان الوضاء الوجوه، اتخذهما للفاحشة، كان رزق ~~كل واحد منهما ألف دينار في كل يوم، وكان ms231 يعمل النزاهة، ويبيح للناس فيها ~~المحضورات، فلا يشاء مؤمن أن يعاين منكرا مباحا إلا عاينه. # ثم ولي بعد عبد المجيد، الملقب بالحافظ لدين الله، ابن المستنصر، بويع في ~~اليوم الذي قتل فيه الآمر، وخطب له على المنابر، وزر له أبو علي أحمد ابن ~~الأفضل أمير الجيوش. أبو علي على الأمر وجملة الحال من سنة 526 إلى سنة ~~532: كانت لهم فيها محاولات شنيعة وأمور فظيعة منها قتل الأمير، وانتنزاء ~~قاتله حرز الملوك، وقتله، واستيلاء ابن الأفضل وقتله، PageV01P287 # وظهور عبد المجيد، وما كان من الأسقف من النفر، والأمر بعبادة عبد المجيد ~~وقتله ثم استيلاء حسين بن عبد المجيد، والقيام عليه إلى أن قتل نفسه بسم، ~~ورجوع عبد المجيد إلى الولاية. # رجع الخبر، وفي سنة 443 وردت الأخبار أن محمد بن جعفر الكومي ولي القضاء ~~بمصر ولقب قاضي القضاة وداعي الدعاة. قال ابن شرف: فنعوذ بالله من سوء ~~العاقبة! لأن قاضي القوم منهم وعلى مذهبهم يعني الشيعة وفيها وصلت إلى ~~القيروان مكاتبة من الأمير جبارة بن مختار العربي من برقة بالسمع والطاعة ~~للمغز بن باديس، وأخبره أنه وأهل برقة قد أحرقوا المنابر التي كان يدعى ~~عليها للعبيدية، وأحرقوا راياتهم وتبرؤوا منهم ولعنوهم على منابرهم ودعوا ~~للقائم بأمر الله العباسي. # وفي هذه السنة كان أول الفتنة بأفريقية. ### | ذكر طرف الفتنة العظيمة ودمار القيروان # قال ابن شرف: لما آل الأمر إلى التصريح بلعنة بني عبيد على المنابر وأمر ~~المعز بن باديس بقتل أشياعهم، أباح بنو عبيد للعرب مجاز النيل وكان قبل ذلك ~~ممنوعا، لا يجوزه أحد من العرب. ثم أمر لكل جائز منم بدينار، فجاز منهم خلق ~~عظيم، من غير أن يأمرهم بشيء لعلمهم أنهم لا يحتاجون لوصية. فجازوا أفواجا، ~~ولقاموا بناحية برقة. ومضت الأيام على ذلك مدة. ثم قدموا منهم مونس بن يحيى ~~الرياحي على المعز. وكان المعز كارها لإخوانه صنهاجة، محبا للاستبدال بهم ~~حاقدا عليهم ولم يكن يظهر ذلك لهم. فلطف عنده محل مونس هذا، وكان سيدا في ~~قومه، شجاعا، عاقلا، فشاوره المعز ms232 في اتخاذ بني عمه رياح جندا فأشار عليه ~~بأن لا يفعل ذلك وعرفه بقلة اجتماع القوم على الكلمة وعدم انقيادهم إلى ~~الطاعة، فألح عليه في ذلك، إلى PageV01P288 # أن قال له المعز: إنما تريد انفرادك، حسدا منك لقومك! فعزم مونس على ~~الخروج إليهم، بعدما قدم العذر وأشهد بعض رجال السلطان. ثم رحل متوجها ~~نحوهم، فنادى في القوم وحشدهم ووعدهم وغبطهم ووصف لهم كرامة السلطان ~~والإحسان لهم، ثم قدم في ركب منهم، لم يعهدوا نعمة. ولا طالعوا حاضرة، فلما ~~انتهوا إلى قرية، تنادوا (هذه القيروان) ونهبوها من حينها. # فلما ورد الخبر على القيروان، عظم الأمر على المعز بن باديس وقال: إنما ~~فعل مونس هذا ليصحح قوله، فأمر بثقاف أولاده وعياله، وختم على داره حتى ~~يعلم ما يكون من أمره. فلما بلغ مونسا ما فعل بأهله وولده اشتدت نكايته، ~~وعظم بلاءه وقال: قدمت النصيحة، فحاق الأمر بي، ونسبت الخطيئة إلي! فكان ~~أشد إضرارا من القوم. وكان قد علم عورات القيروان. ثم أخرج السلطان إليهم ~~بعض الفقهاء، ومهم مكاتبات وشروط ووصايا، وأعلموهم أن السلطان قد دفع ~~عيالاتهم لهم، ولخذوا عليهم العهود والمواثيق بالرجوع إلى الطاعة، وأرسلوا ~~شيوخا منهم بذلك، ثم بعد ذلك نكثوا على السلطان، واستولوا على الفساد في كل ~~جهة ومكان. ### | ذكر هزيمة العرب للمعز بن باديس # لما كان ثاني عيد الأضحى من هذه السنة كانت الداهية العظمى والمصيبة ~~الكبرى وذلك أن السلطان عبد بوم الاثنين ومشى صباح هذا اليوم إلى ناحية ~~قرية تعرف بني هلال، فلما كان نصف النهار، أتته الأخبار أن القوم قد قربوا ~~منه بأجمعهم. فأمر بالنزول في أوعار وأودية، فلم يستتم النزول حتى حمل ~~العرب عليهم حماة رجل واحد. فانهزم العسكر، وصبر العز صبرا عظيما، إلى أن ~~وصلت رماح العرب إليه، ومات بين يديه خلق PageV01P289 # عظيم فدوه بأنفسهم، وأما بنو مناد وجميع صنهاجة وغيرهم من القبائل، فإنهم ~~فروا، وانتهبت العرب معسكر العز السلطان فحازوه، وفيه من الذهب والفضة ~~والأمتعة والأسباب والأثاث والخف والكراع ما ل يعلم عدده إلا اله. ms233 وكان فيه ~~من الأخبية وغيرها ما يتجاوز عشرة آلاف ومن الجمال نحو خمسة عشر ألفا، ومن ~~البغال ما لا يحصيه قول. فما خلص لأحد من الجند عقال فما فوقه، وسلك أكثر ~~الناس الجبل المعروف بحيدران فافترقوا فيه. ثم رجع بعضهم على بعض وليس عند ~~أهل القيروان خبر بذلك إلا أنهم كانوا تحت نوقع وتشوف. فلما كان ثالث ~~العيد، قدم فارسان مع ابن البواب، وهم قد غلبت عليهم الكآبة وكسوف البال، ~~وحالهم تغنى عن السؤال وكثر أيضا سؤال الناس عن السلكان، فذكروا أنه في حيز ~~السلامة، فلم تك إلا ساعة حتى دخل قصره هو وولده. ثم تساقط الناس بعده ~~آحادا وجموعا وتخلف عن الوصول خلق عظيم فمنهم من علم خبره ومنم من لم يعلم. ~~ثم ذكر أن العرب أخذوا خلقا كثيرا من الصنهاجيين وغيرهم. # قال ابن شرف: وكان العسكر المهزوم ثمانين ألف فارس، ومن الرجالة ما يليق ~~بذلك وكان خيل العرب ثلاثة آلاف فارس، ومن الرجالة ما يليق بذلك. وفي ذلك ~~يقول علي بن رزق من قصيدة له في ذلك أولها (طويل) : # لقد زارنا من أميم وهنا خيال ... وأيدي المطايا بالذميل عجال # وفيها: # ثلاثون ألفا منكم هزمتهم ... ثلاث آلاف أن ذا لنكال # ووصل العرب إلى نواحي القيروان، وجل كل من شبق إلى قرية يسمى نفسه لهم ~~ويؤمنهم ويعطيهم قلنسوة أو رقعة يكتبها لهم علامة ليعلم غيره PageV01P290 # أنه سبقه وبات الناس ليلتين بالقيروان تحت ما لا يعلمه إلا الله تعالى من ~~الخوف لا يدرون ما ينزل بساحتهم. وأقام الناس يومين لا يدخل إليهم داخل ولا ~~خارج، وخيل العرب تسرح حول القيروان في كل جهة ومكان، والناس يرونهم عيانا ~~وبيانا، وخرج السلطان سابع عيد الأضحى بجنوده وخرج عامة القيروان معه، فلم ~~يتعد بهم المصلى ورجع العرب في أمانهم الذي أعطوا أهل البوادي، وانتهبوا ~~جميعا، وانتقل أهلها إلى القيروان. وأمر السلطان كافة الناس بانتهاب ~~الزروعات المحيطة بالقيروان وصبرة، وهي المنصورية، فسر المسلمون بذلك، ~~وحسبوها من أرزاقهم. وكان مصيرها إلى ما قدر الله من فساد ms234 واكل البهائم ~~لها. # وفي السابع عشر لذي حجة ظهرت خيل العرب على ثلاثة أميال من القيروان. ~~فنزل السلطان يمشي فيها ويوصي أهلها بالاحتفاظ والبناء وأخذ الناس في بناء ~~دورهم. وأمر السلطان المعز أن ينتقل عامة أهل صبرة وسوقها إلى القيروان ~~ويخلوا الحوانيت كلها بصبرة وأمر الجميع من بالقيروان من الصنهاجين وغيرهم ~~من العسكر أن ينتقلوا الى صبرة وينزلوا في حوانيتها وأسواقها فأرتج البلد ~~لذلك وعظم الخطب واشتد الكرب. ومد العبيد ورجال صنهاجة أيديهم إلى خشب ~~الحوانيت وسقائفها واقتلعوها. وخربت العمارة العظيمة في ساعة واحدة. وبات ~~الناس على خوف عظيم ثم أصبحوا فعاينوا خيول العرب فأمر السلطان ألا يخرج ~~العسكر على سور صبرة. أين ابن شرف: أخبرني من أثق به، قال: خرجت من ~~القيروان وسرت ليلا، فكنت أكمن النهار، فلم أمر بقرية إلا وقد سحقت وأكلت، ~~أهلها عراة أمام حيطانها من رجل وامرأة وطفل، يبكي جميعهم جوعا وبردا ~~وانقطعت المير عن القيروان، وتعطلت الأسواق، وأمسك العرب جميع من أسوره، ~~فلم يطلقوا أحدا إلا بالفداء مثل أسرى الروم، وأما الضعفاء والمساكين ~~فامسكوهم لخدمتهم PageV01P291 ### | نبذ من وقعة باب تونس أحد أبواب القيروان # وذلك أن العرب دفعت إلى هذا الباب، فخرج إليهم العامة منهم بسلاح، ومنهم ~~من بيده عصا لا يدفع بها أضعف الكلاب، فحملت عليهم فرسان العرب وتمكنت منهم ~~سيوفهم ورماحهم، فتساقطوا على وجوههم وجنوبهم، وسطحوهم من حد أفران الآجر ~~إلى هذا الباب ولم يبق منهم إلا من حصنه أجله، ولم يتركوا على حي ولا ميت ~~خرقه تواريه. وخرج أهل القتلى عند انصراف العرب، فرفعوا قتلاهم، فقامت ~~النوائح والنوادب بكل جهة ومكان من أزقة القيروان، تنصدع لمناظرهم وسماعها ~~الجبال. وبقى خلق من الغرباء في المقتلة، وجرح من الناس خلق كثير، ورأى ~~الناس ما أذهلهم من قبيح تلك الجراحات، فتفتتت الأكباد، وذابت القلوب ~~والأجساد، لبنيات قد سودن وجوههن وحلقن ورؤوسهن على أبنائهن وإخوانهن. فكان ~~هذا يوم مصائب وأنكاد ونوائب. ولم ير الناس مثله في سائر الأمصار، فيما مضى ~~من الأعصار. وبات الناس في هم ms235 وغم. تم كلام ابن شرف مختصرا. ### | هزيمة صنهاجة أيضا بجبل حيدران وهزيمة المعز بن باديس من وجه آخر # قال أبو الصلت: ثم برز المعز إلى لقاء العرب الواصلة من المشرق، وجرد ~~عساكره، وقدم عليه أبو سلبون، وزكنون بن واعلان، وزيري الصنهاجي، وعاد هو ~~إلى القيروان. فلما كان عيد النحر، انهزمت صنهاجة، وقتل منها كثير، فخرج هو ~~بنفسه إليهم، وانتشبت الحرب بينه وبين العرب، فهزمته العرب، وثبت المعز ~~طائفة من عبيده، ثم عاد إلى المنصورية. فأحصى من PageV01P292 # قتل من صنهاجة في هذه الوقعة: فكانوا ثلاثة آلاف وثلاثمائة. ثم أقبلت ~~العرب حتى نزلت على القيروان، ووقعت الحرب هنالك، فقتل بين رقادة ~~والمنصورية خلق كثير. # وفي سنة 444، ذهب المعز بن باديس إلى رفع الحرب بينه وبين العرب، وأباح ~~لهم دخول القيروان لما يحتاجون إليه من بيع وشراء. وبقى هو مستوطنا ~~المنصورية من بقي من عسكره. فلما دخلوها، استطالت العامة عليهم، وأوسعتهم ~~إهانة وشتما، فقتل العرب منهم خلقا كثيرا. وكان عدد العرب الواصلين من ~~المشرق سبعة آلاف فارسا وخمسمائة. وقدر المعز أن العرب عائدون من حيث أتوا ~~فخرج له الأمر بخلاف ظنه. # وفي هذه السنة، بنى المعز سور القيروان، وسور زويلة، وجعل السور مما يلي ~~صبره كالفيل: حائطان متصلان إلى صبره، وبينهما نحو نصف ميل. # وأما القيروان، فهي في بسيط من الأرض، ممدودة في الجوف منها نحو تونس، ~~وفي الشرق نحو سوسة والمهدية وفي القبلة نحو سفاقس، ويقرب منها البحر ~~الشرقي: فبينها وبين البحر مسيرة يوم، وسائر جوانبها أرض طيبة. ولا سبيل ~~الموارد أن تدخل القيروان إلا بعد جوازه على صبرة. وأما صبرة فبناها ~~إسماعيل بن أبي القاسم بن عبيد الله الشيعي المتلقب بالمنصور وسماها ~~المنصورية واستوطنها سنة 337 ثم كانت منزل الولاة بالقيروان إلى حين ~~خرابها. # وفي سنة 445، ولى المعز بن باديس ابنه تميم مدينة المهدية. وفيها، نافق ~~على المعز بن باديس أهل سوسة. وهي مدينة منيعة حاصرها أبو يزيد شهورا ثم ~~انهزم عنها وكان عليها في ثمانين ألفا. وفي ذلك يقول سهل ms236 ابن إبراهيم كامل: # إن الخوارج صدها عن سوسة ... أبدا طعان السمر والإقدام # وفي سنة 446 حاصرت العرب مدينة القيروان وضيقة عليها تضيقا PageV01P293 # شديدا يطول ذكره. وفيها أخذ مؤنس بن يحيى سلطان العرب مدينة باجة وأطاعه ~~أهلها. # وفي سنة 447 تولى بلقين الصنهاجي قلعة حماد. وفيها نافق ابن أب زمان على ~~المعز بن باديس. وفيها، كانت بأفريقية مجاعة عظيمة وجهد مفرط. # وفي سنة 448، وقع بين عبيد المعز الساكنين بالمهدية وبين عبيد تميم أبنه ~~منازعة أدت إلى الاقتتال والمحاربة فقامة عامة زولية وسائر من كان من ~~البحريين وغيرهم معاضدة لعبيد تميم فهزموهم وأخرجوهم من المهدية وقتلوا ~~منهم عددا كثيرا. وسار الذين بقوا منهم يردون اللحاق بالقيروان، فدس تميم ~~خبرهم إلى العرب، فقتل منهم في الطريق خلق كثير، وسبب هذه المقاتلة قتل ~~تميم عبيد أبيه بالمهدية، ويقال أن الذي قتله منهم سبعمائة. وذكر أن المحرك ~~لقتلهم واستئصالهم قصيد محمد بن حبيب التي أولها (بسيط) : # السيف يسبق قبل الحادث العذلا ... لا تغمد السيف حتى تقتل السفلى # نقل عداتك من دنيا لآخرة ... فكلهم ظن هذا الملك منتقلا # وفي سنة 449، خرج المعز بن باديس من المنصورية منتقلا إلى المهدية، ~~الميلتين بقيتا من شعبان. وفي أول يوم من رمضان، انتهبت العرب مدينة ~~القيروان وخربتها. وكانت من أعظم مدن الدنيا. وذكر أبو عبيد أنه انتهى ما ~~ذبح منها من البقر خاصة في اليوم الواحد سبعمائة رأس وخمسين رأسا. وقال: في ~~سنة 52 بنيت القيروان وأخليت. # وفي سنة 450 خرج بلقين ومعه الأذبج ودعي لحرب زناتة، فكسرها وقتل منها ~~عددا كثيرا. # وفي سنة 451 قتل منصور البرغواطي صاحب سفاقس قتله غدرا حمو ابن ومليل ~~البرغواطي، وولى مكانه وذلك يوم السبت الثاني لشوال. # وفي سنة 452 وقعت بين العرب والقيروان وبين هوارة حرب كان الغلب فيها ~~للعرب. وقتلت هوارة بباب الصوم أحد أبوابها. PageV01P294 # وفي سنة 453، قتل أهل تقيوس مائتين وخمسين من العرب. وكان سبب ذلك أن ~~العرب دخلت إلى تقيوس متشوفة، فسمع رجل منهم رجلا من أهل المدينة يذكر ~~المعز ms237 بخير، ويثني عليه، فقتله العربي، وكان مقدما في المدينة، فقام عليه ~~أهل البلد، فغزوهم وقتلوا من العرب العدد المذكور. # وفي سنة 454 ن غدر الناصر بن علناس لبلقين بن محمد الصنهاجي صاحب القلعة، ~~وكان ذلك أول يوم من رجب وولى مكانه. وفيها، توفي المعز ابن باديس. ### | بعض أخبار المعز بن باديس # كنيته: أبو تميم. ولقبه: أولا شرف الدولة بن أبي مناد باديس نصير الدولة ~~بن أبي الفتح المنصور عبد العزيز بالله بن أبي الفتوح بلقين سيف العزيز ~~بالله بن زيري بن مناد بن منقوش الصنهاجي. وفي هذه الأسماء والكنى يقول ابن ~~شرف (خفيف) : # شرف الدولة المعز بن باديس ... النصير المظفر المقدام # من له في العلا ثلاثة آباء ... نصير وعدة وحسام # وابن زيري أبو الفتوح الذي أعدى ... أعاديه في الورى الإحجام # وأبو الفتح بعده السيد المنصور ... من صوب راحتيه سجام # مولده سنة 399. وللي الملك سنة 407، وسنة سبعة أعوام وشهران. وتوفي سنة ~~455، وعمره ثماني وخمسون سنة. فكانت مملكته سبعا وأربعين سنة. وفي سنه ~~وتاريخ ولايته يقول ابن شرف (رجز) : # لما انقضت من المئين أربع ... وبعدها ست سنين تتبع # وأول العام الشريف السابع ... دار إليها أيمن طوالع PageV01P295 # باسم المعز الملك الميمون ... مذل كفر ومعز الدين # فقلد الأمر الشديد المنعة ... منتهضا بحمله ابن سبعه # صفته: أسمر جميل الوجه جهير الصوت حسن الخلق بعيد الغور في الأمور قتل ~~الشيعة وقط دعوتهم من أفريقية، ولغن أمراءهم بني عبيد على سائر منابر ~~أفريقية ووفى كل واحد من الصحابة حقه، وأقام السنة، وكانت متروكة منذ مائة ~~وأربعين سنة. ### | حكاية في ابتداء دولة صنهاجة # لما تغلب أل عبيد الله على مصر وأراد معد بن إسماعيل الرحيل أليها من ~~إفريقية دعا زيري بن مناد وكان له عشرة أولاد، فقال له: (ادع إلي بنيك. فقد ~~عملت رأي فيهم وفيك) وكان أصغرهم سنا بلقين. فدعا أولاده ما دعاه، والقدر ~~لا يريد سواه. وكانت عند معد بن إسماعيل أثارة من علم الحدثان، قد عرف بها ~~بصائر أحوالها وأهل الغناء من أعيان رجاله. وكانت ms238 عنده لخليفته على أفريقية ~~والمغرب، إذا صار إليه ملك مصر، علامة. فنظر في وجوه بني زيري، فلم يرها، ~~فقال لزيري: (هل غادر من بنيك أحدا؟) فقال له: (غلاما صغيرا) فقال المعز: ~~(لا أراك حتى أراه! فلست أريد سواه!) فلما رآه عرفه، وفوض إليه من حينه، ~~واستخلفه، فاستولى من وقته على الأمور وزاحمت مهابته الأهواء في الصدور، ~~وبعدت أسفاره واشتهرت أخباره، وبلغ بغزاوته سبتة في خبر طويل. ثم أجاب صوت ~~مناديه وخلعها على أعطاف بنيه حتى أنتها أمره إلى المعز بن باديس شرف ~~العشيرة، وآخر ملوكها المشهورة. ومن العجب أنهما راقا في الاسم والكنية، ~~أعني المعز ابنا تميم معد بن إسماعيل العبيدي صاحب الحدثان، والمعز أبا ~~تميم هذا. PageV01P296 # فأول ما افتتح به شأنه، وثبت به ما زعم سلطانه قتل الرافضة ومراسلة أمير ~~المؤمنين العباسي يومئذ ببغداد، فكتب إليه بعهده وجاءته الخلعة واللقب من ~~عنده رأيا اغتر ببادئه، وذهل عن عواقبه وبواديه. واتصل ذلك بالعبيدي بمصر، ~~وأمره يومئذ يدور على الجرجرائي، فاسطنعها عليه، وفوق سهام مكروهه إليه. ~~وكان بطون من عامر بن صعصعة: زغبة، وعدي، والأثبج ورياح وغيرهم، تنزل ~~الصعيد لا يسمح بالرحيل ولا بإيجازه النيل، فأجازهم الجرجرائي، وأذن لهن في ~~المعز أمينة طالما تخلت إليهم أطماعهم وعكفت عليها أبصارهم، فغشاه منها سير ~~العرم، ورماه بذلول ابنة الرقم فشغل المعز بعضهم أولا بخدمته، وحملهم أعباء ~~نعمتهم، وهم في خلال ذلك يتمرسون بجهاته وبون إلى حماته، ويطلعون على ~~عوراته، حتى بان لهم شأنه، وهان عليه سلطانه، فجاهروه بالعداوة حتى جرت ~~بينهم تلك الحروب، التي تقدم ذكرها مختصرا فأورثته البوار، وضربت عليه ~~الحصار. # وفي أثناء ذلك، أعطاهم الدنيا، وناشدهم التقية، واشترط المهدية، وزف إلى ~~أحد زعمائهم من بناتهم، فأصبحوا له أصهارا، وقاموا دونه أنصارا. فما استحكم ~~باسمه، وأهمته بنفسه، واستجاش من قبله، وأحتمل أهله وثقله وخلا الملك لمن ~~حماه وحمله، وجاء أصهاره يمنعونه ممن عسى أن يكيده، حتى بلغ المهدية، فأقام ~~بها أسقط من الشمس بالميزان، وأهون من الفقير القيان، ولم يكن أحد في ms239 زمانه ~~أشد بأسا في الملاحم، ولا أطول يدا بالمكارم ولا أعني بالسان العرب ولا ~~أحنى على أخل الأدب ومن مشهور كرمه أنه أعطى المنتصر بن خزرون في دفعة مائة ~~ألف دينار إلي ما وصله من مركب أثيل، وزي حفيل وكان متوقد الذهن حاضر ~~الخاطر حاذقا بطرائف الألحان عالما بالمنثور والمنظوم من الكلام. ومدح كثير ~~من الشعراء، فأجزل لهم العطاء: منهم على بن يوسف التونسي، ويعلا ابن ~~إبراهيم الأركشي، وأبو علي بن رشيق، والقرشي وابن شرف، وغيرهم يطول PageV01P297 # الكتاب بذكرهم، لا سيما لا ذكرت من نظمهم ونثرهم. وذكر أبو الحسم ~~الخذلاني المعروف بالحداد: اشتملت على الكثير من أيامه ووقائعه وصفت حاله ~~في خروجه من القيروان، وتسليمه للعرب معظم ملكه، في قصيدة أولها (طويل) : # سرت تتهادى بعد ما رحل الركب ... وقد قلدت جيدا الدجا الأنجم الشهب # ومنها # وإن خانني صبري علي به ... فقد خان مولانا العشائر والصحب # ولو شاء تأليف الجنود وجمعها ... لجاءته من أقطارها العجم والعرب # ولكنة أغذى الجفون لعلمه ... بما سطرت فيه الملاحم والكتب. # ولم يمكث بالمهدية إلا نحو سنتين، وانقضت أيامه، ووافاه أجله، وتوفى يوم ~~السبت لخمس بقين من شعبان سنة 454 هكذا ذكر أبو الصلت، وقد تقدم قول ابن ~~شرف أنه توفى في سنة 455. أولاده: تميم، ونزار، وعبد الله، وعلو، وحماد، ~~وبلقين، وحمامة، والمنصور. ### | دولة الأمير تميم بن المعز ونبذ من أخبارها # مولده بالمنصورية في رجب سنة 422. وأبرزه والده للناس ابن سنتين وركب، ~~والعسكر وراءه، وطاف مدينتي القيروان والمنصورية، وولي المهدية سنة 445، ~~وعمره ثلاث وعشرون سنة. وأقام بها إلى أن خرج والده من المنصورية متجها ~~نحوها، فلما دنا منها، خرج إليه فيمن معه، وترجل عند رؤيته له، وقبل الأرض ~~بين يديه، ومشى راجلا أمامه، وأظهر من طاعته له ما أبان كذب ما نسب إليه، ~~وزور من النفاق عليه، فدعا له والده، وأمره PageV01P298 # بالركوب، فركب وسار معه إلى المهدية فنزل المعز القصر وأقام ابنه تميم ~~متكفلا بأمر الدولة. # وفي سنة 455 فتح مدينة سوسة. وكان أهلها قد نافقوا على ms240 أبيه، فعفا عنهم، ~~وفي سنة 456، زحف إلى المهدية حمو بن ومليل البرغواطي الثائر بمدينة سفاقس، ~~بمن استعان بالعرب، فورد خبره على تميم فسار إليه ومعه طائفة كثيرة من زغبة ~~ورياح. وكان مع حمو طائفة من عدي والأثبج، فاقتتل الفريقان. ثم ولت طائفة ~~حمو أدبارها، فأخذتها السيوف، وتولتها الحتوف وفي سنة 457، كسر عسكر الناصر ~~بن حماد وكان قد خرج في عدد كثير من صنهاجة وزناتة وعدي والأثيج، فلقيتهم ~~رياح وزغبة وسليم، فانهزم الناصر وقتل من أصحابه خلق كثير ونهبت أمواله ~~ومضاربه، وقتل أخوه القاسم بن علناس. وكان من أعظم الأسباب في ذلك ما أبرمه ~~تميم في أمره. # وفي 458، جرد تميم عسكرا كبيرا إلى مدينة تونس، فأقام محاصرا لها، آخذا ~~بمخنقها أربعة عشر شهرا، حتى رقع الاتفاق بينه وبين ابن خراسان صاحبها، على ~~ما اقتضاه إقلاع العسكر عنها. # وفي سنة 459 قام بالمغرب، الأقصى محمد بن إدريس بن يحيى بن علي ابن حمود ~~الحسني، المستدعى من ميلية، فعبر إليها، وقال به جماعة بني ورتدي في ميلية ~~ونواحيها. وكان قد خطب له بالخلافة بمالقة، وتسمى بالمستعلي، فأقام بها ~~إلى، تغلب عليه باديس بن حبوس الصنهاجي صاحب غرناطة سنة 447، فانقرضت دولة ~~بني حمود يومئذ بالأندلس، واختفى بالمرية إلى أن استدعي. # وفي سنة 460 حاصر الناصر بن علناس بن حماد مدينة الأربس، وكان معه الأثيج ~~من العرب، وبقي عليها حتى افتتحها وأمن أهلها، وقتل عاملها ابن مكراز. ~~وفيها، وصل الناصر المذكور إلى القيروان مع العرب ودخلها. PageV01P299 # وفيها، استبد أمير لمتونة على زناتة المستوطنين هنالك. # وفي سنة 461، عاد الناصر بن علناس بن حماد من القيروان إلى قلعته، خوفا ~~من جموع العرب، وفيها، شرع أبو بكر بن عمر اللمتوني في بناء مراكش على ما ~~يأتي في موضعه. # وفي سنة 465، وصلت إلى سفاقس مراكب شرقية، فأخرج إليها السلطان تميم بن ~~المعز أسطوله من المهدية، فأفسدها. # وفي سنة 466، وقيل 467 طردت زغبة من أفريقية: طردتهم رياح منها، وباعت ~~القيروان بن الناصر بن علناس بن حماد الصنهاجي صاحب القلعة. # وفي ms241 سنة 468، وصلت إلى أفريقية عرب برقة ونزلت حول القيروان وما والاها. ~~وفي سنة 469، كانت بأفريقية مجاعة عظيمة ووباء عظيم، مات فيه من الناس خلق ~~كثير. # وفي سنة 470 اصطلح تميم بن المعز والناصر ابن عمه وزجه بنته بلارة وجزها ~~إليه من المهدية في عساكر عظيمة ومال وأسباب وذخائر. وفي سنة 474، حاصر ~~تميم مدينة سفاقس. وعاث عسكره في أجنتها المعروفة بالغابة وأفسدها، وولى ~~تميم ابنه مقلدا مدينة طرابلس سنة 470. # وفي سنة 476، حوصرت المهدية، نزل عليها مالك بن علوي في جموع عظيمة من ~~العرب، فخرج إليه السلطان تميم فهزمه، وأقلع عنها منهزما، ودخل اقيروان. # وفي سنة 479، حاصر تميم مدينة قابي وسفاقس معا في زمن واحد، مما لم يسمع ~~مثله. PageV01P300 # وفي سنة 480، كسفت الشمس كسوفا كليا. وجرى فيها ما جرى من نزول الروم على ~~المهدية في ثلاثمائة مركبا حربية، على ظهورها ثلاثون ألف مقاتل. ### | ذكر دخول النصارى مدينة المهدية # وسبب ذلك، مع قدر الله تعالى غيبة عسكر سلطانها عنها ومفاجأة الروم قبل ~~استقدامه إليها وأخذ الأهبة للقائهم، وخلوا كافة الناس من الأسلحة والعدد ~~وقصر الأسوار وتهدمها. وتكذيب تميم بخبرهم وسوء تدبير عبد الله بن منكور ~~متولي أمور الدولة في قصده مخالفة قائد الأسطول في الخروج إليهم للقائهم في ~~الماء ومنعهم من النزول في البر. فكا كل ذلك سبب تغلبهم على المدينتين ~~المهدية وزويلة، ونهبهم أياهما، وقتلهم الناس فيهما، وإحراقهم بالنار ما هو ~~مشهور بالمهدية إلى الآن. وقد استوعب ذلك ابو الحسن الحداد في قصيدته التي ~~أولها (منسرح) . # أنى يلم الخيال أو يقف ... وبين أجفان ثوى الدنف # غزا حمانا العدو في عدد ... هما الدما كثرة أو اللعف # عشرون ألفا ائتلفوا ... من كل أوب وليت ما اتلفوا # جاءوا على غرة إلى نفر ... قد جهلوا في الحروب ما عرفوا # وهي طويلة. # وفي سنة 481، مات الناصر بن علناي بن حناد الصنهاجي، وولي ابنه المنصور. # وفي سنة 482، عزا مالك بن علوي مدينة سوسة، ودخلها في طائفة من أصحابه، ~~ولم يتمكن له شيء من مراده فيها فخرج منها منهزما، ms242 وقتل جماعة من رجاله ~~وأسر بعضهم. PageV01P301 # وفي سنة 483، غلت الأسعار في أفريقية، وكانت بها مجاعة شديدة. # وفي سنة 484، صلحت أحوال أفريقية في الخصب والرخاء. # وفي سنة 486، حاصر عسكر تميم مدينة قابس وأقام عليها حتى فتح ربضها. 488، ~~كان ما كان من غدر شاه مالك الغزي ليحيى بن السلطان تميم بن المعز، وسبب ~~ذلك أن تميما خاف الغزي وأوحش منه نفسه ونفس أصحابه لكلام قاله، فأضمر ذلك ~~شاه مالك في نفسه، وكان داهية مكرا، وخرج يحيى بن تميم أثناء ذلك متصيدا، ~~وفي صحبته نفر من أهل مؤانسته ومنادمته. وكان شاه مالك مع كثير من أصحابه، ~~فظفر به وقبض عليه وعلى جماعة من أصحابه. ولما بلغ تميما ذلك، أنفذ الخيل ~~في الغزي فوجدوه قد فات وسار إلى سفاقس ودخلها. فركب صاحبها حمو بن ومليل ~~وتلقى يحيى بم تميم مع الغزي الذي قبض عليه، فأقام عنده أياما، وكتب إلى ~~السلطان تميم يلتمس منه عيال الغز وأولادهم، فأمر تميم بإنفاذهم إليهم، ~~ودعا يحيى وأصحابه إلى المهدية. وفي سنة 489 فتح تميم مدينة قابس، وأخرج ~~منها عمر بن المعز أخاه وقد كان ولاه أهلها، وفي سنة 491، كانت بأفريقية ~~مجاعة شديدة. وفي هذه السنة، فتح تميم مدينة قرنقة ومدينة تونس. وخرج عدى ~~من أفريقية أمام رياح. # وفي سنة 493، فتح تميم مدينة سفاقس وخرج منها حمو بن ومليل هاربا إلى ~~قابس فقبله صاحب مجن بن كامل الدهماني وآواه حتى مات وفي سنة 498 مات ~~المنصور بن ناصر بن علسان، صاحب القلعة والباجية وما والاهما وولى ابنه ~~باديس وأقام قليلا ومات. ثم ولى أخيه العزيز بالله بن المنصور. وفيها وصل ~~المرمانيون إلى المهدية بأجفان كثيرة حربية، تسمى الشزاني ومعهم ثمانية ~~وعشرون مركبا. وكان قصدهم أن يجدوا فرصة PageV01P302 # كما وجدها الروم المتقدم ذكرها. فقصدوا إلى باب دار الصناعة ليمنعوا ~~أسطول المهدية إليهم فخاب ظنهم وخرجت أسطول المهدية إليهم فهزموا وقتلوا ~~كثيرا منهم. وفي سنة 499 وجه السلطان تميم أبا الحسن النهري إلى جزيرة جربة ~~في عدد جم وأسطول كثير فوجد ms243 أهلها قد أخوا الأهبة له، واستعدوا واستمدوا ~~فلم يتم له شيء من أمرها. # وفي سنة 500 غدرت مدينة باجة وقتل خلق كثير. وفيها رحل المهدي بن تومرت ~~القائم بدعوة من البربر المسمين بالموحدين بجبل هرغة بأقصى المغرب إلى ~~المشرق في طلب العلم فجاز إلى الأندلس وصل قرطبة وسار منها إلى المرية ومها ~~دخل في مركب إلى الشرق وفاب في مركب خمسة عشر عاما. # وفي سنة 501 ظهر في أفق المغرب كوكب عظيم من ذوات الذوائب وأقام ليلي ~~كثيرة. وفيها مات السلطان تميم بن المعز فكانت مدته سبع وأربعين سنة. ### | بعض أخبار تميم بن المعز # كان رحمه الله شهما شجاعا حازما عازما، يستصغر صعاب الأمور ويستسهل عظام ~~الخطوب ويغلب عليه شدة البطش والمبادرة. وهو أحد فحول شعراء الملوك وذو ~~السبق والتقدم في معانيه وبدائعه حوى فيه الجودة والكثرة. وله ديوان كبير ~~من شعره؛ فمن قوله (وافر) : # فإما الملك في شرف وعز ... على التاج في أعلى السرير # وأما الموت ببين ظبا العوالي ... فلست بخالد أبدا الدهور # وله في غلام اسمه مدام من قصيدة طويلة (متقارب) : PageV01P303 # مدام يطوف بكاس المدام ... فلم أدر أيهما أشرب # فهذا الصديق وهذى الرحيق ... وهذا الهلال وذي الكوكب # وهذا يجود بألحاظه لي ... وهذى بألبابنا تلعب # وما البدر والنجم من ذا وذاك ... ولكنه مثل يضرب # وكان تميم بن المعز جميلا وسيم مدير القامة دري اللون أشم ابلج. وكان ~~يكثر من استغفار بدنه ويرى ذلك أنه تمم صحته. وكان يستعمل كل حار من ~~الأغذية والأدوية ويكثر الاصطلاء بالنار ويدخل الحمام الحر ويكثر الجماع ~~ويشرب الأدوية القوية كالمحمودة وغيرها، ويجاوز في ذلك المقدار حتى جف لحمه ~~وفسدت حركاته الطبيعية. وأقعد ثم مات في منتصف رجب من سنة 501 فكان عمره ~~تسعا وسبعين سنة وولايته من وفاة جاوز عددهم المائة. وقيل أنه كان له من ~~الولد وولد الولد نحو ثلاثمائة. ### | دولة يحيى بن تميم بن المعز ونبذ من أخباره وسيرته # مولده بالمهدية سنة 457. وولى سنة 501 وعمره إذ ذاك ثلاثة وأربعون سنة. ~~وكان ms244 حاذقا بتدبير دولته ساهرا في سياسة رعيته كثير المطالعة لكتب السيرة ~~والأخبار أديبا شاعرا ذا حظ في اللغة العربية صالح. وكان حسن الوجه أشهل ~~العينين أهجر الصوت. وتوفى ثاني عيد النحر من سنة 509 فجأة مقتولا في قصره ~~بالمهدية فكانت مدة ملكه ثماني سنين وستة أشهر، وخلف من الأولاد ثلاثين ~~ولدا ذكور. ومما حدث في أيامه من الوقائع ما أذكرها ملخصا، مؤرخة بأوقاته. ~~وفي سنة 503 فتح يحيى بن تميم قلعة أقبلية. قال ابن القطانم كان لتميم بن ~~المعز من الولد ثلاثمائة فنفى يحيى أكبرهم إلى المشرق والمغرب PageV01P304 # والأندلس. وكانت أيام يحيى هادنه ووادعه. وكان يطلب عمل الكيمياء وجعل ~~لها دارا تردها الطلبة وأجرى عليها الإنفاق ومكنهم من الآلات. # وفي سنة 503 جرد يحيى بن تميم كمن أسطوله خمسة عشر غرابا للغزو في بلاد ~~الروم فأصيب منها ستة وعادة البقية إلى المهدية. # وفي سنة 504 كان بالمغرب زلازل عظيمة دامت شهر شوال كله. # وأمير أفريقية يحيى بن تميم بن المعز. # وفقي سنة 505 وصل سوار صاحب مصر بهدية إلى أمير أفريقية يحيى بن تميم ~~فتلقاه بغاية الإكرام والاهتمام وأقام عنده حتى صرفه وأصحبه من الذخائر ~~والألطاف ما لا يحيط به الوصف. # وفي سنة 507 وصلت أسطول المهدية بسبي كثير من بلاد الروم في ربيع الآخر ~~فسر بذلك يحيى بن تميم والمسلمين. # وفي سنة 508 ولى يحيى ابنه عليا مدينة سفاقس وولى أخاه عيسى مدينة سوسة. ~~وفيها حجم الروم على مدينة ميورقة وهي بيد مبشر الفتى مولى ابن مجاهد ~~ودخلها عنوة وقتلوا رجالها وسبوا ذراريها ونساءها وذلك بعد حصار شديد ثم ~~استرجعها علي بن يوسف من أيدي الروم. # وفي سنة 509 وصل إلى المهدية رجلان أو ثلاثة ذكروا أنهم طلبة المصامدة ~~عارفين بصناعة الكيمياء فأبيح لهما بالدخول إلى دار العمل. فما أحكما ما ~~أرادا استأذنا على السلطان يحيى بن تميم. فقال لهما: (أوقفاني على الطرح ~~وحقيقة السر!) فقال: (على أن لا يحظر إلا أنت ووزيرك!) فحظر هو ووزيره ~~وعبده أبو خموس ms245 فصنعا البوط وألقيا الرصاص وأحميا عليه وجعلا كنهما يخرجان ~~الإكسير. فأخرجا خناجيرهما وقتلا الوزير وأبا خنوس وأكثر في السلطان ~~الجراحات. فبقى يعاني جراحه حتى مات وقالا له حين جرحاه: (أيها الكلب تعجب ~~نحنو أخواك فلان وفلان نفيتنا وبقيت في الملك!) وثارت الصيحة إذ ذاك فدخل ~~العبيد وقتلا الرجلان للحين. PageV01P305 # ومات يحيى يوم العيد الأضحى من سنة 509، وكان الأمير يحيى، مدة مرضه إثر ~~هذه النوبة والغدر، ونفي ابنه الفتوح إلى قصر زيادة، وأظهر اتهامه في ~~القضية. فأقام هناك إلى حين وفاة أبيه وولاية على أخيه. ثم نفاه علي أيضا ~~إلى المشرق، فتوفى هنالك. وفي هذه السنة، عقد الأمير يحيى نكاح العزيز ~~بالله بن المنصور، صاحب القلعة وبجاية، على بنته بدر الدجا، وجهزها إليه. ### | دولة علي بن يحيى بن تميم بن المعز بالمهدية وبعض بلاد أفريقية # لما توفي الأمير يحيى، أجتمع أهل الدولة على نفاذ كتاب إلى علي على لسان ~~أبيه، وكان علي يلي سفاقس، فكتبه الكاتب، وكتب علامة يحيى كانت: (الحمد لله ~~وحده!) فوصل الخبر إلى علي ليلا، فخرج لوقته، فوصل إلى المهدية ثالث عيد ~~النحر، ودخل الناس إليه معزين ومهنئين، وعمره ثلاثون سنة، فاستأبت له ~~الأمر، واستوسق له الملك. وكان كريما جوادا، يركن إلى الراحة واللذات، ~~واتكل على قوم فوض إليهم تدبير دولته، فعاجلته منيته في ربيع الآخر من سنة ~~515، فكانت دولته خمس سنين وأربعة أشهر وأثنى عشر يوما. وخلف من الولد ~~الذكور أربعة: الحسن، والعزيز، وباديس، واله (؟) . # وفي سنة 510، أمر بعمارة الأسطول إلى جرية، فحاصرها إلى أن أقر أهلا ~~بالطاعة له، ونزلوا على حكمه. # وفي سنة 511، أرجف العوام بأنه سيكون في رمضان حادث كبير، وأن السلطان ~~يموت فيه. وفشا القول بذلك، وانتشر. فأكذب الله أحاديثهم. وقال الشعراء في ~~ذلك كثيرا. فمنه طويل: PageV01P306 # وأشاعوا أباطيل وبثوا زاخارفا ... دعتهم لها آمالهم والمطامع # فلو يستطيع الناس من فرط حبهم ... لضمتك أحشاء لهم وأضالع # ومنها: # أصبح قول المبطلين مكذبا ... ومد لك الرحمن في أمد العمر # فأين الذي حد المنجم كونه ... إذا مر للصوام ms246 عشر من الشهر # وفيها، وصل رسول صاحب مصر بهدية إلى المهدية. وفيها، حاصر علي ابن يحيى ~~مدينة قابس، ودون بعض قبائل العرب، فلما بلغ ذلك رافعا صاحبها، خرج متطارحا ~~على وجوه الجيش، راغبا في الصلح، فلم يجيبه علي إلى ذلك، وفي أثناء ذلك، ~~نزل على المهدية بيوته، ومن ساعده من عشيرته، فخرج من كان بالمهدية، فهجموا ~~على بيوته، فتصايحن نساء العرب، فغارت العرب لذلك، وقعت الحرب بين ~~الفريقين، والأمير على باب زويلة. أن عليا دون على رافع ثلاثة أخماس العرب ~~من جيشه، فصمد رافع نحوهم، والتقى الجمعان. ثم ولى رافع قاصدا إلى ~~القيروان. واجتمعت شيوخ دهمان، واقتسموا البلاد بينهم، فأعطوا رافعا مدينة ~~القيروان. ووصلت العرب المدونة إلى الأمير علي بن يحيى، فوهبها أموالا جمة ~~وأمره بالمسير إلى القيروان. فوقع بينهم وبين رافع قتال شديد، وكان الظهور ~~فيه لحزب علي بن يحيى، في خبر طويل. # وفي سنة 512، وصل إلى الأمير علي بن يحيى، من قبل صاحب صقلية رجار، رسول ~~له يلتمس تجديد العقود، وتأكيد العهود ويطلب أموالا كانت له موقفة بالمهدية ~~وذلك بعنف وغلظة. فرد على رسوله جواب وجبهه بالقول. فتزايدت الوحشة بينه ~~وبين رجال، فأوسع شرا، وحال بعد ذلك مكرا قال ابن القطان: وكان في هذه ~~السنة غلاء عظيم، ووباء، وبلغ ربع الدقيق بتلسمان عشرين درهما. # وفي سنة 513 أغزى إبراهيم بن يوسف أخو علي بن يوسف بن تاشفين PageV01P307 # ملك الغرب، قورية بالأندلس ففتحها الله عليه. وأمير أفريقية علي ابن يحيى ~~ابن تميم. # وفي سنة 514 كانت وقعة بالأندلس انهزم فيها المسلمون وهي وقعة قتندة، قال ~~ابن القطان: مات فيها نحو عشرين ألفا وفيها، كان حلول ابن تومرت المتلقب ~~بالمهدي بأغمات، محرضا على الخروج على السلطان وتفريق الكلمة المنتظمة. # وفي سنة 515، خرج علي بن يوسف من مراكش إلى الأندلس، فوصلها في ربيع ~~الأول وأخر ابن رشد عن القضاء، وولى أبا القاسم بن حمدين، ثم رجع إلى ~~مراكش. وفيها، توفي أمير أفريقية علي بن يحيى بن تميم. ### | دولة الأمير الحسن بن ms247 علي ابن يحيى بن المعز بأفريقية # كان أبوه فوض إليه الأمر في حياته وعمره أثنتا عشرة سنة وتسعة أشهر، ~~ومولده بمدينة سوسة في رجب سنة 502. فلما مات أبوه، دخل الناس أليه مهنئين ~~ومعزين بالملك والوفاة، وانشده الشعراء وتكفل بأمر دولته صندل الخادم، لا ~~لمعرفة ولا سياسة. # وفي سنة 516، غزى أبو عبد الله بن ميمون قائدا علي بن يوسف ن ملك البرين، ~~جزيرة صقلية، فافتتح بها مدينة نقوطرة من عمل رجار صاحب صقلية، وسبى نساءها ~~وأطفالها، وقتل شيوخا، وسلب جميع ما وجد فيها. فلم يشك صاحب صقلية أن ~~المحرك والمسبب له هو أمير أفريقية الحسن بن علي، لما تقدم بينه وبين أبيه ~~من الوحشة العظيمة فاستنفر أهل بلاد الروم قاطبة فالتأم له ما لم يعهد مثله ~~كثرة فعلم بذلك الحسن بن علي، فأمر بتشييد الأسوار واتخاذ الأسلحة وحشد ~~القبائل واستقدام العرب. فجاءت الحشود من كل وجه ومكان والناس متأهبون لما ~~يطرقهم منهم. PageV01P308 # وفي سنة 517، في أواخر جمادى الأولى، وصلت أسطول الإفرنج إلى جزيرة ~~الأحاسي، وخرج منهم إلى البر خلق كثير وابسطوا حتى بعدوا عن البحر أميالا. ~~وفي اليوم الثاني، خاء إلى المهدية ثلاثة وعشرين شينيا، فعينوا العساكر ~~والحشود ثم انصرفوا إلى الجزيرة، فوجدوا العرب قد انكشفوا من كان بها من ~~الروم عن مواضعهم، ومزقوا مضاربهم فقويت نفوس المسلمين بذلك. وكان رجار قد ~~أمر أسطوله أن يدخل تلك الجزيرة، ويأخذ قصر الديماس، وأن يسير الخيل ~~والرجال من هنالك على تعبئة في البر إلى المهدية، لليلتين خلتا من جمادى ~~الأولى، في أخر ليلة منه كبر المسلمون ودخلوا الجزيرة فانهزم الروم إلى ~~أجفانهم، بعد ما قتلوا بأيديهم كثيرا من خيولهم. وأخذ المسلمون فيما ~~يحتاجونه إليه نحو أربع مائة فرس، وآلات كثيرة وأسلحة. وأحاطت العساكر بقصر ~~الديماس، تقاتله، وأهل الأسطول في البحر يعاينون ذلك، إلى أن طلب الروم ~~الأمان من السلطان الحسن بن على بن يحيى بن تميم، فلم تساعد العرب على ذلك. ~~وخرجوا من منتصف جمادى الآخرة ن فأخذتهم السيوف، وقتلوا عن أخرهم. وكان ms248 عدد ~~الأجفان نحو ثلاثمائة، وعدد لخيل فيها نحو ألف فارس. # أخبر أبو الصلت قال: أخبرني عبد الرحمن عبد العزيز قال: رأيت على باب ~~رجار بصقلية رجرا من الإفرنجة طويل الحية يتناول طرف لحيته بيده، ويقسم ~~بالإنجيل أنه لا يأخذ منها شعرة حتى يأخذ ثأره من أهل المهدية فسألت عنه، ~~فقيل لي أنه لما انهزم، جذب بها حتى أدمته. إلى أن انتهى كلام ابن الصلت في ~~أخبار المهدية وأميرها الحسن بن علي بن يحيى ابن تميم إلى سنة 517 وبقى ~~الحسن بن علي ملكا للمهدية وبلاد تلك الجهات إلى سنة 543. ثم خرج باستيلاء ~~صاحب صقلية عليها. # وفي سنة 518، استفحل أمر المهدية والموحدين بالمغرب وأمير أفريقية الحسن ~~بن علي بن يحيى. ومات في هذه السنة العزيز بالله صاحب بجاية، وولى PageV01P309 # ابن يحيى. وكان لبني الناصر بن علناس بن حماد ببجاية والقلعة وتلك البلاد ~~وزراء يعرفون ببني حمدون، وتوارثوا وزرارتهم، منهم ميمون بن حمدون عند يحيى ~~هذا، فنشأ ليحيى ولد ولاه الأمر بعده وفوض الأمور إليه في حياته، فجعل ~~الولد يستنقص الوزير ميمونا، ويقبح أفعاله، ويسميه الشيخ الكذاب. فخاف منه ~~ميمونا على نفسه، وخاطب أبا محمد عبد المؤمن وفي سنة 519، كان أمير أفريقية ~~الحسن بن علي على حاله. وخرج الطاغية ابن ردمير إلى بلاد المسلمين، فدوخها ~~بلدا بلدا، وضيق عليها. # وفي سنة 520 اجتمعت عساكر المسلمين بالأندلس، فتلاقوا مع عدو الله ابن ~~ردمير، وكان قد أذاق المسلمين شرا منذ سنين، فدارت بين الفريقين حرب عظيمة ~~كان الظفر فيها للمسلمين. ثم أخبر الناس أن تميما رجع فارا بنفسه، فانهزم ~~المسلمون، وركبهم النصارى بالقتل واحتووا على المحل بما فيها وسار تميم إلى ~~غرناطة، وانبسطت خيل النصارى على المسلمين يقتلونهم كيف شاءوا وتفرق الناس ~~أيدي سبا ولجئوا إلى المعاقل، وكانت قريبا منهم، فوافاهم الله شرهم. # وفي سنة 521، وقيل في سنة 520 نهض أبو الوليد بن رشد إلى مراكش للاجتماع ~~بعلي بن يوسف في المصالح، وعز تميم عن غرناطة. # وفي سنة 523، أشر ابن رشد ببناء سور مراكش ms249 فبناه علي بن يوسف وأنفق فيه ~~سبعين ألف دينار وفيها، بعث العزيز بالله بن المنصور صاحب بجاية عسكرا إلى ~~المهدية قود عليه ابن المهلب فنزل عليها ثم انصرف ناكصا على عقبه وفيها، ~~وصل مطرف بن علي بن خزرون الزناتي إلى تونس وأخرج منها احمد بن عبد العزيز ~~بن عبد الحق بن خرسان، وقفل إلى الحجاز وبها مات على ما يأتي. وولي تونس في ~~هذه السنة كرامة بن المنصور الصنهاجي من قبل صاحب بجاية. PageV01P310 # وفي سنة 523 كان الأمير بأفريقية حسن بن علي على ما كان عليه في السنة ~~قبلها، وصاحب بجاية يحيى بن العزيز بالله، ووزيره ميمون بن حمدون. # وفي سنة 524 قتل أمير مصر الملقب بالأمر، وكان جبارا عنيدا، قتله الغلام ~~الذي أسمه حرز الملوك، وكان الأمر ولي عهده عبد المجيد. # وفي سنة 527، قال الوراق في (مقابسه) : بعث الله قوما تحالفوا على قتل ~~الجبار العنيد بمصر الملقب بالأمر. قيل أنه قصدوا إليه من بلاد الشام ~~احتسابا وكانوا عشرة أناس، فأقاموا بمصر، وعلموا بيوم ركوبه، وكان إذا ركب ~~سدة الحوانيت والديار في ممره ولا يمر في طريقه أحد سواه ويجعل نصف عسكره ~~أمامه، ونصفه ورائه، وفي وسط تلك المسافتين التي أمامه وخلفه فارسان، ~~بينهما وبينه ما بينهما وبين العسكر وحمله أربعة من عبيده فقصد هؤلاء القوم ~~إلى طريقة وفيه فرن، فقصدوا إلى الفران، ومعهم دقيق وقالوا له: (نريد منك ~~أن تخبز لنا هذا الدقيق، فأنا قوم غرباء مسافرون) فاعتذر لهم بالسلطان ~~فرغبوه، وشارط عليهم العجلة، ثم أشغلوه بالحديث إلى أن مر عليه مقدم العسكر ~~الأول فأعنف عليهم في الخروج فلما رأوا ذلك ادخلوه داخل الفرن وسدوا فمه ~~بغطائه وغلقوا باب الفرن عليهم إلى أن سمعوا حوافر فرسه. فأول من خرج من ~~الفرن كلها منهم، فجعل يسجد إلى الأرض، وينادي: (أنا بالله وبعدل مولانا) ~~وسجد مرة بعد أخرى إلى أن ألقى بيده في شكائم الفرس، وأخرج سكينا وضرب بها ~~بطن الفرس فسقط إلى الأرض وخرج أصحابه من الفرن مبادرين، فضربوه بسكاكينهم ms250 ~~إلى أن فرغوا من قتله. وقتلوا في الحين أجمعين وأراح الله من الفاجر الطاغي ~~وهو الذي أكثر في زمانه دعوى الباطل ونصرة الظالم وعمل PageV01P311 # جهنم يعذب فيها الناس، وأباح المحظورات جهارا في النزهات، وغير ذلك من ~~قبائحهم - لعنهم الله - أعني الشيعة العبيدية. # وفي سنة 528 كان ولاة أفريقية على ما كانوا عليه في السنة قبلها. # وفي سنة 529، صرخ الموحدون بموت المهدي، وسموا عهد المؤمن بأمير ~~المؤمنين، وفيها، ولي القضاة قاضي عبد الحق بن عبد الله بن معيشة، فأراق ~~الخمر وكسر الدنان، وشدد على أهلها، وزاد في الجامع الكبير فكان البناء فيه ~~في أخر هذه السنة. # وفي سنة 530 نزل على حمود على المهدية، بعسكر من قبل صاحب بجاية العزيز ~~بن المنصور ومال برسم العرب فنزل بظاهر زويلة وناشب القتال برا وبحرا، ~~فأخرج إليهم صاحب المهدية أسطوله فأخذوا من أسطول بجاية غرابي أمر بسجن ~~قائدهما، فأما الواحد فمات بسهم أصابه ثم وصلت العرب لنصرة المهدية فرحل ~~عسكر بجاية عن المهدية بعد أقامته سبعين يوما. وأمر الحسن بن علي قائده ~~بقتل القائدين فقتل أحدهما بين يديه ووجد الآخر قد مات من سهم كان أصابه. ~~وفيها جهز رجار صاحب صقلية أسطولا، فقصدوا جزيرة جربة، واستولوا عليها ~~وسبوا أهلها. وفي سنة 533، كان موت عبد المجيد صاحب مصر وكان للشيعة في ~~تولية خليفة عليهم خبر طريف يذكره في موضعه ز وفي سنة 536 توفى أبو عبد ~~الله المازري وأبو الصلت. وفيها أخذ صاحب المهدية المركب الذي أنشأه صاحب ~~بجاية، وبعثة بهدية إلى صاحب مصر، وسبب ذلك أنه كان في الإسكندرية مركب ~~للحسن صاحب المهدية عطله عن السفر صاحب الديوان لأنه سعى في الشتاة بين ~~الحسن وبين صاحب مصر، وقصد المواصدة بين صاحب مصر وصاحب بجاية، فأقلعت ~~المراكب وبقى هو محبوسا. واقلع في جملتها المركب البجائي ببضائع عظيمة لها ~~شأن وأثمان للتجار وهدية إلى صاحب بجاية. فعمل عليه الحسن، وأخذه، وأمر PageV01P312 # بتفريغه. وبقي المركب فارغا حتى جاءت صدمة أكتوبر، فأنكسر وفي هذه السنة، ~~خرج جرجي من ms251 صقلية في خمسة وعشرين غرابا، وضرب على مرسى المهدية ن فأخذ ~~جميع ما كان فيه من المراكب وفيه مركب جديدا أنشأه الحسن من خشب المركب ~~الذي انكسر لصاحب مصر. # وفي سنة 537، خرج أسطول صاحب صقلية، فضرب على مدينة أطرابلس، فخيبه الله. # وفي سنة 538، دخل مدينة سفاقس ودخلت في عمل رجار صاحب صقلية. # وفي سنة 543، كان تغلب الروم على مدينة المهدية، وخرج منها صاحبها الحسن ~~بن علي بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس بن المنصور بن بسلجين ابن زبرى ~~بن مناد بن منقوش صنهاجي بحملته وحاشيته. وتبعه أهل البلد فارين بإهليهم. ~~وكان قائد رجار صاحب صقلية جرحى بن ميخايل الأنطاكي وكان أبوه علجا من علوج ~~أبيه تميم. فكان هذا اللبعين عارفا بعورات المسلمين بالمهدية وغيرها فلم ~~يزل رجار وقائده جرجا بحيلان على المهدية بحيلهما إلى أن استولوا عليها في ~~هذه السنة. وتعرف هذه الكائنة الشنعاء بكائنة يوم الاثنين فبقيت بأيد الروم ~~حتى أفتتحها الموحدون، على ما أذكر في دولتهم، ولما استولى صاحب صقلية على ~~هذه المدينة كانت بأفريقية مجاعة عظيمة، فخاف أهل تونس من أهل هذه السواحل ~~من النصارى. وكان صاحب صقلية افتتح سفاقس ودخل بونة، وسبى أهلها، فأخذ أهل ~~تونس في الاستعداد والأهبة والوقوف بجماعاتهم وقتا بعد وقت عند باب البحر، ~~بمحضر واليهم معد بن المنصور وهو من الديوان الذي على الباب فخرجوا يوما من ~~أيام عرضهم، فوجوا قاربا يسوق زرعا، فأبكرت العامة خروج الزرع من بلدهم في ~~تلك الشدة إلى موضع تحت مملكة الروم، واجتمعوا على منعهم، وضجت العامة ~~وارتفع صياحهم، فتعرض لهم رجال معد بن المنصور، فوضعوا السلاح PageV01P313 # فيهم وفي عبيد معد واليهم وقتلوهم قتلة الشيعة وأطلقوا النار تحت برج ~~الديوان، فنزل معد عنه، واستسلم للعامة، فوقفوا عنه، فكانوا يأخذون رجاله ~~وعبيده من تحت ركابه، ويقتلوهم. وبقى معد ذلك بتونس على حال قهر من العامة، ~~وكتب إلى بجاية، فجاءه غراب منها، فطلع فيه مع بنيه، وسار إلى بجاية، ورجع ~~النظر في تونس لقائد من قواد صنهاجة ms252 مدة يسيرة، ثم انصرف، وبقى البلد في ~~حكم العامة، فكانت الفتنة المشهورة فيهم، والقتال بين أهل باب السويقة وأهل ~~باب الجزيرة، ومدبرهم في تلك المدة قاضيهم أبو محمد عبد المنعم بن الأمام ~~أبي الحسن - رحمه الله - ولما اشتد خوف أهل تونس من صاحب صقلية ومما سمعوه ~~من غضب بجاية واستعداده لهم، أخذوا في تمليك محمد بن زياد العربي بإرادة ~~قاضيهم. فلما عزموا على ذلك، ووصل ابن زياد إلى تونس، وخرج القاضي والأشياخ ~~إلى لقائه، صاح رجل من العامة: (لا طاعة لعربي ولا غزي) وقامت الفتنة. فرجع ~~ابن زياد إلى القلعة، وأراد القاضي الرجوع إلى المدينة، فمنعه العامة ~~وأخرجته، فسار مع ابن زياد إلى القلعة، ولأقام بها مدة طويلة، إلى أن مات - ~~رحمه الله - فيقال أنه كان راقدا في الصيف في طلق علو، فوقع منها ومات، ~~ويقال أنه رمي منها، ثم إن العامة وجهوا إلى أبي بكر إسماعيل بن عبد الحق ~~بن خراسان، فوصل إلى تونس بالليل، فرفع قفي قفة من السور وولي تونس، فأقام ~~عليها نحو سبعة أشهر، ثم غدر به عبد اله ابن أخيه عبد العزيز، على ما يأتي، ~~وإذ قد وقع ذكر بني خراسان، ولايتهم تونس على النسق ومن وليها من غيرهم إلى ~~دخول الموحدين إليها، بحول الله تعالى. PageV01P314 ### | ذكر من ولي تونس من الأمراء من بعد زوال ملك المعز بن باديس منها # لما انتقل المعز من القيروان والمنصورية إلى مدينة المهدية، وأسلمها إلى ~~العرب، واختل ملكه بفتنة العرب الواصلين من المشرق، كما تقدم، واستحوذوا ~~على كثير من حواضر تونس وما يليها من البلدان ما كان، مثل باجة والأربس وما ~~يليها، وكان بنو حماد قد طمعوا في ملك أفريقية، وصارت عمالة القيروان في ~~أيديهم مدة بمداخلتهم العرب وإحسانهم إليهم وانقطع ملك المعز عن توني ~~وغيرها، وضعفت دولتهم بالمهدية عن حمايتها، فمشى أشياخ من أهلها لى الناصر ~~بن علناس، وهو إذ ذاك في القلعة دار ملكهم، وناظمة سلكهم، فاستدعوا منه ~~النظر إلى مدينتهم وتقديم وال من قبله عليهم، فأمرهم ms253 أن يختاروا شيخا منهم، ~~يقوم بأمرهم خلال ما ينظر إليهم، فيقال أنهم راموا تقديم كبير منهم، ~~فاستعفى وتوقف. فوليها من قبل الناصر عبد الحق بن عبد العزيز بن خراسان، ~~فأقام بها إلى أن مات سنة 488، ثم وليها بعده ولده عبد العزيز بن عبد الحق، ~~فأقام بها إلى أن، مات في سنة 500، ثم وليها ولده أحمد بن عبد العزيز بن ~~عبد الحق، فبقى واليا عليها اثنين وعشرين سنة، حتى أخرجه عنها مطوف بن علي ~~بن حمدون إلى بجاية، وكان قد بنى قصرا بتونس، سمى قصر بني خراسان، وطالت ~~مدته كما ذكرنا، فاشتدت وطأته، وخرج عن سيرة الأشياخ إلى آثار جبابرة ~~الملوك، وقتل عمه إسماعيل بن عبد الحق، وكان أحق منه بالأمرة. وفر ولده أبو ~~بكر بن إسماعيل إلى بنزرت، فلأقام بها خوفا منه، وأخرج جماعة من لأهل تونس ~~وأشياخها، ونفاهم إلى المهدية وغيرها، واستبد برأيه في أمور تونس، إلى أن ~~وصلت أخباره إلى المنصور صاحب بجاية، فجهز إليه عسكرا قدم عليه مطوف بن علي ~~بن حمدون، فوصل إلى تونس عام 522، فخرج أحمد إليه، واستسلم في يديه، فنقله ~~إلى بجاية PageV01P315 # من تونس كرامة بن المنصور من بني حماد، إلى لأن مات في سنة كذا وخمسمائة، ~~ثم وليها بعده أخوه أبو الفتوح بن المنصور، إلى أن مات، ثم وليها بعده محمد ~~بن أبي الفتوح، فلم تستحسن سيرته، فأخرج عنها ووليها معد بن المنصور وكان ~~آخرهم فأقام عليها إلى سنة 543 حين استيلاء الروم على المهدية، فخاف أهل ~~تونس منهم، وثاروا على أميرهم معد كما تقدم، وثارت العامة بها، وكانت ~~الفتنة المشهورة فيها. ثم انهم وجهوا إلى بنزرت، وقدموا أبا بكر بن إسماعيل ~~بن عيد الحق، غدره عبد الله ابن أخيه عبد العزيز بعد إقامته في ولايته سبعة ~~أشهر، وأخرجه في قارب في البحر، فرماه البحر ميتا عند قلعة ابن غبوش. ~~فيقال: غرق، ويقال: غرق. فوليها عبد الله المذكور نحو عشر سنين، وهو الذي ~~قتل القاضي أبا الفضل جعفر بن حلوان وقتل معه ولده ms254 وولد أخته ابن الباد، ~~لما خشي أن يجمعوا عليه العرب. وفي أيامه وجه عبد المؤمن عبد الله بن ~~سليمان في قطع من أسطول سبتة وأمره بالكشف عن تونس وقوتها والمجاورين لها ~~من الأعراب، وبعد ذلك بعام وصل السيد أبو محمد عبد الله بن عبد المؤمن إلى ~~تونس، ونازلها وحاصر عبد الله بن خراسان فيها مدة، ثم أقلع عنها إلى بجاية، ~~وذلك في سنة 553، وفي سنة 551، في شوال كان القيام على النصارى بالمهدية ~~وحاصرهم فيها. # وفي سنة 552 استولت الروم على زويلة. # وفي سنة 554، دخل عبد المؤمن أفريقية المرة الثانية، ونازل تونس ثم أقلع ~~عنها وحاصر النصارى بالمهدية، وفي سنة 555، دخل أبو محمد عبد المؤمن مدينة ~~صلحا، واستولى الموحدين عليها في العاشر من شهر محرم. # وفي سنة 558، كانت كائنة يوم السبت بنزول الروم على المهدية، وأخذوا ~~مدينة سوسة ثم خرجوا عنها. # وفي سنة 573، كانت يوم الجمعة بنزول النصارى على المهدية PageV01P316 # ثم غادرها عبد الكريم في ربيع الآخر منها، ودخلها يحيى بن غانية الميورقي ~~في شعبان من سنة 578، فلم يزل بها هو وأصحابه لمتونة، ومسوقة، يغيرون منها ~~على أفريقية، حتى تملكوا بعض بلادها، إلى أن دخلها الناصر مع الموحدين، في ~~جمادى الأولى من علم 602. ### | ذكر الأمراء والولاة بأفريقية لخلفاء بني أمية # عقبة بن نافع، ثم أبو المهاجر، ثم عقبة ثانية، ثم زهير بن قيس، ثم حسان ~~بن النعمان الغساني ثم موسى بن نصير ثم محمد بن يزيد ثم إسماعيل ابن عبد ~~الله ثم يزيد بن أبي مسلم الثقفي ثم محمد بن أوس الأنصاري ثم بشر بن صفوان ~~ثم عبيدة بن عبد الرحمن السلمي ثم عبد الله الحبحاب ثم كلثوم بن عياض ثم ~~حنظل بن صفوان ثم عبد الرحمن بن حبيب القرشي ثم الياس بن حبيب ثم حبيب بن ~~عبد الرحمن. # فهؤلاء الثمانية عشر هم الولاة عليها من بين أمية. ### | ووليها للصفوية: # عاصم الورفجومي، وعبد الملك بن أبي جعد. وكانت مدتهم سنة ~~واحدة وشهرين ### | ووليها للأباضية # أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح، مولى ms255 ~~المعافر، وكانت مدته سنتين اثنتين ### | ووليها أبو العباس # محمد بن الأشعث الخزاعي. ثم عيسى بن يوسف القيسي. ثم الأعلب بن سالم التميمي ثم الحسن بن ~~حرب الكندي ثم الأغلب. ثم سالم ثاني ثم عمر بن حفص المهلبي. ثم يزيد بن ~~حاتم السلمي ثم داود بن يزيد ثم روح PageV01P317 # بن حاتم. ثم الفضل بن روح بن حاتم، ثم هرثمة بن أعين، ثم محمد بن مقاتل ~~العكي، ثم تمام بن تميم التميمي، ثم محمد بن مقاتل ثانية. ### | ووليها من بني الأغلب: # إبراهيم بن الأغلب وعبد الله بن إبراهيم بن الأغلب. ~~والأغلب بن إبراهيم بن الأغلب. ومحمد بن الأغلب بن إبراهيم وأحمد بن محمد ~~بن الأغلب بن إبراهيم. وزيادة اله بن محمد بن الأغلب ين إبراهيم. ومحمد بن ~~محمد بن الأغلب بن إبراهيم. وإبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب بن ~~إبراهيم. وعبد الله بن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب. وزيادة الله بن ~~عبد الله بن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب. وهو آخر بني الأغلب ~~بإفريقية وكان انقراض دولتهم سنة 296. ### | ومن الشيعة العبيدية # أبو عبد الله الداعي. ثم عبيد اله المهدي. وإليه نسب ~~العبيدية بمصر، ثم ابنه القاسم بن عبد الله، ثم ابنه إسماعيل بن أبي القاسم ~~وهو الذي ملك مصر ورحل إليها في أخر أيامه. ### | ومن صنهاجة القائمين بدعوة العبيدية ومن ولايتهم # بلجين بن زيري. المنصور ~~بن بلجين. باديس المنصور. المعز بن باديس تميم بن باديس. علي بن يحيى. ~~الحسن بن علي. وعليه دخل الروم. PageV01P318 ### | ذكر صفة الأندلس وأوليتها # أما صفة الأندلس، فإنها جزيرة مركنة، ذات ثلاث أركان، قريبة من شكل ~~المثلث: الركن الواحد منها عند صنم قادس، والركن الثاني في بلاد حليقية، ~~وهو مقابل لجزيرة بركانية حيث الصنم المشبه بصنم قادس، والركن الثالث ~~بناحية الشرق، بين مدينة أربونة ومدينة برذيل حيث هو قرب البحر المحيط ~~الغربي من البحر المتوسط الشامي، وكاد البحران هناك أن يجتمعا في ذلك ~~الموضع، فتصير الأندلس في جزيرة أولا يسير ما بقي منها، ms256 وهو مسيرة يوم ~~كامل، وفيه مدخل يقال له الأبواب، وفيه تتصل الأندلس بالأرض الكبيرة. ~~فالأندلس كلها محدقة بالبحر: البحر المحيط الغربي والبحر المتوسط القبلي، ~~ويصعد منه قليل إلى ناحية الشرق؛ فحد الأندلس في الشرق والغرب وبعض الجوف ~~البحر المحيط، وحدها في بعض القبلة والشرق البحر المتوسط، إلا أنه يتوسط ~~الأرض كلها. وقيل إنه قي آخر الأقاليم السبعة. # وقيل إن أول من نزل الأندلس بعد الطوفان قوم يعرفون بالأندلش (بشين ~~معجمة) ؛ فسميت بهم الأندلس (بالسين غير معجمة) . وقيل إنهم كانوا مجوسا؛ ~~فأراد الله قلعهم منها؛ فحبس المطر عنهم حتى غاضت مياههم وعيونهم وأنهارهم، ~~وخرجوا منها، وافترقوا في البلاد؛ وأقامت خالية مائة سنة، من حد إفرنجة إلى ~~البحر؛ ثم دخلها بعد ذلك قوم من الأفارقة، أجلاهم صاحب PageV02P001 # إفريقية من الجوع؛ فلما نزلوا الأندلس، وجدوا أنهارها قد جرت؛ فملكوها ~~نحو مائة وخمسين سنة. وعدد ملوكهم أحد عشر ملكا، ودار ملكهم مدينة طالفة. ~~ثم غلبت عليهم الإسبانية، حتى أخرجوهم عن الملك، وصار الملك إليهم؛ وبهم ~~سميت إشبيلية؛ فبنوها وسكنوها؛ وخربت طالقة. وهجم عجم رومة، فكانوا ملوكا، ~~حتى دخل البشترلقات على الرومانيين، وقد بعث الله المسيح - عليه السلام! - ~~فبعث الحواريين إلى البلدان كلها، وظهر دين النصرانية وغلب. قم كان دخول ~~البشترلقات من رومة. وكانوا يملكون إفرنجة، ويبعثون عمالهم إليها. ودار ~~ملكهم ماردة؛ فكانت عدة ملوكهم سبعة وعشرين ملكا. # ثم ظهر بإشبيلية إشبان؛ وكان رجلا ضعيفا حراثا؛ فوقف به الخضر - عليه ~~السلام! - وهو يحرث؛ فقال له: (إذا غلبت علي إيلياء، فأرفق بأولاد ~~الأنبياء!) فقال له: (كيف يكون هذا، وأنا ضعيف، من غير بيت ملك؟) . فقال ~~له: (يقدر ذلك من قدر في عصاك ما قدر!) . فلما نظر إلى عصاه، إذا بها قد ~~أورقت؛ ففزع. وغاب عنه الخضر. ووقع ذلك نبنفس إشبان؛ فلم يزل يصطنع الرجال ~~حتى علا اسمه، وشاع ذكره، وتغلب على الأندلس؛ فخرج في السفن إلى أيلياء؛ ~~فغنمها وهدمها، وقتل فيها مائة ألف من اليهود، وباع منهم مائة ألف؛ وانتقل ~~رخامها إلى الأندلس. وكان ملكه نحو ms257 عشرين سنة؛ وبعد سنتين من ملكه، غزا ~~إيلياء. ويقال إن إشبان اسمه إصبهان، لأنه ولد بإصبهان؛ فسمى بها، والله ~~أعلم. فعدة ملوكهم خمسة وخمسون ملكا. # ثم دخل القوط الأندلس، وقطع الله ملك رومة منها. وعدة ملوك القوطيين ستة ~~عشر ملكا، آخرهم لذريق، الذي دخل عليه المسلمون. وجعلوا دار ملكهم طليطلة. ~~ووجدت في بعض كتب العجم أن آخر ملوك الأندلس كان يسمى وخشندش، ولم يكن في ~~النصرانية أحكم منه ولا أحسن إصابة PageV02P002 # لسنتهم؛ وعلى سنته أمضت النصرانية أحكامها، وهي الأربعة الأناجبل. التي ~~يحلفون بها وينتهون إلى ما فيها. وقالوا إن لذريق. الذي دخلت عليه العرب ~~والبربر، وثب علي وخشندش هذا وقتله، وغلب على ملك الأندلس، ودانت له طليطلة ~~وغيرها. # وفي كتب العجم: إن رذريق هذا لم يكن من بيت المملكة. وإنما كان زنيما؛ ~~وكان من عمال الملك بقرطبة؛ وقتل وخشندش بعدما خالف عليه. فغير الحكم، ~~وأفسد سنن الملك، وفتح البيت الذي كان فيه التابوت. وكان إذا مات الملك ~~منهم، يكتب اسمه، وكم ولي، ويوضع في ذلك البيت مع تاجه، ولا سبيل بعد عندهم ~~لفتحه. فلما فتحه رذريق، أنكرت النصرانية ذلك عليه. وجعلوا له مثله ذهبا ~~وفضة، ولا يفتحه؛ فلم يقبل ذلك منهم، وعزم على فتحه؛ ففتحه، ووجد في البيت ~~تيجان الملوك وتابوتا فيه صور العرب متنكبة قسيها، وفي رؤوسها عمائمها، ~~وعليها مكتوب: (إذا فتح هذا البيت، وأخرجت هذه الصور، دخل الأندلس قوم في ~~صورهم، فغلبوا عليها!) فلما دخلت العرب والبربر مع طارق، والتقوا برذريق، ~~أسلمته النصرانية، وانهزمت عنه حتى قتل. وكان دخول طارق بعد سنة من ولاية ~~رذريق؛ فقتله طارق بقرطاجنة من كور الجزيرة؛ وافتتح البلاد حتى انتهى طارق ~~إلى طليطلة؛ فوجد بها مائدة سليمان - على نبينا وعليه الصلاة والسلام! - ~~ووجد فيها صور العرب والبربر على خيولهم، وهي الصور التي وضعت على القطر ~~بقرطبة وقيل أيضا إنها طلسمات، كانت العرب قد نصبتها على مساجد الأندلس؛ ~~فنقلها عبد الرحمن بن معاوية إلى القطر بقرطبة. # وهذا القدر كاف هنا من صفة الأندلس وذكر ms258 ملوكها الأولين. PageV02P003 ### | ذكر دخول المسلمين إلى الأندلس وانتزاعها من أيدي الكفار # أما دخول المسلمين لها، فذكر فيه أربعة أقوال: أحدها أن الأندلس، أول من ~~دخلها عبد الله بن نافع بن عبد القيس، وعبد الله بن الحصين الفهريان. من ~~جهة البحر، في زمن عثمان - رضي الله عنه - قال الطبري: أتوها من برها ~~وبحرها؛ ففتحها الله تعالى على المسلين هي وإفرنجة، وازداد في سلطان ~~المسلمين مثل إفريقية؛ ولم يزل أمر الأندلس لإفريقية، حتى كان زمن هشام بن ~~عبد الملك؛ فمنع البربر أرضهم، وبقى من في الأندلس على حالهم. هذا نصه. وإن ~~ذلك كان سنة 27 من الهجرة الكريمة. وثانيها أن موسى بن نصير افتتحها عام ~~91. وهو قول الطبري أيضا. فيظهر منه أنه جاز بنفسه، وتولى هذه الغزوة ~~والفتح. وثالثها أن طريقا دخلها وفتحها في عام 91. ورابعها أن طارقا أول من ~~دخلها، سنة 91، ودخل موسى بعده سنة 92. # فهذا الخلاف واضح في هؤلاء الأربعة مواضع: قيل إن أول من دخلها الفهريان؛ ~~ثم ابن نصير؛ ثم طريف؛ ثم طرايق؛ فظهر من هذا إن الفهريين أثرا فيها في زمن ~~عثمان - رضي الله عنه - وغنما من جهة البحر، وطريفا دخلها سنة 91 مغيرا ~~ومخربا، ونسب فعله إلى موسى بن نصير، نسبة فعل المأمور إلى الآمر؛ فصدق ~~عليه إضافته لموسى، فيكون قول الطبري صادقا؛ وصدق عليه أيضا قول الرازي ~~بأخرى وأولى، وطارق دخلها دخول المستفتح لها، المكافح، سنة 92، وموسى دخلها ~~بعد ذلك متمما للفتح. # وقال عريب: إن العلج يليان، صاحب الجزيرة الخضراء، داخل موسى ابن نصير، ~~صاحب إفريقية، عام 91، على يد طارق بن زياد عامل موسى على طنجة وما والاها؛ ~~فراسل يليان موسى، يزين عنده دخول الأندلس، ويقرب PageV02P004 # له أمرها، وقيل: بل، سار إليه بنفسه في البحر، حتى اجتمع به في ذلك؛ ~~فاستشار موسى الوليد بن عبد الملك، إما مراسلة (وهو الأكثر الأظهر) وإما ~~بأن نهض بنفسه إليه؛ فأشار الوليد بأن يختبرها بالسرايا، ولا يغرر ~~بالمسلمين؛ فبعث موسى بن نصير عند ذلك رجلا من البربر، يسمى طريفا ويكنى ms259 ~~أبا زرعة، في مائة فارس وأربعمائة راجل؛ فجاز في أربعة مراكب، حتى نزل في ~~ساحل البحر بالأندلس، فيما يحاذي طنجة، وهو المعروف اليوم بجزيرة طريف، ~~سميت باسمه لنزوله هنالك؛ فأغار منها على ما يليها إلى جهة الجزيرة ~~الخضراء، وأصاب سبيا ومالا كثيرا، ورجع سالما. وكانت إجازته في شهر رمضان ~~من سنة 91. # وقد اتفق الجميع فيما يظهر على أن متولي كبر فتح الأندلس وجله ومعظمه ~~طارق بن زياد. وقد اختلف في نسبه؛ فالأكثرون على أنه بربري من نفزة، وأنه ~~مولى لموسى بن نصير، من سبى البربر. وقال آخرون إنه فارسي. # قال صالح بن أبي صالح: هو طارق بن زياد بن عبد الله بن رفهو بن ورفجوم بن ~~ينزغاسن بن ولهاص بن يطوفت بن نفزاو، وكأنهم أيضا انفقوا على أن طارقا كان ~~عاملا لموسى، قبل محاولة الأندلس، على المغرب الأقصى، وترك عنده رهائن ~~برابر المغرب في سنة 86 من الهجرة. وقيل أيضا إن طارقا جاز إلى الأندلس ~~برهائن البربر سنة 92. # قال ابن القطان: فالأكثرون يقولون: كان مستقره بطنجة، ومنهم من يقول ~~سجلماسة، وإن سلا وما وراءها من فاس وطنجة وسبتة كانت للنصارى؛ وكانت طنجة ~~ليليان منهم؛ فكان طارق إذا نائبا عن موسى بن نصير. واختلفوا أيضا هنا هل ~~إنما سار إلى الأندلس عن أمر موسى، أو سار إليها لأمر دهمه، لم يمكنه إلا ~~إنفاذه. والقول الأول هو المشهور المتفق عليه. PageV02P005 # قال الرازي عن الواقدي: إن الوليد بن عبد الملك استعمل موسى بن نصير على ~~إفريقية، واستعمل موسى بن نصير طارق بن زياد على طنجة. وكان يليان مجاورا ~~له بالجزيرة الخضراء التي تلي طنجة؛ فداخله طارق حتى صار معه إلى الرضى، ~~ووعده يليان بإدخاله الأندلس هو وجنوده. وكان اجتمع لطارق اثنا عشر ألفا من ~~البربر؛ فأجمع طارق على غزو الأندلس، بعد أن أخذ إذن ابن نصير مولاه في ~~ذلك؛ فكان يليان يحتمل أصحاب طارق في مراكب التجار التي تختلف إلى الأندلس: ~~ولا يشعر أهل الأندلس بذلك، ويظنون أن المراكب تختلف بالتجار. فحمل الناس ms260 ~~فوجا بعد فوج إلى الأندلس. فلما لم يبق إلا فوج واحد، ركب طارق ومن معه، ~~حتى أجاز البحر إلى أصحابه وتخلف يليان بالجزيرة الخضراء، ليكون أطيب لنفسه ~~ونفوس أصحابه. فنزل طارق جبلا من جبال الأندلس، يوم الاثنين لخمس خلون من ~~رجب سنة 92، كما تقدم ذكر ذلك. فسمي ذلك الجبل باسمه إلى اليوم. # وذكر عيسى بن محمد من ولد أبي المهاجر، في كتابه السبب في دخول طارق ~~الأندلس، وهو أن طارقا كان واليا لموسى على طنجة؛ وكان يوما جالسا، إذ نظر ~~إلى مراكب قد طلعت في البحر؛ فلما أرست، خرجوا إليها، فنزعوا ارجلها، ~~وأنزلوا أهلها؛ فقالوا: (إليكم جئنا عامدين!) وعظيمهم معهم يقال له يليان. ~~فقال طارق: (ما جاء بك؟) فقال له (إن أبي مات. فوثب على مملكتنا بطريق يقال ~~له لذريق؛ فأهانني، وأذلني؛ وبلغني أمركم؛ فجئت إليكم أدعوكم إلى الأندلس، ~~وأكون دليلا لكم!) فأجابه طارق إلى ذلك، واستقر اثني عشر ألفا من البربر. ~~فحملهم يليان في المراكب فوجا بعد فوج، كما تقدم ذكره. # وذكر غير هؤلاء أن السبب في ذلك أن طنجة وسبتة والخضراء وتلك النواحي ~~كانت في مملكة صاحب الأندلس، على نحو ما كانت السواحل كلها PageV02P006 # بالعدوة وما قرب منها الروم، يسكنونها، إذ كان البربر يرغبون عن سكنى ~~المدن والقرى، وإنما بغيتهم سكنى الجبال والصحارى، إذ كانوا أصحاب إبل ~~وسائم. وكان النصارى في صلحهم. وكانت السنة في الأندلس في ملوك النصارى أن ~~يستخدموا بني بطارقتهم وكبار رجالهم: فالرجال منهم يخدمون خارجا، والنساء ~~جوار يخدمن داخلا. وها كذا سنتهم إلى اليوم في الرجال خاصة، يخدمون صبيانا ~~يتأدبون بأدبهم. ويتعلمون سنتهم؛ فإذا أدركوا وكبروا، ألحقوا برجالهم ~~وأهليهم. وكان ملك الأندلس من القوطيين يسمى رذريق، قد مد يده إلى ابنة ~~يليان، وكانت عنده؛ فاغتصبها نفسها؛ فأرسلت إلى أبيها، ودست إليه. فلما ~~بلغه ذلك، أحفظه، وكتمه، وارتصد به الأيام، ونصب له الغوائل، حتى كان من ~~دخول العرب المغرب ما كان. وأرسل رذريق إلى يليان في بزاة وطيور وغيرها، ~~فأرسل إليه: (لأوردن عليم طيرا لم ms261 تسمع قط بمثلها) ، وهو ينوي الغدر به؛ ~~فحينئذ دعا طارقا إلى ما كان من جواز البحر. # واختلفت الروايات في قتال طارق أهل الأندلس. فقيل إن رذريق زحف إلى طارق ~~بجميع أهل القوة من أهل مملكته بنفسه، وهو على سرير ملكه على بغلين ~~يحملانه، وعليه تاجه وجميع الحلية التي كانت تلبسها الملوك، حتى انتهوا إلى ~~الجبل الذي فيه طارق. فخرج إليهم طارق بجميع أصحابه رجالة، ليس فيهم راكب ~~إلا القليل؛ فاقتتلوا قتالا شديدا حتى ظنوا أنه الفناء. ثم صرف الله وجوه ~~أعدائه؛ فانهزموا؛ وأدرك رذريق؛ فقتل في وادي الطين. ومضى حتى دخل قرطبة. ~~وفتح الله الأندلس على المسلمين. هكذا ذكر عيسى في كتابه. # وذكر الواقدي أنهم اقتتلوا من حين طلعت الشمس إلى أن غربت؛ فلم تكن قط ~~بالمغرب مقتلة أعظم منها، بقيت عظامهم في المعركة دهرا طويلا لم تذهب. # وذكر الواقدي أيضا، عن عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، قال: سمعت PageV02P007 # رجلا من أهل الأندلس يحدث سعيد بن المسيب ويذكر له قصتهم. فقال: (لم يرفع ~~المسلمون السيف عنهم ثلاثة أيام، حتى أوطئوهم غلبة.) ثم ارتحل المسلمون إلى ~~قرطبة، وهي مدينة الأندلس التي كان بها رذريق؛ وبينها وبين الساحل مسيرة ~~خمسة أيام. وكان سلطان رذريق إلى ازيونة ثغر الأندلس، وهي إذ ذاك أقصى ~~مملكة الأندلس. مما يلي إفرنجة؛ ومن أرثونة إلى قرطبة ألف ميل. وكان الذي ~~أصابه طارق ومن معه من السبي، في أول فتح لهم، عشرة آلاف رأس؛ وكان سهمانهم ~~من الذهب والفضة لكل واحد من الرجال مائتا دينار وخمسون دينارا. # وذكر الرازي أنه، لما بلغ رذريق خبر طارق ومن معه، ومكانهم الذي هم فيه، ~~بعض إليهم الجيوش جيشا بعد جيش؛ وكان قد قود على أحدهم ابن أخت له يسمى ~~بنج، وكان أكبر رجاله؛ فكانوا عند كل لقاء يهزمون ويقتلون؛ وقتل بنج، وهزم ~~عسكره؛ فقوى المسلمون، وركب الرجالة الخيل، وانتشروا بناحيتهم التي جازوا ~~بها؛ ثم زحف رذريق إليهم بجميع عساكره ورجاله وأهل مملكته، وهو على سرير ~~ملكه كما تقدم. فلما انتهى ms262 إلى الموضع الذي فيه طارق، خرج إليه؛ فاقتتلوا ~~على وادي لكه من كورة شذونة يومهم ذلك، وهو يوم الأحد لليلتين بقيتا من ~~رمضان، من حين بزغت الشمس إلى أن توارت بالحجاب؛ ثم أصبحوا يوم الاثنين على ~~الحرب، حتى إلى المساء. وتمادت أيامهم كذلك إلى يوم الأحد الثاني؛ فتمت ~~ثمانية أيام. وقتل الله رذريق ومن معه، وفتح للمسلمين الأندلس، ولم يعرف ~~لرذريق موضع، ولا وجدت له جثة، وإنما وجد له خف مفضض؛ فقالوا إنه غريق، ~~وقالوا إنه قتل؛ والله أعلم. # ثم تحرك طارق إلى مضيق الجزيرة؛ ثم نهض إلى مدينة إسنجة؛ فوجد فيها فل ~~العسكر؛ فقاتلوه فتالا شديدا، حتى كثر القتل والجراح في المسلمين؛ ثم نصرهم ~~الله، وقطع دعوة العجمة، وقذف الله الرعب في قلوب المشركين، إذ PageV02P008 # تقحم عليهم البلاد؛ فهرب أكثرهم إلى مدينة طليطلة، وتركوا مدائن الأندلس ~~وراءهم قليلة الأهل. # وقدم يليان على طارق من الخضراء مشتقره؛ فقال له: (قد فتحت الأندلس؛ فخذ ~~من أصحابي أدلاء، ففرق معهم جيوشك وسر أنت إلى مدينة طليطلة!) ففرق جيوشه ~~من إسنجة. ### | ذكر ما افتتح طارق بن زياد من بلاد الأندلس سنة 92 من الهجرة # أول فتوحاته جبل الفتح المسمى بجبل طارق، وذلك لما جار المسلمون ونزلوا ~~في المرسى، وهم عرب وبربر، حاولوا الطلوع في الجبل، وهو حجارة حرش؛ فوطئوا ~~الدواب بالبراذع وطلعوا عليها؛ فلما حصلوا في الجبل، بنوا سورا على أنفسهم ~~يسمى سور العرب. وقيل إنهم فتحوا من حينهم حصن قرطاجنة، وكان في سفح هذا ~~الجبل من نظر الجزيرة الخضراء. فلما بلغ ذلك ملوك الأندلس، نفروا إلى ~~رذريق، وكان جبارا طاغية؛ فاستقر النصرانية. فقيل إنه بعث إلى المسلمين ~~الجيش بعثا بعد بعث؛ فكانوا عند كل لقاء يهزمون ويقتلون. فقوى المسلمون، ~~وركب رجالهم، وانتشروا في البلاد. وبعد هذا زاحفهم رذريق بنفسه. وقال آخرون ~~بل زاحفهم لأول مرة بنفسه. ثم اختلفوا أيضا كم أيام المزاحفة التي أعقبها ~~الفتج وانهزم آخرها رذريق؛ فقيل: يوم كامل، وقيل: يومان، وقيل: ثلاثة، ~~وقيل: ثمانية؛ واختلفوا هل ظفر برأس رذريق ms263 أم لا؛ فقيل: ظفر به، وقيل: مات ~~غريقا. ### | فتح قرطبة # بعث طارق مغيثا، مولى عبد الملك بن مروان، من لإسنجة إلى قرطبة في ~~سبعمائة فارس، وهي من مدنهم العظام؛ ولم يكن معه راجل إذ كان الرجال PageV02P009 # قد ركبوا. فلما بلغ مغيث شقندة وقرية طرسيل، وهي على ثلاثة أميال من ~~قرطبة، بعث الأدلاء كي يلقون من عنده خبر؛ فألقوا راعي غنم، فأتوا به إلى ~~مغيث، وهو في الغيضة؛ فسأله عن قرطبة؛ فقال له: (انتقل. عنها عظماء أهلها، ~~ولم يبق فيها إلا بطريقها في أربعمائة فارس من حماتهم مع ضعفاء أهلها.) ثم ~~سأله عن حصانة سورها؛ فأخبره أنه حصين، إلا أن فيه ثغرة فوق باب الصورة، ~~وهو باب القنطرة، ووصف لهم الثغرة. # فلما جن الليل، تحرك مغيث بمن معه، وعبروا النهر، وقابلوا السور، وراموا ~~التعلق به؛ فتعذر عليهم؛ فرجعوا إلى الراعي، وأتوا به معهم؛ فدلهم على ~~الثغرة؛ فراموا التعلق بها؛ فصعب عليهم، حتى صعد رجل من المسلمين في ~~دروتها، ونزع مغيث عمامته، فناوله طرفها، وارتقوا بها حتى كثروا بالسور؛ ثم ~~جاء مغيث إلى باب القنطرة، وهي يومئذ مهدومة، وأمر أصحابه بالحوم على أحراس ~~السور، فكسروا الأقفال، ودخل مغيث بمن معه. فلما بلغ الملك الذي بها ~~دخولهم. خرج في كماة أصحابه، وهم نحو الأربعمائة؛ فدخلوا كنيسة بغربي ~~المدينة؛ فتحصنوا فيها؛ فحاصرهم مغيث، وكتب إلى طارق بالفتح. وتمادى على ~~حصار العلوج في الكنيسة المذكورة ثلاثة أشهر. فبينا هو ذات يوم جالس إذ قيل ~~له: (خرج العلج - يعني الملك - هاربا وحده، وهو ينوي التحصين في جبل قرطبة، ~~ليلحق به أصحابه!) فأتبعه مغيث وحده دون أحد من أصحابه؛ فلما برز له وأبصره ~~هاربا، وتحته فرس أصفر، وهو يتبعه، خرج من طريقه؛ فأتى خندقا؛ فوثب به ~~الفرس، وسقط في الخندق، واندقت عنقه؛ فأقبل مغيث، والعلج جالس على ترسه ~~مستأسرا؛ فأسره. ولم يؤسر من ملوك الأندلس غيره، لأن منهم من عقد لنفسه ~~أمانا، ومنهم من هرب إلى أقاصي البلاد مثل حليفية وغيرها. ورجع مغيث إلى ~~بقية العلوج؛ فاستنزلهم ms264 أسرا، وضربت أعناقهم صبرا؛ وسميت كنيسة الأسرى. ~~وأبقى العلج صاحب قرطبة، ليقدم به على أمير المؤمنين. PageV02P010 ### | فتح مالقة # بعث إليها طارق من إسنجة جيشا، وقود عليه قائدا، وجعل معه ودليلا من رجال ~~يليان؛ فاستفتحها وجميع أعمال ربه. ولجأ علوجها إلى جبال ربه الشامخة ~~المنيعة. ### | فتح غرناطة قاعدة البيزة # بعث إليها طارق الجيش من إسنجة؛ فحاصرها حتى افتتحها ### | فتح مرسية # ثم تقدم هذا الجيش بعد فتح إغرناطة إلى تدمير، وهي مرسية، وإنما سميت ~~تدمير باسم العلج صاحبها؛ وكان اسمها أوربولة، وهي كانت مدينتها القديمة. ~~فقاتل العلج تدمير المسلمين قتالا شديدا؛ وكان في قوضة. ثم انهزم في فحص لا ~~يسترهم شيء؛ فوضع المسلمين فيهم السلاح حتى أفنوهم؛ ولجأ من بقى منهم إلى ~~مدينة أربولة. وكان تدمير بصيرا بأبواب الحرب؛ فلما رأى قلة من معه من ~~أصحابه، أمر النساء؛ فنشرن شعورهن، وأعطاهن القصب، ووقفن على سور المدينة، ~~ووقف معهن بقية الرجال. ثم قصد بنفسه إلى جيش المسلمين كهيئة الرسول، ~~واستأمن؛ فأمن وانعقد له الصلح ولأهل بلده؛ فافتتحت مدينة تدمير صلحا. فلما ~~انعقد الصلح وتم، أبرز لهم نفسه وقال: (أنا تدمير صاحب المدينة.) ثم أدخلهم ~~البلد؛ فلم يروا فيه أحدا عنده مدفع؛ فندم المسلمون وأمضوا على ما أعطوه من ~~الأمان؛ وكتبوا بالفتح إلى الأمير طارق؛ وأقام بتدمير رجال من أهل العسكر، ~~وصاروا مع أهلها؛ وتقدم معظم الجيش إلى طليطلة؛ فلحق بطارق، وهو عليها. PageV02P011 ### | فتح طليطلة # وألقى طارق طليطلة خالية، ليس فيها إلا اليهود في قوم قلة، وفر علجها مع ~~أصحابه، ولحق بمدينة خلف الجبل. وتبعهم طارق، بعد أن ضم اليهود، وخلى معهم ~~بعض رجالة وأصحابه بطليطلة؛ فسلك إلى وادي الحجارة؛ ثم استقبل الجبل؛ فقطعه ~~من فج يسمى به إلى اليوم؛ فبلغ مدينة خلف الجبل، تسمى مدينة المائدة. # ثم فتح مدينة المائدة؛ فوجد فيها مائدة سليمان بن داود - عليهما السلام! ~~وكانت من زبرجدة خضراء، حافاتها وأرجلها منها؛ وأصاب بها مالا وحليا كثيرا؛ ~~ثم انصرف إلى طليطلة. هكذا آثر الناس هذا كله، على أن طارقا صنعه. ms265 وقال ~~آخرون: بل، أقام طارق حيث كانت الوقعة، وجاز إليه موسى. وقيل: بل، وجده ~~بقرطبة. # وفي سنة 92 من الهجرة، دخل موسى بن نصير الأندلس في رمضان، بعد دخول طارق ~~بسنة، ومضى غازيا فيها، مفتتحا لحصونها هذه السنة وسنة أربع وبعض سنة خمس؛ ~~فافتتح جميع حصونها، وهزم جميع من لقيه من أمرائها؛ فلم يلق كيدا من أحد، ~~ولا انهزمت له راية، حتى انتهى إلى مدينة من مدن إفرنجة، يقال لها لوطون، ~~وقد ملك ما سواها ودونها إلى أقصى برسلونة. فلما انتهى إلى مدينة لوطون، ~~ضاق المسلمون، وخافوا أن يحاط بهم؛ فكلموه في ذلك؛ فقفل بهم راجعا. قال ~~مؤلف (كتاب بهجة النفس) : ورأيت في بعض كتب العجم أن المسلمين انتهوا إلى ~~مدينة لوطون قاعدة الإفرنج، ولم يبق لأهل الإسلام شيء لم يتغلبوا عليه مما ~~وراء ذلك، إلا جبال قرقوشة وجبال بنبلونة وصخرة حليقية؛ فأما الصخرة، فلم ~~يبق فيها مع ملك حليقية سوى ثلاثمائة رجل، PageV02P012 # تلفوا بالموت والجوع والحصار؛ فلما لم يبق منهم إلا ثلاثمائة رجل، ورأى ~~ذلك المرتبون معهم على حصارهم، استقلوهم؛ فتركوهم؛ فلم يزالوا يزدادون حتى ~~كانوا سبب إخراج المسلمين من حليقية، وهي قشتيلة. وأما قرقوشة، فذكر عبد ~~الملك ابن حبيب أنها افتتحت في زمن هشام بن عبد الملك صلحا. وكان الافتتاح ~~كما ذكرته في بقية سنة 92 وبعض سنة 93 من الهجرة. # وكان السبب في جواز موسى بن نصير إلى الأندلس أنه أغرى بطارق عبده. وذكر ~~له ما أفاء الله عليه؛ فكتب له موسى بأقبح السب، وأمره ألا يتجاوز قرطبة، ~~حتى يقدم عليه. قال ابن القطان: قيل: إنما حمله على الجواز للأندلس تعدى ~~طارق ما أمره به ألا يتعدى قرطبة، على قول، أو موضع هزيمة لذريق، على قول. ~~وقيل أيضا: إنما حمله على ذلك الحسد لطارق على ما أصاب من الفتوح والغنائم. ~~وقيل أيضا: إنما جاز باستدعاء طارق اياه؛ فكان جوازه في رمضان، كما تقدم. # قال الرازي: وحدث الواقدي عن موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، قال: خرج ms266 ~~موسى بن نصير في عشرة آلاف من إفريقية، مغضبا على طارق، وتقدم يريد ~~الأندلس؛ فدخلها ونزل الجزيرة. فقيل له: (أسلك طريق طارق!) فقال: (لا، ~~والله، أسلك طريقه!) فقال له الأدلاء من الأعلاج: (نحن ندلك على طريق هي ~~أشرف من طريقه، وعلى مدائن هي أعظم خطرا من مدائنه، لم تفتح، يفتحها الله ~~على يديك إن شاء الله!) فامتلأ موسى سرورا؛ فساروا به إلى مدينة شذونة؛ ~~فافتتحها عنوة؛ وهي أول فتوحاته. ### | فتح قرمونة # ونهض موسى مع أدلائه من شذونة إلى قرمونة؛ ولم يكن بالأندلس أحصن منها ~~ولا أبعد من أن تنال بحصار أو قتال. فسأل موسى عن أمرها؛ فقيل له: (لا تؤخذ ~~إلا باللطف والحيل!) فقدم إليها علوجا كانوا من أصحاب يليان PageV02P013 # وغيرهم؛ فأتوهم في هيئة المنهزمين، ومعهم السلاح؛ فأدخلوهم المدينة؛ فلما ~~علم موسى بدخولهم، بعث الخيل إليهم ليلا؛ ففتحوا لهم باب المدينة، وهو ~~الباب المعروف بباب قرطبة؛ فوثبوا على الأحراس؛ فقتلوهم. ودخل المسلمون ~~المدينة عنوة. ### | فتح إشبيلية # لما فتح موسى قرمونة، تقدم إلى إشبيلية، وهي من أعظم قواعد الأندلس شأنا، ~~وأتقنها بنيانا، وأكثرها آثارا. وكانت دار ملك روم رومة قبل غلبة القوطيين ~~على الأندلس؛ فلما غلب القوطيون عليها، استوطنوا طليطلة، وأقروا بها ملكهم؛ ~~وبقى بمدينة إشبيلية علماء أهل رومة وكتابهم ورؤساؤهم. فاحتل بها موسى بن ~~نصير، وحاصرها أشهرا؛ ففتحها الله عليه، وهرب منها علوجها إلى مدينة باجة. ### | فتح ماردة # وتقدم موسى إلى مدينة ماردة؛ وكانت دار ملك في سالف الأيام. وكانت فيها ~~آثار عجيبة، وقنطرة، وقصور، وكنائس، تفوق وصف الناظرين؛ وهي إحدى القواعد ~~الأربع بالأندلس التي ابتناها أكتبيان قيصر. وهي قرطبة، وإشبيلية، وماردة، ~~وطليطلة. فخرج أهلها إلى حربه نحو الميل منها؛ فحاربهم حتى صرفهم إلى ~~المدينة. فلما انجلت الحرب، وكف عن القتال، طاف موسى بالمدينة؛ فرأى نقبا ~~كان لمقاطع الصخر؛ فكمن فيه الرجال ليلا. فلما أصبح، زحف إليهم؛ فخرجوا ~~كخروجهم في اليوم قبله؛ فخرج عليهم الكمين وزحف إليهم المسلمون؛ فركبوهم؛ ~~فقتلوا أبرح قتل، ولجأ من بقى منهم إلى المدينة؛ فحاصرهم أشهرا، ms267 حتى عمل ~~دبابة؛ فدب المسلمون تحتها إلى برج من أبراجها؛ فنقبوا صخرة؛ فلما نزعوها، ~~أفضوا إلى صخرة صماء نبت المعاول عنها ويئسوا منها؛ فبينا هم يضربون عليها، ~~إذ استثار العلوج عليهم؛ فاستشهد المسلمون تحت الدبابة. فسمى ذلك البرج PageV02P014 # برج الشهداء، وبه يعرف إلى اليوم؛ فحميت عند ذلك نفوس العلوج، وثابت ~~إليهم أنفسهم. ثم خرجت إليهم رسل، وتعرضت للصلح؛ فساروا إلى موسى؛ فرأوا ~~رجلا أبيض الرأس واللحية؛ فكلموه بما لم يوافقهم عليه ولم يرضه؛ فرجعوا ~~عنه، ولم يعقدوا شيئا؛ ثم عاودوه يوما آخر؛ فألفوه قد حمر رأسه ولحيته ~~بالحناء؛ فعجبوا منه، وراعهم ما رأوه؛ ولم يتم لهم أمر؛ ثم عاودوا إليه في ~~اليوم الثالث، وذلك يوم عيد الفطر؛ فألقوه قد سود رأسه ولحيته؛ فرجعوا إلى ~~المدينة، وقالوا لمن فيها: (ويحكم! إنها تقاتلون أنبياء يتشببون بعد ~~المشيب! قد عاد ملكهم حدثا بعد أن كان شيخا!) فقالوا!: (اذهبوا إليه وأعطوه ~~ما سألكم!) فوصلوا إليه، وصالحوه، وانعقد أمرهم على أن جميع أموال القتلى ~~يوم الكمين وأموال الغائبين بجليقية وأموال الكنائس، ذلك كله للمسلمين. ثم ~~فتحوا له الباب من يومهم ذلك، وهو مستهل شوال من سنة 94 من الهجرة. ### | فتح إشبيلية ثانية # وذلك، لما اشتغل موسى بن نصير بحصار ماردة، ثار عجم إشبيلية، وارتدوا، ~~وقاموا على من كان فيها من المسلمين. وتجالب فلهم إليهم من مدينتي ليلة ~~وباجة؛ فقتلوا من المسلمين نحو ثمانين رجلا. وبلغ الخبر بذلك إلى موسى بن ~~نصير؛ فلما استتم فتح ماردة، بعض ابنه عبد العزيز بجيش إلى إشبيلية؛ ~~فافتتحها، وقتل أهلها. ### | فتح لبلة # لما استتم فتح إشبيلية، تقدم عبد العزيز بن موسى بجيشه إلى لبلة؛ ~~فافتتحها، وانصرف إلى إشبيلية؛ فدخلها أيضا. PageV02P015 ### | ذكر اجتماع الأمير أبي عبد الرحمن موسى بن نصير مع مولاه طارق بن زياد على طليطلة # اتفق الأكثرون على أن التقاءهما كان على طليطلة. وذكر الطبري أنه كان على ~~قرطبة. وذكر الرازي أن طارقا خرج من طليطلة لما بلغه مسيره إليه، فلقبه ~~بمقربة من طلبيرة. وكان موسى، لما فرغ من ms268 أمر ماردة، نهض يريد طليطلة؛ فخرج ~~إليه طارق معظما له، ومبادرا لطاعته؛ فوبخه موسى، وغضب عليه. وقيل إنه وضع ~~السوط على رأسه؛ وقيل إنه ضربه أسواطا كثيرة وحلق رأسه. ثم سار به إلى ~~طليطلة، وقال له: (ايتني بما أصبت وبالمائدة!) فأتاه بها، وقد اقتلع رجلا ~~من أرجلها؛ فقال له: (أين الرجل؟) فقال له: (هكذا وجدتها!) فأمر موسى؛ فعمل ~~لها رجل من ذهب، وأدخلها في سفط. # واختلفت الروايات لم فعل موسى مع طارق ما فعل من السخط عليه؛ فقيل: إنما ~~فعل ذلك بغيا ونفاسة عليه؛ واستدلوا على ذلك بادعائه خصال طارق وأخذ ~~المائدة عند الخليفة. ومنهم من عذره وقال: إنما فعل ذلك به لتقدمه دون ~~رأيه، وهو مولاه، وعلى توغله بالمسلمين، وتغريره بهم. واتصل بهذا في كتاب ~~الرازي أن الوليد بعث إلى موسى رسولا؛ فأخذ بعنان دابته، وأخرجه من الأ، ~~دلس، ومعه طارق ومغيث. وخلف ابنه على الأندلس، وأبقى معه وزيرا حبيب بن أبي ~~عبدة بن عقبة بن نافع. # ولما التقى موسى بطارق، وجرى له معه ما جرى، تقدم من طليطلة إلى سرقسطة؛ ~~فافتتحها، وافتتح ما حولها من الحصون والمعاقل. وذكروا أن موسى خرج من ~~طليطلة غازيا، بفتح المدائن، حتى دانت له الأندلس. وجاءه أهل حليقية يطلبون ~~الصلح؛ فصالحهم. وفتح بلاد البشكنش، وأوغل في بلادهم حتى أتى قوما ~~كالبهائم. وغزا بلاد الإفرنج. ثم مال حتى انتهى إلى سرقسطة؛ PageV02P016 # فأصاب فيها ما لا يعرف قدره. وبين سرقسطة وقرطبة مسيرة نحو شهر. وافتتح ~~هنالك حصونا كثيرة. وكانت أساقفة الروم تجد صفة موسى في كتبهم؛ فإذا رأوه، ~~قالوا: (هو، والله!) فأعطوه المعقل. ولم يهزم له جمع قط. # وقال يوسف بن هشام: انتهى موسى إلى صنم؛ فوجد في صدره مكتوبا: (يا بني ~~إسماعيل! فإلى هنا منتهاكم! وإن سألتم إلى ماذا ترجعون، أخبرناكم: ترجعون ~~إلى اختلاف ذات بينكم، حتى يضرب بعضكم رقاب بعض، وقد فعلتم.) قال الليث: ~~ولقد جاء رجل إلى موسى بن نصير؛ فقال له: (ابعث معي أدلك على كنز!) فبعث ~~معه رجالا؛ فوقف بهم ms269 على موضع؛ فقال: (اكشفوا عن هذا!) فكشفوا؛ فإذا حوض ~~مترع من الياقوت والجوهر والزبرجد ما لم تر عين مثله قط؛ فلما رأوا ذلك، ~~بهتوا وأرسلوا إلى موسى ليحضر. ### | ذكر ما أفاء الله على فاتحي الأندلس # من ذلك مائدة سليمان - عليه السلام! - قيل إنها كانت من ذهب وفضة خليطين، ~~مطوقة بثلاثة أطواق: طوق لؤلؤ، وطوق ياقوت، وطوق زبرجد، وإنها حملت على بغل ~~عظيم لا بغل أقوى منه؛ فما بلغ بها مرحلة حتى تفتحت قوائمه؛ ومنها ياقوته ~~ذي القرنين وجدها بماردة؛ ومنها البيتان اللتان فتح في طليطلة، وجد في ~~إحداهما أربعة وعشرون تاجا عدد ملوكهم، لا يدري ما قيمة تاج منها، وعلى كل ~~تاج اسم صاحبه ومبلغ سنه؛ وفيه وجدت المائدة؛ وكان السبب في حصولها بطليطلة ~~أن ملك الروم، لما زحف إلى بيت المقدس ليقاتل بني إسرائيل، أخذ بلادهم وسبى ~~ما فيها، ووجد فيها مكارم الأنبياء - عليهم PageV02P017 # السلام! - منها عصا آدم، والتابوت الذي فيه بقية مما ترك آل موسى وآل ~~هارون، وعصا موسى ونعلاه، ومائدة سليمان، وهي من ذهب، قد كلل أعلاها ~~وأسفلها بالدر والياقوت. فحمل جميع ذلك إلى رومة. فلما مر ملك الروم بمصر، ~~رغب إليه أهلها أن يجعلها عندهم يتبركون بها، وقالوا له: (رومة تبعد عنا!) ~~وكانوا قد أمدوه، وقاتلوا معه بني إسرائيل؛ فطلبوا منه شيئا من تلك ~~المكارم؛ فدفع لهم المائدة؛ فحملتها الأساقفة إلى الإسكندرية. فلما غزا ~~عمرو بن العاصي بمصر، هربوا بها إلى مدينة إطرابلس. فلما نزل عمرو بن ~~العاصي برقة، هربوا بها إلى مدينة قرطاجنة. فلما دخل المسلمون طنجة، هربوا ~~بها إلى مدينة طليطلة، ولم يكن لهم أمتع منها؛ ولا وجدوا حيث يهربون بها ~~بعدها. # قال أبو شبة الصدفي: لقد نظرت إلى رجلين يحملان طنفسة منسوجة بالذهب ~~والفضة واللؤلؤ؛ فلما ثقلت عليهما، أنزلاها؛ ثم حملا عليها الفأس؛ فقطعاها ~~بنصفين؛ فأخذا نصفا، وتركا نصفا. فلقد رأيت الناس يمرون على نصفها؛ فلا ~~يلتفتون إليه اشتغالا بما في أيديهم مما هو أرفع منها. # وحدث عبد الحميد عن أبيه، قال: قدمت ms270 الأندلس امرأة عطارة؛ فخرجت منها ~~خمسمائة رأس من السبي؛ فأما ما خرجت به من الذهب والفضة والجوهر والآنية، ~~فذلك ما لا يحاط بعلمه. قال: وقدم علينا شيخ من المدينة، جيد التجربة ~~واللسان؛ فجعل يحدثنا عن الأندلس؛ فقلت له: (كيف علمت هذا؟) قال: (لأني، ~~والله! كنت ممن اشترى بها بحبات فلفل أقل من القبضة ما يساوي عددا) . # وأقام موسى بالأندلس سنتين وشهرا؛ ثم رجع إلى إفريقية، وتحته بغل أشهب ~~يسمى الكوكب. ولما انصرف عن قرطبة متوجها نحو إفريقية، حول وجهه إلى قرطبة؛ ~~فقال: (واها لك! يا قرطبة! ما أطيب تربتك، وأشرف بقعتك، وأعجب أمرك! ولعنك ~~الله بعد الثلاثمائة سنة!) ثم مضى حتى وصل الخضراء، وأمر بالعجل؛ فحملت ~~الذهب والفضة والجوهر والمتاع وأصناف متاع PageV02P018 # الأندلس. وكان دخول موسى الأندلس سنة 92، وهو ابن ستين سنة، وأقام واليا ~~بإفريقية ست عشرة سنة، وقفل منها سنة 95. ### | أخبار الأمير أبي عبد الرحمن موسى بن نصير رحمه الله تعالى # لما دخل موسى إفريقية، وجدها قد قحطت قحطا شديدا؛ فأمر الناس بالصيام ~~والخروج إلى المصلى، الرجال على حدة، والنساء على حدة، والصبيان على حدة، ~~وكذلك جميع البهائم مع أصنافها. فاجتمعوا في موضع واحد، ودعا الله تعالى، ~~ودعا الناس معه، وبكى، وبكوا، وبكى الصبيان والنساء، وصاحت البقر والعجل ~~والغنم والخرفان وأهل الذمة. فأقاموا كذلك حتى انتصف النهار. ثم خطب الناس؛ ~~فلم يلبث أن سقوا سقا شافيا. # وخرج موسى من إفريقية، واستخلف عليها عبد الله ابنه. وحمل موسى معه من ~~إفريقية من وجوه البربر مائة رجل وعشرين ملكا من ملوك الروم؛ فخرجوا معه ~~بأصناف ما كان في كل بلد من طرائفها وذهبها وفضتها وجوهرها وياقوتها، ما لا ~~يحصى ولا سمع بمثله، حتى انتهى إلى مصر؛ فلم يبق بها شريف، ولا فقيه، ولا ~~عظيم، إلا ودفع إلى سليمان بن عبد الملك عشرة آلاف دينار. ثم خرج من مصر؛ ~~فتوجه إلى فلسطين؛ فتلقاه آل روح بن زنباع الجذامي؛ فنزل بهم؛ فنحروا خمسين ~~جملا. ثم خرج من عندهم، وترك بعض أصحابه وصغار ولده ms271 عندهم، وأفرغ على آل ~~روح بن زنباع كثيرا من الكسي والوصائف والوصفات، وغير ذلك من الأموال. # وكان موسى، قبل خروجه من المغرب، قدم عليه ولده مروان من السوس الأقصى، ~~وهو يجر الدنيا جرا. ولما وصل رسوله إلى أبيه، يعلمه به وبما يأتي به من ~~السبي، خرج إليه في وجوه الناس يتلقاه؛ فلما التقيا، قال مروان بن موسى: ~~(مروا لكل من يلقاني مع أبي بوصيفة وصيفة!) فلما أمر بذلك، سمع موسى PageV02P019 # صياح الناس وضجيجهم، ورأى حركاتهم؛ فقال: (ما هذا؟) فقالوا: (ابنك مروان ~~أمر للناس بوصيفة وصيفة!) فقال لهم: (مروا لهم انتم بوصيف وصيف!) فانصرفوا ~~الناس كلهم، ومع كل واحد منهم وصيف ووصيفة. # وكان الوليد بن عبد الملك مرض مرضه الذي مات منه. وكتب إلى موسى يأمره ~~بشد السير إليه ليدركه قبل الموت. وكتب إليه سليمان أن يبطؤ في سيره. فعمل ~~موسى بكتاب الوليد، ولم يعمل بكتاب سليمان، وجد في شيره. فغضب عليه سليمان، ~~وقال: (والله! لئن ظفرت به، لأصلبنه!) وكان سبب أمر الوليد لموسى بالعجلة ~~ليحرم سليمان ما جاء به؛ وكان أمر سليمان له بترك الاستعجال ليحرم الوليد ~~وولده ما جاء به. فقدم موسى قبل موت الوليد وأتاه بالطرائف من الدر ~~والياقوت والزبرجد، والوصفاء والوصائف، ومائدة سليمان، والتيجان المكللة ~~لدر والياقوت. فاستغرب الوليد ذلك، وأمر بمائدة سليمان؛ فكسرت، وعمد إلى ~~أرفع ما كان فيها من الجوهر وكل ما كان في التيجان وغيرها؛ فجعله في بيت ~~المال. ثم لم يلبث أن مات وأفضت الخلافة إلى سليمان أخيه؛ فبعث في موسى؛ ~~فعنفه بلسانه، وقال: (والله لأفلن غربك! ولأفرقن جمعك! ولأصغرن من قدرك!) ~~فقال موسى: (أما قولك تفل من غربي وتخفض من قدري، فإن ذلك بيد الله، وإلى ~~الله لا إليك! وبه أستعين عليك!) فأمر به سليمان؛ فوقف في يوم صائف شديد ~~الحر؛ وكان موسى رجلا ضخما، بادنا، ذا نسمة؛ فوقف حتى سقط مغشيا عليه؛ فنظر ~~شليمان إلى عمر ابن عبد العزيز - رضي الله عنه -؛ فقال له: (يا أبا حفص! ما ~~أراني إلا وقد ms272 بررت في يميني وخرجت عنه!) فقال عمر: (أجل! يا أمير ~~المؤمنين!) فقال سليمان: (من يضمه إليه؟) فقام يزيد بن المهلب؛ فقال (أنا ~~يا أمير المؤمنين أضمه إلي!) قال: (فضمه إليك ولا تضيق عليه!) فانصرف يزيد، ~~وقدم PageV02P020 # إليه دابة؛ فركبها موسى، وأقام عنده أياما حتى حسن ما بينه وبين سليمان ~~وافتدى منه موسى بمال كثير، قيل: ألف ألف دينار، وقيل غير ذاك. ثم إن يزيد ~~بن المهلب سهر ليلة عند موسى؛ فقال له: (يا أبا عبد الرحمن! في كم كنت تعتد ~~من مواليك وأهل بيتك؟) فقال له موسى: (في كثير!) فقال يزيد: (يكونون ألفا؟) ~~فقال له موسى: (ألف وألف وألف إلى منقطع النفس!) فقال له يزيد: (كنت على ما ~~وصفت، وألقيت بيدك إلى التهلكة! أفلا أقمت في قرار عزك وموضع سلطانك، ~~وامتنعت بما قدمت به؟ فإن أعطيت الرضى، وإلا كنت على عزك وسلطانك!) فقال ~~له: (والله! لو أردت ذلك، لما نالوا من أطرافي طرفا! ولكني آثرت الله ~~ورسوله! ولم أر الخروج عن الطاعة والجماعة!) وذكر أن سليمان قال لموسى: (ما ~~الذي كنت تفزع إليه عند حروبك ومباشرة عدوك؟) قال: (كنت أفزع إلى التضرع ~~والدعاء والصبر عند اللقاء!) قال: (فأي الخيل رأيتها في تلك البلاد أسبق؟) ~~قال: (الشقر!) قال: (فأي الأمم كانوا أشد قتالا؟) قال: (هم أكثر من أن ~~أصفهم!) قال: أخبرني عن الروم!) قال: (أسد في حصونهم، عقبان على خيولهم، ~~نساء في مواكبهم، إن رأوا فرصة انتهزوها، وإن رأوا غلبة، فأوعال تذهب في ~~الجبال، لا يرون الهزيمة عارا.) قال: (فأخبرني عن البربرا) قال: (هم أشبه ~~العجم بالعرب لقاء ونجدة وصبرا وفروسية، غير أنهم أغدر الناس، لا وفاء لهم ~~ولا عهدا!) قال: (فأخبرني عن الأندلس!) قال: (ملوك مترفون، وفرسان لا ~~يخيبون.) قال: فأخبرني عن الإفرنج!) قال: (هناك العدد والعدة، والجلد ~~والشدة، والبأس والنجدة!) قال: (فأخبرني كيف كانت الحرب بينك وبينهم: أكانت ~~لك أو عليك؟) فقال: (أما هذا، فوالله! ما هزمت لي راية قط، ولا بدد جمعي، ~~ولا نكب المسلمون معي، منذ اقتحمت ms273 الأربعين إلى أن بلغت الثمانين!) فضحك ~~سليمان، وعجب من قوله. ثم دعا سليمان بطست PageV02P021 # من ذهب؛ فجعل يردد بصره فيه؛ فقال له موسى: (إنك لتعجب من غير عجب! واله! ~~ما أحسب أن فيه عشرة آلاف دينار والله! لقد بعثت إلى أخيك الوليد بشنور من ~~زبرجد أخضر، كان يصب فيه اللبن، فيخضر وترى فيه الشعرة البيضاء؛ ولقد قوم ~~بمائة ألف مثقال، وإنه لمن أدنى ما بعثت به إليه! ولقد أصبت كذا وأصبت ~~كذا!) وجعل يعدد ما أصاب من الدر والياقوت والزبرجد، حتى بهت سليمان من ~~قوله. # وخرج سليمان يوما يتصيد، ومعه موسى بن نصير؛ فمر في منية له بذود غنم ~~يكون فيها نحو ألف شاة؛ فالتقت إلى موسى، وقال له: (هل كان لك مثل هذا؟؟ ~~فضحك موسى وقال: (والله! لقد رأيت لأدنى موالي أضعاف هذا! فقال سليمان: ~~(لأدنى مواليك؟) فقال: (نعم والله! نعم والله!) ورددها مرارار؛ ثم قال: ~~(وما هذا فيما أفاء الله على! لقد كانت الألف شاة تباع بعشرة دراهم، كل ~~مائة بدرهم! ولقد كان الناس يمرون بالبقر والغنم؛ فلا يلتفتون إليها! ولقد ~~رأيت الذود من الإبل بدينار! ولقد رأيت العلج الفاره وامرأته وأولاده ~~يباعون بخمسين درهما!) قال: فعجب سليمان. # ثم حج سليمان، وخرج موسى معه؛ وكان موسى من أعلم الناس بالنجوم. فلما ~~احتل بالمدينة، قال لبعض إخوانه: (ليموتن بعد غد رجل قد ملأ ذكره المشرق ~~والمغرب!) فظن الرجل أنه الخليفة؛ فمات موسى في اليوم الثاني. وصلى عليه ~~مسلمة بن عبد الملك. وكان مولد موسى سنة 19، في خلافة عمر بن الخطاب - رضي ~~الله عنه -. قيل إنه من لخم؛ وقيل: من بكر بن وائل. # وقال ابن بشكوال في (كتاب الصلة) له: إنه موسى بن نصير بن عبد الرحمن بن ~~زيد. وقال غيره: كان نصير ولاه معاوية بن أبي سفيان على خيله؛ فلم يقاتل ~~معه عليا؛ فقال له: (ما منعك من الخروج معي على علي؟ وبدى عليك، ولم ~~تكافئني عليها؟) فقال: (لم يمكني أن أشكرك بكفر من هو PageV02P022 # أولى بشكري!) فقال: (ومن ms274 هو؟) فقال: (الله - عز وجل!) قال: فأطرق معاوية ~~مليا؛ ثم قال: (أستغفر الله!) وعفا عنه. # وقال الليث بن سعد: لما قدم موسى بن نصير إفريقية حين الفتح، أخرج ابنا ~~له يسمى عبد الله إلى بعض نواحيها؛ فأتاه بمائة ألف رأس من السبي، أكثرهن ~~وجوه كالبدور؛ ثم وجه ابنا له يسمى مروان إلى ناحية أخرى؛ فأتاه كذلك؛ ثم ~~خرج هو بنفسه؛ فأتى بنحو ذلك. قال الليث: فبلغ الخمس ستين ألفا. قال: فلم ~~يسمع بمثل سبايا موسى في الإسلام. # وفي سنة 95، كان خروج موسى من الأندلس إلى الشأم، واستخلف ابنه عبد ~~العزيز عليها. ### | ولاية عبد العزيز بن موسى بن نصير # واستخلف موسى على الأندلس ابنه عبد العزيز، وترك معه حبيب بن أبي عبدة بن ~~عقبة بن نافع وزيرا له، ومعينا. وأقام معهما بالأندلس من أراد سكناها. فلما ~~وصل موسى إلى إشبيلية، أقر فيها ولده؛ فارتضاها قاعدة ملكه؛ وتزوج بعد خروج ~~أبيه أم عاصم امرأة رذريق (واسمها أيله) وسكن معها بإشبيلية. فلما دخل بها، ~~قالت له: (إن الملوك، إذا لم يتوجوا، فلا ملك لهم! فلو عملت لك مما بقى ~~عندي من الجوهر والذهب تاجا؟ فقال لها: (ليس ذلك في ديننا.) فقالت له: (ومن ~~أين يعرف أهل دينك ما أنت فيه في خلوتك؟) فلم تزل به حتى فعل. فبينما هو ~~ذات يوم جالس معها، والتاج على رأسه، إذ دخلت عليه امرأة كان قد تزوجها ~~زياد بن نابغة التميمي، من بنات ملوكهم؛ فعاينته، والتاج على رأسه. فقالت ~~لزياد (ألا أعمل لك تاجا؟) فقال لها: (ليس في ديننا استحلال لباسه!) فقالت ~~له: (ودين المسيح! PageV02P023 # إنه على رأس ملككم وإمامكم!) فأعلم بذلك زياد حبيب بن أبي عبدة ثم تحدثا ~~بذلك حتى علمه خيار الجند؛ فلم يكن له هم إلا كشف ذلك، حتى رأوه عيانا. ~~فقالوا (قد تنصر!) ثم هجموا عليه، فقتلوه. وأكثر الناس على أن هذه الحكاية ~~لا تصح، وإنما قتلوه بأمر سليمان لهم بذلك إذ نكب والده. # وقال الواقدي: إن التي نكح بعد خروج أبيه هي ms275 ابنة رذريق؛ فجاءته من ~~الدنيا بما لا يوصف. فلما دخلت عليه، قالت له: (ما لي لا أرى أهل مملكتك ~~يعظمونك، ولا يسجدون لك، كما كان أهل مملكة أبي يفعلون له؟) فأمر بباب، ~~فنقب في ناحية قصره، وجعله قصيرا؛ فكان يأذن للناس منه؛ فيدخل الداخل منكسا ~~رأسه قبالته لقصر الباب؛ وقد جعل لها مجلسا، تنظر منه إلى الناس إذا دخلوا ~~عليه من حيث لا يرونها. فلما رأتهم على ذلك، ظنت أنهم يسجدون له. فقالت ~~لعبد العزيز: (الآن قوي ملكك) وبلغ الناس ما أراد بذلك الباب؛ فثار به حبيب ~~بن أبي عبدة الفهري، وزياد بن عذرة البلوي، وزياد بن نابغة التميمي، ومن ~~معهم من الناس، فقتلوه. وقيل أيضا: إنما قتلوه لأنه خلع طاعة سليمان بن عبد ~~الملك، إذ بلغه قتل أخيه وما صنع بأبيه. # قال الرازي: لما قفل موسى بن نصير، استخلف ابنه عبد العزيز على الأندلس؛ ~~فضبط سلطانها، وسد ثغورها، وافتتح مدائن كثيرة. وكان من خير الولاة، إلا أن ~~مدته لم تطل، لوثوب الجند عليه وقتلهم له، لأشياء نقموها عليه. وكان قتله ~~صدر رجب من سنة 97، بمدينة إشبيلية، بمسجد رفينة. ولما دخل المحراب، قرأ ~~فاتحة الكتاب؛ ثم قرأ سورة الواقعة؛ فعلاه من خلفه زياد ابن عذرة البلوي ~~بالسيف، وهو يقول: (قد حقت عليك يا ابن الفاعلة؟) فكانت ولايته سنة واحدة ~~وعشرة أشهر. # وذكر أيضا أن سليمان بعث إلى الجند يأمرهم بقتله، عند سخطه على أبيه، ~~وأنهم، لما قتلوه، حزوا رأسه. وقدم به على سليمان حبيب بن أبي عبدة الفهري. PageV02P024 # فقيل إنه عرض الرأس على والده، وهو في محبسه؛ فتجلد لحر المصيبة، وقال: ~~(هنيئا له الشهادة؟ فتلثم، والله؟ صواما قواما؟) قال الرازي: فكانوا يعدون ~~فعل سليمان هذا بموسى وابنه من كبار زلاته التي لم تزل تنقم عليه. ومكث أهل ~~الأندلس شهورا لا يجمعهم وال، حتى اجتمعوا على أيوب بن حبيب اللخمي، ابن ~~أخت موسى بن نصير. ### | ذكر ولاية أيوب بن حبيب الأندلس # ثم اجتمع أهل الأندلس على تقديم أيوب هذا، يومهم لصلاتهم؛ ms276 وكان رجلا ~~صالحا. وأقاموا مدة دون أمير، ونقلوا دار السلطان إلى قرطبة. فتقدم أيوب ~~ابن حبيب، واحتل بقصر قرطبة؛ وكان مغيث قد اختطه لنفسه. فذكر أن موسى ابن ~~نصير، حين أقلعه رسول الوليد، رجع في قفوله على طريق طارق ليختبر الأندلس؛ ~~فنزل قرطبة وقال لمغيث: (إن هذا القصر لا يصلح لك. وإنما يصلح للعامل الذي ~~يكون بقرطبة.) فتنحى عنه يومئذ. ونزله بعد ذلك أيوب ابن حبيب. فكانت ولايته ~~ستة أشهر. ### | ولاية الحر بن عبد الرحمن الثقفي # لما ولي سليمان بن عبد الملك محمد بن يزيد، مولى ابنة الحكم بن العاصي، ~~إفريقية، كانت الأندلس وطنجة إلى صاحب إفريقية. فوجه محمد بن يزيد الحر ابن ~~عبد الرحمن هذا عاملا على الأندلس، في أربعمائة رجل من وجوه إفريقية. فبقى ~~الحر واليا. عليها ثلاث سنين؛ فنقل الحر هذا الإمارة من إشبيلية إلى قرطبة. ~~وكان قدوم الحر الأندلس سنة 99 من الهجرة. PageV02P025 ### | ولاية السمح بن مالك الخولاني # ثم ولى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - السمح بن مالك ~~على الأندلس، وأمره أن يحمل الناس على طريق الحق، ولا يعدل بهم عن منهج ~~الرفيق، وأن بخمس ما غلب عليه من أرضها وعقارها، ويكتب إليه بصفة الأندلس ~~وأنهارها. وكان رأيه نقل المسلمين منها وإخراجهم عنها، لانقطاعهم عن ~~المسلمين واتصالهم بأعداء الله الكفار؛ فقيل له: (إن الناس قد كثروا بها، ~~وانتشروا في أقطارها؛ فأضرب عن ذلك) فقدم السمح الأندلس، وامتثل ما أمره به ~~عمر - رضي الله عنه - من القيام بالحق، وإتباع العدل والصدق؛ فأنفرد السمح ~~بولايتها؛ وعزلها عمر عن ولاية إفريقية، اعتناء بأهلها، وتهمما بشأنها. # وكان المسلمون، إذ فتحوا قرطبة، وجدوا بها آثار قنطرة فوق نهرها، على ~~حنايا وثاق الأركان من تأسيس الأمم الدائرة، قد هدمها مدود النهر على مر ~~الأزمان. فتقدم إلى فضيلة النظر فيها عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - ~~عندما اتصل به خبرها؛ فأمر السمح بابتنائها؛ فصنعت على أثم وأعظم مما بنى ~~عليه جسر من حجارة سور المدينة. # وفي سنة 101، ورد ms277 كتاب أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز على السمح بن ~~مالك بالأندلس، يأمره ببناء القنطرة بصخر السور، وبناء السور باللبن، ~~ويأمره بإخراج خمس. قرطبة. فخرج من الخمس البطحاء المعروفة بالربض. فأمر ~~الخليفة عمر أن يتخذ بها مقبرة للمسلمين؛ فتم ذلك. # وقتل السمح - رحمه الله - بطرسونة، وذلك أنه غزا الروم في سنة 102؛ ~~فاستشهد - رحمه الله - يوم عرفة؛ فكانت ولايته سنتين وأربعة أشهر. وقيل: ~~ثمانية أشهر؛ وقيل: ثلاث سنين. ### | ولاية عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي الأندلس # ثم ثدم أهل الأندلس على أنفسهم عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي هذا؛ ~~فدخلها في شهر ذي الحجة سنة 102. PageV02P026 ### | ولاية عنبسة بن سحيم الكلبي # ثم ولي يزيد بن أبي مسلم عامل إفريقية على الأندلس عنبسة بن سحيم هذا؛ ~~فدخلها في شهر صفر. فلما قتل يزيد بن أبي مسلم، كان على إفريقية محمد بن ~~يزيد، مولى الأنصار، على ما ذكره الطبري، بتقديم أهل إفريقية، وإقرار يزيد ~~بن عبد الملك إياه. # وفي سنة 103، كان العامل على إفريقية من قبل يزيد بن عبد الملك بشر بن ~~صفوان، أخو حنظلة؛ فأقر عنبسة على الأندلس؛ فكانت ولاية عنبسة كلها أربع ~~سنين وثمانية أشهر؛ وقيل غير ذلك. # وفي سنة 105، خرج عنبسة غازيا للروم بالأندلس، وأهلها يومئذ خيار، فضلاء، ~~أهل نية في الجهاد وحسبة في الثواب؛ فالح على الروم في القتال والحصار، حتى ~~صالحوه. وتوفي عنبسة في شعبان سنة 107؛ فكانت ولايته كما ذكرنا. ### | ولاية يحيى بن سلمة الكلبي # وذلك أنه، لما توفي عنبسة، قدم أهل الأندلس على أنفسهم رجلا من العرب، ~~يقال له عذرة، إلى أن ورد بعد شهرين يحيى بن سلمة الكلبي واليا من عند أمير ~~المؤمنين هشام بن عبد الملك، في آخر سنة 109؛ فكانت ولايته سنتين وستة ~~أشهر. # ومات بشر بن صفوان بإفريقية؛ فولى هشام بن عبد الملك مكانه عبيدة ابن أبي ~~الأعور السلمي. ### | ولاية حذيفة بن الأحوص # ثم ولي الأندلس حذيفة بن الأحوص الأشجعي؛ وقيل: القيسي؛ ولاه عليها عبيدة ~~بن عبد الرحمن السلمي عامل إفريقية من قبل هشام بن ms278 عبد الملك، في سنة 110؛ ~~فكانت ولايته ستة أشهر. PageV02P027 ### | ولاية عثمان بن أبي نسعة # ثم ولى عبيدة بن عبد الرحمن بن أبي الأعور السلمي على الأندلس عثمان ابن ~~أبي نسعة الخثعمي؛ فقدمها في شعبان سنة 110، وكانت ولايته خمسة أشهر؛ وقيل: ~~ستة أشهر؛ ثم عزل وانصرف إلى القيروان؛ فمات بها. ### | ولاية الهيثم بن عبيد الكناني # ثم ولي الأندلس الهيثم بن عبيد الكناني، في صدر سنة 111؛ وكانت ولايته ~~عشرة أشهر؛ وقيل غير ذلك؛ وهو الذي غزا منوسة. وأقام واليا عشرة أشهر، كما ~~ذكرنا؛ وقيل: سنة وشهرين؛ ثم توفي. ### | ولاية محمد بن عبد الله الأشجعي # ثم قدم أهل الأندلس على أنفسهم محمد بن عبد الله الأشجعي؛ فكانت ولايته ~~شهرين؛ وقيل غير ذلك. ### | ولاية عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي ثانية # ثم ولي الأندلس عبد الرحمن هذا ثانية؛ فكان دخوله إليها في صفر سنة 112؛ ~~فأقام واليا سنتين وسبعة أشهر؛ وقيل: وثمانية أشهر. واستشهد في أرض العدو ~~في رمضان سنة 114. ### | ولاية عبد الملك بن قطن # ثم ولى عبد الملك بن قطن بن نفيل بن عبد الله الفهري؛ فدخلها في شهر ~~رمضان المذكور الذي توفي فيه عبد الرحمن الغافقي. فألفاه قد استشهد. وقيل: ~~دخلها في شوال من سنة 114. وكانت ولايته سنتين؛ وقيل غير ذلك. PageV02P028 ### | ولاية عقبة بن الحجاج السلولي # ثم ولي عقبة بن الحجاج السلولي في شوال سنة 116. وقالوا: في ولايته كان ~~عبيد الله بن الحبحاب عامل مصر وإفريقية؛ فقدم عليه عقبة بن الحجاج، وكان ~~مولاه؛ فأكرمه، وبره، ورفع شأنه وقدره، وأنزله في مكانه، وخبره في ولاية ما ~~شاء من سلطانه. وكان الحجاج أبو عقبة قد أعنق الحبحاب أبا عبيد الله؛ فولى ~~هشام بن عبد الملك عبيد الله بن الحبحاب مصر وإفريقية والأندلس؛ فكان له من ~~العريش إلى طنجة إلى السوس الأقصى إلى الأندلس وما بين ذلك؛ وكان أحد بنيه ~~بمصر، والثاني بالسوس وطنجة، والثالث بالأندلس؛ وكان عبيد الله بإفريقية. ~~فلما شرف عبيد الله، وعلت منزلته، وانتشر ذكره، وفد عليه مولاه عقبة؛ ~~فأجلسه معه على فراشه، وأدناه ms279 من نفسه، وقربه، حتى عظمت منزلته في الناس؛ ~~فكان يقصده الطالبون وذوو الحاجات، يتوسلون به إلى عبيد الله. فغص به بنو ~~عبيد الله، وقالوا لوالدهم: (اصرفه عنا لئلا يكسر شرفنا!) فما زاده ذلك ~~عنده إلا تعظيما وتكريما، وخبره في ولاية ما شاء من سلطانه؛ فاختار ~~الأندلس؛ فولاه عليها. وكان يجاهد المشركين في كل عام، ويفتتح المدائن. وهو ~~الذي فتح مدينة أربونة، وافتتح جليقية وبنبلونة، وأسكنها المسلمين. وعمت ~~فتوحاته جليقية كلها غير الصخرة؛ فإنه لجأ إليها ملك جليقية، وكان بها في ~~ثلاثمائة راجل. فما زال المسلمون يضيقون عليهم، حتى صاروا ثلاثين رجلا، ~~وحتى فنيت أزودتهم، ولم يتقوتوا إلا بعسل يجدونه في خروق الصخرة. وأعبى ~~المسلمين أمرهم؛ فتركوهم. وأقام عقبة بالأندلس بأحسن سيرة وأجملها، وأعظم ~~طريقة وأعدلها، إلى أن غزا أرض إفرنجة؛ فلقيته جيوش الأعداء؛ فقتل هو ومن ~~معه ببلاط الشهداء. وذكر عنه أنه كان صاحب بأس ونجدة، ونكاية للعدو وشدة. ~~وكان إذا أسر الأسير، لم يقتله حتى يعرض عليه دين الإسلام، ويفتح له عبادة ~~الأصنام. فيذكر أنه أسلم على يديه بهذا الفعل ألف رجل. وكانت ولايته خمسة ~~أعوام وشهرين. PageV02P029 # وقيل إن أهل الأندلس شاروا على عقبة بن الحجاج وخدموه. قال ابن القطان: ~~وقيل إن عقبة بن الحجاج، لما حانت وفاته، استخلف عبد الملك بن قطن. قال: ~~وأقام عقبة على الأندلس واليا إلى سنة 121. ### | ولاية عبد الملك بن قطن الفهري ثانية # وفي سنة 122، ولي عبد الملك بن قطن ثانية، حتى كان من أمر البربر وبلج بن ~~بشر، ابن أخي كلثوم بن عياض عامل إفريقية، ما أذكره. قال ابن القطان: وذلك ~~أن هشام بن عبد الملك كان قد ندب كلثوما لقتال البربر، وولاه إفريقية، وبعث ~~معه ثلاثين ألف فارس: عشرة آلاف من صلب بني أمية؛ وعشرين ألفا من العرب؛ ~~وعهد إليه في سد إفريقية وضبطها، إذ كانوا يجدون في الروايات أن ملكهم ~~يزول، وأن ملك بني العباس لا يجاوز الزاب. فتوحمته بنو أمية زاب مصر، وإنما ~~كان زاب إفريقية. فأمره بالجد في أمر ms280 إفريقية، ليلجؤوا إليها إذا ذهب ~~ملكهم؛ وعهد، إن حدث بكلثوم حدث، أن يكون ابن أخيه يلج مكانه؛ فدارت بينه ~~وبين البربر حروب عظيمة، هزموا في بعضها كلثوما وقتلوه. وصار أمر العرب ~~بإفريقية إلى بلج بالعهد المذكور. # ولجأ فلهم إلى سبتة، حتى ضاق عليهم الأمر ضيقا عظيما؛ فكاتب بلج وأصحابه ~~عبد الملك بن قطن صاحب الأندلس، وسأله إدخاله وإدخال من معه من الجند. ~~وذكروا له ما صروا إليه من الجهد، وأنهم قد أكلوا دوابهم. فأبى عبد الملك ~~من إدخالهم، ولم يأمنهم، ومطلهم بالميرة والسعن. واتفق أن تطاولت البربر ~~أيضا بالأندلس، وفاضحوا العرب، وظهروا على الساكنين منهم بجليقية وغيرها؛ ~~فقتلوهم، وطردوهم. فلما ورد فل العرب على عبد الملك بن قطن، ورأى عادية ~~البربر، اضطر لأجل ذلك إلى إدخال بلج وأصحابه؛ فكاتبهم، وشرط عليهم مقام ~~سنة بالأندلس، ثم يخرجون عنها؛ فرضوا بذلك. فأخذ منهم رهائن أنزلهم بجزيرة ~~أم حكيم، وهي على الخضراء. ثم أدخل بلجا وأصحابه عراة، PageV02P030 # لا يواريهم إلا دوابهم، وقد بلغ بهم الجهد غايته. وكانوا نحو عشرة آلاف ~~من عرب الشام. فلما دخلوا، كساهم عرب الأندلس على قدر أقدارهم؛ قرب رجل ~~يكسو مائة رجل، وآخر عشرة، وآخر واحدا، إلى ما بين ذلك. # فلما حلوا بالخضراء، اجتمع بهم عبد الملك بن قطن؛ وكان بشذونة جمع من ~~البربر، عليهم رجل زناتي؛ فبدأ عبد الملك يمقاتلتهم في وادي الفتح من ~~شذونة، فلم يكن العرب فيهم إلا نهضة، حتى أبادوهم، وأصابوا أمتعتهم ~~ودوابهم. فاكتسى أصحاب بلج، وانتعشوا، وأصابوا الغنائم. ثم نهضوا مع عبد ~~الملك إلى قرطبة؛ ثم ساروا بأجمعهم إلى جهة طليطلة، وقد اجتمع هنالك معظم ~~البربر؛ فكانت هزيمتهم العظمى هنالك بوادي سليط من حوز طليطلة، بعد أن زحف ~~عبد الملك وبلج إليهم بعرب الأندلس، حاشا عرب سرقسطة وثغورها. وزحف البربر ~~بأجمعهم، فهزمهم العرب، وقتلوا منهم في الهزيمة آلافا. ### | ذكر ولاية بلج بن يسر القشيري الأندلس # قال من له عناية بالأخبار: دخل بلج الأندلس سنة 123 في ذي القعدة منها، ~~وملكها بعد ذلك؛ وذلك أنه، ms281 لما أباد ابن قطن البربر بالأندلس، بمن كان معه ~~من العرب، وبأصحاب بلج، قال لبلج وأصحابه: (اخرجوا من الأندلس على ما ~~شورطتم عليه!) فقال بلج: (احملنا إلى ساحل البيرة أو ساحل تدمير!) فقال لهم ~~عبد الملك: (ليست لنا مراكب إلا بالجزيرة!) فقالوا له: (إنما تريد أن تردنا ~~إلى البربر ليقتلونا في بلادهم!) فلما ألج عليهم في الخروج، نهضوا إليه؛ ~~فأخرجوه من قصر قرطبة إلى داره بالمدينة. ودخل بلج القصر عشية يوم الأربعاء ~~في صدر ذي قعدة من السنة. وكان بلج، وقت جوازه عن سبتة، قد أعطى رهائن لابن ~~قطن، جعلهم ابن قطن بجزيرة أم حكيم؛ فضاعوا مدة الفتنة بين بلج وابن قطن، ~~والجزيرة المذكورة دون ماء؛ فمات رجل من غسان عطشا، وكان من الرهائن، من ~~أشراف دمشق. PageV02P031 ### | مقتل عبد الملك بن قطن الفهري # لما ملك بلج الأندلس، واستولى عليها، طلب منه الجند أن يعطيهم ابن قطن في ~~الغساني المذكور؛ فتوفق بلج؛ فألح الجند، وثارت اليمن كلها على كلمة واحدة. ~~وكان ابن قطن شيخا هرما، قد بلغ التسعين؛ وكان قد حضر يوم الحرة، ومنها فر ~~إلى إفريقية؛ وكان يومئذ بداره بقرطبة؛ فأخرجه الجند منها، كأنه فرخ نعامة ~~من الكبر، وهم ينادونه: (أفلت من سيوفنا يوم الحرة؛ فطلبنا بثأرنا في أكل ~~الدواب والجلود! ثم أردت إخراجنا إلى القتل!) ثم قتلوه، وصلبوه، وصلبوا ~~خنزيرا عن يمينه، وكلبا عن شماله. # ثم إن أمية وقطنا ابني عبد الملك بن قطن حشدا في جهة سرقسطة. وكانا قد ~~هربا من قرطبة وقت إخراج أبيهما منها، وجاءا إلى بلج طالبين يثأرهما، وهما ~~في نيف على مائة ألف من العرب القدماء والحدث؛ فخرج إليهما بلج، وهو في أقل ~~من خمس عددهما؛ فاقتتلوا قتالا شديدا. ثم انهزم ابنا عبد الملك ومن معهما ~~هزيمة عظيمة؛ وانصرف أصحاب بلج ظافرين، وقد امتلأت أيديهم وأنفسهم غنما ~~ونصرا وسرورا، إلا أن يلجأ أميرهم وفيه من جراحة أصابته في المعركة، ومات ~~بعد أيام. وكانت مدة إمارته اثني عشر شهرا. واختلف في ذلك. فقال أبو عمر ms282 ~~السالمي: إن تلك المعركة انجلت عن أحد عشر ألف قتيل، وإن عبد الرحمن بن ~~علقمة فوق سهما إلى بلج؛ فأصاب مقتله. قال هذا في (كتاب درر القلائد وغرر ~~الفوائد) . وقال في (كتاب بهجة النفس) : إن عبد الرحمن ابن علقمة المذكور ~~قتله بالسيف، وإن ولايته ستة أشهر. والأول أصح. ### | ولاية ثعلبة بن سلامة العاملي الأندلس # وفي سنة 123، في شوال، ولي الأندلس ثعلبة بن سلامة، ولاه أهل الشام؛ وذلك ~~أن هشام بن عبد الملك كان قد عهد أن يتولى أمر الجيش، إذ جهزه PageV02P032 # من الشام، كلثوم بن عياض؛ فإن أصيب، فأين أخيه بلج؛ فإن أصيب، فثعلبة. ~~فأقعد أصحابه ثعلبة بن سلامة بما عهد به هشام إليهم، وبايعوه. وثار من بقى ~~من البربر بماردة في أيامه؛ فغزاهم، وقتل منهم خلقا كثيرا وأسر منهم نحو ~~الألف؛ وانصرف إلى قرطبة. فسار بأحسن سيرة. وكانت ولايته عشرة أشهر. هذا ~~مساق ابن القطان. ومن (درر القلائد) : كان يبيع ذراري أهل البلد، ويحملهم ~~أسرى، ويرهقهم من أمرهم عسرا. فكان ثعلبة معهم على هذه الحال، إلى أن ورد ~~أبو الخطار. ### | ذكر ولاية أبي الخطار الحسام بن ضرار الكلبي الأندلس # وفي سنة 125، ركب أبو الخطار البحر من ناحية تونس في المحرم، وحل بقرطبة؛ ~~فألقى ثعلبة بن سلامة بالمصارة، ومعه الأسرى والسبي من عرب قرطبة، قد اشتبك ~~في الحبال الولد بالوالد؛ فأمر أبو الخطار باطلاقهم، وحلهم من وثاقهم؛ وجمع ~~الناس بعد افتراقهم، وصرفهم إلى معهود إيقافهم؛ فدانت له جماعتهم، وفرق أهل ~~الشام على الكور، ونظر لسواهم أيضا بأحسن النظر؛ فأنزل أهل دمشق بالبيرة، ~~أهل الأردن برية، وأهل فلسطين بشذونة، وأهل حمص بإشبيلية، وأهل قنسرين ~~بجبان، وأهل مصر بباجة، وبعضهم بتدمير. وكان إنزالهم على أموال العجم من ~~أرض ونعم. ودخل في ذلك الوقت الصميل بن حاتم - وسيأتي ذكره - وتعصب ~~المضربون معه، وأتوا إلى قرطبة، حيث أبو الخطار؛ فخرج إليهم دون عدة؛ فهزمه ~~القوم، وقبضوا عليه، وأثقلوا بالحديد رجليه. ثم إنه أفلت من كبله، ومد ما ~~انقبض من حبله. # ومن (كتاب بهجة النفس) ms283 ، قال: (لما هزم ثعلبة البربر، سبي ذراريهم، ولم ~~يكن قبل بلج ولا غيره يتعرض للذرية بسباء. فأقبل إلى قرطبة بعدد من السبي ~~كثير، حتى نزل طرف المصارة من قرطبة، ومعه الأسرى والسبي من PageV02P033 # عرب البلد والبربر، وهو يبيع السبي في النداء، ويعبث ويبطر؛ فكان يبيع ~~الشيوخ والأشراف ممن ينقص، لا ممن يزيد، وكان فيهم علي بن الحصين، والحارث ~~بن أسد من أهل المدينة، فابتدأ المنادي عليهما بعشرة دنانير؛ فلم يزل ~~ينادي: (من ينقص؟) حتى باع أحدهما بعتود، والآخر بكلب. فبينا هو على هذه ~~الحال من العبث والبغي، وقد أوقف رجالهم، وأبرزهم للقتل، وذلك يوم جمعة، إذ ~~قدم أبو الخطار؛ فألقاهم بهذه الحال. فأمر بإطلاقهم؛ فسمى ذلك العسكر عسكر ~~العافية. وكان أهل الأندلس طلبوا من صاحب إفريقية حنظلة ابن صفوان عاملا ~~يجمع كلمتهم، إذ كانت الكلمة مفترقة، والقتل ذريعا، ولا يأمنون تغلب العدو ~~عليهم؛ فأرسل إليهم أبا الخطار هذا. واجتمع على أبي الخطار أهل الشام وعرب ~~البلد، ودانت له الأندلس. ثم أنه أمن ابني عبد الملك بن قطن، وأنزل أهل ~~الشام في الكور، وتعصب لليمانية، واعتزل قيسا؛ فكان ذلك سبب توثب الصميل بن ~~حاتم عليه مع مضر، بعد أن ولي سنتين؛ وقيل: وتسعة أشهر؛ وقيل: ثلاث سنين. ### | ذكر الصميل بن حاتم وسبب الفتنة # قال في (كتاب بهجة النفس) : كان الصميل بن حاتم هذا جده شمر قاتل الحسين ~~- رضي الله عنه - وهو من أهل الكوفة؛ فلما قتله، تمكن منه المختار بن أبي ~~عبيد؛ فقتله، وهدم داره؛ فارتحل مع ولده من الكوفة، وصاروا بالجزيرة؛ ثم ~~صاروا في جند قنسرين. فرأس الصميل بالأندلس، وفاق بالنجدة والسخاء. فاغتم ~~أبو الخطار به؛ فدخل عليه يوما، وعنده الجند؛ فأحب كسره؛ فأمر عليه؛ فشتم، ~~ولكز؛ فخرج عنه مغضبا، وأتى داره؛ ثم بعث إلى خيار قومه؛ فشكا إليهم ما ~~لقى؛ فقالوا: (نحن تبع لك!) فقال: (والله ما أحب أن أعرضكم للقضاعية ولا ~~لليمانية! ولاكني سأتلطف، وأدعو إلب مرج راهط، وأدعو PageV02P034 # لخما وجذاما، وتقدم رجلا يكون له الاسم ولنا الحظ.) ms284 فكتبوا إلى ثوابة بن ~~سلامة الجذامي من أهل فلسطين؛ ثم وفدوا عليه؛ فأجابهم، وأجابتهم لخم وجذام. ~~فبلغ ذلك أبا الخطار؛ فغزاهم؛ فلقيه ثوابة، وأسره. وسار ثوابة حتى دخل قصر ~~قرطبة، وأبو الخطار معه في قيوده. ثم إنه أفلت، كما ذكرنا. # ثم ولي ثوابة سنتين. ولما ولي ثوابة سنة 128، استجاش أبو الخطار ~~اليمانية، ودعاهم للنصرة على المضرية؛ فاجتمع له إذ ذاك حفل وعسكر ضخم، ~~وأقبل إلى قرطبة؛ فخرج ثوابة بن سلامة إلى لقائه. فافترق الناس عن أبي ~~الخطار، ونفروا عن تلقائه. وتوفي إثر ذلك ثوابة في السنة المذكورة؛ وكانت ~~ولايته كما ذكرنا. فلما توفي ثوابة، عادت الحرب إلى ما كانت عليه؛ فأرادت ~~اليمن أن تعيد أبا الخطار؛ فأبت ذلك مضر مع الصميل؛ وتشاكس الفريقان. ~~وأقامت الأندلس أربعة أشهر من غير وال، إلا أنهم قدموا عبد الرحمن بن كثير ~~اللخمي للنظر في الأحكام. وصار أمر الشام وملوكه متغير الحال؛ فقال يزيد ~~الوليد، وصارت إليه أحوال بني مروان. ### | ولاية يوسف بن عبد الرحمن الفهري الأندلس # لما تفاقم الأمر، وكثر الاختلاف بين أهل الأندلس، تراضوا واتفقوا على ~~تولية يوسف بن عبد الرحمن الفهري، وعلى أن يدعوا ليحيى بن حريث كورة رية؛ ~~فتركت له طعمة. وقد كانت قضاعة اجتمعت قبل ذلك، وقدموا على أنفسهم عبد ~~الرحمن بن نعيم الكلبي؛ فجمع مائتي راجل وأربعين فارسا؛ فبيت القصر بقرطبة، ~~وقاتل الأحراس، وهجم على السجن؛ فأخرج أبا الخطار، وهرب به إلى لبلة؛ فأقام ~~في كلب وقبائل من حمص؛ فاكتنفوه ومنعوه، ولم يحدث شيئا حتى اجتمع الناس على ~~يوسف. فلما استقام له الأمر، غدر يحيى بن PageV02P035 # حريث، وعزله عن كورة رية؛ فغضب ابن حريث، وكاتب أبا الخطار حينا. فقال ~~أبو الخطار: (أنا الأمير المخلوع! فأنا أقوم بالأمر!) وقال ابن حريث: (بل ~~أنا أقوم به، لأن قومي أكثر من قومك!) فلما رأت جذام ما يدعو إليه ابن ~~حريث، قدموه وأجابوه؛ فأصفقت يمن الأندلس وحميرها وكندتها على تقديمه ~~والطوع له، وانحازت مضر وربيعة إلى يوسف بقرطبة حضرة الملك. وأقبلا حتى ~~نزلا ms285 شقندة. # وكان الصميل مع يوسف الفهري، وهو الذي سأله الناس أن ينظر لهم في وال يلي ~~عليهم، لشغل أمير المؤمنين مروان بن محمد بالمشرق عنهم وبعده عنهم. فاختار ~~لهم يوسف بن عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبدة بن عقبة بن نافع الفهري؛ وكان ~~يومئذ بالبيرة؛ فرضيه الناس كما ذكرنا. ووقع اختلاف بعد ذلك في أمره بين ~~مصر واليمن؛ فانضوت اليمن إلى أبي الخطار، من جميع البلاد والأقطار، وزحف ~~بهم إلى يوسف الفهري بقرطبة؛ فكره يوسف الفتنة، وخاف البغضاء والشحناء. ~~فنزل الصميل بن حاتم بالمحلات، وشك السلاح والآلات؛ وأقبل أبو الخطار بمن ~~معه، ونزل موضعه؛ فالتقت بشقندة الفئتان، وتصادمت الفرقتان؛ فلا تسمع إلا ~~صهيلا وصليلا، ولا ترى إلا قتيلا، حتى تكسرت الخطية وتفللت المشرقية، ~~والتفت الساق بالساق، وانضمت الأعناق إلى الأعناق؛ فلم يعهد حرب مثلها في ~~المسلمين، بعد حرب الجمل وصفين، إلى أن انهزمت اليمانية مع أبي الخطار بعد ~~حين. وهرب أبو الخطار، وركب ظهر الفرار؛ واستتر في رحى للصميل هنالك؛ فظفر ~~به وقتل إذ ذلك. فرأس الصميل بن حائم في الناس، وشهر بالنجدة والبأس؛ وصرف ~~يوسف الفهري إليه الأمور، وأوقف عليه الرياسة والتدبير. فكان ليوسف الاسم، ~~وللصميل الرسم. ### | مقتل أبي الخطار # ولما أخذ أبو الخطار، وأرادوا قتله، قال: (ليس على فوت! ولاكن دونكم PageV02P036 # ابن السوداء!) يريد ابن حريث. فدل عليه، وقتلا جميعا. وكان ابن حريث ~~يقول: (لو أن دماء أهل الشام سقيت، لشربتها في قدح!) فلما استخرج من تحت ~~الرحى ليقتل، قال له أبو الخطار: (يا ابن السوداء! هل بقى في قدحك شيء لم ~~تشربه؟) ثم قتلا. وأتى بالأسرى؛ فقعد لهم الصميل، وضرب أعناقهم جميعا. # ثم أتبع الله الأندلس بعد ذلك بالوباء والموت في السنة الثانية، حتى كاد ~~الخلق أن ينقرض منها. # وولي يوسف عن (رضى من) عامة الجند من مضر ويمن والشام؛ فصفت له الأندلس ~~بعد يوم شقندة، وخلصت له القلوب والأنفس. وعاد الصميل بن حاتم قائده ~~الأعلى، وقدحه المعلى، يقرب منه ما شاء، ويدفع عنه ما ساءه، ms286 إلى أن تمكن ~~بالدولة، وتملك رقاب تلك الجملة. فشرق به يوسف وقلق، وخشي من جانبه وأرق؛ ~~فرأى أن يبعده من مكانه، ويوليه بعض سلطانه؛ فولاه سرقسطة وبلادها سنة 133؛ ~~فكان فيها إلى أن قام عليه فيها الحباب بن رواحة من بني زهرة بن كلاب؛ ~~فحاصره مدة من سبعة أشهر. وقعد يوسف عن إغاثته، واعتذر بشدة الأندلس في ذلك ~~الوقت ومجاعته، رغبة في تلافه وهلاكه، وحرصا على الراحة منه لاستحواذه ~~واستملاكه، إلى أن اجتمع قومه بالبيرة وجيان، وساروا إلى نصرته، وتفريج ~~كربته. # وقيل إن الذي قام على يوسف بسرقسطة تميم بن معبد الزهري وعامر العبدري. ~~فغزاها يوسف في سنة 138؛ فكان عليها، إلى أن دخل عبد الرحمن الداخل إلى ~~الأندلس. # وفي سنة 130، كانت وقعة شقندة، واجتمع على يوسف. وكان يوم ولايته ابن خمس ~~وسبعين سنة؛ وملك تسع سنين. وكان قبل ولايته معتزلا في بادية، من أهل ~~الديانة والإظهار للخير. PageV02P037 # وفي سنة 131، أمحلت الأندلس، وعم المحل، وتمادى إلى سنة 138 وذلك سنة محل ~~وسنة غيث. وأتصل المحل الشديد سنة أو اثنتين؛ ثم سقى الناس سنة 133، وعادت ~~إلى بعض الصلاح. # وفي سنة 133، ثار أهل جليقية، وترددت الغارات عليها. ثم استحكم الجوع ~~والقحط في سنة أربع وثلاثين وسنة خمس وبعض سنة 136؛ فخرج أكثر الناس إلى ~~طنجة وزويلة وريف البحر في العدوة؛ وكانت إجازتهم من وادي شذونة، وهو ~~المعروف بوادي برباط؛ وبه سميت السنة. ### | تسمية من ثار على يوسف بن عبد الرحمن الفهري بالأندلس # منهم: عبد الرحمن بن علقمة اللخمي، ثار عليه بأربونة؛ فحاربة، ولم يمكث ~~في حربه إلا يسيرا حتى أمكنه الله منه وثار عليه عروة بباجة؛ فوجه إليه ~~يوسف من هزمه وقتل أصحابه. وثار عليه تميم بن معبد سنة 136. وفي سنة 137، ~~اجتمع تميم بن معبد وعامر بن عمرو بن وهب بسرقسطة؛ فتولى محاربتهما الصميل ~~بن حاتم. وفي سنة 138، خرج يوسف بنفسه إلى تميم بن معبد وعامر ابن عمرو ~~بسرقسطة؛ فحاصرهما؛ ثم ظفر بهما وقتلهما. وفي هذه السنة، انقضت أيام يوسف ~~بن عبد الرحمن الفهري. ### | جامع ms287 أخبار بني أمية بالمشرق # وذلك أن جميع خلفائهم من لدن معاوية إلى آخرهم أربعة عشر رجلا. وكانت مدة ~~دولتهم، منذ خلص الأمر إلى معاوية إلى أن قتل مروان بن محمد، إحدى وتسعين ~~سنة، وتسعة أشهر، وخمسة أيام، منها أيام ابن الزبير تسع سنين واثنان وعشرون ~~يوما. ثم تفرقت بنو أمية في البلاد هربا بأنفسهم. وهرب PageV02P038 # عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك إلى الأندلس؛ فبايعه أهلها، ~~وتجددت لهم بها دولة استمرت إلى بعد الأربع والعشرين والأربعمائة. والناس ~~يعتقدون أن دولتهم كانت انقطعت من حين قتل مروان إلى أن جددها عبد الرحمن ~~الداخل سنة 136 أو نحوها؛ وقيل إنها كانت متصلة، لم تنقطع من زمن عثمان - ~~رضي الله عنه - إلى زمن المعتد بالله بقرطبة آخر خلفائهم سنة 424. وهذا ~~القول ينبني على ما قاله بعضهم إن عهد عبد الرحمن بن حبيب صاحب إفريقية من ~~قبل بني أمية وصل إلى يوسف بن عبد الرحمن الفهري المتغلب على الأندلس، الذي ~~دخل عبد الرحمن بن معاوية وهو أميرها. فتأمل هذا؛ فإنه، إن صح، نكتة غريبة ~~وفائدة عجيبة. # قال أبو محمد بن حزم: وانقطعت دولة بني مروان بالمشرق بمروان بن محمد ~~الجعدي. وكانت، على علاتها، دولة عربية، لم يتخذ ملوكها قاعدة لأنفسهم، ~~إنما كان سكنى كل أمير منهم في داره وضيعته اللتان كانتا له قبل الخلافة، ~~ولا أكثروا احتجان الأموال، ولا بناء القصور، ولا طلبوا مخاطبة الناس لهم ~~بالتمويل والعبودية والملك، ولا تقبيل أرض، ولا يد، ولا رجل، إنما كان ~~غرضهم الطاعة الصحيحة والتولية والعزل في أقاصي بلاد الدنيا؛ فكانوا يعزلون ~~العمال، ويولون الأخر في السند والهند، وفي خراسان، وفي أرمينية، وفي ~~العراق، وفي اليمن، وفي المغرب الأدنى والأقصى وبلاد السوس وبلاد الأندلس؛ ~~وبعثوا إليها الجيوش، وولوا عليها من ارتضوا من العمال، وملكوا أكثر ~~الدنيا. فلم يملك أحد من ملوك الدنيا ما ملكوه من الأرض، إلى أن تغلب عليهم ~~بنو العباس بالمشرق، وانقطع بها ملكهم. فسار منهم عبد الرحمن بن معاوية إلى ~~الأتدلس، وملكها ms288 هو وبنوه، وقامت بها دولة بني أمية نحو الثلاثمائة سنة. ~~فلم يك في دول الإسلام أنبل منها، ولا أكثر نصرا على أهل الشرك، ولا أجمع ~~لخلال الخير؛ وبهدمها انهدمت الأندلس إلى الآن، وذهب بهاء الدنيا بذهابها. PageV02P039 # قال أبو محمد: وانتقل الأمر بالمشرق إلى بني العباس؛ فكانت دولتهم ~~أعجمية: سقطت فيها دواوين العرب، وغلب عجم خراسان على الأمر، وعاد الأمر ~~ملكا عضوضا كسرويا، إلا أنهم لم يعلنوا بسب أحد من الصحابة - رضهم - بخلاف ~~ما كانوا عليه بنو أمية من استعمال ذلك في جانب علي - رضي الله عنه -، ~~وكفاهم ذلك قبحا وباطلا، حاشا عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - ويزيد بن ~~الوليد؛ فإنهما لم يستجيزوا ذلك. وافترقت في دولة بني العباس كلمة ~~المسلمين؛ فتغلبت في البلاد طوائف من الخوارج وشيعة ومعتزلة، ومن ولد إدريس ~~وسليمان ابني عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب - رضهم -؛ ومنهم من بني ~~أمية تغلبوا على الأندلس، وكثير من غيرهم. وفي خلال هذه الأمور من اختلاف ~~الكلمة، تغلب الكفار على نحو نصف الأندلس، وعلي نحو نصف السند؛ فأما ما لم ~~يملكه العباسيون، فهو ما وراء الزاب من بلاد المغرب وتلمسان وأنظارها، كان ~~فيها شيعة، ثم آل ملكها إلى إدريس؛ وأما تامسنا، ففيها أولاد صالح بن طريف ~~على ضلالتهم؛ وأما سجلماسة، فنزلها رئيس الصفرية. هذه هي البلاد المتفق ~~عليها، وأما المختلف فيها، فإفريقية؛ قيل إنه كان فيها عبد الرحمن بن حبيب ~~ثائرا، وفي الأندلس يوسف بن عبد الرحمن الفهري. ### | ذكر دخول عبد الرحمن بن معاوية ابن هشام إلى الأندلس وهروبه من الشام # قال الرازي: وفي سنة 136، ابتدأ عبد الرحمن بن معاوية بمداخلة مواليه من ~~الأمويين بالأندلس. وفي هذه السنة، تفرق ولد معاوية، وولد هشام، وكل من فيه ~~بقية من ولد مروان وأمية. فخرج عبد الرحمن بن معاوية مختفيا PageV02P040 # من موضع إلى موضع، وهمه الأندلس، لما كان في نفسه من أمرها ومن الأثر ~~المروي عنه فيها. فوصل إلى مصر؛ ثم سار منها إلى برقة؛ فبقى فيها مستترا ms289 ~~مدة. ثم رحل عنها؛ فأوغل في المغرب. قال بدر مولاه: (فأدركته في الطريق، ~~وجهتني إليه أم الأصبغ أخته شقيقته بدنانير وشئ من الجوهر يستعين بها على ~~النفقة والوصول؛ فوصل إلى إفريقية، وصاحبها عبد الرحمن بن حبيب، ومعه يهودي ~~قد خدم مسلمة بن عبد الملك؛ وسمعه يحدث بخبر القرشي الذي يكون من بني أمية ~~يتغلب على الأندلس، اسمه عبد الرحمن، ذو ضفيرتين؛ فنظر إلى عبد الرحمن؛ ~~فوجده بضفرتين؛ فقال لليهودي: (ويحك!) هذا هو المذكور، وأنا قاتله!) فقال ~~له اليهودي: (إن يك ذلك، لم تقتله!) ثم صار ابن حبيب يقتل الواصلين إليه من ~~بني أمية، ويأخذ أموالهم. فهرب عبد الرحمن عن القيروان، ونجا يريد الأندلس، ~~ويشغل نفسه بها لما كان عنده من الروايات في علم الحدثان من قبل مسلمة بن ~~عبد الملك أخي جده وغيره. فسار حتى أتى تادلا من قبائل المغرب؛ فناله عندهم ~~تضييق وأخبار يطول ذكرها. ثم هرب من عندهم حتى أتى نفزة، وهم أخواله؛ فإن ~~أمه كانت من سبيهم. قال بدر: (فجزت إلى الأندلس، واجتمعت بعبيد اله بن ~~عثمان بساحل البيرة، في آخر سنة 136؛ ثم انصرفت في سنة سبع بعدها، وأقمت ~~عنده مدة؛ ثم كررت منصرفا إلى الأندلس في موالي عبد الرحمن. # حدث عبد الرحمن، قال: (دخلت الأندلس، وأنا أضبط جلية مسلمة ابن عبد ~~الملك؛ فإنه أتى جدي هشاما يوما؛ فوجدني عنده صبيا؛ فأمر جدي بتنحيتي عنه؛ ~~فقال له مسلمة: (دعه يا أمير المؤمنين! فإنه صاحب بني أمية ومحيي دولتهم ~~بعد زوالها!) فلم أزل أعرف لي مزية من جدي بعد.) # قال الرازي: وفي سنة 137، ثار الحبحاب بن رواحة بجهة سرقسطة؛ PageV02P041 # وتظافر معه على ذلك عامر بن عمرو العبدري من بني عبد الدار بن قصي؛ وكان ~~قد هرب من قرطبة خوفا من يسوف؛ وكان عامر هذا أحد رجال مضر، (وقد فشا) ~~بالأندلس نجدة وشرفا وعلما وأدبا؛ وكان يلي المغازي بالصوائف من قبل يوسف ~~الفهري؛ وكان سلطان الفهري يومئذ قد ضعف لأجل المحل المتوالي بالأندلس. ~~وكان الصميل قد لزم الثغر في ms290 تلك الأعوام، لأنه كان أشبه من غيره في الخصب؛ ~~فلما خاف عامر هذا على نفسه من الفهري والصميل، خرج فارا بنفسه، وقصد ~~الحبحاب بن رواحة، واستجاشا. فأجابهما رجال من اليمانية وناس من البربر؛ ~~فحصرا الصميل بسرقسطة حصارا شديدا، حتى يئس من الحياة، وهم بالإلقاء بيده؛ ~~وكتب إلى يوسف يسأله الإمداد؛ فلم يجد في الناس منهضا. فلما أبطأ عليه مدد ~~يوسف، واشتد الحصار، كتب إلى قومه من جند قنسرين ودمشق، يعظم عليهم الخطب، ~~ويناشدهم الرحم؛ فقام له بذلك عبيد بن علي الكلائي؛ وأكثر كلاب وهوازن ~~وغطفان والأزد تقدم رجلا وتؤخر أخرى، ولم يكن لهم رأس يجمعهم. فلما نهض ~~عبيد بن علي ومضى داعيا في الجندين إلى نصر الصميل، تحركت جماعة كلاب ~~ومحارب، إلا كعب بن عامر وعقيل وقشير والحريش؛ فإنهم كانوا منافسين لبني ~~كلاب، لأن الرياسة يومئذ بالأندلس كانت فيهم؛ وكان بلج قشيريا؛ فضمهم ~~الصميل. # ولم يجتمع من هذه القبائل إلا نحو أربعمائة فارس؛ فاستقلوا أنفسهم؛ ثم ~~صمموا، وخف معهم يومئذ قوم من بني أمية في نحو ثلاثين فارسا؛ وخرج معهم أبو ~~عثمان عبيد الله بن عثمان مولاهم، وخرج أيضا معهم عبد الله بن خالد بن أبان ~~بن أسلم، مولى عثمان بن عفان - رضي الله عنه -؛ وكان عبد الله وعبيد الله ~~يتواليان حمل لواء بني أمية بالأندلس بعد، ويتعاقبان في ذلك. وكان لهما ~~ولبني أمية في هذا المجتمع يومئذ بلاء معروف مشهور، وإنما أراد أن يقدما ~~بذلك يدا عند الصميل، لما كانا بنيا عليه من اطلاعه على أمر PageV02P042 # عبد الرحمن بن معاوية؛ وكانا واثقين بالصميل، وأنه، إن لم يجبهما، كتم ~~عليهما؛ وكذلك فعل؛ فإنه كتم عليهما كتمانا عجيبا. فكان هذا هو الذي دعاهم ~~إلى إمداد الصميل واستنفاذه لاعتداد اليد عليه؛ ورأسوا على أنفسهم ابن شهاب ~~استئلافا له؛ ومشى الجميع. فلما بلغوا وادي طليطلة، بلغهم أن الحصار اشتد ~~وأضر بالصميل، وأنه على الهلكة؛ فقدموا رسولا من قبلهم، وقالوا له: (ادخل ~~في جملة المحاربين للسور. فإذا قربت منه، ارم بهذه الأحجار!) وفي كل ms291 واحد ~~منها بيتان، وهما (وافر) : # ألا أبشر بالسلامة يا جدار ... أتاك الغوث وانقطع الحصار # أتتك بنات أعوج ملجمات ... عليها الأكرمون وهم نزار # ففعل الرسول ذلك. فلما وقعت الحجارة، أتى بها الصميل أو ببعضها؛ فقرئت ~~عليه؛ وكان أميا. فلما سمع ما فيها، قال: (ابشروا يا قوم! فقد جاءكم الغوث، ~~ورب الكعبة!) ومضى القوم يستحيشون كل من استجاب لهم، ومعهم الأمويون، وفي ~~جملتهم بدر رسول ابن معاوية. وكان عبد الرحمن قد بعث إليهم خاتمة ليكتبوا ~~به عنه إلى كل من رجوا نصره؛ فكتبوا عنه للصميل، يذكرون له أيادي بني أمية ~~عنده، وبعده، ويمنيه. فلما سمع العبدري والعذري بالمدد الواصل إليه، ~~ارتفعوا عنه، وانكشف وجه الصميل؛ فخرج، وتلقى القوم، ووصلهم على أقدارهم، ~~وكساهم، وقفل معهم بماله وحشمه. فلما زال الصميل عن سرقسطة، دخلها الحبحاب ~~وملكها. # ثم أطلع الأمويون الصميل على قصة ابن معاوية، وعرضوا عليه بدرا رسوله؛ ~~فأحسن إليه وقال لهم: (أروى في أمره.) وأقبل قافلا حتى دخل قرطبة. وانصرف ~~الأمويون إلى منازلهم، وبدر معهم. وقد كان الصميل اتفق مع الأمويون على ~~نصرة ابن معاوية، وأن يزوجه من ابنته. ثم رجع في قوله، وقال: PageV02P043 # (تأملت الأمر؛ فوجدته صعب المرام؛ فبارك الله لكما في رأيكما ومولاكما! ~~فإن أحب غير السلطان، فله عندي أن يواسيه يوسف، ويزوجه ويحبوه! انطلقا ~~راشدين!) فانقطع رجاؤهم يومئذ من ربيعة ومضر، ورجعوا إلى اليمن. قال بدر: ~~فلم نمر بيمني إلا دعوناه؛ فوجدنا قوما قد وغرت صدورهم، يتمنون سبيلا لطلب ~~ثأرهم؛ ثم رجعنا إلى جندنا؛ فابتعنا مركبا، ووجهنا فيه أحد عشر رجلا مع ~~بدر. قال: ومضى يوسف حتى أتى طليطلة، وأمضى بعثين إلى جليقية والبشكنش، ~~وأراد القفول إلى قرطبة؛ فلم يبعد حتى أدركه الرسول بهزيمة الجيش وقتل ~~عامته. فبينما هو ينظر في ذلك، إذ أتاه رجل من عند ولده من قرطبة، يعلمه أن ~~فتى من قريش، من ولد هشام بن عبد الملك، نزل بساحل المنكب؛ فاجتمع إليه ~~موالي القوم والأموية؛ فانتشر الخبر في العسكر، وشمت به الناس لما فعل ~~بالقرشيين؛ فانقض ms292 الناس من العسكر، وتنادوا بمشاعرهم، وتقدموا إلى كورهم. ~~فأصبح يوسف، وليس في عسكره غير قيس والصميل؛ فقال الصميل: (ما الرأي؟) قال: ~~(بادره الساعة، قيل أن يستعجل أمره!) فساروا إلى قرطبة؛ فكلما رجوا أن ~~يجتمع لهم بمن يخرجون لاستئصال شوكة ابن معاوية، لم يتجه لهم عمل. # وفي سنة 138، دخل عبد الرحمن بن معاوية الأندلس في غرة ربيع الأول؛ وهو ~~أبو الملوك. وكان خروجه من المركب بموضع يعرف بالمنكب؛ ثم نزل بقرية طرش من ~~كورة إلبيرة. فأقبل إليه جماعة من الأمويين، وقد أعد للأمير ما يصلحه من ~~المركب والمنزل والملبس. فغلظ أمر ابن معاوية، وأقبل الناس من كل مكان ~~إليه. فكتب يوسف الفهري إلى جماعة الأمويين، يحذرهم ويخوفهم؛ فقالوا له: ~~(إنما أقبل ابن معاوية إلينا وإلى جماعة مواليه، يريد المال، ليس فيما يظن ~~الأمير - أصلحه الله! - ولا فيما رفع إليه.) واعتذروا له PageV02P044 # بما أمكنهم. وأقبل وجوه الناس إلى ابن معاوية، وقالوا له: (خفنا مكر ~~الصميل، ولم نأمن غائلته؛ فعرفنا الفهري بكذا وكذا.) وكان ابن معاوية ببيت ~~في الجبال. # ومضى يوسف بن بخت إلى جند الأردن؛ فأخذ بيعة جميعهم؛ ومضى عبد الله بن ~~خالد إلى جند حمص؛ ومضى تمام بن علقمة إلى أهل فلسطين؛ وأقبل الناس من كل ~~مكان. فلما ضاقت الأحوال بالفهري، ولم يأته من الأجناد إلا اليسير، أدار له ~~الصميل الرأي، وأمره بالمكر بابن معاوية والمخادعة له، ورجا ذلك منه لحداثة ~~سنه، وقال له: (هو قريب عهد بزوال النعمة؛ فهو يغتنم ما تدعوه إليه؛ ثم أتت ~~بعد ذلك متحكم فيه وفي الذين سعوا له بما تحب!) فأجمع رأيه على تأنيسه بأن ~~يزوجه ابنته ويسكنه في أي الجندين شاء، من دمشق أو الأردن، أو يسكن بينهما، ~~ويصير إليه أمر الكورتين. وبعث إليه بكسوتين ومطيتين وخمسمائة دينار، ووجه ~~إليه كاتبه خالد بن يزيد، وقال له: (اعرف أمره وأي جند عنده، وتأمل أخباره ~~وأخبار من معه!) فخرج في الليل مع أصحابه، وأصبحوا على ابن معاوية بالمال ~~والكسوة والمطيتين. ووجه أيضا إلى بدر فرسا ومائة ms293 دينار وكسوة. فقبل ابن ~~معاوية الهدية، وكره التزويج؛ فتكلم خالد بكلام غليظ لابن معاوية إذ أبى ~~التزويج؛ فأمر به؛ فضم إلى وثاق، ورد غيره إلى يوسف؛ ولم يرد عليه جوابا. # وكان يوسف قد كتب إلى ابن معاوية كتابا. وهذه بعض فصول منه: (أما بعد، ~~فقد انتهى إلينا نزولك بساحل المنكب، وتأبش من تأبش إليك ونزع نحوك من ~~السراق وأهل الختر والغدر ونقض الأيمان المؤكدة، التي كذبوا الله فيها ~~وكذبونا! وبه - جل وعلا! - نستعين عليهم! ولقد كانوا معنا في ذرى كنف ~~ورفاهية غبش، حتى عصموا ذلك، واستبدلوا بالأمن خوفا، وجنحوا إلى النقض! ~~والله من ورائهم محيط! فإن كنت تريد المال وسعة الجناب، PageV02P045 # فأنا أولى لك ممن لجأت إليه! أكنفك، وأصل رحمك، وأنزلك معي إن أردت وبحيث ~~تريد! ثم لك عهد الله وذمته في ألا أغدر بك، ولا أمكن منك ابن عمي صاحب ~~إفريقية ولا غيره!) في كلام كثير. # قال ابن عيسى: فحدثني تمام بن علقمة أن عبد الرحمن، لما أتاه كتاب الفهري ~~بما فيه وبتزويجه ابنته، أشار عليه كل من أتاه من العرب والأمويين ألا يقبل ~~ذلك منه، إلا أن يعتزل له عن الملك ويبايعه، وإلا حاكمه إلى الله؛ وقالوا ~~له: (إنما يمكر بك، ولا يفي لك بشئ، لأن وزيره ومالك أمره الصميل، وهو غير ~~مأمون!) قال: فلما انكشف أمرنا عنده بما أظهرنا من الإباية ويحبس كاتبه ~~خالد ابن يزيد، رأينا أن تشهر أمرنا. فخرجنا إلى جدار بن عمرو وإلى جند ~~الأردن، واجتمعنا إليه، فأتيناه في ثلاثمائة فارس من جماعة الأمويين، وممن ~~أقبل إليه من وجوه العرب. ثم كاتبنا أهل قنسرين وفلسطين. فلما أقبلت إلينا ~~رسلهم بما أردنا، نهضنا إليهم؛ وكنا قد وطنا على الموت، وعزمنا على أن نقتل ~~دونه، وعقدنا له لواء. وأقمنا معه ستة أشهر، نبرم له أموره، ونكاتب له ~~الناس. وكنا خرجنا إليه في زي حسن عند خروجنا إليه بساحل البحر؛ ثم انتقل ~~من البيرة إلى كورة رية، إلى شذونة، إلى مورور، إلى كورة إشبيلية، والناس ~~يتلقونه بالبشر ms294 والترحيب، ويعطونه من الانقياد والطاعة أوفى نصيب. قال ~~تمام: فدخلنا رية في ستمائة فارس، وخرجنا منها في ألفي فارس؛ وخرجنا من ~~إشبيلية إلى قرطبة في ثلاثة آلاف فارس. فلما اجتمعت لنا الجموع، وبلغنا ما ~~يريد الفهري من الخروج إلينا، كتب الأمير عبد الرحمن الكتائب، وعبا ~~الأجناد، وخرج إليه؛ ودعا برجل من الأنصار؛ فعقد لواءه؛ وارتحل في جنوده، ~~حتى احتل بقرية على نهر قرطبة يوم الاثنين لست خلون من ذي الحجة. # وخرج الفهري إلى المصارة. وأقاما ثلاثة أيام متناطرين، والنهر حاجز ~~بينهما بحمله؛ ثم أصبح النهر يوم الخميس، وقد حسر ماؤه. فعبأ الأمير عبد PageV02P046 # الرحمن كتائبه، وتهيأ للحرب؛ فقدم على قبائل العرب أحدا من قواده، وعلى ~~البربر كذلك، وهو إبراهيم بن شجرة. وترجل حماة بني أمية؛ فحفوا بالأمير، ~~والأمير على فرسه متنكبا قوسه؛ فجاوز النهر، واقترب من المصارة؛ فتجاوز ~~العسكران، وتقارب المضطربان. وأقاما بقية يومهما في سكون وهدؤ، والرسل ~~تختلف من قبل يوسف، يرجو عقد الصلح. فلما أصبح يوم الجمعة، التقى الجمعان، ~~واستحرت الحرب والقتال. فمشى العلاء بن جابر العقيلي إلى الصميل؛ فقال له: ~~(يا أبا جوشن اتق الله! فوالله! ما أشبه هذا اليوم إلا بيوم المرج! وإن ~~عاره لباق علينا إلى اليوم؛ فإن الأمور يهتدي لها بالأقران والأمثال: أموي ~~وفهري وقيس واليمن! وهذا يوم عيد، ويوم جمعة؛ ويم المرج أيضا يوم جمعة! ~~والأمر، والله! علينا، لا شك في ذلك! فاتق الله، واغتنم لنا الأمر لنكون ~~فيه أعزاء لا أتباعا!) وكان العلاء هذا من وجوه قيس. ثم انهزم الفهري ~~وأصحابه، واستقبل القصر؛ فاعترض له عبد الأعلى بن عوسجة، وحال بينه وبين ~~دخوله، ورده عنه؛ فولى منهزما إلى سفح جبل قرطبة. واستولى الأمير عبد ~~الرحمن يومه ذلك على الملك، وتمت له بيعة العامة بقرطبة. وتمادى يوسف ~~الفهري في الفرار إلى البيرة. ### | خلافة عبد الرحمن بن معاوية ابن هشام بن عبد الملك # نسبه: عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن ~~أبي العاصي بن أمية. كنيته: أبو ms295 المطرف. أمه: بربرية من سبى المغرب، تسمى ~~راحا أو رداحا. وفي عبد شمس بن عبد مناف يلتقي نسبه بنسب رسول الله - صلعم ~~-. مولده: بموضع يعرف بدير حسينة من دمشق سنة 113؛ مات أبوه وتركه صغير ~~السن. وتوفي يوم الثلاثاء لست بقين من ربيع الآخر؛ وقيل: لعشر خلون من ~~جمادى الأولى سنة 172؛ ودفن بقصر PageV02P047 # قرطبة؛ وقد بلغ تسعا وخمسين سنة؛ وقيل: ستين سنة. فكانت مدة خلافته ثلاثا ~~وثلاثين سنة وأربعة أشهر ونصفا؛ ودخل الأندلس وهو ابن خمس وعشرين سنة أو ~~نحوها. بويع له بقرطبة يوم الأضحى من سنة 138. # وزراؤه أربعة: عبد الله بن عثمان، وعيد الله بن خالد، ويوسف بن بخت، ~~وحسان بن مالك. حجابه خمسة: تمام بن علقمة، ويوسف بن بخت، وعبد الكريم بن ~~مهران، وعبد الحميد بن مغيث، ومنصور فتاه. قضاته خمسة: يحيى بن يزيد ~~النجيبي، ومعاوية بن صالح، وعبد الرحمن بن طريف، وعمر بن شراحيل، والمصعب ~~بن عمران. وكان له قاض خامس في صوائفه يسمى جدار ابن مسلمة بن عمرو ~~المذحجي. نقش خاتمه: عبد الرحمن بقضاء الله راضي. صفته: طويل القد، أصهب، ~~أعور، خفيف العارضين، بوجهه خال، له ضفيرتان. وكان يسمى، صقر بني أمية. ~~ولده الذكور أحد عشر، والإناث تسع. # وفي سنة 139، خرج الأمير عبد الرحمن طالبا للفهري والصميل. فلما اتصل ~~بالفهري قصده إليه، لاذ عنه، وزال عن إغرناطة، فاقتفى الأمير عبد الرحمن ~~أثره، حتى إذا أوفى عليه، عاد إلى إغرناطة متحصنا بها؛ ونزل الأمير عبد ~~الرحمن عليه وحاصره. فلما تمادى به الحصار، سأل الفهري الأمان، وأن يعطي ~~ابنته رهنا؛ فأعطاه الأمير الأمان، وقبل منه ذلك، وكذلك الصميل. وانصرفا في ~~جملته إلى قرطبة، على أن يسكن الفهري منزله بالمدينة، والصميل داره بالريض. ~~واستوسق الأمر للأمير عبد الرحمن، وأمر بلعن المسودة وقطع الدعاء لأبي جعفر ~~المنصور. ودخل يوسف الفهري في عسكر الأمير كأحد رجاله؛ فأنزله على ماله، ~~وأطلق له عياله. # وفي هذه السنة ولد هشام بن عبد الرحمن الملقب بالرضي؛ وذلك لأربع خلون من ~~شوال. PageV02P048 # وفي سنة 140، تودع الأمير عبد ms296 الرحمن بقرطبة؛ فلم تكن له فيها حركة. ودخل ~~رجال من المشرق ومن بني أمية في هذه السنة؛ فأنزلهم الأمير، وأكرمهم، وأحسن ~~جوائزهم. # وفي سنة 141، هرب الفهري من قرطبة، ناكثا، ناقضا للأيمان بعد توكيدها؛ ~~فاجتمع إليه الناس، وبلغ جمعه عشرين ألفا من البربر وغيرهم. فلما رأى كثرة ~~ما اجتمع له، تحرك من ماردة، يريد الأمير عبد الرحمن. فلما بلغ الأمير ~~خبره، برز من القصر، وتقدم إلى المدور. وكان عبد الملك بن عمر المرواني ~~عاملا بإشبيلية، وابنه بكورة مورور؛ فحشدا من كان قبلهما من أهل الكورتين، ~~وتوافى الحشدان؛ فبرز به. واتصل بالفهري خروج الأمير إلى المدور وتوافى ~~الحشود على عبد الملك؛ فتوقع الفهري التشبك بين العسكرين؛ فصرف راياته إلى ~~عبد الملك؛ فالتقيا، ووقعت بينهما حرب شديدة؛ فانهزم يوسف، وتفرق أصحابه ~~عنه، وأتبعوا بالقتل. واتصل الفتح بعبد الرحمن، وهو بالمدور منتظرا لتوافي ~~الحشود؛ فأغناه عاجل الفتح؛ وفر الفهري بنفسه مختفيا. # وفي سنة 142، كان هلاك يوسف الفهري ومقتله بناحية طليطلة؛ وكان قد نهض ~~إليها، وتردد بناحيتها شهورا؛ فاغتاله بعض أصحابه، وقتله، واحتز رأسه، ~~وتقدم به إلى الأمير عبد الرحمن؛ فشكر الله على موته، وأمر بنصب رأسه على ~~جسر قرطبة، وأمر بقتل ابنه المرتهن، ونصب رأسه مع رأس أبيه. وتوفي الصميل ~~في الحبس؛ وقيل إنه خنق؛ وقيل إن الذي قتل الفهري عبد الله ابن عمرو ~~الأنصاري، لقيه على أميال من طليطلة، بقرية من قراها. فلما عرفه، قال لمن ~~معه: (هذا الفهري! وفي قتله الراحة له ومنه!) فتقدم إليه؛ فقتله، واحتز ~~رأسه، وتقدم به إلى الأمير. فلما قرب من قرطبة، وأعلم الأمير بخبره، أمر أن ~~يتوقف به دون القنطرة، وأمر بقتل ابنه المرتهن، وأخرج رأسه إلى رأس أبيه؛ ~~ووضعا في قناتين، وتقدم بهما إلى باب القصر. PageV02P049 # واختلف في أمر يؤسف الفهري؛ فقال بعضهم إنه لم ينكث بغيا، وإنما خوفا؛ ~~فخرج هاربا؛ فأخرج الأمير الخيل في طلبه؛ فأدركته بفحص البلوط؛ ثم أفلت؛ ~~وحشد ولده البربر بالشرق كله، وأقبل في جمع عظيم يريد قرطبة؛ فخرج إليه ~~الأمير؛ فالتقوا ms297 بمخاضة الفتح؛ فكان القتال بينهم حتى كاد الأمير عبد ~~الرحمن أن ينهزم؛ وقيل إنه أنهزم نحو الميل؛ فثبت ابنه سليمان في آخر ~~الناس؛ ثم تراجع الأمير حتى انهزم يوسف، ومضى في طلبه إلى قلعة رباح. # وقال بعضهم: إن يوسف، لما هرب إلى طليطلة، قبض الأمير عبد الرحمن على أبي ~~الأسود ابنه؛ فسجنه. وقام على يوسف موال له؛ فقتلوه، وأتوا به إلى الأمير ~~عبد الرحمن؛ فقال لهم: (عرفتم من هو؟) قالوا: (نعم! هو يوسف الفهري!) قال: ~~(أنتم لم تحفظوا مولاكم؛ فكيف تحفظونني وتنتظمون في طاعتي؟) فأمر بصرب ~~أعناقهم؛ وأمر بأبي الأسود إلى السجن؛ وكان السجن يومئذ يخرج الناس منه إلى ~~النهر لما يكون من الحاجة مع الموكلين بهم؛ فادعى ولد الفهري العمى، وفشا ~~له ذلك؛ فكان يقول: (من يقود الأعمى؟ يرحمه الله!) وكان يختلف إليه مولى ~~اسمه مفرج يقضي حوائجه ويلقاه على النهر تحت القنطرة. فلما اطمئن إليه، ولم ~~يستنكر خروجه، وشاع عليه العمى، قال لمفرج مولاه: (ابتع لي فرسا أنج عليه!) ~~ففعل وأعده له؛ فهرب عليه، ولحق بطليطلة. فغزاه الأمير عبد الرحمن ولقيه ~~مرارا، فكان آخر هزيمته إياه بقسطلونه؛ ومضى إلى ركانة، ولم يزل بها حتى ~~مات. فقام القاسم بن يوسف، أخو أبي الأسود؛ فأعقب على زوجته، وتولى ما كان ~~أبو الأسود يتولاه؛ فخرج إليه الأمير؛ فأجابه على أن يرد إليه أمواله، ~~ويستوثق منه بالعهود؛ ففعل الأمير ذلك، وانصرف معه إلى قرطبة. # وثار على الأمير عبد الرحمن عبد الغافر اليماني بإشبيلية، وتغلب على ما ~~جاور قرطبة؛ فخرج إليه الأمير؛ فخالفه عبد الغافر ونهض يريد قرطبة، رجاء أن ~~يجدها خالية، والإمام عبد الرحمن في الثغر يسد خلله، ويحسم علله؛ فقدم PageV02P050 # مسرعا حين وافاه الخبر، ولم يلو على ما تعذر، ومحلة عبد الغافر على وادي ~~قيس قد ملأت السهل والوعر. فداخل الإمام عبد الرحمن البربر؛ وكانوا العدد ~~الوافر الأكبر؛ فنزع الأكثر منهم إليه، وصاروا في حزبه ولدبه. ووقعت ~~الهزيمة على عبد الغافر، وأخذ من معه في الفرار والنفار؛ فلم يرفع الإمام ~~عنهم ms298 سيفا، وقتل منهم ثلاثين ألفا. وكانت هزيمة هي مد الدهر مذكورة، ~~والحفرة التي جمعت رؤوسهم بذلك المكان مشهورة. ومن (كتاب بهجة النفس) قال: ~~لما كان في النيل، تسرع عبد القادر إلى ناحية لقنت؛ وأسرع الأمير القتل في ~~جملته. ولم يذكر عددا. # وثار على الأمير عبد الرحمن حبوة من ملامس، وتغلب على إشبيلية وإسنجة ~~وأكثر الغرب، وحشد جموعا؛ فخرج إليه الأمير، وقاتله أياما، حتى هم الأمير ~~بالهزيمة. ثم إن حبوة انهزم ومضى إلى ناحية فريش، وكتب راغبا في العفو. # وفي سنة 146، ثار العلاءبن مغيث الجذامي بباجة، ودعا إلى طاعة أبي جعفر ~~المنصور ونشر الأعلام السود؛ فاتبعه الأجناد، وتطلعه العباد، إلى أن كادت ~~دولة الأمير أن تنصرم، وخلافته أن تنخرم. فخرج إليه من قرطبة، وصار ~~بقرمونة؛ فتحصن بها مع مواليه وثقات رجاله؛ فنازله العلاء بن مغيث منازلة ~~شديدة، وحاصره بها أياما عديدة؛ فلما طال الحصار هنالك، وتخلخل عسكر العلاء ~~لذلك، وعلم عبد الرحمن ما هم عليه من الانزعاج، وأنهم قد هموا بالإلجام ~~والإسراج، أمر بنار، فأوقدت، ثم أمر بأغمدة سيوف أصحابه، فأحرقت؛ وقال لهم: ~~(اخرجوا معي لهذه الجموع، خروج من لا يحدث نفسه بالرجوع!) وكانوا نحو ~~سبعمائة مفحصين إلى أعاديهم. فدارت الحرب بينهم طويلا، إلى أن صنع الله ~~جميلا؛ وزلزل قوم العلاء وأصحابه، فولوا منهزمين، وصار أمرهم PageV02P051 # آية للعالمين؛ وقتل العلاء فيمن قتل من أولئك الأقوام، وطيف برأسه في ذلك ~~المقام. # وقيل إن أبا جعفر المنصور كان أرسل إلى العلاء بن مغيث بولاية الأندلس. ~~فنشر الأعلام السود، وقام بالدعوة العباسية بالأندلس؛ فانحشر إليه الناس. ~~ولما ظفر به الإمام على ما تقدم، أخذ رأسه، وفرغ وحشي ملحا وصبرا، وجعل معه ~~لواء أبي جعفر المنصور، وأدخل في سفط؛ وبعثه مع رجال، وأمرهم أن يضعوا ~~السفط بمكة؛ فوافقوا المنصور بها حاجا في تلك السنة؛ فجعل السفط عند باب ~~سرادقه. فلما نظر إلى ما فيه، قال: (إنا لله! عرضنا بهذا المسكين للقتل! ~~الحمد لله الذي جعل البحر بيننا وبين هذا الشيطان!) يعني عبد الرحمن. هذا ~~مساق ms299 السالمي في (درر القلائد) . # ومن (بهجة النفس) قال: وكانت ثورة العلاء بموضع يقال له لقنت من عمل ~~باجة. فأظهر سجل المنصور ولواءه، وجمع إلى نفسه من أجابه، ونهض إلى باجة؛ ~~فأخذها، وتغلب منها على جميع الغرب، وخرج يريد الأمير عبد الرحمن؛ فسار حتى ~~انتهى إلى المدور. وكان الأمير يومئذ قد خرج غازيا إلى شرق الأندلس؛ فرجع ~~إذ بلغه أمر العلاء؛ فلما دنا من قرطبة، أمر من كان معه من أهل إشبيلية أن ~~يفروا في المدور، إذ كان قد اتهمهم لميل أهل إشبيلية إلى العلاء؛ ثم نهض، ~~وكتب سرا إلى بدر مولاه يأمره بقتلهم، كان الظفر له أو عليه. ومضى العلاء؛ ~~فالتقى معه. فكانت بينهما حروب وزحوف. ثم قتل العلاء بمقربة من قرمونة، ~~وقضت جموعه. وقتل من أصحابه نحو ستة آلاف. وأمر الأمير بحز رأس العلاء ~~ورؤوس أشراف أصحابه؛ وقرطت فيها صكوك بأسمائهم، وجعلت في أوعية؛ وندب ~~الأمير بها قوما توجهوا بها إلى القيروان؛ فطرحوها في الليل في الأسواق. ~~فتسمع الناس أمرها، وأتصل الأمر بأبي جعفر؛ فانكسرت حدته. وقيل إن الذي هزم ~~العلاء بدر مولى عبد الرحمن بن معاوية، والله أعلم. PageV02P052 # وفي سنة 147، وجه الأمير عبد الرحمن بدرا مولاه وتمام بن علقمة في جيش ~~كثيف إلى طليطلة، وبها هشام بن عروة ثائر؛ فحاصراه حتى سئم أهل طليطلة ~~الحصار؛ فكاتبوا بدرا وتماما، وسألوهما الأمان على أن يسلموا لهما ابن عروة ~~وهشام بن حمزة بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب، وحيوة ابن الوليد؛ وكانوا ~~يدا واحدة. فأسلموهم إليهما، وخرج بهم تمام إلى قرطبة؛ فلقيه عاصم بن مسلم؛ ~~فقبض منه الأسرى، وعهد إليه عن الأمير أن يكر إلى طليطلة واليا عليها، ~~ويقبل بدر إلى قرطبة. وأقبل عاصم بالأسرى؛ فلما احتل بقرية حلزة، خرج إليه ~~ابن الطفيل، ومعه حجام وحباب صوف وسلال؛ فحلق رؤوسهم ولحاهم، وألبسهم جباب ~~الصوف، وأدخلهم في السلال، وحملهم على الحمر؛ فأتى على تلك الحال إلى خشب ~~قد أعدت لهم، فصلبوا فيها. وكتب إلى البلدان بفتح طليطلة. # وفي سنة 149، ثار سعيد ms300 البحصي المعروف بالمطري بكورة ليلة؛ واجتمعت ~~اليمانية إليه، ولاذوا بحقوبه. ثم سار إلى إشبيلية، وتغلب عليها قسرا، ولم ~~يجد أهلها في مدافعته نصرا. فكثر عدده، وتأزر عضده؛ وعاد عسكره مهولا، قد ~~أخذ وعورا وسهولا. فسار إليه الأمير عبد الرحمن في جيوش عظيمة المدد، ~~مجهولة العدد، حتى نزل عليه بقلعة زعواق؛ وكان المطري قد تحصن بها، ولاذ ~~بجانبها؛ فحصره فيها حصرا، وأرهقه من أمره عسرا، حتى خرج متعرضا للحرب في ~~جماعة من فرسانه الأكابر، ومن اختصه من أولئك البرابر؛ فلم تنشب الحرب ~~بينهم إلا قليلا، وقتل المطري ومن معه تقتيلا. وجئ برأسه إلى الأمير عبد ~~الرحمن؛ فأمر للحين برفعه في طرف سنان. # وفيها، قتل الأمير عبد الرحمن أبا الصباح بن يحيى البحصبي. وكان قد ولاه ~~إشبيلية، ثم عزله عنها؛ فجمع إليه أهل الخلاف وصار عليه؛ فوجه إليه الأمير ~~مولاه تماما ملاطفا له؛ فقدم معه قرطبة في أربعمائة رجل على غير عهد؛ PageV02P053 # فأوصله تمام إليه؛ فعاتبه؛ فأغلظ له أبو الصباح في الجواب؛ فأمر بقتله؛ ~~ثم أمر بإخراج رأسه والهتف عليه. # وفي سنة 150، هاجت فتنة البربر بشنت برية. # وفيها، غزا بدر إلى الثغر، وتقدم إلى ألبة؛ فحاربها؛ فأذعنت له، وأدت ~~إليه الجزية. وأمر بامتحان الرجال بتلك الناحية، واختبار بصائرهم؛ فاستقدم ~~منهم من اطلع له على سوء سريرة وشبهة في الثغر. # وفي سنة 152، ثار رجل من البربر، ادعى أنه من ولد الحسن بن علي - رضي ~~الله عنه -؛ وكان أصله من مكناسة العدوة؛ وكانت أمه تسمى فاطمة؛ فادعى أنه ~~فاطمي؛ وتجمع له الغوغاء. فخرج إليه الأمير من قرطبة، وخلف بها ابنه هشاما؛ ~~فتقحم الجبال أمامه بمن كان معه، وانصرف الأمير إلى قرطبة. فأقبل الفاطمي، ~~وقتل عامل شنت برية؛ وغلظ أمره. فكان الأمير يرسل إلى قتاله بعض الفيالق؛ ~~فيتعلق بالجبال الشواهق. # وفي سنة 152، خرج الأمير عبد الرحمن لغزو الداعي الفاطمي؛ فهرب وركب ~~الوعر؛ فانصرف الأمير. فرجع الفاطمي؛ فغراه بدر بالصائفة؛ فوجده بجهة ~~شبطران؛ فأتبعه رجاء أن يدركه. فدخل المفاوز، وانقطع أثره. ومضى هذا ~~الفاطمي إلى مدلين؛ ms301 وكان عامله أبو زعبل الصدفوري. فتمادت فتنته من سنة 150 ~~إلى سنة 160، إلى أن اغتاله بعض أصحابه؛ فقتله، وعفره هناك وجدله. # وفي سنة 154، تهدن الإمام عبد الرحمن بقرطبة، ولم تكن له بها حركة. # وفي سنة 155، خرج الإمام عبد الرحمن من قرطبة؛ فحل بشنت برية. وقدم عليه ~~هلال من أبناء المديوني؛ فكتب له عهدا على قومه، وأقره على موضعه؛ PageV02P054 # وكان رأس البربر في شرق الأندلس. وقلده أمر الفاطمي المتقدم الذكر؛ فكان ~~في ذلك الراحة منه، وتفرقت بفعله ذلك كلمة البربر، وانحلت عقدة الفاطمي، ~~وانصرف من شنت برية إلى الجوف. # وفي سنة 156، ثار على الأمير عبد الرحمن عبد الغافر اليحصبي، وخلع طاعته. ~~وكان الأمير بناحية الشرق؛ فكتب إليه بدر من قرطبة؛ فطوى المراحل إليه؛ ثم ~~تقدم إلى إشبيلية؛ فوضع السيف فيه وفي أصحابه؛ فقتلوا قتلا ذريعا. وأفلت ~~عبد الغافر؛ فركب البحر، ونجا إلى المشرق. # وفي سنة 157، خرج الأمير عبد الرحمن إلى ناحية الغرب، واحتل بإشبيلية، ~~وقتل بها خلقا كثيرا ممن كان بسيل عبد القادر، وقطع آثارهم، ووطد الطاعة. ~~ثم انصرف معجلا، لأنه إنما قصد امتحان أهل إشبيلية وتمحيصهم. وقيل: كان ذلك ~~سنة 158. # وفي سنة 159، غزا الإمام عبد الرحمن قورية، وقصد في طريقه ذلك البربر ~~الذين غدروا بأبي زعبل ومكنوه من الفاطمي، فقتله؛ فدوخ بلد البربر، وقتل ~~منهم خلقا كثيرا وأذلهم. وأخذ أبا مزكانة المصمودي، وهو عباس ابن قلعوش. # وفي سنة 160، أخرجت الصائفة إلى الفاطمي؛ وكان في أحواز شنت برية؛ فعورض ~~بالخيل، وقطعت عاديته. # وفي سنة 161، وقيل سنة 162، دخل إلى الأندلس عبد الرحمن بن حبيب الفهري ~~المعروف بالصقلبي؛ فنزل كورة تدمير؛ فاستقر بها، ولم تبد منه في تلك السنة ~~عادية؛ وإنما لقب بالصقلبي لأنه كان طويلا، أشقر، أزرق، أمعر. PageV02P055 # وفيها، حمل نهر قرطبة حملا عظيما، حتى سد حنايا القنطرة وهدم بعضها ~~وزلزلها؛ وبقى كذلك يومين. # وفي سنة 163، ثار عبد الرحمن بن حبيب الفهري، المتقدم الذكر في السنة قبل ~~هذه، في ناحية تدمير؛ فغزاه الأمير عبد الرحمن؛ فهرب ابن حبيب وتعلق ~~بالوعر؛ فجال العسكر ms302 في كورة تدمير، وتقدم إلى كورة بلنسية، بعد أن أحرق ~~المراكب بساحل البحر. ثم إن مشكارا البربري فتك بابن حبيب الصقلبي وقتله. # وفيها، ثار ابن شجرة بمورور؛ فخرج إليه بدر يوم الأضحى؛ فألقاه على غرة ~~فقتله، وكتب إلى الإمام بالفتح. وقيل: بل كان ذلك في سنة 162. # وفي سنة 164، غزا الإمام عبد الرحمن الرماحس بن عبد العزيز؛ وكان على شرط ~~مروان بن محمد؛ فلحق بالأندلس؛ فولاه الإمام الجزيرة؛ فخلع طاعته؛ فخرج ~~إليه واحتل بالجزيرة؛ فوجد الرماحس في الحمام؛ فلم يشعر إلا وخيل الإمام ~~تجوس الديار؛ فأعجل الرماحس عن لبس ثيابه، وخرج في ملحفة مصبغة؛ فدخل في ~~قارب، ونجا إلى العدوة. ووجد الأمير عبد الرحمن في سجنه جماعة من الأمويين؛ ~~فأطلقهم. # وفي سنة 165، ثار على الأمير عبد الرحمن الحسين بن يحيى بن سعد بن عيادة ~~الأنصاري بسرقسطة؛ فسار إليه بالجماهير؛ والعسكر الشهير؛ فحاصره بسرقسطة ~~حصارا، وقدم لقتاله أحزابا وأنصارا، إلى أن خرج طائعا إليه، متراميا عليه؛ ~~فقبل إنابته، ولم يحرم إجابته. فلما عفا عنه، وأغضى عما كان منه، أبقاه ~~بسرقسطة واليا. وقفل الأمير إلى قرطبة سامي اللواء، قاهر الأعداء. ثم إن ~~الحسين خفر الذمة، وكفر النعمة، وأعلن بالنفاق إعلانا، وأرسل في PageV02P056 # الشقاق عنانا؛ فسار إليه الإمام أيضا، ونازله نزالا، وأذاق سرقسطة نكالا، ~~إلى أن فتحها بنقب سورها فتحا شنيعا، وقتل الحسين وأصحابه قتلا ذريعا. وولى ~~عليهم علي بن حمزة، وقفل إلى قرطبة طاهر العزة. # ومن (كتاب بهجة النفس) قال: وفي سنة 167، غزا الإمام سرقسطة إلى حسين بن ~~يحيى؛ فحاصره حتى أخذ المدينة عنوة، وقتل حسينا بالدمغة وجماعة معه؛ وأخرج ~~أهل المدينة عنها إلى قرية على ثلاثة أميال ليمين لزمته فيهم؛ ثم صرفهم ~~إليها بعد أيام، وقفل إلى قرطبة. # وفي سنة 168، أراد المغيرة بن الوليد بن معاوية القيام على الإمام؛ وكان ~~وطنه يومئذ بالرصافة؛ فانكشف له يومئذ أمره من قبل بعض من تعاقد معه؛ ~~فأحضرهم بين يديه، وأقروا؛ فأمر بقتلهم، واستبقى الناضح لهم. وتحول الإمام ~~عبد الرحمن يومئذ من الرصافة إلى قصر قرطبة. ms303 # وفي سنة 169، ثار على الأمير عبد الرحمن محمد بن يوسف الفهري، الذي كان ~~في تعامه وهرب؛ وكان قد تحرك من طليطلة وجهة الشرق بالحشود. وبلغ الإمام ~~خبره؛ فأمر بحشد الكور، والتقى معه في مخاضة الفتح؛ فكان بينهم زحف وقتال ~~أياما؛ ثم انهزم محمد المذكور؛ فقتل رجاله، وأفنى عدده. وكانت هذه الوقعة ~~يوم الأربعاء مستهل ربيع الأول من السنة. قال الرازي قتل فيها أربعة آلاف ~~رجل، سوى من تردى في الوادي، وهلك في المهاوي. وهرب محمد بن يوسف هذا إلى ~~قورية. # وفي سنة 170، خرج الأمير عبد الرحمن إلى محمد بن يوسف الفهري، حتى بلغ ~~قورية. ففر أمامه، وأدركت الخيل عياله وأصحابا له؛ فقتل من أدرك PageV02P057 # وأحرقت دوره. وانقطع محمد بن يوسف وحده، وانحاش إلى غياض. وأوقع الأمير ~~ببربر نفزة؛ فأذلهم، وأذهب عاديتهم. ثم مات محمد بن يوسف بقرية ركانة من ~~عمل طليطلة. # وفي سنة 171، قام قاسم بن عبد الرحمن الفهري، عم محمد بن يوسف أخو يوسف ~~الفهري، وخلع الطاعة؛ فلما تحرك أمره، وجه إليه الأمير عبد الرحمن الجيوش؛ ~~فأذعن له بالطاعة. # وفي سنة 170 المتقدمة، أمر الأمير عبد الرحمن بتأسيس المسجد الجامع بحضرة ~~قرطبة؛ وكانت بموضعه كنيسة؛ فأنفق فيه مائة ألف بالوازنة. # وفي سنة 172، مات الإمام عبد الرحمن بن معاوية - رحمه الله! - وذلك يوم ~~الثلاثاء لست بقين من ربيع الآخر من السنة المذكورة. ### | ذكر بعض أخباره على الجملة # كان الإمام عبد الرحمن فصيحا، بليغا، حسن التوقيع، جيد الفصول، مطبوع ~~الشعر. مما أملاه على كاتبه إلى سليمان بن الأعرابي: (أما بعد، فدعني من ~~معاريض المعاذير، والتعسف عن جادة الطريق! لتمدن يدا إلى الطاعة، والاعتصام ~~بحبل الجماعة، أو لألقين بنابها على رضف المعصية نكالا بما قدمت يداك! وما ~~الله بظلام للعبيد!) . # وكتب عنه أمية بن زيد كتابا إلى بعض عماله، يستقصره فيما فرط من عمله؛ ~~فأكثر وأطال الكتاب. فلما لحظه عبد الرحمن بن معاوية، أمر بقطعه، وكتب بخط ~~يده: (أما بعد، فإن يكن التقصير لك مقدما، فعد الاكتفاء أن يكون لك مؤخرا. ~~وقد ms304 علمت بما تقدمت؛ فاعتمد على أيهما أحببت!) PageV02P058 # وثار عليه ثائر؛ فغزاه وظفر به. فبينا هو في الطريق، إذ نظر إلى الثائر، ~~وهو على بغل في كبوله، وتحت الأمير عبد الرحمن فرس له؛ فلما لحقه، قنع رأسه ~~بالقناة، وقال: (يا بغل! ماذا تحمل من الشقاق والنفاق!) فقال الثائر: (يا ~~فرس! ماذا تحمل من العفو والإشفاق!) فقال: (والله! لا ذقت موتا على يدي!) ~~فأطلقه. # ومن شعره البديع الرائق، ما كتب به إلى بعض من طرأ عليه من قريش؛ وكان قد ~~استقل جرايته، واستطال بقرابته، وسأله الزيادة له والتوسعة؛ فكتب إليه بهذه ~~الأبيات (بسيط) : # سيان من قام ذا امتعاض ... بمنتضى الشفرتين نصلا # فجاب قفرا وشق بحرا ... مساميا لجة ومحلا # فبز ملكا وشاد عزا ... وناثرا للخطاب فصلا # وجند الجند حين أودى ... ومصر المصر حين أجلا # ثم دعا أهله جميعا ... حيث أنتؤوا أن هلم أهلا # فجاء هذا طريد جوع ... شريد سيف أبيد قتلا # فنال أمنا ونال شبعا ... ونال مالا وحاز أهلا # وذكر أن أيا جعفر المنصور قال يوما لبعض جلسائه: (أخبروني: من صقر قريش ~~من الملوك؟) قالوا: (ذاك أمير المؤمنين الذي راض الملوك، وسكن الزلازل، ~~وأباد الأعداء، وحسم الأدواء!) قال: (ما قلتم شيئا!) قالوا: (فمعاوية؟) ~~قال: (لا!) قالوا: (فعبد الملك بن مروان؟) قال: (ما قلتم شيئا!) قالوا: (يا ~~أمير المؤمنين! فمن هو؟) قال: (صقر قريش عبد الرحمن بن معاوية، الذي عبر ~~البحر، وقطع القفر، ودخل بلدا أعجميا، منفردا بنفسه؛ فمصر الأمصار، وجند ~~الأجناد، ودون الدواوين، وأقام ملكا عظيما PageV02P059 # بعد انقطاعه، بحسن تدبيره، وشدة سكيمته. إن معاوية نهض بمركب حمله عليه ~~عمر وعثمان، وذللا له صعبه؛ وعبد الملك ببيعه أبرم عقدها؛ وأمير المؤمنين ~~يطلب عنزته، واجتماع شيعته. وعبد الرحمن منفرد بنفسه، مؤيد برأيه، مستصحب ~~لعزمه، وطد الخلافة بالأندلس، وافتتح الثغور، وقتل المارقين، وأذل الجبابرة ~~الثائرين!) فقال الجميع: (صدقت، والله، يا أمير المؤمنين!) وكان الإمام عبد ~~الرحمن من أهل العلم، وعلى سيرة جميلة من العدل. ومن قوله رحمه الله!) ~~يتذكر وكنه (خفيف) : # أيها الراكب الميمم أرضي ... اقرأ ms305 بعض السلام عني لبعضي # إن جسمي كما تراه بأرض ... وفؤادي ومالكيه بأرض # قدر البين بيننا فافترقنا ... وطوى البين عن جفوني غمض # قد قضى الله بالبعاد علينا ... فعسى باقترابنا يوف يقضي # وله من الشعر كثير مشهور. وذكر الرازي أن الإمام عبد الرحمن، أول نزوله ~~بمنية الرصافة واتخاذه لها، نظر فيها إلى نخلة؛ فهاجت شجنه، وتذكر وطنه؛ ~~فقال على البديهة (طويل) : # تبدت لنا وسط الرصافة نخلة ... تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل # فقلت شيهي في التغرب والنوى ... وطول التناءي عن بني وعن أهلي # نشأت بأرض أنت فيها غريبة ... فمثلك في الإقصاء والمنتاي مثلي # سقاك غوادي المزن من صوبها الذي ... يسح ويستمري السماكين بالوبل # وكان - رحمه الله! - قد عقد العهد لابنيه هشام وسليمان. فولى بعده هشام، ~~على ما أذكره. PageV02P060 ### | خلافة هشام الرضي بن عبد الرحمن الداخل # كنيته: أبو الوليد. مولده: سنة 139. أمه تسمى جمال. نقش خاتمه: (بالله ~~يثق عبده هشام وبه يعتصم) . صاحب شرطته: عبد الغافر بن أبي عبدة. وزراؤه: ~~ثمانية. كتابه: اثنان: فطيس بن عيسى، وخطاب بن زيد. قاضيه: المصعب بن ~~عمران. صفته: أبيض مشرب بحمرة، بعينيه حول. حاجبه: عبد الرحمن بن مغيث. ~~بنوه: الذكور ستة، والإناث خمس. # بويع يوم الأحد مستهل جمادى الأولى من السنة. وكان عند موت أبيه بمدينة ~~ماردة؛ فوافاه الخبر؛ فطرق، ووصل قرطبة بعد ستة أيام. فبايعه الخاصة ~~والعامة. وكان أخوه بطليطلة؛ وكان أكبر سنا منه فلما اتصل به خبر أبيه، حشد ~~الحشود، وجند الجنود، يريد قرطبة، مخالفا لأخيه. فلما حصل بجيان، خرج إليه ~~هشام في أجناده، والتقى معه بجهة بلج؛ فوقعت بينهم حرب شديدة؛ فانهزم ~~سليمان، وأسلم عسكره، وفر على وجهه. وقفل هشام إلى قرطبة ظافرا في أجناده. # وتوفي هشام ليلة الخميس لثلاث خلون من صفر سنة 180؛ فكان عمره أربعين سنة ~~وأربعة أشهر وأربعة أيام؛ فكانت مدة دولته وخلافته سبع سنين وتسعة أشهر ~~وثمانية أيام. # وقيل إن عبد الرحمن بن معاوية - رحمه الله! - لما حضرته الوفاة، وابنه ~~هشام بماردة، وابنه الآخر سليمان بطليطلة، وكل ابنه عبد الله ms306 المعروف ~~بالبلنسي، وقال له: (من سبق إليك من أخوتك، فأرم إليه بالخاتم والأمر! فإن ~~سبق إليك هشام، فله فضل دينه وعفافه واجتماع الكلمة عليه؛ وإن سبق إليك ~~سليمان، فله فضل سنه ونجدته وحب الشاميين إليه!) فقدم هشام من ماردة قبل ~~سليمان؛ فنزل بالرصافة، وخاف من عبد الله أخيه، إذ صار PageV02P061 # متمكنا من قرطبة والقصر والأموال، أن يدافعه. فخرج إليه أخوه عبد الله، ~~وسلم عليه بالخلافة، ودفع إليه الخاتم، كما أوصاه أبوه، وأدخله القصر. # قال الرازي: ولما صار الأمر إلى هشام، واتصل ذلك بسليمان أخيه، أخذ بيعة ~~أهل طليطلة وما جاورها لنفسه، وغلب عليها. وشغله أمر أخيه هشام. فثار سعيد ~~بن الحسين الأنصاري بساغنت من إقليم طرطوشة، وأقبل إلى سرقسطة؛ فأخرج منها ~~وإليها، وضرب بين الناس، ودعا إلى نفسه وإلى الفتنة؛ فأرسلها مضرية ~~ويمانية. وحشد موسى بن فرتون إلى سرقسطة؛ فأخذها؛ وكان على دعوة المضرية؛ ~~فالتقى مع اليمنيين. وكانت بينهم حرب؛ فقتل منهم جماعة، ودخل سرقسطة. ثم ~~قدم مطروح بن سليمان بن الأعرابي على دعوة أبيه من برسلونة؛ فتغلب على وشقة ~~وسرقسطة والثغر كله. # وفي سنة 173، طمحت نفس عبد الله البلنسي أخي هشام إلى الإمارة؛ وقد كانت ~~في يده أولا، ولم يرض منه إلا بمشاركته، وذلك بعد سبعة أشهر من وفاة ~~والدهما. وكان هشام يبره، ويترضاه، ويفضله على الكثير من اخوته؛ فلم يقنعه ~~ذلك، وخرج يريد أخاه سليمان بطليطلة. فلما بلغ الأمر إلى هشام، أشفق من ~~ذلك، وأخرج إليه من يرضيه ويرده؛ فلم يدركه. ومضى حتى قدم طليطلة. # وفي هذه السنة، خرج هشام إلى أخيه سليمان بطليطلة. فلما نزل عليه، خرج ~~سليمان مستخفيا، وخلف أخاه عبد الله وابنه داخل المدينة، ونهض يريد انتهاز ~~الفرصة؛ فطوى المراحل، حتى احتل بشقندة. فخرج أهل قرطبة مدافعين له. وبلغ ~~هشاما خبره؛ فلم يكترث لذلك. ووجه ابنه عبد الملك يقفو أثره؛ فلما قرب منه، ~~ولى سليمان منهزما، وقطع إلى غير وجهة حتى خرج متعسفا إلى ناحية ماردة؛ ~~وكان عاملها حدير المعروف بالمذبوح؛ فخرج إليه؛ فهزمه. وتمادى ms307 الأمير هشام ~~في حصار طليطلة شهرين وأياما؛ ثم قفل عنها. PageV02P062 # وفي سنة 174، انصرف عبد الله البلنسي إلى أخيه هشام بلا عهد ولا أمان؛ ~~فأنزله الإمام هشام عند ابنه الحكم. # وفيها، أغزى هشام ابنه معاوية إلى تدمير، وقائداه شهيد بن عيسى وتمام ابن ~~علقمة؛ فدوخوا تدمير (وهي مرسية) ، وبلغوا البحر. وكان سليمان (يعني أخا ~~هشام) قد حصل في بعض ثغور تدمير؛ فطلب سليمان الأمان؛ فاشترط عليه الأمير ~~هشام الخروج عن الأندلس، ويعطيه ستين ألف دينار؛ فركب سليمان البحر بأهله ~~وولده، واحتل ببلاد البربر. فكفاه الله أمر إخوته. # وفي سنة 175، أغزى هشام بن عبد الرحمن عبيد الله إلى سرقسطة، وبها يومئذ ~~مطروح المذكور؛ فحاصرها عبيد الله؛ ثم احتل بمدينة طرسونة، وألح عليها ~~بالمحاصرة، حتى ضاق ذرع أهل سرقسطة، وضجوا من تمادي الحصار؛ فخرج مطروح في ~~بعض الأيام متصيدا، ومعه عمروس بن يوسف وابن صلتان؛ فلما أرسل بازيه على ~~طائر ونزل على الصيد، تعاوراه بسيوفهما حتى قتلاه، واحتزا رأسه، وتقدما به ~~إلى ابن عثمان، وهو بطرسونة؛ فتحرك إلى سرقسطة؛ فلم يمتنع عليه أحد من ~~أهلها؛ ودخل المدينة؛ فنزلها، وبعث برأس مطروح إلى الأمير هشام. # وفي سنة 176، أغزى الإمام هشام أبا عثمان عبيد الله بن عثمان إلى ألبة ~~والقلاع؛ فلقي بها أعداء الله بجموعهم متوافين؛ فهزمهم الله على يديه، ~~وقتلوا في السهل والوعر؛ وانتهى ما حيز من رؤوسهم إلى تسعة آلاف رأس ونيف. # وفي هذه السنة، غزا يوسف بن بخت إلى جليقية؛ فالتقى ببرمود الكبير، ~~وواضعه الحرب؛ فانهزم عدو الله، وانتهب المسلمون عسكره، وقتل فيهم مقتلة ~~عظيمة، وحز من رؤوسهم عشرة آلاف، سوى من لم يتمكن منه ممن PageV02P063 # قتل في الوعر. وأتى هذا الفتح قرطبة بعد فتح أبي عثمان. ذكر ذلك الرازي ~~وغيره. # وفي سنة 177، أغزى الإمام هشام عبد الملك بن عبد الواحد بن مغيث بالصائفة ~~إلى أرض الروم، وهي غزوة شهيرة الخبر، جليلة الخطر، انتهى فيها إلى إفرنجة؛ ~~فحاصرها، وثلم بالمجانيق أسوارها، وأشرف على بلاد المجوس؛ وجال في بلاد ~~العدو، وبقى شهورا يحرق ms308 القرى ويخرب الحصون. وأوقع بمدينة أربونة؛ وكان ~~فتحا عظيما، بلغ فيه خمس السبي إلى خمسة وأربعين ألفا من الذهب العين. # وفي سنة 178، هاجت الفتنة بتاكرنا، وخالف بربرها، وغاروا على الناس، ~~وقتلوا وسبوا. فبعث الإمام هشام إليهم الأجناد بعد الإعذار إليهم. فقتل ~~أكثرهم، وفر سائرهم إلى طلبيرة وترجيلة. وأقامت تاكرنا، وهي إقليم رندة، ~~وبلادها خالية قفرا سبع سنين. # وفي سنة 179، أغزى الإمام هشام بن عبد الرحمن عبد الكريم بن مغيث ~~بالصائفة، حتى انتهى إلى مدينة أسترقة داخل جليقية. فبلغه أن إذفونش قد حشد ~~بلاده، واستمد البشكنش وأهل تلك النواحي التي عليه من المجوس وغيرهم، وأنه ~~عسكرهم ما بين حيز جليقية والصخرة، وأنه أذن لسكان السهل بالتفرق في شواهق ~~جبال السواحل. فقدم عبد الكريم فرج بن كنانة في أربعة آلاف فارس؛ ثم رحل في ~~إثره؛ فألقى أعداء الله؛ فواضعهم الحرب حتى هزمهم الله؛ فقتل حماتهم، وأسر ~~جماعة منهم؛ ثم أمر بعد انحلال الحرب بقتلهم، وبث الخيل في القرى؛ فانتسفت ~~جميع ما ألفته من زروعهم، وخربت ما مرت عليه من عمارتهم. وتقدم بعد ذلك إلى ~~واد يقال له كوثية؛ فلقى به غندماره PageV02P064 # وهو في ثلاثة آلاف فارس فقاتله حتى انهزم عسكره، وأخذ غندماره أسيرا، ~~وقتل من أصحابه عدد كثير. وأصاب العسكر جميع ما في تلك الناحية. وتقدم ~~مستنجزا لإذفونش؛ فلما بلغه قصده إليه، تنحى عن الجبل الذي كان فيه منحازا ~~عنه إلى حصن له، كان قد بناه وأتقنه على وادي نلون؛ فتقرب منه عبد الكريم ~~مقتفيا لأثره، ولا يمر بمنزل فيما بينه وبينه إلا حرقه، ولا بمال إلا ~~أصابه، حتى أطل على الحصن. فانتقل منه إلى حصن ملكه. واحتل عبد الكريم ~~بالحصن الذي انتقل منه؛ فألقى فيه الأطعمة وضروب الذخر، وبعث في اليوم ~~الثاني من حلوله به فرج بن كنانة، في عشرة آلاف فارس، يقفو أثره؛ فلما قرب ~~منه، انهزم عنه وأسلم جميع عدته وذخره؛ فغنم المسلمون جميع ذلك. # وفي سنة 180، توفي الإمام هشام بن عبد الرحمن - رحمة الله عليه! - ودفن ~~بقصر قرطبة؛ ms309 وصلى عليه ابنه الحكم؛ وذلك ليلة الخميس، كما تقدم ذكره. وبايع ~~الناس ابنه الحكم؛ وكان ابنه عبد الملك أسن منه. ### | ذكر بعض أخباره على الجملة # كان - رحمه الله! بسط البنان، فصيح اللسان، وسبع الجناب، حاكما بالسنة ~~والكتاب؛ قبض الزكوات من طرقها، ووضعها في حقها؛ لم يأخذه في الله لوم ولا ~~تعلق به ظلم. ارتفع أخوه عن مبايعته، وامتنع عن طاعته، واستبد بطليطلة ~~استبدادا، واستنفر للخلاف والنفاق أجنادا؛ فما زال يشتغل بالفتنة بالا، ~~ويذيق الناس وبالا؛ قد عظمت عليه به المحنة، وعدمت منه الهدنة، حتى مات ~~الأمير هشام، وحكمت بخلافة ابنه الحكم الأحكام؛ فحاربه في تلك القطار، إلى ~~أن اختطفته الأسنة والشفار؛ فأمن بعد ذلك الجانب، ولم يكن في ذلك التأريخ ~~هنالك ما جنب. PageV02P065 # وكان هشام يبعث إلى الكور قوما عدولا يسألون الناس عن سير العمال، ثم ~~ينصرفون إليه بما عندهم؛ فيقع نظره بهدم ما تكشفه المحنة له منهم. واعترض ~~له يوما متظلم من أحد عماله؛ فبدر إلى الشاكي من رجال العامل من ترخاه شنقة ~~منه على العامل. فبعث إلى الشاكي وقال له: (احلف على كل ما ظلمك فيه؛ فان ~~كان ضربك، فاضربه؛ أو هتك لك سترا، فاهتك ستره؛ أو أخذ لك مالا، فخذ من ~~ماله مثله، إلا أن يكون أصاب منك حدا من حدود الله!) فجعل الرجل لا يحلف ~~على شيء إلا أقيد منه. فكان زجره هكذا العماله، أبلغ فيهم من النكال ~~والأدب. وكان كريما، عادلا، فاضلا، متواضعا، عاقلا، لم تعرف منه هفوة في ~~حداثته، ولا زلة في أيام صباه. (ومن كرمه أنه كان يصر أموالا في صرور، ~~ويخرج بها بين المغرب والعشاء يتفقد المسجد؛ فإذا وجد واحدا يصلي في مسجد ~~أو لا يصلي، وضع بين يديه صرة، حتى كثرت عمارة المساجد وكان - رحمه الله! - ~~قد نظر في بنيان قنطرة قرطبة، وأنفق في إصلاحها أموالا عظيمة. وتولى بناءها ~~بنفسه، وتعطى الأجرة بين يديه. قال ابن وضاح: لما ينى هشام القنطرة، تكلم ~~بعض الناس فيه، وقالوا: (إنما بناها لتصيده ونزهته!) فحلف ms310 حين بلغه ذلك ألا ~~يجوز عليها إلا لغزو أو مصلحة. # قال القاضي أبو معاوية: أدركت صدرا من الناس يحكون أن أيام هشام هذا كانت ~~من الدعة والعافية والهدوء بحيث لم يعلم لها مثل. وكان يحضر الجنائز، ~~ويزاحم فيها، كأنه أحد من الناس، تواضعا. وكان لبعض رجال هشام خصومة في دار ~~عند القاضي مصعب بن عمران؛ فسجل عليه القاضي فيها وأخرجه منها؛ فنهض الرجل ~~إلى هشام، وقال له: (إن القاضي سجل علي في داري التي كنت أسكنها، وأخرجني ~~عنها!) فقال له هشام: (وماذا تريد مني؟ والله لو سجل علي القاضي في مقعدي ~~هذا، لخرجت عنه!) انقيادا منه للحق - رحمة الله عليه!. PageV02P066 ### | قصة الكناني مع هشام بن عبد الرحمن # كان قبل خلافته يقعد في علبة مطلة على النهر، ينظر منها إلى الربض، وتقع ~~عينه على من يخطر. فنظر يوما في الهاجرة إلى رجل من بني كنانة؛ وكان من ~~صنائعه، مقبلا من باديته بجيان؛ وكان أخوه سليمان واليا عليها؛ فدعا فتى له ~~وقال له: (أرى الكناني صنيعنا مقبلا في هذه الظهيرة، وما أحسب ذلك إلا لخطب ~~أقلقه من أبي أيوب أخي. فإذا وصلك، فأدخله على كما هو.) ففعل الفتى ما ~~أمره. وكانت مع هشام جارية له. فلما دنا الكناني، رفع سترا كان أمامه؛ ~~فدخلت الجارية خلفه؛ ثم قال له، بعد أن سلم عليه: (يا كناني، لا أحسبك إلا ~~قد دهمك أمر!) فقال له الكناني: (قتل رجل من بني كنانة رجلا خطاء؛ فحملت ~~الدية على العاقلة؛ فأخذت بنو كنانة عامة، وحيف علي من بينهم خاصة، لما عرف ~~أبو أيوب مكاني منك. فعذت بك من ظلامتي!) فقال له: (يا كناني! ليفرج روعك ~~وليسكن جأشك لا جرم قد تحمل هشام عنك وعن قومك جميع الدية!) ثم مد يده إلى ~~خلف الستر؛ فأخرج عقدا كان على الجارية، ثمنه ثلاثة آلاف دينار؛ فقال له: ~~(خذ هذا العقد؛ فأد من ثمنه عنك وعن قومك، وتوسع في الباقي!) فقال الكناني: ~~(يا سيدي! إنه لم آتك مستجديا ولا ضاق لي مال ms311 عن أداء ما حملته؛ ولكني ~~أتيتك مستجيرا بك لما أصبت بالعدوان والظلم؛ فأحببت أن تظهر على من عز ~~نصرك!) قال له: (فما وجه نصرك؟) قال له: (أن يكتب الأمير - أصلحه الله! - ~~إلى أبي أيوب في الإمساك عن أخذي بما لم يجب علي، وأن يحملني محمل عامة ~~أهلي!) فقال له هشام: (خذ العقد لأهلك ولنفسك، إلى أن ييسر الله فيما ذهبت ~~إليه من أمرك!) ثم أمر هشام بإسراج دابته من فوره، وركب إلى أبيه الأمير ~~عبد الرحمن. فلما مثل بين يديه، قال له: (رجل من بني كنانة، هو لي صنيعة، PageV02P067 # عدا عليه أبو أيوب بجيان في دبة حملت على العاقلة!) قال الأمير: (فما تحب ~~في أمره؟) قال: (الكتب إليه بالكف عنه، وأن لا يؤخذ بغير ما لزمه!) فقال ~~الأمير: (أو خير من ذلك! يؤدي الدية عنه وعن قومه من بيت المال، إذ هو منك ~~بهذه المنزلة، وإذ أنت له بهذه العناية!) فأكثر هشام الشكر لوالده؛ ثم أمر ~~الإمام بأداء الدية من بيت المال، وبالكتب إلى أبي أيوب بترك التعرض ~~للكناني. ولما حان توديع الكناني لهشام، قال له: (يا سيدي، إني قد بلغت فوق ~~الأمنية، وجاوزت أقصى غاية العز والنصرة! وهذا العقد النفيس قد أغنى الله ~~عنه!) فقال له هشام (يا كناني، إنه لا سبيل إلى رد شئ قد خرج عنا. فخذه ~~مباركا لك فيه!) وهشام هذا هو الذي أكمل سقائف المسجد الجامع بقرطبة، ورفع ~~منارته القديمة، وبنى الميضأة العجيبة، وعقد من الجسر ما كان تثلم بالسيل - ~~رحمه الله! ### | خلافة الحكم بن هشام بن عبد الرحمن # كنيته! أبو العاصي. أمه: زخرف. مولده: سنة 154. بويع بعد موت أبيه بليلة، ~~يوم الخميس لثمان خلون من صفر سنة 180، وهو ابن ست وعشرين سنة؛ فكانت ~~خلافته ستا وعشرين سنة، وأحد عشر شهرا. كتابه: ثلاثة: فظبس، وخطاب بن زيد، ~~وحجاج العقيلي؛ حاجبه: عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث؛ وزراؤه وقواده: ~~خمسة: إسحاق بن المنذر، والعباس بن عبد الله، وعبد الكريم بن عبد الواحد ~~المذكور، وفطبس بن ms312 سليمان، وسعيد بن حسان. قضاته: مصعب بن عمران، ومحمد بن ~~بشير، والفرج بن كنانة، وبشر بن قطن، وعبيد الله بن موسى، ومحمد بن تليد، ~~وحامد بن محمد بن يحيى. نقش خاتمه: (بالله يثق الحكم وبه يعتصم! صفته: آدم، ~~شديد الأدمة، طويل، أشم، نحيف، لم يخضب. بنوه الذكور: تسعة عشر، والبنات: ~~إحدى وعشرون. توفي لأربع بقين لذي الحجة سنة 206؛ فكان عمره اثنان وخمسون ~~سنة. PageV02P068 # ولما بلغ موت هشام الرضى إلى سليمان وعبد الله ابني عبد الرحمن بن ~~معاوية، وهما بالعدوة، تقدم عبد الله؛ فجاز البحر إلى ريف الأندلس. # ولما بويع الحكم بالخلافة، واستوسق له الأمر، وجه عبد الكريم بن عبد ~~الواحد غازيا إلى دار الحرب، في جيش عظيم؛ فاحتل عبد الكريم بالثغر؛ وتوافت ~~عليه الجيوش. ثم تقدم، فاحتل على شاطئ البحر، وقسم الجيش على ثلاثة أقسام، ~~وقدم على كل قسم رئيسا، وأمر كل واحد منهم بأن يغير على الناحية التي قصدها ~~ووجه إليها؛ فمضوا، وأغاروا، واستباحوا، وانصرفوا غانمين ظافرين. ثم عادوا ~~ثانية إلى الإغارة، وجاوزوا خلجا كانت تمد وتحصر؛ وكان أهل تلك النواحي قد ~~تحرزوا بها، ونقلوا إليها العيال والماشية والأموال؛ فأغاروا عليها، ~~واحتووا على جميع ما وجدوا فيها، وانصرفوا سالمين غانمين. # وفي سنة 181، ثار على الأمير الحكم بهلول بن مرزوق المعروف بأبي الحجاج ~~في ناحية الثغر، ودخل سرقسطة، وملكها. وحل به عبد الله بن الأمير عبد ~~الرحمن بن معاوية؛ وكانت وجهته إلى إفرنجة. # وفيها، ثار عبيدة بن حميد بطليطلة؛ فنصب الحكم عمروس بن يوسف لحربه من ~~طلبيرة؛ فكان يتردد لحربهم؛ ثم إن عمروس كاتب رجالا من أهل طليطلة، ~~واستلطفهم حتى مالوا إليه؛ فدعاهم إلى القيام على عبيدة، والفتك به؛ ووعدهم ~~على ذلك بمثوبة جليلة من الأمير؛ فبدروا إليه، وقتلوه، وتوجهوا برأسه إلى ~~عمروس؛ فأنزلهم عند نفسه بطلبيرة. فلما علم بهم بعض بربر طلبيرة، وكانت ~~بينهم دماء، دخلوا عليهم تلك الليلة الدار؛ فقتلوهم. فبعث عمروس برأس عبيدة ~~وبرؤوس المذكورين، وهم بنو مخشي إلى الحكم بقرطبة، وكتب إليه يخبرهم. ثم إن ~~عمروس ms313 أعمل جهده في استجلاب أهل طليطلة بمكاتبتهم، حتى أدخلوه المدينة. ~~فلما تمكن منها، بنى القصر على باب جسرها؛ فأحكمه، وأتقن أمره؛ ثم سعى في ~~قتل رجال طليطلة، وقطع شرهم، وحسم دائهم، توطيدا للمملكة. فأعد للكيد PageV02P069 # صنيعا، أظهر أنه يذبح فيه البقر، وأمر أن يكون دخول الناس على باب، ~~وخروجهم على باب. فكان كل من دخل وتجاوز الباب قتل، حتى أفنى من أشرافهم ~~سبعمائة. # وفي سنة 182، كان السيل العظيم بقرطبة، ذهب بربض القنطرة؛ ولم يبق فيه ~~دارا إلا هدمها، حاشى غرفة عون العطار. وبلغ السيل شقندة. # وفيها، دخل سليمان بن عبد الرحمن بن معاوية الأندلس من العدوة، وتقدم ~~متعرضا لحرب الحكم، في شوال منها؛ فانهزم سليمان، بعدما دارت بينهما حرب ~~شديدة. وفيها، عاد سليمان ثانيا للقتال؛ والتقى مع الحكم أيضا ببنجبطة؛ ~~فانهزم سليمان. # وفي سنة 183، خرج سليمان، ومعه برابر اجتمعوا إليه، إلى ناحية إستجة؛ ~~فغزاه الحكم، والتقيا بمقربة من إستجة؛ فدارت بينهم حروب شديدة أياما. ثم ~~انهزم سليمان بمن كان معه. ثم التقيا أيضا في هذا العام؛ فانهزم سليمان. # وفي سنة 184، حشد أبو أيوب سليمان بن عبد الرحمن من الشرق، فاحتل بجيان، ~~ثم بإلبيرة. فاتبعه جماعة من الكورتين، والتقى معه الحكم؛ فدام القتال ~~بينهم أياما، حتى هم الحكم بالهزيمة. ثم انهزم سليمان، وأفلت. وقتل في ~~المعترك بشر كثير. وبعث الحكم أصبغ بن عبد الله في طلبه؛ فلحقه بجهة ماردة، ~~وأخذه أسيرا، وأتى به إلى الحكم؛ فأمر بقتله، وبعث برأسه إلى قرطبة. # وفي سنة 186، أخرج الحكم إلى عمه عبد الله البلنسي أمانا؛ وهو أول خروج ~~كان إليه، وأول مكاتبة كانت بين الحكم وبينه بعد حلوله ببلنسية. # وفي سنة 187، انعقد أمان عبد الله البلنسي وصلحه بإجزاء الأرزاق عليه، ~~وذلك ألف دينار لكل شهر، وبإجراء المعارف، وذلك ألف دينار لكل عام. PageV02P070 # وخرج إليه بهذا الأمان يحيى بن يحيى وابن أبي عامر؛ فعقد الصلح على ذلك ~~وعلى أن يسكن عبد الله بلنسية. وقدم يحيى وابن أبي عامر بولد عبد الله على ~~الحكم؛ فزوجه أخته شقيقته. ms314 ### | مقتل أهل الربض أولا قبل هيجه ثانية # وفي سنة 189، صلب الإمام الحكم اثنين وسبعين رجلا بقرطبة، منهم أبو كعب ~~بن عبد البر، ويحيى بن مضر، ومسرور الخادم. وكان السبب في ذلك أنهم أرادوا ~~الغدر به، وهموا بالخلاف عليه؛ وطلبوا رئيسا يقومون به. فوقع الخبر علي ~~محمد بن القاسم عم هشام بن حمزة، وأطلعوا على أمرهم، ودعوه للقيام معهم؛ ~~فخذلهم، وأفشى سرهم، وتقرب إلى الحكم بدمائهم. فتثبت الحكم، وسأله تصحيح ما ~~رفع إليه؛ فقال له: (هات أمناءك!) فأخفاهم عنده، ووجه عنهم لميعاده؛ ثم قال ~~لهم: (هذا الذي تدعونني إليه لا أثق بمن سميتم، دون أن أسمع منهم كما سمعت ~~منكم؛ فتطيب نفسي، وأدخل في الأمر على قوة وبصيرة!) فأتوه، وسمه مقالتهم، ~~والأمناء بحيث يرون ويسمعون. فلما صح عند الحكم أمرهم بشهادة الأمناء ~~عليهم، أخذهم وصلبهم جميعا بمردة واحدة. ثم أتقن سور قرطبة وحفر خندقها، ~~وتوجه غازيا إلى بلاد المشركين. # ومن قوله (طويل) : # رأيت صدوع الأرض بالسيف رافعا ... وقدما لأمت الشعث مذ كنت يافعا # فسائل ثغوري هل بها الآن ثغرة ... أبادرها مستنضي السيف دارعا # وشافه على الأرض الفضاء جماجما ... كأقحاف شريان الهبيد لوامعا # تنبئك أني لم أكن عن قراعهم ... بوان وأني كنت بالسيف قارعا # فإني إذا حادوا جزاعا عن الردى ... فلم أك ذا حيد عن الموت جازعا # حميت ذماري وانتهكت ذمارهم ... ومن لا يحامي ظل خزيان ضارعا PageV02P071 # ولما تساقينا سجال حروبنا ... سقيتهم سما من الموت نافعا # وهل زدت أن وقيتهم صاع قرضهم ... فوافوا منايا قدرت ومصارعا # فهاك بلادي إنني قد تركتها ... مهادا ولم أترك عليها منازعا # وفي سنة 190، خرج الأمير الحكم غازيا إلى ماردة. فلما وصلها، احتلها ~~وحاصرها (وكان بها أضبغ بن عبد الله بن وانسوس ثائرا) وإذا بالخبر وصله أن ~~سواد أهل قرطبة أعلنوا بالنفاق، وتداعوا إلى صاحب السوق بالسلاح؛ وكتب ~~المخلفون إلى الحكم بما حدث بعده وبما ظهر من ضمائر السفلة؛ فصدر قافلا، ~~وطوى المراحل، وقطع الطريق في ثلاثة أيام، ودخل القصر. فهدأ الناس، وسكنت ~~الأحوال، وصار الناس في هدوء ms315 وسكون من سنة 190 إلى سنة 202، والتزموا الدعة ~~اثني عشر سنة. # وترددت الغزوات سبعة أعوام إلى ماردة، وبها أصبغ بن عبد الله ثائرا ~~متمنعا. وكان سبب ثورته أن عدوا لأصبغ طالبه عند الحكم وأغراه عليه. ثم مشى ~~إلى أصبغ بمثل ذلك، وروعه منه؛ فتوقع العقوبة والسطوة به. فكان ذلك سبب ~~دخوله ماردة وقيامه بها. وتكررت الغارات عليه سبعة أعوام؛ فافتتحت في العام ~~السابع بمحاولة انجلت عن طلب الأمان لأصبغ فأمن، وخرج من ماردة، وصار في ~~مصف الحكم؛ فسكن قرطبة؛ ثم فسح له في الاختلاف إلى ضياعه بماردة حتى التاث ~~أمرها، واضطربت حالها. # وفي سنة 192، خرج رذريق صاحب إفرنجة إلى جهة طرطوشة؛ فأغزى الحكم ابنه ~~عبد الرحمن في جيش كثيف، وكتب إلى عمروس وعبدون عاملي الثغر بالغزو معه ~~بجميع أهل الثغر. فتقدم عبد الرحمن بالجنود، وتوافت عليه الحشود، وحفت به ~~المطوعة. فألفوا الطاغية خارجا إلى بلاد المسلمين. ودارت PageV02P072 # بينهم حروب شديدة، ثبت الله فيها أقدام المسلمين. فانهزم المشركون؛ وكانت ~~فيهم مقتلة عظيمة؛ ففنى أكثرهم. # وفي سنة 194، غزا الحكم إلى أرض الشرك. وكان السبب في هذه الغزاة أن عباس ~~بن ناصح الشاعر كان بمدينة الفرج (وهي وادي الحجارة) . وكان العدو، بسبب ~~اشتغال الحكم بماردة وتوجيه الصوائف إليها مدة من سبعة أعوام، قد عظمت ~~شوكته، وقى أمره. فشن الغارات في أطراف الثغور، يسبي ويقتل. وسمع عباس بن ~~ناصح امرأة في ناحية وادي الحجارة، وهي تقول: (واغوثاه يا حكم! قد ضيعتنا ~~وأسلمتنا واشتغلت عنا، حتى استأسد العدو علينا!) فلما وفد عباس على الحكم، ~~رفع إليه شعرا يستصرخه فيه، ويذكر قول المرأة واستصراخها به؛ وأنهى إليه ~~عباس ما هو عليه الثغر من الوهن والتياث الحال. فرثى الحكم للمسلمين، وحمى ~~لنصر الدين، وأمر بالاستعداد للجهاد، وخرج غازيا إلى أرض الشرك؛ فأوغل في ~~بلادهم، وافتتح الحصون، وهدم المنازل، وقتل كثيرا، وأسر كذلك، وقفل على ~~الناحية التي كانت فيها المرأة، وأمر لأهل تلك الناحية بمال من الغنائم، ~~يصلحون به أحوالهم ويفدون سباياهم؛ وخص المرأة وآثرها، وأعطاهم عددا من ms316 ~~الأسرى عونا. وأمر بضرب رقاب باقيهم، وقال لأهل تلك الناحية وللمرأة: (هل ~~أغاثكم الحكم؟) قالوا: (شفا والله الصدور، ونكى في العدو، وما غفل عنا إذ ~~بلغه أمرنا! فأغاثه الله وأعز نصره!) وفي سنة 196، غزا الحكم إلى بلاد ~~المشركين، وأوغل فيها، وأوقع بهم، وقفل. وفيها، مات تمام بن علقمة الثقفي. # وفي سنة 199، كانت المجاعة التي عمت الأندلس؛ ومات أكثر الخلق جهدا. PageV02P073 # وفي هذه السنة، أغرى الحكم عمه عبد الله البلنسي الغزوة الشنيعة ~~المشهورة، وكانت ببرشلونة: ألفي المشركين قد حلوا بها يوم احتلاله، وكان ~~يوم الخميس؛ فأراد من معه مناشبة الحرب، وتشوقوا للقتال؛ فمنعهم حتى إذا ~~كان في اليوم الثاني، وهو يوم الجمعة وقت الزوال، أمر بتعبئة الكتائب، ونصب ~~الردود؛ وقام، فصلى ركعتين؛ ثم نادى في الناس، وركب هو ومن معه، وناهض أهل ~~الشرك. وما أحسبه فعل ذلك إلا ففها وعلما وتأسيا بحديث النبي صلى الله عليه ~~وسلم حيث أمر بالقتال في تلك الساعة: فإن فيها تهب الأرواح، وتفتح أبواب ~~الجنة، وتستجاب الدعوات، فمنحهم الله أكناف المشركين، وانهزموا. وقتل ~~عامتهم، وفرق جمعهم. فلما أقلع عن القتال وانجلت الحرب، نصب قناة طويلة، ~~فأثبتت في الأرض؛ وأمر بالرؤوس؛ فجمعت وطرحت حواليها حتى غابت القناة فيها ~~(ولم تظهر) . ### | ذكر دخول الحكم طليطلة حين خالفت عليه # وذلك أنه أظهر الغزو إلى بلاد المشركين، وقصد تدمير، وهو يريد في نفسه ~~طليطلة. فنزل تدمير، واضطرب فيها، ونازل بعض حصونها. وكتب إلى عمال الثغر ~~بنزوله فيها وحربه لها؛ فأمن أهل طليطلة، وانتشروا في بسائطهم، ونظروا في ~~زروعهم، وله عليهم عيون. فلما صح عبده انبساطهم، جعل يتغرب من أحواز تدمير، ~~وأخبار طليطلة ترد عليه. فلما أمكنته الفرصة فيها، جد السير إليها، وطوى ~~المراحل؛ فوصل إليها ليلا، وسبق بقطيع من الحشم. فدخل طليطلة ليلا، ولم ~~يعلم بدخوله، وأهلها في غفلة، وأبوابها مفتحة. وتتابع العسكر عليه بمقدار ~~قوة كل أحد. فملكها، وحال بين أهلها وبينها، وقطع الخروج عمن كان بها إلى ~~من كان بخارجها. فاستوسق له ملكها دون مئونة ولا قتال. PageV02P074 # فاستنزل ms317 أهلها من الجبال إلى السهل، وحرق ديارها، وسكنهم في الصحراء. ثم ~~ردهم إليها. # وفي سنة 200، أغزى الحكم وزيره عبد الكريم بن مغيث إلى بلاد المشركين؛ ~~فدخلها، وتوسطها، وأهلك معائشها ومرافقها، وحطم زروعها، وهدم منازلها ~~وحصونها، حتى استوفي جميع قرى وادي أرون. فحشدت إليه الطاغية - دمرها الله! ~~- وانجلبت النصرانية من كل مكان، وأقبلت الجموع، ونزلت بعدوة نهر أرون؛ ~~وصار النهر حاجزا بينهم وبين المسلمين. فلما أصبح، نهض عبد الكريم بمن معه ~~إلى مخائض الوادي؛ ونهض أعداء الله إليهم؛ فقاتلوهم على كل مخاضه منها؛ ~~فجالدهم المسلمون عليها مجالدة الصابرين المحتسبين. واقتحم أعداء الله ~~النهر إليهم؛ فاقتتلوا على مخاضته. ثم حمل المسلمون عليهم حملة صادقة؛ ~~فأضغطوهم في المضايق، وأدخلوهم على غير طريق؛ فأخذتهم السيوف والطعن ~~بالرماح والغرق في المياه؛ فقتل من المشركين عدد عظيم لا يحصى كثرة، ومات ~~أكثرهم بالتردي ودرس بعضهم بعضا، وصاروا بعد المطاعنة والمجالدة بالرماح ~~والسيوف إلى القذف بالحجارة؛ وأكثروا الحراس بالمخائض، ووعروها بالخشب، ~~وحفروا الحفائر، وخندقوا الخنادق. ونزلت الأمطار؛ وكان قد فرغ ما كان ~~لأعداء الله من المرافق؛ وضاقت الحال أيضا بالمسلمين؛ فقفل عبد الكريم ~~ظافرا لسبع خلون من ذي القعدة. # ولم يكن في سنة 201 صائفة ولا حركة مشهورة. ### | ذكر هيج أهل الربض ثانية في سنة 202 # كان من أهل ربض قرطبة في هذه السنة ما نستعيذ بالله من الخذلان في مثله، ~~وذهاب التوفيق. وقد اختلفت الروايات في سبب قيام الناس وهيجهم؛ فمنهم PageV02P075 # من يقول إن ذلك الهيج كان أصله الأشر والبطر، إذ لم يكن ثم ضرورة من ~~إجحاف في مال، ولا انتهاك لحرمة، ولا تعسف في ملكة، والحال تدل على صحة ~~ذلك: فإنه لم يكن على الناس وظائف، ولا مغارم، ولا سخر، ولا شئ يكون سببا ~~لخروجهم على السلطان، بل كان ذلك أشرا وبطرا، وملالا للعاقبة، وطبعا جافيا، ~~وعقلا غبيا، وسعيا في هلاك أنفسهم - أعاذنا الله من الضلال والخذلان، ~~وأسباب البوار والخسران! ولما اهتاجوا وقاموا على السلطان، ناصبهم الحكم ~~القتال، وواضعهم الحرب. وانحاش إليه حاشيته وجنده، وتألب ms318 من كل وجه رجاله. ~~وقامت الحرب بين الجند وعامة قرطبة على ساق. ثم تكاثرت العامة، وهاجت ~~الدهماء السوداء؛ فلم يزيدوا على أن ظهروا في ذلك الحين ظهروا لم يبلغهم ~~إلى أمل فلما اشتغلوا بالقتال، احتيل عليهم بمثل حيلة يوم الحرة، وهم لا ~~يشعرون لاشتغالهم بالقتال؛ فخرج عبيد الله بن عبد الله البلنسي المعروف ~~بصاحب الصوائف، وإسحاق بن المنذر القرشي إلى باب الجسر، مع من أمكنهما من ~~الفرسان والرجالة، والتقوا مع العامة، وجالدوهم حتى أزاحوهم وأدخلوهم ~~الجسر؛ وفتح باب المدينة عند الجسر، ودخل الذين سمينا على باب الحديد؛ ثم ~~اقتحموا على الزقاق الكبير، وخرجوا على الرملة إلى مخاضة هناك، وجازوا ~~النهر، واجتمعوا مع من توافى عليهم من حشود الكور، إذ كانوا قد أنذروا قبل ~~ذلك بما كان بدا منهم، وظهر من علاماتهم. فلما اجتمعوا، أقبل بعضهم من وراء ~~الربض، وشرع بعض في طرح النار في الدور، ودسوا من أخبر العامة بما نزل بهم ~~في دورهم وذراريهم وعيالهم؛ فلم يبق أحد منهم دون أهله ومنزله، وانصرفوا ~~راجعين نحوها. فأخذتهم السيوف من أمامهم وورائهم؛ فقتلوا قتلا ذريعا، ~~وتتبعوا في الأزقة والطرق، يقتلون؛ ونجا منهم من تأخر أجله، ففر، فلم يلو ~~على PageV02P076 # أهل ولا ولد. وأخذ منهم ثلاثمائة رجل؛ فصلبوا على الوادي، صفا واحدا من ~~المرج إلى المصارة. # وكان الحكم قد عزم على تتبعهم بالأندلس، وقتلهم حيث وجدوا؛ فكسر عليه بعض ~~أصحابه، وذكره صنع الله له فيهم؛ فارعوى وكف. فخرجوا أفواجا بأهاليهم ~~وأولادهم. ولم يعرض لأحد منهم في شئ من بلاد الأندلس، وهي طاعته وملكه، ولا ~~نالهم ضر بعد وقت المعركة وغليان الحال، كرما وعفوا من الأمير الحكم - رحمه ~~الله! - وعف الحكم عن الأموال والحرم. وتفرق أهل الربض في جميع أقطار ~~الأندلس؛ ومنهم من جاز البحر إلى العدوة بالأهل والواد؛ فاحتلوا بعدوة فاس، ~~فهم عدوة الأندلس منها؛ فصيروها مدينة. ومنهم أهل جزيرة إقربطش؛ فذكر أنه ~~لم يخرج منهم طائفة بناحية من نواح الدنيا إلا وتغلبوا عليها، واستوطنوها ~~على قهر من أهلها. وأكثر من هرب ms319 من أهل العلم والخير ممن اتهم أو خاف على ~~نفسه إلى ناحية طليطلة، ثم أمنهم الحكم، وكتب لهم أمانا على الأنفس ~~والأموال، وأباح لهم التفسح في البلدان حيثما أحبوا من أقطار مملكته، حاشى ~~قرطبة أو ما قرب منها. # وفي سنة 206، اشتد مرض الحكم بن هشام؛ فأخذ البيعة لابنه عبد الرحمن، ثم ~~للمغيرة من بعده. وانعقدت البيعة يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي ~~الحجة من السنة. فبويع له ذلك اليوم في القصر؛ واختلف الناس بعد ذلك اليوم ~~إلى دار عبد الرحمن بن الحكم يبايعونه؛ وبايعوا المغيرة في دار أخيه عبد ~~الرحمن أيضا؛ ثم ركب المغيرة إلى الجامع، ونزل فيه يوما بعد يوم لمبايعة ~~الناس له؛ وكانوا يبايعونه عند المنبر؛ ثم بايعوه في داره. ولما انقضت ~~البيعة لعبد الرحمن والمغيرة بعده، أمر الحكم بن هشام بهدم الفندق الذي كان ~~بالربض؛ وكان متقبله من أهل الإضرار والفسق؛ فهدم. وتوفي الأمير الحكم يوم ~~الخميس لأربع بقين من ذي الحجة من السنة؛ وصلى عليه ابنه عبد الرحمن؛ ودفن ~~بالقصر. PageV02P077 ### | بعض أخباره وسيره # كان الحكم - رحمه الله! - شديد الحزم، ماضي العزم، ذا صولة تتقى. وكان ~~حسن التدبير في سلطانه، وتوليه أهل الفضل والعدل في رعيته؛ وكان مبسوط ~~اليد. وكان له قاض كفاه بورعة وعلمه وزهده؛ فمرض مرضا شديدا؛ فاغتم الحكم ~~لمرضه؛ فذكر بعض خاصته أنه أرق ليلة أرقا شديدا، وجعل يتململ على فراشه؛ ~~فقيل له: (أصلح الله الأمير! ما الذي عرض؟) فقال: (ويحكم! إني سمعت في هذه ~~الليلة نادبة، وقاضينا مريض، وما أراه إلا وقد قضى نحبه. فأين لي بمثله، ~~ومن يقوم بالرعية مقامه؟) فمات القاضي في تلك الليلة، وهو المصعب بن عمران ~~قاضي أبيه. فولى بعده محمد بن بشير. # فكان أقصد الناس إلى حق، وأبعدهم من جور، وأنقذهم بحكم. ورفع إليه رجل من ~~أهل كورة جيان أن عاملا للحكم اغتصبه جارية، وصيرها إلى الحكم؛ فوقعت من ~~قلب الحكم كل موقع؛ فأثبت الرجل أمره عند القاضي، وأتاه بينة تشهد على ~~معرفة ما تظلم منه ms320 ويملكه للجارية وبمعرفتهم بها. فأوجبت السنة أن تحضر ~~الجارية؛ فاستأذن القاضي على الحكم؛ فأذن له؛ فلما دخل عليه، قال له: (أيها ~~الأمير! أنه لا يتم عدل في العامة دون إقامته في الخاصة!) وحكى له أمر ~~الجارية، وخيره بين إبرازها للبينة ليشهد على عينها، أو عزله. فقال له ~~الحكم: (أولا. أدعوك إلى خير من ذلك! تبتاع الجارية من صاحبها بأبلغ ما ~~يطلب فيها.) فقال القاضي: (إن الشهود قد شهدوا من كورة جبان، وأتى الرجل ~~يطلب الحق في مظامه؛ فلما صار ببابك، تصرفه دون إنفاذ الحق له؛ ولعل قائلا ~~يقول: باع ما لا يملك بيع مقور!) فلما رأى عزمه على ذلك، أمر بإخراج ~~الجارية من قصره؛ فشهد الشهود عنده على عينها، وقضى بها لصاحبها. وكان هذا ~~القاضي محمد بن بشير، إذا خرج للمسجد، وجلس للأحكام، PageV02P078 # جلس في رداء معصفر، وشعر مفرق؛ فإذا طلب ما عنده، وجد أفضل الناس ~~وأورعهم. # وكان الحكم يقول: (ما تحلى الخلفاء بمثل العدل!) وكانت فيه بطالة، إلا ~~أنه كان شجاع النفس، باسط الكف، عظيم العفو. وكان يسلط قضاته وحكامه على ~~نفسه، فضلا عن ولده وخاصته. وكانت للحكم ألف فرس مرتبطة بباب قصره على جانب ~~النهر، عليها عشرة من العرفاء، تحت يد كل عريف مائة فرس؛ فإذا بلغه عن ثائر ~~ثار في أطرافه، عاجله قبل استحكام أمره؛ فلا يشعر حتى يحاط به. وجاءه الخبر ~~يوما أن جاب بن لبيد محاصر لجيان، وهو يلعب بالصولجان في القصر؛ فدعا بعريف ~~من أولئك العرفاء، وأسر إليه أن يخرج بمن تحت يده إلى جابر بن لبيد؛ ثم فعل ~~كذلك مع أصحابه من العرفاء. فلم يشعر ابن لبيد حتى تساقطوا عليه مسربلين في ~~الحديد؛ فلما رأى العدو ذلك، سقط في يده، وظن أن الدنيا قد حشرت إليه؛ فولى ~~بمن معه منهزما. # وكان الحكم فصيحا بليغا شاعرا مجيدا. فمن شعره - رحمه الله! - يتغزل، ~~وذلك أنه كان له خمس جوار قد استخلصهن لنفسه وملكهن أمره؛ فذهب يوما إلى ~~الدخول عليهن؛ فأبين عليه، وأعرضن عنه. وكان لا ms321 يصبر عنهن. فقال (البسيط) : # قضب من الباز ملست فوق كثبان ... أعرضن عني وقد أزمعن هجراني # ناشدتهن بحقي فاعتزمن علي ... الهجران حتى خلا منهن هيماني # ملكنني ملك من ذلت عزيمته ... للحب ذل أسير موثق عاني # من لي بمغتصبات الروح من بدني ... عصبنب في الهوى عزي وسلطاني # ثم إنهن عدن عليه بالوصل؛ فقال (خفيف) : # نلت كل الوصال بعد البعاد ... فكأني ملكت كل العباد # وتناهى السرور إذ نلت ما لم ... يغن فيه تكاشف الأجناد PageV02P079 # ومن مليح قوله فيهن - رحمه الله! - (خفيف) : # ظل من فرط حبه مملوكا ... ولقد كان قبل ذاك مليكا # إن بكى أو شكا الهوى زيد ظلما ... وبعادا يدنى حماما وشيكا # تركته جاذر القصر صبا ... مستهاما على الصعيد تريكا # يجعل الخد ماثلا فوق ترب ... وهو لا يرتضي الحرير أريكا # هكذا يحسن التذلل للحر ... إذا كان في الهوى مملوكا # وله - رحمه الله! - أشعار كثيرة في الربضيين القائمين عليه، لا يجاريه ~~فيها حد. وقد تقدم منها ما يستدل به على فضله. ولما دنت وفاته، عتب نفسه ~~فيما تقدم منه عتابا، وتاب إلى الله مثابا، ورجع إلى الطريقة المثلى، وقال: ~~إن الآخرة هي الأبقى والأولى؛ فتزين بالتقوى، واعتصم بالعروة الوثقى؛ وأقر ~~بذنوبه واعترف، وأنس إلى قوله تعالى إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف. وكان من ~~عباد الله المتقين، إلى أن أتاه من ربه اليقين. فتوفي - رحمه الله! - سنة ~~206. ### | خلافة عبد الرحمن بن الحكم بن هشام # كنيته: أبو المطرف. أمه: تسمى حلاوة. مولده: سنة 76. حاجبه: عبد الكريم ~~بن عبد الواحد. وزراؤه: تسعة؛ رزق كل واحد ثلاثمائة دينار. كتابه: ثلاثة: ~~عبد الكريم المذكور، وسفيان بن عبد ربه، وعيسى بن شهيد. قضاته: أحد عشر؛ ~~منهم: يحيى بن مغمر، وقبله مسرور بن محمد بن بشير، ثم سعيد ابن محمد بن ~~بشير، ثم يحيى المتقدم الذكر، وغير هؤلاء؛ وإنما كثر القضاة في أيامه لأن ~~المشاور في عزلهم وولايتهم يحيى بن يحيى الليثي؛ فكان لا يولى رجلا إلا ~~برأيه؛ فكان يحيى بن يحيى، إذا أنكر من القاضي شيئا، قال له: ms322 (استعف وإلا ~~رفعت بعزلك!) فكان يستعفي أو يشير يحيى بعزله، فيعزل. PageV02P080 # نقش خاتمه: (عبد الرحمن بقضاء الله راض.) وكان له قبل ذلك خاتم باسمه؛ ~~فتلف؛ وأمر بطلبه، فلم يوجد؛ فأعاد نقش خاتم جده عبد الرحمن، بعد أن خرج ~~نصر الفتى من عند الأمير هذا بالخاتم للنقش، وبعث في عبد الله بن الشمر ~~الشاعر، وقال له: (إن الأمير أمر بنقش هذا الخاتم؛ فقل ما ينقش فيه!) فقال ~~(رمل) : # خاتم للملك أضحى ... حكمه في الناس ماض # عابد الرحمن فيه ... بقضاء الله راضي # فاستحسن ذلك الأمير عبد الرحمن، وأمر بنقشهما في الخاتم. # صفته: طويل، أسمر، أقنى، أعين، أكحل، عظيم اللحية يخضب بالحناء والكتم. ~~بويع بعد موت أبيه بيوم واحد، وذلك يوم الخميس لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ~~206، وهو ابن ثلاث وعشرين سنة وتسعة أشهر. وتوفي ليلة الخميس لثلاث خلون من ~~شهر ربيع الآخر سنة 238. عمره: اثنان وستون سنة. خلافته: إحدى وثلاثون سنة ~~وثلاثة أشهر وستة أيام. بنوه الذكور: خمسة وأربعون، وبناته: اثنتان ~~وأربعون. # وفي سنة 207، ثارت بتدمير فتنة بين مضر ويمن، ودامت سبع سنين؛ فأغزى ~~إليهم الأمير عبد الرحمن في هذا العام يحيى بن عبد الله بن خلف؛ ثم كان ~~يبعث إليهم المرة بعد المرة بالقواد؛ فيفترقون؛ فإذا قفلوا، عادوا إلى ~~الفتنة. وكانت بينهم وبين يحيى بن عبد الله وقبعة تعرف بوقعة المصارة ~~بلورفة، انتهى مبلغ القتلى فيهم إلى ثلاثة آلاف. # وفيها كان بالأندلس جوع شديد، مات به كثير من الخلق. # وفي سنة 208، كانت الغزاة المعروفة بغزاة ألبة والقلاع، غزاها عبد الكريم ~~ابن عبد الواحد بالصائفة، واحتل بالثغر؛ وتوافت عليه عساكر الإسلام، ~~واختلفوا في الدخول على أي باب يكون إلى دار الشرك؛ ثم اجتمعوا على أن يكون PageV02P081 # من باب ألبة، إذ كان ذلك الباب أنكى للعدو وأحسم لدائه؛ فاقتحموا من فج ~~يقال له جرنيق؛ وكان وراءه بسيط للعدو، فيه خزائنه وذخره. فوقع أهل العسكر ~~على تلك البسائط، فاستصفوها، وعلى ذخر تلك الخزائن، فانتهبوها؛ واستوعبوا ~~خراب كل ما مروا عليه من العمران والقسرى، ms323 وأقفروها. وانصرف المسلمون ~~غانمين ظافرين. والحمد لله! وفي سنة 209، توفي عبد الكريم بن عبد الواحد؛ ~~وكان قد أخذ في الحركة إلى أرض العدو؛ فاعتل. وعوض منه الأمير عبد الرحمن ~~بن الحكم أمية ابن معاوية بن هشام. فغزا بالصائفة إلى أوريط؛ فاحتل بها، ~~وهي يومئذ للإسلام؛ فأخذ أهل الذنوب والريب، وعفا عن الباقين؛ ثم تقدم إلى ~~شنت برية وتدمير. وكان أبو الشماخ رئيس اليمانية يقوم بدعوة الأمين على ~~المضرية. وكانت بينهم وقعة بمرسية كوقعة يوم المصارة بلورقة، فنى فيها من ~~المسلمين أعم. وكان انبعاث هذه الفتنة وسببها بين المضرية واليمانية على ~~ورقة دالية أخذها مضري من جنان يماني؛ فقتله اليماني؛ فكان ذلك سبب الحروب ~~التي دارت بين الفريقين؛ واتصلت أعواما؛ وكانت الدوائر تدور أكثرها على ~~اليمانية والقتلى منهم، وذلك أحد عجائب الدهر. # وفي سنة 210، أمر الأمير عبد الرحمن ببنيان الجامع بمدينة جيان. وفيها، ~~كتب إلى عامل تدمير أن ينزل بمرسية ويتخذها موطنا؛ فكانت حينئذ موضع نزولهم ~~وموضع قرارهم؛ وأمر بهدم مدينة آله من تدمير، ومنها ثارت الفتنة أولا. ~~وفيها، افتتح فرج بن مسرة في أرض العدو حصن القلعة؛ وكان مسرة عامل جيان. # وفي سنة 211، ثار طوريل بتاكرنا؛ فأخرج إليه الأمير عبد الرحمن معاوية ~~ابن غانم في حشد؛ فظفر به، وقطع عاديته. PageV02P082 # وفي سنة 213، غزا عبيد الله بن عبد الله البلنسي بالصائفة إلى دار الحرب؛ ~~فجال في أرض العدو حتى بلغ برشلونة، وتردد في تدريخها وانتسافها ستين يوما. # وفي سنة 213، انقطعت الفتنة بتدمير، واستنزل أبو الشماخ وغيره من القلاع، ~~وانقطعت عاديتهم؛ وصار أبو الشماخ من ولاة الأمير عبد الرحمن ومن ثقاته. # وفي سنة 214، ثار الضراب بطليطلة؛ واسمه هاشم؛ وسمى الضراب لأنه لما أحرق ~~الحكم طليطلة، وأنزل أهلها منها إلى السهل، أخذ رهائنهم. فدخل حينئذ هاشم ~~الضراب قرطبة، وصار يضرب بالمعول في الحدادين أجيرا؛ فعرف بالضراب. ثم خرج ~~من قرطبة إلى طليطلة؛ فاستدعى أهل الشر والفساد، وأليهم؛ فتألب إليه منهم ~~نفر؛ فخرجوا يغيرون على العرب والبربر. وتسامع أهل الشر به؛ فقطعوا إليه، ~~حتى ms324 اجتمع له منهم جمع عظيم وخلق كثير؛ فعلا ذكره، وانتشر صيته. وأوقع ~~بالبربر بشنت برية، ودارت له عليهم دوائر. فأخرج الأمير عبد الرحمن إليه ~~محمد بن رستم، وأمره بحربه؛ فحاربه في هذه السنة. # وفي سنة 216، توافت الجنود لمحمد بن رستم عامل الثغر؛ فناهض هاشما ~~الضراب. وكان قد تغلب على جانب الثغر. وكان عبد الرحمن قد استقصر محمد ابن ~~رستم في حقه، وكتب إليه يعنفه؛ فتقدم ابن رستم، والتقى مع هاشم الضراب؛ ~~فوقعت بينهم حرب شديدة أياما؛ ثم انهزم هاشم، وقتل هو ومن كان معه؛ وكانوا ~~آلافا. # وفي سنة 217، حوصرت ماردة وضيق عليها، حتى فر عنها خلق كثير، وقتل منهم ~~كثير. # وفي سنة 218، كان الكسوف العظيم، الذي توارت معه الشمس، وبدا PageV02P083 # الظلام؛ وكان ذلك قبل زوال الشمس، في أواخر رمضان. وفيها، استوزر الأمير ~~عبد الرحمن ابن شهيد واستحجبه. وفيها، قامت الزيادة في المسجد الجامع ~~بقرطبة من الأرجل التي بين السواري إلى القبلة. # وفي سنة 219، غزا بالصائفة أمية بن الحكم إلى طليطلة وحاصرها؛ ثم قفل ~~العسكر بعد أن أتلف زروعهم وقطع ثمارهم. وأبقى بقلعة رباح ميسرة الفتى ~~لمحاصرة طليطلة؛ فخرج جمع عظيم من طليطلة يريدون قلعة رباح؛ فبلغه خبرهم؛ ~~فجمع الجموع، وكمن الكمائن. فلما قربوا منها، وفرقوا خيلهم في الغارة، خرجت ~~عليهم الكمائن؛ فقتلوا، وحزت رؤوسهم؛ فجمعت بين يدي ميسرة؛ واجتمع منها ~~جملة عظيمة. فلما رأى ذلك، ارتاع وداخله الندم؛ فلم يلبث بعد ذلك إلا يسيرا ~~حتى مات ندما وأسفا. # وفي سنة 220، غزا الأمير عبد الرحمن؛ فجعل صدر وجهته على طليطلة، وولى ~~أبا الشماخ قلعة رباح، وأبقى عنده خيلا كثيفة ورجلا كثيرة لمناهضة طليطلة، ~~وتقدم هو إلى كور الغرب. وكان سليمان بن مرتين قد تحيل علية يحيى الماردي؛ ~~فأخرجه من ماردة؛ فكان في قنن الجبال حينا؛ فحل عليه الأمير في هذه الغزاة، ~~وحاصره حتى ضاق سليمان بن مرتين في الحصن؛ فخرج ليلا؛ فبينا هو يمشي، إذ ~~وافق صخرة ملساء على وجه الأرض؛ فزلق به الفرس؛ فسقط، ومات. ووجده رجل؛ ~~فاحتز رأسه، وادعى ms325 قتله؛ ثم عرف أمره. # وفي سنة 221، افتتحت طليطلة. وكان السبب في ذلك أن ابن مهاجر خرج عنها، ~~ونزع إلى قلعة رباح، واستدعى القؤاد؛ فخرجوا إليه. فنهض بهم إلى أبواب ~~المدينة، وقطع عنهم مرافقهم. فكان ذلك أقوى الأسباب في افتتاحها. وكان عبد ~~الواحد الإسكندراني بعثه الأمير الأيهم؛ فوجدهم قد بلغ بهم الجهد. PageV02P084 # ثم أطل عليهم الأمير؛ فافتتحها قهرا، ودخلها على حكمه، وأمر بتجديد القصر ~~الذي كان بناه عمروس في أيام الحكم على باب الجسر. وقيل إن الذي افتتح ~~طليطلة الوليد بن الحكم، وجهه إليها أخوه عبد الرحمن. # وفي سنة 222، افتتحها عنوة، ودخلها في شهر رجب من هذه السنة على حكمه. # وفي سنة 223، أعزى الأمير عبد الرحمن بن الحكم أخاه الوليد بن الحكم إلى ~~جليقية؛ فدخل من باب الغرب مع قطيع من العسكر؛ فدوخها. وكانت له فتوحات ~~كثيرة. # وفي سنة 224، أغزى الإمام عبد الرحمن ابنه الحكم إلى دار الحرب، وأمره ~~بالتجوال في جهات الثغور، ليتعرف أخبارها ومصالحها. وأمر بإصلاح قنطرة ~~سرقسطة. ودخل الحكم بالصائفة إلى دار الحرب؛ فدوخها، وقتل من المشركين ما ~~لا يحصى. واجتمع من رؤوسهم أكداس كالجبال، حتى كان الفارس يقف من ناحية؛ ~~فلا يرى صاحبه من ناحية أخرى من عظمها. # وفيها، كانت رجوم بالنجوم، في جمادى الآخرة؛ وتناثرت الكواكب من قبلة إلى ~~جوف، ومن شرق إلى غرب، بجزيرة الأندلس. # وفي سنة 225 غزا الإمام عبد الرحمن بنفسه أرض جليقية. ففتح حصونها، وجال ~~في أرضها. وطالت غزاته، وتعب كثيرا؛ فأرق في بعض الليالي؛ فلما كان في بعض ~~الليل، حضر عبد الله بن الشمر الشاعر؛ فوصف له أرقه، وأنه تذكر بعض من حن ~~إليه؛ فقال عبد الرحمن بن الشمر (متقارب) : PageV02P085 # عداني عنك مزار العدى ... وقودي إليهم لهاما مهيبا # وكم قد تعسفت من سيسب ... وجاوزت بعد دروب دروبا # وادرع النقع حتى لبست ... من بعد نضرة وجهي شحوبا # ألاقي بوجهب سموم الهجير ... وقد كاد منه الحصى أن يذوبا # أنا ابن الهشامين من غالب ... أشب حروبا وأطفي حروبا # وبي أدرك الله دين الهدى ... فأحييته ms326 واصطلمت الصلبا # سموت إلى الشرك في جحفل ... ملأت الحزون به والسهوبا # وفي سنة 226، غزا بالصائفة إلى جليقية من بلاد العدو مطرف بن عبد الرحمن؛ ~~فتوسط بسيطهم، وذهب بنعمتهم؛ وكان القائد عبد الواحد بن يزيد الإسكندراني. # وفي سنة 227، خرج، عبيد الله بن عبد الله صاحب الصوائف؛ فلما حصل بين ~~أربونة وسرطانية، تجالب الأعداء من كل ناحية، وأحاطوا بالعسكر ليلا؛ ~~فقاتلهم المسلمون الليل كله؛ فلما انبلج الضوء، أيد الله المسلمين، وهزم ~~الأعداء. # وفي سنة 228، خرج الأمير عبد الرحمن بنفسه إلى أرض العدو، وخلف في القصر ~~ولده المنذر، وجعل على ميمنته ولده محمدا وعلى الميسرة ولده المطرف. فلقي ~~جيشا كبيرا من المشركين؛ فناشبهم الحرب؛ فأنزل الله نصره على المسلمين، ~~وهزموا المشركين، وأثخنوا فيهم القتل. وأفاء الله على المسلمين من ذراري ~~أهل بنبلونة وخيلهم وأسلحتهم ما عظم به من الله سبحانه المن. وقفل غزيرا في ~~منتصف شوال. وكان خروجه من قرطبة لتسع بقين من شعبان. PageV02P086 # وفي سنة 229، خرج الأمير عبد الرحمن لمحاصرة موسى بن موسى بتطيلة؛ فدوخ ~~بلاده، ثم صالحه. ثم تقدم إلى بنبلونة؛ فكانت له بها وقعة عظيمة على ~~المشركين، فني فيها أعداء الله؛ وكان معهم موسى بن موسى؛ فناله ورجاله ما ~~نالهم. # وفيها، ورد كتاب وهب الله بن حزم عامل الأشبونة، يذكر أنه حل بالساحل ~~قبله أربعة وخمسون مركبا من مراكب المجوس، معها أربعة وخمسون قاربا؛ فكتب ~~إليه الأمير عبد الرحمن وإلى عمال السواحل بالتحنظ. ### | دخول المجوس إشبيلية في سنة 230 # فخرج المجوس في نحو ثمانين مركبا، كأنما ملأت البحر طيرا جونا؛ كما ملأت ~~القلوب شجوا وشجونا. فحلوا بأشبونة؛ ثم أقبلوا إلى قادس، إلى شذونة؛ ثم ~~قدموا على إشبيلية؛ فاحتلوا بها احتلالا، ونازلوها نزالا، إلى أن دخلوها ~~قسرا، واستأصلوا أهلها قتلا وأسرا. فبقوا بها سبعة أيام، يسقون أهلها كأس ~~الحمام. واتصل الخبر بالأمير عبد الرحمن؛ فقدم على الخيل عيسى بن شهيد ~~الحاجب، واتصل المسلمون به اتصال العين بالحاجب. وتوجه بالخيل عبد الله ابن ~~كليب وابن رستم وغيرهما من القواد واحتل بالشرف. وكتب ms327 إلى عمال الكور في ~~استنفار الناس؛ فحلوا بقرطبة، ونفر بهم نصر الفتى. وتوافت للمجوس مراكب على ~~مراكب، وجعلوا يقتلون الرجال، ويسبون النساء، ويأخذون الصبيان، وذلك بطول ~~ثلاثة عشر يوما. ذكر ذلك في (بهجة النفس) . وفي كتاب (درر القلائد) : سبعة ~~أيام، كما تقدم. وكانت بينهم وبين المسلمين ملاحم. ثم نهضوا إلى قبطيل؛ ~~فأقاموا بها ثلاثة أيام، ودخلوا قورة، على اثني عشر ميلا من إشبيلية؛ ~~فقتلوا من المسلمين عددا كثيرا؛ ثم دخلوا إلى طلياطة، على ميلين من ~~إشبيلية؛ فنزلوها ليلا، وظهروا بالغداة بموضع يعرف بالنخارين؛ ثم PageV02P087 # مضوا بمراكبهم، واعتركوا مع المسلمين. فانهزم المسلمون، وقتل منهم ما لا ~~يحصى. ثم عادوا إلى مراكبهم. ثم نهضوا إلى شذونة، ومنها إلى قادس، وذلك بعد ~~أن وجه الأمير عبد الرحمن قواده؛ فدافعهم ودافعوه؛ ونصبت المجانيق عليهم، ~~وتوافت الأمداد من قرطبة إليهم. فانهزم المجوس وقتل منهم نحو من خمسمائة ~~علج؛ وأصيبت لهم أربعة مراكب بما فيها؛ فأمر ابن رستم بإحراقها وبيع ما ~~فيها من الفيء. ثم كانت الوقعة عليهم بقربة طلياطة يوم الثلاثاء لخمس بقين ~~من صفر من السنة، قتل فيها منهم خلق كثير، وأحرق من مراكبهم ثلاثون مركبا. ~~وعلق من المجوس بإشبيلية عدد كثير، ورفع منهم في جذوع النخل التي كانت بها. ~~وركب سائرهم مراكبهم، وساروا إلى لبلة؛ ثم توجهوا منها إلى الأشنونة؛ ~~فانقطع خبرهم. # (وكان احتلالهم بإشبيلية يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من المحرم من ~~سنة 230) . وكان لبن دخولهم إلى إشبيلية وخروج من بقى منهم وانقطاعهم اثنان ~~وأربعون يوما؛ فقتلهم الله وأبادهم، وبدد عددهم وأعدادهم؛ وقتل أميرهم نقمة ~~من الله وعذابا، وجزاء بما كسبوا وعقابا. ولما قتل الله أميرهم، وأفنى ~~عديدهم، وفتح فيهم، خرجت الكتب إلى الآفاق بخبرهم. وكتب الأمير عبد الرحمن ~~إلى من بطنجة من صنهاجة، يعلمهم بما كان من صنع الله في المجوس، وبما أنزل ~~فيهم من النقمة والهلكة؛ وبعض إليهم برأس أميرهم وبمائتي رأس من أنجادهم. # وفي سنة 231، غزا بالصائفة جليقية محمد ابن الأمير عبد الرحمن؛ فحصرها، ~~وحصر مدينة ليون، ورماها ms328 بالمجانيق. فلما أيقنوا بالهلاك، خرجوا ليلا، ~~ولجئوا إلى الجبال والغياض؛ فأحرق ما فيها، وأراد هدم سورها؛ فوجد سعته ~~ثمان عشرة ذراعا؛ فتركه؛ وأمعن في بلاد الشرك قتلا وسبيا. PageV02P088 # وفي سنة 232، قحطت الأندلس قحطا شديدا؛ وكانت فيها مجاعة عظيمة، حتى هلكت ~~المواشي، واحترقت الكروم، وكثر الجراد. # وفي سنة 234، أمر الأمير بتوجيه العساكر إلى أهل جزيرة ميورقة، لنكايتهم، ~~وإذلالهم، ومجاهرتهم بنقضهم العهد، وإضرارهم بمن مر عليهم من مراكب ~~المسلمين. فغرتهم ثلاثمائة مركب؛ فصنع الله للمسلمين جميلا، وأظفرهم بهم، ~~وفتحوا أكثر جزائرهم. # وفي سنة 34 المذكورة، توفي يحيى بن يحيى؛ فاستراح القضاة من همه. # وفي سنة 235، ورد كتاب أهل ميورقة ومنورقة إلى الأمير عبد الرحمن، يذكرون ~~ما نالهم من نكاية المسلمين لهم؛ فكتب إليهم كتابا أذكر هنا فصولا منه، ~~وهو: (أما بعد، فقد بلغنا كتابهم، تذكرون فيه أمركم، وإغارة المسلمين الذين ~~وجهناهم إليكم لجهادكم، وإصابتهم ما أصابوه منكم من ذراريكم وأموالكم، ~~والمبلغ الذي بلغوه منكم، وما أشفيتم عليه من الهلاك. وسألتم التدارك ~~لأمركم، وقبول الجزية منكم، وتجديد عهدكم على الملازمة للطاعة، والنصيحة ~~للمسلمين، والكف عن مكروههم، والوفاء بما وتحملونه عن أنفسكم. ورجونا أن ~~يكون فيما عوقبتم به صلاحكم، وقمعكم عن العود إلى مثل الذي كنتم عليه. وقد ~~أعطيناكم عهد الله وذمته!) وفيها، كان سيل عظيم بجزيرة الأندلس، حمل وادي ~~شيل، وخرب فوسين من حنايا قنطرة إستجة، وخرب الأسداد والأرحاء. وذهب السيل ~~بست عشرة قرية من قرى إشبيلية على النهر الأعظم. وحمل وادي تاجه؛ فأذهب ~~ثمان عشرة قرية؛ وصار عرضة ثلاثين ميلا. # وفي سنة 236، ثار رجل من البربر، يقال له حبيب البرنسي، بجبال PageV02P089 # الجزيرة؛ وتأبش إليه جماعة من أهل الشر والفساد؛ فأخرج إليه عبد الرحمن ~~الأجناد. فلما وصلوا إليه، ألقوا البربر قد قصدوا حبييا ومن تأبش إليه؛ ~~فتغلبوا على المعقل الذي كان انضوى إليه، وأخرجوه عنه، وقتلوا عدة كثيرة من ~~أصحابه. وافترق بقيتهم عنه، ودخل حبيب في غمار الناس. فكتب الأمير عبد ~~الرحمن إلى عمال الكور بالبحث عنه. # وفي سنة 237، قام رجل من المعلمين ms329 بشرق الأندلس؛ فادعى النبوءة، وتأول ~~القرآن على غير تأويله؛ فاتبعه جماعة من الغوغاء، وقام معه خلق كثير. وكان ~~من بعض شرائعه النهي عن قص الشعر وتقليم الأظفار، ويقول: [لا تغيير لخلق ~~الله!] فبعث إليه يحيى بن خالد؛ فأتى به. فلما دخل عليه، كان أول ما خاطبه ~~به إن دعاه إلى اتباعه والأخذ بما شرع؛ فشاور فيه أهل العلم؛ فأشاروا بأن ~~يستناب فإن تاب، وإلا قتل. فقال: (كيف أتوب من الحق الصحيح!) فأمر بصلبه. ~~فلما رفع في الخشبة، قال: (أتقتلون رجلا أن يقول: ربي الله!) فصلبه، وكتب ~~إلى الأمير يخبره. # وفي سنة 238، توفي الأمير عبد الرحمن بن الحكم - رحمه الله! - ليلة ~~الخميس لثلاث خلون من ربيع الآخر من السنة. وما زال يقتني المآثر، وبيني ~~المكارم والمفاخر، حتى قبضته شعوب، وأرداه مردى القبائل والشعوب. ### | ذكر بعض أخباره على الجملة وسيره # لما ولي الأمير عبد الرحمن، بعث في اخوته وأهله ووزرائه؛ فبايعوه، ~~وبايعته العامة. ثم صلى على أبيه الحكم. فلما قضى صلاته وواراه، جلس بالأرض ~~متطأطئا، ليس تحته وطاء، وجلس من كان معه. ثم افتتح القول؛ فقال: (الحمد ~~لله، الذي جعل الموت حتما من قضائه، وعزما من أمره، وأجرى الأمور على ~~مشيته؛ فاستأثر بالملكوت والبقاء، وأذل خلقه بالفناء؛ تبارك PageV02P090 # اسمه وتعالى جده) ! وصلى الله على محمد نبيه ورسوله، وسلم تسليما! وكان ~~مصابنا بالإمام - رحمه الله! - مما جلت به المصيبة، وعظمت به الرزية؛ فعند ~~الله تحتسبه، وإياه نسأل إلهام الصبر، وإليه ترغب في كمال الأجر والذخر! ~~وعهد إلينا فيكم بما فيه صلاح أحوالكم ولسنا ممن يخالف عهده، بل لكم لدينا ~~المزيد إن شاء الله!) ثم قام عنهم، وخرجت لهم الأموال والكسي على قدر ~~أقدارهم. # وكان شاعرا، أديبا، ذا همة عالية. وكانت له غزوات كثيرة، وفتوحات في دار ~~العدو شهيرة، يخرج إليها في العدد الجم، والعسكر الضخم، يخرب ديارهم، ويعفى ~~آثارهم، ويقفل ظاهر الاعتلاء، قاهر الأعداء. لم يلق المسلمون معه بؤسا، ولم ~~يروا في مدته يوما عبوسا. وهو أول من جرى على سنن الخلفاء في ms330 الزينة ~~والشكل، وترتيب الخدمة. وكسى الخلافة أبهة الجلالة (فشيد القصور، وجلب ~~إليها المياه، وبنى الرصيف، وعمل عليه السقائف؛ وبنى المساجد الجوامع ~~بالأندلس؛ وعمل السقاية على الرصيف، وأحدث الطرز، واستنبط عملها؛ واتخذ ~~السكة بقرطبة. وفخم ملكه. وفي أيامه دخل الأندلس نفيس الوطاء وغرائب ~~الأشياء؛ وسبق ذلك إليه من بغداد وغيرها. وعندما قتل محمد الأمين، ابن ~~هارون الرشيد، وانتهب ملكه، سبق إلى الأندلس كل نفيس غريب من جوهر ومتاع. ~~وقصد بالعقد المعروف بعقد الشفاء؛ وكان لزبيدة أم جعفر. # ومن مآثره أنه كان ورد عليه يوما أموال من بلاده، لعطبات أجناده؛ فأدخلت ~~إليه، وجعلت الخرائط بين يديه. وكان بعث فتيانه؛ فخلا مجلسه إذ ذاك، ولم ~~يبق أحد هناك، حاشى فتى كان بين يديه واقفا، وعلى خدمته الخاصة عاكفا؛ ~~فغشيت الأمير عبد الرحمن نعسة، ظنها الفتى تهزة وخلسة؛ فقبض على خريطة من ~~ذلك المال، وأسدل عليها كمة أسبغ إسدال، والأمير يلاحظه بطرف خفي، ويصمت ~~عنه صمت بر حفي؛ ففاز الفتى بماله، وناط به أسباب PageV02P091 # آماله. فلما رجع الفتيان، أمرهم الأمير عبد الرحمن برفع تلك الخرائط ~~المبسوطة؛ فوجدوا نقصان تلك الخريطة؛ فتدافعوا فيها إذ ذاك، كل يقول ~~لصاحبه: (أنت أخذتها من هناك!) فقال لهم الأمير: (أسكنوا عن هذا! فقد أخذها ~~من لا يردها، وعاينه من لا يقولها!) فكان هذا مما عد من كرمه وفضله. # وكانت له جارية تسمى طروب، كان بها دنفا؛ فصدت عنه يوما، وأبدت هجرانه. ~~فأرسل فيها؛ فامتنعت عليه، وأغلقت على نفسها بيتا. فأمر ببنيان الباب ~~بالخرائط المملؤة من الدراهم، استرضاء لها، واستعطافا لوصلها. فلما فتحت ~~الباب، تساقطت الخرائط من كل جانب؛ فأخذتها؛ فألفت فيها نحوا من عشرين ~~ألفا؛ وأمر لها يعقد قيمته عشرة آلاف دينار؛ فجعل بعض من حضر من وزرائه ~~يعظم الأمر عليه؛ فقال له الأمير عبد الرحمن: (إن لابسه أنفس منه خطرا ~~وأرفع قدرا! ولئن راق من هذه الحصباء منظرها، ورصف في النفس جوهرها، فلقد ~~برأ الله من خلقه جوهرا يغشى الأبصار، ويذهب بالألباب. وهل على وجه الأرض ~~من زبرجدها ms331 وشريف جوهرها أقر لعين، وأجمع لزين، من وجه أكمل الله فيه الحسن ~~ونضرته، وألقى عليه الجمال بهجته؟) ثم قال لعبد الله بن الشمر الشاعر وكان ~~حاضرا: (هل يحضرك شئ في المعنى؟) فأنشد (طويل) : # أتقرن حصباء البواقيت والشذر ... بمن يتعالى عن سنا الشمس والبدر # بمن قد برت قدما يد الله خلقه ... ولم يك شيئا قبله أبدا يبرى # فأكرم به من صنعة الله جوهرا ... تضاءل عنه جوهر البر والبحر # فأعجبت الأمير الأبيات وطرب لها طربا شديدا. وأنشد الأمير مرتجلا (طويل) ~~: # فريضك يا ابن الشمر عني على الشعر ... وجل عن الأوهام والذهن والفكر # إذا شافهته الأذن أدى بسحرها ... إلى القلب إبداعا فجل عن السحر # وهل برأ الرحمن من كل ما برأ ... أقر لعين من منهمة بكر # ترى الورد فوق الياسمين بخدها ... كما فوق الروض المنعم بالزهر # فلو أنني ملكت قلبي وناظري ... نظمتهما منها على الجيد والنحر PageV02P092 # ثم أمر لابن الشمر ببدرة فيها خمسمائة دينار؛ فخرج مع الوصيف يحملها له ~~تحت إبطه. فلما تواريا عن الأمير، قال له الوصيف: (أين لذات العمر، يا ابن ~~الشمر؟) فقال: (تحت إبطك يا سيدي!) ودخل عليه الغزال الشاعر يوما؛ فقال ~~الأمير (كامل) : جاء الغزال بحسنة وجماله فقال له الوزير: أجز. ما بدأ به ~~الأمير! فقال الغزال (كامل) : # قال الأمير مداعبا بمقاله ... جاء الغزال بحسنه وجماله # أين الجمال من أمري أربي على ... متعدد السبعين من أحواله # وهل الجمال له؟ الجمال من امرئ ... ألقاه ريب الدهر في أغلاله # وأعاده من بعد جدته بلى ... وأحال رونق وجهه عن حاله # وهي طويلة. # ومن قول الإمام عبد الرحمن - رحمه الله! - يصف حال المعزول، فأبدع (طويل) ~~: # أرى المرء بعد العزل يرجع عقله ... وقد كان في سلطانه لبس بعقل # فتلفيه جهم الوجه ما كان واليا ... ويسهل عنه ذاك ساعة يعزل # وكتب إليه بعض عمناله يسأله عملا رفيعا ليس من شاكلته؛ فوقع له في أسفل ~~كتابه: (من لم يصب وجه مطلبه، كان الحرمان أولى به!) ومثل هذا كثير مما يدل ~~على فضله. ### | خلافة محمد بن عبد ms332 الرحمن بن الحكم بن هشام # كنيته: أبو عبد الله. أمه: بهير. مولده: في شهر ذي القعدة سنة 207. ~~وزراؤه وقواده: اثنا عشر. حجابه: اثنان، ابن شهيد وابن أبي عبدة. كتابه: PageV02P093 # ثلاثة، عبد الملك بن أمية، وحامد بن محمد الزجالي، وموسى بن ابان. قضاته: ~~أحمد بن زياد، ثم عمرو بن عبد الله المعروف بالقبعة، ثم سليمان بن أسود ~~الغافقي. نفش خلقه: بالله يثق محمد وبه يعتصم. صفته: أبيض، مشرب بحمرة: ~~ربعة، أوقص، وافر اللحية يخضب بالحناء والكتم. بنوه: ثلاثة وثلاثون. بناته: ~~إحدى وعشرون. بويع يوم الخميس لأربع خلون لربيع الآخر سنة 238، وهو ابن ~~ثلاثين سنة وخمسة أشهر. وتوفي يوم الخميس لليلة بقيت من شهر صفر سنة 273. ~~عمره: خمس وستون سنة وأربعة أشهر. وكانت خلافته أربعا وثلاثين سنة وعشرة ~~أشهر وعشرين يوما. # وفي سنة ولايته، ثار عليه أهل طليطلة، وحبسوا العامل عندهم، حتى أطلقت ~~رهائنهم من قرطبة، وحينئذ أطلقوه. # وفي سنة 239، خرج الحكم ابن الأمير عبد الرحمن إلى طليطلة بالصائفة. ~~وكانت قلعة رباح قد أقفرت، خوفا من أهل طليطلة. فاحتلها الحكم، وأمر ببنيان ~~سورها، واسترجاع من فر من أهلها إليها. # وفيها أخرج الأمير محمد إلى شندلة قاسم بن العباس وتمام بن أبي العطاف ~~صاحب الخيل، ومعهما الحشم. فلما حلا بأندوجر، خرجت عليهم كمائن أهل طليطلة، ~~ووقعت الحرب، وكثر القتل؛ فانهزم قاسم وتمام، وأصيب ما في العسكر. وفي ذلك ~~يقول صفوان بن العباس أخو قاسم المذكور (رمل) : # ضرط القاسم يوما ... ضرطة في القرميط # مات منها كل حوت ... كان في البحر المحيط # وكانت هذه الوقعة في شوال. # وفي سنة 240، خرج الأمير محمد بنفسه إلى طليطلة في المحرم. فلما اتصل ~~بأهلها ذلك، أرسلوا إلى أردن بن إذفونش صاحب جليقية، يعلمونه بحركته PageV02P094 # ويستمدون به. قبعث إليهم أخاه غثون في جمع عظيم من النصارى. فلما اتصل ~~ذلك بالأمير محمد، وقد كان قارب طليطلة، أعمل الحيلة والكيد، واستشعر ~~الحزم؛ فعبأ الجيوش، وكمن الكمائن بناحية وادي سليط؛ ثم نصب الردود، وطلع ~~في أوائل العسكر في قلة من العدد. فلما رأى ms333 ذلك أهل طليطلة، أعلموا العلج ~~بما عاينوه من قلة المسلمين؛ فتحرك العلج فرحا، وقد طمع في الظفر والغنيمة ~~وانتهاز الفرصة. فلما التقى الجمعان، خرجت الكمائن عن يمين وشمال، وتواترت ~~الخيل أرسالا على أرسال، حتى غشى الأعداء منهم ظلل كالجبال؛ فانهزم ~~المشركون وأهل طليطلة، وأخذتهم السلاح، هذا بالسيوف، وطعنا بالرماح؛ فقتل ~~الله عامتهم، وأباد جماعتهم. وحيز من رؤوسهم مما كان في المعركة وحواليها ~~ثمانية آلاف رأس، وجمعت ورصعت؛ فصار منها جبل علاه المسلمون، يكبرون ~~ويهللون ويحمدون ربهم ويشكرون. وبعث الأمير محمد بأكثرها إلى قرطبة، وإلى ~~سواحل البحر، وإلى العدوة. وانتهى عدد من فقد منهم في هذه الوقعة إلى عشرين ~~ألفا. وكانت في شهر محرم من السنة. # وفي سنة 241، شحن الأمير محمد قلعة رباح وطلبيرة بالحشم، ورتب فيها ~~الفرسان؛ وترك فيها عاملا حارث بن بزيع. # وفيها، جدد الأمير محمد طرز الجامع بقرطبة وأتقن نقوشه. # وفيها، حشد الأمير محمد ودخل إلى ألبة والقلاع، وبلغ إلى أقصاها وافتتح ~~كثيرا من حصون المشركين. # وفي سنة 242، كتب الأمير محمد إلى موسى بن موسى بحشد الثغور والدخول إلى ~~برشلونة؛ فغزا إليها، واحتل بها، وافتتح في هذه الغزاة حصن طراجة، وهي من ~~آخر أحواز برشلونة؛ ومن خمس ذلك الحصن زيدت PageV02P095 # الزوائد في المسجد الجامع بسرقسطة؛ وكان الذي أسسه ونصب محرابه حنش ~~الصنعاني - رضي الله عنه - وهو من التابعين. # وفيها وجه الأمير محمد ابنه المنذر بالجيوش إلى طليطلة؛ فحاصرها، وأقام ~~عليها ينسف معائشها. # وفي سنة 243، كانت وقعة عظيمة في أهل طليطلة، وذلك أنهم خرجوا إلى ~~طلبيرة؛ فخرج إليهم قائدها مسعود بن عبد الله العريف، بعد أن كمن لهم ~~الكمائن؛ فقتلهم قتلا ذريعا، وبعث إلى قرطبة بسبعمائة رأس من رؤوس أكابرهم. # وفي سنة 244، خرج الأمير محمد بنفسه إلى طليطلة، وعددهم قد قل، وحدهم قد ~~قل، بتواتر الوقائع عليهم، ونزول المصائب بهم؛ فلم تكن لهم حرب إلا ~~بالقنطرة. ثم أمر الأمير بقطع القنطرة، وجمع العرفاء من البنائين ~~والمهندسين، وأداروا الحيلة من حيث لا يشعر أهل طليطلة. ثم نزلوا عنها؛ ~~فبينما هم ms334 مجتمعون بها، إذ اندقت بهم، وتهدمت نواحيها، وانكفأت بمن كان ~~عليها من الحماة والكماة؛ فغرقوا في النهر عن آخرهم. فكان ذلك من أعظم صنع ~~الله فيهم. # وفي سنة 245، دعا أهل طليطلة إلى الأمان؛ فعقدة الأمير لهم؛ وهو الأمان ~~الأول. # وفيها، خرج المجوس أيضا إلى ساحل البحر بالغرب، في اثني وستين مركبا؛ ~~فوجدوا البحر محروسا، ومراكب المسلمين معدة، تجري من حائط إفرنجة إلى حائط ~~جليقية في الغرب الأقصى. فتقدم مركبان من مراكب المجوس؛ فتلاقت بهم المراكب ~~المعدة؛ فوافوا هذين المركبين في بعض كسور باجة؛ فأخذوهما بما كان فيهما من ~~الذهب والفضة والسبي والعدة. ومرت سائر مراكب المجوس في الريف حتى انتهت ~~إلى مصب نهر إشبيلية في البحر؛ فأخرج الأمير الجيوش، ونفر الناس من كل أوب: ~~وكان قائدهم عيسى بن الحسن الحاجب. PageV02P096 # وتقدمت المراكب من مصب نهر إشبيلية حتى حلت بالجزيرة الخضراء؛ فتغلبوا ~~عليها، وأحرقوا المسجد الجامع بها؛ ثم جازوا إلى العدوة؛ فاستباحوا ~~أريافها؛ ثم عادوا إلى ريف الأندلس، وتوافوا بساحل تدمير؛ ثم انتهوا إلى ~~حصن أوربولة؛ ثم تقدموا إلى إفرنجة؛ فشتوا بها، وأصابوا بها الذراري ~~والأموال، وتغلبوا بها على مدينة سكنوها، فهي منسوبة إليهم إلى اليوم، حتى ~~انصرفوا إلى ريف بحر الأندلس، وقد ذهب من مراكبهم أكثر من أربعين مركبا. ~~ولقيهم مراكب الأمير محمد؛ فأصابوا منها مركبين بريف شذونة، فيها الأموال ~~العظيمة. ومضت بقية مراكب المجوس. # وفي سنة 246، أغزى الأمير محمد بن عبد الرحمن إلى أرض بنبلونة أحد قواده؛ ~~فخرج في هذه الغزوة خروجا لم يخرج قبله مثله جمعا وكثرة، وكمال عدة، وظهور ~~هيبة. وكان غرسية إذ ذاك متظافرا مع أزدون صاحب جليقية؛ فأقام هذا القائد ~~يدوخ أرض بنبلوبة، مترددا فيها اثنين وثلاثين يوما، يخرب المنازل، وينسف ~~الثمار، ويفتح القرى والحصون. وافتتح في الجملة حصن قشتيل، وأخذ فيه قرتون ~~بن غرسية المعروف بالأنفر، وقدم به إلى قرطبة؛ فأقام بها محبوسا نحوا من ~~عشرين سنة؛ ثم رده الأمير إلى بلده، وعمر فرتون مائة وست وعشرون سنة. # وفي سنة 247، قال الرازي: غزا محمد ms335 بن السديم أرض الحرب، وعامل الثغر إذ ~~ذاك عبد الله بن يحيى. وكان كتب موسى بن موسى يذكر ما ناله ونال أهل بلده ~~في إداختهم أرض الجليقيين، وما وصل إليهم من النصب، وسأل أن يكون دخول ~~العسكر على غير ناحيته؛ فأسعف في ذلك، ودخلت العساكر على غير بلده. # وفي سنة 248، تقدم موسى بن موسى لمقاتلة ابن سالم في وادي الحجارة؛ ~~فنالته جراح منعته الركوب بعدها؛ وكانت سببا لهلاكه؛ فتوفي في هذه السنة. PageV02P097 # وفي سنة 249، خرج عبد الرحمن ابن الأمير محمد إلى حصون ألبة والقلاع؛ ~~وكان القائد عبد الملك بن العباس؛ فافتتحها، وقتل الرجال، وهدم البنيان؛ ~~وانتقل في بسائطها من موضع إلى موضع يحطم الزروع، ويقطع الثمار. وأخرج ~~أردون بن إذفونش أخاه إلى مضيق الفج ليقطع بالمسلمين، ويتعرضهم فيه؛ فتقدم ~~عبد الملك؛ فقاتلهم على المضيق، حتى هزمهم وقتلهم وبددهم؛ ثم وافنهم بقية ~~العساكر، وأظلتهم الخيل من كل الجهات؛ فصبر أعداء الله صبرا عظيما؛ ثم ~~انهزموا. ومنح الله المسلمين أكتافهم؛ فقتلوا قتلا ذريعا؛ وقتل لهم تسعة ~~عشر قومسا من كبار قوادهم. # وفي سنة 250، كملت مقصورة المسجد الجامع بقرطبة؛ وبنى فيها الأمير محمد ~~بنيانا كثيرا في القصر الكبير والمنى الخارجة عنه. ولم تكن في هذه السنة ~~صائفة، استغنى بالغزوة المتقدمة، وأريح العسكر فيها. # وفي سنة 251، كانت غزوة ألبة والقلاع أيضا (هزيمة المركويز - أخزاه الله! ~~-) خرج إلى هذه الغزاة عبد الرحمن بن محمد، وتقدم حتى حل على نهر دوبر. - ~~وتوالت عليه العساكر من كل ناحية، فرتبها. ثم تقدم؛ فاحتل بفج برذنش؛ وكانت ~~عليه أربعة حصون؛ فتغلب العسكر عليها، وغنم المسلمون جميع ما فيها وخربوها؛ ~~ثم انتقل من موضع إلى موضع، لا يمر بمسكن إلا خربه، ولا موضع إلا حرقه، حتى ~~اتصل ذلك في جميع بلادهم. ولم يبق لرذريق صاحب القلاع، ولا اردمير صاحب ~~توفة، ولا لعندشلب صاحب برجية، ولا لغومس صاحب مسانقة، حصن من حصونهم إلا ~~وعمه الخراب. ثم قصد الملاحة، وكانت من أجل أعمال رذريق؛ فحطم ما حواليها ~~وعفا آثارها. # ثم تقدم يوم ms336 الخروج على فج المركوبز؛ فصد العسكر عنه، وتقدم رذريق بحشوده ~~وعسكره؛ فحل على الخندق المجاور للمركوبز. وكان رذريق قد عانى PageV02P098 # توعيره أعواما، وسخر فيه أهل مملكته، وقطعه من جانب الهضبة؛ فارتفع جرفه، ~~وانقطع مسلكه؛ فنزل عبد الرحمن ابن الأمير محمد على وادي إبره بالعسكر، ~~وعبا القائد عبد الملك للقتال؛ وعبا المشركون، وجعلوا الكمائن على ميمنة ~~الدرب وميسرته. وناهض المسلمون جموع المشركين بصدورهم؛ فوقع بينهم جلاد ~~شديد. وصدق المسلمون اللقاء؛ فانكشف الأعداء عن الخندق، وانحازوا إلى هضبة ~~كانت تليه. ثم نزل عبد الرحمن ابن الأمير محمد، ونصب فسطاطه، وأمر الناس ~~بالنزول وضرب أبنيتهم؛ فأقامت المحلة. ثم نهض المسلمون إليهم؛ فصدقوهم ~~القتال، وضرب الله في وجوه المشركين، ومنح المسلمين أكتافهم؛ فقتلوا أبرح ~~قتل؛ وأسر منهم جموع. واستمروا في الهزيمة إلى ناحية الأهزون، وافتحموا نهر ~~إنره باضطرار في غير مخاضه؛ فمات منهم خلق كثير غرقا. وكان القتل والأسر ~~فيهم من ضحى يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب إلى وقت الظهر. وسلم ~~الله المسلمين ونصرهم على المشركين. وكان قد لجأ منهم إلى الوعر والغياض، ~~عندما أخذتهم السيوف، جموع؛ فتتبعوا وقتلوا؛ ثم هتك الخندق وسوى حتى سهل، ~~وسلكه المسلمون غير خائفين ولا مضغطين. وأعظم الله المنة للمسلمين بالصنع ~~الجميل، والفتح الجليل. والحمد لله رب العالمين. وكان مبلغ ما حيز من رؤوس ~~الأعداء في تلك الوقيعة عشرين ألف رأس وأربعمائة رأس واثنين وسبعين رأسا. # وفي سنة 252، خرج عبد الرحمن ابن الأمير محمد غازيا إلى ألبة والقلاع؛ ~~فحارب أهلها، وأفسد زروعها، وغادرها هشيما. وكان أهل هذا الجانب في ضعف ~~ووهن شديد ألجأهم إلى المنع من التجمع والاحتشاد، لما نالهم في العام ~~الفارط من النهب والقتل الذريع. # وفي سنة 253، خرج الحكم ابن الأمير محمد غازيا إلى جرنيق؛ فجال في أرض ~~الأعداء، وحل على حصن جرنيق، وحاصره حتى فتحه عنوة. PageV02P099 ### | وفيها كانت بالأندلس مجاعة عظيمة متوالية # وفي سنة 254، خرج الأمير محمد إلى ماردة، وأظهر أن استعداده لطليطلة. ~~وكان بماردة قوم من المنتزين. فلما فصل من قرطبة، وتقدم ms337 بالمحلات إلى طريق ~~طليطلة، نكب إلى ماردة؛ فاحتل بهم، وهم في أمن وعلى غفلة. فتحصنوا في ~~المدينة أياما. ثم ناهض القنطرة؛ فوقع القتال، واشتد الحرب حتى غلبوا ~~عليها؛ فأمر الأمير بتخريب رجل منها؛ فكان ذلك سببا إذعان أهل ماردة؛ ~~فطاعوا على أن يخرج فرسانهم، وهم يومئذ عبد الرحمن بن مروان، وابن شاكر، ~~ومكحول، وغير هؤلاء؛ وكانوا أهل بأس ونجدة وبسالة مشهورة. فخرج المذكورون ~~ومن هو مثلهم إلى قرطبة بعيالهم وذراريهم. وولى عليها سعيد ابن عباس ~~القرشي، وأمر بهدم سورها؛ ولم تبق إلا قصبتها لمن برد من العمال. # وفي سنة 255، خرج الحكم ابن الأمير محمد، وقصد مدينة سرية. وكان قد تغلب ~~بها سليمان بن عبدوس، وخالف فيها؛ فبادرته الصائفة، وحلت به العساكر، ~~وأحدقت بالمدينة، ورميت بالمجانيق، حتى هتكت أسوارها. فقام أهلها على ~~سليمان بن عبدوس؛ فطاع، ونزل؛ فقدم به قرطبة؛ فسكنها. # وفي سنة 256، غدر عمروس عامل وشقة وملكها، وظهرت عاديته في الثغر؛ فأخرج ~~الأمير إليه قطيعا من الحشم والعدة، وقصد بها لاردة ابن مجاهد المعروف ~~بالتدميري؛ فلزمها. وحشد عبد الوهاب بن مغيث الحشود، وقدم عليهم عبد الأعلى ~~العريف، وبعثه إلى وشقة. فلما بلغ عمروس خبره، خرج عن وشفة، وأسر بها لب بن ~~زكرياء بن عمروس؛ وكان أحد قتلة عامل السلطان بها موسى بن غلند؛ فقتل لب ~~وعلق من السور. PageV02P100 # وفي سنة 257، خرج إلى الثغر عبد الغافر بن عبد العزيز؛ وكان بتطيلة. فقبض ~~على زكريا. بن عمروس وعلى أولاده وجماعة من أهل بيته، ونزل بهم على باب ~~مدينة سرقسطة، وقتلهم بها. وقفل إلى قرطبة بالرؤوس. # وفي سنة 258، كانت في الثغر ثورات وحركات، منها أن مطرفا وإسماعيل ابني ~~لب، ويونس بن زنباط غدروا بعبد الوهاب بن مغيث، عامل تطيلة، وابنه محمد ~~عامل سرقسطة. فتقبضوا عليهما، وملكوا في هذا العام الثغر. وكان توفي مطرف ~~في صفر، ودخل إسماعيل سرقسطة في ربيع الأول. # وفي سنة 259، خرج الأمير محمد بنفسه إلى الثغر، وحل في وجهته بطليطلة، ~~وأخذ رهائنهم، وعقد أمانهم، وقاطعهم على قطيع من العشور يودونه ms338 في كل عام، ~~وهو الأمان الثاني. واختلفت أهواؤهم في عمالهم؛ فطلب قوم منهم تولية مطرف ~~بن عبد الرحمن، وطلب آخرون تولية طربيشة؛ فولى كل واحد منهما جانبا، وتقسما ~~المدينة وأقاليمها على حدود مفهومة معلومة؛ ثم تنازعا، وأراد كل واحد منهما ~~الانفراد بملك طليطلة. ثم غلب الداعون إلى تقديم طربيشة ابن ماسوية، وتأخير ~~مطرف المذكور. وكان الأمير محمد تتلقاه في وجهته هذه، في الارتحال ~~والاحتلال، طلائع الظفر، وبوادر النجح والنصر. وتجول في الثغر محاصرا لبني ~~موسى، ومضيقا عليهم. ثم تقدم إلى بنبلونة؛ فوطئ أرضها، وأذل أهلها، وخربها؛ ~~قم قفل؛ فحل بقرطبة، ومعه جماعة من الثوار الناكثين المفسدين. فلما أخذ ~~راحته، أمر بقتل مطرف بن موسى وبنيه، وأمر بإطلاق كاتبهم، وكان لا ذنب له. ~~فلما أخرج مطرف وبنوه للقتل، وأخرج كاتبهم للإطلاق، وكان يعرف بالأصبحي، ~~قال: (لا خير في العيش بعد هؤلاء!) فقدم للقتل قبلهم، ورفعت رؤوسهم. PageV02P101 # وفي سنة 260، خرج المنذر بن الأمير محمد إلى سرقسطة وبنبلونة؛ وكان ~~القائد هاشم بن عبد العزيز. فاحتل سرقسطة، وانتهب زروعها، وأذهب ثمارها ~~وأشجارها، ونقل أطعمتها إلى وشفة، وتقدم إلى بنبلونة؛ فجال في أرضها، وأتلف ~~معايش أهلها. # وفيها، كانت المجاعة التي عمت الأندلس؛ ومات فيها أكثر الخلق. # وفي سنة 261، هرب ابن مروان الجليقي من قرطبة مع رجال ماردة المنزلين ~~منها، واستقروا بقلعة الحنش. فغزاه الأمير محمد، وحاصره حصارا قطعه وضيق ~~عليه مدة من ثلاثة أشهر، ألجأه فيها إلى أكل الدواب؛ وقطع عنه الماء، ورماه ~~بالمجانيق، حتى أذعن، وطلب الأمان، وشكى ثقل الظهر وضيق الحال؛ فأباح له ~~الأمير محمد الرحيل إلى بطليوس والحلول بها؛ وهي يومئذ قرية؛ فخرج إليها، ~~وقفل عنه. # وفي سنة 262، خرج المنذر بن الأمير محمد إلى ابن مروان؛ وكان القائد هاشم ~~بن عبد العزيز؛ وهو الذي كان سبب هروب ابن مروان، لأنه قال له من بين ~~الوزراء: (الكلب خير منك!) وأمر يصفع قفاه، واستبلغ في خزيه؛ فهرب مع ~~أصحابه، وذلك في خبر طويل. وكان ابن مروان قد ابتنى بطليوس حصنا، وجعله ~~موطنا، وأدخل فيه ms339 أهل ماردة وغيرهم من أهل المكانفة له على الشر. فلما ~~انتهى إلى ابن مروان تحرك العسكر إليه، تنقل عن بطليوس، وحل بحصن كركي؛ ~~واجتمع أهل ماردة إليه فيه؛ فنزل العسكر بمقربة من الحصن. وكان هاشم قد يعث ~~إلى منت شلوط خيلا ورجلا لضبطه. وكان سعدون الرماري قد دخل إلى بلاد الشرك ~~مستمدا؛ فجاء بمدد من المشركين، وأظهر أنه في قلة؛ فكتب بذلك عامل حصن منت ~~شلوط إلى PageV02P102 # هاشم؛ فرأى هاشم أن ذلك فرصة في سعدون؛ فبادر بالخروج من العسكر على غير ~~تعبئة ولا أهبة، في خيل قليلة. وأفحص هاشم، وجاوز الوعر، وأبعد عن العسكر؛ ~~فأخذت المضايق عليه، وناشبوه القتال؛ فأخذته جراح، وقتل من أصحابه جماعة؛ ~~وأسر هاشم المذكور. ولما اتصل خبر هاشم بالأمير محمد، وقع في جانبه، وقال: ~~(هذا أمر جناه على نفسه بطيشه وعجلته!) ثم رد ولده عوضا منه. وحصل هاشم ~~أسيرا بيد ابن مروان الذي صنعه في أسره في قرطبة؛ فبره ابن مروان، وأكرمه، ~~وأحسن إليه، ولم يعاقبه بما فعل معه. # وفي سنة 263، خرج المنذر بن الأمير محمد، وجعل طريقه على ماردة فلما ~~انتهى ذلك إلى ابن مروان، زال عن بطليوس؛ واحتل بها قائد المنذر الوليد بن ~~غانم؛ فخرب ديارها. وتقدم ابن مروان إلى بلاد العدو. # وفي سنة 264، حارب المنذر سرقسطة، وأفسد ما ألقى من زروعها؛ ثم تقدم إلى ~~تطيلة والمواضع التي صار فيها بنو موسى؛ فانتسقها، وأجال العسكر عليها. # وفيها، دخل البراء بن مالك من باب فلنبرية إلى جليقية بحشود الغرب، وتردد ~~هنالك حتى أذهب نعيمهم. # وفيها، أطلق هاشم من الأسر. # وفي سنة 265، ظهرت الفتنة وظهر الشر في جانب كورة ربة والجزيرة وتاكرنا؛ ~~وظهر يحيى المعروف بالجزيري؛ فغزاه هاشم؛ فأذعن له، وقدم به إلى قرطبة. # وفي سنة 266، خرج عبد الله بن الأمير محمد إلى كورة ربة ونواحي الجزيرة، ~~وبنى حصونا في تلك النواحي؛ ثم قفل. # وفيها، أمر الأمير محمد بإنشاء المراكب بقرطبة ليتوجه بها إلى البحر PageV02P103 # المحيط عبد الحميد الرعبطي المعروف بابن مغيث؛ وكان قد رفع إليه ms340 رافع أن ~~جليقية من ناحية البحر المحيط لا سور لها، وأن أهلها لا يمتنعون من جيش إن ~~غشيهم من تلك الناحية. فلما كملت المراكب بالإنشاء، قدم عبد الحميد بن مغيث ~~عليها. فلما دخل البحر، تقطعت المراكب كلها وتفرقت، ولم يجتمع بعضها إلى ~~بعض. ونجا ابن مغيث. # وفي سنة 267، التاثت الحصون المبتناة برية وتاكرنا وجهة الجزيرة. وفيها، ~~ابتدأ شر اللعين عمر بن حفصون، الذي أعبى الخلفاء أمره، وطالت في الدنيا ~~فتنته، وعظم شره؛ فقام في هذه السنة على الأمير محمد بناحية رية. فتقدم ~~إليه عامر بن عامر؛ فانهزم عامر وأسلم قبته؛ فأخذها ابن حفصون، وهو أول ~~رواق ضريه؛ فاستكن إليه أهل الشر. وعزل الأمير عامرا عن كورة رية، وولاها ~~عبد العزيز بن عباس؛ فهادنه ابن حفصون، وسكنت الحال بينهما. ثم عزل عبد ~~العزيز، وتحرك ابن حفصون، وعاد إلى ما كان عليه من الشر. وخرج هاشم بن عبد ~~العزيز إلى كورة رية يطلب كل من كشف وجهه في الفتنة وأظهر الخلاف، وأخذ ~~رهائن أهل تاكرنا على إعطاء الطاعة. # ومن العجائب في هذا العام، ما ذكره الرازي وغيره. قالا: زلزلت الأرض ~~بقرطبة زلزالا شديدا، وهاجت ريح عند صلاة المغرب؛ فأثارت سحابا فيه ظلمات ~~ورعد وبرق؛ فصعق ستة نفر، وانقلبوا على ظهورهم، مات اثنان؛ وخر جميع الناس ~~سجدا إلا الإمام، فإنه ثبت قائما؛ وكان الرجلان اللذان ماتا أقرب الناس إلى ~~الإمام؛ فاحترق شعر أحدهما واسود وجهه وشقه الأيسر؛ والآخر ظهر بشقه الأيمن ~~سواد؛ والأربعة الصرعى مكثوا حتى فرغ الإمام؛ فسئلوا عما أحسوا؛ فقالوا: ~~(أحسسنا نارا كأنها الموج الثقيل.) ووجد أهل المسجد رائحة النار، ولم يوجد ~~للصاعقة أثر في سقف ولا حائط. واهتزت لهذا PageV02P104 # الزلزال القصور والجبال، وهرب الناس إلى الصحارى، ضارعين إلى الله تعالى. ~~وعم هذا الزلزال من البحر الشامي إلى آخر الجوف وإلى آخر أرض الشرك، لم ~~يختلف في ذلك مختلف. # وفي سنة 268، خرج المنذر ابن الأمير محمد، والقائد هاشم بن عبد العزيز؛ ~~فقصد الثغر الأقصى، وحطم سرقسطة، وافتح حصن روطة؛ ثم تقدم ms341 إلى ألبة ~~والقلاع، وافتتح حصونا كثيرة، وأخلى حصونا كثيرة، خوفا من مهرة العسكر، ~~وتوقعا من تغلبه. # وفيها، فسد ما بين المنذر وبين الوزير هاشم بن عبد العزيز. # وفي سنة 269، قال الرازي: وفي سنة 269، غزا محمد بن أمية بن شهيد إلى ~~كورة رية وكورة إلبيرة. وكانوا بحال توحش ونفار؛ فسكن أحوال أهلها، وهدن ~~الناس بها، ونظر في استنزال رجال بجبال رية وغيرها من بني رفاعة وغيرهم. # وفي سنة 270، استتم محمد بن أمية بن شهيد استنزال بني رفاعة. وأتاه في ~~هذه الغزاة كتاب الأمير محمد بتولية عبد العزيز بن العباس كورة إلبيرة؛ ~~فولاه، وقفل. # وفيها، غزا هاشم كورة رية، وإستنزل عمر بن حفصون من جبل بربشتر وقدم به ~~قرطبة؛ فأنزله الإمام، وأوسع له في الإكرام. # وفي سنة 271، هرب عمر بن حفصون من قرطبة، ولجأ إلى جبل بربشتر؛ فانتدب ~~الأمير محمد إلى حربه؛ وحوصر في السنة الآتية. # وفي سنة 272، خرج عبد الله ابن الأمير محمد، والقائد هاشم بن عبد العزيز. ~~وقصد الغرب إلى ابن مروان، وهو بجبل اشبرغزة؛ فنازله وحاربه. PageV02P105 # قال حيان بن خلف في عمر بن حفصون: هو كبير الثوار بالأندلس ونسبه: عمر بن ~~حفص، المعروف بحفصون، بن عمر بن جعفر بن شتيم بن ذيبان ابن فرغلوش بن ~~إذفونش، من مسالمة الذمة، من كورة تاكرنا من عمل رندة. وكان الذي أسلم منهم ~~جعفر بن شتيم؛ ففشا نسله في الإسلام. وكان له من الولد الذكور عمر وعبد ~~الرحمن؛ فولد عمر بن جعفر حفصا. وولد حفصون هذا عمر هذا الثائر الملعون؛ ~~فعمر هذا هو الذي ثار على الأمير محمد أولا، ثم بلغ بعد ذلك في الشقاق ~~والفتن مبلغا لم يبلغه ثائر بالأندلس. واستوطن لأول نفاقه حصن بربشتر قاعدة ~~وحضرة، وهي أمنع قلاع الأندلس قاطبة، وذلك في هذه السنة، وهو تأريخ صعوده ~~الآخر إليها الذي توطد له ملكه فيه، وخالف على السلطان حتى رضى عنه ~~بالمناركة. واتصلت أيامه في ظهور وعزة حتى قدم فيها ثلاثة من خلفاء ~~المروانيين أئمة الجماعة بالأندلس - رحمهم الله! - أولهم هذا ms342 الأمير محمد؛ ~~وتخلف بعدهم إلى أن هلك على يد الرابع منهم، وهو عبد الرحمن الناصر، على ما ~~يأتي مفسرا. # وفي سنة 273، خرج المنذر بن الأمير محمد إلى كورة رية، والقائد محمد ابن ~~جهور. فقصد مدينة الحامة، وفيها حارث بن حمدون من بني رفاعة؛ وكان مظاهرا ~~لعمر بن حفصون، وكانا قد اجتمعا بالحامة. فنازلهم، وناهضهم، وأحدق بهم من ~~كل ناحية؛ وأقام محاصرا لهم شهرين. فلما وصل إليهم الضيق، برزوا إلى باب ~~المدينة خارجا، مستقبلين للحرب. وقام بها؛ فنالته جراح، وشلت يده؛ ثم انهزم ~~هو وأصحابه، وصاروا بين قتيل وفليل. ودخل باقيهم في الحامة. فبينا المنذر ~~في هذه الحال من السرور، إذ أتاه الخبر بموت أبيه الأمير محمد بن عبد ~~الرحمن، ليلة الخميس لليلة بقيت من شهر صفر من السنة؛ ودفن في القصر. ~~وأدركه المنذر قبل مواراته وصلى عليه. PageV02P106 ### | بعض أخباره وسيره # كان الأمير محمد - رحمه الله! - فصيحا، بليغا، عظيم الأناة، متنزها عن ~~القبح، يؤثر الحق وأهله، لا يسمع من باغ، ولا يلتفت إلى قول زائغ. وكان ~~عاقلا، على أخلاق جميلة ومكارم حميدة، ذا بديهة وروية، يرى كل من باشره ~~وحدثه أن له الفضل المستبين في إدراكه، وفهمه، ودقة ذهنه، ولطيف فطنته، ~~وجزالة رأيه. وكان أعلم الناس بالحساب وطرق الخدمة. وكان متى أعضل منها شئ، ~~رجع إليه فيه؛ وإذا أخل أحد من خزانه وأهل خدمة الحساب بشيء من ذلك، لم يجز ~~عليه بأدنى لحظة أو نظرة. ولقد استدرك على بعض خزانه في صك يشتمل على مائة ~~ألف دينار خمس درهم؛ فرد الصك، وأمر بتصحيحه؛ فتجمع الخدمة والكتاب عليه؛ ~~فلم يقعوا على ذلك النقصان لدقته وخفائه؛ فرجعوا إليه معترفين بالتقصير، ~~وأعلموا الرسول؛ فرد الصك إليه وأعلمه باعترافهم؛ فعلم لهم على موضع ~~الخطاء؛ فإذا هو خمس درهم. # وقال هاشم بن عبد العزيز: كان الأمير محمد - رحمه الله! - أصح الناس ~~عقلا، وأحسنهم تمييزا، وأبصرهم بوجه الرأي. وكان يستشيرنا؛ فنجتهد ونقول ~~ونحصل؛ فإن أصبنا، أمضى ذلك؛ وإن كان في الرأي خلل، قام فيه بالحجة، وأبانه ~~بما ms343 تعجز الأوهام عنه تنقيحا وتهذيبا. # ومما يحفظ عنه أنه قال لهاشم في شئ أنكره عليه من عدم التثبت: (يا هاشم! ~~من آثر السرعة أمضت به إلى الهفوة. ولو أنا أصغينا إلى محو زلاتك، وأصخنا ~~إلى هفواتك، لكنا شركاءك في الزلة، وقسماءك في العجلة! فمهلا عليك، ورويدا ~~بك! فإنك إن يعجل يعجل لك!) وكان، مع تشبثه وأناته، وافيا لمواليه في ~~أنفسهم وأعقابهم، لا يكدح عنده كادح في شئ عن أحدهم، فيسمعه أو يسمعه. # ولقد ولي الكناية عبد الملك بن عبد الله بن أمية اصطناعا له، وعائدة PageV02P107 # عليه؛ فرد عليه يوما جوابا يقول فيه: (قد فهمنا عنك، ولم نأت ما أتيناه ~~عن جهل بك، لكن اصطناعا لك، وعائدة عليك. وقد أبحنا لك الاستعانة بأهل ~~اليقظة من الكتاب. فتخير منهم من تثق به وتعتمد عليه. ونحن نعينك على أمرك ~~بتفقد كتبك والإصلاح عليك، إلى أن تركب الطريقة وتبصر الخدمة إن شاء الله ~~تعالى!) فحسده على الخطة لشرفها من رأى نفسه أولى بها لاستكمال أدواتها؛ ~~فطولب عليها. وكان أشد الناس في ذلك هاشم بن عبد العزيز، يثير سقطانه، ~~ويتتبع هفواته، ويشنع عليه؛ والأمير محمد بفطنته يتغافل له. فلما طال عليه ~~الصبر، دعا هاشما، وقال له: (قد أكثر أهل خدمتنا وأكثرت في هذا الكاتب: ~~تذكرون جهله وفدامته، وقد ضممنا إليه من الكتاب من يستعين به، ويستظهر على ~~خدمته بمكانه؛ وإنما تقفو بخدمتنا، وننسلك بمراتبنا طريق من ابتدأها وأسسها ~~ووضع أهلها فيها. وإذا كنا لا نخلف آباءكم بكم، ولا نخلفكم بأبنائكم، فعند ~~من نصنع إحساننا ونرب أيادينا؟ أعند أبناء القرانين أو الجزارين أو أمثالهم ~~من الممتهنين) ؟ وأنت كنت أحق بالحص على هذا، وتصويب الرأي فيه، لما ترجو ~~من مثله في أولادك وعقبك!) فرجع هاشم إلى الشكر له وتقبيل يده ورجله. # وكان - رحمه الله! - مأمولا محبوبا في جميع البلدان. وكان محمد بن أفلح ~~صاحب ناهرات لا يقدم ولا يؤخر في أموره ومعضلاته إلا عن رأيه وأمره؛ وكذلك ~~بنو مدرار بسجلماسة. وكان قرولش ملك إفرنجة يسترجح عقله؛ فيهاديه ms344 ويتحفه؛ ~~وهو (أعني قرولش) الذي عمل صورة عبسي من ثلاثمائة رطل من ذهب خالص، وصفها ~~بالياقوت والزبرجد، وجعل لها كرسيا من ذهب خالص مفصص بالياقوت والزبرجد ~~أيضا؛ فلما اكمل ذلك، سجد له وأسجد له جميع أهل إفرنجة في ذلك التاريخ؛ ثم ~~دفعه إلى صاحب كنيسة الذهب برومة. PageV02P108 # وكان الأمير محمد - رحمه الله! - مهتبلا بأمور رعيته، مراقبا لمصالحها. ~~ووضع عن أهل قرطبة ضريبة الحشود والبعوث. وقال ابن حبان: كانت عدة الفرسان ~~المستنفرين لغزو الصائفة المجردة إلى جليقية في مدة الأمير محمد مع الولد ~~عبد الرحمن ابنه على هذه التسمية المفصلة: من ذلك كورة إلبيرة: ألفان ~~وتسعمائة؛ جيان: ألفان ومائتان؛ قبرة: ألف وثمانمائة؛ باغه: تسعمائة؛ ~~تاكرنا: مائتان وتسعة وتسعون؛ الجزيرة: مائتان وتسعون؛ إسنجة: ألف ومائتان؛ ~~قرمونة: مائة وخمسة وثمانون؛ شذونة: ستة آلاف وسبعمائة وتسعون؛ رية: ألفان ~~وستمائة؛ فحص البلوط: أربعمائة؛ مورور: ألف وأربعمائة؛ تدمير: مائة وستة ~~وخمسون؛ ربينة: مائة وستة؛ قلعة رباح وأوربط: ثلاثمائة وسبعة وثمانون. قال: ~~ونفر من أهل قرطبة لهذه الغزوة عدد لم يوقف على قدره. وكان هذا العدد الذي ~~غزا به بعد أن رفع الضريبة التي كانت على أهل قرطبة وأقاليمها وغيرها من ~~البلاد؛ وقطع عنهم الحشود التي كانوا يؤخذون بتجديدها في كل سنة للصوائف ~~الغازية لدار الحرب، وأسقطها منهم ووكلهم إلى اختيار أنفسهم في الطواعية ~~للجهاد من غير بعث. فحسن موقع ذلك منهم، وتضاعف حمدهم له وشكرهم واغتباطهم ~~بدولته. # وذكر جماعة من المؤرخين، عن بقى بن مخلد، أنه قال: ما كلمت أحدا من ملوك ~~الدنيا أكمل عقلا ولا أبلغ فضلا من الأمير محمد. دخلت عليه يوما في مجلس ~~خلافته؛ فافتتح الكلام بحمد الله والثناء عليه والصلاة على النبي صلى الله ~~عليه وسلم؛ ثم ذكر الخلفاء خليفة خليفة؛ فحلى كل واحد منهم بتحليته، ووصفه ~~بصفته، وذكر مآثره ومناقبه بأفصح لسان وأبلغ بيان، حتى انتهى إلى نفسه؛ ~~فسكت. # وفي صدر دولته سعى ببقى بن مخلد إلى الأمير محمد؛ وذلك أنه لما قدم بقى ~~بن مخلد من المشرق عن رحلته الطويلة ms345 بما جمع من العلوم الواسعة والروايات ~~العالية والاختلافات النقهية، أغاظ ذلك فقهاء قرطبة أصحاب الرأي والتقليد، PageV02P109 # الزاهدين في الحديث، الفارين عن علوم التحقيق، المقصرين عن التوسع في ~~المعرفة؛ فحسدوه، ووضعوا فيه القول القبيح عند الأمير، حتى ألزموه البدعة، ~~وشنؤوه إلى العامة. وتخطى كثير منهم برميه إلى الإلحاد والزندقة، وتشاهدوا ~~عليه تغليظ الشهادة، داعين إلى سفك دمه؛ وخاطبوا الأمير محمدا في شأنه، ~~يعرفونه بأمره، ويكثرون عليه بكل ما يرجون به الوصول إلى سفك دمه، ويسألونه ~~تعجيل الحكم فيه. فاشتد خوف بقي بن مخلد جدا، واستتر خوفا على دمه، وعمل ~~على الفرار عن الأندلس إن أمكنه ذلك. فأرشده الله إلى التعلق بحبل هاشم بن ~~عبد العزيز، وسؤاله الأخذ بيده؛ وكتب إلى الأمير محمد، ينشده الله في دمه، ~~ويسأله التثبت في أمره، والجمع بينه وبين خصومه، وسماع حجته، فيأتي في ذلك ~~بما يوفقه الله له. فألقى الله في نفس هاشم الإصغاء إلى شكواه، والاعتناء ~~بأمره؛ فشمر له عن ساعده، وأوصل كتابه إلى الأمير محمد يشرح حاله؛ فعطف ~~عليه، وإنهم الساعين به إليه؛ فأمر بتأمين بقي بن مخلد، وإحضاره مع ~~الطالبين له؛ فتناظروا بين يديه؛ فأدلى بقي بحجته، وظهر على خصومه؛ واستبان ~~الأمير محمد حسدهم إياه لتقصيرهم عن مداه. فدفعهم عنه، وتقدم إليه يطأطأه ~~قدمه، ونشر علمه. وأمر بإيصاله إليه في زمرة من الفقهاء، والرفع من منزلته؛ ~~فاعتلى ذروة العلم، ولم يزل عظيم القدر عند الناس وعند الأمير محمد إلى أن ~~مات - رحمه الله! وفي صدر دولته، توفي عالم الأندلس عبد الملك بن حبيب، ~~وذلك في رمضان سنة 239. وهو عبد الملك بن سليمان بن مروان بن جيهلة بن عباس ~~ابن مرداس السلمي، يكنى أبا هارون؛ أوله من كورة إلبيرة، ونقله الأمير محمد ~~إلى قرطبة، بل نقله أبوه عبد الرحمن بن الحكم. وكان محمد بن عمر بن لبابة ~~يقول: عالم الأندلس عبد الملك بن حبيب، وعاقلها يحيى بن يحيى، وفقيهها عيسى ~~بن دينار. قال ابن وضاح وغيره: لم يقدم الأندلس أحد أفقه PageV02P110 # من سحنون، إلا ms346 أنه قدم علينا من هو أطول لسانا منه، يعني ابن حبيب. وكان ~~ابن حبيب أديبا، نحويا، حافظا، شاعرا، متصرفا في فنون العلم من الأخبار ~~والأنساب والأشعار. وله مؤلفات حسان في الفقه والأدب والتواريخ كثيرة. قال ~~ابن العزبى: بضاعته في الحديث مزجاة. وكانت علته التي مات منها الحصى. ~~وتوفي وسنه أربع وستون سنة. وكتب إلى الأمير عبد الرحمن بن الحكم في ليلة ~~عاشوراء (بسيط) : # لا تنس، لا ينسك الرحمن، عاشورا ... وأذكره لا زلت في الأخبار مذكورا # من بات في ليل عاشوراء ذا سعة ... يسكن بعيشته في الحول محسورا # فأرغب، فديتك، فيما فيه رغبنا ... خير الورى كلهم حيا ومقبورا # وخرج الأمير محمد بن عبد الرحمن إلى الرصافة يوما متنزها، ومعه هاشم ابن ~~عبد العزيز؛ فكان بها صدر نهاره على لذته؛ فلما أمسى، واختلط الظلام انصرف ~~إلى القصر، وبه اختلاط. فأخبر من سمعه وهاشم يقول له: (يا ابن الخلائف! ما ~~أطيب الدنيا لولا الموت!) فقال له الأمير: (يا ابن اللخناء! لحنت في كلامك! ~~وهل ملكنا هذا الملك الذي نحن فيه إلا بالموت؟ فلولا الموت، ما ملكناه ~~أبدا!) وكان الأمير محمد - رحمه الله! - غزاه لأهل الشرك والاختلاف. وربما ~~أوغل في بلاد العدو الستة الأشهر والأكثر، بحرق وبنسف. وله وقعة وادي سليط، ~~وهي من أمهات الوقائع؛ ولم يعرف بالأندلس قبلها مثلها. وفيها يقول عباس بن ~~فرناس، وشعره يكفينا من صفتها؛ وهو (طويل) : # ومختلف الأصوات مؤتلف الزحف ... لهوم الفلا عبل القنابل ملتف # إذا أومضت فيه الصوارم خلتها ... بروقا تراءى في الجهام وتستخفي PageV02P111 # كأن ذرى الأعلام في ميلانه ... قراقير في يم عجزن عن القذف # وإن طحنت أرحاؤها كان قطبها ... حجى ملك ندب شمائله عف # سمي ختام الأنبياء محمد ... إذا وصف الأملاك جل عن الوصف # فمن أجله يوم الثلاثاء غدوة ... وقد نفض الإصباح حبل عرى السجف # بكى جبلا وادي سليط فأعولا ... على النفر العبدان والعصبة الغلف # دعاهم صريخ الحين فاجتمعوا له ... كما اجتمع الجعلان للبعر في وقف # فما كان إلا أن رماهم ببعضها ... فولوا على أعقاب مهزولة كشف ms347 # كان مساعير الموالي عليهم ... شواهين جادت للغرانيق بالنسف # بنفسي تنانين الوغى حين صممت ... إلى الجبل المسحون صفا على صف # يقول ابن بولبش لموسى وفدوني: ... أرى الموت قدامي وتحتي ومن خلفي # قتلنا لهم ألفا وألفا ومثلها ... وألفا وألفا بعد ألف إلى ألف # سوى من طواه النهر في مسلحبه ... فأغرق فيه أو تذأذأ من جرف # قال أبو عمر السالمي: كانت أول غزواته إلى بلد العدو، وقد حشد لها وجند، ~~وصوب كيف شاء وصعد، ألقى العدو وقد ضاق بخيله الفضاء الواسع، والمكان ~~الداني والشاسع، وهو متأهب للقائه! متوجه إلى تلقائه. فخامر الأمير محمدا ~~الجزع، وشابه الروع والفزع، وظن أن لا منجاة من الكفار، وأن المسلمين هناك ~~طعن الشفار؛ فرأى من الحزم الأوكد، والنظر الأحمد الأرشد، الرجوع عن تلك ~~الحركة، لقوله تعالى: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة؛ فقام رجل؛ فقال: ~~(أيها الأمير! قال الله تبارك وتعالى: الذين قال لهم الناس إن الناس قد ~~جمعوا لكم فاخشوهم الآية. فقال له الأمير محمد: (والله! ما جبنت نفسي، إلا ~~أنه لا زأى لمن لا يطاع، ولست أستطيع أن أجاهد وحدي!) فقال له العتبي: ~~(والله! ما أراه قذف بها على لسانه إلا ملك! فأستخر الله في ليلك PageV02P112 # هذا وفي يومك!) فأراه الله في مقابلة العدو الرشاد، وألهمه التوفيق ~~والسداد. فندب الناس إلى لقاء أعداء الله ونصر دينه، وأن يكون كل على حسن ~~ظنه من الظفر ويقينه. فلما انعقدت راياتهم، وتأكدت على المقارعة نياتهم. ~~قدم عليهم الأمير محمد ابنه المنذر، إذ كان مشهورا بالبأس، محبوبا في ~~الناس. فسار المسلمون إلى أن التقى الجمعان، والتف الفريقان فأعقب الله ~~لأوليائه ظفرا ونصرا، وجعل بعد عسر يسرا. قال: ولم يؤذن مؤذن الظهر إلا ومن ~~رؤوس الأعداء جملة آلاف مقطوعة لأعداء الله؛ وذلك من فضل الله. وفي هذا ~~الفتح يقول العنبي، يمدح الأمير محمدا في قصيد طويل أذكر هنا بعضه، وهو ~~(كامل) : # سايل عن الثغر الصوارم تصدق ... واستنطق السمر العوالي تنطق # تركت وقائع في الثغور وقد غدت ... مثلا بكل مغرب ومشرق # وأداخ أرض ms348 المشركين بوقعة ... تركتهم مثل الأشاء المحرق # جادت عليهم حربه بصواعق ... تركتهم مثل الرماد الأزرق # خلافة المنذر بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم كنيته: أبو الحكم. مولده: ~~سنة 229. أمه: تسمى أثل، ولدته لسبعة أشهر. وزراؤه: أحد عشر. كتابه: اثنان: ~~سعيد بن مبشر، وعبد الملك بن عبج الله بن أمية بن شهيد. حاجبه: عبد الرحمن ~~بن أمية بن شهيد. قواده: سبعة. قاضبه: أبو معاوية عامر بن معاوية اللخمي. ~~نقش خاتمه: المنذر بقضاء الله راض. صفته: أسمر، جعد الشعر، بوجهه أثر جدري، ~~يخضب بالحناء والكتم. أولاده الذكور: خمسة، والإناث: ثمان. بويع يوم الأحد ~~لثمان خلون من ربيع الأول سنة 273، وهو ابن أربع وأربعين سنة، وسبعة عشر ~~يوما؛ وتوفي في PageV02P113 # غزاة له على بربشتر يوم السبت للنصف من صفر سنة 275. عمره: ستة وأربعون ~~سنة. خلافته: سنتان إلا سبعة عشر يوما. ودفن بقصر قرطبة، وصلى عليه أخوه ~~عبد الله، جد الناصر. # واتصل به موت أبيه، وهو على حصن الحامة يقاتل المرتد اللعين عمر ابن ~~حفصون؛ فقفل إلى قرطبة. وتمت له البيعة في اليوم الثاني من وصوله؛ ففرق ~~العطاء في الجند، وتحبب إلى أهل قرطبة والرعايا بأن أسقط عنهم عشر العام ~~وما يلزمهم من جميع المغرم. # وكانت أكثر حصون رية قد حصلت في طوع ابن حفصون؛ فبعث إليها الإمام المنذر ~~الأجناد؛ فانصرفت إلى الطاعة. # ولما بلغ ابن حفصون موت الأمير محمد، وانصرف عنه المنذر على ما تقدم، نهض ~~من فوره؛ فراسل الحصون التي بينه وبين الساحل كلها؛ فأجابته وطاعت له. ونهض ~~إلى باغه وجبل شيبة؛ فأخذ من الأموال ما لا يوصف، كل ذلك منه بلا قوة، ولا ~~كثرة من مال، ولا عدد؛ ولكنه كان عذابا من الله ونقمة انتقم بها من عبيده. ~~وانفق له زمان هرج وقلوب قاسية فاسدة ونفوس خبيثة، متطلعة إلى الشر، مشرئبة ~~إلى الفتنة. فلما ثار، وجد من الناس انقيادا وقبولا للمشاكلة والموافقة؛ ~~فتألبت له الدنيا، ودخل إلى الناس من جهة الألفة، وقال: (طال ما عنف عليكم ~~السلطان، وانتزع أموالكم، وأخرجكم من ms349 عبوديتكم!) فكان ابن حفصون لا يورد ~~هذا على أحد إلا أجابه وشكره. فكانت طاعة أهل الحصون بهذا الوجه. وكان ~~أتباعه شطار الناس وشرارهم. فكان يمنيهم بفتح البلاد، وغنائم الأموال. وكان ~~مع ذلك متحببا لأصحابه، متواضعا لألافه. وكان، مع شره وفسقه، شديد الغيرة، ~~حافظا للحرمة؛ فكان ذلك مما يميل النفوس إليه. ولقد كانت المرأة في أيامه ~~تجئ بالمال والمتاع من بلد إلى بلد منفردة، لا يعترضها أحد من خلق الله. ~~وكانت عقوبته السيف، يصدق المرأة PageV02P114 # والرجل والصبي أو من كان على من كان، لا يطلب على ذلك شاهدا أكثر من ~~الشكوى. وكان يأخذ الحق من ابنه، ويبر الرجال، ويكرم الشجعان؛ وإذا قدر ~~عليهم، عفا عنهم. وكان يسورهم بأسورة الذهب إذا اختصلوا. فكانت هذه الأشياء ~~كلها عونا له. وانتهى ابن حفصون بعاديته إلى قبرة وما أمامها إلى قرية ~~الجالية، وأغار على القبذيق من إلبيرة، وعلى أحواز جيان، وأسر عبد الله ابن ~~سماعة عامل باغه. # وكان اجتمع إلى حصن آشر من حوز رية وبمقربة من قبرة جمع الشر من أصحاب ~~ابن حفصون. فراع أهل قبرة أمرهم وهابوهم. واتصل بالأمير المنذر خبرهم؛ ~~فأرسل أصبغ بن فطيس في خيل كثيفة إلى حصن آشر؛ فحاصرهم حتى افتتحه، وقتل من ~~كان فيه. وأخرج الأمير المنذر عبد الله بن محمد بن مضر وأبدون الفتى بخيل ~~إلى ناحية لجانة من قبرة؛ وكان بها مسلحة لابن حفصون؛ فنازلوهم وقاتلوهم ~~حتى أفنوهم. # قال الرازي: وفي سنة ولاية الإمام المنذر، غزا محمد بن لب إلى ألبة ~~والقلاع ومعه جموع المسلمين؛ ففتح الله للمسلمين، وقتلوا المشركين قتلا ~~ذريعا. # وفي هذه السنة، أعني سنة 273، في جمادى الأولى، أمر الأمير المنذر بسجن ~~هاشم بن عبد العزيز وزير أبيه وخاصته، وأمر بقتله في جمادى الأولى؛ وسبب ~~ذلك أن هاشما كان يجسد لمكانه من الأمير محمد وخاصته به؛ فكانوا يسعون به ~~عند المنذر، ويكررون ذلك عليه، حتى تنافرت النفوس. فلما مات الأمير محمد، ~~وولى المنذر، أراد أن يفي له ويتبع فيه فعل أبيه؛ فولاه الحجابة. ثم ~~تمالئوا ms350 عليه، وأمثروا، وحرفوا عليه الكلام، وتأولوا عليه أقبح التأويل، ~~حتى نفذ قضاء الله فيه. وكان مما تأولوا عليه أن هاشما أنشد عند مواراة ~~الأمير محمد - رحمه الله! - (وافر) : PageV02P115 # أعزى يا محمد عنك نفسي ... أمين الله ذا المنن الجسام # فهلا مات قوم لم يموتوا ... ودوفع عنك لي كاس الحمام # فتأولوا أنه يريد بقوله (لم يموتوا) المنذر. وكتب هاشم من حبسه إلى ~~جاريته عاج (طويل) : # وإني عداني أن أزورك مطبق ... وباب منيع بالحديد مضبب # فإن تعجبي يا عاج مما أصابني ... ففي ريب هذا الدهر ما يتعجب # تركت رشاد الأمر إذ كنت قادرا ... عليه فلاقيت الذي كنت أرهب # وكم قائل قال: أنج ويحك سالما ... ففي الأرض عنهم مستراد ومذهب # فقلت له: إن الفرار مذلة ... ونفسي على الأسواء أحلى وأطيب # سأرضى بحكم الله فيما ينوبني ... وما من قضاء الله للمرء مهرب # فمن يك أمسى شامنا بي فإنه ... سينهل في كاسي وشيكا ويشرب # ثم بعث فيه الأمير ليلا؛ فقتله، وسجن أولاده وحاشيته، وانتهب ماله، وهدم ~~داره، وألقى أولاده في السجن، وألزمهم غرم مائتي ألف دينار؛ فلم يزالوا في ~~السجن والغرم إلى موت المنذر وولاية أخيه عبد الله؛ ثم أطلقهم عبد الله، ~~وصرف عليهم ضياعهم، وولى أحدهم الوزارة والقيادة. # وفيها، كانت الوقعة على أهل طليطلة وكانوا قد جيشوا البربر المنفيين من ~~ترجيله، فقتل منهم ألوف. # وفي سنة 274، خرج الأمير المنذر بجيوشه إلى عمر بن حفصون؛ فافتتح حصونه ~~برية، والحصون التي بجهة قبرة؛ ثم توجه إلى حضرته بربشتر؛ فحاصره فيها، ~~وأفسد ما حواليه، وضيق عليه؛ ثم انتقل عنه إلى أرجذونة، وبها عيشون؛ فأقام ~~عليها محاصرا لها ومضيقا على أهلها، إلى أن نبذوا عيشونا وأهله، وأسلموه ~~بذنبه؛ فدخلها الأمير المنذر، وقبض على عيشون وأصحابه. وظفر أيضا ببني ~~مطروح، وهم: حرب، وعون، وطالوت، وافتتح حصونهم بجبل باغه، وأتى بهم PageV02P116 # إلى الأمير أسارى؛ فبعث ببني مطروح إلى قرطبة، وأمر بقتلهم وصلبهم؛ ~~وكانوا اثنين وعشرين رجلا؛ فصلبوا بأجمعهم؛ وصلب مع عيشون في الخشبة خنزير ~~وكلب. وكان السبب في ذلك أن عيشونا ms351 كان يقول: (إذا ظفر بي، فليصلبني وليصلب ~~عن يميني خنزيرا وعن يساري كلبا!) وكان يثق بنفسه في القتال ثقة شديدة، ~~ويأمن من أن يؤخذ لشدته وشجاعته. فلما يئس الأمير منه، دس إلى بعض أهل ~~أرجذونة بأن يتحيل في أخذ عيشون؛ فأجابه، ووعده بأخذه. فلما كان في يعض ~~الأيام، دخل بيت أحدهم بغير سلاح، وقد استعد له بكبل؛ فأوثق به وبعث به إلى ~~الأمير المنذر. # شأن عمر بن حفصون في أيام المنذر - رحمه الله! ولما كان في العام الثاني ~~من ولايته وهي هذه السنة المؤرخة، خرج في عديده الأكثر، وقصد بربشير. فحل ~~عليها أحفل احتلال، وقاتل ابن حفصون بها أشد قتال؛ وانتشرت خيله في تلك ~~الأقطار، واستولت على السهول والأوعار. ثم عطف الأمير إلى مدينة أرجذونة ~~ليتبرها تتبيرا، ويولي أهلها يوما عبوسا قمطريرا، لدخولهم في طاعة ابن ~~حفصون، ونزوعهم إلى ما نزع إليه أهل تلك الحصون، فخرجت رسلهم إلى الأمير؛ ~~فتلقته بالسمع والطاعة، والدخول في جمهور الجماعة؛ فتقبل نزوعهم، وأنس ~~جميعهم. وتغلب على القصبة إثر ذلك؛ وأسر عامل ابن حفصون هنالك. واستمر ~~اللعين ابن حفصون على ضلالته وغيه، ولم يئن عنانا عن عاديته وبغيه. فخرج ~~إليه الأمير ثانية وحاصره حصارا، وقد عدم ابن حفصون أعوانا وأنصارا. فلما ~~رأى الأمير أخذ بمخنقه، وسد أفواه طرقه، أعمل سوانح الفكر، في الخديعة ~~والمكر، ليعتصم بذلك من تلك الجبال المنصوبة، والأشراك المعترضة المضروبة؛ ~~فأظهر الإنابة إلى الطاعة، وشهر النصيحة جهد الاستطاعة، على أن يكون عند ~~الأمير من خاصة جنده، ويسكن قرطبة بأهله وولده، وأن يلحق أبناءه في ~~الموالي، ويتابع الإحسان قبله ويوالي. فأجابه PageV02P117 # الأمير إلى مطلبه بأكبد الأيمان؛ وكتب له بذلك مبادرا عقد أمان، وقطع ~~لأولاده أرفع الثياب؛ وأوفرت لهم الدواب، بالأموال والأسباب، إسباغا عليهم ~~بالإفضال، وتوسيعا لهم في الأماني والآمال. وسألا اللعين مائة بغل يحمل ~~عليها جملة متاعه وعياله، وجعل طلبها قوة لمكره واحتياله. فأمر الأمير ~~بالبغال أن تحمل إليه، وتوضع بين يديه؛ وقد جعل عليها عشرة من العرفاء ~~بمائة وخمسين فارسا إتماما للإكرام، ms352 وإنعاما على إنعام. فأرسل عمر بن حفصون ~~جميعهم إلى بربشتر حيث أهله وولده، وطريفة من المال ومتلده. وانحل العسكر ~~عن الحصن إذ ذاك، وقفل القاضي والفقهاء عن تمام الصلح من هناك، وظنهم قد ~~غلب أن لا كذب ولا مين، وأن قد نيل من الراحة من شغبه أملا وقرة عين. فلما ~~انفض جمع ذلك العسكر، وانتفض ذلك المعسكر، ودخل الليل، وامتد للفاتك الذبل، ~~هرب عمر بن حفصون من ذلك الحصن، وسار إلى بربشتر في ظل الأمن. فلقي ~~العرفاء؛ فناصبهم القتال، وأخذ تلك البغال، وعاد إلى سيرته الأولى، وقال ~~لشيعته: [أنا ربكم الأعلى!] فأقسم الأمير المنذر أن يقصده ويحل عليه، ولا ~~يقبل منه أو يلقى بيده إليه؛ فأعمل الغزو إلى بربشتر، وجمع لها الجمع ~~الأكبر. فلما احتل عليها، أمر أن يحدق بها، ويحاط بجوانبها، وأن يعتزم ~~لقتالها اعتزاما، ويلتزم محاصرتها التزاما. # فظهر من حزم الأمير المنذر وعزمه ما يئس معه ابن حفصون، من البقاء في تلك ~~الحصون. فبقى الأمير على حصن بربشتر، برومه روما، مدة من ثلاثة وأربعين ~~يوما. وكان قد أصابته علة أكرثت نفسه، وكدرت أنسه؛ فبعث في أخيه عبد الله ~~لينوب منابه، وينتدب في تلك الحال انتدابه. فلما وصل إليه، وحصل في المظلة ~~لديه، خرجت في الحين روحه، وبكاه من كان يغدوه ويروحه. فوقع الخرم في ~~العسكر إثر موته، وتفرق الناس عند فوته. ولم يقدر أخوه عبد الله على ضبطهم، ~~وعقد ما انحل من ربطهم. واستطال عمر بن حفصون PageV02P118 # في المحلة، وانتهبها بالجملة. وحمل الأمير المنذر على جمل إلى قرطبة؛ ~~فدفن مع أجداده هنالك، وصار عند الناس أهون مفقود وأيسر هالك، إذ كان قد ~~اضطرهم في ذلك المقام، وندبهم إلى الثبات هنالك والمقام. # وفي هذه السنة، كان القحط الشديد بالأندلس؛ فاستسقى الناس. فنزل ثلج كثير ~~في أول يوم من ينير، ولم ينزل غيث. ثم استسقوا مرارا؛ فلم يمطروا؛ فخامر ~~الناس القنط. فلما دخل من فبرير بعض أيام، سقى الناس، وارتفع الناس؛ ~~فاستبشروا بفضل الله، وأعلنوا بشكره. فقال العكي في ذلك، ms353 يمدح الأمير ~~المنذر (كامل) : # نزل الحيا المحيي وطابت أنفس ... إذ كان سوء الظن فيها يهجس # أحيى الإله عباده من بعد ما ... كانت من القنط النفوس توسوس # متلافيا فيه بعائد رحمة ... لولا عوائدها طوتنا الأبؤس # ملك الملوك تقدست أسماؤه ال ... حسنى وعز جلاله المتقدس # ومنها: # بالمنذر الميمون طلب زماننا ... ويطيب دولته تطيب الأنفس # إلى قوله: # خذها أمين الله وابن أمينه ... من شاكر في الشكر ليس يدلس # وفي سنة 275، توفي الأمير المنذر - رحمه الله! - وقد ذكر موته على حصن ~~بربشتر محاصرا للخبيث ابن حفصون. وكانت وفاته منتصف شهر صفر من السنة ~~المذكورة، وهو ابن ست وأربعون سنة. وملك سنتين إلا أياما. PageV02P119 ### | بعض سيره وأخباره # كان الأمير المنذر - رحمه الله! - يحب إخوته، ويكرمهم، ويدنى مجالسهم، ~~ويصلهم، ويحضرهم مجالس أنسه. وكان يجزل العطاء للشعراء؛ فينشدونه غازيا ~~وراجعا. وكان من شعرائه أحمد بن عبد ربه، والعكي، وغيرهما. ولم يكن أحد من ~~الخلفاء قبله مثله شجاعة وصرامة وعزما وحزما. ولقد بلغ في سنة بذلك ما لم ~~يبلغه غيره في الدهر. ولقد كان أبطال الرجال وأنجادهم من أهل الفتنة يذعنون ~~إليه دون محنة، ويرسلون إليه بالطاعة قبل أن يطلبها. وإن الخبر المستفيض عن ~~الشيوخ أنه، لو عاش المنذر عاما واحدا زائدا، لم يبق برية منافق؛ وأخباره ~~تدل على ذلك. وأول أخباره الدالة على ذلك أنه، لما أتاه موت أبيه، لم يمنعه ~~ذلك من التعريج عن القصد واختصار الطريق، ولا شغله أمر مهم ولا أمر جليل عن ~~آخر؛ فجعل طريقه على رية؛ فهذب أمورها، وولى عليها سليمان بن عبد الملك بن ~~أخطل، وعبد الرحمن بن حريش، وأدخل معهما أهل المعاقل من العرب والحشم. ثم ~~جمع في يوم ولحد مبايعته، وإعطاء الجند، والنظر فيما أسقط من الأزمة عن ~~الرعية، وما فعله من الاستحماد إلى أهل قرطبة بإسقاط العشور عنهم، والنظر ~~في الندب وإخراج القائد. وهكذا كان فعله في جميع أسبابه؛ ويحسب ذلك كان ~~انقياد الأشياء له. ### | خلافة عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم # كنيته: أبو محمد. ms354 مولده: في النصف من ربيع الآخر سنة 229. أمه: تسمى بهار ~~وقيل: عشار. حجابه: اثنان: عبد الرحمن بن شهيد وابن السليم. وزراؤه: ستة ~~وعشرون. كتابه: ثلاثة: عبد الله بن محمد الزجالي، وعبد الله بن محمد بن أبي ~~عبدة، موسى بن زياد. صفته: أبيض، مشرب PageV02P120 # بحمرة، أصهب، أزرق، أقنى الأنف، ربعة، يخضب بالسواد. بنوه: أحد عشر، ~~أحدهم محمد المفتول، والد عبد الرحمن الناصر. بناته: ثلاث عشرة. بويع في ~~اليوم الذي مات فيه أخوه المنذر في المحلة على بربشتر، وذلك يوم السبت في ~~النصف من شهر صفر سنة 275. ثم قفل إلى قرطبة بأخيه المنذر ميتا؛ فاستتم ~~البيعة بقرطبة، ودفن أخاه بعدها. وتوفي عبد الله سنة 300، وهو ابن اثنتين ~~وسبعين سنة؛ فكانت خلافته خمسا وعشرين سنة، وخمسة عشر يوما. ومن قول ابن ~~عبد ربه فيه (طويل) : # خلافة عبد الله حج على الورى ... فلا رفث في عصره وفسوق # تجلت دياجي الحيف عن نور عدله ... كما ذر في جنح الظلام شروق # ونثقف شهم الدين بالعدل والتقى ... فهذا له نصل وذلك فوق # وأعلن أسباب الهدى بضميره ... فلبس له إلا بهن علوق # وما عاقه عنها عوائق ملكه ... وأمثالها عن مثلهن تعوق # وأفضت الخلافة إليه، وقد تحيفها النكث، ومزقها الشقاق، وحل عراها النفاق؛ ~~والفتنة مستولية، والدجنة متكاثفة، والقلوب مختلفة، وعصى الجماعة متصدعة، ~~والباطل قد أعلن، والشر قد اشتهر؛ وقد تمالا على أهل الإيمان حزب الشيطان؛ ~~وصار الناس من ذلك في ظلماء ليل داج، لا إشراق لصباحه، ولا أقول لنجومه. ~~وتألب على أهل الإسلام أهل الشرك ومن ضاهاهم من أهل الفتنة، الذين جردوا ~~سيوفهم على أهل الإسلام؛ فصار أهل الإسلام بين قتيل ومحروب ومحصور، يعيش ~~مجهودا، ويموت هزلا؛ قد انقطع الحرث، وكاد ينقطع النسل. فناضل الأمير ~~بجهده، وحمى بجده، وجاهد عدو اله وعدوه. وانقطع الجهاد إلى دار الحرب، ~~وصارت بلاد الإسلام بالأندلس هي الثغر المخوف؛ فكان قتال المنافقين ~~وأشباههم أوكد بالسنة، وألزم بالضرورة. # فأول ما تناوله، ونظر فيه، أن وجه إبراهيم بن خمير لأخذ بيعة ابن حفصون ~~وبيعة من قبله. ms355 فقصد إبراهيم إليه، وطلب طاعته؛ فظهر منه حسن PageV02P121 # مذهب؛ فأخذ بيعته، وصدر عنه؛ وقدم معه حفص ابنه وجماعة من أصحابه؛ فأخذت ~~عليهم البيعة، وردهم الأمير محبوين بالكرامة والرعاية. فبقى ابن حفصون ~~سامعا مطيعا منتهيا عما نهى عنه، واقفا عندما أمر به. ثم تعدى بعد ذلك حده، ~~ومد يده إلى ما نهى عنه؛ فلم يدع مالا عند من أمكنه، واستحوذ على أهل الكور ~~في أموالهم، وأمضى نفسه على عادته الذميمة من الفساد وقطع السبل، وذلك في ~~سنة ولاية الأمير عبد الله. # وفي سنة 276، خرج الأمير عبد الله بنفسه إلى بربشتر وحصون رية؛ فانتسف ~~معايشها، وقفل عنها، وقد شد تلك الناحية؛ وأبقى بحاضرة رية محمد بن ذنين من ~~أهل قرطبة؛ فخرج ابن حفصون في إثره، وتألف إليه المفسدون؛ فأتوا إلى إسنجة، ~~فاحتلوها، ثم إلى حصن إستبة، فأخذوه؛ فأخرج إليهم الأمير جيشا؛ فنزل ابن ~~حفصون، واعترف بذنبه؛ فعقد له الأمير أمانا. # وفي هذه السنة، ولي محمد ابن الأمير عبد الله كورة إشبيلية؛ فخرج في ~~أيامه بعض عرب إشبيلية إلى قرمونة؛ فضبطوها. # وفيها، ثار أبو يحيى محمد بن عبد الرحمن بن عبد العزيز النجيبي المعروف ~~بالأنقر. # وفيها، نقض ابن حفصون وقصد بيانة؛ فحارب أهلها، ثم أعطاهم العهد؛ فلما ~~نزلوا إليه، غدرهم، وقتلهم، وأخذ أموالهم، وسبى ذراريهم. # وفيها، انتفض أهل جيان، وأخرجوا عاملها عباس بن لقيط، وملكها ابن شاكر. # وفي سنة 277، ولد عبد الرحمن الناصر. # وفيها، غزا القائد ابن أبي عبدة إلى جيان، وفيها ابن شاكر مخالفا؛ ~~فحاربه، وحاصره، وقتل جماعة من أصحابه، وأحرق كثيرا من دور جيان. PageV02P122 # وفيها، خرج حفص بن المرة إلى سوار، وكمن له الكمائن، وأغار عليه؛ فلما ~~خرج سوار في طلبه، خرجت عليه الكمائن؛ فقتل: وفيها، قتل ابن شاكر الثائر ~~بجيان. وسبب قتله أن ابن حفصون أزاد أن يراجع طاعة الأمير، وأن يتقرب إليه ~~بقتل ابن شاكر؛ فبعث إليه خيلا يريه أن يمده على عدوه؛ فأقبل المدد إليه؛ ~~فلما خرج إليهم، فتكوا به وقتلوه، وبعثوا برأسه إلى ابن حفصون؛ فبعث به ms356 إلى ~~الأمير عبد الله. وعند ذلك توجه ابن حفصون إلى جيان؛ فأغرم أهلها الأموال ~~الجسيمة. وأقامت جيان وإلبيرة مدة دون عامل من الأمير. # وفي سنة 278، خرج الأمير عبد الله إلى بلاي من عمل قبرة، وبها عدو الله ~~ابن حفصون مع جماعة كبيرة من أصحابه أهل الفساد والارتداد. وكانوا قد أضروا ~~بأقاليم قرطبة، وضيقوا عليهم حتى أغاروا على أغنام قرطبة. فخرج إليهم ~~الأمير مستهل صفر، واحتل به؛ فناهضه وصادقه القتال؛ فانهزم هو ومن معه، ~~ولجأ إلى حصنه مع ملأ من أصحابه، وعوجل عشيره عن الدخول معه، واتبعوا؛ فلم ~~يخلص منهم أحد. فبات الأمير قرير عين، والمسلمون كذلك، وقد أخذوا عليه تلك ~~الليلة الباب رجاء أن يأتي الصباح، فيؤخذ داخل الحصن. ثم خرج منه مع بعض ~~أصحابه، ونجا ونجوا. ولما أصبح، أعلم السلطان بخبره؛ فأرسل الخيل في أثره؛ ~~فلم يعلم له خبر. ودخل الأمير الحصن يوما آخر؛ فوجده مترعا بالذخر، ملآن من ~~العدد؛ وكان عدد عسكر الأمير ثمانية عشر ألف فاري. وقيل إن ابن حفصون ألب ~~أهل حصون الأندلس كلها، وأقبل إليه في ثلاثين ألفا. ووقعت الحرب بينهم؛ ~~فانهزم عدو الله، وقتل أكثر من كان معه. ودخلت جملة منهم في محلة الأمير؛ ~~فأمر بالتقاطهم؛ فأتى بألف رجل منهم؛ فقتلوا صبرا بين يديه. هكذا ذكر في ~~(بهجة النفس) . # ثم قصد الأمير إستجة؛ فنازلهم؛ وحاربهم، وقتل لهم عددا كثيرا. فلما أخذهم PageV02P123 # الجهد، رفعوا الأطفال على الأيدي في الأسوار، مستصرخين، ضارعين، راغبين ~~في العفو؛ فعفا عنهم. # وفي سنة 279، غدر أهل ارجذونة بأحمد بن هاشم. ونقض ابن حفصون ما كان ~~انعقد من السلم والطوع. # وفي سنة 280، توجه المطرف بن الأمير عبد الله بالجيش إلى ابن حفصون ~~ببرنشتر؛ فحاصرها، وهتك جميع ما حواليها. # وفيها، أمر الأمير عبد الله ببنيان حصن لوشة، وأبقى عليه إدريس بن عبيد ~~الله. # وفيها، دخل إذفونش بن أردون مدينة سمورة وبناها؛ وكانت من بنيان عجم ~~طليطلة. # وفي سنة 281، أغزى الأمير عبد الله عبد الملك بن أمية؛ فتقدم إلى حصون ~~ابن مستنة، ونازل حصن ms357 آشر، وحاربه، وقتل من أهله عددا كثيرا، وهدم حصن ~~السهلة. ثم قفل إلى قرطبة. # وفي سنة 282، غزا بالصائفة المطرف ابن الأمير عبد الله. وقاد الصائفة عبد ~~الملك بن أمية. فلما كان بمقربة من إشبيلية، قبض على القائد عبد الملك، ~~وقتله، وقدم على قيادة العسكر أحمد بن هاشم. وأقام العسكر في الموضع أربعة ~~أيام، وكتب أمانا لأهل إشبيلية، وأمانا لأهل شذونة؛ فدانت له، وقبض ~~جبايتها، ودوخ تلك البلاد. ثم رحل إلى إشبيلية؛ فناشبهم الحرب؛ فانهزم أهل ~~إشبيلية، ووقع فيهم القتل إلى سور المدينة. ثم أجاز الوادي؛ فتتبع القرى ~~بالنسف والتغيير. # وفي هذه السنة، ضم المطرف ابن الأمير عبد الله إبراهيم بن حجاج وابن PageV02P124 # خلدون وابن عبد الملك الشذوني إلى السجن، وأوثقهم في الحديد. وقطع لسان ~~سحنون الكاتب، وضرب ظهره. # وفيها، أتت جباية إشبيلية. وعندما أتت، أطلق ابن حجاج وابن خلدون ~~والشذوني من سجن قرطبة. ### | ذكر ثورة بني حجاج بإشبيلية # وذلك أن إبراهيم بن حجاج ترك ولده رهينة بقرطبة، ورجع إلى بلده إشبيلية؛ ~~فتوزع كورتها على نصفين: خرج إبراهيم بالنصف، وابن خلدون بالنصف. وبقيا ~~كذلك أعواما. وكان الأمير عبد الله قد أخذ في الضرب بينهما، وبكاتب كل واحد ~~منهما بما يراه من صاحبه. فلما كان في بعض الأيام، كتب إبراهيم بن حجاج ~~وكريب بن خلدون إلى الأمير عبد الله في مصالحهما؛ وكتب معهما خالد بن خلدون ~~أخو كريب كتابا يغري فيه إبراهيم بن حجاج عند الأمير، ويقول إنه في قبضتهم. ~~فكتب له جوابه على نص كتابه. وخرج الحامل بالكتب إليهم؛ فسقط له كتاب خالد ~~الذي كان بعث للأمير؛ فأخذه بعض فتيان القصر؛ فقرأه وعلم ما فيه؛ فدفعه ~~لرسول إبراهيم بن حجاج، وقال له: (اسبق به مولاك!) فلما وصل الرسول والكتاب ~~إلى إبراهيم، علم حقيقة ما يحتوي عليه ابنا خلدون من سوء الباطن. وكان هذا ~~في سنة 286. فعند ذلك، تلطف إبراهيم في طعام، ودعا ابني خلدون؛ فوصلا إليه. ~~فلما استقر المجلس بهم، أخذ إبراهيم في عتاب كريب وأخيه خالد، وأخرج الكتاب ~~الذي بعث ms358 به الأمير إليهما، وأوقفهما عليه، وأبلغ في عتابهما، وأكثر في ذلك ~~عليهما. فأخرج خالد سكينا كانت في كمه؛ فضرب بها رأس إبراهيم بن حجاج؛ فمزق ~~قلنسوته، وضربه في وجهه. فلما صدر منه ذلك، نهض إبراهيم، ودعا من حضر من ~~رجاله؛ فعلوهما بالسيوف، حتى قتلوهما. وألقى رأسيهما إلى أصحابهما ~~ورجالهما؛ فتفرقوا. وتتبعهم إبراهيم بالقتل والنهب، ودفن جسدي ابني PageV02P125 # خلدون؛ وانقاد له جميع أهل الكور الملاصقة لإشبيلية. وخاطب عند ذلك ~~الأمير عبد الله، يتبرأ له من دمهما، ويقول إنهما كانا يحملانه على النكث، ~~وإنه الآن على الطاعة؛ وطلب منه ولاية إشبيلية. فأجابه الأمير إلى ذلك. ~~وانفرد إبراهيم بولاية إشبيلية؛ فاجتبى الأموال، واصطنع الرجال، وارتقى في ~~الأحوال، وامتدت لفضائله الآمال. وكان له حميد آثار، وجميل أخبار، فاق بها ~~أهل عصره، وحسن في الآفاق طيب ذكره. # ولم يزل بعد ذلك إبراهيم بن حجاج يشتط على الأمير عبد الله، إلى أن سأله ~~إطلاق ولده عبد الرحمن الرهين عنده. فلم يسعفه الأمير عبد الله في ذلك. ~~فنبذ إبراهيم الطاعة عند ذلك، وظاهر ابن حفصون، وأمده بالمال والرجال، ~~نكاية للأمير عبد الله. فقويت شوكة ابن حفصون، وازداد به طماعية؛ وفي خلال ~~ذلك، لم يزل إبراهيم يدسس ويرسل من يشير على الأمير بإطلاق ولده، ويتضمن له ~~عوده إلى الطاعة، حتى وافق السلطان على ذلك؛ فأطلق عبد الرحمن ابن إبراهيم، ~~وأعظم الإحسان إليه، وجدد له التسجيل على بلده إشبيلية. فعاد إبراهيم إلى ~~ما كان أولا عليه من الطاعة، واستقامت أحوال تلك النواحي على يديه. # قال حيان بن خلف: لما ملك إبراهيم بن حجاج إشبيلية وقرمونة وما والاهما، ~~ارتفع ذكره، وبعد صيته، واتخذ لنفسه جندا، ورتب لهم الأرزاق كنعل السلطان؛ ~~فكمل في مصافه خمسمائة فارس. وكان لإبراهيم بن حجاج في بساط السلطان بقرطبة ~~قوم يقفون في حقه، ويعلمونه بما عند السلطان من حاله، وينصحونه في أمره. ~~فعند ذلك، أقلع عما كان عليه من موافقة ابن حفصون، واعترف بحق أمير ~~الجماعة؛ فعامله الأمير بما شهر له من الفضل. وكانت منزلته عنده ms359 أعلى ~~منزلة، إلى أن توفي - رحمه الله! وذكر حيان أيضا قال: كان لإبراهيم بن حجاج ~~في بلده إشبيلية قاض يقوم PageV02P126 # بالحكم، وصاحب مدينة يقيم الحدود، جرى في ذلك كله مجرى السلطان في حضرته. ~~قال: وكان فظا على أهل الريب، قامعا لأهل الشر؛ وكان منجعا على البر ~~والبحر، مقصودا بالغرائب والطرف. وكانت له بإشبيلية طرز يطرز فيها على اسمه ~~كفعل السلطان إذ ذاك؛ وكانت قرمونة تحت مملكه؛ وهو الذي حصنها وحسن بنيان ~~سورها؛ وفيها كان مربط خيله المتخذة لركوبه؛ وبينها وبين إشبيلية كان ~~ترداده سائر أوقاته. وكان جوادا، ممدحا، يرتاح للثناء، ويعطي الشعراء، ~~ويضاهي في فعله كبار الأمراء، ويتفقد أهل البيوتات والشرف بالعطاء. وكان ~~أهل قرطبة متعرضين لسيبه، فيكرمهم ويصلهم. وقد انتجعه شاعرهم الأكبر أبو ~~عمر أحمد بن عبد ربه من بين جميع ثوار ذلك الوقت بالأندلس؛ فعرف قدره، ~~وأفضل عليه. # ومن قوله فيه، يصف تنقله من إشبيلية إلى قرمونة (طويل) : # ألا أن إبراهيم لجة ساحل ... من الجود أرست فوق لجة ساحل # فإشبيلة الزضهراء تزهى بمجده ... وقرمونة الغراء ذات الفضائل # إذا ما تجلت تلك من نور وجهه ... غدت هذه للناس في زي عاطل # وإن حل هذي فهو يوحس هذه ... فنهدي برسل نحوه ورسائل # وهي طويلة. ومن قوله أيضا من قصيد طويل (وافر) : # كتاب السوق يطويه الفؤاد ... ومن قبض الدثموع له مداد # تخط يد البكاء به سطورا ... على كبدي ويمليها السهاد # وكيف وبي فؤاد مستطير ... لمن لا يستطير له فؤاد # أمن يمن يكون الجود خلوا ... وإبراهيم حاتمها الجواد # زيارته لمن يأتيه حج ... ومدحته رباط أو جهاد # وما لي في التخلف عنه عذر ... ولي في الأرض راحلة وزاد PageV02P127 # ولأحمد بن عبد ربه في إبراهيم بن حجاج أشعار كثيرة، ولغيره من الشعراء. ~~وذكر ابن أبي الفياض أن محمد بن يحيى القلقاط الشاعر القرطبي قصد الأمير ~~إبراهيم بن حجاج بمدحه بقصيدة نونية، أولها (خفيف) : # أزفت رحلتي فاهمت جفونا # ثم أخذ في هجاء عشيرته أهل قرطبة، وكبرائها، وعظماء دولتها؛ فأفحش عليهم. ~~فلما أنشد القصيدة إبراهيم بن ms360 حجاج، زها به، وحرمه وأساء ذكره؛ فانصرف ~~خائبا من نواله، جانيا ثمره فعاله ومقاله. فلما وصل قرطبة، أخذ يهجو ~~إبراهيم بن حجاج بقصيدة أولها (كامل) : # لا تنكري للبين طول بكاءي # فلما بلغت إبراهيم، أغضبته؛ فأوصى من قال له عنه يمينا مغلظة: (إنه إن ~~عاد لما وقع فيه، لآمرن بأخذ رأسه بقرطبة على فراشه!) فارتاع القلقاط ~~المذكور لذلك، وكف. فكان هذا الفعل لإبراهيم في حق أهل قرطبة أجل مكرمة، ~~وعد في جملة فضائله. ولأجل هذا ساقه القاضي ابن أبي الفياض - رحمه الله! - ~~وقد قصده العذري من الحجاز؛ فراعى حقه، وأكرم مثواه، وأناله جزيل خيره. ~~ورفع الناس ذكره. # وقد ذكر أبو عامر السالمي في كتابه المسمى ب (درر القلائد وغرر الفوائد) ~~أن الأمير الرئيس الهمام الجواد الحسيب أبا إسحاق إبراهيم بن حجاج سمع ~~بجارية بغدادية اسمها قمر؛ فوجه بأموال عظيمة إلى المشرق في ابتياع هذه ~~الجارية، إلى أن استقرت بدار مملكته إشبيلية؛ وكانت كالبدر المنير، ذات ~~بيان وفصاحة ومعرفة بالألحان والغناء؛ فوجدها قمرا عند اسمها؛ وكان لها شعر ~~يستحلى ويستحسن. فمن قولها ترد على من عاذلها (بسيط) : # قالوا أتت قمر في زي أطمار ... من بعدما هتكت قلبا بأشفار # تمسي على وحل تغدو على سبل ... تشق أمصار أرض بعد أمصار PageV02P128 # لا حرة هي من أحرار موضعها ... ولا لها غير ترسيل وأشعار # لو يعقلون لما عابوا غريبتهم ... لله من أمة تزري بأحرار # ما لابن آدم فخر غير همته ... بعد الديانة والإخلاص للباري # دعني من الجهل لا أرضى بصاحبه ... لا يخلص الجهل من سب ومن عار # لو لم تكن جنة إلا لجاهلة ... رضيت من حكم رب الناس بالنار # ولم تزل مدة إبراهيم تتمشى على أحسن حال وأجزله، وأهذب زي وأكمله، تقضت ~~زينا لعصره، وفخرا له بها على أهل مصره، لم يلحقه في ذلك أحد في وقته، ولا ~~قدر على نيل مرتبته، إلى أن وافته منيته فجأة، وذلك عام 288. وولى أبنه عبد ~~الرحمن بن إبراهيم بن حجاج بعد أبيه، وطالت مدته ثلاث عشرة سنة، وتوفي سنة ms361 ~~301. وكان أخوه محمد بن إبراهيم بن حجاج - رحمه الله - صاحب قرمونة في حياة ~~أبيه وبعد موته إلى أن مات أخوه، ولم يستقر بإشبيلية، ولا حكمها. وقيل إنه ~~دس على أخيه عبد الرحمن جارية سمته؛ فمات من ذلك. # قال ابن أبي الفياض: كان محمد بن إبراهيم بن حجاج صاحب قرمونة بعد موت ~~أبيه؛ وكانت له بها دولة حسنة وأيام صالحة، شهر في الفضل ذكره، وانبسط على ~~ألسنة الناس شكره، قصد من الأقطار، ومدح يجيد الأشعار؛ فأنال القاصدين، ~~ومنح المادحين. ولما توفي أبوه، ولي إشبيلية أخوه عبد الرحمن، إذ كان ~~كبيره. وكان محمد يزيد على عبد الرحمن بأشياء من المحامد، خص بها في وقته ~~فحمد، وظهر أثر الإمارة في فعاله فشكر وحسد. وكانت دولته بقرمونة أضخم من ~~دولة أخيه بإشبيلية وأطول، وذلك أربع عشرة سنة بعد موت أبيه. وتوفي عام ~~302. # قال الرازي: افتتح الناصر لدين الله إشبيلية سنة 301. وكان سبب ذلك موت ~~عبد الرحمن بن إبراهيم بن حجاج المنقزي فيها بعد والده، واجتماع أهلها من ~~بعده على تقديم أحمد بن مسلمة، ودفعهم لأخي عبد الرحمن محمد بن إبراهيم PageV02P129 # صاحب قرمونة، ومخالفة محمد ومن معه بقرمونة، ولياذه بسلطان الجماعة. فبعث ~~الناصر عسكرا إلى إشبيلية؛ فجرت بينهم حروب عظيمة. ثم بعث الأمير عبد ~~الرحمن الناصر إلى محمد بن إبراهيم بن حجاج، وأمره بالتضيق على أهل ~~إشبيلية، وعقد له على ذلك، وأشرك معه فيه قاسم بن الوليد صاحب شرطته في ذلك ~~الوقت؛ وكان بينه وبين محمد صداقة. فخرجا معا من قرطبة إلى قرمونة، ومنها ~~دنوا إلى إشبيلية. فتردد محمد وقاسم بالجموع على إشبيلية، وملكا أقاليم ~~الشرف، وأقاليم طالقة، وإقليم البر وغيرها، وأخذا بمخنق ابن مسلمة صاحب ~~إشبيلية؛ فاستجاش ابن مسلمة برأس النفاق اللعين ابن حفصون؛ فأتاه بنفسه، ~~وخرج معه من مدينة إشبيلية، وجاز النهر؛ وكان الجيش يحصن قبرة، وفيه محمد ~~بن إبراهيم بن حجاج، وقاسم بن وليد؛ فخرجا إليهما بمن معهما من حشم ~~السلطان؛ فانهزم ابن حفصون، وفر على وجهه، حتى لحق بقلعته. فتأمل ابن ms362 مسلمة ~~منتشبه مع ابن عمه محمد بن حجاج، ودخوله معه في وراثة أبيه، وأنه لا طاقة ~~له به. فأخذ في إصلاح ما بينه وبين السلطان الناصر؛ فراسله بأن يعطيه ~~إشبيلية. فوصله الحاجب بدر، وتملك السلطان إشبيلية دون إراقة دم ولا قتال. ~~فلما استقر الحاجب بإشبيلية، أحضر أهلها، ووعدهم عن السلطان بكل جميل، وأن ~~يجري عليهم عوائدهم مع بني حجاج وزيادة على ذلك؛ فرضى القوم، وتم الأمر ~~للحاجب وابن مسلمة. وأخذ الحاجب في مخاطبة محمد بن حجاج، يعرفه بتملك ~~السلطان إشبيلية، وأن السلطان أمره بالكف عن حصارها. فعند وقوف محمد على ~~الكتاب، ساءه ذلك، وتغير له، وخرج من حصن قبرة الذي كان به مع قاسم بن وليد ~~ناكثا للطاعة؛ وسرى ليلته مع جموعه قاصدا بلده قرمونة؛ فالقى في طريقه ~~أغناما لأهل قرطبة؛ فأغار عليها، وحملها معه إلى قرمونة؛ فدخلها، وأظهر ~~التمتع بها. فأخرج إليه الناصر لدين الله صاحب الحشم؛ فلما وصله وخاطبه بما ~~أمره به السلطان، رد عليه الأغنام بجملتها. # ولما رجع صاحب الحشم إلى قرطبة، خرج محمد بن حجاج من قرمونة PageV02P130 # بجيشه؛ فوصل إشبيلية عند الصباح؛ فهجم عليها. وكان بعض سورها مهدما؛ فطمع ~~فيها؛ فخرج إليه العامل عليها من قبل السلطان؛ فهزمه عنها؛ فرجع إلى ~~قرمونة. فلما علم الناصر بذلك، وجه عسكرا إلى عامل إشبيلية تقوية له؛ فحصن ~~البلد على نفسه، وأمن من عادية محمد بن حجاج. ولما طال على الناصر تمادي ~~محمد بن حجاج على العناد، بعث إليه صديقه ابن وليد، طالبا منه العودة إلى ~~الطاعة؛ فلم يزل به حتى أظهر الإنابة له؛ فأنفذ محمد بن حجاج خاصته إلى ~~الناصر؛ فوصل إليه؛ فألحقه الناصر بنفسه، وشافهه بما ألقاه إليه محمد، ~~وأعلمه أنه ينعزل عن قرمونة ويسكن قرطبة، على أن يترك بها نائبه. فأجابه ~~الناصر لذلك كله، ووعده بتتميم أغراضه. فلما وصل الرسول إلى محمد بما ألقاه ~~إليه الأمير الناصر، خرج من قرمونة في شهر رمضان المعظم من عام 301، ووصل ~~قرطبة مع وجوه قومه وعدة من رجال. فأمر لهم الناصر ms363 بالكسى ووصلهم على ~~أقدارهم ومنازلهم عند محمد، وأجزل لهم الصلة، وأعطى محمدا العطاء الجزل، ~~وقربه من نفسه، وولاه من حينه خطة الوزارة، منوها، مرفع الذكر. قم خرج ~~الناصر لدين الله غازيا؛ فأغزاه معه وزيرا. # وكان حبيب بن عمر الوالي على قرمونة من قبل السلطان قد امتنع بقرمونة. ~~فحاصر الناصر قرمونة، ومحمد بن حجاج معه وزيرا؛ فسعى به عند السلطان من كان ~~يحسده، وقال له: (إنما نافق ابن عمر مع محمد وبأمره!) فعزله عن الوزارة، ~~وحبسه، وحبس معه ابن وليد صاحب الشرطة. ثم أطلقا بعد ذلك. فلم يلبث محمد بن ~~حجاج بعد ذلك إلا يسيرا، وتوفي في شوال سنة 302. ### | أخبار عمر بن حفصون في أيام الأمير عبد الله # وعندما ولي عبد الله الخلافة، ووافته الكتب من البلاد؛ واجتمعت على طاعته ~~جميع العباد، رأى عمر بن حفصون على فرط عناده، وتوه في الأرض وفساده، أن ~~يدخل في جماعته، ويلتزم بفروض طاعته. فأرسل ابنه حفصا PageV02P131 # إلى قرطبة مع جماعة من أصحابه، على أن يعقدوا مع الأمير سلما منتظما، ~~وصلحا مبرما، لا يحيله حال، ولا يلحقه محال، على أن يستقر عمر بن حفصون ~~ببربشتر على الطوع، ويقيم بها على الطاعة والسمع. فقبل الأمير نزاعه، وسمح ~~بإبقائه هنالك، وأصدر ابنه ورسله إصدارا جميلا؛ ومنحهم برا جزيلا، ووجه ~~معهم عبد الوهاب بن عبد الرؤوف واليا على كورة رية، ومشاركا لابن حفصون في ~~عقده وحله، ومساهما له في توليته وعزله. فمكثا شريكين في الأمر والنهي، إلى ~~أن غلب ابن حفصون على عبد الوهاب، وأخرجه من الكورة منبت الأسباب. واشتدت ~~معرته، وتأكدت عاديته ومضرته، حتى همت القرى بالخلاء، والناس بالجلاء. ولم ~~يبق بالقنبانية قرية إلا غشيتها الخيل، وعمتها الذلة والوبل، وقد ملك ~~اللعين إستجة وأرجذونة، وأجتدهمت ثقافا، وصير فيهما من الآلات أصنافا. # فلما رأى الأمير عبد الله ما أحاط بقرطبة من ابن حفصون، ودار عليها من ~~الحرب الزبون، أمر بإخراج السرادق إلى فحص الربض بشقندة. فلما اشتدت ~~أطنابه، ومدت حبائله وأسبابه، بعث ابن حفصون خيلا ترمي على شقندة ms364 لعلها ~~تأخذ السرادق السلطاني وتفوز به، وتهجم على البلد وتحيط بجانبه. فخرجت لهم ~~الخيل إثر ذلك، وطردتهم طرادا من هنالك، ووصلت إلى ابن حفصون؛ فدفعته عن ~~الجهة، ومنعته من تلك الوجهة، وأوى إلى حصن بلبى بقبرة؛ فجمع له الأمير أهل ~~قرطبة، وسار إليه في نحو أربعة عشر ألفا. وحشد ابن حفصون نحو ثلاثين ألفا؛ ~~فصدمه الأمير بمن معه؛ فنثر عقده وفرق جمعه؛ فعملت السيوف في رقابهم، وتبعت ~~سيل أعقابهم، حتى رويت الأرض من دمائهم. ودخل الأمير عبد الله القلاع ~~الثائرة عليه؛ وصارت يومئذ في يديه. # وفي ذلك يقول ابن عبد ربه (كامل) : # رام ابن حفصون النجاة فلم يسر ... والسيف طالبه فليس بناج # في ليلة أسرت به فكأنما ... خيلت نقيضة ليلة المعراج # ما زال يلقح كل حرب حامل ... فالآن أنتجها بشر نتاج PageV02P132 # ركبوا الفرار بهضبة قد جربوا ... غب السرى وعواقب الإدلاج # وإذا سألتهم موالي من هم ... قالوا: موالي كل ليل داج # ولما رجع ابن حفصون إلى بربشتر، حشد أعوانه، وجدد للعرض ديوانه، وخرج ~~بجمعه إلى إلبيرة، وأدار بها حربا مبيرة، إلى أن تغلب عليها بأيده، وقبض ~~على عاملها بكيده. فأخرج الأمير عبد الله العسكر إليه، وقدم ابن أبي عبدة ~~عليه. فلما تدانى الفريقان، وتراءى الجمعان، هجمت خيل ابن أبي عبدة على خيل ~~ابن حفصون؛ فعكستهم عسكا، وطمست آثارهم طمسا؛ وأثقل ابن حفصون بالجراح، وآب ~~من النصر صفر الراح، قد ركب الأوعار، واجتمل الخزي والعار؛ ويبلغ حصن ~~بربشتر مفلولا، خاسرا ذليلا. ثم عاد إلى عاده، وسبيل بغيه وفساده. وفي كل ~~ذلك كان الأمير عبد الله يهزم جيشه، ويروع ببأسه جأشه، حتى خمدت نيرانه، ~~وملت أنصاره وأعوانه. فلما توفي الأمير عبد الله، وولى الناصر لدين الله، ~~بادر إلى الطاعة، والدخول في الجماعة. ثم نكث وخان، حتى هلكته الأزمان. ### | جملة الثوار ببلاد الأندلس في أيام الأمير عبد الله الخارجين عن الجماعة المضرمين لنار الفتنة # أولهم ابن حفصون؛ وقد تقدم ذكره. وتأتي بقية أخباره بحسب السنين. وثار ~~سوار بن حمدون بحصن منت شاقر؛ فقام إلى ms365 جعد عامل إلبيرة بمن معه؛ فهزم ~~جمعه، وأخذه أسيرا، وأراه يوما عسيرا. ثم أطلقه من عقاله، وعمه بإفضاله، ~~وانصرف إلى إلبيرة بلده، ومقر أهله وولده. وسار سوار إلى غرناطة، وأغار على ~~حصون ابن حفصون؛ فاجتمع أهل إلبيرة في نحو ثلاثة وعشرين ألفا؛ فلقيهم سوار ~~في عدد قليل؛ فلاذوا بالفرار والنفور، وصاروا كالهباء المنثور؛ ونيطت بهم ~~الحتوف كسفا، وقتل منهم على ما ذكر اثنا عشر ألفا، وذلك PageV02P133 # في سنة 276. وكانت بين سوار هذا وابن حفصون ملاقاة انقلب فيها ابن حفصون ~~مهزوما، وتولى ملوما مذموما، قد أثقل بالجراح، وقتل قواده في ذلك الكفاح. ~~وكان جعد الثائر بالبيرة منفقا مع ابن حفصون على النفاق، منعقدا معه على ~~الفساد في تلك الآفاق؛ فأعمل جعد الحبلة في الغدر بسوار جهده، وأظهر في ذلك ~~نصبه وجهده؛ فأغار على جهته يوما، وقد أكمن هنالك قوما. وخرج هو بنفسه في ~~نفر يسير؛ فاكتسح وأغار، وأنجد في الجهة وغار. وظن سوار أن ليس وراءه أجناد ~~تنجده، ولا أمداد تمده؛ فبز إليه بأهل المكان، وقد أيقن بالظفر والإمكان. ~~فلما انبسط من هنالك كالفرخ الأشر، ثارت الكمائن عليه كالجراد المنتشر، ~~وأحدقت الخيل بسوار؛ فقتل ثقتيلا، وعاد عسكره مهزوما مفلولا. وأرسل جعد ~~صاحب إلبيرة إلى ابن حفصون برأس سوار، وأعلمه بالكبت الشامل لأعدائهم ~~والبوار. # وثار سعيد بن جودي في ذلك التأريخ بالعرب، وعارض ابن حفصون بالحرب ~~والحرب، حتى أغصه بريقه، وضايقه في سبيله هناك وطريقه؛ فرجع ابن حفصون إلى ~~الحيلة فيه والكيد، إذ عجز عنه بالقوة والأيد، حتى قبض عليه، وصار أسيرا ~~لديه، وأقام عنده بببشتر شهورا مكبولا، إلى أن قبل فيه ابن حفصون مالا جزلا ~~قبولا؛ فأطلقه من وثاقه؛ فجد في خلافه على الأمير عبد الله وشقاقه، إلى أن ~~مكر به مكرا، وقتل في دار عشيقة له يهودية غدرا. وتولى أمر العرب بجانب ~~إلبيرة محمد بن أضحى؛ فأمسى على طاعة الأمير عبد الله وأضحى؛ فناصب ابن ~~حفصون الحرب، وعارضه بالطعن والضرب، إلأى أن ظفر به ابن حفصون في تلك ~~المسالك، وصار ms366 عنده أسيرا هنالك؛ ففداه العرب منه بمال جسيم، ومشى من طاعة ~~الأمير على منهاج قويم. # وثار العرب بإشبيلية ثورة، وقبضوا على عاملها عنوة، وانتهبوا طارفه ~~ومشلده، ولم يتركوا إلا أهله وولده، وقتلوا كثيرا من أعوانه، وعانوا ما ~~شأوا في سلطانه؛ فاجتمعت العساكر من قرمونة وسائر الأقطار، وأحاطت بإشبيلية ~~إحاطة PageV02P134 # الفلك الدوار؛ فغلبوا على القائمين فيها. وقتلوا منهم فرقة؛ فكانت الوقعة ~~المعروفة بالدعقة. # وتغلب إبراهيم بن حجاج على إشبيلية تغلبا، ونصب لأحواز قرطبة منها حربا ~~وحربا؛ وارتبط مع ابن حفصون على العبث التام، والاحتلال بقرطبة في ذلك ~~العام. وتغلبا على الحصون والقلاع، وجدا في الكفاح والقراع، إلى أن انتقض ~~ما بينهما من السلم المنتظم، والعهد المحكم المنبرم. وصالح ابن حجاج الأمير ~~عبد الله؛ فأقره بإشبيلية، وصرف إليه زمامها، وأوقف عليه أعمالها وأحكامها. # وثار دبسم بن إسحاق، وغلب على مدينتي لورقة ومرسية، وما يليهما من كورة ~~تدمير. وكان مودودا من طبقات الناس، رفيقا برعيته، جوادا، منتجعا، له إفضال ~~على الشعراء والأدباء. # وثار عبيد الله بن أمية، وملك كورة جيان، ودخل حصن ابن عمر وغيره. # ومنهم، عبد الرحمن بن مروان المعروف بالجليقي، اقتعد مدينتي بطليوس ~~وماردة؛ ففارق الجماعة، وجاور أهل الشرك، ووالاهم على أهل القبلة. # ومنهم، عبد الملك بن أبي الجواد، اقتعد مدينة باجة وملكها، وتحصن بحصن ~~مارتلة، وله حظ من المنعة تشييدا وعدة. وكان معاقدا لابن مروان، صاحب ~~بطليوس في هذا التأريخ، وابن بكر صاحب أكشونبة؛ فكانوا متأبين على من ~~خالفهم. # وثار ابن السديم، وهو منذر بن إبراهيم بن محمد بن السليم، بمدينة ابن ~~السليم، المنسوبة إلى جده، من كورة شذونة؛ فاقتصد في سيرته، ولم يظهر نبذ ~~الطاعة، إلى أن قتله مملوك له يسمى غلنده. وخلفه وليد بن وليد، وصار إلى ~~الطاعة عند هبوب ريحها بالخليفة عبد الرحمن الناصر. PageV02P135 # ومنهم، محمد بن عبد الكريم بن إلياس، امتنع بقلعة ورد من كورة شذونة، ~~وسعى للفتنة سعيه، وتمادى، حتى استنزله الناصر فيمن استنزل من الثوار. ومات ~~بقرطبة. # وثار خير بن شاكر بحصن شوذر من ms367 كورة جيان، زظاهر زعيم الثوار عمر ابن ~~حفصون؛ ففتك بخير المذكور، وأرسل برأسه إلى الأمير عبد الله. # ومنهم، عمر بن مضم الهترولي المعروف بالملاحي؛ وكان جنديا متدونا عند ~~العامل بحضرتها؛ فوثب عليه؛ فغدره، وضبط القصبة. # ومنهم، سعيد بن هذيل. كانت ثورته بحصن المنتلون من كورة جيان؛ فبنى ~~قصبته، وحصنها، وأعلن بالخلاف، حتى استنزله الناصر؛ فلحق بقرطبة إلى أن ~~مات. # وثار سعيد بن مستنة بكورة باغة، واقتعد حصونها؛ فاستفحل أمره وشره، وعم ~~أذاه واصطفى من حصونها التي ظهر عليها أربعة لا مثيل لها في الحصانة ~~والمنعة. # وثار بنو هابل الأربعة: أكبرهم منذر بن حريز بن هايل، وأخوه أبو كرامة ~~هابل بن حريز، وأخوه عامر، وأخوه عمر؛ ثاروا ببعض حصون جيان في أيام الأمير ~~عبد الله، وخلعوا طاعته، وأطلقوا الغارة، وأطلعوا أهل الفساد. ثم استنزلوا؛ ~~فنزلوا على حكم الأمان؛ فحسنت طاعتهم وخدمتهم. # وثار إسحاق بن إبراهيم بن عطاف العقيلي بحصن متتيشة؛ فبناه وحصنه وامتنع ~~به، إلى أن استنزله الخليفة الناصر إلى قرطبة؛ وبها توفي. # ومنهم، سعيد بن سليمان بن جودي؛ أمرته عرب إغرناطة وإلبيرة؛ فضبط أمرهم، ~~حتى دبر عليه كبيران منهم بحيلة؛ فقتلاه بها. فلم ينتظم للعرب هناك أمر ~~بعده. PageV02P136 # وثار محمد بن أضحى بن عبد اللطيف الهمداني، من أكابر أبناء العرب بكورة ~~إلبيرة، إلى أن هلك الأمير عبد الله؛ فاستنزله الناصر لدين الله عن حصنه، ~~فيمن استنزله من الثوار. وكان ابن أضحى هذا مع رجوليته أديبا بليغا، يقوم ~~بين أيدي الأمراء في المحافل، فيحسن القول، ويطيب الثناء. وله أخبار ~~معروفة. # وثار بكر بن يحيى بن بكر، واقتعد مدينة شنت مرية من كورة أكشونبة، وبناها ~~حصنا اتخذ عليها أبواب حديد. وكان له ترتيب وأهبة، ورجال شجعان، وعدة ~~موفورة. وكان يتشبه - بزعمه - في سلطانه بإبراهيم بن حجاج. وكان له أصحاب ~~للرأي وكتاب للعمل. وكان له عهد مؤكد إلى جميع من في طاعته بإضافة أبناء ~~السبيل، وقراء النزيل. وحفظ المجتازين؛ فكان السالك بناحيته كالسالك بين ~~أهله وأقاربه. # وثار ابنا مهلب، من وجوه قبائل البربر ms368 بكورة إلبيرة؛ وهما خليل وسعيد؛ ~~ثارا ثورة نظرائهما بجهتهما؛ فأقاما على سبيلهما إلى أن استنزل الناصر ~~أولادهما بعد وفاتهما. # وثار سليمان بن محمد بن عبد الملك الشذوني بشربش شذونة؛ وهو الذي بنى ~~نبريشة وحصنها. # وثار ابنا جرج بحصن بكور؛ ففسدت سيرتهما؛ فأخرجا عن الحصن. فمات عبد ~~الوهاب، ولحق محمد بن عبد الرحمن بن جرج بابن الشالية؛ وكان مصافيا له؛ ~~فتقبله، واستخدمه، وبنى له حصن مورينة من كورة جيان؛ فأقام فيه إلى أن ~~استنزله الناصر ونقله إلى قرطبة. # وثار أبو يحيى النجيبي المعروف بالأنقر بمدينة سرقسطة وأعمالها، وقتل ~~أحمد ابن البراء القرشي عامل الأمير على سرقسطة، واستولى عليها؛ وأظهر ~~التمسك PageV02P137 # بطاعة الأمير عبد الله، وخاطبه، وهو ينسب ابن البراء إلى الخلاف. فأظهر ~~الأمير تصديقه، وسجل له على سرقسطة. فثبت بها قدمه. # وفي سنة 283، أخرج الأمير عبد الله على العسكر هشام بن عبد الرحمن ابن ~~الحكم إلى كورة تدمير، في أواخر ربيع الأول. وكان القائد معه على الجيش ~~أحمد بن أبي عبدة. ولما احتل بوادي بلون، تقدم قطيع من الخيل؛ فافتتح هنالك ~~حصنا، وغنم ما كان فيه. وتوافت على العسكر حشود أهل الكور. ثم انتقل وطوى ~~المراحل حتى حل بمرسية. ثم انتقل إلى لورقة. فخرج إليه ديسم بن إسحاق؛ ~~فحاربه؛ فهزم ديسم؛ ورجع إلى لورقة وأقام محاصرا حتى فقل عنه العسكر. ثم ~~خرج ديسم بمن معه؛ فضرب في الساقة؛ فرجع إليه؛ فهزم واتبع حتى اشتغاث ~~بالوعر ونجا راجلا، وأخذ فرسه. وقفل العسكر سالما. وفقد في هذه الغزاة ~~الماء، ومات فيها اثنان وثلاثون رجلا عطشا، وهلكت دواب كثيرة. # وفي سنة 284، أخرج الأمير عبد الله ابنه أبان إلى لبلة. وكان ابن خصيب ~~بحصن منت ميور، وكان قد ثار به؛ فحاصره، ونصب عليه المجانيق، ورماهم بها ~~حتى ضجوا ودعوا إلى الطاعة؛ وانعقد أمانهم. وفي خلال ذلك، دخل ابن حفصون ~~إسنجة الدخلة الثانية؛ فورد كتاب الأمير باستعجال القفول بسبب إسنجة؛ فقفل ~~العسكر. وكانت مدة هذه الحركة شهرين ونصفا، وهي أول حركة أبان. # وفي سنة 285، غزا أبان ms369 ابن الأمير عبد الله إلى ابن حفصون، والقائد ابن ~~أبي عبدة. # وفيها أيضا، غزا عباس بن عبد العزيز إلى حصن كركي وجبل البرانس؛ وقتل ابن ~~بامين وابن موجول، وأخذ حصونهما. PageV02P138 # وفيها، تقدم لب بن محمد بن طليطلة إلى حيز جيان، ونازل حصن قسكلونة؛ وكان ~~فيها نصارى يحاربون عبيد الله بن أمية المعروف بابن الشالية؛ فأخذ الحصن، ~~وقتل العجم. ووافاه فيه قتل أبيه محمد بن لب في محاصرته لسرقسطة. # وفيها، كانت المجاعة الشديدة التي سميت السنة 285 بها سنة لم أظن. # وفي سنة 286، أظهر ابن حفصون النصرانية؛ وكان قبل ذلك يسرها؛ وانعقد مع ~~أهل الشرك وباطنهم، ونفر عن أهل الإسلام، ونابذهم؛ فتبرأ منه خلق كثير. ~~ونابذه عوسجة بن الخليع، وبنى حصن قنبط، وصار فيه مواليا للأمير عبد الله، ~~محاربا لأبن حفصون. واتصلت عليه المغازي من ذلك الوقت، ورأى جميع المسلمين ~~أن حربه جهاد؛ فتتابعت عليه الغزوات بالصوائف والشواني، ولا بني القواد عنه ~~في الحل والترحال. وفي ذلك قال ابن فلزم للقائد ابن أبي عبدة (متقارب) : # ففي كل صيف وفي كل مشتى ... غزاتان منك على كل حال # فتلك تبيد العدو وهذي ... تفيد الإمام بها بيت مال # وفي سنة 287، كانت الصائفة مشجولة ما بين كورة موزور وكورة شذونة وكورة ~~رية. # وفيها، قتل القائد ابن أبي عبدة طالب بن مولود الموروري. # وفيها، صلب إسحاق وصاحبه؛ وكانا من رجال ابن حفصون؛ وفيهما جرى المثل في ~~الناس: (غررتني يا إسحاق!) وذلك أن أحدهما قال هذه الكلمة لصاحبه، وهو يرفع ~~في الخشبة. # وفي سنة 288، قبضت رهائن ابن حفصون. وتجولت الصائفة بشذونة وغيرها من ~~الكور. PageV02P139 # وفيها، عظم السيل بقرطبة، وانهدم رجل من قنطرتها. # وفيها، خرج من قرطبة أحمد بن معاوية ابن الإمام هشام إلى فحص البلوط. ثم ~~تقدم إلى ترجيله؛ فأقام فيها مدة يسيرة. وانحشدت إليه الحشود؛ فدخل إلى ~~سمورة وبها قتل في شهر ربيع الأول. # وفي سنة 291، كان غزو أبان ابن الإمام عبد الله - رحمه الله - إلى رية؛ ~~وقاد الخيل أحمد بن محمد بن أبي عبدة. وفصل ms370 يوم الخميس لخمس خلون من جمادي ~~الآخرة؛ ونهض حتى احتل بوادي نسقانية، واضطرب في هذه المحلة. وخرج إليه عمر ~~بن حفصون؛ ثم التقيا؛ فوقعت بينهما حرب شديدة؛ ثم انكشفت الهزيمة على أصحاب ~~ابن حفصون؛ فقتل منهم عدد كثير؛ ثم أضرم قرى وادي نسقانية وما حواليها ~~نارا. ثم انتقل وحل على وادي بينش المجاور لببشتر، ووقعت الحرب بين أهل ~~العسكر وبين ابن حفصون؛ فانهزم ابن حفصون، وقتل له رجال، وعقرت له خيل. ~~واتصل الحريق في جميع قرى تلك الناحية. ثم انتقل إلى محلة طلجيرة؛ فأقام ~~بها أياما، يحارب فيها ابن حفصون كل يوم، وينال منه. وفي هذه الأيام، أحرقت ~~منية لجعفر بن عمر بن حفصون. وفي هذه الغزاة، حوربت طرش والرجل، وقتل أخو ~~زيني وجماعة من حماة ابن حفصون. ونصب المنجنيق على الرجل؛ فأثر فيه PageV02P140 # وثلم في سوره. ثم تقدم القائد أحمد بن محمد بن أبي عبدة من حصن لوشة إلى ~~حصن الخشن، في جرائد الخيل، وأبقى أبان ابن الإمام عبد الله - رحمه الله - ~~معسكرا بمحلة لوشة؛ فحارب حصن الخشن، وقتل عددا من أهله، وأسر منهم جماعة، ~~وانصرف بالرؤوس والأسرى إلى لوشة. ثم قفل بالعسكر، ودخل قرطبة يوم الجمعة ~~لخمس بقين لرمضان؛ فكانت هذه الغزاة ثلاثة أشهر وعشرين يوما. # وفيها، خرج لب بن محمد إلى بايش من أحواز آلبة، وذلك في رمضان؛ فافتتح ~~حصن بايش وما يليه، والعلج إذفنش يومئذ على حصن غزنون محاصرا لأهله. فلما ~~بلغه دخول لب بن محمد بحصن بايش، ولى هاربا. # وفيها، ثم في ذي الحجة، خرج لب بن محمد إلى ناحية بليارش؛ فافتتح حصن ~~لحروسه؟، وحصن إيلاس، وحصن قشتيل شنت، وحصن مولة، وقتل بهذه الحصون نحوا من ~~سبعمائة علج، وسبى بها نحوا من ألف سبية. # وفيها، توفي جعفر بن يحيى بن مزين الفقيه من أهل قرطبة؛ وكانت له رواية ~~عن أبيه وغيره. وفيها، توفي أحمد بن هاشم القائد بمدينة غرناطة، ودفن ~~هنالك، وهو ابن أربع وسبعين سنة. وفيها، توفي إسحاق بن عبد الله الطبيب. ~~وفيها، مات ms371 عامر بن موصل الأصبحي بحصن ناجرة) . # وفي سنة 292، كان خروج الصائفة إلى عمر بن حفصون. وتجول العسكر على ~~حصونه؛ فهتك بعضها. وقوطع البعض على وظيف يودونه. وفيها، كانت الوقعة ~~العظيمة على عمر بن حفصون بوادي بلون من جيان. وكان قد توافى إليه أهل ~~الخلاف والخلعان، وخرج مغيرا على المسلمين؛ فهزمه الله، وقتل كثيرا ممن كان ~~معه. وأدبره في شرذمة قليلة، وأفنى أكثر رجاله في ذلك المعترك. PageV02P141 # وفيها، خرج لب بن محمد لمحاصرة مدينة سرقسطة، وأخذ في ردم الخندق المجاور ~~لسورها وشرع في البنيان عليها. فلما كمل له ردم الخندق وبنيان ما فيه، رحل ~~عنه وأدخل ندبة فيه من رجاله. # وفيها، توفي عبد الله بن قاسم بن هلال؛ وكانت له رحلة؛ وأدخل الأندلس كتب ~~داوود العباسي وغيره. وفيها، وتوفي الوزير سليمان بن محمد بن وانسوس، وعبد ~~الرحمن بن أمية بن عيسى بن شهيد المعروف بدحيم، وتوفي أخواه عثمان ابن أمية ~~وعيسى بن أمية. # وفي سنة 293، كان خروج الصائفة إلى فهر بن أسد، وهو بحصن تش من كورة ~~جيان؛ فافتتح الحصن، وأخذ فهرا أسيرا، وقدم به إلى قرطبة؛ فأمر الإمام عبد ~~الله - رحمه الله - بصلبه عند القصابين في بيع الآخر. # وفيها، عزل محمد بن أمية بن شهيد عن المدينة؛ ووليها محمد بن غانم؛ فكانت ~~ولايته شهورا؛ ثم عزل، وولى مكانه موسة بن محمد بن حدير. # وفيها، حبس حزمير القومس، وعذب وأدهق حتى مات. # وفي جمادى الآخرة، دخل القائد أحمد بن محمد بن أبي عبدة حصن قنيط من ~~ناكرنا، وندب فيه جيشا، واستنزل من كان فيه من بنى الخليع، وأدخل فيه ~~الحشم. # وفيها، توفي يونس بن هاشم بن عبد العزيز. وفيها، توفي ديسم بن إسحاق صاحب ~~تدمير. وفيها، قتل يحيى بن قسي، ومحمد بن إسماعيل، وأيوب ابن سليمان ~~بطليطلة وفي سنة 294، كان غزو أبان ابن الإمام عبد الله - رحمه الله - ~~الصائفة إلى الجزيرة. وقاد الخيل أحمد بن محمد بن أبي عبدة، وحل بالجزيرة PageV02P142 # يوم الجمعة لتسع بقين من رجب. ثم تقدم إلى حصن ms372 لوزة يوم السبت لانسلاخ ~~رجب؛ فحارب الحصن وحاصره، وقتل جماعة ممن فبه؛ ثم تقدم إلى حاضرة رية، فيها ~~مساور بن عبد الرحمن؛ فأحرقت أرباض الحاضرة وحوصر من كان فيها؛ فدعا مساور ~~إلى السلم، وبذل الرهائن. فأجيب إلى ذلك، وقبضت رهائنه؛ ثم تقدم القائد إلى ~~الساحل؛ فجال عليه أجمع، وخرج على حصون إلبيرة، وقفل منصرفا إلى قرطبة؛ ~~فدخلها يوم السبت لليلتين خلتا من ذي القعدة. # وفيها، خرج لب بن محمد إلى جانب بنبلونة؛ فبذل في تهوره، وشرع في البنيان ~~بحصن هريز؛ فحشد إليه العلج شانجه جميع أهل بلده، وكايده بالمكامن؛ ثم وجه ~~إليه خيلا يسيره؛ فلما سمع الصيحة، بدر إلى الركوب؛ فلقى بكمين، فهزمه؛ ثم ~~بكمين، فهزمه؛ ثم أحدقت به الكمائن. فقتل وقتل من كان معه، ممن آثر ~~الشهادة؛ وذلك في ذي الحجة لاثنتي عشرة ليلة بقيت منه. فنزل تطيلة أخوه عبد ~~الله بن محمد. وكان لب، يوم قتل، ابن ثمان وثلاثين سنة. # وفيها، ظهر محمد بن عبد الملك الطويل في الثغر، ودخل حصن بربشتر وحصن ~~القصر وحصن بربطانية. # وفي سنة 295، كان غزاة أبان ابن الإمام عبد الله - رحمه الله - بالصائفة ~~إلى جهة رية؛ وقاد الخيل أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي عبدة؛ فقصد ببشتر، ~~وحارب ابن حفصون، ونكاه، وأنزل به، وحارب ما حواليه من الحصون. # وفيها، غدر سعيد بن الوليد المعروف بأبن مستنة، وتخلى عن حصن بلدة إلى ~~عمر بن حفصون، وظافره، وأبدى ما كان بصميره من العصيان. PageV02P143 # وفيها، ولي المدينة محمد بن عبيد الله بن أبي عثمان، وذلك يوم خميس؛ ~~فاستعفى عنها؛ فأعفي يوم الجمعة ثاني ولايته، وولى مكانه علي بن محمد ~~المعروف بالباسه؛ وكان عليها ثلاثة أيام. ثم عزل وأعيد إليها موسى بن حدير؛ ~~فكان واليا عليها إلى آخر أيام الإمام عبد الله؛ وأقره أمير المؤمنين - ~~رحمه الله - إلى سنة 303. # وفيها، دخل محمد بن عبد الملك الطويل حصن منتشون ومدينة لاردة في المحرم. # وفيها، دخل محمد بن عبد الرحمن النجيبي مدينة شية. # وفيها، خرج محمد بن عبد ms373 الملك الطويل إلى بربطانية؛ فافتتح حصونا جمة، ~~وسبى سبيا كثيرا. # وفيها، توفي الفقيه يحيى بن عبد العزيز بن الجرار، والفقيه محمد بن غالب ~~ابن الصفار، ومحمد بن يحيى بن أبي غسان صاحب السوق. وولى أحكام السوق يحيى ~~بن سعيد بن حسان. وفيها، توفي موسى بن محمد بن موسى بن قطبس الخازن. # وفي سنة 296، كان غزو أبان ابن الإمام عبد الله بالصائفة إلى حصون رية ~~وغيرها. وقاد الخيل معه أحمد بن محمد بن أبي عبدة؛ فقصد ناحية بهشتر، ونازل ~~ابن حفصون، وحاربه ونكاه، وتحرك عيسى بن أحمد القائد غازيا إلى حصون سعيد ~~بن مستنة؛ فنازله أيضا، حتى قفل القائد أحمد ابن محمد من ببشتر. ثم نازل ~~حصن لك من حصون ابن مستنة؛ فأقام عليه حتى افتتحه. # وفيها، خرج محمد بن عبد الملك الطويل إلى بليارش في شهر رمضان؛ فقتل ~~هنالك مقتلة عظيمة. ووفد عليه رسل أهل حصن روطة، يرغبون الصلح ويسمحون ~~بالرهائن والجزية؛ فلم يجبهم إلى ذلك؛ فخرجوا هاربين من الحصن، PageV02P144 # وأخلوه. وتقدم إليه؛ فهدمه. وفيها، تغلب على حصن منت بطروش، وهو المعروف ~~بجبل الحجارة. # وفيها، توفي محمد بن سليمان بن تليد المعافري قاضي مدينة وشقة. وفيها، ~~توفي عبيد الله بن محمد بن أبي عبدة؛ وكان حج قبل وفاته بثلاثة أعوام، هو ~~ويحيى بن سعيد بن حسان صاحب السوق. وفيها، توفيت السيدة ابنة مطرف ابن ~~الأمير عبد الرحمن بن الحكم - رحمهما الله -. وفيها، توفي أحمد بن حفص بن ~~رفاع الفقيه المقري. # وفي سنة 297، كان غزو العاصي ابن الإمام عبد الله - رحمه الله - الغزاة ~~المعروفة بغزوة رية وفريرة. وقاد الخيل أحمد بن محمد بن أبي عبدة. وفصل يوم ~~الخميس لتسع بقين من شعبان؛ فتقدم إلى بلدة؛ فحاربها. ثم احتل على نهر ~~طلجيرة؛ فدارت بينه وبين أصحاب ابن حفصون حرب، عقرت فيها خيل السلطان، وقتل ~~عدد من أصحاب ابن حفصون. ثم تقدم إلى حصون إلبيرة؛ فنزل على حصن شبيلش؛ ~~فكانت هنالك حرب شديدة، ونالت بعض حماة العسكر جراح. وتجول في كورة إلبيرة، ~~وحل ms374 بمحلة بجانة؛ ثم قفل على كورة جيان؛ فنازل حصن المنتلون يوم الأربعاء ~~لليلتين بقيتا من ذي القعدة؛ فأقام عليه محاصرا أياما؛ ثم ضحى فيه يوم ~~الأحد، وقفل يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة، ودخل قرطبة يوم ~~الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من ذي الحجة. # وفيها، افتتحت بياسة؛ واستنزل منها محمد بن يحيى بن سعيد بن بزيل. # وفيها، كان سيل عظيم غرقت منه أركان بيت الله الحرام، وفاضت بئر زمزم؛ ~~ولم ير مثل هذا السيل في قديم الأزمان. # وفيها، اجتمع عمر بن حفصون، وسعيد بن مستنة، وسعيد بن هذيل، وضمهم عسكر ~~واحد؛ فضربوا بناحية جيان وأغاروا؛ فأصابوا وغنموا، PageV02P145 # وانصرفوا إلى حصن جريشة؛ فاتبعهم القائد أحمد بن محمد بن أبي عبدة؛ ~~فلحقهم، وهزمهم، وقتل جماعة منهم، فيهم تسريل العجمي من قواد ابن حفصون. # وفيها، افتتح القائد أحمد بن محمد بن أبي عبدة حصن الزبيب، وابتنى حصن ~~ترضيض تضييقا على ابن هذيل، وحصن قلعة الأشعث، ووضع فيه ندبا من الرجال. ~~وشتى القائد هذه السنة بجبل ارنيش من كورة قبرة. وكانت له في هذه الشتوة ~~حركات بالغت في نكاية أهل النفاق. # وفيها، خرج محمد بن عبد الملك الطويل إلى بار بليارش؛ فافتتح حصن ~~أوربوالة، وأصاب من المشركين ثلاثمائة سبية، وقتل كثيرا منهم، وهدم الحصن ~~وحرقه. وتقدم إلى حصني علتير والغبران؛ فهدمهما. وكان مبلغ الفيء في هذه ~~الغزاة ثلاثة عشر ألفا. # وفيها، قتل إبراهيم بن حجاج ابن عمه أحمد بن سيد بن عمر بن عمير، وهو ابن ~~خمس وأربعين سنة. # وفيها، وذلك يوم الخميس لسبع بقين من ذي الحجة، اعتقل موسى ابن محمد بن ~~حدير صاحب المدينة إبراهيم ومحمدا وسعيدا بني الأمير محمد - رحمه الله - ~~وابن أخيهم محمد بن عبد الملك ابن الأمير محمد - رحمه الله - وحبسهم في دار ~~مطرف ابن الأمير عبد الله. وكان سبب ذلك أن الإمام عبد الله - رحمه الله - ~~عهد إليه ألا يترك أحدا يجوز القنطرة إذا كان له خروج للصيد. وكان يصيد ~~الإمام في تلك الجهة بعدوة ms375 النهر. فخرج الإمام في هذا اليوم متصيدا. وخرج ~~هؤلاء من المدينة متروحين؛ فردهم واعتقلهم. فلما انصرف الأمير - رحمه الله ~~- من صيده، أنهى إليه أمرهم وما فعله فيهم؛ فاستحسن ذلك منه، وشكر له، وعهد ~~إليه بإطلاقهم. PageV02P146 # وفي سنة 298، خرج العاصي ابن الإمام عبد الله - رحمه الله - بالصائفة. ~~وقاد الخيل أحمد بن محمد بن أبي عبدة؛ فتقدم إلى حصن ببشتر وغيره من حصون ~~الساحل بكورة رية. ثم تقدم بالعسكر إلى كور إلبيرة؛ فحطم زرعها، وهشم ~~ثمارها. # وفيها، أقام عيسى بن أحمد بن أبي عبدة في طقيع من الخيل بمدينة بيانة؛ ~~فأغار عمر بن حفصون وسعيد بن مستنة في بسيط قبرة وقرى قرطبة. وأخذوا ~~الغنائم؛ فخرج عيسى بن أحمد طالبا لهما؛ فالتقى بهما على نهر ألبة؛ فدارت ~~بينهم حرب شديدة، وإنهزم عمر بن حفصون وابن مستنة؛ فقتل من أصحابهما خلق ~~كثير، وافترقوا أيادي سبا. وبعث عيسى بن أحمد من رؤوسهم عددا كثيرا. # وفيها، غزا الوزير عباس بن عبد العزيز إلى مدينة قلعة رباح؛ وكان أهلها ~~قد خالفوا، وخلعوا الطاعة؛ فافتتحها. وكان فضل بن سلمة، ختن سعيد ابن ~~مستنة، قد خالف بحصن أشر؛ فتقرب أهل حصن أشر بقتله إلى الإمام عبد الله - ~~رحمه الله! - فقدم منهم قوم برأسه إلى باب السدة؛ فشكر لهم ذلك. # وفيها، خرج عباس بن أحمد بن أبي عبدة قائدا على خيل كثيفة إلى المنشلون ~~لحرب سعيد بن هذيل. وفيها، تداعى البربر الطنجيون الذين كانوا غزوا مع ~~القائد أحمد بن محمد بن أبي عبدة إلى النزوع إلى مدينة بلدة إلى ابن حفصون؛ ~~وتداعى الطنجيون الذين كانوا مع عباس بن أحمد على المنتلون إلى النزوع إلى ~~ابن هذيل؛ فخرجوا عن العسكر، ولحقوا بأهل الكفر والخلعان. ثم دارت الدائرة ~~على هؤلاء وهؤلاء في الموضعين جميعا لأمور أحدثوها، واستدرجهم الله - عز ~~وجل - بها؛ فقتلوا ببهشتر والمنتلون. وعاد من بقى منهم إلى الطاعة. وكان ~~صاحب الصائفة العاصي ابن الأمير عبد الله؛ وكان PageV02P147 # فصوله لهذه الغزاة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شعبان، وهو يوم ms376 ~~النصف من أبريل. وكانت في هذه الغزاة أمراض ووباء. # وفيها، خرج محمد بن عبد الملك الطويل إلى أرغون يريد بنبلونة وأن يجتمع ~~هنالك مع عبد الله بن محمد بن لب. فانتهى إلى حصن البربر؛ فأحرق ما حواليه، ~~وهدم كنائس تلك المواضع، وذلك في شهر رمضان. وعرج عن ملاقاة ابن لب وعن ~~القصد إلى بنبلونة، وانصرف؛ فاحتل حصنا من حصونه يعرف بشار قشتيله؛ فأنذر ~~بأن ابن شانجه يريد الهجم عليه؛ فخرج في بعض أصحابه متسللا. فلما أيقن أهل ~~العسكر بهروب ابن الطويل، تخاذلوا؛ فكان سببا لانهزام أهل الحصن. فلما بلغ ~~عبد الله بن لب الخبر، وأن ابن الطويل كع عن ملاقاة شانجه، نزل بمن معه من ~~المسلمين على حصن لوازة من حصون شانجه؛ فقتل جماعة منهم وكر راجعا؛ فالتقى ~~ببعض الخيل التي كان فيها شانجه؛ فقتل فيهم وسبى. # وفيها، استشهد ابن أبي الخصيب التطيلي، واسمه نعم الخلف؛ وكان نبيلا ~~أديبا، وفقيها محدثا. # وفيها، مات إبراهيم ابن الإمام محمد - رحمه الله - وفيها، توفي معاوية ~~ابن محمد بن هشام القرشي؛ وعثمان ابن الأمير محمد - رحمه الله -؛ ومطرف ابن ~~أحمد بن مطرف ابن الأمير عبد الرحمن - رحمه الله -؛ وأبان بن عبد الملك ابن ~~الأمير عبد الرحمن - رحمه الله -. وفيها، توفي محمد بن أمية بن عيسى بن ~~شهيد الوزير، صاحب المدينة. وفيها، توفي سعيد بن عبد الرحيم السذوني ~~الكاتب؛ وأبو يحيى يزيد بن محمد النجيبي الخازن؛ وموسى بن العاصي بن ثعلبة؛ ~~وأبو مروان عبيد الله بن يحيى بن أبي عيسى؛ وأصبغ بن عيسى بن فطيس؛ ~~وإبراهيم بن حجاج صاحب إشبيلية، وهو ابن ثلاث وستين سنة؛ وعمر بن قومس ~~الكاتب؛ وريان الفتى صاحب الطراز؛ وأفلج الوصيف. PageV02P148 # وفي سنة 299، كان غزاة القائد أحمد بن محمد بن أبي عبدة إلى حصن فننجالة ~~من حصون ابن هذيل، بالقرب من جبل المنتلون، وذلك في صدر المحرم؛ فحاصره أشد ~~الحصار، حتى افتتح الحصن. # وفيها، غزا بالصائفة أبان ابن الإمام عبد الله - رحمه الله - وقاد الخيل ~~عباس بن عبد العزيز الوزير. وفصل ms377 يوم الاثنين لتسع بقين من شعبان، وقصد حصن ~~ببشتر، وحارب ابن حفصون، وأوقع به. ثم خرج بإثره أحمد ابن محمد بن أبي ~~عبدة؛ فتولى القيادة مكانه، واستقدم عباس بن عبد العزيز إلى قرطبة؛ فقصد ~~القائد حصون ابن حفصون، وحارب من كان فيها. # وفي هذه السنة، كسفت الشمس جميعا قبل وقت الغروب، وذلك يوم الأربعاء ~~لليلة بقيت من شوال؛ وظهرت النجوم. وبدر أكثر أهل المساجد؛ فأذنوا لصلاة ~~المغرب، وصلوا. ثم انجلى ذلك، وعادت الشمس مضيئة. ثم توارت للمغيب. # وفيها، خرج محمد بن عبد الملك الطويل إلى وادي برشلونة؛ فأغار بوادي ~~طراجة. فخرج عليه العلج شنير؛ فأخذ عليه المضايق. فلما كر عسكر المسلمين، ~~ألفوا أعداء الله على تلك المضايق؛ ففتح الله للمسلمين عليهم، وقتلوا فيهم ~~مقتلة عظيمة. # وفيها، توفي عبد الله بن أبي زيد صاحب الخيل. وفيها، توفي أصبغ بن مالك ~~الزاهد الفقيه. وفيها، هلك العلج إذفنش؛ وكانت مدة أيامه أربعا وأربعين ~~سنة؛ وولى ابنه غرسية مكانه. PageV02P149 ### | شأن ابني الأمير عبد الله محمد ومطرف # كان الأمير عبد الله قد رشح ابنه محمدا لولاية عهده، وأثره بما عنده؛ ~~فعظم الأمر على أخيه مطرف، وبعدما بينهما كل البعد، وقابل الواحد الثاني ~~بالهجران والصد. فوجد مطرف يوما فارسا من فرسان محمد؛ فاغتاله وقتله؛ ثم ~~فرق من أبيه عبد الله وحذر سطوته، ولم يأمن طولته؛ فسار إلى السجن وفتقه، ~~وحل من شده أبوه وأوثقه، وخرج بمن فيه من أهل الذعارة والفساد، ولحق ~~ببربشتر قاعدة أهل الضلال والعناد، وصار عند ابن حفصون، في حرز من الأمن ~~مصون. ثم إن الأمير عبد الله أباه خاطبه بالأمان، وقال: (بئس الاسم الفسوق ~~بعد الإيمان!) فقبل من أبيه، وانصرف إلى أهله وذويه. ولم يزل بعد ذلك مطرف ~~يغري بمحمد إغراء، ويطوي له عداوة وبغضاء، ويزعم أنه يخاطب ابن حفصون ~~ويداخله، ويداهنه على القيام على أبيه ويواصله. فسجن الأمير عبد الله ابنه ~~محمدا في دار البنيقة، وامتحن خلال ذلك عين الحقيقة. فلما واصل في البحث ~~صباحه ومساءه، لم يقرع سمعه من جهته ms378 ما ساءه فأسرع إطلاقه، وحل وثاقه؛ فدخل ~~مطرف إليه، وأجهز في الحين عليه، وتركه متخبطا في دمه، ملقى على وجهه وفمه. ~~فلما علم ذلك الأمير عبد الله، أعظم ذلك منه، وهم بقتله عنه؛ فلم يعدم من ~~كسر عليه لذلك؛ فتركه. وقيل: قتله فيه: والله أعلم. وكان ذلك في سنة 277. ### | شأن القاسم أخي الأمير عبد الله # كان الأمير عبد الله قد اتهم أخاه بالقيام عليه في الملك، وإيراده موارد ~~الهلك. فلما كثر بذلك الرفع إليه، وتتابع الكلام فيه عليه، رأى بمقتضى ~~الرياسة، وحكم التدبير والسياسة، أن يجبسه في دار البنيقة من القصر، حتى PageV02P150 # يكشف من هذا الأمر. ثم نقله منها إلى حبس الدويرة؛ فمنع النوم هنالك؛ ~~فأرسلت له أمه مرقدا لذلك، وأمرته أن يقسمه على ثلاثة أيام؛ فشرب الجميع في ~~يوم واحد؛ فأصبح رهن الحمام. # وفي سنة 300، كان وفاة الإمام عبد الله بن محمد - رحمه الله - ليلة ~~الخميس مستهل ربيع الأول، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. وكانت خلافته خمسا ~~وعشرين سنة، وخمسة عشر يوما. ودفن في قصر قرطبة مع أجداده الخلفاء - رضي ~~الله عنه وعنهم! - وصلى عليه أمير المؤمنين عبد الرحمن ابن محمد - رضه. ### | صفة الإمام عبد الله بن محمد # كان أبيض، أصهب، مشربا بحمرة، أزرق أقنى بخضب بالسواد، ربعة إلى الطول، ~~عظيم الكراديس. # تسمية أولاد الإمام عبد الله: ممن ولد له قبل الخلافة: محمد أبو أمير ~~المؤمنين عبد الرحمن بن محمد - رحمهما الله -، أمه: در؛ وأحمد، أمه: تمام؛ ~~ومطرف، وسليمان، أمهما: غزلان؛ وأبان، لأم ولد تسمى شأن؛ وعبد الرحمن؛ وعبد ~~الملك؛ والسيدة؛ وعائشة؛ والسيدة أخرى، أمهن: غزلان؛ وهشيمة، أمها: قريش؛ ~~وأسماء؛ أمها قتيان؛ وحكيمة، أمها: ملك؛ والبهاء، أمها: در؛ وفاطمة، وكانت ~~أسن ولده. وممن ولد له بعد الخلافة: العاصي لمستظرف، وعبد الرحمن لخديع، ~~ومحمد الأصغر، أمهما: ملحة، ورقية، وزينب لملحة، وفاطمة لماجن، وزينب ~~لشارق، وفاطمة الصغرى لدر. # ذكر حجابه ووزرائه وكتابه وأصحاب شرطه: ألفي الإمام عبد الله على الحجابة ~~وقت وفاة الإمام المنذر - رحمهما الله - عبد الرحمن بن أمية بن ms379 شهيد؛ ~~فأمضاه عليها؛ ثم عزله، وولي مكانه سعيد بن محمد بن السليم؛ ثم عزله، ولم ~~يول بعده الحجابة أحدا. والوزراء: براء بن مالك القرشي؛ عباس ابن عبد ~~العزيز القرشي؛ سعيد بن محمد بن السليم؛ عبد الملك بن عبد الله PageV02P151 # ابن أمية. وقاد الخيل بالصوائف عبيد الله بن محمد بن أبي عبدة. وولي ~~الكتابة أحمد بن محمد بن أبي عبدة. وقاد بالصوائف سلمة بن علي بن أبي عبدة؛ ~~عبد الرحمن بن حمدون بن أبي عبدة؛ حفص بن محمد بن بسيل. ولي المدينة مع ~~الوزارة محمد بن وليد بن غانم. ولي المدينة مع الوزارة أصبغ بن عيسى بن ~~فطيس؛ عبد الله بن محمد الزجالي، وكان كاتبا ووزيرا؛ سليمان بن محمد بن ~~وانسوس؛ أحمد بن هاشم. وقاد الخيل جعفر بن عبد الغافر. وقاد الخيل العاصي ~~بن عبد الله بن ثعلبة؛ تمام بن عمرو بن علقمة وكان وزيرا لثلاثة من ~~الخلفاء؛ عبد الله بن حارث بن بزيع؛ إبراهيم بن خمير؛ محمد ابن أمية بن ~~شهيد. وولي المدينة نضر بن سلمة، وولي القضاء موسى بن زياد؛ وولي الكتابة ~~والشرطة والقضاء. ومن أصحاب الشرط موسى بن زياد، ثم ولي مكانه، لما ولي ~~القضاء، يحيى بن زياد عمه؛ ثم مات يحيى بن زياد، وبقيت الشرطة دون وال ~~سنتين؛ ثم وليها قاسم بن وليد الكلبي؛ فبقى عليها حتى توفي الإمام - رحمه ~~الله! ومن كتابه: عبد الله بن محمد الوزير؛ عبيد الله بن محمد بن أبي عبدة؛ ~~موسى بن زياد. ومن قضاته: النضر بن سلمة القيسي؛ ثم موسى بن زياد؛ ثم محمد ~~بن سلمة أخو النضر؛ ثم أعيد النضر بن سلمة ثانية؛ ثم عزل وولي محمد بن ~~سلمة؛ ثم مات، وولي بعده أحمد بن محمد بن زياد اللخمي. ### | بعض أخبار الأمير عبد الله بن محمد على الجملة # كان الإمام عبد الله مقتصدا، يظهر ذلك في ملبسه وشكله وجميع أحواله. وكان ~~حافظا للقرآن، كثير التلاوة له. وكانت له صدقات كثيرة ونوافل PageV02P152 # جزيلة. وكان متقدما في ورعه وفضله، محبا للخير وأهله، ms380 كثير الصلاة، دائم ~~الخشوع والذكر الله عز وجل، كثير التواضع، منكرا للسرف ومبعدا لأهله، شديد ~~الوطأة على ذوي الظلم والجور. وكان متفننا في ضروب العلوم، بصيرا بلغات ~~العرب، فصيح اللسان، حسن البيان وكان لا يخلو في أكثر أيامه من مقاعدة ~~وزرائه ووجوه رجاله؛ فإذا انقضى خوضهم في الرأي والتدبير لأسباب مملكته وما ~~كان يحاوله من حسم علق الفتنة، خاض معهم في الأخبار والعلوم. ولم يكن ممن ~~اشتغل بلذة، أو قارف شيئا من الأنبذة في أيام خلافته ولا قبلها. وهو ابتنى ~~الساباط بين القصر والجامع بمدينة قرطبة، رغبة في شهود الجمعة، ومحافظة على ~~الصلوات، وحبا للصالحات. وكان يقعد في الساباط قبل صلاة الجمعة وبعدها؛ ~~فيرى الناس، ويشرف على أخبارهم وحركاتهم، ويسر بجماعاتهم، ويسمع قول ~~المتظلم؛ ولا يخفى عليه شئ من أمور الناس. وكان يقعد أيضا على بعض أبواب ~~قصره في أيام معلومة؛ فترفع إليه فيه الظلامات، وتصل إليه الكتب على باب ~~حديد قد صنع مشرجبا لذلك؛ فلا يتعذر على ضعيف إيصال بطاقة بيده، ولا إنهاء ~~مظلمة على لسانه. وكان أهل المكانات وذوو المنازل والأقدار يتحفظون من كل ~~أمر يوجب الشكوى بهم، وينقبضون عن التحامل على من دونهم، ويهابون عقابه، ~~ويحذرون إنكاره، ويتحرون موافقة مذاهبه. وكانت اللذات مهجورة في أيامه، ~~واللهو غير مقترف من جميع خاصته وعامته، وإعمال الخير وإظهار البر والتقوى ~~فاش في كل طبقة من رجاله ورعيته. وكان - رحمه الله - كثير الاستغفار لله عز ~~وجل، ومتحفظا من اليمين باسمه؛ فإذا حلف له حالف بالله، صدقه؛ وإذا شفع به ~~إليه شافع، شفعه؛ أو خائف، أمنه؛ أو مذنب، صفح عنه. ومآثره كثيره، وفضائله ~~محفوظة مذكورة. وكان قد فتح بابا في القصر، سماه باب العدل. وكان يقعد فيه ~~للناس يوما معلوما في الجمعة، ليباشر أحوال الناس بنفسه، ولا يجعل بينه ~~وبين المظلوم سترا. وكان بصيرا باللغات، حافظا لأشعار العرب وأيامها وسير ~~الخلفاء، PageV02P153 # راوية للشعر. وكانت اللذات في أيامه مهجورة؛ فأنه لم يشرب قط نبيذا ولا ~~مسكرا. واعتذر إليه يوما بعض مواليه؛ فقال له: ms381 (إن مخايل الأمور لتدل على ~~خلاف قولك وتنبئ عن باطل تنصلك. ولو أقررت بذنبك، واستغفرت لجرمك، لكان ~~أجمل بك، وأسدل لستر العفو عليك! فقال: (قد اشتمل الذنب على، وحاق الخطاء ~~بي! وإنما أنا بشر، وما يقوم لي عذر!) فقال: (مهلا عليك، رويدا بك! تقدمت ~~لك خدمة، وتأخرت لك توبة؛ وما للذنب بينهما مدخل. وقد وسعك الغفران!) وأملى ~~كتابا إلى بعض عماله: (أما بعد، فلو كان نظرك فيما خصصناك به، واهتبالك به ~~على حسب مواترتك بالكتب واشتغالك بذلك عن مهم أمرك، لكنت من أحسن رجالنا ~~عناء، وأتمهم نظرا، وأفضلهم حزما. فأقلل من الكتب فيما لا وجه له ولا نفع ~~فيه، واصرف همتك وفكرتك وعنايتك إلى ما يبدو فيه اكتفاؤك، ويظهر فيه غناؤك، ~~إن شاء الله!) وكتب أحد الوزراء إليه كتابا في أمر. فوقع فيه (خفيف) : # أنت يا نضر آبدة ... لست ترجى لفائده # إنما أنت عدة ... لكنيف ومائده # وكان - رحمه الله - تقيا نقيا. بنى الساباط من القصر إلى الجامع، محافظة ~~منه على الصلوات. والتزم الصلاة مع الجماعة إلى جانب المنبر دائما حتى لقي ~~ربه. وكان - رحمه الله - شاعرا مطبوعا؛ له أشعار حسان. فمن قوله يتغزل في ~~صباه (متسرح) : # ويحي على شادن كحبل ... في مثله يخلع العذار # كأنما وجنتاه ورد ... خالطه النور والبهار # قضيب بان إذا تشنى ... بدير طرفا به احورار # فصفو ودي عليه وقف ... ما اطرد الليل والنهار PageV02P154 # ومن قوله أيضا في مثل ذلك - رحمه الله - (رجز) : # يا مهجة المشتاق ما أوجعك ... ويا أسير الحب ما أخضعك # ويا رسول العين من لحظها ... بالرد والتبليغ ما أسرعك # تذهب بالسر فتاتي به ... في مجلس تخفى علي من معك # كم حاجة أنجزت أسرارها ... تبارك الرحمان ما أطوعك # ومن قوله في الزهد (كامل) : # يا من يراوغه الأجل ... حتى م بلهبك الأمل # حتى م لا تخشى الردى ... وكأنه بك قد نزل # أغفلت عن طلب النجاة ... ولا نجاة لمن غفل # هيهات يشغلك المنى ... ولما يدوم لك الشغل # فكأن يومك لم يكن ... وكأن نعيك قد نزل # وله أيضا في ms382 الزهد (وافر) : # أرى الدنيا تصير إلى فناء ... وما فيها لشيء من بقاء # فبادر بالإنابة غير وان ... على شئ يصير إلى فناء # كأنك قد حملت على سرير ... وغيب حسن وجهك في الثراء # فنافس في التقى واجنح إليه ... لعلك ترضين رب السماء # ولم يزل - رحمة الله عليه - يرفع منار الدين، ويسلك سبيل المهتدين، لم ~~تمنعه الفتن عن النظر لنفسه، والعمل ليوم فاقته وحلول رمسه. وكانوا يعدونه ~~من أصلح خلفاء بن أمية بالأندلس، وأمثلهم طريقة، وأتمهم معرفة، وأمتنهم ~~ديانة؛ إلا أنه كان منغص الحال بدوام الفتنة، وتضييق نطاق الخطة، ونقصان ~~مقدار التزكية، حتى كان يتخلله الرياء تحت قناع تقواه، والبخل بطوقه طبيعة ~~ليست له تحط من هواه؛ وغمض دينه لما كان من هوان الدماء عليه، بسبب PageV02P155 # الفتن الطارئة حتى من ولديه، آخذا لأكبرهما بالظنة. وقد صرح النقية أبو ~~محمد بن حزم بذم هذا الأمير، وقال إنه كان قتالا تهون عليه الدماء مع كثرة ~~إقباله على الخيرات، وإعراجه عن المنكرات؛ فإنه احتال على أخيه المنذر على ~~إيثاره له، وواطأ عليه حجامه بأن سم له المبضع الذي قصده به، وهو نازل ~~بعسكره على ابن حفصون. ثم قتل ولديه معا بالسيف واحدا بعد واحد: قتل محمدا ~~والد ### | الناصر لدين الله # ، وقتل أخاه المطرف؛ ثم قتل أخوين له معا أيضا: قتل هشاما منهما بالسيف، ~~والقاسم بالسم.) والله أعلم بحقيقة أمره.) ### | خلافة أمير المؤمنين عبد الرحمن بن محمد # الناصر لدين الله # نسبه: هو عبد الرحمن بن محمد، الذي قتله أخوه مطرف، ابن الأمير عبد الله ~~بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم الربضي بن هشام الرضي بن عبد الرحمن ~~الداخل. كنيته. أبو المطرف. لقبه: الناصر لدين الله. أمه: أم ولد تسمى ~~مزنة. عمره: ثلاث وسبعون سنة وسبعة أشهر. ولي في اليوم الذي توفي فيه جده ~~الأمير عبد الله وبويع فيه، وذلك يوم الخميس مستهل ربيع الأول سنة 300. ~~وتوفي يوم الأربعاء لليلتين خلتا من شهر رمضان المعظم سنة 350؛ فكانت ~~خلافته خمسين سنة وستة أشهر وثلاثة أيام. صفته: أبيض، ربعة، ms383 أشهل، حسن ~~الجسم، جميل، بهي، يخضب بالسواد. # قضاته: أحمد بن محمد بن زياد؛ ثم عزله وولي أسلم بن عبد العزيز بن هاشم؛ ~~ثم أحمد بن محمد بن زياد ثانية؛ ثم أحمد بن بقي؛ ثم منذر بن سعيد البلوطي. # نقش خاتمه: (عبد الرحمن بقضاء الله راض) . وكان أبوه ولي عهد أبيه عبد ~~الله وأكبر بنيه؛ فقتله أخوه مطرف، وقتله أبوه به. وقيل في ذلك كلام كثير. PageV02P156 # وكان مولد الناصر قبل قتل أبيه محمد بأحد وعشرين يوما، وذلك يوم الخميس ~~لثمان بقين من رمضان سنة 277. وكان جده الأمير عبد الله يحظيه دون بنيه، ~~ويومئ إليه، ويرشحه لأمره، وربما أقعده في بعض الأيام والأعياد مقعد نفسه ~~لتسليم الجند عليه. فتعلقت آمال أهل الدولة به، ولم يشكوا في مصير الأمر ~~إليه. فلما مات جده، أجلسوه مكانه في الخلافة دون ولده لصلبه، لما أراد ~~الله من ضخامة الملك ونصر الإسلام وإبادة الشرك؛ اتفق له في ذلك ما لم يتفق ~~لملك قبله ولا بعده. وكان يسكن القصر مع جده دونهم؛ فتهيأ إجلاسه دونهم ~~مكانه بغير منازعة. وقيل إن جده رمى بخاتمه إليه إبانة منه لاستخلافه. # فكان أول من بايعه أعمامه أولاد الإمام عبد الله، وهم: أبان، والعاصي، ~~وعبد الرحمن، ومحمد، وأحمد. وتلاهم اخوة جده، وهم: العاضي، وسليمان، وسعيد، ~~وأحمد. وكان أحمد متكلمهم. فلما بايعه، أقنى عليه بكل جميل. # والناصر هذا هو أول من تسمى منهم بأمير المؤمنين، وتلقب بأحد الألقاب ~~السلطانية، وهو الناصر ثم تسمى منهم من كان بعده من خلفائهم بإمرة المؤمنين ~~وآثر اللقب السلطاني، وذلك حين هاجت الخلافة العباسية، وضعفت، وظهرت الدولة ~~التركية والديلمية؛ فصارت إمرة المؤمنين لائقة بمنصبه، وكلمة باقية في ~~عقبه. فاستهل الخطيب بجامع قرطبة أحمد بن بقي بن مخلد، بذكر هذا الاسم ~~المخلد، يوم الجمعة مستهل ذي الحجة من سنة 316. وفي يوم ولايته يقول أحمد ~~بن عبد ربه من قصيدة (بسيط) : # بدا الهلال جديدا ... والملك غض جديد # يا نعمة الله زيدي ... فما عليك مزيد # وولي، والأندلس جمرة تحتدم، ونار تضطرم شقاقا ms384 ونفاقا؛ فأخمد نيرانها، ~~وسكن زلازلها، وغزا غزوات كثيرة. وكان يشبه بعبد الرحمن الداخل؛ PageV02P157 # ومن وقت دخوله الأندلس سنة 138 إلى ولاية عبد الرحمن الناصر، مات من بني ~~أمية سبعة خلفاء وعبد الرحمن ثامنهم؛ ومات في المدة المذكورة من بني العباس ~~اثنان وعشرون ملكا. # وفي سنة 300، استخلف الإمام الناصر لبدين الله أمير المؤمنين عبد الرحمن ~~ابن محمد - رحمه الله - يوم الخميس مستهل ربيع الأول سنة 300، وهو ابن ثلاث ~~وعشرون سنة وخمسة أشهر وثلاثة وعشرين يوما. وكنيته: أبو المطرف. وأمه: أم ~~ولد تسمى مزنة. وجلس للبيعة في محراب المجلس الكامل بقصر قرطبة، وتولي ~~أخذها له على الخاصة والعامة بدر بن أحمد مولاه، وموسى بن محمد بن حدير ~~صاحب المدينة. وأحضر أعمامه، وأعمام أبيه، وطبقات قريش، وصنوف الموالي، ~~وعامة الناس؛ فبايعوا مبايعة رضى واغتباط، بوجوه متهللة، وصدور منشرحة، ~~وألبسة داعية شاكرة لله - عز وجل - على ما قلده من أمرهم، وأصاره إليه من ~~رعايتهم، والذب عن حرماتهم؛ قد استبشر جميعهم بيمن نقيبته واعتلاء همته، ~~ورجوا ما قد حققه الله لهم من بركة دولته، وصلاح الأحوال على يديه، وتجرده ~~لاستئصال علق الفتنة، والتمهيد الطاعة. وكان الخلاف قد عم أقطار الأندلس، ~~وطبق القاصي والداني منها، واستولي أهل النفاق على كورها ومعاقلها بفترة ~~طاولتهم، وهمل تراخت أيامه بهم؛ فحسم الله - عز وجل - منه على يديه ما ~~سيأتي الخبر عنه، وتتصل الحاية له. # وعهد - رحمه الله - بالكتاب ببيعته إلى الكور والأطراف. وولي في يوم ~~مبايعته بدرا مولاه الحجابة مع الوزارة وخطة الخيل، إلى ما كان إليه من خطة ~~البرد. وولي موسى بن محمد الوزارة، إلى ما كان إليه من خطة المدينة. وكان ~~على الكتابة عبد الله بن محمد الزجالي؛ فأقره عليها، وأقر أحمد بن محمد ابن ~~أبي عبدة على القيادة؛ وأقر قاسم بن وليد الكلبي على الشرطة العليا؛ وكان ~~مع ذلك خازنا؛ فصرف الخزانة عنه وولاها عبد الملك بن جهور. وولي الخزانة ~~أيضا محمد بن عبيدة بن مبشر، ومحمد بن عبد الله بن أبي عبدة، وعزل PageV02P158 # عنها عيسى ms385 بن شهيد، وولي مكانه سعيد بن سعيد بن حدير. وولي عمر بن محمد ~~ابن غانم، وعبد الرحمن بن عبد الله الزجالي، ومحمد بن سليمان بن وانسوس خطة ~~العرض. وولي محمد بن عبد الله الخروبي خزانة السلاح مع العقل، وحسين بن ~~أحمد الكاتب خزانة السلاح أيضا، ويحيى بن إسحاق ومسلمة بن عبد القاهر ~~المعرف بابن الشرح. ثم ولي - رضي الله عنه - عيسى بن أحمد بن أبي عبدة ~~الشرطة العيا، وصرف عنها قاسم بن وليد الكلبي، وولي فطيس بن أصبغ خطة ~~البيازرة، وصرفها عن الحاجب بدر بن أحمد، إلى أعمال وخطط ولاها من استحق ~~عنده من مومليه ووجوه مواليه. # وأخرج - رحمه الله - عباس بن عبد العزيز القرشي في قطيع من الجند إلى ~~برابر كركي وجبل البرانس؛ وأخرج القائد أحمد بن أبي عبدة في من ضم إليه من ~~الجند إلى كورة قبرة لمعاجلة من كان في هاتين الجهتين من أهل الشر والفتنة. ~~فالتقى عباس بن عبد العزيز بالفتح بن موسى بن ذي النون بقلعة رباح؛ فهزمه، ~~وقتل كثيرا ممن كان انضوى إليه. وورد كتاب عبيد الله بن فهر عامل قلعة رباح ~~يذكر ظفره بمحمد بن أرذبلش بناحية عمله؛ وكان من العصاة المفسدين؛ فقتله، ~~وبعث برأسه؛ وكان أول رأس رفع لمارق في دولة أمير المؤمنين - رحمه الله -، ~~وذلك يوم الأحد لعشر خلون من ربيع الآخر. وبدت تباشير الصنع، ودلائل ~~الإقبال على أوائل نظره - رحمه الله # ولثمان بقين من ربيع الآخر، ولي أمير المؤمنين - رضي الله عنه - أحمد بن ~~محمد ابن حدير الوزارة والقيادة؛ وكان قبل ذلك يلي الشرطة الصغرى. وولي هذه ~~الشرطة محمد بن محمد بن أبي زيد. وأجرى الرزق على عبد الرحمن وعبد الله ~~ابني بدر الحاجب، وذلك لكل واحد منهما ثلاثون دينارا وازنة. وولي إسماعيل ~~بن بدر كتابته خاصة، أرتبه لها. وولي - رحمه الله - جهور بن عبد الملك ~~الوزارة وولاها أيضا عبد الله بن مضر. وولي عبد الرحمن بن بدر الخيل، وعبد ~~الله بن محمد بن عبد الخالق بن سوادة قضاء كورة ms386 إلبيرة. وهو PageV02P159 # أول قاض خرج إلى كورة في أيامه - رحمه الله - ولأربع بقين من ربيع الآخر، ~~عزب أحمد بن محمد بن أبي عبدة عن الوزارة والقيادة، وابنه عيسى بن أحمد عن ~~الشرطة العليا، وصرف إليها قاسم بن وليد الكلبي؛ وعزل محمد بن وليد ابن ~~غانم عن الوزارة، وعمر بن محمد بن وليد عن العرض. # وفي يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولي، افتتحت مدينة ~~إسنجة، ودخلها الحاجب بدر بن أحمد والوزير أحمد بن محمد بن حدير؛ وكان أول ~~موضع افتتح في أيام الناصر - رحمه الله -؛ وضبطت المدينة، وهدم سورها. وبقى ~~أحمد بن محمد الوزير قائدا بها ومسكنا لأحوال أهلها. وولي عمالتها حمدون بن ~~بسيل. # وفي يوم السبت لسبع بقين من جمادى الأولي منها، ولي الوزارة محمد بن عبد ~~الله بن أمية. # ولست خلون من جمادى الآخرة، طلب رجل من المفسدين، يعرف بمحمد ابن يونس ~~الجياني: كان محبوسا في أيام الإمام عبد الله - رحمه الله -؛ فأطلقه أمير ~~المؤمنين الناصر رضه - بعد أن عاهد الله ألا يواقع منكرا؛ فنكث، وخرج يبغي ~~الفساد في أيامه - رحمه الله! ولتسع بقين من جمادى الأخرى، عزل أحمد بن ~~محمد بن زياد عن قضاء الجماعة بقرطبة، وعن الصلاة، لأمور أنكرت عليه. وتولي ~~القضاء أسلم بن عبد العزيز، والصلاة محمد بن عمر بن لبابة الفقيه. # وفيها، كانت غزاة أمير المؤمنين - رحمه الله - إلى معاقل جيان، وهي أول ~~غزواته: برز الناصر - رضي الله عنه - من قصر قرطبة يوم الخميس لثلاث عشرة ~~ليلة خلت من شعبان سنة 300، وفصل غازيا إلى كورة حيان يوم السبت لسبع خلون ~~من رمضان بعد بروزه بثلاثة وعشرين يوما. واستخلف في القصر موسى ابن محمد بن ~~حدير الوزير صاحب المدينة، وعبد الرحمن بن بدر، ونهض PageV02P160 # - رضي الله عنه - في جيوش كثيفة وعدد كاملة. وكان قد نزع إليه قبل فصوله ~~محمد ابن فروة صاحب أبذة في جملة فرسانه؛ فتقبلهم أحسن قبول، وأنزلهم أتم ~~إنزال؛ وصاروا في جملة رجاله ومن يضمه عسكره. وسار - رحمه الله - لوجهه. ms387 ~~فلما احتل بحصن مارتش من عمل جيان، ورده الخبر بمضايقة عمر بن حفصون لأهل ~~حاضرة رية، وأنه أطمع نفسه عند تخاذلهم بانتهاز الفرصة فيهم. فوجه لتلافي ~~ذلك سعيد بن عبد الوارث، في قطيع من الجند، وأمره أن يغذ السير، ويطوي ~~المراحل، حتى يحتل مدينة مالقة، ويقطع بابن حفصون عما كان رامه منها وأطمع ~~نفسه فيها؛ فتوصل القائد إلى الموضع، وضبطه، وحمى تلك الجهة عن ابن حفصون ~~وحزبه. # ونهض أمير المؤمنين - رحمه الله - إلى حصن المنتلون واحتله يوم الأحد ~~للنصف من شهر رمضان؛ وحارب سعيد بن هذيل فيه حتى افتتحه يوم الثلاثاء لثلاث ~~عشرة ليلة بقيت منه. وأنزل سعيد بن هذيل من الحصن، وأوسعه الأمان. وولي ~~عمله محمد بن عبد الوهاب. ثم تقدم - رحمه الله - إلى حصون شمنتان؛ فاستأمنه ~~عبيد الله بن أمية بن الشالية، وإسحاق بن إبراهيم صاحب منتيشة، وعكاشة بن ~~محصن صاحب وادي بني عبد الله، وسلمة بن عرام صاحب بحيلة، ومنذر بن حريز ~~صاحب بغتويرة، وأفلح بن عروس صاحب بكور، وفحلون ابن عبد الله صاحب سانة؛ ~~ونزلوا عن معاقلهم إليه، وكلهم مذعن بطاعته ومحكم في نفسه؛ فأوسعهم أمير ~~المؤمنين - رحمه الله - فضله، وألبسهم عفوه، وأخلى تلك المواضع منهم، وقدم ~~أولادهم ونساءهم إلى قرطبة. واستعمل في الحصون ثقات رجاله. واستنزل عبد ~~العزيز بن عبد الأعلى من حصن الشارة، PageV02P161 # ودحثون بن هشام. ثم انتقل - رحمه الله - منها إلى كورة إلبيرة. فلما ~~احتلها، تداعى أهل حصون تاجلة وبسطة ومربيط والبراجلة والأسناد إلى النزول ~~والطوع، وأخلوا حصونهم. فأحكم الناصر - رحمه الله - أمر ذلك الجانب كله، ~~وضبط المعاقل برجاله، وأتقن الجميع بنظره. ثم انتقل - رحمه الله - إلى حصون ~~وادي آش؛ فأخلى أكثرها رهبة له، ونزل على حصن فنيانة يوم الخميس لأربع خلون ~~من شوال؛ وكان فيه من شيعة ابن حفصون من آوى أهله وأضلهم؛ فتمنعوا من ~~النزول، ورجوا أن يعتصموا بوعر الحصن؛ فأحاطت العساكر بهم، وأضرمت أرباضهم ~~نارا؛ فضرعوا في قبول الإنابة، على أن يسلموا من كان عندهم من شيعة ابن ~~حفصون؛ فاجيبوا ms388 إلى ذلك، وتقبض على أصحاب ابن حفصون، وشدوا وثاقا. # ثم انتقل أمير المؤمنين يتقرى تلك المعاقل بجهة بشيرة وأجبلها، حتى توغل ~~بالعساكر في جبل الثلج، وهو ممتنع السلوك؛ فجازه الناس، ويسر الله ذلك ~~عليهم، وسهله لهم. وافتتحت حصون تلك الجهة، ولم يبق بها معقل ممتنه. # واتصل بأمير المؤمنين - رحمه الله - إن ابن حفصون أقبل في جماعة أصحابه ~~إلى حاضرة إلبيرة، طامعا في انتهاز الفرصة فيها. فأخرج عباس بن عبد العزيز ~~قائدا نحوه. فلما قرب من مدينة غرناطة، أقبل ابن حفصون لما كان رجاه وطمع ~~به؛ فخرج أهل إلبيرة واثقين بالمدد الذي وردهم، والقائد المصرح لهم؛ فهزموا ~~ابن حفصون، وقتلوا جماعة من رجاله، وأسروا عمر بن أيوب حفيده. وجرح أحد ~~أولاده جراحا أثخنته. # وتقصى أمير المؤمنين - رحمه الله - ما كان بقي من معاقل تلك الجهة، حتى ~~احتل بحصن شبيلش؛ وكان من أعظم حصون ابن حفصون منعة، وأصعبها مراما، ~~وأوعرها مكانا؛ وإليه كان انضوى كل مشرك تفلت من الحصون المتقدمة الذكر ~~فاحتلت العساكر عليه يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة بقيت من شوال؛ فقطعت ~~ثمارهم، واستهلكت زروعهم ومعايشهم؛ وحوصروا خمسة عشر PageV02P162 # يوما، حتى نادوا بالطاعة، وضرعوا في قبول الإنابة؛ وأسلموا أصحاب ابن ~~حفصون الذين كانوا عندهم؛ فتلقى ذلك أمير المؤمنين - رحمه الله - بالقبول، ~~وأخرج إليه جميع من كان في الحصن من المشركين؛ فأمر بضرب رقابهم حتى أبيحوا ~~عن آخرهم. # ثم أم - رحمه الله - مدينة شلوبينية، وفعل فيها مثل فعله فيما تقدم ذكره؛ ~~وضبط برجاله كل حصن افتتحه. وانحسم الداء في كورة إلبيرة، وتألفت كلمتهم، ~~واستقامت طاعتهم. وصدر - رحمه الله - قافلا على طريق حصن أشنبين وحصن بنة ~~فراطة؛ وكانا قد أضرا بأهل غرناطة وحاضرة إلبيرة، وهما في غاية الحصانة ~~والمنعة. فنزلت الجيوش عليهما، وأحدقت بهما؛ وحوربوا أشد محاربة وأنكاها ~~عشرين يوما. ثم أخذت عليهم الحصون وشحنت بالرجال. وقفل أمير المؤمنين - ~~رحمه الله - بعد إيعابه النظر في كل ما شخص له من استصلاح أمر كورة جيان ~~وإلبيرة وما والاهما، ودخل القصر بقرطبة يوم الأضحى؛ وقد ms389 استتم في غزاته ~~اثنين وتسعين يوما. # وفي هذه السنة، توفي هشام بن محمد القرشي المعروف بابن الشبانسية. # وفي سنة 301، توفي بإشبيلية عبد الرحمن بن إبراهيم بن حجاج صاحبها، في ~~المحرم؛ فاجتمع أهلها على تقديم أحمد بن مسلمة مكانه؛ وكان من الشجعان ~~فأخرج أمير المؤمنين الناصر - رحمه الله - أحمد بن محمد بن حدير الوزير ~~قائدا نحوها؛ فكان أول من حاربها وأوقع بأهلها. وكان محمد بن إبراهيم بن ~~حجاج عند ذلك بمدينة قرمونة؛ فقصد باب السدة، وعرض نفسه على أمير المؤمنين ~~لمحاربة أهل إشبيلية. فأخرجه لذلك مع قاسم بن وليد الكلبي؛ وحاصراها شهورا. ~~ثم خرج إليها الحاجب بدر بن أحمد؛ فدخلها يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت ~~من جمادى الأولي من هذه السنة، وهدم PageV02P163 # أسوارها، واستصلح أمور أهلها، وأخرج مع نفسه سعيد بن المنذر عاملا عليها. # وفيها، ولي محمد بن سليمان بن وانسوس الوزارة. ووليها أيضا عيسى بن أحمد ~~بن أبي عبدة. وولي محمد بن عبد الله الخروبي، ومحمد بن أحمد بن حدير، وفند ~~الكبير، ودرى مولي الناصر خطة العرض. وعزل عمر بن أحمد ابن فرج عن السوق، ~~وصرف النظر فيها إلى محمد بن عبد الله الخروبي؛ وذلك في ربيع الآخر. وولي ~~أحمد بن مسلمة الشرطة العليا. واستقدم محمد بن إبراهيم بن حجاج من مدينة ~~قرمونة، وولي الوزارة، وقعد مع الوزراء يوما واحدا. واستقدم سعيد بن المنذر ~~من إشبيلية، ووليها فطيس بن أصبغ في شعبان وأعيد إلى الشرطة العليا قاسم بن ~~وليد الكلبي. وولي خزانة المال موسى بن سليمان الخولاني المعروف بأبي ~~الكوثر، وعبد الملك بن سليمان أخوه خزانة السلاح. # وفي هذه السنة، افتتح أهل الثغر حصن قلهرة؛ وكان بأيدي المشركين؛ وذلك ~~يوم الأربعاء لثمان عشرة ليلة خلت من ذي القعدة. # وفيها، كانت محاصرة لب بن محمد مدينة سرقسطة، وبنيان الردم عليها. وفيها، ~~قتل محمد بن عبد الملك الطويل. # وفيها، خرج الناصر غازيا إلى كورة رية والجزيرة وقرمونة، وهي الثانية من ~~غزواته: برز - رحمه الله - من قصر قرطبة يوم الخميس لثمان خلون ms390 من شهر ~~رمضان، وفصل غازيا لثمان خلون من شوال. وتخلف في القصر موسى بن محمد ابن ~~حدير صاحب المدينة. وكانت الكتب تنفذ إلى هشام الولد - رضي الله عنه -، وهو ~~ضغير. فكان أول مقصده حصن طرش، بعد أن قدم حاجبه بدر بن أحمد في قطيع من ~~الجند إلى حصن بلدة؛ فألقى أهله غرة، وقتل منهم، وسبى، وأسر جملة كثيرة. ~~واحتل الناصر - رضي الله عنه - بجيوشه على حصن طرش يوم الأربعاء لأربع عشرة ~~ليلة خلت من شوال؛ فحصر من كان فيه، وأقام عليه خمسة أيام، يغاديهم الحرب ~~ويماسيهم، ويقطع ثمارهم، ويحطم معايشهم، ويقتل من تظاهر منهم. ثم أبقى ~~عليها من يحاصرها، وتنقل إلى حصون رية ومعاقل ابن PageV02P164 # حفصون، يتتبعها معقلا معقلا، وينزل نأسه ومعرة جيوشه بكل ما ينزل به ~~منها. وأوقع بابن حفصون ومن انحشد إليه من النصرانية في حصن طرش وقبعة ~~عظيمة ذهب فيها كثير منهم. وبعث برؤوسهم إلى قرطبة. وألقيت للمشرك عمر بن ~~حفصون مراكب في البحر، كانت نميره من العذرة؛ فأحرق جميعها. وسارع كل من ~~كان بتلك الناحية من أهل شانر، وفج وسيم، وقلبيرة، والقصر، وما انتظم بها ~~من أحواز الجزيرة إلى الدخول في الطاعة والاعتصام بها من الهلكة؛. فقبلهم ~~الناصر - رضي الله عنه - وأمنهم، وسكن أحوالهم. # وتنقل منها إلى حاضرة الجزيرة؛ ثم إلى كورة شذونة؛ ثم إلى كورة مورور، ~~حتى أوفى على مدينة قرمونة؛ فاحتلها يوم الثلاثاء مستهل ذي الحجة. وكان ~~حبيب بن سوادة قد أظهر الخلاف فيها عند قدوم محمد بن إبراهيم بن حجاج ~~قرطبة؛ فنازلته جيوش أمير المؤمنين - رحمه الله - وحوصر بها عشرين يوما، ~~حتى عضته النكاية، وأخذت بمخنقة المحاصرة؛ ثم استأمن؛ فأمن، وسأل أن يمهل ~~لانتقال أهله وثقله إلى قرطبة؛ فأجابه الناصر - رحمه الله - إلى ذلك، ولم ~~يرهقه من أمره عسرا؛ وقفل إلى قرطبة؛ فدخلها يوم الأثنين لليلتين بقيتا من ~~ذي الحجة وقد استتم في غزاته اثنين وثمانين يوما. # وفي هذه الغزاة، بعث في قاسم بن وليد الكلبي صاحب الشرطة، وكان قد خلف ~~قرطبة؛ فسجن ms391 وسجن معه محمد بن إبراهيم بن حجاج، ومحمد بن وهيب، وعبيد الله ~~بن محمد الرهاني، وسكن بن جديدة. وعزل ابن مسلمة عن الشرطة العليا، ووليها ~~عباس بن أحمد بن أبي عبدة. # وفيها، استقود الناصر عيسى بن أحمد بن أبي عبدة، وأعاده إلى كورة ~~إشبيلية. # وفي هذه السنة، توفي عبد الله بن محمد الزجالي الوزير الكاتب، في ربيع ~~الأول؛ فولي رسم الكتابة عبد الله بن بدر؛ وكان سكن بن إبراهيم، وعمر بن ~~ناجيت كاتبي بدر الحاجب يقيمان خدمة الكتابة. PageV02P165 # وفيها، توفي العاصي ابن الإمام محمد - رحمه الله - في ربيع الأول، وهو ~~ابن ثلاث وستين سنة. وتوفي عباس بن عبد العزيز القرشي في جمادى الأولي. ~~وتوفي الوزير أبو الحارث سلمة بن علي، ومحمد بن وليد بن غانم الوزير، وأيوب ~~بن سليمان بن صالح الفقيه، وسعيد بن خمير الفقيه. # وفيها، قتل ببرشلونة عبد الملك بن عبد الله بن شبريط. وأغار المشركون ~~بوادي الحامة في الثغر. وكانت ملحمة أرنيط يوم الأحد لعشر بقين من شعبان؛ ~~وهلك فيها غرسية بن إذفنش صاحب حجليقية؛ وصار الأمر إلى أخيه أردون ابن ~~إذفنش. # وفي سنة 302، كانت ولادة أمير المؤمنين الحكم المستنصر بالله - أطال الله ~~بقاءه - ابن أمير المؤمنين عبد الرحمن بن محمد - رضي الله عنه - وذلك يوم ~~الجمعة مستهل رجب وقت أذان الظهر. # وفيها، أغزى أمير المؤمنين الناصر - رحمه الله - في الصائفة عمه أبان ابن ~~الإمام عبد الله؛ ففصل في شوال إلى كورة رية، وتردد بالجيوش فيها، ونازل ~~حصونها، وحطم زروعها، وقطع ثمارها. # وفيها، أمحل الناس، وتوالى القحط وعم. فبرز إلى مصلى الربض محمد بن عمر ~~بن لبابة صاحب الصلاة، واستسقى بالناس خمس مرات في أيام مختلفة؛ فلم تكن ~~سقيا؛ وغلت الأسعار، وقلت الميرة في الأسواق. ثم برز أحمد بن أحمد ابن زياد ~~للاستسقاء بالناس يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال، وهو أول شهر ~~مايه؛ فنزل رذاذ تماسك به بعض الزرع، وذهب الأكثر. وكان القحط عاما شاملا ~~بالأندلس وأطرافها وثغورها؛ وغلت الأسعار في جميع جهاتها. # وفي ms392 هذه السنة، قدم الناصر - رحمه الله - محمد بن عبد الله الخروبي من ~~ولاية السوق إلى ولاية المدينة، وعزل عنها موسى بن محمد بن حدير. وولي PageV02P166 # السوق أحمد بن حبيب بن بهلول، وذلك يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ~~شوال؛ وفي هذا اليوم عزل عبد الله بن بدر عن الكتابه، ووليها عبد الملك بن ~~جهور؛ وعزل محمد بن محمد بن أبي زيد عن الشرطة الصغرى ووليها يحيى بن ~~إسحاق. # وفيها، عزل عبد الرحمن بن بدر عن خطة الخيل، ووليها عبد الله بن مضر. ~~وفيها، ولي المواريث قند ودرى موليا أمير المؤمنين الناصر. # وفي يوم الأحد مستهل ذي الحجة، قتل عباس بن أحمد بن محمد بن أبي عبدة ~~صاحب الشرطة العليا؛ وكان أمير المؤمنين الناصر - رحمه الله - قد أرتبه على ~~محاصرة منت روبي؛ فواقعته ضربة في حرب باشرها وغرر بنفسه فيها. فولي الناصر ~~أخاه عبد الله بن أحمد بن محمد الشرطة العليا، وولي محمد بن محمد ابن أبي ~~عبدة خزانة المال. # وفيها، توفي مروان بن المنذر ابن الإمام عبد الرحمن بن الحكم - رحمه الله ~~- يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة؛ وكان قد توفي قبله ~~عمر ابن الإمام عبد الرحمن لست بقين من جمادى الأولي. # وفيها، توفي سعيد بن السليم؛ وكان حاجبا في أيام الإمام عبد الله - رحمه ~~الله - وكانت وفاته لأربع خلون من ربيع الآخر. وتوفي النضر بن سلمة، وكان ~~قاضيا في أيام الإمام عبد الله، وذلك يوم الثلاثاء لسبع خلون من جمادى ~~الآخرة. وفيها، توفي عبيد الله بن محمد بن أبي عثمان لثلاث خلون من شهر ~~رمضان. وتوفي حمدون بن بسيل في شعبان، وعبد الله بن محمد بن عبد الخالق ~~الغساني قاضي إشبيلية لست بقين من جمادى الأولي. وتوفي الفقيه خالد بن وهب ~~يوم الأحد لأربع خلون من ربيع الآخر؛ وفيها، توفي محمد بن يحيى النحوي ~~المعروف بالقلفاط في جمادى الآخرة؛ وكان من العلماء الحفاظ والشعراء ~~الفصحاء؛ وكان هجاء للناس، سبابة للأشراف، كثير البذاء والسفه في شعره. ms393 # وفي سنة 303، كانت المجاعة بالأندلس، التي شبهت بمجاعة سنة ستين؛ PageV02P167 # وبلغت الحاجة بالناس مبلغا لا عهد لهم بمثله؛ وبيع قفيز قمح بكيل سوق ~~قرطبة بثلاثة دنانير دخل أربعين. ووقع الوباء في الناس، وكثر الموتان في ~~أهل الفاقة والحاجة، حتى كاد أن يعجز عن دفنهم. وكثرت صدقات أمير المؤمنين ~~الناصر - رحمه الله - على المساكين في هذا العام، وصدقات أهل الحسبة من ~~رجاله؛ فكان الحاجب بدر بن أحمد أكثرهم صدقة، وأعظمهم بماله مواساة. ولم ~~يمكن في هذا العام، لضيق الأحوال فيه، أن يكون غزاة أو إخراج جيش، غير أن ~~الناصر - رضه - أخذ بالجد والحزم في ضبط أطرافه، والتحفظ بالمسلمين من عادة ~~أهل الخلاف والخلعان، إذ كانوا مع استيلاء الجوع يغاورون من قرب منهم، ~~ويغدرون على من مر بهم من رفاق المسلمين وطالبي المعاش ومستجلبي المير. # وفي هذه السنة، ولي إسحاق بن محمد القرشي الوزارة؛ وكان ذا رأي وعناء. ~~وفيها، ولي محمد بن محمد بن أبي زيد الشرطة العليا؛ وكان يلي الشرطة الصغرى ~~من قبل. # وفي هذه السنة، توفي أبان ابن الإمام عبد الله - رحمه الله - يوم ~~الثلاثاء لليلتين خلتا من جمادى الآخرة. وهو ابن خمس وخمسين سنة؛ ودفن ~~بمقابر قريش في الربض. ومات فيها لأمير المؤمنين الناصر - رضي الله عنه - ~~ولد يسمى هشاما ويكنى بأبي الوليد؛ وكان بكر ولده. # وتوفي فيها أحمد بن هشام ابن الإمام عبد الرحمن بن الحكم - رحمه الله - ~~يوم الجمعة لعشر بقين من شوال؛ والقرشي العثماني الطارئ من المشرق في أيام ~~الإمام عبد الله بن محمد - رحمه الله - وذلك يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة ~~بقيت من رمضان. وتوفي القرشي العبدي لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر شعبان. ~~وتوفي يحيى بن إسحاق بن يحيى بن أبي عيسى الفقيه؛ وكانت له رحلة روى فيها ~~الحديث؛ ولم يكن بالثقة، غير أنه كان نبيلا مفوها. وتوفي فيها الفقيه ~~النميري، واسمه أحمد بن عبد الله بن فرج. وتوفي أحمد بن بيطير الفقيه PageV02P168 # يوم الخميس لليلتين هلتا من ذي الحجة. وتوفي فيها مفوز بن ms394 غريب. # وفيها، أسر مطرف بن محمد بن لب بن قسي؛ أسره العدو بالثغر. # وفيها، توفي بالثغر عبد الله بن محمد بن لب بن قسي؛ وكان من أهل البأس ~~والشجاعة والنكاية للعدو. وقتل ابنه محمد بن عبد الله عمه مطرفا. ووقعت بين ~~بني لب فتون وحروب، واختلف أمرهم. # ومات في هذا العام بقرطبة جملة من وجوهها وبياض أهلها، يطول الأخبار عنهم ~~والاجتلاب لهم، إلى من مات في الكور والمواضع البعيدة ممن لم يأخذه إحصاء ~~ولا عد. وكانت للعدو مع بني قسي جولات في الثغر هذا العام. # وفي سنة 304، كان إغزاء أمير المؤمنين الناصر لدين الله - رضي الله عنه - ~~أحمد بن محمد بن أبي عبدة القائد إلى أرض الحرب. وفصل يوم السبت لأربع عشرة ~~ليلة بقيت من المحرم، وهو اليوم الثامن عشر من يوليه، وضم إليه من الموالي ~~والأجناد عدد كثيرا. ودخل أرض المشركين؛ فبكى، وغنم، وسبى؛ وخرج من أرض ~~العدو بالمسلمين سالمين غانمين. # وفيها، ولي عبد الحميد بن بسيل الخزانة. وفيها، غزا إسحاق بن محمد القرشي ~~إلى كورة تدمير؛ فافتتح حصن أوربوالة واستصلح أحوال أهل الكورة. وفيها، ولي ~~فطيس بن أصبغ الخزانة ولايته الأولى. # وفيها، غزا الحاجب بدر بن أحمد إلى مدينة لبلة؛ فحاصرها وافتتحها يوم ~~الاثنين لعشر بقين من شهر رمضان. # وفيها، عزل عبد الملك بن جهور عن الكناية، ووليها عبد الحميد بن بسيل؛ ~~ولم يطل أمد ولايته؛ ثم أعيد إليها عبد الملك بن جهور. # وفيها، ولي إسماعيل بن بدر العرض. وفيها، نقل علي بن حسين عن خزانة ~~السلاح إلى خطة العرض، لاثنتي عشرة ليلة خلت من صفر. وفيها، ولي العرض محمد ~~بن عبد الله بن مضر. PageV02P169 # وفيها، توفي منذر ابن الإمام المنذر - رحمه الله - سلخ شعبان؛ وكان مولده ~~بعد موت أبيه إلى ستة أشهر؛ وعبد الملك بن حوزة القرشي، يوم الثلاثاء لتسع ~~خلون من ربيع الآخر؛ وأخوه الأحدب، وكان يتنجم، في عقب ربيع الآخر؛ والعارض ~~صاحب المواريث قند مولى أمير المؤمنين الناصر، يوم الثلاثاء لثلاث خلون من ~~رجب؛ فولي ms395 مكانه المواريث إسماعيل بن بدر. # وتوفي المؤدب محمد بن أرقم يوم الجمعة لست خلون من رجب؛ وفيه توفي الولد ~~محمد ابن أمير المؤمنين الناصر - رحمه الله - والولد سليمان الأكبر. # وفي عشر خلون من شوال من هذا العام، ولد الولد أبو مروان عبيد الله شقيق ~~أمير المؤمنين الحكم المستنصر بالله - أيده الله! وفيها، توفي الفقيه ~~الزاهد أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الزراد لأربع خلون من جمادى الأولي؛ ~~مولده سنة 242؛ وكان قد روى علم ابن وضاح. وتوفي الفقيه المحدث طاهر بن عبد ~~العزيز الرعيني. وتوفي أبو القاسم محمد بن عبد السلام بن قلمون ليلة الخميس ~~لثلاث عشرة ليلة بقيت من ربيع الآخر؛ وكان نبيلا، مرسلار، حسن الخط؛ وولي ~~الخزانة؛ وكان له لسان وبيان. # وفي سنة 305، غزا بالصائفة إلى دار الحرب أحمد بن محمد بن أبي عبدة ~~الوزير القائد؛ وفصل يوم الاثنين لعشر خلون من صفر. وخرج معه طبقات الناس ~~من المجاهدين وأهل الديوان؛ وحشد إليه رجال الثغر؛ فدخل أرض العدو في جمع ~~كبير، ونازل حصن قاشتر مورش الأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول. وجد ~~المسلمون في محاربة المشركين حتى كانوا قد أشرفوا على الظفر بمن كان في ~~الحصن؛ فاحتشدت النصرانية من جميع جهاتها ممدين لكفرتهم، ومجلبين على ~~المسلمين بخيلهم ورجلهم. فتداعى بعض أهل المداهنة في الدين من أهل الثغر ~~إلى إظهار الهزيمة وجروها على المسلمين؛ فانهزم كثير PageV02P170 # منهم. وثبت القائد أحمد بن محمد بنفسه، وأظهر الصبر، ودافع مدافعة ~~الموطن. وقيل إنه كان قد اعتقد مذهبا في طلب الشهادة؛ فاستشهد القائد ~~المذكور الأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول. واستشهد من المسلمين معه من ~~آثر الشهادة ورغب عن خزي الفرار. ولم يول المشركين دبرا، ولا أراهم نكوصا ~~ولا فرارا. وانعقد سائر أهل الجيش، وصاروا يدا واحدة؛ فسلموا وخرجوا إلى ~~أرض المسلمين بدوابهم وأثقالهم وأبنيتهم. # وفيها، غزا إسحاق بن محمد الوزير إلى مدينة قرمونة؛ فحاصر فيها حبيب بن ~~عمر، وضايقه، وأخذ بمخنقه. ثم خرج إليها الحاجب بدر بن أحمد؛ فتمادى على ms396 ~~حصارها حتى فتحها قسرا، ودخلها يوم الخميس لخمس خلون من ربيع الآخر. ### | ذكر موت عمر بن حفصون # وفي هذه السنة، هلك عمر بن حفصون، عميد الكافرين، ورأس المنافقين، وموقد ~~شعل الفتنة، وملجأ أهل الخلاف والمعصية. فعد هلاكه من أسباب الإقبال، ~~وتباشير الصنع، وانقطاع علق المكروه. ولما توفي افتتحت أبذة إلبيرة، وهي ~~المعروفة بأبذة فروة؛ وكان فيها سليمان بن عمر بن حفصون؛ فاستنزل عنها، ~~وقدم به قرطبة يحيى بن إسحاق في شوال؛ فأنزل وتوسع له. # وفيها، ولي الوزارة عبد الملك بن جهور يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من ~~شوال. وفيها، توفيت البهاء بنت الإمام عبد الرحمن بن الحكم - رحمه الله - ~~في رجب؛ فلم يتخلف أحد عن جنازتها. وتوفيت للناصر - رضي الله عنه - ابنة ~~تسمى بعائشة. وفيها، توفي سعيد بن عبد الوارث الأيسر؛ وكان من أهل الشجاعة ~~والعناء في الخدمة. وتوفي الفقيه محمد بن إبراهيم المحدث الحجازي. وتوفي ~~عمر بن أحمد بن فرج؛ وكان كاتب الرأي؛ وولي السوق. PageV02P171 # وفي هذه السنة، حشد أرذون بن إذفنش، وشائجه بن غرسية صاحب النصرانية، ~~بجليقية وبنبلونة، وخرجها في جموعهم واحتفال من كفرتهم إلى مدينة ناجرة ~~بالثغر الأقصى؛ فنزلا عليها في عقب ذي الحجة، وأقاما عليها ثلاثة أيام. ~~وعانت النصرانية في ذلك الثغر. وأفسدت الزروع؛ ثم تنقلت إلى تطيلة. وبلغ ~~العدو إلى نهر مالس، وجزائر مسقبرة، ووادي طرسونة. وخلف شانجة نهر إبرة، ~~وقاتل حصن بلتبرة، وقهره على أهل الربض، وأحرق المسجد الجامع؛ فكان ذلك مما ~~أحفظ الناصر وحركة لمجاهدتهم والأنصار منهم، على ما سيأتي ذكره. ### | غزوة مطونية # وفي سنة 306، كان غزاة الحاجب بدر بن أحمد إلى دار الحرب، وهي عزاة ~~مطزنية. وكان أمير المؤمنين الناصر - رضي الله عنه - لما اتصل به تطاول ~~المشركين على من كان بازائهم من أهل الثغور بامتناع الصوائف عن غزوهم، ~~والإيغال في بلادهم بالحرب المتقدم الذكر، أحفظه ذلك، وأذكى عزمه، وأكد ~~بصيرته في مجاهدة أعداء الله وأعداء دينه في هذا العام؛ فأمر بالاحتفال في ~~الحشد وجمع الرجال والتكثير من الأجناد والفرسان الأبطال. ms397 وعهد إلى حاجبه ~~بالغزو بنفسه في الصائفة. ونفذت كتبه إلى أهل الأطراف والثغور بالخروج إلى ~~أعداء الله، والدخول في معسكره، والجد في نكاية أهل الكفر، والإيقاع بهم في ~~أواسط بلادهم، ومجتمع نصرانيتهم. ففصل الحاجب بالجيوش، يوم الثلاثاء لخمس ~~بقين من المحرم؛ وانثالت إليه العساكر من كل جهة في أرب ثغور المسلمين؛ ~~ودخل بهم دار الحرب، وقد انحشد المشركون، وتجمعوا من أقاصي بلادهم، ~~واعتصموا بأمنع أجبلهم؛ فنازلهم الحاجب بدر بن PageV02P172 # أحمد بأولياء الله وأنصار دينه؛ فكانت له على أعداء الله وقائع اشتفت ~~فيها صدور المسلمين، وانتصروا على أعداء الله المشركين. وقتل في هذه الغزاة ~~من حماتهم، وأبطالهم، وصلاة الحروب منهم، جملة عظيمة لا يأخذها عد، ولا ~~يحيط بها وصف. وكان الفتح يوم الخميس لثلاث خلون من ربيع الأول ويوم السبت ~~لخمس خلون من ربيع الأول، في معارك جليلة، لم يكن أعظم منها صنعا، ولا أكثر ~~من أعداء الله قتيلا وأسيرا. وورد الكتاب بذلك على أمير المؤمنين الناصر - ~~رضي الله عنه - يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول؛ فأكثر من ~~شكر الله عز وجل على ما من به، وفتح فيه. وقرى (كتاب الفتح) في الجوامع ~~وكتب به إلى الأطراف. # وفي يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، في العام المؤرخ، ولد ~~أبو الأصبغ عبد العزيز بن عبد الرحمن، شقيق أمير المؤمنين المستنصر بالله - ~~أيده الله -. ### | غزاة الناصر لدين الله إلى بلدة # وفي شهر ذي الحجة من هذه السنة، غزا الناصر بنفسه مدينة بلدة من كورة ~~رية؛ فبرز لها يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة؛ وفصل يوم ~~الثلاثاء للنصف من ذي الحجة بعد بروزه بستة وعشرين يوما؛ وتخلف في القصر ~~بقرطبة ابنه وولي عهده وقبلة الآمال من بعده، أمير المؤمنين الحكم المستنصر ~~بالله - أبقاه الله - ومن الوزراء موسى بن محمد بن حدبر. فلما قرب الناصر ~~من مدينة بلدة، قدم من ثقات رجاله، وإخفاء أجناده من يمنحن إمكان زرعها ~~وموضع المضطرب عليها؛ فألقى الزرع متأخرا؛ وأتته الأنباء ms398 بإمكان زروع فحص ~~رعين؛ فرأى التعريج إليه بعد أن أمر بابتناء صخرة فوزان، لتكون موفية على ~~بسيط بلدة. ثم ارتحل إلى حصن PageV02P173 # دوش امانتش؛ فنازله وحاربه حتى افتتحه. ثم نهض إلى مدينة بلدة؛ فاحتلها ~~يوم الثلاثاء لليلة بقيت من ذي الحجة، وأحاطت العساكر بها؛ فتداعى من كان ~~من المسلمين فيها إلى النزول بأنفسهم وذراريهم؛ وذكروا أنهم كانوا مغلوبين ~~على أمرهم؛ فأمنهم الناصر، وقاتل الكفرة المتغلقين في المدينة، حتى أظفره ~~الله بهم؛ فقتلوا عن آخرهم وملكت المدينة، وتدب فيها الرجال. ثم انتقل إلى ~~حصون رية، يتقراها معقلا معقلا، ويفتتح ما مر به منها. ونزل على جبل ببشتر؛ ~~فحاصر أهله، وقطع ثمراتهم، واستبلغ في نكايتهم؛ فسأله جعفر بن عمر بن حفصون ~~قبض رهائنه، استيثاقا من طاعته، على أن يؤدى من الجباية ما فرض عليه؛ ~~فأجابه الناصر إلى ذلك، وفيضت رهائن جعفر وشيعته، وصارت في قبضته وداخل ~~معسكره. ثم قفل الناصر لدين الله عن جبل ببشتر، ودخل القصر لثلاث بقين من ~~المحرم من سنة 307، وقد استتم في غزاته أربعين يوما. # وفي هذه السنة، عهد الناصر بعمل الفوارة إزاء باب القصر المعروف بباب ~~العدل، وإقامة محراب مصلى المصارة بقرطبة. # وفيها، توفي عبد الله بن كليب بن عبد السلام، لخمس خلون من ربيع الآخر. ~~وفيها، توفي للناصر ابن يسمى بمحمد، ويكنى بأبي القاسم. وفيها، توفيت رقية ~~ابنة الإمام محمد. وتوفي فيها موسى بن أزهر الفقيه الإسنجي لثلاث خلون من ~~ربيع الأول؛ وكان من أهل الفصاحة والبيان والخط الحسن. وتوفي فيها حزب الله ~~بن رباعي بن عبد الله الخشني الزاهد، وكانت له رواية. # وفي سنة 307، كان احتلال الناصر أمير المؤمنين بمدينة ببشتر، على ما تقدم ~~ذكره في العام قبله، ودخوله قرطبة قافلا من غزاته في التاريخ المتقدم ذكره. # وفي هذه السنة، افتتح حصن طرش؛ وكان فيه عبد الرحمن بن عمر بن PageV02P174 # حفصون؛ فأسلم الحصن إلى رجال أمير المؤمنين الناصر لدين الله، ودخل ~~قرطبة؛ فأنزل ووسع عليه. وكان غير داخل في الحرب والفتنة مدخل أبيه؛ وإنما ~~كان ms399 صاحب كتب، وكان حسن الخط ضعيف العقل. قال عريب: وقد صار بعد ذلك وراقا. # وفيها، ولي أمير المؤمنين الناصر محمد بن عبد الله بن محمد الزجالي خزانة ~~المال لتسع خلون من شهر رمضان. # وفيها، توفي محمد بن أحمد بن زياد، يوم السبت لأربع عشرة خلت من رجب؛ ~~وكان جارا لمحمد بن وضاح الفقيه؛ فأوصى أن يصلي عليه؛ فقام له بذلك ذكر. ~~وفيها، مات محمد بن سليمان بن وانسوس الوزير، يوم الجمعة لعشر خلون من شهر ~~رمضان. وفيها، مات حمدون بن بسيل وفيها، أمر الناصر بقتل موسى بن زياد، ~~ليلة السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت من صفر؛ وكان قد ولي الوزارة في أيام ~~الإمام عبد الله، وكثرت مطالبته للناس، ورفعه عليهم، وتحككه بهم؛ وكان ~~يجاهر بكراهة أمير المؤمنين الناصر، ويرفع عليه إلى جده - رحمهما الله -، ~~ويغري الإمام عبد الله برجاله؛ فحبسه أمير المؤمنين الناصر في يوم بيعته؛ ~~ولم يزل محبوسا إلى أن أمر بقتله؛ وقتل معه حبيب بن عمر بن سوادة، وولداه، ~~ومحمد بن وليد المعروف بالغليلي؛ وكانت لهم ذنوب وجرائم أحردته عليهم. ### | غزاة مويش # وفي سنة 308، كان غزاة أمير المؤمنين الناصر إلى دار الحرب، وهي غزاة ~~مويش؛ فبرر - رحمه الله - لهذه الغزاة يوم الخميس لثلاث عشرة خلت من ذي ~~الحجة سنة 307؛ ثم فصل غازيا من قصر قرطبة يوم السبت لثلاث عشرة ليلة خلت ~~من المحرم سنة 308، وهو اليوم الثالث من شهر حزيران، PageV02P175 # ذلك بعد بروزه بثلاثين يوما. وتخلف في القصر ولي عهده الحكم أمير ~~المؤمنين المستنصر بالله - أيده الله -. ومن الوزراء موسى بن محمد بن حدير. ~~فلما كان في اليوم الرابع من فصوله، ونزل بمخاضة الفتح، ورد عليه بها كتاب ~~فتح من قبل عامل مدينة الفرج، يذكر أن المشركين من أهل جليقية أتوهم في جمع ~~كثير؛ فأغاروا على ما لاقوه في بسيطهم من الدواب والسوام، ثم عرجوا على حصن ~~بقربهم، يعرف بالقليعة؛ فأحدقوا به طامعين في التغلب عليه؛ فانحشد إليهم ~~جميع أهل المدينة بفارسهم وراجلهم، وواضعوهم القتال بأثبت بصائرهم؛ فمنحهم ms400 ~~الله - عز وجل - أكتاف الكفرة، وأطال أيديهم عليهم؛ فقتلوا وأسروا كثيرا ~~منهم، واتبعوهم من أول النهار إلى آخره، والسيف يعمل فيهم، وبعثوا بجملة من ~~رؤوسهم؛ فاستبشر الناصر بما ورده وتفأل باسم المحلة التي كان فيها عند ورود ~~الفتح عليه. # ونهض آما لوجهته، والحشود والعساكر تتلاحق به من سائر أقطار الأندلس، ~~وجميع جهاتها. ونزل - رحمه الله - على مدينة طليطلة، وخرج إليه لب بن ~~الطربيشة صاحبها، مبادرا إليه، وغازيا معه؛ وكان يظهر طاعة تحتها معصية. ثم ~~تنقل - رحمه الله - في مناقله، حتى نزل بمدينة الفرج؛ فنظر لأهلها، وعزل ~~بني سالم عنهم، إذ شكوا بهم. واستوزر - رضي الله عنه - في هذه المحلة سعيد ~~بن المنذر، وقدمه قائدا وضابطا لمدينة الفرج، وأغزاه مع نفسه، واستعمل على ~~الموضع ابن غزلان القرشي صهره، واستقصى عليهم محمد بن مسور الفقيه. فصلحت ~~أحوالهم، وعم الرضى جميعهم؛ وخرج للجهاد أكثرهم. ونهض أمير المؤمنين الناصر ~~- رحمه الله - في جيوش تغص بها السبل، ويضيق بها القضاء الأوسع، حتى احتل ~~بثغر مدينة سالم، وأظهر - رحمه الله - التوجه إلى الثغر الأقصى. وقدمت ~~المقدمة نحوه. ثم عرج بالجيوش إلى طريق آلية والقلاع، وطوى من نهاره ثلاث ~~مراحل، حتى احتل بوادي دوبر؛ فاضطربت العساكر PageV02P176 # فيه، وباتت عليه. ثم أخرج صباح تلك الليلة سعيد بن المنذر الوزير، في ~~جرائد الخيل وسرعان الفرسان، إلى حصن وخشمة؛ فأغد السير حتى قرب من الحصن، ~~وسرح الخيل المغيرة يمنة ويسرة، والمشركون في سكون وغفلة، إذ كان العلج ~~الذي يلي أمورهم قد كاتب أمير المؤمنين - رحمه الله -، مكايدا له في إزاحته ~~عن بلده بمواعيد وعدها من نفسه؛ فأظهر أمير المؤمنين - رحمه الله - قبول ~~ذلك منهم، وأضمر الكيد بهم؛ فغشيتهم الخيل المغيرة على حين غفلة، وأصابوا ~~نعمهم وسوامهم ودوابهم مسرحة مهملة؛ فاكتسحوا جميع ذلك، وانصرفوا إلى ~~العسكر سالمين غانمين. فلما كان في صباح يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة بقيت ~~من صفر، اندفعت الخيل في أكمل تعبئة، وأهذب ترتيب، وأوكد ضبط، وأبلغ حزم ~~وعزم، إلى حصن وخشمة؛ ففر عنه الكفرة، وأخلوه، ولاذوا بالغياض ms401 الأشبة، ~~والصخور المنقطعة. ودخل المسلمون الحصن، وغنموا جميع ما فيه وأضرموه نارا. ~~وبات أمير المؤمنين - رحمه الله - في محلته على وخشمة ليلة السبت؛ ثم رحل ~~عنها في اليوم الثاني إلى حصن قاشتر مورش، وهي شنت أشتبين، بيضة المفرة، ~~وقاعدتهم، والموضع الذي كانوا تعودوا فيه الاستطالة على من وردهم. فلما ~~رأوا أن أنصار دين الله قد أطلوهم، وأولياءه قد يمدوا نحوهم، أخلوا الحصن ~~وخرجوا هاربين عنه؛ فدخله المسلمون، وغنموا جميع ما فيه؛ وخربوا حصن ~~القبيلة المجاور له، ولم يترك لأعداء الله في تلك الجهة نعمة يأوون إليها. # واضطرب العسكر بشرقي حصن قاشتر مورش. وبات المسلمون ليلة الأحد بأسر ليلة ~~كانوا بها، والحمد لله. ثم انتقل أمير المؤمنين - رضي الله عنه - في صبيحة ~~اليوم الثاني من مكان المضطرب شرقي الحصن إلى غربيه، ولم يكن بين الموضعين ~~إلا قدر ميل؛ فكسر العسكر في ذلك المكان يوم الأحد متقصيا لآثار الكفرة، ~~ومستبيحا لنعمهم. ثم ارتحل إلى مدينة لهم أولية تعرف بقلونية، وكانت من ~~أمهات مدنهم؛ فلم تمر الجيوش إليها إلا على قرى منتظمة وعمارة بسيطة؛ فغنمت ~~جميع ما كان بها، وقتلت من أدركت فيها، حتى أوفت العساكر على المدينة؛ ~~فألقيت PageV02P177 # خالية، قد شرد عنها أهلها إلى الأجبل المجاورة لهم؛ فغنم المسلمون جميع ~~ما أصابوا فيها، وعملت الأيدي في تخريب ديارها وكنائسها. وكسر الناصر - ~~رحمه الله - عليها ثلاثة أيام، مطاولا لنكاية المشركين، وانتساف نعمهم. ثم ~~ارتحل - رحمه الله - من مدينة قلونية يوم السبت لخمس بقين من صفر إلى ثغر ~~تطيلة، لغياث صريخ المسلمين به، إذ كان العلج شانجه قد ضايقهم، وتردد ~~بكفرته عليهم؛ فأخذ الناصر - رحمه الله - بالرفق في نهوضه، لئلا يعنف على ~~المسلمين بحث السير مع اتصال سفرهم؛ فاستقبل بالجيوش قطع المفاز الأعظم، ~~مسايرا لوادي دوير، وقطع في ذلك خمس محلات، حتى احتل حوز تطيلة؛ ثم قدم ~~الخيل مع محمد ابن لب عاملها إلى حصن قلهرة الذي كان اتخذه شانجه على ~~أهلها. فلما قصدته الخيل، أخلاه من كان فيه، وضبطه المسلمون. # ثم نهض - رحمه ms402 الله - إلى حصن قلهرة. وكان شانجه قد اتخذه معقلا، وتبوأه ~~مسكنا. فلما فجأته العساكر، أخلاه العلج، وزال عنه؛ فغنمه المسلمون بأسره؛ ~~وكسر الناصر - رحمه الله - عليه يومين حتى خرب جميعه، وانتسف كل ما كان ~~حواليه. ثم رحل بالجيوش يوم الأحد لأربع خلون من ربيع الأول إلى دي شره، ~~وأجاز إليها وادي إبره؛ فخرج شائجه من حصن أرنيط في جموعه وكفرته، متعرضا ~~لمن كان في مقدمة العسكر؛ فتبادر إليه شجعان الرجال، تبادر رشق النبال؛ ~~فانهزم الكفرة، وركبتهم الخيل، تقتل وتجرح، حتى تواروا في الجبال، ولاذوا ~~بالشعاب وأيقنوا بالدمار والهلاك. وحيز كثير من رؤوس المشركين؛ فتلقوا بها ~~أمير المؤمنين - رحمه الله -، ولا علم عنده المعركة التي دارت بينهم وبين ~~أعداء الله. واضطرب العسكر بهذا الموضع، وبات المسلمون ظاهرين على عدوهم، ~~ومنبسطين في قراهم ومزارعهم. # وورد الخبر على الناصر - رحمه الله - باجتماع العلجين أرذون وشانجه، ~~واستمداد بعضهما ببعض، طامعين في اعتراض المقدمة، أو انتهاز فرصة في PageV02P178 # الساقة. فأمر الناصر - رحمه الله - بتعبئة العساكر، وضبط أطرافها؛ ثم نهض ~~بها موغلا في بلاد الكفرة؛ فتطللوا على كدي مشرفة وأجبل منيعة؛ ثم تعرضوا ~~من كان في أطراف الجيش، وجعلوا يتصابحون، ويولولون ليضعنوا من قلوب ~~المسلمين؛ فعهد الناصر - رحمه الله - بالنزول والاضطراب وإقامة الأبنية. ثم ~~تبادر الناس إلى محاربة الكفرة، وقد أسهلوا من تلك الأجبل؛ فواضعوهم ~~القتال، واقتحم عليهم حشم أمير المؤمنين ورجاله وأبطال الثغر وحماته، ~~ويضعون أسلحتهم فيهم، ويمطرون رماحهم عليهم، حتى انهزم المشركون، لا يلوون ~~على مكان مضطربهم، ولا يهتدون لوجه متقلبهم، والمسلمون على آثارهم، يقتلون ~~من أدركوا منهم، حتى حجز الظلام بينهم. # ولجأ عند الهزيمة أزيد من ألف علج إلى حصن مويش، ورجوا التمتع فيه. فأمر ~~الناصر بتقديم المظل وأبنية العسكر إلى الحصن؛ فأحبط به من جميع جهاته، ~~وحوربوا داخله حتى تغلب عليه، واستخرج جميع العلوج منه، وقدموا إلى الناصر ~~- رحمه الله -؛ فضربت رقاب جميعهم بين يديه، وأصيب في الحصن والمحلة التي ~~كانت للكفرة بقربه من الأمتعة والأبنية والحلية المتقنة والآنية ما لا يحصى ms403 ~~كثرة؛ وأصيب لهم نحو ألف وثلاثمائة فرس. وكسر أمير المؤمنين - رحمه الله - ~~بهذه المحلة أربعة أيام، يغير جميع ما حواليها من نعم المشركين وثمراتهم ~~ومزارعهم؛ ثم انتقل - رحمه الله - يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع ~~الأول إلى حصن كان أتخذه شانجه على أهل بقيرة؛ فألقاه خاليا، قد فر عنه ~~أهله؛ فعهد بهدمه، ولم يبرح أمير المؤمنين - رحمه الله - من محلته هذه حتى ~~انتقل إلى حصن بقيرة من أطعمة الكفرة ألف مدي تقوية لأهله. # ثم انتقل إلى حصون المسلمين يسكنها وينظر في مصالح أهلها؛ فكلما ألفى ~~بقربها معقلا للمشركين، هدمه وأحرق بسيطه، حتى لقد اتصل الحريق في بلاد ~~المشركين عشرة أميال في مثلها. واجتمع عند الناس من الأطعمة والخيرات ما ~~عجزوا عن حمله، ولم يجدوا لها ثمنا تباع بع؛ وكان القمح في العسكر تبذل PageV02P179 # ستة أقفزة بدرهم؛ فلا يوجد من يشتريه؛ فجمعت الأطعمة وأدخلت النار إليها ~~حتى أخرجت عن آخرها. وقفل الناصر - رحمه الله - يوم الثلاثاء. لثلاث بقين ~~من ربيع الأول، حتى انتهى إلى مدينة أنتيشة؛ فكسر - رحمه الله - بها يوما، ~~ووصل رجال الثغر، وكساهم، وحملهم، وأذن لهم في الرجوع إلى مواضعهم. وبعث ~~إلى قرطبة من رؤوس الكفرة التي أصيبت في المعارك المذكورة أعدادا عظيمة، ~~حتى لقد عجزت الدواب عن استيفاء حملها. ودخل - رحمه الله - القصر بقرطبة ~~يوم الخميس الثالث عشر من ربيع الآخر، وقد استكمل في غزاته هذه تسعين يوما. # وفي هذه السنة، بعد القفل، عزل الناصر - رحمه الله - محمد بن محمد بن أبي ~~زيد عن الشرطة العليا، وولاها دريا مولاه. # وفي هذه السنة، قتل جعفر بن عمر بن حفصون بجبل ببشتر، قتله أصحابه غيلة، ~~ودخله أخوه سليمان وضبطه. # وفيها، ولي العرض عبد الرحمن بن عبد الله الزجالي. # وفيها، افتتحت المندات بحذر فرطمة من كورة رية، وبنى حصن فاشتره ذكوان، ~~وألزمه الرجال والقوة. # وفي هذه السنة، توفي أبو عمرو سعد بن معاذ بن عثمان بن حسان بن بخامر ~~الشعباني الفقيه بقرطبة في جمادى الأولي؛ وكان معظما في أهل ms404 العلم؛ وفيها، ~~توفي عبد الغافر بن هاشم بن عبد العزيز. # وفي سنة 309، كان غزاة أمير المؤمنين الناصر - رحمه الله - إلى كورة رية، ~~وهي غزاة طرش. وبرز لها - رحمه الله - يوم الخميس لسبع خلون من ذي الحجة ~~سنة 308، وهو اليوم العاشر من أيار. وفصل من قصر قرطبة غازيا يوم السبت ~~لثمان خلون من المحرم سنة 309، وهو اليوم العاشر من حزيران بعد بروزه إلى ~~أحد وثلاثين يوما. وتخلف في النصر ولي عهده أمير المؤمنين المستنصر PageV02P180 # بالله - أطال الله بقاءه - فسار - رضي الله عنه - في احتفال من جيوشه، ~~وطبقات من رجاله، حتى احتل على حصن طرش؛ وكانت النصرانية قد احتشدت إليه، ~~وتحصنت فيه؛ فأحدقت العساكر به من جميع جهاته، وعهد بمحاربتهم والتضييق ~~عليهم ونصب المجانيق على مرتقى تصل منه حجارته إلى الكفرة. وكانوا في أول ~~المنازلة لهم يبرزون للحرب، ويظهرون المدافعة، حتى مزقتهم الحرب، وقللت ~~عددهم، وقلت حدهم؛ فعاذوا بالاستغلاق في داخل حصنهم. ثم تمادى التضييق ~~عليهم، والحصار لهم، حتى أخذهم الجهد، وأشفوا على الهلاك؛ فخاطبوا أمير ~~المؤمنين ضارعين إليه في تأمينهم، على أن يسلموا الحصن، ويخرجوا عنه؛ ~~فأجابهم إلى ذلك، وقيل إنابتهم؛ ودخل رجاله الحصن، وخرج عنه جميع من كان به ~~من النصرانية داخله. وهدمت قصابه وألقيت أحجارها في النهر؛ وبني في موضع ~~الكنيسة مسجد جامع. ونظر الناصر - رحمه الله - أيام محاصرته لحصن طرش في ~~توجيه القواد والأجناد إلى حصن ببشتر وحصن أقوط وجبل الحجارة، لمحاربة ~~سليمان وحفص ابني عمر بن حفصون، والتضييق عليهم، والانتقاص لعددهم. ثم قفل ~~الناصر - رحمه الله - من محلته على حصن طرش يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة ~~خلت من ربيع الأول، ودخل قصر قرطبة يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة بقيت منه، ~~وقد استتم في غزاته هذه تسعة وستين يوما. # وفي هذا العام، استنزل بنو سعيد بن ناصح بن مستنة من حصون باغه المعروفة ~~بعالية وربرش. واستنزل موسى بن يزيد، أخو حمصي، من الصخرة التي كان بها. ~~واستنزال بنو مهلب من حصونهم المعروفة بقرذبرة وإشبرغيرة وغيرهما، وهدم ~~جميعها. # وفي ms405 هذه السنة، أمر الناصر - رحمه الله - بقتل العاصي ابن الإمام عبد ~~الله، ومحمد بن عبد الجبار ابن الإمام محمد - رحمهما الله -، إذ شهد كل ~~واحد منهما PageV02P181 # على صاحبه بمطالبة الخلافة ونقض البيعة، وكثرا في ذلك؛ وكان لهما غليان. ~~فقتلا ليلة الأربعاء لثلاث خلون من رجب. # وفي ليلة الجمعة لست خلون من رجب، مات الحاجب بدر بن أحمد وولي الحجابة ~~موسى بن أحمد بن حدير. # وفيها، مات محمد بن عبد الله بن أمية الوزير؛ وعبد الواحد بن محمد بن عبد ~~الواحد بن يزيد الإسكندراني في شوال؛ وفيها، توفي الفقيه محمد بن أحمد ~~المعروف بابن الزراد، ليلة الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة. # وفي سنة 310، كان غزو أمير المؤمنين الناصر - رحمه الله - إلى كورة ~~إلبيرة، وهي غزاة منت روبي، وبرز لهذه الغزاة يوم الخميس لثلاث خلون من ذي ~~الحجة سنة 309، وهو الرابع من نيسان، وفصل غازيا من قصر قرطبة يوم السبت ~~لعشر خلون من المحرم، وهو اليوم الحادي عشر من أيار، بعد بروزه بسبعة ~~وثلاثين يوما. وتخلف في القصر ولي عهده الحكم المستنصر بالله - أبقاه الله ~~-، ومن الوزراء أحمد بن محمد بن حدير. وغزا معه في هذه السنة الحاجب موسى ~~بن محمدا؛ فسار - رضي الله عنه - حتى احتل بحصن منت روبي يوم الاثنين لإحدى ~~عشرة ليلة بقيت من المحرم؛ وكان جبلا ممتنعا، بعيد المرام، كثير السكان من ~~عجمة، قد لاذت به، وامتنعت فيه؛ وهو متوسط بين كورة إلبيرة وكورة جيان، ~~وعلى طريق مدينة بجانة. فكان من سلك السبيل من وارد أو صادر لا يسلم من ~~عادية ذلك الحصن. وكانوا يسفكون الدماء، ويسلبون الأموال، ويخيفون السبل. ~~فأقام عليهم أمير المؤمنين - رحمه الله - خمسة وثلاثين يوما محاصرا، حتى ~~أباد كثير منهم، وقطع ثمراتهم، وغير نعمهم. ثم أبقى على الحصن من رجاله ~~وأجناده من استمر على محاصرتهم، حتى كان لا يدخل إليهم داخل، ولا يخرج عنهم ~~خارج. وتقدم عنه إلى حصون كورة إلبيرة؛ فعم جميعها بالنكاية. ثم عرج منها ~~إلى كورة رية، ونزل ms406 على جبل ببشتر يوم السبت لسبع خلون من ربيع الأول؛ ~~فحاربهم أشد محاربة، ونكاهم أبلغ نكاية PageV02P182 # وقطع ما كان بقي في أسناد الجبل من الثمار، ورتب لمحاصرتهم أكابر القواد. ~~وقصد رحمه الله - كورة تاكرنا؛ فاستصلح أحوال أهلها، واستوثق من طاعتهم ~~ونقل من رأى نقله إلى قرطبة من وجوههم. ثم وصل نظره فيها بالنظر في كورة ~~مورور، وطالع في طريقه كورة إشبيلية وقرمونة، وقفل بعد إحكامه جميع الأمور ~~في تلك الجهات؛ فاحتل قصره يوم السبت لست خلون من ربيع الآخر، وقد استكمل ~~في غزاته هذه خمسة وثمانين يوما. # وفي هذه السنة، ولي الوزارة أبو سعيد عبد الملك بن محمد الشذوني، يوم ~~الأربعاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر. وولي فيها الوزارة أيضا ~~يحيى بن إسحاق؛ وكانت بيده الشرطة الصغرى؛ فوليها مكانه محمد بن محمد بن ~~أبي زيد، وذلك يوم السبت لخمس بقين من شوال. # وفيها، عزل أفلح بن عبد الرحمن عن الخيل، ووليها صاحب المدينة محمد ابن ~~عبد الله الخروبي أياما يسيرة؛ ثم أعيد إليها أفلح. # وفيها، ولي أحمد بن موسى بن حدير، ونمارة بن سليمان الخزانة، في شوال. # وفيها، ولي أحمد بن عبد الله الخروبي العرض. # وفيها، مات سالم بن عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بن أبا الفقيه؛ وعبد ~~الله بن أبي الوليد ابن أخت محمد بن الصفار الفقيه، وكانت له رواية عن ~~سحنون؛ ومحمد بن عبد الحكم؛ وفيها، توفيت علية بنت الإمام عبد الرحمن ابن ~~الحكم - رحمه الله -. # وفي سنة 311، كان غزو أمير المؤمنين الناصر لدين الله - رضي الله عنه - ~~إلى مدينة ببشتر وحصون رية؛ فبرز لغزاته هذه يوم الخميس لست خلون من ذي ~~الحجة سنة 310، وهو اليوم السابع عشرين من أذار؛ وفصل غازيا يوم الاثنين ~~مستهل المحرم، وهو اليوم الثاني عشرين من نيسان، بعد بروزه بخمسة وعشرين ~~يوما؛ فسار - رحمه الله - حتى احتل على حصن ببشتر؛ وبادر سليمان بن عمر بن ~~حفصون بمكاتبته، راجيا لصرف عزمه عنه؛ فأعرض الناصر عن محاربته، PageV02P183 # وقبول ما تعرض ms407 له من مكايدته، وأخذ بالجد والعزم في محاصرته، وقطع باقي ~~ثمراته وكرماته، واصطلام معائشه. وأقام عليه سبعة أيام، يصل الغدو بالرواح ~~في التغيير والتدمير والنكاية والاستبلاغ؛ وفعل كذلك فيما بقى من حصونه، ~~كحصن قرذارش، وحصن نجارش، وحصن ألجش، وشنت ببطر؛ فخرج إليه حفص بن عمر بن ~~حفصون، وتبرأ من حصن قامرة؛ فأمنه أمير المؤمنين الناصر - رحمه الله -، ~~وأقره في بعض حصونه، لما رآه من السياسة ووجه المصلحة فيه وفي سليمان أخيه. ~~ثم تقدم إلى مرسى شاط والمنكب، وحصن مشكريل، ونهض بعساكره في وعر لم يقتحمه ~~جيش قبله؛ فاستنزل جميع أهل تلك الحصون، واستصلح تلط الجهات. ثم قصد جبل ~~ببشتر، وقد كان أهله أرادوا الفتك بسليمان بن حفصون، وضبطوا القصبة دونه، ~~وأطلقوا من كان في حبسه، وانتهبوا أكثر أمتعته؛ ثم إنه احتال مع بقية ~~أصحابه، حتى دخلوا المدينة، وفتحوا له بابها؛ فدخل منه متلثما، وأطمع ~~السواد في أموال القائمين عليه؛ فثاروا معه، وبادروا إلى قتل من ظفر به ~~منهم؛ فأفنى أكثرهم؛ وسلط الله بعض الكفرة على بعض، ليمحو آثارهم. وبقى ~~سليمان بجبل ببشتر مشغولا بنفسه، مرتابا ممن حوله؛ فاحتل به أمير المؤمنين ~~مرة ثانية في غزاته هذه، وذلك يوم الأحد لأربع خلون من ربيع الأول؛ فلم يكن ~~لأحد من الكفرة إطلال عند اضطراب العسكر على ما كانوا تعودوا من قبل؛ وأرتب ~~على الجبل أمير المؤمنين من وثق به من رجاله، وألزمهم مواضع في جميع جهاته. ~~ثم قفل، ودخل القصر بقرطبة يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول، وقد استتم ~~في غزاته تسعة وستين يوما. # وفي هذه السنة، كانت وقيعة بقيرة ومحاصرة أهل بنبلونة لعبد الله محمد ابن ~~لب، حتى تغلب عليه وعلى من كان معه، وأسرهم العلج شانجه؛ ثم قتلهم. وكان مع ~~ابن لب في حصن بقيرة مطرف بن موسى بن ذي النون، ومحمد بن محمد ابن عمه، ~~ووجوه رجالهم؛ فذهبوا في هذه الوقيعة بأجمعهم. وشنع الحادث PageV02P184 # فيها على الناصر - رحمه الله - فأخرج عبد الحميد بن بسيل قائدا إلى الثغر ~~الأقصى، ms408 بعد أن استوزره؛ وكان على خزانة المال؛ فنهض حتى احتل الثغر بجيوش ~~كثيفة، أخرجت معه، وحشدت إليه من الثغر وغيره؛ فدخل مدينة تطيلة وملكها. # وفيها، افتتحت قصبة مورور. # وفيها، ولي محمد بن أحمد بن حدير خطة العرض، وعزل محمد بن محمد ابن أبي ~~زيد عن الشرطة الصغرى، ووليها يحيى بن يونس القبرسي. # وفيها، توفي عبد الرحمن ابن الإمام المنذر - رحمه الله -. وتوفي جهور بن ~~عبد الملك، وهو قائد شذونة. وفيها، قتل عبد الله بن محمد بن مروان الجليقي، ~~صاحب بطليوس، دخل عليه بعض أهل الموضع، فقتلوه. وفيها هلك أرذون بن إذفنش ~~صاحب جليقية، وولي مكانه فلوبرة. ### | غزاة الناصر إلى بنبلونة # وفي سنة 312، كان غزاة أمير المؤمنين الناصر لدين الله - رضي الله عنه - ~~إلى دار الحرب، وهي الغزوة المعروفة ببنبلونة؛ فبرز - رحمه الله - لهذه ~~الصائفة مبكرا قبل ميقات الصوائف، إذ أحفظه ما دار على بني لب وبنى ذي ~~النون بحصن بقيرة؛ فبرز لغزاته هذه يوم الخميس لليلتين خلتا من ذي الحجة، ~~وهو اليوم الثاني عشر من شباط سنة 311. وفصل من قرطبة يوم السبت لأربع عشرة ~~ليلة بقيت من المحرم سنة 12، وهو اليوم السابع عشرين من نيسان، وذلك بعد ~~بروزه بثلاثة وأربعين يوما. فاحتل لأول خروجه بمحلة بالش، وكسر بها يومين، ~~متلوما على المجاهدين معه من أجناده ورعيته، والمحشودين من أقطار كورة. ~~وتخلف - رحمه الله - بالقصر بقرطبة ولي عهده الحكم المستنصر بالله - أبقاه ~~الله -، ومن الوزراء أحمد بن محمد بن حدير. وأم الناصر رضه PageV02P185 # في أول خروجه كورة تدمير وكورة بلنسية، واستصلح أحوال أهلهما، واستنزل ~~عبد الرحمن بن وضاح، ويعقوب بن أبي خالد التوبري، وعامر بن أبي جوشن، ~~وغيرهم، من مواضعهم التي كانوا متأمرين فيها، ومتعاصين عن النزول منها. ~~وأرتب القواد والجيوش على محمد بن عبد الرحمن بن الشيخ، إذ يمنع من النزول ~~إليه والغزو معه؛ وكان يمدينة العسكر من أحواز بلنسية. # ثم نهض أمير المؤمنين الناصر - رحمه الله - في عساكر كعدد الحصى، حتى دخل ~~ثغر تطيلة. وخرج إليه النجيبيون وغيرهم، وتلقاه ms409 عمال الثغر في جنود عظيمة، ~~وعدة كاملة؛ فدخل - رحمه الله - بلاد المشركين يوم السبت لأربع خلون من ~~ربيع الآخر بأنقذ عزم، وأوكد حزم، وأقوى نية في الانتقام لله عز وجل ولدينه ~~من الأرجاس، الكفرة الأنجاس. فحل من أول بلادهم حصن قلهرة؛ وكان العلج ~~شانجه قد أخلاه؛ فأمر بهدمه وإحراق جميع ما فيه وحوله؛ ثم تنقل عنه إلى ~~موضع يعرف ببيطرة التة؛ وكانت حوله حصون مانعة؛ فأخلاها الكفرة، وتخلقوا في ~~بسيطها جميع أمتعتهم وأطعمتهم، إذ عوجلوا عن انتقالها. ولجأ علوج منهم ~~بأهلهم وولدهم إلى ثلاثة غيران في شفير جرف على النهر؛ فلم يزل أهل العسكر ~~يتعلقون إليهم فيها، ويتسورون عليهم من أعاليها، حتى فتح الله تلك الغيران ~~عليهم؛ فقتلوا العلوج وسبوا الذرارى، وغنموا الأمتعة. وكان ذلك أول ما أفاء ~~الله - عز وجل - على أهل العسكر، وغنمهم إياه. وهدمت حصون الكفرة التي كانت ~~في تلك الجهة؛ ولم يبق منها صخرة قائمة. # ثم تنقل - رحمه الله - من هذه المحلة، بعد أن كسر بها يوما، إلى حصن ~~فالجش؛ فأضرمت أرباضه نارا، واستقصيت زروعه ونعمه انتساقا وتغييرا. ثم ~~ارتحل رضه إلى حصن نفالية؛ وكان من حصونهم الشريفة؛ فألقيت الأطعمة به ~~كثيرة، والنعم فيه فائضة؛ فانتهب المسلمون جميع ذلك، ودأبوا في تخريب ~~الديار، وتغيير الآثار. ثم ارتحل منه إلى حصن قرقستال على وادي أرغون؛ ثم ~~استعزم الناصر - رضي الله عنه - على الإيغال في بلدهم، والتوصل إلى موضع ~~قرارهم، PageV02P186 # ومجتمع كفارهم، ونكايتهم في عقر دارهم، ومكان أمنهم؛ فأخذ في الحزم، وعهد ~~بضبط مجنيات العسكر، وتقدم من فج المركوبر في أمك تعبئة وأهذب ترتيب، وذلك ~~يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر؛ فدخلت الجيوش مواضع لم تدخل ~~قبل ذلك، وأحرقت الحصون، وهدمت الديار، حتى نزل بقرية بشكونشة، التي إليها ~~ينسب العلج، ومنها أصله؛ فهدمت مبانيها، أحرق كل شئ كان فيها. # فجمع العلج شانجه كفرته، واستمد بنصرانيته من كل مكان، طمعا أن بغاث منه ~~حتى توافى له جمع رجا أن يكافح المسلمين به؛ فتطلعت له خيل على ms410 تلك الأجبل ~~المنيفة على العسكر، وذلك ليلة الأربعاء للنصف من شهر ربيع الآخر؛ فأمر ~~الناصر - رحمه الله - بالتعبئة للرجال، وشك العسكر، وإتقان النظر؛ وصابح ~~النهوض والتقدم لوجهته، واثقا بالله - عز وجل - ومتوكلا عليه؛ فسلكت الجيوش ~~بين أجبل شامخة وشواهق منقطعة. ورجا أعداء الله مع ذلك بانتهاز الفرصة ~~والاعتراض للمسلمين في مجنبة أو ساقة؛ فلما توسط الجيش بعض تلك المواضع ~~المتضايقة على واد يعرف بوادي هيغة، هبطت للمشركين خيل من الأجبل؛ فحالت ~~بينهم وبين أهل العسكر مناوشة يسيرة. فعهد أمير المؤمنين - رحمه الله - ~~برفع المظل والتعبئة للحرب، ونهض المسلمون إلى أعدائهم نهوض الأسود؛ فعبروا ~~النهر إليهم، وصمموا بالحملة عليهم، حتى اقتلعوهم عن موضعهم، وهزموهم، ~~ووضعوا سيوفهم ورماحهم فيهم، حتى اضطروهم إلى مرتقى وعر وجبل منقطع؛ فتقحم ~~المسلمون عليهم، وسهل الله وعره لهم؛ فقتلوا جملة منهم، وبسطت الأرض ~~بأجسادهم. واستمرت الخيل المغيرة في بسيطهم؛ فأصابت الغنائم والسوام وضروب ~~النعم، وانصرفوا سالمين، لم يصب منهم غير يعقوب بن أبي خالد التوبري، ونفر ~~يسير من الحشم فازوا بالشهادة، وختم الله لهم بالسعادة. PageV02P187 # واجتمع من رؤوس المشركين عدد عظيم منع من البعثة بها إلى قرطبة بمنع ~~الطريق وبعد المسافة. # ثم ارتحل أمير المؤمنين رضه إلى محلة لتبيرة؛ ثم إلى محلة لغين؛ والجيوش ~~لا تمر بموضع إلا اصطلمته، وتعلقت زروعه، وهدمت قراه وحصونه، إلى أن بلغ ~~رضه مدينة بنبلونة؛ فوجدها خالية مقفرة؛ فدخلها - رحمه الله - وجال بنفسه ~~عليها، وأمر بهدم جميع بنيانها، وتخريب كنيسة الكفرة بها، التي كانت يبعثهم ~~موضع نسكهم، حتى لقد جعلت قاعا صفصفا. ثم تنقل - رضي الله عنه - منها إلى ~~صخرة قبس؛ وكانت بها كنيسة قد شيدها العلج، وأتقنها، وطاول الأيام بالتأنق ~~فيها، والتحصين لها؛ فلما حلت بها الجيوش وأخذت في هدمها، تطلع الكلب من ~~جبل كان أسد إليه، طامعا في حمايتها؛ فداخله أولياء الله بأسرع من لحظة ~~الطرف. حتى اقتلعوه مهزوما موليا، وصرع من فرسانه ووجوه أصحابه من كان عنه ~~محاميا ودونه مستهلكا؛ وأخربت الكنيسة وما أحاط بها، وعادت القرية نارا ~~موقدة. ms411 # ثم تنقل منها إلى محلة اسارية؛ وكان في ممره إليها فج يقال له هرقلة ضيق ~~المسلك، وعر المجاز؛ فرام الكفرة انتهاز فرصة من المسلمين فيه؛ فأمر الناصر ~~- رحمه الله - بالتعبئة والاحتراس، ونهض على أتم التحفظ والضبط، حتى جاورت ~~العساكر ذلك المضيق، وخرجت عنه وتظاهر أعداء الله لأخل الساقة، متسنمين ~~لأعلى جبل؛ فنهضت الخيل إليهم، وهزمتهم، وقتلت طائفة منهم. وانقشعوا مدبرين ~~لا يلوون ولا يعرجون. وتقدم المسلمون بعزة القهر، وسرور النصر، حتى نزلوا ~~محلة إسارية. ثم ارتحل الناصر - رحمه الله - منها إلى محلته بقرية منيير؛ ~~ثم تنقل إلى محلته بدى شره المجاورة لشنت اشتبين؛ وكان موضع " استركاح " ~~العلج شانجه، ومكان طمأنينته؛ فحلت الجيوش بهذه المحلة يوم الأربعاء لثمان ~~بقين من ربيع الآخر، وتظاهر الكلب على الجبل، قد جمع جموعه، وحشد رجاله، ~~واستجاش بمدود انته من آلبة والقلاع، طامعا في معارضة المسلمين، يقيم PageV02P188 # بها عذره عند كفرته، وأهل ملته؛ فناشبهم المسلمون الحرب، والتحم بينهم ~~القتال؛ فهزم الله جموع المشركين، وانقبضوا إلى أعلى جبلهم، وتفرقوا في ~~شعراء متصلة بهم. وبات أهل العسكر في مجلتهم. وانبسطت العلاقة في القرى؛ ~~فانتسفت ما فيها. ثم انتقل الناصر إلى محلته بموضع يعرف بربية سرته، وهو ~~يريد فلهرة. وتظاهر العلج بجموعه مرة ثانية في الموضع الذي كان مشرفا فيه، ~~ومعتصما به؛ فتبادر إليه الفرسان؛ فانهزم أقبح انهزام. وقتل له رجال وعقرت ~~له خيل. # وتنقل الناصر - رحمه الله - إلى حصن قلهرة؛ فألقاه خاليا، وأمر بهدمه ثم ~~تنقل إلى حصن بلتميرة، وهو من حصون المسلمين المجاورة للمشركين؛ فعهد ~~بادخار الأطعمة عندهم، وتفريق الأموال فيهم. واحتل بمدينة تطيلة. وكسر بها، ~~وذلك يوم الأثنين لثلاث بقين من ربيع الآخر، ورحل عنها قافلا، وجعل مروره ~~ببني ذي النون؛ وكان يحيى بن موسى قد استراب، وتوقف عن الجهاد، فدارت عليه ~~معرة الجيش، حتى أذعن منقادا، وخرج خائفا وجلا، وتلقى أمير المؤمنين معترفا ~~بذنبه؛ فأوسعه عفوه؛ وفعل مثل ذلك يحيى بن أبي الفتح ابن أخيه، ودخل أمير ~~المؤمنين - رحمه الله - قرطبة يوم الخميس لثمان بقين ms412 من جمادى الأولي، وقد ~~استتم في غزاته هذه أربعة أشهر. # وفي سنة 313، كان غزاة أمير المؤمنين الناصر - رحمه الله - إلى كورة ~~إلبيرة، ومنازلته حصن اشتين، وإستصلاحه الأحوال بكورة جيان وما والاها؛ ~~فبرز - رحمه الله - لهذه الغزاة يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم ~~سنة 313، وهو اليوم السابع من نيسان، وفصل غازيا يوم الخميس لثمان بقين من ~~صفر، وهو اليوم السابع من أيار، وذلك بعد بروزه بإثنتين وأربعين يوما؛ ~~وتخلف في القصر بقرطبة ولي عهده الحكم المستنصر بالله. ومن الوزراء أحمد بن ~~محمد بن حدير، وعلى المدينة محمد بن عبد الله الخروبي؛ PageV02P189 # واستقدم سعيد بن المنذر الوزير من كورة تدمير، ليغزو معه. وأخرج محمد ابن ~~إسحاق مديلا له؛ فاحتل في طريقه بحصن المنتلون من كورة جيان، وأنزل عنه عبد ~~الله بن سعيد بن هذيل، وعزله عن سائر الحصون التي كانت بيده؛ واستعمل على ~~الجميع عبد العزيز بن مسلمة وعبد الله بن عمرو بن مسلمة؛ وعهد بهدم أكثر ~~حصون جيان وقصابها، إذ كانت مستركحا لأهل الشر والخرف، وضررا على أهل ~~الطاعة والاستقامة؛ وكذلك ما فعل بحصون إلبيرة، حتى احتل بحصن اشنين يوم ~~الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول؛ وكان أهله على مكايدة باطنة، ~~وإظهار طاعة تحتها مداهنة؛ فعرض عليهم الناصر النزول عن حصنهم إلى البسيط ~~حوله؛ فاضطربوا في أمرهم، ولاذوا عن رشدهم؛ فاحتلت العساكر بهم، وأخذ بالجد ~~والعزم في محاصرتهم، وأحيط بهم من جميع جهاتهم، وبنيت عليهم ستة حصون يقابل ~~بعضها بعضا، حتى عادوا في مثل حلقة الخاتم ضيقا وحصارا. وبقى الناصر على ~~محاصرتهم خمسة وعشرين يوما، وهو يدأب مع ذلك في استصلاح أمور رعيته، وتأمين ~~سبلهم، وقطع المخاوف عنهم، ويشخص بنفسه إلى مل جهة من جهاتهم. # وفي هذه الغزاة، استجلب الناصر ولي عهده وعماد أنسه الحكم المستنصر بالله ~~من قصر قرطبة إلى معسكره، وهو في ذلك الوقت ابن عشرة أعوام وثمانية أشهر ~~ونصف، إذ استوحش له، وتاقت نفسه الكريمة إليه؛ فقدم عليه - أبقاه الله - ~~بهذه المحلة مع ثقات ms413 رجاله وفتيانه؛ واستخلف له في القصر أخوه عبد العزيز ~~لينفذ الكتب باسمه إلى وقت منصرفه. فأنس - رحمه الله - به، وسر بقربه. وقفل ~~الناصر من هذه الغزاة يوم الجمعة لست خلون من ربيع الآخر، بعد أن أرتب ~~الوزيرين سعيد بن المنذر وعبد الحميد بن بسيل على حصن اشتين، محاصرين لأهله ~~في كثف من الحشم. ودخل القصر بقرطبة يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة خلت من ~~ربيع الآخر، وقد استتم في غزاته خمسين يوما. PageV02P190 # وفي هذه السنة، ولي خلف الفتى الكبير الطراز. # وفي شوال منها، ولي يحيى بن يونس القبرسي السوق. إذ اعتل أحمد بن بهلول ~~على أبطلته عن الحركة؛ ثم ولي يحيى بن يونس المواريث في ذي القعدة، وولي ~~عبد الله بن محمد الخروبي خزانة السلاح. # وفيها، صلب على الرصيف بباب قصر قرطبة الرامي المعروف بأبي نصر؛ وكان قد ~~ذهب به الصوت في الرماية والإصابة أيام عمر بن حفصون؛ فصلب؛ ثم رمى بالنبل ~~حتى أصيبت جوارحه ومقاتله؛ وبقي في الجذع أياما؛ ثم أحرق. # وفيها، توفي ابن الناصر يسمى بمحمد. وفيها، مات بن حزم العوفي من أهل ~~سرقسطة، في شهر رمضان؛ وكان كثير الرواية، بصيرا باللغة؛ وله رحلة سمع فيها ~~من بعض الفقهاء بالمشرق. وفيها، هلك فلويرة صاحب جليقية، وولي إذفنش؛ ثم ~~ترهب، وولي أخاه رذمير مكانه في سنة 19. # وفي سنة 314، كان إغزاء الناصر - رحمه الله - قواده بالصوائف؛ ولم يكن له ~~غزو بنفسه في هذا العام لمحل كان فيه، وقحط شديد؛ فأخرج عبد الحميد بن بسيل ~~الوزير إلى الثغر الذي كان به بنو ذي النون؛ فأوقع بهم إذ كانوا قد مرقوا ~~عن الطاعة، وأكثروا الفساد في الأرض، والاستطالة على من جاورهم من ~~المسلمين؛ فقتل منهم من استحق القتل، وافتتحت مدينة سرتة؛ وكان أهلها على ~~خلاف وخلعان للطاعة؛ فدرت جبايتها من ذلك الوقت، وصارت بسيل سائر الكور ~~المستقيمة الأحوال. ثم صدر عبد الحميد بن بسيل من ذلك الثغر، وقد استقامت ~~على يديه أحوال أهله؛ فأخرجه الناصر إلى مدينة ببشتر، محاصرا لسليمان بن ~~حفصون في ms414 جملة القواد المحاصرين له؛ وأخرج - رحمه الله - أفلح صاحب الخيل ~~مولاه إلى سليمان بن حفصون أيضا؛ فنازله وحاصره، وفتح حصن منت روبي؛ وكان ~~من أمنع معاقله. PageV02P191 ### | ذكر قتل سليمان بن حفصون # وفي هذه السنة، قتل سليمان بن عمر بن حفصون؛ وكان قد ركب وخرج عن مدينة ~~ببشتر معارضا لبعض الحشم المغاورين له من العسكر؛ فتبادرت إليه الخيل من ~~الجهة التي كان فيها عبد الحميد الوزير؛ فصرع سليمان عن فرسه؛ فاحتز رأسه ~~سعيد بن بعلي العريف المعروف بالشفة؛ وكانت قد واقعته قبل ذلك طعان على يدي ~~محمد بن يونس العريف وبعض بني مظاهر العجم؛ وقطعت يداه ورجلاه، وذلك يوم ~~الثلاثاء مستهل ذي الحجة من سنة 314. وبعث الوزير عبد الحميد برأسه وجثته ~~ويديه مبعضة مفترقة؛ فرفعت على باب السدة بقرطبة في خشبة عالية؛ وكان الفتح ~~فيه عظيما سارا لجميع المسلمين. # وفيها، ورد الخبر بهلاك العلج شانجه صاحب بنبلونة. # وكان القحط في هذا العام شديدا، والمحل عاما؛ فاستسقى بالناس الخطيب أحمد ~~بن بقى صاحب الصلاة مرارا؛ ونفذت الكتب إلى الكور في الاستسقاء؛ فوافى نزول ~~الغيث مع رفيع جثة سليمان بن حفصون صليبة على باب السدة. فقالت في ذلك ~~الشعراء أشعارا كثيرة، منها (طويل) : # سحاب يمور الغيث وديمة ... دماء العدى تهمي بها وتفلإور # غياثان فينا واكفان من الحبا ... ولكن ذا رجس وذاك طهور # وذاك نجيع ليس يقبله الثرى ... وذا ناجع يسري به وبغور # تدنست الدنيا به فتطهرت ... بطون لها من رجسه وظهور # وفيها، ولي محمد بن عبد الله الزجالي الوزارة يوم السبت للنصف من جمادى ~~الأولي. PageV02P192 # وفيها، عزل أسلم بن عبد العزيز عن قضاء الجماعة بقرطبة لعلة أقعدته وولي ~~أحمد بن بقي القضاء مع الصلاة. # وفيها، ولي أحمد بن عبد الوهاب بن عبد الرؤوف خزانة المال. وولي عبيد ~~الله بن عبد الله الزجالي العرض. وولي خزانة السلاح حسين بن محمد بن عاصم، ~~وأحمد بن يحيى بن حسان، وعبد الوهاب بن محمد بن عبد الرؤوف. # وفيها، توفي أصبغ ابن الأمير المنذر، وفيها، توفي محمد بن ms415 عمر بن لبابة ~~الفقيه، ليلة الاثنين لخمس بقين من شعبان؛ وكان مولده مستهل رجب سنة 226؛ ~~وكان عالما بالفتيا، حسن الدين، مستقيم الحال من حداثته إلى وقت وفاته. # وفيها، توفي محمد بن عبد الله الخروبي، صاحب المدينة، مستهل صفر؛ وولي ~~المدينة مكانه عيسى بن أحمد بن أبي عبدة بعد وفاته إلى ثمانية أيام. # وفي سنة 315، كان غزو أمير المؤمنين الناصر - رضي الله عنه - إلى مدينة ~~ببشتر لمحاربة حفص بن عمر بن حفصون؛ فبرز لهذه الغزاة يوم الخميس لثلاث ~~عشرة ليلة خلت من صفر سنة 315، وهو اليوم التاسع عشر من نيسان، وفصل غازيا ~~يوم الاثنين للنصف من شهر ربيع الآخر، وهو اليوم الحادي عشر من أيار، وذلك ~~بعد بروزه باثنين وثلاثين يوما. وأغزى مع نفسه ولي عهده الحكم المستنصر ~~بالله، وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وتسعة أشهر ونصف، وتخلف في القصر عبد ~~العزيز شقيق ولي العهد، ومن الوزراء أحمد بن محمد بن حدير، وعلى المدينة ~~أحمد بن عيسى مخلفا لأبيه عيسى بن أحمد الوزير. فنزل الناصر بجيوشه وخيله ~~وعدده على مدينة ببشتر يوم الثلاثاء لسبع بقين من ربيع الآخر، وزاد عزما في ~~البنيان عليها، والجد في محاصرتها، وأرتب بها من الفؤاد من يلازمها، وتنقل ~~منها إلى مدينة الحنش؛ فاستنزل من كان فيها، وأخلاها من ساكنيها، وأمر بهدم ~~أسوارها وتعفية آثارها؛ وباشر ذلك ولي عهده مع الحاجب موسى بن محمد مولاه. # ثم أم الناصر حصن شنت بيطر وما قرب منه من الحصون؛ فنازلهم) ، PageV02P193 # وقطع ثمارهم وكرومهم، واصطلم معايشهم؛ ثم تنقل بجيوشه إلى مدينة مالقة؛ ~~فنظر بمثل ذلك في الحصون المجاورة لها، وولي مدينة مالقة عبد الملك بن ~~العاصي، وألزم معه جملة من الحشم لمغاورة أهل تلك الحصون، وأمره بحمل السيف ~~على كل داخل إليهم أو خارج عنهم. ثم صدر إلى مدينة ببشتر؛ فاضطرب عليها ~~ثانية من ناحية لماية، ورأى أن البنيان بها من أنكى الأمور للكفرة وأشدها ~~عليهم؛ فأمر ببنيان صخرة للأول تعرف بالمدينة، وقدم لذلك أحمد بن محمد بن ~~إلياس، وصرف إليه ms416 كورة تاكرنا، وما اتصل بها من لماية. وألزم عبد الحميد بن ~~بسيل الوزير مكانا يشرف منه على مجمع الطرق، ويحترس فيه بالمنتشرين من أهل ~~العسكر في العلاقات وطلب المرافق، والمختلفين إليه من كل موضع. وأقام ~~بمحلته هذه سبعة أيام، لم يدع فيها للكفرة مرتفقا ولا معاشا. ثم انتقل إلى ~~محلة طلجيرة؛ فعهد بالبنيان فيها، وأقام بها حتى كمل بها شأن مدينة ألزمها ~~سعيد بن المنذر الوزير. ورأى الناصر صرف ولي عهده إلى قصر قرطبة إيثارا ~~لصيانته ومعاودته إلى تأدبه؛ فوجهه مع ثقات رجاله، وفيهم درى بن عبد ~~الرحمن، صاحب الشرطة العليا، ومحمد بن أحمد بن حدير العارض؛ فبلغوه القصر ~~وانصرفوا عن باب السدة إلى العسكر؛ ولم يتقدم أحد منهم إلى داره، ولا دخل ~~منزله، ولا رأى أحدا من أهله. ثم قفل - رحمه الله - يوم السبت لثلاث عشرة ~~ليلة بقيت من جمادى الآخرة، ودخل قصر قرطبة يوم الثلاثاء لعشر بقين من ~~جمادى الآخرة، وقد استكمل في غزاته هذه خمسة وستين يوما. # وفي هذه السنة، أغزى الناصر دري بن عبد الرحمن، صاحب الشرطة. مولاه، إلى ~~ابن الزيات؛ فلما قرب منه، خرج هاربا؛ وظفر دري في وجهته هذه بهابل، قائد ~~كان لابن حفصون، وبأصحاب له؛ فأسرهم وأوثقهم بالحديد، وقدم بهم قرطبة؛ ~~فصلبوا في المرج الذي بين يدي القصر، وذلك يوم الأحد لسبع خلون من شهر ~~رمضان. PageV02P194 # وفيها، ولي فطيس بن أصبغ الوزارة، وعيسى ابنه الخزانة، وعبد الله بن محمد ~~بن عبد الله الخروبي العرض، وعبيد الله بن عبد الله الزجالي المواريث. ### | ذكر افتتاح مدينة ببشتر # ولما اشتدت المحاصرة على حفص بن عمر بن حفصون بمدينة ببشتر، وأحبط به ~~بالبنيان عليه من كل جانب، ورأى من الجد والعزم في أمره ما علم ألا بقاء ~~لبه معه في الجبل الذي تعلق فيه، كتب إلى أمير المؤمنين الناصر، يسأله ~~تأمينه والصفح عنه، على أن يخرج عن الجبل مستسلما لأمره، راضيا بحكمه. ~~فأخرج إليه الناصر الوزير أحمد بن محمد بن حدير، وتولى هو وسعيد ابن المنذر ~~إنزاله ms417 من مدينة ببشتر. ودخلها رجال أمير المؤمنين الناصر وحشمه، يوم ~~الخميس لسبع بقين من ذي القعدة من السنة. واستنزل حفص والة وجميع النصارى ~~الذين كانوا معه، وقدم بهم أحمد بن محمد الوزير إلى قرطبة مع أهلهم وولدهم. ~~ودخلها حفص في مستهل ذي الحجة؛ وأوسعه أمير المؤمنين صفحة وعفوه، وصار في ~~جملة حشمه وجنده. وبقي الوزير سعيد بن المنذر بمدينة ببشتر ضابطا لها، ~~وبانيا لما عهد إليه من بنيانه وإحكامه منها. # وفيها، مات أحمد ابن الأمير محمد - رحمه الله - بمدينة إستجة. وتوفي ~~الوزير محمد بن عبد الله الزجالي في شعبان، وهو ابن ثلاث وخمسين سنة. وتوفي ~~العارض محمد بن أحمد بن حدير في آخر هذا العام؛ وكان حدثا، قد توجه ذكره، ~~وتمكن محله؛ فعظم أسف الحاجب عمه والوزير أبيه عليه؛ وولي الناصر خطته أخاه ~~موسى بن أحمد بن حدير، وهو صغير، لم يبلغ الحل، تعزية لأبيه وعمه عن ~~المفقود وإحياء لذكره. وفيها، مات أبو سليمان داود بن هذيل ابن منان من أهل ~~طليطلة بقرطبة؛ وكان راوية للنسائي وغيره، وحمل عنه الحديث جماعة من أهل ~~قرطبة. PageV02P195 # وفي سنة 316، كان غزاة أمير المؤمنين الناصر إلى مدينة ببشتر، بعد ~~افتتاحها، لتدبير أمرها وإحكام ضبطها؛ ففصل من قرطبة دون بروز، يوم ~~الثلاثاء للنصف من المحرم، وهو السابع من آذار؛ وأغرى مع نفسه ولي عهده ~~الحكم المستنصر بالله؛ وتخلف في القصر ابنه عبد العزيز لتنفذ الكتب إليه، ~~ومن الوزراء أحمد بن محمد بن حدير، وعلى المدينة أحمد بن عيسى مخلفا لأبيه ~~عيسى بن أحمد؛ وكان الحاجب موسى بن محمد عليلا، فلم يغز في هذا العام. ~~وكانت الطريق على مدينة إسنجة، ثم إلى أشونة. واحتل بحصن ببشتر يوم الأحد ~~لعشر بقين من المحرم؛ فدخل المدينة، وجال في أقطارها، وعاين من شرفها ~~وحصانتها، وعلو مرتقاها، وانقطاع جبلها مع جميع جهاته، ما أيقن معه ألا ~~نظير لها في الأرض حصانة ومنعة واتساع قراراة. فأكثر من حمد الله - عز وجل ~~- على ما افتتح له منها، ويسر له فيها؛ والتزم الصوم ms418 أيام مقامه بها. ثم ~~دبر بنيان قصبتها على أحسن ما دبره وأحكمه في غيرها؛ وفرق رجاله على هدم كل ~~حصن كان حواليها وعلى الديارات الخارجة عنها. وأمر بنبش جيفتي عمر بن حفصون ~~وابنه؛ فكشفت قبورهما؛ فألقيا مدفونين على ظهورهما، كما يتدافن النصارى؛ ~~وشهد ذلك عامة الفقهاء الغازين مع الناصر - رحمه الله -، وأيقن جميع من شهد ~~ذلك بهلاكهما على دين النصرانية؛ فأستخرجا من لحودهما، وأتى بأعطمهما ~~الرجسة إلى باب السدة بقرطبة؛ فرفعت في جدوع عالية إلى جنب الملحد سليمان ~~بن عمر، وصاروا عظة للناظرين، وقرت بهم عيون المسلمين. # وقلد الناصر أمر مدينة ببشتر والضبط لها وإكمال البنيان فيها سعيد بن ~~المنذر. واستنزل أهل حصون شنت بيطر ويمارش وجطرون وغيرها من المعاقل، ~~وهبطوا من أجبلهم، وتفرقوا في بسيطهم، واستقصيت الحصون خرابا ونسفا؛ ولم ~~يبق للنصرانية بتلك الجهة حصن مذكور، ولا معقل معمور. وعادت PageV02P196 # كورة رية، على كثرة ما كان فيها من الحصون المانعة والمعاقل القائمة، ليس ~~فيها جبل مضبوط، ولا بها عدو محذور. واحتمل على مثل ذلك في حصون تاكرنا ~~وحصون مغيلة، إلا ما وجب التمسك به منها. ونظر في إزعاج من وجب إزعاجه إلى ~~قرطبة، ممن كانت نفسه تائقة إلى الفتنة، ليكون الناس أمة واحدة، ورعية ~~ساكنة وادعة. وقدم عبد الحميد بن بسيل الوزير إلى كورة شذونة، لهدم حصونها، ~~وتبسيط أهلها، وجمعهم إلى مدينة قلسانة، التي هي قاعدة الكورة. وأمر ~~باستنزال بني داود عن الحصون التي كانوا فيها، وولاها من عماله وثقات رجاله ~~من يحسن السيرة في رعية تلك الجهة. وكانت سفرته أيمن سفره، وأجمعها لكل خير ~~وصلاح. والحمد لله! ثم قفل بوم الأحد لخمس خلون من صفر؛ فدخل منية الناعورة ~~يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من صفر، وقد استتم في سفرته هذه ستة وعشرين ~~يوما. # وفيها، افتتح أحمد بن إسحاق القائد القرشي مدينة لفنت من تدمير، ومدينة ~~قليوشة؛ واستنزل عنها وعن القصاب التي كانت حواليها بني الشيخ، وقدم بهم ~~إلى قرطبة، يوم السبت لأربع عشرة ليلة بقيت من شعبان. ms419 واستنزل في هذا العام ~~بنو أبي جوشن من معاقل بلنسية، وكانوا في نحو ستين رجلا، وقد أهملوا أنفسهم ~~في الفتنة، وتعرضوا لما نزل بهم من النقمة؛ فأمر الناصر بتمييز أهل الجرائر ~~منهم، والتشريد بهم؛ فقدم من استحق القتل منهم إلى المرج بين يدي قصر ~~قرطبة، وضربت رقابهم فيه يوم دخولهم. # وفي هذه السنة؛ عزل فطيس بن أصبغ عن الوزارة، وولي أحمد بن عبد الوهاب بن ~~عبد الرؤوف المدينة وعزل عنها عيسى بن أحمد بن أبي عبدة؛ وقيل ذلك ما كان ~~عزل جميع خزان المال، وكانوا خمسة، وهم: سعيد بن سعيد بن حدير، وأحمد بن ~~موسى بن حدير، وأحمد بن عبد الوهاب المنقول إلى المدينة، وخالد بن أمية بن ~~شهيد، وعيسى بن فطيس؛ وولي الناصر مكانهم أربعة خزان، وهم: محمد بن جهور، ~~وأحمد بن عيسى بن أبي عبدة، وعبد الرحمن بن عبد الله الزجالي، وأحمد بن ~~محمد بن أبي قابوس. PageV02P197 # وفيها، أمر الناصر بإقامة دار السكة داخل مدينة قرطبة، لضرب الدنانير ~~والدراهم؛ وولي الخطة أحمد بن موسى بن حدير يوم الثلاثاء عشرة ليلة بقيت من ~~شهر رمضان؛ وأقام الضرب فيها من هذا التأريخ من خالص الذهب والفضة؛ وصحح في ~~ذلك أحمد بن موسى وتحفظ. وكانت مثاقيله ودراهمه عيارا محضا. # وفيها، خرج أحمد بن إلياس القائد غازيا إلى كور الغرب؛ فافتتح مدينة ~~ماردة، ومدينة شنترين بلا حرب، ونزلوا إليه بالأمان، ووفاهم غاية الإحسان. # وفي هذه السنة، رأى الناصر أن تكون الدعوة له في مخاطباته والمخاطبات له ~~في جميع ما يجري ذكره فيه، بأمير المؤمنين، لما استحقه من هذا الاسم الذي ~~هو له بالحقيقة، ولغيره بالانتحال والاستعارة؛ فهو أبر أمراء المؤمنين ~~والهداة الفاضلين، والأبرار المنقين، من كل منتخب في المشرق والمغرب، وقائم ~~بالحق، وسالك لسبيل الهدى والرشد؛ فعهد إلى أحمد بن بقي القاضي صاحب الصلاة ~~بقرطبة بأن تكون الخطبة يوم الجمعة مستهل ذي الحجة بذلك. ونفذت الكتب إلى ~~العمال فيه، بما اجتلبنا نسخته لما فيها من إيعاب القول، واستبقاء الحجة، ~~وظهور الحقيقة. ونسخة ms420 الرسالة النافذة في ذلك: بسم الله الرحمن الرحيم. أما ~~بعد، فإنا أحق من استوفي حقه، وأجدر من استكمل حظه، ولبس من كرامة الله ما ~~ألبسه، للذي فضلنا الله به، وأظهر أثرتنا فيه، ورفع سلطاننا إليه، ويسر على ~~أيدينا إدراكه، وسهل بدولتنا مرامه، وللذي أشاد في الآفاق من ذكرنا، وعلو ~~أمرنا، وأعلن من رجاء العالمين بنا، وأعاد من انحرافهم إلينا، واستبشارهم ~~بدولتنا. والحمد لله ولي النعمة والإنعام بما أنعم به، وأهل الفضل بما تفضل ~~علينا فيه! وقد رأينا أن تكون الدعوة لنا بأمير المؤمنين، وخروج الكتب عنا ~~وورودها علينا بذلك، إذ كل مدعو بهذا الاسم غيرنا منتحل له، ودخيل فيه، ~~ومتسم بما لا يستحقه. وعلمنا أن التمادي على ترك الواجب لنا من ذلك حق ~~أضعناه، واسم ثابت أسقطناه. فأمر الخطيب PageV02P198 # بموضعك أن يقول به، وأجر مخاطباتك لنا عليه، إن شاء الله. والله ~~المستعان! وكتب يوم الخميس لليلتين خلتا من ذي الحجة سنة 316. # وفيها، عزل أفلح ودرى موليا الناصر عن الخيل والشرطة. وولي الخيل عبيد ~~الله الزجالي، والشرطة أحمد بن أبي قابوس. ثم أعيد أفلج إلى الخيل، ودري ~~إلى الشرطة بعد شهر. # وفيها، تولي إبراهيم بن محمد بن اللبرقي خطة العقل. # وفيها، عزل غالب بن محمد بن عبد الرؤوف عن خطة الضياع، ووليها محمد بن ~~عبيد الله بن مضر، في انسلاخ جمادى الآخرة. ثم عزل عنها ابن مضر، ووليها ~~خلف بن أيوب بن فرج الكاتب؛ وكان يكتب للحاجب موسى بن محمد، وذلك لإحدى ~~عشرة ليلة خلت من ذي الحجة. # وفيها، توفي محمد ابن الإمام المنذر؛ وتوفي أحمد بن يحيى بن قاسم بن هلال ~~الفقيه؛ وكان منقبضا، خيرا، صالحا، بصيرا بالوثائق وعللها؛ وتوفي سعيد ابن ~~إبراهيم الفقيه، وكان يلبي الصلاة بكورة رية؛ وتوفي محمد بن هشام القرشي ~~المعروف بابن الشبانسية بكورة شذونة، وهو وعاملها. # وفي سنة 317، كان ظهور المحل، واحتباس الغيث، وغلاء الأسعار؛ فعهد الناصر ~~بالاستسقاء بجامع قرطبة يوم الجمعة لليلة بقيت من المحرم، وذلك في شهر ~~آذار. واتصل الاستسقاء في الجامع ومصلى ms421 الربض ومصلى المصارة. # وفيها، كانت غزاة الناصر إلى مدينة بطليوس، لمحاربة أهلها وابن مروان ~~المنتزي عليه فيها؛ فبرز - رحمة الله عليه - لغزاته هذه يوم الخميس لعشر ~~خلون من ربيع الأول، وهو اليوم الثالث عشرين من نيسان؛ وفصل من قصر قرطبة ~~يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر، وهو اليوم الرابع عشرين من ~~أيار، وذلك بعد بروزه بأحد وثلاثين يوما. وأغزى معه ولي عهده الحكم ~~المستنصر بالله، وابنه منذرا، وتخلف في القصر ابنه عبد العزيز لتنفذ الكتب ~~إليه، ومن الوزراء أحمد بن محمد بن حدير، وعلى PageV02P199 # المدينة أحمد بن عبد الوهاب بن عبد الرؤوف. وكان احتلاله بالجيوش على ~~مدينة بطليوس يوم الخميس لسبع بقين من ربيع الآخر. وواضعهم الحشم القتال في ~~أفنيتهم وعلى أبواب دورهم، وتقحموا عليهم داخل أرباضهم، وقتلوا منهم في ~~ثاني احتلالهم عليهم جملة بعثت رؤوسهم إلى قرطبة. وقطعت ثمارهم، وأحرق ما ~~أخلوه من ديارهم خارج سورهم؛ وبقوا محصورين في المدينة. وأقام عليهم الناصر ~~عشرين يوما؛ ثم أبقى عليهم أحمد بن إسحاق في قطيع من الجند، وانتقل إلى جهة ~~ماردة؛ فأصلح الأحوال بها، وولاها محمد بن إسحاق، وندب معه عدة من الحشم) . ~~ثم عاد - رحمه الله - إلى مدينة بطليوس؛ فاضطربت عساكره عليها من غير الجهة ~~التي كانت اضطربت فيها أولا؛ وتولي من نكايتهم وأليم محاصرتهم، ما أذاقهم ~~به وبال عصيانهم، وعاقبة غيهم، وضلالهم. ثم أرتب عليهم أحمد بن إسحاق قائدا ~~في جيش كثيف، ورجال منتقين، وعدد كاملة، وأمره بالتشدد في حصرهم، ~~والاستبلاغ في مضايقتهم. وانتقل ناهضا إلى مدينة باجة؛ فنزلها يوم الأحد ~~مستهل جمادى الآخرة، واضطربت عساكره عليها، وتقدم بالإعذار إلى عبد الرحمن ~~بن سعيد بن مالك الذي كان بها، ودعاه إلى الطاعة؛ فلاذ والتوى؛ فتصبت ~~المجانيق عليه، وحورب أشد محاربة، وقتل من رجاله عدد كثير. وانحطت بعض ~~أبراج المدينة بمن كان عليها؛ فضربت رقابهم بين يدي المظل؛ فاستأمن عبد ~~الرحمن بن مالك، وأهله، وجميع أهل باجة أمير المؤمنين الناصر، وخضعوا ~~لأمره، ونزلوا على حكمه؛ فأوسعهم أمانه، ms422 وأخرجوا عن المدينة، ونقلوا إلى ~~قرطبة. ودخلها الناصر، وولاها عبد الله بن عمر بن مسلمة، وندب معه فيها ~~قوة، وأكتف له الجمع والعدة، وأمره بابتناء قصبة فيها، ينفرد بها العامل ~~ويسكنها. # وكان مقام الناصر على باجة خمسة عشر يوما. ثم انتقل منها قاصدا إلى مدينة ~~أكشونبة بقرب الساحل الغربي من البحر المحيط؛ فاحتل بها يوم الاثنين لسبع ~~بقين من جمادى الآخرة؛ وكان قد افتتح في طريقه حصن الوقاع، وأصاب فيه PageV02P200 # لخلف بن بكر صاحب أكشونية أموالا وعدة وسلاحا؛ فغنم ذلك الحشم وأهل ~~العسكر، وصار لهم نقلا. ثم تلقى رسل خلف بن بكر أمير المؤمنين، مظهرا ~~للإنابة، وملتزما للطاعة، ومتوسلا ببعد الدار والقاصية، وأخرج إلى الناصر ~~النزائل، وأقام له الوظائف، والتزم إدرار الجباية الكاملة؛ وأظهر أهل ذلك ~~الجانب فيه رغبة شديدة، ووصفوه بسيرة حميدة، فأقره الناصر عليهم، وفرض عليه ~~من الجباية ما التزم إيراده له في كل عام، وعهد إليه بحسن السيرة، والرفق ~~بالرعية، وألا يقبل نازعا، ولا يكتنف هاربا؛ فالتزم جميع ما أمر به، ووقف ~~عندما حد له. # وقفل الناصر عن مدينة أكشونبة يوم السبت لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة، ~~ودخل القصر بقرطبة يوم الأحد لأربع عشرة ليلة خلت من رجب، وقد استتم في ~~غزاته ثلاثة وتسعين يوما. ### | مطالعة أمير المؤمنين الناصر لببشتر في الشتاء # وفي هذه السنة، كانت للناصر خرجة من قصر الناعورة، طالعا لببشتر ومعاينا ~~لما قام من البنيان بها، وما تم من ترتيبه فيها. وكان خروجه من منية ~~الناعورة يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال، ونزوله بجبل ببشتر يوم ~~الخميس لعشر بقين منه. فدخل المدينة، وجال فيها، وأحكم ما له قصد من أمرها؛ ~~ثم صدر عنها في اليوم الثاني، ودخل القصر بالناعورة يوم الثلاثاء لأربع ~~بقين من شوال؛ وكانت مدة توجهه وانصرافه ثلاثة عشر يوما. # وترددت الفتوحات في هذا العام بوقائع كانت على أهل بطليوس؛ وبعث أحمد بن ~~إسحاق من أهلها بسبعين أسيرا، وقتلوا صبرا بين يدي قصر قرطبة. # وافتتحت فيه مدينة شاطبة من بلنسية، ms423 واستنزل عنها عامر بن أبي جوشن على ~~يدي دري بن عبد الرحمن صاحب الشرطة؛ واشترط عامر بسكنى شنت برية، حتى يأخذ ~~في انتقال ثقله وعياله إلى قرطبة. # وفي هذه السنة، ولي الناصر عبد الملك بن عمر بن شهيد، وعيسى بن أحمد PageV02P201 # ابن أبي عبدة الوزارة، وسعيد بن سعيد بن حدير الشرطة الوسطى؛ ولم تكن قبل ~~هذه الخطة؛ وفيها، ولي خالد بن أمية بن شهيد الخزانة ولاية ثانية، وولي عبد ~~الرؤوف بن أحمد بن عبد الوهاب خطة العرض. # وفي سنة 318، كان افتتاح مدينة بطليوس وذلك أن أهلها وابن مروان صاحبها، ~~لما أخذهم الحصار، وطاولتهم الحرب، وفنى رجالهم، واستبيحت نعمهم، وقطعت ~~ثمراتهم، ورأوا عزما لا فترة فيه، وجدا لا بقاء لهم عليه، استأمنوا الناصر، ~~وعاذوا بصفحه؛ فأوسعهم ما أوسع أمثالهم قبلهم. واستنزل ابن مروان الجليقي ~~وأهله، وذوى الشوكة من صحبه، وأسكنهم قرطبة، وألحقهم في الملاحق السنية؛ ~~وملك المدينة وولاها عماله، وصارت بسيل كوره. # وفيها، أخرج الناصر لدين الله أهل الثقة من خدمته، والأمانة والتصحيح من ~~فقهاء مصره إلى أهل طليطلة، معذرا إليهم، داعيا لهم إلى الطاعة والدخول ~~فيما صارت إليه الجماعة، إذ كانوا لا يؤدون جباية، ولا يلتزمون طاعة، ولا ~~يتناهون عن منكر ولا معصية؛ فازوا بمعاذير المخادعة، وجاوبوا الناصر بما لم ~~يضغ إليه من غشهم وتمريضهم؛ فاستعزم على غزوهم، وشمر لمناهضتهم وإنزال بأسه ~~بهم. وبرز للغزو في الصائفة إليهم في صدر ربيع الآخر سنة 318، وفي شهر ~~نيسان من العام المؤرخ. وقدم الوزير سعيد بن المنذر إلى مدينة طليطلة في ~~جيش كثير وعدد جم، وأمره بالاحتلال عليها والمحاصرة لها، حتى يلحق الناصر ~~بجيوشه وصنوف حشمه بها. فخرج إليها الوزير يوم السبت لثمان بقين من ربيع ~~الآخر، وأغذ السير نحوها، حتى نزل بساحتها. وأخذ في ما حد له من محاصرتها ~~بأبلغ عزم وأتم حزم؛ ثم فصل أمير المؤمنين إلى مدينة طليطلة يوم الخميس ~~لليلتين خلتا من جمادى الأولى، وهو التاسع عشرين من أيار؛ وأغزى مع نفسه ~~ولي عهده الحكم المستنصر بالله ومنذرا ابنه؛ ms424 PageV02P202 # وتخلف في القصر أبنه عبد العزيز لتنفذ الكتب إليه، ومن الوزراء أحمد بن ~~محمد بن حدير، وعلى المدينة أحمد بن عبد الوهاب بن عبد الرؤوف. # فلما احتل - رحمه الله - في طريقه بمحلة الغدر، وقرب من حصن مورة الذي ~~كان اتخذه أهل طليطلة شجا على المسلمين ومسترحا للمفسدين، وقدموا عليه منهم ~~مطرف بن عبد الرحمن بن حبيب، قدم إليه من أنذره وخوفه، وأمره بالخروج عن ~~الحصن وإسلامه. فبدر إلى ذلك بدرا لم يجد منه بدا، ولا في الامتناع طمعا؛ ~~ونزل عن الحصن. وأمر الناصر بضبطه؛ ثم نهض بجيوشه المؤيدة، وعزيمته ~~الماضية، حتى احتل محلة جرنكش بقرب طليطلة، وذلك يوم الثلاثاء لأربع عشرة ~~ليلة خلت من جمادى الأولي. فأشرف من محلته هذه على سهلة طليطلة ونهرها، ~~وأجنتها وكرومها؛ ودبر رأيه في أمكن المواضع من محاصرتها، وأقرب الجهات ~~الآخذة بمخنق أهلها؛ فرأى النزول بمحلة المقبرة على باب المدينة أبلغ في ~~النكاية، وأشد في المضايقة؛ فارتحل إليها في اليوم الثاني، وأخذ في نكاية ~~العصاة، بما لم يجر لهم على ظن) . وأقام بهذه المحلة سبعة وثلاثين يوما، ~~يوالي فيها بنكايتهم، وقطع ثمراتهم، وتخريب قراهم، وانتساف نعمهم، وتحطيم ~~زروعهم. ثم أمر بالبنيان في جبل جرنكش لمدينة سماها بالفتح، وأرتب لبنيانها ~~سعيد بن المنذر الوزير، وأمر بنقل الأسواق إليها، والتمدين لها، لتكثر ~~مرافق أهل العسكر بها؛ وأرتب محمد بن سعيد بن المنذر على باب القنطرة في ~~جمل من الحشم، وعهد إليهما بالاستبلاغ في محاربة القوم. وقدم على الناصر ~~بمحلته على طليطلة صاحب حصن قنيلش وصاحب حصن الفهمين، معتصمين بطاعته؛ فأمر ~~بنقلهما إلى قرطبة، والتوسع عليهما، ومكافأة نزوعهما وقصدهما. ثم قفل ~~الناصر عن مدينة طليطلة يوم الخميس لست بقين من جمادى الآخرة، ودخل القصر ~~بقرطبة يوم الأثنين لأربع خلون من رجب، وقد استتم في غزاته أحدا وستين ~~يوما. # وفي هذه السنة، ولي المواريث طرفة بن عبد الرحمن صاحب المطبخ؛ وولي خزانة ~~السلاح أحمد بن أبان بن هاشم، وحفص بن سعيد بن جابر. PageV02P203 # وفيها، مات الناصر ابن يسمى بمحمد. ms425 وفيها، مات أمية بن محمد بن أمية ابن ~~عيسى بن شهيد. وفيها، توفي هاشم بن محمد النجيبي. وفيها، توفي محمد بن ~~إبراهيم بن الجباب الفقيه، صاحب الوثائق، يوم الاثنين لثلاث خلون من شهر ~~رمضان؛ وتوفي صهيب بن منيع قاضي إشبيلية؛ وتوفي أبو غالب مروان بن عبيد ~~الله بن بسيل. # وفي سنة 319، أبرز السرادق والأبنية إلى المضطرب المعروةف بفحص السرادق ~~بجوني النهر الأعظم؛ ثم برز الناصر إلى هذه المحلة لغزاة نواها إلى مدينة ~~طليطلة؛ ولم يتم عزمه عليها إذ استغنى بالقواد المرتبين على المدينة، ~~المحاصرين لأهلها؛ وأكتف للقواد بها الخيل والعدة، وأمدهم بالسلاح، وأكد ~~بصائرهم في الجد والعزم والاستبلاغ في نكاية المفسدين المغترين من أهلها. # وفي سنة 319، كاتب موسى بن أبي العافية، صاحب الغرب، أمير المؤمنين ~~الناصر، ورغب في موالاته، والدخول في طاعته، وأن يستميل له أهواء أهل الغرب ~~المجاورين له؛ فتقبله أحسن قبول، وأمده بالخلع والأموال، وقوى أيده على ما ~~كان يحاوله من حرب ابن أبي العيش وغيره. فظهر أمر موسى من ذلك الوقت في ~~الغرب، وتجمع له كثير من قبائل البربر، وتغلب على مدينة جراوة، وأخرج عنها ~~الحسن بن أبي العيش بن إدريس العلوي؛ وجرت بينهما حروب عظيمة. # وفيها، افتتح الناصر مدينة سبتة؛ فشكها بالرجال، وأتقنها بالبنيان. وبنى ~~سورها بالكذان، وألزم فيها من رضيه من قواده وأجناده؛ وصارت مفتاحا للغرب ~~والعدوة من الأندلس، وباب إليها كما هي الجزيرة وطريف مفتاح الأندلس من ~~العدوة. وقامت الخطبة فيها باسم أمير المؤمنين الناصر، لثلاث خلون لربيع ~~الأول من العام المؤرخ. # وفيها، اتصل بالقواد المحاصرين لطليطلة أن العدو بذلك الجانب عملوا على ~~الخروج لافتراض غرة في بعض ثغور المسلمين؛ فنفر إليهم الوزير أحمد بن PageV02P204 # محمد بن حدير من قرطبة في جملة من الحشم ومن خف من المسلمين؛ فلما بلغ ~~أعداء الله خروجه، توقفوا عن حركتهم، وقروا في بلادهم؛ وكفى الله المؤمنين ~~معرتهم. فبلغ القائد أحمد بن محمد بن حدير طليطلة، ونازلها مع القواد ~~المرتبين فيها. # وفيها، خرج بالأسطول أحمد بن محمد بن إلياس، ms426 ويونس بن سعيد قائدين في ~~البحر، يوم السبت لليلتين خلتا من جمادى الأولي، في عدة، ومراكب جملة، ~~ورجال كثير، وصنوف من البحريين والمقاتلين؛ فجازا مرسى الجزيرة، واحتلا ~~العدوة، وحاصروا ابن أبي العيش، إذ كان على مخالفة لمن دخل في طاعة أمير ~~المؤمنين من أهلها، ومحاربة لموسى بن أبي العافية وليه ومقيم دعوته والداخل ~~في طاعته؛ ثم حال الشتاء بينهما وبين التمادي على الحصار والمطاولة؛ فقفلا ~~بالأسطول ومن فيه. # وفيها، عزل أحمد بن عبد الوهاب بن عبد الرؤوف عن المدينة، وقدم إلى ~~الوزارة؛ وولي المدينة يحيى بن يونس القبرسي وذلك في غرة جمادى الأولي. ثم ~~عزل يحيى بن يونس عنها، وكانت فيه حدة ومحارجة لأهل الجرم، ووليها عبد ~~الحميد بن بسيل الوزير في شوال. # وفيها، ولي خطة العرض عبد الوهاب بن محمد بن عبد الرؤوف، وولي الضياع ~~محمد بن عبد الله بن مضر، وعبد الله بن معاوية بن بزيل مشتركين. # وفيها، ولي الناصر، من تحت يدي ولي العهد المستنصر بالله، أحمد بن هاشم ~~بن أحمد بن هاشم مولاه عمالة عبلة وفنيانة من إلبيرة. # وفيها، مات أبو الجعد أسلم بن عبد العزيز بن هاشم بن خالد بن عبد الله بن ~~خالد بن عبد الله بن حسين بن جعد بن أسلم بن أبان بن عمرو مولي عثمان بن ~~عفان - رضي الله عنه -؛ وكان قاضي الجماعة بقرطبة، وله رحلة وسماع؛ وكانت ~~فيه صلابة وإنفاذ للحق على وجوهه؛ وعزل عن القضاء قبل وفاته إذ أخذه PageV02P205 # الكبر، وضعف عن القعود للأحكام؛ وكانت وفاته يوم الأربعاء لست خلون من ~~شعبان، وهو ابن سبع وثمانين سنة. # ومات في هذا العام فضل بن سلمة الفقيه البجاني، وكان له سماع وتأليف حسن؛ ~~وتوفي محمد بن فطيس الفقيه المحدث بإلبيرة؛ وتوفي أحمد بن حامد الزجالي في ~~جمادى الأولى. # وفيها، ماتت السيدة ابنة الإمام عبد الله لثمان بقين من ذي الحجة؛ وكانت ~~قد نافرت أمير المؤمنين الناصر أيام حداثته وقبل إفضاء الخلافة إليه، وهو ~~حينئذ ولد في القصر بين يدي الإمام عبد ms427 الله جده؛ وطالبته وآذنه عند أبيها ~~عبد الله الإمام؛ فلما ولي الناصر، لم تشك في معاقبته لها، ومجازاته لسوء ~~معاملتها؛ فكان الأمر على خلاف ظنها؛ وقرب الناصر مكانها، ورفع منزلتها، ~~واختصها في جملة من اختص من أهله وبنات أعمامه، حتى صارت أقربهن محلا منه. # وفيها، توفي عبيد الله بن فهر، وكان متصرفا في العمالات والقيادة، وذلك ~~يوم السبت لثمان عشرة ليلة خلت من ذي الحجة. # وفي سنة 320، كان غزو الناصر إلى مدينة طليطلة، غزاته الثانية التي فتحت ~~فيها عليه، فبرز لهذه الغزاة في صدر جمادى الآخرة سنة 320، في شهر حزيران ~~من العام المؤرخ، وفصل يوم السبت لأربع عشرة ليلة خلت من رجب، وهو اليوم ~~الحادي عشر من تموز، مع ولي عهده الحكم المستنصر بالله أمير المؤمنين. ~~وتخلف في القصر ابنه عبد العزيز لتنفذ الكتب إليه؛ ومن الوزراء أحمد بن ~~محمد بن حدير، وعبد الحميد بن بسيل، وكان صاحب المدينة. # وكان أهل طليطلة، لما أخذهم الحصار، واشتد عليهم التضييق، ولازمهم ~~القواد، قد استجاشوا بالمشركين، واستنجدوهم، ورجوا نصرهم لهم؛ فلم يغنوا ~~عنهم فتيلا، ولا كشفوا عنهم عذابا، ولا جلبوا إليهم إلا خزيا وهوانا. وخرج ~~الفؤاد المحاصرون لهم إلى الكفرة؛ فهزموهم، وفرقوا جموعهم، وانصرفوا مولين PageV02P206 # على أعقابهم، خاذلين لمن انتصر بهم، ورجا الغياث من قبلهم. فلما يئس أهل ~~طليطلة أن ينصرهم أحد من بأس الله الذي عاجلهم، وانتقامه الذي طاولهم، ~~عاذوا بصفح أمير المؤمنين، وسألوه تأمينهم، وضرعوا إليه في اغتفار ذنوبهم؛ ~~فخرج لاستنزال أهل طليطلة، وتوطيد طاعته فيها، وإحكام نظره بها، في التاريخ ~~الذي قدمنا ذكره؛ فنزل عليها بمحلة جرنكش، يوم الأربعاء لخمس بقين من رجب؛ ~~وقد كان بدر إليه ثعلبة بن محمد بن عبد الوارث مقدمها، وتلقاه قبل نزوله ~~بها، معترفا بجهله، ومستقبلا من زلته؛ فعفا عنه الناصر، وعاد عليه بفضله. ~~ثم أمن أهل طليطلة، وخرجوا إلى العسكر، ونالوا المرافق فيه، وابتاعوا ~~المعايش التي طال ما أجهدهم عدمها، ومنعهم الحصار منها؛ فعرفوا غبطة ما ~~صاروا إليه من الأمن بعد الخوف، والسعة إثر ms428 الضيق، والانبساط بعد طول ~~الانقباض. ثم ركب الناصر إلى مدينة طليطلة في اليوم الثاني من نزوله بمحلته ~~عليها، ودخلها، وجال في أقطارها؛ فرأى من حصانتها، وشرف قاعدتها، وانتظام ~~الأجبل داخل مدينتها، وامتناعها من كل الجهات بواديها ووعرها، وطيب هوائها ~~وجوهرها، وكثرة البشر بها، ما أكثر له من شكر الله عز وجل على ما منحه ~~فيها، وسهل له منها؛ وعلم أنه، لولا ما أخذ به من الجد والعزم في أمرها، ~~لما ملكت مع حصانتها ومنعتها مع اتساعها وانفساح أقطارها، ولما اعتاده ~~أهلها من مداخلة المشركين وموالاتهم، والاستمادا على الخلفاء بهم؛ فكم أعيت ~~الملوك، وامتنعت من العساكر، وانصرفت عنها الصوائف بغير نجح؛ ولكن فضل الله ~~عز وجل الذي أعطاه أمير المؤمنين، وصنعه له، وتأييده إياه أجرى افتتاحها ~~على يديه. ثم دب فيها بناء محكما متقنا، ليكون مستقرا للقواد الملازمين ~~فيها، وزماما على ساكنيها؛ وأرتب على البنيان بها دري بن عبد الرحمن قائده، ~~وملأها رجالا وعدة وسلاحا. وركب إليها الناصر، وأمر بهدم ما وجب هدمه في ~~المدينة، وتردد عليها ثمانية أيام حتى أكمل فيها ما دبره، وهذب ما أراده. ~~وفتحت أسوس البنيان الذي أمر به؛ PageV02P207 # واطمأنت بأهل المدينة الدار، وفتحوا الحوانيت، وانتشروا في الأسواق؛ ~~وانبسطوا في أفنيتهم وأبواب مساجدهم، آمنين، والحمد لله. ثم قفل الناصر عن ~~محلته بطليطلة، يوم السبت لست خلون من شعبان، ودخل القصر بقرطبة يوم السبت ~~لعشر بقين منه، وقد استتم في غزاته ستة وثلاثين يوما. # وفيها، صنع الناصر لضروب رجاله ومواليه وصنوف أجناده وحشمه ممن شاهد فتح ~~طليطلة معه، ووافق ذلك تطهيره لبعض بنيه الأصاغر. # وفيها، عزل عن خزانة المال محمد بن عبد الله بن حدير، وعبد الرحمن ابن ~~عبد الله الزجالي، ونقل أحمد بن عيسى بن أبي عبدة عن الخزانة إلى قيادة ~~بجانة. وأقر من الخزان خالد بن أمية بن شهيد، ومحمد بن جهور بن عبد الملك؛ ~~وولي مكان المعزولين عنها سكن بن إبراهيم، وأحمد بن محمد ابن مستنبر. # وفيها، ولي الخال سعيد بن القاسم خطة العرض. # وفيها، ms429 ولي المدينة فطيس بن أصبغ لإحدى عشرة ليلة هلت من شوال. # وفيها، ولي العرض محمد بن قاسم نبن طملس. وفيها، ولي السكة يحيى بن ~~القرسي، وذلك يوم السبت لأربع خلون من شوال؛ وعزل هذا النهار عنها أحمد بن ~~محمد بن موسى بن حدير. # وفيها، توفي أحمد بن أبي نوفل القرشي، وهو أحمد بن محارب بن قطن ابن عبد ~~الواحد بن قطن بن عصمة بن أنيس بن عبد الله بن جحوان بن عمرو بن حبيب بن ~~عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر، وكان منقبضا متزهدا، وبلغ من السن خمسا ~~وسبعين سنة. # وفيها، مات الحاجب موسى بن محمد بن حدير، للنصف من شهر صفر ليلة الأحد، ~~بعد صلاة المغرب، وبلغ من السن خمسا وستين سنة. وفيها، توفي عبيد الله بن ~~عبد الله الزجالي، وكان على المواريث والبنيان، في رمضان، PageV02P208 # وهو ابن إحدى وأربعين سنة. وفيها، مات أحمد بن محمد الزجالي، وكان قد ~~تصرف في الخدمة، وله أدوات وحركة؛ وتوفي فيها عمران بن أبي عمر المتطيب، ~~وكان قد كف بصره، وهو من المتظرفين المتطيبين، وصحب الملوك، وخف على أمير ~~المؤمنين الناصر؛ وكان يوصله ويحضره مجالس راحته، وهو أعمى) . # وفي سنة 321، وصل الخبر إلى قرطبة بولاية أبي المنصور بن المعتز مدينة ~~سجلماسة، وهو غلام ابن ثلاث عشرة سنة؛ فمكث في ولايته شهرين، وقام عليه ابن ~~عمه محمد بن الفتح، وأخرجه منها، وتملكها، وتسمى بأمير المؤمنين، وتلقب ~~بالشاكر لله، وذلك بعد مدة نحو من عشرين سنة، وضرب الدنانير الشاكرية. # وفي سنة 322، وصل الخبر إلى قرطبة بوفاة أمير إفريقية عبيد الله الشيعي ~~الملقب بالمهدي، وتقدم ولده أبي القاسم المتلقب القائم بأمر الله. # وفي سنة 323، وصل إلى مدسنة فاس ميسور الصقلي قائد أبي القاسم الشيعي ~~أمير إفريقية؛ فحاربه أهل فاس سبعة أشهر، ولم يقدر عليهم؛ ثم حاصر ابن أبي ~~العافية، واستعان عليه ببني إدريس؛ فانجلى ابن أبي العافية إلى الصحراء، ~~وصار جميع ما كان لابن أبي العافية لبني إدريس؛ وقد تقدم خب بني إدريس. # وفي سنة ms430 324، ظهر أبو يزيد مخلد بن كيداد بإفريقية على أبي القاسم ~~الشيعي، وذلك في جبل أوراس، وفيه قلاع كثيرة يسكنها هوارة وغيرهم، وهم على ~~رأي الخوارج. # وفي سنة 325، أمر الناصر ببناء مدينة الزهراء؛ وكان يصرف فيها من الصخر ~~المنجور ستة آلاف صخرة في اليوم، سوى التبليط في الأساس، على ما أذكره بعد. PageV02P209 # وفي سنة 327، قام بالغرب الأقصى أبو الأنصار بن أبي عقير البرغواطي بعد ~~موت أبيه؛ وكان يفي بالعهد والوعد، وهو الذي بعثه عقير البرغواطي رسولا إلى ~~الحكم المستنصر بالله، ابن أمير المؤمنين الناصر. # وفي سنة 329، استتم القائد أحمد بن محمد بن إلياس مدينة سكتان، وشحنها ~~بالرجال، وأتخذ فيها الأطعمة والأسلحة؛ فأخرج الناصر إليها أحمد بن بعلي ~~قائدا في ضروب من الحشم، ضمهم إليه؛ فنفذ إليها في صفر من هذه السنة؛ فلما ~~كان في غرة جمادى الأولي منها، وافى فتح من قبل أحمد بن بعلي القائد بسكتان ~~الحديثة؛ بدخول كان له منها إلى جهة من عمل الطاغية ردمير؛ فقتل وسبى وأسر، ~~وأرسل مع كتابه إلى قرطبة مائتي علج أسراء؛ وكان هذا أول فتح لابن بعلي أذل ~~به الطاغية ردمير. # وفي سنة 330، في المحرم من هذه السنة، طلع كوكب الزباني في الأفق الغربي ~~بقرطبة إزاء العقرب، منحرفا عنها، يكاد يتصل بالفلكة العليا في رأي العين؛ ~~وكان أول ليلة لاح فيها للأنصار ليلة السبت لثلاث بقين من المحرم منها، وهي ~~ليلة ست عشرة خلت من أكتوبر؛ وتمادى طلوعه مستعليا مكبرا في السماء حتى ~~توارى. # وفي سنة 331، في يوم الخميس لخمس خلون من صفر منها، دخل الوزير القائد ~~أحمد بن إلياس إلى قرطبة قافلا عن غزاته إلى الثغر التي خرج إليها في عقب ~~شوال من سنة 330 قبلها، إلى ثلاثة أشهر ويومين من خروجه عنها؛ ودخل في ~~سفرته هذه كورة تدمير؛ فأزال الالتباث الواقع من أهلها إزالة، وقدم برهائن ~~بعضهم؛ وكان أثره جميلا. # وفيها، كان المد العظيم بنهر قرطبة، الثالم لقنطرتها. PageV02P210 # وفي سنة 332، أغزى الناصر لدين الله القائد أحمد بن محمد بن إلياس إلى ms431 ~~جليقية؛ فدخل دار الحرب؛ فغنم، وأحرق جملة من حصونهم هنالك، وقفل راجعا. # وفيها، كانت زلزلة عظيمة بقرطبة، ليلة الأثنين لتسع خلون من ذي القعدة؛ ~~قلم ير قط مثلها ولا سمع من قوتها؛ ووقعت بعد العشاء الآخرة؛ فدامت ساعة؛ ~~ففزع أهل قرطبة لها فزعا شديدا، ولجئوا إلى المساجد فيها، وضجوا بالدعاء ~~إلى الله تعالى في كشفها، حتى أغاثهم وصرفها عنهم. وفي صبح ليلة الزلزلة، ~~هبت ريح عاصف ردفتها أخرى؛ فاقتلعا كثيرا من شجر الزيتون والتين وغيرهما من ~~الأشجار والنخيل، وأطارا كثيرا من قرمد السقف. ونزل إثر ذلك مطر وابل طبق ~~الأرض، وبرد غليظ؛ فقتل كثيرا من الوحش والطير والمواشي، وأتلف ما أصاب من ~~الزرع، وأساء التأثير. # وفي سنة 333، في المحرم، هبت بقرطبة ريح عاصف من ناحية القبلة ونزل برد ~~غليظ. # وفيها، ظهر بأشبونة رجل يزعم أنه من ولد عبد المطلب وأن أمه مريم ابنة ~~فاطمة؛ وادعى مع النسب أنه نبي وأن جبريل ينزل عليه، وسن لاتباعه سننا، ~~وشرع لهم شرائع، منها حلق الرأس وغير ذلك مما لا يعقل؛ ثم وقع عليه البحث، ~~فخفي أثره. # وفيها، أخرج الناصر قاسم بن محمد قائدا إلى عدوة الغرب بحرب بني محمد ~~الأدارسة الحسنيين للذي بدا من خلافهم عليه في هذه السنة، ونقضهم الطاعة، ~~بعد ما قدم الكتب إلى محمد بن الخير عظيم زناته وغيره من ولاته بالغرب، ~~يأمرهم بالاستعداد لذلك والمعونة عليه. وأجاز قاسم البحر إلى سبتة في النصف ~~من ربيع الأول؛ فلما تبين ذلك لكبير بني محمد، وهو أبو العبش بن PageV02P211 # عمر بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، ~~أسرع إلى تحقيق الطاعة للناصر؛ فعقد له الأمان على نفسه، وانفذ إليه أبنه ~~محمد بن أبي العبش إلى قرطبة، مؤكدا لطاعته؛ فاحتفل السلطان لدخوله احتفالا ~~عظيما، وركب الوافد محمد مع مستقبله من قبل الناصر القائد أحمد بن يعلى في ~~أهبة راقت العيون وملأت الصدور. ووصل إلى قصر الزهراء، وقعد له الناصر أفخم ~~قعود؛ فأوصله إلى نفسه، وأبلغ ms432 في تكريمه؛ ثم خرج عنه في مثل الهيئة التي ~~دخل عليها. ودخلت بدخول محمد بن أبي العبش في هذا النهار على الناصر رسل ~~لبني عمه الأدارسة أمراء الغرب. وانعقد في هذا النهار كتاب أمان محمد بن ~~إدريس. ودعا الناصر أيضا محمد بن أبي العبش؛ فبالغ في تكريمه، وأقام بقرطبة ~~بقية هذه السنة في تكرمة. وانصرف الوفد المذكور بعد التزامهم للطاعة ~~للناصر، وذلك فيخبر طويل. # وفي عقب شوال، قدم رسول الخير بن محمد بن خزر الزناني أمير الغرب ومعه ~~رسول حميد بن يصل الزناني، يعرفان الناصر بما كان من دخولهما مدينة تاهرت، ~~وأنهما أقاما فيها الدعوة له. # وفي منسلخ شوال، قدم على الناصر رسولان من أبي يزيد مخلد بن كيداد ~~المعروف بصاحب الحمار، القائم بإفريقية على أبي القاسم الشيعي، برسالة منه ~~يخبر بتغلبه على القيروان ورقادة وعملهما، وإيقاعه بأصحاب الشيعي فيها، وما ~~يعتقده من ولاية الناصر، وياوي إليه من اعتقاد إمامته. واتصلت كتب أبي يزيد ~~ورسله على قرطبة من ذلك الوقت إلى حين وفاته. # وفي سنة 334، جلس الناصر لدين الله لوداع رسل أهل القيروان الواردين عليه ~~من قبلهم وقبل أبي يزيد مخلد بن كيداد اليفرني الناجم بأرض إفريقية في ذلك ~~الوقت، محتسبا في جهاد ملوك الشيعة المنتزين على إفريقية من آل PageV02P212 # عبيد الله الداعي، وكان له في القيام عليهم وقائع شنيعة؛ فوصلوا إلى ~~الناصر في هذا اليوم، وهم ثلاثة نفر، أوجههم تميم بن أبي العرب التميمي؛ ~~فكلمهم بما تقتضيه رسالتهم، ودفع إليهم أجوبة من أرسلهم، وأذن لهم في ~~الانصراف إلى بلدهم، ووصلهم وكساهم؛ فانطلقوا لسبيلهم. # وفيها، وصل إلى قرطبة رسل ملك الروم الأكبر قسطنطين بن ليون صاحب ~~القسطنطينة العظمى، يكتب من ملكهم إلى الناصر؛ فقعد الناصر على سرير الملك ~~بقصر قرطبة لدخولهم عليه، ولمن تكامل بالباب من وفود البلاد، بعد أن أمر ~~باستقبالهم بالعدد والأجناد. واستوى الناصر على سريره؛ وقعد على يمينه ابنه ~~الحكم؛ وقعد سائر أولاده عن يمينه ويساره؛ وقعد الوزراء والحجاب على ~~منازلهم صفوفا. فدخل الرسل، وقد قدموا الهدايا ms433 بين أيديهم، وقد دهشوا لهول ~~ما عاينوه من جلالة الملك ووفور الجمع؛ فصقعوا بين يدي الخليفة؛ فأشار ~~إليهم أن لا؛ فدفعوا إليه كتاب مرسلهم قسطنطين. وكان الكتاب مصبوغا بلون ~~سماءي، مكتوبا بالذهب. # وفيها، كان السيل العظيم بقرطبة؛ وبلغ الماء في البرج المعروف ببرج ~~الأسد؛ فهدم من آخر القنطرة، وثلم الرضيف وغيره. # وفيها، قدم على الناصر محمد بن محمد بن كليب من القيروان؛ فحكى أن أبا ~~القاسم بن عبيد الله الشيعي هلك بالمهدية، وهو محصور من أبي زيد؛ وأن شيعته ~~قدمت ولده إسماعيل مكانه، وأنه فارس شجاع، أبي النفس؛ أقدم على أبي يزيد ~~وجموعه، ولاقاه بمدينة سوسة؛ فانهزم أبو يزيد أمامه إلى القيروان. # وفي عقب صفر منها، ولي خزانة السلاح عبد الأعلى بن هاشم المتوفي في ~~المحرم منها. # وفي سنة 335، كان ابتداء بناء مدينة سالم بالثغر الأوسط. وفي كتاب PageV02P213 # ابن مسعود: في سنة 335، ابتنى الناصر مدينة سالم القديمة التعطيل بالثغر ~~الأوسط الشرقي، المواجهة لبلد قشتيلة - دمرها الله تعالى -، وهي يومئذ ~~خالية مقفرة. وأرسل لذلك غالبا مولاه في جيش جرده معه من الحضرة، وأنفذ ~~العهد إلى قواد الثغر بالاجتماع إليه لبنيانها؛ فسارعوا إلى أمره، وبنيت ~~أحسن بناء؛ ونقل إليها البناؤون من بلاد الثغر للاختطاط لديارها والرباط ~~بها؛ فتم ذلك في صفر من هذه السنة. واطمأنت الدار بمن نزلها من المسلمين؛ ~~واكتمل بناؤها وعمرانها على مرور الأيام؛ فنفع الله المسلمين بها، وصيرها ~~شجا في حلوق الكافرين. قال: ووافى في إثر كتاب القائد ابن حدير وابن هاشم ~~كتاب من قبل عامر بن مطرف بن ذي النون إلى الناصر بما فتح الله له في ~~المشركين، وقتله العدد الكثير منهم، وبعثه برؤوسهم؛ فتمت الفتوح، وعمت ~~الفروح، وعز الإسلام، واستبشر الأنام، وطابت الأيام، بحمد ولي الإنعام، ~~الذي منه يرجى التمام، عز وجهه! وفيها، كان القحط الكائن بقرطبة. # وفيها، وصل إلى قرطبة أيوب بن أبي مخلد بن كيداد اليفرني الأباضي رسولا ~~من والده أبي يزيد؛ فقعد له الناصر قعودا؛ فأوصله إلى نفسه، وكرم لقاءه، ~~وأمر بإنزاله في قصر ms434 الرصافة؛ وقد أعد له فيه من الفرش والوطاء والغطاء ~~والآنية والآلة ما يعد لأمثاله؛ فأقام هنالك تحت نزل واسع وكرامة موصولة. # وفي سنة 336، في يوم الجمعة التاسع من المحرم منها، ورد كتاب قند مولى ~~الناصر، القائد يومئذ بطليطلة، بفتح فتحه الله على يده في أعداء الله أهل ~~جليقية؛ فقرئ في المسجد الجامع بقرطبة والزهراء؛ وبعث من ذلك برؤوس وخيل ~~أصيبت لأعداء الله. PageV02P214 # وفيها، عزل الناصر عبد الله بن محمد عن السكة، وسخط عليه لتقصير ما كان ~~فيه وأمر بسجنه. وقدم عبد الرحمن بن يحيى بن إدريس الأصم، ونقل السكة من ~~مدينة قرطبة إلى الزهراء. # وفيها، خرج الكاتب جعفر بن عثمان المصحفي إلى ميورقة وذواتها لإصلاح ما ~~فسد من حالها. # وفيها، وصل حميد بن يصل المكناسي إلى قرطبة قاصدا إلى الناصر من بلده من ~~الغرب؛ فاستقبل بالجيش والزينة؛ وكرم الناصر مورده، وأجمل موعده. # وفي سنة 337، في النصف من المحرم، قعد الناصر بقصر الزهراء قعودا بهبا؛ ~~فدخل إليه حميد بن يصل؛ ثم وصل بعده منصور وأبو العبش، ابنا ابن أبي ~~العافية، ودخل معهما حمزة بن إبراهيم، صاحب جزائر بني مزغنا؛ فوصلهم ~~وكساهم، وأذن لهم في الانصراف إلى بلادهم. # وفيها، صلب بقرطبة علي بن عشرة، من أهل أشبونة، بعد أن قطعت يداه ورجلاه؛ ~~وكان من المفسدين في الأرض بقطع السبل. # وفيها، كانت وقيعة أرتقيرة على العدو - دمره الله -. # وفي سنة 338، كان قدوم رسل ملك الروم الأكبر صاحب القسطنطينة على الناصر، ~~راغبا منه إيقاع الموالفة واتصال المكاتبة؛ فتأهب الناصر لورودهم عليه، ~~وأمر بتلقيهم في الجيش والعدة؛ وجلس لهم الناصر الجلوس المشهور الذي ما ~~تهيأ مثله لملك قبله في جلالة الشأن، وعزة السلطان؛ ووصف ذلك يطول. ودفعوا ~~كتاب ملكهم في رق مصبوغ سماءي مكتوب الذهب؛ وكان على الكتاب طابع ذهب، وزنه ~~أربعة مثاقيل، على الوجه الواحد منه صورة المسيح - عليه السلام -، وعلى ~~الآخر صورة قسطنطين الملك وصورة ولده. # وفيها، أمر الناصر أحمد بن يعلى وحميد بن يصل المكناسي بالخروج إلى بني ~~محمد الأدارسة الحسنيين أمراء ms435 الغرب، ففصلا بمن ضم إليهما من الجيش PageV02P215 # إلى الخضراء؛ وكان خروجهما من قرطبة للنصف من رجب. وفي عقبه، قدم على ~~الناصر رسول من بعض الحسنيين، يذكر طاعتهم إليه، وانقيادهم لأمره في هدم ~~مدينة تطلون التي أنكر عليهم بناءها؛ فعقد لهم في أول شعبان، وأمر ~~بمحاربتهم؛ ثم وصل محمد بن أبي العبش الحسني إلى الناصر من أبيه أبي العبش؛ ~~فأقبل عليه الناصر، وابلغ في تكرمته؛ ثم ورد الخبر بوفاة أبي العبش، فأوصل ~~الناصر أبنه محمدا إلى نفسه، وعزاه عن والده، وعقد له على عمله، ووصله، ~~وخلع عليه وعلى الوافدين معه، وصرفهم. فخرج محمد مبادرا إلى عمله بالغرب. ~~وكان، عند وفاة أبيه أبي العبش، قصد ابن عمه قنون إلى بلده؛ فاحتوى على ~~ماله وأهله. ولما بلغ البربر إقبال محمد بن أبي العبش إلى بلده من قبل ~~الناصر، رجعوا إلى عيسى بن قنون، وقد خرج عن تبكيساس؛ فقطعوا به، وكسروه، ~~وسلبوه ما كان أخذه لابن عمه، وقتلوا أكثر أصحابه؛ فلم يخلص إلا في سبعة ~~فوارس. # وفيها، وصل إلى قرطبة أحمد بن الاطرابلسي رسول البوري بن موسى بن أبي ~~العافية بكتاب يذكر أنه صح عنده أن الخبر بن محمد بن خزر الزناتي وصل إلى ~~تاهرت، فحاربها؛ فاستنصر أهلها بميسور قائد الشيعي؛ فالتقوا؛ فدارت الدائرة ~~على ابن خزر أول نهارهم، ثم كانت الكرة لوناتة؛ ودخل الخير أميرهم مدينة ~~تاهرت وملكها في غرة ذي القعدة، وأخذ قائد الشيعى أسيرا في عدة من أصحابه؛ ~~ووقع في يده عبد الله بن بكار اليفرني الذي توجه إلى الشيعي برأس أيوب بن ~~أبي يزيد؛ فأرسل به إلى يعلى بن محمد بن صالح اليفرني ليقتله بوالده بعدما ~~كان أخذ كل ما عنده؛ فلم يرض يعلى بذلك، ولا رآه كفوا لعبده، فكيف لوالده؛ ~~ودفعه المذكور إلى رجل من البربر كان قد قتل ابنه، فقتله به. ودخل يعلى بن ~~محمد وهران، فملكها. PageV02P216 # وفيها، جرت قصة الولد عبد الله بن الناصر التي أراد الله بها ابتلاء أبيه ~~فيه؛ فعجل الوثوب به وبأصحابه آخر هذه ms436 السنة، عجل عليهم فيها بأفظع العقاب؛ ~~فقتلهم؛ وتأتي بابنه عبد الله مديدة إلى أن طوقه الحسام في آخر سنة 338؛ ~~وكان الحكم أخوه ذكر عنه أنه يريد القيام على أبيه؛ فقبل قوله فيه. وكان ~~عبد الله من أهل العلم والذكاء والنبل. # وفي سنة 339، أخرج الناصر قائده أحمد بن يعلى نحو جليقية، وجاء في انتهاز ~~فرصة من العدو؛ فأعانه الله عليها، واقتحم على غفلة؛ فافتتح ثلاثة حصون، ~~وسبى نحوا من ألف سبية، وانصرف آخر رجب من السنة. # وفيها، ورد الخبر بهلك ردمير بن أردون صاحب جليقية؛ فملكت الجلالقة ابنه ~~أردون، ونازعه أخوه غرسية؛ فجرى بينهم اختلاف أظفر الله بن المسلمين. # وفيها، وصل إلى قرطبة ابنا البوري بن موسى بن أبي العاقبة أمير الغرب. ~~وورد رسول الأمير الخير أمير زناتة وكبير أمراء الغرب إلى الناصر، يذكر ما ~~أتاح الله له من دخول مدينة تاهرت، وظفره بميسور وعبد الله بن بكار اليفرني ~~قواد الشيعي؛ فقرى كتابه بجامعي قرطبة والزهراء. ثم ورد كتاب عبد الرحمن ~~ابن عبد الله الزجالي من جهة شذونة، يذكر أن بني محمد الأدارسة بالغرب ~~زحفوا إلى حميد بن بصل قائد الناصر، ونزلوا عليه، والتقوا به؛ فكانت ~~الدائرة على بني محمد، وانصرفوا مغلوبين. # وفي سنة 340، كانت للمسلمين غزوات على الروم، نصرهم الله فيها. منها فتح ~~على يد قائد بطليوس بجيليقة، هزمهم أقبح هزيمة، قتل جملة من حماتهم ~~ومقاتلتهم، وسبى من نسائهم وذراريهم نيفا على ثلاثمائة رأس؛ ووصل ذلك السبي ~~إلى قرطبة لثلاث خلون من المحرم؛ وفتح آخر على يدي أحمد بن يعلى قائد ~~الناصر؛ وفتح آخر على يدي رشيق قائد الناصر على طلبيرة؛ وفتح آخر على يدي ~~يحيى بن هاشم النجيبي. PageV02P217 # وغي غرة جمادى الآخرة، وهو الثامن من أكتوبر، هبت بقرطبة ريح عاصف، ~~وتتابع البرق، واشتد الهول، ونزلت صاعقة في دار أحمد بن هاشم ابن عبد ~~العزيز، فقتلت امرأة، وأبطلت أخرى. # وفي سنة 341، كان للمسلمين غزوة في الروم، نصرهم الله فيه، وفتوحات ~~ومنوحات. # وفي آخر جمادى الأولي، وردت الأخبار بأن زبرى بن ms437 مناد الصنهاجي عامل ~~الشيعي على تاهرت أسر سعيد بن خزر زعيم زناتة وكبيرها. # وفي هذا الوقت، ورد كتاب ابن يعلى قائد الأسطول بقبضة لرهن محمد ابن ~~إدريس الحسني كبير أمراء الأدارسة. # وفي آخر جمادى الآخرة، وصل إلى قرطبة فتوح بن الخير بن محمد بن خزر كبير ~~أمراء زناتة بأرض الغرب، وافدا إلى الحضرة، ومعه وجوه أهل تاهرت ووهران؛ ~~وأدخلت بين يديه الرؤوس التي احتزها للقواد المشارقة ووجوههم من رجال ~~إسماعيل الشيعي العبيدي، يقدمها رأس ميسور الخصي ورأس محمد بن ميمون ~~وغيرهما من رؤوس أعلام الشيعة، وعشرة من بنودهم، أدخلت منكسة، معها عدة من ~~طبولهم؛ فرفعت هذه الرؤوس والبنود والطبول على باب قصر قرطبة، وأقيمت له ~~ولمن جاء معه الكرامات الواسعة. # وفي سنة 342، قدمت رسل هوتو ملك الصقالبة على الناصر. # وفيها، خرج القائد أحمد بن يعلى غازيا إلى جليقية؛ فمنحه الله في الكفار ~~القتل للرجال، والسبي للذرية والعيال، وإحراق القرى، وانتساف النعم؛ فقرى ~~كتابه يوم الجمعة لليلتين بقيتا من ربيع الأول بقرطبة؛ وقرى معه كتاب ~~القائد غالب، يذكر عظيم ما فتح الله عليه ومنحه من نكاية المشركين؛ ثم دخلت ~~الرؤوس إلى قرطبة، ومعها النواقيس والصلبان، فقرت عيون أهل الإسلام. PageV02P218 # وفي سنة 343، ولي الناصر مدينة طليطلة القائد أحمد بن يعني، وصرف عنها ~~محمد بن عبد الله بن حدير. # وفيها، فصل القائد حميد بن يصل، المستأمن إلى الناصر، بالجيش الذي ضمه ~~إليه إلى بلاد الغرب، وخرج معه القرشي السليماني المستأمن إلى الناصر أيضا، ~~الذي كان أميرا على مدينتي تنس وأرشقول وما بينهما من أرض إفريقية؛ فأخرجه ~~عنها قواد الشيعي. واسمه علي بن يحيى، ينتسب إلى علي بن أبي طالب - رضي ~~الله عنه -؛ فكان خروجهما من بين يدي الناصر بعد أن خلع عليهما خلع الوداع، ~~بعد خلع تقدمت له عليهما بيوم قبل وصولهما من دراريع الديباج والخز وعمائم ~~الشرب المذهبة وغير ذلك. ودفع لحميد سبعة عشر ألفا للنفقة على الجند، ومن ~~أحمال الكسوة سبعة أحمال. # وفيها، وصل إلى قرطبة وقد أزداجة من البربر الذين ms438 انحاشوا إلى الطاعة؛ ~~فكساهم الناصر ووصلهم. وورد كتاب فتح من حميد بن يصل قائد الناصر بالعدوة ~~بما فتح الله عليه من مدينة آسلان وانتشار الدعوة الأموية بنواحيها. # وفيها، قدم الحجاج؛ فذكروا أنه وقع بقشطاط مصر حريق عظيم احترق فيه ستة ~~ألفا بين دار ومسكن. # وفي سنة 344، وردت قواد الثغور لسبع خلون من ربيع الآخر على الناصر، ~~وفيهم غالب، ومطرف، ومحمد بن يعلى، وعبيد الله بن أحمد بن يعلى، وهذيل ابن ~~هاشم النجيبي، ومروان بن رزين، وعامر بن مطرف بن ذي النون، يذكرون أنهم ~~دخلوا إلى أرض العدو، وقصدوا حصنا من بلد قشتيلة؛ فتغلبوا على أرباضه، ~~وقتلوا جماعة من أهله، وقفلوا عنه؛ فوافتهم جموع النصرانية؛ فأيد الله ~~المسلمين، وانهزم المشركون أمامهم مقدار عشرة أميال، يقتلونهم كيف شاءوا؛ ~~فأحصى أنه قتل منهم مقدار عشرة آلاف. وكانت هذه الوقيعة بينهم لليلة PageV02P219 # بقيت من ربيع الآخر منها؛ فقرى كتابهم بهذا الفتح الجليل بقرطبة؛ ثم وردت ~~إلى قرطبة الرؤوس المحتزة في هذه الهزيمة نحو خمسة آلاف رأس؛ فأمر الناصر ~~برفعها على الخشب حوالي سور قرطبة. # ولسبه خلون من جمادى الأولي، كانت بقرطبة زلزلة عظيمة ظاهرة الهزة؛ وعادت ~~زلزلة أخرى مثلها يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت منها، وذلك عند الظهر. # وفيها، ثقف الناصر أمور الخدمة السلطانية، ووزعها بين وزرائه؛ فقلد ~~الوزير جهور بن أبي عبدة النظر في كتب جميع أهل الخدمة؛ وقلد الوزير عيسى ~~ابن فطيس النظر في كتب أهل الثغور والسواهل والأطراف وغير ذلك؛ وقلد الوزير ~~الكاتب عبد الرحمن الزجالي النظر في تنفيذ كل ما يخرجه من العهود ~~والتوقيعات، وينفذ به الأمر أو الرأي وغير ذلك؛ وقلد الوزير محمد بن حدير ~~النظر في مطالب الناس وحوائجهم، وتنجيز التوقيعات لهم. فالتزم القوم ما ~~ألزموا؛ فاعتدل بهم ميزان الخدمة، وسهلت مطالب الرعية. # وفيها، ورد كتاب يعلى بن حميد قائد العدوة من قبل الناصر بما فتح الله ~~عليه في قائد الشيعي معد بن إسماعيل صاحب إفريقية من هزيمته له وقتله من ~~قتل من رجاله وغير ذلك. ووصل ms439 إلى قرطبة ابن عم حميد بن يصل، ومعه ستة ~~وثلاثون من وجوه كتامة وغيرهم من القبائل المستأمنين إليه من عسكر الشيعي؛ ~~فأمر الناصر بانزالهم، وجلس لهم على سريره بقصر الزهراء يوم الثلاثاء ربع ~~خلون منه؛ فوصلوا إليه؛ فرأوا مقاما جليلا، وكلموه، فرد عليهم جميلا، وأحسن ~~موعدهم، وأمر بالخلع عليهم، ووصلوا بصلات جزلات، وأمروا بالرجوع إلى القائد ~~حميد بن يصل. # وفيها، أمر الناصر بإطلاق اللعن على ملوك الشيعة بجميع منابر الأندلس، ~~وإنفاذ كتبه بذلك إلى العمال بسائر الأقطار. PageV02P220 # وفي سنة 345، وطئ غالب، قائد أسطول الناصر، أرض سواحل إفريقية من عمل ~~الشيعي. # وفيها، قدم محمد بن حسين رسولا كان من الناصر إلى الطاغية أردون ابن ~~ردمير ملك جليقية، ومعه حسداي بن شبروط اليهودي، بكتابه إلى الناصر، راغبا ~~منه في الصلح؛ فأسعفه الناصر في ذلك على اختيار ولده الحكم، واشترط على ~~الطاغية شروط؛ وانصرفت رسله بذلك. # وفيها، قتل محمد بن أبي العيش الإدريسي أمير الغرب. # وفيها، خرج قاسم بن عبد الرحمن إلى حميد بن يصل قائد الناصر بالغرب من ~~قرطبة بأحد عشر حملا من المال وأحمال العدة، تقوية على الذب عن الدولة ~~المروانية بالغرب، وذلك لخمس خلون من صفر منها. ولما كان يوم النصف منه، ~~ورد كتاب حميد بدخوله مدينة تلمسان. # وفي سنة 346، قدم إلى الناصر أمراء بني رزين ومن التف إليهم؛ فوصل إلى ~~الناصر كبيرهم مروان بن هذيل بن رزين الثائر بالسهلة المنسوبة إليهم؛ ~~فأدنوا وأكرموا. # وفيها، برز القائد غالب الناصري إلى فحص السرادق غازيا إلى دار الحرب؛ ~~ففتح عليه في بلاد المشركين؛ وفتح الحصون وقتل المقاتلة واكتسح بسيط عدو ~~الله غرسية بن شانجه ملكهم، وخرب قراه، ورجع بالمسلمين ظاهرين. وكذلك برز ~~القائد أحمد بن يعلى للغزو إلى بلد العدو تاليا للقائد غالب؛ فورد كتابه ~~يوم الأحد لخمس بقين من ربيع الآخر بفتح عظيم تهيأ له في غزوة إلى جليقية، ~~وأنه ثخن في قتلهم، وحز من رؤوسهم أربعمائة، واستاق من الماشية والكراع ما ~~فات الإحصاء. # وفي سنة 347، أول المحرم، أمر الناصر صاحب ms440 الشرطة القائد أحمد بن يعلى ~~بالخروج غازيا في الأسطول إلى بلد الشيعي معد بن إسماعيل صاحب PageV02P221 # إفريقية؛ فبرز ابن يعلى إلى محلة الربض لغزاته هذه يوم الخميس لثمان خلون ~~منه؛ وكان بروزه فخما، خرج إليه من النظارة من أهل قرطبة رجالهم ونسائهم ~~وأبنائهم وولدانهم خلق لا يحصيهم إلا خالقهم؛ فانتشروا بأكناف الربض على ~~عادتهم؛ فأخذ السفلة منهم والغوغاء يتقاذفون بالحجارة حاكين لصفي القتال؛ ~~فدخل في عرضهم قوم من الطنجيين من جند السلطان حشوا الضراب بينهم، حتى حمى ~~وطيسه، وقد تكنف صفيهم من النظارة الرجال والنساء خلق عظيم. فلم يك إلا ~~ساعة، ودارت بينهم جولة ظهر فيها أحد صفيهم؛ فمالوا على مغلوبهم، وانبسطوا ~~عليهم؛ فامتد الطنجيون بغالب شرهم وجهلهم إلى نهب مغلوبهم من الرجال، ~~وتخطوهم إلى من حولهم من النظارة، وانبسطوا على النساء؛ فسلبوهن ثيابهن، ~~وفضحوا كثيرا منهن؛ فجعل المجردات من النساء يتوارين في الزرع المكتل، حياء ~~من الناس، وترقبا لوقت تفرقهم. وشرح ذلك يطول. # وفي جمادى الآخرة منها، ورد كتاب قائد الأسطول أحمد بن يعلى من مدينة ~~آسلان من عمل تلمسان، يذكر أن جوهرا قائد معد بن إسماعيل صاحب إفريقية قتل ~~يعلى بن محمد بن صالح اليفرني صاحب مدينة آفكان غدرا، وأن ابن عمه انتصب ~~مكانه بإقامة من جلة قومه له، ورجع القائد المذكور إلى قرطبة ومعه ولد ابن ~~قرة، ابن عم يعلى بن محمد المتقدم الذكر، المقدم بعده في قومه بني يفرن؛ ~~فبولغ في إكرامه. # وفي سنة 348، في أول ربيع الآخر منها، خرج علي بن يحيى الحسني إلى شرشل ~~مكانه من العدوة قائدا، بمن انضم إليه من الحشم، لمكافحة أصحاب الشيعي صاحب ~~إفريقية. # وفي أول ذي القعدة منها، أوصل الناصر إلى نفسه حريز بن منذر في جماعة من ~~وجوه الموالي والعرفاء ورجال الجند، يأمرهم جميعا بالخروج إلى مدينة PageV02P222 # مسنة من أرض العدوة، مع بدر الفتى الكبير صاحب السيف، لتنفيذ العدد فيها ~~من أجل جولان جوهر قائد معد الشيعي صاحب القيروان بأرض العدوة؛ فنفذوا ~~لأمره، ومكثوا كذلك إلى أن أمنت ms441 الحادثة؛ فانصرفوا مع القائد بدر، آخر ذي ~~الحجة من السنة. # وفي سنة 349، كان ابتداء علة الناصر، وذلك يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة ~~خلت من صفر، وذلك نصف النهار منه، طرقت أمير المؤمنين الناصر علته الصعبة ~~من الريح الباردة؛ فأرجف به، وخيف عليه، وأكبت الأطباء على معالجته، إلى أن ~~ظهر عليه تجفيف؛ فتجشم القعود لخاصته في العشر الأوائل لجمادى الأولي. فوصل ~~إليه الفتيان الأكابر، وصاحب الطراز، وخواص أكابر العبيد كمظفر وذويه؛ ~~فاستبشر أهل المملكة بما بدا لهم من انحطاط مرضه، وسألوا الله كمال عاقبته؛ ~~والقضاء قد سبق بموته من علته؛ فلم تفارقه، تخف حينا وتثقل حينا، إلى أن ~~قضت عليه في سنة 50 التي بعد هذه. ### | بعض أخبار الناصر على الجملة # كان الناصر - رحمه الله - ملكا أزال الأواء؛ وحسم الأدواء، وقهر الأعادي، ~~وعدل في الحاضر والبادي؛ قد أسس الأوس؛ وغرس الغروس واتخذ المصانع والقصور، ~~وترك أعلاما باقية إلى النفخ في الصور. فاعتبر بالزهراء كم بها من قصر ~~مشيد، وآثار ملوك صيد؛ قد عادت معاهدها بعدهم دارسة، وآثارها دونهم طامسة؛ ~~تنفي الرياح بجنباتها، وتبكي الغيوم على عرصاتها. ولما ولي الناصر لدين ~~الله، اعتز ركن الدين، واحتمى ذمار المسلمين، وقام الجهاد على ساق، وخمدت ~~نار الخلاف والشقاق، ودخل الناس PageV02P223 # في طاعته أفواجا، واستنفروا إلى دعوته أفرادا وأزواجا. فناهيك من فضل ~~أعطاهم، وعدل أكنفهم به وغطاهم، وتكرمة أنالهم إياها، ومسرة أبدى لهم ~~محياها؛ قد ملك سبتة وما يليها من الأقطار، وطرد عنها ملوك الأدارسة طرد ~~الليل النهار، وبث عماله وقواده فيها، وطاعت له البرابر في جميع نواحيها، ~~واعتصموا بحبله، ولاذوا بفضله وعدله. وكان اصطفى مولاه بدرا، وجعله شمسا ~~لملكه وبدرا، وقلده خطة الحجاب، وجعل له النفي والإيجاب؛ فشد ملكه بقوة ~~ساعد، وسعج مساعد؛ ثم قدم موسى بن حدير؛ فكمل به الملك واتسق واتفق له من ~~الجد ما اتفق؛ فقاد عسكرا مجرا، وجر الدنيا جرا. # ومن قول ابن عبد ربه فيه (بسيط) : # قد أوضح الله للإسلام منهاجا ... والناس قد دخلوا في الدين أفواجا # وقد تزينت ms442 الدنيا لساكنها ... كأنما ألبست وشيا وديباجا # يا ابن الخلائف إن المزن لو علمت ... نداك ما كان منها الماءنجاجا # والحرب ولو علمت بأسا تصول به ... ما هيجت من حمياك الذي اهتاجا # مات النفاق وأعطى الكفر ذمته ... وذلت الخيل إلجاما وإسراجا # وأصبح النصر معقودا بألوية ... تطوى المراحل تهجيرا وإدلاجا # إن الخلافة لن ترضى ولا رضيت ... حتى عقدت لها في رأسك التاجا # ومن مناقبه، أنه لم يبق في القصر الذي هو من مصانع أجداده ومعالم أولىته ~~بنية إلا وله فيها أثر محدث، إما بتجديد أو بتزييد. ومن مناقبه، كثرة جوده ~~الذي لم يعرف لأحد قبله من أجواد الجاهلية والإسلام، حتى قيل فيه - رحمة ~~الله عليه - (كامل) : PageV02P224 # يا ابن الخلائف والعلى للمعتلى ... والمجد يعرف فضله للمفضل # نوهت بالخلفاء بل أخملتهم ... حتى كأن نبيلهم لم ينبل # أذكرت بل أنسيت ما ذكر الورى ... من فعلهم فمأنه لم يفعل # وأتيت آخرهم وشأوك فائت ... للآخرين ومدرك للأول # تأبي فعالك أن تعد لآخر ... منهم وجودك أن يعد لأول # وكم للناصر - رحمه الله - من غزوات مذكورة، وفتوحات مشهورة، يبقى في ~~الأعقاب فخرها، ولا يبلى على مر الأحقاب أثرها. # وقد نظم ابن عبد ربه في غزواته أرجوزة من سنة 301 إلى سنة 322. وقد أطال ~~الشعراء في مدحه، وأطنبوا في شكره؛ ولولا أن الناس مكتفون بما في أيديهم ~~منها، لأعدنا هنا ذكرها أو ذكر بعضها؛ ولكن المذهب هنا الاقتصار والإيجار ~~والاختصار. # حكاية # # ومما ذكر من إفضاله، مع بعض عماله، قال حيان بن خلف: كان محمد بن سعيد ~~المعروف بابن السليم قد احتجن أموالا كثيرة بتصرفه في كبار الولايات في ~~المدة الطويلة؛ فعلم ذلك منه الناصر؛ فعرض له مرارا في أن يساهمه فيه عن ~~طيب نفس منه، وهو ملكه، ولو شاء لأخذه منه، ولكن أبى ذلك كرم طبعه. فقال في ~~مجلسه يوما: (ما بال رجال من خاصتنا توسعوا في دنيانا، فطفقوا يحتجون ~~الأموال، ويضيعون تعمدنا، وهم يرون غليظ مئونتنا في الإنفاق على شؤوننا ~~التي بقدرتنا عليها صلاح أحوالهم ورفاهية عيشهم. ويعلمون أن ms443 أمير المؤمنين ~~عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، قسطاس الموازين، قاسم عماله أرباحهم في ~~تجاراتهم؛ فجعلها في بيت المال، وهو من هو، وهم من هم، والأسوة في فعله!) ~~فسكت ابن السليم عنه وغالطه في تعرضه كأنه PageV02P225 # يعني غيره. فازداد الناصر حنقا عليه وغيظا؛ فقال له يوما في بعض مجالسه ~~الخاصة معه، وقد أخذ الشراب منه، وشق تفاحة بسكين في يده: (وددت أن أشق ~~هكذا رأس من أعرف له مالا كثيرا غله دوننا، ولم يسهم بيت المال منه!:) فطار ~~عقل ابن السليم، ولم يختلجه الشك في أنه المعني به؛ فقام بين يديه، وقال: ~~(يا أمير المؤمنين! طال ما عرضت بي! فسكت؛ بلى والله! إن عندي مالا كثيرا، ~~وهو دون ظنك فيه، حطته بالتقتير، وأعددته للدهر العثور، ولست والله أعطيك ~~منه درهما، فما فوقه، ورأيك في جميل إلا أن تستحل) (وأعوذ بالله!) أن تمد ~~يدك إليه بغير جناية مني عليك! فإن الأنفس محضرة الشح. قال: فخجل الناصر ~~وأطرق يتلو قول الله تعالى: [إن يسئلكموها فيحفكم أن تبخلوا ويخرج ~~أضغانكم.] ثم أقبل على ابن السليم يونسه ويسكن جأشه، إلى أن اعتدل مجلسه؛ ~~فجعل يمعن في الشرب طلبا للسكر الذي خامره من الذعر. فقال له الناصر: (خفض ~~عليك، يا محمد؛ فلا سبيل إليك!) فلما سكر ابن السليم، تهوع؛ فقذف، وابتدره ~~الوصفاء بالطست والمناديل؛ فأقبل الناصر وأخذ برأسه يمسكه، ويقول له: ~~(استفرغ ما في معدتك وتأن بنفسك!) . فأنكر ابن السليم كلامه بين الخدم، ~~وصرف إليه رأسه، وإذا به الناصر. فما تمالك أن خر إلى رجليه يقبلهما، ~~ويقول: (يا ابن الخلائف! إلى هنا انتهيت من بري!) وجعل يدعو له، ويعظم ~~شكره؛ فقال له الناصر: (ليتني أخرج كفافا من شأني معك الليلة: تأنيسا ~~بإخافة وإلطافا بجفوة) . ثم أمر له بكسوة، وانقلب إلى أهله. فكان هذا مما ~~يعد من كرمه وفضله. فلما مضت أيام، أرسل ابن السليم إلى الناصر بمائة ألف ~~دينار دراهم؛ فقبلها الناصر، وشكر فضله) وعوضه بكبير الولايات، وصحبته منه ~~النعمة العريضة إلى حين وفاته. # حكاية ms444 # ومازح الناصر - رحمه الله - يوما وزيره أبا القاسم لبا؛ فقال له: PageV02P226 # (يا لب اهج الوزير عبد الملك بن جهور!) فامتنع عليه؛ فقال لابن جهور: ~~(فأهجج أنت، إذ أبى هو من هجوك) . فقال: (يا أمير المؤمنين، أتوقع عرضي ~~منه، وأصون نفسي عنه!) فقال الناصر: (فأنا أهجوه.) فقال (سريع) : # لب أبو القاسم ذو لحية ... طويلة في طولها ميل # ثم قال لابن جهور: (لا بد لك من تذييل هذا البيت؛ فدع الاعتذار.) فقال: # وعرضها ميلان إن كسرت ... والعقل مأفون ومدخول # لو أنه أحتاج إلى غسلها ... لم يكفه في غسلها السيل # فضحك الناصر، وقال للب: (إنه قد سبب لك القول؛ فقل!) فقال لب: # قال أمين الله في خلقه ... لي لحية أزرى بها الطول # وابن عيير قال قول الذي ... مأكوله القرظيل والفول # لولا حيائي من إمام الهدى ... نخشت بالمنخس (شو قول) # فلما بلغ لب إلى قوله (شو) سكت؛ فقال له الناصر: (قول) . فأتم له على نحو ~~ما أضمر؛ فقال له: (أنت هجوته، يا مولاي!) فضحك الناصر، وأمر له بصلة. # وكان الناصر قد خرج يوما على فرس أبلق في هيئة جليلة والوزراء قد حفوا ~~به؛ فقال ابن عبد ربه في ذلك مرتجلا (سريع) : # بدر بدا من تحته أبلق ... يحسد فيه المغرب المشرق # لو يعلم الأبلق من فوقه ... لاختال من عجب به الأبلق # إمام عدل باسط كفه ... يرزق منها الله من يرزق # عابه الدهر الذي قد مضى ... وجد والله به المخبلق PageV02P227 # وكان، لما ترعرع ابنه الحكم بن عبد الرحمن، ولاه العهد من بعده. وكان له ~~أخ اسمه عبد الله؛ فحسده على ذلك، واجتمع عليه قوم وأراد قتل أخيه؛ واتفق ~~مع أصحابه أن يبادروه؛ فافتضحوا وقتلوا جميعا، كما تقدم. وأما الولد عبد ~~الله، فذكر أنه أخرجه أبوه الناصر ثاني يوم عيد الأضحى؛ فذبح بين يديه - ~~رحمه الله -؛ وكان عالما فاضلا. # وكان الناصر أمر ببناء الصومعة العظيمة في سنة 340، وشرع في بنائها؛ وهي ~~الشهيرة التي لا صومعة تعدلها. وكان الذي دعاه إلى بنائها حدث في القديمة؛ ~~فهدمت إلى قواعدها ms445 وبنيت بصخر الحجارة المنقولة إليها على العجل؛ وجمع لها ~~فجاءت فائقة الصنعة. وقد كانت الأولى ذات مطلع واحد؛ فصير لهذه مطلعين، ~~وفصل بينهما بالبناء؛ فلا يلتقي الراقون فيها إلا بأعلاها. ولكل مطلع منها ~~مائة درج وسبعة أدراج؛ وطولها ثمانون ذراعا بالرشاشي إلى وقوف المؤذن؛ وفي ~~أعلى ذروة المنار ثلاث رمانات تغشى النواظر بشعاعها، وتخطف الأبصار ~~بالتماعها: الأولى مفروغة من الذهب، والوسطى من الفضة، والثالثة من الذهب ~~أيضا؛ وفوقها سوسانة من الذهب المحض مسدسة؛ وفوق السوسانة رمانة صغيرة من ~~الذهب؛ ثم طرف الزج، وفيه تأريخ مكتوب بالذهب. وزنة كل رمانة من الثلاثة ~~المذكورة قنطار واحد فما دونه، ودور كل واحدة ثلاثة أذرع ونصف. وكمل بناء ~~الصومعة في جمادى الأولى؛ فذلك ثلاثة عشر شهرا. # وكان الناصر زاد في المسجد الجامع بقرطبة زيادته المشهورة، المتصلة ~~بزيادة ابنه الحكم بعده، وفيها القبو الكبير الذي يصطف المؤذنون أمامه يوم PageV02P228 # الجمعة للأذان، وهو من أعجب البنيان. وإذ قد وقع ذكر المسجد الجامع ~~بقرطبة؛ فالواجب أن نذكر أول من أحدثه ومن تولي بناءه من ملوك بني أمية. ~~على سبيل الاختصار؛ فنقول: ### | ذكر مسجد قرطبة الأعظم # ذكر الرازي عن الفقيه محمد بن عيسى أنه قال: لما افتتح المسلمون الأندلس، ~~استدلوا بما فعل أبو عبيدة وخالد - رضي الله عنهما - عن رأي أمير المؤمنين ~~عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - من مشاطرة الروم في كنائسهم مثل كنيسة دمشق ~~وغيرها مما أخذوه صلحا. فشاطر المسلمون أعاجم قرطبة في كنيستهم العظمى التي ~~كانت بداخلها، وابتنى المسلمون في ذلك الشطر مسجدا جامعا. وبقى الشطر ~~الثاني بأيدي الروم، وهدمت عليهم سائر الكنائس. فلما كثر المسلمون ~~بالأندلس، وعمرت قرطبة ونزلها أمراء العرب بجيوشهم. ضاق عنهم ذلك المسجد، ~~وجعلوا يعلقون منه سقائف؛ فنال الناس من الضيق مشقة عظيمة. فلما دخل عبد ~~الرحمن بن معاوية الأندلس، وسكن قرطبة، نظر في أمر الجامع، وتوسيعه، وإتقان ~~بنائه؛ فأحضر أعاجم قرطبة، وسألهم بيع ما بقي بأيديهم من الكنيسة المذكورة، ~~وأوسع لهم البذل فيه، وفاء بالعهد الذي صولحوا عليه؛ وأباح لهم ms446 بناء ~~كنائسهم التي كانت هدمت عليهم في وقت الفتح بخارج قرطبة. وخرجوا عن الشطر؛ ~~فاتخذه وأدخله في الجامع الأعظم. وكان شروع عبد الرحمن الداخل في هدم ~~الكنيسة وبناء الجامع سنة 169؛ وثم بناؤه، وكملت بلاطاته، واشتملت أسواره ~~في سنة 170؛ فذلك مدة من عام كامل؛ فقيل إن النفقة التي أنفق الإمام عبد ~~الرحمن بطول هذه السنة في بناء الجامع ثمانون ألفا بالوازنة. وفي ذلك يقول ~~البلوي - رحمه الله - (طويل) : PageV02P229 # وأبرز في ذات الإله ووجهه ... ثمانين ألفا من لجين وعسجد # فأنفقها في مسجد أسه الشقي ... ومنهجه دين النبي محمد # ثم زاد ابنه هشام صومعة، كان ارتفاعها أربعين ذراعا إلى موضع الأذان وبنى ~~بآخر المسجد سقائف لصلاة النساء؛ وأمر ببناء الميضأة بشرقي الجامع. وأقام ~~الجامع على هيئته تلك إلى أيام عبد الرحمن بن الحكم؛ ثم زاد عبد الرحمن بن ~~الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل الزيادة المنتظمة بالأرجل، طولها خمسون ~~ذراعا، وعرضها مائة وخمسون، وعدد سواريها ثمانون سارية؛ وكان الفراغ من هذه ~~الزيادة في جمادى الأولى سنة 234. ثم زاد الأمير محمد بن عبد الرحمن أن أمر ~~بإتقان طرر الجامع، وتنميق نقوشه، وبإقامة المقصورة، وجعل لها ثلاثة أبواب؛ ~~فلما كمل ما أمر به في الجامع، دخله وصلى فيه ركعات خشع فيها. فقال في ذلك ~~موسى بن سعيد (طويل) : # لعمري لقد أبدى الإمام التواضعا ... فأصبح للدنيا وللدين خاشعا # بنى مسجدا لم يبن في الأرض مثله ... وصلى به شكرا لذي العرش راكعا # فطوبى لمن كان الأمير محمد ... له إذ دعا فيه إلى الله شافعا # ثم زاد الأمير المنذر بن محمد البيت المعروف ببيت المال في الجامع؛ فوضع ~~فيه الأموال الموقفة لغياب المسلمين؛ وأمر بتجديد السقاية وإصلاح السقائف. ~~ثم زاد أخوه الأمير عبد الله بن محمد ساباطا معقودا على حنايا، أوصل به ما ~~بين القصر والجامع من جهة الغرب؛ ثم أمر بستارة من آخر هذا الساباط إلى أن ~~أوصلها بالمحراب؛ وفتح إلى المقصورة بابا كان يخرج منه إلى الصلاة؛ وهو أول ~~من اتخذ ذلك من أمراء بني ms447 أمية بالأندلس - رحمهم الله -. # رجع الخبر إلى ذكر الناصر. قيل إنه أنفق في صومعة المسجد وفي تعديل PageV02P230 # المسجد وبنيان الوجه للبلاطات الأحد عشر بلاطا سبعة أمداد وكيلين ونصف ~~كيل من الدراهم القاسمية. وجملة ما أنفق عبد الرحمن الناصر في بناء مدينة ~~الزهراء وقصورها خمسة وعشرون مدبا من الدراهم القاسمية وستة أقفزة وثلاثة ~~أكيال ونصف. ### | ذكر بناء مدينة الزهراء بقرطبة أعادها الله للإسلام بفضله # ابتدئ بنيانها في أيام الناصر من أول سنة 325. وكان يصرف فيها كل يوم من ~~الصخر المنجور ستة آلاف صخرة سوى التبليط في الأسوس؛ وجلب إليها الرخام من ~~قرطاجنة إفريقية ومن تونس؛ وكان الأمناء الذين جلبوه عبد الله بن يونس، ~~وحسن القرطبي، وعلي بن جعفر الإسكندراني؛ وكان الناصر يصلهم على كل رخامة ~~بثلاثة دنانير، وعلى كل سارية بثمانية دنانير سجلماسية. وكان فيها من ~~السواري أربعة آلاف سارية وثلاثمائة سارية وثلاث عشرة سارية، المجلوبة منها ~~من إفريقية ألف سارية وثلاث عشرة سارية. وأهدى إليه ملك الروم مائة وأربعين ~~سارية؛ وسائر ذلك من رخام الأندلس. وأما الحوض الغريب المنقوش المذهب ~~بالتماثيل، فلا قيمة له، جلبه ربيع الأسقف من القسطنطينية من مكان إلى مكان ~~حتى وصل في البحر؛ ووضعه الناصر في بيت المنام في المجلس الشرقي المعروف ~~بالمؤنس؛ وكان عليه اثنا عشر تمثالا من الذهب الأحمر مرصع بالدر النفيس ~~العالي مما صنعه بدار الصنعة بقصر قرطبة. وكان المتولي لهذا البنيان ~~المذكور ابنه الحكم، لم يتكل الناصر فيه على أمين غيره. وكان يخبز في أيامه ~~كل يوم يرسم حيتان البحيرات ثماني مائة خبزة، وهذا من أعظم الأشياء إلى ما ~~فوق ذلك. # وكان الناصر قد قسم الجباية على ثلاثة أثلاث: ثلث للجند، وثلت للبناء، ~~وثلث مدخر. وكانت جباية الأندلس يومئذ من الكور والقرى خمسة آلاف ألف PageV02P231 # وأربعمائة ألف وثمانين ألف دينار، ومن المستخلص والأسواق سبع مائة ألف ~~دينار وخمسة وستين ألف دينار. # ومما قيل في آثار مدينة قرطبة وعظمها حين تكامل أمرها في مدة بني أمية - ~~رحمهم الله تعالى - إن عدة الدور التي ms448 بداخلها للرعية دون الوزراء وأكاب ~~أهل الخدمة مائة ألف دار وثلاثة عشر ألأف دار؛ ومساجدها ثلاثة آلاف؛ وعدة ~~الدور التي بقصرها الزهراء أربعمائة دار، وذلك لسكنى السلطان وحاشيته وأهل ~~بيته. وعدد الفتيان الصقالبة ثلاثة آلاف وسبع مائة وخمسون. وعدة النساء ~~بقصر الزهراء الكبار والصغار وخدم الخدمة ستة آلاف وثلاثمائة امرأة؛ وكان ~~لهؤلاء من اللحم ثلاثة عشر ألف رطل ينقسم من عشرة أرطال للشخص إلى ما دون ~~ذلك، سوى الدجاج والحجل وصنوف الطير وضروب الحيتان. وعدد حماماتها ثلاثمائة ~~حمام؛ وقيل إنها المبرزة للنساء. وكان عدد أرباض قرطبة - أعادها الله ~~للإسلام - في ذلك الوقت ثمانية وعشرين ربضا، منها مدينتان: الزهراء ~~والزاهرة. وأما اليتيمة التي كانت في المجلس البديع، فإنها كانت من تحف ~~قيصر اليوناني صاحب القسطنطينة، بعض بها للناصر مع تحف كثيرة سنية. فسبحان ~~من لا يبيد ملكه ولا ينقطع عزه!. # وفي سنة 350، توفى الناصر - رحمه الله -، وذلك في صدر رمضان منها. ووجد ~~بخطه تأريخ قال فيه: (أيام السرور التي صفت لي دون تكدير في مدة سلطاني يوم ~~كذا من شهر كذا من سنة كذا.) فعدت تلك الأيام؛ فوجد فيها أربعة عشر يوما. ~~فأعجب أيها الغافل لهذه الدنيا، وعدم صفائها، وبخلها بكمال الأحوال ~~لأولائها. إن الخليفة الناصر ملك خمسين سنة وسبعة أشهر وثلاثة أيام، ولم ~~يصف له من الدنيا إلا أربعة عشر يوما! فسبحان ذي العزة العالية، والمملكة ~~الباقية، تبارك اسمه وتعالى جده! PageV02P232 # وممن رثاه، جعفر بن عثمان المصحفي، فقال (طويل) : # ألا إن أياما هفت بإمامها ... لجائرة مشتطة في احتكامها # فلم يولم الدنيا عظام خطوبها ... وأحداثها إلا قلوب عظامها # تأمل فهل من طالع غير آفل ... لهن وهل من قاعد لقامها # وعاين فهل من عائش برضاعها ... من الناس إلا ميت بفطامها # كأن نفوس الناس كانت بنفسه ... فلما توارى أيقنت بحمامها # فطار بها يأس الأسى وتقاصرت ... يد الصبر عن أعوالها واحتدامها ### | خلافة الحكم بن عبد الرحمن المستنصر بالله # نسبه: الحكم بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن ms449 ~~الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل. كنيته: أبو المطرف. أمه: اسمها ~~مهرجان. عمره: ثلاثة وستون سنة وسبعة أشهر. بويع بعد موت أبيه لثلاث خلون ~~لرمضان سنة 350. وتوفى ليلة الأحد لثلاث خلون من صفر من سنة 366؛ فكانت ~~دولته خمس عشرة سنة، وسبعة أشهر، وثلاثة أيام. لقبه: المستنصر بالله. صفته: ~~أبيض مشرب بحمرة، أعين، أقنى، جهير الصوت، قصير الساقين، ضخم الجسم، غليظ ~~العنق، عظيم السواعد، أفقم. # قضاته: منذر بن سعيد البلوطي قاضي أبيه؛ ثم أبو بكر محمد بن السليم. نقش ~~خاتمه: الحكم بقضاء الله راض. # وافتتح خلافته بالنظر في الزيادة في المسجد الجامع بقرطبة؛ وهو أول عهد ~~أنفذه؛ وقلد ذلك حاجبه وسيف دولته جعفر بن عبد الرحمن الصقلي، وذلك لأربع ~~خلون لرمضان من السنة، وهو اليوم الثاني من يوم خلافته. فكان أول ما عهد ~~إليه تقديم النظر في سوق الصخور التي هي أس البنيان؛ فابتدئ بانتقالها في ~~رمضان المذكور. وكان قطر قرطبة قد كثر به الناس؛ فضاق الجامع عن PageV02P233 # حملهم، ونالهم التعب في ازدحامهم؛ فسارع المستنصر إلى الزيادة فيه؛ فخرج ~~لتقديرها، وتفصيل بنيانها، وأحضر الأشياخ والمهندسين؛ فحدوا هذه الزيادة من ~~قبلة المسجد إلى آخر الفضاء مادا بالطول لأحد عشر بلاطا. وكان طول الزيادة ~~من الشمال إلى الجنوب خمسة وتسعين ذراعا؛ وعرضها من الشرق إلى الغرب مثل ~~عرض الجامع سواء؛ وقطع من هذا ساباط القصر المتخذ لخروج الخليفة إلى الصلاة ~~إلى جانب المنبر بداخل المقصورة؛ فجاءت هذه الويادة من أحسن ما زيد في ~~المسجد قبل وأشده وأتقنه. ### | ذكر الحبس الذي حبس المستنصر بالله على الجامع بقرطبة # لما كملت زيادته، أحضر الفقهاء والعدول الشهداء وأعيان الناس ووجوههم ~~وقضاتهم وأئمتهم. فحمد الله، وأثنى عليه، وجدد شكره على توفيقه، لإجراء هذه ~~البنية الكريمة على يديه، وأنه تلقى هذه النعمة العظيمة بأن حبس ربع جميع ~~ما جرته إليه الوراثة عن أبيه أمير المؤمنين في جميع كور الأندلس وأقاليمها ~~على ثغور الأندلس كافة تفرق عليهم غلات هذه الضياع عاما بعد عام على ~~ضعفائهم إلا أن تكون بقرطبة ms450 مجاعة، فتفرق فيهم إلى أن يجبرهم الله. وجعل ~~القبض والنظر في هذا الحبس إلى حاجبه وسيف دولته جعفر؛ وجعل دفع ذلك إلى ~~وزيره وكاتبه عيسى بن فطيس. وأشهد الحاضرين على ذلك، وأشهد أيضا بعتق كل ~~مملوك له من الذكران، وخرج غازيا إلى بلاد المشركين. # وفي سنة 351، غزا الحكم المستنصر بالله بلاد الروم؛ ففتح بها حصونا كثيرة ~~ومدنا جليلة، وسبى وغنم، وانصرف غانما ظافرا. # وفيها، وفد عليه أبو صالح زمور البرغواطي رسولا من ملك برغواطة أبي منصور ~~عيسى بن أبي الأنصار؛ فسأله الحكم عن أنساب برغواطة ومذاهبهم؛ فأخبره بما ~~تقدم في الجزء الأول. PageV02P234 # وكان الحكم قد أنفذ الكتب في محرم من سنة 351 إلى جميع الولاة والقواد ~~والعمال بأقطار الأندلس، يأمرهم بارتباط الخيل، والقيام عليها، والاستعداد ~~بالعدد والأسلحة والآلات برسم الجهاد في سبيل الله. # وفيها، عزل عبد الله بن بدر عن شرطة المدينة بقرطبة، وولاها محمد بن ~~جهور، وأنفذ له سجلا بذلك بخط يده. # وفيها، استحجب جعفر الصقلبي الفتى الكبير الناصري. # وفيها، وفد على المستنصر بالله أردون بن إذفونش الأحدب، من ملوك ~~الجلالقة، المنازع لابن عمه شانجه بن ردمير سابقه إلى ولاية ملكهم؛ فبالغ ~~في إكرامه في خبر طويل. وكان الفصحاء في ذلك مقامات وأشعار يطول الكتاب ~~بذكرها. فمن قول عبد الملك بن سعيد من قصيدة (كامل) : # ملك الخلافة آية الإقبال ... وسعوده موصولة بتوالي # فالمسلمون بعزة وبرفعة ... والمشركون بذلة وسفال # ألقت بأيديها الأعاجم نحوه ... متوقعين لصولة الرئبال # هذا أميرهم أتاه آخذا ... منه أواصر ذمة وحبال # وفيها، وصل قرطبة إرسال شانجة بن ردمير، منازع الطاغية أردون ابن عمه ملك ~~الجلالقة، ومعهم عبد الرحمن بن جحاف قاضي بلنسية، وأيوب بن الطويل وغيرهما؛ ~~فتوصلوا كلهم إلى المستنصر في ربيع الآخر، وأوصلوا كتاب شانجة بن ردمير ~~بجواب ما خوطب فيه وبيعته التي عقدها على نفسه وجميع أهل مملكته لأمير ~~المؤمنين المستنصر بالله، في خبر طويل. # وفيها، ولد للخليفة الحكم ولد ذكر من حزيته التي سماها جعفرا أم ولده؛ ~~فسماه عبد الرحمن، وسر به سرورا عظيما، ms451 إذ كان لا يولد له. وقالت في ذلك ~~الشعراء والأدباء. فأكثروا. PageV02P235 # وفيها، ظهر نكث الجلالقة بكل جهة. # وفيها، كان المد الطامي بنهر قرطبة. # وفي سنة 352، كانت غزوة شنت أستبن، غزاها الحكم المستنصر بالله. # وفي سنة 353، كانت بقرطبة مجاعة عظيمة؛ فتكفل الحكم بضعفائها ومساكينها ~~بما تقيم أرماقهم، وأجرى نفقاته عليهم بكل ربض من أرباض قرطبة وبالزهراء. # وفيها، قرى بالجامعين: قرطبة والزهراء، فتح ورد من قبل سعد الجعفري مولي ~~الخليفة الحكم، القائد بالجوف، يذكر ما أتاحه الله على يديه في أهل جليقية، ~~وأفاءه على المسلمين بسعد إمامهم الزكي. # وفيها، كان ازدحام الناس بالمسجد الجامع بقرطبة وتضاغطهم حتى كادت النفوس ~~تتلف؛ فأمر المستنصر بالله بتوسعته والزيادة فيه؛ فأتى القاضي منذر ابن ~~سعيد إلى المسجد الجامع، ومعه صاحب الأحباس والفقهاء والعدول بما اجتمع ~~قبله من أموال الأحباس؛ فنظروا في الزيادة فيه. # وفيها، أنفذ المستنصر بالله أحمد بن نصر لبنيان مدينة بثغر طليطلة، ~~وتشييدها، وتوثيق أمورها؛ وجعل بين يديه أحمال أموال. # وفيها، تحرك الحكم من قرطبة إلى المرية توقعا لما يصدر من صاحب إفريقية ~~المحاد لأهل الأندلس، ولمعاينة ما استكمله بها من الحصانة ومطالعة حال ~~رابطة القبطة ومشارفة حال الرعايا بتلك الجهة. # وفيها، كان خبر اللص الذي سرق بيت المال الذي للسبيل بداخل المسجد الجامع ~~بقرطبة في شوال. # وفي سنة 354، نزل الغيث بقرطبة؛ فرويت الأرض، وطاب الحرث، وسرت النفوس. PageV02P236 # وفيها، ولد هشام بن الحكم. قال ابن حيان: كان الخليفة الحكم شديد الكلف ~~بطلب الولد لعلو سنه؛ فبشر في بعض خلواته باشتمال أم ولده على حمل؛ فسر به، ~~وبقى يترقبه؛ فأتته به أول خلافته؛ ثم مات طفلا؛ فأحزته. فلما بشر بهذا، ~~فرح به؛ فاستبشر جعفر بن عثمان وزيره ببشراه، وأرسل إليه في التهنئة بذلك ~~أبياتا، وهي (وافر) : # هنيئا للأنام وللإمام ... كريم يستفيد على كرام # مرجى للخلافة وهو ماء ... مأمول لآمال عظام # أضاء على كريمته ضياه ... فلم تعلم بغاشية الظلام # ولم لا يستضاء بجانيها ... وبين ضلوعها بدر التمام # قال: فلما ولدت جاريته جعفر ابنها هشاما الملقب بالمؤيد، ms452 بشر الخليفة ~~الحكم بطلوعه، وجعفر بن عثمان عنده في خلوة؛ فارتاح لارتياحه؛ فقال على ~~البديهة يهنئه (منسرح) : # اطلع البدر من حجابه ... واطرد السيف من قرابه # وجاءنا وارث المعالي ... ليثبت الملك في نصابه # بشرنا سيد البرايا ... بنعمة الله في كتابه # لو كنت أعطي البشير نفسي ... لم أفض حقا لما أتى به # وفيها، كملت القبة المبتناة على المحراب في الزيادة بالمسجد، وذلك في شهر ~~جمادى الآخرة منها. # وفيها، شرع في تنزيل الفسيفساء بالمسجد الجامع؛ وكان ملك الروم بعث بها ~~إلى الخليفة الحكم. وكان الحكم قد كتب له في ذلك، وأمره بتوجيه صانعها ~~إليه، افتداء بما فعله الوليد بن عبد الملك في بنيان مسجد دمشق؛ فرجع وفد ~~الحكم بالصانع، ومعه من الفسيفساء ثلاثمائة وعشرون قنطارا، بعث بها ملك ~~الروم هدية؛ فأمر الحكم بإنزال الصانع، والتوسيع عليه، ورتب معه جملة من PageV02P237 # مماليكه لتعلم الصناعة؛ فوضعوا أيديهم معه في الفسيفساء المحلوبة، وصاروا ~~يعملون معه؛ فأبدعوا، وأربوا عليه، واستمروا بعد ذلك منفردين دون الصانع ~~القادم، إذ صدر راجعا عند الاستغناء عنه، بعد أن أجزل له المستنصر الصلة ~~والكسوة. وتداعى إلى هذه البنية كل صانع حاذق من أقطار الأرض. وركب الحكم ~~المستنصر بالله في العشر الوسط لشوال من الزهراء إلى الجامع، ودخله، ونظر ~~إلى الزيادة وما تم فيها، وأمر بإقلاع السواري الأربع التي كانت في عضادة ~~المحراب القديم الفائقة التي لا نظير لها، وصيانتها إلى أن توضع في المحراب ~~الجديد عند إتقان إحكامه وإكماله. # وفي سنة 355، في المحرم، أمر بوضع المنبر القديم إلى جانب المحراب، ونصب ~~المقصورة القديمة. ونصب في قبلة هذه الزيادة مقصورة من الخشب، منقوشة ~~الظاهر والباطن، مشرفة الذروة، طولها خمسة وسبعون ذراعا، وعرضها اثنان ~~وعشرون ذراعا، وعلوها إلى الشرفات ثمانية أذرع. وكان الفراغ من هذه الزيادة ~~ونصب المقصورة في رجب من السنة. # وفي يوم الجمعة لثمان خلون منه، قرى كتاب فتح من قبل سعادة الجعيفري، ~~القائد بمدينة الفرج، يذكر ما فتح الله له وأتيح على يديه من أعداء الله ~~المشركين. # وفي يوم الأربعاء لأربع ms453 خلون من ربيع الأول منها، نفذت الكتب إلى عمال ~~الثغر الأدنى والأقصى في ارتباط الخيل، والتكثير منها، وجودة القيام عليها ~~لما يؤمل من الجهاد بعون الله. # وفي يوم الجمعة لثلاث خلون منه، قرى بقرطبة والزهراء كتاب فتح ورد من قبل ~~الوزير يحيى بن هاشم، وكتاب فتح ورد من قبل سعد الجعفري، وكتاب فتح ورد من ~~قبل حريز بن هايل، يذكرون ما منحهم الله وفتح على أيديهم من قبل أعداء الله ~~المشركين، وأن كل واحد منهم نهض إلى ما قبله من بلادهم، فقتل وسبى، واكتسح ~~وأشجى، وانصرف سالما غانما. # وفي أول رجب منها، ورد كتاب من قصر أبي دانس على المستنصر PageV02P238 # بالله، يذكر فيه ظهور أسطول المجوس ببحر الغرب بقرب من هذا المكان، ~~واضطراب أهل ذلك الساحل كله لذلك، لتقدم عادتهم بطروق الأندلس من قبله فيما ~~سلف؛ وكانوا في ثمانية وعشرين مركبا؛ ثم ترادفت الكتب من تلك السواحل ~~بأخبارهم، وأنهم قد أضروا بها، ووصلوا إلى بسيط أشبونة. فخرج إليهم ~~المسلمون، ودارت بينهم حرب، واستشهد فيها من المسلمين وقتل فيها من ~~الكافرين. وخرجت أسطول إشبيلية؛ فاقتحموا عليهم بوادي شلب، وحطموا عدة من ~~مراكبهم، واستنفذوا من كان فيها من المسلمين، وقتلوا جملة من المشركين، ~~وانهزموا إثر ذلك خاسرين. ولم تزل أخبار المجوس تصل إلى قرطبة في كل وقت من ~~ساحل الغرب، إلى أن صرفهم الله تعالى. # وفيها، أغزى الحكم القائد غالبا؛ ففتح الله له في المشركين، وانصرف سالما ~~غانما. # وفيها، أمر الحكم لابن فطيس بإقامة الأسطول بنهر قرطبة، واتخاذ المراكب ~~فيها على هيئة مراكب المجوس - أهلكهم الله - تأميلا لركوبهم إليها. # وفي سنة 356، عهد الخليفة الحكم بمخاطبة العمال بكور الأندلس، يعنفهم على ~~جرأتهم ويحذرهم من سطوته وعقوبته، إذ اتصل به أن بعضهم قد استزادوا زيادات ~~فاحشات يعاملون بها الرعية ظلما لهم؛ فأنكر ذلك عليهم. وفيها، كانت غزوات ~~للمسلمين انجلت عن هزائم للمشركين. # وفيها، ولي أمير المؤمنين الحكم محمد بن عبد الله بن أبي عامر الذي رأس ~~بعد وتلقب بالمنصور وكالة أبي الوليد هشام بن ms454 الحكم، وفوض إليه في جميع ~~شؤونه؛ فتحركت حاله في الدولة. # وفي النصف من شوال، قعد الخليفة الحكم على السرير بالزهراء قعودا بهيا ~~احتفل فيه، وأوصل إلى نفسه رسولين وصلا من أمراء الغرب الأدارسة؛ PageV02P239 # فأوصلا كتابهم، يذكرون أنهم على محبة صادقة ومودة مستحكمة مع التزامهم ~~للطاعة واعتقادهم للولاية؛ فأدنى رسوليهم، وألطف جوابيهما. # وفي يوم الجمعة لأربع بقين من شوال، قرى كتاب فتح ورد من قبل القائد ~~غالب، يذكر ما هيا الله له في كفرة قشتيلة من القتل والأسر؛ فسر الخليفة ~~بذلك ودخلت الرؤوس قرطبة. # وفي يوم السبت بعده، أنفذ الخليفة الحكم كتبه إلى القواد والعمال بأقطار ~~مملكته، بإنكار ما اتصل به من أن بعضهم يسفك دماء بعض بلا عهد ولا مشورة، ~~وأن ذلك عظم عنده، وتبرأ إلى الله ممن أقدم عليه. # وفيها، أجرى الماء إلى سقايات الجامع والميضأتين اللتين مع جانبيه: شرقيه ~~وغربيه، ماء عذبا جلبه من عين بجبل قرطبة، خرق له الأرض، وأجراه في قناة من ~~حجر متقنة البناء، محكمة الهندسة، أودع جوفها أنابيب الرصاص لتحفظه من كل ~~دنس. وابتدى جري الماء من يوم الجمعة لعشر خلون لصفر من السنة؛ وفي جري ~~الماء إلى قرطبة يقول محمد بن شخيص في قصيدة له، منها (بسيط) : # وقد خرقت بطون الأرض عن نطف ... من أعذب الماء نحو البيت نجريها # طهر الجسوم إذا زالت طهارتها ... ري القلوب إذا حرت صواديها # قرنت فخرا بأجر قل ما اقترنا ... في أمة أنت راعيها وحاميها # وابتنى بغربي الجامع دار الصدقة، اتخذها معهدا لتفريق صدقاته - رحمه الله ~~تعالى -. ومن مستحسنات أفعاله وطيبات أعماله، اتخاذه المؤدبين يعلمون أولاد ~~الضعفاء والمساكين القرآن حوالي المسجد الجامع وبكل ربض من أرباض قرطبة؛ ~~وأجرى عليهم المرتبات، وعهد إليهم في الاجتهاد والنصح، ابتغاء وجه الله ~~العظيم؛ وعدد هذه المكاتب سبعة وعشرون مكتبا، منها حوالي المسجد الجامع ~~ثلاثة، وباقيها في كل ربض من أرباض المدينة. وفي ذلك يقول ابن شخيص (بسيط) ~~: PageV02P240 # وسلحة المسجد الأعلى مكللة ... مكاتبا لليتامى من نواحيها # لو مكنت سور القرآن من كلم ... نادتك ms455 يا خبر تاليها وواعيها # ووجد بخط الخليفة المستنصر بالله: (ابتدى بنيان الجامع - صانه الله - يوم ~~الأحد لأربع خلون من جمادى الآخرة سنة 351، وكمل سنة 355. وبلغت النفقة فيه ~~إلى مائتي ألف وأحد وستين ألفا وخمسمائة وسبعة وثلاثين دينارا ودرهم ونصف ~~(وقع " ونصف " في الأصل المنقول منه هذا. وقال إنه نقله مندرسا، ثم إنه ~~تعرف بعد ذلك صحته من الثقات أنه " ونصف " صحيح؛ وكذلك قال وقع بخط الحكم - ~~رحمه الله -) . # وفي سنة 357، في العشر الآخر من رمضان، احتل الوزيران القائدان غالب بن ~~عبد الرحمن وسعيد بن الحكم الجعفري بجيوش الثغر بالصائفة على حصن قلهرة؛ ~~فأقاما بساحته مدة استظهرا بها على تمكين بنيان الحزام فيه والزيادة في ~~ارتفاع البرج الثامن بذروته فانتهيا من ذلك إلى الإدارة، وقفلا بالعسكر، ~~وقد وثقا للحصن بالأمنة. # وفي سنة 360، في محرم منها، قعد الخليفة المستنصر بالله على السرير بقصر ~~قرطبة على جرى العادة من الاحتفال والزينة؛ فأوصل إلى نفسه عيسى بن محمد ~~ومحمد بن العالي وحسن بن علي رسل بني محمد الحسنين أمراء الغرب؛ فأوصلوا ~~كتاب مرسليهم، وذكروا ما هم عليه من الطاعة، وطلبوا بعثه رماة تقوية لهم ~~لما يتوقعونه من حركة قائد معد الشيعي نحوهم؛ وتقربوا بإهداء خيل وجمال ~~وغير ذلك؛ فقبلت منهم. # وفي صدر رمضان منها، وقع الإرجاف بتحرك المجوس الأردمانيين - لعنهم الله ~~-، وظهورهم في البحر، ورومهم سواحل الأندلس الغربية على عادتهم؛ فأزعج ~~السلطان قائد البحر بالخروج إلى المرية، والتأهب لركوب الأسطول منها إلى ~~إشبيلية، وجمع الأساطيل كلها للركوب إلى ناحية الغرب. PageV02P241 # ذكر مقتل زيري بن مناد، قائد الشيعي على تيهرت، وفي يوم السبت، لاثنتي ~~عشرة ليلة بقيت لشهر رمضان منها، ورد الخبر على المستنصر بالله بقتل زيري ~~بن مناد عامل معد الشيعي وقائده على الغرب، قتله جعفر ويحيى ابنا علي ~~المعروف بابن الأندلسي، المخالفان على معد فيمن استظهرا به عليه من زنانة، ~~وجدوه بناحية الغرب في حرب دارت بينهم شهدها بنو خزر وغيرهم من رؤساء ~~القبائل القائمين على زيري بدعوة الحكم المستنصر بالله؛ ففتح لهم ms456 في قتله ~~أعظم الفتوح. ووصل علي البغدادي كاتب جعفر المذكور بكتابه إلى المستنصر ~~وذكر اهتياج الحرب العظيم بين أهل الدعوتين بالغرب. # ذكر فراق جعفر بن علي المعروف بابن الأندلسي صاحب المسيلة لمعد ابن ~~إسماعيل الشيعي صاحب إفريقي، وتقربه إلى الحكم المستنصر بانضمامه إلى زناتة ~~المنحاشين إلى دعوة بني أمية، وتألب جماعتهم على زيري بن مناد الصنهاجي ~~عامل معد الشيعي على حرب بلاد الغرب وقتلهم لزيري عند انقضاضه عليهم صادا ~~لهم عن طريقهم متقربين بقتله إلى الحكم. وسبق جعفر ويحيى أخوه وذووهما ~~بالعبور إلى الأندلس مهديين رأس زيري، خالعين للدعوة الشيعية، متقلدين ~~للدعوة الأموية الجماعية. فكان لهما في ذلك قبول ورفعة عظيمة من الخليفة. # وقد ذكر محمد بن يوسف الوراق خبرهما؛ قال: وهما أبنا علي بن حمدون؛ ~~وجدهما الأكبر عبد الحميد كان الداخل إلى الأندلس من الشام، ونزل بكورة ~~إلبيرة؛ ثم تنقل حفيده حمدون، جد جعفر هذا، إلى بجاية، وصحب أبا عبد الله ~~الشيعي الداعي، ودخل في مذهبه. فلما تغلب الشيعي على إفريقية، ظهر علي بن ~~حمدون؛ ثم ازداد ظهورا في أيام عبيد الله المهدي وحظوة، وضمه إلى ابنه أبي ~~القاسم ولي عهده؛ فازداد حظوة لديه، وخرج معه إلى أرض الغرب؛ فأمره ببناء ~~مدينة المسيلة، وولاه عليها؛ فبقى بها إلى أن هلك في فتنة أبي يزيد، PageV02P242 # سقط من جرف عال، فاندقت يداه ورجلاه، سنة 334. وتولى جعفر هذا ابنه ~~المسيلة من بعده؛ فلم يزل متوليا لها، رفيع المنزلة عند سلطانه، إلى أن قتل ~~محمد بن الخير بن حزر الزناتي القائم بدعوة بني أمية زيري بن مناد؛ فخاف ~~جعفر من صاحب إفريقية؛ فبادر إلى الفرار بنفسه مع أخيه يحيى وجميع أهله ~~وماله سنة 360؛ فصار عند بني خزر أمراء زناتة؛ فشق جعفر الصحراء معهم ~~قاصدين لزيري؛ فالتقوا معهم، ودارت بينهم حرب صعبة انجلت عن قتل زيري وخلق ~~من رجاله؛ واحتوى الزناتيون فيها على جميع عسكر زيري، وأدركوا ثأرهم منهم. ~~ولما أن تم الأمر لأمراء زناتة وجعفر بن علي على ما أملوه من الفتح في ms457 ~~عدوهم زيري بن مناد، بادر جعفر بمراسلة الحكم إلى الأندلس، ملقيا بنفسه ~~عليه، معتصما بدعوته؛ ثم أرسل إليه أخاه يحيى؛ ثم سار إليه بنفسه، فحظي ~~عنده. # قال ابن حماده: وفي ربيع الآخر من سنة 360، التقى يوسف بن زيري الصنهاجي، ~~المشتهر اسمه ببلقين، مع محمد بن الخير أمير زناتة؛ فهزمه بلقين ابن زيري، ~~وقتل جماعة من أهله ورجاله. فلما أيقن محمد بن الخير أن عدوه قد أحاط به، ~~اتكأ على سيفه، فذبح به نفسه، أنفة من أن يملكه بلقين؛ فأتى بأمر عظيم سار ~~ذكره بأرض الغرب. وملك بلقين بن زيري إثر ذلك الغرب، وقتل زناتة، وهدم ~~مدينة البصرة وغيرها من مدن الغرب، ولم يثن عنانا عن مدينة سبتة؛ ومنها ~~رجع، وإليها كان انتهاؤه؛ وصدر عاجزا عنها. # وفي ذي القعدة منها، خاطب المستنصر بالله قواده وعماله بكور الأندلس في ~~استقدام كبارها وأعلام رجالها لمشاهدة دخول يحيى بن علي بن حمدون وبني خزر ~~أمراء زناتة القادمين برأس زيري بن مناد الصنهاجي قائد معد بن إسماعيل ~~الشيعي وبرؤوس أعيان أصحابه. فلما كان يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من ~~ذي القعدة منها، خرج صاحب السكة والمواريث، وقاضي PageV02P243 # إشبيلية محمد بن أبي عامر لتلقي جعفر بن علي ويحيى أخيه، ومعه أربعة من ~~عتاق الخيل وبغل أشهب، منتقاة من دواب الخليفة، بسروج الخلافة ولجمها؛ ومعه ~~الأخبية الديباجية وغير ذلك. فاحتل ابن أبي عامر بالمرسى الذي خرج فيه جعفر ~~وبمقربة من مالقة. ثم وصل بعد ذلك للوافدين خيل وبغال من قبل الخليفة، ~~وهوادج وكسوات وعماريات لعيال جعفر؛ ثم قدموا إلى قرطبة ببروز عظيم، ~~واحتفال لدخولهم جسيم، حتى وصلا الخليفة. وقد ذكرت الشعراء شأن فراق جعفر ~~وأخيه يحيى لسلطاتهما معد بن إسماعيل ومسيرهما إلى الخليفة الحكم، ~~واعتافهما بحقه فيما مدحت به الخليفة الحكم وأكثرت في ذلك. وقال يوسف ابن ~~هارون (كامل) : # ولقد عجبت لغفلة المستنصر ... إذ أكتف الجيش اللهام لجعفر # ولوان من أهواه وجهه ... قامت لواحظه مقام العسكر # وفي يوم السبت لليلتين من ذي القعدة منها، جلس الخليفة ms458 الحكم فوق السرير ~~جلوسا بهيا، وأوصل إلى نفسه أجناد الكور ووجوه أهلها، الذين استدعاهم ~~لمشاهدة جعفر بن علي ومن أتى معه من أمراء زناتة، وأمرهم بالانصراف إلى ~~بلادهم؛ فانصرف جند دمشق، وهم أهل إلبيرة، وجند حمص، وهم أهل كورة إشبيلية، ~~وجند فنسرين، وهم أهل جيان، وجند فلسطين، وهم أهل شذونة، وغير هؤلاء. # وفي سنة 361، هاجت بالغرب حروب مع حسن بن قنون الحسني وقواد الحكم ~~المستنصر بالله. # بعض أخبار حسن بن قنون الحسني أمير الغرب مع قواد الأندلس في هذه السنة. ~~كان المستنصر بالله دعا محمد بن قاسم الناظر في الحشم، وأمره بالخروج إلى ~~مدينة سبتة في رمضان من هذه السنة، قائدا على من يضمه إليه من طوائف ~~الأجناد، للذي بدا من نقض حسن بن قنون، وانحرافه إلى دعوة معد صاحب PageV02P244 # إفريقية واستدعائه من دن منه من أحزابه، مستعينا بهم فيما اعتزم عليه من ~~نفاقه على الحكم، وإعلانه بإيقاع الدعاء الشيعي معد على منابر عمله، فأوصى ~~الحكم قائده محمد بن قاسم باستعماله جده وجهده في مغاورة ابن قنون، وأمره، ~~إن أظهره الله تعالى، أن يأخذ بالعفو والصفح، وإصلاح البلاد، واستصلاح ~~الرعية؛ وأمره أن يستعين بمن دخل في الطاعة الأموية. فكان عبوره البحر إلى ~~سبتة لإحدى عشرة بقيت من شوال منها؛ وتكاملت الجيوش والأساطيل بسبتة. وفي ~~يوم السبت لأربع خلون من ذي القعدة ورد كتاب على المستنصر بالله بفتح طنجة، ~~فتحها قائده على البحر عبد الله بن رماحس، يذكر أنه نازلها بالأسطول غرة ذي ~~قعدة، ودعا أهلها إلى الطاعة والعود إلى الجماعة؛ فاستولوا الرد عليه؛ وكان ~~حسن بن قنون داخلها يشد عزائمهم؛ فلما كان يوم الخميس، خرج حسن لقتال ~~العسكر الخارج إليه من سبتة إلى تلون، وأبرز من طنجة عددا كثيرا من جنده ~~الغربيين وأنصاره؛ فانهزموا أمام جيش الحكم، وولوا مدبرين؛ فلما رأى ذلك ~~حسن، فر هاربا في خاصة من أصحابه، لا يلوى على أحد، ولم يعرج على ما كان له ~~ولأصحابه بطنجة من أموال وأخبية وأمتعه؛ فلما أمعن في فراره، وأسلم ms459 أهل ~~طنجة، خرج شيخهم ابن الفاصل إلى القائد ابن رماحس مع جماعة وجوه طنجة، وهم ~~ينادون (الطاعة لله ولأمير المؤمنين الحكم) ثم تقدم ابن الفاضل إلى القائد ~~رماحس وطلب منه الأمان لأهل بلده؛ فأعطاه إياه، ودخل طنجة، ونهب ما كان بها ~~لحسن بن قنون وأصحابه؛ وأنفذ القائد كتابه بالفتح إلى الخليفة. # وورد كتاب القائد محمد بن قاسم على المستنصر بالله لتسع بقين من ذي ~~القعدة، يذكر أنه التقى مع حسن بن قنون؛ فدارت بينهما حرب شديدة، أجلت عن ~~هزيمته، وقتل كثير من شيعته؛ وفر فيمن بقى معه إلى جبل حصين؛ فتبعه PageV02P245 # الجند، وانفضوا عليه؛ فدارت بينهم حرب يسيرة؛ ثم انهزم أيضا، وخلف ~~أثقاله، وفر، لا يلوى على شئ؛ فصار الجبل بأيدي الجند، ونهبوا ما فيه؛ ثم ~~نهضوا في اليوم الثاني إلى مدينة دلول؛ ففتحها الله لهم. ولحق بهم القائد ~~محمد بن قاسم في العسكر؛ فقصد مدينة آصيلا، فدخلها؛ ودخل القائد إلى ~~جامعها، فوجد فيه منبرا جديدا موسوما باسم الشيعي معد بن إسماعيل؛ فأمر ~~بإحراقه بالنار، بعد أن خلع من أعلاه اللوح المنقوش فيه اسم معد، وكان فيه ~~من الغلو ما في ذكره أمر كبير؛ فأمر باقتلاعه، وأرسله مع كتاب الفتح إلى ~~المستنصر. وانصرف العسكر إلى مدينة دلول؛ فأمر بهدم أسوارها، وتضريم بيوتها ~~نارا، وتركها عبرة. واستولي العسكر على ما كان بها، واستوسعوا في أطعمتها ~~وما ترك فيها حسن المذكور. # وفي سنة 362، قتل القائد محمد بن قاسم بفحص مهران على يدي حسن ابن قنون، ~~يوم الأحد لسبع بقين من ربيع الأول؛ وقتل في ذلك اليوم جملة من الجند الذين ~~كانوا معه نحو الخمسمائة من الفرسان الأبطال الأندلسيين الأنجاد، ومن ~~رجالتهم نحو الألف. # وفي غرة جمادى الآخرة، دخل إلى قرطبة جمع من مصمودة ممن كان مع حسن بن ~~قنون، وهم سبعون رجلا، نزعوا إلى الطاعة. # وفيها، استدعى المستنصر بالله غالب بن عبد الرحمن، وأمره بحرب حسن ابن ~~قنون الحسني عندما تفاقم أمره، وقتل الجند. وورد على المستنصر بالله كتاب ~~فتح من قبل ms460 القواد بمدينة آصيلا، أنهم التقوا مع حسن بن قنون، فدارت بينهم ~~حرب شديدة انهزم فيها حسن وقتل كثير من حماته. وقدم إلى قرطبة حنون بن ~~إدريس صاحب مدينة العدوة الأندلسية من فاس، ورسول عبد PageV02P246 # الكريم صاحب مدينة القرويين من فاس، يرغبان في طاعة أمير المؤمنين ~~المستنصر، والقيام بدعوته؛ فكرم رسولهما، وأجمل موعودهما. # وفي شعبان منها، خوطب القائد غالب بأنه بعث إليه بعشرة آلاف دينار لصلات ~~الخارجين إليه من أصحاب حسن بن قنون، يوزعها عليهم بحسب مقاديرهم؛ وقرن بها ~~من فاخر الكسوة والسيوف المحلاة عدد كثير للخلع عليهم. # وفيها، أرسل المستنصر بالله الوزير يحيى بن محمد النجيبي إلى الغرب ~~بعسكر، ممدا للقائد غالب، وجامعا لليد معه على الخالع للطاعة حسن بن قنون؛ ~~فكان ذلك في خبر طويل. # وفي أواخر ذي القعدة، ورد على المستنصر كتاب القائد غالب يذكر صنع الله ~~تعالى في افتتاحه حصن الكوم، وهرب المخذول عنه حسن بن قنون مع صهره صاحب ~~البصرة علي بن خلوف وغيرهما. # وفي منتصف ذي الحجة، ورد كتاب صاحب الشرطة، قاضي القضاة بالغرب محمد بن ~~أبي عامر، يذكر تعييد الناس يوم الخمس، وقيام الخطبة في المصليات هنالك ~~للمستنصر بالله، وسرور المسلمين بذلك، وابتهاجهم به. # وفيها، كانت حروب مع الحسنيين يطول ذكرها، انجلت عن مقتل خلق كثير من ~~أصحاب حسن بن قنون الحسني؛ وحز من رؤوس مشاهيرهم مائة رأس؛ وترك أكثرهم ~~صريعا. وقتل في الهزيمة محمد بن أبي العيش الكتامي وكان من حسن محل أخيه ~~تارة ومحل أبيه تارة أخرى. # وفي سنة 363، افتتح غالب، قائد الحكم المستنصر بالله، مدينة البصرة التي ~~كان انتزى فيها محمد بن حنون الحسني، وذلك أن أهل البلد قاموا عليه، وقتلوا ~~نائبه وخليفته عليهم، وابتدروا لمخاطبة القائد غالب، يستجلبونه إليهم؛ ~~فوصلهم، وملك المدينة، وخاطب الخليفة بخبرها، وأدرج كتاب أهلها طي كتابه. PageV02P247 # وفي يوم الخميس منتصف صفر، ورد كتاب غالب على المستنصر، يذكر منصرفه عن ~~بلد البصرة وأخذه رهنهم، ويذكر أنه قد صار إلى الطاعة جميع أهل الغرب وعامة ~~قبائل البربر، ولم ms461 يبق فيه غير الخائن حسن بن قنون، وأنه قد صار من ضيق ~~أمره في غمة. ووصل أهل البصرة إلى قرطبة الدافعين لأميرهم حسن، الداخلين في ~~الطاعة. # وفيها، ورد الخبر السار على المستنصر بالله بإذعان الحسن بن قنون الحسني، ~~ودخوله في طاعته؛ فشهد الخليفة صلاة الجمعة منسلخ جمادى الآخرة؛ فقعد بجامع ~~قرطبة، وأعلم الوزراء بخضوع حسن بن قنون المنتزي عليه بالغرب، وأنه ورد ~~عليه كتاب غالب بذلك، وأنه يوجه إليه ابنه علي بن حسن المذكور، وأن الخطبة ~~قامت بدعوته في قلعة حجر النسر؛ فاستبشر الوزراء وعنؤه، وغبطوه وأعلنوا ~~بالسكر لله تعالى والدعاء للخليفة، وأطالوا في ذلك. # وفي سنة 364، قدم على المستنصر قائده غالب بن عبد الرحمن قافلا من عدوة ~~الغرب، ومعه حسن بن قنون وسيعته بنو إدريس الحسنيون ملوك الغرب، المستنزلون ~~من معاقلهم إلى الأندلس، حافين بشيخهم المشتهر بحنون، واسمه أحمد بن عيسى، ~~صاحب مدينة الأقلام وما ولاها؛ ومعه اخوته وبنو عمه وبنوهم وأهلوهم؛ فأمر ~~باحتمال هؤلاء الأشراف من المحلة، في ظلام ليلة الخميس لأربع خلون من ~~المحرم، إلى الدور التي أخليت لهم بقرطبة؛ فأرسل القوم معهم ثقاتهم من ~~فتيانهم ومواليهم، حتى أدتهم إلى الدور المعدة لهم، بعد أن فرشت مجالسها ~~بشيء يطول ذكره. # وفيها، كان اعتلال الخليفة الحكم، في ربيع الأول؛ واحتجب عن جميع مملكته ~~إلى أن تخلف وصبه، وظهر لخاصته يوم الجمعة لليلة بقيت من ربيع الآخر منها. ~~وفي عقب ربيع المذكور، أعتق الحكم نحوا من مائة رقبة من عبيد، له PageV02P248 # فيه لبعضهم تدبير، ولباقتهم عتق بتل ومؤجل، خلص به جميعهم من الرق؛ وعقدت ~~بذلك وثائق. فكان أول من أوقع شهادته فيها أبو الوليد هشام بن الحكم، ثم ~~الفقهاء أهل الشورى، ثم العدول. # وفيها، حبس الحكم حوانيت السراجين بقرطبة على المعلمين لأولاد الضعفاء. # وفيها، أسقط الحكم سدس جميع المغارم عن الرعايا بجميع كور الأندلس، شكرا ~~لله على أنظاره له. # وفيها، كان جيشان العدو - خذله الله - ومنازلته بعض حصون المسلمين. # وفيها، كان الظفر بأبي الأحوص معن بن عبد العزيز النجيبي؛ ms462 فقبض عليه ~~رشيق، وبعثه مكبولا إلى قرطبة مع عشرة من أصحابه؛ وكان يظاهر المشركين ~~ويدلهم على عورات المسلمين؛ فأخذه الله. # وفي سنة 365، خرج من قرطبة جعفر ويحيى، ابنا علي بن حمدون بن الأندلس، ~~قائدين إلى الغرب من العدوة، وبين أيديهما الألوية والطبول مديلين للوزير ~~يحيى بن محمد بن هاشم. # وفيها، كان الإعلان ببيعة أبي الوليد هشام بن الحكم، وأن تؤخذ له من ~~الخاصة والعامة بقرطبة وسائر كور الأندلس، وما إلى طاعته من بلاد الغرب. ~~وذكره في الخطبة على المنابر في الجمعة والأعياد، وذلك مستهل جمادى الآخرة: ~~قعد أمير المؤمنين الحكم بقصره، وافتتح الكلام بما عزم عليه من تقليد ابنه ~~عهده الخلافة من بعده؛ فالتزمت بيعته، وأخرجت نظائر من كتب البيعة ليوقع ~~شهادته كل من التزمها؛ وتولي إعطاءها للناس على مراتبهم المنصور محمد بن ~~أبي عامر، وهو يومئذ صاحب الشرطة والمواريث، وميسور الفتى الجعفري الكاتب. PageV02P249 # وفيها، خرج الوزير يحيى بن محمد بن هاشم قائدا إلى سرقسطة، وبين يديه ~~الطبول والبنود. # وفيها، نفذ عهد الحكم إلى الوزير صاحب المدينة جعفر بن عثمان المصحفي ~~بإطلاق أبي الأحوص النجيبي من سجن المطبق مع أصحابه؛ فصفح الحكم عنهم. # وفي سنة 366، توفى أبو علي البغدادي، صاحب النوادر، المعروف بالقالي، ~~منسوب إلى قالي قلا من ديار المشرق. # وفيها، مات محمد بن يحيى النحوي، وأبو مروان المرادي، وعبد الملك بن ~~سعيد؛ فكانت تسمى سنة الأدباء. # وكمل بناء المسجد سنة 65؛ كان المنبر الذي صنعه الحكم مدخلا من عود ~~الصندل الأحمر والأصفر والأبنوس والعاج والعود الهندي؛ قام على الحكم - ~~رحمه الله - بخمسة وثلاثين ألف دينار وسبعمائة دينار وخمسة دنانير؛ وكان ~~تمامه في خمسة أعوام. # ووجد بخط المستنصر بالله تأريخ وفاة قاضيه وقاضي أبيه منذر بن سعيد ~~البلوطي، وأنه توفى يوم الخميس لليلتين بقيتا من ذي قعدة من سنة 55؛ وكان ~~مولده سنة 273؛ فكان عمره اثني وثمانين سنة. وكان في هذا القاضي منذر دعابة ~~يعرض بها ويتعرض له بها؛ فكتب إليه قوم من أهل المجانة والظرف (خفيف) : # قل لقاضي الجماعة البلوطي ... ما ms463 ترى في خريدة كالخوط # ناكها للثواب قوم ظراف ... هل ترى سيدي بذا من سقوط # فوقع لهم في كتابهم: (لا منفردة) . فقال له من حضر: (ما هذا؟) . فقال: ~~(أردت لا أرى ذلك) . فقالوا: (لا يفهم عنك إلا غيره) . فقال: (كل يجاوب على ~~معتقده) !. فكان له - رحمه الله - نوادر مستحسنة، وغرائب مستملحة. PageV02P250 ### | ذكر اتصال محمد بن أبي عامر بخدمة الحكم المستنصر # قال بعض المؤرخين: كان اتصال ابن أبي عامر بالحكم، فيما حدثني به ابن ~~حسين الكاتب والأديب أبو إسحاق بن محمد الإفليلي وغيرهما من المشيخة أن ~~الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي، القائم بدولة الحكم، خلا في بعض الأيام ~~بالقاضي محمد بن إسحاق بن السليم؛ فشكا إليه ابن السليم شجوه بمحمد بن أبي ~~عامر ووصف له حاله. فلما طلب الحكم له وكيلا لولده عبد الرحمن الدارج في ~~حياته، ذكر له جعفر ابن أبي عامر بخير، ووصف لأم عبد الرحمن جماعة اختارت ~~منهم ابن أبي عامر، وذلك باختيار جعفر له؛ فنصبه الحكم لخدمتها وخدمة ابنها ~~عبد الرحمن. # فلما مات عبد الرحمن، بقى في خدمة أمه السيدة، وكانت قد ولدت هشام بن ~~الحكم؛ فصرف ابن أبي عامر لوكالته. وكان تقدمه أولا لوكالة الولد عبد ~~الرحمن يوم السبت لتسع خلون من ربيع الأول سنة 356؛ وأجرى عليه في ذلك ~~الوقت خمسة عشر دينارا في الشهر مرتبا بالوازنة. فبدا من نصحه وحسن نظره ما ~~عرف له؛ ثم استأثر الله بعبد الرحمن؛ فصرف إلى وكالة هشام، يوم الأربعاء ~~لأربع خلون لرمضان سنة 359. وكان قد تقدم للنظر في امانة دار السكة يوم ~~السبت لثلاث عشرة ليلة خلت لشوال من سنة 56. كانت ولايته أولا لوكالة، ~~وأضاف له الخزانة؛ ثم قدمه على خطة المواريث يوم الخميس لسبع خلون من ~~المحرم سنة 358. واستقضاه على كورة إشبيلية ولبلة وأعمالها يوم الأربعاء ~~لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة 58 المذكورة. وفي سنة 361، قدم الحكم ~~المستنصر بالله محمد بن أبي عامر على الشرطة الوسطى في جمادى الآخرة، وأهاب ~~به إلى الأمانات بالعدوة؛ فاستصلحها واستمال ms464 أهلها؛ وجعله قاضي القضاة ~~بالغرب من العدوة، وأمر عماله وقواده ألا ينفذوا شيئا دونه، إلا بمشورته؛ ~~ثم أضاف إليه الحكم النظر في الحشم، وهو في علته التي مات فيها بالفالج. PageV02P251 # وقيل أيضا إن سبب ظهوره كان خدمته للسيدة صبح البشكنشية، أم عبد الرحمن ~~وهشام؛ فكانت أقوى أسبابه في تنقيل الملك عما قليل إليه؛ فإنه استمال هذه ~~المرأة بحسن الخدمة، وموافقة المسرة، وسعة البذل في باب الإتحاف والمهاداة، ~~حتى استهواها، وغلب على قلبها؛ وكانت الغالبة على مولاها، وابن أبي عامر ~~يجتهد في برها والمثابرة على ملاطفتها؛ فيبدع في ذلك، ويأتيها بأشياء لم ~~يعهد مثلها، حتى لقد صاغ لها قصرا من فضة وقت ولايته السكة، عمل فيه مدة، ~~وأنفق فيه مالا جسيما؛ فجاء بديعا، لم تر العيون أعجب منه؛ وحمل ظاهرا ~~لأعين الناس من ذار ابن أبي عامر، وشاهد الناس منه منظرا بديعا، لم تر ~~العيون أعجب منه؛ فتحدث الناس بشأنه دهرا، ووقع من قلب المرأة موقعا لا شئ ~~فوقه؛ فتزيدت في بره، وتكفلت بشأنه، حتى تحدث الناس بشغفها به. وقال الحكم ~~يوما لبعض ثقاته: (ما الذي استلطف به هذا الفتى حرمنا حتى ملك قلوبهن، مع ~~اجتماع زخرف الدنيا عندهن، حتى صرن لا يصفن إلا هداياه، ولا يرضيهن إلا ما ~~أتاه؟ إنه لساحر عليم، أو خادم لبيب! وإني لخائف على ما بيده!) ثم سعى به ~~إلى الحكم، وقيل عنه إنه قد أسرع في إتلاف مال السكة الموقوف قبله؛ فأمره ~~الحكم بإحضاره ليشاهد سلامته؛ فأظهر الإسراع إلى ذلك، وقد استهلك جملة من ~~الأموال؛ فألقى نفسه في جبرها على الوزير ابن حدير في إسلافه إياها؛ وكان ~~صديقا له؛ فياسره فيه، وةحمل المال إليه من وقته؛ فتمم به ما قبله، وارتفعت ~~الظنة عنه؛ فأكذب الحكم ما رفع إليه عنه، وازداد عجبا به، وأقره على حاله؛ ~~فرد ابن أبي عامر المال لابن حدير من حينه، ولصق بالحكم، وصار في عداد ~~كنفاته. # واشتغل قلب الحكم، آخر أيامه، بأمر العدوة ومن جرده إليها من عساكره لحرب ~~الأدارسة وغيرهم، ms465 واغتم لما خرج من يده في ذلك الوجه من الأموال. PageV02P252 # فقلد ابن أبي عامر قضاء القضاة بالغرب، وجعله عينا على العسكر، وأوعز ~~إليه في مهماته؛ فسار ابن أبي عامر إلى هنالك؛ فحمدت سيرته، وصحب حينئذ ~~وجوه العسكر وأشياخ القبائل وملوكهم؛ فكانت تلك الحركة أول ظهوره، وبعد ~~رجوعه منها، لم يزل يزداد نبلا، ويرتقى منزلة، وهو مع ذلك كله يغدو إلى دار ~~جعفر بن عثمان المصحفي وزير الدولة ويروح، ويختص به، ويدعى نصيحته. # وفي سنة 366، توفى الحكم المستنصر بالله بعد اتصال علته؛ وجعفر بن عثمان ~~يدير سلطانه إلى حين وفاته، ليلة الأحد لثلاث خلون لرمضان من السنة ~~المؤرخة. ### | خلافة هشام بن الحكم ابن عبد الرحمن الناصر والدولة العامرية # نسبه: تقدم في خلافة أبيه وجده. كنيته: أبو الوليد. لقبه: المؤيد بالله. ~~أمه: صبح البشكنشية، أم ولد، وكان سيدها الحكم يسميها بجعفر، وكانت مغنية ~~حظية عنده، وتوفيت في خلافة ابنها هشام. بويع له يوم الاثنين لأربع خلون من ~~صفر سنة 66 بعهد من أبيه، وهو ابن إحدى عشرة سنة وثمانية أشهر؛ وخلع يوم ~~الأربعاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة، سنة 399؛ فكانت خلافته ~~الأولى، إلى أن قامت الفتنة، ثلاثا وثلاثين سنة وأربعة أشهر وعشرة أيام. ~~وفي الخلافة الثانية سنتين وعشرة أشهر؛ الجميع الذي كمل له في المؤتين ستة ~~وثلاثون سنة وشهران وعشرة أيام. صفته: أبيض، أشهل، أعين، خفيف العارضين، ~~لحيته إلى الحمرة، حسن الجسم، قصير الساقين، مائل إلى العبادة والانقباض، ~~مقبل على تلاوة القرآن ودرس العلوم، كثير الصدقات على أهل الستر من الضعفاء ~~والمساكين. PageV02P253 # قضاته: محمد بن السليم، ألقاه قاضيا لأبيه فأقره على ولايته؛ ثم أبو بكر ~~ابن زرب؛ ثم محمد بن يحيى التميمي عرف بابن برطال، وغيرهم. # نقش خاتمه: (هشام بن الحكم، بالله يعتصم) . وتولي عقد الشهادة على الناس ~~في البيعة بين يديه وكيله وصاحب شرطته الوسطى والسكة والمواريث أبو عامر ~~محمد بن أبي عامر، بعدما كان قاضي الجماعة محمد بن إسحاق بن السليم يأخذها ~~على من شهد المجلس من الأعمام ms466 وأبنائهم والوزراء وطبقات أهل الخدمة ورجالات ~~قريش وأعلام أهل الحضرة. # فلما كان يوم السبت السادس من جلوس هشام، وهو العاشر لصفر سنة 366، قلد ~~الخليفة هشام حجابته وزير أبيه الأخص أبا الحسن جعفر بن عثمان المصحفي. وفي ~~هذا اليوم، أنهض الخليفة هشام محمد بن أبي عامر إلى خطة الوزارة، نقله ~~إليها عن شرطته الوسطى وأجراه رسيلا لحاجبه جعفر في تدبير دولته؛ فماده ~~محمد شأوا، وجرى إلى غاية برز فيها دونه، سابقا في الحلية، وتخلف جعفر عن ~~مداه. # ومن أخبار جعفر بن عثمان المصحفي: هو أبو الحسن جعفر بن عثمان بن نصر بن ~~فوز بن عبد الله بن كسيلة القيسي. كان لطيف المنزلة من الحكم المستنصر ~~بالله، قديم الصحبة، قريب الخاصة؛ وكان أول سبب ذلك تأديب والده عثمان بن ~~نصر للحكم في صباه، واستخدمه في أيام والده الناصر، واستكتبه، ورقاه إلى ~~خطة الشرطة الوسطى والنظر في عدة من الأعمال والكور. فلما أفضت الخلافة إلى ~~الحكم، قلده، بعد ثلاثة أيام من خلافته، خطة الوزارة، وأمضاه على الكتابة ~~الخاصة؛ ثم جمع له الكتابة العليا بالخاصة، وولي ابنيه الأعمال الكبار. ~~وكان جعفر بن عثمان أحد شعراء الأندلس المحسنين، المتصرفين في أنواع الشعر ~~من المديح والأوصاف والغزل، غاية في كل ذلك في الرقة والإبداع والحسن. وقد ~~تقدم قوله مرتجلا: (هنيا للإمام والأنام) وقوله مرتجلا: (تطلع البدر من ~~حجابه) وغير ذلك. PageV02P254 # قال ابن بسام: كان جعفر بن عثمان رجلا بلغ المنتهى، وسوغ برهة من دهره ما ~~اشتهى، دون مجد تفرع من دوحته، ولا فخر نشأ بين مغداه وزوجته. فسما دون ~~سابقة، وارتقى إلى رتبة لم تكن لبينته مطابقة؛ فلم يزل يستقل ويضطلع، ~~وينتقل من مطلع إلى مطلع، حتى التاح في أفق الخلافة، وارتاح إليها بعطفها ~~كنشوان السلافة؛ وحجب الإمام، وانسكب برأيه ذلك الغمام. فأدرك بذلك ما ~~أدرك، ونصب لأمانيه الحبائل والشرك، واقتنى وادخر، وأزرى بمن سواه وسخر. ~~واستعطفه محمد بن أبي عامر، ونجمه غابر لم يلح، وسره مكتوم لم يبح؛ فما ~~أقبل عليه ولا عطف، ولا جنا ms467 من روضة دنياه زهرة أمل ولا قطف؛ وأقام في ~~تدبير الأندلس، وهو يجري من السعد في ميدان رحب، ويكرع من العز في مشرب ~~عذب. وكان له أدب بارع، وخاطر إلى نظم المحاسن مسارع. فمن ذلك ما بعثه عليه ~~إيناس دهره وإسعاده، وقاله حين ألهته سلماه وسعاده (طويل) : # لعينك في قلبي على عيون ... وبين ضلوعي للشجون فنون # لئن كان جسمي مخلقا في يد ألوى ... فحبك غض في الفؤاد مصون # وله، وقد أصبح يوما عاكفا على حمياه، هاتفا بإجابة دنياه، مرتشفا ثغور ~~الأنس متنسما رياه، والملك يغازله بطرف عليل، ويبرم من أنسه كل نحيل، ~~والسعد قد عقد عليه أي إكليلي، يصف لون مدامه، وما يعرف منها دون ندامه؛ ~~فقال (كامل) : # صفراء تبرق في الزجاج فإن سرت ... في الجسم دبت مثل صل لادغ # عبث الزمان بحسنها فتسترت ... عن عينه ثوب نور سابغ # خفيت على شرابها فكأنما ... يجدون ريا في إناء فارغ # واستمر في حجابته، ومر بين سمع الدهر وإجابته، والنفوس العلية من تناهي ~~حاله متغيرة، وفي تكيف سعده متحيرة. ولم يزل لنجاد تلك الخلافة معتقلا، وفي PageV02P255 # مطالعها متنقلا، إلى أن توفى الحكم؛ فانفصم عنده المحكم، وانبرت إليه ~~النوائب، وتسددت له الخطوب بسهام صوائب؛ واستولي عليه الكسل، وأسرعت إليه ~~الذوابل والأسل، وتعاوره الإدبار، وساوره من المكروه ما فيه اعتبار؛ وانتقل ~~إلى المنصور ذلك الأمر، واختص به كما اختص بيزيد أخوه الغمر، وأناف في تلك ~~الخلافة كما شب قبل اليوم عن طوقه عمرو؛ فاعتقل بتلك النجاد، واستبد به دون ~~أولئك الأمجاد، وانبرى إلى المصحفي بصدر كان قد أوغره، وجد سام طال ما ~~استقصره؛ فأباده ونكبه، وسلب جاهه وانتهبه، وأقنص من تلك الإساءة، وأغص ~~حلقه بكل مساءة، وألهب جوانحه حزنا؛ ونهب له مدخرا ومختزنا، ودمر عليه ما ~~كان حاط، وأحاط به من مكروهه ما أحاط؛ فبقى سنين في مهوى النكبة، وجوى تلك ~~الكربة، ينقله المنصور معه في غزواته، ويعتقله بين أظفار التضييق أو في ~~لهواته، وهو يستعطف ويستميل، فلا يتحقق له رجاء ولا تأميل، إلى أن ms468 تكورت ~~شمسه، وقاضت بين أنياب المحن نفسه؛ فاغتيل في المطبق، ونفذ فيه أمر الله ~~وسبق. ### | بعض أخبار المنصور محمد بن أبي عامر في ابتدائه # نسبه: هو أبو عامر محمد بن أبي حفص عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عامر ~~بن أبي عامر محمد بن الوليد بن يزيد بن عبد الملك، الداخل إلى الأندلس مع ~~طارق؛ وكان له في فتحها أثر جميل؛ وكان في قومه وسيطا؛ وقد ذكره محمد بن ~~حسين الشاعر العالم بأخبار الأندلس في بعض أمداحه للمنصور هذا، فقال (طويل) ~~: # وكل عدو أنت تهدم عرشه ... وكل فتوح عنك يفتح بابها # وإنك من عبد المليك الذي له ... حلى فضتح قرطاجنة وانتهابها # جباها أبو مروان جدك قابضا ... بكف تليد طعنها وضرابها # فإن سنحت في الشرك من بعد فتحه ... فتوح فمصروف إليك ثوابها PageV02P256 # وجده عبد الملك هو الذي دخل مع طارق ونزل الجزيرة الخضراء لأول الفتح؛ ~~فساد أهلها، وكثر عقبه فيها؛ وتكررت فيهم النباهة والوجاهة؛ وجاور الخلفاء ~~منهم بقرطبة جماعة أحدهم أبو عامر محمد بن الوليد، الذي عرف آل عامر طرا ~~به. وساد بعده ولده عامر، وتقدم عند الخلفاء، وولي الأعمال، ومات بقرطبة؛ ~~وباسمه نقش محمد السكك، ورقم الأعلام. وكان عبد الله السكنى بأبي حفص، والد ~~محمد المنصور، من أهل الدين والزهد في الدنيا والقعود عن السلطان؛ سمع ~~الحديث، وأدى الفريضة، ومات منصرفا من حجه بمدينة إطرابلس المغرب؛ وأصهر ~~التميميين المعروفين بقرطبة ببني برطال؛ فنكح بريهة بنت يحيى بن زكريا؛ ~~فولدت له أبا عامر المنصور، وأخاه يحيى. وكانت أم عبد الله، والد المنصور، ~~بنت الوزير يحيى بن إسحاق، وزمر الناصر لدين الله وطبيبه. # وكان محمد هذا حسن النشأة، ظاهر النجابة، تتفرس فيه السيادة؛ سلك سبيل ~~القضاة في أولىته، مقتفيا آثار عمومته وخولته؛ فطلب الحديث في حداثته، وقرأ ~~الأدب، وقيد اللغات على أبي علي البغدادي، وعلى أبي بكر بن القوطية؛ وقرأ ~~الحديث على أبي بكر بن معاوية القرشي، راوية النسائي، وغيره من رؤساء أهل ~~المشرق؛ وبرع بروعا أدناه، مع نوازع سعد ms469 وبوادر حظ، من الحكم المستنصر؛ ~~فقربه وصرفه في مهم الأمانات وأصنافها؛ فاجتهد وبرز في كل ما قلده، واضطلع ~~بجميع ما حمله. # وكان الحكم، لشدة نظره في الحدثان، يتخيل في محمد بن أبي عامر أكثر ~~الصفات المجتمعة إلى النسب والبلدة. وكان يجد القائم عليهم من الجزيرة ~~الخضراء، أصفر الكفين. فيقول لخاصته: (ألا ترون صفرة كفيه؟) فإذا قالوا له: ~~(أرح نفسك منه!) يقول: (لو كانت به شجة، لكانت تكملة صفاته) . فكان من قدر ~~الله أن حدثت الشجة بمحمد بعد موت الحكم بضرية غالب PageV02P257 # الناصري له، وبها تم الأثر فيه؛ كما أن الحكم قد كان وقف في الأثر على ~~البقعة التي بنيت فيها الزاهرة؛ وكانت ملوك المروانية تتخوف ذلك، وكان ~~ألهجهم بشأنها الخليفة الحكم؛ فنظر في أمرها، وهي البقعة المعروفة بألش ~~(بفتح اللام) ، وهي بغربي قرطبة؛ ووجد انتقال الملك إليها؛ فأمر حاجبه ~~جعفرا بالسبق إليها والشروع في بنائها طمعا في مزية سعدها، وأن لا يخرج ~~الأمر عن يد ولده؛ وأنفق عليها مالا عظيما؛ فكان من غريب الأمور أن محمد بن ~~أبي عامر تولي النظر في شأنها مع من نظر فيها، وهو يومئذ في حال النتوة ~~والاحتياج، ولا يعلم يومئذ به. فسبحان من يؤتي ملكه من يشاء. # ثم رفع إلى الحكم أن البقعة بغير ذلك الموضع، وأنها بشرقي مدينة قرطبة؛ ~~فأنفذ ثقته محمد بن نصر بن خالد للوقوف عليها، وانتهى إلى منزل أبي بدر ~~المسمى بألش (مضمومة اللام) ، وأصاب هنالك عجوزا مسنة وافقته على حد ~~الارتياد، وقالت له: (سمعنا قديما أن مدينة تبنى هنا، ويكون على هذا البئر ~~نزول ملكها) . فعاد إليه محمد بن نصر بالجلية؛ فلم تطل المدة حتى بناها ابن ~~أبي عامر، وتبوأ أرجاء ذلك البشر قرارة. وكان المنصور على ثقة من سرعة ~~انتقال الملك إليه، لا يشك في ذلك لأنه تمكن من مطالعة ما كان عند الحكم؛ ~~فوقف على الجلية. # ولم يزل الحكم يقدم محمدا ويؤثره، إلى أن ولي العهد ابنه هشام؛ فزاد ~~مقداره لخاصته بولي العهد ومكانه من السيدة والدته؛ ms470 فاحتاج الناس إليه ~~وغشوا بابه؛ فأنساهم من سلف من أصحاب السلطان سعة إشعاف، وكرم لقاء، وسهولة ~~حجاب، وحسن أخلاق؛ فعرض جاهه، وعمر بابه، وأتسع في بناء داره بالرصافة، ~~واتخذ الكتاب الجلة، واستصحب سراة الصحابة. وكانت مائدته موضوعة لمن ينتاب ~~داره، وهمته تترامى إلى وراء ما يناله؛ وهو في هذا كله يغدو إلى دار جعفر ~~بن عثمان المصحفي ويروح، ويصيح ببابه ويختص به. PageV02P258 # ثم اتصلت علة الخليفة الحكم من الفالج، وجعفر يدير سلطانه. ووقع إرجاف ~~بموت الحكم؛ فأشار محمد بن أبي عامر على جعفر بن عثمان باستركاب ولي العهد ~~هشام في ذلك اليوم في الجيش، إرهابا لأهل الخلاف؛ ففعل وركب في الناس ركبته ~~المشهورة، ومحمد بن أبي عامر بين يديه، قد كساه الخز، ونقله إلى أكابر أهل ~~الخدمة. وأمر ولي العهد هشام في ذلك اليوم وهو العاشر لصفر من سنة 66 ~~بإسقاط ضريبة الزيتون المأخوذة في الزيت بقرطبة، وكانت إلى الناس مستكرهة؛ ~~فسروا بذلك أعظم سرور، ونشب شأنها إلى محمد بن أبي عامر، وأنه أشار بذلك؛ ~~فأحبوه لذلك. ولم تزل الهمة تحذوه، والجد بحظيه، والقضاء بساعده، والسياسة ~~الحسنة لا تفارقه، حتى قام بتدبير الخلافة، وأقعد من كان له فيها إنافة، ~~وساس الأمور أحسن سياسة، وداس الخطوب بأخشن دياسة، واستشعر اليمن كل فريق. ~~وأسقط جعفرا المصحفي، وعمل فيه ما أراده. # فأول غزوة فصمها من عرى المملكة عزوة الصقالبة الخدم بالقصر موضع ~~الخلافة؛ وكانوا أبهى حلل المملكة، وأخص عددها؛ عنى الخلفاء يجمعهم ~~والاستكثار منهم؛ وكانوا خاصة الناصر والحكم بعده، حتى لقد ظهرت منهم في ~~زمن الحكم أمور قبيحة أغضى عنها مع إيثاره العدل واطرح الجور بالجملة. وكان ~~يقول: (هم أمناؤنا وثقاتنا على الحرم؛ فينبغي للرعية أن تلين لهم، وترفق في ~~معاملتهم؛ فتسلم من معرتهم، إذ ليس يمكننا في كل وقت الإنكار عليهم.) ولما ~~مات الحكم، كان الصقالبة أكثر جمعا وأحد شوكة، يظنون أن لا غالب لهم وأن ~~الملك بأيديهم. وكانوا نيفا على الألف محبوب؛ فحسبك بما يتبعهم؛ وكان رأسهم ~~فائق المعروف بالنظامي، صاحب ms471 البرد والطراز؛ ويليه صاحبه جوذر صاحب الصاغة ~~والبيازرة؛ وإليهما كان أمر الغلمان الفحول بخارج القصر. وكان قد جرى بين ~~فائق وجوذر مع الحاجب جعفر المصحفي إثر موت الحكم PageV02P259 # ما أذكره: وذلك أنه لما توفى الحكم، خفى موته على وزيره جعفر وسائر أهل ~~المملكة لطول تردده في العلة، وتفرد بعلم ذلك في وقته خادماه الخاصان به: ~~فائق وجوذر؛ فاستظهرا بكتمان ذلك، وتقدما في ضبط الدار، وخلوا للتشاور، وقد ~~عزما على رد الأمر للمغيرة بن الناصر، أخي مولاهما الحكم، خشية من انتثاره ~~على ابنه هشام، لصغر سنه، وإنكار الناس لتقديمه على أن يقر ابن أخيه هشاما ~~على العهد بعده؛ فيمنا على المغيرة بسوق الخلافة إليه، وبقيا لمولاهما ~~بارتقاب كبر ولده، ويكون الملك في أيديهما بحاله؛ وكان رأيا حسنا لو أراد ~~الله به. # فلما اتفقا على ذلك، قال جوذر لفائق: (ينبغي أن نحضر جعفر بن عثمان ~~الحاجب؛ فنضرب عنقه؛ فبذلك يتم أمرنا) . فقال له فائق: (سبحان الله يا أخي! ~~تشير بقتل حاجب مولانا وشيخ من مشيختنا دون ذنب، ولعله لا يخالفنا فيما ~~نريده، مع افتتاحنا الأمر بسفك الدم.) فأرسلا في جعفر بن عثمان؛ فحضر: ~~ونعيا إليه الحكم، وعرضا عليه ما أجمعا عليه من الرأي. فقال لهما جعفر: ~~(هذا، والله! أسد رأي وأوفق عمل؛ والأمر أمركما؛ وأنا وغيري فيه تبع لكما. ~~فاعزما على ما أردتما، واستعينا بمشورة المشيخة؛ فهي أنفى للخلاف، وأنا ~~أسير إلى الباب، فأضبطه بنفسي؛ وأنفذا أمركما إلى بما شئتما.) وخرج عنهما؛ ~~فضبط باب القصر، وتقدم في إحضار أصحاب الهاشمية مثل زياد بن أفلح مولي ~~الحكم، وقاسم بن محمد، ومحمد بن أبي عامر، وهشام بن محمد بن عثمان، ~~وأشباههم؛ واستدعى بني برزال، إذ كانوا بطانته من سائر الجند. واستحضر سائر ~~قواد الأجناد الأحرار؛ فاجتمع له من هذه الطوائف ما شد ركنه وقوى أيده؛ ~~فنعى لهم الخليفة، وعرفهم مذهب الصقالبة في نكث بيعة هشام؛ وأقبل بثبت ~~أصحابه، وقال لهم: (إن جبسنا الدولة على هشام، أمنا على أنفسنا، وصارت ~~الدنيا في أيدينا؛ وإن انتقلت ms472 إلى المغيرة قبل أن يبلغه موت أخيه، فتمكنه ~~الحيلة. فعمل PageV02P260 # برأيهم؛ فتوافقوا فيما بينهم النهوض إلى قتله؛ فكفوا وجبنوا؛ فبدرهم محمد ~~بن أبي عامر وقال: (يا قوم إني أخاف فساد أمركم، ونحن تبع لهذا الرئيس ~~وأشار إلى جعفر، فينبغي ألا نختلف عليه، وأنا أتحمل ذلك عنكم إن أجذبني ~~إليه؛ فاحفضوا عليكم!) فأعجب جعفرا والجماعة ما كان منه، وولوه شانه، ~~وقالوا له: (أنت أحق بتولي كبره لخاصتك بالخليفة هشام ومحللك من الدولة.) ~~فأرسل جعفر معه طائفة من الجند الأحرار، وثق بهم لذلك. ### | مقتل المغيرة بن عبد الرحمن الناصر # فركب محمد بن أبي عامر إلى المغيرة من ساعته، وركب معه بدر القائد مولي ~~الناصر في مائة غلام من غلمان السلطان، ووقف لهم خارج باب دار المغيرة، ~~وأحاط سواه من أصحاب محمد بجهاتها، واقتحم محمد عليه؛ فوجده مطمئنا على غير ~~استعداد؛ فنعى إليه أخاه الحكم، وعرفه بجلوس ابنه هشام في الخلافة، وأن ~~الوزراء خشوا خلافه، فأنفذوه لامتحان القصة. فاشتد ذعره؛ ثم استرجع عليه، ~~واستبشر يملك ابن أخيه، وقال: (أعلمهم أني سامع مطيع واف ببيعتي؛ فتوثقوا ~~مني كيف شئتم!) وأقبل يستلطف ابن أبي عامر، ويناشده الله في دمه، ويسأله ~~المراجعة في أمره، حتى رق له محمد، وكتب إلى جعفر يصدقه عنه ويصف له الصورة ~~التي وجده عليها من السلامة والطمأنينة، ويستأذنه في شأنه. فرد عليه جعفر ~~يلومه في التأخير، ويعزم عليه في التصميم، ويقول له: (غررتنا من نفسك؛ ~~فانفذ لشأنك؛ أو فانصرف، نرسل سواك.) فحمى محمد لجوابه، وعرض الرقعة على ~~المغيرة، وجعلها بيده، وزال عن وجهه، وأدخل عليه تلك الطبقة؛ فقتلوه خنقا ~~في مجلسه، وعلقوا جسده في مخدع يتصل بمجلسه، كهيئة المختنق من تلقاء نفسه، ~~وذلك كله بمعاينة حرمه. ثم أشاعوا أنه خنق نفسه، لما أكرهوه على الركوب ~~لابن أخيه؛ فطاح دمه على هذه الصورة. PageV02P261 # وكان سنه يوم قتل سبعا وعشرين سنة. ثم تقدم محمد بإخفاء ذلك، وأمرهم ~~بدفنه في مجلسه، وأن يسدوا أبوابهم، فيأمنوا بذلك على ولده ونعمته. # وعاد ابن أبي عامر إلى ms473 جعفر بالقصة؛ فطابت نفسه، وصير محمدا إلى جانبه، ~~وشكره. ووصل الحادث على المغيرة إلى جوذر وفائق؛ فدهشا، وسقط في أيديهما. ~~وقال جوذر لفائق: (قد نصحت لك، فلم تسمع مني!) وكان أكمل دهاء منه. فانكفشا ~~إلى جعفر، فأظهرا له السلامة والاستبشار بما أتاه، والاعتذار مما رأياه، ~~وقالا له: (إن الجزع أذهلنا عما أرشدك الله إليه. فجزاك الله عن ابن مورنا ~~خيرا، وعن دولتنا وعن المسلمين!) فأظهر لهما بعض القبول. وانغمس جعفر في ~~الشغل بأمر البيعة أياما، وفي نفسه للصقالبة ما لا تهنيه معه عيشة، وفي ~~أنفسهم له أبرح لوعة. # وأجلس جعفر هشام بن الحكم للبيعة بالخلافة صبيحة يوم الإثنين لأربع خلون ~~من صفر سنة 366؛ ودعا الناس ابن أبي عامر للبيعة؛ فلم يختلف عليه اثنان. ~~فكان لابن أبي عامر في أخذها أثر كبير، تذاكره الناس، وعلا شأنه ومكانه، ~~وبعد في الناس صيته. ### | بعض أخبار الصقالبة مع ابن أبي عامر # وذلك أنه لما تمكنت الوحشة ما بين جعفر والصقالبة، انحرفوا عنه، وكرهوا ~~ولاية هشام. فأخذ جعفر حذره منهم؛ وأذكى العيون؛ وبلغه أن جوذرا وفائقا ~~يديران على الدولة، ويدسان في ذلك إلى بعض من في قيادتهما من وجوه الغلمان ~~والفحولة؛ وكان الدخول والخروج إليهما على باب الحديد؛ فأمر الحاجب جعفر ~~المصحفي بسده بالحجر، وصير دخول الناس على باب السدة، فحسم شر الصقالبة، ~~وصيرهم تحت الرقبة. ونظر جعفر في غزالة الغلمان الفحولة عن رسم هذين ~~الصقلبيين بمواطاة محمد بن أبي عامر؛ ودس محمدا إلى من طلبهم PageV02P262 # له؛ فتقدم عليهم محمد بن أبي عامر؛ فكان يطأ عقبه منهم خمسمائة غلام، ~~فاشتد بهم أرزه، وفخم أمره، وقدمهم في الإنزال والعطاء؛ فأحبوه؛ ثم انقلب ~~بنو برزال إلى محمد بن أبي عامر، وصاروا في قيادته. فاعتز بالطائفتين، وقهر ~~عدوه، وتبعه سائر الجند. فهان أمر الصقالبة عنده. # ثم إن جوذرا الفتى استأذن السلطان في الخروج إلى داره مستعفيا من الخدمة، ~~وهو يظن أنه لا يجاب إلى ذلك؛ فأذن له في الخروج؛ فاشتد وعيد أصحابه، وزاد ~~كلامهم؛ وكان أجسرهم على ذلك ms474 دري الفتى الصغير، لما فيه من التمرد ~~والجهالة؛ فحرك جعفر ابن أبي عامر لإزالته والراحة منه، وقال: (حاول عليه!) ~~فدس إلى رعبته ببياسة، وأمرهم بالشكوى به وبعماله، ووعدهم العدوى عليه ~~والإراحة من جوره؛ فسارعوا إلى ذلك. ورفع الحاجب جعفر قصته إلى السلطان، ~~وقد أحكم ابن أبي عامر شأن التدبير عليه؛ فخرج التوقيع بالجمع بين ذري ~~وبينهم، والنظر في مصالحهم؛ فاستدعى دري إلى بيت الوزارة؛ فلما أشرف على ~~الدار، ورأى من أعد فيها، أحسن بالشر؛ فخنس راجعا؛ فمنعه ابن أبي عامر، ~~وقبض عليه؛ فتجاذبا؛ فبطش دري بابن أبي عامر، وقبض على لحيته؛ فصاح محمد بن ~~أبي عامر بمن حضر من الجند؛ فاحتشم الأندلسيون دريا، وأسرع بنو برزال إلى ~~إجابته؛ فتقدموا إلى دري، فأوجعوه ضربا؛ ولحقته ضرية بصفح السيف، أزالت ~~عقله، وحمل للوقت إلى داره؛ فعوجل من ليلته بالقتل. وأمر في الوقت فائقا ~~وجماعة من كبارهم بالخروج إلى ديارهم والتزامها؛ فخرجوا إليها. وانحصدت ~~شوكة الصقالبة حينئذ، وفل حدهم؛ وتجرد ابن أبي عامر لطلبهم، فاستخرج منهم ~~أموالا جمة. وآلت حال فائق إلى أن صير إلى الجزائر الشرقية؛ فمات هنالك. # وفي خروج الصقالبة من القصر، يقول سعيد الشنتريني الشاعر (سريع) : PageV02P263 # أخرج من قصر إمام الهدى ... كل فتى منبسط جائر # فمن رأينا منهم قال لا ... مساس فعل الناس بالسامر # فخف ظهر الملك المرتضى ... قد خف من ثقلهم الظاهر # وسال ماء العلم من وجهه ... مذ زال من جهلهم الخاثر # فلازم الإقراء في قصره ... مع الوزير الخير الطاهر # وقلد جعفر المصحفي أمر القصر والحرم، بعد إخراج هاؤلاء الفتيان، سكرا ~~صاحبهم؛ فسكن أنفس الصقالبة، وأجراهم على الطاعة؛ فأصغوا إليه إلى أن ~~استهاجهم جوذر الفتى عظيمهم عند الظهور الذي هم به. # فلما هم لابن أبي عامر تدبيره في الصقالبة، جعل يتوصل إلى تقلد جيش ~~المملكة، والقيام بجهاد العدو دون الجماعة؛ وكان العدو جاس بلاد المسلمين، ~~وطمه في انتهاز الفرصة فيهم؛ فأنف ابن أبي عامر من ذلك، وأشار على الحاجب ~~جعفر بتجهيز الجيش والاعتداد للجهاد، وعرض القيام به على جميع ms475 الأكابر؛ ~~فكلهم كع عنه إلا ابن أبي عامر؛ فإنه بادر إليه على أن يختار من يخرج معه ~~من الرجال، ويتجهز لغزوه بمائة ألف دينار. فاستكثر ذلك بعض من حصر؛ فقال له ~~محمد بن أبي عامر: (خذ ضعفها وامض! وليحسن غناؤك!) فخام المعترض عن ذلك، ~~وسلم الجيش والمال إلى ابن أبي عامر؟ ### | غزوة محمد بن أبي عامر الأولى # فخرج لثلاث خلون من رجب من سنة 366، ودخل على الثغر الجوفي. فنازل حصن ~~الحامة من جليقية؛ فحاصره، وأخذ ربضه، وغنم وسبى؛ وقفل بالسبي والغنائم إلى ~~قرطبة إلى ثلاثة وخمسين يوما. فعظم السروربه، وأخلص الجند له، لما رأوا من ~~كثرة جوده، وكرم عشرته، وسعة مائدته؛ فأحبوه والتقوا به؛ وكثر إحسانه إليهم ~~وإفضاله عليهم، إلى أن أدرك بهم سولة، وبلغ مأموله PageV02P264 ### | ذكر نكبة الحاجب جعفر بن عثمان # وذلك أنه، لما سمت الحال بمحمد بن أبي عامر، واستتب أمره، أعمل الحيلة ~~والتدبير في إسقاط جعفر بن عثمان، والانفراد بالدولة؛ فلم يجد لذلك سببا ~~أقوى من مظاهرة الوزير أبي تمام غالب الناصري، صاحب مدينة سالم والثغر ~~الأدنى، شيخ الموالي قاطبة، وفارس الأندلس يومئذ غير مدافع له؛ وكان بينه ~~وبين الحاجب جعفر بن عثمان عداوة ومنافسة. والثاثت حال غالب صدر دولة هشام ~~في سنه ولايته لما ملك جعفر أمرها، وبان تقصير غالب في مدافعة أعداء الله، ~~وخاف أن يصل أمره إلى الخلاف والمعصية؛ فأشار ابن أبي عامر في استصلاحه ~~ورعى ذمامه. ولم يزل ابن أبي عامر يقوم بشأنه، ويخدمه داخل الدار عند ~~السيدة أم هشام وسائر الحرم، حتى تم مراده فيه كي يستعين به على إهلاك ~~المصحفي؛ فأنهض غالبا إلى خطة الوزارتين، وأنفذ إليه كتاب الخليفة بذلك، ~~وأمره بالاجتماع مع ابن أبي عامر على التدبير على الصوائف، على أن يدير ابن ~~أبي عامر جيش الحضرة، ويدير غالب جيش الثغر. ### | غزوة ابن أبي عامر الثانية # وخرج محمد بن أبي عامر بالصائفة يوم الفطر من سنة 366؛ فاجتمع مع غالب ~~بمدينة مجريط. وأصل معه من التظافر على جعفر ما أصاب به ms476 النكتة من قلبه؛ ~~واتفقا وتوافقا. وخدم ابن أبي عامر غالبا في سفره هذا خدمة ملك بها نفسه؛ ~~فمال إليه غالب بكلمته. واستمرا في غزوهما، وافتتح حصن مولة، وظهرا فيه على ~~سبي كثير، وغنم المسلمون أوسع غنيمة. وكان أكثر الأمر فيها لغالب؛ فتجافى ~~عنه لابن أبي عامر. وسار معه إلى ثغره، ومنه فارقه، بعد أن أبلغ في مواطأة ~~محمد بن أبي عامر على عدوه جعفر بما أراده؛ وقال غالب لابن أبي PageV02P265 # عامر عند وداعه: (سيظهر لك بهذا الفتح اسم عظيم وذكر جليل، يشغلهم السرور ~~به عن الخوض فيما تحدثه من قصة. فإياك أن تخرج عن الدار حتى تعزل ابن جعفر ~~عن المدينة وتتقلدها دونه!) فاعتقد محمد ذلك. # وخاطب غالب الخليفة هشاما بحسن مناب ابن أبي عامر في هذه الغزوة، ونسب ~~السعي والاجتهاد إليه، وشكره، وشد عضده عند الخليفة؛ وعاد محمد ابن أبي ~~عامر إلى حضرة قرطبة منصرفا بالسبي والغنائم. فاستمال محمد بهذا الفتح قلوب ~~العامة والخاصة، وتعرفوا فيه يمن النقيبة؛ فبعد صيته، وهان عليه أمر جعفر ~~وغيره، وشرع في هدمه. فخرج أمر الخليفة يوم وروده بصرف محمد بن جعفر بن ~~عثمان عن المدينة وتقليدها ابن أبي عامر. فخرج محمد نحو كرسيها في هذا ~~اليوم، والخلع عليه، ولا عند جعفر علم بذلك؛ وكان محمد بن جعفر جالسا في ~~مجلسها في أبهة، إذ صعد ابن أبي عامر نحوه؛ فولي محمد بن جعفر ناكصا على ~~عقبه، وأتبع بدايته. # وملك ابن أبي عامر الباب بولاية الشرطة؛ والجيش يقوده له؛ والدار بعناية ~~الحرم به؛ فملك على جعفر بذلك وجوه الحيلة، وخلاه، وليس في يده من الأمر ~~إلا أقلخ. فضبط محمد المدينة ضبطا أنسى أهل الحضرة من سلف من أفراد الكفاة ~~وأولى السياسة، وقد كانوا قبله في بلاء عظيم، يتحارسون الليل كله، ويكايدون ~~من روعات طراقه ما لا يكابد أهل الثغور من العدو. فكشف الله ذلك عنهم بمحمد ~~بن أبي عامر وكفايته، وتنزهه عما كان ينسب لابن جعفر. فسد باب الشفاعات، ~~وقمع أهل الفسق والذعارات، حتى ارتفع ms477 البأس، وأمن الناس، وأمنت عادية ~~المتجرمين من حاشية السلطان؛ حتى لقد عثر على ابن عم له يعرف بعسقلاجة؛ ~~فاستحضره في مجلس الشرطة وجلده جلدا مبرحا كان فيه حمامه؛ فانقمع الشر في ~~أيامه جملة. واستخلف ابن أبي عامر على PageV02P266 # المدينة ابن عمه عمرو بن عبد الله بن أبي عامر؛ فسلك في أهل الشر سبيله، ~~بل أربى عليه في ذلك. # وكاتب جعفر غالبا يستخلصه، ويستميله، ويخطب بنته لابنه؛ فتجددت بينهما ~~ألفة، وجرى عقد في المناكحة. وانكشف ذلك لابن أبي عامر؛ فكاتب غالبا ينشده ~~العهد، وألقى أهل الدار عليه في فسخ المصاهرة؛ فكاتبوه في ذلك؛ فانحرف إلى ~~ابن أبي عامر، وحل عقدة جعفر في نكاحه، وأنكح ابن أبي عامر أسماء ابنته؛ ~~فكانت أحظى نسائه. ### | غزوة ابن أبي عامر الثالثة # فلما تم هذا العقد، خرج إليها؛ فدخل على طليطلة غرة صفر من سنة 367؛ ~~فاجتمع مع صهره غالب؛ فعظمه وجرى إلى موافقته. ونهضا معا؛ فافتتحا حصن ~~المال وحصن زنبق، ودوخا مدينة شلمنقة وأخذا أرباضها. وقفل ابن أبي عامر إلى ~~قرطبة بالسبي والغنائم، وبعدد عظيم من رؤوس المشركين، إلى أربع وثلاثين ~~يوما من خروجه؛ فزاد له السلطان في التنوبه، وأنهضه إلى خطة الوزارتين، سوى ~~فيها بينه وبين غالب، ورفع راتبه إلى ثمانين دينارا في الشهر، وهو راتب ~~الحجابة. واستقدم السلطان غالبا لاستهداء أسماء إلى زوجها محمد؛ فبالغ في ~~إكرامه؛ ووقع زفاف أسماء في مشهد بعد العهد بمثله شهرة وجلالة؛ وزفت إليه ~~ليلة النيروز من قصر الخليفة؛ فهو الذي تولي مع حرمه أمرها. وكانت أسماء ~~هذه توصف بجمال بارع وأدب صالح؛ وحظيت عند ابن أبي عامر؛ فلم يفارقها. ~~وقلده الخليفة خطة الحجابة مع جعفر مشتركا. ثم سخط الخليفة على جعفر بن ~~عثمان المصحفي، وصرفه عن الحجابة يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من شعبان ~~سنة 367؛ وأمر بالقبض عليه وعلى ولده PageV02P267 # وأسبابه، وعلى ابن أخيه هشام؛ وصرفوا عما كان بأيديهم من الأعمال، وكلبوا ~~بالأموال. فتوصل ابن أبي عامر بمحاسبتهم إلى استصفاء أموالهم، وانتهاك ~~حرمهم، وترديد النكبات عليهم، حتى ms478 مزقهم كل ممزق. وسارع إلى قتل هشام ابن ~~أخي جعفر في المطبق، إذ كان أشد آل عثمان عداوة له؛ وأخرج إلى أهله ميتا. ~~واستمرت النكبة على جعفر سنين عدة، يحبس مرة ويطلق أخرى. ومما حفظ له في ~~ابن أبي عامر، مستعطفا له (متقارب) : # عفا الله عنك ألا رحمة ... تجود بعفوك ان ابعدا # لئن جل ذنب ولم أعتمده ... فأنت أجل وأعلى بدا # ألم تر عبدا عدا طوره ... ومولي عفا ورشيدا هدى # ومفسد أمر تلافيته ... فعاد فأصلح ما أفسدا # أقلني أقالك من لم يزل ... بقيك ويصرف عنك الردى # وكان جعفر بن عثمان في محنته أخور الناس، أرأمهم للذل، وأحبهم في الحياة؛ ~~انتهى به الاستحذاء لمحمد بن أبي عامر، والطمع في الحياة، أن كتب إليه بعرض ~~نفسه عليه لتأديب ابنيه عبد الله وعبد الملك؛ فقال ابن أبي عامر: (أراد أن ~~يستجهلني ويسقطني عند الناس، وقد عهدوا مني ببابه مؤملا؛ ثم يرونه اليوم ~~بدهليزي معلما.) ثم جد ابن أبي عامر في مكروهه، وأدق حسابه، وأمر بإحضاره ~~إلى مجلس الوزراء بقصر الخلافة، ليناظر بين أيديهم فيما ادعى عليه من ~~الخيانة؛ فتردد إلى هذا المجلس مرارا، وأقبل آخر مرة إليه، وواثق الضاغط ~~يزعجه، والبهر والسن قد هاضاه، وقصرا خطاه، والموكل به يحذوه ويستحثه؛ ~~فيقول له جعفر: (يا بني رفقا؛ فستدرك ما تريد! ويا ليت أن الموت بيع، فأغلى ~~الله سومه!) حتى انتهى به إلى المجلس، والوزراء جلوس، فجلس في آخر المجلس ~~دون أن PageV02P268 # يسلم؛ فأسرع إليه الوزير محمد بن حفص بن جابر، وكان من حزب ابن أبي عامر؛ ~~فعنفه، واستجهله، وأنكر عليه ترك التسليم، وجعفر معرض عنه. فلما أكثر عليه، ~~قال له جعفر: (يا هذا جهلت المبرة، فاستجهلت عالمها وكفرت. اليد، فقصرت ~~بمسديها.) فاضطرب ابن جابر من قوله، وقال: (هذا هو البهت بعينه! وأي أياديك ~~الغراء التي مننت بها؟ أيد كذا أم يد كذا) ؛ وعدد أشياء؛ فأنكرها عليه ~~الحاجب، وقال: (هذا لا يعرف؛ والمعروف دفعي عن يمناك القطع، وشفاعتي فيها ~~إلى الماضي - رحمه الله - حين استخونك ms479 في مال كذا!) فأصر ابن جابر على ~~الجحد؛ فقال جعفر: (أنشد الله من له علم بما ذكرت أن يتكلم!) فقال الوزير ~~ابن عياش: (قد كان بعض منا ذكرته؛ وغير هذا أولى بك، يا أبا الحسن!) فقال: ~~(أحرجني الرجل، فقلت.) ثم أقبل الوزير محمد بن جهور على محمد بن جابر، فقال ~~له: (أوما علمت أنه من كان في سخط السلطان، تحامى السلام على أولىائه لأنهم ~~إن ردوا عليه، أسخطوا السلطان لتأمينهم من أخافه؛ وإن تركوا الرد، أسخطوا ~~الله، وتركوا ما أمر به؟ فكان الإمساك أولى! ومثل هذا لا يخفي على أبي ~~الحسن.) فخجل ابن جابر وأسفر وجه جعفر وتهلل. ثم أخذ القوم في مناظرته على ~~المال؛ فقال: (قد والله استنفدت ما عندي من الطارف والتالد، ولا مطمع في في ~~درهم، ولو قطعت إربا إربا!) فصرف إلى محبسه في مطبق الزهراء؛ فكان آخر ~~العهد به. # وله، وقد أودعه المنصور المطبق، والشجون تسرع إليه وتسبق، معزيا لنفسه، ~~ومجتزيا في يومه بإسعاد أمسه؛ فقال (متقارب) : # أجاري الزمان على حاله ... مجاراة نفسي لأنفاسها # إذا نفس صاعد شفها ... توارت به بين جرسها # وإن عكفت نكبة للزمان ... عكفت بصدري على رأسها # ومن بديع ما حفظ له في نكبته، قوله - رحمه الله - يستريح من كربته (طويل) ~~: PageV02P269 # صبرت على الأيام لما تولت ... وألزمت نفسي صبرها فاستمرت # فيا عجبا للقلب كيف اصطباره ... وللنفس بعد العز كيف استذلت # وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى ... فإن طمعت تافت وإلا تسلت # وكانت على الأيام نفسي عزيزة ... فلما رأت صبري على الذل ذلت # وقلت لها نفس موتي كريمة ... فقد كانت الدنيا لنا ثم ولت # وكان من هلاكه في محبسه هذا على يقين؛ وذلك أنه لما أمر به إلى المطبق، ~~ودع أهله وولده ووداع الفرقة، وقال: (هذا وقت إجابة الدعوة! وأنا أرتقبه ~~منذ أربعين ينة!) فسئل عما ذكره؛ فقال: (رفع على فلان أيام الناصر وسعى به ~~إليه؛ فأشرفت على أعماله؛ فآل أمره إلى ضربه وتغير نعمته وإطالة حبسه. ~~فبينا أنا نائم ذات ليلة، إذ أتاني ms480 آت؛ فقال لي: (أطلق فلانا؛ فقد أجيبت ~~دعوته فيك؛ ولهذا أمر أنت لا بد لاقيه!) فانتبهت مذعورا، وأحضرت الرجل، ~~وسألته إحلالي؛ فامتنع علي؛ فاستحلفته على إعلامي بما خصني به من الدعاء؛ ~~فقال: (نعم! دعوت الله أن يميتك في أضيق السجون كما أعمرتنيه حقبة.) فعلمت ~~أنه قد وجبت دعوته، وندمت حيث لا ينفع الندم، وأطلقت الرجل؛ ولم أزل أرتقب ~~ذلك في السجن.) فما لبث في السجن إلا أياما، وأخرج ميتا، وأسلم إلى أهله. ~~فقيل: قتل خنقا في البيت المعروف ببيت البراغيت في المطبق؛ وقيل: دست إليه ~~شربة مسمومة. # قال محمد بن إسماعيل، كاتب المنصور: (سرت مع محمد بن مسلمة إلى الزهراء ~~لتسليم جسد جعفر إلى أهله وولده، والحضور على إنزاله في ملحده؛ فنظرت إليه ~~ولا أثر فيه، وليس عليه شئ يواريه غير كساء خلق لبعض البوابين، ستره به. ~~فدعا له محمد بن مسلمة بغاسل؛ فغسله (والله!) على فرد باب اقتلع من ناحية ~~الدار، وأنا أعتبر من تصرف الأقدار؛ وخرجنا بنعشه إلى قبره، وما معنا إلا ~~إمام المسجد المستدعي للصلاة؛ وما تجاسر أحد على النظر إليه.) ثم قال: (وإن ~~لي في شأنه لخبرا ما سمع بمثله طالب وعظ، ولا وقع في مسمع PageV02P270 # ولا تصور للحظ؛ وقفت له في طريقه، أيام نهبه وأمره، أروم أن أناوله قصة ~~كانت به مختصة؛ فوالله ما تمكنت من الدنو منه بحيلة، لكثافة موكبه، وكثرة ~~من حف به؛ وأخذ الناس السكك عليه وأفواه الطرق، ينظرون إليه ويسلمون عليه، ~~حتى ناولت قصتي بعض كتابه الذين نصبهم جناحي موكبه لأخذ القصص؛ فانصرفت، ~~وفي نفسي ما فيها من الشرق بحاله والغصص، فلم تطل المدة حتى غضب عليه ~~المنصور، واعتقله، ونقله معه في الغزوات ذليلا وحمله. واتفق أن نزلت ~~بجليقية في بعض المنازل إلى جانب خبائه في ليلة نهى فيها المنصور عن وقد ~~النيران ليخفي على العدو أثره، ولا ينكشف له خبره؛ فرأيت - والله - ابنه ~~عثمان يسفه دقيقا قد خلطه نماء يقيم به أوده، ويمسك به رمقه بضعف حال، وعدم ~~زاد ومال، ms481 وسمعته يقول (طويل) : # تأملت صرف الحادثات فلم أزل ... أراها توافي عند مقدها الحرا # فلله أيام مضت لسيلها ... فإني لا أنسى لها أبدا ذكرا # تجافت بها عنا الحوادث برهة ... وأبدت لنا منها الطلاقة والبشرا # ليالي لم يدر الزمان مكاننا ... ولا نظرت منا حوادثه الشزرا # وما هذه الأيام إلا سحائب ... على كل أرض تمطر الخير والشرا # وكان مما أعين به ابن أبي عامر على جعفر بن عثمان المصحفي ميل حلية ~~الوزراء إليه وإيثارهم له عليه، وسعيهم في ترقيه، وأخذهم بالعصيبة فيه؛ ~~فإنهم، وإن لم تكن لهم حمية أعرابية، فقد كانت سلفية سلطانية، يقتفى القوم ~~فيها آثار سلفهم، ويمنعون بها ابتذال شرفهم؛ غادروها سيرة، وخلفوها عادة ~~أثيرة، تشاح الخلف فيها تشاح أهل الديانة، وصانوا بها مراتبهم أعظم صيانة؛ ~~ورأوا أن أحدا من التوابع لا يدرك فيها غاية، ولا يلحق لها راية. فلما أحظى ~~المستنصر بالله جعفر بن عثمان واصطنعه، ووضعه من أثرته حيث وضعه، حسدوه ~~وذموه، وخصوه بالمطالبة وعموه. وكان أسرع هذه الطائفة إلى مهاودة المنصور ~~عليه، والانحراف PageV02P271 # عنه إليه، آل أبي عبدي وآل شهيد، وآل جهور، وآل فطيس؛ وكانوا في الوقت ~~أزمة الملك وقوام الخدمة، ومصابيح الأمة؛ فأحظوا محمد بن أبي عامر مشايعه، ~~ولأسباب المصحفي منازعه، وشادوا بناءه، وقادوا إلى عنصره سناءه، حتى بلغ ~~الأمل، والتحف بمناه واشتمل. وعند التيام هذه الأمور لابن أبي عامر، استكان ~~جعفر بن عثمان للحادثة، وأيقن بالنكبة، وزوال المرتبة، وكف عن اعتراض محمد ~~وشركته في التدبير، وانقبض الناس عن الرواح إليه والتبكير. وانثالوا على ~~ابن أبي عامر؛ فخف موكبه، وغار من سماء العزة كوكبه، وتوالى عليه سعي ابن ~~أبي عامر وطلبه حتى محاه، وهتك ظلاله وأضحاه. ومن قوله (كامل) : # لا تأمنن من الزمان تقلبا ... إن الزمان بأهله يتقلب # ولقد أراني واللبوث تهابني ... وأخافني من بعد ذاك الثعلب # حسب الكريم مهانة ومذلة ... ألا يزال إلى لئيم يطلب # وكان قوله هذه الأبيات لما سبق إلى مجلس الوزارة للمحاسبة، وواثق الضاغط ~~يزعجه ويستحثه، وهو يقول له: (رفقا بي، يا واثق، ms482 فستدرك ما تحبه وتشتهيه، ~~وترى ما كنت ترتجيه!) وقد تقدم ذلك. ### | استبداد ابن أبي عامر بالملك وتغلبه عليه # لما قتل ابن أبي عامر جعفر بن عثمان، انفرد بشأنه، ورمى الغرض الأبعد من ~~ضبط السلطان والحجر عليه والاستبداد بالمملكة وأمور الدولة؛ جرى في ذلك ~~مجرى المتغلبين على سلطان بني العباس بالمشرق من أمراء الديلم، حتى أورث ~~ذلك عقبه. فأخذ ابن أبي عامر في تغيير سير الخلفاء المروانية في استجرار PageV02P272 # الأمر لنفسه وسبك الدولة على قالبه؛ فأداه ذلك إلى مضادة ما كانوا عليه؛ ~~فعوض باللبن غلظة، وبالسكون حركة، وبالأناة بطشه، بالموادعة محاربي؛ فجعل ~~أهل الرأي من مصادر أموره ومواردها يقصون بخروجها عن حد الصواب وقانون ~~التدبير لها؛ وربما فاوض جلتهم الرأي، فيسيرون عليه من الوجه الذي عرفوه، ~~والقانون الذي حمدوه؛ فيعدل عن ذلك إلى المذهب الذي شرعه، والطريق الذي ~~نهجه، والخطر الذي لايجهل اقتحامه؛ فيبهت القوم من حسن ما يقع له. # قال الفتح بن خاقان: (فرد نابه على من تقدمه، وصرفه واستخدمه؛ فإنه كان ~~أمضاهم سنانا، وأذكاهم جنانا، وأتمهم جلالا، وأعظمهم استقلالا. قال أمره ~~إلى ما آل، وأوهم العقول بذلك المآل؛ فإنه كان آية الله في إتقان سعده، ~~وقربه من الملك بعد بعده؛ بهر برفعه القدر، واستظهر بالأناة وسعة الصدر، ~~وتحرك فلاح نجم الهدو، وتملك فما حقق بأرضه لواء عدو، بعد خمول كابد منه ~~غصصا وشرفا، وتعذر مأمول صارد فيه سهرا وأرقا، حتى أنجز له الموعود، وفر ~~نحسه أمام تلك السعود. فقام بتدبير الخلافة، وأقعد من كان له فيها أنافة؛ ~~وساس الأمور أحسن سياسة، وداس الخطوب بأخشن دياسة؛ فانتظمت له الممالك، ~~واتضحت به المسالك؛ وانتشر الأمن في كل طريق، واستشعر اليمن كل فريق. وملك ~~الأندلس بضعا وعشرين حجة، لم تدحض لسعادتها حجة، ولم تزخر لمكروه بها لجة؛ ~~لبست فيها البهاء والإشراق، وتنفست عن مثل أنفاس العراق. وكانت أيامه أحمد ~~أيام، وسهام بأسه أسد سهام. غزا شاتيا وصائفا، ومضى فيما يروم زاجرا ~~وعائفا؛ فأوغل في تلك الشعاب، وتغلغل حتى راع ليث الغاب، ومشى ms483 تحت ألويته ~~صيد القبائل، واستجرت في ظلها بيض الظبى وسمر الذوابل؛ وهو يقتضي الأرواح ~~بغير سوم، وينقضي الصفاح PageV02P273 # على كل روم، ويتلف من لا ينساق للخلافة وينقاد، ويختطف منهم كل كوكب ~~وقاد، حتى استبد وانفرد، وأنس إليه من الطاعة ما نفر وشرد. وانتظمت له ~~الأندلس بالعدوة، واجتمعت له اجتماع قريش في دار الندوة؛ ومع هذا، فلم يخلع ~~اسم الحجابة، ولم يدع السمع لخليفته والإجابة، ظاهر يخالفه الباطن، واسم ~~تنافره مواقع الحكم والمواطن. وأذل قبائل الأندلس بإجاوة البربر، وأخمل بهم ~~أولائك الأعلام الأكابر؛ فإنه قاومهم بأضدادهم، واستكثر من أعدادهم، حتى ~~تغلبوا على الجمهور، وسلبوا منهم الظهور، ووثبوا عليهم الوثوب المشهور، ~~الذي أعاد أكثر الأندلس قفرا يبابا، وملأها وحشا وذئابا، وأعراها من ~~الأمان، برهة من الزمان. وعلى هذه الهيئة، فهو وابنه المظفر كانا آخر سعد ~~الأندلس، وحد السرور بها والتأنس. وغزواته فيها شائعة الإثر، رائعة كالسيف ~~ذي الأثر، وحسبه وافر، ونسبه معافر. ولذا قال ينخر (طويل) : # رميت بنفسي هول كل كريهة ... وخاطرت والحر الكريم مخاطر # وما صاحبي إلا جنان مشيع ... وأسمر خطي وأبيض باتر # وإني لزجاء الجيوش إلى الوغى ... أسود تلاقيها أسود خوادر # لسدتث بنفسي أهل كل سيادة ... وكاثرت حتى لم أجد من أكاثر # وما شدت بنيانا ولاكن زيادة ... على ما بنى عبد المليك وعامر # رفعنا المعالي بالعوالي حديثة ... وأورثناها في القديم معافر # وكانت أمه تميمية؛ فحاز الشرف من طرفيه؛ والتحف بمطرفيه. قال القسطلي ~~(طويل) : # تلاقت عليه من تميم ويعرب ... شموس تلألا في العلى وبدور # من الحميريين الذين أكفهم ... سحائب تهمي بالندى وبحور # وتصرف قبل ولايته في شتى الولايات، وجاء من التحدث بمنتهى أمره PageV02P274 # بابات، حتى صح زجره، وجاء بصبحه فجره، يؤثر عنه في ذلك أخبار، فيها عجب ~~واعتبار. وكان أديبا محسنا. وعالما متفننا. فمن ذلك قوله، يمني نفسه بملك ~~مصر والحجاز، ويستدعي صدور تلك الأعجاز (خفيف) : # مضنضع العين أن تذوق المناما ... حبها أن ترى الصفا والمقاما # لي ديون بالشرق عند أناس ... قد أحلوا بالمشعرين الحراما # إن قضوها نالوا الأماني وإلا ... جعلوا ms484 دونها رقابا وهما # عن قريب ترى خيول هشام ... يبلغ النيل خطوها والشاما # وفي سنة 368، أمر المنصور بن أبي عامر ببناء قصره المعروف بالزاهرة، وذلك ~~عندما استفحل أمره، واتقد جمره، وظهر استبداده، وكثر حساده، وخاف على نفسه ~~في الدخول إلى قصر السلطان، وخشي أن يقع في أشطان. فتوثق لنفسه، وكشف له ما ~~ستر عنه في أمسه، من الاعتزاز عليه؛ ورفع الاستناد إليه؛ وسما إلى ما سمت ~~إليه الملوك من اختراع قصر ينزل فيه، ويحله بأهله وذويه، ويضم إليه رياسته، ~~ويتمم به تدبيره وسياسته، ويجمع فيه فتيانه وغلمانه. فارتاد موضع مدينته ~~المعروفة بالزاهرة، الموصوفة بالقصور الباهرة، وأقامها بطرف البلد على نهر ~~قرطبة الأعظم، ونسق فيها كل اقتدار معجز ونظم. وشرع في بنائها في هذه السنة ~~المؤرخة، وحشد إليها الصناع والفعلة، وجلب إليها الآلات الجليلة، وسربلها ~~بهاء يرد العيون كليلة؛ وتوسع في اختطافها، وتولع بانتشارها في البسيطة ~~وانبساطها، وبالغ في رفع أسوارها، وثابر على تسوية أنجادها وأغوارها. ~~فاتسعت هذه المدينة في المدة القريبة، وصار من الأنباء الغريبة. وبنى ~~معظمها في عامين. # وفي سنة 370، انتقل المنصور بن أبي عامر إليها، ونزلها بخاصته وعامته؛ ~~فتبوأها وشحنها بجميع أسلحته، وأمواله وأمتعته، وأتخذ فيها الدواوين ~~والأعمال، PageV02P275 # وعمل داخلها الأهراء، وأطلق بساحتها الأرجاء. ثم أقطع ما حولها لوزرائه ~~وكتابه، وقواده وحجابه؛ فاقتنوا بأكنافها كبار الدور، وجليلات القصور، ~~واتخذوا خلالها المستغلات المفيدة، والمنازه المشيدة. وقامت بها الأسواق، ~~وكثرت فيها الأرفاق؛ وتنافس الناس في النزول بأكنافها، والحلول بأطرافها، ~~للدنو من صاحب الدولة، وتناهى الغلو في البناء حوله، حتى اتصلت أرباضها ~~بأرباض قرطبة، وكثرت بحوزتها العمارة، واستقرت في بحبوحتها الإمارة. وأفرد ~~الخليفة من كل شئ إلا من الاسم الخلافي، وصير ذلك هو الرسم العافي. ورتب ~~فيها جلوس وزرائه، ورؤوس أمرائه، وندب إليها كل ذي خطة بخطته، ونصب على ~~بابها كرسي شرطته، وأجلس عليه واليا على رسم كرسي الخليفة، وفي صفة تلك ~~الرتبة المنيفة. وكتب إلى الأقطار بالأندلس والعدوة بأن تحمل إلى مدينته ~~تلك الأموال الجبايات، ويقصدها أصحاب الولايات، وينتابها طلاب الحوائج، ms485 ~~وحذر أن يعوج عنها إلى باب الخليفة عائج. فاقتضيت لديها اللبانات والأوطار، ~~وانحشد الناس إليها من جميع الأقطار. وهم لمحمد بن أبي عامر ما أراد، ~~وانتظم بلبة أمانيه المراد؛ وعطل قصر الخليفة من جميعه، وصبره بمعزل من ~~سامعه ومطيعه، وسد باب قصره عليه، وجد في خبر ألا يصل إليه، وجعل فيه ثقة ~~من صنائعه يضبط القصر، ويبسط فيه النهى والأمر، ويشرف منه على كل داخل، ~~ويمنع ما يحذره من الدواخل؛ ورتب عليه الحراس والبوابين، والسمار ~~والمنتابين، يلازمون حراسه من فيه ليلا ونهارا، ويراقبون حركاتهم سرا ~~وجهارا؛ وقد حجر على الخليفة كل تدبير، ومنعه من تملك قبيل أو دبير. وأقام ~~الخليفة هشام مهجور الفناء، محجور الغناء، خفي الذكر، عليل الفكر، مسدود ~~الباب، محجوب الشخص عن الأحباب، لا يراه خاص ولا عام، ولا يخاف له بأس ولا ~~يرجى منه إنعام، ولا يعهد منه إلا الاسم السلطاني في السكة والدعوة، وقد ~~نسخه وليس أبهته، وطمس بهجته. وأغنى الناس عنه، وأزال أطماعهم منه، وصيرهم ~~لا يعرفونه، وأمرهم أنهم لا يذكرونه. PageV02P276 # واشتد ملك محمد بن أبي عامر منذ نزل قصر الزاهرة، وتوسع مع الأيام في ~~تشييد أبنيتها، حتى كملت أحسن كمال، وجاءت في نهاية الجمال، نقاوة بناء، ~~وسعة فناء، واعتدال هواء رق أديمه، وصقالة جو اعتل نسيمه، ونضرة بستان، ~~وبجة للنفوس فيها افتنان. وفيها يقول صاعد اللغوي (بسيط) : # يا أيها الملك المنصور من يمن ... والمبتنى نسبا غير الذي انتسبا # بغزوة في قلوب الشرك رلتعة ... بين المنايا تناغى السمر والقضبا # أما ترى العين تجري فوق مرمرها ... زهوا فتجري على أحسائها الطربا # أجريتها فطما الزاهي بجريتها ... كما طموت فسدت العجم والعربا # تخال فيه جنود الماء رافلة ... مستلئمات تربك الدرع والبلبا # تحفها من فنون الأيك زاهرة ... قد أورقت فضة إذ أثمرت ذهبا # بديعة الملك ما ينفك ناظرها ... يتلو على السمع منها آية عجبا # لا يحسن الدهر أن ينشي لها مثلا ... ولضو تعنت فيها نفسه طلبا # ودخل عليه عمرو بن أبي الحباب في بعض قصوره من المنية المعروفة ~~بالعامرية، ms486 والروض قد تفتحت أنواره، وتوشحت بجاده وأغواره، وتصرف فيها ~~الدهر متواضعا، ووقف بها السعد خاضعا؛ فقال (بسيط) : # لا يوم كاليوم في أيامك الأول ... بالعامرية ذات الماء والطلل # هواؤها في جميع الدهر معتضدل ... طيبا وإن حل فصل غير معتدل # ما إن يبالي الذي يحتل ساحتها ... بالسعد ألا تحل الشمس بالحمل # وما زالت هذه المدينة رائقة، والسعود بلبتها متناسقة، تراوحها الفتوح ~~وتغاديها، وتجلب إليها منكسرة أعاديها، ولا تزحف منها راية إلا إلى فتح، ~~ولا يصدر عنها تدبير إلا إلى نجح، إلى أن حان يومها العصيب، وقبض لها من ~~المكروه أوفر نصيب. فتولت فقيدة، وخلت من بهجتها كل عقيدة. PageV02P277 # وأشاع ابن أبي عامر أن السلطان فوض إليه النظر في أمر الملك، وتخلى له ~~عنه لعبادة ربه. وانبث ذلك في الرعية حتى اطمأنوا إليه، مع قوة ضبطه وسرعة ~~بطشه. فانتظم له ذلك كله وأكثر منه، بعد أن حصن قصر الخليفة في هذا الوقت ~~بالسور الذي أدار حوله، وعمل الخندق المطيف به من جانبيه، والأبواب الوثيقة ~~بالأحراس والسمار الذين وضعهم بأنقابه. ومنع الخليفة من الظهور، ووكل ~~بأبوابه من يمنع وصول خبر إليه أو أمر من الأمور إلا عن إذنه؛ فإن عثر على ~~أحد من الناس في تجاوز هذا الحد، عاجله ونكل به. والأخبار عنه في هذا ~~المعنى واسعة جدا، غير أن الاختصار في ذلك أن ابن أبي عامر بلغ من ذلك ~~مبلغا لم يبلغه قط متغلب على خليفة، لأنه احتوى على الملك كله، وصير ~~الخليفة قبضة في يده، حتى أنه لم يكن ينفذ له أمر في داره ولا حرمه إلا عن ~~إذنه وعلمه. وجعل متولي قصره من قبله من يثق به، وصيره عينا على السلطان، ~~لا يخفى عليه شئ من حركاته وأخباره. # ولما ترقى ابن أبي عامر إلى هذا القدر، عمل في مكروه القائد الكبير غالب ~~الناصري صهره، والتوطئة لأسباب هدمه. فرأى أن يبني عليه ضدا له من أصحاب ~~السيوف والحرابة المشهورين، لأن غالبا كان يستطيل على ابن أبي عامر بأسباب ~~الفروسية، ويباينه بمعاني الشجاعة، ms487 ويعلوه من هذه الجهة التي لم يتقدم لابن ~~أبي عامر بها معرفة. فلم يجد لذلك مثل جعفر بن علي بن حمدون المعروف بابن ~~الأندلسي شدة بأس، وربط جاش، ونباهة ذكر، وجلالة قدر. فجد في استجلابه، وهو ~~مقيم بالعدوة. وآل علي ممن أطاع الخليفة هشاما من زناتة؛ فبعث ابن أبي عامر ~~إليه، وتواترت كتبه إليه؛ فأسلم العمل إلى أخيه يحيى، وعبر إلى الأندلس ~~بجيشه؛ فنزل قصر العقاب، بعد أن أعد له ما يصلح فيه. فاستوزره أبي عامر؛ ~~فعظم شأنه، وأحله محل الأخ في الثقة، وقدمه على الكفاة؛ فوجد عنده ما أحبه، ~~وفوق ما قدره؛ فاعتدل بالبرابرة أمره، وقوى PageV02P278 # ظهره، وكانت هذه القطعة من البربر نحو الستمائة. وما زال بعد ذلك ~~يستدعيهم ويتضمن الإحسان إليهم، والتوسعة عليهم، إلى أن أسرعوا إلى ~~الأندلس، وانثالوا على ابن أبي عامر، وما زالوا يتلاحقون، وفرسانهم ~~يتواترون، يجئ الرجل منهم بلباس الخلق على الأعجف، فيبدل له بلباس الخز ~~الطرازي وغيره، ويركب الجواد العتيق، ويسكن قصرا لم يتصور له في منامه ~~مثله، حتى صاروا أكثر أجناد الأندلس. ولم تزل طائفة البربر خاصة ابن أبي ~~عامر وبطانته، وهم أظهر الجند نعمة، وأعلاهم منزلة. # ولما علم غالب بإدناء جعفر، علم الغرض فيه؛ ففسد ما بينهما، ووقع بينهما ~~معارك وفتن كان الظفر فيها لابن أبي عامر على غالب. ومات، وهو يقاتله مع ~~النصارى؛ وكان قد استجلبهم إليه في خبر طويل. فوجد غالب مقتولا في مجال ~~الخيل، وابن أبي عامر كاد أن ينهزم له. فقيل إن قربوس سرجه قتله. وقيل غير ~~ذلك. فكان ذلك أكبر سعد ابن أبي عامر؛ ولم يبق له بعد ذلك من يخاف منه. # ولما فرغ ابن أبي عامر من غالب، دبر الحيلة في حتف جعفر بن علي، الذي ~~أقامه أكبر معين في أمر غالب؛ فواكأ على قتله أبا الأحوص معن بن عبد العزيز ~~النجيبي فارس العرب، في طائفة من أصحابه الأندلسيين؛ فقتلوه غيلة؛ ثم قتل ~~ابن أبي عامر بعد ذلك أبا الأحوص، وانفرد وحده. # وفي سنة 371، تسمى ابن ms488 أبي عامر بالمنصور، ودعى له على المنابر به، ~~استيفاء لرسوم الملوك؛ فكانت الكتب تنفذ عنه: من الحاجب المنصور أبي عامر ~~محمد بن أبي عامر إلأى فلان. وأخذ الوزراء بتقبيل يده؛ ثم تابعهم على ذلك ~~وجوه بني أمية؛ فكان من يدخل عليه من الوزراء وغيرهم يقبلون يده، ويمولونه ~~عند كلامه ومخاطبته. فانقاد لذلك كبيرهم وصغيرهم؛ وإذا بدا لأبصارهم طفل من ~~ولده، قاموا إليه، فاستبقوا ليده تقبيلا، وعموا أطرافه لثما. فساوى محمد بن ~~أبي عامر الخليفة في هذه المراتب، وشاركه في تلك المذاهب. ولم يجعل فرقا ~~بينه PageV02P279 # وبينه إلا في الاسم وحده في تصدير الكتب عنه، حتى تنامت حاله في الجلالة، ~~وبلغ غاية العز والقدرة. # قال حيان بن خلف: وقرأت في بعض الكتب أن محمد بن أبي عامر، لما حجب هشاما ~~عن الناس واستبد بالأمر دونه، ظهرت فيهم بقرطبة أقوال معرضة أفشوا بينهم ~~فيها أبياتا فاحشة. فمن ذلك ما قيل على لسان هشام الخليفة في شكواه لهم ~~(وافر) : # أليس من العجائب أن ... يرى ما قل ممتنعا عليه # وتملك باسمه الدنيا جميعا ... وما من ذاك شئ في يديه # ومما قيل في تقديم هشام، وهو صغير لم يبلغ الحلم، وفي قاضيه ابن السليم ~~(سريع) : # اقترب الوعد وحان الهلاك ... وكل ما تكرهه قد أتاك # خليفة يحضر في مكتب ... وأمه حبلى وقاض يناك # يريد بذلك شغف أم هشام بابن أبي عامر، لأنها كانت تتهم به، وهي أوصلته ~~إلى حيث وصل من الحال التي لم يتمكن لأحد قبله ولا بعده مثلها؛ فسلب هشاما ~~ملكه وجنده وماله. # وفي سنة 372، قتل جعفر بن علي بن حمدون المعروف بابن الأندلسي؛ وذلك أن ~~المنصور عزم - بزعمه - على إكرام جعفر المذكور ليلة الأحد لثلاث خلون من ~~شعبان من السنة، مكرا منه، وحيلة لقتله؛ فانتخبه ساقي المجلس بكأس؛ فقال له ~~ابن أبي عامر: (اسقها أعز الناس علي) . فأمسك الساقي حيرة لكثرة من ضم ~~المجلس من العلية؛ فزجره ابن أبي عامر وقال: (ناولها الوزير أبا أحمد! عليك ~~لهنة الله!) فقام جعفر؛ فتناولها على قدمه، ms489 واستخفه الطرب حتى قام يرقص؛ ~~فلم يبق أحد بالمجلس إلا فعل كنعله، وأميلت إليه الكؤوس PageV02P280 # حتى ثقل وانصرف في جوف الليل مع بعض غلمانه؛ فخرج إليه معن وأصحابه؛ فلم ~~يكن فيه امتناع لما كان عليه من السكر؛ فأخذته السيوف حتى برد، وحز رأسه ~~ويده اليمنى، وحملا إلى ابن أبي عامر سرا. فأظهر ابن أبي عامر الحزن عليه. # وفي سنة 375، جهز المنصور جيشا كثيفا، وبعثه إلى العدوة؛ فحاصر حسن ابن ~~قنون الشريف الحسني. وكان حاول الخروج من الدعوة المروانية؛ واجتمع إليه ~~خلق من أهل الغرب، وظهر أمره؛ فوصله الجيش العرمرم؛ فلم يجد ملجأ إلا ~~الاستسلام للأمان. فأمنه قائد الجيش، وحمله إلى قرطبة مرقبا. فلم يمض ابن ~~أبي عامر أمانه، وأمر بقتله ليلا في الطريق بغيا وتعديا، لأن أمان قائده ~~أمانه؛ فقال من شاهد قتله أن هبت عليهم ريح عاصف في تلك الليلة التي قتل ~~فيها غدرا ذلك الشريف، صبتهم على وجوههم، وسلبتهم أثوابهم، واحتملت رداء ~~حسن المقتول؛ فلم يجدوه، وأظلم عليهم الأفق حتى خافوا على أنفسهم. # وفيها تفرق بنو إدريس في البلاد، وملك ابن أبي عامر الغرب، وأخرج منه من ~~كان بقي به من الأدارسة. فقيل في ذلك (كامل) : # فيما أرى عجب لمن يعجب ... جلت مصيبتنا وضاق المذهب # إني لأكذب مقلتي فيما أرى ... حتى أقول غلطت فيما أحسب # أيكون حيا من أمية واحد ... وبسوس صخم الملك هذا الأحدب # تمشي عساكرهم حوالي هودج ... أعواده فيهن قرد أشهب # أبي أمية ابن أقمار الدجى ... منكم وما لوجوهها تتغيب # ثم قام بعد ذلك في الغرب على ابن أبي عامر زيري بن عطية المغراوي، ونكث ~~طاعته بعد الحب الشديد والولاء الأكيد؛ وطعن على ابن أبي عامر تغلبه PageV02P281 # على هشام وسلبه ملكه. فأنفذ له ابن أبي عامر واضحا الفتى في جيش كثيف؛ ~~فقاومه بالغرب؛ ودارت بينهم حروب عظيمة. ثم أردفه ابن أبي عامر تولده عبد ~~الملك، وهبط ابن أبي عامر إلى الجزيرة الخضراء، يمدهم بالقواد والأجناد، ~~وسار عبد الملك بن أبي عامر من طنجة إلى زيري بن ms490 عطية؛ ودارت بينهم حرب، لم ~~يسمع بمثلها قط. ثم انهزم زيري ومن معه، ونجا مثخنا بالجراح. وملك ابن أبي ~~عامر بلاد الغرب إلى سنة 397. # (وكان أول من ملك سبتة من بني أمية وملك منها الغرب) عبد الرحمن الناصر؛ ~~وسبب ذلك أنه وجه إليها أسطولا. فلما حلت بسبتة، أعلن أهلها بدعوته، ~~وبادروا إلى طاعته، يوم الجمعة صدر ربيع الأول من سنة 319. ثم تتابعت ~~البلاد بالطاعة؛ ثم تكاثر ورود وفودها عليه وعلى الحكم ابنه؛ ثم التاثت ~~طاعتها على ابن أبي عامر؛ فوجه واضحا فتاه؛ فسكن في جبل أبي حبيب عاما في ~~الأخبية؛ ثم وجه بابنه عبد الملك إليها؛ فالتقى بزيري وهزمه، وغدره ابن عمه ~~الخير بن مقاتل؛ فطعنه برمح في قفاه وهرب. ومات بعد ذلك زيري من الجرح ~~بعدما لقي جموع صنهاجة، أصحاب إفريقية، وهزمهم. # وانصرف عبد الملك بعدما استقامت له الطاعة بالغرب؛ فوجد أباه في غزاته ~~بلاد البشاكشة منصرفا عنها. والتقى به بسرقسطة؛ وهي التي تسمى بغزاة ~~البياض، سنة 379. # وفي سنة 379، قتل المنصور بن أبي عامر عبد الرحمن بن مطرف صاحب سرقسطة ~~والثغر الأعلى؛ وسبب ذلك أنه، لما فكر عبد الرحمن في شأن من أتلفه ابن أبي ~~عامر من كبار رجال الدولة، علم أنه لم يبق غيره، وخشي أن يلحقه بالجماعة. ~~فسول له القدر المتاح التدبير على محمد؛ وقرب عليه مأخذه ولده عبد الله بن ~~المنصور. PageV02P282 ### | ذكر تدبير عبد الرحمن بن مطرف مع عبد الله بن المنصور في القيام عليه # وذلك أن عبد الله بن محمد بن أبي عامر كان مقيما بسرقسطة عند عبد الرحمن، ~~متغير النفس على أبيه لإحظائه عبد الملك أخيه. وكان عبد الله يرى أنه أشجع ~~وأفهم وأرجل وأفرس من أخيه عبد الملك، وأن أباه عين الظالم له في النسوية ~~بعبد الملك؛ فكيف في تقديمه عليه. فكان في قلبه على أبيه سعير نار، أذكاها ~~عبد الرحمن بن مطرف وأضرمها. فتوطئا على الوثوب بالمنصور في أول فرصة، على ~~أن يقسما ملك الأندلس: فالحضرة لعبد الله، والثغر لعبد الرحمن. وشرعا ms491 في ~~إحكام سيل ذلك والتماس وجهه؛ وساعدهما عليه جماعة من وجوه أهل قرطبة من ~~الجند والخدمة وغيرهم، فيهم الوزير عبد الله بن عبد العزيز المرواني صاحب ~~طليطلة. فانبثت أراجيف شنيعة تحقق المنصور صحتها، ولم يشك فيها؛ فاستدعى ~~ابنه عبد الله من سرقسطة، واستأنف له كثيرا من التقديم والمبرة، خديعة ~~ومغالطة؛ وصرف المرواني عن طليطلة صرفا جميلا؛ ثم صرفه عن الوزارة بعد ~~مديدة، وألزمه داره. ثم خرج ابن أبي عامر غازيا إلى قشتيلة؛ فتوافت إليه ~~أمداد الثغور، فيهم عبد الرحمن بن مطرف ورجال سرقسطة؛ فلما صاروا بوادي ~~الحجارة، أطبق أهل الثغور على الشكوى بعبد الرحمن، بدسيسة من ابن أبي عامر ~~لهم في ذلك، حيلة منه؛ وذكروا أنه يحتبس أرزاقهم، ويحتجن لنفسه. فصرفه ~~المنصور عن سرقسطة منسلخ صفر من سنة 79 المذكورة، وقلدها مكانه (ابن أخيه ~~عبد الرحمن بن يحيى) الملقب بسماجة، إطماعا لقومه النجيبيين في المحافظة. ~~ولبث عبد الرحمن في العسكر مترددا إلى أن قبض عليه يوم الثلاثاء لاثنتي ~~عشرة ليلة خلت من ربيع الأول. وسخط عليه المنصور، وأمر بحسابه؛ ثم قتل بعد ~~ذلك بالزاهرة بين يدي المنصور. PageV02P283 # واستدعى المنصور ابنه عبد الله إلى عسكره خوف أن يحدث حدثا بأنفته؛ فوافي ~~العسكر؛ فرفق به أبوه، وأمل استصلاحه، وقد تباعد ذلك عليه لسقم سريرته وشدة ~~حقده. ونازل المنصور أثناء ذلك مدينة شنت أشتبين؛ فلما اشتغل المسلمون ~~بالقتال، فر عبد الله بن المنصور من العسكر في ستة نفر من غلمانه؛ فلحق ~~بعدو الله غرسية بن قرذلند صاحب آلبة؛ فقبله وأجازه على أبيه؛ فتحرك ~~المنصور لغزو غرسية ومطالبته بإسلام ابنه إليه، وأقسم له أنه لا يقلع عنه ~~حتى يمكنه من ولده. وأصر غرسية على الامتناع من ذلك؛ فهزم المنصور غرسية، ~~وفض جمعه، واشتق بلد آلبة، وافتتح حصن وخشمة عبوة، أسكنه المسلمين؛ فضرع ~~غرسية في مسالمته على ما شار من شروطه في عبد الله وغيره؛ فعقد له المنصور ~~على ذلك؛ فوكل غرسية بعبد الله جماعة من العلوج؛ وحمل عبد الله وأصحابه على ~~البغال. وخرج سعد ms492 الخادم يستقبل عبد الله؛ فدنا من سعد وهو على بغل فاره، ~~مرتفع الحلية، عليه ثوب عجيب الصنعة، وهو متطلق، قوي الرجاء في الإقالة. ~~فقبل سعد يده، وأنسه، وهون عليه الخطب؛ ثم تخلف عنه بقرب الوادي الجوفي، ~~ووكل به من قتله؛ فحف به الموكلون وأعلموه بموته. ### | ذكر مقتل عبد الله المنصور # ولما أعلموه بأن حل به ما كان يحذره، أمروه بالنزول؛ فلم يمتنع لهم ~~وترجل، ومشى إلى السيف متطلقا؛ فظهرت منه عند الموت صرامة، عجب لها من ~~شاهده؛ وتقدم إليه ابن خفيف الشرطي؛ فضرب عنقه صبرا عند غروب الشمس من يوم ~~الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة سنة 380. وأنفذ المنصور رأس ~~ابنه إلى الخليفة مع كتاب الفتح؛ ودفن جسده في الموضع الذي قتل فيه. وكان ~~سنه يوم قتل ثلاثا وعشرين سنة، وذلك في غزوته الخامسة والأربعين. ثم إن ابن ~~أبي عامر استثقل سعدا وابن خفيف، ولم يزل PageV02P284 # حاقدا عليهما، حتى قتلهما بعد الامتحان. وأزداد ابن أبي عامر بما فعله ~~بابنه هيبة، وملئت قلوب الناس منه ذعرا. # ومما حكى في أمر عبد الله المقتول، قال الوزير أبو عمر بن عبد العزيز: ~~لما قتل المنصور ابنه، ارتاع الناس لذلك، وأوحشهم فعله؛ فتكلموا في ذلك ~~كثيرا، ورجموا فيه الظنون، ولم يتوجه لأحد فيه سبب يقضي بقتله. ثم تحرك ~~المنصور إثر ذلك في بعض غزواته، فلما احتل بقلعة رباح؛ قال المخبر: دعينا ~~إلى الطعام، فقال من حضر على لسان واحد: أيد الله المنصور! لقد صرت من قتله ~~في غاية يعدم الصبر في مثلها. فما سبب ذلك؟) قال: (لا أعلم أن أسلو عنه. ~~فابتعتها، متجاوز النهاية في ثمنها، وجعلتها عند قريبة لي. وكنت كل يوم ~~أخطر عليها أتعرف استبراءها؛ فلما أحست بحبي لها، وكلفي بها، توخت رضائي، ~~وذكرت لي أنها قد استبرأت، وهي كاذبة في ذلك، تريد بذلك موافقة مساري ~~واستعجال مرادي؛ فدخلت بها، وهي لم تستبرأ؛ فكنت شاكا فيه.) وكان مولده سنة ~~358. # حكاية زطرزون البربري مع المنصور. - وجرت للمنصور غب ذلك مع رجل ms493 من أعيان ~~البربر اسمه زطرزون بن نزار البرزالي نادرة؛ وذلك أنه قال يوما، وقد بسطه ~~في بعض المجالس: (يا مولاي لم قتلت عبد الله ابنك؟) ووصف شجاعته وخصاله؛ ~~فقال له المنصور: (لا يسوك ذلك! فلو لم أفعل لقتلني. ما كان من ولدي! وبهذا ~~اتهمت أمه وكانت أمه سوء. وقد قالوا إن الأرحام الردية تفسد الذرية) . فقال ~~الجاهل زطرزون: (كذا يا مولاي؟ فحرام أمه وجرم أبيه) ؛ فخجل المنصور وقال: ~~(شقينا بهذا الملعون في حياته وبعد موته!) وعلم ما كان عليه زطرزون من ~~الجهالة؛ فأعرض عنه. وصارت كلمته مأثورة في الناس مدة طويلة. PageV02P285 # وكان المنصور آية من آيات فاطرة دهاء ومكرا وسياسة: عدا بالمصاحفة على ~~الصقالبة حتى قتلهم وأذلهم؛ ثم عدا بغالب الناصري على المصاحفة حتى قتلهم ~~وأبادهم؛ ثم عدا بجعفر بن الأندلسي على غالب حتى قتله؛ ثم عدا بنفسه على ~~جعفر وقتله؛ ثن أنفرد بنفسه وصار ينادي صروف الدهر: (هل من مبارز؟) فلما لم ~~يجده، حمل الدهر على حكمه؛ فانقاد له وساعده؛ فاستقام أمره، منفردا بمملكة ~~لا سلف له فيها. ومن أوضح الدلائل على سعده أنه لم ينكب قط في حرب شهدها، ~~وما توجهت قط عليه هزيمة، وما انصرف عن موطن إلا قاهرا غالبا، على كثرة ما ~~زاول من الحروب، ومارس من الأعداء، وواجه من الأمم. وإنها لخاصة ما أحسب ~~شركه فيها أحد من الملوك الإسلامية. ومن أعظم ما أعين به، مع قوة سعده، ~~وتمكن جده، سعة جوده وكثرة بذله؛ فقد كان في ذلك أعجوبة الزمان؛ وأول ما ~~اتكأ على أرائك الملك وارتفق، وانتشر عليه لواء السعد وخفق؛ حط صاحبه ~~المصحفي، وأثار له كامن حقده الخفي، حتى أصاره للهموم وخفق، وفي غايات ~~السجون حبيسا؛ فكتب إليه يستعطفه (بسيط) : # هبني أسأت فأين العفو والكرم ... إذ قادني نحوك الإذعان والندم # يا خير من مدت الأيدي إليه أما ... ترقي لشيخ نعاه عندك القلم # بالغت في السخط فأصفح صفح مقتدر ... إن الملوك إذا ما استرحموا رحموا # فما زاده ذلك إلا حنقا وحقدا، ولا أفادته الأبيات ms494 إلا تضرما ووقدا. ~~فراجعه بما أيأسه، وأراه مرمسه، وأطبق عليه محبسه، وضيق تروحه من المحنة ~~وتنفسه) : # الآن يا جاهلا زلت بك القدم ... تبغي التكرم لما فاتك الكرم # أغريت بي ملكا لولا تشبته ... ما جار عنده نطق ولا كلم # فايأس من العيش إذ قد صرت في طبق ... إن الملوك إذا ما استنقموا نقموا # نفسي إذا سخطت ليست براضية ... ولو تشفع فيك العرب والعجم PageV02P286 # وكان من أخبار المنصور الداخلة في أبواب البر والقربة، بنيان المسجد ~~الجامع والزيادة فيه سنة 377. وذلك أنه، لما زاد الناس بقرطبة، وانجلب ~~إليها قبائل البربر من العدوة وإفريقية، وتناهى حالها في الجلالة، ضاقت ~~الأرباض وغيرها، وضاق المسجد الجامع عن حمل الناس؛ فشرع المنضور في الزيادة ~~بشرقيه حيث يتمكن الزيادة لاتصال الجانب الغربي بقصر الخلافة. فبدأ ابن أبي ~~عامر هذه الزيادة على بلاطات تمتد طولا من أول المسجد إلى آخره؛ وقصد ابن ~~أبي عامر في هذه الزيادة المبالغة في الإتقان والوثاقة دون الزخرفة، ولم ~~يقصر مع هذا عن سائر الزيادات جودة ما عدا زيادة الحكم. أول ما عمله ابن ~~أبي عامر تطييب نفوس أرباب الدور والمستغلات الذين اشتريت منهم للهدم لهذه ~~الزيادة، بإنصافهم من الثمن أو بمعاوضة. وصنع في صحته الجب العظيم قدره، ~~الواسع فناؤه. وابن أبي عامر رتب إحراق الشمع في المسجد الجامع زيادة ~~للزيت؛ فتطابق بذلك النزران. وكان عدد سواري الجامع، الحاملة لسمائه ~~واللاصقة بمبانيه وقبابه ومناره، ما بين كبيرة وصغيرة، ألف سارية وأربعمائة ~~سارية وسبع عشرة سارية. وعدد ثريات الجامع، ما بين كبيرة وصغيرة، مائتان ~~وثمانون ثرية؛ وعدد الكؤوس سبعة آلاف كأس وأربعمائة كأس وخمس وعشرون كأسا. ~~وزنة مشاكي الرصاص للكؤوس عشرة أرباع أو نحوها؛ وزنة ما يحتاج إليه من ~~الكتان للفتائل في كل شهر رمضان ثلاثة أرباع القنطار؛ وجميع ما يحتاج إليه ~~الجامع من الزيت في السنة خمسمائة ربع أو نحوها؛ يصرف منه في رمضان خاصة ~~نحو نصف العدد. ومما كان يختص برمضان المعظم ثلاثة قناطير من المشع، وثلاثة ~~أرباع القنطار من الكتان المقصر) ، لإقامة ms495 الشمع المذكور؛ والكبيرة من ~~الشمع توقد بجانب الإمام يكون وزنها من خمسين إلى ستين رطلا، يحترق بعضها ~~بطول الشهر، ويعم الحرق لجميعها ليلة الختمة. وكان يخدم الجامع المذكور ~~بقرطبة في دولة ابن أبي عامر ويتصرف فيه من أئمة، ومقرئين، PageV02P287 # وأمناء، ومؤذنين، وسدنة، وموقدين وغيرهم من المتصرفين مائة وتسعة وخمسون ~~شخصا. ويوقد من البخور ليلة الختمة أربع أواق من العنبر الأشهب وثماني أواق ~~من العود الرطب. # ومن ذلك: بنيان قنطرة على نهر قرطبة الأعظم. ابتدأ المنصور بنيانها سنة ~~387، وفرغ منها في النصف من سنة 89؛ وانتهت النفقة عليها إلى مائة ألف ~~دينار وأربعين ألف دينار؛ فعظمت بها المنفعة، وصارت صدرا في مناقبه ~~الجليلة. وكانت قطعة أرض لشيخ من العامة، ولم يكن للقنطرة عدول عنها؛ فأمر ~~المنصور أمناءه بإرضائه فيها؛ فحضر الشيخ عندهم، وأخذ حذره منهم؛ فساوموه ~~بالقطعة وعرفوه وجه الحاجة إليها، وأن المنصور لا يريد إلا إنصافه فيها. ~~فرماهم الشيخ بالغرض الأقصى عنده فيما ظنه ألا تخرج عنه بأقل من عشرة ~~دنانير ذهبا، كانت عنده أقصى الأمنية، وشرطها صحاحا. فاغتنم الأمناء غفلته، ~~ونقدوه الثمن، وأشهدوا عليه؛ ثم أخبروا المنصور بخبره؛ فضحك من جهالته، ~~وأنف من غبنه، وأمر أن يعطى عشرة أمثال ما سأل، وتدفع له صحاحا كما قال. ~~فقبض الشيخ مائة دينار ذهبا؛ فكاد أن يخرج عن عقله وأن يجن عند قبضها من ~~الفرح؛ وجاء محتفلا في شكر المنصور. وصارت قصته خبرا سائرا. # ومن ذلك أيضا: بنيان قنطرة على نهر إستجة، وهو نهر شنيل؛ فتجشم لها أعظم ~~مؤنة. وسهل الطرق الوعرة والشعاب الصعبة. # ومن ذلك: إنه خط بيده مصحفا كان يحمله معه في أسفاره، يدرس فيه ويتبرك ~~به. ومن قوة رجائه، إنه اعتنى بجمع ما علق بوجهه من الغبار في غزواته ~~ومواطن جهاده؛ فكان الخدم يأخذونه عنه بالمناديل في كل منزل من منازله، حتى ~~اجتمع له منه صرة ضخمة عهد بتصييره في حنوطه عند موته؛ وكان يحمله حيث ما ~~سار مع أكفانه، توقعا لحلول منيته؛ وقد كان اتخذ الأكفان من أطيب مكسبه ms496 من ~~الضيعة الموروثة عن أبيه، وغزل بناته. وكان يسأل الله تعالى أن يتوفاه في ~~طريق الجهاد؛ فكان كذلك. PageV02P288 # وكان المنصور متسما بصحة باطنه، واعترافه بذنبه، وخوفه من ربه، وكثرة ~~جهاده. وإذا ذكر الله ذكر، وإذا خوف من عقابه ازدجر، ولم يزل متنزها عن كل ~~ما يفتتن به الملوك سوى الخمر؛ لكنه أقلع عنها قبل موته بسنتين. وكان عدل ~~المنصور في الخاصة والعامة، واطراحه المهاودة، وبسطه الحق على الأقرب ~~فالأقرب من خاصته وحاشيته، أمرا مضروب به المثل. # ومن عدله أنه وقف عليه رجل من العامة يوما بمجلسه؛ فناداه: (يا ناصر ~~الحق! إن لي مظلمة عند ذلك الوصيف الذي على رأسك!) وأشار إلى الفتى صاحب ~~الدرقة، وكان له فضل محل عند ابن أبي عامر؛ ثم قال: (وقد دعوته إلى الحاكم؛ ~~فلم يأت!) فقال المنصور: (أو عبد الرحمن بن فطيس بهذه المنزلة من العجز ~~والمهانة، وكنا نظنه أمضى من ذلك؟ اذكر مظلمتك، يا هذا!) فذكر الرجل معاملة ~~كانت جارية بينهما قطعها من غير نصف؛ فقال المنصور: (ما أعظم بليتنا بهذه ~~الحاشية!) ثم نظر إلى الصقلبي، وهو قد ذهل عقله؛ فقال: (ادفع الدرقة إلى ~~فلان، وانزل صاغرا، وساو خصمك في مقامه حتى يرفعك الحق أو يضعك!) ففعل، ~~ومثل بين يديه؛ ثم قال لصاحب شرطته الخاص به: (خذ بيد هذا الظالم الفاسق، ~~وقدمه مع خصمه إلى صاحب المظالم لينفذ عليه حكمه بأغلظ ما يوجبه الحق من ~~سجن أو غيره!) ففعل ذلك، وعاد الرجل إليه شاكرا؛ فقال له المنصور: (قد ~~انتصفت أنت؛ فاذهب لسبيلك. وبقي انتصافي أنا ممن تهاون بمنزلتي.) فتناول ~~الصقلبي بأنواع من المذلة، وأبعده عن الخدمة. # ومن ذلك، قصة فتاه الكبير المعروف بالميورقى مع التاجر المغربي؛ فإنهما ~~تنازعا في خصومة توجهت فيها اليمين على الفتى المذكور، وهو يومئذ أكبر خدم ~~المنصور، وإليه أمر داره وحرمه؛ فدافع الحاكم، وظن أن جاهه يمنع من إحلافه. ~~فصرخ التاجر بالمنصور في طريقه إلى الجامع متظلما من الفتى؛ PageV02P289 # فوكل به في الوقت من حمله إلى الحاكم؛ فأنصفه منه، وسخط ms497 عليه المنصور، ~~وقبض نعمته منه ونفاه. # ومن ذلك، قصة محمد، فصاد المنصور وخادمه وأمينه على نفسه؛ فإن المنصور ~~احتاجه يوما إلى القصد، وكان كثير التعهد له؛ فأنفذ رسوله إلى محمد؛ فألفاه ~~الرسول محبوسا في سجن القاضي محمد بن زرب، لحيف ظهر منه على امرأته، قدر أن ~~سبيله من الخدمة يحميه من العقوبة. فلما عاد الرسول إلى المنصور بقصته، أمر ~~بإخراجه من السجن مع رقيب من رقباء السجن، يلزمه إلى أن يفرغ من عمله، ثم ~~يعيده إلى محبسه. ففعل ذلك على ما رسمه، وذهب القاصد إلى شكوى ما ناله؛ ~~فقطع عليه المنصور، وقال له: (يا محمد، إنه القاضي وهو في عدله، ولو أخذني ~~الحق، ما أطقت الامتناع منه! عد إلى محبسك أو اعترف بالحق؛ فهو الذي ~~يطلقك.) فانكسر الحاجم، وزال عنه ريح العناية. وبلغت قصته للقاضي؛ فصالحه ~~مع زوجه، وزاد القاضي شدة في أحكامه. # ومن دهائه، قال ابن حيان: كان جالسا في بعض الليالي، وكانت ليلة شديدة ~~البرد والريح والمطر؛ فدعا بأحد الفرسان، وقال له (انهض إلى فج طليارش، ~~واقم فيه؛ فأول خاطر يخطر عليك، سقه إلي.) قال: فنهض الفارس، وبقى في الفج ~~في البرد والريح والمطر واقفا على فرسه، إذ وقف عليه قرب الفجر شيخ هرم على ~~حمار له، ومعه آلة الحطب؛ فقال له الفارس: (إلى أين تذهب، يا شيخ؟) فقال: ~~(وراء حطب.) فقال الفارس في نفسه: (هذا شيخ مسكين نهض إلى الجبل يسوق حطبا. ~~فما عسى أن يريد المنصور منه؟) قال: فتركته. فسار عني قليلا؛ ثم فكرت في ~~قول المنصور، وخفت سطوته؛ فنهضت إلى الشيخ، وقت له: (ارجع إلى مولانا ~~المنصور.) فقال: وما عسى أن يريد المنصور من شيخ مثلي؟ سألتك بالله أن ~~تتركني لطلب معيشتي!) فقال له الفارس: (لا أفعل) ثم قدم به على المنصور، ~~ومثله بين يديه، وهو جالس، لم ينم ليلته تلك. فقال المنصور للصقالبة: ~~(فتشوه!) ففتش؛ PageV02P290 # فلم يوجد عنده شئ؛ فقال: (فتشوا برذعة حماره!) فوجدوا داخلها كتابا من ~~نصارى كانوا قد نزعوا إلى المنصور، يحزمون ms498 عنده إلى أصحابهم من النصارى ~~ليقبلوا ويضربوا في إحدى النواحي المعلومة. فلما انبلج الصبح، أمر بإخراج ~~أولئك النصارى إلى باب الزاهرة؛ فضربت أعناقهم، وضربت رقبة الشيخ معهم. # ومن ذلك قصة الجوهري التاجر؛ وذلك أن رجلا جوهريا من تجار المشرق قصد ~~المنصور من مدينة عدن بجوهر كثير، وأحجار نفيسة؛ فأخذ المنصور من ذلك ما ~~استحسنه، ودفع إلى الجوهري التاجر صرته، وكانت قطعة يمانية. فأخذ التاجر في ~~انصرافه طريق الرملة على شط النهر؛ فلما توسطها، واليوم قائظ، وعرقه منصب، ~~دعته نفسه إلى التبرد في النهر؛ فوضع ثيابه وتلك الصرة على الشط؛ فمرت ~~حداة، فاختطفت الصرة، تجسبها لحما، وصاعدت في الأفق بها ذاهبة؛ فقطعت الأفق ~~الذي تنظر إليه عين التاجر؛ فقامت قيامته، وعلم أنه لا يقدر أن يستدفع ذلك ~~بعدوى ولا بحيلة؛ فأسر الحزن في نفسه، ولحقته لأجل ذلك على اضطرب فيها. ~~وحضر الدفع إلى التجار؛ فحضر الرجل لذلك بنفسه؛ فاستبان له ما به من ~~المهانة والكأبة، وفقد ما كان عنده من النشاط وشدة العارضة. فسأله المنصور ~~عن شأنه؛ فأعلمه بقصته؛ فقال له: (هلا أتيت إلينا بحدثان وقوع الأمر؟ فكنا ~~نستظهر على الحيلة؛ فهل هديت إلى الناحية التي أخذ الطائر إليها؟) قال: (مر ~~مشرفا على يمت هذا الجنان الذي يلي قصرك!) يعني الرملة؛ فدعا المنصور شرطيه ~~الخاص به؛ فقال له: (جئني بمشيخة أهل الرملة الساعة) ؛ فمضى، وجاء بهم ~~سريعا؛ فأمرهم بالبحث عمن غير حال الإقلاق منهم سريعا، وانتقل عن الإضافة ~~دون تدريج؛ فتناظروا في ذلك، ثم قالوا: (يا مولانا! ما نعلم إلا لأجل من ~~ضعفائنا كان يعمل هو وأولاده بأيديهم، ويتناولون السقى بأقدامهم عجزا عن ~~شراء دابة؛ فابتاع PageV02P291 # اليوم دابة، واكتسى هو وولده كسوة متوسطة. فأمر بإحضاره من الغد، وأمر ~~التاجر بالغدو إلى الباب؛ فحضر الرجل بعينه بين يدي المنصور؛ فاستدناه، ~~والتاجر حاضر، وقال له: (سبب ضاع منا وسقط إليك: ما فعلت به؟) فقال: (هو ذا ~~يا مولاي؟) وضرب بيده إلى حجزة سراويله، فأخرج الصرة بعينها؛ فصاح التاجر ~~طربا، وكاد يطير فرحا؛ فقال ms499 له المنصور: (صف لي حديثها.) قال: (نعم! بينا ~~أنا أعمل في جناني تحت نخلة، إذ سقطت أمامي؛ فأخذتها، وراقني منظرها؛ فقلت ~~إن الطائر اختلسها من قصرك لقرب الجوار؛ فاحترزت بها، ودعتني فاقتي إلى أخذ ~~عشرة مثاقيل عيونا كانت معها مصرورة، وقلت: أقل ما يكون في كرم مولاي أن ~~يسمح لي بها.) فأعجب المنصور ما كان منه، وقال التاجر: (خذ صرتك، وانظرها، ~~واصدقني عن عددها.) ففعل وقال: (وحق رأسك، يا مولاي، ما ضاع منها شيء سوى ~~الدنانير التي ذكرها، وقد وهبتها له.) فقال له المنصور: (نحن أولى بذلك ~~منك، ولا ننقص عليك فرحتك. ولولا جمعه بين الإفرار والإنكار) ، لكان ثوابه ~~موفورا عليه.) ثم أمر للتاجر بعشرة دنانير عوضا من دنانيره، وللجنان بعشرة ~~دنانير ثوابا لتأنيه عن إفساد ما وقع بيده، وقال: (لو بدأنا بالاعتراف قبل ~~البحث، لأوسعناه جزاء!) قال: فأخذ التاجر في الثناء على المنصور، وقد عاوده ~~نشاطه، وقال: (والله لأبثن في الأقطار عظيم ملكيك، ولأبينن أنك تملك طير ~~عملك كما تملك انسها؛ فلا تعتصم منك ولا تؤذي جارك!) فضجك المنصور، وقال: ~~(اقصد في قوله! يغفر الله لك!) فعجب الناس من تلطف المنصور في أمره، وحيلته ~~في تفريج كربته. # وكان المنصور أشد الناس في التغير على من علم عنده شئ من الفلسفة والجدل ~~في الاعتقاد، والتكلم في شئ من قضايا النجوم وأدلتها، والاستخفاف بشيء من ~~أمور الشريعة. وأحرق ما كان في خزائن الحكم من كتب الدهرية PageV02P292 # والفلاسفة، بمحضر كبار العلماء، منهم الأصيلي وابن ذكوان والزبيدي ~~وغيرهم؛ واستولي على حرق جميعها بيده. # وممن أوقع به المنصور في مثل هذه المعاني المبتكرة: محمد بن أبي جمعة؛ ~~بلغه عنه قول من الأرجاف في القطع على انقراض دولته؛ فقطع لسانه، ثم قتله ~~وصلبه؛ فخرست ألسن جميعهم لذلك؛ وكذلك أيضا عبد العزيز بن الخطيب الشاعر، ~~وكان أرفع أهل هذه الطبقة منزلة؛ وكان مقدما في أصحاب المنصور، حتى فسد ~~ضميره عنده، وبقى مدة يلتمس غرة منه، حتى قال في بعض أبيات من شعر أفرط ~~فيها (كامل) : # ما ms500 شئت لا ما شاءت الأقدار ... فاحكم فأنت الواحد القهار # فكأنما أنت النبي محمد ... وكأنما أنصارك الأنصار # فأمر بضربه خمسمائة سوط، ونودي عليه باستخفافه؛ ثم حبسه، ونفاه بعد عن ~~الأندلس. # وفي سنة 381، رشح المنصور ولده عبد الملك للولاية، وقدم أخاه عبد الرحمن ~~للوزارة. وترك اسم الحجابة، واقتصر على التسمي بالمنصور؛ وأن يكتب: (من ~~المنصور أبي عامر - وفقه الله - إلى فلان.) بحذف اسم الحجابة، ويذكر اسم ~~ولده عبد الملك بخطة الحجابة والقيادة العليا وسائر خطط المنصور، سلم فيها ~~لابنه عبد الملك، وصحت له الحجابة من يومئذ. وبعد هذا، واستبدل المنصور جند ~~الأندلس بالبربر؛ فأقام لنفسه جندا اختصهم باستصناعه، واسترقهم بإحسانه، ~~نسخ بهم في المدة القريبة جند الخليفة الحكم - رحمه الله -، كما فعله في ~~سائر أموره. # واتفق في ذلك الوقت أن تحرك بلقين بن زيري الصنهاجي إلى المغرب في جموعه، ~~وأوقع بقبائل زناتة طالبا ثأر أبيه زيري؛ فهربوا أمامه كلهم إلى سبتة، ~~وضاقت عليهم أرض العدوة؛ فقيل لابن أبي عامر: (قد أمكنك الله PageV02P293 # من اصطناع فرسان زناتة، واعتقاد المنة عليهم. فأرسل إليهم، يأتوك سراعا؛ ~~فيجد إحسانك إليهم مكانا!) فعمل ابن أبي عامر على ذلك، وأنفذ كتبه إلى ~~قبائل العدوة يستدعيهم، ويتضمن الإحسان إليهم، والتوسعة عليهم، حتى كثروا ~~بالأندلس؛ فحسنت أحوالهم، وكثرت أموالهم، وما زالوا خاصته وبطانته إلى أن ~~هلك، وانقرضت الدولة العامرية. وقد صار بالأندلس منهم القبائل بأسرها، ~~وكاثروهم حتى نفذ قضاء الله عليهم بأيديهم. # وفي سنة 386، عهد المنصور أن يخص بتسويده من بين سائر الناس كافة في ~~المخاطبات، وأن يرفع ذلك عن سائر أهل الدولة مع الاقتصاد في مراتب الأدعية؛ ~~فنفذ الكتب بذلك، وجرى العمل عليه بقية حياته؛ وخوطب هذا الوقت بالملك ~~الكريم؛ واستبلغ في تكريمه وتعظيمه. ### | غزوة شنت ياقوب على سبيل الاختصار # وعند تناهي المنصور ابن أبي عامر في هذا الوقت على الاقتدار، والنصر على ~~الملوك الطاغية - دمرها الله -، سما إلى مدينة شنت ياقوب قاصية غلبسية، ~~وأعظم مشاهد النصارى الكائنة ببلاد الأندلس وما يتصل بها من الأرض الكبيرة. ~~وكانت كنيستها عندهم ms501 بمنزلة الكعبة عندنا؛ فيها يحلفون وإليها يحجون من ~~أقصى بلاد رومة وما وراءها؛ ويزعمون أن القبر المزور فيها قبر ياقوب ~~الحواري أحد الاثني عشر - رحمهم الله -؛ وكان أخصهم بعيسى - عليه السلام -، ~~وهم يسمونه أخاه للزومه إياه. وقد زعم جماعة منهم أنه ابن يوسف النجار. ~~وشنت ياقوب هي مدفن ياقوب؛ فهم يسمونه أخا الرب - تعالى الله عن قولهم علوا ~~كبيرا -. وياقوب بلسانهم يعقوب؛ وكان أسقفا ببيت المقدس؛ فجعل يستقري ~~الأرضين داعيا لمن فيها؛ فجاز إلى الأندلس حتى انتهى إلى هذه القاصية؛ ثم ~~عاد PageV02P294 # إلى أرض الشأم؛ فقتل بها، وله مائة وعشرون سنة شمسية. فاحتمل أصحابه ~~رمته، فدفنوها بهذه الكنيسة التي كانت أقصى أثره. ولم يطمع أحد من ملوك ~~الإسلام في قصدها، ولا الوصول إليها، لصعوبة مدخلها وخشونة مكانها، وبعد ~~شقتها. # فخرج المنصور إليها من قرطبة غازيا بالصائفة يوم السبت لست بقين من جمادى ~~الآخرة سنة 387، وهي غزوته الثامنة والأربعون. ودخل على مدينة قورية. فلما ~~وصل المنصور إلى مدينة غليسية، وافاه عدد عظيم من القوامس المتكسطين ~~بالطاعة، في رجالهم، وعلى أتم احتفالهم؛ فصاروا في عسكر المسلمين، وركبوا ~~في المغاورة سبيلهم. وقد كان المنصور تقدم في إنشاء أسطول كبير في الموضع ~~المعروف بقصر أبي دانس من ساحل غرب الأندلس، وجهزه برجاله البحريين وصنوف ~~المترجلين، وحملت الأقوات والأطعمة والعدد والأسلحة، استظهارا على نفوذ ~~العزيمة، إلى أن خرج بموضع برتقال على نهر دويره؛ فدخل في النهر إلى المكان ~~الذي عمل المنصور على العبور منه؛ فعقد هناك من هذا الأسطول جسرا بقرب ~~الحصن الذي هناك. ووزع المنصور ما كان فيه من الميرة على الجند؛ فتوسعوا في ~~التزود منه إلى أرض العدو. # ثم نهض يريد شنت ياقوب؛ فقطع أرضين متباعدة الأقطار، وقطع بالعبور عدة ~~أنهار كبار وخلجان يمدها البحر الأخضر. ثم أفضى العسكر بعد ذلك إلى بسائط ~~جليلة من بلاد فلطارش ومباسيطة والدير وما يتصل بها؛ ثم أفضى إلى جبل شامخ ~~شديد الوعر، لا مسلك فيه، ولا طريق لم تهتد الأدلاء إلى سواه. فقدم المنصور ~~الفعلة بالحديد ms502 لتوسعه شعابه وتسهيل مسالكه؛ فقطعه العسكر وعبروا بعده وادي ~~منية؛ وانبسط المسلمون بعد ذلك في بسائط عريضة وأرضين أريضة، وانتهت ~~مغيرتهم إلى دير قسطان وبسيط بالبنوك على البحر المحيط، وفتحوا حصن شنت ~~بلايه، وغنموه، وعبروا سياخه إلى جزيرة من PageV02P295 # البحر المحيط لجأ إليها خلق عظيم من أهل تلك النواحي؛ فسبوا من فيها ممن ~~لجأ إليها. وانتهى العسكر إلى جبل مراسية المتصل من أكثر جهاته بالبحر ~~المحيط؛ فتخللوا أقطاره، واستخرجوا من كان فيه، وحازوا غنائمه. ثم أجاز ~~المسلمون بعد هذا خليج لورقى في معبرين أرشد الأدلاء إليهما؛ ثم نهر ايله؛ ~~ثم أفضوا إلى بسائط واسعة العمارة، كثيرة الفائدة، منها بسيط أونبة وقرجيطة ~~ودير شنت برية. ثم انتهوا إلى خليج ايلياء؛ وهو من مشاهد ياقوب أيضا صاحب ~~القبر، تلو مشهد قبره عند النصارى في الفضل، يقصد نساكهم له من قاصي بلادهم ~~ومن بلاد القبط والنوبة وغيرها. فغادره المسلمون قارعا. وكان النزول بعده ~~على مدينة شنت ياقوب البائسة، وذلك يوم الأربعاء لليلتين خلتا من شعبان؛ ~~فوجدها المسلمون خالية من أهلها؛ فحاز المسلمون غنائمها، وهدموا مصانعها ~~وأسوارها وكنيستها، وعفوا آثارها. ووكل المنصور بقبر ياقوب من يحفظه ويدفع ~~الأذى عنه؛ وكانت مصانعها بديعة محكمة؛ فغودرت هشيما، كأن لم تغن بالأمس، ~~وذلك يوم الاثنين أو الثلاثاء بعده. وانتسفت بعوثه بعد ذلك سائر البسائط، ~~وانتهت إلى جزيرة شنت مانكش منقطع هذا الصقع على البحر المحيط، وهي غاية لم ~~يبلغها قبلهم مسلم، ولا وطئها لغير أهلها قدم. فلم يكن بعدها للخيل مجال، ~~ولا وراءها انتقال. # وانكفأ المنصور عن باب شنت ياقوب، وقد بلغ غاية لم يبلغها مسلم قبله. ~~فجعل في طريقه القصد على عمل برمند بن أرذون ليستقر به عائثا ومفسدا، حتى ~~وقع في عمل القوامس المعاهدين الذين في عسكره؛ فأمر بالكف عنها، ومر مجتازا ~~حتى خرج إلى حصن مليقه من افتتاحه. فأجاز هناك القوامس بجملتهم على ~~أقدارهم، وكساهم، وكسا رجالهم، وصرفهم إلى بلادهم. وكتب بالفتح من مليفه. ~~وكان مبلغ من أكساه ابن أبي عامر في غزاته هذه ms503 من ملوك الروم ولمن حسن PageV02P296 # عناؤه من المسلمين ألفين ومائتين وخمسا وثمانين شقة من صنوف الخز ~~الطرازي، وإحدى وعشرين كساء من صوف البحر، وكسائين عنبريين، وأحد عشر ~~سفلاطونا، وخمس عشرة مريشات، وسبعة أنماط ديباج، وثوبي ديباج رومي، وفروي ~~فنك. ووافى جميع العسكر قافلا إلى قرطبة سالما غانما، وعظمت النعمة والمنة ~~على المسلمين. والحمد لله. # ولم يجد المنصور بشنت ياقوب إلا شيخا من الرهبان جالسا على القبر؛ فسأله ~~عن مقامه؛ فقال: (أوانس يعقوب.) فأمر المنصور بالكف عنه. # قال الفتح من خاقان: وتمرس المنصور ببلاد الشرك أعظم تمرس، ومحا من ~~طواغيتها كل تعجرف وتغطرس؛ وغاردهم صرعى البقاع، وتركهم أذل من وتد بقاع؛ ~~ووالى على بلادهم الوقائع، وسدد إلى أكبادهم سهام الفجائع؛ وأغص بالحمام ~~أرواحهم، ونغص بتلك الآلام بكورهم ورواحهم. ومن أوضح الأمور هنالك؛ وأفصح ~~الأخبار في ذلك، أن أحد رسله كان كثير الانتياب، لذلك الجناب؛ فسار في بعض ~~مسيراته إلى غرسية صاحب البشكش، فصادفه في يوم فصح؛ فوالى في إكرامه، ~~وتناهى في بره واهتمامه؛ فكالبت مدته فلا متنزه إلا مر عليه متفرجا، ولا ~~موضع إلا سار إليه معرجا؛ فحل في ذلك أكثر الكنائس هنالك؛ فبينا هو يجول في ~~ساحتها، ويجيل العين في مساحتها، إذ عرضت له امرأة قديمة الأسر؛ قويمة على ~~طول الكسر؛ فكلمته، وعرفته بنفسها وأعلمته، وقالت له: (أيرضى المنصور أن ~~ينسى بتنعمه بوسها، ويتمتع بلبوس العافية وقد قصت لبوسها؟) وزعمت أن لها ~~عدة من السنين بتلك الكنيسة محبسة، وبكل ذل وصغار ملبسه، وناشدته الله في ~~إنهاء قصتها، وإبراء غصتها، واستحلفته بأغلظ الأيمان، وأخذت عليه في ذلك ~~أوكد مواثيق الرحمان. فلما وصل إلى المنصور، عرفه بما يجب تعريفه به ~~وإعلامه، وهو مصغ إليه حتى نم كلامه. فلما فرغ، قال له المنصور: (هل وقفت ~~هنالك على أمر أنكرته، أم لم تقف على غير ما ذكرته؟) فأعلمه بقصة المرأة، ~~وما خرجت عنه إليه، وبالمواثيق التي PageV02P297 # أخذت عليه؛ فعتبه ولامه، على أن لم يبدأ بها كلامه؛ ثم أخذ في الجهاد من ~~فوره، وعرض من ms504 من الأجناد في نجده وغوره؛ وأصبح غازيا على سرجه، مباهيا ~~مروان يوم مرجه، حتى وافى ابن شانجه في جمعه؛ فأخذت مهابته ببصره وسمعه؛ ~~فبادر بالكتاب إليه يتعرف ما هي الجنية، ويحلف له بأعظم ألية، ما جنا ذنبا؛ ~~ولا نبا عن مضجع الطاعة جنبا. فعنف أرساله، وقال لهم: (كان قد عاهدني ألا ~~يبقى بأرضه مأسورة ولا مأسور، ولو حملته في حواصلها النسور؛ وقد بلغني بعد ~~مقام فلانة المسلمة) بتلك الكنيسة. ووالله! لا أنتهي عن أرضه حتى أكتسحها!) ~~فأرسل إليه المرأة في اثنتين معها، وأقسم له أنه ما أبصرهن، ولا سمع بهن، ~~وأعلمه أن الكنيسة التي أشار بعلمها، قد بالغ في هدمها، تحقيقا لقوله، ~~وتضرع له في الأخذ بطوله. فاستحيى منه، وصرف الجيوش عنه، وأوصل المرأة إلى ~~نفسه، وألحق توحشها بأنسه، وغير سوء حالها، وعاد بسواكب نعماه على جذبها ~~وإمحالها، وحملها إلى قومها، وكحلها بما كان شرد من نومها. # وحدث شعلة، قال: قلت للمنصور ليلة طال فيها سهره: (قد أفرط مولانا في ~~السهر، وبدنه يحتاج إلى أكثر من هذا النوم؛ وهو يعلم ما يحركه عدم النوم من ~~علة العصي!) فقال لي: (يا شعلة، إن الملك لا ينام إذا نامت الرعية! ولو ~~استوفيت نومي، لما كان في دور هذا البلد العظيم عين نائمة!) وكان المنصور ~~يزرع في كل سنة ألف ألف مدى من الشعير قصيلا لدوابه الخاصة به؛ إذا قدم من ~~كل غزوة من غزواته، لا يحل عن نفسه حتى يدعو صاحب الخيل، فيعلمه ما مات ~~منها وما عاش، وصاحب الأبنية، فيعلمه بما وهي من أسواره ومبانيه وقصوره ~~ودوره. وكان له دخالة في كل يوم اثني عشر ألف رطل من اللحم، حاشى الصيد ~~والطير والحيتان. وكان يصنع في كل عام اثني عشر ألف ترس عامرية لقصري ~~الزاهرة والزهراء. وابتنى المنصور على PageV02P298 # طريق المباهاة والضخامة مدينة الزاهرة) ذات القصور، والمتنزهات المخترعة ~~كذات الواديين، ومنية السرور، وأرطانية، وغيرها من منشئاته البديعة. # قال ابن حزم: كنا مع المنصور، في يوم صقيل الجو، في الزورق، في النهر ms505 ~~الذي بين يدي الزاهرة، في نفر من وزرائه، ومنظر يفنن بأمامه وورائه، ونحن ~~على مؤانسة قد امتد طنبها، وارتشف بها لعس المسرة وشنبها، وانحشر إليها لهو ~~الدنيا ولعبها؛ وهو يستبدع ذلك النشيد، ويتطلع منها إلى المزخرف والمشيد، ~~ويصوب نظره ويصعده في قصوره المشرقة، ومصانعه المونفة، وقد قيدت الألحاظ ~~جمالا، وجددت في الحياة آمالا. فقال المنصور: (وبها لك! يا زاهرة الحسن. ~~لقد حسن مرءاك، وعبق ثراك، وراق منظرك، وفاق مخبرك، وطاب تربك، وعذب شربك! ~~فليت شعري من المربد الذي يعدمك، يوهن ركنك ويهدمك، ويخلي ميدانك، ويضوي ~~قصبك وأفنانك! فبؤسا له إذ لا يروقه حسنك، فيكف عن تغييرك! ألا تسببه بهجة ~~منظرك، فكيف عن محو أثرك!) قال: فاستعظمنا ذلك منه، وأنكرنا ما صدر عنه، ~~وظننا أن الراح غلبت عليه، وخيلت ذلك عليه؛ فأفرط الكل مما في استنكار ما ~~جاء به، وفاه بأمره وسببه؛ فقال: (والله! كأنكم لا تعلمون ذلك! نعم! سيظهر ~~عليها عدونا في أقرب مدة، فيهدم هذا كله ويعدمه. وكأني بحجارتها في هذا ~~النهر!) فأخذنا به طريق التسكين والتهدين، وعجبنا لما ذكره من ذلك النبأ ~~المبين. # وعند فراغه من ابتناء الزاهرة، غزا غزوة أبعد فيها الإيغال، وغال فيها من ~~عظماء الروم من غال، وحل من أرضهم ما لم يطرق، وراع منهم ما لم يرع قط ولم ~~يفرق، وصدر صدرا أسمى به على كل حسناء عقيلة، وجلا به كل صفحة للحسن صقيلة، ~~ودخل قرطبة دخولا لم يعهد، وشهد له فيه يوم لم يشهد. وكان ابن شهيد متخلفا ~~عن هذه الغزوة لنقرس عداه عائده، وجفاه منتجعه ورائده. PageV02P299 # وابن شهيد هذا أحد حجاب الناصر، وله على ابن أبي عامر أياد محكمة ~~الأواصر. وكان كثيرا ما يتحفه، ويصله ويلطفه. فلما صدر المنصور من غزوته ~~هذه، نسى متاحفته، وأغفل ملاطفته؛ فكتب إليه (خفيف) : # أنا شيخ والشيخ يهوى الصبايا ... يا لنفس تقيك صرف الرزايا # ورسول الإله أسهم في الفيء ... لمن لم يخب فيها المطايا # فاجعلني (فديت!) أنكح معر ... وفك وأبعث بها عذاب الثنايا # هو عرف فإن تحول ms506 صهرا ... كان والله آية في البرايا # فبعث إليه بعقيلة من عقائل الروم، يكنفها ثلاث جوار كأنهن نجوم سرار، ~~وكتب (خفيف) : # قد بعثنا بها كشمس النهار ... في ثلاث من المهى أبكار # فاجتهد واتئد فإنك شيخ ... خفي الليل عن بياض النهار # صانك الله عن كلالك فيها ... فمن العار كلة المسمار # فافتضهن جميعا في ليلة واحدة، وكتب إليه (خفيف) : # قد فضضنا ختام ذاك السوار واصطبغنا من النجيع الجاري # ونعمنا في ظل أنعم ليل ... ولهونا بالبدر ثم الدراري # وقضى الشيخ ما قضى بحسام ... ذي مضاء عضب الظبى بتار # فاصطنعني فلست أجزيك كفرا ... واتخذني سيفا على الكفار # قال حيان بن خلف: وجد بالمنصور عزم أزعجه الغزو بعض البروج المهمة؛ فأبرز ~~أموالا عظيمة، وتقدم إلى الناس في البكور للزاهرة؛ فاستبقوا، وقد طرقه في ~~ليلته وجع حماه عن العمض؛ فلم يمنعه من إنفاذ عزيمته، وقعد للنظر في شأنه ~~بأعلى منسته المسماة باللؤلؤة، وقد صح على الكي عزمه، وكان أقرب أبواب ~~الراحة منه؛ فأقبل بوجهه على من تحته، يفري الفري في شانهم؛ وقد ناول ~~الطبيب في خلال ذلك رجليه؛ فحمل عليها عدة كيات، ثم أمال PageV02P300 # شفه نحوه، وأمكنه من يديه معا واحدة بعد أخرى، وما زوى وجهه، ولا فقد ~~نصحا له كلامه، بل كان يتناول أوامره من وعده ووعيده بأنفذ من الإشفى، ~~ويحملهم من وروده على الأوفى فالأوفى، وإن نتن لحمه المكوي ليبتث فيهم آخذا ~~بخواشيمهم، وهم لا يعلمون. # وفي سنة 392، توفى المنصور ابن أبي عامر - رحمه الله - ليلة الاثنين ~~لثلاث بقين لرمضان المعظم، وهو ابن خمس وستين سنة وعشرة أشهر؛ كان له من ~~الولد الذكور يوم وفاته إثنان، وهما عبد الملك وعبد الرحمن الناصر؛ فكانت ~~مدة قيامه بالدولة منذ تقلد الحجابة إلى أن توفى خمسا وعشرين سنة، وأربعة ~~وأربعين يوما. وترك من الأموال الناضة بالزاهرة أربعة وخمسين بيتا. وكان ~~عدد الفرسان المرتزقين بحضرته ونواحيها، الذين حارب بهم الحروب، عشرة آلاف ~~وخمسمائة، وأجناد الثغور قريبا من ذلك. # ولله در القائل فيه (كامل) : # آثاره تنبيك عن أخباره ... حتى كأنك ms507 بالعيون تراه # تالله ما ملك الجزيرة مثله ... حقا ولا قاد الجيوش سواه # وذكر أن هذين البيتين قد نقشا في رخامة على قبره - رحمه الله -. وكانت ~~عدة غزواته سبعا وخمسين غزوة، باشرها كلها بنفسه، وهو في أكثرها يشكو على ~~النقرس - عفا الله تعالى عنا وعنه! - كمل السفر الأول بحمد الله تعالى وحسن ~~عونه وتوفيقه ويمنه. وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وعبده. PageV02P301 ms508