######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_004016 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: العلامة الحلي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 726 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد (تحقيق الآملي) #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: من مصادر العقائد عند الشيعة الإمامية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_004016 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/4016_كشف-المراد-في-شرح-تجريد-الاعتقاد-(تحقيق-الآملي)-العلامة-الحلي #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: آية الله حسن زاده الآملي #META# 041.EdNUMBER :: السابعة #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1417 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لمن لا نفاد لكلماته، والصلاة على من شرف ~~الصلاة بالصلاة عليه وآله تراجم آياته. # وبعد، فمما هو مشهود ذوي البصائر والأبصار ولا يعتريه امتراء ولا إنكار ~~أن كتاب (تجريد الاعتقاد) من مصنفات سلطان المحققين الخواجة نصير الدين ~~الطوسي رضوان الله تعالى عليه أم الكتب الكلامية وإمامها، وقد احتوى أصول ~~مسائلها على أجمل ترتيب وأحسن نظام لم يسبقه أحد قبله، ولم ينسج من جاء ~~بعده على منواله بل كلهم عياله. # وأن (كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد) من مؤلفات العلامة على الإطلاق، ~~أدل شرح عليه كما هو أول شرح عليه، وقد أنصف الفاضل الشارح القوشجي في قوله ~~وأجاد: لولا كشف المراد لما فهمنا مراد تجريد الاعتقاد. # هذا الذي نقلنا عن القوشجي هو من مسموعاتنا، ولكن مؤلف الذريعة إلى ~~تصانيف الشيعة قال في عنوان تجريد الكلام (ج 3 ص 352) ما هذا لفظه: وعليه ~~حواش لا تحصى وشروح كثيرة، فأول الشروح شرح تلميذ المصنف آية الله العلامة ~~الحلي المتوفى سنة 726 ه‍ - إلى أن قال رضوان الله تعالى عليه: - الثالث ~~شرح الشيخ شمس الدين محمود بن عبد الرحمن أحمد العامي الأصفهاني المتوفى ~~PageV00P005 # سنة 746 ه‍، قال في أوله: إن العلامة الحلي هو أول من شرحه، ولولا شرحه ~~لما شرح هذا المتن، إنتهى فراجع. # وأقول: لنا نسختان من هذا الشرح للأصفهاني إحداهما كاملة وتاريخ كتابتها ~~890 ه‍، والأخرى عادمة من أولها عدة أوراق وتاريخ كتابتها 816 ه‍، وما ~~وجدنا العبارة المذكورة في أوله ولعلها من كلام الشيخ شمس الدين محمد ~~الإسفرايني البيهقي في شرحه عليه. # ثم إن ما حدى المحقق الطوسي على تحرير تجريد الاعتقاد يعلم بما أبانه هو ~~نفسه في فاتحة نقد المحصل حيث قال قدس سره العزيز: # فإن أساس العلوم الدينية علم أصول الدين الذي يحوم سائله حول اليقين ولا ~~يتم بدونه الخوض في سائرها كأصول الفقه وفروعه، فإن الشروع في جميعها يحتاج ~~إلى تقديم شروعه حتى لا يكون الخائض فيها وإن كان مقلدا لأصولها كبان على ms001 ~~غير أساس، وإذا سئل عما هو عليه لم يقدر على إيراد حجة أو قياس. # وفي هذا الزمان لما انصرفت الهمم عن تحصيل الحق بالتحقيق، وزلت الأقدام ~~عن سواء الطريق، بحيث لا يوجد راغب في العلوم ولا خاطب للفضيلة، وصارت ~~الطباع كأنها مجبولة على الجهل والرذيلة، اللهم إلا بقية يرمون فيما يرومون ~~رمية رام في ليلة ظلماء، ويخبطون فيما ينحون نحوه خبط عشواء، ولم تبق في ~~الكتب التي يتداولونها من علم الأصول عيان ولا خبر، ولا من تمهيد القواعد ~~الحقيقية عين ولا أثر، سوى كتاب المحصل الذي اسمه غير مطابق لمعناه، وبيانه ~~غير موصل إلى دعواه، وهم يحسبون أنه في ذلك العلم كاف وعن أمراض الجهل ~~والتقليد شاف. والحق أن فيه من الغث والسمين ما لا يحصى، والمعتمد عليه في ~~إصابة اليقين بطائل لا يحظى، بل يجعل طالب الحق بنظره فيه كعطشان يصل إلى ~~السراب، ويصير المتحير في الطرق المختلفة آيسا عن الظفر بالصواب، رأيت أن ~~أكشف القناع عن وجوه أبكار مخدراته وأبين الخلل في مكامن شبهاته، وأدل على ~~غثه وسمينه، وأبين ما يجب أن يبحث عنه من شكه ويقينه. وإن كان قد ~~PageV00P006 # اجتهد قوم من الأفاضل في إيضاحه وشرحه، وقوم في نقض قواعده وجرحه، ولم ~~يجر أكثرهم على قاعدة الأنصاف ولم تخل بياناتهم عن الميل والاعتساف.. الخ. # فكلماته المنبئة عما جرى على الناس من الزيغ والالتباس حتى اعتنوا على ~~غير المحصل وبنوا كبان على غير أساس، تدلك على أن التجريد حرر بعد النقد ~~نسخا للمحصل لتحصيل الحق بالتحقيق وإزهاق الباطل بالحقيق ووزان التجريد إلى ~~المحصل وزان شرحه على كتاب إشارات الشيخ إلى شرحه عليه، فقد قال في أوله ~~بما فعله بشرحه عليه ما هذا لفظه: فهو بتلك المساعي لم يزده إلا قدحا، ~~ولذلك سمى بعض الظرفاء شرحه جرحا. # والكتابان الكشف وشرح الخواجة على الإشارات قد تناولتهما أيادي أرباب ~~العلوم العقلية في الأكناف، وتداولتهما ألسنة أصحاب التحصيل في الأطراف من ~~زمن تأليفهما إلى الآن، وقد خلى أكثر من سبعة قرون، وهما ms002 سناما الكتب ~~الدرسية من الكلامية والحكمة المشائية. ولم يأت أحد بعدهما مع طول العهد ~~بتأليف يضاهيهما بل الكل يباهي بتعليمهما وتعلمهما، اللهم إلا بالتعليق ~~الإيضاحي على طائفة من مسائلهما، أو الشرح التفصيلي عليهما. # ثم لا يعجبني أن أصف لك ما كابدته طول مدد مديدة في عمل هذا الكتاب القيم ~~حتى استقام على هذا النهج القويم. فكأنك تظن بالنظرة الأولى أنه تأليف جديد ~~عرضناه عليك، ولكنه (كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد) للعلمين الآيتين ~~على الإطلاق المحقق الطوسي والعلامة الحلي رضوان الله تعالى عليهما، وقد ~~قيض الله سبحانه لنا وأنفذ إنقاذه من دياجير تحريفات مظلمة مشوهة موحشة ~~ينبئك عنها عرضه على ما طبع منه من قبل أي طبع كان. # ولما كان شهرة الكتاب وعظم شأنه وجلالة قدر ماتنه وشارحه المشتهرين في ~~الآفاق قد أغنتنا عن الوصف والتعريف فإنما الحري بنا إراءة ما جرى على ~~الكتاب وعمل فيه من جدد التصحيح بعون الهادي إلى الصواب، وهو ما يلي: # أولا: أن أستاذنا العلامة الشعراني قدس سره الشريف كان شديد الاعتناء ~~PageV00P007 # بالتجريد وكشف المراد، فقد شرح آخر الأمر التجريد بالفارسية شرحا مجديا ~~كثير الجدوى جدا، وهو مطبوع مستفاد. # ولا أنسى إيصاءه لنا غير مرة في تضاعيف كلماته السامية في حضرته العالية ~~بالعناية بذلك الكتاب المستطاب - أعني (كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد) ~~- فقد اقتفينا أثره وأخذنا في سالف الزمان حين اشتغالنا في مدرسة المروي ~~بطهران على واقفها التحية والرضوان، وقد مضى إلى الآن أكثر من خمس وعشرين ~~سنة، في تدريسه وتصحيحه والتعليق عليه، فقد صححناه بقدر الإمكان وعلقنا ~~عليه تعليقات وحواش من بدوه إلى ختمه، وقد استنسخها غير واحد من الفضلاء ~~بعد الاطلاع عليها والإقبال إليها. # وثانيا: كلما مست الحاجة في آونة دروسنا أو أثناء تأليفاتنا الحكمية ~~والكلامية بل الرياضية إليه فحصنا مطالب البحث على التحقيق وزدنا عليها ~~إضافات مما يليق وتصحيحات بما هو جدير وحقيق. # وثالثا: قد حصلت لنا بتوفيق الله سبحانه مرة بعد أخرى عدة نسخ مخطوطة ~~عتيقة وغير عتيقة من التجريد ms003 وشروحه من كشف المراد وشرح الإصبهاني وشرح ~~القوشجي والشوارق وغيرها، فقد استفدنا منها لتصحيح الكتاب متنا وشرحا. # ولكن لم يكن الكتاب بعد خاليا من الأغلاط والتحريف. وأما النسخ المطبوعة ~~منه فكلها غير صالحة للاعتماد، وقد طبع بعضها من بعض بالتقليد، إلا أن ~~بعضها أقل أغلاطا من الآخر من حيث الأغلاط المطبعية وهو كما ترى. # ورابعا: قد بلغ التصحيح كماله وطلع كالبدر المنير جماله بما أقدمت مؤسسة ~~النشر الإسلامي في دار العلم قم - زادها الله تعالى توفيقا في إحياء آثار ~~الغابرين لنشر المعارف الإلهية - إلى طبع هذا السفر الكريم وإعادة نشره على ~~الوجه الوجيه والنهج القويم، فقد بذلت جهدها لإنجازه وإنفاذه فهيأت عدة نسخ ~~نفيسة عتيقة جدا من خزائنها القيمة من المكاتب العامة ثم فوضت ذلك الخطير ~~إلى هذا الحقير فأصبح على وجه نرجو الله سبحانه أن يجعله مشكورا. ~~PageV00P008 # وتلك النسخ الآتي وصفها غير واحدة منها مصححة قراءة وقبالا، وتنميق بعضها ~~يحاكي عهد التأليف والآخر ينادي قرب العهد منه، وكلها لسان واحد ناص على أن ~~الكتاب متنا وشرحا قد ناله صرف الدهر، فكأنما فعل به ما فعل بالكلام العجمي ~~في تضاعيف العربي بقولهم عجمي فالعب به ما شئت. # فتبين لنا أولا أن ما جرى في سالف الأيام على كشف المراد للطبعة الأولى ~~ثم على منوالها تبعتها طبعات أخرى هو أن نسخة من التجريد كانت عباراتها ~~الوجيزة قد قيدت بكلمات وجمل كأنهما مأخوذتان من كشف المراد للتبيين ~~والإيضاح فظن بها أنها نسخة أصيلة فجعلوها متنا، فليس المتن في المطبوع من ~~كشف المراد - أي طبع كان - متنا ناصعا، بل الدخيل فيه ليس بأقل من الأصيل ~~حتى أن المتن الذي آثره الأستاذ العلامة الشعراني روحي فداه في شرحه عليه ~~ففي مواضع منه كلام ودغدغة. # وثانيا: أن كشف المراد لما كان إلى الآن - وقد خلت من تأليفه قرون - ~~كتابا متداولا للدراسة عند محصلي العلوم فكثرت عليه تعليقات للشرح والإيضاح ~~إما بإيجاز وهو أكثر، وإما بإطناب وهو قليل، أدرج الحشو في الكشف فطبع ~~الخليط مع الصريح. ms004 ومما يشهد بذلك أن كل نسخة لاحقة منه تحوي زوائد تخلو ~~عنها سابقتها، على أن سياق العبارات وحده حاكم على الزيادات. # وثالثا: قد حرفوا كثيرا من الأقاويل عن فحاويها، وعرفوا بإزائها الأباطيل ~~في مجاريها كأن الناظر يظن في تمادي المس أن الكتاب قد أصابه دس. كما أنك ~~ترى عبارة الماتن في مطاعن الثاني هكذا: وقضى في الحد بمائة قضيب، والصواب: ~~وقضى في الجد مائة قضية، أي قضى في ميراث الجد بمائة حكم مختلفة، يعني أنه ~~كان يتلون في الأحكام. # وترى عبارة الشارح في المقام هكذا: أقول هذه مطاعن أخر وهو أن عمر لم يكن ~~عارفا بأحكام الشريعة، فقضى في الحد بمائة قضيب، وروى تسعين قضيبا، وهو يدل ~~على قلة معرفته بالأحكام الظاهرة. PageV00P009 # والصواب: أقول هذه مطاعن أخر، وهو أن عمر غير عارف بأحكام الشريعة فقضى ~~في الجد بمائة قضية، وروى تسعين قضية، وهذا يدل على قلة معرفته بالأحكام ~~الظاهرة. # وقد قال علم الهدى في الشافي (ص 256 ط 1) في عد مطاعن الثاني عن الكتاب ~~المغني للقاضي عبد الجبار: قال صاحب الكتاب (يعني به القاضي المذكور في ~~الكتاب المغني) وأحد ما نقموا عليه أنه كان يتلون في الأحكام حتى روي عنه ~~أنه قضى في الجد بسبعين قضية، وروي مائة قضية.. الخ. وفي تلخيص الشافي لشيخ ~~الطائفة (ص 438 ط 1) ومما طعنوا عليه أنه كان يتلون في الأحكام حتى روي أنه ~~قضى في الجد سبعين قضية، وروي مائة قضية.. الخ. والمحقق الطوسي في إمامة ~~التجريد ناظر إلى الشافي وتلخيصه كما يعلم بعرضه عليهما. وعلم الهدى وشيخ ~~الطائفة من سلسلة مشايخه لأنه قرأ المنقول على والده محمد بن الحسن وهو ~~تلميذ فضل الله الراوندي وهو تلميذ السيد المرتضى علم الهدى والشيخ الطوسي. # ورابعا: قد وجدنا من أساليب عبارات بعض النسخ سيما في فصول الإمامة منه ~~أن الكاتب كان من العامة وكلما كان مثلا ذكر اسم النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان يكتب الكاتب بعده ذكر الصلوات على ما هو المتعارف بينهم، ثم ms005 رأينا ~~نسخا أخرى كان ذكر الصلوات فيها بحيث اشتهر بين الإمامية أي صلى الله عليه ~~وآله وسلم وهكذا الكلام في ذكر الوصي وسائر الأوصياء عليهم السلام وفي غير ~~الوصي فتدبر. # إعلم أنا لم نكتف باقتفاء السيرة من جعل نسخة أصلا وإماما ونقل اختلافات ~~النسخ الأخرى في ذيل الصفحات، وهذا الدأب وإن لم يكن فيه بأس ولكن رأينا ~~الأحرى منه أنه كلما أقبل أمر الاختلاف أن يرد إلى مآخذه الأصيلة التي يعلم ~~بها ما يحسم به مادة الاختلاف، لأن كل فن له اصطلاحات خاصة يجب مراعاتها، ~~فمن زاغ عنها فقد أزاغ. # نماذج في ذلك: PageV00P010 # ألف: في المسألة السابعة والثلاثين من الفصل الأول من المقصد الأول في ~~تصور العدم كانت العبارة في النسخ المطبوعة من الكتاب هكذا: ويمكنه أن ~~يقيسه إلى جميع الماهيات فيمكنه أن يلحظه باعتبار نفسه، فيتصور الذهن عدم ~~نفسه، وكذلك يمكنه أن يلحظ نفس العدم. # والصواب: ويمكنه أن ينسبه إلى جميع الماهيات فيمكنه أن يلحظه باعتبار ~~نفسه فيتصور عدم الذهن نفسه، وكذلك يمكنه أن يلحقه نفس العدم. (ص 101). # قوله (وكذلك يمكنه أن يلحقه نفس العدم) أي وكذلك يمكن الذهن أن يلحق ~~العدم نفس العدم، فيكون يلحق من الإلحاق وكل واحد من العدم ونفس العدم ~~منصوب على المفعولية. # ب: في المسألة الثالثة والأربعين من ذلك الفصل في أن الحكم بحاجة الممكن ~~إلى المؤثر ضروري، كانت العبارة هكذا: وتقرير السؤال أن الممكن لو افتقر ~~إلى المؤثر لكانت مؤثرية المؤثر لكونها وصفا محتاجا إلى الموصوف ممكنا ~~محتاجا إلى المؤثر في ذلك إن كانت وصفا ثبوتيا في الذهن. (ص 114). # والصواب: وتقرير السؤال أن الممكن لو افتقر إلى المؤثر لكانت مؤثرية ~~المؤثر في ذلك الأثر إن كانت وصفا ثبوتيا في ذلك. # والعبارة الباقية تعليقة أدرجت في الكتاب، ثم حرفت عبارة الكتاب كي ~~يستقيم ربط بعضها مع بعض، كما أن السياق ينادي بذلك أيضا. # ج: في المسألة العاشرة من ثاني ذلك المقصد في أقسام الواحد، كانت العبارة ~~عند قول الماتن والوحدة في الوصف العرضي.. الخ ms006 هكذا: أقول فإن الوصف ~~العرضي. (ص 153). # والصواب: أقول الوحدة في الوصف العرضي والذاتي تتغاير أسماؤها بتغاير ~~المضاف إليه فإن الوصف العرضي. # فقد أسقط من الكتاب سطر كامل. # د: في أول المسألة الثانية من ثاني المقصد الثاني، قد أدرجت تعليقة في ~~PageV00P011 # الشرح تنتهي إلى صفحة كاملة من الكتاب فراجع (ص 241) وهكذا في شرح قوله ~~(والهواء حار رطب.. الخ). قد أدرجت تعليقة في عبارة الشرح تنتهي إلى نصف ~~صفحة (ص 246). # ه‍: وفي آخر تلك المسألة (ص 248) في طبقات الأرض كانت العبارة هكذا: ~~الخامس في طبقاتها وهي ثلاث: طبقة هي أرض محضة وهي المركز وما يقاربه، ~~وطبقة طينية، وطبقة مخلوطة بغيرها، بعضها منكشف هو البر، وبعضها أحاط به ~~البحر. # والصواب: الخامس في طبقاتها وهي ثلاث: طبقة هي أرض محضة وهي المركز وما ~~يقاربه، وطبقة طينية، وطبقة بعضها منكشف هو البر، وبعضها أحاط به البحر. ~~كما في النسخ الأصلية المعتبرة الآتي ذكرها. # عبارة الشيخ قدس سره في الشفاء كذلك: فيشبه لذلك أن تكون الأرض ثلاث ~~طبقات: طبقة تميل إلى محوضة الأرضية، وتغشيها طبقة مختلطة من الأرضية ~~والمائية وهو طين، وطبقة منكشفة عن الماء جفف وجهها الشمس وهو البر والجبل ~~وما ليس بمنكشف فقد ساح عليه البحر. (ج 1 ص 227 ط 1). # وعبارة القاضي زادة الرومي في شرحه على الملخص في الهيأة للجغميني هكذا: ~~وهي - يعني بها العناصر - تسع طبقات في المشهور عند الجمهور كالأفلاك: # طبقة الأرض الصرفة المحيطة بالمركز، ثم طبقة الطينية، ثم طبقة الأرض ~~المخالطة التي تتكون فيها المعادن وكثير من النباتات والحيوانات، ثم طبقة ~~الماء، ثم طبقة الهواء المجاور للأرض والماء.. الخ. (ص 18 من طبع الشيخ ~~أحمد الشيرازي). # و: في المسألة الثالثة عشرة من رابع المقصد الثاني في أنواع الإحساس، ~~كانت عبارة الماتن في البصر هكذا: ومنه البصر، وهي قوة مودعة في العصبتين ~~المجوفتين اللتين تتلاقيان وتتفارقان إلى العينين بعد تلاقيهما بتلك، ~~ويتعلق بالذات بالضوء واللون. (ص 292). # والصواب: ومنه البصر، ويتعلق بالذات بالضوء واللون. PageV00P012 # والعبارات الباقية زيادة أدرجت في المتن. # ز: ms007 المسألة الثالثة من مسائل المضاف في أن الإضافة ليست ثابتة في الأعيان ~~(ص 258)، يعلم ما فيها من وجوه التحريف بمقابلتها مع النسخ الرائجة ~~المطبوعة ولمزيد الاستبصار والاطمئنان راجع الشفاء (ج 2 ص 108 ط 1). # ح: في المسألة السابعة من المقصد الثالث في نبوة نبينا صلى الله عليه ~~وآله وسلم (ص 480)، ترى تحريفات كثيرة يطول بذكرها الكلام، فليعلم أن راعي ~~الغنم هو أهبان بن أوس. وفي منتهى الأرب: أهبان كعثمان صحابي بوده است. وفي ~~الخصائص الكبرى للسيوطي: أهبان بن أوس (ج 2 ص 268 من طبع مصر، و ج 2 ص 61 ~~من طبع حيدرآباد) وفي أسد الغابة أيضا (ج 1 ص 161). # وكذلك العنسي بالعين المهملة المفتوحة والنون الساكنة، ففي الخصائص ~~للسيوطي: الأسود العنسي (ج 2 ص 116 من طبع مصر) وكذلك العنسي من الأنساب ~~للسمعاني. # ط: في المسألة السادسة من المقصد الخامس في مطاعن الأول (ص 507) عند قوله ~~(ولقوله إن له شيطانا يعتريه) كانت عبارة الشارح العلامة هكذا: أقول هذا ~~دليل آخر على عدم صلاحيته للإمامة وهو قوله (إن لي شيطانا يعتريني) وهذا ~~يدل على اعتراض الشيطان له.. الخ. # والصواب: أقول هذا دليل آخر على عدم صلاحيته للإمامة وهو ما روي عنه أنه ~~قال مختارا: وليتكم ولست بخيركم، فإن استقمت فاتبعوني، وإن اعوججت فقوموني، ~~فإن لي شيطانا عند غضبي يعتريني، فإذا رأيتموني مغضبا فاجتنبوني لئلا أؤثر ~~في أشعاركم وأبشاركم. وهذا يدل على اعتراض الشيطان له.. الخ. # وهذه الزيادة موجودة في النسخ المخطوطة وإنما أسقطت من النسخ المطبوعة، ~~ونحو هذا الدس على الكتاب كثير، وإنما التعرض بها ينجر إلى الإسهاب وراجع ~~في ذلك تلخيص الشافي المذكور أيضا. (ص 415 ط 1). # إعلم أن هذا الكتاب الكريم - أعني كشف المراد - مع عظم شأنه في الكلام ~~PageV00P013 # وإفصاحه عن حق المرام، وكانت دراسته طول قرون سائرة بين الأعلام، ودائرة ~~بين طالبي الأيقان من أهل الاسلام، كأنه كاد أن يكون منسيا، وينحى عن الكتب ~~الدرسية منحيا ومرميا، مع أنك لا تجد كتابا آخر في الكلام كان ms008 له بديلا، ~~فأقول لك قاطعا: ليس هذا إلا لمكان فصول الإمامة فيه وقد توازرت أياد وازرة ~~بأفواه منكرة وآراء فائلة على إنسائه فتبصر. # وأنت ترى مؤلف الشرح القديم العامي الإصبهاني يصف التجريد أولا ثم يعزى ~~المحقق الطوسي إلى العدول عن سمت الاستقامة في مباحث الإمامة، وهذا ما أتى ~~به في أول كتابه بألفاظه: وقد صنف فيه - يعني في علم أصول الدين - مصنفات ~~شريفة ومختصرات لطيفة من جملتها المختصر الموسوم بالتجريد المنسوب إلى ~~المولى الأمام المحقق العلامة النحرير المدقق الحبر الفاخر والبحر الزاخر، ~~المكمل علوم الأولين أفضل المتقدمين والمتأخرين سلطان الحكماء المتألهين ~~نصير الملة والحق والدين مطاع الملوك والسلاطين محمد الطوسي كساه الله ~~جلابيب رضوانه وأسكنه أعلى غرف جنانه، وهو صغير الحجم غزير العلم. يحتوي من ~~الرقائق الأصولية على أسناها، وينطوي من الحقائق العلمية على أجلاها، يشتمل ~~على بدائع شريفة وغرائب لطيفة، لكن لغاية الإيجاز نازل منزلة الألغاز فأشار ~~إلى من طاعته فرض بأن أشرح له شرحا أحرر معاقده وأقرر قواعده وأشير إلى ~~أجوبة ما أورد فيه من الشبهات خصوصا على مباحث الإمامة، فإنه قد عدل فيها ~~عن سمت الاستقامة وسميته بتسديد العقائد في شرح تجريد القواعد. إنتهى ما ~~أردنا من نقل كلامه ملخصا. # ثم إن الكتاب بشهادة جميع نسخه والتذكرة الرجالية موسوم بتجريد الاعتقاد، ~~فما ترى من تسمية شرحه بتسديد العقائد في شرح تجريد القواعد، وما أوجب ~~العدول عن الاعتقاد بالقواعد فاحدس أن تحذلق فئة نكراء واقتفاء أغمار عمياء ~~دار فيما أشرنا إليه من الإنساء. ولكن الله متم نوره ويهدي من يشاء. نعم قد ~~نقل في الذريعة (ج 3 ص 354) أنه سماه: تسديد القواعد في شرح تجريد ~~PageV00P014 # العقائد، وسيأتي كلامنا فيه أيضا والله تعالى نسأل العصمة والسداد. # ي: عبارة الشارح العلامة في مطاعن الثالث حيث يقول: واستعمل الوليد بن ~~عقبة حتى ظهر منه شرب الخمر وصلى بالناس وهو سكران (ص 515) قد حرفت في بعض ~~النسخ بالوليد بن عتبة. والوليد بن عقبة - بالقاف - هو الوليد بن عقبة بن ~~أبي معيط بالتصغير ms009 وهو ممن أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه من أهل ~~النار، فراجع مروج الذهب للمسعودي (ج 2 ص 343 ط مصر) وهو الذي ولاه عثمان ~~أمور المسلمين. وأما الوليد بن عتبة - بالتاء - فهو الوليد بن عتبة بن ~~ربيعة قتله أمير المؤمنين علي عليه السلام في غزاة بدر، فراجع سيرة ابن ~~كثير (ج 2 ص 413 ط مصر). # يا: في عبارات الشارح العلامة في إخبار أمير المؤمنين عليه السلام بالغيب ~~كإخباره بقتل ذي الثدية (ص 531) تحريفات عجيبة تعلم بمقابلة هذه النسخة مع ~~ما طبع من قبل، أي طبع كان، وراجع في ذلك مروج الذهب للمسعودي (ج 2 ص 417 ط ~~مصر) أو مآخذ أخرى أصيلة. # يب: عبارات الشارح العلامة في خبر الطائر والمنزلة والغدير (ص 535) محرفة ~~جدا يعلم بالمقابلة، وهكذا في مواضع أخرى كثيرة ينجر التعرض بها إلى ~~الإسهاب والخروج عن مقدمة الكتاب، وغرضنا كما قلنا أولا هو إراءة نماذج ~~فيما جرى على ذلك الكتاب المستطاب. # نسخ الكتاب: # وأما النسخ التي هي أصول مصادر تصحيح الكتاب ومآخذه فهي ما يلي: # 1 - نسخة فريدة مصورة من أصلها المحفوظ في خزانة مكتبة المجلس بطهران، ~~وهذه النسخة النفيسة القيمة هي أقدم الأصول المعتبرة التي آثرناها واعتمدنا ~~عليها في تصحيح كشف المراد، وقد نال عدة مواضع منها صرف الدهر فكتبت ثانيا، ~~منها صحيفة آخر الكتاب حيث نمقت كرة أخرى وتنتهي بهذه PageV00P015 # العبارات: قد عمرت وأتممت وفتنت من نسخة العالم الأستاذ العالم الرباني ~~مولانا محمد باقر المجلسي طالبا لوجه الله الغني في أوان أتوطن في المدرسة ~~السليمانية وأشتغل مع تشتت الحال وتراكم الأشغال في سنة تسع وتسعين بعد ألف ~~من الهجرة.. الخ. والنسخة وإن كانت بتراء ولا تاريخ لكتابتها الأولى، لكن ~~أسلوبها لسان ناص على أنها باقية من عهد تأليفها وقد صينت من حوادث الدهور. ~~وحرف (م) جعلناه علامة لها، أي النسخة المؤثرة. وتضاعيفها حاكية على أن ~~كاتبها الأول لم يكن من الإمامية. والنسخة على رغم قدمها لم تكن مقروة على ~~نسخة مصححة ولا ms010 قوبلت بها ولا يرى فيها أثر الإجازة في القراءة على الوجوه ~~المأثورة من السلف الصالح، ولذا لا تخلو من الإسقاط والأغلاط. والعجب أن ~~رسم خطها على الرسم الدارج الآن في مملكة تونس، كما أن رسم القرآن الكريم ~~المطبوع التونسي يضاهي رسمها ويحاكيه. # 2 - نسخة عتيقة فريدة من تجريد الاعتقاد فقط، وهي أقدم نسخة رأيناها من ~~تجريد الاعتقاد حتى تفوه بأنها من خط المحقق الطوسي قدس سره لما كتب في ~~آخرها هكذا: خط خواجة نصير. ولكن النسخة قوبلت وصححت بعد الكتابة ثانيا ~~وبلغ تصحيحها ومقابلتها إلى قريب من النصف ولم يتم، وتوجد في نصفه الثاني ~~أغلاط وأسقاط أيضا، فحصل لنا القطع بأنها ليست من خطه ولكنها كالأولى باقية ~~من عهد تأليفها أو قريبة العهد منه، وهي ومتن الأولى متطابقتان إلا نادرا، ~~ولذا كانت النسخة في تصحيح المتن عونا جدا بل الحق أن تصحيح تجريد الاعتقاد ~~بتلك النسخة بلغ كماله. والأسف أنها - مع كونها كاملة - فاقدة للتاريخ، وقد ~~بقي أثر من خط في آخر الصفحة بعد تمام النسخة قد محي أكثره وكأنما أصابه ~~ماء وكتب في جانبه الأيمن هذه العبارة: (خط خواجة نصير) فلا يبعد أن تكون ~~هذه العبارة - أعني خط خواجة نصير - ناظرة إليه وقد أمضاه كما كان من سيرة ~~السلف، أو الخط الآخر من هذه النسخة وهو خط الخواجة قدس سره أمضاه بذلك كما ~~هو PageV00P016 # أيضا كان من دأب علمائنا الغابرين، ولنا نسخة من كتاب مصائب النواصب في ~~الرد على كتاب النواقض لبعض العامة مما صنفه الشهيد القاضي نور الله ~~الحسيني المرعشي الشوشتري رفع الله درجاته وآخرها ثلاثة أسطر ونصف من خطه ~~الشريف. # وكيف كان فالنسخة مصورة من أصلها المحفوظ في مكتبة المجلس بطهران. # وحرف (ت) علامة لها، أي تجريد الاعتقاد. والنسخة مكتوبة بخط واحد على ~~كمالها، ومزدانة بتعليقات موجزة مفيدة عليها. # 3 - نسخة مصورة من أصلها المصون في المكتبة المركزية بطهران تحت رقم ~~1865، تاريخ كتابتها 851 ه‍. ق وهي نسخة كاملة مصححة مقروة مزدانة بعلامة ~~القراءة من البدء إلى ms011 الختم بهذه العبارة: (بلغت قراءة أبقاه الله تعالى) ~~إلا أن رسم خطها ليس بحسن بل نازل ردئ جدا وإنما يمكن قراءة أكثر مواضعها ~~بالعرض على نسخ أخرى وتتم النسخة بما كتبه كاتبها هكذا: وفرغ من كماله أضعف ~~العباد وأحوجهم إلى رحمة الله محمد بن علي بن ناصر العينعاني عفا الله عنه ~~وعمن نظر فيه ودعا له بالمغفرة ولسائر المؤمنين، وذلك في سلخ شهر رمضان ~~المعظم من شهور سنة 851، إحدى وخمسين وثمانمائة هجرية نبوية على هاجرها ~~أفضل الصلاة والسلام، أيها الناظرون في رسم خطي أعذروني.. الخ. والنسخة ~~مكتوبة بخط واحد، مصونة على هيئتها الأولى من غير عروض عارض عليها. وجعلنا ~~حرف (ص) علامة لها تدل على صحتها. وهذه النسخة الكريمة القيمة تطابق ~~الأوليين متنا وشرحا وقلما يوجد اختلاف. # 4 - نسخة مصورة من أصلها المحفوظ في خزانة مكتبة آية الله المرعشي دامت ~~بركاته الوافرة في دار العلم قم صينت في حصن واليها ووليها بقية الله قائم ~~آل محمد أرواحنا فداه تحت رقم 727، وهذه الصحيفة الثمينة مزدانة من بدئها ~~إلى ختمها بعلامة القراءة بهذه العبارة (بلغت قراءة أبقاه الله) وفي موضع ~~(أعز الله PageV00P017 # نصره) وفي آخر (أيده الله) وفي آخر (أدام الله بقاءه) وفي آخر (بلغ) فقط ~~وتاريخ كتابتها 731 ه‍. ق. وعبارة الكاتب في آخرها هكذا: فرغت من تسويده ~~يوم السبت وقت الظهر لخمس بقين من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وثلاثين وسبع ~~مائة. ولفظة (ق) جعلناها علامة لها. # ومن محاسن هذه النسخة أن كل كلمة كررت في العبارة كتبت فوق الثانية منها ~~لفظة (صح) حتى لا تتوهم أن الثانية زائدة، مثلا في آخر المسألة الثالثة من ~~أول الكتاب يقول الشارح العلامة: وتقرير الجواب أن نقول الوجود قائم ~~بالماهية من حيث هي هي لا باعتبار كونها موجودة ولا باعتبار كونها معدومة، ~~فمكتوبة فوق كلمة (هي) الثانية لفظة (صح). ونظائره في الكتاب كثيرة، وهذه ~~السيرة الحسنة كانت جارية معمولا بها بين علمائنا السلف في قراءة الروايات ~~وصحف الأدعية المأثورة عن وسائط الفيض الإلهي ms012 صلوات الله عليهم، حيث إن كل ~~كلمة كانت قراءتها مروية على وجهين كانوا يعربونها مشكولة على الوجهين ثم ~~يكتبون فوقها لفظة (معا) تدل على رواية القراءتين معا، كما لا يخفى على ~~العارف بها. # لكن الأسف أن النسخة قد ناولتها أيادي الآفات فسقطت منها مواضع كثيرة ثم ~~كتبت وكملت ثانيا لا تضاهي الأول بوجه، وأواسطها ساقطة تنتهي إلى خمسين ~~صفحة من تلك النسخة وبقيت كما كانت على حالها ولم تكمل بعد. # ومما ينبغي أن يشار إليه في المقام أن سائر النسخ في المسألة الأولى من ~~ثاني المقصد الثاني في البحث عن الأجسام الفلكية تحوز زيادة، وهذه النسخة ~~خالية عنها، وليس الخلو بإصابة آفة أو إزالة مزيل بل النسخة من أصلها هكذا. ~~ولا يبعد أن كانت الزيادة حاشية أدرجت في الشرح وزادت في النسخ الأخرى، وكم ~~لها من نظير في هذا الكتاب، ولكن لما كانت النسخة بذلك الخلو متفردة لم ~~نسقطها وأبقيناها على وزان سائر النسخ. وعبارة هذه النسخة في المقام هي ~~هكذا: PageV00P018 # قال: خالية من الكيفيات الفعلية والانفعالية ولوازمها. # أقول: هذا حكم آخر للأفلاك، وهو أنها غير متصفة بالكيفيات الفعلية - أعني ~~الحرارة والبرودة وما ينسب إليهما - ولا الكيفيات الانفعالية - أعني ~~الرطوبة واليبوسة وما ينسب إليهما - وغير متصفة بلوازمها - أعني الثقل ~~والخفة - قال شفافة. أقول: استدلوا على شفافية الأفلاك بوجهين.. الخ. وأما ~~العبارات الباقية كما تراها في الكتاب فتلك النسخة عارية عنها. # واعلم أن هذه النسخ الأربع هي الأصول الأولية لنا في تصحيح الكتاب. # وكل واحدة منها وإن كانت لا تخلو من أسقاط وأغلاط لكنها معا تعطي نسخة ~~كاملة منقحة غاية التنقيح ألا وهي هذه الطبعة التي بين يديك. # 5 - نسخة مصورة من أصلها المحفوظ في مكتبة المجلس بطهران أيضا تحت رقم ~~530 / 14310 مكتوبة بعدة خطوط قديمة وحديثة تدل على أنها قد تداولتها أيادي ~~الآفات، على أن ما صينت منها عارية عن إجازة القراءة ونحوها، والظاهر أن ~~تاريخ كتابتها من القرن السابع أو الثامن. وفي ظهر صحيفته الأولى مكتوبة ~~تارة هكذا: ms013 في نوبة المفتقر إلى الله الواحد عبده إبراهيم بن راشد بن يوسف ~~بن محمد سنة خمس وخمسين وتسعمائة. # وأخرى هكذا: من عواري الزمان عند العبد المذنب الجاني حيدر علي بن عزيز ~~الله المجلسي الأصفهاني. ثم مختوم بخاتمه ونقشه: عبده حيدر علي. وجعلنا حرف ~~(د) علامة لها. # 6 - نسخة مصورة من أصلها المحفوظ في الشعبة الإلهية من جامعة المشهد ~~الرضوي عليه السلام تحت رقم 452. والنسخة كاملة مكتوبة بخط واحد، مزدانة ~~بتعليقات، وتاريخ كتابتها 1089 ه‍. ق. وآخرها مكتوبة هكذا: وقع الفراغ من ~~تحرير هذا الكتاب في أواخر شهر محرم الحرام سنة سبعين وسبعمائة 770 على يد ~~أضعف عباد الله علي بن الحسن. كذا في نسخة كتبت هذه النسخة منها. ~~PageV00P019 # وبعد عبارة الفوق كتب كاتب هذه النسخة في ذيل الصفحة هكذا: هو الموفق قد ~~شرف بتكتيب هذه النسخة الشريفة - إلى قوله: - في شهور سنة تسع وثمانين بعد ~~الألف هجرية.. الخ. وحرف (ش) علامة لها. # والنسخة أيضا عارية عن إجازة القراءة ونحوها، إلا أن في آخرها مكتوبة في ~~هامشها الوحشي: بلغ قبالا. وصورة رسم هذه الجملة - أعني بلغ قبالا - تضاهي ~~رسم خط الكتاب، بل الكاتب واحد ولا دغدغة فيه. والنسخة متفردة بحسن الخط. # 7 - نسخة مصورة من أصلها المصون في المكتبة المركزية بطهران تحت رقم ~~1869، وتاريخ كتابتها 1093 ه‍. ق. والنسخة مكتوبة بخط واحد وعليها تعليقات. ~~ويتم آخرها بما حرره الكاتب بقوله هكذا: وقد وفق الله سبحانه وتعالى العبد ~~الحقير الجاني علي بن أحمد بن سليمان البلادي البحراني لنفسه ولمن شاء الله ~~من بعده في مدة آخرها اليوم الثاني والعشرين في شهر جمادى الآخر من السنة ~~الثالثة والتسعين وألف وصلعم. # والنسخة عارية أيضا عن إجازة القراءة ونحوها. وحرف (ز) علامة لها. # إعلم أن هذه النسخ الثلاث وإن لم تكن في رتبة الأربع الأولى ولكنها كانت ~~كالمتممة في تصحيح الكتاب واستفدنا منها كثيرا. # ثم تلي النسخ المذكورة عدة نسخ أخرى مخطوطة مما يتعلق بالراقم، من تجريد ~~الاعتقاد وكشف المراد وشرح الإصبهاني المعروف بالشرح القديم ms014 والمسمى بتسديد ~~العقائد في شرح تجريد القواعد وشرح القوشجي المعروف بالشرح الجديد وشرح ~~اللاهيجي المسمى بشوارق الإلهام، وقد راجعناها في مواضع اللزوم، وهكذا كثير ~~من الكتب الحكمية والكلامية كالشفاء والأسفار والمواقف وشرح المقاصد وغيرها ~~مما استفدنا منها في مواضع الحاجة لتصحيح الكتاب. PageV00P020 # تبصرة: # قال محي آثار الإمامية مؤلف الذريعة رضوان الله تعالى عليه في الجزء ~~الثالث منه في عنوان تجريد الكلام ما هذا لفظه: # تجريد الكلام في تحرير عقائد الاسلام لسلطان الحكماء والمتكلمين خواجة ~~نصير الدين محمد بن محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة 672 هو أجل كتاب في ~~تحرير عقائد الإمامية، أوله: أما بعد حمد واجب الوجود على نعمائه.. فإني ~~مجيب إلى ما سئلت من تحرير مسائل الكلام وترتيبها على أبلغ نظام - إلى ~~قوله: - وسميته بتحرير العقائد ورتبته على ستة مقاصد. فيظهر منه أنه سماه ~~تحرير العقائد لكنه اشتهر بالتجريد.. الخ. (ج 3 ص 352). # أقول: ما أدى إليه نظره الشريف من تسمية الكتاب بتحرير العقائد، وإن كان ~~يؤيده عمل السلف والخلف من تأليف الكتاب باسم التحرير كتحرير الأحكام ~~الشرعية على مذاهب الإمامية للشارح العلامة وسيما عدة تحريرات أصول رياضية ~~من الأوليات كتحرير أصول إقليدس والمتوسطات كتحرير اكرمانا لاؤس إلى ~~النهايات كتحرير المجسطي، ولكن النسخ المذكورة الأصلية كلها ناصة من غير ~~التباس على قوله: وسميته بتجريد الاعتقاد، أو: وسمته بتجريد الاعتقاد، حتى ~~أن النسخة الأولى بل أكثر النسخ صريحة على التجريد في قوله أولا: فإني مجيب ~~إلى ما سئلت من تجريد مسائل الكلام. على أن تسمية العلامة شرحه بكشف المراد ~~في شرح تجريد الاعتقاد وهو تلميذه، وكذلك كلام الخواجة تسجيعا: وسميته ~~بتجريد الاعتقاد والله أسأل العصمة والسداد وأن يجعله ذخرا ليوم المعاد، ~~وكذلك تسمية شمس الدين الإسفرايني شرحه بتعريد الاعتماد في شرح تجريد ~~الاعتقاد كلها ينادي بأن الكتاب موسوم بتجريد الاعتقاد، لا تجريد العقائد ~~أو القواعد كما في نسخة من الشرح القديم متعلقة بنا. PageV00P021 # وليكن هذا آخر ما رأينا تقديمه في المقدمة، وكان شروعنا في التصحيح ~~الجديد في السادس عشر ms015 من شهر الله المبارك من شهور سنة 1403 من الهجرة ~~النبوية على هاجرها آلاف التحية والثناء، وقد حصل الفراغ منه في غرة شعبان ~~المعظم من سنة 1404 ه‍. ق. دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام ~~وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين. الخامس من شهر الله المبارك من عام ~~1404 ه‍. ق المصادف ل‍ 15 / 3 / 1363 ه‍. ش. # قم حسن حسن زاده الآملي PageV00P022 # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله القاهر سلطانه العظيم شأنه الواضح ~~برهانه العام إحسانه (1) الذي أيد العباد بمعرفته وهداهم إلى حجته ليفوزوا ~~بجزيل الثواب العظيم المخلد، ويخلصوا من العقاب الأليم السرمد، وصلى الله ~~على أكمل نفس إنسانية وأزكى طينة عنصرية محمد المصطفى، وعلى عترته الأبرار ~~وذريته الأخيار وسلم تسليما. # أما بعد، فإن كمال الانسان أنما هو بحصول المعارف الإلهية، وإدراك ~~الكمالات الربانية، إذ بصفة العلم يمتاز عن عجم الحيوانات، ويفضل على ~~الجمادات، ولا معلوم أشرف من واجب الوجود تعالى، فالعلم به أكمل من كل # PageV00P023 # مقصود، وإنما يتم بعلم الكلام فإنه المتكفل بحصول هذا المرام، فوجب على ~~كل مكلف من أشخاص الناس الاجتهاد في إزالة الالتباس بالنظر الصحيح في ~~البراهين، وطلب الحق بالتعيين، ووجب على كل عارف من العلماء إرشاد ~~المتعلمين وتسليك الناظرين، وقد كنا صرفنا مدة من العمر في وضع كتب متعددة ~~في هذه العلوم الجليلة وإحراز هذه الفضيلة، والآن حيث وفقنا الله تعالى ~~للاستفادة من مولانا الأفضل العالم الأكمل نصير الملة والحق والدين محمد بن ~~محمد بن الحسن الطوسي قدس الله تعالى روحه الزكية في العلوم الإلهية ~~والمعارف العقلية، ووجدناه راكبا نهج التحقيق سالكا جدد التدقيق، معرضا عن ~~سبيل المغالبة، تاركا طريق المغالطة تتبعنا مطارح أقدامه في نقضه وإبرامه، ~~ولما عرج إلى جوار الرحمن ونزل بساحة الرضوان، وجدنا كتابه الموسوم بتجريد ~~الاعتقاد قد بلغ فيه أقصى المراد، وجمع جل مسائل الكلام على أبلغ نظام، كما ~~ذكر في خطبته وأشار في ديباجته، إلا أنه أوجز ألفاظه في الغاية وبلغ في ~~إيراد المعاني إلى طرف النهاية، ms016 حتى كل عن إدراكه المحصلون، وعجز عن فهم ~~معانيه الطالبون، فوضعنا هذا الكتاب الموسوم بكشف المراد في شرح تجريد ~~الاعتقاد موضحا لما استبهم من معضلاته، وكاشفا عن مشكلاته، راجيا من الله ~~تعالى جزيل الثواب وحسن المآب إنه أكرم المسؤولين (1)، عليه نتوكل وبه ~~نستعين. # قال: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد حمد واجب الوجود على نعمائه والصلاة ~~على سيد أنبيائه محمد المصطفى وعلى أكرم أمنائه (2) فإني مجيب إلى ما سئلت ~~من تحرير مسائل الكلام (3) وترتيبها على أبلغ نظام مشيرا إلى غرر فوائد # PageV00P024 # الاعتقاد ونكت مسائل الاجتهاد، مما قادني الدليل إليه وقوى اعتقادي عليه ~~وسميته (1) بتجريد الاعتقاد، والله أسأل العصمة والسداد وأن يجعله ذخرا ~~ليوم المعاد، ورتبته على مقاصد: # PageV00P025 # المقصد الأول في الأمور العامة (1) وفيه فصول: # PageV00P027 # الفصل الأول في الوجود والعدم وتحديدهما بالثابت العين والمنفي العين أو ~~الذي يمكن أن يخبر عنه ونقيضه (1) أو بغير ذلك يشتمل على دور ظاهر. # أقول: في هذا الفصل مسائل مهمة جليلة، هذه أولاها وهي أن الوجود والعدم ~~لا يمكن تحديدهما. وأعلم أن جماعة من المتكلمين والحكماء حدوا الوجود ~~والعدم، أما المتكلمون فقالوا: الموجود هو الثابت العين، والمعدوم هو ~~المنفي العين. # والحكماء قالوا: الموجود هو الذي يمكن أن يخبر عنه، والمعدوم هو الذي لا ~~يمكن أن يخبر عنه، إلى غير ذلك من حدود فاسدة لا فائدة في ذكرها، وهذه ~~الحدود كلها باطلة لاشتمالها على الدور، فإن الثابت مرادف للموجود، والمنفي ~~للمعدوم، ولفظة (الذي) إنما يشار بها إلى متحقق ثابت، فيؤخذ الوجود في حد ~~نفسه. # قال: بل المراد تعريف اللفظ إذ لا شئ أعرف من الوجود (2). # PageV00P029 # أقول: لما أبطل تحديد الوجود والعدم، أشار إلى وجه الاعتذار للقدماء من ~~الحكماء والمتكلمين في تحديدهم له، فقال: إنهم أرادوا بذلك تعريف لفظ ~~الوجود، ومثل هذا التعريف سائغ في المعلومات الضرورية، إذ هو بمنزلة تبديل ~~لفظ بلفظ أوضح منه (1)، وإن لم تستفد منه صورة غير ما هو معلوم عند ~~التحديد، وإنما كان كذلك لأنه لا شئ أعرف من الوجود، إذ لا معنى ms017 أعم منه. # قال: والاستدلال (2) بتوقف التصديق بالتنافي عليه، أو بتوقف الشئ على # PageV00P030 # نفسه، أو عدم تركيب الوجود مع فرضه أو إبطال الرسم باطل. # أقول: ذكر فخر الدين (1) في إبطال تعريف الوجود وجهين، والمصنف رحمه الله ~~لم يرتض بهما، ونحن نقررهما ونذكر ما يمكن أن يكون وجه الخلل فيهما. # الأول: أن التصديق بالتنافي بين الوجود والعدم بديهي، إذ كل عاقل على ~~الإطلاق يعلم بالضرورة أنه لا يمكن اجتماع وجوده وعدمه، والتصديق متوقف على ~~التصور، وما يتوقف عليه البديهي أولى بأن يكون بديهيا فيكون تصور الوجود ~~والعدم بديهيا. # الثاني: أن تعريف الوجود (2) لا يجوز أن يكون بنفسه وإلا دار، ولا ~~بأجزائه # PageV00P031 # لأن تلك الأجزاء إن كانت وجودات لزم تعريف الشئ بنفسه، وإن لم تكن وجودات ~~فعند اجتماعها إن لم يحصل أمر زائد، كان الوجود محض ما ليس بوجود هذا خلف، ~~وإن حصل أمر زائد هو الوجود، كان التركيب في قابل الوجود أو فاعله لا فيه ~~(1)، ولا بالأمور الخارجة عنه (2)، لأن الخارجي أنما يصلح للتعريف لو كان ~~مساويا للمعرف، لأن الأعم لا يفيد التمييز الذي هو أقل مراتب التعريف، ~~والأخص أخفى، وقد حذر في المنطق عن التعريف به، لكن العلم بالمساواة يتوقف ~~على العلم بالماهية فيلزم الدور. # وهذان الوجهان باطلان، أما الأول فلأن التصديق البديهي لا يجب أن تكون ~~تصوراته بديهية، لما ثبت في المنطق من جواز توقف البديهي من التصديقات على ~~التصور الكسبي، سلمنا لكن جاز أن يكون التصور للمفردات ناقصا، أي يكون ~~معلوما، باعتبار ما من الاعتبارات، وذلك يكفي في باب التصديقات، ويكون ~~المراد من الحد حصول كمال التصور. # وأما الثاني فلأن ما ذكره في نفي تركيب الوجود عائد في كل ماهية مركبة ~~على الاطلاق (3) وهو باطل بالضرورة، سلمنا لكن جاز التعريف (4) بالخارجي، ~~وشرطه المساواة في نفس الأمر لا العلم بالمساواة، فالناظر في اكتساب ~~الماهية إذا عرض على ذهنه (5) عوارضها فاستفاد من بعضها، تصور تلك الماهية ~~علم بعد ذلك # PageV00P032 # أن ذلك العارض مساو لها، ثم يفيد غيره تصورها (1) بذكر ذلك العارض ms018 ولا ~~دور في ذلك، سلمنا لكن العلم بالمساواة لا يستلزم العلم بالماهية من كل ~~وجه، بل من بعض الوجوه على ما قدمناه (2)، ويكون الاكتساب لكمال التصور، ~~فلا دور حينئذ. # المسألة الثانية في أن الوجود مشترك قال: وتردد الذهن حال الجزم بمطلق ~~الوجود واتحاد مفهوم نقيضه وقبوله القسمة يعطي اشتراكه (3). # أقول: لما فرغ من البحث عن ماهية الوجود، شرع في البحث عن أحكامه، # PageV00P033 # فبدأ باشتراكه، واستدل عليه بوجوه ثلاثة، ذكرها الحكماء والمتكلمون. # الأول: إنا قد نجزم بوجود ماهية، ونتردد في خصوصياتها مع بقاء الجزم ~~بالوجود، فإنا إذا شاهدنا أثرا حكمنا بوجود مؤثره، فإذا اعتقدنا أنه ممكن، ~~ثم زال اعتقادنا بإمكانه، وتجدد اعتقادنا بوجوبه، لم يزل الحكم الأول، ~~فبقاء الاعتقاد بالوجود عند زوال اعتقاد الخصوصيات يدل على الاشتراك. # الثاني: أن مفهوم السلب واحد لا تعدد فيه ولا امتياز، فيكون مفهوم نقيضه ~~الذي هو الوجود واحدا، وإلا لم ينحصر التقسيم بين السلب والإيجاب (1). # الثالث: أن مفهوم الوجود قابل للتقسيم بين الماهيات، فيكون مشتركا بينها، ~~أما المقدمة الأولى فلأنا نقسمه إلى الواجب والممكن، والجوهر والعرض، ~~والذهني والخارجي، والعقل يقبل هذه القسمة، وأما المقدمة الثانية فلأن ~~القسمة عبارة عن ذكر جزيئات الكلي الصادق عليها بفصول متعاندة أو ما يشابه ~~الفصول، ولهذا لا يقبل العقل قسمة الحيوان إلى الانسان والحجر لما لم يكن ~~صادقا عليهما، ويقبل قسمته إلى الانسان والفرس. # المسألة الثالثة في أن الوجود زائد على الماهيات قال: فيغاير (2) الماهية ~~وإلا اتحدت الماهيات أو لم تنحصر أجزاؤها. # أقول: هذه المسألة فرع على المسألة الأولى، واعلم إن الناس اختلفوا في أن # PageV00P034 # الوجود هل هو نفس الماهية، أو زائد عليها؟ فقال أبو الحسن الأشعري وأبو ~~الحسين البصري وجماعة تبعوهما: إن وجود كل ماهية نفس تلك الماهية (1). # وقال جماعة من المتكلمين والحكماء: إن وجود كل ماهية مغاير لها إلا واجب ~~الوجود تعالى، فإن أكثر الحكماء قالوا: إن وجوده نفس حقيقته، وسيأتي تحقيق ~~كلامهم فيه. # وقد استدل الحكماء على الزيادة بوجوه: الأول: أن الوجود مشترك على ما ~~تقدم، فإما ms019 أن يكون نفس الماهية أو جزءا منها، أو خارجا عنها. والأول باطل ~~وإلا لزم اتحاد الماهيات في خصوصياتها لما تبين من اشتراكه. والثاني باطل ~~وإلا لم تنحصر أجزاء الماهية، بل تكون كل ماهية على الاطلاق مركبة من أجزاء ~~لا تتناهى، واللازم باطل، فالملزوم مثله، بيان الشرطية أن الوجود إذا كان ~~جزءا من كل ماهية، فإنه يكون جزءا مشتركا بينها، ويكون كمال الجزء المشترك، ~~فيكون جنسا فتفتقر كل ماهية إلى فصل يفصلها عما يساويها فيه، لكن كل فصل ~~فإنه يكون موجودا، لاستحالة انفصال الموجودات بالأمور العدمية، فيفتقر ~~الفصل إلى فصل آخر، هو جزء منه ويكون جزءا من الماهية، لأن جزء الجزء جزء ~~أيضا، فإن كان موجودا افتقر إلى فصل آخر ويتسلسل، فتكون للماهية أجزاء لا ~~تتناهى. # وأما استحالة التالي فلوجوه: أحدها: أن وجود ما لا يتناهى محال على ما ~~يأتي. # الثاني: يلزم منه تركب واجب الوجود تعالى، لأنه موجود فيكون ممكنا هذا ~~خلف. # الثالث: يلزم منه انتفاء الحقائق (2) أصلا، لأنه يلزم منه تركب الماهيات # PageV00P035 # البسيطة، فلا يكون البسيط متحققا فلا يكون المركب متحققا، وهذا كله ظاهر ~~البطلان. # قال: ولانفكاكهما تعقلا (1). # أقول: هذا هو الوجه الثاني الدال على زيادة الوجود، وتقريره إنا قد نعقل ~~الماهية ونشك في وجودها الذهني والخارجي والمعقول مغاير للمشكوك فيه، وكذلك ~~قد نعقل وجودا مطلقا ونجهل خصوصية الماهية فيكون مغايرا لها. # لا يقال: إنا قد نتشكك في ثبوت الوجود فيلزم أن يكون ثبوته زائدا عليه ~~ويتسلسل. # لأنا نقول: التشكك ليس في ثبوت وجود للوجود، بل في ثبوت الوجود نفسه ~~للماهية، وذلك هو المطلوب. # قال: وتحقق الامكان الخاص. # أقول: هذا وجه ثالث يدل على الزيادة، وتقريره أن ممكن الوجود متحقق ~~بالضرورة، والإمكان أنما يتحقق على تقدير الزيادة (2). لأن الوجود لو كان ~~نفس الماهية أو جزءها، لم تعقل منفكة عنه، فلا يجوز عليها العدم حينئذ وإلا ~~لزم جواز اجتماع النقيضين وهو محال، وانتفاء جواز العدم يستلزم الوجوب ~~فينتفي الإمكان حينئذ للمنافاة بين الامكان الخاص والوجوب الذاتي، ولأن ~~الإمكان نسبة (3) بين ms020 الماهية والوجود، والنسبة لا تتعقل إلا بين شيئين. # قال: وفائدة الحمل. # أقول: هذا وجه رابع يدل على المغايرة بين الماهية والوجود، وتقريره أنا ~~نحمل الوجود على الماهية فنقول ماهية موجودة فنستفيد منه فائدة معقولة لم # PageV00P036 # تكن حاصلة لنا قبل الحمل، وإنما تتحقق هذه الفائدة على تقدير (1) ~~المغايرة، إذ لو كان الوجود نفس الماهية لكان قولنا ماهية موجودة (2) ~~بمنزلة قولنا: ماهية ماهية أو موجودة موجودة، والتالي باطل فالمقدم مثله. # قال: والحاجة إلى الاستدلال. # أقول: هذا وجه خامس يدل على أن الوجود ليس هو نفس الماهية ولا جزء منها، ~~وتقريره أنا نفتقر في نسبة الوجود إلى الماهية إلى الدليل في كثير من ~~الماهيات، ولو كان الوجود نفس الماهية أو جزءها لم نحتج إلى الدليل، ~~لافتقار الدليل إلى المغايرة بين الموضوع والمحمول، والتشكك في النسب ~~الممتنع تحققه (3) في الذاتي. # قال: وانتفاء التناقض. # أقول: هذا وجه سادس يدل على الزيادة وتقريره أنا قد نسلب الوجود عن ~~الماهية فنقول: ماهية معدومة، ولو كان الوجود نفس الماهية لزم التناقض، ولو ~~كان جزء منها لزم التناقض أيضا، لأن تحقق الماهية يستدعي تحقق أجزائها التي ~~من جملتها الوجود، فيستحيل سلبه عنها، وإلا لزم اجتماع النقيضين فتحقق ~~انتفاء التناقض يدل على الزيادة. # قال: وتركب الواجب (4). # PageV00P037 # أقول: هذا وجه سابع وهو أن تركب الواجب منتف، وإنما يتحقق (1) لو كان ~~الوجود زائدا على الماهية، لأنه يستحيل أن يكون نفس الماهية لما تقدم، فلو ~~كان جزءا منها لزم أن يكون الواجب مركبا وهو محال. # قال: وقيامه بالماهية من حيث هي. # أقول: هذا جواب عن استدلال الخصم على أن الوجود نفس الماهية وتقرير ~~استدلالهم أنه لو كان زائدا على الماهية لكان صفة قائمة بها، لاستحالة أن ~~يكون جوهرا قائما بنفسه مستغنيا عن الماهية واستحالة قيام الصفة بغير ~~موصوفها، وإذا كان كذلك فإما أن يقوم بالماهية حال وجودها أو حال عدمها، ~~والقسمان باطلان، أما الأول: فلأن الوجود الذي هو شرط في قيام هذا الوجود ~~بالماهية، إما أن يكون هو هذا الوجود فيلزم اشتراط الشئ ms021 بنفسه، أو يكون ~~مغايرا له فيلزم قيام الوجودات المتعددة بالماهية الواحدة، ولأنا ننقل ~~البحث إلى الوجود الذي هو شرط. # وأما الثاني: فلأنه يلزم قيام الصفة الوجودية بالمحل المعدوم (2) وهو ~~باطل، وإذا بطل القسمان انتفت الزيادة. # وتقرير الجواب أن نقول: الوجود قائم بالماهية من حيث هي هي (3)، لا # PageV00P038 # باعتبار كونها معدومة أو موجودة، فالحصر ممنوع. # قال: فزيادته في التصور (1). # أقول: هذا نتيجة ما تقدم، وهو أن قيام الوجود بالماهية من حيث هي هي أنما ~~يعقل في الذهن والتصور لا في الوجود الخارجي لاستحالة تحقق (2) ماهية من ~~الماهيات في الأعيان منفكة عن الوجود، فكيف تتحقق الزيادة في الخارج ~~والقيام بالماهية فيه، بل وجود الماهية زائد عليها في نفس الأمر والتصور لا ~~في الأعيان وليس قيام الوجود بالماهية كقيام السواد بالمحل. # المسألة الرابعة في انقسام الوجود إلى الذهني والخارجي قال: وهو ينقسم ~~إلى الذهني والخارجي وإلا بطلت الحقيقة. # أقول: اختلف العقلاء هاهنا، فجماعة منهم نفوا الوجود الذهني وحصروا ~~الوجود في الخارجي، والمحققون منهم أثبتوه وقسموا الوجود إليه وإلى الخارجي ~~قسمة معنوية. واستدل المصنف رحمة الله عليه بأن القضية الحقيقية صادقة ~~قطعا، لأنا نحكم بالأحكام الإيجابية على موضوعات معدومة في الأعيان، وتحقق ~~الصفة يستدعي تحقق الموصوف، وإذ ليس ثابتا في الأعيان فهو متحقق في ~~الأذهان. # واعلم أن القضية تطلق (3) على الحقيقية وهي التي يؤخذ موضوعها من حيث # PageV00P039 # هو هو لا باعتبار الوجود الخارجي، بل باعتبار ما صدق عليه الموضوع ~~بالفعل. # وتطلق على الخارجية، وهي التي يؤخذ موضوعها باعتبار الخارج، وهو مذهب ~~سخيف قد أبطل في المنطق، فتحقق الحقيقية يدل على الثبوت الذهني كما ذكرناه. # قال: والموجود في الذهن أنما هو الصورة المخالفة في كثير من اللوازم. # أقول: هذا جواب عن استدلال من نفي الوجود الذهني وتقرير استدلالهم، أنه ~~لو حلت الماهية في الأذهان لزم أن يكون الذهن حارا باردا أسود أبيض، فيلزم ~~مع اتصاف الذهن بهذه الأشياء المنفية عنه اجتماع الضدين. # والجواب أن الحاصل في الذهن ليس هو ماهية الحرارة والسواد، بل صورتها ~~ومثالها ms022 (1) المخالفة للماهية في لوازمها وأحكامها، فالحرارة الخارجية ~~تستلزم السخونة وصورتها لا تستلزمها، والتضاد أنما هو بين الماهيات لا بين ~~صورها وأمثلتها. # المسألة الخامسة في أن الوجود ليس هو معنى زائدا على الحصول العيني قال: ~~وليس الوجود معنى به تحصل الماهية في العين بل الحصول. # أقول: قد ذهب قوم غير محققين إلى أن الوجود معنى قائم بالماهية يقتضي # PageV00P040 # حصول الماهية في الأعيان، وهذا مذهب سخيف يشهد العقل ببطلانه، لأن قيام ~~ذلك المعنى بالماهية في الأعيان يستدعي تحقق الماهية في الخارج، فلو كان ~~حصولها في الخارج مستندا إلى ذلك المعنى لزم الدور المحال، بل الوجود هو ~~نفس تحقق الماهية في الأعيان، ليس ما به تكون الماهية في الأعيان. # المسألة السادسة في أن الوجود لا تزايد فيه ولا اشتداد قال: ولا تزايد ~~فيه ولا اشتداد (1) # PageV00P041 # أقول: ذهب قوم إلى أن الوجود قابل للزيادة والنقصان، وفيه نظر لأن ~~الزيادة إن كانت وجودا لزم اجتماع المثلين، وإلا لزم اجتماع النقيضين، وأما ~~نفي الاشتداد فهو مذهب أكثر المحققين قال بعضهم لأنه بعد الاشتداد إن لم ~~يحدث شئ آخر لم يكن الاشتداد إشتدادا، بل هو باق كما كان، وإن حدث فالحادث ~~إن كان غير الحاصل فليس إشتدادا للموجود الواحد، بل يرجع إلى أنه حدث شئ ~~آخر معه، وإلا فلا اشتداد، وكذا البحث في جانب النقصان، وهذا الدليل ينفي ~~قبول الأعراض كلها للاشتداد والضعف. # المسألة السابعة في أن الوجود خير والعدم شر قال: وهو خير محض. # أقول: إذا تأملنا كل ما يقال له خير وجدناه وجودا، وإذا تأملنا ما يقال ~~له شر وجدناه عدما، ألا ترى القتل فإن العقلاء حكموا بكونه شرا، وإذا ~~تأملناه وجدنا شريته باعتبار ما يتضمن من العدم، فإنه ليس شرا من حيث قدرة ~~القادر عليه، فإن القدرة كمال الانسان، ولا من حيث إن الآلة قاطعة (1) ~~فإنها أيضا كمال لها، ولا من حيث حركة أعضاء القاتل، ولا من حيث قبول العضو ~~المنقطع للتقطيع، بل من حيث هو إزالة كمال الحياة عن الشخص، فليس الشر إلا ms023 ~~هذا العدم وباقي القيود الوجودية خيرات، فحكموا بأن الوجود خير محض والعدم ~~شر محض، ولهذا كان واجب الوجود تعالى أبلغ في الخيرية والكمال من كل موجود، ~~لبراءته عن القوة والاستعداد وتفاوت غيره من الوجودات فيه (2) باعتبار ~~القرب من العدم والبعد عنه. # PageV00P042 # المسألة الثامنة في أن الوجود لا ضد له قال: ولا ضد له. # أقول: الضد ذات (1) وجودية تقابل ذاتا أخرى في الوجود، ولما استحال أن ~~يكون الوجود ذاتا وأن يكون له وجود آخر استحال أن يكون ضدا لغيره، ولأنه ~~عارض لجميع المعقولات، لأن كل معقول إما خارجي فيعرض له الوجود الخارجي، أو ~~ذهني فيعرض له الذهني، ولا شئ من أحد الضدين بعارض لصاحبه، ومقابلته للعدم ~~ليس تقابل الضدين على ما يأتي تحقيقه في نفي المعدوم، بل تقابل السلب ~~والإيجاب إن أخذا مطلقين، وإلا تقابل العدم والملكة. # المسألة التاسعة في أنه لا مثل للوجود قال: ولا مثل. # أقول: المثلان ذاتان وجوديتان يسد كل واحد منهما مسد صاحبه، ويكون ~~المعقول منهما شيئا واحدا بحيث إذا سبق أحدهما إلى الذهن ثم لحقه الآخر لم ~~يكتسب العقل من الحاصل ثانيا غير ما اكتسبه أولا، والوجود ليس بذات فلا # PageV00P043 # يماثل شيئا آخر وأيضا فليس هاهنا معقول يساويه في التعقل على معنى ما ~~ذكرناه إذ كل معقول مغاير لمعقول الوجود. # لا يقال: إن كليه وجزءيه متساويان في التعقل، فكان له مثل وهو الجزئي. # لأنا نقول: إنهما ليسا بمتساويين في المعقولية، وإن كان أحد جزئي الجزئي ~~هو الكلي. لكن الاتحاد ليس تماثلا، وأيضا فإنه عارض لكل المعقولات على ما ~~قررناه أولا، ولا شئ من المثلين بعارض لصاحبه. # المسألة العاشرة في أنه مخالف لغيره من المعقولات وعدم منافاته لها قال: ~~فتحققت مخالفته للمعقولات. # أقول: لما انتفت نسبة التضاد والتماثل بينه وبين غيره من المعقولات، وجبت ~~المخالفة بينهما، إذ القسمة حاصرة في كل معقولين بين التماثل والاختلاف، ~~وقد انتفى التماثل فوجب الاختلاف، ولهذا جعله نتيجة لما سبق. # قال: ولا ينافيها. # أقول: المتنافيان لا يمكن اجتماعهما، وقد بينا أن كل ms024 معقول على الاطلاق ~~فإنه يمكن عروض مطلق الوجود له واجتماعه معه وصدقه عليه، فكيف ينافيه. # لا يقال: العدم أمر معقول، وقد قضى العقل بمنافاته له، فكيف يصح قوله على ~~الاطلاق أنه لا ينافيها؟ # لأنا نقول: نمنع أولا كون العدم المطلق معقولا والعدم الخاص له حظ من ~~الوجود، ولهذا افتقر إلى موضوع خاص كافتقار الملكة إليه، سلمنا لكن نمنع ~~استحالة عروض الوجود المطلق للعدم المعقول فإن العدم المعقول ثابت في الذهن ~~فيكون داخلا تحت مطلق الثابت فيصدق عليه مطلق الثابت ومنافاته للوجود ~~المطلق لا باعتبار صدق مطلق الثبوت عليه، بل من حيث أخذ مقابلا له ولا ~~امتناع PageV00P044 # في عروض أحد المتقابلين للآخر (1) إذا أخذا لا باعتبار التقابل كالكلية ~~والجزئية (2) فإنهما قد يصدق أحدهما على الآخر باعتبار مغاير لا باعتبار ~~تقابلهما، وهذا فيه دقة. # المسألة الحادية عشرة في تلازم الشيئية والوجود قال: ويساوق الشيئية (3) ~~فلا تتحقق بدونه والمنازع مكابر مقتضى عقله. # PageV00P045 # أقول: اختلف الناس في هذا المقام، فالمحققون كافة من الحكماء والمتكلمين ~~اتفقوا على مساوقة الوجود الشيئية وتلازمهما حتى أن كل شئ على الإطلاق فهو ~~موجود على الإطلاق، وكل ما ليس بموجود فهو منتف وليس بشئ، وبالجملة لم ~~يثبتوا للمعدوم ذاتا متحققة، فالمعدوم الخارجي لا ذات له في الخارج، ~~والذهني لا ذات له ذهنا. # وقال جماعة من المتكلمين (1): إن للمعدوم الخارجي ذاتا ثابتة في الأعيان ~~متحققة في نفسها ليست ذهنية لا غير، وهؤلاء يكابرون في الضرورة فإن العقل ~~قاض بأنه لا واسطة بين الموجود والمعدوم فإن الثبوت هو الوجود. # PageV00P046 # قال: وكيف تتحقق بدونه مع إثبات القدرة وانتفاء الاتصاف (1). # أقول: لما استبعد مقالة هؤلاء القوم ونسبهم إلى الجهل (2)، شرع في ~~الاستدلال على بطلان قولهم واعلم أن هؤلاء يذهبون إلى أن القدرة لا تأثير ~~لها في الذوات (3) أنفسها، لأنها ثابتة في العدم، مستغنية عن المؤثر في ~~جعلها ذواتا ولا في الوجود لأنه عندهم حال (4)، والحال غير مقدورة، وقد ثبت ~~في نفس الأمر أن اتصاف الماهية بالصفة غير ثابت في الأعيان، بل هو أمر ~~اعتباري، ms025 وإلا لزم التسلسل، لأن ذلك الاتصاف لو كان ثابتا لكان مشاركا ~~لغيره من الموجودات في الثبوت، وممتازا عنها بخصوصية، وما به الاشتراك ~~مغاير لما به الامتياز، فيكون اتصاف ذلك الاتصاف بالثبوت أمرا زائدا عليه، ~~ويلزم التسلسل. # إذا ثبت هذا فاعلم أن المصنف رحمه الله تسلم مذهبهم، وما ثبت في نفس ~~الأمر وألزمهم المحال، وتقريره: أن الماهيات لو كانت ثابتة في العدم ~~لاستغنت الممكنات في وجودها عن المؤثر، فانتفت القدرة أصلا ورأسا، والتالي ~~باطل. # فالمقدم مثله بيان الشرطية، أن القدرة حينئذ لا تأثير لها في الذوات، ولا ~~في الوجود على مذهبهم، ولا في اتصاف الماهية بالوجود على ما ثبت في نفس ~~الأمر، وذلك يستلزم نفي التأثير أصلا. وأما بطلان التالي فبالإتفاق ~~والبرهان دل عليه على ما يأتي. فلهذا استبعد المصنف رحمه الله هذه المقالة ~~مع إثبات القدرة المؤثرة، والقول بكون الاتصاف أمرا ذهنيا، وأنه منتف في ~~الخارج. # قال: وانحصار الموجود مع عدم تعقل الزائد. # أقول: هذا برهان آخر دال على انتفاء الماهيات في العدم، وتقريره أن # PageV00P047 # مذهبهم: أن كل ماهية نوعية فإنه يثبت من أشخاصها في العدم ما لا يتناهى، ~~كالسواد والبياض والجواهر وغيرها من الحقائق، فألزمهم المصنف المحال، وهو ~~القول بعدم انحصار الموجودات، لأن تلك الماهيات ثابتة، وهي غير محصورة في ~~عدد متناه. والثبوت هو الوجود لانتفاء تعقل أمر زائد على الكون في الأعيان، ~~فلزمهم القول بوجود ما لا يتناهى من الماهيات، وهو عندهم باطل (1). فإن ~~جعلوا الوجود أمرا مغايرا للكون في الأعيان، كان نزاعا في عبارة وقولا ~~بإثبات ما لا يعقل، مع أنا نكتفي في إبانة محالية قولهم بالثبوت الذي هو ~~الكون (2) في الأعيان، وهم يسلمونه لنا. والبراهين الدالة على استحالة ما ~~لا يتناهى، كما تدل على استحالته في الوجود تدل على استحالته في الثبوت، إذ ~~دلالتها أنما هي على انحصار الكائن في الأعيان. وقول المصنف رحمه الله ~~(وانحصار الموجود) عطف على الانتفاء، أي وكيف تتحقق الشيئية بدون الوجود مع ~~إثبات القدرة وانتفاء الاتصاف، ومع انحصار الموجود مع عدم ms026 تعقل الزائد هكذا ~~ينبغي أن يفهم كلامه ها هنا. # قال: ولو اقتضى التميز الثبوت عينا لزم منه محالات. # أقول: لما أبطل مذهب المثبتين، شرع في إبطال حججهم، ولهم حجتان رديتان ~~ذكرهما المصنف وأبطلهما، (أما الحجة الأولى) فتقريرها: أن كل معدوم متميز ~~وكل متميز ثابت فكل معدوم ثابت. # أما المقدمة الأولى فيدل عليها أمور ثلاثة: # أحدها: أن المعدوم معلوم، والمعلوم متميز. # الثاني: أن المعدوم مراد، فإنا نريد اللذات، ونكره الآلام، فلا بد وأن ~~يتميز المراد عن المكروه. # PageV00P048 # الثالث: أن المعدوم مقدور، وكل مقدور متميز، فإنا نميز بين الحركة يمنة ~~ويسرة، وبين الحركة إلى السماء، ونحكم بقدرتنا على إحدى الحركتين دون ~~الأخرى، فلولا تميز كل واحدة منهما عن الأخرى، لاستحال هذا الحكم. # وأما المقدمة الثانية فلأن التميز صفة ثابتة للمتميز، وثبوت الصفة يستدعي ~~ثبوت الموصوف لأنه فرع عليه. # والجواب: أن التميز لا يستدعي الثبوت عينا، وإلا لزم منه محالات: # أحدها (1): أن المعلوم قد يكون مستحيل الوجود لذاته، كشريك الباري تعالى، ~~واجتماع الضدين وغيرهما، ويتميز أحدهما عن الآخر. فلو اقتضى التميز الثبوت ~~العيني لزم ثبوت المستحيلات، مع أنهم وافقونا على انتفاء المستحيل. # الثاني: أن المعلوم قد يكون مركبا (2) ووجودا، وليس بثابت في العدم ~~اتفاقا. # الثالث: أن المقدورية لو استدعت الثبوت لانتفت، إذ لا قدرة على الثابت ~~(3) وكذا المرادية. # قال: والإمكان اعتباري يعرض لما وافقونا على انتفائه. # أقول: هذه الحجة الثانية لهم على ثبوت المعدوم، وهو أنهم قالوا: إن ~~المعدوم ممكن (4)، وإمكانه ليس أمرا عدميا، وإلا لم يبق فرق بين نفي ~~الإمكان وبين # PageV00P049 # الإمكان المنفي، فيكون أمرا ثبوتيا وليس جوهرا قائما بذاته، فلا بد له من ~~محل ثبوتي هو الممكن لاستحالة قيام الصفة بغير موصوفها، فيكون الممكن ~~العدمي ثابتا وهو المطلوب. # وأجاب المصنف عنه: بأن الإمكان أمر اعتباري ليس شيئا خارجيا، وإلا لزم ~~التسلسل. وأن يكون الثبوتي حالا في محل عدمي (1) وهو باطل قطعا. وأيضا فإن ~~الإمكان يعرض للممكنات العدمية كالمركبات: وهم وافقونا على انتفائها خارجا، ~~فيبطل قولهم كل ممكن ثابت. # المسألة الثانية عشرة ms027 في نفي الحال قال: وهو يرادف الثبوت، والعدم النفي، ~~فلا واسطة. # أقول: ذهب أبو هاشم (2) وأتباعه من المعتزلة والقاضي والجويني من # PageV00P050 # الأشاعرة إلى أن هاهنا واسطة بين الموجود والمعدوم، وهي ثابتة وسموها ~~الحال (1)، وحدوها بأنها صفة لموجود لا توصف بالوجود والعدم، فيكون الثابت # PageV00P051 # أعم من الموجود، والمعدوم أعم من المنفي. # وهذا المذهب باطل بالضرورة، فإن العقل قاض بأنه لا واسطة بين الوجود ~~والعدم، وأن الثبوت والوجود مترادفان، وكذا العدم والنفي مترادفان، ولا شئ ~~أظهر عند العقل من هذه القضية، فلا يجوز الاستدلال عليها. # قال: والوجود لا ترد عليه القسمة والكلي ثابت ذهنا ويجوز قيام العرض ~~بالعرض. # أقول: لما أبطل مذهبهم أشار إلى بطلان ما احتجوا به، وهو وجهان: الأول: ~~PageV00P052 # قالوا قد تبين أن الوجود زائد على الماهية، فإما أن يكون موجودا أو ~~معدوما، أو لا موجودا ولا معدوما، والأولان باطلان، أما الأول فلأنه يلزم ~~التسلسل، وأما الثاني فلأنه يلزم منه اتصاف الشئ بنقيضه، فبقي الثالث. # والجواب: أن الوجود غير قابل لهذه القسمة لاستحالة انقسام الشئ إلى نفسه ~~وإلى غيره، فكما لا يقال السواد إما أن يكون سوادا أو بياضا، كذلك لا يقال ~~الوجود إما أن يكون موجودا أو لا يكون، ولأن المنقسم إلى الشيئين أعم ~~منهما، ويستحيل أن يكون الشئ أعم من نفسه. # الوجه الثاني: أن اللونية أمر ثابت مشترك بين السواد والبياض، فيكون كل ~~واحد من السواد والبياض ممتازا عن الآخر بأمر زائد على ما به الاشتراك، ثم ~~الوجهان إن كانا موجودين (1)، لزم قيام العرض بالعرض، وإن كانا معدومين لزم ~~أن يكون السواد أمرا عدميا وكذلك البياض، وهو باطل بالضرورة فثبتت الواسطة. # والجواب من وجهين: الأول: أن الكلي ثابت في الذهن فلا ترد عليه هذه ~~القسمة. # الثاني: إن العرض قد يقوم بالعرض على ما يأتي (2). وأيضا فإن قيام الجنس ~~بالفصل ليس هو قيام عرض بعرض. # قال: ونوقضوا بالحال نفسها. # أقول: إعلم أن نفاة الأحوال قالوا: وجدنا ملخص أدلة مثبتي الحال يرجع إلى ~~أن هاهنا حقائق تشترك في بعض ذاتياتها، ms028 وتختلف في البعض الآخر، وما به ~~الاشتراك مغاير لما به الامتياز، ثم قالوا: وذلك ليس بموجود ولا معدوم، ~~فوجب القول بالحال. وهذا ينتقض عليهم بالحال نفسها، فإن الأحوال عندهم ~~متعددة # PageV00P053 # متكثرة فلها جهتا اشتراك، هي مطلق الحالية، وامتياز هي خصوصيات تلك ~~الأحوال وجهة الاشتراك مغايرة لجهة الامتياز فيلزم أن تكون للحال حال أخرى ~~ويتسلسل. # قال: والعذر بعدم قبول التماثل والاختلاف والتزام التسلسل باطل. # أقول: اعتذر المثبتون عن إلزام النفاة بوجهين: # الأول: أن الحال لا توصف بالتماثل والاختلاف. # الثاني: القول بالتزام التسلسل. # والعذران باطلان، أما الأول فلأن كل معقول إذا نسب إلى معقول آخر، فإما ~~أن يتحدا في المعقولية ويكون المتصور من أحدهما هو المتصور من الآخر، وإنما ~~يتميزان (1) بعوارض لاحقة لهما، وهما المثلان، أو لا يكون كذلك وهما ~~المختلفان، فلا يتصور نفيهما. # وأما الثاني فلأنه يبطل الاستدلال بوجود الصانع تعالى، وبراهين إبطال ~~التسلسل آتية هاهنا. # أجاب بعض المتأخرين بأن المختلفين إذا اشتركا في أمر ثبوتي، لزم ثبوت ~~أمرين بهما يقع الاختلاف والتماثل، أما إذا اتحدا في أمر سلبي فلا يلزم ~~ذلك، والأحوال وإن اشتركت في الحالية كالسوادية والبياضية، إلا أن ذلك ~~المشترك أمر سلبي، فلا يلزم التسلسل، وهو غير مرضي عندهم، لأن الأحوال ~~عندهم ثابتة. # المسألة الثالثة عشرة في التفريع على القول بثبوت المعدوم والأحوال قال: ~~فبطل ما فرعوا عليهما من تحقق الذوات الغير المتناهية في العدم، # PageV00P054 # وانتفاء تأثير المؤثر فيها وتباينها، واختلافهم في إثبات صفة الجنس وما ~~يتبعها في الوجود، ومغايرة التحيز للجوهرية، وإثبات صفة المعدوم بكونه ~~معدوما، وإمكان وصفه بالجسمية، ووقوع الشك في إثبات الصانع بعد اتصافه ~~بالقدرة والعلم والحياة. # أقول: لما أبطل مذاهب القائلين بثبوت المعدوم والحال، أبطل ما فرعوا ~~عليهما، وقد ذكر من فروع إثبات الذوات في العدم أحكاما اختلفوا في بعضها: # الأول: اتفقوا على أن تلك الذوات غير متناهية في العدم، فلكل نوع عدد غير ~~متناه، وأن تلك الأعداد متباينة بأشخاصها (1). # الثاني: أن الفاعل لا تأثير له في جعل الجوهر جوهرا والعرض عرضا، وإنما ~~تأثير ms029 الفاعل في جعل تلك الذوات موجودة، لأن تلك الذوات ثابتة في العدم لم ~~تزل، والمؤثر إنما يؤثر على طريقة الأحداث. وقد صار إلى هذا الحكم جماعة من ~~الحكماء قالوا: لأن كل ما بالفاعل ينتفي بانتفاء الفاعل، فلو كان الجوهر ~~جوهرا بالفاعل لانتفى بانتفائه، لكن انتفاء الجوهر عن ذاته يستلزم التناقض. # الحكم الثالث: اتفقوا على انتفاء التباين في الذوات، بل جعلوا الذوات ~~كلها متساوية في كونها ذواتا، وإنما تختلف بصفات عارضة لها. # وهذا المذهب باطل، لأن الصفات إن كانت لازمة كان اختلافها دليلا على ~~اختلاف الملزومات، وإلا جاز أن ينقلب السواد جوهرا وبالعكس، وذلك باطل ~~بالضرورة. # الرابع: اختلفوا في صفات الأجناس (2)، هل هي ثابتة في العدم أم لا؟ # PageV00P055 # والمراد بصفات الأجناس ما يقع بها الاختلاف والتماثل كصفة الجوهرية في ~~الجوهر والسوادية في السواد إلى غير ذلك من الصفات، فذهب ابن عياش إلى عراء ~~تلك الماهيات عن الصفات في العدم، وأما الجبائيان (1) وعبد الجبار وابن ~~متويه (2) فإنهم قالوا: صفات الجوهر إما أن تكون عائدة إلى الجملة كالحيية ~~(3) وما يشترط بها، وإما أن تكون عائدة إلى الأفراد وهي أربعة: # إحداهما: الصفة الحاصلة حالتي الوجود والعدم وهي الجوهرية. # والثانية: الوجود وهي الصفة الحاصلة بالفاعل. # والثالثة: التحيز وهي الصفة التابعة للحدوث الصادرة عن صفة الجوهرية بشرط ~~الوجود. # والرابعة: الحصول في الحيز وهي الصفة المعللة بالمعنى، وليس له صفة زائدة ~~على هذه الأربع فليس له بكونه أسود أو أبيض صفات. وأما الأعراض فلا صفات ~~لها عائدة إلى الجملة، بل لها ثلاث صفات راجعة إلى الأفراد: إحداها: الصفة ~~الحاصلة حالتي الوجود والعدم وهي صفة الجنس. الثانية: الصفة الصادرة عنها ~~بشرط الوجود. الثالثة: صفة الوجود. # الخامس: ذهب أبو يعقوب الشحام وأبو عبد الله البصري وأبو إسحاق بن عياش ~~(4) إلى أن الجوهرية هي التحيز، ثم قال الشحام والبصري: إن الذات # PageV00P056 # موصوفة بالتحيز كما توصف بالجوهرية، ثم اختلفا فقال الشحام: إن الجوهر ~~حال عدمه حاصل في الحيز، وقال البصري: شرط الحصول في الحيز الوجود، فهو حال ~~العدم موصوف بالتحيز لا ms030 الحصول في الحيز، وزعم ابن عياش أنه حال العدم غير ~~موصوف بأحدهما ولا بغيرهما. # السادس: اتفق المثبتون إلا أبا عبد الله البصري على أن المعدوم لا صفة له ~~(1) بكونه معدوما، والبصري أثبت له صفة بذلك. # السابع: اتفقوا إلا أبا الحسين الخياط على أن الذوات المعدومة لا توصف ~~بكونها أجساما وجوزه الخياط. # الثامن: اتفقوا على أن من علم أن للعالم صانعا قادرا حكيما مرسلا للرسل ~~قد يشك في أنه هل هو موجود أم لا، ويحتاج في ذلك إلى دليل بناء منهم على ~~جواز اتصاف المعدوم بالصفات المتغايرة والعقلاء كافة منعوا من ذلك، وأوجبوا ~~وجود الموصوف بالصفة الموجودة لأن ثبوت الشئ لغيره فرع على ثبوت ذلك الغير ~~في نفسه. # قال: وقسمة الحال (2) إلى المعلل وغيره وتعليل الاختلاف بها وغير ذلك مما ~~لا فائدة بذكره (3). # أقول: لما ذكر تفاريع القول بثبوت المعدوم شرع في تفاريع القول بثبوت # PageV00P057 # الحال وذكر منها فرعين: الأول: قسمة الحال إلى المعلل وغيره، قالوا: ثبوت ~~الحال للشئ إما أن يكون معللا بموجود قائم بذلك الشئ كالعالمية المعللة ~~بالعلم، أو لا يكون كذلك كسوادية السواد، فقسموا الحال إلى المعلل وغيره. # الثاني: اتفقوا على أن الذوات كلها متساوية في الماهية، وإنما تختلف ~~بأحوال تنضاف إليها. # واتفق أكثر العقلاء على بطلان هذا لوجوب استواء المتماثلين في اللوازم، ~~فيجوز على القديم الانقلاب إلى المحدث وبالعكس، ولأن التخصيص لا بد له من ~~مرجح وليس ذاتا وإلا تسلسل، ولا صفة ذات وإلا تسلسل. # المسألة الرابعة عشرة في الوجود المطلق والخاص قال: ثم الوجود قد يؤخذ ~~على الإطلاق فيقابله عدم مثله، وقد يجتمعان لا باعتبار التقابل ويعقلان ~~معا، وقد يؤخذ مقيدا فيقابله مثله (1). # أقول: إعلم أن الوجود عبارة عن الكون في الأعيان (2)، ثم هذا الكون في ~~الأعيان قد يؤخذ عارضا لماهية ما فيتخصص الوجود حينئذ، وقد يؤخذ مجردا (3) ~~من غير التفات إلى ماهية خاصة فيكون وجودا مطلقا، إذا عرفت هذا # PageV00P058 # فالوجود العام يقابله عدم مطلق غير متخصص بماهية خاصة، وهذا الوجود ~~المطلق والعدم المطلق قد يجتمعان ms031 على الصدق فإن المعدوم في الخارج الموجود ~~في الذهن يصدق عليه أنه معدوم مطلقا وأنه موجود مطلقا (1). نعم إذا نظر إلى ~~وحدة الاعتبار امتنع اجتماعهما في الصدق على شئ واحد، وإنما يجتمعان إذا ~~أخذا لا باعتبار التقابل (2)، ولهذا كان المعدوم مطلقا متصورا للحكم عليه ~~بالمقابلة للموجود المطلق وكل متصور ثابت في الذهن، والثابت في الذهن أحد ~~أقسام مطلق الثابت، فيكون الثابت المطلق صادقا على المعدوم مطلقا لا ~~باعتبار التقابل، وهذا الوجود المطلق والعدم المطلق أمران معقولان، وإن كان ~~قد نازع (3) قوم في أن المعدوم مطلقا متصور. # وأما الوجود الخاص وهو وجود الملكات المتخصص (4) باعتبار تخصصها فإنه ~~يكون مقيدا كوجود الانسان مثلا المقيد بقيد الانسان وغيره من الماهيات، ~~فإنه يقابله عدم مثله خاص. # المسألة الخامسة عشرة في أن عدم الملكة يفتقر إلى الموضوع قال: ويفتقر ~~(5) إلى الموضوع كافتقار ملكته. # PageV00P059 # أقول: عدم الملكة ليس عدما مطلقا، بل له حظ ما من الوجود، ويفتقر إلى ~~الموضوع كافتقار الملكة إليه، فإنه عبارة عن عدم شئ عن شئ آخر مع إمكان ~~اتصاف الموضوع بذلك الشئ كالعمي فإنه عدم البصر لا مطلقا ولكن عن شئ من ~~شأنه أن يكون بصيرا فهو يفتقر إلى الموضوع الخاص المستعد للملكة كما تفتقر ~~الملكة إليه، ولهذا لما امتنع البصر على الحائط لعدم استعداده امتنع العمي ~~عليه. قال: ويؤخذ الموضوع شخصيا ونوعيا وجنسيا. # أقول: لما فسر عدم الملكة بأنه عدم شئ عن موضوع من شأنه أن يكون له وجب ~~عليه أن يبين الموضوع، وقد اختلف الناس في ذلك، فذهب قوم إلى أن ذلك ~~الموضوع موضوع شخصي فعدم اللحية عن الأمرد عدم ملكة وعدمها عن الأثط (1) ~~ليس عدم الملكة. # وقوم جعلوه أعم من ذلك بحيث يدخل فيه الموضوع النوعي، فعدم اللحية عن ~~الأثط إيجاب وعدم ملكة وعدمها عن الحيوان ليس عدم ملكة (2). # وقوم جعلوه أعم من ذلك بحيث يدخل فيه الموضوع الجنسي أيضا، ولا مشاحة في ~~ذلك لعدم فائدته. # المسألة السادسة عشرة في أن الوجود بسيط قال: ولا جنس له بل هو ms032 بسيط فلا ~~فصل له (3). # PageV00P060 # أقول: قد بينا أن الوجود عارض لجميع المعقولات فلا معقول أعم منه فلا جنس ~~له فلا فصل له، لأن الفصل هو المميز لبعض أفراد الجنس عن البعض، فإذا انتفت ~~الجنسية انتفت الفصلية بل هو بسيط. # لا يقال: لم لا يجوز (1) أن يكون مركبا لا من الأجناس والفصول كتركب ~~العدد من الآحاد؟ لأنا نقول: تلك الأجزاء إما أن تكون موجودة أو لا تكون ~~كذلك، وعلى التقدير الأول تكون طبيعة الجزء والمركب واحدة فلا يقع الامتياز ~~إلا بالمقدار وهو منتف، وعلى التقدير الثاني لا يكون الوجود عارضا لجميع ~~المعقولات مع فرضنا إياه كذلك هذا خلف. # المسألة السابعة عشرة في مقوليته على ما تحته من الجزئيات قال: ويتكثر ~~بتكثر الموضوعات (2) ويقال بالتشكيك على عوارضها. # أقول: الوجود طبيعة معقولة كلية واحدة غير متكثرة، فإذا اعتبر عروضه # PageV00P061 # للماهيات يتكثر بحسب تكثرها لاستحالة عروض العرض الشخصي لماهيات متعددة ~~وتكون طبيعته متحققة في كل واحدة من عوارض تلك الماهيات، أعني أن طبيعة ~~الوجود متحققة في وجود الانسان ووجود الفرس وغيرهما من وجودات الحقائق، ~~ويصدق عليها صدق الكلي على جزئياته، وعلى تلك الماهيات صدق العارض على ~~معروضاته، ويقال على تلك الوجودات العارضة للماهيات بالتشكيك وذلك أن الكلي ~~إن كان صدقه على أفراده على السواء كان متواطيا وإن كان لا على السواء، بل ~~يكون بعض تلك الأفراد أولى بالكلي من الآخر أو أقدم منه أو يوجد الكلي في ~~ذلك البعض أشد منه في الآخر كان مشككا والوجود من حيث هو (1) بالنسبة إلى ~~كل وجود خاص كذلك، لأن وجود العلة أولى بطبيعة الوجود من المعلول، والوجود ~~في العلة سابق على الوجود في المعلول وأشد عند بعضهم فيكون مشككا. # قال: فليس جزء من غيره مطلقا. # أقول: هذا نتيجة ما تقدم وذلك لأن المقول بالتشكيك لا يكون جزء مما يقال ~~عليه ولا نفس حقيقته لامتناع التفاوت في الماهية وأجزائها على ما يأتي ~~فيكون البتة عارضا لغيره فلا يكون جزء من غيره على الإطلاق، أما بالنسبة ~~إلى الماهيات فلأنه ms033 عارض لها على ما تقدم من امتناع كونه جزء من غيره وأنه ~~زائد على الحقائق، وأما بالنسبة إلى وجوداتها فلأنه مقول عليها بالتشكيك، ~~فلهذا قال رحمه الله: مطلقا. # المسألة الثامنة عشرة في الشيئية قال: والشيئية من المعقولات الثانية (2) ~~وليست متأصلة في الوجود فلا شئ # PageV00P062 # مطلقا ثابت بل هي تعرض لخصوصيات الماهيات. # أقول: قال أبو علي بن سينا (1): الوجود إما ذهني وإما خارجي، والمشترك # PageV00P063 # بينهما هو الشيئية فإن أراد حمل الشيئية على القدر المشترك وصدقها عليه ~~فهو صواب وإلا فهو ممنوع، إذا عرفت هذا فنقول: الشيئية والذاتية والجزئية ~~وأشباهها من المعقولات الثانية التي تعرض للمعقولات الأولى، لأنها لا تعقل ~~إلا عارضة لغيرها من الماهيات وليست متأصلة في الوجود كتأصل الحيوانية ~~والانسانية فيه، بل هي تابعة لغيرها في الوجود وليس يمكن وجود شيئية مطلقة ~~فلا شئ مطلقا ثابت، إنما الثبوت يعرض للماهيات المخصوصة الشخصية. # المسألة التاسعة عشرة في تمايز الإعدام قال: وقد يتمايز الإعدام ولهذا ~~استند عدم المعلول إلى عدم العلة لا غير، ونافى (1) عدم الشرط وجود المشروط ~~وصحح عدم الضد وجود الآخر بخلاف باقي الإعدام. # أقول: لا شك في أن الملكات متمايزة، وأما العدمات فقد منع قوم من تمايزها ~~بناء على أن التميز أنما يكون للثابت خارجا وهو خطأ فإنها تتمايز بتمايز ~~ملكاتها، واستدل المصنف رحمة الله عليه بوجوه ثلاثة: # الأول: أن عدم المعلول يستند إلى عدم العلة ولا يستند إلى عدم غيرها ~~فلولا امتياز عدم العلة من عدم غيرها لم يكن عدم المعلول مستندا إليه دون ~~غيره، وأيضا فإنا نحكم بأن عدم المعلول لعدم علته ولا يجوز العكس، فلولا ~~تمايزهما لما كان كذلك. # الثاني: أن عدم الشرط ينافي وجود المشروط لاستحالة الجمع بينهما، لأن ~~المشروط لا يوجد إلا مع شرطه، وإلا لم يكن الشرط شرطا وعدم غيره لا # PageV00P064 # ينافيه (1) فلولا الامتياز لم يكن كذلك. # الثالث: أن عدم الضد عن المحل يصحح وجود الضد الآخر فيه لانتفاء صحة وجود ~~الضد الطارئ مع وجود الضد الباقي، وعدم غيره لا يصحح ذلك فلا ms034 بد من ~~التمايز. # قال: ثم العدم قد يعرض لنفسه فيصدق النوعية والتقابل عليه باعتبارين. # أقول: العدم قد يفرض عارضا لغيره وقد يلحظ لا باعتبار عروضه للغير فيكون ~~أمرا معقولا قائما برأسه ويكون له تحقق في الذهن، ثم إن العقل يمكنه فرض ~~عدمه (2) لأن الذهن يمكنه إلحاق الوجود والعدم بجميع المعقولات حتى بنفسه، ~~فإذا اعتبر العقل للعدم ماهية معقولة وفرضها معدومة كان العدم عارضا لنفسه ~~ويكون العدم العارض للعدم مقابلا لمطلق العدم باعتبار كونه رافعا له وعدما ~~له ونوعا منه، باعتبار أن العدم المعروض أخذ مطلقا على وجه يعم العارض له ~~ولغيره، فيصدق نوعية العدم العارض للمعروض والتقابل بينهما باعتبارين. # قال: وعدم المعلول ليس علة لعدم العلة في الخارج وإن جاز في الذهن على ~~أنه برهان إني وبالعكس لمي. # أقول: لما بين أن الإعدام متمايزة بأن عدم المعلول مستند إلى عدم العلة ~~ذكر ما يصلح جوابا لتوهم من يعكس القول ويجعل عدم المعلول علة لعدم العلة ~~فأزال هذا الوهم وقال: إن عدم المعلول ليس علة بل الأمر بالعكس على ما يأتي ~~(3)، ثم قيد النفي بالخارج لأن عدم المعلول قد يكون علة لعدم العلة في ~~الذهن كما في برهان إن بأن يكون عدم المعلول أظهر عند العقل من عدم العلة ~~فيستدل العقل # PageV00P065 # عليه ويكون علة له باعتبار التعقل لا باعتبار الخارج، ولا يفيد العلية في ~~نفس الأمر بل في الذهن، ولهذا سمي إنيا لأنه لا يفيد إلا الوجود (1)، أما ~~الاستدلال بعدم العلة على عدم المعلول فهو برهان لمي مطابق للأمر نفسه. # المسألة العشرون في أن عدم الأخص أعم من عدم الأعم قال: والأشياء ~~المترتبة في العموم والخصوص وجودا تتعاكس عدما. # أقول: إذا فرض أمران أحدهما أعم من الآخر كالحيوان والانسان، ونسب عدم ~~أحدهما إلى الآخر بالعموم والخصوص وجد عدم الأخص أعم من عدم الأعم فإن ~~الحيوان يشمل الانسان وغيره، فغير الانسان لا يصدق عليه أنه انسان بل يصدق ~~عليه عدمه ولا يصدق عليه عدم الحيوان لأنه أحد أنواعه، ويصدق أيضا عدم ~~الانسان ms035 على ما ليس بحيوان وهو ظاهر، فعدم الحيوان لا يشمل أفراد عدم ~~الانسان وعدم الانسان شامل لأفراد ما ليس بحيوان فيكون عدم الأخص أعم من ~~عدم الأعم، فإذا ترتب شيئان في العموم والخصوص وجودا ترتبا في العكس عدما، ~~بأن يصير الأخص أعم في طرف العدم. # المسألة الحادية والعشرون في قسمة الوجود والعدم إلى المحتاج والغني قال: ~~وقسمة كل منهما إلى الاحتياج والغنى حقيقة. # أقول: كل واحد من الوجود والعدم إما أن يكون محتاجا إلى الغير وإما أن ~~يكون مستغنيا عنه، والأول ممكن والثاني واجب أو ممتنع، وهذه القسمة حقيقية ~~تمنع الجمع لاستحالة كون المستغني عن الغير محتاجا إليه وبالعكس، وأما منع # PageV00P066 # الخلو فلأنه لا قسم ثالث لهما، فقد ظهر أن هذه القسمة حقيقية (1). # المسألة الثانية والعشرون في الوجوب والامكان والامتناع قال: وإذا حمل ~~الوجود أو جعل رابطة ثبتت مواد ثلاث في أنفسها جهات في التعقل دالة على ~~وثاقة الربط وضعفه هي الوجوب والامتناع والامكان. # أقول: الوجود قد يكون محمولا بنفسه كقولنا: الانسان موجود، وقد يكون ~~رابطة بين الموضوع والمحمول كقولنا: الانسان يوجد حيوانا، وعلى كلا ~~التقديرين لا بد لهذه النسبة، أعني نسبة المحمول فيهما إلى الموضوع من ~~كيفية هي الوجوب والامكان والامتناع، وتلك الكيفية تسمى مادة وجهة ~~باعتبارين، فإنا إن أخذنا الكيفية في نفس الأمر سميت مادة، وإن أخذناها عند ~~العقل وما تدل عليه العبارات سميت جهة، وقد تتحدان كقولنا: الانسان يجب أن ~~يكون حيوانا، وقد تتغايران كقولنا: الانسان يمكن أن يكون حيوانا، فالمادة ~~ضرورية لأن كيفية نسبة الحيوانية إلى الانسانية هي الوجوب، وأما الجهة فهي ~~ممكنة وهذه الكيفيات تدل على وثاقة الربط وضعفه، فإن الوجوب يدل على وثاقة ~~الربط في طرف الثبوت والامتناع على وثاقته في طرف العدم والامكان على ضعف ~~الربط. # قال: وكذلك العدم. # PageV00P067 # أقول: إذا جعل العدم محمولا أو رابطة كقولنا: الانسان معدوم أو معدوم عنه ~~الكتابة، تكثرت الجهات التي عند العقل (1) والمواد في نفس الأمر. # المسألة الثالثة والعشرون في أن هذه القضايا الثلاث لا يمكن تعريفها ms036 قال: ~~والبحث في تعريفها كالوجود. # أقول: إن جماعة من العلماء أخطأوا هاهنا حيث عرفوا الواجب والممكن ~~والممتنع لأن هذه الأشياء معلومة للعقلاء لا تحتاج إلى اكتساب، نعم قد يذكر ~~في تعريف ألفاظها ما يكون شارحا لها لا على أنه حد حقيقي بل لفظي، ومع ذلك ~~فتعريفاتهم دورية لأنهم عرفوا الواجب بأنه الذي يستحيل عدمه أو الذي لا ~~يمكن عدمه، ثم عرفوا المستحيل بأنه الذي لا يمكن وجوده أو الذي يجب عدمه، ~~ثم عرفوا الممكن بأنه الذي لا يجب وجوده ولا يجب عدمه أو الذي لا يستحيل ~~وجوده ولا عدمه فقد أخذ كل واحد منها في تعريف الآخر، وهو دور ظاهر. # المسألة الرابعة والعشرون في القسمة إلى هذه الثلاث قال: وقد تؤخذ (2) ~~ذاتية فتكون القسمة حقيقية لا يمكن انقلابها. # أقول: إذا أخذنا الوجوب والامتناع والامكان على أنها ذاتية لا بالنظر إلى ~~الغير كانت المعقولات منقسمة إليها قسمة حقيقية، أي تمنع الجمع والخلو، ~~وذلك # PageV00P068 # لأن كل معقول على الإطلاق إما أن يكون واجب الوجود لذاته أو ممتنع الوجود ~~لذاته أو ممكن الوجود لذاته، لا يخلو عنها ولا يجتمع اثنان منها في واحد، ~~لاستحالة أن يكون شئ واحد واجبا لذاته ممتنعا لذاته أو ممكنا لذاته، أو ~~يكون ممتنعا لذاته ممكنا لذاته، فالقسمة حينئذ حقيقية. # واعلم أن القسمة الحقيقية قد تكون لكلي (1) بفصول أو لوازم تميزه وتفصله ~~إلى الأقسام المندرجة تحته، وقد تكون بعوارض مفارقة والقسمة الأولى لا يمكن ~~انقلابها ولا يصير أحد القسمين معروضا لمميز الآخر الذي به وقعت القسمة ~~كقولنا: الحيوان إما ناطق أو صامت، فإن الحيوان بالناطق والصامت قد انقسم ~~إلى طبيعتين ويستحيل انقلاب هذه القسمة، بمعنى أن الحيوان الذي هو ناطق ~~يستحيل زوال النطق عنه وعروض الصمت له، وكذا الحيوان الذي هو صامت. وأما ~~القسمة الثانية فإنه يمكن انقلابها ويصير أحد القسمين معروضا لمميز الآخر ~~الذي به وقعت القسمة: كقولنا: الحيوان إما متحرك أو ساكن، فإن كل واحد من ~~قسمي المتحرك والساكن قد يتصف بعارض الآخر فينقلب المتحرك ساكنا وبالعكس، ms037 ~~وقسمة المعقول بالوجوب الذاتي والامتناع الذاتي والامكان الذاتي من قبيل ~~القسم الأول لاستحالة انقلاب الواجب لذاته ممتنعا لذاته أو ممكنا لذاته، ~~وكذا الباقيان. # قال: وقد يؤخذ الأولان (2) باعتبار بالغير، فالقسمة مانعة الجمع بينهما ~~يمكن انقلابها، ومانعة الخلو بين الثلاثة في الممكنات. # أقول: إذا أخذنا الواجب والممتنع باعتبار الغير لا بالنظر إلى الذات ~~انقسم المعقول إليهما على سبيل منع الجمع لا الخلو، وذلك لأن المعقول حينئذ ~~إما أن يكون واجبا لغيره أو ممتنعا لغيره على سبيل منع الجمع لا الخلو ~~لامتناع الجمع بين الوجوب بالغير والامتناع بالغير، وإمكان الخلو عنهما لا ~~بالنظر إلى وجود # PageV00P069 # العلة ولا عدمها (1). وهذه القسمة يمكن انقلابها لأن واجب الوجود بالغير ~~قد يعرضه عدم علته فيكون ممتنع الوجود بالغير فينقلب أحدهما إلى الآخر، ~~وإذا لحظنا الإمكان الذاتي في هذه القسمة في الممكنات انقلبت مانعة الخلو ~~لا الجمع لعدم خلو كل معقول ممكن عن الوجوب الغير والامتناع بالغير ~~والإمكان الذاتي، ويجوز الجمع بينها، فإن الممكن (2) الذاتي واجب أو ممتنع ~~بالغير. # المسألة الخامسة والعشرون في أقسام الضرورة والإمكان قال: ويشترك الوجوب ~~والامتناع في اسم الضرورة وإن اختلفا بالسلب والإيجاب. # أقول: الضرورة تطلق على الوجوب والامتناع وتشملهما، فإن كل واحد من ~~الوجوب والامتناع يقال له ضروري، لكنهما يختلفان بالسلب والإيجاب، فالوجوب ~~ضرورة الوجود والامتناع ضرورة السلب، واسم الضرورة شامل لهما. # قال: وكل منهما يصدق على الآخر إذا تقابلا في المضاف إليه. # أقول: كل واحد من الوجوب والامتناع يصدق على الآخر، فإن وجوب الوجود يصدق ~~عليه امتناع العدم ويستلزمه، وبالعكس، وكذلك امتناع الوجود يصدق عليه وجوب ~~العدم ويستلزمه، فالوجوب والامتناع كل واحد منهما يصدق عليه الآخر إذا ~~تقابلا في المضاف إليه، يعني بالمضاف إليه الوجود أو العدم اللذين يضاف ~~الوجود والامتناع إليهما. # وإنما اشترطنا تقابل المضاف إليه لأنه يستحيل صدقهما على مضاف واحد (3)، ~~فإن وجوب الوجود لا يصدق عليه امتناع الوجود وبالعكس ولا وجوب العدم يصدق ~~عليه امتناع العدم بل إنما يصدق كل واحد منهما على صاحبه # PageV00P070 # مع التقابل، كما قلنا: ms038 وجوب الوجود يصدق عليه امتناع العدم، فالوجوب أضيف ~~إلى الوجود والامتناع إلى العدم والوجود والعدم متقابلان. # قال: وقد يؤخذ الإمكان بمعنى سلب الضرورة عن أحد الطرفين (1) فيعم الأخرى ~~والخاص. # أقول: القسمة العقلية ثلاثة (2): واجب وممتنع وممكن ليس بواجب ولا ممتنع، ~~هذا بحسب اصطلاح الخاصة (3). وقد يؤخذ الإمكان على معنى أعم من ذلك وهو سلب ~~الضرورة عن أحد الطرفين، أعني طرفي الوجود والعدم لا عنهما معا بل عن الطرف ~~المقابل للحكم حتى يكون ممكن الوجود هو ما ليس بممتنع ويكون قد رفعنا فيه ~~ضرورة العدم (4) وممكن العدم هو ما ليس بواجب ويكون قد رفعنا فيه ضرورة ~~الوجود، فإذا أخذ بهذا المعنى كان أعم من الأول ومن الضرورة الأخرى التي لا ~~تقابله، فإن رفع إحدى الضرورتين يشمل ثبوت الأخرى والامكان الخاص. # قال: وقد يؤخذ بالنسبة إلى الاستقبال. # PageV00P071 # أقول: قد يؤخذ الإمكان لا بالنظر إلى ما في الحال، بل بالنظر إلى ~~الاستقبال حتى يكون ممكن الوجود هو الذي يجوز وجوده في الاستقبال (1) من ~~غير التفات إلى ما في الحال، وهذا الإمكان أحق الإمكانات باسم الإمكان. # قال: ولا يشترط العدم في الحال وإلا اجتمع النقيضان. # أقول: هذا الإمكان (2) لا يشترط عدمه في الحال على المذهب الحق. وذهب ~~بعضهم إلى الاشتراط فقال: لأنه لو كان موجودا في الحال لكان واجبا فلا يكون ~~ممكنا وهو خطأ، لأن الوجود (3) إن أخرجه إلى الوجوب أخرجه العدم إلى ~~الامتناع. وأيضا إذا اشترط في إمكان الوجود في المستقبل العدم في الحال ~~اشترط في إمكان العدم الوجود في الحال، لكن ممكن الوجود هو بعينه ممكن ~~العدم، فيلزم اشتراط وجوده وعدمه في الحال هذا خلف، وإليه أشار بقوله: وإلا ~~اجتمع النقيضان. وأيضا العدم في الحال لا ينافي الوجود في المستقبل وإمكانه ~~في الحال، فالأولى أن لا ينافي (4) إمكانه في المستقبل. # المسألة السادسة والعشرون في أن الوجوب والامكان والامتناع ليست ثابتة في ~~الأعيان قال: والثلاثة اعتبارية لصدقها على المعدوم واستحالة التسلسل. # PageV00P072 # أقول: هذه الجهات الثلاث أعني الوجوب والامكان والامتناع أمور اعتبارية ~~يعتبرها العقل ms039 عند نسبة الوجود إلى الماهية، وليس لها تحقق في الأعيان ~~لوجوه: # منها ما هو مشترك ومنها ما هو مختص بكل واحد، أما المشترك فأمران: # الأول: أن هذه الأمور تصدق على المعلوم، فإن الممتنع يصدق عليه أنه ~~مستحيل الوجود وأنه واجب العدم، والممكن قبل وجوده يصدق عليه أنه ممكن وهو ~~معدوم، وإذا اتصف المعدوم بها كانت عدمية لاستحالة اتصاف العدمي بالثبوتي. # الثاني: يلزم التسلسل لأن كل متحقق فله وجود يشارك به غيره من الموجودات ~~ويختص بنفس ماهيته وما به الاشتراك مغاير لما به الامتياز، فوجوده غير ~~ماهيته، فاتصاف ماهيته بوجوده لا يخلو عن أحد هذه الأمور الثلاثة، فلو كانت ~~هذه الأمور ثبوتية لزم اتصافها بأحد الثلاثة ويتسلسل، وهو محال. # قال: ولو كان الوجوب ثبوتيا لزم إمكان الواجب. # أقول: لما ذكر الأدلة الشاملة في الدلالة على أن هذه الأمور ليست ثبوتية ~~في الأعيان شرع في الدلالة على كل واحد من الثلاثة، فبدأ بالوجوب الذي هو ~~أقربها إلى الوجود إذ هو تأكده (1)، فبين أنه ليس ثبوتيا، والدليل عليه أنه ~~لو كان موجودا لكان ممكنا وبالتالي باطل فالمقدم مثله بيان الشرطية أنه صفة ~~للغير والصفة مفتقرة إلى الموصوف فالوجوب مفتقر إلى ذات الواجب فيكون ~~الوجوب ممكنا. وأما بطلان التالي فلأنه لو كان الوجوب ممكنا لكان الواجب ~~ممكنا، لأن الواجب أنما هو واجب بهذا الوجوب الممكن، والوجوب الممكن يمكن ~~زواله فيخرج الواجب عن كونه واجبا فيكون ممكنا هذا محال. # قال: ولو كان الامتناع ثبوتيا لزم إمكان الممتنع. # PageV00P073 # أقول: هذا حكم ضروري وهو أن الامتناع أمر عدمي، وقد نبه هاهنا على طريق ~~التنبيه لا الاستدلال، فإن الامتناع لو كان ثبوتيا لزم إمكان الممتنع، لأن ~~ثبوت الامتناع يستدعي ثبوت موصوفه - أعني الممتنع - فيكون الممتنع ممكنا ~~(1) هذا خلف. # قال: ولو كان الإمكان ثبوتيا لزم سبق وجود كل ممكن على إمكانه. # أقول: اختلف الناس في أن الإمكان الخاص هل هو ثبوتي أم لا؟ وتحرير القول ~~فيه أن الإمكان قد يؤخذ بالنسبة إلى الماهية نفسها لا بالقياس إلى الوجود ~~وهو ms040 الإمكان الراجع إلى الماهية، وقد يؤخذ بالنسبة إلى الوجود من حيث القرب ~~والبعد من طرف العدم إليه وهو الإمكان الاستعدادي. أما الأول: فالمحققون ~~كافة على أنه أمر اعتباري لا تحقق له عينا، وأما الثاني: فالأوائل قالوا: ~~إنه من باب الكيف، وهو قابل للشدة والضعف، والحق يأباه (2)، والدليل على ~~عدمه في الخارج أنه لو كان ثابتا مع أنه إضافة بين أمرين أو ذو إضافة لزم ~~ثبوت مضافيه اللذين هما الماهية والوجود، فيلزم تأخره عن الوجود في الرتبة ~~هذا خلف. # قال: والفرق بين نفي الإمكان والامكان المنفي لا يستلزم ثبوته (3). # PageV00P074 # أقول: هذا جواب عن استدلال الشيخ أبي علي بن سينا على ثبوت الإمكان، فإنه ~~قال: لو كان الإمكان عدميا لما بقي فرق بين نفي الإمكان والامكان المنفي ~~لعدم التمايز في العدمات، والجواب المنع من الملازمة فإن الفرق واقع ولا ~~يستدعي الفرق الثبوت كما في الامتناع. # المسألة السابعة والعشرون في الوجوب والامكان والامتناع المطلقة قال: ~~والوجوب شامل للذاتي وغيره وكذا الامتناع. # أقول: الوجوب قد يكون ذاتيا وهو المستند إلى نفس الماهية من غير التفات ~~إلى غيرها، وقد يكون بالغير وهو الذي يحصل باعتبار حصول الغير والنظر إليه، ~~فإن المعلول لولا النظر إلى علته لم يكن واجبا بها، فالوجوب المطلق قد ~~انقسم إلى ما بالذات وإلى ما بالغير وهو شامل لهما، وكذا الامتناع شامل ~~للامتناع الذاتي وللعارض باعتبار الغير، وليس عموم الوجوب عموم الجنسية ~~وإلا تركب الوجوب الذاتي بل عموم عارض ذهني لمعروض ذهني. # قال: ومعروض ما بالغير منهما ممكن. # أقول: الذات التي يصدق عليها أنها واجبة بالغير أو ممتنعة بالغير فإنها ~~تكون ممكنة بالذات، لأن الممكن الذاتي هو الذي يعتوره الوجوب والامتناع ولا ~~يمكن أن يكون الواجب بالغير واجبا بالذات ولا ممتنعا بالذات، وكذا الممتنع ~~بالغير فقد ظهر أن معروض ما بالغير من الوجوب والامتناع ممكن بالذات. # قال: ولا ممكن بالغير لما تقدم (1) في القسمة الحقيقية. # أقول: لا يمكن أن يكون هاهنا ممكن بالغير كما أمكن واجب وممتنع بالغير، ~~لأنه لو كان كذلك ms041 لكان المعروض للامكان بالغير إما واجبا لذاته أو ممتنعا ~~لذاته، # PageV00P075 # وكل ممكن بالغير ممكن بالذات فيكون ذلك المعروض تارة واجبا لذاته وتارة ~~ممكنا، فيلزم انقلاب القسمة الحقيقية التي فرضنا أنها لا تنقلب هذا خلف. # المسألة الثامنة والعشرون في عروض الإمكان وقسيميه للماهية قال: وعروض ~~الإمكان عند عدم اعتبار الوجود والعدم بالنظر إلى الماهية وعلتها. # أقول: الإمكان إنما يعرض للماهية من حيث هي هي، لا باعتبار وجودها ولا ~~باعتبار عدمها ولا باعتبار وجود علتها ولا باعتبار عدم علتها، بل إنما يعرض ~~لها عند عدم اعتبار الوجود والعدم بالنظر إلى الماهية نفسها، وعند عدم ~~اعتبار الوجود والعدم بالنظر إلى علة الممكن، فإن الماهية إذا أخذت موجودة ~~كانت واجبة ما دامت موجودة، وكذا إذا أخذت معدومة تكون ممتنعة ما دامت ~~معدومة، وإذا أخذت باعتبار وجود علتها كانت واجبة ما دامت العلة موجودة، ~~وإذا أخذت باعتبار عدم علتها كانت ممتنعة ما دامت العلة معدومة. # قال: وعند اعتبارهما بالنظر إليهما يثبت ما بالغير. # أقول: إذا اعتبرنا الوجود والعدم بالنظر إلى الماهية أو إلى علتها ثبت ~~الوجوب بالغير والامتناع بالغير، وهو ظاهر مما تقدم. # قال: ولا منافاة بين الإمكان والغيري (1). # أقول: قد بينا أن الممكن باعتبار وجوده أو وجود علته يكون واجبا، ~~وباعتبار عدمه أو عدم علته يكون ممتنعا، لكن الوجوب والامتناع ليسا ذاتيين، ~~بل باعتبار الغير ومعروضهما الممكن فلا منافاة بينهما وبين الإمكان. # PageV00P076 # قال: وكل ممكن العروض ذاتي ولا عكس. # أقول: الممكن قد يكون ممكن الثبوت في نفسه وقد يكون ممكن الثبوت لشئ آخر، ~~وكل ممكن الثبوت لشئ آخر - أعني ممكن العروض - فهو ممكن ذاتي، أي يكون في ~~نفسه ممكن الثبوت لأن إمكان ثبوت الشئ لغيره فرع على إمكانه في نفسه ولا ~~ينعكس، فقد يكون الشئ ممكن الثبوت في نفسه وممتنع الثبوت لغيره كالمفارقات، ~~أو واجب الثبوت لغيره كالأعراض والصفات. # المسألة التاسعة والعشرون في علة الاحتياج إلى المؤثر قال: وإذا لحظ ~~الذهن (1) الممكن موجودا طلب العلة وإن لم يتصور غيره وقد # PageV00P077 # يتصور وجود الحادث فلا ms042 يطلبها، ثم الحدوث كيفية الوجود فليس علة لما ~~يتقدم عليه بمراتب. # أقول: اختلف الناس هنا في علة احتياج الأثر إلى مؤثره، فقال جمهور ~~العقلاء: إنها الإمكان لا غير، وقال آخرون: إنها الحدوث لا غير، وقال ~~آخرون: # هما معا. والحق الأول لوجهين: # الأول: العقل إذا لحظ الماهية الممكنة وأراد حمل الوجود أو العدم عليها ~~افتقر في ذلك إلى العلة وإن لم ينظر شيئا آخر سوى الإمكان والتساوي، إذ حكم ~~العقل بالتساوي الذاتي كاف في الحكم بامتناع الرجحان الذاتي فاحتاج إلى ~~العلة من حيث هو ممكن وإن لم يلحظ غيره، ولو فرضنا حادثا وجب وجوده وإن كان ~~فرضا محالا فإن العقل يحكم بعدم احتياجه إلى المؤثر، فعلم أن علة الحاجة ~~أنما هي الإمكان لا غير. # الثاني: أن الحدوث كيفية للوجود فيتأخر عنه تأخرا ذاتيا والوجود متأخر عن ~~الايجاد والايجاد متأخر عن الاحتياج والاحتياج متأخر عن علة الاحتياج، فلو ~~كان الحدوث علة الحاجة لزم تقدم الشئ على نفسه بمراتب وهو محال. # المسألة الثلاثون في أن الممكن محتاج إلى المؤثر قال: والحكم باحتياج ~~الممكن ضروري. PageV00P078 # أقول: اختلف الناس هنا، فقال قوم: إن هذا الحكم ضروري، أعني أن احتياج ~~الممكن لا يحتاج إلى برهان فإن كل من تصور تساوي طرفي الممكن جزم بالضرورة ~~أن أحدهما لا يترجح من حيث هو متساو أعني من حيث ذاته، بل من حيث إن المرجح ~~ثابت، وهذا الحكم قطعي لا يقع فيه شك. # وقال آخرون: إنه استدلالي، وهو خطأ وسبب غلطهم أنهم لم يتصوروا الممكن ~~على ما هو عليه. # المسألة الحادية والثلاثون في وجوب الممكن المستفاد من الفاعل قال: ولا ~~تتصور الأولوية (1) لأحد الطرفين بالنظر إلى ذاته. # أقول: قد بينا أن الممكن من حيث هو هو لا باعتبار وجود علته أو عدمها، ~~فإن وجوده وعدمه متساويان بالنسبة إليه، وإنما يحصل الترجيح من الفاعل ~~الخارجي، فإذا لا يمكن أن تتصور أولوية لأحد الطرفين على الآخر بالنظر إلى ~~ذاته. # قال: ولا تكفي الخارجية لأن فرضها لا يحيل المقابل فلا بد من الانتهاء ms043 ~~إلى الوجوب. # أقول: أولوية أحد الطرفين بالنظر إلى وجود العلة أو عدمها هي الأولوية ~~الخارجية، فإن كانت العلة مستجمعة لجميع الشرائط منتفيا عنها جميع الموانع ~~كانت الأولوية وجوبا وإلا كانت أولوية يجوز معها وقوع الطرف الآخر، وهذه ~~الأولوية # PageV00P079 # الخارجية لا تكفي في وجود الممكن أو عدمه، لأن فرضها لا يحيل المقابل. # وبيان ذلك: أنا إذا فرضنا هذه الأولوية متحققة ثابتة فإما أن يمكن معها ~~وجود الطرف الآخر المقابل لطرف الأولوية أو لا يمكن، والثاني يقتضي أن تكون ~~الأولوية وجوبا، والأول يلزم منه المحال وهو ترجيح أحد طرفي الممكن ~~المتساوي على الآخر لا لمرجح، لأنا إذا فرضنا الأولوية ثابتة يمكن معها ~~وجود الطرف الراجح والمرجوح، فتخصيص أحد الوقتين (1) بالوقوع دون الثاني ~~ترجيح من غير مرجح وهو محال، فقد ظهر أن الأولوية لا تكفي في الترجيح بل لا ~~بد من الوجوب، وأن كل ممكن على الإطلاق لا يمكن وجوده إلا إذا وجب، فلا بد ~~من الانتهاء إلى الوجوب. # قال: وهو سابق (2) ويلحقه وجوب آخر لا يخلو عنه قضية فعلية. # أقول: كل ممكن موجود أو معدوم فإنه محفوف بوجوبين: أحدهما: الوجوب السابق ~~سبقا ذاتيا الذي استدللنا على تحققه. والثاني: الوجوب اللاحق وهو المتأخر ~~عن تحقق القضية، فإن الحكم بوجود المشي للانسان يكون واجبا ما دام المشي ~~موجودا له، وهذه الضرورة تسمى ضرورة بحسب المحمول ولا يخلو عنها قضية ~~فعلية. # قال: والامكان لازم (3) وإلا تجب الماهية أو تمتنع. # أقول: الإمكان للممكن واجب، لأنه لولا ذلك لأمكن زواله وحينئذ تبقى ~~الماهية واجبة أو ممتنعة، وقد بينا امتناعه فيما سلف. # PageV00P080 # قال: ووجوب الفعليات (1) يقارنه جواز العدم فليس بلازم. # أقول: يريد أن يبين أن الوجوب اللاحق وهو الذي ذكر أنه لا يخلو عنه قضية ~~فعلية، ولهذا سماه وجوب الفعليات يقارن جواز العدم وذلك لأن الوجود لا ~~يخرجه عن الإمكان الذاتي بل هو باق على طبيعة الإمكان لأن وجوبه بشرط لا ~~مطلقا (2)، فلهذا حكم بجواز مقارنة وجوب الوجود لجواز العدم، وهذا الوجوب ~~ليس بلازم بل ينفك عن الماهية ms044 عند فرض عدم العلة. # قال: ونسبة الوجوب إلى الإمكان نسبة تمام إلى نقص. # أقول: الوجوب هو تأكد الوجود وقوته والامكان ضعف فيه، فنسبة الوجوب إلى ~~الإمكان نسبة تمام إلى نقص، لأن الوجوب تمام الوجود والإمكان نقص له. # المسألة الثانية والثلاثون في الإمكان الاستعدادي قال: والاستعدادي قابل ~~للشدة والضعف ويعدم ويوجد للمركبات (3) وهو غير الإمكان الذاتي. # أقول: الإمكان إما أن يلحظ باعتبار الماهية نفسها وهو الإمكان الذاتي، ~~وإما أن يلحظ باعتبار قربها من الوجود وبعدها عنه وهو الإمكان الاستعدادي، ~~وهذا الإمكان قابل للشدة والضعف والزيادة والنقصان، فإن استعداد النطفة ~~للانسانية أضعف وأبعد من استعداد العلقة لها، وكذا استعداد النطفة للكتابة ~~أبعد وأضعف من استعداد الانسانية لها، فهذا هو الإمكان الاستعدادي الحاصل ~~لكل ماهية سبق # PageV00P081 # عدمها وجودها، وهذا الإمكان الاستعدادي يعدم ويوجد بعد عدمه للمركبات، ~~فإن الماء بعد تسخنه يستعد لصيرورته هواء بعد أن لم يكن، فقد تجدد له هذا ~~الاستعداد، ثم إذا برد زال ذلك الاستعداد. وأما الإمكان الذاتي فقد بينا ~~أنه لا يمكن زواله (1) عن الممكن فتغايرا (2). # المسألة الثالثة والثلاثون في القدم والحدوث قال: والموجود إن أخذ (3) ~~غير مسبوق بالغير أو بالعدم فقديم وإلا فحادث. # أقول: هذه قسمة للموجود إلى القديم والحادث، وذلك لأن الموجود إما أن ~~يسبقه الغير أو لا يسبقه الغير، فالأول هو الحادث والثاني هو القديم، وقد ~~يقال: إن القديم هو الذي لا يسبقه العدم والحادث هو الذي يسبقه العدم. # قال: والسبق ومقابلاه (4) إما بالعلية أو بالطبع أو بالزمان أو بالرتبة ~~الحسية أو العقلية أو بالشرف أو بالذات، والحصر استقرائي (5) أقول: لما ذكر ~~أن القديم هو الذي لا يسبقه الغير أو العدم على اختلاف التفسيرين، والمحدث ~~هو الذي يسبقه الغير أو العدم، وجب عليه أن يبين أقسام التقدم والسبق ~~ومقابليه أعني التأخر والمعية. # PageV00P082 # وقد ذكر الحكماء أن أقسام التقدم خمسة: # الأول: التقدم بالعلية وهو كتقدم حركة الإصبع على حركة الخاتم، ولهذا ~~فإنه لولا حركة اليد لم تحصل حركة الخاتم، فهذا الترتيب العقلي هو تقدم ~~بالعلية. # الثاني: التقدم ms045 بالطبع وهو (1) أن يكون المتقدم له حظ في التأثير في ~~المتأخر ولا يكون هو كمال المؤثر (2) وهو كتقدم الواحد على الاثنين، والفرق ~~بينه وبين الأول أن المتقدم هناك كان كافيا في وجود المتأخر والمتقدم هنا ~~لا يكفي في وجوده. # الثالث: التقدم بالزمان وهو أن يكون المتقدم موجودا في زمان متقدم على ~~زمان المتأخر كالأب والابن. # الرابع: التقدم بالرتبة وهي إما حسية كتقدم الأمام على المأموم، أو عقلية ~~كتقدم الجنس على النوع إن جعل المبدأ الأعم (3). # PageV00P083 # الخامس: التقدم بالشرف كتقدم العالم على المتعلم وكذا أصناف التأخر ~~والمعية (1). # ثم المتكلمون زادوا قسما آخر للتقدم وسموه التقدم الذاتي وتمثلوا فيه ~~بتقدم أمس على اليوم فإنه ليس تقدما بالعلية ولا بالطبع ولا بالزمان وإلا ~~لاحتاج الزمان إلى زمان آخر وتسلسل، وظاهر أنه ليس بالرتبة ولا بالشرف فهو ~~خارج عن هذه الأقسام، وهذا الحصر استقرائي (2) لا برهاني إذ لم يقم برهان ~~على انحصار التقدم في هذه الأنواع، والقسمة إنما تنحصر إذا ترددت بين النفي ~~والإثبات. # المسألة الرابعة والثلاثون في أن التقدم مقول بالتشكيك قال: ومقوليته ~~بالتشكيك وتنحفظ الإضافة بين المضافين في أنواعه. # PageV00P084 # أقول: اختلف الحكماء هنا، فقال قوم: إن التقدم مقول على أنواعه الخمسة ~~بالاشتراك البحت (1) وهو خطأ فإن كل واحد من التقدم بالعلية والطبع قد شارك ~~الآخر في معنى التقدم، وهو أن كل واحد من المتقدم وجد له ما للمتأخر دون ~~العكس. # وقال آخرون: إنه مقول بالتشكيك لأن الأصناف تشترك في أن المتقدم بما هو ~~متقدم له شئ ليس للمتأخر ولا شئ للمتأخر إلا وهو موجود للمتقدم، وهذا ~~المعنى المشترك يقال لا بمعنى واحد فإن المتقدم بالعلية يوجد له التقدم قبل ~~التقدم بالطبع والتقدم بالطبع قبل سائر أصناف التقدم، وفي هذا بحث ذكرناه ~~في كتاب الأسرار (2). # PageV00P085 # وإذا ثبت أنه مقول بالتشكيك بمعنى أن بعض أنواع التقدم أولى بالتقدم من ~~بعض، فاعلم إنا إذا فرضنا (أ) متقدما على (ب) بالعلية و (ج) متقدما على (د) ~~بالطبع كان تقدم (أ) على (ب) أولى من تقدم (ج) ms046 على (د)، وحينئذ (ب) أحد ~~المضافين أولى (1) بتأخره عن الألف المضاف الآخر من تأخر (د) عن (ج) ~~فانحفظت الإضافة بين المضافين في الأولوية وهو أحد أنواع التشكيك. # وكذلك لو فرضنا تقدم (أ) على (ب) أشد من تقدم (ج) على (د) كان تأخر (ب) ~~عن (أ) أشد من تأخر (د) عن (ج)، وهذا نوع ثان للتشكيك. # وكذا لو فرضنا تقدم (أ) على (ب) قبل تقدم (ج) على (د) كان تأخر (ب) عن ~~(أ) قبل تأخر (د) عن (ج)، وهذا هو النوع الثالث وهذا معنى قوله: وتنحفظ ~~الإضافة بين المضافين في أنواعه. # PageV00P086 # قال: وحيث وجد التفاوت امتنع جنسيته. # أقول: لما بين أن التقدم مقول على ما تحته من أصناف التقدمات بالتشكيك ~~ظهر أنه ليس جنسا لما تحته، وأن مقوليته على ما تحته قول العارض على معروضه ~~لا قول الجنس على أنواعه، لامتناع وقوع التفاوت في أجزاء الماهية. # قال: والتقدم دائما بعارض زماني أو مكاني أو غيرهما. # أقول: إذا نظر إلى الماهية من حيث هي هي لم تكن متقدمة على غيرها ولا ~~متأخرة، وإنما يعرض لها التقدم والتأخر باعتبار أمر خارج عنها إما زماني ~~كما في التقدم الزماني (1) أو مكاني كما في التقدم المكاني أو مغاير كما في ~~تقدم العلة على معلولها باعتبار التأثير والتأثر وكما في تقدم العالم على ~~المتعلم باعتبار الشرف وغير ذلك من أصناف التقدمات. # قال: والقدم والحدوث الحقيقيان (2) لا يعتبر فيهما الزمان وإلا تسلسل. # أقول: القدم والحدوث قد يكونان حقيقيين وقد لا يكونان حقيقيين بل # PageV00P087 # يقالان على ما يقالان عليه على سبيل المجاز، فالقدم والحدوث الحقيقيان ~~وهما ما فسرناهما به من أن القديم هو الذي لا يسبقه الغير والمحدث هو ~~المسبوق بالغير، وهما بهذا الاعتبار لا يفتقران إلى الزمان لأن الزمان إن ~~كان قديما أو حادثا بهذا المعنى افتقر إلى زمان آخر وتسلسل، وأما القدم ~~والحدوث بالمجاز فإنهما لا يتحققان بدون الزمان وذلك لأن القديم يقال ~~بالمجاز لما يستطال زمان وجوده في جانب الماضي، والمحدث لما لا يستطال ~~زمانه. ms047 # قال: والحدوث الذاتي متحقق. # أقول: قد بينا أن أصناف التقدم والتأخر خمسة أو ستة، ومن جملتها التقدم ~~والتأخر بالطبع (1)، فالحدوث الذاتي هو الذي يكون الوجود فيه متأخرا عن ~~العدم بالذات، وبيانه: أن الممكن يستحق من ذاته عدم استحقاق الوجود والعدم ~~ويستحق من غيره استحقاق أحدهما وما بالذات أسبق مما بالغير فاللااستحقاقية ~~- أعني التأخر الذاتي - متقدم على الاستحقاقية وذلك هو معنى الحدوث الذاتي. # قال: والقدم والحدوث اعتباران عقليان ينقطعان بانقطاع الاعتبار. # أقول: ذهب المحققون إلى أن القدم والحدوث ليسا من المعاني المتحققة في ~~الأعيان، وذهب عبد الله بن سعيد من الأشعرية إلى أنهما وصفان زائدان على ~~الوجود، والحق خلاف ذلك وأنهما اعتباران عقليان يعتبرهما الذهن عند مقايسة ~~سبق الغير إليه وعدمه، لأنهما لو كانا ثبوتيين لزم التسلسل، لأن الموجود من ~~كل واحد منهما إما أن يكون قديما أو حادثا، فيكون للقدم قدم آخر وكذا ~~الحدوث هذا خلف، بل هما عقليان يعتبرهما العقل وينقطعان بانقطاع الاعتبار ~~العقلي. # وهذا جواب عن سؤال مقدر وهو أن يقال: إذا كان القدم والحدوث أمرين ~~ثبوتيين في العقل أمكن عروض القدم والحدوث لهما ويعود المحذور من التسلسل، ~~وتقرير الجواب أنهما اعتباران عقليان ينقطعان بانقطاع الاعتبار فلا يلزم ~~التسلسل. # PageV00P088 # قال: وتصدق الحقيقية منهما. # أقول: الموجود لا يخلو عن القدم والحدوث لأنه لا يخلو من أن يكون مسبوقا ~~بغيره أو لا، والأول حادث والثاني قديم، ولا يجتمعان في شئ واحد لاستحالة ~~اجتماع النقيضين، فإذن لا يجتمعان ولا يرتفعان فتتركب المنفصلة الحقيقية ~~منهما. # المسألة الخامسة والثلاثون في خواص الواجب قال: ومن الوجوب الذاتي ~~والغيري (1). # أقول: هذه إحدى الخواص وهو أن الشئ الواحد إذا كان واجبا لذاته استحال أن ~~يكون واجبا بغيره، إذا عرفت هذا فنقول: المنفصلة الحقيقية التي تمنع الجمع ~~والخلو صادقة على الموجود إذا أخذ جزءاها الوجوب بالذات والوجوب بالغير، ~~بأن يقال: الموجود إما واجب لذاته أو واجب بغيره لامتناع صدقهما على شئ ~~واحد وكذبهما عليه، وذلك لأن الموجود إما مستغن عن الغير أو محتاج إليه ولا ~~واسطة بينهما، ms048 والأول واجب بالذات والثاني واجب بالغير. # وإنما امتنع الجمع بينهما لأنه لو كان شئ واحد واجبا بذاته وبغيره معا ~~لزم المحال، لأن الواجب بغيره يرتفع بارتفاع غيره، والواجب بالذات لا يرتفع ~~بارتفاع غيره، فلو كان شئ واحد واجبا بذاته وبغيره لزم اجتماع النقيضين، ~~وهو محال. # وإنما امتنع الخلو عنهما لأن الموجود إن كان واجبا صدق أحد الجزئين (2) # PageV00P089 # وإن كان ممكنا استحال وجوده إلا بعد وجوبه بالفاعل على ما تقدم فيصدق ~~الجزء الآخر. # قال: ويستحيل صدق الذاتي على المركب (1). # أقول: هذه خاصية ثانية للواجب الذاتي وهو أنه يستحيل أن يكون مركبا، فلا ~~يمكن صدق الوجوب الذاتي على المركب لأن كل مركب يفتقر إلى أجزائه على ما ~~يأتي، وكل مفتقر ممكن، فالواجب لذاته ممكن لذاته هذا خلف. # قال بعض المتأخرين: هذه المسألة تتوقف على الوحدانية لأنه لو قال قائل: # يجوز أن يكون كل واحد من أجزاء المركب واجبا لذاته ويكون المجموع مستغنيا ~~عن الغير، أجبنا بأن الواجب لذاته يستحيل أن يكون متعددا. # والحق أنه لا افتقار في هذه المسألة إلى الوحدانية لأن هذا المركب يستحيل ~~أن يكون واجبا لذاته لافتقاره إلى أجزائه الواجبة، وكل مفتقر ممكن، فيكون ~~المركب ممكنا فلا يكون واجبا، وهذا لا يتوقف على الوحدانية. # قال: ولا يكون الذاتي جزءا من غيره. # أقول: هذه خاصية ثالثة للواجب ظاهرة (2) وهي أن الواجب لذاته لا يتركب ~~عنه غيره وهو ظاهر، لأن التركب إما حسي وهو إنما يكون بانفعال كالمزاج، أو ~~عقلي كتركب الماهية من الأجناس والفصول، والكل ظاهر الاستحالة. # المسألة السادسة والثلاثون في أن وجود واجب الوجود ووجوبه نفس حقيقته ~~قال: ولا يزيد وجوده ونسبته عليه وإلا لكان ممكنا (3). # PageV00P090 # أقول: هذه المسألة تشتمل على بحثين: البحث الأول: في أن وجود واجب الوجود ~~لذاته نفس حقيقته، وتقريره أن نقول: لو كان وجود (1) واجب الوجود لذاته ~~زائدا على حقيقته لكان صفة لها فيكون ممكنا فيفتقر إلى علة، فتلك العلة إما ~~أن تكون نفس حقيقته أو شيئا خارجا عن حقيقته، والقسمان باطلان، أما الأول ~~فلأن ms049 تلك الحقيقة إما أن تؤثر فيه وهي موجودة أو تؤثر فيه وهي معدومة، فإن ~~أثرت فيه وهي موجودة فإن كانت موجودة بهذا الوجود لزم تقدم الشئ على نفسه ~~وهو محال، وإن كان بغير هذا الوجود عاد البحث إليه ويلزم وجود الماهية ~~مرتين والجميع باطل، وإن أثرت فيه وهي معدومة كان المعدوم مؤثرا في الموجود ~~وهو باطل بالضرورة. # وأما الثاني فلأنه يلزم منه افتقار واجب الوجود في وجوده إلى غيره فيكون ~~ممكنا وهو محال، وهذا دليل قاطع على هذا المطلوب. # البحث الثاني: في أن الوجوب نفس حقيقته، وقد تقدم بيان ذلك فيما سلف. # قال: والوجود المعلوم (2) هو المقول بالتشكيك أما الخاص به فلا. # أقول: هذا جواب من استدل على زيادة الوجود في حق واجب الوجود، وتقرير ~~الدليل أن نقول: ماهيته تعالى غير معلومة للبشر على ما يأتي، والوجود معلوم ~~ينتج من الشكل الثاني أن الماهية غير الوجود. # PageV00P091 # وتقرير الجواب عنه أن نقول: إنا قد بينا أن الوجود مقول بالتشكيك (1) على ~~ما تحته والمقول على أشياء بالتشكيك يمتنع أن يكون نفس الحقيقة أو جزءا ~~منها، بل يكون دائما خارجا عنها لازما لها كالبياض المقول على بياض الثلج ~~وبياض العاج لا على السواء فهو ليس بماهية ولا جزء ماهية لهما، بل هو لازم ~~من خارج، وذلك لأن بين طرفي التضاد الواقع في الألوان أنواعا من الألوان لا ~~نهاية لها بالقوة ولا أسامي لها بالتفصيل يقع على كل جملة منها اسم واحد ~~بمعنى واحد كالبياض والحمرة والسواد بالتشكيك، ويكون ذلك المعنى لازما لتلك ~~الجملة غير مقوم، فكذلك الوجود في وقوعه على وجود الواجب وعلى وجودات ~~الممكنات المختلفة بالهويات التي لا أسماء لها بالتفصيل، فإنه يقع عليها ~~وقوع لازم خارجي غير مقوم، فالوجود يقع على ما تحته بمعنى واحد، ولا يلزم ~~من ذلك تساوي ملزوماته التي هي وجود الواجب ووجودات الممكنات في الحقيقة، ~~لأن مختلفات الحقيقة قد تشترك في لازم واحد، فالحقيقة التي لا تدركها ~~العقول هي الوجود الخاص المخالف لسائر الوجودات بالهوية، الذي هو ms050 المبدأ ~~الأول والوجود المعقول هو الوجود العام اللازم لذلك الوجود وسائر الوجودات ~~وهو أولي التصور، وإدراك اللازم لا يقتضي إدراك الملزوم بالحقيقة وإلا لوجب ~~من إدراك الوجود إدراك جميع الوجودات الخاصة، وكون حقيقته تعالى غير مدركة ~~وكون الوجود مدركا يقتضي المغايرة بين حقيقته تعالى والوجود المطلق لا ~~الوجود الخاص به تعالى، وهذا التحقيق مما نبه (2) عليه بهمنيار في التحصيل، # PageV00P092 # وقرره المصنف رحمه الله في شرح الإشارات. # قال: وليس طبيعة نوعية (1) على ما سلف فجاز اختلاف جزئياته في العروض ~~وعدمه. # PageV00P093 # أقول: هذا جواب عن استدلال ثان استدل به الذاهبون إلى أن وجوده تعالى ~~زائد على حقيقته، وتقرير الدليل أن الوجود طبيعة واحدة نوعية لما بيناه من ~~اشتراكه، والطبائع النوعية تتفق في لوازمها، وقد بنى الحكماء على هذه ~~القاعدة مطالب كثيرة كامتناع الخلاء ووجود الهيولى للأفلاك وغير ذلك من ~~مباحثهم، فنقول: # طبيعة الوجود إن اقتضت العروض وجب أن يكون وجود واجب الوجود عارضا لماهية ~~مغايرة له، وإن اقتضت اللا عروض كانت وجودات الممكنات غير عارضة لماهياتها، ~~فأما أن لا تكون موجودة أو يكون وجودها نفس حقائقها، والقسمان باطلان، وإن ~~لم تقتض واحدا منهما لم تتصف بأحدهما إلا بأمر خارج عن طبيعة PageV00P094 # الوجود، فيكون تجرد واجب الوجود محتاجا إلى المؤثر هذا خلف. # وتقرير الجواب أن الوجود ليس طبيعة نوعية على ما حققناه، بل هو مقول ~~بالتشكيك (1) على ما تقدم، والمقول على أشياء بالتشكيك لا يتساوى اقتضاؤه، ~~فإن النور يقتضي بعض جزئياته أبصار الأعشى بخلاف سائر الأنوار والحرارة، ~~كذلك فإن الحرارة الغريزية تقتضي استعداد الحياة بخلاف سائر الحرارات، ~~فكذلك الوجود. # قال: وتأثير الماهية من حيث هي في الوجود غير معقول. # أقول: لما أبطل استدلالاتهم شرع في إبطال الاعتراض الوارد على دليله، وقد ~~ذكر هاهنا أمرين: أحدهما: أنهم قالوا: لا نسلم انحصار أحوال الماهية حالة ~~التأثير في الوجود والعدم (2)، بل جاز أن تكون الماهية من حيث هي هي مؤثرة ~~في الوجود، فلا يلزم التسلسل ولا تأثير المعدوم في الموجود. والجواب أن ~~الماهية من حيث هي ms051 هي (3) يجوز أن تقتضي صفات لها على سبيل العلية # PageV00P095 # والمعلولية إلا الوجود فإنه يمتنع أن تؤثر فيه من حيث هي هي، لأن الوجود ~~لا يكون معلولا لغير الموجود بالضرورة فيلزم المحاذير المذكورة، والضرورة ~~فرقت بين الوجود وسائر الصفات. # قال: والنقض بالقابل (1) ظاهر البطلان. # أقول: هذا جواب عن السؤال الثاني، وتقريره أنهم قالوا: إن العلة القابلية ~~للوجود لا يجوز أن يكون باعتبار الوجود، فإن الممكن المعدوم لو لم يقبل ~~الوجود إلا بشرط الوجود لزم تقدم الشئ على نفسه أو تعددت الوجودات للماهية ~~الواحدة، والكل محال، وإذا كان كذلك فلم لا يعقل مثله في العلة الفاعلية؟ # والجواب أن هذا إنما يتم لو قلنا إن الوجود عارض للماهية عروض السواد ~~للجسم وأن للماهية ثبوتا في الخارج دون وجودها، ثم إن الوجود يحل فيها ونحن ~~لا نقول كذلك، بل كون الماهية هو وجودها (2) وإنما تتجرد عن الوجود في ~~العقل لا بمعنى أنها تكون في العقل منفكة عن الوجود، لأن الحصول في العقل ~~نوع من الوجود، بل بمعنى أن العقل يلاحظها منفردة، فاتصاف الماهية بالوجود ~~أمر عقلي، إذ ليس للماهية وجود منفرد ولعارضها المسمى بالوجود وجود آخر ~~ويجتمعان اجتماع المقبول والقابل، بل الماهية إذا كانت فكونها وجودها، ~~والحاصل من هذا أن الماهية إنما تكون قابلة للوجود عند وجودها في العقل ~~فقط، # PageV00P096 # ولا يمكن أن تكون فاعلة لصفة خارجية عند وجودها في العقل فقط. # قال: والوجود من المحمولات العقلية (1) لامتناع استغنائه عن المحل وحصوله ~~فيه. # أقول: الوجود ليس من الأمور العينية بل هو من المحمولات العقلية الصرفة، ~~وتقريره أنه لو كان ثابتا في الأعيان لم يخل إما أن يكون نفس الماهيات ~~الصادق عليها أو مغايرا لها، والقسمان باطلان، أما الأول فلما تقدم من أنه ~~زائد على الماهية ومشترك بين المختلفات فلا يكون نفسها. # وأما الثاني فإما أن يكون جوهرا أو عرضا، والأول باطل وإلا لم يكن صفة ~~لغيره، والثاني باطل لأن كل عرض فهو حاصل في المحل، وحصوله في المحل نوع من ~~الوجود، فيكون للوجود وجود ms052 هذا خلف، ويلزم تأخره عن محله وتقدمه عليه هذا ~~خلف. # قال: وهو من المعقولات الثانية. # أقول: الوجود كالشيئية في أنها من المعقولات الثانية، إذ ليس الوجود ~~ماهية خارجية على ما بيناه، بل هو أمر عقلي يعرض للماهيات وهو من المعقولات ~~الثانية المستندة إلى المعقولات الأولى، وليس في الموجودات شئ هو وجود أو ~~شئ، بل الموجود إما الانسان أو الحجر أو غيرهما، ثم يلزم من معقولية ذلك أن ~~يكون موجودا. # قال: وكذلك العدم. # أقول: يعني به أن العدم من المعقولات الثانية العارضة للمعقولات الأولى ~~كما # PageV00P097 # قلنا في الوجود، إذ ليس في الأعيان ماهية هي عدم مطلق فهو دائما عارض ~~لغيره. # قال: وجهاتهما. # أقول: يعني به أن جهات الوجود والعدم من الوجوب والإمكان والامتناع ~~الذاتية والمشروطة من المعقولات الثانية أيضا كما تقدم من أنها أمور ~~اعتبارية لا تحقق لها في الخارج، وقد سبق البحث فيه. # قال: والماهية. # أقول: الماهية أيضا من المعقولات الثانية فإن الماهية تصدق على الحقيقة ~~باعتبار ذاتها لا من حيث إنها موجودة أو معقولة، وإن كان ما يصدق عليه ~~الماهية من المعقولات الأولى (1)، وليس البحث فيه بل في الماهية أعني ~~العارض فإن كون الانسان ماهية أمر زائد على حقيقة الانسانية. # قال: والكلية والجزئية. # أقول: هذان أيضا من المعقولات الثانية العارضة للمعقولات الأولى، فإن ~~الماهية من حيث هي هي وإن كانت لا تخلو عنهما إلا أنها مغايرة لهما، وهما ~~يصدقان عليها صدق العارض على معروضه، فإن الانسانية لو كانت لذاتها كلية لم ~~تصدق جزئية وبالعكس، فالانسانية ليست من حيث هي هي كلية ولا جزئية، بل إنما ~~تصدق عليه الكلية عند اعتبار صدق الحقيقة على أفراد متوهمة أو متحققة، ~~والجزئية أنما تصدق عليها عند اعتبار أمور أخر مخصصة لتلك الحقيقة ببعض ~~الأفراد فهما من المعقولات الثانية. # قال: والذاتية والعرضية. # PageV00P098 # أقول: هذان أيضا من المعقولات الثانية العارضة للمعقولات الأولى فإنه ليس ~~في الأعيان ذاتية ولا عرضية وليس لهما تأصل في الوجود، وقد يكون الذاتي لشئ ~~عرضيا لغيره فهما اعتباران عقليان عارضان لماهيات ms053 متحققة في أنفسها فهي من ~~المعقولات الثانية. # قال: والجنسية والفصلية والنوعية. # أقول: هذه أيضا أمور اعتبارية عقلية صرفة من المعقولات الثانية العارضة ~~للمعقولات الأولى، فإن كون الانسان نوعا أمر مغاير لحقيقة الانسانية عارض ~~لها وإلا لامتنع صدق الانسانية على زيد، وكذلك الجنسية للحيوان مثلا أمر ~~عارض له مغاير لحقيقته وكذلك الفصلية للناطق، وهذا كله ظاهر. # المسألة السابعة والثلاثون في تصور العدم (1) قال: وللعقل أن يعتبر ~~النقيضين ويحكم بينهما بالتناقض ولا استحالة فيه. # أقول: العقل يحكم بالمناقضة بين السلب والإيجاب فلا بد وأن يعتبرهما معا، ~~لأن التناقض من قبيل النسب والإضافات لا يمكن تصوره إلا بعد تصور معروضيه، ~~فيكون متصورا للسلب والإيجاب معا ولا استحالة في اجتماعهما في الذهن دفعة، ~~لأن التناقض ليس بالقياس إلى الذهن بل بالقياس إلى الذهن بل بالقياس إلى ما ~~في نفس الأمر فيتصور صورة ما ويحكم عليها بأنه ليس لها في الخارج ما ~~يطابقها، ثم يتصور صورة أخرى فيحكم عليها بأن لها في الخارج # PageV00P099 # ما يطابقها ثم يحكم على إحداهما بمقابلة الأخرى لا من حيث إنهما حاضرتان ~~في العقل بل من حيث إن إحداهما استندت إلى الخارج دون الأخرى، وقد يتصور ~~الذهن صورة ما ويتصور سلبها لأنه مميز على ما تقدم (1)، ويحكم على # PageV00P100 # الصورتين بالتناقض لا باعتبار حضورهما في الذهن بل بالاعتبار الذي ~~ذكرناه. # قال: وأن يتصور عدم جميع الأشياء (1) حتى عدم نفسه وعدم العدم بأن يتمثل ~~في الذهن ويرفعه وهو ثابت باعتبار، قسيم باعتبار، ولا يصح الحكم عليه من ~~حيث هو ليس بثابت ولا تناقض. # أقول: الذهن يمكنه أن يتصور جميع المعقولات وجودية كانت أو عدمية، ويمكنه ~~أن يلحظ عدم جميع الأشياء لأنه يتصور العدم المطلق، ويمكنه أن ينسبه إلى ~~جميع الماهيات فيمكنه أن يلحظه باعتبار نفسه فيتصور عدم الذهن نفسه، وكذلك ~~يمكنه أن يلحقه نفس العدم (2) بمعنى أن الذهن يتخيل للعدم صورة ما معقولة ~~متميزة عن صورة الوجود ويتصور رفعها ويكون ثابتا باعتبار تصوره، لأن رفع ~~الثبوت الشامل للثبوت الخارجي والذهني تصور ما ليس ms054 بثابت ولا متصور أصلا ~~وهو ثابت باعتبار تصوره وقسيم لمطلق الثابت باعتبار أنه سلبه ولا استبعاد # PageV00P101 # في ذلك، فإنا نقول: الموجود إما ثابت في الذهن أو غير ثابت في الذهن، ~~فاللاوجود قسيم للوجود ومن حيث له مفهوم قسم من الثابت، والحكم على رفع ~~الثبوت المطلق من حيث إنه متصور لا من حيث إنه ليس بثابت ولا يكون تناقضا ~~لاختلاف الموضوعين. # قال: ولهذا نقسم الموجود إلى ثابت في الذهن وغير ثابت فيه ونحكم بينهما ~~بالتمايز وهو لا يستدعي (1) الهوية لكل من المتمايزين، ولو فرض له هوية (2) ~~لكان حكمها حكم الثابت. # أقول: هذا استدلال على أن الذهن له أن يتصور عدم جميع الأشياء، وبيانه ~~أنا نقسم الموجود إلى ثابت في الذهن وغير ثابت فيه، ونحكم بامتياز أحدهما ~~عن الآخر ومقابلته له، والحكم على شئ يستدعي تصوره وثبوته في الذهن، فيجب ~~أن يكون ما ليس بثابت في الذهن ثابتا فيه، فقد تصور الذهن سلب ما وجد فيه ~~باعتبارين على ما حققناه، فإن ما ليس بثابت في الذهن ثابت فيه من حيث إنه ~~متصور، وغير ثابت فيه من حيث إنه سلب لما في الذهن. # لا يقال: امتياز أحد الشيئين عن الآخر يستدعي أن يكون لكل من الممتازين ~~هوية مغايرة لهوية الآخر حتى يحكم بينهما بالامتياز، فلو كان العدم ممتازا ~~عن الوجود لكان له هوية متميزة عنه، لكن ذلك محال لأن العقل يمكنه رفع كل ~~هوية، فيكون رفع هوية العدم قسيما للعدم وقسما منه وهذا محال. # لأنا نقول: لا نسلم وجوب الهوية لكل من الممتازين، فإنا نحكم بامتياز ~~الهوية عن اللاهوية وليس اللاهوية هوية سلمنا ثبوت الهوية لكل ممتازين لكن ~~هوية العدم داخلة باعتبار الهوية في قسم الهوية وباعتبار ما فرض أنها لا ~~هوية يكون مقابلة للهوية وقسيما لها، ولا امتناع في كون الشئ قسما من الشئ # PageV00P102 # وقسيما له باعتبارين على ما تقدم تحقيقه في باب الثبوت. # قال: وإذا حكم الذهن على الأمور الخارجية بمثلها وجب التطابق في صحيحه ~~وإلا فلا، ويكون صحيحه باعتبار مطابقته ms055 لما في نفس الأمر لإمكان تصور ~~الكواذب. # أقول: الأحكام الذهنية قد تؤخذ بالقياس إلى ما في الخارج، وقد تؤخذ لا ~~بهذا الاعتبار، فإذا حكم الذهن على الأشياء الخارجية بأشياء خارجية مثلها ~~كقولنا: الانسان حيوان في الخارج، وجب أن يكون مطابقا (1) لما في الخارج ~~حتى يكون حكم الذهن حقا وإلا لكان باطلا، وإن حكم على أشياء خارجية بأمور ~~معقولة كقولنا: الانسان ممكن، أو حكم على الأمور الذهنية بأحكام ذهنية ~~كقولنا: الإمكان مقابل للامتناع، لم تجب مطابقته لما في الخارج، إذ ليس في ~~الخارج إمكان وامتناع متقابلان ولا في الخارج انسان ممكن. # إذا تقرر هذا فنقول: الحكم الصحيح في هذين القسمين لا يمكن أن يكون ~~باعتبار مطابقته لما في الخارج لما تقدم من أن الحكم ليس مأخوذا بالقياس ~~إلى الخارج ولا باعتبار مطابقته لما في الذهن، لأن الذهن قد يتصور الكواذب، ~~فإنا قد نتصور كون الانسان واجبا مع أنه ممكن، فلو كان صدق الحكم باعتبار ~~مطابقته لما في الذهن لكان الحكم بوجوب الانسان صادقا، لأن له صورة ذهنية ~~مطابقة لهذا الحكم، بل يكون باعتبار مطابقته لما في نفس الأمر. # وقد كان في بعض أوقات استفادتي منه (2) رحمه الله جرت هذه النكتة وسألته ~~عن # PageV00P103 # معنى قولهم: إن الصادق في الأحكام الذهنية هو باعتبار مطابقته لما في نفس ~~الأمر والمعقول من نفس الأمر إما الثبوت الذهني أو الخارجي، وقد منع كل ~~منهما هاهنا. # فقال رحمه الله: المراد بنفس الأمر هو العقل الفعال، فكل صورة أو حكم ~~ثابت في الذهن مطابق للصور المنتقشة في العقل الفعال فهو صادق وإلا فهو ~~كاذب. # فأوردت عليه أن الحكماء يلزمهم القول بانتقاش الصور الكاذبة في العقل ~~الفعال، لأنهم استدلوا على ثبوته بالفرق بين النسيان والسهو، فإن السهو هو ~~زوال الصورة المعقولة عن الجوهر العاقل وارتسامها في الحافظ لها، والنسيان ~~هو زوالها عنهما معا، وهذا يتأتى في الصور المحسوسة، أما المعقولة فإن سبب ~~النسيان هو زوال الاستعداد بزوال المفيد للعلم في باب التصورات والتصديقات، ~~وهاتان الحالتان قد تعرضان في الأحكام ms056 الكاذبة فلم يأت فيه بمقنع، وهذا ~~البحث ليس من هذا المقام وإنما انجر الكلام إليه وهو بحث شريف لا يوجد في ~~الكتب. # المسألة الثامنة والثلاثون في كيفية حمل الوجود والعدم على الماهيات قال: ~~ثم الوجود والعدم قد يحملان وقد يربط بهما المحمولات. # أقول: إعلم أن الوجود والعدم قد يحملان على الماهية كما يقال: الانسان ~~معدوم، الانسان موجود، وقد يجعلان رابطة كقولنا: الانسان يوجد كاتبا، ~~الانسان تعدم عنه الكتابة، فهاهنا المحمول هو الكتابة والوجود والعدم ~~رابطتان إحداهما رابطة الثبوت والوصل والأخرى رابطة السلب والفصل. # قال: والحمل يستدعي اتحاد الطرفين من وجه (1) وتغايرهما من آخر، وجهة # PageV00P104 # الاتحاد قد تكون أحدهما وقد تكون ثالثا. # أقول: لما ذكر أن الوجود والعدم قد يحملان وقد يكونان رابطة بين الموضوع ~~والمحمول شرع في تحقيق معنى الحمل، وتقريره أنا إذا حملنا وصفا على موصوف ~~فلسنا نعني به أن ذات الموضوع هي ذات المحمول بعينها، فإنه لا يبقى حمل ولا ~~وضع إلا في الألفاظ المترادفة وهو باطل، ولأن قولنا: الانسان حيوان، حمل ~~صادق وليس الانسان والحيوان مترادفين، ولا نعني به أن ذات الموضوع مباينة ~~لذات المحمول، فإن الشيئين المتباينين كالانسان والفرس يمتنع حمل أحدهما ~~على الآخر، بل نعني به أن الموضوع والمحمول بينهما اتحاد من وجه وتغاير من ~~وجه، فإذا قلنا: الضاحك كاتب، عنينا به أن الشئ الذي يقال له الضاحك هو ~~الشئ الذي يقال له الكاتب، فجهة الاتحاد هي الشئ وجهة التغاير هي الضحك ~~والكتابة. # إذا عرفت هذا فاعلم إن جهة الاتحاد قد تكون أمرا مغايرا للموضوع والمحمول ~~كما في هذا المثال، فإن الشئ الذي يقال له ضاحك وكاتب هو الانسان وهو غير ~~الموضوع والمحمول، وقد تكون أحدهما كقولنا: الانسان ضاحك والضاحك انسان. # قال: والتغاير لا يستدعي (1) قيام أحدهما بالآخر، ولا اعتبار عدم القائم ~~في # PageV00P105 # القيام لو استدعاه. # أقول: لما ذكر أن المحمول مغاير للموضوع من وجه صدق عليه مطلق التغاير ~~وصدق التغاير لا يستدعي قيام أحدهما بالآخر قيام العرض بمحله، فإنا نقول: # الانسان حيوان وليست الحيوانية ms057 قائمة بالانسانية، ثم لو فرضنا أن التغاير ~~مع الحمل يقتضي قيام أحدهما بالآخر لكن لا يلزم من كون المحمول قائما ~~بالموضوع كون الموضوع في نفسه مأخوذا باعتبار عدم القائم، فإنه حينئذ ~~اعتبار زائد على نفس المحمول والموضوع لا يستدعي مجرد القيام (1). # قال: وإثبات الوجود للماهية لا يستدعي وجودها أولا. # أقول: إن الحكماء اتفقوا على أن الموصوف بالصفة الثبوتية يجب أن يكون ~~ثابتا، وقد أورد على هذا أن الوجود ثابت للماهية فيجب أن تكون الماهية ~~ثابتة (2) أولا حتى يتحقق لها ثبوت آخر ويتسلسل. # PageV00P106 # والجواب ما تقدم فيما حققناه أولا من أن الوجود ليس عروضه للماهيات عروض ~~السواد للمحل، بل زيادته أنما هي في التصور والتعقل لا في الوجود الخارجي. # قال: وسلبه عنها لا يقتضي تميزها وثبوتها، بل نفيها لا إثبات نفيها، ~~وثبوتها في الذهن وإن كان لازما لكنه ليس شرطا. # أقول: سلب الوجود عن الماهية لا يقتضي أن تكون الماهية متميزة عن غيرها ~~وثابتة في نفسها، فإن التميز صفة غير الماهية وكذلك الثبوت والمسلوب عنه هو ~~نفس الماهية ليس الماهية مع غيرها، بل سلب الوجود يقتضي نفي الماهية لا ~~بمعنى أن تكون الماهية متحققة ويثبت لها النفي. # لا يقال: المسلوب عنه الوجود موجود في الذهن، فالسلب يقتضي الثبوت. # لأنا نقول: إنا لا نريد بذلك (1) أنه مسلوب عنه الوجود عند كونه موجودا ~~في الذهن، فإن كونه موجودا في الذهن صفة مغايرة له والمسلوب عنه هو الموصوف ~~فقط لا باعتبار كونه موصوفا بهذه الصفة أو غيرها وإن كان بحيث تلزمه هذه ~~الصفة أو غيرها. # قال: والحمل والوضع (2) من المعقولات الثانية يقالان بالتشكيك، وليست ~~الموصوفية ثبوتية وإلا تسلسل. # أقول: الحمل والوضع من الأمور المعقولة، وليس في الخارج حمل ولا وضع بل ~~الثابت في الخارج هو الانسان والكتابة وأما صدق الكاتب على الانسان فهو أمر ~~عقلي، ولهذا حكمنا بأن الحمل والوضع من المعقولات الثانية ويقالان ~~بالتشكيك، فإن استحقاق بعض المعاني للحمل أولى من البعض الآخر وكذا الوضع، # PageV00P107 # فإذا قلنا: الجسم أسود، فقد حكمنا على الجسم ms058 بأنه موصوف بالسواد ~~والموصوفية أمر اعتباري ذهني لا خارجي حقيقي، لأن الموصوفية لو كانت وجودية ~~لزم التسلسل، وبيان الملازمة أنها لو كانت خارجية لكانت عرضا قائما بالمحل، ~~فاتصاف محلها بها يستدعي موصوفية أخرى فننقل الكلام إليها ويتسلسل. # المسألة التاسعة والثلاثون في انقسام الوجود إلى ما بالذات والى ما ~~بالعرض قال: ثم الوجود قد يكون بالذات وقد يكون بالعرض. # أقول: الموجود إما أن يكون له حصول مستقل في الأعيان أو لا يكون، والأول ~~هو الموجود بالذات سواء كان جوهرا أو عرضا، فإن العرض وإن كان لا يوجد إلا ~~بمحله لكنه موجود حقيقة، فإن وجود العرض ليس هو بعينه وجود المحل، إذ قد ~~يوجد المحل بدون العرض ثم يوجد ذلك العرض فيه كالجسم إذا حل فيه السواد بعد ~~أن لم يكن. والثاني هو الموجود بالعرض كأعدام الملكات والأمور الاعتبارية ~~الذهنية التي لا تحقق لها في الأعيان، ويقال إنها موجودة في الأعيان ~~بالعرض. # قال: وأما الوجود في الكتابة (1) والعبارة فمجازي. # أقول: للشئ وجود في الأعيان ووجود في الأذهان وقد سبق البحث فيهما، ووجود ~~في العبارة ووجود في الكتابة، والذهن يدل على ما في العين والعبارة تدل على ~~الأمر الذهني والكتابة تدل على العبارة، لكن الوجودان (2) الأولان حقيقيان ~~والباقيان مجازيان، إذ لا يحكم العقل بأن الشئ موجود في اللفظ والكتابة، ~~لكن لما دل عليه حكم على سبيل المجاز أنه موجود فيهما. # PageV00P108 # المسألة الأربعون في أن المعدوم لا يعاد قال: والمعدوم لا يعاد لامتناع ~~الإشارة إليه، فلا يصح الحكم عليه بصحة العود. # أقول: ذهب جماعة من الحكماء والمتكلمين إلى أن المعدوم لا يعاد، وذهب ~~آخرون منهم إلى أنه ممكن أن يعاد، والحق الأول. واستدل المصنف رحمة الله ~~عليه بوجوه: الأول: أن المعدوم لا تبقى له هوية ولا يتميز عن غيره، فلا يصح ~~أن يحكم عليه بحكم ما من الأحكام فلا يمكن الحكم عليه بصحة العود، وهذا ~~ينتقض بامتناع الحكم عليه بامتناع العود فإنه حكم ما، والتحقيق هنا أن ~~الحكم يستدعي الحضور الذهني لا الوجود الخارجي. ms059 # قال: ولو أعيد تخلل العدم بين الشئ ونفسه. # أقول: هذا هو الوجه الثاني من الوجوه الدالة على امتناع إعادة المعدوم، ~~وتقريره أن الشئ بعد عدمه نفي محض وعدم صرف وإعادته أنما تكون بوجود عينه ~~الذي هو المبتدأ بعينه في الحقيقة فيلزم تخلل العدم بين الشئ ونفسه، وتخلل ~~النفي بين الشئ الواحد ونفسه غير معقول. # قال: ولم يبق فرق بينه وبين المبتدأ. # أقول: هذا هو الوجه الثالث، وتقريره أن المعدوم لو أعيد لم يبق فرق بينه ~~وبين المبتدأ، فإنا إذا فرضنا سوادين أحدهما معاد والآخر مبتدأ وجدا معا لم ~~يقع بينهما افتراق في الماهية ولا المحل ولا غير ذلك من المميزات إلا كون ~~أحدهما (1) كان موجودا ثم عدم والآخر لم يسبق عدمه وجوده، لكن هذا الفرق ~~باطل لامتناع تحقق الماهية في العدم، فلا يمكن الحكم عليها بأنها هي هي ~~حالة العدم، وإذا لم # PageV00P109 # يبق فرق بينهما لم يكن أحدهما أولى من الآخر بالإعادة أو الابتداء. # قال: وصدق المتقابلان عليه دفعة. # أقول: هذا وجه رابع، وهو أنه لو أعيد المعدوم لصدق المتقابلان على الشئ ~~الواحد دفعة واحدة والتالي باطل فالمقدم مثله، بيان الشرطية أنه لو أعيد ~~لأعيد مع جميع مشخصاته، ومن بعض المشخصات الزمان، فيلزم جواز الإعادة على ~~الزمان فيكون مبتدأ معادا وهو محال، لأنهما متقابلان لا يصدقان على ذات ~~واحدة. # قال: ويلزم التسلسل في الزمان. # أقول: هذا دليل على امتناع إعادة الزمان، وتقريره أنه لو أعيد الزمان ~~لكان وجوده ثانيا مغايرا لوجوده أولا، والمغايرة ليست بالماهية ولا بالوجود ~~وصفات الوجود بل بالقبلية والبعدية لا غير، فيكون للزمان زمان آخر يوجد فيه ~~تارة ويعدم أخرى، وذلك يستلزم التسلسل. # قال: والحكم بامتناع العود لأمر لازم للماهية. # أقول: هذا جواب عن استدلال من ذهب إلى إمكان إعادة المعدوم، وتقرير ~~الدليل أن الشئ بعد العدم إن استحال وجوده لماهيته أو لشئ من لوازمها وجب ~~امتناع مثله الذي هو الوجود المبتدأ، وإن كان لأمر غير لازم بل لعارض فعند ~~زوال ذلك العارض يزول الامتناع. # وتقرير الجواب ms060 أن الشئ بعد العدم ممتنع الوجود المقيد ببعدية العدم، وذلك ~~الامتناع لازم للماهية الموصوفة بالعدم بعد الوجود. # المسألة الحادية والأربعون في قسمة الموجود إلى الواجب والممكن قال: ~~وقسمة الموجود إلى الواجب والممكن ضرورية وردت على الوجود (1) # PageV00P110 # من حيث هو قابل للتقييد وعدمه. # أقول: العقل يحكم حكما ضروريا بأن الموجود إما أن يكون مستغنيا عن غيره ~~أو يكون محتاجا، والأول واجب والثاني ممكن، وهذه قسمة ضرورية لا يفتقر فيها ~~إلى برهان، وليست القسمة واردة على مطلق الوجود من حيث هو وجود مطلق، فإن ~~الشئ من حيث هو ذلك الشئ يستحيل أن ينقسم إلى متباينين هما غير ذلك الشئ، ~~وإذا اعتبرت قسمته فلا يؤخذ مع هذه الحيثية بل يؤخذ الشئ بلا تقيد بشرط مع ~~تجويز التقييد ويقسم فتنضاف إلى مفهومه مفهومات أخر، ويصير مفهومه مع كل ~~واحد من تلك المفهومات قسما. # المسألة الثانية والأربعون في البحث عن الإمكان قال: والحكم على الممكن ~~بإمكان الوجود حكم على الماهية لا باعتبار العدم والوجود. # أقول: الذهن إذا حكم بأمر على أمر فقد يلاحظ الوجود أو العدم للمحكوم ~~عليه وهو الحكم بأحدهما أو بما يشترط فيه أحدهما، وقد لا يلاحظ أحدهما ~~كالحكم بالامكان فإن الذهن إذا حكم على الممكن بإمكان الوجود أو العدم فإنه ~~لا يحكم عليه باعتبار كونه موجودا لأنه بذلك الاعتبار يكون واجبا، ولا ~~باعتبار كونه معدوما فإنه بذلك الاعتبار يكون ممتنعا، وإنما يتحقق الإمكان ~~للممكن من حيث هو هو لا باعتبار الوجود ولا باعتبار العدم. # وبهذا التحقيق يندفع السؤال الذي يهول به قوم وهو أن المحكوم عليه ~~بالامكان إما أن يكون موجودا أو معدوما فإن كان موجودا استحال الحكم عليه ~~بالامكان، لأن الموجود لا يقبل العدم لاستحالة الجمع بين الوجود والعدم، ~~وإذا PageV00P111 # امتنع حصول العدم امتنع حصول إمكان الوجود والعدم، وإن كان معدوما استحال ~~عليه قبول الوجود كما تقدم، وإذا استحال مجامعة الإمكان لوصفي الوجود ~~والعدم واستحال انفكاك الماهية عنهما استحال الحكم على الماهية بالامكان. # وذلك لأن القسمة (1) في قولهم المحكوم عليه بالامكان ms061 إما أن يكون موجودا ~~أو معدوما ليست بحاصرة، لأن المفهوم منه أن المحكوم عليه بالامكان إما أن ~~يحكم عليه مع اعتبار الوجود أو مع اعتبار العدم، ويعوزه قسم آخر وهو أن ~~يحكم عليه لا مع اعتبار أحدهما. وقولهم الموجود حال الوجود لا يقبل العدم ~~وكذا المعدوم صحيح، لكن الموجود يقبل العدم في غير حال الوجود وكذا ~~المعدوم، وليس حال الماهية إما حال الوجود أو حال العدم لأنهما حالان ~~تحصلان عند اعتبار الماهية مع الغير، أما عند اعتبارها لا مع الغير فإنها ~~تقبل أحدهما لا بعينه، وهذا الامتناع امتناع لاحق بشرط المحمول. # قال: ثم الإمكان قد يكون آلة في التعقل، وقد يكون معقولا باعتبار ذاته. # أقول: كون الشئ معقولا ينظر فيه العقل ويعتبر فيه وجوده ولا وجوده غير ~~(2) كونه آلة للتعقل، ولا ينظر فيه حيث ينظر فيما هو آلة لتعقله بل إنما ~~ينظر به مثلا العاقل يعقل السماء بصورة في عقله ويكون معقوله السماء، لا ~~ينظر حينئذ في الصورة التي بها يعقل السماء ولا يحكم عليها بحكم، بل يعقل ~~أن المعقول بتلك الصورة هو السماء وهو جوهر، ثم إذا نظر في تلك الصورة ~~وجعلها معقولا منظورا إليها لا آلة في النظر إلى غيرها وجدها عرضا موجودا ~~في محل هو عقله. # إذا ثبت هذا فنقول: الإمكان كآلة للعاقل بها يعرف حال الممكن في أن وجوده ~~على أي أنحاء العروض يعرض للماهية، ولا ينظر في كون الإمكان موجودا أو ~~معدوما أو جوهرا أو عرضا أو واجبا أو ممكنا، ثم إذا نظر في وجوده أو إمكانه ~~أو وجوبه أو جوهريته أو عرضيته لم يكن بذلك الاعتبار إمكانا لشئ، # PageV00P112 # بل كان عرضا في محل هو العقل وممكنا في ذاته ووجوده غير ماهيته، فالإمكان ~~من حيث هو إمكان لا يوصف بكونه موجودا أو غير موجود أو ممكنا أو غير ممكن، ~~وإذا وصف بشئ من ذلك لا يكون حينئذ إمكانا بل يكون له إمكان آخر يعتبره ~~العقل والامكان أمر عقلي، فمهما اعتبر العقل للامكان ماهية ووجودا حصل ms062 فيه ~~إمكان إمكان ولا يتسلسل، بل ينقطع عند انقطاع الاعتبار. وهكذا حكم جميع ~~الاعتبارات العقلية من الوجوب والشيئية والحدوث وغيرها من ثواني المعقولات. # قال: وحكم الذهن (1) على الممكن بالامكان اعتبار عقلي، فيجب أن تعتبر ~~مطابقته لما في العقل. # أقول: قد تقدم مواضع اعتبار المطابقة وعدمها، والامكان إذا اعتبر فيه ~~المطابقة فيجب أن يكون مطابقا لما في العقل لأنه اعتبار عقلي على ما تقدم. # المسألة الثالثة والأربعون في أن الحكم بحاجة الممكن إلى المؤثر ضروري ~~قال: والحكم بحاجة الممكن ضروري (2) وخفاء التصديق لخفاء التصور غير قادح. # PageV00P113 # أقول: كل عاقل إذا تصور الممكن ما هو والاحتياج إلى المؤثر حكم بنسبة ~~أحدهما إلى الآخر حكما ضروريا لا يحتاج معه إلى برهان وخفاء هذا التصديق ~~عند بعض العقلاء لا يقدح في ضروريته، لأن الخفاء في الحكم يسند إلى خفاء ~~التصور لا لخفائه في نفسه، ولهذا إذا مثل للمتشكك في هذه القضية حال الوجود ~~والعدم بالنسبة إلى الماهية بحال كفتي الميزان وأنهما كما يستحيل ترجح إحدى ~~الكفتين على الأخرى بغير مرجح، كذلك الممكن المتساوي الطرفين حكم بالحاجة ~~إلى المؤثر. # قال: والمؤثرية اعتبار عقلي (1). # أقول: هذا جواب عن سؤال أورده بعض المغالطين على احتياج الممكن إلى ~~المؤثر. # وتقرير السؤال: أن الممكن لو افتقر إلى المؤثر لكانت مؤثرية المؤثر في ~~ذلك الأثر إن كانت وصفا ثبوتيا في الذهن من غير مطابقة الخارج لزم الجهل، ~~ولأنها ثابتة قبل الذهن ويستحيل قيام صفة الشئ بغيره، وإن كانت بمطابقة ~~الخارج أو # PageV00P114 # كانت ثابتة في الخارج مغايرة للمؤثر والأثر لأنها نسبة بينهما لزم ~~التسلسل وهو محال، وبتقدير تسليمه فهو غير معقول لأن التسلسل أنما يعقل لو ~~فرضنا أمورا متتالية إلى غير النهاية، وذلك يستدعي كون كل واحد منها متلوا ~~بصاحبه، وإنما يكون متلوا بصاحبه لو لم يكن بينه وبين متلوه غيره، لكن ذلك ~~محال لأن تأثير المتلو في التالي متوسط بينهما وقد كان لا متوسط هذا خلف، ~~وليست المؤثرية عدمية لأنها نقيض اللا مؤثرية المحمولة على المعدوم، ~~والمحمول على المعدوم عدم، ms063 ونقيض العدم ثبوت، فالمؤثرية ثبوتية. # وتقرير الجواب: أن المؤثرية أمر إضافي يثبت في العقل عند تعقل صدور الأثر ~~عن المؤثر فإن تعقل ذلك يقتضي ثبوت أمر في العقل هو المؤثرية كما في سائر ~~الإضافات، وعدم مطابقته للخارج لا يقتضي كونه جهلا لأن الجهل يلزم لو حكم ~~بثبوته في الخارج ولم يثبت في الخارج. # وقوله: والمؤثرية صفة قبل الذهن وصفة الشئ يستحيل قيامها بغيره، فجوابه ~~أن كون الشئ بحيث لو عقله عاقل حصل في عقله إضافة لذلك الشئ إلى غيره هو ~~الحاصل قبل الأذهان لا الذي يحصل في العقل فإن ذلك يستحيل وجوده قبل وجود ~~العقل. # قال: والمؤثر يؤثر في الأثر لا من حيث هو موجود ولا من حيث هو معدوم. # أقول: هذا جواب عن سؤال آخر لهم، وتقرير السؤال أن المؤثر إما أن يؤثر في ~~الأثر حال وجوده أو حال عدمه، والقسمان باطلان، فالتأثير باطل. أما بطلان ~~الأول فلاستلزامه تحصيل الحاصل، وأما بطلان الثاني فلأن حال العدم لا أثر ~~فلا تأثير لأن التأثير إن كان عين حصول الأثر عن المؤثر فحيث لا أثر فلا ~~تأثير وإن كان مغايرا، فالكلام فيه كالكلام في الأول. # وتقرير الجواب: أن نقول: إن أردت بحال وجود الأثر زمان وجوده فليس ~~بمستحيل أن يؤثر المؤثر في الأثر في زمان وجود الأثر، لأن العلة مع المعلول ~~PageV00P115 # تكون بهذه الصفة، وإن أردت به مقارنة المؤثر للأثر الذاتية فذلك مستحيل ~~(1)، وإنما يؤثر فيه لا من حيث هو موجود ولا من حيث هو معدوم. # قال: وتأثيره في الماهية ويلحقه وجوب لاحق. # أقول: هذا جواب عن سؤال ثالث لهم، وتقريره أن المؤثر إما أن يؤثر في ~~الماهية أو في الوجود أو في اتصاف الماهية بالوجود، والأقسام بأسرها باطلة ~~فالتأثير باطل. # أما الأول: فلأن كل ما بالغير يرتفع بارتفاعه لكن ذلك محال، لأن صيرورة ~~الماهية غير ماهية محال، لأن موضوع القضية يجب أن يتحقق حال ثبوت محمولها ~~ولا تحقق للماهية حال الحكم عليها بالعدم. # وأما الثاني: فلأنه يلزم ارتفاع الوجود عند ارتفاع ms064 المؤثر ويلزم ما تقدم ~~من المحال. # وأما الثالث: فلأن الموصوفية ليست ثبوتية وإلا لزم التسلسل فلا تكون أثرا ~~سلمنا لكن المؤثر يؤثر في ماهيتها أو في وجودها أو في اتصاف ماهيتها ~~بوجودها ويعود المحال. # وتقرير الجواب: أن المؤثر يؤثر في الماهية، وعند فرض الماهية يجب تحققها ~~وجوبا لاحقا بسبب الفرض مترتبا على الفرض، ومع ذلك الوجوب يمتنع تأثير ~~المؤثر فيه فإنه يكون إيجادا لما فرض موجودا أما قبل فرضه ماهية فيمكن أن ~~يوجدها المؤثر على سبيل الوجوب ويكون ذلك الوجوب سابقا على وجوده، والفرق ~~بين الوجوبين ظاهر ذكر في المنطق، والغلط هنا نشأ من قبل اشتراك لفظ الوجوب ~~لدلالته على المعنيين بالشركة اللفظية، وقولنا عدمت الماهية معناه أن ~~الماهية الحاصلة في زمان ليست تحصل في زمان بعده ويكون ذلك حملا لغير ~~الحاصل على المتصور منه لا على الموجود الخارجي، لأن الوضع والحمل من # PageV00P116 # ثواني المعقولات على ما مر ولا يكونان في الخارج، وكذا البحث في حصول ~~الوجود من موجده ومن يجعل تأثير المؤثر في جعل الماهية موصوفة بالوجود وهم ~~القائلون بثبوت المعدوم لم يتعلق ذلك بموصوفية الماهية بالوجود، لأن ذلك ~~أمر إضافي يحصل بعد اتصافها به، والمراد من تأثير المؤثر هو ضم الماهية إلى ~~الوجود، ولا يلزم من ذلك ما ذكروه من المحال. # قال: وعدم الممكن يستند إلى عدم علته على ما مر. # أقول: هذا جواب عن سؤال آخر، وتقريره أن يقال: إن الممكن لو افتقر في طرف ~~الوجود إلى المؤثر لافتقر في طرف العدم لتساويهما بالنسبة إليه، والتالي ~~باطل، لأن المؤثر لا بد له من أثر والعدم نفي محض، فيستحيل استناده إلى ~~المؤثر، ولأنه نفي محض فلا تعدد فيه ولا امتياز. # وتقرير الجواب: أن عدم الممكن المتساوي ليس نفيا محضا بل هو عدم ملكة، ~~وتساوي طرفي وجوده وعدمه أنما يكون في العقل، والمرجح لطرف الوجود يكون ~~موجودا في الخارج، وأما في العدم فلا يكون إلا عقليا، وعدم العلة ليس بنفي ~~محض وهو يكفي في الترجيح العقلي ولامتيازه عن عدم ms065 المعلول في العقل يجوز أن ~~يعلل هذا العدم بذلك العدم في العقل. # المسألة الرابعة والأربعون في أن الممكن الباقي محتاج إلى المؤثر قال: ~~والممكن الباقي مفتقر إلى المؤثر لوجود علته. # أقول: ذهب جمهور الحكماء والمتأخرين من المتكلمين إلى أن الممكن الباقي ~~محتاج إلى المؤثر، وبالجملة كل من قال بأن الإمكان (1) علة تامة في # PageV00P117 # احتياج الأثر إلى المؤثر حكم بأن الممكن الباقي مفتقر إلى المؤثر، ~~والدليل عليه أن علة الحاجة إنما هي الإمكان وهو لازم للماهية ضروري ~~اللزوم، فهي أبدا محتاجة إلى المؤثر، لأن وجود العلة يستلزم وجود المعلول. # قال: والمؤثر يفيد البقاء بعد الإحداث (1). # أقول: لما حكم باحتياج الممكن الباقي إلى المؤثر شرع في تحقيق الحال فيه، ~~وأن الصادر عن المؤثر ما هو حال البقاء، وذلك لأن الشبهة دخلت على القائلين ~~باستغناء الباقي عن المؤثر بسبب أن المؤثر لا تأثير له حال البقاء لأنه إما ~~أن يؤثر في الوجود الذي كان حاصلا وهو محال لأن تحصيل الحاصل محال، أو في ~~أمر جديد فيكون المؤثر مؤثرا في الجديد لا في الباقي. # والتحقيق: أن قولهم: المؤثر حال البقاء إما أن يكون له في الأثر تأثير أو ~~لا، يشتمل على غلط (2) فإن المؤثر في البقاء لا يكون له أثر البقاء حال ~~البقاء # PageV00P118 # وتحصيل الحاصل أنما لزم منه. والحق أن المؤثر يفيد البقاء بعد الإحداث، ~~وتأثيره بعد الإحداث في أمر جديد هو البقاء فإنه غير الإحداث فهو مؤثر في ~~أمر جديد صار به باقيا لا في الذي كان باقيا (1). # قال: فلهذا جاز استناد القديم الممكن إلى المؤثر الموجب (2) لو أمكن (3)، ~~ولا # PageV00P119 # يمكن استناده إلى المختار. # أقول: هذا نتيجة ما تقدم من أن الممكن الباقي إذا ثبت أنه محتاج إلى ~~المؤثر ثبت جواز استناد القديم الممكن إلى المؤثر الموجب، أما استناده إلى ~~المختار فغير ممكن لأن المختار هو الذي يفعل بواسطة القصد والاختيار، ~~والقصد أنما يتوجه في التحصيل إلى شئ معدوم، لأن القصد إلى تحصيل الحاصل ~~محال، وكل معدوم تجدد فهو حادث. # المسألة الخامسة والأربعون ms066 في نفي قديم ثان قال: ولا قديم سوى الله تعالى ~~(1) لما يأتي. # أقول: قد خالف في هذا جماعة كثيرة، أما الفلاسفة فظاهر (2) لقولهم بقدم ~~العالم. # PageV00P121 # وأما المسلمون (1)، فالأشاعرة أثبتوا ذاته تعالى وصفاته في الأزل كالقدرة ~~والعلم والحياة والوجود والبقاء وغير ذلك من الصفات على ما يأتي. # وأبو هاشم أثبت أحوالا خمسا فإنه علل القادرية والعالمية والحيية ~~والموجودية بحالة خامسة (2) هي الإلهية. # وأما الحرنانيون فقد أثبتوا خمسة من القدماء، اثنان حيان فاعلان هما ~~الباري تعالى والنفس (3) وواحد منفعل غير حي هو الهيولى واثنان لا حيان ولا ~~فاعلان ولا منفعلان هما الدهر والخلاء. أما قدمه تعالى فظاهر، وأما النفس ~~والهيولى فلاستحالة تركبهما عن المادة وكل حادث مركب، وأما الزمان (4) ~~فلاستحالة التسلسل اللازم على تقدير عدمه، وأما الخلاء فرفعه غير معقول. ~~واختار ابن زكريا الرازي الطبيب هذا المذهب وصنف كتابا موسوما بالقول في ~~القدماء الخمسة. وكل هذه المذاهب باطلة (5)، لأن كل ما سوى الله تعالى ممكن ~~وكل ممكن حادث وسيأتي تقريرهما. # PageV00P122 # المسألة السادسة والأربعون في عدم وجوب المادة والمدة للحادث قال: ولا ~~يفتقر الحادث إلى المدة والمادة (1) وإلا لزم التسلسل. # أقول: ذهبت الفلاسفة إلى أن كل حادث مسبوق بمادة ومدة، لأن كل حادث ممكن ~~وإمكانه سابق عليه وهو عرض لا بد له من محل وليس المعدوم لانتفائه فهو ~~ثبوتي هو المادة، ولأن كل حادث يسبقه عدمه سبقا لا يجامعه المتأخر، فالسبق ~~بالزمان يستدعي ثبوته، وهذان الدليلان باطلان لأنه يلزم منهما التسلسل، لأن ~~المادة ممكنة فمحل إمكانها مغاير لها فيكون لها مادة أخرى على أنا قد بينا ~~إن الإمكان عدمي، لأنه لو كان ثبوتيا لكان ممكنا فيكون له إمكان ويلزم ~~التسلسل، والزمان يتقدم أجزاؤه بعضها على بعض هذا النوع من التقدم فيكون ~~للزمان زمان هذا خلف. # أجابوا عن الأول: بأن الإمكان لفظ مشترك بين معنيين: الأول: ما يقابل # PageV00P123 # الامتناع وهو صفة عقلية يوصف بها كل ما عدا الواجب والممتنع من المتصورات ~~ولا يلزم من اتصاف الماهية بها كونها مادية. والثاني: الاستعداد وهو موجود ~~معدود ms067 في نوع من أنواع جنس الكيف، وإذا كان موجودا وعرضا وغير باق بعد ~~الخروج إلى الفعل فيحتاج لا محالة قبل الخروج إلى محل وهو المادة. # وعن الثاني: أن القبلية والبعدية تلحقان الزمان لذاته فلا يفتقر إلى زمان ~~آخر. # قلنا: أما الأول فباطل، لأن ذلك العرض حادث فيتوقف على استعداد له ويعود ~~البحث في التسلسل، وأما الثاني فكذلك لأن أجزاء الزمان لو كانت تتقدم بعضها ~~على البعض لذاتها وتتأخر كذلك كانت أجزاء الزمان مختلفة بالحقيقة، فكان ~~الزمان مركبا من الآنات وهو عندكم باطل. # المسألة السابعة والأربعون في أن القديم لا يجوز عليه العدم قال: والقديم ~~عليه العدم لوجوبه بالذات أو لاستناده إليه. # أقول: القديم إن كان عدما جاز عليه العدم كعدم العالم وإن كان العدم لا ~~يسمى قديما (1)، وإن كان وجودا استحال عدمه لأنه إما أن يكون واجب الوجود ~~فيستحيل عدمه، أو ممكن الوجود فمؤثره لا يجوز أن يكون مختارا لأن كل أثر ~~لمختار حادث فيكون موجبا، فإن كان واجبا استحال عدمه فاستحال عدم معلوله، ~~وإن كان ممكنا تسلسل. # قال: # PageV00P124 # الفصل الثاني في الماهية ولواحقها (1) وهي مشتقة عما هو وهو ما به يجاب ~~(2) عن السؤال بما هو وتطلق غالبا على الأمر المتعقل، والذات والحقيقة ~~عليها (3) مع اعتبار الوجود، والكل من ثواني المعقولات. # أقول: في هذا الفصل مباحث شريفة جليلة نحن نذكرها في مسائل: # المسألة الأولى في الماهية والحقيقة والذات أما الماهية فهي لفظة مأخوذة ~~عن (ما هو) وهو ما به يجاب عن السؤال بما # PageV00P125 # هو، فإنك إذا قلت: ما هو الانسان، فقد سألت عن حقيقته وماهيته، فإذا قلت: # حيوان ناطق، كان هذا الجواب هو ماهية الانسان، وهذه اللفظة - أعني ~~الماهية - أنما تطلق في الغالب من الاستعمال على الأمر المعقول، وإذا لحظ ~~مع ذلك الوجود قيل له حقيقة وذات، والماهية والحقيقة والذات من المعقولات ~~الثانية العارضة للمعقولات الأولى، فإن حقيقة الانسان - أعني الحيوان ~~الناطق - معروضة لكونها ماهية وذاتا وحقيقة، وهذه عوارض لها. # قال: وحقيقة كل شئ واحدة مغايرة (1) لما يعرض لها من ms068 الاعتبارات وإلا لم ~~تصدق على ما ينافيها. # أقول: كل شئ له حقيقة هو بها ما هو، فالإنسانية من حيث هي إنسانية حقيقة ~~وهي مغايرة لجميع ما يعرض لها من الاعتبارات، فإن الانسانية من حيث هي ~~إنسانية لا يدخل في مفهومها الوجود والعدم ولا الوحدة والكثرة ولا الكلية ~~والجزئية ولا غير ذلك من الاعتبارات اللاحقة بها، لأن الوحدة مثلا لو دخلت ~~في مفهوم الانسانية لم تصدق الانسانية على ما ينافي الوحدة، لكنها تصدق ~~عليه لصدقها على الكثرة، وكذلك القول في الكثرة وكذا الوجود والعدم والكلية ~~والجزئية وغيرها، فهي إذن مغايرة لهذه الاعتبارات وقابلة لها قبول المادة ~~للصور المختلفة والأعراض المتضادة. # قال: وتكون الماهية مع كل عارض مقابلة لها مع ضده. # أقول: إذا أخذت الماهية مع قيد الوحدة مثلا صارت واحدة، وإذا أخذت مع قيد ~~الكثرة صارت كثيرة، فالواحدية أمر مضموم إليها مغاير لها تصير بها الماهية ~~واحدة وتقابل باعتبارها الماهية باعتبار القيد الآخر، فإن الانسان الواحد ~~مقابل للانسان الكثير باعتبار العارضين لا باعتبار الماهية نفسها. # قال: وهي من حيث هي ليست إلا هي ولو سئل بطرفي النقيض فالجواب السلب لكل ~~شئ قبل الحيثية لا بعدها. # PageV00P126 # أقول: الانسانية من حيث هي هي ليست إلا الانسانية، وجميع ما يعرض لها من ~~الاعتبارات مغاير لها كالوحدة والكثرة على ما تقدم، إذا عرفت هذا فإذا ~~سئلنا عن الانسان بطرفي النقيض فقيل مثلا: هل الانسان ألف أم ليس؟ كان ~~الجواب دائما بالسلب على أن يكون قبل من حيث لا بعد من حيث، فنقول: الانسان ~~ليس من حيث هو انسان ألفا، ولا نقول: الانسان من حيث هو انسان ليس ألفا ~~(1). ولو قيل: الانسانية التي في زيد لا تغاير التي في عمرو من حيث هي ~~إنسانية لم يلزم منه أن تقول: فإذن تلك الوحدة بالعدد، لأن قولنا: من حيث ~~هي إنسانية، أسقط جميع الاعتبارات، وقيد الوحدة زائد فيجب حذفه. # المسألة الثانية في أقسام الكلي قال: وقد تؤخذ الماهية محذوفا عنها ما ~~عداها بحيث لو انضم إليها شئ لكان ms069 زائدا ولا تكون مقولة على ذلك المجموع ~~وهو الماهية (2) بشرط لا شئ ولا توجد إلا في الأذهان. # أقول: الماهية كالحيوان مثلا قد تؤخذ محذوفا عنها جميع ما عداها بحيث لو ~~انضم إليها شئ لكان ذلك الشئ زائدا على تلك الماهية، ولا تكون الماهية ~~صادقة على ذلك المجموع وهو الماهية بشرط لا شئ، وهذا لا يوجد إلا في ~~الأذهان لا في الخارج، لأن كل موجود في الخارج مشخص، وكل مشخص # PageV00P127 # فليس بمتجرد عن الاعتبارات. # قال: وقد تؤخذ لا بشرط شئ وهو كلي طبيعي موجود في الخارج، وهو جزء من ~~الأشخاص وصادق على المجموع الحاصل منه ومما يضاف إليه. # أقول: هذا اعتبار آخر للماهية معقول، وهو أن تؤخذ الماهية من حيث هي هي ~~لا باعتبار التجرد ولا باعتبار عدمه، كما يؤخذ الحيوان من حيث هو هو لا ~~باعتبار تجرده عن الاعتبارات، بل مع تجويز أن يقارنه غيره مما يدخل في ~~حقيقته، وهذا هو الحيوان لا بشرط شئ وهو الكلي الطبيعي، لأنه نفس الطبائع ~~الأشياء وحقائقها وهذا الكلي موجود في الخارج، فإن الحيوان المقيد موجود في ~~الخارج وكل موجود في الخارج فإن أجزاءه موجودة في الخارج، فالحيوان من حيث ~~هو هو الذي هو جزء من هذا الحيوان موجود، وهذا الحيوان جزء من الأشخاص ~~الموجودة وهو صادق على المجموع المركب منه ومن قيد الخصوصية المضاف إليه. # قال: والكلية العارضة للماهية يقال لها كلي منطقي وللمركب منهما عقلي ~~وهما ذهنيان، فهذه اعتبارات ثلاثة ينبغي تحصيلها في كل ماهية معقولة. # أقول: هذان اعتباران آخران للكلي (أحدهما) الكلية العارضة لها وهو الكلي ~~المنطقي لأن المنطقي يبحث عنه. (والثاني) العقلي وهو المركب من الماهية ومن ~~الكلية العارضة لها، فإن هذا اعتبار آخر مغاير للأولين، وهذان الكليان ~~عقليان لا وجود لهما في الخارج، أما المنطقي فلأنه لا يتحقق إلا عارضا ~~لغيره، إذ الكلية من ثواني المعقولات ليست متأصلة في الوجود، إذ ليس في ~~الخارج شئ هو كلي مجرد، فالكلية إذا عارضة لغيرها وكل معروض للكلي من حيث ~~هو معروض ms070 له فهو ذهني، إذ كل موجود في الخارج شخصي وكل شخصي فليس بكلي ~~فالكلي ذهني وكذا الكلي العقلي لهذا فهذه اعتبارات ثلاثة في كل معقول ينبغي ~~تحصيلها (أحدها) الكلي الطبيعي وهو نفس الماهية (والثاني) الكلي المنطقي ~~وهو العارض لها (والثالث) العقلي وهو المركب منهما. PageV00P128 # المسألة الثالثة (1) في انقسام الماهية إلى البسيط والمركب قال: والماهية ~~منها بسيط وهو ما لا جزء له، ومنها مركب وهو ما له جزء، وهما موجودان ~~ضرورة. # أقول: الماهية إما أن يكون لها جزء تتقوم منه ومن غيره، وإما أن لا تكون ~~كذلك. والأول هو المركب كالانسان المتقوم من الحيوان والنطق، والثاني هو ~~البسيط كالجوهر الذي لا جزء له، وهذان القسمان موجودان بالضرورة فإنا نعلم ~~بالضرورة وجود المركبات كالجسم والانسان والفرس وغيرها من الحقائق المركبة، ~~ووجود المركب يستلزم وجود أجزائه، فالبسائط موجودة بالضرورة. # قال: ووصفاهما اعتباريان متنافيان وقد يتضايفان فيتعاكسان في العموم ~~والخصوص مع اعتبارهما بما مضى (2). # PageV00P129 # أقول: يعني أن وصف البساطة والتركيب اعتباريان عقليان عارضان لغيرهما من ~~الماهيات، إذ لا موجود هو بسيط أو مركب محض، فالبساطة والتركيب لا يعقلان ~~إلا عارضان فهما من ثواني المعقولات، ولو كانا موجودين لزم التسلسل. ~~PageV00P130 # إذا عرفت هذا فإنهما متنافيان، إذ لا يصدق على شئ أنه بسيط ومركب وإلا ~~لزم اجتماع النقيضين فيه وهو محال. # وقد يتضايفان أعني يؤخذ البسيط بسيطا بالنسبة إلى مركب مخصوص فيكون ~~بساطته باعتبار كونه جزءا من ذلك المركب لا أنه لا جزء له هو المركب ~~المخصوص (1)، ويكون المركب مركبا باعتبار القياس إليه فيتحقق الإضافة ~~بينهما، وهذا كالحيوان فإنه بسيط بالنسبة إلى الانسان على معنى أنه جزء منه ~~فيكون أبسط منه، وإذا أخذا باعتبار التضايف تعاكسا مع اعتبارهما الأول أعني ~~(2) الحقيقي عموما وخصوصا، وذلك لأنهما بالمعنى الحقيقي متنافيان، لأن ~~البسيط لا يصدق عليه أنه مركب بذلك المعنى، وإذا أخذا بالمعنى الإضافي ~~جوزنا أن يكون البسيط مركبا، لأن بساطته ليست باعتبار نفسه بل باعتبار كونه ~~جزءا من غيره، وإذا جاز كون البسيط بهذا المعنى مركبا كان أعم ms071 من البسيط ~~بالمعنى الأول، فيكون المركب بهذا المعنى أخص منه بالمعنى الأول فقد تعاكسا ~~(3) أعني البسيط # PageV00P131 # والمركب في العموم والخصوص باختلاف الاعتبار. # قال: وكما تتحقق الحاجة (1) في المركب فكذا في البسيط. # أقول: الحاجة تعرض للبسيط وللمركب معا، فإن كل واحد منهما ممكن وكل # PageV00P132 # ممكن على الإطلاق فإنه محتاج إلى السبب، فالحاجة ثابتة في كل واحد منهما. # وقد منع بعض الناس احتياج البسيط إلى المؤثر، لأن علة الحاجة أنما هي ~~الإمكان وهو أمر نسبي أنما يعرض لمنتسبين، فما لم تتحقق الاثنينية لم تتحقق ~~الحاجة، ولا اثنينية في البسيط فلا احتياج له. # والجواب: أن الإمكان أمر عقلي يعرض لمنتسبين عقليين هما الماهية والوجود ~~وتتحقق باعتباره الحاجة لكل واحد منهما إلى المؤثر. # قال: وهما قد يقومان بأنفسهما (1) وقد يفتقران إلى المحل. # أقول: كل واحد من البسيط والمركب قد يكون قائما بنفسه كالجوهر والحيوان، ~~وقد يكون مفتقرا إلى المحل كالكيف والسواد وهما ظاهران، إذا عرفت هذا ~~فالمركب من الأول لا بد وأن يكون أحد أجزائه قائما بنفسه والآخر قائما به، ~~والمركب من الثاني لا بد وأن يكون جميع أجزائه محتاجا إلى المحل، إما إلى ~~ماحل فيه المركب أو البعض إليه والباقي إلى ذلك البعض. # قال: والمركب أنما يتركب عما يتقدمه وجودا وعدما بالقياس إلى الذهن ~~والخارج وهو علة الغنى عن السبب (2) فباعتبار الذهن بين وباعتبار الخارج ~~غني، فتحصل خواص ثلاث، واحدة متعاكسة واثنتان أعم. # أقول: المركب هو الذي تلتئم ماهيته عن عدة أمور، فبالضرورة يكون تحققه ~~متوقفا على تحقق تلك الأمور، والمتوقف على الغير متأخر عنه فالمركب متأخر ~~عن تلك الأمور فيتأخر عن كل واحد منها، فكل واحد منها موصوف بالتقدم في # PageV00P133 # طرف الوجود، ثم إذا عدم أحدها لم تلتئم تلك الأمور فلا تحصل الماهية، ~~فيكون عدم أي جزء كان من تلك الأمور علة لعدم المركب، والعلة متقدمة على ~~المعلول، فكل واحد من تلك الأمور موصوف بالتقدم في طرف العدم أيضا، فقد ظهر ~~أن جزء الحقيقة (1) متقدم عليها في الوجود والعدم، ثم إن الذهن ms072 مطابق ~~للخارج فيجب أن يحكم بالتقدم في الوجود الذهني والعدم الذهني فقد تحقق أن ~~المركب أنما يتركب عما يتقدمه وجودا وعدما بالقياس إلى الذهن والخارج. # إذا عرفت هذا فنقول: هذا التقدم (2) الذي هو من خواص الجزء يستلزم ~~استغناء الجزء عن السبب الجديد (3)، لسنا نقول: إنه يكون مستغنيا عن مطلق ~~السبب، فإن فاعل الجزء هو فاعل الكل (4)، وذلك لأن المتقدم لا يعقل احتياجه ~~إلى علة متأخرة عن المتأخر عنه، بل ولا خارجة عن علة المركب، فإن علة كل ~~جزء داخلة في علة الكل، فإذا اعتبر هذا التقدم بالنسبة إلى الذهن فهو ~~البين، وإذا اعتبر بالنسبة إلى الخارج فهو الغنى عن السبب، وهذه الخاصة أعم ~~من الخاصة الأولى لأن الأولى هي الحصول الموصوف بالتقدم (5) والثانية هي ~~الحصول المطلق (6)، ولهذا قيل: لا يلزم من كون الوصف بين الثبوت للشئ وكونه ~~غنيا عن # PageV00P134 # السبب الجديد كونه جزءا. # فقد حصل لكل ذاتي على الإطلاق خواص ثلاث: الأولى: وجوب تقدمه في الوجودين ~~والعدمين وهذه متعاكسة عليه. الثانية: استغناؤه عن السبب الجديد. # الثالثة: امتناع رفعه عما هو ذاتي له، وهاتان الخاصتان إضافيتان أعم منه ~~(1) لمشاركة بعض اللوازم له في ذلك. # المسألة الرابعة في أحكام الجزء قال: ولا بد من حاجة ما (2) لبعض الأجزاء ~~إلى البعض، ولا يمكن شمولها باعتبار واحد. # أقول: كل مركب على الإطلاق فإنه يتركب من جزئين فصاعدا، ولا بد من أن ~~يكون لأحد الأجزاء حاجة إلى جزء آخر مغاير له، فإنه لو استغنى كل جزء عن ~~باقي الأجزاء لم تحصل منها حقيقة واحدة كما لا تحصل من الانسان الموضوع فوق ~~الحجر مع الحجر حقيقة متحدة، فلا بد لكل مركب (3) على الإطلاق من حاجة لبعض ~~أجزائه إلى بعض. # ثم المحتاج قد يكون هو الجزء الصوري لا غير كالهيئة الاجتماعية في العسكر ~~والبلدة في البيوت والعشرية في العدد والمعجون عن اجتماع الأدوية. # وقد يكون هو الجزء المادي كالهيولى في الجسم، ولا يمكن شمول الحاجة بأن ~~يكون الجزء المادي محتاجا إلى الصوري والصوري محتاجا إلى المادي إذا ms073 # PageV00P135 # أخذت الحاجة باعتبار واحد لأنه يلزم الدور المحال. # وقد تشمل الحاجة الجزئين معا لا باعتبار واحد، كالمادة المحتاجة (1) في ~~وجودها إلى الصورة والصورة المحتاجة في تشخصها إلى المادة. # قال: وهي قد تتميز في الخارج وقد تتميز في الذهن. # أقول: أجزاء الماهية (2) لا بد وأن تكون متمايزة، ثم التمايز قد يكون ~~خارجيا كامتياز النفس والبدن اللذين هما جزءا الانسان، وقد يكون ذهنيا ~~كامتياز جنس السواد عن فصله، فإنه لو كان خارجيا لم يخل إما أن يكون كل ~~واحد منهما محسوسا أو لا، والأول باطل لأنه إن ماثل السواد استحال جعله ~~مقوما لعدم الأولوية ولزوم كون الشئ مقوما لنفسه، وإن خالفه فإذا انضاف ~~الفصل إلى الجنس فأما أن لا تحدث هيئة أخرى فيكون المحسوس هو اللونية ~~المطلقة فالسوادية المحسوسة هي اللونية المطلقة هذا خلف، أو تحدث هيئة أخرى ~~فلا يكون الاحساس بمحسوس واحد بل بمحسوسين هذا خلف، والثاني باطل (3) لأنه ~~لم تحصل عند الاجتماع هيئة أخرى كان السواد غير محسوس، وإن حدث كان الحادث ~~هو السواد وهو معلول الجزئين وهو خارج عنهما، فيكون التركيب في قابل السواد ~~أو فاعله (4) لا فيه هذا خلف. # قال: وإذا اعتبر عروض العموم ومضائفه (5) فقد تتباين وقد تتداخل. # أقول: هذه القسمة باعتبار عروض العموم ومضائفه أعني الخصوص # PageV00P136 # للأجزاء (1) فإنا إذا اعتبرنا عروضهما (2) للأجزاء حدثت هذه القسمة، وذلك ~~لأن أجزاء الماهية إما أن يكون بعضها أعم من البعض (3) فتسمى المتداخلة أو ~~لا تكون فتسمى المتباينة (4). # والمتداخلة قد يكون العام عاما مطلقا إما متقوما بالخاص وموصوفا به ~~كالجنس ومضائفه الفصل، أو صفة له (5) كالموجود المقول على المقولات العشر، ~~أو مقوما للخاص كالنوع الأخير المقوم لخواصه المطلقة، وقد يكون مضافا (6) ~~كالحيوان والأبيض. # والمتباينة ما يتركب عن الشئ وإحدى علله أو معلولاته أو غيرهما إما بعضها ~~عدمي كالأول (7) أو كلها وجودية حقيقية متشابهة كالآحاد في العدد، أو ~~مختلفة إما معقولة كالمادة والصورة والعفة والحكمة في العدالة، أو محسوسة ~~كاللون والشكل في الخلقة والسواد والبياض في البلقة، أو بعضها إضافي ~~كالسرير المعتبر ms074 في تحققه نوع نسبة، أو كلها كذلك كالأقرب والأبعد، فهذه ~~أصناف المركبات. # قال: وقد تؤخذ مواد وقد تؤخذ محمولة. # أقول: أجزاء الماهية قد ينظر إليها باعتبار كونها مواد فتكون أجزاءا ~~حقيقية، ولا تحمل على المركب حمل هو هو لاستحالة كون الكل هو الجزء، وقد ~~ينظر إليها # PageV00P137 # باعتبار كونها محمولة صادقة على المركب. # مثاله الحيوان قد يؤخذ مع الناطق فيكون هو الانسان نفسه، وقد يؤخذ بشرط ~~التجرد والخلو عن الناطق وهو الماهية بشرط لا شئ كما تقدم تحقيقه (1)، ~~فيستحيل حمله على المجموع المركب منه ومن غيره، وإذا أخذ من حيث هو هو مع ~~قطع النظر عن القيدين كان محمولا. # قال: فتعرض لها الجنسية والفصلية. # أقول: إذا اعتبرنا حمل الجزء على الماهية حصلت الجنسية والفصلية، لأن ~~الجنس هو الجزء المشترك والفصل هو الجزء المميز والجزء المحمول يكون أحدهما ~~قطعا، فإذا أخذ الجزء محمولا حصلت الجنسية أعني مقولية ذلك الجزء على ~~كثيرين، أو الفصلية أعني تميز الجزئية، فجزء الماهية إما جنس أو فصل، ~~والجنس هو الكلي المقول على كثيرين مختلفين بالحقائق في جواب ما هو، والفصل ~~هو المقول على الشئ في جواب أي شئ هو في جوهره. # قال: وجعلاهما واحد (2). # أقول: يعني به جعل الجنس والفصل، ولم يكونا مذكورين صريحا بل أعاد الضمير ~~إليهما لكونهما في حكم المصرح بهما. وإنما كان جعلاهما واحدا لأن الفاعل لم ~~يفعل حيوانا مطلقا، ثم يميزه بانضمام الفصل إليه فإن المطلق لا وجود له بل ~~جعل الحيوان هو بعينه جعل الناطق، واعتبر هذا في اللونية فإنها لو كان لها ~~وجود مستقل فهي هيئة أما في السواد فيوجد السواد لا بها هذا خلف، أو في ~~محله فالسواد عرضان لون وفصله لا واحد هذا خلف، فجعله لونا هو بعينه جعله ~~سوادا. # قال: والجنس هاهنا كالمادة، وهو معلول والآخر صورة وهو علة (3). # PageV00P138 # أقول: الجنس إذا نسب مع فصله إلى المادة والصورة وجد الجنس أشبه بالمادة ~~من الفصل (1) والفصل أشبه بالصورة منه، وهذا الجنس هو المعلول والفصل هو ~~العلة، وذلك لأن للفصل ms075 نسبة إلى الجنس المطلق وهي نسبة التقسيم، وإلى النوع ~~- أعني الجنس المقيد بالفصل - وهي التقويم، وإلى حصة النوع من الجنس وهي ~~نسبة العلية، وذلك لأن الشيخ أبا علي ادعى (2) أن الفصل علة لحصة النوع من # PageV00P139 # الجنس لأنه قد تقدم أنه لا بد من احتياج بعض الأجزاء إلى البعض، فالجزء ~~المحتاج من النوع إن كان هو الجنس فهو المطلوب وإن كان هو الفصل كان الجنس ~~مساويا للفصل، ويلزم وجود الفصل أينما يوجد الجنس لأنه علة فلا يكون الجنس ~~أعم هذا خلف. # قال: وما لا جنس له فلا فصل له. # أقول: الفصل هو الجزء المميز للشئ عما يشاركه في الجنس على ما تقدم، فإذا ~~لم يكن للشئ جنس لم يكن له فصل، هذا هو التحقيق في هذا المقام. # وقد ذهب قوم غير محققين إلى أن الفصل هو المميز في الوجود، وجوزوا تركيب ~~الشئ من أمرين متساويين كالجنس العالي (1) والفصل الأخير، وكل من # PageV00P140 # الأمرين ليس جنسا فيكون فصلا يتميز به المركب عما يشاركه في الوجود. # وهذا خطأ، لأن الأشياء المختلفة لا تفتقر في تمايزها عما يشاركها في ~~الوجود وغيره من العوارض إلى أمر مغاير لذواتها، فإن كل واحد من الجزئين ~~المتساويين كما يمتاز بنفسه عما يشاركه في الوجود كذلك المركب منهما، ولو ~~افتقر كل مشارك في الوجود أو في غيره من الأعراض إلى فصل لزم التسلسل، ولم ~~يكن جعل كل واحد منهما فصلا للمركب، ولم يكن المركب فصلا لكل منهما لتساوي ~~نسبته ونسبتهما إلى الوجود. # قال: وكل فصل تام فهو واحد. # أقول: الفصل منه ما هو تام وهو كمال الجزء المميز، ومنه غير تام وهو ~~المميز الذاتي مطلقا. والأول لا يكون إلا واحدا لأنه لو تعدد لزم امتياز ~~المركب بكل واحد منهما فيستغني عن الآخر في التميز فلا يكون فصلا، ولأن ~~الفصل علة للحصة فيلزم تعدد العلل على المعلول الواحد وهو محال. أما الفصل ~~الناقص وهو جزء الفصل فإنه يكون متعددا. # قال: ولا يمكن وجود جنسين في مرتبة واحدة لماهية واحدة. # أقول: الجنس ms076 للماهية قد يكون واحدا كالجسم الذي له جنس واحد هو الجوهر، ~~وقد يكون كثيرا كالحيوان الذي له أجناس كثيرة، لكن هذه الكثرة لا يمكن أن ~~تكون في مرتبة واحدة بل يجب أن تكون مترتبة في العموم والخصوص، فلا يمكن ~~وجود جنسين في مرتبة واحدة لنوع واحد لأن فصلهما إن كان واحدا كان جعل ~~الجنسين جعلا واحدا وهو محال، وأن تغاير لم يكن النوع الواحد نوعا واحدا بل ~~نوعين هذا خلف. # قال: ولا تركيب عقلي إلا منهما. PageV00P141 # أقول: التركيب قد يكون عقليا وقد يكون خارجيا كتركيب العشرة من الآحاد، ~~والتركيب العقلي لا يكون إلا من الجنس والفصل، لأن الجزء إما أن يكون مختصا ~~بالمركب أو مشتركا، والأول هو الفصل القريب، والثاني إما أن يكون تمام ~~المشترك أو جزءا منه، والأول هو الجنس، والثاني إما أن يكون مساويا له أو ~~أعم منه، والأول يلزم منه كونه (1) فصلا للجنس فيكون فصلا مطلقا وهو ~~المطلوب. # والثاني إما أن يكون تمام المشترك أو لا يكون، والأول جنس والثاني فصل ~~جنس وإلا لزم التسلسل وهو محال، فقد ثبت أن كل جزء محمول إما أن يكون جنسا ~~أو فصلا وهو المطلوب. # قال: ويجب تناهيهما. # أقول: الجنس والفصل قد يترتبان في العموم والخصوص كالحيوانية والجسمية ~~وقد لا يترتبان، والمترتبة يجب تناهيها في الطرفين فإنه لولا تناهي الأجناس ~~(2) لم تتناه الفصول التي هي العلل، فيلزم وجود علل ومعلولات لا نهاية لها ~~وهو محال. # قال: وقد يكون منهما عقلي وطبيعي ومنطقي كجنسيهما. # أقول: يعني أن من الأجناس ما هو عقلي وهو الحيوانية مع قيد الجنسية، ~~ومنها ما هو طبيعي وهو الحيوان من حيث هو هو لا باعتبار الجنسية ولا ~~باعتبار عدمها، ومنها ما هو منطقي وهي الجنسية العارضة للحيوانية، وهذه ~~الثلاثة أيضا قد تحصل في الفصل، وذلك كما أن جنسيهما يعني جنس الجنس وجنس ~~الفصل وهو الكلي # PageV00P142 # من حيث هو كلي قد انقسم إلى هذه الثلاثة كذلك هذان - أعني الجنس والفصل - ~~ينقسمان إليها. # قال: ومنهما عوال وسوافل ومتوسطات. # أقول: الجنس ms077 قد يكون عاليا وهو الجنس الذي ليس فوقه جنس آخر كالجوهر ~~ويسمى جنس الأجناس، وقد يكون سافلا وهو الجنس الأخير الذي لا جنس تحته ~~كالحيوان وقد يكون متوسطا وهو الذي فوقه جنس وتحته جنس كالجسم. والفصل أيضا ~~قد يكون عاليا وهو فصل الجنس العالي، وقد يكون سافلا وهو فصل النوع السافل، ~~وقد يكون متوسطا وهو فصل الجنس السافل والمتوسط. # قال: ومن الجنس ما هو مفرد (1) وهو الذي لا جنس له وليس تحته جنس، وهما ~~إضافيان وقد يجتمعان مع التقابل. # أقول: من أقسام الجنس المفرد وهو الذي لا جنس فوقه ولا تحته ويذكر في ~~مثاله العقل بشرط أن لا يكون الجوهر جنسا وأن يكون صدقه (2) على أفراده صدق ~~الجنس على أنواعه. # إذا عرفت هذا فالجنس والفصل إضافيان وكذا باقي المقولات الخمس أعني النوع ~~والخاصة والعرض العام، فإن الجنس ليس جنسا لكل شئ بل لنوعه، وكذا الفصل ~~وسائرها وقد يجتمع الجنس والفصل في شئ واحد مع تقابلهما لأن الجنس مشترك ~~والفصل خاص وذلك كالإدراك الذي هو جنس للسمع والبصر وباقي الحواس وفصل ~~للحيوان بل قد تجتمع الخمس (3) في شئ واحد لا باعتبار # PageV00P143 # واحد لتقابلها، فإن الجنس لشئ يستحيل أن يكون فصلا لذلك الشئ أو نوعا له ~~أو خاصة أو عرضا بالقياس إليه. # قال: ولا يمكن أخذ الجنس بالنسبة إلى الفصل. # أقول: لا يمكن أن يؤخذ الجنس بالنسبة إلى الفصل فيكون الجنس جنسا له كما ~~هو جنس للنوع وإلا لم يكن فصلا (1) لاحتياجه إلى فصل يفصله عن غيره، فالوجه ~~الذي به احتاج النوع إليه هو بعينه محتاج إلى آخر، فليس الجنس جنسا للفصل ~~بل عرضا عاما بالنسبة إليه وإنما هو جنس باعتبار النوع. # قال: وإذا نسبا إلى ما يضافان إليه كان الجنس أعم والفصل مساويا. # أقول: إذا نسبنا الجنس والفصل إلى ما يضافان إليه أعني النوع كان الجنس ~~أعم من المضاف إليه أعني النوع، لوجوب شركة الكثيرين المختلفين في الحقائق ~~في الجنس دون النوع، وأما الفصل فإنه يكون مساويا للنوع الذي يضاف الفصل ms078 ~~إليه بأنه فصل ولا يجوز أن يكون أعم من النوع لاستحالة استفادة التميز من ~~الأعم. # المسألة الخامسة في التشخص قال: والتشخص من الأمور الاعتبارية (2) فإذا ~~نظر إليه من حيث هو أمر عقلي # PageV00P144 # وجد مشاركا لغيره من التشخصات فيه (1) ولا يتسلسل بل ينقطع بانقطاع ~~الاعتبار. # أقول: التشخص من ثواني المعقولات ومن الأمور الاعتبارية لا من العينية ~~(2) وإلا لزم التسلسل، ثم إذا نظر إليه من حيث هو أمر عقلي كان مشاركا ~~لغيره من التشخصات في التشخص ولا يتسلسل ذلك بل ينقطع بانقطاع الاعتبار. # وهذا كأنه جواب عن سؤال مقدر وهو أن التشخص ليس من الأمور العينية وإلا ~~لزم التسلسل، لأن أفراد التشخصات قد اشتركت في مطلق التشخص فيحتاج إلى تشخص ~~آخر (3) مغاير لما وقع به الاشتراك، ولا يجوز أن يكون عدميا لأفادته ~~الامتياز ولأنه يلزم أن تكون الماهية المتشخصة (4) عدمية لعدم أحد جزئيها. # والجواب أنه أمر اعتباري عقلي ينقطع بانقطاع الاعتبار. # قال: أما ما به التشخص فقد يكون نفس الماهية فلا تكثر وقد يستند إلى ~~المادة المتشخصة بالأعراض الخاصة الحالة فيها. # أقول: لما حقق أن التشخص من الأمور الاعتبارية لا العينية شرع في البحث ~~عن علة التشخص، واعلم أنه قد يكون نفس الماهية المتشخصة وقد يكون غيرها. # (أما الأول) فلا يمكن أن يتكثر نوعه في الخارج فلا يوجد منه البتة إلا ~~شخص # PageV00P145 # واحد، لأن الماهية علة لذلك التشخص، فلو وجدت مع غيره انفكت العلة عن ~~المعلول هذا خلف. # (وأما الثاني) فلا بد له من مادة قابلة لا تكثر فيها (1) وتلك المادة ~~تتشخص بانضمام أعراض خاصة إليها تحل فيها مثل الكم المعين والكيف المعين ~~والوضع المعين، وباعتبار تشخص تلك المادة تتشخص هذه الماهية الحالة فيها. # قال: ولا يحصل التشخص بانضمام كلي عقلي إلى مثله (2). # أقول: إذا قيد الكلي العقلي بالكلي العقلي لا يحصل الجزئية، فإنا إذا ~~قلنا لزيد أنه انسان ففيه شركة، فإذا قلنا العالم الزاهد ابن فلان الذي ~~تكلم يوم كذا في موضع كذا لم يزل احتمال الشركة فلا يكون جزئيا. وإنما ms079 قيد ~~بالعقلي لأنه ليس في الخارج شركة ولا كلية. # قال: والتميز يغاير التشخص ويجوز امتياز كل من الشيئين بالآخر. # أقول: التشخص للشئ أنما هو في نفسه، وامتيازه أنما هو له باعتبار القياس ~~إلى ما يشاركه في معنى كلي بحيث لو لم يشاركه غيره لما احتاج إلى مميز زائد ~~على حقيقته مع أنه متشخص، فالتميز والتشخص متغايران ويجوز أن يمتاز كل واحد ~~من الشيئين بصاحبه لا بامتيازه فلا دور. # قال: والمتشخص قد لا تعتبر مشاركته (3) والكلي قد يكون إضافيا فيتميز ~~والشخص المندرج تحت عام متميز. # PageV00P146 # أقول: لما ذكر أن التشخص والتميز متغايران انتفى العموم المطلق بينهما، ~~وذلك لأن كل واحد منهما يصدق بدون الآخر ويصدقان معا على شئ ثالث وكل شيئين ~~هذا شأنهما فبينهما عموم من وجه أما صدق التشخص بدون التميز ففي الشخص الذي ~~لا تعتبر مشاركته لغيره وإن كان لا بد له من المشاركة في نفس الأمر ولو في ~~الأعراض العامة. # وأما صدق التميز بدون التشخص ففي الكلي إذا كان جزئيا إضافيا يندرج تحت ~~كلي آخر فإنه يكون ممتازا عن غيره وليس بمتشخص. # وأما صدقهما على شئ واحد ففي التشخص المندرج تحت غيره إذا اعتبر اندراجه ~~فإنه متشخص ومتميز. # المسألة السادسة في البحث عن الوحدة والكثرة قال: والتشخص يغاير الوحدة. # أقول: الوحدة عبارة عن كون المعقول غير قابل للقسمة من حيث هو واحد، وهو ~~مغاير للتشخص لأن الوحدة قد تصدق على الكلي غير المتشخص، وعلى الكثرة نفسها ~~من دون صدق التشخص عليهما. # قال: وهي تغاير الوجود لصدقه على الكثير من حيث هو كثير بخلاف الوحدة، ~~وتساوقه. # أقول: قد ظن قوم أن الوجود والوحدة عبارتان عن شئ واحد لصدقهما على جميع ~~الأشياء وهو خطأ، فإنه لا يلزم من الملازمة الاتحاد. ثم الدليل على ~~تغايرهما أن الكثير من حيث إنه كثير يصدق عليه أنه موجود وليس بواحد، ~~فالموجود غير الواحد من الشكل الثالث. # نعم، الوحدة تساوق الوجود وتلازمه، فكل موجود فهو واحد والكثرة يصدق ~~عليها الواحد لا من حيث هي كثرة ms080 على معنى أن الوحدة تصدق على العارض ~~PageV00P147 # أعني الكثرة لا على ما عرضت له الكثرة، وكذلك كل واحد فهو موجود إما في ~~الأعيان أو في الأذهان فهما متلازمان. # المسألة السابعة في أن الوحدة غنية عن التعريف قال: ولا يمكن تعريفها إلا ~~باعتبار اللفظ. # أقول: الوحدة والكثرة من المتصورات البديهية فلا يحتاج في تصورهما إلى ~~اكتساب، فلا يمكن تعريفهما إلا باعتبار اللفظ بمعنى أن يبدل لفظ بلفظ آخر ~~أوضح منه، لا أنه تعريف معنوي (1). # قال: وهي والكثرة عند العقل والخيال تستويان في كون كل منهما أعرف ~~بالاقتسام. # أقول: الوحدة والكثرة عند العقل والخيال تستويان في كون كل منهما أعرف من ~~صاحبتها بالاقتسام، فإن الوحدة أعرف (2) عند العقل والكثرة أعرف عند الخيال ~~لأن الخيال يدرك الكثرة أولا ثم العقل ينزع منها أمرا واحدا، والعقل يدرك ~~أعم الأمور أولا وهو الواحد ثم يأخذ بعد ذلك في التفصيل، فقد ظهر أن الكثرة ~~والوحدة مستويتان في كون كل واحدة منهما أعرف من صاحبتها لكن بالاقتسام فإن ~~الكثرة أعرف عند الخيال والوحدة أعرف عند العقل، فقد اقتسم العقل # PageV00P148 # والخيال وصف الأعرفية لهما، فإذا حاولنا تعريف الوحدة عند الخيال عرفناها ~~بالكثرة، وإذا حاولنا تعريف الكثرة عند العقل عرفناها بالوحدة. # المسألة الثامنة في أن الوحدة ليست ثابتة في الأعيان (1) قال: وليست ~~الوحدة أمرا عينيا بل هي من ثواني المعقولات وكذا الكثرة. # أقول: الوحدة إن كانت سلبية لم تكن سلب أي شئ كان بل سلب مقابلها أعني ~~الكثرة، فالكثرة إن كانت عدمية كانت الوحدة عدما للعدم فتكون ثبوتية (2)، ~~وإن كانت وجودية (3) كان مجموع العدمات (4) أمرا وجوديا وهو محال، وإن كانت ~~ثبوتية (5) فإن كانت ثابتة في الخارج لزم التسلسل وإن كانت ثابتة في الذهن ~~فهو المطلوب، فإذن الوحدة أمر عقلي اعتباري يحصل في العقل عند فرض عدم ~~انقسام الملحوق وهي من المعقولات الثانية العارضة للمعقولات الأولى، وكذا ~~الكثرة لأنه لا يمكن أن تتصور وحدة أو كثرة قائمة بنفسها بل إنما تتصور ~~عارضة لغيرها. # المسألة التاسعة في التقابل بين الوحدة والكثرة ms081 قال: وتقابلهما لإضافة ~~العلية (6) والمعلولية والمكيالية والمكيلية لا لتقابل # PageV00P149 # جوهري بينهما. # أقول: إن الوحدة وإن كانت تعرض لجميع الأشياء حتى الكثرة نفسها لكنها لا ~~تجامع الكثرة في موضوع واحد بالقياس إلى شئ واحد، فإن موضوع الكثرة من حيث ~~صدق الكثرة عليه لا يمكن صدق الوحدة عليه فبينهما تقابل قطعا. # إذا عرفت هذا فنقول: إنك ستعلم أن أصناف التقابل أربعة: إما تقابل السلب ~~والإيجاب أو العدم والملكة أو التضايف أو التضاد، وليس بين الوحدة والكثرة ~~تقابل جوهري أي ذاتي يستند إلى ذاتيهما بوجه من الوجوه الأربعة، لأن الوحدة ~~مقومة للكثرة ومبدأ لها، وهما ثبوتيتان فليستا بسلب وإيجاب، ولا عدم وملكة، ~~ولا متضايفتين لأن المقوم متقدم والمضايف مصاحب، ولا متضادتين لامتناع تقوم ~~أحد الضدين بالآخر فلم يبق بينهما إلا تقابل عرضي وهو باعتبار عروض العلية ~~والمعلولية والمكيالية والمكيلية العارضتين لهما، فإن الوحدة علة للكثرة ~~ومكيال لها والكثرة معلولة ومكيلة، فبينهما هذا النوع من التضايف فكان ~~التقابل عرضيا لا ذاتيا. # المسألة العاشرة في أقسام الواحد (1) قال: ثم معروضهما قد يكون واحدا فله ~~جهتان بالضرورة، فجهة الوحدة إن # PageV00P150 # لم تقوم جهة الكثرة ولا تعرض لها فالوحدة عرضية، وإن عرضت كانت موضوعا أو ~~محمولات عارضة لموضوع أو بالعكس، وإن قومت فوحدة جنسية أو نوعية أو فصلية، ~~وقد يتغاير (1) فموضوع مجرد عدم الانقسام لا غير وحدة بقول مطلق (2) وإلا ~~نقطة إن كان له مفهوم زائد ذو وضع، أو مفارق إن لم يكن ذا وضع، هذا إن لم ~~يقبل القسمة وإلا فهو مقدار أو جسم بسيط أو مركب. # أقول: قد بينا أن الوحدة والكثرة من المعقولات الثانية (3) العارضة ~~للمعقولات الأولى، إذا عرفت هذا فموضوعهما أعني المعروض إما أن يكون واحدا ~~أو كثيرا، فإن كان واحدا كانت جهة وحدته غير جهة كثرته (4) بالضرورة ~~لاستحالة كون الشئ الواحد بالاعتبار الواحد واحدا وكثيرا، وإذا ثبت أنه ذو ~~جهتين فإما أن تكون جهة الوحدة مقومة لجهة الكثرة أو لا، فإن لم تكن مقومة ~~فإما أن تكون عارضة لها أو لا، فإن ms082 لم تكن عارضة فهي الوحدة بالعرض كما ~~تقول نسبة الملك إلى المدينة كنسبة الرائس (5) إلى السفينة، وكذلك حال ~~النفس إلى البدن (6) كحال الملك إلى المدينة فإنه ليس هناك نسبة واحدة ولا ~~حالة واحدة # PageV00P151 # بل هما نسبتان وحالتان، فالوحدة بينهما عرضية (1). # وإن كانت الوحدة عارضة للكثرة فأقسامه ثلاثة: أحدها: أن تكون موضوعا كما ~~تقول، الانسان هو الكاتب، فإن جهة الوحدة هنا هي الانسانية وهي موضوع. # الثاني: أن تكون محمولات عرضت لموضوع واحد كقولنا: الكاتب هو الضاحك، فإن ~~جهة الوحدة ما هو موضوع لهما أعني الانسان. الثالث: أن تكون موضوعات لمحمول ~~واحد كقولنا: القطن هو الثلج (2)، فإن جهة الوحدة هي صفة لهما أعني البياض. # وأما إن كانت جهة الوحدة مقومة لجهة الكثرة فهي جنس إن كانت مقولة على ~~كثرة مختلفة (3) بالحقائق في جواب ما هو، ونوع إن كانت الحقائق متفقة (4)، ~~وفصل إن كانت مقولة (5) في جواب أي ما هو في جوهره. # وإن كان موضوعهما كثيرا أعني يكون موضوع الوحدة شخصا واحدا فإما أن يكون ~~ذلك الموضوع هو موضوع مجرد عدم الانقسام لا غير أعني أن يكون وجود ذلك ~~الشخص هو أنه شئ غير منقسم وليس له مفهوم وراء ذلك وهو الوحدة نفسها (6)، ~~أو يكون له مفهوم آخر فإن كان ذا وضع فهو النقطة وإلا فهو العقل والنفس. # هذا إن لم يقبل القسمة، وإن كان الموضوع للوحدة قابلا للقسمة فإما أن ~~تكون أجزاؤه مساوية لكله أو لا، والأول هو المقدار إن كان قبوله للانقسام ~~لذاته وإلا فهو الجسم البسيط، والثاني الأجسام المركبة. # PageV00P152 # قال: وبعض هذه أولى من بعض بالوحدة. # أقول: الواحد من المعاني المقول على ما تحته بالتشكيك فإن بعض أفراده ~~أولى باسمه من بعض، فإن نفس الوحدة الحقيقية أولى بالواحد من العرضية، ~~والواحد بالشخص أولى به من الواحد بالنوع، وهو أولى به من الواحد بالجنس، ~~والوحدة من أقسام الواحد أولى به من غيرها وهذا ظاهر. # قال: والهو هو على هذا النحو (1). # أقول: الهو هو أن يكون للكثير من وجه وحدة من وجه، ms083 فقياس الهو هو قياس ~~الوحدة، فكما يقال: الوحدة إما في وصف عرضي أو ذاتي كذلك الهو هو، وبالجملة ~~أقسام الوحدة هي أقسام الهو هو لكن مع الكثرة فلا يعرض (2) للشخص الواحد ~~بخلاف الوحدة. # قال: والوحدة في الوصف (3) العرضي والذاتي تتغاير أسماؤها بتغاير المضاف ~~إليه. # أقول: الوحدة في الوصف العرضي والذاتي تتغاير أسماؤها بتغاير المضاف ~~إليه، فإن الوصف العرضي وهو المضاف إليه الوحدة إن كان كيفا سمي مشابهة، ~~وإن كان في الكم سمي مساواة، وإن كان في الإضافة سمي مناسبة، وإن كان في ~~الخاصة سمي مشاكلة، وإن كان في اتحاد الأطراف سمي مطابقة، وإن كان في اتحاد ~~وضع الأجزاء سمي موازاة، وباقي الأعراض ليس لها أسماء خاصة. # PageV00P153 # وأما الوصف الذاتي الذي تضاف إليه الوحدة أيضا إن كان في الجنس سمي ~~مجانسة وإن كان في النوع سمي مماثلة. # قال: والاتحاد محال فالهو هو يستدعي جهتي تغاير واتحاد على ما سلف (1). # أقول: اتحاد الاثنين غير معقول لأنهما بعد الاتحاد إن بقيا فهما اثنان ~~وإن عدما فلا اتحاد، وإن عدم أحدهما دون الآخر فلا اتحاد لاستحالة اتحاد ~~المعدوم بالموجود، وليس قولنا: هو هو اتحادا مطلقا بل معناه أن الشيئين ~~يتحدان من وجه ويتغايران من وجه، بمعنى أن الشئ الذي يقال له أحدهما يقال ~~له الآخر. # قال: والوحدة مبدأ العدد المتقوم بها لا غير (2). # PageV00P154 # أقول: هاهنا بحثان: الأول: الوحدة مبدأ العدد فإن العدد إنما يحصل منها ~~ومن فرض غيرها من نوعها، فإنك إذا عقلت وحدة مع وحدة عقلت اثنينية، ونبه ~~بهذا أيضا على أنها ليست عددا. # الثاني: العدد أنما يتقوم بالوحدات لا غير، فليست العشرة متقومة بخمسة ~~وخمسة ولا بستة وأربعة ولا بسبعة وثلاثة ولا بثمانية واثنين بل بالواحد عشر ~~مرات، وكذلك كل عدد فإن قوامه من الوحدات التي تبلغ جملتها ذلك النوع وتكون ~~كل واحدة من تلك الوحدات جزءا من ماهيته فإنه ليس تركب العشرة من الخمستين ~~أولى من تركبها من الستة والأربعة وغيرها من أنواع الأعداد التي تحتها، ولا ~~يمكن أن يكون الكل ms084 مقوما لحصول الاكتفاء بنوع واحد من التركيب، وإلى هذا ~~أشار أرسطو (1) بقوله: لا تحسبن أن ستة ثلاثتان بل ستة مرة واحدة. # قال: وإذا أضيف إليها مثلها حصلت الاثنينية وهي نوع من العدد ثم تحصل ~~أنواع لا تتناهى بتزايد واحد واحد مختلفة الحقائق هي أنواع العدد. # أقول: إذا أضيف إلى الوحدة وحدة أخرى حصلت الاثنينية وهي نوع من العدد - ~~وقد ذهب قوم غير محققين إلى أن الاثنين ليس من العدد لأنه الزوج الأول، فلا ~~يكون نوعا من العدد كالواحد الذي هو الفرد الأول. وهذا خطأ لأن خواص العدد ~~موجودة فيه (2) وتمثيله بالواحد لا يفيد اليقين ولا الظن - فإذا انضم ~~إليهما واحد آخر حصلت الثلاثة وهي نوع آخر من العدد، فإذا انضم آخر حصلت ~~الأربعة وهي نوع آخر مخالف للأول، وعلى هذا كلما زاد العدد واحدا حصل نوع # PageV00P155 # آخر من العدد، وهذه الأعداد أنواع مختلفة في الحقيقة لاختلافها في ~~لوازمها كالصمم والمنطقية (1) وأشباههما ولما كان التزايد غير متناه بل كل ~~مرتبة يفرضها العقل يمكنه أن يزيد عليها واحدا فيحصل عدد آخر مخالف لما ~~تقدمه بالنوع كانت أنواع العدد غير متناهية. # قال: وكل واحد منها أمر اعتباري يحكم به العقل على الحقائق إذا انضم ~~بعضها إلى بعض في العقل انضماما بحسبه. # أقول: كل واحد من أنواع العدد أمر اعتباري ليس بثابت في الأعيان بل في ~~الأذهان يحكم به العقل على الحقائق كأفراد الانسان أو الفرس (2) أو الحجر ~~أو غيرها إذا انضم بعض تلك الأفراد إلى البعض سواء اتحدت في الماهية أو ~~اختلفت فيها، بل يؤخذ مجرد الانضمام في العقل انضماما بحسب ذلك النوع من ~~العدد، فإنه إذا انضم واحد إلى واحد حصل اثنان ولو انضمت حقيقة مع حقيقة مع ~~ثالثة حصلت الثلاثة وهكذا. # وإنما لم يكن العدد ثابتا في الخارج لأنه لو كان كذلك لكان عرضا قائما ~~بالمحل لاستحالة جوهريته واستقلاله في القيام بنفسه لأنه لا يعقل إلا عارضا ~~لغيره فذلك الغير إما أن تكون له وحدة باعتبارها يحل فيه العرض الواحد أو ms085 ~~لا # PageV00P156 # يكون، فإن كان الأول فتلك الوحدة إن وجدت في الآحاد لزم قيام العرض ~~الواحد بالمحال المتعددة، وإن قام بكل واحد وحدة على حدته لم يكن لذلك ~~المجموع وحدة باعتبارها يكون محلا للعدد وقد فرض خلافه، وإن كان الثاني ~~فالعدد إما أن يكون موجودا في كل واحد من الأجزاء أو في أحدها، وعلى ~~التقديرين يكون الواحد عددا هذا خلف. # قال: والوحدة قد تعرض لذاتها ومقابلها وتنقطع بانقطاع الاعتبار. # أقول: قد بينا (1) أن الوحدة والكثرة من ثواني المعقولات، فالوحدة تعرض ~~لكل شئ يفرض العقل فيه عدم الانقسام حتى أنها تعرض لنفس الوحدة فيقال وحدة ~~واحدة، لكن تنقطع بانقطاع الاعتبار وتعرض الوحدة أيضا لما يقابلها فيقال ~~كثرة واحدة. # قال: وقد تعرض لها شركة فتتخصص بالمشهوري وكذا المقابل. # أقول: الذي يفهم من هذا الكلام (2) أن الوحدة قد تعرض لها الشركة مع ~~غيرها من الوحدات في مفهوم عدم الانقسام أعني مفهوم مطلق الوحدة، وذلك إذا ~~أخذت الوحدات متخصصة بموضوعاتها، فإن وحدة زيد تشارك وحدة عمرو في مفهوم ~~كونها وحدة، وحينئذ تتخصص كل وحدة عن الأخرى بما تضاف إليه، فإن وحدة زيد ~~تتخصص عن وحدة عمرو بإضافتها إلى زيد، وزيد هو المضاف المشهوري لأنه واحد ~~بالوحدة، والوحدة مضاف حقيقي فإن الوحدة وحدة للواحد والواحد واحد بالوحدة، ~~وذات الواحد مضاف مشهوري أعني ذات زيد وعمرو وغيرهما، فإذا أخذت الوحدة ~~مضافة إلى زيد تخصصت وامتازت عن وحدة عمرو. # وكذلك مقابل الوحدة أعني الكثرة فإن عشرية الأناسي (3) مساوية لعشرية # PageV00P157 # الأفراس في مفهوم العشرية والكثرة، وإنما تتمايزان بالمضاف إليه - أعني ~~الأناسي والأفراس - وهما المضافان المشهوريان. # وقد يمكن أن يفهم من هذا الكلام أن مجرد الوحدة - أعني نفس عدم الانقسام ~~- أمر مشترك بين كل ما يطلق عليه الواحد فليس واحدا حقيقيا، أما الذات التي ~~يصدق عليها أنها واحدة - أعني المشهوري - فإنها ممتازة عن غيرها فهي أحق ~~باسم الواحد فيخصص المشهوري بالواحد الحقيقي وكذا البحث في الكثرة، والأول ~~أنسب. # قال: وتضاف إلى موضوعها (1) باعتبارين وإلى مقابلها بثالث وكذا المقابل. # أقول: أقرب ms086 ما يمكن أن يفسر به هذا الكلام أن الوحدة وحدة للواحد أعني ~~الموضوع لها الذي تقوم الوحدة به فلها إضافة بهذا الاعتبار وهي عرض قائم ~~بالموضوع فلها إضافة الحلول، وهاتان إضافتان عرضتا لها بالنسبة إلى موضوعها ~~وتعرض لها إضافة ثالثة بالنسبة إلى ما يقابلها أعني الكثرة وهي نسبة ~~التقابل. # ومثل هذا النسب الثلاث تعرض لمقابل الوحدة أعني الكثرة. # المسألة الحادية عشرة في البحث عن التقابل قال: ويعرض له ما يستحيل عروضه ~~لها من التقابل. # أقول: يعني به أن المقابل للوحدة - أعني الكثرة - يعرض له ما يستحيل ~~عروضه للوحدة وهو التقابل، فإن التقابل لا يمكن أن يعرض للواحد وإنما يعرض ~~للكثير من حيث هو كثير، ومفهوم التقابل هو عدم الاجتماع في شئ واحد في # PageV00P158 # زمان واحد من جهة واحدة. # قال: المتنوع إلى أنواعه الأربعة (1) أعني السلب والإيجاب وهو راجع (2) ~~إلى القول والعقد، والعدم والملكة وهو الأول مأخوذا باعتبار خصوصية ما، ~~وتقابل الضدين وهما وجوديان ويتعاكس هو وما قبله في التحقيق والمشهورية، ~~وتقابل التضايف. # أقول: ذكر الحكماء أن أصناف التقابل أربعة، وذلك لأن المتقابلين إما أن ~~يكون أحدهما وجوديا والآخر عدميا، أو يكونا وجوديين، ولا يمكن أن يكونا ~~عدميين لعدم التقابل بين الأمور العدمية، إذ السلب المطلق أنما يقابله ~~الايجاب إما مطلق أو خاص، ولا يقابله سلب مطلق لأنه نفسه، ولا سلب خاص لأنه ~~جزئي تحته والسلب الخاص إنما يقابله إيجاب خاص، لا سلب مطلق لأنه جزئي له ~~ولا سلب خاص لأن مقابليهما (3) إن لم يتقابلا فظاهر أنهما لا يتقابلان، ~~وكذلك إن # PageV00P159 # تقابلا لصدقهما معا على غير المتقابلين، وهذا كله ظاهر. # إذا ثبت هذا فنقول: المتقابلان إما أن يؤخذا باعتبار القول والعقد، أو ~~بحسب الحقائق أنفسها، والأول هو تقابل السلب والإيجاب كقولنا: زيد كاتب، ~~زيد ليس بكاتب. # والثاني إما أن يكون أحدهما عدميا أو يكونا وجوديين، والأول هو تقابل ~~العدم والملكة وهو يقارب تقابل السلب والإيجاب، لكن الفرق بينهما أن السلب ~~والإيجاب في الأول مأخوذ باعتبار مطلق والثاني مأخوذ باعتبار شئ واحد. ms087 # واعلم أن الملكة هو وجود الشئ في نفسه والعدم هو انتفاء تلك الملكة عن شئ ~~من شأنه أن يكون له كالعمى والبصر. # وإن كانا وجوديين فإن عقل أحدهما بالقياس إلى الآخر فهو تقابل التضايف ~~كالأبوة والبنوة وإلا فهو تقابل التضاد كالسواد والبياض. # واعلم أن تقابل التضاد يعاكس تقابل العدم والملكة في التحقيق والمشهورية، ~~وذلك لأن الضدين في المشهور (1) يطلقان على كل وجوديين متقابلين لا يعقل # PageV00P160 # أحدهما بالقياس إلى الآخر وفي التحقيق على أخص من ذلك وهو أن يقيد ما ذكر ~~بأن يكون بينهما غاية التباعد، فالسواد والحمرة ضدان بالمعنى الأول لا ~~الثاني. # وأما تقابل العدم والملكة فيطلق العدم فيه بحسب التحقيق على عدم شئ عن شئ ~~وبحسب الشهرة على معنى أخص من ذلك وهو أن يقيد الشئ بأن يكون نوعا أو جنسا ~~قريبا أو بعيدا على اختلاف التفسير، فيقال: هو عدم شئ عما من شأنه أن يكون ~~له بحسب نوعه أو جنسه القريب، فعدم البصر عن الحائط عدم ملكة بحسب المعنى ~~الأول وسلب بالمعنى الثاني، فقد ظهر أن تقابل الضدين بحسب التحقيق أخص منه ~~بحسب الشهرة، وتقابل العدم والملكة بالعكس. # قال: ويندرج تحته الجنس (1) باعتبار عارض. # أقول: لما بين انقسام التقابل إلى الأنواع الأربعة حتى صار كالجنس لها ~~(2) # PageV00P161 # ذكر أن مطلق التقابل يندرج تحت أحد أنواعه أعني التضايف، فإن التقابل من ~~حيث هو تقابل نوع من التضايف، وذلك لأن المقابل لا يعقل إلا مقيسا إلى غيره ~~لكن باعتبار عروض التقابل، فإن المقابل لا من هذه الحيثية قد لا يكون ~~مضايفا فإن ذات السواد وذات البياض لا باعتبار التقابل ليسا من المتضايفين، ~~فإذا اخذ السواد مقابلا للبياض كان نوعا من المضاف المشهوري، فقد ظهر أن ~~الجنس أعني المقابل من حيث هو مقابل يندرج تحت التضايف باعتبار عروض ~~التقابل ولا استبعاد في أن يكون الشئ أخص أو مساويا من نوعه باعتبار عارض ~~يعرض له. # قال: ومقوليته عليها بالتشكيك وأشدها فيه الثالث (1). # PageV00P162 # أقول: التقابل يقال على أصنافه الأربعة لا بالسوية بل بالتشكيك، فإن ms088 ~~تقابل الضدين أشد في التقابل من تقابل السلب والإيجاب، وذلك لأن ثبوت الضد ~~يستلزم سلب الآخر وهو أخص منه دون العكس فهو أشد في العناد للآخر من سلبه. # وقيل: إن تقابل السلب والإيجاب أشد من تقابل التضاد، لأن الخير لذاته خير ~~وهو ذاتي وأنه ليس بشر وأنه عرضي، واعتقاد أنه شر يرفع العرضي وأنه ليس ~~بخير يرفع الذاتي، فيكون منافاة السلب أشد. # قال: ويقال للأول تناقض ويتحقق في القضايا بشرائط ثمان. # أقول: تقابل السلب والإيجاب إن أخذ في المفردات كقولنا: زيد لا زيد، فهو ~~تقابل العدم والملكة، وإن أخذ في القضايا سمي تناقضا كقولنا: زيد كاتب، زيد ~~ليس بكاتب، وهو إنما يتحقق في القضايا بثمان شرائط: # الأول: وحدة الموضوع فيهما، فلو قلنا: زيد كاتب، عمرو ليس بكاتب، لم ~~تتناقضا وصدقتا معا. # الثاني: وحدة المحمول، فلو قلنا: زيد كاتب، زيد ليس بنجار، لم تتناقضا ~~وصدقتا معا. # الثالث: وحدة الزمان، فلو قلنا: زيد موجود الآن، زيد ليس بموجود أمس، ~~أمكن صدقهما. # الرابع: وحدة المكان، فلو قلنا: زيد موجود في الدار، زيد ليس بموجود في ~~السوق، أمكن صدقهما. # الخامس: وحدة الإضافة، فلو قلنا: زيد أب أي لخالد، زيد ليس بأب أي لعمرو، ~~أمكن صدقهما. # السادس: وحدة الكل والجزء، فلو قلنا: الزنجي أسود أي بعضه، الزنجي ليس ~~PageV00P163 # بأسود أي ليس كل أجزائه كذلك، أمكن صدقهما. # السابع: وحدة الشرط، فلو قلنا: الأسود قابض للبصر (1) أي بشرط السواد، ~~الأسود ليس بقابض للبصر أي لا بشرط السواد، أمكن صدقهما. # الثامن: وحدة القوة والفعل، فلو قلنا: الخمر في الدن مسكر بالقوة، الخمر ~~في الدن ليس بمسكر بالفعل، لم تتناقضا وصدقتا معا. # قال: هذا في القضايا الشخصية، أما المحصورة فبشرط تاسع وهو الاختلاف فيه ~~فإن الكلية ضد (2)، والجزئيتان صادقتان. # أقول: إعلم أن القضية إما شخصية أو مسورة أو مهملة، وذلك لأن الموضوع إن ~~كان شخصيا كزيد سميت القضية شخصية، وإن كان كليا يصدق على كثيرين فإما أن ~~يتعرض للكلية والجزئية فيه أو لا، والأول هو القضية المسورة كقولنا: كل ms089 ~~انسان حيوان، بعض الانسان حيوان، لا شئ من الانسان بحجر، بعض الانسان ليس ~~بكاتب. # والثاني هو المهملة كقولنا: الانسان ضاحك، وهذه في قوة الجزئية فالبحث عن ~~الجزئية يغني عن البحث عنها. # إذا عرفت هذا فنقول: الشرائط الثمان كافية في القضية الشخصية، أما ~~المحصورة فلا بد فيها من شرط تاسع وهو الاختلاف في الكم، فإن الكليتين ~~متضادتان لا تصدقان، ويمكن كذبهما كقولنا: كل حيوان انسان، لا شئ من ~~الحيوان بانسان، والجزئيتان قد تصدقان كقولنا: بعض الحيوان انسان، بعض # PageV00P164 # الحيوان ليس بانسان، أما الكلية والجزئية فلا يمكن صدقهما البتة ولا ~~كذبهما كقولنا: كل انسان حيوان، بعض الانسان ليس بحيوان، فهما المتناقضان. # قال: وفي الموجهات عاشر وهو الاختلاف فيها (1) بحيث لا يمكن اجتماعهما ~~صدقا ولا كذبا. # أقول: لا بد في القضايا الموجهة من الاختلاف في الجهة بحيث لا يمكن ~~صدقهما معا ولا كذبهما، ونعني بالجهة كيفية القضية من الضرورة والدوام، ~~والإمكان والأطلاق فإنهما لو لم يختلفا في الجهة أمكن صدقهما أو كذبهما ~~كالممكنتين فإنهما تصدقان مع الشرائط التسع كقولنا: بعض الانسان كاتب ~~بالإمكان، لا شئ من الانسان بكاتب بالإمكان، وكالضرورتين فإنهما تكذبان ~~كقولنا: بعض الانسان بالضرورة كاتب، لا شئ من الانسان بالضرورة كاتب، وليس ~~مطلق الاختلاف في الجهة كافيا في التناقض ما لم يكن اختلافا لا يمكن ~~اجتماعهما معه، فإن الممكنة والمطلقة المتخالفتين كما وكيفا لا تتناقضان ~~كما قلنا في الممكنتين، أما الممكنة والضرورية إذا اختلفتا كما وكيفا ~~فإنهما تتناقضان وكذا المطلقة والدائمة. # قال: وإذا قيد العدم بالملكة في القضايا سميت معدولة وهي تقابل الوجودية ~~(2) صدقا لا كذبا لإمكان عدم الموضوع فيصدق مقابلاهما. # أقول: لما ذكر حكما من أحكام التناقض شرع في بيان حكم من أحكام تقابل ~~العدم والملكة، وهو أن العدم إذا اعتبر في القضايا سميت القضية معدولة وهو ~~ما يتأخر فيها حرف السلب عن الربط كقولنا: زيد هو ليس بكاتب، وهي تقابل # PageV00P165 # الوجودية في الصدق لامتناع صدق الكتابة وعدمها على موضوع واحد في وقت ~~واحد من جهة واحدة، ويجوز كذبهما معا ms090 عند عدم الموضوع، وإذا كذبا حينئذ صدق ~~مقابل كل واحد منهما فيصدق مقابل الموجبة المعدولة وهي السالبة المعدولة، ~~ومقابل الموجبة المحصلة وهي السالبة المحصلة لإمكان صدق السلب في الطرفين ~~عن الموضوع المنفي. # قال: وقد يستلزم الموضوع أحد الضدين بعينه أو لا بعينه، أو لا يستلزم ~~شيئا منهما عند الخلو أو الاتصاف بالوسط (1). # أقول: هذه أحكام التضاد وهي أربعة: الأول أن أحد الضدين بعينه قد يكون ~~لازما للموضوع كسواد القار، وقد لا يكون فإما أن يكون أحدهما لا بعينه ~~لازما للموضوع كالصحة والمرض للبدن، أو لا يكون فإما أن يخلو عنهما معا ~~كالفلك الخالي عن الحرارة والبرودة أو يتصف بالوسط كالفاتر (2). # قال: ولا يعقل للواحد ضدان. # أقول: هذا حكم ثان للتضاد وهو أنه لا يعرض (3) بالنسبة إلى شئ واحد إلا ~~لواحد فلا يضاد الواحد الاثنين لأن الواحد إذا ضاد اثنين فإما بجهة واحدة ~~أو بجهتين، فإن كان بجهة واحدة فهو المطلوب وهو أن ضد الواحد واحد هو ذلك ~~القدر المشترك بينهما، وإن كان بجهتين كان ذلك وجوها من التضاد لا وجها ~~واحدا وليس البحث فيه. # قال: وهو منفي (4) عن الأجناس. # أقول: هذا حكم ثالث للتضاد وهو أنه منفي عن الأجناس ولا ينتقض بالخير # PageV00P166 # والشر لأنهما ليسا جنسين (1) ولا ضدين من حيث ذاتيهما بل تقابلهما من حيث ~~الكمالية والنقص. # قال: ومشروط في الأنواع باتحاد الجنس. # أقول: هذا حكم رابع للتضاد العارض للأنواع وهو اندراج تلك الأنواع تحت ~~جنس واحد أخير ولا ينتقض بالشجاعة والتهور (2) لأن تقابلهما من حيث الفضيلة ~~والرذيلة العارضتين لا من حيث ذاتيهما. # قال: وجعل الجنس والفصل واحد (3). # أقول: الجنس والفصل في الخارج شئ واحد لأنه لا يعقل حيوانية مطلقة موجودة ~~بانفرادها انضمت إليه الناطقية فصارت انسانا بل الحيوانية في الخارج هي ~~الناطقية فوجودهما واحد، وهذه قاعدة قد مضى تقريرها، والذي يخطر لنا أن ~~الغرض بذكرها هاهنا الجواب عن إشكال يورد على اشتراط دخول الضدين تحت جنس ~~واحد، وتقريره أن كل واحد من الضدين قد اشتمل على جنس وفصل والجنس ms091 لا يقع ~~به التضاد لأنه واحد فيهما، فإن وقع التضاد فإنما يقع بالفصول لكن الفصول ~~لا يجب اندراجها تحت جنس واحد وإلا لزم التسلسل، فلا تضاد حقيقي في النوعين ~~بل في الفصلين الذين لا يجب دخولهما تحت جنس واحد. # وتقرير الجواب أن الفصل والجنس واحد في الأعيان، وإنما يتميزان في العقل ~~فجعلاهما واحد هو النوع فكان التضاد عارضا في الحقيقة للأنواع لا للفصول ~~الاعتبارية، لأن التضاد إنما هو في الوجود لا في الأمور المتعلقة، فهذا ما ~~فهمته من هذا الكلام ولعل غيري يفهم منه غير ذلك. # PageV00P167 # الفصل الثالث في العلة والمعلول قال: كل شئ يصدر عنه أمر (1) إما ~~بالاستقلال أو الانضمام فإنه علة لذلك # PageV00P168 # الأمر والأمر معلول له. # أقول: لما فرغ من البحث عن لواحق الماهية شرع في البحث عن العلة والمعلول ~~لأنهما من لواحق الماهية وعوارضها وهما من الأمور العامة أيضا، ونفس اعتبار ~~العلية والمعلولية من المعقولات الثانية ومن أنواع المضاف. # وفي هذا الفصل مسائل: # المسألة الأولى في تعريف العلة والمعلول وهما وإن كانا من المتصورات ~~القطعية لكن قد يعرض اشتباه ما فيذكر على سبيل التنبيه والتمييز ما يزيل ~~ذلك الاشتباه، فإذا فرضنا صدور شئ عن غيره كان الصادر معلولا والمصدور عنه ~~علة سواء كان الصدور على سبيل الاستقلال كما في العلل التامة (1)، أو على ~~سبيل الانضمام كجزء العلة، فإن جزء العلة شئ يصدر عنه أمر آخر لكن لا على ~~سبيل الاستقلال فهو داخل في الحد. # المسألة الثانية في أقسام العلة قال: وهي فاعلية ومادية وصورية وغائية. # أقول: العلة هي ما يحتاج الشئ إليه، وهي إما أن تكون جزءا من المعلول أو ~~خارجة عنه، والأول إما أن يكون جزءا يحصل به الشئ بالفعل أو بالقوة والأول ~~الصورة والثاني المادة، وإن كانت خارجة فإما أن تكون مؤثرة أو يقف التأثير ~~عليها فالأول فاعل والثاني غاية. # المسألة الثالثة في أحكام العلة الفاعلية قال: فالفاعل مبدأ التأثير وعند ~~وجوده بجميع جهات التأثير يجب وجود المعلول. # PageV00P169 # أقول: الفاعل هو المؤثر والغاية ما لأجله ms092 الأثر والمادة والصورة جزءاه ~~(1) وإذا وجد المؤثر بجميع جهات التأثير وجب وجود المعلول، لأنه لو لم يجب ~~لجاز وجود الأثر عند وجود الجهات بأجمعها وعدمه، فتخصيص وقت الوجود به إما ~~أن يكون لأمر زائد أو لا يكون، فإن كان الأول لم يكن المؤثر المفروض أولا ~~تاما هذا خلف، وإن كان الثاني لزم ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر لا ~~لمرجح وهو محال. # قال: ولا تجب مقارنة العدم. # أقول: ذهب قوم إلى أن التأثير أنما يكون لما سبق بالعدم وهو على الإطلاق ~~غير سديد، بل المؤثر إن كان مختارا (2) وجب فيه ذلك لأن المختار أنما يفعل ~~بواسطة القصد وهو أنما يتوجه إلى شئ معدوم وإن كان موجبا لم يجب فيه ذلك. # قال: ولا يجوز بقاء المعلول بعده (3) وإن جاز في المعد. # أقول: ذهب قوم غير محققين (4) إلى أن احتياج الأثر إلى المؤثر أنما هو آن ~~حدوثه، فإذا أوجد الفاعل الفعل استغني الفعل عنه فجاز بقاؤه بعده، وتمثلوا ~~في ذلك بالبناء الباقي بعد الباني (5) وغيره من الآثار وهو خطأ، لأن علة ~~الحاجة وهي الإمكان ثابتة بعد الإيجاد فثبتت الحاجة والبناء ليس علة مؤثرة ~~في وجود البناء الباقي، وإنما حركته علة لحركة الأحجار ووضعها على نسبة ~~معينة، ثم بقاء الشكل # PageV00P170 # معلول لأمر آخر. # هذا في العلل الفاعلية، أما العلل المعدة فإنها تعدم وإن كانت معلولاتها ~~موجودة كالحركة المعدة للوصول والحرارة. # قال: ومع وحدته يتحد المعلول (1). # PageV00P171 # أقول: المؤثر إن كان مختارا (1) جاز أن يتكثر أثره مع وحدته، وإن كان ~~موجبا ذهب الأكثر إلى استحالة تكثر معلوله باعتبار واحد، وأقوى حججهم أن ~~نسبة المؤثر إلى أحد الأثرين مغايرة لنسبته إلى الآخر، فإن كانت النسبتان ~~جزئيه (2) كان مركبا وإلا تسلسل. # وهي عندي ضعيفة (3) لأن نسبة التأثير والصدور تستحيل أن تكون وجودية # PageV00P172 # وإلا لزم التسلسل، وإذا كانت من الأمور الاعتبارية استحالت هذه القسمة ~~عليها. # قال: ثم تعرض الكثرة (1) باعتبار كثرة الإضافات. # أقول: لما بين أن العلة الواحدة لا يصدر عنها إلا معلول واحد لزم أن تكون ~~الموجودات ms093 بأسرها في سلسلة واحدة بحيث يكون أي موجود فرضته علة لأي موجود ~~فرضته أو معلولا له إما قريبة أو بعيدة فلا يوجد شيئان يستغني أحدهما عن ~~الآخر والوجود يكذب هذا فأوجبوا وقوع كثرة في المعلول الأول غير حقيقية بل ~~إضافية يمكن أن يتكثر بها التأثير، قالوا: لأن المعلول الأول بالنظر إلى ~~ذاته ممكن وبالنظر إلى علته واجب وله ماهية ووجود مستفاد من فاعله وهو يعقل ~~ذاته لتجرده ويعقل مبدأه، وهذه جهات كثيرة إضافية يقع بها التكثر ولا تثلم ~~وحدته ويصدر عنه باعتبار كل جهة شئ. # وهذا الكلام عندنا في غاية السقوط، لأن هذه الجهات لا تصلح للتأثير (2) # PageV00P174 # لأنها أمور اعتبارية ومساوية لغيرها ولا تكون شروطا فيه. # قال: وهذا الحكم ينعكس على نفسه (1). # PageV00P175 # أقول: يريد بذلك أن مع وحدة المعلول تتحد العلة وهو عكس الحكم الأول، فلا ~~يجتمع على الأثر الواحد مؤثران مستقلان بالتأثير لأنه بكل واحد منهما واجب ~~مستغن عن الآخر فيكون حال الحاجة إليهما مستغنيا عنهما هذا خلف. # قال: وفي الوحدة النوعية لا عكس. # أقول: إذا كانت العلة واحدة بالنوع كان المعلول كذلك ولا يجب من كون ~~المعلول واحدا بالنوع كون العلة كذلك فإن الأشياء المختلفة تشترك في لازم ~~واحد كاشتراك الحركة والشمس والنار في السخونة لأن المعلول يحتاج إلى مطلق ~~العلة وتعين العلة جاء من جانب العلة لا المعلول. # قال: والنسبتان من ثواني المعقولات (1) وبينهما مقابلة التضايف. # PageV00P176 # أقول: يعني أن نسبة العلية والمعلولية من المعقولات الثانية لاستحالة ~~وجود شئ في الأعيان هو مجرد علية أو معلولية وإن كان معروضهما موجودا ~~وبينهما مقابلة التضايف فإن العلة علة المعلول، والمعلول معلول العلة وقد ~~نبه بقوله: # وبينهما مقابلة التضايف على امتناع كون الشئ الواحد بالنسبة إلى شئ واحد ~~علة ومعلولا، وهو الدور المحال، لأن كونه علة يقتضي الاستغناء والتقدم ~~وكونه معلولا يقتضي الحاجة والتأخر فيكون الشئ الواحد مستغنيا عن الشئ ~~الواحد متقدما عليه، ومحتاجا إليه متأخرا عنه هذا خلف. # قال: وقد يجتمعان في الشئ الواحد بالنسبة إلى أمرين لا يتعاكسان فيهما. ms094 # أقول: قد تجتمع نسبة العلية والمعلولية في الشئ الواحد بالنسبة إلى أمرين ~~فيكون علة لأحد الشيئين ومعلولا للآخر كالعلة المتوسطة فإنها معلولة العلة ~~الأولى، وعلة المعلول الأخير لكن بشرط أن لا يكون ذانك الأمران يتعاكسان في ~~النسبتين بأن تكون العلة الأولى معلولة للمعلول الأخير والمعلول الأخير علة ~~لها وإلا جاء الدور المحال. # المسألة الرابعة في إبطال التسلسل قال: ولا يتراقى (1) معروضاهما في ~~سلسلة واحدة إلى غير النهاية، لأن كل واحد منها (2) ممتنع الحصول بدون علة ~~واجبة، لكن الواجب بالغير ممتنع أيضا # PageV00P177 # فيجب وجود علة لذاتها هي طرف. # أقول: لما أبطل الدور شرع في إبطال التسلسل، وهو وجود علل ومعلولات في ~~سلسلة واحدة غير متناهية، ونبه على الدعوى بقوله: ولا يتراقى معروضاهما ~~يعني معروض العلية والمعلولية في سلسلة واحدة إلى غير النهاية واحتج عليه ~~بوجوه: الأول أن كل واحد من تلك الجملة ممكن وكل ممكن ممتنع حصوله بدون ~~علته الواجبة فكل واحد من تلك الآحاد ممتنع حصوله بدون علته الواجبة ثم تلك ~~العلة الواجبة إن كانت واجبة لذاتها فهو المطلوب لانقطاع السلسلة حينئذ، ~~وإن كانت واجبة بغيرها كانت ممكنة لذاتها فكانت مشاركة لباقي الممكنات في ~~امتناع الوجود بدون العلة الواجبة فيجب وجود علة واجبة لذاتها هي طرف ~~السلسلة فتكون السلسلة منقطعة، وفي هذا الوجه عندي نظر. # قال: وللتطبيق بين جملة قد فصل منها آحاد متناهية وأخرى لم تفصل منها. # أقول: هذا هو الوجه الثاني من الوجوه الدالة على امتناع التسلسل وهو ~~المسمى ببرهان التطبيق وهو دليل مشهور، وتقريره أنا إذا أخذنا جملة العلل ~~والمعلولات إلى ما لا يتناهى ووضعناها جملة ثم قطعنا منها جملة متناهية ثم ~~أطبقنا إحدى الجملتين بالأخرى بحيث يكون مبدأ كل واحدة من الجملتين ~~PageV00P178 # واحدا، فإن استمرتا إلى ما لا يتناهى كانت الجملة الناقصة مثل الزائدة ~~هذا خلف، وإن انقطعت الناقصة تناهت ويلزم تناهي الزائدة لأن ما زاد على ~~المتناهي بمقدار متناه فهو متناه. # قال: ولأن التطبيق باعتبار النسبتين (1) بحيث يتعدد كل واحد منها ~~باعتبارهما يوجب تناهيهما لوجوب ms095 ازدياد إحدى النسبتين على الأخرى من حيث ~~السبق. # أقول: هذا وجه ثالث وهو راجع إلى الثاني وهو برهان التطبيق لكن على نحو ~~آخر استخرجه المصنف رحمه الله مغاير للنحو الذي ذكره القدماء، وتقريره أنا ~~إذا أخذنا العلل والمعلولات سلسلة واحدة غير متناهية فإن كل واحد من تلك ~~السلسلة علة باعتبار ومعلول باعتبار، فيصدق عليه النسبتان باعتبارين ويحصل ~~له التعدد # PageV00P179 # باعتبار النسبتين، فإن الواحد من تلك السلسلة (1) من حيث إنه علة مغاير ~~له من حيث إنه معلول، فإذا أطبقنا كل ما صدق عليه نسبة المعلولية على كل ما ~~صدق عليه نسبة العلية واعتبرت هذه السلسلة من حيث كل واحد منها علة تارة ~~ومن حيث كل واحد منها معلول أخرى كانت العلل والمعلولات المتباينات ~~بالاعتبار متطابقتين في الوجود ولا يحتاج في تطابقهما إلى توهم تطبيق، ومع ~~ذلك يجب أن تكون العلل أكثر من المعلولات من حيث إن العلل سابقة على ~~المعلولات في طرف المبتدأ، فإذن المعلولات قد انقطعت قبل انقطاع العلل، ~~والعلل الزائدة عليها إنما زادت بمقدار متناه فتكون الجملتان متناهيتين. # قال: ولأن المؤثر في المجموع إن كان بعض أجزائه كان الشئ مؤثرا في نفسه ~~وعلله ولأن المجموع له علة تامة وكل جزء ليس علة تامة إذ الجملة لا تجب به ~~وكيف تجب الجملة بشئ هو محتاج إلى ما لا يتناهى من تلك الجملة. # أقول: هذا وجه (2) رابع على إبطال التسلسل، وتقريره أنا إذا فرضنا جملة # PageV00P180 # مترتبة من علل ومعلولات إلى ما لا يتناهى، فتلك الجملة من حيث هي جملة ~~ممكنة لتركبها من الآحاد الممكنة وكل ممكن له مؤثر فلتلك الجملة مؤثر فإما ~~أن يكون المؤثر هو نفس تلك الجملة وهو محال لاستحالة كون الشئ مؤثرا في ~~نفسه، وإما أن يكون خارجا عنها والخارج عن جملة الممكنات واجب فتنقطع ~~السلسلة وإما أن يكون جزءا من تلك الجملة وهذا محال وإلا لزم كون الشئ ~~مؤثرا في نفسه وفي علله التي لا تتناهى وذلك من أعظم المحالات. وأيضا فإن ~~المجموع لا بد له من ms096 علة تامة وكل جزء ليس علة تامة إذ الجملة لا تجب به ~~وكل جزء لا يصلح أن يكون علة تامة للمجموع، وكيف تجب الجملة بجزء من ~~أجزائها وذلك الجزء محتاج إلى ما لا يتناهى من تلك الجملة. # المسألة الخامسة في متابعة المعلول للعلة في الوجود والعدم قال: وتتكافى ~~النسبتان في طرفي النقيض. # أقول: الذي يفهم من هذا الكلام أن نسبة العلية مكافئة لنسبة المعلولية في ~~طرفي الوجود والعدم بالنسبة إلى معروضيهما على معنى أن نسبة العلية إذا ~~صدقت PageV00P181 # على معروض ثبوتي كانت نسبة المعلولية صادقة على معروض ثبوتي وبالعكس، ~~وإذا صدقت نسبة العلية على معروض عدمي صدقت نسبة المعلولية على معروض عدمي ~~وبالعكس وذلك يتم بتقرير مقدمة هي أن عدم المعلول أنما يستند إلى عدم العلة ~~لا غير، وبيانه أن عدم المعلول لا يستند إلى ذاته وإلا لكان ممتنعا لذاته ~~هذا خلف، بل لا بد له من علة إما وجودية أو عدمية، والأول باطل لأن عند ~~وجود تلك العلة الوجودية إن لم يختل شئ من أجزاء العلة المقتضية لوجود ~~المعلول، ولا من شرائطها لزم وجود المعلول نظرا إلى تحقق علته التامة، وإن ~~اختل شئ من ذلك لزم عدم المعلول فيكون عدم المعلول مستندا إلى ذلك العدم لا ~~غير. # وإذا تقررت هذه المقدمة فنقول: العلة الوجودية يجب أن يكون معلولها ~~وجوديا لأنه لو كان عدميا لكان مستندا إلى عدم علته على ما قلنا لا إلى ~~وجود هذه العلة، والمعلول الوجودي يستند إلى العلة الوجودية لا العدمية لأن ~~تأثير المعدوم في الموجود غير معقول. # المسألة السادسة في أن القابل لا يكون فاعلا قال: والقبول والفعل ~~متنافيان مع اتحاد النسبة لتنافي لازميهما. # أقول: ذهب الأوائل إلى أن الشئ الواحد لا يكون قابلا وفاعلا لشئ واحد، ~~وعبر عنه المصنف بقوله: القبول والفعل متنافيان يعني لا يجتمعان بل ~~يتنافيان لكن مع اتحاد النسبة يعني أن يكون المفعول الذي تقع نسبة الفعل ~~إليه هو بعينه المقبول الذي تقع نسبة القبول إليه لتنافي لازميهما وهو ~~الإمكان والوجوب ms097 وذلك لأن نسبة القابل إلى المقبول نسبة الإمكان (1)، ونسبة ~~الفاعل إلى المفعول نسبة # PageV00P182 # الوجوب فلو كان الشئ الواحد مقبولا لشئ ومعلولا له أيضا لزم أن تكون نسبة ~~ذلك الشئ إلى فاعله بالوجوب والإمكان هذا خلف. # المسألة السابعة في نسبة العلة إلى المعلول قال: وتجب المخالفة بين العلة ~~والمعلول (1) إن كان المعلول محتاجا لذاته إلى تلك العلة وإلا فلا. # أقول: العلة إن كان معلولها محتاجا لماهيته إليها وجب كونها مخالفة لها ~~لاستحالة تأثير الشئ في نفسه، وإن كانت علة لشخصيتها (2) كتعليل إحدى ~~النارين بالأخرى فإن المعلول لا يجب أن يكون مخالفا للعلة في الماهية ولا ~~يكون أقوى منها ولا يساويها عند فوات شرط أو حضور مانع ويساويها لا مع ذلك ~~(3)، والإحساس بسخونة الأجسام الذائبة أشد من سخونة النار لعدم الانفصال ~~بسرعة للزوجته ولبطء حركة اليد فيه لغلظه. # المسألة الثامنة في أن مصاحب العلة ليس بعلة وكذا مصاحب المعلول ليس ~~معلولا قال: ولا يجب صدق إحدى النسبتين على المصاحب. # أقول: يعني به أن نسبة العلية (4) لا يجب صدقها على ما يصاحب العلة # PageV00P183 # ويلازمها فإن مع العلة شرائط كثيرة ولوازم لا مدخل لها في العلية كحمرة ~~النار (1) فإنها لا تأثير لها في الاحراق وكذا ما يصاحب المعلول ويلازمه لا ~~يجب صدق نسبة المعلولية عليه، قال الشيخ أبو علي ابن سينا (2): إن الفلك ~~الحاوي يصاحب علة المحوي ولا يجب أن يكون متقدما بالعلية على المحوي لأجل ~~مصاحبته لعلة المحوي فقد جعل ما مع القبل ليس قبلا، ثم قال: وجود الخلاء ~~وعدم المحوي متقارنان (3)، فلو كان الحاوي علة للمحوي لكان متقدما عليه ~~فيكون متقدما على ما يصاحبه أعني عدم الخلاء، فيكون عدم الخلاء (4) متأخرا ~~عنه من حيث إنه مصاحب للمتأخر، وهذا يدل على أن ما مع البعد يجب أن يكون ~~بعدا، فتوهم بعضهم (5) أن الشيخ أوجب أن يكون ما مع البعد بعدا من حيث ~~المعية والبعدية ولم يوجب أن يكون ما مع القبل قبلا وهذا فاسد لأنه لا فرق ~~بين ما مع القبل وما مع ms098 البعد من حيث البعدية والمعية والقبلية، والشيخ حكم ~~في هذه الصورة الخاصة وكل ما يساويها بأن ما مع البعد يجب أن يكون بعدا ~~لتحقق الملازمة الطبيعية بين عدم الخلاء ووجود المحوي بخلاف العقل والفلك ~~(6) المتباينين بالذات والاعتبار. # PageV00P184 # المسألة التاسعة في أن العناصر ليست عللا ذاتية بعضها لبعض قال: وليس ~~الشخص من العنصريات علة (1) ذاتية لشخص آخر منها وإلا لم تتناه الأشخاص ~~(2)، ولاستغنائه عنه بغيره. # أقول: الشخص من العناصر كهذه النار مثلا ليس علة ذاتية لشخص آخر منها أي ~~يكون علة لوجوده وإلا لوجدت أشخاص لا تتناهى دفعة واحدة، لأن العلل الذاتية ~~تصاحب المعلولات. # وأيضا فإن الشخص (3) من العناصر يستغني عن الشخص الآخر بغيره، إذ ليس شخص ~~ما من أشخاص النار مثلا أولى بأن يكون علة لشخص آخر من بقية أشخاص النوع بل ~~الشخص الذي هو معلول سبيله سبيل سائر الأشخاص في أن الشخصن الذي هو العلة ~~ليس هو أولى بالعلية من الشخص الذي هو معلوله وما يستغنى عنه بغيره لا يكون ~~علة بالذات، فهو إذن علة بالعرض بمعنى أنه معد. # PageV00P185 # قال: ولعدم تقدمه. # أقول: هذا وجه ثالث (1) على امتناع تعليل أحد الشخصين بالآخر، وتقريره أن ~~العلة متقدمة على المعلول بالذات، والشخصان إذا كانا من نوع واحد استحال ~~تقدم أحدهما على الآخر تقدما ذاتيا، لأن التقدم الذاتي ما يبقى (2) للعلة ~~مع وجود المعلول، لأنه مقوم لها والتقدم بالزمان يبطل مع وجود المعلول ~~لأنهما إذا اجتمعا في زمان واحد فقد عدم تقدم ما فرض علة. # قال: ولتكافؤهما (3). # أقول: هذا دليل رابع، وتقريره أن الماء والنار مثلا متكافئان في أنه ليس ~~النار أولى بأن تكون علة للماء من العكس، والمتكافئان لا يصح (4) أن يكون ~~أحدهما علة للآخر. # قال: ولبقاء أحدهما مع عدم صاحبه. # أقول: هذا دليل خامس، وتقريره أن ما يفرض علة من شخصيات النار فقد يعدم ~~وما يفرض معلولا يكون باقيا بعده ويستحيل بقاء المعلول بعد علته الذاتية ~~وبالعكس قد يعدم (5) ما يفرض معلولا وما يفرض علة يكون باقيا بعده، ويستحيل ~~بقاء ms099 العلة (6) منفكة عن المعلول. # PageV00P186 # المسألة العاشرة في كيفية صدور الأفعال منا قال: والفاعل منا يفتقر إلى ~~تصور جزئي (1) ليتخصص الفعل ثم شوق ثم إرادة (2) ثم حركة من العضلات (3) ~~ليقع منا الفعل. # أقول: القوة البشرية أنما تفعل أثرها مع شعور وإدارك على الوجه النافع ~~علما # PageV00P187 # أو ظنا، فافتقر الفعل الصادر عنها إلى مباد أربعة تصور لذلك الفعل ~~الجزئي، فإن التصور الكلي لا يكون سببا لفعل جزئي لأن نسبة كل كلي إلى ~~جزئياته واحدة فإما أن يقع كلها وهو محال أو لا يقع شئ منها وهو المطلوب، ~~فلا بد من تصور جزئي يتخصص به الفعل فيصير جزئيا، فإذا حصل التصور بالنفع ~~الحاصل من الأثر اشتاقت النفس إلى تحصيله فحصلت الإرادة (1) الجازمة بعد ~~التردد فتحركت العضلات إلى الفعل فوجد. # قال: والحركة إلى مكان (2) تتبع إرادة بحسبها، وجزئيات تلك الحركة تتبع ~~تخيلات وإرادات جزئية، فيكون السابق من هذه علة للسابق من تلك، المعدة ~~لحصول أخرى فتتصل الإرادت في النفس والحركات في المسافة إلى آخرهما. # أقول: الفاعل منا لحركة ما من الحركات أنما يفعلها بواسطة القصد والإرادة ~~المتعلقة بتلك المسافة، فتلك الحركة تتبع إرادة بحسبها يعني الحركة إلى ~~مكان مفروض تتبع إرادة متعلقة بالحركة إلى ذلك المخصوص، وكل حركة فعلى ~~مسافة منقسمة تكون الحركة في كل مسافة من تلك المسافات جزءا من الحركة ~~الأولى، وكل جزء من تلك الأجزاء يتبع تخيلا خاصا وإرادة جزئية متعلقة به، ~~فإذا تعلقت الإرادة بإيجاد الجزء الأول من الحركة ثم وجد الجزء الأول كان ~~وصول الجسم إلى ذلك الجزء مع الإرادة الكلية المتعلقة بكمال الحركة علة ~~لتجدد إرادة أخرى # PageV00P188 # تتعلق بجزء آخر، فإذا وجدت تلك الإرادة تعلقت بذلك الجزء فيتحرك الجسم، ~~وعلى هذا تتصل التخيلات والإرادات في النفس والحركة في الخارج فتكون كل ~~حركة جزئية علة لإرادة خاصة، وكل إرادة خاصة علة لحركة جزئية من غير دور. # المسألة الحادية عشرة في أن القوى الجسمانية أنما تؤثر بمشاركة الوضع ~~قال: ويشترط في صدق التأثير على المقارن الوضع (1). # أقول: يشترط في صدق ms100 التأثير (2) أعني صدق كون الشئ علة على المقارن أعني ~~الصور والأعراض، الوضع أعني الإشارة الحسية وهو كونه بحيث يشار إليه أنه ~~هنا أو هناك وذلك لأن القوى الجسمانية أعني الصور والأعراض المؤثرة إنما ~~تؤثر بواسطة الوضع على معنى أنها تؤثر في محلها أولا، ثم فيما يجاور محلها ~~بواسطة تأثيرها في محلها، ثم فيما يجاور ذلك المجاور بواسطة المجاور وهكذا، # PageV00P189 # إنما تؤثر في البعيد بواسطة تأثيرها في القريب، فإن النار لا تسخن كل شئ ~~بل مادتها أولا ثم ما يجاورها، وهذا الحكم بين لا يحتاج إلى برهان. # المسألة الثانية عشرة في تناهي القوى الجسمانية قال: والتناهي بحسب المدة ~~والعدة والشدة التي باعتبارها (1) يصدق التناهي وعدمه الخاص على المؤثر. # أقول: قوله والتناهي عطف على الوضع أي يشترط في صدق التأثير على المقارن ~~- أعني الصور والأعراض - التناهي، لأنه لا يمكن وجود قوة جسمانية تقوى على ~~ما لا يتناهى. # وقبل الخوض في الدليل مهد قاعدة في كيفية عروض التناهي وعدمه للقوى، ~~وأعلم أن التناهي وعدمه الخاص به - أعني عدم الملكة وهو عدم التناهي عما من ~~شأنه أن يكون متناهيا - أنما يعرضان بالذات للكم إما المتصل كتناهي المقدار ~~ولا تناهيه، أو المنفصل كتناهي العدد ولا تناهيه، ويعرضان لغيره بواسطته ~~كالجسم ذي المقدار والعلل ذوات العدد، فإن عروض التناهي وعدمه لهما ظاهر، ~~وأما ما يتعلق به شئ ذو مقدار أو عدد كالقوى التي يصدر عنها عمل متصل في ~~زمان أو أعمال متوالية، ففرض النهاية واللانهاية فيه يكون بحسب مقدار ذلك ~~العمل أو عدد تلك الأعمال (2) والذي بحسب مقدار ذلك العمل يكون إما مع وحدة ~~العمل واتصال زمانه (3) أو مع فرض الاتصال (4) في العمل نفسه من غير نظر ~~إلى وحدته أو كثرته، فأصناف القوى ثلاثة: # PageV00P190 # الأول: قوى يفرض صدور عمل واحد منها في أزمنة مختلفة كرماة تقطع سهامهم ~~مسافة محدودة في أزمنة مختلفة، وهاهنا الشدة بحسب قلة الزمان، فيكون ما لا ~~يتناهى في الشدة واقعا لا في زمان وإلا لكان الواقع في نصفه أشد مما لا ~~يتناهى ms101 في الشدة، وهذه قوة بحسب الشدة. # والثاني: قوى يفرض صدور عمل ما منها على الاتصال (1) في أزمنة مختلفة ~~كرماة تختلف أزمنة حركات سهامهم في الهواء، وهاهنا تكون التي زمانها أكثر ~~أقوى من التي زمانها أقل فيقع عمل غير المتناهية في زمان غير متناه، وهذه ~~قوة بحسب المدة. # والثالث: قوى يفرض صدور أعمال متوالية عنها مختلفة بالعدد كرماة يختلف ~~عدد رميهم، ولا محالة تكون التي يصدر عنها عدد أكثر أقوى من التي يصدر عنها ~~عدد أقل، وهاهنا يقع لغير المتناهية عمل غير متناهي العدد، وهذه قوة بحسب ~~العدة. فقد ظهر من هذا أن التناهي وعدمه الخاص به أنما صدقا على المؤثر ~~بأحد الاعتبارات الثلاثة. # PageV00P191 # قال: لأن القسري يختلف باختلاف القابل ومع اتحاد المبدأ يتفاوت مقابله ~~(1). # أقول: لما مهد قاعدة في كيفية عروض التناهي وعدمه في القوى شرع في الدليل ~~على مطلوبه الأول أعني وجوب تناهي تأثير القوى الجسمانية. # وتقريره أن القوى الجسمانية إما أن تكون قسرية أو طبيعية، وكلاهما يستحيل ~~صدور ما لا يتناهى عنهما. # أما الأول (2) فلأن صدور ما لا يتناهى بحسب الشدة من الحركات (3) عن ~~القوتين (4) محال لما مر، وإما بحسب المدة أو العدة فلأنا لو فرضنا جسما ~~متناهيا يحرك جسما آخر متناهيا من مبدأ مفروض حركات (5) لا تتناهى بحسب ~~المدة أو العدة ثم حرك بتلك القوة جسما أصغر (6) من ذلك الجسم من ذلك ~~المبدأ فإن # PageV00P192 # تحريكه للأصغر أكثر من تحريكه للأكبر لقلة المعاوقة هنا ولكن المبدأ واحد ~~فالتفاوت في الطرف الآخر فيجب تناهي الناقص مع فرض عدم تناهيه هذا خلف (1). # وهاهنا سؤال صعب (2) وهو أن التفاوت في التحريكين جاز أن يكون بحسب # PageV00P193 # الشدة، وأجاب المصنف قدس الله روحه عن هذا السؤال في شرحه للإشارات بأن ~~المراد بالقوة هاهنا هي التي لا نهاية لها بحسب المدة أو العدة لا الشدة. # وفيه نظر لأن أخذ القوة بحسب الاعتبارين لا ينافي وقوع التفاوت بالاعتبار ~~الثالث. # وأورد بعض تلامذة أبي علي عليه أنه لا وجود للحركات دفعة فلا يجوز الحكم ~~عليها بالزيادة ms102 فضلا عن كون الزيادة مقتضية لتناهيها كما قاله الشيخ ~~اعتراضا على المتكلمين حيث حكموا بتناهي الحوادث لازديادها كل يوم. # وأجاب الشيخ عنه بالفرق فإن الحوادث ليس لها كل موجود (1) حتى يحكم عليها ~~بالتناهي وعدمه، والزيادة والنقصان بخلاف القوة هاهنا فإنها موجودة يحكم ~~عليها بكونها قوية على تحريك الكل أو البعض ولا شك في أن كون القوة قوية ~~على تحريك الكل أعظم من كونها قوية على تحريك الجزء فأمكن الحكم بالتناهي ~~هاهنا لوجود المحكوم عليه وتحققه بخلاف الحوادث. # وللسائل أن يعود فيقول: التفاوت في القوة إنما هو باعتبار التفاوت في ~~المقوى عليه أعني الحركات، فإذا لم يكن الحكم على الحركات بالزيادة ~~والنقصان لم يكن الحكم على القوة بالتفاوت. # قال: والطبيعي (2) يختلف باختلاف الفاعل لتساوي الصغير والكبير في ~~القبول، فإذا تحركا (3) مع اتحاد المبدأ عرض التناهي. # PageV00P194 # أقول: هذا بيان استحالة القسم الثاني (1) وهو أن تكون القوة المؤثرة فيما ~~لا يتناهى طبيعية. وتقريره أنه يجب أن يكون قبول الجسم العظيم للتحريك عنها ~~مثل قبول الصغير وإلا لكان التفاوت بسبب المانع وهو إما أن تكون الجسمية أو ~~لوازمها أو أمرا طبيعيا والكل محال، أو غريبا وقد فرضنا عدمه فلو حصل ~~اختلاف لكان بسبب الفاعل فإن القوة في العظيم أكثر من القوة في الصغير ~~لانقسام # PageV00P195 # القوى الطبيعية بانقسام محالها، فإذا حركت قوة الكل وقوة البعض جسميهما ~~من مبدأ واحد مفروض فإن حركت الصغرى حركات غير متناهية كانت حركات الكبرى ~~أكثر لأنها أعظم فتكون أقوى وإلا لكان حال الشئ مع غيره كحاله لا مع غيره ~~هذا خلف، فيقع التفاوت في الجانب الذي حكم فيه بعدم التناهي هذا خلف، وإن ~~تناهت حركات الأصغر تناهت حركات الأكبر لأن نسبة الأثر إلى الأثر كنسبة ~~المؤثر إلى المؤثر، وهذه نسبة متناه إلى متناه فكذا الأولى. # المسألة الثالثة عشرة في العلة المادية قال: والمحل المتقوم بالحال قابل ~~له ومادة للمركب. # أقول: المحل إما أن يتقوم بالحال أو يقوم الحال، وإلا لزم استغناء أحدهما ~~عن الآخر فلا حلول، فالمحل المتقوم بالحال هو ms103 الهيولى والمقوم للحال هو ~~الموضوع والهيولى باعتبار الحال تسمى قابلا، وباعتبار المركب تسمى مادة. # قال: وقبوله ذاتي. # أقول: كون المادة قابلة أمر ذاتي لها لا غريب يعرض بواسطة الغير لأنه ~~لولا ذلك لكان عروض ذلك القبول في وقت حصوله يستدعي قبولا آخر ويلزم ~~التسلسل وهو محال، فهو إذن ذاتي يعرض للمادة لذاتها. # قال: وقد يحصل القرب والبعد باستعدادات يكتسبها (1) باعتبار الحال فيه. # أقول: لما ذكر أن قبول المادة لما يحل فيها ذاتي استشعر أن يعترض عليه ~~بما يظن أنه مناقض له، وهو أن يقال: إن المادة قد تقبل شيئا ولا تقبل آخر، ~~ثم يعرض لها قبول الآخر ويزول عنها القبول الأول، وهذا يعطي أن القبول من ~~الأمور # PageV00P196 # العارضة الحاصلة بسبب الغير لا من الأمور الذاتية اللازمة لها لذاتها. # وتحقيق الجواب أن نقول: إن القبول ثابت في كلتا الحالتين لكن القبول منه ~~قريب ومنه بعيد، فإن قبول النطفة للصورة الانسانية بعيد وقبول الجنين قريب، ~~فإذا حصل القرب بالنظر إلى عرض من الأعراض نسب القبول إليه وعدمه عن غيره، ~~وفي الحقيقة إنما حصل قرب القبول بعد بعده وسبب القرب والبعد هو الأعراض ~~والصور الحالة في المادة، فإن الحرارة إذا حلت المادة واشتدت أعدتها لقرب ~~قبول الصورة النارية وخلع غيرها. # المسألة الرابعة عشرة في العلة الصورية قال: وهذا الحال صورة للمركب وجزء ~~فاعل لمحله (1). # أقول: هذا الحال يعني به الحال في المادة وهو صورة للمركب لا للمادة، ~~لأنه بالنظر إلى المادة جزء فاعل لأن الفاعل في المادة هو المبدأ الفياض ~~بواسطة الصورة المطلقة. # قال: وهو واحد. # أقول: ذكر الأوائل أن الصورة المقومة للمادة لا تكون فوق واحدة، لأن # PageV00P197 # الواحدة إن استقلت بالتقويم استغنت المادة عن الأخرى، وإن لم تستقل كان ~~المجموع هو الصورة وهو واحد، فالصورة واحدة. # المسألة الخامسة عشرة في العلة الغائية قال: والغاية علة بماهيتها (1) ~~لعلية العلة الفاعلية، معلولة في وجودها للمعلول. # أقول: الغاية لها اعتباران يحصل لها باعتبارهما التقدم والتأخر بالنسبة ~~إلى المعلول، وذلك لأن الفاعل إذا تصور الغاية فعل ms104 الفعل ثم حصلت الغاية ~~بحصول الفعل، فماهية الغاية علة لعلية الفاعل، إذ لولا تلك الماهية وحصولها ~~في علم الفاعل لما أثر ولا فعل الفعل، فإن الفاعل للبيت يتصور الاستكنان ~~أولا فيتحرك إلى إيجاد البيت ثم يوجد الاستكنان بحصول البيت، فماهية ~~الاستكنان علة لعلية الفاعل ووجوده معلول للبيت، ولا امتناع في أن يكون ~~الشئ الواحد متقدما ومتأخرا باعتبارين. # قال: وهي ثابتة لكل قاصد (2). # PageV00P198 # أقول: كل فاعل بالقصد والإرادة فإنه أنما يفعل لغرض ما وغاية ما وإلا ~~لكان عابثا على أن العبث لا يخلو عن غاية، أما الحركات الاسطقسية (1) فقد ~~أثبت الأوائل لها غايات لأن الحبة من البر إذا رميت في الأرض الطيبة ~~وصادفها الماء وحر الشمس فإنها تنبت سنبلة، وهذه التأدية على سبيل الدوام ~~أو الكثرة فيكون ذلك غاية طبيعية. ومنع ذلك جماعة لعدم الشعور في الطبيعة ~~فلا يعقل لها غاية، # PageV00P199 # وأجابوا بأن الشعور يفيد تعيين الغاية لا تحصيلها. # قال: أما القوة الحيوانية (1) المحركة فغايتها الوصول إلى المنتهى وهو قد ~~يكون (2) غاية الشوقية وقد لا يكون، فإن لم تحصل فالحركة باطلة وإلا فهو ~~إما خير أو عادة (3) أو قصد ضروري أو عبث وجزاف (4). # أقول: القوة الحيوانية لها مباد على ما تقدم (5): أحدها: القوة المحركة ~~المنبثة في العضلات، وثانيها: القوة الشوقية، وثالثها: التخيل أو الفكر. ~~وغاية القوة المحركة أنما هي الوصول إلى المنتهى وقد تكون هي بعينها (6) ~~غاية القوة الشوقية كمن طلب مفارقة مكانه والحصول في آخر (7) لإزالة ضجره، ~~وقد تكون غيرها كمن يطلب غريما في موضع معين، وفي هذا القسم إن لم تحصل ~~غاية القوة الشوقية سميت الحركة باطلة بالنسبة إليها (8)، وإن حصلت ~~الغايتان (9) وكان المبدأ التخيل لا غير فهو الجزاف والعبث (10). وإن كان ~~مع طبيعة كالتنفس فهو القصد # PageV00P200 # الضروري، وإن كان مع خلق وملكة نفسانية فهو العادة، وإن كان المبدأ الفكر ~~فهو الخير المعلوم أو المظنون. # قال: وأثبتوا للطبيعيات غايات (1) وكذا للاتفاقيات. # PageV00P201 # أقول: أما إثبات الغايات للحركات الطبيعية فقد تقدم البحث فيه (1) وأما ~~العلل الاتفاقية فقد نفاها قوم (2) لأن السبب ms105 إن استجمع جهات المؤثرية لزم ~~حصول # PageV00P202 # مسببه قطعا وإلا كان منتفيا فلا مدخل للاتفاق. # والجواب أن المؤثر قد يتوقف تأثيره على أمور خارجة عن ذاته غير دائمة ~~الحصول معه، فيقال لمثل ذلك السبب من دون الشرائط أنه اتفاقي إذا كان ~~انفكاكه مساويا أو راجحا، ولو أخذناه مع تلك الشرائط كان سببا ذاتيا. # المسألة السادسة عشرة في أقسام العلة قال: والعلة مطلقا قد تكون بسيطة ~~وقد تكون مركبة. # أقول: يعني بالاطلاق ما يشتمل العلل الأربع أعني المادية والصورية ~~والفاعلية والغائية، فإن كل واحدة من هذه الأربع تنقسم إلى هذه الأقسام، ~~فالعلة الفاعلية عند المحققين قد تكون بسيطة كتحريك الواحد منا جسما ما، ~~وقد تكون مركبة كتحريك جماعة جسما أكبر. # ومنع بعض الناس من التركيب في العلل وإلا لزم نفيها، لأن كل مركب فإن عدم ~~كل جزء من أجزائه علة مستقلة في عدمه، فلو عدم جزء من العلة المركبة لزم ~~PageV00P206 # عدم العلة، فإذا عدم جزء ثان لم يكن له تأثير البتة لتحقق العدم بالجزء ~~الأول، ولأن الموصوف بالعلة (1) إما كل واحد من أجزائه فيلزم تعدد العلل ~~وانتفاء التركيب وهو المطلوب، أو بعضها (2) وهو المطلوب أيضا مع انتفاء ~~الأولوية، أو المجموع وهو باطل لأن كل جزء لم يكن علة فعند الاجتماع إن لم ~~يحصل أمر لم يكن المجموع علة، وإن حصل عاد الكلام في علة حصوله. # وهذان ضعيفان (3) لاقتضائهما انتفاء المركبات سواء كانت عللا أم لا وهو ~~باطل (4) بالضرورة والمادة المركبة (5) كالزاج والعفص في الحبر، والصورة ~~المركبة كالإنسانية المركبة من أشكال مختلفة (6)، والغاية المركبة كالحركة ~~لشراء المتاع ولقاء الحبيب. # قال: وأيضا بالقوة أو بالفعل. # أقول: هذه المبادئ الأربعة قد تكون بالقوة فإن الخمر فاعل للإسكار في ~~الدن بالقوة، وقد تكون بالفعل كالخمر مع الشرب. # والمادة قد تكون بالفعل كالجنين للانسانية، وقد تكون بالقوة كالنطفة. # والصورة بالقوة كالمائية الحالة في الهواء بالقوة، وقد تكون بالفعل ~~كالمائية الحالة في مادتها. # PageV00P207 # والغاية بالقوة هي التي يمكن جعلها كذلك وبالفعل هي التي حصل منها ذلك. # قال: وكلية ms106 أو جزئية. # أقول: هذه العلل (1) قد تكون كلية كالبناء مطلقا، وقد تكون جزئية كهذا ~~البناء وكذلك البواقي. # قال: وذاتية أو عرضية. # أقول: العلة قد تكون ذاتية وهي التي يستند المعلول إليها بالحقيقة ~~كالنارية في الاحراق، وقد تكون عرضية وهي أن تقتضي العلة شيئا ويتبع ذلك ~~الشئ شئ آخر كقولنا: السقمونيا مبرد، فإنه بالعرض كذلك لأنه يقتضي بالذات ~~إزالة السخونة ويتبعها حصول البرودة. # وكذلك البواقي فإن المادة الذاتية هي محل الصورة والعرضية هي تلك مأخوذة ~~مع عوارض خارجة، والصورة الذاتية هي المقومة كالإنسانية والعرضية هي ما ~~يلحقها من الأعراض اللازمة أو المفارقة، والغاية الذاتية هي المطلوبة ~~لذاتها والعرضية هي ما يتبع المطلوب. وقد تطلق العلة العرضية على ما مع ~~العلة (2). # قال: وعامة أو خاصة. # أقول: العلة العامة هي التي تكون جنسا للعلة الحقيقية كالصانع في البناء ~~والخاصة كالباني فيه ولا يتحقق العموم والخصوص في الصور (3). # PageV00P208 # قال: وقريبة أو بعيدة. # أقول: العلة القريبة هي التي لا واسطة بينها وبين المعلول كالميل في ~~الحركة، والبعيدة هي علة العلة كالقوة الشوقية وكذا البواقي. # قال: ومشتركة أو خاصة. # أقول: المشتركة كالنجار لأبواب متعددة، والخاصة كالنجار لهذا الباب. # قال: والعدم للحادث (1) من المبادئ العرضية. # أقول: الحادث هو الموجود بعد أن لم يكن، وهو أنما يتحقق بعد سبق عدم ~~علته، فلما توقف تحققه على العدم السابق أطلقوا على العدم اسم المبدأ ~~بالعرض ومبدئه بالذات هو الفاعل لا غير. # قال: والفاعل في الطرفين واحد. # PageV00P209 # أقول: الفاعل في الوجود هو بعينه الفاعل في العدم على ما بينا (1) أولا ~~من أن علة العدم هي عدم العلة لا غير، والمؤثر في طرفي المعلول هو العلة لا ~~غير لكن مع حضورها تقتضي الوجود ومع عدمها تقتضي العدم. # قال: والموضوع كالمادة. # أقول: الموضوع أيضا من العلل التي يتوقف وجود الحال عليها ونسبته إلى ~~الحال نسبة المادة إلى الصورة فهو من جملة العلل. # المسألة السابعة عشرة في أن افتقار المعلول أنما هو في الوجود أو العدم ~~قال: وافتقار الأثر أنما هو في أحد طرفيه ms107 أقول: الأثر له ماهية وله وجود ~~وعدم، وافتقاره إلى المؤثر أنما هو في أن يجعله موجودا أو معدوما، إذ ~~التأثير أنما يعقل في أحد الطرفين أما الماهية فلا يعقل التأثير فيها، فليس ~~السواد سوادا بالفاعل بل وجوده وعدمه بالفاعل. # قال: وأسباب الماهية غير أسباب الوجود. # أقول: أسباب الماهية باعتبار الوجود الذهني هي الجنس والفصل وباعتبار ~~الخارج هي المادة والصورة وأسباب الوجود هي الفاعل والغاية. # قال: ولا بد للعدم من سبب وكذا في الحركة. # أقول: قد بينا أن نسبة طرفي الوجود والعدم إلى الممكن واحدة، فلا يعقل ~~اتصافه بأحدهما إلا بسبب، فكما افتقر الممكن في وجوده إلى السبب افتقر في ~~عدمه إليه وإلا لكان ممتنع الوجود لذاته. # PageV00P210 # لا يقال: الموجود منه ما هو باق (1) ومنه ما هو غير باق كالحركات ~~والأصوات، والأول يفتقر عدمه إلى السبب، أما النوع الثاني فإنه يعدم لذاته. # لأنا نقول: يستحيل أن يكون العدم ذاتيا لشئ وإلا لم يوجد، والحركة لها ~~علة في الوجود فإذا عدمت أو عدم أحد شروطها عدمت وكذا الأصوات، فلا فرق بين ~~الحركات وغيرها. # قال: ومن العلل المعدة ما يؤدي إلى مثل أو خلاف أو ضد. # أقول: العلل تنقسم إلى المعد وإلى المؤثر، والمعد يعني به ما يقرب العلة ~~إلى معلولها بعد بعدها عنه وهو قريب من الشرط. # والعلة المعدة إما أن تؤدي إلى ما يماثلها كالحركة إلى المنتصف فإنها ~~معدة للحركة إلى المنتهى وليست فاعلة لها بل الفاعل للحركة إما الطبيعة أو ~~النفس لكن فعل كل واحد منهما في الحركة إلى المنتهى بعيد وعند حصول الحركة ~~إلى المنتصف يقرب تأثير أحدهما في المعلول الذي هو الحركة إلى المنتهى، ~~وإما أن تؤدي إلى خلافها كالحركة المعدة للسخونة، وإما أن تؤدي إلى ضد ~~كالحركة المعدة للسكون عند الوصول إلى المنتهى. # قال: والأعداد قريب وبعيد. # أقول: الأعداد منه ما هو قريب وذلك كالجنين المستعد لقبول الصورة ~~الانسانية، ومنه ما هو بعيد كالنطفة لقبولها وكذلك العلة المعدة قد تكون ~~قريبة وهي التي يحصل المعلول عقيبها وقد ms108 تكون بعيدة وهي التي لا تكون كذلك، ~~وتتفاوت العلل في القرب والبعد على حسب تفاوت الأعداد وهو قابل للشدة ~~والضعف. # قال: ومن العلل العرضية ما هو معد. # أقول: قد بينا (2) أن العلة العرضية تقال باعتبارين: أحدهما: أن تؤثر ~~العلة # PageV00P211 # شيئا ويتبع ذلك الشئ شئ آخر كقولنا: الحرارة تقتضي الجمع بين المتماثلات ~~فإنها لذاتها تقتضي الخفة، فما هو أخف في المركب يقبل السخونة أشد فينفصل ~~عن صاحبه ويطلب الصعود فيعرض له أن يجتمع مع مماثله، والثاني أن يكون للعلة ~~وصف ملازم، فيقال له علة عرضية والأول علة معدة. PageV00P212 # قال: # المقصد الثاني في الجواهر والأعراض وفيه فصول: PageV00P213 # الأول في الجواهر الممكن إما أن يكون (1) موجودا في الموضوع وهو العرض أو ~~لا وهو الجوهر. # أقول: لما فرغ من البحث عن الأمور الكلية المعقولة شرع في البحث عن ~~الموجودات الممكنة وهي الجواهر والأعراض، وفي هذا الفصل مسائل: # المسألة الأولى في قسمة الممكنات بقول كلي كل ممكن موجود إما أن يكون ~~موجودا لا في موضوع وهو الجوهر، وإما أن يكون موجودا في موضوع وهو العرض، ~~ونعني بالموضوع المحل المتقوم بذاته المقوم لما يحل فيه، فإن المحل إما أن ~~يتقوم بالحال أو يقوم الحال، إذ لا بد من حاجة أحدهما إلى الآخر، فالأول ~~يسمى المادة والثاني يسمى الموضوع، والحال في الأول يسمى صورة وفي الثاني ~~يسمى عرضا، فالموضوع والمادة يشتركان اشتراك أخصين تحت أعم واحد هو المحل، ~~والصورة والعرض يشتركان اشتراك أخصين تحت أعم واحد هو الحال. والموضوع أخص ~~من المحل، وعدم الخاص # PageV00P214 # أعم من عدم العام، فكل ما ليس في محل فهو ليس في موضوع ولا ينعكس، ولهذا ~~جاز أن يكون بعض الجواهر حالا في غيره، ولما كان تعريف العرض يشتمل على ~~القيد الثبوتي قدمه في القسمة على الجوهر. # قال: وهو إما مفارق في ذاته وفعله وهو العقل، أو في ذاته وهو النفس، أو ~~مقارن فإما أن يكون محلا (1) وهو المادة، أو حالا وهو الصورة، أو ما يتركب ~~منهما وهو الجسم. # أقول: هذه قسمة الجوهر ms109 إلى أنواعه، فإن الجوهر إما أن يكون مفارقا في ~~ذاته وفعله للمادة وهو المسمى بالعقل، أو مفارقا في ذاته لا فعله وهو النفس ~~الناطقة فإنها مفارقة للمادة في ذاتها ووجودها دون فعلها لاحتياجها إلى ~~الآلة في التأثير، ولا يمكن أن يكون مفارقا في فعله دون ذاته لأن الاستغناء ~~في التأثير يستدعي * (هامش ثان) * 1 - يعني على تقدير تفسير المفارق ~~بالمفارق عن المادة، والمقارن بالمقارن لها. # 2 - ذلك المعنى الأعم هو القابل الذي يكون ذا وضع. # 3 - وذلك لأن الجسم على رأيه ليس مركبا من الهيولى والصورة بل الجسم عنده ~~هو نفس الصورة الجسمية كما يأتي. # (* *) # PageV00P215 # الاستغناء في الذات، وإما أن يكون مقارنا للمادة فإما يكون محلا وهو ~~الهيولى أو حالا وهو الصورة، أو ما يتركب منهما وهو الجسم، فهذه أقسام ~~الجواهر. # قال: والموضوع والمحل يتعاكسان وجودا وعدما في العموم والخصوص، وكذا ~~الحال والعرض. # أقول: قد بينا أن الموضوع أخص من المحل فعدمه يكون أعم من عدم المحل، فقد ~~تعاكس الموضوع والمحل في العموم والخصوص باعتبار الوجود والعدم، وكذا الحال ~~والعرض فإن العرض أخص من الحال فعدمه أعم. # قال: وبين الموضوع والعرض مباينة. # أقول: الموضوع هو المحل المتقوم بذاته المقوم لما يحل فيه والعرض لا ~~يتقوم بذاته، فبينهما مباينة. # قال: ويصدق العرض على المحل والحال جزئيا (1). # أقول: المحل قد يكون جوهرا وهو ظاهر، وقد يكون عرضا (2) على خلاف بين ~~الناس فيه فيصدق بعض المحل عرض، والحال أيضا قد يكون جوهرا كالصورة الحالة ~~في المادة، وقد يكون عرضا وهو ظاهر فيصدق بعض الحال # PageV00P216 # عرض فقد ظهر صدق العرض على المحل والحال جزئيا. # المسألة الثانية في أن الجوهر والعرض ليسا جنسين لما تحتهما قال: ~~والجوهرية والعرضية من ثواني المعقولات (1) لتوقف نسبة إحداهما # PageV00P217 # على وسط. # أقول: اتفق العقلاء على أن العرض من حيث هذا المفهوم ليس جنسا لما تحته ~~بل هو أمر عرضي، واختلفوا في الجوهر هل هو جنس لما تحته أو عارض؟ والذي ~~اختاره المصنف رحمه الله أنه عارض وجعل الجوهرية والعرضية من ms110 المعقولات ~~الثانية، فإن كون الذات مستغنية عن المحل أو محتاجة إليه أمر زائد على نفس ~~الذات من الأمور الاعتبارية وحكم من أحكامها الذهنية، واستدل عليه بأن ~~الذهن يتوقف في نسبة إحداهما إلى الذات على وسط (1) ولهذا احتجنا إلى ~~الاستدلال على عرضية الكميات والكيفيات وجوهرية النفوس وأشباه ذلك، وجنس ~~الشئ لا يجوز أن يتوقف ثبوته له على البرهان، وهذا الذي ذكره رحمه الله يدل ~~على الزيادة لا على كونه من المعقولات الثانية. # قال: واختلاف الأنواع بالأولوية. # أقول: هذا دليل ثان على كون الجوهر عرضا عاما لجزئياته لا جنسا لها، وذلك ~~لأن بعض الجزئيات أولى بالجوهرية من بعض، فإن الشخصيات أولى بالجوهرية من ~~الكليات ولا تفاوت في الأجناس، وهو أيضا يدل على كون العرض عرضيا لوقوع ~~التفاوت فيه بين جزئياته، فإن الأعراض القارة أولى بالعرضية من غيرها. # PageV00P218 # قال: والمعقول اشتراكه عرضي. # أقول: إنا نعقل بين الجسم والعقل والنفس والمادة والصورة أمرا مشتركا هو ~~الاستغناء عن المحل ولا نعقل بينها اشتراكا في غيره وهذا القدر أمر عرضي، ~~فالجوهرية إن جعلت عبارة عن هذا الاعتبار كانت عرضا عاما، وإن جعلت عبارة ~~عن الماهية المقتضية لهذا الاعتبار فليس هنا ماهية للجسم وراء كونه جسما ~~وكذلك البواقي، وهذه الماهيات تقتضي هذا الاعتبار وإن اختلفت مع اشتراكه، ~~وكذلك البحث في العرض فإنا نعقل الاشتراك بين الكم والكيف وباقي الأعراض في ~~الحاجة إلى المحل والعرضية في الوجود وهذا المعنى أمر اعتباري فليست ~~العرضية جنسا. # المسألة الثالثة في نفي التضاد عن الجواهر قال: ولا تضاد بين الجواهر ولا ~~بينها وبين غيرها (1). # أقول: لما فرغ من تعريف الجوهر والعرض وبيان أنهما ليسا بجنسين شرع في ~~باقي أحكامهما فبين انتفاء الضدية عن الجواهر على معنى أنه لا ضد للجوهر من ~~الجواهر ولا من غيرها، وبيانه أن الضد هو الذات الوجودية المعاقبة لذات ~~أخرى وجودية في الموضوع مع كونها في غاية البعد عنها (2) وقد بينا أن ~~الجوهر لا موضوع له فلا يعقل فيه هذا المعنى لا بالنظر إلى جوهر آخر ولا ~~بالنظر ms111 إلى غيره من الأعراض. # قال: والمعقول من الفناء العدم. # أقول: لما بين انتفاء الضد عن الجوهر أخذ يرد على أبي هاشم وأتباعه حيث # PageV00P219 # جعلوا للجواهر أضدادا هي الفناء، فقال: إن المعقول من الفناء العدم وليس ~~الفناء أمرا وجوديا يضاد الجوهر لأنه إما جوهر أو عرض، والقسمان باطلان فلا ~~تحقق له. # قال: وقد يطلق التضاد على البعض باعتبار آخر. # أقول: إن بعض الجواهر قد يطلق عليه أنه ضد للبعض الآخر لكن يؤخذ التضاد ~~باعتبار آخر وهو التنافي في المحل مطلقا (1) وحينئذ يكون بعض الصور ~~الجوهرية يضاد البعض الآخر. # المسألة الرابعة في أن وحدة المحل لا تستلزم وحدة الحال قال: ووحدة المحل ~~لا تستلزم وحدة الحال إلا مع التماثل بخلاف العكس. # أقول: المحل الواحد قد يحل فيه أكثر من حال واحد مع الاختلاف كالجسم الذي ~~يحله السواد والحركة والحرارة، وكالمادة التي تحل فيها الصور الجسمية ~~والنوعية. # هذا مع الاختلاف، أما مع التماثل فإنه لا يجوز أن يحل المثلان محلا واحدا ~~لاستلزامه رفع الاثنينية لانتفاء الامتياز بالذاتيات واللوازم لاتفاقهما ~~فيهما، وبالعوارض لتساوي نسبتهما إليها. # فقد ظهر أن وحدة المحل لا تستلزم وحدة الحال إلا مع التماثل، وأما العكس ~~فإنه يستلزم فإن وحدة الحال تستلزم وحدة المحل لاستحالة حلول عرض واحد أو ~~صورة واحدة في محلين وهو ضروري، وكلام أبي هاشم في التأليف (2) وبعض # PageV00P220 # الأوائل في الإضافات (1) خطأ. # قال: وأما الانقسام فغير مستلزم في الطرفين. # أقول: انقسام المحل لا يستلزم (2) انقسام الحال، فإن الوحدة والنقطة ~~والإضافات كالأبوة والبنوة أعراض قائمة بمحال منقسمة وهي غير منقسمة، أما ~~الوحدة والنقطة فظاهر، وكذا الإضافة فإنه لا يعقل حلول نصف الأبوة أو ~~البنوة في نصف ذات الأب أو الأبن. # وذهب قوم إلى أن انقسام المحل يقتضي انقسام الحال لاستحالة قيامه مع ~~وحدته بكل واحد من الأجزاء وتوزيعه عليها وانتفاء حلوله فيها، وأما الحال ~~فإنه لا يقتضي انقسامه انقسام المحل، فإن الحرارة والحركة إذا حلا محلا ~~واحدا لم يقتض ذلك أن يكون بعض المحل حارا غير متحرك وبعضه متحركا ms112 غير حار. # واعلم أن الأعراض السارية (3) إذا حلت محلا منقسما انقسمت بانقسامه، ~~والأعراض المنقسمة بالمقدار لا بالحقائق إذا حلت محلا انقسم بانقسامها. # المسألة الخامسة في استحالة انتقال الأعراض قال: والموضوع من جملة ~~المشخصات (4). # PageV00P221 # أقول: الحكم بامتناع انتقال الأعراض قريب من البين، والدليل عليه أن ~~العرض إن لم يتشخص لم يوجد، فتشخصه ليس معلول ماهيته ولا لوازمها وإلا لكان ~~نوعه في شخصه، ولا ما يحل فيه وإلا لاكتفى بموجده ومشخصه (1) عن موضوعه ~~فيقوم بنفسه وهو محال، فبقي أن يكون معلول محله فيستحيل انتقاله عنه وإلا ~~لم يكن ذلك الشخص ذلك الشخص. # قال: وقد يفتقر الحال إلى محل متوسط (2). # أقول: الحال قد يحل الموضوع من غير واسطة كالحركة القائمة بالجسم وقد ~~يفتقر إلى محل متوسط فيحل فيه ثم يحل ذلك المحل في الموضوع كالسرعة القائمة ~~بالجسم فإنها تفتقر إلى حلولها في الحركة ثم تحل الحركة في الجسم. # المسألة السادسة في نفي الجزء الذي لا يتجزأ قال: ولا وجود لوضعي لا ~~يتجزأ بالاستقلال. # أقول: هذه مسألة اختلف الناس فيها، فذهب جماعة من المتكلمين والحكماء إلى ~~أن الجسم مركب من أجزاء لا تتجزأ فذهب بعضهم إلى تناهيها وبعضهم إلى عدمه، ~~وذهب الباقون إلى أن الجسم بسيط في نفسه متصل كاتصاله عند الحس لكنه يقبل ~~الانقسام إما إلى ما يتناهى كما ذهب إليه من لا تحقيق له، أو إلى ما لا ~~يتناهى كما ذهب إليه الحكماء. # وقد نفى المصنف رحمه الله الجزء الذي لا يتجزأ بقوله: لا وجود لوضعي لا ~~يتجزأ بالاستقلال، وذلك لأن ما لا يتجزأ من ذوات الأوضاع أعني الأشياء ~~المشار إليها # PageV00P222 # بالحس قد توجد لا بالاستقلال كوجود النقطة في طرف الخط أو مركز الدائرة ~~ولا يمكن وجوده بالاستقلال، وقد استدل عليه بوجوه: # قال: لحجب المتوسط. # أقول: هذا أحد الأدلة على نفي الجزء، وتقريره أنا إذا فرضنا جوهرا متوسطا ~~بين جوهرين فإما أن يحجبهما عن التماس أو لا، والثاني باطل وإلا لزم ~~التداخل، والأول يوجب الانقسام لأن الطرف الملاقي لأحدهما مغاير للطرف ~~الملاقي ms113 للآخر. # قال: ولحركة الموضوعين (1) على طرفي المركب من ثلاثة. # أقول: هذا وجه ثان، وتقريره أنا إذا فرضنا خطا مركبا من ثلاثة جواهر وعلى ~~طرفيه جزئين ثم تحركا على السواء في السرعة والبطء والابتداء فلا بد وأن ~~يتلاقيا، وإنما يمكن بأن يكون نصف كل واحد منهما على نصف الطرف والنصف ~~الآخر على نصف المتوسط فتنقسم الخمسة. # قال: أو من أربعة على التبادل. # أقول: هذا وجه ثالث، وتقريره أنا إذا فرضنا خطا مركبا من أربعة جواهر ~~وفوق أحد طرفيه جزء وتحت طرفه الآخر جزء وتحركا على التبادل كل منهما من ~~أول الخط إلى آخره حركة على السواء في الابتداء والسرعة فإنهما لا يقطعان ~~الخط إلا بعد المحاذاة، فموضع المحاذاة إن كان هو الثاني أو الثالث كان ~~أحدهما قد قطع أكثر فلا بد وأن يكون بينهما وذلك يقتضي انقسام الجميع. # قال: ويلزمهم ما يشهد الحس بكذبه من التفكك وسكون المتحرك وانتفاء ~~الدائرة. # أقول: هذه وجوه أخرى تدل على نفي الجزء. # أحدها: إن الحس يشهد بأن المتحرك على الاستدارة باق على وضعه ونسبة # PageV00P223 # أجزائه، ومع القول بالجزء يلزم التفكك لأن الجزء القريب من المنطقة إذا ~~تحرك جزءا فإن تحرك القريب من القطب (1) جزءا تساوى المداران وهو باطل ~~بالضرورة، وإن تحرك أقل من جزء لزم الانقسام، وإن لم يتحرك أصلا لزم ~~التفكك. # الثاني: أن السرعة والبطء كيفيتان قائمتان بالحركة لا باعتبار تخلل ~~السكنات وعدمه، لأنه لو كان بسبب تخلل السكنات لزم أن يكون فضل سكنات الفرس ~~السائر من أول النهار إلى آخره خمسين فرسخا على حركاته بإزاء فضل حركات ~~الشمس من أول النهار إلى آخره على حركات الفرس، لكن فضل حركات الشمس أضعاف ~~أضعاف حركات الفرس فتكون سكنات الفرس أضعاف أضعاف حركاته، لكن الحس يكذب ~~ذلك. إذا ثبت هذا فإذا تحرك السريع جزءا فإن تحرك البطئ جزءا تساويا هذا ~~خلف، وإن تحرك أقل لزم الانقسام وإن لم يتحرك أصلا لزم المحال. هذا ما خطر ~~لنا الآن من تفسير قوله رحمه الله: وسكون المتحرك. # الثالث: أن ms114 الدائرة موجودة بالحس فإن كانت حقيقية لزم إبطال الجزء لأن ~~الدائرة القطبية (2) إن تلاقت أجزاؤها بظواهرها وبواطنها ساوت الدائرة ~~المنطقية هذا خلف، وإن تلاقت ببواطنها خاصة لزم الانقسام، وإن لم تكن ~~حقيقية كان ذلك لارتفاع بعض أجزائها وانخفاض البعض الآخر، لكن المنخفض إذا ~~ملئ بالجزء ولم يفضل كانت الدائرة حينئذ ولزم ما ذكرنا وإلا لزم الانقسام. # قال: والنقطة عرض قائم بالمنقسم باعتبار التناهي. # أقول: هذا جواب عن حجة من أثبت الجزء، وتقريرها أن النقطة موجودة لأنها ~~نهاية الخط فإن كانت جوهرا فهو المطلوب، وإن كانت عرضا فمحلها إن # PageV00P224 # انقسم انقسمت، لأن الحال في أحد الجزئين مغاير للحال في الآخر، وإن لم ~~ينقسم فهو المطلوب. # والجواب أنها عرض قائم بالمنقسم، ولا يلزم انقسامها لانقسام المحل لأن ~~الحال في المنقسم باعتبار لحوق طبيعة أخرى به لا يلزم انقسامه بانقسام ~~محله، وهاهنا النقطة حلت في الخط المنقسم باعتبار عروض التناهي له. # قال: والحركة لا وجود لها في الحال ولا يلزم نفيها مطلقا (1). # أقول: هذا جواب عن حجة أخرى لهم وهي أن الحركة موجودة بالضرورة وهي من ~~الموجودات الغير القارة فإما أن يكون لها في الحال وجود أو لا، والثاني ~~باطل لأن الماضي والمستقبل معدومان، فلو لم تكن في الحال موجودة لزم نفيها ~~مطلقا، وإذا كانت موجودة في الحال فإن كانت منقسمة كان أحد طرفيها سابقا ~~على الآخر فلا يكون الحاضر كله حاضرا هذا خلف، وإن لم تكن منقسمة كانت ~~المسافة غير منقسمة لأنها لو انقسمت لانقسمت الحركة لأن الحركة في أحد ~~الجزئين مغايرة للحركة في الجزء الآخر فتكون الحركة منقسمة مع أنا فرضناها ~~غير منقسمة. # والجواب: أن الحركة لا وجود لها في الحال ولا يلزم من نفيها في الحال ~~نفيها مطلقا، لأن الماضي والمستقبل وإن كانا معدومين في الحال لكن كل منهما ~~له وجود في حد نفسه. # قال: والآن لا تحقق له خارجا. # أقول: هذا جواب عن حجة أخرى لهم وهي أن الآن موجود لانتفاء الماضي ~~والمستقبل، فإن كان الآن منتفيا كان الزمان ms115 منتفيا مطلقا ويستحيل انقسامه ~~وإلا لزم أن يكون الحاضر بعضه فلا يكون الآن كله آنا هذا خلف، وإذا كان ~~موجودا # PageV00P225 # فالحركة الواقعة فيه غير منقسمة وإلا لكان أحد طرفيها واقعا في زمان ~~والآخر في زمان آخر فينقسم ما فرضناه غير منقسم هذا خلف، ويلزم من عدم ~~انقسام الحركة عدم انقسام المسافة على ما مر تقريره. # وتقرير الجواب: أن الماضي والمستقبل موجودان في حد أنفسهما معدومان في ~~الآن لا مطلقا والآن لا تحقق له في الخارج. # قال: ولو تركبت الحركة مما لا يتجزأ لم تكن موجودة. # أقول: لما فرغ من النقض شرع في المعارضة فاستدل على أن الحركة لا تتركب ~~مما لا يتجزأ، لأنها لو تركبت مما لا يتجزأ لم تكن موجودة، والتالي باطل ~~اتفاقا فكذا المقدم، بيان الشرطية أن الجزء إذا تحرك من حيز إلى حيز فإما ~~أن يوصف بالحركة حال كونه في الحيز الأول وهو باطل لأنه حينئذ لم يأخذ في ~~الحركة، أو حال كونه في الحيز الثاني وهو باطل أيضا لأن الحركة حينئذ قد ~~انتهت وانقطعت ولا واسطة بين الأول والثاني، وهذا المحال نشأ من إثبات ~~الجوهر الفرد لأنه على تقدير عدمه تثبت الواسطة. # ويمكن أن يقرر بيان الشرطية من وجه آخر وهو أن الحركة إما أن تكون عبارة ~~عن المماسة الأولى أو الثانية، وهما محالان لما مر أو مجموعهما وهو محال ~~لانتفائه. # قال: والقائل بعدم تناهي الأجزاء يلزمه مع ما تقدم النقض بوجود المؤلف ~~مما يتناهى ويفتقر في التعميم إلى التناسب. # أقول: لما فرغ من إبطال مذهب القائلين بالجوهر الفرد شرع في إبطال مذهب ~~القائلين بعدم تناهي الأجزاء فعلا، وقد استدل عليه بما تقدم، فإن الأدلة ~~التي ذكرناها تبطل الجوهر الفرد مطلقا سواء قيل بتركب الجسم من أفراد ~~متناهية منه أو غير متناهية. # واستدل عليه أيضا بوجوه: الأول: إنا نفرض أعدادا متناهية من الجواهر ~~PageV00P226 # الأفراد ونؤلفها في جميع الأبعاد، فإما أن يزيد مقدارها على مقدار الواحد ~~أو لا، والثاني باطل وإلا لم يكن تأليفها مفيدا للمقدار ولا ms116 للعدد وهو باطل ~~قطعا، وإن زاد مقدارها على مقدار الواحد حتى حصلت أبعاد ثلاثة حصل جسم من ~~أجزاء متناهية وهو يبطل قولهم: إن كل جسم متألف من أعداد غير متناهية، فهذا ~~معنى لزوم النقض بوجود المؤلف مما يتناهى. وأما قوله: ويفتقر في التعميم ~~إلى التناسب، فمعناه أنا إذا أردنا تعميم القضية بأن نحكم بأنه لا شئ من ~~الأجسام بمؤلف من أجزاء غير متناهية فطريقه أن ينسب هذا المؤلف الذي ألفناه ~~من الأجزاء المتناهية إلى بقية الأجسام (1) فنقول: كل جسم فإنه متناه في ~~المقدار فله إلى هذا المؤلف نسبة وهي نسبة متناهي المقدار إلى متناهي ~~المقدار، لكنا نعلم أن المقدار يزيد بزيادة الأجزاء وينقص بنقصانها، فنسبة ~~المقدار إلى المقدار كنسبة الأجزاء إ لي الأجزاء، لكن نسبة المقدار إلى ~~المقدار نسبة متناه إلى متناه فكذا نسبة الأجزاء إلى الأجزاء. # قال: ويلزم عدم لحوق السريع البطئ. # أقول: هذا هو الوجه الثاني الدال على إبطال القول بعدم تناهي الأجزاء، ~~وتقريره أن الجسم لو تركب من أجزاء غير متناهية لم يلحق السريع البطئ، ~~والتالي باطل بالضرورة فكذا المقدم، بيان الشرطية أن البطئ إذا قطع مسافة ~~ثم ابتدأ السريع وتحرك فإنه مع قطع تلك المسافة يكون البطئ قد قطع شيئا آخر ~~فإذا قطعه السريع يقطع البطئ شيئا آخر وهكذا إلى ما لا يتناهى فلا يلحق ~~السريع البطئ. # قال: وأن لا يقطع المسافة المتناهية في زمان متناه. # أقول: هذا وجه ثالث قريب من الوجه الثاني، وتقريره أنا لو فرضنا الجسم ~~يشتمل على ما لا يتناهى من الأجزاء لزم أن لا يقطع المتحرك المسافة ~~المتناهية # PageV00P227 # في زمان متناه، لأنه لا يمكنه قطعها إلا بعد قطع نصفها ولا يمكنه قطع ~~نصفها إلا بعد قطع ربعها وهكذا إلى ما لا يتناهى فيكون هناك أزمنة غير ~~متناهية، وقد تكلمنا على هذه الوجوه في كتاب الأسرار بما لم يسبقنا إليه ~~أحد. # قال: والضرورة قضت ببطلان الطفرة والتداخل. # أقول: إعلم أن القائلين بعدم تناهي الأجزاء اعتذروا عن الوجه الأول ~~بالتداخل، فقالوا: لا يلزم ms117 من عدم تناهي الأجزاء عدم تناهي المقدار لأن ~~الأجزاء تتداخل فيصير جزءان وأزيد في حيز واحد وفي قدره فلا يلزم بقاء ~~النسبة. # واعتذروا عن الوجهين الأخيرين بالطفرة، فإن المتحرك إذا قطع مسافة غير ~~متناهية الأجزاء في زمان متناه فإنه يطفر بعض تلك الأجزاء ويتحرك على البعض ~~الآخر، وكذلك السريع يطفر بعض الأجزاء ليلحق البطئ، وهذان العذران باطلان ~~بالضرورة. # قال: والقسمة بأنواعها تحدت اثنينية يساوي طباع كل واحد منهما (1) طباع ~~المجموع. # أقول: يريد أن يبطل مذهب ذيمقراطيس في هذا الموضع، وهو أن الجسم ينتهي في ~~القسمة الانفكاكية إلى أجزاء قابلة للقسمة الوهمية لا الانفكاكية. # وبيانه أن القسمة بأنواعها الثلاثة - أعني الانفكاكية والوهمية والتي ~~باختلاف الأعراض الإضافية أو الحقيقية - تحدث في المقسوم اثنينية تكون ~~طبيعة كل واحد من القسمين مساوية لطبيعة المجموع ولطبيعة الخارج عنه، وكل ~~واحد من القسمين لما صح عليه (2) الانفكاك عن صاحبه فكذلك كل واحد من قسمي # PageV00P228 # القسمين إلى ما لا يتناهى. # قال: وامتناع الانفكاك لعارض لا يقتضي الامتناع الذاتي. # أقول: بعض الأجسام قد تمتنع عليها القسمة الانفكاكية لا بالنظر إلى ذاتها ~~بل بالنظر إلى عارض خارج عن الحقيقة الجسمية، إما لصغر المقسوم بحيث لا ~~تتناوله الآلة القاسمة أو صلابته أو وصول صورة تقتضي ذلك كما في الفلك ~~عندهم ولكن ذلك الامتناع لا يقتضي الامتناع الذاتي. # قال: فقد ثبت أن الجسم شئ واحد متصل يقبل الانقسام إلى ما لا يتناهى. # أقول: هذا نتيجة ما مضى لأنه قد بطل القول بتركب الجسم من الجواهر ~~الأفراد سواء كانت متناهية أو غير متناهية، فثبت أنه واحد في نفسه متصل لا ~~مفاصل له بالفعل ولا شك في أنه يقبل الانقسام فإما أن يكون قابلا لما ~~يتناهى من الأقسام لا غير وهو باطل لما تقدم في إبطال مذهب ذيمقراطيس، أو ~~لما لا يتناهى وهو المطلوب. # المسألة السابعة في نفي الهيولى قال: ولا يقتضي ذلك ثبوت مادة سوى الجسم ~~لاستحالة التسلسل ووجود ما لا يتناهى. # أقول: يريد أن يبين أن الجسم البسيط لا جزء له، ms118 وقد ذهب إلى ذلك جماعة من ~~المتكلمين وأبو البركات البغدادي. # وقال أبو علي: إن الجسم مركب من الهيولى والصورة، واحتج عليه بأن الجسم ~~متصل في نفسه وقابل للانفصال ويستحيل أن يكون القابل هو الاتصال نفسه لأن ~~الشئ لا يقبل عدمه فلا بد للاتصال من محل يقبل الانفصال والاتصال وذلك هو ~~الهيولى والاتصال هو الصورة فاستدرك المصنف رحمه الله ذلك وقال: إن ~~PageV00P229 # ذلك - أي قبول الانقسام - لا يقتضي ثبوت مادة كما قررناه في كلام أبي ~~علي، لأن الجسم المتصل له مادة واحدة (1) فإذا قسمناه استحال أن تبقى ~~المادة على وحدتها اتفاقا بل يحصل لكل جزء مادة، فإن كانت مادة كل جزء ~~حادثة بعد القسمة لزمه التسلسل لأن كل حادث عندهم لا بد له من مادة، وإن ~~كانت موجودة قبل القسمة لزم وجود مواد لا نهاية لها بحسب ما في الجسم من ~~قبول الانقسامات التي لا تتناهى. # المسألة الثامنة في إثبات المكان لكل جسم قال: ولكل جسم مكان طبيعي يطلبه ~~عند الخروج على أقرب الطرق. # أقول: كل جسم على الإطلاق فإنه يفتقر إلى مكان يحل فيه لاستحالة وجود جسم ~~مجرد عن كل الأمكنة، ولا بد وأن يكون ذلك المكان طبيعيا له لأنا إذا جردنا ~~الجسم عن كل العوارض فإما أن لا يحل في شئ من الأمكنة وهو محال، أو يحل في ~~الجميع وهو أيضا باطل بالضرورة، أو يحل في البعض فيكون ذلك البعض طبيعيا، ~~ولهذا إذا أخرج عن مكانه عاد إليه وإنما يرجع إليه على أقرب الطرق وهو ~~الاستقامة. # قال: فلو تعدد انتفى. # أقول: يريد أن يبين أن المكان الطبيعي واحد، لأنه لو كان لجسم واحد ~~مكانان طبيعيان لكان إذا حصل في أحدهما كان تاركا للثاني بالطبع وكذا ~~بالعكس فلا يكون واحد منهما طبيعيا له، فلهذا قال: فلو تعدد - يعني الطبيعي ~~- انتفى ولم يكن له مكان طبيعي. # PageV00P230 # قال: ومكان المركب (1) مكان الغالب أو ما اتفق وجوده فيه. # أقول: المركب أن تركب من جوهرين (2) فإن تساويا وتمانعا وقف في الوسط ~~بينهما وإلا تفرقا، ms119 وإن غلب أحدهما كان مكانه مكان الغالب، وإن تركب من ~~ثلاثة وغلب أحدها كان مكانه مكان الغالب وإلا كان في الوسط، وإن تركب من ~~أربعة متساوية حصل في الوسط أو ما اتفق وجوده فيه وإن غلب أحدها كان في ~~مكانه ولا استمرار للمعتدل لسرعة انفعاله بالأمور الغريبة. # قال: وكذا الشكل والطبيعي منه الكرة. # أقول: قيل في تعريف الشكل (3): إنه ما أحاط به حد واحد أو حدود، وفي # PageV00P231 # التحقيق أنه من الكيفيات المختصة بالكميات وهو هيئة إحاطة الحد الواحد أو ~~الحدود بالجسم وهو طبيعي وقسري، لأن كل جسم متناه على ما يأتي وكل متناه ~~مشكل بالضرورة، فإذا فرض خاليا عن جميع العوارض لم يكن له بد من شكل فيكون ~~طبيعيا، ولما كانت الطبيعة واحدة لم تقتض أمورا مختلفة ولا شكل أبسط من ~~الاستدارة فيكون الشكل الطبيعي هو المستدير وباقي الأشكال قسري. # المسألة التاسعة في تحقيق ماهية المكان قال: والمعقول من الأول البعد فإن ~~الأمارات تساعد عليه. # أقول: الأول يعني به المكان لأنه قد تبين أن الجسم يقتضي بطبعه شيئين: # المكان والشكل، ولما كان الشكل ظاهرا وكان طبيعيا ذكره بعقب المكان ثم ~~عاد إلى تحقيق ماهية المكان وقد اختلف الناس فيه، والذي عليه المحققون ~~أمران: # أحدهما: البعد المساوي لبعد المتمكن وهذا مذهب أفلاطون. # والثاني: السطح الباطن من الجسم الحاوي المماس للسطح الظاهر من الجسم ~~المحوي وهو مذهب أرسطو وأبي علي بن سينا. # وقد اختار المصنف الأول وهو اختيار أبي البركات ومذهب المتكلمين قريب ~~منه، والدليل على ما اختاره المصنف أن المعقول من المكان أنما هو البعد ~~فإنا إذا فرضنا الكوز خاليا من الماء تصورنا الأبعاد التي يحيط بها جرم ~~الكوز بحيث إذا ملئ ماء شغلها الماء بجملتها، والأمارات المشهورة في المكان ~~من قولهم إنه ما يتمكن المتمكن فيه ويستقر عليه ويساويه وما يوصف بالخلو ~~والامتلاء يساعد على أن المكان هو البعد. # قال: واعلم أن البعد منه ملاق للمادة وهو الحال في الجسم ويمانع مساويه، ~~ومنه مفارق تحل فيه الأجسام ويلاقيها بجملتها ويداخلها ms120 بحيث ينطبق على بعد ~~PageV00P232 # المتمكن ويتحد به ولا امتناع لخلوه عن المادة. # أقول: لما فرغ من بيان ماهية المكان شرع في الجواب عن شبهة مقدرة تورد ~~على كون المكان بعدا، وهي أن المكان لو كان هو البعد لزم اجتماع البعدين، ~~والتالي محال فالمقدم مثله، بيان الشرطية أن المتمكن له بعد فإن بقيا معا ~~لزم الاجتماع والاتحاد إذ لا يزيد بعد الحاوي عند حلول المحوي، وإن عدم ~~أحدهما كان المعدوم حالا في الموجود أو بالعكس وهما محالان. وأما بيان ~~استحالة التالي فضروري لما تقدم من امتناع الاتحاد، ولأن المعقول من البعد ~~الشخصي أنما هو البعد الذي بين طرفي الحاوي، فلو تشكك العقل في تعدده لزم ~~السفسطة. # وتقرير الجواب أن البعد ينقسم إلى قسمين: أحدهما: بعد مقارن للمادة وحال ~~فيها وهو البعد المقارن للجسم، والثاني: مفارق للمادة وهو الحاصل بين ~~الأجسام المتباعدة. والأول يمانع مساويه يعني البعد المقارن للمادة أيضا ~~فلا يجامعه لاستحالة التداخل بين بعدين مقارنين، والثاني لا يستحيل عليه ~~مداخلة بعد مادي بل يداخله ويطابقه ويتحد به وهو محل الجسم المداخل بعده ~~له، فلا امتناع في هذه المداخلة والاتحاد لأن هذا البعد خال عن المادة. # قال: ولو كان المكان سطحا لتضادت الأحكام. # أقول: لما بين حقيقة المكان شرع في إبطال مذهب المخالفين القائلين بأن ~~المكان هو السطح الباطن من الجسم الحاوي المماس للسطح الظاهر من المحوي، ~~وتقرير البطلان أن المكان لو كان هو السطح لتضادت الأحكام الثابتة للجسم ~~الواحد، فإن الحجر الواقف في الماء والطير الواقف في الهواء يفارقان سطحا ~~بعد سطح مع كونهما ساكنين، ولو كان المكان هو السطح لكانا متحركين لأن ~~الحركة هي مفارقة الجسم لمكان إلى مكان آخر، ولكانت الشمس المتحركة ~~الملازمة لسطحها ساكنة، فيلزم سكون المتحرك وحركة الساكن وذلك تضاد في ~~الأحكام محال. # قال: ولم يعم المكان. # أقول: هذا وجه ثان دال على بطلان القول بالسطح، وتقريره أن العقلاء ~~PageV00P233 # حكموا باحتياج كل جسم إلى مكان، ولو كان المكان عبارة عن السطح الحاوي ~~لزم أحد الأمرين وهو ms121 إما عدم تناهي الأجسام حتى يكون كل جسم محاطا بغيره، ~~أو حصول جسم لا في مكان بأن يكون محيطا بجميع الأجسام، والقسمان باطلان ~~فالمقدم مثله (1). # المسألة العاشرة في امتناع الخلاء قال: وهذا المكان لا يصح عليه الخلو من ~~شاغل وإلا لساوت حركة ذي المعاوق حركة عديمه عند فرض معاوق أقل بنسبة ~~زمانيهما. # أقول: اختلف الناس في هذا المكان، فذهب قوم إلى جواز الخلاء وذهب آخرون ~~إلى امتناعه وهو اختيار المصنف واستدل عليه بأن الخلاء لو كان ثابتا لكانت ~~الحركة مع العائق كالحركة مع عدم العائق، والتالي باطل بالضرورة فالمقدم ~~مثله، وبيان الشرطية أنا إذا فرضنا متحركا يقطع مسافة ما خالية في ساعة ثم ~~نفرض تلك المسافة ممتلية فإن زمان الحركة يكون أطول لأن الملاء الموجود في ~~المسافة معاوق المتحرك عن الحركة، فلنفرضه يقطعها في ساعتين ثم نفرض ملاء ~~آخر أرق من الأول على نسبة زمان الحركة في الخلاء إلى زمانها في الملاء وهو ~~النصف، فيكون معاوقته نصف المعاوقة الأولى فيتحركها المتحرك في ساعة لكن ~~الملاء الرقيق معاوق أيضا فتكون الحركة مع المعاوق كالحركة بدونه وهو باطل. # المسألة الحادية عشرة في البحث عن الجهة قال: والجهة طرف الامتداد الحاصل ~~في مأخذ الإشارة. # PageV00P234 # أقول: لما بحث عن المكان وكانت الجهة ملائمة (1) له حتى ظن أنهما واحد ~~عقبه بالبحث عنها وهي على ما فسرها جماعة من الأوائل عبارة عن طرف الامتداد ~~الحاصل في مأخذ الإشارة وذلك لأنا نتوهم امتدادا آخذا من المشير ومنتهيا ~~إلى المشار إليه فذلك المنتهى هو طرف الامتداد الحاصل في مأخذ الإشارة. # قال: وليست منقسمة. # أقول: لما كانت الجهة عبارة عن الطرف لم تكن منقسمة لأن الطرف لو كان ~~منقسما لم يكن الطرف كله طرفا بل متناهية (2) فلا يكون الطرف طرفا هذا خلف، ~~ولأن المتحرك إذا وصل إلى المنتصف لم يخل إما أن يكون متحركا عن الجهة فلا ~~يكون ما تخلف من الجهة أو يكون متحركا إليها فلا يكون المتروك من الجهة. # قال: وهي من ذوات الأوضاع المقصودة بالحركة للحصول ms122 فيها وبالإشارة. # أقول: الجهة ليست أمرا مجردا عن المواد وعلائقها بل هي من ذوات الأوضاع ~~التي تتناولها الإشارة الحسية وتقصد بالحركة وبالإشارة فتكون موجودة. وإنما ~~قيد القصد بالحركة بقوله: للحصول فيها، لأن ما يقصد بالحركة قد يكون موجودا ~~كالجهة فإنها تقصد بالحركة لأنها تقصد الحصول فيها، وقد يكون معدوما ~~كالبياض الذي يتحرك الجسم إليه من السواد فإنه معدوم وليس مقصودا بالحركة ~~للحصول فيه بل لتحصيله. # قال: والطبيعي منها فوق وسفل (3) وما عداهما غير متناه. # PageV00P235 # أقول: الجهة منها ما هو طبيعي وهو ثنتان لا غير: الفوق والسفل، ومنها ما ~~هو غير طبيعي وهو ما عداهما، ونعني بالطبيعي ما يستحيل تغيره وانتقاله عن ~~هيئته، وبغير الطبيعي ما يمكن تغيره فإن القدام قد يصير خلفا وكذا اليمين ~~قد يصير يسارا، وأما الفوق والسفل فلا، وهذه الجهات التي ليست طبيعية غير ~~متناهية لأنها أطراف الخطوط المفروضة في الامتداد وتلك الخطوط غير متناهية. ~~PageV00P236 # الفصل الثاني في الأجسام قال: الفصل الثاني في الأجسام وهي قسمان: فلكية ~~وعنصرية، أما الفلكية فالكلية منها تسعة واحد غير مكوكب محيط بالجميع وتحته ~~فلك الثوابت، ثم أفلاك الكواكب السيارة السبعة، وتشتمل على أفلاك تداوير ~~وخارجة المراكز، والمجموع أربعة وعشرون وتشتمل على سبعة متحيرة (1) وألف ~~ونيف وعشرين كوكبا ثوابت. # أقول: لما فرغ من البحث عن مطلق الجوهر شرع في البحث عن جزئياته وبدأ ~~بالجسم لأنه أقرب إلى الحس، وفي هذا الفصل مسائل: # المسألة الأولى في البحث عن الأجسام الفلكية اعلم أن الأجسام تنقسم ~~قسمين: فلكية وعنصرية، والأفلاك إما كلية تظهر # PageV00P237 # منها حركة واحدة إما بسيطة أو مركبة، وإما جزئية. # أما الكلية فتسعة واحد منها محيط بالجميع يسمى الفلك المحيط وهو غير ~~مكوكب ويسمى الفلك الأطلس بهذا الاعتبار، وتحته فلك الثوابت ويسمى فلك ~~البروج يماس المحيط بمقعره محدب هذا الفلك وتحت هذا زحل وتحته المشتري ~~وتحته المريخ وتحته الشمس وتحته الزهرة وتحته عطارد وتحته القمر يماس ~~العالي بمقعره محدب السافل، وهذه التسعة متوافقة المراكز وموافقة للأرض في ~~مركزها. # ثم إن كل فلك من ms123 هذه الأفلاك السبعة ينفصل إلى أجسام كثيرة يقتضيه اختلاف ~~حركات ذلك الكواكب في الطول والعرض والاستقامة والرجوع والسرعة والبطء ~~والبعد والقرب من الأرض فاثبتوا لكل كوكب فلكا ممثلا بفلك البروج مركزه ~~مركز العالم يماس بمحدبه مقعر ما فوقه وبمقعره محدب ما تحته وهو فلكه الكلي ~~المشتمل على سائر أفلاكه إلا القمر فإن ممثله محيط بآخر يسمى المائل. # وأثبتوا أيضا فلكا خارج المركز عن مركز الأرض ينفصل عن الممثل أو المائل ~~يتماس محدباهما ومقعراهما على نقطتين يسمى الأبعد عن الأرض أوجا والأقرب ~~منه حضيضا. # وأثبتوا فلكا آخر يسمى فلك التدوير غير محيط بالأرض بل هو في ثخن الخارج ~~المركز يماس محدبة سطحيه على نقطتين تسمى الأبعد ذروة والأقرب إلى الأرض ~~حضيضا في السبعة عدا الشمس فإنهم أثبتوا لها فلكا خارج المركز خاصة. # وأثبتوا لعطارد فلكين خارجي المركز يسمى أحدهما المدير والثاني الحامل، ~~فالمجموع مع الفلكين العظيمين أربعة وعشرون فلكا تشتمل سبعة أفلاك منها على ~~خمسة كواكب متحيرة. وفلك البروج يحتوي على ألف ونيف وعشرين كوكبا ثابتة، ~~وكون الثوابت في فلك واحد غير معلوم وكذلك انحصار الأفلاك فيما ذكروه ~~PageV00P238 # غير معلوم بل يجوز أن توجد أفلاك كثيرة إما وراء المحيط أو بين هذه ~~الأفلاك. # وقول بعضهم إن أبعد بعد كل سافل مساو لأقرب قرب العالي باطل، لأن بين ~~أبعد بعد القمر وأقرب قرب عطارد ثخن فلك جوزهر القمر. # قال: والكل بسائط. # أقول: ذهبوا إلى أن الفلك بسيط، لأن كل مركب يتطرق إليه الانحلال والفلك ~~لا يتطرق إليه الانحلال في هذه المدد المتطاولة فيكون بسيطا، وهذا حكم واجب ~~عندهم وممكن عندنا، لأن الأجسام عندنا حادثة يمكن تطرق التغير إليها ~~والانحلال. # قال: خالية من الكيفيات الفعلية والانفعالية ولوازمها. # أقول: هذا حكم آخر للأفلاك وهو أنها غير متصفة بالكيفيات الفعلية أعني ~~الحرارة والبرودة وما ينسب إليهما، ولا الكيفيات الانفعالية أعني الرطوبة ~~واليبوسة وما ينسب إليهما، وغير متصفة بلوازمها أعني الثقل والخفة. # واستدلوا على ذلك بأن الأفلاك (1) لو كانت حارة لكانت في غاية الحرارة، # PageV00P239 # والتالي باطل ms124 فالمقدم مثله، بيان الشرطية أن الفاعل موجود في مادة بسيطة ~~لا عائق لها فيجب حصول كمال الأثر، وبيان بطلان التالي أن الهواء العالي ~~أبرد من الهواء الملاصق لوجه الأرض. # وكذا لو اقتضت البرودة لبلغت الغاية فيها فكان يستولي الجمود على العناصر ~~فما كان يتكون شئ من الحيوان. # ولقائل أن يقول: لا يلزم من اقتضاء الحرارة حصول النهاية، لأن الشديد ~~والضعيف مختلفان بالنوع ولا يلزم من اقتضاء الماهية نوعا ما اقتضائها النوع ~~الآخر، ولهذا كان الهواء مقتضيا للسخونة ولم يقتض البالغ منها. ولا يصح ~~الاعتذار بأن الرطوبة مانعة عن الكمال، لأن الرطوبة أنما تمنع عن كمال ~~السخونة إذا أخذت بمعنى البلة لا بمعنى الرقة واللطافة ولا مكان أن تكون ~~الطبيعة الفلكية تقتضي ما يمنع عن الكمال، ولأن الرطوبة إذا منعت عن كمال ~~الحرارة كانت الطبيعة الواحدة تقتضي أمرين متنافيين، إذا عرفت هذا فنقول: ~~لما انتفت الحرارة والبرودة انتفى لازمهما، أعني الثقل والخفة. # قال: شفافة. # أقول: استدلوا على شفافية الأفلاك بوجهين: أحدهما: أنها بسائط وهو منقوض ~~بالقمر. والثاني: أنها لا تحجب ما ورائها عن الأبصار، فإنا نبصر الثوابت ~~PageV00P240 # وهي في الفلك الثامن وهذا أيضا ظني لا يفيد اليقين لجواز أن يكون لها لون ~~ضعيف غير حاجب كما في البلور. # المسألة الثانية في البحث عن العناصر البسيطة قال: وأما العناصر البسيطة ~~فأربعة: كرية النار والهواء والماء والأرض، واستفيد عددها من مزاوجات ~~الكيفيات الفعلية والانفعالية. # أقول: لما فرغ من البحث عن الأجرام الفلكية شرع في البحث عن الأجسام ~~العنصرية، وهي إما بسيطة أو مركبة، ولما كان البسيط جزءا من المركب وكان ~~البحث عن الجزء متقدما على البحث عن الكل قدم البحث عن البسائط. # وأعلم أن البسائط العنصرية أربعة، وأقربها إلى الفلك النار ثم الهواء ثم ~~الماء ثم الأرض، ومركزها مركز العالم (1) لأن النار حارة في الغاية فطلبت ~~العلو، والهواء حار # PageV00P241 # لا في الغاية فطلب العلو فوق باقي العناصر، والأرض أبرد العناصر فطلبت ~~المركز. # وهذه الأربعة كرات منطبق بعضها على بعض لبساطتها، ولأن خسوف القمر ms125 إذا ~~اعتبر (1) في وقت بعينه في بعض البلاد لم يوجد في البلد المخالف لذلك البلد ~~في الطول في ذلك الوقت بعينه، والسائر على خط من خطوط نصف النهار (2) إلى # PageV00P242 # الجانب الشمالي يزداد عليه ارتفاع القطب الشمالي وانخفاض الجنوبي وبالعكس ~~وهذا يدل على كرية الأرض، والأغوار والأنجاد (1) لا تؤثر في الكرية لصغرها ~~بالنسبة إليها. # وأما الماء فلأن راكب البحر إذا قرب من جبل ظهرت له قلته أولا ثم أسفله ~~ثانيا، والبعد بينه وبين القلة أكثر مما بينه وبين الأسفل، والسبب فيه منع ~~حدبة الماء عن إبصار الأسفل وأما الباقيان فلما مر من بساطتهما وهي تقتضي ~~الكرية. # وإنما استفيد عدد هذه العناصر وانحصارها في أربعة من مزاوجات الكيفيات ~~الفعلية والانفعالية أعني الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة. # قال: وكل منها ينقلب إلى الملاصق، وإلى الغير بواسطة أو بوسائط. # أقول: هذه العناصر الأربعة كل واحد منها ينقلب إلى الآخر إما ابتداءا ~~كصيرورة النار هواءا أو بواسطة واحدة كصيرورتها ماءا بواسطة انقلابها هواءا ~~ثم انقلاب الهواء ماءا، أو بوسائط كصيرورتها أرضا بواسطة انقلابها هوءا ثم ~~ماءا ثم أرضا، والأصل فيه أن غالب الأمر انقلاب العنصر إلى ملاصقه كانقلاب ~~النار هواءا ابتداءا، وإلى البعيد بواسطة، ويدل على انقلاب كل واحد منها ~~إلى صاحبه ما يشاهد من صيرورة النار هواءا عند الانطفاء وصيرورة الهواء ~~نارا عند إلحاح النفخ وصيرورة الهواء ماءا عند حصول البرد في الجو وانعقاد ~~السحاب الماطر من # PageV00P243 # غير وصول بخار إليه، وصيرورة الماء هواءا عند إسخانه، وصيرورة الماء أرضا ~~كما يعقد أهل الحيل (1) المياه الجارية أحجارا صلبة، وصيرورة الأرض ماءا ~~كما يتخذون مياها حارة ويحلون فيها أجسادا صلبة حجرية حتى تصير مياها ~~جارية. # قال: فالنار حارة يابسة شفافة متحركة بالتبعية لها طبقة واحدة وقوة على ~~إحالة المركب إليها. # أقول: لما فرغ من الأحكام المشتركة بين العناصر شرع في البحث عن الكيفيات ~~المختصة بكل عنصر عنصر وبدأ بالنار وذكر من أحكامها ستة: # الأول: أنها حارة والحس يدل على حرارة النار الموجودة عندنا، وأما النار ~~البسيطة التي ms126 هي الفلك الأثير (2) فإنها كذلك لوجود الطبيعة خالية عن ~~العائق ولبساطتها فإن الحرارة موجودة في النار التي عندنا مع امتزاجها ~~بالضد فكيف # PageV00P244 # بالنار الصرفة. # الثاني: أنها يابسة وهو معلوم بالحس أيضا إن عنى باليبوسة ما لا يلتصق ~~بغيره، أما إن عنى بها ما يعسر تشكله بالأشكال القريبة فالنار ليست يابسة ~~بهذا المعنى. # الثالث: أنها شفافة وإلا لحجبت الثوابت عن الأبصار، ولأن النار كلما كانت ~~أقرب إلى الشفافية كانت أقوى كما في أصول الشعل (1). # الرابع: أنها متحركة بالتبعية وهو حكم ظني لأنهم لما رأوا الشهب (2) ~~متحركة حكموا بحركة كرة النار ثم طلبوا العلة فقالوا: إن كل جزء من الفلك ~~تعين مكانا لجزء من النار فإذا انتقل ذلك الجزء انتقل المتمكن فيه كالساكن ~~في السفينة. # وهذا ضعيف، لأن الشهب لا تتحرك إلى جهة واحدة بل قد يكون إلى الشمال تارة ~~وإلى الجنوب أخرى، وما ذكروه من العلة فهو بعيد وإلا لزم حركة كرة الهواء ~~والماء والأرض مع أن الفلك بسيط لا جزء له، ولو فرض له أجزاء لكانت متساوية ~~فكيف يصح اختلافها في كون بعضها مكانا لبعض أجزاء النار البسيطة والبعض # PageV00P245 # الآخر مكانا للآخر. # الخامس: أنها ذات طبقة واحدة وذلك لقوتها على إحالة ما يمازجها فلا يوجد ~~في مكانها غيرها. # السادس: أنها قوية على إحالة المركب إليها، وذلك ظاهر. # قال: والهواء حار رطب شفاف له أربع طبقات. # أقول: لما فرغ من البحث عن أحكام النار شرع في البحث عن الهواء الملاصق ~~لها، وذكر له أحكاما أربعة: الأول: أنه حار وذلك فيما يرجع إلى الكيفية ~~الفعلية وقد وقع التشاجر فيه، فأكثر الناس ذهب إلى أنه حار لا في الغاية ~~لأن الماء إذا أريد جعله هواءا سخن فضل تسخين ومع استحكام التسخين ينقلب ~~هواءا، وآخرون منعوا من ذلك لأنه لو اقتضى السخونة لطبعه لبلغ فيها الغاية ~~لوجود العلة الخالية عن المعاوق. الثاني: أنه رطب بمعنى سهولة قبول الأشكال ~~لا بمعنى البلة وذلك ظاهر، وهذا فيما يرجع إلى الكيفية الانفعالية. الثالث: ~~أنه شفاف وهو ظاهر ms127 لعدم إدراكه صرفا بالبصر. الرابع: أنه ذو طبقات أربع: ~~الطبقة الأولى الملاصقة للأرض، الثانية الطبقة الباردة بسبب ما يخالطها من ~~الأبخرة، الثالثة الطبقة الصرفة، الرابعة الطبقة الممتزجة بشئ من النار ~~(1). # قال: والماء بارد رطب شفاف محيط بثلاثة أرباع الأرض له طبقة واحدة. # PageV00P246 # أقول: ذكر للماء خمسة أحكام: # الأول: أنه بارد والحس يدل عليه لأنه مع زوال المسخنات الخارجية يحس ~~ببرده. # واختلفوا فالأكثر على أن الأرض أبرد منه لأنها أكثف وأبعد عن المسخنات ~~والحركة الفلكية، وقال قوم: إن الماء أبرد لأنا نحس بذلك وهو ضعيف لأن الشئ ~~قد يكون أشد بردا في الحس ولا يكون في نفس الأمر كذلك كما في جانب السخونة، ~~ولهذا كانت السخونة في الأجسام الذائبة كالرصاص وغيره أشد في الحس من النار ~~الصرفة الخالية عن الضد لسرعة انفصال النار الصرفة عن اليد لأجل لطافتها ~~فلا يدوم أثرها كذلك هاهنا أثر الماء للطافته ينبسط على العضو ويصل إلى عمق ~~كل جزء منه ويلتصق به بخلاف التراب المتناثر عنه سريعا فكان الاحساس ببرد ~~الماء أكثر. # الثاني: أنه رطب وهو ظاهر بمعنى البلة، وقيل: إنه يقتضي الجمود لأنه بارد ~~بالطبع والبرد يقتضي الجمود وإنما عرض السيلان له بسبب سخونة الأرض ~~والهواء، ولو خلي وطبعه لاقتضى الجمود. # الثالث: أنه شفاف لأنه مع صرافته لا يحجب عن الأبصار. وقيل: إنه ملون ~~وإلا لم يكن مرئيا ولضعف لونه لم يحجب عن الأبصار. # الرابع: أنه محيط بأكثر الأرض وهو حكم ظني لأنهم جعلوا العناصر متعادلة ~~(1) وإلا لاستحال الأضعف وعدم عنصره، فلو لا إحاطته بثلاثة أرباع الأرض ~~لكان أقل من الأرض وإذا كان محيطا بأكثر الأرض كان هو البحر وإلا فإما أن ~~يكون فوق الأرض أو تحتها (2)، والثاني باطل وإلا لكان أصغر من الأرض فبقي ~~الأول وهو البحر. # PageV00P247 # الخامس: أنه ذو طبقة واحدة هو البحر، وهو ظاهر. # قال: والأرض باردة يابسة ساكنة في الوسط شفافة لها ثلاث طبقات. # أقول: ذكر للأرض أحكاما خمسة: # الأول: أنها باردة لأنها كثيفة، وقد سلف البحث في أنها أبرد العناصر. ms128 # الثاني: أنها يابسة، وهو أيضا ظاهر. # الثالث: أنها ساكنة في الوسط، وقد نازع في ذلك جماعة فذهب قوم إلى أنها ~~متحركة إلى السفل، وآخرون إلى العلو، وآخرون بالاستدارة، والحق خلاف ذلك ~~كله وإلا لما وصل الحجر المرمى إليها إن كانت هاوية، ولما نزل الحجر المرمى ~~إلى فوق إن كانت صاعدة، ولما سقط على الاستقامة (1) إن كانت متحركة على ~~الاستدارة. # وقد أشار في هذا الحكم إلى فائدة بقوله: في الوسط، وهو الرد على من زعم ~~أنها ساكنة بسبب عدم تناهيها من جانب السفل لا من حيث الطبع، وبيان بطلان ~~هذا القول ظاهر لأن الأجسام متناهية. # الرابع: أنها شفافة، وقد وقع فيه منازعة بين القوم فذهب جماعة إليه لأنها ~~بسيطة، وذهب آخرون إلى المنع لأنا نشاهد الأرض فإن كانت بسيطة فالمطلوب وإن ~~كانت ممتزجة بغيرها كانت الأرضية عليها أغلب فكانت الشفافية أغلب وليس ~~كذلك، ثم نقضوا كبرى أولئك بالقمر. # الخامس: في طبقاتها وهي ثلاث (2): طبقة هي أرض محضة وهي المركز # PageV00P248 # وما يقاربه، وطبقة طينية، وطبقة بعضها منكشف هو البر وبعضها أحاط به ~~البحر. # المسألة الثالثة في البحث عن المركبات قال: وأما المركبات فهذه الأربعة ~~أسطقساتها. # أقول: لما فرغ من البحث عن البسائط شرع في البحث عن المركبات وبدأ من ذلك ~~بالبحث عن بسائطها. # واعلم أن المركبات أنما تتركب من هذه العناصر الأربعة لأن العنصر الواحد ~~بسيط لا يقع به التفاعل فلا بد من كثرة، ولما دل الاستقراء على انتفاء ~~صلاحية ما عدا الكيفيات الأربع أعني الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة أو ~~ما ينسب PageV00P249 # إليها للفعل والانفعال وجب أن يكون التفاعل إنما هو في هذه الأربعة ~~وحواملها وكانت الاسطقسات هذه العناصر الأربعة لاغير. وهذه العناصر من حيث ~~هي أجزاء العالم تسمى أركانا، ومن حيث إنها تتركب منه المركبات من المعادن ~~والنباتات تسمى أسطقسات. # قال: وهي حادثة عند تفاعل بعضها في بعض. # أقول: المركبات عند محققي الأوائل تحدث عند تفاعل هذه العناصر الأربعة ~~بعضها في بعض إلى أن تستقر الكيفية المتوسطة المسماة بالمزاج. # وذهب أصحاب ms129 الخليط مثل انكساغورس وأتباعه إلى نفي ذلك، وقال: إن هنا ~~أجزاءا هي لحم وأجزاءا هي عظام وأجزاءا هي حنطة (1) وغير ذلك من جميع ~~المركبات وهي مختلطة مبثوثة في العالم غير متناهية، فإذا اجتمع أجزاء من ~~طبيعة # PageV00P250 # واحدة ظن أن تلك الطبيعة حدثت وليس كذلك بل تلك الطبيعة كانت موجودة ~~والحادث التركيب لا غير، والضرورة قاضية ببطلان هذه المقالة فإنا نشاهد ~~تبدل ألوان وطعوم وروائح وغير ذلك من الصفات الحادثة. # قال: فتفعل الكيفية في المادة فتكسر صرافة كيفيتها (1) وتحصل كيفية ~~متشابهة في الكل متوسطة هي المزاج. # أقول: لما ذكر أن المركبات أنما تحصل عند تفاعل هذه العناصر بعضها في بعض ~~شرع في كيفية هذا التفاعل، واعلم أن الحار والبارد، أو الرطب واليابس إذا ~~اجتمعا وفعل كل منهما في الآخر لم يخل إما أن يتقدم فعل أحدهما على انفعاله ~~أو يقترنا ويلزم من الأول صيرورة المغلوب غالبا وهو محال، ومن الثاني كون ~~الشئ الواحد غالبا مغلوبا دفعة واحدة وهو محال فلم يبق إلا أن يكون الفاعل ~~في كل واحد منهما غير المنفعل، فقيل: الفاعل هو الصورة والمنفعل هو المادة، ~~وينتقض بالماء الحار إذا مزج بالماء البارد واعتدلا، فإن الفعل والانفعال ~~بين الحار والبارد هناك موجود مع أنه لا صورة تقتضي الحرارة في الماء ~~البارد. # وقيل: الفاعل هو الكيفية والمنفعل هو المادة مثلا تفعل حرارة الماء الحار ~~في مادة الماء البارد فتكسر البرودة التي هي كيفية الماء البارد وتحصل ~~كيفية متشابهة متوسطة بين الحرارة والبرودة هي المزاج، وهذا اختيار المصنف ~~رحمه الله وفيه نظر لأن المادة إنما تنفعل في الكيفية الفاعلة لا في غيرها ~~ويعود البحث من كون المغلوب يصير غالبا أو اجتماع الغالبية والمغلوبية للشئ ~~الواحد في الوقت الواحد بالنسبة إلى شئ واحد وهو باطل. # قال: مع حفظ صور البسائط. # PageV00P251 # أقول: نقل الشيخ (1) في هذا الموضوع في كتاب الشفاء أن هنا مذهبا غريبا ~~عجيبا وهو أن البسائط إذا اجتمعت وتفاعلت بطلت صورها النوعية المقومة لها ~~وحدثت صورة أخرى نوعية مناسبة لمزاج ذلك ms130 المركب واحتجوا بأن العناصر لو ~~بقيت على طبائعها حتى اتصف الجزء الناري مثلا بالصورة اللحمية أمكن أن يعرض ~~للنار بانفرادها عارض ينتهي بها إلى أن تصير حرارتها إلى ذلك الحد الذي حصل ~~لها عند كونها جزءا من المركب فتصير النار البسيطة لحما. # وأبطله الشيخ بأن ذلك يكون كونا وفسادا لا مزاجا (2)، ولأن الكاسر باق مع ~~الانكسار فالطبائع باقية مع انكسار الكيفيات. ونقض ما ذكروه بوروده عليهم ~~لأن مذهبهم أن الجزء الناري تبطل ناريته عند امتزاجه ويتصف بالصورة اللحمية ~~فيجوز عروض هذا العارض للنار البسيطة فإن شرطوا التركيب كان هو جوابنا. # قال: ثم تختلف الأمزجة في الأعداد بحسب قربها وبعدها من الاعتدال. # PageV00P252 # أقول: الأمزجة في المركبات هي المعدة لقبول المركب للصور والقوى المعدنية ~~والنباتية والحيوانية، إذ المركبات كلها اشتركت في طبيعة الجسمية ثم اختلفت ~~في هذه القوى فبعضها اتصف بصورة حافظة لبسائطه عن التفرق جامعة لمتضادات ~~مفرداته من غير أن يكون مبدأ لشئ آخر وهذه هي الصور المعدنية، وبعضها اتصف ~~بصورة تفعل مع ما تقدم التغذية والتنمية والتوليد لا غير وهي النفس ~~النباتية، وبعضها يفعل مع ذلك الحس والحركة الإرادية وهي النفس الحيوانية، ~~فلا بد وأن يكون هذا الاختلاف بسبب اختلاف القوابل المستند إلى اختلاف ~~الاستعداد المستفاد من اختلاف الأمزجة بسبب بعدها وقربها من الاعتدال، وكل ~~من كان مزاجه أقرب (1) إلى الاعتدال قبل نفسا أكمل. # قال: مع عدم تناهيها بحسب الشخص وإن كان لكل نوع طرفا إفراط وتفريط وهي ~~تسعة. # PageV00P253 # أقول: الأمزجة تختلف باختلاف صغر أجزاء البسائط وكبرها، وهذا الاختلاف ~~بسبب الصغر والكبر غير متناه فكانت الأمزجة لذلك غير متناهية بحسب الشخص ~~وإن كان لكل نوع طرفا إفراط وتفريط فإن نوع الانسان مثلا له مزاج خاص معتدل ~~بين طرفين هما إفراط وتفريط لكن ذلك المزاج الخاص (1) يشتمل على ما لا ~~يتناهى من الأمزجة الشخصية ولا يخرج عن حد المزاج الانساني وكذلك كل نوع. # إذا عرفت هذا فاعلم أن الأمزجة تسعة لأن البسائط إما أن تتساوى فيه وهو ~~المعتدل، أو يغلب أحدها ms131 فإما الحار مع اعتدال الانفعاليين أو البارد معه أو ~~الحار مع غلبة الرطب أو اليابس أو البارد معهما أو يغلب الرطب مع اعتدال ~~الفعليين أو اليابس معه. # قال: # PageV00P254 # الفصل الثالث في بقية أحكام الأجسام وتشترك الأجسام في وجوب التناهي ~~لوجوب اتصاف ما فرض له ضده به عند مقايسته بمثله مع فرض نقصانه عنه. # أقول: لما فرغ عن البحث في الأجسام شرع في البحث عن باقي أحكامها إذ قد ~~كان سبق البحث عن بعض أحكامها، وهذا الفصل يشتمل على مسائل: # المسألة الأولى في تناهي الأجسام (1) وقد اتفق أكثر العقلاء على ذلك ~~وإنما خالف فيه حكماء الهند، واستدل المصنف رحمه الله على ذلك بوجهين: ~~الأول برهان التطبيق، وتقريره أن الأبعاد لو كانت # PageV00P255 # غير متناهية لأمكننا أن نفرض خطين غير متناهيين مبدأهما واحد ثم نفصل من ~~أحدهما قطعة ثم نطبق أحد الخطين على الآخر بأن نجعل أول أحدهما مقابلا لأول ~~الآخر، وثاني الأول مقابلا لثاني الثاني والثالث للثالث وهكذا إلى ما لا ~~يتناهى، فإن استمرا كذلك كان الناقص مثل الزائد وهو محال بالضرورة، وإن ~~انقطع الناقص انقطع الزائد لأن الزائد إنما زاد بمقدار متناه هو القدر ~~المقطوع والزائد على المتناهي بمقدار متناه يكون متناهيا، فالخطان متناهيان ~~وهو المطلوب. # إذا عرفت هذا فلنرجع إلى تتبع ألفاظ الكتاب، فقوله: وتشترك الأجسام في ~~وجوب التناهي، إشارة إلى الدعوى مع التنبيه على كون هذا الحكم واجبا لكل ~~جسم. # وقوله: لوجوب اتصاف ما فرض له ضده به، معناه لوجوب اتصاف الخط الناقص ~~الذي فرض له ضد التناهي لأنا فرضنا الخطين غير متناهيين بالتناهي (1). # وقوله: عند مقايسته بمثله، معناه عند مقايسة الخط الناقص بالخط الكامل ~~المماثل له في عدم التناهي. ومعنى المقايسة هنا مقابلة كل جزء من الناقص ~~بجزء من الكامل. # وقوله: مع فرض نقصانه عنه، يعني مع فرض قطع شئ من الخط الناقص حتى صار ~~ناقصا، فهذا ما خطر لنا في معنى هذا الكلام. # قال: ولحفظ النسبة بين ضلعي الزاوية وما اشتملا عليه مع وجوب اتصاف ~~الثاني به. ms132 # أقول: هذا هو الدليل الثاني على تناهي الأبعاد، وتقريره أنا إذا فرضنا ~~زاوية خرج ضلعاها إلى ما لا يتناهى على الاستقامة فإن النسبة بين زيادة ~~الضلعين # PageV00P256 # وزيادة الأبعاد التي اشتمل الضلعان عليها محفوظة بحيث كلما زاد الضلعان ~~زادت الأبعاد على نسبة واحدة، فإذا استمرت زيادة الضلعين إلى ما لا يتناهى ~~استمرت زيادة البعد بينهما إلى ما لا يتناهى مع وجوب اتصاف الثاني أعني ~~البعد بينهما بالتناهي لامتناع انحصار ما لا يتناهى بين حاصرين. # المسألة الثانية في أن الأجسام متماثلة قال: واتحاد الحد وانتفاء القسمة ~~فيه يدل على الوحدة. # أقول: ذهب الجمهور من الحكماء والمتكلمين إلى أن الأجسام متماثلة في ~~حقيقة الجسمية وإن اختلفت بصفات وعوارض، وذهب النظام إلى أنها مختلفة ~~لاختلاف خواصها وهو باطل لأن ذلك يدل على اختلاف الأنواع لا على اختلاف ~~المفهوم من الجسم من حيث هو جسم. # وقد استدل المصنف رحمه الله على قوله بأن الجسم من حيث هو جسم يحد بحد ~~واحد عند الجميع، أما عند الأوائل فإن حده الجوهر القابل للأبعاد، وأما ~~المتكلمون فإنهم يحدونه بأنه الطويل العريض العميق وهذا الحد الواحد لا ~~قسمة فيه، فالمحدود واحد لاستحالة اجتماع المختلفات في حد واحد من غير قسمة ~~بل متى جمعت المختلفات في حد واحد وقع فيه التقسيم ضرورة، كقولنا: الحيوان ~~إما ناطق أو صاهل، ويراد بهما الانسان والفرس. # المسألة الثالثة في أن الأجسام باقية قال: والضرورة قضت ببقائها. # أقول: المشهور عند العقلاء ذلك، ونقل عن النظام خلافه بناء منه على ~~امتناع PageV00P257 # استناد العدم إلى الفاعل وأنه لا ضد للأجسام مع وجوب فنائها يوم القيامة، ~~فالتزم بعدم بقائها وأنها تتجدد حالا فحالا كالأعراض غير القارة، والمحققون ~~على خلاف ذلك واعتمادهم على الضرورة فيه. # وقيل: إن النظام (1) ذهب إلى احتياج الجسم حال بقائه إلى المؤثر، فتوهم ~~الناقل أنه كان يقول بعدم بقاء الأجسام. # المسألة الرابعة في أن الأجسام يجوز خلوها عن الطعوم والروائح والألوان ~~قال: ويجوز خلوها عن الكيفيات المذوقة والمرئية والمشومة كالهواء. # أقول: ذهب المعتزلة إلى جواز ms133 خلو الأجسام عن الطعوم والروائح والألوان، # PageV00P258 # ومنعت الأشعرية منه، أما المعتزلة فاحتجوا بمشاهدة بعض الأجسام كذلك ~~كالهواء، واحتجت الأشعرية بقياس اللون على الكون وبما قبل الاتصاف على ما ~~بعده، وهما ضعيفان لأن القياس المشتمل على الجامع لا يفيد اليقين فكيف ~~الخالي عنه مع قيام الفرق، فإن الكون لا يعقل خلو متحيز عنه بالضرورة بخلاف ~~اللون فإنه يمكن أن يتصور الجسم خاليا عنه، وأما امتناع الخلو عنها بعد ~~الاتصاف فممنوع ولو سلم لظهر الفرق أيضا لأن الخلو بعد الاتصاف أنما امتنع ~~لافتقار الزائل بعد الاتصاف إلى طريان الضد بخلاف ما قبل الاتصاف لعدم ~~الحاجة إليه. # المسألة الخامسة في أن الأجسام يجوز رؤيتها قال: ويجوز رؤيتها بشرط الضوء ~~واللون وهو ضروري. # أقول: ذهب الأوائل إلى أن الأجسام مرئية لكن لا بالذات بل بالعرض، فإنها ~~لو كانت مرئية بالذات لرؤي الهواء والتالي باطل فالمقدم مثله، وإنما يمكن ~~رؤيتها بتوسط الضوء واللون وهذا حكم ضروري يشهد به الحس وجمهور العقلاء على ~~ذلك ولم أعرف فيه مخالفا. # المسألة السادسة في أن الأجسام حادثة قال: والأجسام كلها حادثة لعدم ~~انفكاكها من جزئيات متناهية حادثة فإنها لا تخلو عن الحركة والسكون وكل ~~منهما حادث وهو ظاهر. # أقول: هذه المسألة من أجل المسائل وأشرفها في هذا الكتاب وهي المعركة ~~العظيمة بين الأوائل والمتكلمين، وقد اضطربت أنظار العقلاء فيها وعليها ~~مبنى PageV00P259 # القواعد الاسلامية (1) وقد اختلف الناس فيها، فذهب المسلمون والنصارى ~~واليهود والمجوس إلى أن الأجسام محدثة، وذهب جمهور الحكماء إلى أنها قديمة، ~~وتفصيل قولهم في ذلك ذكرناه في كتاب المناهج. # إذا عرفت هذا فنقول: الدليل على أن الأجسام حادثة أنها لا تخلو عن أمور ~~متناهية حادثة، وكل ما لم يخل عن أمور متناهية حادثة فهو حادث، فالأجسام ~~حادثة أما الصغرى فلأن الأجسام لا تخلو عن الحركة والسكون وهي أمور حادثة ~~متناهية، أما بيان عدم انفكاك الجسم عنهما فضروري لأن الجسم لا يعقل موجودا ~~في الخارج منفكا عن المكان فإن كان لابثا فيه فهو الساكن، وإن كان منتقلا ~~عنه فهو ms134 المتحرك. وأما بيان حدوثهما فظاهر لأن الحركة هي حصول الجسم في ~~الحيز بعد أن كان في حيز آخر، والسكون هو الحصول في الحيز بعد إن كان في ~~ذلك الحيز، فماهية كل واحد منهما تستدعي المسبوقية بالغير والأزلي غير ~~مسبوق بالغير فماهية كل واحد منهما ليست قديمة. # وأيضا فإن كل واحد منهما يجوز عليه العدم، والقديم لا يجوز عليه العدم ~~أما الصغرى فلأن كل متحرك على الإطلاق فإن كل جزء من حركته يعدم ويوجد ~~عقيبه جزء آخر منها، وكل ساكن فإنه إما بسيط أو مركب، وكل بسيط ساكن يمكن ~~عليه الحركة لتساوي الجانب الملاقي منه لغيره من الأجسام والجانب الذي لا ~~يلاقيه في قبول الملاقاة فأمكن على غير الملاقي الملاقاة كما أمكنت على # PageV00P260 # الملاقي لكن ذلك أنما يكون بواسطة الحركة فكانت الحركة جائزة عليه، وأما ~~المركب فإنه مركب من البسائط، ونسوق الدليل الذي ذكرناه في البسيط إلى كل ~~جزء من أجزاء المركب، وأما الكبرى فلأن القديم إن كان واجب الوجود لذاته ~~استحال عدمه، وإن كان جائز الوجود استند إلى علة موجبة لاستحالة صدور ~~القديم عن المختار لأن المختار أنما يفعل بواسطة القصد والداعي والقصد أنما ~~يتوجه إلى إيجاد المعدوم فكل أثر لمختار حادث، فلو كان القديم أثرا لمؤثر ~~لكان ذلك المؤثر موجبا، فإن كان واجبا لذاته استحال عدمه فاستحال عدم ~~معلوله، وإن كان ممكنا نقلنا الكلام إليه فإما أن يتسلسل وهو محال أو ينتهي ~~إلى مؤثر موجب يستحيل عدمه فيستحيل عدم معلوله، فقد ظهر أن القديم يستحيل ~~عليه العدم، وقد بينا جواز العدم على الحركة والسكون فيستحيل قدمهما. # قال: وأما تناهي جزئياتها (1) فلأن وجود ما لا يتناهى محال للتطبيق، ~~ولوصف كل حادث بالإضافتين المتقابلتين ويجب زيادة المتصف بإحداهما من حيث ~~هو كذلك على المتصف بالأخرى فينقطع الناقص والزائد أيضا. # PageV00P261 # أقول: لما بين حدوث الحركة والسكون شرع الآن في بيان تناهيهما لأن بيان ~~حدوثهما غير كاف في الدلالة، وهذا المقام هو المعركة بين الحكماء ~~والمتكلمين، فإن المتكلمين يمنعون من اتصاف الجسم بحركات ms135 لا تتناهى، ~~والأوائل جوزوا ذلك. # والمتكلمون استدلوا على قولهم بوجوه: أحدها: أن كل فرد حادث فالمجموع ~~كذلك، وهو ضعيف إذ لا يلزم من حدوث كل فرد حدوث المجموع. # الثاني: إنها قابلة للزيادة والنقصان فتكون متناهية، وهو ضعيف بمعلومات ~~الله تعالى ومقدوراته، فإن الأولى أزيد من الثانية (1) ولا يلزم تناهيهما. # الثالث: التطبيق وهو (2) أن تؤخذ جملة الحركات من الآن إلى الأزل جملة، ~~ومن زمان الطوفان إلى الأزل جملة أخرى ثم تطبق إحدى الجملتين بالأخرى فإن ~~استمرا إلى ما لا يتناهى كان الزائد مثل الناقص هذا خلف، وإن انقطع الناقص ~~تناهى وتناهى الزائد لأنه إنما زاد بمقدار متناه والزائد على المتناهي ~~بمقدار متناه # PageV00P262 # يكون متناهيا. # الرابع: أن كل حادث يوصف بإضافتين متقابلتين هما السابقية والمسبوقية، ~~لأن كل واحد من الحوادث غير المتناهية يكون سابقا على ما بعده ولاحقا لما ~~قبله، والسبق واللحوق إضافتان متقابلتان وإنما صح اتصافه بهما لأنهما أخذا ~~بالنسبة إلى شيئين. # إذا عرفت هذا فنقول: إذا اعتبرنا الحوادث الماضية المبتدئة من الآن تارة ~~من حيث إن كل واحد منها سابق، وتارة من حيث هو بعينه لاحق، كانت السوابق ~~واللواحق المتبائنتان بالاعتبار متطابقتين في الوجود ولا يحتاج في تطابقهما ~~إلى توهم تطبيق، ومع ذلك يجب كون السوابق أكثر من اللواحق في الجانب الذي ~~وقع فيه النزاع، وإلى هذا أشار بقوله: ويجب زيادة المتصف بإحداهما، أعني ~~بإحدى الإضافتين وهو إضافة السبق على المتصف بالأخرى أعني إضافة اللحوق، ~~فإذن اللواحق منقطعة في الماضي قبل انقطاع السوابق فتكون متناهية، والسوابق ~~أيضا تكون متناهية لأنها زادت بمقدار متناه، وهذا الوجه الأخير استنبطه ~~المصنف رحمه الله ولم نعثر عليه في كلام القدماء. # قال: والضرورة قضت بحدوث ما لا ينفك عن حوادث متناهية. # أقول: لما بين أن الأجسام لا تنفك عن الحركة والسكون وبين حدوثهما ~~وتناهيهما وجب القول بحدوث الأجسام لأن الضرورة قضت بحدوث ما لا ينفك عن ~~حوادث متناهية. # قال: فالأجسام حادثة ولما استحال قيام الأعراض إلا بها ثبت حدوثها. # أقول: هذا نتيجة ما ذكر من ms136 الدليل وهو القول بحدوث الأجسام، وأما الأعراض ~~فإنه يستحيل قيامها بأنفسها وتفتقر في الوجود إلى محل تحل فيه وهي إما ~~جسمانية أو غير جسمانية والكل حادث، أما الجسمانية فلامتناع قيامها بغير ~~الأجسام وإذا كان الشرط حادثا كان المشروط كذلك بالضرورة، وأما غير ~~PageV00P263 # الجسمانية فبالدليل الدال على حدوث كل ما سوى الله تعالى. والمصنف رحمه ~~الله إنما قصد الأعراض الجسمانية لقوله: لما استحال قيام الأعراض إلا بها ~~ثبت حدوثها. # قال: والحدوث اختص بوقته إذ لا وقت قبله، والمختار يرجح أحد مقدوريه لا ~~لأمر عند بعضهم (1). # أقول: لما بين حدوث العالم شرع في الجواب عن شبه الفلاسفة، وأقوى شبههم ~~ثلاثة أجاب المصنف رحمه الله عنها في هذا الكتاب. # الشبهة الأولى وهي أعظمها قالوا: المؤثر التام في العالم إما أن يكون ~~أزليا أو حادثا، فإن كان أزليا لزم قدم العالم لأن عند وجود المؤثر التام ~~يجب وجود الأثر، لأنه لو تأخر عنه ثم وجد لم يخل إما أن يكون لتجدد أمر أو ~~لا، والأول يستلزم كون ما فرضناه مؤثرا تاما ليس بتام هذا خلف، والثاني ~~يستلزم ترجيح أحد طرفي الممكن لا لمرجح لأن اختصاص وجود الأثر بالوقت الذي ~~وجد فيه دون ما قبله وما بعده مع حصول المؤثر التام يكون ترجيحا من غير ~~مرجح. # وإن كان المؤثر في العالم حادثا نقلنا الكلام إلى علة حدوثه ويلزم ~~التسلسل أو الانتهاء إلى المؤثر القديم وهو محال لتخلف الأثر عنه، وهذا ~~المحال أنما نشأ من فرض حدوث العالم. # وقد أجاب المتكلمون عن هذه الشبهة بوجوه: أحدها: أن المؤثر التام قديم ~~لكن الحدوث اختص بوقت الإحداث لانتفاء وقت قبله، فالأوقات التي يطلب فيها ~~الترجيح معدومة ولا يتمايز إلا في الوهم، وأحكام الوهم في مثل ذلك غير ~~مقبولة بل الزمان يبتدأ وجوده مع أول وجود العالم ولم يمكن وقوع ابتداء ~~سائر # PageV00P264 # الموجودات قبل ابتداء وجود الزمان أصلا. # الثاني: أن المؤثر التام أنما يجب وجود أثره معه لو كان موجبا، أما إذا ~~كان مختارا فلا لأن المختار يرجح أحد ms137 مقدوريه على الآخر لا لمرجح، فالعالم ~~قبل وجوده كان ممكن الوجود وكذا بعد وجوده لكن المؤثر المختار أراد إيجاده ~~وقت وجوده دون ما قبله وما بعده لا لأمر. # الثالث: أنه لم لا يجوز اختصاص بعض الأوقات بمصلحة تقتضي وجود العالم فيه ~~بها دون ما قبل ذلك الوقت وبعده، فالمؤثر التام وإن كان حاصلا في الأزل لكن ~~لا يجب وجود العالم فيه تحصيلا لتلك المصلحة. # الرابع: أن الله تعالى علم وجود العالم وقت وجوده وخلاف علمه محال، فلم ~~يمكن وجوده قبل وقت وجوده. # الخامس: أن الله تعالى أراد إيجاد العالم وقت وجوده والإرادة مخصصة ~~لذاتها. # السادس: أن العالم محدث لما تقدم فيستحيل وجوده في الأزل لأن المحدث هو ~~ما سبقه العدم والأزل ما لم يسبقه العدم والجمع بينهما محال، ثم عارضوهم ~~بالحادث اليومي فإنه معلول إما لقديم فيلزمه قدمه أو لحادث فيتسلسل. # قال: والمادة منفية. # أقول: هذا جواب عن الشبهة الثانية، وتقريرها أنهم قالوا: كل حادث فهو ~~مسبوق بإمكان وجوده وذلك الإمكان ليس أمرا عدميا وإلا فلا فرق بين نفي ~~الإمكان والامكان المنفي، ولا قدرة القادر لأنا نعللها به فهو مغاير، وليس ~~جوهرا لأنه نسبة وإضافة فهو عرض فمحله يكون سابقا عليه وهو المادة، فتلك ~~المادة إن كانت قديمة ويستحيل انفكاكها عن الصورة لزم قدم الصورة فيلزم قدم ~~الجسم وإن كانت حادثة تسلسل. # والجواب قد بينا أن المادة منفية وقد سلف تحقيقه. PageV00P265 # قال: والقبلية لا تستدعي الزمان وقد سبق تحقيقه. # أقول: هذا جواب عن الشبهة الثالثة، وتقريرها أنهم قالوا: كل حادث فإن ~~عدمه سابق على وجوده، وأقسام السبق منفية هنا إلا الزماني، فكل حادث يستدعي ~~سابقة الزمان عليه فالزمان إن كان حادثا لزم أن يكون زمانيا وهو محال، وإن ~~كان قديما وهو مقدار الحركة لزم قدمها لكن الحركة صفة للجسم فيلزم قدمه. # والجواب ما تقدم من أن السبق لا يستدعي الزمان وإلا لزم التسلسل. # قال: PageV00P266 # الفصل الرابع في الجواهر المجردة أما العقل فلم يثبت دليل على امتناعه ~~(1). # أقول: لما فرغ من ms138 البحث عن الجواهر المقارنة شرع في البحث عن الجواهر ~~المجردة ولبعدها عن الحس أخرها عن البحث عن المقارنات وفي هذا الفصل مسائل: # المسألة الأولى في العقول المجردة (واعلم) أن جماعة من المتكلمين نفوا ~~هذه الجواهر واحتجوا بأنه لو كان هاهنا موجود ليس بجسم ولا جسماني لكان ~~مشاركا لواجب الوجود في هذا الوصف فيكون مشاركا له في ذاته. وهذا الكلام ~~سخيف لأن الاشتراك في الصفات السلبية لا يقتضي الاشتراك في الذوات فإن كل ~~بسيطين يشتركان في سلب ما عداهما عنهما مع انتفاء الشركة بينهما في الذات، ~~بل الاشتراك في الصفات الثبوتية لا يقتضي اشتراك الذوات لأن الأشياء ~~المختلفة قد يلزمها لازم واحد فإذا ثبت ذلك لم يلزم من كون هذه الجواهر ~~المجردة مشاركة للواجب تعالى في # PageV00P267 # وصف التجرد وهو سلبي مشاركتها له في الحقيقة فلهذا لم يجزم المصنف رحمه ~~الله بنفي هذه الجواهر المجردة. # قال: وأدلة وجوده مدخولة كقولهم: الواحد لا يصدر عنه أمران، ولا سبق ~~لمشروط باللاحق في تأثيره أو وجوده، ولا لما انتفت صلاحية التأثير عنه لأن ~~المؤثر هنا مختار. # أقول: لما بين انتفاء الجزم بعدم الجوهر المجرد الذي هو العقل شرع في ~~بيان انتفاء الجزم بثبوته وذلك ببيان ضعف أدلة المثبتين. # واعلم أن أكثر الفلاسفة ذهبوا إلى أن المعلول الأول هو العقل الأول (1) ~~وهو موجود مجرد عن الأجسام والمواد في ذاته وتأثيره معا، ثم إن ذلك العقل ~~يصدر عنه عقل وفلك لتكثيره باعتبار كثرة جهاته الحاصلة من ذاته ومن فاعله، ~~ثم يصدر عن العقل الثاني عقل ثالث وفلك ثان وهكذا إلى أن ينتهي إلى العقل ~~الأخير وهو المسمى بالعقل الفعال، وإلى الفلك الأخير التاسع وهو فلك القمر. # واستدلوا على إثبات الجواهر المجردة التي هي العقول بوجوه: # الأول: قالوا: إن الله تعالى واحد فلا يكون علة للمتكثر فيكون الصادر عنه ~~واحدا فلا يخلو إما أن يكون جسما أو مادة أو صورة أو نفسا أو عرضا أو عقلا، ~~والأقسام كلها باطلة سوى الأخير. # أما الأول فلأن كل جسم مركب من ms139 المادة والصورة، وقد بينا أن المعلول ~~الأول يكون واحدا وإلى هذا القسم أشار بقوله: الواحد لا يصدر عنه أمران. # وأما الثاني: فلأن المادة هي الجوهر القابل فلا تصلح للفاعلية، لأن نسبة # PageV00P268 # القبول نسبة الإمكان ونسبة الفاعل نسبة الوجوب، ويستحيل أن تكون نسبة ~~الشئ الواحد إلى الواحد نسبة إمكان ووجوب، فإذا لم تصلح المادة للفاعلية لم ~~تكن هي المعلول الأول السابق على غيره لأن المعلول الأول يجب أن يكون علة ~~فاعلية لما بعده، وإلى هذا القسم أشار بقوله: ولا لما انتفت صلاحية التأثير ~~عنه، أي لا سبق للمادة التي لا تصلح أن تكون فاعلا وإذا لم تكن سابقة لم ~~تكن هي المعلول الأول لما بينا أن المعلول الأول سابق على غيره من ~~المعلولات. # وأما الثالث فلأن الصورة مفتقرة في فاعليتها وتأثيرها إلى المادة لأنها ~~إنما تؤثر إذا كانت موجودة مشخصة، وإنما تكون كذلك إذا كانت مقارنة للمادة ~~فلو كانت الصورة هي المعلول الأول السابق على غيره لكانت مستغنية في عليتها ~~عن المادة وهو محال، فالحاصل أن الصورة محتاجة في وجودها الشخصي إلى المادة ~~فلا تكون سابقة عليها وعلى غيرها من الممكنات لاستحالة اشتراط السابق ~~باللاحق، وإلى هذا القسم أشار بقوله: ولا سبق لمشروط، أي الصورة باللاحق أي ~~بالمادة في وجوده. # وأما الرابع فلأن النفس أنما تفعل بواسطة البدن، فلو كانت هي المعلول ~~الأول لكانت علة لما بعدها من الأجسام فتكون مستغنية في فعلها عن البدن فلا ~~تكون نفسا بل عقلا وهو محال، فهي إذا مشروطة بأسرها (1) بالأجسام، فلو كانت ~~سابقة عليها لكان السابق مشروطا باللاحق في تأثيره المستند إليه وهو محال، ~~وإلى هذا أشار بقوله: ولا سبق لمشروط أي النفس باللاحق أي الجسم في تأثيره. # وأما الخامس فلأن العرض محتاج في وجوده إلى الجوهر، فلو كان المعلول ~~الأول عرضا لكان علة للجواهر كلها فيكون السابق مشروطا في وجوده باللاحق ~~وهو باطل بالضرورة، وإليه أشار بقوله: ولا سبق لمشروط باللاحق في وجوده، ~~فالحاصل أن الصورة والعرض مشروطان بالمادة والجوهر فلا يكونان سابقين ms140 # PageV00P269 # عليهما، والنفس أنما تؤثر بواسطة الجسم فلا تكون متقدمة عليه تقدم العلة ~~على المعلول وإلا استغنت في تأثيرها عنه. # إذا عرفت هذا الدليل فنقول: بعد تسليم أصوله أنه إنما يلزم لو كان المؤثر ~~موجبا، أما إذا كان مختارا فلا فإن المختار تتعدد آثاره وأفعاله، وسيأتي ~~الدليل على أنه مختار. # قال: وقولهم استدارة الحركة توجب الإرادة المستلزمة للتشبه بالكامل، إذ ~~طلب الحاصل فعلا أو قوة يوجب الانقطاع، وغير الممكن محال لتوقفه على دوام ~~ما أوجبنا انقطاعه، وعلى حصر أقسام الطلب، مع المنازعة في امتناع طلب ~~المحال. # أقول: هذا هو الوجه الثاني من الوجوه التي استدلوا بها على إثبات العقول ~~المجردة مع الجواب عنه. # وتقرير الدليل أن نقول: حركات السماوات إرادية (1) لأنها مستديرة، وكل ~~حركة مستديرة إرادية لأن الحركة إما طبيعية أو قسرية، والمستديرة لا تكون ~~طبيعية لأن المطلوب بالطبع لا يكون متروكا بالطبع، وكل جزء من المسافة في ~~الحركة المستديرة فإن تركه بعينه هو التوجه إليه، وإذا انتفت الطبيعة انتفت ~~القسرية لأن القسر على خلاف الطبع وحيث لا طبع فلا قسر فثبت أنها إرادية ~~وكل حركة إرادية فإنها تستدعي مطلوبا، ولأن العبث لا يدوم وذلك المطلوب يجب ~~أن يستكمل الطالب به وإلا لم يتوجه بالطلب نحوه، فإما أن يكون كما لا في ~~نفسه أو لا، والثاني محال وإلا لجاز انقطاع الحركة لأنه لا بد وأن يظهر ~~لذلك الطالب أن # PageV00P270 # ذلك المطلوب ليس بكمال في ذاته فيترك الطلب، وإذا كان المطلوب كمالا ~~حقيقيا فإما أن يحصل بالكلية وهو محال وإلا لوقفت الحركة فيجب أن يحصل على ~~التعاقب، ولما كانت كمالات الفلك حاضرة بأسرها سوى الوضع لأنه كامل في ~~جوهره وباقي مقولاته غير الوضع فإن أوضاعه الممكنة ليست حاضرة بأسرها، إذ ~~لا وضع يحصل له إلا وهناك أوضاع لا نهاية لها معدومة عنه، ولا يمكن حصولها ~~دفعة فهي أنما تحصل على التعاقب. ثم إن الفلك لما تصور كمال العقل وأنه لم ~~يبق فيه شئ بالقوة إلا وقد خرج إلى الفعل اشتاق إلى التشبه ms141 به في ذلك ~~ليستخرج ما فيه بالقوة إلى الفعل، ولما تعذر ذلك دفعة استخرج كماله في ~~أوضاعه على التعاقب فقد ظهر من هذا وجود عقل يتشبه به الفلك في حركته فإن ~~كان واحدا لزم تشابه الحركات الفلكية في الجهات والسرعة والبطء وليس كذلك ~~فيجب وجود عقول متكثرة بحسب تكثر الحركات في الجهة (1) والسرعة والبطء. # لا يقال: لم لا يتحرك لأجل نفع السافل أو لم لا يختلف في السرعة والبطء ~~والجهة لذلك؟ لأنا نقول: الفلكيات أشرف من هذا العالم ويستحيل أن يفعل ~~العالي شيئا لأجل السافل وإلا لكان مستكملا به فالكامل مستكمل بالناقص هذا ~~خلف، فلا يمكن أن تكون الحركة في أصلها ولا في هيئتها لأجل نفع السافل فهذا ~~تقرير الدليل. # والجواب أن هذا مبني على دوام الحركة، ونحن قد بينا حدوث العالم فيجب ~~انقطاعها فبطل هذا الدليل من أصله. وأيضا فهذا الدليل يتوقف على حصر أقسام ~~الطلب والأقسام التي ذكروها ليست حاصرة، سلمنا لكن لم لا يجوز أن يكون ~~الطلب لما يستحيل حصوله أو لما هو حاصل ولا شعور للطالب بذلك ونمنع وجوب ~~الشعور بذلك؟ ثم نقول: لا نسلم أن الحركة الفلكية دورية فلم لا يتحرك على ~~الاستقامة؟ سلمنا أنها دورية فلم لا تكون قسرية قوله: انتفاء الطبع يقتضي # PageV00P271 # انتفاء القسر؟ قلنا: ممنوع فإن حركة المحوي بالحاوي حركة قسرية وإن كانت ~~بالعرض وهي دورية، سلمنا لكن الحركة ليست مقصودة بالذات بل إنما تراد ~~لغيرها فلم حصرتم ذلك الغير في استخراج الأوضاع ولم؟ لا يجوز أن تكون للفلك ~~كمالات غير الأوضاع معدومة كالتعقلات المتجددة؟ وأيضا فإنه على قدر خاص ~~فباقي أنواع الكم عنه معدومة، وكذا كثير من أنواع الكيف فلم أوجبتم الحركة ~~في الوضع للتشبه باستخراج أنواع الأوضاع ولم توجبوا استخراج باقي الأعراض ~~من الكم والكيف؟ بل الأيون (1) عنه معدومة مع استحالة حصولها له عندكم فلم ~~لا يجوز مثله في الأوضاع؟ سلمنا ذلك لكن لم أوجبتم وجود عقل يتشبه به ~~الفلك؟ ولم لا يقال: إن خروج الأوضاع كمال مقصود له (2) فيتحرك ms142 لطلبه من ~~غير حاجة إلى متشبه به؟ سلمنا لكن لم أحلتم نفع السافل وحديث الاستفادة مع ~~أنه خطابي غير لازم؟ وبالجملة فهذا الوجه ضعيف جدا. # إذا عرفت هذا فنرجع إلى تتبع ألفاظ الكتاب، فقوله: وقولهم يقرأ بالجر ~~عطفا على قوله: كقولهم. وقوله: استدارة الحركة توجب الإرادة، إشارة إلى ما ~~نقلناه عنهم من أن الحركة المستديرة لا تكون إلا إرادية. وقوله: المستلزمة ~~للتشبه بالكامل، إشارة إلى أن الغاية من الحركة ليس كما لا يحصل دفعة ولا ~~يمتنع من الحصول بل هو التشبه الحاصل على التعاقب. وقوله: إذ طلب الحاصل ~~فعلا أو قوة يوجب الانقطاع، إشارة إلى أن ذلك الكمال ليس حاصلا بالفعل وإلا ~~لوقفت # PageV00P272 # الحركة ولا بالقوة التي يمكن حصولها دفعة لذلك أيضا. وقوله وغير الممكن ~~محال، إشارة إلى أن الكمال إذا كان ممتنع الحصول استحال طلبه. وقوله: ~~لتوقفه على دوام ما أوجبنا انقطاعه، إشارة إلى بيان ضعف هذا الدليل فإنه ~~مبني على دوام الحركة، وقد بينا وجوب انقطاعه. وقوله: وعلى حصر أقسام ~~الطلب، إشارة إلى اعتراض ثان وهو أن نمنع حصر أقسام الطلب في أنه إما أن ~~يكون كما لا حاصلا أو ممتنع الحصول أو يحصل على التعاقب. وقوله: مع ~~المنازعة في امتناع طلب المحال، إشارة إلى اعتراض آخر وهو أنا نمنع استحالة ~~طلب المحال لجواز الجهل على الطالب. # قال: وقولهم لا علية بين المتضائفين (1) وإلا لأمكن الممتنع أو علل ~~الأقوى بالأضعف لمنع الامتناع الذاتي. # أقول: هذا هو الوجه الثالث من الوجوه التي استدلوا بها على إثبات العقول، ~~وتقريره أن نقول: الأفلاك ممكنة فلها علة فهي إن كانت غير جسم ولا جسماني ~~ثبت المطلوب، وإن كانت العلة جسمانية لزم الدور، وإن كانت جسما فإما أن ~~يكون الحاوي علة للمحوي أو بالعكس، والثاني محال لأن المحوي أضعف من الحاوي ~~فلو كان المحوي علة لزم تعليل الأقوى الذي هو الحاوي بالأضعف الذي هو ~~المحوي وهو محال، والأول وهو أن يكون الحاوي علة في المحوي (2) محال أيضا، ~~وبيانه يتوقف على مقدمات: إحداها: أن ms143 الجسم لا يكون علة إلا بعد صيرورته ~~شخصا معينا، وهو ظاهر لأنه إنما يؤثر إذا صار موجودا بالفعل ولا وجود لغير ~~الشخصي. الثانية: أن المعلول حال فرض وجود العلة يكون ممكنا وإنما يلحقه ~~الوجوب بعد وجود العلة ووجوبها. الثالثة: أن الأشياء المتصاحبة لا تتخالف ~~في الوجوب والإمكان، إذا عرفت هذا فنقول: لو كان الحاوي علة # PageV00P273 # للمحوي لكان متقدما بشخصه المعين علي وجود المحوي فيكون المحوي حينئذ ~~ممكنا فيكون انتفاء الخلاء ممكنا لأنه مصاحب لوجود المحوي لكن الخلاء ممتنع ~~لذاته، والجواب بعد تسليم امتناع الخلاء لا نسلم كون الامتناع ذاتيا. # إذا عرفت هذا فنرجع إلى تتبع ألفاظ الكتاب، فنقول: قوله: لا علية بين ~~المتضائفين، الذي يفهم من هذا الكلام أنه لا علية بين الحاوي والمحوي ~~وسماهما المتضائفين لأنه أخذهما من حيث هما حاو ومحوي، وهذان الوصفان من ~~باب المضاف. وقوله: وإلا لأمكن الممتنع، إشارة إلى ما بيناه من إمكان ~~الخلاء الممتنع لذاته على تقدير كون الحاوي علة. وقوله: أو علل الأقوى ~~بالأضعف، إشارة إلى ما بيناه من كون الضعيف علة في القوي على تقدير كون ~~المحوي علة للحاوي. وقوله: لمنع الامتناع الذاتي، إشارة إلى ما بيناه في ~~الجواب من المنع من كون الخلاء ممتنعا لذاته، فهذا ما فهمناه من هذا ~~الموضع. # المسألة الثانية في النفس الناطقة قال: وأما النفس فهي كمال (1) أول لجسم ~~طبيعي آلي ذي حياة بالقوة. # أقول: هذا هو البحث عن أحد أنواع الجوهر وهو البحث عن النفس الناطقة، ~~وقبل البحث عن أحكامها شرع في تعريفها وقد عرفها الحكماء بأنها كمال أول ~~لجسم طبيعي آلي ذي حياة بالقوة، لأن الجسم إذا أخذ بمعنى المادة كانت النفس ~~المنضمة إليه الذي يحصل من اجتماعهما (2) نبات أو حيوان أو انسان صورة، ~~وإذا أخذ بمعنى الجنس كانت كمالا لأن طبيعة الجنس ناقصة قبل الفصل، وقد ~~عرفوا # PageV00P274 # النفس بالكمال دون الصورة لأن النفس الانسانية غير حالة في البدن فليست ~~صورة له وهي كمال له، واعلم أن الكمال منه أول وهو الذي يتنوع به الشئ ms144 ~~كالفصول، ومنه ثان وهو ما يعرض للنوع بعد كماله من صفاته اللازمة والعارضة، ~~فالنفس من القسم الأول وهي كمال لجسم طبيعي غير صناعي كالسرير وغيره، وليست ~~كمالا لكل طبيعي حتى البسائط بل هي كمال لجسم طبيعي آلي تصدر عنه أفعاله ~~بواسطة الآلات ومعناه كونه ذا آلات يصدر عنه بتوسطها وغير توسطها (1) ما ~~يصدر من أفاعيل الحياة التي هي التغذي والنمو والتوليد والادراك والحركة ~~الإرادية والنطق. # المسألة الثالثة في أن النفس الناطقة ليست هي المزاج قال: وهي مغايرة لما ~~هي شرط فيه لاستحالة الدور. # أقول: ذهب المحققون إلى أن النفس الناطقة مغايرة للمزاج، وعليه ثلاثة ~~أوجه (2): الأول: ما ذكر الأوائل أن النفس الناطقة شرط في حصول المزاج، لأن ~~المزاج أنما يحصل من اجتماع العناصر المتضادة فعلة ذلك الاجتماع يجب أن ~~تكون متقدمة عليه وكذا شرط الاجتماع وهو النفس الناطقة فلا تكون هي المزاج ~~المتأخر عن الاجتماع لاستحالة الدور. وفي هذا الوجه نظر (1) لأنهم عللوا ~~حدوث النفس بالاستعداد الحاصل من المزاج فكيف جعلوا الآن حدوث الاجتماع من ~~النفس. وللشيخ هنا كلام طويل ليس هذا موضع ذكره. # PageV00P275 # قال: وللممانعة في الاقتضاء. # أقول: هذا هو الوجه الثاني، وتقريره أن المزاج يمانع النفس في مقتضاها ~~كما في الرعشة، فإن مقتضي النفس الحركة إلى جانب ومقتضي المزاج الحركة إلى ~~جانب آخر وتضاد الآثار يستدعي تضاد المؤثر فهاهنا الممانعة بين النفس ~~والمزاج في جهة الحركة. وكذلك قد يقع بينهما الممانعة في نفس الحركة إما ~~بأن تكون الحركة نفسانية لا يقتضيها المزاج كما في حال حركة الانسان على ~~وجه الأرض فإن مزاجه يقتضي السكون عليها ونفسه تقتضي الحركة، أو بأن تكون ~~طبيعية لا تقتضيها النفس كما في حال الهوي. # قال: ولبطلان أحدهما مع ثبوت الآخر. # أقول: هذا هو الوجه الثالث الدال على أن النفس مغايرة للمزاج، وتقريره أن ~~الادراك أنما يكون بواسطة الانفعال فإن اللامس إذا أدرك شيئا لا بد وأن ~~ينفعل عن الملموس (1) فلو كان اللامس هو المزاج لبطل عند انفعاله وحدثت ~~كيفية مزاجية أخرى، وليس المدرك ms145 هو الكيفية الأولى لبطلانها ووجوب بقاء ~~المدرك عند الادراك، ولا الثانية لأن المدرك لا بد وأن ينفعل عن المدرك ~~والشئ لا ينفعل عن نفسه. # المسألة الرابعة في أن النفس ليست هي البدن قال: ولما تقع الغفلة عنه. # أقول: ذهب من لا تحصيل له إلى أن النفس الناطقة هي البدن، وقد أبطله ~~المصنف بوجوه ثلاثة: # الأول: أن الانسان قد يغفل (2) عن بدنه وأعضائه وأجزائه الظاهرة والباطنة # PageV00P276 # وهو متصور لذاته ونفسه فوجب أن يغايرها، فقوله: ولما تقع الغفلة عنه عطف ~~على قوله: لما هي شرط فيه أي والنفس مغايرة لما هي شرط فيه ولما تقع الغفلة ~~عنه أعني البدن. # قال: والمشاركة به. # أقول: هذا هو الوجه الثاني الدال على أن النفس ليست هي البدن، وتقريره أن ~~البدن جسم وكل جسم على الإطلاق فإنه مشارك لغيره من الأجسام في الجسمية ~~فالانسان يشارك غيره من الأجسام في الجسمية ويخالفه في النفس الانسانية وما ~~به المشاركة غير ما به المباينة فالنفس غير الجسم، فقوله: والمشاركة به عطف ~~على قوله: الغفلة عنه أي وهي مغايرة لما تقع الغفلة عنه والمشاركة به. # قال: والتبدل فيه. # أقول: هذا هو الوجه الثالث، وتقريره أن أعضاء البدن وأجزائه تتبدل كل وقت ~~ويستبدل ما ذهب بغيره فإن الحرارة الغريزية تقتضي تحليل الرطوبات البدنية، ~~فالبدن دائما في التحلل والاستخلاف والهوية باقية من أول العمر إلى آخره، ~~والمتبدل مغاير للباقي فالنفس غير البدن، فقوله: والتبدل فيه عطف على قوله: ~~والمشاركة به أي وهي مغايرة لما تقع المشاركة به والتبدل فيه. # المسألة الخامسة في تجرد النفس قال: وهي جوهر مجرد لتجرد عارضها. # أقول: اختلف الناس في ماهية النفس وأنها هل هي جوهر أم لا، والقائلون ~~بأنها جوهر اختلفوا في أنها هل هي مجرد أم لا، والمشهور عند الأوائل وجماعة ~~PageV00P277 # من المتكلمين كبني نوبخت من الإمامية والمفيد منهم والغزالي والحليمي (1) ~~والراغب من الأشاعرة أنها جوهر مجرد ليس بجسم ولا جسماني، وهو الذي اختاره ~~المصنف رحمه الله واستدل على تجردها بوجوه (2): # الأول: تجرد عارضها وهو العلم، ms146 وتقرير هذا الوجه أن هاهنا معلومات مجردة ~~عن المواد فالعلم المتعلق بها يكون لا محالة مطابقا لها فيكون مجردا ~~لتجردها، فمحله وهو النفس يجب أن يكون مجردا لاستحالة حلول المجرد في ~~المادي. # قال: وعدم انقسامه. # أقول: هذا هو الوجه الثاني وهو أن العارض للنفس أعني العلم غير منقسم ~~فمحله أعني المعروض كذلك، وتقرير هذا الدليل يتوقف على مقدمات: إحداهما: # أن هاهنا معلومات غير منقسمة وهو ظاهر فإن واجب الوجود غير منقسم وكذا ~~الحقائق البسيطة. الثانية: أن العلم بها غير منقسم لأنه لو انقسم لكان كل ~~واحد من جزئيه إما أن يكون علما أو لا يكون، والثاني باطل لأنه عند ~~الاجتماع إما أن يحصل أمر زائد أو لا، فإن كان الثاني لم يكن ما فرضناه ~~علما بعلم هذا خلف، وإن كان الأول فذلك الزائد إما أن يكون منقسما فيعود ~~البحث، أو لا يكون فيكون # PageV00P278 # العلم غير منقسم وهو المطلوب، وإن كان كل جزء علما فإما أن يكون علما بكل ~~ذلك المعلوم فيكون الجزء مساويا للكل هذا خلف، أو ببعضه فيكون ما فرضناه ~~غير منقسم منقسما هذا خلف. الثالثة: أن محل العلم غير منقسم لأنه لو انقسم ~~لانقسم العلم لأنه إن لم يحل في شئ من أجزائه لم يحل في ذلك المحل، وإن حل ~~فإما أن يكون في جزء غير منقسم وهو المطلوب، أو في أكثر من جزء فإما أن ~~يكون الحال في أحدهما عين الحال في الآخر وهو محال بالضرورة، أو غيره فيلزم ~~الانقسام. الرابعة: أن كل جسم وكل جسماني فهو منقسم لأنا قد بينا أن لا ~~وجود لوضعي غير منقسم وإذا ثبتت هذه المقدمات ثبت تجرد النفس. وفيه نظر ~~للمنع (1) من المساواة مطلقا عند المساواة في تعلق الجزء بكل المعلوم ~~كالكل. # قال: وقوتها على ما تعجز المقارنات عنه. # أقول: هذا هو الوجه الثالث، وتقريره أن النفوس البشرية تقوى على ما لا ~~تقوى عليه المقارنات للمادة فلا تكون مادية لأنها تقوى على ما لا يتناهى ~~لأنها تقوى على تعقلات الأعداد غير ms147 المتناهية، وقد بينا أن القوة الجسمانية ~~لا تقوى على ما لا يتناهى فتكون مجردة، وفيه نظر لأن التعقل (2) قبول لا ~~فعل وقبول ما لا يتناهى للجسمانيات ممكن. # قال: ولحصول عارضها بالنسبة إلى ما يعقل محلا منقطعا. # أقول: هذا هو الوجه الرابع، وتقريره أن النفس لو حلت جسما من قلب أو دماغ ~~لكانت دائمة التعقل له أو كانت لا تعقله البتة، والتالي باطل بقسميه فكذا # PageV00P279 # المقدم، بيان الشرطية أن القوة العاقلة إذا حلت في قلب أو دماغ لم يخل ~~إما أن تكفي صورة ذلك المحل في التعقل أو لا تكفي، فإن كفت لزم حصول التعقل ~~دائما لدوام تلك الصورة للمحل، وإن لم تكف لم تعقله البتة لاستحالة أن يكون ~~تعقلها مشروطا بحصول صورة أخرى لمحلها فيها وإلا لزم اجتماع المثلين وأما ~~بطلان التالي فظاهر لأن النفس تعقل القلب والدماغ في وقت دون وقت. # ولنرجع إلى ألفاظ الكتاب فقوله رحمه الله: ولحصول عارضها يعني بالعارض ~~التعقل. قوله: بالنسبة إلى ما يعقل محلا منقطعا، أي ولحصول العارض وهو ~~التعقل بالنسبة إلى ما يعقل محلا من قلب أو دماغ حصولا منقطعا لا دائما. # قال: ولاستلزام استغناء العارض استغناء المعروض. # أقول: هذا وجه خامس يدل على تجرد النفس العاقلة، وتقريره أن النفس تستغني ~~في عارضها وهو التعقل عن المحل فتكون في ذاتها مستغنية عنه، لأن استغناء ~~العارض يستلزم استغناء المعروض لأن العارض محتاج إلى المعروض، فلو كان ~~المعروض محتاجا إلى شئ لكان العارض أولى بالاحتياج إليه، فإذا استغنى ~~العارض وجب استغناء المعروض. # وبيان استغناء التعقل عن المحل أن النفس تدرك ذاتها لذاتها لا لآلة وكذا ~~تدرك آلتها وتدرك إدراكها لذاتها ولآلتها، كل ذلك من غير آلة متوسطة (1) ~~بينها وبين هذه المدركات، فإذن هي مستغنية في إدراكها لذاتها ولآلتها ~~ولإدراكها عن الآلة فتكون في ذاتها مستغنية عن الآلة أيضا، فقوله رحمه ~~الله: ولاستلزام استغناء العارض، عنى بالعارض هنا التعقل. وقوله: استغناء ~~المعروض، عنى به النفس التي يعرض لها التعقل. # PageV00P280 # قال: ولانتفاء التبعية. # أقول: الذي فهمناه من ms148 هذا الكلام أن هذا وجه آخر دال على تجرد النفس، ~~وتقريره أن القوة المنطبعة في الجسم تضعف بضعف ذلك الجسم الذي هو شرط فيها ~~والنفس بالضد من ذلك فإنها حال ضعف الجسم كما في وقت الشيخوخة تقوى وتكثر ~~تعقلاتها، فلو كانت جسمانية لضعفت بضعف محلها وليس كذلك فلما انتفت تبعية ~~النفس للجسم في حال ضعفه دل ذلك على أنها ليست جسمانية. # قال: ولحصول الضد. # أقول: هذا وجه سابع يدل على تجرد النفس، وتقريره أن القوة الجسمانية مع ~~توارد الأفعال عليها وكثرتها تضعف وتكل لأنها تنفعل عنها، ولهذا فإن من نظر ~~طويلا إلى قرص الشمس لا يدرك في الحال غيرها إدراكا تاما والقوى النفسانية ~~بالضد من ذلك، فإن عند تكثر التعقلات تقوى وتزداد، فالحاصل عند كثرة ~~الأفعال هو ضد ما يحصل للقوة الجسمانية عند كثرة الأفعال، فهذا ما خطر لنا ~~في معنى قوله رحمه الله: ولحصول الضد. # المسألة السادسة في أن النفس البشرية متحدة بالنوع (1) قال: ودخولها تحت ~~حد واحد يقتضي وحدتها. # أقول: اختلف الناس في ذلك، فذهب الأكثر إلى أن النفوس البشرية متحدة ~~بالنوع متكثرة بالشخص وهو مذهب أرسطا طاليس. وذهب جماعة من القدماء إلى ~~أنها مختلفة بالنوع، واحتج المصنف رحمه الله على وحدتها بأنها يشملها حد ~~واحد والأمور المختلفة يستحيل اجتماعها تحت حد واحد. # PageV00P281 # وعندي في هذا نظر، فإن التحديد ليس لجزئيات النفس حتى يلزم ما ذكره بل ~~لمفهوم النفس وهو المعنى الكلي، وذاك كما يحتمل أن يكون نوعا يحتمل أن يكون ~~جنسا، فإن قال: إن حد الكلي حد لكل نفس نفس إذ لا يعقل من كل نفس سوى ما ~~قلناه في التحديد منعنا ذلك وألزمناه الدور لأن الأشياء المتكثرة أنما يصح ~~جعلها (1) في حد واحد لو كانت متحدة في الماهية، فلو استفدنا وحدتها من ~~الدخول في الحد الواحد لزم الدور، والتحديد ليس راجعا إلى المفهوم من النفس ~~بل إلى حقيقتها في نفس الأمر وإلا لكان الحد حدا بحسب الاسم لا حدا بحسب ~~الحقيقة. # قال: واختلاف العوارض لا يقتضي ms149 اختلافها. # أقول: هذا جواب عن شبهة من استدل على اختلافها، وتقرير الدليل أنهم ~~قالوا: وجدنا النفوس البشرية تختلف في العفة والفجور والذكاء والبلادة، ~~وليس ذلك من توابع المزاج لأن المزاج قد يكون واحدا والعوارض مختلفة، فإن ~~بارد المزاج قد يكون في غاية الذكاء وكذا حار المزاج قد يكون في غاية ~~البلادة وقد يتبدل والصفة النفسانية باقية، ولا من الأشياء الخارجية لأنها ~~قد تكون بحيث تقتضي خلقا والحاصل ضده فعلمنا أنها لوازم للماهية، وعند ~~اختلاف اللوازم يختلف الملزوم. # والجواب أن الملزومات مختلفة، وليست هي النفس وحدها بل النفس والعوارض ~~المختلفة، ومجموع النفس مع العوارض إذا كان مختلفا لا يلزم أن يكون كل جزء ~~أيضا مختلفا فهذه الحجة مغالطية، هذا صورة ما أجاب به المصنف في بعض كتبه ~~عن هذه الحجة، وفي هذا نظر والأقرب في الجواب ما ذكره هنا وهو أن هذه عوارض ~~مفارقة غير لازمة، فاختلافها لا يقتضي اختلاف معروضها. # PageV00P282 # المسألة السابعة في أن النفوس البشرية حادثة (1) قال: وهي حادثة وهو ظاهر ~~على قولنا، وعلى قول الخصم لو كانت أزلية لزم اجتماع الضدين أو بطلان ما ~~ثبت أو ثبوت ما يمتنع. # أقول: اختلف الناس في ذلك، فالمليون ذهبوا إلى أنها حادثة وهو ظاهر على ~~قواعدهم لما ثبت من حدوث العالم وهي من جملة العالم، ولأجل ذلك قال المصنف ~~رحمه الله: وهو ظاهر على قولنا. # وأما الحكماء فقد اختلفوا هاهنا، فقال أرسطو: إنها حادثة. وقال أفلاطون: # إنها قديمة (2). والمصنف رحمه الله ذكر هاهنا حجة أرسطو أيضا على الحدوث. # وتقرير هذه الحجة أن النفوس لو كانت أزلية لكانت إما واحدة أو كثيرة، ~~والقسمان باطلان، فالقول بقدمها باطل أما الملازمة فظاهرة، وأما بطلان ~~وحدتها فلأنها لو كانت واحدة أزلا فإما أن تتكثر فيما لا يزال أو لا تتكثر، ~~والثاني باطل وإلا لزم أن يكون ما يعلمه زيد يعلمه كل أحد وكذا سائر الصفات ~~النفسانية، لكن الحق خلاف ذلك فإنه قد يعلم زيد شيئا وعمرو جاهل به، ولو ~~اتحدت نفساهما لزم اتصاف كل واحد ms150 بالضدين. والأول باطل أيضا لأنها لو تكثرت ~~لكانت النفسان الموجودتان الآن إما أن يقال: كانتا حاصلتين قبل الانقسام ~~فقد كانت الكثرة حاصلة قبل فرض حصولها هذا خلف، وإما أن يقال: حدثتا بعد ~~الانقسام وهو محال وإلا لزم حدوث النفسين وبطلان النفس التي كانت موجودة، ~~وأظن أن # PageV00P283 # قوله رحمه الله: وإلا لزم اجتماع الضدين، إشارة إلى هذه اللوازم الناشئة ~~عن هذا القسم من المنفصلة لأن القول بالوحدة فيما لا يزال يستلزم اتصاف ~~النفوس بالضدين، والقول بالكثرة فيما لا يزال مع حصولها يستلزم تكثر ما ~~فرضناه واحدا وهو جمع بين الضدين أيضا، والقول بالكثرة مع تجددها يستلزم ~~بطلان النفس الواحدة وحدوث هاتين النفسين مع فرض قدمهما وهو جمع بين الضدين ~~أيضا. # وأما بطلان كثرتها أزلا فلأن التكثر إما بالذاتيات أو باللوازم أو ~~بالعوارض، والكل باطل. أما الأول فلما ثبت من وحدتها بالنوع، وكذا الثاني ~~لأن كثرة اللوازم تستلزم كثرة الملزومات، وأظن أن قوله: أو بطلان ما ثبت، ~~إشارة إلى هذا لأن القول بالكثرة الذاتية يستلزم بطلان وحدتها بالنوع وقد ~~أثبتناه. # وأما الثالث فلأن اختلاف العوارض للذوات المتساوية أنما يكون عند تغاير ~~المواد لأن نسبة العارض إلى المثلين واحدة ومادة النفس البدن لاستحالة ~~الانطباع عليها وقبل البدن لا مادة وإلا لزم التناسخ وهو محال. # وأظن أن قوله: أو ثبوت ما يمتنع، إشارة إلى هذا. # المسألة الثامنة في أن لكل نفس بدنا واحدا وبالعكس قال: وهي مع البدن على ~~التساوي. # أقول: هذا حكم ضروري أو قريب من الضروري، فان كل انسان يجد ذاته ذاتا ~~واحدة (1) فلو كان لبدن نفسان لكان تلك الذات ذاتين وهو محال، فيستحيل تعلق ~~النفوس الكثيرة ببدن واحد. وكذا العكس فإنه لو تعلقت نفس واحدة ببدنين لزم ~~أن يكون معلوم أحدهما معلوما للآخر وبالعكس وكذا باقي الصفات النفسانية وهو ~~باطل بالضرورة. # PageV00P284 # المسألة التاسعة في أن النفس لا تفنى بفناء البدن (1) قال: ولا تفنى ~~بفنائه. # أقول: اختلف الناس هاهنا، فالقائلون بجواز إعادة المعدوم جوزوا فناء ~~النفس مع فناء البدن، والمانعون هناك منعوا ms151 هنا. أما الأوائل فقد اختلفوا ~~أيضا والمشهور أنها لا تفنى، أما أصحابنا فإنهم استدلوا على امتناع فنائها ~~بأن الإعادة واجبة على الله تعالى على ما يأتي، ولو عدمت النفس لامتنعت ~~إعادتها لما ثبت من امتناع إعادة المعدوم فيجب أن لا تفنى، وأما الأوائل ~~فاستدلوا بأنها لو عدمت لكان إمكان عدمها محتاجا إلى محل مغاير لها لأن ~~القابل يجب وجوده مع المقبول ولا يمكن وجود النفس مع العدم فذلك المحل هو ~~المادة فتكون النفس مادية فتكون مركبة هذا خلف، على أن تلك المادة يستحيل ~~عدمها لاستحالة التسلسل. # وهذه الحجة ضعيفة لأنها مبنية على ثبوت الإمكان واحتياجه إلى المحل ~~الوجودي وهو ممنوع، سلمنا لكن ذلك ينتقض بالجواهر البسيطة فإنها ممكنة ~~ومعنى إمكانها قبولها للعدم فتكون مادية، سلمنا لكن لم لا يجوز القول بكون ~~النفوس مركبة من جوهرين مجردين أحدهما يجري مجرى المادة والآخر يجري مجرى ~~الصورة، وبقاء الجوهر المادي لا يكفي في بقاء جوهر النفس، ثم ينتقض ذلك ~~بإمكان الحدوث فإنه قد تحقق هناك إمكان من دون مادة قابلة فكذا إمكان ~~الفساد. # المسألة العاشرة في إبطال التناسخ قال: ولا تصير مبدأ صورة لآخر وإلا بطل ~~(2) ما أصلناه من التعادل. # PageV00P285 # أقول: اختلف الناس هاهنا، فذهب جماعة من العقلاء إلى جواز التناسخ (1) في ~~النفوس بأن تنتقل النفس التي كانت مبدأ صورة لزيد مثلا إلى بدن عمرو وتصير ~~مبدأ صورة له، ويكون بينهما من العلاقة كما كان بين البدن الأول وبينها. # وذهب أكثر العقلاء إلى بطلان هذا المذهب، والدليل عليه أنا قد بينا أن ~~النفوس حادثة وعلة حدوثها قديمة فلا بد من حدوث استعداد وقت حدوثها ليتخصص ~~ذلك الوقت بالايجاد فيه، والاستعداد أنما هو باعتبار القابل فإذا حدث وتم ~~وجب حدوث النفس المتعلقة به، فإذا حدث بدن تعلقت به نفس تحدث عن مباديها، ~~فإذا انتقلت إليه نفس أخرى مستنسخة لزم اجتماع النفسين لبدن واحد، وقد بينا ~~بطلانه ووجوب التعادل في الأبدان والنفوس حتى لا توجد نفسان لبدن واحد ~~وبالعكس. # المسألة الحادية عشرة في كيفية تعقل ms152 النفس وإدراكها (2) قال: وتعقل ~~بذاتها وتدرك بالآلات للامتياز بين المختلفين وضعا من غير إسناد. # أقول: إعلم أن التعقل هو إدراك الكليات والادراك هو الاحساس بالأمور ~~الجزئية، وقد ذهب جماعة من القدماء إلى أن النفس تعقل الأمور الكلية بذاتها ~~من غير احتياج إلى آلة، وتدرك الأمور الجزئية بواسطة قوى جسمانية هي محال ~~الادراك، والحكم الأول ظاهر فإنا نعلم قطعا أنا ندرك الأمور الكلية مع ~~اختلال # PageV00P286 # كل عضو يتوهم آلة للتعقل وقد سلف تحقيق ذلك، وأما الحكم الثاني وهو ~~افتقارها في الإدارك الجزئي إلى الآلات فلأنا نميز بين الأمور المتفقة ~~بالماهية المختلفة بالوضع لا غير، كما أنا نفرق بين العين اليمنى واليسرى ~~من الصورة التي نتخيلها ونميز بينهما مع اتحادهما في الحقيقة واختلافهما في ~~الوضع، فليس الامتياز بينهما بذاتي ولا بما يلزم الذات لفرض تساويهما بل ~~بأمور عارضة، ثم اختصاص كل واحدة منهما بعارضها ليس في الوجود الخارجي، لأن ~~المتخيل قد لا يكون موجودا في الخارج فليس الامتياز إذن للمأخوذ عنه بل ~~للآخذ، فإن كان محل إحداهما هو بعينه محل الأخرى استحال اختصاص إحداهما ~~بكونها يمنى والأخرى بكونها يسرى، لأن نسبة العارض إليهما واحدة فبقي أن ~~يكون المحل مختلفا حتى يكون الجانب الذي تحل فيه إحداهما غير الجانب الذي ~~تحل فيه الأخرى. # إذا عرفت هذا فقوله: وتعقل بذاتها، إشارة إلى ما ذكرناه من أن التعقل ~~للأمور الكلية لذات النفس من غير آلة. وقوله: وتدرك بالآلات، إشارة إلى أن ~~إدراك الأمور الجزئية أنما يكون بواسطة قوى جسمانية. وقوله: للامتياز بين ~~المختلفين وضعا، إشارة إلى ما مثلناه من الامتياز بين العينين. وقوله: من ~~غير إسناد، أي من غير إسناد إلى الخارج. # المسألة الثانية عشرة في القوى النباتية قال: وللنفس قوى تشارك بها غيرها ~~وهي الغاذية والنامية والمولدة. # أقول: لما كان البدن آلة للنفس في أفاعيلها المنوطة به كان صلاحها ~~بصلاحه، ولما كان البدن مركبا من العناصر المتضادة وكان تأثير الجزء الناري ~~فيه الإحالة احتج في بقائه إلى إيراد بدل ما يتحلل منه، فاقتضت حكمة ms153 الله ~~تعالى جعل النفس PageV00P287 # ذات قوة يمكنها بها استخلاف ما ذهب بما يأتي وذلك أنما يكون بالغذاء. ثم ~~لما كان البدن أول خلقته محتاجا إلى زيادة في مقداره على ما يناسب في ~~أقطاره بأجسام تنضم إليه من خارج وجب في حكمة الله تعالى جعل النفس ذات قوة ~~يمكنها بها تحصيل جواهر قابلة للتشبه بالبدن تنضم إليه على تناسب في أقطاره ~~(1) هي النامية. ثم لما كان البدن ينقطع ويعدم واقتضت عناية الله تعالى ~~الاستحفاظ بهذا النوع وجب في حكمة الله تعالى جعل النفس ذات قوة تحيل بعض ~~الجواهر المستعدة لقبول الصورة الانسانية إلى تلك الصورة وهي القوة ~~المولدة، فكانت النفس ذات قوى ثلاث: الغاذية والنامية والمولدة، وهذه القوى ~~مشتركة بين الانسان والحيوان والنبات. فالغاذية هي التي تحيل الغذاء إلى ~~مشابهة المغتذي ليخلف بدل ما يتحلل، والنامية هي التي تزيد في أقطار الجسم ~~على التناسب الطبيعي ليبلغ إلى تمام النشوء، والمولدة هي التي تفيد المني ~~بعد استحالته في الرحم الصور والقوى والأعراض. واعلم أن إسناد التصوير إلى ~~هذه القوة باطل، وسيأتي بيانه (2) إن شاء الله. # قال: وأخرى أخص يحصل بها الادراك إما للجزئي أو للكلي. # أقول: للنفس أيضا قوى أخص من الأولى هي الادراك إما للجزئي وهو الاحساس، ~~وإما للكلي وهو التعقل، فالإحساس مشترك بينه وبين الحيوان خاصة فهو أخص من ~~القوى الأولى المشتركة بينها وبين النبات، والتعقل أخص من الاحساس لأنه لا ~~يحصل للحيوان بل للانسان. # قال: فللغاذية الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة. # أقول: القوة الغاذية يتوقف فعلها على أربع قوى ليتم الاغتذاء (3) وهي: # PageV00P288 # الجاذبة للغذاء، والماسكة له لتهضمه الهاضمة، والهاضمة وهي التي تحيل ~~الغذاء الذي جذبته الجاذبة وأمسكته الماسكة إلى قوام يتهيأ لأن تجعله ~~الغاذية جزءا بالفعل من المغتذى، والدافعة للفضلات. # قال: وقد تتضاعف هذه لبعض الأعضاء. # أقول: قد تتضاعف هذه القوى لبعض الأعضاء كالمعدة التي تجذب بقوتها غذاء ~~كلية البدن، والتي تمسكه هناك، والتي تغيره إلى ما يصلح لأن يصير دما، ~~والتي تدفعه إلى الكبد. وفيها أيضا قوة جاذبة لما ms154 تغتذي به المعدة خاصة ~~وقوة ماسكة وقوة هاضمة وقوة دافعة. # قال: والنمو مغاير للسمن. # أقول: النمو هو زيادة الجسم بسبب اتصال جسم آخر به من نوعه، وتكون ~~الزيادة مداخله (1) في أجزاء المزيد عليه وهو مغاير للسمن وكذا الذبول ~~مغاير للهزال، فإن الواقف في النمو قد يسمن كالشيخ إذا صار سمينا فإن ~~أجزاءه الأصلية قد جفت وصلبت فلا يقوى الغذاء على تفريقها فلا يتحقق النمو، ~~وكذلك النامي قد يهزل. # قال: والمصورة عندي باطلة (2) لاستحالة صدور هذه الأفعال المحكمة المركبة ~~عن قوة بسيطة ليس لها شعور أصلا. # أقول: أثبت الحكماء للنفس قوة يصدر عنها التصوير والتشكيل بشكل نوع ذي ~~القوة، والحق ما ذهب إليه المصنف من أن ذلك محال، لأن هذه الأشكال والصور ~~أمور محكمة متقنة فلا تصدر عن طبيعة غير شاعرة بما يصدر عنها بل # PageV00P289 # يجب إسنادها إلى مدبر حكيم. وأيضا فإن هذه التشكيلات أمور مركبة، والقوة ~~البسيطة لا تصدر عنها أشياء كثيرة بل شكلها في محلها البسيط هو الكرة، ~~فتكون هذه المركبات على شكل الكرات وهو باطل بالضرورة. # المسألة الثالثة عشرة في أنواع الإحساس قال: وأما قوة الإدراك للجزئي ~~فمنه اللمس وهو قوة منبثة في البدن كله. # أقول: لما فرغ من البحث عن الأمر العام - أعني القوة النباتية - شرع الآن ~~في البحث عما هو أخص منه وهو القوة الحيوانية أعني الإحساس المشترك بين ~~الانسان وغيره من الحيوانات، وبدأ باللمس لأن باقي الحواس يراد لجلب النفع ~~وهذا لدفع الضرر، ولما كان دفع الضرر أولى من جلب النفع لا جرم قدم البحث ~~فيه على غيره من القوى الحساسة. واعلم أن اللمس كيفية قائمة بالبدن منبثة ~~في ظاهره أجمع يدرك بها المنافي والملائم. # قال: وفي تعدده نظر (1). # أقول: اختلف الناس في أن اللمس هل هو قوة واحدة أو قوى كثيرة، فالجمهور ~~على أنها قوى أربع: الأولى: الحاكمة بين الحار والبارد. الثانية: # الحاكمة بين الرطب واليابس. الثالثة: الحاكمة بين الصلب واللين. الرابعة: ~~الحاكمة بين الخشن والأملس، لأن القوة الواحدة لا يصدر عنها أكثر من ms155 أمر ~~واحد. # قال: ومنه الذوق ويفتقر إلى توسط الرطوبة اللعابية الخالية عن المثل ~~والضد. # أقول: الذوق قوة قائمة بسطح اللسان لا يكفي فيه الملامسة بل لا بد من ~~متوسط من الرطوبة اللعابية الخالية عن الطعوم، لأنها إن كانت ذات طعم مماثل # PageV00P290 # للمدرك لم يتحقق الإدراك، لأن الإدراك أنما يكون بالانفعال والشئ لا ~~ينفعل عن مماثله، وإن كانت ذات طعم مضاد لم تؤد الكيفية على صرافتها بصحة ~~كما في المرضى. # قال: ومنه الشم ويفتقر إلى وصول الهواء المنفعل أو ذي الرائحة (1) إلى ~~الخيشوم. # أقول: الشم قوة في الدماغ تحملها زائدتان شبيهتان بحلمتي الثدي نابتتان ~~من مقدم الدماغ وقد فارقتا لين الدماغ قليلا ولم تلحقهما صلابة العصب، ~~ويفتقر إلى وصول الهواء المنفعل عن ذي الرائحة إلى الخيشوم أو وصول أجزاء ~~من ذي الرائحة إليه، لأنه أنما يدرك بالملاقاة. # وقد ذهب قوم إلى أن الشم أنما يكون بأن تتحلل أجزاء الجسم ذي الرائحة ~~وتنتقل مع الهواء المتوسط إلى الحاسة، لأن الدلك والتبخير يهيج (2) الرائحة ~~ويذكيها. # وقال آخرون: إن الهواء المتوسط يتكيف بتلك الكيفية لا غير وإلا لنقص وزن ~~الجسم ذي الرائحة مع استنشاقها، والمصنف رحمه الله قد نبه بكلامه على تجويز ~~الأمرين، فإن الشم قد يحصل بكل واحد منهما. # قال: ومنه السمع ويتوقف على وصول الهواء المنضغط إلى الصماخ. # أقول: ذهب قوم إلى أن السمع أنما يحصل عند تأدي الهواء (3) المنضغط بين ~~القارع والمقروع إلى الصماخ ولهذا تدرك الجهة، ويتأخر السماع عن الأبصار ~~لتوقف الأول على حركة الهواء دون الثاني، والمصنف رحمه الله مال إلى هذا ~~هاهنا، وفيه نظر لأن الصوت قد يسمع من وراء الجدار مع امتناع بقاء الشكل ~~(4) على # PageV00P291 # حاله لو أمكن نفوذ الهواء. # قال: ومنه البصر (1) ويتعلق بالذات بالضوء واللون. # أقول: المبصرات إما أن يتعلق الأبصار بها أولا وبالذات أو ثانيا وبالعرض، ~~والأول هو الضوء واللون لا غير والثاني ما عداهما من سائر المبصرات كالشكل ~~والحجم والمقدار والحركة والوضع والحسن والقبح وغير ذلك من أصناف المرئيات. # قال: وهو راجع فينا ms156 إلى تأثر الحدقة (2). # أقول: الإدراك عند جماعة من الفلاسفة والمعتزلة راجع إلى تأثر الحاسة، ~~فالإبصار بالعين معناه تأثر الحدقة وانفعالها عن الشئ المرئي، هذا في حقنا ~~نحن # PageV00P292 # ولهذا قيده المصنف رحمه الله بقوله: فينا (1)، لأن الإدراك ثابت في حقه ~~تعالى ولا يتصور فيه التأثر، وذهبت الأشاعرة إلى أنه معنى زائد على تأثر ~~الحدقة. # قال: ويجب حصوله مع شرائطه. # أقول: شروط الإدراك (2) سبعة: الأول: عدم البعد المفرط. الثاني: عدم ~~القرب المفرط، ولهذا لا يبصر ما يلتصق بالعين. الثالث: عدم الحجاب. الرابع: ~~عدم الصغر المفرط. الخامس: أن يكون مقابلا أو في حكم المقابل. السادس: وقوع ~~الضوء على المرئي إما من ذاته أو من غيره. السابع: أن يكون المرئي كثيفا، ~~بمعنى وجود الضوء واللون له. إذا عرفت هذا فنقول: عند المعتزلة والأوائل أن ~~عند حصول هذه الشرائط يجب الإدراك بالضرورة، فإن سليم الحاسة يشاهد الشمس ~~إذا كانت على خط نصف النهار بالضرورة، ولو تشكك العقل في ذلك جاز أن يكون ~~بحضرتنا جبال شاهقة وأصوات هائلة وإن كنا لا ندركها وذلك سفسطة. # أما الأشاعرة فلم يوجبوا ذلك وجوزوا حصول جميع الشرائط مع انتفاء ~~الإدراك، واحتجوا بأنا نرى الكبير صغيرا، والسبب فيه رؤية بعض أجزائه دون ~~البعض مع تساوي الجميع في الشرائط وهو خطأ لوقوع التفاوت بالقرب والبعد، ~~فلهذا أدركنا بعض الأجزاء وهي القريبة دون الباقي، ويتحقق التفاوت بخروج ~~خطوط ثلاثة من الحدقة إلى المرئي، أحدها عمود والباقيان ضلعا مثلث قاعدته ~~المرئي، فالعمود أقصر لأنه يوتر الحادة والضلعان أطول لأنهما يوتران ~~القائمة. # PageV00P293 # قال: بخروج الشعاع (1). # أقول: اختلف الناس في كيفية الأبصار، فقال قوم: إنه بخروج شعاع متصل من ~~العين إلى المرئي على هيئة مخروط رأسه عند الحدقة وقاعدته عند المرئي، وهو ~~اختيار المصنف رحمه الله. وقال أبو علي: إن الأبصار أنما يكون بانطباع صورة ~~المرئي في الرطوبة الجليدية (2). والقولان عندي باطلان، أما الأول فلأن ~~الشعاع إما جسم أو عرض، والثاني يستحيل عليه الانتقال، والأول باطل لامتناع ~~أن يخرج من العين على صغرها حجم متصل منها ms157 إلى كرة الثوابت، وأيضا فإن حركة ~~الشعاع ليست طبيعية لعدم اختصاصها بجهة دون أخرى فلا تكون قسرية وظاهر أنها ~~ليست إرادية، ولأن الشعاع جسم لطيف جدا فيلزم تشوشه عند هبوب الرياح فلا ~~يحصل الأبصار للمقابل، وأما الثاني فلأنه يستحيل انطباع العظيم في الصغير. # قال: فإن انعكس إلى المدرك أبصر وجهه. # أقول: الشعاع إذا خرج (3) من العين واتصل بالمرئي وكان صقيلا كالمرآة ~~انعكس عنه إلى كل ما نسبته إلى المرئي كنسبة العين إليه، ولهذا وجب تساوي ~~زاويتي الشعاع والانعكاس ووجب أن يشاهد بالمرآة (4) كل ما وضعه إليها كوضع ~~الرائي فإن انعكس الشعاع إلى الرائي نفسه أدرك وجهه، وإذا انتفت الصقالة لم # PageV00P294 # يحصل الانعكاس كالأشياء الخشنة التي نشاهدها فإنه لا ينعكس عنها شعاع إلى ~~غيرها لعدم الملاسة. هذا علة أصحاب الشعاع في رؤية الانسان وجهه بالمرآة، ~~وأما القائلون بالانطباع فقالوا: إنه تنطبع في المرآة صورة الرائي ثم تنطبع ~~في العين من تلك الصورة صورة أخرى. وهو باطل لأن الصورة لو انطبعت في ~~المرآة لم تتغير بتغير وضع الرائي. # قال: وإن عرض تفرق السهمين تعدد المرئي. # أقول: هذا إشارة إلى علة الحول عند القائلين بالشعاع، والسبب في الحول ~~عندهم أن النور الممتد من العين على شكل المخروط قوته في سهم المخروط، فإذا ~~خرج من العينين مخروطان والتقى سهماهما عند المبصر واتحدا أدرك المدرك الشئ ~~كما هو، وإن لم يلتق السهمان عند شئ واحد بل حصل الإدراك بطرف المخروط لا ~~بوقوع السهم عليه رأى الرائي الشئ الواحد شيئين. # أما القائلون بالانطباع فإنهم قالوا: الصورة تنطبع أولا في الرطوبة ~~الجليدية وليس الإدراك عندها وإلا لأدركنا الشئ الواحد شيئين، كما إذا ~~لمسنا باليدين كان لمسين لكن الصورة التي في الجليدية تتأدى بواسطة الروح ~~المصبوب في العصبتين المجوفتين إلى ملتقاهما على هيئة مخروط فيلتقي ~~المخروطان هناك وعند الملتقى روح مدرك وحينئذ تتحد عند الروح من الصورتين ~~صورة واحدة، وإن لم ينفذ المخروطان نفوذا على سبيل التقاطع انطبع من كل شبح ~~ينفذ عن الجليدية خيال بانفراده وهو الحول. ms158 # المسألة الرابعة عشرة في أنواع القوى الباطنة المتعلقة بإدراك الجزئيات ~~قال: ومن هذه القوى بنطاسيا الحاكمة بين المحسوسات. PageV00P295 # أقول: أثبت الأوائل للنفس قوى جزئية خمس باطنة: الأولى: بنطاسيا (1) وهي ~~الحس المشترك وهو المدرك للصور الجزئية التي تجتمع عنده مثل المحسوسات. ~~الثانية: خزانته وهي الخيال. الثالثة: الوهم وهو قوة تدرك المعاني الجزئية ~~المتعلقة بالمحسوسات كالصداقة الجزئية والعداوة الجزئية. الرابعة: # خزانته وهي الحافظة. الخامسة: القوة المتصرفة في الصور الجزئية والمعاني ~~الجزئية بالتركيب والتحليل فتركب صورة انسان يطير وجبل ياقوت، وهذه القوة ~~تسمى متخيلة إن استعملتها القوة الوهمية، ومتفكرة (2) إن استعملتها القوة ~~الناطقة. # إذا عرفت هذا فنقول: الدليل على ثبوت الحس المشترك وجوه: أحدها أنا نحكم ~~على صاحب لون معين بطعم معين فلا بد من حضور هذين المعينين عند الحاكم، لكن ~~الحاكم وهو النفس أنما يدرك الجزئيات بواسطة الآلات على ما تقدم فيجب ~~حصولهما معا في آلة واحدة وليس شئ من الحواس الظاهرة لذلك فلا بد (3) من ~~إثبات قوة باطنة هي الحس المشترك، وإلى هذا الدليل أشار بقوله: # الحاكمة بين المحسوسات. # قال: لرؤية القطرة خطا والشعلة دائرة. # أقول: هذا دليل ثان على إثبات الحس المشترك، وتقريره أنا نرى القطرة ~~النازلة خطا مستقيما، والشعلة التي تدار بسرعة دائرة مع أنه ليس في الخارج ~~كذلك ولا في القوة الباصرة، لأن البصر أنما يدرك الشئ على ما هو عليه، ولا ~~النفس لأنها لا تدرك الجزئيات فلا بد من قوة أخرى يحصل بها إدراك القطرة # PageV00P296 # حال حصولها في المكان الأول ثم إدراكها حال حصولها في المكان الثاني، ~~ويرتسم الحصول الثاني قبل انمحاء الصورة الأولى عن القوة الشاعرة فتتصل ~~الصورتان في الحس المشترك فترى النقطة كالخط والشعلة كالدائرة. # قال: والمبرسم ما لا تحقق له (1). # أقول: هذا دليل ثالث على إثبات هذه القوة، وتقريره أن صاحب البرسام يشاهد ~~صورا لا وجود لها في الخارج وإلا لشاهدها كل ذي حس سليم فلا بد من قوة ~~ترتسم فيها تلك الصور حال المشاهدة، وكذا النائم يشاهد صورا لا تحقق لها في ~~الخارج ms159 والسبب فيه ما ذكرناه، وقد بينا أن تلك القوة لا يجوز أن تكون هي ~~النفس فلا بد من قوة جسمانية ترتسم فيها هذه الصور. # قال: والخيال لوجوب المغايرة بين القابل والحافظ. # أقول: هذه القوة الثانية المسماة بالخيال وهي خزانة الحس المشترك الحافظة ~~لما يزول عنه بعد غيبوبة الصور التي باعتبارها تحكم النفس بأن ما شوهد ~~ثانيا هو الذي شوهد أولا، واستدلوا على مغايرتها الحس المشترك بأن هذه ~~القوة حافظة والحس المشترك قابل والحافظ مغاير للقابل لامتناع صدور الأثرين ~~عن علة واحدة، ولأن الماء فيه قوة القبول وليس فيه قوة الحفظ فدل على ~~المغايرة. وهذا كلام ضعيف بينا ضعفه في كتاب الأسرار. # قال: والوهم المدرك للمعاني الجزئية (2). # PageV00P297 # أقول: هذه القوة الثالثة المدركة للمعاني الجزئية وتسمى الوهم وهي مغايرة ~~للنفس الناطقة لما تقدم من أن النفس لا تدرك الجزئيات لذاتها وأشار إليه ~~بقوله: # الجزئية، وللحس المشترك لأن هذه القوة تدرك المعاني والحس يدرك الصور ~~المحسوسة (1) وأشار إليه بقوله: للمعاني، وللخيال لأن الخيال شأنه الحفظ ~~والوهم شأنه الإدراك فتغايرا كما قلنا الحس والخيال وأشار إليه بقوله: ~~المدرك. # قال: والحافظة. # أقول: هذه القوة الرابعة المسماة بالحافظة وهي خزانة الوهم ودليل إثباتها ~~كما قلناه في الخيال سواء. وهذه تسمى المتذكرة باعتبار قوتها على استعادة ~~الغائبات ولهم خلاف في أن المتذكرة هي الحافظة أو غيرها. # قال: والمتخيلة المركبة للصور والمعاني بعضها مع بعض (2). # أقول: هذه القوة الخامسة المسماة بالمتخيلة باعتبار استعمال الحس لها ~~والمتفكرة باعتبار استعمال العقل لها وهي التي تركب بعض الصور مع بعض كما ~~تركب صورة جذع عليه رأس انسان، وتركب بعض المعاني مع بعض وتركب بعض الصور ~~مع بعض المعاني. ويدل على مغايرتها لما تقدم صدور هذا الفعل عنها دون غيرها ~~من القوى لامتناع صدور أكثر من فعل واحد عن قوة واحدة. # قال: # PageV00P298 # الفصل الخامس في الأعراض وتنحصر في تسعة. # أقول: لما فرغ من البحث عن الجواهر انتقل إلى البحث عن الأعراض، وفي هذا ~~الفصل مسائل: # المسألة الأولى في أن الأعراض منحصرة في ms160 تسعة هذا رأي أكثر الأوائل فإنهم ~~قسموا الموجود إلى واجب وممكن، والواجب هو الله تعالى لا غير، والممكن إما ~~غني عن الموضوع وهو الجوهر أو محتاج إليه وهو العرض (وأقسامه تسعة): الكم ~~والكيف والأين والوضع والملك والإضافة وأن يفعل وأن ينفعل والمتى. ~~والمتكلمون حصروه في أحد وعشرين هي: الكون واللون والطعوم والروائح ~~والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والتأليف والاعتماد والحياة والقدرة ~~والاعتقاد والظن والنظر والإرادة والكراهة والشهوة والنفرة والألم واللذة. ~~وأثبت بعضهم أعراضا أخر يأتي البحث عنها وهذه الأعراض مندرجة تحت تلك، لأن ~~الكون هو الأين أو ما يقاربه وباقي الأعراض التي ذكروها مندرجة تحت الكيف، ~~فلأجل هذا بحث المصنف رحمه الله عن الأعراض التسعة لدخول هذه تحتها، ومع ~~ذلك فالأوائل لم يوجد لهم دليل على حصر PageV00P299 # الأعراض في التسعة، وبعضهم جعل أجناس الممكنات منحصرة في أربعة: # الجوهر والكم والكيف والنسبة، وبالجملة فالحصر لم يقم عليه برهان. # المسألة الثانية في قسمة الكم قال: الأول الكم فمتصله القار جسم وسطح وخط ~~وغيره الزمان ومنفصله العدد. # أقول: الكم إما متصل أو منفصل، ونعني بالمتصل ما يوجد فيه جزء مشترك يكون ~~نهاية لأحد القسمين وبداية للآخر كالجسم إذا نصف فإن موضع التنصيف حد مشترك ~~بين النصفين هو نهاية لأحدهما وبداية للآخر، والمنفصل ما لا يكون كذلك ~~كالأربعة المنقسمة إلى اثنين واثنين فإنه ليس بينهما حد مشترك وكذا ~~الثلاثة، ولا يتوهم أن الوسط نهاية لأحد القسمين وبداية للآخر لأنه إن عد ~~فيهما صارت الثلاثة أربعة وإن أسقط منها صارت اثنين ولا أولوية لأحدهما دون ~~الآخر. # إذا عرفت هذا فنقول: المتصل إما قار الذات وهو الذي تجتمع أجزاؤه في ~~الوجود كالجسم، أو غير قار الذات وهو الذي لا يكون كذلك كالزمان فإنه لا ~~يمكن أن يكون أحد الزمانين مجامعا للآخر، والقار الذات إما أن ينقسم في جهة ~~واحدة وهو الخط، أو في جهتين وهو السطح أو في ثلاث جهات وهو الجسم ~~التعليمي. وغير قار الذات هو الزمان لا غير. والمنفصل هو العدد خاصة لأن ~~تقومه من ms161 الوحدات التي إذا جردت عن معروضاتها كانت أجزاء العدد لا غير. # المسألة الثالثة في خواصه قال: ويشملها قبول المساواة وعدمها والقسمة ~~وإمكان وجود العاد (1). # PageV00P300 # أقول: ذكر للكم ثلاث خواص: الأولى: قبول المساواة وعدمها عدم الملكة، فإن ~~أحد الشيئين أنما يساوي غيره أو يفارقه باعتبار مقداره لا باعتبار ذاته، ~~فإن كل الجسم وبعضه متساويان في الطبيعة ومتفاوتان في المقدار. # الثانية: قبول القسمة، وذلك لأن الماهية أنما يعرض لها الانقسام ~~والإثنينية بواسطة المقدار، وهذا الانقسام قد يعني به كون الشئ بحيث يوجد ~~فيه شئ غير شئ وهذا المعنى يلحق المقدار لذاته، والثاني قبول الافتراق وهو ~~من توابع المادة عندهم على ما سلف البحث فيه، ومرادهم هنا الأول. # الثالثة: إمكان وجود العاد، وذلك لأن المنقسم أنما ينقسم إلى آحاد هي ~~أجزاؤه فتلك الآحاد عادة له، ولما كان الانقسام قد يكون بالفعل كما في الكم ~~المنفصل وقد يكون بالقوة كما في المتصل كان اللازم لمطلق الكم هو إمكان ~~وجود واحد عاد لا الوجود بالفعل. # قال: وهو ذاتي وعرضي. # أقول: الكم منه ما هو بالذات كالأقسام التي عددناها له، ومنه ما هو ~~بالعرض وهو معروضها كالجسم الطبيعي أو عارضها (1) كالسواد الحال في السطح ~~فإنه متقدر بقدرة فكميته عرضية لا ذاتية، أو ما يجامعه في المحل أو ما ~~يتعلق بما يعرض له كقولنا: قوة متناهية أو غير متناهية بسبب تناهي المقوى ~~عليه في العدة أو المدة أو الشدة وعدم تناهيه. # PageV00P301 # المسألة الرابعة في أحكامه قال: ويعرض ثاني القسمين فيهما لأولهما (1). # أقول: قد بينا أن الكم إما متصل وإما منفصل، وأيضا إما ذاتي أو عرضي، ~~والثاني من القسمين في القسمين معا يعرض للأول منهما فإن الجسم التعليمي ~~يعرض له الانقسام فيحصل له التعدد فيصير معدودا قد عرض له النوع الثاني من ~~الكم وهو المنفصل، وكذا الزمان يقسم إلى الساعات والشهور والأيام والأعوام ~~فيحصل له التعدد، وأيضا الزمان متصل بذاته ويعرض له التقدير بالمسافة أيضا ~~كما يقال زمان حركة فرسخ فظهر معنى قوله: ويعرض ثاني القسمين فيهما ~~لأولهما. ms162 # قال: وفي حصول المنافي وعدم الشرط دلالة على انتفاء الضدية. # أقول: يريد أن الكم لا تضاد فيه، والدليل عليه وجهان: أحدهما: أن المنافي ~~للضدية حاصل فلا تكون الضدية موجودة، بيانه أن أنواع الكم المنفصل يتقوم ~~بعضها ببعض فأحد النوعين إما مقوم لصاحبه أو متقوم به ويستحيل تقوم أحد ~~الضدين بالآخر. وأما المتصل فلأن أحد النوعين إما قابل للآخر كالسطح للخط ~~والجسم للسطح أو مقبول له كالعكس والضد لا يكون قابلا لضده ولا مقبولا له، ~~فحصول التقويم والقابلية المنافيان للضدية يقتضي انتفاء الضدية. # الثاني: أن الشرط في التضاد مفقود في الكم فلا تضاد فيه، بيانه أن للتضاد ~~شرطين أحدهما اتحاد الموضوع، الثاني أن يكون بينهما غاية التباعد، وهما ~~منتفيان هنا أما عدم اتحاد الموضوع في العدد فلأنه ليس لشئ من العددين # PageV00P302 # موضوع قريب مشترك، وكذا المتصل فإن الجسم الطبيعي معروض للتعليمي وللسطح ~~بواسطة التعليمي وكذا للخط بواسطة السطح، وأما عدم كونهما في غاية التباعد ~~فلأنه لا مقدار يوجد إلا ويمكن أن يفرض ما هو أكبر منه أو أصغر فلا غاية في ~~التباعد وكذا العدد. # قال: ويوصف بالزيادة والكثرة ومقابليهما دون الشدة ومقابلها. # أقول: الكم بأنواعه يوصف بأن بعضا منه زائد على بعض آخر، فإن الستة أزيد ~~من الثلاثة وكذا الخط الذي طوله عشرة أزيد من الذي طوله خمسة، فيصدق عليه ~~وصف الزيادة ومقابلها أعني النقصان لأن الزائد أنما يعقل بالقياس إلى ~~الناقص. وكذا يوصف بالكثرة والقلة ويمتنع اتصافه بالشدة والضعف، وبيانه ~~ظاهر فإنه لا يعقل أن خطا أشد من خط آخر في الخطية، ولا ثلاثة أشد من ثلاثة ~~أخرى في الثلاثية. والفرق بين الكثرة والشدة ظاهر، وكذا بين الزيادة ~~والشدة، فإن الكثرة والزيادة أنما تتحققان بالنسبة إلى أصل موجود لا يتغير ~~فصله بسبب الزيادة ولا حقيقته بخلاف الشدة. # قال: وأنواع متصله قد تكون تعليمية. # أقول: الأنواع الثلاثة للكم المتصل القار الذات قد تؤخذ باعتبار ما فتسمى ~~تعليمية، وقد تؤخذ باعتبار آخر، مثلا إذا أخذ المقدار باعتبار ذاته لا من ~~حيث اقترانه ms163 بالمواد وأعراضها من الألوان وغيرها كان ذلك مقدارا تعليميا ~~كالسطح التعليمي والخط التعليمي والجسم التعليمي وكذا النقطة، وإنما سميت ~~هذه الأنواع تعليمية لأن علم التعاليم (1) إنما يبحث عنها مجردة عن المواد ~~وتوابعها. # PageV00P303 # قال: وإن كانت تختلف بنوع ما من الاعتبار. # أقول: الظاهر من هذا الكلام أن كون الجسم تعليميا يفارق كون السطح والخط ~~كذلك، وبيانه أن الجسم يمكن أن يؤخذ لا بشرط غيره، أو بشرط لا غيره وأما ~~السطح والخط فلا يمكن أخذهما إلا بالاعتبار الأول فلهذا اختلفت الأنواع ~~بنوع ما من الاعتبار. # قال: وتخلف الجوهرية عما يقال في جواب ما هو في كل واحد يعطي عرضيته. # أقول: يريد أن يبين أن هذه الأنواع بأسرها أعراض، واستدل بطريقين أحدهما ~~عام في الجميع والثاني مختص بكل واحد واحد، أما العام فتقريره أن معنى ~~الجوهرية في حد كل واحد من السطح والخط والجسم التعليمي والزمان والعدد غير ~~داخل في جواب ما هو إذا سئل عن حقيقته فيكون خارجا عن الحقيقة فيكون كل ~~واحد من هذه عرضا. # قال: والتبدل (1) مع بقاء الحقيقة وافتقار التناهي إلى برهان وثبوت الكرة # PageV00P304 # الحقيقية والافتقار إلى عرض والتقوم به، يعطي عرضية الجسم التعليمي ~~والسطح والخط والزمان والعدد. # أقول: هذا هو الوجه الدال على عرضية كل واحد واحد بخصوصيته، أما الجسم ~~التعليمي فإنه عرض لأن الجسم قد يتبدل في كل واحد من أبعاده والحقيقة ~~باقية، فإن الشمعة تقبل الأشكال المختلفة مع بقاء حقيقتها، فزوال كل واحد ~~من الأبعاد وبقاء الجسمية يدل على عرضية الأبعاد أعني الجسم التعليمي. # وأما السطح فإنه عرض لأن ثبوته للجسم إنما هو بواسطة التناهي العارض ~~للجسم لافتقاره إلى برهان يدل عليه مع أن أجزاء الحقيقة لا تثبت بالبرهان، ~~وإذا كان التناهي عارضا كان ما يثبت بواسطته أولى بالعرضية. # وأما الخط فإنه عرض لأنه غير واجب الثبوت للجسم وما كان كذلك كان عرضا، ~~وبيان عدم وجوبه أنه أنما يثبت للسطح بواسطة تناهيه والسطح قد لا يفرض فيه ~~النهاية كما في الكرة الحقيقية الساكنة فإنه لا خط ms164 فيها بالفعل. # وأما الزمان فإنه يفتقر إلى الحركة لأنه مقدارها والمقدار مفتقر إلى ~~المتقدر والحركة عرض والمفتقر إلى العرض أولى بالعرضية فالزمان عرض. # وأما العدد فلأنه متقوم بالآحاد على ما تقدم والآحاد عرض فالعدد كذلك. # قال: وليست الأطراف أعداما وإن اتصفت بها مع نوع من الإضافة. # أقول: ذهب جماعة من المتكلمين إلى أن السطح الذي هو طرف الجسم والخط الذي ~~هو طرف السطح والنقطة التي هي طرف الخط اعدام صرفة لا تحقق لها في الخارج ~~وإلا لانقسمت لانقسام محلها، ولأن الطرف عبارة عن نهاية الشئ التي هي عبارة ~~عن فنائه وعدمه، ولأن السطحين إذا التقيا عند تلاقي الأجسام إن كان بالأسر ~~لزم التداخل وإلا فالانقسام (1)، وكذا الخط والنقطة. # PageV00P305 # وهذه الوجوه لا تخلو من دخل، أما الأول فإنما يلزم ذلك في الأعراض ~~السارية، أما غيرها فلا. # وأما الثاني فلأن النهاية ليست عدما محضا ولا فناء صرفا (1) لأن العدم لا ~~يشار إليه، والأطراف يشار إليها بل هاهنا أمور ثلاثة: # أحدها: السطح وهو مقدار ذو طول وعرض قابل للإشارة موجود. # والثاني: فناء الجسم بمعنى انقطاعه في جهة معينة من جهات الامتداد وليس ~~بعدم صرف بل هو عدم أحد أبعاد الجسم وهو ثخنه. # والثالث: إضافة تعرض تارة للسطح فيقال: سطح مضاف إلى ذي السطح، وتارة ~~للفناء فيقال: نهاية لجسم ذي نهاية، والإضافة عارضة لهما متأخرة عنهما، وقد ~~يؤخذ السطح عاريا عن هذه الإضافة فيكون موضوعا لعلم الهندسة، وكذا البحث في ~~الخط والنقطة. # وأما الثالث فأن الجسمين (2) إذا التقيا عدم السطحان وصارا جسما واحدا إن ~~اتصلا، وإن تماسا فالسطحان باقيان. # قال: والجنس معروض التناهي وعدمه. # أقول: يريد بالجنس الكم من حيث هو هو، فإنه جنس لنوعي المتصل والمنفصل، ~~وهو الذي يلحقه لذاته التناهي وعدم التناهي عدم الملكة لا العدم المطلق، ~~فإن العدم المطلق قد يصدق على الشئ الذي سلب عنه ما باعتباره يصدق أنه ~~متناه كالمجردات. وإنما يلحقان أعني التناهي وعدمه العدم الخاص ما عدا الكم ~~بواسطة الكم، فيقال للجسم أنه متناه أو غير متناه ms165 باعتبار مقداره، ويقال ~~للقوة ذلك باعتبار عدد الآثار (3) وامتداد زمانها وقصره، ويقال للبعد # PageV00P306 # والزمان والعدد أنها متناهية أو غير متناهية لا باعتبار لحوق طبيعة بها ~~بل لذاتها. # قال: وهما اعتباريان. # أقول: يريد به أن التناهي وعدمه من الأمور الاعتبارية لا العينية فإنه ~~ليس في الخارج ماهية يقال لها أنها تناه أو عدم تناه، بل إنما يعقلان ~~عارضين لغيرهما في الذهن. # قال: الثاني الكيف ويرسم بقيود عدمية تخصه جملتها (1) بالاجتماع. # أقول: لما فرغ من البحث عن الكم شرع في البحث عن الكيف وهو الثاني من ~~الأعراض التسعة، وفيه مسائل: # المسألة الأولى في رسمه إعلم أن الأجناس العالية لا يمكن تحديدها ~~لبساطتها بل ترسم بأمور أعرف منها عند العقل، والرسم أنما يتألف من خواص ~~الشئ وعوارضه، ولما كانت العوارض قد تكون عامة وقد تكون خاصة والعام لا ~~يفيد التميز الذي هو أقل مراتب التعريف لم تصلح العوارض العامة للتعريف إلا ~~إذا اختصت بالاجتماع بالماهية المرسومة، كما يقال في تعريف الخفاش: إنه ~~الطائر الولود، ولما لم يوجد لهذا الجنس خاصة تفيد تصوره توصلوا إلى تعريفه ~~بعوارض عدمية كل واحد منها أعم منه لكنها باجتماعها خاصة به، فقالوا في ~~تعريفه: إنه هيئة قارة لا يتوقف تصورها على تصور غيرها ولا تقتضي القسمة ~~واللاقسمة في محلها اقتضاء أوليا. # فقولنا: هيئة، يشمل جميع الأعراض التسعة ويخرج عنها الجوهر. # وقولنا: قارة، يخرج عنه الحركة وما ليس بقار من الأعراض. # وقولنا: لا يتوقف تصورها على تصور غيرها، يخرج عنه الأعراض النسبية. # PageV00P307 # وقولنا: ولا تقتضي القسمة واللاقسمة في محلها، يخرج عنه الكم والوحدة ~~والنقطة. # وقولنا: اقتضاء أوليا، ليدخل في المحدود العلم بالأشياء التي لا تنقسم ~~فإنه يقتضي اللاقسمة مع أنه من الكيف لأن اقتضاءه لذلك ليس أوليا بل لوحدة ~~المعلوم. # المسألة الثانية في أقسامه قال: وأقسامه أربعة. # أقول: الكيف له أنواع أربعة: أحدها: الكيفيات المحسوسة كالسواد والحرارة، ~~الثاني: الكيفيات المختصة بذوات الأنفس كالعلوم والإرادات والظنون، الثالث: # الكيفيات الاستعدادية كالصلابة واللين، الرابع: الكيفيات المختصة ~~بالكميات كالزوجية والانحناء والاستقامة وغيرها. # المسألة ms166 الثالثة في البحث عن المحسوسات قال: فالمحسوسات إما إنفعاليات أو ~~إنفعالات. # أقول: الكيفيات المحسوسة إن كانت راسخة عسرة الزوال سميت انفعاليات ~~لانفعال الحواس عنها أولا، وإن كانت غير راسخة بل سريعة الزوال سميت ~~انفعالات وهي وإن لم تكن في أنفسها انفعالات لكنها لقصر مدتها وسرعة زوالها ~~منعت اسم جنسها واقتصر في تسميتها على الانفعالات. # المسألة الرابعة في مغايرة الكيفيات للأشكال والأمزجة قال: وهي مغايرة ~~للأشكال لاختلافهما في الحمل. PageV00P308 # أقول: ذهب قوم من القدماء إلى أن هذه الكيفيات نفس الأشكال، قالوا: لأن ~~الأجسام تنتهي في التحليل إلى أجزاء صغار تقبل القسمة الوهمية لا ~~الانفكاكية وتلك الأجزاء مختلفة في الأشكال، فالتي تحيط (1) بها أربعة ~~مثلثات تكون مفرقة لاتصال العضو فيحس منها بالحرارة، والتي تحيط بها ستة ~~مربعات تكون غليظة غير نافذة فيحس منها بالبرد، والذي يقطع العضو إلى أجزاء ~~صغار ويكون شديد النفوذ هو المحرق الحريف والملاقي لذلك التقطيع هو الحلو، ~~والذي ينفصل منه شعاع مفرق للبصر هو الأبيض، والذي ينفصل منه شعاع قابض ~~للبصر هو السواد ويحصل من اختلاطهما باقي أنواع الألوان. # والمحققون أبطلوا هذه المقالة بأن الأشكال والألوان مختلفة في المحمولات ~~فيحمل على أحدهما بالايجاب ما يحمل على الآخر بالسلب فيلزم تغايرهما ~~بالضرورة، وبيانه أن الأشكال ملموسة وغير متضادة والألوان متضادة غير ~~ملموسة، وأيضا الأشكال مبصرة والحرارة والبرودة ليستا كذلك. # قال: والمزاج لعمومها. # PageV00P309 # أقول: ذهب آخرون من الأوائل إلى أن الكيفيات هي الأمزجة وهو خطأ، لأن ~~المزاج كيفية متوسطة بين الحار والبارد يحصل من تفاعلهما والحرارة والبرودة ~~من الكيفيات الملموسة فيكون المزاج منها، فاللون والطعم مما ليس بملموس ~~يكون مغايرا للمزاج وإن كان تابعا له لكن التابع مغاير للمتبوع. # المسألة الخامسة في البحث عن الملموسات قال: فمنها أوائل الملموسات وهي ~~الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، والبواقي منتسبة إليها. # أقول: لما كانت الكيفيات الملموسة أظهر عند الطبيعة لعمومها بالنسبة إلى ~~كل حيوان قدم البحث عنها. واعلم أن الكيفيات الملموسة إما فعلية أو ~~انفعالية أو ما ينسب إليهما، فالفعلية كيفيتان هما الحرارة والبرودة، ms167 ~~والمنفعلة اثنتان هما الرطوبة واليبوسة، ونعني بالفعلية ما تفعل الصورة ~~بواسطتها في المادة، وبالمنفعلة ما تنفعل المادة باعتبارها. وإنما كانت ~~الأوليان فعليتين والأخريان منفعلتين وإن كانت المادة تنفعل باعتبارهما لأن ~~الأوليين تفعلان في الأخريين دون العكس، وأما باقي الكيفيات الملموسة ~~كاللطافة والكثافة واللزوجة والهشاشة والجفاف والبلة والثقل والخفة فإنها ~~تابعة لهذه الأربعة. # قال: فالحرارة جامعة للمتشاكلات، مفرقة للمختلفات، والبرودة بالعكس. # أقول: الحرارة من شأنها إحداث الخفة والميل الصاعد ويحصل بسبب ذلك ~~الحركة، فإذا وردت الحرارة على المركب وسخنته طلب الألطف الصعود قبل غيره ~~لسرعة انفعاله فاقتضى ذلك تفريق أجزاء المركب المختلفة، فإذا صعد الألطف ~~جامع مشاكله، فمن هاهنا قيل: إنها تقتضي جمع المتشاكلات وتفريق المختلفات، ~~وأما البرودة فإنها بالعكس من ذلك. PageV00P310 # قال: وهما متضادتان. # أقول: الحرارة والبرودة كيفيتان وجوديتان بينهما غاية التباعد فهما ~~متضادتان، ولم يخالف في هذا الحكم أحد من المحققين، وقد ذهب قوم غير محققين ~~إلى أن البرودة عدم الحرارة عما من شأنه أن يكون حارا، فيكون التقابل ~~بينهما تقابل العدم والملكة وهو خطأ، لأنا ندرك من الجسم البارد كيفية ~~زائدة على الجسمية المطلقة والعدم غير مدرك، فالبرودة صفة وجودية. # قال: وتطلق الحرارة على معان أخر مخالفة للكيفية في الحقيقة. # أقول: لفظة الحرارة تطلق على معان: أحدها: الكيفية المحسوسة من حرارة ~~النار، والثاني: الحرارة المناسبة للحياة وهي شرط فيها وتسمى الحرارة ~~الغريزية (1) وهي مخالفة لتلك في الحقيقة لأن تلك مضادة للحياة والثانية ~~شرط فيها، والثالث: حرارة الكواكب النيرة وهي مخالفة لما تقدم. # قال: والرطوبة كيفية تقتضي سهولة التشكل، واليبوسة بالعكس. # أقول: الرطوبة فسرها الشيخ بأنها كيفية تقتضي سهولة التشكل والاتصال ~~والتفرق، والجمهور يطلقون الرطوبة على البلة لا غير فالهواء ليس برطب ~~عندهم، وعند الشيخ أنه رطب وجعل البلة هي الرطوبة الغريبة الجارية على ظاهر ~~الجسم، كما أن الانتفاع هو الرطوبة الغريبة النافذة إلى باطنه والجفاف عدم ~~البلة عما من شأنه أن يبتل واليبوسة مقابلة للرطوبة. # قال: وهما مغايرتان للين والصلابة. # أقول: اللين والصلابة من الكيفيات الاستعدادية، فاللين كيفية ms168 يكون الجسم ~~بها مستعدا للانغمار، ويكون للشئ بها قوام غير سيال فينفصل عن موضوعه ولا ~~يمتد كثيرا ولا يتفرق بسهولة وإنما يكون قبوله للغمر من الرطوبة وتماسكه من # PageV00P311 # اليبوسة والصلابة كيفية تقتضي مقابل ذلك. # قال: والثقل كيفية تقتضي حركة الجسم إلى حيث ينطبق مركزه على مركز العالم ~~إن كان مطلقا، والخفة بالعكس، ويقالان بالإضافة باعتبارين. # أقول: لما كان الثقل والخفة من الكيفيات المحسوسة صادرتين عن الحرارة ~~والبرودة بحث عنهما. واعلم أن كل واحد منهما يقال بمعنيين: حقيقي وإضافي، ~~فالثقل الحقيقي كيفية تقتضي حركة الجسم إلى أسفل بحيث ينطبق مركزه على مركز ~~العالم إذا لم يعقه عائق، والخفة بالعكس وهي كيفية تقتضي حركة الجسم إلى ~~فوق بحيث يطفو على العناصر وينطبق سطحه على سطح الفلك إن لم يعقه عائق. # وأما الإضافي فإنه يقال بمعنيين في كل واحد منهما، فالخفيف بالإضافة يقال ~~بمعنيين: أحدهما الذي في طباعه أن يتحرك في أكثر المسافة الممتدة بين ~~المركز والمحيط حركة إلى المحيط وقد يعرض له أن يتحرك عن المحيط ولا تتضاد ~~هاتان الحركتان، والثاني الذي إذا قيس إلى النار نفسها كانت النار سابقة له ~~إلى المحيط فهو عند المحيط ثقيل وخفيف بالإضافة. # قال: والميل طبيعي وقسري ونفساني. # أقول: الميل هو الذي يسميه المتكلمون اعتمادا، وينقسم بانقسام معلوله ~~أعني الحركة إلى طبيعي كميل الحجر المسكن في الهواء والزق في الماء، وإلى ~~قسري كميل الحجر إلى فوق عند قسره على الصعود، وإلى نفساني كميل الحيوان ~~إلى الحركة حال اندفاعه الإرادي. # قال: وهو العلة القريبة للحركة، وباعتباره يصدر عن الثابت متغير. # أقول: الميل هو العلة القريبة للحركة، وباعتبار تحققه يصدر عن الثابت شئ ~~متغير وذلك لأن الطبيعة أمر ثابت، وكذا القوة القسرية والنفسانية فيستحيل ~~صدور الحركة المتغيرة عنها فلا بد من أمر يشتد ويضعف بسبب مصادمات الموانع ~~الخارجية والداخلية هو الميل يصدر عن الطبيعة ويقتضي الحركة فيحصل ~~PageV00P312 # باشتداده سرعة الحركة وشدتها وبضعفه ضد ذلك. # قال: ومختلفه متضاد. # أقول: يشير إلى عدم إمكان اجتماع ميلين مختلفين، وذلك لأن الميل ms169 يقتضي ~~الحركة إلى جهة والصرف عن أخرى، فلو اجتمع في الجسم ميلان لاقتضى حركته ~~وتوجهه إلى جهتين مختلفتين وذلك غير معقول، نعم كما يجوز أن يجتمع في جسم ~~واحد حركتان مختلفتان أحداهما بالذات والأخرى بالعرض، كذلك يجوز اجتماع ميل ~~ذاتي وعرضي كحجر يحمله انسان متحرك فإن الثقل موجود فيه وهو ميله الذاتي ~~حال خرق الهواء به وهو ميله العرضي الذي هو للانسان ذاتي، فإذا تجدد على ذي ~~ميل طبيعي ميل قسري تقاوم السببان أعني الطبيعة والقاسر وحدث ميل القاهر ~~منهما فإن كان القاسر غالبا أخذت الطبيعة والموانع الخارجية في إفنائه ~~قليلا قليلا ثم تقوى الطبيعة ويأخذ الميل القسري في النقص والطبيعة في ~~الزيادة إلى أن يتعادلا، فيبقى الجسم عديم الميل ثم تأخذ الطبيعة في ~~الازدياد على التعادل فتوجد ميلا مشوبا بآثار الضعف (1) ثم يشتد الميل ~~ويزداد الضعف فلا # PageV00P313 # يمكن اجتماع ميلين طبيعي وقسري على حد الصرافة بل يكون الجسم أبدا ذا حال ~~متوسط بين الميل القسري الشديد والطبيعي الشديد. # قال: ولولا ثبوته لتساوى ذو العائق وعادمه. # أقول: هذا إشارة إلى الدليل على وجود الميل الطبيعي في كل جسم (1) قابل ~~للحركة القسرية، وتقريره أن المتحرك إذا كان خاليا عن المعاوقة وقطع بميله ~~القسري مسافة ما فإنه يقطعها في زمان، فإذا فرضناه ممنوا بالمعاوقة قطعها ~~في زمان أطول، فإذا فرضناه مع معاوقة أقل من الأولى على نسبة الزمانين ~~قطعها في زمان مساو لزمان عديم المعاوقة، وذلك محال قطعا لامتناع تساوي ~~زماني عديم المعاوقة وواجدها. # قال: وعند آخرين هو جنس بحسب عدد الجهات ومتماثل ومختلف باعتبارها. # أقول: لما فرغ من البحث عن الميل وأحكامه على رأي الأوائل شرع في # PageV00P314 # البحث عنه على رأي المتكلمين وهو جنس على رأيهم تحته ستة أنواع بحسب عدد ~~الجهات الست ثم قالوا: إن منه ما هو متماثل وهو كل ما اختص بجهة واحدة لأن ~~تساوي المعلول يستلزم تساوي العلة، ومنه مختلف وهو ما تعددت جهاته. # واختلف أبو علي وأبو هاشم في مختلفه، فقال أبو هاشم: إنه غير متضاد ms170 ~~لاجتماع الميلين في الحجر الصاعد قسرا وفي الحلقة التي يتجاذبها اثنان، ~~وقال أبو علي: # إنه متضاد. # قال: ومنه الثقل وآخرون منهم جعلوه مغايرا. # أقول: من أجناس الاعتماد عند أبي هاشم الثقل وهو الاعتماد اللازم الموجب ~~للحركة سفلا، وقال أبو علي (1): إن الثقل راجع إلى تزايد أجزاء الجسم فجعله ~~مغايرا لجنس الاعتماد، وهو خطأ لأن تزايد الأجزاء الحقيقية حاصل في الخفيف ~~ولا ثقل له. # قال: ومنه لازم ومفارق. # أقول: ذهب المتكلمون إلى أن الاعتماد منه ما هو لازم وهو الاعتماد نحو ~~الفوق والسفل، ومنه ما هو مفارق وهو المختلف (2) وهو المقتضي للحركة إلى ~~إحدى الجهات الأربع، وإنما كان مفارقا لعدم وجوب وقوف الجسم في إحداها أو ~~ذهابه عنها بخلاف الجهتين. # قال: ويفتقر إلى محل لا غير (3). # أقول: لما كان الاعتماد عرضا وكان كل عرض مفتقرا إلى محل كان الاعتماد ~~مفتقرا إلى المحل، ولما امتنع حلول عرض في محلين كان الاعتماد كذلك، فلأجل # PageV00P315 # هذا قال: إنه يفتقر إلى محل لا غير. وبعض المتكلمين لما طعن في كلية ~~الحكمين افتقر إلى الاستدلال عليهما هنا، واستدلوا على الأول بأن صفة ذاته ~~وجوب مدافعة محله لصفة ذاته، فلو انتفى المحل انتفت صفة الذات وذلك يقتضي ~~نفي الذات، وعلى الثاني بأنه يكون مساويا للتأليف لأن الافتقار إلى أزيد من ~~محل واحد من خواص التأليف، والاشتراك في أخص الصفات يستلزم الاشتراك في ~~الذات. # قال: وهو مقدور لنا. # أقول: ذهب المتكلمون إلى أن الاعتماد مقدور لنا، لأنه يقع بحسب دواعينا ~~وينتفي بحسب صوارفنا فيكون صادرا عنا. # قال: وتتولد عنه أشياء بعضها لذاته من غير شرط، وبعضها بشرط، وبعضها لا ~~لذاته. # أقول: قسم المتكلمون الاعتماد بالنسبة إلى ما يتولد عنه إلى أقسام ثلاثة، ~~أحدها: ما يتولد عنه لذاته من غير حاجة إلى شرط وإن كان قد يحتاج إليه ~~أحيانا وهو الأكوان والاعتماد في محله وإن كان يولدهما في غير محله بشرط ~~التماس. # وإنما قلنا: إنه يتولد عنه الأكوان، لأن الجسم يختص بجهة دون أخرى حال ~~حركته فلا بد من ms171 مخصص لتلك الجهة وهو الاعتماد. وقلنا إنه يولد الاعتماد ~~لوجود الحركة القسرية شيئا بعد شئ، فإن المتحرك يوجد (1) فيه الاعتماد ~~والاعتماد يولد الحركة الأولى والاعتماد معا ثم إذا تحرك ولد الاعتماد حركة ~~أخرى واعتمادا آخر. # وثانيها: ما يتولد عنه بشرط ولا يصح بدونه وهو الأصوات فإنها تتولد عنه # PageV00P316 # بشرط المصاكة لأن الصدى موجود في غير محل القدرة وما يتعدى محل القدرة لا ~~يولده إلا الاعتماد وإذا كان ما يتعدى محل القدرة يتولد عن الاعتماد فما ~~يحل محلها أولى. # وثالثها: ما يتولد عنه لا بنفسه بل بتوسط وهو الألم والتأليف، فإن ~~الاعتماد يولد المجاورة والتفريق، والمجاورة تولد التأليف، والتفريق يولد ~~الألم. # المسألة السادسة في البحث عن المبصرات قال: ومنها أوائل المبصرات وهي ~~اللون والضوء. # أقول: من الكيفيات المحسوسة المبصرات، وقد نبه بقوله: أوائل المبصرات على ~~أن من المبصرات ما يتناوله الحس البصري أولا وبالذات وهو ما ذكره هنا من ~~اللون والضوء، ومنها ما يتناوله بواسطة كغيرهما من المرئيات، فإن البصر ~~إنما يدركها بواسطة هذين وهذا كما قال في الأول، ومنها أوائل الملموسات فإن ~~فيه تنبيها على أن هناك كيفيات تدرك باللمس بواسطة غيرها. # قال: ولكل منهما طرفان. # أقول: لكل واحد من اللون والضوء طرفان، ففي اللون السواد والبياض وفي ~~الضوء النور الخارق والظلمة، وما عدا هذه فإنها متوسطة بين هذه كالحمرة ~~والخضرة والصفرة والغبرة وغيرها من الألوان وكالظل وشبهه من الأضواء. # قال: وللأول حقيقة. # أقول: ذهب من لا مزيد تحصيل له إلى أن الألوان لا حقيقة لها، فإن البياض ~~المتخيل أنما يحصل من مخالطة الهواء للأجسام الشفافة المنقسمة إلى الأجزاء ~~الصغار كما في زبد الماء والثلج، والسواد المتخيل أنما يتخيل لعدم غور ~~الجسم (1) # PageV00P317 # الضوء. والشيخ اضطرب كلامه في البياض، فتارة جعله كيفية حقيقية وأخرى أنه ~~غير حقيقية بل سبب حصوله ما ذكر. والحق أنه كيفية حقيقية قائمة بالجسم في ~~الخارج لأنه محسوس كما في بياض البيض المسلوق فإنه ليس لنفوذ الهواء فيه ~~لزيادة ثقله بعد الطبخ، وبالجملة فالأمور المحسوسة غنية عن ms172 البرهان. # قال: وطرفاه السواد والبياض المتضادان. # أقول: طرفا اللون هما السواد والبياض، وقيدهما بالمتضادين لأن الضدين هما ~~اللذان بينهما غاية التباعد فلأجل ذلك ذكر هذا القيد في الطرفين، وهذا ~~تنبيه على أن ما عداهما متوسط بينهما وليس نوعا قائما بانفراده كما ذهب ~~إليه بعض الناس من أن الألوان الحقيقية خمسة: السواد والبياض والحمرة ~~والصفرة والخضرة، ونبه بقوله: المتضادان على امتناع اجتماعهما خلافا لبعض ~~الناس حيث ذهب إلى أنهما يجتمعان كما في الغبرة وهو خطأ. # قال: ويتوقف على الثاني في الادراك لا الوجود. # أقول: ذهب أبو علي ابن سينا إلى أن الضوء شرط وجود اللون، فالأجسام ~~الملونة حال الظلمة تعدم عنها ألوانها لأنا لا نراها في الظلمة فإما أن ~~يكون لعدمها وهو المراد، أو لحصول المانع وهو ما يقال من أن الظلمة كيفية ~~قائمة بالمظلم مانعة من الأبصار وهو باطل وإلا لمنعت من هو بعيد عن النار ~~عن مشاهدة القريب منها ليلا وليس كذلك وهو خطأ جدا، لأنا نقول: إنما لم ~~تحصل الرؤية لعدم الشرط وهو الضوء لا لانتفاء المرئي في نفسه، ونبه المصنف ~~على ذلك بقوله: ويتوقف - أي اللون - على الثاني - أي الضوء - في الإدراك لا ~~الوجود. PageV00P318 # قال: وهما متغايران حسا. # أقول: يريد أن اللون والضوء متغايران خلافا لقوم غير محققين ذهبوا إلى أن ~~الضوء هو اللون، قالوا: إن الظهور المطلق هو الضوء، والخفاء المطلق هو ~~الظلمة، والمتوسط بينهما هو الظل، والحس يدل على المغايرة. # قال: قابلان للشدة والضعف، المتباينان نوعا. # أقول: كل واحد من هذين - أعني اللون والضوء - قابل للشدة والضعف وهو ظاهر ~~محسوس، فإن البياض في الثلج أشد من البياض في العاج، وضوء الشمس أشد من ضوء ~~القمر. إذا عرفت هذا فاعلم أن الشديد في كل نوع يخالف الضعيف منه بالنوع، ~~وذهب قوم إلى أن سبب الشدة والضعف ليس الاختلاف بالحقيقة بل باختلاط بعض ~~أجزاء الشديد بأجزاء الضد فيحصل الضعف وإن لم يختلط حصلت الشدة، وقد بينا ~~خطأهم فيما تقدم. # قال: ولو كان الثاني جسما لحصل ضد المحسوس. ms173 # أقول: ذهب من لا تحصيل له إلى أن الضوء جسم، وسبب غلطه ما يتوهم من كونه ~~متحركا بحركة المضئ، وإنما كان ذلك باطلا لأن الحس يحكم بافتقاره إلى موضوع ~~يقوم به ولا يمكنه تجريده عن محل يقومه، فلو كان جسما لحصل ضد هذا الحكم ~~المحسوس وهو قيامه بنفسه واستغناؤه عن موضوع يحل فيه. # ويحتمل أن يكون قوله: لحصل ضد المحسوس، أن الضوء إذا أشرق على الجسم ظهر ~~وكلما ازداد إشراقا ازداد ظهورا في الحس، فلو كان جسما لكان ساترا لما يشرق ~~عليه فكان يحصل ضد المحسوس أعني ضد الاشراق، ويكون كلما ازداد إشراقه ازداد ~~ستره، لكن الحس يشهد بضد ذلك. # أو نقول: إن الحس يشهد بسرعة ظهور ما يشرق عليه الضوء، فإن الشمس إذا ~~طلعت على وجه الأرض أشرقت دفعة واحدة، ولو كان الضوء جسما افتقر إلى زمان ~~يقطع فيه هذه المسافة الطويلة فكان يحصل ضد السرعة المحسوسة، فهذه ~~PageV00P319 # الاحتمالات كلها صالحة لتفسير قوله: لحصل ضد المحسوس. # وأما سبب وهم أولئك (1) من أنه متحرك فهو خطأ، لأن الضوء يحدث عند ~~المقابلة لا أنه يتحرك من الجسم المقابل إلى غيره. # قال: بل هو عرض قائم بالمحل معد لحصول مثله في المقابل. # أقول: لما أبطل كونه جسما ثبت كونه عرضا قائما بالمحل، إذ العرض لا يقوم ~~بنفسه وإذا قام بالمحل حصل منه استعداد للجسم المقابل لمحله لتكيفه بمثل ~~كيفيته كما في الأجسام النيرة الحاصل منها النور في المقابل، وقد نبه بذلك ~~على أن المضئ أنما يضئ ما يقابله. # قال: وهو ذاتي وعرضي، أول وثان. # أقول: الضوء منه ذاتي ومنه عرضي، وأيضا منه ما هو أول ومنه ما هو ثان، ~~فالذاتي يسمى ضوءا بقول مطلق وأما العرضي وهو الحاصل من المضئ لذاته في ~~غيره فإنه يسمى نورا، والأول من الضوء ما حصل عن المضئ لذاته، والثاني ما ~~حصل عن المقابل له كالأرض قبل طلوع الشمس فإنها مضيئة لمقابلتها الهواء ~~المضئ لمقابلة الشمس. # قال: والظلمة عدم ملكة (2). # أقول: الظلمة عدم الضوء عما من شأنه ms174 أن يكون مضيئا، ومثل هذا العدم ~~المقيد بموضوع خاص يسمى عدم ملكة، وليست الظلمة كيفية وجودية قائمة # PageV00P320 # بالمظلم كما ذهب إليه من لا تحقيق له، لأن المبصر لا يجد فرقا بين حالتيه ~~عند فتح العين في الظلمة وبين تغميضها في عدم الإدراك، فلو كانت كيفية ~~وجودية لحصل الفرق. وفي هذا نظر فإنه يدل على انتفاء كونها كيفية وجودية ~~مدركة لا على أنها وجودية مطلقا (1). # المسألة السابعة في البحث عن المسموعات قال: ومنها المسموعات وهي الأصوات ~~الحاصلة من التموج المعلول للقرع والقلع. # أقول: من الكيفيات المحسوسة الأصوات وهي المدركة بالسمع. واعلم أن الصوت ~~عرض قائم بالمحل، وقد ذهب قوم غير محققين إلى أن الصوت جوهر (2) ينقطع ~~بالحركة وهو خطأ، لأن الجوهر يدرك باللمس والبصر والصوت ليس كذلك. # وذهب آخرون إلى أنه عبارة عن التموج الحاصل في الهواء من القلع أو القرع، ~~وآخرون قالوا: إنه القلع أو القرع. # وهذان المذهبان باطلان، وسبب غلطهم أخذ سبب الشئ مكانه فإن الصوت معلول ~~للتموج المعلول للقرع أو القلع وليس هو أحدها لأنها تدرك بحس البصر بخلاف ~~الصوت. إذا عرفت هذا فاعلم أن القلع أو القرع إذا حصل حدث تموج بين القارع ~~والمقروع في الهواء وانتقل ذلك التموج إلى سطح الصماخ فأدرك الصوت، ولا ~~نعني بذلك أن تموجا واحدا ينتقل بعينه إلى الصماخ بل يحصل تموج بعد تموج عن ~~صدم بعد آخر كما في تموج الماء إلى أن يصل إلى الحس. # PageV00P321 # قال: بشرط المقاومة. # أقول: القرع أنما يحصل معه الصوت إذا حصلت المقاومة بين القارع والمقروع، ~~فإنك لو ضربت خشبة على وجه الماء بحيث تحصل المقاومة فإنه يحدث الصوت، ولو ~~وضعتها عليه بسهولة لم يحصل الصوت، ولا يشترط الصلابة لحصول الصوت من الماء ~~والهواء ولا صلابة هناك. # قال: في الخارج. # أقول: ذهب قوم إلى أن الصوت ليس بحاصل في الخارج بل إنما يحصل عند ~~الصماخ، وهو ما إذا تموج الهواء وانتهى التموج إلى قرع سطح الصماخ فيحصل ~~الصوت وهو خطأ، وإلا لم تدرك الجهة ولا البعد ms175 كما في اللمس حيث كان إدراكه ~~بالملاقاة. ولا يمكن أن يقال: إن إدراك الجهة أنما كان لأن القرع توجه من ~~تلك الجهة وإدراك البعد، لأن ضعف الصوت وقوته يدل على القرب والبعد (1) ~~لأنا لو سددنا الأذن اليسرى لأدركنا باليمنى جهة الصوت الحاصل من الجهة ~~اليسرى والضعف لو كان للبعد لم نفرق بين القوي البعيد والضعيف القريب. # قال: ويستحيل بقاؤه لوجوب إدراك الهيئة الصورية. # أقول: الصوت يستحيل عليه البقاء خلافا للكرامية، والدليل عليه أنا إذا ~~سمعنا لفظة زيد (2) أدركنا الهيئة الصورية أعني ترتيب الحروف وتقديم بعضها ~~على بعض، ولو كانت أجزاء الحروف باقية لم يكن إدراك هذا الترتيب أولى من ~~باقي التركيبات الخمسة. # قال: ويحصل منه آخر. # أقول: الصوت أنما يحصل باعتبار التموج في الهواء الواصل إلى سطح # PageV00P322 # الصماخ، وقد بينا وجوده في الخارج فإذا تأدى التموج إلى جسم كثيف مقاوم ~~لذلك التموج رده، فحصل منه تموج آخر وحصل من ذلك التموج الآخر صوت آخر هو ~~الصدى، والظاهر أن هذا الصدى أنما يحصل من تموج الهواء الحاصل بين الهواء ~~المتموج المتوجه إلى المقاوم وبين ذلك المقاوم لا من الهواء المتوجه بعد ~~صدمه للمقابل وإن كان فيه احتمال، وكلام المصنف رحمه الله محتمل لهما لأن ~~قوله: # ويحصل منه آخر يحتمل كلا المعنيين. # قال: وتعرض له كيفية مميزة، تسمى باعتبارها حرفا. # قوله: تعرض للصوت كيفية يتميز بها عن صوت آخر مثله تميزا في المسموع يسمى ~~الصوت باعتبار تلك الكيفية حرفا وهي حروف التهجي وحصرها غير معلوم ~~بالبرهان. # قال: إما مصوت أو صامت، متماثل أو مختلف بالذات أو بالعرض. # أقول: تنقسم الحروف إلى قسمين (1): مصوت وصامت، فالمصوت هو حرف المد ~~واللين أعني الواو والألف والياء، وهي أنما تحصل في زمان، وإما صامت وهو ما ~~عداها. والصامت إما متماثل كالجيم والجيم أو مختلف، والمختلف إما بالذات ~~كالجيم والحاء أو بالعرض وهو إما أن يكون أحد الجيمين مثلا ساكنا والآخر ~~متحركا أو يكون أحدهما متحركا بحركة والآخر بضدها. # قال: وينتظم منها الكلام بأقسامه. # أقول: هذه الحروف ms176 المسموعة إذا تألفت تأليفا مخصوصا أي بحسب الوضع سميت ~~كلاما، فحد الكلام على هذا هو ما انتظم من الحروف المسموعة ويدخل # PageV00P323 # فيه المفرد وهو الكلمة الواحدة، والمؤلف التام وهو المحتمل للصدق والكذب، ~~وغير المحتمل لهما من الأمر والنهي والاستفهام والتعجب والنداء وغير التام ~~التقييدي وغيره، وإلى هذا أشار بقوله: بأقسامه. # قال: ولا يعقل غيره (1). # PageV00P324 # أقول: يريد أن الكلام أنما هو المنتظم من الحروف المسموعة ولا يعقل غيره ~~وهو ما أطبق عليه المعتزلة. والأشاعرة أثبتوا معنى آخر سموه الطلب والكلام ~~(1) النفساني غير مؤلف من الحروف والأصوات يدل هذا الكلام عليه وهو مغاير ~~للإرادة، لأن الانسان قد يأمر بما لا يريد إظهارا لتمرد العبد عند السلطان ~~فيحصل عذره في ضربه، ومغاير لتخيل الحروف لأن تخيلها تابع لها ومختلف ~~باختلافها، وهذا المعنى لا يختلف وظاهر أنه مغاير للحياة والقدرة وغيرهما ~~من الأعراض، والمعتزلة بالغوا في إنكار هذا المعنى وادعوا الضرورة في نفيه ~~وقالوا: الأمر أنما يعقل مع الإرادة وليس الطلب مغايرا لها (2) وحينئذ يصير ~~النزاع هنا لفظيا. # المسألة الثامنة في البحث عن المطعومات قال: ومنها المطعومات التسع ~~الحادثة من تفاعل الثلاث في مثلها. # PageV00P325 # أقول: المشهور عند الأوائل أن الجسم إن كان عديم الطعم فهو التفه، وتعد ~~التفاهة من الطعوم التسعة، وإن كان ذا طعم لم ينفك عن أحد الطعوم الثمانية ~~وهي: # الحلاوة والحموضة والملوحة والحرافة والمرارة والعفوصة والقبض والدسومة. # وهذه الطعوم التسعة تحصل من تفاعل ثلاث كيفيات هي: الحرارة والبرودة ~~والكيفية المعتدلة في مثلها في العدد، أعني ثلاث كيفيات لا مثلها في ~~الحقيقة وهي: # الكثافة واللطافة والكيفية المعتدلة. فإن الحار إن فعل في الكثيف حدثت ~~المرارة، وفي اللطيف الحرافة، وفي المعتدل الملوحة. والبارد إن فعل في ~~الكثيف حدثت العفوصة، وفي اللطيف الحموضة، وفي المعتدل القبض. والمعتدل إن ~~فعل في اللطيف حدثت الدسومة، وفي الكثيف الحلاوة، وفي المعتدل التفاهة. # المسألة التاسعة في البحث عن المشمومات قال: ومنها المشمومات ولا أسماء ~~لأنواعها إلا من حيث الموافقة والمخالفة. # أقول: من أنواع الكيفيات المحسوسة الروائح المدركة بحاسة ms177 الشم، ولم يوضع ~~لأنواعها أسماء مختصة بها كما وضعوا لغيرها من الأعراض، بل ميزوا بينها من ~~حيث الموافقة والمخالفة، فيقال: رائحة طيبة ورائحة منتنة، أو من حيث ~~إضافتها إلى المحل كرائحة المسك. # المسألة العاشرة في البحث عن الكيفيات الاستعدادية قال: والاستعدادات ~~المتوسطة بين طرفي النقيض. # أقول: لما فرغ من البحث عن الكيفيات المحسوسة شرع في القسم الثاني من ~~أقسام الكيف الأربعة وهي الكيفيات الاستعدادية وهي ما يترجح به القابل في ~~PageV00P326 # أحد جانبي قبوله وهي متوسطة بين طرفي النقيض - أعني الوجود والعدم - وذلك ~~لأن الرجحان لا يزال يتزايد في أحد طرفي الوجود والعدم إلى أن ينتهي ~~إليهما، فذلك الرجحان القابل للشدة والضعف المتوسط بين طرفي الوجود والعدم ~~هو الكيف الاستعدادي وطرفاه الوجود والعدم، وهذا الرجحان إن كان نحو الفعل ~~فهو القوة، وإن كان نحو الانفعال فهو اللاقوة. # المسألة الحادية عشرة في البحث عن الكيفيات النفسانية قال: والنفسانية ~~حال أو ملكة. # أقول: هذا هو القسم الثالث من أقسام الكيف وهو الكيفيات النفسانية، ونعني ~~بها المختصة بذوات الأنفس وهي إما أن تكون سريعة الزوال وتسمى حالا لسرعة ~~زوالها، وإما بطيئة الزوال وتسمى ملكة، والفرق بينهما ليس بفصول مميزة بل ~~بعوارض خارجية وربما كان الشئ حالا ثم صار بعينه ملكة. # المسألة الثانية عشرة في البحث عن العلم بقول مطلق قال: منها العلم وهو ~~إما تصور أو تصديق (1) جازم مطابق ثابت. # PageV00P327 # أقول: من الكيفيات النفسانية العلم، وقسمه إلى التصور وهو عبارة عن حصول ~~صورة الشئ في الذهن، وإلى التصديق الجازم المطابق الثابت وهو الحكم اليقيني ~~بنسبة أحد المتصورين إلى الآخر إيجابا أو سلبا. وإنما شرط في التصديق الجزم ~~لأن الخالي منه ليس بعلم بهذا المعنى وإن كان قد يطلق عليه اسم العلم ~~بالمجاز وأنما هو الظن، وشرط المطابقة لأن الخالي منها هو الجهل المركب، ~~وشرط الثبات لأن الخالي منه هو التقليد، أما الجامع لهذه الصفات فهو العلم ~~خاصة. # قال: ولا يحد. # أقول: اختلف العقلاء في العلم، فقال قوم: إنه لا يحد لظهوره، فإن ~~الكيفيات الوجدانية ms178 لظهورها لا يمكن تحديدها لعدم انفكاكه عن تحديد الشئ ~~بالأخفى والعلم منها، ولأن غير العلم إنما يعلم بالعلم فلو علم العلم بغيره ~~لزم الدور. وقال آخرون: يحد. فقال بعضهم: إنه اعتقاد أن الشئ كذا مع اعتقاد ~~أنه لا يكون إلا كذا. وقال آخرون: إنه اعتقاد يقتضي سكون النفس، وكلاهما ~~غير مانعين. # قال: ويقتسمان الضرورة والاكتساب. # أقول: يريد أن كل واحد من التصور والتصديق ينقسم إلى الضروري والمكتسب، ~~يريد بالضروري من التصور ما لا يتوقف على طلب وكسب، ومن التصديق ما يكفي ~~تصور طرفيه في الحكم بنسبة أحدهما إلى الآخر إيجابا أو سلبا، وبالمكتسب ضد ~~ذلك فيهما. # المسألة الثالثة عشرة في أن العلم يتوقف على الانطباع قال: ولا بد فيه من ~~الانطباع (1). # PageV00P328 # أقول: اختلف العلماء في ذلك، فذهب جمهور الأوائل إلى أن العلم يستدعي ~~انطباع المعلوم في العالم وأنكره آخرون، احتج الأولون بأنا قد ندرك أشياء ~~لا تحقق لها في الخارج، فلو لم تكن منطبعة في الذهن كانت عدما صرفا ونفيا ~~محضا فيستحيل الإضافة إليها. # واحتج الآخرون بوجهين: الأول: أن التعقل لو كان هو حصول صورة المعقول في ~~العاقل لزم أن يكون الجدار المتصف بالسواد متعقلا له، والتالي باطل فكذا ~~المقدم. الثاني: أن الذهن قد يتصور أشياء متقدرة فيلزم حصول المقدار فيه ~~فيكون متقدرا، والجواب عنهما سيأتي. # قال: في المحل المجرد القابل (1). # أقول: هذا إشارة إلى الجواب عن الإشكالين، وتقريره أن المحل الذي جعلناه ~~عاقلا مجرد عن المواد كلها، والمجرد لا يتصف بالمقدار باعتبار حلول صورته ~~فيه، فإن صورة المقدار لا يلزم أن تكون مقدارا، وأيضا هذه الصورة القائمة ~~بالعاقل حالة في محل قابل لها فلهذا كان عاقلا لها، أما الجسم فليس محلا ~~قابلا لتعقل السواد فلا يلزم أن يكون متعقلا له. # قال: وحلول المثال مغاير. # أقول: هذا إشارة إلى كيفية حلول الصورة في العاقل، وتقريره أن الحال في ~~العاقل أنما هو مثال المعقول وصورته (2) لا ذاته ونفسه، ولهذا جوزنا حصول # PageV00P329 # صورة الأضداد في النفس ولم نجوز حصول الأضداد في محل ms179 واحد في الخارج، ~~فعلم أن حلول مثال الشئ وصورته مغاير لحلول ذلك الشئ، ولما كان هذا الكلام ~~مما يستعان به على حل ما تقدم من الشكوك ذكره عقيبه. # قال: ولا يمكن الاتحاد (1). # أقول: ذهب قوم من أوائل الحكماء إلى أن التعقل أنما يكون باتحاد صورة ~~المعقول والعاقل وهو خطأ فاحش فإن الاتحاد محال على ما تقدم، ويلزمه أيضا ~~المحال من وجه آخر وهو اتحاد الذوات المعقولة. # وكذلك ذهب آخرون إلى أن التعقل يستدعي اتحاد العاقل بالعقل الفعال وهو ~~خطأ لما تقدم ولاستلزامه تعقل كل شئ عند تعقل شئ واحد. # قال: ويختلف باختلاف المعقول. # أقول: اختلف الناس هنا، فذهب قوم إلى جواز تعلق علم واحد بمعلومين # PageV00P330 # ومنعه آخرون وهو الحق، لأنا قد بينا أن التعقل هو حصول صورة مساوية ~~للمعلوم في العالم، وصور الأشياء المختلفة تختلف باختلافها فلا يمكن أن ~~تكون صورة واحدة لمختلفين فلا يتعلق علم واحد باثنين وإنما جوز ذلك من جعل ~~العلم أمرا وراء الصورة. # قال: كالحال والاستقبال. # أقول: هذا إشارة إلى إبطال مذهب جماعة من المعتزلة ذهبوا إلى أن العلم ~~بالاستقبال علم بالحال عند حضور الاستقبال، فقالوا: إن العلم بأن الشئ ~~سيوجد علم بوجوده إذا وجد. وإنما دعاهم إلى ذلك ما ثبت من أن الله تعالى ~~عالم بكل معلوم، فإذا علم أن زيدا سيوجد ثم وجد فإن زال العلم الأول وتجدد ~~علم آخر لزم كونه تعالى محلا للحوادث وإن لم يزل كان هو المطلوب. وهذا خطأ ~~فاحش فإن العلم بأن الشئ سيوجد علم بالعدم الحالي والوجود في ثاني الحال، ~~والعلم بأن الشئ موجود غير مشروط بالعدم الحالي بل هو مناف له فيستحيل ~~اتحادهما. والوجه في حل الشبهة المذكورة ما التزمه أبو الحسين هنا من أن ~~الزائل هو التعلقات الحاصلة بين العلم والمعلوم لا العلم نفسه، وسيأتي ~~زيادة تحقيق في هذا الموضع (1) إن شاء الله تعالى. # قال: ولا يعقل إلا مضافا فيقوى الإشكال مع الاتحاد. # أقول: اعلم أن العلم وإن كان من الكيفيات الحقيقية القائمة بالنفس فإنه ~~لا ms180 يعقل إلا مضافا إلى الغير، فإن العلم علم بالشئ ولا يعقل تجرده عن ~~الإضافة حتى أن بعضهم توهم أنه نفس الإضافة (2) الحاصلة بين العالم ~~والمعلوم ولم يثبت # PageV00P331 # أمرا حقيقيا مغايرا للإضافة. إذا عرفت هذا فإن الأشكال يقوى مع الاتحاد ~~هكذا قاله المصنف رحمه الله والذي يلوح منه أن العاقل والمعقول إذا كانا ~~شيئا واحدا كما إذا عقل نفسه توجه الإشكال عليه بأن يقال: أنتم قد جعلتم ~~العلم صورة مساوية للمعلوم في العالم، وهذا لا يتأتى هاهنا لاستحالة اجتماع ~~الأمثال، ويقوى الإشكال باعتبار الإضافة إذ الإضافة أنما تعقل بين شيئين لا ~~بين الشئ الواحد ونفسه فلا يتحقق علم الشئ بذاته. # والجواب عن الأول أن العلم أنما يستدعي الصورة لو كان العالم عالما ~~بغيره، أما عالم ذاته فإن ذاته يكفي في علمه من غير احتياج إلى صورة أخرى. # وعن الثاني أن العاقل من حيث أنه عاقل مغاير له من حيث إنه معقول ~~PageV00P332 # فأمكن تحقق الإضافة، ولأن العالم هو الشخص والمعلوم هو الماهية الكلية. # وهذان رديان، أما الأول فلأن المغايرة بين العاقل من حيث إنه عاقل ~~والمعقول من حيث إنه معقول متوقفة على التعقل، فلو جعلنا التعقل متوقفا على ~~هذا النوع من التغاير دار. وأما الثاني فلأن العالم هاهنا يكون عالما بجزئه ~~وليس البحث فيه. # قال: وهو عرض (1) لوجود حده فيه. # أقول: ذهب المحققون إلى أن العلم عرض وأكثر الناس كذلك في العلم بالعرض، ~~واختلفوا في العلم بالجوهر فالذين قالوا: إن العلم إضافة بين العالم ~~والمعلوم، قالوا: إنه عرض أيضا. والذين قالوا: إن العلم صورة اختلفوا فقال ~~بعضهم: إنه جوهر لأن حده صادق عليه إذ الصورة الذهنية ماهية إذا وجدت في ~~الأعيان كانت لا في موضوع وهذا معنى الجوهر، والمحققون قالوا: إنه عرض أيضا ~~لوجود حد العرض فيه فإنه موجود حال في النفس لا كجزء منها وهذا معنى العرض. ~~واستدلال القائلين بأنه جوهر خطأ، لأن الصورة الذهنية يمتنع وجودها في ~~الخارج وإنما الموجود ما هي مثال له. # المسألة الرابعة عشرة في أقسام العلم ms181 قال: وهو فعلي وانفعالي وغيرهما. # أقول: العلم منه ما هو فعلي وهو المحصل للأشياء الخارجية كعلم واجب ~~الوجود تعالى بمخلوقاته، وكما إذا تصورنا نقشا لم نستفد صورته من الخارج ثم ~~أوجدنا في الخارج ما يطابقه، ومنه انفعالي وهو المستفاد من الأعيان ~~الخارجية كعلمنا بالسماء والأرض وأشباههما، ومنه ما ليس أحدهما كعلم واجب ~~الوجود # PageV00P333 # تعالى بذاته. # قال: وضروري أقسامه ستة، ومكتسب. # أقول: قد تقدم أن العلم إما ضروري وإما كسبي، ومضى تفسيرهما، وأقسام ~~الضروري ستة: البديهيات وهي قضايا يحكم بها العقل لذاته لا لسبب خارجي سوى ~~تصور طرفيها كالحكم بأن الكل أعظم من الجزء وغيره من البديهيات. # الثاني: المشاهدات وهي إما مستفادة من حواس ظاهرة كالحكم بحرارة النار أو ~~من الحواس الباطنة وهي القضايا الاعتبارية بمشاهدة قوى غير الحس الظاهر، أو ~~بالوجدان من النفس لا باعتبار الآلات مثل شعورنا بذواتنا وبأفعالنا. ~~الثالث: # المجربات وهي قضايا تحكم بها النفس باعتبار تكرار المشاهدات كالحكم بأن ~~الضرب بالخشب مؤلم، وتفتقر إلى أمرين المشاهدة المتكررة والقياس الخفي وهو ~~أنه لو كان الوقوع على سبيل الاتفاق لم يكن دائما ولا أكثريا، والفارق بين ~~هذه وبين الاستقراء هو القياس. الرابع: الحدسيات وهي قضايا مبدأ الحكم بها ~~حدس قوي من النفس يزول معه الشك كالحكم باستفادة نور القمر من الشمس، ~~وتفتقر إلى المشاهدة المتكررة والقياس الخفي إلا أن الفارق بين هذه وبين ~~المجربات أن السبب في المجربات معلوم السببية غير معلوم الماهية، وفي ~~الحدسيات معلوم بالاعتبارين. الخامس: المتواترات وهي قضايا تحكم بها النفس ~~لتوارد أخبار المخبرين عليها بحيث يزول معه الشك بعدم الاتفاق بين المخبرين ~~والتواطؤ. # السادس: فطرية القياس وهي قضايا تحكم بها النفس باعتبار وسط لا ينفك ~~الذهن عنه. # قال: وواجب وممكن. # أقول: العلم ينقسم إلى واجب وهو علم واجب الوجود بذاته، وإلى ممكن وهو ما ~~عداه، وإنما كان الأول واجبا لأنه نفس ذاته الواجبة. PageV00P334 # قال: وهو تابع (1) بمعنى أصالة موازيه (2) في التطابق. # أقول: إعلم أن التابع يطلق على ما يكون متأخرا عن المتبوع، وعلى ما يكون ms182 ~~مستفادا منه، وهما غير مرادين في قولنا: العلم تابع للمعلوم، فإن العلم قد ~~يتقدم المعلوم زمانا وقد يفيد وجوده كالعلم الفعلي. وإنما المراد هنا كون ~~العلم والمعلوم متطابقين بحيث إذا تصورهما العقل حكم بأصالة المعلوم في ~~هيئة التطابق وأن العلم تابع له وحكاية عنه وأن ما عليه العلم فرع على ما ~~عليه المعلوم، وعلى هذا التقدير يجوز تأخر المعلوم الذي هو الأصل عن تابعه ~~فإن العقل يجوز تقدم الحكاية على المحكي. # قال: فزال الدور. # أقول: الذي يفهم من هذا الكلام أمران: أحدهما: أن يقال: قد قسمتم العلم ~~إلى أقسام من جملتها الفعلي الذي هو العلة في وجود المعلوم، وهاهنا جعلتم ~~جنس العلم تابعا فلزمكم الدور، إذ تبعية الجنس تستلزم تبعية أنواعه. وتقرير ~~الجواب عن هذا أن نقول: نعني بتبعية العلم ما قررناه من كون العلم والمعلوم ~~متطابقين على وجه إذا تصورهما العقل حكم بأن الأصل في هيئة التطابق هو ما ~~عليه المعلوم وأن # PageV00P335 # ما عليه العلم فرع عليه (1)، ووجه الخلاص من الدور بهذا التحقيق أن العلم ~~الفعلي محصل للمعلوم في الخارج لا مطلقا. # الثاني: أن يقال: المتبوع يجب أن يتقدم التابع بأحد أنواع التقدم الخمسة، ~~وهاهنا لا تقدم بالشرف ولا بالوضع لأنهما غير معقولين فبقي أن يكون التقدم ~~هنا بالذات أو بالعلية أو بالزمان، وعلى هذه التقادير الثلاثة يمتنع الحكم ~~بتأخر المتبوع عن التابع في الزمان ولا شك في أن علم الله تعالى الأزلي، ~~والعلوم السابقة على الصور الموجودة في الخارج متقدمة بالزمان، والمتأخر عن ~~غيره بالزمان يمتنع أن يكون متقدما عليه بنوع ما من أنواع التقدمات ~~بالاعتبار الذي كان به متأخرا عنه، والجواب عنه ما تقدم أيضا. # المسألة الخامسة عشرة في توقف العلم على الاستعداد قال: ولا بد فيه من ~~الاستعداد أما الضروري فبالحواس وأما الكسبي فبالأول. # أقول: قد بينا أن العلم إما ضروري وإما كسبي، وكلاهما حصل بعد عدمه إذ ~~الفطرة البشرية خلقت أولا عارية عن العلوم ثم يحصل لها العلم بقسميه، فلا ~~بد من استعداد سابق مغاير ms183 للنفس وفاعل للعلم، فالضروري فاعله هو الله تعالى ~~إذ القابل لا يخرج المقبول من القوة إلى الفعل بذاته وإلا لم ينفك عنه، ~~وللقبول درجات مختلفة في القرب والبعد. وإنما تستعد النفس للقبول على ~~التدريج فتنتقل من أقصي مراتب البعد إلى أدناها قليلا قليلا لأجل المعدات ~~التي هي الإحساس بالحواس على اختلافها والتمرن عليها وتكرارها مرة بعد ~~أخرى، فيتم الاستعداد # PageV00P336 # لإفاضة العلوم البديهية الكلية من التصورات والتصديقات فهي كليات تلك ~~المحسوسات (1). # وأما النظرية فإنها مستفادة من النفس أو من الله تعالى على اختلاف الآراء ~~لكن بواسطة الاستعداد بالعلوم البديهية، أما في التصورات فبالحد والرسم، ~~وأما في التصديقات فبالقياسات المستندة إلى المقدمات الضرورية. # المسألة السادسة عشرة في المناسبة بين العلم والادراك قال: وباصطلاح ~~يفارق (2) الإدراك مفارقة الجنس النوع وباصطلاح آخر مفارقة النوعين. # أقول: إعلم أن العلم يطلق على الإدراك للأمور الكلية كاللون والطعم ~~مطلقا، ويطلق الإدراك على الحضور عند المدرك مطلقا فيكون شاملا للعلم ~~وللإدراك الجزئي - أعني المدرك بالحس - كهذا اللون وهذا الطعم، ولا يطلق ~~العلم على هذا النوع من الادراك، ولذلك لا يصفون الحيوانات العجم بالعلم ~~وإن وصفوها بالإدراك، فيكون الفرق بين العلم والإدراك مطلقا على هذا ~~الاصطلاح فرق ما بين النوع والجنس النوع هو العلم والجنس هو الادراك. # وقد يطلق الإدراك باصطلاح آخر على الاحساس لا غير فيكون الفرق بينه وبين ~~العلم هو الفرق ما بين النوعين الداخلين تحت الجنس وهو الإدراك مطلقا هنا. # المسألة السابعة عشرة في أن العلم بالعلة يستلزم العلم بالمعلول قال: ~~وتعلقه على التمام بالعلة يستلزم تعلقه كذلك بالمعلول. # PageV00P337 # أقول: العلم بالعلة يقع باعتبارات ثلاثة، الأول: العلم بماهية العلة من ~~حيث هي ذات وحقيقة لا باعتبار آخر، وهذا لا يستلزم العلم بالمعلول لا على ~~التمام ولا على النقصان. # الثاني: العلم بها من حيث هي مستلزمة لذات أخرى وهو علم ناقص بالعلة ~~فيستلزم علما ناقصا بالمعلول من حيث إنه لازم للعلة لا من حيث ماهيته. # الثالث: العلم بذاتها وماهيتها ولوازمها وملزوماتها وعوارضها ومعروضاتها ~~وما لها في ذاتها ms184 وما لها بالقياس إلى الغير، وهذا هو العلم التام بالعلة ~~وهو يستلزم العلم التام بالمعلول فإن ماهية المعلول وحقيقته لازمة لماهية ~~العلة، وقد فرض تعلق العلم بها من حيث ذاتها ولوازمها. # المسألة الثامنة عشرة في مراتب العلم قال: ومراتبه ثلاث. # أقول: ذكر الشيخ أبو علي (1) أن للتعقل ثلاث مراتب: الأولى: أن يكون ~~بالقوة المحضة وهو عدم التعقل عما من شأنه ذلك. الثانية: أن يكون بالفعل ~~التام كما إذا علم الشئ علما تفصيليا. الثالثة: العلم بالشئ إجمالا كمن علم ~~مسألة ثم غفل عنها ثم سئل عنها فإنه يحضر الجواب عنها في ذهنه، وليس ذلك ~~بالقوة المحضة لأنه في الوقت عالم باقتداره على الجواب وهو يتضمن علمه بذلك ~~الجواب وليس علما بها على جهة التفصيل وهو ظاهر. # المسألة التاسعة عشرة في كيفية العلم بذي السبب قال: وذو السبب إنما يعلم ~~به كليا. # PageV00P338 # أقول: إعلم أن الشئ إذا كان ذا سبب فإنه أنما يعلم بسببه لأنه بدون السبب ~~ممكن وإنما يجب بسببه، فإذا نظر إليه من حيث هو هو لم يحكم العقل بوقوعه ~~ولا بعدمه وإنما يحكم بأحدهما إذا عقل وجود السبب أو عدمه، فذو السبب إنما ~~يحكم بوجوده أو عدمه بالنظر إلى سببه. إذا ثبت هذا فإن ذا السبب أنما يعلم ~~كليا لأن كونه صادرا عن الشئ تقييد له بأمر كلي أيضا، وتقييد الكلي بالكلي ~~لا يقتضي الجزئية. # وتحقيق هذا أنك إذا عقلت كسوفا شخصيا من جهة سببه وصفاته الكلية التي ~~يكون كل واحد منها نوعا مجموعا في شخصه كان العلم به كليا، والكسوف وإن كان ~~شخصيا فإنه عند ذلك يصير كليا ويكون نوعا مجموعا في شخص، والنوع المجموع في ~~شخص، له معقول كلي لا يتغير وما يستند إليه من صفاته وأحواله يكون مدركا ~~بالعقل فلا يتغير فإنه كلما حصلت علل الشخصي وأسبابه وجب حصول ذلك الجزئي، ~~فيقال: إن هذا الشخصي أسبابه كذا، وكلما حصلت هذه الأسباب كان هذا الشخصي ~~أو مثله فيكون كليا بعلله. # المسألة العشرون في تفسير العقل قال: والعقل ms185 غريزة يلزمها العلم ~~بالضروريات عند سلامة الآلات. # أقول: هذا هو المحقق في تفسير العقل، وقد فسره قوم بأنه العلم بوجوب ~~الواجبات واستحالة المستحيلات لامتناع انفكاك أحدهما عن الآخر، وهو ضعيف ~~لعدم الملازمة بين التلازم والاتحاد. # قال: ويطلق على غيره بالاشتراك. # أقول: لفظة العقل مشتركة بين قوى النفس الانسانية وبين الموجود المجرد في ~~ذاته وفعله معا، ويندرج تحته عند الأوائل عقول عشرة سبق البحث فيها. ~~PageV00P339 # أما القوى النفسانية فيقال: عقل علمي وعقل عملي، أما العلمي فأول مراتبه ~~الهيولاني وهو الذي من شأنه الاستعداد المحض من غير حصول علم ضروري أو ~~كسبي. # وثانيها العقل بالملكة وهو الذي استعد بحصول العلوم الضرورية لإدراك ~~النظريات فصار له بتلك الأوليات ملكة الانتقال إلى النظريات، وأعلى درجات ~~هذه المرتبة ما يسمى القوة القدسية، وأدناها مرتبة البليد الذي تثبت أفكاره ~~دون حصول مطالبه، وبين هاتين الدرجتين درجات متفاوتة في القرب والبعد بحسب ~~شدة الاستعداد وضعفه. # وثالثها العقل بالفعل وهو أن تكون النفس بحيث متى شاءت استحضرت العلوم ~~النظرية المكتسبة من العلوم الضرورية لا على أنها بالفعل موجودة. # ورابعها العقل المستفاد وهو حصول تلك النظريات بالفعل وهو آخر درجات كمال ~~النفس في هذه القوة. # وأما العملي فيطلق على القوة التي باعتبارها يحصل التمييز بين الأمور ~~الحسنة والقبيحة، وعلى المقدمات التي يستنبط بها الأمور الحسنة والقبيحة، ~~وعلى فعل الأمور الحسنة والقبيحة. # المسألة الحادية والعشرون في الاعتقاد والظن وغيرهما قال: والاعتقاد يقال ~~لأحد قسميه. # أقول: الاعتقاد من الأمور الضرورية، لكن اختلفوا في أنه هل هو من قبيل ~~العلوم أو جنس مغاير لها؟ فقال جماعة بالأول، وذهب أبو الهذيل العلاف إلى ~~الثاني، وأبطله أبو علي الجبائي بأنه لو كان كذلك لكان إما مثلا للعلم وهو ~~المطلوب أو ضدا فلا يجتمعان مع أنهما قد يجتمعان أو مخالفا فلا ينتفيان ~~بالضد الواحد. PageV00P340 # والتحقيق هنا أن نقول: إن الاعتقاد أحد قسمي العلم، وذلك لأنا قد بينا أن ~~العلم يقال على التصور وعلى التصديق كأنه جنس لهما، والاعتقاد هو التصديق ~~وهو قسم من قسمي العلم. ms186 # قال: فيتعاكسان في العموم والخصوص. # أقول: هذا نتيجة ما مضى، والذي نفهم منه أن الاعتقاد قد ظهر أنه أحد قسمي ~~العلم فهو أخص منه بهذا الاعتبار، لأن العلم شامل للتصور والتصديق الذي هو ~~الاعتقاد، والاعتقاد باعتبار آخر أعم من العلم لأنه شامل للظن والجهل ~~المركب واعتقاد المقلد. فهذا ما ظهر لنا من قوله: فيتعاكسان أي الاعتقاد ~~والعلم في العموم والخصوص. # واعلم أن لنا في هذا الكلام على هذا التفسير نظرا، وذلك لأن الاعتقاد ~~أنما يكون قسما من العلم لو أخذ العلم التصديقي بالاعتبار الأعم الشامل ~~للعلم بمعنى اليقين والظن والجهل المركب واعتقاد المقلد، وحينئذ لا يتم ~~التعاكس لأن الاعتقاد لا يكون أعم من العلم بهذا الاعتبار فالواجب أن يراد ~~باعتبار اصطلاحين أو ما يؤدي معناه. # قال: ويقع فيه التضاد بخلاف العلم. # أقول: إعلم أن الاعتقاد منه ما هو متماثل ومنه ما هو مختلف، والمختلف على ~~قسمين متضاد وغير متضاد، وهذا ظاهر لكن وجه التضاد عند أبي علي الجبائي ~~تعلقه بالضدين فحكم بتضاد اعتقادي الضدين، وقال به أبو هاشم أولا ثم حكم ~~بأن تضاده أنما هو لتعلقه بالايجاب والسلب لا غير، أما العلم فلا يقع فيه ~~تضاد لوجوب المطابقة فيه. # قال: والسهو عدم ملكة العلم (1) وقد يفرق بينه وبين النسيان. # PageV00P341 # أقول: هذا هو المشهور عند الأوائل والمتكلمين، وذهب الجبائيان إلى أن ~~السهو معنى يضاد العلم، وقد فرق الأوائل بينه وبين النسيان فقالوا: إن ~~السهو زوال الصورة عن المدرك خاصة دون الحافظ والنسيان زوالها عنهما معا. # قال: والشك تردد الذهن بين الطرفين. # أقول: الشك هو سلب الاعتقاد وتردد الذهن بين طرفي النقيض على التساوي ~~وليس معنى قائما بالنفس وهو مذهب الأوائل وأبي هاشم. وقال أبو علي: إنه ~~معنى يضاد العلم، واختاره البلخي لتجدده بعد أن لم يكن، وهو خطأ لعدم اتحاد ~~المتعلق الذي هو شرط في تضاد المتعلقات. # قال: وقد يصح تعلق كل من الاعتقاد والعلم بنفسه وبالآخر فيتغاير الاعتبار ~~لا الصور. # أقول: إعلم أن العلم والاعتقاد من قبيل النسب والإضافات يصح ms187 تعلقهما ~~بجميع الأشياء حتى بأنفسهما فيصح تعلق الاعتقاد بالاعتقاد وبالعلم وكذا ~~العلم يتعلق بنفسه وبالاعتقاد، إذا عرفت هذا فإذا تعلق العلم بنفسه وجب ~~تعدد الاعتبار إذ العلم كان آلة ينظر به، وباعتبار تعلق العلم به يصير شيئا ~~منظورا فيه، وكون الشئ معلوما مغاير لاعتبار كونه علما فلا بد من تغاير ~~الاعتبار، أما الصور فلا وإلا لزم وجود صور لا تتناهى بالنسبة إلى معلوم ~~واحد، لأن العلم بالشئ لا ينفك عن العلم بالعلم بذلك الشئ عند اعتبار ~~المعتبرين. (واعلم) أن العلم بالعلم علم بكيفية وهيئة للعالم يقتضي النسبة ~~إلى معلوم ذلك العلم وليس علما بالمعلوم كما ذهب إليه الجبائيان. # قال: والجهل بمعنى يقابلهما وآخر (1) قسم لأحدهما. # أقول: إعلم أن الجهل يقال على معنيين: بسيط ومركب، فالبسيط هو عدم # PageV00P342 # العلم عما من شأنه أن يكون عالما، وبهذا المعنى يقابل العلم والاعتقاد ~~مقابلة العدم والملكة. والمركب هو اعتقاد الشئ على خلاف ما هو عليه وهو قسم ~~للاعتقاد إذ الاعتقاد جنس للجهل وغيره، ويسمى الأول بسيطا نظرا إلى عدم ~~تركبه والثاني مركبا لتركبه من اعتقاد وعدم مطابقة. # قال: والظن ترجيح أحد الطرفين وهو غير اعتقاد الرجحان. # أقول: الظن ترجيح أحد الطرفين - أعني طرف الوجود وطرف العدم - ترجيحا غير ~~مانع من النقيض، ولا بد من هذا القيد ليخرج الاعتقاد الجازم. # واعلم أن رجحان الاعتقاد مغاير لاعتقاد الرجحان، لأن الأول ظن لا غير ~~والثاني قد يكون علما. # قال: ويقبل الشدة والضعف وطرفاه علم وجهل. # أقول: لما كان الظن عبارة عن ترجيح الاعتقاد من غير منع النقيض وكان ~~للترجيح مراتب داخلة بين طرفي شدة في الغاية وضعف في الغاية كان قابلا ~~للشدة والضعف، وطرفاه العلم الذي لا مرتبة بعده للرجحان والجهل البسيط الذي ~~لا ترجيح معه البتة أعني الشك المحض. # المسألة الثانية والعشرون في النظر وأحكامه قال: وكسبي العلم يحصل بالنظر ~~مع سلامة جزئيه ضرورة. # أقول: قد بينا أن العلم ضربان: ضروري لا يفتقر إلى طلب وكسب، ونظري يفتقر ~~إليه. فالثاني هو المكتسب بالنظر وهو ترتيب أمور ms188 ذهنية للتوصل إلى أمر ~~مجهول، فالترتيب جنس بعيد لأنه كما يقع في الأمور الذهنية كذلك يقع في ~~الأشياء الخارجية، فالتقييد بالأمور الذهنية يخرج الأخير عنه. # ثم الترتيب الخاص قد يراد لاستحصال ما ليس بحاصل، وقد لا يكون كذلك. ~~PageV00P343 # فالثاني ليس بنظر وهذا الحد قد اشتمل على العلل الأربع للنظر أعني المادة ~~والصورة والغاية وفيه إشارة إلى الفاعل، وهذه الأمور قد تكون تصورات هي إما ~~حدود أو رسوم يستفاد منها علم بمفرد، وقد تكون تصديقات يكتسب بها تصديق. # واعلم أن النظر لما كان مركبا اشتمل بالضرورة على جزء مادي وجزء صوري، ~~فالمادي هو المقدمات والصوري هو الترتيب بينها، فإذا سلم هذان الجزءان بأن ~~كان الحمل والوضع والربط والجهة على ما ينبغي وكان الترتيب على ما ينبغي ~~حصل العلم بالمطلوب بالضرورة هذا في التصديقات، وكذا في التصورات فإنه إذا ~~كان الحد مشتملا على جنس قريب وفصل أخير وقدم الجنس على الفصل حصل تصور ~~المحدود قطعا، وإليه أشار المصنف بقوله: مع سلامة جزئيه يعني الجزء المادي ~~والجزء الصوري. # واعلم أن الناس اختلفوا هنا، فقال من لا مزيد تحصيل له: إن النظر لا يفيد ~~العلم لأن العلم بإفادته للعلم إن كان ضروريا لزم اشتراك العقلاء فيه، وإن ~~كان نظريا تسلسل، ولأن النظر لو استلزم العلم لم يختلف الناس في آرائهم ~~لاشتراكهم في العلوم الضرورية التي هي مبادئ النظرية. وذهب المحققون إلى ~~أنه يفيد العلم بالضرورة فإنا متى اعتقدنا أن العالم ممكن وأن كل ممكن محدث ~~حصل لنا العلم بالضرورة بأن العالم محدث فخرج الجواب عن الشبهة الأولى ~~بقوله: # ضرورة، ولا يجب اشتراك العقلاء في الضروريات فإن كثيرا من الضروريات ~~يتشكك فيها بعض الناس إما لخفاء في التصور أو لغير ذلك، وخرج الجواب عن ~~الشبهة الثانية بقوله: مع سلامة جزئيه، وذلك لأن اختلاف الناس في الاعتقاد ~~أنما كان بسبب تركهم الترتيب الصحيح وغفلتهم عن شرائط الحمل وغير ذلك من ~~أسباب الغلط، أما في الجزء المادي أو الصوري فإذا سلما حصل المطلوب لكل من ~~حصل له ms189 سلامة الجزئين. # قال: ومع فساد أحدهما قد يحصل ضده. PageV00P344 # أقول: النظر إذا فسد إما من جهة المادة أو من جهة الصورة لم يحصل العلم، ~~وقد يحصل ضده أعني الجهل وقد لا يحصل، والضابط في ذلك أن نقول: إن كان ~~الفساد من جهة الصورة لم تلزم النتيجة الباطلة وإن كان من جهة المادة لا ~~غير كان القياس منتجا، فإن كانت الصغرى في الشكل الأول صادقة والكبرى كاذبة ~~في كل واحد (1) كانت النتيجة كاذبة قطعا وإلا جاز أن تكون صادقة وأن تكون ~~كاذبة. # وبهذا التحقيق ظهر بطلان ما يقال من أن النظر الفاسد لا يستلزم الجهل ~~وإلا لكان المحق إذا نظر في شبهة المبطل أفاده الجهل وليس كذلك مع أنه ~~معارض بالنظر الصحيح، فإن شرط اعتقاد حقية المقدمات في الصحيح شرطناه نحن ~~في الفاسد أيضا. # قال: وحصول العلم عن الصحيح واجب. # أقول: اختلف الناس هنا، فالمعتزلة على أن النظر مولد للعلم وسبب له، ~~والأشاعرة قالوا: إن الله تعالى أجرى عادته بخلق العلم عقيب النظر وليس ~~النظر موجبا ولا سببا للعلم، واستدلوا على ذلك بأن العلم الحادث أمر ممكن ~~والله تعالى قادر على كل الممكنات فاعل لها على ما يأتي في خلق الأعمال، ~~فيكون العلم من فعله، والمعتزلة لما أبطلوا القول باستناد الأفعال ~~الحيوانية إلى الله تعالى بطل عندهم هذا الاستدلال، ولما رأوا العلم يحصل ~~عقيب النظر وبحسبه وينتفي عند انتفائه حكموا عليه بأنه سبب له كما في سائر ~~الأسباب. والحق أن النظر الصحيح يجب عنده حصول العلم ولا يمكن تخلفه عنه، ~~فإنا نعلم قطعا أنه متى حصل لنا اعتقاد المقدمتين فإنه يجب حصول النتيجة، ~~قالت الأشاعرة: التذكر لا يولد العلم فكذا النظر بالقياس عليه والجواب ~~الفرق بينهما ظاهر. # قال: ولا حاجة إلى المعلم. # PageV00P345 # أقول: ذهبت الملاحدة إلى أن النظر غير كاف في حصول المعارف بل لا بد من ~~معونة من المعلم للعقل لتعذر العلم بأظهر الأشياء وأقربها من دون مرشد، ~~وأطبق العقلاء على خلافه لأنا متى حصلت المقدمتان لنا على الترتيب المخصوص ms190 ~~حصل لنا الجزم بالنتيجة سواء كان هناك معلم أو لا، وصعوبة تحصيل المعرفة ~~بأظهر الأشياء لا يدل على امتناعها مطلقا من دون المعلم، وقد ألزمهم ~~المعتزلة الدور والتسلسل لتوقف العلم بصدقه على العلم بتصديق الله تعالى ~~إياه بواسطة المعجزة، فلو توقفت المعرفة بالله تعالى عليه دار، ولأن احتياج ~~كل عارف إلى معلم يستلزم حاجة المعلم إلى آخر ويتسلسل. وهذان الإلزامان ~~ضعيفان، لأن الدور لازم على تقدير استقلال المعلم بتحصيل المعارف وليس كذلك ~~بل هو مرشد إلى استنباط الأحكام من الأدلة التي من جملتها ما يدل على صدقه ~~من المقدمات والتسلسل يلزم لو وجب مساواة عقل المعلم لعقولنا، أما على ~~تقدير الزيادة فلا. # قال: نعم لا بد من الجزء الصوري. # أقول: يشير بذلك إلى ترتيب المقدمات فإنه لا بد مع حصول المقدمتين في ~~الذهن من ترتيب حاصل بينهما ليحصل العلم بالنتيجة وهو الجزء الصوري للنظر، ~~إذ لولا الترتيب لحصلت العلوم الكسبية لجيمع العقلاء ولم يقع خلل لأحد في ~~اعتقاده. وقيل: لا حاجة إليه وإلا لزم التسلسل أو اشتراط الشئ بنفسه وهو ~~سهو، فإن التسلسل يلزم لو قلنا بافتقار كل زائد إلى ترتيب وليس كذلك بل ~~المفتقر إلى الترتيب إنما هو الأجزاء المادية خاصة. # قال: وشرطه عدم الغاية وضدها وحضورها. # أقول: الذي فهمناه من هذا الكلام أن شرط النظر عدم العلم بالمطلوب الذي ~~هو غاية النظر وإلا لزم تحصيل الحاصل، ويشترط أيضا عدم ضدها أعني الجهل ~~المركب لأنه باعتقاده حصول العلم له لا يطلبه فلا يتحقق النظر في طرفه، ~~PageV00P346 # ويشترط أيضا حضورها (1) أعني حضور المطلوب الذي هو الغاية، إذ الغافل عن ~~الشئ لا يطلبه والنظر نوع من الطلب. # قال: ولوجوب ما يتوقف عليه العقليان (2) وانتفاء ضد المطلوب على تقدير ~~ثبوته كان التكليف به عقليا. # أقول: اختلف الناس في وجوب النظر هل هو عقلي أو سمعي؟ فذهبت المعتزلة إلى ~~الأول والأشاعرة إلى الثاني، أما المعتزلة فاستدلوا على وجوب النظر عقلا ~~بأن معرفة الله تعالى واجبة مطلقا ولا تتم إلا بالنظر وما لا يتم ms191 الواجب ~~المطلق إلا به فهو واجب، فهاهنا ثلاث مقدمات: إحداها: أن معرفة الله تعالى ~~واجبة مطلقا، واستدلوا على ذلك بوجهين: الأول: أن معرفة الله تعالى دافعة ~~للخوف الحاصل من الاختلاف وغيره ودفع الخوف واجب عقلا، الثاني: أن شكر الله ~~تعالى واجب لأن نعمه على العبد كثيرة، والمقدمتان ضروريتان والشكر لا يتم ~~إلا بالمعرفة ضرورة. الثانية: أن معرفة الله تعالى لا تتم إلا بالنظر وذلك ~~قريب من الضرورة إذ المعرفة ليست ضرورية قطعا فهي كسبية ولا كاسب سوى النظر ~~إذ التقليد يستند إليه وتصفية الخاطر إن انفلت عن ترتيب المقدمات لم يحصل ~~منها علم بالضرورة. الثالثة: أن ما لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب ~~وإلا لخرج الواجب المطلق عن كونه واجبا أو لزم تكليف ما لا يطاق، لأن الشرط ~~إذا لم يكن واجبا جاز تركه، فحينئذ إما أن يجب على المكلف المشروط أو لا، ~~والثاني يلزم منه خروجه عن كونه واجبا مطلقا، والأول يلزم منه تكليف ما لا ~~يطاق، إذ وجوب المشروط حال عدم الشرط إيجاب لغير المقدور وهو محال، فثبت أن ~~وجوب النظر عقلي ولا يجب سمعا خاصة وإلا لم يجب، والتالي باطل فالمقدم ~~مثله. بيان الشرطية أن النظر إذا لم يجب إلا بالسمع لزم إفحام الأنبياء لأن ~~النبي إذا جاء إلى # PageV00P347 # المكلف وأمره باتباعه لم يجب على المكلف الامتثال حتى يعلم صدقه ولا يعلم ~~صدقه إلا بالنظر، فإذا امتنع المكلف من النظر حتى يعرف وجوبه عليه لم يجز ~~استناد الوجوب إلى النبي لعدم العلم بصدقه حينئذ ولا وجوب عقلي فينتفي ~~الوجوب على تقدير الوجوب السمعي. إذا عرفت هذا فنقول: قوله: ولوجوب ما ~~يتوقف عليه العقليان، أشار بلفظة ما إلى المعرفة والعقليان أشار به إلى ~~وجوب الشكر ووجوب دفع الخوف عن النفس. وقوله: وانتفاء ضد المطلوب على تقدير ~~ثبوته، يشير به إلى انتفاء الوجوب السمعي الذي هو ضد المطلوب لأن المطلوب ~~هو الوجوب العقلي وضده هو الوجوب السمعي. وقوله: على تقدير ثبوته، يعني لو ~~فرض الوجوب سمعيا لم ms192 يكن واجبا، فهذا ما فهمناه من كلامه في هذا الموضع. # وأما الأشعرية فقد احتجوا بوجهين: الأول: قوله تعالى: (وما كنا معذبين ~~حتى نبعث رسولا) نفى التعذيب بدون البعثة فلا يكون النظر واجبا قبلها. ~~الثاني: # لو وجب النظر فإما لفائدة عاجلة والواقع مقابلها أو آجلة وحصولها ممكن ~~بدون النظر، فتوسط النظر عبث وكذا إن لم يكن لفائدة، ثم قالوا: ما ~~ألزمتمونا به من الافحام على تقدير الوجوب السمعي لازم لكم على تقدير ~~الوجوب العقلي، لأن وجوب النظر وإن كان عقليا إلا أنه كسبي، فالمكلف إذا ~~جاءه النبي وأمره باتباعه كان له أن يمتنع حتى يعرف صدقه، ولا يعرف صدقه ~~إلا بالنظر، والنظر لا يجب عليه بالضرورة بل بالنظر، فقبل النظر لا يعرف ~~وجوبه فله أن يقول: لا أنظر حتى أعرف وجوب النظر، وذلك يستلزم الافحام ~~أيضا. # والجواب عن الأول التخصيص، وهو حمل نفي التعذيب المتوقف على الرسالة على ~~ترك التكليف السمعي، أو تأول الرسول بالعقل جمعا بين الأدلة. # وعن الثاني أن الفائدة عاجلة وهي زوال الخوف وآجلة وهي نيل الثواب ~~بالمعرفة الذي لا يمكن الابتداء به في الحكمة. # وعن الثالث أن وجوب النظر وإن كان نظريا إلا أنه فطري القياس، فكان ~~الإلزام عائدا على الأشاعرة دون المعتزلة. PageV00P348 # قال: وملزوم العلم دليل والظن أمارة. # أقول: لما كان النظر متعلقا بما يستلزم العلم من الاعتقادات أو الظن وجب ~~البحث عن المتعلق، فالمستلزم للعلم يسمى دليلا والمستلزم للظن يسمى أمارة، ~~وقد يقال الدليل على معنى أخص من المذكور وهو الاستدلال بالمعلول على ~~العلة. # قال: وبسائطه عقلية ومركبة لاستحالة الدور. # أقول: بسائط الدليل يعني به مقدماته فإن الدليل لما كان مركبا من مقدمتين ~~كانت كل واحدة من تينك المقدمتين جزءا بسيطا بالنسبة إلى الدليل وإن كانت ~~مركبة في نفس الأمر. إذا عرفت هذا فالمقدمات قد تكون عقلية محضة وقد تكون ~~مركبة من عقلي وسمعي، ولا يمكن تركبها من سمعيات محضة وإلا لزم الدور لأن ~~السمعي المحض ليس بحجة إلا بعد معرفة صدق الرسول، وهذه المقدمة ms193 لو استفيدت ~~بالسمع دار بل هي عقلية محضة، فإذن إحدى مقدمات النقليات كلها عقلية، ~~والضابط في ذلك أن كل ما يتوقف عليه صدق الرسول لا يجوز إثباته بالنقل، وكل ~~ما يتساوى طرفاه بالنسبة إلى العقل لا يجوز إثباته بالعقل وما عدا هذين ~~يجوز إثباته بهما. # قال: وقد يفيد اللفظي القطع. # أقول: قيل: إن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين لتوقفه على أمور كلها ظنية ~~وهي: # اللغة والنحو والتصريف وعدم الاشتراك والمجاز والنقل والتخصيص والاضمار ~~والنسخ والتقديم والتأخير والمعارض العقلي، والحق خلاف هذا فإن كثيرا من ~~الأدلة اللفظية تعلم دلالتها على معانيها قطعا وانتفاء هذه المفاسد عنها. # قال: ويجب تأويله عند التعارض. # أقول: إذا تعارض دليلان نقليان أو دليل عقلي ونقلي وجب تأويل النقل، أما ~~مع تعارض النقلين فظاهر لامتناع تناقض الأدلة، وأما مع تعارض العقلي ~~والنقلي PageV00P349 # فكذلك أيضا. وإنما خصصنا النقلي بالتأويل لامتناع العمل بهما وإلغائهما ~~والعمل بالنقلي وإبطال العقلي لأن العقلي أصل للنقلي، فلو أبطلنا الأصل لزم ~~إبطال الفرع أيضا، فوجب العدول إلى تأويل النقلي وإبقاء الدليل العقلي على ~~مقتضاه. # قال: وهو قياس وقسيماه. # أقول: الضمير في وهو عائد على الدليل مطلقا، واعلم أن الدليل ينقسم إلى ~~ثلاثة أقسام: قياس واستقراء وتمثيل، وإلى الأخيرين أشار بقوله: وقسيماه، ~~وذلك لأن الاستدلال إما أن يكون بالعام على الخاص أو بالعكس أو بأحد ~~المتساويين المندرجين تحت عام شامل لهما على الآخر. فالأول هو أجلى الأدلة ~~وأشرفها لأفادته اليقين وهو المسمى بالقياس أخذا من المحاذاة، كأن القائس ~~يطلب محاذاة النتيجة للمقدمتين في العلم، والثاني الاستقراء أخذا من قصد ~~القرى قرية فقرية، كأن المستقرئ يتبع الجزئيات، والثالث التمثيل. # قال: فالقياس اقتراني واستثنائي. # أقول: القياس إما أن يكون المطلوب أو نقيضه مذكورا فيه بالفعل أو بالقوة، ~~والأول يسمى الاستثنائي والثاني الاقتراني، مثال الأول: إن كان هذا انسانا ~~فهو حيوان لكنه انسان ينتج أنه حيوان فالنتيجة مذكورة بالفعل، أو نقول: ~~لكنه ليس بحيوان ينتج أنه ليس بانسان، فالنقيض مذكور في القياس بالفعل. ~~ومثال الثاني: # كل انسان حيوان ms194 وكل حيوان جسم، ينتج كل انسان جسم وهو مذكور في القياس ~~بالقوة. # قال: فالأول باعتبار الصورة القريبة أربعة والبعيدة اثنان. # أقول: الذي فهمناه من هذا الكلام أن القياس الاقتراني له اعتباران: ~~أحدهما بحسب مادته أعني مقدماته، والثاني بحسب صورته أعني الهيئة والترتيب ~~اللاحقين به العارضين لمجموع المقدمات وهو ما يسمى باعتباره شكلا، وهو بهذا ~~الاعتبار على أربعة أقسام كل قسم سموه شكلا، لأن الحد الأوسط إن كان محمولا ~~PageV00P350 # في الصغرى موضوعا في الكبرى فهو الشكل الأول كقولنا: كل (ج ب) وكل (ب ا)، ~~وإن كان محمولا فيهما فهو الثاني كقولنا: كل (ج ب) ولا شئ من (ا ب)، وإن ~~كان موضوعا فيهما فهو الثالث كقولنا: كل (ج ب) وكل (ج ا)، وإن كان موضوعا ~~في الصغرى محمولا في الكبرى فهو الرابع كقولنا: كل (ج ب) وكل (ا ج)، وهذه ~~القسمة باعتبار الصورة القريبة. وأما بالنظر إلى المادة فله اعتباران أيضا: ~~أحدهما باعتبار صورة كل مقدمة والثاني باعتبار مادتها، فبالاعتبار الأول ~~وهو اعتباره بالنظر إلى الصورة البعيدة ينقسم إلى قسمين: حملي وشرطي، ~~فالحملي كما قلنا، والشرطي كقولنا: كلما كان (أب) ف‍ (ج د) وكلما كان (ج د) ~~ف‍ (ه‍ ز) ينتج كلما كان (أب) ف‍ (ه‍ ز) أو نقول: كلما كان (أب) ف‍ (ج د) ~~وليس البتة إذا كان (ه‍ ز) ف‍ (ج د) أو نقول: كلما كان (أب) ف‍ (ج د) وكلما ~~كان (أب) ف‍ (ه‍ ز) أو نقول: كلما كان (أب) ف‍ (ج د) وكلما كان (ه‍ ز) ف‍ ~~(أب). # قال: وباعتبار المادة القريبة خمسة والبعيدة أربعة. # أقول: مقدمات القياس هي المادة البعيدة له باعتبار مقدمة مقدمة ومجموعها ~~لا باعتبار صورة خاصة وشكل معين هي المادة القريبة، ومقدمات القياس أربع: # مسلمات ومظنونات ومشبهات ومخيلات، هذا باعتبار المادة البعيدة. وأما ~~باعتبار المادة القريبة فأقسام القياس خمسة: البرهان والجدل والخطابة ~~والسفسطة والشعر. # قال: والثاني متصل فناتجه أمران وكذا غير الحقيقي من المنفصل، ومنه ضعفه. # أقول: الثاني هو الاستثنائي وهو ضربان: الأول: ms195 أن تكون مقدمته الشرطية ~~متصلة وينتج منه قسمان: أحدهما: استثناء عين المقدم لعين التالي، والثاني: # استثناء نقيض التالي لنقيض المقدم. والثاني: أن تكون منفصلة وهو قسمان ~~أيضا: # أحدهما أن تكون غير حقيقية، والثاني أن تكون حقيقية، فغير الحقيقية ~~ضربان: PageV00P351 # مانعة الجمع وينتج قسمان منها استثناء عين المقدم لنقيض التالي واستثناء ~~عين التالي لنقيض المقدم، ومانعة الخلو وينتج قسمان منها أيضا استثناء نقيض ~~المقدم لعين التالي واستثناء نقيض التالي لعين المقدم. وأما الحقيقة فإنها ~~تنتج أربع نتائج من استثناء عين المقدم لنقيض التالي وبالعكس، ومن استثناء ~~عين التالي لنقيض المقدم وبالعكس. # قال: والأخيران يفيدان الظن، وتفاصيل هذه الأشياء مذكورة في غير هذا ~~الفن. # أقول: يريد بالأخيرين الاستقراء والتمثيل وهما يفيدان الظن لا العلم، ~~واعلم أن تفاصيل هذه الأشياء وبيان شرائطها مذكورة في علم المنطق وإنما ~~انساق الكلام إليه هنا. # قال: والتعقل والتجرد متلازمان لاستلزام انقسام المحل انقسام الحال، فإن ~~تشابهت (1) عرض الوضع للمجرد وإلا تركب مما لا يتناهى. # أقول: هذه المسألة وما بعدها من تتمة مباحث التعقل، وقد ادعى هنا أن ~~التعقل والتجرد متلازمان بمعنى أن كل عاقل مجرد وبالعكس (أما الأول) فاستدل ~~عليه بعد ما تقدم بأن التعقل حال في ذات العاقل فذلك المحل إما أن ينقسم أو ~~لا، والثاني هو المراد والأول باطل لأن انقسام المحل يستدعي انقسام الحال، ~~إذ الحال إما أن يحل بتمامه في جزئي المحل أو في أحد جزئيه أو لا يحل في شئ ~~منه، والأول يلزم منه الانقسام إن كان الحال في أحد الجزئين غير الحال في ~~الآخر أو تعدد الواحد إن اتحدا، والثاني يفيد المطلوب والثالث خلاف الفرض. # فإذا ثبت ذلك فالجزءان إما أن يتشابها أو يختلفا، والأول يستلزم وجود ~~المقدار لما فرض مجردا والثاني يستلزم وجود ما لا يتناهى من الأجزاء للصورة ~~العقلية # PageV00P352 # وذلك بحسب ما في المحل من الانقسامات الممكنة. # قال: ولاستلزام التجرد صحة المعقولية المستلزمة لإمكان المصاحبة. # أقول: هذا دليل الحكم الثاني وهو أن كل مجرد عاقل، وتقريره أن كل مجرد ms196 ~~فإنه يصح أن يكون معقولا بالضرورة، إذ العائق عن التعقل أنما هو المادة لا ~~غير وكلما صح أن يكون معقولا وحده صح أن يكون معقولا مع غيره وهو قطعي، ~~فإذن كل مجرد فإنه يصح أن يقارن غيره فنقول: هذه الصحة إما أن تتوقف على ~~ثبوت المجرد في العقل أو لا، والأول محال لأن الثبوت في العقل نوع من ~~المقارنة فيلزم توقف إمكان الشئ على وقوعه وهو باطل بالضرورة والثاني هو ~~المطلوب. # وهذا الدليل عندي في غاية الضعف، لأن توقف إمكان مقارنة المجرد المعقول ~~للصورة المعقولة على ثبوت مقارنة المجرد للعقل لا يقتضي توقف الإمكان على ~~الوقوع، إذ الإمكان هنا عائد إلى مقارنة المعقول للمعقول وهي غير، والثبوت ~~عائد إلى مقارنة المعقول للعاقل وهي غير فلا يلزم ما ذكر من المحال. # المسألة الثالثة والعشرون في أحكام القدرة قال: ومنها القدرة وتفارق ~~الطبيعة والمزاج بمقارنة الشعور والمغايرة في التابع. # أقول: لما فرغ من البحث عن العلم شرع في البحث عن القدرة، وأشار بقوله: # ومنها أي ومن الكيفيات النفسانية لأنها صفة قائمة بذوات الأنفس. # واعلم أن الجسم من حيث هو غير مؤثر وإلا لتساوت الأجسام في ذلك، وإنما ~~يؤثر باعتبار صفة قائمة به، والصفة المؤثرة إما أن تؤثر مع الشعور أو بدونه ~~وعلى كلا التقديرين إما أن يتشابه التأثير أو يختلف، فالأقسام أربعة: ~~أحدها: # الصفة المقترنة بالشعور المتفقة في التأثير وهي القوة الفلكية. الثاني: ~~المقترنة PageV00P353 # بالشعور المختلفة في التأثير وهي القوة الحيوانية أعني القدرة التي يأتي ~~البحث عن أحكامها. الثالث: الصفة المؤثرة غير المقترنة بالشعور المتشابهة ~~في التأثير وهي القوة الطبيعية. الرابع: غير المقترنة بالشعور المختلفة في ~~التأثير وتسمى النفس النباتية. # إذا عرفت هذا فنقول: القدرة مغايرة للطبيعة والمزاج، أما الأول فلوجوب ~~اقترانها بالشعور بخلاف الطبيعة، وأما الثاني فلأن المزاج كيفية متوسطة بين ~~الحرارة والبرودة فيكون من جنسهما فتكون تابعة أعني تأثيره من جنس ~~تأثيرهما، وأما القدرة فإن تأثيرها مضاد لتأثيرهما وإلى هذا أشار بقوله: ~~والمغايرة في التابع. # قال: مصححة للفعل بالنسبة. # أقول: ms197 القدرة صفة تقتضي صحة الفعل من الفاعل لا إيجابه، فإن القادر هو ~~الذي يصح منه الفعل والترك معا فلو اقتضت الايجاب لزم المحال، ومعنى قوله: # بالنسبة أي باعتبار نسبة الفعل إلى الفاعل وذلك لأن الفعل صحيح في نفسه ~~لا يجوز أن يكون للقدرة مدخل في صحته الذاتية لأن الإمكان للممكن واجب وأما ~~نسبته إلى الفاعل فجاز أن يكون معللا، هذا الذي فهمناه من قوله: بالنسبة. # قال: وتعلقها بالطرفين. # أقول: هذا هو المشهور من مذهب الحكماء والمعتزلة وهو أن القدرة متعلقة ~~بالضدين، وقالت الأشاعرة: إنما تتعلق بطرف واحد، وهو خطأ لوقوع الفرق بين ~~القادر والموجب. # قال: وتتقدم الفعل لتكليف الكافر وللتنافي ولزوم أحد محالين لولاه. # أقول: هذا مذهب الحكماء والمعتزلة، وقالت الأشاعرة: إنها مقارنة للفعل، ~~والضرورة قاضية ببطلان هذا فإن القاعد يمكنه القيام قطعا، والأشاعرة بنوا ~~مقالتهم على أصل لهم سيأتي بطلانه وهو أن العرض لا يبقى. PageV00P354 # ثم المعتزلة استدلوا على مقالتهم بوجوه ثلاثة: الأول: أن القدرة لو لم ~~تتقدم الفعل قبح تكليف الكافر، والتالي باطل بالاجماع فالمقدم مثله، وبيان ~~الملازمة أن تكليف ما لا يطاق قبيح فلو لم يكن الكافر متمكنا من الإيمان ~~حال كفره لزم تكليف ما لا يطاق. الثاني: لو لم تكن القدرة متقدمة على الفعل ~~لزم استغناء الفعل عن القدرة مع فرض الحاجة إليها وهو تناف ظاهر، وبيان ~~الملازمة أن الحاجة إلى القدرة أنما هي لإخراج الفعل من العدم إلى الوجود ~~وحالة الاخراج يستغني عن القدرة وقبله لا قدرة فلا حاجة إليها مع أن الفعل ~~إنما يخرج بالقدرة، وإلى هذا أشار المصنف بقوله: وللتنافي. الثالث: لو لم ~~تكن القدرة متقدمة لزم إما حدوث قدرة ا لله تعالى أو قدم الفعل، والقسمان ~~محالان فالمقدم باطل، وإلى هذا أشار بقوله: ولزوم أحد محالين لولاه أي لولا ~~التقدم، هذا ما خطر لنا في تفسير هذا الكلام. # ويمكن أن يكون قوله: وللتنافي، إشارة إلى دليل مغاير للدليل الثاني الذي ~~ذكرناه وهو أن القدرة لو قارنت الفعل وقد بينا أن القدرة تتعلق ms198 بالضدين ~~فيلزم حصول الضدين معا وهو تناف، فيكون قوله: ولزوم أحد محالين من تتمة هذا ~~الكلام، وهو أن نقول: لو كانت القدرة مقارنة لزم اجتماع الضدين للقدرة ~~عليهما وهو تناف، فيلزم أحد محالين إما اجتماعهما مع تضادهما وتنافيهما أو ~~إيجاب أحدهما فيتقدم على الآخر مع فرض المقارنة. # قال: ولا يتحد وقوع المقدور مع تعدد القادر. # أقول: لا يمكن وقوع مقدور واحد بقادرين وهو مما قد اختلف فيه، والدليل ~~عليه أنه لو وقع بهما لزم استغناؤه بكل واحد منهما عن كل واحد منهما حال ~~حاجته إليه وهو باطل بالضرورة، ويمكن تعلق القادرين بمقدور واحد بأن يكون ~~ذلك الشئ مقدورا لكل واحد منهما وإن لم يقع إلا بأحدهما، ولهذا قال: ولا ~~يتحد وقوع المقدور، ولم يقل: ولا يتحد المقدور. # قال: ولا استبعاد في تماثلها. PageV00P355 # أقول: ذهب قوم من المعتزلة إلى أن القدر (1) مختلفة وبنوه على أصل لهم ~~وهو أنه لا تجتمع قدرتان على مقدور واحد وإلا لأمكن اتصاف ذاتين بهما ~~فيجتمع على المقدور الواحد قادران وهو محال، وإذا ثبت امتناع اجتماع قدرتين ~~على مقدور واحد ثبت اختلاف القدر لأن التماثل في المتعلق يستلزم اتحاد ~~المتعلق، ونحن لما جوزنا تعلق القادرين بمقدور واحد اندفع هذا الدليل ~~وحينئذ جاز وقوع التماثل فيها كغيرها من الأعراض. قال: وتقابل العجز تقابل ~~الملكة والعدم. # أقول: العجز عند الأوائل وجمهور المعتزلة أنه عدم القدرة عما من شأنه أن ~~يكون قادرا فهو عدم ملكة القدرة، وذهبت الأشعرية إلى أنه معنى يضاد القدرة ~~لأنه ليس جعل العجز عدما للقدرة أولى من العكس، وهو خطأ فإنه لا يلزم من ~~عدم الأولوية عندهم عدمها في نفس الأمر ولا من عدمها في نفس الأمر ثبوت ~~العجز معنى. # قال: وتغاير الخلق (2) لتضاد أحكامهما والفعل. # أقول: الخلق ملكة نفسانية تصدر بها عن النفس أفعال بسهولة من غير سابقة ~~فكر وروية، وهو مغاير للقدرة لتضاد أحكامهما، لأن القدرة تتساوى نسبتها إلى ~~الضدين والخلق ليس كذلك، والخلق أيضا يغاير الفعل لأنه قد يكون تكليفا. # المسألة الرابعة والعشرون ms199 في الألم واللذة قال: ومنها الألم واللذة وهما ~~نوعان من الادراك تخصصا بإضافة تختلف بالقياس. # PageV00P356 # أقول: من الكيفيات النفسانية الألم واللذة والمرجع بهما إلى الإدراك، ~~فهما نوعان منه تخصصا بإضافة تختلف بالقياس، لأن اللذة عبارة عن إدراك ~~الملائم والألم عبارة عن إدراك المنافي، فهما نوعان من الادراك تخصص كل ~~واحد منهما بإضافة إلى الملائمة والمنافرة، وهما أمران يختلفان بالقياس إلى ~~الأشخاص، إذ قد يكون الشئ ملائما لشخص ومنافرا لآخر. # قال: وليست اللذة خروجا عن الحالة الطبيعية لا غير (1). # أقول: نقل عن محمد بن زكريا الطبيب (أن اللذة هي الخروج عن الحالة ~~الطبيعية لأنها أنما تعرض بانفعال يعرض للحاسة يقتضيه تبدل حال) وهو غير ~~جيد فإنه أخذ ما بالعرض مكان ما بالذات، ولهذا نلتذ بصورة نشاهدها من غير ~~سابقة إبصار لها حتى لا تجعل اللذة عبارة عن الخلاص عن ألم الشوق. # قال: وقد يستند الألم إلى التفرق. # أقول: للألم سببان: أحدهما: تفرق الاتصال فإن مقطوع اليد يحس بالألم # PageV00P357 # بسبب تفرق اتصالها عن البدن، وقد نازع في ذلك بعض المتأخرين بأن التفرق ~~عدمي فلا يكون علة للوجودي، وفيه نظر لأن التفرق ليس عدما محضا فجاز ~~التعليل به على أن التفرق أنما كان علة بالعرض، فإن العلة بالذات أنما هي ~~سوء المزاج. الثاني: سوء المزاج المختلف (1) لأن الحمى توجب الألم ولا تفرق ~~هناك، وإنما قلنا المختلف لأن سوء المزاج المتفق لا يقتضي التألم. # قال: وكل منهما حسي وعقلي وهو أقوى. # أقول: يريد قسمة الألم واللذة بالنسبة إلى الحس والعقل، وذلك لأن جماعة ~~أنكروا العقلي منهما، والحق خلافه فإنا نلتذ بالمعارف وهي لذات عقلية لا ~~تعلق للحس بها ونتألم بفقدانها بل هذه اللذة أقوى من اللذة الحسية، ولهذا ~~كثيرا ما تترك اللذة الحسية لأجل اللذة الوهمية لا العقلية فكيف العقلية، ~~وأيضا فإن الحس إنما يدرك ظواهر الأجسام ولا تعلق له بالأمور الكلية، ~~والعقل يدرك باطن الشئ ويميز بين الذاتيات والعوارض ويفرق بين الجنس ~~والفصل، فيكون إدراكه أتم فتكون اللذة فيه أقوى. # المسألة الخامسة والعشرون ms200 في الإرادة والكراهة قال: ومنها الإرادة ~~والكراهة وهما نوعان من العلم. # أقول: من الكيفيات النفسانية الإرادة والكراهة، وهما نوعان من العلم ~~بالمعنى الأعم، وذلك لأن الإرادة عبارة عن علم الحي أو اعتقاده أو ظنه بما ~~في الفعل من المصلحة، والكراهة علمه أو ظنه أو اعتقاده بما فيه من المفسدة، ~~هذا مذهب جماعة. وقال آخرون: إن الإرادة والكراهة زائدتان على هذا العلم # PageV00P358 # مترتبتان عليه، لأنا نجد من أنفسنا ميلا إلى الشئ أو عنه مترتبا على هذا ~~العلم، وهي تفارق الشهوة فإن المريض يريد شرب الدواء ولا يشتهيه. # قال: وأحدهما لازم مع التقابل. # أقول: الذي فهمناه من هذا الكلام أن أحدهما أي إرادة الشئ تستلزم كراهة ~~ضده فإن الكراهة للضد أحدهما يعني أحد الأمرين إما الإرادة أو الكراهة لازم ~~للإرداة للشئ مع تقابل المتعلقين أعني الشئ والضد. وهذا حكم قد اختلف فيه ~~فذهب الأكثر إليه، وذهب قوم إلى أن إرادة الشئ نفس كراهة الضد وهو غلط من ~~باب أخذ ما بالعرض مكان ما بالذات. # ويحتمل أن يكون معنى قوله: وأحدهما لازم مع التقابل، أي أن أحدهما لازم ~~للعلم قطعا إذ المعلوم إما أن يشتمل فعله على نوع من المصلحة أو على نوع من ~~المفسدة، فأحد الأمرين لازم لكن لا يلزمه أحدهما بعينه للتقابل بينهما بل ~~اللازم واحد لا بعينه. # قال: ويتغاير اعتبارهما بالنسبة إلى الفاعل وغيره. # أقول: الذي يظهر لنا من هذا الكلام أن الإرادة والكراهة يتغاير اعتبارهما ~~بالنسبة إلى الفاعل بالإرادة وغيره، وذلك لأن الإرادة إن كانت لنفس فعل ~~الفاعل من نفسه فهي عبارة عن صفة تقتضي تخصيصه بالايجاد دون غيره مما عداه ~~من الأفعال في وقت خاص دون غيره من سائر الأوقات، وإن كانت لفعل الغير ~~فإنها لا تؤخذ بهذا المعنى. # قال: وقد تتعلقان بذاتيهما بخلاف الشهوة والنفرة. # أقول: الإرادة قد تراد والكراهة قد تكره، وهذا حكم ظاهر لكن الإرادة ~~المتعلقة بالإرادة ليست هي الإرادة المتعلقة بالفعل لأن اختلاف المتعلقات ~~يقتضي اختلاف المتعلقات (1) أما الشهوة والنفرة فلا يصح تعلقهما بذاتيهما ms201 ~~فالشهوة لا # PageV00P359 # تشتهي وكذلك النفرة لا ينفر عنها، لأن الشهوة والنفرة أنما تتعلقان ~~بالمدرك لا بمعنى أنه يجب أن يكون موجودا، فقد تتعلق الشهوة والنفرة ~~بالمعدوم وهما غير مدركين. # قال: فهذه الكيفيات تفتقر إلى الحياة وهي صفة تقتضي الحس والحركة مشروطة ~~باعتدال المزاج عندنا. # أقول: هذه الكيفيات النفسانية التي ذكرها مشروطة بالحياة وهو ظاهر، ثم ~~فسر الحياة بأنها صفة تقتضي الحس والحركة، وزادها إيضاحا بقوله: مشروطة ~~باعتدال المزاج، ثم قيد ذلك بقوله: عندنا، ليخرج عنه حياة واجب الوجود ~~فإنها غير مشروطة باعتدال المزاج ولا تقتضي الحس والحركة. # قال: فلا بد من البنية. # أقول: هذا نتيجة ما تقدم من اشتراط الحياة باعتدال المزاج، فإن ذلك أنما ~~يتحقق مع البنية وهذا ظاهر، والأشاعرة أنكروا ذلك وجوزوا وجود حياة في محل ~~غير منقسم بانفراده وهو ظاهر البطلان. # قال: وتفتقر إلى الروح (1). # أقول: الحياة تفتقر إلى الروح، وهي أجسام لطيفة متكونة من بخارية الاخلاط ~~سارية في العروق تنبعث من القلب، وحاجة الحياة إليها ظاهرة. # قال: وتقابل الموت تقابل العدم والملكة. # أقول: الموت هو عدم الحياة عن محل وجدت فيه فهو مقابل للحياة مقابلة ~~العدم والملكة، وذهب أبو علي الجبائي إلى أنه معنى وجودي يضاد الحياة لقوله ~~تعالى: الذي خلق الموت والحياة والخلق يستدعي الايجاد وهو ضعيف، لأن # PageV00P360 # الخلق هو التقدير وذلك لا يستدعي كون المقدور وجوديا. # المسألة السادسة والعشرون في باقي الكيفيات النفسانية قال: ومن الكيفيات ~~النفسانية الصحة والمرض. # أقول: الصحة والمرض من الكيفيات النفسانية عند الشيخ، أما الصحة فقد حدها ~~في الشفاء بأنها ملكة في الجسم الحيواني تصدر عنه لأجلها أفعاله الطبيعية ~~وغيرها على المجرى الطبيعي غير مأوفة، والمرض حالة أو ملكة مقابلة لتلك ~~(1). # وهنا إشكال فإن المتضادين يدخلان تحت جنس واحد، فالصحة إن دخلت في الحال ~~والملكة فكذا المرض لكن أجناس المرض سوء المزاج وسوء التركيب وتفرق ~~الاتصال، فسوء المزاج إن كان هو الحرارة الزائدة مثلا فهو من الكيفيات ~~الفعلية لا من الحال والملكة، وإن كان هو اتصاف البدن بها فهو من ms202 مقولة أن ~~ينفعل، وسوء التركيب عبارة عن مقدار أو عدد أو وضع أو شكل أو انسداد مجرى ~~يخل بالأفعال، ولا شئ من هذه بحال ولا ملكة وتفرق الاتصال عدمي لا يدخل تحت ~~مقولة. # قال: والفرح والغم. # أقول: الفرح أحد الكيفيات النفسانية وكذا الغم، والسبب المعد للفرح كون # PageV00P361 # حامله الذي هو الروح على أفضل أحواله في الكم والكيف، والفاعل تخيل ~~الكمال (1)، وأضداد هذه أسباب للغم. # قال: والغضب والحزن والهم والخجل والحقد. # أقول: هذه أيضا من الأعراض النفسانية، واعلم أن جميع العوارض النفسانية ~~تسلتزم حركة الروح إما إلى داخل أو خارج، والأول إن كانت كثيرة فكما في ~~الفزع أو قليلة فكما في الحزن، والثاني إما دفعة فكما في الغضب أو يسيرا ~~يسيرا فكما في اللذة، وقد يتفق أن يتحرك إلى جهتين دفعة واحدة إذا كان ~~العارض يلزمه عارضان كالهم فإنه يوجد معه غضب وحزن فتختلف الحركتان، ~~وكالخجل الذي تنقبض الروح معه أولا إلى الباطن ثم يخطر بالبال انتفاء الضرر ~~فتنبسط ثانيا، ويعتبر في الحقد غضب ثابت وعدم سهولة الانتقام وعدم صعوبته. # المسألة السابعة والعشرون في الكيفيات المختصة بالكميات قال: والمختصة ~~بالكمية إما المتصلة كالاستقامة والاستدارة والانحناء والتقعير والتقبيب ~~والشكل والخلقة، أو المنفصلة كالزوجية والفردية. # أقول: لما فرغ من البحث عن الكيفيات النفسانية شرع في الكيفيات المختصة ~~بالكميات، ونعني بها الكيفية التي تعرض للكمية أولا وبالذات وللجسم ثانيا ~~وبالعرض، واعلم أن الكم على قسمين: متصل ومنفصل، أما المتصل فقد يعرض له ~~الكيف مثل الاستقامة والاستدارة والانحناء والتقعير والتقبيب والشكل ~~والخلقة، وأما المنفصل فقد يعرض له أيضا أنواع أخر من الكيف كالزوجية ~~والفردية وغيرهما. # قال: فالمستقيم أقصر الخطوط الواصلة بين نقطتين، وكما أنه موجود فكذا # PageV00P362 # الدائرة. # أقول: رسم ارشميدس الخط المستقيم بأنه أقصر خط يصل بين نقطتين لأن كل ~~نقطتين يمكن أن يوصل بينهما بخطوط غير مستقيمة مختلفة في الطول والقصر وبخط ~~واحد مستقيم هو أقصرها. # إذا عرفت هذا فنقول: الخط المستقيم موجود بالضرورة، أما الدائرة وهي سطح ~~مستو يحيط به خط واحد في ms203 داخله نقطة كل الخطوط المستقيمة الخارجة منها إلى ~~المحيط متساوية، فقد اختلف الناس في وجودها فالذين أثبتوا ما لا ينقسم من ~~ذوات الأوضاع نفوها، والباقون أثبتوها وهو اختيار المصنف رحمه الله لأن ~~الدائرة المحسوسة موجودة، فإذا وصلنا بين المركز المحسوس منها وبين المحيط ~~بخط ثم نقلنا طرف الخط الذي عند المحيط إلى جزء آخر، فإن لم ينطبق عليه فإن ~~كان لزيادة جزء أزلناه وإن كان لنقصان جزء ملأناه به وإن كان لنقصان أقل من ~~جزء أو لزيادة أقل منه لزم انقسام الجوهر وإمكان العمل أيضا. # قال: والتضاد منتف عن المستقيم والمستدير فكذا عن عارضيهما. # أقول: إنه ربما توهم بعض الناس أن الخط المستقيم يضاد الخط المستدير ~~للتنافي بينهما، والتحقيق خلاف هذا فإن الضدين يجب اتحاد موضوعهما والموضوع ~~هنا ليس بواحد إذ المستقيم يستحيل أن ينقلب إلى المستدير وبالعكس، وأيضا ~~فإن المستقيم قد يكون وترا لقسي غير متناهية (1) كثرة وضد # PageV00P363 # الواحد واحد لا غير، وإذا انتفى التضاد عنهما فكذا عن عارضيهما، ويفهم ~~منه أمران: أحدهما: أن التضاد منتف عن الاستقامة والاستدارة العارضتين للخط ~~المستقيم والمستدير. والثاني: أن التضاد منتف عن الحركتين الواقعتين على ~~الخطين المستقيم والمستدير. # قال: والشكل هيئة إحاطة الحد أو الحدود بالجسم ومع انضمام اللون تحصل ~~الخلقة. # أقول: ذكر القدماء أن الشكل ما أحاط به حد أو حدود، والتحقيق أنه من باب ~~الكيف فإنه هيئة تعرض للجسم بسبب إحاطة الحد الواحد أو الحدود به كالكرية ~~والتربيع وهو مغاير للوضع بمعنى المقولة، وإذا اعتبر الشكل واللون معا حصلت ~~الخلقة. # قال: الثالث المضاف. # أقول: لما فرغ من البحث عن الكيف وأقسامه شرع في المضاف وهو المقولة ~~الثالثة من المقولات العشر، وهذه المقولة مع ما بعدها من المقولات كلها ~~نسبية وهو قسم مقابل لما تقدم من المقولات، وفي هذا القسم مسائل: # المسألة الأولى في أقسامه قال: وهو حقيقي ومشهوري. # أقول: المضاف قد يقال لنفس الإضافة أعني العارضة للشئ باعتبار قياسه إلى ~~غيره كالأبوة والبنوة، ويقال له: المضاف الحقيقي فإنه لذاته يقتضي الإضافة، ms204 ~~وغيره أنما يقتضي الإضافة بواسطته، ويقال للذات التي عرضت لها الإضافة ~~بالفعل كالأب والابن ويسمى المضاف المشهوري، وقد يقال للذات نفسها مضاف ~~مشهوري باعتبار كونها معروضة للإضافة. PageV00P364 # المسألة الثانية في خواصه قال: ويجب فيه الانعكاس والتكافؤ بالفعل أو ~~القوة. # أقول: هاتان خاصتان مطلقتان للمضاف لا يشاركه فيهما غيره، إحداهما: # وجوب الانعكاس فإنه كما أن الأب أب للابن فكذا الابن ابن للأب، والمراد ~~بالانعكاس الحكم بإضافة كل واحد منها إلى صاحبه من حيث كان مضافا إليه كما ~~مثلناه، فإن لم تراع هذه الحيثية لم يجب الانعكاس كما تقول: الأب أب ~~للانسان. # الثانية: التكافؤ في الوجود بالفعل أو القوة والمتقدم مصاحب للمتأخر ~~ذهنا. # قال: ويعرض للموجودات أجمع. # أقول: المضاف الحقيقي يعرض لجميع الموجودات، كما يقال للواجب تعالى: # قادر عالم خالق رازق، ويقال لنوع من الجواهر: إنه أب وابن وغيرهما، ويقال ~~للخط: طويل وقصير، وللعدد: قليل وكثير، وللكيف: أسخن وأبرد، وللمضاف: # كالأقرب والأبعد (1)، وللأين: أعلى وأسفل، وللمتى: أقدم وأحدث، وللوضع: ~~أشد استقامة وانحناء، وللملك: أكسى وأعرى، وللفعل: أقطع وأصرم، وللانفعال: ~~أشد تسخنا وتقطعا. # المسألة الثالثة في أن الإضافة ليست ثابتة في الأعيان قال: وثبوته ذهني ~~وإلا تسلسل ولا ينفع تعلق الإضافة بذاتها. # أقول: اختلف العقلاء هنا، فذهب قوم إلى أن الإضافة ثابتة في الأعيان، لأن ~~فوقية السماء ليست عدما محضا ولا أمرا ذهنيا غير مطابق. وقال آخرون: إنها # PageV00P365 # عدمية في الأعيان ثابتة في الأذهان، وهو اختيار المصنف رحمه الله وأكثر ~~المحققين. # والدليل عليه وجوه ذكرها المصنف: أحدها أن الإضافة لو كانت ثابتة في ~~الأعيان لزم التسلسل، لأن حلولها في المحل إضافة أخرى وحلول ذلك الحلول ~~ثابت يستدعي محلا وحلولا وذلك يوجب التسلسل. # أجاب الشيخ أبو علي ابن سينا عن هذا (1) بأن قال: يجب أن نرجع في حل # PageV00P366 # هذه الشبهة إلى حد المضاف المطلق فنقول: المضاف هو الذي ماهيته مقولة ~~بالقياس إلى غيره، فكل شئ في الأعيان يكون بحسب ماهيته (1) إنما يقال ~~بالقياس إلى غيره فذلك الشئ هو المضاف، لكن في الأعيان أشياء كثيرة ms205 بهذه ~~الصفة فالمضاف في الأعيان موجود. ثم إن كان في المضاف ماهية أخرى فينبغي أن ~~يجرد ما له من المعنى المقول بالقياس إلى غيره فذلك المعنى هو بالحقيقة ~~المعنى المقول بالقياس إلى غيره، وغيره أنما هو مقول بالقياس إلى غيره بسبب ~~هذا المعنى، وهذا المعنى ليس مقولا بالقياس إلى غيره بسبب شئ غير نفسه بل ~~هو مضاف لذاته فليس هناك ذات وشئ هو الإضافة بل هناك مضاف بذاته لا بإضافة ~~أخرى فتنتهي من هذا الطريق الإضافات. وأما كون هذا المعنى المضاف بذاته في ~~هذا الموضع (2) فله وجود آخر - مثلا وجود الأبوة في الأب - أمر زائد على ~~ذات الأب، وذلك الموجود أمر مضاف أيضا فليكن هذا عارضا من المضاف لذي ~~المضاف (3) وكل واحد منهما مضاف لذاته إلى ما هو مضاف إليه لا لإضافة أخرى. ~~فالكون محمولا مضاف لذاته، والكون أبوة مضاف لذاته. # وهذا الكلام على طوله غير مفيد للمطلوب، لأن التسلسل الذي ألزمناه ليس من ~~حيث إن المضاف الذي هو المقولة يكون مضافا بإضافة أخرى حتى تقسم # PageV00P367 # الأشياء إلى ما هو مضاف بذاته وإلى ما هو مضاف بغيره بل من حيث إن المضاف ~~الحقيقي كالأبوة تفتقر إلى محل تتقوم به لعرضيتها وحلولها في ذلك المحل ~~إضافة لها إلى ذلك المحل يستدعي محلا وحلولا ويتسلسل، وإلى هذا أشار المصنف ~~رحمه الله بقوله: ولا ينفع تعلق الإضافة بذاتها، أي تعلق الإضافة بالمضاف ~~إليه لذاتها لا لإضافة أخرى. # قال: ولتقدم وجودها عليه (1). # أقول: هذا وجه ثان دال على أن الإضافة ليست ثابتة في الأعيان، وتقريره ~~أنها لو كانت ثبوتية لشاركت الموجودات في الوجود وامتازت عنها بخصوصية ما، ~~فاتصاف وجودها بتلك الخصوصية إضافة سابقة على وجود الإضافة فيلزم تقدم وجود ~~الإضافة على وجودها وهو محال، فالضمير في (عليه) يرجع إلى وجودها. ويحتمل ~~عوده إلى المحل ويكون معنى الكلام أن الإضافة لو كانت موجودة لزم تقدمها ~~على محلها لأن وجود محلها حقيقة له، فاتصافه به نوع إضافة سابق على وجود ~~الإضافة، وأعاد الضمير إليه من غير ms206 ذكر لفظي لظهوره. # قال: ولزم عدم التناهي في كل مرتبة من مراتب الأعداد. # أقول: هذا وجه ثالث، وتقريره أن الإضافات لو كانت ثابتة في الأعيان لزم ~~أن تكون كل مرتبة من مراتب الأعداد تجتمع فيه إضافات وجودية لا تتناهى، لأن ~~الاثنين مثلا له اعتبار بالنسبة إلى الأربعة وتعرض له بذلك الاعتبار إضافة ~~النصفية، وإلى الستة وتعرض له بحسبه إضافة الثلثية، وهكذا إلى ما لا يتناهى ~~وهو محال. أما أولا فلما بينا من امتناع وجود ما لا يتناهى مطلقا، وأما ~~ثانيا فلأن تلك الإضافات موجودة دفعة ومترتبة في الوجود باعتبار تقدم بعض ~~المضاف إليه على بعض فيلزم اجتماع أعداد لا تتناهى دفعة مترتبة وهو محال ~~اتفاقا، وأما ثالثا # PageV00P368 # فلأن وجود الإضافات يستلزم وجود المضاف إليه فيلزم وجود ما لا يتناهى من ~~الأعداد دفعة من ترتبها، وكل ذلك مما برهن على استحالته. # قال: وتكثر (1) صفاته تعالى. # أقول: هذا وجه رابع، وتقريره أن الإضافات لو كانت وجودية لزم وجود صفات ~~الله تعالى متكثرة لا تتناهى، لأن له إضافات لا تتناهى وذلك محال. # المسألة الرابعة في باقي مباحث الإضافة قال: ويخص كل مضاف مشهوري مضاف ~~حقيقي (2) فيعرض له الاختلاف والاتفاق إما باعتبار زائد أو لا. # أقول: المضاف المشهوري كالأب يعرض له مضاف حقيقي كالأبوة وكذا الابن تعرض ~~له البنوة، فكل مضاف مشهوري يعرض له مضاف حقيقي ولا يمكن أن يكون مضاف ~~حقيقي واحد عارضا لمضافين مشهوريين لامتناع قيام عرض واحد بمحلين، فإذا كان ~~كل مضاف مشهوري يعرض له مضاف حقيقي عرض حينئذ الاختلاف في المضاف الحقيقي ~~كالأبوة والبنوة والاتفاق كالأخوة والجوار. # ثم إن هذا المضاف الحقيقي يعرض للمضاف المشهوري إما باعتبار زائد يحصل ~~فيهما كالعاشق والمعشوق فإن في العاشق هيئة مدركة وفي المعشوق هيئة يتعلق ~~بها الإدراك فيحصل حينئذ إضافة العشق باعتبار هذا الزائد، وقد يكون الزائد ~~في أحدهما إذ العالم المضاف إلى المعلوم باعتبار قيام صفة العلم به، وقد لا ~~يكون باعتبار زائد كالميامن والمياسر (3) فإنهما يتضايفان لا لأجل صفة ~~زائدة # PageV00P369 # على الإضافة، ms207 هذا خلاصة ما فهمناه من هذا الكلام. # المسألة الخامسة في مقولة الأين قال: الرابع الأين وهي النسبة إلى المكان ~~(1). # أقول: لما فرغ من البحث عن المضاف شرع في البحث عن الأين وهي نسبة الشئ ~~إلى مكانه بالحصول فيه وهو حقيقي وهو نسبة الشئ إلى مكانه الخاص به، وغير ~~حقيقي وهو نسبته إلى مكان عام كقولنا: زيد في الدار، وهذه النسبة مغايرة ~~للوجود ولكل واحد من الجسم والمكان ولا تقبل الشدة والضعف. # قال: وأنواعه أربعة عند قوم هي الحركة والسكون والاجتماع والافتراق. # أقول: أنواع الكون عند المتكلمين أربعة: الحركة والسكون وهما حالتا الجسم ~~بانفراده باعتبار المكان، والاجتماع والافتراق وهما حالتاه باعتبار انضمامه ~~إلى الغير من الأجسام. # قال: فالحركة كمال أول لما بالقوة من حيث هو بالقوة أو حصول الجسم في ~~مكان بعد آخر. # أقول: هذان تعريفان للحركة، الأول منهما للحكماء والثاني للمتكلمين. # أما التعريف الأول فاعلم أن الحركة حال حصول الجسم في المكان المنتقل عنه ~~معدومة عنه ممكنة له فهي كمال للجسم، ثم إن حصوله في المكان الثاني حينئذ ~~معدوم عنه ممكن له فهو كمال أيضا، والجسم في تلك الحال بالقوة في المكان ~~الثاني لكن الحركة أسبق الكمالين، فالحركة كمال أول لما بالقوة أعني الجسم ~~الذي هو بالقوة في المكان الثاني. وإنما قيدنا بقولنا: من حيث هو بالقوة، # PageV00P370 # لأن الحركة تفارق سائر الكمالات بأن جميع الكمالات إذا حصلت خرج ذو ~~الكمال من القوة إلى الفعل، وهذا الكمال من حيث إنه كمال يستلزم كون ذي ~~الكمال بالقوة. # وأما الثاني فإن المتكلمين قالوا: ليست الحركة هي الحصول في المكان ~~الأول، لأن الجسم لم يتحرك بعد، ولا واسطة بين الأول والثاني وإلا لم يكن ~~ما فرضناه ثانيا بثان فهي الحصول في المكان الثاني لا غير. # قال: ووجودها ضروري. # أقول: اتفق أكثر العقلاء على أن الحركة موجودة وادعوا الضرورة في ذلك، ~~وخالفهم جماعة من القدماء كزينون وأتباعه قالوا: إنها ليست موجودة واستدلوا ~~على ذلك بوجوه: # أحدها: أن الحركة لو كانت موجودة لكانت إما منقسمة فيكون ms208 الماضي غير ~~المستقبل أو غير منقسمة فيلزم تركبها من الأجزاء التي لا تتجزأ، واللازمان ~~باطلان. # الثاني: أن الحركة ليست هي الحصول في المكان الأول لأن الجسم حينئذ لم ~~يتحرك بعد، ولا في المكان الثاني لأن الحركة انتهت وانقطعت، ولا المجموع ~~لامتناع تحقق جزئيه معا في الوجود فلا تكون موجودة. # الثالث: أن الحركة ليست واحدة فلا تكون موجودة. # وهذه الاستدلالات في مقابلة الحكم الضروري فلا تكون مسموعة. # قال: يتوقف على المتقابلين والعلتين والمنسوب إليه والمقدار. # أقول: وجود الحركة يتوقف على أمور ستة: أحدها: ما منه الحركة. والثاني: # ما إليه الحركة أعني مبدأ الحركة ومنتهاها، والظاهر أن مراده بالمتقابلين ~~هذان لأن المبدأ والمنتهى متقابلان لا يجتمعان في شئ واحد باعتبار واحد. ~~الثالث: ما به الحركة وهو السبب والعلة الفاعلية لوجودها. الرابع: ما له ~~الحركة أعني الجسم المتحرك وهو العلة القابلية، وهذان هما المرادان بقوله: ~~والعلتين. الخامس: ما فيه PageV00P371 # الحركة أعني المقولة التي ينتقل الجسم فيها من نوع إلى نوع، والظاهر أنه ~~المراد بقوله: والمنسوب إليه، إذ المقولة تنسب الحركة إليها بالتبعية (1). # السادس: الزمان الذي تقع فيه الحركة وهو المراد بقوله: والمقدار، فإن ~~الزمان مقدار الحركة. # قال: فما منه وما إليه قد يتحدان محلا وقد يتضادان ذاتا وعرضا. # أقول: ما منه وما إليه قد يكون محلهما واحدا لكن لا باعتبار واحد كالنقطة ~~في الحركة المستديرة فإنها بعينها مبدأ للحركة المستديرة ومنتهى لها لكن ~~باعتبارين، وقد يتغاير محلهما كالحركات المستقيمة ثم قد يتضاد المحل في ~~المتكثر إما ذاتا كالحركة من السواد إلى البياض أو عرضا كالحركة من اليمين ~~إلى الشمال. # قال: ولهما اعتباران (2) متقابلان أحدهما بالنظر إلى ما يقالان له. # أقول: الذي فهمناه من هذا الكلام أن لكل واحد مما منه وما إليه اعتبارين: # أحدهما بالقياس إلى ما يقال له أعني ذا المبدأ وذا المنتهى، والثاني ~~بقياس كل واحد إلى صاحبه. فالأول قياس التضايف والثاني قياس التضاد، وذلك ~~لأن المبدأ لا يضايف المنتهى لانفكاكهما تصورا بل يضايف ذا المبدأ، فإن ~~المبدأ مبدأ لذي المبدأ ms209 وكذا المنتهى، وأما اعتبار المبدأ إلى المنتهى فإنه ~~مضاد له إذ ليس مضايفا، ولا سلبا وإيجابا، ولا عدما وملكة فلم يبق إلا ~~التضاد، وهذان الاعتباران أعني التضايف والتضاد متقابلان. (واعلم) أن هاهنا ~~إشكالا وهو أن يقال: الضدان لا يعرضان لموضوع واحد مجتمعين فيه، والمبدأ ~~والمنتهى قد يعرضان لجسم واحد. # PageV00P372 # والجواب أن الضدين قد يجتمعان في جسم واحد إذا لم يكن الجسم موضوعا قريبا ~~لهما، وحال المبدأ والمنتهى هنا كذلك لأن موضوعهما الأطراف في الحركات ~~المستقيمة وتلك متغايرة، بقي أن يقال: هذا لا يتأتى في الحركات المستديرة، ~~وقد نبه المصنف رحمه الله على ذلك بقوله: قد يتحدان محلا، فيكون وجه الخلاص ~~عدم اجتماع الوصفين إذ حال وصفه بكونه منتهى ينتفي عنه كونه مبدأ، وفيه ما ~~فيه. # قال: ولو اتحدت العلتان انتفى المعلول. # أقول: قد بينا أنه يريد بالعلتين هنا الفاعلية أعني المحرك والقابلية ~~أعني المتحرك، وادعى تغايرهما على معنى أنه لا يجوز أن يكون الشئ محركا ~~لنفسه بل إنما يتحرك بقوة موجودة أما فيه كالطبيعة أو خارجة عنه (1) لأنه ~~لو تحرك لذاته لانتفت الحركة إذ بقاء العلة يستلزم بقاء المعلول، فإذا ~~فرضنا الجسم لذاته علة للحركة كان علة لأجزائها فيكون كل جزء منها باقيا ~~ببقاء الجسم، لكن بقاء الجزء الأول منها يقتضي أن لا يوجد الثاني لامتناع ~~اجتماع أجزائها في الوجود فلا توجد الحركة وقد فرضناها موجودة هذا خلف، ~~وإلى نفي الحركة أشار بقوله: # انتفى المعلول. # قال: وعم. # أقول: هذه حجة ثانية على أن الفاعل للحركة ليس هو القابل أعني نفس ~~الجسمية، وتقريره أن نقول: الأجسام متساوية في الماهية، فلو اقتضت لذاتها ~~الحركة لزم عمومها لكل جسم فكان كل جسم متحركا (هف) ثم إن الجسمية إن اقتضت ~~الحركة إلى جهة معينة لزم حركة كل الأجسام إليها وهو باطل بالضرورة، وإن ~~كان إلى جهة غير معينة انتفت الحركة، وأشار إلى هذا الدليل بقوله: (وعم) أي # PageV00P373 # وعم ما فرضناه معلولا وهو الحركة إما مطلقا أو إلى جهة معينة على ما ~~قررنا الوجهين فيه. ms210 # قال: بخلاف الطبيعة المختلفة المستلزمة في حال ما. # أقول: هذا جواب عن إشكال يورد على هذين الدليلين، وتقريره أن نقول: # الطبيعة قد تقتضي الحركة ولا يلزم دوامها بدوام الطبيعة ولا عمومها ~~بعمومها. # وتقرير الجواب أن نقول: الطبائع مختلفة فجاز اقتضاء بعضها الحركة إلى جهة ~~معينة بخلاف غيرها، وإلى هذا أشار بقوله: المختلفة. # وأيضا الطبيعة لم نقل إنها مطلقا علة للحركة وإلا لزم المحال بل إنما ~~تقتضيها في حال ما وهو حال خروج الجسم عن مكانه الطبيعي، أما حال بقاء ~~الجسم في مكانه الطبيعي فلا تقتضي الحركة، وإليه أشار بقوله: المستلزمة في ~~حال ما. # قال: والمنسوب إليه أربع، فإن بسائط الجواهر توجد دفعة ومركباتها تعدم ~~بعدم أجزائها. # أقول: يريد بالمنسوب إليه ما توجد فيه الحركة على ما تقدم تفسيره، ~~والحركة تقع في أربع مقولات لا غير (1) هي: الكم والكيف والأين والوضع، ولا ~~تقع فيما سوى ذلك أما الجوهر فقسمان: بسيط ومركب، فالبسيط يوجد دفعة فلا ~~تتحقق فيه حركة، والمركب يعدم بعدم أحد أجزائه فلا تقع فيه حركة إذ المتحرك ~~باق حال الحركة والمركب ليس بباق حال الحركة فلا تقع فيه حركة أيضا. # قال: والمضاف تابع. # أقول: المضاف لا تقع فيه حركة بالذات لأنه أبدا تابع لغيره، فإن كان ~~متبوعه قابلا للشدة والضعف قبلهما هو وإلا فلا. # قال: وكذا متى. # أقول: ذكر الشيخ في النجاة أن متى يوجد للجسم بتوسط الحركة فكيف # PageV00P374 # يكون فيه حركة فإن كل حركة في متى فلو كان فيه حركة لكان لمتى متى آخر، ~~وقال في الشفاء: يشبه أن يكون حال متى كحال الإضافة في أن الانتقال لا يكون ~~فيه بل يكون في كم أو كيف ويكون الزمان لازما لذلك التغير فيعرض بسببه فيه ~~التبدل. # قال: والجدة دفعة. # أقول: مقولة الملك لا تتحقق فيها حركة، لأنا قد بينا أنها عبارة عن نسبة ~~التملك فإن حصل وقع دفعة وإلا فلا حصول له فلا تعقل فيه حركة. # قال: ولا تعقل حركة في مقولتي الفعل والانفعال. # أقول: هاتان المقولتان لا توجد ms211 الحركة فيهما، لأن الانتقال من التبرد إلى ~~التسخن إن كان بعد كمال التبرد وانتهائه لم يكن الانتقال من التبرد بل من ~~البرودة إذ التبرد قد عدم وانقطع، وإن كان قبل كماله كان الجسم في حال واحد ~~أعني حال الحركة متوجها إلى كيفيتين متضادتين هذا خلف. # قال: ففي الكم باعتبارين لدخول (1) الماء القارورة المكبوبة عليه، وتصدع ~~الانية عند الغليان. # أقول: لما بين أن الحركة تقع في أربع مقولات وأبطل وقوعها في الزائد شرع ~~في تفصيل وقوع الحركة في مقولة مقولة، فابتدأ بالكم وذكر أن الحركة تقع فيه ~~باعتبارين: أحدهما التخلخل والتكاثف، والثاني النمو والذبول. # أما الأول فالمراد به زيادة مقدار الجسم ونقصانه من غير ورود أجزاء ~~جسمانية عليه، أو انفصال أجزاء منه بناء على أن المقدار أمر زائد على الجسم # PageV00P375 # وأن الجسم قابل للانتقال من نوع منه إلى نوع آخر على التدريج، واستدل على ~~وقوع الحركة بهذا الاعتبار بوجهين: # الأول: أن القارورة إذا كبت على الماء فإن كان بعد المص دخلها الماء وإلا ~~فلا، مع أن الخلاء أو الملاء في البابين واحد (1) فليس ذلك إلا لأن الهواء ~~المحتقن داخل القارورة له مقدار طبيعي وبسبب المص يخرج شئ من الهواء فيكتسب ~~الباقي لضرورة الخلاء (2) مقدارا أكثر غير طبيعي فإذا كبت القارورة على ~~الماء # PageV00P376 # داخلها الماء فعاد الهواء إلى مقداره الطبيعي لوجود المستخلف عن الهواء ~~الخارج بالمص. # الثاني: أن الآنية إذا ملئت ماءا وسد رأسها سدا محكما وغليت بالنار فإنها ~~تنشق، وليس ذلك لمداخلة أجزاء النار لعدم الثقب في الآنية فبقي أن يكون ذلك ~~لزيادة مقدار ما فيها، وعندي في هذين الوجهين نظر وإن أفادا الظن. # قال: وحركة أجزاء المغتذي في جميع الأقطار (1) على التناسب. # أقول: هذا هو الاعتبار الثاني وهو الحركة في الكم باعتبار النمو، (واعلم) ~~أن النامي يزداد جسمه بسبب اتصال جسم آخر به وتلك الزيادة ليست مطلقا بل ~~إذا داخلت أجزاء المزيد عليه وتشبهت به، فضد هذه الحالة الذبول وقد يشتبه ~~هذا بالسمن، والفرق بينهما أن الواقف في النمو قد ms212 يسمن كما أن المتزايد في ~~النمو قد يهزل، وذلك لأن الزيادة إذا أحدثت المنافذ في الأصل ودخلت فيها ~~وتشبهت بطبيعة الأصل واندفعت أجزاء الأصل إلى جميع الأقطار على نسبة واحدة ~~في نوعه فذاك هو النمو، والشيخ قد يسمن لأن أجزاءه الأصلية قد جفت وصلبت ~~فلا يقوى المغتذى على تفريقها والنفوذ فيها، فلا تتحرك أجزاؤه الأصلية إلى ~~الزيادة فلا يكون ناميا وإن تحرك لحمه إلى الزيادة، فيكون ذلك في الحقيقة ~~نموا في اللحم لكن المسمى باسم النمو أنما هو حركة الأعضاء الأصلية. # قال: وفي الكيف للاستحالة المحسوسة مع الجزم ببطلان الكمون والورود (2) ~~لتكذيب الحس لهما. # PageV00P377 # أقول: لما فرغ من البحث عن الحركة في الكم شرع في الحركة في الكيف أعني ~~الاستحالة، واستدل على ذلك بالحس فإنه يقضي بصيرورة الماء البارد حارا على ~~التدريج وبالعكس وكذا في الألوان وغيرها من الكيفيات المحسوسة. # واعلم أن الآراء لم تتفق على هذا، فإن جماعة من القدماء أنكروا الاستحالة ~~وافترقوا في الاعتذار عن الحرارة المحسوسة في الماء إلى قسمين: أحدهما ذهب ~~إلى أن في الماء أجزاء نارية كامنة فيه فإذا ورد عليه نار من خارج برزت تلك ~~الأجزاء وظهرت للحس، والثاني ذهب إلى أن الأجزاء النارية ترد عليه من خارج ~~وتداخله فيحس منه بالحرارة. # والقولان باطلان فإن الحس يكذبهما، أما الأول فلأن الأجزاء الكامنة يجب ~~الاحساس بها عند مداخلة اليد لجميع أجزاء الماء وتفرقها قبل ورود الحرارة ~~عليه، ولما لم يكن كذلك دل على بطلان الكمون. # وأما الثاني فلأنا نشاهد جبلا من كبريت تقرب منه نار صغيرة فيحترق، مع ~~أنا نعلم أنه لم يكن في تلك النار الصغيرة من الأجزاء النارية ما يلاقي ~~الجبل ويغلب عليه حسا. # قال: وفي الأين والوضع ظاهر. # أقول: وقوع الحركة في هاتين المقولتين أعني الأين والوضع ظاهر، لكن الشيخ ~~ادعى أنه الذي استخرج وقوع الحركة في الوضع، وقد وجد في كلام أبي نصر ~~الفارابي وقوعها فيه. (واعلم) أن الحركة في الوضع وإن استلزمت حركة الأجزاء ~~في الأين لكن ذلك باعتبار آخر ms213 مغاير لاعتبار حركة الجميع في الوضع. # قال: وتعرض لها وحدة باعتبار وحدة المقدار والمحل والقابل. # أقول: الحركة منها واحدة بالعدد ومنها كثيرة، أما الواحدة فهي الحركة ~~PageV00P378 # المتصلة من مبدأ المسافة إلى نهايتها، وقد بينا تعلق الحركة بأمور ستة ~~والمقتضي لوحدتها إنما هو ثلاثة منها لا غير: الأول: وحدة الموضوع وهو أمر ~~ضروري في وحدة كل عرض لاستحالة قيام العرض بمحلين، وإليه أشار بقوله: ~~والمحل. # الثاني: وحدة الزمان وهو كذلك أيضا لاستحالة إعادة المعدوم بعينه، وإليه ~~أشار بقوله: المقدار. # الثالث: وحدة المقولة التي فيها الحركة فإن الجسم الواحد قد يتحرك في ~~الزمان الواحد حركتي كيف وأين، وإليه أشار بقوله: والقابل. # ويحتمل أن يكون القابل هو الموضوع والمحل هو المقولة، ووحدة المحرك غير ~~شرط فإن المتحرك بقوة ما مسافة إذا تحرك بأخرى قبل انقطاع فعل الأولى اتحدت ~~الحركة، وإذا اتحدت الأشياء الثلاثة اتحد ما منه وما إليه، لكن كل واحد ~~منهما غير كاف فإن المتحرك من مبدأ واحد قد ينتهي إلى شيئين والمنتهي إلى ~~شئ واحد قد يتحرك من مبدأين. # قال: واختلاف المتقابلين والمنسوب إليه يقتضي الاختلاف (1). # أقول: إذا اختلف أحد الأمور الثلاثة أعني ما منه وما إليه وما فيه، ~~اختلفت الحركة بالنوع فإن الحركة في الكيف تغاير الحركة في الأين وهذا ~~ظاهر، وأيضا الصاعدة ضد الهابطة. وأراد بالمتقابلين ما منه وما إليه ~~وبالمنسوب إليه ما فيه ولا يشترط اختلاف الموضوع فإن الحجر والنار قد ~~يتحركان حركة واحدة بالنوع، ولا الفاعل لأن الطبيعية والقسرية قد تصدر ~~عنهما حركة واحدة به، ولا الزمان لعدم اختلافه، وفي هذه المباحث نظر ذكرناه ~~في كتاب الأسرار. # قال: وتضاد الأولين التضاد. # PageV00P379 # أقول: من الحركات ما هو متضاد وهي الداخلة تحت جنس أخير كالصاعدة ~~والهابطة، فعلة تضادهما ليس تضاد المتحرك لإمكان صعود الحجر والنار، ولا ~~تضاد المحرك لصدور الصعود عن الطبع والقسر، ولا الزمان لعدم تضاده، ولا ما ~~فيه لاتحاد المسافة فيهما فلم يبق إلا ما منه وما إليه، وإليه أشار بقوله: ~~وتضاد الأولين التضاد أي وتضاد الأولين ms214 يقتضي التضاد وعنى بالأولين ما منه ~~وما إليه. # ولا يمكن التضاد بالاستقامة والاستدارة لأنهما غير متضادين. # قال: ولا مدخل للمتقابلين والفاعل في الانقسام. # أقول: الحركة تنقسم بانقسام الزمان، فإن الحركة في نصف الزمان نصف الحركة ~~في جميعه مع التساوي في السرعة والبطء، وبانقسام المتحرك فإنها عرض حال فيه ~~والحال في المنقسم يكون لا شك منقسما، وبانقسام ما فيه أعني المسافة فإن ~~الحركة إلى منتصفها نصف الحركة إلى منتهاها ولا مدخل للمتقابلين أعني ما ~~منه وما إليه في الانقسام ولا للفاعل، وذلك كله ظاهر. # قال: وتعرض لها كيفية تشتد فتكون الحركة سريعة، وتضعف فتكون بطيئة ولا ~~تختلف بهما الماهية. # أقول: تعرض للحركة كيفية واحدة تشتد تارة وتضعف أخرى، فتكون الحركة ~~باعتبار شدتها سريعة وباعتبار ضعفها بطيئة وتلك الكيفية هي السرعة والبطء، ~~ولا تختلف ماهية الحركة بهاتين الكيفيتين لوجهين: الأول: أن هذه الكيفية ~~واحدة وإنما تختلف بالقياس إلى غيرها فما هو سريع بالنسبة إلى شئ قد يكون ~~بطيئا بالنسبة إلى غيره. الثاني: أنا نقسم الجنس الواحد من الحركة إلى ~~الصاعد والهابط مثلا ونقسمه أيضا إلى السريع والبطئ، وهاتان القسمتان ليستا ~~مرتبتين حتى يكون عروض إحداهما للجنس بواسطة الأخرى بل يعرضان أولا لذلك ~~الجنس، وقد تبين أن الجنس الواحد لا يعرض له فصلان من غير ترتيب بل الفصل ~~أحدهما خاصة. PageV00P380 # قال: وسبب البطء الممانعة الخارجية أو الداخلية لا تخلل السكنات وإلا لما ~~أحس بما اتصف بالمقابل. # أقول: اعلم أن المتكلمين ذهبوا إلى أن تخلل السكنات بين أجزاء الحركة سبب ~~للاحساس بالبطء، والأوائل لما امتنع عندهم وجود جزء لا يتجزأ في الحركة ~~امتنع إسناد البطء إلى تخلل السكنات بل أسندوه إلى الموانع الخارجية ~~كالملاء في الحركات الطبيعية، وإلى الداخلية كالميول الطبيعية في الحركات ~~القسرية لأنه لو كان تخلل السكنات سبب البطء لما أحس بما اتصف بالمقابل ~~يعني أنه يلزم عدم الاحساس بالحركات المتصفة بالسرعة التي هي مقابلة البطء ~~لما تقدم في مسألة الجزء الذي لا يتجزأ. # قال: ولا اتصال لذوات الزوايا والانعطاف لوجود زمان ms215 بين آني الميلين. # أقول: يريد أن كل حركتين مستقيمتين مختلفتين فإن بينهما زمان سكون كما ~~بين الصاعدة والهابطة، وعبر عن ذلك بذوات الزوايا وهي الحركة الحاصلة على ~~خطين أحدهما متصل بالآخر على غير الاستقامة، والانعطاف وهي الحركة الراجعة ~~من المنتهى إلى المبدأ. وإنما وجب السكون بينهما لأن لكل حركة علة تقتضي ~~إيصال الجسم إلى المطلوب والوصول موجود آنا فعلته كذلك، وهذا الآن الذي ~~يوجد فيه الميل المقتضي للوصول ليس هو آن الميل الذي يقتضي المفارقة ~~لاستحالة اجتماع الميلين ولا يتصل الآنان فلا بد من فاصل هو زمان عدم الميل ~~فيكون الجسم ساكنا فيه وهو المطلوب. # قال: والسكون حفظ النسب فهو ضد. # أقول: اختلف الناس في تحقيق ماهية السكون وأنها هل هي وجودية أو عدمية؟ ~~فالمتكلمون على الأول، فجعلوه عبارة عن حصول الجسم في حيز واحد أكثر من ~~زمان واحد، والحكماء على الثاني قالوا: إنه عدم الحركة عما من شأنه أن ~~يتحرك، والمصنف رحمه الله اختار قول المتكلمين وهو أنه وجودي وأن مقابلته ~~PageV00P381 # للحركة تقابل الضدية لا تقابل العدم والملكة وجعله عبارة عن حفظ النسب ~~بين الأجسام الباقية (1) على حالها. # قال: يقابل الحركتين. # أقول: يمكن أن يفهم من هذا الكلام معنيان: أحدهما: إنه إشارة إلى الصحيح ~~من الخلاف الواقع بين الأوائل من أن المقابل للحركة هو السكون في مبدأ ~~الحركة لا نهايتها، أو أن السكون مقابل للحركة من مكان السكون وإليه، والحق ~~هو الأخير لأن السكون ليس عدم حركة خاصة وإلا لكان المتحرك إلى جهة ساكنا ~~في غير تلك الجهة بل هو عدم كل حركة ممكنة في ذلك المكان، واحتج الأولون ~~بأن السكون في النهاية كمال للحركة وكمال الشئ لا يقابله. والجواب أن ~~السكون ليس كمالا للحركة بل للمتحرك. # الثاني: أن السكون ضد يقابل الحركة المستقيمة والمستديرة معا، وذلك لأنه ~~لما بين أن السكون عبارة عن حفظ النسب وكان حفظ النسب أنما يتم ببقاء الجسم ~~في مكانه على وضعه وجب أن يكون السكون مقابلا للحركة المستقيمة والمستديرة ~~معا لانتفاء حفظ النسب ms216 فيهما. # قال: وفي غير الأين حفظ النوع. # أقول: لما بين أن السكون عبارة عن حفظ النسب وكان ذلك أنما يتحقق في ~~السكون في المكان لكن ليس كل سكون في مكان، وجب عليه أن يفسر السكون في غير ~~الأين من المقولات فجعله عبارة عن حفظ النوع في المقولة، التي تقع فيها ~~الحركة. # قال: ويتضاد لتضاد ما فيه (2). # PageV00P382 # أقول: قد يعرض في السكون التضاد كما يعرض في الحركة، فإن السكون في ~~المكان الأعلى يضاد السكون في المكان الأسفل فعلة تضاده ليست تضاد الساكن ~~ولا المسكن ولا الزمان لما تقدم في الحركة، ولا تعلق له بما منه وما إليه ~~فوجب أن تكون علة تضاده هو تضاد ما فيه. # قال: ومن الكون طبيعي وقسري وإرادي. # أقول: الكون يريد به هنا الجنس الشامل للحركة والسكون كما اصطلح عليه ~~المتكلمون، وقسمه إلى أقسام ثلاثة وذلك لأنه عبارة عن حصول الجسم في الحيز، ~~وذلك الحصول قد بينا أنه لا يجوز استناده إلى ذات الجسم فلا بد من قوة ~~يستند إليها، وتلك القوة إما أن تكون مستفادة من الخارج وهي القسرية، أو لا ~~وهي الطبيعية إن لم تقارن الشعور، والإرادية إن قارنته. # قال: فطبيعي الحركة أنما يحصل عند مقارنة أمر غير طبيعي. # أقول: الطبيعية أمر ثابت والحركة غير ثابتة فلا تستند إليها لذاتها بل لا ~~بد من اقتران الطبيعة بأمر غير طبيعي، ويفتقر في الرد إليه إلى الانتقال ~~فيكون ذلك الانتقال طبيعيا أما في الأين فكالحجر المرمى إلى فوق، وأما في ~~الكيف فكالماء المسخن، وأما في الكم فكالذابل بالمرض. # قال: ليرد الجسم إليه فيقف. # أقول: غاية الحركة الطبيعية أنما هي حصول الحالة الملائمة الطبيعية التي ~~فرضنا زوالها حتى اقتضت الطبيعة الحركة ورد الجسم إليها بعد عدمها عنه، لا ~~الهرب عن الحالة غير الطبيعية، قيل لعدم الاختصاص وهو ممنوع، إذ كل طريق ~~غير طبيعي مهروب عنه فيختص بالطبيعي، وعلى كل تقدير فإذا حصلت الحالة ~~الطبيعية وقف الجسم وعدمت الحركة الطبيعية لزوال الشرط وهو عدم الحالة غير ~~الطبيعية. # قال: فلا ms217 تكون دورية. # أقول: هذا نتيجة ما تقدم، فإن الحركة الطبيعية تطلب استرداد الحالة ~~الطبيعية PageV00P383 # بعد زوالها، والحركة الدورية تطلب بالحركة عين ما هربت عنه فلا تكون ~~طبيعية وهو ظاهر. # واعلم أن الحركة الطبيعية قد بينا أنها أنما تصدر عن الطبيعة لا ~~بانفرادها بل بمشاركة الأحوال الغير الطبيعية، ولتلك الأحوال درجات متفاوتة ~~(1) في القرب والبعد، فإذا حركت الطبيعة الجسم إلى نقطة معينة كانت مع حال ~~مخصوصة غير ملائمة، فإذا وصل الجسم إلى تلك النقطة لم تبق تلك الحالة بل ~~حصلت حالة أخرى هي الحصول في حد آخر، فعلة الحركة الأولى التامة غير علة ~~الحركة الثانية فلا يقال: الطبيعة في منتصف المسافة مثلا تهرب عما طلبته ~~بالطبيعة. # قال: وقسريها مستند إلى قوة مستفادة قابلة للضعف. # أقول: الحركة القسرية إما أن تكون مع ملازمة المتحرك أو مع مفارقته، ~~والأول لا إشكال فيه وإنما البحث في الثاني، فالمشهور أن المحرك كما يفيد ~~المقسور حركة كذلك يفيده قوة فاعلة لتلك الحركة قابلة للضعف بسبب الأمور ~~الخارجية والطبيعة المقاومة، وكلما ضعفت القوة القسرية بسبب المصادمات قويت ~~الطبيعة إلى أن تفنى تلك القوة بالكلية. # وعندي هنا إشكال، فإن الواحد بالشخص لا يبقى حال ضعفه، فالقوة القسرية ~~إذا عدمت عند ضعفها افتقر المتجدد منها إلى علة كافتقار الحركة، والأقرب ~~هنا أن نثبت في المتحرك قسرا أمورا ثلاثة: الحركة القسرية والميل القسري ~~وهو القابل للشدة والضعف والقوة المستفادة من القاسر وهي باقية لا تشتد ولا ~~تضعف وتجدد الميول ما لم يحصل للهواء الذي يتحرك فيه المتحرك تلبد وتصلب ~~يمنع عن النفوذ فيه فتبطل القوة القسرية بالكلية. # قال: وطبيعي السكون يستند إلى الطبيعة مطلقا. # أقول: السكون منه طبيعي كاستقرار الأرض في المركز، ومنه قسري كالحجر # PageV00P384 # الواقف في الهواء قسرا، ومنه إرادي كسكون الحيوان بإرادته في مكان ما. # والطبيعي من السكون ما يستند إلى الطبيعة مطلقا بخلاف الحركة الطبيعية ~~المستندة إلى الطبيعة لا مطلقا بل عند مقارنة أمر غير ملائم. # قال: وتعرض البساطة ومقابلها للحركة خاصة. # أقول: من الحركات ما هو ms218 بسيط كحركة الحجر إلى أسفل، ومنها ما هو مركب ~~كحركة النملة على الرحى إذا اختلفتا في المقصد، فإن حركة كل من النملة ~~والرحى وإن كانت بسيطة لكن إذا نظر إلى حركة النملة الذاتية باعتبار حصولها ~~في محل متحرك بالعرض حصل لها تركيب، ثم إن كانت إحدى الحركتين مساوية ~~للأخرى حدث للنملة ثبات بالنسبة إلى الأمور الثابتة وإن فضلت إحداهما ~~الأخرى حصل لها حركة بقدر فضل إحداهما على الأخرى، وهذا أنما يكون في متحرك ~~يتحرك بالعرض إذ يستحيل تحرك الجسم الواحد بالذات حركتين إلى جهة أو جهتين. # قال: ولا يعلل الجنس (1) ولا أنواعه بما يقتضي الدور. # أقول: الذي خطر لنا في تفسير هذا الكلام الرد على أبي هاشم حيث قال: إن ~~حصول الجسم في المكان معلل بمعنى وإن الحركة معللة بمعنى، والدليل على ~~بطلانه أن المعنى الذي جعل علة في الحصول إما أن يوجد قبل الحصول أو لا، ~~فإن كان الثاني لزم الدور، وإن كان الأول فإن اقتضى اندفاع الجسم إلى مكان ~~ما فهو الميل وهو ثابت، وإلا لم يكن علة. # المسألة السادسة في المتى قال: الخامس المتى وهو النسبة إلى الزمان أو ~~طرفه. # PageV00P385 # أقول: لما فرغ من البحث عن مقولة الأين شرع في البحث عن المتى، والمراد ~~بها نسبة الشئ إلى الزمان أو طرفه بالحصول فيه وهو إما حقيقي وهو الذي لا ~~يفضل عن كون الشئ كالصيام في النهار، وإما غير حقيقي كالصلاة فيه. # والفرق بين المتى الحقيقي والأين الحقيقي في النسبة أن المتى الواحد قد ~~يشترك فيه كثيرون بخلاف الأين الحقيقي. # قال: والزمان مقدار الحركة من حيث التقدم والتأخر العارضين لها (1) ~~باعتبار آخر. # أقول: الحركة يعرض لها نوعان من التقدم والتأخر وتتقدر باعتبارهما، فإن ~~الحركة لا بد لها من مسافة تزيد بزيادتها وتنقص بنقصانها ولا بد لها من ~~زمان كذلك، ويعرض لأجزائها تقدم وتأخر باعتبار تقدم بعض أجزاء المسافة على ~~بعض، فإن الجزء من الحركة الحاصل في الحيز المتقدم من المسافة متقدم على ~~الحاصل في المتأخر منها، وكذلك الحاصل ms219 في المتقدم من الزمان متقدم على ~~الحاصل في متأخره، لكن الفرق بين تقدم المسافة وتقدم الحركة أن المتقدم من ~~المسافة يجامع المتأخر بخلاف أجزاء الحركة، ويحصل للحركة عدد بالاعتبارين ~~فالزمان هو مقدار الحركة وعددها من حيث التقدم والتأخر العارضين لها ~~باعتبار المسافة لا باعتبار الزمان وإلا لزم الدور، وإلى هذا أشار بقوله: ~~باعتبار آخر، أي باعتبار آخر مغاير لاعتبار الزمان. # قال: وإنما تعرض المقولة بالذات للمتغيرات، وبالعرض لمعروضها. # أقول: هذه المقولة التي هي المتى إنما تعرض بالذات للمتغيرات كالحركات، ~~وإنما تعرض لغيرها بالعرض وبواسطتها، فإن ما لا يتغير لا تعرض له هذه ~~النسبة إلا باعتبار عروض صفات متغيرة له كالأجسام التي تعرض لها الحركات # PageV00P386 # فتلحقها هذه النسبة. # قال: ولا يفتقر وجود معروضها وعدمه إليه. # أقول: الذي فهمناه من هذا الكلام أمران: (أحدهما) أن وجود معروض ~~المتغيرات وعدمه لا يفتقر إلى الزمان لأنه متأخر عن المتغيرات لأنه مقدارها ~~وهي متأخرة عن المتغيرات التي هي معروضها، فلو افتقر وجود المعروض وعدمه ~~إليه لزم الدور. # (الثاني) أن هذه النسبة التي هي المقولة عارضة للمنتسبين اللذين أحدهما ~~الزمان، فالزمان معروض لهذه النسبة ووجود هذا المعروض وعدمه لا يفتقران إلى ~~الزمان وإلا لزم التسلسل. # قال: والطرف كالنقطة وعدمه في الزمان لا على التدريج. # أقول: الطرف يعني به الآن فإنه طرف الزمان ووجوده فرضي على ما اختاره ~~المصنف رحمه الله من نفي الجوهر الفرد كوجود النقطة في الجسم، وعدمه في ~~جميع الزمان الذي بعده لا على التدريج وذلك لأن عدم الشئ قد يكون في آن ~~كالأجسام وغيرها من الأعراض القارة، وقد يكون في زمان وهذا على قسمين: # الأول: أن يكون العدم على التدريج كعدم الحركة، والثاني: أن يكون لا على ~~التدريج كاللامماسة وكعدم الآن. # قال: وحدوث العالم يستلزم حدوثه. # أقول: قد بينا فيما تقدم أن العالم حادث والزمان من جملته فيكون حادثا ~~بالضرورة، والأوائل نازعوا في ذلك وقد تقدم كلامهم والجواب عنه. # المسألة السابعة في الوضع قال: السادس الوضع وهو هيئة تعرض للجسم باعتبار ~~نسبتين. PageV00P387 # أقول: ms220 الوضع من جملة الأعراض النسبية، واعلم أن لفظة الوضع تقال على معان ~~بالاشتراك: أحدها: كون الشئ بحيث يشار إليه إشارة حسية أنه هنا أو هناك، ~~فالنقطة ذات وضع بهذا الاعتبار دون الوحدة. وثانيها: هيئة تعرض للجسم بسبب ~~نسبة أجزائه بعضها إلى بعض. والثالث: هيئة تعرض للجسم بسبب نسبة أجزائه ~~بعضها إلى بعض وبسبب نسبة أجزائه إلى الأمور الخارجة عنه، وهذا هو المقولة ~~المذكورة هنا كالقيام فإنه يفتقر إلى حصول نسبة الأجزاء ونسبة لها إلى ~~الأمور الخارجية مثل كون رأس القائم من فوق ورجلاه من أسفل ولولا هذه ~~النسبة لكان الانتكاس قياما، وإلى هذا أشار بقوله: باعتبار نسبتين، أي ~~باعتبار نسبة الأجزاء بعضها إلى بعض وباعتبار نسبة الأجزاء إلى الأمور ~~الخارجية. # قال: وفيه تضاد وشدة وضعف. # أقول: قد يقع في الوضع تضاد كالقيام والانتكاس، فإنهما هيئتان وجوديتان ~~بينهما غاية الخلاف متعاقبتان على موضوع واحد فيكونان متضادين، وقد يقع فيه ~~أيضا شدة وضعف فإن الانتصاب والانتكاس قد يقبلان الشدة والضعف. # المسألة الثامنة في الملك قال: السابع الملك وهو نسبة التملك. # أقول: قال أبو علي: إن مقولة الملك لم أحصلها إلى الآن، ويشبه أن تكون ~~عبارة عن نسبة الجسم إلى حاو له أو لبعض أجزائه كالتسلح (1) والتختم، فمنه # PageV00P388 # ذاتي كحال الهرة عند أهابها، ومنه عرضي كبدن الانسان عند قميصه. وأما ~~المصنف رحمه الله فإنه حصل هذه المقولة وبين أنها عبارة عن نسبة التملك قال ~~رحمه الله: # ولخفائها عبر المتقدمون عنها بعبارات مختلفة كالجدة والملك وله. # المسألة التاسعة في مقولتي الفعل والانفعال قال: الثامن والتاسع أن يفعل ~~وأن ينفعل. # أقول: هاتان مقولتان ذهب الأوائل إلى أنهما ثابتان عينا وهما عبارة عن ~~تأثير الشئ في غيره وتأثره عنه ما دام التأثير والتأثر موجودين، وإذا ~~انقطعا قيل لهما: فعل وانفعال، فإن الجسم ما دام في الاحتراق قيل له هو ذا ~~يحترق (1) فإذا # PageV00P389 # انقطع احتراقه واستقر أطلق عليه لفظة المصدر. # قال: والحق ثبوتهما ذهنا وإلا لزم التسلسل. # أقول: المصنف رحمه الله ذهب هنا إلى ما ذهب إليه ms221 المتكلمون، وخالف ~~الأوائل في ذلك وجعل هاتين المقولتين أمرين ذهنيين لا ثبوت لهما عينا وإلا ~~لزم التسلسل. # ووجه اللزوم أن ثبوتهما يستدعي علة مؤثرة فيهما، فلتلك العلة نسبة ~~التأثير إليهما ولهما نسبة التأثر عنها، وذلك يستدعي ثبوت نسبتين أخريين ~~وهكذا إلى ما لا يتناهى. PageV00P390 # المقصد الثالث في إثبات الصانع تعالى وصفاته وآثاره وفيه فصول: ~~PageV00P391 # الأول في وجوده تعالى قال: الموجود إن كان واجبا وإلا استلزمه لاستحالة ~~الدور والتسلسل. # أقول: يريد إثبات واجب الوجود تعالى وبيان صفاته وما يجوز عليه وما لا ~~يجوز وبيان أفعاله وآثاره وابتدأ بإثبات وجوده لأنه الأصل في ذلك كله، ~~والدليل على وجوده أن نقول هنا موجود بالضرورة فإن كان واجبا فهو المطلوب، ~~وإن كان ممكنا افتقر إلى مؤثر موجود بالضرورة فذلك المؤثر إن كان واجبا ~~فالمطلوب، وإن كان ممكنا افتقر إلى مؤثر موجود فإن كان واجبا فالمطلوب وإن ~~كان ممكنا تسلسل أو دار، وقد تقدم بطلانهما وهذا برهان قاطع أشير إليه في ~~الكتاب العزيز بقوله: ﴿أو لم يكف بربك ~~أنه على كل شئ شهيد﴾ (1) وهو استدلال لمي. # والمتكلمون سلكوا طريقا آخر فقالوا: العالم حادث فلا بد له من محدث، فلو ~~كان محدثا تسلسل أو دار، وإن كان قديما ثبت المطلوب لأن القدم يستلزم ~~الوجوب، وهذه الطريقة أنما تتمشى بالطريقة الأولى، فلهذا اختارها المصنف ~~رحمه الله على هذه. # PageV00P392 # الفصل الثاني في صفاته تعالى وفيه مسائل المسألة الأولى: # في أنه تعالى قادر (1) قال: الثاني في صفاته. وجود العالم بعد عدمه ينفي ~~الإيجاب. # أقول: لما فرغ من البحث عن الدلالة على وجود الصانع تعالى شرع في ~~الاستدلال على صفاته تعالى وابتدأ بالقدرة، والدليل على أنه تعالى قادر أنا ~~قد بينا أن العالم حادث، فالمؤثر فيه إن كان موجبا لزم حدوثه أو قدم ما ~~فرضناه حادثا أعني العالم والتالي بقسميه باطل، بيان الملازمة أن المؤثر ~~الموجب يستحيل تخلف أثره عنه، وذلك يستلزم إما قدم العالم وقد فرضناه حادثا ~~أو حدوث المؤثر ويلزم التسلسل، فظهر ms222 أن المؤثر للعالم قادر مختار. # قال: والواسطة غير معقولة. # أقول: لما فرغ من الاستدلال على مطلوبه شرع في أنواع من الاعتراضات للخصم ~~مع وجه المخلص منها، وتقرير هذا السؤال أن يقال: دليلكم يدل على أن # PageV00P393 # مؤثر العالم مختار وليس يدل على أن الواجب مختار بل جاز أن يكون الواجب ~~تعالى موجبا لذاته معلولا يؤثر (1) في العالم على سبيل الاختيار، وتقرير ~~الجواب أن هذه الواسطة غير معقولة (2) لأنا قد بينا حدوث العالم بجملته ~~وأجزائه، والمعني بالعالم كل موجود سوى الله تعالى، وثبوت واسطة بين ذات ~~الله تعالى وبين ما سواه غير معقول. # قال: ويمكن عروض الوجوب والامكان للأثر باعتبارين. # أقول: هذا جواب عن سؤال آخر، وتقريره أن المؤثر إما أن يستجمع جميع جهات ~~المؤثرية أو لا، فإن كان الأول كان وجود الأثر عنه واجبا وإلا لافتقر ~~ترجيحه إلى مرجح زائد فلا تكون الجهات بأسرها موجودة هذا خلف، أو لزم ~~الترجيح من غير مرجح وهو باطل بالضرورة، وإن لم يكن مستجمعا لجميع الجهات ~~استحال صدور الأثر عنه، وحينئذ لا يمكن تحقق القادر لأنه على تقدير حصول ~~جميع الجهات يمتنع الترك، وعلى تقدير انتفاء بعضها يمتنع الفعل فلا تتحقق ~~المكنة من الطرفين. # وتقرير الجواب أن الأثر تعرض له نسبتا الوجوب والإمكان باعتبارين فلا ~~يتحقق الموجب ولا يلزم الترجيح من غير مرجح، وبيانه أن فرض استجماع المؤثر ~~جميع ما لا بد منه في المؤثرية هو بأن يكون المؤثر المختار مأخوذا مع قدرته ~~التي يستوي طرفا الوجود والعدم بالنسبة إليها ومع داعيه الذي يرجح أحد ~~طرفيه، وحينئذ يجب الفعل بعدهما نظرا إلى وجود الداعي والقدرة ولا تنافي ~~بين # PageV00P394 # هذا الوجوب وبين الإمكان نظرا إلى مجرد القدرة والاختيار، وهذا كما إذا ~~فرضنا وقوع الفعل من المختار فإنه يصير واجبا من جهة فرض الوقوع ولا ينافي ~~الاختيار، وبهذا التحقيق يندفع جميع المحاذير اللازمة لأكثر المتكلمين في ~~قولهم القادر يرجح أحد مقدوريه على الآخر لا لمرجح. # قال: واجتماع القدرة على المستقبل مع العدم. # أقول: هذا جواب عن سؤال ms223 آخر، وتقريره أن نقول: الأثر إما حاصل في الحال ~~فواجب فلا يكون مقدورا، أو معدوم فممتنع فلا قدرة. # وتقرير الجواب أن الأثر معدوم حال حصول القدرة ولا نقول: أن القدرة حال ~~عدم الأثر تفعل الوجود في تلك الحال بل في المستقبل، فيمكن اجتماع القدرة ~~على الوجود في المستقبل مع العدم في الحال. لا يقال: الوجود في الاستقبال ~~غير ممكن في الحال لأنه مشروط بالاستقبال الممتنع في الحال، وإذا كان كذلك ~~فلا قدرة عليه في الحال وعند حصول الاستقبال يعود الكلام، لأنا نقول: ~~القدرة لا تتعلق بالوجود في الاستقبال في الحال بل في الاستقبال. # قال: وانتفاء الفعل ليس فعل الضد. # أقول: هذا جواب عن سؤال آخر، وتقريره أن القادر لا يتعلق فعله بالعدم فلا ~~يتعلق فعله بالوجود. أما بيان المقدمة الأولى فلأن الفعل يستدعي الوجود ~~والامتياز وهما ممتنعان في حق المعدوم، وأما الثانية فلأنكم قلتم القادر هو ~~الذي يمكنه الفعل والترك وإذا انتفى إمكان الترك انتفى إمكان الفعل. وتقرير ~~الجواب أن القادر هو الذي يمكنه أن يفعل وأن لا يفعل، وليس لا يفعل عبارة ~~عن فعل الضد. # قال: وعمومية العلة تستلزم عمومية الصفة. # أقول: يريد بيان أنه تعالى قادر على كل مقدور وهو مذهب الأشاعرة، وخالف ~~أكثر الناس في ذلك فإن الفلاسفة قالوا: إنه تعالى قادر على شئ PageV00P395 # واحد (1) لأن الواحد لا يتعدد أثره، وقد تقدم بطلان مقالتهم. # والمجوس ذهبوا إلى أن الخير من الله تعالى والشر من الشيطان، لأن الله ~~تعالى خير محض وفاعل الشر شرير. # والمانوية ذهبوا (2) إلى أن الخير من النور والشر من الظلمة. # والنظام قال: إن الله تعالى لا يقدر على القبيح لأنه يدل على الجهل أو ~~الحاجة. # وذهب البلخي إلى أن الله لا يقدر على مثل مقدور العبد لأنه إما طاعة أو ~~سفه (3). # وذهب الجبائيان إلى أنه تعالى لا يقدر على عين مقدور العبد وإلا لزم ~~اجتماع الوجود والعدم على تقدير أن يريد الله إحداثه والعبد عدمه. # وهذه المقالات كلها باطلة، لأن المقتضي لتعلق القدرة بالمقدور ms224 أنما هو ~~الإمكان، إذ مع الوجوب والامتناع لا تعلق والإمكان ثابت في الجميع فثبت ~~الحكم وهو صحة التعلق، وإلى هذا أشار المصنف رحمه الله بقوله: عمومية العلة ~~أي الإمكان تستلزم عمومية الصفة، أعني القدرة على كل مقدور. # والجواب عن شبهة المجوس أن المراد من الخير والشرير إن كان من فعلهما فلم ~~لا يجوز إسنادهما إلى شئ واحد، وأيضا الخير والشر ليسا ذاتيين للشئ فجاز أن ~~يكون الشئ خيرا بالقياس إلى شئ وشرا بالقياس إلى آخر، وحينئذ يصح إسنادهما ~~إلى ذات واحدة. # وعن شبهة النظام أن الإحالة حصلت بالنظر إلى الداعي، فلا تنافي الإمكان ~~الذاتي المقتضي لصحة تعلق القادر. # PageV00P396 # وعن شبهة البلخي أن الطاعة والعبث وصفان لا يقتضيان الاختلاف الذاتي. # وعن شبهة الجبائيين أن العدم أنما يحصل إذا لم يوجد داع لقادر آخر إلى ~~إيجاده. # المسألة الثانية في أنه تعالى عالم قال: والأحكام والتجرد (1) واستناد كل ~~شئ إليه دلائل العلم. # أقول: لما فرغ من بيان كونه تعالى قادرا وكيفية قدرته شرع في بيان كونه ~~تعالى عالما وكيفية علمه، واستدل على كونه تعالى عالما بوجوه ثلاثة، الأول ~~منها للمتكلمين والأخيران للحكماء: # الوجه الأول: أنه تعالى فعل الأفعال المحكمة وكل من كان كذلك فهو عالم، ~~(أما المقدمة الأولى) فحسية لأن العالم إما فلكي أو عنصري، وآثار الحكمة ~~والإتقان فيهما ظاهرة مشاهدة، (وأما الثانية) فضرورية لأن الضرورة قاضية ~~بأن غير العالم يستحيل منه وقوع الفعل المحكم المتقن مرة بعد أخرى. # الوجه الثاني: أنه تعالى مجرد وكل مجرد عالم بذاته وبغيره، أما الصغرى ~~فإنها وإن كانت ظاهرة لكن بيانها يأتي فيما بعد عند الاستدلال على كونه ~~تعالى ليس بجسم ولا جسماني، وأما الكبرى فلأن كل مجرد فإن ذاته حاصلة لذاته ~~لا لغيره وكل مجرد حصل له مجرد فإنه عاقل لذلك المجرد، لأنا لا نعني ~~بالتعقل إلا الحصول فإذن كل مجرد فإنه عاقل لذاته. # وأما إن كل مجرد عالم بغيره فلأن كل مجرد أمكن أن يكون معقولا وحده وكل ~~ما يمكن أن يكون معقولا وحده أمكن ms225 أن يكون معقولا مع غيره وكل مجرد # PageV00P397 # يعقل مع غيره فإنه عاقل لذلك الغير، أما ثبوت المعقولية لكل مجرد فظاهر ~~لأن المانع من التعقل أنما هو المادة لا غير، وأما صحة التقارن في ~~المعقولية فلأن كل معقول فإنه لا ينفك عن الأمور العامة، وأما وجوب ~~العاقلية (1) حينئذ فلأن إمكان مقارنة المجرد للغير لا يتوقف على الحضور في ~~العقل لأنه نوع من المقارنة فيتوقف إمكان الشئ على ثبوته فعلا وهو باطل، ~~وإمكان المقارنة هو إمكان التعقل، وفي هذا الوجه أبحاث مذكورة في كتبنا ~~العقلية. # الوجه الثالث: أن كل موجود سواه ممكن على ما يأتي في باب الوحدانية، وكل ~~ممكن فإنه مستند إلى الواجب إما ابتداءا أو بوسائط على ما تقدم، وقد سلف أن ~~العلم بالعلة يستلزم العلم بالمعلول، والله تعالى عالم بذاته على ما تقدم ~~فهو عالم بغيره. # قال: والأخير عام. # أقول: الوجه الأخير من الأدلة الثلاثة الدالة على كونه تعالى عالما يدل ~~على عمومية علمه بكل معلوم، وتقريره أن كل موجود سواه ممكن وكل ممكن مستند ~~إليه فيكون عالما به سواء كان جزئيا أو كليا، وسواء كان موجودا قائما بذاته ~~أو عرضا قائما بغيره، وسواء كان موجودا في الأعيان أو متعقلا في الأذهان ~~لأن وجود الصورة في الذهن من الممكنات أيضا فيستند إليه، وسواء كانت الصورة ~~الذهنية صورة أمر وجودي أو عدمي ممكن أو ممتنع، فلا يعزب عن علمه شئ من ~~الممكنات ولا من الممتنعات، وهذا برهان شريف قاطع. # قال: والتغاير اعتباري. # أقول: لما فرغ من الاستدلال على كونه تعالى عالما بكل معلوم شرع في ~~الجواب عن الاعتراضات الواردة عن المخالفين وابتدأ باعتراض من نفى علمه # PageV00P398 # تعالى بذاته ولم يذكر الاعتراض صريحا بل أجاب عنه وحذفه للعلم به. وتقرير ~~الاعتراض أن نقول: العلم إضافة بين العالم والمعلوم أو مستلزم للإضافة، ~~وعلى كلا التقديرين فلا بد من المغايرة بين العالم والمعلوم ولا مغايرة في ~~علمه بذاته. # والجواب أن المغايرة قد تكون بالذات وقد تكون بنوع من الاعتبار، وهاهنا ~~ذاته تعالى من ms226 حيث إنها عالمة مغايرة لها من حيث إنها معلومة وذلك كاف في ~~تعلق العلم. # قال: ولا يستدعي العلم صورا مغايرة للمعلومات عنده، لأن نسبة الحصول إليه ~~أشد من نسبة الصور المعقولة لنا. # أقول: هذا جواب عن اعتراض آخر أورده من نفي علم الله تعالى بالماهيات ~~المغايرة له، وتقرير الاعتراض أن العلم صورة مساوية للمعلوم في العالم، فلو ~~كان الله تعالى عالما بغيره من الماهيات لزم حصول صور تلك المعلومات في ~~ذاته تعالى وذلك يستلزم تكثره تعالى، وكونه قابلا وفاعلا ومحلا لآثاره، ~~وأنه تعالى لا يوجد شيئا مما يباين ذاته بل بتوسط الأمور الحالة فيه (1) ~~وكل ذلك باطل. # وتقرير الجواب أن العلم لا يستدعي صورا مغايرة للمعلومات عنده تعالى لأن ~~العلم هو الحصول عند المجرد على ما تقدم، ولا ريب في أن الأشياء كلها حاصلة ~~له لأنه مؤثرها وموجدها، وحصول الأثر للمؤثر أشد من حصول المقبول لقابله مع ~~أن الثاني لا يستدعي حصول صورة مغايرة لذات الحاصل، فإنا إذا عقلنا ذواتنا ~~لم نفتقر إلى صورة مغايرة لذواتنا، ثم إذا أدركنا شيئا ما بصورة # PageV00P399 # تحصل في أذهاننا فإنا ندرك تلك الصورة الحاصلة في الذهن بذاتها لا ~~باعتبار صورة أخرى وإلا لزم تضاعف الصور مع أن تلك الصورة حاصلة لذاتنا لا ~~بانفرادها بل بمشاركة من المعقولات، فحصول العلم بالموجودات لواجب الوجود ~~الذي تحصل له الأشياء من ذاته بانفراده من غير افتقار إلى صور لها أولى، ~~ولما كانت ذاته سببا لكل موجود وعلمه بذاته علة لعلمه بآثاره وكانت ذاته ~~وعلمه بذاته العلتان متغايرتين بالاعتبار متحدتين بالذات فكذا معلوله ~~والعلم به متحدان بالذات متغايران بنوع من الاعتبار، وهذا بحث شريف أشار ~~إليه صاحب التحصيل وبسطه المصنف رحمه الله في شرح الإشارات، وبهذا التحقيق ~~يندفع جميع المحالات لأنها لزمت باعتبار حصول صور في ذاته تعالى عن ذلك. # قال: وتغير الإضافات ممكن. # أقول: هذا جواب عن اعتراض الحكماء القائلين بنفي علمه تعالى بالجزئيات ~~الزمانية، وتقرير الاعتراض أن العلم يجب تغيره عند تغير المعلوم وإلا ~~لانتفت المطابقة، لكن ms227 الجزئيات الزمانية متغيرة فلو كانت معلومة لله تعالى ~~لزم تغير علمه تعالى، والتغير في علم الله تعالى محال. # وتقرير الجواب أن التغير هنا أنما هو في الإضافات لا في الذات ولا في ~~الصفات الحقيقية كالقدرة التي تتغير نسبتها وإضافتها إلى المقدور عند عدمه ~~وإن لم تتغير في نفسها، وتغير الإضافات جائز لأنها أمور اعتبارية لا تحقق ~~لها في الخارج. # قال: ويمكن اجتماع الوجوب والامكان باعتبارين. # أقول: هذا جواب عن احتجاج من نفى علمه تعالى بالمتجددات قبل وجودها، ~~وتقرير كلامهم أن العلم لو تعلق بالمتجدد قبل تجدده لزم وجوبه وإلا لجاز أن ~~لا يوجد، فينقلب علمه تعالى جهلا وهو محال. PageV00P400 # والجواب إن أردتم بوجوب ما علمه تعالى (1) أنه واجب الصدور عن العلم فهو ~~باطل، لأنه تعالى يعلم ذاته ويعلم المعدومات (2) وإن أردتم وجوب المطابقة ~~لعلمه فهو صحيح لكن ذلك وجوب لاحق لا سابق فلا ينافي الإمكان الذاتي، وإلى ~~هذا أشار بقوله: ويمكن اجتماع الوجوب والإمكان باعتبارين. # المسألة الثالثة في أنه تعالى حي قال: وكل قادر عالم حي بالضرورة. # أقول: اتفق الناس على أنه تعالى حي واختلفوا في تفسيره، فقال قوم: إنه ~~عبارة عن كونه تعالى لا يستحيل أن يقدر ويعلم. وقال آخرون: إنه من كان على ~~صفة لأجله عليها يجب أن يعلم ويقدر. والتحقيق أن صفاته تعالى إن قلنا ~~بزيادتها على ذاته فالحياة صفة ثبوتية زائدة على الذات وإلا فالمرجع بها ~~إلى صفة سلبية وهو الحق، وقد بينا أنه تعالى قادر عالم فيكون بالضرورة حيا ~~لأن ثبوت الصفة فرع عدم استحالتها. # المسألة الرابعة في أنه تعالى مريد قال: وتخصيص بعض الممكنات بالايجاد في ~~وقت يدل على إرادته تعالى (3). # أقول: اتفق المسلمون على أنه تعالى مريد لكنهم اختلفوا في معناه، فأبو ~~الحسين جعله نفس الداعي على معنى أن علمه تعالى بما في الفعل من المصلحة # PageV00P401 # الداعية إلى الايجاد هو المخصص والإرادة. وقال النجار: إنه سلبي وهو كونه ~~تعالى غير مغلوب ولا مستكره وعن الكعبي أنه راجع إلى أنه عالم بأفعال نفسه ~~وآمر ms228 بأفعال غيره. وذهبت الأشعرية والجبائيان إلى أنه صفة زائدة على العلم. # والدليل على ثبوت الصفة مطلقا أن الله تعالى أوجد بعض الممكنات دون بعض ~~مع تساوي نسبتها إلى القدرة، فلا بد من مخصص غير القدرة التي شأنها الايجاد ~~مع تساوي نسبتها إلى الجميع، وغير العلم التابع للمعلوم وذلك المخصص هو ~~الإرادة، وأيضا بعض الممكنات يخصص بالايجاد في وقت دون ما قبله وبعده مع ~~التساوي فلا بد من مرجح غير القدرة والعلم. # قال: وليست زائدة على الداعي وإلا لزم التسلسل أو تعدد القدماء. # أقول: اختلف الناس هنا، فذهبت الأشعرية إلى إثبات أمر زائد على ذاته قديم ~~هو الإرادة، والمعتزلة اختلفوا فقال أبو الحسين: إنها نفس الداعي، وهو الذي ~~اختاره المصنف. وقال أبو علي وأبو هاشم: إن إرادته حادثة لا في محل. # وقالت الكرامية: إن إرادته حادثة في ذاته، والدليل على ما اختاره المصنف ~~أن إرادته لو كانت قديمة لزم تعدد القدماء، والتالي باطل فالمقدم مثله، ولو ~~كانت حادثة إما في ذاته أو لا في محل لزم التسلسل، لأن حدوث الإرادة في وقت ~~دون آخر يستلزم ثبوت إرادة مخصصة، والكلام فيها كالكلام هنا. # المسألة الخامسة في أنه تعالى سميع بصير قال: والنقل دل على اتصافه ~~بالإدراك والعقل على استحالة الآلات. # أقول: اتفق المسلمون كافة على أنه تعالى مدرك واختلفوا في معناه، فالذي ~~ذهب إليه أبو الحسين أن معناه علمه تعالى بالمسموعات والمبصرات، وأثبت ~~الأشعرية وجماعة من المعتزلة صفة زائدة على العلم. PageV00P402 # والدليل على ثبوت كونه تعالى سميعا بصيرا السمع، فإن القرآن قد دل عليه ~~وإجماع المسلمين على ذلك. إذا عرفت هذا فنقول: السمع والبصر في حقنا أنما ~~يكون بآلات جسمانية وكذا غيرهما من الادراكات، وهذا الشرط ممتنع في حقه ~~تعالى بالعقل فإما أن يرجع بالسمع والبصر إلى ما ذهب إليه أبو الحسين، وإما ~~إلى صفة زائدة غير مفتقرة إلى الآلات في حقه تعالى. # المسألة السادسة في أنه تعالى متكلم قال: وعمومية قدرته تدل على ثبوت ~~الكلام والنفساني غير معقول. # أقول: ذهب المسلمون ms229 كافة إلى أنه تعالى متكلم واختلفوا في معناه، فعند ~~المعتزلة أنه تعالى أوجد حروفا وأصواتا في أجسام جمادية دالة على المراد، ~~وقالت الأشاعرة: إنه متكلم بمعنى أنه قام بذاته معنى غير العلم والإرادة ~~وغيرهما من الصفات تدل عليها العبارات وهو الكلام النفساني، وهو عندهم معنى ~~واحد (1) ليس بأمر ولا نهي ولا خبر ولا غير ذلك من أساليب الكلام، والمصنف ~~رحمه الله حينئذ استدل على ثبوت الكلام بالمعنى الأول بما تقدم من كونه ~~تعالى قادرا على كل مقدور لا شك في إمكان خلق أصوات في أجسام تدل على ~~المراد، وقد اتفقت المعتزلة والأشاعرة على إمكان هذا لكن الأشاعرة أثبتوا ~~معنى آخر، والمعتزلة نفوا هذا المعنى لأنه غير معقول إذ لا يعقل ثبوت معنى ~~غير العلم ليس بأمر ولا نهي ولا خبر ولا استخبار وهو قديم والتصديق موقوف ~~على التصور. # قال: وانتفاء القبح عنه تعالى يدل على صدقه. # أقول: لما أثبت كونه تعالى متكلما وبين معناه شرع في بيان كونه تعالى # PageV00P403 # صادقا، وقد اتفق المسلمون عليه لكن لا يتمشى على أصول الأشاعرة، أما ~~المعتزلة فهذا المطلب عندهم ظاهر الثبوت لأن الكذب قبيح بالضرورة، والله ~~تعالى منزه عن القبائح لأنه تعالى حكيم على ما يأتي فلا يصدر الكذب عنه ~~تعالى. # المسألة السابعة في أنه تعالى باق قال: ووجوب الوجود يدل على سرمديته ~~ونفي الزائد. # أقول: اتفق المثبتون للصانع تعالى على أنه باق أبدا واختلفوا فذهب ~~الأشعري إلى أنه باق ببقاء يقوم به. وذهب آخرون إلى أنه باق لذاته وهو الحق ~~الذي اختاره المصنف، والدليل على أنه باق ما تقدم من بيان وجوب وجوده لذاته ~~وواجب الوجود لذاته يستحيل عليه العدم وإلا لكان ممكنا. والاعتراض الذي ~~يورد هنا - وهو أنه يجوز أن يكون واجبا لذاته في وقت وممتنعا في وقت آخر - ~~يدل على سوء فهم مورده لأن ماهيته حينئذ بالنظر إليها مجردة عن الوقتين ~~تكون قابلة لصفتي الوجود والعدم ولا نعني بالممكن سوى ذلك. (واعلم) أن هذا ~~الدليل كما يدل على وجوب البقاء يدل ms230 على انتفاء المعنى الذي أثبته أبو ~~الحسن الأشعري، لأن وجوب الوجود يقتضي الاستغناء عن الغير، فلو كان باقيا ~~بالبقاء كان محتاجا إليه فيكون ممكنا هذا خلف. # المسألة الثامنة في أنه تعالى واحد قال: والشريك. # أقول: هذا عطف على الزائد، أي ووجوب الوجود يدل على نفي الزائد ونفي ~~الشريك. (واعلم) أن أكثر العقلاء اتفقوا على أنه تعالى واحد، والدليل على ~~ذلك PageV00P404 # العقل والنقل، أما العقل فما تقدم من وجوب وجوده تعالى فإنه يدل على ~~وحدته، لأنه لو كان هناك واجب وجود آخر لتشاركا في مفهوم كون كل واحد منهما ~~واجب الوجود فإما أن يتميزا أو لا، والثاني يستلزم المطلوب وهو انتفاء ~~الشركة والأول يستلزم التركيب وهو باطل وإلا لكان كل واحد منهما ممكنا، وقد ~~فرضناه واجبا هذا خلف، وأما النقل فظاهر. # المسألة التاسعة في أنه تعالى مخالف لغيره من الماهيات قال: والمثل. # أقول: هذا عطف على الزائد أيضا، أي ووجوب الوجود يدل على نفي الزائد ونفي ~~الشريك ونفي المثل وهذا مذهب أكثر العقلاء، وخالف فيه أبو هاشم فإنه جعل ~~ذاته مساوية لغيرها من الذوات، وإنما تخالفها بحالة توجب أحوالا أربعة وهي: ~~الحيية والعالمية والقادرية والموجودية، وتلك الحالة هي صفة آلهية، وهذا ~~المذهب لا شك في بطلانه فإن الأشياء المتساوية تتشارك في لوازمها، فلو كانت ~~الذوات متساوية جاز انقلاب القديم محدثا وبالعكس وذلك باطل بالضرورة. # المسألة العاشرة في أنه تعالى غير مركب قال: والتركيب بمعانيه. # أقول: هذا عطف على الزائد، بمعنى أن وجوب الوجود يقتضي نفي التركيب أيضا، ~~والدليل على ذلك أن كل مركب فإنه مفتقر إلى أجزائه لتأخره وتعليله بها وكل ~~جزء من المركب فإنه مغاير له وكل مفتقر إلى الغير ممكن، فلو كان الواجب ~~تعالى مركبا كان ممكنا هذا خلف فوجوب الوجود يقتضي نفي التركيب. ~~PageV00P405 # واعلم أن التركيب قد يكون عقليا وهو التركيب من الجنس والفصل، وقد يكون ~~خارجيا كتركيب الجسم من المادة والصورة وتركيب المقادير من غيرها، والجميع ~~منفي عن الواجب تعالى لاشتراك المركبات في افتقارها إلى الأجزاء فلا ms231 جنس له ~~ولا فصل له ولا غيرهما من الأجزاء العقلية والحسية. # المسألة الحادية عشرة في أنه تعالى لا ضد له قال: والضد. # أقول: هذا عطف على الزائد أيضا، فإن وجوب الوجود يقتضي نفي الضد لأن الضد ~~يقال بحسب المشهور على ما يعاقب غيره من الذوات على المحل أو الموضوع مع ~~التنافي بينهما، وواجب الوجود يستحيل عليه الحلول فلا ضد له بهذا المعنى، ~~ويطلق أيضا على مساو في القوة ممانع، وقد بينا أنه تعالى لا مثل له فلا ~~مشارك له تعالى في القوة. # المسألة الثانية عشرة في أنه تعالى ليس بمتحيز قال: والتحيز. # أقول: هذا عطف على الزائد أيضا، فإن وجوب الوجود يقتضي نفي التحيز عنه ~~تعالى، وهذا حكم متفق عليه بين أكثر العقلاء وخالف فيه المجسمة، والدليل ~~على ذلك أنه لو كان متحيزا لم ينفك عن الأكوان الحادثة وكل ما لا ينفك عن ~~الحادث (1) فهو حادث وقد سبق تقرير ذلك وكل حادث ممكن فلا يكون واجبا هذا ~~خلف، ويلزم من نفي التحيز نفي الجسمية. # PageV00P406 # المسألة الثالثة عشرة في أنه تعالى ليس بحال في غيره قال: والحلول. # أقول: هذا عطف على الزائد، فإن وجوب الوجود يقتضي كونه تعالى ليس حالا في ~~غيره، وهذا حكم متفق عليه بين أكثر العقلاء وخالف فيه بعض النصارى القائلين ~~بأنه حل في المسيح وبعض الصوفية القائلين بأنه حال في أبدان العارفين، وهذا ~~المذهب لا شك في سخافته لأن المعقول من الحلول قيام موجود آخر على سبيل ~~التبعية بشرط امتناع قيامه بذاته، وهذا المعنى منتف في حقه تعالى لاستلزامه ~~الحاجة المستلزمة للإمكان. # المسألة الرابعة عشرة في نفي الاتحاد عنه تعالى قال: والاتحاد. # أقول: هذا عطف على الزائد، فإن وجود الوجوب ينافي الاتحاد لأنا قد بينا ~~أن وجوب الوجود يستلزم الوحدة فلو اتحد بغيره لكان ذلك الغير ممكنا فيكون ~~الحكم الصادق على الممكن صادقا على المتحد به فيكون الواجب ممكنا، وأيضا ~~فلو اتحد بغيره لكانا بعد الاتحاد إما أن يكون موجودين كما كانا فلا اتحاد ~~وإن عدما أو ms232 عدم أحدهما فلا اتحاد أيضا ويلزم عدم الواجب فيكون ممكنا هذا ~~خلف. # المسألة الخامسة عشرة في نفي الجهة عنه تعالى قال: والجهة. # أقول: هذا حكم من الأحكام اللازمة لوجوب الوجود وهو معطوف على ~~PageV00P407 # الزائد، وقد نازع فيه جميع المجسمة فإنهم ذهبوا إلى أنه تعالى جسم في جهة ~~وأصحاب أبي عبد الله بن كرام اختلفوا، فقال محمد بن الهيصم: إنه تعالى في ~~جهة فوق العرش لا نهاية لها والبعد بينه وبين العرش أيضا غير متناه. وقال ~~بعضهم: البعد متناه. وقال قوم منهم: إنه تعالى على العرش كما تقوله ~~المجسمة، وهذه المذاهب كلها فاسدة لأن كل ذي جهة فهو مشار إليه ومحل ~~للأكوان الحادثة فيكون حادثا فلا يكون واجبا. # المسألة السادسة عشرة في أنه تعالى ليس محلا للحوادث قال: وحلول الحوادث ~~فيه. # أقول: وجوب الوجود ينافي حلول الحوادث في ذاته تعالى وهو معطوف على ~~الزائد، وقد خالف فيه الكرامية، والدليل على الامتناع أن حدوث الحوادث فيه ~~تعالى يدل على تغيره وانفعاله في ذاته وذلك ينافي الوجوب، وأيضا فإن ~~المقتضي للحادث إن كان ذاته كان أزليا وإن كان غيره كان الواجب مفتقرا إلى ~~الغير وهو محال، ولأنه إن كان صفة كمال استحال خلو الذات عنه وإن لم يكن ~~استحال اتصاف الذات به. # المسألة السابعة عشرة في أنه تعالى غني قال: والحاجة. # أقول: وجوب الوجود ينافي الحاجة وهو معطوف على الزائد، وهذا الحكم ظاهر ~~فإن وجوب الوجود يستدعي الاستغناء عن الغير في كل شئ فهو ينافي PageV00P408 # الحاجة، ولأنه لو افتقر إلى غيره لزم الدور، لأن ذلك الغير محتاج إليه ~~لإمكانه. # (لا يقال) الدور غير لازم لأن الواجب مستغن في ذاته وبعض صفاته عن ذلك ~~الغير وبهذا الوجه يؤثر في ذلك الغير، فإذا احتاج في جهة أخرى إلى ذلك ~~الغير انتفى الدور (لأنا نقول) هذا بناء على أن صفاته تعالى زائدة على ~~الذات وهو باطل لما سيأتي، وأيضا فالدور لا يندفع لأن ذلك الممكن بالجهة ~~التي يؤثر في الواجب تعالى صفة يكون محتاجا إليه، وحينئذ ms233 يلزم الدور ~~المحال، ولأن افتقاره في ذاته يستلزم إمكانه وكذا في صفاته، لأن ذاته ~~موقوفة على وجود تلك الصفة أو عدمها المتوقفين على الغير فيكون متوقفا على ~~الغير فيكون ممكنا، وهذا برهان عول عليه الشيخ ابن سينا. # المسألة الثامنة عشرة في استحالة الألم واللذة عليه تعالى قال: والألم ~~مطلقا واللذة المزاجية. # أقول: هذا أيضا عطف على الزائد، فإن وجوب الوجود يستلزم نفي اللذة ~~والألم. # واعلم أن اللذة والألم قد يكونان من توابع المزاج، فإن اللذة من توابع ~~اعتدال المزاج والألم من توابع سوء المزاج، وهذان المعنيان أنما يصحان في ~~حق الأجسام وقد ثبت بوجوب الوجود أنه تعالى يستحيل أن يكون جسما فينتفيان ~~عنه. وقد يعني بالألم إدراك المنافي وباللذة إدراك الملائم، فالألم بهذا ~~المعنى منفي عنه لأن واجب الوجود لا منافي له، وأما اللذة بهذا المعنى فقد ~~اتفق الأوائل على ثبوتها لله تعالى لأنه مدرك لأكمل الموجودات أعني ذاته ~~فيكون ملتذا به، والمصنف رحمه الله كأنه قد ارتضى هذا القول، وهو مذهب ابن ~~نوبخت وغيره من المتكلمين إلا أن إطلاق الملتذ عليه يستدعي الأذن الشرعي. ~~PageV00P409 # المسألة التاسعة عشرة في نفي المعاني والأحوال والصفات الزائدة في ~~الأعيان قال: والمعاني والأحوال والصفات الزائدة عينا. # أقول: ذهبت الأشاعرة إلى أن لله تعالى معاني قائمة بذاته هي القدرة ~~والعلم وغيرهما من الصفات تقتضي القادرية والعالمية والحيية إلى غيرها من ~~باقي الصفات. وأبو هاشم أثبت أحوالا غير معلومة لكن تعلم الذات عليها (1) ~~وجماعة من المعتزلة أثبتوا لله تعالى صفات زائدة على الذات، وهذه المذاهب ~~كلها ضعيفة لأن وجوب الوجود يقتضي نفي هذه الأمور عنه لأنه تعالى يستحيل أن ~~يتصف بصفة زائدة على ذاته سواء جعلناها معنى أو حالا أو صفة غيرهما لأن ~~وجوب الوجود يقتضي الاستغناء عن كل شئ فلا يفتقر في كونه قادرا إلى صفة ~~القدرة ولا في كونه عالما إلى صفة العلم ولا غير ذلك من المعاني والأحوال، ~~وإنما قيد الصفات بالزائدة عينا لأنه تعالى موصوف بصفات الكمال لكن تلك ~~الصفات نفس الذات ms234 في الحقيقة وإن كانت مغايرة لها بالاعتبار. # المسألة العشرون في أنه تعالى ليس بمرئي قال: والرؤية (2). # PageV00P410 # أقول: وجوب الوجود يقتضي نفي الرؤية أيضا، (واعلم) أن أكثر العقلاء ذهبوا ~~إلى امتناع رؤيته تعالى، والمجسمة جوزوا رؤيته لاعتقادهم أنه تعالى جسم، ~~ولو اعتقدوا تجرده لم تجز رؤيته عندهم، والأشاعرة خالفوا العقلاء كافة هنا ~~وزعموا أنه تعالى مع تجرده تصح رؤيته، والدليل على امتناع الرؤية أن وجوب ~~وجوده يقتضي تجرده ونفي الجهة والحيز عنه فينتفي الرؤية عنه بالضرورة، لأن ~~كل مرئي فهو من جهة يشار إليه بأنه هنا أو هناك، ويكون مقابلا أو في حكم ~~المقابل، ولما انتفى هذا المعنى عنه تعالى انتفت الرؤية. PageV00P411 # قال: وسؤال موسى لقومه. # أقول: لما استدل على نفي الرؤية شرع في الجواب عن احتجاج الأشاعرة، وقد ~~احتجوا بوجوه أجاب المصنف عنها، الأول: أن موسى عليه السلام سأل الرؤية ولو ~~كانت ممتنعة لم يصح منه السؤال. # والجواب أن السؤال كان من موسى عليه السلام لقومه ليبين لهم امتناع ~~الرؤية لقوله تعالى: (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة) ~~وقوله: (أفتهلكنا بما فعل السفهاء منا). # قال: والنظر لا يدل على الرؤية مع قبوله التأويل. # أقول: تقرير الوجه الثاني لهم أنه تعالى حكى عن أهل الجنة النظر إليه ~~فقال: (إلى ربها ناظرة) والنظر المقرون بحرف (إلى) يفيد الرؤية لأنه حقيقة ~~في تقليب الحدقة نحو المطلوب التماسا لرؤيته، وهذا متعذر في حقه تعالى ~~لانتفاء الجهة عنه فبقي المراد منه مجازه وهو الرؤية التي هي معلول النظر ~~الحقيقي واستعمال لفظ السبب في المسبب من أحسن وجوه المجاز. # والجواب المنع من إرادة هذا المجاز، فإن النظر وإن اقترن به حرف (إلى) لا ~~يفيد الرؤية، ولهذا يقال: نظرت إلى الهلال فلم أره، وإذا لم يتعين هذا ~~المعنى للإرادة أمكن حمل الآية على غيره، وهو أن يقال: إن (إلى) واحد ~~الآلاء ويكون معنى ناظرة أي منتظرة، أو نقول: إن المضاف هنا محذوف وتقديره: ~~إلى ثواب ربها. (لا يقال) الانتظار سبب الغم والآية سيقت لبيان ms235 النعم، ~~(لأنا نقول) سياق الآية يدل على تقدم حال لأهل الثواب والعقاب على ~~استقرارهم في الجنة والنار بقوله: (وجوه يومئذ ناضرة) بدليل قوله تعالى: ~~(ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة) فإن في حال استقرار أهل النار ~~في النار قد فعل لها فاقرة فلا يبقى للظن معنى، وإذا كان كذلك فانتظار ~~النعمة بعد البشارة بها لا يكون سببا للغم بل سببا للفرح والسرور ونضارة ~~الوجه، كمن يعلم وصول نفع إليه يقينا في وقت PageV00P412 # فإنه يسر بذلك وإن لم يحضر الوقت كما أن انتظار العقاب بعد الانذار ~~بوروده يوجب الغم ويقتضي بسارة الوجه. # قال: وتعليق الرؤية (1) على استقرار الجبل المتحرك لا يدل على الإمكان. # أقول: هذا جواب عن الوجه الثالث للأشعرية، وتقرير احتجاجهم أن الله ~~سبحانه وتعالى علق الرؤية في سؤال موسى عليه السلام على استقرار الجبل ~~والاستقرار ممكن، لأن كل جسم فسكونه ممكن والمعلق على الممكن ممكن. والجواب ~~أنه تعالى علق الرؤية على الاستقرار لا مطلقا بل على استقرار الجبل حال ~~حركته واستقرار الجبل حال الحركة محال فلا يدل على إمكان المعلق. # قال: واشتراك المعلولات لا يدل على اشتراك العلل مع منع التعليل والحصر. # أقول: هذا جواب عن شبهة الأشاعرة من طريق العقل استدلوا بها على جواز ~~رؤيته تعالى، وتقريرها أن الجسم والعرض قد اشتركا في صحة الرؤية وهذا حكم ~~مشترك يستدعي علة مشتركة ولا مشترك بينهما إلا الحدوث أو الوجود، والحدوث ~~لا يصلح للعلية لأنه مركب من قيد عدمي فيكون عدميا فلم يبق إلا الوجود فكل ~~موجود تصح رؤيته والله تعالى موجود. # وهذا الدليل ضعيف جدا لوجوه: الأول: المنع من رؤية الجسم بل المرئي هو ~~اللون والضوء لا غير. الثاني: لا نسلم اشتراكهما في صحة الرؤية فإن رؤية ~~الجوهر مخالفة لرؤية العرض. الثالث: لا نسلم أن الصحة ثبوتية بل هي أمر ~~عدمي لأن جنس صحة الرؤية وهو الإمكان عدمي فلا يفتقر إلى العلة. الرابع: لا ~~نسلم أن المعلول المشترك يستدعي علة مشتركة فإنه يجوز اشتراك العلل ~~المختلفة في ms236 المعلولات المتساوية. الخامس: لا نسلم الحصر في الحدوث والوجود ~~وعدم العلم لا يدل على العدم مع أنا نتبرع بذكر قسم آخر وهو الإمكان وجاز ~~التعليل به وإن # PageV00P413 # كان عدميا لأن صحة الرؤية عدمية. السادس: لا نسلم أن الحدوث لا يصلح ~~للعلية، وقد بينا أن صحة الرؤية عدمية على أنا نمنع من كون الحدوث عدميا ~~لأنه عبارة عن الوجود المسبوق بالغير لا المسبوق بالعدم. السابع: لم لا ~~يجوز أن تكون العلة هي الوجود بشرط الإمكان أو بشرط الحدوث، والشروط يجوز ~~أن تكون عدمية. الثامن: المنع من كون الوجود مشتركا لأن وجود كل شئ نفس ~~حقيقته، ولو سلم كون الوجود الممكن مشتركا لكن وجود الله تعالى مخالف لغيره ~~من الوجودات لأنه نفس حقيقته، ولا يلزم من كون بعض الماهيات (1) علة لشئ ~~كون ما يخالفه علة لذلك الشئ. التاسع: المنع من وجود الحكم عند وجود ~~المقتضي فإنه جاز وجود مانع في حقه تعالى إما ذاته أو صفة من صفاته أو قبول ~~الحكم يتوقف على شرط كالمقابلة هنا وهي تمتنع في حقه تعالى فلا يلزم وجود ~~الحكم فيه. # المسألة الحادية والعشرون في باقي الصفات قال: وعلى ثبوت الجود. # أقول: هذا عطف على قوله: على سرمديته، أي أن وجوب الوجود يدل على سرمديته ~~وعلى ثبوت الجود، واعلم أن الجود هو إفادة ما ينبغي للمستفيد من غير ~~استعاضة منه، والله تعالى قد أفاد الوجود الذي ينبغي للممكنات من غير أن ~~يستعيض منها شيئا من صفة حقيقية أو إضافية فهو جواد، وجماعة الأوائل نفوا ~~الغرض عن الجواد وهو باطل وسيأتي بيانه في باب العدل. # PageV00P414 # قال: والملك. # أقول: وجوب الوجود يدل على كونه تعالى ملكا لأنه غني عن الغير في ذاته ~~وصفاته الحقيقية المطلقة والحقيقية المستلزمة للإضافة وكل شئ مفتقر إليه، ~~لأن كل ما عداه ممكن إنما يوجد بسببه وله ذات كل شئ لأنه مملوك له مفتقر ~~إليه في تحقق ذاته فيكون ملكا، لأن الملك هو المستجمع لهذه الصفات الثلاث. # قال: والتمام وفوقه. # أقول: وجوب الوجود يدل على ms237 كونه تعالى تاما وفوق التمام، أما كونه تاما ~~فلأنه واحد على ما سلف، واجب من كل جهة يمتنع تغيره وانفعاله وتجدد شئ له، ~~فكل ما من شأنه أن يكون له فهو حاصل له بالفعل، وأما كونه فوق التمام فلأن ~~ما حصل لغيره من الكمالات فهو منه مستفاد. # قال: والحقية. # أقول: وجوب الوجود يدل على ثبوت الحقية له تعالى، واعلم أن الحق يقال ~~للثابت مطلقا والثابت دائما، ويقال على حال القول والعقد بالنسبة إلى ~~المقول والمعتقد إذا كان مطابقا وهو الصادق أيضا لكن باعتبار نسبة القول ~~والعقد إليه، والله تعالى واجب الثبوت والدوام غير قابل للعدم والبطلان، ~~فذاته أحق من كل حق وهو محقق كل حقيقة. # قال: والخيرية. # أقول: وجوب الوجود يدل على ثبوت وصف الخيرية لله تعالى، لأن الخير عبارة ~~عن الوجود والشر عبارة عن عدم كمال الشئ من حيث هو مستحق له، وواجب الوجود ~~يستحيل أن يعدم عنه شئ من الكمالات فلا يتطرق إليه الشر بوجه من الوجوه فهو ~~خير محض. # قال: والحكمة. # أقول: وجوب الوجود يقتضي وصف الله تعالى بالحكمة، لأن الحكمة قد يعني ~~PageV00P415 # بها معرفة الأشياء وقد يراد بها صدور الشئ على الوجه الأكمل، ولا عرفان ~~أكمل من عرفانه تعالى فهو حكيم بالمعنى الأول، وأيضا فإن أفعاله تعالى في ~~غاية الأحكام والإتقان ونهاية الكمال فهو حكيم بالمعنى الثاني أيضا. # قال: والتجبر. # أقول: وجوب الوجود يقتضي وصفه تعالى بكونه جبارا، لأن وجوب الوجود يقتضي ~~استناد كل شئ إليه فهو يجبر ما بالقوة بالفعل والتكميل كالمادة بالصورة فهو ~~جبار من حيث إنه واجب الوجود. # قال: والقهر. # أقول: وجوب الوجود يقتضي وصفه تعالى بكونه قهارا بمعنى أنه يقهر العدم ~~بالوجود والتحصيل. # قال: والقيومية. # أقول: وصفه تعالى بكونه واجب الوجود يقتضي وصفه بكونه قيوما بمعنى أنه ~~قائم بذاته ومقيم لغيره، لأن وجوب الوجود يقتضي استغناءه عن غيره وهو معني ~~قيامه بذاته ويقتضي استناد غيره إليه وهو المعنى بكونه مقيما لغيره. # قال: وأما اليد والوجه والقدم والرحمة والكرم والرضا والتكوين فراجعة إلى ms238 ~~ما تقدم. # أقول: ذهب أبو الحسن الأشعري إلى أن اليد صفة وراء القدرة، والوجه صفة ~~مغايرة للوجود، وذهب عبد الله بن سعيد إلى أن القدم صفة مغايرة للبقاء وأن ~~الرحمة والكرم والرضا صفات مغايرة للإرادة، وأثبت جماعة من الحنفية التكوين ~~صفة مغايرة للقدرة، والتحقيق أن هذه الصفات راجعة إلى ما تقدم. PageV00P416 # الفصل الثالث في أفعاله وفيه مسائل المسألة الأولى في إثبات الحسن والقبح ~~العقليين قال: الثالث في أفعاله، الفعل المتصف بالزائد إما حسن أو قبيح، ~~والحسن أربعة. # أقول: لما فرغ من إثباته تعالى وبيان صفاته شرع في بيان عدله وأنه تعالى ~~حكيم لا يفعل القبيح ولا يخل بالواجب وما يتعلق بذلك من المسائل، وبدأ ~~بقسمة الفعل إلى الحسن والقبيح وبين أن الحسن والقبح أمران عقليان، وهذا ~~حكم متفق عليه بين المعتزلة. وأما الأشاعرة فإنهم ذهبوا إلى أن الحسن ~~والقبح أنما يستفادان من الشرع فكل ما أمر الشارع به فهو حسن وكل ما نهى ~~عنه فهو قبيح، ولولا الشرع لم يكن حسن ولا قبح، ولو أمر الله تعالى بما نهى ~~عنه لا نقلب القبيح إلى الحسن. # والأوائل ذهبوا إلى أن من الأشياء ما هو حسن ومنها ما هو قبيح بالنظر إلى ~~العقل العملي، وقد شنع أبو الحسين على الأشاعرة بأشياء ردية وما شنع به فهو ~~حق إذ لا تتمشى قواعد الاسلام بارتكاب ما ذهب إليه الأشعرية من تجويز ~~القبائح عليه تعالى وتجويز إخلاله بالواجب، وما أدري كيف يمكنهم الجمع بين ~~المذهبين. # واعلم: أن الفعل من التصورات الضرورية، وقد حده أبو الحسين بأنه ما ~~PageV00P417 # حدث عن قادر مع أنه حد القادر بأنه الذي يصح أن يفعل وأن لا يفعل فلزمه ~~الدور، على أن الفعل أعم من الصادر عن قادر وغيره. إذا عرفت هذا، فالفعل ~~الحادث إما أن لا يوصف بأمر زائد على حدوثه وهو مثل حركة الساهي والنائم ~~وإما أن يوصف وهو قسمان حسن وقبيح، فالحسن ما لا يتعلق بفعله ذم القبيح ~~بخلافه، والحسن إما أن لا يكون له وصف زائد على ms239 حسنه وهو المباح ويرسم بأنه ~~ما لا مدح فيه على الفعل والترك، وإما أن يكون له وصف زائد على حسنه فإما ~~أن يستحق المدح بفعله والذم بتركه وهو الواجب، أو يستحق المدح بفعله ولا ~~يتعلق بتركه ذم وهو المندوب، أو يستحق المدح بتركه ولا يتعلق بفعله ذم وهو ~~المكروه، فقد انقسم الحسن إلى الأحكام الأربعة: الواجب والمندوب والمباح ~~والمكروه ومع القبيح تبقى الأحكام الحسنة والقبيحة خمسة. # قال: وهما عقليان للعلم بحسن الإحسان وقبح الظلم من غير شرع. # أقول: استدل المصنف رحمه الله على أن الحسن والقبح أمران عقليان بوجوه، ~~هذا أولها وتقريره أنا نعلم بالضرورة حسن بعض الأشياء وقبح بعضها من غير ~~نظر إلى شرع، فإن كل عاقل يجزم بحسن الإحسان ويمدح عليه، وبقبح الإساءة ~~والظلم ويذم عليه، وهذا حكم ضروري لا يقبل الشك وليس مستفادا من الشرع لحكم ~~البراهمة والملاحدة به من غير اعتراف منهم بالشرائع. # قال: ولانتفائهما مطلقا لو ثبتا شرعا. # أقول: هذا وجه ثان يدل على أن الحسن والقبح عقليان، وتقريره أنهما لو ~~ثبتا شرعا لم يثبتا لا شرعا ولا عقلا، والتالي باطل إجماعا فالمقدم مثله، ~~بيان الشرطية أنا لو لم نعلم حسن بعض الأشياء وقبحها عقلا لم نحكم بقبح ~~الكذب فجاز وقوعه من الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا، فإذا أخبرنا في شئ أنه ~~قبيح لم نجزم بقبحه وإذا أخبرنا في شئ أنه حسن لم نجزم بحسنه لتجويز الكذب ~~ولجوزنا أن يأمرنا بالقبيح وأن ينهانا عن الحسن لانتفاء حكمته تعالى على ~~هذا التقدير. PageV00P418 # قال: ولجاز التعاكس. # أقول: الذي خطر لنا في تفسير هذا الكلام أنه لو لم يكن الحسن والقبح ~~عقليين لجاز أن يقع التعاكس في الحسن والقبح بأن يكون ما نتوهمه حسنا قبيحا ~~وبالعكس، فكان يجوز أن يكون هناك أمم عظيمة تعتقد حسن مدح من أساء إليهم ~~وذم من أحسن كما حصل لنا اعتقاد عكس ذلك، ولما علم كل عاقل بطلان ذلك جزمنا ~~باستناد هذه الأحكام إلى القضايا العقلية لا الأوامر والنواهي الشرعية ولا ~~العادات. ms240 # قال: ويجوز التفاوت في العلوم لتفاوت التصور. # أقول: لما استدل على مذهبه من إثبات الحسن والقبح العقليين شرع في الجواب ~~عن شبهة الأشاعرة، وقد احتجوا بوجوه: الأول: لو كان العلم بقبح بعض الأشياء ~~وحسنها ضروريا لما وقع التفاوت بينه وبين العلم لزيادة الكل على الجزء، ~~والتالي باطل بالوجدان فالمقدم مثله، والشرطية ظاهرة لأن العلوم الضرورية ~~لا تتفاوت. (والجواب) المنع من الملازمة فإن العلوم الضرورية قد تتفاوت ~~لوقوع التفاوت في التصورات، فقوله: (ويجوز التفاوت في العلوم لتفاوت ~~التصور) إشارة إلى هذا الجواب. # قال: وارتكاب أقل القبيحين مع إمكان المخلص (1). # أقول: هذا يصلح أن يكون جوابا عن شبهتين للأشعرية: إحداهما: قالوا: لو # PageV00P419 # كان الكذب قبيحا لكان الكذب المقتضي لتخليص النبي من يد ظالم قبيحا، ~~والتالي باطل لأنه يحسن تخليص النبي فالمقدم مثله. الثانية: قالوا: لو قال ~~الانسان: لأكذبن غدا، فإن حسن منه الصدق بإيفاء الوعد لزم حسن الكذب، وإن ~~قبح كان الصدق قبيحا فيحسن الكذب. # والجواب فيهما واحد، وذلك لأن تخليص النبي أرجح من الصدق فيكون تركه أقبح ~~من الكذب، فيجب ارتكاب أدنى القبيحين وهو الكذب لاشتماله على المصلحة ~~العظيمة الراجحة على الصدق. وأيضا يجب عليه ترك الكذب في غد لأنه إذا كذب ~~في الغد فعل شيئا فيه جهتا قبح وهو العزم على الكذب وفعله، ووجها واحدا من ~~وجوه الحسن وهو الصدق وإذا ترك الكذب يكون قد ترك تتمة العزم والكذب وهما ~~وجها حسن، وفعل وجها واحدا من وجوه القبح وهو الكذب. وأيضا قد يمكن التخلص ~~عن الكذب في الصورة الأولى بأن يفعل التورية أو يأتي بصورة الإخبار الكذب ~~من غير قصد إليه، ولأن جهة الحسن هي التخلص (1) وهي غير منفكة عنه وجهة ~~القبح هي الكذب وهي غير منفكة عنه فما هو حسن لم ينقلب قبيحا وكذا ما هو ~~قبيح لم ينقلب حسنا. # قال: والجبر باطل. # أقول: هذا جواب عن شبهة أخرى لهم وهي أنهم قالوا: الجبر حق فينتفي الحسن ~~والقبح العقليان والملازمة ظاهرة وبيان صدق المقدم ما يأتي والجواب الطعن ~~في ms241 الصغرى وسيأتي البحث فيها. # المسألة الثانية في أنه تعالى لا يفعل القبيح ولا يخل بالواجب قال: ~~واستغناؤه وعلمه يدلان على انتفاء القبح عن أفعاله تعالى. # PageV00P420 # أقول: اختلف الناس هنا، فقالت المعتزلة: إنه تعالى لا يفعل قبيحا ولا يخل ~~بواجب، ونازع الأشعرية في ذلك وأسندوا القبائح إليه تعالى الله عن ذلك، ~~والدليل على ما اختاره المعتزلة أن له داعيا إلى فعل الحسن وليس له صارف ~~عنه، وله صارفا عن فعل القبيح وليس له داع إليه وهو قادر على كل مقدور، ومع ~~وجود القدرة والداعي يجب الفعل، وإنما قلنا ذلك لأنه تعالى غني يستحيل عليه ~~الحاجة وهو عالم بحسن الحسن وقبح القبيح، ومن المعلوم بالضرورة أن العالم ~~بالقبيح الغني عنه لا يصدر عنه وأن العالم بالحسن القادر عليه إذا خلا من ~~جهات المفسدة فإنه يوجده، وتحريره أن الفعل بالنظر إلى ذاته ممكن وواجب ~~بالنظر إلى علته، وكل ممكن مفتقر إلى قادر فإن علته أنما تتم بواسطة القدرة ~~والداعي، فإذا وجدا فقد تم السبب، وعند تمام السبب يجب وجود الفعل. وأيضا ~~لو جاز منه فعل القبيح أو الاخلال بالواجب لارتفع الوثوق بوعده ووعيده ~~لإمكان تطرق الكذب عليه ولجاز منه إظهار المعجزة على يد الكاذب وذلك يفضي ~~إلى الشك في صدق الأنبياء ويمتنع الاستدلال بالمعجزة عليه. # المسألة الثالثة في أنه تعالى قادر على القبيح قال: مع قدرته عليه لعموم ~~النسبة ولا ينافي الامتناع اللاحق. # أقول: ذهب العلماء كافة إلى أنه تعالى قادر على القبيح إلا النظام، ~~والدليل على ذلك أنا قد بينا عموم نسبة قدرته إلى الممكنات والقبيح منها ~~فيكون مندرجا تحت قدرته. احتج بأن وقوعه منه يدل على الجهل أو الحاجة وهما ~~منفيان في حقه تعالى. والجواب أن الامتناع هنا بالنظر إلى الحكمة فهو ~~امتناع لاحق لا يؤثر في الإمكان الأصلي، ولهذا عقب المصنف رحمه الله ~~الاستدلال على مراده بالجواب عن الشبهة التي له وإن لم يذكرها صريحا. ~~PageV00P421 # المسألة الرابعة في أنه يفعل لغرض قال: ونفي الغرض يستلزم العبث ولا يلزم ~~عوده إليه. ms242 # أقول: اختلف الناس هنا، فذهبت المعتزلة إلى أنه تعالى يفعل لغرض ولا يفعل ~~شيئا لغير فائدة، وذهبت الأشاعرة إلى أن أفعاله تعالى يستحيل تعليلها ~~بالأغراض والمقاصد. والدليل على مذهب المعتزلة أن كل فعل لا يفعل لغرض فإنه ~~عبث والعبث قبيح، والله تعالى يستحيل منه فعل القبيح. احتج المخالف بأن كل ~~فاعل لغرض وقصد فإنه ناقص بذاته مستكمل بذلك الغرض، والله تعالى يستحيل ~~عليه النقصان. (والجواب) النقص أنما يلزم لو عاد الغرض والنفع إليه، أما ~~إذا كان النفع عائدا إلى غيره فلا كما نقول: إنه تعالى يخلق العالم لنفعهم. # المسألة الخامسة في أنه تعالى يريد الطاعات ويكره المعاصي قال: وإرادة ~~القبيح قبيحة وكذا ترك إرادة الحسن وللأمر والنهي (1). # أقول: مذهب المعتزلة أن الله تعالى يريد الطاعات من المؤمن والكافر سواء ~~وقعت أو لا، ويكره المعاصي سواء وقعت أو لا. وقالت الأشاعرة: كل ما هو واقع ~~فهو مراد سواء كان طاعة أو معصية. والدليل على ما ذهب إليه المعتزلة وجهان: # الأول: أنه تعالى حكيم لا يفعل القبيح على ما تقدم، فكما أن فعل القبيح ~~قبيح # PageV00P422 # فكذا إرادته قبيحة، وكما أن ترك الحسن قبيح فكذا إرادة تركه. الثاني: أنه ~~تعالى أمر بالطاعات ونهى عن المعاصي والحكيم إنما يأمر بما يريده لا بما ~~يكرهه، وينهى عما يكرهه لا عما يريده، فلو كانت الطاعة من الكافر مكروهة ~~لله تعالى لما أمر بها، ولو كانت المعصية مرادة لله تعالى لما نهاه عنها، ~~وكان الكافر مطيعا بكفره وعدم إيمانه لأنه فعل ما أراده الله تعالى منه وهو ~~المعصية وامتنع عما كرهه وذلك باطل قطعا. # قال: وبعض الأفعال مستندة إلينا والمغلوبية غير لازمة والعلم تابع. # أقول: لما فرغ من الاستدلال شرع في إبطال حجج الخصم، وهي ثلاثة: # الأولى: قالوا: الله تعالى فاعل لكل موجود فتكون القبائح مستندة إليه ~~بإرادته. والجواب ما يأتي من كون بعض الأفعال مستندة إلينا. # الثانية: إن الله تعالى لو أراد من الكافر الطاعة، والكافر أراد المعصية ~~وكان الواقع مراد الكافر لزم أن يكون الله ms243 تعالى مغلوبا، إذ من يقع مراده ~~من المريدين هو الغالب. والجواب أن هذا غير لازم لأن الله تعالى أنما يريد ~~الطاعة من العبد على سبيل الاختيار وهو أنما يتحقق بإرادة المكلف، ولو أراد ~~الله تعالى إيقاع الطاعة من الكافر مطلقا سواء كانت عن إختيار أو إجبار ~~لوقعت. # الثالثة: قالوا: كل ما علم الله تعالى وقوعه وجب وما علم عدمه امتنع، ~~فإذا علم عدم وقوع الطاعة من الكافر استحال إرادتها منه وإلا لكان مريدا ~~لما يمتنع وجوده. والجواب أن العلم تابع لا يؤثر في إمكان الفعل، وقد مر ~~تقرير ذلك. # المسألة السادسة في أنا فاعلون قال: والضرورة قاضية باستناد أفعالنا ~~إلينا (1). # PageV00P423 # أقول: اختلف العقلاء هنا، فالذي ذهب إليه المعتزلة أن العبد فاعل لأفعال ~~نفسه، واختلفوا فقال أبو الحسين: إن العلم بذلك ضروري، وهو الحق الذي ذهب ~~إليه المصنف رحمه الله. وقال آخرون: إنه إستدلالي. وأما جهم بن صفوان فإنه ~~قال: إن الله تعالى هو الموجد لأفعال العباد وإضافتها إليهم على سبيل ~~المجاز، فإذا قيل: # فلان صلى وصام، كان بمنزلة قولنا: طال وسمن. وقال ضرار بن عمرو والنجار ~~وحفص الفرد (1) وأبو الحسن الأشعري: إن الله تعالى هو المحدث لها والعبد ~~مكتسب، ولم يجعل لقدرة العبد أثرا في الفعل بل القدرة والمقدور واقعان ~~بقدرة الله تعالى، وهذا الاقتران هو الكسب، وفسر القاضي الكسب بأن ذات ~~الفعل واقعة بقدرة الله تعالى، وكونه طاعة ومعصية صفتان واقعتان بقدرة ~~العبد. وقال أبو إسحاق الإسفرايني من الأشاعرة: إن الفعل واقع بمجموع ~~القدرتين. والمصنف التجأ إلى # PageV00P424 # الضرورة هاهنا فإنا نعلم بالضرورة الفرق بين حركة الحيوان اختيارا وبين ~~حركة الحجر الهابط، ومنشأ الفرق هو اقتران القدرة في أحد الفعلين به وعدمه ~~في الآخر. # قال: والوجوب للداعي (1) لا ينافي القدرة كالواجب. # أقول: لما فرغ من تقرير المذهب شرع في الجواب عن شبه الخصم، وتقرير ~~الشبهة الأولى أن صدور الفعل من المكلف إما أن يقارن تجويز لا صدوره أو ~~امتناع لا صدوره، والثاني يستلزم الجبر والأول إما أن يترجح منه الصدور ms244 على ~~لا صدوره لمرجح أو لا لمرجح، والثاني يلزم منه الترجيح لأحد طرفي الممكن من ~~غير مرجح وهو محال، والأول يستلزم التسلسل أو الانتهاء إلى ما يجب معه ~~الترجيح، وهو ينافي التقدير ويستلزم الجبر. # والجواب أن الفعل بالنظر إلى قدرة العبد ممكن وواجب بالنظر إلى داعيه ~~وذلك لا يستلزم الجبر، فإن كل قادر فإنه يجب عنه الأثر عند وجود الداعي كما ~~في حق الواجب تعالى فإن هذا الدليل قائم في حقه تعالى ووجه المخلص ما ~~ذكرناه، على أن هذا غير مسموع من أكثرهم حيث جوزوا من القادر ترجيح أحد ~~مقدوريه على الآخر من غير مرجح، وبه أجابوا عن الشبهة التي أوردها الفلاسفة ~~عليهم، فما أدري لم كان الجواب مسموعا هناك ولم يكن مسموعا هاهنا. # قال: والإيجاد لا يستلزم العلم إلا مع اقتران القصد فيكفي الاجمال (2). # أقول: هذا الجواب عن شبهة أخرى لهم، وتقريرها أن العبد لو كان موجدا ~~لأفعال نفسه لكان عالما بها، والتالي باطل فالمقدم مثله، والشرطية ظاهرة. ~~وبيان بطلان التالي أنا حال الحركة نفعل حركات جزئية لا نعقلها وإنما نقصد ~~الحركة إلى المنتهى وإن لم نقصد جزئيات تلك الحركة. # PageV00P425 # والجواب أن الايجاد لا يستلزم العلم، فإن الفاعل قد يصدر عنه الفعل بمجرد ~~الطبع كالاحراق الصادر عن النار من غير علم فلا يلزم من نفي العلم نفي ~~الايجاد، نعم الايجاد مع القصد يستلزم العلم لكن العلم الاجمالي كاف فيه ~~وهو حاصل في الحركات الجزئية بين المبدأ والمنتهى. # قال: ومع الاجتماع يقع مراده تعالى. # أقول: هذا جواب عن شبهة أخرى لهم، وتقريرها أن العبد لو كان قادرا على ~~الفعل لزم اجتماع قادرين على مقدور واحد، والتالي باطل فالمقدم مثله، بيان ~~الشرطية أنه تعالى قادر على كل مقدور، فلو كان العبد قادرا على شئ لاجتمعت ~~قدرته وقدرة الله تعالى عليه. وأما بطلان التالي فلأنه لو أراد الله تعالى ~~إيجاده وأراد العبد إعدامه فإن وقع المرادان أو عدما لزم اجتماع النقيضين، ~~وإن وقع مراد أحدهما دون الآخر لزم الترجيح من غير مرجح. ms245 # والجواب أن نقول: يقع مراد الله تعالى لأن قدرته أقوى من قدرة العبد وهذا ~~هو المرجح، وهذا الدليل أخذه بعض الأشاعرة من الدليل الذي استدل به ~~المتكلمون على الوحدانية وهناك يتمشى لتساوي قدرتي الإلهين المفروضين، أما ~~هنا فلا. # قال: والحدوث اعتباري. # أقول: هذا جواب عن شبهة أخرى ذكرها قدماء الأشاعرة وهي أن الفاعل يجب أن ~~يخالف فعله في الجهة التي بها يتعلق فعله وهو الحدوث، ونحن محدثون فلا يجوز ~~أن نفعل الحدوث. # (وتقرير الجواب) أن الفاعل لا يؤثر الحدوث لأنه أمر اعتباري ليس بزائد ~~على الذات وإلا لزم التسلسل، وإنما يؤثر في الماهية وهي مغايرة له. # قال: وامتناع الجسم لغيره. PageV00P426 # أقول: هذا جواب عن شبهة أخرى لهم وهي أنا لو كنا فاعلين في الإحداث لصح ~~منا إحداث الجسم لوجود العلة المصححة للتعلق وهي الحدوث. والجواب أن الجسم ~~يمتنع صدوره عنا لا لأجل الحدوث حتى يلزم تعميم الامتناع بل إنما امتنع ~~صدوره عنا لأننا أجسام والجسم لا يؤثر في الجسم على ما مر. # قال: وتعذر المماثلة (1) في بعض الأفعال لتعذر الإحاطة. # أقول: هذا جواب عن شبهة أخرى ذكرها قدماؤهم وهي أنا لو كنا فاعلين لصح ~~منا أن نفعل مثل ما فعلناه أولا من كل جهة لوجود القدرة والعلم، والتالي ~~باطل فالمقدم مثله، وبيان بطلان التالي أنا لا نقدر على أن نكتب في الزمان ~~الثاني مثل ما كتبناه في الزمان الأول من كل وجه بل لا بد من تفاوت بينهما ~~في وضع الحروف ومقاديرها. # (وتقرير الجواب) أن بعض الأفعال تصدر عنا في الزمان الثاني مثل ما صدرت ~~في الزمان الأول مثل كثير من الحركات والأفعال، وبعضها يتعذر علينا فيه ذلك ~~لا لأنه ممتنع ولكن لعدم الإحاطة الكلية بما فعلناه أولا، فإن مقادير ~~الحروف إذا لم نضبطها لم يصدر عنا مثلها إلا على سبيل الاتفاق. # قال: ولا نسبة في الخيرية بين فعلنا وفعله تعالى. # أقول: هذا جواب عن شبهة أخرى لهم قالوا: لو كان العبد فاعلا للإيمان لكان ~~بعض أفعال العبد خيرا من ms246 فعله تعالى، لأن الإيمان خير من القردة والخنازير، ~~والتالي باطل بالاجماع فالمقدم مثله. # والجواب أن نسبة الخيرية هنا منتفية لأنكم إن عنيتم بأن الإيمان خير أنه ~~أنفع فليس كذلك لأن الأيمان أنما هو فعل شاق مضر على البدن ليس فيه خير ~~عاجل، وإن عنيتم به أنه خير لما فيه من استحقاق المدح والثواب به بخلاف ~~القردة والخنازير فحينئذ لا يكون الإيمان خيرا بنفسه وإنما الخير هو ما ~~يؤدي إليه # PageV00P427 # الإيمان من فعل الله تعالى بالعبد وهو المدح والثواب، وحينئذ يكون المدح ~~والثواب خيرا وأنفع للعبد من القردة والخنازير لكن ذلك من فعله تعالى. ~~(واعلم) أن هذه الشبهة ركيكة جدا، وإنما أوردها المصنف رحمه الله هنا لأن ~~بعض الثنوية أورد هذه الشبهة على ضرار بن عمرو فأذعن لها والتزم بالجبر ~~لأجلها. # قال: والشكر على مقدمات الإيمان. # أقول: هذا جواب عن شبهة أخرى لهم قالوا: لو كان العبد فاعلا للإيمان لما ~~وجب علينا شكر الله تعالى عليه، والتالي باطل بالاجماع فالمقدم مثله، ~~والشرطية ظاهرة فإنه لا يحسن منا شكر غيرنا على فعلنا. # والجواب أن الشكر ليس على فعل الإيمان بل على مقدماته من تعريفنا إياه ~~(1) وتمكيننا منه وحضور أسبابه والأقدار على شرائطه. # قال: والسمع متأول ومعارض بمثله والترجيح معنا. # أقول: هذا جواب عن الشبه النقلية بطريق إجمالي، وتقريره أنهم قالوا: قد ~~ورد في الكتاب العزيز ما يدل على الجبر كقوله تعالى: # (الله خالق كل شئ) (والله خلقكم وما تعملون) (ختم الله على قلوبهم) (ومن ~~يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا. # والجواب أن هذه الآيات متأولة، وقد ذكر العلماء تأويلاتها في كتبهم. ~~وأيضا فهي معارضة بمثلها وقد صنفها (2) أصحابنا على عشرة أوجه: # أحدها: الآيات الدالة على إضافة الفعل إلى العبد كقوله تعالى: (فويل ~~للذين يكتبون الكتاب بأيديهم) (إن يتبعون إلا الظن) (حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم) (بل سولت لكم أنفسكم) (فطوعت له نفسه) (ومن يعمل سوءا يجز به) (كل ~~نفس بما كسبت رهينة) (كل امرئ بما كسب رهين) (ما كان لي عليكم من ms247 # PageV00P428 # سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي) إلى آخرها. # الثاني: الآيات الدالة على مدح المؤمنين على الإيمان وذم الكفار على ~~الكفر والوعد والوعيد كقوله تعالى: (اليوم تجزى كل نفس بما كسبت) (اليوم ~~تجزون بما كنتم تعملون) (وإبراهيم الذي وفى) (ولا تزر وازرة وزر أخرى) ~~(لتجزى كل نفس بما تسعى) (هل تجزون إلا ما كنتم تعملون) (من جاء بالحسنة ~~فله عشر أمثالها) (من أعرض عن ذكري) (أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا) ~~(إن الذين كفروا بعد إيمانهم). # الثالث: الآيات الدالة على تنزيه أفعاله تعالى عن مماثلة أفعالنا في ~~التفاوت والاختلاف والظلم كقوله تعالى: (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت) ~~(الذي أحسن كل شئ خلقه) والكفر ليس بحسن وكذا الظلم، (وما خلقنا السماء ~~والأرض وما بينهما إلا بالحق) (إن الله لا يظلم مثقال ذرة) (وما ربك بظلام ~~للعبيد) (وما ظلمناهم) (لا ظلم اليوم) (ولا يظلمون فتيلا). # الرابع: الآيات الدالة على ذم العباد على الكفر والمعاصي والتوبيخ على ~~ذلك كقوله تعالى: (كيف تكفرون بالله) (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم ~~الهدى) (وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر) (ما منعك أن تسجد) (فما ~~لهم عن التذكرة معرضين) (لم تلبسون الحق بالباطل) (لم تصدون عن سبيل الله). # الخامس: الآيات الدالة على التهديد والتخيير كقوله: (فمن شاء فليؤمن ومن ~~شاء فليكفر) (اعملوا ما شئتم) (لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر) (فمن شاء ~~ذكره) (فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا) (فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا) (سيقول ~~الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا) (وقالوا لو شاء الرحمن ما ~~عبدناهم). # السادس: الآيات الدالة على المسارعة إلى الأفعال قبل فواتها كقوله تعالى: # (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم) (أجيبوا داعي الله) (استجيبوا لله وللرسول) ~~PageV00P429 # (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم) (وأنيبوا إلى ربكم). # السابع: الآيات التي حث الله تعالى فيها على الاستعانة به وثبوت اللطف ~~منه كقوله تعالى: (وإياك نستعين) (فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) ~~(استعينوا بالله) (أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة ms248 أو مرتين ثم لا ~~يتوبون ولا هم يذكرون) (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة) (ولو بسط الله ~~الرزق لعباده) (فبما رحمة من الله لنت لهم) (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء ~~والمنكر). الثامن: الآيات الدالة على استغفار الأنبياء (ربنا ظلمنا أنفسنا) ~~(سبحانك إني كنت من الظالمين) (رب إني ظلمت نفسي) (رب إني أعوذ بك أن أسألك ~~ما ليس لي به علم). # التاسع: الآيات الدالة على اعتراف الكفار والعصاة بنسبة الكفر إليهم ~~كقوله تعالى: (ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم - إلى قوله: - بل كنتم ~~مجرمين) وقوله: (ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين) (كلما القي فيها ~~فوج). العاشر: الآيات الدالة على التحسر والندامة على الكفر والمعصية وطلب ~~الرجعة كقوله: 0 وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا منها) (رب ارجعون) (ولو ترى ~~إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم) (أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة) إلى غير ~~ذلك من الآيات الكثيرة وهي معارضة لما ذكروه (1) على أن الترجيح معنا، لأن ~~التكليف إنما يتم بإضافة الأفعال إلينا وكذا الوعد والوعيد والتخويف ~~والانذار، وإنما طول المصنف رحمه الله في هذه المسألة لأنها من المهمات. # المسألة السابعة في المتولد قال: وحسن المدح والذم على المتولد يقتضي ~~العلم بإضافته إلينا. # أقول: الأفعال تنقسم إلى المباشر والمتولد والمخترع، فالأول هو الحادث # PageV00P430 # ابتداء بالقدرة في محلها. والثاني هو الحادث الذي يقع بحسب فعل آخر ~~كالحركة الصادرة عن الاعتماد ويسمونه المسبب ويسمون الأول سببا سواء كان ~~الثاني حادثا في محل القدرة أو في غير محلها. والثالث ما يفعل لا لمحل ~~فالأول مختص بنا والثالث مختص به تعالى والثاني مشترك. # واعلم أن الناس اختلفوا في المتولد هل يقع بنا (1) أم لا؟ فجمهور ~~المعتزلة على أنه من فعلنا كالمباشر. وقال معمر: إنه لا فعل للعبد إلا ~~الإرادة وما عداها من الحوادث فهي واقعة بطبع المحل، والانسان عنده جزء في ~~القلب توجد فيه الإرادة وما عداها يضيفه إلى طبع المحل. وقال آخرون: لا فعل ~~للعبد إلا الفكر وهم بعض المعتزلة. وقال ms249 أبو إسحاق النظام: إن فعل الانسان ~~هي الحركات الحادثة فيه بحسب دواعيه والإنسان عنده هو شئ منساب (2) في ~~الجملة، والإرادة والاعتقادات حركات القلب، وما يوجد منفصلا عن الجملة ~~كالكتابة وغيرها فإنه من فعله تعالى بطبع المحل. وقال ثمامة: إن فعل ~~الانسان هو ما يحدثه في محل قدرته فأما ما تعدى محل القدرة فهو حادث لا ~~محدث له وفعل لا فاعل له. وقالت الأشعرية: # المتولد من فعله تعالى، والجماهير من المعتزلة التجأوا في هذا المقام إلى ~~الضرورة فإنا نعلم استناد المتولدات إلينا كالكتابة والحركات وغيرهما من ~~الصنائع، ويحسن منا مدح الفاعل وذمه كما في المباشر، والمصنف رحمه الله ~~استدل بحسن المدح والذم على العلم بأنا فاعلون للمتولد لا عليه، لأن ~~الضروريات لا يجوز الاستدلال عليها، نعم يجوز الاستدلال على كونها ضرورية ~~إذا لم يكن هذا الحكم ضروريا، وجماعة من المعتزلة ذهبوا إلى أنه كسبي ~~واستدلوا بحسن المدح والذم عليه فلزمهم الدور لأن حسن المدح والذم مشروط ~~بالعلم بالاستناد إلينا فلو جعلنا الاستناد إلينا مستفادا منه لزوم الدور. # PageV00P431 # قال: والوجوب باختيار السبب لاحق. # أقول: هذا جواب عن إشكال يورد هنا وهو أن يقال: إن المتولد لا يقع ~~بقدرتنا لأن المقدور هو الذي يصح وجوده وعدمه عن القادر، وهذا المعنى منفي ~~في المتولد لأن عند اختيار السبب يجب المسبب فلا يقع بالقدرة المصححة. # والجواب أن الوجوب في المسبب عند اختيار السبب وجوب لاحق كما أن الفعل ~~يجب عند وجود القدرة والداعي وعند فرض وقوعه وجوبا لاحقا لا يؤثر في ~~الإمكان الذاتي والقدرة فكذا هنا. # قال: والذم في إلقاء الصبي عليه لا على الاحراق. # أقول: هذا جواب عن شبهة لهم وهي أن المدح والذم لا يدلان على العلم ~~باستناد المتولد إلينا، فإنا نذم على المتولد وإن علمنا استناده إلى غيرنا، ~~فإنا نذم من ألقى الصبي في النار إذا احترق بها وإن كان المحرق هو الله ~~تعالى. # والجواب أن الذم هنا على الالقاء لا على الاحراق، فإن الاحراق من الله ~~تعالى عند الالقاء حسن لما ms250 يشتمل عليه من الأعواض لذلك الصبي ولما فيه من ~~مراعاة العادات وعدم انتقاضها في غير زمان الأنبياء، ووجوب الدية حكم شرعي ~~لا يجب تخصيصه بالفعل فإن الحافر للبئر يلزمه الدية وإن كان الوقوع غير ~~مستند إليه. # المسألة الثامنة في القضاء والقدر قال: والقضاء والقدر (1) إن أريد بهما ~~خلق الفعل لزم المحال أو الإلزام صح # PageV00P432 # في الواجب خاصة أو الأعلام صح مطلقا وقد بينه أمير المؤمنين عليه السلام ~~في حديث الأصبغ. # أقول: يطلق القضاء على الخلق والاتمام، قال الله تعالى: (فقضاهن سبع ~~سماوات في يومين) أي خلقهن وأتمهن، وعلى الحكم والإيجاب كقوله تعالى: # (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) أي أوجب وألزم، وعلى الإعلام والإخبار ~~كقوله تعالى: (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب) أي أعلمناهم وأخبرناهم، ~~ويطلق القدر على الخلق كقوله تعالى: (وقدر فيها أقواتها) والكتابة كقول ~~الشاعر: # واعلم بأن ذا الجلال قد قدر في الصحف الأولى التي كان سطر والبيان كقوله ~~تعالى: (إلا امرأته قدرناها من الغابرين) أي بينا وأخبرنا بذلك. # إذا ظهر هذا فنقول للأشعري: ما تعني بقولك: إنه تعالى قضى أعمال العباد ~~وقدرها، إن أردت به الخلق والإيجاد فقد بينا بطلانه وإن الأفعال مستندة ~~إلينا، وإن عني به الإلزام لم يصح إلا في الواجب خاصة، وإن عني به أنه ~~تعالى بينها وكتبها وأعلم أنهم سيفعلونها فهو صحيح، لأنه تعالى قد كتب ذلك ~~أجمع في اللوح المحفوظ وبينه لملائكته، وهذا المعنى الأخير هو المتعين ~~للاجماع على وجوب الرضا بقضاء الله تعالى وقدره ولا يجوز الرضا بالكفر ~~وغيره من القبائح ولا ينفعهم الاعتذار بوجوب الرضا به من حيث إنه فعله ~~تعالى وعدم الرضا به من حيث الكسب لبطلان الكسب أولا، وثانيا فلأنا نقول: ~~إن كان كون الكفر كسبا بقضائه تعالى وقدره وجب الرضا به من حيث هو كسب وهو ~~خلاف قولكم، وإن PageV00P433 # لم يكن بقضاء وقدر بطل استناد الكائنات بأجمعها إلى القضاء والقدر. # واعلم أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (1) صلوات الله عليه وسلامه قد ~~بين معنى القضاء والقدر ms251 وشرحهما شرحا وافيا في حديث الأصبغ بن نباتة لما ~~انصرف من صفين فإنه قام إليه شيخ فقال له: أخبرنا يا أمير المؤمنين عن ~~مسيرنا إلى الشام أكان بقضاء الله تعالى وقدره، فقال أمير المؤمنين عليه ~~السلام: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما وطأنا موطئا ولا هبطنا واديا ولا ~~علونا تلعة إلا بقضاء وقدر، فقال له الشيخ: عند الله احتسب عنائي ما أرى لي ~~من الأجر شيئا، فقال له: مه أيها الشيخ بل عظم الله أجركم في مسيركم وأنتم ~~سائرون وفي منصرفكم وأنتم منصرفون ولم تكونوا في شئ من حالاتكم مكرهين ولا ~~إليها مضطرين، فقال الشيخ: كيف والقضاء والقدر ساقانا، فقال: ويحك لعلك ~~ظننت قضاء لازما وقدرا حتما لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب والوعد ~~والوعيد والأمر والنهي ولم تأت لائمة من الله لمذنب ولا محمدة لمحسن ولم ~~يكن المحسن أولى بالمدح من المسئ ولا المسئ أولى بالذم من المحسن، تلك ~~مقالة عبدة الأوثان وجنود الشيطان وشهود الزور وأهل العمى عن الصواب، وهم ~~قدرية هذه الأمة ومجوسها، أن الله تعالى أمر تخييرا ونهى تحذيرا وكلف يسيرا ~~لم يعص مغلوبا ولم يطع مكرها ولم يرسل الرسل عبثا ولم يخلق السماوات والأرض ~~وما بينهما باطلا (ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار) فقال ~~الشيخ: وما القضاء والقدر اللذان ما سرنا إلا بهما، فقال: هو الأمر من الله ~~تعالى والحكم وتلا قوله تعالى: # PageV00P434 # (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) فنهض الشيخ مسرورا وهو يقول: أنت الأمام ~~الذي نرجو بطاعته يوم النشور من الرحمن رضوانا أوضحت من ديننا ما كان ~~ملتبسا جزاك ربك عنا فيه إحسانا قال أبو الحسن البصري ومحمود الخوارزمي: ~~وجه تشبيهه عليه السلام المجبرة بالمجوس من وجوه: أحدها: أن المجوس اختصوا ~~بمقالات سخيفة واعتقادات واهية معلومة البطلان وكذلك المجبرة. # وثانيها: أن مذهب المجوس أن الله تعالى يخلق فعله ثم يتبرأ منه كما خلق ~~إبليس ثم انتفى منه وكذلك المجبرة قالوا: إنه تعالى يفعل القبائح ثم يتبرأ ~~منها. # وثالثها: أن المجوس ms252 قالوا: إن نكاح الأخوات والأمهات بقضاء الله وقدره ~~وإرادته، ووافقهم المجبرة حيث قالوا: إن نكاح المجوس لأخواتهم وأمهاتهم ~~بقضاء الله وقدره وإرادته. # ورابعها: أن المجوس قالوا: إن القادر على الخير لا يقدر على الشر ~~وبالعكس، والمجبرة قالوا: إن القدرة موجبة للفعل غير متقدمة عليه، فالانسان ~~القادر على الخير لا يقدر على ضده وبالعكس. # المسألة التاسعة في الهدى والضلالة قال: والإضلال الإشارة (1) إلى خلاف ~~الحق وفعل الضلالة والاهلاك والهدى مقابل والأولان منفيان عنه تعالى. # أقول: يطلق الإضلال على الإشارة إلى خلاف الحق وإلباس الحق بالباطل كما ~~تقول: أضلني فلان عن الطريق، إذا أشار إلى غيره وأوهم أنه هو الطريق، ويطلق ~~على فعل الضلالة في الانسان كفعل الجهل فيه حتى يكون معتقدا خلاف # PageV00P435 # الحق. ويطلق على الاهلاك والبطلان كما قال تعالى: (فلن يضل أعمالهم) يعني ~~يبطلها. والهدى يقال لمعان ثلاثة مقابلة لهذه المعاني فيقال بمعنى نصب ~~الدلالة على الحق كما تقول: هداني إلى الطريق، وبمعنى فعل الهدى في الانسان ~~حتى يعتقد الشئ على ما هو به، وبمعنى الإثابة كقوله تعالى: (سيهديهم) يعني ~~سيثيبهم، والأولان منفيان عنه تعالى يعني الإشارة إلى خلاف الحق وفعل ~~الضلالة، لأنهما قبيحان والله تعالى منزه عن فعل القبيح، وأما الهداية ~~فالله تعالى نصب الدلالة على الحق وفعل الهداية الضرورية في العقلاء ولم ~~يفعل الإيمان فيهم لأنه كلفهم به ويثيب على الإيمان، فمعاني الهداية صادقة ~~في حقه تعالى إلا فعل ما كلف به، وإذا قيل: إنه تعالى يهدي ويضل فإن المراد ~~به أنه يهدي المؤمنين بمعنى أنه يثيبهم ويضل العصاة بمعنى أنه يهلكهم ~~ويعاقبهم، وقول موسى عليه السلام: إن هي إلا فتنتك فالمراد بالفتنة الشدة ~~والتكليف الصعب، يضل بها من يشاء أي يهلك من يشاء وهم الكفار. # المسألة العاشرة في أنه تعالى لا يعذب الأطفال قال: وتعذيب غير المكلف ~~قبيح وكلام نوح عليه السلام مجاز والخدمة ليست عقوبة له والتبعية في بعض ~~الأحكام جائزة. # أقول: ذهب بعض الحشوية إلى أن الله تعالى يعذب أطفال المشركين ويلزم ~~الأشاعرة تجويزه والعدلية ms253 كافة على منعه، والدليل عليه أنه قبيح عقلا فلا ~~يصدر منه تعالى. # احتجوا بوجوه: الأول: قول نوح عليه السلام: (ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا) ~~والجواب: أنه مجاز والتقدير أنهم يصيرون كذلك لا حال طفوليتهم. الثاني: ~~قالوا: إنا نستخدمه لأجل كفر أبيه فقد فعلنا فيه ألما وعقوبة فلا يكون ~~PageV00P436 # قبيحا. والجواب أن الخدمة ليست عقوبة للطفل وليس كل ألم ومشقة عقوبة، فإن ~~الفصد والحجامة ألمان وليسا عقوبة، نعم استخدامه عقوبة لأبيه وامتحان له ~~يعوض عليه كما يعوض على أمراضه. # الثالث: قالوا: إن حكم الطفل يتبع حكم أبيه في الدفن ومنع التوارث ~~والصلاة عليه ومنع التزويج. والجواب أن المنكر عقابه لأجل جرم أبيه وليس ~~بمنكر أن يتبع حكم أبيه في بعض الأشياء إذا لم يحصل له بها ألم وعقوبة ولا ~~ألم له في منعه من الدفن والتوارث وترك الصلاة عليه. # المسألة الحادية عشرة في حسن التكليف وبيان ماهيته ووجه حسنه وجملة من ~~أحكامه قال: والتكليف حسن (1) لاشتماله على مصلحة لا تحصل بدونه. # أقول: التكليف مأخوذ من الكلفة وهي المشقة، وحده إرادة من تجب طاعته # PageV00P437 # على جهة الابتداء ما فيه مشقة بشرط الإعلام ويدخل تحت واجب الطاعة الواجب ~~تعالى والنبي عليه السلام والإمام والسيد والوالد والمنعم ويخرج البواقي. # وشرطنا الابتداء لأن إرادة هؤلاء أنما تكون تكليفا إذا لم يسبقه غيره إلى ~~إرادة ما أراده، ولهذا لا يسمى الوالد مكلفا بأمر الصلاة ولده لسبق إرادة ~~الله تعالى لها منه. # والمشقة لا بد من اعتبارها ليتحقق المحدود، إذ التكليف مأخوذ من الكلفة. # وشرطنا الإعلام لأن المكلف إذا لم يعلم إرادة المكلف بالفعل لم يكن ~~مكلفا. # إذا عرفت هذا فنقول: التكليف حسن لأن الله تعالى فعله والله تعالى لا ~~يفعل القبيح، ووجه حسنه اشتماله على مصلحة لا تحصل بدونه وهي التعريض ~~لمنافع عظيمة لا تحصل بدون التكليف، لأن التكليف إن لم يكن لغرض كان عبثا ~~وهو محال، وإن كان لغرض فإن كان عائدا إليه تعالى لزم المحال، وإن كان إلى ~~غيره فإن كان إلى غير المكلف ms254 كان قبيحا، وإن كان إلى المكلف فإن كان حصوله ~~ممكنا بدون التكليف لزم العبث، وإن لم يمكن فإن كان لنفع انتقض بتكليف من ~~علم الله كفره وإن كان للتعريض فهو المطلوب. # إذا عرفت هذا فنقول: الغرض من التكليف هو التعريض لمنفعة عظيمة لأنه ~~تعريض للثواب، وللثواب منافع عظيمة خالصة دائمة واصلة مع التعظيم والمدح، ~~ولا شك أن التعظيم أنما يحسن للمستحق له، ولهذا يقبح منا تعظيم الأطفال ~~والأرذال كتعظيم العلماء، وإنما يستحق التعظيم بواسطة الأفعال الحسنة وهي ~~الطاعات، ومعنى قولنا: إن التكليف تعريض للثواب، أن المكلف جعل المكلف على ~~الصفات التي تمكنه الوصول إلى الثواب وبعثه على ما به يصل إليه وعلم أنه ~~سيوصله إليه إذا فعل ما كلفه. # قال: بخلاف الجرح ثم التداوي، والمعاوضات والشكر باطل. # أقول: هذه إيرادات على ما اختاره المصنف: الأول: أن التكليف للنفع يتنزل ~~PageV00P438 # منزلة من جرح غيره ثم داراه طلبا للدواء (1) وكما أن ذلك قبيح فكذا ~~التكليف. # الثاني: أن التكليف طلبا للنفع يتنزل منزلة المعاوضات كالبيوع والإجارات ~~وغيرها، ولا شك أن المعاوضات تفتقر إلى رضا المتعاوضين حتى أن من عاوض بغير ~~إذن صاحبه فعل قبيحا والتكليف عندكم لا يشترط فيه رضا المكلف. # الثالث: لم لا يجوز أن يكون التكليف شكرا للنعم السابقة؟ # والجواب عن الأول بالفرق من وجهين: أحدهما: أن الجرح مضرة والتكليف نفسه ~~ليس بمضرة وإنما المشقة في الأفعال التي يتناولها التكليف. الثاني: أن ~~الجرح والتداوي إنزال مضرة لا غرض فيه إلا التخلص من تلك المضرة بخلاف ~~التكليف. # وعن الثاني أن المراضاة تعتبر في المعاوضات لاختلاف أغراض الناس في ~~التعامل جنسا ووصفا، أما إذا لم يكن هناك معاوضة وبلغ النفع حدا يكون غاية ~~ما يطلبه العقلاء لم يختلف العقلاء في اختيار المشقة بسببه حتى أن العقلاء ~~يسفهون الممتنع منه. # وعن الثالث أن الشكر لا يشترط فيه المشقة، والله تعالى قادر على إزالة ~~صفة المشقة عن هذه الأفعال، فلو كان التكليف شكرا لزم العبث في صفة المشقة ~~ولأن طلب الفعل الشاق شكرا يخرج النعمة ms255 عن كونها نعمة. # قال: ولأن النوع محتاج إلى التعاضد المستلزم للسنة النافع استعمالها في ~~الرياضة وإدامة النظر في الأمور العالية، وتذكر الإنذارات المستلزمة لإقامة ~~العدل مع زيادة الأجر والثواب. # أقول: لما ذكر المصنف رحمه الله حسن التكليف على رأي المتكلمين شرع في ~~طريق الاسلاميين من الفلاسفة فبدأ بذكر الحاجة إلى التكليف، ثم ذكر منافعه ~~الدنيوية والأخروية، وتحقيقه أن نقول: إن الله خلق الانسان مدنيا بالطبع ~~(2) لا # PageV00P439 # كغيره من الحيوانات، لا يمكن أن تبقى أشخاصه ولا تحصل لهم كمالاتهم إلا ~~بالتعاضد والتعاون، لأن الأغذية والملبوسات أمور صناعية يحتاج كل منهم إلى ~~صاحبه في عمل يستعيضه عن عمله له حتى يتم كمال ما يحتاج إليه واجتماعهم مع ~~تباين شهواتهم وتغاير أمزجتهم واختلاف قواهم المقتضية للأفعال الصادرة عنهم ~~مظنة التنازع والفساد ووقوع الفتن، فوجب وضع قانون وسنة عادلة يتعادلون بها ~~فيما بينهم، ثم تلك السنة لو استند وضعها إليهم لزم المحذور فوجب استنادها ~~إلى شخص متميز عنهم بكمال قواه واستحقاقه للانقياد إليه والطاعة له، وذلك ~~أنما يكون بمعجزات تدل على أنها من عند الله تعالى، ثم من المعلوم تفاوت ~~أشخاص الناس في قبول الخير والشر والرذائل والنقصان والفضائل بحسب اختلاف ~~أمزجتهم وهيئات نفوسهم، فوجب أن يكون هذا الشارع مؤيدا لا يعجز عن أحكام ~~شريعته في جمهور الناس، بعضهم بالبرهان وبعضهم بالوعظ وبعضهم بتأليف القلب ~~وبعضهم بالزجر والقتال، ولما كان النبي لا يتفق في كل زمان وجب أن تبقى ~~السنن المشروعة إلى وقت اضمحلالها واقتضاء الحكمة الإلهية تجديد غيرها، ~~ففرضت عليهم العبادات المذكرة لصاحب الشرع وكررت عليهم حتى يستحكم التذكير ~~بالتكرير، فيحصل لهم من تلقي الأوامر والنواهي الإلهية منافع ثلاث: إحداها: ~~رياضة النفس باعتبار الإمساك عن الشهوات ومنعها PageV00P440 # عن القوة الغضبية المكدرة لصفاء القوة العقلية. الثانية: تعويد النفس ~~النظر في الأمور الإلهية والمطالب العالية وأحوال المعاد والتفكر في ملكوت ~~الله تعالى وكيفية صفاته وأسمائه وتحقق فيضان الموجودات عنه تعالى متسلسلة ~~في الترتيب الذي اقتضته الحكمة الإلهية بالبراهين القطعية الخالية عن ~~المغالطة. # والثالثة: تذكرهم ما ms256 وعدهم الشارع من الخير والشر الأخرويين بحيث ينحفظ ~~النظام المقتضي للتعادل والترافد، ثم زاد الله تعالى لمستعملي الشرائع ~~الأجر والثواب في الآخرة فهذه مصالح التكليف عند الأوائل. # قال: وواجب لزجره عن القبائح. # أقول: هذا مذهب المعتزلة وأنكرت الأشاعرة ذلك، والدليل على وجوب التكليف ~~أنه لو لم يكلف الله تعالى من كملت شرائط التكليف فيه لكان مغريا بالقبيح، ~~والتالي باطل لقبحه فالمقدم مثله، بيان الشرطية أن الله تعالى إذا أكمل عقل ~~الانسان وجعل فيه ميلا إلى القبيح وشهوة له ونفورا عن الحسن فلو لم يقرر في ~~عقله وجوب الواجب وقبح القبيح والمؤاخذة على الاخلال بالواجب وفعل القبيح ~~لكان وقوع القبيح من المكلف دائما، وإلى هذا أشار بقوله: لزجره عن القبائح، ~~أي لزجر التكليف عن القبائح. # قال: وشرائط حسنه انتفاء المفسدة وتقدمه وإمكان متعلقه وثبوت صفة زائدة ~~على حسنه وعلم المكلف بصفات الفعل وقدر المستحق وقدرته عليه وامتناع القبيح ~~عليه وقدرة المكلف على الفعل وعلمه به أو إمكانه وإمكان الآلة. # أقول: لما ذكر أن التكليف حسن شرع في بيان ما يشترط في حسن التكليف، وقد ~~ذكر أمورا لا يحسن التكليف بدونها منها ما يرجع إلى نفس التكليف، ومنها ما ~~يرجع إلى متعلق التكليف أعني الفعل والمكلف والمكلف. # أما ما يرجع إلى التكليف فأمران: أحدهما: انتفاء المفسدة فيه بأن لا يكون ~~مفسدة لنفس المكلف به في فعل آخر داخل في تكليفه أو مفسدة لمكلف آخر. ~~PageV00P441 # والثاني: أن يكون متقدما على الفعل قدرا يتمكن المكلف فيه من الاستدلال ~~به فيفعل الفعل في الوقت الذي يجب إيقاعه فيه. # وأما ما يرجع إلى الفعل فأمران: أحدهما: إمكان وجوده. والثاني: كون الفعل ~~قد اشتمل على صفة زائدة على حسنه بأن يكون واجبا أو مندوبا، وإن كان ~~التكليف ترك فعل فإما أن يكون الفعل قبيحا أو يكون الإخلال به أولى من ~~فعله. # وأما ما يرجع إلى المكلف فأن يكون عالما بصفات الفعل لئلا يكلف إيجاد ~~القبيح وترك الواجب، وأن يكون عالما بقدر ما يستحق على الفعل من الثواب ms257 ~~لئلا يخل ببعضه، وأن يكون القبيح ممتنعا عليه لئلا يخل بالواجب فلا يوصل ~~الثواب إلى مستحقه. # وأما ما يرجع إلى المكلف فأن يكون قادرا على الفعل وأن يكون عالما به أو ~~متمكنا من العلم به وإمكان الآلة أو حصولها إن كان الفعل ذا آلة. # قال: ومتعلقه إما علم إما عقلي أو سمعي وإما ظن وإما عمل. # أقول: متعلق التكليف قد يكون علما وقد يكون عملا، أما العلم فقد يكون ~~عقليا محضا نحو العلم بوجود الله تعالى وكونه قادرا عالما إلى غير ذلك من ~~المسائل التي (1) يتوقف السمع عليها، وقد يكون سمعيا نحو التكاليف السمعية. # وأما الظن فنحو كثير من الأمور الشرعية كظن القبلة وغيرها. وأما العمل ~~فقد يكون عقليا كرد الوديعة وشكر المنعم وبر الوالدين وقبح الظلم والكذب ~~وحسن التفضل والعفو، وقد يكون سمعيا كالصلاة وغيرها، وهذه الأفعال تنقسم ~~إلى الواجب والمندوب والحرام والمكروه. # قال: وهو منقطع للاجماع ولإيصال الثواب. # أقول: يريد أن التكليف منقطع، ويدل عليه الاجماع والمعقول، أما الاجماع ~~فظاهر إذ الاتفاق بين المسلمين وغيرهم واقع على أن التكليف منقطع، وأما # PageV00P442 # المعقول فنقول: لو كان التكليف دائما لم يمكن إيصال الثواب إلى المطيع، ~~والتالي باطل قطعا فالمقدم مثله، بيان الشرطية أن التكليف مشروط بالمشقة، ~~والثواب مشروط بخلوصه عن الأكدار والمشاق، والجمع بينهما محال ولا بد من ~~تراخ بين التكليف والثواب وإلا لزم الالجاء. # قال: وعلة حسنه عامة. # أقول: لما بين أولا حسن التكليف مطلقا شرع في بيان حسنه في حق الكافر، ~~والدليل عليه أن العلة في حسن التكليف وهي التعريض للثواب عامة في حق ~~المؤمن والكافر فكان التكليف حسنا فيهما وهو ظاهر. # قال: وضرر الكافر من اختياره. # أقول: هذا جواب عن سؤال مقدر، وتقريره أن تكليف الكافر ضرر محض لا مصلحة ~~فيه فلا يكون حسنا، بيان المقدمة الأولى أن التكليف نوع مشقة في العاجل ~~وحصل العقاب بتركه وهو ضرر عظيم فانتفت المصلحة فيه إذ لا ثواب له فكان ~~قبيحا قطعا. # والجواب: أن التكليف نفسه ليس بضرر ولا يستلزم ms258 من حيث هو تكليف ضررا وإلا ~~لكان تكليف المؤمن كذلك، بل الضرر أنما نشأ من سوء اختيار الكافر لنفسه. # قال: وهو مفسدة لا من حيث التكليف بخلاف ما شرطناه. # أقول: الذي يخطر لنا في تحليل هذا الكلام أنه جواب عن سؤال مقدر أيضا وهو ~~أن يقال: إنكم شرطتم في التكليف أن لا يكون مفسدة للمكلف ولا لغيره، وهذا ~~التكليف يستلزم الضرر بالمكلف فيكون قبيحا، كما أن تكليف زيد لو استلزم ~~مفسدة راجعة إلى عمرو كان قبيحا. # والجواب: أن الضرر هنا مفسدة لا من حيث التكليف بل من حيث اختيار المكلف ~~على ما تقدم بخلاف ما شرطناه أعني انتفاء المفسدة اللازمة للتكليف. ~~PageV00P443 # قال: والفائدة ثابتة. # أقول: هذا جواب عن سؤال مقدر، وتقريره أن تكليف الكافر لا فائدة فيه، لأن ~~الفائدة من التكليف هي الثواب ولا ثواب له فلا فائدة في تكليفه فكان عبثا. # والجواب لا نسلم أن الفائدة هي الثواب بل التعريض له وهو حاصل في حقه ~~كالمؤمن. # المسألة الثانية عشرة في اللطف وماهيته وأحكامه قال: واللطف واجب لتحصيل ~~الغرض به (1). # أقول: اللطف هو ما يكون المكلف معه أقرب إلى فعل الطاعة وأبعد من فعل ~~المعصية ولم يكن له حظ في التمكين ولم يبلغ حد الالجاء. # واحترزنا بقولنا: ولم يكن له حظ في التمكين عن الآلة، فإن لها حظا في ~~التمكين وليست لطفا. # وقولنا: ولم يبلغ حد الالجاء، لأن الالجاء ينافي التكليف واللطف لا ~~ينافيه. # هذا اللطف المقرب. # وقد يكون اللطف محصلا وهو ما يحصل عنده الطاعة من المكلف على سبيل ~~الاختيار، ولولاه لم يطع مع تمكنه في الحالين، وهذا بخلاف التكليف الذي ~~يطيع عنده لأن اللطف أمر زائد على التكليف فهو من دون اللطف يتمكن بالتكليف ~~من أن يطيع أو لا يطيع، وليس كذلك التكليف لأن عنده يتمكن من أن يطيع ~~وبدونه لا يتمكن من أن يطيع أو لا يطيع، فلم يلزم أن يكون التكليف الذي ~~يطيع عنده لطفا. # إذا عرفت هذا فنقول: اللطف واجب خلافا للأشعرية، والدليل على وجوبه ms259 أنه ~~يحصل غرض المكلف فيكون واجبا وإلا لزم نقض الغرض، بيان الملازمة أن # PageV00P444 # المكلف إذا علم أن المكلف لا يطيع إلا باللطف، فلو كلفه من دونه كان ~~ناقضا لغرضه كمن دعا غيره إلى طعام وهو يعلم أنه لا يجيبه إلا إذا فعل معه ~~نوعا من التأدب، فإذا لم يفعل الداعي ذلك النوع من التأدب كان ناقضا لغرضه، ~~فوجوب اللطف يستلزم تحصيل الغرض. # قال: فإن كان من فعله تعالى وجب عليه وإن كان من المكلف وجب أن يشعره به ~~ويوجبه وإن كان من غيرهما شرط في التكليف العلم بالفعل. # أقول: لما ذكر وجوب اللطف شرع في بيان أقسامه وهو ثلاثة: الأول: أن يكون ~~من فعل الله تعالى، فهذا يجب على الله تعالى فعله لما تقدم. الثاني: أن ~~يكون من فعل المكلف، فهذا يجب على الله تعالى أن يعرفه إياه ويشعره به ~~ويوجبه عليه. # الثالث: أن يكون من فعل غيرهما، فهذا ما يشترط في التكليف بالملطوف فيه ~~العلم بأن ذلك الغير يفعل اللطف. # قال: ووجوه القبح منتفية والكافر لا يخلو من لطف والأخبار بالسعادة ~~والشقاوة ليس مفسدة. # أقول: لما ذكر أقسام اللطف شرع في الاعتراضات على وجوبه مع الجواب عنها، ~~وقد أورد من شبهات الأشاعرة ثلاثة: # الأولى: قالوا: اللطف أنما يجب إذا خلا من جهات المفسدة لأن جهات المصلحة ~~لا تكفي في الوجوب ما لم تنتف جهات المفسدة، فلم لا يجوز أن يكون اللطف ~~الذي توجبونه مشتملا على جهة قبح لا تعلمونه فلا يكون واجبا. وتقرير الجواب ~~أن جهات القبح معلومة لنا لأنا مكلفون بتركها وليس هنا وجه قبح وليس ذلك ~~استدلالا بعدم العلم على العلم بالعدم. # الثانية: أن الكافر إما أن يكلف مع وجود اللطف أو مع عدمه، والأول باطل ~~وإلا لم يكن لطفا لأن معنى اللطف هو ما حصل الملطوف فيه عنده، والثاني إما ~~أن يكون عدمه لعدم القدرة عليه فيلزم تعجيز الله تعالى وهو باطل، أو مع ~~وجودها PageV00P445 # فيلزم الاخلال بالواجب. والجواب أن اللطف ليس معناه هو ما حصل ms260 الملطوف ~~فيه فإن اللطف لطف في نفسه سواء حصل الملطوف فيه أو لا بل كونه لطفا من حيث ~~إنه يقرب إلى الملطوف فيه ويرجح وجوده على عدمه، وامتناع ترجيحه أنما يكون ~~لمعارض أقوى هو سوء اختيار المكلف فيكون اللطف في حقه مرجوحا. # ويمكن أن يكون ذلك جوابا عن سؤال آخر لهم، وتقريره أن اللطف لو كان واجبا ~~لم تقع معصية من مكلف أصلا لأنه تعالى قادر على كل شئ، فإذا قدر على اللطف ~~لكل مكلف في كل فعل لم تقع معصية لأنه تعالى لا يخل بالواجب لكن الكفر ~~والمعاصي موجودة. وتقرير الجواب أن نقول: إنما يصح أن يقال: يجب أن يلطف ~~للمكلف إذا كان له لطف يصلح عنده ولا استبعاد في أن يكون بعض المكلفين لا ~~لطف له سوى العلم بالمكلف والثواب مع الطاعة والعقاب مع المعصية والكافر له ~~هذا اللطف. # الثالثة: أن الأخبار بأن المكلف من أهل الجنة أو من أهل النار مفسدة لأنه ~~إغراء بالمعاصي وقد فعله تعالى وهو ينافي اللطف. والجواب أن الأخبار بالجنة ~~ليس إغراء مطلقا لجواز أن يقترن به من الألطاف ما يمتنع عنده من الإقدام ~~على المعصية وإذا انتفى كونه إغراء على هذا التقدير بطل قولهم إنه مفسدة ~~على الإطلاق وأما الأخبار بالنار فليس مفسدة أيضا لأن الأخبار إن كان ~~للجاهل كأبي لهب انتفت المفسدة فيه لأنه لا يعلم صدق إخباره تعالى فلا ~~يدعوه ذلك إلى الإصرار على الكفر، وإن كان عارفا كإبليس لم يكن إخباره ~~تعالى بعاقبته (1) داعيا إلى الاصرار على الكفر لأنه يعلم أنه بإصراره عليه ~~يزداد عقابه فلا يصير مغريا عليه. # قال: ويقبح منه تعالى التعذيب مع منعه دون الذم. # أقول: المكلف إذا منع المكلف من اللطف قبح منه عقابه لأنه بمنزلة الأمر ~~بالمعصية والملجئ إليها، كما قال الله تعالى: (ولو أنا أهلكناهم بعذاب من ~~قبله # PageV00P446 # لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا) فأخبر أنهم لو منعهم (1) اللطف في ~~بعثه الرسول لكان لهم أن يسألوا بهذا السؤال ولا يكون لهم هذا السؤال ms261 إلا ~~مع قبح إهلاكهم من دون البعثة ولا يقبح ذمه لأن الذم حق مستحق على القبيح ~~غير مختص بالمكلف بخلاف العقاب المستحق للمكلف، ولهذا لو بعث الانسان غيره ~~على فعل القبيح ففعله لم يسقط حق الباعث من الذم كما أن لإبليس ذم أهل ~~النار وإن كان هو الباعث على المعاصي. # قال: ولا بد من المناسبة وإلا ترجح بلا مرجح بالنسبة إلى المنتسبين. # أقول: لما فرغ من الاعتراضات على وجوب اللطف شرع في ذكر أحكامه وقد ذكر ~~منها خمسة: الأول: أنه لا بد وأن يكون بين اللطف والملطوف فيه مناسبة، ~~والمراد بالمناسبة هنا كون اللطف بحيث يكون حصوله داعيا إلى حصول الملطوف ~~فيه، وهذا ظاهر لأنه لولا ذلك لم يكن كونه لطفا أولى من كون غيره لطفا ~~فيلزم الترجيح من غير مرجح، ولم يكن كونه لطفا في هذا الفعل أولى من كونه ~~لطفا في غيره من الأفعال وهو ترجيح من غير مرجح أيضا، وإلى هذين أشار ~~بقوله: وإلا ترجح بلا مرجح بالنسبة إلى المنتسبين، وعنى بالمنتسبين اللطف ~~والملطوف فيه، هذا ما فهمناه من هذا الكلام. # قال: ولا يبلغ الإلجاء. # أقول: هذا الحكم الثاني من أحكام اللطف وهو أن لا يبلغ في الدعاء إلى ~~الملطوف فيه إلى حد الالجاء، لأن الفعل الملجئ إلى فعل آخر يشبه اللطف في ~~كون كل منهما داعيا إلى الفعل غير أن المتكلمين لا يسمون الملجئ إلى الفعل ~~لطفا، فلهذا شرطنا في اللطف زوال الالجاء عنه إلى الفعل. # قال: ويعلم الملكف اللطف إجمالا أو تفصيلا. # PageV00P447 # أقول: هذا هو الحكم الثالث من أحكام اللطف وهو وجوب كونه معلوما للمكلف ~~إما بالاجمال أو بالتفصيل، لأنه إذا لم يعلمه ولم يعلم الملطوف فيه ولم ~~يعلم المناسبة بينهما لم يكن داعيا له إلى الفعل الملطوف فيه (1) فإن كان ~~العلم الاجمالي كافيا في الدعاء إلى الفعل لم يجب التفصيل كما يعلم على ~~الجملة كون الألم الواصل إلى البهيمة لطفا لنا وإن كان اللطف لا يتم إلا ~~بالتفصيل وجب حصوله ويكفي العلم الاجمالي في ms262 المناسبة التي بين اللطف ~~والملطوف فيه. # قال: ويزيد اللطف على جهة الحسن. # أقول: هذا هو الحكم الرابع وهو كون اللطف مشتملا على صفة زائدة على الحسن ~~من كونه واجبا كالفرائض أو مندوبا كالنوافل هذا فيما هو من فعلنا، وأما ما ~~كان من فعله تعالى فقد بينا وجوبه في حكمته. # قال: ويدخله التخيير. # أقول: هذا هو الحكم الخامس وهو أن اللطف لا يجب أن يكون معينا بل يجوز أن ~~يدخله التخيير بأن يكون كل واحد من الفعلين قد اشتمل على جهة من المصلحة ~~المطلوبة من الآخر فيقوم مقامه ويسد مسده، أما في حقنا فكما في الكفارات ~~الثلاث، وأما في حقه تعالى فلجواز أن يخلق لزيد ولدا يكون لطفا له وإن كان ~~يجوز حصول اللطفية بخلق ولد غير ذلك الولد من أجزاء غير أجزاء الولد الأول ~~وعلى صورة غير صورته، وحينئذ لا يجب أحد الفعلين بعينه بل يكون حكمه حكم ~~الواجب المخير. # قال: بشرط حسن البدلين (2). # أقول: لما ذكر أن اللطف يجوز أن يدخله التخيير نبه على شرط كل واحد من # PageV00P448 # البدلين أعني اللطف وبدله، وأطلق على كل واحد منهما اسم البدل بالنظر إلى ~~صاحبه، إذ ليس أحدهما بالأصالة أولى من الآخر، وذلك الشرط كون كل واحد ~~منهما حسنا ليس فيه وجه قبح، وهذا مما لم تتفق الآراء عليه فإن جماعة من ~~العدلية ذهبوا إلى تجويز كون القبيح كالظلم منا لطفا قائما مقام إمراض الله ~~تعالى. # واستدلوا بأن وجه كون الألم من فعله تعالى لطفا هو حصول المشاق وتذكر ~~العقاب وذلك حاصل بالظلم منا فجاز أن يقوم مقامه. وهذا ليس بجيد لأن كونه ~~لطفا جهة وجوب والقبيح ليس له جهة وجوب واللطف إنما هو في علم المظلوم ~~بالظلم لا في نفس الظلم، كما نقول: إن العلم بحسن ذبح البهيمة لطف لنا وإن ~~لم يكن الذبح نفسه لطفا. # المسألة الثالثة عشرة في الألم ووجه حسنه قال: وبعض الألم قبيح يصدر منا ~~خاصة وبعضه حسن يصدر منه تعالى ومنا وحسنه إما لاستحقاقه أو لاشتماله ms263 على ~~النفع أو دفع الضرر الزائدين أو لكونه عاديا أو على وجه الدفع. # أقول: في هذا الكلام مباحث: الأول: في مناسبة هذا البحث وما بعده لما ~~قبله. # إعلم أنا قد بينا وجوب الألطاف والمصالح وهي ضربان: مصالح في الدين ~~ومصالح في الدنيا أعني المنافع الدنياوية، ومصالح الدين إما مضار أو منافع، ~~والمضار منها آلام وأمراض وغيرها كالآجال والغلاء، والمنافع الصحة والسعة ~~في الرزق والرخص، فلأجل هذا بحث المصنف رحمه الله عقيب اللطف عن هذه ~~الأشياء، ولما كانت الآلام تستلزم الأعواض وجب البحث عنها أيضا. # البحث الثاني: اختلف الناس في قبح الألم وحسنه، فذهبت الثنوية إلى قبح ~~جميع الآلام، وذهبت المجبرة إلى حسن جميعها من الله تعالى، وذهبت البكرية ~~وأهل التناسخ والعدلية إلى حسن بعضها وقبح الباقي. PageV00P449 # البحث الثالث: في علة الحسن، اختلف القائلون بحسن بعض الألم في وجه ~~الحسن، فقال أهل التناسخ: إن علة الحسن هي الاستحقاق لا غير لأن النفوس ~~البشرية إذا كانت في أبدان قبل هذه الأبدان وفعلت ذنوبا استحقت الألم ~~عليها، وهذا أيضا قول البكرية. وقالت المعتزلة: إنه يحسن عند شروط: أحدها: ~~أن يكون مستحقا، وثانيها: أن يكون فيها نفع عظيم يوفى عليها، وثالثها: أن ~~يكون فيها دفع ضرر أعظم منها، ورابعها: أن يكون مفعولا على مجرى العادة كما ~~يفعله الله تعالى بالحي إذا ألقيناه في النار، وخامسها: أن يكون مفعولا على ~~سبيل الدفع عن النفس كما إذا آلمنا (1) من يقصد قتلنا، لأنا متى علمنا ~~اشتمال الألم على أحد هذه الوجوه حكمنا بحسنه قطعا. # قال: ولا بد في المشتمل على النفع من اللطف. # أقول: هذا شرط لحسن الألم المبتدأ الذي يفعله الله تعالى لاشتماله على ~~نفع المتألم وهو كونه مشتملا على اللطف إما للمتألم أو لغيره، لأن خلو ~~الألم عن النفع الزائد الذي يختار المولم معه الألم يستلزم الظلم وخلوه عن ~~اللطف يستلزم العبث وهما قبيحان فلا بد من هذين الاعتبارين في هذا النوع من ~~الألم، وهنا اختلف الشيخان فقال أبو علي: إن علة قبح الألم كونه ms264 ظلما لا ~~غير فلم يشترط هذا الشرط. وقال أبو هاشم: إنه يقبح لكونه ظلما أو لكونه ~~عبثا فأوجب في الأمراض التي يفعلها الله تعالى في الصبيان مع الأعواض ~~الزائدة اشتمالها على اللطف لمكلف آخر، ولهذا يقبح منا تخليص الغريق بشرط ~~كسر يده واستيجار من ينزح ماء البئر ويقذفه فيها لغير غرض مع توفية الأجرة، ~~ويمكن الجواب هنا لأبي علي بما ذكرناه في كتاب نهاية المرام (2). # قال: ويجوز في المستحق كونه عقابا. # PageV00P450 # أقول: هذا مذهب أبي الحسين البصري فإنه جوز أن تقع الأمراض (1) في الكفار ~~والفساق عقابا للكافر والفاسق، لأنه ألم واصل إلى المستحق فأمكن أن يكون ~~عقابا ويكون تعجيله قد اشتمل على مصلحة لبعض المكلفين كما في الحدود. ومنع ~~قاضي القضاة من ذلك وجزم بكون أمراضهم محنا لا عقوبات لأنه يجب عليهم الرضا ~~والصبر عليها والتسليم وترك الجزع ولا يلزمهم ذلك في العقاب. # والجواب المنع من عدم اللزوم في العقاب لأن الرضا يطلق على معنيين: # أحدهما: الاعتقاد لحسن الفعل وهو مشترك بين العقاب والمحنة، والثاني: ~~موافقة الفعل للشهوة وهذا غير مقدور للعبد (2) فلا يجب في المحنة ولا في ~~العقاب، وإذا كان الرضا بالمعنى الأول واجبا في العقاب فكذلك الصبر على ذلك ~~الاعتقاد واجب بأن لا يظهر خلاف الرضا وهو الجزع، ويجب أيضا التسليم بأن ~~يعتقد أنه لو تمكن من دفع المرض الذي هو مصلحة له لا يدفعه ولا يمتنع منه. # قال: ولا يكفي اللطف في ألم المكلف في الحسن. # أقول: هذا مذهب الشيخين وقاضي القضاة، وجوز بعض المشايخ إدخال الألم على ~~المكلف إذا اشتمل على اللطف والاعتبار وإن لم يحصل في مقابلته عوض، لأن ~~الألم كما يحسن لنفع يقابله فكذا يحسن لما يؤدي إليه الألم، ولهذا حسن منا ~~تحمل مشاق السفر لربح يقابل السلعة ولا يقابل مشاق السفر، ولما كان مشاق ~~السفر علة في حصول الربح المقابل للسلعة فكذا الألم الذي هو لطف لولاه لما ~~حصل الثواب المقابل للطاعة فحسن فعله وإن خلى عن العوض لأدائه إلى النفع. # وحجة الأوائل ms265 أن الألم غير المستحق لولا اشتماله على النفع أو دفع الضرر ~~كان قبيحا والطاعة المفعولة لأجل الألم ليست بنفع والثواب المستحق عليها ~~يقابل # PageV00P451 # الطاعة دون الألم فيبقى الألم مجردا عن النفع وذلك قبيح. # قال: ولا يحسن مع اشتمال اللذة على لطفيته (1). # أقول: هذا مذهب أبي الحسين البصري خلافا لأبي هاشم، وتقرير مذهب أبي هاشم ~~أنا لو فرضنا اشتمال اللذة على اللطف الذي اشتمل عليه الألم هل يحسن منه ~~تعالى فعل الألم بالحي لأجل لطف الغير مع العوض الزائد الذي يختاره المتألم ~~لو عرض عليه؟ قال أبو هاشم: نعم لأن الألم المشتمل على المنفعة الموفية في ~~حكم المنفعة عند العقلاء، ولهذا لا يعد العقلاء مشاق السفر الموصلة إلى ~~الأرباح مضارا، وإذا كان الألم في حكم المنفعة صار حصول اللطف في تقدير ~~منفعتين فيتخير الحكيم في أيهما شاء. وأبو الحسين منع ذلك لأن الألم أنما ~~يصير في حكم المنفعة إذا لم يكن طريق لتلك المنفعة إلا ذلك الألم، ولو أمكن ~~الوصول إلى تلك المنفعة بدون ذلك الألم كان ذلك الألم ضررا وعبثا، ولهذا ~~يعد العقلاء السفر ضررا مع حصول الربح بدونه. # قال: ولا يشترط في الحسن اختيار المتألم بالفعل. # أقول: لا يشترط في حسن الألم المفعول ابتداء من الله تعالى اختيار ~~المتألم للعوض الزائد عليه بالفعل، لأن اعتبار الاختيار أنما يكون في النفع ~~الذي يتفاوت فيه اختيار المتألمين، فأما النفع البالغ إلى حد لا يجوز ~~اختلاف الاختيار فيه فإنه يحسن وإن لم يحصل الاختيار بالفعل وهذا هو العوض ~~المستحق عليه تعالى. # المسألة الرابعة عشرة في الأعواض قال: والعوض نفع مستحق خال عن تعظيم ~~وإجلال. # PageV00P452 # أقول: لما ذكر حسن الألم المبتدأ مع تعقبه بالعوض الزائد وجب عليه البحث ~~عن العوض وأحكامه وبدأ بتحديده، فالنفع جنس للمتفضل به وللمستحق وقيد ~~المستحق فصل يميزه عن النفع المتفضل به وقيد الخلو عن التعظيم والاجلال ~~يخرج به الثواب. # قال: ويستحق عليه تعالى بإنزال الآلام وتفويت المنافع لمصلحة الغير ~~وإنزال الغموم سواء استندت إلى علم ضروري أو مكتسب ms266 أو ظن لا ما تستند إلى ~~فعل العبد وأمر عباده بالمضار أو إباحته وتمكين غير العاقل. # أقول: هذه الوجوه التي يستحق بها العوض على الله تعالى: الأول: إنزال ~~الآلام بالعبد كالمرض وغيره، وقد سبق بيان وجوب العوض به (1) من حيث ~~اشتماله على الظلم لو لم يجب العوض. # الثاني: تفويت المنافع إذا كانت منه تعالى لمصلحة الغير، لأنه لا فرق بين ~~تفويت المنافع وإنزال المضار، فلو أمات الله تعالى ابنا لزيد وكان في ~~معلومه تعالى أنه لو عاش لانتفع به زيد لاستحق عليه تعالى العوض عما فاته ~~من منافع ولده، ولو كان في معلومه تعالى عدم انتفاعه به لأنه يموت قبل ~~الانتفاع به لم يستحق به عوضا لعدم تفويته المنفعة منه تعالى. وكذلك لو ~~أهلك ماله استحق العوض بذلك سواء شعر بهلاك ماله أو لم يشعر، لأن تفويت ~~المنفعة كإنزال الألم ولو آلمه ولم يشعر به لاستحق العوض، فكذا إذا فوت ~~عليه منفعة لم يشعر بها، وعندي في هذا الوجه نظر. # الثالث: إنزال الغموم بأن يفعل الله تعالى أسباب الغم، لأن الغم يجري ~~مجرى الضرر في العقل سواء كان الغم علما ضروريا بنزول مصيبة أو وصول ألم، ~~أو كان ظنا بأن يغتم عند أمارة لوصول مضرة أو فوات منفعة، أو كان علما ~~مكتسبا لأن الله # PageV00P453 # تعالى هو الناصب للدليل والباعث على النظر فيه وكذا هو الناصب لأمارة ~~الظن فلما كان سبب الغم منه تعالى كان العوض عليه، وأما الغم الحاصل من ~~العبد نفسه من غير سبب منه تعالى نحو أن يبحث العبد فيعتقد جهلا نزول ضرر ~~به أو فوات منفعة فإنه لا عوض فيه عليه تعالى، ولو فعل به تعالى فعلا لو ~~شعر به لاغتم نحو أن يهلك له مالا وهو لا يشعر به إلى أن يموت فإنه لا ~~يستحق العوض عليه تعالى لأنه إذا لم يشعر به لم يغتم به. # الرابع: أمر الله تعالى عباده بإيلام الحيوان أو أباحه سواء كان الأمر ~~للايجاب كالذبح في الهدي والكفارة والنذر أو للندب ms267 كالضحايا، فإن العوض في ~~ذلك كله على الله تعالى لاستلزام الأمر والإباحة الحسن والألم أنما يحسن ~~إذا اشتمل على المنافع العظيمة البالغة في العظم حدا يحسن الألم لأجله. # الخامس: تمكين غير العاقل مثل سباع الوحش وسباع الطير والهوام، وقد اختلف ~~أهل العدل هنا على أربعة أقوال: فذهب بعضهم إلى أن العوض على الله تعالى ~~مطلقا ويعزى هذا القول إلى أبي علي الجبائي. وقال آخرون: إن العوض على فاعل ~~الألم وهو قول يحكي عن أبي علي أيضا (1). وقال آخرون: لا عوض هنا على الله ~~تعالى ولا على الحيوان. وقال قاضي القضاة: إن كان الحيوان ملجأ إلى الإيلام ~~كان العوض عليه تعالى وإن لم يكن ملجأ كان العوض على الحيوان نفسه. # احتج الأولون بأنه تعالى مكنه وجعل فيه ميلا شديدا إلى الإيلام مع إمكان ~~عدم الميل ولم يجعل له عقلا يميز به حسن الألم من قبحه ولم يزجره بشئ من ~~أسباب الزجر مع إمكان ذلك كله، فكان ذلك بمنزلة الإغراء فلولا تكفله تعالى ~~بالعوض لقبح منه ذلك. # PageV00P454 # واحتج الآخرون بقوله عليه السلام: إن الله تعالى ينتصف للجماء من ~~القرناء. # واحتج النافون للعوض بقوله عليه السلام: جرح العجماء جبار. # واحتج القاضي بأن التمكين لا يقتضي انتقال العوض من الفاعل إلى الممكن ~~وإلا لوجب عوض القتل على صانع السيف بخلاف الإلجاء المقتضي لاستناد الفعل ~~في الحقيقة إلى الملجئ، ولهذا يحسن ذمه دون الملجأ، وبأن العوض لو كان عليه ~~تعالى لما حسن منعها عن الأكل. # والجواب عن الأول أنه لا دلالة في الحديث على أنه تعالى ينتصف للجماء بأن ~~ينقل أعواض القرناء إليها وهو يصدق بتعويض الله تعالى إياها كما أن السيد ~~إذا غرم ما أتلفه عبده يقال: قد أنصف المظلوم من عبده، مع أنه يحتمل المجاز ~~بتشبيه الظالم لتمكنه من الظلم بالقرناء والمظلوم بالجماء لضعفه. # وعن الثاني أن المراد انتفاء القصاص. # وعن الثالث بالفرق، فإن القاتل ممنوع من القتل وعنده اعتقاد عقلي يمنعه ~~عن الأقدام عليه، فلهذا لم نقل بوجوب العوض على صانع السيف ms268 بخلاف السبع. # وعن الرابع أنه قد يحسن المنع عن الأكل إذا (1) كان لذلك المنع وجه حسن، ~~كما أنه يحسن منا منع الصبيان عن شرب الخمر ومنع المعاقب عن العقاب. # قال: بخلاف الاحراق (2) عند الألقاء في النار والقتل عند شهادة الزور. # أقول: إذا طرحنا صبيا في النار فاحترق فإن الفاعل للألم هو الله تعالى ~~والعوض علينا نحن، لأن فعل الألم واجب في الحكمة من حيث إجراء العادة والله ~~تعالى قد منعنا من طرحه ونهانا عنه، فصار الطارح كأنه الموصل إليه الألم ~~فلهذا كان العوض علينا دونه تعالى. وكذلك إذا شهد عند الأمام شاهدا زور ~~بالقتل فإن العوض على الشهود وإن كان الله تعالى قد أوجب القتل والأمام ~~تولاه وليس # PageV00P455 # عليهما عوض لأنهما أوجبا بشهادتهما على الإمام إيصال الألم إليه من جهة ~~الشرع فصار كأنهما فعلاه. (لا يقال) هذا يوجب العوض (1) عليه تعالى لأنه هو ~~الموجب على الإمام قتله. (لأنا نقول) قبول الشاهدين عادة شرعية يجب إجراؤها ~~على قانونها كالعادات الحسيات، فكما وجب العوض على الملقي للطفل في النار ~~قضاء لحق العادة الحسية كذلك وجب العوض هنا على الشاهدين قضاء لحق العادة ~~الشرعية، والمناط هو الحكمة المقتضية لاستمرار العادات. # قال: والانتصاف عليه تعالى واجب عقلا وسمعا. # أقول: اختلف أهل العدل في ذلك، فذهب قوم منهم إلى أن الانتصاف للمظلوم من ~~الظالم واجب على الله تعالى عقلا لأنه هو المدبر لعباده فنظره كنظر الوالد ~~لولده، فكما يجب على الوالد الانتصاف كذلك يجب عليه تعالى قياسا للغائب على ~~الشاهد. وقال آخرون منهم: إنه يجب سمعا لأن الوالد يجب عليه تدبير أولاده ~~وتأديبهم أما الانتصاف بأخذ الأرش من الظالم ودفعه إلى المظلوم فلا نسلم ~~وجوبه عقلا بل يحسن منا تركهم إلى أن تكمل عقولهم لينتصف بعضهم من بعض، ~~والمصنف رحمه الله اختار وجوبه عقلا وسمعا أما من حيث العقل فلأن ترك ~~الانتصاف منه تعالى يستدعي ضياع حق المظلوم لأنه تعالى مكن الظالم وخلى ~~بينه وبين المظلوم مع قدرته تعالى على منعه ولم يمكن المظلوم من ms269 الانتصاف، ~~فلولا تكلفه تعالى بالانتصاف لضاع حق المظلوم وذلك قبيح عقلا. وأما من حيث ~~السمع فلورود القرآن بأنه تعالى يقضي بين عباده ولوصف المسلمين له تعالى ~~بأنه الطالب أي الذي يطلب حق الغير من الغير. # قال: فلا يجوز تمكين الظالم من الظلم من دون عوض في الحال يوازي ظلمه. # PageV00P456 # أقول: هذا تفريع علي وجوب الانتصاف وهو أنه هل يجوز تمكين الله (1) تعالى ~~من الظلم من لا عوض له في الحال يوازي ظلمه فمنع منه المصنف رحمة الله وقد ~~اختلف أهل العدل هنا، فقال أبو هاشم والكعبي: إنه يجوز، لكنهما اختلفا فقال ~~الكعبي: يجوز أن يخرج من الدنيا ولا عوض له يوازي ظلمه، وقال: إن الله ~~تعالى يتفضل عليه بالعوض المستحق عليه ويدفعه إلى المظلوم. وقال أبو هاشم: ~~لا يجوز بل يجب التبقية لأن الانتصاف واجب والتفضل ليس بواجب فلا يجوز ~~تعليق الواجب بالجائز. قال السيد المرتضى: إن التبقية تفضل أيضا فلا يجوز ~~تعليق الانتصاف بها، فلهذا وجب العوض في الحال واختاره المصنف رحمه الله ~~لما ذكرناه. # قال: فإن كان المظلوم من أهل الجنة فرق الله تعالى (2) أعواضه على ~~الأوقات أو تفضل عليه بمثلها وإن كان من أهل العقاب أسقط بها جزءا من عقابه ~~بحيث لا يظهر له التخفيف بأن يفرق الناقص على الأوقات. # أقول: لما بين وجوب الانتصاف ذكر كيفية إيصال العوض إلى مستحقه. # (واعلم) أن المستحق للعوض إما أن يكون مستحقا للجنة أو للنار فإن كان ~~مستحقا للجنة فإن قلنا: إن العوض دائم فلا بحث، وإن قلنا: إنه منقطع توجه ~~الإشكال بأن يقال: لو أوصل العوض إليه ثم انقطع عنه حصل له الألم بانقطاعه. # والجواب من وجهين: الأول: أنه يوصل إليه عوضه متفرقا على الأوقات بحيث لا ~~يبين له انقطاعه فلا يحصل له الألم. الثاني: أن يتفضل الله تعالى عليه بعد ~~انقطاعه بمثله دائما فلا يحصل الألم، وإن كان مستحقا للعقاب جعل الله تعالى ~~عوضه جزءا من عقابه بمعنى أنه يسقط من عقابه بإزاء ما يستحقه من الأعواض، # PageV00P457 # إذ ms270 لا فرق في العقل بين إيصال النفع ودفع الضرر في الإيثار، فإذا خفف ~~عقابه وكانت آلامه عظيمة علم أن آلامه بعد إسقاط ذلك القدر من العقاب أشد ~~ولا يظهر له أنه كان في راحة، أو نقول: إنه تعالى ينقص من آلامه ما يستحقه ~~من أعواضه متفرقا على الأوقات بحيث لا يظهر له الخفة من قبل. # قال: ولا يجب دوامه لحسن الزائد بما يختار معه الألم وإن كان منقطعا ولا ~~يجب حصوله في الدنيا لاحتمال مصلحة التأخير، والألم على القطع ممنوع مع أنه ~~غير محل النزاع. # أقول: لما ذكر وجوب العوض شرع في بيان أحكامه، وقد اختلف الشيخان هنا ~~فقال أبو علي الجبائي: إنه يجب دوامه. وقال أبو هاشم: لا يجب، واختاره ~~المصنف رحمه الله، والدليل عليه أن العوض أنما حسن لاشتماله على النفع ~~الزائد على الألم أضعافا يختار معه المولم ألمه، ومثل هذا يتحقق في المنقطع ~~فكان وجه الحسن فيه ثابتا فلا تجب إدامته. # وقد احتج أبو علي بوجهين أشار المصنف إلى الجواب عنهما: الأول: أنه لو ~~كان العوض منقطعا لوجب إيصاله في الدنيا، لأن تأخير الواجب بعد وجوبه ~~وانتفاء الموانع منع للواجب، وإنما قلنا بانتفاء الموانع لأن المانع هو ~~الدوام مع انقطاع الحياة المانع من دوامه. (والجواب) لا نسلم أن المانع من ~~تقدمه في الدنيا إنما هو انقطاع الحياة لجواز أن يكون في تأخيره مصلحة ~~خفية. # الثاني: لو كان العوض منقطعا لزم دوامه والتالي لا يجامع المقدم، بيان ~~الملازمة أنه بانقطاعه يتألم صاحب العوض والألم يستلزم العوض فيلزم من ~~انقطاعه دوامه. # والجواب من وجهين: الأول: يجوز انقطاعه من غير أن يشعر صاحبه بانقطاعه ~~إما لإيصاله إليه على التدريج في الأوقات بحيث لا يشعر بانتفائه لكثرة غيره ~~من منافعه، أو بأن يجعله ساهيا ثم يقطعه فلا يتألم حينئذ. الثاني: أنه غير ~~PageV00P458 # محل النزاع لأن البحث في العوض المستحق على الألم هل يجب إدامته، وليس ~~البحث في استلزام الألم الحاصل بالانقطاع لعوض آخر وهكذا دائما. # قال: ولا يجب إشعار صاحبه بإيصاله ms271 عوضا. # أقول: هذا حكم آخر للعوض يفارق به الثواب وهو أنه لا يجب إشعار مستحقه ~~بتوفيته عوضا له بخلاف الثواب، إذ يجب في الثواب مقارنة التعظيم ولا فائدة ~~فيه إلا مع العلم به، أما هنا فلأنه منافع وملاذ وقد ينتفع ويلتذ من لا ~~يعلم ذلك، فما يجب إيصاله إلى المثاب في الآخرة من الأعواض يجب أن يكون ~~عالما به من حيث إنه مثاب لا من حيث إنه معوض، وحينئذ أمكن أن يوفيه الله ~~تعالى في الدنيا على بعض المعوضين غير المكلفين وأن ينتصف لبعضهم من بعض في ~~الدنيا فلا تجب إعادتهم في الآخرة. # قال: ولا يتعين منافعه. # أقول: هذا حكم ثالث للعوض وهو أنه لا يتعين منافعه، بمعنى أنه لا يجب ~~إيصاله في منفعة معينة دون أخرى بل يصلح توفيته بكل ما يحصل فيه شهوة ~~المعوض، وهذا بخلاف الثواب لأنه يجب أن يكون من جنس ما ألفه المكلف من ~~ملاذه كالأكل والشرب واللبس والمنكح لأنه رغب به في تحمل المشاق، بخلاف ~~العوض فإنا قد بينا أنه يصح إيصاله إليه وإن لم يعلم أنه عوض عما وصل إليه ~~من الألم فصح إيصاله إليه بكل منفعة. # قال: ولا يصح إسقاطه. # أقول: هذا حكم آخر للعوض وهو أنه لا يصح إسقاطه ولا هبته ممن وجب عليه في ~~الدنيا ولا في الآخرة سواء كان العوض عليه تعالى أو علينا، هذا قول أبي ~~هاشم وقاضي القضاة. وجزم أبو الحسين بصحة إسقاط العوض علينا إذا استحل ~~الظالم من المظلوم وجعله في حل بخلاف العوض عليه تعالى فإنه لا يسقط لأن ~~إسقاطه عنه تعالى عبث لعدم انتفاعه به. PageV00P459 # واحتج القاضي بأن مستحق العوض لا يقدر على استيفائه ولا على المطالبة به. ~~ولا يعرف مقداره ولا صفته فصار كالصبي المولى عليه لا يصح له إسقاط حقه عن ~~غريمه. # والوجه عندي (1) جواز ذلك لأنه حقه وفي هبته نفع للموهوب، ويمكن نقل هذا ~~الحق إليه فكان جائزا. والحمل على الصبي غير تام لأن الشرع منع الصبي من ~~التصرف في ماله ms272 لمصلحة شرعية حتى أنا لولا الشرع لجوزنا من الصبي المميز ~~إذا علم دينه، وأن هبته (2) إحسان إلى الغير وآثر هذا الإحسان لانتفاء ~~الضرر عنه مع اشتماله على الاختيار في الهبة لأنه كالبالغ لكن الشرع فرق ~~بينهما، وعلى هذا لو كان العوض مستحقا عليه تعالى أمكن هبته مستحقة لغيره ~~من العباد لما ذكرنا من أنه حقه، وفي هبته انتفاع الموهوب وإمكان نقل هذا ~~الحق، أما الثواب المستحق عليه تعالى فلا يصح منا هبته لغيرنا لأنه مستحق ~~بالمدح فلا يصح نقله إلى من لا يستحقه. # قال: والعوض عليه تعالى يجب تزايده إلى حد الرضا عند كل عاقل وعلينا يجب ~~مساواته. # أقول: هذا حكم آخر للعوض وهو أنه إما أن يكون علينا أو عليه تعالى، أما ~~العوض الواجب عليه تعالى فإنه يجب أن يكون زائدا عن الألم الحاصل بفعله أو ~~بأمره أو بإباحته أو بتمكينه لغير العاقل زيادة تنتهي إلى حد الرضا من كل ~~عاقل بذلك العوض في مقابلة ذلك الألم لو فعل به، لأنه لولا ذلك لزم الظلم، ~~أما مع مثل هذا العوض فإنه يصير كأنه لم يفعل، وأما العوض علينا فإنه يجب ~~مساواته لما # PageV00P460 # فعله من الألم أو فوته من المنفعة، لأن الزائد على ما يستحق عليه من ~~الضمان يكون ظلما، ولا يخرج ما فعلناه بالضمان عن كونه ظلما قبيحا فلا يلزم ~~أن يبلغ الحد الذي شرطناه في الآلام الصادرة منه تعالى. # المسألة الخامسة عشرة في الآجال قال: وأجل الحيوان (1) الوقت الذي علم ~~الله تعالى بطلان حياته فيه. # أقول: لما فرغ من البحث عن الأعواض انتقل إلى البحث عن الآجال، وإنما بحث ~~عنه المتكلمون لأنهم بحثوا عن المصالح والألطاف، وجاز أن يكون موت انسان في ~~وقت مخصوص لطفا لغيره من المكلفين فبحثوا عنه بعد بحثهم عن المصالح. ~~(واعلم) أن الأجل هو الوقت، ونعني بالوقت هو الحادث أو ما يقدر تقدير ~~الحادث، كما يقال: جاء زيد عند طلوع الشمس، فإن طلوع الشمس أمر حادث معلوم ~~لكل أحد فجعل وقتا لغيره، ولو فرض ms273 جهالة طلوع الشمس وعلم مجئ زيد لبعض ~~الناس صح أن يقال: طلعت الشمس عند مجئ زيد. إذا عرفت هذا فأجل الحيوان هو ~~الوقت الذي علم الله تعالى بطلان حياة ذلك الحيوان فيه، وأجل الدين هو ~~الوقت الذي جعله الغريمان محلا له. # قال: والمقتول يجوز فيه الأمران لولاه. # أقول: اختلف الناس في المقتول لو لم يقتل، فقالت المجبرة: إنه كان يموت ~~قطعا، وهو قول أبي الهذيل العلاف. وقال بعض البغداديين: إنه كان يعيش قطعا. # وقال أكثر المحققين: إنه كان يجوز أن يعيش ويجوز أن يموت. ثم اختلفوا ~~فقال قوم منهم: إن من كان المعلوم منه البقاء لو لم يقتل له أجلان. وقال ~~الجبائيان # PageV00P461 # وأصحابهما وأبو الحسين البصري: إن أجله هو الوقت الذي قتل فيه وليس له ~~أجل آخر لو لم يقتل فما كان يعيش إليه ليس بأجل له الآن حقيقي بل تقديري. # واحتج الموجبون لموته بأنه لولاه لزم خلاف معلوم الله تعالى وهو محال. # واحتج الموجبون لحياته بأنه لو مات لكان الذابح غنم غيره محسنا إليه، ~~ولما وجب القود لأنه لم يفوت حياته. # والجواب عن الأول ما تقدم من أن العلم لا يؤثر في المعلوم، وعن الثاني ~~بمنع الملازمة إذ لو ماتت الغنم استحق مالكها عوضا زائدا على الله تعالى ~~فبذبحه فوت عليه الأعواض الزائدة، والقود من حيث مخالفة الشارع إذ قتله ~~حرام عليه وإن علم موته، ولهذا لو أخبر الصادق بموت زيد لم يجز لأحد قتله. # قال: ويجوز أن يكون الأجل لطفا للغير لا للمكلف. # أقول: لا استبعاد في أن يكون أجل الانسان لطفا لغيره من المكلفين ولا ~~يمكن أن يكون لطفا للمكلف نفسه، لأن الأجل يطلق على عمره وحياته، ويطلق على ~~أجل موته. (أما الأول) فليس بلطف لأنه تمكين له من التكليف واللطف زائد على ~~التمكين، (وأما الثاني) فهو قطع التكليف فلا يصح أن يكلف بعده فيكون لطفا ~~له فيما يكلفه من بعد واللطف لا يصح أن يكون لطفا فيما مضى. # المسألة السادسة عشرة في الأرزاق قال: والرزق ما ms274 صح الانتفاع به ولم يكن ~~لأحد منعه منه. # أقول: الرزق عند المجبرة ما أكل سواء كان حراما أو حلالا، وعند المعتزلة ~~أنه ما صح الانتفاع به ولم يكن لأحد منع المنتفع به لقوله تعالى: (وأنفقوا ~~مما رزقناكم) والله تعالى لا يأمر بالإنفاق من الحرام، قالوا: ولا يوصف ~~الطعام المباح في الضيافة أنه رزقه ما لم يستهلكه لأن للمبيح منعه قبل ~~استهلاكه بالمضغ والبلع، PageV00P462 # وكذا طعام البهيمة ليس رزقا لها قبل أن تستهلكه لأن للمالك منعها منه إلا ~~إذا وجب رزقها عليه والغاصب إذا استهلك الطعام المغصوب بالأكل لا يوصف بأنه ~~رزقه لأن الله تعالى منعه من الانتفاع به بعد مضغه وبلعه، لأن تصرفاته أجمع ~~محرمة بخلاف من أبيح له الطعام لأنه بعد المضغ والبلع لا يحسن من أحد ~~تفويته الانتفاع به لأنه معدود فيما تقدم من الأسباب المؤدية إلى الانتفاع ~~به. وليس الرزق هو الملك لأن البهيمة مرزوقة وليست مالكة والله تعالى مالك، ~~ولا يقال: إن الأشياء رزق له تعالى والولد والعلم رزق لنا وليسا ملكا لنا، ~~فحينئذ الأرزاق كلها من قبله تعالى لأنه خالق جميع ما ينتفع به وهو الممكن ~~من الانتفاع والتوصل إلى اكتساب الرزق وهو الذي يجعل العبد أخص بالانتفاع ~~به بعد الحيازة أو غيرها من الأسباب الموصلة إليه، ويحظر على غيره منعه من ~~الانتفاع وهو خالق الشهوة التي بها يتمكن من الانتفاع. # قال: والسعي في تحصيله قد يجب ويستحب ويباح ويحرم (1). # أقول: ذهب جمهور العقلاء إلى أن طلب الرزق سائغ، وخالف فيه بعض الصوفية ~~لاختلاط الحرام بالحلال بحيث لا يتميز، وما هذا سبيله يجب الصدقة به فيجب ~~على الغني دفع ما في يده إلى الفقير بحيث يصير فقيرا ليحل له أخذ الأموال ~~الممتزجة بالحرام ولأن في ذلك مساعدة للظالمين بأخذ العشور والخراجات ~~ومساعدة الظالم محرمة. والحق ما قلناه ويدل عليه المعقول والمنقول، أما ~~المعقول فلأنه دافع للضرر فيكون واجبا. وأما المنقول فقوله تعالى: (وابتغوا ~~من فضل الله) إلى غيرها من الآيات، وقوله عليه السلام: (سافروا تغنموا) ms275 أمر ~~بالسفر لأجل الغنيمة. # والجواب عن الأول بالمنع من عدم التميز، إذ الشارع ميز الحلال من الحرام # PageV00P463 # بظاهر اليد ولأن تحريم التكسب من هذه الحيثية يقتضي تحريم التناول ~~واللازم باطل اتفاقا (1)، وعن الثاني أن المكتسب غرضه الانتفاع بزراعته أو ~~تجارته لا تقوية الظلمة (2). (إذا عرفت هذا) فالسعي في طلب الرزق قد يجب مع ~~الحاجة، وقد يستحب إذا طلب التوسعة عليه وعلى عياله، وقد يباح مع الغنى ~~عنه، وقد يحرم مع منعه عن الواجب. # المسألة السابعة عشرة في الأسعار قال: والسعر تقدير العوض الذي يباع به ~~الشئ وهو رخص وغلاء ولا بد من اعتبار العادة واتحاد الوقت والمكان ويستند ~~(3) إليه تعالى وإلينا أيضا. # أقول: السعر هو تقدير العوض الذي يباع به الشئ وليس هو الثمن ولا المثمن ~~وهو ينقسم إلى رخص وغلاء، فالرخص هو السعر المنحط عما جرت به العادة مع ~~اتحاد الوقت والمكان، والغلاء زيادة السعر عما جرت به العادة مع اتحاد ~~الوقت والمكان. وإنما اعتبرنا الزمان والمكان لأنه لا يقال: إن الثلج قد ~~رخص سعره في الشتاء عند نزول الثلج لأنه ليس أوان بيعه، ويجوز أن يقال: # رخص في الصيف إذا نقص سعره عما جرت به عادته في ذلك الوقت، ولا يقال: # رخص سعره في الجبال التي يدوم نزوله فيها لأنها ليست مكان بيعه، ويجوز أن ~~يقال: رخص سعره في البلاد التي اعتيد بيعه فيها. # PageV00P464 # (واعلم) أن كل واحد من الرخص والغلاء قد يكون من قبله تعالى، بأن يقلل ~~جنس المتاع المعين ويكثر رغبة الناس إليه فيحصل الغلاء لمصلحة المكلفين، ~~وقد يكثر جنس ذلك المتاع ويقلل رغبة الناس إليه تفضلا منه تعالى وإنعاما أو ~~لمصلحة دينية فيحصل الرخص، وقد يحصلان من قبلنا بأن يحمل السلطان الناس على ~~بيع تلك السلعة بسعر غال ظلما منه أو لاحتكار الناس أو لمنع الطريق خوف ~~الظلمة أو لغير ذلك من الأسباب المستندة إلينا فيحصل الغلاء، وقد يحمل ~~السلطان الناس على بيع السلعة برخص ظلما منه أو يحملهم على بيع ما في ~~أيديهم من ms276 جنس ذلك المتاع فيحصل الرخص. # المسألة الثامنة عشرة في الأصلح قال: والأصلح قد يجب لوجود الداعي ~~وانتفاء الصارف. # أقول: اختلف الناس هنا، فقال الشيخان أبو علي وأبو هاشم وأصحابهما: إن ~~الأصلح ليس بواجب على الله تعالى. وقال البلخي: إنه واجب، وهو مذهب ~~البغداديين وجماعة من البصريين. وقال أبو الحسين البصري: إنه يجب في حال ~~دون حال، وهو اختيار المصنف رحمه الله. وتحرير صورة النزاع أن الله تعالى ~~إذا علم لم انتفاع زيد بإيجاد قدر من المال له وانتفاء الضرر به في الدين ~~عنه وعن غيره من المكلفين هل يجب إيجاد ذلك القدر له أم لا؟ احتج الموجبون ~~بأن لله تعالى داعيا إلى إيجاده وليس له صارف عنه، فيجب ثبوته لأن مع ثبوت ~~القدرة ووجود الداعي وانتفاء الصارف يجب الفعل. وبيان تحقق الداعي أنه ~~إحسان خال عن جهات المفسدة، وبيان انتفاء الصارف أن المفاسد منتفية ولا ~~مشقة فيه. # واحتج النفاة بأن وجوبه يؤدي إلى المحال فيكون محالا، بيان الملازمة أنا ~~لو فرضنا انتفاء المفسدة في الزائد على ذلك القدر وثبوت المصلحة فإن وجب ~~PageV00P465 # إيجاده لزم وقوع ما لا نهاية له، لأنا نفرض ذلك في كل زائد، وإن لم يجب ~~ثبت المطلوب. # قال أبو الحسين: إذا كان ذلك القدر مصلحة خالية عن المفسدة وكان الزائد ~~عليه مفسدة وجب عليه أن يعطيه ذلك القدر لوجود الداعي وانتفاء الصارف، وإذا ~~لم يكن في الزائد مفسدة إلى غير النهاية فإنه تعالى قد يفعل ذلك القدر وقد ~~لا يفعله، لأن من دعاه الداعي إلى الفعل وكان ذلك الداعي حاصلا في فعل ما ~~يشق فإن ذلك يجري مجرى الصارف عنه فيصير الداعي مترددا بين الداعي والصارف ~~فلا يجب الفعل ولا الترك، وتمثل بأن من دعاه الداعي على دفع درهم إلى فقير ~~ولم يظهر له ضرر في دفعه فإنه يدفعه إليه، فإن حضره من الفقراء جماعة يكون ~~الدفع إليهم مساويا للدفع إلى الأول ويشق عليه الدفع إليهم لحصول الضرر ~~فإنه قد يدفع الدرهم إلى الفقير منهم وقد لا ms277 يدفعه، فإذا كان حصول الداعي ~~فيما يشق يقتضي تجويز العدم فحصوله فيما يستحيل وجوده أولى لانتفاء الفعل ~~معه، فلهذا قال: قد يجب الأصلح في بعض الأحوال دون بعض. وللنفاة وجوه أخر ~~ذكرناها في كتاب نهاية المرام على الاستقصاء. PageV00P466 # قال: # المقصد الرابع في النبوة PageV00P467 # البعثة حسنة لاشتمالها على فوائد كمعاضدة العقل فيما يدل عليه واستفادة ~~الحكم فيما لا يدل وإزالة الخوف واستفادة الحسن والقبح والنافع والضار (1) ~~وحفظ النوع الانساني وتكميل أشخاصه بحسب استعداداتهم المختلفة وتعليمهم ~~الصنائع الخفية والأخلاق والسياسات والأخبار بالعقاب والثواب فيحصل اللطف ~~للمكلف. # أقول: في هذا المقصد مسائل: # المسألة الأولى في حسن البعثة اختلف الناس في ذلك، فذهب المسلمون كافة ~~وجميع أرباب الملل وجماعة من الفلاسفة إلى ذلك ومنعت البراهمة منه، والدليل ~~على حسن البعثة أنها قد اشتملت على فوائد وخلت عن المفاسد فكانت حسنة قطعا، ~~وقد ذكر المصنف رحمه الله جملة من فوائد البعثة: # منها: أن يعتضد العقل بالنقل فيما يدل العقل عليه من الأحكام كوحدة ~~الصانع وغيرها، وأن يستفاد الحكم من البعثة فيما لا يدل العقل عليه ~~كالشرائع وغيرها من # PageV00P468 # مسائل الأصول. # ومنها: إزالة الخوف الحاصل للمكلف عند تصرفاته، إذ قد علم بالدليل العقلي ~~أنه مملوك لغيره وأن التصرف في ملك الغير بغير إذنه قبيح، فلولا البعثة لما ~~علم حسن التصرفات فيحصل الخوف بالتصرف وبعدمه، إذ يجوز العقل طلب المالك من ~~العبد فعلا لا سبيل إلى فعله إلا بالبعثة فيحصل الخوف. # ومنها: أن بعض الأفعال حسنة وبعضها قبيحة، ثم الحسنة منها ما يستقل العقل ~~بمعرفة حسنه ومنها ما لا يستقل وكذا القبيحة ومع البعثة يحصل معرفة الحسن ~~والقبح اللذين لا يستقل العقل بمعرفتهما. # ومنها: أن بعض الأشياء نافعة لنا مثل كثير من الأغذية والأدوية وبعضها ~~ضار لنا مثل كثير من السموم والحشائش والعقل لا يدرك ذلك كله، وفي البعثة ~~تحصل هذه الفائدة العظيمة. # ومنها: أن النوع الانساني خلق لا كغيره من الحيوانات فإنه مدني بالطبع ~~يحتاج إلى أمور كثيرة في معاشه لا يتم نظامه إلا بها وهو ms278 عاجز عن فعل ~~الأكثر منها إلا بمشاركة ومعاونة والتغلب موجود في الطبائع البشرية بحيث ~~يحصل التنافر المضاد لحكمة الاجتماع فلا بد من جامع يقهرهم على الاجتماع ~~وهو السنة والشرع، ولا بد للسنة من شارع يسنه ويقرر ضوابطها ولا بد وأن ~~يتميز ذلك الشخص من غيره من بني نوعه لعدم الأولوية، وذلك المائز لا يجوز ~~أن يكون مما يحصل من بني النوع لوقوع التنافر في التخصيص فلا بد وأن يتميز ~~من قبل الله تعالى بمعجزة ينقاد البشر إلى تصديق مدعيها ويخوفهم من مخالفته ~~ويعدهم على متابعته بحيث يتم النظام ويستقر حفظ النوع الإنساني على كماله ~~الممكن له. # ومنها: أن أشخاص البشر متفاوتة في إدراك الكمالات وتحصيل المعارف واقتناء ~~الفضائل، فبعضهم مستغن عن معاون لقوة نفسه وكمال إدراكه وشدة استعداده ~~للاتصال بالأمور العالية، وبعضهم عاجز عن ذلك بالكلية، وبعضهم متوسط الحال ~~وتتفاوت مراتب الكمال في هذه المرتبة بحسب قربها من أحد PageV00P469 # الطرفين وبعدها عن الآخر، وفائدة النبي تكميل الناقص من أشخاص النوع بحسب ~~استعداداتهم المختلفة في الزيادة والنقصان. # ومنها: أن النوع الإنساني محتاج إلى آلات وأشياء نافعة في بقائه كالثياب ~~والمساكن وغيرها وذلك مما يحتاج في تحصيله إلى معرفة عمله والقوة البشرية ~~عاجزة عنه، ففائدة النبي في ذلك تعليم هذه الصنائع النافعة الخفية. # ومنها: أن مراتب الأخلاق وتفاوتها معلوم يفتقر فيه إلى مكمل بتعليم ~~الأخلاق والسياسات بحيث تنتظم أمور الانسان بحسب بلده ومنزله. # ومنها: أن الأنبياء يعرفون الثواب والعقاب على الطاعة وتركها فيحصل ~~للمكلف اللطف ببعثتهم فتجب بعثتهم لهذه الفوائد. # قال: وشبهة البراهمة باطلة بما تقدم. # أقول: احتجت البراهمة على انتفاء البعثة بأن الرسول إما أن يأتي بما ~~يوافق العقول أو بما يخالفها، فإن جاء بما يوافق العقول لم يكن إليه حاجة ~~ولا فائدة فيه، وإن جاء بما يخالف العقول وجب رد قوله. وهذه الشبهة باطلة ~~بما تقدم في أول الفوائد وذلك أن نقول: لم لا يجوز أن يأتوا بما يوافق ~~العقول وتكون الفائدة فيه التأكيد لدليل العقل؟ أو نقول: لم لا ms279 يجوز أن ~~يأتوا بما لا تقتضيه العقول ولا تهتدي إليه وإن لم يكن مخالفا للعقول؟ ~~بمعنى أنهم لا يأتون بما يقتضي العقل نقيضه مثل كثير من الشرائع والعبادات ~~التي لا يهتدي العقل إلى تفصيلها. # المسألة الثانية في وجوب البعثة قال: وهي واجبة لاشتمالها على اللطف في ~~التكاليف العقلية. # أقول: اختلف الناس هنا، فقالت المعتزلة: إن البعثة واجبة. وقالت ~~الأشعرية: # إنها غير واجبة. احتجت المعتزلة بأن التكاليف السمعية ألطاف في التكاليف ~~العقلية PageV00P470 # واللطف واجب فالتكليف السمعي واجب، ولا تمكن معرفته إلا من جهة النبي ~~فيكون وجود النبي واجبا لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. واستدلوا ~~على كون التكليف السمعي لطفا في العقلي بأن الانسان إذا كان مواظبا على فعل ~~الواجبات السمعية وترك المناهي الشرعية كان من فعل الواجبات العقلية ~~والانتهاء عن المناهي العقلية أقرب، وهذا معلوم بالضرورة لكل عاقل، وقد ~~بينا فيما تقدم أن اللطف واجب. # المسألة الثالثة في وجوب العصمة قال: ويجب في النبي العصمة (1) ليحصل ~~الوثوق فيحصل الغرض ولوجوب متابعته وضدها والإنكار عليه (2). # أقول: اختلف الناس هنا، فجماعة المعتزلة جوزوا الصغائر على الأنبياء إما ~~على سبيل السهو كما ذهب إليه بعضهم، أو على سبيل التأويل كما ذهب إليه قوم ~~منهم، أو لأنها تقع محبطة بكثرة ثوابهم. وذهبت الأشعرية والحشوية إلى أنه ~~يجوز عليهم الصغائر والكبائر إلا الكفر والكذب. وقالت الإمامية: إنه تجب ~~عصمتهم عن الذنوب كلها صغيرها وكبيرها والدليل عليه وجوه: أحدها: إن الغرض ~~من بعثة الأنبياء عليهم السلام أنما يحصل بالعصمة فتجب العصمة تحصيلا ~~للغرض. # وبيان ذلك أن المبعوث إليهم لو جوزوا الكذب على الأنبياء والمعصية جوزوا ~~في # PageV00P471 # أمرهم ونهيهم وأفعالهم التي أمروهم باتباعهم فيها ذلك، وحينئذ لا ينقادون ~~إلى امتثال أوامرهم وذلك نقض للغرض من البعثة. الثاني: أن النبي تجب ~~متابعته فإذا فعل معصية فإما أن تجب متابعته أو لا، والثاني باطل لانتفاء ~~فائدة البعثة والأول باطل لأن المعصية لا يجوز فعلها، وأشار بقوله: لوجوب ~~متابعته وضدها، إلى هذا الدليل لأنه بالنظر إلى كونه ms280 نبيا تجب متابعته، ~~وبالنظر إلى كون الفعل معصية لا يجوز اتباعه. الثالث: أنه إذا فعل معصية ~~وجب الانكار عليه لعموم وجوب النهي عن المنكر وذلك يستلزم إيذاءه وهو منهي ~~عنه، وكل ذلك محال. # قال: وكمال العقل والذكاء والفطنة وقوة الرأي وعدم السهو وكلما ينفر عنه ~~من دناءة الآباء وعهر الأمهات والفظاظة والغلظة والابنة وشبهها والأكل على ~~الطريق وشبهه. # أقول: يجب أن يكون في النبي هذه الصفات التي ذكرها، وقوله: وكمال العقل، ~~عطف على العصمة أي ويجب في النبي كمال العقل وذلك ظاهر، وأن يكون في غاية ~~الذكاء والفطنة وقوة الرأي بحيث لا يكون ضعيف الرأي مترددا في الأمور ~~متحيرا، لأن ذلك من أعظم المنفرات عنه، وأن لا يصح عليه السهو لئلا يسهو عن ~~بعض ما أمر بتبليغه، وأن يكون منزها عن دناءة الآباء وعهر الأمهات لأن ذلك ~~منفر عنه، وأن يكون منزها عن الفظاظة والغلظة لئلا يحصل النفرة عنه، وأن ~~يكون منزها عن الأمراض المنفرة (1) نحو الابنة وسلس الريح والجذام والبرص ~~وعن # PageV00P472 # كثير من المباحات الصارفة عن القبول منه القادحة في تعظيمه نحو الأكل على ~~الطريق (1) وغير ذلك لأن ذلك كله مما ينفر عنه فيكون منافيا للغرض من ~~البعثة. المسألة الرابعة في الطريق إلى معرفة صدق النبي قال: وطريق معرفة ~~صدقه (2) ظهور المعجز على يده وهو ثبوت (3) ما ليس بمعتاد أو نفي ما هو ~~معتاد مع خرق العادة ومطابقة الدعوى. # أقول: لما ذكر صفات النبي وجب عليه ذكر بيان معرفة صدقه وهو شئ واحد وهو ~~ظهور المعجز على يده، ونعني بالمعجز ثبوت ما ليس بمعتاد أو نفي ما هو معتاد ~~مع خرق العادة ومطابقة الدعوى، لأن الثبوت والنفي سواء في الإعجاز فإنه لا ~~فرق بين قلب العصا حية وبين منع القادر على رفع أصغر الأشياء. وشرطنا # PageV00P474 # خرق العادة لأن فعل المعتاد أو نفيه لا يدل على الصدق، وقلنا مع مطابقة ~~الدعوى لأن من يدعي النبوة ويسند معجزته إلى إبراء الأعمى فيحصل له الصمم ~~مع عدم برء العمى (1) لا يكون صادقا. ms281 # ولا بد في المعجز من شروط: أحدها: أن يعجز عن مثله أو ما يقاربه الأمة ~~المبعوث إليها. الثاني: أن يكون من قبل الله تعالى أو بأمره. الثالث: أن ~~يكون في زمان التكليف، لأن العادة تنتقض عند أشراط الساعة. الرابع: أن يحدث ~~عقيب دعوى المدعي للنبوة أو جاريا مجرى ذلك، ونعني بالجاري مجرى ذلك أن ~~يظهر دعوى النبي في زمانه وأنه لا مدعي للنبوة غيره ثم يظهر المعجز بعد أن ~~ظهر معجز آخر عقيب دعواه فيكون ظهور الثاني كالمتعقب لدعواه لأنه يعلم ~~تعلقه بدعواه وأنه لأجله ظهر كالذي ظهر عقيب دعواه. الخامس: أن يكون خارقا ~~للعادة. # المسألة الخامسة في الكرامات قال: وقصة مريم (2) وغيرها تعطي جواز ظهوره ~~على الصالحين. # قال: اختلف الناس هنا، فذهب جماعة من المعتزلة إلى المنع من إظهار # PageV00P475 # المعجز على الصالحين كرامة لهم ومن إظهاره على العكس على الكذابين إظهارا ~~لكذبهم، وجوزه أبو الحسين منهم وجماعة أخرى من المعتزلة والأشاعرة وهو ~~الحق، واستدل المصنف رحمه الله بقصة مريم فإنها تدل على ظهور معجزات عليها ~~وغيرها مثل قصة آصف وكالأخبار المتواترة المنقولة عن علي عليه السلام وغيره ~~من الأئمة، وحمل المانعون قصة مريم على الإرهاص لعيسى عليه السلام (1) وقصة ~~آصف على أنه معجز لسليمان عليه السلام مع بلقيس كأنه يقول: إن بعض اتباعي ~~يقدر على هذا مع عجزكم عنه، ولهذا أسلمت بعد الوقوف على معجزاته، وقصة علي ~~عليه السلام على تكملة معجزات النبي عليه السلام. # قال: ولا يلزم خروجه عن الأعجاز ولا التنفير ولا عدم التميز ولا إبطال ~~دلالته ولا العمومية. # أقول: هذه وجوه استدل بها المانعون من المعتزلة: الأول: قالوا: لو جاز ~~ظهور المعجزة على غير الأنبياء إكراما لهم لجاز ظهورها عليهم وإن لم يعلم ~~بها غيرهم، لأن الغرض هو سرورهم، وإذا جاز ذلك بلغت في الكثرة إلى خروجها ~~عن الإعجاز. والجواب المنع من الملازمة، لأن خروجها عن حد الإعجاز وجه قبح ~~ونحن أنما نجوز ظهور المعجزة إذا خلا عن جهات القبح فنجوز ظهورها ما لم ~~تبلغ في ms282 الكثرة إلى حد خروجها عن الإعجاز. # الثاني: قالوا: لو جاز ظهور المعجزة على غير النبي لزم التنفير عن ~~الأنبياء، إذ علة وجوب طاعتهم ظهور المعجزة عليهم، فإذا شاركهم في ذلك من ~~لا تجب طاعته هان موقعه، ولهذا لو أكرم (2) الرئيس بنوع ما كل أحد هان موقع ~~ذلك النوع # PageV00P476 # لمن يستحق الاكرام. والجواب بمنع انحطاط مرتبة الإعجاز كما لو ظهر على ~~نبي آخر فإنه لو لم يظهر إلا على نبي واحد لكان موقعه أعظم، فكما لا تلزم ~~الإهانة مع ظهوره على جماعة من الأنبياء كذا لا تلزم الإهانة مع ظهوره على ~~الصالحين. # الثالث: احتجاج أبي هاشم قال: المعجز يدل بطريق الإبانة والتخصيص، وفسره ~~قاضي القضاة بأن المعجز يدل على تميز النبي عن غيره، إذ الأمة مشاركون له ~~في الانسانية ولوازمها فلولا المعجز لما تميز عنهم فلو شاركه غيره فيه لم ~~يحصل الامتياز. والجواب أن امتياز النبي يحصل بالمعجز واقتران دعوى النبوة، ~~وهذا شئ يختص به دون غيره ولا يلزم من مشاركة غيره له في المعجزة مشاركته ~~له في كل شئ. # الرابع: لو جاز إظهار المعجز على غير النبي لبطلت دلالته على صدق مدعي ~~النبوة، والتالي باطل فالمقدم مثله، بيان الملازمة أن ثبوت المعجز في غير ~~صورة النبوة ينفي اختصاصه بها، وحينئذ لا يظهر الفرق بين مدعي النبوة ~~وغيرها في المعجز فبطلت دلالته، إذ لا دلالة للعام على الخاص. (والجواب) ~~المنع من الملازمة، لأن المعجز مع الدعوى مختص بالنبي، فإذا ظهرت المعجزة ~~على شخص فإما أن يدعي النبوة أو لا، فإن ادعاها علمنا صدقه إذ اظهار ~~المعجزة على يد الكاذب قبيح عقلا، وإن لم يدع النبوة لم يحكم بنبوته. ~~والحاصل أن المعجزة لا تدل على النبوة ابتداء بل تدل على صدق الدعوى، فإن ~~تضمنت الدعوى النبوة دلت المعجزة على تصديق المدعي في دعواه ويستلزم ذلك ~~ثبوت النبوة. # الخامس: قالوا: لو جاز إظهار المعجز على صادق ليس بنبي لجاز إظهاره على ~~كل صادق، فجاز إظهار المعجز على المخبر بالجوع والشبع وغيرهما. # والجواب لا ms283 يلزم (1) العمومية أي لا يلزم إظهار المعجز على كل صادق إذ ~~نحن أنما نجوز إظهاره على مدعي النبوة أو الصلاح إكراما له وتعظيما، وذلك ~~لا يحصل # PageV00P477 # لكل مخبر بصدق. # قال: ومعجزاته عليه السلام قبل النبوة تعطي الإرهاص. # أقول: اختلف الناس هنا، فالذين منعوا الكرامات منعوا من إظهار المعجزة ~~على سبيل الارهاص إلا جماعة منهم وجوزه الباقون، واستدل المصنف رحمه الله ~~على تجويزه بوقوع معجزات الرسول صلى الله عليه وآله قبل النبوة كما نقل من ~~انشقاق إيوان كسرى، وغور ماء بحيرة ساوا (1)، وانطفاء نار فارس وقصة أصحاب ~~الفيل والغمام الذي كان يظله عن الشمس وتسليم الأحجار عليه، وغير ذلك مما ~~ثبت له عليه السلام قبل النبوة. # قال: وقصة مسيلمة وفرعون إبراهيم تعطي جواز إظهار المعجزة على العكس. # أقول: اختلف الناس هنا، فالذين منعوا الكرامات منعوا من إظهار المعجزة ~~على يد الكاذبين على العكس من دعواهم إظهارا لكذبهم، واستدل المصنف رحمه ~~الله بالوقوع على الجواز كما نقل عن مسيلمة الكذاب لما ادعى النبوة، فقيل ~~له: إن رسول الله صلى الله عليه وآله دعا لأعور فرد الله عينه الذاهبة، ~~فدعا لأعور فذهبت عينه الصحيحة. وكما نقل أن إبراهيم عليه السلام لما جعل ~~الله تعالى عليه النار بردا وسلاما قال نمرود عند ذلك (2): إنما صارت كذلك ~~هيبة مني فجاءته نار في تلك الحال فأحرقت لحيته. # لا يقال: يكفي في التكذيب ترك المعجز عقيب دعواهم فيبقى إظهار المعجز على ~~العكس خرقا للعادة من غير فائدة فيكون عبثا، لأنا نقول: قد يتضمن # PageV00P478 # المصلحة إظهاره على العكس إظهارا لتكذيبه في الحال بحيث يزول الشك لتجويز ~~أن يقال: تأخير المعجز عقيب الدعوى قد يكون لمصلحة ثم يوجد بعد وقت آخر فلا ~~يحصل الجزم التام بالتكذيب. # المسألة السادسة في وجوب البعثة في كل وقت قال: ودليل الوجوب يعطي ~~العمومية. # أقول: اختلف الناس هنا، فقال جماعة من المعتزلة: إن البعثة لا تجب في كل ~~وقت بل في حال دون حال وهو ما إذا كانت المصلحة في البعثة. وقال علماء ~~الإمامية: ms284 إنه تجب البعثة في كل وقت بحيث لا يجوز خلو زمان من شرع نبي. # وقالت الأشاعرة: لا تجب البعثة في كل وقت لأنهم ينكرون الحسن والقبح ~~العقليين، وقد مضى البحث معهم. واستدل المصنف رحمه الله على وجوب البعثة في ~~كل وقت بأن دليل الوجوب يعطي العمومية، أي دليل وجوب البعثة يعطي عمومية ~~الوجوب في كل وقت لأن في بعثته زجرا عن القبائح وحثا على الطاعة فتكون ~~لطفا، ولأن فيه تنبيه الغافل وإزالة الاختلاف ودفع الهرج والمرج، وكل ذلك ~~من المصالح الواجبة التي لا تتم إلا بالبعثة فتكون واجبة في كل وقت. # قال: ولا تجب الشريعة. # أقول: اختلف الشيخان هنا، فقال أبو علي: تجوز بعثة نبي لتأكيد ما في ~~العقول ولا يجب أن تكون له شريعة. وقال أبو هاشم وأصحابه: لا يجوز أن يبعث ~~إلا بشريعة لأن العقل كاف في العلم بالعقليات فالبعثة تكون عبثا. والجواب ~~يجوز أن تكون البعثة قد اشتملت على نوع من المصلحة بأن يكون العلم بنبوته ~~ودعائه إياهم إلى ما في العقول مصلحة لهم فلا تكون البعثة عبثا ويجب عليهم ~~النظر في PageV00P479 # معجزته (1) فيحصل لهم مصلحة لا تحصل بدون البعثة. واحتج أبو علي بأنه ~~يجوز بعثة نبي بعد نبي بشريعة واحدة وكذا تجوز بعثة نبي بمقتضى ما في ~~العقول. # المسألة السابعة في نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله قال: وظهور معجزة ~~القرآن وغيره مع اقتران دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله يدل على نبوته، ~~والتحدي (2) مع الامتناع وتوفر الدواعي يدل على الإعجاز، والمنقول معناه ~~متواترا من المعجزات يعضده. # أقول: لما فرغ من البحث في النبوة مطلقا شرع في إثبات نبوة نبينا محمد ~~عليه السلام، والدليل عليه أنه ظهرت المعجزة على يده وادعى النبوة فيكون ~~صادقا، أما ظهور المعجزة على يده فلوجهين: الأول: أن القرآن معجز (3) وقد ~~ظهر # PageV00P480 # على يده، أما إعجاز القرآن فلأنه تحدى (1) به فصحاء العرب لقوله تعالى: ~~(فأتوا بسورة من مثله) (فأتوا بعشر سور مثله مفتريات) (قل لئن اجتمعت الأنس ~~والجن على أن ms285 يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ~~ظهيرا)، والتحدي مع امتناعهم عن الإتيان بمثله مع توفر الدواعي عليه إظهارا ~~لفضلهم وإبطالا لدعواه وسلامة (2) من القتل يدل على عجزهم وعدم قدرتهم على ~~المعارضة. وأما ظهوره على يده فبالتواتر. # الثاني: أنه نقل عنه معجزات كثيرة كنبوع الماء (3) من بين أصابعه صلى ~~الله عليه وآله حتى اكتفى الخلق الكثير من الماء القليل بعد رجوعه من غزاة ~~تبوك. # وكعود ماء بئر الحديبية لما استقاه أصحابه بالكلية وتنشف البئر فدفع سهمه ~~إلى البراء بن عازب فأمره بالنزول وغرزه في البئر فغرزه فكثر الماء في ~~الحال حتى خيف على البراء بن عازب من الغرق. # ونقل عنه عليه السلام في بئر قوم شكوا إليه ذهاب مائها في الصيف فتفل ~~فيها حتى انفجر الماء الزلال منها فبلغ أهل اليمامة ذلك فسألوا مسيلمة لما ~~قل ماء بئرهم ذلك فتفل فيها فذهب الماء أجمع. # ولما نزل قوله تعالى: وأنذر عشيرتك الأقربين قال لعلي عليه السلام: شق ~~فخذ شاة وجئني بعس من لبن وادع لي من بني أبيك بني هاشم، ففعل علي عليه ~~السلام ذلك ودعاهم وكانوا أربعين رجلا فأكلوا حتى شبعوا ما يري فيه إلا أثر ~~أصابعهم وشربوا من العس حتى اكتفوا واللبن على حاله، فلما أراد أن يدعوهم ~~إلى الاسلام قال أبو لهب: كاد أن يسحركم محمد، فقاموا قبل أن يدعوهم إلى ~~الله تعالى، فقال # PageV00P481 # لعلي عليه السلام: افعل مثل ما فعلت، ففعل في اليوم الثاني كالأول فلما ~~أراد أن يدعوهم عاد أبو لهب إلى كلامه، فقال لعلي عليه السلام: افعل مثل ما ~~فعلت، ففعل مثله في اليوم الثالث فبايع عليا عليه السلام (1) على الخلافة ~~بعده ومتابعته. # وذبح له جابر بن عبد الله عناقا يوم الخندق وخبز له صاع شعير ثم دعاه ~~عليه السلام فقال أنا وأصحابي، فقال: نعم، ثم جاء إلى امرأته وأخبرها بذلك ~~فقالت له: أأنت قلت امض وأصحابك؟ فقال: لا بل هو لما قال أنا وأصحابي قلت ~~نعم، فقالت: هو أعرف بما ms286 قال، فلما جاء عليه السلام قال: ما عندكم، قال ~~جابر: ما عندنا إلا عناق في التنور وصاع من شعير خبزناه فقال له عليه ~~السلام: أقعد أصحابي عشرة عشرة، ففعل فأكلوا كلهم. # وسبح الحصى في يده عليه السلام وشهد الذئب له بالرسالة: فإن أهبان بن أوس ~~(2) كان يرعى غنما له فجاء ذئب فأخذ شاة منها فسعى نحوه فقال له الذئب: ~~أتعجب من أخذي شاة، هذا محمد يدعو إلى الحق فلا تجيبونه، فجاء إلى النبي ~~وأسلم وكان يدعي مكلم الذئب. # وتفل في عين علي عليه السلام لما رمدت فلم ترمد بعد ذلك أبدا، ودعا له ~~بأن يصرف الله تعالى عنه الحر والبرد، فكان لباسه في الصيف والشتاء واحدا. ~~وانشق له القمر. ودعا الشجرة فأجابته وجاءته تخد الأرض من غير جاذب ولا ~~دافع ثم رجعت إلى مكانها. وكان يخطب عند الجذع فاتخذ له منبرا فانتقل إليه ~~فحن الجذع إليه حنين الناقة إلى ولدها فالتزمه فسكن. # وأخبر بالغيوب في مواضع كثيرة كما أخبر بقتل الحسين عليه السلام وموضع ~~الفتك به فقتل في ذلك الموضع. وأخبر بقتل ثابت بن قيس بن الشماس فقتل بعده ~~عليه السلام. # وأخبر أصحابه بفتح مصر وأوصاهم بالقبط خيرا فإن لهم ذمة ورحما. وأخبرهم # PageV00P482 # بادعاء مسيلمة النبوة باليمامة وادعاء العنسي (1) النبوة بصنعاء وأنهما ~~سيقتلان فقتل فيروز الديلمي العنسي قرب وفاة النبي صلى الله عليه وآله، ~~وقتل خالد بن الوليد مسيلمة. # وأخبر عليا عليه السلام بخبر ذي الثدية وسيأتي. ودعا على عتبة بن أبي لهب ~~لما تلا عليه السلام والنجم فقال عتبة: كفرت برب النجم، بتسليط كلب الله ~~عليه فخرج عتبة إلى الشام فخرج الأسد فارتعدت فرائصه فقال له أصحابه: من أي ~~شئ ترتعد، فقال: إن محمدا دعا علي فوالله ما أظلت السماء على ذي لهجة أصدق ~~من محمد فأحاط القوم بأنفسهم (2) ومتاعهم عليه فجاء الأسد فلحس (3) رؤوسهم ~~واحدا واحدا حتى إنتهى إليه فضغمه ضغمة ففزع منه ومات. وأخبر بموت النجاشي ~~(4) وقتل زيد ابن حارثة بموته فأخبر عليه السلام بقتله في المدينة، ms287 وأن ~~جعفرا أخذ الراية ثم قال: قتل جعفر، ثم توقف وقفة ثم قال: وأخذ الراية عبد ~~الله بن رواحة، ثم قال: وقتل عبد الله ابن رواحة، وقام عليه السلام إلى بيت ~~جعفر واستخرج ولده ودمعت عيناه ونعى جعفرا إلى أهله ثم ظهر الأمر كما أخبر ~~عليه السلام. وقال لعمار: تقتلك الفئة الباغية، فقتله أصحاب معاوية ~~ولاشتهار هذا الخبر لم يتمكن معاوية من دفعه واحتال على العوام، فقال: قتله ~~من جاء به، فعارضه ابن عباس وقال: لم يقتل الكفار إذن حمزة وإنما قتله رسول ~~الله لأنه هو الذي جاء به إليهم حتى قتلوه. وقال لعلي عليه السلام: # ستقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين، فالناكثون طلحة وزبير لأنهما ~~بايعاه ونكثا، والقاسطون هم الظالمون وهم معاوية وأصحابه لأنهم ظلمة بغاة، # PageV00P483 # والمارقون هم الخارجون عن الملة وهم الخوارج. وهذه المعجزات بعض ما نقل ~~واقتصرنا على هذا القدر لكثرتها وبلوغ الغرض بهذه، وقد أوردنا معجزات أخرى ~~منقولة في كتاب نهاية المرام. # قال: وإعجاز القرآن قيل لفصاحته، وقيل لأسلوبه وفصاحته، وقيل للصرفة (1). ~~والكل محتمل. # PageV00P484 # أقول: اختلف الناس هنا، فقال الجبائيان: إن سبب إعجاز القرآن فصاحته. # وقال الجويني: هو الفصاحة والأسلوب معا (1)، وعنى بالأسلوب الفن والضرب. # وقال النظام والمرتضى: هو الصرفة، بمعنى أن الله تعالى صرف العرب ومنعهم ~~عن المعارضة. واحتج الأولون بأن المنقول عن العرب أنهم كانوا يستعظمون ~~فصاحته، ولهذا أراد النابغة الاسلام لما سمع القرآن وعرف فصاحته فرده أبو ~~جهل وقال له: يحرم عليك الأطيبين (2)، وأخبر الله تعالى عنهما بذلك بقوله: ~~(انه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر ثم نظر) إلى آخر الآية، ولأن ~~الصرفة لو كانت (3) سببا في إعجازه لوجب أن يكون في غاية الركاكة، لأن ~~الصرفة عن الركيك أبلغ في الإعجاز، والتالي باطل بالضرورة. واحتج السيد ~~المرتضى بأن العرب كانوا قادرين على الألفاظ المفردة وعلى التركيب، وإنما ~~منعوا عن الإتيان بمثله تعجيزا لهم عما كانوا قادرين عليه، وكل هذه الأقسام ~~محتملة. # قال: والنسخ تابع للمصالح. # أقول: هذا إشارة إلى الرد على ms288 اليهود حيث قالوا بدوام شرع موسى عليه ~~السلام، قالوا: لأن النسخ باطل، إذ المنسوخ إن كان مصلحة قبح النهي عنه وإن ~~كان مفسدة قبح الأمر به، وإذا بطل النسخ لزم القول بدوام شرع موسى عليه ~~السلام. وتقرير الجواب أن نقول: الأحكام منوطة بالمصالح والمصالح تتغير ~~بتغير الأوقات وتختلف باختلاف المكلفين فجاز أن يكون الحكم المعين مصلحة ~~لقوم في زمان فيؤمر به، # PageV00P485 # ومفسدة لقوم في زمان آخر فينهى عنه. # قال: وقد وقع حيث حرم على نوح بعض ما أحل لمن تقدمه وأوجب الختان بعد ~~تأخيره وحرم الجمع بين الأختين وغير ذلك من الأحكام (1). # أقول: هذا تأكيد لأبطال قول اليهود المانعين من النسخ فإنه بين أولا جواز ~~وقوعه، وهاهنا بين وقوعه في شرعهم وذلك في مواضع منها: أنه جاء في التوراة ~~أن الله تعالى قال لآدم وحواء عليهما السلام: قد أبحت لكما كل ما دب على ~~وجه الأرض فكانت له نفس حية، وورد فيها أنه قال لنوح عليه السلام: خذ معك ~~من الحيوان الحلال كذا ومن الحيوان الحرام كذا فحرم على نوح عليه السلام ~~بعض ما أباحه لآدم عليه السلام. ومنها: # أنه أباح نوحا عليه السلام تأخير الختان (2) إلى وقت الكبر وحرمه على ~~غيره من الأنبياء، وأباح إبراهيم عليه السلام تأخير ختان ولده إسماعيل عليه ~~السلام إلى حال كبره وحرم على موسى عليه السلام تأخير الختان عن سبعة أيام. ~~ومنها: أنه أباح آدم عليه السلام الجمع بين الأختين وحرمه على موسى عليه ~~السلام. # قال: وخبرهم عن موسى عليه السلام بالتأبيد مختلق (3) ومع تسليمه لا يدل ~~على المراد قطعا. # أقول: إن جماعة اليهود جوزوا وقوع النسخ عقلا ومنعوا من نسخ شريعة موسى ~~عليه السلام وتمسكوا بما روي عن موسى عليه السلام أنه قال: تمسكوا بالسبت ~~أبدا، والتأبيد يدل على الدوام ودوام الشرع بالسبت ينفي القول بنبوة محمد ~~صلى الله عليه وآله، والجواب من وجوه: الأول: أن هذا الحديث مختلق ونسب إلى ~~ابن الراوندي (4). # PageV00P486 # الثاني: لو سلمنا نقله لكن اليهود انقطع تواترهم لأن بخت ms289 نصر استأصلهم ~~وأفناهم حتى لم يبق منهم من يوثق بنقله. الثالث: أن لفظة التأبيد لا تدل ~~على الدوام قطعا فإنها قد وردت في التوراة لغير الدوام، كما في العبد أنه ~~يستخدم ست سنين ثم يعرض عليه العتق في السابعة فإن أبى العتق ثقبت أذنه ~~واستخدم أبدا، وفي موضع آخر يستخدم خمسين سنة. وأمروا في البقرة التي كلفوا ~~بذبحها أن يكون لهم ذلك سنة أبدا ثم انقطع تعبدهم بها. وفي التوراة قربوا ~~إلي كل يوم خروفين خروف غدوة وخروف عشية بين المغارب قربانا دائما لاحقا ~~بكم وانقطع تعبدهم به، وإذا كان التأبيد في هذه الصور لا يدل على الدوام ~~انتفت دلالته هنا قطعا، أقصى ما في الباب أنه يدل ظاهرا لكن ظواهر الألفاظ ~~قد تترك لوجود الأدلة المعارضة لها. # قال: والسمع دل على عموم نبوته صلى الله عليه وآله. # أقول: ذهب قوم من النصارى إلى أن محمدا صلى الله عليه وآله مبعوث إلى ~~العرب خاصة، والسمع يكذب قولهم هذا قال الله تعالى: (لأنذركم ومن بلغ) وقال ~~تعالى: (وما أرسلناك إلا كافة للناس) وسورة الجن (1) تدل على بعثه عليه ~~السلام إليهم، وقال عليه السلام: # (بعثت إلى الأسود والأحمر). لا يقال: كيف يصح إرساله إلى من لا يفهم ~~خطابه وقد قال تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه)؟ لأنا نقول: لا ~~استبعاد # PageV00P487 # في ذلك بأن يترجم خطابه لمن لا يفهم لغته مترجم، وليس في الآية أنه تعالى ~~ما أرسل رسولا إلا إلى من يفهم لسانه وإنما أخبر بأنه ما أرسله إلا بلسان ~~قومه. # وجوز قاضي القضاة في يأجوج ومأجوج احتمالين: أحدهما: أن لا يكونوا مكلفين ~~أصلا وإن كانوا مفسدين في الأرض كالبهائم المفسدة في الأرض. # والثاني: أن يكونوا مكلفين وقد بلغتهم دعوته عليه السلام بأن يقربوا من ~~الأمكنة التي يسمعون فيها كلام من هو وراء السد. وجوز بعض الناس أن يكون في ~~بعض البقاع من لم تبلغه دعوته عليه السلام فلا يكون مكلفا بشريعته. # وعندي أن المراد بذلك إن كان عدم تكليفهم ms290 مطلقا سواء بلغتهم بعد ذلك ~~الدعوة أم لا فهو باطل قطعا لما بينا من عموم نبوته عليه السلام، وإن كان ~~المراد أنهم غير مكلفين ما داموا غير عالمين فإذا بلغتهم الدعوة صاروا ~~مكلفين بها فهو حق. # قال: وهو أفضل من الملائكة (1) وكذا غيره من الأنبياء عليهم السلام لوجود ~~المضاد للقوة العقلية وقهره على الانقياد عليها. # أقول: اختلف الناس هنا، فذهب أكثر المسلمين إلى أن الأنبياء عليهم السلام ~~أفضل من الملائكة عليهم السلام. وذهب آخرون منهم وجماعة الأوائل إلى أن ~~الملائكة أفضل، واستدل الأولون بوجوه ذكر المصنف رحمه الله منها وجها ~~للاكتفاء به وهو أن الأنبياء قد وجد فيهم القوة الشهوية والغضبية وسائر ~~القوى الجسمانية كالخيالية والوهمية وغيرهما وأكثر أحكام هذه القوى تضاد ~~حكم القوة العقلية وتمانعها حتى أن أكثر الناس يلتجئ إلى قوة الشهوة والغضب ~~والوهم ويترك مقتضى القوة العقلية، والأنبياء عليهم السلام يقهرون قوى ~~طبائعهم ويفعلون بحسب مقتضى قواهم العقلية ويعرضون عن القوى الشهوانية ~~وغيرها من القوى الجسمانية فتكون عباداتهم وأفعالهم أشق من عبادات الملائكة ~~حيث خلوا عن هذه القوى، وإذا كانت عباداتهم أشق كانوا أفضل لقوله عليه ~~السلام: أفضل الأعمال أحمزها. وهاهنا وجوه أخرى من الطرفين ذكرناها في كتاب ~~نهاية المرام. # PageV00P488 # قال: # المقصد الخامس في الإمامة PageV00P489 # الإمام لطف فيجب نصبه على الله تعالى تحصيلا للغرض. # أقول: في هذا المقصد مسائل: # المسألة الأولى في أن نصب الإمام واجب على الله تعالى. # اختلف الناس هنا فذهب الأصم من المعتزلة وجماعة من الخوارج إلى نفي وجوب ~~نصب الإمام، وذهب الباقون إلى الوجوب لكن اختلفوا، فالجبائيان وأصحاب ~~الحديث والأشعرية قالوا: إنه واجب سمعا لا عقلا. وقال أبو الحسين البصري ~~والبغداديون والإمامية: إنه واجب عقلا، ثم اختلفوا فقالت الإمامية: إن نصبه ~~واجب على الله تعالى. وقال أبو الحسين والبغداديون: إنه واجب على العقلاء. ~~واستدل المصنف رحمه الله على وجوب نصب الإمام على الله تعالى بأن الإمام ~~لطف واللطف واجب، أما الصغرى فمعلومة للعقلاء إذ العلم الضروري حاصل بأن ~~العقلاء متى كان لهم رئيس ms291 يمنعهم عن التغالب والتهاوش (1) ويصدهم عن ~~المعاصي ويعدهم على فعل الطاعات ويبعثهم على التناصف والتعادل، كانوا إلى ~~الصلاح أقرب ومن الفساد أبعد، وهذا أمر ضروري لا يشك فيه العاقل، وأما ~~الكبرى فقد تقدم بيانها. # قال: والمفاسد معلومة الانتفاء وانحصار اللطف فيه معلوم للعقلاء ووجوده # PageV00P490 # لطف وتصرفه آخر وعدمه منا (1). # أقول: هذه اعتراضات على دليل أصحابنا مع الإشارة إلى الجواب عنها: # الأول: قال المخالف: كون الإمامة قد اشتملت على وجه اللطف لا يكفي في ~~وجوبها على الله تعالى بخلاف المعرفة التي كفى وجه الوجوب فيه علينا ~~لانتفاء المفاسد في ظننا، أما في حقه تعالى فلا يكفي وجه الوجوب ما لم يعلم ~~انتفاء المفاسد ولا يكفي الظن بانتفائها، فلم لا يجوز اشتمال الإمامة على ~~مفسدة لا نعلمها فلا تكون واجبة على الله تعالى؟ (والجواب) أن المفاسد ~~معلومة الانتفاء عن الإمامة، لأن المفاسد محصورة معلومة يجب علينا اجتنابها ~~أجمع، وإنما يجب علينا اجتنابها إذا علمناها لأن التكليف بغير المعلوم ~~محال، وتلك الوجوه منتفية عن الإمامة فيبقى وجه اللطف خاليا عن المفسدة ~~فيجب عليه تعالى، ولأن المفسدة لو كانت لازمة للإمامة لم تنفك عنها، ~~والتالي باطل قطعا، ولقوله تعالى: # (إني جاعلك للناس إماما) وإن كانت مفارقة جاز انفكاكها عنها فيجب على ~~تقدير الانفكاك. # الثاني: قالوا: الإمامة أنما تجب لو انحصر اللطف فيها، فلم لا يجوز أن ~~يكون هناك لطف آخر يقوم مقام الإمامة فلا تتعين الإمامة للطفية فلا يجب على ~~التعيين؟ # (والجواب) أن انحصار اللطف الذي ذكرناه في الإمامة معلوم للعقلاء ولهذا ~~يلتجئ العقلاء في كل زمان وكل صقع إلى نصب الرؤساء دفعا للمفاسد الناشئة من ~~الاختلاف. # الثالث: قالوا: الإمام إنما يكون لطفا إذا كان متصرفا بالأمر والنهي، ~~وأنتم لا # PageV00P491 # تقولون بذلك فما تعتقدونه لطفا لا تقولون بوجوبه وما تقولون بوجوبه ليس ~~بلطف. # (والجواب) أن وجود الإمام نفسه لطف لوجوه: أحدها: أنه يحفظ الشرائع ~~ويحرسها عن الزيادة والنقصان. وثانيها: أن اعتقاد المكلفين لوجود الإمام ~~وتجويز إنفاذ حكمه عليهم في كل وقت سبب لردعهم عن ms292 الفساد ولقربهم إلى ~~الصلاح، وهذا معلوم بالضرورة. وثالثها: أن تصرفه لا شك أنه لطف ولا يتم إلا ~~بوجوده فيكون وجوده نفسه لطفا وتصرفه لطفا آخر. # والتحقيق أن نقول: لطف الإمامة يتم بأمور: (منها) ما يجب على الله تعالى ~~وهو خلق الإمام وتمكينه بالقدرة والعلم والنص عليه باسمه ونسبه، وهذا قد ~~فعله الله تعالى. (ومنها) ما يجب على الإمام وهو تحمله للإمامة وقبوله لها، ~~وهذا قد فعله الإمام. (ومنها) ما يجب على الرعية وهو مساعدته والنصرة له ~~وقبول أوامره وامتثال قوله، وهذا لم تفعله الرعية فكان منع اللطف الكامل ~~منهم لا من الله تعالى ولا من الإمام. # المسألة الثانية في أن الإمام يجب أن يكون معصوما قال: وامتناع التسلسل ~~يوجب عصمته ولأنه حافظ للشرع ولوجوب الانكار عليه لو أقدم على المعصية ~~فيضاد أمر الطاعة ويفوت الغرض من نصبه ولانحطاط درجته عن أقل العوام. # أقول: ذهبت الإمامية والإسماعيلية إلى أن الإمام يجب أن يكون معصوما ~~وخالف فيه جميع الفرق، والدليل على ذلك وجوه: # الأول: أن الإمام لو لم يكن معصوما لزم التسلسل، والتالي باطل فالمقدم ~~مثله، بيان الشرطية أن المقتضي لوجوب نصب الإمام هو تجويز الخطأ على ~~الرعية، فلو كان هذا المقتضي ثابتا في حق الإمام وجب أن يكون له إمام آخر ~~ويتسلسل أو ينتهي إلى إمام لا يجوز عليه الخطأ فيكون هو الإمام الأصلي. ~~PageV00P492 # الثاني: أن الإمام حافظ للشرع فيجب أن يكون معصوما، أما المقدمة الأولى ~~فلأن الحافظ للشرع ليس هو الكتاب لعدم إحاطته (1) بجميع الأحكام التفصيلية ~~ولا السنة لذلك أيضا ولا إجماع الأمة، لأن كل واحد منهم على تقدير عدم ~~المعصوم فيهم يجوز عليه الخطأ فالمجموع كذلك، ولأن إجماعهم ليس لدلالة وإلا ~~لاشتهرت ولا لأمارة إذ يمتنع اتفاق الناس في سائر البقاع على الأمارة ~~الواحدة، كما نعلم بالضرورة عدم اتفاقهم على أكل طعام معين في وقت واحد، أو ~~لا لهما (2) فيكون باطلا، ولا القياس لبطلان القول به على ما ظهر في أصول ~~الفقه وعلى تقدير تسليمه فليس بحافظ للشرع بالاجماع، ms293 ولا البراءة الأصلية ~~لأنه لو وجب المصير إليها لما وجب بعثة الأنبياء وللاجماع على عدم حفظها ~~للشرع فلم يبق إلا الإمام فلو جاز الخطأ عليه لم يبق وثوق بما تعبدنا الله ~~تعالى به وما كلفناه، وذلك مناقض للغرض من التكليف وهو الانقياد إلى مراد ~~الله (3) تعالى. # الثالث: أنه لو وقع منه الخطأ لوجب الانكار عليه وذلك يضاد أمر الطاعة له ~~بقوله تعالى: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم. # الرابع: لو وقع منه المعصية لزم نقض الغرض من نصب الإمام، والتالي باطل ~~فالمقدم مثله، بيان الشرطية أن الغرض من إقامته (4) انقياد الأمة له ~~وامتثال أوامره واتباعه فيما يفعله، فلو وقعت المعصية منه لم يجب شئ من ذلك ~~وهو مناف لنصبه. # PageV00P493 # الخامس: أنه لو وقع منه المعصية لزم أن يكون أقل درجة من العوام، لأن ~~عقله أشد ومعرفته بالله تعالى وثوابه وعقابه أكثر، فلو وقع منه المعصية كان ~~أقل حالا من رعيته، وكل ذلك باطل قطعا. # قال: ولا تنافي العصمة القدرة. # أقول: اختلف القائلون بالعصمة في أن المعصوم هل يتمكن من فعل المعصية أم ~~لا؟ فذهب قوم منهم إلى عدم تمكنه من ذلك، وذهب آخرون إلى تمكنه منها. # أما الأولون فمنهم من قال: إن المعصوم مختص في بدنه أو نفسه بخاصية تقتضي ~~امتناع إقدامه على المعصية، ومنهم من قال: إن العصمة هو القدرة على الطاعة ~~وعدم القدرة على المعصية، وهو قول أبي الحسين البصري. وأما الآخرون الذين ~~لم يسلبوا القدرة فمنهم من فسرها بأنه الأمر الذي يفعله الله تعالى بالعبد ~~من الألطاف المقربة إلى الطاعات التي يعلم معها أنه لا يقدم على المعصية ~~بشرط أن لا ينتهي ذلك الأمر إلى الالجاء، ومنهم من فسرها بأنها ملكة ~~نفسانية لا يصدر عن صاحبها معها المعاصي. وآخرون قالوا: العصمة لطف يفعله ~~الله تعالى بصاحبها لا يكون له معه داع إلى ترك الطاعة وارتكاب المعصية، ~~وأسباب هذا اللطف أمور أربعة: أحدها: أن يكون لنفسه أو لبدنه خاصية تقتضي ~~ملكة مانعة من الفجور وهذه الملكة مغايرة ms294 للفعل. الثاني: أن يحصل له علم ~~بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات. الثالث: تأكيد هذه العلوم بتتابع الوحي ~~والإلهام من الله تعالى. الرابع: # مؤاخذته على ترك الأولى بحيث يعلم أنه لا يترك مهملا بل يضيق عليه الأمر ~~في غير الواجب من الأمور الحسنة. # فإذا اجتمعت هذه الأمور كان الانسان معصوما (1) والمصنف رحمه الله اختار ~~المذهب الثاني وهو أن العصمة لا تنافي القدرة بل المعصوم قادر على فعل # PageV00P494 # المعصية وإلا لما استحق المدح على ترك المعصية ولا الثواب ولبطل الثواب ~~والعقاب في حقه فكان خارجا عن التكليف، وذلك باطل بالاجماع وبالنقل في قوله ~~تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي). # المسألة الثالثة في أن الإمام يجب أن يكون أفضل من غيره قال: وقبح تقديم ~~المفضول معلوم ولا ترجيح في المساوئ (1). # أقول: الإمام يجب أن يكون أفضل من رعيته لأنه إما أن يكون مساويا لهم أو ~~أنقص منهم أو أفضل. والثالث هو المطلوب، والأول محال لأنه مع التساوي ~~يستحيل ترجيحه على غيره بالإمامة، والثاني أيضا محال لأن المفضول يقبح عقلا ~~تقديمه على الفاضل، ويدل عليه أيضا قوله تعالى: (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن ~~يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون) ويدخل تحت هذا الحكم كون ~~الإمام أفضل في العلم والدين والكرم والشجاعة وجميع الفضائل النفسانية ~~والبدنية. # المسألة الرابعة في وجوب النص على الإمام قال: والعصمة تقتضي النص وسيرته ~~عليه السلام. # أقول: ذهبت الإمامية خاصة إلى أن الإمام يجب أن يكون منصوصا عليه. # وقالت العباسية: إن الطريق إلى تعيين الإمام النص أو الميراث. وقالت ~~الزيدية: # تعيين الإمام بالنص أو بالدعوة إلى نفسه. وقال باقي المسلمين: الطريق ~~أنما هو # PageV00P495 # النص أو اختيار أهل الحل والعقد. # والدليل على ما ذهبنا إليه وجهان: الأول: أنا قد بينا أنه يجب أن يكون ~~الإمام معصوما والعصمة أمر خفي لا يعلمها إلا الله تعالى، فيجب أن يكون ~~نصبه من قبله تعالى لأنه العالم بالشرط دون غيره. الثاني: إن النبي صلى ~~الله عليه وآله كان أشفق ms295 على الناس من الوالد على ولده حتى أنه عليه السلام ~~أرشدهم إلى أشياء لا نسبة لها إلى الخليفة بعده كما أرشدهم في قضاء الحاجة ~~إلى أمور كثيرة مندوبة وغيرها من الوقائع، وكان عليه السلام إذا سافر عن ~~المدينة يوما أو يومين استخلف فيها من يقوم بأمر المسلمين، ومن هذه حاله ~~كيف ينسب إليه إهمال أمته وعدم إرشادهم في أجل الأشياء (1) وأسناها وأعظمها ~~قدرا وأكثرها فائدة وأشدهم حاجة إليها، وهو المتولي لأمورهم بعده فوجب من ~~سيرته عليه السلام نصب إمام بعده والنص عليه وتعريفهم إياه، وهذا برهان ~~لمي. # المسألة الخامسة في أن الإمام بعد النبي عليه السلام بلا فصل علي بن أبي ~~طالب عليه السلام قال: وهما مختصان بعلي عليه السلام (2). # PageV00P496 # أقول: العصمة والنص مختصان بعلي عليه السلام، إذ الأمة بين قائلين أحدهما ~~لم يشترطهما والثاني المشترطون، وقد بينا بطلان قول الأولين (1) فانحصر ~~الحق في قول الفريق الثاني، وكل من اشترطهما قال: إن الإمام هو علي عليه ~~السلام. # قال: والنص الجلي (2) في قوله سلموا عليه بإمرة المؤمنين وأنت الخليفة من ~~بعدي وغيرهما. # أقول: هذا دليل ثان على أن الإمام هو علي عليه السلام، وهو النص الجلي من ~~رسول الله صلى الله عليه وآله في مواضع تواترت بها الإمامية ونقلها غيرهم ~~(3) نقلا شائعا ذائعا: # (منها) لما نزل (4) قوله تعالى: وأنذر عشيرتك الأقربين أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وآله # PageV00P497 # أبا طالب أن يصنع له طعاما، وجمع بني عبد المطلب فقال لهم: أيكم يوازرني ~~ويعينني فيكون أخي وخليفتي ووصيي من بعدي، فقال علي عليه السلام: أنا ~~أبايعك وأوازرك، فقال عليه السلام: هذا أخي ووصيي وخليفتي من بعدي ووارثي ~~فاسمعوا له وأطيعوا، وبقوله صلوات الله عليه: أنت أخي ووصيي وخليفتي من ~~بعدي وقاضي ديني. (ومنها) لما آخى بين الصحابة ولم يتخلف سوى علي عليه ~~السلام فقال: # يا رسول الله آخيت بين الصحابة دوني، فقال له عليه السلام: ألم ترض أن ~~تكون أخي وخليفتي من بعدي، وآخى بينه وبينه. (ومنها) أن رسول الله صلى الله ms296 ~~عليه وآله تقدم إلى الصحابة بأن يسلموا عليه بإمرة المؤمنين، وقال له: أنت ~~سيد المسلمين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين، وقال فيه: هذا ولي كل ~~مؤمن ومؤمنة، والنصوص في ذلك كثيرة أكثر من أن تحصى ذكرها المخالف والمؤالف ~~إلى أن بلغ مجموعها التواتر. # قال: ولقوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله) الآية، وإنما اجتمعت ~~الأوصاف في علي عليه السلام. # أقول: هذا دليل آخر على إمامة علي عليه السلام وهو قوله تعالى: (إنما ~~وليكم الله PageV00P498 # ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ~~والاستدلال بهذه الآية يتوقف على مقدمات، إحداها: أن لفظة (إنما) للحصر ~~ويدل عليه المنقول والمعقول. أما المنقول فلإجماع أهل العربية عليه، وأما ~~المعقول فلأن لفظة (إن) للاثبات و (ما) للنفي قبل التركيب فيكون كذلك بعد ~~التركيب عملا بالاستصحاب وللاجماع على هذه الدلالة (1) ولا يصح تواردهما ~~على معنى واحد ولا صرف الاثبات إلى غير المذكور والنفي إلى المذكور للاجماع ~~فبقي العكس وهو صرف الاثبات إلى المذكور والنفي إلى غيره وهو معنى الحصر. # الثانية: إن الولي يفيد الأولى بالتصرف، والدليل عليه نقل أهل اللغة ~~واستعمالهم كقولهم: السلطان ولي من لا ولي له، وكقولهم: ولي الدم وولي ~~الميت، وكقوله عليه السلام: # أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل. الثالثة: إن المراد بذلك ~~بعض المؤمنين لأنه تعالى وصفهم بوصف مختص ببعضهم، ولأنه لولا ذلك لزم اتحاد ~~الولي والمتولي (2). # وإذ قد تمهدت هذه المقدمات فنقول: المراد بهذه الآية هو علي عليه السلام ~~للاجماع الحاصل على أن من خصص بها بعض المؤمنين قال إنه علي عليه السلام، ~~فصرفها إلى غيره خرق الإجماع، ولأنه عليه السلام إما كل المراد أو بعضه ~~للاجماع، وقد بينا عدم العمومية فيكون هو كل المراد، ولأن المفسرين اتفقوا ~~على أن المراد بهذه الآية علي عليه السلام لأنه لما تصدق بخاتمه حالة ركوعه ~~نزلت هذه الآية فيه، ولا خلاف في ذلك. # قال: ولحديث الغدير المتواتر. # أقول: هذا دليل آخر على إمامة علي عليه السلام، وتقريره أن النبي صلى ~~الله ms297 عليه وآله قال في غدير خم وقد رجع من حجة الوداع: معاشر المسلمين ألست ~~أولى بكم من # PageV00P499 # أنفسكم، قالوا: بلى، قال صلى الله عليه وآله: من كنت مولاه فعلي مولاه ~~اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله. وقد نقل ~~المسلمون كافة هذا الحديث نقلا متواترا لكنهم اختلفوا في دلالته على ~~الإمامة، ووجه الاستدلال به أن لفظة (مولى) تفيد الأولى لأن مقدمة الحديث ~~تدل عليه ولأن عرف اللغة يقتضيه وكذا الاستعمال لقوله تعالى: (النار هي ~~مولاكم) أي أولى بهم، وقول الأخطل: # (فأصبحت مولاها من الناس كلهم)، وقولهم مولى العبد أي الأولى بتدبيره ~~والتصرف فيه ولأنها مشتركة بين معان غير مرادة هنا إلا الأولى، ولأنه إما ~~كل المراد أو بعضه ولا يجوز خروجه عن الإرادة لأنه حقيقة فيه ولم يثبت ~~إرادة غيره. # قال: ولحديث المنزلة المتواتر. # أقول: هذا دليل آخر على إمامة علي عليه السلام، وتقريره أن النبي صلى ~~الله عليه وآله قال: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) ~~وتواتر المسلمون بنقل هذا الحديث لكنهم اختلفوا في دلالته على الإمامة، ~~وتقرير الاستدلال به أن عليا عليه السلام له جميع منازل هارون من موسى ~~بالنسبة إلى النبي صلى الله علية وآله لأن الوحدة منفية هنا للاستثناء ~~المشروط بالكثرة وغير العموم ليس بمراد للاستثناء المخرج ما لولاه لوجب ~~دخوله كالعدد، والأصل عدم الاشتراك ولانتفاء القائل بالكثرة من دون العموم ~~ولعدم فهم المراد من خطاب الحكيم لولاه ومن جملة منازله الخلافة بعده لو ~~عاش لثبوتها له في حياته. # قال: ولاستخلافه على المدينة (1) فيعم للاجماع. # أقول: هذا دليل آخر على إمامته عليه السلام، وتقريره أن النبي صلى الله ~~عليه وآله استخلفه على المدينة وأرجف المنافقون بأمير المؤمنين عليه السلام ~~فخرج إلى النبي وقال: يا رسول الله # PageV00P500 # إن المنافقين زعموا أنك خلفتني استثقالا وتحرزا مني، فقال عليه السلام: ~~(كذبوا إنما خلفتك لما تركت ورائي فارجع فاخلفني أفلا ترضى يا علي أن تكون ~~مني بمنزلة هارون من ms298 موسى إلا أنه لا نبي بعدي) وإذا كان خليفته على ~~المدينة في تلك الحال ولم يعزله قبل موته ولا بعده استمرت ولايته عليها فلا ~~يكون غيره خليفة عليها، وإذا انتفت خلافة غيره عليها انتفت خلافته على ~~غيرها للاجماع فثبت الخلافة له عليه السلام. (لا يقال) قد استخلف النبي صلى ~~الله عليه وآله جماعة على المدينة وعلى غيرها ومع ذلك فليسوا أئمة عندكم، ~~لأنا نقول: إن بعضهم عزله عليه السلام والباقون لم يقل أحد بإمامتهم. # قال: ولقوله عليه السلام: أنت أخي ووصيي وخليفتي من بعدي (1) وقاضي ديني ~~بكسر الدال. # أقول: هذا دليل آخر على إمامة علي عليه السلام، وتقريره أن النبي صلى ~~الله عليه وآله قال: أنت أخي ووصيي وخليفتي من بعدي وقاضي ديني بكسر الدال، ~~وهذا نص صريح على الولاية والخلافة على ما تقدم. # قال: ولأنه أفضل وإمامة المفضول قبيحة عقلا. # أقول: هذا دليل آخر على إمامة علي عليه السلام، وتقريره أنه أفضل من غيره ~~على ما يأتي فيكون هو الإمام، لأن تقديم المفضول على الفاضل قبيح عقلا ~~وللسمع على ما تقدم. # PageV00P501 # قال: ولظهور المعجزة على يده كقلع باب خيبر (1) ومخاطبة الثعبان ورفع ~~الصخرة العظيمة عن القليب (2) ومحاربة الجن ورد الشمس وغير ذلك وادعى ~~الإمامة فيكون صادقا. # أقول: هذا دليل آخر على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام، وتقريره أنه قد ~~ظهر على يده معجزات كثيرة وادعى الإمامة له دون غيره فيكون صادقا، أما ~~المقدمة الأولى فلما تواتر عنه أنه فتح باب خيبر وعجز عن إعادته سبعون رجلا ~~من أشد الناس قوة وخاطبه الثعبان على منبر الكوفة فسئل عنه فقال: إنه من ~~حكام الجن أشكل عليه مسألة أجبته عنها. # PageV00P502 # ولما توجه إلى صفين أصابهم عطش عظيم فأمرهم فحفروا بئرا قريبا من دير، ~~فوجدوا صخرة عظيمة عجزوا عن قلعها فنزل عليه السلام فاقتلعها ودحا بها ~~مسافة بعيدة فظهر الماء فشربوا، ثم أعادها فنزل صاحب الدير وأسلم فسئل عن ~~ذلك فقال: بني هذا الدير على قالع هذه الصخرة ومضى من قبلي ولم يدركوه ms299 ~~واستشهد معه عليه السلام في الشام وحارب الجن وقتل منهم جماعة كثيرة لما ~~أرادوا وقوع الضرر بالنبي صلى الله عليه وآله حيث سار إلى بني المصطلق وردت ~~له الشمس مرتين، وغير ذلك من الوقائع المشهورة الدالة على صدق فاعلها. وأما ~~المقدمة الثانية فظاهرة منقولة بالتواتر إذ لا يشك أحد في أنه عليه السلام ~~ادعى الإمامة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله. # قال: ولسبق كفر غيره فلا يصلح للإمامة فتعين هو عليه السلام. # أقول: هذا دليل آخر على إمامة علي عليه السلام وهو أن غيره ممن ادعى لهم ~~الإمامة كالعباس وأبي بكر كانا كافرين قبل ظهور النبي صلى الله عليه وآله، ~~فلا يصلحان للإمامة لقوله تعالى: (لا ينال عهدي الظالمين) والمراد بالعهد ~~هنا عهد الإمامة لأنه جواب دعاء إبراهيم عليه السلام. # قال: ولقوله تعالى: (وكونوا مع الصادقين). # أقول: هذا دليل آخر على إمامة علي عليه السلام وهو قوله تعالى: (يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) أمر تعالى بالكون مع الصادقين ~~أي المعلوم منهم الصدق ولا يتحقق ذلك إلا في حق المعصوم، إذ غيره لا يعلم ~~صدقه ولا معصوم غير علي عليه السلام بالاجماع. # قال: ولقوله تعالى: (وأولي الأمر منكم). # أقول: هذا دليل آخر على إمامة علي عليه السلام وهو قوله تعالى: (يا أيها ~~الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) أمر بالاتباع ~~والطاعة لأولي الأمر، والمراد منه المعصوم إذ غيره لا أولوية له تقضي وجوب ~~طاعته ولا معصوم غير علي عليه السلام بالاجماع. PageV00P503 # المسألة السادسة في الأدلة الدالة على عدم إمامة غير علي عليه السلام ~~قال: ولأن الجماعة غير علي عليه السلام غير صالح للإمامة لظلمهم بتقدم ~~كفرهم. # أقول: هذه أدلة تدل على أن غير علي عليه السلام لا يصلح للإمامة: الأول: ~~أن أبا بكر وعمر وعثمان قبل ظهور النبي صلى الله عليه وآله كانوا كفرة فلا ~~ينالوا عهد الإمامة للآية وقد تقدمت. # قال: وخالف أبو بكر كتاب الله تعالى في منع إرث رسول الله ms300 صلى الله عليه ~~وآله بخبر رواه هو. # أقول: هذا دليل آخر على عدم صلاحية أبي بكر للإمامة، وتقريره أنه خالف ~~كتاب الله تعالى في منع إرث رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يورث فاطمة ~~عليها السلام واستند إلى خبر رواه هو عن النبي في قوله: (نحن معاشر ~~الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة) وعموم الكتاب يدل على خلاف ذلك، وأيضا ~~قوله تعالى: (وورث سليمان داود) وقوله في قصة زكريا: (يرثني ويرث من آل ~~يعقوب) ينافي هذا الخبر، وقالت له فاطمة عليها السلام: أترث أباك ولا أرث ~~أبي لقد جئت شيئا فريا. ومع ذلك فهو خبر واحد لم نعرف أحدا من الصحابة ~~وافقه على نقله فكيف يعارض الكتاب المتواتر وكيف بين رسول الله صلى الله ~~عليه وآله هذا الحكم لغير ورثته وأخفاه عن ورثته، ولو كان هذا الحديث صحيحا ~~عند أهله لم يمسك أمير المؤمنين عليه السلام سيف رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وبغلته وعمامته (1) ونازع العباس عليا عليه السلام بعد موت فاطمة ~~عليها السلام، ولو كان هذا # PageV00P504 # الحديث معروفا عندهم لم يجز لهم ذلك، وروي أن فاطمة عليها السلام قالت: ~~يا أبا بكر أنت ورثت رسول الله أم ورثه أهله، قال: بل ورثه أهله، فقالت: ما ~~بال سهم رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله يقول: إن الله إذا أطعم نبيا طعمة كانت لولي الأمر بعده، وذلك يدل على ~~أنه لا أصل لهذا الخبر. # قال: ومنع فاطمة عليها السلام فدكا مع ادعاء النحلة لها وشهد علي عليه ~~السلام (1) وأم أيمن وصدق الأزواج في ادعاء الحجرة لهن ولهذا ردها عمر بن ~~عبد العزيز. # أقول: هذا دليل آخر على الطعن في أبي بكر وعدم صلاحيته للإمامة وهو أنه ~~أظهر التعصب على أمير المؤمنين عليه السلام وعلى فاطمة بنت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله لأنها ادعت فدكا، وذكرت أن النبي عليه السلام أنحلها إياها ~~فلم يصدقها في قولها مع أنها معصومة ومع علمه ms301 بأنها من أهل الجنة واستشهدت ~~عليا عليه السلام وأم أيمن فقال: # رجل مع رجل أو امرأة مع امرأة (2) وصدق أزواج النبي عليه السلام في ادعاء ~~أن الحجرة لهن ولم يجعل الحجرة صدقة، ولما عرف عمر بن عبد العزيز كون فاطمة ~~عليها السلام مظلومة رد على أولادها فدكا، ومع ذلك فإن فاطمة عليها السلام ~~كان ينبغي لأبي بكر إنحالها فدكا ابتداء لو لم تدعه أو يعطيها إياها ~~بالميراث. # PageV00P505 # قال: وأوصت أن لا يصلي عليها أبو بكر فدفنت ليلا. # أقول: هذا وجه آخر يدل على الطعن في أبي بكر وهو أن فاطمة عليها السلام ~~لما حضرتها الوفاة أوصت أن لا يصلي عليها أبو بكر غيظا عليه ومنعا له عن ~~ثواب الصلاة عليها فدفنت ليلا، ولم يعلم أبو بكر بذلك وأخفي قبرها لئلا ~~يصلي على القبر (1) ولم يعلم بقبرها إلى الآن. # قال: ولقوله: أقيلوني فلست بخيركم وعلي فيكم. # أقول: هذا وجه آخر في الطعن على أبي بكر وهو أنه قال يوم السقيفة: # أقيلوني فلست بخيركم وعلي فيكم، وهذا الأخبار إن كان (2) حقا لم يصلح ~~للإمامة لاعترافه بعدم الصلاحية مع وجود علي عليه السلام وإن لم يكن حقا ~~فعدم صلاحيته للإمامة حينئذ أظهر. # قال: ولقوله: إن له شيطانا يعتريه. # PageV00P506 # أقول: هذا دليل آخر (1) على عدم صلاحيته للإمامة وهو ما روي عنه أنه قال ~~مختارا: وليتكم ولست بخيركم فإن استقمت فاتبعوني، وإن اعوججت فقوموني، فإن ~~لي شيطانا عند غضبي يعتريني، فإذا رأيتموني مغضبا فاجتنبوني لئلا أوثر في ~~أشعاركم وأبشاركم. وهذا يدل على اعتراض الشيطان (2) له في كثير من الأحكام # PageV00P507 # ومثل هذا لا يصلح للإمامة. # قال: ولقول عمر: كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله (1) شرها فمن عاد إلى ~~مثلها فاقتلوه. # أقول: هذا دليل آخر يدل على الطعن فيه، لأن عمر كان إماما عندهم وقال في ~~حقه: كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله المسلمين شرها فمن عاد إلى مثلها ~~فاقتلوه، فبين عمر أن بيعته كانت خطأ على غير الصواب وأن مثلها مما يجب فيه ~~المقاتلة، ms302 وهذا من أعظم ما يكون من الذم والتخطئة. # قال: وشك عند موته في استحقاقه للإمامة. # أقول: هذا وجه آخر يدل على عدم إمامة أبي بكر وهو أنه قال لما حضرته ~~الوفاة: ليتني كنت سألت رسول الله هل للأنصار في هذا الأمر حق؟ وقال أيضا: # ليتني كنت في ظل بني ساعدة ضربت يدي على يد أحد الرجلين فكان هو الأمير ~~وكنت الوزير، وهذا كله يدل على تشككه في استحقاقه للإمامة واضطراب أمره ~~فيها وأنه كان يرى أن غيره أولى بها منه. # قال: وخالف الرسول صلى الله عليه وآله في الاستخلاف عندهم وفي تولية من ~~عزله صلى الله عليه وآله. # أقول: هذا طعن آخر في أبي بكر وهو أنه خالف الرسول عليه السلام في ~~الاستخلاف عندهم، لأنهم زعموا أن النبي صلى الله عليه وآله لم يستخلف أحدا ~~فباستخلافه يكون مخالفا للنبي صلى الله عليه وسلم عندهم، ومخالفة النبي صلى ~~الله عليه وسلم توجب الطعن. وأيضا فإنه خالف النبي صلى الله عليه وسلم في ~~استخلاف من عزله النبي عليه السلام، لأنه استخلف عمر بن الخطاب، وقد كان ~~النبي لم يوله عملا سوى أنه بعثه في خيبر فرجع منهزما، وولاه # PageV00P508 # أمر الصدقات فشكاه العباس إلى النبي صلى الله عليه وآله فعزله وأنكرت ~~الصحابة على أبي بكر ذلك حتى قال له طلحة: وليت علينا فظا غليظا. # قال: وفي التخلف عن جيش أسامة مع علمهم بقصد البعد وولى أسامة عليهم فهو ~~أفضل وعلي عليه السلام لم يول عليه أحدا وهو أفضل من أسامة. # أقول: هذا دليل آخر على الطعن في أبي بكر وهو أنه خالف النبي صلى الله ~~عليه وآله حيث أمره هو وعمر بن الخطاب وعثمان في تنفيذ جيش أسامة (1) لأنه ~~صلى الله عليه وآله قال في مرضه حالا بعد حال نفذوا جيش أسامة، وكان ~~الثلاثة في جيشه وفي جملة من يجب عليه النفوذ معه فلم يفعلوا ذلك مع أنهم ~~عرفوا قصد النبي صلى الله عليه وآله، لأن غرضه بالتنفيذ من المدينة بعد ~~الثلاثة عنها ms303 بحيث لا يتوثبوا على الإمامة (2) بعد موت النبي صلى الله عليه ~~وآله ولهذا جعل الثلاثة في الجيش ولم يجعل عليا عليه السلام معه، وجعل ~~النبي صلى الله عليه وآله أسامة أمير الجيش وكان فيه أبو بكر وعمر وعثمان، ~~فهو أفضل منهم وعلي عليه السلام أفضل من أسامة، ولم يول عليه أحدا فيكون هو ~~عليه السلام أفضل الناس كافة. # قال: ولم يتول (3) عملا في زمانه وأعطاه سورة براءة فنزل جبرئيل فأمره ~~برده وأخذ السورة منه وأن لا يقرأها إلا هو أو أحد من أهل بيته فبعث بها ~~عليا عليه السلام. # أقول: هذا طعن آخر على أبي بكر وهو أنه لم يوله النبي صلى الله عليه وآله ~~عملا في حياته أصلا سوى أنه أعطاه سورة براءة وأمره بالحج بالناس فلما مضى ~~بعض الطريق نزل جبرئيل عليه السلام على النبي وأمره برده وأخذ السورة منه ~~وأن لا يقرأها إلا هو عليه السلام أو أحد من أهل بيته فبعث بها عليا عليه ~~السلام وولاه الحج بالناس، وهذا يدل على أن أبا بكر لم يكن أهلا لأمارة ~~الحج فكيف يكون أهلا للإمامة بعده ولأن من # PageV00P509 # لا يؤمن على أداء سورة في حياته عليه السلام كيف يؤمن على الإمامة بعد ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # قال: ولم يكن عارفا بالأحكام حتى قطع يسار سارق وأحرق بالنار ولن يعرف ~~الكلالة ولا ميراث الجدة واضطرب في أحكامه ولم يحد خالدا ولا اقتص منه. # أقول: هذا طعن آخر في أبي بكر وهو أنه لم يكن عارفا بالأحكام فلا يجوز ~~نصبه للإمامة، أما المقدمة الثانية فقد مرت، وأما الأولى فلأنه قطع سارقا ~~من يساره وهو خلاف الشرع وأحرق الفجائة السلمي بالنار وقد نهى النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن ذلك وقال: لا يعذب بالنار إلا رب النار. وسئل عن الكلالة ~~فلم يعرف ما يقول فيها ثم قال: أقول فيها برأيي فإن كان صوابا فمن الله وإن ~~كان خطأ فمني ومن الشيطان، والحكم بالرأي باطل. وسألته جدة عن ميراثها ~~فقال: ms304 لا أجد لك شيئا في كتاب الله ولا سنة نبيه ارجعي حتى أسأل (1) فأخبره ~~المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة أن النبي صلى الله عليه وآله أعطاها السدس. ~~واضطرب في كثير من الأحكام وكان يستفتي الصحابة فيها، وذلك يدل على قصور ~~علمه وقلة معرفته. وقتل خالد بن الوليد (2) مالك بن نويرة وواقع امرأته ~~ليلة قتله وضاجعها فلم يحده على الزنا ولا # PageV00P510 # قتله بالقصاص، وأشار عليه عمر (1) بقتله وعزله فقال: لا أغمد سيفا شهره ~~الله على الكفار. # قال: ودفن في بيت (2) رسول الله صلى الله عليه وآله وقد نهى الله تعالى ~~دخوله في حياته بغير إذن وبعث إلى بيت أمير المؤمنين عليه السلام لما امتنع ~~من البيعة فأضرم فيه النار وفيه فاطمة والحسن والحسين وجماعة من بني هاشم ~~ورد عليه الحسنان لما بويع وندم على كشف بيت فاطمة عليها السلام. # أقول: هذه مطاعن أخر في أبي بكر وهو أنه دفن في بيت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وقد نهى الله تعالى عن الدخول إليه بغير إذن النبي صلى الله عليه ~~وآله حال حياته فكيف بعد موته، وبعث إلى بيت أمير المؤمنين عليه السلام لما ~~امتنع من البيعة فأضرم فيه النار وفيه فاطمة والحسن والحسين وجماعة من بني ~~هاشم وأخرجوا عليا عليه السلام كرها وكان معه الزبير في البيت فكسروا سيفه ~~وأخرجوه من الدار (3) وضربت فاطمة عليها السلام فألقت جنينا اسمه محسن ولما ~~بويع أبو بكر صعد المنبر فجاءه الحسنان عليهما السلام مع جماعة من بني هاشم ~~وغيرهم وأنكروا عليه وقال له الحسن والحسين عليهما السلام: هذا مقام جدنا ~~لست له أهلا، ولما حضرته الوفاة قال: ليتني تركت بيت فاطمة لم أكشفه، وهذا ~~يدل على خطائه في ذلك (4). # قال: وأمر عمر برجم امرأة حامل وأخرى مجنونة فنهاه علي عليه السلام فقال: ~~لولا # PageV00P511 # علي لهلك عمر. # أقول: هذا طعن على عمر يمتنع معه الإمامة له وهو أن عمر أتي إليه بامرأة ~~قد زنت وهي حامل فأمر برجمها، فقال له علي عليه السلام: ms305 إن كان لك عليها ~~سبيل فليس لك على حملها سبيل فأمسك، وقال: لولا علي لهلك عمر. وأتي إليه ~~بامرأة مجنونة قد زنت فأمر برجمها، فقال له علي عليه السلام: إن القلم ~~مرفوع عن المجنون حتى يفيق فأمسك، وقال: لولا علي لهلك عمر. ومن يخفى عليه ~~هذه الأمور الظاهرة في الشريعة كيف يستحق الإمامة؟! # قال: وتشكك في موت النبي صلى الله عليه وسلم حتى تلا عليه أبو بكر (1): ~~(إنك ميت وإنهم ميتون فقال: كأني لم أسمع هذه الآية. # أقول: هذا طعن آخر وهو أن عمر لم يكن حافظا للكتاب العزيز ولم يكن متدبرا ~~لآياته فلا يستحق الإمامة، وذلك أنه قال عند موت النبي صلى الله عليه وسلم: ~~والله ما مات محمد حتى يقطع أيدي رجال وأرجلهم، فلما نبهه أبو بكر بقوله ~~تعالى: (إنك ميت وإنهم ميتون) وبقوله (أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ~~قال: كأني ما سمعت بهذه الآية وقد أيقنت بوفاته. # قال: وقال: كل أفقه (2) من عمر حتى المخدرات، لما منع من المغالاة في ~~الصداق. # أقول: هذا طعن آخر وهو أن عمر قال يوما في خطبته: من غالى في صداق ابنته ~~جعلته في بيت المال، فقالت له امرأة: كيف تمنعنا ما أحله الله لنا في كتابه ~~بقوله: وآتيتم إحداهن قنطارا الآية، فقال عمر: كل أفقه من عمر حتى المخدرات ~~في البيوت (3) ومن يشتبه عليه مثل هذا الحكم الظاهر لا يصلح للإمامة. # قال: وأعطى أزواج النبي صلى الله عليه وآله واقترض ومنع أهل البيت عليهم ~~السلام من خمسهم. # PageV00P512 # أقول: هذا طعن آخر وهو أن عمر كان يعطي أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ~~بيت المال حتى كان يعطي عائشة وحفصة عشرة آلاف درهم كل سنة وأخذ من بيت ~~المال ثمانين ألف درهم فأنكروا عليه ذلك فقال: أخذته على جهة القرض ومنع ~~أهل البيت عليهم السلام الخمس الذي أوجبه الله تعالى لهم في الكتاب العزيز. # قال: وقضى في الجد مائة قضية (1) وفضل في القسمة ومنع المتعتين. # أقول: هذه مطاعن أخر وهو ms306 أن عمر غير عارف بأحكام الشريعة (2) فقضى في ~~الجد بمائة قضية وروي تسعين قضية، وهذا يدل على قلة معرفته بالأحكام ~~الظاهرة. وأيضا فضل في القسمة والعطاء والواجب التسوية. وقال: (متعتان ~~كانتا على عهد رسول الله أنا أنهي عنهما وأعاقب عليهما) مع أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم تأسف على فوات المتعة ولو لم تكن أفضل من غيرها من أنواع ~~الحج لما فعل النبي عليه السلام سلام ذلك، وجماعة كانوا قد ولدوا من المتعة ~~في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبعد وفاته ولو لم تكن سائغة لم ~~يقع منهم ذلك. # قال: وحكم في الشورى بضد الصواب. # أقول: هذا طعن آخر وهو أن عمر خالف رسول الله صلى الله عليه وسلم عندهم ~~حيث لم يفوض الأمر إلى اختيار الناس، وخالف أبا بكر حيث لم ينص على إمام ~~بعده ثم # PageV00P513 # إنه طعن في كل واحد ممن اختاره للشورى وأظهر كراهية أن يتقلد أمر ~~المسلمين ميتا كما تقلده حيا، ثم تقلده وجعل الإمامة في ستة نفر ثم ناقض ~~نفسه فجعلها في أربعة بعد الستة ثم في ثلاثة ثم في واحد فجعل إلى عبد ~~الرحمن بن عوف الاختيار بعد أن وصفه بالضعف، ثم قال: (إن اجتمع علي وعثمان ~~فالأمر كما قالاه وإن صاروا ثلاثة ثلاثة فالقول للذين فيهم عبد الرحمن) ~~لعلمه بعدم الاجتماع من علي وعثمان وعلمه بأن عبد الرحمن لا يعدل بها عن ~~أخيه عثمان ابن عمه (1) ثم أمر بضرب أعناقهم إن تأخروا عن البيعة ثلاثة ~~أيام، وأمر بقتل من خالف الأربعة منهم أو الذين فيهم عبد الرحمن، وكيف يسوغ ~~له قتل علي عليه السلام وعثمان وغيرهما # PageV00P514 # وهما من أكابر المسلمين. # قال: وخرق كتاب فاطمة عليها السلام. # أقول: هذا طعن آخر وهو أن فاطمة عليها السلام لما طالت المنازعة بينها ~~وبين أبي بكر رد أبو بكر عليها فدكا وكتب لها بذلك كتابا، فخرجت والكتاب في ~~يدها فلقيها عمر فسألها عن شأنها فقصت قصتها، فأخذ منها الكتاب وخرقه فدعت ~~عليه ودخل على ms307 أبي بكر وعاتبه على ذلك فاتفقا على منعها عن فدك. # قال: وولى عثمان من ظهر فسقه حتى أحدثوا في أمر المسلمين ما أحدثوا. # أقول: هذا طعن على عثمان وهو أنه ولى أمور المسلمين من ظهر منه الفسق ~~والخيانة وقسم الولايات بين أقاربه، وقد كان عمر حذره وقال له: إذا وليت ~~هذا الأمر فلا تسلط آل أبي معيط على رقاب المسلمين، وصدق عمر فيه في قوله ~~أنه كلف بأقاربه واستعمل الوليد بن عقبة (1) حتى ظهر منه شرب الخمر وصلى ~~بالناس وهو سكران. واستعمل سعيد بن العاص على الكوفة فظهر منه ما أخرجه به ~~أهل الكوفة عنها. وولى عبد الله بن أبي سرح مصر حتى تظلم منه أهلها وكاتب ~~ابن أبي سرح أن يستمر على ولايته سرا بخلاف ما كتب إليه جهرا وأمره بقتل ~~محمد بن أبي بكر وولى معاوية الشام فأحدث من الفتن ما أحدث. # قال: وآثر أهله بالأموال. # أقول: هذا طعن آخر على عثمان هو أنه كان يؤثر أهل بيته وأقاربه بالأموال ~~العظيمة من بيت مال المسلمين، فإنه دفع إلى أربعة نفر من قريش أربعمائة ألف # PageV00P515 # دينار حيث زوجهم ببناته، ودفع إلى مروان (1) ألف ألف درهم حين فتح ~~أفريقية ومن قبله كان يعطي بقدر الاستحقاق ولا يتخطى الأجانب إلى الأقارب. # قال: وحمى لنفسه. # أقول: هذا طعن آخر وهو أن عثمان حمى الحمي لنفسه عن المسلمين ومنعهم عنه، ~~وذلك مناف للشرع لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الناس في الماء والكلاء ~~والنار شرعا سواء. # قال: ووقع منه أشياء منكرة في حق الصحابة فضرب ابن مسعود حتى مات وأحرق ~~مصحفه وضرب عمارا حتى أصابه فتق وضرب أبا ذر ونفاه إلى الربذة. # أقول: هذا طعن آخر وهو أن عثمان ارتكب من الصحابة ما لا يجوز وفعل بهم ما ~~لا يحل، فضرب ابن مسعود حتى مات عند إحراقه المصاحف وأحرق مصحفه وأنكر عليه ~~قراءته، وقد قال صلى الله عليه وآله: من أراد أن يقرأ القرآن غضا فليقرأ ~~بقراءة ابن مسعود (2)، وكان ابن مسعود ms308 يطعن في عثمان ويكفره. وضرب عمار ابن ~~ياسر حتى صار به فتق وكان يطعن في عثمان وكان يقول: قتلناه كافرا. # واستحضر أبا ذر من الشام لهوى معاوية وضربه ونفاه إلى الربذة مع أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان مقربا لهؤلاء الصحابة وشاكرا لهم. # قال: وأسقط القود (3) عن ابن عمر والحد عن الوليد مع وجوبهما. # أقول: هذا طعن آخر وهو أن عثمان كان يترك الحدود ويعطلها ولا يقيمها لأجل ~~هوى نفسه، ومثل هذا لا يصلح للإمامة فإنه لم يقتل عبد الله بن عمر لما قتل ~~الهرمزان بعد إسلامه، ولما ولي أمير المؤمنين عليه السلام طلبه لإقامة ~~القصاص عليه # PageV00P516 # فلحق بمعاوية، ولما وجب على الوليد بن عقبة حد الشرب أراد أن يسقطه عنه ~~فحده علي عليه السلام وقال: لا يبطل حد الله وأنا حاضر. # قال: وخذله الصحابة حتى قتل، وقال أمير المؤمنين عليه السلام: الله قتله ~~ولم يدفن إلا بعد ثلاثة أيام (1) وعابوا غيبته عن بدر وأحد والبيعة. # أقول: هذه مطاعن أخر في عثمان وهو أن الصحابة خذلوه حتى قتل وقد كان ~~يمكنهم الدفع عنه، فلولا علمهم باستحقاقه لذلك وإلا لما ساغ لهم التأخر (2) ~~عن نصرته. وقال أمير المؤمنين عليه السلام: الله قتله، وتركوه بعد القتل ~~ثلاثة أيام ولم يدفنوه، وذلك يدل على شدة غيظهم عليه وأفراطهم في الحنق لما ~~أصابهم من ضرره وظلمه وعابت الصحابة عليه غيبته عن بدر وأحد ولم يشهد بيعة ~~الرضوان. # المسألة السابعة في أن عليا عليه السلام أفضل من الصحابة قال: وعلي عليه ~~السلام أفضل لكثرة جهاده وعظم بلائه في وقائع النبي صلى الله عليه وسلم ~~بأجمعها ولم يبلغ أحد درجته في غزاة بدر وأحد ويوم الأحزاب وخيبر وحنين ~~وغيرها. # أقول: اختلف الناس هنا، فقال عمر وعثمان وابن عمر وأبو هريرة من الصحابة: ~~إن أبا بكر أفضل من علي عليه السلام، وبه قال من التابعين الحسن البصري ~~وعمرو بن عبيد وهو اختيار النظام وأبي عثمان الجاحظ. وقال الزبير وسلمان ~~والمقداد وجابر بن عبد الله وعمار وأبو ms309 ذر وحذيفة من الصحابة: إن عليا عليه ~~السلام # PageV00P517 # أفضل، وبه قال في التابعين عطاء ومجاهد وسلمة بن كهيل وهو اختيار ~~البغداديين كافة (1) والشيعة بأجمعهم وأبي عبد الله البصري. وتوقف ~~الجبائيان وقاضي # PageV00P518 # القضاة: قال أبو علي الجبائي: إن صح خبر الطائر فعلي أفضل، ونحن نقول: إن ~~الفضائل إما نفسانية أو بدنية وعلي عليه السلام كان أكمل وأفضل من باقي ~~الصحابة فيهما، والدليل على ذلك وجوه ذكرها المصنف رحمه الله: الأول إن ~~عليا عليه السلام كان أكثر جهادا وأعظم بلاء في غزوات النبي صلى الله عليه ~~وسلم بأجمعها ولم يبلغ أحد درجته في ذلك: منها في غزاة بدر وهي أول حرب ~~امتحن بها المؤمنون لقلتهم وكثرة المشركين، فقتل علي عليه السلام الوليد بن ~~عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة (1) ثم العاص بن سعيد بن العاص # PageV00P520 # ثم حنظلة بن أبي سفيان ثم طعيمة بن عدي ثم نوفل بن خويلد وكان شجاعا وسأل ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يكفيه أمره فقتله علي عليه السلام ولم يزل ~~يقاتل حتى قتل نصف المشركين المقتولين (1) والباقي من المسلمين وثلاثة آلاف ~~من الملائكة مسومين قتلوا النصف الآخر ومع ذلك كانت الراية في يد علي عليه ~~السلام. # ومنها في غزاة أحد جمع له الرسول صلى الله عليه وآله بين اللواء والراية ~~وكانت راية المشركين مع طلحة بن أبي طلحة وكان يسمى كبش الكتيبة فقتله علي ~~عليه السلام فأخذ الراية غيره فقتله عليه السلام ولم يزل يقتل واحدا بعد ~~واحد حتى قتل تسعة نفر فانهزم المشركون واشتغل المسلمون بالغنائم فحمل خالد ~~بن الوليد بأصحابه (2) على النبي صلى الله عليه وسلم فضربوه بالسيوف ~~والرماح والحجر حتى غشي عليه فانهزم الناس # PageV00P521 # عنه سوى علي عليه السلام فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم بعد إفاقته ~~وقال له اكفني هؤلاء فهزمهم عنه وكان أكثر المقتولين منه عليه السلام. # ومنها يوم الأحزاب وقد بالغ في قتل المشركين وقتل عمرو بن عبد ود وكان ~~بطل المشركين ودعا إلى البراز مرارا فامتنع عنه المسلمون وعلي ms310 عليه السلام ~~يروم مبارزته والنبي صلى الله عليه وسلم يمنعه من ذلك لينظر صنع المسلمين، ~~فلما رأى امتناعهم أذن له وعممه بعمامته ودعا له، قال حذيفة: لما دعا عمرو ~~إلى المبارزة أحجم المسلمون عنه كافة ما خلا عليا عليه السلام فإنه برز ~~إليه فقتله الله على يديه والذي نفس حذيفة بيده لعمله في ذلك اليوم أعظم ~~أجرا من عمل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة وكان الفتح في ~~ذلك اليوم على يدي علي عليه السلام، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # لضربة علي خير من عبادة الثقلين. # ومنها في غزاة خيبر واشتهار جهاده فيها غير خفي وفتح الله تعالى على ~~يديه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حصر حصنهم بضعة عشر يوما وكانت الراية ~~بيد علي عليه السلام فأصابه رمد فسلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم الراية ~~إلى أبي بكر مع جماعة فرجعوا منهزمين خائفين فدفعها الغد إلى عمر ففعل مثل ~~ذلك فقال عليه السلام: لأسلمن الراية غدا إلى رجل يحبه الله ورسوله ويحب ~~الله ورسوله، كرار غير فرار لا يرجع حتى يفتح على يده، فلما أصبح قال: ~~إئتوني بعلي، فقيل: به رمد، فتفل في عينه (1) ودفع الراية إليه فقتل مرحبا ~~فانهزم أصحابه وغلقوا الأبواب ففتح علي عليه السلام الباب واقتلعه وجعله ~~جسرا على الخندق وعبروا وظفروا، فلما انصرفوا أخذه بيمينه ودحاه أذرعا وكان ~~يغلقه عشرون وعجز المسلمون عن نقله حتى نقله سبعون رجلا وقال عليه السلام: ~~(والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسمانية ولكن قلعته بقوة ربانية). # ومنها في غزاة حنين وقد سار النبي صلى الله عليه وسلم في عشرة آلاف فارس ~~من المسلمين فتعجب أبو بكر من كثرتهم وقال: لن نغلب اليوم من قلة (2) ~~فانهزموا # PageV00P522 # بأجمعهم ولم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم سوى تسعة نفر علي عليه ~~السلام والعباس وابنه الفضل وأبو سفيان بن الحرث ونوفل بن الحرث وربيعة بن ~~الحرث وعبد الله بن الزبير وعتبة ومعتب ابنا أبي لهب، فخرج أبو ms311 جرول فقتله ~~علي عليه السلام فانهزم المشركون وأقبل المسلمون بعد نداء النبي صلى الله ~~عليه وسلم وصافوا العدو فقتل علي عليه السلام أربعين وانهزم الباقون وغنمهم ~~المسلمون، وغير ذلك من الوقائع المأثورة والغزوات المشهورة التي نقلها ~~أرباب السير وكانت الفضيلة في ذلك بأجمعه (1) لعلي عليه السلام وإذا كان ~~أكثر جهادا كان أفضل من غيره وأكثر ثوابا. # قال: ولأنه أعلم (2) لقوة حدسه وملازمته للرسول صلى الله عليه وآله ورجعت ~~الصحابة إليه في أكثر الوقائع بعد غلطهم، وقال النبي صلى الله عليه وآله: ~~أقضاكم علي، واستند الفضلاء في جميع العلوم إليه وأخبر هو عليه السلام ~~بذلك. # أقول: هذا هو الوجه الثاني في بيان أن عليا عليه السلام أفضل من غيره، ~~وهو أنه عليه السلام أعلم من غيره فيكون أفضل، أما المقدمة الأولى فيدل ~~عليها وجوه: # الأول: أنه عليه السلام كان شديد الذكاء في غاية قوة الحدس، ونشأ في حجر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ملازما له مستفيدا منه والرسول صلى الله عليه ~~وسلم كان أكمل الناس وأفضلهم، ومع حصول القبول التام والمؤثر الكامل يكون ~~الفعل أقوى وأتم وبالخصوص وقد مارس المعارف الإلهية من صغره، وقد قيل: إن ~~العلم في الصغر كالنقش في الحجر وهذا برهان لمي. # الثاني: أن الصحابة كانت تشتبه الأحكام عليهم وربما أفتى بعضهم بالغلط ~~وكانوا يراجعونه في ذلك، ولم ينقل أنه عليه السلام راجع أحدا منهم في شئ ~~البتة، وذلك يدل على أنه أفضل من الجماعة فإنه نقل عن أبي بكر أن بعض ~~اليهود لقيه # PageV00P523 # فقال له: أين الله تعالى، فقال: على العرش، فقال اليهودي: خلت الأرض منه ~~حيث اختص ببعض الأمكنة، فانصرف اليهودي مستهزئ بالاسلام فلقيه علي عليه ~~السلام فقال له: إن الله أين الأين فلا أين له.. إلى آخر الحديث، فأسلم على ~~يده، وسئل عن الكلالة والأب فلم يعرف ما يقول حتى أوضح علي عليه السلام ~~الجواب. وسئل عمر عن أحكام كثيرة (1) فحكم فيها بضد الصواب فراجعه فيها علي ~~عليه السلام فرجع إلى قوله، كما نقل ms312 عنه من إسقاط حد الشرب عن قدامة لما ~~تلي عليه قوله تعالى: (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما ~~طعموا) فقال علي عليه السلام: # الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا يستحلون محرما، وأمره برده واستتابته فإن ~~تاب فاجلده وإلا فأقتله، فتاب ولم يدر عمر كم يحده (2) فأمره عليه السلام ~~بحده ثمانين. # وأمر عمر برجم مجنونة زنت فرده عليه السلام بقوله: رفع القلم عن المجنون ~~حتى يفيق، فقال: لولا علي لهلك عمر. وولدت امرأة لستة أشهر فأمر عمر ~~برجمها، فقال له عليه السلام: إن أقل الحمل ستة أشهر بقوله تعالى: (وفصاله ~~في عامين) وقوله تعالى: # (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا و) أمر عمر برجم حامل فقال له علي عليه ~~السلام: إن كان لك سبيل عليها فليس لك على ما في بطنها سبيل، فامتنع، وغير ~~ذلك من الوقائع الشهيرة (3). # الثالث: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حقه: أقضاكم علي، ~~والقضاء يستلزم العلم فيكون أفضل منهم. # الرابع: استناد العلماء بأسرهم إليه، فإن النحو مستند إليه وكذا أصول ~~المعارف الإلهية وعلم الأصول (4) فإن أبا الحسن الأشعري تلميذ أبي علي ~~الجبائي من # PageV00P524 # المعتزلة وكافة المعتزلة ينتسبون إليه ويدعون أخذ معارفهم منه، وأهل ~~التفسير رجعوا إلى ابن عباس فيه وهو تلميذ علي عليه السلام والفقهاء ~~ينتسبون إليه والخوارج مع بعدهم عنه (1) ينتسبون إلى أكابرهم وهم تلامذة ~~علي عليه السلام. # الخامس: أنه عليه السلام أخبر بذلك في عدة مواضع كقوله: سلوني (2) عن طرق ~~السماء فإني أعرف بها من طرق الأرض، وقال: والله لو كسرت لي الوسادة لحكمت ~~بين أهل التوراة بتوراتهم وبين أهل الزبور بزبورهم وبين أهل الإنجيل ~~بإنجيلهم وبين أهل الفرقان بفرقانهم. # وذلك يدل على كمال معرفته بجميع هذه الشرائع، وبالجملة فلم ينقل عن أحد ~~من الصحابة ولا عن غيرهم ما نقل عنه من أصول العلم. # قال: ولقوله تعالى: (وأنفسنا) أقول: هذا هو الوجه الثالث الدال على أنه ~~عليه السلام أفضل من غيره، وهو قوله تعالى: (فقل تعالوا ندع أبناءنا ~~وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا ms313 وأنفسكم)، واتفق المفسرون كافة على أن ~~الأبناء إشارة إلى الحسن والحسين عليهما السلام والنساء إشارة إلى فاطمة ~~عليها السلام والأنفس إشارة إلى علي عليه السلام، ولا يمكن أن يقال: إن ~~نفسيهما واحدة فلم يبق المراد من ذلك إلا المساوي (3) ولا شك في أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أفضل الناس فمساويه كذلك أيضا. # قال: ولكثرة سخائه على غيره. # أقول: هذا وجه رابع يدل على أن عليا عليه السلام أفضل من غيره وهو أنه ~~كان أسخى الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى أنه جاد بقوته ~~وقوت عياله وبات طاويا هو وإياهم ثلاثة أيام (4) حتى أنزل الله تعالى في ~~حقهم (ويطعمون الطعام على # PageV00P525 # حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) وتصدق مرة أخرى بجميع ما يملكه وقد كان حينئذ ~~يملك أربعة دراهم لا غير فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم سرا وبدرهم ~~علانية فأنزل الله تعالى في حقه (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا ~~وعلانية) وكان يعمل بالأجرة ويتصدق بها ويشد على بطنه الحجر من شدة الجوع، ~~وشهد له بذلك أعداؤه فضلا عن أوليائه، قال معاوية: لو ملك علي بيتا من تبر ~~وبيتا من تبن لأنفد تبره قبل تبنه ولم يخلف شيئا أصلا، وقال: يا بيضاء ويا ~~صفراء غري غيري، وكان يكنس بيوت الأموال ويصلي فيها مع أن الدنيا كانت ~~بيده. # قال: وكان أزهد الناس بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # أقول: هذا هو الوجه الخامس، وتقريره أن عليا عليه السلام كان أزهد الناس ~~بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون أفضل من غيره، بيان المقدمة الأولى ~~ما نقل بالتواتر عنه أنه عليه السلام كان سيد الأبدال واليه تشد الرحال في ~~معرفة الزهد والتسليك فيه وترتيب أحوال الرياضيات وذكر مقامات العارفين، ~~وكان أخشن الناس مأكلا وملبسا ولم يشبع من طعام قط، قال عبيد الله بن أبي ~~رافع: دخلت عليه يوما فقدم جرابا مختوما فوجدنا فيه خبز شعير يابسا مرضوضا ~~فأكل منه، فقلت يا أمير المؤمنين: كيف تختمه، ms314 فقال: خفت هذين الولدين ~~يلتانه بزيت أو سمن. # وهذا شئ اختص به علي عليه السلام لم يشاركه فيه غيره ولم ينل أحد بعض ~~درجته، وكان نعلاه من ليف ويرقع قميصه بجلد تارة وبليف أخرى، وقل أن يأتدم ~~فإن فعل فبالملح أو بالخل فإن ترقى فبنبات الأرض فإن ترقى فبلبن، وكان لا ~~يأكل اللحم إلا قليلا ويقول: لا تجعلوا بطونكم مقابر الحيوان، وطلق الدنيا ~~ثلاثا، والمقدمة الثانية ظاهرة. # قال: وأعبدهم. # أقول: هذا وجه سادس، وتقريره أن عليا عليه السلام كان أعبد الناس بعد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنه تعلم الناس صلاة الليل واستفادوا منه ~~ترتيب النوافل PageV00P526 # والدعوات، وكانت جبهته كثفنة البعير (1) لطول سجوده، وكان يحافظ على ~~النافلة حتى أنه بسط له بين الصفين نطع ليلة الهرير فصلى عليه السلام ~~النافلة والسهام تقع بين يديه وإلى جوانبه، وكانوا يستخرجون النصول (2) من ~~جسده وقت الصلاة لالتفاته بالكلية إلى الله تعالى حتى لا يبقى له التفات ~~إلى غيره. # PageV00P527 # قال: وأحلمهم. # أقول: هذا وجه سابع وهو أن عليا عليه السلام كان أحلم الناس بعد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لم يقابل أحدا بإسائته، فعفى عن مروان بن الحكم ~~يوم الجمل وكان شديد العداوة له عليه السلام، وعفا عن عبد الله بن الزبير ~~لما استأسره (1) يوم الجمل وكان يشتمه عليه السلام ظاهرا، وقال عليه ~~السلام: لم يزل الزبير رجلا منا أهل البيت حتى شبه عبد الله، وعفا عن سعيد ~~بن العاص وكان عدوا له عليه السلام، وأكرم عائشة وبعثها إلى المدينة مع ~~عشرين مرأة عقيب حربها له، وصفح عن أهل البصرة مع محاربتهم له، ولما حارب ~~معاوية سبق أصحاب معاوية إلى الشريعة فمنعوه من الماء فلما اشتد العطش ~~بأصحابه حمل عليهم وفرقهم وملك الشريعة فأراد أصحابه أن يفعلوا بهم كذلك ~~فنهاهم عن ذلك، وقال: افسحوا بعض الشريعة (2) ففي حد السيف ما يغني عن ذلك. # قال: وأشرفهم خلقا. # أقول: هذا وجه ثامن، وتقريره أن عليا عليه السلام كان أشرف الناس خلقا ~~وأطلقهم وجها حتى ms315 نسبه عمر إلى الدعابة مع شدة بأسه وهيبته، قال صعصعة بن ~~صوحان: # كان فينا كأحدنا لين جانب وشدة تواضع وسهولة قياد، وكنا نهابه مهابة ~~الأسير المربوط للسياف الواقف على رأسه. وقال معاوية لقيس بن سعد: رحم الله ~~أبا حسن فلقد كان هشا بشا ذا فكاهة، فقال قيس: أما والله لقد كان مع تلك ~~الفكاهة والطلاقة أهيب من ذي لبدتين قد مسه الطوى، تلك هيبة التقوى ليس كما ~~يهابك طغام الشام فيكون أفضل من غيره حيث جمع بين المتضادات من حسن الخلق ~~وطلاقة الوجه وعظم شجاعته وشدة بأسه وكثرة حروبه. # قال: وأقدمهم إيمانا. # أقول: هذا وجه تاسع، وتقريره أن عليا عليه السلام كان أقدم الناس إيمانا، ~~روى # PageV00P528 # سلمان الفارسي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أولكم ورودا على ~~الحوض أولكم إسلاما علي بن أبي طالب عليه السلام (1). وقال أنس: بعث النبي ~~يوم الاثنين وأسلم علي يوم الثلاثاء. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لفاطمة عليها السلام: زوجتك أقدمهم إسلاما وأكثرهم علما. وقال عليه السلام ~~يوما على المنبر: أنا الصديق الأكبر وأنا الفاروق الأعظم آمنت قبل أن آمن ~~أبو بكر وأسلمت قبل أن أسلم، وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد. ~~وروى عبد الله بن الحسن قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: أنا أول ~~من صلى وأول من آمن بالله ورسوله ولم يسبقني بالصلاة إلا نبي الله، ولأنه ~~عليه السلام كان في منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد الاختصاص به ~~عظيم الامتثال لأوامره لم يخالفه قط، وأبو بكر كان بعيدا عنه مجانبا له ~~فيبعد عرض الاسلام عليه قبل عرضه على علي عليه السلام وبالخصوص وقد نزل ~~قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين. # (لا يقال) إن إسلامه عليه السلام كان قبل البلوغ فلا اعتبار به. (لأنا ~~نقول) المقدمتان ممنوعتان. (أما الأول) فلأن سن علي عليه السلام كان ستا ~~وستين سنة أو خمسا وستين والنبي صلى الله عليه وسلم بقي بعد الوحي ثلاثا ~~وعشرين سنة وعلي عليه ms316 السلام بقي بعد النبي نحوا من ثلاثين سنة فيكون سن ~~علي عليه السلام وقت نزول الوحي فيما بين اثنتي عشرة سنة وبين ثلاث عشرة ~~سنة، والبلوغ في هذا الوقت ممكن فيكون واقعا لقوله صلى الله عليه وسلم: ~~زوجتك أقدمهم إسلاما وأكثرهم علما. (وأما الثانية) فلأن الصبي قد يكون ~~رشيدا (2) كامل العقل قبل سن البلوغ فيكون مكلفا، ولهذا حكم أبو حنيفة بصحة ~~إسلام الصبي وإذا كان كذلك دل على كمال الصبي، (أما الأول) فلأن الطباع في ~~الصبيان مجبولة على حب الأبوين والميل إليهما، فإعراض الصبي # PageV00P529 # عنهما والتوجه إلى الله تعالى يدل على قوة كماله، (وأما ثانيا) فلأن ~~طبائع الصبيان منافية للنظر في الأمور العقلية والتكاليف الإلهية وملائمة ~~للعب واللهو، فإعراض الصبي عما يلائم طباعه إلى ما ينافره يدل على عظم ~~منزلته في الكمال، فثبت بذلك أن عليا عليه السلام كان أقدمهم إيمانا فيكون ~~أفضل لقوله تعالى: (والسابقون السابقون أولئك المقربون). # قال: وأفصحهم (1). # أقول: هذا دليل عاشر، وتقريره أن عليا عليه السلام كان أبلغ الناس في ~~الفصاحة وأعظمهم منزلة فيها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال ~~البلغاء كافة: إن كلامه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق، ومنه تعلم ~~الناس أصناف البلاغة حتى قال معاوية: ما سن الفصاحة لقريش غيره. وقال ابن ~~نباتة (2): حفظت من خطبه مائة خطبة. وقال عبد الحميد بن يحيى: حفظت سبعين ~~خطبة من خطبه. # قال: وأسدهم رأيا. # أقول: هذا دليل حادي عشر، وتقريره أن عليا عليه السلام كان أسد الناس ~~رأيا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجودهم تدبيرا وأعرفهم بمزايا ~~الأمور (3) ومواقعها، وهو الذي # PageV00P530 # أشار على عمر بالتخلف عن حرب الروم والفرس وبعث نوابه، وأشار على عثمان ~~بما فيه صلاحه وصلاح المسلمين فخالفه حتى قتل فيكون أفضل من غيره. # قال: وأكثرهم حرصا على إقامة حدود الله تعالى. # أقول: هذا وجه ثاني عشر، وتقريره أن عليا عليه السلام كان أكثر الناس ~~حرصا على إقامة حدود الله تعالى، لم يراقب في ذلك أحدا ولم يلتفت إلى ms317 قرابة ~~بل كان شديد السياسة (1) خشنا في ذات الله تعالى، لم يراقب ابن عمه ولا ~~أخاه، ونقض دار مصقلة بن هبيرة ودار جرير بن عبد الله البجلي وصلب جماعة ~~وقطع آخرين، ولم يساوه في ذلك أحد من الصحابة فيكون أفضل من غيره. # قال: وأحفظهم للكتاب العزيز. # أقول: هذا وجه ثالث عشر وهو أن عليا عليه السلام كان يحفظ كتاب الله ~~تعالى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن أحد يحفظه وهو أول من ~~جمعه، ونقل الجمهور أنه تأخر عن البيعة بسبب اشتغاله بجمع القرآن العظيم، ~~وأئمة القراء يسندون قراءاتهم إليه كأبي عمرو بن أبي العلاء وعاصم وغيرهما ~~لأنهم يرجعون إلى أبي عبد الرحمن السلمي وهو تلميذه عليه السلام فيكون أفضل ~~من غيره. # قال: ولإخباره بالغيب. # أقول: هذا وجه رابع عشر، وتقريره أن عليا عليه السلام أخبر بالغيب في ~~مواضع كثيرة، ولم تحصل هذه المرتبة لأحد من الصحابة فيكون أفضل منهم قطعا، ~~وذلك كإخباره بقتل ذي الثدية ولما لم يجده أصحابه بين القتلى قال: والله ما ~~كذبت ولا كذبت، فاعتبرهم عليه السلام حتى وجده وشق قميصه (2) ووجد على كتفه ~~سلعة كثدي المرأة عليها شعرات تنحدر (3) كتفه مع جذبها وترجع مع تركها. # PageV00P531 # وقال له أصحابه: إن أهل النهروان قد عبروا، فقال عليه السلام: لم يعبروا، ~~فأخبروه مرة ثانية فقال: لم يعبروا، فقال جندب بن عبد الله الأزدي في نفسه: ~~إن وجدت القوم قد عبروا كنت أول من يقاتله فلما وصلنا النهر لم نجدهم ~~عبروا، فقال عليه السلام: # يا أخا الأزد أتبين لك الأمر، وذلك يدل على اطلاعه على ما في ضميره. # وأخبر عليه السلام بقتل نفسه في شهر رمضان وبولاية الحجاج وانتقامه وبقطع ~~يد جويرية بن مسهر ورجله وصلبه على جذع ففعل به ذلك في أيام معاوية، وبصلب ~~ميثم التمار على باب عمرو بن حريث عاشر عشرة وأراه النخلة التي يصلب على ~~جذعها فكان كما قال، وبذبح قنبر فذبحه الحجاج. # وقيل له: قد مات خالد بن عرفطة بوادي القرى، ms318 فقال: لم يمت ولا يموت حتى ~~يقود جيش ضلالة صاحب رايته حبيب بن جماز، فقام رجل من تحت المنبر فقال: ~~والله إني لك لمحب وأنا حبيب، قال: إياك أن تحملها ولتحملنها فتدخل بها من ~~هذا الباب، وأومأ إلى باب الفيل فلما بعث ابن زياد عمر بن سعد إلى قتال ~~الحسين عليه السلام جعل على مقدمته خالدا وحبيب صاحب رايته فسار بها حتى ~~دخل المسجد من باب الفيل. وقال عليه السلام يوما على المنبر: سلوني قبل أن ~~تفقدوني فوالله لا تسألوني عن فئة تضل (1) مائة وتهدي مائة إلا نبأتكم ~~بناعقها وسائقها إلى يوم القيامة، فقام إليه رجل فقال: أخبرني كم في رأسي ~~ولحيتي من طاقة شعر، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: لقد حدثني خليلي بما ~~سألت عنه وأن على كل طاقة شعر في رأسك ملكا يلعنك وعلى كل طاقة شعر في ~~لحيتك شيطانا يستفزك وأن في بيتك لسخلا يقتل ابن بنت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فلما كان من أمر الحسين عليه السلام ما كان تولى قتله، ~~والأحاديث في ذلك أكثر من أن تحصى نقلها المخالف والمؤالف. # قال: واستجابة دعائه. # PageV00P532 # أقول: هذا وجه خامس عشر، وتقريره أن عليا عليه السلام كان مستجاب الدعوة ~~سريعا دون غيره من الصحابة فيكون أفضل منهم، وتقرير المقدمة الأولى ما نقل ~~بالتواتر عنه عليه السلام في ذلك كما دعا على بسر بن أرطأة فقال: (اللهم إن ~~بسرا باع دينه بالدنيا فاسلبه عقله ولا تبق له من دينه ما يستوجب به عليك ~~رحمتك) فاختلط عقله. واتهم العيزار برفع أخباره إلى معاوية فأنكر فقال له ~~عليه السلام: إن كنت كاذبا فأعمى الله بصرك فعمي قبل أسبوع. واستشهد جماعة ~~من الصحابة عن حديث الغدير فشهد له اثنا عشر رجلا من الأنصار وسكت أنس بن ~~مالك فقال له: # يا أنس ما يمنعك أن تشهد وقد سمعت ما سمعوا؟ فقال: يا أمير المؤمنين كبرت ~~ونسيت، فقال: اللهم إن كان كاذبا فاضربه ببياض الوضح لا تواريه العمامة (1) ~~فصار أبرص. وكتم زيد ms319 بن أرقم فذهب بصره وغير ذلك من الوقائع المشهورة. # قال: وظهور المعجزات عنه. # أقول: هذا وجه سادس عشر، وتقريره أنه عليه السلام ظهرت عنه معجزات كثيرة ~~وقد تقدم ذكر بعضها ولم يحصل لغيره من الصحابة ذلك فيكون أفضل منهم. # قال: واختصاصه بالقرابة. # أقول: هذا وجه سابع عشر، وتقريره أن عليا عليه السلام كان أقرب الناس ~~نسبا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيكون أفضل من غيره، ولأنه كان ~~هاشميا فيكون أفضل لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله اصطفى من ولد ~~إسماعيل قريشا ومن قريش هاشما. # قال: والأخوة. # أقول: هذا وجه ثامن عشر، وهو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما وآخى ~~بين الصحابة وقرن كل شخص إلى مماثله في الشرف والفضيلة رأى عليا عليه ~~السلام متكدرا فسأله عن سبب ذلك فقال: إنك آخيت بين الصحابة وجعلتني ~~منفردا، فقال له # PageV00P533 # رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما أخرتك إلا لنفسي ألا ترضى أن تكون ~~أخي ووصيي وخليفتي من بعدي؟ فقال: بلى يا رسول الله، فواخاه من دون الصحابة ~~فيكون أفضل منهم. # قال: ووجوب المحبة. # أقول: هذا وجه تاسع عشر، وتقريره أن عليا عليه السلام كان محبته ومودته ~~واجبة دون غيره من الصحابة فيكون أفضل منهم قطعا، وبيان المقدمة الأولى أنه ~~كان من اولي القربى فتكون مودته واجبة لقوله تعالى: (قل لا أسألكم عليه ~~أجرا إلا المودة في القربى). # قال: والنصرة. # أقول: هذا وجه عشرون، وتقريره أن عليا عليه السلام اختص بفضيلة النصرة ~~لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دون غيره من الصحابة فيكون أفضل منهم، ~~بيان المقدمة الأولى قوله تعالى: (فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح ~~المؤمنين) وقد اتفق المفسرون على أن المراد بصالح المؤمنين هو علي عليه ~~السلام، والمولى هنا هو الناصر لأنه القدر المشترك بين الله تعالى وجبرئيل ~~وجعله ثالثهم وحصر المولى في الثلاثة بلفظة (هو) في قوله تعالى: (فإن الله ~~هو مولاه). # قال: ومساواة الأنبياء. # أقول: هذا وجه حادي وعشرون، وتقريره ms320 أن عليا عليه السلام كان مساويا ~~للأنبياء المتقدمين فيكون أفضل من غيره من الصحابة بالضرورة، لأن المساوي ~~للأفضل أفضل، بيان المقدمة الأولى ما رواه البيهقي عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم أنه قال: من أحب أن ينظر (1) إلى آدم في علمه وإلى نوح في تقواه ~~وإلى إبراهيم في حلمه وإلى موسى في هيبته وإلى عيسى في عبادته فلينظر إلى ~~علي بن أبي طالب. # PageV00P534 # قال: وخبر الطائر والمنزلة والغدير وغيرها. # أقول: هذا وجه ثاني وعشرون، وتقريره أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أخبر في مواضع كثيرة ببيان فضله وزيادة كماله على غيره ونص على إمامته: # (منها) ما ورد في خبر الطائر وهو أنه قال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك ~~يأكل معي من هذا الطائر، فجاء علي بن أبي طالب عليه السلام فأكل معه، وفي ~~رواية: # اللهم أدخل إلي أحب أهل الأرض إليك، رواه أنس وسعد بن أبي وقاص وأبو رافع ~~مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابن عباس، وعول أبو جعفر الإسكافي ~~وأبو عبد الله البصري على هذا الحديث في أنه عليه السلام أفضل من غيره ~~وادعى أبو عبد الله شهرة هذا الحديث وظهوره بين الصحابة ولم ينكره أحد منهم ~~فيكون متواترا. # (ومنها) خبر المنزلة وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: أنت مني بمنزلة ~~هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، وقد كان هارون أفضل أهل زمانه عند أخيه ~~فكذا علي عليه السلام عند محمد صلى الله عليه وآله وسلم. # (ومنها) خبر الغدير وهو قوله صلى الله عليه وآله لما خطب الناس بغدير خم ~~في عوده من حجة الوداع: معاشر المسلمين ألست أولى منكم بأنفسكم؟ قالوا: بلى ~~يا رسول الله، فأخذ بيد علي عليه السلام وقال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه ~~اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره وأخذل من خذله وأدر الحق ~~مع علي كيف ما دار، وقد بينا أن المراد بالمولى هاهنا الأولى بالتصرف، وإذا ~~كان علي عليه السلام ms321 أولى من كل أحد بالتصرف في نفسه كان أفضل منهم قطعا. ~~اعترض بعضهم على هذا بجواز أن يكون المراد به الولاء لأنه وقع مشاجرة بين ~~أمير المؤمنين عليه السلام وبين زيد بن حارثة فقال له علي عليه السلام: أنت ~~مولاي، فقال زيد: أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولست بمولاك، ~~فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: من كنت مولاه فعلي ~~مولاه. # والجواب من وجوه: الأول: ما ذكره أبو عبد الله البصري وهو أنه لا اختصاص ~~لعلي عليه السلام بالولاء دون غيره من أقارب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فلا يجوز حمله على هذا المعنى. الثاني: ما ذكره أبو عبد الله أيضا وهو أن ~~عمر قال له بعد هذا الحديث: هنيئا PageV00P535 # لك أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة، وقالت عائشة والأنصار بعد ذلك: يا ~~مولانا فلا يجوز حمله على الولاء. الثالث: أن مقدمة الحديث تنفي هذا المعنى ~~وهو قوله عليه السلام: ألست أولى منكم بأنفسكم. # (ومنها) قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذي الثدية: يقتله خير ~~الخلق والخليفة، وفي رواية أخرى: يقتله خير هذه الأمة. وقال لفاطمة عليها ~~السلام: إن الله اطلع على أهل الأرض فاختار منهم أباك فاتخذه نبيا ثم اطلع ~~ثانية فاختار منهم بعلك فأمرني أن أنكحك إياه وأن أتخذه وصيا، وقالت عائشة: ~~كنت عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأقبل علي عليه السلام فقال: هذا ~~سيد العرب، قالت: قلت: بأبي أنت وأمي ألست أنت سيد العرب، فقال: أنا سيد ~~العالمين وهذا سيد العرب. وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ~~لعلي عليه السلام: أنت أخي ووزيري وخير من أتركه بعدي تقضي ديني وتنجز ~~موعدي. # وسأل رجل عائشة عن مسيرها فقالت: كان قدرا من الله، فسألها عن علي عليه ~~السلام فقالت: لقد سألتني عن أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وزوج أحب الناس إليه وقال لفاطمة عليها السلام: أما ترضين ms322 أني زوجتك ~~خير أمتي؟. وعن سلمان أنه قال رسول الله: خير من أترك بعدي علي بن أبي ~~طالب. وعن عبد الله بن مسعود قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: علي خير البشر فمن أبى فقد كفر. ~~وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أفضل ~~أمتي علي بن أبي طالب. # قال: ولانتفاء سبق كفره. # أقول: هذا وجه ثالث وعشرون، وتقريره أن عليا عليه السلام لم يكفر بالله ~~تعالى أصلا بل من حين بلوغه كان مؤمنا موحدا، بخلاف باقي الصحابة فإنهم ~~كانوا في زمن الجاهلية كفرة، ولا ريب في فضل من لم يزل موحدا على من سبق ~~كفره على إيمانه. # قال: ولكثرة الانتفاع به. # أقول: هذا وجه رابع وعشرون، وتقريره أن عليا عليه السلام انتفع به ~~المسلمون أكثر PageV00P536 # من نفعهم بغيره فيكون ثوابه أكثر وفضله أعظم، بيان المقدمة الأولى ما ~~تقدم من كثرة حروبه وشدة بلائه في الاسلام وفتح الله البلاد على يديه وقوة ~~شوكة الاسلام به حتى قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الأحزاب: ~~لضربة علي خير من عبادة الثقلين، وبلغ في الزهد مرتبة لم يلحقها أحد بعده ~~واستفاد الناس منه طرائق الرياضة والترك للدنيا والانقطاع إلى الله تعالى، ~~وكذا في السخاوة وحسن الخلق والعبادة والتهجد، وأما العلم فظاهر استناد ~~كافة العلماء إليه واستفادتهم منه وعاش بعد أبي بكر زمانا طويلا يفيد الناس ~~الكمالات النفسانية والبدنية وابتلي بما لم يحصل لغيره من المشاق. # قال: وتميزه بالكمالات النفسانية والبدنية والخارجية. # أقول: هذا وجه خامس وعشرون، وتقريره أن الكمالات إما نفسانية وإما بدنية ~~وإما خارجية، أما الكمالات النفسانية والبدنية فقد بينا بلوغه فيها إلى ~~الغاية إذ كان العلم والزهد والشجاعة والسخاء وحسن الخلق والعفة فيه أبلغ ~~من غيره بل لا يجاريه في واحد منها أحد، وبلغ في القوة البدنية والشدة ~~مبلغا لا يساويه أحد حتى قيل: إنه عليه السلام كان يقط الهام قط الأقلام لم ~~يخط في ضربه قط ولم يحتج ms323 إلى المعاودة، وقلع باب خيبر وقد عجز عن نقلها ~~سبعون رجلا من أشد الناس قوة مع أنه عليه السلام كان قليل الغذاء جدا بأخشن ~~مأكل وملبس كثير الصوم مداوم العبادة. # وأما الخارجية فمنها: النسب الشريف الذي لا يساويه أحد في القرب من رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنه كان أقرب الناس إليه، فإن العباس كان عم ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الأب خاصة وعلي عليه السلام كان ابن ~~عمه من الأب والأم ومع ذلك فإنه كان هاشميا من الأب والأم لأنه علي بن أبي ~~طالب بن عبد المطلب بن هاشم وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم. # ومنها: المصاهرة ولم يحصل لأحد ما حصل له منها فإنه زوج سيدة نساء ~~العالمين، وعثمان وإن شاركه في كونه ختنا لرسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم إلا أن فاطمة عليها السلام PageV00P537 # أشرف بناته، وكان لها من المنزلة والقرب من قلب الرسول صلى الله عليه ~~وآله وسلم مبلغ عظيم وكان يعظمها حتى أنه كان إذا جاءت إليه نهض لها قائما ~~ولم يفعل ذلك بأحد من النساء (1)، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~سيدة نساء العالمين في الجنة أربع وعد منهن فاطمة عليها السلام. # ومنها: الأولاد ولم يحصل لأحد من المسلمين مثل أولاده في الشرف والكمال، ~~فإن الحسن والحسين عليهما السلام إمامان سيدا شباب أهل الجنة، وكان حب رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم لهما في الغاية حتى أنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان يتطأطأ لهما ليركباه ويبعبع لهما ثم أولد كل واحد منهما عليهما ~~السلام أولادا بلغوا في الشرف إلى الغاية فالحسن عليه السلام أولد مثل ~~الحسن المثنى والمثلث وعبد الله بن الحسن المثنى والنفس الزكية وغيرهم ~~وأولد الحسين عليه السلام مثل زين العابدين والباقر والصادق والكاظم والرضا ~~والجواد والهادي والعسكري والحجة، وقد نشروا من العلم والفضل والزهد ~~والانقطاع والترك شيئا عظيما حتى أن الفضلاء من المشايخ كانوا يفتخرون ~~بخدمتهم عليهم السلام فأبو يزيد البسطامي ms324 كان يفتخر بأنه يسقي الماء (2) ~~لدار جعفر الصادق عليه السلام، ومعروف الكرخي أسلم على يدي الرضا عليه ~~السلام وكان بواب داره إلى أن مات، وكان أكثر الفضلاء يفتخرون بالانتساب ~~إليهم في العلم فإن مالكا كان إذا سئل في الدرب عن مسألة لم يجب السائل ~~فقيل له في ذلك فقال: إني أخذت العلم من جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام ~~وكنت إذا أتيت إليه لأستفيد منه نهض ولبس أفخر ثيابه وتطيب وجلس في أعلى ~~منزله وحمد الله تعالى وأفادني شيئا. # واستفادة أبي حنيفة من الصادق عليه السلام ظاهرة غنية عن البرهان، وهذه ~~الفضائل لم تحصل لأحد من الصحابة فيكون علي عليه السلام أفضل منهم. # PageV00P538 # المسألة الثامنة في إمامة باقي الأئمة الاثني عشر عليهم السلام قال: ~~والنقل المتواتر دل على الأحد عشر ولوجوب العصمة وانتفائها عن غيرهم ووجود ~~الكمالات فيهم. # أقول: لما بين أن الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو علي ~~بن أبي طالب عليه السلام شرع في إمامة الأئمة الأحد عشر وهم الحسن بن علي ~~ثم أخوه الحسين ثم علي بن الحسين زين العابدين ثم محمد بن علي الباقر ثم ~~جعفر بن محمد الصادق ثم موسى بن جعفر الكاظم ثم ولده علي الرضا ثم ولده ~~محمد الجواد ثم ولده علي الهادي ثم ولده الحسن العسكري ثم الإمام المنتظر. # واستدل على ذلك بوجوه ثلاثة: الأول: النقل المتواتر من الشيعة خلفا عن ~~سلف فإنه يدل على إمامة كل واحد من هؤلاء بالتنصيص، وقد نقل المخالفون ذلك ~~من طرق متعددة تارة على الإجمال وأخرى على التفصيل، كما روي عن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم متواترا أنه قال للحسين عليه السلام: هذا ابني ~~إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمة تسعة تاسعهم قائمهم، وغير ذلك من الأخبار. ~~وروي عن مسروق وقال: # بينا نحن عند عبد الله بن مسعود إذ قال له شاب: هل عهد إليكم نبيكم صلى ~~الله عليه وآله وسلم كم يكون من بعده خليفة، قال: إنك لحديث ms325 السن وإن هذا ~~شئ ما سألني أحد عنه نعم عهد إلينا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون ~~بعده اثنا عشر خليفة عدد نقباء بني إسرائيل. # الوجه الثاني: قد بينا أن الإمام يجب أن يكون معصوما وغير هؤلاء ليسوا ~~معصومين إجماعا، فتعينت العصمة لهم وإلا لزم خلو الزمان عن المعصوم، وقد ~~بينا استحالته. # الوجه الثالث: أن الكمالات النفسانية والبدنية بأجمعها موجودة في كل واحد ~~منهم، وكل واحد منهم كما هو كامل في نفسه كذا هو مكمل لغيره، وذلك يدل على ~~PageV00P539 # استحقاقه الرياسة العامة لأنه أفضل من كل أحد في زمانه ويقبح عقلا تقديم ~~المفضول على الفاضل فيجب أن يكون كل واحد منهم إماما، وهذا برهان لمي. # المسألة التاسعة في أحكام المخالفين قال: ومحاربوا علي عليه السلام كفرة ~~ومخالفوه فسقة. # أقول: المحارب لعلي عليه السلام كافر لقول النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: حربك يا علي حربي، ولا شك في كفر من حارب النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم. وأما مخالفوه في الإمامة فقد اختلف قول علمائنا فيهم، فمنهم من حكم ~~بكفرهم لأنهم دفعوا ما علم ثبوته من الدين ضرورة وهو النص الجلي الدال على ~~إمامته مع تواتره، وذهب آخرون إلى أنهم فسقة وهو الأقوى. # ثم اختلف هؤلاء على أقوال ثلاثة: أحدها: أنهم مخلدون في النار لعدم ~~استحقاقهم الجنة. الثاني: قال بعضهم: إنهم يخرجون من النار إلى الجنة. ~~الثالث: ما ارتضاه ابن نوبخت وجماعة من علمائنا أنهم يخرجون من النار لعدم ~~الكفر الموجب للخلود ولا يدخلون الجنة لعدم الأيمان المقتضي لاستحقاق ~~الثواب. PageV00P540 # قال: # المقصد السادس في المعاد (1) والوعد والوعيد وما يتصل بذلك # PageV00P541 # حكم المثلين واحد والسمع دل على إمكان المماثل (1) أقول: في هذا المقصد ~~مسائل: # المسألة الأولى في إمكان خلق عالم آخر وأعلم أن إيجاب المعاد يتوقف على ~~هذه المسألة ولأجل ذلك صدرها في أول المقصد، وقد اختلف الناس في ذلك وأطبق ~~المليون عليه وخالف فيه الأوائل واحتج المليون بالعقل والسمع، أما العقل ~~فنقول: العالم المماثل لهذا العالم ممكن الوجود ms326 لأن هذا العالم ممكن الوجود ~~وحكم المثلين واحد، فلما كان هذا العالم ممكنا وجب الحكم على الآخر ~~بالإمكان، وإلى هذا البرهان أشار بقوله: حكم المثلين واحد. وأما السمع ~~فقوله تعالى: (أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى ~~وهو الخلاق العليم). # قال: والكرية ووجوب الخلاء واختلاف المتفقات ممنوعة. # أقول: هذا إشارة إلى ما احتج الأوائل به على امتناع خلق عالم آخر، ~~وتقريره من وجهين: الأول: أنه لو وجد عالم آخر لكان كرة لأنه الشكل الطبيعي ~~فإن تلاقت الكرتان أو تباينتا لزم الخلاء. والجواب لا نسلم وجوب الكرية في # PageV00P542 # العالم الثاني، سلمنا لكن لا نسلم وجوب الخلاء لإمكان ارتسام الثاني في ~~ثخن بعض الأفلاك أو إحاطة المحيط (1) بالعالمين. الثاني: لو وجد عالم آخر ~~فيه نار وأرض وغيرهما فإن طلبت أمكنة هذه العناصر لزم قسرها دائما وإلا ~~اختلف المتفقات في الطباع في مقتضاها، (والجواب) لم لا يجوز أن يكون العالم ~~الآخر مخالفا لهذا العالم في الحقيقة؟ سلمنا لكن لم لا يجوز أن يكون ~~المكانان طبيعيين لهما؟ فهذا ما خطر لنا في تطبيق كلام المصنف - رحمة الله ~~عليه -. # المسألة الثانية في صحة العدم على العالم قال: والإمكان يعطي جواز العدم. # أقول: اختلف الناس في أن العالم هل يصح عدمه أم لا؟ فذهب المليون أجمع ~~إلى ذلك إلا من شذ ومنع منه القدماء واختلفوا فذهب قوم منهم إلى أن ~~الامتناع ذاتي وجعلوا العالم واجب الوجود، ونحن قد بينا خطأهم وبرهنا على ~~حدوثه فيكون ممكنا بالضرورة، وذهب آخرون إلى أن الامتناع باعتبار الغير ~~وذلك أن العالم معلول علة واجب الوجود فلا يمكن عدمه إلا بعدم علته ويستحيل ~~عدم واجب الوجود، ونحن قد بينا خطأهم في ذلك وبرهنا على أن المؤثر في ~~العالم قادر مختار، وذهبت الكرامية والجاحظ إلى استحالة عدم العالم بعد ~~وجوده بعد اعترافهم بالحدوث، لأن الأجسام باقية فلا تفنى بذاتها ولا ~~بالفاعل لأن شأنه الإيجاد لا الأعدام، إذ لا فرق في العقل بين نفي الفعل ~~وبين فعل العدم ولا ضد ms327 للأجسام لأنه بعد وجوده ليس إعدامه للباقي أولى من ~~عدمه به لوقوع التضاد من الطرفين، وأولوية الحادث بالتعلق بالسبب مشتركة ~~وبكثرته باطلة لامتناع اجتماع المثلين، وباسلتزام الجمع بين النقيضين باطلة ~~لانتفائه على تقدير القول # PageV00P543 # بعدم دخول الحادث في الوجود ولا بانتفاء الشرط لعود الكلام عليه وهو خطأ، ~~فإن الإعدام يستند إلى الفاعل كما يستند الوجود إليه والامتياز واقع بين ~~نفي الفعل وفعل العدم، سلمنا لكن لم لا يجوز أن يعدم بوجود الضد ويكون الضد ~~أولى بإعدامه وإن كان سبب الأولوية مجهولا؟ سلمنا لكن لم لا يجوز اشتراط ~~الجواهر بأعراض غير باقية يوجدها الله تعالى حالا فحالا، فإذا لم يجدد ~~العرض انتفت الجواهر؟ ودليل المصنف رحمه الله على مطلوبه من صحة العدم حجة ~~على الجميع وهو أنا بينا أن العالم ممكن الوجود فيستحيل انقلابه إلى ~~الامتناع أو الوجوب فيجوز عدمه كما جاز وجوده. # المسألة الثالثة في وقوع العدم وكيفيته قال: والسمع دل عليه. # أقول: يدل على وقوع العدم السمع وهو قوله تعالى: (هو الأول والآخر) وقوله ~~تعالى: (كل شئ هالم إلا وجهه) وقال تعالى: (كل من عليها فإن) وقد وقع ~~الاجماع على الفناء وإنما الخلاف في كيفيته على ما يأتي. # قال: ويتأول في المكلف (1) بالتفريق كما في قصة إبراهيم عليه السلام. # أقول: المحققون على امتناع إعادة المعدوم وسيأتي البرهان على وجوب ~~المعاد، وهاهنا قد بين أنه تعالى يعدم العالم وذلك ظاهر المناقضة فبين ~~المصنف مراده من الإعدام، أما في غير المكلفين وهم من لا يجب إعادته فلا ~~اعتبار به إذ لا يجب إعادته فجاز إعدامه بالكلية ولا يعاد، وأما المكلف ~~الذي يجب إعادته فقد تأول المصنف رحمه الله معنى إعدامه بتفريق أجزائه ولا ~~امتناع في ذلك، فإن المكلف # PageV00P544 # بعد تفريق أجزائه يصدق عليه أنه هالك بمعنى أنه غير منتفع به، أو يقال: ~~إنه هالك بالنظر إلى ذاته، إذ هو ممكن وكل ممكن فإنه بالنظر إلى ذاته لا ~~يجب له الوجود فلا يوجد، إذ لا وجود إلا للواجب بذاته أو بغيره فهو ms328 هالك ~~بالنظر إلى ذاته، فإذا فرق أجزاءه كان هو العدم فإذا أراد الله تعالى ~~إعادته جمع تلك الأجزاء وألفها كما كانت فذلك هو المعاد، ويدل على هذا ~~التأويل قوله تعالى في سؤال إبراهيم عليه السلام عن كيفية الإحياء للأجزاء ~~في الآخرة، لأنه تعالى لا يحيي الموتى في دار التكليف وإنما الإحياء يقع في ~~الآخرة، فسأل عليه السلام عن كيفية ذلك الإحياء وهو يشتمل على السؤال عن ~~جميع المقدمات التي يفعلها الله تعالى حتى يهيئهم ويعدهم لنفخ الروح، فأمره ~~الله تعالى بأخذ أربعة من الطير وتقطيعها وتفريق أجزائها ومزج بعض الأجزاء ~~ببعض ثم يفرقها ويضعها على الجبال ثم يدعوها، فلما دعاها ميز الله تعالى ~~أجزاء كل طير عن الآخر وجمع أجزاء كل طير وفرقها عن أجزاء الآخر حتى كملت ~~البنية التي كانت عليها أولا ثم أحياها الله تعالى ولم يعدم تلك الأجزاء ~~فكذا في المكلف، هذا ما فهمناه من قوله: كما في قصة إبراهيم عليه السلام، ~~فهذا هو كيفية الإعدام. # قال: وإثبات (1) الفناء غير معقول لأنه إن قام بذاته لم يكن ضدا وكذا إن ~~قام بالجوهر. # أقول: لما ذكر المذهب الحق في كيفية الإعدام شرع في إبطال مذهب المخالفين ~~في ذلك. واعلم أن من جملة من خالف في كيفية الإعدام جماعة من المعتزلة ~~ذهبوا إلى أن الإعدام ليس هو التفريق بل الخروج عن الوجود بأن يخلق الله ~~تعالى للجواهر (2) ضدا هو الفناء، وقد اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال: أحدها: # PageV00P545 # قال ابن الأخشيد: إن الفناء ليس بمتحيز ولا قائم بالمتحيز (1) إلا أنه ~~يكون حاصلا في جهة معينة، فإذا أحدثه الله تعالى فيها عدمت الجواهر بأسرها. ~~الثاني: # قال ابن شبيب: إن الله يحدث في كل جوهر فناءا ثم ذلك الفناء يقتضي عدم ~~الجوهر في الزمان الثاني فيجعله قائما بالمحل. الثالث: قال أبو علي وأبو ~~هاشم ومن تابعهما: إن الفناء يحدث لا في محل فيفني الجواهر كلها حال حدوثه، ~~ثم اختلفوا فذهب أبو هاشم وقاضي القضاة إلى أن الفناء الواحد كاف في عدم كل ms329 ~~الجواهر، وذهب أبو علي وأصحابه إلى أن لكل جوهر فناءا مضادا له لا يكفي ذلك ~~الفناء في عدم غيره. فإذا عرفت هذا فنقول: القول بالفناء على كل تقدير ~~فرضوه باطل (2) لأن الفناء إن قام بذاته كان جوهرا، إذ معنى الجوهر ذلك فلا ~~يكون ضدا للجوهر وإن كان غير قائم بذاته كان عرضا إذ هو معناه فيكون حالا ~~في الجوهر إما ابتداء أو بواسطة، وعلى كلا التقديرين فيستحيل أن يكون ~~منافيا للجواهر. # قال: ولانتفاء الأولوية (3). # أقول: يفهم من هذا الكلام أمران: أحدهما: إقامة دليل ثان على امتناع قيام ~~الفناء بالجوهر، وتقريره أن نقول: لو كان الفناء قائما بالجوهر لكان عرضا ~~حالا فيه ولم يكن اقتضاؤه لنفي محله أولى من اقتضاء محله لنفيه بل كان ~~انتفاء هذا الحال بالمحل أولى، إذ منع الضد دخول الضد الآخر في الوجود مع ~~إمكان إعدامه له أولى من اعدام المتجدد للضد الباقي وبالخصوص إذا كان محلا ~~له. الثاني: إقامة دليل ثان على انتفاء الفناء، وتقريره أن نقول: لو كان ~~الفناء ضدا للجواهر لم يكن إعدامه للجوهر الباقي أولى من اعدام الجوهر ~~الباقي له بمعنى منعه عن الدخول # PageV00P546 # في الوجود بل هو أولى لما تقدم. # قال: ولاستلزامه انقلاب الحقائق أو التسلسل. # أقول: القول بالفناء يستلزم أحد أمرين محالين: أحدهما: انقلاب الحقائق، ~~والثاني: التسلسل، وكل مستلزم للمحال فإنه محال قطعا، أما استحالة الأمرين ~~فظاهر، وأما بيان الملازمة فلأن الفناء إما أن يكون واجب الوجود بذاته أو ~~ممكن الوجود، والقسمان باطلان. أما الأول فلأنه قد كان معدوما وإلا لم توجد ~~الجواهر ثم صار موجودا وذلك يعطي إمكانه، وأما الثاني فلأنه يصح عليه العدم ~~وإلا لم يكن ممكنا، فعدمه إن كان لذاته كان ممتنعا بعد أن كان ممكنا، وذلك ~~يستلزم انقلاب الحقائق وإن كان بسبب الفاعل بطل أصل دليلكم، وإن كان بوجود ~~ضد آخر لزم التسلسل، هذا ما خطر لنا في معنى هذا الكلام. # قال: وإثبات بقاء لا في محل يستلزم الترجيح من غير مرجح أو اجتماع ~~النقيضين. # أقول: ذهب ms330 قوم منهم ابن شبيب إلى أن الجوهر باق ببقاء موجود لا في محل، ~~فإذا انتفى ذلك البقاء انتفى ذلك الجوهر، والمصنف رحمه الله أحال هذا ~~المذهب أيضا باستلزامه المحال، وذكر أن القول بذلك يستلزم أمرين: أحدهما: ~~الترجيح من غير مرجح، والثاني: اجتماع النقيضين. # والذي يخطر لنا في تفسير ذلك أمران: أحدهما: أن يقال: البقاء إما جوهر أو ~~عرض، والقسمان باطلان فالقول به باطل، أما الأول فلأنه لو كان جوهرا لم يكن ~~جعله شرطا لجوهر آخر أولى من العكس، فإما أن يكون كل واحد منهما شرطا ~~لصاحبه وهو دور، أو لا يكون أحدهما شرطا للآخر وهو المطلوب. وأما الثاني ~~فلأنه لو كان عرضا قائما بذاته لزم اجتماع النقيضين، إذ العرض هو الموجود ~~في المحل، فلو كان البقاء قائما لا في محل مع كونه عرضا لزم ما ذكرناه. # الثاني: أن يقال: البقاء إما واجب لذاته أو ممكن لذاته، والقسمان باطلان، ~~أما PageV00P547 # الأول فلأن وجوده بعد العدم يستلزم جواز عدمه والوجوب يستلزم عدم جوازه ~~وذلك جمع بين النقيضين، وأما الثاني فلأن عدمه في وقت دون آخر ترجيح من غير ~~مرجح لاستحالة استناده إلى ذاته وإلا لكان ممتنع الوجود مع إمكانه وذلك جمع ~~بين النقيضين، ولا إلى الفاعل ولا إلى الضد وإلا لجاز مثله في الجواهر، ~~فالقول بذلك هنا مع استحالته في الجواهر ترجيح من غير مرجح، ولا إلى انتفاء ~~الشرط وإلا لزم أن يكون للبقاء بقاء آخر فليس أحدهما بكونه صفة للآخر أولى ~~من العكس وذلك ترجيح من غير مرجح. # قال: وإثباته في المحل يستلزم توقف الشئ على نفسه إما ابتداء أو بواسطة. # أقول: ذهب جماعة من الأشاعرة والكعبي إلى أن الجواهر تبقى ببقاء قائم ~~بها، فإذا أراد الله تعالى إعدامها لم يفعل البقاء فانتفت الجواهر، والمصنف ~~رحمه الله أبطل ذلك باستلزامه توقف الشئ على نفسه إما ابتداء أو بواسطة. ~~وتقريره أن حصول البقاء في المحل يتوقف على وجود المحل في الزمان الثاني، ~~لكن حصوله في الزمان الثاني إما أن يكون هو البقاء ms331 أو معلوله، ويستلزم من ~~الأول توقف الشئ على نفسه ابتداء ومن الثاني توقفه على معلوله المتوقف ~~عليه، وذلك يقتضي توقف الشئ على نفسه بواسطة، فهذا ما يمكن حمل كلامه عليه. # المسألة الرابعة في وجوب المعاد الجسماني قال: ووجوب إيفاء الوعد والحكمة ~~يقتضي وجوب البعث، والضرورة قاضية بثبوت الجسماني من دين النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم مع إمكانه. # أقول: اختلف الناس هنا، فذهب الأوائل إلى نفي المعاد الجسماني وأطبق ~~المليون عليه، واستدل المصنف رحمه الله على وجوب المعاد مطلقا بوجهين: ~~الأول: أن PageV00P548 # الله تعالى وعد بالثواب وتوعد بالعقاب مع مشاهدة الموت للمكلفين، فوجب ~~القول بعودهم ليحصل الوفاء بوعده ووعيده. الثاني: أن الله تعالى قد كلف ~~وفعل الألم، وذلك يستلزم الثواب والعوض وإلا لكان ظالما تعالى الله عن ذلك ~~علوا كبيرا، فإنا قد بينا حكمته تعالى ولا ريب في أن الثواب والعوض أنما ~~يصلان إلى المكلف في الآخرة لانتفائهما في الدنيا. واستدل على ثبوت المعاد ~~الجسماني بأنه معلوم بالضرورة من دين محمد (1) صلى الله عليه وآله وسلم، ~~والقرآن دل عليه في آيات كثيرة بالنص مع أنه ممكن فيجب المصير إليه، وإنما ~~قلنا بأنه ممكن لأن المراد من الإعادة جمع الأجزاء المتفرقة وذلك جائز ~~بالضرورة. # قال: ولا تجب إعادة فواضل المكلف. # أقول: اختلف الناس في المكلف ما هو على مذاهب عرفت منها قول من يعتقد أن ~~المكلف هو النفس المجردة وهو مذهب الأوائل والنصارى والتناسخية والغزالي ~~والحليمي والراغب من الأشاعرة وابن الهيصم (2) من الكرامية وجماعة من ~~الإمامية والصوفية. (ومنها) قول جماعة من المحققين أن المكلف هو أجزاء ~~أصلية في هذا البدن لا يتطرق إليها الزيادة والنقصان، وإنما تقعان في أجزاء ~~المضافة إليها. # إذا عرفت هذا فنقول: الواجب في المعاد هو إعادة تلك الأجزاء الأصلية أو ~~النفس المجردة مع الأجزاء الأصلية، أما الأجسام المتصلة بتلك الأجزاء فلا ~~تجب إعادتها بعينها، وغرض المصنف رحمه الله بهذا الكلام الجواب عن اعتراضات ~~الفلاسفة على المعاد الجسماني وتقرير قولهم إن انسانا لو أكل آخر أو اغتذى ~~(1) بأجزائه ms332 فإن أعيدت أجزاء الغذاء إلى الأول عدم الثاني وإن أعيدت إلى ~~الثاني عدم الأول. # PageV00P549 # وأيضا إما أن يعيد الله تعالى جميع الأجزاء البدنية الحاصلة من أول العمر ~~إلى آخره أو القدر الحاصل له عند موته، والقسمان باطلان. أما الأول فلأن ~~البدن دائما في التحلل والاستخلاف، فلو أعيد البدن مع جميع الأجزاء منه لزم ~~عظمه في الغاية ولأنه قد يتحلل منه أجزاء تصير أجساما غذائية ثم يأكلها ذلك ~~الانسان بعينه حتى تصير أجزاء من عضو آخر غير العضو الذي كانت أجزاء له ~~أولا، فإذا أعيدت أجزاء كل عضو إلى عضوه لزم جعل ذلك الجزء جزءا من العضوين ~~وهو محال، وأما الثاني فلأنه قد يطيع العبد حال تركبه من أجزاء بعينها ثم ~~تتحلل تلك الأجزاء ويعصي في أجزاء أخرى فإذا أعيد في تلك الأجزاء بعينها ~~وأثابها على الطاعة لزم إيصال الحق إلى غير مستحقه. وتقرير الجواب واحد وهو ~~أن لكل مكلف أجزاءا أصلية لا يمكن أن تصير جزءا من غيرها بل تكون فواضل من ~~غيره لو اغتذى بها (1) فإذا أعيدت جعلت أجزاء أصلية لما كانت أصلية له ~~أولا، وتلك الأجزاء هي التي تعاد وهي باقية من أول العمر إلى آخره. # قال: وعدم انخراق الأفلاك وحصول الجنة فوقها ودوام الحياة مع الاحتراق ~~وتولد البدن من غير التوالد وتناهي القوى الجسمانية استبعادات. # أقول: احتج الأوائل على امتناع المعاد الجسماني بوجوه: أحدها: أن السمع ~~قد دل على انتثار الكواكب وانخراق الأفلاك وذلك محال. الثاني: أن حصول ~~الجنة فوق الأفلاك كما ذهب إليه المسلمون يقتضي عدم الكرية. الثالث: أن ~~بقاء الحياة مع دوام الاحتراق في النار محال. الرابع: أن تولد الأشخاص وقت ~~الإعادة من غير توالد الأبوين باطل. الخامس: أن القوى الجسمانية متناهية ~~والقول بدوام نعيم أهل الجنة قول بعدم التناهي. # والجواب عن الكل واحد وهو أن هذه استبعادات، أما الأفلاك فلأنها حادثة # PageV00P550 # على ما تقرر أولا فيمكن انخراقها كما يمكن عدمها، فكذا حصول الجنة فوق ~~الأفلاك، ودوام الاحتراق مع بقاء الجسم ممكن ولأنه تعالى قادر ms333 على كل مقدور ~~فيمكن استحالة الجسم إلى أجزاء نارية ثم يعيدها الله تعالى هكذا دائما، ~~والتولد ممكن كما في آدم عليه السلام، والقوى الجسمانية قد لا يتناهى أثرها ~~إذا كانت واسطة في التأثير. # المسألة الخامسة في الثواب والعقاب قال: ويستحق الثواب (1) والمدح بفعل ~~الواجب والمندوب وفعل ضد القبيح والاخلال به بشرط فعل الواجب لوجوبه أو ~~لوجه وجوبه والمندوب كذلك والضد لأنه ترك القبيح والاخلال به لأنه إخلال ~~لأن المشقة من غير عوض ظلم ولو أمكن الابتداء به كان عبثا. # أقول: المدح قول ينبئ عن ارتفاع حال الغير مع القصد إلى الرفع منه، ~~والثواب هو النفع المستحق المقارن للتعظيم والاجلال، والذم قول ينبئ عن ~~اتضاع حال الغير مع قصده، والعقاب هو الضرر المستحق المقارن للاستخفاف ~~والإهانة. والمدح والثواب يستحقان بفعل الواجب وفعل المندوب وفعل ضد القبيح ~~وهو الترك له على ما ذهب من يثبت الترك ضدا (2) والاخلال بالقبيح. ومنع # PageV00P551 # أبو علي وجماعة من المعتزلة استحقاق المدح والثواب بالاخلال بالقبيح ~~وصارا إلى ذلك لأن المكلف يمتنع خلوه من الأخذ والترك الذي هو فعل الضد، ~~والحق ما ذكره المصنف رحمه الله فإن العقلاء يستحسنون ذم المخل بالواجب وإن ~~لم يتصوروا منه فعلا كما يستحسنون ذمه على فعل القبيح. # واعلم أنه يشترط في استحقاق الفاعل المدح والثواب إيقاع الواجب لوجوبه أو ~~لوجه وجوبه، وكذا المندوب يفعله لندبه أو لوجه ندبه، وكذا في ترك القبيح ~~يتركه لكونه ترك قبيح أو لوجه ذلك والاخلال بالقبيح لكونه إخلالا بالقبيح ~~فإنه لو فعل الواجب أو المندوب لا لما ذكرناه لم يستحق مدحا ولا ثوابا ~~عليهما، وكذا لو ترك القبيح لغرض آخر من لذة أو غيرها لم يستحق المدح ~~والثواب. # والدليل على استحقاق الثواب بفعل الطاعة أنها مشقة قد ألزمها الله تعالى ~~المكلف، فإن لم يكن لغرض كان عبثا وظلما وهو قبيح لا يصدر عن الحكيم، وإن ~~كان لغرض فأما الإضرار وهو ظلم وأما النفع وهو إما أن يصح الابتداء به أو ~~لا، والأول باطل وإلا لزم العبث في ms334 التكليف، والثاني هو المطلوب وذلك النفع ~~هو المستحق بالطاعة المقارن للتعظيم والاجلال فإنه يقبح الابتداء بذلك لأن ~~تعظيم من لا يستحقه قبيح. # قال: وكذا يستحق العقاب والذم بفعل القبيح والاخلال بالواجب لاشتماله على ~~اللطف وللسمع (1). # أقول: كما أن الطاعة سبب لاستحقاق الثواب فكذا المعصية وهي فعل القبيح # PageV00P552 # وترك الواجب سبب لاستيجاب العقاب (1) لوجهين: أحدهما: عقلي كما ذهب إليه ~~جماعة من العدلية، وتقريره أن العقاب لطف واللطف واجب، أما الصغرى فلأن ~~المكلف إذا عرف أن مع المعصية يستحق العقاب (2) فإنه يبعد عن فعلها ويقرب ~~إلى فعل ضدها وهو معلوم قطعا، وأما الكبرى فقد تقدمت. الثاني: سمعي وهو ~~الذي ذهب إليه باقي العدلية، وهو متواتر معلوم من دين النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم. # إذا عرفت هذا فنقول: ذهب جماعة إلى أن الاخلال بالواجب لا يقتضي استحقاق ~~ذم ولا عقاب، بل المقتضي لذلك هو فعل القبيح أو ضد فعل الواجب وهو تركه، ~~وقد تقدم بيان ذلك. # قال: ولا استبعاد في اجتماع الاستحقاقين باعتبارين. # أقول: هذا جواب عن حجة من منع من كون الإخلال بالواجب سببا لاستحقاق ~~الذم، وتقريره أنه لو كان ذلك سببا والاخلال بالقبيح سبب للمدح لكان المكلف ~~إذا خلا من الأمرين مستحقا للذم والمدح. والجواب لا استبعاد في اجتماع ~~الاستحقاقين باعتبارين فيذم على أحدهما ويمدح على الآخر، كما إذا فعل طاعة ~~ببعض أعضائه ومعصية بالبعض الآخر. # قال: وإيجاب المشقة في شكر النعمة قبيح (3). # أقول: ذهب أبو القاسم البلخي إلى أن هذه التكاليف وجبت شكرا للنعمة فلا ~~تستلزم وجوب الثواب ولا يستحق بفعلها نفع وإنما الثواب تفضل من الله تعالى، ~~وذهب جماعة من العدلية إلى خلاف هذا القول، واحتج المصنف رحمه الله على ~~إبطاله بأنه يقبح عند العقلاء أن ينعم الانسان على غيره ثم يكلفه ويوجب ~~عليه شكره # PageV00P553 # ومدحته على تلك النعمة من غير إيصال ثواب إليه ويعدون ذلك نقصا في المنعم ~~وينسبون إلى الرياء، وذلك قبيح لا يصدر من الحكيم فوجب القول باستحقاق ~~الثواب. # قال: ولقضاء العقل به مع الجهل. ms335 # أقول: هذا دليل ثان على إبطال قول البلخي، وتقريره أن العقلاء بأسرهم ~~يجزمون بوجوب شكر المنعم، وإذا كان وجوب الشكر معلوما بالعقل مع أن العقل ~~لا يدرك التكاليف الشرعية وجب القول بكونها ليست شكرا. # قال: ويشترط في استحقاق الثواب (1) كون الفعل أو الاخلال به شاقا لا رفع ~~الندم على فعله ولا انتفاء النفع العاجل إذا فعل للوجه. # أقول: يشترط في استحقاق الثواب كون الفعل المكلف به الواجب أو المندوب ~~شاقا وكون الاخلال بالقبيح شاقا، إذ المقتضي لاستحقاق الثواب هو المشقة ~~فإذا انتفت انتفى المقتضي للاستحقاق، ولا يشترط رفع الندم على فعل الطاعة ~~فإن الطاعة سبب لاستحقاق الثواب، وقد وجدت منفكة عنه لأنه في حال الفعل ~~يستحيل أن يكون نادما عليه. نعم نفي الندم شرط في بقاء استحقاق الثواب، ~~وكذا لا يشترط في الثواب عدم النفع العاجل إذا أوقعه المكلف لوجه الوجوب أو ~~للوجوب أو لوجه الندب أو للندب. # المسألة السادسة في صفات الثواب والعقاب قال: ويجب اقتران الثواب ~~بالتعظيم والعقاب بالإهانة للعلم الضروري # PageV00P554 # باستحقاقهما مع فعل موجبهما. # أقول: ذهبت المعتزلة إلى أن الثواب نفع عظيم مستحق يقارنه التعظيم، ~~والعقاب ضرر عظيم مستحق يقارنه الإهانة، واحتجوا على وجوب اقتران التعظيم ~~بالثواب واقتران الإهانة بالعقاب بأنا نعلم بالضرورة أن فاعل الفعل الشاق ~~(1) المكلف به فإنه يستحق التعظيم والمدح، وكذلك من فعل القبيح فإنه يستحق ~~الإهانة والاستخفاف. # قال: ويجب دوامهما لاشتماله على اللطفية (2) ولدوام المدح والذم ولحصول ~~نقيضيهما لولاه. # أقول: ذهب المعتزلة إلى أن الثواب والعقاب دائمان، واختلف في العلم ~~بدوامهما هل هو عقلي أو سمعي؟ فذهبت المعتزلة إلى أنه عقلي، وذهبت المرجئة ~~إلى أنه سمعي. # واحتج المصنف رحمه الله على دوامهما بوجوه: أحدها: أن العلم بدوام الثواب ~~والعقاب يبعث العبد على فعل الطاعة ويبعده عن المعصية وذلك ضروري، وإذا كان ~~كذلك كان لطفا واللطف واجب على ما مر. الثاني: أن المدح والذم دائمان، إذ ~~لا وقت إلا ويحسن مدح المطيع وذم العاصي إذا لم يظهر منه ندم على ما فعل، ~~وهما معلولا ms336 الطاعة والمعصية فيجب كون الطاعة والمعصية في حكم الدائمتين، ~~فيجب دوام الثواب والعقاب لأن دوام أحد المعلولين يستلزم دوام المعلول ~~الآخر، لأن العلة تكون دائمة أو في حكم الدائمة. الثالث: أن الثواب لو كان ~~منقطعا لحصل لصاحبه الألم بانقطاعه، ولو كان العقاب منقطعا لحصل لصاحبه ~~السرور (3) بانقطاعه، وذلك ينافي الثواب والعقاب لأنهما خالصان عن الشوائب، ~~هذا ما # PageV00P555 # فهمناه من كلام المصنف رحمه الله. وقوله: لحصول نقيضيهما، يعني نقيضي ~~الثواب والعقاب، لولاه أي لولا الدوام. # قال: ويجب خلوصهما وإلا لكان الثواب أنقص حالا من العوض والتفضل على ~~تقدير حصوله فيهما وهو أدخل في باب الزجر. # أقول: يجب خلوص الثواب والعقاب عن الشوائب، أما الثواب فلأنه لولا ذلك ~~لكان العوض والتفضل أكمل منه لأنه يجوز خلوصهما عن الشوائب وحينئذ يكون ~~الثواب أنقص درجة وأنه غير جائز، وأما العقاب فلأنه أعظم في الزجر (1) ~~فيكون لطفا. # قال: وكل ذي مرتبة في الجنة (2) لا يطلب الأزيد ويبلغ سرورهم بالشكر إلى ~~حد انتفاء المشقة وغناؤهم بالثواب ينفي مشقة ترك القبائح وأهل النار يلجأون ~~إلى ترك القبيح. # أقول: لما ذكر أن الثواب خالص عن الشوائب ورد عليه أن أهل الجنة يتفاوتون ~~في الدرجات، فالأنقص إذا شاهد من هو أعظم ثوابا حصل له الغم بنقص درجته عنه ~~وبعدم اجتهاده في العبادة وأيضا، فإنه يجب عليهم الشكر لنعم الله تعالى ~~والاخلال بالقبائح وفي ذلك مشقة. والجواب عن الأول أن شهوة كل # PageV00P556 # مكلف مقصورة على ما حصل له ولا يغتم بفقد الأزيد لعدم اشتهائه له، وعن ~~الثاني أنه يبلغ سرورهم بالشكر على النعمة إلى حد تنتفي المشقة معه. وأما ~~الاخلال بالقبائح فإنه لا مشقة عليهم فيها لأنه تعالى يغنيهم بالثواب ~~ومنافعه عن فعل القبيح فلا تحصل لهم مشقة، أما أهل النار فإنهم يلجأون إلى ~~فعل ما يجب عليهم وترك القبائح فلا تصدر عنهم، وليس ذلك تكليفا لأنه بالغ ~~حد الالجاء ويحصل من ذلك نوع من العقاب أيضا. # قال: ويجوز توقف الثواب على شرط وإلا لأثيب العارف بالله تعالى خاصة. # أقول: ms337 ذهب جماعة إلى أن الثواب يجوز أن يكون موقوفا على شرط ومنعه آخرون، ~~والأول هو الحق، والدليل عليه أنه لولا ذلك لكان العارف بالله تعالى وحده ~~مثابا مع عدم نظره في المعجزة وعدم تصديقه بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ~~والتالي باطل إجماعا فكذا المقدم، بيان الشرطية أن المعرفة طاعة مستقلة ~~بنفسها فلو لم يتوقف الثواب عليها على شرط لوجبت إثابة من لم يصدق بالنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم حيث لم ينظر في معجزته. # قال: وهو مشروط بالموافاة (1) لقوله تعالى: (لئن أشركت ليحبطن عملك) # PageV00P557 # وقوله تعالى: (ومن يرتدد منكم عن دينه). # أقول: اختلف المعتزلة على أربعة أقوال: فقال بعضهم: إن الثواب والعقاب ~~يستحقان في وقت وجود الطاعة والمعصية وأبطلوا القول بالموافاة. وقال آخرون: # إنهما يستحقان في الدار الآخرة. وقال آخرون: إنهما يستحقان حال الاخترام. # وقال آخرون: إنهما يستحقان في الحال بشرط الموافاة، فإن كان في علم الله ~~تعالى أنه يوافي الطاعة سليمة إلى حال الموت أو الآخرة استحق بها الثواب في ~~الحال وكذا المعصية وإن كان في علمه تعالى أنه يحبط الطاعة أو يتوب من ~~المعصية قبل الموافاة لم يستحق الثواب ولا العقاب بهما، واستدل المصنف رحمه ~~الله على القول بالموافاة بقوله تعالى: (لئن أشركت ليحبطن عملك) وبقوله ~~تعالى: # (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم) وتقريره أن ~~نقول (1): إما أن يكون المراد بالاحباط هنا كون العمل باطلا في أصله أو أن # PageV00P558 # الثواب يسقط بعد ثبوته أو أن الكفر أبطله، والأولان باطلان. أما الأول ~~فلأنه علق بطلانه بالشرك المتجدد ولأنه شرط وجزاء وهما أنما يقعان في ~~المستقبل وبالأول يبطل الثاني، وأما الثاني فلما يأتي من بطلان التحابط ~~فتعين الثالث. # المسألة السابعة في الإحباط والتكفير قال: والاحباط باطل (1) لاستلزامه ~~الظلم ولقوله تعالى: (فمن يعمل مثقال # PageV00P559 # ذرة خيرا يره). # أقول: اختلف الناس هنا، فقال جماعة من المعتزلة بالاحباط والتكفير، ~~ومعناهما أن المكلف يسقط ثوابه المتقدم بالمعصية المتأخرة أو تكفر ذنوبه ~~المتقدمة بطاعته المتأخرة ونفاهما المحققون، ثم القائلون ms338 بهما اختلفوا فقال ~~أبو علي: إن المتأخر يسقط المتقدم ويبقى على حاله. وقال أبو هاشم: إنه ~~ينتفي الأقل بالأكثر وينتفي من الأكثر بالأقل ما ساواه ويبقى الزائد مستحقا ~~وهذا هو الموازنة، ويدل على بطلان الاحباط أنه يستلزم الظلم لأن من أساء ~~وأطاع وكانت إساءته أكثر يكون بمنزلة من لم يحسن وإن كان إحسانه أكثر يكون ~~بمنزلة من لم يسئ وإن تساويا يكون مساويا لمن لم يصدر عنه أحدهما وليس كذلك ~~عند العقلاء، ولقوله تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ~~ذرة شرا يره) والايفاء بوعده ووعيده واجب. # قال: ولعدم الأولوية إذا كان الآخر ضعفا (1) وحصول المتناقضين مع ~~التساوي. # PageV00P560 # أقول: هذا دليل على إبطال قول أبي هاشم بالموازنة، وتقريره أنا إذا فرضنا ~~أنه استحق المكلف خمسة أجزاء من الثواب وعشرة أجزاء من العقاب، فليس إسقاط ~~إحدى الخمستين من العقاب بالخمسة من الثواب أولى من الأخرى، فإما أن يسقطا ~~معا وهو خلاف مذهبه أو لا يسقط شئ منهما وهو المطلوب، ولو فرضنا أنه فعل ~~خمسة أجزاء من الثواب وخمسة أجزاء من العقاب فإن تقدم إسقاط أحدهما للآخر ~~لم يسقط الباقي بالمعدوم لاستحالة صيرورة المغلوب والمعدوم غالبا ومؤثرا، ~~وإن تقارنا لزم وجودهما معا لأن وجود كل منهما نفي وجود الآخر فيلزم ~~وجودهما حال عدمهما، وذلك جمع بين المتناقضين. # المسألة الثامنة في انقطاع عذاب أصحاب الكبائر قال: والكافر مخلد (1) ~~وعذاب صاحب الكبيرة منقطع لاستحقاقه الثواب بإيمانه ولقبحه عند العقلاء. # أقول: أجمع المسلمون كافة على أن عذاب الكافر مؤبد لا ينقطع، واختلفوا # PageV00P561 # في أصحاب الكبائر من المسلمين فالوعيدية على أنه كذلك، وذهبت الإمامية ~~وطائفة كثيرة من المعتزلة والأشاعرة إلى أن عذابه منقطع، وينبغي أن يعرف ~~هنا الصغير والكبير من الذنب (1) أما الصغير فيقال على وجوه: # (منها): ما يقال بالإضافة إلى الطاعة، فيقال: هذه المعصية صغيرة في ~~مقابلة الطاعة أو هي أصغر من هذه الطاعة، باعتبار أن عقابها ينقص في كل وقت ~~عن ثواب تلك الطاعة في كل وقت، وإنما شرطنا عموم الوقت ms339 لأنه متى اختلف ~~الحال في ذلك بأن يزيد تارة ثواب الطاعة عن عقاب المعصية وتارة ينقص لم نقل ~~إن تلك صغيرة بالإضافة إلى تلك الطاعة على الإطلاق، بل تقيد بالحالة التي ~~يكون عقابها أقل من ثواب الطاعة وحصول الاختلاف بما يقترن بالطاعة ~~والمعصية، فإن الإنفاق في سبيل الله مختلف كما قال تعالى: (لا يستوي منكم ~~من أنفق من قبل الفتح). # (ومنها) أن يقال بالنسبة إلى معصية أخرى، فيقال: هذه المعصية أصغر من ~~تلك، بمعنى أن عقاب هذه ينقص في كل وقت عن عقاب الأخرى. # (ومنها) أن يقال بالإضافة إلى ثواب فاعلها، بمعنى أن عقابها ينقص في كل ~~وقت عن ثواب فاعلها في كل وقت، هذا هو الذي يطلقه العلماء عليه، والكبير ~~يقال على وجوه مقابلة لهذه الوجوه. # إذا عرفت هذا فنقول: الحق أن عقاب أصحاب الكبائر منقطع، والدليل عليه ~~وجهان: الأول: أنه يستحق الثواب بإيمانه لقوله تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة ~~خيرا يره) والإيمان أعظم أفعال الخير، فإذا استحق العقاب بالمعصية فإما أن ~~يقدم الثواب على العقاب وهو باطل بالاجماع لأن الثواب المستحق بالإيمان ~~دائم على ما تقدم أو بالعكس وهو المراد والجمع محال. الثاني: يلزم أن يكون ~~من عبد الله # PageV00P562 # تعالى مدة عمره بأنواع القربات إليه ثم عصى في آخر عمره معصية واحدة مع ~~بقاء إيمانه مخلدا في النار كمن أشرك بالله تعالى مدة عمره، وذلك محال ~~لقبحه عند العقلاء. # قال: والسمعيات متأولة ودوام العقاب مختص بالكافر. # أقول: هذا إشارة إلى الجواب عن حجج الوعيدية واحتجوا بالنقل والعقل. # (أما النقل) فالآيات الدالة على خلودهم كقوله تعالى: (ومن يعص الله ~~ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها) وقوله تعالى: (ومن يقتل مؤمنا ~~متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها) إلى غير ذلك من الآيات. (وأما العقل) فما ~~تقدم من أن العقاب والثواب يجب دوامهما. (والجواب) عن السمع التأويل إما ~~بمنع العموم والتخصيص بالكفار وإما بتأويل الخلود بالبقاء المتطاول وإن لم ~~يكن دائما، وعن العقل بأن دوام العقاب أنما هو في حق الكافر ms340 أما غيره فلا. # المسألة التاسعة في جواز العفو قال: والعفو واقع لأنه حقه تعالى فجاز ~~إسقاطه ولا ضرر عليه في تركه مع ضرر النازل به فحسن إسقاطه ولأنه إحسان. # أقول: ذهب جماعة من معتزلة بغداد إلى أن العفو جائز عقلا غير جائز سمعا، ~~وذهب البصريون إلى جوازه سمعا وهو الحق، واستدل عليه المصنف رحمه الله ~~بوجوه (1)، الأول أن العقاب حق لله تعالى فجاز تركه والمقدمتان ظاهرتان. # PageV00P563 # الثاني: أن العقاب ضرر بالمكلف ولا ضرر في تركه على مستحقه وكل ما كان ~~كذلك كان تركه حسنا، أما أنه ضرر بالمكلف فضروري وأما عدم الضرر في تركه ~~فقطعي لأنه تعالى غني بذاته عن كل شئ وأما إن ترك مثل هذا حسن فضروري. # قال: وللسمع. # أقول: هذا دليل الوقوع سمعا وهو الآيات الدالة على العفو كقوله تعالى: ~~(إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) فإما أن يكون هذان ~~الحكمان مع التوبة أو بدونها، والأول باطل لأن الشرك يغفر مع التوبة فتعين ~~الثاني، (وأيضا) المعصية مع التوبة يجب غفرانها وليس المراد في الآية ~~المعصية التي يجب غفرانها، لأن الواجب لا يعلق بالمشيئة فما كان يحسن قوله ~~لمن يشاء فوجب عود الآية إلى معصية لا يجب غفرانها كقوله تعالى: وإن ربك ~~لذو مغفرة للناس على ظلمهم و (على) تدل على الحال أو الغرض كما يقال: ضربت ~~زيدا على عصيانه، أي لأجل عصيانه وهو غير مراد هنا قطعا فتعين الأول. ~~(وأيضا) فالله تعالى قد نطق في كتابه العزيز بأنه عفو غفور، وأجمع المسلمون ~~عليه ولا معنى له إلا إسقاط العقاب عن العاصي. # المسألة العاشرة في الشفاعة (1) قال: والاجماع على الشفاعة فقيل لزيادة ~~المنافع ويبطل بنا في حقه صلى الله عليه وآله. # PageV00P564 # أقول: اتفقت العلماء على ثبوت الشفاعة للنبي صلى الله عليه وآله، ويدل ~~عليه قوله تعالى: (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) قيل: إنه الشفاعة، ~~واختلفوا فقالت الوعيدية: إنها عبارة عن طلب زيادة المنافع للمؤمنين ~~المستحقين للثواب، وذهبت التفضلية إلى أن ms341 الشفاعة للفساق من هذه الأمة في ~~إسقاط عقابهم وهو الحق، وأبطل المصنف الأول بأن الشفاعة لو كانت في زيادة ~~المنافع لا غير لكنا شافعين في النبي صلى الله عليه وآله حيث نطلب له من ~~الله تعالى علو الدرجات، والتالي باطل قطعا لأن الشافع أعلى من المشفوع فيه ~~فالمقدم مثله. # قال: ونفي المطاع لا يسلتزم نفي المجاب وباقي السمعيات متأولة بالكفار ~~(1). # أقول: هذا إشارة إلى جواب من استدل على أن الشفاعة أنما هي في زيادة ~~المنافع، وقد استدلوا بوجوه: الأول: قوله تعالى: (ما للظالمين من حميم ولا ~~شفيع يطاع) نفى الله تعالى قبول الشفاعة عن الظالم والفاسق ظالم. (والجواب) ~~أنه تعالى نفى الشفيع المطاع ونحن نقول به لأنه ليس في الآخرة شفيع يطاع ~~لأن المطاع فوق المطيع والله تعالى فوق كل موجود ولا أحد فوقه، ولا يلزم من ~~نفي الشفيع المطاع نفي الشفيع المجاب، سلمنا لكن لم لا يجوز أن يكون المراد ~~بالظالمين هنا الكفار جمعا بين الأدلة؟ الثاني: قوله تعالى: (وما للظالمين ~~من أنصار) ولو شفع عليه السلام في الفاسق لكان ناصرا له. الثالث: قوله ~~تعالى: (ولا تنفعها شفاعة) (يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا) (فما تنفعهم ~~شفاعة الشافعين) والجواب عن هذه الآيات كلها أنها مختصة بالكفار جمعا بين ~~الأدلة. الرابع: قوله تعالى: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) نفي شفاعة ~~الملائكة عن غير المرتضى لله تعالى والفاسق غير مرتضى (2) والجواب لا نسلم ~~أن الفاسق غير مرتضى بل هو # PageV00P565 # مرتضى لله تعالى في إيمانه. # قال: وقيل في إسقاط المضار والحق صدق الشفاعة فيهما وثبوت الثاني له صلى ~~الله عليه وآله بقوله: ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي. # أقول: هذا هو المذهب الثاني الذي حكيناه أولا وهو أن الشفاعة في إسقاط ~~المضار، ثم بين المصنف رحمه الله أنها تطلق على المعنيين معا، كما يقال: ~~شفع فلان في فلان إذا طلب له زيادة منافع أو إسقاط مضار وذلك متعارف عند ~~العقلاء، ثم بين أن الشفاعة بالمعنى الثاني - أعني إسقاط المضار - ثابتة ~~للنبي ms342 صلى الله عليه وآله وسلم: ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، وذلك ~~حديث مشهور. # المسألة الحادية عشرة في وجوب التوبة قال: والتوبة واجبة (1) لدفعها ~~الضرر ولوجوب الندم على كل قبيح أو إخلال بواجب. # أقول: التوبة هي الندم على المعصية لكونها معصية والعزم على ترك المعاودة ~~في المستقبل لأن ترك العزم يكشف عن نفي الندم، وهي واجبة بالاجماع لكن ~~اختلفوا فذهب جماعة من المعتزلة إلى أنها تجب من الكبائر المعلوم كونها ~~كبائر أو المظنون فيها ذلك ولا يجب من الصغائر المعلوم منها أنها صغائر. ~~وقال آخرون: إنها لا تجب من ذنوب تاب عنها من قبل. وقال آخرون: إنها تجب من ~~كل صغير وكبير من المعاصي أو الاخلال بالواجب سواء تاب عنها قبل أو لم يتب. # وقد استدل المصنف على وجوبها بأمرين: الأول: أنها دافعة للضرر الذي هو ~~العقاب أو الخوف منه ودفع الضرر واجب. الثاني: أنا نعلم قطعا وجوب الندم ~~على # PageV00P566 # فعل القبيح أو الاخلال بالواجب. إذا عرفت هذا فنقول: إنها تجب عن كل ذنب ~~لأنها تجب من المعصية لكونها معصية ومن الاخلال بواجب لكونه كذلك، وهذا عام ~~في كل ذنب وإخلال بواجب. # قال: ويندم على القبيح لقبحه وإلا انتفت وخوف النار إن كان الغاية فكذلك ~~وكذا الاخلال. # أقول: يجب على التائب أن يندم على القبيح لقبحه وأن يعزم على ترك ~~المعاودة إليه، إذ لولا ذلك انتفت التوبة كمن يتوب عن المعصية حفظا لسلامة ~~بدنه أو لعرضه بحيث لا ينثلم عند الناس، فإن مثل هذا لا يعد توبة لانتفاء ~~الندم فيه. # وأما التائب خوفا من النار فإن كان الخوف من النار هو الغاية في توبته ~~بمعنى أنه لولا خوف النار لم يتب فكذلك أي لا يصح منه التوبة لأنها ليست ~~توبة عن القبيح لقبحه، فجرى مجرى طالب سلامة البدن وإن لم يكن هو الغاية ~~بأن يندم عليه لأنه قبيح وفيه عقاب النار ولولا القبح لما ندم عليه وإن كان ~~فيه خوف النار صحت توبته، وكذا الاخلال بالواجب إن ندم عليه لأنه ms343 إخلال ~~بواجب وعزم على فعل الواجب في المستقبل لأجل كونه إخلالا بواجب، فهي توبة ~~صحيحة وإن كان خوفا من النار أو من فوات الجنة، فإن كان هو الغاية لم تصح ~~توبته وإلا كانت صحيحة، ولهذا إن المسئ لو اعتذر إلى المظلوم لا لأجل ~~إساءته بل لخوفه من عقوبة السلطان لم يقبل العقلاء عذره. # قال: فلا تصح من البعض ولا يتم القياس على الواجب. # أقول: اختلف شيوخ المعتزلة فذهب أبو هاشم إلى أن التوبة لا تصح من قبيح ~~دون قبيح، وذهب أبو علي إلى جواز ذلك، والمصنف رحمه الله استدل على مذهب ~~أبي هاشم بأنا قد بينا أنه يجب أن يندم على القبيح لقبحه ولولا ذلك لم تكن ~~مقبولة على ما تقدم والقبح حاصل في الجميع، فلو تاب من قبيح دون قبيح كشف ~~ذلك عن كونه تائبا عنه لا لقبحه. PageV00P567 # واحتج أبو علي بأنه لو لم تصح التوبة عن قبيح دون قبيح لم يصح الاتيان ~~بواجب دون واجب، والتالي باطل فالمقدم مثله، بيان الشرطية أنه كما يجب عليه ~~ترك القبيح لقبحه كذا يجب عليه فعل الواجب لوجوبه، فلو لزم من اشتراك ~~القبائح في القبح عدم صحة التوبة من بعض القبائح دون بعض لزم من اشتراك ~~الواجبات في الوجوب عدم صحة الاتيان بواجب دون آخر. وأما بطلان التالي ~~فبالاجماع، إذ لا خلاف في صحة صلاة من أخل بالصوم. وأجاب أبو هاشم بالفرق ~~بين ترك القبيح لقبحه وفعل الواجب لوجوبه بالتعميم في الأول دون الثاني، ~~فإن من قال: لا آكل الرمانة لحموضتها، فإنه لا يقدم على أكل كل حامض لاتحاد ~~الجهة في المنع، ولو أكل الرمانة لحموضتها لم يلزم أن يتناول كل رمانة ~~حامضة فافترقا، وإليه أشار المصنف رحمه الله بقوله: ولا يتم القياس على ~~الواجب، أي لا يتم قياس ترك القبيح لقبحه على فعل الواجب لوجوبه. # قال: ولو اعتقد فيه الحسن صحت. # أقول: قد تصح التوبة من قبيح دون قبيح إذا اعتقد التائب في بعض القبائح ~~أنها حسنة وتاب عما يعتقده قبيحا، ms344 فإنه يقبل توبته لحصول الشرط فيه وهو ~~ندمه على القبيح لقبحه، ولهذا إذا تاب الخارجي عن الزنا فإنه يقبل توبته ~~وإن كان اعتقاده قبيحا، لأنه لا يعتقده كذلك فيصدق في حقه أنه تاب عن ~~القبيح لقبحه. # قال: وكذا المستحقر (1). # أقول: إذا كان هناك فعلان: أحدهما عظيم القبح والآخر صغيره وهو مستحقر ~~بالنسبة إليه حتى لا يكون معتدا به، ويكون وجوده بالنسبة إلى العظيم كعدمه ~~حتى تاب فاعل القبيح من العظيم فإنه تقبل توبته، مثال ذلك: إن الانسان إذا ~~قتل ولد غيره وكسر له قلما ثم تاب وأظهر الندم على قتل الولد دون كسر القلم ~~فإنه تقبل # PageV00P568 # توبته ولا يعتد العقلاء بكسر القلم وإن كان لا بد من أن يندم على جميع ~~إساءته، وكما أن كسر القلم حال قتل الولد لا يعد إساءة فكذا الندم. # قال: والتحقيق (1) أن ترجيح الداعي إلى الندم عن البعض يبعث عليه وإن ~~اشترك الداعي في الندم على القبيح كما في الدواعي إلى الفعل، ولو اشترك ~~الترجيح اشترك وقوع الندم وبه يتأول كلام أمير المؤمنين وأولاده عليهم ~~السلام وإلا لزم الحكم ببقاء الكفر على التائب منه المقيم على صغيرة. # أقول: لما شرع في تقرير كلام أبي هاشم ذكر التحقيق في هذا المقام، ~~وتقريره أن نقول: الحق أنه تجوز التوبة عن قبيح دون قبيح، لأن الأفعال تقع ~~بحسب الدواعي وتنتفي بحسب الصوارف، فإذا ترجح الداعي وقع الفعل. # إذا عرفت هذا فنقول: يجوز أن يرجح فاعل القبائح دواعيه إلى الندم على بعض ~~القبائح دون بعض، وإن كانت القبائح مشتركة في أن الداعي يدعو إلى الندم ~~عليها، وذلك بأن تقترن ببعض القبائح قرائن زائدة كعظم الذنب أو كثرة ~~الزواجر عنه أو الشناع عند العقلاء عند فعله، ولا تقترن هذه القرائن ببعض ~~القبائح فلا يندم عليها، وهذا في دواعي الفعل فإن الأفعال الكثيرة قد تشترك ~~في الدواعي ثم يؤثر صاحب الدواعي بعض تلك الأفعال على بعض بأن يترجح دواعيه ~~إلى ذلك الفعل بما يقترن به من زيادة الدواعي، فلا استبعاد في ms345 كون قبح ~~الفعل داعيا إلى الندم، ثم تقترن ببعض القبائح زيادة الدواعي إلى الندم ~~عليه فيترجح لأجلها الداعي إلى الندم على ذلك البعض، ولو اشتركت القبائح في ~~قوة الدواعي اشتركت في وقوع الندم ولم يصح الندم على البعض دون الآخر. # وعلى هذا ينبغي أن يحمل كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ~~وكلام أولاده كالرضا وغيره عليهم السلام حيث نقل عنهم نفي تصحيح التوبة عن ~~بعض القبائح # PageV00P569 # دون بعض، لأنه لولا ذلك لزم خرق الاجماع، والتالي باطل فالمقدم مثله، ~~بيان الملازمة أن الكافر إذا تاب عن كفره وأسلم وهو مقيم على الكذب إما أن ~~يحكم بإسلامه وتقبل توبته عن الكفر أو لا، والثاني خرق الاجماع لاتفاق ~~المسلمين على إجراء أحكام المسلمين عليه، والأول هو المطلوب وقد التزم أبو ~~هاشم استحقاقه عقاب الكفر وعدم قبول توبته وإسلامه لكن يمنع إطلاق الاسم ~~عليه (1). # المسألة الثانية عشرة في أقسام التوبة قال: والذنب إن كان في حقه تعالى ~~من فعل قبيح كفى فيه الندم والعزم وفي الاخلال بالواجب اختلف حكمه من بقائه ~~وقضائه وعدمهما، وإن كان في حق آدمي استتبع إيصاله إن كان ظلما أو العزم ~~عليه مع التعذر أو الارشاد إن كان إضلالا وليس ذلك أجزاء (2). # أقول: التوبة إما أن تكون من ذنب يتعلق به تعالى خاصة أو يتعلق به حق # PageV00P570 # الآدمي، والأول إما أن تكون عن فعل قبيح كشرب الخمر والزنا أو إخلال ~~بواجب كترك الصلاة والزكاة. (فالأول) يكفي في التوبة منه الندم عليه والعزم ~~على ترك العود إليه، (وأما الثاني) فتختلف أحكامه بحسب القوانين الشرعية ~~فمنه ما لا بد مع التوبة منه من فعله أداءا كالزكاة، ومنه ما يجب معه ~~القضاء كالصلاة اليومية، ومنه ما يسقطان عنه كالعيدين (1) وهذا الأخير يكفي ~~فيه الندم والعزم على ترك المعاودة كما في فعل القبيح. # وأما ما يتعلق به حق الآدمي فيجب فيه الخروج إليهم منه، فإن كان أخذ مال ~~وجب رده على مالكه أو على ورثته إن مات ولو لم يتمكن من ms346 ذلك وجب العزم ~~عليه، وكذا إن كان حد قذف وإن كان قصاصا وجب الخروج إليهم منه بأن يسلم ~~نفسه إلى أولياء المقتول، فإما أن يقتلوه أو يعفوا عنه بالدية أو بدونها، ~~وإن كان في بعض الأعضاء وجب تسليم نفسه ليقتص منه في ذلك العضو إلى المستحق ~~من المجني عليه أو الورثة، وإن كان إضلالا وجب إرشاد من أضله ورجوعه عما ~~اعتقده (2) بسببه من الباطل إن أمكن ذلك. # واعلم أن هذه التوابع ليست أجزاء من التوبة فإن العقاب يسقط بالتوبة، ثم ~~إن قام المكلف بالتبعات كان ذلك إتماما للتوبة من جهة المعنى، لأن ترك ~~التبعات لا يمنع من سقوط العقاب بالتوبة عما تاب منه بل يسقط العقاب ويكون ~~ترك القيام بالتبعات بمنزلة ذنوب مستأنفة تلزمه التوبة منها، نعم التائب ~~إذا فعل التبعات بعد إظهار توبته كان ذلك دلالة على صدق الندم، وإن لم يقم ~~بها أمكن جعله دلالة على عدم صحة الندم. # قال: ويجب الاعتذار إلى المغتاب مع بلوغه. # أقول: المغتاب إما أن يكون قد بلغه اغتيابه أو لا، ويلزم على الفاعل ~~للغيبة في الأول الاعتذار منه إليه لأنه أوصل إليه ضرر الغم فوجب عليه ~~الاعتذار منه # PageV00P571 # والندم عليه، وفي الثاني لا يلزمه الاعتذار ولا الاستحلال منه لأنه لم ~~يفعل به ألما، وفي كلا القسمين يجب الندم لله تعالى لمخالفته النهي والعزم ~~على ترك المعاودة. # قال: وفي إيجاب التفصيل مع الذكر إشكال. # أقول: ذهب قاضي القضاة إلى أن التائب إن كان عالما بذنوبه على التفصيل ~~وجب عليه التوبة عن كل واحد منها مفصلا، وإن كان يعلمها على الاجمال وجب ~~عليه التوبة كذلك مجملا، وإن كان يعلم بعضها على التفصيل وبعضها على ~~الاجمال وجب عليه التوبة عن المفصل بالتفصيل وعن المجمل بالاجمال، واستشكل ~~المصنف رحمه الله إيجاب التفصيل مع الذكر لإمكان الاجزاء بالندم على كل ~~قبيح وقع منه وإن لم يذكره مفصلا. # قال: وفي وجوب التجديد إشكال (1). # أقول: إذا تاب المكلف عن معصية ثم ذكرها هل يجب عليه تجديد التوبة؟ # قال أبو ms347 علي: نعم بناء على أن المكلف القادر بقدرة لا ينفك عن الضدين إما ~~الفعل أو الترك، فعند ذكر المعصية إما أن يكون نادما عليها أو مصرا عليها، ~~والثاني قبيح فيجب الأول. وقال أبو هاشم: لا يجب لجواز خلو القادر بقدرة ~~عنهما. # قال: وكذا المعلول مع العلة. # أقول: إذا فعل المكلف العلة قبل وجود المعلول هل يجب عليه الندم على ~~المعلول أو على العلة أو عليهما، مثاله الرامي إذا رمى قبل الإصابة؟ قال ~~الشيوخ: # PageV00P572 # يجب الندم على الإصابة لأنها هي القبيح وقد صارت في حكم الموجود لوجوب ~~حصوله عند حصول السبب. وقال القاضي: يجب عليه ندمان: أحدهما على الرمي لأنه ~~قبيح، والثاني على كونه مولدا للقبيح، ولا يجوز أن يندم على المعلول لأن ~~الندم على القبيح أنما هو لقبحه، وقبل وجوده لا قبح. # قال: ووجوب سقوط العقاب بها. # أقول: المصنف رحمه الله استشكل وجوب سقوط العقاب بها. (واعلم) أن الناس ~~اتفقوا على سقوط العقاب بالتوبة، واختلفوا فقالت المعتزلة: إنه يجب سقوط ~~العقاب بها. وقالت المرجئة: إن الله تعالى يتفضل عليه بإسقاط العقاب لا على ~~جهة الوجوب. # احتجت المعتزلة بوجهين: الأول: أنه لو لم يجب إسقاط العقاب لم يحسن تكليف ~~العاصي، والتالي باطل إجماعا فالمقدم مثله، بيان الشرطية أن التكليف إنما ~~يحسن للتعريض للنفع وبوجود (1) العقاب قطعا لا يحصل الثواب وبغير التوبة لا ~~يسقط العقاب فلا يبقى للعاصي طريق إلى إسقاط العقاب عنه، ويستحيل اجتماع ~~الثواب والعقاب فيكون التكليف قبيحا. الثاني: أن من أساء إلى غيره واعتذر ~~إليه بأنواع الاعتذارات وعرف منه الاقلاع عن تلك الإساءة بالكلية فإن ~~العقلاء يذمون المظلوم إذا ذمه بعد ذلك. # (والجواب عن الأول) لا نسلم انحصار سقوط العقاب في التوبة لجواز سقوطه ~~بالعفو أو بزيادة الثواب، سلمنا لكن نمنع عدم اجتماع الاستحقاقين لأن عقاب ~~الفاسق عندنا منقطع، (وعن الثاني) بالمنع من قبح الذم، سلمنا لكن نمنع ~~المساواة بين الشاهد والغائب، وأما المرجئة فقد احتجوا بأنه لو وجب سقوط ~~العقاب لكان إما لوجوب قبولها أو لكثرة ثوابها، والقسمان ms348 باطلان. أما الأول ~~فلأن من أساء إلى غيره بأنواع الإساءات وأعظمها كقتل الأولاد ونهب الأموال ~~ثم اعتذر إليه فإنه لا يجب قبول عذره، وأما الثاني فلما بينا من إبطال ~~التحابط. # PageV00P573 # المسألة الثالثة عشرة في باقي المباحث المتعلقة بالتوبة قال: والعقاب ~~يسقط بها لا بكثرة ثوابها لأنها قد تقع محبطة ولولاه لا يبقى الفرق بين ~~التقدم والتأخر ولا اختصاص ولا تقبل في الآخرة لانتفاء الشرط. # أقول: اختلف الناس هنا، فقال قوم: إن التوبة تسقط العقاب بذاتها لا على ~~معنى أنها لذاتها تؤثر في إسقاط العقاب، بل على معنى أنها إذا وقعت على ~~شروطها والصفة التي بها تؤثر في إسقاط العقاب أسقطت العقاب من غير اعتبار ~~أمر زائد. وقال آخرون: إنها تسقط العقاب لكثرة ثوابها، واستدل المصنف رحمه ~~الله على الأول بوجوه: الأول: إن التوبة قد تقع محبطة بغير ثواب كتوبة ~~الخارجي من الزنا فإنه يسقط بها عقابه من الزنا ولا ثواب لها. الثاني: أنه ~~لو أسقطت العقاب بكثرة ثوابها لم يبق فرق بين تقدم التوبة على المعصية ~~وتأخرها عنها كغيرها من الطاعات التي تسقط العقاب بكثرة ثوابها، ولو صح ذلك ~~لكان التائب عن المعاصي إذا كفر أو فسق أسقط عنه العقاب. الثالث: لو أسقطت ~~العقاب لعظم ثوابها لما اختص بها بعض الذنوب عن بعض فلم يكن إسقاطها لما هي ~~توبة عنه بأولى من غيره، لأن الثواب لا اختصاص له ببعض العقاب دون بعض. # ثم إن المصنف رحمه الله أجاب عن حجة المخالف، وتقريرها أن التوبة لو ~~أسقطت العقاب لذاتها لأسقطته في حال المعاينة في الدار الآخرة. (والجواب) ~~أنها أنما تؤثر في الاسقاط إذا وقعت على وجهها وهي أن تقع ندما على القبيح ~~لقبحه وفي الآخرة يقع الالجاء فلا يكون الندم للقبح. # المسألة الرابعة عشرة في عذاب القبر والميزان والصراط قال: وعذاب القبر ~~واقع (1) لإمكانه وتواتر السمع بوقوعه. # PageV00P574 # أقول: نقل عن ضرار أنه أنكر عذاب القبر والاجماع على خلافه، وقد استدل ~~المصنف رحمه الله بإمكانه عقلا فإنه لا استبعاد في أن يعجل ms349 الله تعالى ~~العقاب في دار التكليف على وجه لا يمتنع مع التكليف كما في قطع يد السارق ~~كما قال تعالى: (فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا) وقال في قطاع الطريق: (ذلك ~~لهم خزي في الدنيا) وقال تعالى: (ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من ~~عنده) وحكى تعالى في كتابه إهلاك الفرق الذين كفروا به، وإذا كان ممكنا ~~والله تعالى قادر على كل ممكن، وقد أخبر الله تعالى بوقوعه في قوله: (كيف ~~تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون) ~~فذكر الرجوع بعد إحيائين، وإنما يكون بإحياء ثالث وقال تعالى: (قالوا ربنا ~~أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا) فذكر موتتين إحداهما في ~~الدنيا والأخرى في القبر، وذكر إحيائين أحدهما في الدنيا والآخر في القبر ~~ولم يذكر الثالث لأنه معلوم وقع فيه الكلام وغير الحي لا يتكلم، وقيل: إنما ~~أخبروا عن الإحيائين اللذين عرفوا الله تعالى فيهما ضرورة فأحدهما في القبر ~~والآخر في الآخرة، ولهذا عقب بقوله: (فاعترفنا بذنوبنا) وقال تعالى في حق ~~آل فرعون: (النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة) وهذا نص في ~~الباب. # قال: وسائر السمعيات من الميزان والصراط والحساب وتطاير الكتب (1) ممكنة ~~دل السمع على ثبوتها فيجب التصديق بها. # أقول: أحوال القيامة من الميزان والصراط والحساب وتطاير الكتب أمور ~~ممكنة، وقد أخبر الله تعالى بوقوعها فيجب التصديق بها، لكن اختلفوا في ~~كيفية الميزان، فقال شيوخ المعتزلة: إنه يوضع ميزان حقيقي له كفتان يوزن به ~~ما يتبين # PageV00P575 # من حال المكلفين في ذلك الوقت لأهل الموقف، إما بأن يوضع كتاب الطاعات في ~~كفة الخير ويوضع كتاب المعاصي في كفة الشر، ويجعل رجحان أحدهما دليلا على ~~إحدى الحالتين، أو بنحو من ذلك لورود الميزان سمعا والأصل في الكلام ~~الحقيقة مع إمكانها. وقال عباد وجماعة من البصريين وآخرون من البغداديين: # المراد بالموازين العدل دون الحقيقة، وأما الصراط فقد قيل إن في الآخرة ~~طريقين: إحداهما إلى الجنة (1) يهدي الله تعالى أهل الجنة إليها، والأخرى ~~إلى النار يهدي الله ms350 تعالى أهل النار إليها، كما قال تعالى في أهل الجنة: ~~(سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم) وقال في أهل النار: ~~(فاهدوهم إلى صراط الجحيم) وقيل: إن هناك طريقا واحدا على جهنم يكلف الجميع ~~المرور عليه، ويكون أدق من الشعر وأحد من السيف، فأهل الجنة يمرون عليه لا ~~يلحقهم خوف ولا غم والكفار يمرون عليه عقوبة لهم وزيادة في خوفهم، فإذا بلغ ~~كل واحد إلى مستقره من النار سقط من ذلك الصراط. # قال: والسمع دل على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن والمعارضات متأولة. # أقول: اختلف الناس في أن الجنة والنار هل هما مخلوقتان الآن أم لا؟ # فذهب جماعة إلى الأول وهو قول أبي علي، وذهب أبو هاشم والقاضي إلى أنهما ~~غير مخلوقتين. احتج الأولون بقوله تعالى: (أعدت للمتقين)، (أعدت للكافرين)، ~~(يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة)، (عندها جنة المأوى) وجنة المأوى هي دار ~~الثواب فدل على أنها مخلوقة الآن في السماء. # احتج أبو هاشم بقوله تعالى: (كل شئ هالك إلا وجهه) فلو كانت الجنة مخلوقة ~~الآن لوجب هلاكها، والتالي باطل لقوله تعالى: (أكلها دائم) والجواب دوام ~~الأكل إشارة إلى دوام المأكول بالنوع بمعنى دوام خلق مثله (2) وأكل الجنة # PageV00P576 # يفنى بالأكل إلا أنه تعالى يخلق مثله، والهلاك هو الخروج عن الانتفاع ولا ~~ريب أن مع فناء المكلفين يخرج الجنة عن حد الانتفاع فتبقى هالكة بهذا ~~المعنى. # المسألة الخامسة عشرة في الأسماء والأحكام (1) قال: والإيمان التصديق ~~بالقلب واللسان ولا يكفي الأول لقوله تعالى: # (واستيقنتها أنفسهم) ونحوه ولا الثاني لقوله: (قل لم تؤمنوا). # أقول: اختلف الناس في الإيمان على وجوه كثيرة ليس هذا موضع ذكرها، والذي ~~اختاره المصنف رحمه الله أنه عبارة عن التصديق بالقلب واللسان معا ولا يكفي ~~أحدهما فيه، أما التصديق القلبي فإنه غير كاف لقوله تعالى: (وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم) وقوله تعالى: (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به) فأثبت لهم ~~المعرفة والكفر، وأما التصديق اللساني فإنه غير كاف أيضا لقوله تعالى: ~~(قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) ms351 ولا شك في أن أولئك ~~الأعراب صدقوا بألسنتهم. # قال: والكفر عدم الأيمان إما مع الضد أو بدونه والفسق الخروج عن طاعة ~~الله تعالى مع الأيمان والنفاق إظهار الأيمان وإخفاء الكفر. # أقول: الكفر في اللغة هو التغطية، وفي العرف الشرعي هو عدم الأيمان، إما ~~مع الضد بأن يعتقد فساد ما هو شرط في الأيمان أو بدون الضد كالشاك الخالي ~~من الاعتقاد الصحيح والباطل. والفسق لغة الخروج مطلقا وفي الشرع عبارة عن ~~الخروج عن طاعة الله تعالى فيما دون الكفر، والنفاق في اللغة هو إظهار خلاف ~~الباطن وفي الشرع إظهار الأيمان وإبطان الكفر. # قال: والفاسق مؤمن لوجود حده فيه. # PageV00P577 # أقول: اختلف الناس هاهنا، فقالت المعتزلة: إن الفاسق لا مؤمن ولا كافر، ~~وأثبتوا منزلة بين المنزلتين. وقال الحسن البصري: إنه منافق. وقالت ~~الزيدية: إنه كافر نعمة. وقالت الخوارج: إنه كافر. والحق ما ذهب إليه ~~المصنف وهو مذهب الإمامية والمرجئة وأصحاب الحديث وجماعة الأشعرية، والدليل ~~عليه أن حد المؤمن وهو المصدق بقلبه ولسانه في جميع ما جاء به النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم موجود فيه فيكون مؤمنا. # المسألة السادسة عشرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال: والأمر ~~بالمعروف الواجب واجب وكذا النهي عن المنكر، والمندوب (1) مندوب سمعا وإلا ~~لزم خلاف الواقع أو الاخلال بحكمته تعالى. # أقول: الأمر بالمعروف هو القول الدال على الحمل على الطاعة (2) أو نفس ~~الحمل على الطاعة أو إرادة وقوعها من المأمور، والنهي عن المنكر هو المنع ~~من فعل المعاصي أو القول المقتضي لذلك أو كراهة وقوعها، وإنما قلنا ذلك ~~للاجماع على أنهما يجبان باليد واللسان والقلب، والأخير يجب مطلقا بخلاف ~~الأولين فإنهما مشروطان بما يأتي. # وهل يجبان سمعا أو عقلا؟ اختلف الناس في ذلك، فذهب قوم إلى أنهما يجبان ~~سمعا للقرآن والسنة والاجماع، وآخرون ذهبوا إلى وجوبهما عقلا، واستدل ~~المصنف على إبطال الثاني بأنهما لو وجبا عقلا لزم أحد الأمرين وهو إما خلاف ~~الواقع أو الاخلال بحكمة الله تعالى، والتالي بقسميه باطل فالمقدم مثله، ~~بيان الشرطية (3) أنهما لو ms352 وجبا عقلا لوجبا على الله تعالى، فإن كل واجب ~~عقلي يجب على كل من حصل في حقه وجه الوجوب، ولو وجبا عليه تعالى لكان إما # PageV00P578 # فاعلا لهما فكان يلزم وقوع المعروف قطعا لأنه تعالى يحمل المكلفين عليه ~~وانتفاء المنكر قطعا لأنه تعالى يمنع المكلفين منه، وإما غير فاعل لهما ~~فيكون مخلا بالواجب وذلك محال لما ثبت من حكمته تعالى. # قال: وشروطهما علم فاعلهما بالوجه وتجويز التأثير وانتفاء المفسدة. # أقول: شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثلاثة: الأول: أن يعرف الأمر ~~والناهي وجه الفعل، فيعرف أن المعروف معروف وأن المنكر منكر وإلا لأمر ~~بالمنكر ونهى عن المعروف. الثاني: تجويز التأثير، فلو عرف أن أمره ونهيه لا ~~يؤثران لم يجبا. الثالث: انتفاء المفسدة فلو عرف أو غلب على ظنه حصول مفسدة ~~له أو لبعض إخوانه في أمره ونهيه سقط وجوبهما دفعا للضرر. فهذا ما حصل لنا ~~من شرح هذا الكتاب ونحن نسأل الله تعالى أن يجعله ذخرا لنا يوم المعاد (1) ~~وأن يوفقنا للرشاد بمنه وكرمه، والحمد لله وحده # PageV00P579 ms353