######OpenITI# #META# المؤلف: الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ] #META# المحقق: يعقوب الجعفري المراغي #META# الناشر: دار الأسوة للطباعة والنشر #META# المطبعة: اسوة #META# الطبعة: ١ #META# الموضوع : #META# تاريخ النشر : ١٤١٥ هـ.ق #META# الصفحات: ٦٠٧ #META#Header#End# ### | مناهج اليقين ### ||| * في أصول الدين PageV01P039 ### | مقدمة المؤلف ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله منشئ الفطر ، خالق البشر ومميزهم بقوتي العمل والنظر ، تعالى ~~في كبريائه وعظمته وجل في جبروته وصمديته ، وصلى الله على خير خليقته محمد ~~النبي وعلى الصفوة من عترته السالكين نهج طريقته. ### |||| ** وبعد ، فإن للعلوم منارا وقدرا فاعظم بها شرفا وفخرا ، ثم إنها متفاوتة في الشرف ~~بحسب تفاوت متعلقاتها ومختلفة في القدر بسبب (1) اختلاف معلوماتها ، ولا شك ~~أن أشرف الأشياء هو واجب الوجود تعالى وتقدس فالعلم به يكون أعلى وأنفس ، ~~والعلم المتكفل به هو علم الكلام (2) الناظر في ذات الله تعالى وصفاته # وتارة بأنه علم يبحث فيه عن ذات الله وصفاته وأحوال الممكنات من المبدأ ~~والمعاد على قانون الاسلام (شرح المقاصد ج 1 ص 3)، وعليه فيكون علم الكلام ~~مجرد العلم بذات الله وصفاته سواء كان في خدمة الاثبات الى الغير أم لا بل ~~كان معرفة بحتة. # ولهذا سمى الغربيون علم الكلام تارة ب «ديالكتيك kitkeluiD وهو مناسب ~~للتعريف الاول ، وتارة ب «تئولورى yjoloehT وهو مناسب للتعريف الثاني. # ثم انهم ذكروا وجوها متعددة لعلة تسمية علم الكلام بهذا الاسم ، ونحن ~~ننقل هنا كلام العلامة في مقدمة كتابه : نهاية المرام (النسخة الخطية ~~للمكتبة الرضوية ص 3 4) قال العلامة : # «خصص هذا العلم باسم الكلام من وجوه : # الف : العادة قاضية لتسمية البحث في دلائل وجود الصانع وصفاته وافعاله ~~الكلام في الله PageV01P041 # والمعلوم فيه كيفية تأثيراته. # فدعانا ذلك إلى إنشاء مجموع يحتوي على مباحثه الشريفة ودقائقه اللطيفة مع ~~تلخيص المذاهب المنقولة عن القوم الذين سبقونا من المتكلمين والأوائل من ~~الحكماء المدققين والإشارة الى قواعد الفريقين وحجج القبيلين وتحقيق الحق ~~منهما وتمييزه عن الباطل ، معتمدين في ذلك على مبدأ الكل ومفيض (1) العدل ، ~~وقد وسمناه : بمناهج اليقين في اصول الدين ، والله المستعان وعليه التكلان. # وقبل الخوض فلنبدأ أولا بذكر مقدمة تكثر الفائدة بها وهي : # العلم تصور باعتبار حضور المدرك في الذهن وتصديق باعتبار كون الحاضر حكما ~~، ويطلق الاول على معنى اخص ، ويقتسمان الى (2) الحاضر في الذهن ms001 ، وكل ~~منهما ضروري ومكتسب ، وما قيل : من أن الاول ضروري كله ، فقد # ب : انكر جماعة البحث في العلوم العقلية والبراهين القطعية ، فاذا سألوا ~~عن مسألة تتعلق بالله تعالى وصفاته وافعاله والنبوة والمعاد ، قالوا : ~~نهينا عن الكلام في هذا العلم فاشتهر هذا العلم بهذا الاسم. # ج : هذا العلم اسبق من غيره في المرتبة ، فالكلام فيه اسبق من الكلام في ~~غيره فكان احق بهذا الاسم. # د : هذا العلم أدق من غيره من العلوم والقوة المميزة للانسان وهي النطق ~~انما تظهر بالوقوف على اسرار هذا العلم ، فكان المتكلم فيه اكمل الاشخاص ~~البشرية فسمي هذا بالكلام لظهور قوة التعقل فيه. # ه : هذا العلم يوقف منه على مبادي سائر العلوم ، فالباحث عنه كالمتكلم في ~~غيره فكان اسمه بعلم الكلام اولى. # و: ان العارفين فيه بالله تعالى يتميزون عن غيرهم من بني نوعهم بما ~~شاهدوه من ملكوت الله واحاطوا بما عرفوه من صفاته ، فطالت ألسنتهم على ~~غيرهم فكان علمهم اولى باسم الكلام.» PageV01P042 # ابطلناه في كتبنا المنطقية (1)، والمكتسب يكتسب بالأول بطريق مثله فلا ~~دور ولا تسلسل. # والكاسب في الأول الحد او الرسم (2)، وضابط الحد ان المركبات تحد ويحد ~~بها ان كانت جزءا لغيرها والبسائط لا تحد ويحد بها ان كانت اجزاء (3)، ~~والحد منه تام يشتمل على مجموع المقدمات وناقص يذكر فيه المساوي الذاتي ، ~~والرسم منه تام يذكر فيه الذاتي الأعم والعرضي المساوي وناقص يذكر فيه ~~الاخير. # ومغلطات الحد والرسم ان لا يعرف بالمساوي في العموم وان يعرف بالمساوي في ~~المفهوم وبالأخفى وبما يتوقف عليه معرفته بمراتب او بمرتبة واحدة ، وفي ~~الثاني القياس وهو ما يشتمل على مقدمتين يتوصل بهما الى علم او ظن. ### |||| ** قاعدة : التصديق الضروري قد يتوقف على تصور مكتسب ، اذ المراد بالضروري هو الذي اذا ~~حصل تصور الطرفين كفى في الجزم بالنسبة بينهما وسواء كان التصور نظريا أو ~~ضروريا ، ومن هاهنا وقع الشك لبعض الناس في الضروريات. PageV01P043 ### | المنهج الاول ### | في تقسيم المعلومات ### ||| * وذلك على نوعين PageV01P045 ### ||| * الأول : # كل معلوم فإما أن يكون واجبا أو ممكنا أو ms002 ممتنعا. ### ||| ** وهذا النوع من القسمة يشتمل على مسائل : ### |||| ** مسألة : نسبة كل محمول الى موضوع لا تخرج عن هذه الكيفيات الثلاث في نفس الأمر ، ~~ثم التصور الذهني قد يطابق الامر نفسه فيسمى علما وقد يخالفه فيكون جهلا ، ~~فالكيفية من حيث هي هي مادة ومن حيث التصور جهة ، ونظرنا الآن في الأول. ### |||| ** مسألة : ذهب قوم الى أن هذه الكيفيات تفتقر الى التعريف ، والحق يأباه (1)، فإن ~~ذكر شيء على سبيل التعريف اللفظي لم يكن فيه إحالة. # فالواجب هو الذي يستغني في وجوده عن المؤثر ، والممكن هو الذي يفتقر. # فالواجب أن (2) يوجد بذاته والممكن أن (3) لا يوجد بذاته بل بغيره لست ~~أقول إن استحقاق العدم بذاته فإنه حينئذ يدخل في حيز الامتناع ، بل ليس PageV01P047 # استحقاق الوجود من ذاته ، والفرق ظاهر. ### |||| ** مسألة : الواجب هل هو ثبوتي أم لا؟ الأولى انه لاحق بالنسب ، فإن قلنا بوجودها ~~فهو موجود وإلا فلا ، وقيل : لو كان ثابتا لكان واجبا والا لكان ممكنا ~~فيكون الواجب أولى بالإمكان وحينئذ يتسلسل ، وأيضا فإنه صفة للواجب ، فلو ~~كان ثبوتيا لكان مفتقرا الى الموصوف فيكون ممكنا وهذان قويان. ### |||| ** تقسيم : الوجوب قد يكون بالذات وهو الذي يكون ذاته مقتضية لوجوده إن قلنا بزيادة ~~الوجود مستغنية عن كل ما عداها ، وقد يكون بالغير وهو الذي إنما وجوده له ~~لغيره فهو من حيث ذاته لا يستحق الوجود ومن حيث علته واجب ومن حيث عدمها ~~ممتنع (1). ### |||| ** قاعدة : لا يمكن أن يكون موجود واجبا بذاته ولغيره ، لأنه بالنظر الى ذاته واجب ~~غير مستحق للوجود هذا خلف ، مخلص (2) ظهر من هذا أن الواجب لا يتركب عن ~~غيره والا لوجب به ، وانه واجب من جميع جهاته والا لكان من بعض الجهات ممكنا. ### |||| ** مسألة : الإمكان ليس بثبوتي والا لزم التسلسل او وجوب الممكن ، اما الاستعدادي ~~ففيه خلاف وأثبته الأوائل والا لما وقع الفرق بين نفي الإمكان وبين الإمكان ~~المنفي لاستحالة التمايز في العدميات ، والحق أنه كالأول لما مر ، والأوائل ~~جوزوا تسلسل الاستعدادات ، ويعارضون في حجتهم بالامتناع (3). ### |||| ** مسألة : الإمكان لفظ مشترك بين معان ms003 أربعة : PageV01P048 ### |||| ** أحدها : الإمكان العام وهو الذي سلب فيه الوجوب عن احد طرفي الوجود والعدم. ### |||| ** الثاني : الخاص وهو ما ذكرناه أعني الذي سلب فيه الضرورتان معا. ### |||| ** الثالث : الإمكان الأخص أعني الذي سلب فيه الضرورات (1) المشروطة والذاتية. ### |||| ** الرابع : الإمكان الاستقبالي وهو الذي اعتبر فيه ما ذكرناه نظرا الى الاستقبال. ~~والأول يشمل الواجب والبواقي إن نظر الى طرف الوجود ويشمل الممتنع والبواقي ~~ان نظر الى طرف العدم. ### |||| ** قاعدة : لا يمكن ان تكون الأولوية كافية في أحد طرفي الممكن ما لم تنته الى ~~الوجوب ، خلافا لمحمود لانه معها يمكن المرجوح فيطلب العقل العلة ويتسلسل ، ~~فإذن لهذا الممكن وجوبان : أحدهما هذا ، والثاني وجوبه اللاحق له ، فإن كل ~~موجود على الإطلاق فإنه بالضرورة موجود ما دام موجودا ، ويسمى هذا الوجوب ~~الضرورة بحسب المحمول. ### |||| ** مسألة : الإمكان للممكن واجب والا لزال عنه فصار واجبا او ممتنعا ، قيل : # لو كان واجبا لكان الممكن الذي هو شرط الإمكان واجبا ، والحق أن يقال : ~~إن عني بثبوت الإمكان للممكن الثبوت العيني كان فرعا على ثبوت الإمكان ونحن ~~قد أسلفنا بطلانه ، وإن عني الثبوت الذهني لم يكن واجبا لوقوع الشك في بعض ~~الأشياء هل هو ممكن أم لا ، الا ان نعني (2) به أن العقل اذا حكم بثبوت ~~الإمكان لشيء فإنه يكون واجب الثبوت له وهذا حق ، لكن الوجوب هنا وجوب بحسب ~~المحمول فلا يلزم وجوب الممكن ، والخلاف في الإمكان الأول اما الاستعدادي PageV01P049 # فلا شك في زواله. ### |||| ** تذنيب : الامكان العام ليس بثابت لأنه لا شيء من جزئياته (1) بثابت ولا وجود ~~للكلي الا في جزئياته ولأنه يلزم التسلسل. ### |||| ** مسألة : علة الحاجة الى المؤثر هي الإمكان لا الحدوث خلافا لقوم (2). لنا : انا ~~متى عقلنا كون الشيء ممكنا جزمنا بان وجوده له بغيره ، ولو شككنا في جواز ~~وجوب الحادث لذاته لشككنا في احتياجه ، ولأن الحدوث صفة الوجود المتأخر عن ~~تأثير القادر المتأخر عن احتياجه إليه ، فلو كان علة الحاجة هي الحدوث تأخر ~~الشيء عن نفسه بمراتب (3). # قيل عليه : يجوز أن يكون الحدوث علة غائية فجاز تأخيرها ، وفيه ms004 ضعف (4). # «واذ قد عرفت حدوثها فالذي يدل على انها تحتاج الى محدث وفاعل ، فهو ما ~~قد ثبت ان تصرفاتنا في الشاهد محتاجة إلينا ومتعلقة بنا وانما احتاجت إلينا ~~لحدوثها فكل ما شاركها في الحدوث وجب ان يشاركها في الاحتياج الى محدث ~~وفاعل» (شرح الاصول الخمسة ص 94)، وقال قريبا منه الغزالي في : قواعد ~~العقائد ص 152. # وقد سماهم صدر المتالهين قوما من الجدليين المتسمين باهل النظر واولياء ~~التمييز العارين عن كسوة العلم والتحصيل ... (الاسفار ج 1 ص 206). # ولكن الحكماء ومتأخري المتكلمين جعلوا علة الحاجة هي الامكان كما جاء في ~~المتن انظر أيضا : فخر الدين الرازي ، المباحث المشرقية ج 1 ص 134. PageV01P050 # ولأن الأثر إنما يحتاج الى المؤثر حالة العدم عندهم ، لأن حالة الوجود ~~حالة الاستغناء وحالة الحدوث هي حالة الوجود ، فلو كان الحدوث علة الحاجة ~~لزم تقدم الحكم على العلة وأنه محال. ### ||| ** احتج مشايخ المتكلمين بوجهين : ### |||| ** احدهما : أن متعلق قصدنا ودواعينا من الفعل هو حدوثه ، حتى أن الشيء اذا لم يصح ~~حدوثه بأن يكون مستحيلا او ماضيا او قديما لم تتعلق قدرتنا به ، فقد تعلق ~~الحدوث بقدرتنا بحسب الدواعي وانتفى بحسب الصوارف ، فعلم أنه العلة المحوجة ~~للأثر إلينا دون باق الصفات. ### |||| ** الثاني : أن للأثر ثلاثة احوال : حالة عدم وحالة بقاء وحالة حدوث ، فحالة العدم لا ~~يحتاج فيها الى الفاعل وكذلك حالة البقاء لانها حالة الاستغناء فبقيت حالة ~~الحدوث. ### |||| ** والجواب عن الأول : أن متعلق القدرة هو الوجود الجائز ، واما كون الوجود مسبوقا بعدم فهو امر ~~واجب لذات الوجود الحادث فيستغنى عن المؤثر ، سلمنا أن متعلق القدرة هو ~~الحدوث ، لكنه لا يدل على انه العلة في التعلق. ### |||| ** والجواب عن الثاني : أن الأثر عند خصمكم لا ينحصر أحواله فيما ذكرتم بل في الحادثات ، ولئن سلم ~~ذلك لكنه لا نقول إن الباقي مستغن عن المؤثر فإنه حالة البقاء ممكن. # واعلم ان سبب غلط هؤلاء القوم هو أخذ ما بالعرض مكان ما بالذات ، فإن ~~الحادث مفتقر الى المؤثر لا لحدوثه بل لوجوب مقارنته بالجواز (1). ### |||| ** تذنيب : ظهر من هذا ms005 أن الباقي مفتقر ، خلافا لقوم (2) احتجوا بوجهين : PageV01P051 ### |||| ** الأول : أن الباقي لو افتقر فإما في وجوده الاول أو في وجود ثان أو في أمر آخر ، ~~والكل باطل ، اما الأول فلأنه يستحيل أن يكون الشيء في ثاني الحال مفتقرا ~~الى الوجود السابق لأنه يكون تحصيلا للحاصل ، واما الثاني فلاستحالة اتصاف ~~الماهية بالوجود مرتين ، وأما الثالث فليس كلامنا فيه لأن كلامنا في احتياج ~~الشيء لأجل وجوده لا لأجل ماهيته. ### |||| ** الثاني : أن الباقي بعد اتصافه بالوجود يكون الوجود به أرجح ، فيخرج من حد التساوي ~~الصرف المحوج الى المؤثر. ### |||| ** والجواب عن الأول : أن الباقي مفتقر الى المؤثر في استمرار الوجود وحفظه حالة بقائه ، فإن ~~الممكن لا يستحق من ذاته الوجود ، فاذا وجد فقد ترجح الوجود لمرجح ، فإذا ~~فرض زوال المرجح زال الرجحان ومع زواله يبقى الذات على مقتضاها من الجواز. ### |||| ** وعن الثاني : أن الماهية وان ترجح وجودها في الزمن الاول بسبب الفاعل لكنه لا يخرج الذات ~~عن مقتضاها وهو التساوي في الزمن المستقبل والا لوجب ان يكون الذوات باقية ~~ابدا لان الذات مقتضية للرجحان في الزمن الأول ، فلو كان هذا كافيا في ~~استمرارها لما جاز العدم عليها. PageV01P052 ### | النوع الثاني من القسمة # اعلم أن كل معلوم فإما (1) أن يكون موجودا أو معدوما. ### ||| ** فههنا ابحاث : ### ||| ** الأول في الحصر : # ان العقل الصريح حاكم بصدق هذه المنفصلة الحقيقية فلا يفتقر فيه الى ~~برهان ، وجماعة من المتكلمين ظنوا أن هاهنا قسم (2) آخر غير موجود ولا ~~معدوم سموه الحال (3)، وتحقيق القول في الحال أن نقول : # اذا علمنا امرا من الأمور فإما أن يكون ذلك الأمر راجعا الى الإثبات أو # وقال الايجي : ان بطلانه ضروري لان الموجود ماله تحقق والمعدوم ما ليس ~~كذلك ولا واسطة بين النفي والاثبات ضرورة واتفاقا. (المواقف ص 57 وشرحه ج 3 ص 2). # لكن بعض اهل التوحيد من العرفاء قد قبلوا نظرية الاحوال وجعلوها واسطة ~~بين الوجود والعدم ، قال ابن العربي : «فالاحوال لا موجودة ولا معدومة» ، ~~وقال القيصري في شرحه على تلك العبارة : «فالاحوال والاحكام كلها لا موجودة ms006 ~~في الاعيان بمعنى ان لها اعيانا في الخارج ولا معدومة بمعنى انها معدومة ~~الاثر في الخارج» (شرح فصوص الحكم ص 8. 4). PageV01P053 # راجعا الى النفي ، والذي يكون راجعا الى الإثبات فلا يخلو إما ان لا يضاف ~~الى غيره أو يضاف ، فإن كان لا يضاف الى غيره فهو الذات ويحد بأنه الثابت ~~الذي يعلم غير مضاف الى غيره ويخرج عنه الصفة لأنها تعلم مضافة إلى غيرها ، ~~وأما إن كان يضاف الى غيره فإما أن يكون مقصورا على ما يضاف إليه مثل كون ~~المحل أو يكون منفصلا عنه كالفعل بالنسبة الى الفاعل ، فإن كان مقصورا عليه ~~فهو الحال ويحد بأنه الذي يثبت للذات مقصورا عليه. # فبقولنا يثبت خرج النفي ، وبقولنا للذات خرجت الذات فانها لا تثبت لغيرها ~~، وبقولنا مقصورا عليه خرجت الأشياء المنفصلة التي تضاف الى غيرها كالأفعال ~~والآثار الصادرة من العلل في غير محالها فإنها لا تكون أحوالا لمحال العلل. # والفرق بين الصفة والحال فرق ما بين العام والخاص ، فإن الصفة أعم لأنها ~~تطلق على كل أمر يضاف إلى غيره سواء كان (1) إثباتا او نفيا (2) ومقصورا ~~عليه او غير مقصور ، واما الحكم (3) فهو ما كان صادرا عن غيره سواء كان ~~ذاتا او صفة. # واذا تحقق هذا فنقول : لا مقدمة تستعمل في إبطال الحال اظهر من قولنا : ~~المعلوم إما موجود وإما (4) معدوم. ### |||| ** واحتج المثبتون : بأن الوجود مشترك فيكون مغايرا للماهية ، ثم هو اما موجود فيتسلسل او معدوم ~~فيكون الشيء عين نقيضه وهو محال ، وأيضا الأعراض تشترك في عرض هو جنس ~~كاللون ، فهو إما موجود فيلزم قيام العرض PageV01P054 # بالعرض أو معدوم فيكون جزء الموجود معدوما هذا خلف فتثبت الواسطة. ### |||| ** والجواب عن الأول : أن الوجود المشترك ذهني واما الخاص بكل موجود فإنه في الخارج نفس الماهية ~~وفي المعقولية زائد. ### |||| ** وعن الثاني : أنه موجود وقيام العرض بالعرض جائز كالبطء والحركة. PageV01P055 ### ||| ** البحث الثاني في الوجود : # وهو بديهي التصور ولا حاجة فيه الى الاستدلال ، قال فخر الدين : التصديق ~~بأن الشيء إما موجود وإما معدوم يتوقف على تصور الوجود ، والتصديق ms007 البديهي ~~إذا توقف على تصور بديهي كان أولى بالبداهة ، وأيضا فإن تصور وجودي بديهي ~~والوجود المطلق جزء منه وجزء البديهي بديهي. # وهذان فاسدان ، أما ### |||| ** الأول : فلأنه يبتني (1) على أن تصورات التصديق البديهي بديهية وهي مقدمة كذبناها ~~في القاعدة السابقة ، وأما ### |||| ** الثاني : فلأن استلزام تصور الوجود الخاص للوجود المطلق يتوقف على اشتراك الوجود وهي ~~مقدمة نظرية. ### |||| ** مسألة : الحق عندنا أن الوجود مقول بالاشتراك المعنوي بين الموجودات ، وهذا مذهب ~~الأوائل ومذهب أبي هاشم وأصحابه ، غير أن الأوائل زعموا أنه مقول بالتشكيك ~~على الموجودات بمعنى أنه في بعضها أول (2) وأقدم وأشد من الباقي ، وذهب أبو ~~الحسين البصري وأبو الحسن الأشعري ومن تابعهما الى أنه غير مشترك بالمعنى ~~بل باللفظ اشتراك لفظ العين في مفهوماتها (3). # والدليل على ما اخترناه وجوه : PageV01P056 ### |||| ** الأول : أنا نقسم الوجود الى الواجب والممكن ومورد التقسيم مشترك بين القسمين. ### |||| ** الثاني : مفهوم السلب واحد فنقيضه كذلك وإلا تعدد فلا حصر للنقيضين. ### |||| ** الثالث : أنا إذا اعتقدنا وجود ممكن جزمنا بوجود سببه وتشككنا في كون السبب واجبا او ~~ممكنا لا يخرج جزمنا بالوجود فدل على أنه مشترك بينهما. ### |||| ** احتج الخصم : بأن الوجود نفس الماهية على ما يأتي فلا يكون مشتركا. ### |||| ** والجواب : سيأتي تكذيبهم في أن الوجود نفس الماهية. ### |||| ** تذنيب : لما ظهر أن الوجود مشترك ، ظهر أنه زائد والا لكان جنسا لجميع الموجودات ~~ويتسلسل العلل والمعلولات. # ولأنا نفهم الماهية ونشك في الوجود. # ولأن الممكن من حيث هو موجود غير ممكن العدم ، ولأنا ندرك تفرقة ضرورية ~~بين قولنا : السواد سواد ، والسواد موجود. ### |||| ** احتج الخصم (1) بانه لو كان زائدا فمحله اما ان يكون موجودا بهذا الوجود فيكون الشيء ~~مشروطا بنفسه او بغيره فيلزم التسلسل ، واما ان يكون معدوما فتكون الصفة ~~الوجودية حالة في المحل المعدوم وهو سفسطة ، وإلا لجاز (2) أن يقال : إن ~~السواد والسطوح المشاهدة قائمة بأجسام معدومة وهي (3) دخول في الجهالات. ### |||| ** والجواب : أن الماهية من حيث هي هي مغايرة لقيدي الوجود والعدم ، فجاز حلول الوجود ~~فيها من حيث هي هي لا باعتبار أحد القيدين. PageV01P057 ### |||| ** سؤال : لا ms008 يلزم من المغايرة الخلو عن أحد القيدين. ### |||| ** الجواب (1) ### |||| ** : عدم الخلو عن أحد القيدين لا يوجب اشتراط أحدهما في الحلول (2)، ونحن نذكر ~~هاهنا ما هو أشد تحقيقا من هذا فنقول : # إن عني بزيادة الوجود أنه في الأعيان صفة زائدة على الماهية حال فيها ~~والماهية محل له وقابلة له كحلول السواد في الجسم وقبوله له فهو خطأ ، وإلا ~~لكان الوجود (3) موجودا فيتسلسل. وإن عني به أنهما في الأعيان شيء واحد لكن ~~العقل يستفصل كل واحد منهما عن الآخر كاستفصاله الماهية النوعية الى الجنس ~~والفصل فهو حق ، وبراهينهم لا تعطي أكثر من هذا ، فهذا تحقيق ما عندي في ~~هذا الموضع. ### |||| ** تذنيب : أخطأ من زعم أن الوجود نفس الوحدة ، فإن الكثير من حيث هو كثير موجود ~~وليس بواحد ، نعم الكثرة باعتبار آخر يعرض لها الوحدة. ### |||| ** مسألة : الوجود لا يتصف بالشدة والضعف ، لأنه عند الاشتداد ان وجد أمر مقوم لم ~~يكن هو الموجود أولا أو عارض فلا يكون الاشتداد في ذاته بل في الصفة ، وهذا ~~برهان دال على أنه لا شيء من الموجودات بقابل لهما ، وهو خلاف لما عليه ~~الأوائل وسيأتي. ### |||| ** قاعدة : الوجود ينقسم الى العيني والى الذهني (4) والمطلق الشامل لهما هو # انظر عن تفصيل البحث عن الوجود الذهني وادلة اثباته ودفع شبهات المخالفين ~~وبحوث شريفة انيقة حول الموضوع الى : الاسفار الاربعة ج 1 ص 263 فبعد. PageV01P058 # الشيئية ، وأنكر جماعة من المتكلمين والأوائل الذهني ، وأثبته محققوا ~~الأوائل وهو الحق ، فإن بعض المعدومات العينية قد يحكم عليه بالأحكام ~~الثبوتية فيكون ثابتا وليس في الأعيان فهو في الذهن. ### |||| ** احتج المنكرون : بأنه لو حصل في الذهن ماهية الحرارة كان الذهن حارا ، ولأنا نعلم المتضادات ~~، فلو حصلت في الذهن لزم اجتماع المتضادات ، وكذلك الحال في المتماثلة. ### |||| ** والجواب : إن الحرارة انما يفعل (1) أثرها في محل قابل مع عدم معاوق واستحالة اجتماع ~~الضدين إنما هو في الأمور العينية ، وأما اجتماع الأمثال فلا يحصل في الذهن ~~من حيث إن المماثلة المتشاركة في الحقيقة ، فالذي يحصل من أحد المثلين الى ~~العلم السابق هو ms009 الذي يحصل من المثل الثاني فلا يتعدد الصور. ### |||| ** مسألة : كون الماهية موجودة ليس لأجل صفة قائمة بها ، لأن ثبوت الصفة للماهية يتوقف ~~على وجودها في نفسها ، فلو علل وجودها به لزم الدور. PageV01P059 ### ||| ** البحث الثالث في العدم : # وهو بديهي التصور ، ومن استدل على بداهته بتوقف التصديق عليه لم يصب لما ~~اسلفناه ، هذا في العدم المضاف ، وأما في العدم المطلق ففيه شك من حيث إن ~~العدم المطلق لا تميز له ولا تعين فكيف يمكن توجه الإشارة العقلية نحوه. # وأيضا فإن العدم المطلق لو كانت (1) له ثبوت ذهني لكان داخلا تحت مقابله ~~، وأيضا لو كان له ثبوت ذهني لا مكننا رفعه الذي هو أخص منه فيكون الجزءين ~~مقابلا. ### |||| ** مسألة : المعدوم إما أن يكون ممتنع الثبوت وقد وقع الاتفاق على نفيه وإما أن يكون ~~ممكن الثبوت ، فالمحققون على أنه نفي محض لا ثبوت له عينا وهو ثابت في ~~الذهن ، وأما أبو هاشم وابو علي وأتباعهما فزعموا أنه ثبات خارج الذهن ، ~~وهؤلاء قد جعلوا الثبوت أعم من الوجود (2). ### |||| ** لنا : أن معنى الوجود والثبوت هو الكون في الأعيان فلو كان المعدوم كائنا # وقد نفى الحكماء الواسطة بين الوجود والعدم وجعلوا الشيء مساوقا للوجود ~~وتبعهم على ذلك متكلمي الشيعة والاشاعرة (راجع : العلامة الحلي ، كشف ~~المراد ص 35 والايجي ، المواقف ص 56 ، وشرحه للجرجاني ج 2 ص 189 ، ~~والتفتازاني ، شرح المقاصد ج 1 ص 355)، وقد كشف العلامة هنا مناهج اليقين ~~عن علة خطأ القائلين بشيئية المعدوم وهو انهم لم يعترفوا بالوجود الذهني ~~كما يأتي في المتن . PageV01P060 # في الأعيان لكان موجودا ، فإن أثبتوا الوجود شيئا آخر غير الكون في ~~الأعيان وجب عليهم أن يفيدونا تصوره أولا ثم يبرهنوا على ذلك ثانيا ، ومن ~~قال بأن الوجود نفس الماهية أحال أن يكون الماهية ثابتة في العدم. # وأيضا فإن الماهية أزلية فلا تستند (1) الى الفاعل ، والوجود حال والحال ~~عندهم غير معلومة ولا مجهولة ولا مقدورة ، فتكون الماهية الموجودة مستغنية ~~عن الفاعل. # وأيضا المعدوم إن كان واحدا فوحدته إن كانت لازمة استحال تعدده ms010 بعد ~~الوجود ، وإن كانت عارضة جاز زوالها وحصول ما به التباين ، فيكون المعدوم ~~موردا للصفات وهو سفسطة ، وإن كان كثيرا فما به الكثرة إن كان لازما كان كل ~~شخصين لنوع مختلفين بالماهية هذا خلف ، وان كان عارضا كان المعدوم متصفا ~~بالصفات. # وأيضا المعدوم إما أن يكون متناهيا فتكون مقدورات الله تعالى متناهية هذا ~~خلف ، وإما أن لا يكون فإذا وجد منها شيء ، فإن بقى كما كان ، كان الشيء مع ~~غيره كهولا مع غيره هذا خلف وان نقص لزم التناهي. # وأيضا المعدوم إن ساوى (2) المنفي أو كان أخص فكل معدوم منفي وكل منفي ~~ليس بثابت فكل معدوم ليس بثابت ، وإن كان أعم وجب ان يغاير المنفي فيكون ~~ثابتا فيكون الثبوت مقولا على المنفي الأخص هذا خلف. # احتجوا : بأن المعدوم متميز وكل متميز ثابت ، اما الصغرى فلأن المعدوم ~~معلوم لأن طلوع الشمس غدا معلوم وكل معلوم (3) متميز ، ولأن بعض المعدومات PageV01P061 # مراد وبعضها مقدور دون بعض وما لا تمييز له استحال تخصيص بعضه بالمرادية ~~والمقدورية دون بعض ، واما الكبرى فلأن كل متميز فله تحقق وتعين في نفسه ~~يخالف به ما عداه ، ولا نعني بالثابت إلا هذا. # وأيضا المعدوم معلوم والعلم أمر نسبي يستدعي ثبوت المنتسبين. وأيضا ~~الإمكان ثبوتي لأنه نقيض الامتناع فالمعدوم الممكن متصف بالصفة الثبوتية ~~فيكون ثابتا. # وأيضا الوجود زائد على الماهية ، فإن لم يكن بينهما تلازم جاز وجود كل ~~منهما منفكا عن صاحبه هذا خلف ، وان كان بينهما تلازم استحال أن يكون من ~~الطرفين وإلا لزم الدور ، واستحال أن يكون الملزوم هو الوجود والا لكانت ~~الماهية تابعة لصفتها هذا خلف فتعين العكس فتكون الماهية ثابتة أولا حتى ~~يتبعها الوجود فتكون الماهية قبل الوجود ثابتة. # وأيضا فالسمع قد دل على تسمية المعدوم شيئا ، قال الله تعالى : ( @QUR@05 ~~إن زلزلة الساعة شيء عظيم ) (1). # واعلم أن هؤلاء القوم إنما وقعوا في هذه الجهالات من جهلهم بالوجود ~~الذهني ، ونحن لما اعترفنا بصحته سقطت هذه المحالات عنا ، أما حجتهم الأولى ~~فصحيحة ، لكنها تدل على أن المعدومات ثابتة ms011 مطلقا وهو حق فإن الثابت الذهني ~~ثابت ، وكذا الحجة الثانية ، وأيضا يعارضون بتصور الممتنعات والمركبات. # وأما الثالثة فانها مبنية على ثبوت الإمكان وهي مقدمة قد كذبناها فيما سلف. # وأما الرابعة فإن قولهم : الوجود زائد على الماهية ، إن عنوا به ما ~~حققناه نحن فيما مضى لم ينفعهم والا سقط بالكلية. PageV01P062 # واما السمع فغير مراد منه الحقيقة بالاتفاق ، لأن الزلزلة عبارة عن ~~الحركة والحركة غير ثابتة في العدم اتفاقا ، فإذن المراد منه المجاز وهو ~~كون الزلزلة تصير شيئا. ### |||| ** تذنيب : القائلون بشيئية المعدوم اتفقوا على أن الذوات المعدومة متباينة بأشخاصها ~~، وأن الثابت من كل نوع عدد غير متناه ، وأن الفاعل ليس له تأثير في جعل ~~الذات ذاتا بل في جعلها موجودة ، لأن كل ما بالغير يرتفع بارتفاعه فالسواد ~~حال ارتفاع فاعله ليس بسواد ، وعلى أن الذوات المعدومة متساوية في الذاتية ~~لشمول حد الذات الجميع ويختلف بالصفات ، وبعض من نفى المعدوم وافقهم في أن ~~الذوات متساوية. # والحق مجانب لهذا القول ، فإن المتساوية تصح على كل منهما (1) ما يصح على ~~الآخر ، فيصح انقلاب الجوهر عرضا وبالعكس والقديم محدثا وبالعكس ، وهذا هذيان. # وأيضا فالصفات إن كانت متساوية لم يقع بها الاختلاف ، أو مختلفة لصفات ~~لزم التسلسل او بأنفسها ، بطلت قاعدتهم القائلة بأن الاختلاف إنما يكون ~~بالصفات. ### |||| ** تذنيب : زعم جماهيرهم أن الذوات المعدومة موصوفة بصفات الأجناس كالجوهرية للجوهر ~~والسوادية للسواد ، لأن التمايز إنما يكون بهذه الصفات فلو عريت في العدم ~~عنها كانت واحدة ، ولأن الذوات حال العدم إن كانت متفقة كانت كذلك حال ~~الوجود لأن ما بالذات لا يزول ، وإن كانت مختلفة مع اشتراكها في الذاتية ~~لزم اختلافها بصفات ثابتة لها. # وابو إسحاق بن عياش منهم قال (2): إنها عارية عن الصفات لأنها PageV01P063 # متساوية فيصح على كل واحد منها ما يصح على الآخر ، فاختصاص إحدى الذاتين ~~بصفة إن كان لا لأمر ترجح الممكن ، وإن كان لأمر ، فإن كان صفة للذات تسلسل ~~، وان كان موصوفا بالذات كانت الذات صفة هذا خلف ، وإن لم يكن موصوفا ولا ~~صفة فإن كان ms012 موجبا كانت نسبته إلى الكل على السوية ، وإن كان مختارا ففعله ~~متجدد فالذوات قبل تجدد هذه الصفات لها خالية عنها وهو المطلوب. ### |||| ** تذنيب : جمهور القائلين بالصفات كأبي علي وأبي هاشم وقاضي القضاة وتلامذتهم قالوا ~~للجوهر أربع صفات : ### |||| ** إحداها : الجوهرية وهي صفة ذات وجنس له وهو موصوف بها لم يزل ولا يزال في حالتي ~~وجوده وعدمه. ### |||| ** وثانيتها (1) ### |||| ** : صفة التحيز وهي صفة مقتضاة عن صفة الجوهرية بشرط الوجود. ### |||| ** وثالثتها (2) ### |||| ** : صفة الوجود الحاصلة بالفاعل ولا أثر للفاعل في الذوات فإن إثبات الثابت محال. ### |||| ** ورابعتها (3) ### |||| ** : الكائنية وهي عبارة عن حصول الجوهر في الحيز المعين وهو معلل بالمعنى ~~المسمى بالكون وليس للجوهر صفة زائدة على هذه الأربع فليس له بكونه أبيض ~~وأسود صفة معللة بمعنى بل لا معنى لكونه أسود إلا حلول السواد فيه هذا عند ~~المشايخ. PageV01P064 # وجماعة من الأشاعرة الذين أثبتوا الحال قالوا : إن كل معنى يقوم بالجوهر ~~فإنه يوجب له حالة قائمة به هي صفة له ، فإذا قام السواد بالمحل أوجب له ~~كونه أسود وهو أمر مغاير لحلول السواد فيه. # وأما القائلون بالأحوال من المعتزلة فإنهم قالوا : كل معنى يشترط فيه ~~الحياة أو الحياة نفسها فإنها توجب أحوالا ، فالحياة إذا قامت بالذات أوجبت ~~لها الحيية وهي حالة لا موجودة ولا معدومة ، وكذلك العالمية صفة للعالم لا ~~موجودة ولا معدومة معللة بالعلم ، وأما المعاني التي لا تشترط بالحياة ~~فانها لا توجب صفة للمحل كما نقلناه أولا الا الكائنية فإنها حالة معللة ~~بالكون. # وأما ابو يعقوب الشحام وأبو عبد الله البصري وأبو إسحاق بن عياش فإنهم ~~قالوا : إن التحيز هي الجوهرية. قال ابن عياش : كما أن الجوهر يمتنع حصوله ~~في الحيز في العدم كذلك يمتنع اتصافه بالجوهرية ، لأنه لو اتصف بالجوهرية ~~أعني التحيز لكان حاصلا في الحيز والتالي محال (1) فالمقدم مثله. # وأما هما فإنهما قالا : الجوهرية حاصلة للمعدوم فالتحيز حاصل له ، ثم قال ~~أبو يعقوب : إنه حاصل في الحيز (2) في العدم وهو موصوف بالمعاني فألزم ~~بإثبات رجل معدوم على فرس معدوم بيده سيف ، فالتزم به ms013 ، ولا شك في أن هذا ~~مكابر في البديهة. وأما أبو عبد الله فإنه قال : الجوهر غير حاصل في الحيز ~~في العدم. # قال الشحام : وصف الجوهر بكونه متحيزا مع أنه غير حاصل في الحيز محال ، ~~والا لجاز وصف الذات بكونها عالمة مع انتفاء العلم عنها. ثم قال أبو عبد ~~الله : إن للمعدوم بكونه معدوما صفة ، وأنكره الكل ، لأن المعدومية لو كانت ~~صفة فعلتها إما الذات فتدوم المعدومية للذات هذا خلف ، أو المختار فتكون PageV01P065 # المعدومية متجددة ، أو الموجب الواجب فيدوم ، أو الجائز فينتهي الى ~~الموجب (1). # وأما الأعراض فلها ثلاثة صفات : إحداها صفة الجنس كالسوادية والبياضية ~~الثابتة حالتي الوجود والعدم ، الثانية الحلول وهو معلول صفة الجنس بشرط ~~الوجود ، الثالثة صفة الوجود الحاصلة بالفاعل. # هذا خلاصة ما ذكره هؤلاء في هذا الموضع ، وهو في غاية السقوط. PageV01P066 ### | المنهج الثاني ### | في تقسيم الموجودات ### ||| * وفيه مقصدان PageV01P067 ### | الأول في التقسيم على رأي المتكلمين ### ||| * وفيه مباحث : ### ||| ** الاول : # قالوا : الموجود إما أن يكون قديما أو محدثا ، فالقديم الوجودي هو الذي ~~لا أول لوجوده ، والمحدث هو الذي لوجوده أول ، والأوائل فصلوا القديم ~~بأمرين : أحدهما ما ذكرناه ، والثاني هو الذي لا مبدأ لوجوده ، وجعلوا ~~الأول هو القديم الزماني. # قالوا : فالزمان ليس بقديم بهذا المعنى ، لأنه ليس للزمان زمان آخر حتى ~~يقال لا أول لزمان وجوده. # والمحدث فسروه بأمرين : الأول ما ذكرناه وهو المحدث الزماني ، والزمان ~~ليس بمحدث بهذا المعنى ، لأنه ليس له زمان آخر حتى يقال : إن للزمان زمانا ~~مبتدأ. الثاني الحدوث الذاتي وهو كون الشيء بعد غيره بعدية ذاتية. ### |||| ** فائدة : قالت الأوائل : التقدم يقال بخمسة معان (1): # «واعلم أن تاخر الشيء عن غيره يقال بخمسة معان على ما حقق في الفلسفة ~~الاولى : احدها بالزمان ، والثاني بالمرتبة والوضع الذي يكون التأخر ~~المكاني صنفا منه ، والثالث الشرف ، والرابع بالطبع ، والخامس بالمعلولية ، ~~والاخيران يشتركان في معنى واحد وهو التأخر بالذات» (شرح الاشارات ج 3 ص 110). PageV01P069 ### |||| ** احدها : التقدم بالعلية كتقدم العلة على المعلول ، فإن العقل يفرض وجود العلة أولا ~~حتى يلحقه وجود المعلول ، فالوجود لا يصل ms014 الى المعلول إلا بعد وصوله الى العلة. ### |||| ** الثاني : التقدم بالذات كتقدم الواحد على الاثنين ، وهو أن يكون المتأخر يستحيل ~~وجوده إلا بعد وجود المتقدم ويمكن وجود المتقدم منفكا عن المتأخر. ### |||| ** الثالث : التقدم بالزمان ، وهو أن يكون شيئان موجودان في زمانين وزمان أحدهما سابق ~~على زمان الآخر ، فيقال للذي قارن وجوده (1) الزمان السابق إنه متقدم على ~~الذي قارن وجوده الزمان اللاحق. ### |||| ** الرابع : التقدم بالمرتبة ، إما حسا كتقدم الإمام على المأموم في المحراب ، أو عقلا ~~كتقدم الجنس على النوع. ### |||| ** الخامس : التقدم بالشرف كتقدم المعلم على متعلمه. وكذا الكلام في التأخر والمعية ، ~~ولم نر لهم دليلا على هذا الا الاستقراء (2). # والمتكلمون أبرزوا قسما سادسا ، وهو تقدم بعض أجزاء الزمان على البعض (3) ~~، والأوائل قالوا : التقدم الزماني قد يلحق بعض الأشياء من غير زمان آخر ~~وهو كتقدم بعض اجزاء الزمان على بعض ، وقد يلحق بعضها بشرط وجوده في الزمان ~~وهو الأشياء المغايرة له ، فالقبلية والبعدية لاحقتان للزمان لذاته PageV01P070 # ويلحقان ما عداه بسببه. # والمتكلمون قالوا : إذا عقلتم وجود هذا التقدم الخاص من غير زمان يغاير ~~المتقدم والمتأخر في بعض الأشياء ، لم يمكنكم المنع من لحوقه للبواقي ~~لذواتها من غير زمان. # ثم قال المتكلمون : إن معنى كون الله تعالى قديما هو أنا لو قدرنا وجود ~~أزمنة لا نهاية لها لكان الله تعالى موجودا معها ، ولا يشرط وجود الزمان ~~مصاحبا له تعالى والا لزم القدم وتسلسل الأزمنة. ### |||| ** مسألة : الحق عندنا ان القدم والحدوث من الصفات الاعتبارية وليس لهما ثبوت في ~~الخارج والا لزم التسلسل (1). # وزعم عبد الله بن سعيد من الاشاعرة : ان القدم صفة زائدة على ذاته تعالى ~~(2)، واحتج بأن القدم عبارة عن نفي العدم السابق وعدم العدم ثبوتي. ~~والجواب : إن القدم لكونه نفي العدم السابق يكون داخلا تحت مطلق العدم. # ثم قال : صفات الله تعالى غير قديمة والا لزم قيام المعنى بالمعنى ، ولا ~~حادثة والا لكان الله محلا للحوادث. وهذا القول في السخافة كالأول. # واما الكرامية فإنهم قالوا : إن الحدوث صفة زائدة على ذات الحادث (3)، ~~لأن الشيء ms015 قد لا يكون حادثا ثم يصير حادثا فقد تبدل النفي بالإثبات. ~~والجواب : ان التبدل لا يدل على الثبوت. ### |||| ** مسألة : القديم إذا كان وجوديا استحال عليه العدم ، لأنه إما أن يكون PageV01P071 # واجب الوجود لذاته فيستحيل عدمه ، وإما أن يكون جائزا فلا بد له من مؤثر ~~وينتهي الى الواجب لذاته قطعا للدور والتسلسل ويلزم من استحالة عدم الواجب ~~استحالة عدمه. ### |||| ** مسألة : القديم لا يستحيل استناده الى المؤثر الموجب ، ونحن لما جعلنا علة الحاجة ~~هي الإمكان فإن كان القديم ممكنا ، كان مفتقرا ، وأما استناده الى المختار ~~فمحال ، لأن القصد الى إيجاد الشيء إنما يكون حال عدم الشيء. ### |||| ** مسألة : المسلمون على أنه لا قديم من الذوات الا ذات الله تعالى ، والأشاعرة ~~أثبتوا صفاته في القدم (1)، والمعتزلة بالغوا في الإنكار ، والمحققون ~~عولوا في نفي قديمين من الذوات على السمع. # وبعضهم احتج ، بأنه لو كان واجبا لزم أن يكون واجب الوجود أكثر من واحد ، ~~وهو باطل لما يأتي ، وإن كان ممكنا افتقر الى مرجح فيكون حادثا ، لاستحالة ~~استناد القديم الى المؤثر. # وأيضا فإنه لا دليل عليه فيجب نفيه. # هذا ابن كرامة المعتزلي يقول عن الأشاعرة الصفاتية : ان قولهم موافقة ~~للمانوية في التثنية وللنصارى في التثليث وللطبائعية في قدم الطبائع ~~الاربعة .. ثم يقول : ان نصرانيا اتى صفاتيا من المسلمين وقال له : انت يا ~~اخي زدت علي! فاني قلت : ثالث ثلاثة وانت تقول : رابع أربعة وخامس خمسة ~~و... (ابن كرامة ، رسالة ابليس الى اخوانه المناحيس ص 30). # وقد اجرى الشهرستاني مناظرة خيالية بين المعتزلة والأشاعرة في هذه ~~المسألة انجرت إلى غلبة الاشعري على خصمه كما يراه الشهرستاني (نهاية ~~الاقدام في علم الكلام ص 180 فبعد). # والمعتزلة وان بالغوا في الانكار على الاشاعرة ، ولكن يلزم على القائلين ~~منهم بالحال القول بتعدد القدماء. PageV01P072 # وأيضا فإن القدم أخص الصفات ، فلو كان مشاركا لله تعالى في القدم لكانا ~~مثلين فيكونان واجبين. # وهذه الدلائل فاسدة ، أما الأول فلبنائه على أن الحدوث علة الحاجة وقد ~~بينا فساده. # وأما الثاني فلأن الشيء لا يلزم من نفي ms016 الدليل عليه نفيه. # وأما الثالث فلأن قولهم : القدم أخص الصفات ، إن عنوا به أنه لا تتصف به ~~الا ذات واحدة فهو المتنازع ، وإن عنوا به شيئا آخر وجب عليهم بيانه. # وأما الحرنانيون فقد أثبتوا قدماء خمسة (1): اثنان حيان فاعلان وهما ~~الباري تعالى الفاعل لهذا العالم المحسوس والنفس المتعلقة بهذا البدن ~~البشري وبالجسم السماوي تعلق التدبير وسبب حدوث العالم في وقت حدوثه التفات ~~النفس الى الهيولى ، وقد يحكى هذا القول عن أفلاطون القائل بقدم النفس. # واستدلوا على قدمه تعالى بالدلائل المشهورة الآتية ، وعلى قدم النفس ~~بأنها لو كانت حادثة لافتقرت (2) الى مادة فتكون مركبة هذا خلف. # وواحد منفعل غير حي وهو الهيولى ، فإنها لو كانت حادثة افتقرت الى هيولى ~~أخرى وتسلسل ، واثنان غير حيين ولا منفعلين ولا فاعلين وهما الدهر والخلاء ~~، فإن الزمان لو كان حادثا لافتقر الى زمان (3) والخلاء لو كان حادثا لأمكن ~~تصور رفعه وهو غير ممكن. # واما جمهور الأوائل فقد ذهبوا الى قدم العالم السماوي والهيولى العنصرية ~~، ونحن نبطل هذه المذاهب فيما بعد إن شاء الله تعالى. PageV01P073 ### ||| ** البحث الثاني في تقسيم المحدثات # المحدث بالنظر الى القسمة العقلية على ثلاثة أقسام : إما أن يكون متحيزا ~~، أو حالا في المتحيز ، أو لا يكون متحيزا ولا حالا في المتحيز ، لكن ~~المتكلمون أسقطوا هذا الأخير من البين إلا شرذمة قليلة منهم غير محققين ~~قالوا بوجود الفناء وإرادة الله تعالى وكراهته لا في محل ، وابن شبيب من ~~المتكلمين قال بوجود البقاء لا في محل (1). # واستدل الجمهور فقالوا : لو كان هاهنا موجودا كذلك لكان مساويا لله تعالى ~~في التجرد فيكون مماثلا له تعالى ، وإلا لكان التجرد معللا بحقيقتين ~~مختلفتين وهو محال ، لأن المعلول يحتاج الى العلة المعينة لذاته. # وهذا كلام سخيف ، فإن المعلول يفتقر الى علة مطلقة لا الى علة معينة ، ~~وتعيين الاحتياج الى هذه العلة إنما جاء من جانب العلة. # أما المتحيز فإما أن لا يقبل القسمة وهو الجوهر ، أو يقبلها في جهة واحدة ~~وهو الخط ، ولا يحصل إلا من جوهرين فما زاد ms017 أو في جهتين وهو السطح ، وأقل ~~ما يكون من أربعة جواهر عند قوم وعند آخرين من ثلاثة ، او في ثلاث جهات وهو ~~الجسم ، وأقل ما يكون من ثمانية جواهر أو من ستة على الخلاف ، وقيل : من ~~أربعة. وقيل : كل ما يقبل القسمة فهو جسم فجعلوه مركبا من جوهرين (2). # وأما الحال في المتحيز فإنه يسمى العرض ، فإما أن يكفي في حلوله مجرد ~~المحل ولا يكفي ، والأول الأكوان والألوان والطعوم والروائح والحرارة ~~والبرودة والرطوبة واليبوسة والصوت والاعتماد. وأما الذي لا يكفي فيه مجرد ~~المحل ، فإما PageV01P074 # أن يكفي فيه جزءان فقط وهو التأليف ، وإما أن لا يكفي فيه جزءان فإما أن ~~لا يحتاج الى الحياة وهو الحياة ، وإما أن يحتاج وهو القدرة والاعتقاد ~~والظن والنظر والإرادة والكراهة والألم واللذة والشهوة والنفرة والادراك. # ولنشرع الآن في ذكر أحكام هذه الاقسام. ولما كان الجسم عبارة عن جواهر ~~مؤلفة عندهم ، نظرنا فيه وتركنا الكلام في الجواهر. PageV01P075 ### ||| ** البحث الثالث في الجسم وأحكامه ### ||| ** وفيه قطبان : ### ||| ** الأول في مقدماته : # اعلم أن الجسم قابل للقسمة بالفعل ، فإما أن ينتهي في القسمة الى حد لا ~~يقبل القسمة أو لا ، وعلى التقديرين فالاقسام إما أن تكون حاصلة بالفعل ~~أولا ، فهذه أربعة لا مزيد عليها (1). ### |||| ** أحدها : القول بتركبها من الأجزاء المتناهية بالفعل ، وهو قول جمهور المتكلمين وبعض ~~الأوائل (2). ### |||| ** الثاني : القول بتركبها من أجزاء غير متناهية ، وهو قول لبعض الأوائل وللنظام (3). # وأيضا قال صدر المتالهين : «ان القائلين بانقسام الجسم لا الى نهاية (وهم ~~الحكماء) افترقوا ثلاث فرق ، ففرقة ذهبت الى انه جوهر بسيط هو الممتد في ~~الجهات المتصل بنفسه اتصالا مقداريا ، جوهريا قائما بذاته ، وهو راى ~~افلاطون الالهي ... والرواقيين ... وفرقة الى انه جوهر مركب من جوهرين : ~~احدهما صورة الاتصال والآخر الجوهر القابل لها ، وهم اصحاب المعلم الاول ~~ومن يحذو حذوهم من حكماء الاسلام كالشيخين ابي نصر وابي علي ، وفرقة الى ~~انه مركب لكن من جوهر قابل وعرض هو الاتصال المقداري ، وهو ما ذهب إليه ~~الشيخ الالهي في التلويحات ...» (الاسفار الاربعة ج 5 ص 17). PageV01P076 ### |||| ** الثالث ms018 : قبولها للانقسام الغير المتناهي وهو قول جمهور الأوائل (1). ### |||| ** الرابع : قبولها للانقسام المتناهي وهو قول طائفة وينسب الى الشهرستاني (2). # والاستدلال للمذهب الأول من وجوه : ### |||| ** الأول : إن الحركة والزمان موجودان ، فإما أن يقبلا القسمة حين الوجود وهو محال ~~وإلا لكان الماضي من كل منهما هو الحاضر ، وإما أن لا يقبلا القسمة فيلزم ~~أن يكون مطابقهما كذلك وإلا لانقسما. ### |||| ** الثاني : إذا وضعنا كرة حقيقية على سطح حقيقي ، فإما أن يكون المستقر عليه نقطة فإذا ~~تحركت الكرة تلاقت بنقط فهي مركبة منها ، وإما أن يكون خطا او سطحا فيكون مضلعة. ### |||| ** الثالث : النقطة موجودة مشار إليها اتفاقا ، ولأنها نهاية موجودة ، ولأن بها يحصل ~~الملاقاة ، فإن كانت جوهرا فهو المطلوب ، وإن كانت عرضا فمحلها إن انقسم ~~انقسمت ، لأنها إن حلت في جميع أجزاء المنقسم لزم تعددها أو انقسامها ، وإن ~~حلت في بعضه نقلنا الكلام إليه ، وإن لم ينقسم فهو المطلوب. ### |||| ** الرابع : لو قبل الجسم الانقسامات الغير المتناهية لكانت الخردلة مساوية للجبل ~~العظيم في الانقسام. ### |||| ** الخامس : برهان اقليدس دل على وجود زاوية حادة هي أصغر الزوايا فيلزم الجزء (3). PageV01P077 # قال الأوائل : أما الأول فغير وارد ، لأن الحركة والزمان متصلان ليس لهما ~~اجزاء بالفعل ، وانقسامهما إنما هو بالقوة كالجسم ، والآن ليس جزأ من ~~الزمان بل هو حد مشترك بين الماضي والمستقبل والحدود المشتركة ليست أجزاء ~~من المقادير. ### |||| ** وأما الثاني ، فالجواب عنه : أنا نمنع وجود سطح حقيقي كرة حقيقية ، ولئن سلمنا ذلك لكن ~~لا نسلم تلاقيهما ، سلمناه لكن يمنع إمكان حركة الكرة فوق السطح ، سلمناه ~~لكنا نقول : إنها في حال الحركة تلاقي السطح بخط ، والملاقاة بالنقطة إنما ~~تكون في الآن ، والآنات غير متتالية اذ لو تتالت الآنات لاستغني عن هذا ~~التطويل. ### |||| ** وأما الثالث ، فالجواب عنه : أن النقطة عرض ولا يلزم من انقسام المحل انقسام الحال فيه (1)، اللهم الا ~~أن يكون عرضا ساريا في أجزاء محله ، أما الذي ليس بسار فيه فلا يلزم ~~انقسامه كالإضافات والوحدة. ### |||| ** وعن الرابع : أن الشناعة تتم على تقدير أن يكون مقادير أجزاء الخردلة مساوية لمقادير ~~أجزاء ms019 الجبل ، اما مع التفاوت فلا كتضعيف الألف والألفين. ### |||| ** وعن الخامس : أن أقليدس برهن على وجود زاوية حادة هي أصغر من كل زاوية مستقيمة الخطين ، ~~ولا يلزم من ذلك أن تكون تلك الزاوية أصغر من الزوايا مطلقا. # قال المتكلمون : اما الجواب الأول ففاسد ، لأن الماضي والمستقبل معدومان ~~، فإن لم يوجد في الآن زمان وحركة فلا وجود لهما وإن وجد لزم ما قلنا. PageV01P078 ### |||| ** واما الثاني ، فإن إنكار وجود السطح والكرة وحركة الكرة عليه مكابرة. قوله : الملاقاة ~~بخط ، قلنا : الكرة دائما ملاقية للسطح فإن كان حال الملاقاة تلاقي بخط ~~كانت الكرة مضلعة وإن كان بنقطة لزم الجوهر. وفي هذا نظر. ### |||| ** وأما الثالث ، فإنا قد دللنا على أن الحال يجب انقسامه لانقسام محله ، وقوله : # العرض الساري ينقسم لانقسام محله ، قلنا : إن عنيت بالعرض الساري هو الذي ~~يوجد في أجزاء محله أجزائه كان الموضوع والمحمول واحدا ، وإن عنيت امرا آخر ~~فبينه ، وأما الإضافات والوحدة فنمنع وجودهما. # وأما الأوائل فاستدلوا على إبطال تركب الجسم من الجواهر الأفراد لوجوه (1): ### |||| ** الأول : إن الجوهر الواقع في التركيب (2) بين جوهرين إن لاقاهما بالأسر لزم التداخل ~~، وإن كان لا بالأسر لزم الانقسام. ### |||| ** الثاني : إن الخط المركب من ثلاثة أجزاء إذا جعلنا فوق طرفيه جزءين ثم حركناهما دفعة ~~تلاقيا عند منتصف الثاني فانقسم الكل. ### |||| ** الثالث : أن بطء الحركات ليس لتخلل السكنات ، فالجزء منقسم ، أما الأول فلكون السريع ~~الحركة مثل الفرس الشديد العدو يتحرك في اليوم دون حركات الشمس فلو كان ~~بطؤه لتخلل السكون لوجب أن يكون قدر سكونه بقدر فضل حركة الشمس ، لكن الفضل ~~أضعاف حركته فكان يظهر سكونه أضعاف حركته وهو محال. وأما بيان الشرطية فإنا # لو فرضنا السريع والبطيء ابتدءا بالحركة معا PageV01P079 # وقطع السريع جزءا ، فالبطيء إن قطع دونه لزم الانقسام وإن ساواه ظهر ~~المحال. ### |||| ** الرابع : الدائرة القريبة من المنطقة إذا تحركت جزءا ، فإن سكنت الدائرة القريبة من ~~القطب تفككت الكرة ، وإن تحركت أقل من جزء انقسم ، وإن ساواها (1) تساوى ~~المداران المتفاوتان. ### |||| ** الخامس : اذا تحركت الشمس جزءا فالظل إن تحرك ms020 جزءا تساوى طول الظل ومدار الشمس ، وان ~~تحرك أقل لزم الانقسام. ### |||| ** السادس : السطح المربع المركب من ستة عشر جزءا إن كان بين أجزاء قطره خلو ، فإن وسع ~~للجزء تساوى القطر والضلعان وهو باطل بشكل الحمار (2)، وإن كان الأقل ~~انقسم ، وان لم يكن خلو تساوى القطر والضلع ، وبرهن اقليدس على بطلانه. ### |||| ** السابع : شكل العروس (3) دل على أن مربع وتر القائمة مساو لمربعي الضلعين ، فإذا كان ~~كل واحد منهما عشرة فالوتر جذر مائتين وهو منكر. ### |||| ** الثامن : برهن اقليدس على أن كل خط يمكن تنصيفه فالمركب من مفردات يلزم انقسامه. ### |||| ** التاسع : القول بالجزء ينفي الحركة ، لأن الجوهر إذا تحرك من جوهر الى آخر فإن وصف ~~بالانتقال حال حصوله في الحيز الأول كان كاذبا لأنه بعد لم يشرع فيه ، ~~وكذلك إن وصف حال حصوله في الثاني لأنه قد انقطع الانتقال. ### |||| ** أجاب المتكلمون عن الأول : بأن الملاقاة ليست ببعض الأجزاء ولا PageV01P080 # بجميعها ، بل بأعراض حالة فيها كما هو عندكم في الأجسام المتلاقية ~~بالسطوح. ### |||| ** وعن الثاني : المنع من حركتهما ، لأن الحركة تتوقف على المكان والجزء الواحد لا يصح أن ~~يكون مكانا لهما. ### |||| ** وعن الثالث : أن السكون ليس بمحسوس ، لأنه عدم الحركة ، وهذا لا يتمشى على قواعدهم فإنهم ~~يذهبون الى وجود السكون. وأيضا لو كان السكون عدميا لما ضر ، لأن السكون ~~وإن لم يكن محسوسا لكن نسبة الجسم الى الخارج عنه بالمحاذاة الثابتة فيكون ~~(1) محسوسا فيعلم سكونه. ### |||| ** وعن الرابع : الالتزام بالتفكيك ، والاستبعاد لا يلتفت إليه. ### |||| ** وعن الخامس : بسكون الظل في بعض أزمنة حركة الشمس ، ولأن حركة الظل ليس سببها الشمس بل ~~الفاعل المختار. ### |||| ** وعن السادس والسابع والثامن : أنها مبنية على وجود الدائرة ، وهو انما يتم بعد إبطال الجزء ، فلو ~~استدللتم على إبطاله بثبوتها لزمكم الدور. ### |||| ** وعن التاسع : أن الحركة هي الحصول في الحيز الثاني. # واعلم أن هذه الأجوبة بعضها مدخول. # واستدل الفريقان على إبطال مذهب النظام : بأن المسافة المتناهية المقدار ~~لا يمكن قطعها الا بعد قطع أنصافها وأنصاف أنصافها الى غير النهاية ، فلا ~~يمكن قطعها الا في ms021 زمان غير متناه ، ولأن البطيء إذا ابتدأ بالحركة قبل ~~السريع يجب أن لا يلقاه السريع ، ولأن المقدار يزيد بزيادة الأجزاء ~~فالمقدار المؤلف من غير المتناهي يجب أن يكون غير متناه. # قال الشيخ (2): إن الكثرة سواء كانت متناهية أو غير متناهية فإن فيها PageV01P081 # آحادا موجودة ، فلنأخذ منها قدرا من الآحاد ونؤلفها ، فإما أن يتزايد ~~الحجم على الواحد أولا ، والثاني باطل وإلا لما كانت المقادير مؤلفة منها ، ~~والأول يوجب وجود جسم متناه في الأجزاء ، فبطلت (1) كليتهم المحصورة وتكون ~~نسبة هذا الجسم الى المؤلف من غير متناه نسبة متناه الى متناه لكنها هي ~~بعينها نسبة الأجزاء الى الأجزاء ، فنسبة المتناهي الى المتناهي نسبة ~~المتناهي الى غير المتناهي هذا خلف ، فإذن لا شيء من الأجزاء المتناهية ~~الأقدار (2) غير متناهية الأجزاء. # والنظام أجاب عن الأولين : بالطفرة (3)، وهي غير معقولة مع عدم القطع ~~ومعه لا تقع (4). ### |||| ** وعن الثالث : بالتداخل ، وهو باطل لما سيأتي. # واستدل النظام على إثبات الطفرة بوجوه : ### |||| ** أحدها : أنا نفرض بئرا طولها مائة ذراع وفي نصفها خشبة وفي الخشبة حبل مشدود وطوله ~~خمسون ذراعا الى أسفل البئر وفي طرف الحبل الأسفل دلو ، ثم # والطفرة في اصطلاح المتكلمين : ان يكون الجسم الواحد في مكان ثم يصير الى ~~المكان الثالث ولم يمر بالثاني على جهة الطفرة (انظر : الاشعري ، مقالات ~~الاسلاميين ج 2 ص 18). # والذي جر النظام الى القول بالطفرة ، قوله بنفي الجزء الذي لا تجزى ، ~~فإذا كانت المسافة المعينة ينقسم كل جزء من اجزائها الى ما لا نهاية فكيف ~~يمكن قطعها في وقت متناه؟ فللتغلب على هذه الصعوبة احدث النظام القول ~~بالطفرة. PageV01P082 # أخذنا حبلا آخر خمسون ذراعا وشددنا فيه حلقة وجعلناها في طرف الحبل الذي ~~في الخشبة ثم جذبنا الدلو فإنه يصعد الحبل خمسين ذراعا ويصعد الدلو مائة ذراع. ### |||| ** الثاني : نفرض بيتا طوله ألف فرسخ وفتحنا فيه فتحة مقابلة للشمس ، فإنه حين تطلع ~~الشمس يقطع شعاعها مسافة البيت ومحال قطع هذه المسافة الطويلة في الزمان ~~اليسير. ### |||| ** الثالث : أن الشمس وقت طلوعها يبلغ ضوئها الى أقصى نصف ms022 كرة الارض. ### |||| ** أجاب المتكلمون عن الأول فقالوا : انها كان كذلك ، لأن حركة الحبل الأعلى نصف حركة الدلو والا فبالنسبة الى ~~الحبل الأسفل ، فإنه لم يقع الا مائة ذراع ، لأن الحبل الأسفل كان من نصف ~~البئر الى أسفلها فانقلب بحركة الحبل الاعلى فصار من نصفها الى أعلاها ومن ~~نصفها الى اسفلها خمسون والى أعلاها خمسون ، فإذا انقلب الحبل من أسفلها ~~الى أعلاها والدلو فيه فقد مرت الدلو بجميع البئر ، وليس ذلك لأجل الطفرة ، ~~لأنا لو فرضنا في الدلو آلة محددة وجردناه على جذع فإنه يظهر أثر ذلك ~~المحدد في جميع الجذع ، ولو كان للطفرة لظهرت العلائم في موضع دون موضع. ### |||| ** وأجابوا عن الثاني : بأن البيت فيه أجزاء مضيئة قليلة الضوء ، فإذا دخل الضوء من الفتحة ظهرت ~~الأجزاء. ### |||| ** وأجابوا عن الثالث : بأن الضوء ينبسط على الأرض من طلوع الفجر على التدريج ، فاذا طلعت الشمس من ~~الأفق اتصل ضوئها بذلك الضوء فلذلك يصل الى أقصى الأرض ، وهذان سخيفان (1). PageV01P083 # والجواب الحق : إن الضوء يحدث في البيت حال مقابلة فتحة للشمس دفعة واحدة ~~من غير أن يسري فيه شعاع ، وهؤلاء إنما أقدموا على هذا الجهل بسبب ظنهم أن ~~الشعاع جسم ، ونحن سنتحقق خطأهم في هذا. # وذهب ذيمقراطيس وأتباعه (1) الى أن الأجسام المنقسمة بالفعل متكثرة ~~بالفعل وينتهي الى أجسام صغار تقبل الانقسام الوهمي دون الانفكاكي ، وذلك ~~لأنه لما رأى حجة المتكلمين على تركيبها (2) من المتناهية اعترف بها ، ورأى ~~حجة الاوائل على قبولها للانقسام الغير المتناهي اذعن لها ، ظانا انه قد ~~(3) اصاب التحقيق ، وبئس ما ظن خصوصا وعنده أن الأجزاء متفقة في الحقيقة ~~متخالفة في الأشكال ، فاذن يلزمها لازم متفق وهو إما الانقسام الانفكاكي أو ~~عدمه ، والثاني فاسد والا لما انقسمت فإذن الأول حق. # وذهب الأوائل الى أن الجسم لفظ مشترك بين معنيين : أحدهما الكم المتصل ~~القار الذات المنقسم في الجهات الثلاث وهو الجسم التعليمي (4) وهو عرض. ~~الثاني : الجسم الطبيعي وهو الجوهر القابل للأبعاد الثلاثة اعني الطول ~~والعرض والعمق وهو محل للأول ، ويعنون الجوهر غير ما يعني ms023 به المتكلمون ~~وسيأتي بيان مرادهم منه ، وهذا عندهم مركب من الهيولى (5) وهي الجوهر ~~القابل ومن الصورة PageV01P084 # وهي الجوهر المتصل بذاته. # واستدل عليه الشيخ في إلهيات الشفاء (1) بوجهين : ### |||| ** أحدهما : ان الجسم قد ثبت إنه متصل ويعرض له الانفصال ، والمتصل لا يقبل الانفصال ~~والا لكان الشيء قابلا لعدمه ، فلا بد من شيء قابل للاتصال والانفصال وهو ~~الهيولى. ### |||| ** الثاني : ان الجسم من حيث هو متصل هو بالفعل ومن حيث هو مستعد أي استعداد كان فهو ~~بالقوة ، فالذي له الفعل غير الذي له القوة أعني الهيولى. # وهذان ضعيفان ، اما الأول فلأنه ينبني على اتصال الجسم والمتكلمون قد ~~بينوا أنه مركب من الأجزاء ، وأيضا فهو مبني على ثبوت الإمكان ، وأيضا فانه ~~ينبني على كون الاتصال أمرا مقوما للجسم غير عارض له. # وأما الثاني : فلأنه ينبني على أن المتصف بالقوة والفعل متغاير ، وهو حق ~~لو كان القوة لشيء والفعل لذلك الشيء ، أما إذا كان الشيء متصفا بالقوة ~~بأمر ومتصفا بالفعل بأمر آخر لم يلزم منه إحالة ، وأيضا فانه يرد على ~~الهيولى. ### |||| ** تذنيب : قالوا : فالمادة (2) لا يجوز أن تفارق الصورة ، واستدل عليه في إلهيات ~~الشفاء (3) بوجهين : ### |||| ** أحدهما : أن الهيولى لو فرضت خالية عن الصورة فإما أن يكون ذات وضع (4) أو لا يكون ، ~~والأول باطل وإلا لافتقرت الى هيولى أخرى وتسلسل ، PageV01P085 # والثاني باطل لأنها عند الاقتران صارت ذات وضع فلا بد لها من محل يكون ~~أولى بها من غيره ، فالأولوية إن حصلت قبل المقارنة فهي وضعية أو بعدها لم ~~يجب تخصصها بجزء دون آخر ، والكائن إنما تخصص بسبب وضع سابق وهاهنا فرضناها مجردة. ### |||| ** الثاني : إن الهيولى إن كان وجودها وجود قابل حسب وجب وجود المقبول دائما معها والا ~~لاختلف القبول ، وإن كان لها وجود خاص فلا يكون هي الهيولى. # وهذان ضعيفان ، أما الأول فلأنه جاز أن يكون مع عدم المقارنة أولى ببعض ~~الأحياز عند اتصافها بالصورة وتكون تلك الأولوية (1) حاصلة بسبب أمور عارضة ~~لها ، سلمنا أنها لا تكون أولى فلم لا تحصل في الحيز باختيار الفاعل ، ~~سلمنا لكن ms024 يجوز أن تحصل الأولوية بعد الاقتران. قوله : إنها لا يتخصص بجزء ~~دون آخر إذ لا وضع ، قلنا : لا نسلم عدم التخصص وما يدريك بانحصار التخصص ~~في الوضع ، سلمنا لكن هذا يدل على امتناع اقتران المجردة بالصورة أما على ~~امتناع مجردة غير مقترنة فلا. # وأما الثاني فلأنا نقول : قبول الهيولى لشيء لا يستلزم وجود المقبول ~~دائما ، فإنه لو قيل بعكس هذا في العنصريات على قولك لكان أحق. ### |||| ** تذنيب : وعكسوا هذا الحكم أيضا كليا وذلك لأن الصورة دائما قابلة للانقسام فدائما ~~لها الهيولى ، ولأن الصورة لا توجد الا متناهية مشكلة ويستحيل ان يعرض لها ~~(2) لذاتها والا لاتفقت الأجسام في الشكل ، وكذلك إن جعل بالفاعل لأنه ~~متساوي النسبة الى الكل فلا بد من مشاركة المادة ، وأنت خبير PageV01P086 # بضعف هذين البرهانين (1). ### |||| ** تذنيب : وإذا ثبت تلازمهما فلا بد من علية منهما أو مستفادة من خارج على وجه ~~يقتضي تعلق إحداهما بالأخرى ، وهذا حق ، فالعلة لا تجوز أن تكون هي الهيولى ~~لأنها قابلة ولأنها مشتركة في العنصريات ، فإن كانت هي الصورة فلا تكون ~~مطلقة بل إن كانت فشريكة ، لأن المطلق يعدم المعلول بعدمه فيجب أن يكون ~~للهيولى هيولى هذا خلف. ### |||| ** تذنيب : الصورة الجسمية لا تكفي في تقويم المادة بل لا بد من صورة أخرى نوعية ، ~~لأن الأجسام لا يخلو إما أن تكون قابلة للتشكل (2) إما بعسر وإما بسهولة ~~وإما أن لا تكون قابلة له ، فالاختلاف في هذه المعاني لا يعود الى الهيولى ~~القابلة ولا الى الصورة المشتركة ولا الى الفاعل المتحد ، فلا بد من أمر ~~آخر هو صورة يختلف نوعيات الأجسام بها ، ولأنها مختلفة في استحقاق الأمكنة ~~فهي مختلفة في المقتضيات. ### |||| ** تذكير : ولما انساق الكلام الى هاهنا فخليق بنا أن نجدد عهدا بذكر براهين لقواعد ~~سلفت لهم نافعة فيما مضى وسيأتي وذكر شكوك وحلها. ### |||| ** قاعدة : الهيولى مشتركة في العنصريات ، برهانه أن الأجسام العنصرية يتكون بعضها عن ~~بعض ، اعتبر النار المنفصلة عن الشعلة (3) والقماقم (4) المحماة PageV01P087 # بالنار المنشقة ، ومن أنكر الكون والفساد فغالط لأنه منكر للمحسوسات. ### |||| ** قاعدة : الفاعل ms025 لا يكون قابلا وهذا وإن كان خليقا أن يذكر فيما بعد لكن لما انبنى ~~عليه ما قبله وما بعده اخترنا ذكره هاهنا. برهانه : إن الفاعل من حيث إن ~~الفعل صادر عنه واجب عنه ومن حيث إن الفعل مقبول له ممكن والشيء الواحد حقا ~~لا يكون نسبته الى الشيء الواحد نسبتي إمكان ووجوب فهما لمختلفين. # وهذا فاسد ، لأن الإمكان إنما هو للفاعل من حيث إنه قابل والوجوب له من ~~حيث إنه فاعل وهو من حيث هو هو واحد ، فالحاصل إن تكثر الحيثيات لا يقتضي ~~تكثر الأجزاء. # فإن قلت : ينتظم قياس من الشكل الثاني هكذا : الفاعل من حيث إنه فاعل يجب ~~له الأثر والقابل من حيث إنه قابل لا يجب له الأثر ، ينتج : فالفاعل من حيث ~~إنه فاعل مغاير للقابل من حيث انه قابل. # قلت : النتيجة حقة وليست محصلة للمطلوب ، لأن المطلوب هو أن ماهية الفاعل ~~من حيث هي غير ماهية (1) القابل ، فإن كان المطلوب أن الفاعل من حيث إنه ~~فاعل غير القابل من حيث إنه قابل ، سلمنا ولا يتمشى لكم مباحث بنيتموها على ~~هذه القاعدة. # شك ، قيل : الصورة لا تكون علة للهيولى (2)، لأنها حالة فيها والحال محتاج. # جواب : إن الصورة علة للهيولى وعلة للحلول بعد وجود الهيولى من غير PageV01P088 # احتياج في قوامها إليها ، وأيضا الحال هو المتشخص والعلة هي المطلقة فلا دور. # آخر ، قيل : التلازم لا يقتضي العلية كالمضافين. # جوابه : إنه لو لا علية أحدهما للآخر لأمكن فرض كل واحد منهما مع عدم ~~الآخر ، فلا تلازم المضافان بينهما علية ولا دور إذ كل واحد يفتقر الى ما ~~لا يفتقر إليه الآخر ، وفي الأخير نظر. # آخر ، قيل : الصورة تعدم والهيولى باقية فلا تكون علة. # جوابه : إن المعدوم ليس بعلة وما هو علة لا يعدم ، اذ المعدوم الصورة ~~الشخصية والعلة الصورة الكلية وهي باقية. ### |||| ** تتمة : ذهب ابو البركات البغدادي الى أن الجسم واحد في نفس الأمر ليس بمركب من ~~الأجزاء ولا من الهيولى والصورة (1)، ونقل هذا المذهب عن الأوائل وقال : ~~إنهم يعنون بالهيولى ms026 الجسم من حيث هو ويعنون بالصورة الصورة النوعية أعني ~~النارية والمائية وغير ذلك ، والى هذا المذهب ذهب صاحب المطارحات (2). # وذهب النظام والنجار وضرار الى أن الجسم مركب من أعراض هي اللون والطعم ~~والرائحة والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة (3)، وهو في غاية السخافة ، PageV01P089 # فإن الأعراض تفتقر الى المحل الذي هو الجسم والجسم يفتقر الى أجزائه ، ~~فلو كانت هذه الأعراض هي أجزاء الجسم لزم تقدم الشيء على نفسه بمرتبتين. # وأيضا الأجسام متساوية في الجسمية ومتباينة بهذه الأعراض ، وهؤلاء لما ~~وجدوا الجسم لا ينفك عن هذه الأعراض جعلوه عبارة عنها ، فالغلط نشأ لهم من ~~أخذ لازم الشيء مكان ذلك الشيء ، فهذه المذاهب خلاصة ما قرأناه من زبر ~~الأولين. PageV01P090 ### | القطب الثاني في أحكام الأجسام ### ||| ** وفيه مسائل : ### |||| ** مسألة : اختلف الناس في حدوث الأجسام ، فذهب أرباب الملل الى حدوثها ، وذهب أرسطو ~~وثامسطيوس وأبو نصر وأبو علي وأتباعهم الى أن الأجسام السماوية قديمة وان ~~هيولى الأجسام العنصرية قديمة أيضا (1)، واما صورها الجسمية والنوعية ، ~~فحادثة وكذلك الأعراض التابعة لها. # وذهب أنكساغورس وفيثاغورس وسقراط وجميع الثنوية وغيرهم الى أن مادة ~~العالم قديمة ، ثم قال بعضهم : تلك المادة جسم اذا جمد صار أرضا وإذا لطف ~~صار هواء ، وزعم بعضهم أن ذلك الجسم هواء ، وآخرون أنه النار (2). # «فقد تبين وتحقق بما نقلناه من كلمات هذا الفيلسوف الاعظم ونصوصه ~~واشاراته انه كان مذهبه اعتقاد حدوث العالم واعتقاد بواره ... فاذن ما زعمه ~~الجمهور واشتهر بينهم انه كان يعتقد قدم العالم ، فلعل مراده قدم ما سوى ~~الاجسام والجسمانيات ، وحينئذ لا يخلو حاله من احد امرين : فاما ان يريد من ~~العالم العقلي عالم الالهية والقدرة ومراتب القوة القيومية ... فيكون القول ~~بقدمها حقا وصدقا اذ لا يلزم من تعدد القدماء ... ، وان اراد بذلك ذواتا ~~قديمة متعددة منفصلة الوجود مستقلة الهويات ... فالقول بقدمها وتسرمد ~~العقول الفعالة باطل ...» (الاسفار الاربعة ج 5 ص 232). PageV01P091 ### |||| ** وأنكساغورس قال : انه الخليط وهو أجسام صغار غير متناهية من كل نوع من الأنواع عدد من تلك ~~الأجزاء غير متناه اذا اجتمع من أجزاء نوع من ms027 الأنواع منها أجزاء ظهرت للحس ### |||| ** وذيمقراطيس قال : إن أصل العالم أجزاء كثيرة كرية الشكل لا ينقسم فكا وينقسم وهما وهي متحركة ~~لذاتها فاتفقت في بعض حركاتها أن تصادمت فحصل منها هذا العالم. ### |||| ** والثنوية قالوا : أصل العالم هو النور والظلمة (1). وفيثاغورس قال : مبادي العالم هي ~~الأعداد المتولدة عن الوحدات (2) والوحدة قائمة بنفسها ، فإذا عرض للوحدة ~~وضع صارت نقطة ومن اجتماع نقطتين يتولد الخط ، والسطح من اجتماع خطين ~~والجسم من اجتماع سطحين (3). # لنا على الحدوث وجهان : ### |||| ** الأول : أنها لو كانت أزلية لكانت إما متحركة وإما ساكنة ، والقسمان باطلان فالمقدم ~~باطل (4)، أما بيان أنها ليست متحركة فلوجوه : ### |||| ** الأول : أن الحركة ماهيتها المسبوقية بالغير وهو ينافي الأزلي. ### |||| ** الثاني : أن الحركات كل واحدة منها حادث قد تقدمه عدم فمجموع عدماتها سابق على ~~وجوداتها ، فإن حصل معها في الأزل حركة لزم استواء السابق والمسبوق هذا خلف ~~، وان لم يحصل كانت حادثة. PageV01P092 ### |||| ** الثالث : إن حركة ما من الحركات إن كانت أزلية وكانت غير مسبوقة ، فهي أول الحركات ~~فانتهت ، وإن كانت مسبوقة كان الأزلي مسبوقا ، وإن لم يكن شيء من الحركات ~~أزليا فالمجموع حادث وهو المطلوب. ### |||| ** الرابع : لو كانت الحركات غير متناهية كان اليوم موقوفا على انقضاء ما لا يتناهى. ### |||| ** الخامس : نفرض من اليوم الى الأزل جملة (1) ومن خلق آدم الى الأزل أخرى ونطبق ، فإما ~~أن يتساويا فيكون المتفاوت متساويا وهو محال ، وإما ان يختلفا في الجانب ~~الأزلي فالكل حادث. # واما بيان أنها ليست ساكنة ، فلأنها لو كانت ساكنة لزم أن لا يتحرك ~~والتالي باطل فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : إن السكون حينئذ أزلي فلا يعدم لما بينا أن الأزلي يستحيل ~~عدمه ، وأما بيان بطلان التالي فلأن الحس دال عليه [والخصم يساعد عليه] (2). # أيضا فإن الأجسام البسيطة موجودة والوضع بمعنى المقولة لها غير واجب ~~فيمكن زواله فصحت الحركة ، ولأن معنى السكون هو اللبث أكثر من زمان واحد ~~فماهيته يقتضي تقدم شيء من الزمان عليه والأزلي لا يتقدمه زمان ، وإذا ثبت ~~أن الأجسام لا تخلو من الحركة والسكون ومعهما يستحيل ms028 أن يكون أزلية ، فهي حادثة. ### |||| ** فإن قيل (3) ### |||| ** : هذه المنفصلة ينبني على وجود المكان وهو ممنوع ، سلمنا PageV01P093 # ثبوت المكان لكن نمنع الحصر ، بيانه إن الجسم في أول زمان وجوده غير ~~متحرك وغير ساكن سلمنا لكن نمنع استحالة وجود الحركة في الأزل. قوله في ~~الأول : الحركة معناها المسبوقية والأزل ينافيها ، قلنا : هذا الكلام مبني ~~على تفسيركم الحركة بما ادعيتموه والخصم لا يساعدكم على هذا. ### |||| ** قوله في الوجه الثاني : مجموع العدمات سابق على الحركات ، قلنا : العدم نفي محض فلا يصح وصفه ~~بالسبق ، سلمنا لكن تدعون أن مجموع العدمات سابق على مجموع الوجودات أو على ~~نوع الوجودات أو على كل واحد واحد ، والأول والثاني ممنوعان والثالث مسلم ، ~~ولكن لم قلتم إنه إذا كان سابقا على كل واحد كان سابقا على المجموع؟ ثم ما ~~تريدون بهذا السبق؟ إن أردتم السبق الزماني افتقر الى ثبوت زمان ، وإن ~~أردتم غيره لم ينفعكم. ### |||| ** قوله في الوجه الثالث : إن كانت حركة ما أزلية انتهت الحركات وإن لم يكن شيء من الحركات أزليا ~~فالكل حادث ، قلنا : تعنون بقولكم إن لم يكن شيء من الحركات أزليا كان الكل ~~حادثا ، السلب الكلي او السلب عن الكل ، فإن عنيتم الأول التزمناه ولكن ~~الملازمة ممنوعة ، وإن عنيتم الثاني لم تكن الملازمة ثابتة لأنه لا يلزم من ~~عدم كون شيء ما من الحركات أزليا أن يكون الكل حادثا. ### |||| ** قوله في الوجه الرابع : اليوم موقوف على انقضاء ما لا نهاية له ، قلنا : هذا يفهم منه معنيان : ### |||| ** أحدهما : إن اليوم والحوادث كلها معدومة في وقت ، ثم إن اليوم في ذلك الوقت يحكم ~~عليه بامتناع الوجود الا بعد انقضاء الحوادث. ### |||| ** والثاني : إن اليوم لا يوجد حتى يوجد أمور متتالية لا يتناهى في المبدأ ، فإن عنيتم ~~الأول سلمنا استحالته لكن لا نسلم ان الحوادث لو كانت غير متناهية لتوقف ~~وجود اليوم على انقضائها بذلك المعنى. PageV01P094 # وإن عنيتم الثاني سلمنا لزومه ومنعنا استحالته فانه هو المتنازع. ### |||| ** قوله في الخامس : نفرض جملتين إحداهما أنقص من الأخرى (1) ونطبق فيتناهى ، قلنا : التطبيق ~~إنما ms029 يفرض في أمور محصله مرتبة ترتيبا عقليا أو وضعيا ، أما المعدومات فلا ~~يصح فرض التطبيق فيها ، سلمنا صحة الدلائل على استحالة وجود الحركة في ~~الأزل لكن معنا ما يعارضه ، وهو أن الحركة لو كانت ممتنعة في الأزل لكان ~~امتناعها إما أن يكون لذاتها فكان يجب أن لا يوجد هذا خلف ، وإما أن يكون ~~لغيرها فإن كان واجب الوجود استحال وجودها أيضا ، وان كان ممكن الوجود ~~انتهى الى واجب الوجود او تسلسل وهو محال سلمنا انها ليست متحركة ، فلم لا ~~تكون ساكنة؟ # قوله : لو كانت ساكنة لما تحركت لأن القديم لا يجوز عدمه ، قلنا : انتم ~~محتاجون الى بيان مقدمة هي أن السكون وجودي حتى يتم هذا الاستدلال ، ~~والأوائل منعوا من وجوده ، سلمنا إنه وجودي لكن يجوز أن يكون وجوده مشروطا ~~بشرط عدمي ازلي فإذا زال ذلك العدمي زال ، سلمنا لكن لا نسلم جواز عدم ~~السكون. # قوله : الحس والتسليم يدلان عليه ، قلنا : الحس لا يدل على الحكم الكلي ، ~~فإنه يجوز وجود جسم غير محسوس وهو ساكن ، فلا تتم كليتكم المحصورة. # فالجواب (2): قوله : وجود المكان ممنوع ، قلنا : كل عاقل يحكم بأن كل ~~جسم فإنه يشار إليه إشارة وضعية وتحقيق ماهية المكان سيأتي. # قوله : الجسم في أول حدوثه غير متحرك ولا ساكن ، قلنا : ذلك لا يضرنا PageV01P095 # ولأنا نردد (1) في الجسم الباقي. ### |||| ** قوله على الأول : هذا بناء منكم على تفسير الحركة ، قلنا : هذا صحيح ونحن ندعي أن الحركة ~~بهذا التفسير يمتنع خلو الجسم عنها وعن السكون. ### |||| ** قوله : على الثاني : إن العدم نفي محض لا يصح وصفه بالسبق ، قلنا : لا نسلم إنه إذا كان نفيا ~~استحال وصفه بالسبق فإنا نعلم قطعا أن المحدث قد سبقه عدمه. # قوله : تدعون السبق على كل واحد او على المجموع ، قلنا : على المجموع ~~لكونه حاصلا على كل واحد ، فإن كل واحد من الحركات إذا كان مسبوقا بالعدم ~~فالمجموع كذلك لاستحالة وجود الكل بدون الأجزاء ، والنوع أيضا كذلك ~~لاستحالة وجوده الا مع شخص ما فلو وجد النوع أزلا لوجد شخص ما أزلا. ms030 # قوله : إن أردتم السبق الزماني افتقر الى ثبوت الزمان ، قلنا : نعني به ~~السبق الذي يكون كسبق بعض أجزاء الزمان على بعض. ### |||| ** قوله على الثالث : إن عنيتم السلب الكلي منعنا الملازمة ، قلنا : الملازمة حقة لأن الحدوث إذا ~~صدق على كل واحد صدق على المجموع. ### |||| ** قوله على الرابع : توقف اليوم على انقضاء الحوادث يفهم منه معنيان ، قلنا : نعني الثاني ~~واستحالته قطعية. # قوله : التطبيق إنما يكون مع الحصول والترتيب ، قلنا : الترتيب حاصل فان ~~الزمان كم ذو أجزاء مرتبة ، وأيضا كل حادث سابق علة معدة للاحق ، والحصول ~~ممنوع اشتراطه في التطبيق فإن التطبيق أمر يعتبره العقل ، والجواب عن ~~المعارضة أن الحركة تقتضي امتناع وجودها أزلا لاعتبار الأزلية. # قوله : تفتقرون الى بيان وجود السكون ، قلنا : سيأتي. # قوله : يجوز اشتراطه بعدمي أزلي ، قلنا : العدمي لا يكون جزءا من العلة. PageV01P096 # قوله : الحس لا يعطي الحكم الكلي ، قلنا : هذا حق ، والأولى عندنا ~~الاعتماد على البرهان المذكور. # الوجه الثاني (1) أن نقول : العالم ممكن وكل ممكن محدث فالعالم محدث ، ~~والصغرى سيأتي في باب الوحدانية ، وبيان الكبرى أن المؤثر إما أن يؤثر حال ~~البقاء وهو محال وإلا لكان تحصيلا للحاصل ، أو حال العدم أو الحدوث ، وكيف ~~كان حصل المطلوب ، والقسم الأول من المنفصلة مشكل. # واحتج القائلون بالقدم بوجوه (2): ### |||| ** أقواها : أن كل ما يتوقف عليه الإيجاد إن كان أزليا كان العالم أزليا ، والا لكان ~~حدوثه في وقت دون آخر إن توقف على أمر كان ما فرضناه أزليا ليس بأزلي ، وإن ~~كان لا لأمر ترجح الممكن لا لمرجح ، وإن كان حادثا تسلسل. ### |||| ** الثاني : لو كان العالم حادثا لتقدم الباري تعالى عليه ، فإما أن يتقدم عليه بأوقات ~~متناهية فيكون الباري تعالى حادثا ، أو بأوقات غير متناهية فيلزم قدم ~~الزمان وتوقف العالم على ما لا يتناهى ، وكل هذا حظرتموه. ### |||| ** الثالث : الزمان قديم فالعالم قديم ، بيان الأول إنه لو كان حادثا لكان حدوثه بعد ~~عدمه بعدية زمانية فيكون الزمان موجودا قبل وجوده هذا خلف وبيان الشرطية إن ~~الزمان مقدار الحركة على ما يأتي والحركة عرض تفتقر ms031 الى الجسم فيكون الجسم قديما. ### |||| ** الرابع : المادة قديمة فالعالم قديم ، بيان الأول : إن كل ممكن على الإطلاق فإمكانه ~~زائد على ذاته إذ هو نسبة لوجوده إليه وهو عرض لأن النسب أعراض PageV01P097 # فيحتاج الى المحل ومحله لا يكون هو الحادث لأنه ممكن قبل وجوده ، فمحله ~~هو الهيولى فلو كانت الهيولى حادثة لافتقرت الى هيولى أخرى وتسلسل ، وبيان ~~الشرطية : إن الهيولى لا يقوم بغير صورة على ما بيناه ومجموع الهيولى ~~والصورة هو الجسم فالجسم قديم. ### |||| ** الخامس : العالم حدث عن ذاته تعالى من غير شرط والا لزم الافتقار وذاته أزلية ~~فالعالم كذلك. ### |||| ** السادس : وجود العالم جود ، فلو كان حادثا لكان الله تعالى تاركا للجود. ### |||| ** السابع : العالم صحيح الوجود في الأزل وإلا لزم انقلاب الحقائق ، واذا كان كذلك كان ~~واجب الوجود في الأزل ، لأنه لو كان حادثا لاستحال أن يكون أزليا وقد فرضنا ~~صحة أزليته هذا خلف. # والجواب عن الأول من وجوه : ### |||| ** احدها : أن نختار الأول ، قوله : يلزم إيجاد العالم في الأزل ، قلنا : لا نسلم فإن ~~هذا في حق الموجب أما المختار فلا فلأن (1) المختار يخصص أحد الأمرين لا ~~لأمر ، اعتبر بالعطشان والجائع والهارب من السبع ، هذا جواب البصريين. ### |||| ** الثاني : إن العالم محال في الأزل فلهذا يخلف وجوده عن وجود الله تعالى. ### |||| ** الثالث : إن القبلية والبعدية لا يعقل الا مع وجود العالم ، فإذا كان معدوما استحال ~~أن يقال : لم خصص إيجاده بوقت دون وقت؟ ### |||| ** الرابع : إن علة تخصيص ايجاد العالم بوقت دون آخر هو ارادته تعالى او مصلحة العالم. ### |||| ** الخامس : المعارضة بالحوادث اليومية ، فإن هذه الشبهة واردة فيه مع أنه حادث قطعا. PageV01P098 ### |||| ** والجواب عن الثاني : إن التقدم لا يشترط فيه الزمان على ما بينا ويجوز أن يكون تقدمه عليه ~~بأوقات تقديرية لا وجودية ، وهو الجواب عن الثالث. ### |||| ** وعن الرابع : ما أسلفناه من كون الامكان أمرا ذهنيا لا يستدعي المحل. ### |||| ** وعن الخامس : إن الافتقار ممنوع ولا يلزم من توقف وجود العالم على شرط افتقار المؤثر ، ~~ولو سلم أن الحدوث للذات لكن لا نسلم المقارنة لأنه ms032 مختار. ### |||| ** وعن السادس : إن العالم إذا كان مستحيل الوجود في الأزل استحال أن يقال : إنه تعالى تارك للجود. ### |||| ** وعن السابع : إن العالم إن نظر الى ماهيته حكم عليه (1) بالصحة دائما ولا يلزم من الصحة ~~الوجوب. # قوله : لو كان حادثا استحال أن يكون أزليا ، قلنا : هذه الاستحالة جازت ~~من قبل اعتبار الحدوث منضما الى الماهية ، وإن نظر الى الماهية بقيد الحدوث ~~استحال أن يكون أزليا ولا يلزم انقلاب الحقائق. ### |||| ** مسألة : الأجسام متماثلة عند الجمهور من المتكلمين (2)، لاشتباه بعضها ببعض حسا ~~عند التماثل في الأعراض. # ولأنها يتساوى في قبوله الأعراض ، وهذا حكم مشترك لا بد له من علة مشتركة ~~وهي الجسمية. # ولأن معنى الجسم هو الحاصل في الحيز والأجسام مشتركة في هذا المعنى. # ولأن الجسم يخالف العرض فلا بد للمخالفة من صفة ، وهي إما كونه جسما أو ~~متحيزا أو صفة تتعلق (3) بمعنى أو بالفاعل ، والكل باطل الا الأولين ، أما الصفة PageV01P099 # المتعلقة بالمعنى فلأنها متجددة والتخالف ليس بمتجدد فلا يكون علة له ، ~~وأما الفاعل فلأنه لا يؤثر الا الوجود وهو متماثل. # والكل ضعيف ، أما الأول فلأن الأشياء المختلفة في الحقيقة قد يتشابه في ~~الحس وبالعكس ، وأما الثاني فلا نسلم اشتراك الأجسام في قبول الأعراض ، ~~سلمنا لكن الحق عندنا أن الأمور المتماثلة قد تعلل لمختلفات. # واما الثالث فهو خطأ اخذوا فيه لازم الشيء وجعلوه نفس ذلك الشيء. # وأما الرابع فلأن كل جسم يخالف العرض بحقيقته المعينة ، فإن رجعوا إلى ~~غلطهم الأول من أن المتساوي لا يعلل بالمختلف رجعنا نحن الى المنع ، سلمنا ~~لكن لم لا يجوز أن يقع الاختلاف بالفاعل؟ وحصرهم آثار الفاعل في الوجود ممنوع. # وذهب النظام الى أنها مختلفة والا لكان كل منها قابلا لما يقبله الآخر ، ~~فتكون النار قابلة للبرودة وهي حارة هذا خلف. # والجواب : أن النار تقبل البرودة حال كونها حارة ولا استحالة في ذلك إنما ~~المحال اتصافها بهما. # وأما الأوائل فإنهم ذهبوا إلى أن الأجسام مشتركة في الجسمية وهي متماثلة ~~فيها ، ثم إنها بعد ذلك تختلف بصور أخرى طبيعية ms033 ، وأما المواد فإنها مشتركة ~~في العناصر ومختلفة في الأفلاك ، قالوا : لأن حد الجسمية شامل للكل فيجب ~~استواء الكل فيها. ### |||| ** مسألة : لا شك في صحة بقاء الأجسام ، ونقل عن النظام خلاف ذلك (1)، وتأول ~~المتأخرون له ذلك باحتياجها حال البقاء الى الفاعل فظن الناقل إنه يقول : PageV01P100 # إنه يجددها حالا فحالا (1). # والدليل لنا في ذلك : إنها ممكنة الوجود في الزمان الأول واستمر (2) على ~~ذلك والا لزم انقلاب الحقائق ، ولو رجع في هذا المطلب الى دعوى الضرورة كما ~~رجع إليه الاوائل كان أولى. ### |||| ** مسألة : التداخل محال ، فإن بعدين اذا اجتمعا حكم صريح العقل بأن مجموعهما أزيد ~~من أحدهما ، وجماهير المتكلمين اعتمدوا في ذلك على أنها متماثلة فلو تداخلت ~~لم يقع بينهما الامتياز الذاتي والعارضي فيفضي الى الاتحاد ، ونقل عن ~~النظام إنه جوز التداخل وكذلك نقل عن بعض الاوائل. ### |||| ** مسألة : الأجسام مرئية (3)، وقد سلم الأوائل ذلك غير أنهم قالوا : إن المرئي ~~بالذات هو اللون والضوء وما عداهما فهو مرئي بسببهما ، ولا حاجه في هذا ~~المقام الى الاستدلال. ### |||| ** واحتج المتكلمون : بأنا نرى الطويل العريض العميق وهو عبارة عن الجسم ، فإن الطول لو حل في ~~جزء واحد لزم انقسامه وإن كان في أكثر لزم قيام العرض بمحلين. ### |||| ** مسألة : الأجسام متناهية ، وخالف فيه بعض الأوائل ومحققوهم ، استدلوا بساق المثلث ~~إذا امتد الى غير النهاية ، فإن البعد بينهما لا يتناهى ، PageV01P101 # فيكون (1) محصورا بين حاصرين ، ونفرض خطين أحدهما لا يتناهى والآخر ~~يتناهى ، زال المتناهي من الموازاة الى المسامتة فحدثت نقطة المسامتة هي ~~أول النقطة ولا أول لأن كل مسامتة تحتانية مسبوقة بأخرى فوقانية ، ولا ~~يتمشى هذا البرهان الا بعدم الجوهر وثبوته (2). # ومن استدلالاتهم برهان التطبيق (3)، وهو فرض خط يتناهى من جهة دون أخرى ~~قد قطع من الجانب المتناهي منه قطعة ثم فرض انطباق الأول من الخط الكامل ~~على الأول من الناقص ، فإن امتدا متساويين تساوى وجود الزائد وعدمه ، وإن ~~تفاوتا تناهيا. # وصاحب المعتبر (4) لبلادته تحير في التطبيق فقال : كيف يمكن التطبيق مع ~~انه يستحيل جزء الغير المتناهي الناقص بحيث يحاذي ms034 طرفه طرف الكامل. # احتج المخالف بأن خارج العالم يتميز فيه جانب عن جانب ، فإن الذي يلي ~~القطب الشمالي يغاير الذي يلي القطب الجنوبي والعدم المحض لا امتياز فيه. ~~وأيضا لو فرضنا هذا العالم أكثر (5) مما هو عليه وجب أن يكون ثم من الاحياز ~~أكثر مما هي الآن ، وكذلك لو فرضنا العالم أكثر (6) من هذا المفروض بذراع كانت PageV01P102 # الأحياز أكثر بذراع فثم أحياز متقدرة فهي كم ، وأيضا الجسم حقيقة كلية لا ~~يمنع نفس تصورها من الشركة الغير المتناهية (1) فدخول ما لا نهاية له من ~~الأجسام ممكن. # والجواب عن الأول و ### |||| ** الثاني : أنها مجرد أوهام كاذبة. ### |||| ** وعن الثالث : أن الشركة وإن احتملتها ماهية الجسم لكن الامتناع منها حصل من خارج ~~المفهوم. ### |||| ** مسألة : ذهب جمهور الأشاعرة الى امتناع خلو الأجسام عن الألوان والطعوم والروائح ~~، والحق خلاف هذا فإن الهواء لا لون له وإلا لرأيناه ولا طعم ولا رائحة ~~والا لأدركناه كذلك. # والأشاعرة لما جوزوا عدم الرؤية عند اجتماع الشرائط لم يلزمهم هذا ، فنحن ~~نحتاج أن نطعن في أصلهم هذا حتى يتم استدلالنا ، وسيأتي إبطال أصلهم. # احتجوا بأن الجسم قابل للألوان فيجب اتصافه بها او بضدها ويقاس اللون على ~~الكون ويقاس (2) ما قبل الاتصاف على ما بعده. ### |||| ** والجواب عن الأول : الطعن في كلية قولهم : الجسم قابل للألوان ، سلمنا لكن قولهم : يجب الاتصاف ~~بالقبول او بضده ، ممنوع. ### |||| ** وعن الثاني : المطالبة بالجامع ، وكذلك عن الثالث والمنع في الأصل. ### |||| ** مسألة : كل جسم منتقل فإنا نشاهد انتقاله ونعلم بالضرورة أنه ينتقل من جهة الى ~~جهة ومن مكان إلى مكان ، فالمنتقل إليه وعنه يطلق عليه الجمهور المكان ~~والحيز ، فمكان الشيء هو الذي يكون فيه الشيء ويفارقه بالحركة ويستقر عليه ، PageV01P103 # فيجعلون الأرض مكانا للمستقر عليه (1). # والمتكلمون قالوا : هو (2) الفضاء والبعد (3) وهو عدم محض ونفي صرف ، ~~وجماعة من الأوائل نفوا وجود المكان ، وآخرون منهم حكموا بوجوده. # احتج النفاة بأنه لو كان موجودا ، لكان إما أن يكون جوهرا أو عرضا ، فإن ~~كان جوهرا ، فإن كان متحيزا لزم التداخل وعدم تناهي الأمكنة أو ms035 الدور إن ~~كان كل من المتحيزين مكانا لصاحبه فإن الحاجة حينئذ دائرة بينهما ، وإن كان ~~مفارقا استحال ان يوصف الجسم بالانتقال عنه وإليه فإن المجرد ليس بذي وضع ~~حتى يحصل له القرب من الأجسام والبعد عنها. # وان كان عرضا لزم الدور ، فإن المكان حينئذ يفتقر الى المتمكن والمتمكن ~~يفتقر الى المكان ، ولأن العرض ينتقل بانتقال محله والمكان لا ينتقل ~~بانتقال المتمكن. # وأيضا المكان إن كان جسما لزم التداخل ، وإن كان غير جسم استحال مساواته ~~للجسم ، وهو خلاف ما عليه المثبتون للمكان. # وأيضا الانتقال كما يكون للجسم فكذلك للخط والسطح والنقطة ، فإن كان ~~الانتقال هو الموجب لوجود المكان وجب أن يكون لهذه الأعراض مكان ، ومكان ~~النقطة نقطة فلم كانت إحدى النقطتين أولى بأن يكون مكانا للأخرى من العكس (4)؟ PageV01P104 # والمثبتون قالوا : نحن نعلم بالضرورة انتقال الجسم من شيء الى غيره حين ~~الحركة ، وليس ذلك الشيء جوهرا ولا كيفا ولا كما في ذاته ولا شيئا من ~~المعاني الباقية حال الحركة ، فلا بد من شيء آخر كان الجسم حاصلا فيه أولا ~~ثم استبدل ثانيا وهو المسمى بالمكان. # وأيضا فإنا نجد الجسم يفارق ويعقبه آخر ، والبديهة حاكمة بأن هذا المعاقب ~~عاقب هذا الشيء في الحيز الذي ثبت للأول. ### |||| ** ثم أجابوا عن الأول : بأن المكان عرض حال في غير المتمكن فلا يلزم المحذور. ### |||| ** وعن الثاني : أن المساواة في الحقيقة غير معتبرة بل هي مستعملة هاهنا على سبيل المجاز ~~والمعنى بها اختصاص المكان بالمتمكن حتى يكون مساويا لنهايته. ### |||| ** وعن الثالث : أن الشك إنما يلزم لو قيل الانتقال سواء كان بالذات او بالعرض يحوج الى ~~المكان وليس كذلك. ### |||| ** تذنيب : المثبتون للمكان من الأوائل اختلفوا في ماهيته ، فذهب بعضهم إلى أنه ~~الهيولى فإن الهيولى قابلة للتعاقب والمكان كذلك ، وذهب بعضهم الى أنه ~~الصورة فإن الصورة حاوية والمكان كذلك. # وهذان المذهبان فاسدان ، فإن المكان يفارقه المتمكن بالحركة والشيء لا ~~يفارق أجزائه ، وما احتجوا به فهو عقيم فإن الموجبتين في الشكل الثاني لا ينتج. # والمحققون من الأوائل اختلفوا ، فذهب قوم الى ms036 أنه البعد (1)، فان بين طرفي PageV01P105 # الإناء الحاوي للماء أبعادا مفطورة (1) ثابتة وأن الأجسام تتعاقب (2) ~~عليها ، وتمادى بهم الأمر الى ان قالوا : هذا مشهور مفطور عليه البديهة. # وذهب آخرون منهم إلى أنه السطح (3) الباطن من الجسم الحاوي المماس للسطح ~~الظاهر من الجسم المحوي ، قال اصحاب البعد : لو كان المكان سطحا لكان الحجر ~~الواقف في الماء والطائر الواقف في الهواء متحركا والتالي باطل فالمقدم ~~مثله ، والشرطية ظاهرة فإن الحركة انتقال من مكان الى مكان وأيضا المكان لا ~~يتحرك ونهايات الأجسام تتحرك. # وأيضا فالمشهور عند الجمهور وصف المكان بالفراغ والامتلاء ولا يوصف السطح بذلك. # وأيضا القول بالبعد يقتضي أن يكون كل جسم في مكان ولا كذلك القول بالسطح. # أجاب الشيخ عن الأولى (4): بأن الحركة ليست (5) استبدال مكان مطلقا ، بل ~~هي عبارة عن استبدال المكان ويكون المتحرك مبدئا للاستبدال ، فالحجر والطير ~~ليسا بمتحركين وليسا بساكنين إن عني بالسكون ملازمة الجسم لسطح PageV01P106 # واحد ، ولا استبعاد في أن يكون جسم غير متحرك ولا ساكن فإن المحيط ليس ~~بمتحرك ولا ساكن والجسم المأخوذ في آن ليس بمتحرك ولا ساكن. # وإن عني بالحركة ما يكون مستبدلا بالأمكنة سواء كان هو مبدأ الاستبدال أو ~~غيره ، قلنا هذا الجسم متحرك. # وإن عني بالسكون النسبة الحاصلة للجسم الى الأجسام الثابتة ، كان هذا ~~ساكنا ، وبالجملة هذا يختلف باختلاف الاصطلاح. # وعن الثانية : أن الصغرى ممنوعة ، اللهم الا أن يعني بالحركة الحركة ~~الذاتية فيكون الكبرى كاذبة. # وعن الثالثة : أنها مبنية على عادات الجمهور وهي غير حجة في العقليات. # وعن الرابعة : أنها تامة على تقدير وجوب أن يكون كل جسم في مكان وهو ~~ممنوع ، سلمنا ذلك لكن لم قلتم : إن المكان هو البعد حينئذ ولم لا يكون ~~أمرا ملازما للمكان؟ # ثم احتج الشيخ (1) على إبطال البعد بأن البعد الذي بين طرفي الإناء إن ~~كان باقيا حال وجود المتمكن فيه لزم التداخل أو أن يكون البعد الشخصي ~~متعددا ، لأنه لا معنى للبعد الشخصي الا هذا الذي بين طرفي الإناء ، فلو ~~أخذ يتشكك فيه العقل لجاز أن ms037 يكون الجسم الواحد ليس بواحد ، وإن لم يبق كان ~~المتمكن غير متمكن ، لأنه ليس بموجود في المكان فإن الوجود في المكان ~~يستدعي وجود المكان. ### |||| ** تذنيب : القائلون بأن المكان بعد اختلفوا ، فمنهم من جوز خلوه عن الأجسام ووافقهم ~~على ذلك أكثر المتكلمين ، ومنهم من منع. # احتج المجوزون بوجهين : الأول : إن الجسم إذا تحرك ، فإن تحرك الى مكان PageV01P107 # فارغ فهو المطلوب ، وإن كان الى مكان مملوء ، فالجسم المالي للمكان إن لم ~~يتحرك لزم التداخل ، وإن تحرك الى مكان الأول لزم الدور ، أو الى غيره لزم ~~أن يتحرك العالم بكليته عند حركة البقية. ### |||| ** الثاني : إن السطحين المتلاقيين إذا رفع أحدهما عن الآخر كان الوسط خاليا حال الرفع. ### |||| ** أجاب المانعون عن الوجهين : بثبوت التخلخل والتكاثف (1) الحقيقيين ، واحتجوا على الاستحالة بوجوه : ### |||| ** أحدها : إن الخلاء مقدر ، فإن البعد الذي بين طرفي الطاس أقل من الذي بين طرفي ~~البلدة ، فهو اما كم او ذو كم وكيف كان فلا بد من جسم. ### |||| ** الثاني : إن البعد الخالي متناه وكل متناه مشكل والشكل لا يعرض لطبيعته والا لتساوى ~~، بل انما يعرض له من خارج طبيعته فتكون طبيعة البعد منفصلة والانفصال إنما ~~يكون للمادة فيكون الخلاء ملاء ، وهذه الحجة (2) عول عليها (3) افلاطون. ### |||| ** الثالث : ان الخلاء على تقدير أن يكون بعدا متشابها او عدما صرفا استحال أن يكون فيه ~~اختلاف ، وإذا كان كذلك استحال أن يتحرك الجسم من مكان الى مكان غيره (4)، ~~وإن يسكن في مكان دون غيره والا لكان ترجيحا لأحد # ولقائل ان يقول : ان الالتزام بتخلخل الاجسام يلزم منه القول بالخلاء ~~لتحقق الخلاء في خلل الجسم المتخلخل ، فتامل. PageV01P108 # طرفي الممكن من غير مرجح. ### |||| ** الرابع : لو كان الخلاء موجودا لكانت الحركة فيه واقعة لا في زمان والتالي باطل ~~فالمقدم مثله ، بيان الشرطية إن الحركة في الخلاء لو وقعت في زمان ما ، ~~فلنفرض ملاء يتحرك فيه ذلك المتحرك بعينه فيجب أن يقطع تلك المسافة المعينة ~~في زمان أكثر ، ولنفرض ملاء آخر أرق من الملاء الأول تكون نسبته إليه نسبة ~~الحركة في الملاء ms038 الى الحركة في الخلاء فيتحرك المسافة بزمان مساو للحركة ~~في الخلاء ، وإن فرضناه أرق من هذا كانت الحركة أسرع فتكون الحركة مع ~~المعاوق كهي لا مع المعاوق أو أسرع منها وهذا خلف ، وبيان بطلان التالي ما ~~بيناه في مسألة الجزء (1). ### |||| ** أجاب المجوزون عن الأول : بأن التقدير فرضي فإن العقل يفرض وجود جسم بين طرفي الطاس ووجود آخر بين ~~طرفي البلدة فيحكم بأن أحدهما أكبر من الآخر ، فالتقدير للجسم المفروض لا ~~الخلاء الذي بين الأجسام. ### |||| ** وعن الثاني : إن الشكل يعرض للبعد بسبب الجسم الحاوي له أو بسبب الفاعل المختار ، وقولهم ~~: الانفعال انما يكون للمادة ، لم يقم عليه برهان. ### |||| ** وعن الثالث : إن الخلاء يختلف بحسب نسبته الى الأجسام الحاوية له ، فإن الخلاء الذي يلي ~~السماء مغاير للذي يلي الأرض. ### |||| ** وعن الرابع : إن الحركة بنفسها تستدعي قدرا من الزمان ومع المعاوق قدرا آخر والمحال الذي ~~ذكرتموه إنما يلزم على تقدير أن يكون استحقاق الزمان بسبب المعاوق لا غير ، ~~أما اذا جعلنا بعضه بسبب الحركة والآخر بسبب المعاوق سقط PageV01P109 # الكلام بالكلية. ### |||| ** مسألة : قال الأوائل : الجهة مقصد المتحرك ومتعلق الاشارة فتكون موجودة ذات وضع ، ~~وهي غير منقسمة والا لكان المتحرك الواصل الى منتصفها إن قطع الجهة فالجهة ~~ما ورائه وإن كان طالبا لها فالخلف ليس بجهة فهي طرف الامتداد. # وهي طبيعية وغير طبيعية ، والطبيعية ثنتان : الفوق والسفل ، وغير ~~الطبيعية كثيرة بحسب فرض الأطراف (1)، فلا بد من محدد يتميز فيه الجهتان ~~الطبيعيتان ويكون محيطا ، لأن المجرد يتساوى نسبته وغير المحيط يتحدد القرب ~~دون البعد ، فبالمحيط يتحدد القرب وبالمركز يتحدد البعد. # وأصول هذا الدليل فاسدة ، فإنه على تقدير تسليم الجهات وتميز (2) بعضها ~~من بعض يكون المميز هو الفاعل المختار. ### |||| ** تذنيب : قالوا : ويجب أن يكون هذا بسيطا ، لأن المركب تتقدم الجهة على أجزائه ~~المتقدمة عليه فيدور ، وإذا كان بسيطا لم يتعين وضعه فيجب حركته على ~~الاستدارة ويمتنع أن يكون حركة مستديرة طبيعية لأنها تطلب ما تنفر عنه ~~فليست قسرية فتعينت الإرادية ، ونحن لما نازعنا في إثبات المحدد سقط ms039 عنا ~~هذا التفريع. ### |||| ** تذنيب : كل إرادة لا بد لها من غاية وهذا صحيح ، قالوا : فالغاية التي PageV01P110 # للحركة الدورية لا يجوز أن تكون حاصلة والا لكان المتحرك طالبا للمحال ، ~~وكذلك لا يجوز ان تكون ممتنعة الحصول فيجب أن يكون مما يحصل لكن لا دفعة ~~واحدة والا لتوقفت (1) بل يجب أن تكون حاصلة (2) على التدريج. # قلنا : مع تسليمنا أن حركة السماء إرادية لم لا يكون الغاية حاصلة ويكون ~~جاهلة (3) بالحصول أو يكون ممتنعة الحصول وهي جاهلة (4) بذلك ولم لا يكون ~~مما يحصل وتقف الحركة ، وسنبطل قولهم بأبدية الزمان. ### |||| ** تذنيب : قالوا : فالمحدد للجهات يستحيل أن يتحرك بالاستقامة لوجهين : ### |||| ** الأول : أنه ذو ميل مستدير ، وسنبين استحالة اجتماع ميلي الاستدارة والاستقامة. ### |||| ** الثاني : أنه لو تحرك بالاستقامة لخرج عن موضعه ، وبعد خروجه يصير طالبا له فيكون ذا ~~جهة حالتي الخروج والمعاودة متقدمة عليه فلا يكون هو المحدد الأول للجهات ، ~~فليس بثقيل ولا خفيف ولا موضع له وله تقدم ما على ذوات الجهة المستقيمة ~~ويستحيل عليه الخرق والالتيام ، وليس بحار ولا بارد ولا رطب ولا يابس ، هذه ~~كلها عندنا فاسدة وقد تقدم إبطال بعضها وسيأتي إبطال الباقي. ### |||| ** مسألة : لكل جسم مكان طبيعي قد اتفق عليه المشاءون ، واستدلوا بأنا لو فرضنا خلو ~~الجسم عن الأمور الغريبة فإما أن يحصل في كل الأمكنة وهو محال ، أو في ~~بعضها من غير مخصص وهو محال ، أو بمخصص وليس إلا طبيعة الجسم الخاصة به. ### |||| ** تذنيب : يستحيل أن يكون لجسم مكانان طبيعيان ، لأنه حال مفارقة أحدهما إذا طلب ~~الآخر يكون تاركا بالطبع للمطلوب بالطبع ، ولأنه لو كان في PageV01P111 # مكان غريب نسبتهما إليه بالسوية استحال أن يطلب أحدهما دون الآخر. # وقالوا أيضا : يستحيل أن يكون جسمان يطلبان بالطبع مكانا واحدا. # قال بعضهم : وإلا لكان المعلولات (1) المتساوية يستند الى علل مختلفة من ~~حيث هي كذلك وهو (2) باطل ، وبطلان هذا مشكل على رايهم. ### |||| ** تذنيب : البسيط مكانه الذي (3) يقتضيه طبعه ، ومكان المركب ما يغلب فيه أحد ~~البسائط فإن استوت وقف في الوسط هذا إن تركب من بسيطين ms040 وكذلك إن تركب من ~~أربعة العناصر المتساوية في المشهور ، ومنع بعضهم من وجوده بأنه مكان له ، ~~والشيخ اضطرب في هذا (4)، فتارة جوز وجوده وتارة منع. PageV01P112 ### ||| ** البحث الرابع في الأكوان : # الكون عبارة عن حصول الجسم في الحيز ، وهو جنس يندرج تحته أربعة امور : ~~الحركة والسكون والاجتماع والافتراق (1). ### ||| ** فههنا مطالب : ### ||| ** الأول : # في أن هذا الحصول هل هو معلل بمعنى أم لا؟ الحق أنه ليس كذلك ، وتحقيق ~~المذهب أن نقول : إنا حين نروم تحريك جسم أو تسكينه فإنا نفعل فيه الاعتماد ~~نحو الجذب والدفع فيحصل التحرك والسكون ، فهل يفعل (2) فيه معنى آخر نسميه ~~حركة ذلك المعنى يوجب كون الجسم متحركا وأنه زائد على الاعتماد والتحرك أم لا؟ # والدليل لنا أن ذلك المعنى الموجب للحصول في ذلك الحيز إما أن يصح وجوده ~~قبل حصوله في ذلك الحيز أو لا ، فإن صح فإما أن يقتضي اندفاع ذلك الجوهر ~~الى ذلك الحيز أو لا يقتضي ، فإن كان الأول كان ذلك هو الاعتماد ولا نزاع ~~فيه كما إذا اعتمد حيوان على شيء فاندفع ذلك الشيء الى حيز آخر ، فإن لم ~~يقتض اندفاعه لم يكن حصوله في حيز معين بسببه أولى من حصوله في غيره ، وأما إن لم PageV01P113 # يصح وجوده قبل حصوله في الحيز (1) لزم الدور. # وأيضا لو كان القادر منا يفعل ذلك المعنى لوجب أن يعلمه على سبيل الاجمال ~~أو التفصيل والتالي باطل فالمقدم مثله. بيان الشرطية : إن القادر يتساوى ~~الضدان عنده فلا بد من القصد المتوجه إلى أحدهما دون الآخر حتى يوجده ~~والقصد تابع للعلم ، وأما بطلان التالي فبالوجدان ، فإنا نجد من أنفسنا أنا ~~لا تعلم ذلك المعنى ، هذا مذهب أبي الحسين وسائر الشيوخ. # وذهب أبو هاشم وأصحابه (2) إلى إثبات هذا المعنى ، واستدل عليه بوجهين : ### |||| ** الأول : أنا لو قدرنا على جعل الجسم كائنا من غير واسطة المعنى ، لقدرنا على ذات ~~الجسم وساير الصفات كالحياة والقدرة والتالي باطل فالمقدم مثله. بيان ~~الشرطية : إن القادر (3) على جعل الذات على بعض الصفات تكون الذات مقدورة ~~له يتصرف فيها كيف ms041 شاء. # وأيضا الكلام لما كان القادر قادرا على جعله على صفة الخبر (4) والأمر ~~كان قادرا على ذاته ولما لم يقدر على كلام غيره لم يقدر على جعله على صفة ~~الخبر ولا علة لذلك الا كونه قادرا على بعض صفاته ، وبيان بطلان التالي ظاهر. ### |||| ** الوجه الثاني : أن صفة الكائنية يصح فيها التزايد وما يكون بالفاعل لا يصح فيه التزايد ، ~~فصفة الكائنية ليست بالفاعل فلا بد لها من علة توجبها ، بيان الصغرى PageV01P114 # من وجهين : ### |||| ** أحدهما : أن القوى إذا استفرغ جهده في تسكين جسم بيده لم يقدر الضعيف على تحريكه ، ~~وإن لم يستفرغ قدر الضعيف على تحريكه ، فعلم أنه رام في الأول أزيد مما ~~رامه في الثاني. ### |||| ** الثاني : أن الجوهر الواحد إذا التصق بكفي قادرين فدفعه أحدهما حال جذب الآخر تحرك ~~ذلك الجوهر بهما ، ولا يكون ما فعله احدهما هو الذي فعله الاخر لاستحالة أن ~~يقع مقدور بقادرين ، فعلم أن تحريكه قد تزايد ، وبيان الكبرى وجهان : ### |||| ** أحدهما : ان الفاعل كالعلة والعلة لا تؤثر في أزيد من صفة واحدة فكذا الفاعل. ### |||| ** الثاني : أن الوجود لما كان بالفاعل استحال فيه التزايد فكذلك هاهنا (1). # والاعتراض على الأول أنا نمنع من القدرة على الذات على تقدير القدرة على ~~بعض الصفات. قوله : تكون الذات مقدورة يتصرف فيها كيف شاء ، قلنا : إن ~~عنيتم أنها تكون مقدورة من هذه الجهة كان الموضوع والمحمول واحدا ، وإن ~~عنيتم أنها تكون مقدورة من كل جهة نازعناكم ، واما القياس على الكلام فغير ~~متين (2)، فإن الحكم جاز أن يستند الى خصوصية الأصل أو أن يكون في الفرع ~~مانع منه. # ثم نقول : من شرط القياس أن يكون الأصل معلوما بالعلة التي ثبت بها الحكم ~~، وأن يعلم وجود العلة في الفرع حتى يمكن تعدية الحكم إليه ، وكل هذا غير ~~معلوم عندكم ، فإن كل هذه صفات ، فإن كون الكلام خبرا أو حدوثه صفة ، وكون PageV01P115 # الجسم كائنا صفة ، واللازم من ذلك وهو القدرة على إحداث الذات أو ساير ~~الصفات أيضا ، والصفة عندكم غير معلومة فيسقط كلامكم بالكلية. # فإن رجعوا ms042 الى اعتذارهم المشهور عندهم من أن الذات مع الصفة تكون معلومة ~~، قلنا : يعنون (1) به أن المجموع يكون معلوما فهذا يستلزم العلم بالأجزاء ~~اعني الذات والصفة ، أو يعنون شيئا آخر فيجب عليكم بيانه. # ثم نقول أيضا : إن الخبرية والأمرية ليستا صفتين للكلام والا لكان المتصف ~~به إما كل واحد من الحروف أو بعضها أو المجموع ، والأولان باطلان وإلا لكان ~~حرف واحد خبرا وهو باطل بالضرورة ، والثالث باطل والا لزم انقسام الصفة ~~لانقسام المحل. # وأيضا فالمجموع لا وجود له ، وإنما الموجود جزء منه. # والاعتراض على الثاني أن نقول : قولكم صفة الكائنية يصح فيها التزايد ، ~~قلنا : هذا مدفوع بالضرورة ، واستدلالكم في مقابلة الضرورة لا يسمع فإن ~~حصول الجسم في الحيز أو محاذاة الجسم الآخر يعلم قطعا أنه لا يصح فيه ~~التزايد. # ثم نقول : إن قولكم ، القوي اذا استفرغ جهده في تسكين جسم لم يقوى الضعيف ~~على تحريكه ، ممنوع ، إنه إنما كان لزيادة في صفة الكائنية ، بل القوي يفعل ~~زيادة المدافعة وتزايدها معقول. # ونقول على الثاني : لم لا يقع المقدور بقادرين؟ وسنبين جوازه. # والوجه الأول في بيان الكبرى ضعيف ، فإن القياس قد بينا بطلانه. # والثاني أضعف ، فإنه ينبني على أنه صفة زائدة وهم مطالبون بذلك ، على أنه ~~لا علة في منع التزايد إلا كونه بالفاعل ، وهذا لا يمكنهم اقامة برهان عليه ~~أكثر من الدوران الضعيف. وإن سلمنا هذين المقامين ، فلم قلتم إن صفة الوجود ~~لا يقع فيها PageV01P116 # التزايد؟ قالوا : لوجهين : # الأول : أنه لو تزايد الوجود يصح أن يحصل صفتا وجود بقادرين وفي ذلك كون ~~مقدور بقادرين. # الثاني : لو تزايد يصح من القادر أن يجدد للفعل في حال البقاء صفة ~~الوجود. # قلنا : أما الأول فباطل ، لأنكم إنما تنفون كون المقدور يقع بقادرين بعد ~~أن تعلموا أنه لا تزايد في الوجود ، فلو جعلتم امتناع مقدور بقادرين مقدمة ~~في عدم التزايد لزمكم الدور. قالوا : نحن نبين هذا بطريق آخر ونقول : لو ~~تعلق بقادرين بأن يجددا (1) له صفة وجود لصح من احدهما أن يوجده دون الآخر ~~فيكون موجودا ms043 معدوما. # قلنا : إن أردتم بكونه موجودا معدوما أنه يحصل له صفة وجود ولا يحصل له ~~ما زاد عليها ، فذلك صحيح ، وإن أردتم بكونه معدوما أنه لا يحصل له صفة ~~وجود اصلا ، فهو ظاهر المنع. # سلمنا امتناع وقوع (2) مقدور بقادرين ، ولكن الكلام وقع في حصول وجود ~~زائد لا في مقدور واحد لا يقبل الزيادة والنقصان. # واما الثاني فنمنع (3) استحالة التجدد في حال البقاء. # استدلوا على المنع بوجهين : # أحدهما : أنه لو صح ذلك لصح منا. # الثاني : أنه يكون باقيا مبتدئا. PageV01P117 # قلنا : ولم قلتم إن الواحد منا لا يفعل تجدد الوجود؟ ثم لم قلتم : إن ~~الواحد منا يوجد ذاتا وانتم لا تنازعون الا في هذا ، فإن أفعالنا في الشاهد ~~الأكوان وهي صفات وأنتم لا تثبتون للصفات صفة وجود ، وما عدا الأكوان من ~~صفات القلوب والاعتمادات والتأليف والأصوات فهي أيضا صفات ومع ذلك فهي غير ~~باقية فكيف ثبتت لها صفة حال البقاء. # وقولكم : يكون باقيا مبتدئا ، إن عنيتم به أنه لم يكن له وجود من قبل مع ~~فرض ثبوت الوجود له فهو متناقض ، وإن عنيتم به تجدد صفة بعد ثبوت صفة أخرى ~~من قبل فهو عين المتنازع في استحالته ، ولهم تطويلات اخرى في هذا الباب ~~أعرضنا عنها لقلة الفائدة. PageV01P118 ### ||| ** المطلب الثاني في الحركة # المشهور عند المتكلمين أن الحركة عبارة عن حصول الجسم في حيز (1)، بعد ~~ان كان في حيز آخر (2)، والأوائل قالوا : الموجود يستحيل أن يكون بالقوة ~~من كل وجه ، فإن كونه موجودا حاصل له بالفعل بل إن كان موجودا بالقوة فمن ~~وجه دون آخر ، فخروجه من القوة الى الفعل إن كان على التدريج كان حركة ، ~~وإن كان دفعة فهو الكون ، فالحركة كمال أول لما بالقوة من حيث هو بالقوة. # ثم جعلوا الحركة اسما لمعنيين : ### |||| ** أحدهما : الأمر المتصل المعقول للمتحرك من المبدأ إلى المنتهى وهو الحركة بمعنى ~~القطع ، وبهذا المعنى ليس للحركة وجود إلا في الأذهان لا في الأعيان ، ~~لأنها إنما توجد بتمامها إذا انقطعت الحركة. ### |||| ** الثاني : كون الجسم متوسطا بين المبدأ والمنتهى الذين ms044 للمسافة وهو الوجود في ~~الأعيان. # وعرفها الرازي بانها هي الحدوث او الحصول او الخروج من القوة الى الفعل ~~يسيرا يسيرا او بالتدريج او لا عن دفعة ، جاء ذلك في : المباحث المشرقية ج ~~1 ص 547. # واورد على التعريف الاخير بانها تبتني على فهم معنى الزمان والزمان عبارة ~~عن مقدار الحركة فيلزم الدور ، ثم نقل تعريفا آخر عن المتقدمين قريبا مما ~~نقله العلامة هنا عن الاوائل (نفس المصدر ج 1 ص 548). # انظر عن بحث الحركة بالتفصيل : الاسفار الاربعة ج 3 ص 21. PageV01P119 # وبعض الأوائل نفى الحركة مطلقا (1) وقال : إن كانت غير منقسمة لزم الجوهر ~~، وان كانت منقسمة كان الماضي عين المستقبل ، هذا خلف وهذا تشكيك في ~~الضروريات. ### |||| ** مسألة : شرط الأوائل للحركة ستة أمور : ما منه وما إليه وما فيه وما له وما به ~~والزمان ، وأحالوا أن يتحرك الشيء لذاته لأنه قابل فلا يكون فاعلا ، ولأن ~~المعلول باق ببقاء علته فيكون كل جزء من الحركة باقيا فلا تكون حركة. # وأما ما منه (2) وما إليه ، فقد يكونان بالفرض كما في الحركات الدورية ، ~~وقد يكونان بالفعل كما في المستقيمة. ### |||| ** مسألة : الحركة قد تكون واحدة بالشخص وقد تكون بالنوع وقد تكون بالجنس ، وشخصية ~~الحركة تابعة لشخصية الموضوع والزمان وما فيه ، فإن الموضوع والزمان لو ~~تكثرا لما اتحدت الحركة لاستحالة إعادة المعدوم وقيام العرض بمحلين. واما ~~ما فيه ، فلأن الموضوع والزمان قد يتحدان وتتغاير الحركة كما يتحرك المتحرك ~~في زمان ما حركتي أين واستحالته. # وقد تختلف الحركة في النوع تارة وفي الجنس أخرى لاختلاف ما هي فيه. # وأما تضاد الحركات فإنما هو لتضاد المبدأ والمقصد ، لأن المتحرك قد يتضاد ~~والحركة واحدة بالنوع كحركتي القسر والطبع الى فوق والزمان غير متضاد فلا ~~تتضاد بسببه الحركة ولا (3) ما فيه فإن حركتي الصعود والهبوط متضادان مع ~~وحدة ما فيه وكذا المتحرك قد يكون واحدا والحركة متضادة ، فلم يبق الا ما ~~منه وما إليه. # ولي في هذا نظر ، فإنهم ادعوا أن كل واحد مما عددوه ليس له مدخل في PageV01P120 # التضاد ، ثم برهنوا ms045 على أنه ليس علة تامة في التضاد ، ومعلوم أن هذا لا ~~يكفي في هذا الباب. # وأيضا لو سلم لهم ما ذكروه من أين لهم أن التضاد إذا لم يكن بأحد الأمور ~~التي عددوها انحصر فيما منه وما إليه؟ # ثم قالوا : ان الحركات المستقيمة لا تضاد المستديرة ، بناء منهم على أن ~~ضد الواحد واحد لا غير وأن الخط المستقيم يكون وترا القسى (1) غير متناهية. ### |||| ** مسألة : الحركة قد تكون مستقيمة ومستديرة ، وزعموا أن بين المستقيمين المتضادتين ~~سكونا كما بين الهابطة والصاعدة ، هذا هو المشهور عند المعلم الأول (2) ~~وأتباعه ، وخالف فيه أفلاطن. # والحجة المشهورة لمثبتيه (3) أن المتحرك إذا وصل الى المنتهى في آن ثم ~~فارق المنتهى ، فإن كان في ذلك الآن كان الشيء الواحد في الآن الواحد واصلا ~~مفارقا ، وإن كان في غيره فلا بد من زمان سكون بينهما لاستحالة تتالي ~~الآنات. # اعترض عليهم الشيخ بأن المفارقة عن الحد عبارة عن الحركة عنه ، والحركة ~~لا تقع في آن وإنما تقع في زمان ، فالزمان الذي أثبتموه هو زمان الحركة. # فإن عنيتم بآن المفارقة أول زمان المفارقة ، قلنا : إن ذلك الآن هو (4) ~~آن الوصول ولا استحالة في أن يكون الآن لا يقع فيه ما يقع في الزمان. # ولما كانت هذه الحجة عنده فاسدة سلك نهجا آخر في بيان هذا المطلوب ، PageV01P121 # فقال : المتحرك الطالب لحد معين لا بد له من مبدأ ميل يكون علة الحركة ~~(1) الى ذلك الحد ، فإذا فارق حدث ميل آخر مغاير للأول ويستحيل اجتماع ~~الميلين وحدوث الميل في آن فحال عدم الميل الأول وهو آن الوصول ، كان الجسم ~~عديم الميل ، ثم يوجد الميل في آن ثان ويفصل بين الآنين زمان هو زمان ~~السكون ، وهذه الحجة ينبني على إثبات الميل وعلى وجوده في الآن وعلى ~~استحالة اجتماع الميول ، فإن تمت هذه المطالب تمت الحجة وإلا سقطت. # واحتج النفاة بوجهين : الأول : أن الجسم الصاعد كالحصاة اذا فرضنا حال ~~منتهى صعودها وافاها جبل عظيم نازل لزم ان يقف الجبل لأجل وقوف الحصاة التي تحته. # أجاب المثبتون ms046 : بأن هذا استبعاد محض. # الثاني : أنه لو وقف لما كان رجوعه دائما ولا أكثريا ، والتالي باطل ~~فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : إن القوة المحركة للحجر الى السفل موجودة ، فلا تقف في ~~الهواء الا مع العائق ولا يجوز أن يكون عدم ذلك العائق يستند الى ذات الجسم ~~ولا القوة الطبيعية والا لما وجد ، فلا بد له من سبب ، فإن كان وصول السبب ~~الخارجي المعدم للعائق واجبا استحال وجود العائق ، وإن كان ممكنا لم يكن ~~حصوله دائما ولا أكثريا ، وبيان بطلان التالي ظاهر (2). ### |||| ** مسألة : الحركة قد تكون بالذات ، وقد تكون بالعرض كحركة الساكن في السفينة ، ~~والحركة الذاتية قد تكون طبيعية وهي المستندة الى قوة حالة في الجسم تصدر ~~عنها الحركة والسكون بالذات لا بالعرض من غير إرادة ، وقد تكون قسرية PageV01P122 # تحدث في الجسم من سبب خارجي ، وقد تكون إرادية تحدث بسبب قوة شاعرة بما ~~تصدر عنها ، والحركة العرضية قد تكون لما يمكن أن يتحرك بذاته كالجسم ~~المحوي ، وقد لا تكون كالصور والأعراض (1). # والحركة الطبيعية تستحيل أن تصدر عن الطبيعة لذاتها على الاطلاق ، لأن ~~الثابت لو كان علة للمتغير لزم وجود العلة بدون المعلول ، بل إنما يكون علة ~~له على تقدير خروجه عن الأمر الطبيعي. # واما الحركة القسرية ، فالمشهور أن سببها قوة حالة في الجسم المتحرك ~~يوجدها فيه القاسر تكون باقية الى آخر الحركة ، لكنها يكون أخذه في الضعف ~~بمعادمات الهواء الى أن يبلغ الضعف بحيث تصير الطبيعة قاهرة لها ، فحينئذ ~~يتحرك الجسم الى مكانه بسبب طبيعته. PageV01P123 ### ||| ** المطلب الثالث في السكون # وهو عبارة عن حصول الجسم في الحيز الواحد أكثر من زمان واحد ، هذا في عرف ~~المتكلمين. # وعند الأوائل أنه عدم الحركة عما في شأنه أن يتحرك (1). # ونحن لما فسرنا السكون بالحصول بطل أن يكون عدم الحركة. فكان امرا وجوديا ~~لأن الحركة والسكون لما كانا من نوع واحد والحركة وجودية كان السكون كذلك. # والأوائل وإن قالوا بكون السكون عدميا ، لكنهم يثبتون صفة أخرى هي الوضع ~~ويجعلونها وجودية ، ونحن لا نعني بالسكون الا هذا ، فالمقابلة ms047 بين الحركة ~~والسكون عند الأوائل تقابل العدم والملكة وعند المتكلمين تقابل الضدين. ### |||| ** مسألة : الاجتماع حصول الجوهرين في الحيزين بحيث لا يمكن (2) أن يتخللها ثالث ، ~~والافتراق حصولهما في الحيزين بحيث يمكن أن يتخللها ثالث ، وهذه المعاني ~~كلها موجودة لتغير بعضها ببعض. PageV01P124 ### ||| ** المطلب الرابع في أحكام الأكوان # الأكوان على ضربين : متماثلة ومتضادة ، والمتضادة على ضربين متناف وغير ~~متناف ، فالمتماثل هو الذي يختص بجهة واحدة من الأكوان ، سواء اختص بجوهر ~~واحد أو بجواهر (1) إذا كانت في تلك الجهة على جهة البدل ، وسواء اختص بوقت ~~أو أوقات بناء منهم على أن المشتركات في اللوازم مشتركة في الحقائق وفيه ما فيه. # والمتضادة هو ما يصير به الجوهر في الجهتين ، لأن ما حاله هذه استحال ~~وجوده في وقت واحد ومحل واحد ، وهذه الاستحالة غير معللة الا بكونهما ضدين ~~، واعتمدوا في هذا على التمثيل فإن الجسم كما يستحيل أن يكون أسود ابيض في ~~حالة واحدة ، كذلك يستحيل أن يكون في جهتين دفعة ، والاستحالة ثم إنما (2) ~~كانت معللة بالتضاد فكذلك هنا. # ونحن نطالبهم بالجامع وبكونه علة وبعدم الفارق والجوهر يستحيل وجوده في ~~مكانين متباعدين كما استحال وجوده في متقاربين ، غير أن كل واحد من الكونين ~~إذا تباعدت الأماكن استحال وجوده بدلا من صاحبه وإلا لزم القول بالطفرة ، ~~وكذلك لا يوجد عقيب صاحبه لذلك أيضا ، فهما ضدان من حيث استحالة الاجتماع ، ~~وغير متنافيين لأن احدهما لا ينفي صاحبه لأنه إنما ينفيه لو وجد عقيبه ~~فأعدمه ، ولذلك (3) لا يتعاقبان لأن أيهما وجد لم يوجد الآخر عقيبه. # واما الكونان في الأمكنة المتجاورة فهي متضادة لاستحالة الاجتماع ، ~~ومتعاقبة لأن كلا منهما يوجد عقيب صاحبه ، ومتنافية لأن كلا منهما ينتفي ~~بصاحبه ، وإذ قد تلخص هذا انحصرت الأكوان في المتماثلة والمتضادة ولم يوجد ~~فيها ما يكون PageV01P125 # مختلفا غير متضاد. ### |||| ** مسألة : ذهب ابو الهذيل (1) الى أن الجسم في أول حدوثه (2) غير متحرك ولا ساكن ~~(3)، وهو لائق على تفسيرهم الحركة والسكون بما فسروهما به ، غير أن أبا ~~هاشم وأتباعه جعلوا الكون من جنس السكون (4)، قالوا : لأن ms048 السكون هو الكون ~~المستمر واستمرار الصفة لا يقتضي إثبات معنى فيه مجدد سوى ما كان فيه من ~~قبل ، بناء منهم على أن البقاء ليس بمعنى زائد فالسكون إذن هو الكون الأول ~~إلا أنه استمر وجوده. قالوا : ولو كان السكون غير الكون لاختلف حكماهما ، ~~بناء منهم على أن الأجناس المختلفة يختلف في المقتضيات ، لكن حكم السكون ~~والكون هو الحصول في الجهة فلما اتحد المقتضى اتحد المقتضي. ### |||| ** مسألة : ذهب البصريون الى صحة البقاء على الكون ، وكان المرتضى رحمه الله يشك في ~~بقائه (5) وبقاء كل ما يدعون بقائه من الأعراض ، وأبو الهذيل وأبو علي قالا ~~: إن الحركة لا يجوز عليها البقاء ، وغيرهم قالوا : إنها إذا بقيت كانت سكونا. # احتج الأولون بأن السكون إن جاز بقاؤه جاز بقاء الحركة والمقدم ثابت # والصحيح الشك في ذلك والتوقف عن القطع في القدر على بقاء او عدم في ~~الثاني ، لفقد الدليل القاطع على احد الامرين ...» (السيد المرتضى ، ~~الذخيرة ص 96). PageV01P126 # فالتالي مثله. # بيان الشرطية أن الحركة والسكون من جنس واحد والخلاف إنما هو في العوارض ~~، وبيان صدق المقدم أنه لو امتنع عليه البقاء لجاز من الفاعل المختار أن لا ~~يفعل (1) الحركة عند عدم السكون إذ لا وجه لوجوب كونه فاعلا ، والتالي باطل ~~وإلا لجاز خروج الجسم عن الأكوان. # احتج ابو علي وابو الهذيل على امتناع بقاء الحركة بوجهين : # الأول : أن الحركة لو كانت باقية لكان الجسم قاطعا للأماكن كلها في ~~الابتداء ، والتالي باطل بالضرورة فالمقدم مثله. # بيان الشرطية أن الحركة لو بقيت لكان المحل بها قاطعا لمكان بعد مكان ، ~~وهذا حكم يرجع الى ذات الحركة لا الى بقائها وذات الحركة موجودة في ~~الابتداء فيجب وجود ذلك القطع في الابتداء. # الثاني : أنها لو بقيت لرؤيت على هيئة السكون ، والتالي باطل بالضرورة ~~فالمقدم مثله ، والشرطية ظاهرة. # واجاب الأولون عن الأول : بأن مقتضى الحركة هو الكون في المكان الأول لا ~~القطع فإذا بقيت بقي مقتضيها. ### |||| ** وعن الثاني : بأنه مبني على رؤية الأكوان ، وهو ممنوع. ### |||| ** تذنيب : هل الكون مرئي أم لا؟ أما ms049 المتكلمون فقد اختلفوا ، فمن قال : إن الكون معنى ~~يوجب الحصول في الحيز قال : إنه غير مرئي ، ومن قال : إنه نفس الحصول فيه ~~قال : إنه مرئي ، والأوائل عندهم أنه مرئي بوساطة رؤية الألوان والأضواء لا ~~بالذات. PageV01P127 ### ||| ** البحث الخامس في الألوان # وهي مدركة بحاسة البصر ، والقائل بأن السواد كيفية قابضة للبصر والبياض ~~كيفية مفرقة له إن عني به التعريف اللفظي صدق والا فقد أحال ، ومن نازع من ~~الأوائل في إثباتها فقد كابر في الضروريات (1). ### |||| ** مسألة : ذهب قوم من الأوائل الى أن الألوان الحقيقية هي السواد لا غير ، وأن ~~البياض يحدث من مخالطة الهواء للأجسام الشفافة الصغيرة جدا ، وأنه ليس ~~بكيفية حقيقية قائمة بالأجسام لأن زبد الماء أبيض وكذا الثلج ولا سبب لذلك ~~الا هذا ، وهم مطالبون : أولا بان السبب ليس الا ذلك ، وثانيا بتعميم الحكم ~~في كل بياض. # ومنهم من ذهب إلى أن الألوان الحقيقية هي السواد والبياض والباقي يحدث من ~~امتزاجهما. # ومنهم من ذهب الى أن الألوان الحقيقية خمسة : السواد والبياض والحمرة ~~والصفرة والخضرة والبواقي مركبة منها ، وهذا القول قد اختاره أبو هاشم ~~وأصحابه ، وبعض المتكلمين أسقط الصفرة من البين وقال : إنها مركبة من ~~الحمرة والبياض. والحق أن بساطة هذه الألوان وتركيبها مما لا يمكن الاطلاع ~~عليه ، فإذن الأولى الوقف. ### |||| ** مسألة : حكي عن أبي علي جواز زيادة على هذه الألوان وهي مقدورة لله تعالى ، وقطع ~~بأنها متضادة ومضادة لهذه الألوان ، وهذان (2) المقامان مشكوكان. ### |||| ** مسألة : الحق أن بين طرفي السواد والبياض تضادا لوجود حدة فيهما ، وكان PageV01P128 # المرتضى رحمه الله يشك في ذلك ويقول (1): يغلب على الظن اجتماعهما ، فإن ~~الفرق واقع بين السواد الحالك (2) والذي ليس بحالك ، ويجوز أن يكون مستند ~~الفرق هو اجتماع البياض والسواد في الذي ليس بحالك وعدم الاجتماع في ~~الحالك. # وأما الألوان البيض والسود الغير البالغة فيهما هل هي متضادة أم لا؟ إن ~~شرطنا في الضدين غاية البعد كانا غير ضدين ، وإلا فهما ضدان. ### |||| ** مسألة : اتفقوا على أن اختلاط الأجزاء السود بالأجزاء البيض اختلاطا غير مميز في ~~الحس ، سبب ms050 لشدة الألوان ، فالأجزاء البيض إذا كانت قليلة كان السواد أشد. # وبعض المتكلمين ذكروا وجها آخر ، وهو اجتماع البياضات الكثيرة في المحل ~~الواحد. # والأوائل اتفقوا على بطلانه بناء منهم على استحالة اجتماع الأمثال ، ~~وذكروا وجها آخر وهو أن البياض الضعيف مغاير في النوع للبياض الشديد. # والبصريون قالوا : السواد كله متماثل وإن الحالك وغير الحالك متماثلان في ~~النوع ، وهو قول بعض الأوائل أيضا قالوا : لأن صفة التي بها يخالف ما يخالف ~~ويوافق ما يوافق هي كونه سوادا لا صفة أخص منه وهي مشتركة في الكل فالكل ~~متماثل (3). PageV01P129 ### |||| ** مسألة : الحق أن الألوان يجوز عليها البقاء للبرهان العام ، وهو أنها (1) ممكنة ~~في الأول فكذلك في الثاني ، لاستحالة الخروج من الإمكان إلى الامتناع ، ~~والخلاف واقع هنا كما في الأكوان. ### |||| ** تتمة : زعم بعض الناس أن الضوء جسم ينفصل عن المضيء ويتصل بالمستضيء ، وهو خطأ ~~لتساوي الأجسام في الجسمية واختلافها في الإضاءة ، ولأن ذلك الجسم إن لم ~~يكن محسوسا لم يكن الضوء محسوسا هذا خلف ، وإن كان محسوسا وجب أن يستر ما ~~تحته ويلزم أن يكون كلما ازدادت الأجسام ضوء ازدادت خفاء ، والأمر بالعكس. # ثم اعلم أن الضوء هو الظهور وهو كيفية منبسطة (2) على الأجسام من غير أن ~~يقال إنها سواد أو بياض أو غير ذلك من الألوان ، وليس هذا تعريفا للضوء لما ~~قدمنا من أن الأمور المحسوسة لا يفتقر الى التعريف ، فإن كان هذا الظهور ~~للشيء من ذاته كالشمس والنار سمي ضوء. وإن كان مستفادا من الغير كما للجدار ~~المستنير بضوء الشمس سمي نورا ، والترقوق (3) الذي للشيء من ذاته يسمى ~~شعاعا ، والترقوق الذي للشيء من غيره كما للمرآة يسمى بريقا. ### |||| ** مسألة : ذهب الشيخ أبو علي (4) الى ان الضوء شرط وجود اللون ، لأنا لا نرى اللون في ~~الظلمة ، فعدم الرؤية إما أن يكون لعدم اللون وهو المطلوب ، أو لأن الهواء ~~المظلم عائق عن الرؤية وهو باطل ، لأن الهواء غير مظلم وغير مانع من PageV01P130 # الإبصار ، فإنا حال ما نكون في غار وفيه هواء على الصفة التي يظن أنه ms051 ~~مظلم بها ، فإذا صار المرئي مستنيرا رأيناه ولا يمنعنا الهواء الواقف بيننا ~~وبينه ، فإذن ليس للهواء حظ في المنع من الرؤية ، وعند آخرين أنه شرط لصحة ~~الرؤية (وهو الحق) (1). ### |||| ** مسألة : الظلمة عدم الضوء عما من شأنه أن يكون مضيئا ، وهو مذهب الأوائل وجماعة ~~المعتزلة ، وبعض الأشاعرة قال : انها صفة ثبوتية. # لنا ما تقدم في حجة أبي علي ، ولأن حالنا عند فتح العين في الظلمة وتغميض ~~العين متساوية ، وكما أنا في الثاني لا ندرك شيئا فكذا (2) في الأول. PageV01P131 ### ||| ** البحث السادس في الطعوم والروائح # وهي مدركة بالذوق والشم. # والطعوم تسعة : الحلاوة والمرارة والحموضة والملوحة والدسومة والحرافة ~~والعفوصة والقبض والتفاهة. # وفي كون التفاهة من الطعوم نظر ، وقد يجتمع طعمان في جسم واحد كالمرارة ~~والقبض في الجص. # وأما الروائح فليس لها اسماء الا من جهة الموافقة والمخالفة ، فيقال : ~~رائحة طيبة ومنتنة. PageV01P132 ### ||| ** البحث السابع في الحرارة والبرودة # وهما مدركان لمسا فلا يحتاجان الى التعريف ، وما قيل : إن الحرارة كيفية ~~من شأنها إحداث الخفة والتخلخل وجمع المتجانسات وتفريق المختلفات ، ~~والبرودة كيفية من شأنها أن يفعل مقابلات هذه الأفعال ، خطأ ، لأن الحرارة ~~والبرودة أظهر من هذه الآثار الصادرة عنهما. # وذهب بعض الأوائل الى أن البرودة عدم الحرارة ، وهو خطأ ، فإنا ندرك من ~~البارد كيفية زائدة على الجسمية والعدم غير مدرك. ### |||| ** تنبيه : اعلم أن الحار يقال على ما يحس منه بهذه الكيفية كحرارة النار ، وعلى ما ~~يكون ظهور هذه الكيفية منه موقوفا على ملاقاته لبدن الحيوان كالغذاء ~~والدواء. # وفي الحرارة الغريزية وجهان : ### |||| ** أحدهما : هي الحرارة المحسوسة ، وهو الجزء الناري في الحيوان اذا بلغ طبخه الى ~~الاعتدال ، فيكون مخالفتها لهذه الحرارة مخالفة عرضية من حيث إنها جزء ~~المركب والحرارة الغريبة خارجة. ### |||| ** الثاني : أنها مخالفة بالنوع كحرارة النار ، وتكون الحرارة مقولة بالاشتراك على ~~حرارة النار وهي غير ملائمة للحياة ، وعلى التي في البدن ، وعلى الحرارة ~~الفائضة من الأجرام السماوية. ### |||| ** مسألة : لا شك في وقوع التضاد بين الحرارة والبرودة ، ولكن هل للحرارة ضد آخر؟ # فمن الأوائل من جزم بالمنع بناء على ms052 أن ضد الواحد واحد ، ومنهم من توقف. PageV01P133 ### ||| ** البحث الثامن في الرطوبة واليبوسة # وهما مدركان لمسا ومتضادان قطعا. # ونقل عن بعض الأوائل ان الرطوبة عبارة عن عدم الممانعة ، فعلى هذا تكون ~~المقابلة بينهما تقابل العدم والملكة ، والأول أحق. ### |||| ** مسألة : اللين كيفية يكون الجسم بها مستعدا للانغماز ، والصلابة كيفية يكون بها ~~الجسم مستعدا لعدم الانغماز ، فهما كيفيتان استعداديتان ، ففي إدراكهما ~~باللمس نظر. # واللزوجة كيفية يقتضي سهولة التشكل مع عسر التفريق ويمتد بها الشيء متصلا ~~ويحدث من شدة امتزاج الرطب الكثير باليابس القليل ، والهشاشة مقابلة لها. # وأما السيلان فإنه عبارة عن حركات توجد في أجسام متفاصلة حقيقة متواصلة ~~حسا لدفع بعضها بعضا ، فيقال للرمل والتراب إنه سيال فهو غير الرطوبة وغير ~~مشروط بها. # واللطافة يقال على رقة القوام ، والكثافة بالعكس. # والبلة هي الرطوبة الغريبة الجارية على ظاهر الجسم ، والانتقاع هو ~~الرطوبة الغائضة (1) فيه. PageV01P134 ### ||| ** البحث التاسع في الصوت # قال بعض الناس : إنه عبارة عن اصطكاك الأجسام الصلبة ، وهو غلط ، لأن ~~الاصطكاك مماسة قوية وهي غير مدركة بالسمع ، والسبب في غلطهم أخذ لازم ~~الشيء مكانه. # ونقل عن النظام إن الصوت جواهر ينقطع بالحركة ، وهو خطأ ، لكون الجوهر ~~غير مدرك بالسمع. # والحق ان الصوت لا يجوز تعريفه ، وهو مدرك بحاسة السمع ، وسببه تموج ~~الهواء عند حصول القرع او القلع (1) اذا بلغ التموج الى صماخ الأذن المجوف ~~الحاوي للهواء تحرك ذلك الهواء فاحس بحسب تحركه. # وأما أن الصوت حاصل في خارج الحاسة بالتموج أو في الحاسة ففيه شك ، وقد ~~جزم الشيخ بوجوده (2) خارجا لأنا ندرك جهته ، ولو كنا إنما ندركه حال وصول ~~التموج الى الأذن لما أدركنا الجهة فإن الحواس المدركة بالملاقاة لا تدرك ~~الجهة كالشم واللمس ولا بد في حصول الصوت من المقاومة ، ولا يشترط الصلابة ~~فإنك لو ضربت على الماء بسرعة لحدث الصوت مع عدم الصلابة وحصول المقاومة. ### |||| ** مسألة : الحرف هيئة عارضة للصوت يتميز بها عن صوت آخر مثله تميزا في المسموع عند ~~الأوائل. # والمتكلمون لما أحالوا قيام المعنى بالمعنى ، أحالوا كون الحرف هيئة ~~للصوت ms053 ، بل جعلوه من جنس الصوت. PageV01P135 # والحروف إما مصوتة وهي حروف المد واللين ولا يمكن الابتداء بها ، وإما ~~صامتة وهي ما عداها. # والحركات أبعاض المصوتات ، لأنها تحدث بتمديدها. # واعلم أن الصوامت منها مختلفة ومنها متماثلة ، والمختلفة قد تكون بالعرض ~~وهو أن يكون الحرفان متساويين في الذات ويختلفان بالحركة والسكون أو ~~بالحركات المختلفة ، وقد تكون بالذات. ### |||| ** مسألة : ذهب أبو علي الجبائي الى أن الكلام جنس آخر غير الصوت (1)، لأن الصوت ~~مختلف في الصفاء والكدورة والقوة والضعيف وليس الحرف كذلك ، ولأن الكلام ~~يوجد مع الكتابة بدون الصوت. # ورد عليه الشيخ أبو جعفر بأن الاختلاف ليس في نفس الصوت من ذاته بل ~~باعتبار مخارجه ، والكتابة ليست بكلام وإنما هي أمارة عليه ، ثم جعل الكلام ~~نوعا للصوت ، وهو الحق. ### |||| ** مسألة : الكلام غير باق والا لادركناه في الزمان الثاني ، والتالي باطل فالمقدم مثله. # بيان الشرطية أن المدرك صحيح والموانع مرتفعة في الزمان الثاني كما في ~~الأول فيجب الإدراك. ### |||| ** مسألة : الهواء إذا تموج وقابل ذلك التموج جسم أملس بحيث يرد ذلك التموج ويصرفه ~~الى خلف ويكون شكله شكل الأول احدث من ذلك صوت وهو الصداء ، وهو حاصل لكل ~~صوت ، لكنه قد لا يسمع في بعض الأصوات لانتشار التموج كما في الصحاري او ~~لغاية قرب الزمانين فيحس بهما كالصوت الواحد كما في الدور ، ولهذا يسمع ~~الصوت في الدور أرفع منه في الصحراء. PageV01P136 ### ||| ** البحث العاشر في الاعتماد # وهو الميل عند الأوائل ، وهو ثابت بالحس (1)، فإن المدافعة الموجودة من ~~الزقاق (2) المنفوخة في الماء والأحجار الواقفة في الهواء معلومة قطعا ، ~~وهو غير الحركة المعدومة وغير الطبيعة الموجودة في غير وقت المدافعة ، وهذا ~~الميل قد يكون طبيعيا وقد يكون قسريا وقد يكون نفسانيا ولا يوجد حال وجود ~~الجسم في مكانه الطبيعي لأنه ليس له ميل إليه لوجوده فيه ولا عنه والا لكان ~~المطلوب طبعا متروكا طبعا. # واستدل (3) الأوائل على إثبات الميل بأن الجسم إذا تحرك قسرا مع الميل ~~مسافة ما وبدونه تلك المسافة بعينها كانت حركته أشد ، فلو فرضنا ميلا آخر ~~أضعف ms054 من الأول تكون نسبته إليه كنسبة شدة الحركة وضعفها في الحالين ، وجب ~~أن يكون حركته مساوية في الشدة لحركة عديم الميل ، فتكون الحركة مع المعاوق ~~كهي لا مع المعاوق وهذا خلف. # والجواب ما قدمناه في الخلاء ، وهو أن الحركة تستدعي بنفسها قدرا من ~~الزمان ومع المعاوق قدرا آخر ، فالزائد والناقص من الزمان حال شدة الميل ~~وضعفه إنما هو في الزمان القابل (4) للمعاوقة ، وأما الزمان القابل (5) ~~للحركة فليس فيه زيادة ولا نقصان. ### |||| ** مسألة : قالوا : ويستحيل اجتماع ميلين أحدهما طبيعي والآخر قسري على PageV01P137 # حد صرفتهما ، وإلا لكان الجسم متحركا الى جهتين دفعة واحدة وهو باطل ~~بالضرورة ، وأما اجتماعهما في جسم متحرك الى جهة واحدة فهو جائز إذا كانت ~~المسافة مملوة (1) بالعائق ، واما مع خلو المسافة فلا. ### |||| ** مسألة : الميل باق عند وصول الجسم الى المكان لأنه علة الوصول فهو موجود معه ، ~~وفيه نظر وبنوا على وجوده عند الوصول أنه موجود دفعة لأن الوصول مما يوجد ~~في الآنات. ### |||| ** مسألة : الميل قابل للشدة والضعف وهو مستفاد من الحس ، والطبيعي يشتد عند القرب ~~من المطلوب (2) لقلة المعاوق ، والقسري يشتد عند التوسط ، لأن الحك إذا ~~تحرك (3) على المرمي تسخن فيزداد السخونة ويضعف القوة ، الا أن التلطف بسبب ~~السخونة يوفي على ما يحصل من الضعف فيزداد المقسور حركة ، فإذا تواتر ~~الاصطكاك ضعف (4) القوة ضعفا لا يفي الحرارة بتداركه. ### |||| ** مسألة : قال المتكلمون : الاعتماد جنس تحته ستة أنواع بحسب عدد الجهات ، فما اختص ~~منها بجهة فهو متماثل بلا خلاف ، لأنه إن كان علة التماثل موجودة فيه وجد ~~التماثل لكن المقدم حق فالتالي مثله ، والشرطية ظاهرة ، وبيان صدق المقدم ~~أن الاستقراء دل على أنه لا صفة له أخص من كونه اعتمادا في جهة مخصوصة وبه ~~تتميز من سائر الأجناس ، فيجب أن يكون كل ما تدرج (5) تحت هذه الصفة ~~متماثلا ، وأنت لا يخفى عليك ضعف هذا. # واما ما تغاير جهته ، فهو مختلف غير متضاد عند أبي هاشم وأصحابه ، وقال PageV01P138 # أبو علي : إنه متضاد (1)، واحتج أبو هاشم على الاختلاف بأن صفة التماثل ~~ليست ms055 حاصلة له وعلى عدم الضدية باجتماع المثلين ، فإن الحجر إذا رمي به الى ~~فوق كان فيه اعتمادا الى الفوق قسرا واعتمادا آخر الى السفل طبعا. # وأيضا إذا تجاذب شخصان جسما وتساوت قدرتهما وقف ذلك الجسم ، لأنه قد أوجد ~~كل منهما فيه اعتمادا ممانعا لفعل الآخر ، وهذا القول قد نصره الشيخ ابو جعفر. ### |||| ** مسألة : الثقل هو الاعتماد اللازم الموجب للحركة سفلا عند أبي هاشم وأصحابه ، ~~وقال أبو علي : إنه راجع الى تزايد أجزاء الجواهر وكان يثبت لكل جوهر قسطا ~~من الثقل. # وهذا باطل عندنا ، فإن الثقل يوجد مع قلة الجواهر والخفة مع التزايد ، ~~فإن الأزقاق المنفوخة فيها أجزاء هوائية تمتلي بها وقدرها أكثر من قدر ~~الأجزاء الرصاصية الموجودة في الأزقاق مع عدم امتلائها مع ان الثقل في هذه أكثر. ### |||| ** مسألة : الاعتماد بالنسبة الى ما يتولد عنه على ثلاثة أقسام : ### |||| ** الأول : ما يتولد عنه بذاته من غير حاجة الى شرط وإن كان في بعض الأحيان يحتاج الى ~~شرط وهو الأكوان والاعتماد في محله وإن كان تولدهما في غير محله بشرط ~~التماس. # والذي يدل على أنه يولد الأكوان ، أن الجسم يتحرك الى جهة دون أخرى ، فلا ~~بد من مخصص يختص بتلك الجهة ، ولا عرض يختص بالجهات الا الاعتمادات فيستند ~~الاختصاص إليها. # والذي يدل على أنه يولد الاعتماد ، وجود الحركة القسرية شيئا بعد شيء ، PageV01P139 # فإن المحرك يوجد فيه الاعتماد والاعتماد يولد الحركة الأولى والاعتماد ~~معا ثم إذا تحرك ولد الاعتماد حركة أخرى واعتمادا آخر ، لأنه لو لم يولد ~~الاعتماد الأول اعتمادا ثانيا لما تحرك الجسم حركة أخرى غير الأولى. ### |||| ** الثاني : ما يتولد عنه بشرط ولا يصح بدونه وهو الأصوات ، فإنها يتولد عنه بشرط ~~المصاكة (1)، لأنا نفعل الصوت في الصداء فهذا فعل لنا في غير محل قدرتنا ، ~~وما يتعدى محل القدرة لا يولده الا الاعتماد لاختصاصه من دون سائر الأعراض ~~بالجهات. قالوا : فإذا كان الصوت الحال في غير محل القدرة يتولد من ~~الاعتماد ، فالذي يحل محلها كذلك ، لأنه لا ينفك الصوت عن الاعتماد في حال ms056 ~~ما فيجب استناده إليه. ### |||| ** الثالث : ما يتولد عنه لا بنفسه بل بتوسط وهو الألم والتأليف ، فإن الاعتماد يولد ~~المجاورة والتفريق والمجاورة يولد التألف والتفريق يولد الألم. PageV01P140 ### ||| ** البحث الحادي عشر في التأليف # وهو عرض عند أبي هاشم قائم بمحلين ، ووافقه على ذلك الشيخ أبو جعفر ~~واستدل عليه بأن بعض الأجسام يصعب تفكيكها فلا بد وأن يكون ذلك لأمر وذلك ~~الأمر ليس وجوده ولا حدوثه ولا جنسه ، فبقي أن يكون لوجود معنى قائم ~~بالمحلين (1) يربط أحدهما بصاحبه ، فإذا انضم إليه ثالث قام به وبصاحبه ~~تأليف آخر فلا يقوم التأليف الا بالمحلين لا غير ، وهذا عندنا باطل قطعا ، ~~فإن العرض الواحد لو قام بمحلين لما تميز عن العرضين القائمين بالمحلين كما ~~نقول في الجسم الواحد وإنه لا يحل في مكانين وأما صعوبة التفكيك فهي مستندة ~~الى الله تعالى أو الى أعراض قائمه بالمحال المتجاورة. # وقد وافقنا على امتناع قيام العرض بمحلين محققوا الأوائل ، وذهب آخرون ~~منهم غير محققين الى أن الإضافات المتماثلة قائمة بالمضافين ، والمحققون ~~قالوا : إن القائم بأحد المضافين غير القائم بالآخر. ### |||| ** مسألة : التأليف يجوز عليه البقاء عندهم ، وإلا لزم أحد الأمرين وهو إما سهولة ~~تفكيك ما يصعب تفكيكه أو تعذر تفكيكه على كل وجه ، والتالي باطل بقسميه ~~فالمقدم كذلك. # بيان الشرطية أن التأليف على تقدير عدم بقائه إن أوجده الله تعالى حالا ~~فحالا وأراد ذلك دائما لزم الأمر الثاني لاستحالة ممانعة القديم ، وإن لم ~~يرد إيجاده في بعض الأوقات لزم الأمر الأول ، وأما بطلانهما فظاهر. ### |||| ** مسألة : التأليف متماثل لاشتراك أفراده في أخص الصفات وهو كونه مختصا بمحلين ، ~~وهم منازعون في أن هذا أخص الصفات ، فإن عولوا فيه على الاستقراء PageV01P141 # نقضناه (1) عليهم بالإضافات المتماثلة على قول بعض الأوائل. ### |||| ** مسألة : لما كان موضوع الضدين واحدا واستحال أن يكون شيء من الأعراض قائما بمحلين ~~غير التأليف استحال أن يكون له ضد. PageV01P142 ### ||| ** البحث الثاني عشر في الحياة # نقل عن بعض الأوائل إنها عبارة عن اعتدال المزاج اعتدالا يليق بالنوع. # وقال آخرون منهم : هي قوة الحس ms057 والحركة ، واستضعف بعضهم (1) هذا النقل. # والمتكلمون أثبتوا (2) معنى زائدا على الاعتدال والقوة ، واستدلوا بأن ~~الذوات تختلف في صحة العلم والقدرة وعدمها فلا بد من مخصص لبعضها بالصحة ~~دون الآخر ، وهم مطالبون بالاستدلال على أن هذا المخصص مغاير للاعتدال ~~والقوة. ### |||| ** مسألة : الذي عليه جماهير المعتزلة أن الحياة نوع واحد لا اختلاف بين أفرادها الا ~~بالعدد. # واستدلوا عليه بأنها قد اشتركت في حكم واحد وهو صحة الإدراك ، والاشتراك ~~في الأحكام يستلزم الاشتراك في عللها. # وانت لا يخفى عليك ضعف هذه الطريقة. ### |||| ** مسألة : لا بد في وجود الحياة من بنية عند الأوائل والمعتزلة ، وكأنهم عولوا في ~~ذلك على الاستقراء الذي حصل منه اليقين. # والاشاعرة نازعوهم في ذلك (3)، قالوا : لأن الحياة إن قامت بجميع ~~الأجزاء لزم قيام العرض الواحد بالمحال الكثيرة وهو محال ، وإن قام بكل جزء ~~حياة ، فإن كان قيام الحياة بأحد الجزءين شرطا في قيام الحياة بالآخر لزم ~~الدور أو الترجيح PageV01P143 # من غير مرجح ، والا فهو المطلوب. # وهذا الكلام فاسد ، فإن على تقدير أن لا يكون قيام الحياة بأحد الجزءين ~~شرطا في قيامها بالآخر ، لا يلزم منه المطلوب ، لجواز أن لا يكون ذلك شرطا ~~ويكون الشرط هو مجامعة أحد الجزءين للآخر ولا يلزم منه دور ولا ترجيح من ~~غير مرجح. # وزعمت المعتزلة أن الحي ليس هو إشارة الى محل الحياة والا لكان الواحد ~~منا يتنزل منزله أحياء ضم بعضها الى بعض فلا يتصرف بقصد واحد وداع واحد ، ~~وقد نقل عن الاسكافي خلاف ذلك. ### |||| ** مسألة : شرط المعتزلة للحياة نوعا من الرطوبة كالدم فينا ولهذا يموت من يخرج دمه ~~، وما لا دم فيه من الحيوانات لا بد له من رطوبة. # قالوا : وتحتاج الحياة الى نوع من التخلخل ، فإن الاكتناز (1) والتصلب ~~مما يمنع من الحياة. # وقد اختلفوا في حاجتها الى الروح والروح عند الأوائل عبارة عن أجزاء ~~لطيفة متكونة من بخارية الأخلاط (2). # وبعض المعتزلة فسرها بأنه هواء رقيق يختص بضرب من البرودة يتردد في مجاري ~~النفس ، وذهب أبو هاشم الى حاجتها إليها ، وخالفه في ذلك ms058 ابو علي. # حجة أبي هاشم أن الممنوع من النفس يموت لفقد الروح كما أن الموت حاصل عند ~~فقدان البنية فكما كانت البنية شرطا فكذلك الروح. PageV01P144 # حجة أبي علي أن الروح لو كان شرطا لجاورت كل محل فيه حياة ، والتالي باطل ~~بالوجدان فانا نعلم عدم مجاورة الروح لأكثر البدن فالمقدم مثله. # والحجتان رديتان ، أما الأولى فلجواز اختصاص ذلك ببعض الابدان وهي ~~الفاقدة للحياة عند فقدان الروح. # واما الثانية فالملازمة فيه ممنوعة ، نعم تجب مجاورة الروح للمحل الذي لو ~~زالت عنه الحياة لمات كما وقع الاتفاق من المشايخ على الحاجة الى البنية ~~وان كان قد يزول في بعض المحال كما في مقطوع اليد ، وانما لم يؤثر زوال هذه ~~البنية في زوال الحياة لأن البنية مشترطة في بعض المحال وهو الذي لو زالت ~~البنية عنه لمات الشخص. # قال جماعة من الأوائل : إنها محتاجة الى الحرارة بالوجدان ، ونازعهم ~~المعتزلة في ذلك وجوزوا أن يكون فقدان الحياة عند فقدان الحرارة بالعادة. # واعلم أن هذا الاحتمال مما يتطرق في الجميع. ### |||| ** مسألة : وجود الحياة من الله تعالى وهو غير مقدور لنا ، واستدل ابو هاشم بأنا لو ~~قدرنا عليها لقدرنا على الموت والتالي باطل فالمقدم مثله. # بيان الشرطية ان القادر هو الذي يقدر على الشيء وعلى ضده (1) والموت ضد ~~الحياة ، واما بطلان التالي فظاهر فإنه يتعذر علينا موت زيد مع صحة اتصاف ~~زيد به. # وهذه الحجة عندي ساقطة ، لأنها مبنية على ضدية الموت للحياة وعلى أن ~~القادر على أحد الضدين يجب أن يكون قادرا على الآخر ، والسيد المرتضى شك في PageV01P145 # ذلك (1) من حيث العقل وجزم بعدم القدرة من حيث السمع. ### |||| ** مسألة : ذهب المحققون الى أن الموت عدم الحياة عن المحل بعد وجودها فيه ، وذهب ~~أبو علي وأبو القاسم البلخي الى أنه معنى يضاد الحياة (2) واحتجا بقوله ~~تعالى : ( @QUR@04 الذي خلق الموت والحياة ) (3). # والجواب : ان الخلق هو التقدير. PageV01P146 ### ||| ** البحث الثالث عشر في القدرة # القوة الشاعرة بما يصدر عنها هي القدرة وغير الشاعرة هي الطبيعة ، ~~والقدرة غير المزاج فإن المزاج كيفية ms059 متوسطة بين الحرارة والبرودة والرطوبة ~~واليبوسة بخلاف القدرة. # واعلم أن بعض الناس ذهب الى أن القدرة عبارة عن سلامة الاعضاء في حقنا. # والأشاعرة وبعض المعتزلة (1) أثبتوا صفة للقادر باعتبارها يكون قادرا ، ~~قالوا : لأن حركة المختار وحركة المرتعش متغايرتان ولا مائز الا هذه الصفة. # وهذا فيه نظر ، فإنه لا يدل على ثبوت امر وراء السلامة. ### |||| ** مسألة : القدرة عرض لا بد له من محل ، والقائلون بجواز وجود العرض لا في محل ~~يفتقرون الى الاستدلال ، واستدل بعضهم بأنها لو كانت لا في محل لزال عنها ~~الاختصاص بقادر معين فكانت قدرة لكل من صح أن يكون قادرا ، والتالي باطل ~~فالمقدم مثله والملازمة ظاهرة. # وبيان بطلان التالي أنها لو صح تعلقها بأكثر من قادر واحد لكان المقدور ~~الواحد مقدورا لقادرين ، والتالي باطل على ما يأتي فالمقدم مثله. # والاعتراض المنع من الملازمة ، فانه لا استبعاد في تجرد هذه القدرة ~~واختصاصها ببعض القادرين على رأيكم كما تقولون مثله في إرادة الله تعالى ، ~~على أنا وإن سلمنا ذلك لكن المنع من استحالة تعلق القادرين لمقدور (2) واحد قائم. PageV01P147 ### |||| ** مسألة : لا شك في احتياج القدرة الى الحياة ، وهل يفتقر الى وجود بنية زائدة على ~~بنية الحياة أم لا؟ ولا نعني بالبنية الزائدة زيادة تأليفات بين الجزءين ~~فإن ذلك مما يصيرهما في الصلابة بحيث يمنع من وجود الحياة ، بل نعني به ~~زيادة التأليف لزيادة الأجزاء على وجه ثبت بينها الخلل ، فذهب أبو هاشم الى ~~الحاجة ، ومنع منه أبو عبد الله (1). # احتج ابو هاشم بأنا نجد التفاوت بين الفيل وبين جسم في غاية الصغر في ~~القوة ، مع أن وجود الكثير من القوة في محل واحد صحيح ، فلو لا الحاجة الى ~~الزيادة لما وقع الاختلاف. # ولقائل أن يقول هذه الحجة بعد تسليم أصولها غير دالة على المطلوب ، وإنما ~~يلزم منها كون البنية الزائدة محتاجا إليها في زيادة القوة لا في أصلها ، ~~والى هذا ذهب أبو عبد الله وإن كان للنزاع فيه مجال. ### |||| ** تذنيب : قالوا : كل قدرة يفتقر الى بنية مخصوصة لا يمكن وجود ms060 قدرة أخرى فيها ، ~~لأنه لو جاز وجود هاتين القدرتين في هذا المحل على البدل لجاز وجودهما فيه ~~على الجمع ، والتالي باطل فالمقدم مثله. # وبيان بطلان التالي أن البنية واحدة ، وهذا يناقض ما أصلناه من احتياج ~~القدرة الى بنية زائدة ، وهذا في غاية السقوط فإن الملازمة فيه ممنوعة ولو ~~سلمت منع بطلان التالي والتناقض غير لازم لأن المحتاج إليه في القدرة من ~~البنية يكون زائدا على بنية الحياة لا على بنية قدرة أخرى. # اما مع وجود بنية الحياة فالصحيح ان القدرة لا تحتاج الى اكثر من بنية ~~الحياة ، وفي الناس من قال : يحتاج الى ضرب من الصلابة ، ومنهم من قال : ~~انما يحتاج الى الصلابة تزايد القدرة (تمهيد الاصول ص 144). PageV01P148 ### |||| ** مسألة : نقل عن المجبرة احتياج القدرة الى العلم ، ورد عليهم بعض المعتزلة ~~بالساهي والنائم (1) فإنهما قادران مع فقدان العلم عندهما وبالمحتذى فإنه ~~قادر وليس بعالم وللمنازع ان يطعن في نفي العلم عن هؤلاء. # والتحقيق أن يقال : إن كان المطلوب احتياج القدرة في تأثيرها الى العلم ~~فهو حق ، وإن كان هو احتياجها في وجودها إليه فهو ممنوع. ### |||| ** مسألة : قالوا : القادر انما يتعلق قدرته بالمقدور على طريقة الحدوث ، بمعنى أن ~~القادر ليس له تأثير في نفس الماهية عندهم وانما تأثيره في جعل الماهية ~~موجودة بعد العدم. # وعند الاشعرية انما يتعلق بالكسب (2). # واستدل المعتزلة بأن القدرة لو تعلقت بغير الأحداث لتعلقت بسائر صفات ~~الفعل ، والتالي باطل فالمقدم مثله. # بيان الملازمة أنه ليس بعض الصفات بالتعلق اولى من البعض ، وبيان بطلان ~~التالي أنها لو تعلقت بجميع وجوه الفعل لكانت مساوية للعلم والاعتقاد. # والاعتراض لم لا يجوز أن يكون بعض الصفات والوجوه أولى من بعضها في تعلق ~~القدرة به ، ولو سلم ذلك لكن المنع قائم في المساوات للعلم على ذلك التقدير ~~، فإنه لا يلزم من الاشتراك في الصفات الاشتراك في الذوات. ### |||| ** مسألة : ومنع المعتزلة من تعلق القدرة بالأعدام ، قالوا : لأن القادر انما يتعلق ~~قدرته بتحصيل صفة الفعل لأن التعليل بالفاعل كالتعليل بالعلة ، وليس ~~للمعدوم بكونه معدوما صفة ms061 وإنما فائدة قولنا معدوم الخروج عن الوجود ، ~~والاعتراض أن PageV01P149 # قولكم : القادر انما يتعلق قدرته بتحصيل صفة للفعل نفس النزاع ، فإن ~~لقائل ان يقول كما يتعلق قدرته بتحصيل صفة فقد يتعلق بعدمها ، والقياس على ~~العلة غير مفيد. # على أنا نقول : إن عدم المعلول يستند الى العلة أيضا كما أن وجوده يستند ~~إليها وحكي عن ابي الهذيل وبعض النفاة جواز ذلك. ### |||| ** مسألة : متعلق القدرة عندهم عشرة انواع ، فمن أفعال الجوارح الأكوان والتأليف ~~والاعتماد والصوت الألم. # ومن أفعال القلوب الإرادات والكراهات والأفكار والاعتقادات والظنون. # واختلفوا ، فذهب أبو علي الى أن القدرة انما تتعلق بما يصح وجوده في ~~محلها من مقدورات القدر ، فمنع من تعلق قدر القلوب بأفعال الجوارح وبالعكس. # وذهب قاضي القضاة وأبو اسحاق وأبو عبد الله الى جواز ذلك (1)، قالوا : # والدليل على بطلان مذهب أبو علي إن الحركة تصح وجودها في القلب فيجوز ~~تعلق قدرة القلب بها وهي من أفعال الجوارح. ### |||| ** مسألة : قالوا : الأفعال على ثلاثة أقسام : المباشر والمتولد والمخترع ، والأخير ~~لا يقدر عليه غير الله تعالى والا لأمكننا تسكين الضعيف المتحرك في السوق ~~بأن يخترع فيه من السكنات ما يزيد على الحركات. # وأما الأولان فان القدرة تتعلق بهما. ### |||| ** مسألة : ذهب قوم من الأوائل وجماعة الأشاعرة الى أن القدرة لا تتعلق بالضدين ، ~~وجماعة المعتزلة اتفقوا على صلاحيتها للتعلق بهما. PageV01P150 # والحق أن نقول : إن عني بالقدرة مجموع ما يترتب عليه الأثر فالقدرة ليست ~~صالحة للضدين وإلا لزم وجودهما معا هذا خلف ، وان عني بها الصفة التي ~~باعتبارها يصح صدور الفعل فلا شك أنها صالحة للضدين ، قالوا : مفهوم القدرة ~~على أحد الضدين غير مفهوم القدرة على الآخر. # والجواب : أن القدرتين قد اشتركتا في مفهوم واحد هو مطلق القدرة ، اللهم ~~الا أن ينكر الاشتراك المعنوي وحينئذ تقع لفظة القدرة على أنواع لا يتناهى ~~بالاشتراك اللفظي وهو غير مذهوب إليه ، وبالجملة فالحجة عندي ضعيفة ~~ومطلوبهم مستبعد. ### |||| ** مسألة : القدرة متقدمة على الفعل ، وهو مذهب المعتزلة وجماعة كثيرة من الأوائل ، ~~حتى أن الخوارزمي ادعى الضرورة في ذلك. # وذهب ms062 آخرون منهم والأشاعرة الى أنها مقارنة ، واستبعده الرئيس (1). # لنا أن القدرة صالحة للضدين ، فلو لم يكن متقدمة لزم اجتماع الضدين. # وأيضا الكافر مكلف بالإيمان ، فلو لم يكن قادرا لزم تكليف ما لا يطاق ، ~~ولأن التكليف عندهم حالة القدرة التي هي حالة الفعل فيلزم انتفاء العصيان. # احتجت الأشاعرة بأن القدرة عرض والعرض لا يبقى فالقدرة لا تبقى ، أما ~~الصغرى فظاهرة وأما الكبرى فسيأتي بيانها ، واذا لم تكن باقية فلو تقدمت ~~الفعل لم يكن الفعل واقعا بها فلا يكون الفاعل قادرا ، وأيضا حال وجود ~~القدرة الفعل معدوم فهو غير مقدور. # أما أولا فلأن الأعدام لا تستند الى القدرة. # وأما ثانيا فلأن الباقي لا يستند إليها. # وهاتان الحجتان عندي ضعيفتان ، أما الأولى فلأن الأعراض عندنا باقية ، PageV01P151 # وأيضا فعلى تقدير كونها غير باقية يجوز وجود الفعل لوجود قدرة اخرى. # أما الثانية فلأنا (1) قد بينا أن الاعدام يجوز تعقله بالقادر وكذلك ~~الباقي ، على أنا نقول : هذا الامتناع انما لزم من فرض اجتماع القدرة وعدم ~~الفعل ، والمدعى امتناع وجود القدرة قبل الفعل لذاتها لا بانضمام غير إليها. ### |||| ** مسألة : القدرة غير موجبة للفعل ، وخالف في ذلك جماعة الأشاعرة. # وحجتنا في ذلك ما تقدم ، فانها لو كانت موجبة والقدرة قدرة على الضدين ~~فيلزم وجودهما معا. # وأما بقاء القدرة ، فمذهب الأشاعرة فيه معلوم ووافقهم على ذلك البغداديون ~~من المعتزلة ، والسيد المرتضى شك في بقائها (2). # وأما المعتزلة ، فاستدل الخوارزمي على بقائها بأنها عبارة عن البنية ، ~~ولا شك في استمرارها على طريقة واحدة. # واحتج البصريون على ذلك بأنه يحسن منا ذم من ترك رد وديعة بعيدة منه ~~بمقدار عشر جهات في عشرة أوقات مع الأمر بردها ، فلو لم يكن فيه قدرة على ~~الرد لما حسن ذمه الا على ترك قطع الجهة الاولى ، وذلك لا يمكن الا مع ~~البقاء. # اعترض عليهم الخوارزمي بأن هذه القدرة الباقية ليست قدرة على الرد الا ~~على التقدير بأن يفعل بها مقدمات الرد من قطع المسافة ثم يتمكن به من الرد ~~، وهذا لا فرق فيه بين القدرة ms063 الباقية والقدرة الحادثة وقتا بعد وقت في انه ~~يتمكن بها من الرد على جهة التقدير ، فصح (3) ذمه على ان لا يفعل الرد ~~بمقدماته. # وعندي في هذا نظر ، فإن القدرة على أمر مشروط بشرط ممكن ، تكون قدرة PageV01P152 # على ذلك الأمر فيحسن الذم في ترك الرد على التقدير الأول وأما إذا قيل ~~أنه لا قدرة على ذلك الأمر وإنما القدرة على الشرط لم يحسن الذم على ترك الرد. ### |||| ** مسألة : ذهب مشايخ المعتزلة الى أن القدرة تتعلق بالمختلف في الوقت الواحد بما لا ~~يتناهى ، وتتعلق بالمتضادات المتنافية على البدل لا على الجمع ، بمعنى أنه ~~لا يمكن وجود المتنافيين معا وإن تعلقت بهما القدرة. # وأما المتماثل فان القدرة لا تتعلق الا بجزء واحد في الوقت الواحد والمحل ~~الواحد ، وتعلقها بالفعل في الأوقات لا يتناهى ، وكذلك تعلقها بالفعل في ~~المحال. # احتجوا على تعلقها بما لا يتناهى من المختلفين (1) بأنا نقدر على جذب جسم ~~مفروض فيه عدم النهاية إذا لم يكن فيه ثقل ولا اعتماد الى خلاف الجذب بقدرة ~~واحدة والكون في كل جزء من ذلك الجسم يخالف الكون في الجزء الآخر. # والاعتراض أن بعض الأجزاء انما تحدث فيها الحركة بسبب الاعتماد المباشر ~~والآخر يتولد عن الفعل المباشر ، وذلك لا تأثير للقدرة فيه وإنما تأثيرها ~~في السبب الموجب ، اللهم إلا أن يقولوا : إن القدرة على السبب ، قدرة على ~~المسبب فحينئذ يقال لهم : إن عنيتم بالقدرة على المسبب تأثيرها فيه ابتداء ~~فهو باطل قطعا ، وان عنيتم به أنه مستند الى القدرة بواسطة السبب فذلك هو ~~الحق وهو غير نافع لكم ، فإن الكلام فيما تؤثر فيه القدرة بذاتها. # واحتجوا على تعلقها بالمتماثل على الوجه الذي ذكرناه بأنها لو تعلقت ~~بأكثر من جزء واحد مع اتحاد الوقت والمحل لتعلقت بما لا يتناهى من ~~المتماثلات مع اتحاد الوقت والمحل ، والتالي باطل فالمقدم مثله. # بيان الشرطية أن كل متعلق بغيره متى تعدى في تعلقه الواحد لم يتناه ~~متعلقه ومتى انحصر متعلقه لم يتجاوز الواحد. PageV01P153 # أما الأول فبالقياس على القدرة على المختلف ms064 والمتماثل مع تغاير الوقت او ~~المحل به (1). # أما الثاني ، فبالقياس على العلوم والارادات. # وأما بيان بطلان الثاني فلأنه يلزم منه عدم الفرق بين القوي والضعيف في ~~حمل الثقيل لأنهما قادران على ما لا يتناهى في هذا الموضوع ، وهذه الحجة ~~ضعيفة جدا وضعفها غني عن البيان. ### |||| ** مسألة : الترك عندنا عبارة عن عدم الفعل ، ومشايخ المعتزلة ذهبوا الى أنه ضد ~~الفعل ، واختلفوا فذهب أبو علي الى أنه لا يجوز خلو القادر بقدرة عن الأخذ ~~والترك في المباشر وجوزه في المتولد بشرط زوال المنع ، وذهب آخرون الى جواز ~~ذلك مطلقا. # واحتج أبو هاشم على جواز ذلك في «البغداديات» (2) بأن القادر لكونه قادرا ~~لو لم يجز خلوه ، عن الأخذ والترك لما جاز خلو القديم تعالى عن ذلك ، فكان ~~يلزم قدم الفعل. # وهذه الحجة عندي ضعيفة ، فإن القياس لا يفيد اليقين لا سيما مع خلوه عن ~~الجامع الصالح للعلية. # واحتج أبو علي بأنه لو جاز خلوه عنهما وقتا ما لجاز دائما ، وذلك يقتضي ~~خروج المكلف من الطاعات والمعاصي فيخرج عن استحقاق المدح والذم. # ولقائل أن يقول : لا استبعاد في جواز ذلك ، نعم وقوعه مستبعد ، لكون القادر PageV01P154 # متعرضا لدواعي الحاجة المستلزمة للفعل. ### |||| ** مسألة : هل يصح اجتماع قدرتين على مقدور واحد؟ الحق عندنا ذلك. # وذهب مشايخ المعتزلة الى المنع ، واحتجوا بوجهين : ### |||| ** الأول : أنهما لو كانا قادرين على مقدور واحد لم يكونا قادرين ، والتالي باطل ~~لمخالفة الغرض فالمقدم مثله. # بيان الشرطية أن القادر هو الذي يوجد الفعل عند داعيه وينتفي عند صارفه ، ~~واذا كان كذلك فاذا فرضنا أحدهما مريدا لذلك الفعل والآخر كارها له ، فان ~~وجد خرج الكاره عن القدرة ، وان لم يوجد خرج المريد عن القدرة. ### |||| ** الثاني : أنهما لو فعلاه لم يحصل التمييز بينه وبين ما اذا فعله أحدهما. # وهذان الوجهان عندي ضعيفان. # أما الأول فلأن المحال انما لزم من اجتماع القدرتين مع الإرادة والكراهة ~~معا ، ولا يلزم من استلزام المجموع للمحال استلزام أحد أجزائه على التعيين ~~ذلك المحال ، وأيضا الفعل انما ينتفي عند الصارف لا مطلقا ms065 ، بل اذا لم يوجد ~~فاعل آخر ولا يلزم خروج القادر عن القدرة. # وأما الثاني فالمحال انما يلزم على تقدير صدوره عنهما جميعا (1) لا على ~~تقدير صدوره عنهما انفرادا ، فالغلط نشأ لهم في الحجتين لأجل أخذ ما بالعرض ~~مكان ما بالذات. # وأجاب محمود (2) عن الثاني بأن التميز (3) قد يكون حقيقيا وقد يكون ~~تقديريا ، ومطلق التميز كاف وهو حاصل هاهنا على تقدير الاجتماع ، لأنه ~~حينئذ اذا PageV01P155 # فعلاه فإما أن يمنعهما ثالث قدرته كقدرة أحدهما أو لا يمنعهما ، فإن ~~منعهما وقع نظرا الى القدرة الزائدة فحصل التميز الحقيقي ، وان لم يمنعهما ~~حصل التميز التقديري باعتبار أنه لو منعهما لوقع التميز وهذا الكلام ضعيف. ### |||| ** تذنيب : فرع المشايخ على اصلهم اختلاف القدر ، لأنها لو تعلقت قدرتان بمقدور واحد ~~لم يمتنع اختصاص إحدى القدرتين بقادر والأخرى بآخر فيصح بهما مقدور واحد ~~وهو هدم لما أسسوه. # وهذا ضعيف ، فإن مع تسليم الأصل يمنع الملازمة والا لزم هدم الاصل. ### |||| ** تذنيب : قالوا : القدر غير متضادة ، لأن المتعلق بالغير انما يضاد ما تعلق بذلك ~~الغير على عكس ما تعلق به الأول ، فاتحاد المتعلق شرط في التضاد ولا يعقل ~~ذلك في القدر. ### |||| ** مسألة : إذا حلت قدرتان محلا واحدا ، قال : أبو علي وأبو هاشم : يمتنع وقوع الفعل ~~باحداهما دون الأخرى ، وجوز ذلك أبو عبد الله. # حجتهما أن كل واحدة منهما صالحة للفعل ، فاسناده الى إحداهما دون الاخر ~~يكون ترجيحا من غير مرجح. # وفيه نظر ، فإن القدر عندهما مختلفة ، فجاز إسناد الأولوية الى إحداهما ~~دون الأخرى وإن اشتركت في الصلاحية ، وأيضا فهما معارضان بالقادر الذي يرجح ~~أحد مقدوريه على الاخر لا لمرجح. # حجة أبي عبد الله أن القادر يصح منه الفعل لكونه قادرا ، فكيف يمتنع عنه ~~ضد الفعل الذي هو الترك لاحدى صفتيه دون الأخرى. ### |||| ** مسألة : القدرة غير مقدرة لنا ، واستدلوا بأنه لو كان كذلك لوجب أن يزيد في ~~قدرتنا (1) على ما هي عليه. PageV01P156 # ولقائل ان يقول : القدرة متوقفة على أمور كالحياة والبنية وهذه من أفعال ~~الله تعالى فلم لا يجوز توقف زيادة ms066 القدرة على زيادة أمر آخر من فعل الله ~~تعالى؟ وذلك الأمر ليس بحاصل فلا يقدر (1) على فعل الزيادة نفيا (2). # اجابوا بأنه يجب (3) صحة وجود ذلك الأمر فيزيد في قدر أنفسنا ولصارت ~~حالها (4) في تقوية نفوسنا كحال القديم تعالى وهو باطل ، وأنت خبير بسقوط ~~هذا الكلام. ### |||| ** مسألة : تخرج القدرة عن تعلقها لأمور : منها ما هو راجع إليها وهو عدمها ، فإنه ~~متى عدمت القدرة لم تبق متعلقة بشيء. ومنها ما هو راجع الى المقدور ، وقد ~~ذكروا فيه ستة اوجه : ### |||| ** أحدها : وجوده ، فانه انما يحتاج الى القدرة لأجل الإخراج من العدم الى الوجود ، ~~فبعد الوجود لم يبق احتياج إليها. ### |||| ** الثاني : وجود السبب ، لأنه مع وجوده لا يمكن الترك فتكون القدرة زائلة. ### |||| ** الثالث : حضور وقت المقدور ، لأن تأثير القدرة انما هو في صحة الفعل بها في الزمان ~~الثاني ، فإذا حضر وقت الفعل ووجدت القدرة كان وقت الفعل هو الوقت الثالث ~~لا الثاني هذا خلف. ### |||| ** الرابع : حضور وقت السبب ، وبيانه قريب مما مر. ### |||| ** الخامس : تقضي (5) وقت الفعل. PageV01P157 ### |||| ** السادس : تقضي (1) وقت سببه ، وهو ظاهر. ### |||| ** تتمة : تشتمل على مسائل ذهب أصول بعضها. ### |||| ** قالت المعتزلة : يستحيل وجود الفعل حال حدوث القدرة ، وإنما يصح الفعل بها في الزمان الثاني ~~من وجودها والا لاستغنى الفعل في نقله من العدم الى الوجود عنها ، وذلك ~~يقدح في وجوب تقدمها. # ونحن نقول : المقارنة الزمانية لا تخرج المعلول عن الاحتياج فكذلك فى ~~جانب القدرة ، ولا نرى فرقا بينهما سوى المقارنة بالشعور وعدمه والوجوب في ~~العلة والإمكان في القدرة. ### |||| ** مسألة : أوجب البغداديون مقارنة القدرة للفعل ، لأن المشي لا بد معه من قدرة ~~مقارنة. # ونحن نقول : المشي عبارة عن حركات مخصوصة والحركات مركبة من الأجزاء ~~الأفراد وكل جزء من الأجزاء له قدرة تحتاجون الى الاستدلال على مقارنتهما ، ~~وما ذكروه لا يدل على ذلك ، فإن قدرة المشي في الحقيقة قدرة (2) مختلفة. # واعلم أن مذهب البغداديين أن القدرة لا يصح عليها البقاء على ما نقلناه ~~عنهم ، وأن القدرة متقدمة على الفعل ، فخلص لنا من هذه الأقوال أن المقارن ms067 ~~للفعل ليس هو القدرة المتقدمة بل تلك مفقودة وتخلفها أخرى مؤثرة والا لزم ~~التناقض. ### |||| ** مسألة : ذهبت الأشاعرة الى أن العجز أمر وجودي ، قالوا : لأنه ليس جعل العجز ~~عبارة عن عدم القدرة أولى من العكس. # وهذا الكلام ركيك ، فإن عدم الأولوية مع فقدان الدليل هو الحق ولا يستدل PageV01P158 # به على ثبوت أحد المعنيين دون الآخر. # وذهب أبو علي الى أن العجز معنى يضاد القدرة ، وأبو هاشم قال بذلك أولا ~~ثم شك ثانيا (1). # والصواب ان نقول : ان كانت القدرة عبارة عن سلامة الأعضاء فالعجز آفة ~~تعرض للأجزاء (2) فيكون وجوديا ، وإن كانت القدرة عبارة عن الهيئة العارضة ~~عند سلامة الأعضاء فالعجز عدم تلك الهيئة ، والبحث في هذا على الاستقصاء ~~مما لا فائدة فيه. PageV01P159 ### ||| ** البحث الرابع عشر في الاعتقادات # وهي أمور غنية عن التعريف يمكن الحكم فيها بالنفي والإثبات ، وهي إما أن ~~تكون جازمة أو لا ، والأول إما أن تكون مطابقة أو لا ، والأول إما أن تكون ~~ثابتة أو لا ، والأول هو العلم والثاني هو التقليد للمحقق وغير المطابق وهو ~~الجهل المركب وغير الجازم هو الظن. # وقد لاح من ذلك أن الاعتقاد جنس لهذه ، وقد أخرج بعضهم الظن منه ، وأبو ~~الهذيل أخرج العلم أيضا (1)، وجماعة قسموا غير الجازم الى ما يترجح (2) ~~أحد طرفيه على الآخر والى ما لا ترجح (3)، فالذي ترجح (4) هو الظن ، والذي ~~لا يترجح إن تساوى الطرفان فيه فهو الشك والا فهو الوهم ، وقد أدخل هؤلاء ~~في الاعتقاد ما ليس منه وهو الوهم والشك ، كما أخرج أولئك من الاعتقاد ما ~~هو منه. ### |||| ** مسألة : اختلفوا في العلم ، فذهب المحققون الى أنه غني عن التعريف. # وجماعة من المتكلمين ذكروا في حده أنه اعتقاد الشيء على ما هو عليه (5) ~~وزاد آخرون مع سكون النفس. # وجماعة من الأوائل قالوا : إنه حصول صورة الشيء في العقل. PageV01P160 # واعترض عليهم بأنه يلزم منه (1) أن يكون الجماد الموصوف بالسواد عالما به ~~، وأيضا علمنا بذاتنا إن كان نفس (2) ذاتنا لزم من العلم بذاتنا العلم ~~بعلمنا بذاتنا ، ويلزم دوام علمنا بذاتنا ما ms068 دامت ذاتنا ، وأن يكون علمنا ~~بعلمنا بذاتنا نفس علمنا بذاتنا الذي هو نفس ذاتنا وتراقي العلوم الى ما لا ~~يتناهى. # وإن كان غير ذاتنا ، فإن كان لحصول صورة مساوية لزم اجتماع الأمثال ، وإن ~~كان لصورة مخالفة بطل ما ذكروه. # وهذان الاعتراضان ساقطان. # أما الأول فلإغفالهم القيد الذي يخرج به الجماد عن كونه عالما ، فإن ~~العلم ليس هو حصول الصورة مطلقا بل القابل للإدراك. # وأما الثاني فلأن العلم بذاتنا نفس ذاتنا بالذات وغيرها بنوع من الاعتبار ~~، فلا يلزم ما ذكروه من المحاذير ، على أن لنا في قولهم : لو كان العلم ~~لحصول صورة مساوية لذاتنا لزم اجتماع الأمثال ، نظرا ذكرناه في كتاب ~~الأسرار (3). ### |||| ** مسألة : ذهب من لا تحصيل له الى أن العلم أمر سلبي ، وهو باطل ، لأن مقابله إن ~~كان عدميا كان العلم عدما للعدم يكون وجودا ، وان كان وجوديا كان صادقا على ~~المعدوم فيكون المعدوم عالما هذا خلف. # وفي هذا الرد عندي نظر ، فإن عدم الأمر العدمي لا يلزم أن يكون وجوديا ، # توجد من هذا الكتاب نسخة في مكتبة آية الله الحكيم في النجف رقم 380 بخط ~~المؤلف ، ونسخة في مكتبة كوبرلي في اسلامبول رقم 862 كتبها الحسن بن الحسين ~~العلوي في سنة 773 ، ونسخ اخرى متعددة ، (انظر : مقدمة ارشاد الاذهان ج 1 ص 72). PageV01P161 # ولو سلم ذلك لكن في قوله : إنه على تقدير وجوده مقابله يكون المعدوم ~~عالما ، المنع قائم ، فإنه جاز أن يكون عدميا وإن كان لا يصدق الا على ~~الموجود كما في الوجوب. # وتحقيق هذا انما يظهر بما أقوله هاهنا وهو : أن الوجود قد يؤخذ باعتبار ~~إضافته الى الخارج ، وقد يؤخذ باعتبار إضافته الى الذهن ، وقد يؤخذ ~~بالاعتبار الأعم (1) الصادق عليهما معا ويؤخذ العدم باعتبارات ثلاث مقابلة ~~لتلك الملكات. # وقد يؤخذ الوجود والعدم كل منهما مقيسا الى ماهية ما فيقال لتلك الماهية ~~: إنها وجودية وعدمية بالاعتبارات المذكورة ، فاذا صدق على ماهية أنها ~~عدمية لم يلزم أن يكون سلبها وجوديا ، فإن المعدوم في الخارج الثابت في ~~الذهن يجتمع مع مقابله ms069 وهو السلب على العدم في الخارج كما هو الحال في ~~العمى وسلبه. ### |||| ** مسألة : ذهب قوم : الى أن العلم أمر إضافي ، وجماعة من الأوائل ذهبوا الى أنه أمر ~~زائد على الإضافة تلزمه الإضافة ويتعين بتعين الإضافة. # ولا شك في احتياج العلم الى الإضافة ، وأما أنه هل هو زائد على الإضافة ~~أم لا؟ فلنا فيه نظر. ويلزم الفريقين علم الإنسان بنفسه ، فإنا إذا جعلناه ~~نفس الإضافة لم يكن بد من أمرين تقع الاضافة بينهما. قالوا : الذات من حيث ~~إنها عاقلة مغايرة لها من حيث إنها معقولة واذا صحت المغايرة بهذا النوع من ~~الاعتبار صحت الإضافة. # وهذا خطأ ، فإن المغايرة حينئذ تتوفق على ثبوت التعقل ، فلو كان التعقل ~~متوقفا عليها لزم الدور. # قال بعض المحققين : المقتضي للمغايرة هو العلم وليست المغايرة بمقتضية ~~للعلم ، بل هذه المغايرة لا تنفك عن العلم كما لا ينفك المعلول عن علته ولا يلزم PageV01P162 # الدور. # اقول : وهذا ضعيف ، فإن المغايرة ليست مقتضية للعلم ولكن العلم متوقف ~~عليها توقف المشروط على الشرط ، فلو توقفت المغايرة على العلم توقف المعلول ~~على العلة لزم الدور ، وأما اذا جعلنا العلم عبارة عن حصول الصورة فقد اتفق ~~المحققون منهم على أنه لا احتياج الى صورة زائدة ، بل الصورة العاقلة ~~لنفسها انما تعقل نفسها بنفسها ، وهذا يلزم منه إضافة الشيء الى نفسه. # أجاب الرئيس (1) بأن العاقل هو الذي يحضر عنده المجرد ، وهو صادق على ما ~~يكون المجرد فيه هو نفس العاقل او غيره ولا يلزم من كذب الخاص كذب العام ، ~~وأيضا التشخص زائد على الماهية فالعاقل هو المجموع والمعقول هو الماهية. # ورد في الأول (2) بأن العموم في اللفظ والعقل لا يقتضي صحة وجود العام ~~بدون الخاص في نفس الأمر ، كما أن قولنا : هذا الشيء علة أعم من كونه علة ~~له أو لغيره في التصور واللفظ مع أنه يستحيل وجود العام في أخصيه معا في ~~نفس الأمر. # وفي الثاني بأنه غير محل النزاع ، فان البحث في علم الانسان بنفسه لا في ~~علمه باحد جزئه ، ويلزم القائلين ms070 بالإضافة ان لا يكون المعدوم معلوما وان ~~لا يكون شيء من الادراكات جهلا. ### |||| ** مسألة : ذهب قوم من الأوائل الى أن التعقل يستدعي الاتحاد مع المعقول ، وهو خطأ ~~(3)، فإن المتحدين إن بقيا فهما اثنان وإن عدما أو عدم احدهما فلا اتحاد PageV01P163 # مع المعدوم سواء حصل ثالث أو لا ، وأيضا إذا عقل عاقلان معقولا واحدا لزم ~~اتحاد العاقل أو فساد مذهبهم ، وأيضا إذا عقل معقولين لزم احد المحذورين. ### |||| ** مسألة : إن قلنا : إن العلم إضافة فلا شك في أنه (1) عرض ، وأما اذا قلنا : إنه ~~عبارة عن الصورة فلا شك في أن صور الأعراض أعراض ، وأما صور الجواهر فالحق ~~عندنا أنها كذلك لأنها مفتقرة في وجودها الى المحل الذي هو النفس ، وقد ذهب ~~قوم من الأوائل الى أنها جوهر لأن حد الجواهر وهو الذي إذا وجد كان لا في ~~موضوع صادق عليها ، وهو خطأ ، فإن الجوهر النفساني يستحيل وجوده في الأعيان ~~، إنما الموجود هو المساوي له في الصورة لا في (2) نفس الحقيقة. # وذهب آخرون الى أنها جوهر بهذا الاعتبار وعرض بالاعتبار الذي قلناه فهي ~~جوهر وعرض معا ، وهؤلاء عن التحقيق بمعزل. ### |||| ** مسألة : ذهب القائلون بأن الاعتقاد جنس للعلوم وغيرها من المعتزلة الى أن ~~الاعتقاد يكون علما لأمور منها : استناد الاعتقاد الى النظر الصحيح أو ~~تذكره. ومنها : أن يكون فاعل الاعتقاد عالما بمعتقده ، فان علوم العقل انما ~~تكون علوما لأن الله تعالى يخلقها وهو تعالى عالم بمعلوماتها وكذلك إذا فعل ~~أحدنا اعتقادا دائما (3) # ونفى نظرية اتحاد العاقل والمعقول الرازي أيضا في : المباحث المشرقية ج 1 ~~ص 328 ، ولكن المحققين من المتأخرين قالوا : باتحاد العاقل والمعقول ، وقد ~~بحث عنه صدر المتالهين بالتفصيل وشيد اركانه (الاسفار الاربعة ج 3 ص 321). PageV01P164 # يعلمه فانه يكون علما. ومنها : أن يكون عالما بجملة فيدخل المفصل في تلك ~~الجملة ، فإن اعتقاده لذلك المعين يكون علما لكونه عالما بالجملة. # واستدلوا بأن أحدنا يكون عالما عند اقتران كل واحد من هذه الوجوه ~~بالاعتقاد وينتفي علمه عند انتفائها فعلمنا أن المؤثر هذه الوجوه. # وهذا الاستدلال ms071 ضعيف ، فإن الدوران لا يفيد اليقين على ما يأتي. # قال أبو الحسين : النظر الصحيح وتذكره إنما هو ترتيب علوم كاسبة لعلم (1) ~~داخل تحتها وتلك العلوم مجملة (2) فهو داخل تحت القسم الذي ذكروه من إدخال ~~التفصيل في الجملة ، وكون الفاعل للاعتقاد عالما بمعتقده ليس له تأثير في ~~ذلك ، فإنه كيف يكون علم الفاعل مؤثرا في كون الاعتقاد المفعول في الغير ~~علما. فإن قالوا : كونه عالما يؤثر في وقوع الاعتقاد المفعول على وجه يكون ~~علما ، قلنا : فالمؤثر في كونه علما هو ذلك الوجه لا علم الفاعل. ### |||| ** مسألة : العلم على ضربين : ضروري ومكتسب ، وفاعل الضروري الله تعالى وفاعل ~~المكتسب هو نفس العالم ، لأنا نجد من أنفسنا أن المكتسب يوجد عند قصدنا ~~ودواعينا وينتفي عند وجود صوارفنا. # والضروري منه ما يحصل ابتداء كالعلم بأن الوجود والعدم لا يجتمعان ولا ~~يرتفعان ، وقد يحصل عند سبب كالمشاهدات والمجردات. # وعند الأوائل أن العلوم الضرورية تنقسم الى أوليات ومشاهدات ومجردات ~~وحدسيات ومتواترات وفطرية القياس ، وفاعلها هو الله تعالى عقيب الاستعداد ، ~~والحاصل من الحواس والعلوم النظرية حاصلة بفعلنا عند حصول الاستعداد ~~المستفاد من العلوم الضرورية. PageV01P165 ### |||| ** مسألة : العلم عند الأوائل ينقسم الى : فعلي وانفعالي ، والأول هو المحصل للأعيان ~~الخارجية ، والثاني هو المستفاد منها. ### |||| ** مسألة : العدم انما يعلم بواسطة ملكته ، وقد ظن قوم أن المعدوم غير معلوم والا ~~فهو ثابت. # وهذا ظن فاسد ، فإن المعلوم ثابت ذهنا لا عينا ، وقد أسلفنا في هذا ~~قانونا. ### |||| ** مسألة : لا بد في العلم من المطابقة والا لكان (1) جهلا ، وهو حكاية عن المعلوم ~~وتابع له لا على معنى أنه متأخر عنه في الوجود ، بل على معنى أنه لو لا ~~تحقق المعلوم على حالة ما لما صح تعلق العلم به على تلك الحال ، وسواء تقدم ~~العلم أو تأخر فانه بهذه الحال ، ولا يستبعد ذلك فإن الحكاية كما تتأخر فقد تتقدم. ### |||| ** مسألة : لا بد للعلم من متعلق ، وهو مذهب الأوائل ومن المعتزلة ابن الإخشيد ~~وأصحابه وأبي القاسم البلخي. # وذهب طائفة أخرى الى أن هاهنا علوما لا معلومات لها ms072 ولا تتعلق بشيء ، ~~وذلك كالعلم بأنه لا ثاني للقديم فانه علم بغير معلوم ، لأن المعلوم إما ~~موجود او معدوم ، وهذا ليس بموجود وهو ظاهر ولا بمعدوم قالوا : والا لصح ~~وجوده والتالي باطل فالمقدم مثله. # وعندنا هذا خطأ ، فإنه يستحيل وجود إضافة بدون مضاف إليه ، وما ذكروه من ~~العلم بثاني القديم فانه معدوم وليس كل معدوم يصح وجوده ، وهذا بناء منهم ~~على خطأهم في إثبات المعدوم (2) وهو ثابت ذهنا ، وثبوته الذهني بالقياس على PageV01P166 # معنى أنه يعقل القديم تعالى ثم يعقل أنه لا ثاني له مساو له ، وكذلك إذا ~~علمنا عدم الضد له تعالى فانا (1) نعلمه بالمقايسة على معنى أنه ليس لله ~~تعلى شيء نسبته إليه نسبة السواد الى البياض ، وكذلك إذا علمنا عدم اجتماع ~~الضدين فإنا نعلمه على معنى أنه ليس بين الضدين من الاجتماع ما بين السواد ~~والحركة مثلا ، وهؤلاء إنما وقعوا في هذا الخطأ لجهلهم بالثبوت الذهني. ### |||| ** مسألة : الحق عندنا أن العلم الواحد لا يتعلق بمعلومين ، فانا اعتبرنا في العلم ~~المطابقة ويستحيل مطابقة شيء لشئين ، ومن قال إن العلم إضافة يحيل ذلك أيضا ~~فإن الإضافة تتعدد بتعدد المضاف إليه. # وعند اهل السنة أن علم الله تعالى يتعلق بمعلومات لا نهاية لها مع أنه واحد. # ونقل عن ابي الحسين الباهلي : أن علمنا (2) الواحد يجوز تعلقه بمعلومات ~~كثيرة ، وحكي ذلك أيضا عن أبي الحسن الأشعري. # وأنكره أبو إسحاق وقال (3) إنه ذكره في الإلزام على من يقول العلم الواحد ~~يتعلق بمعلومين. # ونقل عن الجبائي : جواز تعلق العلم الواحد بمعلومين. # ونقل عن أبي منصور البغدادي من أهل السنة : وجوب ذلك. # وعن القاضي أبي بكر : كل معلومين لا ينفك أحدهما عن الآخر يجوز أن يتعلق ~~بهما علم واحد ، وهو منقول عن أبي القاسم أيضا. # وهذه الأقوال كلها ضعيفة عندنا لما مر. ### |||| ** مسألة : العلم المتعلق بالمختلفات مختلف ، لأن العلم لا بد فيه من المطابقة PageV01P167 # ومطابقة الواحد لمختلفين محال ، ومن قال : إن العلم إضافة كان كذلك إن ~~كان تنوع (1) المضافات يقتضي تنوع الإضافات وإلا كان في ms073 محل التوقف. # وقد ذهب قوم الى أنها مختلفة سواء تعلقت بالمختلفات أو بالمتماثلات ، لأن ~~العلم بالمدلول مشروط بالعلم بالدليل ، ولأن اعتقاد قدم الجسم يضاد اعتقاد حدوثه. # وهذا غير مفيد ، فان (2) لقائل أن يقول : جاز أن يكون العلم واحدا ~~والتعلقات مختلفة ، والحجة الثانية دالة على تضاد الاعتقاد لا على اختلاف ~~العلوم. # واعلم أنه يشرط في تماثل العلوم تعلقها بالشيء الواحد على الوجه الواحد ~~في وقت واحد على طريقة واحدة ، فاتحاد الشيء لا بد منه ، لأن العلم المتعلق ~~بأحد المختلفين مخالف للمتعلق بالآخر ، وكذلك اتحاد الوجه ، فانا لو علمنا ~~الذات (3) باعتبار صفة وعلمناها (4) باعتبار صفة أخرى لكانا مختلفين ، ولا ~~بد من اتحاد الوقت ، فانا لو علمنا أن زيدا موجود اليوم وعلمنا أنه موجود ~~غدا لكانا مختلفين ، ولا بد من اتحاد الطريقة ، فإن علمنا يتعلق بالمعلومات ~~تعلق العلوم وعلم الله تعالى يتعلق بها تعلق العالمين فهما مختلفان ، وأبو ~~هاشم لم يعتبر اتحاد الوقت فجعل العلم بأن زيدا موجود بالأمس مع العلم بأنه ~~لم يتغير عن حاله ، علما بأنه موجود اليوم. # والحق خلاف ذلك (5)، فإن العلمين الأولين حصل منهما علم جديد مغاير لهما ~~، وليس الحاصل أحد العلمين السابقين. ### |||| ** مسألة : المعلوم على سبيل الجملة معلوم من وجه مجهول من آخر فلما PageV01P168 # اجتمعا في شيء ظن أنه علم مغاير للتفصيل ، وليس كذلك. # وأبو هاشم منع من العلم الإجمالي قال : لأن المعلوم متميز والإجمالي غير ~~متميز فهو غير معلوم ، والكبرى عندنا كاذبة ، اللهم الا ان يعني بالتميز ~~التميز التفصيلي من كل وجه فحينئذ يتطرق الكذب الى الصغرى. ### |||| ** مسألة : العلم بالكلي عبارة عن حصول صورة في الذهن يمكن انطباقها على اي فرد سبق ~~الى الذهن من الأفراد الخارجية ولا تحقق للكلي في الخارج ، خلافا لأفلاطن ~~القائل بالمثل (1)، وهذا العلم مغاير للعلم بالجزئي. # وقد تجري لأبي هاشم منازعة هاهنا ، وزعم أن من علم أن كل ظلم قبيح ثم علم ~~في ضرر معين أنه ظلم علم أنه قبيح بعلمه الأول ولم يتجدد له علم مبتدأ يعلم ~~به قبح هذا الضرر ms074 المعين. # وهذا عندنا كاذب ، ووافقنا على ذلك قاضي القضاة. # وحجة أبي هاشم أنه لو علمه بعلم مبتدأ لصح أن لا يفعله ولا يعلم قبحه وإن ~~علم أنه ظلم ، والتالي باطل قطعا فالمقدم مثله. # ونحن ننازعه في صدق الشرطية ، فإنه لم يبرهن عليها وكيف يبرهن على ما هو ~~معلوم الكذب. ### |||| ** مسألة : العلم بالاستقبال ليس علما بالحال ، وجمهور المشايخ على خلاف هذا ، فإن ~~من علم أن زيدا يدخل الدار في غد ثم جاء الغد علم دخول زيد بذلك العلم. PageV01P169 # وأبو الحسين (1) أنكره من وجوه : # أحدها : أنا قد نجهل العلم بالمستقبل مع العلم بالحال. ### |||| ** الثاني : أن العلم بالمستقبل غير مشروط بالحصول الحالي والعلم بالحال مشروط به ~~فتغايرا. ### |||| ** الثالث : أن من علم أن زيدا سيدخل الدار في غد ولم يعلم مجيء الغد فانه لا يعلم ~~بدخول زيد الدار ، نعم من علم الأول وحصول الغد حصل له علم مستأنف بدخوله الدار. # وهذا عندي هو الحق والأول جهالة. ### |||| ** تنبيه : قد شرطنا في العلم المطابقة ، فيجب تغيره عند تغير المعلوم والا لزم الجهل ~~، ولهذا مزيد بحث سيأتي في علم واجب الوجود. ### |||| ** مسألة : ذهب الأوائل الى أن العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول قالوا : لأن العلة ~~من حيث هي هي تقتضي المعلول فالعلم بها من حيث هي هي يكون علما بها مع ~~اعتبار العلية ، وهي نسبة فلا بد من تصور المنتسب إليه. # ونحن نقول : إن أردتم أن العلم بوجود العلة وكونها علة معا يوجبان العلم ~~بوجود المعلول صدقتم وإن أردتم أن العلم بماهية العلة يوجب العلم بماهية ~~المعلول فنحن من وراء المنع حتى يظهر لنا الدليل ، وما ذكروه فغير مفيد ، ~~لأن تصور الماهية من حيث هي هي لا يقتضي تصور لوازمها الاضافية ، وإن اقتضى ~~فلا يقتضي تصور المعلول من حيث هو هو بل من بعض عوارضه. ### |||| ** مسألة : العلم بذوات المبادي إنما يحصل من العلم بمباديها ، لأنها ممكنة فبدونها ~~لا تكون واجبة ، قالوا : واذا علم نسبته علم كليا ، لأن علمنا بأن الألف ~~موجب للباء علم بالكلي مقيدا بالكل وتقييد الكلي ms075 بمثله لا يقتضي الجزئية ، ~~وفي هذا PageV01P170 # بحث. ### |||| ** مسألة : لما كان العلم عند الأوائل هو حصول صورة مساوية للمعلوم في العالم وكان ~~اجتماع صورتين متساويتين في محل واحد من غير اختلاف لازم أو عارض محالا ، ~~كانت الصورة الحالة في الذهن إما معلومة بنفسها من غير تضاعف الصور ، وإما ~~غير معلومة اصلا. # لكن الثاني من القسمين باطل قطعا ، فان حصول الصورة للشيء لا ينفك عن ~~حصول ذلك الحصول عند اعتبار المعتبرين فكان العلم معلوما بنفسه. # وأبو علي الجبائي وافق على ذلك فجعل العلم يعلم بنفسه ، وخالف في ذلك ~~مشايخ المعتزلة فذهبوا الى أن العلم يعلم بعلم آخر ، قالوا : لأن العلم لا ~~يتعلق بمعلومين على ما سلف والعلم والمعلوم متغايران فيتغاير العلم المتعلق بهما. ### |||| ** تذنيب : ذهب الشيخان (1) الى أن العلم بالعلم هو علم بالمعلوم ، والحق خلاف هذا ، ~~فان العلم إضافة والمعلوم قد لا يكون إضافة فهما متغايران فكيف يكون العلم ~~بأحدهما هو العلم بالآخر ، ووافقنا على ذلك أبو عبد الله وأبو إسحاق وقاضي ~~القضاة ، فإنهم قالوا : العلم بالعلم هو علم بكونه على حال او حكم. ### |||| ** مسألة : العالم بالشيء هل يجب أن يكون عالما بأنه عالم بذلك الشيء؟ الحق عندنا ~~أنه لا يجب ذلك وقد وافقنا على ذلك ، طائفة من الأوائل ومشايخ المعتزلة ، ~~نعم إذا اعتبر المعتبر وجب تعلق العلم به ، وابو القاسم أوجب ذلك. ### |||| ** مسألة : الحق عندنا أنه لا يصح اجتماع علوم كثيرة لعالم واحد متعلقة بشيء واحد ~~لاستحالة اجتماع الأمثال ، ومن جوز اجتماع المثلين جوز ذلك هاهنا. # ويحكى عن أبي علي المنع مع اعترافه باجتماع الأمثال ، قال : فإن هذا يجري ~~مجرى الساكن فانه لا يجوز تسكينه والمجتمع لا يجوز جمعه ، وعلى تقدير اجتماع PageV01P171 # العلوم الكثيرة لا يتزايد المعلوم في الجلاء ولا يدخل في سكون نفسه بزائد (1). # واعلم أنا نصف الواحد بأنه أعلم من غيره ، فقال أبو علي : أولا المرجع ~~بذلك الى كثرة العلوم كما نقول : أنه أقدر على معنى زيادة قدرته ، ثم لما ~~رأى أن أحد العالمين إذا علم الشيء بعلم واحد ms076 والآخر بعلوم كثيرة وأن ذا ~~العلوم الكثيرة لا يتزايد علمه باجتماعها ، حكم بأن المرجع بذلك الى كثرة ~~المعلومات فإذا كان معلوم أحدهما أكثر حكم عليه بالأعلمية. ### |||| ** مسألة : العلوم عندنا باقية ، وهو مذهب الأوائل وأبي هاشم وابي عبد الله ، وذهب ~~أبو اسحاق وقاضي القضاة والسيد المرتضى من اصحابنا الى أنها لا تبقى. لنا ~~انها ممكنة في الزمان الأول فتكون ممكنة في الزمان الثاني والا لزم ~~الانتقال من الامكان الى الامتناع. # وعندي هذه الحجة ضعيفة ، وبيان ضعفها سيأتي. # احتج القائلون : بعدم البقاء بأنها لو بقيت لامتنع عدمها والتالي باطل ~~فالمقدم مثله. # بيان الشرطية أنها لو عدمت بعد البقاء لكان عدمها إما أن يكون مستندا الى ~~الذات أو الى الفاعل أو الى طريان الضد ، والأقسام باطلة فعدمها باطل. # أما الأول فلأنه يلزم امتناع وجود الماهية على ذلك التقدير. # وأما الثاني فلأن الفاعل أثره في الإيجاد لا في الإعدام. # وأما الثالث فلأنه قد يخرج من العلم الى الشك ، وليس الشك معنى يضاد ~~العلم لأن شرط الضدية تعلق أحد الضدين بما يتعلق به الآخر على عكس ما تعلق ~~به والشك انما يتعلق بشيئين والعلم انما يتعلق بشيء واحد كالشك في حدوث ~~العالم فانه بعينه شك في قدمه ، فليس بين العلم والشك تضاد. PageV01P172 # ونحن نقول : لم لا يجوز أن يعدم للفاعل؟ وما ذكروه لبيانه نفس الدعوى ، ~~فيكون مصادرة على المطلوب. # وأيضا لم لا يجوز أن يكون للعلم ضد يخرج به الإنسان عن العلم ثم يطرأ ~~عليه الشك؟ وذلك الضد غير معلوم. # وبالجملة ضعف هذه الحجة لا يخفى. ### |||| ** مسألة : الحق عندنا أن السهو ليس معنى من المعاني المضادة للعلم وانما هو عبارة ~~عن عدم العلم عما من شأنه أن يكون علما بعد حصوله ، وهو مذهب أبي إسحاق ~~وقاضي القضاة ، وذهب الشيخان الى أنه معنى يضاد العلم ، وهو مذهب لأبي ~~إسحاق أيضا وأبي عبد الله ، لكن أبا عبد الله تارة يقول : إنه مقدور للعباد ~~ولكنه لا يصدر عنهم لفقد الدواعي ، وتارة يقول : إنه غير مقدور عليه أصلا ~~وهو ms077 ظاهر قول الشيخين. # ودليلنا في ذلك أن الواحد منا لا يجد من نفسه أمرا زائدا على فقدان العلم ~~حالة السهو ، أما الشك فذهب أبو علي الى أنه معنى يضاد العلم وهو قول ابي ~~القاسم ، وذهب جماهير المعتزلة الى انه ليس بمعنى مضاد للعلم ، وقد مر ~~الكلام فيه. ### ||| ** تتمة كلام في هذا الباب # العلم منه ضروري ومنه كسبي ، والضروريات قد مضى بيان اقسامها ، لكن وقع ~~الخلاف في المتواترات ، فذهب الأوائل الى أنها ضرورية ووافقهم على ذلك ~~البصريون ، وذهب أبو القاسم الكعبي وابو الحسين البصري الى أنه كسبي. # واحتج ابو الحسين بأن الكسبي هو الذي يتوقف على نظر واستدلال وهو متحقق ~~هاهنا ، فان العلم بذلك إنما يحصل بعد العلم بأن المخبرين (1) قد أخبروا ~~عما لا لبس فيه ، وليس أخبارهم مستندا الى النظر حتى يجوز الخطأ فيه ، وأنه ~~قد أخبر PageV01P173 # جماعة عظيمة لا يجوز عليهم التواطؤ والتراسل ولا يجوز عليهم الكذب اتفاقا ~~ولا أن يجتمعوا على الكذب لاشتراكهم في داع يدعوهم الى الكذب ، فيعلم أن ~~خبرهم ليس بكذب فيكون صدقا ، ومتى فات العلم بواحدة (1) من هذه المقدمات لم ~~يحصل العلم التواتري. # والحق عندنا خلاف ذلك ، فان العلم بالمتواترات يحصل للصبيان ومن لم يمارس ~~الاستدلال ، فسقط ما ذكروه. ### |||| ** مسألة : أنكر السوفسطائية العلم مطلقا ، وهم ينقسمون الى ثلاثة أقسام : # العندية وهم : الذين يعترفون بجميع الأشياء. # والعنادية وهم : الذين ينكرون الأشياء معاندة. # واللاادرية وهم : الذين أنكروا جميع الأشياء لعدم صحة المقدمات التي ~~ينبني عليها البراهين ، قالوا : لأن أجلى القضايا وأوضحها هو العلم بأن ~~النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان ، وهذا القول باطل فلا يكون (2) شيء ~~من القضايا حقا. # وبيان بطلانه أن هذا التصديق مسبوق بتصور النفي وهو غير متصور والا لكان ~~متميزا عن غيره والمتميز عن غيره متعين والمتعين ثابت والنفي ليس بثابت. # سؤال : يكون ثابتا ذهنا. # جواب : الثابت ذهنا أحد أقسام مطلق الثابت والنفي المطلق مقابل المطلق ~~الثابت فلا يكون قسما منه ، وأيضا النفي والاثبات قد ينسبان الى وجود الشيء ~~في نفسه وقد ينسبان الى ms078 وجوده لغيره ، والأول باطل والا لكان الوجود إما ~~نفس الماهية فقولنا : الماهية موجودة يتنزل منزلة قولنا : الماهية ماهية ~~هذا خلف ، وإما مغايرا لها فيلزم وصف المعدوم بالموجود. PageV01P174 # والثاني باطل لأن الموضوع والمحمول إن اتحدا كان ذلك كحمل الأسماء ~~المترادفة فلا يكون مفيدا ، وإن تغايرا كان ذلك حكما على الشيء بأنه غيره ~~وذلك حكم بوحدة الاثنين. # واعلم أن هؤلاء لا يستحقون الجواب ، لأن المناظرة إنما تكون بعد تسليم ~~مقدمات بين الخصمين توضع لينبني أحد الخصمين عليها مطلوبه ، ومن ينكر مثل ~~هذه القضايا لا يمكن مباحثته ، فإن بهذه القضايا يناظر في جميع المطالب وهي ~~المبادي للعلوم فيجب الذب عنها ، وكيف يناظر من يجمع بين النقيضين ، فإن ~~أقصى مراتب المناظر أن يبين أن الذي ذكره دليل دال على مطلوبه ، فالخصم ~~يقول مسلم أنه دليل لكن لم لا يجوز أن يكون غير دليل (1) أيضا. # ومع ذلك فانا نقول : في جواب هذا الشاك : إن المنفي لم لا يجوز أن يكون ~~ثابتا ذهنا ، فإن الذي لا يكون ثابتا في الذهن ولا في الخارج تصور لما ليس ~~بثابت ولا متصور فيصح الحكم عليه من حيث هو ذلك التصور ولا يصح من حيث إنه ~~ليس بثابت ، فالموضوعان مختلفان والمقابل قسم باعتبارين كما نقول : الموجود ~~إما ثابتة في الذهن او لا يكون ، فالثابت في الذهن من حيث إنه مفهوم ثابت ~~في الذهن ، وليس بثابت من حيث هو مقابل للثابت ولا استحالة في ذلك. # قوله في الوجه ### |||| ** الثاني : الوجود إن كان زائدا لزم وصف المعدوم بالموجود ، قلنا : الحكم بالزيادة في ~~الوجود ليس بثابت في الخارج ، فإنه ليس في الخارج ماهية يتصف بالوجود كما ~~في الماهية والسواد ، على أن حلول الوجود في الماهية لا يلزم منه حلول ~~الموجود في المعدوم ، فإن الماهية لا يقيد الوجود ولا يلزم ان يكون معدومة ~~، فانه حينئذ يكون أخذنا للماهية أخذا للماهية لها مع قيد العدم ، وليس كذلك. PageV01P175 # وأيضا الوجود ليس بموجود ولا معدوم. # قوله : الموضوع والمحمول إن تغايرا كان حكما بوحدة الاثنين ، قلنا : ~~إنهما لا ms079 بد وأن يتحدا من وجه ويختلفا من وجه ووجه الاتحاد قد يكون أحد ~~الطرفين وقد يغايرهما. وقد أجابهم بعض الفضلاء بالضرب بالخشب ، فان لم ~~يحسوا به فقد خرجوا عن حيز الانسانية ، وإن أحسوا به وفرقوا بين حال الضرب ~~وعدمه اعترفوا بالقضايا العقلية. # وهذا ضعيف ، فان هؤلاء يعترفون بوجود الألم ولكن يقولون إنه يجوز أن يكون ~~هذا الذي أحسسناه خطأ كما في سائر أغلاط الحس. ### |||| ** مسألة : العقل عن الاوائل مشترك بين معاني : ### |||| ** أحدها : العقل العملي الذي للانسان ، وهو مقول بالاشتراك على القوة التي بها يكون ~~التمييز بين الأمور الحسنة والقبيحة وعلى المقدمات التي منها يستنبط الأمور ~~الحسنة والقبيحة [وفعل الأمور الحسنة والقبيحة] (1). ### |||| ** وثانيها : العقل العلمي ، وهو مقول بالاشتراك على الجوهر المستعد لقبول التعقلات وعلى ~~مراتب احواله مع التعقلات ، وهي اربع : ### |||| ** الأول : العقل الهيولاني (2)، وهو الذي من شأنه الاستعداد المحض. ### |||| ** والثانية : العقل بالملكة ، وهو الذي من شأنه حصول الضروريات (3). ### |||| ** والثالثة : العقل بالفعل ، وهو الذي من شأنه حصول النظريات لا على أنها PageV01P176 # حاصلة بالفعل بل بمعنى أنها بحيث متى شاء استحضرها. ### |||| ** والرابعة : العقل المستفاد ، وهو الذي حصلت فيه النظريات بالفعل وهو النهاية القصوى في ~~الكمال. # وثالثها : الموجود المجرد الذي لا علاقة له بالأجسام حلولا وتدبيرا. # وذهب أبو الحسن الأشعري الى أن العقل علوم خاصة (1)، والمعتزلة قالوا : # إن من تلك العلوم العلم بحسن الحسن وقبح القبيح. # والقاضي أبو بكر قال : إنه هو العلم بوجوب الواجبات واستحالة المستحيلات ~~ومجاري العادات. # وقال المجاشعي من الأشعري (2): هو غريزة يتوصل بها الى المعرفة ، ~~واستدلوا على ذلك بأنه لو لم يكن العقل من قبيل العلوم لا يفك احدهما عن ~~الآخر وهو باطل قطعا. # وهو ضعيف ، فإن عدم الانفكاك لا يستدعي الاتحاد. # والحق أن العقل غريزة يلزمها العلم بالقضايا البديهية عند سلامة الآلات. ### |||| ** مسألة : الاعتقاد الجازم إما أن يكون يقينيا أو لا يكون كالتقليد ، فاليقيني ~~يشترط فيه أن يكون لنقيضه احتمال ثبوت فيستحيل تحققه بدون هذا الشرط ~~استحالة ذاتية فاعتقاد الضدين محال لذاته. # اما التقليدي فإنه يمتنع اجتماعه مع الاعتقاد ms080 المضاد له لوجود الصارف. PageV01P177 # وذهب أبو علي الى أن اعتقادي الضدين يجب أن يتضادا ، وخالفه في ذلك أبو ~~هاشم أخيرا فزعم أن الذي باعتبار يقع تضاد الاعتقادات ليس الا النفي ~~والإثبات ، فاذا اعتقدنا الشيء على صفة كان مضادا لكونه لا على تلك الصفة ~~وليس مضادا لاعتقادنا أنه على صفة مضادة لتلك الصفة. PageV01P178 ### ||| ** البحث الخامس عشر في الظن # وهو نوع من الاعتقاد ، ووافق على ذلك أبو هاشم ، وهو قابل للشدة والضعف ~~وطرفاه الجهل والعلم. # وذهب أبو علي وأبو عبد الله وأبو إسحاق الى أنه جنس غير الاعتقاد ، وهو ~~الذي نصره قاضي القضاة. # واستدلوا على ذلك بأنه لو كان من قبيل الاعتقاد لوجب قبح الظنون أجمع ، ~~والتالي باطل فإن فيها ما هو حسن بل واجب فالمقدم مثله. # وبيان الشرطية أن هذا الاعتقاد لا يخلو إما أن يطابق معتقده أو لا ، ~~والثاني يلزم منه الجهل وهو قبيح ، لأن عند العلم بأن هذا الاعتقاد جهل ~~نعلم قبحه وإن لم نعلم شيئا سواه ، فالمؤثر في القبح هو الجهل كما في سائر ~~المقبحات ، والأول يلزم منه تجويز خلافه ، وإن كان مطابقا فيجب قبحه أيضا ، ~~لأنه لا فرق بين القطع على وجه القبح وبين تجويز ثبوت القبح ، فإذن لا خلاص ~~الا أن يكون الظن نوعا آخر مغايرا للاعتقاد. # وهذه الحجة عندي ضعيفة ، فإن الجهل ليس هو مطلق الاعتقاد الذي لا يكون ~~مطابقا بل الاعتقاد الجازم. # التفريع على قول أبي علي في مغايرة الظن للاعتقاد : فمن ذلك أنه يضاد ~~العلم إذا عاكس متعلقه ، مثل العلم بأن زيدا في الدار والظن أنه ليس فيها ، ~~ونحن ننازع في ذلك ، ولا يلزم من المنافات حصول الضدية ومن ذلك حصول التضاد ~~بين بعض أفراده والبعض الآخر كالظن بوجود زيد وعدمه. # ومن ذلك جواز تعلق الظن بالظن (1) كما نظن (2) خوف زيد والخوف ظن PageV01P179 # مخصوص فقد تعلق ظننا بذلك الظن المخصوص. # وأما تعلق الظن بظن الظان نفسه فإنما يكون فيما يتعلق بالمقتضي فيظن أنه ~~كان ظانا من قبل. # واعلم أن من الظن ما هو ms081 واجب كما في الأحكام الشرعية ، ومنه ما هو حسن ~~وهو ما إذا حصل للمكلف في فعله غرض ويخلو من جهات القبح كما في المعاملات ~~وامور نظام العالم ، وقد يكون قبيحا إذا خلا عن الإمارة الصحيحية وكما إذا ~~كان مكلفا بالعلم فلم يأت به وأتى بالظن. PageV01P180 ### ||| ** البحث السادس عشر في النظر # وهو ترتيب أمور ذهنية يتوصل منها الى آخر. # ومنهم من حده بأنه عبارة عن ترتيب تصديقات يتوصل بها الى تصديق آخر ، وهو ~~غير عام. # وآخرون حدوه بأنه عبارة عن تجريد العقل عن الغفلات وهو خطأ فانهم أخذوا ~~ما مع الشيء مكان الشيء. # وبعض المتأخرين قال : النظر عبارة عن مجموع علوم أربعة : العلم بصحة ~~المقدمات والعلم بصحة ترتيبها والعلم بلزوم اللازم عنها والعلم بأن ما لزم ~~عن الحق فهو حق. # وهو عندي خطأ ، فإن العلم باللزوم علم بنسبة مخصوصة بين المقدمات ~~والنتيجة فهي مسبوقة بالعلم بالنتيجة فلا يمكن جعله جزءا من علتها. # وآخرون قالوا : إنه عبارة عن تحديق العقل نحو المطلوب ، فان النظر بالعين ~~لما كان عبارة عن تحديق الحدقة نحو المرئي التماسا لرؤيته بالبصر ، فكذلك ~~النظر العقلي عبارة عن تحديق العقل نحو المطلوب التماسا لرؤيته بالبصيرة. # وهذا أيضا ضعيف والحق ما ذكرناه أولا. ### |||| ** مسألة : اختلف الناس في افادة النظر العلم ، والحق عندنا أن النظر متى وقع على ~~الوجه الصحيح أفاد العلم ، فإن من علم أن العالم متغير وأن كل متغير محدث ~~علم أن العالم محدث قطعا. # والسمنية أنكروا إفادته للعلم مطلقا (1)، وجمع من المهندسين أنكروا افادته PageV01P181 # في الأمور الالهية واعترفوا بها في الهندسية والحساب. # واحتجت السمنية بأن العلم بان الاعتقاد الحاصل بالنظر علم إن كان ضروريا ~~لزم اشتراك العقلاء وإن كان نظريا لزم التسلسل. # وأيضا العلم بإفادة النظر للعلم إن كان ضروريا لزم اشتراك العقلاء وإن ~~كان نظريا لزم إثبات الشيء بنفسه. # وأيضا المطلوب إن كان معلوما كان تحصيلا للحاصل والا كيف يعرف أنه مطلوبه ~~اذا وجده. # وأيضا الناظر قد ينكشف فساد نظره مع الجزم بصحته فكذا جاز (1) في جميع ms082 ~~الانظار. # وأيضا المستلزم للنتيجة إما مجموع المقدمتين أو كل واحدة منهما أو واحدة ~~منهما ، والكل باطل. # أما الأول فلأن المجموع لا تحقق له في الذهن ، فانا حال ما نوجه أذهاننا ~~الى مطلوب معين استحال منا توجهه نحو مطلوب آخر. # أما الثاني فلأنا نعلم قطعا أنه لا تأثير لواحدة من المقدمات في الانتاج ~~، وأيضا يلزم اجتماع المؤثرات المستقلة على الأثر الواحد. # وأما الثالث فباطل بما مر. # واحتج المنكرون لإفادته في الإلهيات بأن الانسان قد يعجز عن العلم بأقرب ~~الأشياء إليه كنفسه ، فكيف حال الأمور الإلهية مع غيبوبتها عن الحس. # والجواب عن الأول أنه ضروري ولا يجب اشتراك العقلاء في ذلك لما بينا في PageV01P182 # القاعدة السالفة ، وهذا بعينه جواب عن الثاني. # وقد أجاب بعضهم بمعارضة وحل ، أما المعارضة فقالوا : العلم بكون النظر ~~غير مفيد للعلم ، إن كان ضروريا لزم اشتراك العقلاء ، وإن كان نظريا لزم ~~إبطال الشيء بنفسه وهو محال. # وأما الحل فهو أن إثبات الشيء بنفسه ممكن كالعلم الذي يعلم به نفسه ويعلم ~~به سائر الأشياء ، وأما إبطال الشيء بنفسه فهو محال والمعارضة حسنة آتية ~~على جميع شبههم والحل خطأ والقياس على العلم فاسد. # والجواب عن الثالث أن المطلوب إن كان تصوريا كان المعلوم منه التصور ببعض ~~اعتباراته والمجهول هو ذاته ، فيصح توجه العلم بذلك المجهول لكونه ملتفتا ~~إليه بالاعتبار المعلوم ، وإذا وجده عرف أنه مطلوبه بذلك الاعتبار أيضا وإن ~~كان تصديقا (1) كان معلوما من حيث التصور مجهولا من حيث النسبة. # ولقد أورد بعض تلامذة سقراط عليه هذا الإشكال ولم يجبه الا بإيضاح شكل ~~هندسي وأوضح له صحته ولم يأت به (2) على ذلك بحل ، وأرسطاطاليس أجاب بما ~~ذكرناه. # والجواب عن الرابع أن الأنظار التي نحكم بفسادها إنما يكون لأجل خلل واقع ~~إما في المقدمات أو في الترتيب ، أما على تقدير الصحة فلا. # والجواب عن الخامس أن المقدمتين يصح اجتماعهما في الذهن والا لزم أن لا ~~يكون عالمين دائما الا بشيء واحد وينتقض بالقضية الشرطية. # والجواب عن السادس أنه يدل على الصعوبة ms083 لا على الامتناع. PageV01P183 ### |||| ** مسألة : ذهبت الأشعرية الى أن النظر لا يولد العلم (1) وإنما يحصل عقيبه العلم ~~بالعادة ، وذهبت المعتزلة الى أنه يولده وهو مذهب السيد مرتضى والشيخ أبي ~~جعفر من أصحابنا (2). # ونقل عن القاضي أبي بكر الباقلاني وإمام الحرمين أنهما قالا (3): ~~باستلزام النظر للعلم على سبيل الوجوب لا بكون النظر علة ولا مولدا. # ومذهب الأوائل أن النظر سبب معد لحصول العلم من المبدأ الفياض. # احتجت الأشعرية بأن كل حادث فهو مستند الى الله تعالى على ما يأتي فالعلم كذلك. # وكلية القضية عندنا كاذبة وسيأتي. # احتجت المعتزلة بأن العلم يجب وقوعه عند النظر الصحيح في الدلالة وبحسبه ~~، ومعنى قولهم : إنه يقع بحسبه أنه يحصل العلم بالمدلول الذي يطلبه بالنظر ~~في دليله ، ولأنه يكثر بكثرته ويقل بقلته فيكون متولدا عنه. # أما الصغرى فاستدلوا عليها بالوجدان ، فانا نعلم أن النظر متى حصل حصل ~~العلم قطعا ومتى لم يحصل لم يوجد العلم. # وأما الكبرى فبالقياس على سائر الأسباب والمسببات. # وهذه الحجة عندي ضعيفة ، فان حصول الشيء عقيب غيره لا يدل على PageV01P184 # العلية. # والأشعرية قاسوا النظر على التذكر ، والمعتزلة فرقوا بينهما بأن التذكر ~~ربما يحصل من غير قصد المتذكر بخلاف النظر ، فإن صح هذا الفرق بطل القياس ~~والا منعوا الحكم في الأصل. # وأما القائلون بالوجوب ، فانهم قالوا : نجد أنا متى علمنا المقدمتين ~~علمنا النتيجة قطعا على سبيل اللزوم لا على مجرى العادة التي يمكن عدم ~~وقوعها ، والتوليد باطل بما مر. # ولقائل أن يقول : لم قلتم إنه ليس على سبيل مجرى العادة ، وما ذكرتموه من ~~الوجدان انما دل على الحصول عقيب النظر أما على وجوبه فلا؟ ### |||| ** مسألة : النظر الصحيح في الأمارة هل يولد الظن أم لا. # ذهب الملاحمي الى توليده لما ذكر في النظر الصحيح في الدليل ، فانا كما ~~نجد من انفسنا أنا متى نظرنا في الدليل حصل لنا العلم كذلك نجد من أنفسنا ~~إنا متى نظرنا في الأمارة حصل لنا الظن. # وذهب قاضي القضاة الى أنه لا يولده وانما يختاره الناظر عنده. # واستدل بأنه لو ms084 كان النظر في الأمارة يولد الظن لما اختلف الناظرون في ~~أمارة واحدة على حد واحد في حصول الظن وعدمه ، والتالي باطل فالمقدم مثله ~~والشرطية ظاهرة. # وبيان بطلان التالي أن الناظرين في أمارات الشرع يختلفون في مدلولاتها. # والجواب لا نسلم تساويهم في النظر في الأمارة ، فان كلا منهم يعتقد أن ~~أمارته أقوى ولو كانت الأمارة واحدة لاتفقوا في حصول الظن. ### |||| ** مسألة : النظر الفاسد لا يولد الجهل عند جماهير المعتزلة والأشاعرة كافة ، PageV01P185 # وذهب آخرون الى أنه يستلزمه (1). # واحتج الأولون بأن النظر في الشبهة لو استلزم الجهل لكان نظر المحق في ~~شبهة المبطل مولدا للجهل ، والتالي باطل قطعا فالمقدم مثله. # وبيان الشرطية أن عند حصول الأسباب وتكامل الشروط يجب المسبب ، وهذه ~~الحجة ذكرها أبو عبد الله لابي علي بن خلاد وارتضاها. # وهي عندي ضعيفة ، لأن شرط توليد النظر اعتقاد حقية مقدماته ، فإن المبطل ~~الناظر في دليل المحق لا يحصل له العلم لعدم الشرط. # واحتج الآخرون بأن من اعتقد أن العالم قديم وأن القديم مستغن عن المؤثر ~~يعتقد قطعا أن العالم مستغن عن المؤثر. # والجواب إن أردتم باستلزام الفاسد للجهل دائما فهو ممنوع قطعا. وإن أردتم ~~أنه يستلزمه في بعض الأحوال فهو مسلم ولكن لا يصح الحكم عليه بالاستلزام مطلقا. # وقد قيل : إن النظر إن فسد من قبل المادة استلزم الجهل ، وإن فسد من جهة ~~الصورة لا يستلزم. # والاخير حق ، والأول عندي فيه نظر ، فان المادة يفسد ولا يستلزم الجهل ~~كمن اعتقد أن كل إنسان حجر وأن كل حجر ناطق فان هذين الجهلين يستلزمان كل ~~إنسان ناطق وليس بجهل. ### |||| ** مسألة : شرط النظر عدم العلم والا لزم تحصيل الحاصل. # فإن قلت : العالم بالشيء قد يستدل عليه بدليل ثان. # قلت : المطلوب من الدليل الثاني (2) ليس هو المدلول بل الدلالة (3)، وفي هذا PageV01P186 # بحث ، ويشترط فيه عدم الجهل المركب ، فإن المعتقد لا ينظر وامتناع ~~الاجتماع للذات لأن الناظر يجب أن يكون شاكا والجزم مع الشك مما يتنافيان ~~لذاتيهما ، وهذا مذهب أبي هاشم. # وذهب الأوائل الى أن امتناع الاجتماع ms085 للصارف ، قالوا : لأن النظر قد يوجد ~~لا مع الشك لأن كثيرا من الناس يتعلمون من غير ان يسبق الشك الى أوهامهم ، ~~وهو مذهب القاضي (1)، فانه جوز النظر مع الظن ، وأبو عبد الله جوز النظر ~~مع القطع اذا لم يكن القطع علما. ### |||| ** مسألة : ذكر قاضي القضاة أن النظر منه مختلف ومتماثل ، فالمختلف ما يغاير متعلقه ~~، فان تغاير المتعلقات تستلزم اختلاف المتعلقات والمتماثل ما يتحد متعلقه ، ~~وهذا بناء منه على أن النظر جنس بانفراده من أفعال القلوب وأنها معان وذوات. # ونحن عندنا أن النظر ترتيب مقدمات فهو من جملة الأفعال (2)، فإن عني ~~بالمتماثل أن استدلال زيد بمقدمات تماثل استدلال عمرو بتلك المقدمات مع ~~اتحاد الترتيب فهو مسلم ، وإن عني بالاختلاف أن الاستدلال بدليل على مطلوب ~~يخالف الاستدلال بدليل آخر على مدلول آخر فهو مسلم ، وغير هذا التفسير نحن ~~فيه من وراء المنع. ### |||| ** تذنيب : ذكر القاضي (3) عن أبي علي أن المختلف من النظر متضاد ، لامتناع اجتماع ~~نظرين دفعة ، وعن أبي هاشم أنها غير متضادة ، لأن النظرين يتعلقان بشيئين ، ~~ومن شرط التضاد في المتعلقات اتحاد المتعلق وتعلق كل من المتعلقين على عكس ~~ما تعلق به الآخر ، وامتناع الاجتماع لامتناع الداعي إليهما دفعة ، فانا متى PageV01P187 # فرغنا أذهاننا للتوجه الى مطلوب والاستدلال عليه بمقدمات معينة تعذر ~~علينا توجهه نحو آخر. ### |||| ** مسألة : ذهب أبو علي الى أن النظر كله حسن الا ان يكون مفسدة أو يقصد به فاعله ~~وجه فساد. # وذهب أبو هاشم الى أنه كله حسن الا ان يكون مفسدة ، واما القصد فلا يؤثر ~~في القبح نعم القصد قبيح وهذا كما في رد الوديعة فانها إذا قصد بها الخديعة ~~كان القصد قبيحا والرد حسنا. # وصار القاضي الى مذهب أبي هاشم ، فانه قال : النظر طريق الى الكشف وكل ~~استكشاف حسن وبالقصد القبيح لا يخرج عن هذا الوجه الا أنه فعل من أفعال ~~المكلف متى كان مفسدة كان قبيحا ، وكذلك النظر الذي ليس بواجب إذا منع من ~~النظر الواجب كان قبيحا. ومحمود أوجب القبح فيما يكون مفسدة وفيما ms086 يمنع من ~~الواجب وفيما يقصد به الفساد ، قال : ان وضع الشبه لإضلال (1) الناس قبيح قطعا. # ثم قال : النظر اذا كان مفسدة انما كان قبيحا لأنه يؤدي الى القبيح ~~والإخلال بالواجب ، وهذا المعنى قائم في النظر إذا قصد به المفسدة ، فإن ~~وضع الشبه داع الى القبيح لأنه يتمكن به من الإضلال (2) ومنع حسن رد ~~الوديعة قال : إن العقلاء متى عرفوا وجه الرد ذموه فدل على قبحه وإن كان ~~الواجب يسقط به. ### |||| ** مسألة : النظر واجب ، وخالف فيه الحشوية (3). PageV01P188 # لنا أن النظر دافع للخوف الحاصل من الاختلاف فيكون واجبا. # وأيضا معرفة الله تعالى واجبة لكونها دافعة للخوف الحاصل من الاختلاف ولا ~~تتم الا بالنظر فيكون واجبا. ### |||| ** فان قيل : لا نسلم أن النظر دافع للخوف مطلقا ، فان الخوف كما يكون بسبب الإهمال يكون ~~بسبب النظر ، فإن الناظر ربما يخطر له أنه ملك الغير وأن اشتغاله بالنظر ~~تصرف في ملك الغير بغير إذنه فيكون معاقبا. # قلنا : لا نسلم ، وبيانه من وجوه : ### |||| ** احدها : أن إيجابها إما أن يكون على العارف أو لا والقسمان باطلان ، أما الأول ~~فلأنه يلزم منه تحصيل الحاصل أو الجمع بين المثلين ، أما الثاني فلأنه يلزم ~~منه تكليف ما لا يطاق لأن معرفة الايجاب يتوقف على معرفة الموجب. ### |||| ** الثاني : أنا نعلم من دين النبي عليه السلام أنه اذا أتاه الأعرابي أمره بالشهادة من ~~دون تكليف المعرفة المتوقفة على النظر الدقيق. ### |||| ** الثالث : العلم غير مقدور ، لأن الضروريات من فعله تعالى والنظريات لازمة لها ~~لذواتها ، سلمنا أنها واجبة لكن لا نسلم أنها لا تتم الا بالنظر ، فإن ~~المعارف قد تحصل بتصفية الخاطر والإلهام وقول المعلم. # سلمنا لكن لا نسلم أن ما لا يتم الواجب الا به فهو واجب ، فإن النظر واجب ~~ولا يتم الا بالجهل فيكون الجهل واجبا. # فالجواب العقلاء يلتجئون الى النظر عند الحيرة والخوف من غير خطور ما ~~ذكرتموه. # قوله : معرفة الايجاب تتوقف على معرفة الموجب ، قلنا : لا نسلم فإن العاقل PageV01P189 # يجد من نفسه العلم بوجوب دفع الضرر وأن معرفة الله تعالى هي ms087 الدافعة ~~فيحصل له اعتقاد وجوبها. # وهذا الايراد انما يرد على الاشاعرة القائلين بكون الوجوب مستفادا من السمع. # قوله : المعلوم من الدين عدم التكليف بالمعرفة ، قلنا : لا نسلم وكيف لا ~~والقرآن دال على وجوب المعرفة والنظر ، وحكم النبي عليه السلام غير دال على ~~عدم وجوب النظر فان الحكم بالاسلام لا يستلزم الحكم بالايمان كما في قوله ~~تعالى : ( @QUR@09 قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ) (1). # قوله : العلم غير مقدور ، قلنا : ممنوع ، فإن النظريات إنما تحصل بواسطة ~~الترتيب المفعول باختيارنا (2). # قوله : لا نسلم عدم انحصار الطريق في النظر ، قلنا : لما بينا من أن ~~العقلاء عند وقوعهم في الحيرة يلتجئون إليه من غير التفات الى طريق آخر ، ~~وقول المعلم لا بد فيه من نظر ، قوله : لمنع وجوب ما لا يتم الواجب الا به ~~، قلنا : لو لم يجب لزم تكليف ما لا يطاق ، تقرير هذا ذكرناه في اصول الفقه ~~، والمعارضة غير آتية هاهنا ، فإن النظر ليس بواجب على الإطلاق بل بشرط ~~حصول الجهل ، والوجوب إذا توقف على شرط لا يلزم منه وجوب الشرط. ### |||| ** تذنيب : الحق عندنا أن وجوب النظر عقلي لما بينا من الدليل العقلي الدال على ~~وجوبه ، ولا يجوز أن يكون السمع هو الطريق الى وجوبه والا لزم منه إفحام ~~(3) الأنبياء. PageV01P190 # وخالف في ذلك الأشاعرة مستدلين بالعقل والنقل. # أما العقل فهو أنه لو وجب لوجب إما لفائدة أو لا لفائدة ، والثاني عبث ، ~~والأول إما أن يكون الفائدة فيه عاجلة أو آجلة ، والأول باطل لأن الحاصل ~~عاجلا إنما هو التعب ، والثاني باطل لأن حصول تلك الفائدة ممكن من دون ~~النظر ، فتوسط وجوب النظر عبث. # وهذه اقوى شبههم النافية للوجوب العقلي الذي تدعيه المعتزلة في أكثر ~~الواجبات. # وأما النقلي فقوله تعالى : ( @QUR@06 وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) ~~(1) نفي التعذيب من دون البعثة فلو وجب شيء بالعقل لحصل العذاب وإن لم يوجد ~~الرسول. # ثم عارضونا بما أبطلنا به مذهبهم فقالوا : إن وجوب النظر وإن كان عقليا ~~عندكم الا أنه نظري ويلزم من ذلك الإفحام. # والجواب ms088 أن الوجوب لا بد له من فائدة آجلة هي تحصيل الثواب ، قوله : إنه ~~ممكن من دون النظر ، قلنا : لا نسلم فان الثواب انما يكون بواسطة العمل. # وأما الآية فلها تأويلان : أحدهما أن المراد من الرسول (2) العقل ، ~~الثاني أن (3) المراد : وما كنا معذبين على الواجبات السمعية حتى يبعث رسولا. # وطريق الخلاص عن المعارضة أن وجوب النظر وإن كان نظريا الا أنه فطري ~~القياس ، وقد أوضحنا ذلك في كتاب «معارج الفهم» (4). PageV01P191 ### |||| ** تذنيب : إنه وإن وقع الاتفاق على وجوبه لكن اختلف في أوليته ، فذهبت المعتزلة ~~إليه وهو منقول عن ابي اسحاق. # وذهب الأشعري الى أن أول الواجبات هو العلم. # ونقل عن امام الحرمين أن أول الواجبات هو القصد الى النظر. # وذهب أبو هاشم الى أن اول الواجبات هو الشك (1). # والحق عندي أن أول الواجبات هو المعرفة إن عني بالأولية ما يجب بالذات ~~والا فهو القصد الى النظر ، وقول ابي هاشم سخيف. # وهذا الكتاب لم يطبع الى الآن حسب معلوماتنا. PageV01P192 ### ||| ** خاتمة : تشمل على الكلام في الدليل ### ||| ** وفيه مقاصد : ### ||| ** الأول # الدليل هو الذي يلزم من العلم به العلم بالشيء. # والأمارة هي التي يلزم من العلم بها ظن وجود الشيء ، ولا بد في كل دليل ~~من مقدمتين لاستحالة كون المقدمة دليلا على نفسها ، فالمقدمتان إما عقليتان ~~وإما أن يكون إحداهما عقلية والاخرى سمعية ، ولا يجوز أن يكون الدليل مركبا ~~من السمعي المحض فان إحدى المقدمات كون النبي صادقا وهو لا يستفاد من السمع ~~والا لزم الدور. # وقد قيل : إن اللفظي لا يفيد اليقين لتوقفه على نقل اللغة والنحو ~~والتصريف وعدم الاشتراك والمجاز والاضمار والتخصيص والنسخ والتقديم ~~والتأخير والمعارض العقلي ، وقد يقترن بالأدلة اللفظية من القرائن ما يعلم ~~معها عدم هذه المحاذير. # واعلم أن كل ما يتوقف على صدق الرسول لم يجز إثباته بالنقل وكل ما يجوز ~~العقل وجوده وعدمه لم يجز إثباته بالعقل ، وما عدا هذين امكن اثباته بهما. ### |||| ** مسألة : لا تكفي المقدمتان في الإنتاج ما لم تتركبا على هيئة مخصوصة والا لزم ~~حصول العلوم النظرية ms089 بأسرها ، إذ لا مستند لها الا الضروري الحاصل عند ~~العاقل ، وليس كذلك ، والمراد من تلك الهيئة التفطن لاندراج الأصغر تحت ~~الأوسط حتى يثبت له ما يثبت للأوسط. # وما قيل : من أن الاندراج إن كان مغايرا فلا بد من اندراج آخر ويتسلسل ، ~~وان لم يكن مغايرا استحال اشتراطه ، فهو خطأ ، لأنه لا يلزم من المغايرة حصول PageV01P193 # اندراج آخر ، لأن الاندراج إنما يكون للمقدمات لا للأجزاء الصورية. # وعن أبي الحسين أن المنتج هو المقدمة الكلية بشرط حصول المقدمة الجزئية. ### |||| ** مسألة : ذهب كثير من المتكلمين الى أن العلم بوجه دلالة الدليل على المدلول هو ~~عين العلم بالمدلول ، قالوا : لأنا اذا استدللنا بوجود ما سوى الله تعالى ~~على وجوده فلا يجوز أن يكون وجه دلالة وجود ما سوى الله تعالى على وجوده ~~مغايرا لهما ، فان المغاير لوجوده داخل في وجود ما سواه والمغاير لوجود ما ~~سواه هو وجوده فقط. # والحق خلاف ما ذكروه ، وأن هاهنا أمور ثلاثة : العلم بالدليل والعلم ~~بالمدلول والعلم بالدلالة ، فهي إضافة معينة متأخرة عن العلم بالمضافين ، ~~وشبههم ساقطة بالكلية ، فإن المغايرة الذهنية لا تستدعي المغايرة الخارجية. PageV01P194 ### ||| ** المقصد الثاني في تقسيم الادلة # الاستدلال قد يكون بالعلة على المعلول ويسمى برهان لم ، وقد يكون بالعكس ~~، وقد يكون بأحد المعلولين على الآخر ويشملهما برهان إن ، ويختص الاول ~~منهما باسم الدليل. # والأول أقوى ، لاستلزام العلم بالعلة العلم بالمعلول المعين ، ولا يستلزم ~~العلم بالمعلول العلم بالعلة المعينة ، والأخير مركب من الأولين. ### |||| ** مسألة : الاستدلال قد يكون بالعام على الخاص ، وقد يكون بالعكس ، وقد يكون بأحد ~~المتساويين على الآخر ، والأول القياس ، والثاني الاستقراء ، والثالث ~~التمثيل وهو مركب من الأولين. # والقياس منه اقتراني ومنه استثنائي. # والأول على أربعة أقسام ، لأن الأوسط إن كان محمولا في الصغرى موضوعا في ~~الكبرى فهو الأول ، وعكسه الرابع ، فإن كان محمولا فيهما فهو الثاني ، وان ~~كان موضوعا فيهما فهو الثالث. # ويشترط في الأول ايجاب الصغرى وكلية الكبرى ، فضروبه الناتجة أربعة ، لأن ~~الثابت لكل شيء أو المنفي عنه الثابت لكل غيره أو بعضه ثابت ms090 لكل ذلك الغير ~~او لبعضه او منتف عنهما. # ويشترط في الثاني الاختلاف بالكيف مع كلية الكبرى ، وعدم استعمال الممكنة ~~الا مع الضرورية (1)، ودوام احدى المقدمتين أو كون الكبرى من القضايا ~~المنعكسة السوالب ، وضروبه أيضا أربعة بحسب الكيف والكم ، لأن الثابت لكل ~~شيء أو المسلوب عنه إذا كان ثابتا لغيره أو مسلوبا عنه ، كان بين ذلك الشيء PageV01P195 # والغير مباينة كلية او جزئية. # ويشترط في الثالث إيجاب الصغرى وكلية إحداهما ، وضروبه ستة ، فإن الشيء ~~إذا ثبت له وصف ثبوتا كليا أو جزئيا وثبت له آخر أو انتفى عنه كذلك ، كان ~~بين الوصفين مباينة أو ملاقاة جزئيتان. # ويشترط في الرابع عدم اجتماع الخستين إلا إذا كانت الصغرى موجبة جزئية ، ~~وان لا يستعمل الصغرى الموجبة الجزئية الا مع الكبرى السالبة الكلية ~~وفعليتهما وانعكاس السالبة فيه ، ودوام السالبة الصغرى في الثالث أو كون ~~الكبرى من المنعكسة سلبا. # وضروبه بحسب الكيف والكم خمسة ، فان الثابت لكل شيء أو لبعضه أو المسلوب ~~عن كله إذا ثبت لكله شيء أو لبعضه أو سلب عن كله ، كان بين الشيئين ملاقاة ~~أو مباينة جزئيتان (1) أو مباينة كلية. # والاستثنائي مركب من شرطية ووضع لأحد طرفيها أو رفع. # فالمتصلة يشترط فيها اللزوم وكليتها أو كلية الاستثناء أو اتحاد الوقتين ~~، وينتج باستثناء عين مقدمها عين تاليها وباستثناء نقيض تاليها نقيض مقدمها ~~، وعكساهما عقيمان لجواز عمومية اللازم للملزوم وغيره ولا يلزم من رفع ~~الخاص ولا من وضع العام شيء. # والمنفصلة الحقيقية ينتج باستثناء اي جزء كان منهما نقيض الاخر لاستحالة ~~الجمع ، وباستثناء نقيض أيهما كان عين الآخر لاستحالة الخلو ، والمانعة ~~الجمع تنتج باستثناء عين أيهما كان نقيض الآخر ولا ينتج باستثناء النقيض ، ~~ومانعة الخلو بالعكس ، فهذا بيان إجمالي ، واما التفصيلي فقد ذكرناه في ~~كتاب الأسرار (2). PageV01P196 ### ||| ** المقصد الثالث في ذكر أدلة فاسدة اعتمد عليها المتكلمون # فمنها الاستقراء ، وهو عبارة عن ثبوت الحكم في كلي لثبوته في أكثر ~~جزئياته ، كمن يحكم أن كل حيوان يحرك فكه الأسفل لما استقرأه من أحوال ~~الناس والدواب ، وجائز أن يكون ms091 ما لم يستقرأ بخلاف ما استقرئ ، فإن عمموا ~~الجزئيات فهو استقراء تام يصح الاستدلال به في البراهين. # ومنها التمثيل ، وهو دعوى ثبوت الحكم في جزئي لثبوته في الآخر ، ويسمونه ~~القياس واركانه أربعة (1): الأصل والفرع والعلة والحكم ونوع منه يسمى قياس ~~الغائب على الشاهد ، وكثيرا ما يستدل به البصريون على مطالبهم ويستدلون على ~~علية العلة التي لهم تارة بالدوران وتارة بالسبر والتقسيم (2). # وليس هو عندنا من الدلائل الحقة ، والدوران ضعيف فان كثيرا من المدارات ~~ليست عللا للدائر معها كأجزاء العلل وشروطها وأحد المتضايفين مع الآخر ، ~~والسبر والتقسيم ضعيف أيضا ، فإنه مبني على أن الحكم معلل وليس يجب تعليل ~~كل حكم والا لزم التسلسل ، وعلى ثبوت (3) الحصر ، وعلى أن العلة ليست مركبة ~~من قسمين من أقسامهم التي ذكروها أو ليست جزئي أحدها ، وعلى حصول الشرائط ~~التي وجدت في الأصل ، وعلى ارتفاع الموانع التي يمكن وجودها في الفرع. PageV01P197 # ومنها الاستدلال بعدم الدليل على العدم قالوا : لأنه لو لم يلزم من نفي ~~الدليل نفي الشيء لزم القدح في العلوم الضرورية ، لجواز أن يقال : إن بين ~~أيدينا جبالا وأنهارا ونحن لا نعلمها لأن الله تعالى خلق في أعيننا مانعا ~~من إدراكها ، والقدح في العلوم (1) النظرية ، لأنه متى استفيد علم نظري ~~بدليل لم يبعد في العقل وجود معارضة قادحة في إحدى مقدماته ، وأيضا لو جاز ~~إثبات ما لا دليل عليه لجاز إثبات ما لا نهاية له. # والشبهتان رديتان والمطلوب فاسد. # أما الأول فلأن العلم بعدم الجبل بحضرتنا إن توقف على العلم بانتفاء ما ~~لا دليل عليه كان نظريا ، وإن لم يتوقف جاز حصوله حال الجهل بأن ما لا دليل ~~عليه يجب نفيه. # وأما العلوم النظرية ، فإنما يحصل العلم عقيب المقدمات عند العلم البديهي ~~بتلك المقدمات أو العلم اللازم للعلم البديهي بها لزوما بديهيا لا عند عدم ~~العلم بفساد المقدمات. # وأما الثانية فباطلة ، لأنه لا يلزم من تجويز إثبات ما لا دليل عليه ~~بالثبوت ولا بالانتفاء إثبات ما لا نهاية له ، لقيام الدليل على امتناعه. # وأما فساد ms092 المطلوب فلانا نقول : إن عنيتم أنه يلزم من عدم الدليل عندكم ~~عدم المدلول فباطل قطعا وإلا لكان الجهال أكثر علما من العلماء! وإن عنيتم ~~أنه يلزم من عدم الدليل في نفس الأمر عدم المدلول ، فلم قلتم أنه في نفس ~~الامر الدليل ليس بثابت؟ # على أنا نقول على سبيل المعارضة : لو دل عدم دليل الثبوت على النفي ، لدل ~~عدم دليل النفي على الثبوت ، فالشيء الذي تردد الذهن في إثباته ونفيه إذا ~~لم يظفر بما PageV01P198 # يدل على أحدهما يلزم أن يكون ثابتا منتفيا (1) معا هذا خلف. # ومنها الاستدلال بعدم الأولوية على مطلوبهم الإيجابي والسلبي ، كما ~~يقولون في طرف الإيجاب : الله تعالى قادر على بعض الممكنات ببراهينهم فيجب ~~ان يكون قادرا على الجميع ، لأنه ليس عدد أولى من عدد ، فإما أن لا يقدر ~~على شيء اصلا أو يقدر على الجميع ، وكما يقولون في طرف الانتفاء : قد ثبت ~~وجود واجب الوجود فلو جاز إثبات آخر لم يكن عدد أولى من عدد ، فإما أن لا ~~يثبت شيء من الأعداد وهو المطلوب ، أو يثبت ما لا نهاية له وهو محال. # وهذه المقدمة فاسدة جدا ، فإنا نقول : إن عنيتم بعدم الأولوية عدم العلم ~~بها فلم قلتم إنه يلزم من عدم العلم بالأولوية عدمها؟ وإن عنيتم عدم ~~الأولوية في نفس الأمر طالبناكم بالحجة عليه. PageV01P199 ### ||| ** البحث السابع عشر في الإرادة والكراهة # الحق عندي أن الإرادة والكراهة أمران زائدان على الاعتقاد في حقنا ، فإنا ~~نعتقد ثم نريد وهذا أمر وجداني ، أما في حق واجب الوجود ففيه نظر ، وهي ~~مغايرة للشهوة ، فإنا قد نريد تناول الدواء ولا نشتهيه ونشتهي ما لا نريد. ### |||| ** مسألة : قسم بعض معتزلة البصرة الإرادة الى قسمين : # منها ما لا متعلق لها ، ومنها ما لها متعلق. # وجعل القسم الثاني هو ما يمكن حدوثه ، والأول هو الذي لا يمكن حدوثه أصلا ~~كالبقاء وغيره ، فإن إرادته إرادة لا متعلق لها ولا تصير متعلقة لأجل ~~اعتقاد المريد صحة حدوث البقاء ، لأن ما لا متعلق له كيف يصير متعلقا في ~~الحقيقة لمكان ms093 اعتقاد المعتقد؟ # وربما خالف أبو هاشم في ذلك فقال : اذا اعتقد المريد صحة حدوث البقاء صحت ~~ارادته ، وهذا عندي هو الحق. ### |||| ** مسألة : ذهب جماعة من المعتزلة الى أن الإرادة انما تتعلق بالأحداث فلا تتعداه ~~(1)، وجوز أبو عبد الله تعلقها بالمتجددات من الصفات. # وذهب (2) المجبرة الى أنها متعلقة بالاعدام. # استدل الأولون بأنها لو تعدت في تعلقها طريقة الاحداث لم ينحصر متعلقها ~~والتالي باطل فالمقدم مثله. # وبيان الشرطية عدم الأولوية ، فإنه لا متعلق حينئذ أولى من غيره. PageV01P200 # وبيان بطلان التالي أن الماضي والباقي غير مرادين ، وأيضا (1) الاعتقاد ~~لا ينحصر متعلقه فكذلك الإرادة على هذا التقدير ، والجامع كون كل واحد ~~منهما قد تعدى في التعلق عن الوجه الواحد. # والجواب عن الأول المنع من صحة الشرطية ، وما ذكروه من عدم الأولوية فقد ~~أسلفنا ضعف التمسك به ، والقياس على الاعتقاد ضعيف مع قيام الفارق. # والأولى عندي صحة تعلق الإرادة بكل متجدد سواء كان وجوديا أو عدميا. ### |||| ** مسألة : لما كان كل متجدد يصح تعلق الإرادة به والإرادة من جملة المتجددات صح ~~تعلق الإرادة بها ، وهو مذهب لأبي علي ، والمحكي عن أبي القاسم المنع والا ~~لزم التسلسل. # والإلزام فاسد ، فإن التسلسل لازم على تقدير وجوب إرادة الإرادة ، أما ~~على تقدير الصحة فلا. # وهل تراد الإرادة بنفسها أم بغيرها (2)؟ الأولى هو الأخير والا لتعلقت ~~الإرادة بشيئين على وجه التفصيل وهو عندهم ممنوع لأنه لا مرادان الا ويصح ~~أن يراد أحدهما دون الآخر ، وفي هذا نظر. ### |||| ** مسألة : قالوا : الإرادة منها ما هو متماثل ومنها ما هو مختلف ، وشرطوا في ~~التماثل اتحاد المتعلق في الوقت والوجه والطريقة. # واستدلوا على تماثل ما اجتمع فيه هذه الشرائط بأن موجبها متماثل وتماثل ~~المعلول يستلزم تماثل العلل ، ولأن الكراهة الواحدة تضاد كلا منهما والشيء الواحد PageV01P201 # لا يضاد الا مثلين أو ضدين ، فأما المختلفان فلا يضادهما شيء واحد. # والحجتان رديتان ، فان الحق عندنا أن التماثل في المعلول لا يستلزم ~~التماثل في العلل ولم يتضح لنا أن الواحد لا يضاد المختلفين ، فسيأتي لهذين ~~زيادة تقرير. # قال ms094 المجوزون لاجتماع الأمثال : أنه لا استحالة في اجتماع إرادات متماثلة ~~في محل واحد ، ولكن لا تأثير لهذه الزيادة فيما يؤثر فيه ، لأنا حال ~~إخبارنا عن زيد بإرادة واحدة وبإرادات لا نجد تفرقة من حيث إن الحكم الجزئي ~~لا يتزايد ، نعم قد يكون للزيادة حظ في المنع فان القديم تعالى لو حاول ~~ايجاد (1) كراهة واحدة وقد فعلنا إرادات كثيرة ، لم يكن مراده أحق بالوجود ~~، وأما المختلف من الإرادات فهو ما فقد أحد الشرائط السالفة ، وذلك بأن ~~يتغاير المتعلق أو الوقت أو الوجه كما يريد أحدهما حدوث الشيء والآخر يريد ~~حدوثه على وجه أو الطريقة ، كما يريد أحدهما الشيء مجملا والآخر مفصلا. # ولا تضاد في الإرادة على رأي جماعة ، وهو مذهب ابي هاشم اخيرا ، وذهب أبو ~~علي الى تضاد ارادتي الضدين. # استدل الفريق الأول بأن من شرط التضاد في المتعلقات اتحاد متعلقها وتعلق ~~كل واحد من المتعلقين على عكس ما تعلق به الآخر ، واذا كان تعلق الإرادة لا ~~يكون الا على وجه واحد فلو أن هاتين الارادتين تعلقتا بمتعلق واحد لكانا ~~مثلين لا ضدين. # واستدل الآخرون بأن إرادة الحركة ترجيح لوجودها وإرادة السكون ترجيح ~~لوجوده ، فكما أنهما متقابلان لذاتيهما فكذلك إرادتهما. # واتفق الفريقان على أن الكراهة ضد الإرادة لحصول المنافاة بينهما. # ومن قال إن إرادة الشيء هي كراهة ضده ، خطأ ، فإن الشيء قد يراد حال PageV01P202 # الغفلة عن الضد ، نعم إرادة الشيء يلزمها كراهة الضد بشرط اعتبار الضد ، ~~فالخطأ نشأ من أخذ لازم الشيء مكان الشيء. # وأثبت أبو القاسم السهو معنى يضاد الإرادة. # وردوا عليه بأن القدرة على أحد الضدين يستلزم القدرة على الضد الآخر ، ~~فوجب ان يكون قادرين على السهو كما كنا قادرين على الإرادة. # وجعل أبو علي الأعراض ضدا ثالثا للإرادة والكراهة. # وردوا عليه بأن الأعراض لو كان معنى لوجب أن يتوصل إليه بصفة صادرة عنه ~~أو حكم صادر عنه ، ومعلوم انتفاء ذلك فوجب نفيه. # والدعاوى بعيدة والحجج ضعيفة والردود مختلفة. ### |||| ** مسألة : ذهب جماعة الى امتناع بقاء الإرادة ، وهو مذهب السيد ms095 المرتضى والشيخ أبو ~~جعفر (1)، واستدلوا بأنها لو كانت باقية لزم أحد الأمرين وهو إما دوامها ~~أو عدمها لا بطريان الضد ، والتالي باطل بقسميه فالمقدم مثله. # بيان الشرطية أنها إن بقيت دائما لزم أحد الامرين ، وإن عدمت فعدمها إما ~~بطريان الضد أو لا ، والأول باطل والا لزم أن لا يخرج أحدنا من الإرادة إلا ~~بكراهة وهو باطل ، فإنا قد نريد الشيء ثم نخرج عن ارادته مع عدم كراهته ، ~~والثاني هو الأمر الآخر. # وأما بطلان القسمين ، اما الأول فظاهر ، واما الثاني فلما عرف أن الاعدام ~~انما تكون بطريان الضد. # ولقائل أن يقول : هذا الدليل مبني على إن الاعدام لا يكون بفاعل ، وهو PageV01P203 # عندنا ضعيف. ### |||| ** مسألة : ذهب جماعة من المعتزلة الى أن الإرادة يجوز أن تتقدم الفعل سواء تعلقت ~~بفعل الإنسان نفسه أو بفعل غيره ، وادعوا فيه الوجدان. # وأوجب أبو القاسم التقدم لأنها سبب والسبب متقدم ، والأصلان فاسدان. ### |||| ** مسألة : قالوا : الإرادة غير موجبة للفعل (1) والا لما جاز تقدمها والتالي باطل ~~بما تقدم فالمقدم مثله والشرطية ظاهرة. # الحق عندي أن الإرادة غير موجبة للفعل الا بانضمام القدرة وشرائط الفعل ~~بأسرها. ### |||| ** مسألة : قالوا : الإرادة لا تقع متولدة عن الاسباب بالاستقراء ، فإنا لما ~~استقرينا الأجناس المفعولة في القلب من غير ان يتولد عنها الإرادة حكمنا ~~بعدم التوليد مطلقا. # وانت خبير بضعف الاستقراء. # فقال ابو الهذيل وابراهيم النظام ومعمر وجعفر بن حرب والاسكافي والشحام ~~وعيسى الصوفي : الإرادة التي يكون مرادها بعدها بلا فصل موجبة لمرادها. # وقال بشر بن المعتمر وهشام عمر والفوطي وعباد بن سليمان وجعفر بن مبشر ~~ومحمد بن عبد الوهاب الجبائي : الإرادة لا تكون موجبة. (مقالات الاسلاميين ~~ج 2 ص 90). PageV01P204 ### ||| ** البحث الثامن عشر في الالم واللذة # الذي ذكره الأوائل في تعريفهما ان اللذة هي إدراك الملائم والألم إدراك ~~المنافي. # والمعتزلة قالوا : إن المدرك إن كان متعلق الشهوة كالحكة في الأجرب (1) ~~كان الإدراك لذة ، وإن كان متعلق النفرة كان ألما. # ونقل عن ابن زكريا : أنه قال : إن اللذة خروج من الحالة الطبيعية. # وهذا خطأ ، وسببه أخذ ms096 ما بالعرض مكان ما بالذات ، فإن الإدراك إنما يحصل ~~بانفعال الحاسة (2) يقتضيه تبدل حال ما (3). ### |||| ** مسألة : المشهور عند الأوائل والمعتزلة أن تفريق الاتصال سبب موجب للألم ، وربما ~~ادعوا فيه الضرورة ، ونازع فيه بعض المتأخرين قائلا : إن التفريق عدمي ~~والألم وجودي ، وأيضا فالغذاء ينفذ في أجزاء المغتذي (4) بأن يفرق اتصالها ~~وهو غير مؤلم. # والجواب عن الأول أن العدم لا يكون علة للوجود ، أما العدمي فإنه يجوز أن ~~يكون علة كعدم الحركة فإنه علة للسكون وعدم السمع علة للخرس وعدم الغذاء في ~~الحيوان الصحيح علة للجوع. # وهذا الجواب ضعيف ، فإن العقل قاض بالمنع من استناد الوجودي الى العدمي ، ~~وما ذكر من الأمثلة فغير صحيحة. # والجواب عن الثاني أن النفوذ في الغذاء طبيعي فليس بمناف فإدراكه لا PageV01P205 # يكون إدراكا للمنافي. # هل للألم سبب آخر غير تفريق الاتصال؟ جزم جالينوس بنفيه ، والشيخ زعم أن ~~سوء المزاج سبب له فان عناصر الحيوان يقتضي كل واحد منها كيفية مخالفة ~~لكيفية الآخر ، فما دام الاتصال موجودا يكون الانكسار حاصلا ويتم الاعتدال ~~، فاذا تفرقت بقيت طبيعة كل واحد منها خالية عن المعاوق فيقع الإحساس ~~بالمنافي فيوجد الألم. ### |||| ** مسألة : لما كان الألم عندنا عبارة عن إدراك المنافي أو ما يلازمه هذا المعنى لم ~~يصح وجوده الا في الحي. # وأبو هاشم جوز وجوده في الجماد (1)، واستدل بأن الألم لا يوجب حكما للحي ~~وكلما كان كذلك كفى في وجوده مجرد المحل. # أما الصغرى فلأنه لو أوجب حكما للحي كما يقولون في العلم والإرادة لوجب ~~كونه ألما عند وجود ذلك المعنى فيه على كل حال وإن لم يدركه كما يجب ذلك في ~~الإرادة والاعتقاد ، والتالي باطل فالمقدم مثله. # وأما الكبرى فادعوا فيه الظهور ، فإن الحرارة والبرودة وغيرها لما لم ~~توجب أحوالا للجملة صح وجودها في كل محل ، والحجة لا يخفى ضعفها والمطلوب ~~ظاهر الإحالة. ### |||| ** مسألة : ذهب بعض المعتزلة الى أن الآلام غير باقية ، وهو مذهب السيد المرتضى (2) ~~، واستدل بأنها لو كانت باقية لما انتفت عن المحل القابل لها الا بضد ~~والتالي باطل ms097 بالوجدان فالمقدم مثله والملازمة عندهم ظاهرة. # وهي عندنا فاسدة. PageV01P206 ### ||| ** البحث التاسع عشر في الشهوة والنفار # وهما من المعلومات الضرورية ، ولا بد لهما من محل وهو ظاهر ، ويفتقران ~~الى الحياة ولا يحلان الا جزءا واحدا عندنا وعند المعتزلة. # واستدلوا بأنها لو وجدت في أزيد من محل واحد وإن افتقرت الى البنية لساوت ~~التأليف والتالي باطل فالمقدم مثله. # وبيان الشرطية عندهم بأن التساوي في بعض الأحكام يستلزم التساوي في العلل ~~وهو ضعيف. # ثم اعترضوا على أنفسهم بأنه لا استبعاد في حلول الشهوة والنفرة في أزيد ~~من المحلين (1) فيخالف التأليف فإن التأليف لا يحل الا بمحلين. # أجابوا بأنه يلزم تزايد الشهوة والنفرة عند تزايد الأجزاء ، والتالي باطل ~~فانا نجد السمين إذا هذل قد لا ينتقص شهوته فالمقدم مثله. # وعندي أن هذه الحجة ضعيفة ، فإنه لا استبعاد في أن يكون الزائد من ~~الأجزاء في السمين ليست هي المحتاج (2) إليها في الشهوة. ### |||| ** مسألة : قالوا : الشهوة غير مدركة لأنها إن أدركت بمحل الحياة فيه كانت مماثلة ~~للألم ، فإن الألم قد اختص بأنه يدرك بمحل الحياة في محل الحياة دون غيره ~~من الأعراض ولا يدرك بإحدى الحواس الخمس ، وهو ظاهر. # قالوا : وهما لا يتعلقان الا بالمدركات ، لأنا متى وجدنا الشيء مدركا صح ~~تعلق الشهوة والنفرة به ، ومتى لم يكن مدركا استحال تعلقهما به ، وبنوا على ~~هذين الأصلين أن الشهوة لا يشتهى وكذلك النفار لا ينفر الطبع عنه لأنهما ~~غير مدركين. PageV01P207 ### |||| ** مسألة : قالوا : إنهما غير باقيتين (1)، لأن أحدنا يخرج من كونه مشتهيا الى غير ~~ضد مع قبول المحل ، وهذا الطريق (2) ضعيف لما مر. ### |||| ** مسألة : الشهوة تضاد النفرة ، واستدلوا بعدم اجتماعهما على تضادهما ونفوا ضدا ~~ثالثا لهما قالوا : لأن المدرك إما أن يلتذ بإدراكه فيكون مشتهى او يتألم ~~به فيكون منفورا عنه ، ولا واسطة بين هذين الا عدمهما ولا يفتقر عدمهما الى ~~علة ، فلو ثبت ضد ثالث لم يكن له حكم صادر عنه. # وهو باطل ، فان من شرط الضدية تعلق كل واحد من الضدين بصفة على عكس ما ~~تعلق ms098 به الضد الآخر. PageV01P208 ### ||| ** البحث العشرون في الإدراك # وهو من المعلومات الضرورية ، ومغايرته للقدرة والإرادة وغيرهما من ~~الأعراض المختصة بالحي معلوم (1) قطعا ، وانما وقع النزاع في مغايرته للعلم ~~، فذهب الأشاعرة الى زيادته (2) قالوا : لأنا نجد تفرقة بين حالنا اذا ~~علمنا وبين حالنا اذا علمنا وفتحنا العين ومستند الفرق انما هو الزيادة. # والأوائل والكعبي وأبو الحسين زعموا أن الزيادة راجعة الى تأثر الحاسة. # والإدراكات خمسة : الإبصار والسماع والشم والذوق واللمس. ### ||| ** القول في الإبصار ### |||| ** مسألة : اختلفوا في كيفية الإبصار ، فقال قوم من الاوائل : إنه إنما يكون بخروج ~~شعاع من العين يلاقي المبصر ، وهو مذهب جماعة من معتزلة البصرة والشيخ أبي جعفر. # وذهب آخرون من الأوائل الى أنه إنما يكون بانطباع صورة المرئي في العين. # والقولان باطلان ، أما الأول فلاستحالة خروج جسم من العين يلاقي نصف كرة ~~العالم ويلاقي كرة الثوابت واستحالة الانتقال على الأعراض. # واما الثاني فلاستحالة انطباع العظيم في الصغير ، والعذر عنه بانطباع ~~المبصر في المادة التي لا حظ لها في الصغر والعظم غير تام ، وقد بيناه في ~~كتاب الأسرار (3). PageV01P209 ### |||| ** مسألة : شرط الأوائل والمعتزلة للإبصار بعد سلامة الآلة مكثافة المبصر ، بمعنى أن ~~يكون ذا لون أو ضوء وإضاءته من ذاته أو من غيره ، وأن لا يكون في غاية ~~الصغر ، وأن لا يكون بينهما حجاب وعدم البعد والقرب المفرطين وحصول ~~المقابلة أو حكمها. # ثم إن المعتزلة والأوائل أوجبوا حصول الإبصار عند حصول هذه الشرائط ، ~~وخالفهم في ذلك الأشاعرة. # والأولون التجئوا الى الضرورة ، والأواخر استدلوا على عدم الإيجاب بأنا ~~نبصر الكبير من البعيد صغيرا مع تساوي نسبة أجزائه الى العين. # وأصحاب الانطباع أجابوا عن ذلك بأن انطباع الصورة في المقدار الصغير سبب ~~لرؤيتها أصغر منها إذا انطبعت في المقدار الكبير ، والمرئي إذا بعد يوهم ~~مخروط قاعدته المرئي وزاوية العين ، فكلما بعد المرائي (1) صغرت الزاوية ~~فكان المنطبع فيه أصغر. # وأصحاب الشعاع أجابوا بأن بعد المسافة سبب لتفرق الأشعة فلا يقوى على ~~الإدراك التام. ### |||| ** مسألة : قال أصحاب الانطباع : إن صورة المرائي ينطبع في الرطوبة الجليدية ولا ms099 يقع ~~عندها الإحساس وانما يقع عند ملتقى القصبتين (2) المجوفتين وهناك روح مدركة ~~، وكذلك تكون الصورة المدركة واحدة بخلاف اللمس باليدين ، فاما اذا لم يمتد ~~المخروطان على هيئة التقاطع بل انتهى كل مخروط الى جزء من الروح الباصر ، ~~أدركت الصورة الواحدة صورتين. PageV01P210 # وأصحاب الشعاع قالوا : إن الشعاع الخارج من العين على هيئة مخروط يكون ~~رأسه عند العين وقاعدته عند المرائي ، وهذا (1) الشعاع في سهمي المخروط ~~وهما يلتقيان (2) عند المبصر ويتحدان ، والأحول لا يلتقي سهما مخروطية على ~~شيء واحد ، بل يرى الأشياء بطرف المخروط لا بوقوع السهمين عليه ، والطرفان ~~متباينان فتباين مدركاهما. # والعذران عندي باطلان ، أما الأول فلأن الروح جسم لطيف فمن المتعذر بقائه ~~في الملتقى دائما بحيث لا يتقدم ولا يتأخر فكان يجب حصول الحول لأكثر الناس ~~في أكثر الأوقات. # وأما الثاني فلأن الطرفين إن اتحدا عند المرئي كان واحدا ، كما إذا اتحد ~~سهما المخروطين ، وإن لم يتحدا كان المدرك بكل واحد منهما بعض المرئي لا ~~المرئي نفسه. ### |||| ** مسألة : قال أصحاب الانطباع : إن صورة الوجه ينطبع في المرآة فيدركها الإنسان إذا ~~قابلها لانطباع تلك الصورة مرة ثانية في العين. # وهذا خطأ ، والا لزم انطباع العظيم في الصغير ، ولأنه يلزم أن لا يظهر ~~لون المرآة عند انطباع الصورة فيها ، كما أن الجدار اذا اخضر بالانعكاس لم ~~يظهر لونه. # وأصحاب الشعاع قالوا : إنه يخرج الشعاع من العين ويلاقي المرآة وينعكس ~~عنها الى ما يقابلها. # وهذا أيضا ضعيف لما مر. ### ||| ** القول في بقية الإدراكات # في المشهور أن السماع إنما يكون بسبب تأدي الهواء المنضغط بين قارع ~~ومقروع الى الصماخ. PageV01P211 # وأما الشم فقد اختلفوا فيه ، فقال قوم : إنه لتكيف الهواء المتصل ~~بالخيشوم بكيفية ذي الرائحة. # وقال آخرون : إنه يكون لانفصال أجزاء لطيفة من ذي الرائحة الى الخيشوم. # وهذان الوجهان عندي جائزان. # وهاهنا وجه بعيد قال به من لا مزيد تحصيل له (1)، وهو أن القوة الشامة ~~تتعلق بمدركها وهو هناك. # وأما الذوق ، فانما يحصل بتوسط الرطوبة اللعابية الخالية عن الطعوم ، وهل ~~الإدراك بانفعال تلك الرطوبة بكيفية ms100 الجسم أو بانفعال أجزاء من الجسم غائصة ~~في اللسان مخالطة له؟ فيه احتمال. # وأما اللمس فانه أنفع الإدراكات للحيوان ، لأنه باعتباره يبعد من المنافي ~~وباعتبار الذوق يجتلب النفع ، ولما كان دفع الضرر أقدم من جلب النفع كان ~~اللمس أقدم. # وقد ظهر من هذا أن كل ذي قوة لمس فإن فيه قوة تحريك ، واختلفوا فذهب قوم ~~الى أن اللمس ليس قوة واحدة بل هو قوى أربع : # الأولى : الحاكمة بين الحار والبارد. # والثانية : الحاكمة بين الرطب واليابس. # والثالثة : الحاكمة بين الصلب واللين. # والرابعة : الحاكمة بين الخشن والأملس. # وآخرون جعلوها واحدة ، وهو الأولى. PageV01P212 ### ||| ** البحث الحادي والعشرون في احكام الأعراض ### |||| ** مسألة : الأعراض باقية عند جماهير المعتزلة ، خلافا للاشاعرة ، وادعى ابو الحسين ~~الضرورة في ذلك (1). # واستدل غيره بأنها ممكنة في الزمان الأول فتكون ممكنة في الزمان الثاني ~~والا لزم انتقال الشيء من الإمكان الذاتي الى الامتناع الذاتي وهو محال ، ~~وهذه حجة عول عليها الجمهور وارتضاها أكثر الناس. # واقول : إنها عند التحقيق غير مرضية ، فانهم إن عنوا بكونه ممكنا في ~~الزمان الثاني كونه ممكن الوجود في الزمان الثاني بدلا عن الوجود في الزمان ~~الأول فهو حق ، ولكن ذلك لا يدل على جواز البقاء. # وإن عنوا به أنه إذا كان ممكن الوجود في الزمان الأول ثم وجد فيه كان ~~ممكن الوجود في الزمان الثاني عقيب وجوده في الزمان الأول فهو ممنوع ، ولا ~~يلزم من عدم إمكانه بهذا المعنى انتقال الشيء من الامكان الى الامتناع ، ~~وذلك لأن الممتنع هاهنا ليس هو الوجود المطلق ، وانما الممتنع هاهنا هو ~~الوجود المقيد بكونه بعد وجود أول أعني البقاء وهو نفس المتنازع ، ولا يلزم ~~من امتناع الوجود المقيد كون الشيء ممتنعا في نفسه ، ومثال هذا الصوت ، ~~فإنه ممكن الوجود في الزمان الأول غير ممكن الوجود في الزمان الثاني ، ~~وكذلك الحركة عند من يقول : بأن الأكوان غير باقية ، فلتلمح هذه الفائدة. # حجة الأشاعرة أن البقاء عرض ، فلو كانت الأعراض باقية لزم قيام العرض ~~بالعرض ، ولأنها لو بقيت لاستحال عدمها ، والتالي باطل فالمقدم مثله. ms101 PageV01P213 # بيان الشرطية أن عدمها يستحيل استناده الى الذات والا لكان الممكن لذاته ~~ممتنعا لذاته ، ولا الى الضد لأن طريانه على المحل مشروط بعدمه فلو علل به ~~لزم الدور ، ولا الى المختار لأن التأثير إنما يكون في أمر وجودي وليس ~~الأعدام بوجودي ، ولا الى انتفاء الشرط لأن شرطه الجوهر وهو باق والكلام في ~~عدمه كالكلام في عدم العرض. # والجواب عن الأول بالمنع من جعل البقاء عرضا وإلا لزم الدور ، وبالمنع من ~~قيام العرض بالعرض. # وعن الثاني لم لا يستند عدمه الى الضد؟ قوله : لأن وجود الضد مشروط ~~بانتفائه ، قلنا : ممنوع بل عدمه معلل بطريان الضد ، فليس أحد القولين أرجح ~~من الآخر ، سلمنا لكن لم لا يستند الى المختار؟ قوله : المختار إنما يؤثر ~~في أمر وجودي ، قلنا : ممنوع فإن الممكن إذا جعل معه ترجيح أحد الطرفين وجب ~~حصوله ، سواء كان وجودا أو عدما ، ضرورة تساوي نسبتهما الى الماهية. # سلمنا لكن لم لا يستند الى انتفاء الشرط ، قوله : الشرط هو الجوهر ، قلنا ~~: دعوى الانحصار ممنوعة ، فأين البرهان؟ # سلمنا لكن لم لا ينتفي في الزمان الثالث او ما بعده لا لسبب بل لذاته كما ~~يقولون : إنه ينتفي في الزمان الثاني كذلك؟ ### |||| ** مسألة : ذهب الأوائل ومعمر الى صحة قيام العرض بالعرض ، وهو الحق عندي. # وذهب جماعة من المتكلمين الى الامتناع. # لنا أن السرعة عرض قائم بالحركة وكذلك البطء. # احتجوا بأنه لا بد من الانتهاء الى الجوهر ، وحينئذ يكون الجميع في حيز ~~الجوهر تبعا لحصول الجوهر فيه. PageV01P214 # والجواب لا منازعة في ذلك ، فانا مقرون بالانتهاء الى الجوهر ، ولكن ~~المنازعة في قيام البعض بالبعض وقيام ذلك البعض بالجوهر ، وما ذكروه لا ~~ينفي ذلك. ### |||| ** مسألة : المشهور عند المعتزلة والأشاعرة امتناع قيام العرض بمحلين ، وجوز أبو ~~هاشم قيام التأليف بمحلين ومنع من الزائد. # والأوائل ذهبوا الى أن العرض الواحد قد يحل في محلين ، لا بمعنى أن يكون ~~العرض الذي هو حال في أحد المحلين حالا في المحل الآخر ، بل أن العرض ~~الواحد حال في مجموع شيئين صارا باجتماعهما محلا ms102 واحدا له كالحياة والعلم ~~وغير ذلك. # احتج الأولون بأن العرض مستغن (1) بكل واحد من المحلين عن الآخر حال ~~احتياجه إليه هذا خلف ، ولقائل أن يمنع ذلك. ### |||| ** مسألة : اتفق المتكلمون والأوائل على امتناع الانتقال على العرض ، واستدلوا عليه ~~بأنه محتاج في تشخصه الى المحل فيستحيل انتقاله عنه. # أما الصغرى فلأنه لو لا ذلك لما حل فيه والتالي باطل فالمقدم مثله. # بيان الشرطية أنه حينئذ يكون مستغنيا عنه ، أما في الوجود فبعلته ، وأما ~~في التشخص فبما يشخصه والاستغناء ينافي الحلول ، وبيان بطلان التالي ظاهر. # والكبرى غنية عن البيان. # وهذه الحجة لا تخلو من بعد (2). PageV01P215 ### ||| ** البحث الثاني والعشرون في بقية الأعراض (1) وقع فيها الخلاف بين المتكلمين ### |||| ** مسألة : ذهب البغداديون وجماعة من الأشاعرة إلى إثبات البقاء ، ونفاه جماعة من ~~المعتزلة. # احتج الأولون بأن الذات لم تكن باقية حال الحدوث ثم صارت باقية. # والجواب لا نسلم أن تغير الذات في ذلك يدل على الثبوت. # واحتج الآخرون بأنه لو كان البقاء ثابتا لزم التسلسل واللازم باطل ~~فالملزوم مثله. # والحق عندي أن البقاء أمر اعتباري هو مقارنة الوجود لزمان بعد الزمان ~~الأول ، وقد يعرض له هذا المعنى وينقطع بانقطاع الاعتبار. ### |||| ** مسألة : أثبت أبو هاشم واتباعه الفناء (2) معنى ، ونفاه الباقون وهو الحق. # واستدل بأن الجواهر باقية يصح عدمها ولا يمكن ذلك الا بثبوت الفناء ، أما ~~أنها باقية فقد مضى ، وأما صحة عدمها فلما يأتي ، وأما أن ذلك يستلزم ثبوت ~~الفناء فلأن الأعدام إما أن يكون للذات وهو محال ، أو للفاعل وهو محال ، ~~لأن تأثير المؤثر إنما يكون في الإيجاب لا في الإعدام لأن التأثير هو إيجاد ~~أثر أو لطريان الضد وهو الفناء. # والنظام لما قال : بأن الجواهر لا تبقى ، استغنى عن التزام هذا المحال ، ~~وإن كان بقوله ذلك قد ارتكب محالا. PageV01P216 # والأوائل لما قالوا : إن الإيجاب والإعدام متساويان في صحة الاستناد الى ~~المؤثر ، اندفع عنهم هذا المحال. # والبغداديون لما أثبتوا البقاء معنى باعتباره تبقى الذات وباعتبار عدمه ~~تفنى ، استغنوا عن التزام هذا المحال. # وبعد هذا فالحق ما ذهب ms103 إليه الأوائل. ### ||| ** القول في أحكام الفناء # الذي ذهب إليه مشايخ المعتزلة أن الفناء متماثل ولا يوجد فيه اختلاف ولا ~~تضاد ، قالوا : لأن اخص صفاته كونه منافيا للجوهر وهو مشترك بين افراده ، ~~والاشتراك في اخص الصفات يستلزم الاشتراك في الذات. # وهو عندي ضعيف لما مر غير مرة ، والشيخ أبو جعفر وقف في ذلك. ### |||| ** مسألة : قالوا : الفناء لا يبقى والا لزم أحد الأمرين : إما التسلسل أو يبقى مع ~~الله تعالى شيء دائما ، والتالي بقسميه باطل فالمقدم مثله. # بيان الشرطية أن الباقي لا ينتفي الا بضد ، فالفناء الباقي إما أن لا ~~ينتفي ، أو ينتفي والأول أحد القسمين ، والثاني يلزم منه القسم الثاني لأن ~~الكلام في ضده كالكلام فيه. # واما بيان بطلان القسمين ، أما الأول فبالبرهان ، وأما الثاني فبالإجماع. ### |||| ** مسألة : قالوا : الفناء غير مقدور بالقدرة والا لزم القدرة على الجواهر والتالي ~~باطل فالمقدم مثله. # بيان الشرطية أن القادر على الشيء قادر على ضده. # وبيان بطلان التالي أن القدرة لا يمكن أن تقع المخترع من الأفعال لما مر ~~، وإنما يقع منها المباشر والمتولد ، والأول يستحيل وقوع الجوهر به والا ~~لزم التداخل. # والثاني على قسمين : منه ما يقع في محل القدرة كالنظر مع العلم والتأليف مع PageV01P217 # المجاورة وهو أيضا يلزم منه التداخل. # ومنه ما يقع خارجا عن محل القدرة ، وهو باطل ، لأنه لا سبب يعدي الفعل عن ~~محل القدرة الا الاعتماد وأجناسه ستة ، وهي مقدورة لنا وليس تقع الجواهر ~~بها ، لأنا لو اعتمدنا طول الدهر على زق مشدود الرأس لم يتولد فيه الجواهر. # فهذا ما قيل في هذا الباب ، وهو ضعيف ، وهاهنا أعراض وقع فيها الخلاف مضى ~~البحث عنها. PageV01P218 ### | المقصد الثاني ### | في تقسيم الموجودات على رأي الأوائل # قالوا : الموجود إما ان يكون واجبا لذاته او ممكنا ، والممكن اما ان يكون ~~جوهرا او عرضا ، والجوهر إما ان يكون محلا لغيره وهو الهيولى ، او حالا في ~~غيره وهو الصورة ، او مركبا منهما وهو الجسم ، او لا محلا ولا حالا ، فان ~~كان متعلقا بالأجسام تعلق التدبير فهو النفس والا ms104 فهو العقل. # وأما العرض فأقسامه تسعة : الكم والكيف والمضاف والأين والمتى والوضع ~~والملك وان يفعل وان ينفعل. # أما واجب الوجود فسيأتي البحث عنه ، وأما الهيولى والصورة فقد مضى البحث ~~عنهما وعن بعض مباحث الأجسام ، فلنأت على البحث عن البواقي وعن أحكام ~~الأعراض. PageV01P219 ### ||| ** البحث الأول في بقية الكلام في الأجسام # الأجسام على ضربين : بسائط ومركبات ، فالبسيط هو الذي لم يتركب حقيقته من ~~أجسام مختلفة الطبائع ، وهو على ضربين فلكي وعنصري. ### ||| ** فههنا مطلبان : ### ||| ** الأول في الأجسام الفلكية ### |||| ** مسألة : المشهور عند الأوائل أن الأفلاك غير ملونة والا لحجبت عن إبصار الكواكب ~~المرتسمة في فلك (1) الثوابت. # وأيضا فهي بسائط فهي غير ملونة ، لأن سبب اللون المزاج. # والحجتان رديتان ، أما الأولى فلجواز أن يكون لها لون ضعيف كالبلور فلا ~~يحجب عن الإبصار ، ولأنه جاز أن يكون ما وراء الفلك الثامن ذا لون. # وأما الثانية فالصغرى ممنوعة وقد مضى البحث فيها ، والكبرى منقوضة ~~بالقمر. # ثم قالوا : إن الزرقة سببها أن السماء شفافة ، والشفاف اذا لم ير ورائه ~~ملون فإنه يكون كالمظلم ، وفي الجو أجزاء غبارية وبخارية مضيئة ، فيختلط ~~المضيء بالمظلم فيتخيل الزرقة. ### |||| ** تذنيب : قالوا : لو كان المحيط مكوكبا لرؤيت الكواكب والتالي كاذب فالمقدم مثله. # والملازمة مبنية على كون الفلك غير ملون وقد مضى. # وعلى أن الكواكب ملونة ، وفيه منازعة بين القوم ، وإن كان الأظهر أنها ملونة. PageV01P220 # ومع تسليم هذين المقامين يحتمل أن يكون عدم الرؤية للصغر لا لفقدان اللون. ### |||| ** مسألة : قالوا : نور القمر مستفاد من الشمس ، لأنه مع التوسط يكون مظلما ، ~~والظاهر في محوه عندهم أن اجزاء كوكبيته مظلمة مرتسمة فيه اوجبت فيه ~~الظلمة. # واختلفوا في المجرة (1)، فذهب أرسطو الى أنها أبخرة دخانية متكاثفة ~~واقفة في الهواء. # وذهب آخرون الى أنها أجزاء كوكبية قليلة الضوء متقاربة الوضع صغيرة ~~المقدار. # واستبعدوا القول الأول ، لاستبعاد بقاء البخار مدة مديدة في الهواء من ~~غير تطرق خلل ولا نقصان. PageV01P221 ### ||| ** المطلب الثاني في الأجسام العنصرية # أقربها الى الفلك النار وأبعدها الارض ويتلوها الماء ثم الهواء. # وقالوا : وشكل الهواء والنار الكرة ، لأنها ms105 بسائط فلا يقتض الاختلاف في الشكل. # وأما الأرض والماء فانهما وان كانا كرتين لكنهما غير حقيقيتين لما يوجد ~~في الارض من الأغوار والجبال. ### |||| ** مسألة : الحق أن الارض ساكنة في موضعها بفعل الفاعل المختار لما يأتي. # واختلف الأوائل في ذلك ، فمحققوهم زعموا أن السبب في ذلك الصورة النوعية ~~، وآخرون جعلوها غير متناهية من جانب السفل ، وهو باطل لما مر من التناهي. # ومنهم من جعل السبب جذب الفلك لها من جميع الجوانب ، وآخرون قالوا : ~~السبب دفع الفلك من جميع الجوانب. # وهما باطلان ، والا لما رجعت المدرة المرمية الى فوق ، ولكنا نحس ~~بالمدافعة. ### |||| ** مسألة : قالوا : الماء يحيط بثلاثة أرباع الأرض ، بناء منهم الى أن الأجسام ~~متعادلة حجما ، فلو لم يكن محيطا بالأرباع الثلاثة لكان أقل من كلية الأرض. # ثم زعموا أن عنصر الماء هو البحر ، والا فإما أن يكون في باطن الأرض ~~فيكون أصغر من كلية الأرض بكثير ، أو أن لا يكون في مكانه الطبيعي وذلك ~~مستبعد. ### |||| ** مسألة : للأرض كيفية فعلية هي البرودة لأنها موجبة للثقل ، وانفعالية هي اليبوسة ~~، وللماء كيفية فعلية هي البرودة بالإحساس ، واختلفوا في الأبرد من ~~العنصرين ، فالمشهور أنه الماء بالإحساس ، وفي التحقيق أنه الارض لأن الأكثف PageV01P222 # أبرد ، وكون الشيء أبرد في الحس لا يلزم منه أن يكون أبرد في نفس الامر ، ~~والا لكان الرصاص المذاب المستفيد للحرارة الممنو بالمعاوق أسخن من النار ~~الصرفة. # وله كيفية انفعالية هي الرطوبة بمعنى سهولة التشكيك والبلة. # وللهواء كيفية فعلية هي الحرارة ، فان الماء اذا اشتد تسخينه يكون هواء ، ~~وله كيفية انفعالية هي الرطوبة بمعنى سهولة التشكل. # وللنار كيفية فعلية هي الحرارة ، وانفعالية هي اليبوسة بمعنى غير ~~الالتصاق لا غير التشكيك. ### |||| ** مسألة : لا شك أن الهواء غير ملون ، ووقعت المشاجرة بين القوم في البواقي. ### |||| ** مسألة : للأرض ثلاث طبقات : أرض محضة وهي القريبة من المركز ، وطبقة بعضها منكشف ~~هو البر ، وبعضها احاط به البحر. # وللهواء اربع طبقات : هواء ملاصق للأرض ، وتليه الطبقة الباردة بسبب ~~الابخرة المتصاعدة ، ويليه الهواء الصرف ، ويليه الهواء الملاصق للنار ~~الممتزج بشيء ms106 منها. PageV01P223 ### ||| ** القول في المركبات # العناصر متضادة بصورها أو بآثارها (1)، فاذا اجتمعت تداعت الى الانفكاك ~~الا بقاسر ، وذلك القاسر لا بد وأن يكون مقارنا لها أوله إليها نسبة ما ، ~~والا لرجح تأثيره بأحد المركبات من غير مرجح هذا خلف. # فذلك القاسر إن كان صورة أو نفسا فإنه يكون حادثا لا بد له من مسبوقية ~~استعداد في البسائط حتى يحدث ، والاستعداد إنما يكون بواسطة الامتزاج فإذا ~~امتزجت العناصر انكسرت صرافة كل واحد منها بالآخر حتى تستقر الكيفية ~~المتوسطة بين الحار والبارد والرطب واليابس وهي المزاج فيفاض حينئذ الصورة ~~الحافظة للاجتماع. # واختلف الأوائل في بقاء الصور عند التركيب ، ومحققوهم أوجبوا البقاء والا ~~لكان أحداثا لا امتزاجا. # سؤال : أوجبت انفعال الصور وبقائها وذلك تضاد. # جواب : ليس المنفعل الصور بل المواد في الكيفيات والفاعل الصور ، هذا على ~~رأي قوم ، وعلى رأي آخرين الفاعل هو الصورة بتوسط الكيفية ، وعلى رأي آخرين ~~الفاعل هو الكيفية لا غير بدليل إسخان الماء البارد بالماء الحار ، وهذان ~~ضعيفان والا لزم انكسار القاسر بالمنكسر وهو محال. ### |||| ** مسألة : المادة البخارية اذا تصاعدت متكاثفة بالغة الطبقة الباردة من الهواء وكان ~~البرد شديدا واصابها البرد قبل اجتماعها وانخلاقها حبابا تنازلت ثلجا ، وإن ~~أصابها بعد الاجتماع نزلت بردا ، وإن لم يشتد البرد تكاثف البخار بذلك ~~القدر من البرد واجتمع وتقاطر فالمجتمع هو السحاب والمتقاطر هو المطر. PageV01P224 # وان لم يبلغ الطبقة الباردة ، فإن كانت كثيرة فقد ينعقد سحابا ماطرا لشدة ~~برد الهواء القريب من الارض ، وقد لا ينعقد لفقدان شدة البرد فيحدث الضباب ~~، وان كانت قليلة حدث منها الظل اذا ضربها برد الهواء ليلا وعقدها ماء ~~محسوسا في أجزاء صغار لا يحس نزولها الا عند الاجتماع ، هذا اذا لم يتجمد ، ~~فاما مع التجمد فإنه يكون صقيعا ، وهاهنا آثار أخر كالهالات وقسي قزح وغير ~~ذلك ذكرنا أسبابها في كتاب الأسرار. ### |||| ** مسألة : اذا تولدت الأبخرة تحت الأرض وكانت دخانية كثيرة المادة ، فإن كان وجه ~~الارض متكاثفا وطلب البخار الصعود للحرارة الشديدة فيه تحرك في ذاته ، ~~لمعاوقة تكاثف الأرض ms107 له عن الصعود فتحركت الأرض وحدثت الزلزلة ، وقد تشق ~~الأرض اذا كانت قوية ، والسبب الغائي فيها مذاكرة (1) فسقة العامة رعب الله تعالى. # وإن كانت الأبخرة ليست دخانية ، فإن كانت كثيرة قوية على تفجير الأرض ~~بحيث يستتبع كل جزء منها جزأ آخر حدث (2) العيون السيالة. # وإن لم يكن بحيث يستتبع ما يعقبها حدثت العيون ، وإن لم يقو على تفجير ~~الأرض فهي مياه القنى (3). PageV01P225 ### ||| ** البحث الثاني في النفس ### ||| ** وفيه مطلبان : ### ||| ** المطلب الأول في النفس السماوية # وهي كمال أول لجسم طبيعي ذي إدراك وحركة يتبعان تعقلا كليا حاصلا بالفعل. # واستدلوا على إثباتها بأن حركة السماء إرادية على ما مر ، وكل إرادة فلا ~~بد فيها من شعور ، فالفاعل للحركة الفلكية له فعل وشعور فهو النفس. # والجواب المنع في الصغرى. ### |||| ** مسألة : قالوا : كل حركة إرادية لا بد لها من غاية ، وتلك الغاية إن كانت حاصلة ~~لزم طلب المحال ، وإن كانت ممتنعة الحصول فكذلك ، وإن كانت تحصل بالحركة ~~لزم الوقوف وهو محال ، ولا يجوز أن تكون الغاية هي الحركة لأنها ليست من ~~الكمالات المحسوسة ولا معقولة فهي إذن التشبه بالكامل من كل وجه وكل غاية ~~فهي متصورة لذي الغاية فالتشبه متصور فالمتشبه به متصور والمشبه به مجرد ~~والمتصور للمجرد مجرد فالنفس الفلكية مجردة ، ولا يجوز أن تكون مجردة من كل ~~وجه لأنها فاعلة للجزئيات فهي نفس لا عقل. # والجواب هذا بناء على امتناع انقطاع الحركة الفلكية وهو باطل. # سلمنا ، لكن لا نسلم أن التصورات الفلكية لا يشوبها الخطأ بسبب قوي يكون ~~نسبتها إليها كنسبته الوهم إلينا. # سلمنا ، لكن لا نسلم أن المتصور للمجرد مجرد ، وسيأتي تقريره. PageV01P226 ### ||| ** المطلب الثاني في النفس الأرضية # وهو كمال اول لجسم طبيعي آلي ، وإن أردنا تخصيص التعريف بالنفس الحيوانية ~~أضفنا إليه ذي الحياة بالقوة. # واختلف الناس في تجريدها ، فمحققو الأوائل ذهبوا الى أنها مجردة ، والى ~~هذا ذهب من أصحابنا الشيخ المفيد وبنو نوبخت (1)، والباقون اختلفوا ، منهم ~~من زعم أنها مقارنة ، فالمحققون من هؤلاء ذهبوا الى أنها أجزاء أصلية في ~~البدن من أول ms108 العمر الى آخره لا يتطرق إليها الزيادة والنقصان وأنها الذي ~~تعبر عنه بقولك انا فعلت. # وآخرون ذهبوا الى أن المخاطب والمكلف إنما هو الهيكل المحسوس ، وزعموا أن ~~هذا أمر بديهي لا يقبل التشكيك ، وهؤلاء عن التحقيق بمعزل ، وللناس ~~اختلافات كثيرة في هذا المقام لا حاجة الى التطويل بذكرها لخلوها عن ~~الفائدة ، فإذن المحرر من المذاهب مذهب المحققين من الأوائل ومحققي ~~المتكلمين ، فلنأت على حجج القبيلين ونفسخ منها (2) ما يأتي. # فنقول : استدل الأوائل على تجريد النفس بوجوه (3): # الأول : أن هاهنا معلومات غير منقسمة كالوحدة وواجب الوجود ، فالعلم بها PageV01P227 # غير منقسم والا لكان جزء العلم مساويا لكله إن تعلق بما تعلق به الكل ، ~~أو انقسام المعلوم إن تعلق بجزء ما تعلق به الكل ، وإن لم يتعلق الجزء بشيء ~~، فإن حصل عند الاجتماع هيئة كان ذلك هو العلم ويكون التركيب في القابل أو ~~الفاعل ، وإن لم يحصل لم يكن العلم علما ، فمحل العلم غير منقسم والا لزم ~~قيام الواحد بمحلين أو انقسام ما ليس بمنقسم وهما محالان ، وعلى هذه الحجة ~~إيرادات أشكلها : أن حلول ما ليس بمنقسم في المنقسم لا يوجب الانقسام الا ~~اذا كان الحلول على نعت السريان ، وذلك كما في الإضافات والنقطة وغير ذلك ، ~~فالأوائل محتاجون الى بيان أن حلول العلم في العالم على نعت السريان وذلك ~~مما لم يتعرضوا لبيانه. ### |||| ** الثاني : أن هاهنا معلومات كلية فلا تكون حالة في ذي وضع والا لم تكن كلية. # وفيه إشكال ، فإنه ينبني على أن العلم يستدعي الحصول في العالم. ### |||| ** الثالث : أنا نتخيل بحرا من زيبق وجبلا من ياقوت ، فمحل هذا التخيل إن كان جسما لزم ~~انطباع العظيم في الصغير والا ثبت المطلوب. # والاشكال عليه كما في السابق. # وأما المتكلمون فقد استدلوا بأنا لا نعقل من ذاتنا الا الأجزاء الجسمانية ~~التي لأبداننا ، فإن كان الإنسان عبارة عن جملة الأجزاء لزم الانعدام عن ~~تبدل الأجزاء وانحلالها وهو باطل بالضرورة ، فوجب القول بكون الإنسان عبارة ~~عن بعض تلك الأجزاء وهي الأجزاء الاصلية الباقية من أول العمر ms109 الى آخره ، ~~وهذا لا يخلو من ضعف ، واذا قد عرفت ضعف (1) الكلامين فعليك باستخراج أدلة ~~أخرى غير هذه ، فإن جل ما ذكروه في هذا غير مفيد لليقين. PageV01P228 ### ||| ** القول في قوى النفوس ### |||| ** أما النباتية فقواها ثلاث : الغاذية والنامية والمولدة. ### |||| ** وللغاذية خوادم أربع : الجاذبة للغذاء والماسكة والهاضمة والدافعة. ### |||| ** والنامية هي التي يصدر عنها اتصال جسم بالجسم المغتذي مداخلا له في جميع أقطاره على ~~التناسب. ### |||| ** والمولدة (1) هي التي يفصل جزءا من الغذاء الذي هو من فواضل (2) الهضم الأخير ويودعه ~~قوة من شبحه. # واستدلالهم على ثبوت هذه القوى ضعيف لا نطول بذكره. ### |||| ** وأما النفس الحيوانية فلها قوتان : الإدراك والتحريك ، أما الإدراك فقد يقع بالحواس الظاهرة وقد ~~مضى ، وقد يقع بالحواس الباطنة وهي خمس في المشهور : ### |||| ** الاولى : الحس المشترك ، وهو المدرك لمثل المحسوسات حالة الحضور ويجتمع (3) عندها ~~الحواس ، وبرهنوا على إثباتها بإبصار القطرة النازلة خطأ وبمشاهدة النائم ~~والمريض صورا لا يشاهدها غيرهما. ### |||| ** الثانية : الخيال ، وهي قوة حافظة لما تدركه الأولى يثبت فيه بعد الغيبوبة عنها. # واستدلوا على المغايرة بأن الخيال حافظ والحس قابل فهما متغايران والا ~~لصدر عن الواحد أكثر من الواحد ، ولأن الماء قابل وليس بحافظ. ### |||| ** الثالثة : الوهم ، وهي قوة تدرك المعاني الجزئية ، واستدلوا على المغايرة بان الحس لا ~~تعلق له بذلك ، ولا يجوز أن يكون المدرك هو النفس لانها إنما تدرك PageV01P229 # الجزئيات بتوسط الآلات. ### |||| ** الرابعة : الحافظة لما يدركه الوهم ، والكلام على ثبوتها كما مر. ### |||| ** الخامسة : المتخيلة ، وهي المتصرفة في الصور المستحفظة في خزانتي الخيال والحافظة ~~بالتركيب والتفصيل. # وأما القوة المحركة فاعلم أن الحركة الصادرة عن الحيوان إنما تصدر عنه ~~لحصول الحركة في الخيال ، ثم يتبعه الإرادة ، ثم يتبعه الشوق ، ثم يتبعه ~~تحريك القوة العضلية. # وأما النفس الانسانية ، فلها قوتان : عالمة وعاملة ، وقد مضى تفسيرهما. PageV01P230 ### ||| ** القول في أحكام النفوس # النفس محدثة ، لما بينا أن كل ما سوى الواجب ممكن وأن كل ممكن محدث ، ~~وأرسطو وافقنا على هذا المطلب ، ولما نازع في الكبرى احتاج الى الاستدلال ، ~~وبرهانه أنها لو كانت قديمة لكانت إما واحدة أو ms110 كثيرة والتالي بقسميه باطل ~~فالمقدم مثله والشرطية ظاهرة. # وبيان بطلان وحدتها أنها بعد التعلق إن بقيت واحدة فمعلوم زيد هو معلوم ~~لكل انسان هذا خلف وإن لم يبق انقسمت فكانت جسما. # وبيان بطلان كثرتها أن الكثرة إما نوعية او شخصية ، والأول باطل لما يأتي ~~من اتحاد النفوس. # والثاني يلزم منه قدم الأبدان ، لأن الكثرة إنما يكون بين اشخاص النوع ~~بالعوارض المادية ومادة النفس البدن ، وهذه الحجة ضعيفة. # أما أولا ، فلأن المنقسم لا يجب أن يكون جسما الا اذا كانت القسمة قسمة مقدار. # وأما ثانيا ، فالمنع من وحدة النفوس وسيأتي. # وأما ثالثا ، فالمنع من افتقار الكثرة الشخصية الى المواد ، وان سلم فلا ~~نسلم أن مادة النفس البدن ، ولئن سلم فلا يلزم القدم لجواز التناسخ. # وأفلاطن ذهب الى قدمها ، قال : لو كانت محدثة لكانت مادية ، وهو مبني على ~~أن الإمكان لا بد له من محل ، وهو ممنوع. ### |||| ** مسألة : ذهب بعض الأوائل الى أن النفوس البشرية متحدة في النوع ، واستدل بعض ~~المحققين عليه بأن النفوس يجمعها حد واحد ولا شيء من المختلفات كذلك ~~والصغرى ممنوعة. PageV01P231 # وقال غيره : إنها لو اختلفت بعد الاتحاد في كونها نفوسا لزم التركيب (1) ~~، والملازمة ممنوعة وكذب التالي ممنوع أيضا. # وذهب آخرون الى أنها مختلفة ، لأنها قد يختلف في الأخلاق. والملازمة ~~ممنوعة. ### |||| ** مسألة : التناسخ باطل (2)، واستدلوا عليه بأنه يلزم اجتماع نفسين على بدن واحد ، ~~لأن النفس حادثة لا بد لها من استعداد سابق وهو حدوث المزاج فعنده يفيض ~~النفس عن المفارق ، فلو تعلقت به نفس أخرى مستنسخة لزم المحال ، وفي ~~الملازمة نظر. # والقائلون : بقدم النفوس ذهبوا الى جوازه مستدلين بتذكر العلوم حالة ~~الفكر لا (3) بتحصيلها ، وهو ممنوع. # وللفرقة الأولى حجة أخرى ضعيفة ليس هذا موضع ذكرها. ### |||| ** مسألة : قالوا : النفوس باقية بعد البدن وإلا لزم تركيبها (4) من المادة والصورة ، ~~وهو مبني على أصلهم الفاسد من أن الإمكان يستدعي المحل الثبوتي على أن ~~المنع قائم في كذب اللازم. # وذهب آخرون الى أنها فانية ، قالوا : لأن كل كائن فهو فاسد والكلية ~~ممنوعة اذ ms111 لا يلزم من القبول الحصول الفعلي. ### |||| ** مسألة : من مشاهيرهم أن النفس لا تدرك الجزئيات الا بالآلات ، لأنها لو ادركتها ~~لذاتها لم يتوقف الإبصار على القرب (5) المعين والتالي باطل والمقدم مثله. PageV01P232 # وأيضا إذا تخلينا مربعا مجنحا لم يعين وقع الامتياز ، وليس للمأخوذ عنه ~~فقد يكون معدوما ، ولا لذاتيهما ولوازمهما لفرض تساويهما ، ولا لعوارضهما ~~سوى المحلين لتساوي نسبة العارض إليهما ، وهذا لا يخلو عن ضعف. ### |||| ** مسألة : ذهب بعضهم الى إثبات نفوس للحيوانات مدركة للكليات ، وهو مستبعد ، قال : ~~لأنها مدركة للجزئي فهي تدرك الكلي الذي هو جزئه ، وهو خطأ ، فان جزئية ~~الكلي إنما هي في العقل المنتفي عن الحيوانات. ### |||| ** مسألة : ذهب بعضهم (1) الى أن الملائكة والجن أجسام لطيفة قادرة على التشكيل بأشكال ~~مختلفة ، وربما فسر الأوائل الملائكة بالنفوس الفلكية والجن والشياطين ~~بالنفوس الأرضية الشريرة. # ومشايخ المعتزلة أنكروا الجن ، لأنها ان كانت كثيفة وجب إدراكها ، والا ~~تمزقت عند هبوب الرياح ولا تكون قوية على الأفعال الشاقة ، ويمكن ان يقال : ~~إنها غير كثيفة وغير لطيفة بمعنى رقة القوام وإن كانت لطيفة بمعنى الشفافية ~~فيندفع المحاذير. PageV01P233 ### ||| ** البحث الثالث في العقول # واقوى حججهم على إثبات العقل أنه تعالى واحد لا يصدر عنه الا واحد ، ~~فالصادر الأول إن كان جسما لزم الخلف لتكثره ، وإن كان هيولى كانت الهيولى ~~فاعلة لما بعدها فالقابل فاعل ، وإن كان صورة فالصورة فاعلة من دون الهيولى ~~فيستغني في وجودها عنها ، وان كان نفسا كانت فاعلة من دون البدن فيكون عقلا ~~، وإن كان عرضا لزم الدور. # والاعتراض المنع من تكثر الجسم ، وأيضا جواز استناد الكثرة الى الواحد ، ~~وأيضا إنما يلزم ذلك على تقدير الموجب ، أما على تقدير الاختيار فلا ، ~~وأيضا المنع من كون الفاعل غير قابل ، وأيضا يجوز أن يكون هو الهيولى ولا ~~يكون الهيولى بانفرادها فاعلة لما بعدها بل شريكة فلا يلزم ما يذكرونه من ~~المحذور ، وأيضا فالصورة جزء علة الهيولى فكيف منعوها الآن العلية ، وأيضا ~~لم لا يكون هو النفس ولا يلزم أن يكون عقلا لأن النفس لها فعل من دون البدن. ms112 ### ||| ** القول في احكامها : # قالوا : إنها أزلية أبدية متكثرة بالنوع والا لكانت مادية. # وهو ممنوع ، وهي عاقلة لذاتها لتجردها وكل مجرد عاقل لحصول ذاته لذاته ، ~~وأيضا ذاته يمكن اقترانها مع معقول آخر عند عاقل آخر فيكون مدركا للمعقول ، ~~لأن المقارنة قد حصلت ، ولا يمكن أن يقال : إن حصولها في العقل شرط ~~المقارنة والا لكان الحصول سابقا على استعداد الحصول ، هذا خلف. # والاعتراض الحصول يقال على معان : منها حصول المعقول للعاقل المستلزم ~~للتعقل ، فلم قلتم : إن حصول العقل لنفسه هو ذلك النوع من الحصول؟ وقوله : ~~إنهما يقترنان في عاقل آخر فيكون مدركا للمقارن ، مغالطة فان المقارنة ~~الموجبة للتعقل PageV01P234 # هو مقارنة المعقول للعاقل لا مطلق المقارنة. ### |||| ** مسألة : اتفقوا على كثرتها لتكثر الحركات جهة وسرعة وبطأ ، فيكون المتشوق لكل واحد ~~منها مغايرا لمتشوق الآخر ، واختلفوا في تكثر المعقول (1) بتكثر الكرات ~~الجزئية كالحوامل والتداوير والكواكب ، فأوجب الشيخ ذلك ، ومنع منه قوم. PageV01P235 ### ||| ** البحث الرابع في الكم # زعم الأوائل أن الجسم مركب من الهيولى والصورة ، وأن المقدار زائد على ~~الجسم وعرض فيه ، وهو عبارة عن الجسم عند المتكلمين. # واستدل الأولون بتبدل (1) أبعاد الشمعة اذا كانت كرة عند تكعيبها مع بقاء ~~الجسمية ، وهو بناء على نفي الجوهر ، ومع تسليمه فجاز أن يكون المتبدل هو ~~الأشكال. # والمتكلمون قالوا : ان كان محل المقدار مقدارا لزم اجتماع المثلين والا ~~كان مجردا ، وهو منكر عندهم. # التفريع على قول الأوائل : رسموا الكم بأنه القابل للمساوات واللامساوات ~~، وبأنه القابل للانقسام ، وبأنه الذي يوجد فيه واحد بالفعل أو بالقوة عاد ~~، والرسوم ردية. # أما الأول ، فللزوم الدور ، ضرورة أن المساوات عرض ذاتي للكم فلا يمكن ~~تعريفها الا به. # وأما الثاني ، فلأن القابل للانقسام هو الهيولى على رأيهم ، اعتذروا بأن ~~الهيولى قابلة وعلة استعدادها هو المقدار ، ولا استبعاد في إعداد شيء شيئا ~~يؤدي الى المنافي كالحركة والسكون. # وأما الثالث ، فلاشتماله على الترديد ، وهذه الرسوم وإن كانت ردية لكن ~~أقربها الأخير. ### |||| ** مسألة : قالوا : الكم جنس لنوعي المتصل والمنفصل ، أما المنفصل فليس الا العدد ، ~~وأما المتصل فانه جنس للقار ms113 وغير القار أما غير القار فالزمان لا غير ، وأما PageV01P236 # القار فإنه جنس لما يقبل الانقسام في جهة واحدة لا غير وهو الخط ، ولما ~~يقبلها في جهتين وهو السطح ، ولما يقبلها في الثلاث وهو الجسم التعليمي ، ~~فهذه أقسام الكم بالذات. # واما الكم بالعرض فيقال لما يحل فيه او بالعكس أو لما يكون له إليه نسبة ~~ما كالقوى. ### |||| ** مسألة : الكم لا ضد له ، أما المنفصل فلأن كل عدد يتقوم بالأجزاء ويقومه ، وأما ~~المتصل فلأن السطح قابل للخط المقبول للجسم فلا تضاد ، والزوجية والفردية ~~عرضان للعدد وبينهما تقابل العدم والملكة على مذهب المحققين ، والاستقامة ~~والانحناء على رأي محققيهم لا يعرضان لموضوع واحد. ### |||| ** مسألة : الكم غير قابل للشدة والضعف ، فإنه لا يعقل أن ثلاثة أشد من ثلاثة أخرى ~~في العددية ولا سطح أشد من سطح آخر ، نعم إنه قابل للزيادة والنقصان ، وبين ~~الشدة والضعف والزيادة والنقصان فرق دقيق. (1) PageV01P237 ### ||| ** البحث الخامس في الكيف # وهو العرض الذي لا يتوقف تصوره على تصور غيره ولا يقتضي القسمة واللاقسمة ~~في محله اقتضاء أوليا ، وأنواعه أربعة : ### |||| ** الأول : الكيفيات المحسوسة ، فإن كانت راسخة سميت انفعاليات ، والا فهي انفعالات ، ~~ولا شك في وجودها ، وإن كان قد نقل عن بعض المتكلمين عدمها ، والإحساس ~~بالحرارة النارية إنما حصل باجراء العادة وليس في النار حرارة ، وهذا القول ~~لا يخلو عن المكابرة. ### |||| ** الثاني : القوة واللاقوة كالممراضية والمصحاحية (1). ### |||| ** الثالث : الكيفيات النفسانية ، فإن كانت راسخة فهي الملكات والا فهي الحالات ، ومن ~~جملة هذا النوع الصحة والمرض ، فالصحة هي الكيفية التي بها يكون بدن الحي ~~بحيث يصدر عنه الأفعال اللائقة به سليمة ، والمرض يحتمل أن يكون عدم الصحة ~~فالتقابل تقابل العدم والملكة ، ويحتمل أن يكون هو الهيئة التي باعتبارها ~~تكون الأفعال غير سليمة فالتقابل تقابل الضدين. ### |||| ** الرابع : الكيفيات المختصة بالكميات ، أما المتصلة كالاستقامة والانحناء ، وأما ~~المنفصلة كالزوجية والفردية ، وزعموا أن لا تقابل بين الاستقامة والانحناء ~~تقابل الضدين لأن شرط الضدية الاتحاد في الموضوع ولا اتحاد. # واختلف الأوائل في التقابل بين الزوجية والفردية ، فالجمهور على تقابل ~~العدم والملكة ، وغير ms114 المحققين على تقابل الضدية. PageV01P238 ### ||| ** البحث السادس في المضاف # قد وقعت المنازعة في وجود الإضافة ، فذهب جمهور الأوائل إليه ، وآخرون ~~منهم والمتكلمون على خلاف ذلك. # احتج الأوائل بأن فوقية السماء ليست عدما محضا ولا نفس السماء ، فهي إذن ~~صفة ثبوتية زائدة على الذات. # واحتج المتكلمون بلزوم التسلسل على تقدير الوجود ضرورة افتقار العرض الى ~~المحل الذي هو نفس الإضافة ، وأيضا يلزم كون الباري تعالى محلا للحوادث. # والأخير اقرب الى الحق. ### ||| ** التفريع على قول الأوائل # قالوا : من خاصيته وجوب الانعكاس ، أما مع عدم الحاجة الى حرف النسبة ~~كالعظيم والصغير ، وأما مع الحاجة الى المتساوي منه كالمولى والعبد ، أو ~~الى المختلف كالعالم والمعلوم ، ومن خواصه وجوب التكافؤ ، ولا ينتقض ~~بالمتقدم والمتأخر لأنهما إضافتان توجدان معا في العقل لمعروضين ثابتين في العقل. ### |||| ** مسألة : لا شك في اقتضاء الإضافات أمورا معروضة لها لذواتها ، فإن كانت تلك ~~الأمور مختلفة بحقائقها فالإضافات كذلك ، والا فهي مختلفة بالأشخاص ، ~~وللمانع أن يمنع فيهما فإنه لا شك في أن إضافتي البنوة والأبوة مختلفان ~~بالنوع وإن كان معروضهما واحدا ، والأقرب تساوي إضافتي أبوة زيد والفرس وإن ~~اختلف الموضوع ، قالوا : وكذلك اذا تضادت المعروضات تضادت الإضافات ، فإن ~~الأسخن تضاد الأبرد والعظيم والصغير غير متضادين. PageV01P239 # والمنع متوجه فيهما ، فإن الأسخن فيه نوعان من التقابل : أحدهما تقابل ~~السخونة والبرودة وهو تقابل الضدية ، والثاني تقابل العارض للسخونة والعارض ~~للبرودة وهو تقابل التضايف وباعتباره كانا متضايفين ، فكيف يجعل تقابل ~~العارض الذي هو تقابل التضايف بعينه تقابل الضدية؟ اللهم أن يجعلوا للعارض ~~تقابلين : أحدهما للتضايف والثاني للضدية ، فيجب عليهم إقامة الدليل عليه. PageV01P240 ### ||| ** البحث السابع في بقية الأجناس # الأين نسبة الشيء الى المكان ، ولا شك في زيادته على الجسم. # والمتى نسبة الشيء الى الزمان ، وهو مغاير للزمان ، والمتكلمون أنكروا ~~ثبوته والا لزم التسلسل. # والوضع وهو الهيئة الحاصلة للجسم بسبب اعتبار نسبة أجزائه بعضها الى بعض ~~والى الأمور الخارجة. # والملك وهو نسبة التملك للشيء. # وأن يفعل وهو المؤثرية. # وان ينفعل وهو المتأثرية ، والمتكلمون أنكروهما للزوم التسلسل. # وبعض الناس جعل ms115 المقولات اربعا : الجوهر والكم والكيف والنسبة. # واعلم أن حصر اجناس الموجودات في هذه وان هذه أجناس مما يمتنع اثباته ~~بالحجة. PageV01P241 ### | المنهج الثالث ### | في احكام الموجودات ### ||| * وفيه أربعة مطالب PageV01P243 ### | الأول ### | في العلة والمعلول # العلة هي ما يحتاج إليه الشيء ، وهي مادية وصورية وفاعلة وغائية ، وأيضا ~~فهي إما قريبة أو بعيدة ، وأيضا فهي إما عامة أو خاصة ، وأيضا فهي إما ~~بالعرض أو بالذات. # والحق أن العلية من الصفات الاعتبارية حكمها في الوجود والعدم واحد ، ~~فممكن أن يكون بعض الأعدام علة لبعض آخر لعدم العلة والشرط وإن كان قد يوزع ~~فيه بناء على أن العلية أمر ثبوتي يستحيل اتصاف المعدوم به ، وهو خطأ والا ~~لزم التسلسل. ### |||| ** مسألة : قد وقع الاصطلاح بين البصريين أن الموجب على قسمين : معنى وصفة. # والمعنى على ضربين : علة وسبب ، فالعلة ما أوجبت صفة لغيرها ، والسبب ما ~~أوجبت ذاتا. # والصفة إذا أوجبت صفة ككون الحي حيا فإنه يوجب له كونه مدركا إذا وجد ~~المدرك ، فإن الموجب يسمى مقتضيا والموجب مقتضي. # والبغداديون يسمون السبب علة والعلة معنى ، وذلك لا مشاحة فيه ، قالوا : ~~والصفة على ضربين : # واجبة ، إما على الإطلاق وهي التي تستند الى الذات وبها تقع المخالفة ~~والمماثلة وتكون حالة حالتي الوجود والعدم كالجوهرية ، وإما بشرط ، إما ~~متصل كالتحيز الواجب بالذات التي هي جوهر بشرط الوجود الذي هو متصل بالجوهر PageV01P245 # وإما منفصل نحو كون المدرك مدركا الواجب عند وجود المدرك لكونه حيا ، وقد ~~يسمى هذه الصفة لا للنفس ولا للمعنى. # وجائزة ، تتعلق إما بالفاعل وهو قسمان : أحدهما المؤثر فيه كونه قادرا ~~وهو الحدوث لا غير. # والثاني المؤثر فيه كونه عالما كالأفعال المحكمة او مريدا ككون الكلام ~~أمرا ونهيا وخبرا. # وإما بالمعنى ، وهو كل صفة يتجدد مع جواز ان لا يتجدد ، والأحوال واحدة ~~فإنها تستند الى معنى ، قالوا : والصفات على ضربين : احدهما يرجع الى ~~الآحاد كرجوعه الى الجملة وهي صفات الأجناس كالجوهرية. # والثاني يرجع الى الجملة دون الأجزاء ، إما باعتبار استحالة رجوعها الى ~~الآحاد كالقادر والعالم ، وإما باعتبار المواضعة كالأمر الموضوع للجملة ms116 لا ~~لآحاد الحروف ، ولقد كان يمكن وضعه لغة للآحاد. # قالوا : وكل صفة لا بد لها من حكم كما ان كل ذات لا بد لها من صفة ، فحكم ~~صفة النفس التماثل والاختلاف والمتضادة ، وحكم الحي رفع استحالة كون القادر ~~قادرا عالما (1)، وحكم القادر صحة الفعل على بعض الوجوه ، وحكم العالم صحة ~~الأحكام ، وحكم المريد صحة تأثير أحد الوجهين. ### |||| ** مسألة : لا شك في أن المعلول واجب عند علته ممتنع عند عدمها والا لكان نسبة ~~الوجود والعدم عند وجودها إليه بالسوية ، فترجيح أحد الطرفين في وقت يستلزم ~~الترجيح من غير مرجح (2)، فيستحيل استناد معلول شخصي الى علتين PageV01P246 # تامتين والا لاستغنى بكل واحدة منهما عن كل واحدة منهما فتقع الحاجة حالة ~~الاستغناء هذا خلف. ### |||| ** مسألة : المعلولان اذا اتحدا بالنوع يجوز تعليلهما بالمختلفين فيه كالحرارة ~~الصادرة عن النار وعن الحركة وعن الشعاع وعن الحمى ، وخالف فيه بعض ~~الأشاعرة ، لأن المعلول ان افتقر الى العلة لماهيته افتقر الآخر إليها والا ~~لم يجز استناده إليها. # والجواب الحاجة الى علة مطلقة وتعيينها انما جاء من جانب العلة. ### |||| ** مسألة : يجوز التركيب في العلل العقلية اتفاقها (1) على شروط ، وخالف الأشاعرة فيهما. # واستدل الأولون بأن تأثير الشمس في الإضاءة مشروط بزوال الغيم والنتيجة ~~انما تحصل عقيب المقدمتين. # واستدل الأشاعرة بأن تركيب العلة يستلزم استناد المعلول الشخصي الى العلل ~~الكثيرة ، والتالي باطل لما مر فالمقدم مثله. # بيان الشرطية ، أن عدم العلة قد يكون لعدم بعض أجزائها وحينئذ يعدم ~~المعلول ويستند الى علتين عند عدم الجزءين. # والجواب النقض والحل ، أما الأول فلأنه يلزم منه عدم الماهيات المركبة ~~رأسا ، وهو مكابرة. # وأما الثاني فلأن عدم المعلول يستند الى عدم العلة لا غير الحاصل بعدم ~~أحد (2) اجزائها لا على التعيين. ### |||| ** مسألة : منع الأوائل والمعتزلة من صدور المعلولين عن البسيط والا لزم PageV01P247 # التكثر او التسلسل ، وأيضا يلزم التناقض ، فإن صدور «أ» و «ب» يستلزم صدور ~~«أ» ولا صدور «أ» ، (1) وأيضا اختلاف الآثار يدل على اختلاف المؤثرات ~~كالبرودة والحرارة فعلى تعددها أولى. # والجواب عن الأول أنه مبني ms117 على أن العلية امر ثبوتي ، وهو ضعيف لما مر. # وينتقض بالسلب عن البسيط والاضافة إليه ، وما اعتذر به بعض المحققين فقد ~~أبطلناه في كتاب الأسرار (2). # وعن الثاني أنه مغالطة ، فان اللازم منه صدور «آ» وما ليس «آ» لا صدور ~~«آ» وعدم صدور «آ» فان بينهما مغايرة. # وعن الثالث أن الاستدلال أنما هو بتخلف الآثار لا باختلافها. # قال الامام الرازي : نقيض صدور الف لا صدور الف لا صدور لا الف اعني صدور ~~باء ...» واجاب صدر المتالهين عن الرازي بانه اذا كان البسيط الحقيقي مصدرا ~~لالف مثلا ولما ليس الف مثلا كانت مصدريته لما ليس الف غير مصدريته لالف ~~التي هي نفس ذاته فتكون ذاته غير ذاته ، وهذا هو التناقض (الاسفار الاربعة ~~ج 2 ص 206 207)، انظر أيضا : شرح الاشارات ج 3 ص 23. PageV01P248 ### | المطلب الثاني ### | في الواحد والكثير # الوحدة والكثرة من الامور الاعتبارية على المذهب الحق والا لزم التسلسل ، ~~والقائلون بوجودهما وهم أوائل القدماء قالوا : إنهما عرضان ، أما الوحدة ~~فلأنها إن كانت جوهرا استحال حلولها في العرض ، والعدد المركب من الوحدات ~~يستحيل أن يكون جوهرا ، فان مجموع المفتقرات الى المحل مفتقر إليه بالضرورة ~~، وفي هذه الحجة حوالة على أن وحدتي الجوهر والعرض متحدتان في المفهوم ~~وعليه منع. # واعلم أن الواحد مقول بالتشكيك على ما تحته ، فأولاها به مجرد الوحدة ثم ~~الواحد بالشخص ثم بالنوع ثم بالجنس ، ويتفاوت الأولوية بتفاوت الأجناس قربا ~~وبعدا ومن الواحد ما هو بالذات ومنه ما هو بالعرض. ### |||| ** مسألة : صدور المشائين استفادوا من معلمهم (1) أن ليس عدد مقوما لآخر ، فالعشرة ~~متقومة بالآحاد لا بالخمستين ، لأنه ليس تقومها بخمستين اولى من تقومها ~~بالسبعة والثلاثة والستة والاربعة ، ومن المحال تقوم الشيء بأجزاء مستقلة ~~ثم تقومه بأجزاء اخرى مغايرة للأول (2) مستقلة. ### |||| ** مسألة : قالوا : لا شك أن بين الواحد والكثير مقابلة ، وأصناف التقابل أربعة ، ~~وليس ذلك التقابل تقابل الضدية ولا العدم والملكة ولا السلب والإيجاب ، ~~لاستحالة تقوم أحد المتقابلين بهذه المعاني بالآخر ، ولا تقابل التضايف فان ~~المضايف مصاحب والمقوم متقدم ، فاذن التقابل عارض ms118 من حيث إن الوحدة مكيال PageV01P249 # والكثرة مكيل ، وهذا التقابل العارض تقابل التضايف. ### |||| ** مسألة : قد ذهب قوم من الأوائل لا تحقيق لهم الى (1) أن الوحدة والعدد مبادي ~~الأشياء وأن الوحدة أمر مجرد ، فإذا قارنها شيء آخر مجرد حصل العدد ، وإن ~~قارنها ذو وضع حصلت النقطة ، وإن قارنها نقطة أخرى حصل الخط ، وهكذا الى الجسم. # وهذا المذهب سخيف جدا ، أما على قولنا فظاهر ، وأما على قول الآخرين ~~فلأنهما من قبيل الأعراض. PageV01P250 ### | المطلب الثالث ### | في التماثل والاختلاف والتضاد # المتغايران هما اللذان يمكن ان يفارق أحدهما الآخر ، وهما إما مثلان او ~~مختلفان ، والمثلان هما اللذان يقوم كل واحد منهما مقام الآخر ويسد (1) ~~مسده ، والمخالف بالعكس. # والمختلفان إما متضادان ، او غير متضادين وهما الوصفان الوجوديان الممتنع ~~اجتماعهما لذاتيهما ، والأوائل زادوا فيه ، وبينهما غاية الاختلاف. ### |||| ** مسألة : المشهور عند الأشاعرة والأوائل امتناع اجتماع المثلين ، لاستحالة وقوع ~~الامتياز بالذاتيان واللوازم وبالعوارض أيضا. # أما أولا فلأن العوارض انما تعرض بواسطة المادة والمادة واحدة. # وأما ثانيا فلأن نسبة العارض الى المثلين واحدة فلا امتياز ، والمعتزلة ~~جوزوا ذلك. ### |||| ** مسألة : التقابل جنس للتضاد ويندرج تحته ثلاثة أنواع أخر وهي : تقابل السلب ~~والايجاب والعدم والملكية والمتضائفين. # والمقابل من حيث هو مقابل وإن كان أعم من المضايف لكنه باعتبار الوصف كان ~~أخص ، كحد الحد بالنسبة الى الحد وكالكلي بالنسبة الى الجنس. ### |||| ** مسألة : قال قوم : إن المتغايرين والمتضادين والمختلفين انما هي كذلك لمعان قائمة ~~بها ، محتجين بأن السواد يضاد البياض والضدية أمر معقول مغاير لهما. # وذهب آخرون الى امتناع ذلك والا لزم التسلسل. # ونحن نقول : إن عني القائل الأول أن التضاد والتماثل والاختلاف أمور PageV01P251 # اعتبارية زائدة في التعقل على تعقل الذات فهو حق والتسلسل منقطع بانقطاع ~~الاعتبار ، وإن عني أن هذه الأمور لا بد وان تكون ثابتة في الأعيان فهو خطأ ~~والتسلسل لازم. ### |||| ** مسألة : قال الأوائل : الأجناس لا تتضاد وعولوا فيه على الاستقراء ، والخير والشر ~~ليسا جنسين ومع ذلك فالضدية عارضة لهما من حيث إن أحدهما ملائم والاخر ~~منافر ، وشرطوا في التضاد للأنواع الأخيرة دخولها ms119 تحت جنس واحد والتعويل ~~هاهنا على ما عولوا عليه ثم. ### |||| ** مسألة : قالوا : ضد الواحد واحد ، وخالف فيه المتكلمون واستدلوا بأنه لو وجد ~~شيئان في غاية البعد عن البياض لكانت جهة المخالفة ان كانت واحدة فضد ~~الواحد هو تلك الجهة وان كانت متكثرة كانت جهة الضدية بين البياض واحدهما ~~غير جهتها بينه وبين الاخر ، ولا منازعة في أن تكثر التضاد جائز عند تكثر ~~الوجوه والاعتبارات. ### |||| ** مسألة : زعم المثبتون أن التضاد على ثلاثة أضرب : # تضاد على الوجود كتضاد الجوهر والفناء ، ولذلك فإن جزأ من الفناء يغني ~~جميع الجواهر لفقد الاختصاص ثم يغني. # وتضاد على المحل كتضاد (1) السواد والبياض ، ولذلك يفني (2) من البياض ~~جميع ما في المحل من السواد وإن تكثرت أجزائه لعدم الاختصاص. # وتضاد على الجملة كتضاد العلم والجهل والإرادة والكراهة ، ولذلك جزء من ~~الجهل ينفي أجزاء كثيرة من العلم إذا كان بالعكس من ذلك وإن تغايرت محلهما ~~(3)، لأن تضادهما على الجملة ، والجملة مع ذلك كالمحل مع ما يتضاد على المحل. PageV01P252 ### | المطلب الرابع ### | في الكلي والجزئي # وهما من المعقولات الثانية ، والكلي باعتبار وجوده في الخارج متعددة على ~~ستة أقسام ، وللكلي نوع آخر من القسمة ، وهو إما أن يكون طبيعيا أو عقليا ~~أو منطقيا ، وجزموا بوجود الأول ، وفي الباقين خلاف ، الحق أن وجودهما ذهني ~~، وأيضا من الكلي ما هو قبل الكثرة ، ومنه ما هو بعدها ، ومنه ما هو معها. # والجزئي لفظ مشترك بين معنيين : أحدهما الذي يمنع نفس تصوره من وقوع ~~الشركة فيه وهو الحقيقي. # والثاني المندرج تحت غيره وهو الاضافي ، والثاني أعم. ### |||| ** مسألة : الكلي إما أن يكون نفس الماهية وهو النوع ، او جزئها وهو الجنس إن كان ~~كمال المشترك بينها وبين نوع ما ، والا فهو الفصل ، أو خارجا عنها وهو ~~الخاصة إن اختص بماهية واحدة ، والا فهو العرض العام. PageV01P253 ### | المنهج الرابع ### | في إثبات واجب الوجود تعالى وبيان صفاته ### ||| * وفيه مباحث PageV01P255 ### | الأول ### | في إبطال الدور والتسلسل # أما الدور فمن المعلوم القطعي بطلانه ، وربما استدلوا باستحالة تقدم ~~الشيء على نفسه على عدم تقدمه على ms120 المتقدم عليه فإن العلة متقدمة. # وأما التسلسل فقدماء المتكلمين استدلوا على بطلانه بأنه قابل للزيادة ~~والنقصان ، ضرورة أن كل موجود كذلك وكل ما قبلهما فهو متناه ، وأيضا فهو ذو ~~عدد وكل عدد إما زوج أو فرد وهما متناهيان ، وهذان ضعيفان. # والحق أن نقول : كل واحد من آحاد التسلسل ممكن فالمجموع كذلك ، فعلته إن ~~كان هو الآحاد بأسرها كان الشيء مؤثرا في نفسه ، وإن كان بعضها كان الشيء ~~مؤثرا في علته وعلة علته. وأيضا لا يلزم من وجود جزء تتقوم الماهية منه ومن ~~غيره وجود تلك الماهية ، وإن كان أمرا خارجا عنها فهو واجب. # وللشيخ برهان آخر (1)، وهو أن المعلولات قد تساوت في كونها وسطا ، ~~وهاهنا طرف هو المعلول الأخير ، فلا بد من طرف آخر هو العلة الأولى ، ~~ولبرهان التطبيق (2) دلالة في هذا الموضع. PageV01P257 ### | البحث الثاني ### | في بيان وجوده تعالى # لما بطل الدور والتسلسل قلنا : إن هاهنا موجودا بالضرورة ، فهو إما واجب ~~او ممكن ، فان كان الأول فهو المطلوب ، وان كان الثاني فلا بد له من مؤثر ، ~~فإما أن يدور او يتسلسل وهما باطلان ، او ينتهي الى الواجب. # وهذه الطريقة هي أشرف الطرق وأمتنها وهي طريقة الأوائل. # وللمتكلمين طريقة أخرى قوية هي أن الأجسام محدثة فلا بد لها من محدث ، ~~فإن كان ذلك المحدث قديما فهو المطلوب ، والا لزم تسلسل الحوادث وهو محال ، ~~لأن حادثا ما إن كان أزليا لزم التناقض والا فالكل حادث. # ولمشايخ المعتزلة طريقة أخرى ضعيفة هي أن أفعالنا كالقيام والقعود محتاجة ~~إلينا لحدوثها فيكون مشاركها في الحدوث محتاجا الى المؤثر أما الأول ~~فلحصولها عند خلوص الداعي وانتفائها عند خلوص الصارف فهي إذن محتاجة إلينا ~~، وعلة الحاجة هي الحدوث لأنها إما هو او العدم او البقاء ، والأخيران ~~باطلان لأن العدم ليس بعلة ولا معلول والباقي مستغن. # وأما الثانية فلولاها لزم نقض العلة وهو محال. # وهذه الحجة ضعيفة قد تعلمت ضعفها وضعف أمثالها فيما سلف (1). # واعلم أن الوجود عند مشايخ المعتزلة أمر زائد على الذات وأن المعدوم ثابت ~~، فهذه ms121 الحجة تدل على ثبوته لا على وجوده عندهم ، واستدلوا على وجوده بأنه ~~تعالى قادر فله تعلق بالمقدور والمعنى بالتعلق أمر لأجله يختص كونه قادرا PageV01P258 # بمقدور دون مقدور وتعلقه بذلك المقدور لنفسه ، لأن المتعلق بالغير على ~~ضربين : أحدهما المتعلق بغيره لأجل غيره كالأمر والنهي المتعلقين بالغير ~~لأجل الوضع والاصطلاح وهما مغايران للأمر والنهي. # والثاني المتعلق بالغير لذاته كالقدرة والعلم ، ولا شك أنه تعالى ليس (1) ~~من قبيل القسم الأول ، واذا ثبت أنه متعلق بالمقدور لنفسه كان موجودا ، لأن ~~العدم يخرج المتعلق عن التعلق كالقدرة لما كانت متعلقة بالمقدور لنفسها كان ~~عدمها يخرجها عن التعلق ، لأنها لو تعلقت وهي معدومة ، ولا شك أن في العدم ~~ما لا نهاية له من القدر وما يختص به أحدنا من القدر المعدومة أيضا لا ~~نهاية له ، لوجب أن يكون أحدنا قادرا على ما لا نهاية له وذلك يرفع التفاوت ~~بين القادرين وهو محال أدى إليه صحة تعلق القدرة المعدومة ، فإذن العدم ~~يخرج المتعلق عن التعلق ، فلو كان الله تعالى معدوما لم يتعلق والتالي باطل ~~لما تقدم فالمقدم مثله. # واعلم أن ما بني عليه هذا الاستدلال من ثبوت المعدوم من أعظم المحالات ~~والاستدلال المذكور من أضعف الأدلة. PageV01P259 ### | البحث الثالث ### | في الصفة الذاتية # اعلم أن أبا هاشم ذهب الى أن لله تعالى صفة ذاتية يخالف بها ما يخالف ~~كالجوهرية للجوهر ، وأن له اربع صفات اخر ، وهو كونه : قديما ، حيا ، ~~وقادرا ، وعالما ، وأن هذه الصفات مقتضاة عن صفة الذات. # ثم لما اتصف بهذه الصفات وجب لكونه على صفة القادرية أن يصح منه الفعل ، ~~ولكونه على صفة العالم أن يصح منه الإحكام ، ولكونه حيا ان يصح منه الإدراك ~~ويجب عند وجوده. # وقاضي القضاة قسم صفاته الى خمسة اقسام : ### |||| ** الأول : الصفة الذاتية. ### |||| ** الثاني : ما هو مقتضاها ، وهي الصفات الأربع المذكورة. ### |||| ** الثالث : ما يكون حكما للصفة المقتضاة ، وهو صفة الإدراك التي تجب لكونه حيا. ### |||| ** الرابع : ما ثبت له بالمعنى وهو كونه مريدا وكارها. ### |||| ** الخامس : صفات الأفعال. # احتج أبو هاشم على إثبات الصفة الذاتية ms122 بأنه تعالى قادر ، عالم ، حي ، ~~قديم على سبيل الوجوب ، فقد خالف باقي الذوات في ذلك ، فعلة المخالفة لا ~~يجوز أن يكون هو مجرد الصفات الأربع لوقوع الاشتراك ولا وجوبها ، فإن البصر ~~يدرك السواد الواجب فرضا في المحل مساويا للسواد الممكن فلا بد من حالة ~~أخرى ذاتية تختص به حتى تقع المخالفة. PageV01P260 # وهذا الكلام سخيف ، أما أولا فلأنه مبني على الاصل الفاسد وهو أن الذوات ~~متساوية. # وأما ثانيا فللزوم التسلسل ، فانا نقول : لو كان الاختصاص بالصفات الأربع ~~يستلزم ثبوت صفة [لكان الاختصاص بتلك يستلزم ثبوت] (1) أخرى. # وأما ثالثا فلأن هذه الصفات جاز أن يكون مختلفة فتقع المخالفة بأنفسها ~~كما تقولون في القدر ، فإنها عندهم مختلفة في الجنس وان تساوت في مسمى ~~القدرة. # وأما رابعا فلأن الاختلاف جاز أن يستند الى الوجوب والإمكان والقياس على ~~السواد غير مفيد ، لأن الإدراك انما تعلق به من حيث هو لا من حيث الوجوب ~~والإمكان ، ولو فرض تعلق الإدراك من حيث الصفات لقد كان يدرك الإنسان ~~المخالفة. PageV01P261 ### | البحث الرابع ### | في أن الله تعالى قادر (1) # والمعني بالقادر من يصح منه الفعل والترك. # ومشايخ المعتزلة على أنه من كان على حالة يصح عليها الفعل والترك بالنسبة ~~إليه ، والدليل على ذلك أنه لو كان موجبا لكان إما مطلقا او يتوقف على شرط ~~، والأول باطل والا لزم القدم ، والثاني باطل لأن ذلك الشرط ان كان قديما ~~لزم القدم وان كان حادثا لزم التسلسل واللازمان باطلان فالقول بالموجب باطل. # والأوائل عندهم أنه ليس بقادر بهذا المعنى (2) وان كان قادرا بمعنى أنه ~~اذا شاء ان يفعل فعل واذا شاء ان يترك ترك ، وهذا لا ينافي وجوب الفعل لعدم ~~المنافاة بين القضية الشرطية والحملية لفقدان شرط التناقض وهو الاتحاد في الشرط. # واعترض على ما ذكرناه بوجوه : ### |||| ** أحدها : أن العالم إن كان صحيح الوجود في الأزل لم يلزم محذور ، وإن كان محالا لم ~~يلزم من حدوثه ثبوت القدرة لجواز كون العلة موجبة وهي غير مؤثرة في الأزل ~~لتوقفها على القبول. ### |||| ** وثانيها : جاز أن يكون ms123 واجب الوجود لذاته أوجب موجودا قادرا أثر في العالم. PageV01P262 ### |||| ** وثالثها : أن الترك غير مقدور فالفعل غير مقدور ، أما الأول فلأنه عدم الفعل والعدم ~~نفي محض فلا تتعلق القدرة به ، وأما الثاني فظاهر. ### |||| ** ورابعها : أن قدرة الله تعالى إن كانت أزلية لزم قدم صحة التأثير ولا صحة في الأزل ، ~~وإن كانت محدثة لزم التسلسل. ### |||| ** وخامسها : أن القدرة نسبة فتتوقف على ثبوت المنتسبين. ### |||| ** والجواب عن الأول : أن الاستحالة إنما حصلت على تقدير كون المؤثر قادرا ، أما على تقدير كونه ~~موجبا لم يكن العالم مستحيلا في الأزل ، سلمنا استحالته في الأزل لكن لو ~~حدث قبل حدوثه لم يكن أزليا فكان يجب وجوده قبل وجوده ضرورة وجود العلة ~~وانتفاء المانع. ### |||| ** والجواب عن الثاني : أن الواسطة منتفية بإجماع المسلمين ، ومثل هذا المطلوب لا استحالة في ~~استفادته من السمع. ### |||| ** وعن الثالث : أن الترك عند بعضهم فعل الضد فلا استحالة وعند آخرين أنه عدم الفعل ، ومعنى ~~كونه مقدورا أن القادر يمكنه ان لا يوجد الفعل. ### |||| ** وعن الرابع : ان القدرة أزلية ، ولا يلزم منه صحة تأثيرها في الأزل لأن شرط تأثيرها ~~فقدانه. ### |||| ** وعن الخامس : أن القدرة تتوقف على ثبوت المقدور مطلقا الذي هو أعم من الثبوت الخارجي ، ~~والمستند الى القدرة هو الأخص. ### |||| ** تذنيب : قدرته تعالى تتعلق بجميع المقدورات ، لأن علة صحة المقدورية هي الإمكان ~~المشترك وعلة قدرته هي ذاته التي نسبتها الى الجميع على السوية ، ولأن ~~الباري يصح أن يقدر على الكل لأنه حي يصح أن يقدر ونسبة الصحة الى جميع ~~المقدورات على السوية وإذا صح أن يقدر على الكل وجب ، ولأن المقتضي لتلك ~~الصحة ليس الا الذات فلو لم يجب لكانت متوقفة على امر خارج عن الذات وقد PageV01P263 # فرضنا الذات هي المقتضية لا غير هذا خلف. # واعلم أن الآراء لم تتفق على هذا ، فلنتجرد لذكرها وفسخ ما احتجوا به ~~فنقول : اما الأوائل فقد زعموا أن الله تعالى واحد من كل جهة ، وأن الواحد ~~يستحيل أن يصدر عنه الا واحد ، وقد مضى تقدير هذا وما يرد عليه ، قالوا ms124 : ~~فذلك الواحد يستحيل ان يكون علة الا لعقل على ما مضى ، ثم ذلك العقل فيه ~~جهتا وجوب وتعقل للأول باعتبارهما كان مبدأ العقل آخر وجهتا ماهية وامكان ~~باعتبارهما كان مبدئا لهيولى الفلك المحيط وجهتا وجود وتعقل لنفسه ~~باعتبارهما كان مبدئا لصورة الفلك المحيط ، ثم هكذا الترتيب في العقول ~~والأفلاك الى أن ينتهي الى الفلك التاسع المحيط بالأرض اعني فلك القمر والى ~~العقل الأخير العاشر الذي هو العقل الفعال ، ثم يفيض هيولى العالم العنصري ~~وصوره والحوادث التي في هذا العالم بحسب استعدادات المواد الحاصلة بسبب ~~الحركات الفلكية. # ونحن لما أثبتنا كونه تعالى قادرا اندفعت هذه الكلمات ، وأيضا فقد جوزنا ~~استناد الكثرة الى البسيط وأصول كلامهم قد سبق فسادها. # وأما النظام فانه قال : إن الله تعالى غير قادر على القبيح (1)، لأن ~~صدوره عنه يستلزم الجهل او الحاجة وهما محالان فيكون الملزوم كذلك. # والجواب الجهل والحاجة لا زمان للوقوع لا للقدرة عليه. # سؤال : الوقوع إذا كان محالا لم تتحقق القدرة. # جواب : استحالة الوقوع بالنظر الى الداعي لا الى كون الفعل مستحيلا ، ~~والقادر ليس هو الذي يصح منه الفعل على كل وجه بل هو الذي يصح منه الفعل ~~على بعض الوجوه ، فالداعي لو تحقق على فعل القبيح لتحقق الفعل. PageV01P264 # ويعارض بأن الله تعالى قادر على أن يخبر بأن العالم ليس بقديم فيكون ~~قادرا على الإخبار بالقدم لأن القادر على المجموع قادر على الأجزاء ضرورة ، ~~وبأنه تعالى قادر على تعذيب الكافر ، على تقدير موته على الكفر فاذا اسلم ~~استحال خروجه عن القدرة لأن الذاتي لا يتغير. # وفي بعض هذه الوجوه نظر ، وأما عباد (1) فانه قال : معلوم الله تعالى إن ~~كان هو الوقوع وجب وإن كان العدم امتنع وهما ينافيان القدرة. # وجوابه أن الوجوب والامتناع انما حصلا نظرا الى العلم ، والفعل من حيث هو ~~هو ممكن فصح تعلق القدرة به ، ولأن العلم بالوقوع تبع الوقوع الذي هو تبع ~~القدرة فيستحيل أن يكون مؤثرا فيها ، ولأنه يلزم أن ينتفي قدرة الله تعالى ~~، ولأن هذا الوجوب وجوب لاحق. ms125 # وأما الكعبي فانه زعم أن الله تعالى لا يقدر على مثل مقدور العبد ، لأن ~~مقدوره إما طاعة او سفه او عبث وهي منتفية في حقه تعالى. # وجوابه أن الفعل أمر مغاير لكونه طاعة او عبثا ، فإن هذه صفات عارضة له ~~لا يقدح في التماثل الذاتي وإن جاز تعلق قدرته تعالى به نظرا الى القدرة لا ~~الى الداعي. # ونقل عنه : إنه تعالى لا يقدر على ان يخلق فينا علما ضروريا يتعلق ~~بمعلوماتنا المكتسبة ، والا لأمكن أن يخلق فينا العلم بقدرة زيد ويكون ~~العلم بزيد مكتسبا ثم يشك في زيد فيلزم أن يشك في الضروري والا لكنا نقطع ~~بقدرته مع الشك في وجوده. # وجوابه أن العلم بالقدرة منفكة عن الوجود محال والمحال غير مقدور عليه ، PageV01P265 # ولا يلزم من استحالة القدرة على هذا الامر الراجع الى الخصوصية ، استحالة ~~القدرة مطلقا. # وأما أبو علي وأبو هاشم وأصحابهما فزعموا أنه تعالى غير قادر على نفس ~~مقدور العبد ، وأجازه أبو الهذيل وأبو الحسن والأشاعرة للدليل على أنه قادر ~~على كل مقدور ، واحتج أبو علي وابنه بأنه يلزم اجتماع قادرين على مقدور ~~واحد وهو محال على ما مر. # والجواب المنع من الاستحالة ، وقد سلف ، وهذا المذهب مما ذهب إليه السيد ~~المرتضى (1). PageV01P266 ### | البحث الخامس ### | في أن الباري تعالى عالم # لأنه تعالى فعل الأفعال المحكمة المتقنة ، وكل من كان كذلك فهو عالم ~~بالضرورة والصغرى محسوسة. # فان قيل : ما معنى الإحكام إن عنيتم به مطابقة المصلحة من كل وجه منعنا ~~الصغرى فإن مفردات العالم ومركباته لا تنفك عن مفسدة من وجه ، او من بعض ~~الوجوه منعنا الكبرى فإن كثيرا من الفاعلين يكون أفعالهم مطابقة للمصلحة من ~~بعض الوجوه مع كونهم غير عالمين كالساهي والنائم. # وأيضا الأفعال المحكمة قد تصدر ممن ليس بعالم كالنحل والمحتذى. # وأيضا فان المحكم قد يصدر مرة من غير العالم فجاز ثانية وثالثة. # وأيضا لو كان عالما لكان علمه إما عين ذاته او غيرها ، والقسمان باطلان ، ~~أما الأول فلأن العلم أمر نسبي يتوقف على المنتسبين فهو مغاير ms126 لهما ولأنا ~~ندرك التفرقة بين قولنا ذاته وبين قولنا (1) ذاته عالمة ، ولأنا بعد العلم ~~بثبوت ذاته قد نشك في علمه فدل على التغاير. # وأما الثاني فلأن المؤثر فيه لا يكون الا ذاته تعالى فيكون قابلا وفاعلا. # والجواب معنى الإحكام هو المطابقة للمنفعة من الجهة المطلوبة منه وهو دال ~~على العلم بالضرورة ولا يسمع فيه التشكيك والنحل والمحتذى عالمان ~~والاستبعاد ليس بحجة. PageV01P267 # وقوله : إنه إذا صدر مرة جاز ثانية وثالثة (1) مدفوع بالعلم الضروري بأن ~~الذي يصدر عنه الفعل المحكم المتكرر فإنه عالم. # وجواب الأخير أن علمه زائد على ذاته في اعتبار المعتبرين وليس له تحقق ~~منفصل عن تحقق ذاته ، ولو سلم جاز أن يكون حالا فيه ولا استبعاد في حصول ~~القبول والفعل لذات واحدة. # برهان ثان : الباري تعالى مختار فيكون عالما ، لأن المختار لا بد وأن ~~يتصور أولا ما يختار والا لكان توجه اختياره الى أحد الأشياء دون ما عداه ~~ترجيحا من غير مرجح ، على أن هذا امر ضروري. ### |||| ** تذنيب : علمه تعالى يتعلق بجميع المعلومات ، لأنه حي يصح أن يعلم الجميع الذي نسبته ~~الى الذات بالسوية ، والمقتضي للصحة هو الذات فيجب أن يعلم الكل. ### |||| ** اوهام وتنبيهات : قال قوم من الأوائل : إن الله تعالى لا يعلم ذاته ، لأن العلم أمر نسبي ~~يستدعي تغاير المنتسبين ، ولأن علمه بذاته زائد على ذاته فيكون قابلا او فاعلا. # ونحن نعارضهم في الأول بعلم الواحد بنفسه ، وفيه جواب آخر ذكرناه فيما سلف. # وعن الثاني بالطعن في استحالة التالي. # وآخرون منهم منعوا أن يكون عالما بغيره بعد تسليم أنه عالم بذاته قالوا : # لأن العلم عبارة عن حصول صورة مساوية للمعلوم في العالم ، فلو كان الله ~~تعالى عالما بغيره لكان محلا للصور مع أنه هو الفاعل لها فيكون قابلا ~~وفاعلا ، ولأن الصور غير متناهية فيكون لما لا يتناهى وجود. # وهذا المحال انما لزمهم حيث جعلوا العلم عبارة عن الصورة ، أما نحن فلما PageV01P268 # كان العلم عندنا عبارة عن النسبة بين العالم والمعلوم سقط عنا هذا المحال ~~، وأفلاطن أثبت المثل فيسقط ms127 (1) عنه هذا المحال وإن كان يلزمه المحال من ~~جهة اخرى. # وجماعة المشائين (2) قالوا : بالاتحاد خلاصا من هذا فلزمهم المحال ~~الشنيع. # وبعض مشايخنا المحققين أجاب عن هذا بأنه تعالى لا يفتقر في علمه بالأشياء ~~الى حصول صور مغايرة لصور تلك الأشياء الخارجية ، فإن العاقل منا لشيء من ~~الأشياء بصورة حاصلة في ذاته اذا عقل تلك الصورة لا يفتقر الى صورة أخرى بل ~~يعقل ذلك الشيء بتلك الصورة وتعقل تلك الصورة بذاتها ، فلما كان تلك الصورة ~~الصادرة عن العاقل لا بانفراده بل بالمشاركة من غيره أعني المعقول لا يفتقر ~~العاقل في تعقلها الى صورة مغايرة لها فكيف الفاعل للأشياء على سبيل (3) ~~الاستقلال ، فإنه باقتضاء المعقولية لها لا لصورة (4) زائدة عليها أولى. # وليس الحلول شرطا في المعقولية بل مجرد الحصول ، فإن تحقق الحصول من غير ~~حلول حصل التعقل ، ومن المعلوم أن حصول الأثر لفاعله أقوى من حصول المقبول ~~لقابله ، وكما أن ذاته علة للأشياء وتعقل ذاته علة لتعقل الأشياء مع أن ~~ذاته وتعقله لها أمر واحد بالذات متغاير بالاعتبار كذلك المعلولان اللذان ~~هما الأشياء والتعقل (5) متحدان بالذات ومتغايران بالاعتبار. # وهذا الكلام دقيق ، ومع ذلك قلنا فيه نظر ذكرناه في كتاب الأسرار. # وآخرون سلموا أنه تعالى عالم بالماهيات الكلية ، أما الأشياء الجزئية ~~فإنه تعالى غير عالم بها ، والا لتغير العلم بتغيرها ، فإنه إذا علم وجود ~~زيد الآن في الدار PageV01P269 # فبعد خروجه إن بقي العلم كان محض الجهل والا لزم التغير. # ولأن إدراك الجزئيات انما يكون بالآلات الجسمانية ، ولأن إدراك الجزئيات ~~يتوقف على حصولها فقبله لا يكون عالما. # أجاب ابو هاشم عن الأول بأن العلم بأن الشيء سيوجد نفس العلم بالوجود عند ~~الوجود ، وقد مر ضعف هذا القول. # والذي ذهب إليه متقدموا المعتزلة كأبي علي وأبي القاسم وأبي الحسين جواز ~~التغير في ذلك ، ثم إن أبا الحسين منع من زوال علمه بأنه سيوجد والتزم ~~بتجدد علم بوجوده عند وجوده ، ومحمود التزم بزوال الأول وتجدد الثاني. (1) # قالوا : وهذا القول أولى من قول ابي هاشم وهو القول ms128 بأنه يبقى عالما بأنه ~~سيوجد مع أنه موجود أولى من نفي العلم ، فانه مع إمكان المعلومية لو لم ~~يعلمه لزم القصور في عالميته تعالى. # قيل عليهم : العلم صفة ذاتية فلا يجوز عليها التغير. # أجابوا بان التغير في الصفة الذاتية لا يجوز إذا كانت مطلقة أما إذا كانت ~~مشروطة فيجوز. # بيانه بأنه تعالى قادر على إيجاد العالم فيما لم يزل وهي صفة ذاتية لكن ~~لا مطلقا بل بشرط عدم العالم فإذا وجد استحال بقاء القدرة والا لزم ايجاد ~~الموجود ، وكذلك نقول في الإدراك فإنه تعالى مدرك في الأزل لكن بشرط وجود ~~المدرك بخلاف ذاته تعالى الواجبة على الاطلاق. # كذلك كونه عالما بالشيء مشروط بكون الشيء معلوما على ذلك الوجه ، ثم PageV01P270 # إذا وجد ما كان عالما بأنه سيوجد ، فاما أن يبقى صحة المعلومية بأنه ~~سيوجد فيلزم الجهل ، وإما أن لا يبقى بل خرج من أن يكون معلوما سيوجد بعد ~~الوجود وإنما يعلم بأنه موجود ، فقد اعترفتم بتغير الشرط وهو تغير المعلوم ~~فيلزم تغير المشروط. # واعلم أن كلام ابي الحسين ركيك ، فان القول ببقاء العلم بأن الشيء سيوجد ~~مع حصول العلم بالوجود حين الحصول ، قول : باجتماع المتقابلين ، ولقوة ~~الشبهة المذكورة التزم هشام على ما نقل عنه ابو القاسم : بأنه تعالى لا ~~يعلم الحوادث قبل وجودها (1)، والمتكلمون أجابوا عنه بما ذكرناه. # واعلم أن القول : بالتغير قول هشام بعينه وقول بكونه تعالى محلا للحوادث. # وفيه من المحذور ما فيه (2). # وآخرون أحالوا العلم بما لا يتناهى ، لأن العلم يتعدد بتعدد المعلومات ~~والمعلومات غير متناهية فالعلوم غير متناهية. # والجواب : أما من يجوز تعلق العلم بمعلومات كثيرة فيندفع عنه هذا المحذور ~~، وأما من يمنع فإنه يجوز ذلك ويجعل العلم من قبيل الإضافات وعدم التناهي ~~في الإضافات واقع ، فإن الاثنين نصف الأربعة وثلث الستة وربع الثمانية ~~وهكذا الى ما لا يتناهى. # وآخرون أحالوا العلم بجميع المعلومات والا لكان (3) عالما بعلمه بالأشياء PageV01P271 # ويتسلسل تسلسلا مرتبا (1) وهو محال اتفاقا. # والجواب أن العلم بالعلم نفس العلم بالذات وغيره بنوع من الاعتبار ، ومع ms129 ~~تسليم التغاير فعدم التناهي في الإضافات قد جوز وقوعه. # وآخرون أحالوا علمه بالمعدوم والا لتميز والمتميز ثابت. # والحق أنه معلوم والا لاستحال منه تعالى الايجاد على سبيل الإحكام ، لأن ~~مسبوقية العلم واجبة للمختار الفاعل بالإحكام. # والجواب عما ذكروه من وجوه : # الأول : أن الثبوت أعم من الخارجي والعلم بالمعدوم يستلزم الثبوت بالمعنى الأعم. # الثاني : المعدوم ثابت في الخارج وهو قول أبي هاشم القائل بأن المعدومات ~~تتميز بصفات ثابتة لها حتى تعلق العلم بها. # الثالث : أنه يجب أن يكون متميزا بصفات مترقبة متجددة كما نعلم تميز ~~الأجسام بعضها عن بعض في عدمها وبالاتفاق أنها ليست ثابتة وكذلك الصور ~~والأشكال. # وفي هذه الأجوبة نظر. # أما الأول ، فلأن الثبوت وإن كان أعم لكنه لا يوجد الا في أحد أخصيه ، ~~وهاهنا لما انتفى الثبوت الخارجي والذهني محال على الله تعالى ولا ذهن في ~~الأزل ، بطل القول بالثبوت مطلقا. # وأما الثاني ، فاستحالته ظاهرة وقد بين. # واما الثالث ، وهو الذي ذهب إليه الشيخ أبو جعفر الطوسي من أصحابنا فإنه ~~أقربها ، وتحريره أن نقول : العدم إما ان يوجد على الإطلاق او بحسب الإضافة ، PageV01P272 # أما الأول فقد اختلف الناس في تعلق العلم به ، والحق أنه يصح تعلق العلم ~~به ، لأن الوجود المطلق معلوم فعدمه يكون هو العدم المطلق ويكون متميزا ~~باعتبار ملكته وهو مطلق الوجود ، ونقل عن بعض الأوائل المنع. # وأما الثاني فانه يعلم أيضا متميزا عن غيره باعتبار تميز ملكته عن ملكة ~~الغير ، وأما المعدوم فانه ذات اتصفت بالعدم ويصح تعلق العلم بها للامتياز ~~عن غيره عند وجوده ، فان الباري تعالى إذا علم سوادا يوجده استحال أن يقال ~~بثبوت السواد وأن السواد ليس بمتميز اصلا عن البياض والا لم يتعلق العلم به ~~والإرادة ، والتميز حال عدم السواد إما أن يكون باعتبار حصول صفة له حال ~~العدم وهو قول بثبوت المعدوم ، وإما أن يكون باعتبار حصول صفة له متجددة ~~وهو المطلوب ، على أن هذا القول عند استقصاء النظر لا يخلو من بحث. ### |||| ** تذنيب : قسم الأوائل العلم الى فعلي وانفعالي ms130 ، وقد سبق ، وزعموا أن علم الله ~~تعالى ليس بانفعالي بل إما فعلي وإما غيرهما كعلمه بذاته ، واستدلوا على ~~أنه تعالى عالم بأنه مجرد وكل مجرد عالم ، والصغرى ستأتي ، والكبرى مضى ~~البحث فيها والاعتراض عليها. # وقالوا : أيضا إنه تعالى عالم بذاته وذاته علة للأشياء والعلم بالعلة ~~يستلزم العلم بالمعلول فيكون عالما بالكل. # ونحن قد بينا قبح مقدماتهم. # وأبو هاشم ذهب الى أنه تعالى عالم بمعنى أنه على حال يصح عليها تبينه ~~للأشياء ، وسيأتي الكلام عليه. PageV01P273 ### | البحث السادس ### | في أنه تعالى حي # وهذا حكم متفق عليه ، والخلاف إنما وقع في معناه ، فقال الأوائل وأبو ~~الحسين البصري وأبو القاسم الكعبي ومحمود الخوارزمي : أن معناه هو أنه لا ~~يستحيل أن يقدر ويعلم ولم يثبتوا له صفة زائدة على ذلك ثبوتية. # وذهبت الأشاعرة وجماعة من المعتزلة الى إثبات صفة لأجلها يصح أن يعلم ~~ويقدر (1). # والحق هو الأول ، وسيأتي إبطال الثاني ، واعلم أن على تفسيرنا الحي يظهر ~~بأدنى سرعة أنه تعالى حي لأنه قادر عالم. # والمثبتون للصفة قالوا : إنه تعالى قادر عالم فلا بد له من صفة تخصصه ~~بذلك وإلا لما كان صحة أن يعلم ويقدر أولى من هذه الصحة. # والجواب : مستند الصحة هو الذات ، وعند الأوائل أن الحي هو الدراك الفعال ~~، وهذان الوصفان ثابتان له تعالى ، وهذا الكلام قريب مما ذكرناه. # قال فخر الدين اعتراضا على أبي الحسين (2): إذا كان الحي هو الذي PageV01P274 # لا يستحيل عليه أن يقدر ويعلم ، فهو صفة ثبوتية ، لأن نفي الاستحالة سلب ~~السلب وهو غير الذات ، لأنا نعلم الذات ونشك في الحياة. # وهذا غير وارد ، فإن سلب السلب لا يجب أن يكون أمرا موجودا ، وكيف فإن ~~سلب السلب داخل تحت مطلق السلب العدمي ، فكيف يكون الأمر الوجودي متقدما ~~بالأمر العدمي؟. PageV01P275 ### | البحث السابع ### | في أنه تعالى مريد وكاره ### |||| ** مقدمة : اعلم أن الواحد منا إذا صدر عنه فعل فقبل صدور ذلك الفعل يجد من نفسه حالة ~~يقتضي ترجيح الفعل على الترك ، فجماهير المعتزلة على أن تلك الحالة هي ~~الداعي أعني الاعتقاد باشتمال (1) الفعل ms131 على صلاحية ما راجحة على الترك. # وذهب آخرون الى أن تلك الحالة زائدة على الداعي ، فإنها (2) قد توجد ~~منفكة عنه ، فإن العطشان إذا حضره إناءان رجح أحدهما على الآخر وحصل له ~~الميل مع تساويهما في المصلحة. # وأيضا فإنا متى علمنا اشتمال (3) الفعل على المصلحة حصل لنا ميل الى ~~ايجاده فبينهما مغايرة. # وأبو الحسين أثبت هنا الزائدة شاهدا لا غائبا ، والأشاعرة وأبو علي وأبو ~~هاشم وقاضي القضاة ذهبوا الى ثبوته شاهدا وغائبا زائدا على الداعي ، ~~والأوائل من المعتزلة الى انتفائه زائدا في الشاهد والغائب. # ثم النجار فسر الإرادة له تعالى بأنه غير مغلوب ولا مستكره ، وفسرها ~~البلخي بأنه تعالى موجد لأفعاله إن كانت الإرادة لأفعاله وآمر بافعال غيره ~~إن كان مريدا لها (4). PageV01P276 # والدليل على كونه تعالى مريدا تخصيص أفعاله بالوقوع في وقت دون آخر ، مع ~~أن نسبة الفعل والقدرة الى الأوقات على السوية ، فلا بد من زائد هو الإرادة ~~، وأيضا قد ثبت انه فاعل مختار فيكون نسبة المقدورين إليه على السوية فلا ~~بد من مخصص لأحدهما زائد على القدرة هو الإرادة. قال فخر الدين : وهي غير ~~العلم (1)، لأنه تابع للوقوع فلا يكون علة في الوقوع. # ونحن نقول : إن عنيت أنها غير العلم بالوقوع فهو حق ، وذلك شيء لم يقل به ~~أحد فيما أحسب ، وإن عنيت أنها غير العلم باشتمال الفعل على المصلحة فهو ~~ممنوع ولا نسلم تبعيته للوقوع ، وقد انهدم بهذا القول قاعدته المشهورة في ~~خلق الأعمال. # وأيضا فإنه تعالى أمر ونهى هما دليلان على الإرادة والكراهة. # فإن قيل : يحتمل أن يكون المخصص هو الحركات الفلكية ، سلمنا فلم لا يكون ~~المخصص هو القدرة؟. # قوله : القدرة لا تؤثر في التخصص بل في الإيجاد وهو متساوي النسب الى ~~الأوقات. # قلنا : الإرادة أيضا تأثيرها التخصص (2) وهو تساوي النسب ، فإن أحوج ~~تساوي النسب في القدرة الى زائد هو الإرادة ، أحوج في (3) الإرادة الى زائد ~~ويتسلسل. # سؤال : يجوز أن يكون الإرادة شأنها التخصص (4) في وقت معين فيستغني عن ~~زائد بخلاف القدرة. PageV01P277 # جواب : يلزم الإيجاد. # وأيضا الأوقات ms132 متساوية ، فلو اختص وقت منها بالتخصيص مع عدم الأولوية ~~فليكن له صلاحية التأثير ، وأيضا فلم لا يجوز أن تكون القدرة كذلك حتى يكون ~~لها صلاحية الإيجاد في وقت معين؟. # والجواب عن الأول ، أن الكلام آت في سبب تخصيص الحركات ، فإن أسندوها الى ~~حركات اخر تسلسل. # وعن الثاني ، أن إرادة الإيجاد في وقت معين علة للتخصيص في ذلك الوقت دون ~~غيره بخلاف القدرة ، ولزوم الإيجاب ممنوع ، فإن الموجب هو الذي يفعل من غير ~~توسط القدرة والإرادة ، وكون الفعل واجبا نظرا الى الإرادة غير مناف ~~للاختيار ، بل المنافي له (1) انما هو الموجب ، فإنه وجوب سابق مناف ~~للإمكان وذلك وجوب لاحق غير مناف له. # وعن الثالث ، أن التخصيص غير مستند الى الأوقات حتى يلزم منه تجويز ~~تأثيرها ، وإنما التخصيص مستند إلى الإرادة والوقت ظرف له. # وعن الرابع ، أن القدرة متساوية النسبة الى الأوقات التي يمكن وقوع الفعل ~~فيها بالضرورة. # والأوائل نفوا الإرادة عنه تعالى ، لأن القاصد الى إيجاد شيء يكون ~~مستكملا بذلك الشيء من حيث إنه إذا فعله حصل ما هو أولى به أن يفعله ، فإن ~~القاصد لإيجاد شيء لو لم يكن ذلك الشيء أولى به (2) لما توجه القصد نحوه. # ثم سألوا أنفسهم فقالوا : يجوز أن يقصد القاصد الى إيجاد شيء بكون ذلك ~~الشيء حسنا في نفسه ، فإن نفع الغير حسن في نفسه. PageV01P278 # وأجابوا بأن كون الشيء حسنا في نفسه لا مدخل له في أن يقصده القاصد ، بل ~~لا بد وأن يكون فعل ذلك الحسن في نفس الأمر مما يفيد الفاعل حسنا ما ، ~~فيكون مستفيدا للكمال من الغير. # ولأن إرادته إما أن يكون قديمة أو حادثة ، والقسمان باطلان. # أما الأول ، فلأن القصد إلى الإيجاد إنما يتحقق حال حصول الإيجاد ، أما ~~قبله فيكون عزما ، ولأن عند حصول المراد لا تبقى الإرادة وإلا لزم إرادة ~~إيجاد الموجود وهو محال ، ولأن الإرادة المتعلقة بالحصول في وقت معين ~~استحال تغيرها لكونها قديمة فيستحيل أن يقع ذلك الفعل إلا في ذلك الوقت ~~المعين فيكون الله تعالى موجبا. # وأما ms133 الثاني ، فلأنه يلزم منه التسلسل ، ويلزم أن يكون محلا للحوادث. # والجواب عن الأول أن القادر يفعل أحد المقدورين لا لمرجح كما مثلناه من ~~العطشان والجائع. # وأيضا ما معنى الاستكمال ، إن عنيتم به أنه لو لم يفعل الفعل لم يحصل ما ~~هو الأولى وعند فعله حصل ما هو الأولى ، فهو مسلم ولا استحالة في ذلك ~~والأولوية ليست من الصفات الحقيقية لله تعالى. # وإن عنيتم شيئا آخر فاذكروه ، وهذا جواب حسن ، والأول يسد باب إثبات ~~الإرادة رأسا. # وعن الثاني أن الإرادة إن قلنا بزيادتها قلنا هي قديمة ، قوله : إنها قبل ~~الفعل عزم ، قلنا : نزاع في اللفظ ، قوله : عند حصول المراد ينتفي الإرادة ~~، قلنا : ممنوع بل الذي يعدم هو التعلق ، قوله : يلزم أن يكون موجبا ، قلنا ~~: مر الجواب ، على أن الحق أن الإرادة ليست بزائدة على الداعي ويندفع بهذا ~~جميع شبهاتهم. ### |||| ** مسألة : الحق عندي أن الإرادة ليست زائدة على الداعي في حق الله تعالى ، PageV01P279 # لأنه لو كان مريدا بإرادة زائدة على ذاته ، لكان إما أن يكون الإرادة ~~ذاته (1) فيلزم عدم اختصاصها بمراد دون مراد كما قلنا في القادر لذاته ، ~~العالم لذاته. وإما أن يكون لإرادة أخرى صدرت عنه ، فيلزم التسلسل. # وأما الأشاعرة فإنهم قالوا : إنه تعالى مريد بإرادة قديمة زائدة على ~~العلم (2)، وسيأتي الكلام معهم. # وأبو هاشم ذهب الى أنه مريد بإرادة محدثة لا في محل ، واستدل على ذلك ~~بأنه لو كان مريدا لذاته أو بإرادة قديمة لما اختص بمراد دون مراد ، ~~والتالي باطل والمقدم مثله والشرطية ظاهرة ، وبطلان التالي ظاهر أيضا ، فلا ~~بد وأن يكون مريدا بإرادة محدثة ، فإن كانت حالة في ذاته لزم أن يكون محلا ~~للحوادث وهو محال ، أو في غيره ، فإن كان حيوانا كان حكمها راجعا إليه ، ~~وإن كان جمادا فهو غير معقول ، فلم يبق الا أن يكون لا في محل. # وهذا الكلام ساقط ، أما أولا فلان وجود عرض لا في محل غير معقول. # وأما ثانيا فلأنه لا اختصاص له حينئذ بتلك الصفة دون غيره من المريدين. # أجابوا عن ms134 الأول بأن وجود عرض لا في محل ليس معلوم البطلان بالضرورة ، بل ~~لا بد من النظر ، وليس عليه دليل. وعن الثاني أن الاختصاص حاصل ، فإن واجب ~~الوجود ليس في محل والإرادة ليست في محل فقد تشاركا (3) في هذا الوصف بخلاف ~~غيره من المريدين. # والجواب عن الاول إن العلم القطعي حاصل بأن وجود صفة لموصوف لا في ذلك ~~الموصوف محال. وعن الثاني أن هذا الذي ذكرتموه ضعيف ، لأن الإرادة PageV01P280 # إما أن يحتاج لاقتضائها صفة المريد للحي إلى الحلول في بعض منه كما ~~يقولون في الأحياء هنا أو لا يحتاج ، فإن كانت تحتاج وقد استحال ذلك في حق ~~الله تعالى وجب أن يستحيل اقتضائها صفة المريد له ، وان لم يحتج كانت ~~الإرادة في ذاتها وفي اقتضائها صفة المريد غنية عن المحل والأحياء بأسرهم ~~قابلون لصفة المريد ، فيكون نسبة الإرادة الى كل الأحياء على السوية ~~واختصاص البعض بالحيز (1) لا يخرجه عن القبول. PageV01P281 ### | البحث الثامن ### | في أنه تعالى مدرك # قد بينا فيما سلف من كتابنا أن السمع والبصر لا يتوقفان على الانطباع ~~والشعاع ولا على تموج الهواء الواصل الى سطح الصماخ ، خلافا للأوائل ، وإن ~~توقف شاهدا فجاز أن يكون في الغائب غير مشروط بهما وكذلك في بقية الحواس. # وإذا لم يتوقف على ذلك لم يكن في العقل مانع من وصف الباري تعالى ~~بالإدراك ، والقرآن وارد بوصفه به ، فيجب المصير إليه حتى يأتي دليل عقلي ~~يمنع من إجرائه عليه تعالى ، فيجب التأويل ، والخصم إذن في مقام التوقف من ~~دون الدليل ، والأوائل لما اشرطوا (1) في الإدراك الآلات مطلقا وكانت ~~ممتنعة في حقه تعالى نفوا الإدراك عنه. # والأشاعرة قد احتجوا بدليل عقلي على ذلك (2)، فقالوا : الباري تعالى حي ~~وكل حي يصح وصفه بالإدراك وكل من يصح وصفه به فإنه يجب اتصافه به أو بضده ، ~~وضده العمى والصم وعدم الشم الى غير ذلك وهي نقائص في حق الله تعالى ، فيجب ~~وصفه بالضد. # وهذا الدليل مدخول من وجوه : ### |||| ** أحدها : لا نسلم أن كل حي فإنه يصح وصفه بالسمع والبصر ms135 ، والقياس على الشاهد لا ~~يقتضي (3) اليقين على ما أوضحناه في كتبنا المنطقية. ### |||| ** الثاني : ان في الشاهد كل حي ، فإنه يوصف باللذة أو بضدها أعني الألم ، PageV01P282 # فيجب في الغائب كذلك مع اعترافكم ببطلانه. ### |||| ** الثالث : لم قلتم إن كل حي إذا لم يوصف بما يصح اتصافه به وجب اتصافه بضده؟ فإن ~~الهواء خال عن الألوان والطعوم ، اللهم إلا إذا جعلوا الضد عبارة عن عدم ~~الصفة ، فحينئذ يجب عليهم بيان استحالة اتصافه تعالى بعدم السمع والبصر ~~الذي هو المطلوب. ### |||| ** الرابع : سلمنا أن كل حي إذا لم يتصف بالصفة الصحيحة فإنه يتصف بضدها الوجودي ، لكن ~~على تقدير وجود ضد لتلك الصفة ، فلم قلتم إن مقابلة السمع والبصر للصمم (1) ~~والعمى تقابل الضدية. وجماعة من العقلاء يجعلون التقابل بينهما تقابل العدم ~~والملكة. ### |||| ** الخامس : لم قلتم أن النقائص على الله تعالى محال؟ فإن عولتم في ذلك على الدليل ~~العقلي فأبرزوه ، وإن عولتم على الإجماع الذي دلالته مستفادة من السمع ~~فالتزموا في إثبات المطلوب بالسمع من غير أن تدخلوا في مثل هذه الظلمات. ### |||| ** مسألة : مذهب أبي هاشم وأصحابه أن معنى كونه مدركا أنه لا يستحيل أن يدرك المدرك ~~إذا وجدوا لذلك يوصف الله تعالى في الأزل بأنه سميع بصير وجعل الإدراك أمرا ~~زائدا على العلم ، والبغداديون فسروه بأنه تعالى عالم بما يسمعه الأحياء ~~منا وما يبصره ونفوا الزائد على ذلك. # واحتج الأولون بأن الواحد منا إدراكه زائد على علمه ، وقد سلف ، فيجب أن ~~يكون الباري كذلك ، لأن المقتضي لكون الإدراك فينا زائدا على العلم موجود ~~لله تعالى. # بيانه إن الإدراك يتوقف على كون المدرك حيا ، وعلى صحة حواسه ، وعلى ~~ارتفاع الموانع وعلى انتفاء الآفات ، وعلى وجود المدرك ، ثم يجعلون العلة في PageV01P283 # الإدراك ليس إلا الأول ، أما المجموع فلا يصلح لذلك ، لأن كل واحد من ~~أفراده ليس بعلة على ما يأتي ، فيكون المجموع كذلك. # وأما صحة الحاسة ، فإنما لم يكن علة لذلك لأن صحة الحاسة يرجع الى وجود ~~معان في المحل نحو صحة البنية والتأليف ، وما يرجع الى المحل ms136 فإنه لا يقتضي ~~حكما راجعا الى الجملة ، فإن المحل والجملة متغايران كتغاير زيد وعمرو ، ~~فكما لا يقتضي الحكم الراجع الى زيد حكما راجعا الى عمرو ، فكذلك المحل ~~والجملة. # واما ارتفاع الموانع وانتفاء الآفات فلكونهما عدميين لا اختصاص لهما بذات ~~دون أخرى ، استحال أن يكونا علة لما يرجع إلى بعض الذوات. # وأيضا انتفاء الآفات عبارة عن صحة الحاسة الذي لا يصلح للعلية. # واما وجود المدرك فإنه لا يصلح لذلك ، وإلا لما أدرك المدرك السواد ~~والبياض دفعة واحدة ، لأن تضاد العلة يقتضي تضاد المعلول فلم يبق إلا الأول ~~، وهو ثابت في حق الله تعالى فيكون إدراكه زائدا على علمه. # وهذا الكلام سخيف ، أما أولا ، فلأن الحصر ممنوع ، فإن استندتم فيه الى ~~الاستقراء كان ضعفه ظاهرا. # وأما ثانيا ، فلان المجموع لم لا يكون علة؟ قوله : الأفراد ليس (1) بعلة ~~فكذلك المجموع ، قلنا : بالاعتبار الذي عقلتم كون المجموع متصفا بالمجموعية ~~، اعقلوا (2) كونه متصفا بالعلية. # وأما ثالثا ، فلأن صحة الحاسة جاز أن يكون علة ، قوله : صحة الحاسة حكم ~~يرجع الى المحل فلا يفيد الحكم الراجع الى الجملة ، قلنا : هذا ينتقض عليكم ~~بالحياة الحالة في المحل المقتضية حكم الحيية للجملة. PageV01P284 # وأما رابعا ، فلأن انتفاء الموانع أو الآفات صالحة لذلك ، قوله : إنها ~~عدمية ، قلنا : إن عنيتم بها العدم المطلق فهو ظاهر البطلان ، وإن عنيتم ~~بها عدم الملكة فله حظ من الوجود ، فجاز أن يكون علة في الإدراك الذي هو ~~أمر نسبي لا تحقق له عينا. # وأما خامسا ، فلأن الوجود صالح لذلك ، قوله : التضاد في المقتضي يستلزم ~~التضاد في الاقتضاء ، قلنا : مذهبكم إن الوجود زائد على الماهيات وإنه ~~متماثل فكيف يصح منكم هذا في الوجود؟ نعم لو عللنا بالماهية لزم ما ذكرتم. # واما سادسا ، فلأنا لو سلمنا أن الوجودين متضادان لكن لا نسلم أن تضاد ~~العلة يقتضي تضاد المعلول ، وقد أسلفنا في هذا قانونا. # وأما سابعا ، فلم لا يجوز أن يكون الحياة علة لذلك بشرط أحد هذه الأمور ~~التي عددتموها او غيرها. # واما ثامنا ، فلو سلمنا جميع ما ذكرتموه ms137 ، لكن جاز أن يكون حياة الله ~~تعالى مخالفة لحياتنا ، فلا يلزم اشتراكهما في المقتضى ، فهذا خلاصة ما ~~يقال عليهم. # وأما النافون للزائد ، فاحتجوا بأن الإدراك إن كان غير العلم ، فإن كان ~~هو الإحساس استحال تحققه في ذاته تعالى ، وإن كان غيره فهو غير معقول. # وهذا ضعيف ، لأنه إن عني بعدم المعقولية استحالة اتصافه تعالى به كما ~~يقال كون الجسم مجردا غير معقول ، فهو نفس المتنازع فلا يصادرون به ، وإن ~~عني به عدم التعقل فإنه لا يصح منهم نفيه ، فإن النفي يستدعي التعقل كما ~~يستدعيه الثبوت. # واحتجوا أيضا بأنه لو كان مدركا لجاز أن يدرك بعده ان لم يكن مدركا ~~فيتغير. # والجواب أن التغيير في التعلق فلا يلزم منه التغيير في الصفات الحقيقة. # واحتجوا أيضا بأنه يلزم أن يكون ملتذا متألما من حيث أنه يدركهما. # والجواب إن اللذة والألم نوعان من الإدراك لا يتحققان إلا بتحقق الشهوة ~~والنضرة المستحيلين في حقه تعالى. PageV01P285 ### | البحث التاسع ### | في أنه تعالى باق # لما بينا أن الممكنات تنتهي الى واجب الوجود وهو الله تعالى ، كان هذا ~~كافيا في المطلوب ، لأنه لو جاز عليه العدم لكان الشيء خارجا من حد الوجوب ~~الذاتي الى الإمكان الذاتي وهو محال بالضرورة. # واحتج جمهور المشايخ بأنه لو عدم بعد وجوده لكان مستندا الى علة ولا علة ~~، والملازمة ظاهرة ، وتحقيق بطلان التالي أن العلة منحصرة في الفاعل وطريان ~~الضد وانتفاء الشرط ، والكل باطل ، أما الفاعل فلأن القدرة صفة مؤثرة ~~والعدم نفي محض فاستحال استناده الى القدرة ، وأما الضد فلأنه محدث والباري ~~تعالى قديم والقديم أقوى من المحدث فكان اندفاع الضد بالقديم أولى من ~~اندفاع القديم بالضد ، وأما انتفاء الشرط فلأن ذلك الشرط يجب أن يكون قديما ~~فإن المحدث لا يكون شرطا للقديم وإذا كان قديما كان البحث في علة عدمه ~~كالبحث في عدمه. # وهذه الحجة لا يخفى ضعفها ، فالأولى الاعتماد على الأولى (1). # وقد اوضح المطلب الفاضل المقداد في شرحه لهذه الفقرة من كلام العلامة ، ~~انظر الى : ارشاد الطالبين الى نهج المسترشدين ص ms138 213 214. PageV01P286 ### | البحث العاشر ### | في أنه تعالى متكلم # لا خلاف في ذلك بين المسلمين ، وانما الخلاف في المعنى ، فالمشهور عند ~~المعتزلة إن الكلام هو الحروف المسموعة المترتبة المنتظمة ، والله تعالى ~~متكلم بمعنى أنه فاعل للكلام في جسم من الأجسام ، والدليل على التفسير إن ~~المعقول من الكلام هو هذا وغيره غير معقول وما لا يعقل لا يجوز إثباته ، ~~وعلى إمكان الثبوت ، إنه تعالى قادر على كل مقدور وعلى وقوعه السمع. ### |||| ** لا يقال : الاستدلال بالسمع في هذا المقام دور لتوقفه على ثبوت الكلام ، وأيضا فكلامه ~~إن كان قديما لزم الكذب في الإخبارات والسفه فيها وفي غيرها ، وإن كان ~~حادثا فإن كان فيه لزم حلول الحوادث في ذاته وهو محال ، وإن كان في غيره ~~فهو أولى بالصفة ، وإن كان لا في محل فهو غير معقول. ### |||| ** لأنا نقول : أما الأول فضعيف ، لأن السمع يتوقف على صدق الرسول ، وصدق الرسول يتوقف على ~~ظهور القرآن الذي هو معجز وإنه مستند إلى الله تعالى ، وكيفية استناده إليه ~~غير معلوم (1) الآن ، فإنه يجوز أن يكون قد فعله هو ويجوز أن يكون قد أقدره ~~عليه ، فإذا أخبر النبي الصادق باستناد (2) الكلام إليه بالفعل وجب المسير إليه. # وأما الثاني فإنا (3) نقول : إنه حال في غيره ولا يجب اتصاف ذلك الغير به ، PageV01P287 # فإن المتكلم من فعل الكلام كالقاتل والضارب وإن كان ذلك (1) الفعل قائما ~~بالغير. # وأما الاشاعرة فإنهم عنوا بالمتكلم من قام به معنى نفساني مغاير للعلوم ~~والإرادات وغير ذلك من المعاني النفسانية. # والمعتزلة قالوا : إن عنيتم به العلم فهو معقول ، وإلا فلا ، وسيأتي تتمة ~~الكلام في هذا. # واستدلت الاشاعرة على أنه تعالى متكلم بانه تعالى حي فيجب اتصافه به أو ~~بضده وضده نقص ، والاعتراض عليه (2) بمثل ما مر في السوالف. PageV01P288 ### | البحث الحادي عشر ### | في المعاني والأحوال # لا خلاف في إثبات تعلق بين العالم والمعلوم والقادر والمقدور ، وإنما ~~الخلاف في أن ذلك التعلق هل هو بين الذات العالمة وبين المعلوم وبين الذات ~~القادرة والمقدور أو بين صفة قائمة بالذات حقيقة مغايرة لها ms139 وبين المعلوم ~~والمقدور؟ فجماعة قالوا : إن التعلق بين الذات وبينهما وهو مذهب الأوائل ، ~~وآخرون قالوا بالثاني ، ثم اختلفوا فذهبت الأشاعرة الى أن تلك الصفة معلومة ~~ثابتة في حد نفسها عبروا عنها بالمعنى ، وذهب أبو هاشم الى أن تلك الصفة ~~غير معلومة ولا مجهولة ولا معدومة (1) عبر عنها بالحال. # احتجت الأشاعرة (2) بأن كونه تعالى عالما إما أن يكون وصفا عدميا أو ~~ثبوتيا ، والأول باطل وإلا لكان عدم المقابل ، والمقابل إن كان جهلا بسيطا ~~أعني عدم العلم كان العلم ثبوتيا ضرورة كونه عدم العدم ، وإن كان مركبا فهو ~~(3) محال ، لأنه لا يلزم من عدم هذا المقابل حصول العلم للمحل ، وإذا كان ~~ثبوتيا فهو غير الذات ، لأن المفهوم من القادرية والعالمية متغاير ، فلو ~~كانا نفس حقيقته لزم مغايرة الحقيقة لنفسها ، ولا يجوز أن يكون أمرا إضافيا ~~وإلا لتوقف على ثبوت المعلوم والمقدور هذا خلف ، فثبت أن كونه قادرا عالما ~~أمر ثبوتي ليس إضافيا وهو زائد PageV01P289 # على ذاته وهو المعني بالصفات والمعاني. # وأيضا إنا نعلم كونه عالما ونعلم كونه قادرا ، ولو كان المرجع بهذين الى ~~الذات لكان العلمان واحدا ، والتالي باطل لاختلافهما ، ولأن أحدهما لا ينوب ~~مناب صاحبه فلا بد من أمر زائد على الذات هو القدرة والعلم. # وأيضا الواحد منا عالم بعلم فكذا في الغائب ، والجامع بينهما ما يشتركان ~~فيه من كون كل واحد منهما يفعل الأفعال المحكمة الدالة على ثبوت هذا المعنى (1). # والجواب عن الأول أن نقول : لم لا يجوز ان يكون العلم عبارة عن حضور ~~الماهية عند العالم؟ وحضور الشيء عند نفسه ليس أمرا زائد على ذاته ، أو ~~نقول : إن العلم عبارة عن عدم المادة ، سلمنا لكن لم لا يجوز أن يكون ~~القدرة والعلم عين الذات في الخارج وإن تغايرا في الذهن؟ سلمنا لكن لم لا ~~يجوز أن يكون إضافيا وثبوته في الذهن؟ وأما في الخارج فالثابت منه كون ~~الذات بحيث يحصل لها نسبة بين المعلوم والمقدور. # وعن الثاني إن التغاير في العلم يستلزم تغاير الحيثيات والاعتبارات لا ~~تغاير الحقائق ، فإنا ms140 نعلم وجود واجب الوجود ونشك في أن وجوده زائد على ~~ذاته أم لا ، ولا يستلزم ذلك المغايرة في الخارج بين الوجود وكون الوجود زائدا. # وأيضا نعلم الذات ونشك في سلب أشياء عنها مع عدم استلزام ذلك كون السلب ~~مغايرا للذات خارجا. # واعلم أن الخطأ نشأ لهؤلاء القوم من حيث أخذ الاعتبارات الذهنية مقيسة PageV01P290 # على الأمور الخارجية. # وعن الثالث ما قدمناه مرارا (1). # وأما أبو هاشم وأصحابه فقد أثبتوا لله تعالى حالة بكونه قادرا وحالة ~~بكونه عالما وبكونه حيا وكونه موجودا ومريدا وكارها ، ويثبتون هذه الأحوال ~~في الشاهد ، ويثبتون له تعالى حالة ذاتية غير هذه الأحوال توجب هذه الأحوال ~~، إلا كونه مريدا وكارها فإنهما يجبان له لوجود إرادة وكراهة لا في محل. # والسابقون زمانا على أبي هاشم لم يتعرضوا لهذه الأحوال بثبوت ولا انتفاء ~~، وأبو علي وأبو القاسم وأبو بكر الأخشاد وأبو الحسين البصري صرحوا ~~بانتفائها. # واحتج أبو هاشم على إثبات الأحوال مطلقا (2) بأنا نعلم ذاته تعالى ثم ~~نعلمه قادرا عالما وغير ذلك من صفاته ، وهذه العلوم متخالفة ، لأن أحدها لا ~~ينوب مناب الآخر ، فلو كانت هذه العلوم تتعلق بذاته فقط لما اختلفت ، فلا ~~بد من امر زائد يدخل في ضمن العلم لكل واحد من صفاته ، والمعاني باطلة فلا ~~بد من القول بالأحوال. # واحتج لإثبات حالة القادر بأن صحة الفعل إن دلت عليها في الشاهد دلت ~~عليها في الغائب ، والمقدم ثابت فالتالي مثله. # بيان الشرطية : القياس والجامع ما اشتركا فيه من الصحة ، وبيان صدق ~~المقدم ، إنا نجد جملتين في الشاهد اشتركتا في سائر الصفات وصح من إحداهما ~~الفعل دون الأخرى ، فلا بد من مائز وذلك المائز يرجع الى الجملة ، لأن ~~الفعل صح PageV01P291 # من الجملة فيكون المؤثر فيه أمرا راجعا الى الجملة ، لأن ما يضاف الى بعض ~~الجملة فهو كالمضاف الى غير تلك الجملة. # لا يقال : لم لا يجوز أن يكون المصحح هو القدرة او البنية؟. # لأنا نقول : القدرة والبنية موجودتان في بعض الجملة فيكون الصحة راجعة ~~الى ذلك البعض. # واحتج لإثبات حالة ms141 العالم بأن الواحد منا إن كان ذا حال راجعة الى الجملة ~~بكونه عالما كان الغائب كذلك ، والمقدم ثابت فالتالي مثله والشرطية قد مرت. # وبيان صدق المقدم إنه لو لم يكن لنا حالة بكوننا عالمين راجعة الى جملتنا ~~لما كان هناك الا العلم القائم بالقلب ، وذلك يستلزم جواز تعلق العلم ~~القائم بجزء من القلب بزيد وتعلق الجهل القائم بالآخر به ، فلا يتنافى ~~الجهل والعلم مع اتحاد المتعلق لتغاير المحل وهما ضدان هذا خلف. # أما إذا جعلنا العلم عائدا الى الجملة وكذلك الجهل لزم التضاد وإن تغاير ~~المحل ، لاستحالة وجودهما غير موجبين. # واحتج لإثبات حالة الحي بالقياس على الشاهد ، والجامع ما ذكروه ، وبيان ~~ثبوت الحكم في الأصل أن الواحد منا يصح أن يقدر ويعلم فيفارق الجماد ، فلا ~~بد له من أمر وذلك الأمر لا يرجع الى المحل بل الى الجملة ، لأن الجملة هي ~~التي يصح عليها أن تقدر وتعلم فلا بد وأن يكون المصحح راجعا إليها ، ولا ~~يجوز أن يكون معنى والا لكان مثلا للتأليف فبقي أن يكون صفة. # وهذه الحجج عندي ضعيفة. # أما الأولى ، فلأنا نقول : إنه لا بد من أمر زائد في التعقل ، أما في ~~الخارج فلا ، سلمنا لكن لم لا يكون الزائد هو الأحكام المعلولة لذاته تعالى ~~كصحة الفعل الداخلة في ضمن العلم بأنه تعالى قادر وتبينه للمعلوم وتعلقه به ~~الداخل في ضمن PageV01P292 # العلم بأنه تعالى عالم وكذا في سائر الصفات. # وأبو الحسين البصري قال : إن تبينه للمعلوم حالة لذاته ، ويجوز أن يكون ~~أبو الحسين قد أطلق على هذا اسم الحالة بالمجاز من وضعهم ، فإنهم يطلقون ~~الحالة على كل وصف مقصور على الذات لا يحتاج في العلم به الى غير الذات. # نعم التبين حكم ، والحكم قد بينا (1) أنه لا بد فيه من العلم بأمر غير ~~الذات ، والتبين # للمعلوم لا بد فيه من المعلوم ، ولا شك في أنه زائد على الذات فليس كونه ~~عالما مقصودا على الذات ، فهو حكم لا حال. # وأما الثانية ، فلأن الشرطية فيه ممنوعة ، والقياس قد بينا ms142 إنه غير مفيد ~~لليقين خصوصا مع قيام الفارق ، ولا شك في ثبوت الفرق بين الشاهد والغائب ~~والا لما صدق قياس أحدهما على الآخر ، فيجوز أن يكون مستند الفرق في الحكم ~~هو الفرق في الذات. # وأيضا أثبتم الحالة في الشاهد لحصول ذاتين متساويتين فيه مع صحة الفعل من ~~إحداهما دون الأخرى ، فأوجبتم المائز ، وهذه الدلالة لا تتم في الغائب إلا ~~إذا أثبتم له ذاتا متساوية له ثم وجدتم الفرق في الصحة فاسندتموه الى الحال. # سلمنا ، لكن لا نسلم صدق المقدم فإنه مبني على تساوي الذات (2)، وقد ~~بينا بطلانه ، وكيف يعقل التساوي من كل وجه مع حصول إلا الاثنينية؟. # سلمنا ، لكن قولكم : إنه لا بد من مائز راجع الى الجملة ، غير معقول ، ~~فإنكم إن عنيتم به أن ذلك الأمر الواحد مع وحدته يكون حاصلا في جميع ابعاض ~~الجملة فهو باطل قطعا ، لامتناع حصول عرض واحد في محال كثيرة ، وإن عنيتم ~~به توزع أجزاء ذلك المائز بأجزاء الجملة ، لم يكن ذلك المائز حالة واحدة ~~راجعة الى الجملة. PageV01P293 # سلمنا ، لكن لا نسلم أن ذلك المائز يرجع الى الجملة ، قوله : لأن الفعل ~~صح من الجملة ، قلنا : ما تعني بالصحة من الجملة؟ ان عنيتم به أن صحة الفعل ~~بإعمال كل الجملة فهو باطل ، لأنا نشاهد أن المشي يحصل بالرجل والكتابة ~~باليد وغير ذلك ، وإن عنيتم به أن صحة وقوع الفعل إنما يحصل باعتبار أحوال ~~راجعة الى الجملة وهو الداعي والإرادة فهو باطل. # أما أولا ، فللمنع من وجود حالة راجعة الى الجملة ، فإن ذلك عين النزاع. # وأما ثانيا ، فلأنا بعد تسليم أن الصحة لا بد لها من حالة راجعة الى ~~الجملة ، نمنع أن يكون الصحة راجعة إليها. # سلمنا أن الصحة راجعة الى الجملة ، لكن لا نسلم أن المقتضي لها راجع الى ~~الجملة ، قوله : لأنه لو كان راجعا الى البعض لكان كالمضاف الى غير الجملة ~~، قلنا : هذا ممنوع. # واما الثالثة فضعيفة ، وقد عرفت بطلان القياس ، وعرفت أن قولهم : الصفة ~~راجعة الى الجملة ، غير معقول ، قوله : لو لم يكن ms143 الحالة لنا بكوننا عالمين ~~راجعة الى الجملة ، لجاز قيام العلم بجزء من القلب والجهل بآخر ويتعلقان ~~بواحد ، قلنا : لم لا يجوز أن يكون جزء واحد من القلب يتعين للمحلية للعلم ~~والجهل على البدل؟ كما يتعين القلب لها من دون أجزاء البنية. # سلمنا ، فلم لا يجوز أن يكون مجموع أجزاء القلب محلا لها على التعاقب؟ ~~قالوا : لأنه يكون مثلا للتأليف ، قلنا : مدفوع ، أما أولا فللمنع من ثبوت ~~التأليف حتى يتحقق المماثلة وأما ثانيا فلان التأليف يختص لمحلين لا غير ~~والعلم بأكثر ، وأما ثالثا فلأن التساوي من هذه الجهة لا يستلزم التساوي مطلقا. # لا يقال : يلزم انقسام العلم لانقسام المحل. # لأنا نقول : يرد في التأليف والحال ذلك. # وأما الرابعة ، فقد بينا ضعف قياسها وما يرجع الى الأصل من الأعراض ، PageV01P294 # وقد مضى. # ونزيد هنا (1) أن نقول : إن عنيتم بصحة العلم والقدرة صحة التبين وصحة ~~صدور الفعل بحسب الداعي ، لم يصح قياس الغائب عليه في إثبات الحال ، وإن ~~عنيتم بهما صحة اختصاصه بحالة القادر والعالم ، منعنا ثبوت الأحوال ، فإنه ~~أول المسألة ، وباقي الإيرادات (2) الماضية آتية هاهنا ولا يخفى ضعف هذه ~~الحجج مع أن المطلوب منها في غاية الاستبعاد. # واحتج نفاة المعاني (3) بوجوه : ### |||| ** الأول : لو ثبت للواجب صفة فتلك الصفة إن كانت واجبة لزم اثنينية الواجب ، وسيأتي ~~بيان وحدته ، وإن كانت ممكنة ، فإن كان المؤثر غيره لزم انفعاله عن الغير ~~هذا خلف ، وإن كان ذاته لزم اجتماع القبول والفعل لذات واحدة هذا خلف. ### |||| ** الثاني : لو كان الباري مفتقرا في كونه عالما وقادرا الى القدرة والعلم ، لزم احتياج ~~الواجب ، وسيأتي بيان غناه. ### |||| ** الثالث : لو كانت الصفات قديمة لكان مساوية لذات الواجب تعالى أو يكون الواجب مركبا ~~، والتالي بقسميه باطل فالمقدم مثله. # بيان الشرطية إن الصفات قد شاركت الذات في القدم ، فإما أن يكون نفس ~~الحقيقة أو داخلا فيها او خارجا عنها ، فإن كان الأول ، لزم الأول وإن كان ~~الثاني ، لزم الثاني وإن كان الثالث لزم الأول لأنه من الصفات المميزة ~~الكاشفة عن PageV01P295 # الحقيقة. # فإنا إذا أردنا ms144 تمييز الله تعالى عن غيره لا يمكننا ذلك إلا بكونه قديما ~~، والصفات المميزة إذا اشتركت بين الشيئين كانا متساويين والا لم يكن مميزة. ### |||| ** الرابع : كونه قادرا عالما من الصفات الواجبة فلا يعلل ، أما المقدم فلأنه لو لا ذلك ~~لجاز خروجه من كونه قادرا عالما الى عدمها وذلك محال ، وأما الشرطية ~~فظاهرة. ### |||| ** الخامس : يلزم ثبوت قدماء كثيرة ، وذلك كفر بإجماع المسلمين (1). ### |||| ** السادس : لا دليل على هذه الصفات ، فيجب نفيها. ### |||| ** السابع : لو كان الباري (2) عالما بالعلم لكان علمه مثل علمنا والتالي باطل فالمقدم ~~مثله ، بيان الشرطية إنه إذا كان عالما بالعلم كان له تعلق بالمعلوم على ~~الوجه الذي يتعلق به علمنا (3) فيكون مماثلا له ، لانهما معنيان غير ~~متضادين ينتفيان بضد واحد. # أما عدم تضادهما فظاهر ، وأما انتفائهما بضد واحد فلأنا لو قدرنا حلول ~~علم الله تعالى في قلوبنا مع حلول علمنا بذلك المعلوم فينا ثم اطراء الجهل ~~، فلا شك في انتفاء علمنا. # فإن انتفى العلم القديم ثبت المطلوب ، وإلا لزم علمنا بشيء مع الجهل به ~~هذا خلف ، واذا اتصف العلمان بهذه الصفات ثبت تماثلهما ، لأن السواد معنى ~~لا ينفي البياض والحموضة ولا فرق بينهما الا أن البياض والحموضة مختلفان ~~وأن البياضين PageV01P296 # متماثلان فعلمنا أن الواحد لا ينفي المختلفين غير المتضادين ، وبيان ~~بطلان التالي إنه يلزم منه إما قدم علمنا أو حدوث علمه تعالى وهما محالان. ### |||| ** الثامن : واجب الوجود يعلم ما لا يتناهى ويقدر على ما لا يتناهى فيلزم أن يكون فيه ~~علوم وقدر لا يتناهى ، ووجود ما لا يتناهى محال ، ولأن العلم بالعلم يقتضي ~~ثبوت علم آخر ويتسلسل. ### |||| ** التاسع : لو كان الله تعالى قادرا بالقدرة لما كان قادرا على خلق الأجسام ، والتالي ~~باطل والمقدم مثله ، بيان الشرطية إنا غير قادرين عليها ولا علة لذلك إلا ~~كوننا قادرين بالقدر فوجب مساواته تعالى لنا. ### |||| ** أما المقدمة الأولى : فلأنا لو قدرنا عليها لكان إما أن يكون على سبيل الاختراع أو التولد ، ~~والأول باطل بالضرورة ، فإنا نعلم أنا غير قادرين على وجود الأجسام وإلا ~~لصح منا ms145 اختراعها في أوعية مشدودة الرءوس عند حصول الداعي. # والثاني (1) باطل ، لأن السبب المولد لا بد وأن يختص بجهة وإلا لكان ~~توليده للجسم في جهة دون غيرها ترجيحا من غير مرجح ، ولا سبب لذلك الا ~~الاعتماد ، ونحن قادرون على أجناسه ، ومع ذلك يستحيل أن يقع الأجسام به ~~وإلا لكنا إذا أدخلنا أيدينا في الزق المشدود واعتمدنا بأيدينا فيه ، نكون ~~فاعلين للأجسام ، وهو باطل وإلا لزم أن يظهر ذلك في الزق وان يمتلئ ~~كامتلائه بالهواء. # لا يقال : لم لا يحصل مانع يمنع وجود (2) الأجسام؟. # لأنا نقول : المانع لا يعقل إلا وأن يكون له علاقة بالأجسام ، وذلك إما ~~بأن يكون ضدا لها كالفناء أو بأن يكون مانعا لوجود الشرط كالماء المانع من ~~وجود الحيز ، والأول باطل وإلا لزم فناء جميع الأجسام به ، والثاني كذلك ~~لأنا متحركون قطعا ، فإما أن يقال بالخلاء وهو يدفع ما ذكرتم ، أو بالتخلخل ~~والتكاثف فيجوز PageV01P297 # مثله في مسألتنا. # واما المقدمة الثانية ، فلأن القدر في الشاهد قد اشتركت في هذا الامتناع ~~فلا بد لها من مشترك يقتضيه ولا مشترك الا كونها قدرا. # واعلم أن هذه الوجوه وان كان بعضها لا يخلو من ضعف إلا أن في جملتها ما ~~يوجب الجزم بهذا المطلوب (1). # من المعتزلة : الخياط ، الانتصار ص 109 ومواضع اخرى ، والقاضي عبد الجبار ~~، شرح الاصول الخمسة ص 183. # ومن الاشاعرة : الاشعري ، الابانة ص 107 ، والباقلاني ، التمهيد في الرد ~~على الملحدة ص 152 والشهرستاني ، نهاية الاقلام في علم الكلام ص 180 ، ~~والغزالي ، قواعد العقائد ص 185 ، والجرجاني ، شرح المواقف ج 8 ص 44. # ومن الشيعة : الشيخ المفيد ، اوائل المقالات ص 18 ، والسيد المرتضى ، شرح ~~جمل العلم والعمل ص 67 ، وابو الصلاح الحلبي ، تقريب المعارف ص 48 ، ~~والعلامة الحلي ، كشف المراد ص 296 ، واللاهيجي ، شوارق الالهام ص 148. PageV01P298 ### ||| ** تتمة كلام في هذا الباب تشتمل على مسائل : ### |||| ** مسألة : قد بينا فيما سلف من كتابنا أن الوجود زائد على الماهية ، وعنينا به هناك ~~أن وجود الممكنات كذلك ، أما وجود واجب الوجود ، فقال قوم : إنه كذلك ، ~~وقال آخرون ms146 : إنه نفس حقيقته ، وهو الحق عندي لوجهين : ### |||| ** الأول : أنه لو كان زائدا لكان ممكنا ، لافتقاره الى ذات يقوم بها ، ضرورة عدم ~~استقلاله بنفسه في القيام ، والتالي باطل لأن علته إن كانت خارجية افتقر ~~الى الغير ، وإن كان نفس الماهية ، فإن كانت مع الوجود المعلول لزم اشتراط ~~الشيء بنفسه ، او مع وجود آخر لزم ترامي الوجودات ، وإن كانت لا مع الوجود ~~لزم تأثير المعدوم في الموجود. # هذا خلاصة ما عول عليه الشيخ في كتبه. ### |||| ** الثاني : أن الوجود ممكن لما بينا ، والامكان لا يعرض للوجود من حيث هو والا لزم ~~جواز اتصاف الوجود بالوجود والعدم هذا خلف ، فإذن إنما (1) يعرض للماهية ~~بالنسبة الى الوجود ، فلو كانت الماهية مؤثرة فيه مع أن المؤثر نسبته الى ~~الأثر نسبة الوجود ، لزم توارد نسبتي إمكان ووجوب لشيء واحد بالقياس إلى ~~واحد ، هذا خلف. # اعترضوا على الأول من وجوه : ### |||| ** الأول : أنه مغالطة ، لأن الوجود لا ينسب الى الوجود والعدم فلا يصدق عليه الإمكان. ### |||| ** الثاني : أن المؤثر فيه الماهية من حيث هي هي لا بقيد الوجود والعدم ، PageV01P299 # ولا يلزم من سقوط درجة الوجود عن الاعتبار إدخال العدم فيه ، فإن لوازم ~~الماهية كزوجية الاثنين معلولة لها ، سواء أخذت بقيد الوجود أو لا به. ### |||| ** الثالث : أن هذا يرد في العلة القابلة للوجود ، مع أنه باطل بالاتفاق. ### |||| ** الرابع : الجنس علة لقوام النوع ، لا على معنى أن يكون الجنس موجودا ثم يكون علة ~~للنوع ، بل هو من حيث هو هو علة للنوع. # والجواب عن الأول ، أنه مؤكد لقولنا لا انه مبطل لأنا قلنا : لو كان ~~زائدا لكان ممكنا في نفسه ، من حيث افتقاره الى محل يقوم به ، وهذا قطعي ~~لكن الإمكان لا يعرض الموجود بانفراده. # وعن الثاني ، أن الماهية لا تخلو أن تؤخذ مع الوجود أو مع العدم أو تؤخذ ~~لا معهما أو تؤخذ من حيث هي هي (1)، والماهية مأخوذة بالثاني والثالث ، ~~ولا شك في انها غير صالحة للإيجاد ، ضرورة أن المعدوم لا يؤثر في الموجود ~~وهي بالمعنى الرابع لا توجد إلا ms147 في العقل فيستحيل أن يكون علة لأمر موجود. # وبالجملة فالعقل قاض بوجوب وجود الموجد وزوجية الاثنين ، وإنما تكون ~~الماهية مأخوذة (2) من حيث هي هي إذا كانت ذهنية ، أما إذا أخذت الزوجية في ~~الخارج استحال أن يكون الماهية مأخوذة من حيث هي هي. # وهاهنا نوع من التحقيق ، وهو أن لوازم الماهية إذا أخذت من حيث هي موجودة ~~في الذهن ، غير. وإذا أخذت من حيث هي موجودة في الخارج ، غير. وبالمعنى ~~الأول يستند الى الماهية من حيث إنها في الذهن ، وبالمعنى الثاني يستند ~~إليها من حيث إنها في الخارج ، وإذا أخذت من حيث هي هي كانت معقولة صرفة ~~وكانت معلولة لماهية هي كذلك ، ولما اتفقت اللوازم في الأحوال الثلاث (3) اتفاق PageV01P300 # المعنى المعقول والخارجي ، ظن أنها واحدة بالشخص في الجميع ، فأورد الظان ~~ما أورد لمقتضى ظنه ، والتحقيق ما قلناه. # وعن الثالث ، أن قبول الماهية للوجود أمر اعتباري ليس كقبول الجسم للسواد ~~، وأكثر الخطأ في هذه المواضع إنما نشأ من أخذ الأمور الذهنية مقيسة على ~~الأمور الخارجية ، وهذا هو الجواب عن الرابع ، فهذا ما ذكروا على هذه الحجة. # وأما الثانية فهي عندي ضعيفة ، لأن الوجود إذا نسب الى الماهية من حيث هي ~~قابلة ، كان مغايرا له إذا نسب إليها من حيث هي فاعلة ، ومع تغاير النسب لا ~~يلزم ما ذكروه. # واحتج القائلون بالزيادة بوجوه : ### |||| ** احدها (1) ### |||| ** : أن الوجود من حيث هو هو واحد لما بينا ، فهو إن اقتضى العروض ثبت المطلوب ، ~~وإن اقتضى عدم العروض لزم إما كون الممكنات نفس وجوداتها أو عدمها ، وإن لم ~~يقتض أحدهما افتقر الى علة. ### |||| ** الثاني : أن حقيقته تعالى (2) غير معلومة ووجوده معلوم (3). ### |||| ** الثالث : أن المقتضي للتأثير إن كان هو الوجود من حيث هو فكل وجود كذلك فلا ممكن ، ~~وإن كان هو المجرد كان للسلب مدخل في التأثير. ### |||| ** الرابع : الوجود طبيعة نوعية ، فإن اقتضى العروض في البعض اقتضاه في الكل. # أجاب بعض المحققين عن الأول ، بأن الوجود مقول بالتشكيك على ما تحته من ~~الوجودات ، فليس نفس ماهياتها ولا جزء منها ms148 بل هو لازم عارض عروض البياض ~~للبياضات الخاصة ، والمقول بالتشكيك لا يلزم من اشتراكه اشتراك أنواعه PageV01P301 # فيما يقتضيه كالنور المقتضي في بعض معروضاته كنور الشمس لإبصار الأعشى ~~دون غيره. # وعن الثاني ، أن المعقول هو المقول بالتشكيك وهو أمر ذهني لازم للحقيقة ~~(1) التي هي الوجود الخاص. # وعن الثالث ، أن المقتضي إنما هو وجوده الخاص به المخالف لغيره في نوعيته ~~وإن شاركه في مطلق الوجود الذهني. # وعن الرابع ، بالمنع. # واعلم أن حاصل هذه الأجوبة يرجع الى شيء واحد ، وهو أن الوجود مقول ~~بالتشكيك على الوجودات ، والمقول على أشياء بالتشكيك خارج عنها ، وعندي فيه إشكال. # وتحريره ما أقوله ، وهو : ان الوجود من حيث هو إما أن يكون صدقه على ~~الواجب والممكن بالاشتراك اللفظي أو المعنوي ، فإن كان الأول سقطت هذه ~~الوجوه إلا أنه مخالف للجواب ، وإن كان الثاني فلا بد وأن يكون لكل ما صدق ~~عليه ذلك الوجود العام حصة منه خاصة به نوع له ، لأن ذلك الوجود يكون جنسا ~~لاستحالة تعقل ذلك الخاص دون العام وتقدمه في الوجودين إن كان يلحقه الوجود ~~وهذه خواص الذاتي. # وإذا ثبت ذلك فنقول : ذلك النوع إن كان مغايرا لماهية الله تعالى ثبت ~~مطلوب القوم ، وان كان نفس حقيقته لزم ما ذكره السائل من الوجوه ، فالخلاص ~~حينئذ إنما هو بكون الوجود مقولا بالاشتراك اللفظي بين الواجب وغيره من ~~الممكنات. ### |||| ** مسألة : استمرار وجود الشيء هل هو صفة زائدة على ذاته أم لا؟ الحق أنه PageV01P302 # زائد في الاعتبار ، أما في الخارج فلا ، لأن المعدوم قد يتصف بالاستمرار ~~، فإنا كما نعقل مقارنة الوجود لزمانين كذلك نعقله في العدم ، ولو كان صفة ~~ثبوتية لزم اتصاف المعدوم بالصفة الثبوتية هذا خلف. # واعلم أن بعض المعاني المعقولة قد يعرض لبعضها البقاء الذي هو الاستمرار ~~بهذه المثابة ، فإنه قد يعقل الذهن له بقاء آخر وينتهي بانقطاع الاعتبار ~~العقلي ، وأثبت أبو الحسين البقاء صفة لله تعالى قديمة قائمة به ، ونفاه ~~القاضي وجماهير المعتزلة ، وأثبت الكعبي البقاء شاهدا ونفاه غائبا (1). # واحتج المثبتون له بأن الذات لم ms149 تكن باقية ثم صارت باقية ، فتجدد البقاء ~~مع عدم تجدد الذات دال على الزيادة ، وهو ضعيف ، فإنه يدل على الزيادة ~~الاعتبارية لا على الخارجية ، ونوقضوا بالحدوث فإن الذات لم تكن حادثة ثم ~~تصير حادثة. # وأيضا المعاد لم يكن معادا ثم صار معادا ، فيلزم أن يكون كون ذاته (2) ~~معادة زائدا عليها ، وقد التزم به القاضي من الأشاعرة ، فقد ظهر من هذا أن ~~الله تعالى باق لذاته. # وأيضا فإنه لو كان باقيا بالبقاء لكان ممكنا من حيث افتقاره في وجوه الى ~~تلك الصفة. # وأيضا إن قام البقاء بذاته تعالى لزم احتياجه إليه ، فيستحيل احتياج الله ~~تعالى الى تلك الصفة والا جاء الدور والا لزم وجود صفة لموصوف غير قائمة به PageV01P303 # هذا خلف. # وأيضا صفاته باقية فيلزم قيام المعنى بالمعنى. # وأيضا البقاء إن لم يكن باقيا لم تكن الذات باقية به ، وإن كان باقيا لزم ~~التسلسل. # أجابوا عن هذين بوجوه : # الأول : أن صفاته يبقى ببقاء الذات فلا تسلسل ولا يلزم قيام المعنى ~~بالمعنى. # لا يقال : لو جاز بقاء الصفات ببقاء الذات جاز أن يعلم الصفات بعلم الذات ~~ويقدر بقدرتها. # لأنا نقول : التلازم حاصل بين الذات والصفات ، فبقاء احدهما يستلزم بقاء ~~الآخر بخلاف العلم والقدرة. # الثاني : الذات باقية بالبقاء والصفات باقية لذاتها. # الثالث : قال بذاته تعالى بقاءان : أحدهما يقتضي بقاء الذات ، والاخر ~~يقتضي بقاء الصفات. # وهذه الأجوبة عندي ضعيفة. # اما الأول ، فلأن البقاء من جملة الصفات ، فلو بقي ببقاء الذات لزم الدور. # وأما الثاني ، فلأنه يلزم منه كون الصفات أولى بالذاتية من الذات ، ولأنه ~~لما عقل في بعض الأشياء البقاء من غير أمر زائد ، فلم لا يعقل في الذات؟. # وأما الثالث ، فلأن بقاء الصفات مغاير لها ومن جملتها البقاء فيكون له ~~بقاء حال في الذات مغاير له ويلزم التسلسل (1)، الا أن يقولوا : ان بقاء ~~الصفات باق لذاته وحينئذ يعود الكلام الى الوجه الثاني. PageV01P304 ### |||| ** مسألة : ذهبت الأشاعرة الى أن الله تعالى متكلم بكلام قائم بذاته تعالى قديم ، وأنه ~~واحد ليس بأمر ولا نهي ولا خبر ms150 أوجب له كونه تعالى متكلما (1) بوجوه : ### |||| ** أحدها : أن الطلب معنى من المعاني المعقولة ولا يجوز أن يكون هو القدرة والعلم ~~والحياة وغير ذلك من الصفات ، وهو ظاهر إلا في الإرادة. # وإنما كان مغايرا لها لأن وجود كل واحد منها قد يحصل بدون الآخر ، أما ~~الإرادة فكثير ما يريد الإنسان شيئا ولا يطلبه لتعذره ، واما الطلب فلأن ~~السيد إذا أمر عبده عند السلطان طالبا إظهار تمرده ليتضح عذره في عقوبته ~~فإنه في تلك الحالة طالب غير مريد وذلك الطلب هو نفس الكلام. ### |||| ** وثانيها : أن ذلك المعنى أعني الطلب باق مع تغير الألفاظ الدالة عليه أعني الكلام ~~اللفظي فدل على التغاير. ### |||| ** وثالثها : قول الشاعر : # إن الكلام لفي الفؤاد وإنما %~% جعل اللسان على الفؤاد دليلا (2) ### |||| ** ورابعها : أنه تعالى موصوف بأنه متكلم إجماعا ، فذلك الوصف إما أن يكون قديما أو ~~محدثا ، والثاني باطل والا لزم أن يكون محلا للحوادث ، والأول هو المطلوب. PageV01P305 # ثم نقول : ذلك القديم إن كان هو الحروف والأصوات فهو باطل ، لأن كل واحد ~~من الحروف حادث ، لأن اللفظ مركب من الحروف المتتالية والمتأخر محدث لتأخره ~~والسابق كذلك لتقدمه على المحدث بزمان متناه ، فثبت أن القديم معنى من ~~المعاني غير الحروف والأصوات. # وهذه الوجوه فاسدة : # أما الأول ، فلأنا لا نعقل معنى يغاير الإرادة هو الطلب ، وما ذكروه من ~~وجود كل واحد منهما بدون الآخر فهو باطل ، فإنا دائما متى كنا مريدين كنا ~~طالبين ، ولا فرق بين امتناع الطلب لتعذر المطلوب وامتناع الإرادة لتعذر ~~المراد ، وما ذكروه من المثال فهو ضعيف ، فإنا نقول : ان السيد إنما يأمر ~~بذلك من غير إرادة ولا طلب. # واما الثاني ، فانه يدل على ثبوت معنى غير الألفاظ ، ونحن نقول : ذلك ~~المعنى هو الإرادة ، فإن أثبتوا شيئا آخر فعليهم البرهان. # واما الثالث ، فهو ضعيف ، أما أولا فلعدم إفادته اليقين بل والظن الغالب ~~، وأما ثانيا فلأنه يحتمل أن يكون أراد بذلك تصور الكلام. # واما الرابع ، فلأنا نقول : إنه تعالى متكلم بمعنى أنه فاعل للكلام لا ~~على أنه صفة حقيقية في ms151 ذاته تعالى. PageV01P306 ### | البحث الثاني عشر ### | في كونه تعالى صادقا # المسلمون اتفقوا على ذلك وأدلتهم مختلفة ، أما طريقة المعتزلة في أن ~~الكذب قبيح وهو على الله تعالى محال لما يأتي. # واما الاشاعرة فلهم في ذلك طريقان : ### |||| ** الأولى (1) ### |||| ** : أن الكذب نقص وهو على الله محال. ### |||| ** الثاني : أن كلامه تعالى نفساني فيستحيل (2) الكذب في كلام النفس على من يستحيل عليه ~~الجهل ، إذ الخبر يقوم به النفس على وفق العلم والجهل. # واستحدث لهم طريقتان أخريان : ### |||| ** إحداهما : أن الرسول عليه السلام أخبر عن صدقه والرسول صادق. ### |||| ** الثانية : أنه إن كان كاذبا بكذب محدث لزم قيام الحوادث به هذا خلف ، وإن كان كاذبا ~~بكذب قديم لزم استحالة صدقه ، لأن القديم لا يزول واللازم باطل قطعا ، لأن ~~كل من كان قادرا على الكذب فهو قادر على الصدق ، فإن من قدر على أن يقول : ~~العالم ليس بمحدث ، كان قادرا على أن يقول : العالم محدث ، لأن القادر على ~~مجموع قادر على أفراده. # والحق طريقة المعتزلة وحجج الأشاعرة مدخولة. # اما الأولى ، فلأن الحكم بكون الكذب نقصان إن كان عقليا فهو خلاف مذهبهم ~~ورجوع الى طريقة المعتزلة ، وإن كان سميعا لزم الدور. # وأما الثانية ، فلا نسلم استحالة قيام الكذب لمن يستحيل عليه الجهل. PageV01P307 # وأيضا فلو سلمنا صدق الكلام القائم بالنفس فلا نسلم صدق هذه الألفاظ ~~الدالة عليه. # وأما الثالثة ، فلأن إخبار الرسول عليه السلام يدخله التخصيص والنسخ وغير ~~ذلك من المعاني الموجبة لعدم اليقين عندهم ، فلا يبقى القطع حاصلا. # واما الرابعة ، فضعيفة لجواز انقسام كلام الله تعالى الى ما هو صدق دائما ~~والى ما هو كذب دائما. # وقد يورد على طريقة المعتزلة أنه يحتمل دخول التخصيص والمجاز والإضمار ~~وغير ذلك في خبر الله تعالى ، فلا يبقى وثوق به كما لا يبقى وثوق بخبره لو ~~كان كاذبا. # والجواب أنه قد يحصل في خبر الله تعالى من القرائن ما يفيد القطع بانتفاء ~~هذه المفاسد (1). PageV01P308 ### | البحث الثالث عشر ### | في بقية الكلام في الصفات الثبوتية ### |||| ** مسألة : مثبتوا المعاني من الأشاعرة اختلفوا. فذهب قوم الى أنه ms152 تعالى عالم بعلم ~~واحد وقادر بقدرة واحدة ومريد بإرادة واحدة ، وذهب أبو سهل الصعلوكي الى ~~خلاف ذلك ، والقاضي أبو بكر قال : إن الإجماع على الأول وخلاف أبي سهل حاصل ~~بعده فيكون محجوجا به ، وذلك لأن الناس قائلان : منهم من أثبت المعاني ~~فجعلها واحدة ، ومنهم من نفاها ، فالقول بكثرتها خارق للإجماع. ### |||| ** مسألة : المشهور عندهم أن كلام الله تعالى واحد ، وقد نقل عن بعض قدمائهم إن الله ~~تعالى خمس كلمات : الأمر والنهي والخبر والاستخبار والنداء ، وذهب عبد الله ~~بن سعيد منهم الى أنه في الأزل واحد ثم يصير فيما لا يزال متعددا. # والمعتزلة أنكروا الجميع ، لبطلان الأصل الذي بنوا عليه وهو الكلام ~~النفساني ، ومع تسليمه أبطلوا الأول ، فإنه من المحال ان يعقل كلام مغاير ~~لهذه ، وأبطلوا الثاني بأنه من المحال أن يكون الله تعالى آمرا في الأزل من ~~دون مأمور ولا منهي فإن ذلك سفه. # وقول عبد الله بن سعيد باطل ، لأن التغير لا يمكن إلا بزوال شيء كان ~~والأزلي لا يتغير. ### |||| ** مسألة : اختلف مثبتوا المعاني السبعة في أنه تعالى هل يوصف بالأحوال السبعة ، فذهب ~~القاضي ومثبتوا الأحوال من الأشاعرة الى أن العلم القديم معنى تقتضي لله ~~تعالى حالة العالمية وكذلك القدرة والحياة وغيرها ، ونفاة الأحوال منهم ~~ذهبوا الى ان العلم نفس العالمية وكذلك البواقي. ### |||| ** مسألة : لا نزاع فيما بينهم في أن الحالة متعلقة بالمتعلق كالعالمية المتعلقة PageV01P309 # بالمعلوم ، وهل للمعنى الذي هو العلم تعلق به أم لا؟ فالظاهر تعلقه به أيضا. # قالوا : وإلا لم يكن بأن يوجب العالمية بذلك المعلوم أولى من ان يوجبها ~~بمعلوم آخر ، وهذا لا شك في ركته. ### |||| ** مسألة : اختلفوا في تعلقات الصفات هل هي ثبوتية أم لا؟ والحق عندي أنها ليست ~~بثبوتية والا لزم التسلسل. # احتجوا بأن تعلق العلم بالمعلوم مغاير لهما لكونه نسبة ، وهو ثبوتي لأنه ~~نقيض اللاتعلق الصادق على المعدوم فيكون ثبوتيا. # والجواب الكذب في قولكم إن نقيض العدمي ثبوتي ، ولو سلم فلا نسلم أن لا ~~تعلق عدمي ، والاستدلال بصورة السلب عليه دور. ### |||| ** مسألة : اعترف بعض ms153 الأشاعرة تغير هذه التعلقات ، لأن الله تعالى كان قادرا في الأزل ~~على ايجاد زيد ، فبعد إيجاده يستحيل بقاء ذلك التعلق وإلا لزم جواز إيجاد ~~الموجود. # لا يقال : إنه قادر على إيجاده بأن يعدم فيوجده فلا تغير. # لأنا نقول : الكلام في الإيجاد المبتدأ ، لا فيه مطلقا ، ونحن لما أثبتنا ~~التعلقات ذهنا سقط عنا هذا الفرع (1). ### |||| ** مسألة : ذهب فقهاء ما وراء النهر (2) الى إثبات صفة لله تعالى سموها التكوين وهي ~~قديمة والتكون (3) محدث ، واستدلوا بأنه يصدق أن الله تعالى خالق وموجد ~~ومكون ، ولا يجوز أن يكون المرجع بهذه الأمور الى القدرة ، فإن القدرة قد ~~يصدق وإن كان التكوين معدوما ، فإن الله تعالى قبل أن يوجد الفعل يصدق عليه PageV01P310 # أنه قادر غير مكون وظاهر أنه ليس باقي الصفات. # وأيضا قوله تعالى : ( @QUR@010 إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن ~~فيكون ) (1)، فجعل قوله كن متقدما على الكون. # والحجتان ضعيفتان. # أما الأولى ، فلأن المرجع بالتكوين الى نفس الفعل في الخارج وإن كان ~~وصفافي الذهن اعتباريا مغايرا له. # وأما الثانية ، فلفظية لا تراد منها الحقيقة. # واستدل بعضهم على النفي بأنه إن عنيتم بهذه الصفة مؤثرية القدرة في ~~المقدور فهي صفة نسبية لا يوجد بدونهما ، وإن عنيتم بها صفة مؤثرة في صحة ~~الفعل فهي القدرة ، وإن عنيتم بها امرا آخر فاذكروه. # فإن قالوا : عنينا ما يؤثر على سبيل الوجوب. # قلنا : فيلزم أن يكون الله تعالى موجبا. # وهذه الحجة ضعيفة ، لأن الوجوب اللاحق لا يؤثر في القدرة السابقة ~~والإمكان السابق. # والتحقيق هاهنا ما أقوله ، وهو أنهم إن عنوا بهذه الصفة النسبة الحاصلة ~~بين الأثر والمؤثر فهو باطل لوجوب تأخرها ، وإن عنوا بها كون الذات بحيث ~~يصح منها الفعل فهو راجع إلى كون الذات قادرة فإن هذا حكم راجع الى القدرة ~~، وإن عنوا بها كون الذات بحيث يجب عنها الفعل فهو أمر راجع الى القدرة ~~والإرادة جميعا فإنهما كافيان في ذلك. ### |||| ** مسألة : أثبت ابو الحسين (2) اليد صفة مغايرة للقدرة والعين مغايرة للبصر PageV01P311 # والاستواء عبارة عن صفة بها يصير ms154 مستويا على العرش والوجه مغايرا للوجود ~~ووافقه على ذلك أبو اسحاق الأسفرائيني ، وأثبت أبو اسحاق صفة توجب ~~الاستغناء عن المكان ، والقاضي أثبت ثلاث صفات اخرى : ادراك الشم واللمس ~~والذوق. # وأثبت عبد الله بن سعيد (1) القدم صفة مغايرة للبقاء ، والرحمة والكرم ~~والرضا صفات مغايرة للإرادة ، واستدلوا على ذلك بالسمع ، ونحن في مقام ~~التوقف. # والمتكلمون نفوا ما عدا الصفات السبعة قالوا : لأنا كلفنا كمال المعرفة ~~فلا بد لها من طريق ولا طريق الى إثبات هذه الصفات ، وهذه الطريقة انما تدل ~~على نفي معرفة بزائد أما على النفي في نفس الأمر فلا. ### |||| ** مسألة : ذهب جمهور المعتزلة والأشاعرة الى أن حقيقة الله تعالى معلومة للبشر لأن ~~وجوده تعالى نفس حقيقته وهو معلوم والمقدمتان سلفتا ، وذهب الأوائل وضرار ~~من متقدمي المتكلمين والغزالي من متأخريهم (2) الى أنها غير معلومة ، لأن ~~المعقول لنا إما صفاته السلبية ككونه ليس بجسم ولا عرض أو الإضافية ككونه ~~قادرا عالما خالقا ، أما غير ذلك فلا. # وهذا عندي هو الحق ، وما ذكره المتكلمون في حجتهم فهو مبني على أن حقيقته ~~نفس وجوده ، وللمنازع أن ينازع فيه وأما نحن فنجيبهم بالمنع من العلم ~~بوجوده ، والأوائل أجابوا بهذا وجعلوا المعلوم هو الوجود المطلق المقول ~~بالتشكيك ، وأيضا المعقول منه صادق على كثيرين وذاته صادقة على كثيرين. PageV01P312 # واستدلت الأوائل بأن العلم يستدعي حصول صورة مساوية للمعلوم ، فيكون واجب ~~الوجود مقولا على كثيرين أعني الذهني والخارجي ، ولأن من عقله عقل معلولاته ~~، لأن العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول. # وهذان عندي ضعيفان ، أما الأول فلأن الممتنع تكثر الواجب في الخارج على ~~أن لنا في قولهم العلم يستدعي صورة بحثا قد سلف. # وأما الثاني فلجواز أن يكون من عقل الواجب يعقل جميع المعلولات ، على أن ~~المنع قائم في أنه علة وفي أن العلم بالعلة يستلزم العلم بالمعلول. PageV01P313 ### | المنهج الخامس ### | فيما يستحيل عليه تعالى ### ||| * وفيه مباحث PageV01P315 ### | الأول ### | في أنه تعالى غير مركب ### |||| ** مقدمة : كل حقيقة مركبة فانها تلتئم عن عدة أمور ويكون وجودها إنما يتم بوجود تلك ~~الأمور ، فوجود الجزء سابق ms155 على وجود الكل والذهني أيضا مطابق للخارج فللجزء ~~في الذهن التقدم ، ثم إن تصور التقدم مغاير لتقدم التصور وكلاهما حاصل ~~للجزء ، والتركيب قد يكون خارجيا وقد يكون ذهنيا ، فإن أجناس الماهية إنما ~~تتميز عن فصولها في الذهني أما في الخارج فهي متحدة فليس في الخارج حيوان ~~مطلق وناطق وانضم منهما معنى ثالث هو الانسان ، بل وجود الإنسان هو وجود ~~الحيوان الذي ذلك الحيوان هو الناطق. # وتحرير هذا الموضع ذكرناه في كتاب الأسرار (1). # وأجزاء الماهية قد يكون بعضها أعم من بعض ، إما مطلقا كالحيوان والناطق ، ~~أو من وجه كالحيوان والأبيض ، وقد لا يكون كتركيب العلة والمعلول في الذهن. # اذا عرفت هذا فنقول : كل مركب فهو مفتقر الى جزئه (2) وجزئه غيره وواجب ~~الوجود لا يفتقر الى غيره ، ومن هاهنا يظهر أن الوجود نفس الماهية في حقه ~~تعالى ، وبهذا (3) يندفع أيضا قول من تشكك هاهنا بأنه يحتمل أن يكون واجب ~~الوجود مركبا من اجزاء واجبة فلا يفتقر الى غير اجزائه. PageV01P317 ### | البحث الثاني ### | في انه تعالى ليس بمتحيز # اعلم أن المتحيز إما أن يكون بالذات وإما أن يكون بالعرض ، فالأول هو ~~الأجسام لا غير عند الأوائل ، وعند المتكلمين الجزء الذي لا يتجزى أيضا ، ~~والثاني هو العرض عند الجميع والمادة الصورة عند الأوائل ، ونعني بالمتحيز ~~هاهنا ، الحاصل في الحيز وواجب الوجود ليس بجسم ، لأن كل جسم مركب اما من ~~المادة والصورة على رأي الأوائل ، او من الجواهر الأفراد ، وكل مركب ممكن. # ولأنه لو كان جسما لكان لا ينفك عن الأكوان الحادثة بالضرورة فيكون حادثا ~~، وهذه الدلالة دالة على نفي كونه متحيزا بجميع المعاني ، قيل : لو كان ~~متحيزا تساوى المتحيزات في التحيز ، فإن لم يخالفها فهو ممكن ولا تركب. # وهذه الحجة عندي ضعيفة ، فإن مع المخالفة لا يجب التركيب الا اذا كانت ~~المخالفة والمشاركة بأمر مقوم. # واستدل بأنه لو كان جسما ، فإن قام لمجموع (1) الأجزاء علم وقدرة وحياة ~~لزم قيام العرض الواحد (2) بالمجال المتعددة والا كان ذلك الجسم ليس قادرا ~~عالما حيا بل جملة قادرين أحياء ms156 عالمين ، وضعف هذه لا يخفى بما سلف من ~~الأصول. # والمجسمة زعموا ان الله تعالى جسم ، واستدلوا على ذلك بانه عالم بالأجسام ~~(3) قبل وجودها والعلم متأخر عن التميز ، والتميز إن كان في الخارج لزم PageV01P318 # الدور (1) او القول بشيئية المعدوم ، وإن كان في ذاته تعالى لزم حلول ~~الجسمية فيه ، وكل من حل فيه الجسمية فهو جسم ، ولأن كل عاقل يحكم بأن كل ~~موجود فهو متحيز أو حال فيه ، ولأن السمع قد دل عليه. # وهذه الحجج باطلة ، أما الأولى فلأنها مبنية على أن العلم يستدعي حصول ~~صورة مساوية للمعلوم في العالم ، ونحن قد بينا فيما سلف بطلانه. # وأما الثانية فلأن الحاكم بذلك الامتناع إنما هو الوهم ، فإن العقل قد دل ~~على وجود مجرد ، بل قد دل على أن هاهنا مجردا منتزعا من المحسوسات كالطبائع ~~الكلية. # وأما الثالثة فجوابها التأويل ، فإن الأدلة العقلية قد دلت على امتناع ~~جسميته ، فلو أبطلناها لأجل السمع ، لزم إبطال العقل الذي هو الأصل ، وذلك ~~يستلزم بطلانها. ### |||| ** مسألة : واجب الوجود ليس بعرض ، لان كل عرض مفتقر الى المحل وواجب الوجود ليس ~~بمفتقر. PageV01P319 ### | البحث الثالث ### | في أنه تعالى ليس في محل # ذهب بعض النصارى الى أنه تعالى في بدن عيسى عليه السلام (1)، وبعض ~~الصوفية قالوا : إنه حال في أبدان العارفين (2)، واحتج الجمهور على ذلك ~~بأنه إما أن يكون حالا في محل واحد أو أكثر ، ويلزم على الأول كونه جزء لا ~~يتجزى وهو محال ، وعلى الثاني تركيبه أو حلول الواحد في محال متعددة مع ~~المحال الأول. # وأيضا حلوله في الجسم إما أن يكون قديما فيلزم قدم الجسم او محدثا فلا بد ~~له من علة ، فإن كان موجبا كان مجردا ، لأن الأجسام والجسمانيات متساوية في ~~الأحكام لتساويها في الحقائق ، ولو كان مجردا لم يكن له اختصاص بذلك الجسم ~~الذي جعل محلا ، وإن كان مختارا فلا بد له من أثر ، لكن الحلول ليس بأثر ~~وإلا لكان وجوديا ويلزم التسلسل. # وأيضا لو حل في غيره ، فإما أن يحل مع احتياجه الى المحل ، أو لا معه ms157 ، ~~ويلزم من الأول الإمكان ، ومن الثاني عدم الحلول ، لأن الحال محتاج الى المحل. # وأيضا لو حل في غيره ، فإما أن يحل مع وجوب أن يحل ، أو مع جوازه ، ~~والأول باطل لافتقاره ، ولأن غيره إما الجسم أو العرض ، فيلزم إما قدمهما ~~أو حدوثه والثاني باطل ، لأن الغني عن المحل يستحيل أن يحل فيه. PageV01P320 # وبعض هذه الوجوه عندي ضعيف ، أما الأول فلأنه بعد تسليم اصوله دال على ~~انه ليس بحال في الجسم ولا في الجزء الذي لا يتجزى وليس دالا على عدم حلوله ~~في المجردات وهو بعينه وارد على الثاني والحق في ذلك أن المعقول من الحلول ~~قيام موجود بموجود آخر على سبيل التبعية بحيث يمتنع قيام الحال بانفراده ، ~~ولا شك في أن (1) الحلول بهذا التفسير منفي عن الواجب تعالى. PageV01P321 ### | البحث الرابع ### | في انه تعالى ليس في جهة # المعقول من الجهة أنها طرف الامتداد ومن الفيئية (1) القيام بما نسب إليه ~~وهذا لا يعقل الا في المتحيزات ، ونحن قد نفينا عن الواجب تعالى التحيز ~~والقيام بالغير فهو ليس في جهة والظواهر النقلية متأولة والمجسمة اتفقوا ~~على أنه تعالى في جهة والكرامية قالوا : إنه في جهة فوق (2). # والمتكلمون استدلوا على بطلان ذلك بغير ما ذكرناه فقالوا : مكانه تعالى ~~إن ساوى الأمكنة كان اختصاصه بأحدها يفتقر الى مخصص فيكون محدثا ، لأن فعل ~~المختار محدث ، ويستحيل أن يكون الله تعالى مجردا عن الجهة ثم يحدث له ~~الاختصاص بها ، وإن خالفها كان موجودا ، لأن العدمات غير متمايزة ، فإن كان ~~مشارا إليه كان الواجب متحيزا هذا خلف ، وإن كان غير مشار إليه لم يكن الله ~~تعالى في المكان. # وهذه الحجة عندي ضعيفة ، لأن المخصص إن كان هو ذاته تعالى بالاختيار لم ~~يلزم الافتقار الى مخصص ، وقوله : العدميات (3) لا تتمايز ممنوع ، وقد مضى. # واستدلوا أيضا بأن العالم كرة فلا يكون الباري في جهة فوق لأنه لا فوقية حينئذ. PageV01P322 ### | البحث الخامس ### | في انه تعالى لا يتحد بغيره # قد ذهب قوم من الأوائل منهم فرفوريوس الى أن من عقل شيئا اتحدت ms158 ذاته ، ~~وأيضا يتحد بالعقل الفعال ، وقد نص هذه المقالة الشيخ في كتاب المبدأ ~~والمعاد (1). وذهبت النصارى الى اتحاد الاقانيم الثلاثة : أقنوم الأب ~~وأقنوم الابن وأقنوم روح القدس (2)، وهو مذهب لبعض الصوفية. # وهؤلاء إن عنوا بالاتحاد ما يفهم منه على الحقيقة من صيرورة الشيئين شيئا ~~واحدا لا (3) كاتحاد الممتزجين ولا كاتحاد الكائن بالفاسد فهو غير معقول ، ~~لأنهما بعد الاتحاد إن بقيا فهما اثنان ، وإن عدما أو عدم أحدهما ووجد ثالث ~~فهو كون وفساد ، ولأن المعدوم يستحيل اتحاده بالموجود. PageV01P323 ### | البحث السادس ### | في أنه تعالى ليس بمحل للحوادث # ذهبت الكرامية الى جوازه (1)، والباقي أنكروه ، قال بعض الناس : إن ~~المنكرين لذلك إنما ينكرونه باللسان مع اعترافهم به في المعنى. # أما مشايخ المعتزلة ومثبتوا الأحوال ، فقد وصفوا الله تعالى بها مع ~~تجددها كالسامعية والمبصرية والمريدية والكارهية ، وأبو الحسين أثبت ~~العالميات المتجددة في ذاته (2)، والأوائل أثبتوا له تعالى إضافات متجددة ~~زعموا أنها وجودية. # وأبو البركات البغدادي من متأخري المتفلسفة صرح بذلك واضطرب اضطرابا ~~عظيما ، فأثبت لله تعالى إرادات متجددة غير متناهية سابقة ولاحقة يفعل شيئا ~~ثم يريد بعده شيئا آخر فيفعل ثم يريد فيفعل وله إرادة ثانية أزلية. # والحق عندي أنه تعالى يستحيل أن يكون له صفة متجددة على ما عليه الجمهور ~~، لأنه تعالى غير متغير ، لاستحالة انفعاله عن غيره فلا يقبل التجدد. # واحتج الجمهور عليه بوجوه : الأول أن صفة الله تعالى إن كانت صفة كمال ~~استحال خلوه عنها ، لأنه يكون نقصا وهو محال بالإجماع ، وإن كانت صفة نقص ~~استحال ثبوتها له تعالى بالإجماع. # وأيضا لو كان الله تعالى قابلا للحوادث لوجب اتصافه بها أو بضدها ، لأن ~~القابل للصفة لا يخلو عن ذلك ويلزم من ذلك اتصافه بالحوادث أزلا هذا خلف. # وأيضا المفهوم من قيام الصفة بالموصوف حصولها في الحيز تبعا لحصول ~~الموصوف فيه والواجب ليس بمتحيز. PageV01P324 # وأيضا العلة في قيام الصفات بالجوهر كونه متحيزا ولأجل ذلك لم يتصف ~~الأعراض بها والباري ليس بمتحيز. # وأيضا لو صح قيام حادث به لصح قيام كل حادث. # وأيضا لو ms159 صح اتصافه بالحادث لم ينفك منه والتالي باطل فالمقدم مثله ، ~~بيان الشرطية أن صحة اتصافه بالحوادث من لوازم ذاته والا لزم التسلسل ، وهي ~~حادثة لأنها متأخرة عن وجود الحادث ، لأن صحة الاتصاف موقوفة على صحة الصفة ~~وصحة الصفة حادثة لاستحالة قدم الصفة الحادثة واستحالة الجمع بين الصحة ~~والاستحالة ، وأما بيان بطلان التالي فظاهر. # وهذه الوجوه عندي ضعيفة ، أما الأول ، فلأنه سمعي. # وأما الثاني ، فلأنه لم يثبت أن القابل يجب أن يتصف بأحد الضدين. # وأما الثالث ، فلأن هذا التغير ينفي اتصاف الله تعالى بأمر واتصاف ~~المجردات بالصفات المجردة. # وأما الرابع ، فلأنه مبني على الاستقراء والدوران ، وقد بينا ضعفهما مع ~~انتقاضها باتصاف الواجب تعالى بالصفات واتصاف المجردات بها. # واما الخامس ، فلأنه دعوى مجردة والقياس غير متين. # واما السادس ، فلأن صحة الاتصاف إضافية والإضافيات غير موجودة في الخارج ~~فلا يجوز وصفها بالقدم والحدوث وأيضا لا يلزم من صحة اتصافه صحة وجود الصفة ~~، لأن صحة وجود المقدور من القادر لا يتوقف على وجود المقدور ولا على صحته ~~مطلقا بل على الصحة الذاتية ، فإن امتنع الخارج إما لوجود مانع او فوات شرط. # واعلم أن الاستدلال بهذا الوجه مع القول بعدم الإمكان مما لا يجتمعان ، ~~والاعتراضات الواردة عليه مع القول بوجود الإمكان وبطلان التسلسل مما لا ~~يجتمعان. PageV01P325 # واستدل المخالف بوجوه : ### |||| ** الأول : ان العالم محدث ، فقبل وجوده لا يصدق على الباري انه فاعل وبعد وجوده يصدق ~~عليه هذا الوصف ، وهذا قول بالتجدد. ### |||| ** الثاني : أنه تعالى لم يكن عالما بأن العالم موجود في الأزل ثم بعد ذلك تجدد له ~~العلم عند وجوده. ### |||| ** الثالث : أنه لم يكن رائيا ولا سامعا ولا باصرا ثم تجدد له هذه الصفات. ### |||| ** الرابع : أنه لم يكن متكلما ثم صار كذلك. ### |||| ** الخامس : أنه لم يكن مكلفا ثم صار مكلفا. # والجواب عن هذه شيء واحد ، وهو أن المتغير إنما هو إضافة الصفات الى ما ~~اضيفت إليه لا نفس الصفات ، وفي العلم إشكال. # وأما قول أبي البركات ، فهو في غاية السخف (1)، أما أولا فلامتناع وجود ~~ما لا ms160 يتناهى وقد مضى ، وأما ثانيا فلأن الإرادة الثانية إن تعلقت بما ~~تعلقت به الإرادة المتجددة فلا حاجة إلى إثبات المتجددات. # وأيضا فكيف يصح وجود إرادة واحدة مطابقة لما لا يتناهى من المختلفات؟ وإن ~~تعلقت بغيره فكيف يحكم في إثبات إرادات قديمة تتعلق بطائفة من المرادات ~~وإرادات متجددة تتعلق (2) بطائفة أخرى منها؟. # وأيضا فكيف يسوغ له إثبات حادث زمانا في ذاته؟ وموجبه إن كان ذاته دام ~~بدوامها ، ومبطله إن كان ذاته بطل دائما فلا يصح حصوله ، فلحدوثه علة (3) ~~ولبطلانه أخرى حادثة ، وعلة الحدوث لا تنفك عن الحدوث وعلة البطلان لا تنفك ~~عن البطلان ، ويعود الكلام الى حدوث العلتين جميعا ، فلا بد من علتين ~~مقترنتين PageV01P326 # بالمعلولين. # فيجب أن لا ينقطع عن ذاته تجدد الحوادث زمانا أصلا ، وإن فرض في ذاته ~~حادث زمانا فيجب أن يكون في ذاته حوادث أخرى متجددة مع ثباته حتى يؤدي ذلك ~~الثابت الى البطلان ، فحينئذ لا ينفك عن متجدد لا يصح عليه التصرم والبطلان ~~وهذا هو الحركة. # فيلزم أن يكون واجب الوجود متحركا بالوضع لأن ما عداه متصرم فيكون جسما ، ~~تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. PageV01P327 ### | البحث السابع ### | في استحالة الألم واللذة عليه # قد اختلف الناس في ذلك ، فذهب الأوائل الى إثبات اللذة عليه ، والجميع من ~~المتكلمين نفوه واتفقوا مع الأوائل على نفي الألم عنه تعالى (1). # واعلم أن اللذة والألم قد يعني بها ملائمة المزاج ومنافرته والمزاج قد ~~عرفته لا يعقل إلا في الأجسام ، والباري تعالى ليس بجسم فلا يصحان عليه ، ~~وقد يعنى باللذة والألم إدراك الملائم من حيث هو ملائم وإدراك المنافي من ~~حيث هو مناف ، فلا شك في أن واجب الوجود مدرك لذاته وذاته ملائمة لذاته ~~فيكون ملتذا بهذا الاعتبار. # وبهذا يظهر عندي أنه لا فرق في المعني بين قول الأوائل والمتكلمين ، فإن ~~دعوى المتكلمين حقة ودعوى الأوائل حقة وما أجمع عليه المسلمون حق ، غير أن ~~اسم اللذة لا يطلق عليه تعالى ، لأن أسمائه توقيفية ويكون وقوع اسم اللذة ~~على المعنيين بالاشتراك اللفظي. # واعلم أن الأوائل ms161 لا يمكنهم الاستمرار على هذا ، وبيانه أن الألم عبارة ~~عن إدراك المنافي ، ولا شك في أنه تعالى مدرك للعدم ولا شك في منافاة العدم ~~له ، فيلزم أن يكون الباري تعالى متألما وذلك باطل. # ووجه الاعتذار أن الألم ليس هو مطلق الإدراك بل بشرط النيل ، فاندفع ~~المحذور. # واستدل بعض المتكلمين بأن اللذة إن كانت قديمة وجب وجود الفعل قبل PageV01P328 # وجوده والتالي باطل والمقدم مثله ، بيان الشرطية أن فعل الملتذ به مع ~~إمكانه يكون كالواجب ولا منافي لفعله تعالى إلا الأزل ، وإن كانت حادثة كان ~~الله تعالى محلا للحوادث. # والاوائل قالوا : هذه الدلالة لا تبطل الألم ، وأما اللذة فلا تبطلها ~~أيضا ، لأنا نقول : انه (1) يلتذ بعلمه بذاته لا بفعله فيندفع ما ذكرتموه ، ~~وعول آخرون على الإجماع في نفيهما عنه تعالى ، وهو الأولى. PageV01P329 ### | البحث الثامن ### | في استحالة اتصافه تعالى بالكيفيات # أجمع المسلمون على استحالة (1) اتصافه تعالى بالألوان والطعوم والروائح ، ~~ويجوز التمسك في مثل هذه بالإجماع (2) ولا دور ، وأيضا فلانه تعالى لا ~~ينفعل عن الغير. # وقد استدل المتكلمون هاهنا بوجهين : ### |||| ** الأول : أن اللون جنس ونسبة أنواعه إليه على السوية فاتصافه بنوع منها ترجيح من غير مرجح. ### |||| ** الثاني : أن هذه الأمور لا دليل عليها ، فان الإلهية لا يتوقف عليها فلا يجوز ~~إثباتها ، وهذان الطريقان قد بينا ضعفهما فيما تقدم من الأصول. # والشهوة والنفرة عبارتان عن طلب اللذة والبعد عن الألم ، وهذان مستحيلان ~~في حقه تعالى فيستحيل عليه الشهوة والنفرة ، ولأنهما إنما يصحان مع المزاج ~~، وبالإجماع أيضا. # ولما انتفيا عنه استحال اتصافه بما يتوقف عليهما كالفرح والحزن والغضب ~~واليمن (3) والبطر والتأسف وغير ذلك من الصفات المزاجية. PageV01P330 ### | البحث التاسع ### | في استحالة سلب الوجود عنه تعالى # هذا المطلب من أظهر المطالب ، فإنا بينا استناد الممكنات الى وجود واجب ، ~~ومن المعلوم بالضرورة استحالة سلب الوجود عنه ، قال بعض المتأخرين : لو جاز ~~العدم على واجب الوجود لكان وجوده متوقفا على عدم سبب عدمه. # وهذا الاستدلال خطأ من وجهين : # الأول : أن استحالة عدم واجب الوجود ذاتية فلا يجوز استنادها الى عدم ms162 سبب العدم. # الثاني : أنا نقول : لم لا يجوز عدمه في بعض الأوقات من غير سبب ويكون ~~العدم واجبا في ذلك الوقت؟ # لا يقال : لأنه حينئذ يكون ممكنا ، لأن ماهيته متصفة بالوجود في وقت على ~~سبيل الوجوب وبالعدم في آخر كذلك ، فالماهية من حيث هي هي يكون قابلة لها. # لأنها نقول : هذا القدر كاف في هذا المطلوب من غير حاجة الى توسيط ذلك ~~الدليل. # والملاحدة قالوا : إنه تعالى ليس بموجود ولا بمعدوم ، لأنه تعالى خالق ~~للمتقابلات فلا يجوز اتصافه بواحد منها ، وهذا كلام سخيف. PageV01P331 ### | البحث العاشر ### | في انه تعالى يخالف غيره لذاته # قد نقلنا عن أبي هاشم أنه يقول : إنه تعالى يساوي غيره في الذات ويخالفه ~~بالحالة الخامسة. # واطبق المحققون على بطلان ذلك ، وبيانه أنه إن شارك غيره في كمال ذاته ~~كان ممكنا ، لأن الإمكان من اللوازم فيكون مشتركا بين المتساويات. # وأيضا يفتقر الى مشخص في وجوده ويكون ذاته منفعلة عن غيره ، وإن شاركه في ~~بعض ذاته كان مركبا هذا كله خلف. # وقد يحتج أبو هاشم بأنا قد نعقل ذاتا ونشك في أنها قديمة أو محدثة وواجبة ~~أو ممكنة ، وذلك يستلزم اشتراكها بين الجميع. # واعلم أن الحق في الجواب أن نقول : الذات قد يعني بها نفس الماهية ~~والحقيقة ، وقد يعني بها نفس كونها ذاتا أعني استقلالها بالمعقولية ، وهذا ~~الأخير مشترك وهو أمر ذهني من المعقولات الثانية ، أما الأول فلا. PageV01P332 ### | البحث الحادي عشر ### | في أنه تعالى يستحيل أن يكون مرئيا # من علم شيئا ثم رآه تجددت له حالة لم يكن حالة العلم ، وهل هي نفس تأثر ~~الحاسة أو أمر زائد عليه؟ قد مضى البحث فيه ، وعلى كلا التقديرين لا بد في ~~حصول تلك الحالة من المقابلة وهي لا يعقل الا في المتحيزات ، وهذا أمر ~~ضروري قد اتفق عليه جميع العقلاء ، ونازع فيه الاشاعرة كافة وزعموا أنه ~~تعالى مرئي (1) مع أنه ليس في جهة ، فإن عنوا بالرؤية العلم فقد مضى البحث ~~في أنه هل تعلم حقيقته أم لا؟ وإن عنوا بها الأمر الحاصل ms163 عند المقابلة فهو ~~منتف في حقه ، وإن عنوا بها شيئا ثالثا فهو غير معقول. # انظر عن هذا البحث بالتفصيل الكتب التالية : # من المعتزلة : القاضي عبد الجبار ، المغني في ابواب التوحيد والعدل ج 4 ص ~~33 فبعد ، ونفس الرجل ، شرح الاصول الخمسة ص 232 فبعد ، وابو الحسين الخياط ~~، الانتصار ص 160 ومواضع اخرى. # ومن الاشاعرة : اضافة الى الكتابين للاشعري مضى ذكرهما ، القاضي ابو بكر ~~الباقلاني ، الانصاف ص 37 ، وابو حامد الغزالي ، قواعد العقائد ص 169 ، ~~والتفتازاني ، شرح العقائد النسفية ص 51 ، والجويني ، لمع الادلة ص 101 ، ~~والجرجاني ، شرح المواقف ج 8 ص 115. # ومن الشيعة : السيد المرتضى ، الملخص (المخطوطة الفريدة المتعلقة بمكتبة ~~المجلس في طهران) ورقة 59 ، ونفس الرجل ، شرح جمل العلم والعلم ص 76 ، ~~والعلامة الحلي ، الرسالة السعدية ص 37 ، وابن ميثم البحراني ، قواعد ~~المرام ص 76. PageV01P333 # ومع ذلك فقد استدل المعتزلة على أنه تعالى غير مرئي بوجوه : ### |||| ** الأول : أنه لو كان مرئيا لكان مقابلا ولو كان مقابلا لكان في جهة ، والمقدمتان ~~ضروريتان ، والتالي باطل فالمقدم مثله. ### |||| ** الثاني : أنه لو كان مرئيا لوجب ان نراه الآن والتالي باطل فالمقدم مثله ، بيان ~~الشرطية أن شرائط الإدراك قد بينا أنها متى حصلت وجب وهي هاهنا أمران : ~~سلامة الحاسة وكون المرئي بحيث تصح رؤيته ، والأول حاصل ، فلو كان الثاني ~~حاصلا أيضا لزم المطلوب. ### |||| ** الثالث : قاسوا الرؤية على السمع ، وطريقه أنا لا نسمع الا الصوت ولما لم يكن الباري ~~تعالى صوتا حكمنا بكونه ليس بمسموع ، ولذلك (1) نعلم قطعا أن المرئي ليس ~~إلا الأجسام والأضواء والحركات والسكنات والاجتماع والافتراق ، فلو كان ~~الله تعالى مرئيا لوجب أن يكون من جنس هذه ، وهذه الحجة ضعيفة وفيها حوالة ~~على الأولى. ### |||| ** الرابع : كلما أدرك بحاسة واحدة فهو لا يخلو عن التماثل والتضاد أنظر الى السوادين ~~والى أحدهما مع البياض ، فلو كان الله تعالى مرئيا لكان إما مثلا أو مضادا ~~لغيره والتالي بقسميه باطل فالمقدم كذلك. وهذه أيضا ضعيفة. ### |||| ** الخامس : قوله تعالى : ( @QUR@03 لا تدركه الأبصار ) (2) تمدح بالنفي ، لأن ما قبله ~~وما بعده ms164 تمدح ، وإدخال ما ليس بتمدح خلال تمدحين ركيك جدا ، فلو صح عليه ~~الرؤية لبطل هذا التمدح. ### |||| ** السادس : قوله تعالى لموسى : ( @QUR@02 لن تراني ) (3) وهي نافية للأبد فوجب أن PageV01P334 # لا يراه غيره بالإجماع. ### |||| ** السابع : أنه تعالى قد أنكر على سائل الرؤية استعظاما لسؤالهم في قوله : ( @QUR@07 ~~لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا ) (1)، وقوله : ( @QUR@02 ~~فأخذتهم الصاعقة ) (2)، وقوله : ( @QUR@06 فقد سألوا موسى أكبر من ذلك ) ~~(3)، ولو كانت الرؤية جائزة لما توجه عليهم العتب به. ### |||| ** الثامن : قوله تعالى : ( @QUR@015 وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء ~~حجاب أو يرسل رسولا ) (4)، وأشار بالحجاب الى معناه المجازي ، فإنه تعالى ~~شبه نفسه من حيث أنه يسمع خطابه من غير رؤية لم يخاطب وراء الحجاب. # واعترض الأشاعرة على هذه الوجوه. # أما الأول ، فقد نازعوا في ضرورية ما ادعاه المعتزلة. # وأما الثاني ، فبالمنع من حصول الإدراك عند حصول شرائطه. # وأما الثالث والرابع ، فمبناهما على حصول القياس الضعيف. # واما الخامس ، فلأن الإدراك عبارة عن الوصول واللحوق وهذا إنما يعقل في ~~المتحيزات ، ولأنه يجوز أن يكون المراد بالإدراك المعرفة وبالإبصار العقل ، ~~وهذا وإن كان مجازا لكن المصير إليه أولى لما فيه من الجمع بين الأدلة ، ~~ولأن قوله تعالى : ( @QUR@03 لا تدركه الأبصار ) سالبة جزئية لأنها نقيض ~~الموجبة الكلية ، فإن دخول الألف واللام على الجمع يفيد الاستغراق ، ولأن ~~المدرك ليس هو الابصار بل هو المبصرين ، ولو سلم فلا نسلم أنه تمدح بنفي ~~الرؤية ، واي مدح في ذلك مع أن المعدوم كذلك ، نعم المدح إنما يكون بالمنع ~~من الرؤية مع أنها ممكنة. PageV01P335 # واما السادس ، فلا نسلم أن لن للنفي المؤبد ، ويدل عليه قوله : ( @QUR@03 ~~لن يتمنوه أبدا ) (1)، مع انهم يتمنون الموت في الآخرة. # واما الأخيران فضعفهما ظاهر. # ثم استدلوا على مطلوبهم بوجوه : ### |||| ** الأول : أن الجوهر والعرض اشتركا في صحة الرؤية فلا بد لها من علة ، لأن المعدومات ~~لا تصح رؤيتها ، وتلك العلة لا بد وأن يكون مشتركة ، لأن المختلفات لا تكون ~~عللا للمتساوية (2) ولا مشترك بين الجوهر والعرض إلا الحدوث ، والوجود ~~والحدوث لا يصلح ms165 للتعليل ، لأنه عبارة عن الوجود بعد العدم ، فللعدم مدخل ~~في ماهيته فلا تصلح عليته للصحة الوجودية ، وإذا كان الوجود علة وهو مشترك ~~فكل موجود كذلك. ### |||| ** الثاني : أن الممكن إذا اتصف بالعدم استحالت رؤيته وإذا اتصف بالوجود صحت ، ودوران ~~الشيء مع غيره دليل على أن المدار علة للدائر ، ولا يجوز أن يكون لغير ~~الوجود مدخل في التعليل ، لأن كلا منهما إن استقل بالتعليل اجتمع على الأثر ~~علتان هذا خلف ، والا فعند الاجتماع حصل الاستقلال المفقود عند الانفراد ~~فيكون الكلام في حصول الاستقلال كالكلام في الأثر. ### |||| ** الثالث : أن موسى عليه السلام سئل الرؤية ولو امتنعت لما سألها ، والجهل عليه ممتنع. ### |||| ** الرابع : أنه علق الرؤية على استقرار الجبل الممكن فيكون ممكنة. ### |||| ** الخامس : قوله تعالى : ( @QUR@06 وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) (3)، والنظر PageV01P336 # المقرون بحرف الى يفيد الرؤية أو تقليب الحدقة نحو المطلوب التماسا ~~لرؤيته ، فإن كان المقصود هو الأول فهو المطلوب ، وإن كان الثاني وجب صرفه ~~الى المجاز لاستحالة الجهة عليه ، وأقرب جهاته الرؤية لأن إطلاق اسم السبب ~~على المسبب أولى المجازات. ### |||| ** السادس : روي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال : «إنكم لترون ربكم يوم القيامة كما ترون ~~القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته (1)». # والجواب عن الأول ، أنه إنكار الضرورة فلا يسمع. # وعن الثاني ، أنا قد بينا وجوبه. قوله : الإدراك هو الوصول ، باطل بقولنا ~~: أدركت الشمس والنار ، وحمل الإبصار والإدراك على ما ذكر مجاز مع مساعدة ~~العقل على خلافه. قوله : لا تدركه الأبصار سالبة جزئية ، قلنا : باطل لأنه ~~نقيض قولنا تدركه الأبصار وهي موجبة جزئية ، ولأنه يصح استثناء كل بصر وهو ~~يدل على العموم كما في استدلالهم في النقيض وسلب الإدراك عن الأبصار ، هو ~~سلب عن المبصر. # والمنع من التمدح باطل لما بينا ، فان قول القائل : زيد عالم آكل كريم ، ~~قبيح عند العقلاء ، والفرق بينه وبين المعدوم ظاهر ، فإن المعدوم لا تصح ~~رؤيته لا لكونه كاملا في نفسه ، أما واجب الوجود فلأنه لكماله يستحيل رؤيته ~~فافترق الحال. # وقوله : المدح انما يكون بالنفي مع ms166 الإمكان ضعيف ، لأن امكان الرؤية ~~يستلزم إمكان الإحاطة التامة بالمرئي وهو نقص في اكمل الموجودات. # وأما المنع من التأييد في «لن» فهو طعن في النقل مع وجوده ، فإن اهل ~~اللغة نصوا على ذلك. وقوله : ( @QUR@03 ولن يتمنوه أبدا ) لا ينافي ذلك ، ~~فإن المجاز قد يستعمل ، PageV01P337 # مع أن لفظة التأبيد موجودة هاهنا فعلم أن المراد المجاز. # واما استدلالاتهم فضعيفة ، أما الأول فمن وجوه : ### |||| ** احدها : لا نسلم أن صحة الرؤية مشتركة ، فإنها أمر عدمي ، لأن جنسها وهو الإمكان ~~عدمي ، ولأن الجوهر غير مرئي على ما سلف ، ولأن صحة رؤية الجوهر نوع مخالف ~~لصحة رؤية العرض ، لأن صحة رؤية الجوهر لا يعقل في العرض وبالعكس ومن شأن ~~الأمور المتساوية اتحادها في اللوازم. ### |||| ** الثاني : لم قلتم إنه يجب تعليلها ، فإنه لو كان كل حكم معللا لزم التسلسل ، وكيف ~~يصح ذلك وعندكم أن كون الشيء معلوما ومذكورا ومخبرا عنه ، أحكام غير معللة. ### |||| ** الثالث : لم قلتم أن العلة يجب أن يكون مشتركة؟ فإن كون السواد مخالفا للحرارة ~~وبالعكس حكم معلل بالحقيقتين المختلفتين ، وبالجملة فقد بينا فيما سلف ~~إمكان تعليل المتساويات بالمختلفات. ### |||| ** الربع : قد بينا أن وجود كل ماهية نفس حقيقتها ، وهو مذهب الأشعري ، فكيف يصح أن ~~يقال : لا مشترك الا الوجود او الحدوث. ### |||| ** الخامس : لا نسلم عدم المشترك ، وعدم العلم لا يوجب العدم ، وكيف ذلك وهاهنا وصف آخر ~~وهو الإمكان المشترك بين الجواهر والأعراض؟ # فان قلت : كيف تجعل الإمكان علة وهو عدمي وحاصل للمعدومات؟. # قلت : غرضي إبداء قسم غير ما ذكرت ، على أني أقول : لو كان الإمكان عدميا ~~فإمكان الرؤية عدمي ، ولا يلزم من حصول العلة للعدم حصول المعلول ، لإمكان ~~التوقف على شرط. ### |||| ** السادس : لم لا يجوز أن تكون العلة هي العدم السابق؟ وهذا ليس بمستحيل عندكم ، فإن ~~عدم الضد يصحح وجود ضده. PageV01P338 ### |||| ** السابع : لم لا يجوز أن تكون العلة هي الحدوث؟ والحدوث ليس بمتقوم بالعدم بل هو ~~عبارة عن مسبوقية وجود الشيء بالعدم والمسبوقية كيفية للوجود. ### |||| ** الثامن : يجوز أن يكون العلة هي الوجود المسبوق بالعدم. ### |||| ** التاسع ms167 : لم لا يجوز أن (1) يكون العلة هي الوجود الممكن؟. ### |||| ** العاشر : لم قلتم : إن مطلق الوجود إذا كان علة لزم أن يكون وجود الباري تعالى (2) ~~علة لهذه الصحة؟ فإن وجوده مخالف ، وعلى تقدير المساوات لم لا يتوقف على ~~شرط أو يحصل مانع؟ ولا يلزم من حصول المصحح حصول الصحة ، فان الحياة مصححة ~~لوجود الشهوة وان كانت غير صحيحة في بعض الصور كالواجب. ### |||| ** الحادي عشر : هذا الدليل ناهض في رؤية ما يمتنع رؤيته كالطعوم والروائح والقدرة ~~والإرادة. ### |||| ** الثاني عشر : الجوهر ملموس والعرض كذلك ، فصحة الملموسية حكم مشترك فلا بد له من علة ~~مشتركة هي الوجود ، فيلزم أن تكون صحة الملموسية ثابتة في حقه تعالى. ### |||| ** وأما الثاني ، فلأنه مبني على الدوران ، وقد سلف ضعفه ، على أن ما ذكروه في كون العلة ~~غير مركبة رافع للأمور الضرورية كالماهيات المركبة. ### |||| ** وعن الثالث ، أن موسى عليه السلام انما سئل الرؤية لأصحابه ، ويدل عليه قوله تعالى : ( ~~@QUR@010 فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة ) (3) وأيضا ~~ليتوافق النقل والعقل. ### |||| ** وعن الرابع ، أن الرؤية معلقة على استقرار الجبل حال الحركة ، فهو معلق PageV01P339 # على المحال ، ونحن قد بينا في كتاب «معارج الفهم (1)» أن هذه الآية دالة ~~على امتناع الرؤية. ### |||| ** وعن الخامس ، أن النظر المقرون بحرف «الى» لا يفيد الرؤية وليس سببا للرؤية ، ولهذا ~~يقال : نظرت إلى الهلال فلم أره ، نعم يفيد طلب الرؤية وحينئذ نقول : يلزم ~~من طلب رؤيتهم حصول الرؤية ولا إمكانها ، او نقول : يجوز أن يكون المراد ، ~~الى ثواب ربها ناظرة ، ويتعين هذا الإضمار ، لأن النظر المقرون بالى وضع ~~لتقليب الحدقة نحو المطلوب التماسا لرؤيته ، وهذا انما يصح في المتحيزات ، ~~او نقول : إن «الى» واحد «الآلاء» فالتقدير نعمة ربها ناظرة. ### |||| ** وعن السادس ، أن المقصود من الرؤية هناك المعرفة الحقيقية التي لا يعتريها شك ، فانه ~~من المستحيل حمل الخبر على حقيقته. PageV01P340 ### | البحث الثاني عشر ### | في أنه تعالى غني # ذات واجب الوجود مستغنية عن غيرها ويستحيل انفعالها عنه فيكون غنيا وهذا ~~ظاهر ، وأيضا ذلك الغير إن كان واجبا ms168 فهو محال لما يأتي ، وإن كان ممكنا ~~استند إليه فيكون مفتقرا إليه فكيف يعقل افتقاره الى ما يفتقر إليه ، ~~والمتكلمون طولوا في هذا الباب مع ضعف براهينهم ، ونحن نذكر هاهنا خلاصة ما ~~نقل إلينا من كلامهم. # قال مشايخ المعتزلة : لو كان واجب الوجود محتاجا (1) في جلب نفع او دفع ~~ضرر لكان مشتهيا ونافرا واللازمان باطلان والمقدم مثلهما ، بيان الملازمة ~~أن النفع هو اللذة والسرور وما يؤدي إليهما او الى احدهما ، والضرر هو ~~الألم والغم ما يؤدي إليهما او الى احدهما ، واللذة إدراك المشتهى والسرور ~~اعتقاد وصول النفع او اندفاع الضرر ، والألم إدراك ما ينفر عنه والغم ~~اعتقاد وصول الضرر او فوات النفع ، فكل من جازت عليه المنفعة والمضرة جازت ~~عليه اللذة والألم ، ومن جازت عليه هاتان الصفتان جازت عليه الشهوة ~~والنفرة. # وأما بطلان التالي ، فلأنه لو كان مشتهيا فإما أن يكون لذاته فيكون ~~مشتهيا للشيء الواحد ونافرا عنه في الوقت الواحد هذا خلف ، وإما أن يكون ~~لشهوة قديمة وهو محال لاستحالة تعدد القديم ، وإما أن يكون لشهوة محدث ~~فيكون ملجأ الى PageV01P341 # فعل الشهوة والمشتهي جميعا هذا خلف ، ولأنه لو كان مشتهيا ونافرا لكان ~~جسما والتالي باطل والمقدم مثله والشرطية ظاهرة ، فان المشتهي هو الذي إذا ~~أدرك ما يشتهيه صح جسمه والنافر هو الذي إذا أدرك ما ينفر عنه فسد جسمه ~~والله تعالى ليس بجسم. # وقال القاضي عبد الجبار (1): لا دلالة على كونه محتاجا فيجب نفيه. # وقال سديد الدين سالم بن محفوظ صاحب المنهاج من الامامية (2): لو كان ~~محتاجا فحاجته إن لم يكن موجودة في الخارج انتفت ، ولأن الذهن (3) إن طابق ~~استدعى الخارج وإلا فجهل ، ولأن المحتاج محتاج في نفسه وإن لم يوجد الذهن ~~وإن كانت موجودة في الخارج ، فإن كانت واجبة الوجود تعدد الواجب ، وإن كانت ~~ممكنة فان استندت الى واجب الوجود بالايجاب بشرط ، فذلك الشرط إن كان ~~معلولا للواجب على الاطلاق لزم قدم العالم ، وإن كان بشرط ، تسلسل ، وإن ~~كان بالاختيار فهو محال لأن الحكيم لا يفعل في ذاته ms169 الحاجة ، وان استندت ~~الى غيره فذلك الغير ممكن وهو محال والا لزم التسلسل. # ثم اورد على نفسه بأن قال : يلزم مما ذكرتم الدور ، لأن كونه تعالى حكيما ~~انما يتم بعد بيان كونه غنيا ، فلو بنيتم كونه غنيا عليه لزم الدور. # وأجاب بأن الحكيم يطلق على معنين : الأول العالم بحقائق الأمور ، والثاني PageV01P342 # التارك للقبيح الذي لا يخل بواجب ، والمقصود بالحكيم هاهنا هو الأول فلا دور. # وهذه الحجج لا يخفى ضعفها. # وقيل : لو كان محتاجا في ذاته لكان ممكنا ، ولو كان محتاجا في صفاته لكان ~~وجود ذاته متوقفا على وجود تلك الصفة أو عدمها المستفادين من الغير وكل ~~متوقف مفتقر. PageV01P343 ### | البحث الثالث عشر ### | في أنه تعالى واحد # واجب الوجود لا يمكن أن يحمل على شيئين ، والا فإن تميزا بعد هذا ~~الاشتراك فلا يخلو إما أن يكون جهة الامتياز عارضة لجهة الاشتراك او لازمة ~~أو معروضة او ملزومة ، فإن كان ما به الامتياز عارضا افتقر الى سبب يقتضي ~~العروض فيكون كل واحد من واجب الوجود انما هو هو بعلة ، وإن كان لازما ~~استحال التعدد ، وإن كان معروضا كان واجب الوجود عارضا لغيره أعني الوجود ~~المتأكد ، ونحن قد بينا فيما سلف أن الوجود نفس الماهية. # وأيضا يفتقر الى سبب ، وقد بينا أن ما يفتقر الى سبب فهو ممكن فالواجب ~~ممكن وان كان ملزوما عرض المحالان. # وأيضا لو تعدد (1)، فإما أن يمتنع عليهما المخالفة أولا ، والقسمان ~~باطلان. # أما الأول ، فلأنه لو كان أحدهما موجودا بانفراده لصح منه إيجاد الحركة ، ~~والآخر لو انفرد (2) لصح منه إيجاد السكون ، فمع الاجتماع إن بقيت الصحتان ~~فهو المطلوب ، وإن عدمتا فليس أحدهما بقادر فليس بإله. # وأما الثاني ، فلأنه لو صحت المخالفة وأراد احدهما الحركة والآخر السكون ~~، فان وقعا او عدما لزم المحال ، وان عدم أحدهما ووقع الآخر فهو ترجيح من ~~غير مرجح وقول بوحدانية الصانع. # لا يقال : إن كل واحد منها حكيم فيتحد فعلاهما لاتحاد الداعي ، ولأن كل PageV01P344 # واحد منهما عالم بكل المعلومات فيكون عالما بوقوع أحد الطرفين فلا يريد ms170 ~~الآخر ، ولأن كل واحد منهما عالم بكون الآخر قادرا على كل مقدور فاذا خالف ~~أحدهما الآخر لم يتمكنا من حصول مطلبيهما فكان هذا العلم صارفا لهما عن ~~المخالفة ، ولأن المحال انما لزم من الوقوع لا من صحة الوقوع. # لأنا نجيب عن الأول ، بأنا نفرض الكلام في ضدين (1) اشتركا في جهة ~~المصلحة ، وهذا السؤال ساقط على رأي الأشاعرة. # وعن الثاني ، أن العلم تبع الوقوع الذي هو تبع الإرادة فلا يكون مانعا. # وعن الثالث ، أن العلم حاصل لكل واحد منهما فإن صرفهما معا عدم النقيضان ~~والا حصل الترجيح من غير مرجح. # وعن الرابع ، أن المخالفة لما استلزمت المحال كانت محالا ، لأن الممكن لا ~~يستلزم المحال. # وللمشايخ طرق أخرى ضعيفة إحداها أنها لو اشتركا في القدم لتساويا مطلقا ~~لأن القدم اخص الصفات فيلزم عدم الاثنينية ، وثانيتها أن الثاني لا دليل ~~عليه فيجب نفيه ، وثالثتها لو جاز إثبات ثان لجاز إثبات ما لا نهاية له ~~لعدم الأولوية. # ونحن قد اعطيناك قانونا تعلمت منه ضعف هذه الطرق وأمثالها ، واعلم أن ~~السمع لا يتوقف على الوحدانية فيجوز إثباتها به. ### |||| ** اوهام وتنبهات : زعم قوم من الأوائل أن العالم واجب الوجود لذاته وبطلانه قد سلف ، وذهبت ~~الثنوية الى قدم النور والظلمة (2) وأن العالم حدث بامتزاجهما ، ونحن قد ~~سلف في كتابنا ان النور عرض لا يقوم بنفسه وان الظلمة أمر PageV01P345 # عدمي. # ومما زعموا هاهنا أن النور خير والظلمة شر والخيرات حاصلة من النور ~~والشرور حاصلة من الظلمة ، وهذا باطل ، أما أولا فلأن البحث في الخير والشر ~~والشرف والخسة من الابحاث الخطابية ، وأما ثانيا فلأن النور قد يظهر الهارب ~~مع شريته وقد تخفيه (1) الظلمة مع خيريته. # ومما ذهبوا إليه هاهنا أنهما غير متناهيين الا من جهة التقائهما ، وهذا ~~باطل ان عنوا بالسلب عدم الملكة ، لأن النور عرض فتناهيه تابع لتناهي محله ~~، وقد اسلفنا أن الأجسام متناهية. # ومما ذهبوا إليه أن النور حي عالم قادر سميع بصير متحرك لذاته ، واختلفوا ~~فذهبت الصابئة (2) الى أن القوة على هذه الإرادات (3) قوة واحدة وتختلف ms171 ~~بحسب الآلات والمشاعر. # واثبت المانوية لكل إدراك قوة ، واختلفوا في الظلمة فالديصانية نفت عنها ~~هذه الأوصاف ، وذهبت المانوية الى أنها موصوفة بها وما بيناه من بطلان ما ~~تقدم آت هاهنا. ### |||| ** مسألة : ذهبت المجوس الى إثبات صانع للعالم قادر حي حكيم غير جسم ولا جسماني عالم ~~منزه عن الشرور والنقائص سموه «يزدان» (4) ونسبوا الشرور الى الشيطان ، ~~وذهب بعضهم الى أنه محدث وجسم وسبب PageV01P346 # حدوثه (1) أنه عرض ليزدان فكرة في بعض الأوقات هي أنه كيف يكون حالي لو ~~نازعني غيري فتولد الشيطان من هذه الفكرة ، ثم تحاربا واصطلحا وجعلا سيف ~~المنازعة عند القمر الى مدة. # وهذا الكلام مع ظهور فساده دال على نقص قائله ، ثم نقول : الشيطان أصل ~~الشر وقد صدر عن صانعهم فيكون الذي أثبتوه خيرا ، شريرا. ### |||| ** مسألة : ذهبت النصارى الى أنه تعالى واحد ليس بمتحيز فهو احد بالجوهرية ثلاثة ~~بالأقنومية (2)، وهؤلاء ان أرادوا بالجوهر المعنى المصطلح عليه بين ~~الفلاسفة فاكثر الناس ينفونه عنه وهو مذهبنا ، ومن يجعل الوجود مغايرا ~~لحقيقته يوافقهم على اطلاق الجوهر بالمعنى وان لم يؤذن فيه. # وأما الأقانيم فالمتكلمون خبطوا في مرادهم منها ، وتحرير القول فيه : أن ~~هذه الأقانيم إما أن يكون ذواتا متغايرة ومغايرة له تعالى كما يقوله ~~الأشاعرة ، وإما أن يكون أحوالا كما يقوله أبو هاشم ، وإما أن يكون أحكاما ~~كما يقوله أبو الحسين ، فإن كان الأول فهو باطل بما أبطلنا به مذهب ~~الأشاعرة ، وإن كان الثاني فهو باطل بما أبطلنا به مذهب أبي هاشم ، وإن كان ~~الثالث فهو مسلم إلا أنهم مع القول بكثرة الأقانيم قائلون باتحادها وهذا ~~غير معقول على ما سلف. # والذي حصله متأخروا المتكلمين من قولهم : إن أقنوم الأب إشارة الى الوجود ~~الذي هو الذات عندهم ، وإن أقنوم الابن هو علمه ، وإن أقنوم روح القدس هو ~~حياته ، ولا منازعة حينئذ الا في اللفظ ، الا أنهم قالوا هاهنا أن أقنوم ~~الابن اعني العلم اتحد بعيسى فصار إلها بعد أن كان إنسانا وإن عيسى هو (3) خالق PageV01P347 # الخلق وإنه سيحيي الموتى ، واختلفوا في كيفية ms172 اتحاده به ، فقالت ~~اليعقوبية : إن الكلمة أعني العلم مازجت عيسى وخالطته وحصل امر ثالث هو ~~المسيح ، فقالوا : إن عيسى جوهر من جوهرين وأقنوم من أقنومين. # وقالت النسطورية : إن الكلمة جعلته هيكلا (1) وأدرعته إدراعا ، فقالوا : ~~إن المسيح جوهران أقنومان. # وقالت الملكانية : إن الاتحاد كان بالإنسان الكلي دون المسيح ، وقال ~~بعضهم : ان الاتحاد كان بأن اثرت فيه الكلمة كما تؤثر الصورة في المرآة من ~~غير انتقال منها إليه. # وهذه الأقوال لا يخفى فسادها ، فانه كيف يعقل اتحاد صفة هي العلم بذات هي ~~جسم ، ومطلق الاتحاد قد بطل بما أسلفناه ، ونزيد هاهنا أن بعد الاتحاد إن ~~كان المتحد جوهرا كان العرض جوهرا هذا خلف ، وإن كان عرضا كان الجوهر عرضا ~~هذا خلف ، وإن لم يكن جوهرا ولا عرضا لزم ارتفاع النقيضين وأيضا إعدامهما ~~وإحداث ثالث. PageV01P348 ### | البحث الرابع عشر ### | في اسمائه تعالى # اعلم أن الاسم قد يكون هو المسمى ، وذلك لأن الاسم عبارة عن اللفظ الدال ~~المجرد عن الزمان والاسم إشارة الى اللفظ الدال على مسماه ، ومن جملة ~~المسميات لفظة الاسم ، وقد يكون مغايرا له كالجدار الدال على معناه المغاير للفظه. # إذا عرفت هذا فنقول : الاسم اذا أطلق على الشيء فإما أن يكون المسمى به ~~ذات الشيء ، أو ما يكون داخلا فيها ، أو ما يكون خارجا عنها ، والدال على ~~الخارجي إما أن يكون دالا على الموصوفية بتلك الصفة ، أو على ذلك الشيء مع ~~كونه موصوفا بتلك الصفة ، والدال على الصفة إما أن يكون دالا على صفة ~~حقيقية فقط ، أو إضافية فقط ، أو سلبية فقط أو ما يتركب من هذه الأقسام. # واختلف الناس في أنه هل لذاته تعالى اسم أم لا؟ أنكره الأوائل ، لأن ~~الواضع إن كان هو الله وقصد تعريف نفسه فهو محال ، أو تعريف غيره ذاته فهو ~~أيضا محال ، وإن كان غيره فلا بد وأن يكون ذلك الغير عارفا به ، وقد بينا ~~أن حقيقته تعالى غير معقولة للبشر ، وقد ظهر أن هذه المسألة فرع على قولنا ~~: ذاته تعالى معقولة أولا؟ واتفقوا على أنه ms173 يستحيل أن يكون له اسم دال على ~~جزء معناه فإنه غير مركب فلا جزء له. # واما الألفاظ الدالة على الصفات ، فقد منعها قوم ، والأصل الذي يبني عليه ~~أنه هل يجوز وصف الله تعالى بشيء مما يوصف به غيره أم لا؟ اتفق المسلمون على PageV01P349 # ذلك ، وذهبت الملاحدة وجهم بن صفوان (1) الى المنع من ذلك ، قالوا : لأنا ~~لو وصفناه بما نصف به غيره لوقعت المشاركة ثم نفتقر الى مميز فيقع التركيب ~~، وهذا خطأ ، فإن التركيب إنما يقع على تقدير المشاركة والمباينة ~~بالذاتيات. # ومع ذلك فقد أنكروا الاجماع والقرآن الذي وصف فيه الله تعالى نفسه بكونه قادرا # عالما وغير ذلك. PageV01P350 ### | البحث الخامس عشر ### | في بقية الصفات على رأي الأوائل # قالوا : قد ثبت أن الأمور العالية لا يجوز أن يفعل شيئا لأجل الأمور ~~السافلة ، لأنه يكون نقصا ، ولا شك في وجود الأمور العجيبة وأنها لم يخلق ~~عبثا ، فلا بد فيها من حكمة وقصد وظاهر ذلك يقتضي المناقضة ، وطريق الجمع ~~أن يسند الأفعال المحكمة الى العلم ، فإنه تعالى عالم بنظام العالم وما ~~عليه كمال الوجود وعلمه سبب في فيضانه من غير تجدد إرادة حدثت بعد تردد ، ~~وهذا هو معنى العناية لله تعالى. # ونحن لما أفسدنا أصلهم بطل ما فرعوا عليه. # قالوا : وهو تعالى حي ، لأن الحي هو الدراك الفعال وقد ثبتا له تعالى ~~لأنه مدرك لكل معقول وموجد كل موجود بذاته او بواسطة ، وهو تعالى جواد لأن ~~الجود هو إفادة ما ينبغي لا لغرض والله تعالى قد فعل الوجود الذي ينبغي (1) ~~للممكنات من غير غرض (2) ولا عوض فيكون جوادا. # قال بعض المتأخرين : لو لم يكن القصد من إيصال النفع الى الغير معتبرا في ~~الجواد لكان الحجر الواقع على رأس عدو إنسان جودا من حيث أمات عدوه لا لقصد. # أجاب بعض المحققين بأن الجواد انما يكون جوادا إذا صدر عنه ما ينبغي ~~بالذات ، أما إذا صدر عنه ما ينبغي بالعرض فليس بجواد والحجر لم يصدر عنه PageV01P351 # بالذات ما ينبغي بل بالعرض ، لأن الحاصل منه حركته الطبيعية ms174 وهي استفادة ~~كمال لنفسه. ووقوعه على رأس إنسان انما حصل بالاتفاق الذي هو بالعرض ، ~~والوقوع على رأس لا يقتضي الموت بل يقتضي اختلال أوضاع الأعضاء وللموت سبب ~~آخر بالذات يحصل عقيبه ، ثم إن المقتضي للموت لا يكون مقتضيا لموت عدو ~~انسان آخر بالذات بل بالعرض ، ثم المقتضي لموت عدو إنسان لا يكون مقتضيا ~~لوصول فائدة الى ذلك الانسان بالذات بل بالعرض. # واعلم أن المتكلمين ادعوا الضرورة في أن من يفعل شيئا لا لقصد فإنه لا ~~يكون جوادا ، والطعن في المثال لا يكون طعنا في هذا الحكم القطعي. ### |||| ** مسألة : قالوا : الباري تعالى غني مطلقا ، اي في ذاته وفي صفاته المنتفية (1) وفي ~~صفاته الحقيقية المستلزمة للإضافة ، فمن احتاج في شيء من هذه الثلاثة الى ~~الغير فهو فقير (2). # وهو تعالى ملك لأنه غني مطلقا ، فكل شيء مفتقر إليه في كل شيء وله ذات كل ~~شيء ، والملك من استجمع هذه الثلاث. # وهو تعالى تام ، لأنه واحد واجب من كل جهة يمتنع تغيره ، فكل ما من شأنه ~~أن يكون له فهو حاصل له بالفعل ، وهو أيضا فوق التمام لأن ما حصل لغيره من ~~الكمالات فهو منه. # وهو حق محض ، لأنه لما وجب في صفاته وذاته لم يكن قابلا للعدم والبطلان ، ~~فذاته أحق من كل حق ، وهو خير محض لأن الشر عبارة عن عدم كمال الشيء من حيث ~~هو مستحق له وواجب الوجود يستحيل أن يكون فاقدا للكمال في وقت ما ، فذاته ~~مبرأة عن الشرور. PageV01P352 # وهو تعالى حكيم ، لأن الحكمة معرفة الأشياء ولا عرفان أتم من عرفانه ، ~~وقد يراد بالحكمة صدور الشيء على الوجه الأكمل ، وقد بينا ذلك في حقه تعالى. # وهو تعالى جبار بمعنى أنه جبار لما بالقوة بالفعل والتكميل ، وقهار بمعنى ~~أنه قهار العدم بالوجود والتحصيل. # وهو تعالى قيوم بمعنى أنه قائم بذاته مقيم لغيره. ### ||| ** كلام كلي في الصفات # قسم الأوائل الصفة على أربعة أقسام : ### |||| ** أحدها : الصفة الحقيقية التي لا تلزمها الإضافة كالسواد والبياض. ### |||| ** وثانيها : الصفة الحقيقية التي تلزمها الإضافة ولا يتغير بتغيرها كالقدرة. ms175 ### |||| ** وثالثها : الصفة الحقيقية التي تلزمها الإضافة وتتغير بتغيرها كالعلم. ### |||| ** ورابعها : الصفة الاضافية المحضة كالتيامن والتياسر. # وقالوا أيضا : الصفات التي من باب الوجود للأشياء ، إما أن يكون بحيث ~~يجوز أن يكون الشيء الموصوف سببا لها ، سواء اعتبر ذلك الشيء موجودا أو ~~معدوما ، وذلك كإمكان الوجود للماهيات الممكنة الوجود ، فإن إمكان الوجود ~~لها هذا سبيله. # ومثل هذا الشيء قد يجوز أن يكون له حالة الوجود والعدم كالحادثات ، فيكون ~~في كل واحدة من الحالتين متصفا بتلك الصفة ، وقد يجوز أن يكون له إحدى ~~الحالتين لا غير وهي الوجود كالأزليات ، فيكون في تلك الحالة الواحدة متصفا ~~، وإما أن يكون بحيث لا يجوز أن يكون الشيء الموصوف بها سببا لها بل سببها ~~أمر من خارج. # ثم إن اعتبر موجودا صح أن يكون موصوفا بتلك الصفة ، وإن كان غير موجود ~~فلا يصح مثل هذا الشيء ، وأيضا يصح أن يعتبر له في نفسه حالتا الوجود PageV01P353 # والعدم ، ولكنه انما يجوز أن يكون متصفا بتلك الصفة في إحدى الحالتين ، ~~وذلك كالوجود للماهيات الممكنة الوجود فإن كل ماهية ممكنة الوجود فإنها ~~توصف بالوجود حالة كونها موجودة ، ولا يجوز أن تكون الماهية سببا لهذه ~~الصفة بل يكون أبدا سببه أمر من خارج. # وإما أن يكون بحيث لا يجوز أن يكون الموصوف بها سببا لها ولا أيضا أمر من ~~خارج سببا لها ولا أيضا يصح لمثل هذا الشيء أن يكون له حالتا وجود وعدم ، ~~بل ليس له إلا إحدى الحالتين وهي الوجود ، وذلك مثل وجوب الوجود للأول ، ~~فإنه لا يجوز أن يكون هو نفسه سببا لوجوب وجوده ولا أمر من خارج سبب لذلك ~~ولا يجوز أن يكون له حالتا وجود وعدم. PageV01P354 ### | المنهج السادس ### | في العدل ### ||| * وفيه مباحث PageV01P355 ### ||| * الأول ### |||| ** الفعل على ضربين : إما أن يكون له وصف زائد على حدوثه ، وإما أن لا يكون ، والثاني كحركة ~~النائم والساهي ، والأول على ضربين : حسن وقبيح ، والحسن على ضربين : ~~أحدهما أن لا يكون له وصف زائد على حسنه وهو المباح ، والثاني ان يكون له ~~وصف زائد ms176 عليه وهو على قسمين : أحدهما أن يكون المدح متعلقا بفعله من غير ~~ذم في تركه وهو المندوب ، والثاني أن يكون المدح متعلقا بفعله والذم بتركه ~~وهو الواجب ، والقبيح هو الحرام وهو الذي يستحق فاعله الذم. # اذا عرفت هذا ، فنقول : ذهبت المعتزلة الى أن الأفعال حسنت لوجوه تقع ~~عليها وقبحت لوجوه تقع عليها من غير ان يكون للآمر والناهي في ذلك مدخل. # وعنوا بالوجوه اقتران أمور راجعة الى النفي أو الى الثبوت بحدوثها ، ~~فيقضي العقل عند العلم بتلك الوجوه أن للفعل مدخلا في الذم او لا مدخل له ~~وكذلك في الإخلال. # وذهبت الأشاعرة الى أن الأفعال انما حسنت بأوامر الشرع وانما قبحت ~~بنواهيه (1). # وقد ذكر ابن ميثم البحراني في تحرير محل النزاع كلاما جيدا ننقله هنا : ~~«الحسن والقبيح قد يراد بهما ملائمة الطبع ومنافرته ، وقد يراد بهما صفة ~~كمال او نقصان ، وهما بهذا المعنى مما يحكم العقل بهما عند الكل ، وقد يراد ~~بهما كون الفعل على وجه يكون متعلق المدح والذم عاجلا والثواب والعقاب آجلا ~~، وهما بهذا المعنى شرعيان عند الاشعرية نظريان عند الفلاسفة ... PageV01P357 # والحق عندي مذهب المعتزلة والدليل عليه أن العقلاء بأسرهم يمدحون راد ~~الوديعة ويذمون الظالم ، فاذا طلب منهم العلة في ذلك رجعوا الى أن الرد حسن ~~يستحق فاعله المدح ، والظلم قبيح يستحق الذم ، ولو لا علمهم باستناد الحسن ~~والقبح الى الوجوه والاعتبارات التي يقع عليها الأفعال والا لما صح لهم ~~استنادهما إليها. # ولمشايخ المعتزلة طريق آخر ، وهو ان الضرر مثلا انما يقبح إذا كان ظلما ~~وإذا انتفى الظلم انتفى القبح ، ودوران الأثر مع الوصف مشعر بالعلية ، ونحن ~~قد بينا فيما سلف ضعف الدوران. ### |||| ** مسألة : ذهبت المعتزلة الى أن العلم بحسن بعض الأشياء وقبحها عقلي ، فبعضه ضروري ~~كحسن رد الوديعة وحسن الصدق النافع ، وبعضه نظري كحسن الصدق الضار. # وذهبت الأشاعرة الى أن ذلك معلوم بالشرع وأنه لا حسن ولا قبح في العقل ، ~~فالظلم لو أمر الله به لكان حسنا ولو نهى عن رد الوديعة لكان قبيحا. # وذهبت الأوائل الى ms177 أن العلم بحسن الأشياء وقبحها مستفاد من العقل العملي. # والعدلية قد استدلوا على مذهبهم بوجوه : ### |||| ** احدها : أنا نعلم بالضرورة حسن رد الوديعة وقبح الظلم ، فان أحدا لو ضرب غيره على ~~طوله أو قصره أو لونه أو كون الكواكب في السماء فإن العقلاء PageV01P358 # بأسرهم يسارعون الى ذمه وإن فرض عدم الشرع. ### |||| ** الثاني : أن كثيرا من العقلاء قد اعترفوا بحسن الأشياء وقبحها كالهند والملحدة. ### |||| ** الثالث : لو لم نعلم بالعقل قبح بعض الأشياء وحسنها لم نعلمها بالشرع والتالي باطل ~~اتفاقا والمقدم مثله ، بيان الشرطية أنا (1) اذا لم نعلم قبح الكذب ثم قال ~~لنا الله تعالى : إن هذا الشيء قبيح أو نهانا عنه أو أمرنا [بشيء او قال ~~لنا أنه حسن جوزنا الكذب في خبره وإن ينهانا عن الحسن ويأمرنا بالقبيح (2) ~~] لأنا حينئذ لم نكن عالمين بأنه حكيم لا يفعل القبيح ، فوجب القول بسابقية ~~العلم بوجوه (3) الافعال وبحكمته تعالى. ### |||| ** الرابع : أن الحسن والقبح لو استندا الى الأوامر والنواهي مطلقا او بشرط القصد من ~~الآمر والناهي ، لزم تحسين الكفر الذي يأمر به الكافر وتقبيح الإيمان الذي ~~ينهى عنه. # فإن قالوا : إنما المؤثر هو أمر الله من حيث إنه خالق ومنعم ، قلنا : وأي ~~تأثير لكونه خالقا ومنعما؟. # فإن قالوا : الخالق يجب طاعته ، قلنا : علمكم بوجوب الطاعة إن استند الى ~~العقل اعترفتم ، وإن استند الى السمع فنحن إنما ألزمناكم في الشرع لم كان ~~أمره واجب الاتباع. # فإن قالوا : الخالق المالك لعبيده لامره ونهيه تأثير في التحسين والتقبيح ~~كالمالك منا لإذنه تأثير في حسن تناول ملكه ولنهيه تأثير في قبحه دون من ليس PageV01P359 # بمالك. # قلنا : ان استندتم في العلم بحسن تصرف المالك في ملكه الى العقل اعترفتم ~~، وان كان الى الشرع سقط كلامكم لأنا الزمناكم فيه. ### |||| ** الخامس : لو جوزنا كون الهند اعتقدت حسن الصدق وقبح الظلم لشبهة لا لقضاء العقل ، ~~لجوزنا أن يكون بعض البلاد يعتقدون قبح القذف وذم من استعمله والاستخفاف ~~بالمحسن (1) والاساءة إليه والاحسان الى المسيء لاجل شبهة عرضت لهم ، لأن ~~العقل غير قاض بواحد منهما ms178 ، ولما كان هذا باطلا قطعا ، فإن العقلاء بأسرهم ~~لو أخبرهم مخبر بذلك لسارعوا الى تكذيبه بناء منهم على أن ذلك ممتنع عقلا ~~فكذلك الأول. # واحتجت الأشاعرة على مذهبهم بوجوه (2): ### |||| ** الأول : أن العلم بقبح الأشياء وحسنها لو كان ضروريا لوجب مساواته لاعتقاد كون الكل ~~أعظم من الجزء لعدم التفاوت في الضروريات ، ولكانت العقلاء بأسرهم مشتركة ~~فيه ، ولو كان نظريا لكان خرقا للإجماع ، لأن العقلاء بين قائلين بعدم ~~العلم بذلك مطلقا وبين قائلين بالعلم به بالضرورة. ### |||| ** الثاني : أن النبي إذا هرب من إنسان قاتل ، فإخباره به مع السؤال إن كان حسنا لزم ~~حسن الظلم ، وإن كان قبيحا لزم قبح الصدق. ### |||| ** والثالث : أن الله تعالى كلف أبا لهب بالإيمان بجميع ما أخبر به ومن جملته أنه لا ~~يؤمن فيكون مكلفا بالجمع بين النقيضين. PageV01P360 ### |||| ** الرابع : أن الله تعالى علم من الكافر أنه لا يؤمن ، فتكليفه بالإيمان تكليف (1) لما ~~لا يطاق (2). ### |||| ** الخامس : أن من قال لأكذبن غدا ، إن حسن صدقه لزم حسن الكذب ، وان قبح لزم قبح الصدق. ### |||| ** السادس : أن الله تعالى فعل الجهل لأنه إنما يحصل عقيب النظر ، والنظر مجموع علوم ~~الا يستلزم الجهل والا لكان الصادق كاذبا هذا خلف. ### |||| ** السابع : لو كان الفعل قبيحا لكان إما من الله تعالى وهو باطل اتفاقا او من العبد ~~وهو باطل ، لأن افعال العبد اضطرارية على ما يأتي. ### |||| ** الثامن : لو كان الفعل حسنا وقبيحا لوجه عائد إليه لكان المعلول سابقا على العلة ~~والتالي باطل فالمقدم مثله ، بيان الشرطية أن قبح فعل الظلم حاصل قبل وجود ~~الظلم فلو كان قبحه معللا به لزم التقدم. ### |||| ** التاسع : أن المعدوم قد يتصف بالحسن والقبح فلا يكونان وصفين ثبوتيين ، بيان الأول ~~أن ما كان حسنا كان تركه قبيحا والترك عدمي ولأن الأفعال الحسنة والقبيحة ~~قبل دخولها في الوجود تكون حسنة وقبيحة. ### |||| ** العاشر : أن جهة قبح الكذب إن كانت عائدة الى مجموع حروفه الذي لا وجود له كان ~~المعدوم موصوفا بالقبح الثبوتي ، وإن كانت عائدة الى كل واحد من الحروف كان ~~كل حرف ms179 كذبا وكل كذب خبر فكل حرف خبر. ### |||| ** الحادي عشر : إذا قال القائل : زيد في الدار ولم يكن فيها كان قبيحا ، فالمقتضي للقبح إن ~~كان ذات تلك الألفاظ مطلقا لزم القبح وإن طابق وان كان PageV01P361 # بانضمام عدم كونه في الدار كان العدمي مقتضيا للثبوتي ، وإن كان المجموع ~~كان العدم جزءا من العلة ، وان كان امر آخر فذلك الآخر إن لم يكن لازما ~~لتلك الألفاظ مع عدم كونه في الدار لم يكن الكذب قبيحا ، وإن كان لازما ~~فعلة اللزوم إما تلك الألفاظ مطلقا أو مع العدم ويعود البحث. ### |||| ** الثاني عشر : لو كان القبح صفة حقيقية لما اختلف باختلاف الوضع والتالي باطل فالمقدم ~~مثله والشرطية ظاهرة ، وبيان بطلان التالي أن الواضع إذا وضع قولنا : قام ~~زيد لغير الخبر لم يكن التلفظ به قبيحا عند عدم قيام زيد. # والجواب عن الأول ، المنع من حصول التفاوت ، سلمنا لكن لا نسلم أن ~~التفاوت في العلوم يخرجها عن كونها ضرورية ، فإن بعض التصديقات البديهية ~~يكون أجلى من بعض عند كون تصوراتها أجلى. # وعن الثاني : ان المخبر يجب عليه التورية بحيث يخرج بها عن الكذب. # لا يقال : فيلزم من ذلك عدم الوثوق باخبار الله تعالى. # لانا نقول : لو أخبرنا الله تعالى بخبر يدل ظاهره على أمر مع عدم إرادة ~~ذلك الظاهر وعدم قرينة صارفة عنه لكان الحكيم ملغزا وهو قبيح بخلاف ما نحن فيه. # وأيضا إذا تعارض قبيحان وجب المصير الى أقلهما قبحا. # وأيضا القبح قد يتخلف (1) عن الكذب في بعض المواضع لمانع ولا يخرج ذلك ~~الكذب عن مقتضاه ولا يلزم من ذلك أن يكون كل كذب محتملا لذلك المانع ، كما ~~أن الأحكام العقلية الضرورية قد يتخلف في بعض المواضع لمانع ولا ينثلم بما ~~يذكره السوفسطائيون. PageV01P362 # وأيضا هذا المطلوب (1) فيه جهة حسن لا من حيث كونه كذبا بل من حيث ~~اشتماله على المخلص (2)، وفيه جهة قبح وهي كونه كذبا والجهتان متغايرتان ~~وما فيه جهة القبح فهو ملازم لها وما فيه جهة الحسن فهو ملازم لها من غير تغير. ms180 # وعن الثالث ، أنه كلف أبا لهب من حيث إن الإيمان ممكن لا من حيث وقوع ~~الإخبار بأنه لا يؤمن ، وهذا بعينه جواب عن الرابع ، فإن العلم لا يخرج ~~الممكن عن إمكانه والكافر مكلف بالإيمان من حيث هو ممكن لا من حيث فرض ~~العلم ، فإنك إذا فرضت العلم بالكفر حاصلا فقد فرضت الكفر ، لأن العلم لا ~~بد فيه من المطابقة ومع فرض أحد طرفي النقيض لا يمكن فرض الآخر. # وعن الخامس ، أنه يجب عليه ترك الكذب في غد ، لأنه اذا كذب في الغد فعل ~~شيئا فيه جهتا قبح وهو العزم على الكذب وفعله ووجها واحدا من وجوه الحسن ~~وهو الصدق ، واذا ترك الكذب يكون قد ترك تتمة العزم والكذب وهما وجها حسن ~~وفعل وجها واحدا من وجوه القبح وهو الكذب ، ولا شك أن الثاني أولى. # وعن السادس ، أن الجهل لازم من المقدمات الفاسدة الحاصلة للإنسان بسبب ~~قوته الوهمية وترك استعمال قوته العقلية. # وعن السابع ، ما يأتي من كون الفعل مخلوقا للعبد. # وعن الثامن ، أن الظلم إنما يقبح قبل وجوده على معنى أن الفاعل إذا فعله ~~كان بحيث يستحق الذم ، وهذه الحيثية ليست أمرا ثبوتيا كما يقول : النار علة ~~في الاحراق وإن كانت النار معدومة على معنى أنها بحيث لو وجدت لصدرت عنها PageV01P363 # الحرارة ، وأيضا فنحن نمنع من كون الحسن والقبح وصفين ثبوتيين ، وهذا هو ~~الجواب عن التاسع. # وعن العاشر ، أنكم بالاعتبار الذي عقلتم كون الكلام خبرا وصدقا وكذبا ~~اعقلوا به كونه قبيحا وحسنا. # وعن الحادي عشر ، أن العلة هي الخبر بشرط أن لا يكون مطابقا ولا يلزم من ~~ذلك تعليل الأمر الوجودي بالأمر العدمي. # وعن الثاني عشر ، أن الإخبار الكاذب هو المقتضي للقبح وهو معنى معقول وإن ~~اختلفت عليه العبارات. PageV01P364 ### | البحث الثاني ### | في أنا فاعلون # ادعى أبو الحسين البصري وجماعة أنه ضروري ، وهو الحق عندي. # وذهبت طائفة من المعتزلة وبعض الإمامية والزيدية الى ان العلم بذلك كسبي. # وذهب جهم بن صفوان الى أنه لا فاعل الا الله تعالى (1). # وذهبت الأشاعرة والنجارية ms181 الى أن المحدث هو الله تعالى لا غير وانما ~~العبد مكتسب (2)، وهؤلاء اثبتوا للعبد قدرة ونسبوا الفعل الى الله تعالى. # وأما جهم فانه لم يثبت قدرة للعبد ، ثم اختلف القائلون بالكسب في تفسيره : # فذهب الأشعري الى أن معناه أن الله تعالى أجرى العادة بأن العبد متى ~~اختار الطاعة فعلها فيه وفعل القدرة عليها والعبد متمكن من الاختيار وان ~~كانت القدرة عنده لا أثر لها في الفعل. # وذهب أصحابه الى أن معنى الكسب هو أن القدرة الحادثة لها أثر في الفعل ، # «ثلاثة اشياء لا تعقل وقد اجتهد المتكلمون في تحصيل معانيها من معتقديها ~~بكل حيلة فلم يظفروا منهم إلا بعبارات تناقض المعنى فيها مفهوم الكلام ~~اتحاد النصرانية ، وكسب النجارية ، واحوال البهشمية» (الفصول المختارة ج 2 ~~ص 128). PageV01P365 # وذلك الأثر غير الإحداث وزائد عليه. # وذهب بعضهم الى أن ذلك الأثر كون الفعل طاعة ومعصية وسفها وعبثا وغير ذلك ~~من الصفات وهي متناول التكليف وبها يستحق المدح والذم. # وذهب آخرون الى أن ذلك الأثر غير معلوم. # وذهب أبو اسحاق الى أن الفعل يقع بقدرة الله تعالى وبقدرة العبد (1)، ~~ومذهب الأوائل أن الله تعالى يفعل الإرادة والقدرة في العبد ثم هما يوجبان ~~الفعل ، وهو قول أبي الحسين البصري وإمام الحرمين (2). # لنا أن كل عاقل يعلم بالضرورة حسن المدح على الإحسان وقبح الذم عليه وحسن ~~الذم على الإساءة ، ولو لا علمنا الضروري بكون الفعل صادرا عنا والا لما صح ~~منا ذلك (3). # لا يقال : حسن المدح على الفعل إنما يكون بعد العلم بكون الفعل صادرا عن ~~الممدوح وكذلك الذم ، فلو جعلتموه مقدمة في العلم بذلك لزم الدور. # لأنا نقول : لا نجعله مقدمة للعلم بكون العبد فاعلا ، وكيف ذلك مع أنا ~~ادعينا الضرورة في ذلك ، بل جعلناه مقدمة في كون ذلك العلم ضروريا. # ومشايخ المعتزلة يلزمهم هذا السؤال. # واستدلوا على مذهبهم بوجوه : ### |||| ** الأول : أن أفعال العباد لو كانت مخلوقة لله تعالى لما بقي فرق بين حركاتنا وحركات ~~الجماد مع أن البديهية قاضية بالفرق. ### |||| ** الثاني : أن أفعالنا لو كانت ms182 مخلوقة لله تعالى لقبح منه تكليفنا والتالي باطل PageV01P366 # والمقدم مثله والشرطية ظاهرة. ### |||| ** الثالث : يلزم الظلم ، فإنه يخلق فينا الفعل ويعذبنا عليه. ### |||| ** الرابع : أن أفعالنا توجد عند دواعينا وينتفي عند صوارفنا ، فلولا استنادها إلينا ~~لجاز أن يقع وإن كرهناها وتعدم وإن أردناها. ### |||| ** الخامس : أن الله تعالى قد أضاف الفعل الى العبد بقوله : ( @QUR@05 فويل للذين ~~يكتبون الكتاب بأيديهم ) (1)، ( @QUR@04 إن يتبعون إلا الظن ) (2)، ( ~~@QUR@04 حتى يغيروا ما بأنفسهم ) (3)، ( @QUR@05 بل سولت لكم أنفسكم أمرا ~~) (4)، ( @QUR@03 فطوعت له نفسه ) (5)، ( @QUR@05 من يعمل سوءا يجز به ) ~~(6)، ( @QUR@05 كل امرئ بما كسب رهين ) (7)، ( @QUR@05 إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي ) (8). ### |||| ** السادس : أنه تعالى مدح المؤمن على إيمانه وذم الكافر على كفره ووعد بالثواب على ~~الطاعة وتوعد بالعقاب على المعصية بقوله : ( @QUR@06 اليوم تجزى كل نفس بما ~~كسبت ) (9)، ( @QUR@011 فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم ~~تعملون ) (10)، ( @QUR@03 وإبراهيم الذي وفى ) (11)، ( @QUR@05 لتجزى كل ~~نفس بما تسعى ) (12)، ( @QUR@02 هل جزاء ) PageV01P367 # ( @QUR@03 الإحسان إلا الإحسان ) (1)، ( @QUR@06 هل تجزون إلا ما كنتم ~~تعملون ) (2)، ( @QUR@03 فله عشر أمثالها ) (3)، ( @QUR@05 ومن يعرض عن ~~ذكر ربه ) (4)، ( @QUR@04 ومن أعرض عن ذكري ) (5)، ( @QUR@05 أولئك الذين ~~اشتروا الحياة الدنيا ) (6)، ( @QUR@05 إن الذين كفروا بعد إيمانهم ) (7) ~~، ( @QUR@04 جزاء بما كانوا يعملون ) (8)، ( @QUR@06 فمن يعمل مثقال ذرة ~~خيرا يره ) (9)، ( @QUR@05 من يعمل سوءا يجز به ) (10). ### |||| ** السابع : أنه تعالى نزه نفسه عن أفعال المخلوقين من الظلم بقوله : ( @QUR@04 وما ربك ~~بظلام للعبيد ) (11)، ( @QUR@02 وما ظلمناهم ) (12) ( @QUR@03 لا ظلم ~~اليوم ) (13)، ( @QUR@03 ولا يظلمون فتيلا ) (14)، ونسب الكفر والمعاصي ~~الى العباد بقوله : ( @QUR@03 كيف تكفرون بالله ) (15)، ( @QUR@05 وما ذا ~~عليهم لو آمنوا ) (16)، ( @QUR@04 ما منعك ألا تسجد ) (17)، PageV01P368 # ( @QUR@05 فما لهم عن التذكرة معرضين ) (1)، ( @QUR@04 لم تلبسون الحق ~~بالباطل ) (2)، ( @QUR@05 لم تصدون عن سبيل الله ) (3). # ومن المعلوم القطعي أنه يستحيل أن يخلق في الكافر الكفر وفي العاصي ~~العصيان ثم يوبخه عليه. ### |||| ** الثامن : أنه تعالى خير العباد بقوله : ( @QUR@06 فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) ~~(4)، ( @QUR@06 فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا ) (5). ### |||| ** التاسع : أنه تعالى أمر عباده بالمسارعة الى فعل الطاعات بقوله : ( @QUR@05 وسارعوا ~~إلى مغفرة من ربكم ) (6)، وأمرهم بالطاعات في قوله : ( @QUR@06 اركعوا ~~واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير ) (7)، وغير ذلك (8). # لا يقال : هذه الآيات ms183 معارضة بمثلها في قوله تعالى : ( @QUR@04 والله ~~خلقكم وما تعملون ) (9)، ( @QUR@01 الله ) ( @QUR@03 خالق كل شيء ) (10)، ~~( @QUR@03 فعال لما يريد ) (11)، وهو يريد الإيمان (12). PageV01P369 # لأنا نقول : يجب تأويل هذه الآيات جمعا بين ما ذكرنا وما ذكرتم. # قال ابو الهذيل : إنه تعالى أنزل القرآن ليكون حجة على الكافرين لا لهم ، ~~ولو كان المراد من هذه الآيات إضافة الكفر إليه تعالى لكان النبي محجوجا ~~بأن يقول له الكافرون : كيف تأمرنا بالإيمان والله قد خلق فينا الكفر. ### |||| ** قالت الاشاعرة : أقصى ما يمكنكم أن تقولوا : إنا لما قصدنا الى إيجاد شيء وحدث ذلك الشيء ~~عقيب ذلك القصد علمنا استناد الفعل إلينا ولكن ذلك استناد الى الدوران. # ثم إنا نقول : هل تفرقون بين ما إذا أحدثتموه بحسب دواعيكم وبين ما اذا ~~فعله الله تعالى عقيب دواعيكم أم لا؟ فإن اعترفتم بالفرق فأظهروه ، والا لم ~~يبق لكم معرفة باستناد الفعل إليكم. # أجاب قاضي القضاة (1) بأنا متى أحدثناه اقترن به علمنا ضرورة بأنه لو لا ~~دواعينا لما حدث وأنه يجب حدوثها بحسبها ومتى خلق فينا لم يجزان يقترن به ~~هذا العلم لأنه يكون جهلا غير علم. # وهذا غير لائق من قاضي القضاة ، لانه يحصل العلم بكوننا فاعلين كسبيا ، ~~ويأتي من أبي الحسين. # واحتجت الأشعرية بوجوه : ### |||| ** الأول : أن العبد الفاعل إن لم يتمكن من الترك فهو المطلوب ، وان تمكن فإن لم يفتقر ~~ترجيح الفعل الى مرجح لزم ترجيح الممكن من غير مرجح ، وإن افتقر فذلك ~~المرجح إن كان من فعله تسلسل ، وان كان من فعل الله تعالى ، فان أمكن الترك ~~افتقر الى مرجح آخر ، والا لزم الجبر. ### |||| ** الثاني : لو كان العبد موجدا لأفعاله لكان عالما بها والتالي باطل والمقدم PageV01P370 # مثله. # بيان الشرطية أن القادر لا يخصص أحد مقدوريه الا مع الشعور ، ولأن الجزئي ~~لا ينبعث عن القصد الكلي والقصد مشروط بالعلم ، وبيان بطلان التالي ظاهر ، ~~فإن المتحرك لا يعلم أجزاء المسافة ولا يعلم كيفيتي (1) السرعة والبطء ~~القائمين بالحركة والنائم فاعل غير عالم. ### |||| ** الثالث : دليل التمانع آت هاهنا. ### |||| ** الرابع : لو كان العبد قادرا لكان ms184 الله تعالى قادرا على عين مقدوره ، لما بينا من ~~أنه تعالى قادر على كل الممكنات ، ولأنه قادر على مثله فهو قادر على عينه ~~لتساوي المثلين ، لكن التالي باطل والا لزم وقوع مخلوق بقادرين ، لأنا اذا ~~فرضنا أن العبد أراد فعلا علم الله تعالى أنه مصلحة فلا بد وأن يريده ، ثم ~~فرضنا أنه تعالى علم أن المصلحة يقتضي إيجاده منه تعالى ، ثم إن العبد حاول ~~فعله ، فإن ذلك الفعل يقع بقادرين (2)، وبيان بطلان اللازم أنه يستلزم ~~استغناء الفعل وحاجته إليهما معا هذا خلف. # والجواب عن الأول ، أن المختار يمكنه أن يرجح أحد الطرفين على الآخر من ~~غير مرجح ، وهذا عين مذهبكم في حق واجب الوجود. # وأيضا المرجح الموجب للفعل وهو الإرادة لا يخرج القادر عن كونه قادرا ولا ~~يتنافى الاستواء والرجحان لأنهما حاصلان للفعل باعتبارين. # واعلم أن هذه الشبهة كما نفت القدرة عن العبد في اعتقاداتهم فهي بعينها ~~نافية لقدرة الله ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا ، وطريق التخلص ما ذكرناه. # وعن الثاني ، أن العلم التفصيلي ممنوع وإنما الشرط العلم الاجمالي ، ونمنع PageV01P371 # عدم انبعاث الجزئي عن القصد الكلي (1)، فإن القاصد لإيجاد الحركة إنما ~~يقصد حركة مطلقة تتخصص بتخصص القابل ، ولأن الاضافة الى الجزئي مسبوقة ~~بتحققه ، فلو كان تحققه متوقفا على الإضافة التي هي العلم لزم الدور ، وفي ~~الاخير نظر. # وعن الثالث ، أن قدرة الله تعالى أقوى من قدرة العبد ، فوقوع مقدور الله ~~تعالى أولى ، وهذا الدليل يتمشى في الوحدانية ولا يتمشى هاهنا ، وهذا بعينه ~~هو الجواب عن الرابع. # قالت الأشاعرة : الذات غير مقدورة ، لأنها ثابتة في العدم والوجود حال ~~فلا يكون مقدورا فلا يكون العبد قادرا البتة. # لا يقال : المقدور هو الذات على كونها موجودة. # لأنا نقول : هذا فاسد ، لأن معناه إن كان هو المقدور الذات وحدها او ~~الوجود (2) وحده او المجموع فقد ناقضتم ، وإلا فلا معنى محصل له ، وهذا يرد ~~على من أثبت المعدوم من المعتزلة ، وأما علينا نحن فلا. ### |||| ** مسألة : القائل بالكسب فرارا من إثبات الفعل للعبد ومن عدم الأمر ms185 والنهي غالط ، ~~لأنا نقول : العبد إما أن يكون له في فعله أثر ما أو لا يكون ، فإن كان ~~الأول فهو المطلوب ، وإن لم يكن فهو قول لمذهب جهم. # ثم إنا نقول لأبي الحسن : كيف تتخلص من قول المعتزلة بأن العبد انما حسن ~~مدحه وذمه بالفعل ولم يحسن مدحه وذمه باللون الذي فيه ، لأن الله تعالى قد ~~خلق مع الفعل قدرة غير مؤثرة لم يخلق في اللون قدرة ، واي عاقل يرتضي القول ~~بهذا ويستحسن المدح والذم لأنه خلق في العبد فعلان ولم يستحسن المدح والذم PageV01P372 # في اللون لأنه خلق فيه فعل واحد. ### |||| ** مسألة : قد ذكرنا فيما سلف قسمة الأفعال الى المباشر والمتولد والمخترع. واختلف ~~الناس في المتولد (1). # فذهبت المعتزلة الى أن كل ما تولد من فعل العبد فهو فعل له ، سواء تولد ~~عن فعله المباشر او تولد عن فعله المتولد عن المباشر. # وذهب معمر الى أنه لا فعل للعبد الا الإرادة وما يحصل بعدها فهو من طبع المحل. # وقال آخرون من المعتزلة : لا فعل للعبد الا الفكر. # وقال النظام : لا فعل له إلا ما يوجد في محل قدرته ، وما يتجاوز محل ~~القدرة فهو واقع بطبع المحل. # وذهبت الأشاعرة الى أن المتولدات من فعله تعالى وليس فيها ما هو كسب ~~للعبد (2). # والحق عندي المذهب الأول ، ويدل عليه ما دللنا به في المسألة الأولى ، ~~فإنا نستحسن المدح على ما يقع من أفعالنا المتولدة كالكتابة والبناء ، ~~ونستحسن الذم على بعض آخر منها كالقتل ، وهذا إنما ذكرناه استدلالا على ~~ضرورية هذا الاعتقاد لا عليه نفسه. ويبطل قول من قال بأن الفعل صادر عن طبع ~~المحل ، أنه لو كان كذلك لدام ولما اختلف ولتشاركت (3) المتساويات فيه ~~والتوالي كلها باطلة فالمقدم مثله. PageV01P373 # لا يقال : الأفعال الاختيارية يجوز أن لا تقع والمتولدات ليست كذلك فلا ~~يكون اختيارية. # بيانه أن بعد حصول السبب بحسب المسبب والواجب لا يكون مقدورا. # لأنا نقول : لسنا نعني بقولنا : المتولد مقدور أنه يجوز أن لا يقع مع ~~وجود السبب ، بل معناه أنه يجوز أن ms186 لا يفعل السبب فلا يفعل المسبب (1). # لا يقال : لا دلالة في الحسن والقبح على كون المتولد من فعل العبد ، فإنا ~~نذم من القى صبيا في النار فاحترق مع أن المحرق هو الله تعالى بواسطة النار. # لانا نقول : الذم على الإلقاء مع العلم بحصول الاحتراق لا على الإحراق. ### |||| ** مسألة : بعض المتأخرين ظن التناقض في قولي أبي الحسن البصري وهما القول بالاختيار ~~والقول بالوجوب عقيب القدرة والداعي ، وهذا ظن فاسد ، فإن الوجوب هاهنا غير ~~مناف للقدرة ، فإن القادر من حيث هو هو إنما هو الذي يجوز أن يفعل وأن لا ~~يفعل ، وهذا لا ينافي وجوب الفعل بشرط انضمام إرادة أو شيء آخر من شرائط ~~التأثير. ### |||| ** مسألة : قالت الأشاعرة ردا على المعتزلة : إنا نفعل اللون بحسب قصدنا ، فإنا عند ~~الخلط الماء العفص (2) والزاج نكون فاعلين ، وهذا باطل فما ذكرتموه باطل. # والتزم البغداديون وقوع اللون بالعبد ، وأما البصريون فقالوا : إن اللون ~~كاف في أجزاء الزاج فاذا اقترن بها ماء العفص ظهر ، والقول بالكمون ظهر ~~بطلانه. واجاب محمود بأن اللون يقع عند الخلط لا بسببه بل بسبب مزاجي العفص ~~والزاج ، وفيه بعض القوة غير أنه تسليم ما لكلام الأشاعرة. PageV01P374 ### | البحث الثالث ### | في أنه لا يفعل القبيح ولا يخل بالواجب (1) # لأن له صارفا عن القبيح (2) وداعيا الى الحسن وهو قادر عليهما أما وجود ~~الصارف فلأنه عالم بقبح القبيح مع غناه عنه وهذان توجبان عدم القبيح. # وأما وجود الداعي فلأن الحسن كاف في إرادة المريد له إذا خلا عن جهات ~~المفسدة. # وأيضا لو جاز أن يفعل القبيح ، لجاز منه إظهار المعجزة على يد الكذابين ~~وأن يرسل رسلا يدعون الى أنواع الكفر من الشرك وعبادة إبليس وكفر النعمة ~~وتحسين منع الوديعة. # لا يقال : لا يجوز أن يظهر المعجزة على يد الكذابين ، لأنه تعالى قادر ~~على أن يعرفنا صدق الرسول ولا طريق الا المعجزة ، فلو جوزنا ظهوره على يد ~~الكاذب لانتفت القدرة وهو محال. # لأنا نقول : عدم تجويز هذا الفرض إن كان لعدم قدرته تعالى لزمكم الوقوع ~~فيما فررتم ms187 منه ، فإنه ليس انتفاء إحدى القدرتين لإثبات الأخرى أولى من ~~العكس ، # انظر عن البحث الى : القاضي عبد الجبار ، شرح الاصول الخمسة ص 316 ، ~~والشهرستاني ، نهاية الاقدام ص 370 ، وأبو الصلاح الحلبي ، تقريب المعارف ص 62. PageV01P375 # وإن كان لكونه تعالى حكيما لا يلبس على المكلفين فهو اعتراف بالمقصود. # لا يقال : إنه تعالى كلف بالإيمان من علم منه عدمه وهو قبيح ، لأنه إن ~~كان لا لغرض فهو عبث قبيح ، وإن كان لغرض عائد إليه فهو محال ، وإن كان الى ~~المكلف وكان ضررا فهو قبيح ، وإن كان نفعا فهو معلوم العدم فلا يحصل من ~~التكليف الا الضرر ، وإن كان الى غيره فهو قبيح ، لأن نفع الغير بتكليف هذا قبيح. # لأنا نقول : النفع عائد الى المكلف وهو تعريضه للثواب ، ومعنى ذلك أن ~~يجعله بحيث يتمكن من الوصول الى النفع وهذا الغرض قد حصل. ### |||| ** مسألة : إرادة القبح قبيحة وترك إرادة الحسن قبيح فلا يصدران من الله تعالى ، ~~فالله تعالى لا يريد القبائح ويريد الطاعة ، ولأن له داعيا الى الطاعات من ~~حيث إنه حكيم فله داع الى الحسن والطاعات حسنة وله صارف عن (1) المعاصي ~~لحكمته أيضا ، ولأنه تعالى أمر بالطاعة ونهى عن المعصية وهما يستلزمان ~~إرادة الطاعة وكراهة المعصية. # وقول الأشعرية : الأمر يدل على الطلب لا على الإرادة ، سخيف. # أما أولا ، فلعدم العلم بالزائد (2) على الإرادة في حقه تعالى. # وأما ثانيا ، فلأن الطلب لا يعقل مع مغايرته للإرادة انفكاكه عنها ، ولأن ~~مريد القبيح ناقص ، تعالى الله عنه ، ولأن السمع قد دل على ذلك. # وأما الأشاعرة فقد جوزوا على الله تعالى إرادة القبائح وكراهة الطاعة من ~~العاصي وحب المعصية منه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، وقد ألزمهم ~~المعتزلة كون الكافر مطيعا بكفره من حيث إنه فعل ما أراد الله منه ، ولأنه ~~حكيم فكيف يأمر بالإيمان للكافر ، والأمر بعث عليه وتقريب منه مع أنه يكرهه. # واحتجت الأشاعرة على مذهبهم بأنه تعالى فاعل لكل موجود على PageV01P376 # ما مضى والقبائح موجودة فهي من فعله بإرادته. # وأيضا لو أراد الله تعالى ms188 (1) الطاعة من الكافر لصار مغلوبا والتالي باطل ~~اتفاقا فالمقدم مثله ، والشرطية ظاهرة ، لأن المريدين إذا تعارضا فالمغلوب ~~من لم يقع مراده ، ولأنه تعالى علم من الكافر أنه لا يؤمن والحكيم لا يريد ~~ما علم أنه لا يكون ، وللسمع كقوله تعالى : ( @QUR@07 لو شاء ربك لجعل ~~الناس أمة واحدة ) (2)، ( @QUR@09 ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم ~~جميعا ) (3)، ( @QUR@06 ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ) (4)، وغير ذلك. # والجواب عن الأول ، أنه مبني على الاصل الفاسد ، وقد ثبت (5) بطلانه فيما مضى. # وعن الثاني ، أنه تعالى إنما لم يوصف بالمغلوبية من حيث إنه أراد الإيمان ~~الاختياري من العبد لا الاضطراري ، وهذا لازم عليكم أيضا ، فإنه تعالى أمر ~~الكافر بالإيمان مع أنه لا يقع. # وعن الثالث ، لا نسلم أن الحكيم لا يريد ما لا يكون إذا كان ممكنا ~~والإيمان ممكن من الكافر ، والدليل السمعي متأول ، ولا منافاة بين قولنا ~~وبين إثبات المشية لله تعالى في خلق الإيمان والكفر فإنه تعالى قادر فلو ~~أراد مهما أراد وقع. ### |||| ** مسألة : لما ثبت أنه تعالى حكيم ثبت أنه لا يفعل إلا لغرض ، وإلا لكان عابثا ~~تعالى الله عنه ، والأوائل نازعوا في ذلك قالوا : والا لكان ناقصا ، لأن كل ~~من فعل الحسن فهو مستفيد (6) صفة هي أنه قد فعل ما هو حسن به في نفسه وما ~~هو أحسن PageV01P377 # به من غيره وكل مستفيد ناقص. # ثم إنهم قالوا : إنه تعالى عالم بكمالات الممكنات فهو يوقعها على تلك ~~الكمالات ، لا بأن يوجد الأشياء ناقصة ثم يكملها بعد ذلك بل لخلقه مشتاقا ~~الى كماله اللائق به لا باستيناف تدبير والغرض هو استيناف ذلك التدبير في ~~الكمال (1) بالقصد الثاني. # والأشاعرة أخذوا هذا الدليل من الأوائل وحرفوا (2)، فنفوا بسببه الغرض ~~عنه تعالى وعن جميع الممكنات ، ولم يثبتوا غاية لممكن من الممكنات ، ~~وأسقطوا علل الغائية بأسرها من الاعتبار ، وأبطلوا علم منافع الأعضاء والطب ~~وغيرها من العلوم ، وهذا نقص عظيم في حقه تعالى. # والجواب عما قال (3) الأوائل : المنع من كون كل فاعل (4) مستفيدا ، على ~~ان الدليل المبني على ms189 الحسن والقبح خطابي لا برهاني. # واستحدثت الأشاعرة حجتين آخرين : إحداهما أن الغرض إن كان قديما لزم قدم ~~الفعل ذي الغرض ، وإن كان محدثا فإن كان محدثه الله تعالى تسلسل ، وإن كان ~~غيره فهو باطل بما مر من أنه تعالى فاعل لكل غرض. # وثانيتهما ، أن الغرض ممكن ففعله بتوسط الفعل عبث. # والجواب عن الأول ، أن الغرض محدث حاصل منه تعالى ولا يتسلسل لانقطاع ~~الأغراض ، أو نقول : إنه محدث من العبد وأصلهم فاسد. # وعن الثاني ، أن بعض الأغراض يستحيل وجودها من دون الفعل والمستحيل غير مقدور. PageV01P378 ### | البحث الرابع ### | في التكليف # وهو عبارة عن بعث من يجب طاعته على ما فيه مشقة على جهة الابتداء بشرط ~~الإعلام ، فإن إرادة (1) الوالد الواجب الطاعة الصلاة من الولد ليس تكليفا ~~، لسبق إرادة الله تعالى ، وهو حسن لأنه فعله تعالى ، ووجه حسنه التعريض ~~للثواب الذي لا يمكن الابتداء به ، وانما لم يمكن الابتداء بالثواب لأنه ~~يتضمن التعظيم وهو لا يحسن الابتداء به. # فإن قيل : لا نسلم أن التفضل بالتعظيم قبيح ممن يستحيل عليه النفع ~~والضرر. # سلمنا لكن استحقاق التعظيم لا يتوقف على الأفعال الشاقة ، فإن التلفظ ~~بالشهادة أسهل من الجهاد مع أن النفع المستحق به أعظم ، ولأن التكليف دائر ~~بين كونه مؤديا الى النفع والى الضرر وجلب النفع ليس بضروري ودفع الضرر ~~ضروري فدفع الضرر آكد من جلب النفع ، لكن بحصول التكليف يحصل النفع والضرر ~~وبعدم التكليف يندفع الضرر ويفوت (2) النفع ، وكلما كان كذلك كان قبيحا. # ولأن الكل بخلقه وإرادته فلا تكليف ، ولأن معلوم الوجود واجب ومعلوم ~~العدم ممتنع فلا تكليف ، ولأن الداعيين إن استويا فلا ترجيح فلا إمكان فلا ~~تكليف ، وان وجب أحد الطرفين فلا تكليف. PageV01P379 # ولأن التكليف حال وقوع الفعل تحصيل الحاصل وقبله لا قدرة ، لأنه لا معنى ~~لكونه فاعلا إلا حصول المقدور عن القدرة ، ويستحيل أن يكون فاعلا في الحال ~~لفعل لا يوجد في الحال ، فلم يكن في الحال مأمورا بشيء بل يكون ذلك إعلاما ~~بصيرورته مأمورا في المستقبل. # ولأن الفائدة يستحيل عودها إليه ms190 تعالى أو الى المكلف ، لأنها إن كانت ~~ضررا فهو قبيح ، وإن كانت نفعا فليس في الحال لأنه في الحال يتأذى ولا في ~~ثانيه لأنه ممكن من غير التكليف فهو عبث. # ولأن التكليف على ما ذكرتم تجري مجرى القاء الغير في البحر ثم تكليفه ~~بالخروج ليثيبه عليه ، ولأن فائدة التكليف وهو الثواب يجري مجرى الأجرة ~~فكيف يحسن منه تعالى فعلها من غير رضاه. # والجواب أن التعظيم والإجلال من غير مسبوقية الاستحقاق قبيح عقلا سواء ~~صدر ممن ينتفع ويتضرر او ممن يستحيل عليه ذلك ، وما ذكروه من المثال فغير ~~صحيح ، لأن الثواب لا يستحق بسبب الجهاد من غير الشهادة ، فإذن الموجب ~~للاستحقاق انما هو المجموع ، ولا شك في أن الثواب الحاصل من المجموع أزيد ~~من ثواب الأجزاء ، والضرر الحاصل من التكليف قليل جدا بالنسبة الى تركه ، ~~والنفع الحاصل به أعظم من تعب التكليف بكثير ، فوجه القبح منتف بالإطلاق. # وليست الأفعال بأسرها من خلق الله تعالى وإرادته على ما بينا فحسن ~~التكليف ، وقد بينا فيما سلف أن العلم بالوقوع تبع للوقوع الذي هو تبع ~~للقدرة والاختيار فلا يؤثر في منعها ، نعم إنه بحسب المعلوم وجوبا لاحقا. # وأجاب بعضهم بأنه تعالى يعلم الوقوع ويعلم القدرة للمكلف عليه ، فليس ~~إخراجه عن القدرة بسبب تعلق العلم بالوقوع بأولى من ثبوت القدرة له لتعلق ~~العلم بها. PageV01P380 # لا يقال : فيكون العبد متمكنا من أن يجعل علم الله تعالى غير علم على ~~تقدير وقوع مخالف العلم منه. # لأنا نقول : ينتقض ما ذكرتم (1) في حقه تعالى ، فإنه عالم بأحد طرفي ~~الفعل مع قدرته على الآخر. # وطريق الجواب فيهما أن فرض عدم الطرف المعلوم مع وصف (2) العلم ملزوم ~~للمحال ، لأنه يتنزل منزلة وضع عدم الطرف مع الحكم بإمكان وجوده. # والترجيح لا يخرج المكلف عن القدرة كما أسلفناه ، والتكليف جاز أن يقع ~~حالة وقوع الفعل أو قبله لا على تقدير أن يوجد الفعل موجودا أو معدوما ، ~~والفائدة تقع لمكلف ويستحيل وجودها من دون التكليف ، والفرق بين التكليف ~~وإلقاء في البحر ظاهر ، لأن ms191 الإلقاء ضرر عظيم يضطر معه الى الخروج وما يضطر ~~إليه الغير ففعله لا تأثير له في استحقاق التعظيم والثواب. # أما التكليف فإنه طلب لمكارم الأخلاق التي يستحق بها المدح والتعظيم وليس ~~إلجاء الى الفعل ، وفارق الثواب الاجرة لأنها يسيرة مستحقرة بالنسبة الى ~~الثواب المقارن للتعظيم والإجلال فتوقف الاجرة على المرضاة بخلافه. ### |||| ** مسألة : التكليف واجب وإلا لزم إغراء الله تعالى بالقبيح والتالي باطل لقبحه ~~فالمقدم مثله. # بيان الشرطية أن الله تعالى خلق المكلف وجعل له ميلا الى القبيح ونفورا ~~عن الحسن ، فلو لم يكلفه بأن يقرر في عقله وجوب الواجب وقبح القبيح والا ~~لزم الإغراء. PageV01P381 # وخالف الأشعرية في ذلك ، ولهم اعتراضات ومعارضات (1). # منها : أن هذا مبني على الحسن والقبح وقد سلف. # ومنها : أن الإغراء غير لازم ، لأن العاقل يعلم أن العقلاء يمدحون على ~~فعل الحسن ويذمون على فعل القبيح ، فكان هذان العلمان باعثين للمكلف على ~~فعل الواجب وترك القبيح وإن لم يحصل التكليف. # ومنها : أن التكليف إن توقف على العلم بالقبح والوجوب مع أنه لا يحصل الا ~~بالتكليف لزم الدور ، وإن لم يتوقف مع أن (2) العلم بهما من جملة كمال ~~العقل لزم تكليف من ليس بعاقل. # ومنها : أن التكليف لا بد فيه من معرفة المكلف وإلا فكيف يعرف أنه مكلف ، ~~ومعرفة المكلف لا بد لها من زمان من جملة زمان كمال العقل ، ففي ذلك الزمان ~~لا يكون مكلفا مع أنه مائل الى القبيح ونافر عن الواجب ، فكما جاز في وقت ~~جاز في كل وقت. # والجواب عن الأول ، أنه قد مضى البحث في إثبات الحسن والقبح. # وعن الثاني ، أن أكثر العقلاء يستسهلون الذم ويستحقرون المدح في قضاء ~~أوطارهم ، فلا بد من باعث آخر هو التكليف. # وعن الثالث ، المنع من أن العلم بالقبح والوجوب لا يحصل الا بالتكليف. # وعن الرابع ، أن المراد من التكليف هو البعث على ما يشق ، والعالم بقبح ~~القبيح ووجوب الواجب قبل علمه بالمكلف وجد له باعث وهو نفس العلم وقد قيل ~~هاهنا أنه غير مكلف. ### |||| ** مسألة : لا يختص وجوب ms192 التكليف بالمؤمن دون الكافر ، من حيث إنه بعث PageV01P382 # له على تحصيل الثواب وعدم اختياره للنفع لا يوجب قبحه ، ولأن الغرض ~~بالتكليف هو أن يتمكن به المكلف من الوصول الى استحقاق الثواب ، وهذا قد ~~حصل في الحال فانه متمكن ، ووصول الثواب غرض آخر لكنه مشروط باكتسابه وليس ~~بغرض كلي في الحال. # والبغداديون قالوا : تكليف الكافر فيه مصلحة المؤمن (1). # لا يقال : كيف يحسن نفع الغير بضرر آخر. # لأنا نقول : ليس تكليف الكافر ضررا له بل الضرر حصل من قبله ، فإذن لا ~~عبث في تكليفه. # قال بعض الأشعرية الزاما على المعتزلة : لو مات الصبي قبل بلوغه وقال : ~~يا الله لم لا كلفتني فاصل الى ثواب المؤمن ، لكان الجواب : لأني لو كلفتك ~~لكفرت فلما علمت هذا امتك قبل التكليف. # فيقول الكافر : يا الله لم لا أمتني كالطفل؟ فتنقطع حجة الله (2). # وهذا غير صحيح ، بل جواب الطفل أن يقال : تكليفك كان فيه مفسدة # قال الاشعري لابي علي الجبائي : ما تقول في ثلاثة اخوة عاش احدهم في ~~الطاعة وأحدهم في المعصية ومات احدهم صغيرا؟ فقال : يثاب الاول بالجنة ~~ويعاقب الثاني بالنار والثالث لا يعاقب ولا يثاب. قال الاشعري : فإن قال ~~الثالث : يا رب لو عمرتني فاصلح وادخل الجنة كما دخلها أخي المؤمن؟ قال ~~الجبائي : يقول الرب : كنت اعلم انك لو عمرت لفسقت وافسدت فدخلت النار. قال ~~: فيقول الثاني : يا رب لم لم تمتني صغيرا لئلا اذنب كما أمت أخي؟ فبهت ~~الجبائي ، فترك الاشعري مذهبه ، وكان هذا اول ما خالف فيه الاشعري المعتزلة ~~(انظر : ابن خلكان ، وفيات الاعيان ج 3 ص 398). PageV01P383 # لبعض المكلفين وذلك وجه قبيح وتكليف الكافر ليس كذلك ، أو يقول : التكليف ~~تفضل ولا يجب على المتفضل التفضل. ### |||| ** مسألة : متعلق التكليف علم وظن وعمل ، والعلم منه عقل (1) محض كالتكليف بكل ما ~~يتوقف عليه السمع كإثبات الصانع ، وسمعي محض كالعلم بوجوب الواجبات السمعية ~~وقبح القبائح السمعية وندبية المندوبات السمعية وكراهية المكروهات السمعية ~~وإباحة المباحات السمعية. # ومنه عقلي وسمعي كالعلم بالوحدانية ، والظن سمعي محض كالظن بجهة القبلة ~~عند ms193 الاشتباه ، والعمل عقلي كرد الوديعة ، وسمعي كالصلاة. ### |||| ** مسألة : يشترط في المكلف كونه عالما بصفات الأفعال لئلا يكلف ما لا يستحق به ~~الثواب ، وكونه عالما بمقدار المستحق من الثواب وإلا لأوصل البعض ومعهما ~~يقبح التكليف ، وأن يكون قادرا على الإيصال لذلك أيضا وأن لا يصح عليه فعل ~~القبيح والإخلال بالواجب وإلا لجاز منه إيصال بعض الثواب. # ويشترط في الفعل المكلف به أن يكون ممكنا ، وأن يكون مما يستحق به الثواب ~~كالواجب والمندوب وترك القبيح. # ويشترط في المكلف أن يكون قادرا على ما كلف به ، مميزا بينه وبين ما لم ~~يكلفه ، متمكنا من الآلة المحتاج إليها ومتمكنا من العلم بما يحتاج إليه. # ويشترط في التكليف أن لا يكون مفسدة لأحد من المكلفين ، وان يكون مقدما ~~(2) على الفعل بزمان يمكن المكلف أن ينظر فيعلم ما تعبد به على الوجه الذي ~~تعبد به ، وهذا يدخل تحت ما سلف. ### |||| ** قاعدة : اذا علم الحكيم من أحد الفعلين المتضادين أنه اذا كلف به أطاع PageV01P384 # المكلف وإن كلفه بالآخر عصى وقدر الاستحقاق فيهما واحد ، جمهور المعتزلة ~~على أنه لا يحسن منه التكليف بما علم فيه العصيان ، لأن غرضه بالتكليف هو ~~التعريض بذلك القدر من الثواب ، وهو يعلم أنه لا يحصل فيه بل في غيره ، فلو ~~كلفه ما لا يحصل به ذلك القدر كان نقضا للغرض ، ويشكل على هذا تكليف ~~الكافر. ### |||| ** قال قاضي القضاة : ويبتني على هذه القاعدة مسائل اختلف فيها الشيخان (1). ### |||| ** الفرع الأول : اذا علم الله تعالى أنه اذا زاد (2) شهوة المكلف فإنه يعصي وإن لم يزدها ~~(3) لم يعص. # قال أبو علي : لا يحسن زيادته ، وخالفه أبو هاشم. # احتج أبو علي بأن الزيادة تكون مفسدة ، لأن المعصية توجد عندها. # حجة أبي هاشم أن في ذلك زيادة مشقة وفيها تعريض للثواب الزائد. ### |||| ** الثاني : تبقية إبليس وتمكينه من الوسوسة إن علم الله تعالى من العبد المعصية وإن لم ~~يحصل الوسوسة لم يقبح التمكن من الوسوسة ، وإن علم أن بها يحصل المعصية ~~وإذا انتفت الوسوسة انتفت المعصية قبح منه تعالى ذلك. ms194 # وخالف في ذلك أبو هاشم ، والدليل من الجانبين ما تقدم. ### |||| ** الفرع الثالث : تبقية الكافر المعلوم منه الايمان واستحقاق الثواب ، أوجبها أبو علي ، ~~خلافا لأبي هاشم. # احتج أبو علي بأن تبقيته لطف فتجب حجة أبي هاشم أن التبقية تمكين وليس ~~بلطف فحسن أن لا يفعل. PageV01P385 # قال قاضي القضاة : واتفقا معا على أن تبقية المؤمن المعلوم منه الكفر ~~حسنة ، لأن تكليفه (1) في المستقبل تعريض للثواب الزائد فتكون كالتكليف ~~المبتدأ المعلوم منه الكفر. # وللفارق ان يقول : التكليف المبتدأ لم يحصل منه الغرض الذي هو التعريض ~~فكان حسنا بخلاف هذا. ### |||| ** الفرع الرابع : المؤمن الفاسق المستحق للعقاب إذا علم الله انه لا يتوب هل يحسن تبقيته ~~وتكليفه وإن علم منه الكفر؟ قال قوم : نعم ، وهو عندي ضعيف لما بيناه ، ~~لأنه لا يخرج بفسقه عن استحقاق الثواب على ما يأتي. ### |||| ** الفرع الخامس : المؤمن اذا علم الله منه أنه يفسق ويتوب بعد فسقه حسنت تبقيته إجماعا ، أما ~~اذا علم منه أنه يموت على فسقه قال محمود : يجب اخترامه ، وهو عندي باطل ~~(2)، وهذا مبني على الوعيد ، وسيأتي البحث فيه. PageV01P386 ### | البحث الخامس ### | في اللطف # وهو ما أفاد المكلف هيئة مقربة الى الطاعة ومبعدة عن المعصية ولم يكن له ~~حظ في التمكين ولم يبلغ به الهيئة الى الإلجاء ، فالآلة ليست لطفا لأن لها ~~حظا في التمكين والإلجاء ينافي التكليف بخلاف اللطف. # وذهبت المعتزلة الى انه واجب ، الا ما يحكى عن بشر بن المعتمر قديما ثم ~~نقل عنه الوجوب (1)، وخالف في ذلك جماعة الأشاعرة (2). # والدليل على وجوبه أنه يتوقف عليه غرض المكلف فيكون واجبا في الحكمة. # بيان الصغرى ، أن اللطف معناه ليس إلا ما يكون المكلف معه أقرب الى ~~الطاعة وأبعد الى المعصية اللذين تعلقت إرادة المكلف بهما. # وأما الكبرى ، فظاهرة ، فإن العقلاء متى علموا إرادة شخص لفعل من آخر ~~وعلموا أن ذلك الآخر لا يفعله الا بفعل يفعله المريد من غير مشقة ، فمتى لم ~~يفعل حكموا بأنه قد نقض غرضه. # لا يقال : اللطف إما أن تتوقف عليه الفعل أو لا ms195 ، فان لم يتوقف جاز ~~التكليف بدونه ، وإن توقف كان له حظ في التمكين ويصير كالقدرة وليس البحث ~~فيه ، ولأن PageV01P387 # وجه الوجوب غير كاف في الوجوب ما لم ينتف وجوه (1) القبح فلم لا يجوز ~~وجود وجه من وجوه القبح فيه؟. # لأنا نقول : اللطف يتوقف عليه الفعل ، لأن الفعل لا يقع الا بالداعي ، ~~والداعي متوقف عليه ، ويفارق القدرة بأن القدرة يتوقف عليها إمكان الفعل لا ~~نفسه وأما وجه القبح فهي محصورة لأنا كلفنا لمعرفتنا لاجتنابها وليست ~~بأسرها ثابتة. # احتج المخالف بوجوه : ### |||| ** الأول : لو وجب اللطف لوجب أن يفعل في كل مكلف من الألطاف ما يقع الإيمان والطاعة ~~وذلك يقتضي عدم الكفر والعصيان. ### |||| ** الثاني : أن اللطف ان لم يقتضي رجحان الفعل فلا فائدة فيه. # [وان اقتضى رجحانا غير مانع من النقيض فكذلك لجواز وجود الطرف المرجوح ~~فلا أولوية] (2). # وإن اقتضى رجحانا مانعا كان وجوبا فلا يكون التكليف ممكنا. ### |||| ** الثالث : ان أبا لهب لم يقع منه الإيمان ، فإما أن يكون لعدم اللطف في حقه وذلك ~~إخلال منه تعالى بالواجب ، وإما أن يكون مع وجود اللطف وذلك باطل لأن اللطف ~~هو الذي يحصل معه الطاعة. ### |||| ** الرابع : أن الحاكم هو الله تعالى فلا يجب عليه شيء لأنه لا حاكم فوقه. ### |||| ** الخامس : أن الداعية المقربة ممكنة لله تعالى فجاز خلقها ابتداء من دون الفعل الذي ~~هو اللطف. # والجواب عن الأول ، أن اللطف ليس لطفا بذاته بحيث يتساوى مقتضاه ، بل ~~اللطف إنما يكون لطفا لقرائن يقترن به من أحوال المكلف وغيرها ، وإن كان مائلا PageV01P388 # الى الدين كان الفعل لطفا له ، وان كان نافرا لم يكن ذلك الفعل لطفا له ، ~~ولأجل ذلك اختلف الألطاف كالعبادات الشرعية في الأوقات واختلفت شرائع ~~الأنبياء. # وعن الثاني ، أن اللطف ليس مما يقع الفعل عنده قطعا بل يكون أولى ~~بالوقوع. # وعن الثالث ، ما أجبنا به عن الأول ، فإن اللطف إذا حصل ولم يحصل معه ~~الفعل لا يدل على كونه غير لطف ، بل إنما يحصل الفعل لوجود معارض هو أقوى ~~منه عند العبد. # وعن الرابع ms196 ، أن الوجوب لا يعني (1) به هاهنا الوجوب الشرعي ، بل كون ~~الفعل بحيث يتعلق المدح بالفاعل بسببه. # وعن الخامس ، نمنع عدم الإمكان. ### |||| ** مسألة : اللطف إن كان من فعله تعالى كان واجبا عليه أن يفعله لما مر ، وإن كان من ~~فعل المكلف وجب على الله تعالى أن يعرفه إياه وأن يكلفه به ، وإن كان من ~~فعل غيرهما لم يجز من الله تعالى أن يكلف العبد بما يتوقف على ذلك الا إذا ~~علم أن ذلك الغير يفعله لا محالة ، وهذه الأحكام ظاهرة. PageV01P389 ### | البحث السادس ### | في الألم # قد مر البحث عن ماهيته وعن كثير من احكامه ، فاعلم الآن أنه على قسمين : ~~حسن وقبيح ، فالقبيح ما يصدر عنا والعوض علينا ، والحسن قد يقع منا على وجه ~~الإباحة كالذبح للأكل وعلى وجه الندب كالذبح للأضحية وعلى وجه الوجوب ~~كالذبح المنذور والعوض عليه تعالى في هذه ، وقد يقع منه تعالى إما على جهة ~~الاستحقاق كالعقاب أو على جهة الابتداء كآلام الدنيا غير المستحقة ، واختلف ~~الناس هاهنا : (1) ### |||| ** فقالت الثنوية : يقبح جميع الآلام ، وقالت المجبرة بحسنها أجمع ، وفصل آخرون فقالت البكرية ~~والتناسخية : إنه لا يحسن الا المستحق وما عداه فهو قبيح ، وأهل العدل ~~قالوا : إنه يحسن منه فعل آلام المستحق وفعل المبتدأ إذ كان ذلك الألم ~~مصلحة لا يحصل من دونه وهو اللطف إما للمتألم أو لغيره بشرط أن يكون في ~~مقابلته (2) عوض يزيد عن الألم بحيث لو أظهر العوض لاختاره المتألم ، وهذا ~~عندي هو الحق ، أما حسنه بهذه القيود فلا شك فيه ، وأما قبح ما عداها فلأنه ~~يتضمن الضرر الخالي عن النفع. ### |||| ** مسألة : ذهب أبو علي الى أن الألم لا يقبح إلا لكونه ظلما فقط ، وشرط بعضهم في ~~قبح الظلم علم الظالم بكونه ظلما او تمكينه من ذلك. PageV01P390 # ونقل قاضي القضاة هذا القول عن أبي هاشم ، قال القاضي : (1) لا شك في قبح ~~الظلم ممن ذكرنا إلا أنه لا يستحق به الذم ، لأن استحقاق الذم مشروط بتمكين ~~(2) الفاعل من الاحتراز عنه لكونه ظلما. # قال أبو هاشم : وقد يقبح الألم ms197 لكونه عبثا كمن يستأجر غيره بنزح من ماء ~~الفرات ويقبله فيها من غير عوض (3)، فالظلم منتف لوجود العوض والقبح حاصل ~~لحصول (4) العبث ، وكذلك من خلص غيره من الغرق بشرط كسر يده ولا غرض له في ذلك. # قال أبو علي : علة القبح هاهنا الظلم ، فإن المستأجر ظلم نفسه من حيث ~~أدخل عليه غما بسبب إخراج الأجرة وظلم الموجر من حيث منعه عن منافعه ~~والمخلص ظلم نفسه من حيث منع نفسه من الشكر. ### |||| ** مسألة : نقل قاضي القضاة عن أبي هاشم أن الألم يقبح لكونه ضررا واذا حصل فيه نفع ~~أو دفع ضرر خرج من كونه ضررا ، فالبائع ثوبه بثمن المثل لا يقال إنه أضر ~~بنفسه والمعاقب ليس بمتضرر لتعجيله اللذة في الدنيا ، وألزمه قاضي القضاة ~~بالتاجر بتحمل المشاق لرجاء الربح من غير ربح ، وهو حسن. # لا يقال : إنه لسر في حال المشقة. # لأنا نقول : ينبغي اعتبار السرور ، فإن كان موفيا على المضرة حسن والا فلا. ### |||| ** مسألة : الألم الذي يفعله الله تعالى لا بد وأن يكون حسنا لما تقدم وجهة حسنه في ~~غير المكلف كونه لطفا لمكلف آخر مع عوض الزائد اذ لا وجه لاستحقاقه في حق ~~الصبي ، ولا يمكن أن يقال : أنه حسن لدفع الضرر ، لأن الضرر PageV01P391 # المدفوع إن كان من فعله وهو قادر على ان لا يفعل من دون هذا الضرر لم ~~يحسن منه (1)، ولأن ابتداء الضرر بالصبي يكون ظلما فلو آلمه لأجل دفع ~~الضرر لصار التقدير أنه ظلمه لأنه يدفع ظلمه ، وإن كان من غير فعله فهو ~~تعالى قادر على منع الظالم من الظلم من دون هذا الضرر. # لا يقال : لم لا يمرض الطفل ليصير لطفا للظالم فيمتنع من ظلمه بالإيلام؟. # لأنا نقول : لا يحسن ضرر الطفل لنفع الغير ، أما المكلف فإن كان مستحقا ~~للعقاب جاز لله تعالى أن يولمه معاقبة كمرض الكافر ، ومنع منه قاضي القضاة ~~وقال : المرض محنة في حقه لا عقوبة ولا يجوز أن يولمه لدفع الضرر عنه كما ~~قلنا أولا. # قيل : ولا يجوز أن يولمه ليسقط ms198 عنه بعض عقابه ، لأن عقابه المستحق لا ~~يصير مستوفى بتعجيل ذلك القدر ، فلو أراد سقوط الباقي لأسقطه بالعفو. # فأما القصد الى أن يسقط ذلك من دون عفو بل بتعجيل ذلك البعض لم يصح ، ~~لأنه يقصد الى أن يسقط ما سقوطه متفضل به من دون أن يكون متفضلا وذلك قصد فاسد. # وعندي في هذا توقف ، وان لم يكن مستحقا للعقاب لم يحسن منه الإيلام الا ~~للنفع ، وذلك النفع تارة يكون عوضا ، وتارة يكون لطفا للمتألم ، وتارة يكون ~~هما معا. ### |||| ** تذنيب : قال ابو علي : الألم الصادر عنه تعالى إذا لم يكن عقابا يكون حسنا للعوض ~~فقط سواء كان لطفا أو لم يكن. # وقال أبو هاشم : جهة حسنه العوض ، وكونه لطفا اما للمتألم او لغيره ، ~~وقال آخرون : كونه لطفا كاف الحسن إن كان للمتألم. PageV01P392 # احتج أبو هاشم بأن النفع ممكن من دون الألم فتوسط الألم عبث. # قال أبو علي : النفع المستحق مغاير للمتفضل به وللأول مزية فحسن الألم ~~لتلك المزية ، ثم قالا : فعل الملطوف فيه ليس لمنفعة ، بل هو مشقة لا بد ~~فيها من الثواب تقابل الملطوف فيه فيبقى الألم خاليا عن نفع يقابله. # قال المكتفون باللطف : إن الثواب المقابل للملطوف فيه يكون مقابلا له ~~وللألم ، فحسن الألم من دون العوض. ### |||| ** تذنيب : لو كان في مقدوره تعالى وجود لذة تقوم مقام الألم في كونها لطفا للمكلفين ~~هل يحسن منه تعالى فعل الألم بدل اللذة؟ جوزه أبو هاشم لأن الألم يخرج ~~بكونه لطفا (1)، وبالعوض عن كونه ظلما وعبثا (2) ويصير كالمنفعة فيتخير ~~الحكيم. # وبعض المشايخ منع منه وهو الأولى ، لأن الألم انما يحسن باعتبار اللطف ~~والعوض إذا لم يكن (3) طريق الا هو ، أما مع وجود طريق غير مؤد الى ضرر ~~ويكون محصلا للطف فهو أولى ولم يجز فعل الألم. PageV01P393 ### | البحث السابع ### | في العوض # وهو النفع المستحق الخالي من تعظيم وإجلال ، وبقيد الاستحقاق يخرج ~~المتفضل به ، وبقيد الخلو يخرج الثواب ، وهو إما أن يكون علينا أو عليه ~~تعالى ، والأول يكون مساويا للألم ، والثاني يكون أزيد منه ms199 وهو واجب ، ~~خلافا للأشاعرة ، والا لكان الألم قبيحا وكذلك الألم الذي اباحه الله تعالى ~~أو أمر به. # واختلفوا فيما يصدر عن غير العاقل ، فذهب بعضهم الى أن العوض عليه تعالى ~~، لأنه مكنه وجعل فيه ميلا الى ذلك مع إمكان أن لا يجعله كذلك ولم يجعل (1) ~~عقلا يصده عن ذلك ولا جعل له زاجرا يزجره فيكون العوض عليه قطعا. # وذهب من لا تحصيل له الى أن العوض يستحق على المولم ، وآخرون قالوا : # إنه لا عوض على ذلك ، وقاضي القضاة ذهب الى أن العوض على المولم إلا أن ~~يلجئه الله تعالى إليه بالجوع وشبهه فيجب العوض عليه لأنه تعالى لم يبعث ~~السباع على المضار ولا الجاءها إليه بل مكنها ، ولا ينتقل العوض إليه ~~بالتمكين والا لانتقل العوض علينا إذا مكنا الغير بدفع السيف فقتل آخر ، ~~ولأن العوض لو كان عليه تعالى لكان موفيا على الألم فيقبح منا المنع لها من ذلك. ### |||| ** مسألة : العوض المستحق عليه تعالى قال ابو علي بدوامه ، لانه لو كان منقطعا للزم ~~العوض بانقطاعه لحصول الغم بالانقطاع فيدوم الاستحقاق ، ولأنه لو استحقه ~~منقطعا لأمكن إيصاله إليه دفعة واحدة ، ومثل هذا لا يختار المؤلم لأجله ~~الألم. والوجهان عندي ضعيفان. PageV01P394 # أما الأول ، فلأنه لا يدل على الاستحقاق دائما بل يدل على لزوم إدامته ، ~~لأن انقطاعه يوجب حصول مثله. # وأما الثاني ، فضعيف ، لأن العوض إنما يجب فعله على وجه يرغب فيه المتألم ~~، فاذا كان لا يرغب في حصوله دفعة وجب إيصاله إليه على التعاقب. # وقال أبو هاشم : بانقطاعه لأنه قد يستحسن الألم مع العوض الزائد المنقطع. ### |||| ** مسألة : العوض المستحق على الظالم يجب على الله تعالى استيفائه للمظلوم ، لأنه ~~قادر على ذلك وهو متمكن منه مع حسنه بحيث يذم العقلاء من لم يفعل ذلك شاهدا ~~، فلو لا علمهم بوجوب الانتصاف والا لما حسن الذم. ### |||| ** مسألة : قال أبو هاشم وأبو القاسم الكعبي : يجوز أن يمكن الله تعالى الظالم من ~~الظلم وإن لم يكن له عوض في الحال. # قال ابو القاسم : ويجوز خروجه من الدنيا ms200 من غير تحصيل عوض ، ومنعه أبو ~~هاشم ، ومنع السيد المرتضى رضي الله عنه من ذلك (1) وأوجب العوض في الحال. # قال البلخي : إنه تعالى يجوز أن يتفضل بالعوض عليه فحسن منه التمكين. # قال أبو هاشم : التفضل ليس بواجب والانتصاف واجب ولا يعلق (2) به. # قال السيد المرتضى : والتبعية تفضل فلا يتعلق بها الانتصاف. PageV01P395 ### | البحث الثامن ### | في الآجال # الأجل الوقت والوقت هو الحادث الذي جعل علما لحدوث غيره ، وأجل الحيوان ~~هو الوقت الذي علم الله تعالى أنه يبطل فيه ، واختلفوا في المقتول : # فقال ابو الهذيل : إنه لو لم يقتل كان يموت قطعا ، وهو منقول عن المجبرة ~~، وقال البغداديون : إنه كان يعيش قطعا. # وذهب البصريون الى أنه يجوز الأمران (1). # احتج أبو الهذيل : بأنه لو جاز أن يعيش لكان القاتل قد قطع أجله ، بمعنى ~~قتله قبل الوقت الذي علم الله فيه أنه يموت ، والتالي باطل لأن خلاف معلوم ~~الله تعالى ممتنع فالمقدم مثله. # وهذا عندي ضعيف ، لأن قطع الأجل إنما يكون لو علم الله تعالى بقاء حياته ~~، أما مع علمه بالقتل فلا نسلم أنه يكون قاطعا للأجل. # لا يقال : إنه قد قتله قبل الوقت الذي علم أنه يعيش إليه وذلك الوقت هو الأجل. # لأنا نقول : إنه أجل تقديري لا مطلقا بل على تقدير عدم القتل. # واحتج القاطعون بالحياة بأن الإنسان قد يقتل جماعة كثيرة يعلم بمجرى ~~العادة عدم موتهم في وقت واحد ، ولأن القاتل حينئذ لا يكون ظالما لأنه يحصل ما PageV01P396 # لا بد من حصوله لأنه يكون محسنا بذبح الشاة فلا غرامة. # والجواب عن الأول ، المنع من امتناع موتهم والعادة قد تقضي بموت جماعة ~~كثيرة بسبب كالغرق والحرق ، ولأنا نجوز عليهم الحياة والموت فلا يرد ما ذكرتم. # وعن الثاني ، أن الظلم انما توجه من حيث تجويزنا لحياته مع غلبة ظننا به ~~، فإن الحيوان السليم يعيش في غالب الأوقات ، ولأن الظلم حاصل لأنه لو مات ~~من قبله تعالى لحصل له أعواض كثيرة ، أما إذا قتله فإن العوض لا يزيد على ~~الألم ، وكذا القول في ذبح الشاة. ms201 # احتج المجوزون بقوله تعالى : ( @QUR@04 ولكم في القصاص حياة ) (1). # لا يقال : فنقطع ببقائه لو لم يقتل. # لانا نقول : إنه أثبت حياة منكرة فلا تكون عامة. PageV01P397 ### | البحث التاسع ### | في الأرزاق والأسعار # حد العدلية الرزق بأنه ما صح الانتفاع به ولم يكن لأحد منع المنتفع منه ، ~~والمجبرة قالوا : إنه ما اكل ، ويتفرع على هذا الخلاف الحرام عند المجبرة ~~أنه رزق. # وخالف فيه العدلية مستدلين بقوله تعالى : ( @QUR@04 وأنفقوا من ما ~~رزقناكم ) (1) أمر بالإنفاق ، والحرام ، يأمر الله بإنفاقه فليس برزق. # والاعتراض من وجهين : ### |||| ** الأول : ليس صيغة ما للعموم في معرض الجسم. ### |||| ** الثاني : يجوز تخصيص العام بما ذكرتم. ### |||| ** مسألة : منع الصوفية من طلب الرزق ، لأن الحلال قد اختلط بالحرام بحيث لا يمكن ~~تمييزه (2) فيجب اجتنابه ، ولأن فيه مساعدة للظالمين بطلب الخراج والضمان ، ~~ولأنه تعالى أمر بالتوكل وهو ينافي الطلب. # وهذا خيال ضعيف ، فإن المكلف إذا عرف الشيء المعين قد اختلط فيه الحلال ~~بالحرام اجتنبه ، اما مع فقد العلم فلا ، والمساعدة ليست مقصودة بالذات ~~والتوكل لا ينافي الطلب. ### |||| ** مسألة : السعر هو تقدير البدل فيما يباع به الأشياء ، وهو على ضربين : رخص وغلاء ~~، والرخص هو السعر القاصر عما جرت به العادة مع اتحاد الوقت والمكان ، وكل ~~واحد من الرخص والغلاء قد يحصل من قبل الله تعالى وقد يحصل من قبل العبد. PageV01P398 ### | البحث العاشر ### | في الأصلح # اذا علم الله تعالى أنه اذا أعطى زيدا مالا انتفع به وليس فيه مفسدة ولا ~~مضرة ولا وجه قبح ، أوجب البغداديون وأبو القاسم الإعطاء ومنع منه البصريون (1). # احتج الأولون بأنه إن كان الداعي موجودا والصارف مفقودا وجب الفعل ، لكن ~~المقدم حق والتالي مثله. # أما الشرطية فظاهرة ، وأما بيان صدق المقدم فلأن جهة الإحسان جهة داع ~~وانتفاء المفاسد انتفاء الصارف والتقدير حصولهما. # احتج الآخرون بأن الزائد على ذلك المثال (2) بمثله إذا كان مساويا له في ~~المصلحة إن وجب على الله تعالى فعله ، فرضنا الزائد ، فكان يجب وجود ما # والبحث في الاصلح مما ابتدعه المعتزلة ورده الاشاعرة ، وقد بحث عنه ~~بالتفصيل القاضي عبد الجبار في ms202 كتابه الكبير : المغني في ابواب التوحيد ~~والعدل يشمل جزءا من كتابه وهو الجزء الرابع عشر. # انظر عن هذا البحث اضافة الى ما ذكر : الاشعري ، مقالات الاسلاميين ج 1 ص ~~290 ، والسيد المرتضى ، الذخيرة ص 199 ، والغزالي ، قواعد العقائد ص 205 ، ~~والتفتازاني ، شرح المقاصد ج 4 ص 329. PageV01P399 # لا يتناهى وهو محال ، وإن لم يجب لزم الإخلال بالواجب. # اعترض عليهم الأولون بأن الأصلح وإن لم يكن واجبا لكنه حسن اتفاقا وجائز ~~فعله ، فيلزم تجويز وجود ما لا يتناهى كما الزمتمونا. # أجاب القاضي بالفرق بين القول بالوجوب الذي يلزم منه وجود ما لا يتناهى ~~وبين الجواز الذي لا يلزم منه ذلك ، فإن الجواز لا يستلزم الفعل. # وعندي أن الإلزام غير وارد ، لأن الفعل انما يجب على الله تعالى من حيث ~~الحكمة إذا كان ممكنا ، أما اذا كان ممتنعا فلا ، وما لا يتناهى يستحيل ~~إيجاده. # ثم قال البصريون اعتراضا على حجة البغداديين : إن الداعي المذكور داعي. ~~الإحسان وهو لا يوجب وجود الفعل. # واعلم أن البصريين عنوا بقولهم هذا أن الأصلح ليس له جهة وجوب وإن كان ~~يجب اذا حصل الداعي والقدرة وانتفى الصارف. # وقال البصريون : لو وجب الأصلح لوجب علينا فعل النافلة لأنها أنفع. # وهذا غير وارد ، لأن الأصلح ليس وجه وجوب بل إنما يجب مع خلوص الدواعي ، ~~ونحن نمنع منه لوجود المشقة بخلاف الإحسان منه تعالى فإنه لا مشقة له فيه ~~ويدعوه الداعي وينتفي الصارف فيجب التحقق. PageV01P400 ### | المنهج السابع ### | في النبوة ### ||| * وفيه مباحث PageV01P401 ### | الأول # النبي هو الإنسان المخبر عن الله تعالى بغير واسطة أحد من البشر ، فلا ~~يصدق هذا الحد على الملك ولا على المخبر عن غير الله ولا على العالم. # والمعجز أمر (1) خارق للعادة مقرون بالتحدي مع عدم المعارضة ، فالأمر قد ~~يكون فعلا للخارق وقد يكون منعا عن المعتاد ، وكلا قسميه يصدق عليه المعجز ~~، والخرق للعادة لا بد منه ليقع التميز به بين النبي والمدعي ، والاقتران ~~بالتحدي ذكر ليخرج عنه الكاذب المدعي معجزة غيره وليتميز عن الإرهاص (2) ~~والكرامات ، وعدم المعارضة قيد لا ms203 بد منه ليخرج عنه السحر والشعبذة. # والتحدي المماراة والمنازعة ، يقال : تحديت فلانا اي (3) ماريته ونازعته ~~في الغلبة. # والإرهاص احداث معجز يدل على بعثة نبي قبل بعثته كأنه تمهيد لقاعدته. PageV01P403 ### | البحث الثاني ### | في إمكان البعثة # اختلف الناس في ذلك ، فالجمهور من أهل الملل كافة على ذلك ، وخالف فيه ~~البراهمة والصابئة (1). # ويدل على الإمكان أنها حسنة لما اشتملت عليه من الفوائد فتكون ممكنة. # أما اشتمالها على الفوائد فمن وجوه : ### |||| ** الأول : أنهم يأتون بالخبر القاطع بحصول العقاب للعاصي ، لأن العقل دال على ~~الاستحقاق وليس بدال على الوقوع ، ولا شك في أن هذا الاخبار يشمل على فائدة ~~هي الامتناع من الإقدام على المعاصي. ### |||| ** الثاني : العقل يجوز أن تكون بعض أفعالنا مصلحة لنا وداعيا الى فعل ما كلفنا به من ~~جهة العقل كالصلاة والصوم ، وتكون بعض أفعالنا مفسدة لنا كشرب الخمر ويكون ~~مصلحة بأن يعرفنا هذه المصالح أو المفاسد بلسان واحد من نوعنا. ### |||| ** الثالث : أن التكاليف (2) العقلية يجوز أن تكون في النبوة مصلحة لنا بسبب # واعلم انه شاع بين المسلمين انكار البراهمة للنبوات ، وقد اتهم بعض ~~فلاسفة المسلمين بالبرهمية حين اتهم بنفي النبوات ، من جملتهم ابو زكريا ~~الرازي الذي نسب إليه كتاب : مخاريق الأنبياء ورده ابو حاتم في كتاب سماه ~~اعلام النبوة ، ومن جملتهم أيضا ابن الراوندي الذي اتهم بالبرهمية ونفي ~~النبوات ويدافع عند السيد المرتضى في كتابه الشافي بان ابن الراوندي يروي ~~قول البرهمية كما يروى قول الدهرية وقول الموحدين ... (انظر تعليقتنا على ~~شرح جمل العلم والعمل ص 170). PageV01P404 # دعاء الأنبياء إليها. ### |||| ** الرابع : المعارف العقلية كالتوحيد والعلم والقدرة يحصل بتطابق العقل والنقل فيها ~~التأكيد. ### |||| ** الخامس : قد بينا وجوب التكليف ، والعقول البشرية قاصرة عن إدراك كنه ما كلف الله به ~~تعالى ، فلا بد من البعثة ليحصل المعرفة بذلك. ### |||| ** السادس : أن العقول ممنوة بالأضداد كالشهوة والنفرة والوهم وغيرها من القوى الموجبة ~~لما ينافي العقل ، والطبائع الانسانية مجبولة على الانبعاث الى مقتضى هذه ~~القوى ، والزجر المستفاد من العقل غير كاف فلا بد من زاجر آخر خارجي وهو ~~الرسول. ms204 ### |||| ** السابع : أن لله تعالى صفات لا يدل العقل عليها كالكلام والسمع والبصر وينبغي ~~للعقلاء معرفتها ، ولا طريق الى ذلك فلا بد من النبي لتعليم (1) ذلك. ### |||| ** الثامن : قد يكون هاهنا أشياء حسنة في أنفسها وإن كنا لا نعرف حسنها وأشياء قبيحة لا ~~نعرف قبحها ، فلا بد من نبي يحصل منه ذلك. ### |||| ** التاسع ، قد يحصل للمكلف (2) حيرة بسبب ترك اشتغاله في العبادات وبسبب استعماله ~~لها فلا بد من نبي يزيل هذه الحيرة والخوف. ### |||| ** العاشر : الخواص التي في النبات يعجز العقل عن إدراكها فإن فيها ما هو نافع وفيها ما ~~هو ضار ، والرسول معرف لذلك. ### |||| ** الحادي عشر : التنازع الواقع بين الناس الحاصل بسبب الاجتماع يحتاج في إزالته الى من أيد ~~من عند الله تعالى بخاصية مميزة له عن غيره موجبة للامتثال منه. PageV01P405 ### |||| ** الثاني عشر : الصناعات الخفية عن عقول البشر قد تقع الحاجة إليها في أغلب الأوقات ، فلا ~~بد من رسول يرشد إليها ، فقد تبين من هذه الوجوه اشتمال البعثة على الحسن ~~مع أنها خالية عن المفسدة فيكون ممكنة بل واجبة على ما يأتي. # احتج المخالف بوجوه : ### |||| ** الأول : أن الرسل إن جاءوا بما يوافق العقل فالبعثة عبث لاستقلال العقل بما بعثوا ~~لأجله ، وإن جاءوا بما يخالفه فهو مردود. ### |||| ** الثاني : أن النبوة تتوقف على معرفة الله تعالى بالجزئيات ، والتالي باطل بما تقدم ~~والمقدم مثله. ### |||| ** الثالث : أن الأنبياء انما جاءوا بالتكليف لكن التكليف محال والبعثة محال. # والجواب عن الأول ، أن الذي يوافق العقل على قسمين : أحدهما يكون في ~~العقل ما يدل عليه وفائدة الأنبياء فيه التأكيد ، والثاني أن لا يكون ~~فالحاجة إليهم في هذا القسم ظاهر. # وأما الذي لا يوافق العقل فعلى قسمين أيضا : احدهما أن يكون العقل يقضي ~~بنقضه ، والثاني أن لا يكون للعقل فيه قضاء بشيء البتة ، ومثل هذا قد ينفع ~~معرفته في العاجل والآجل ، فاحتيج إليهم في هذا القسم أيضا. # وعن الثاني ، ما مر من بيان صدق التالي. # وعن الثالث ، ما تقدم من وجوب التكليف. PageV01P406 ### | البحث الثالث ### | في وجوب البعثة # اتفقت المعتزلة (1) عليه ms205 ، خلافا للأشاعرة (2). # لنا أنها قد اشتملت على لطف في التكليف العقلي والسمعي ، واللطف واجب لما ~~تقدم (3) فالنبوة واجبة. # أما اشتمالها على اللطف في التكليف العقلي ، فلأنا نعلم أن السمعيات ~~ألطاف في العقليات ، فإن التجربة قاضية بأن الإنسان إذا كان مواظبا على فعل ~~الواجبات السمعية فإنه يقرب الى الواجبات العقلية ، بخلاف ما إذا لم يواظب. # وأما اشتمالها على اللطف في السمعي ، فلأن العلم بدوام الثواب والعقاب ~~لطف فيه وهو لا يحصل إلا مع البعثة. # لا يقال : اللطف هو الداعي الى فعل الملطوف فيه ، وهو لا يتحقق إلا إذا ~~علم المكلف كونه لطفا داعيا (4) وجهة دعائه ، وذلك منتف عن السمعيات في ~~العقليات. # لأنا نقول : نمنع وجوب العلم بكون اللطف لطفا وداعيا ، فإنه يجوز أن يعلم ~~الله تعالى أن مع تكليف العبد بالسمعيات ينقاد الى العقليات فيكلفه بها ~~ويكون ذلك لطفا. # على أنا نقول : العقليات قد يتباعد أزمنة فعلها كرد الوديعة وقضاء الدين PageV01P407 # فيقع هناك غفلة عن الله تعالى والخوف منه فلا بد من مذكر هو السمعي ، ~~وأيضا فإن تحققت القدرة والداعي وجبت البعثة ، لكن المقدم حق فالتالي مثله. # واما الشرطية فظاهرة ، وأما صدق المقدم ، أما القدرة فظاهر ، وأما الداعي ~~فلأنها قد اشتملت على وجه مصلحة وانتفت عنها المفاسد ، أما أولا فبالفرض ، ~~وأما ثانيا فلأن وجوه المفاسد محصورة عندنا وليس شيء منها ثابتا هاهنا. # وللأوائل في هذا الباب طريق آخر مبني على قواعد : ### |||| ** الأولى : أن الإنسان لا يمكن أن يستقل وحده بأمور معاشه لاحتياجه الى الغذاء ~~والملبوس والمسكن وغير ذلك من ضرورياته التي تخصه ويشاركه غيره من اتباعه ~~فيها ، وهي صناعية لا يمكن أن يعيش الإنسان مدة يصنعها ويستعملها ، فلا بد ~~من اجتماع على تلك الأفعال بحيث يحصل التعاون الموجب لتسهيل الفعل ، فيكون ~~كل واحد منهم يعمل لصاحبه عملا يستعيض منه أحد. ### |||| ** الثانية : أن الطبائع البشرية مجبولة بالشهوة والغضب والتحاسد والتنازع والاجتماع ~~مظنة ذلك ، فيقع بسبب الاجتماع الهرج والمرج ويختل أمر النظام ، فلا بد من ~~معاملة وعدل يجمعها قوانين كلية هي الشرع ، فلا ms206 بد من شريعة ناظمة لأمور ~~نوع الإنسان. ### |||| ** الثالثة : أن الشريعة لا بد لها من واضع يمتاز عن بني نوعه بخاصة من الله تعالى هي ~~المعجزة ، لأن الشريعة لو فوضت الى بني آدم لوقع منهم النزاع في وضعها ~~وكيفيته ومن يستقل به ، وتلك المعجزات قد يكون قوله وقد يكون فعله. ### |||| ** الرابعة : أن الغالب على الناس الجهل وطاعة شهواتهم والانقياد الى قواهم الوهمية ~~والغضبية ، ومثل هؤلاء يستحق اختلال العدل النافع في أمور معاشهم PageV01P408 # بحسب النوع عند استيلاء الشوق إليهم على ما يحتاجون إليه بحسب الشخص ، ~~وذلك يبعثهم على الإقدام على المخالفة للقوانين الشرعية ، فلا بد من ثواب ~~وعقاب آخر وبين يحملهم على الرجاء والخوف على الانقياد الى متابعة الشريعة. ### |||| ** الخامسة : أن نوع الإنسان ممنو بالشهوة والنسيان ، وتذكر المعبود (1) في كل وقت أمر ~~واجب يحصل بسببه الخوف الدائم من عقابه ، فلا بد من سبب حافظ لذلك التذكر ~~متكرر في كل وقت وهو العبادة ، فإذن وجب في العناية الالهية إرسال رسول داع ~~الى التصديق بوجود الخالق والى الإيمان بشرعه والى الاعتراف بالوعد والوعيد ~~والقيام بالعبادات المفروضة وإلى الانقياد للقوانين الشرعية حتى يستقر ~~النظام النوعي. PageV01P409 ### | البحث الرابع ### | في إثبات (1) نبوة محمد صلى الله عليه وآله # ويدل على ذلك أنه ظهر (2) وادعى النبوة وظهر على يده المعجزة ، وكل من ~~كان كذلك كان نبيا حقا. # أما ادعاء النبوة فظاهر ، وأما ظهور المعجزة فلوجوه : ### |||| ** أحدها : أن القرآن ظهر على يده وهو معجز ، أما الصغرى فبالتواتر ، وأما الكبرى ~~فلأنه تحدى به العرب مع بلوغهم الغاية في الفصاحة وعجزوا عن ذلك. # أما التحدي (3)، فلقوله : ( @QUR@014 قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ) (4)، وقوله : ( @QUR@05 فأتوا ~~بعشر سور مثله مفتريات ) (5)، وقوله : ( @QUR@03 فأتوا بسورة مثله ) (6). # وأما العجز ، فلأنهم توفرت دواعيهم على المعارضة ولا مانع ، فكان يجب أن ~~تقع المعارضة ، فلما لم تقع دل على عدم قدرتهم. # وأما توفر الدواعي فظاهر ، لأنه عليه السلام قهر العباد على إتباع دينه PageV01P410 # وترك أديانهم وما شاءوا عليه واختاروا المحاربة والقتل بالسيف ms207 على ~~الإتباع لدينه ، ولو كانوا متمكنين من المعارضة لصاروا إليها. # وأما عدم المانع فظاهر ، فإنه عليه السلام في ابتداء أمره لم يكن يخشى ~~العرب من سطوته. # وأما بيان أن المعارضة لم تقع فضروري ، لأن مثل هذه الوقائع العظيمة يجب ~~اشتهارها حتى يغلب ظهورها على ظهور القرآن من حيث إنها مسقطة للتكليف ~~والانقياد الى أوامر المماثل. ### |||| ** الثاني : أنه عليه السلام أخبر عن الغيب بالتواتر والآيات الدالة عليه ، كقوله : ( ~~@QUR@05 وهم من بعد غلبهم سيغلبون ) (1)، وقوله : ( @QUR@010 وعد الله ~~الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ) (2)، وكقوله : ( ~~@QUR@03 لتدخلن المسجد الحرام ) (3)، وذلك معجز قطعا. ### |||| ** الثالث ، المعجزات المنقولة عنه عليه السلام بالتواتر كليتها وإن لم يكن تفاصيلها ~~متواترة ، كانشقاق القمر ، وإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل ، وختم ~~الحصى ونبوغ الماء من بين أصابعه ، وغير ذلك ، وقد نقل المحدثون في ذلك ~~جملا كثيرة. # أما الكبرى فضرورية ، الا ترى أن الملك لو قال له بعض أصحابه : إن كنت ~~رسولك فخالف عادتك ففعل الملك ذلك وتكرر ، علم قطعا صدق المدعى. ### |||| ** الثاني : الاستدلال بأخلاقه وأفعاله على صدق مقالاته (4)، ووجهه أن الكمالات ~~النفسانية محصورة في قسمي قوتها أما بحسب الشخص نفسه او بحسب PageV01P411 # تكميل غيره (1) والكامل المطلق هو الكامل فيهما (2) المكمل غيره ، ومحمد ~~عليه السلام من ابتداء نشوه الى آخره لم يزل مواظبا على الأفعال الحسنة ~~والأخلاق الجميلة ، وبعد ظهور أمره ملازم لعبادة ربه متوجه بكليته إليه ~~تارك للدنيا يدعو الناس الى ذلك ويجتهد في دخولهم تحت طاعة مولاهم ، وهو ~~(3) متواتر عنه عليه السلام ، وذلك راجع الى كمال قوته العملية وإكمال غيره فيها. # وأما القوة العلمية فلا شك في أنه عليه السلام ظهر والعرب متشاجرة مختلفة ~~الأديان ، قوم يعبدون الأصنام وآخرون الكواكب الى غير ذلك من الأديان ~~الباطلة والأقاويل الفاسدة ، فنشر فيهم المعارف الإلهية والمطالب العلمية ~~المشتملة على التوحيد والتنزيه والعدل وغير ذلك من المسائل الحقة وبين منها ~~ما كان خفيا عليهم وأمرهم بالتفكر والتطلع على الحق ، وذلك نهاية كماله في ~~قوته العلمية وإكمال غيره فيها. ### |||| ** الثالث : أن الأنبياء المتقدمين ms208 أخبروا بظهوره ونبوته وصدق مقالاته. # فإن قيل (4): لا نسلم ظهور المعجزة على يده ، والتواتر باطل لأنكم إن ~~عنيتم به عددا محصورا يحصل به العلم فهو باطل ، لأن كل عدد يفرض يمكن ~~تواطؤهم على الكذب ، وإن عنيتم به ما أفاد العلم فلا يحصل العلم بكون الخبر ~~متواترا إلا بعد العلم به ، وإن عنيتم العلم به على كونه متواترا ، فيدور. # ولأن العلم يستحيل حصوله بكل واحد وبأي واحد وبالمجموع ، لأنه إن اتصف ~~بما لم يتصف به الآحاد فالكلام في علة حصول ذلك الوصف كالكلام في العلم ، ~~وإن لم يتصف لم يحصل العلم ، ولأن شرط التواتر البعيد استواء الطرفين PageV01P412 # والواسطة ونمنع ذلك هاهنا ولأن أصل التواتر الحس وهو قد يغلط كما في ~~المسيح (1). # ولأنه يجوز أن يكون القرآن ظهر على غير محمد واخذه منه وادعاه لنفسه ، ~~ولأنه يجوز أن تكون آيات التحدي من عنده ، فإن المتواتر إنما هو أصله لا ~~تفاصيله ، فإنه لم يحفظ القرآن الا نفر يسير. # ولأن ابن مسعود انكر المعوذتين والفاتحة مع تعظيم الصحابة له. # ولأن تفاصيله لو كانت متواترة لما حصل فيها اختلاف والتالي باطل ، أما ~~اللفظي فالقراءات ، وأما المعنوي فالآيات الدالة على التنزيه والتشبيه ~~والقدرة والجبر وغير ذلك ، ولأن آيات التحدي لفظية وهي غير مفيدة لليقين. # ولأن التحدي لم يصل الى جميع العالم ، فإن البلاد المتباعدة لم يعلموا ~~بظهوره عليه السلام ولا يلزم من عجز البعض عن المعارضة عجز الجميع ، ولأنا ~~نمنع حصول الداعي الى المعارضة ، ورجوع العرب الى الحرب لعلمهم بأنه قاطع ~~للمادة وحاسم للأمور ، فعدلوا إليه دون المعارضة ، ولأنه يحتمل أنهم تركوا ~~المعارضة لقلة اهتمامهم بما أتى به ولذلك نسبوه عليه السلام الى الجنون ، ثم ~~بعد ظهور أمره خافوا على أنفسهم وتركوا المعارضة. # ولأنه يحتمل أنهم اعتقدوا أن أشعارهم وخطبهم كانت أفصح ، فقلت رغبتهم في ~~المعارضة ، ولأن عند حصول الداعية المخلوقة لله تعالى ، إن وجب الفعل لزم ~~الجبر فالنبوة باطلة ، وإن لم يجب جاز ترك المعارضة مع حصول الداعي. # ولأنه يحتمل حصول المعارضة وإن لم ينقل ms209 كالإمامة (2) والوقائع المشهورة ~~في القرون الخالية ، ولأنه يحتمل وجود المانع فإن المعارض قد يجوز أن يكون PageV01P413 # واحدا فيخاف على نفسه ، ولأن القاري آت بالمثل. # ولأن الإخبار عن الغيب ليس بمعجز قد يحصل من المنجمين وأصحاب الرياضات ، ~~ولأن هذه المعجزات أمور عظيمة فكان يجب اشتهارها وبلوغها حد التواتر ، ولو ~~جاز وجودها مع عدم تواترها ، فلم لا يجوز وجود المعارض للقران مع عدم نقله؟. # ولأن تجويز المعجز تجويز للسفسطة ، لجواز انقلاب البحر دما معجزة لنبي (1). # ولأن الإنسان إن كان عبارة عن البدن والأمزجة لا شك في اختلافها ، فيجوز ~~حدوث معجز عن مزاج خاص وان كان عبارة عن النفس ، فلم لا يجوز اختلافها إما ~~بالنوع أو بالشخص ويصدر عن بعضها المعجز ، أو ان المعجز حصل له لاطلاعه على ~~بعض الخواص الموجبة لذلك ، أو أن المعجز حصل من الأفلاك فإنها عند بعضهم ~~أحياء ناطقة ، أو من الكواكب أو من الجن أو من الملائكة. # ولأن الفعل إن افتقر الى الداعي لزم الجبر ، فالأفعال القبيحة منسوبة ~~إليه تعالى فجاز إظهار المعجز لا للتصديق. # ولأن لم يفتقر جاز حصوله من غير غرض ، فلا يمكن جعل التصديق غاية ، ولأن ~~الغرض جاز أن يكون غير التصديق من كونه لطفا لمكلف آخر أو إجابة لدعوة ~~إنسان أو معجزة لنبي آخر أو الابتلاء ليحصل الثواب ، كما في إنزال ~~المتشابهات أو ابتداء عادة أو تكرير عادة متطاولة او ارهاصا. # والتمثيل بالملك لا يفيد اليقين. # ولأن تصديق الله تعالى للرسول لا يدل على صدقه الا بعد بيان صدقه تعالى ~~وأنه لا يفعل القبيح. PageV01P414 # ولأن محمدا عليه السلام إنما يعرف أن الرسول الذي إليه من عنده تعالى لأجل ~~المعجز ، وهذا الطريق قد يتأتى منا لأنا نستدل بكونه خارقا للعادة على صدقه ~~، أما محمد عليه السلام فلا يتأتى منه ذلك إلا بعد أن يكون عارفا بعادات ~~الشياطين حتى (1) يحكم بأن المعجز الذي ظهر إليه على يد المرسل خارق ~~لعاداتهم حتى يحكم بانه ليس بشيطان وأنه صادق. # ولأن نبوة محمد عليه السلام يقتضي النسخ وهو باطل ms210 والا لزم البداء ، ولأن ~~المامور به إن كان حسنا قبح نسخه ، وان كان قبيحا قبح الأمر به. # ولأن موسى عليه السلام إن بين دوام شرعه لم يجز نسخه وإلا لزم كذبه ولجاز ~~في شرعكم ذلك ، وإن بين عدم دوامه وجب نقله لكون الدواعي متوفرة عليه ، ~~ولأنه لو جاز خفائه لجاز في شرعكم ، وإن لم يبين واحدا منهما لزم التعبد ~~بشرعه مرة واحدة هذا خلف ، ولأنه نقل عنه بالتواتر تمسكوا بالسبت أبدا. # والجواب (2): نعني بالتواتر إخبار قوم يحصل معه العلم ، ولا دور ، لأن ~~العلم الحاصل ليس مما يبنى (3) على غيره بل هو علم ضروري ، وبالمعنى الذي ~~عقلتم به حصول (4) المجموعية ، فاعقلوا مثله في حصول العلم ، على أنه طعن ~~في الضروري فلا يسمع. # ومنع استواء الطرفين والواسطة ، منع لما علم حصوله بالضرورة ، فإن كل ~~طبقة تنقل عن أخرى موصوفة بالكثرة المفيدة للعلم ، وتغليط الحس تشكيك في PageV01P415 # الضروري (1) فلا يسمع ، والفرض الذي ذكروه مما يمتنع (2) عقلا ، فإن من ~~أنصف علم ان القرآن إنما نزل على محمد عليه السلام ، ولأن فيه من الآيات ما ~~يدل على تخصيصه ، كقوله : ( @QUR@03 وإذ أسر النبي ) (3)، ( @QUR@02 ويوم ~~حنين ) (4)، ( @QUR@02 إذ تصعدون ) (5)، ( @QUR@06 عفا الله عنك لم أذنت ~~لهم ) (6)، ( @QUR@04 إذ أخرجه الذين كفروا ) (7)، وغير ذلك من الآيات ~~الكثيرة ، ولأن تجويز ذلك يستلزم حصول مفسدة عظيمة للمكلفين (8) كان يجب ~~على الله تعالى إيضاحه لأجل زوالها. # ولأن الله تعالى صرف العرب عن المعارضة ، ولو كان الفرض (9) الذي ذكرتموه ~~جائزا لما ساغ ذلك ، وهذا جواب القائلين بالصرفة ، وتجويز كون آيات التحدي ~~من (10) عنده تجويز لإبطال الضروريات ، فانا نعلم بالضرورة تواتر القرآن ~~بجملته وتفاصيله ، ولأجل ذلك لو زاد أحد فيه أو نقص لعلم كل عاقل ذلك ، وفي ~~زمن الصحابة كان التشديد في حفظه أتم من ذلك حتى نازعوا في اسماء السور ~~والتعشيرات. # وابن مسعود رجل واحد في مقابلة التواتر فلا تسمع معارضته ، ولأنه لم ينكر ~~كونه منزلا ، وإنما أنكر كونه متلوا لأجل شبهة عرضت له. PageV01P416 # ويمنع وجود الاختلاف ، أما اللفظي فالقراءات منزلة بقوله عليه السلام : ~~نزل ms211 القرآن على سبعة أحرف. # وأما المعنوي فلأنها متأولة ولها محامل ذكرها المحققون في تفاسيرهم غير ~~خارجة عن اللغة ، على أن المراد بالاختلاف هاهنا يحتمل الاختلاف في الفصاحة ~~وعدمها. # وأيضا لو سلم الاختلاف ، لكن لا يدل على أنه من غير الله ، لأن استثناء ~~عين التالي عقيم. # وآيات التحدي لا شك في وصولها الى جميع من يدعي الفصاحة ويدعي امكان ~~المعارضة فلا اعتداد بغيرهم ، ورجوع العرب الى الحرب دال على العجز ، فإن ~~كل عاقل لا يختار ركوب الأهوال وقتل النفس على إنشاء كلام سهل دال على ~~فضيلة مع أنه متمكن منه ، وكيف يقل اهتمامهم بالمعارضة مع اختيارهم للحرب ~~الأصعب؟ # والخوف زائل ، فإنه عليه السلام كان يدعو الناس الى الإيمان ، فمن نازعه ~~في ذلك أتاه بالمعجز وطلب منه المعارضة ، فإن عانده قاتله في ابتداء أمره ~~وانتهائه. # واعتقادهم لغلبة (1) فصاحتهم دال على نقصهم ، فإن كل من نظر في القرآن ~~علم أن فيه من الفصاحة ما لم يشتمل عليه قصيدة من قصائد العرب وحصول الداعي ~~اذا كان موجبا للفعل غير مستلزم للجبر ، وقد مضى تحقيق ذلك. # وحصول المعارضة مع عدم نقلها باطل قطعا ، فإن الدواعي يكون أشد توفرا على ~~نقلها لما فيه من التخفيف في الأمور التكليفية ، بخلاف الإمامة ، فان ~~الدواعي غير متوفرة على نقلها ، لاشتمالها على التكليف وكونها مندوبة ، ~~ووجود المعارض منفي بما قلنا من أنه عليه السلام ما كان يمنع أحدا من ~~المعارضة. PageV01P417 # والقاري ليس بآت بالمثل ، فإن المراد هنا ليس الحكاية ، واي عاقل يجوز ~~المعارضة لشاعر او فصيح بشعره وكلامه ، وابو الهذيل لأجل ذلك جعل الحكاية ~~نفس المحكي ، وأطبق المحققون على إبطاله. # ونمنع حصول الإخبار بالغيب من المنجمين ، فإنهم إنما يحكمون بما يقع ~~غالبا بالعادة أو بالأمور الكلية خصوصا مع ظهور المدعي ، فكان يجب على الله ~~تعالى إبطال مقالته. # والمانع من تواتر كل واحد من المعجزات الاكتفاء بالقرآن الظاهر بين الناس ~~، وتجويز المعجز لا يدل على السفسطة ، لأنه يقع نادرا ، وتجويز صدور المعجز ~~من غير الله تعالى مدفوع عند الأشاعرة بكون كل ms212 ما يصدر في العالم منه تعالى ~~على ما بينوه فيما سلف وعند المعتزلة والا لكان الله تعالى بتمكين ذلك ~~الفاعل منه فاعلا للقبيح تعالى الله عن ذلك. # والجبر غير لازم عند وجوب الفعل بالداعي على ما مضى ، وهذا انما يرد على ~~الأشاعرة. # وتجويز كون الغرض غير التصديق تجويز لصدور القبيح منه تعالى على ما سلف ، ~~وهذا أيضا يرد على الأشاعرة. # ودلالة المعجزة على النبوة لا يتوقف على صدقه تعالى ، بل يتوقف على قوله ~~: هذا رسولي ، وهذا ليس باخبار ، على أنا قد بينا كونه تعالى صادقا وأنه لا ~~يفعل القبيح ، وهذا أيضا يرد على الأشاعرة. # وتجويز إظهار المعجزة لمحمد عليه السلام على يد الشيطان أو كونه من عادات ~~الشياطين فيه قبح عظيم من الله تعالى ، وهذا أيضا يرد على الأشاعرة. # واعلم أنهم يجيبون عن هذه الأسئلة بأنا نجوز ذلك من حيث الماهية وان كان ~~ممتنعا بالنظر الى العادة ، فإنا كما نقطع بعدم انقلاب البحر دما مع جوازه ، كذلك PageV01P418 # نقطع بعدم إظهار المعجزة على يد الكاذب وإن كان جائزا. # وهذا الجواب ضعيف ، لأنا نمنع حصول القطع مع النظر الى ذلك التجويز ، نعم ~~القطع حاصل مع الغفلة عن ذلك. # وكيف يحصل للعاقل قطع بعدم إظهار المعجزة على يد الكاذب مع أنه معتقد (1) ~~لتجويز القبيح عليه تعالى. # ومن هاهنا يظهر أن التكاليف السمعية والأوامر الشرعية انما يصح ثبوتها ~~ويقطع به على رأي المعتزلة ، أما على طريقة الأشاعرة فلا. # والبداء غير لازم من القبيح (2)، لأن التكليف يعتبر فيه المصلحة ويجوز ~~تغيرها بتغاير الأوقات ويكون المأمور به حسنا في وقت دون آخر فيحسن النهي ~~عنه ، وعند الأشاعرة هذان ساقطان ، لأنهم لا يعترفون بالحسن والقبح ، ~~والجواب المذكر وانما هو على رأي المعتزلة. # وأما موسى عليه السلام ، فإنه بين بيانا كليا أن شرعه سينسخ ولم ينقل ذلك ~~لانقطاع تواتر اليهود ، لأن بختنصر استأصلهم ، وعند الأشاعرة وجماعة من ~~المعتزلة أنه لا يجب البيان في ذلك وقد علم التكرار بدليل خارجي ، واذا كان ~~تواترهم منقطعا فلا احتجاج بنقلهم في السبت ms213 وغيره. PageV01P419 ### | البحث الخامس ### | في كيفية إعجاز القرآن # لما اعتنى المسلمون بنقل القرآن من ساير المعجزات وجب البحث عن كيفية ~~إعجازه ، وقد اختلف الناس في ذلك ، فقال قوم : كون القرآن معجزا إنما هو ~~لكونه منعا من المعتاد ، قالوا : ووجه الإعجاز فيه أن العرب توفرت دواعيهم ~~على المعارضة مع شدت فصاحتهم وسكتوا عن المعارضة المعتادة ، وهذا دليل على ~~إعجازه. # وهذا قول النظام والسيد المرتضى من أصحابنا وبعض المعتزلة ، وهو قول ~~بالصرفة (1). # وقال آخرون : إنه معجز لأن الإتيان بمثل كل سورة منه غير معتاد. # واختلف هؤلاء ، فقال بعضهم : إن إعجازه من حيث الأسلوب وجعل # وقال بالصرفة جمع من المتكلمين ، فمن المعتزلة : النظام كما جاء في اكثر ~~الكتب الكلامية ، والجاحظ على ما في كتابه : الحيوان ج 4 ص 89. ومن الشيعة ~~: الشيخ المفيد في اوائل المقالات ص 32 ، والسيد المرتضى في الذخيرة ص 378 ~~وشرح جمل العلم ص 179 ، وقد صنف في ذلك كتابا سماه بالصرفة او الموضح عن ~~وجه اعجاز القرآن ولم يصل إلينا ، والشيخ الطوسي في احد قوليه كما جاء في : ~~تمهيد الاصول ص 334 ، وابو الصلاح الحلبي في تقريب المعارف ص 107 ، وابن ~~سنان الخفاجي في سر الفصاحة ص 89 ، وسديد الدين الحمصي في المنقذ من ~~التقليد ص 460. # ولنا رسالة في القول بالصرفة في وجه اعجاز القرآن تحت عنوان (الشيخ ~~المفيد والقول بالصرفة)، وقد نشرها المؤتمر العالمي لذكرى الشيخ المفيد ~~باللغة العربية والفارسية. PageV01P420 # الإعجاز راجعا الى الألفاظ من غير اعتبار دلالتها على المعاني ، ويتوقف ~~ذلك على اجتماع الكلمات ، فإن الفواصل والإسجاع لا يحصل الا عند اجتماع ~~الكلمات. # وذهب أبو علي وابو هاشم ومتابعوهما الى أن الإعجاز إنما هو بفصاحته ، ~~وأنه خرق عادة العرب بذلك. # وقال ابو القاسم البلخي : إن جنس القرآن غير مقدور للبشر (1). # وذهب الجويني الى أن الإعجاز إنما هو بالفصاحة والاسلوب ، وقد كان في ~~كلمات العرب ما يقاوم فصاحته فصاحة القرآن وان لم يقاومه في اسلوبه وفي ~~كلامهم ما هو كاسلوبه ولم يبلغ فصاحته. # والقائلون بالصرفة اختلفوا ، فقال بعضهم : إنه ms214 تعالى سلبهم الأقدار على ذلك. # وقال آخرون : إنه تعالى سلبهم الداعية الى ذلك مع وجود السبب الموجب (2) ~~لوجوده. # وقال آخرون (3): إنه سلبهم العلم الذي به كانوا يتمكنون من المعاوضة ، ~~وهو مذهب السيد المرتضى (4). # ومن الناس من جعل جهة الاعجاز خلوه عن التناقض ، وآخرون قالوا : إن جهة ~~الاعجاز اشتماله على الإخبار بالغيوب. # واستدل القائلون بالصرفة بوجهين : ### |||| ** الأول : أنه لو لم يكن الإعجاز لأجل الصرفة لما حصل العلم بنبوة محمد عليه السلام ~~والتالي باطل والمقدم مثله ، بيان الشرطية أنه يمكن أن يكون بعض PageV01P421 # الجن أو بعض الملائكة في غاية الفصاحة بحيث يصدر عنه هذا القرآن ، فحينئذ ~~لا يمكن الاستدلال على صدقه عليه السلام إلا بعد استناد (1) القرآن إليه ~~تعالى ، واسناده إليه تعالى إنما علمناه بقول الرسول ، وذلك دور. # أما اذا جعلنا جهة الاعجاز هو الصرفة ، اندفع هذا المحذور. ### |||| ** الثاني : أنا نعلم قطعا أن العرب كانوا متمكنين من مفردات الألفاظ ومن تركيبها ، ومن ~~قدر على المفردات وعلى التركيب كان قادرا عليهما قطعا ، فإذن العرب كانوا ~~متمكنين من الإتيان بالمثل وإنما سلبوا هذه القدرة او الداعي. # وهذان الوجهان عندي [ضعيفان] ، أما الأول ، فلأنا لا نشرط في المعجز ~~صدوره منه تعالى ، فإنا لو علمنا صدوره من النبي عليه السلام باقداره تعالى ~~على ذلك لكان معجزا ، ولأن هذا الدليل إن طعن في الفصاحة فهو بعينه طاعن في ~~الصرفة ، لأنه لا استعباد في أن يكون بعض العرب متمكنا من المنع عن ~~المعارضة بالسحر فالإلزام مشترك. # لا يقال : تمكين الله تعالى الساحر من ذلك فساد عظيم. # لأنا نقول : بذلك تمكين الملك والجن من ذلك فساد عظيم. # لا يقال : هذا اعتراف بالصرفة. # لأنا نقول : هذا انما هو صرف لبعض الملائكة او الجن على تقدير المنع الذي ~~ذكرتموه ، أما بالنسبة الى العرب فلا. # وأما الثاني ، فالمنع من قدرة العرب على ما ذكروه. # واستدل القائلون بالفصاحة بوجوه : ### |||| ** الأول : لو كان عجز العرب عن المعارضة لأجل منعهم منها مع قدرتهم ، لوجدوا ذلك من ~~أنفسهم وفرقوا بين حال التخلية وحال المنع ، ولو وجدوا ms215 ذلك PageV01P422 # لتحدثوا به ، ولو تحدثوا به لاشتهر ، فالتالي باطل فالمقدم مثله. ### |||| ** الثاني : أن القرآن معجز باتفاق المسلمين ، ولو كان جهة الإعجاز الصرفة لكان المعجز ~~هو المنع من الاتيان بمثل القرآن ، فلا يكون القرآن معجزا. ### |||| ** الثالث : لو كان الإعجاز للصرفة لوجب أن يكون القرآن في غاية الركاكة ، لأن المنع من ~~الاتيان بالكلام الركيك أبلغ في الإعجاز من المنع من الاتيان بالبليغ ، ~~والتالي باطل قطعا فالمقدم مثله. ### |||| ** الرابع : أن العرب قد كانوا يستعظمون فصاحته على ما نقل عنهم ، وهذا القول عندي هو ~~الحق ، وباقي الأقوال لا يخفى ضعفها. PageV01P423 ### | البحث السادس ### | في وجوب العصمة ### ||| ** مقدمة : # العصمة لطف يفعله الله تعالى بالمكلف لا يكون مع ذلك داع الى ترك الطاعة ~~وارتكاب المعصية مع قدرته على ذلك. # والأوائل قالوا : إنها ملكة متمكنة في النفس لا يصدر عن صاحبها معها ~~المعاصي ، وقال آخرون : إن المعصوم هو الذي لا يمكنه الإتيان بالمعاصي ~~وهؤلاء منهم من قال : إن عدم المكنة لاختصاص بدنه او نفسه بخاصية تقتضي ~~امتناع المعاصي منه ، ومنهم من ساوى بينه وبين أشخاص الإنسان في الخواص ~~البدنية والنفسانية ، وفسروا العصمة بالقدرة على الطاعة أو عدم القدرة على ~~المعصية ، وهو قول ابي الحسن الأشعري (1). # وقال آخرون : إن المعصوم متمكن من الفعلين واختص بلطف الله تعالى كما ~~قلناه نحن أولا ، وأبطلوا قول من سلب القدرة عن المعصية بأنه حينئذ لا مدح ~~له في عصمته ، ولأنه يبطل التكليف في حقة ، فلا ثواب له ولا عقاب ، ~~واللوازم كلها فاسدة ، ولقوله تعالى : ( @QUR@07 قل إنما أنا بشر مثلكم ~~يوحى إلي ) (2). # وسبب العصمة عند هؤلاء الأربعة أمور : ### |||| ** الأول : اختصاص نفسه أو بدنه بملكة يمنعه من الإقدام على المعصية. ### |||| ** الثاني : أن يكون عالما بالمدح على الطاعة والذم على المعصية. PageV01P424 ### |||| ** الثالث : تاكيد تلك العلوم بتتابع الوحي إليه. ### |||| ** الرابع : أن يكون بحيث اذا ترك ما هو الأولى عوتب (1) على ذلك ، فاذا اجتمعت هذه ~~الأربعة للإنسان كان معصوما. # وهذا عندي باطل ، فإن الثالث لا يجب حصوله في كل معصوم ، فإن الأئمة ~~الاثني عشر والملائكة عليهم السلام معصومون ms216 وفاطمة عليها السلام ومريم ~~معصومتان من غير وحي إليهم ، والرابع تابع للعصمة ، نعم اعتقاد مؤاخذته على ~~ترك الأولى سبب مؤكد للعصمة. # واذ قد تمهدت هذه القاعدة فنقول : اتفق الناس بأسرهم الا الفضيلية من ~~الخوارج (2) على أن الأنبياء معصومون عن الكفر ، والفضيلية اعتقدوا ان كل ~~ذنب كفر ثم جوزوا صدور الذنب عن الأنبياء. # وذهب بعض الناس (3) الى امكان صدور الكبائر عنهم ، وأكثر الناس جزموا ~~ببطلانه. # وقال آخرون : إنه يجوز صدور الصغيرة عنهم ، واختلفوا فقال قوم منهم : ~~إنما يجوز صدورها عنهم على سبيل السهو أو على وجه ترك الأولى أو على وجه ~~الاشتباه بالمباح ، أما على جهة القصد فلا (4). # والإمامية منعوا من صدور الصغيرة والكبيرة عنهم عمدا او سهوا قبل PageV01P425 # النبوة وبعدها. # وقالت الفضيلية أيضا : إنه يجوز أن يبعث الله من علم منه أنه يكفر ، وقال ~~فريق منهم : لا يجوز ذلك بل يجوز بعثة من كان كافرا قبل الرسالة ، وهو ~~منقول عن ابن فورك وقال : هذا الجائز لم يقع وبعض الحشوية قال بوقوعه. # وجوز أكثر أهل السنة صدور الكبير عنهم قبل الرسالة ، واما الصغائر قبل ~~البعثة فجوزها الجميع عدا الإمامية. # والدليل على ما ذهب إليه الشيعة أن الله تعالى لو بعث من ليس بمعصوم لكان ~~مناقضا لغرضه ، والتالى باطل فالمقدم مثله ، بيان الشرطية أن الغرض من ~~البعثة هو تحصيل الثواب بامتثال أوامرهم ، وذلك لا يتم إلا بالسكون الى ~~أقوالهم وأفعالهم ، وذلك غير حاصل إلا بعد العلم بعدم صدور الذنب عنهم ، ~~ولأنه لو لم يكن معصوما لجاز منه الأمر ببعض ما لم يؤمر به والإخلال ببعض ~~الشرع والتالي باطل فالمقدم مثله. # ولأنه لو صدر عنهم الذنب لكانوا أقل درجة من العوام ، لأن عقابهم يكون ~~أشد من حيث إن معرفتهم بالله تعالى أتم ، والتالي باطل اتفاقا فالمقدم مثله. # ولأنه لو صدر عنهم الذنب لما كانوا مقبولي الشهادة ، لقوله تعالى : ( ~~@QUR@05 إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا ) (1). # ولأنه كان يحب زجرهم عن الذنب فلا يكون أذاهم محرما ، ولانه كان يجب ان ~~لا يتبع ، والتالي باطل فالمقدم مثله. ms217 # فان قيل : لا نسلم حصول النفرة مع تجويز المعصية ، وكيف ذلك واكثر ~~المسلمين على تجويزها عليهم ولم يمنعهم من قبول أقوالهم ، ولأن المعصية ~~انما ينفر عنهم على تقدير استحقاق العقاب عليها ، ونحن لا نجوز ذلك عليهم ~~بل نجوز PageV01P426 # صدور الصغائر التي تقع مكفرة ، ولأن السمع قد دل على جواز الذنب عليهم. # فالجواب ، أن حصول الذنب عنهم لا يوجب ترك قولهم بالكلية بل يحصل فيه ~~مفسدة في أغلب الأحوال ومنع الذنب عنهم لطف يكون المكلف معه أقرب الى ~~الطاعة وذلك لا يقدح فيه ما ذكرتم ، وصدور الصغيرة عنهم ممتنع كالكبيرة ، ~~والذي ذكروه في الاعتذار مبني على تجويز التحابط ، وهو باطل لما يأتي ، ~~ولأن كونها صغيرة مما يخفى على العقلاء ، وذلك توجب النفرة دائما. # والسمع متأول ، أما إجمالا فبالحمل على ترك الأولى وكون النهي نهي تنزيه ~~لا تحريم ، وأما تفصيلا ففي كتبه المختصة به (1)، والسهو لا يجوز عليهم ~~وإلا لجاز أن يسهو عن أداء ما يجب أداؤه. # ويجب أن يكونوا منزهين عن دناءة الاباء وعهر (2) الأمهات ليحصل الانقياد ~~إليهم وعدم التنفر منهم. PageV01P427 ### | البحث السابع ### | في أن الأنبياء أفضل من الملائكة # اختلف الناس في ذلك ، فذهب الأشاعرة والشيعة إليه ، وخالف فيه جماعة من ~~المعتزلة والقاضي أبو بكر من الأشاعرة والأوائل (1). ### |||| ** احتج الأولون بقوله تعالى : ( @QUR@011 إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران ~~على العالمين ) (2)، وهذا عام في كل من يطلق عليه اسم العالم ، والاصطفاء ~~المراد به هاهنا الفضيلة. # ولأن الآدمي يعبد الله تعالى مع معرفته به ومحبته له مع حصول الصوارف عن ~~ذلك وهو الشهوة والغضب ، فيكون عبادته أشق من عبادة الملائكة الخالصين عن ذلك. # ولأن آدم عليه السلام أمر له الملائكة بالسجود في قوله تعالى : ( @QUR@03 ~~فقعوا له ساجدين ) (3)، والسجود أعظم ما يكونوا من الخضوع ، وأمر العالي ~~بالخضوع للسافل مناف للحكمة. # ولأنه عليه السلام كان أعلم بقوله تعالى : ( @QUR@02 أنبئهم بأسمائهم ) ~~(4)، والأعلم أفضل. PageV01P428 # احتج المخالف بقوله تعالى : ( @QUR@010 لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا ~~لله ولا الملائكة المقربون ) (1)، ذكر هذا العطف عقيب نفي الاستنكاف ms218 عن ~~المسيح دال على فضيلة الملائكة عليه. # وبقوله تعالى : ( @QUR@010 ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ~~ملكين ) (2). # وبقوله تعالى : ( @QUR@08 ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم ) (3). # وبقوله تعالى : ( @QUR@07 والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ) ~~(4)، قدم الملائكة فكانوا أفضل. # ولأن الملائكة دائما في العبادة ، لقوله تعالى : ( @QUR@05 يسبحون الليل ~~والنهار لا يفترون ) (5)، فيكونون أفضل ممن ينقطع عبادته. # ولأن نسبة النفس الى النفس كنسبة البدن الى البدن ، ولا شك في أفضلية ~~السماوات على أبداننا فنفوسها أشرف من نفوسنا. # ولأنها خالية من القوى البشرية الشريرة (6) كالشهوة والغضب بل هي خير محض ~~، بخلاف البشر ، ولأن علومهم أكمل لكون نفوسهم أقوى فيكونون أفضل. PageV01P429 ### | البحث الثامن ### | في الكرامات # ذهب جمهور المعتزلة الى المنع من ذلك عدا أبا الحسين البصري ، وجمهور ~~الأشاعرة على الجواز عدا أبا إسحاق وهو مذهب الأوائل أيضا (1). # ويدل على ذلك ما ظهر من الكرامة على يد مريم عليها السلام وأصحاب الكهف. # واحتج المانعون بأنه لو جاز ظهورها على يد الصالحين لجاز ظهورها على يد ~~كل صالح ، وذلك يخرجها عن الإعجاز ويصيرها في حكم الكثيرة (2). # ولأن ظهور المعجزة على غير النبي ينفر عن النبي ، لأن المعجز هو السبب في ~~الانقياد الى طاعتهم ، فإذا ظهر على من لا يجب طاعته هان موقعه. # ولأنه لا يبقى فيه دلالة على النبوة ، لأنا نجوز أن يكون المدعي للنبوة ~~ليس بنبي وإن أظهر المعجزة لجواز أن يكون صالحا. # ولأنه لو جاز ظهور المعجزة على غير نبي لغرض غير التصديق في النبوة لانسد ~~باب الاستدلال بالمعجز ، على أنه تعالى خلقه لأجل التصديق لا غير. # والجواب إنما يجب ظهورها على يد الصالحين بشرط أن لا يبلغ حد الكثرة كما ~~في حق المعجز على يد الأنبياء ، وإذا ظهر المعجز على يد الصالح الداعي الى ~~دين المتقدم له (3) لم يهن موقع المعجز ، وإنما نجوزه على يد الصالح ما دام ~~متصفا بهذا PageV01P430 # الوصف ، فإذا ادعى النبوة خرج عن هذا الوصف ، فامتنع حينئذ إظهار المعجزة ~~على يده ، وتجويز إظهار المعجز على يد ms219 الصالح لا يخرجه عن كون الغرض منه ~~التصديق عند ظهوره على يد الأنبياء عقيب الدعوى ، فإنه في تلك الحال يعلم ~~قطعا أنه ما خلق إلا لأجل التصديق. ### ||| ** تتمة تشتمل على مسألتين : ### |||| ** الأولى : يجوز أن يظهر الله تعالى معجزة إرهاصا لنبي يأتي من بعد (1)، وهو مذهب ~~المعتزلة. # والبصريون أطبقوا على المنع قالوا : لو جاز ذلك لزم انتقاض عادة مبتدأة ~~لغير غرض والتالي باطل فالمقدم مثله ، بيان الشرطية أن المعجزة إنما تكون ~~لتصديق النبي كما هو رأي الجمهور ، أو لإكرام بعض الصالحين كما هو رأي ~~طائفة والإرهاص ليس واحدا منهما ، واما بطلان التالي فظاهر. # والجواب ، المنع من انتفاء الغرض ، فإنا لا نجوز الإرهاص إلا إذا تقدمت ~~البشارة من النبي المقدم ببعثة من يأتي ، فإذا ظهر ذلك للناس وانتقضت ~~العادة صار ذلك متعلقا بدعواه النبوة من بعد من حيث المعنى. ### |||| ** الثانية : منع قاضي القضاة من إظهار المعجزة على العكس مما سأله الكاذب (2) نحو ما ~~نقل عن مسيلمة أنه قيل له : إن محمدا عليه السلام دعا لأعور فرد الله عينه ~~فادع انت له فدعا فذهبت عيناه ، وجوزه الباقون ، وهو الصحيح. # قال القاضي : هذا المعجز لا تعلق له بدعواه لعدم مطابقته فيصير نقض عادة PageV01P431 # مبتدأة ، وذلك لا يجوز. # والجواب : أن تعلق المعجز بدعوى الصادق ليس الا لأنه لو لم يكن صادقا لما ~~نقض الله تعالى العادة ، ومثل هذا ثابت في دعوى الكاذب ، لأنه لو لا كذبه ~~لما أظهر الله المعجزة على العكس. # قال : نفي المعجز عقيب دعواه كاف في تكذيبه ، فاظهار المعجزة على العكس عبث. # قلنا : الغرض منه زيادة التكذيب. PageV01P432 ### | البحث التاسع ### | في مسائل من هذا الباب ### |||| ** مسألة : الحق عندي أنه لا يجوز الخلو من النبي في زمان من الأزمنة ، وهو مذهب ~~جميع أصحابنا القائلين بعدم خلو الزمان من إمام والإمام بمنزلة الرسول. # ويدل على ذلك المعقول والمنقول. # أما المعقول ، فلأن التكليف واجب لما مضى ولا يتم إلا بالرسول ، ولأن في ~~الرسول مصلحة لا يتم بدونه وهو كف الناس من الخطأ وتنبيه الغافل عن الله ms220 ~~تعالى وغير ذلك مما يقتضي وجوب البعثة في حال. # وأما المنقول فقوله تعالى : ( @QUR@07 وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ) (1). # وأما مشايخ المعتزلة ، فقالوا : لا يجب في كل حال بل إذا كان للمكلفين ~~مصلحة في البعثة ، والأشاعرة لم يوجبوا ذلك مطلقا ، والأوائل أوجبوه من حيث ~~العقل العملي. ### |||| ** مسألة : جوز أبو علي بعثة رسول من غير شرع ، ومنعه أبو هاشم ، لأن العقل كاف في ~~معرفة العقليات فبعثه لتعريفها عبث ، قال ابو علي : جاز بعثة نبي بعد آخر ~~وإظهار معجزة بعد معجزة وإن وقع الغنى بما سبق ، فليجز بعثة رسول بما ~~يقتضيه العقليات وان كان العقل (2) كافيا. # أجاب أصحاب أبي هاشم بأن ذلك انما يجوز اذا كان فيه فائدة زائدة على ~~الواحد او على المعجزة الواحدة وتلك الفائدة لا تحصل الا بهما ، ولأبي علي أن PageV01P433 # يقول : أنا لا أجوز ظهور نبي بالعقليات إلا إذا حصل فيه مزية لا يحصل من ~~دونه مثل أن يكون دعائه الى العقليات لطفا للعباد في العمل بها. ### |||| ** مسألة : محمد صلى الله عليه وآله افضل من غيره من الأنبياء السابقين ، ويدل عليه ~~المعقول والمنقول. # أما المعقول ، فلأن شرعه أعم من شرع غيره فائدة واكثر نفعا وأتباعه اكثر ~~عددا من أتباع غيره ، ولأن أخلاقه أشرف من أخلاق غيره ، وذلك يدل على شرفه ~~على غيره في قوتي العلم والعلم. # وأما المنقول فقوله تعالى : ( @QUR@010 إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى ~~نوح والنبيين من بعده ) (1)، وذلك يدل على أنه تعبده بأصول شرع كافة ~~الأنبياء فيكون أفضل منهم ، وقوله تعالى : ( @QUR@02 فبهداهم اقتده ) (2)، ~~أمره بالاقتداء بهدى كل واحد واحد وهذا يدل على أنه أفضل منهم ، ولقوله ~~عليه السلام : «أنا أشرف البشر» (3). ### |||| ** مسألة : الطريق الى معرفة شرعه إما التواتر أو الآحاد. # أما الأول ، ففي أصوله وذلك أنه صلى الله عليه وآله بقي في الدنيا الى حيث ~~انتشرت دعوته وظهر أمره وذاع شرعه الى أن وصل الى أهل التواتر ، ثم لم يزل ~~المسلمون يتناقلونه متواترا من طبقة الى طبقة الى زماننا هذا. # وأما الثاني ففي تفاريعه. ms221 ### |||| ** مسألة : التكليف قسمان أمر ونهي ، والأمر قسمان أمر وجوب وأمر ندب ، فالواجب إنما ~~وجب لكونه لطفا في التكليف العقلي على معنى أنه متى فعل التكليف السمعي كان ~~أقرب الى أن يؤدي التكليف العقلي ، وقد أشار الله تعالى الى ذلك في PageV01P434 # قوله : ( @QUR@06 إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) (1)، وفي قوله : ~~( @QUR@011 كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ) (2) ~~، وفي قوله : ( @QUR@011 إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء ~~في الخمر والميسر ) (3)، فالواجبات الشرعية مصالح في العقليات والقبائح ~~الشرعية مفاسد فيها والمندوب كالتتمة للواجبات الشرعية بمعنى أن عندها يكون ~~الواجبات ادعى الى العقليات. # وقال بعض المعتزلة : إن الشرعيات إنما وجبت شكرا لله تعالى على نعمه ~~والمقبحات كفران النعمة (4). # واعترض عليهم بأن الشكر هو طمأنينة النفس على تعظيم المنعم لنعمه ، وفي ~~العرف هو الاعتراف بنعمة المنعم على ضرب من التعظيم ، وليست الصلاة واحدا ~~منهما وإن كانت كاشفة ودليلا عليهما ، ولأن الشرعيات يتطرق إليها (5) النسخ ~~والانقطاع بخلاف الشكر. # وهذا الفعل وإن كان قد سبق بعضه ، لكنه اشتمل على فائدة لم نذكرها ثم. PageV01P435 ### | المنهج الثامن ### | في الإمامة ### ||| * وفيه مباحث PageV01P437 ### | الأول # وهي رئاسة عامة في الدين والدنيا لشخص من الأشخاص ، واختلف الناس في ~~وجوبها. # فذهب إليه جمهور المسلمين ، ونازع في ذلك الأصم والهشام الفوطي وبعض ~~الخوارج (1)، الا ان الأصم الخوارج ذهبوا الى ان نصب الإمام غير واجب اذا ~~تناصف الناس وتعادلوا ، وأما هشام فإنه قال : إنه غير واجب إذا لم ~~يتناصفوا. # والقائلون بالوجوب ، منهم من أوجبها عقلا وهو مذهب الإمامية والجاحظ ~~والكعبي وأبي الحسين البصري وجماعة من المعتزلة ، ومنهم من أوجبها سمعا وهم ~~جمهور المعتزلة والأشاعرة ، والقائلون بوجوبها عقلا منهم من أوجبها على ~~الله تعالى وهم الإمامية ، ومنهم من أوجب على الخلق وهم الجاحظ وأبو الحسين ~~البصري والكعبي. # والدليل على وجوبها مطلقا أن الإمامة لطف وكل لطف واجب ، أما الصغرى ~~فضرورية ، فإن الناس متى كان لهم رئيس قاهر اليد ينصف الناس ويردع الظالم ، ~~كانوا الى الصلاح أقرب ومن الفساد أبعد ، وأما الكبرى فقد ms222 بينت (2) فيما # ولنا في عقيدة الخوارج في الامامة بحث عريض ذكرناه في كتابنا المطبوع ~~بالفارسية : خوارج در تاريخ ص 260 فبعد. PageV01P439 # سلف ، وهذا كما هو دليل على الوجوب فهو دليل على الوجوب العقلي على الله تعالى. # فان قيل (1): لا نسلم أن الامامة لطف عقلي ، بل لطف سمعي ، فلا يجب عقلا ~~، سلمنا ولكن لطف يقوم غيره مقامه او لطف لا يقوم غيره مقامه وعلى ذلك ~~التقدير لا يتعين الإمامة للوجوب ، سلمنا لكن وجوب الإمامة لا يكفي فيه وجه ~~المصلحة ما لم يعلم فيه انتفاء جهات القبح بأسرها ، فلم لا يجوز أن تكون ~~الإمامة قد اشتملت على نوع مفسدة لا نعلمه؟ فلا يصح الحكم بالوجوب. # لا يقال : إنا نعلم فيه وجه قبح فيجب نفيه ، ولأن هذا آت في معرفة الله ~~تعالى فيلزم الحكم بعدم وجوبها. # لأنا نقول : قد بينا ضعف الاستدلال بعدم العلم على العدم. # وأما المعرفة فالفرق إنا إنما نحكم بوجوبها علينا وهو يكفي في (2) بيان ~~وجه الوجوب وإن جوزنا فيه اشتماله على المفسدة ، أما الإمامة فلما ~~أوجبتموها على الله تعالى لم يصح ذلك الا بعد أن يبينوا اشتمالها على عدم ~~المفاسد. # ثم إنا نذكر وجه المفسدة ، وذلك من وجوه : # الأول : أن في نصب الإمام إثارة الفتن وقيام الحروب كما في زمن علي ~~عليه السلام والحسن والحسين عليهما السلام . # الثاني : أن مع وجود الإمام يخاف المكلف فيفعل الطاعة ويترك القبيح للخوف ~~منه ، وذلك يوجب أن لا يترك المكلف القبيح لقبحه ولا يفعل الطاعة لحسنها بل ~~للخوف وذلك من أعظم المفاسد. PageV01P440 ### |||| ** الثالث : فعل الطاعة وترك المعصية عند فقدان الإمام أشد منهما عند وجوده ، فيكفي ~~الثواب عليهما في حالة فقده أكثر منه حالة وجوده ، وذلك فساد عظيم. # سلمنا أن الإمامة لطف لكن لا نسلم أنها دائما كذلك ، فإنه قد يكون في بعض ~~الأزمنة من يستنكف من اتباع غيره ، فيكون نصب الإمام في ذلك الوقت قبيحا. # سلمنا لكن هاهنا لطف آخر فلا يتعين الإمامة للوجوب ، وبيانه أن الإمام ~~معصوم ، فعصمته إن كانت لإمام آخر ms223 تسلسل ، وإن كانت لا لإمام آخر فقد ثبت ~~المطلوب ، لأن امتناع الإمام من المعصية وترك الواجب لا يتوقف على الإمام ~~بل له لطف آخر. # لا يقال : إنا نعلم بالضرورة أن القوم الذين لا يكونون معصومين ينزجرون ~~عن القبائح أتم عند وجود الإمام. # لأنا نقول : جاز أن يكون في بعض الأزمنة القوم بأسرهم معصومين فيه ، فلا ~~يكون نصب الإمام هناك واجبا ، ولأنكم حينئذ تجعلون العصمة قائمة مقام ~~الإمام في ذلك الوقت فجاز في كل وقت فلا يتعين وقت من الأوقات لوجوب نصب ~~الإمام على التعيين ، ولأنه جاز أن يكون غير العصمة سببا في الامتناع عن ~~الإقدام على المعاصي. # سلمنا لكن هاهنا ما يدل على أنها ليست لطفا ، وذلك لأنها إما أن يكون ~~لطفا في أفعال الجوارح أو في أفعال القلوب ، والقسمان باطلان. # اما الاول فعلى قسمين ، وذلك أن القبائح منها ما يدل العقل عليها ومنها ~~ما يدل السمع عليها ، فإن جعلتم الإمام لطفا في الشرعيات لم يلزم وجوبه ~~مطلقا ، لأن الشرع لا يجب في كل زمان ووجوب اللطف تابع لوجوب الملطوف فيه ، ~~وان جعلتموه لطفا في العقليات ، فنقول : القبائح العقلية إن تركت لوجه وجوب تركها PageV01P441 # كان ذلك مصلحة دينية ، وإن تركت لا لذلك كان مصلحة دنيوية ، لأن في ترك ~~الظلم والكذب مصلحة دنيوية ، ضرورة اشتماله على مصلحة النظام ، لكن معنى ~~ترك القبيح لقبحه هو أن الداعي الى ترك الظلم هو كونه ظلما وذلك من صفات ~~القلوب. # فإن جعلنا الإمام لطفا في ترك القبيح سواء كان لوجه قبحه او لا لوجه قبحه ~~كان ذلك الترك مصلحة دنيوية ، فيكون الإمام لطفا في المصالح الدنيوية ، ~~وذلك غير واجب بالاتفاق على الله تعالى. # وإن جعلناه في ترك القبيح لوجه قبحه ، فقد جعلنا الإمام لطفا في صفات ~~القلوب لا في أفعال الجوارح ، وذلك باطل ، لأن الإمام لا اطلاع له على ~~البواطن. # لا يقال : يحصل بسبب الإمام القاهر مواظبة الناس على فعل الواجبات ~~العقلية من أفعال الجوارح ، وذلك يفيد استعدادا تاما لخلوص الداعي في أن ~~ذلك الفعل ms224 يفعل لوجه وجوبه ويترك لوجه قبحه وذلك مصلحة دينية. # لأنا نقول : هذا يقتضي وجوب اللطف في المصالح الدنيوية على الله تعالى ، ~~لأن على ذلك التقدير تكون المصالح الدنيوية والمواظبة عليها سببا لرعاية ~~المصالح الدينية وذلك غير واجب اتفاقا. # سلمنا لكن متى يكون الإمام من المصالح الدينية إذا كان ظاهرا نافذ الحكم ~~أو اذا لم يكن ، وذلك لان الامام انما يفيد الانزجار عن القبائح والإقدام ~~على الطاعات إذا كان قاهر اليد ، أما إذا لم يكن فلا ، لكنكم لا توجبون ذلك ~~فيما هو لطف غير واجب ، وما يوجبونه فغير لطف. # سلمنا لكن ينتقض ما ذكرتموه بالقضاة والأمراء ، فإنهم إذا كانوا معصومين ~~كان الناس أقرب الى الطاعة وأبعد من المعصية ، وذلك يقتضي كون عصمة هؤلاء ~~لطفا ، فإن وجبت لزم خلاف مذهبكم وإلا انتقض دليلكم ، لكن لا نسلم ان اللطف ~~واجب ، وقد تقدم. PageV01P442 # سلمنا ان اللطف واجب ، لكن ليس كل لطف ، بيانه أن فاعل اللطف له ثلاثة ~~أحوال : # أحدها : أن يعلم أن الملطوف له يفعل الملطوف فيه. # وثانيها : أن لا يعلم أنه لا يفعله. # وثالثها : أن يعلم أنه لا يفعله ، ففي الأول والثاني نسلم أنه يجب فعل ~~اللطف ، وأما الثالث فلا نسلم أنه يجب فيه فعل اللطف ، والله تعالى لا بد ~~وان يكون عالما ، إما بالفعل فيجب اللطف ، واما بعدمه فلا يجب. # واذا كان كذلك فلا يجب على الله تعالى نصب الإمام إلا إذا علم انتفاع ~~المكلف به ، وذلك غير معلوم ، لاحتمال أن يعلم الله تعالى في بعض الأزمنة ~~أن الإمام ليس في حقهم لطفا محصلا وإن كان لطفا مقربا فلا يجب فيه نصب ~~الإمام. # ثم كل زمان يحتمل ذلك فلا يصح الحكم بالوجوب على الله تعالى في شيء من ~~الأزمنة. # سلمنا لكن متى يجب اللطف إذا كان ممكنا أو إذا لم يكن ، وإذا كان كذلك ~~فيحتمل أن يكون نصب الإمام في بعض الأزمنة غير مقدور له تعالى فلا يكون واجبا. # وبيان هذا الاحتمال أن الله تعالى قد يعلم في بعض الأزمنة أن كل ms225 من خلقه ~~فيه فإنه يكفر أو يفسق ، فلا يكون في ذلك الزمان خلق المعصوم مقدورا له ، ~~وهذا يحتمل في كل زمان. # لا يقال : لو لم يمكن خلق المعصوم في ذلك الزمان لبطل التكليف ، بخلاف ~~الكافر فإنه لا لطف له في الحال والمآل ، فلما استحال ذلك مطلقا لا جرم لم ~~يتوقف عليه التكليف ، أما اللطف الحاصل من الإمام فهو وإن لم يكن مقدورا في ~~الحال لكنه يمكن في المستقبل فلا جرم يقبح التكليف في المآل بدون الإمام. PageV01P443 # لأنا نقول : كما أن الكافر لما لم يكن لطفه مقدورا أصلا وحسن التكليف ، ~~فكذلك لم لا يجوز أن يقال : المعصوم في هذا اليوم لما لم يكن مقدورا لا جرم ~~لم يتوقف عليه التكليف؟ # والجواب (1): قد بينا أن الإمامة لطف عقلي ، قوله : لم لا يقوم غيرها ~~مقامها؟ قلنا : لاتفاق العقلاء في جميع المواطن على اختلاف طبقاتهم في ~~الأزمنة على الاتفاق على نصب الرؤساء لأجل رفع فسادهم ، ولو كان هناك طريق ~~آخر أو بدل التجئوا إليه. # قوله : لم لا يجوز اشتمالها على نوع من المفسدة؟ قلنا : لأن المفاسد ~~محصورة لنا معلومة لكوننا مكلفين باجتنابها وتلك منفية (2) عن الإمامة وقد ~~تقدم هذا ، وهذا السؤال غير مسموع من ابي الحسين وأصحابه لوروده عليهم. # وما ذكروه من الفساد (3) فمندفع : # اما الأول ، فلأنا نقول : لم لا يجوز أن يكون لو لا إمامة علي عليه السلام ~~والحسن والحسين عليهما السلام لظهر من الفتن ما هو أشد من ذلك؟ سلمنا لكن ~~اللطف لا يجب مع ارتفاع المفاسد في كل زمان بل في الأكثر. # وأما الثاني ، فلأن ذلك يقتضي قبح الإمامة مطلقا ، سواء وجبت بالعقل او ~~من الله ، وذلك باطل اتفاقا. # ثم إنا نقول : المكلف إما مطيع وإما عاص ، ووجه اللطف في الأول تقويته ~~على فعل الطاعة ، وأما الثاني فلا نسلم أن ترك المعصية منه لا لكونها معصية ~~قبيح ، بل القبح هو ذلك الاعتقاد وهو كون الترك لا لكونها معصية ، ووجه ~~اللطف فيه PageV01P444 # حصول الاستعداد الشديد بسبب التكرير والتذكير الموجب لفعل الطاعة لكونها ms226 ~~طاعة ولترك المعصية لكونها معصية. # وأما الثالث ، فلأنه وارد في كل لطف مع انا قد بينا وجوبه فيما سلف ، ~~وأيضا فلا نسلم جواز ترك اللطف سواء زاد الثواب به او لم يزد ، وهذا مذهب ~~أبو علي ، ثم انه يلزم من ذلك قبح كل لطف ، وأيضا يلزم منه على تقدير ~~الوجوب على الله تعالى. # قوله : إنه قد يتفق في بعض الأزمنة من يستنكف عن طاعة الإمام فلا يكون ~~لطفا حينئذ ، قلنا : لا نسلم اتفاق أهل زمان ما من الأزمنة التي وقع ~~التكليف فيها على ذلك. # نعم قد يكون البعض بهذه المثابة ، لكن البعض لو نظر إليه لكانت بعثة ~~الأنبياء قبيحة لاستنكاف البعض منها. # وأيضا فإن هذا إنما يكون بالنسبة الى شخص معين ، أما مطلق الرئيس فلا ، ~~ونحن الآن لم نتعرض لتعيين ذلك الرئيس. # وأيضا فلأن المفسدة الحاصلة عند عدمه أغلب منها عند وجوده ، فيجب وجوده ~~نظرا الى حكمته تعالى. # قوله : العصمة لطف آخر فلا يتعين الإمامة للوجوب ، قلنا : الإمام لا شك ~~في كونه لطفا بالنسبة الى غير المعصومين مع بقاء التكليف فيكون حينئذ واجبا ~~، أما إذا فقد أحد الشرطين وهو جواز الخطأ على المكلفين أو التكليف لم نقل ~~بالوجوب حينئذ ، وذلك لا يضرنا. # لا يقال : مذهبكم وجوب الامامة مع التكليف مطلقا. # لأنا نقول : لا نسلم ، بل مع شرط آخر وهو جواز الخطأ. # قوله : الامامة إما لطف في أفعال الجوارح أو في أفعال القلوب ، قلنا : إنها PageV01P445 # مصلحة فيهما والشرع لا يسلم جواز انقطاعه مع بقاء التكليف ، وهذا المنع ~~يتأتى من القائل بعد جواز انفكاك التكليف العقلي عن السمعي. # سلمنا لكن ترك الظلم ليس مصلحة دنيوية لا غير ، بل هو مصلحة دينية ~~ودنيوية ، لأن الإخلال به من التكليف العقلي والسمعي. # سلمنا لكن يكون لطفا في أفعال القلوب ، فإن ترك القبيح لأجل الإمام ~~ابتداء مما يؤثر الاستعداد التام لتركه لقبحه. # قوله : الإمام إنما يكون لطفا إذا كان ظاهرا ، قلنا : ممنوع ، فإنه مع ~~غيبته يجوز المكلف ظهوره كل لحظة فيمتنع من الإقدام على المعاصي وذلك ms227 يكون لطفا. # لا يقال : تصرف الإمام إن كان شرطا في كونه لطفا وجب على الله تعالى فعله ~~وتمكينه ، والا فلا لطف. # لأنا نقول : إن تصرفه لا بد منه في كونه لطفا ، ولا نسلم أنه يجب عليه ~~تعالى تمكينه ، لأن اللطف إنما يجب إذا لم يناف التكليف ، وخلق الله تعالى ~~الأعوان للإمام ينافي التكليف ، وإنما لطف الامامة يحصل ويتم بأمور : # منها : خلق الإمام وتمكينه بالقدر والعلوم والنص عليه باسمه ونسبه ، وهذا ~~يجب عليه تعالى ، وقد فعله. # ومنها : تحمله للإمامة وقبوله ، وهذا يجب على الإمام وقد فعله. # ومنها : النصرة للامام (1) والذب عنه وامتثال أوامره وقبول قوله ، وهذا ~~يجب على الرعية. # قوله : كون القضاة والأمراء معصومين لطف ، قلنا : ممنوع ، ولأن هذا لا ~~يرد على كون الإمام لطفا ، بل يرد على كون اللطف واجبا فهو وارد على ~~المعتزلة. # وأيضا ، فهذا لا يرد علينا ، لانا لم نثبت عصمة الإمام بكونها لطفا ، بل PageV01P446 # أثبتناها بلزوم التسلسل على ما يأتي. # قوله : لم لا يجوز أن يكون بعض الأزمنة يعلم الله تعالى عدم الانتفاع ~~بالإمام فيه فلا يكون نصبه واجبا ، قلنا : اللطف قد يكون محصلا وقد يكون ~~مقربا ، الأول واجب على ما مر وكذلك الثاني أيضا ، والفائدة فيه ازاحة عذر ~~المكلف ، ولا شك في أن الامام لطف مقرب في كل وقت فيكون نصبه واجبا دائما. # سلمنا ، لكن لا شك في أن الإمام يكون لطفا محصلا بالنسبة الى بعض ~~المكلفين قطعا ، واتفاق الجميع على عدم الانتفاع به مما يمتنع حصوله. # قوله : لم لا يجوز أن يكون في بعض الأزمنة خلق المعصوم تميز مقدور؟ قلنا ~~: لو كان الأمر كذلك يسقط التكليف ، لأن التكليف مع فوت اللطف إذا كان ~~الفوات من غير المكلف قبيح ، والله تعالى لا يفعل القبيح (1). PageV01P447 ### | البحث الثاني ### | في أن الإمام يجب أن يكون معصوما # اختلف الناس في ذلك ، فذهبت الإمامية والإسماعيلية إليه ، ونفاه الباقي ، ~~لنا وجوه: ### |||| ** الأول : أنه لو لم يكن معصوما لزم التسلسل ، والتالي باطل فالمقدم مثله. # بيان الشرطية أن الإمام إنما وجب نصبه لأجل الخطأ ms228 الجائز على المكلفين ، ~~فلو جاز عليه الخطأ لافتقر الى إمام آخر وتسلسل. # فان قيل : لم لا يجوز أن يكون خوف الإمام من العزل سببا موجبا لامتناع ~~إقدامه على الخطأ. # سلمنا لكن ينتقض ما ذكرتم بالنائب له اذا كان في المشرق والإمام في ~~المغرب ، فإنه غير معصوم ولا يخاف سطوته. # سلمنا لكن الإمامة عبارة عن مجموع أمرين : أحدها ثبوتي وهو نفوذ حكمه على ~~غيره ، والثاني سلبي وهو انتفاء نفوذ حكم الغير عليه ، فلو افتقرت الإمامة ~~الى العصمة لكان ذلك إما للأول أو للثاني أو للمجموع ، والكل باطل بالنائب ~~المذكور ، فإنه لا ينفذ حكم أحد عليه غير الإمام ، والإمام في تلك الحال لا ~~ينفذ حكمه عليه. # وأيضا لأنه يستدعي علم الإمام بالغيب وقدرته على الاختراع وهو نافذ الحكم ~~على غيره ، فقد تحقق فيه كل واحد من الوصفين ، مع أن العصمة غير معتبرة فيه ~~، فبطل اشتراط العصمة في الإمامة. # والجواب عن الأول ، أن من عرف العوائد علم بالضرورة عجز الأمة PageV01P448 # عن (1) عزل آحاد الولاة فكيف بالرئيس المطلق. # وعن الثاني ، أن النائب يخاف من العزل في مستقل الوقت فكان ذلك لطفا ~~بخلاف الإمام. # سؤال : فليكن خوف الإمام من عقاب الآخرة لطفا له. # جواب : الإمام يشارك غيره في الخوف ، ولما لم يكن ذلك مغنيا عن الإمام ~~لهم فكذلك له ، ولأن رغبة الناس في الدنيا أكثر تقريبا من فعل الطاعة وترك ~~المعصية من الآخرة. # وعن الثالث ، لمنع الحصر ، وأيضا فلم لا يجوز أن يكون الفرق أن الإمام ~~حاكم على كل المسلمين فوجب عصمته ، بخلاف النائب. # وأيضا فلم لا يكون العصمة لأجل حكم غيره عليه بخلاف النائب ، فإن الإمام ~~يحكم عليه فى الحال او فيما بعد. ### |||| ** الثاني : أن الإمام حافظ للشرع فيكون معصوما ، أما الصغرى فلأن الحافظ له ليس هو ~~الكتاب لوقوع النزاع فيه ولعدم إحاطته بجميع الأحكام وليس هو السنة للوجهين ~~السابقين (2)، ولأن المسلمين اتفقوا على أنها ليست الحافظ للشرع ، ولأنها ~~متناهية والحوادث غير متناهية. # وليس هو الإجماع ، لجواز الخطأ عليهم إذا خلوا من الإمام ، لأن ms229 كل واحد ~~يجوز كذبه فالمجموع كذلك ، ولأن الإجماع إنما يحصل في قليل من المسائل ، ~~ولأن الإجماع إنما يثبت كونه حجة بالسمع اذا ثبت كون النقلة معصومين ، ~~وإنما يثبت ذلك بالسمع لأنا لو علمناه بالعقل لكان إجماع النصارى حجة ، ~~والسمع يتطرق PageV01P449 # إليه النسخ والتخصيص فلا بد من معرفة الناسخ (1) والمخصص ، ولا طريق الى ~~ذلك سوى أنه لو كان لنقل ، وإنما يتم هذا إذا علمنا أن الأمة لا يخل بنقل ~~الشرائع ، وإنما يكون كذلك لو عرفنا كونهم معصومين ، وهذا دور ظاهر. # وليس هو القياس ، لأنه ليس حجة في نفسه لافادته (2) الظن الضعيف ، ولأنه ~~لا بد له من أصل منصوص عليه فلا يكون بانفراده حافظا ، ولأن أحدا لم يقل بذلك. # وليس هو البراءة الأصلية والا لما وجبت بعثة الأنبياء ، بل كان يكتفى ~~بالعقل وذلك باطل. # وليس هو المجموع ، لأن الكتاب والسنة قد وقع التنازع فيهما وفي معناهما ، ~~فلا يجوز أن يكون المجموع حافظا ، لأنهما من جملة ذلك المجموع ، وهما قد ~~اشتملا على بعض الشرع ، واذا كان واحد من المجموع قد تضمن بعض الشرع وبطل ~~كونه دليلا على ما تضمنه ذلك البعض الذي تضمنه ذلك الفرد من جملة الشرع ، ~~فقد صار بعض الشرع غير محفوظ ، فلا يكون المجموع محفوظا ، فلم يبق الا ~~الإمام الذي هو بعض الأمة المعصوم ، لأنه لو لم يكن معصوما لتطرقت إليه ~~الزيادة والنقصان فلا يكون محفوظا. ### |||| ** الثالث : إذا صدر عنه الذنب ، فإما أن يتبع وهو باطل قطعا والا لم يكن ذنبا لقوله ~~تعالى : ( @QUR@05 ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) (3)، وإما أن لا يتبع ~~فلا يكون قوله مقبولا فلا يكون فيه فائدة. ### |||| ** الرابع : إن كان نصب الإمام واجبا على الله تعالى استحال صدور الذنب PageV01P450 # منه ، لكن المقدم حق على ما تقدم فالتالي مثله. # بيان الشرطية أنه لو صدر عنه الذنب لجوزنا الخطأ في جميع الأحكام التي ~~يأمرنا بها ، وذلك مفسدة عظيمة ، والله تعالى حكيم لا يجوز عليه المفسدة. ### |||| ** الخامس : قوله تعالى : ( @QUR@04 لا ينال عهدي الظالمين ) (1)، أشار بذلك الى عهد ~~الإمامة ، والفاسق ظالم ms230 (2). PageV01P451 ### | البحث الثالث ### | في أن الإمام يجب أن يكون منصوصا عليه # هذا اتفاق الامامية ، خلافا لباقي المسلمين ، والزيدية جعلوا طريق التعين ~~إما النص او القيام والدعاء الى نفسه ، وذهبت العباسية الى أن طريقه النص ~~والإرث ، وباقي الجمهور قالوا : إنه النص والاختيار (1). # لنا أن الإمام يجب أن يكون معصوما ، فيجب أن يكون منصوصا عليه ، اما ~~الصغرى فلما تقدم ، وأما الكبرى فلأن العصمة أمر خفي لا يطلع أحد الا الله ~~تعالى ، فلا طريق الى التعيين سوى النص. # لا يقال : لا نسلم أنه لا طريق الا النص ، فلم لا يجوز أن يكون الله ~~تعالى يفوض التعيين الى اختيار الناس لعلمه بانهم لا يختارون الا المعصوم ، ~~أو لم لا يجوز أن يكون الطريق الدعاء ، ويكون الله تعالى قد علم أنه لا ~~يدعو الى نفسه الا معصوم؟ # لأنا نقول : إما أن يفوض الله تعالى الاختيار الى الأمة مع علمهم بأنهم ~~لا يختارون إلا المعصوم أو بدون ذلك ، والأول هو المطلوب ، لأنه يصير ~~منصوصا عليه ، والثاني باطل ، لأنه ناقض لغرض الإمامة ، لأن المطلوب إنما ~~هو الانقياد الى أوامر المعصوم ، فإذا جوزوا فيمن يختارونه ألا يكون معصوما ~~جوزوا فيه أن لا يكون إماما ، وذلك يمنعهم من الامتثال لأمره. PageV01P452 # وهذا بعينه جواب عن الدعاء الى نفسه ، ولأنا لو جوزنا ذلك لجوزنا أن يفوض ~~الله تعالى تعيين الأنبياء الى اختيار المكلفين ، والتالي باطل فالمقدم مثله. # لا يقال : لو نص الله تعالى على إمام معين لاشتهر ، والتالي باطل ~~فالمقدم. # لانا نقول : لا نسلم عدم الاشتهار ، فإن الإمامية مع كثرتها وتفرقها في ~~المواطن (1) وانتشارهم في أقطار الأرض ينقلون بالتواتر النص على أمير ~~المؤمنين عليه السلام ، ولأن الناس بعد رسول الله عليه السلام انقسموا الى ~~متبوعين واتباع ، والمتبوعون متعصبين على أمير المؤمنين عليه السلام لحسدهم ~~له ، فإن فضائله أكثر من فضائلهم بل لا نسبة لهم إليه البتة. # وأما التابعون فإنهم لما رأوا من أفاضلهم إخفاء هذا النص والتأويل له ~~وسمعوه حسبوا أنه دال على التفضيل وقرب المنزلة لا على الإمامة. PageV01P453 ### | البحث الرابع ### | في ms231 أن الإمام يجب أن يكون أفضل من رعيته # اتفقت الإمامية على ذلك ، ووافقهم على ذلك بعض المعتزلة ، وخالفهم ~~الأشاعرة والباقي من المعتزلة. # لنا لو لم يكن أفضل لكان إما مساويا او أنقص ، والأول باطل لعدم الاولوية ~~، فإنه ليس أحدهما أولى بالإمامة من الآخر ، والثاني كذلك ، فإنه يقبح عقلا ~~تقديم المفضول على الفاضل فيما وقع فيه التفاضل. # لا يقال : إنما يقبح ذلك إذا لم يكن في تقديم الفاضل نوع مفسدة ، اما اذا ~~اشتمل عليها فلا. # لأنا نقول : العقل قاض بالقبح مطلقا ، فإن الكذب مثلا يقبح مطلقا سواء ~~اشتمل على نفع أولا ، وأيضا زوال المفسدة بتولية المفضول بوجه من وجوه ~~الحسن ، ولا شك في أن وجه الحسن لا يقتضي الحسن الا اذا انتفت عن الفعل ~~وجوه القبح ، وهاهنا ليس كذلك ، فإن تقديم المفضول وجه قبح لا ينفك عنه. # واعلم أن هذا ليس حكما عقليا لم يساعد عليه النقل ، بل القرآن قد دل على ~~ذلك أيضا في قوله تعالى : ( @QUR@017 أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن ~~لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون ) (1)، وهذا دليل قاطع على هذا ~~المطلوب. PageV01P454 ### | البحث الخامس ### | في اختلاف الناس في الائمة # اختلف الناس في الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فذهبت ~~الإمامية والكيسانية والزيدية والغلاة الى أن الإمام بعد رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم هو علي عليه السلام . # وخالفهم في ذلك جمهور السنة والصالحية من الزيدية ، فإنهم ذهبوا الى أن ~~الإمام هو أبو بكر (1). # وقالت طائفة أخرى من الجمهور : هو العباس (2). # أما الإمامية فقالوا : إن الإمامة بعد علي عليه السلام لابنه الحسن ، ثم ~~من بعده للحسين الشهيد ، ثم من بعده لابنه علي بن الحسين زين العابدين ، ثم ~~لابنه محمد الباقر ، ثم لابنه جعفر الصادق ، ثم لابنه موسى الكاظم ، ثم ~~لابنه علي الرضا ، ثم لابنه محمد الجواد التقي ، ثم لابنه علي الهادي النقي ~~، ثم لابنه الحسن الزكي العسكري ، ثم لابنه القائم المنتظر صلوات الله عليهم. # زعمت السبائية أصحاب عبد الله بن ms232 سبأ أنه لم يمت ، فإنه في السماء ، وإن PageV01P455 # الرعد المسموع صوته ، والبرق المشاهد سوطه. # والكاملية أصحاب أبي كامل معاذ بن الحسن النبهاني زعموا أن الصحابة كفرة ~~، لمخالفتها لعلي عليه السلام ، وأن عليا عليه السلام كافر لترك القتال معهم. # والقائلون بموته عليه السلام افترقوا ، فالامامية ساقوها بعده الى ولده ~~الحسن عليه السلام ، والكيسانية أصحاب مولى لأمير المؤمنين عليه السلام يسمى ~~كيسان اعتقدوا فيه الوصول الى علم التأويل والباطن والآفاق والأنفس عن ابن ~~الحنفية ، واختلفوا ، فبعضهم ذهبوا أن الإمام بعد علي عليه السلام ولده محمد ~~بن الحنفية ، ونقل عنهم اختلاطات كثيرة من رفض الشرائع والإلحاد في الدين ~~بالقول بالحلول والتناسخ وإنكار القيامة ، وآخرون منهم أثبتوا إمامته بعد ~~قتل الحسين عليه السلام . # ثم اختلفوا في موته ، فذهب بعضهم الى أنه حي بجبل رضوى ويعود بعد الغيبة ~~وأنه هو المهدي المنتظر ، وكان هذا مذهب السيد (1) الحميري ثم رجع عن ذلك ~~الى مذهب الإمامية. # وذهب آخرون الى أنه مات ، ثم اختلفوا بعد موته ، فقال بعضهم : إن الإمام ~~هو زين العابدين عليه السلام ، وساقها آخرون الى أبي هاشم عبد الله بن محمد ~~بن الحنفية وهم الأكثر. # ثم اختلفوا بعد موت ابي هاشم ، فذهب بعضهم الى أن الإمام بعده زين ~~العابدين ، وقال آخرون انه أوصى بالإمامة الى علي بن عبد الله بن عباس ، ~~واوصى علي الى ابنه محمد ، واوصى محمد الى ابنه ابراهيم المقتول بحران. # ومنهم من قال : إن أبا هاشم أوصى الى ابن أخيه الحسن علي بن محمد بن PageV01P456 # الحنفية ، واوصى الحسن الى ابنه علي ، فهلك ولم يوص ، فرجعوا عنه وقفوا ~~على ابن الحنفية. # ومنهم من قال : بل اوصى الى بيان (1) بن سمعان الهندي ، ومنهم من قال : ~~بل اوصى الى عبد الله بن عمر بن حرب الكندي ، ومنهم من قال : بل أوصى الى ~~عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن ابي طالب. # وأما القائلون بأن الإمام بعد علي عليه السلام ولده الحسن الزكي ~~عليه السلام ، اختلفوا بعد موته ، فمنهم من ساقها الى ولده ms233 الحسين الملقب ~~بالرضا من آل محمد ، ومنهم ساقها الى ولده عبد الله ، ثم الى ولده محمد وهو ~~النفس الزكية ، ثم الى اخيه ابراهيم. # والأكثرون ساقوها الى اخيه الحسين عليه السلام ، ثم اختلفوا بعد قتله ~~عليه السلام ، فبعض الكيسانية ساقها الى محمد بن الحنفية ، وآخرون ساقوها ~~الى ولده زين العابدين عليه السلام ، والزيدية ساقوها زيد بن علي بن زين ~~العابدين. # وشرائط الإمامة عندهم خمسة : ### |||| ** أولها : أن يكون من ولد الحسن والحسين. ### |||| ** الثاني : أن يكون شجاعا لئلا يهرب عن الحرب. ### |||| ** الثالث : أن يكون عالما يفتي الناس. ### |||| ** الرابع : أن يكون ورعا لئلا يتلف مال بيت المال. ### |||| ** الخامس : أن يدعو ويشهر سيفه. # وكان الإمام عندهم عليا عليه السلام بالنص الخفي ، ثم الحسن ، ثم الحسين ~~بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا ~~(2) يعني سواء خرجا او لم يخرجا ، ولم يكن زين العابدين عليه السلام عندهم إماما PageV01P457 # لأنه لم يخرج وكان زيد ولده إماما. ### ||| ** وهم ثلاث فرق : ### |||| ** الأولى : الجارودية أصحاب ابي الجارود بن زياد بن منقذ العبدي ، قال : إن النبي ~~عليه السلام نص على علي عليه السلام بالوصف دون التسمية. ### |||| ** الثانية : السلمانية أصحاب سلمان بن جرير ، قالوا : إن البيعة طريق الإمامة ، ~~واعترفوا بإمامة أبي بكر وعمر بالبيعة اجتهادا ، ثم إنهم تارة يصوبون ذلك ~~الاجتهاد ، وتارة يخطئونه ، وقالوا : بكفر عثمان وعائشة وطلحة والزبير ~~ومعاوية لقتالهم عليا عليه السلام . ### |||| ** الثالثة : الصالحية أصحاب الحسن صالح (1) بن حي ، كان فقيها وكان يثبت إمامة أبي بكر ~~وعمر ويفضل عليا عليه السلام على ساير الصحابة ، وتوقف في عثمان لما سمع عنه ~~من الفضائل تارة ومن الرذائل أخرى. # والقائلون بإمامة زين العابدين عليه السلام اختلفوا بعد موته : فالامامية ~~ساقوها الى ولده محمد الباقر عليه السلام ، ثم القائلون بإمامة الباقر ~~عليه السلام اختلفوا ، فمنهم من قال : إنه لم يمت ، ومنهم من قال بموته ، ~~وساقوها الى ولده الصادق عليه السلام ، ومنهم من ساقها الى غير ولده. # فذهب بعضهم الى أن الإمام بعد الباقر محمد بن عبد الله بن ms234 الحسن بن الحسن ~~، وهم أصحاب المغيرة بن سعيد ، ومنهم من قال : إنه ابو منصور العجلي. # والقائل بإمامة الصادق عليه السلام ذهب قوم الى أنه لم يمت وهو القائم ، ~~وهؤلاء اختلفوا ، فذهبت الناووسية الى غيبته ، وقال آخرون : إنه لم يغب بل ~~يراه أولياؤه في كل وقت ، وقال آخرون : إنه قد مات ، واختلفوا فذهب بعضهم ~~الى أنه PageV01P458 # لا إمام بعده وأنه سيرجع وهم الناووسية ، وآخرون قالوا : إن الامام بعده ~~موسى الكاظم عليه السلام . # وقالت الفطحية إن الامام بعده عبد الله الافطح ولده ، وقالت الشرطية : إن ~~الامام بعده محمد ولده. # وقالت الاسماعيلية : إن الإمام بعده ولده إسماعيل ، وقالت الفضيلة أصحاب ~~فضيل بن سويد الطحان : إن الإمامة كانت في أولاده الأربعة. # وقال آخرون : إن الإمام بعده موسى بن الحسين الطبري ، زعموا إن الصادق ~~عليه السلام اوصى بها إليه. # والبزيعية قالوا : بزيع بن موسى الحائك ، وقالت الاقمصية اصحاب معاذ (1) ~~بن عمران الأقمص الكوفي : إن الإمام ، هو معاذ وقالت الجعدية أنه أبو جعدة ~~من الكوفة وقالت التيمية ، انه عبد الله بن سعيد التيمي ، واليعقوبية اصحاب ~~يعقوب توقفوا في سوق الامامة الى ولده او غير ولده وجوزوهما. # والقائلون بإمامة الكاظم عليه السلام اختلفوا ، فمنهم من توقف في موته وهم ~~الممطورية ، وقطع آخرون بعدم موته ، والجمهور قطعوا بموته ، فمنهم من ساقها ~~الى ولده احمد بن موسى ، والجمهور ساقوها الى ولده علي الرضا عليه السلام . # والقائلون بإمامة الرضا عليه السلام منهم من لم يقل بإمامة الجواد ~~عليه السلام لصغر سنه ، ومنهم من قال بإمامته وجوز إمامة الصغير لأن الله ~~تعالى يخلق فيه العلم بالدين أصله وفرعه كنبوة عيسى عليه السلام . # واختلفوا بعد موت الجواد عليه السلام ، فمنهم من ساقها الى ولده موسى ، ~~والجمهور قالوا : إن الإمام بعده ولده علي الهادي عليه السلام ، ثم اختلفوا ~~فمنهم من PageV01P459 # زعم أنه حي ، ومنهم من قطع بموته ، ثم اختلفوا فبعضهم ساقها الى ولده ~~جعفر ، والأكثر ساقوها الى ولده الحسن العسكري ، ثم اختلفوا فقال قوم : إنه ~~لم يمت ، وقال آخرون : إنه مات وسيجيء ، وقال ms235 قوم : إنه مات وأوصى بالإمامة ~~الى أخيه جعفر ، وقال قوم : إنه أوصى الى اخيه محمد ، وقال قوم : إنه مات ~~وأوصى بالإمامة الى ولده محمد عليه السلام وهو القائم المنتظر ، وهؤلاء ~~الإمامية. # واعلم أن هذه الاختلافات منقولة عن الشيعة ، وأكثرها لم يوجد بل وجدت في ~~كتب منقولة لا اعتبار بها (1). PageV01P460 ### | البحث السادس ### | في تعيين الأئمة عليهم السلام # الإمام الحق بعد رسول الله عليه السلام علي عليه السلام ، ويدل عليه وجوه : ### |||| ** الأول : أن الإمام إن كان واجب العصمة كان الإمام هو علي عليه السلام والتالي ~~كالمقدم حق. # بيان الشرطية أن أبا بكر والعباس لم يكونا معصومين اتفاقا ، فلو لم يكن ~~علي عليه السلام هو الإمام لخلا الزمان من إمام وهو باطل لما تقدم ، ولأن ~~الناس قائلان : موجب للعصمة وناف لها ، وكل من اعتبرها قال الإمام هو علي ~~عليه السلام ، ومن نفاها قال إنه أبو بكر والعباس ، فلو اعتبر وقلنا بإمامة ~~غير علي عليه السلام كان خرقا للإجماع وهو باطل ، وأما بيان صدق المقدم فقد مضى. ### |||| ** الثاني : النقل المتواتر عن الرسول عليه السلام بالنص الجلي ، فإن الشيعة مع كثرتها ~~وتفرقها في البلاد يتناقلون خلفا عن سلف أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال : يا علي أنت الخليفة من بعدي (1)، سلموا عليه بإمرة المؤمنين واسمعوا ~~له واطيعوا (2). PageV01P461 # لا يقال : لا نسلم تواتر هذه الأحاديث ، فإنها لو كانت متواترة لحصل ~~العلم بها لكل أحد والتالي باطل فكذا المقدم. # لأنا نقول : المتوقفون في هذا الخبر قسمان ، منهم من عاندوا وأخفاه وقال ~~: إنني لم أسمعه ، ومنهم من لم يعاند في ذلك ، وسبب عدم تواتره عندهم حصول ~~الشبهة لهم أولا في نفيه ، فكان ذلك صارفا لهم عن اعتقاد موجبه ، ولهذا شرط ~~السيد المرتضى رحمه الله في خبر التواتر (1) أن لا يكون السامع سبق الى ~~اعتقاده نفي مخبره بشبهة (2) او تقليد. # وأيضا فالناس قائلان : منهم من قال : العلم عقيب التواتر نظري ، ومنهم من ~~قال : إنه ضروري ، ولا شك في أن النظريات لا يجب الاشتراك فيها لوقوع ~~التفاوت ms236 في الناس بالنسبة إليها ، وأما الضروريات فكذلك أيضا ، خصوصا إذا ~~كانت مستندة الى سبب كالإحساس. ### |||| ** الثالث : أن عليا عليه السلام كان أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فيكون هو الإمام. # بيان الصغرى من وجوه : ### |||| ** الأول : أن الفضائل إما علمية أو عملية أما العلمية فيدل على استكماله فيها وجوه: ### |||| ** احدها : أنه عليه السلام كان في غاية الذكاء والفطنة وقوة الحدس شديد الحرص على تعلم ~~العلم واستفادته ، وكان معلمه أعلم الناس وأفضلهم رسول الله ~~صلى الله عليه وآله ، ولا شك في أن القبول إذا تم مع وجود فاعل التام كان الفعل PageV01P462 # التام حاصلا. ### |||| ** وثانيها : ما نقل عنه من أصول التوحيد ومسائل العدل وفتاويه الفقهية بحيث لا يصل أحد ~~الى أقل مراتبه. ### |||| ** وثالثها : انتساب أهل العلم بأسرهم إليه ، فإن الأشاعرة منتسبة الى أبي الحسن الأشعري ~~وقد كان تلميذا لأبي علي الجبائي المعتزلي ، والمعتزلة بأسرهم منتسبون (1) ~~إليه ويدعون أنهم أخذوا أصول اعتقادهم من العدل والتنزيه والتوحيد من كلامه ~~وخطبه عليه السلام . # وأما الأدب ، فقد اتفق العلماء على أنه عليه السلام أصله ومنبعه. # وأما التفسير فلأن المفسرين يستندون (2) أقوالهم الى عبد الله بن عباس ، ~~وهو تلميذ علي عليه السلام ، وأما الفقه فلا شك في ظهور فضله فيه. ### |||| ** ورابعها : قوله عليه السلام : «أقضاكم علي (3)» ، وهذا يدل على الأفضلية ، لأن القضاء ~~يفتقر الى جميع العلوم. ### |||| ** وخامسها : ما نقل عنه عليه السلام من أنه قال : والله لو كسرت لي الوسادة لحكمت بين ~~اهل التوراة بتوراتهم وبين أهل الإنجيل بانجيلهم وبين أهل الزبور بزبورهم ~~وبين اهل الفرقان بفرقانهم (4)، وهذا يدل على كمال معرفته بهذه الشرائع ~~وما يتوقف عليه من المسائل الأصولية. PageV01P463 ### |||| ** وسادسها : الوقائع المنقولة عنه في فتاويه مع خطأ الصحابة دالة على أفضليته ، فإنه قد ~~نقل إن عمر أمر برجم امرأة اتت بولد لستة أشهر فنهاه عنه عليه السلام وتلا ~~عليه قوله تعالى : ( @QUR@04 وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ) (1)، فقال : لو ~~لا علي لهلك عمر (2). # وأمر عمر برجم امراة زنت وهي حامل ، فنهاه وقال : ليس لك على ms237 ما في بطنها ~~سلطان ، فقال : لو لا علي لهلك عمر (3). # ونقل عنه مسائل دقيقة في علم الفقه وغيره عجز عنها الجميع ، وذلك يدل على ~~فضله عليه السلام . ### |||| ** وأما الفضائل العملية ، فإما أن يؤخذ باعتبار الشخص نفسه ، أو باعتبار تكميل غيره. # أما بالاعتبار الأول ، فينظمها أمور : ### |||| ** منها : العبادة ، ولا شك أن عليا عليه السلام كان أعظم الناس عبادة ونسكا والتزاما ~~بالقوانين الشرعية على أشق الوجوه. # حتى أنه نقل عنه عليه السلام إنه إذا أريد اخراج شيء من الحديد من جسده ~~ترك الى دخوله في الصلاة فيلقى متوجها بذاته نحو الله تعالى غافلا عن غيره ~~حتى عن الآلام التي يفعل فيه (4). # ونقل عن زين العابدين عليه السلام : إنه كان يصلي في كل يوم وليلة ألف ~~ركعة ثم يرمي صحيفة علي عليه السلام من يده كالمتضجر ويقول : أني بي بعبادة PageV01P464 # علي (1). # ونقل عنه الجميع وصوله الى الله تعالى وبلوغه الغاية في الرياضة الموجبة ~~للقرب منه. ### |||| ** ومنها : الزهد ، فقد اتفق الناس على بلوغه مرتبة لم يبلغها أحد ممن تقدمه ولا لحقه ~~أحد ممن تأخر عنه ، حتى أنه في زمن ولايته وقدرته وتمكنه لم ينل شيأ من ~~ملاذ الدنيا ولا من طيباتها ، بل كان مأكوله الخشن وملبوسه كذلك وكان يواسي ~~(2) فقراء أمته. ### |||| ** ومنها : الشجاعة ، وقد نقل عنه بالتواتر الوقائع المشهورة [الدالة على كماله منها ~~(3) ] كيوم بدر ويوم أحد ويوم حنين ويوم الأحزاب ، حتى أنه خرج في ذلك ~~اليوم عمرو بن عبد ود فقتله ، وقد وقف عنه المسلمون خوفا منه ، فقال النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم : «لضربة علي أفضل من عبادة الثقلين (4)» ، وغير ذلك ~~من الوقائع المشهورة المنقولة عنه عليه السلام . ### |||| ** ومنها : السخاء ، وهو في ذلك قد بلغ الغاية ، فإنه قد نقل عنه بالتواتر أنه جاد ~~بطعامه ثلاث ليال متواليات وأنزل الله في حقه : ( @QUR@07 ويطعمون الطعام ~~على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ) (5). ### |||| ** ومنها : حسن الخلق ، وهو قد بلغ فيه الغاية حتى نسب الى الدعابة. PageV01P465 ### |||| ** ومنها : فعل الحسن وترك القبيح ، وهو قد بلغ الغاية في ذلك ، فإن ms238 أحسن الأفعال ~~الإيمان بالله وتصديق رسول الله صلى الله عليه وآله ، وهو قد سبق الناس الى ~~ذلك بالاتفاق (1). # وقد نقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : «اولكم ورودا على الحوض ~~أولكم اسلاما علي بن ابي طالب» ، ونقل عنه عليه السلام أنه قال : انا أول من ~~صلى واول من آمن بالله ورسوله ولم يسبقني بالصلاة الا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله ، وروي عنه عليه السلام أنه خطب الناس في ملاء عظيم وقال : ~~أنا الصديق الاكبر وأنا الفاروق الأعظم ، آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر وأسلمت ~~قبل أن يسلم (2)، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة. # وأما باقي الحسنات فقد بينا استكماله فيها. # واما ترك القبائح ، فلم ينقل عنه ناقل فعل قبيح ، بخلاف غيره ، لأنهم ~~أسلموا بعد كفرهم. # واما بالاعتبار الثاني ، فلا شك في أن عليا عليه السلام كان أشد الناس ~~حرصا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله على الإيمان ، وكان يدعو الناس ولم يزل ~~محاربا مع رسول الله صلى الله عليه وآله ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله ينفذه PageV01P466 # بسور من القرآن الى المشركين ويدعوهم الى الإيمان (1). ### |||| ** الثاني (2) ### |||| ** : قوله تعالى : ( @QUR@09 فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم ~~وأنفسنا وأنفسكم ) (3)، اتفق الناس على أن المراد بالنفس هاهنا ، هو علي ~~عليه السلام (4). # ولا يريد اتحاد النفس ، فإن ذلك محال ، بل المراد المساواة مطلقا ، ~~والمساوي للأفضل الذي هو رسول الله صلى الله عليه وآله يكون لا شك أفضل. # وقد يمكن الاستدلال بهذا على ثبوت الولاية مطلقا من غير توسط الأفضلية ~~بأن نقول : إنه مساو لرسول الله صلى الله عليه وآله فثبت الولاية كما يثبت ~~لمساويه. ### |||| ** الثاني (5) ### |||| ** : ما نقل عنه عليه السلام في خبر الطائر نقلا متواترا أنه قال : «اللهم ائتني ~~بأحب خلقك إليك يأكل معي» فجاء علي عليه السلام (6)، والمعني من PageV01P467 # محبة الله تعالى هو إرادة الثواب الزائد له ، وذلك لا يستحق إلا بالعمل ، ~~فيكون عمل علي عليه السلام أكمل من عمل غيره ، فيكون أفضل. ### |||| ** الثالث : المؤاخاة لرسول الله ms239 صلى الله عليه وآله دالة على فضله على باقي الصحابة (1). ### |||| ** الرابع : روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : «من أراد أن ينظر الى آدم في علمه ~~والى يوشع في تقواه والى ابراهيم في حلمه والى عيسى في عبادته فلينظر الى ~~علي بن أبي طالب (2)» ، وهذا دال على مساواته للأنبياء المذكورين ، وقد ~~كانوا هؤلاء أفضل الناس فالمساوي لهم كذلك. ### |||| ** الخامس : روي عن ابن مسعود أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «علي خير ~~البشر فمن أبي فقد كفر (3)». ### |||| ** السادس : روت عائشة أنها قالت : كنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله فأقبل علي ~~عليه السلام فقال رسول الله : «هذا سيد العرب» فقلت : يا رسول الله الست سيد ~~العرب؟ فقال : «أنا سيد العالمين وهذا سيد العرب (4)». ### |||| ** السابع : ما روي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال لفاطمة عليها السلام «إن الله اطلع على ~~اهل الارض اطلاعة فاختار منهم أباك فجعله نبيا ثم اطلع اطلاعة ثانية فاختار ~~منهم بعلك (5)». PageV01P468 ### |||| ** الثامن : روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : «إن أخي ووزيري وخير من أتركه بعدي ~~يقضي ديني وينجز وعدي ، علي ابن ابي طالب (1)» ، وفي هذا دلالة على ~~الامامة من غير توسط ، وهذا الباب واسع قد ذكر أصحابنا المتقدمون فيه أشياء ~~كثيرة في كتبهم المطولة. ### |||| ** وأما الكبرى (2) فقد سلفت من قبح (3) تقديم المفضول على الفاضل. ### |||| ** الرابع (4) ### |||| ** : أنه عليه السلام ظهرت على يده معجزات كثيرة وادعى لنفسه الامامة فيجب أن ~~يكون صادقا. # أما ظهور المعجزات فكثرتها مشهورة ، وهي من وجوه : ### |||| ** أحدها : القوة التي بلغ بها حدا عجز عن لحوقه أشد الناس ، كقلع باب خيبر وقال : ~~والله ما قلعته بقوة جسمانية ولكن بقوة ربانية (5)، ودحوه الصخرة عن فم ~~القليب مسافة بعيدة (6). ### |||| ** وثانيها : أنه نقل عنه كلام الحيتان في فرات الكوفة وسلموا عليه بامرة PageV01P469 # المؤمنين الا الجري والمارماهي والزمار ، فقال عليه السلام : أنطق الله لي ~~ما طهر (1) واصمت عنها ما حرمه ونجسه وبعده (2). ### |||| ** وثالثها : إخباره بالغيوب كقوله : أمرت أن أقاتل الناكثين والقاسطين ms240 والمارقين (3)» ~~وقد حارب أصحاب الجمل ومعاوية والخوارج. # وقال يوم البيعة : يأتيكم من قبل الكوفة ألف رجل لا يزيدون رجلا ولا ~~ينقصون رجلا (4)» ، وكان آخرهم أويس القرني. # وأخبر بقتل ذي الثدية ، وقال عن الخوارج لما عبروا النهر أنه أخبر ~~لمصرعهم ومهراق دمائهم (5). # وأخبر بقتل الحسين عليه السلام وموضع قتله وكيفية محاربة الاعداء له (6)، ~~وقال عن البراء : إن الحسين عليه السلام يقتل ثم لا ينصر. # وأخبر جويريه بن مسهر بمقتله (7). # وقال لميثم : تؤخذ بعدي وتصلب وتطعن بحربة فتبتذر منخراك وفمك دما وتصلب ~~على باب عمرو بن حريث عاشر عشرة أنت أقصرهم خشبه وأقربهم من المطهرة وأراه ~~الخشبة التي يصلب عليها (8). PageV01P470 ### |||| ** ورابعها : إجابة دعائه على بسر بن أرطاة أن يسلبه الله عقله فخولط (1)، ودعا على ~~العزان (2) لما حلف أنه لا يرفع اخبار علي عليه السلام إلى معاوية ان كنت ~~كاذبا فأعمى الله بصرك فعمي بعد أسبوع (3). ### |||| ** وخامسها : أنه نقل نقلا مشهورا يبلغ درجة التواتر أنه رجعت الشمس له مرتين : مرة في ~~حياة النبي صلى الله عليه وآله بالمدينة ، ومرة بعده صلى الله عليه وآله بأرض ~~بابل (4). ### |||| ** سادسها : كلام الثعبان له (5)، وهو أيضا مشهور. ### |||| ** سابعها : كلام الموتى له ، فإنه نقل نقلا مشهورا أنه لما قصد العبور بالفرات قال ~~لنصير : أدن الى الجبان وناد : يا جلندي أين العبور ، فنادى نصير فكلمه ~~جماعة من الناس فرجع إليه عليه السلام وأخبره بالقصة ، فقال له ارجع وقل ، ~~يا جلندي بن كركر اين العبور ، فرجع ونادى فكلمه شخص واحد فقال له : أين ~~العبور؟ فقال المنادي : يا هذا إن صاحبك قد عرف بموضعي ولي أحقاب سنين ~~مدفون هاهنا كيف لا يعرف العبور ، فرجع الى علي عليه السلام فاخبره بذلك (6) ~~. ولأجل هذه القصة رجع نصير الى الكفر واعتقد فيه عليه السلام الالهية ، PageV01P471 # والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى. # وأما ادعاء الإمامة لنفسه فهو منقول عنه نقلا متواترا. ### |||| ** الخامس : أن أبا بكر والعباس كانا كافرين فلا يصلحان للإمامة. # أما الاولى ، فبالاتفاق ، وأما الثانية ، فلقوله تعالى وقد سأل إبراهيم ~~عليه السلام ربه ms241 أن يلحق به بعض ولده ما شرفه الله تعالى به من ثبوت الولاية ~~على الناس : ( @QUR@04 لا ينال عهدي الظالمين ) (1). # نفى ثبوت الإمامة للظالم ، وإلا لم يكن الجواب مطابقا للسؤال. ### |||| ** السادس : أن الإمام لو كان غير علي عليه السلام كان ركونا الى الظالم ، والتالي باطل ~~بقوله تعالى : ( @QUR@05 ولا تركنوا إلى الذين ظلموا ) (2)، فالمقدم مثله ~~، وبيان الشرطية ما ثبت من ظلمهما قبل الإسلام. ### |||| ** السابع : قوله تعالى : ( @QUR@013 إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) (3)، وهذا الدليل يبني على مقدمات : ### |||| ** إحداها : أن لفظة إنما للحصر ، ويدل عليه وجهان : الأول النقل عن أئمة اللغة ، ### |||| ** الثاني : أن إن للإثبات وما للنفي ، وبعد التركيب يجب بقاء هذه المعاني وإلا لزم ~~التغير والنقل وهو على خلاف الأصل ، فإما أن يجعل النفي للمذكور والإثبات ~~لغيره وذلك باطل قطعا ، وإما أن يكون بالعكس ، وهو المطلوب. ### |||| ** الثانية : أن المراد بالولي هاهنا الأولى بالتصرف ، والدليل عليه النقل عن أهل اللغة ~~، ومنه قوله : ايما امرأة نكحت نفسها بغير اذن وليها فنكاحها باطل (4)، ~~وقولهم السلطان ولي من لا ولي له ، وغير ذلك ، واذا كان يفيد الأولى وجب أن يكون PageV01P472 # حقيقة فيه وإلا كان مجازا والأصل عدمه ، وإذا كان حقيقة فيه وجب أن لا ~~يكون حقيقة في غيره وإلا لزم الاشتراك وهو خلاف الأصل. ### |||| ** الثالثة : أن المراد بهذه الآية هو علي عليه السلام ، فنقول : لا شك أن المراد بهذه ~~الآية ليس كل المؤمنين لوجهين : ### |||| ** الأول : أنه تعالى وصف الأولى بوصف غير حاصل لكل المؤمنين ، فلا يكون الجميع مرادا. ### |||| ** الثاني : أنه يلزم أن يكون الحاكم والمحكوم عليه واحدا وذلك باطل ، واذا كان المراد ~~بها البعض فهو علي عليه السلام . # أما أولا ، فلأن الناس قائلان : منهم من جعلها عامة ، ومنهم من قصرها على ~~علي عليه السلام ، فلو قصرناها على غيره كان ذلك خرقا للإجماع. # وأما ثانيا ، فلأن المفسرين اتفقوا على قصرها عليه عليه السلام . # وأما ثالثا ، فلأن الأمة اتفقت على أن المراد هو علي عليه السلام ، ~~واختلفوا فمنهم من قال : أنه ms242 كل المراد ، ومنهم من قال ، أنه بعض المراد ، ~~فإذا أبطلنا العمومية كان الإجماع دالا على إرادته منها دون غيره. # فإن قيل : لا نسلم أن لفظة إنما يفيد الاختصاص ويدل عليه صحة التأكيد ، ~~فيقال : إنما جاء زيد وحده ولو كان يفيد الاختصاص لكان ذلك تكريرا ، ولأنه ~~يقال : إنما الناس العلماء ولا يفيد الاختصاص والمجاز والاشتراك على خلاف ~~الأصل ، قال : أبو الحسين البصري : لفظة إن يفيد الإثبات لا النفي ولفظة ما ~~جعلت للتاكيد فليس لها دلالة على الحصر. # سلمنا ذلك لكن لا نسلم أن لفظة «الولي» موضوعة للأول. # سلمنا لكن لم لا يجوز أن يكون المراد بها هاهنا الناصر؟ لكن لا نسلم ~~انحصارها في علي عليه السلام ، وكيف يقال ذلك ولفظة «الذين» لفظة جمع. PageV01P473 # والجواب : أما افادة إنما للحصر فقد دللنا عليه ، قوله : إنه قد يؤكد ، ~~قلنا : لا دائما بل في موضع الاشتباه ، سلمنا لكن التأكيد انما يستفاد منه ~~فائدة المؤكد وإلا لم يكن تأكيدا ، ولو لم يكن المؤكد دالا على الاختصاص ~~والا لاستحال تأكيده بما يفيد الاختصاص. # قوله : قد يستعمل في عدم الاختصاص كقولنا : إنما الناس العلماء ، قلنا : ~~ذاك استعمال على سبيل المجاز ، لأنا قد بينا كونه حقيقة في الاختصاص ، فإن ~~جعلناه حقيقة في عدمه كان مشتركا والأصل عدمه وإن كان الأصل عدم المجاز ~~أيضا إلا أن الثاني أولى من الأول ، ولأنه لا يجوز وضع المشترك بين ~~المتناقضين وإن كان المجاز جائزا فيه ، والمجاز في قولنا : إنما الناس ~~العلماء ظاهر ، لأن غير العالم لما لم يحصل له الصفة التي باعتبارها امتاز ~~عن غيره من الحيوانات صح سلب الإنسانية عنه مجازا ، وقول أبي الحسين باطل ~~لما بيناه. # والمنع من وضع لفظة المولى (1) للأولى غير وارد ، لأنه طعن في النقل مع ~~حصول الاستعمال الكثير. # وإرادة الناصر هاهنا باطلة (2)، لأن نصرة المؤمنين عامة ، لقوله تعالى : ~~( @QUR@05 المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) (3)، أوجب الولاية التي ~~هي النصرة ، ونحن قد بينا أن المراد بهذه الآية بعض المؤمنين. # قوله : لا يجوز صرفها الى علي عليه السلام ، قلنا : اسم ms243 الجمع قد يطلق على ~~الواحد للتعظيم. ### |||| ** الثامن : قوله تعالى : ( @QUR@08 يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع PageV01P474 # @QUR@01 الصادقين ) (1)، أوجب الكون مع المعلوم منه الصدق ولا يعلم ~~الصدق من أحد إلا من المعصوم فتكون مأمورين بالكون مع المعصوم ، ولا معصوم ~~إلا علي عليه السلام بالاتفاق. ### |||| ** التاسع : قوله تعالى : ( @QUR@07 أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) (2) ~~، فنقول : الله تعالى قد أمر بطاعة أولي الأمر ، ولا يجوز أن يكون هو ~~المؤمنون بأسرهم لأن الخطاب لهم ، ويستحيل كون الشيء مطيعا لنفسه ، فوجب ~~قصرها على البعض ، وذلك البعض إما أن يكون هو المعصوم او غيره ، الثاني (3) ~~باطل لأن الناس لما (4) اشتركوا في جواز الخطا استحال اختصاص بعضهم بالطاعة ~~وبكونه أولى بالأمر ، فلا بد وأن يكون معصوما ، ولا معصوم إلا علي ~~عليه السلام . ### |||| ** العاشر : الخبر المتواتر ، وهو قوله عليه السلام يوم غدير خم (5) وقد رجع من حجة ~~الوداع : «معاشر المسلمين ألست أولى منكم بانفسكم؟» قالوا : بلى يا رسول ~~الله! قال : «فمن كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ~~واخذل من خذله وانصر من نصره وأدر الحق معه (6) كيفما دار (7)». PageV01P475 # وهذا الخبر لم ينازع فيه احد البتة ، أما المخالف فإنه تأوله ، وأما ~~المؤالف فإنه قال بظاهره فدل على قبوله مع أنه متواتر. # اذا ثبت هذا فنقول : المراد بالمولى هاهنا الأولى وذلك لأن لفظة مولى قد ~~يراد بها هذا المعنى لقوله تعالى : ( @QUR@03 النار هي مولاكم ) (1)، وقول ~~الأخطل فاصبحت مولاها من الناس كلهم (2)، ويقول للسيد مولى العبد ، فيفهم ~~العرب منه أنه أولى به في التصرف. # وهاهنا لما مهد النبي صلى الله عليه وآله قاعدة لنفسه هي أنه أولى بالتصرف ~~من كل أحد من المسلمين بنفسه ، ثم ذكر عقيبه هذا اللفظ الدال على هذا ~~المعنى ، فيحكم قطعا بإرادته منه (3). # ولأن هذه اللفظة تفيد هذا المعنى ، وقد يعني بها الناصر وابن العم والجار ~~والحليف والمعتق والمعتق ، ولا اختصاص لعلي عليه السلام من بني هشام بهذه ~~الأوصاف ، فلو لم يرد الأول لكان عبثا. # ولأن الناس يعرفون ذلك ، ويقبح ms244 من الرسول عليه السلام جمع الصحابة في ذلك ~~الوقت الصعب وهم على طريق ونصب الأحمال كالمنبر ثم يقول : من كنت ابن عمه ~~فعلي ابن عمه او من كنت جاره فعلي جاره هذا لا يقوله محصل ، فإذن المراد هو ~~الأولى بالتصرف ، ولا معنى للإمامة الا ذلك. PageV01P476 ### |||| ** الحادي عشر : قوله عليه السلام : «أنت مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي (1) ~~» ، وهذا خبر متواتر بين الناس تأوله الجمهور وحمله المؤالف على المعنى ~~الظاهر فكان ذلك اعترافا بقبوله. # ووجه الاستدلال بهذا الحديث أن المراد بالمنزلة هاهنا جميع منازل هارون ~~من موسى ، وأن من جملة المنازل ثبوت الولاية له لو عاش بعد موته. # بيان المقدمة الأولى أن المراد بالمنزلة لا يجوز أن يكون منزلة واحدة ~~والا لما صح الاستثناء ولا ما هو دون الجميع لعدم الأولوية ولأنه يكون ~~مجملا ، ولأن الناس قائلان : منهم من قال : إن المراد بهذا الحديث منزلة ~~واحدة وهي ثبوت الخلافة له في حياته كما في حق هارون ، ومنهم من أثبت جميع ~~المنازل ، والأول باطل لما بينا ، فيتحقق الثاني والا لزم خرق الإجماع. # وأما المقدمة الثانية ، فلأن هارون عليه السلام لو عاش لكان خليفة ، لأنه ~~قد كان خليفته في حياة موسى فيجب استمراره ، وإلا كان يلزم أن يكون خائنا ~~في حياة موسى وذلك محال. # ولأنه كان شريك موسى عليه السلام في الرسالة فيجب طاعته عليهم بعد موت أخيه. # ولأنه كان معصوما فيجب أن يكون خليفة لعدم عصمة غيره حينئذ ، والأخبار في ~~ذلك كثيرة مشهورة يبلغ مجموعه حد التواتر. # واحتج المخالف بوجوه : ### |||| ** احدها : قوله عليه السلام : اقتدوا باللذين من بعدي ابي بكر وعمر. PageV01P477 ### |||| ** الثاني : قوله عليه السلام : الخلافة بعدي ثلاثون ثم تصير ملكا. ### |||| ** الثالث : أنه استخلفه في الصلاة فيكون خليفة بعد موته. ### |||| ** الرابع : إجماع الصحابة على إمامته. ### |||| ** الخامس : أن عليا عليه السلام ترك المنازعة ولو كان خليفة لنازع. # والجواب عن الأول ، المنع من الحديث ، مع أن بعضهم قد طعن فيه. # سلمنا لكن لا نسلم وجوب الاقتداء في كل شيء وإلا ms245 لزم التناقض لاختلافهما ~~في كثير من المسائل ، ولأن الأمر بالاقتداء أمر بالمطلق فيكفي فيه المرة ~~الواحدة. # وعن الثاني ، الطعن أيضا ، مع أن هذين الحديثين من أخبار الآحاد ولا يجوز ~~الاستدلال بهما في هذه المسألة ولا المعارضة للاخبار المتواترة في حق علي ~~عليه السلام . # وعن الثالث ، بالمنع من ذلك ، بل المشهور عندنا وعند جماعة كثيرة من ~~المخالفين أن المستخلف إنما كان عائشة ، فلما سمع الرسول عليه السلام ~~التكبير نهض معتمدا على الفضل بن العباس وعلي عليه السلام حتى ازاله عن ~~مقامه (1). # وعن الرابع ، بالمنع من الإجماع ، وكيف يدعى ذلك وقد اتفق الناس كافة على ~~امتناع جماعة من أكابر الصحابة عن البيعة ، مثل علي عليه السلام والعباس ~~وسعد بن عبادة وابي سفيان وقيس بن عبادة والزبير والنعمان بن زيد والمقداد ~~وسلمان وأبي ذر وطائفة كثيرة. # وعن الخامس ، بالمنع من ترك المنازعة ، بل إنه نازع في ذلك (2) الحال على PageV01P478 # حسب الإمكان ، ولما لم يجد ناصرا ولا معينا كانت المنازعة منه أقل (1). # ثم إنا نعارض ونقول : لو كان أبو بكر إماما لما كان إماما فتكون إمامته ~~باطلة لاستلزامها عدمها ، وبيان الشرطية ما نقل عنه بالتواتر أنه قال يوم ~~السقيفة : «اقيلوني فلست بخيركم وعلي فيكم (2)» ، فلو كان إماما لكان طلب ~~الإقالة من أعظم المعاصي والعاصي لا يصلح للإمامة لما بينا. # ولأنه نقل نقلا متواترا عن عمر أنه قال : كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى ~~الله المسلمين شرها (3)، وذلك دال على أنه لم يستصلح للإمامة. # وهذا باب طويل أكثر الشيعة قد طولوا فيه ، من اراد الوقوف عليه ~~بالاستقصاء فعليه بكتبهم. PageV01P479 ### | البحث السابع ### | في إمامة باقي الأئمة الاثني عشر عليهم السلام # لنا في ذلك طريقان : عام وخاص ، أما العام فما بينا من امتناع خلو الزمان ~~من المعصوم فنقول : الناس قائلان : منهم من أوجب العصمة فقصر الإمامة على ~~هؤلاء الاثني عشر ، ومنهم من لم يقل ولم يقصرها عليهم ، فلو قال بوجوب ~~العصمة مع القول بإمامة غيرهم كان ذلك قولا لم يقل به أحد ، وذلك باطل قطعا. # وأما الخاص ms246 فالنقل المتواتر بإمامة كل واحد واحد ينقله الشيعة مع كثرتهم ~~وتفرقهم في البلاد المتباعدة سلفا عن خلف عن كل واحد واحد ، ولأنا ننقل عن ~~النبي صلى الله عليه وآله نقلا يوافقنا فيه المخالف أن الائمة بعده اثنى عشر ~~خليفة (1)، فنقول : كل من قال بهذه المقالة جعل الإمامة لهؤلاء الأئمة ~~عليهم السلام . # وأيضا المعجزات المنقولة عن كل واحد واحد عليهم السلام مع ادعائه الامامة ~~لنفسه دال على صدقه. # وأيضا ما روي عن النبي عليه السلام من الأخبار التي تبلغ جملتها حد ~~التواتر ، منها ما رواه سلمان الفارسي قال : كنت بين يدي رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وهو مريض ، فدخلت فاطمة عليها السلام فبكت وقالت : يا رسول ~~الله أخشى الضيعة بعدك. # فقال : «يا فاطمة أما علمت أن الله ختم الفناء على جميع خلقه ، وأن الله تعالى PageV01P480 # اطلع الى الارض فاختار منها أباك ، ثم اطلع ثانية فاختار منها زوجك ~~وأمرني أن أتخذه وليا ووزيرا وأن أجعله خليفتي في امتي ، فأبوك خير أنبياء ~~الله وبعلك خير الأوصياء وانت أول من يلحق بي من أهل بيتي ، ثم اطلع ثالثة ~~فاختارك وولدك ، فأنت سيدة النساء والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ~~وأبناء بعلك أوصيائي الى يوم القيامة والأوصياء بعدي أخي علي والحسن ~~والحسين ثم تسعة من ولد الحسين (1)». # فروي عنه عليه السلام إنه قال للحسين عليه السلام : «هذا ولدي إمام ابن ~~إمام أخو إمام أبو ائمة تسعة تاسعهم قائمهم (2)». # وعن جابر بن عبد الله قال : لما نزل قوله تعالى : ( @QUR@011 يا أيها ~~الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) (3) قلت : يا ~~رسول الله عرفنا الله ورسوله فمن اولي الامر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك؟ ~~فقال عليه السلام «هم خلفائي يا جابر وائمة المسلمين بعدي اولهم علي بن ابي ~~طالب ثم الحسن ثم الحسين ثم عد تسعة من ولد الحسين عليه السلام » ، والأخبار ~~في ذلك كثيرة بالغة مبلغ التواتر (4). PageV01P481 ### | البحث الثامن ### | في كلام كلي في الغيبة # طول أصحابنا في هذا الباب ، ونحن نقتصر هاهنا على ms247 المهم منه فنقول : قد ~~بينا أنه لا يجوز خلو الزمان من معصوم ، ولا شك في أنه غير ظاهر ، فيجب أن ~~يكون مستترا ، ولأنا قد بينا بالتواتر النص من رسول الله صلى الله عليه وآله ~~بوجوده وتعيينه وغيبته. # وأما استبعاد الخصم بقاء مثل هذا الشخص هذا العمر فضعيف ، لأنه لا شك في ~~إمكانه ، والوقوع مستفاد من الأدلة التي ذكرناها ، وكيف يستبعد ذلك مع ما ~~وجد في قديم الزمان من تطاول الأعمار أضعاف ذلك. # لا يقال : استتاره مفسدة لا يجوز فعلها من الله تعالى ولا منه لعصمته فهو ~~غير موجود. # لأنا نقول : لا نسلم أن استتاره مفسدة بل فيه مصلحة خفية لا نعلمها نحن ، ~~إما من الخوف على نفسه ، او لأمر آخر غير معلوم لنا على التفصيل ، ومن أراد ~~التطويل في هذا الباب فعليه بكتب أصحابنا رحمهم الله . PageV01P482 ### | البحث التاسع ### | في بقية الكلام في هذا الباب ### |||| ** مسألة : يجب الإقرار بإمامة الاثني عشر عليهم السلام في كل وقت ، والجاحد لواحد ~~منهم غير مؤمن وان لم يخرج عن الاسلام ، ويدل عليه النقل المتواتر عنهم ~~عليهم السلام أن من أنكر واحدا من الأحياء فقد أنكر الأموات (1)، وبالنقل ~~عن الرسول صلى الله عليه وآله : «يا علي أنت والأئمة بعدي من أنكر واحدا منكم ~~(2) فقد أنكرني (3)». ### |||| ** مسألة : الأئمة أفضل من الملائكة لأن طاعتهم أشق لوجود المعارض وهو الشهوة والغضب ~~مع قهره بالقوة العقلية ، ولقوله تعالى : ( @QUR@011 إن الله اصطفى آدم ~~ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ) (4)، والمراد بالآل هاهنا ~~الذرية المعصومون لخروج غيرهم عنه قطعا ، ولقوله عليه السلام : «يا علي أنا ~~منك وأنت مني (5)» ، ومحمد عليه السلام أفضل من الملائكة فعلي عليه السلام كذلك. # ولأنا قد بينا في قوله تعالى ( @QUR@02 وأنفسنا وأنفسكم ) أن المراد به ~~(6) المساوي لرسول الله صلى الله عليه وآله وهو علي عليه السلام ، والمساوي ~~للأفضل يكون أفضل قطعا. PageV01P483 ### |||| ** مسألة : فاطمة عليها السلام معصومة ، ويدل عليه القرآن والسنة. # أما القرآن فقوله تعالى : ( @QUR@010 إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ~~أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) (1) وهي من جملتهم. ms248 # وأما السنة فقوله عليه السلام : «فاطمة بضعة مني يؤذيها ما يؤذيني (2)» ، ~~ولو صدر عنها الذنب لكان أذاها واجبا ، والتالي باطل فالمقدم مقله. ### |||| ** مسألة : الملائكة معصومون لقوله تعالى : ( @QUR@08 لا يعصون الله ما أمرهم ~~ويفعلون ما يؤمرون ) (3)، ولقوله سبحانه : ( @QUR@05 يسبحون الليل والنهار ~~لا يفترون ) (4)، وغير ذلك من الآيات الدالة على ذلك ، ولأن صدور الذنب ~~إنما يكون بتعلق الشهوة والغضب وهم منزهون عن ذلك. ### |||| ** مسألة : المحارب لعلي عليه السلام لا يسمى مؤمنا ويستحق العقاب الدائم ، لقوله ~~عليه السلام : «حربك يا علي حربي وسلمك سلمي (5)» ، وقوله عليه السلام : ~~«حبك يا علي حسنة ولا تضر معها سيئة وبغضك يا علي سيئة لا ينفع معها حسنة ~~(6)» ، ولا يخرجون بذلك عن الإسلام. PageV01P484 ### | المنهج التاسع ### | في المعاد ### ||| * وفيه مباحث PageV01P485 ### | الأول # اختلف الناس في أن العالم هل يصح عدمه أم لا؟ فقالت طائفة بامتناعه من ~~حيث إنه واجب الوجود ، فقد سلف منا بطلان هذا ، وقال قوم : إنه يصح عدمه ، ~~واختلفوا فذهب قوم الى أنه يمتنع عدمه لغيره من حيث إنه مستند الى علة ~~واجبة قديمة ودوام العلة يستلزم دوام المعلول ، وقد سلف منا أيضا بطلان هذا الرأي. # وقالت طائفة أخرى : إنه يصح عدمه بالنظر الى ذاته وغيره ، وهم جمهور ~~المتكلمين ، لكن بعضهم قال : إنه لا يعدم ، وبعضهم قال : إنه لا بد من عدمه. # وقد احتجت الفلاسفة بأن العلة التامة أزلية على ما سلف فالعالم أزلي ~~يستحيل عدمه ، ولأن الزمان لو عدم لكان عدمه بعد وجوده وذلك يستلزم وجود ~~الشيء حال عدمه. # والجواب عنهما ، بالمنع من إيجاب العلة ، وقد تقرر ذلك. # وبالمنع من كون التأخر بالزمان. # والدليل على إمكان العدم أن العالم ممكن فالممكن قابل للعدم والا لكان ~~واجبا ، أما أنه ممكن فلحدوثه المستدعي اتصافه (1) بالعدم والوجود المستدعي ~~لقبولهما ، ولأنه مركب وكثير ، وأما أن الممكن قابل للعدم فظاهر. # هذا بالنظر الى ذاته ، وأما بالنظر الى الغير فلأنا نقول : العالم مستند ~~الى قادر المختار لما مر ، والقادر يجوز أن يفعل فعلا ويعدمه ، وذلك يفيد ~~المطلوب. PageV01P487 # ونقل عن الكرامية القول بوجوب (1) أبدية ms249 العالم بعد حدوثه (2) لأن عدمه ~~لا يكون بالفاعل ، لأن الاعدام ليس بأثر ، لأنه إن كان وجوديا لم يكن عدم ~~الفعل بل يكون إيجادا لضد العالم ، وإن كان عدميا لم يستند الى المؤثر ، ~~لأنه لا فرق بين قولنا : لم يؤثر ، وبين قولنا : أثر العدم ، والا لزم وقوع ~~الامتياز في العدميات ، ولا بالضد لأن انتفاء الأول شرط في حدوث الثاني فلو ~~علل به دار ، ولأن التضاد من الجانبين فلا أولوية لانتفاء أحدهما بالآخر. # لا يقال : الحادث أولى لانه متعلق السبب ولأنه يلزم اجتماع الوجود والعدم ~~لو عدم ولأنه يجوز أن يكون أجزائه أكثر. # لأنا نقول : الباقي متعلق السبب أيضا ، والثاني إنما يلزم لو قلنا إنه ~~يوجد ثم يعدم حال وجوده وليس كذلك ، بل نقول : إن الباقي يمنعه من الدخول ~~في الوجود ، والثالث مبني على اجتماع المثلين ولا يجوز أن يكون لانتفاء ~~الشرط ، لأن شرط العرض الجوهر فلو شرط به دار. # والجواب ، أن الاعدام يجوز استناده الى الفاعل ، وقوله : ان كان عدميا لم ~~يبق فرق بين قولنا لم يؤثر ، وبين قولنا : أثر العدم ممنوع ، ويجوز أن يكون ~~بطريان الضد ويكون الحادث أولى من غير أن يعرف وجه الأولوية. ### |||| ** مسألة : القائلون بأن العالم لا يعدم فسروا الإعادة بجمع الأجزاء بعد تفريقها ~~جمعا بين الأدلة العقلية والشواهد النقلية ، واستدلوا على ذلك بأنه لو عدم ~~لما صحت إعادته ، والتالي باطل فالمقدم مثله. # بيان الشرطية أن ما عدم لم يبق له هوية يشير العقل إليها فلا يصح عليها ~~الحكم بإمكان العود ، ولأنه لا يتميز عن مثله لو وجد ولأنه لو أعيد لاعيد مع PageV01P488 # الوقت لأنه من جملة مشخصاته ، ولأنه من جملة الممكنات فيكون مبتدأ معادا ~~، ولأنه لو أعيد لزم تخلل النفي بين الشيء الواحد وذلك غير معقول. # وأما بطلان التالي فلما يأتي من وجوب الاعادة. # واحتج المخالف بأنه لو استحال إعادته لزم انتقاله من الإمكان الى ~~الامتناع. # فاعترضوا على الأول بأن القول بعدم صحة الحكم على المعدوم قول بصحته وذلك ~~يتناقض. # وعلى الثاني بأن التميز في الخارج ms250 لا يستدعي التميز عندنا. # وعلى الثالث بأنه إنما يكون مبتدأ لو وجد مع الوقت المبتدأ وذلك محال. # واستحدث بعض المتأخرين حجة على صحة إعادة المعدوم هي القياس على التذكير ~~بأن قال : التصور بعد زواله وعوده في الذكر يكون واحدا. # والجواب عن حجتهم ، أنها مغالطة ، وذلك لأن الحكم بامتناع العود إنما هو ~~حكم بامتناع الوجود المقيد بكونه بعد العدم ، وليس الامتناع هنا (1) للذات ~~ولا لأمر عارض مفارق لها ، بل هو لامر لازم للماهية وهو كونها بعد العدم ~~ولا يلزم من ذلك انتقال من الإمكان الى الامتناع ، وعسى أن يكون قد سلف في ~~بعض كلامنا ما يناسب هذا مما يوضحه. ### |||| ** مسألة : قد ذهب قوم الى أن إعدام العالم إنما هو بتفريق أجزائه ، وهذا قد مضى. # وقال آخرون : إن الأجسام باقية بالبقاء فإذا اراد الله تعالى عدمها لم ~~يفعل البقاء ، وهذا قول الكعبي وبشر ، إلا أن الكعبي قال : البقاء قائم ~~بالباقي وبشر يقول البقاء قائم لا في محال. # وقال أبو علي وأبو هاشم واتباعهما : إن الله تعالى يفعل معنى هو الفناء يكون PageV01P489 # ضدا للجواهر يعدم به. # وقال النظام : إن الأجسام غير باقية فاذا اراد الله عدمها لم يوجدها بعد ~~عدمها. (1) # وكل هذه المذاهب منحرفة عن سنن الصواب أما قول الكعبي وبشر ، فلما سلف من ~~بيان أن البقاء ليس زائدا على الذات الا في المعقولية. # وأما قول أبي علي وأبي هاشم ، فلما مضى من إبطال الفناء ولأن الفناء إن ~~فني لذاته ، لم يوجد ، أو لسبب تسلسل. # وأما قول النظام ، فباطل بالضرورة ، والحق عندي أن الإعدام يستند الى ~~الفاعل المختار. ### |||| ** مسألة : يمكن خلق عالم آخر لقوله تعالى : ( @QUR@014 أوليس الذي خلق السماوات ~~والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم ) (2)، ولأنه لو ~~استحال خلق العالم الآخر لذاته استحال خلق هذا العالم ، لأنه مماثل له وحكم ~~المتماثلين (3) واحد ، وإن كان لا لذاته فهو المطلوب وللإجماع. # احتجوا باستحالة الخلاء على استحالة خلق آخر ، والملازمة وجوب كرية ~~العالم ، ولأن الأرض الثانية حاصلة في وسط العالم الثاني بالطبع ms251 وهي خارجة ~~عن وسط العالم الأول بالطبع فيتضاد (4) مقتضى الطبيعة الواحدة هذا خلف. # والجواب عن الأول أنه مبني على مقدمات ضعيفة سلفت ، وعن الثاني أنه غير ~~عام ، ولأنا نخصص أحدهما بأحد الوسطين كاختصاص الجزء الأرضي بأحد PageV01P490 # المكانين. ### |||| ** مسألة : التكليف منقطع ، لنا العقل والنقل ، أما العقل فلأنه لو لا ذلك لزم ~~الإلجاء وفعل القبيح من الله تعالى واللازم بقسميه باطل. # بيان الشرطية أنه إما أن يصل كل مستحق الى ما يستحق فيلزم الأول ، أو لا ~~يصل فيلزم الثاني. # لا يقال : ينتقض بالحدود وبأنه عليه السلام كان يأمر المشرك بالإسلام فإن ~~لم يفعل قتله. # لأنا نقول : الحدود غير ملجئة ، لأن الفاعل يجوز أن لا يعلم بحاله فلا ~~يكون علمه بالحد إلجاء ، واما الأسير فإنه إنما أسلم إلجاء ولا يستحق بذلك ~~الإسلام الثواب. # والفائدة فيه أنه قبل إسلامه لا يسمع أحكام المسلمين ، فلما اسلم إلجاء ~~دخل في زمرة المسلمين وعرف أحكامهم وانتقل من حال الاضطرار الى حال ~~الاختيار. # واما السمع ، فلأن ذلك معلوم من دين محمد عليه السلام . PageV01P491 ### | البحث الثاني ### | في وجوب المعاد # هذا البحث يتمشى على قواعد المعتزلة دون الأشاعرة ، وذلك لأنا نقول : لو ~~لم يجب المعاد قبح التكليف والتالي باطل والمقدم مثله ، والشرطية ظاهرة ~~لحصول الظلم حينئذ وكون التكليف عبثا ، وهذان المقامان لما أنكرهما ~~الأشاعرة بطل هذا الفرع عندهم. ### |||| ** مسألة : اتفق المسلمون على إثبات المعاد البدني ، ونازعهم الاوائل في ذلك ، ~~والدليل على ثبوته أنه ممكن والصادق أخبر بثبوته فوجب الجزم به. # أما إمكانه ، فلأنه تعالى قادر على كل مقدور وعالم بكل معلوم وذلك يستلزم ~~إمكان الإعادة إما بمعنى جمع الأجزاء ان قلنا باستحالة اعادة المعدوم ، أو ~~بمعنى إيجادها مرة ثانية إن قلنا بجوازها. # وأما الإخبار بالثبوت ، فضروري من دين الأنبياء عليهم السلام (1). # والمنكرون لذلك قالوا : إن المنقول متأول ولا استبعاد في ذلك فإن آيات ~~التشبيه كثيرة مع أنكم قد تأولتموها. # ثم استدلوا على الامتناع بوجوه : ### |||| ** أحدها : أن العالم دائم الوجود على ما مر فالحشر باطل. ### |||| ** الثاني : أن الجنة والنار إن كانتا ms252 في هذا العالم لزم التناسخ ، وإن كانتا في عالم PageV01P492 # الأفلاك لزم الخرق عليها ، وإن كانتا في آخر لزم الخلاء. ### |||| ** الثالث : قد يختلف الشخص بالسمن والهزال وعلى تقدير إعادته على أي حال كان يلزم عقاب ~~غير العاصي وإثابة غير المطيع. ### |||| ** الرابع : إذا أكل الإنسان آخر ، فان أعيد المأكول إلى الأكل ضاع المأكول ، والا ضاع الاكل. ### |||| ** الخامس : القول بإعادة البدن يستلزم إعادة المعدوم ، واللازم باطل على ما مر ~~فالملزوم مثله. # بيان الشرطية أنا إما أن نقول بعدم البدن فاللازم حاصل ، وإما أن لا نقول ~~به فلا بد من القول بتفريق أجزائه وإعدام الأعراض التي باعتبارها كان يسمى ~~بدنا فإن اعيد فلا بد من إعادة تلك الأعراض المعدومة وذلك يستلزم القول ~~بإعادة المعدوم. # والجواب ، أما تأويل النقل فباطل ، لأن التأويل إنما يكون في اللفظ ~~المحتمل ، أما في اللفظ الذي يعلم بالضرورة إرادة المعنى منه فإنه يستحيل ~~تأويله. # وأما الوجوه العقلية ، فالجواب عن الأول منها ، أن المنع قائم في دوام ~~العالم ، وقد بينا ضعفه ، ولو سلم ذلك فانه لا ينافي القول بالإعادة ، لأن ~~العالم هو ما سوى الله تعالى وليس عدم ما سوى الله تعالى شرطا في الإعادة ~~اتفاقا ، فالقول بالأبدية لا ينافي القول بالحشر. # وعن الثاني ، لم لا يجوز وجودها في هذا العالم والتناسخ ممنوع ، ولو ~~سلمنا ذلك لكن القول بامتناع الخرق والخلاء قد سلف بطلانه. # وعن الثالث ، الحق في ذلك أن الأجزاء الأصلية التي لزيد لا تزيد ولا تنقص. # وعن الرابع ، قريب من هذا ، فإن الأجزاء الأصلية لأحدهما فاضلة بالقياس PageV01P493 # الى الآخر (1). # وعن الخامس ، أن اعادة المعدوم إنما يلزم على تقدير إعادة تلك الأعراض ~~بعينها وأن تلك الأعراض داخلة في قوام الشخص ، وهما ممنوعان خصوصا على رأي ~~الأشاعرة ، فإنهم يقولون باستحالة بقاء الأعراض فكيف تكون معتبرة في الشخص ~~الباقي. ### |||| ** مسألة : لم يثبت بالدليل القطعي إعدام الأجزاء ثم إعادتها ، بل قد ثبت عدم ~~انتفائه على ما سلف من رأينا فيه. # والقائلون بوجوب الاعدام احتجوا بآيات : # منها قوله تعالى : ( @QUR@05 كل شيء هالك إلا وجهه ms253 ) (2)، ومنها قوله : ~~( @QUR@05 كما بدأنا أول خلق نعيده ) (3)، جعل الاعادة كالابتداء ، ولما ~~كان الابتداء إنما هو الوجود بعد العدم الصرف فكذلك الإعادة ، ومنها قوله ~~تعالى : ( @QUR@03 هو الأول والآخر ) (4)، وإنما كان الأول (5) لأنه موجود ~~لا موجود سواه وكذلك إنما يكون آخرا بهذا المعنى. # وهذه الآيات غير دالة على المقصود قطعا (6)، وتأويل الأولى أن الهلاك هو ~~الخروج عن حد الانتفاع ، والأجسام اذا تفرقت أجزاؤها وعدمت أعراضها غير ~~منتفع بها. PageV01P494 # وأيضا الممكن بالنظر الى ذاته هالك ، فإنه إنما يوجد بسببه ، وأيضا ~~التخصيص بالدليل العقلي الدال على الإعادة وامتناع إعادة المعدوم ثابت غير ~~مناف لهذا النص. # وتأويل الثانية أن التشبيه مطلقا لا يستلزم التساوي من كل وجه. # وعن الثالث أنه أول بحسب الاستحقاق وآخر بحسبه ، على أن التخصيص جائز اذا ~~قام عليه دليل ، وأيضا الآخر لا يمكن حمله هاهنا على ظاهره ، فإنه إذا أعدم ~~الخلق ثم اسكن اهل الجنة الجنة واهل النار النار فإنه لا يخرجهم منها أبدا ~~فلا آخر بالمعنى الذي كان به أولا ، وقد حمل الأول هاهنا على كونه مبدأ لكل ~~شيء والآخر على كونه غاية لكل شيء. ### |||| ** مسألة : عقاب القبر والميزان والصراط وإنطاق الجوارح وتطاير الكتب امور ممكنة ، ~~وقد أخبر الصادق بثبوتها فوجب الجزم بها. ### |||| ** مسألة : قال الجبائي وأبو الحسين والأشعري : الجنة والنار مخلوقتان الآن ، وقال ~~أبو هشام وعبد الجبار : الجنة والنار ليستا بمخلوقتين الآن (1). # والأول هو الحق ، لقوله تعالى : ( @QUR@04 أعدت للمتقين ، أعدت للكافرين ~~) (2) والإعداد حقيقة في الموجود (3)، وقوله تعالى : ( @QUR@08 النار ~~يعرضون عليها غدوا وعشيا ، ويوم تقوم الساعة ) (4). # قالوا : لو كانت لعدمت (5)، لقوله تعالى ( @QUR@05 كل شيء هالك إلا وجهه ~~) (6)، PageV01P495 # وليس لقوله : ( @QUR@02 أكلها دائم ) (1) ولقوله : ( @QUR@03 عرضها ~~السماوات والأرض ) (2)، وإنما يكون لو كانت في حيزهما ولعدم فائدتهما الآن. # والجواب عن الأول ، المراد من الهلاك استفادة الوجود من الغير فهو بذاته هالك. # وعن الثاني ، أن المراد بقدر عرض السموات والأرض وتكون خارجة عنهما. # وعن الثالث ، أن فيه مصلحة خفية. ### |||| ** مسألة : المكلف إما مستحق العوض على الله تعالى او على غيره أو يكون يستحق عليه ~~العوض ms254 ، وهؤلاء يجب إعادتهم عقلا. # أما الأول ، فلانتفاء الظلم في حقه تعالى ، وأما الثاني ، فلوجوب ~~الانتصاف عليه ، وأما الثالث فكذلك بعينه. # وأما الكفار وأطفال المؤمنين فإنه يجب إعادتهم سمعا ، إذ لا خلاف بين ~~المسلمين في ذلك ، ولا دليل عقلي يدل على إعادتهم. # وأما المستحق للثواب فإنه يجب إعادته عقلا ، لوجوب وصول الحق إليهم ، ~~والسمع دال على ذلك أيضا ، [و] ما عدا هؤلاء فانه لا يجب إعادته. PageV01P496 ### | البحث الثالث ### | في كلام الأوائل في هذا الباب ### |||| ** قالوا : النفوس باقية على ما مر ، ولا بد لها من سعادة وشقاوة ، وذلك لأنها ذات ~~قوتين : نظرية وعملية ، والناس بحسب قوتهم النظرية على أقسام : ### |||| ** الأول : اصحاب العقائد البرهانية المطابقة اليقينية ، وهؤلاء أصحاب السعادة ~~الأبدية. ### |||| ** الثاني : العقائد المطابقة المستندين الى التقليد ، والأولى بهؤلاء السلامة. ### |||| ** الثالث : أصحاب العقائد الغير المطابقة ، وهؤلاء أصحاب الشقاوة الأبدية ، لأنهم ~~مشتاقون غير واصلين ولا مشغولين عما هم مشتاقون إليه ، قيل : إنهم في ~~حياتهم الدنيا غير متعذبين لاعتقادهم حصول العلم لهم ، فبعد المفارقة إن ~~جاز زوال هذا الجزم عنهم جاز زوال الجزم بتلك العقائد ، والا بقوا على ~~غفلتهم ولم يتعذبوا. # أجيب عنه ، بتلك بأن تعذب (1) هؤلاء من حيث إنهم في حياتهم الدنيا كانوا ~~يرجون الوصول بعد المفارقة ، فلما انتهوا الى الغاية فقدوا ما رجوا الوصول ~~إليه فحصل لهم التعذب (2) بفقدان ما رجوا الوصول إليه. ### |||| ** الرابع : أصحاب النفوس الخالية من الاعتقادات الحقة والباطلة ، فقد اضطربوا في أمر ~~هؤلاء ، فمنهم من ذهب الى أنها يفني وإلا لزم تعطيلها ، اذ لا سبب PageV01P497 # لسعادتها ولا لشقاوتها ولا معطل في الطبيعة. # وذكر الشيخ (1) أن الأليق بهؤلاء التعلق بجسم من الأجسام البخارية او ~~الفلكية يكون موضوعا لتخيلاتهم الى أن يفضي بهم التعلق الى حصول الكمال أو ~~ضده فيفارقون. # وهذان المذهبان باطلان على رأيهم. # أما الأول ، فلاعتقادهم بقاء النفس. # وأما الثاني ، فلكون النفس متعلقة بجسم بعد أن كانت متعلقة بآخر وهذا ~~قريب من التناسخ. # واما بحسب قوتهم العملية فعلى اقسام : ### |||| ** الأول : الكامل في الاخلاق الفاضلة وهؤلاء أصحاب السعادة أيضا. ### |||| ** الثاني : صاحب الأخلاق ms255 الردية وهؤلاء متعذبون عذابا منقطعا بسبب تعلقها بالجسمانيات ~~ومفارقتها لها. ### |||| ** الثالث : أصحاب النفوس الخالية عنهما والكلام فيه قريب مما مر. ### |||| ** مسألة : قالوا : اللذة إدراك الملائم ، وهذا مستفاد من الاستقراء المفيد لليقين ~~(2)، وكما أن الإدراك متفاوت لا يقع على معانيه بالتساوي فكذلك اللذة ، ~~وكما ان الإدراك يتفاوت باعتبار نفسه فكذلك يتفاوت باعتبار متعلقه. # اذا تقرر هذا ، فنقول : المدرك بالآلة الجسمانية إن كان ملائما لها كان ~~ذلك الإدراك لذة ، كالمدرك بقوته الذوقية الحلاوة والمدرك بقوته البصرية ~~الأشياء PageV01P498 # المستحسنة وكذلك باقي القوى ، والمدرك بالقوة الوهمية إن كان ذلك ملائما ~~لها كان ذلك هو اللذة كمن يتصور العلية ولو في أمر خسيس ، والمدرك بالقوة ~~العقلية يكون لا شك لذة أيضا. # قالوا : وهذه اللذة أقوى من غيرها ، لأن نسبة اللذة الى اللذة كنسبة ~~الإدراك إلى الإدراك والمدرك الى المدرك ، ولما كان المدرك بالقوة ~~الجسمانية إنما هو الأمور الظاهرة كالسطوح والألوان ، والمدرك بالقوة ~~العقلية هو حقائق الأشياء وتفاصيلها وتميز بعضها من بعض كالاجناس من الفصول ~~، كان هذا الإدراك أقوى من ذلك. # وأيضا فمدرك القوة العقلية هو واجب الوجود تعالى وغيره من الأمور الباقية ~~والطبائع الدائمة بخلاف مدرك القوة الجسمانية ، فمدرك الأولى أشرف ، فاللذة ~~فيه أتم ، وكذلك الألم العقلي يكون أشد من الألم الجسماني. ### |||| ** مسألة : قالوا : العقاب للنفس على خطيئتها هو كالمرض للبدن على نهمته (1)، وهذا ~~النوع من العقاب إنما يحصل للنفس بسبب ملكاتها الردية الراسخة فيها. # وأما العقاب البدني فلا يتنكر (2) وجوده ، فإن التخويف في مبادي الأفعال ~~الإنسانية حسن لنفعه في أكثر الأشخاص ، والإيفاء بذلك التخويف بتعذيب ~~العاصي تاكيد للتخويف ومقتض لازدياد النفع ، فهو أيضا حسن ، وهذا العقاب ~~انما هو شيء بالقياس الى ذلك المعذب وإن كان نافعا في حق أكثر أشخاص النوع ~~، ولا يلتفت الى الجزئي كما لا يلتفت الى الجزء فيقطع العضو ليسلم البدن. # قيل : على هذا ، القول بالقدر ينافي هذين العذرين. PageV01P499 # أجيب عنه بأن القدر المراد به هاهنا وجوب كون الجزئيات مستندة الى ~~أسبابها المتكثرة لا يعني به أنه لا فاعل ولا مؤثر ms256 (1) إلا الله. # وهذان العذران موافقان لقواعدهم ، لأنهم يقولون باستناد الفعل الى قدرة ~~الإنسان وإرادته ، وكلاهما مستندان الى أسبابهما ، ومن أسباب إرادة فعل ~~الغير التخويف ، فوقوع التخويف في الأسباب المقتضية للخير واجب ، وهذا لا ~~ينافي القدر فإن جميع ما في القدر معلل عندهم. PageV01P500 ### | المنهج العاشر ### | في الوعد والوعيد ### ||| * وفيه مباحث PageV01P501 ### | مقدمة # المستحق بالأفعال سبعة (1): # المدح ، وهو القول الكاشف عن ارتفاع حال الغير مع القصد الى الرفع منه. # والذم ، وهو القول الكاشف عن اتضاع حال الغير اذا قصد به ذلك ، فقول ~~المسلم للمسلم : يا مسلم مدح لقصده الى ارتفاعه ، وقول اليهودي له ليس بمدح ~~، وقول المسلم لليهودي : يا يهودي ، ذم ، بخلاف قول اليهودي. # والتعظيم ، وهو كل قول أو فعل أو ترك يكشف عن ارتفاع حال الغير إذا قصد ~~به ذلك. # والاستخفاف ، وهو كل قول أو فعل يكشف عن اتضاعه مع القصد. # والثواب ، وهو النفع المستحق المقارن للتعظيم والاجلال. # والعقاب ، وهو الضرر المقارن للإهانة. # والشكر ، هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم. PageV01P503 ### | البحث الأول ### | في بيان وجه استحقاق هذه الامور # أما المدح والتعظيم فيستحقان بوجوه ثلاثة : فعل الواجب والمندوب والإخلال ~~بالقبيح. # واما الذم والاستخفاف فيستحقان بفعل القبيح والإخلال بالواجب. # والثواب يستحق بما يستحق به التعظيم والمدح اذا كان مكلفا به والعقاب ~~يستحق بما يستحق به الذم والاستخفاف. # والشرط في استحقاق ما يستحق بالمدح والتعظيم والثواب أن يفعل الواجب لوجه ~~وجوبه او لوجوبه وهما متلازمان وأن يترك القبيح لقبحه ، فإن الفاعل للواجب ~~رياء او لغرض دنياوي غير مستحق لهما. # والشرط في استحقاق الذم والاستخفاف أن يمكنه التحرز من فعله لقبحه او ~~لأنه إخلال بواجب ، وهذا أيضا شرط في استحقاق العقاب والفاعل للقبيح ، ~~والمخل بالواجب مستحق للذم والاستخفاف سواء علم قبحه أو أنه إخلال بواجب او ~~تمكين من العلم بذلك ، وهاهنا شرط آخر في استحقاق الثواب وهو المشقة بما ~~يستحق به الثواب. ### |||| ** مسألة : نقل عن المشايخ قبل أبي هاشم : إن الإخلال لا يستحق به شيء لكونه عدميا ، ~~وإنما يستحق بفعل الضد أعني ترك القبيح او ms257 ترك الواجب الذي يحصل عنده ~~الإخلال بهما. # وأما أبو هاشم وأصحابه وأبو الحسين البصري فقد ذهبوا الى أنه صالح للعلية ~~في الاستحقاق ، قالوا : والدليل عليه أنا نعلم حسن المدح والذم بالإخلال PageV01P504 # بالقبيح والواجب وإن لم نعلم فعل الضد الذي يشيرون إليه كما أنا نعلم حسن ~~المدح والذم بفعل الواجب والقبيح. # وألزم أصحاب المذهب الأول أبا هاشم كونه تعالى يستحق من المدح ما لا ~~نهاية له ، لأنه لا يفعل من القبيح ما يقدر عليه ، وكذلك الواحد منا اذا لم ~~يفعل الجهالات ما لا نهاية له. # وألزم أبو هاشم أصحاب المذهب الأول أن لا يستحق الله تعالى الذم اذا لم ~~يفعل الثواب ، وإنما الشرط أن يكلف لغرض الثواب والإلزامان غير واردين. # أما الأول ، فإن عنوا به أنه تعالى يمدح بأنه لا يفعل جميع ما يقدر عليه ~~من القبائح ، فهو تعالى ممدوح بذلك. # وإن عنوا به أنه يفعل (1) من الأقوال ما لا نهاية له ، لم يلزم ، لأن ~~الأول كاف في مدحه بذلك ، والواحد منا انما لا يستحق المدح على أن لا يفعل ~~الجهل ، لأنه لا يدعوه الداعي الى أن يفعله ولا يخطر بباله منه الا اليسير ~~فلا يستحق المدح إلا على ذلك. # واما الثاني ، فلأنه لو لم يفعله لكان عالما في الأزل بأنه لا يفعله ~~فيفوت غرض التعريض بالتكليف فيقبح التكليف. ### |||| ** مسألة : المطيع يستحق بطاعته الثواب ، وقد خالف في ذلك الأشاعرة بأسرهم وأبو ~~القاسم الكعبي (2). # لنا أن التكليف مشقة يقبح فعلها من غير عوض وذلك العوض إن صح الابتداء به ~~كان توسط التكليف عبثا فهو عوض مستحق لا يصح الابتداء به وذلك هو الثواب ~~لأنه عبارة عن النفع المستحق المقارن للتعظيم. PageV01P505 # لا يقال : نمنع كونه عبثا على تقدير صحة الابتداء به ، وذلك لأن النفع ~~المستحق آثر عند العاقل من النفع المتفضل به لما في الثاني من الغضاضة ، ~~فلعل الله تعالى قصد بالتكليف إيصال النفع الى المكلف على وجه لا يكون عليه ~~فيه غضاضة ، ولأن نعم الله تعالى كثيرة وهي أجل النعم من الإيجاد ms258 والإحياء ~~والإقدار وغير ذلك ، فيجب أن يكون الشكر في مقابلتها أعظم الشكر وذلك هو ~~العبادة ، ولا شك أن من أنعم على غيره فشكره فإن الشاكر لا يستحق بذلك ~~الشكر شيئا. # وأيضا يلزم أن من مات مرتدا يثاب ثواب المؤمن والتالي باطل فالمقدم مثله ~~، بيان الشرطية أن فعل الطاعة السابق إن كان سببا لاستحقاق الثواب مطلقا ~~وجب بقائه بعد الردة لأن الإحباط باطل على ما سيأتي ، وإن كان سببا بشرط ~~الموافاة لزم أن يحصل المعلول حال عدم العلة لا حال وجودها. # لأنا نجيب عن الأول ، بأن نعم الله لا يخلو منها أحد ، ومع ذلك فإن أحدا ~~من العقلاء لا يجد في نفسه غضاضة من تلك النعم والعلم به ضروري. # وعن الثاني ، أن تكليف العبد الشكر بالعبادة عقيب النعمة عليه قبيح ، ~~ولهذا فإن العقلاء يذمون من كلف غيره الشكر على نعمة أنعمها عليه وقالوا : ~~إنه أبطل نعمته. # وعن الثالث ، أن الشرط ليس هو الموافاة بل هو الاستمرار على فعل الطاعة ~~والموافاة دليل على ذلك الاستمرار. ### |||| ** مسألة : اتفق اهل العدل على استحقاق العاصي العقاب بمعصيته ، وخالفهم في ذلك ~~الأشاعرة (1). # ثم اختلف العدلية فقالت المعتزلة والزيدية والقائلون بالوعيد : إن العلم ~~به عقلي. PageV01P506 # وقالت المرجئة ومن وافقها من الإمامية : ان العلم به سمعي. # احتجت المعتزلة بأن العاقل إذا علم أنه تعالى كلفه وعلم أنه حكيم علم أنه ~~مريد لفعله ، والمريد للفعل من غيره فاعل لما يقرب الفاعل من ذلك الفعل ~~ويبعده عن تركه والعقاب من الأسباب المقربة للعبد الى الفعل فهو واجب في ~~حكمته تعالى. # وأيضا أوجب علينا أفعالا ، فإما أن يكون إيجابها لأجل النفع فيها وهو ~~باطل بالنوافل ، او لأن في تركها ضررا وذلك هو المطلوب. # وقالت المرجئة : لم لا يكون العقاب مشتملا على وجه من وجوه القبح؟ ومعه ~~لا يمكن الجزم بوجوبه ، والمعتزلة ينفون هذا بأن وجوه القبح معلومة لنا ~~لأنا مكلفون باجتنابها وهو بأسرها منفية هاهنا. ### |||| ** تذنيب : الثواب والعقاب انما يستحقان على الله تعالى لأنه هو المكلف لا غير ، وهو ~~الذي جعل ms259 هذه الأفعال شاقة ، وهو تعالى المختص بالقدرة على إثابة المكلف ~~دائما فكان الاستحقاق عليه تعالى. # وحكى قاضي القضاة عن الشيخ أبي علي : أن العقاب قد يستحق عن غيره تعالى ~~كما في القصاص لولي الدم وهو عقوبة ، وهذا ضعيف لأن القصاص انما وجب شرعا ~~للمصلحة لا من جهة العقل ، ولهذا إذا تاب القاتل واعتذر لا يسقط عنه القصاص ~~، ولأن ولي الدم لا مضرة عليه في قتل وليه فكيف يكون هو المستحق للعقوبة ~~دون الاجنبي؟ ### |||| ** مسألة : اختلفوا في العلم بدوام الثواب والعقاب ، فقالت المعتزلة : إنه عقلي ، ~~وذهبت المرجئة الى أنه سمعي. # احتج الأولون بوجوه : ### |||| ** احدها : أن العلم بدوام الثواب والعقاب ادعى الى الفعل الواجب وترك القبيح ، فيكون ~~أدخل في باب اللطف فيكون واجبا. PageV01P507 ### |||| ** الثاني : أن المدح والذم [دائمان فيكون الثواب والعقاب كذلك ، بيان الشرطية ان المدح ~~والذم (1) ] معلولا للطاعة والمعصية وهما لا شك في دوامهما فالعلتان ~~كالدائمتين فالمعلولان الآخران أعني الثواب والعقاب دائمان. ### |||| ** الثالث : أن التفضل الدائم قد يستحسن ، فلو لم يستحق الثواب على الدوام لكان التفضل ~~الدائم آثر عند العقلاء من الثواب المنقطع فكان لا يحسن التكليف تعريضا له ~~، بل الاولى أن يكون قبيحا ، لأن وجه حسن التكليف هو أنه تعريض لمنافع لا ~~طريق إليها الا التكليف فلو كان طريق الى ما فوقه لكان التكليف قبيحا. # اعترضت المرجئة على الأول ، بأن العلم بجهة الحسن لا يقتضي الوجوب لجواز ~~اشتماله على نوع مفسدة ، وقد مضى هذا. # وعلى الثاني ، أنه كما قد يحصل الحسن والقبح الموجبان للمدح والذم ولا ~~يحصل الثواب والعقاب كما في حق الله تعالى ، فلم لا يجوز حصول الحسن والقبح ~~الموجبان للمدح والذم ولا يحصل دوام الثواب والعقاب في حق العبيد؟ # وعلى الثالث ، أنه قد يحسن التكليف ، لأن للنفع المستحق مزية على المتفضل ~~به فجاز أن يختار المكلف التكليف لتلك المزية وقد يمكن الجواب عن هذه. PageV01P508 ### | البحث الثاني ### | في مسائل يتعلق بالثواب والعقاب ### |||| ** مسألة : يجوز توقف الثواب على شرط ، لأن العارف بالله تعالى مطيع لا يستحق ثوابا ~~الا بشرط المعرفة ms260 بالنبي عليه السلام والنظر في معجزته. # لا يقال : الثواب إنما يستحق بالإيمان الذي هو معرفة الله تعالى ومعرفة ~~رسوله فلا يلزم أن يكون جزء الايمان الذي هو معرفة الله تعالى سببا في ~~الاستحقاق ، سلمنا لكن يجوز أن يقال : إنه عارف ولكنه لا يستحق ثوابا لجواز ~~أنه لم يوقع المعرفة على وجه القربة أولم يوقعها لوجه وجوبها ، سلمنا لكن ~~لو توقف استحقاق الثواب على شرط لجاز توقف استحقاق المدح على شرط والتالي ~~باطل لأن العقلاء يمدحون على فعل الطاعة من غير تأخير. # وبيان الشرطية أن المقتضي لاستحقاق الثواب والمدح هو الطاعة ، فلو لم تكف ~~الطاعة في استحقاق الثواب لم يكف في استحقاق المدح. # لأنا نقول : كما يستحق الثواب على مجموع الإيمان فكذلك يستحق على أجزائه ~~، لأن كل واحد من تلك الأجزاء له مدخل في التأثير ، ولأن كل من عرف الله ~~تعالى ومات فانه يستحق الثواب. # قوله : لا يستحق ثوابا لأنه لم يوقعها على وجه القربة ، قلنا : وقوع ~~المعرفة على وجه القربة ممتنع ، فإن من لا يعرف الله تعالى لا يتقرب إليه. # قوله : لم يوقعها لوجه وجوبها ، قلنا : وجه الوجوب في المعرفة هي أنها ~~دافعة للضرر الحاصل من الخوف ، ولا شك أن من خاف من ترك المعرفة فإنه ~~يفعلها لدفع ذلك الضرر. PageV01P509 # وأيضا وجه وجوب المعرفة ليس له مدخل في الاستحقاق ، لأن وجه الوجوب إما ~~جلب النفع له او دفع الضرر ، ومن فعل الواجب لهذين لم يستحق المدح بل يذمه ~~العقلاء ، ولأجل ذلك اتفقت العدلية بأسرهم أن من فعل لأجلها لم يستحق ~~الثواب. # قوله : المدح معلول الطاعة ولا يتوقف فلا يتوقف الثواب ، قلنا : أين دليل ~~الملازمة؟ ولا استبعاد في كون أحد المعلولين مشروطا دون الآخر. # وأيضا فإنه يجوز أن يحصل أحد المعلولين دون الآخر فالتوقف لأحدهما على ~~شرط أولى ، فإنه تعالى يستحق المدح بالواجب ولا يستحق الثواب. ### |||| ** مسألة : اختلفت المعتزلة في اشتراط الموافاة في الثواب والعقاب. # فقال بهما مشايخ بغداد ، وأنكره الباقون. # والقائلون بالموافاة اختلفوا ، فمنهم من قال : لا تثبت الاستحقاق بهما ms261 ~~إلا في الآخرة وهو إذا وافى العبد بالطاعة سليمة إلى دار الآخر ، ومنهم من ~~قال : بل يثبت في حال الموت وهو إذا وافى العبد بهما الى الموت ، ومنهم من ~~قال : بل في حال الطاعة او المعصية بشرط الموافاة وهو أنه اذا كان معلوم ~~الحكيم (1) منه أنه لا يحبط الطاعة الى حالة الموت او لا يندم على المعصية ~~الى حالة الموت. # واحتج المشترطون بأن ثواب الإيمان دائم ، فلو لم تتوقف على الموافاة لكان ~~المرتد إما أن يستحق العقاب الدائم مع استحقاق دوام الثواب [فهو باطل (2) ] ~~، أو يكون أحدهما زائلا بالآخر وهو المطلوب. # واحتج النافون بأن حسن المدح والذم على الطاعة والمعصية غير متوقف فكذلك ~~الثواب والعقاب. PageV01P510 ### |||| ** مسألة : اعلم أنه يطلق على الذنب أنه صغير وأنه كبير ، إما على الاطلاق أو ~~باعتبار الطاعة والمعصية ، فالذنب الصغير مطلقا هو الذي ينقص عقابه عن عقاب ~~فاعله او يساويه في كل وقت ، وإنما قلنا في كل وقت لأنه إذا اختلف به الحال ~~فكان يزيد عقابه على ثوابه أو يساويه في وقت وينقص عنه في وقت لم يجز إطلاق ~~الوصف فيه بأنه صغير بل ينبغي أن تقيد بتلك الحال. # والكبير في مقابلته وهو يزيد عقابه في كل وقت على ثواب فاعله والتقييد ~~بكل وقت لما ذكرناه أولا. # وأما إذا أخذ في مقابلة الطاعة والمعصية فالذنب الصغير هو الذي ينقص ~~عقابه في كل وقت عن ثواب تلك الطاعة أو عقاب تلك المعصية ، وكذلك إذا قيل : ~~هذا كبير في جنب هذه الطاعة أو في جنب هذه المعصية ، أي يزيد عقابه على ~~ثوابها أو على عقابها في كل وقت. PageV01P511 ### | البحث الثالث ### | في الإحباط والتكفير # لا خلاف بين المسلمين في أن الكفر يزيل استحقاق ثواب الطاعات السابقة ، ~~والإيمان يزيل استحقاق العقاب السابق. # وإنما الخلاف في أنه هل يجوز اجتماع استحقاق الثواب والعقاب من غير أن ~~يحبط أحدهما الآخر أم لا؟ # وقبل الخوض في ذلك فاعلم أن الإحباط يراد به خروج الثواب والمدح ~~المستحقين عن كونهما مستحقين بذم أو عقاب أكثر ms262 منهما لفاعل الطاعة ، ~~والتكفير هو خروج الذم والعقاب عن كونهما مستحقين بثواب ومدح لفاعل الصغير. # إذا عرفت هذا فنقول : جمهور المعتزلة على أنه لا يمكن اجتماع الاستحقاقين ~~، والحق عندي خلافه ، ويدل عليه قوله تعالى : ( @QUR@012 فمن يعمل مثقال ~~ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) (1)، وقوله تعالى : ( @QUR@05 ~~من يعمل سوءا يجز به ) (2). # واعلم أن المكلف إذا فعل خمسة أجزاء من الثواب ثم فعل فعلا آخر استحق به ~~خمسة أجزاء من العقاب ، فالطاري إما أن يحبط الأول ولا يزول هو في نفسه وهو ~~قول بالإحباط ، او يحبط الأول ويزول هو أيضا وهو قول أبي هاشم في الموازنة (3). PageV01P512 # وأبطل قول أبي علي بوجوه : ### |||| ** احدها : أن التنافي إما أن يكون بين الطاعة والمعصية او بين الثواب والعقاب ، ~~والأول باطل لأن أحدهما مفقود عند وجود الثاني ، والثاني باطل أيضا لأن ~~العقاب والثواب في حال المنافات يكونان معدومين ولا تنافي في المعدومات. ### |||| ** وثانيها : أن من زادت حسناته على سيئاته يلزم أن يكون عند العقلاء بمنزلة من لم يحصل ~~منه إساءة (1)، وكذلك بالعكس ، وإن تساويا لزم أن يكون بمنزلة من لم يحصل ~~منه الإساءة والإحسان ، وكل ذلك باطل بالضرورة. ### |||| ** وثالثها : أن الثواب والعقاب إما أن يكونا متنافيين أو لا ، والثاني يفيد المطلوب ، ~~وعلى تقدير الأول لا ينفي أحدهما الآخر ، لأن المنافاة من الطرفين فلم يكن ~~الطاري بأن يزيل الباقي أولى من أن يمنع الباقي الطاري من الوجود. # وأبطل قول أبي هاشم بأن من فعل خمسة أجزاء من الثواب عقيب خمسة (2) أجزاء ~~من العقاب فليس زوال إحدى الخمستين بالخمسة المتأخرة أولى من الأخرى ، ولأن ~~زوال خمسة أجزاء الثواب بخمسة أجزاء العقاب يستلزم القول بكون المغلوب ~~غالبا ، أو يكون كل واحد منهما يعدم ويوجد دفعة واحدة وهو محال. # حجة المعتزلة وجهان : ### |||| ** الأول : قالوا : لو لم يكن القول بالإحباط حقا ، إما عند زيادته كما هو مذهب ~~القائلين بالموازنة ، أو عند تأخره كما هو مذهب القائلين بالموافاة ، كان ~~الاستحقاقان باقيين والتالي باطل فالمقدم مثله والملازمة ظاهرة. # وبيان بطلان التالي ms263 أن إيصال الثواب والعقاب الى المكلف إما أن يكونا في # واستحسن عبد الجبار هذا القول وقال : هذا هو الصحيح من المذهب (شرح ~~الاصول الخمسة ص 629). PageV01P513 # الاستحقاقان باقيين والتالي باطل فالمقدم مثله والملازمة ظاهرة. # وبيان بطلان التالي أن إيصال الثواب والعقاب الى المكلف إما أن يكونا في ~~حالة واحدة وهو محال لأن الثواب يجب خلوصه من الشوائب وكذلك العقاب. # وإما أن يكونا في وقتين ، فيجب تقدم أحدهما ويوجد الآخر عقيبه وذلك باطل ~~لأن كل واحد منهما دائم. ### |||| ** الثاني : يلزم حسن ذم من أحسن إلينا بأعظم ما يمكن ان يكون من الإحسان على اقل ضرر ~~صدر منه ، واللازم باطل فالملزوم مثله. # والجواب عن الاول ، انه مبني على دوام عقاب الفاسق ، وهو باطل بما يأتي. # وعن الثاني ، بالمنع من قبح الذم ، بل يحسن مدحه على الإحسان وذمه على ~~ذلك القبيح (1). # ويمكن ان يقال : ان رفع الصوت فوق صوت النبي نوع من الوهن والاستخفاف ~~عليه ، وهذا يتفاوت مع سائر المعاصي ، لأنه إن كرر ينجر الى انكار النبي ، ~~وهو عين الكفر. # وأيضا يمكن ان يقال : ان المراد من الحبط هنا حبط ثواب الملاقاة مع النبي ~~، قال الطبرسي : «وقال اصحابنا ان المعنى في قوله : ( أن تحبط أعمالكم ) ~~انه ينحبط ثواب ذلك العمل ، لأنهم لو اوقعوه على وجه تعظيم النبي وتوقيره ~~لا تستحقوا الثواب ، فلما فعلوه على خلاف ذلك الوجه استحقوا العقاب وفاتهم ~~ذلك الثواب ، فانحبط عملهم ، فلا تعلق لأهل الوعيد بهذه الآية» (مجمع ~~البيان ج 9 ص 196). PageV01P514 ### | البحث الرابع ### | في أن عقاب الفاسق منقطع # خالف في ذلك الوعيدية ، ولنا في ذلك العقل والنقل ، أما العقل من وجوه : ### |||| ** احدها : أن القول بخلود الفاسق ظلم فلا يصدر عنه تعالى ، بيان الصغرى أن القول ~~بالإحباط باطل على ما بينا فالفاسق مستحق للثواب بطاعاته وإيمانه ، فلا بد ~~من إيصاله إليه ، ولا يمكن ذلك قبل العقاب إجماعا فوجب أن يكون بعد العقاب ~~، وذلك هو المطلوب. ### |||| ** ثانيها : أن القول بخلود الفاسق يؤدي الى محال وهو مساواته لحال الكافر مع اختلاف ~~معاصيهما في ms264 العظم مع اقتران الإيمان بالفسق وانفكاكه عن الكفر. ### |||| ** وثالثها : أنه يقبح من الحكيم أن يعبده الانسان مائة سنة ثم يفسق مرة واحدة فيحبط ~~بذلك تلك الطاعات بأسرها. ### |||| ** ورابعها : أن معصية الفاسق متناهية فلا يستحق بها عقابا لا يتناهى ولا ينتقض ذلك ~~بالكفر الذي هو أعظم المعاصي المساوي لما لا يتناهى منها. # وأما المنقول ، فآيات : منها قوله : ( @QUR@07 يا معشر الجن قد استكثرتم ~~من الإنس ) الى قوله : ( @QUR@08 النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله ~~) (1)، فاستثنى من الخلود ما شاء الله وليس إلا أوقات الخروج منها. # اعترضوا على هذه بوجهين : ### |||| ** الأول : أن هذه عامة في الفساق والكفار ، فتخصيص الاستثناء باحدهما دون الآخر لا لمخصص. PageV01P515 ### |||| ** الثاني : أنه يحتمل الاستثناء ما قبل الدخول. # وهذان ضعيفان ، أما الأول ، فالتخصيص مستفاد من الأدلة الدالة على ~~استحقاق الفاسق الثواب. # وأما الثاني ، فلأن الخلود إنما يكون بعد الدخول ، فالاستثناء لو صرف الى ~~ما قبله لزم الإضمار من غير فائدة والقبح في اللفظ. # ومنها قوله تعالى : ( @QUR@010 وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من ~~الأشرار ) (1)، وهذا لا يكون الا اذا فقدوا قوما خرجوا منها. # ومنها قوله تعالى : ( @QUR@010 خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ~~ما شاء ربك ) (2)، وهما غير دائمين فالمعلق عليهما كذلك. # وأيضا الاستناد دليل على خروجهم من النار ، وأيضا فقد رويت أحاديث كثيرة ~~بالغة حد التواتر أن يخرج الله من النار قوما بعد ما صاروا حمما (3). # واحتجت الوعيدية بالعقل والنقل ، أما العقل فهو أن الفساق لو أخرجوا من ~~النار فإما أن يدخل الجنة أو لا ، والثاني باطل إجماعا ، والأول إما أن ~~يثابوا أولا ، والأول إما أن يثابوا تفضلا أو استحقاقا ، والأول باطل ~~اجماعا ، والثاني باطل بالإحباط ، والثاني أيضا باطل اجماعا. # وأما النقل فالآيات الدالة على الخلود من قوله تعالى : ( @QUR@010 ومن ~~يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها ) (4)، ومن قوله تعالى ~~: ( @QUR@02 ومن يقتل PageV01P516 # @QUR@02 مؤمنا متعمدا ) (1)، ومن قوله : ( @QUR@07 بلى من كسب سيئة ~~وأحاطت به خطيئته ) (2)، والخلود هو الدوام بالنقل عن أهل اللغة ، وبقوله ~~: ( @QUR@06 وما جعلنا لبشر ms265 من قبلك الخلد ) (3)، وبأنه يتأكد بالدوام ~~كقوله تعالى : ( @QUR@03 خالدين فيها أبدا ) (4)، واستثناء اي وقت شيئا ~~منه والاستثناء يخرج الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه ، لأنه كذلك في أسماء ~~العدد اتفاقا فيكون مطلقا كذلك وإلا لزم الاشتراك او المجاز وكلاهما محال. # والجواب عن العقل أنه مبني على الإحباط ، وقد أبطلناه. # وعن الآيات من وجهين : # الأول : لا نسلم أن الخلود موضوع للدوام ، وما ذكرتموه لا يدل عليه ، ~~أقصى ما في الباب أنه قد أريد به الدوام في بعض المواضع ، وذلك لا يدل على ~~أنه موضوع له لجواز أن يكون موضوعا للقدر المشترك بين المكث المتطاول من ~~غير دوام وبينه مع الدوام ، وهذا أولى ، لأنه قد استعمل في كل واحد من ~~المعنيين والاشتراك والمجاز منتفيان. # ثم إنا نعارضهم بآيات الخلود في الوعد من قوله تعالى : ( @QUR@010 والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ) (5). # الثاني : المنع من عموم لفظة «من» هاهنا ، إما بالمنع من كونها كذلك في ~~اصل اللغة كما هو مذهب المنكرين للعموم او مذهب المعترفين به المنكرين لكون ~~هذه الصيغة من صيغته. PageV01P517 # وإما بالمنع من كونها هاهنا كذلك جمعا بين الأدلة. ### |||| ** مسألة : اتفق المسلمون على أن الكافر المعاند مخلد ، أما الكافر الذي بالغ في ~~الاجتهاد ولم يصل الى الحق فقد اتفقوا على أنه كذلك ، الا الجاحظ والعنبري ~~فانهما قالا : أنه معذور لقوله تعالى : ( @QUR@07 ما جعل عليكم في الدين من ~~حرج ) (1). # وهذا القول (2) عندي باطل. # أما أولا ، فلمخالفة الإجماع ، وأما ثانيا ، فلأن البالغ في الاجتهاد إما ~~أن يصل أو يموت على الطلب وكلاهما ناجيان ، ومحال أن يؤدي الاجتهاد الى ~~الكفر ، والكافر إن قلد كافرا او كان جاهلا جهلا مركبا كان مقصرا على ~~التقديرين ، وقوله تعالى : ( @QUR@07 ما جعل عليكم في الدين من حرج ) ليس ~~على عمومه. PageV01P518 ### | البحث الخامس ### | فيما يسقط به العقاب # وهو ثلاثة أشياء : العفو ، والتوبة ، والشفاعة. ### ||| ** فهاهنا ثلاثة مقاصد : ### ||| ** الأول في العفو # اتفقت المعتزلة على أنه لا يجوز العفو ابتداء عن أصحاب الكبائر سمعا ، ~~واختلفوا في جوازه عقلا فذهب البغداديون ms266 الى أنه لا يجوز ، وذهب البصريون ~~الى جوازه ، وذهبت الإمامية الى جوازه عقلا وسمعا (1). # اما عقلا فلأن العفو إحسان فيكون حسنا والمقدمتان قطعيتان ولأنه حقه وفي ~~استيفائه ضرر على المكلف فلا مضرة عليه تعالى في إسقاطه فيكون إسقاطه حسنا قطعا. # لا يقال : العلم بالعفو إغراء بالقبيح فيكون العفو قبيحا ولأن العفو مع ~~الوعيد كذب. # لأنا نقول : العفو ليس بقطعي فلا يكون إغراء كما أن المكلف يسقط بتوبته ~~العقاب مع أن التوبة ليست إغراء بالقبيح لأنها ليست متيقنة الحصول أما ~~الوعيد فمعارض بآيات الوعد. # وأما النقل فوجوه : PageV01P519 ### |||| ** احدها : قوله تعالى : ( @QUR@011 إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ) ~~(1). فنقول : هذا الغفران إما أن يكون مع التوبة أو بدونها ، والأول باطل ~~للإجماع بأن الشرك مغفور على التوبة فالثاني حق ، ولا يمكن أن يقال : إن ~~عدم غفران الشرك مع عدم التوبة وغفران ما دون ذلك بها لخروج الكلام عن ~~النظم الصحيح فلا يبقى للفصل معنى ، ولأن الغفران مع التوبة واجب فلا يجوز ~~تعليقه بالمشية. # لا يقال : الغفران هو الستر لا الإسقاط ، وتحقيق الغفران في حق صاحب ~~الذنب تأخير عقوبته الى يوم القيامة ، وتحقيق عدمه في حق الكافر هو تعجيلها ~~، وتحقيق هذا التأويل ما قبل الآية من قوله : ( @QUR@025 يا أيها الذين ~~أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها ~~على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت ) ثم عقب بعد ذلك بقوله ( ~~@QUR@07 إن الله لا يغفر أن يشرك به )، التقدير إن لم تؤمنوا فعلنا بكم ~~كما فعلنا بأهل الكتاب من طمس الوجوه والمسخ. # سلمنا أن المراد السقوط ، لكن يحتمل أن يكون السقوط اشارة الى بعض أنواع ~~العقاب لا إلى جميع أنواعه ، ونحن نقول بذلك ، فإن عقاب الكافر أزيد من ~~عقاب الفاسق فيحتمل أن يكون الساقط ذلك القدر الزائد من العقاب. # لأنا نجيب عن الاول ، بوقوع الإجماع ، على أن المراد بالغفران هاهنا (2) ~~السقوط ، فإن الوعيدية تأولوا ذلك بالتائب او بمن زاد ثوابه على عقابه ، ~~والتفضلية حملوا ms267 ذلك على المضر ، فعلم أنهم اتفقوا على ان المراد بالغفران ~~السقوط. # وعن الثاني ، ان المراد سقوط جميع أنواع العقاب والا لما بقي فرق بين ~~الكافر والفاسق ، فإن الكافر لا يمكن أن يعذب بجميع أنواع العذاب. PageV01P520 ### |||| ** وثانيها : قوله تعالى : ( @QUR@07 وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ) (1)، وعلى ~~تدل على الحال ، فأثبت المغفرة حالة الظلم وذلك هو المطلوب ترك العمل به في ~~حق الكافر فيبقى الباقي على الأصل. ### |||| ** وثالثها : قوله تعالى : ( @QUR@017 قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من ~~رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ) (2)، ترك العمل به في الكافر ~~للإجماع فيبقى الباقي على عمومه. ### |||| ** ورابعها : اتفقت الأمة على وجوب الشفاعة وتأثيرها في اسقاط العقاب على ما يأتي. ### |||| ** وخامسها : اتفقت الأمة على أن الله تعالى يعفو عن العباد ونطق القرآن بذلك ، ولا شك ~~أن إسقاط العقاب عن أصحاب الصغائر مطلقا وعن أصحاب الكبائر بعد التوبة واجب ~~، فلا يكون عفوا باسقاط عقابهما فوجب أن يكون بإسقاطه العقاب عن اصحاب ~~الكبيرة قبل التوبة. # احتج المخالف بوجوه : ### |||| ** الأول : أن العقاب لطف فيكون إسقاطه قبيحا. ### |||| ** الثاني : قوله تعالى : ( @QUR@010 ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا ~~فيها ) (3)، وقوله : ( @QUR@05 من يعمل سوءا يجز به ) (4)، وقوله : ( ~~@QUR@06 ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا ) (5)، وقوله : ( @QUR@09 فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال PageV01P521 # @QUR@03 ذرة شرا يره ) (1)، وقوله : ( @QUR@08 ومن يقتل مؤمنا متعمدا ~~فجزاؤه جهنم خالدا فيها ) (2)، ولفظة من للعموم. ### |||| ** الثالث : قوله تعالى : ( @QUR@08 إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم ) (3)، ~~وجه الاستدلال أن الاسم المحلى بالألف واللام إن قلنا بعمومه كما هو مذهب ~~أبي علي ثبت المطلوب ، وإن لم نقل به كما هو مذهب ابي هاشم قلنا إن هذه ~~الحجة (4) خرجت مخرج الزجر على الفجور ، فيكون هذا الحكم مترتبا على الفجور ~~فيكون الفجور علة فيلزم العموم أيضا. # والجواب عن الأول ، ينتقض ما ذكرتم بوجوب إسقاطه بالتوبة ، ثم الجواب ~~الحقيقي أن تجويز العقاب لطف وذلك حاصل على تقدير القول بالعفو فإن الفاسق ~~لا يقطع لحصول العفو. # وعن ms268 الوجهين الآخرين ، بأن هذه الآيات مشروطة بعدم العفو كما أنه مشروطة ~~بعدم التوبة اتفاقا وذلك للجمع بين آيات الوعيد والوعد. # وأيضا المعارضة بآيات الوعد ، وأيضا بالمنع من العموم ولو سلمنا أنها ~~موضوعة له ولكنها غير موضوعة له قطعا ، ولو كان كذلك لكنها غير مراد منها ~~العموم قطعا. PageV01P522 ### | المقصد الثاني ### | في التوبة # وقد حد أبو هاشم التوبة بأنها الندم على المعصية والعزم على ترك المعاودة ~~، لأن التوبة بذل الوسع ولا يكون الشخص باذل لوسعه الا اذا عزم على ترك ~~المعاودة مع ندمه على التالف. # وجماعة جعلوا العزم على ترك المعاودة شرطا فيها لا جزءا ، ومحمود لم ~~يجعله شرطا ولا جزءا (1). ### |||| ** مسألة : التوبة إن كانت من فعل القبيح المتضمن لا يصال الضرر الى الغير ، فإن كان ~~ظلما وما أشبهه من القذف وغيره فانه لا تصح قبل الخروج الى المظلومين من ~~حقوقهم او الى ورثتهم او الاستيهاب من المظلومين ، وان لم يتمكن في الحال ~~من ذلك عزم على أدائه متى أمكن ، وإن كان إضلالا فلا تصح التوبة الا بعد أن ~~بين لمن أضله بطلان قوله. # وإن لم يتضمن القبيح إيصال الضرر الى الغير كفى في التوبة الندم والعزم. # وإن كانت من إخلال بواجب وكان يصح ادائه في كل وقت كالزكاة لم تصح الا ~~بعد أدائه مع المكنة ، وإن اختص بوقت وكان مما يصح قضاؤه كالصلاة لم تصح ~~الا بعد الاشتغال في القضاء مع المكنة ، وإن لم يكن مما يصح قضاؤه كالعيد ~~كفى الندم والعزم. # واعلم أن التوبة إنما تصح عن القبيح اذا وقعت ندما عليه لأجل قبحه ، وهذا ~~ظاهر ، فإن جهة القبح جهة صرف ، ولأن من تاب عن الخمر لأجل ضرره PageV01P523 # به لا يعد تائبا ، وكذلك من ترك القبيح للخوف من النار ، ولو لا خوفه ~~منها لفعله ، فإن توبته غير صحيحة ، وكذا القول في ترك الواجب. # ومن الناس من قال : يجب أن يندم على القبيح لقبحه ولوجه قبحه ، ويتفرع ~~على هذا الخلاف. ### |||| ** مسألة : هي ان التوبة هل تصح من قبيح دون قبيح (1) أم ms269 لا؟ # ذهب أبو علي الى جوازه وادعى الإجماع عليه ، وذهب أبو هاشم الى المنع منه ~~، وحكى قاضي القضاة قول أبي هاشم عن أمير المؤمنين عليه السلام وعن أولاده ~~كعلي بن موسى الرضا عليهما السلام (2). # حجة ابي هاشم أن القبيح إنما ترك لقبحه فيجب ترك ما ساواه في العلة ، كمن ~~يقول : لا آكل الرمانة لحموضتها ، فإنه يجب أن لا يأكل كل رمانة حامضة. # واحتج ابو علي بأن الإتيان بواجب دون واجب صحيح اجماعا ، فإن من صام ولم ~~يصل صحيح (3) صومه. # وبيان الشرطية أنه كما تجب التوبة من القبيح بقبحه ، كذلك إنما يجب فعل ~~الواجب لوجوبه ، فإن لزم من اشتراك القبائح في العلة أن لا تصح التوبة من ~~البعض ، لزم من اشتراك الواجبات في العلة أن لا يصح البعض. # قال أبو هاشم : الفرق واقع بين الفعل والترك ، فإن تارك الرمانة لحموضتها ~~ترك الجميع ، وليس (4) الأكل لها للحموضة أكلا للجميع ، وهذا المثال باطل ، لأن PageV01P524 # المانع من الأكل في صورة الترك هو الحموضة فلذلك وجب العموم ، وأما في ~~صورة الفعل فليس المقتضي للأكل هو الحموضة لا غير بل مع دواع فلا يجب ~~العموم. # واعلم أن ما قال أبو هاشم لازم ولا خلاص عنه الا بالقول بأن التوبة انما ~~يجب عن القبيح لقبحه ولوجه قبحه ، ولا شك في أن القبائح لا تتشابه في وجوه ~~القبح وإن تشابهت في القبح ، وألزموا أبا هاشم خرق الاجماع في صورة اليهودي ~~اذا سرق حبة وتاب عن اليهودية ولم يتب عن السرقة ، فإن توبته مقبولة ~~إجماعا. ### |||| ** مسألة : التوبة واجبة ، أما عن الكبائر فلأنها دافعة للضرر الذي هو العقاب فيكون ~~واجبة ، وأما مطلقا فبالسمع كقوله تعالى : ( @QUR@05 توبوا إلى الله توبة ~~نصوحا ) (1)، وما علم من دين الأنبياء عليهم السلام من وجوب التوبة. # واختلفوا في المعصية إذا تاب عنها ثم ذكرها من بعد هل يجب التوبة عنها؟ ~~قال أبو هاشم : لا يجب ، وأوجبه آخرون ، حجة ابي هاشم أن الواجب قد فعل ~~فيسقط التعبد به. # احتج الآخرون بأنه إذا ذكرها ، فإن وجد من نفسه ms270 الاستمرار عليها وذلك لا ~~يكون الا بتجديد التوبة ، فيكون تجديدها واجبا ، وإن لم يجد وجب تجديدها ، ~~لأن الآتي بالتوبة لا يعلم سقوط العقاب بها فيجب تجديدها ، وفي هذا ضعف. ### |||| ** مسألة : ذهبت المعتزلة الى أن سقوط العقاب عند التوبة واجب ، وقالت المرجئة انه ~~تفضل (2). # احتجت المعتزلة بوجهين : ### |||| ** الأول : أن القول بعدم سقوط العقاب يقتضي قبح التكليف في حق العاصي ، PageV01P525 # لأنه انما يحسن توصلا الى الثواب والثواب لا يجامع استحقاق العقاب ، فلو ~~لم يكن له طريق الى التخلص من العقاب لقبح تكليفه. ### |||| ** الثاني : أنه يجب سقوط الذم عقيب التوبة ، فيجب سقوط العقاب الذي هو المعلول الآخر. # أما الأول ، فلأن من أساء الى غيره واعتذر إليه وعرف صدق اعتذاره وجب ~~عليه أن يسقط ذمه على تلك الإساءة ومتى ذمه ذمه العقلاء. # وأما الثاني ، فلأن المقتضي لهما معا المعصية ، فلما سقط الذم علمنا أنها ~~خرجت عن التأثير في استحقاق العقاب. # اعترض عليهم في الأول بأن له طريقا غير التوبة وهي العفو أو استكثاره من ~~الطاعات على رأيهم بحيث يزيد ثوابه على عقابه فيسقط عقابه ومع تسليم عدم ~~الطريق نمنع عدم استحقاق الثواب والعقاب فإن العقاب عندنا منقطع. # وفي الثاني بالمنع من وجوب قبول الاعتذار ، ولو سلم ، فالقياس على الشاهد ~~غير متين مع أنه منقوض ، فإن القبح يقتضي الذم ولا يقتضي العقاب كما في حقه ~~تعالى ، فلم لا يخرج القبيح عن مؤثريته في استحقاق الذم شاهدا ولا يخرج عن ~~مؤثريته في استحقاق العقاب؟ # احتج الآخرون بأن وجوب السقوط إن كان لوجوب (1) القبول وجب أن يكون من ~~أساء الى غيره بأعظم الإساءات ثم اعتذر إليه ولم يقبل اعتذاره يذمه العقلاء ~~، وليس كذلك ، وإن كان لأن الثواب المستحق بها اكثر من العقاب بها فهو باطل ~~لما مر من إبطال التحابط. # والاوائل قالوا : إن التعلق بالجسمانيات مما يوجب التعذب لاشتغال النفس ~~بها عن المعقولات الملائمة لها ، فالتوبة ندم على ذلك التعلق وإقلاع عنه ~~فهو مسقط PageV01P526 # للعقاب لأنه يدل على التفات النفس الى المعقولات. ### |||| ** مسألة : ذهب الشيوخ الى ان ms271 التوبة مسقطة للعقاب لذاتها ، وذهب قوم الى أنها مسقطة ~~له بكثرة ثوابها. # احتج المشايخ بأن من أساء وبالغ في الاعتذار قبح ذمه لا لكثرة استحقاق ~~المدح بالاعتذار ، لأنه لو كان كذلك ، لكان ذلك بالإحسان إليه بعد الإساءة ~~فكان يجب أن لا يسقط الذم الا بالإحسان ، فلما سقط مطلقا علمنا أنها مسقطة ~~بنفسها. # واحتج المخالف بأنها لو أسقطت العقاب بنفسها لأسقطه في الدار الآخرة. # والجواب ، المعارضة ، فإنها لو أسقطته بكثرة الثواب لأسقطته في الدار ~~الآخرة. # لا يقال : لا استحقاق بها في الدار الآخرة لأنها ملجأ إليها. # لأنا نقول : فلا يستحق سقوط العقاب بها لأنه ملجأ إليها ، لأنه نادم على ~~المعصية لا لقبحها. PageV01P527 ### | المقصد الثالث ### | في الشفاعة # اتفق المسلمون على ثبوت الشفاعة لنبينا صلى الله عليه وآله ، واختلفوا فذهبت ~~المعتزلة الى أن الشفاعة إنما هي للمؤمنين في زيادة المنافع ، وذهب غيرهم ~~الى أنها تكون للفساق في سقوط عقابهم ، وهو الحق عندي لوجوه : ### |||| ** أحدها : أن الشفاعة لا يفهم الا في اسقاط العقاب. ### |||| ** الثاني : أن طلب المنافع للغير لو كان شفاعة لكنا شافعين في الرسول عليه السلام . # لا يقال : الرتبة معتبرة بين الشافع والمشفوع فيه. # لانا نقول : لو اعتبرت منهما اعتبرت بين الشافع والمشفوع إليه ، والتالي ~~باطل لأن النبي عليه السلام شفع الى بريرة (1) وهي أخفض منه. ### |||| ** الثالث : ما نقل عنه عليه السلام من قول ادخرت شفاعتي لاهل الكبائر من امتي (2). ### |||| ** الرابع : أن الشفاعة انما هي للمحتاج الذي هو الفاسق ، أما المستغني فالشفاعة له عبث. # احتجوا بقوله تعالى : ( @QUR@07 ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ) (3) ~~، وبقوله PageV01P528 # تعالى : ( @QUR@04 وما للظالمين من أنصار ) (1). # والجواب المنع من العموم والحمل على الكافرين جمعا بين الأدلة لأن نفي ~~الشفيع المطاع لا يستلزم نفي مطلق الشفيع ، لأن المفهوم من المطاع الشفيع ~~الذي يكون فوق المشفوع إليه ، ولا أحد فوقه تعالى ، والناصر يطلق على ~~المغالب المدافع وهو منتف بخلاف الشافع. PageV01P529 ### | المنهج الحادي عشر ### | في الأسماء والأحكام PageV01P531 # اختلف الناس في الإيمان (1)، فذهبت الإمامية الى أنه المعرفة ، وهو مذهب ~~جهم بن صفوان ويميل ms272 إليه أبو الحسن الأشعري ، وذهبت الأشعرية الى أنه عبارة ~~عن التصديق ، وذهبت الكرامية الى أنه عبارة عن التلفظ بالشهادتين ، وذهب ~~الجبائيان واتباعهما الى أنه عبارة عن فعل الواجبات والاجتناب عن المحرمات ~~، وذهب قاضي عبد الجبار وأبو الهذيل العلاف الى أنه اسم لجميع الطاعات من ~~فعل الواجبات والمندوبات. # وذهب جماعة السلف الى أنه عبارة عن اعتقاد (2) بالقلب وإقرار باللسان ~~وعمل بالاركان ، وهو مذهب شيخنا المفيد رحمه الله وذهب بعض أصحابنا الى أنه ~~عبارة عن الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان أو حكمه كما في حق الساكت ~~والنائم والمكره ، والأخير عندي هو الحق ، لأن الإيمان في اللغة التصديق ~~والأصل عدم النقل ، ولأنه لو نقل في الشرع لكان ذلك معلوما كسائر الألفاظ ~~المنقولة شرعا. # وذلك التصديق لا يجوز أن يكون اشارة الى المعرفة القلبية لقوله تعالى : ( ~~@QUR@06 فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ) (3)، ولا التصديق اللساني لقوله ~~تعالى : ( @QUR@014 قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما ~~يدخل الإيمان في قلوبكم ) (4)، ولا شك أن اولئك الأعراب كانوا مصدقين ~~بألسنتهم ، وقوله تعالى : ( @QUR@011 ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم ~~الآخر وما هم بمؤمنين ) (5) فوجب أن يكون الإيمان PageV01P533 # عبارة عن مجموعهما. # احتجت المعتزلة بأن فعل الطاعات هو الدين لقوله تعالى : ( @QUR@03 وذلك ~~دين القيمة ) (1)، إشارة الى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وعبادة الله ~~تعالى ، والدين الإسلام لقوله تعالى : ( @QUR@01 إن ) ( @QUR@04 الدين عند ~~الله الإسلام ) (2)، والإسلام الإيمان وإلا لم يكن مقبولا لقوله : ( ~~@QUR@08 ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ) (3)، وأيضا قوله تعالى ~~: ( @QUR@05 وما كان الله ليضيع إيمانكم ) (4)، اي صلاتكم. # والجواب عن الأول ، أن ذلك لفظ واحد وما تقدم جمع فلا يعبر به عنه ، فلا ~~بد من المجاز ، فنحن نقول : المراد به وذلك الدين أو الإخلاص دين القيمة. # وعن الثاني ، أنه يجوز أن يكون المراد به تصديقكم بتلك الصلاة. # وينتقض مذهبهم بوجوه : # أحدها : أن الإيمان يجامع المعصية فلا يكون هو عبارة عن فعل الطاعات ، ~~بيان الأول قوله تعالى : ( @QUR@015 وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ~~فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا ms273 التي تبغي ) (5)، ~~وقوله تعالى : ( @QUR@06 الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ) (6). # وثانيها : أن فعل الطاعات معطوف على الإيمان فيكون مغايرا له لقوله تعالى ~~: ( @QUR@04 الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) (7)، وقوله : ( @QUR@05 ومن ~~يأته مؤمنا قد عمل PageV01P534 # @QUR@01 الصالحات ) (1). # وثالثها : أن الإيمان من صفات القلوب لقوله تعالى : ( @QUR@03 يشرح صدره ~~للإسلام ) (2)، وقوله : ( @QUR@03 وقلبه مطمئن بالإيمان ) (3)، وقوله : ( ~~@QUR@05 أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ) (4). ### |||| ** مسألة : صاحب الكبيرة مؤمن (5) لما بينا من أن الإيمان هو التصديق القلبي بما علم ~~بالضرورة مجيء الرسول به. # ذهبت المعتزلة الى أنه لا كافر ولا مؤمن ، بل هو منزلة بين المنزلتين. # وذهب الحسن البصري الى أنه منافق ، وذهبت الزيدية الى أنه كافر نعمة. # وذهبت الخوارج الى أنه كافر ، وذهبت الأزارقة من الخوارج الى أنه مشرك ، ~~وذهبت المرجئة وأصحاب الأشعري واصحاب الحديث وكافة اصحابنا الى ما ذهبنا ~~نحن إليه. # واحتجت المعتزلة بأن الفاسق ليس بمؤمن ، لأنه ليس بفاعل للطاعات ولا تارك ~~للمعاصي ولا بكافر لأنه يقام عليه الحدود ولأنه يدفن في مقابر المسلمين # وكان هذا بدء ظهور المعتزلة وعلة تسميتهم بهذا الاسم كما قيل ، انظر : ~~المقريزي ، الخطط ج 2 ص 345 ، وابن خلكان ، وفيات الاعيان ج 5 ص 60 ، وانظر ~~عن اختلاف الاقوال في المسألة الى : الفاضل المقداد ، ارشاد الطالبين ص 442 ~~، والايجي ، المواقف ص 389. PageV01P535 # ويغسل كتغسيلهم. # والجواب عن قولهم أنه مبني على أن الإيمان فعل الطاعات ، ونحن قد بينا ~~بطلانه. ### |||| ** مسألة : الكفر عبارة عن إنكار ما علم بالضرورة مجيء الرسول به ، وقال القاضي : ~~إنه المجحد بالله وهو غير منعكس ، وقالت المعتزلة : إنه قبح أو إخلال بواجب ~~يستحق به أعظم العقوبات. # وهو باطل ، لأن عقوبات الكفر متفاوتة وكل ما زاد فهو أعظم بالنسبة الى ما ~~نقص وعلى قولنا لا يكفر أحد من اهل الصلاة وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه. # والمعتزلة الذين تقدموا على أبي الحسين كفروا الأشاعرة بقولهم بالصفات ~~ونسبة الأفعال الى الله تعالى. # وأما المشبهة فقد كفرهم الجمهور من الأشاعرة ومن المعتزلة ، وهو الحق ~~عندي ، لاعتقادهم أن واجب الوجود جسم وكل جسم محدث لما بينا. ### |||| ** مسألة ms274 : التأويل لا يمنع من كون المذهب خطأ ، لأن التأويل الفاسد لا يخرج الجهل ~~عن كونه جهلا ، فيكون هاهنا انضمام معصية الى معصية فيكون أبلغ. # وقال العنبري : يخرج المذهب الباطل عن بطلانه كما أن الأجنبية اذا اعتقد ~~أنها امرأته فإنها لا تحرم عليه ، وهذا المثال خطأ ، لأن الشرط في الزنا هو ~~العلم بأنها أجنبية فيتغير بالجهل. ### |||| ** مسألة : الفسق لغة الخروج ، واصطلاحا الخروج ، عن طاعة الله تعالى فيما دون الكفر. # والنفاق لغة أن (1) يبطن الإنسان خلاف ما يظهره ، وفي الشرع إظهار PageV01P536 # الإيمان وإبطان الكفر. ### |||| ** مسألة : حكم المؤمن المستحق للمدح هو التعظيم ويتزايد تعظيمه بحسب تزايد شرفه ، ~~ومن أحكامه أن يزوج المؤمنة ويرث من المؤمن وتغسيله والصلاة عليه ودفنه في ~~مقابر المسلمين ، وإن كان مرتكبا لذنب فإن كان كبيرا ذم ولم يمدح وشهادته ~~مردودة ويحد إن أوجب الذنب الحد ويلحق به أحكام المؤمنين المغايرة لذلك. ### |||| ** والمرجئة قالوا : إن الفاسق يمدح لإيمانه ويذم لفسقه ، والخوارج قالوا : إنه يذم وله أحكام ~~الكفار وإن لم يعلم (1) كونه كبيرا لم يذم وأما الكافر فإن كان كفره بعد ~~إيمان سمي ردة ويستتاب إن لم يولد على الفطرة فإن تاب وإلا قتل ، وإن ولد ~~على الفطرة قتل وإن لم يكن بعد إيمان ، فإن كان حربيا قوتل حتى يسلم ، وإن ~~كان ذميا او مجوسيا فانه يقتل او تؤخذ منه الجزية بشرط الالتزام بالذمة. # والمنافق إن أظهر نفاقه أجرى عليه أحكام الكفار ، وإن لم يظهر أجرى عليه ~~أحكام المسلمين. PageV01P537 ### | المنهج الثاني عشر ### | في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر PageV01P539 # الامر هو طلب الفعل بالقول على جهة الاستعلاء ، والمعروف كل فعل حسن اختص ~~بوصف زائد على حسنه إذا علم ذلك فاعله أو دل عليه. # والامر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان بالشرع ، فإن ذلك معلوم من دين ~~محمد عليه السلام ، وقال آخرون إن وجوبهما عقلي ، وأورد عليهم أنه لو كان ~~كذلك لما ارتفع معروف ولما وقع منكر أو كان الله تعالى مخلا بالواجب ~~والتالي بقسميه باطل فالمقدم مثله. # بيان الشرطية أن الأمر بالمعروف هو ms275 الحمل على فعل المعروف والنهي عن ~~المنكر هو المنع منه ، فلو كانا واجبين بالعقل لكانا واجبين على الله تعالى ~~، لأن كل واجب عقلي فإنه يجب على كل من حصل فيه وجه الوجوب ، ولو وجبا على ~~الله تعالى لزم أحد المحذورين. # وأما بطلانهما ، أما الثاني فظاهر بما سلف من حكمته ، وأما الأول فلأنه ~~يلزم الإلجاء وينافي التكليف. # لا يقال هذا وارد عليكم في وجوبهما على المكلف ، لأن الأمر هو الحمل ~~والنهي هو المنع ، ولا فرق بين الحمل والمنع في اقتضائها الإلجائين ما إذا ~~صدرا من المكلف او من الله تعالى ، وذلك قول بابطال التكليف. # لأنا نقول : لا نسلم انه يلزم الإلجاء ، لأن منع المكلف لا يقتضي ~~الامتناع ، أقصى ما في الباب أنه يكون مقربا ويجري ذلك مجرى الحدود في باب ~~اللطف ، ولهذا يقع هذه الأفعال مع حصول الإنكار وإقامة الحدود. ### |||| ** مسألة : من شروط الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أن يعلم الآمر والناهي كون ~~المعروف معروفا والمنكر منكرا وهو ظاهر. # ومن شروطهما أن يكون المعروف مما سيقع والمنكر مما سيترك ، فإنهما بعد PageV01P541 # وقوعهما لو أمر ونهى بهما لكان عابثا. # ومنها : أن يجوز تأثير إنكاره ، لأن الغرض هو ارتفاع المنكر ووقوع ~~المعروف ، وتوجيههما الى من لا يؤثران فيه عبث. # ومنها : أن يعلم أنه لا مفسدة في ذلك دينية ولا دنيوية والا لزم استلزام ~~الإنكار المنكر وهو مفسدة. ### |||| ** مسألة : اختلفوا في وجوبهما فذهب الشيخ أبو جعفر الطوسي رحمه الله الى أنهما ~~واجبان على الأعيان (1)، مستدلا بقوله عليه السلام : «لتأمرن بالمعروف ~~ولتنهن عن المنكر» (2)، وبفحوى قوله تعالى : ( @QUR@023 لعن الذين كفروا ~~من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ~~كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ) (3)، وبالامر الوارد للنبي عليه السلام ~~بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر مع وجوب التأسي به. # وذهب السيد المرتضى رحمه الله الى أنهما واجبان على الكفاية (4)، لأن ~~الغرض منهما وقوع المعروف وارتفاع المنكر ، فمتى حصلا بفعل واحد كان توجه ~~الأمر بهما على غيره عبثا. ### |||| ** مسألة : الآمر بالمعروف ms276 ينقسم الى واجب وندب تبعا لانقسام المعروف إليهما ، أما ~~المنكر فلما كان كله قبيحا كان النهي عنه كله واجبا ، ولهما قسمة أخرى ~~باعتبار الفاعل ، وذلك لأنهما قد يجبان باللسان واليد والقلب. ### |||| ** مسألة : الدعاء هو طلب المنافع ودفع المضار بالقول منه تعالى ، هذا في العرف وأما ~~في الوضع فإنه عبارة عن الطلب ، ويمضي في الكتب أنه يقتضي الرتبة ، PageV01P542 # وهو خطأ فإن العقلاء يسمون السيد داعيا لعبده الى سقيه الماء ويقولون : ~~إنه تعالى دعانا الى عبادته. # ومن شروط حسن الدعاء علم الداعي كون ما يطلبه بدعائه مقدورا لمن يدعوه ، ~~وهذا يتضمن أن من دعا الله تعالى يجب أن يكون عارفا به وبصفاته. # ومن شروط حسنه أن يعلم حسن ما طلبه ، وذلك إنما يكون بأن لا يكون فيه وجه قبح. # ومن شروطه أن لا يكون الداعي عالما بأن ما طلبه لا يقع كمن يسأل الله ~~تعالى إحياء الموتى وغفران عقاب الكفار. # واختلف الشيخان هاهنا ، فقال أبو علي أن ذلك قبيح عقلا ، وقال ابو هاشم ~~ان قبحه شرعي. ### |||| ** مسألة : ينقسم ما يتناوله الدعاء الى قسمين : ### |||| ** أحدهما : قد تقدم العلم بأنه واجب مفعول لا محالة والفائدة فيه التقرب والتعبد لا ~~طلب ما يتناوله الدعاء كالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله . ### |||| ** والثاني : أن لا يعلم وجوبه وحصول فعله وهو قسمان : ### |||| ** أحدهما : أن يكون واجبا وقد خفي علينا وجوبه ، مثل أن يكون لطفا في التكليف ، وينقسم ~~الى ما يكون مصلحة مطلقا والى ما يكون مصلحة ولطفا عند الدعاء ولولاه لم ~~يكن كذلك ، والقسم الأول لا يكون وقوعه إجابة للدعاء ، وفي القسم الثاني ~~يمكن أن يسمى وقوعه إجابة للدعاء لأن للدعاء تأثيرا في فعله. ### |||| ** وأما الثاني : وهو ما ليس بواجب من التفضل والإحسان وذلك مما يجوز أن يفعل وأن لا يفعل ~~فاذا فعله الله تعالى عند الدعاء فهو إجابة له. # لا يقال : اذا أشرطتم في الدعاء أن يكون مصلحة ولا شك في أنه تعالى حكيم ~~لا يخل بالمصلحة فلا فائدة فيه. PageV01P543 # لأنا نقول : جاز أن لا يكون ms277 مصلحة إلا بالدعاء كما قلنا ، وأما فيما علم ~~كونه مصلحة فالدعاء فيه تعبد وقد سلف. # أما الاوائل فحاصل كلامهم في الدعوات المستجابة أن العلل (1) قديمة عامة ~~الفيض ، وإنما يحدث ما يحدث بسبب حدوث استعداد مستند الى حادث سابق ، فجاز ~~أن يكون الدعاء الحادث علة معددة (2) لوجود المدعو به ، وهذا ضعيف لأنه لا ~~فرق بين حدوث الدعاء وحدوث زيد في ذلك. # واذ قد وفقنا الله تعالى لإتمام ما أردناه وإنهاء ما قصدناه ، فلنحمد ~~الله تعالى حمدا لا يتناهى ونشكره شكرا لا يضاهى (3)، ونسأله أن يجعل ما ~~كتبناه حجة لنا لا علينا ، ويوفقنا للاستعداد ليوم اللقاء والثبات على ~~الدين الحق الى يوم الفناء ، وأن يصلي على أشرف الذوات المطهرات وأعظم ~~النفوس المفارقات ، ونخصص من بينهم أولاهم بالإحسان وأعمهم بالامتنان محمدا ~~المصطفى وعترته الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين بافضل الصلوات وأكمل ~~التحيات ، ونسأل إخواننا الصالحين القارئين لهذا الكتاب أن لا يخلونا من ~~دعاء مستجاب ، وأن يصلحوا ما فيه من خلل ونقصان وخطأ ونسيان ، وأن يترحموا ~~علينا عقيب صلواتهم ويذكرونا في خلواتهم ، والحمد لله رب العالمين. # فرغ المصنف ادام الله ظله وجلاله وزاد جماله واعطاه آماله بأشرف الذوات ~~اعني محمد وآله عن تصنيفه سادس ربيع الاخر من سنة ثمانين وستمائة. ms278