######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_004013 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: العلامة الحلي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 726 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادى عشر #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: من مصادر العقائد عند الشيعة الإمامية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_004013 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/4013_النافع-يوم-الحشر-في-شرح-الباب-الحادى-عشر-العلامة-الحلي #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: شرح : المقداد السيوري (وفاة 826هـ) #META# 041.EdNUMBER :: الثانية #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1417 - 1996 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة المؤلف الحمد لله الذي دل على وجوب وجوده ~~افتقار الممكنات (1)، وعلى قدرته وعلمه إحكام المصنوعات (2)، المتعالي عن ~~مشابهة الجسمانيات (3)، المنزه بجلال قدسه عن مناسبة الناقصات، نحمده حمدا ~~يملأ أقطار الأرض والسماوات، ونشكره شكرا على نعمة المتظاهرات المتواترات، ~~ونستعينه على دفع البأساء، وكشف الضراء (4) في جميع الحالات. # PageV00P011 # والصلاة على نبيه محمد (صلى الله عليه وآله) صاحب الآيات والبينات، ~~المكمل بطريقته وشريعته سائر الكمالات، وعلى آله الهادين من الشبه ~~والضلالات، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم من الزلات (١)، صلاة تتعاقب ~~عليهم، كتعاقب الآنات (٢). # أما بعد، فإن الله تعالى لم يخلق العالم عبثا فيكون من اللاعبين (٣) بل ~~لغاية وحكمة متحققة للناظرين، وقد نص على تلك الغاية بالتعيين فقال: # ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون﴾ (4) فوجب على كل من هو في زمرة العاقلين، إجابة رب العالمين، ~~ولما كان ذلك متعذرا بدون معرفته باليقين، وجب على كل عارف مكلف تنبيه ~~الغافلين، وإرشاد الضالين، بتقرير مقدمات ذوات أفهام وتبيين. # فمن تلك المقدمات المقدمة الموسومة بالباب الحادي عشر من تصانيف شيخنا، ~~وإمامنا، العالم، الأعلم، الأفضل، الأكمل، سلطان أرباب التحقيق، أستاذ أولي ~~التنقيح والتدقيق، مقرر المباحث العقلية، مهذب الدلائل الشرعية آية الله في ~~العالمين، وارث علوم الأنبياء والمرسلين، جمال الملة والدين: أبي منصور ~~الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي، قدس الله روحه، ونور ضريحه. # PageV00P012 # فإنها مع وجازة لفظها، كثيرة العلم، ومع اختصار تقريرها كبيرة الغنم، ~~وكان قد سلف مني في سالف الزمان، أن أكتب شيئا يعين على حلها بتقرير ~~الدلائل والبرهان، إجابة لالتماس بعض الأخوان، ثم عاقتني عن إتمامه عوائق ~~الحدثان ومصادمات الدهر الخوان إذا (*) كان صادا (1) للمرء عن بلوغ إرادته، ~~وحائلا بينه وبين طلبته ثم اتفق الاجتماع والمذاكرة في بعض الأسفار، مع ~~تراكم (2) الأشغال وتشويش الأفكار، فالتمس مني بعض السادات الأجلاء، أن ~~أعيد النظر والتذكر لما كنت قد كتبت أولا، والمراجعة إلى ما كنت قد جمعت، ~~فأجبت ملتمسه، إذ قد أوجب الله تعالى علي إجابته. ms01 # هذا مع قلة البضاعة، وكثرة الشواغل المنافية للاستطاعة، وها أنا أشرع في ~~ذلك مستمدا من الله تعالى المعونة عليه، ومتقربا به إليه وسميته (النافع ~~يوم الحشر في شرح باب الحادي عشر) وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه ~~أنيب (3). # PageV00P013 # المقدمة في بيان وجوب معرفة أصول الدين، وفيها أمور: # الأمر الأول في بيان وجه تسمية هذا الكتاب ومعاني الوجوب والأصول والدين ~~(*). # قال: قدس الله روحه (1)، (الباب الحادي عشر، فيما يجب على عامة المكلفين ~~من معرفة أصول الدين) (2). # أقول: إنما سمي هذا الباب: الحادي عشر لأن المصنف اختصر (مصباح المتهجد) ~~الذي وضعه الشيخ أبو جعفر الطوسي رحمه الله في العبادات والأدعية، ورتب ذلك ~~المختصر على عشرة أبواب، وسماه كتاب # PageV00P015 # (منهاج الصلاح في مختصر المصباح). # ولما كان ذلك الكتاب في فن العمل، والعبادات، والدعاء، استدعى ذلك إلى ~~معرفة المعبود والمدعو، فأضاف إليه هذا الباب. # قوله: (فيما يجب على عامة المكلفين): # الوجوب: في اللغة: الثبوت والسقوط، ومنه قوله تعالى: ﴿فإذا وجبت جنوبها﴾ (1)، واصطلاحا الواجب: هو ما يذم ~~تاركه على بعض الوجوه (2)، وهو على قسمين: # واجب عينا: وهو ما لا يسقط عن البعض بقيام البعض الآخر به، وواجب كفاية: ~~وهو بخلافه. (3) والمعرفة من القسم الأول (4): فلذلك قال يجب على عامة ~~المكلفين. # والمكلف: هو الإنسان الحي، البالغ العاقل، فالميت، والصبي، والمجنون ليس ~~بمكلفين. # والأصول: جمع الأصل: وهو ما يبتنى عليه غيره. # والدين: لغة: الجزاء، ومنه قول النبي (صلى الله عليه وآله): (كما # PageV00P016 # تدين تدان (1). # واصطلاحا: وهو الطريقة، والشريعة وهو المراد هنا، وسمي هذا الفن أصول ~~الدين لأن سائر العلوم الدينية من الحديث، والفقه، والتفسير مبتنية عليه ~~فإنها متوقفة على صدق الرسول، وصدق الرسول متوقف على ثبوت المرسل وصفاته ~~وعدله وامتناع القبح عليه. # وعلم الأصول، وهو ما يبحث فيه عن وحدانية الله تعالى، وصفاته وعدله ونبوة ~~الأنبياء، والإقرار بما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله) وإمامة الأئمة ~~(عليهم السلام)، والمعاد. # قال: (أجمع العلماء (2) كافة على وجوب معرفة الله تعالى، وصفاته الثبوتية ms02 ~~(3) والسلبية (4) وما يصح عليه وما يمتنع عنه والنبوة والإمامة والمعاد). # أقول: اتفق أهل الحل والعقد من أمة محمد (صلى الله عليه وآله) على وجوب ~~هذه المعارف وإجماعهم حجة اتفاقا، أما عندنا فلدخول المعصوم (عليه السلام) ~~فيهم (5)، وأما عند الغير فلقوله: (صلى الله عليه وآله): (لا # PageV00P017 # تجتمع أمتي على خطأ). # والدليل على وجوب المعرفة سندا للإجماع على وجهين: # عقلي، وسمعي أما الدليل العقلي (*)، فلوجهين: # الأول: أنها دافعة للخوف الحاصل للإنسان من الاختلاف، ودفع الخوف واجب، ~~لأنه ألم، نفساني يمكن دفعه (*)، فيحكم العقل بوجوب دفعه، فيجب دفعه. # الثاني: أن شكر المنعم واجب، ولا يتم إلا بالمعرفة. # إما أنه واجب، فلإستحقاق الذم عند العقلاء بتركه. # وأما أنه لا يتم إلا بالمعرفة فلأن الشكر إنما يكون بما يناسب حال ~~المشكور، فهو مسبوق بمعرفته وإلا لم يكن شكرا، والباري تعالى منعم، فيجب ~~شكره، فيجب معرفته. # ولما كان التكليف واجبا في الحكمة كما سيأتي، وجب معرفة مبلغه وهو النبي ~~(صلى الله عليه وآله) وحافظه وهو الإمام (عليه السلام)، ومعرفة المعاد ~~لاستلزام التكليف وجوب الجزاء. # وأما الدليل السمعي فلوجهين: # PageV00P018 # الأول: قوله تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله ~~إلا لله﴾ (١)، والأمر للوجوب. # والثاني: لما نزل قوله تعالى: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ~~لآيات لأولي الألباب﴾ (2)، قال النبي (صلى الله عليه وآله): (ويل لمن ~~لاكها بين لحييه ثم لم يتدبرها) (3). # رتب الذم على تقدير عدم تدبرها أي عدم الاستدلال بما تضمنته الآية عن ذكر ~~الأجرام السماوية والأرضية بما فيها من آثار الصنع والقدرة والعلم بذلك ~~الدالة على وجود صانعها، وقدرته وعلمه، فيكون النظر والاستدلال واجبا وهو ~~المطلوب (1). # قال: (بالدليل لا بالتقليد). # أقول: الدليل لغة هو المرشد والدال، واصطلاحا هو ما يلزم من العلم # PageV00P019 # به العلم بشئ آخر. # ولما وجبت المعرفة وجبت أن تكون بالنظر والاستدلال، لأنها ليست ضرورية، ~~لأن المعلوم ضرورة هو الذي لا يختلف فيه العقلا، بل يحصل العلم بأدنى سبب ~~من توجه العقل ms03 إليه، والاحساس به، كالحكم بأن الواحد نصف الاثنين، وأن ~~النار حارة، والشمس مضيئة، وأن لنا خوفا وغضبا وقوة وضعفا غير ذلك. # والمعرفة ليس كذلك لوقوع الاختلاف فيها، ولعدم حصولها بمجرد توجه العقل ~~إليها، ولعدم كونها حسية، فتعين الأول لانحصار العلم في الضروري والنظري ~~فيكون النظر والاستدلال واجبا، لأن ما لا يتم الواجب المطلق (1) إلا به، ~~وكان مقدورا عليه فهو واجب، لأنه إذا لم يجب ما يتوقف عليه الواجب المطلق، ~~فإما أن يبقى الواجب على وجوبه أولا. # فمن الأول: يلزم تكليف ما لا يطاق، وهو محال كما سيأتي. # ومن الثاني: يلزم خروج الواجب المطلق عن كونه واجبا مطلقا وهو محال أيضا. # والنظر: هو ترتيب أمور معلومة للتأدي إلى أمر آخر. # وبيان ذلك: هو أن النفس يتصور المطلوب أولا، ثم يحصل المقدمات الصالحة ~~للاستدلال عليه، ثم يرتبها ترتيبا يؤدي إلى العلم به. # ولا يجوز معرفة الله تعالى بالتقليد. # PageV00P020 # والتقليد: هو قبول قول الغير من غير دليل (١)، وإنما قلنا ذلك لوجهين: # الأول: إنه إذا تساوى الناس في العلم، واختلفوا في المعتقدات فأما أن ~~يعتقد المكلف جميع ما يعتقدونه فيلزم إجماع المتنافيات، أو البعض دون بعض، ~~فأما أن يكون لمرجح أولا، فأن كان الأول فالمرجح هو الدليل، وإن كان الثاني ~~فيلزم الترجيح بلا مرجح وهو محال. # الثاني: إنه تعالى ذم التقليد بقوله: ﴿قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم ~~مقتدون﴾ (٢). # وحث على النظر والاستدلال بقوله تعالى: ﴿ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم ~~صادقين﴾ (3). # قال: (فلا بد من ذكر ما لا يمكن جهله على أحد من المسلمين، ومن جهل شيئا ~~من ذلك خرج عن ربقة المؤمنين، واستحق العقاب الدائم). # PageV00P021 # أقول: لما وجبت المعارف المذكورة بالدليل السابق اقتضى ذلك وجوبها على كل ~~مسلم، أي مقر بالشهادتين، ليصير بالمعرفة مؤمنا لقوله تعالى: ﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن ~~قولوا أسلمنا﴾ (1)، نفى عنهم الإيمان مع ms04 كونهم مقرين بالإلهية والرسالة ~~لعدم كون ذلك بالنظر والاستدلال، وحيث أن الثواب مشروط بالإيمان (2) كان ~~الجاهل بهذه المعارف مستحقا للعقاب الدائم، لأن كل من لا يستحق الثواب أصلا ~~مع اتصافه بشرائط التكليف، فهو مستحق للعقاب بالاجماع. # والربقة: بكسر الراء وسكون الباء حبل مستطيل فيه عرى تربط فيها البهم ~~واستعاره المصنف هنا للحكم الجامع للمؤمنين، وهو واستحقاق الثواب الدائم ~~والتعظيم. # قال: (وقد رتبت هذا الباب على فصول: # PageV00P022 # الفصل الأول في إثبات واجب الوجود لذاته تعالى. # فنقول: كل معقول إما أن يكون واجب الوجود في الخارج لذاته، وإما ممكن ~~الوجود لذاته، وإما ممتنع الوجود لذاته). # أقول: المطلب الأقصى، والعمدة العليا في هذا الفن هو إثبات الصانع تعالى، ~~فلذلك ابتدأ به، وقدم لبيانه مقدمة في تقسيم المعقول، لتوقف الدليل الآتي ~~على بيانها. # وتقريرها: أن كل معقول وهو الصورة الحاصلة في العقل، إذا نسبنا إليه ~~الوجود الخارجي، فأما أن يصح اتصافه به لذاته أو لا، فإن لم يصح اتصافه به ~~لذاته فهو ممتنع الوجود لذاته كشريك الباري، فإن صح اتصافه به فأما أن يجب ~~اتصافه به لذاته أو لا. # والأول: هو الواجب الوجود لذاته، وهو الله تعالى، لا غير. # والثاني: هو ممكن الوجود لذاته، وهو ما عدا الواجب من الموجودات. # وإنما قيدنا الواجب بكونه لذاته، احترازا من الواجب لغيره، كوجوب وجود ~~المعلول عند حصول علته التامة، فإنه يجب وجوده، لكن لا لذاته، PageV00P023 # بل لوجود علته التامة (1). # وإنما قيدنا الممتنع أيضا بكونه لذاته، احترازا من الممتنع لغيره، ~~كامتناع وجود المعلول عند عدم علته. # وهذان القسمان داخلان في قسم الممكن. # وأما الممكن، فلا يكون وجوده لغيره، فلا فائدة في قيده لذاته، إلا لبيان ~~أنه لا يكون إلا كذلك، لا للاحتراز عن غيره (2). # ولنتم هذا البحث بذكر فائدتين، يتوقف عليهما المباحث الآتية. # (الأولى): في خواص الواجب لذاته، وهي خمسة. # الأولى: أنه لا يكون وجوده واجبا لذاته ولغيره معا، وإلا لكان وجوده ~~مرتفعا عند ارتفاع وجود ذلك الغير، فلا يكون واجبا لذاته، هذا خلف. # الثانية: أنه لا يكون ms05 وجوده ووجوبه زائدين عليه وإلا لافتقر إليهما، ~~فيكون ممكنا. # الثالثة: أنه لا يكون صادقا عليه التركيب لأن المركب مفتقر إلى أجزائه # PageV00P024 # المغايرة له، فيكون ممكنا، والممكن لا يكون واجبا لذاته (1). # الرابعة: أنه لا يكون جزءا من غيره، وإلا لكان منفصلا عن ذلك الغير، ~~فيكون ممكنا. # الخامسة: أنه لا يكون صادقا على اثنين، كما يأتي في دلائل التوحيد. # (الثانية): في خواص الممكن، وهي ثلاثة: # الأولى: أنه لا يكون أحد الطرفين أعني الوجود والعدم أولى به من الآخر، ~~بل هما معا متساويان بالنسبة إليه: ككفتي الميزان فإن ترجح إحداهما فإنه ~~إنما يكون السبب الخارجي عن ذاته، لأنه لو كان أحدهما أولى به من الآخر، ~~فإما أن يمكن وقوع الآخر، أولا. # PageV00P025 # فإن كان الأول لم يكن الأولوية كافية، وإن كان الثاني كان المفروض أولى ~~به واجبا له، فيصبر الممكن أما واجبا، أو ممتنعا، وهو محال. # الثانية: أن الممكن محتاج إلى المؤثر، لأنه لما استوى الطرفان: # أعني الوجود، والعدم بالنسبة إلى ذاته استحال ترجيح أحدهما على الآخر إلا ~~لمرجح، والعلم به بديهي (1). # الثالثة: أن الممكن الباقي محتاج إلى المؤثر، وإنما قلنا ذلك لأن الامكان ~~لازم لماهية الممكن ويستحيل رفعه عنه، وإلا لزم انقلابه من الامكان إلى ~~الوجوب أو الامتناع. # وقد ثبت أن الاحتياج لازم للامكان، والامكان لازم لماهية الممكن ولازم ~~اللازم لازم، فيكون الاحتياج لازما لماهية الممكن، وهو المطلوب. # قال: (ولا شك في أن هنا موجودا بالضرورة، فإن كان الموجود (2) واجبا ~~لذاته فهو المطلوب، وإن كان ممكنا افتقر إلى موجد يوجده بالضرورة، فإن كان ~~الموجد واجبا لذاته فالمطلوب (3)، وإن كان ممكنا افتقر إلى موجد آخر فإن ~~كان الأول دار، وهو باطل بالضرورة وإن كان ممكنا آخر تسلسل، وهو باطل أيضا. # PageV00P026 # لأن جميع آحاد تلك السلسة الجامعة لجميع الممكنات تكون ممكنة بالضرورة ~~فتشترك في امتناع الوجود لذاتها فلا بد لها من موجد خارج عنها بالضرورة ~~فيكون واجبا بالضرورة، وهو المطلوب). # أقول: للعلماء كافة في إثبات الصانع طريقان: # الأول: هو الاستدلال بآثاره المحوجة إلى السبب على ms06 وجوده، كما أشار إليه ~~في الكتاب العزيز بقوله تعالى: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حث يتبين لهم أنه ~~الحق﴾ (١)، وهو طريق إبراهيم الخليل (عليه السلام) فإنه استدل بالأفول ~~الذي هو الغيبة المستلزمة للحركة المستلزمة للحدوث المستلزمة للصانع تعالى. # الثاني: هو أن ينظر في الوجود نفسه، ويقسم إلى الواجب والممكن حتى يشهد ~~القسمة بوجود واجب صدر عنه جميع ما عداه من الممكنات وإليه الإشارة في ~~التنزيل بقوله تعالى: ﴿أولم يكف بربك أنه ~~على كل شئ شهيد﴾ (2). # والمصنف ذكر في هذا الباب الطريقين معا، فأشار إلى الأولى عند إثبات كونه ~~قادرا وسيأتي (3). # PageV00P027 # وأما الثاني فهو المذكور هنا، وتقريره أن نقول: لو لم يكن الواجب تعالى ~~موجودا، لزم إما الدور، أو التسلسل، واللازم بقسميه باطل ، فالملزوم وهو ~~عدم الواجب مثله في البطلان، فيحتاج هنا إلى بيان أمرين. # أحدهما: بيان لزوم الدور والتسلسل. # وثانيهما: بيان بطلانهما. # أما بيان الأمر الأول: فهو إن هاهنا ماهيات متصفة بالوجود الخارجي ~~بالضرورة، فإن كان الواجب موجودا معها فهو المطلوب وإن لم يكن موجودا يلزم ~~اشتراكها بجملتها في الامكان، إذ لا واسطة بينهما، فلا بد لها من مؤثر ~~حينئذ بالضرورة فمؤثرها إن كان واجبا فهو المطلوب، وإن كان ممكنا افتقر إلى ~~مؤثر، (آخر يؤثره) فمؤثره إن كان ما فرضناه أولا لزم الدور، وإن كان ممكنا ~~آخر غيره ننقل الكلام إليه، ونقول كما قلناه أولا، ويلزم التسلسل، فقد بان ~~لزومهما (1). # وأما بيان الأمر الثاني: وهو بيان بطلانهما فنقول: # أما الدور: فهو عبارة عن توقف الشئ على ما يتوقف عليه كما يتوقف (أ) على ~~(ب) و (ب) على (أ) وهو باطل بالضرورة إذ يلزم منه أن يكون الشئ الواحد ~~موجودا ومعدوما معا، وهو محال. # PageV00P028 # وذلك لأنه إذا توقف (أ) على (ب) كان (الألف) متوقفا على (ب) وعلى جميع ما ~~يتوقف عليه، (ب)، ومن جملة ما يتوقف عليه (ب) هو (أ) نفسه فيلزم توقفه على ~~نفسه، والموقوف عليه متقدم على ms07 الموقوف، فيلزم تقدمه على نفسه، والمتقدم من ~~حيث إنه متقدم يكون موجودا قبل المتأخر فيكون: (الألف) حينئذ موجودا قبل ~~نفسه فيكون موجودا ومعدوما معا، وهو محال. # وأما التسلسل: فهو ترتب علل ومعلومات بحيث يكون السابق علة في وجود لاحقه ~~وهو هكذا أيضا باطل لأن جميع آحاد تلك السلسلة الجامعة لجميع الممكنات تكون ~~ممكنة لاتصافها بالاحتياج فتشترك بجملتها في الامكان فتفتقر إلى مؤثر، ~~فمؤثرها إما نفسها، أو جزؤها، أو الخارج عنها، والأقسام كلها باطلة قطعا. # أما الأول: فلاستحالة تأثير الشئ في نفسه، وإلا لزم تقدمه على نفسه، وهو ~~باطل كما تقدم. # وأما الثاني: فلأنه لو كان المؤثر فيها جزؤها لزم أن يكون الشئ مؤثرا في ~~نفسه، لأنه من جملتها، وفي علله أيضا، فيلزم تقدمه على نفسه وعلله، وهو ~~أيضا باطل. # وأما الثالث: فلوجهين. # الوجه الأول: أنه يلزم أن يكون الخارج عنها واجبا، إذ الفرض اجتماع جملة ~~الممكنات في تلك السلسلة، فلا يكون موجودا خارجا عنها إلا الواجب، إذ لا ~~واسطة بين الواجب والممكن، فيلزم مطلوبنا. # الوجه الثاني: أنه لو كان المؤثر في كل واحد واحد من آحاد تلك السلسلة ~~أمرا خارجا عنها، لزم اجتماع علتين مستقلتين على معلول واحد PageV00P029 # شخصي، وذلك باطل لأن الفرض أن كل واحد من آحاد تلك السلسلة مؤثر في ~~لاحقه، وقد فرض تأثير الخارج في كل واحد منها، فيلزم اجتماع علتين على ~~معلول واحد شخصي، وهو محال، وإلا لزم استغناؤه عنهما حال احتياجه إليهما، ~~فيجتمع النقيضان، وهو محال. # فبطل التسلسل المطلوب، وقد بان بطلان الدور، والتسلسل، فيلزم مطلوبنا، ~~وهو وجود الواجب تعالى. # قال: PageV00P030 # الفصل الثاني في صفاته الثبوتية وهي ثمانية: # الأولى: إنه تعالى قادر مختار، لأن العالم محدث، لأنه جسم وكل جسم لا ~~ينفك عن الحوادث، أعني الحركة والسكون، وهما حادثان، لاستدعائهما المسبوقية ~~بالغير، وما لا ينفك عن الحوادث فهو محدث بالضرورة، فيكون المؤثر فيه، وهو ~~الله تعالى قادرا مختارا لأنه لو كان موجبا لم يتخلف أثره عنه بالضرورة، ~~فيلزم من ذلك إما قدم العالم، أو حدوث ms08 الله تعالى، وهما باطلان. # أقول: لما فرغ من إثبات الذات، شرع في إثبات الصفات، وقدم الصفات ~~الثبوتية، لأنها وجودية، والسلبية عدمية، والوجود أشرف من العدم، والأشرف ~~مقدم على غيره، وابتدأ بكونه قادرا لاستدعاء الصنع القدرة (1). # ولنذكر هنا مقدمة تشتمل على تصور مفردات هذا البحث. # PageV00P031 # فنقول القادر المختار هو الذي إن شاء أن يفعل فعل، وإن شاء أن يترك ترك، ~~مع وجود قصد وإرادة (1)، والموجب بخلافه، والفرق بينهما من وجوه: # الأول: أن المختار يمكنه الفعل والترك معا بالنسبة إلى شئ واحد، والموجب ~~بخلافه. # الثاني: إن فعل المختار مسبوق بالعلم والقصد، والإرادة، بخلاف الموجب. # الثالث: إن فعل المختار يجوز تأخره عنه، وفعل الموجب لا ينفك عنه، كالشمس ~~في إشراقها، والنار في إحراقها. # والعالم كل موجود سوى الله تعالى. # والمحدث هو الذي وجوده مسبوق بالغير، أو بالعدم (2). # والقديم بخلافه. # والجسم هو المتحيز الذي يقبل القسمة في الجهات الثلاث. # والحيز والمكان شئ واحد، وهو الفراغ المتوهم الذي يشغله الأجسام بالحصول ~~فيه (3). # PageV00P032 # والحركة هي حصول الجسم في مكان بعد مكان آخر. # والسكون هو حصول ثان في مكان واحد. # إذا تقرر هذا فنقول: كلما كان العالم محدثا، كان المؤثر فيه، وهو الله ~~تعالى قادرا مختارا، فهنا دعويان: # الأولى: إن العالم محدث. # الثانية: أنه يلزمه إختيار الصانع. # أما بيان الدعوى الأولى: فلأن المراد بالعالم عند المتكلمين هو السماوات ~~والأرض وما فيهما وما بينهما، وذلك إما أجسام أو أعراض، وكلاهما حادثان: # أما الأجسام: فلأنها لا تخلو من الحركة والسكون الحادثين: وكل ما لا يخلو ~~من الحوادث، فهو الحادث (1)، أما أنه لا يخلو من الحركة والسكون، فلأن كل ~~جسم لا بد له من مكان ضرورة، وحينئذ إما أن يكون لابثا فيه، وهو الساكن، أو ~~منتقلا عنه، وهو المتحرك إذ لا واسطة بينهما بالضرورة. # وإما أنهما حادثان: فلأنهما مسبوقان بالغير، ولا شئ من القديم بمسبوق ~~بالغير، فلا شئ من الحركة والسكون بقديم فيكونان حادثين إذ لا واسطة بين ~~القديم والحادث. # أما إنهما مسبوقان بالغير، فلأن الحركة عبارة عن الحصول الأول ms09 في المكان ~~الثاني، فيكون مسبوقا بالمكان الأول ضرورة، والسكون عبارة عن # PageV00P033 # الحصول الثاني في المكان الأول، فيكون مسبوقا بالحصول الأول بالضرورة. # وأما أن كل ما لا يخلو من الحوادث، فهو حادث: فلأنه لو لم يكن حادثا لكان ~~قديما وحينئذ إما أن يكون معه في تقدم شئ من تلك الحوادث اللازمة له، أو لا ~~يكون، فإن كان الأول لزم اجتماع القدم والحدوث معا في شئ واحد، وهو محال، ~~وإن كان الثاني يلزم بطلان ما علم بالضرورة، وهو امتناع انفكاك الحوادث ~~عنه، وهو محال. # وأما الأعراض، فلأنها محتاجة في وجودها إلى الأجسام، والمحتاج إلى المحدث ~~أولى بالحدوث. # وأما بيان الدعوى الثانية: فهو أن المحدث لما اتصف ماهيته بالعدم تارة، ~~وبالوجود أخرى كان ممكنا، فيفتقر إلى المؤثر: فإن كان مختارا، فهو المطلوب ~~وإن كان موجبا، لم يتخلف أثره عنه، فيلزم قدم أثره، لكن ثبت حدوثه، فيلزم ~~حدوث مؤثره للتلازم، وكلا الأمرين محال. # فقد بان أنه لو كان الله تعالى موجبا (1)، لزم إما قدم العالم، أو حدوث ~~الله تعالى، وهما باطلان، فثبت أنه تعالى قادر ومختار، وهو المطلوب (2). # PageV00P034 # قال: (وقدرته يتعلق بجميع المقدورات، لأن العلة المحوجة إليه هي الامكان ~~ونسبة ذاته إلى الجميع بالسوية، فيكون قدرته عامة). # أقول: لما ثبت كونه قادرا في الجملة شرع في بيان عموم قدرته وقد نازع فيه ~~الحكماء حيث قالوا: إنه واحد لا يصدر عنه إلا واحد والثنوية (1) # PageV00P035 # حيث زعموا: أنه لا يقدر على الشر، والنظام (1) حيث إعتقد: أنه لا يقدر ~~على القبيح، والبلخي (2) حيث منع قدرته على مثل مقدورنا، والجبائيان (3) ~~حيث أحالا قدرته على عين مقدورنا. # والحق خلاف ذلك كله، والدليل على ما ادعيناه أنه قد انتفى المانع بالنسبة ~~إلى ذاته وبالنسبة إلى المقدور، فيجب التعلق العام (3). # أما بيان الأول: فهو أن المقتضى لكونه تعالى قادرا هو ذاته، ونسبتها إلى ~~الجميع متساوية لتجردها (4)، فيكون مقتضاها أيضا متساوي النسبة وهو ~~المطلوب. # وأما الثاني: فلأن المقتضى لكون الشئ مقدورا هو إمكانه والامكان # PageV00P036 # مشترك بين الكل، فيكون صفة المقدورية أيضا مشتركا ms10 بين الممكنات وهو ~~المطلوب، وإذا انتفى بالنسبة إلى القادر وبالنسبة إلى المقدور وجب التعلق ~~العام وهو المطلوب. # واعلم أنه لا يلزم من التعلق الوقوع، بل الواقع بقدرته تعالى هو البعض ~~وإن كان قادرا على الكل، والأشاعرة وافقوا في عموم التعلق (1) وادعوا معه ~~الوقوع، كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى. # قال: (الصفة الثانية: أنه تعالى عالم، لأنه فعل الأفعال المحكمة المتقنة، ~~وكل من فعل ذلك فهو عالم بالضرورة). # أقول: من جملة الصفات الثبوتية كونه تعالى عالما، والعالم هو المتبين له ~~الأشياء بحيث تكون حاضرة عنده غير غائبة عنه (2)، والفعل المحكم المتقن هو ~~المشتمل على أمور غريبة عجيبة والمستجمع لخواص كثيرة، والدليل على كونه ~~عالما وجهان: # PageV00P037 # الأول: أنه مختار، وكل مختار عالم، أما الصغرى: فقد مر بيانها، وأما ~~الكبرى: فلأن فعل المختار تابع لقصده ويستحيل قصد شئ من دون العلم به. # الثاني: أنه فعل الأفعال المحكمة المتقنة وكل من كان فعله كذلك فهو عالم ~~بالضرورة. أما أنه فعل ذلك فظاهر لمن تدبر مخلوقاته. # أما السماوية: فما يترتب على حركاتها من خواص الفصول الأربعة وكيفية نضد ~~تلك الحركات، وأوضاعها وهو مبين في فنه (1). # وأما الأرضية: فما يظهر من حكمة المركبات الثلاث، والأمور الغريبة ~~الحاصلة فيها، والخواص العجيبة المشتملة عليها ولو يكن إلا في خلق الإنسان ~~لكفى الحكمة المودعة في إنشائه وترتيب خلقه وحواسه، وما يترتب عليها من ~~المنافع كما أشار إليه بقوله: (أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله # PageV00P038 # السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق) (1) فإن من العجائب المودعة في ~~بنية الإنسان أن كل عضو من أعضائه له قوى أربعة جاذبة وماسكة وهاضمة ~~ودافعة. # أما الجاذبة: فحكمتها أن البدن لما كان دائما في التحليل افتقر إلى جاذبة ~~تجذب بدل ما يتحلل منه. # وأما الماسكة: فلأن الغذاء المجذوب لزج، والعضو أيضا لزج فلا بد له من ~~ماسكة حتى تفعل فيه الهاضمة. # وأما الهاضمة: فلأنها تغير الغذاء إلى ما يصلح أن يكون جزءا للمغتذي. # وأما الدافعة: فهي التي تدفع الغذاء الفاضل مما فعلته ms11 الهاضمة المهيأ ~~لعضو أخر إليه، وأما أن كل من فعل الأفعال المحكمة المتقنة فعالم، فهو ~~بديهي لمن زاول الأمور وتدبرها. # قال: (وعلمه يتعلق بكل معلوم لتساوي نسبة جميع المعلومات إليه لأنه حي، ~~وكل حي يصح أن يعلم كل معلوم، فيجب له ذلك، لاستحالة افتقاره إلى غيره). # أقول: الباري تعالى عالم بكل ما يصح أن يكون معلوما، واجبا كان أو ممكنا، ~~قديما كان أو حادثا، خلافا للحكماء حيث منعوا من علمه بالجزئيات على وجه ~~جزئي، لتغيرها المستلزم لتغير العلم الذاتي. # قلنا المتغير هو التعلق الاعتباري لا العلم الذاتي. # والدليل على ما قلناه أنه يصح أن يعلم كل معلوم فيجب له ذلك. # PageV00P039 # أما أنه يصح أن يعلم كل معلوم فلأنه حي، وكل حي يصح منه أن يعلم، ونسبة ~~هذه الصحة إلى جميع ما عداه نسبة متساوية فيتساوى نسبة جميع المعلومات إليه ~~أيضا. # وأما أنه صح له تعالى شئ وجب له، فلأن صفاته تعالى ذاتية، والصفة الذاتية ~~متى صحت وجبت، وإلا لافتقر في اتصاف الذات بها إلى الغير، فيكون الباري ~~تعالى مفتقرا في علمه إلى غيره، وهو محال. # قال: (الثالثة، أنه تعالى حي لأنه قادر فيكون حيا بالضرورة). # أقول: من صفاته الثبوتية كونه تعالى حيا فقال الحكماء وأبو الحسين البصري ~~(1) حياته عبارة عن صحة اتصافه بالقدرة والعلم، وقال الأشاعرة هي صفة زائدة ~~على ذاته مغايرة لهذا الصحة (2)، والحق هو الأول إذ الأصل عدم الزائد، ~~والباري تعالى قد ثبت أنه قادر عالم، فيكون حيا بالضرورة وهو المطلوب. # قال: (الرابعة: أنه تعالى مريد وكاره لأن تخصيص الأفعال بإيجادها في وقت ~~دون آخر لا بد له من مخصص، وهو الإرادة ولأنه تعالى أمر ونهى، وهما ~~يستلزمان الإرادة والكراهة بالضرورة. # أقول: اتفق المسلمون على وصفه بالإرادة (3) واختلفوا في معناها فقال # PageV00P040 # أبو الحسين البصري: هي عبارة عن علمه تعالى بما في الفعل من المصلحة ~~الداعي إلى إيجاده،. # وقال البخاري: معناها أنه غير مغلوب ولا مكروه فمعناها إذن سلبي ولكن هذا ~~القائل أخذ لازم الشئ في مكانه. # وقال البلخي: ms12 هي في أفعاله (عبارة عن) علمه بها، وفي أفعال غيره (عبارة ~~عن) (1) أمره بها فإن أراد العلم المطلق فليس بإرادة كما سيأتي، وأن أراد ~~العلم المقيد بالمصلحة فهو كما قال أبو الحسين البصري وأما الأمر فهو ~~مستلزم للإرادة لا نفسها. # وقالت الأشاعرة والكرامية (2) وجماعة من المعتزلة: أنها صفة زائدة مغايرة ~~للقدرة والعلم مخصصة للفعل، ثم اختلفوا، فقالت الأشاعرة ذلك الزائد معنى ~~قديم وقالت المعتزلة والكرامية: هو معنى حادث، فالكرامية قالوا: هو قائم ~~بذاته تعالى، والمعتزلة قالوا: لا في محل، وسيأتي بطلان # PageV00P041 # الزيادة، فإذن الحق ما قاله أبو الحسين البصري، والدليل على ثبوت الإرادة ~~من وجهين: # الأول: إن تخصيص الأفعال بالايجاد في وقت دون وقت آخر وعلى وجه دون آخر ~~مع تساوي الأوقات والأحوال بالنسبة إلى الفاعل والقابل لا بد له من مخصص، ~~فذلك المخصص، أما القدرة الذاتية فهي متساوية النسبة فليست صالحة للتخصيص، ~~ولأن من شأنها التأثير والايجاد من غير ترجيح، وأما العلم المطلق فذلك تابع ~~لتعيين الممكن وتقدير صدوره فليس مخصصا وإلا لكان متبوعا. # وأما باقي الصفات فظاهر أنها ليست صالحة للتخصيص، فإذن المخصص هو علم خاص ~~مقتضى لتعيين الممكن ووجوب صدوره عنه، وهو العلم باشتماله على مصلحة لا ~~تحصل إلا في ذلك الوقت، أو على ذلك الوجه وذلك المخصص هو الإرادة (١). # الثاني: أنه تعالى أمر بقوله: ﴿أقيموا الصلاة﴾ (٢)، ونهى بقوله: # ﴿ولا تقربوا الزنى﴾ (3)، والأمر ~~بالشئ يستلزم إرادته ضرورة، والنهي عن الشئ يستلزم كراهته ضرورة، فالباري ~~تعالى مريد وكاره وهو المطلوب، وهيهنا فائدتان. # الأولى: كراهيته تعالى هي علمه باشتمال الفعل على المفسدة الصارفة عن ~~إيجاده، كما أن أرادته هي علمه باشتماله على المصلحة الداعية إلى إيجاده. # PageV00P042 # الثانية: إن إرادته ليست زائدة على ما ذكرناه، وإلا لكانت إما معنى قديما ~~كما قالت الأشاعرة فيلزم تعدد القدماء، أو حادثا، فأما في ذاته كما قالت ~~الكرامية فيكون محلا للحوادث وهو باطل كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وأما ~~في غيره فيلزم رجوع ms13 حكمه إلى الغير لا إليه، وإما لا في محل كما تقول ~~المعتزلة ففيه فسادان: # الأول: يلزم منه التسلسل، لأن الحادث مسبوق بإرادة المحدث فهي إذن حادثة ~~وننقل الكلام إليه ويتسلسل. # الثاني: استحالة وجود صفة لا في محل. # قال: (الخامسة: أنه تعالى مدرك لأنه حي فيصح أن يدرك وقد ورد القرآن ~~بثبوته له فيجب إثباته له). # أقول: قد دلت الدلائل النقلية على اتصافه تعالى بالإدراك وهو زائد على ~~العلم فإنا نجد تفرقة ضرورة بين علمنا بالسواد والبياض والصوت الهائل ~~والحسن وبين إدراكنا لها، وتلك الزيادة راجعة إلى تأثر الحاسة، لكن قد دلت ~~الدلائل العقلية على استحالة الحواس والآلات عليه تعالى فيستحيل ذلك الزائد ~~عليه فإدراكه هو علمه تعالى حينئذ بالمدركات. # والدليل على صحة اتصافه به هو ما دل على كونه عالما بكل المعلومات من ~~كونه حيا فيصح أن يدرك، وقد ورد القرآن بثبوته له فيجب إثباته له فإدراكه ~~هو علمه بالمدركات، وذلك هو المطلوب. # قال: (السادسة: أنه تعالى قديم، أزلي: باق، أبدي، لأنه واجب الوجود، ~~فيستحيل العدم السابق واللاحق عليه). # أقول: هذه الصفات الأربع لازمة لوجوب وجوده. # فالقديم والأزلي: هو المصاحب لمجموع الأزمنة المحققة والمقدرة ~~PageV00P043 # بالنسبة إلى جانب الماضي. # والباقي: هو المستمر الوجود المصاحب لجميع الأزمنة. # والأبدي: هو المصاحب لجميع الأزمنة محققة كانت أو مقدرة بالنسبة إلى ~~الجانب المستقبل، والسرمدي يعم الجميع. # والدليل على ذلك هو أنه قد ثبت أنه واجب الوجود فيستحيل عليه العدم ~~مطلقا، سواء كان سابقا على تقدير أن لا يكون قديما أزليا أو لاحقا على ~~تقدير أن لا يكون باقيا أبديا وإذا استحال العدم المطلق عليه ثبت قدمه ~~وأزليته وبقاؤه وأبديته وهو المطلوب. # قال: (السابعة: إنه تعالى متكلم بالاجماع، والمراد بالكلام الحروف ~~والأصوات المسموعة المنظمة، ومعنى أنه تعالى متكلم أنه يوجد الكلام في جسم ~~من الأجسام، وتفسير الأشاعرة غير معقول). # أقول: من جملة صفاته تعالى كونه متكلما، وقد أجمع المسلمون على ذلك ~~واختلفوا بعد ذلك في مقامات أربع: # الأول: في الطريق إلى ثبوت هذه الصفة، فقالت الأشاعرة ms14 هو العقل، وقالت ~~المعتزلة هو السمع، وهو قوله تعالى: (وكلم الله موسى تكليما) (1)، وهو الحق ~~لعدم الدليل العقلي، وما ذكروه دليلا فليس بتام، وقد أجمع الأنبياء على ~~ذلك، وثبوت نبوتهم غير موقوف عليه لإمكان الاستدلال على النبوة بغير القرآن ~~من المعجزات أو بالقرآن لا من حيث أنه كلام بل من حيث أنه معجز، ولا شك في ~~تغاير المعجزين فيجب إثباته. # الثاني: في ماهية كلامه فزعم الأشاعرة أنه معنى قديم قائم بذاته يعبر عنه ~~بالعبارات المختلفة [المتغيرة] مغاير للعلم والقدرة وليس بحرف ولا صوت # PageV00P044 # ولا أمر ولا نهي ولا خبر ولا استخبار وغير ذلك من أساليب الكلام، وقالت ~~المعتزلة والكرامية والحنابلة هو الحروف والأصوات المركبة تركيبا مفهما ~~والحق الأخير لوجهين: # الوجه الأول: أن المتبادر لأفهام العقلاء هو ما ذكرناه، ولذلك لا يصفون ~~بالكلام من لم يتصف بذلك كالساكت والأخرس. # الوجه الثاني: أن ما ذكروه غير متصور فإن المتصور إما القدرة الذاتية ~~التي تصدر عنها الحروف والأصوات، وقد قالوا هو غيرها، أو العلم وقد قالوا ~~هو غيره، وباقي الصفات ليست صالحة لمصدرية ما قالوه، وإذا لم يكن متصورا لم ~~يصح إثباته إذ التصديق مسبوق بالتصور. # الثالث: فيما تقوم به تلك الصفة، أما الأشاعرة فلقولهم بالمعنى قالوا: ~~أنها قائم بذاته تعالى، وأما القائلون بالحروف والصوت فقد اختلفوا، فقالت ~~الحنابلة والكرامية: إنه قائم بذاته تعالى فعندهم هو المتكلم بالحرف ~~والصوت، وقالت المعتزلة والإمامية وهو الحق: إنه قائم بغيره لا بذاته كما ~~أوجد الكلام في الشجرة فسمعه موسى (عليه السلام). # ومعنى أنه متكلم أنه فعل الكلام لأقام به الكلام، والدليل على ذلك أنه ~~أمر ممكن والله تعالى قادر على كل الممكنات، وأما ما ذكروه فممنوع وسند ~~المنع من وجهين. # الوجه الأول: أنه لو كان المتكلم من قام به الكلام لكان الهواء الذي تقوم ~~به الحرف والصوت متكلما وهو باطل، لأن أهل اللغة لا يسمعون المتكلم إلا من ~~فعل الكلام، لا من قام به الكلام، ولهذا كان الصدى غير متكلم، وقالوا: تكلم ~~الجني على لسان المصروع، ms15 لاعتقادهم أن الكلام المسموع من المصروع فاعله ~~الجني. # الوجه الثاني: أن الكلام إما المعنى وقد بان بطلانه، أو الحروف ~~PageV00P045 # والصوت ولا يجوز قيامهما بذاته، وإلا لكان ذا حاسة لتوقف وجودهما على ~~وجود آلتيهما ضرورة، فيكون الباري تعالى ذا حاسة وهو باطل. # الرابع: في قدمه وحدوثه، فقالت الأشاعرة بقدم المعنى، والحنابلة بقدم ~~الحروف، وقالت المعتزلة بالحدوث (1)، وهو الحق لوجوه: # الأول: أنه لو كان قديما لزم تعدد القدماء، وهو باطل، لأن القول بقدم غير ~~الله كفر بالاجماع، ولهذا كفرت النصارى لإثباتهم قدم الأقنوم. # الثاني: أنه مركب من الأصوات والحروف التي يعدم السابق منها بوجود لاحقه، ~~والقديم لا يجوز عليه العدم. # الثالث: أنه لو كان قديما لزم الكذب عليه، واللازم باطل فالملزوم مثله، ~~بيان الملازمة أنه أخبر بإرسال نوح (عليه السلام) في الأزل بقوله: (إنا # PageV00P046 # أرسلنا نوحا إلى قومه) (١)، ولم يرسله إذ لا سابق على الأزل فيكون كذبا. # الرابع: أنه يلزم منه العبث في قوله: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ (٢)، إذ لا مكلف في ~~الأزل، والعبث قبيح، فيمتنع عليه تعالى. # الخامس: قوله تعالى: ﴿ما يأتيهم من ~~ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه﴾ (٣)، والذكر هو القرآن لقوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له ~~لحافظون﴾ (٤)، ﴿وإنه لذكر لك ~~ولقومك﴾ (5)، وصفه بالحدوث فلا يكون قديما، فقول المصنف وتفسير ~~الأشاعرة غير معقول إشارة إلى ما ذكرناه في هذه المقامات. # قال: (الثامنة: إنه تعالى صادق، لأن الكذب قبيح بالضرورة والله تعالى ~~منزه عن القبيح، لاستحالة النقص عليه). # أقول: من صفاته الثبوتية كونه صادقا، والصدق هو الأخبار المطابق والكذب ~~هو الأخبار غير المطابق، لأنه لو لم يكن صادقا لكان كاذبا، وهو باطل، لأن ~~الكذب قبيح ضرورة، فيلزم اتصاف الباري تعالى بالقبيح، وهو باطل لما يأتي، ~~وأيضا الكذب نقص والباري تعالى منزه عن النقص. # PageV00P047 # الفصل الثالث في صفاته السلبية وهي سبع: # قال: الأولى: أنه تعالى ليس بمركب، وإلا ms16 لكان مفتقرا إلى أجزائه، ~~والمفتقر ممكن) (1). # أقول: لما فرغ من الثبوتية، شرح في السلبية، وتسمى الأولى صفات الاكرام، ~~والثانية صفات الجلال، وإن شئت كان مجموع صفاته، صفات جلال، فإن إثبات ~~قدرته، باعتبار سلب العجز عنه، وإثبات العلم باعتبار سلب الجهل عنه، وكذا ~~باقي الصفات، وفي الحقيقة المعقول لنا من صفاته ليس إلا السلوب والإضافات. # وأما كنه ذاته وصفاته فمحجوب عن نظر العقول ولا يعلم ما هو إلا هو. # وقد ذكر المصنف هنا سبعا. # الأولى: أنه ليس بمركب، والمركب هو ما له جز، ونقيضه البسيط، وهو ما لا ~~جز له ثم التركيب قد يكون خارجيا كتركيب الأجسام من # PageV00P049 # الجواهر (1) الأفراد، وقد يكون ذهنيا: كتركيب الماهيات والحدود من ~~الأجناس والفصول. # والمركب بكلا المعنيين: مفتقر إلى جزئه، لامتناع تحققه وتشخصه خارجا ~~وذهنا بدون جزئه، وجزؤه غيره لأنه يسلب عنه فيقال: الجزء ليس بكل، وما يسلب ~~عنه الشئ فهو مغاير له، فيكون [المركب] (*) مفتقرا إلى الغير فيكون ممكنا، ~~فلو كان الباري جلت عظمته مركبا، لكان ممكنا وهو محال. # قال: (الثانية: أنه تعالى ليس بجسم ولا عرض ولا جوهر (2) وإلا لافتقر إلى ~~المكان، ولامتنع انفكاكه من الحوادث فيكون حادثا وهو محال). # أقول: الباري تعالى ليس بجسم خلافا للمجسمة (3)، والجسم هو ما له طول ~~وعرض وعمق، والعرض هو الحال في الجسم ولا وجود له بدونه، والدليل على كونه ~~ليس بجسم ولا عرض وجهان: # PageV00P050 # الأول: أنه لو كان أحدهما لكان ممكنا، واللازم باطل فالملزوم مثله. # بيان الملازمة إنا نعلم بالضرورة أن كل جسم فهو مفتقر إلى المكان، وكل ~~عرض فهو مفتقر إلى المحل والمكان، والمحل غيرهما فيفتقران إلى غيرهما، ~~والمفتقر إلى غيره ممكن، فلو كان الباري تعالى جسما أو عرضا لكان ممكنا. # الثاني: أنه لو كان جسما لكان حادثا وهو محال. # بيان الملازمة أن كل جسم فهو لا يخلو من الحوادث، وكل ما يخلو من الحوادث ~~فهو حادث وقد تقدم بيانه، فلو كان جسما لكان حادثا لكنه قديم فيجتمع ~~النقيضان. # قال: (ولا يجوز أن يكون في محل ms17 وإلا لافتقر إليه، ولا في جهة وإلا لافتقر ~~إليها). # أقول: هذان وصفان سلبيان: # الأول: أنه ليس في محل خلافا للنصارى وجمع من المتصوفة، والمعقول من ~~الحلول وهو قيام موجود بموجود على سبيل التبعية، فإن أرادوا هذا المعنى فهو ~~باطل، والالزم افتقار الواجب وهو محال، وإن أرادوا غيره فلا بد من تصوره ~~أولا ثم الحكم عليه بالنفي والاثبات. # الثاني: أنه تعالى ليس في جهة، والجهة مقصد المتحرك ومتعلق الإشارة ~~الحسية، وزعمت الكرامية (1) أنه تعالى في الجهة الفوقية لما تصوروه # PageV00P051 # من الظواهر النقلية، وهو باطل، لأنه لو كان في الجهة لكان، أما مع ~~استغنائه عنهما فلا يحصل فيها، أو مع افتقاره إليها فيكون ممكنا، والظواهر ~~النقلية لها تأويلات ومحامل مذكورة في مواضعها (2). # لأنه لما دلت الدلائل العقلية على إقناع الجسمية ولواحقها عليه، وجب ~~تأويل غيرها لاستحالة العمل بهما، وإلا لاجتمع النقيضان أو الترك لهما، ~~وإلا لارتفع النقيضان، أو العمل بالنقل واطراح العقل، وإلا لزم اطراح النقل ~~أيضا لإطراح أصله، فيبقى الأمر الرابع وهو العمل بالعقل وتأويل النقل. # قال: (ولا يصح عليه اللذة والألم (1) لامتناع المزاج عليه تعالى). # أقول: الألم واللذة أمران وجدانيان فلا يفتقران إلى تعريف، وقد يقال ~~فيهما: اللذة إدراك الملائم من حيث هو ملائم، والألم إدراك المنافي من حيث ~~هو مناف، وهما قد يكونان حسيين، وقد يكونان عقليين، فإن الادراك إن كان ~~حسيا فهما حسيان وإلا فعقليان. # إذا تقرر هذا فنقول: أما الألم فهو مستحيل عليه إجماعا من العقلاء إذ لا ~~منافي له تعالى، وأما اللذة فإن كانت حسية فكذلك لأنها من توابع المزاج، ~~والمزاج يستحيل عليه تعالى وإلا لكان جسما. # وإن كانت عقلية فقد أثبتها الحكماء له تعالى وصاحب الياقوت منا، # PageV00P052 # لأن الباري تعالى متصف بكماله اللائق به لاستحالة النقص عليه، ومع ذلك ~~فهو مدرك لذاته وكماله، فيكون أجل مدرك لأعظم مدرك بأتم إدراك ولا نعني ~~باللذة إلا ذلك. # وأما المتكلمون فقد أطلقوا القول بنفي اللذة، إما لاعتقادهم نفي اللذات ~~العقلية، أو لعدم ورود ذلك في الشرع الشريف، فإن ms18 صفاته تعالى وأسماءه ~~توقيفية، لا يجوز لغيره التهجم بها إلا بإذن منه لأنه وإن كان جائزا في نظر ~~العقل لكنه ليس من الأدب لجواز أن يكون غير جائز من جهة لا نعلمها. # قال: (ولا يتحد بغيره لامتناع الاتحاد مطلقا). # أقول: الاتحاد يقال على معنيين: مجازي وحقيقي. # أما المجازي: فهو صيرورة الشئ شيئا آخر بالكون، والفساد، أما من غير ~~إضافة شئ آخر كقولهم: [كما يقال]، صار الماء هواء وصار الهواء ماء، أو مع ~~إضافة شئ آخر كما يقال: صار التراب طينا بانضياف الماء إليه. # وأما الحقيقي: فهو صيرورة الشيئين الموجودين شيئا واحدا موجودا. # إذا تقرر هذا فاعلم أن الأول مستحيل عليه تعالى قطعا، لاستحالة الكون ~~والفساد عليه. # وأما الثاني فقد قال بعض النصارى: إنه اتحد بالمسيح فإنهم، قالوا: # اتحدت لاهوتية الباري مع ناسوتية عيسى (عليه السلام)، وقالت النصيرية: ~~أنه اتحد بعلي (عليه السلام) وقال المتصوفة (1): إنه اتحد بالعارفين. # PageV00P053 # فإن عنوا غير ما ذكرناه فلا بد من تصوره أولا ثم يحكم عليه، وإن عنوا ما ~~ذكرناه فهو باطل قطعا، لأن الاتحاد مستحيل في نفسه فيستحيل إثباته لغيره. # أما استحالته فهو أن المتحدين بعد اتحادهما إن بقيا موجودين فلا اتحاد ~~لأنهما اثنان لا واحد، وإن عدما معا فلا اتحاد أيضا، بل وجد ثالث، وإن عدم ~~أحدهما وبقي الآخر فلا اتحاد أيضا لأن المعدوم لا يتحد بالموجود. # قال: (الثالثة: إنه تعالى ليس محلا للحوادث لامتناع انفعاله عن غيره ~~وامتناع النقص عليه). # أقول: إعلم أن صفاته تعالى لها اعتباران. # أحدهما: بالنظر إلى نفس القدرة الذاتية، والعلم الذاتي إلى غير ذلك من ~~الصفات. # وثانيهما: بالنظر إلى تعلق تلك الصفات بمقتضياتها كتعلق القدرة ~~PageV00P054 # بالمقدور والعلم بالمعلوم، فهي بهذا المعنى لا نزاع في كونها أمورا ~~اعتبارية إضافية متغيرة بحسب تغير المتعلقات وتغايرها. # وأما بالاعتبار الأول فزعمت الكرامية (1) أنها حادثة متجددة بحسب تجدد ~~المتعلقات، قالوا: إنه لم يكن قادرا في الأزل ثم صار قادرا، ولم يكن عالما ~~ثم صار قادرا، ولم يكن عالما ثم صار عالما، والحق خلافه فإن ms19 المتجدد فيما ~~ذكروه هو التعلق الاعتباري، فإن عنوا ذلك فمسلم وإلا فباطل لجهتين: # (الأولى): أنه لو كانت صفاته حادثة متجددة لزم انفعاله وتغيره، واللازم ~~باطل فالملزوم مثله. # بيان اللزوم من وجهين: # الأول: أن صفاته ذاتية فتجددها مستلزم لتغير الذات وانفعالها. # الثاني: أن حدوث الصفة يستلزم حدوث قابليته في المحل لها، وهو مستلزم ~~لانفعال المحل وتغيره، لكن تغير ماهيته تعالى وانفعالها محال، فلا يكون ~~صفاته حادثة وهو المطلوب. # (الثانية): أن صفاته تعالى صفات كمال لاستحالة النقص عليه، فلو كانت ~~حادثة متجددة لزم خلوه من الكمال، والخلو من الكمال نقص، تعالى الله عنه. # قال: (الرابعة: أنه يستحيل عليه الرؤية البصرية لأن كل مرئي فهو ذو # PageV00P055 # جهة لأنه أما مقابل أو في حكم المقابل بالضرورة فيكون جسما وهو محال، ~~ولقوله تعالى (لن تراني) (1)، ولن النافية للتأبيد). # أقول: ذهب الحكماء والمعتزلة إلى استحالة رؤيته بالبصر لتجرده، وذهب ~~المجسمة والكرامية إلى جواز رؤيته بالبصر مع المواجهة، وأما الأشاعرة ~~فاعتقدوا تجرده، وقالوا بصحة رؤيته، وخالفوا جميع العقلاء، وتحذلق بعضهم ~~وقال ليس مرادنا بالرؤية الانطباع أو خروج الشعاع، بل الحالة التي تحصل من ~~رؤية الشئ بعد حصول العلم به. # وقال بعضهم: معنى الرؤية هو أن ينكشف لعباده المؤمنين في الآخرة انكشاف ~~البدر المرئي. # والحق أنهم إن عنوا بذلك الكشف التام فهو مسلم فإن المعارف تصير يوم ~~القيامة ضرورية، وإلا فلا يتصور منه إلا الرؤية، وهو باطل عقلا وسمعا (2). # PageV00P056 # أما عقلا: فلأنه لو كان مرئيا لكان في جهة فيكون جسما، وهو باطل، لما ~~تقدم، بيان الأول أن كل مرئي فهو إما مقابل أو في حكم المقابل كالصورة في ~~المرآة وذلك ضروري، وكل مقابل أو في حكمه فهو في جهة، فلو كان الباري تعالى ~~مرئيا لكان في جهة. # وأما سمعا فلوجوه. # الأول: أن موسى (عليه السلام) لما سأل الرؤية أجيب: ب‍ ﴿لن تراني﴾ (١)، ولن لنفي التأبيد نقلا عن أهل ~~اللغة، وإذا لم يره موسى (عليه السلام) لم يره غيره بطريق أولى. # الثاني: قوله تعالى: ms20 ﴿لا تدركه ~~الأبصار﴾ (٢)، تمدح بنفي إدراك الأبصار له فيكون إثباته له نقصا. # الثالث: أنه تعالى استعظم طلب رؤيته ورتب الذم عليه والوعيد فقال: # ﴿فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا ~~أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم﴾ (٣)، ﴿وقال الذين لا يرجون لقائنا لولا أنزل علينا الملائكة ~~أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا﴾ (4). # PageV00P057 # قال: (الخامسة: في نفي الشريك عنه للسمع (١) وللتمانع فيفسد نظام الوجود، ~~ولاستلزامه التركيب لاشتراك الواجبين في كونهما واجبي الوجود فلا بد من ~~مائز). # أقول: اتفق المتكلمون والحكماء على سلب الشريك عنه تعالى لوجوه: # الأول: الدلائل السمعية الدالة عليه، وإجماع الأنبياء (عليهم السلام) وهو ~~حجة هنا لعدم توقف صدقهم على ثبوت الوحدانية. # الثاني: دليل المتكلمين، ويسمى دليل التمانع هو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا﴾ (2). # وتقريره أنه لو كان معه شريك لزم فساد نظام الوجود، وهو باطل. # بيان ذلك: أنه لو تعلقت إرادة أحدهما بإيجاد جسم متحرك فلا يخلو إما أن ~~يكون للآخر إرادة سكونه (3) أولا، فإن أمكن، فلا يخلو إما أن يقع مرادهما ~~فيلزم اجتماع المتنافيين، أو لا يقع مرادهما فيلزم خلو الجسم عن الحركة ~~والسكون، أو يقع مراد أحدهما ففيه فسادان: # أحدهما: الترجيح بلا مرجح. # PageV00P058 # وثانيهما: عجز الآخر. # وإن لم يمكن للآخر إرادة سكونه فيلزم عجزه، إذ لا مانع إلا تعلق إرادة ~~ذلك الغير لكن عجز الإله باطل، والترجيح بلا مرجح محال، فيلزم فساد النظام ~~وهو محال أيضا. # الثالث: دليل الحكماء، وتقريره أنه لو كان في الوجود واجب الوجود لزم ~~إمكانهما. # وبيان ذلك: أنهما حينئذ يشتركان في وجوب الوجود، فلا يخلو إما أن يتميزا ~~أو لا، فإن لم يتميزا لم تحصل الاثنينية (1)، وإن تميزا لزم تركب كل واحد ~~منهما مما به المشاركة ومما به الممايزة، وكل مركب ممكن فيكونان ممكنين، ~~هذا خلف. # قال: (السادسة: في نفي المعاني والأحوال ms21 عنه تعالى لأنه لو كان قادرا ~~بقدرة، وعالما بعلم، وغير ذلك لافتقر في صفاته إلى ذلك المعنى فيكون ممكنا، ~~هذا خلف. # أقول: ذهبت الأشاعرة إلى أنه تعالى قادر بقدرة، وعالم بعلم، وحي بحياة، ~~إلى غير ذلك من الصفات، وهي معان قديمة زائدة على ذاته قائمة بها. # وقالت البهشمية (2) إنه تعالى مساو لغيره من الذوات، وممتاز بحالة # PageV00P059 # تسمى الألوهية وتلك الحالة توجب له أحوالا أربعة. # وهي القادرية، والعالمية، والحيية، والموجودية: # والحال عندهم صفة لموجود، ولا توصف بالوجود ولا بالعدم، والباري قادر ~~باعتبار تلك القادرية، وعالم باعتبار تلك العالمية، إلى غير ذلك، وبطلان ~~تلك الدعوى ضروري، لأن الشئ إما موجود أو معدوم إذ لا واسطة بينهما. # وقالت الحكماء والمحققون من المتكلمين: إنه تعالى قادر لذاته، وعالم ~~لذاته إلى غير ذلك من الصفات، وما يتصور من الزيادة من قولنا: # ذات عالمة وقادرة فتلك الأمور اعتبارية زائدة في الذهن (1) لا في الخارج، ~~وهو الحق. # [قلنا] إنه لو كان قادرا بقدرة، أو قادرية أو عالما بعلم أو عالمية إلى ~~غير ذلك من الصفات لزم افتقار الواجب في صفاته إلى غيره، لأن تلك المعاني ~~والأحوال مغايرة لذاته قطعا، وكل مفتقر إلى غيره ممكن، فلو كانت صفاته ~~زائدة على ذاته لكان ممكنا، هذا خلف. # PageV00P060 # قال: (السابعة: أنه تعالى غني ليس بمحتاج، لأن وجوب وجوده دون غيره يقتضي ~~استغناؤه عنه وافتقار غيره إليه). # أقول: من صفاته السلبية كونه ليس بمحتاج إلى غيره مطلقا لا في ذاته ولا ~~في صفاته، وذلك لأن وجوب الوجود الثابت له يقتضي استغناؤه مطلقا عن مجموع ~~ما عداه. # فلو كان محتاجا لزم افتقاره فيكون ممكنا تعالى الله عنه، بل الباري جلت ~~عظمته مستغن عن مجموع ما عداه، والكل رشحة من رشحات وجوده، وذرة من ذرات ~~فيض جوده. # قال: PageV00P061 # الفصل الرابع في العدل (1). # وفيه مباحث: # الأول: العقل قاض بالضرورة أن من الأفعال ما هو حسن كرد الوديعة والاحسان ~~والصدق النافع، وبعضها ما هو قبيح كالظلم والكذب الضار (2). # ولهذا حكم بهما من نفى الشرائع كالملاحدة (3)، وحكماء ms22 الهند ولأنهما لو # PageV00P063 # انتفيا عقلا لانتفيا سمعا لانتفاء قبح الكذب حينئذ من الشارع). # أقول: لما فرغ من مباحث التوحيد شرع في مباحث العدل، والمراد بالعدل هو ~~تنزيه الباري تعالى عن فعل القبيح، الاخلال بالواجب ولما توقف ذلك على ~~معرفة الحسن والقبح العقليين قدم البحث عنه. # واعلم أن الفعل ضروري التصور، وهو إما أن يكون له وصف زائد على حدوثه ~~أولا، والثاني كحركة الساهي والنائم، والأول إما أن ينفر العقل من ذلك ~~الزائد أو لا، والأول هو القبيح، والثاني وهو الذي لا ينفر العقل منه، إما ~~أن يتساوى فعله وتركه وهو المباح، أو لا يتساوى فإن ترجح تركه فهو إما مع ~~المنع من النقيض فهو الحرام وإلا فهو المكروه وإن ترجح فعله فإما مع المنع ~~من تركه وهو الواجب أو مع جواز تركه فهو المندوب. # إذا تقرر هذا فاعلم أن الحسن والقبح يقالان على ثلاثة معان: # الأول: كون الشئ صفة كمال كقولنا: العلم حسن، أو صفة نقص كقولنا: الجهل ~~قبيح. # الثاني: كون الشئ ملائما للطبع كالمستلذات، أو منافيا له كالآلام. # الثالث: كون الحسن ما يستحق على فعله المدح، عاجلا والثواب آجلا، والقبيح ~~ما يستحق على فعله الذم عاجلا والعقاب آجلا. # ولا خلاف في كونهما عقليين بالاعتبارين الأولين. # وأما بالاعتبار الثالث فاختلف المتكلمون فيه فقالت الأشاعرة: ليس في ~~العقل ما يدل على الحسن والقبح بهذا المعنى، بل الشرع فما حسنه فهو الحسن، ~~وما قبحه فهو القبيح. # وقالت المعتزلة والإمامية: في العقل ما يدل على ذلك فالحسن حسن في نفسه، ~~والقبيح قبيح في نفسه، سواء حكم الشارع بذلك أو لا، ونبهوا PageV00P064 # على ذلك بوجوه: # الأول: إنا نعلم ضرورة حسن بعض الأفعال كالصدق النافع، والاتصاف، ~~والاحسان ورد الوديعة، وإنقاذ الهلكى، وأمثال ذلك، وقبح بعض كالكذب الضار، ~~والظلم، والإساءة غير المستحقة، وأمثال ذلك من غير مخالجة شك فيه. # ولذلك كان هذا الحكم مركوزا في جبلة الإنسان فإنا إذا قلنا لشخص: # إن صدقت فلك دينار، وإن كذبت فلك دينار، واستوى الأمران بالنسبة إليه، ~~فإنه بمجرد عقله ms23 يميل إلى الصدق. # الثاني: أنه لو كان مدرك الحسن والقبح هو الشرع لا غير، لزم أن لا يتحققا ~~بدونه، واللازم باطل فالملزوم مثله. # أما بيان اللزوم: فلامتناع تحقق المشروط بدون شرطه ضرورة. # وأما بيان بطلان اللازم فلأن من لا يعتقد الشرع ولا يحكم به كالملاحدة، ~~وحكماء الهند يعتقدون حسن بعض الأفعال، وقبح بعض من غير توقف في ذلك فلو ~~كان مما يعلم بالشرع لما حكم به هؤلاء. # الثالث: أنه لو انتفى الحسن والقبح العقليان انتفى الحسن القبح الشرعيان، ~~واللازم باطل اتفاقا فكذا الملزوم. # وبيان الملازمة: بانتفاء قبح الكذب حينئذ من الشارع إذ العقل لم يحكم ~~بقبحه، وهو لم يحكم بقبح كذب نفسه، وإذا انتفى قبح الكذب منه انتفى الوثوق ~~بحسن ما يخبرنا بحسنه، وقبح ما يخبرنا بقبحه. # قال: (الثاني: في أنا فاعلون بالاختيار والضرورة قاضية بذلك، للفرق ~~الضروري بين سقوط الإنسان من سطح ونزوله منه على الدرج، وإلا PageV00P065 # لامتنع تكليفنا بشئ فلا عصيان، ولقبح أن يخلق الفعل فينا ثم يعذبنا عليه ~~وللسمع (1). # PageV00P066 # أقول: ذهب أبو الحسن الأشعري ومن تابعه إلى أن الأفعال كلها واقعة بقدرة ~~الله تعالى وأنه لا فعل للعبد أصلا، وقال بعض الأشعرية أن ذات الفعل من ~~الله والعبد له الكسب، وفسروا بأنه كون الفعل طاعة أو معصية، وقال بعضهم ~~معناه أن العبد إذا صمم العزم على الشئ خلق الله تعالى الفعل عقيبه. # وقالت المعتزلة والزيدية والإمامية: إن الأفعال الصادرة من العبد ~~وصفاتها، والكسب الذي ذكروه، كلها واقعة بقدرة العبد واختياره وأنه ليس ~~بمجبور على فعله بل له أن يفعل وله أن لا يفعل وهو الحق لوجوه. # الأول: أنا نجد تفرقة ضرورية بين صدور الفعل منا تابعا للقصد والداعي، ~~كالنزول من السطح على الدرج، وبين صدور الفعل لا كذلك، كالسقوط منه إما مع ~~القاهر أو مع الغفلة. # فإن نقدر على الترك في الأول دون الثاني ولو كانت الأفعال ليست منا لكانت ~~على وتيرة واحدة من غير فرق، لكن الفرق حاصل، فيكون منا، وهو المطلوب. # الثاني: لو لم يكن ms24 العبد موجدا لأفعاله لامتنع تكليفه وإلا لزم التكليف ~~بما لا يطاق، وإنما قلنا ذلك لأنه حينئذ غير قادر على ما كلف به، فلو كلف ~~لكان تكليفا بما لا يطاق، وهو باطل بالاجماع، وإذا لم يكن مكلفا لم يكن ~~PageV00P067 # عاصيا بالمخالفة لكنه عاص بالاجماع. # الثالث: أنه لو لم يكن العبد قادرا موجدا لفعله لكان الله أظلم الظالمين. # وبيان ذلك: أن الفعل القبيح إذا كان صادرا منه تعالى استحالت معاقبة ~~العبد عليه لأنه لم يفعله، لكنه تعالى يعاقبه اتفاقا فيكون ظالما، تعالى ~~الله عنه. # الرابع: الكتاب العزيز الذي هو فرقان بين الحق والباطل مشحون بإضافة ~~الفعل إلى العبد، وأنه واقع بمشيئته كقوله: (فويل للذين يكتبون الكتاب ~~بأيديهم (1)، إن يتبعون إلا الظن (2)، حتى يغيروا ما بأنفسهم (3)، من يعمل ~~سوءا يجز به (4)، كل امرئ بما كسب رهين (5)، جزاء بما كانوا يعملون (6)، ~~إلى غير ذلك، وكذلك آيات الوعد والوعيد والذم والمدح وهي أكثر من أن تحصى. # قال: (الثالث: في استحالة القبح عليه تعالى، لأن له صارفا عنه وهو العلم ~~بالقبح، ولا داعي له إليه، لأنه أما داعي الحاجة الممتنعة عليه، أو الحكمة ~~وهو منتف هنا، ولأنه لو جاز صدوره عنه لامتنع إثبات النبوات). # أقول: يستحيل أن يكون الباري تعالى فاعلا للقبيح، وهو مذهب المعتزلة، ~~وعند الأشاعرة هو فاعل الكل حسنا كان أو قبيحا، والدليل على ما قلناه ~~وجهان: # PageV00P068 # الأول: أن الصارف عنه موجود، والداعي إليه معدوم، وكلما كان كذلك امتنع ~~الفعل ضرورة، أما وجود الصارف فهو القبح والله تعالى عالم به، وأما عدم ~~الداعي فلأنه إما داعي الحاجة إليه وهو عليه محال لأنه غير محتاج، وأما ~~داعي الحكمة الموجودة فيه وهو محال لأن القبيح لا حكمة فيه. # الثاني: أنه لو جاز عليه القبيح لامتنع إثبات النبوات، واللازم باطل ~~إجماعا فالملزوم مثله. # بيان الملازمة أنه حينئذ لا يقبح منه تصديق الكاذب ومع ذلك لا يمكن الجزم ~~بصحة النبوة وهو ظاهر. # قال: وحينئذ يستحيل عليه إرادة القبيح لأنها قبيحة. # أقول: ذهبت الأشاعرة إلى أنه تعالى مريد لمجموع ms25 الكائنات حسنة كانت أو ~~قبيحة، شرا كانت أو خيرا، إيمانا كان أو كفرا، لأنه موجد للكل فهو مريد له ~~(1). # وذهبت المعتزلة إلى استحالة إرادته للقبيح والكفر وهو الحق، لأن إرادة ~~القبيح أيضا قبيحة، لأنا نعلم ضرورة أن العقلاء كما يذمون فاعل القبيح فكذا ~~مريده والأمر به. # فقول المصنف فحينئذ أتى بفاء النتيجة أي يلزم من امتناع فعل القبيح ~~امتناع إرادته (1). # PageV00P069 # قال: (الرابع: في أنه تعالى يفعل لغرض لدلالة القرآن عليه، ولاستلزام ~~نفيه العبث وهو قبيح). # أقول: [ذهبت الأشاعرة إلى أنه لا يفعل لغرض (*)] وإلا لكان ناقصا مستكملا ~~بذلك الغرض، وقالت المعتزلة إن أفعال الله معللة بالأغراض وإلا لكان عابثا ~~تعالى الله عنه، وهو مذهب أصحابنا الإمامية وهو الحق لوجهين: # نقلي، وعقلي: # أما النقلي: فدلالة القرآن عليه ظاهرة كقوله تعالى: (أفحسبتم أنما ~~خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون (1)، وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ~~(2)، وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا (3). # وأما العقلي: فهو أنه لولا ذلك لزم أن يكون عابثا، واللازم باطل فالملزوم ~~مثله. # PageV00P070 # أما بيان اللزوم فظاهر، وأما بطلان اللازم فلأن العبث قبيح والقبيح لا ~~يتعاطاه الحكيم، وأما قولهم: لو كان فاعلا لغرض لكان مستكملا بذلك، فإنما ~~يلزم الاستكمال أن لو كان الغرض عائدا إليه لكنه ليس كذلك، بل هو عائد إما ~~إلى منفعة العبد أو لاقتضاء نظام الوجود وذلك لا يلزم منه الاستكمال. # قال: (وليس الغرض الاضرار لقبحه بل النفع). # أقول: لما ثبت أن فعله تعالى معلل بالغرض، وأن الغرض عائد إلى غيره، فليس ~~الغرض حينئذ إضرار ذلك الغير، لأن ذلك قبيح عند العقلاء كمن قدم إلى غيره ~~طعاما مسموما يريد به قتله، فإذا لم يكن الغرض الإضرار تعين أن يكون النفع ~~وهو المطلوب. # قال: (فلا بد من التكليف (1) وهو بعث من يجب طاعته على ما فيه مشقة على ~~جهة الابتداء بشرط الإعلام). # أقول: لما ثبت أن الغرض من فعله تعالى نفع العبد، ولا نفع حقيقي إلا ~~الثواب لأن ما عداه إما دفع ضرر ms26 أو جلب نفع غير مستمر، فلا يحسن أن يكون ~~ذلك غرضا لخلق العبد ثم الثواب يقبح الابتداء به كما يأتي. # فاقتضت الحكمة توسط التكليف، والتكليف لغة مأخوذ من الكلفة وهي المشقة ~~واصطلاحا ما ذكره المصنف، فالبعث على الشئ هو الحمل عليه، ومن تجب طاعته هو ~~الله تعالى، فلذلك قال على جهة الابتداء لأن وجوب طاعة غير الله كالنبي ~~(صلى الله عليه وآله) والإمام علي (عليه السلام) والوالد # PageV00P071 # والسيد والمنعم تابع ومتفرع على طاعة الله (1). # وقوله على ما فيه مشقة، احتراز عما لا مشقة فيه، كالبعث على النكاح ~~المستلذ وأكل المستلذات من الأطعمة والأشربة. # وقوله بشرط الإعلام أي بشرط إعلام المكلف. بما كلف به وهو من شرائط حسن ~~التكليف وشرائط حسنه ثلاثة: # (الأول): عائد إلى التكليف نفسه وهو أربعة: # الأول: انتفاء المفسدة فيه لأنه قبيح. # الثاني: تقدمه على وقت الفعل. # الثالث: إمكان وقوعه لأنه يقبح التكليف بالمستحيل. # الرابع: ثبوت صفة زائدة على حسنه إذ لا تكليف بالمباح. # (الثاني): عائد إلى المكلف وهو فاعل التكليف وهو أربعة: # الأول: علمه بصفات الفعل من كونه حسنا أو قبيحا. # الثاني: علمه بقدر ما يستحقه كل واحد من المكلفين من ثواب وعقاب. # الثالث: قدرته على إيصال المستحق حقه. # الرابع: كونه غير فاعل للقبيح. # (الثالث): عائد إلى المكلف وهو محل التكليف وهو ثلاثة: # PageV00P072 # الأول: قدرته على الفعل لاستحالة تكليف ما لا يطاق كتكليف الأعمى بنقط ~~المصحف والزمن (1) بالطيران. # الثاني: علمه بما كلف به أو إمكان علمه به، فالجاهل المتمكن من العلم غير ~~معذور. # الثالث: إمكان آلة الفعل ثم متعلق التكليف إما علم، أو ظن، أو عمل، أما ~~العلم فإما عقلي، كالعلم بالله وصفاته وعدله والنبوة والإمامة، أو سمعي ~~كالشرعيات، وأما الظن فكما في جهة القبلة، وأما العمل فكالعبادات. # قال: (وإلا لكان مغريا بالقبيح حيث خلق الشهوات والميل إلى القبيح ~~والنفور عن الحسن فلا بد من زاجر وهو التكليف). # أقول: هذا إشارة إلى وجوب التكليف في الحكمة (1) وهو مذهب المعتزلة وهو ~~الحق خلافا للأشعرية فإنهم لم يوجبوا على ms27 الله تعالى شيئا لا تكليفا ولا ~~غيره. # والدليل على ما قلناه أنه لولا ذلك لكان الله فاعلا للقبيح. # وبيان ذلك: أنه خلق في العبد الشهوة والميل إلى القبائح والنفرة والتأبي ~~عن الحسن فلو لم يقرر (2) عبده عقله ولم يكلفه بوجوب الواجب وقبح القبيح ~~ويعده ويتوعده لكان الله تعالى مغريا له بالقبيح، والإغراء بالقبيح قبيح. # PageV00P073 # قبيح. # قال: (والعلم غير كاف لاستسهال الذم في قضاء الوطر). # أقول: هذا جواب عن سؤال مقدر، تقدير السؤال أنه لم لا يكون العلم ~~باستحقاق الذم على القبيح زاجرا عنه، والعلم باستحقاق المدح على الحسن ~~داعيا إليه وحينئذ لا حاجة إلى التكليف لحصول الغرض بدونه. # أجاب المصنف بأن العلم غير كاف لأنه كثيرا ما يستسهل الذم على القبيح مع ~~قضاء الوطر منه، خاصة مع حصول الدواعي الحسية التي هي في الأكثر تكون قاهرة ~~للدواعي العقلية (1). # قال: (وجهة حسنه التعريض للثواب أعني النفع المستحق المقارن للتعظيم ~~والاجلال الذي يستحيل الابتداء به). # أقول: هذا أيضا جواب عن سؤال مقدر، تقدير السؤال أن جهة حسن التكليف، إما ~~حصول العقاب وهو باطل قطعا، أو حصول الثواب، وهو أيضا باطل لوجهين: # الأول: أن الكافر الذي يموت على كفره مكلف مع عدم حصول الثواب له. # الثاني: أن الثواب مقدور لله تعالى ابتدأ فلا فائدة في توسط التكليف. # PageV00P074 # أجاب عنه، بأن جهة حسنه هو التعريض للثواب لا حصول الثواب، والتعريض عام ~~بالنسبة إلى المؤمن والكافر، وكون الثواب مقدورا لله ابتداء مسلم، لكن ~~يستحيل الابتداء به من غير توسط التكليف، لأنه مشتمل على التعظيم، وتعظيم ~~من لا يستحق التعظيم قبيح عقلا. # وقول المصنف في تعريف الثواب، أنه النفع المستحق المقارن للتعظيم، فالنفع ~~يشتمل الثواب والتفضل والعوض، فبقيد المستحق خرج التفضل، وبقيد المقارن ~~للتعظيم خرج العوض (1). # قال: (الخامس: في أنه تعالى يجب عليه اللطف وهو ما يقرب العبد إلى الطاعة ~~ويبعده عن المعصية، ولاحظ له في التمكين ولا يبلغ الالجاء، لتوقف غرض ~~المكلف عليه فإن المريد لفعل من غير إذا علم أنه لا يفعله إلا بفعل ms28 يفعله ~~المريد من غير مشقة، لو لم يفعله لكان ناقضا لغرضه وهو قبيح عقلا) (2). # أقول: ما يتوقف عليه إبقاء الطاعة وارتفاع المعصية تارة يكون التوقف عليه ~~لازما وبدونه لا يقع الفعل، وذلك القدرة والآلة، وتارة لا يكون كذلك بل ~~يكون المكلف باعتبار الطاعة المتوقف عليه أدنى وأقرب إلى فعل الطاعة ~~وارتفاع المعصية وذلك هو اللطف. # PageV00P075 # فقوله: ولاحظ له في التمكين (1) إشارة إلى القسم الأول كالقدرة فإنها ~~ليست لطفا في الفعل بل شرطا في إمكانه. # وقوله: ولا يبلغ الالجاء، لأنه لو بلغ الالجاء لكان منافيا للتكليف، إذا ~~تقرر هذا فاعلم أن اللطف تارة يكون من فعل الله، فيجب عليه، وتارة يكون من ~~فعل المكلف فيجب عليه تعالى إشعاره به، وإيجابه عليه، وتارة يكون من فعل ~~غيرهما فيشترط في التكليف العلم به، وإيجاب الله ذلك الفعل على ذلك الغير ~~وإثباته عليه. # وإنما قلنا بوجوب ذلك كله على الله، لأنه لولا ذلك لكان ناقضا لغرضه ونقض ~~الغرض قبيح عقلا. # وبيان ذلك: أن المريد من غيره فعلا من الأفعال، ويعلم المريد أن المراد ~~منه لا يفعل المطلوب إلا مع فعل يفعله المريد مع المراد منه، من نوع ملاطفة ~~أو مكاتبة، أو إرسال إليه، أو السعي إليه، وأمثال ذلك من غير مشقة عليه في ~~ذلك، لو لم يفعل ذلك مع تصميم إرادته لعده العقلاء ناقضا لغرضه، وذموه على ~~ذلك. # وكذا القول في حق الباري تعالى مع إرادة إيقاع الطاعة، وارتفاع المعصية، ~~لو لم يفعل ما يتوقفان عليه لكان ناقضا لغرضه، ونقض الغرض قبيح تعالى الله ~~عن ذلك. # قال: (السادس: في أنه تعالى يجب عليه فعل عوض الآلام الصادرة # PageV00P076 # عنه ومعنى العوض هو النفع (1) المستحق الخالي من التعظيم والاجلال، وإلا ~~لكان ظالما تعالى الله عن ذلك ويجب زيادته على الألم وإلا لكان عبثا). # أقول: الألم الحاصل للحيوان إما أن يعلم فيه وجه من وجوه القبح، فذلك ~~يصدر عنا خاصة، أو لا يعلم فيه ذلك فيكون حسنا، وقد ذكر لحسن الألم وجوه. # الأول: كونه مستحقا. # الثاني: كونه ms29 مشتملا على النفع الزائد العائد إلى المتألم. # الثالث: كونه مشتملا على دفع الضرر الزائد عنه. # الرابع: كونه بما جرت به العادة. # الخامس: كونه مشتملا على وجه الدفع وذلك الحسن. # قد يكون صادرا عنه تعالى، وقد يكون صادرا عنا، فأما ما كان صادرا عنه ~~تعالى على وجه النفع فيجب فيه أمران: # أحدهما: العوض عنه، وإلا لكان ظالما تعالى الله عنه، ويجب أن يكون زائدا ~~على الألم إلى حد الرضا عند كل عاقل، لأنه يقبح في الشاهد إيلام شخص ~~لتعويضه عوض ألمه من غير زيادة لاشتماله على العبثية. # وثانيهما: اشتماله على اللطف، إما للمتألم أو لغيره ليخرج من # PageV00P077 # العبث، وأما ما كان صادرا عنا مما فيه وجه من وجوه القبح، فيجب على الله ~~الانتصاف للمتألم من المؤلم لعدله، ولدلالة السمع عليه، ويكون العوض هنا ~~مساويا للألم وإلا لكان ظالما. # وهنا فوائد: # الأولى: العوض هو النفع المستحق الخالي من تعظيم وإجلال فبقيد المستحق ~~خرج التفضل، وبقيد الخلو عن التعظيم خرج الثواب. # الثانية: لا يجب دوام العوض لأنه لا يحسن في الشاهد ركوب الأهوال الخطيرة ~~ومكابدة المشاق العظيمة لنفع منقطع قليل. # الثالثة: العوض لا يجب حصوله في الدنيا، لجواز أن يعلم الله المصلحة في ~~تأخيره بل قد يكون حاصلا في الدنيا وقد لا يكون. # الرابعة: الذي يصل إليه عوض ألمه في الآخرة، إما أن يكون من أهل الثواب، ~~أو من أهل العقاب، فإن كان من أهل الثواب فيكفيه إيصاله أعواضه إليه بأن ~~يفرقها الله تعالى على الأوقات، أو يتفضل عليه بمثلها، وإن كان من أهل ~~العقاب أسقط لها جز من عقابه بحيث لا يظهر له التخفيف بأن يفرق القدر على ~~الأوقات. # الخامسة: الألم الصادر عنا، إما بأمره تعالى أو إباحته، والصادر عن غير ~~العاقل كالعجماوات وكذا ما يصدر عنه من تفويت المنفعة لمصلحة الغير # PageV00P078 # وإنزال العموم الحاصلة من غير فعل العبد يجب عوض كله على الله تعالى ~~لعدله وكرمه (1). # قال: # PageV00P079 # الفصل الخامس في النبوة النبي (صلى الله عليه وآله) هو الإنسان المخبر عن ~~الله ms30 تعالى بغير واسطة أحد من البشر). # أقول: لما فرغ من مباحث العدل أردف ذلك مباحث النبوة، لتفرعها عليه. # وعرف النبي (1): بأنه الإنسان المخبر عن الله تعالى بغير واسطة أحد من ~~البشر، فبقيد الإنسان (2) يخرج الملك، وبقيد المخبر عن الله يخرج # PageV00P081 # المخبر عن غيره، وبقيد عدم واسطة بشر يخرج الإمام والعالم، فإنهما مخبران ~~عن الله تعالى بواسطة النبي (صلى الله عليه وآله). # إذا تقرر هذا، فاعلم أن النبوة مع حسنها (1) خلافا للبراهمة (2) واجبة في ~~الحكمة خلافا للأشاعرة (3). # والدليل على ذلك، هو أنه لما كان المقصود من إيجاد الخلق هو المصلحة ~~العائدة إليهم، كان إسعافهم بما فيه مصالحهم وردعهم عما فيه مفاسدهم واجبا ~~في الحكمة، وذلك إما في أحوال معاشهم أو أحوال معادهم. # أما في أحوال معاشهم: فهو أنه لما كانت الضرورة داعية في حفظ النوع ~~الانساني إلى الاجتماع الذي يحصل معه مقاومة كل واحد لصاحبه فيما يحتاج ~~إليه، استلزم ذلك الاجتماع تجاذبا وتنازعا يحصلان من محبة كل واحد لنفسه ~~وإرادة المنفعة لها دون غيرها، بحيث يفضي ذلك إلى فساد النوع واضمحلاله. # فاقتضت الحكمة وجود عدل يفرض شرعا يجري بين النوع، بحيث # PageV00P082 # ينقاد كل واحد إلى أمره وينتهي عند زجره. # ثم لو فرض ذلك الشرع إليهم لحصل ما كان أولا، إذ لكل واحد رأي يقتضيه ~~عقله، وميل يوجبه طبعه، فلا بد حينئذ من شارع متميز بآيات ودلالات تدل على ~~صدقه كي يشرع ذلك الشرع مبلغا له عن ربه، يعد فيه المطيع ويتوعد العاصي ~~ليكون ذلك أدعى إلى انقيادهم لأمره ونهيه. # وأما في معادهم: فهو أنه لما كانت السعادة الأخروية لا تحصل إلا بكمال ~~النفس بالمعارف الحقة والأعمال الصالحة، وكان التعلق بالأمور الدنيوية ~~وانغمار العقل في الملابس البدنية مانعا من إدراك ذلك على الوجه الأتم ~~والنهج الأصوب، أو يحصل إدراكه لكن مع مخالجة الشك ومعارضة الوهم. # فلا بد حينئذ من وجود شخص لم يحصل له ذلك التعلق المانع، بحيث يقرر لهم ~~الدلائل ويوضحها لهم ويزيل الشبهات ويدفعها، ويعضد ما اهتدت إليه عقولهم ~~ويبين ms31 لهم ما لم يهتدوا إليه، ويذكرهم خالقهم ومعبودهم، ويقرر لهم العبادات ~~والأعمال الصالحة ما هي وكيف هي، على وجه يوجب لهم الزلفى عند ربهم ويكررها ~~عليهم ليستحفظوا التذكير بالتكرير، كي لا يستولي عليهم السهو والنسيان ~~اللذان هما كالطبيعة الثانية للانسان. # وذلك الشخص المفتقر إليه في أحوال المعاش والمعاد وهو النبي (صلى الله ~~عليه وآله) والنبي واجب في الحكمة وهو المطلوب. # قال: (وفيه مباحث: # الأول: في نبوة نبينا محمد (صلى الله عليه وآله (بن عبد الله بن عبد ~~المطلب رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأنه أظهر المعجزة على يده ~~PageV00P083 # إذا تقرر هذا فاعلم: أن الناس اختلفوا في عصمة الأنبياء (عليهم السلام) ~~فجوزت الخوارج عليهم الذنوب، وعندهم كل ذنب كفر، والحشوية جوزوا الإقدام ~~على الكبائر ومنهم من منعها عمدا لا سهوا وجوزوا تعمد الصغائر والأشاعرة ~~منعوا الكبائر مطلقا وجوزوا الصغائر سهوا، والإمامية أوجبوا العصمة مطلقا ~~عن كل معصية عمدا وسهوا (1) وهو الحق لوجهين: # الأول: ما أشار إليه المصنف وتقريره أنه لو لم يكن الأنبياء معصومين ~~لانتفت فائدة البعثة واللازم باطل فالملزوم مثله (2) بيان الملازمة أنه إذا ~~جازت المعصية عليهم لم يحصل الوثوق بصحة قولهم لجواز الكذب حينئذ عليهم ~~وإذا لم يحصل الوثوق لم يحصل الانقياد لأمرهم ونهيهم فتنتفي فائدة بعثهم ~~وهو محال. # الثاني: لو صدر عنهم الذنب لوجب اتباعهم لدلالة النقل على وجوب اتباعهم ~~لكن الأمر حينئذ باتباعهم محال، لأنه قبيح، فيكون صدور الذنب عنهم محالا ~~وهو المطلوب. # قال: (الثالث: في أنه معصوم من أول عمره إلى آخره، لعدم انقياد القلوب ~~إلى طاعة من عهد منه في سالف عمره أنواع المعاصي الكبائر والصغائر وما تنفر ~~النفس منه). # PageV00P084 # أقول: ذهب القائلون بعصمتهم فيما نقلناه عنهم إلى اختصاص ذلك بما يعد ~~الوحي، وأما قبله فمنعوا عنهم الكفر والاصرار على الذنب وقال أصحابنا بوجوب ~~العصمة مطلقا قبل الوحي وبعده إلى آخر العمر والدليل عليه ما ذكره المصنف ~~وهو ظاهر. # وأما ما ورد في الكتاب العزيز والأخبار مما يوهم صدور الذنب عنهم فمحمول ~~على ترك ms32 الأولى، جمعا بين ما دل العقل عليه وبين صحة النقل مع أن جميع ذلك ~~قد ذكر له وجوه ومحامل في مواضعه. # وعليك في ذلك بمطالعة كتاب تنزيه الأنبياء الذي رتبه السيد المرتضى ﴿ره﴾ (1) علم الهدى الموسوي وغيره من ~~الكتب ولولا خوف الإطالة لذكرنا نبذة من ذلك. # قال: (الرابع: يجب أن يكون أفضل أهل زمانه لقبح تقديم المفضول على الفاضل ~~عقلا وسمعا قال الله تعالى: (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي ~~إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون) (1)). # أقول: يجب اتصاف النبي (صلى الله عليه وآله) بجميع الكمالات والفضائل ~~ويجب أن يكون في ذلك أفضل وأكمل من كل واحد من أهل زمانه لأنه يقبح من ~~الحكيم الخبير أن يقدم المفضول المحتاج إلى التكميل على الفاضل المكمل عقلا ~~وسمعا. # أما عقلا: فظاهر إذ يقبح في الشاهد أن يجعل مبتدئا في الفقه مقدما على ~~ابن عباس وغيره من الفقهاء، ويجعل مبتدئا في المنطق مقدما على أرسطو أو ~~مبتدئا في النحو مقدما على سيبويه والخليل، وكذا في كل فن من الفنون. # PageV00P085 # كالقرآن (1) وانشقاق القمر (2)، ونبوع الماء (3) من بين أصابعه وإشباع ~~الخلق الكثير من الطعام القليل، وتسبيح الحصى في كفه وهي أكثر من أن تحصى، ~~وادعى النبوة، فيكون صادقا، وإلا لزم إغراء المكلفين بالقبيح، فيكون محالا. # أقول: لما كانت المصالح تختلف بحسب اختلاف الأزمان والأشخاص، كالمريض ~~الذي تختلف أحواله في كيفية المعالجة واستعمال الأدوية بحسب اختلاف مزاجه ~~في تنزلاته في المرض، بحيث يعالج في وقت بما يستحيل معالجته به في وقت آخر، ~~كانت النبوة والشريعة مختلفتين # PageV00P086 # بحسب اختلاف مصالح الخلق في أزمانهم وأشخاصهم، وذلك هو السر في نسخ ~~الشرائع بعضها لبعض إلى أن انتهت النبوة والشريعة إلى نبينا محمد (صلى الله ~~عليه وآله) الذي اقتضت الحكمة كون نبوته وشريعته ناسختين لما تقدمهما ~~باقيتين ببقاء التكليف، والدليل على صحة نبوته هو أنه ادعى النبوة وأظهر ~~المعجزة على يده، وكل من كان كذلك كان نبيا حقا، فيحتاج إلى ms33 بيان أمور ~~ثلاثة: # الأول: أنه ادعى النبوة. # الثاني: أنه ظهر المعجزة على يده. # الثالث: أنه كل من كان كذلك فهو نبي حق. # أما الأول: فهو ثابت إجماعا من الناس بحيث لم ينكره أحد. # وأما الثاني: فلأن المعجز هو الأمر الخارق للعادة المطابق للدعوى المقرون ~~بالتحدي المتعذر على الخلق الاتيان بمثله، أما اعتبار خرق العادة إذ لولاه ~~لما كان معجزا كطلوع الشمس من مشرقها، وأما مطابقة الدعوى فلدلالته على صدق ~~ما ادعاه، إذ لو خالف ذلك كما في قضية مسيلمة الكذاب لما دل على الصدق، ~~وأما التعذر على الخلق فلأنه لو كان كثير الوقوع لما دل أيضا على النبوة. # ولا شك أيضا في ظهور المعجزات على يد نبينا وذلك معلوم بالتواتر الذي ~~يفيد العلم ضرورة، فمن ذلك القرآن الكريم الذي تحدى به الخلق وطلب منهم ~~الاتيان بمثله فلم يقدروا على ذلك، وعجزت عنه مصاقع الخطباء من العرب ~~العرباء حتى دعاهم إلى محاربته ومسايفته الذي حصل به ذهاب نفوسهم وأموالهم ~~وسبي ذراريهم ونسائهم، مع أنهم كانوا أقدر على دفع ذلك لتمكنهم من مفردات ~~الألفاظ وتركيبها، مع أنهم كانوا من أهل الفصاحة والبلاغة والكلام والخطب ~~والمحاورات والأجوبة فعدولهم عن PageV00P087 # ذلك إلى المحاربة دليل على عجزهم إذ العاقل لا يختار الأصعب مع إنجاع ~~الأسهل إلا لعجزه عنه. # ومن ذلك انشقاق القمر ونبوع الماء من بين أصابعه وإشباع الخلق الكثير (1) ~~من الطعام القليل، وتسبيح الحصى في كفه، وكلام الذراع المسموم، وحنين ~~الجذع، وكلام الحيوانات الصامتة، والإخبار بالغائبات، واستجابة دعائه وغير ~~ذلك مما لا يحصى كثرة (2). # PageV00P088 # وذلك معلوم في كتب المعجزات والتواريخ، حتى حفظ عنه ما ينيف على الألف ~~أعظمها وأشرفها الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه، لا تمله الطباع ولا تمجه الأسماع، ولا يخلق بكثرة رد إليه ولا تنجلي ~~الظلمات إلا به. # وأما الثالث: فلأنه لو لم يكن صادقا في دعوى النبوة لكان كاذبا وهو باطل، ~~إذ يلزم منه إغراء المكلفين باتباع الكاذب وذلك قبيح لا يفعله الحكيم. # قال: ms34 (الثاني: في وجوب عصمته. # العصمة (1) لطف خفي يفعل الله تعالى بالمكلف، بحيث لا يكون له داع إلى ~~ترك الطاعة وارتكاب المعصية مع قدرته على ذلك، لأنه لولا ذلك لم يحصل ~~الوثوق بقوله: فانتفت فائدة البعثة، وهو محال). # أقول: إعلم أن المعصوم (عليه السلام) يشارك غيره في الألطاف المقربة ~~ويحصل له زائدا على ذلك لأجل ملكة نفسانية لطيفة بفعله الله بحيث لا يختار ~~معه ترك طاعة ولا فعل معصية مع قدرته على ذلك، وذهب بعضهم إلى أن المعصوم ~~لا يمكنه الاتيان بالمعاصي وهو باطل وإلا لما استحق مدحا. # PageV00P089 # وأما سمعا: فما أشار إليه في الآية المذكورة وغيرها. # قال: (الخامس: يجب أن يكون منزها عن دناءة الآباء وعهر الأمهات (1) وعن ~~الرذائل الخلقية، والعيوب الخلقية، لما في ذلك من النقص فيسقط محله من ~~القلوب والمطلوب خلافه). # أقول: لما كان المطلوب من الخلق هو الانقياد التام للنبي (صلى الله عليه ~~وآله) وإقبال القلوب عليه، وجب أن يكون متصفا بأوصاف المحامد من كمال العقل ~~والذكاء والفطنة، وعدم السهو، وقوة الرأي، والشهامة والنجدة والعفو ~~والشجاعة، والكرم والسخاوة والجود والإيثار، والغيرة والرأفة والرحمة ~~والتواضع واللين وغير ذلك، وأن يكون منزها عن كل ما يوجب التنفير عنه وذلك: # أما بالنسبة إلى الخارج عنه فكما في دناءة الآباء وعهر الأمهات. # وإما بالنسبة إليه، فإما في أحواله فكما في الأكل على الطريق ومجالسة ~~الأراذل وأن يكون حائكا أو حجاما أو زبالا أو غير ذلك من الصنائع. # وأما في أخلاقه فكالحقد والجهل والحسد والفضاضة والغلظة والبخل # PageV00P090 # والجبن والمجون، والحرض على الدنيا والاقبال عليها، ومراعاة أهلها ~~ومعاضاتهم (1) في أوامر الله، وغير ذلك من الرذائل. # وأما في طباعه كالبرص والجذام والجنون والبكم والبله والابنة (2) لما في ~~ذلك كله من النقص الموجب لسقوط محله من القلوب. # قال: # PageV00P091 # الفصل السادس في الإمامة وفيه مباحث: # الأول: الإمامة رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا لشخص من الأشخاص نيابة ~~عن النبي (صلى الله عليه وآله) وهي واجبة عقلا، لأن الإمامة لطف (1) فإنا ~~نعلم قطعا أن الناس إذا كان ms35 لهم رئيس مرشد مطاع ينتصف للمظلوم من الظالم، ~~ويردع الظالم عن ظلمه، وكانوا إلى الصلاح أقرب، ومن الفساد أبعد، وقد تقدم ~~أن اللطف واجب (2)). # PageV00P093 # أقول: هذا البحث، وهو بحث الإمامة من توابع النبوة وفروعها، والإمامة ~~رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا لشخص إنساني، فالرئاسة جنس قريب، والجنس ~~البعيد هو النسبة، وكونها عامة فصل يفصلها عن ولاية القضاة، والنواب، وفي ~~أمور الدنيا بيان لمتعلقها، فإنها كما تكون في الدين فكذا في الدنيا وكونها ~~لشخص إنساني فيه إشارة إلى أمرين: # أحدهما: أن مستحقها يكون شخصا معينا معهودا من الله تعالى ورسوله لا أي ~~شخص اتفق. # وثانيهما: أنه لا يجوز أن يكون مستحقها أكثر من واحد في عصر واحد وزاد ~~بعض الفضلاء في التعريف بحق الأصالة وقال في تعريفها، الإمامة رئاسة عامة ~~في أمور الدين والدنيا لشخص انساني بحق الأصالة، واحترز بهذا عن نائب يفوض ~~إليه الإمام عموم الولاية فإن رئاسته عامة لكن ليست بالأصالة. # والحق أن ذلك يخرج بقيد العموم، فإن النائب المذكور لا رئاسة له على ~~إمامه فلا تكون رئاسته عامة، ومع ذلك كله فالتعريف ينطبق على النبوة فيحنئذ ~~يزاد فيه بحق النيابة عن النبي (صلى الله عليه وآله) أو بواسطة بشر. # إذا عرفت هذا فاعلم: أن الناس اختلفوا في الإمامة هل هي واجبة أم لا، ~~فقالت الخوارج ليست بواجبة مطلقا، وقالت الأشاعرة والمعتزلة بوجوبها على ~~الخلق ثم اختلفوا، فقالت الأشاعرة ذلك معلوم سمعا، وقالت المعتزلة عقلا، ~~وقال أصحابنا الإمامية هي واجبة عقلا على الله تعالى وهو الحق، # PageV00P094 # والدليل على حقيته هو أن الإمامة لطف، وكل لطف واجب على الله فالإمامة ~~واجب على الله تعالى. # أما الكبرى: فقد تقدم بيانها. # وأما الصغرى: فهو أن اللطف كما عرفت هو ما يقرب العبد إلى الطاعة ويبعده ~~عن المعصية وهذا المعنى حاصل في الإمامة (1). # وبيان ذلك: أن من عرف عوائد الدهماء، وجرب قواعد السياسة، علم ضرورة أن ~~الناس إذا كان لهم رئيس مطاع مرشد فيما بينهم يردع الظالم عن ظلمه والباغي ~~عن بغيه، وينتصف ms36 للمظلوم عن ظالمه، ومع ذلك يحملهم على القواعد العقلية ~~والوظائف الدينية، ويردعهم على المفاسد الموجبة لاختلال النظام في أمور ~~معاشهم، وعن القبائح الموجبة للوبال في معادهم، بحيث يخاف كل مؤاخذته على ~~ذلك، كانوا مع ذلك إلى الصلاح أقرب ومن الفساد أبعد ولا نعني باللطف إلا ~~ذلك فتكون الإمامة لطفا، وهو المطلوب. # واعلم: أن كل ما دل على وجوب النبوة فهو دال على وجوب الإمامة، إذ ~~الإمامة خلافة عن النبوة قائمة مقامها، إلا في تلقي الوحي الإلهي بلا ~~واسطة، وكما أن تلك واجبة على الله تعالى في الحكمة هكذا هذه، وأما # PageV00P095 # الذين قالوا بوجوبها على الخلق فقالوا يجب عليهم نصب الرئيس لدفع الضرر ~~من أنفسهم ودفع الضرر واجب. # قلنا: لا نزاع في كونها دافعة للضرر وكونها واجبة، وإنما النزاع في تفويض ~~ذلك إلى الخلق لما في ذلك من الاختلاف الواقع في تعيين الأئمة، فيؤدي إلى ~~الضرر المطلوب زواله، وأيضا اشتراط العصمة ووجوب النص يدفع ذلك كله. # قال: (الثاني: يجب أن يكون الإمام معصوما وإلا تسلسل، لأن الحاجة الداعية ~~إلى الإمام هي ردع الظالم عن ظلمه والانتصاف للمظلوم منه، فلو جاز أن يكون ~~غير معصوم لافتقر إلى إمام آخر ويتسلسل وهو محال، ولأنه لو فعل المعصية فإن ~~وجب الانكار عليه سقط محله من القلوب، وانتفت فائدة نصبه، وإن لم يجب سقط ~~وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو محال، ولأنه حافظ للشرع فلا بد ~~من عصمته ليؤمن من الزيادة والنقصان، وقوله تعالى: ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ (1). # أقول: لما أثبت وجوب الإمامة شرع في تبيين الصفات التي هي شرط في صحة ~~الإمامة، فمنها العصمة وقد عرفت معناها، واختلف في اشتراطها في الإمام ~~فاشترطها أصحابنا الاثني عشرية والإسماعيلية خلافا لباقي الفرق واستدل ~~المصنف على مذهب أصحابنا بوجوه: # الأول: أنه لو لم يكن الإمام معصوما لزم عدم تناهي الأئمة واللازم باطل ~~فالملزوم مثله. # بيان الملازمة: إنا قد بينا أن العلة المحوجة إلى الإمام هي ردع الظالم ~~عن ظلمه، والانتصاف للمظلوم ms37 عنه، وحمل الرعية على ما فيه مصالحهم، وردعهم ~~عما فيه مفاسدهم، فلو كان هو غير معصوم افتقر إلى آخر يردعه # PageV00P096 # عن خطئه وننقل الكلام إلى الآخر، ويلزم عدم تناهي الأئمة وهو باطل. # الثاني: لو لم يكن معصوما لجازت المعصية عليه، ولنفرض وقوعها وحينئذ يلزم ~~إما انتفاء فائدة نصبه أو سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واللازم ~~بقسميه باطل فكذا الملزوم. # بيان اللزوم: أنه إذا وقعت المعصية عنه، فإما أن يجب الانكار عليه أو لا، ~~فمن الأول يلزم سقوط محله من القلوب، وأن يكون مأمورا بعد أن كان آمرا ~~ومنهيا عنه بعد أن كان ناهيا، وحينئذ تنتفي الفائدة المطلوبة من نصبه وهي ~~تعظيم محله في القلوب والانقياد لأمره ونهيه، ومن الثاني يلزم عدم وجوب ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو باطل إجماعا. # الثالث: أنه حافظ للشرع وكل من كان كذلك وجب أن يكون معصوما. # أما الأول: فلأن الحافظ للشرع، إما الكتاب أو السنة المتواترة أو الاجماع ~~أو البراءة الأصلية أو القياس أو خبر الواحد أو الاستصحاب فكل واحد من هذه ~~غير صالح للمحافظة. # أما الكتاب والسنة: فلكونهما غير وافيين (1) بكل الأحكام مع أن لله تعالى ~~في كل واقعة حكما يجب تحصيله. # وأما الاجماع فلوجهين: # PageV00P097 # الأول: تعذره في أكثر الوقائع مع أن لله فيها حكما. # الثاني: أنه على تقدير عدم المعصوم لا يكون في الاجماع حجيته، فيكون ~~الاجماع غير مفيد لجواز الخطأ على كل واحد منهم وكذا على الكل ولجواز الخطأ ~~على الكل أشار تعالى بقوله: ﴿أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم﴾ (1)، وقال ~~النبي (صلى الله عليه وآله) (ألا لا ترجعوا بعدي كفارا)، فإن هذا الخطاب لا ~~يوجه إلا إلى من لا يجوز عليه الخطأ قطعا، إذ لا يقال للإنسان لا تطر لعدم ~~جواز ذلك عليه قطعا (2). # وأما البراءة الأصلية: فلأنه يلزم منها ارتفاع أكثر الأحكام الشرعية إذ # PageV00P098 # يقال الأصل براءة الذمة من وجوب أو حرمة. # وأما الثلاثة الباقية: فيشترك في إفادتها الظن، والظن لا ms38 يغني من الحق ~~شيئا، خصوصا والدليل قائم في منع القياس، وذلك لأن مبنى شرعنا على اختلاف ~~المتفقات كوجوب الصوم آخر شهر رمضان وتحريمه أول شوال، واتفاق المختلفات ~~كوجوب الوضوء من البول والغائط، واتفاق القتل خطأ والظهار في الكفارة هذا ~~مع أن الشارع قطع يد سارق القليل دون غاصب الكثير، وجلد بقذف الزاني وأوجب ~~فيه أربع شهادات دون الكفر، وذلك كله ينافي القياس وقد قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله): (تعمل هذه الأمة برهة بالكتاب وبرهة بالسنة وبرهة بالقياس ~~فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا وأضلوا). # فلم يبق أن يكون الحافظ للشرع إلا الإمام (عليه السلام) وذلك هو المطلوب، ~~وقد أشار الباري تعالى بقوله: ﴿ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، لعلمه الذين ~~يستنبطونه منهم﴾ (١). # وأما الثاني: فلأنه إذا كان حافظا للشرع ولم يكن معصوما لما أمن في الشرع ~~من الزيادة والنقصان والتغيير والتبديل. # الرابع: أن غير المعصوم ظالم ولا شئ من الظالم بصالح للإمامة فلا شئ من ~~غير المعصوم بصالح للإمامة. # أما الصغرى: فلأن الظالم واضع للشئ في غير موضعه وغير المعصوم كذلك. # وأما الكبرى: فلقوله تعالى: ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ (2)، والمراد # PageV00P099 # بالعهد عهد الإمامة لدلالة الآية على ذلك (1) (*). # قال: (الثالث: الإمام يجب أن يكون منصوصا عليه (2) لأن العصمة من الأمور ~~الباطنة التي لا يعلمها إلا الله تعالى فلا بد من نص من يعلم عصمته عليه أو ~~ظهور معجزة على يده تدل على صدقه). # أقول: هذه إشارة إلى طريق تعيين الإمام، وقد حصل الاجماع على أن التنصيص ~~من الله ورسوله وإمام سابق سبب مستقل في تعيين الإمام (عليه السلام)، وإنما ~~الخلاف في أنه هل يحصل تعيينه بسبب غير النص أم لا، # PageV00P100 # فمنع أصحابنا الإمامة من ذلك مطلقا وقالوا لا طريق إلا النص، لأنا قد ~~بينا أن العصمة شرط في الإمامة، والعصمة أمر خفي لا اطلاع عليه لأحد إلا ~~الله (1) فلا يحصل حينئذ العلم بها، في أي شخص هي، إلا ms39 بإعلام عالم الغيب ~~وذلك يحصل بأمرين: # أحدهما: إعلامه بمعصوم كالنبي (صلى الله عليه وآله) فيخبرنا بعصمة الإمام ~~(عليه السلام) وتعيينه. # وثانيهما: إظهار المعجزة على يده الدالة على صدقه في ادعائه الإمامة وقال ~~أهل السنة إذا بايعت الأمة شخصا غلب عندهم استعداده لها، واستولى بشوكته ~~على خطط الإسلام صار إماما، وقالت الزيدية كل فاطمي عالم زاهد خرج بالسيف ~~وادعى الإمامة فهو إمام والحق خلاف ذلك من وجهين: # الأول: أن الإمامة خلافة عن الله ورسوله فلا يحصل إلا بقولهما. # الثاني: أن إثبات الإمامة بالبيعة والدعوى يفضي إلى الفتنة، لاحتمال أن ~~تبايع كل فرقة شخصا أو يدعي كل فاطمي عالم الإمامة، فيقع التحارب والتجاذب. # PageV00P101 # قال: (الرابع: الإمام يجب أن يكون أفضل الرعية مطلقا لما تقدم في النبي. # أقول: يجب أن يكون الإمام أفضل أهل زمانه لأنه مقدم على الكل، فلو كان ~~فيهم من هو أفضل منه لزم تقديم المفضول على الفاضل وهو قبيح عقلا وسمعا، ~~وقد تقدم بيانه في النبوة. # قال: (الخامس: الإمام بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) علي بن أبي ~~طالب عليه الصلاة والسلام للنص المتواتر من النبي (صلى الله عليه وآله) ~~ولأنه أفضل زمانه لقوله تعالى: (وأنفسنا وأنفسكم) (1). # ومساوي الأفضل أفضل، ولاحتياج النبي (صلى الله عليه وآله) إليه في ~~المباهلة، ولأن الإمام (عليه السلام) يجب أن يكون معصوما، ولا أحد من غير # PageV00P102 # ممن ادعي له الإمامة بمعصوم إجماعا فيكون هو الإمام، ولأنه أعلم لرجوع ~~الصحابة في وقائعهم إليه ولم يرجع هو إلى أحد منهم، ولقوله (صلى آلله عليه ~~وآله): (أقضاكم علي (عليه السلام)))، والقضاء يستدعي العلم، ولأنه أزهد من ~~غيره حتى طلق الدنيا ثلاثا. # أقول: لما فرغ من شرائط الإمامة شرع في تعيين الإمام، وقد اختلف الناس في ~~ذلك، فقال قوم إن الإمام بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) العباس بن عبد ~~المطلب لمكان إرثه، وقال جمهور المسلمين هو أبو بكر بن أبي قحافة باختيار ~~الناس له، وقالت الشيعة هو علي بن أبي طالب (عليه السلام) بالنص المتواتر ms40 ~~عليه من الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) وذلك هو الحق وقد استدل المصنف ~~على حقيقته بوجوه: # الأول: ما نقلته الشيعة نقلا متواترا بحيث أفاد العلم يقينا من قول النبي ~~(صلى الله عليه وآله) في حقه سلموا عليه بإمرة المؤمنين، وأنت الخليفة من ~~بعدي، وأنت ولي كل مؤمن ومؤمنة بعدي، وغير ذلك من الألفاظ الدالة على ~~المقصود فيكون هو الإمام وذلك هو المطلوب. # الثاني: أنه (عليه السلام) أفضل الناس بعد رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) فيكون هو الإمام، لقبح تقديم المفضول على الفاضل، أما أنه أفضل ~~فلوجهين: # الأول: أنه مساو للنبي (صلى الله عليه وآله)، والنبي أفضل فكذا مساويه، ~~وإلا لم يكن مساويا، أما أنه مساو له فلقوله تعالى في آية المباهلة: # (وأنفسنا وأنفسكم)، والمراد بأنفسنا هو علي بن أبي طالب (عليه السلام) ~~لما ثبت بالنقل الصحيح، ولا شك أنه ليس المراد به أن نفسه هي نفسه لبطلان ~~الاتحاد، فيكون المراد أنه مثله مساويه كما يقال زيد الأسد، أي مثله في ~~الشجاعة، وإذا كانت مساويا له كان أفضل وهو المطلوب. PageV00P103 # الثاني: أن النبي (صلى الله عليه وآله) احتاج إليه في المباهلة في دعائه ~~دون غيره من الصحابة والأنساب، والمحتاج إليه أفضل من غيره خصوصا في هذه ~~الواقعة العظيمة التي هي من قواعد النبوة ومؤسساتها. # الثالث: أن الإمام يجب أن يكون معصوما ولا شئ من غير علي (عليه السلام) ~~ممن ادعيت له الإمامة بمعصوم فلا شئ من غيره بإمام. # أما الصغرى: فقد تقدم بيانها. # وأما الكبرى: فللإجماع على عدم عصمة العباس وأبي بكر فيكون علي (عليه ~~السلام) هو المعصوم فيكون هو الإمام، وإلا لزم إما خرق الاجماع لو أثبتناها ~~لغيره أو خلو الزمان من إمام معصوم وكلاهما باطلان: # الرابع: أنه أعلم الناس بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيكون هو ~~الإمام أما الأول فلجهات (1): # الأولى (2): أنه كان شديد الحدس والذكاء والحرص على التعلم، ودائم ~~المصاحبة للرسول (صلى الله عليه وآله) الذي هو الكامل المطلق بعد الله ~~تعالى، وكان شديد ms41 المحبة له والحرص على تعليمه وإذا اتفق هذا الشخص وجب أن ~~يكون أعلم من كل أحد بعد ذلك المعلم وهو ظاهر. # الثانية: أن أكابر العلماء من الصحابة والتابعين كانوا يرجعون إليه في ~~الوقائع التي تعرض لهم، ويأخذون بقوله ويرجعون عن اجتهادهم، وذلك بين في ~~كتب التواريخ والسيرة (3). # الثالثة: إن أرباب الفنون في العلوم كلها يرجعون إليه، فإن أصحاب # PageV00P104 # التفسير يأخذون بقول ابن عباس وهو كان أحد تلامذته، حتى قال أنه شرح لي ~~في باء: (بسم الله الرحمن الرحيم) من أول الليل إلى آخره وأرباب الكلام ~~يرجعون إليه، أما المعتزلة فيرجعون إلى أبي علي الجبائي، وهو يرجع في العلم ~~إلى أبي هاشم، وهو يرجع إلى محمد بن الحنفية وهو يرجع إلى أبيه علي (عليه ~~السلام). # وأما الأشاعرة: فإنهم يرجعون إلى أبي الحسن الأشعري وهو تلميذ أبي علي ~~الجبائي. # وأما الإمامية: فرجوعهم إليه ظاهر ولو لم يكن إلا كلامه في نهج البلاغة، ~~الذي قرر فيه المباحث الإلهية في التوحيد والعدل، والقضاء والقدر، وكيفية ~~السلوك ومراتب المعارف الحقية، وقواعد الخطابية وقوانين الفصاحة والبلاغة، ~~وغير ذلك من الفنون لكان فيه غنية للمعتبرة وعبرة للمتفكر، وأما أرباب ~~الفقه فرجوع رؤساء المجتهدين من الفرق إلى تلامذته مشهور، وفتاويه العجيبة ~~في الفقه مذكورة في مواضعها، لحكمه في قضية الحالف أنه لا يحل قيد عبده حتى ~~يتصدق بوزنه فضة، وحكمه في قضية صاحب الأرغفة وغير ذلك (1). # الرابعة: قول النبي (صلى الله عليه وآله) في حقه (عليه السلام) (أقضاكم ~~علي) (2)، ومعلوم أن القضاء يحتاج إلى العلوم الكثيرة فيكون محيطا بها. # الخامسة: قوله (عليه السلام): (لو ثنيت لي الوسادة فجلست عليها # PageV00P105 # لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم وبين أهل ~~الزبور بزبورهم، وبين أهل الفرقان بفرقانهم، والله ما من آية نزلت في ليل ~~أو نهار أو سهل أو جبل إلا وأنا أعلم فيمن نزلت، وفي أي شئ نزلت) (1). # وذلك يدل على إحاطته (عليه السلام) بمجموع العلوم الإلهية وإذا كان أعلم ~~كان متعينا للإمامة وهو المطلوب. # السادسة: أنه أزهد ms42 الناس بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيكون هو ~~الإمام، لأن الأزهد أفضل، أما أنه أزهد فناهيك في ذلك تصفح كلامه في الزهد، ~~والمواعظ والأوامر والزواجر، والإعراض عن الدنيا، وظهرت آثار ذلك عنه حتى ~~طلق الدنيا ثلاثا وأعرض عن مستلذاتها في المأكل والمشرب والملبس، ولم يعرف ~~له أحد ورطة في فعل دنيوي حتى أنه كان يختم أوعية خبزه فقيل له في ذلك، ~~فقال أخاف أن يضع فيه أحد ولدي أداما (2) ويكفيك بزهده أنه آثر بقوته وقوت ~~عياله، المسكين واليتيم والأسير حتى نزل في ذلك قرآن على أفضليته وعصمته ~~(3). # قال: (والأدلة في ذلك لا تحصى كثرة). # أقول: الدلائل على إمامة علي عليه الصلاة والإسلام أكثر من أن تحصى (4) ~~حتى أن المصنف (ره) وضع كتابا في الإمامة وسماه كتاب # PageV00P106 # الألفين، وذكر فيه ألفي دليل عللا إمامته، وصنف في هذا الفن جماعة من ~~العلماء مصنفات كثيرة لا يمكن حصرها، ولنذكر هنا جملة من ذلك تشرفا وتيمنا ~~بذكر فضائله (1) (عليه السلام) وهو من وجوه: # PageV00P107 # الأول: قوله تعالى: ﴿إنما وليكم الله ~~ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾ ~~(1)، وذلك يتوقف على مقدمات. # الأول: إنما للحصر بالنقل عن أهل اللغة قال الشاعر: # أنا الذائد الحامي الذمار وإنما * يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي فلو لم ~~يكن للحصر لم يتم افتخاره. # الثانية: إن المراد بالولي، إما الأولى بالتصرف، أو الناصر إذ غير ذلك من ~~معانيه غير صالح هنا قطعا، لكن الثاني باطل لعدم اختصاص النصرة بالمذكور ~~فتعين المعنى الأول. # الثالثة: إن الخطاب للمؤمنين لأن قبله بلا فصل: (يا أيها الذين آمنوا من ~~يرتد منكم عن دينه..) (2)، الآية ثم قال: (إنما وليكم الله ورسوله)، فيكون ~~الضمير عائدا إليهم حقيقة. # الرابعة: إن المراد بالذين آمنوا في الآية بعض المؤمنين لوجهين: # الوجه الأول: أنه لولا ذلك لكان كل واحد وليا لنفسه بالمعنى المذكور # PageV00P108 # وهو باطل. # الوجه الثاني: أنه وصفهم بوصف غير حاصل لكلهم، وهو إيتاء الزكاة حال ~~الركوع إذ الجملة ms43 هنا حالية. # الخامسة: أن المراد بذلك البعض هو علي بن أبي طالب (عليه السلام) خاصة ~~للنقل الصحيح، واتفاق أكثر المفسرين على أنه كان يصلي فسأله سائل فأعطاه ~~خاتمه راكعا، وإذا كان (عليه السلام) أولى بالتصرف فينا تعين أن يكون هو ~~الإمام لأنا لا نعني بالإمام إلا ذلك. # الثاني: أنه نقل نقلا متواترا أن النبي (صلى الله عليه وآله) لما رجع من ~~حجة الوداع أمر بالنزول بغدير خم (١) وقت الظهر، ووضعت له الأحمال شبه ~~المنبر، وخطب الناس واستدعى عليا (عليه السلام) ورفع بيده وقال (صلى الله ~~عليه وآله): # (أيها الناس ألست أولى بكم من أنفسكم، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فمن ~~كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من ~~نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه كيف ما دار) وكرر ذلك عليهم ثلاثا، ~~والمراد بالمولى هو الأولى، لأن أول الخبر يدل على ذلك، وهو قوله (صلى الله ~~عليه وآله): (ألست أولى بكم)، ولقوله تعالى في حق الكفار: ﴿مأواكم النار هي مولاكم﴾ (2)، أي أولى بكم، وأيضا ~~فإن غير ذلك من معانيه غير جائز هنا كالجار، والمعتق والحليف، وابن العم، ~~واستحالة أن يقوم النبي (صلى الله عليه وآله) في ذلك الوقت الشديد الحر، ~~ويدعو الناس # PageV00P109 # ويخبرهم بأشياء لا مزيد فائدة فيها، بأن يقول من كنت جاره أو معتقه أو ~~ابن عمه فعلي (عليه السلام) كذلك، وإذا كان علي (عليه السلام) هو الأولى ~~بنا فيكون هو الإمام. # الثالث: ورد متواترا أنه (صلى الله عليه وآله) قال لعلي (عليه السلام): # أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي (1)، أثبت له جميع ~~مراتب هارون من موسى واستثنى النبوة، ومن جملة منازل هارون من موسى أنه كان ~~خليفة له لكنه توفي قبله وعلي (عليه السلام) عاش بعد رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) فتكون خلافته ثابتة إذ لا موجب لزوالها. # الرابع: قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي ms44 الأمر منكم) (2)، فالمراد بأولي الأمر إما من علمت عصمته أو لا، ~~والثاني باطل اتفاقا لاستحالة أن يأمر الله بالطاعة المطلقة لمن يجوز عليه ~~الخطأ، فتعين الأول، فيكون هو علي بن أبي طالب (عليه السلام) إذ لم يدع ~~العصمة إلا فيه وفي أولاده فيكونون هم المقصودين وهو المطلوب، وهذا ~~الاستدلال بعينه جار في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وكونوا مع الصادقين) (3). # الخامس: أنه (عليه السلام) ادعى الإمامة وظهر المعجزة على يده، وكل من ~~كان كذلك فهو صادق في دعواه، أما أنه ادعى الإمامة، فظاهر مشهور في كتب ~~السير والتواريخ حكاية # PageV00P110 # أقواله وشكايته ومخاصمته حتى أنه لما رأى تخاذلهم عنه قعد في بيته واشتغل ~~بجمع كتاب ربه، طلبوه للبيعة فامتنع، فأضرموا في بيته النار وأخرجوه قهرا ~~ويكفيك في الوقوف على شكايته في هذا المعنى خطبته الموسومة بالشقشقية في ~~نهج البلاغة (1). # وأما ظهور المعجزة فكثيرة: # منها: قلع باب خيبر (2). # ومنها: مخاطبة الثعبان على منبر الكوفة (3). # ومنها: رفع الصخرة العظيمة عن فم القليب لما عجز العسكر عن # PageV00P111 # قلعها. # ومنها: رد الشمس حتى عادت إلى موضعها في الفلك وغير ذلك مما لا يحصى (1). # وأما أن كل من كان كذلك فهو صادق فلما تقدم في النبوة. # السادس: أن النبي (صلى الله عليه وآله) أما أن يكون قد نص على إمام أو ~~لا. الثاني باطل على جهتين: # الأولى: أن النص على إمام واجب تكميلا للدين وتعيينا لحافظه فلو أخل به ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) لزم إخلاله بالواجب. # الثانية: أنه (صلى الله عليه وآله) لما كان من شفقته ورأفته للمكلفين ~~ورعايته لمصالحهم بحيث علمهم مواقع الاستنجاء والجنابة وغير ذلك، مما لا ~~نسبة له في المصلحة إلى الإمامة، فيستحيل في حكمته وعصمته أن لا يعين لهم ~~من يرجعون إليه في وقائعهم وسد عوراتهم ولم شعثهم، فتعين الأول، ولم يدع ~~النص لغير علي (عليه السلام) وأبي بكر إجماعا فبقي أن يكون المنصوص عليه ~~إما عليا (عليه السلام) أو أبا بكر والثاني باطل فتعين الأول أما ms45 بطلان ~~الثاني فلوجوه: # الأول: أنه لو كان منصوصا عليه لكان توقيف الأمر على البيعة معصية قادحة ~~في إمامته. # الثاني: أنه لو كان منصوصا عليه لذكر ذلك وادعاه في حال بيعته أو بعدها، ~~أو قبلها، إذ لا عطر بعد عرس، لكنه لم يدع ذلك فلم يكون منصوصا عليه. # PageV00P112 # الثالث: أنه لو كان منصوصا عليه لكانت استقالته من الخلافة في قوله: # أقيلوني فلست بخيركم وعلي (عليه السلام) فيكم (1) من أعظم المعاصي. # إذ هو رد على الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) فيكون قادحا في إمامته. # الرابع: أنه لو كان منصوصا عليه لما شك عند موته في استحقاقه الخلافة، ~~لكنه شك حيث قال يا ليتني كنت سألت رسول الله هل للأنصار في هذا الأمر حق ~~أم لا (2). # الخامس: أنه لو كان منصوصا عليه لما أمره رسول الله (صلى الله عليه # PageV00P113 # وآله بالخروج مع أسامة بن زيد لأنه (صلى الله عليه وآله) كان عليلا وقد ~~نعيت إليه نفسه، حتى قال نعيت إلي نفسي ويوشك أن أقبض لأنه كان جبرئيل ~~يعارضني بالقرآن كل سنة مرة وأنه عارضني به السنة مرتين، فلو كان والحال ~~هذه والإمام هو أبا بكر لما أمره بالتخلف (1) عنه، لكنه (صلى الله عليه ~~وآله) حث على خروج الكل، ولعن المتخلف وأنكر عليه لما تخلف عنهم. # السادس: أنه لا واحد من غير علي (عليه السلام) من الجماعة الذين أدعيت ~~لهم الإمامة يصلح لها فتعين هو (عليه السلام). # أما الأول: فلأنهم كانوا ظلمة لتقدم كفرهم، فلا ينالهم عهد الإمامة لقوله ~~تعالى: (لا ينال عهدي الظالمين). # قال: (ثم من بعده ولده الحسن (عليه السلام) ثم الحسين (عليه السلام) ثم ~~علي بن الحسين (عليه السلام) ثم محمد بن علي الباقر (عليه السلام) ثم جعفر ~~بن محمد صادق (عليه السلام) ثم موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) ثم علي ~~بن موسى الرضا (عليه السلام) ثم محمد بن علي الجواد (عليه السلام) ثم علي ~~بن محمد الهادي (عليه السلام) ثم الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) ثم ~~محمد ms46 بن الحسن صاحب الزمان صلوات الله عليهم، بنص كل سابق منهم على لاحقه ~~(2) والأدلة السابقة. # أقول: لما فرغ من إثبات إمامة علي (عليه السلام) شرع في إثبات إمامة # PageV00P114 # الأئمة القائمين بالأمر بعد ه والدليل على ذلك وجوه: # الأول: النص من النبي (صلى الله عليه وآله) فمن ذلك قوله للحسين (عليه ~~السلام): هذا ولدي الحسين إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمة تسعة تاسعهم ~~قائمهم أفضلهم، ومن ذلك ما رواه جابر بن عبد الله الأنصاري قال لما قال ~~الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم) (1)، قلت: يا رسول الله عرفنا الله فأطعناه وعرفناك فأطعناك فمن أولي ~~الأمر الذي أمرنا الله بطاعتهم، قال: هم خلفائي يا جابر وأولياء الأمر ~~بعدي: # أولهم أخي علي (عليه السلام) ثم من بعده الحسن ولده، ثم الحسين ثم علي بن ~~الحسين ثم محمد بن علي، وستدركه يا جابر فإذا أدركته فاقرأه مني السلام، ثم ~~جعفر بن محمد ثم موسى بن جعفر بن علي بن موسى الرضا ثم محمد بن علي ثم علي ~~محمد ثم الحسن بن علي ثم محمد بن الحسن يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ~~جورا وظلما (2). # ومن ذلك ما روي عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال: إن الله اختار من ~~الأيام يوم الجمعة، ومن الشهور شهر رمضان، ومن الليالي ليلة القدر، واختار ~~من الناس الأنبياء، واختار من الأنبياء الرسل، واختارني من الرسل، اختار ~~مني عليا واختار من علي الحسن والحسين، واختار من الحسين الأوصياء وهم تسعة ~~من ولده ينفون عن هذا الدين تحريف الضالين وانتحال المبطلين وتأويل ~~الجاهلين (3). # PageV00P115 # الثاني: المتواتر من كل واحد منهم على لاحقه وذلك كثير (1) لا يحصى، ~~نقلته الإمامية على اختلاف طبقاتهم. # الثالث: أن الإمام يجب أن يكون معصوما ولا شئ من غيرهم بمعصوم فلا شئ من ~~غيرهم بإمام. # أما الأول: فقد مر بيانه. # وأما الثاني: فبالإجماع أنه لم يدع العصمة في أحد إلا فيهم في زمان # PageV00P116 # كل واحد منهم فيكونون هم الأئمة (عليهم ms47 السلام) وبيانه كما تقدم. # الرابع: أنهم كانوا أفضل من كل واحد من أهل زمانهم، وذلك معلوم في كتب ~~السير والتواريخ فيكونون أئمة لقبح تقديم المفضول على الفاضل. # الخامس: أن كل واحد منهم ادعى الإمامة وظهر المعجز على يده فيكون إماما. # وبيان ذلك: قد تقدم ومعجزاتهم قد نقلتها الإمامية في كتبهم (1) فعليك في ~~ذلك بكتاب خرائج الجرائح للراوندي وغيره من الكتب (2) في هذا الفن. # فائدة الإمام الثاني عشر (عليه السلام) حي موجود من حين ولادته، وهي سنة ~~ست وخمسين ومئتين إلى آخر زمان التكليف لأن كل زمان لا بد فيه من إمام ~~معصوم (2) لعموم الأدلة وغيره ليس بمعصوم فيكون هو الإمام. # PageV00P117 # وأما الاستبعاد ببقاء مثله فباطل، لأن ذلك ممكن خصوصا قد وقع في الأزمنة ~~السالفة في حق السعداء والأشقياء ما هو أزيد من عمره (عليه السلام). # وأما سبب خفائه (عليه السلام)، فإما لمصلحة استأثره بعلمها أو لكثرة ~~العدو وقلة الناصر، لأن حكمته تعالى وعصمته (عليه السلام) لا يجوز معهما ~~منع اللطف فيكون من غير العادة وذلك هو المطلوب. # اللهم عجل فرجه وأرنا فلجه واجعلنا من أعوانه وأتباعه وأرزقنا طاعته ~~ورضاه واعصمنا من مخالفته وسخطه بحق الحق والقائل بالصدق. # قال: PageV00P118 # الفصل السابع في المعاد اتفق المسلمون كافة على وجود المعاد البدني ولأنه ~~لولاه لقبح التكليف ولأنه ممكن، والصادق قد أخبر بثبوته فيكون حقا، والآيات ~~الدالة عليه وإنكار على جاحده). # أقول: المعاد زمان العود أو مكانه، والمراد به هنا الوجود الثاني للأجسام ~~وإعادتها بعد موتها وتفرقها وهو حق واقع خلافا للحكماء، والدليل على ذلك من ~~وجوه: # الأول: إجماع المسلمين على ذلك من غير نكير بينهم فيه وإجماعهم حجة (1). # الثاني: أنه لو لم يكن المعاد حقا لقبح التكليف والتالي باطل والمقدم ~~مثله. # بيان الشرطية: أن التكليف مشقة مستلزمة للتعويض عنها، فإن المشقة من غير ~~عوض ظلم، وذلك العوض ليس بحاصل في زمان التكليف، فلا بد حينئذ من دار أخرى ~~يحصل فيها الجزاء على الأعمال، وإلا لكان التكليف ظلما وهو قبيح تعالى الله ~~عنه. # PageV00P119 # الثالث: ms48 أن حشر الأجسام ممكن والصادق أخبر بوقوعه فيكون حقا. # أما إمكانه: فلأن أجزاء الميت قابلة للجمع وإفاضة الحياة عليها، وإلا لما ~~اتصف بها من قبل، والله تعالى عالم بأجزاء كل شخص لما تقدم من أنه عالم بكل ~~المعلومات وقادر على جميعها، لأن ذلك ممكن والله تعالى قادر على كل ~~الممكنات فثبت أن إحياء الأجسام ممكن. # وأما أن الصادق أخبر بوقوع ذلك فلأنه ثبت بالتواتر أن النبي كان يثبت ~~المعاد البدني ويقول به فيكون حقا وهو المطلوب. # الرابع: دلالة القرآن على ثبوته (1) وإنكار على جاحده فيكون حقا. # أما الأول: فالآيات الدالة عليه كثيرة نحو قوله تعالى: (وضرب لنا مثلا ~~ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو ~~بكل خلق عليهم) (2)، وغير ذلك من الآيات. # قال: (وكل من له عوض أو عليه عوض يجب بعثه عقلا وغيره يجب إعادته سمعا). # أقول: الذي يجب إعادته على قسمين: # أحدهما: يجب إعادته عقلا وسمعا وهو كل من له حق من الثواب أو العوض ليصل ~~حقه إليه، وكل من عليه حق من عقاب أو عوض لأخذ الحق منه. # PageV00P120 # وثانيهما: من ليس له حق ولا عليه حق من باقي الأشخاص انسانية كانت أو ~~غيرها من الحيوانات الإنسية والوحشية وذلك يجب إعادته سمعا لدلالة القرآن ~~والأخبار المتواترة عليه. # قال: (ويجب الاقرار بكل ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله) فمن ذلك ~~الصراط والميزان (1). وإنطاق الجوارح وتطاير الكتب لامكانها، وقد أخبر ~~الصادق بها فيجب الاعتراف بها). # أقول: لما ثبت بنوة نبينا (صلى الله عليه وآله) وعصمته، ثبت أنه صادق في ~~كل ما أخبر بوقوعه سواء كان سابقا على زمانه، كإخباره عن الأنبياء السالفين ~~وأممهم والقرون الماضية وغيرها، أو في زمانه كإخباره بوجوب الواجبات وتحريم ~~المحرمات وندب المندوبات والنص على الأئمة وغير ذلك من الأخبار، أو بعد ~~زمانه. # فأما في دار التكليف كقوله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): # ستقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين (2). # أو بعد التكليف كأحوال الموت وما بعده، ms49 فمن ذلك عذاب القبر، والميزان ~~والحساب، وإنطاق الجوارح، وتطاير الكتب وأحوال القيامة وكيفية حشر الأجسام ~~وأحوال المكلفين في البعث، ويجب الاقرار بذلك أجمع # PageV00P121 # والتصديق به لأن ذلك كله أمر ممكن لا استحالة فيه وقد أخبر الصادق بوقوعه ~~فيكون حقا. # قال: (ومن ذلك الثواب والعقاب وتفاصيلهما المنقولة من جهة الشرع صلوات ~~الله على الصادع به). # أقول: يريد أن من جملة ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله) الثواب ~~والعقاب (١) وقد اختلف في أنهما معلومان عقلا أم سمعا، أما الأشاعرة فقالوا ~~سعما، وأما المعتزلة فقال بعضهم بأن الثواب سمعي إذ لا يناسب الطاعات ولا ~~يكافي ما صدر عنه من النعم العظيمة فلا يستحق عليه شئ في مقابلتها وهو مذهب ~~البلخي، وقالت معتزلة البصرة أنه عقلي لاقتضاء التكليف ذلك ولقوله تعالى: ~~﴿جزاء بما كانوا يعلمون﴾ (2). # وأوجبت المعتزلة العقاب للكافر وصاحب الكبيرة حتما، وقد تقدم لك من ~~مذهبنا ما يدل على وجوب الثواب عقلا، وأما العقاب فهو وإن اشتمل على ~~اللطيفة لكن لا يجزم بوقوعه في غير الكافر الذي لا يموت على كفره. # PageV00P122 # وهنا فوائد: # الأولى: يستحق الثواب والمدح بفعل الواجب والمندوب وفعل ضد القبيح أو ~~الاخلال به، بشرط أن يفعل الواجب لوجوبه أو لوجه وجوبه، والمندوب كذلك وكذا ~~فعل ضد القبيح أو الاخلال به لقبحه لا لأمر آخر غير ذلك، ويستحق العقاب ~~والذم بفعل القبيح والاخلال بالواجب. # الثانية: يجب دوام الثواب والعقاب للمستحق مطلقا كما في حق من يموت على ~~إيمانه، ومن يموت على كفره لدوام المدح والذم على ما يستحقان به، ويحصل ~~نقيض كل واحد منهما لو لم يكن دائما إذ لا واسطة بينهما ويجب أن يكونا ~~خالصين من مخالطة الضد، وإلا لم يحصل مفهومهما، ويجب اقتران الثواب ~~بالتعظيم والعقاب بالإهانة، لأن فاعل الطاعة مستحق للتعظيم مطلقا، وفاعل ~~المعصية مستحق للإهانة مطلقا. # الثالثة: استحقاق الثواب يجوز توقفه على شرط، إذ لولا ذلك لكان العارف ~~بالله تعالى مع جهله بالنبي (صلى الله عليه وآله) مستحقا له وهو ms50 باطل، فإذن ~~هو مشروط بالموافاة لقوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ (١)، ولقوله تعالى: ﴿ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر، ~~فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار﴾ (٢). # الرابعة: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا ~~إيمانهم بظلم﴾ (3) أولئك يستحقون الثواب الدائم مطلقا، والذين كفروا ~~وماتوا وهم كفار أولئك يستحقون العقاب الدائم مطلقا، والذي آمن وخلط عملا ~~صالحا وآخر سيئا، فإن كان السئ صغيرا فذلك يقع مغفورا إجماعا، وإن كان ~~كبيرا فأما أن يوافي بالتوبة فهو من # PageV00P123 # أهل الثواب مطلقا إجماعا، وإن لم يواف بها فإما أن يستحق ثواب إيمانه أو ~~لا، والثاني باطل لاستلزامه الظلم، ولقوله تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره﴾ (١)، فتعين الأول، ~~فأما أن يثاب ثم يعاق وهو باطل بالاجماع على أن من دخل الجنة لا يخرج منها، ~~فحينئذ يلزم بطلان العقاب أو يعاقب ثم يثاب وهو المطلوب، ولقوله (عليه ~~السلام) في حق هؤلاء: يخرجون من النار وهم كالحمم أو كالفحم فيراهم أهل ~~الجنة فيقولون هؤلاء جهنميون (٢) فيؤمر بهم فيغمسون في عن الحيوان فيخرجون ~~ووجوههم كالبدر في ليلة تمامه. # وأما الآيات الدالة على عقاب العصاة والفجار وخلودهم في النار فالمراد ~~بالخلود هو المكث الطويل، واستعماله بهذا المعنى كثير، والمراد بالفجار ~~والعصاة الكاملون في فجورهم وعصيانهم وهم الكفار، بدليل قوله تعالى: # ﴿أولئك هم الكفرة الفجرة﴾ (٣)، توفيقا ~~بينه وبين الآيات الدالة على اختصاص العقاب بالكفار نحو قوله تعالى: ﴿إن الخزي اليوم والسوء على ~~الكافرين﴾ (4) وغير ذلك من الآيات. # ثم اعلم: أن صاحب الكبيرة إنما يعاقب إذا لم يحصل له أحد الأمرين: # الأول: عفو الله مرجو متوقع، خصوصا وقد وعد به في قوله تعالى: # (ويعفو عن السيئات، ويعفو عن كثير (5)، إن الله لا يغفر أن يشرك # PageV00P124 # به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء (1)، إن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ms51 ~~(2)) (3)، وخلف الوعد غير مستحسن من الجواد المطلق، ولتمدحه بأنه غفور رحيم ~~وليس ذلك متوجها إلى الصغائر ولا إلى الكبائر بعد التوبة للإجماع على سقوط ~~العقاب فيهما فلا فائدة في العفو حينئذ فتعين أن يكون للكبائر قبل التوبة ~~(4) وذلك هو المطلوب. # PageV00P125 # الثاني: شفاعة نبينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإن شفاعته متوقعة، ~~بل واقعة لقوله تعالى: ﴿واستغفر لذنبك ~~وللمؤمنين والمؤمنات﴾ (1). # وصاحب الكبيرة مؤمن لتصديقه بالله ورسوله (صلى الله عليه وآله) وإقراره ~~بما جاء به النبي هو الإيمان، إذ الإيمان في اللغة هو التصديق وهو هنا ~~كذلك، وليست الآمال الصالحة جز منه لعطفها على الفعل المقتضي لمغايرتها له، ~~وإذا أمر بالاستغفار لم يتركه لعصمته، واستغفاره لأمته مقبول تحصيلا ~~لمرضاته لقوله تعالى: (ولسوف يعطيك ربك فترضى) (2)، هذا مع قوله (صلى الله ~~عليه وآله): ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي (3). # واعلم: أن مذهبنا أن الأئمة (عليهم السلام) لهم الشفاعة في عصاة شيعتهم ~~كما هو لرسول الله (صلى الله عليه وآله) من غير فرق لأخبارهم (عليهم السلام ~~بذلك مع عصمتهم النافية للكذب عنهم. # الخامسة: يجب الاقرار والتصديق بأحوال القيامة وأوضاعها وكيفية # PageV00P126 # الحساب وخروج الناس من قبورهم عراة حفاة، وكون كل نفس معها سائق وشهيد، ~~وأحوال الناس في الجنة وتباين طبقاتهم وكيفية نعيمها من المأكل والمشرب ~~والمنكح وغير ذلك، ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وكذا ~~أحوال النار وكيفية العقاب فيها وأنواع آلامها على ما وردت بذلك الآيات ~~والأخبار الصحيحة، وأجمع عليه المسلمون لأن ذلك جميعه أخبر به الصادق مع ~~عدم استحالته في العقل فيكون حقا وهو المطلوب. # قال: (ووجوب التوبة). # أقول: التوبة هي الندم على القبيح في الماضي والترك له في الحال، والعزم ~~على عدم المعاودة إليه في الاستقبال، وهي واجبة لوجوب الندم إجماعا على كل ~~قبيح وإخلال بواجب ولدلالة السمع على وجوبها ولكونها دافعة للضرر، ودفع ~~الضرر وإن كان مظنونا واجب، فيندم على القبيح لكونه قبيحا لا لخوف النار ~~ولا لدفع ms52 الضرر عن نفسه وإلا لم تكن توبة. # ثم اعلم: أن من الذنب إما في حقه تعالى أو في حق آدمي، فإن كان في حقه ~~تعالى فإما من فعل قبيح فيكفي منه الندم والعزم على عدم المعاودة، أو من ~~إخلال بواجب فإما أن يكون وقته باقيا فيأتي به وذلك هو التوبة منه، أو خرج ~~وقته أن يسقط بخروج وقته كصلاة العيدين فيكفي الندم والعزم على عدم ~~المعاودة أو لا يسقط فيجب فضاؤه، وإن كان في حق آدمي فأما أن يكون إضلالا ~~في دين بفتوى [خطيئة] فالتوبة إرشاده وإعلامه بالخطأ، أو ظلما لحق من ~~الحقوق فالتوبة منه إيصاله إليه أو إلى وارثه أو (الاتهاب)، وإن تعذر عليه ~~ذلك فيجب العزم عليه. # قال: (والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بشرط أن يعلم الأمر والناهي كون ~~المعروف معروفا والمنكر منكرا وأن يكونا مما سيقعان، فإن الأمر بالماضي ~~والنهي عنه عبث، وتجويز التأثير، والأمن من الضرر). PageV00P127 # أقول: الأمر طلب الفعل من الغير على جهة الاستعلاء، والنهي طلب الترك على ~~جهة الاستعلاء أيضا، والمعروف كل فعل حسن اختص بوصف زائد على حسنه، والمنكر ~~هو القبيح. # إذا تقرر هذا فهنا بحثان: # الأول: اتفق العلماء على وجوب الأمر بالمعروف الواجب والنهي عن المنكر ~~واختلفوا من بعد ذلك في مقامين: # [المقام الأول]: هل الوجوب عقلي أو سمعي، فقال الشيخ الطوسي (ره) بالأول ~~والسيد المرتضى (ره) بالثاني، واختاره المصنف واحتج الشيخ بأنهما لطفان في ~~فعل الواجب وترك القبيح فيجبان عقلا، قيل عليه أن الوجوب العقلي غير مختص ~~بأحد، فحينئذ يجب عليه تعالى وهو باطل، لأنه إن فعلهما لزم أن يرتفع كل ~~قبيح ويقع كل واجب، إذ الأمر هو الحمل على الشئ والنهي هو المنع منه، لكن ~~الواقع خلافه، وإن لم يفعلهما لزم إخلاله بالواجب لكنه حكيم وفي هذا ~~الايراد نظر، وأما الدلائل السمعية على وجوبهما كثيرة. # [المقام الثاني]: هل هما واجبان على الأعيان أو الكفاية، فقال الشيخ ~~بالأول والسيد بالثاني احتج الشيخ بعموم الوجوب من غير اختصاص بقوله تعالى: ~~(كنتم خير ms53 أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) (1). # احتج السيد بأن المقصود وقوع الواجب وارتفاع القبيح فمن قام به كفى عن ~~الآخر في الامتثال ولقوله تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير # PageV00P128 # ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر (1) (2). # [البحث] الثاني: في شرائط وجوبهما، وذكر المصنف هنا شرائط أربعة: # الأول: علم الآمر والناهي بكون المعروف معروفا والمنكر منكرا، إذ لولا ~~ذلك لأمر بما ليس بمعروف ونهى عما ليس بمنكر. # الثاني: كونهما مما يتوقعان في المستقبل فإن الأمر بالماضي والنهي عنه ~~عبث، والعبث قبيح. # الثالث: أن يجوز الآمر والناهي تأثير أمره ونهيه، فإنه إذا تحقق عنده أو ~~غلب على ظنه عدم ذلك ارتفع الوجوب. # الرابع: أمن الآمر والناهي من الضرر الحاصل بسبب الأمر أو النهي، أما ~~إليهما أو لأحد من المسلمين، فإن غلب عندهما حصول ذلك ارتفع الوجوب أيضا، ~~ويجبان بالقلب واللسان واليد ولا ينتقل إلى الأصعب مع إنجاع الأسهل. # PageV00P129 # فهذا ما تهيأ لي تتميمه (تنميقه) وكتابته، واتفق لي جمعه وترتيبه مع ضعف ~~(ضيق) ياعي وقصر ذراعي، هذا مع حصول الأسفار وتشويش الأفكار، لكن المرجو من ~~كرمه تعالى أن ينفع به كما نفع بأصله، وأن يجعله خالصا لوجهه، إنه سميع ~~مجيب والله خير موفق ومعين، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد ~~وآله أجمعين.# PageV00P130 ms54